Advertisement

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد 003


مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي وَأَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيْثِ
المُسَمَّاة
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد

إِعدَاد
أَبِي أَنَس إِبْرَاهِيَم بنْ سَعِيْد الصبَيْحي

الْقسم الثالث
«القواعد النظرية والاستقرائية التي بنى عليها المعلمي منهجه في النقد»
دَارُ طَيْبَة
(3/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(3/2)

مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد (3)
(3/3)

(ح) دَار طيبَة للنشر والتوزيع، 1431 ه

فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
الصبيحي، إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم
موسوعة المعلمي الْيَمَانِيّ وأثره فِي علم الحَدِيث الْمُسَمَّاة (النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد)./ إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم الصبيحي - الرياض، 1431 ه
4 مج.
ردمك: 0 - 93 - 8003 - 603 - 978 (مَجْمُوعَة)
7 - 94 - 8003 - 603 - 978 (ج 3)
1 - عُلُوم الحَدِيث.
2 - الحَدِيث - الْجرْح وَالتَّعْدِيل.
3 - الحَدِيث - علل.
أ - العنوان
ديوى 230 - 19/ 1431

رقم الْإِيدَاع: 19/ 1431
ردمك: 0 - 93 - 8003 - 603 - 978 (مَجْمُوعَة)
7 - 94 - 8003 - 603 - 978 (ج 3)

جَمِيعُ الحُقُوق مَحفُوظَةٌ
الطَّبعَةُ الأولى
1431 ه - 2010 م

دَار طيبَة للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - السويدي
ش. السويدي الْعَام - غرب النفق - ص. ب 7612
الرَّمْز البريدي 11472 - هَاتِف 4253737 (6 خطوط) - فاكس 4258277
(3/4)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة
إن الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونَعوذُ بالله من شُرُور أنفسِنا ومِن سَيِّئاتِ أعمالنا، من يَهْده الله فلا مُضِلَّ لَهُ، ومن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شريك لَهُ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)} [آل عمران: 102]
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فهذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة من سلسلة "النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد" وقد سبقت حلقتان:
الأولى: في تراجم الرجال الذين تكلم عليهم المعلمي جرحًا وتعديلًا.
والثانية: في تناوله لمناهج وشيء من أحوال وخصائص بعض الأئمة والمصنفين في كتبهم.
(3/5)

وتتعلق هذه الحلقة الثالثة بعلوم السُنة، وقواعد المصطلح الاستقرائية التي بني عليها العلامة المعلمي منهجه في نقد الرواة والأخبار.
فأما ما يتعلق بعلوم السُنة فيشمل: تعريف السُنة، ومنزلتها من الدين، وحفظ الله تعالى لها، وعناية الأئمة بها، واحتياطهم البالغ في باب النقد، والانتصار لأصحاب الحديث، وذم ما عليه المتكلمون والمتفلسفون لخوضهم في غوامض المعقول، وبيان إعراض كثير من الناس عن هذا العلم، ووجوب تسليم مَنْ دون أئمة الحديث لهم في معرفة الصحيح من المعلول.
وهي فصولٌ نافعةٌ في بابها، على اختصارها وقِلَّةِ مبناها.
وأما علوم المصطلح، فتشمل قواعد نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث، بالإضافة إلى مباحث في الجرح والتعديل، وفنون من علم الرجال.
وقَوْلي: "الاستقرائية" أردتُّ به أن كثر مباحث هذا المطلب ليست نقلًا مجردًا من كتب المصطلح المتداولة، بل تظهر فيها -بوضوح- شخصية الشيخ العلمية النقدية التي بناها على ممارسته لكتب الفن، وتخصصه في هذا المجال، كما شهد له بذلك القاصي والداني، والموافق والمخالف، كما ترى شيئًا منه في ثناء أهل العلم عليه في مقدمة القسم الأول من هذا الكتاب.
وقد قال: في مقدمة "الفوائد المجموعة" (ص 9):
"القواعدُ المقررة في مصطلح الحديث: منها ما يُذكر فيه خلافٌ، ولا يُحقَّقُ الحقُّ فيه تحقيقًا واضحًا، وكثيرًا ما يختلف الترجيحُ باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرًا.
وإدراكُ الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسةٍ طويلةٍ لكتب الحديث والرجال والعلل، مع حسن الفهم وصلاح النية ... ".
(3/6)

ثم قال: "صيغ الجرح والتعديل، كثيرًا ما تُطلق على معانٍ مغايرة لمعانيها المقررة في كتب المصطلح، ومعرفة ذلك تتوقف على طول الممارسة واستقصاء النظر".
ثم قال: "ما اشتهر أن فلانًا من الأئمة مُسَهِّل، وفلانًا مشدِّد، ليس على إطلاقه؛ فإن منهم من يسهل تارة، ويشدد أخرى، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلا باستقراءٍ بالغ لأحكامهم مع التدبر التامّ". اه.
فوضح من هذه العبارات المنهجُ العام للشيخ المعلمي في باب النقد، وهو اعتماده على البحث المتواصل، والنظر الدءوب، والاستقراء الهادىء لكتب الأئمة، مع شرطين أساسين، وهما: حسن الفهم، وصلاح النية.
أما حُسْن الفهم فيتأتى بتحصيل أدوات هذا العلم وأسبابه المُعينة على تكوين الملكة التي تمدُّ صاحبَها بحسن التصور وجوْدة الفهم. وهذا كله يحتاج إلى ديمومة النظر والتفتيش في تصرفات الأئمة في الأحوال المتشابهة والمختلفة، مع جمع النظائر، وعرض بعضها على بعض.
هذا مع عدم التقيُّد بالأقوال التي يُطلقها بعضُ المتأخرين في مناهج بعض الأئمة أو معاني بعض المصطلحات، مما لا يُساعدُ عليه تقليبُ صفحات كتبهم، إلا في مواضع نادرة، لا يتعذر حملها على الأشهر والأوضح من ذلك.
وأما صلاح النيَّة فيقتضي التجرد عن الهوى والعصبية والمصلحة، ووجودُ أحد هذه الآفات مانعٌ صاحبه من بلوغ الحقِّ مهما أُوتي من علمٍ وفَهْمٍ.
والمتأمِّل في سيرة الشيخ المعلمي؛ مِنْ نشأته، وطلبه للعلم، وما حصَّله من أنواع العلوم والمعارف، واشتغاله بهذا الفَنّ طول حياته، وعنايته بالأصول من كتب أهل العلم، وتصحيحه للمطولات من كتب الرجال والسنن، وإبداعه في التصدي للدفاع عن مثل البخاري في إمامته مما اشتمل عليه كتابا "بيان خطأ البخاري في
(3/7)

التاريخ" لابن أبي حاتم، و"موضح أوهام الجمع والتفريق" للخطيب، مما يوهم التنقص من البخاري أو وصفه بخلاف مقتضى الإتقان، ولا يُعرف قبل المعلمي -مع كثرة الحفاظ والمحققين الذين اعتنوا بكتب البخاري- مَنْ تجشَّم الجواب عما انتُقِدَ على البخاري في كتابه "التاريخ الكبير" جوابَ دارسٍ وناقدٍ، فكان للمعلمي سَبْقٌ في ذلك، اختصه الله تعالى به، دلَّ على تمكُّنه في هذا الباب.
ومن قلَّبَ صفحاتِ كتاب "الإكمال" لابن ماكولا وتعليقه عليه, طال تعجبه من صبر الشيخ المعلمي على ذكر الزيادات في الأبواب، وعلى ضبط كثير من الأسماء مستعينًا في ذلك بكُلِّ ما أُوتي من علوم الآلة التي حاز فيها نصيبًا وافرًا، حتَّى صار الكتاب بتعليقات المعلمي موسوعة في باب المؤتلف والمختلف، لا يستغني عنها باحثٌ في هذا الفن، بالإضافة إلى احتوائه على خبرات عديدة وفوائد غزيرة في باب ضبط ما يشتبه من الأسماء، تنمُّ عن باعٍ طويل في هذا المجال، وعلى ملكة واسعة في استقراء الكتب المعنية بذلك، مع تدقيق النظر في مناهج أصحابها، وقواعد الضبط فيها بصفة عامة.
والناظر في سيرته: يعلم أنه كان جامعًا بين أصناف العلوم، فقد كان قارئًا مجودًا، وحديثيا بارعًا، وفقيهًا حاذقًا، وأديبًا لغويا شاعرًا، ومُجيدًا لطرفٍ من اللغات الحية، كما كان فَهِمًا لكلام أهل المنطق والفلسفات، مما أعانه على الإبداع في الردّ عليهم والتصدي لهم.
ومن تأمَّل ثَبْت مؤلفات الشيخ، والكتب التي قام بالعناية بها وتصحيحها، وإمعان النظر فيها، على تباين فنونها وتنوع علومها: تبيَّن له أبعاد تلك الملكة المتكاملة التي كان الشيخ يتمتع بها، وأنه كان محصِّلا لكل ما يحتاج إليه الناظر في كلام أهل النقد، وأنه كان من أهل الاستقراء الذين يُرجع لتحقيقاتهم ويُستفاد من تحريراتهم.
(3/8)

وهذا بَيِّنٌ لكل مُنْصِفٍ، سليمِ الصَّدر، لم يُعْمِهِ الهَوَى، ولم تمنعه العصبية من الاعتراف بالحق لصاحبه، ولذا فقد شهد له كثير من المحققين بما قدمنا، راجع لذلك ترجمة المعلمي من القسم الأول من هذا الكتاب.
ويكفيه شهادةُ مِثْل الكوثري، إذ وصفه في "الترحيب بنقد التأنيب" ب: "العلامة المفضال المحقق"، وإن حاول بعد ذلك تشويهَ تلك الصورة بطرقٍ شتى، لكن الوصف يدل على ما ذكرنا، و"الحقُّ ما شهدت به الأعداء".
لكن لما كان الشيخ المعلمي ليس محققًا وباحثًا تقليديا، وإنما كان رمزًا من رموز أهل السُنة، والمتمسكين بمنهج السلف الكرام في العقيدة والحديث والفقه، فليس بمستغربٍ أن يظهر بعد حينٍ من الزمن، وفي غفلةٍ من أهل العلم: بعضُ أذيال أهل الهوى والزيغ، الذي يُوكِلُ إليه أسيادُه وأولياءُ نعمته مُهمةَ الإطاحة برموز السُنة ومتبعي السلف، فيتولَّى كِبْرَ هذا الأمر، فيحملُه على كاهله الواهي، ويجلب عليهم بخيله ورَجِلِه، مستعينًا بألوانٍ من التلفيق والتنميق، والتغرير والتبرير، والتحريف والتزييف، مستغلا غُربة هذا العلم، ومدعيا زورا وبهتانا أن المعلمي ليس من أهل الاستقراء؛ ليتسنَّى له ردُّ ما لا يوافق هواه من تحقيقاته.
فهذا كسحابة صَيْفٍ، لا تلبث أن تنقشع مع أول ضوءٍ للشمس، ولا يدري هذا المتهافت ومن يُعينه ويُنفق عليه أن الكرامة والتأييد هما عاقبة أهل السُنة ومن شايعهم، وأن المذلة والخذلان هما شيمة مخالفيهم في الدنيا والآخرة.
هذا تلميحٌ لمن يؤثر السلامةَ، وإلا فعسى الله أن يُقَيِّضَ له ولأمثاله من يهدمُ عليهم (مَعْبَدَهُم) كما هُدمت معابدُ أسلافهم مِن قَبْل، وهي أوهنُ من بيت العنكبوت.
نسأل الله تعالى التوفيق والهداية، وأن يحشرنا في زمرة ناصري السُنة، وخادميها، ومحبي أهلها.
(3/9)

وأعود إلى هذه الحلقة من حلقات هذا الكتاب، فأقول:
اعتمدت في جمع المادة العلمية لهذا القسم على تصنيفات خاصة للشيخ المعلمي، ويبدو أنه لم يُسعفه عُمره للتصنيف في علوم الحديث كما يحبُّ, وإن كانت له بعض الكتابات التي خصَّصَها لذلك، وهي:
1 - كتاب "الاستبصار في نقد الأخبار"، وهي عبارة عن أربع مقالات، لم يوجد منها إلا المقالة الأولى، وقد طُبعت.
2 - رسالة في أحكام الجرح والتعديل وحجية خبر الواحد، قال في أولها:
" ... وجدت كلام المتقدمين في أحكام الجرح والتعديل قليلًا ومنتشرًا، وكلام من بعدهم مختلفًا غير وافٍ بالتحقيق، ورأيت لبعض المتأخرين كلامًا حادَ فيه عن الصواب، ويُسِّرَ لي في تحقيق بعض المسائل ما لم أعثر عليه في كتب القوم، فأردت أن أقيد ذلك، ثم رأيت أن أضم إلى ذلك شيئًا من الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه, فجمعت هذه الرسالة، وقد بنيتها على ثلاثة أبواب، ومن الله تعالى أسأل الإعانة والتوفيق ... "، ذكرها ماجد الزيادي، وسأعتني بها منفردة إن شاء الله.
3 - رسالة في أحكام الحديث الضعيف. ذكرها منصور السماري، كذلك.
4 - قسم القواعد من "التنكيل".
5 - مقدمة "الفوائد المجموعة".
6 - "الأنوار الكاشفة".
7 - الأحاديث التي استشهد بها مسلم في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء.
8 - محاضرة: "علم الرجال وأهميته".
وقد شارك الشيخ المعلمي في تصحيح كتاب "الكفاية في علوم الرواية" للخطيب، وهو من أهم ما صُنف في هذا الباب، واعتمد عليه كُل من جاء بعده ممن صنف في ذلك.
(3/10)

وأما سائر تحقيقات المعلمي وأبحاثه وأطروحاته فهي في ثنايا كتاباته في "التنكيل" وتعليقات "الفوائد المجموعة".
هذا آخر ما أردتُ التقديم به بين يدي هذا القسم من أقسام كتاب "النكت الجياد".
لكن هاهنا تنبيهات:
الأول: حاولتُ عَرْضَ محتويات هذا القسم، لا سيما الباب الثاني منه, على نحو ترتيب كتب المصطلح المشتهرة.
الثاني: سلكتُ في هذا القسم مسلك الاختصار، والتركيز على تبويب وفهرسة كلام المعلمي في هذا الباب، وكان أكثر ذلك التقسيم والتبويب من وضعي واستنباطي، فأردت إبرازَ أقوالِ المعلمي في صورة تلفتُ الانتباه إلى رءوس تلك المسائل المطروحة، مما يُتيحُ للباحث إجراء النظر اللازم لتمحيص تلك القضايا وتحقيق القول فيها.
الثالث: قد يحتملُ كُلُّ بابٍ أو فصلٍ أو مبحثٍ أو نوعٍ أو قاعدةٍ أو فائدةٍ أو مسألةٍ أو فرعٍ مما اشتمل عليه هذا القسم: جزءًا أو رسالةً مستقلةً؛ لإجراء التمحيص المذكور، وقد قمتُ أنا بشيء من ذلك في بعض المواضع، ويحتاج كثير من المباحث إلى استقراءٍ كافٍ لتحقيق القول فيها, ولا يتسعُ هذا المقامُ للاستطراد.
وقد أفردتُّ بعضَ تلك القضايا بالتصنيف في رسائل مستقلة، منها: "ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل"، و"القواعد المهمة في إحياء مناهج الأئمة"، و"إمعان النظر في وجوب التسليم لأئمة الأثر"، و"شحذ الهمة في بيان ألفاظ أعلها الأئمة" وغير ذلك، وهي جميعًا قيد الجمع.
فاكتفيتُ بذلك وغيره عن تَعَنِّ التعليق والبَسْط في كل موضع من مواضع الكتاب.
(3/11)

الرابع: إمعانًا في تدقيق النظر في عبارات العلامة المعلمي لاستخراج ما يمكن من الفوائد والقواعد، فقد لزم إدراجُ كثير من تحقيقاته في عديد من المواضع بحسب ما تحويه من المعاني والإشارات، فلزم من ذلك وقوعُ التكرار أحيانًا.
الخامس: ربما استطردتُ في بعض المواضع بحسب ما يقتضيه: النشاط أو الاستحضار أو الأهمية؛ تتميمًا لفائدةٍ, أو رَفْعًا لإشكالٍ، أو دَفْعًا لتوهمٍ.
السادس: قد كنتُ قيَّدتُ بعضَ التعليقات على كتاب "إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين" للباحث الدكتور: حاتم العوني؛ لِمَا رأيتُ من اشتماله على أكثر الشُّبَهِ المتعلقة بتلك المسألة، فرأيتُ إلحاقَ ذلك في آخر المبحث الخاص بها من هذا القسم؛ أداءً لبعض الواجب على المشتغلين بهذا الفن، ومشاركةً في إبداء ما يظهر لهم من تحقيقاتٍ في هذا الصَّدَد، لعلَّ تلك التعليقات أن تحوي: إنشاءً لفكرة, أو شرحًا لغامضٍ، أو تصويبا لخطأ، أو دفعًا لوهم، أو إبطالا لشبهة، أو نحو ذلك من المهمات.
أو لعلَّ المشاركَ أن يستفيدَ من: إكمالٍ، أو تعقيبٍ، أو تنبيهٍ, أو تصويبٍ، أو استدراكٍ عليه، يقوم به بعضُ النابهين في هذا الشأن.
والأمرُ دائرٌ حولَ خدمةِ هذا العلم، والغيرةِ عليه, وأداءِ الأمانة، فَمَنْ أصاب فَمِنَ الله التوفيق، ومَنْ أخطأ فَمِنْ قِبَلِهِ أُتِي، والله أعلم بالسرائر، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وأخيرًا، فهذه خطواتٌ -أُراها ثابتةً- تَقطعُ مسافاتٍ -وإن قصُرَتْ- على طريقٍ يُثير ما كَمُنَ من أسرار هذا الفنِّ ودقائقه, لعلَّ الله عز وجل أن يُيَسِّر لنا ولغيرنا متابعةَ الخُطَا على هذا الدرب، يُكمل اللاحقُ عَمَلَ السابق، نُصحًا للسُّنَّة، وأداءً لبعض الواجب، وحملًا للأمانة التي بلَّغها لنا الأوائل.
(3/12)

أسأله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يجعل صوابَه أكثر من خطئه، وأن يكتب له القَبول لدى المُنْصِفِين من أهل العلم، عسى أن يكون فيما سَطَّرْنَاهُ سُلَّمًا إلى مُلتَمَسٍ، أو مَسْلَكًا إلى مَغْزَى، أو وسيلةً إلى غاية، والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى الصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وبعد، فيشتمل هذا القسم على تمهيد وثلاثة أبواب:
التمهيد: في بيان منزلة أئمة الحديث ودورهم في حفظ السنة.
الباب الأول: في فصول نافعة في السنة وأهلها، وعناية الأئمة بها، ومدح أصحاب الحديث، وذم مخالفيهم من أهل الكلام والرأي.
الباب الثاني: في قواعد نقد الخبر وشرائط قبول الحديث. وفيه فصلان:
الفصل الأول: القواعد النظرية ومنزلتها من النقد.
الفصل الثاني: مراتب نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث.
وهي أربع مراتب، ذكرها الشيخ المعلمي في "الاستبصار"، وشرح الأُولى منها، وسنذكر طرفًا من بقية المراتب -حسبما تيسَّر- على طريقتنا في ذلك:
المرتبة الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا. وتشتمل على الشروط الواجب توفرها في المخبِر أو"الراوي"، وهي خمسة:
• الشرط الأول: الإسلام.
• الشرط الثاني: البلوغ.
• الشرط الثالث: العقل.
• الشرط الرابع: العدالة.
• الشرط الخامس: الضبط.
المرتبة الثَّانية: النظر في اتصاله.
المرتبة الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطأ إن كان. وتشتمل على:
(3/13)

• دلائل العلة.
• أسباب التعليل.
• السبر والاعتبار - الشواهد والمتابعات.
• نقد المتن أو النقد الداخلي.
المرتبة الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه. وتشتمل على قواعد الجمع والترجيح بين الروايات المتعارضة.
الباب الثالث: فوائد وقواعد في الجرح والتعديل وفنون من علم الرجال.
يشتمل هذا الباب على مقدمة وثلاثة فصول:
أما المقدمة فهي محاضرة للعلامة المعلمي ألقاها في أهمية علم الرجال.
وأما الفصول فهي:
الفصل الأول: قواعد النظر في كتب الفن لتعيين الرواة والبحث عن أحوالهم والحكم عليهم.
الفصل الثاني: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف في الجرح والتعديل. ويشتمل هذا الفصل على مطالب:
المطلب الأول: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف عامة.
المطلب الثاني: ألفاظ وأوصاف ظاهرها الجرح، لكنها ربما لا تقتضيه إذا دلت القرائن على ذلك.
المطلب الثالث: ألفاظ وأوصاف ظاهرها التعديل وربما لا تقتضيه.
الفصل الثالث: قواعد ومسائل وفوائد في الجرح والتعديل.
وكتبه
أبو أنس إبراهيم بن سعيد الصبيحي
الدوحة - قطر
4/ 8 / 1430 ه الموافق 26/ 7 / 2009 م
هاتف جوال: 9745788137 +
بريد إلكتروني: ebsaeed_sobihe@yahoo.com
(3/14)

تمهيد
الحمد لله الذي جعل على رأس كل زمانٍ بقايا من أهل العلم، يَدُلُّونَ مَنْ ضَلَّ إلى الهُدى، ويُبَصِّرُون بنور الله أهلَ العَمى، يَلُمُّون شَعَثَ العِلْم، وَيسُدُّونَ ثَغَراتِه، يُصلحون ما فَسَدَ منه، ويجمعون شَتَاتَهُ.
عَلموا أن الغُرْبَةَ في هذا الفنِّ -أعني عِلْمَ الحديث- مُسْتَحْكِمَةٌ فيه مُنذ نشأته، وبَيْن أهلِه، وفي زمن ازدهاره.
قال أبو حاتم الرازي - كما في تقدمة "الجرح والتعديل" (ص 356):
"جرى بيني وبين أبي زرعة يومًا تمييزُ الحديث ومعرفتُه، فجعلَ يَذكرُ أحاديثَ ويذكر عِلَلَها، وكذلك كنتُ أذكر أحاديثَ خطأ، وعِلَلَها، وخطأَ الشيوخ.
فقال لي: يا أبا حاتم، قَلَّ مَنْ يفهمُ هذا، ما أعزَّ هذا، إذا رفعت هذا من واحدٍ واثنين، فما أقلَّ مَنْ تجدُ مَنْ يُحْسِنُ هذا، وربما أشُكُّ في شيء أو يتخالجني شيءٌ في حديثٍ، فإلى أن ألتقيَ معك لا أجدُ من يَشْفِيني منه.
قال أبو حاتم: وكذاك كان أَمْرِي.
فقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: محمد بن مسلم -يعني: ابن وارة-؟ قال: يحفظ أشياءَ عن محُدِّثِين يُؤَدِّيها، ليس معرفتُه للحديث غريزةً". اه.
ومحمد بن مسلم بن وارة الرازي حافظٌ ثَبْتٌ، قال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق، وجدتُّ أبا زرعة يُجِلُّهُ ويُكْرِمُهُ. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أحفظُ مَنْ رأيتُ: ابنُ الفرات وابنُ وارة، وأبو زرعة. وقال النسائي: ثقةٌ صاحبُ حديثٍ. وقال الطحاوي: ثلاثةٌ بالرّيّ لم يكن في الأرض مثلُهم في وقتهم: أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن وارة.
(3/15)

فقولُ أبي حاتم في ابن وارة -مع ما سبق-: "ليس معرفتُه للحديث غريزةً"، وعدمُ وِجْدان أبي حاتم وأبي زرعة مَنْ يذاكرانه في دقائق هذا الفن، يَدُلَّان على غُربة هذا الشأن في بلدهما حينئذٍ، وقِسْ على هذا سائرَ البلدان.
هذا مع وجود جُملةٍ من حُفاظ الحديث المشتغلين به، المُطلعين علي كثير من أحوال رواته في ميادين الرواية ومجالس السماع، فكيف الحالُ إذًا في ما بعد عصور الرواية؟
ولهذه الغُربة، ربما اتُّهِم بعضُ أولئك النقادِ الصيارفةِ بالكهانةِ وادِّعاءِ عِلم الغيب، أو بالتخمين والحَدَس، أو بالتَّكلُّف والتنطُّع ... ومَن جَهِل شيئًا عاداه.
ولما اختص الله تعالى به هذه الفئةَ من ذلك، فقد عَلموا خطورةَ ما كُلِّفُوا به، فحَمَلُوا أنفسَهم على المتاعب، ورفعوا الأَلْوِيَة وسْط المخاطر، لم يَرُعْهُمُ الوَغَى، ولم يأبهوا بكثرة المخالِف.
هم الأئمة العلماء، والسَّادة الفُهَماء، أهْلُ الفضل والفضيلة، والمرتبة الرفيعة، لولا عنايتُهم بضبطِ السُّنن، وجمعِها، واستنباطِها من معادخها، والنظرِ في طُرُقها، لبطلت الشريعة، وتعطَّلت أحكامُها؛ إذ كانت مستخرجةً من الآثار المحفوظة، ومستفادةً من السنن المنقولة.
فمن عَرِف للإسلام حقَّهُ، وأوجب للدين حُرْمَتَهُ، أَكْبَرَ أن يحتقر مَن عظَّم الله شأَنَهُ، وأَعْلَى مكانه، وأظهر حُجَّتَهُ، وأبان فضيلته، ولم يَرْتَقِ بطعنه إلى حزب الرسول، وأتباع الوحي، وأوعية الدين، وخزنة العلم.
ولم يَألُ أئمةُ هذا الفنِّ ومُؤَسِّسُوهُ جهدًا في بيان قواعده، وشرح أصوله، وكشف غُموض مسائله؛ أداءً للأمانة، وتعليمًا للجاهل، ودلالةً للطالب، إلا أنهم لم يضعوا لذلك مصنفاتٍ خاصة، ولم يسلكوا حيال ذلك سبيلَ البَسْط في كل موضع، بل
(3/16)

تُؤخذُ قواعدُ هذا الفن وأصولُه من مجموع كلامهم وتصرفاتهم في الأحوال المختلفة، مع فهم ما أجملوه في مواضع في ضوء ما بيَّنُوه في أخرى.
وإذا كان حفظُ السُّنة من حفظِ الكتاب، فكذلك حفظُ ما تُحفظ به السُّنة، فلِلْوسائل أحكامُ المقاصد، لذا فقد حفظ الله تعالى أصولَ هذا العلم؛ لأنه لا يمكن حفظُ السُّنة إلا به، فيه يتميز صحيحُ السُّنة من ضعيفها، ولو لم يُحفظ هذا العلمُ، لما أمكن التوصل إلى معرفة ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما لم يصحّ، ولا يمكن حينئذٍ أن يُقال: إن السُّنة قد حُفظت.
وقد أجرى الله تعالى على أَلْسِنة وبأقلام أئمةِ هذا الشأن من أنواع العلوم، والمسائل، والمباحث، والقضايا المتعلقة بأحوال الراوي والمروي: ما كَفَى الله به مؤنة هذا الفنِّ مَنْ بعدهم، وجعله مَقنعًا لكل مُنصف يريد الحقَّ، ويَعرفه لأهله، فلكل عِلْمٍ "أهلُ ذكرٍ" يُرجع إليهم فيه، فَهُمُ المعيار الذي يُقاس عليه، فلا يُلتفت إلى مَنْ خالفهم.
لكن مع مرور الزمان، وتقادُم العهد، وتتابُع عوامل التغيير: التاريخي، والفقهي، والفكري، والعقائدي، بل والسياسي: وقع انحرافٌ عَمَّا أسَّسَهُ الأوائل من قواعدِ هذا الفن وأصولِه.
وتزداد زاويةُ هذا الانحراف كلما استحكمتْ أمورٌ:
منها: البُعدُ عما خَلَّفَهُ المتقدمون من كتب أحوال الرواة، والتواريخ، والعلل، والسؤالات، ونحو ذلك مما سَطَّرُوا فيه النَّهْجَ السديد الذي يتضح منه اتفاقهم على أصوله العامة وقواعده الأساسية.
(3/17)

ومنها: هجومُ غير أهل الاختصاص على التصنيف في علوم هذا الفن، يُعلم ذلك بالنظر في قائمة مَنْ صنفوا فيه، فأكثرهم ممن جُلُّ اشتغالهم بالفقه، والأصول، والكلام، لذا تجد هذه الصِّبْغة غالبةً في تناول المسائل والمباحث هناك.
وصار منهجُ المحدثين يُحكَى على أنه مجرد رأي في مقابل مناهج غيرهم من الأصوليين والفقهاء، بل وُيرد قولُ المحدثين -وهم أهل الشأن والاختصاص- بقول غيرهم، أو يُشَوَّشُ عليه.
وهذا ظُلمٌ بَيِّنٌ، وهَضْمٌ لِحَقِّ مَنْ أعلى الله شأنَهم، وأوجب على الناس اتباعهم، ولي في ذلك رسالة؛ أجمع فيها تلك المسائل والقضايا التي أشغب فيها الأصوليون والفقهاء وغيرهم على أهل الحديث، ونازلوهم فيها؛ تنقيةً لهذا العلم من مُداخلة غير أهله فيه، وإعادةً للأمور إلى نصابها، يَسَّرَ الله إتمامها.
ومنها: الاسترواح إلى مذاهب أهل التساهل الذين دَأَبُوا على الميل إلما ترك الاحتياط والاعتماد على حسن الظن في باب الرواة والحكم على الأخبار، وهو خلاف ما قرَّره أئمة هذا الشأن.
ومنها: تطرق الكثير من التجويزات العقلية والاحتمالات المجرَّدة في ردِّ تحقيقات النقاد وتعليلاتهم.
ومنها: تطرق أهل التعصب المذهبي، الذين تدفعهم محاولةُ تقوية ما يَستدل به مذهبُهم من الأحاديث، أو توهينُ ما سوى ذلك: إلى مخالفاتٍ واضحةٍ في تحريف القواعد، ولَيِّ أعناق الأصول، وادعاءِ تقريراتٍ وتحريراتٍ يُصَنِّفون فيها من أَجل هذا المقصد، يتناولون ذلك من قريب ومن بعيد، تصريحًا تارة وتلميحًا أخرى، كاسِينَ ذلك كلَّهُ ثوبَ الكلام في "مصطلح الحديث" مع النقولات المحتملة التي يوجهونها حسبما يتفق مع آرائهم الفقهية أو الحديثية.
(3/18)

ومنها: تطرق أهل البدع، والمذاهب الفكرية المخالفة للمذهب الحق: مذهب أهل السُنة والجماعة، وهو مذهب أهل الحديث من المتقدمين كثير من المتأخرين.
فهؤلاء نحو الطائفة السابقة في تعاملهم مع السُنة وأهلها، لكنَّ هؤلاء لا يأْلُون في حديثيِّ سُنِّيٍّ إلا ولا ذِمَّةً، يَسْعَون بكل ما أُوتوا من أساليب الحِيل والتلبيس والتغرير إلى محاولة الإطاحة بكل مَنْ يرفعُ لواءَ السُّنة ويدافع عنها وعن أهلها، لا سيما من يكشف زيغَهم ومكائدَهم.
ولا يدري هؤلاء المساكين أن الله تعالى هو ناصرُ السُّنَّةِ وأهلِها، وقامعُ البدعة وأذيالها، على مَرِّ الأيام وتتابع الزمان، وأن هذه السهام الطائشة التي يوجهونها بين الفَيْنَةِ والأخرى لأحد معالم السُّنة ورموز أهلها، إنما ترتد في نحورهم: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.
ولعل سائلًا يسأل عن سِرِّ اشتغال هذه الطوائف بعلم الحديث، وتصنيفهم فيه، ومزاحمتهم لأهله.
فأقول: احتاج هؤلاء إلى تدعيم آرائهم ومذاهبهم، فرأوا أن كثيرًا من المسائل التي تُبْنَى عليها تلك الآراء، إنما ترجع أصولُها إلى أخبار وآثار، فاحتاجوا إلى تثبيتها وتصحيحها بأيِّ سبيلٍ كان، وكذا الأخبار والآثار التي يَحتج بها المخالف لهم، احتاجوا إلى دَفْعِها وتَوهِينها مَهْمَا كان.
لكنهم رَأَوْا أن التَثْبِيتَ والدَّفْعَ إذا كان بالصَّدْر وبلا حجةٍ: كان أَدَلَّ على الجهل والعصبية، فلم يُقبل منهم، ورُموا بالعجز مع ذلك، فرأوا أنه لا بد لهم من أن يُعْرَفُوا بالمشاركة في علوم الحديث، حتَّى يَسُوغَ لهم الكلامُ فيه كما يشتهون.
ولأنهم لا يرون في كلام أهل النقد حُجَّةً ولا مَقنعًا؛ لمخالفة أكثرة لأهوائهم، عمدوا إلى قواعد هذا الفنّ ومصطلحاته، فحاولوا تمييعَ كثيرٍ منها؛ لتناسب آراءهم،
(3/19)

وإلى أئمة الجرح والتعديل فأنزلوهم منازلَ تمُكنهم من قبول قولِ هذا، وردّ قول ذاك، حسبما يتفق مع مرادهم.
ولكشف هذه الأمور مواضعُ أخرى، ترى شيئًا منها في رسائل لي، منها: "القواعد المهمة في إحياء مناهج الأئمة" وهي قيد الجمع.
وتأكيدًا لِمَا سبق بيانُه من فضل الأوائل من أئمة هذا الفن في إرساء قواعده، وتحرير مسائله، وشرح غوامضه، نذكر هاهنا عباراتٍ مهمة لبعض المُنْصِفين من الحفاظ والمحققين، سجَّلُوا فيها شهاداتٍ غالية، أعطَوْا فيها كل ذي حق حقه، وسلَّمُوا القوس إلى باريها.
1 - قال الدارقطني:
"من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف، فلينظر في "علل حديث الزهري" لمحمد بن يحيى -يعني: الذهلي". "تهذيب التهذيب" (9/ 515).
2 - وقال الذهبي في ترجمة: أبي بكر الإسماعيلي من "تذكرة الحفاظ" (3/ 948):
"صنَّف الصحيح وأشياء كثيرة، من جُملتها مسند عمر -رضي الله عنه-، هذَّبه في مجلدين، طالعتُه، وعلَّقْتُ منه، وابتهرت بحفظ هذا الإِمام، وجزمتُ بأن المتأخرين على إياسٍ من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة". اه.
3 - وفي ترجمة: أحمد بن يوسف بن خلاد بن منصور النصيبي ثم البغدادي العطار من "سير أعلام النبلاء" (16/ 69):
"قال الخطيب: كان لا يَعرف شيئًا من العلم، غير أن سماعه صحيح، وقد سأل أبا الحسن الدارقطني، فقال: أيما كبر الصالح أو المُدّ؟ فقال للطلبة: انظروا بلى شيخكم.
وقال أبو نعيم: كان ثقة.
(3/20)

وكذا وثقه أبو الفتح بن أبي الفوارس، وقال: لم يكن يعرف من الحديث شيئًا.
قال الذهبي:
فمن هذا الوقت، بل وقبله، صار الحفاظ يُطلقون هذه اللفظة على الشيخ الذي سماعُه صحيحٌ بقراءة مُتقنٍ، وإثباتِ عَدْلٍ، وترخَّصُوا في تسميته بالثقة.
وإنما الثقة في عُرْف أئمة النَّقد كانت تقع على العَدل في نفسه، المتقين لما حمله، الضابط لما نَقَل، وله فهمٌ ومعرفةٌ بالفنِّ، فتوسَّعَ المتأخرون.
مات ابن خلَّاد في صفر سنة تسع وخمسن وثلاثمائة. اه.
4 - وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (2/ 627 - 628):
"فبالله يا شيخ: ارفق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشَّزْر، ولا ترمقنَّهم بعين النقص، ولا تعتقد أنهم من جنس محدثي زماننا، حاشا وكلا ... وليس في كبار محدثي زماننا أحدٌ يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسبُك لِفَرْطِ هواك تقول بلسان الحال إن أعوزَكَ المقال: مَنْ أحمدُ؟ وما ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود؟ هؤلاء محُدِّثون ولا يدرون ما الفقه؟ وما أصوله؟ ولا يفقهون الرأي، ولا عِلْمَ لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا خبرة؟ لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله تعالى بالدليل، ولا هُم من فقهاء الملة.
فاسكتْ بحِلمٍ، وانطِقْ بعلمٍ، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء.
ولكن نِسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أَنْتَ، وإنما يَعرف الفضلَ لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه ... ". اه.
5 - وقال الذهبي عند ذكر الخلاف في الاحتجاج بالحديث المعنعن من كتاب
(3/21)

"الموقظة" (ص 46):
"وهذا في زماننا يَعْسُر نَقْدُهُ على المحدث؛ فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفُقدت العباراتُ المتيقنة". اه.
6 - وذكر ابن القيم في "تهذيب السنن" (1/ 107 - 109) حديث أنس في تخليل اللحية، وقال:
"رواه الذهلي في كتاب "علل حديث الزهري" عن محمد بن عبد الله بن خالد الصفار، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك، به مرفوعًا، ثم قال:
تصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذهلي فيه نظر، فإن الذهلي أعلَّهُ، فقال في الزهريات: وحدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، أنه بلغه عن أنس بن مالك -فذكره- قال الذهلي: هذا هو المحفوظ.
قال ابن القطان: وهذا لا يضره؛ فإنه ليس مَن لم يحفظ حُجَّةً على مَنْ حفظ، والصفَّار قد عيَّنَ شيخَ الزبيدي فيه، وبيَّن أنه الزهري، حتَّى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدث به تارة، فقال فيه: عن الزبيدي بلغني عن أنس، لم يضره ذلك، فقد يراجع كتابه، فيعرف منه أن الذي حدّث به: الزهري، فيحدث به عنه، فأخذه عن الصفار هكذا.
قال ابن القيم:
"وهذه التجويزات لا يَلتفتُ إليها أئمةُ الحديث وأطباءُ عِلَلِه، ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له، ولهم ذوقٌ لا يحولُ بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات". اه.
(3/22)

7 - وذكر ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (1/ 361) مَنْ رخَّص في نوم الجنب من غير وضوء، ثم قال:
"قد ورد حديثٌ يدل على الرخصة من رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينام وهو جنب، ولا يمسُّ ماءً.
قال: خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال: قد روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتوضأ قبل أن ينام -يعني جنبًا- قال: وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود، قال: ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق.
... وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق، منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأَحمد بن حنبل، وأبو بكر ابن أبي شيبة، ومسلم بن الحجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني ... وقال أحمد بن صالح المصري الحافظ: لا يحلُّ أن يُروى هذا الحديث -يعني أنه خطأ مقطوع جمع فلا تحلُّ روايته من دون بيان علته.
وأما الفقهاء المتأخرون، فكثيرٌ منهم نظر إلى ثقة رجاله فظنَّ صحته، وهؤلاء يظنون أن كُلَّ حديث رواه ثقة، فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث.
ووافقهم طائفة من المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي ... اه.
8 - وفي باب: "ما يقول بعد التكبير" من شرح ابن رجب ل "صحيح" البخاري (6/ 372):
بحث ابن رجب الأحاديث المتعلقة بالجهر بالبسملة، لا سيما حديث أنس في ذلك، ورجح ما جاء صريحًا في بعض روايات أنس من ترك ذكر البسملة في القراءة.
(3/23)

وأشار ابنُ رجب إلى ما ورد مما يدلُّ على الجهر، وأعلَّها بالاضطراب في الإسناد والمتن، وأنه لا يجوز أن يكون معارضًا لأحاديث أنس الصحيحة الصريحة، ثم قال:
"فمن اتقى وأنصف علم أن حديث أنس الصحيح الثابت لا يُدفع بمثل هذه المناكير والغرائب والشواذ التي لم يرض بتخريجها أصحابُ "الصحاح"، ولا أهل "السنن" مع تساهل بعضهم فيما يخرجه، ولا أهل المسانيد المشهورة مع تساهلهم فيما يخرجونه.
وإنما جُمعتْ هذه الطرق الكثيرة الغريبة والمنكرة لمَّا اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بها، ودخل في ذلك نوعٌ من الهوى والتعصُّب، فإنَّ أئمة الإسلام المجتمع عليهم إنما قصدوا اتباعَ ما ظهر لهم من الحق وسُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لم يكن لهم قصدٌ في غير ذلك -رضي الله عنهم-.
ثم حدث بعدهم مَنْ كان قصدُه أن تكون كلمةُ فلانٍ وفلانٍ هي العليا -ولم يكن هذا قصدَ أولئك المتقدمين- فجمعوا، وكثَّرُوا الطرق، والروايات الضعيفة، والشاذة، والمنكرة، والغريبة، وعامَّتها موقوفات، رفعها من ليس بحافظ أو من هو ضعيف لا يُحتج به، أو مرسلات وصلها من لا يحتج به ...
والعجب ممن يعلل الأحاديث الصحيحة المخرجة في "الصحيح" بعلل لا تساوي شيئًا، إنما هي تَعنُّتٌ مَحضٌ، ثم يحتجُّ بمثل هذه الغرائب الشاذة المنكرة، ويزعم أنها صحيحة لا عِلة لها". اه.
9 - وقال ابن كثير عند الكلام على اشتراط بيان السبب في الجرح من كتابه "اختصار علوم الحديث" (ص 79):
(3/24)

"أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يُؤخذ مُسَلَّمًا من غير ذكر أسباب؛ وذلك للعلم بمعرفتهم واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح ... ". اه.
10 - وقال ابن حجر عند ذكر "معرفة العلل" من كتاب "النكت على كتاب ابن الصلاح" (2/ 711):
"وهذا الفن أغمضُ أنواع الحديث وأدقُّها مسلكًا، ولا يقوم به إلا مَنْ منحه الله تعالى فهمًا غائصًا، واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفةً ثاقبة.
ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحُذَّاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لِمَا جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك.
وقد تقصر عبارة المعلِّل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأَوْلى اتباعه في ذلك، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه.
وهذا الشافعي مع إمامته يحيلُ القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث". اه.
11 - ثم قال بعد ذلك (2/ 726) تعقيبًا على تعليل الأئمة لحديث أبي هريرة في كفارة المجلس:
" ... بهذا التقرير يتبين عظمُ موقعِ كلام الأئمة المتقدمين، وشدةُ فحصهم، وقوةُ بحثهم، وصحةُ نظرهم، وتقدمُهم بما يوجب المصيرَ إلى تقليدهم في ذلك، والتسليمَ لهم فيه، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى على ظاهر الإسناد، كالترمذي،
(3/25)

وكأبي حاتم ابن حبان، فإنه أخرجه في "صحيحه"، وهو معروف بالتساهل في باب النقد". اه.
12 - وقال السخاوي عند ذكر "الموضوع" من أنواع الحديث في كتابه "فتح المغيث" (1/ 237):
"لذا كان الحكم من المتأخرين عسرًا جدًّا، وللنظر فيه مجالٌ، بخلاف الأئمة المتقدمين، الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في حفظه؛ كشعبة، والقطان، وابن مهدي ونحوهم، وأصحابهم مثل أحمد، وابن المديني، وابن معين، وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني، والبيهقي، ولم يجيء بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب، أفاده العلائي، وقال: متى وجدنا في كلام أحد من المتقدمين الحكم به كان معتمدًا، لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عُدِلَ إلى الترجيح". اه.
13 - وقال في آخر نوع "المعلل" منه (1/ 220):
"هو أمر يهجم على قلوبهم، لا يمكنهم رَدُّه، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة.
هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فَنٍّ إلى أهله.
ومَنْ تَعاطى تحريرَ فَنٍّ غير فَنِّه فهو مُتَعَنّ، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالًا نقادًا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث في غوامضه وعلله ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين.
(3/26)

فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تآليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت، مع الفهم، وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك إن شاء الله معرفة السنة النبوية، ولا قوة إلا بالله". اه.
قاله أبو أنس:
هذه نماذج مما سَطَّر به مَنْ ذكرنا من الحفاظ شهادتَهم في حَقِّ متقدمي أهل هذا الفَنِّ، وقد قامت الحُججُ على استحقاقهم لتلك المنزلة، وتظاهَر مَنْ ذكرنا من متأخري المحدثين على تأكيد ذلك.
وإذا كان هذا المعنى مستقرًا لدى كُلِّ مُنصف قد ألم بطرفٍ من هذا العلم؛ فإن دلالة ذلك واضحة على ما يلي:
أولًا: وجوب التسليم لهم في باب جرح الرواة وتعديلهم، ولا يُدفع قولهم بقول مَنْ بعدهم ممن لم يبلغوا مبلغهم في العلم والاحتياط والورع.
ثانيًا: وجوب التسليم لهم في باب تصحيح الأخبار وتعليلها، وعدم الالتفات إلى مخالفة غيرهم لهم ممن لم يفطنوا إلى دقائق هذا الفنّ وغوامضه.
ثالثًا: لزوم العناية التامَّة بكتبهم، واستقرائها بتأنٍّ لمن رُزِق أدوات هذا العلم وحَصَّل أسبابه، وذلك مِنْ أَجل الوقوف على أصول هذا الفنّ، وقواعده وحدود ألفاظه، ومعاني مصطلحاته عندهم؛ فَهُمْ قِبلةُ هذا الأمر، فلا يجوز الالتفاتُ عنها لمن أراد القَبُول، فمن ترك كلامهم، وذهب يتلمس ذلك في عبارات المتأخرين التي يخلو كثير منها من التحرير، ويُردد المصنفون فيها كلامَ بعضهم بعضًا مع زيادة كُل منهم شيئًا مما يراه في بعض الأبواب، فلم يأت البيتَ من بابه، ولم يستقبل قبلة هذا العلم.
(3/27)

وليس في هذه الدلالة غَمْصٌ لكتب المتأخرين في "مصطلح الحديث" فإنهم قد ألموا بمجامع هذا العلم وأطرافه، ورتبوا مسائله، وفي تحقيقات بعضهم قطعُ أشواطٍ طويلة في الوصول إلى حقيقة أصول هذا الفن عند بعض الأئمة.
والمقصود أن علم أصول الحديث لم ينضجْ ويحترقْ كما زعم البعض، بل ما زالت كثير من قضاياه بحاجةٍ إلى تحرير.
وهذا الكتاب الذي نحن بصدده إنما هو خطوة على سبيل محاولة تحرير بعض قضايا المصطلح من خلال تحقيقات العلامة المعلمي، ومما يتيسر لي إضافته أثناء ذلك، والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وهذا أوانُ الشُّروع في المقصود، ومِنَ الله تعالى استمِدُّ العَوْنَ والتوفيق.
(3/28)

الباب الأول
في فصول نافعة في السنة وأهلها، وعناية الأئمة بها، ومدح أصحاب الحديث، وذم مخالفيهم من أهل الكلام والرأي
ويشتمل على تسعة فصول:
الفصل الأول: في تعريف السنة.
الفصل الثاني: في منزلة السنة من الدين.
الفصل الثالث: في كتابة الحديث في العهد النبوي ودحض شبهات حول ذلك وحفظ الله تعالى للسنة.
الفصل الرابع: في عناية الأئمة بحفظ السنة واحتياطهم البالغ في نقد الرواة والأخبار.
الفصل الخامس: في الانتصار لأصحاب الحديث، وبيان مراعاتهم للعقل في نقد الأسانيد والمتون، وذم ما عليه المتكلمون والمتفلسفون لخوضهم في غوامض المعقول.
الفصل السادس: في بيان بعض ما انتقد على أهل الرأي والكلام والكُتاب العصرين في دفع الصحيح من المرويات وقدح الثقات من الرواة - وغير ذلك.
(3/29)

الفصل السابع: في بيان إعراض كثير من الناس في العصور المتأخرة عن هذا العلم الشريف، ووجوب تسليم من دون أئمة الحديث لهم في معرفة الصحيح من المعلول.
الفصل الثامن: في رفع الإشكال عن كلمات في ذم الحديث وطلبته خرجت من أصحابها دون قصد ظاهرها.
الفصل التاسع: في الإشارة إلى إعراض كثير من الناس في العصور المتأخرة عن هذا العلم العظيم، ووجوب تسليم مَنْ دون أئمة الحديث لهم في معرفة المقبول من المردود.
* * *
(3/30)

الفصل الأول
في تعريف "السنة"
قال العلامة المعلمي في كتاب "الأنوار الكاشفة" (ص 20):
"تطلق السنة لغة وشرعًا على وجهين:
الوجه الأول: الأمر يبتدئُه الرجل فيتبعه فيه غيره.
ومنه ما في "صحيح" مسلم في قصة الذي تصدق بِصُرَّةٍ، فتبعه النَّاسُ، فتصدقوا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة فُعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها ... " (1).
الوجه الثاني: السيرة العامة.
وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا المعنى هي التي تقابل الكتاب وتسمى: "الهَدْي".
وفي "صحيح" مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في خطبته: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (2).
هذا وكُلُّ شَأْنٍ من شئون النبي -صلى الله عليه وسلم- الجزئية المتعلقة بالدِّين من قول أو فعل أو كَفٍّ أو تقريرٍ: سنةٌ بالمعنى الأول، ومجموعُ ذلك هو السنة بالمعنى الثاني.
ومدلولات الأحاديث الثابتة هو السنة أو من السنة حقيقة، فإن أُطلقت "السنة" على ألفاظها فمجاز أو اصطلاح، وإنما أوضحتُ هذا لأن أبا رية (3) يتوهم أو يوهم أنه لا علاقة للأحاديث بالسنة الحقيقية. اه.
__________
(1) "صحيح مسلم" رقم (1017).
(2) رقم (867).
(3) صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" والذي تعقبه الشيخ المعلمي وكشف عواره في كتابه "الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة المحمدية من التضليل والجازفة".
(3/31)

الفصل الثاني
في منزلة السنة من الدين
قال المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 21):
* فأما منزلة السنة جُمْلَةً من الدين فلا نزل بين المسلمين ن ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من أمر الدين فهو ثابت عن الله عز وجل، ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، منها: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].
وكل مسلم يعلم أن الإيمان لا يحصل إلا بتصديق الرسول فيما بلغه عن ربه، وقد بلغ الرسول بسنته كما بلغ كتاب الله عز وجل.
* ثم تكلم الناس في الترتيب بالنظر إلى التشريع، فمِنْ قائلٍ: السنة قاضية على الكتاب، وقائلٍ: السنة تُبين الكتاب، وقائل: السنة في المرتبة الثَّانية بعد الكتاب، وانتصر الشاطبي في "الموافقات" لهذا القول وأطال.
ومما استدل به هو وغيره قول الله عز وجل: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89].
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} [النحل: 90].
قالوا: فقوله {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} واضح في أن الشريعةَ كلَّها مُبَيَّنَةٌ في القرآن، ووجدنا الله تعالى قد قال في هذه السورة {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. [النحل: 44].
(3/32)

فعلمنا أن البيان الذي في قوله {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} غير البيان الموكول إلى الرسول. ففي القرآن سوى البيان المفصل الوافي بيانٌ مجملٌ، وهو ضربان:
الأول: الأمر بالصلاة والزكاة والحج والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والنكر والبغي، وتحريم الخبائث وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك.
الثاني: الأمر باتباع الرسول وطاعته وأخذ ما آتى، والانتهاء عما نهى ونحو ذلك.
وفي "الصحيحين" وغيرهما من علقمة بن قيس النخعي -وكان أعلم أصحاب عبد الله بن مسعود أو من أعلمهم- قال: "لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله".
فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي كتاب الله؟
قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فبها وجدته.
قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)} (1) [الحشر: 7].
* ظاهر صنيع ابن مسعود أن الاعتماد في كون القرآن مبينًا لكل ما بينته السنة على الضرب الثاني.
وتعقيب آية التبيان بالتي تليها كأنه يشير إلى أن الاعتماد على الضربين مجتمعين، ورجحه الشاطبي، وزعم أن الاستقراء يوافقه، فعلى هنا لا يكون للخلاف ثمرة.
* ثم قال قوم: جميع ما بيَّنَهُ الرسول عَلِمَهُ بالوحي.
وقال آخرون: منه ما كان باجتهادٍ، أَذِنَ الله له فيه وأقره عليه.
__________
(1) "صحيح البخاري" (4886) (5931) (5939) (5943) (5948)، ومسلم (2125) ..
(3/33)

ذكرهما الشافعي في "الرسالة" ثم قال (ص 104): "وأي هذا كان فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله ... ".
وبالغ بعضهم فقال: كل ما بلَّغه الرسول فَهِمَهُ من القرآن، ونسبه بعض المتأخرين إلى الشافعي.
فعلى هذا كان القرآن في حق الرسول تبيانا لكل شيء وتفصيلًا، فأما في حق غيره فعلى ما مر، والله الموفق. اه.
ثم تعقب المعلمي (ص 23) قولَ بعض المتأخرين:
"والنبي مبين للقرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان: التفصيل والتخصيص والتقييد، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره، ولذلك كان التحقيق أن السنة لا تنسخ القرآن".
فقال: أقول:
* أما الإبطال ونقض الخبر بمعنى تكذيبه فهذا لا يقع من السنة للقرآن ولا من بعض القرآن لبعض.
فالقرآن كله حق وصدق {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 42].
* وأما التخصيص والتقييد ونحوهما والنسخ فليست لإبطال ولا تكذيب، وإنما هي بيان:
1 - فالتخصيص مثلًا إن اتصل بالخطاب بالعام؛ كأن نزلت آية فيها عموم ونزلت معها آية من سورة أخرى فيها تخصيص للآية الأولى، أو نزلت الآية فتلاها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبيَّن ما يخصصها: فالأمر واضح؛ إذ البيان متصل بالمبيَّن، فكان معه كالكلام الواحد.
(3/34)

2 - وإن تأخر المخصِّصُ عن وقت الخطاب بالعام ولكنه تبعه قبل وقت العمل بالعام أو عنده: فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرف العرب في لغتهم كما بيَّنه الشافعي في "الرسالة".
3 - أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص: فإنما يكون نَسخا جزئيا، لكن بعضهم يُسمي النَّسخ تخصيصا جزئيا كان أو كليا؛ نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات: عموم، والنسخ إخراج لبعض تلك الأوقات وهو المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يحتج به من يُجيز نَسْخَ بعض أحكام الكتاب بالسنة. اه.
* * *
(3/35)

الفصل الثالث
كتابة الحديث في العهد النبوي، وأسباب عدم انتشار ذلك حينئذٍ، والاستدلال بحفظ الله تعاله للسنة على دحض شبهات المخالف
قال العلامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 31):
"كتابة الحديث في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-".
ونقل عن أبي رية قوله: "تضافرت الأدلة ... على أن أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تُكتب في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كما كان يُكتب القرآن، ولا كان لها كُتَّابٌ يقيدونها عند سماعها منه وتلفظه بها ... ".
فقال رحمه الله:
أقول: قد وقعت كتابةٌ في الجملة كما يأتي، لكن لم تشمل ولم يؤمر بها أمرًا.
* أما حِكْمَة ذلك فمنها: أن الله تبارك وتعالى كما أراد لهذه الشريعة البقاء، أراد سبحانه أن لا يكلف عبادة من حفظها إلا بما لا يشق عليهم مشقة شديدة، ثم هو سبحانه يحوطها ويحفظها بقدرته.
* كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل عليه الوحي يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل فراغه خشية أن ينسع شيئًا منه، فأنزل الله عليه: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 14].
وقوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة: 16 - 19].
(3/36)

وقوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى: 6 - 8].
* وكانت العرب أمة أمية يندر وجود من يقرأ أو يكتب منهم، وأدوات الكتابة عزيزة ولا سيما ما يكتب فيه.
* وكان الصحابة محتاجين إلى السعي في مصالحهم، فكانوا في المدينة: منهم من يعمل في حائطه، ومنهم من يبايع في الأسواق، فكان التكليف بالكتابة شاقًّا، فاقتصر منه على كتابة ما ينزل من القرآن شيئًا فشيئا ولو مرة واحدة في قطعة من جريد النخل أو نحوه تبقى عند الذي كتبها.
وفي "صحيح" البخاري (1) وغيره من حديث زيد بن ثابت في قصة جمعه للقرآن بأمر أبي بكر: "فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُبِ والِّلخافِ وصدور الرجال، حتَّى وجدت آخر سورة التربة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ} حتَّى خاتمة سورة براءة.
وفي "فتح الباري": إن العُسُبَ جريدُ النخل، وإن الِّلخاف الحجارةُ الرقاق، وإنه وقع في روايةٍ: القصب والعُسُب والكرانيف وجرائد النخل، ووقع في روايات أُخر ذكر الرقاع وقطع الأديم والصحف.
* وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلقن بعض أصحابه ما شاء الله من القرآن، ثم يلقن بعضهم بعضًا، فكان القرآن محفوظًا جملة في صدورهم، ومحفوظًا بالكتابة في قطع مفرقة عندهم.
والمقصود أنه اقتصر من كتابة القرآن على ذلك القدر؛ إذ كان كر منه (2) شاقًّا عليهم، وتكفَّل الله عز وجل بحفظه في صدورهم وفي تلك القطع، فلم يتلف منها شيء، حتَّى جُمعت في عهد أبي بكر، ثم لم يتلف شيء حتَّى كُتبت عنها المصاحف في عهد عثمان.
__________
(1) رقم (7191).
(2) يعني: من ذلك القدر.
(3/37)

وقد قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9].
وتَكَفُّلُهُ سبحانه بحفظه لا يعفي المسلمين أن يفعلوا ما يمكنهم كما فعلوا -بتوفيقه لهم- في عهد أبي بكر ثم في عهد عثمان.
فأما السنة:
* فقد تكفل الله بحفظها أيضا؛ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو السنة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع، بل دلَّ على ذلك قوله {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.
* فحفظ الله السنة في صدور الصحابة والتابعن حتى كُتبت ودُونت كما يأتي، وكان التزام كتابتها في العهد النبوي شاقًّا جدا؛ لأنها تشمل جميع أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وأحواله وما يقوله غيره بحضرته أو يفعله وغير ذلك.
* والمقصود الشرعي منها معانيها، ليست كالقرآن المقصود لفظه ومعناه؛ لأنه كلام الله بلفظه ومعناه، ومعجز بلفظه ومعناه، ومتعبد بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير.
لا جرم خفف الله عنهم واكتفى من تبليغ السنة غالبًا بأن يطلع عليها بعض الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها بقدرته التي لا يعجزها شيء.
* فالشأن في هذا الأمر هو العلم بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بلَّغ ما أُمر به التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنَّهُ بلوغِهِ إلى من يحفظه من الأمة، ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجودًا بين الأمة.
وتَكَفُّلُ الله تعالى بحفظ دينه يجعل تلك المظنَّة مَئِنَّة، فتمَّ الحفظُ كما أراد الله تعالى.
وبهذا التكفُّل يُدفع ما يتطرق إلى تبليغ القرآن كاحتمال تلف بعض القطع التي كُتبت فيها الآيات، واحتمال أن يغير فيها من كانت عنده ونحو ذلك.
(3/38)

* ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمن بعدهم وتدبر ما آتاهم الله تعالى من قوة الحفظ والفهم والرغبة الأكيدة في الجدِّ والتشمير لحفظ السنة وحياطتها بأن له ما يحير عقله، وعلم أن ذلك ثمرة تكفل الله تعالى بحفظ دينه، وشأنهم في ذلك عظيم جدًّا، أو هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها.
* وبذلك يتبين أن ذلك من المصالح المترتبة على ترك كتابة الأحاديث كلها في العهد النبوي، إذ لو كُتبت لانْسَدَّ باب تلك العبادة، وقد قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56].
وثَمَّ مصالح أخرى:
* منها: تنشئة علوم تحتاج إليها الأمة.
فهذه الثروة العظيمة التي بيد المسلمين من تراجم قدمائهم إنما جاءت من احتياج المحدثين إلى معرفة أحوال الرواة فاضطروا إلى تتبع ذلك، وجمع التواريخ والمعاجم، ثم تبعهم غيرهم.
* ومنها: الإسناد الذي يُعرف به حال الخبر.
كان بدؤه في الحديث ثم سرى إلى التفسير والتاريخ والأدب، هذا والعالِم الراسخ هو الذي إذا حصل له العلم الشافي بقضيةٍ لزمها ولم يبال بما قد يشكك فيها، بل إما أن يعرض عن تلك المشككات، وإما أن يتأملها في ضوء ما قد ثبت.
* فهاهنا، من تدبر كتاب الله وتتبع هدي رسوله ونظر إلى ما جرى عليه العمل العام في عهد أصحابه وعلماء أمته بوجوب العمل بأخبار الثقات عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنها من صُلْب الدين، فمن أعرض عن هذا وراح يقول: لماذا لم تُكتب الأحاديث؟ بماذا؟ لماذا؟ ويتبع قضايا جزئية -إما أن لا تثبت، وإما أن تكون شاذة، وإما أن يكون لها محمل لا يخالف المعلوم الواضح- من كان هذا شأنه فلا ريب في زَيْغِه .. اه.
(3/39)

وفي موضع آخر من "الأنوار" (ص 238 - 239) أوضح الشيخ المعلمي أسباب عدم اعتناء الصحابة بجمع الحديث في كتابٍ كما فعلوا مع القرآن الكريم، فقال: "بين القرآن والسنة فرقٌ من وجوه:
وبيان ذلك أن الله تبارك وتعالى تكفل بحفظ الشريعة مما فيه الكتاب والسنة كما مَرَّ، ومع ذلك كَلَّف الأمةَ القيام بما يتيسر لها من الحفظ.
ولما كان القرآن مقصودًا حفْظ لفظِه ومعناه، وفي ضياع لفظة واحدة منه فواتُ مقصود ديني، وهو مقدار محصور يسهل على الصحابة حفظه في الصدور وكتابته في الجملة - كُلِّفوا بحفظه بالطريقتين.
وبذلك جرى العمل في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فتوفاه الله تبارك وتعالى والقرآنُ كلُّه محفوظٌ في الصدور مفرقًا، إلا أن معظمَه عند جماعةٍ معروفين، وإنما حفظه جميعَه بضعةُ أشخاص، ومحفوظ كله بالكتابة مفرقًا في القِطع التي بأيدي الناس كما مَرَّ.
فلما استحَرَّ القتل بالقُرَّاء في اليمامة، وخشي أن يستحرَّ بهم في كل موطن، ومن شأن ذلك -مع صرف النظر عن حفظ الله تعالى- أن يؤدي إلى نقصٍ في الطريقة الأولى - رأى الصحابة أنهم إذا تركوا تلك القطع -كما هي مفرقة بأيدي الناس- كان من شأن ذلك احتمال أن يتلف بعضها، فيقع النقص في الطريقة الثَّانية أيضًا، ورأوا أنه يمكنهم الاحتياط للطريقة الثَّانية بجمع تلك القطع وكتابة القرآن كله في صحف تُحفظ عند الخليفة، وإذ كان ممكنًا بدون مشقة شديدة -وهو من قبيل الكتابة التي ثبت الأمر بها ولا مفسدة فيه البتة- علموا أنه من جملة ما كُلفوا به، فوفقهم الله تعالى للقيام به.
أما السنة:
فالمقصود منها معانيها، وفوات جملة من الأحاديث لا يتحقق به فوات مقصود ديني؛ إذ قد يكون في القرآن وفيما بقي من الأحاديث ما يفيد معاني الجملة التي فاتت، وهي مع ذلك منتشرة لا تتيسر كتابتها كما تقدم.
(3/40)

فاكتفى النبي -صلى الله عليه وسلم- من الصحابة بحفظها في الصدور كما تيسر، بأن يحفظ كل واحد ما وقف عليه، ثم يبلغه عند الحاجة، ولم يأمرهم بكتابتها، ولم يكن حفظ معظمها مقصورًا على القُرَّاء، بل كان جماعةٌ ليسوا من القراء عندهم من السنة أكثر مما عند بعض القراء.
فالدلائل والقرائن التي فهم منها الصحابة أن عليهم أن يصنعوا ما صنعوا من جمع القرآن لم يتوفر لهم مثلها ولا ما يقاربها لكي يفهموا منه أن عليهم أن يجمعوا السنة ... وتوقفهم عن الجمع كما تقدم لا يعني عدم العناية بالأحاديث، فقد ثبت بالتواتر تدينهم بها وانقيادهم لها وبحثهم عنها كما تقدم في مواضعه، ولكنهم كانوا يؤمنون بتكفل الله تعالى بحفظها ويكرهون أن يعملوا من قِبَلِهم غيرَ ما وضح لهم أنه مصلحة محضة (1) ويعلمون أنه سيأتي زمان تتوفر فيه دواعي الجمع وتزول الموانع عنه، وقد رأوا بشائر ذلك من انتشار الإسلام وشدة إقبال الناس على تلقي العلم وحفظه والعمل به، وقد أتم الله ذلك كما اقتضته حكمته". اه.
وأفاض المعلمي: في بيان هذا المعنى (ص 44 - 45) فقال:
"أعلم أن الله تبارك وتعالى تكفل بحفظ القرآن وبيانه وهو السنة كما مر، وما تكفل الله بحفظه فلا بد أن يُحفظ.
وقد علمنا من دين الله أن على عبادة مع إيمانهم بحفظ ما تكفل بحفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذاك الشيء وأنه لا تنافي بين الأمرين.
وفي "جامع" الترمذي و"المستدرك" وغيرهما عن أبي خزامة عن أبيه قال: "قلت يا رسول الله: أرأيت رقى نسترقي بها ودواء نتداوى به وتُقاة نتقيها هل تَردُّ من قدر الله شيئًا؟ قال: هو من قدر الله" (2).
__________
(1) راجع (ص 30).
(2) هذا الحديث رواه الزهري، واختلف عليه، فرواه الأكثر عنه عن أبي خزامة عن أبيه به مرفوعًا.
(3/41)

فأما القرآن فأمروا بحفظه بطريقين:
الأولى: حفظ الصدور، وعليها كان اعتمادهم في الغالب.
الثانية: بالكتابة، فكان يُكتب في العهد النبوي في قطع صغيرة من جريد النخل وغيرها، قلما غزا المسلمون اليمامة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقليل، استحرَّ القتل بالقرَّاء قبل أن يأخذ عنهم التابعون، فكان ذلك مظنَّة نقصٍ في الطريق الأولى، فرأى عمر المبادرة إلى تعويض ذلك بتكميل الطريق الثانية، فأشار عَلَى أبي بكر بجمع القرآن في صحف، فنفر منها أبو بكر وقال: "كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ". فقال عمر: "هو والله خير" يريد أنه عملٌ يتم به مقصود الشرع من حفظ القرآن، وعدم فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- له إنما كان لعدم تحقق المقتضى وقد تحقق، ولا يترتب على الجمع محذور، فهو خيرٌ محضٌ.
فجمع القرآن في صحف بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين حتى طلبها عثمان في خلافته وكتب المصاحف.
ومعنى هذا أنه طول تلك المدة التي لم تَبْدُ حاجةٌ إلى تلك الصحف، بل بقي القراء يبلغون القرآن من صدورهم، ومنهم من كتب من صدره مصحفًا لنفسه، فلما كان في زمن عثمان احتيج إلى تلك الصحف لاختيار الوجه الذي دعت الحاجة إلى قصر الناس على القراءة به دون غيره - وكتب عثمان بضعة مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، لا لتبليغ القرآن، بل لمنع أن يقرأ أحد بخلاف ما فيها.
__________
= ورواه بعضهم عنه عن ابن أبي خزامة عن أبيه به مرفوعًا. وروي عن ابن عيينة عن الزهري على الوجهين، ورجح الإِمام أحمد والترمذي والبيهقي الوجه الأول، انظر: "المسند" (3/ 421)، و"جامع" الترمذي (2065 - 2148)، و"سنن البيهقي الكبرى" (9/ 349)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ... ولا يُعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث. اه.
وأبو خزامة هذا قد تفرد عنه الزهري، وليس له سوى هذا الحديث الواحد، ولا يعرف أبوه إلا بروايته عنه هذا الحديث، وبه ذكروه في الصحابة. وأبو خزامة هذا فيه جهالة.
(3/42)

هذا شأن القرآن، فأما السنة فمخالِفةٌ لذلك في أمور:
الأول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُعْنَ بكتابتها، بل اكتفى بحفظهم في صدورهم وتبليغهم منها، أي بنحو الطريق الأولى في القرآن.
الثاني: أنها كانت منتشرة، لا يمكن جمعها كلها بيقين.
الثالث: أنه لم يتفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن؛ إذ استحر القتل بحفاظه من الصحابة قبل أن يتلقاه التابعون، فإن الصحابة كانوا كثيرا، ولم يتفق أن استحر القتل بحفاظ السنة منهم قبل تلقي التابعين.
الرابع: أنهم كانوا إذا هَمُّوا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن: "هو والله خير" أي خيرٌ محضٌ لا يترتب عليه محذور. كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلها، وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سببًا لرد من بعدهم ما فاتهم منها.
وقد مَرَّ (ص 24) عن أبي بكر في سبب تحريقه ما كان جمعه منها: "أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما خفي على أبي بكر".
وخشوا أيضًا من جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يُقبل الناسُ على تلك الكتب ويدعوا القرآن لما مَرَّ (ص 25) عن عمر و (ص 27) عن أبي موسى، فلذلك رأوا أن يكتف وابن شرها بطريق الرواية، ويَكِلُوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به. اه.
وأجاب المعلمي: عن شبهات المستشرقين ومن نحا نحوهم في التشكيك في السنة جملة بسبب وقوع "الوضع" في الحديث، فقال (ص 89):
"هو واقع في الجملة، ولكن المستشرقين والمنحرفين عن السنة يُطوِّلُون في هذا ويُهوِّلُون ويهملون ما يقابله، ومثلهم مثل من يحاول منع الناس من طلب الحقيقي الخالص من الأقوات والسمن والعسل والعقاقير والحرير والصوف والذهب والفضة
(3/43)

واللؤلؤ والياقوت والمسك والعنبر وغير ذلك بذكر ما وقع من التزوير والتلبيس والتدليس والغش في هذه الأشياء، ويطيل في ذلك.
والعاقل يعلم أن الحقيقي الخالص من هذه الأشياء لم يُرفع من الأرض، وأن في أصحابها وتجارها أهلَ صدق وأمانة، وأن في الناس أهلَ خبرة ومهارة، يميزون الحقيقي الخالص من غيره، فلا يكاد يدخل الضرر إلا على من لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصر ومن لا يبالي ما أخذ.
والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله عز وجل بعبادة في دنياهم، فما الظن بعنايته بدينهم؟ لا بد أن تكون أتم وأبلغ.
ومن تتبع الواقع وتدبره وأنعم النظر تبين له ذلك غاية البيان. اه.
* * *
(3/44)

الفصل الرابع
تحقيق المقال في الأحاديث الواردة في النهى عن كتابة الحديث
قال أبو رية (ص 23): "وقد جاءت أحاديث صحيحة وآثار ثابتة تنهى كلها عن كتابة أحاديثه -صلى الله عليه وسلم-".
فقال الشيخ المعلمي:
"أما الأحاديث فإنما هي حديث يختلف في صحته، وآخر متفق على ضعفه.
فالأول: حديث مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ -قال همام: أحسبه قال: متعمدًا- فليتبوأ مقعده من النَّار" هذا لفظ مسلم. وذكره أبو رية مختصرًا، وذكر لفظين آخرين، وهو حديث واحد.
والثاني: ذكره بقوله: "ودخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنسانًا أن يكتبه فقال له زيد: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه، فمحاه"، وقد كان ينبغي لأبي رية أن يجري على الطريقة التي يطريها وهي النقد التحليلي: فيقول: معقول أن لا يأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكتابة أحاديثه؛ لقلة الكَتَبة، وقلة ما يكتب فيه، والمشقة، فأما أن ينهى عن كتابتها ويأمر بمحوها فغير معقول، كيف وقد أذن لهم في التحديث فقال: "وحدثوا عني ولا حرج".
أقول: أما حديث أبي سعيد ففي "فتح الباري" (1/ 185): "منهم -يعني الأئمة- من أعلّ حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري
(3/45)

وغيره" أي الصواب أنه من قول أبي سعيد نفسه، وغلط بعض الرواة فجعله عن أبي سعيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد أورد ابن عبد البر في كتاب العلم (1/ 64) قريبًا من معناه موقوفًا على أبي سعيد من طرقالم يذكر فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- (1).
وأما حديث زيد بن ثابت فهو من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت الخ. وكثير غير قوي، والمطلب لم يدرك زيدًا (2).
أما البخاري فقال في "صحيحه": "باب كتابة العلم" (3) ثم ذكر قصة الصحيفة التي كانت عند علي -رضي الله عنه- (4).
__________
(1) حديث أبي سعيد معروف برواية همام بن يحيى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه به مرفوعًا.
أخرجه كذلك مسلم في آخر "الصحيح" (3004)، وأخرجه أحمد في غير موضع من "المسند"، وابن حبان (64) وغيرهم.
وذكره الخطيب في "تقييد العلم" (ص 31) وقال: "هذا الحديث تفرد بروايته همام عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعًا".
وقد روي عن سفيان الثوري أيضًا عن زيد، ويقال إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري من قوله غير مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم ذكر رواية الثوري من طريق واهٍ عنه، ثم ذكر حديثًا آخر لأبي سعيد أنه استأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي كتب الحديث فلم يأذن له، وهو من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وعبد الرحمن ضعيف.
ثم ذكر نحو حديث أبي سعيد من رواية عبد الرحمن هذا أيضًا عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة به مرفوعًا.
ثم ساق طرقا لأبي سعيد الخدري في هذا المعنى من قوله، لم يرفعه.
وكذلك عن بعض الصحابة والتابعين.
(2) أخرجه أبو داود (3647) وغيره.
(3) فتح الباري (1/ 246).
(4) حديث رقم (111).
(3/46)

ثم خطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- زمن الفتح وسؤال رجل أن يكتب له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اكتبوا لأبي فلان" (1) وفي غير هذه الرواية "لأبي شاه".
ثم قول أبي هريرة: "ما من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب وأنا لا أكتب" (2).
ثم حديث ابن عباس في قصة مرض النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقوله: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده" (3).
وفي بعض روايات حديث أبي هريرة في شأن عبد الله بن عمرو: "استأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له" رواه الإمام أحمد والبيهقي.
قال في "فتح الباري" (1/ 185): "إسناده حسن، وله طريق أخرى ... ".
وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو نفسه جاء من طرق، راجع "فتح الباري" و"المستدرك" (1/ 104) و"مسند" أحمد بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر: الحديث: (6510) وتعليقه.
وقد اشتهرت صحيفة عبد الله بن عمرو التي كتبها عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان يغتبط بها ويسميها: "الصادقة"، وبقيت عند ولده يروون منها، راجع ترجمة عمرو بن شعيب في "تهذيب التهذيب".
أما ما زعمه أبو رية أن صحيفة عبد الله بن عمرو إنما كانت فيها أذكار وأدعية فباطل قطعًا.
وأما زيادة ما انتشر عن أبي هريرة من الحديث عما انتشر عن عبد الله بن عمرو؛ فلأن عبد الله لم يتجرد للرواية تجرد أبي هريرة، وكان أبو هريرة بالمدينة وكانت دار
__________
(1) حديث رقم (112).
(2) حديث رقم (113).
(3) حديث رقم (114).
(3/47)

الحديث؛ لعناية أهلها بالرواية، ولرحلة الناس إليها لذلك، وكان عبد الله تارة بمصر، وتارة بالشام، وتارة بالطائف، مع أنه كان يكثر من الأخبار عما وجده من كتبٍ قديمةٍ باليرموك، وكان الناس لذلك كأنهم قليلو الرغبة في السماع منه، ولذلك كان معاوية وابنه قد نهياه عن التحديث.
فهذه الأحاديث وغيرها مما يأتي إن لم تدل على صحة قول البخاري وغيره: إن حديث أبي سعيد غير صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّها تقضي بتأويله، وقد ذكر في "فتح الباري" أوجها للجمع، والأقرب ما يأتي:
قد ثبت في حديث زيد بن ثابت في جمعه القرآن: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف"، وفي بعض رواياته ذكر القصب وقطع الأديم. وقد مَرَّ قريبًا (ص 20)، وهذه كلها قطع صغيرة، وقد كانت تنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- الآية والآيتان فكان بعض الصحابة يكتبون في تلك القطع فتتجمع عند الواحد منهم عدة قطع في كل منها آية أو آيتان أو نحوها، وكان هذا هو المتيسر لهم، فالغالب أنه لو كتب أحدهم حديثًا لكتبه في قطعة من تلك القطع، فعسى أن يختلط عند بعضهم القطع المكتوب فيها الأحاديث بالقطع المكتوب فيها الآيات، فنهوا عن كتابة الحديث سدًّا للذريعة.
أما قول أبي رية (ص 27): "هذا سبب لا يقتنع به عاقل عالم ... اللهم [إلا] إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة وأن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه".
فجوابه: أن القرآن إنما تحدَّى أن يُؤتَى بسورة من مثله، والآية والآيتان دون ذلك. ولا يشكل على هذا الوجه صحيفةُ علي؛ لأنه جمع فيها عدة أحكام، وكان علي لا يُخشى عليه الالتباس.
ولا قصة أبي شاه؛ لأن أبا شاه لم يكن ممن يكتب القرآن، وإنما سأل أن تكتب له تلك الخطبة.
(3/48)

ولا قوله -صلى الله عليه وسلم- في مرض موته: "ائتوني بكتاب" الخ؛ لأنه لو كتب لكان معروفًا عند الحاضرين وهم جمع كثير.
ولا قضية عبد الله بن عمرو، فإنه فيما يظهر حصل على صحيفة فيها عدة أوراق، فاستأذن أن يكتب فيها الأحاديث فقط.
وكذلك الكتب التي كتبها النبي -صلى الله عليه وسلم- لعماله وفيها أحكام الصدقات وغيرها، وكان كلها أو أكثرها مُصدرًا بقوله: "من محمد رسول الله" الخ، هذا كله على فرض صحة حديث أبي سعيد.
أما على ما قاله البخاري وغيره من عدم صحته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فالأمر أوضح، وسيأتي ما يشهد لذلك.
قال أبو رية (ص 23): وروى الحاكم بسنده عن عائشة قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانت خمسمائة حديث، فبات يتقلب ... فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك، زاد الأحوص بن المفضل في روايته: أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما خفي على أبي بكر.
أقول: لو صح هذا لكان حجة على ما قلناه، فلو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا لما كتب أبو بكر، فأما الإحراق فلسبب أو سببين آخرين كما رأيت، لكن الخبر ليس بصحيح، أحال به أبو رية على "تذكرة الحفاظ" للذهبي، و"جمع الجوامع" للسيوطي ولم يذكر طعنهما فيه، ففي التذكرة عقبة: "فهذا لا يصح" (1).
__________
(1) (ج 1 ص 5).
(3/49)

وفي "كنز العمال" (5/ 237) -وهو ترتيب جمع الجوامع ومنه أخذ أبو رية: "قال ابن كثير هذا غريب من هذا الوجه جدًّا، وعلي بن صالح أحد رجال سنده لا يعرف".
أقول: وفي السند غيره ممن فيه نظر (1). ثم وجهه ابن كثير على فرض صحته.
قال أبو رية (ص 24): "وروى حافظ المغرب ابن عبد البر والبيهقي في "المدخل" عن عروة: أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك -ورواية البيهقي: فاستشار- فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له فقال: إنِّي كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا. ورواية البيهقي: لا ألبس بكتاب الله بشيء أبدًا" (2).
أقول: وهذا وإن صح حجة لما قلناه، فلو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا لما هَمَّ بها عمر وأشار بها عليه الصحابة، فأما عدوله عنها فلسبب آخر كما رأيت.
لكن الخبر منقطع؛ لأن عروة لم يدرك عمر، فإن صح فإنما كانت تلك الخشية في عهد عمر ثم زالت، وقد قال عروة نفسه كما في ترجمته من تهذيب التهذيب: "وكنا نقول: لا نتخذ كتابًا مع كتاب الله، فمحوت كتبي، فوالله لوددت أن كتبي عندي وإن كتاب الله قد استمرت مريرته" يعني قد استقر أمره وعلمت مزيته وتقرر في
__________
(1) هما: موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، الظاهر أنه هو العلوي الهاشمي، وهو مترجم بها "الميزان"، و"اللسان"، عن إبراهيم بن عمر بن عبيد الله التيمي، لم أجده.
(2) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة به.
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (11/ 258) ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (ص 109) والخطيب في "تقييد العلم" (ص 49) والبيهقي في "المدخل" (ص 407).
وهو منقطع بين عروة وعمر، كما سيأتي، انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم (149)، و"تحفة التحصيل" (ص 226).
(3/50)

أذهان الناس أنه الأصل، والسنة بيانٌ له، فزال ما كان يخشى من أن يؤدي وجود كتاب للحديث إلى أن يكب الناس عليه، ويدعوا القرآن.
قال أبو رية: "وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار: من كان عنده شيء فليمحه" (1).
أقول: وهذا منقطع أيضًا، يحيى بن جعدة لم يدرك عمر، عروة أقدم منه وأعلم جدًّا، وزيادة يحيى منكرة، لو كتب عمر إلى الأمصار لاشتهر ذلك، وعنده علي وصحيفته، وعند عبد الله بن عمرو صحيفة كبيرة مشهورة.
قال أبو رية: "وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يعلى على أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها: مثناة كمثناة أهل الكتاب. قال فمنعني القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثًا" (2).
أقول: وهذا منقطع أيضا؛ إنما وُلد القاسم بعد وفاة عمر ببضع عشرة سنة. ثم ذكر خبر زيد بن ثابت وقد مَرَّ.
ثم قال: "وعن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليًّا يخطب يقول: أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه فإنما هلك الناس حي تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم".
أقول: ذكره ابن عبد البر من طريق شعبة عن جابر (3)، ولم أجد لجابر بن عبد الله ابن يسار ذكرًا، وقد استوعب صاحب التهذيب مشايخ شعبة في ترجمته، ولم يذكر
__________
(1) أخرجه أبو خيثمة في "العلم" رقم (26)، وابن عبد البر في "الجامع" (ص 109).
(2) "الطبقات" (5/ 188) رواه عن زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي قال: أخبرنا عبد الله بن العلاء به.
وذكره الذهبي في ترجمة القاسم من "سير أعلام النبلاء" (5/ 59).
(3) "جامع بيان العلم وفضله" (ص 108) وفيه: جابر بن عبد الله بن يسار.
(3/51)

فيهم من اسمه جابر إلا جابر بن يزيد الجعفي، فلعل الصواب "جابر عن عبد الله ابن يسار" وجابر الجعفي ممقوت كان يؤمن برجعة علي إلى الدنيا، وقد كذبه جماعة في الحديث منهم أبو حنيفة، وصدقه بعضهم في الحديث خاصة بشرط أن يصرح بالسماع. ولم يصرح هنا، وعبد الله بن يسار لا يعرف (1).
وقد كان عند علي نفسه صحيفة فيها أحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما مَرَّ، فإن صحت هذه الحكاية فإنما قال: "أحاديث علمائهم" ولم يقل: "أحاديث أنبيائهم"، وكلمة "حديث" بمعنى "كلام" واشتهارها فيما كان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- اصطلاح متأخر، وقد كان بعض الناس يثبتون كلام علي في حياته.
وفي مقدمة "صحيح مسلم" (2) عن ابن عباس ما يُعلم منه أنه كان عنده كتاب فيه قضايا علي، منها ما عرفه ابن عباس ومنها ما أنكره، ولفظه: "فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل"، ثم ذكر عن طاوس قال: "أُتي ابنُ عباس بكتاب فيه قضاء علي ... ".
فإن صحت هذه الحكاية فكأن بعض الناس كتب شيئًا من كلام علي أو غيره من العلماء، فتناقله الناس، فبلغ عليًّا ذلك، فقال ما قال.
قال أبو رية: "وعن الأسود بن هلال قال: أُتي عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث، فدعا بماء فمحاها ثم غسلها ثم أمر بها فأحرقت".
__________
(1) لكن في ترجمة عبد الله بن يسار الجهني الكوفي من "تهذيب الكمال" أنه يروي عن علي بن أبي طالب وعنه جابر ابن يزيد الجعفي. وعبد الله هذا قد وثقه النسائي وذكره ابن حبان في "الثقات".
(2) ص 13.
(3/52)

ثم قال: "أذكر الله رجلًا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون" (1).
أقول: روى الدارمي (2) هذه القصة من وجه آخر (3) عن الأشعت [بن أبي الشعثاء سليم بن أسود] عن أبيه - وكان من أصحاب عبد الله قال: "رأيت مع رجل صحيفة فيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فقلت له: أنسخنيها، فكأنه بخل بها، ثم وعدني أن يعطينيها، فأتيت عبد الله فإذا هي بين يديه فقال: إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة ... أقسم لو أنها ذكرت له بدار الهند (4) (كذا) -أراه يعني مكانًا بالكوفة بعيدًا- إلا أتيته ولو مشيًا".
لا ريب أنه لم يكن في الصحيفة تلك الكلمات فقط وإلا ما طلب استنساخها لأنه قد حفظها فيمكنه أن يكتبها إن شاء من حفظه.
وعند الدارمي قصة أخرى تفسر لنا هذه، ذكرها في باب كراهية أخذ الرأي (5)، وفيها: "إن قومًا تحلقوا في المسجد في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة، فيكبرون، فيقول: هللوا مائة فيهللون ... "، وذكر إنكار ابن مسعود عليهم، فكأنه كان في تلك الصحيفة وصفُ طريقةٍ للذكر بتلك الكلمات ونحوها
__________
(1) "جامع بيان العلم" (ص 110) عن أبي معاوية عن الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود.
(2) (1/ 135).
(3) عن سهل بن حماد عن شعبة عن الأشعث.
(4) في الطبعة المعزو إليها: الهنداريه.
(5) (1/ 79) عن الحكم بن المبارك أنا عمر (كذا، وصوابه: عمرو) بن هي قال: أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ...
الحكم بن المبارك هو أبو صالح البلخي، وعمرو بن يحيى هو ابن عمرو بن سلمة الهمداني.
(3/53)

بعدد مخصوص وهيئة مخصوصة كما يبينه قول ابن مسعود: "إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة".
وقد ذكر الدارمي (1) رواية أخرى في صحيفة جيء بها من الشام فمحاها ابن مسعود، وفيها: "فقال مُرَّة [ابن شرحبيل الهمداني أحد كبار أصحاب ابن مسعود]: أما إنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب".
ثم قال أبو رية (ص 25): "هناك غير ذلك أخبار كثيرة ... ".
أقول: ذكر ابن عبد البر (2) عن مالك: "أن عمر أراد أن يكتب الأحاديث، أو كتبها، ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله"، وهذا معضل، وقد مرت رواية عروة عن عمر وبيان وجهها.
وذكر (3) عن أبي بردة بن أبي موسى أنه كتب من حديث أبيه، فعلِمَه أبوه، فدعا بالكتاب فمحاه.
وقد أخرج الدارمي (4) نحوه، ثم أخرج (5) عن أبي بردة عن أبيه "أن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فتبعوه وتركوا التوراة"، وهذا كما مَرَّ عن عمر.
وذكر (6) عن أبي نضرة قال: قيل: لأبي سعيد [الخدري] لو أكتبتنا الحديث فقال: لا نكتبكم، خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ثم ذكره من وجه آخر في سنده من لم
__________
(1) (1/ 134) عن أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا أبو زيد (كذا، وصوابه: أبو زبيد وهو عبثر بن القاسم) ثنا حصين (وهو ابن عبد الرحمن) عن مُرَّة الهمداني به.
(2) (ص 109).
(3) (ص 110) من طريق وكيع عن طلحة بن عمرو عن أبي بردة، وطلحة هو الحضرمي تالف.
(4) (1/ 133) من طريق شعبة عن أبي موسى عن حميد بن هلال عن أبي بردة وشيخ شعبة لا يعرف.
(5) (1/ 135) من طريق عبيد الله بن عمرو (هو الرقي) عن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة به.
(6) (ص 108) من طريق عبد الأعلى (وهو ابن عبد الأعلى السامي) عن سعيد الجريري عن أبي نضرة به.
(3/54)

أعرفه (1) وفيه: "أتريدون أن تجعلوها مصاحف" ثم من وجه ثالث بنحوه (2). وهذا من أبي سعيد بمعنى ما مَرَّ عن عمرو أبي موسى.
وذكر (3) عن سعيد بن جبير قال: "كنا نختلف في أشياء، فكتبتها في كتاب، ثم أتيت بها ابن عمر أسأله عنها خفيًا، فلو علم بها كانت الفيصل بيني وبينه".
في رواية (4): "كتب إليَّ أهل الكوفة مسائل ألقى بها ابنَ عمر، فلقيتُه، فسألته عن الكتاب، ولو علم أن معي كتابًا لكانت الفيصل بيني وبينه".
وهذا ليس مما نحن فيه؛ إنما هو باب كراهية الصحابة أن تكتب فتاواهم وما يقولونه برأيهم.
وذكر (5) عن ابن عباس أنه قال: "إنا لا نكتب العلم ولا نكتبه". وقد ذكر (6) عن هارون بن عنزة عن أبيه أن ابن عباس أرخص له أن يكتب.
هذا وقد أخرج الدارمي (7) بسند رجاله ثقات عن أنس أنه كان يقول لبنيه: "يا بني قيدوا هذا العلم" وذكره ابن عبد البر (8) ولفظه: "قيدوا العلم بالكتاب"، وروي هذا من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن قول عمرو من قول ابن عمر، وإنما يصح من قول أنس -رضي الله عنه-.
__________
(1) (ص 108) وهو قبل الموضع السابق من طريق مسلم بن إبراهيم عن المعتمر (كذا، وصوابه: المستمر، ولذا لم يعرفه المعلمي) بن الريان، عن أبي نضرة.
(2) نفس الموضع قبلهما من طريق أبي أسامة عن كهمس عن أبي نضرة، والأسانيد الثلاثة مستقيمة.
(3) (ص 111) من طريق ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير.
(4) كذلك من طريق حماد بن زيد عن أيوب.
(5) (ص 109) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس.
(6) (ص 121).
(7) (1/ 137) من طريق مسلم بن إبراهيم عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أن أنسًا كان يقول ذلك لبنيه.
(8) (ص 120) مرفوعًا.
(3/55)

وروى الدارمي (1) وابن عبد البر (2) وغيرهما بسند حسن أن أبا أمامة الباهلي -رضي الله عنه- سئل عن كتاب العلم فقال: لا بأس به.
وأخرج الدارمي (3) وغيره بسند رجاله ثقات عن بشير بن نهيك وهو ثقة قال: "كنت أكتب ما أسمع من أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابه فقرأته عليه وقلت له: هذا ما سمعت منك؛ قال: نعم".
فالحاصل أن ما روي عن عمر وأبي موسى من الكراهة إنما كان كما صرحا به خشية أن يكب الناس على الكتب ويدَعُوا القرآن، وأما من عاش بعدهما من الصحابة فمنهم أبو سعيد بقي على الامتناع، ومنهم ابن عباس امتنع ورخص، ومنهم من رأى أنه قد زال المانع كما قال عروة الراوي امتناع عمر: "إن كتاب الله قد استمرت مريرته" وقد مَرَّ ذلك ورأوا أن الحاجة إلى الكتابة قد قويت؛ لأن الصحابة قد قلوا وبقاء الأحاديث تتناقل بالسماع والحفظ فقط لا يؤمن معه الخلل فرأوا للنَّاس الكتابة كما مَرَّ عن أبي هريرة وأبي أُمامة وأنس -رضي الله عنهم-.
وأما التابعون فغلبت فيهم الكتابة، إلا أن من كان ذا حافظة نادرة كالشعبي والزهري وقتادة كانوا لا يرون إبقاء الكتب، لكن يكتب ما يسمع ثم يتحفظه فإذا أتقنه محاه.
وأكثرهم كانت كتبه باقية عنده كسعيد بن جبير والحسن البصري وعَبيدة السلماني ومُرَّة الهمداني وأبي قلابة الجرمي وأبي المليح وبشير بن نهيك وأيوب السختياني ومعاوية بن قرة ورجاء بن حيوة وغيرهم (4).
__________
(1) (1/ 137) من طريق ابن وهب عن معاوية (وهو ابن صالح) عن الحسن بن جابر قال: سألت أبا أمامة والحسن لم يوثق توثيقا معتبرا.
(2) (ص 122) من نفس الطريق.
(3) (1/ 138) من طريق معاذ (وهو ابن معاذ البصري) عن عمران بن حدير عن أبي مجلز (وهو لاحق ابن حميد) عن بشير بن نهيك به.
(4) مقتبس من كتاب "العلم" لابن عبد البر، و"سنن" الدارمي، وغيرهما.
(3/56)

ثم قال أبو رية (ص 25): "ولئن كانت هناك بعض أحاديث رويت في الرخصة بكتابة الأحاديث فإن أحاديث النهي أصح، بَلْهَ ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة والتابعين".
أقول: قد علمت أنه ليس في النهي غير حديثين؛ أحدهما متفق على ضعفه وهو المروي عن زيد بن ثابت، والثاني مختلف في صحته وهو حديث أبي سعيد، فأما أحاديث الإذن فلو لم يكن منها إلا حديث أبي هريرة في الإذن لعبد الله بن عمرو لكان أصح مما جاء في النهي.
أما الصحابة والتابعون فقد تقدم ويأتي ما فيه كفاية.
ثم نقل أبو رية (ص 25 - 27) عن مجلة المنار كلامًا بدىء فيه بمحاولة الجمع بين حديث النهي وقصة "اكتبوا لأبي شاه" بأن ما أمر بكتابته لأبي شاه من الدين العام وأن النهي كان عن كتابة سائر الأحاديث التي هي من الدين الخاص.
أقول: نظرية "دين عام ودين خاص" مردودة عليه، وقد تقدمت الإشارة إليها (ص 15). وحديث الإذن لعبد الله بن عمرو قاطع لشغبه البتة.
قال صاحب المنار: "ولنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين: أحدهما: استدلال من روي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-".
أقول: لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالمروي عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه، وعن أبي سعيد روايتان، إحداهما: فيها الرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد، ونحن لم نقل في هذا إنه منسوخ، إنما قلنا: إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله، كما قال البخاري وغيرها، وإما محمول على أمر خاص تقدم بيانه. وثانيتهما: رواية أبي نضرة عن أبي سعيد امتناعه هو، وليس فيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى.
(3/57)

وقد بقيت صحيفة علي عنده إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله بن عمرو عنده وعند أولاده كما مَرَّ، فلو كان هناك نسخ لكان بقاء الصحيفتن دليلًا واضحًا جدًّا على أن الإذن هو المتأخر، وتقدم أن عمر عزم على الكتابة، وأشار عليه الصحابة بها ثم تركها لمعنى آخر، ولم يذكروا نهيًا كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك صريح فيما قلنا.
وقد أجاز الكتابة من الصحابة: عبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأبو أُمامة وأنس -رضي الله عنهم-، وروى هارون بن عنترة عن أبيه، أن ابن عباس رخص فيها ثم أجمعت عليها الأمة.
قال (ص 26): "وثانيهما عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره".
أقول: أما النشر فقد نشروه بحمد الله تعالى، وبذلك بلغنا. وأما التدوين فيعني به الجمع في كتاب كما جمعوا القرآن، فاعلم أن الله تبارك وتعالى تكفل بحفظ القرآن وبيانه وهو السنة كما مر، وما تكفل الله بحفظه فلا بد أن يحفظ وقد علمنا من دين الله أن على عبادة مع إيمانهم بحفظ ما تكفل بحفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذاك الشيء، وأنه لا تنافي بين الأمرين، وفي جامع الترمذي و"المستدرك" وغيرها عن أبي خزامة عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: هو من قدر الله".
فأما القرآن فأمروا بحفظه بطريقين:
الأولى: حفظ الصدور، وعليها كان اعتمادهم في الغالب.
الثانية: بالكتابة، فكان يكتب في العهد النبوي في قطع صغيرة من جريد النخل وغيرها، فلما غزا المسلمون اليمامة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقليل استحر القتل بالقراء قبل أن يأخذ عنهم التابعون، فكان ذلك مظنة نقص في الطريق الأولى، فرأى عمر المبادرة إلى تعويض ذلك بتكميل الطريق الثانية، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن في صحف، فنفر منه أبو بكر وقال: "كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ " فقال عمر: "هو والله خير" يريد أنه عمل يتم به مقصود الشرع من حفظ القرآن، وعدم
(3/58)

فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- له إنما كان لعدم تحقق المقتضى وقد تحقق، ولا يترتب على الجمع محذور، فهو خير محض.
فجمع القرآن بها صحف بقيت عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين حتى طلبها عثمان في خلافته وكتب المصاحف.
ومعنى هذا أنه طول تلك المدة لم تبد حاجة إلى تلك الصحف بل بقي القراء يبلغون القرآن من صدورهم ومنهم من كتب من صدره مصحفًا لنفسه، فلما كان في زمن عثمان احتيج إلى تلك الصحف لاختيار الوجه الذي دعت الحاجة إلى قصر الناس على القراءة به دون غيره - وكتب عثمان بضعة مصاحف وبعث بها إلى الأمصار لا لتبليغ القرآن بل لمنع أن يقرأ أحد بخلاف ما فيها. هذا شأن القرآن.
فأما السنة فمخالفة لذلك في أمور:
الأول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعن بكتابتها بل اكتفى بحفظهم في صدورهم وتبليغهم منها أي بنحو الطريق الأولى في القرآن.
الثاني: أنها كانت منتشرة لا يمكن جمعها كلها بيقين.
الثالث: أنه لم يتفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن إذ استحر القتل بحفاظه من الصحابة قبل أن يتلقاه التابعون، فإن الصحابة كانوا كثيرًا ولم يتفق أن استحر القتل بحفاظ السنة منهم قبل تلقي التابعين.
الرابع: أنهم كانوا إذا هَمُّوا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن: "هو والله خير" أي خير محض لا يترتب عليه محذور.
كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلها، وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سببًا لرد من بعدهم ما فاتهم منها، وقد مَرَّ (ص 24) عن أبي بكر في سبب تحريقه ما كان جمعه منها: "أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما خفي على أبي بكر".
(3/59)

وخشوا أيضًا من جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يقبل الناس على تلك الكتب ويدَعُوا القرآن لما مَرَّ (ص 25) عن عمر و (ص 27) عن أبي موسى، فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها بطريق الرواية ويأكلوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به.
ثم ذكر (ص 26) أشياء قد تقدم الجواب عنها.
ثم قال: "وكون التابعين لم يدونوا الحديث إلا بأمر الأمراء".
أقول: وجمع القرآن إنما كان بأمر الأمراء أبي بكر وعمر وعثمان، فإن قيل: هم أمراء المؤمنين وأئمة في العلم وأئمة في التقوى، قلنا: فعمر بن عبد العزيز كذلك في هذا كله وهو الآمر بالتدوين، وتبعه الخلفاء بعده.
قال: "يؤيد ما ورد أنهم كانوا [قبل ذلك] يكتبون الشيء لأجل حفظه ثم يمحونه".
أقول: هذه حال بعضهم، وقد تقدم (ص 27 - 28) أن جماعة كانوا يكتبون ويبقون كتبهم.
قال: "وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه".
أقول: سيأتي رد هذا مفصلًا، والتحقيق أن بعض كبار الصحابة يرون أن تبليغ الأحاديث إنما يتعين عند وقت الحاجة، ويرون أنهم إذا بلغوا بدون حضور حاجة فقد يكون منهم خطأ ما قد يؤاخذون به، بخلاف ما إذا بلغوا عند حضور الحاجة فإن ذلك متعين عليهم، فإما أن يحفظهم الله تعالى من الخطأ، وإما أن لا يؤاخذهم، ولهذا رويت الأحاديث عنهم كلهم، ولم ينقل عن أحد منهم أنه كان عنده حديث فتحققت الحاجة إلى العمل به فلم يحدث به.
(3/60)

وكان جماعة آخرون من الصحابة يحدثون وإن لم تتحقق حاجة، يرون أن التبليغ قبل وقت الحاجة مرغب فيه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حدثوا عني ولا حرج" وغير ذلك من الأدلة الداعية إلى نشر العلم وتبليغ السنة. ولكل وجهة، وكلهم على خير، على أنه لما قَلَّ الصحابة رجحت كفة الفريق الثاني.
قال: "بل في نهيهم عنه".
أقول: لم ينهوا، وكيف ينهون وما من أحد منهم إلا وقد حدث بعدد من الأحاديث، أو سأل عنها، وإنما جاء عن عمر أنه نهى عن الإكثار، ومرجع ذلك إلى أمرين:
الأول: استحباب أن لا يكون التحديث إلا عند حضور الحاجة.
الثاني: ما صرح به من إيثار أن لا يشغل الناس -يعني بسماع الأحاديث دون حضور حاجة- عن القرآن.
وجاء عنه كما يأتي: "أقلوا الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا فيما يعمل به" والعمل في كلامه مطلق، يَعُمُّ العبادات والمعاملات والآداب، لا كما يهوى أبو رية.
قال: "قوي عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث (كلها) دينًا عامًّا دائمًا كالقرآن".
أقول: هذه نظريته القائلة: "دين عام ودين خاص" والذي يظهر من كلماته أن الدين العام الدائم هو الدين الحقيقي اللازم وأنه كما عبر عنه فيما مضى (ص 15) "المتفق عليه" وعلى هذا فمقصوده أن ما ذكر هنا يقوي عند مخاطبه أن الصحابة كانوا لا يوجبون العمل بالأحاديث الثابتة عندهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا قدرًا يسيرًا هو الذي اتفقوا ووافقهم بقية الأمة بعدهم على العمل به، وأن ما زاد على ذلك فالأمر فيه على الاختيار من شاء أخذ، ومن شاء ترك، بل إنهم كانوا يرون من الخير إماتة تلك الأحاديث!
(3/61)

فإن كان هذا مراده فبطلانه معلوم من الدين قطعًا. وحسبك أنه لم يجد أحدًا من علماء الأمة ينسب إليه هذا القول بحق أو باطل سوى ما مَرَّ (ص 15) من نسبته أو نحوه إلى الغزالي، وقدمنا بيان بطلان تلك النسبة.
هذا ونصوص الكتاب والسنة والمتواتر عن الصحابة وإجماع علماء الأمة، كل ذلك يبطل قوله هذا قطعًا، على أن نظريته هذه لا تقتصر على إهمال الأحاديث الصحيحة بل تتضمن كما تقدم (ص 15) إهمال دلالات القرآن التي نقل ما يخالفها عن بعض من نسب إلى العلم ولو واحدًا فقط، فعلى زعمه: دلالات القرآن الظاهرة والأحاديث الصحيحة ولو رواها عدد من الصحابة لا يلزم المسلم أن يعمل بشيء منها قد نُقل عن منسوب إلى العلم ما يخالفه وإن كان الجمهور على وفق ذلك الدليل، كأن عنده أن العالم إن خالف الدليل فهو معصوم من أن يغلط أو يغفل أو يزل أو يضل، وإن وافق الدليل فليس بمعصوم، هذا حكمهم غير متفقين، فأما إذا اتفقوا فهم معصومون إلا في مخالفتهم لنظريته هذه.
قال: "ولو كانوا فهموا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك لكتبوا أو لأمروا بالكتابة ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور بجريان العمل بها".
أقول: قد بينا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لم يكتب مصحفًا، وأن أبا بكر وعمر وعثمان مدة من ولايته لم يكتبوا إلا مصحفًا واحدًا بقي عندهم لا يكاد يصل إليه أحد، فما بالك بالإرسال إلى العمال، وإن عثمان إنما كتب وبعث بضعة مصاحف إلى بعض الأقطار لمنع الناس من القراءة بخلاف ما فيها، وقد علمنا أنه لم يحفظ القرآن كله في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا نفر يسير، أربعة أو نحوهم، وذكر ابن سعد وغيرهم أن أبا بكر وعمر ماتا قبل أن يحفظا القرآن كله.
(3/62)

وقد بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم أبو بكر ثم عمر جماعة من العمال لم يحفظ كل منهم القرآن كله ولا كان عنده مصحف، فهل يقال لهذا: إن القرآن لم يكن حينئذ من الدين العام؟ نعم كان العامل يحفظ طائفة من القرآن ويعلم جملة من السنة، فكان يبلغ هذا وهذا.
ومن عرف وضع الشريعة عرف الحقيقة: إن وضع الشريعة عدم الإعنات، وتوجيه معظم العناية إلى التقوى.
كان كثير من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هاجروا من مكة إلى الحبشة، ونزل بعدهم قرآن وأحكام، وجعلت كل من الظهر والعصر والعشاء أربعًا بعد أن كانت ركعتين، وحولت القبلة وغير ذلك، فلم ينقل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان عقب تجدد حكم من هذه وغيرها يبعث رسلًا إلى من بالحبشة أو إلى غيرهم ممن بعد عنه يبلغهم ذلك، بل كان يدعهم على ما عرفوا حتى يبلغهم ما تجدد اتفاقًا.
وجاء أنه صلى الظهر إلى الكعبة أول ما صلى إليها، فخرج ممن كان معه لحاجته فمَرَّ وقت العصر ببني حارثة -وهم في بعض أطراف المدينة- وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأخبرهم فاستداروا إلى الكعبة فأتموا صلاتهم. وهكذا تحريم الكلام في الصلاة وتحريم الخمر.
ومن المتفق عليه فيما أعلم أنه ليس واجبًا على الأعيان حفظ القرآن سوى الفاتحة، ولا تعلم القراءة والكتابة واتخاذ مصحف، ولا يجب على الرجل أن يتعلم الفريضة إلا قرب العمل بها، وإنما الواجب أن يكون في الأمة علماء ثم على العامي أن يسأل عالمًا ويعمل بفتواه، وكان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه يكتفى في العامل أن يكون -مع حفظه لما شاء الله من القرآن- عارفًا بطائفة حسنة من السنة ثم يقال له: إذا لم تجد الحكم في الكتاب والسنة فأسأل من ترجو أن يكون عنده علم، فإن لم تجد فاجتهد رأيك، وقد كان أبو بكر وعمر إذا لم يجدا الحكم في الكتاب ولا فيما يعلمانه من السنة سألا الصحابة فإذا أُخبرا بحديث أخذا به، وربما أخبرهما من هو دونهما في العلم والفضل بكثير.
(3/63)

وترى في رسالة الشافعي عدة قضايا لعمر من هذا القبيل.
وإذ كان الواجب على الأمة أن يكون فيها علماء، كل منهم عارف بالقرآن، عارف بجملة حسنة من السنة؛ ليعمل ويفتي ويقفيى بما علم، ويسأل من تيسر له من العلماء عما لم يعلم، فإن لم يجد اجتهد: فقد كان الصحابة يعلمون أن منهم عددًا كثيرًا هكذا، وأن من تابعيهم عددًا كثيرًا كذلك لا يزالون في ازدياد، وأن حال من بعدهم سيكون كذلك، وأن القرآن والسنة موجودان بتمامهما عند أولئك العلماء، ما فات أحدهم منهما فموجود عند غيره، رأوا أن هذا كافٍ في أداء الواجب عليهم مع الإيمان التام بأن الله تعالى حافظ لشريعته.
نعم، فكَّروا في الاحتياط لجمع السنة فعرض لهم خشية أن يؤدي ذلك إلى محذور كما مَرَّ فكفّوا عنه؛ مكتفين بما ظهر لهم من حرص المسلمين وما آمنوا به من حفظ رب العالمين.
وغاية ما يُخشى بعد هذا أن يجهل العالم شيئًا من السنة ولا يتيسر له من يخبره بها فيجتهد فيخطىء، وهذا في نظر الشرع ليس بمحذور كما علم مما مَرَّ في حال من كان من المسلمين بعيدًا عن المدينة؛ إذ بقوا مدة يصلون الرباعية ركعتين، ويتكلمون في الصلاة، ويصلون إلى بيت المقدس، ويستحلون الخمر بعد نزول الأحكام المخالفة لذلك حتى بلغتهم.
وكما أذن الله تعالى أن يبني المسلم على ظنه وإن اتفق له أن ينكح أخته وهو لا يدري، وأن يقتل مسلمًا يحسبه كافرًا، وأن يأكل لحمًا يظنه حلالًا فبان لحم خنزير أو ميتة وغير ذلك، إنما المحذور أن تدع الدليل الشرعي عمدًا اتباعًا منك لقول عالم قد يجهل ويذهل ويغفل ويغلط ويزل.
وأشد من ذلك وأضر وأدهى وأمَرّ ما يقول صاحب تلك النظرية: إن الدليل الشرعي إذا وُجد قولٌ لعالمٍ يخالفه ينزل بذلك عن الدين العام اللازم إلى الدين الخاص
(3/64)

الاختياري، من شاء أخذ ومن شاء ترك، ومن خالف كل دليل من هذا القبيل مع علمه بها وعقله لها واقتصر على ما لم يخالفه أحد "كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى" كما تقدم عنه (ص 16)، فهذا هو المحذور عند من يعقل.
قال: "وبهذا يسقط قول من قال: إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث بالرواية".
أقول: قد عرفت الحقيقة ولله الحمد، وعرفت ما هو الساقط.
قال: "وإذا أضفت إلى ذلك حكم عمر بن الخطاب على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث".
أقول: كان عليه أن يبينها، فإن كان يريد مطاعن الرافضة في أمير المؤمنين عمر فجوابها في "منهاج السنة" وغيره، ويكفينا هنا أن نسأله: هل علمت عمر ثبت عنده حديث فتركه لغير حجة قائلًا: لا يلزمنا الأخذ بالأحاديث؟
قال: "ثم ما جرى عليه علماء الأمصار في القرن الأول والثاني من اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة بما بلغه ووثق به من الحديث وإن قَلَّ، وعدم تعنيه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبين أحكامه".
أقول: لزم أبو حنيفة حماد بن أبي سليمان يأخذ عنه مُدَّة، وكان حماد كثير الحديث، ثم أخذ عن عدد كثير غيره كما تراه في مناقبه، وقلة الأحاديث المروية عنه لا تدل على قلة ما عنده؛ ذلك أنه لم يتصد للرواية، وقد قدمنا أن العالم لا يُكلَّف جمع السنة كلها، بل إذا كان عارفًا بالقرآن وعنده طائفة صالحة من السنة بحيث يغلب على اجتهاده الصواب كان له أن يفتي، وإذا عرضت قضية لم يجدها في الكتاب والسنة سأل من عنده علم بالسنة، فإن لم يجد اجتهد رأيه.
وكذلك كان أبو حنيفة يفعل، وكان عنده في حلقته جماعة من المكثرين في الحديث كمسعر وحبان ومندل، والأحاديث التي ذكروا أنه خالفها قليلة بالنسبة إلى ما وافقه، وما
(3/65)

من حديث خالفه إلا وله عذر لا يخرج إن شاء الله عن أعذار العلماء، ولم يَدَّعِ هو العصمةَ لنفسه ولا ادعاها له أحد، وقد خالفه كبار أصحابه في كثير من أقواله.
وكان جماعة من علماء عصره ومن قرب منه ينفرون عنه وعن بعض أقواله، فإن فرض أنه خالف أحاديث صحيحة بغير حجة بينة فليس معنى ذلك أنه زعم أن العمل بالأحاديث الصحيحة غير لازم، بل المتواتر عنه ما عليه غيره من أهل العلم أنها حجة، بل ذهب بلى أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء اتباعًا لحديث ضعيف (1) ومن ثم ذكر أصحابه أن من أصله تقديم الحديث الضعيف -بله الصحيح- على القياس.
قال: "قوي عندي ذلك الترجيح".
أقول: أما عند من يعرف دينه فهيهات.
قال: "بل تجد الفقهاء بعد اتفاقهم على جعل الأحاديث أصلًا من أصول الأحكام الشرعية، وبعد تدوين الحفاظ لها في الدواوين وبيان ما يحتج به وما لا يحتج به لم يتفقوا على تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به، فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة -ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية- فيها مئات من المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها، ولا يعد أحد منهم مخالفًا لأصول الدين".
أقول: أما ما اعترفت به من اتفاقهم على أن الأحاديث الصحيحة أصل من أصول الأحكام الشرعية، فحجة عليك وعليهم مضافة إلى سائر الحجج.
وأما عدم اتفاقهم على تحرير الصحيح وعدم اتفاقهم على العمل به فإنما حاصله أنهم يختلفون في صحة بعض الأحاديث، وذلك قليل بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، ويتوقف بعضهم عن الأخذ ببعضها بدعوى أنه منسوخ أو مؤول أو مرجوح، وليس في ذلك مخالفة للأصل الذي اتفقوا عليه.
__________
(1) وذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" مسائل أخرى لأبي حنيفة من هذا القبيل وكذلك غيره.
(3/66)

فإن قيل: منهم من يتعمد رد الصحيح بدعوى ضعفه أو نسخه أو تأويله أو رجحان غيره عليه وهو يعلم أنه لا شيء من ذلك.
قلنا: لنا الظاهر والله يتولى السرائر - على أنهم قد تراموا بهذا زمنًا طويلًا وجرت فتن وحروب ثم ملوا فمالوا إلى التجامل وحسن الظن غالبًا.
وعلى كل حال فلا متشبث لك فيما ذكر، والفرق واضح بين من يستحل معلنًا قتل المؤمنين بغير حق، ومن يقول: قتل المؤمن حرام، ثم يتفق له أن يقتل مؤمنًا قائلًا: حسبته كافرًا حربيًّا، وإن فرض دلالة القرائن على كذبه.
قال: "وقد أورد ابن القيم في "إعلام الموقعين" شواهد كثيرة جدًّا من رد الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملًا بالقياس ولغير ذلك".
أقول: القياس في الجملة دليل شرعي، وعلى كل حال فلا متنفس لك في ذلك كما مَرَّ.
قال: "ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه، وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدًا".
أقول: نصف عليك، ونصف ليس لك.
ثم ذكر أبو رية (ص 27 - 28) كلامًا قد تقدم جوابه مستوفى ولله الحمد. اه.
هذا آخر ما حرره الشيخ المعلمي في هذه القضية، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* * *
(3/67)

الفصل الخامس
عناية الأئمة بحفظ السنة واحتياطهم البالغ في نقد الرواة والأخبار
قال العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص 90):
"كان أهل العلم يشددون في اختيار الرواة أبلغ التشديد، جاء عن بعضهم -أظنه الحسن بن صالح بن حي- أنه قال: كنا إذا أردنا أن نسمع الحديث من رجل سألنا عن حالة حتى يقال: أتريدون أن تزوجوه؟
وجاء جماعة إلى شيخٍ ليسمعوا منه فرأوه خارجًا وقد انفلتت بغلته وهو يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها إياها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فرجعوا ولم يسمعوا منه، قالوا: هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث.
وذكروا أن شعبة كان يتمنى لقاء رجل مشهور ليسمع منه، فلما جاءه وجده يشتري شيئًا ويسترجح في الميزان، فامتنع شعبة من السماع منه.
وتجد عدة نظائر لهذا ونحوه في "كفاية" الخطيب (ص 110 - 114).
وكان عامة علماء القرون الأولى -وهي قرون الحديث- مقاطعين للخلفاء والأمراء، حتى كان أكثرهم لا يقبل عطاء الخلفاء والأمراء ولا يرضى بتولي القضاء، ومنهم من كان الخلفاء يطلبونهم ليكونوا بحضرتهم ينشرون العلم، فلا يستجيبون، بل يفرون ويستترون.
وكان أئمة النقد لا يكادون يوثقون محدثا يداخل الأمراء أو يتولى لهم شيئًا. وقد جرحوا بذلك كثيرًا من الرواة ولم يوثقوا ممن داخل الأمراء إلا أفرادا علم الأئمة
(3/68)

علمًا يقينًا سلامة دينهم وأنه لا مغمز فيهم البتة (1).
وكان محمد بن بشر الزنبري (2) محدثا يسمع منه الناس، فاتفق أن خرج أمير البلد لسفر، فخرج الزنبري يُشَيِّعُه، فنقم أهل الحديث عليه ذلك وأهانوه ومزقوا ما كانوا كتبوا عنه.
وكثيرا ما كانوا يُكذبون الرجل ويتركون حديثه لخبر واحد يتهمونه فيه، وتجد من هذا كثيرًا في "ميزان" الذهبي وغيره. وكذلك إذا سمعوه حدث بحديث ثم حدث به بعد مدة على وجه ينافي الوجه الأول.
وفي "الكفاية" (ص 113) عن شعبة قال: "سمعت من طلحة بن مصرف حديثًا واحدًا وكنت كما مررت به سألته عنه ... أردت أن انظر إلى حفظه، فإن غَّير فيه شيئًا تركته".
وكان أحدهم يقضي الشهر والشهرين يتنقل في البلدان يتتبع رواية حديث واحد، كما وقع لشعبة في حديث عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر (3)، وكما وقع لغيره في الحديث الطويل في فضائل السور.
ومن تتبع كتب التراجم وكتب العلل بأن له من جدهم واجتهادهم ما يحير العقول.
وكان كثير من الناس يحضرون أولادهم مجالس السماع في صغرهم ليتعودوا ذلك، ثم يكبر أحدهم فيأخذ في السماع في بلده، ثم يسافر إلى الأقطار ويتحمل السفر الطويل والمشاق الشديدة، وقد لا يكون معه إلا جراب من خبز يابس يجعله على ظهره، يصبح فيأخذ كسرة ويبلها بالماء ويأكلها ثم يغدو للسماع، ولهم في هذا قصص كثيرة.
__________
(1) كالزهري رحمه الله.
(2) بفتح الزاي وسكون النون بعدها موحدة، وهو ابن بطريق العكري المصري، ترجمته في "لسان الميزان".
(3) انظر مقدمة "المجروحين" لابن حبان (ص 29).
(3/69)

فلا يزال أحدهم يطلب ويكتب إلى أن تبلغ سنه الثلاثين أو نحوها فتكون أمنيته من الحياة أن يقبله علماء الحديث ويأذنوا للناس أن يسمعوا منه، وقد عَرف أنهم إن اتهموه في حديث واحد أسقطوا حديثه وضاع مجهوده طول عمره وربح سوء السمعة واحتقار الناس.
وتجد جماعة من ذرية أكابر الصحابة قد جرحهم الأئمة، وتجدهم سكتوا عن الخلفاء العباسيين وأعمامهم لم يرووا عنهم شيئًا مع أنهم قد كانوا يروون أحاديث.
ومن تتبع أخبارهم وأحوالهم لم يعجب من غلبة الصدق على الرواة في تلك القرون، بل يعجب من وجود كذابين منهم.
ومن تتبع تشدد الأئمة في النقد لم يعجب من كثرة من جرحوه وأسقطوا حديثه، بل يعجب من سلامة كثير من الرواة وتوثيقهم لهم مع ذلك التشديد.
وبالجملة فهذا الباب يحتمل كتابًا مستقلًا، وأرجو أن يكون فيما ذكرته ما يدفع ما يرمي إليه المستشرقون وأتباعهم -بإفاضتهم في ذكر الوضع- من تشكيك المسلمين في دينهم وإيهامهم أن الله تعالى أحل بما تكفل به من حفظ دينه، وأن سلف الأمة لم يقوموا بما عليهم أو عجزوا عنه فاختلط الحق بالباطل، ولم يبق سبيل إلى تمييزه، كلا بل حجة الله تعالى لم تزل ولن تزال قائمة، وسبيل الحق مفتوحا لمن يريد أن يسلكه ولله الحمد.
وفي "تهذيب التهذيب" (1/ 152): "قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقا فأراد قتله، فقال: أين أَنْتَ من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أَنْتَ يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا".
وفي "فتح المغيث" (ص 109): "قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ". اه.
(3/70)

• قال المعلمي: في "التنكيل" (1/ 48):
"لا ريب أن فيمن يتسم بالصلاح من المبتدعة وكذا من أهل السنة من يقع في الكذب إما تقحما في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق، ولا يختص ذلك بالعقائد، بل وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها كما يعلم من مراجعة كتب الموضوعات.
وأعداء الإسلام وأعداء السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شئون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظامًا.
ولم يزل الناس يغشون الأشياء النفيسة، ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها.
ولم يَحُلْ ذلك دون معرفة الصحيح، والخالق الذي هيأ لعبادة ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام وتكفل بحفظه إلى الأبد، وعنايته بحفظ الدين أشد وآكد؛ لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا. قال الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56].
ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها، والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها.
قيل لابن المبارك: "هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة". وتلا قول الله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9].
والذِّكْرُ يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يتوقف عليه معرفة الحق، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى
(3/71)

يوم القيامة؛ لأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع، والله عز وجل إنما خلق الخلق لعبادته، فلا يقطع عنهم طريق معرفتها، وانقطاع ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاع لعلة بقائهم فيها.
قال العراقي في "شرح ألفيته" (ج 1 ص 267): "روينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث.
وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلًا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله.
وروينا عن ابن المبارك قال: لو هَمَّ رجل في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون فلان كذاب". اه.
• وقال المعلمي في "الأنوار" (ص 80 - 81):
"أما التابعون فقد يتحفظون الحديث كما يتحفظون القرآن، كما جاء عن قتادة أنه: "كان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل حتى يحفظه" هذا مع قوة حفظه؛ ذكروا أن صحيفة جابر على كِبَرها قرئت عليه مرة واحدة -وكان أعمى- فحفظها بحروفها، حتى قرأ مرة سورة البقرة فلم يخطىء حرفًا ثم قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة".
وكان غالبهم يكتبون ثم يتحفظون ما كتبوه، ثم منهم من يبقي كتبه ومنهم من إذا أتقن المكتوب حفظًا محا الكتاب.
وهؤلاء ونفر لم يكونوا يكتبون، غالبهم ممن رُزقوا جودة الحفظ وقوة الذاكرة كالشعبي والزهري وقتادة. وقد عُرف منهم جماعة بالتزام رواية الحديث بتمام لفظه كالقاسم بن محمد بن أبي بكر ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة.
أما أتباع التابعين فلم يكن فيهم راوٍ مكثر إلا كان عنده كتب بمسموعاته يراجعها ويتعاهدها ويتحفظ حديثه منها. ثم منهم من لم يكن يحفظ، وإنما يحدث من كتابه.
(3/72)

ومنهم من جرب عليه الأئمة أنه يحدث من حفظه فيخطىء، فاشترطوا لصحة روايته أن يكون السماع منه من كتابه.
ومنهم من عرف الأئمة أنه حافظ، غير أنه قد يقدم كلمة أو يؤخرها، ونحو ذلك مما عرفوا أنه لا يغير المعنى، فيوثقونه ويبينون أن السماع منه من كتابه أثبت.
فأما مَنْ بعدهم فكان المتثبتون لا يكادون يسمعون من الرجل إلا من أصل كتابه.
كان عبد الرزاق الصنعاني ثقةً حافظا، ومع ذلك لم يسمع منه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا من أصل كتابه.
هذا، وكان الأئمة يعتبرون حديثَ كلِّ راو فينظرون كيف حدث به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يحدث مرة كذا ومرة كذا بخلافٍ لا يُحتمل ضعَّفوه.
وربما سمعوا الحديث من الرجل ثم يدعونه مدة طويلة ثم يسألونه عنه، ثم يُعتبر حرف مروياته برواية من روى عن شيوخه وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف رواية الثقات حكموا عليه بحسبها.
وليسوا يوثقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حالة في حديثه كما مرَّ، وتجدهم يجرحون الرجل بأنه يخطىء ويغلط، وباضطرابه في حديثه، وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا.
ونظرهم عند تصحيح الحديث أدق من هذا، نعم، إن هناك من المحدثين من يسهِّل ويخفِّف، لكن العارف لا يخفى عليه هؤلاء من هؤلاء. فإذا رأيت المحققين قد وثقوا رجلًا مطلقًا فمعنى ذلك أنه يروي الحديث بلفظه الذي سمعه، أو على الأقل بنحو لفظه، مع تمام معناه. فإن بأن لهم خلاف ذلك نبهوا عليه كما تقدم (ص 18). اه.
* * *
(3/73)

الفصل السادس
في الانتصار لأصحاب الحديث، وبيان مراعاتهم للعقل في نقد الأسانيد والمتون، وذم ما عليه المتكلمون والمتفلسفون لخوضهم في غوامض المعقول
• نقل العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص 5) قول أبي رية:
"وعلى أنه -يعني: الحديث النبوي- بهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة، فإن العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحق من العناية والحرس، وتركوا أمره لمن يسمون "رجال الحديث" يتداولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم. وطريقة هذه الفئة التي اتخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة لا تتغير ولا تتبدل. فترى المتقدمين منهم وهم الذين وضعوا هذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث والبحث على قدر الوسع في تاريخهم، ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن هؤلاء الرواة صحيحًا في نفسه أو غير صحيح، معقولا أو غير معقول، إذ وقفوا بعلمهم عند ما يتصل بالسند فحسب، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء ... ".
فقال المعلمي:
أقول: مراده بقوله "العلماء": المشتغلون بعلم الكلام والفلسفة، ولم يكن منهم أحد في الصحابة والمهتدين بهديهم من علماء التابعين وأتباعهم والذين يلونهم، هؤلاء كلهم ممن سماهم "رجال الحديث" ومنهم عامة المشهورين عند الأمة بالعلم والإمامة من السلف.
(3/74)

أولئك كلهم ليسوا عند أبي رية "علماء"؛ لأنهم لم يكونوا يخوضون في غوامض المعقول، بل يفرون منها وينهون عنها ويعدونها زيفًا وضلالا وخروجا عن الصراط المستقيم، وقنعوا بعقل العامة.
وأقول: مهما تكن حالهم فقد كانوا عقلاء العقل الذي ارتضاه الله عز وجل لأصحاب رسوله ورضيهم سبحانه لمعرفته ولفهم كتابه، ورضي ذلك منهم، وشهد لهم بأنهم {الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}، {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وقال لهم في أواخر حياة رسوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}.
فمن زعم أن عقولهم لم تكن مع تسديد الشرع لها كافية وافية بمعرفة الله تعالى وفهم كتابه ومعرفة ما لا يتم الإيمان ولا يكمل الدين إلا بمعرفته فإنما طعن في الدين نفسه.
وكان التابعون المهتدون بهدي الصحابة أقرب الخلق إليهم عقلا وعلما وهديا، وهكذا من اهتدى بهديهم من الطبقات التي بعدهم، وهؤلاء هم الذين سماهم أبو رية "رجال الحديث".
قد يقال: أما نفي العلم والعقل عنهم فلا التفات إليه، ولكن هل راعوا العقل في قبول الحديث وتصحيحه؟
أقول: نعم، راعوا ذلك في أربعة مواطن:
عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الرواة، وعند الحكم على الأحاديث.
فالمتثبتون إذا سمعوا خبرا تمتنع صحته أو تبعد لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإن حفظوه لم يحدثوا به، فإن ظهرت مصلحة لذكره ذكروه مع القدح فيه وفي الراوي الذي عليه تبعته.
قال الإمام الشافعي في "الرسالة" (ص 399):
"وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه". أه
(3/75)

وقال الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" (ص 429):
"باب وجوب إخراج المنكر والمستحيل من الأحاديث".
وفي الرواة جماعة يتسامحون عند السماع وعند التحديث، لكن الأئمة بالمرصاد للرواة، فلا تكاد تجد حديثا بيِّن البطلان إلا وجدت في سنده واحدا أو اثنين أو جماعة قد جرحهم الأئمة، والأئمة كثيرا ما يجرحون الراوي بخبرٍ واحدٍ منكرٍ جاء به، فضلا عن خبرين أو أكثر.
ويقولون للخبر الذي تمتنع صحته أو تبعد "منكر" أو"باطل"، وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء وكتب العلل والموضوعات.
والمتثبتون لا يوثقون الراوي حتى يستعرضوا حديثه وينقدوه حديثا حديثا.
فأما تصحيح الأحاديث فَهُم به أَعْنَى وأشدُّ احتياطا. نعم ليس كل من حُكِي عنه توثيق أو تصحيح متثبتا، ولكن العارف الممارس يميز هؤلاء من أولئك.
هذا وقد عَرف الأئمة الذين صححوا الأحاديث أن منها أحاديث تثقل على بعض المتكلمين ونحوهم، ولكنهم وجدوها موافقة للعقل المعتد به في الدين، مستكملة شرائط الصحة الأخرى.
وفوق ذلك وجدوا في القرآن آيات كثيرة توافقها أو تلاقيها أو هي من قبيلها قد ثقلت هي أيضًا على المتكلمين، وقد علموا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدين بالقرآن يقتدي به، فمن المعقول جدًّا أن يجيء في كلامه نحو ما في القرآن من تلك الآيات.
من الحقائق التي يجب أن لا يُغفل عنها أن الفريق الأول وهم الصحابة ومن اهتدى بهديهم من التابعين وأتباعهم ومن بعدهم عاشوا مع الله ورسوله، فالصحابة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه ومع القرآن، والتابعون مع القرآن والصحابة والسنة وهلم جرا.
وإن الفريق الثاني وهم المتكلمون والمتفلسفون ونحوهم عاشوا مع النظريات والشبهات والأغلوطات والمخاصمات.
(3/76)

والمؤمن يعلم أن الهُدى بيد الله، وأنه سبحانه إذا شرع إلى الهدى سبيلا فالعدول إلى غيره لن يكون إلا تباعدًا عنه وتعرضا للحرمان منه، وبهذا جاء القرآن، وعليه تدل أحوال السلف، واعتراف بعض أكابرهم في أواخر أعمارهم.
والدقائق الطبيعية شيء والحقائق الدينية شيء آخر، فمن ظن الطريق إلى تلك طريقا إلى هذه فقد ضل ضلالا بعيدا.
واعلم أن أكثر المتكلمين لا يردُّون الأحاديث التي صححها أئمة الحديث، ولكنهم يتأولونها كما يتأولون الآيات التي يخالفون معانيها الظاهرة. لكن بعضهم رأى أن تأويل تلك الآيات والأحاديث تعسُّفٌ ينكره العارف باللسان وبقانون الكلام وبطبيعة العصر النبوي، والذي يخشونه من تكذيب القرآن لا يخشونه من تكذيب الأحاديث، فأقدموا عليه وفي نفوسهم ما فيها.
ولهم عدَّة مؤلفات في تأويل الأحاديث أو رَدِّها -قد طُبع بعضُها- فلم يهملوا الحديث كما زعم أبو رية.
قول أبي رية: "والأدباء" يعني بهم: علماء البلاغة، يريد أنهم لم يتصدوا لنقد الأحاديث بمقتضى البلاغة، قال في (ص 6): "ولما وصلتُ من دراستي إلى كتب الحديث ألفيتُ فيها من الأحاديث ما يبعد أن يكون في ألفاظه أو معانيه أو أسلوبه من محكم قوله وبارع منطقه صلوات الله عليه .. . ومما كان يثير عجبي أني إذا قرأت كلمةً لأحدِ أجلاف العرب أهتزُّ لبلاغتها، وتعروني أريحية من جزالتها، وإذا قرأت بعض ما يُنسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من قولٍ لا أجد له هذه الأريحية ولا ذاك الاهتزاز، وكنت أعجب كيف يصدر عنه صلوات الله عليه مثل هذا الكلام المغسول من البلاغة والعاري عن الفصاحة، وهو أبلغ من نطق بالضاد، أَوَ يأتي منه مثل تلك المعاني السقيمة وهو أحكم من دعا إلى رشاد؟ "!.
(3/77)

أقول: أما الأحاديث الصحيحة فليست هي بهذه المثابة، والاهتزاز والأريحية مما يختلف باختلاف الفهم والذوق والهوى، ولئن كان صادقًا في أن هذه حاله مع الأحاديث الصحيحة فلن يكون حاله مع كثير من آيات القرآن وسوره إلا قريبا من ذلك.
هذا، والبلاغةُ مطابقةُ الكلام لمقتضى الحال، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان همُّه إفهامَ الناس وتعليمَهم على اختلاف طبقاتهم، وقد أمره الله تعالى أن يقول {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}.
والكلمات المنقولة عن العرب ليست بشيء يُذكر بالنسبة إلى كلامهم كلِّه، وإنما نُقِلَتْ لطرافتها، ومقتضى ذلك أنه لم يُستطرف من كلامهم غيرها.
وكذلك المنقول من شِعرهم قليل، وإنما نُقل ما اسْتُجِيدَ، والشِّعْر مظنَّة التصنُّع البالغ، ومع ذلك قد تَقرأ القصيدة فلا تهتز إلا للبيت والبيتين.
ثم إن كثيرًا مما نُقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- رُوي بالمعنى كما يأتي.
فأما سقم المعنى، فقد ذكر علماء الحديث أنه من علامات الموضوع، كما نقله أبو رية نفسه (ص 104)، وذكر ابن أبي حاتم في تقدمة "الجرح والتعديل" (ص 351) في علامات الصحيح: "أن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة".
فإن كان أبو رية يستسقم معاني الأحاديث الصحيحة فمن نفسه أُتِيَ:
ومَنْ يَكُ ذا فَمٍّ مُرٍّ مريضِ ... يَجِدْ مُرًّا بِهِ العَذْبَ الزُّلالا
قوله: " ... أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء" كذا قال، وقد أسلفتُ أن رعايتهم للمعنى سابقةٌ، يراعونه عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الراوي، ثم يراعونه عند التصحيح. ومنهم من يتسامح في بعض ذلك، وهم معروفون كما تقدم. وقد قال أبو رية (ص 104): "ذكر المحققون أمورًا كلية يُعرف بها أن الحديث موضوع ... " فذكر جميع ما يتعلق بالمعنى - نقلا عنهم.
فإن قال: ولكن مصححي الأحاديث لم يراعوا ذلك.
(3/78)

قلت: أما المتثبتون كالبخاري ومسلم فقد راعوا ذلك. بلى في كل منهما أحاديث يسيرة انتقدها بعض الحفاظ أو ينتقدها بعض الناس، ومرجع ذلك إما إلى اختلاف النظر، وإما إلى اصطلاح لهما يغفل عنه المنتقد، وإما إلى الخطأ الذي لا ينجو منه بشر.
وقد انتُقدت عليهما أحاديثُ من جهة السند، فهل يقال لأجل ذلك إنهما لم يراعيا هذا أيضًا؟. اه.
• ثم ختم العلامة المعلمي كَشْفَهُ لما في مقدمة أبي رية من التضليل والمجازفة بقوله (ص 18):
"وبعدُ، فإن أضرَّ الناس على الإسلام والمسلمين هم المحامون الاستسلاميون، يطعن الأعداء في عقيدة من عقائد الإسلام أو حُكم من أحكامه ونحو ذلك فلا يكون عند أولئك المحامين من الإيمان واليقين والعلم الراسخ بالدين والاستحقاق لعون الله وتأييده ما يثبتهم على الحق ويهديهم إلى دفع الشبهة، فيلجئون إلى الاستسلام بنظام، ونظام المتقدمين: التحريف، ونظام المتوسطين: زعْم أن النصوص النقلية لا تفيد اليقين، والمطلوب في أصول الدين اليقين، فعزلوا كتاب الله وسنة رسوله عن أصول الدين. ونظام بعض العصريين التشذيب، وأبو رية يحاول استعمال الأنظمة الثلاثة، ويوغل في الثالث.
على أن أولئك الذين سميتُهم محامين كثيرا ما يكونون هم الخصوم، والباطل جشع، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71].
وقال عز وجل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة: 120].
وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: 100، 101]، والرسول فينا بِسُنَّتِهِ.
(3/79)

وقال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].
قال أبو رية (ص 15): "وإني لأتوجه بعملي هذا -بعد الله سبحانه وله العزة- إلى المثقفين من المسلمين خاصة، وإلى المهتمين بالدراسات الدينية عامة -يعني المستشرقين من اليهود والنصارى والملحدين؛ ذلك بأن هؤلاء وهؤلاء الذين يعرفون قدره- واللهَ أدعو أن يجدوا فيه جميعًا ما يرضيهم ويرضي العلم والحق معهم".
أقول: أما المستشرقون فالذي يرضيهم معروف، وأما المثقفون فيريد أبو رية الثقافة الغربية، ويُطمِع أبا رية فيهم أن يرى أكثرهم عزلا عن الواقيين الإِسلاميين: العلم الديني، والمناعة.
وأما علماء المسلمين، وعامتهم وهم مظنة الخير فهم عند أبي رية سفهاء، واقرأ عشرين آية من أول سورة البقرة. اه.
* * *
(3/80)

الفصل السابع
في بيان بعض ما انتقد على أهل الرأي والكلام والكُتَّاب العصريين في دفع الصحيح من المرويات وقدح الثقات من الرواة وغير ذلك
• قال العلامة المعلمي في الفصل الخامس من مقدمة "التنكيل":
"الأستاذ -يعني الكوثري- من أهل الرأي، ويظهر أنه من غلاة المقلدين في فروع الفقه، ومن مقلدي المتكلمين، ومن المجارين لكُتَّاب العصر إلى حَدٍّ ما، وكل واحدة من هذه الأربع تقتضي قلة مبالاة بالمرويات، ودُربة على التمحل في ردها، وجرأة على مخالفتها واتهام رواتها.
أما أهل الرأي فهذه بدايتهم:
في "الصحيح" (1) عن أبي هريرة قال:
"إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واللهُ الموعدُ، إني كنت امرأ مسكينا أصحب رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ... ".
ومن تتبع السيرة والسنة، علم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ربما يقضي بالقضية أو يحدث بالحديث أو يفتي في مسألة، وليس عنده من أصحابه إلا الواحد أو الاثنان، ثم كان معظم أصحابه لا يحدثون بالحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- إلا عندما تدعو الحاجة، ومِنْ لازِمِ ما تقدم مع احتمال نسيان بعضهم أو موته قبل أن يخبر بالحديث أن يكون كثير من
__________
(1) البخاري (2350) (7354)، ومسلم (3492).
(3/81)

السنن ينفرد بسماعها أو بحفظها أو بروايتها آحاد الصحابة، ثم تفرق الصحابة في الأقطار، فمنهم من هو في باديته ومنهم من صار إلى الشام والعراق ومصر واليمن، فكان عند أهل كل جهة أحاديث من السنة لم تكن عند غيرهم في أول الأمر -كما روي عن مالك- ثم اجتهد أصحاب الحديث في جمع السنة من كل وجه.
وقد عُلم من الشريعة أنه ليس على العالم الإحاطة بالعلم كله، وأن من شَهد له أهل العلم بأنه عالم، فإنما عليه إذا احتاج إلى قضاءٍ أو فتوى أن ينظر في كتاب الله عز وجل وفيما يعلمه من السنة، فإن لم يجد فيهما النص على تلك المسألة سأل من يسهل عليه ممن يرجو أن يكون عنده دليل، فإن لم يجد وعَرف أن لبعض الصحابة قولًا في تلك المسألة -لم يعلم له مخالفا- أخذ به، وإن علم خلافًا رَجَّح، فإن لم يجد قول صحابي ووجد قول تابعي ممن تقدمه -لم يعلم له مخالفا فيه- أخذ به، وإن علم خلافا رجح.
وكان الغالب في الترجيح أن يرجح العالمُ قولَ من كان ببلده من الصحابة أو التابعين لمزيد معرفته بهم المقتضيةِ لزيادة الوثوق، هذا مع ما لِلإلف والعادة من الأثر الخفي، فإن لم يجد شيئًا مما تقدم اجتهد رأيه وقضى وأفتى بما يظهر له.
ثم إذا قضى أو أفتى مستندا إلى شيء مما تقدم ثم وجد دليلًا أقوى مما استند إليه -يخالف ما ذهب إليه سابقا- أخذ من حينئذٍ بالأقوى.
على هذا جرى الخلفاء الراشدون وغيرهم كما هو مبسوط في مواضعه ومنها: "إعلام الموقعين".
وكان كثير من أهل العلم من الصحابة وغيرهم يتَّقُون النظر فيما لم يجدوا فيها نصا، وكان منهم من يتوسع في ذلك، ثم نشأ من أهل العلم ولا سيما بالكوفة من توسع في ذلك، وتوسع في النظر في القضايا التي لم تقع، وأخذوا يبحثون في ذلك ويتناظرون ويصرفون أوقاتهم في ذلك، واتصل بهم جماعة من طلبة العلم تشاغلوا بذلك، ورأوه
(3/82)

أشهى لأنفسهم وأيسر عليهم من تتبع الرواة في البلدان والإمعان في جمع الأحاديث والآثار، ومعرفة أحوال الرواة وعاداتهم، والإمعان في ذلك ليعرف الصحيح من السقيم والصواب من الخطأ والراجح من المرجوح، ويعرف العام والخاص والمطلق والمبيَّن، وغير ذلك، فوقعوا فيما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال:
"إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيَتْهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم".
راجع: "إعلام الموقعين" طبعة مطبعة النيل بمصر (ج 1 ص 62) وراجع كتاب "العلم" لابن عبد البر.
فوقع فيما ذهبوا إليه وعملوا بعْدُ وأفتوْا مسائل ثبتت فيها السنة مخالفة لما ذهبوا إليه، لم يكونوا اطلعوا عليها، فكان الحديث من تلك الأحاديث إذا بلغهم ارتابوا فيه لمخالفته ما ذهب إليه أسلافهم واستمر عليه عملهم، ورأوا أنه هو الذي يقتضيه النظر المعقول (القياس).
فمن تلك الأحاديث ما كان من الثبوت والصراحة بحيث قهرهم فلم يجدوا بُدًّا من الأخذ به، وكثير منها كانوا يردونها ويتلمسون المعاذير، مع أن منها ما هو أثبت وأظهر وأقرب إلى القياس من أحاديث قد أخذوا بها، لكن هذه التي أخذوا بها مع ما فيها من الضعف ومخالفة القياس وردت عليهم قبل أن يذهبوا إلى خلافها فقبلوها اتباعا، وتلك التي ردوها مع قوة ثبوتها إنما بلغتهم بعد أن استقر عندهم خلافها واستمروا على العمل بذلك ومضى عليه أشياخهم، وربما أخذوا بشيء من النقل ثم بلغهم من السنة ما يخالفه فأعجزهم أن ينظروا كما ينظر أئمة الحديث لمعرفة الصحيح من السقيم والخطأ من الصواب والراجح من المرجوح، فقنعوا بالرأي كما ترى أمثلة لذلك في قسم "الفقهيات"، ولا سيما في مسألة ما تُقطع فيه يدُ السارق، وهذا في دَيدَنُهُم وعليه يعتمد الطحاوي وغيره منهم.
(3/83)

ولهذا بينما تجد الحنفية يتبجحون بأن مذهب أبي حنيفة وسائر فقهاء العراق تقديم الحديث الضعيف على القياس -وقد ذكر الأستاذ ذلك في "التأنيب" (ص 161) - إذا بهم يردُّون كثيرا من الأحاديث الصحيحة لمخالفتها آراء سلفهم وآراءهم التي أخذوا بها، وقد كان الشافعي ينْعي عليهم ذلك.
ومن كلامه كما في "سنن" البيهقي (ج 1 ص 148): "والذي يزعم أن عليه الوضوء في القهقهة يزعم أن القياس أن لا ينتقض، ولكنه يتبع الآثار، فلو كان يتبع منها الصحيح المعروف كان بذلك عندنا حميدا، ولكنه يردُّ منها الصحيح الموصول المعروف ويقبل الضعيف المنقطع".
فالحنفية يعرفون شناعة ردِّ السنة بالرأي، ولكنهم يتلمسون المعاذير فيحاولون استنباط أصول يمكنهم إذا تشبثوا بها أن يعتذروا عن الأحاديث التي ردوها بعذر سوى مخالفة القياس وسوى الجمود على اتباع أشياخهم، ولكن تلك الأصول مع ضعفها لا تطَّردُ لهم؛ لأنَّ أشياخهم قد أخذوا بما يخالفها، ولهذا يكثر تناقضهم، وفي مناظرات الشافعي لهم كثير من بيان تناقضهم، بل من تدبر ما كتبوه في أصول الفقه بأن له كثير من التناقض، كما ترى المتأخر منهم يخالف المتقدم.
حتى إن الأستاذ الكوثري ذكر في "التأنيب" (ص 152 - 153) عدة أصول لمحاربة السنن الثابتة، ومنها ما خالف فيه مَنْ تقدمه منهم.
ولما تعقبته في "الطليعة" (ص 102) في قوله: "عنعنة قتادة متكلم فيها" بأن ذلك الحديث في "صحيح" البخاري وفيه: "حدثنا قتادة حدثنا أنس ... " وفي "مسند" أحمد وفيه: "أنا قتادة أنَّ أنسًا أخبره ... " أجاب في "الترحيب" (ص 49) بقوله: "مِنْ مذهب أبي حنيفة أيضًا كما يقول ابن رجب في شرح "علل الترمذي" ردُّ الزائد إلى الناقص في الحديث متنا وسندا، وهذا احتياطٌ بالغٌ في دين الله ... فهل عرفت الآن يا معلمي مذهب الإمام لتقلع عن نسج الأوهام".
(3/84)

هذا والأستاذ:
يعلم أولًا: أن النسبة إلى أبي حنيفة لا يكفي في إثباتها قولُ رجلٍ حنبلي بينه وبين أبي حنيفة عدة قرون!
ويعلم ثانيًا: ما في كتب مذهبه مما يخالف هذا.
ويعلم ثالثًا: أن قول الراوي: "قتادة عن أنس" وقوله مرة أخرى أو قول غيره: "قتادة أن أنسًا أخبره" ليس من باب النقص والزيادة، وإنما هو من باب المحتمل والمعين أو المجمل والمبين.
ويعلم رابعًا: أن من أصل الحنفية الاحتجاج بالمنقطع، فما لم يتبين انقطاعه بل هو متردد بين الاتصال والانقطاع أَوْلَى، فإذا ثبت مع ذلك اتصاله من وجه آخر فآكَدُ.
ويعلم خامسًا: أنه لا ينبغي له أن يدفع عن نفسه بإلقاء التهم على إمامه.
فأما الاحتياط البالغ في دين الله الذي يُمَوِّهُ به الأستاذ فالتحري البالغ الذي سبق ما فيه في الفصل الثالث فلا نعيده ...
والمقصود هنا أن أصحاب الرأي لهم عادة ودُربة في دفع الروايات الصحيحة، ومحاولة القدح في بعض الرواة حتى لم يسلم منهم الصحابة -رضي الله عنهم-، على أن الأستاذ لم يقتصر على كلام أسلافه وما يقرب منه بل أرْبَى عليهم جميعًا كما تراه في "الطليعة" ويأتي بقيته في التراجم إن شاء الله تعالى.
وأما غُلاة المقلدين فأَمْرُهم ظاهر؛ وذلك أن المتبوع قد لا تبلغه السنة، وقد يغفل عن الدليل أو الدلالة، وقد يسهو أو يخطىء أو يزِلَّ، فيقع في قولٍ تجيء الأحاديث بخلافه، فيحتاج مقلدوه إلى دفعها والتمحل في ردها، ولو اقتصر الأستاذ على نحو ما عرف عنهم لهان الخطْب، ولكنه يَعُدُّ غلوهم تقصيرًا!.
(3/85)

وأما المتكلمون فأوَّلُ مَنْ بلَغَنا أنه خاض في ذلك: عمرو بن عبيد، ذُكر له حديثٌ يخالف هواه، رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال عمرو: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذَّبْتُه، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله لما قبلته، ولو سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله عز وجل يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا" وتعدَّى إلى القرآن فقال في: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} وقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا}: "لم يكونا في اللوح المحفوظ" كأنه يريد أن الله تبارك وتعالى لم يكن يعلم بما سيكون من أبي لهب ومن الوحيد.
ثم كان في القرن الثاني جماعةٌ ممن عُرف بسوء السيرة والجهل بالسنة ورِقَّةِ الدين كثمامة بن أشرس والنظام والجاحظ، خاضوا في ذلك، كما أشار إليه ابن قتيبة وغيره، وجماعة آخرون كانوا يتعاطون الرأي والكلام يردُّون الأخبار كلها، وآخرون يردُّون أخبار الآحاد أي ما دون المتواتر، كسر الله تعالى شوكتهم بالشافعي، حتى إن شيوخه ومن في طبقتهم من الأكابر كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي انتفعوا بكتبه.
قال الشافعي في "الأم" (ج 7 ص 250): "باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها" ثم ذكر مناظرته لهم. ثم قال بعدُ: "باب حكاية قول من رد خبر الخاصة" فذكر كلامه معهم، وبسط الكلام في ذلك في "الرسالة"، وفي كتاب "اختلاف الحديث".
ثم كانت المحنة وويلاتها، وكان دعاتُها لا يجرءون على ردِّ الحديث، وسيأتي في ترجمة: علي بن عبد الله بن المديني بعض ما يتعلق بذلك، ثم جاء محمد بن شجاع بن الثلجي فلم يجرؤ على الرد، إنما لَفَّقَ ما حاول به إسقاط حماد بن سلمة، كما يأتي في
(3/86)

ترجمة حماد إن شاء الله تعالى، وجمع كتابا تكلف فيه تأويل الأحاديث، وتبعه من الأشعرية ابن فورك في كتابه المطبوع.
ثم اشتهر بين المتكلمين أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لا تصلح حجة في صفات الله عز وجل ونحوها من الاعتقاديات، وصرحوا بذلك في كتب الكلام والعقائد كالمواقف وشرحها، والأمر أشد من ذلك كما يأتي في الاعتقادات إن شاء الله تعالى.
والأستاذ يدين بالكلام ويتشدد، ومع هذا كله فغالب أصحاب الرأي وغلاة المقلدين وأكثر المتكلمن لم يُقْدِمُوا على اتهام الرواة الذين وثقهم أهل الحديث، وإنما يحملون على الخطأ والغلط والتأويل، وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي والمقلدين، أما الأستاذ فبرز على هؤلاء جميعًا!
وأما كُتَّابُ العصر فإنهم مقتدون بكُتَّاب الإفرنج الذين يتعاطون النظر في الإِسلاميات ونحوها، وهم مع ما في نفوسهم من الهوى والعداء للإسلام إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منه.
فمن الموانع: التدين والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة، وقد قال سبحانه: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} وفي "الصحيح" عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "علامة المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف".
وإخلاف الوعد أغلب ما يكون إذا كان الوعد كذبا، والخيانة تعمد الكذب كما لا يخفى، وقال أبو بكر الصديق: "الكذب مجانب للإيمان".
فأما توهم حِلِّ الكذب في مصلحة الدين فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدهم غفلة؛ لأنَّ حَظْرَ الكذب مطلقا هو من أظهر الأحكام الشرعية.
(3/87)

وأولئك الكُتَّاب لا يَعرفون هذا المانع؛ لأنهم لا يجدونه في أنفسهم، ولا يجدون فيمن يخالطونه مَنْ تقهرهم سيرتُه على اعتقادِ اتصافِه بهذا المانع؛ لضعف الإيمان في غالب الناس ورقة التدين.
ولا يَعرفون من أحوال سلف المسلمين ما يقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع؛ لأنهم إنما يُطالعون التواريخ وكتب الأدب ك"الأغاني" ونحوها، وهذه الكتب يكثر فيها الكذب والحكايات الفاجرة.
كان فجرة الإخباريين يضعون تلك الحكايات لأغراضٍ:
منها: دفع الملامة عن أنفسهم -يقولون ليس هذا العيب خاصًا بنا بل كان من قبلنا كذلك حتى المشهورون بالفضل. ومنها: ترويج الفجور والدعاية إليه ليكثر أهله فيجد الداعي مساعدين عليه ويقوى عذره.
ومنها: ترغيب الأمراء والأغنياء في الفجور وتشجيعهم عليه ليجد الدعاة المتأدبون مراعي خصبة يتمتعون فيها بلذاتهم. ومنها: التقرب إلى الأمراء والأغنياء بالحكايات الفاجرة التي يلذُّ لهم سماعُها، إلى غير ذلك.
وما يوجد في تلك الكتب من الصدق إنما يصوِّر طائفةً مخصوصةً كالأمراء المترفين والشعراء والأدباء ونحوهم.
ولو عكف أولئك الكُتَّاب على كتب السنة ورجالها وأخبارهم، لعلموا أن هذه الطائفة وهي طائفة أصحاب الحديث كان ذلك المانع غالبا فيهم.
وقد احتج بعضهم بما في "الأغاني" في أخبار عمر بن أبي ربيعة من طريق عبد العزيز ابن أبي ثابت -وهو عبد العزيز بن عمران- عن محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ...
ولو راجع تراجم هؤلاء في كتب رجال الحديث وفكَّر في أحوالهم وفي حال القصة لعلم بطلان القصة حتما.
(3/88)

ومن الموانع: خوف الضرر الدنيوي، وأولئك الكُتَّاب يُعرفون شرط هذا المانع وهو الضرر المادي، فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنبون الخيانة والكذب في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم فيعدلوا إلى معاملة غيرهم، بل أصحاب المصانع والمتاجر الصغيرة يجرون على ذلك غالبا، وإلا لكانت الخصومات مستمرة في الأسواق بل لعلها تتعطل الأسواق فليتدبر القارىء ذلك.
فأما الشطر المعنوي فان أولئك الكُتَّاب لا يقدرون قدره.
فأقول: كان العرب يحبون الشرف، ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل، وفي أوائل "صحيح" البخاري في قصة أبي سفيان بن حرب: أن هرقل لما جاءه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، دعا بمن كان بالشام من تجار قريش، فأُتِي بأبي سفيان ورهطٍ معه قال: "ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيُّكُم أقربُ نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسبا، قال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه. قال: فوالله لولا الحياء من أن يأْثِرُوا عليَّ كذبا لكذبت عليه ... ".
قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفي قوله: يأثروا دون قوله يكذبوا دليل على أنه كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه ترك ذلك استحياءً وأَنفَةً من أن يتحدثوا بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذابا. وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك".
أقول: وهذا هو الذي أراه هرقل. ثم جاء الإسلام فشدد في تقبيح الكذب جدًّا حتى قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}.
وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رجلًا كذب عليه فبعث عليا والزبير فقال: "اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه".
وتوهَّمَ رجل من صغار الصحابة أمرًا، فأخبر بما توهَّمَهُ وما يقتضيه، ففضحه الله عز وجل إلى يوم القيامة؛ إذ أنزل فيه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}.
(3/89)

ثم كان الصحابي يرى من إكرام التابعين له وتوقيرهم وتبجيلهم ما لا يخفى أثره على النفس، ويعلم أنه إن بان لهم منه أنه كذب كذبة سقط من عيونهم ومقتوه واتهموه بأنه لم يكن مؤمنا وإنما كان منافقا.
وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال ودام ذلك زمانا، ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه رمى مخالفَهُ بالكذب في الحديث، وكان التابعون إذا سمعوا حديثا من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة، ولم يبلغنا أن أحدًا منهم كذَّبَ صاحبه، غاية الأمر أنه قد يخطئه، وكان المهلب بن أبي صفرة في محاربته الأزارقة يعمل بما رُخِّصَ فيه للمحارب من التورية الموهمة، فعاب الناسَ عليه ذلك حتى قيل فيه:
أنتَ الْفَتَى كُلَّ الْفَتَى ... لَوْ كُنْتَ تَصْدُقُ مَا تَقُولُ
ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشَّحُ لطلب الحديث وهو طفل، ثم ينشأ دائبا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارا، ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان، ويقاسي المشاقَّ الشديدة كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة، وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث ويسمعوا منه ويرووا عنه.
وفي "تهذيب التهذيب" (ج 1، ص 183): "قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كنت قاضيا وأميرا ووزيرا، ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي (1): من ذكر رضي الله عنك؟ ".
وفيه (ج 6، ص 314): "روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث فتعلقت بالكعبة وقلت: يا رب ما لي أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاءوني".
__________
(1) كان إذا أكثر الجمع عند المحدث يقوم رجل صيت يسمع إملاء الشيخ الحديث ويستفهمه فيما يخفى، ثم يعيد ذلك بصوت عال ليسمعه الحاضرون فهذا الرجل يقال له "المستملي"، كتبه العلامة الألباني رحمه الله.
(3/90)

وقد علم طالب الحديث في أيام طلبه تشدد علماء الحديث وتعنتهم وشدة فحصهم وتدقيقهم، حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخٍ ليسمعوا منه فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا: إنه كذاب؛ كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيرا، والواقع أنه ليس فيها شيء. وفي "تهذيب التهذيب" (ج 11، ص 284): "وقال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول من بكَّر عليه، فسألته أن يملي على شيئًا، فأخذ الكتاب يملي فإذا بإنسان يدق الباب فقال الشيخ من هذا؟ ... فإذا بآخر يدق الباب قال الشيخ من هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: قدم علينا عبد الوهاب بن عطاء، فكتب إلى أهل البصرة: وقدِمْتُ بغداد وقَبِلَنِي يحيى بن معين والحمد لله".
فمن تدبر أحوال القوم بأن له أنه ليس العجب ممن تحرز عن الكذب منهم طول عمره، وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب، كما أنه من تدبر كثرة ما عندهم من الرواية وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه، وتدبر تعنت أئمة الحديث بان له أنه ليس العجب ممن جرحوه بل العجب ممن وثقوه.
ومن العجب أن أولئك الكُتَّاب يلاحظون الموانع في عصرهم هذا، بل في وقائعهم اليومية، فيعلمون من بعض أصحابهم أنه صدوق فيثقون بخبره، ولو كان مخالفًا لبعض ما يظهر لهم من القرآن بحيث لو كان المدار على القرائن لكان الراجح خلاف ما في الخبر، ويعرفون آخر بأنّه لا يتحرز عن الكذب فيرتابون في خبره ولو ساعدته قرائن فلا تكفي وحدها لحصول الظن، وهكذا يصنعون في أخبار مكاتبي الصحف وفي الصحف أنفسها؛ فمن الصحف ما تعوَّد الناس منها أنها لا تكاد تنقل إلا الأخبار الصحيحة، فيميلون إلى الوثوق بما يقع فيها وإن خالف القرائن، وفيها ما هو على خلاف ذلك.
(3/91)

وبالجملة فلا يرتاب عاقل أن غالب مصالح الدنيا قائما على الأخبار الظنية، ولو التزم الناس أن لا يعملوا بخبر من عرفوا أنه صدوق حتى توجد قرائن تغني في حصول الظن عن خبره لاستغنوا عن الأخبار، بل لفسدت مصالح الدنيا.
ولست أجهل ولا أجحد ما في طريقة الكُتَّاب من الحق ولكنني أقول: ينبغي للعاقل أن يفكر في الآراء التي يتظناها العقلاء في عصرهم نفسه بناء على العلامات والقرائن، أليس يكثر فيها الخطأ؟ هذا مع تيسر معرفتهم بعصرهم وطابع أهله وأغراضهم وسهولة الاطلاع على العلامات والقرائن، فما أكثر ما يقع لأحدنا كل يوم من الخطأ يتراءى أن القرائن والأمارات تقتضي وقوع الأمر، ثم لا يقع، وتقتضي أن لا يقع، ثم يقع، فما بالك بالأمور التي مضت عليها قرون، ولا سيما إذا لم يتهيأ للناظر تتبع ما يمكن معرفته من القرائن والأمارات ولم يلاحظ الموانع، فأما إذا كان له هوى فالأمر أوضح.
والناظر إنما يشتد حرصه على الإصابة في القضايا العصرية؛ لأنه يخشى انكشاف الحال فيها على خلاف ما زعم، فأما التي مضت عليها قرون -والباحثون عنها قليل- فإنه لا يبالي، اللهم إلا أن يكون متدينا محترسا من الهوى، على أن الأستاذ لم يخلص لطريقة الكُتَّاب، بل كثيرا ما يرمي بالقرائن القوية والدلالات الواضحة خلف ظهره، ويحاول اصطناع خلافها، وسدّ الفراغ بالتهويل والمغالطة، كما سترى أمثلة من ذلك في هذا الكتاب. وأسأل الله لي وله التوفيق. اه
* * *
(3/92)

الفصل الثامن
في رفع الإشكال عن كلمات في ذم الحديث وطلبته خرجت من أصحابها دون قصد ظاهرها
قال الثوري: "لو كان الحديث خيرًا لذهب كما ذهب الخير".
• قال المعلمي في "الأنوار": (ص 287 - 289):
أقول: لم يقصد نفي الخير عن الحديثِ نفسِه، كيف والقرآنُ خيرٌ كُلُّهُ ولم يذهب، ولا عن طلب الحديث جملة. فإن المتواتر المعلوم قطعا عن الثوري خلاف ذلك.
وإنا قصد أن كثيرًا من الناس يطلبون الحديث لغير وجه الله، وذلك أنه رأى أن الرغبة في الخير المحض لم تزل تَقِلّ، كانت في الصحابة أكثر منها في التابعين، وفي كبار التابعين أكثر منها في صغارهم، وَهَلُمَّ جَرَّا، وفي جانب ذلك رأى رغبة الناس في طلب الحديث لم تنقص، فرأى أنها ليست خيرا على الإطلاق، يعني أن كثيرا ممن يطلب الحديث يطلبه لِيُذْكَر ويشتهر ويقصده الناس ويجتمعوا حوله ويعظموه.
وأقول: إن العليم الخبير أحكم الحاكمين كما شرع الجهاد في سبيله لإظهار دينه، ومع ذلك يسَّر ما يرغب فيه من جهة الدنيا، فكذلك شرع حفظ السنة وتبليغها، ومع ذلك يسَّر ما يرغب في ذلك من جهة الدنيا؛ لأنه كما يحصل بالجهاد عن الإسلام -وإن قلَّ- ثوابُ بعض المجاهدين، فكذلك يحصل بطلب الحديث وحفظه حفظُ الدين ونشره -وإن قلَّ- أجرُ بعض الطالبين.
وذكر أبو رية (ص 330) كلماتٍ لبعض المحدثين في ذم أهل الحديث -يعنون طلابه، التقطها من كتاب (العلم) لابن عبد البر، وقد قال ابن عبد البر هناك (2/ 125): "هذا كلام خرج على ضجر، وفيه لأهل العلم نظر". اه
(3/93)

وإيضاح ذلك أن الرغبة في طلب الحديث كانت في القرون الأولى شديدة، وكان إذا اشتهر شيخ ثقة معمِّر مكثر من الحديث، قصده الطلاب من آفاق الدنيا، منهم من يسافر الشهر والشهرين وأكثر ليدرك ذاك الشيخ، وأكثر هؤلاء الطلاب شُبَّان، ومنهم من لا سعة له من المال، إنما يستطيع أن يكون معه من النفقة قدرٌ محدودٌ يتقوَّت منه حتى يرجع أو يلقى تاجرا من أهل بلده يأخذ منه الشيء، وكان منهم مَنْ كل نفقته جراب يحمله، فيه خبز جاف يتقوت كل يوم منه كسرة يبلها بالماء ويجتزىء بها، ولهم في ذلك قصص عجيبة.
فكان يجتمع لدى الشيخ جماعة من هؤلاء، كلُّهم حريص على السماع منه، وعلى الاستكثار ما أمكنه في أقل وقت، إذ لا يمكنه إطالة البقاء هناك؛ لقلة ما بيده من النفقة، ولأنه يخاف أن يموت الشيخ قبل أن يستكثر من السماع منه، ولأنه قد يكون شيوخ آخرون في بلدان أخرى يريد أن يدركهم ويأخذ عنهم.
فكان هؤلاء الشباب يتكاثرون على الشيخ ويلحُّون عليه ويبرمونه، فيتعب ويضيق بهم ذرعا، وهو إنسان له حاجات وأوقات يجب أن يستريح فيها، وهم لا يَدَعُونَهُ (1).
ومع ذلك فكثير منهم لا يرضون أن يأخذوا من الشيخ سلاما بسلام، بل يريدون اختباره ليتبين لهم أضابط هو أم لا. فيوردون عليه بعض الأسئلة التي هي مظنة الغلط، ويناقشونه في بعض الأحاديث، ويطالبونه بأن يبرز أصل سماعه.
وإذا عثروا للشيخ على خطأ أو سقط، أو استنكروا شيئًا من حاله، خرجوا يتناقلون ذلك بقصد النصيحة، فكان بعض أولئك الشيوخ إذا ألَحَّ عليه الطلبة وضاق بهم ذرعًا أطلق تلك الكلمات:
__________
(1) من ذلك ما روي عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية قال: "ما رأيت قومًا أعجب من أصحاب الحديث؛ يأتون من غير أن يُدْعَوْا، ويزورون من غير شوق، ويُبرمون بالمساءلة، يُملُّون بطول الجلوس". "كامل" ابن عدي (6/ 2400).
(3/94)

"أنتم سخنة عين".
"لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربًا".
"ما رأيت علمًا أشرف ولا أهلًا أسخف من أهل الحديث".
"صرت اليوم ليس شيء أبغض إليَّ من أن أرى واحدًا منهم".
"إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون".
"لأنا أشد خوفًا منهم من الفساق"؛ لأنهم يبحثون عن خطئه وزلَلِه ويُشيعون ذلك.
والغريب أن أولئك الطلاب لم يكونوا يدَعون هذه الكلمات تذهب، بل يكتبونها ويروُونها فيما يروون، فيذكرها من يريد عتاب الطلاب وتأديبهم كابن عبد البر، ويهتبلها أبو رية ليعيب بها الحديث وأهله جملة.
فأما قول الثوري: "أنا في هذا الحديث منذ ستين سنة، وودت أني خرجت منه كفافًا لا عليّ ولا لي".
فهذا كلام المؤمن الشديد الخشية تتضاءل عنده حسناته الكثيرة العظيمة، ويتعاظم في نظره ما يخشى أن يكون عرض له من تقصير أو خالطه من عُجب.
وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو هذا فيما كان له بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عمل، وإنما كان عمله ذلك جهادًا في سبيل الله وإعلاء دينه وتمكين قواعده وإقامة العدل التام، وغير ذلك من الأعمال الفاضلة. وقد كان فيها كلها أبعد الناس عن حظ النفس، بل كان يبالغ في هضم نفسه وأهل بيته.
وكل عارف بالإيمان وشأنه يعرف لكلمة عمر حقها، ولكن الرافضة عكسوا الوضع، وقفاهم أبو رية في كلمة الثوري وما يشبهها". اه
* * *
(3/95)

الفصل التاسع
الإشارة إلى إعراض كثير من الناس في العصور المتأخرة عن هذا العلم العظيم، ووجوب تسليم مَن دون أئمة الحديث لهم في معرفة المقبول من المردود
تناول العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص 87 - 88) معنى التساهل في رواية الفضائل عند المتقدمين والمتأخرين، فقال:
"كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة.
ومنهم من إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنة، إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك، لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عباراتهم.
غير أن بعض من جاء بعدهم فهم منها التساهل فيما يرد في فضيلةٍ لأمر خاص قد ثبت شرعه في الجملة، كقيام ليليةٍ معينة فإنها داخلة في جملة ما ثبت من شرع قيام الليل، فبنى على هذا جواز أو استحباب العمل بالضعيف.
وقد بيَّن الشاطبي في "الاعتصام" خطأ هذا الفهم، ولي في ذلك رسالة لا تزال مسودة (1).
على أن جماعة من المحدثين جاوزوا في مجاميعهم ذاك الحد، فأثبتوا فيها كل حديث سمعوه ولم يتبين لهم عند كتابته أنه باطل.
__________
(1) ولي في ذلك رسالة: "حكم العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال" وهي مطبوعة.
(3/96)

وأفرط آخرون فجمعوا كل ما سمعوا، معتذرين بأنهم لم يلتزموا إلا أن يكتبوا ما سمعوه ويذكروا سنده، وعلى الناس أن لا يثقوا بشيء من ذلك حتى يعرضوه على أهل المعرفة بالحديث ورجاله.
ثم جاء المتأخرون فزادوا الطين بلة بحذف الأسانيد.
والخلاص من هذا أسهل، وهو أن تُبَيَّنَ للناس الحقيقة، ويُرجع إلى أهل العلم والتقوى والمعرفة.
لكن المصيبة حق المصيبة إعراض الناس عن هذا العلم العظيم، ولم يبق إلا أفراد يلمّون بشيء من ظواهره، ومع ذلك فالناس لا يرجعون إليهم، بل في الناس من يمقتهم ويبغضهم ويعاديهم ويتفنن في سبهم عند كل مناسبة ويدّعي لنفسه ما يدّعي، ولا ميزان عنده إلى هواه لا غير، وما يخالف هواه لا يبالي به ولو كان في "الصحيحين" عن جماعة من الصحابة، ويحتج بما يحلو له من الروايات في أي كتاب وجد، وفيما يحتج به: الواهي والساقط والموضوع، كما ترى التنبيه عليه في مواضع من كتابي هذا، والله المستعان". اه
• وقال المعلمي في "التنكيل" (2/ 34):
"أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنه صحيح.
والواجب على مَنْ دونهم التسليمُ لهم". اه
قال أبو أنس:
راجع مقدمتي لهذا القسم، ففيها إشارة إلى ذلك.
* * *
(3/97)

الباب الثاني
في قواعد نقد الخبر وشرائط قبول الحديث
وفيه فصلان:
الفصل الأول: القواعد النظرية منزلتها من النقد.
الفصل الثاني، مراتب نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث.
وهي كما ذكرها المعلمي:
المرتبة الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا.
[وتشمل الشروط الواجب توافرها في المُخْبِر "الراوي"، وهي:
• الشرط الأول: الإسلام.
• الشرط الثاني: البلوغ.
• الشرط الثالث: العقل.
• الشرط الرابع: العدالة.
• الشرط الخامس: الضبط].
المرتبة الثانية: النظر في اتصاله. [وتبحث شرط اتصال السند لقبول الخبر].
المرتبة الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطإٍ إن كان. [وتبحث في مسائل الشذوذ والعلة].
المرتبة الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه.
(3/99)

الفصل الأول
القواعد النظرية ومنزلتها من النقد
• قال العَلّامةُ المعلمي في القاعدة "الخامسة" من مقدمة "الفوائد المجموعة" (ص 9):
"القواعد المقررة في مصطلح الحديث:
منها ما يُذكر فيه خلاف، ولا يُحقق الحق فيه تحقيقًا واضحًا، وكثيرًا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرًا.
وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل، مع حسن الفهم وصلاح النيّة". اه.
• وقال في "الأنوار الكاشفة": (ص 285 - 286):
"أما القواعد النظرية قديمها وحديثها فحقها أن تضاف بلى القواعد السندية بعد دراسة الناقد لهذه دراسة وافية وإيفائها حقها.
فأما الاقتصار على القواعد النظرية أو ترجيح غير القطعي الحقيقي منها على رواية الثقات الأثبات، أو الاستدلال به على صدق الحكايات الواهية، فضرره أكثر من نفعه.
كثيرًا ما يبلغنا حدوثُ حادثةٍ في عصرنا هذا، فنرى صحتها؛ لأننا نرى أن الأسباب تستدعيها وتكاد توجب وقوعها، ثم يتبين أنها لم تقع.
وتبلغنا واقعةٌ فنرتاب فيها، ونكاد نجزم بتكذيبها، ثم يتبين أنها وقعت، فإن قيل: إنما ذلك لخطئنا في اعتقاد أن هذا سببٌ أو مانعٌ، أو في تقدير قوته، أو لجهلنا بزماننا ومكاننا وبيئتنا، فكيف بما مضى عليه بضعة عشر قرنا؟
(3/101)

ومما يجب التنبيه له أنه قد يثبت من جهة السند نصٌ يستنكره بعض النقاد، وحَقُّ مثل هذا أن لا يبادَر إلى ردِّه، بل يمعن النظر في أمرين:
الأول: معنى النص، فقد يكون المراد منه معنى غير الذي استنكر.
الثاني: سبب الاستنكار، فكثيرا ما يجيء الخلل من قِبَلِهِ.
وقد تقضي القرائنُ وقوعَ أمرٍ سكتت عنه الروايات الصحيحة، وتَرِد روايةٌ واهيةُ السند فيها ما يؤدى ذاك الأمر في الجملة فيبادر الناقد إلى تثبيتها، وفي هذا ما فيه.
ألا ترى أنه قد يجيئك شخصٌ ضربه آخر فتسأله: لم ضربك؟ فيقول: بلا سبب. فترتاب في صدقه، فإذا جاء خصمه فقال: إنما ضربته لأنه سبني سبا شنيعا، قال: كيت وكيت، ظننتَ أنه صادقٌ في الجملة، أي أنه قد كان سبٌّ، ولكنه قد يكون دون ما ذكره الضارب بكثير.
فالصواب أن تذكر الرواية، وأنها واهية السند، ثم يقال: ولكن القرائن تقتضي أنه قد كان شيءٌ من ذاك القبيل.
هذا هو مقتضى التحقيق والأمانة". اه.
قال أبو أنس:
نطرح هاهنا سؤالًا مُهِمًّا، ونحاول الجواب عنه؛ تَتِمَّةً لهذا الموضوع، وهو:
مِنْ أين تُؤْخَذُ القواعدُ النظريةُ في هذا الفن؟ وكيف يُفهم التطبيقُ العَمَليّ لها؟
فأقول، وبالله تعالى التوفيق:
أما الشِّقُّ الأول من السؤال؛ فلا يختلف ناظران ولا باحثان في علمٍ من العلوم أو فَنٍّ من الفنون أن لِكُلٍّ رجالًا يُؤْخَذُ عنهم حدودُه وأقسامُه، ومعاني مصطلحاته، وغير ذلك مما لا يقوم إلا به.
وهؤلاء الرجال يتعاقبون جيلًا بعد جيلٍ، يضع الأوائل منهم قواعدَه وأصولَه، ويُبَيِّنُون أُسسَهُ ومبادئه، ويحدُّون ضوابطَه، ثم يسير مَن بَعْدهم على خُطاهم.
(3/102)

ولا شَكَّ أن تلك الأَوَّليَّة مِن بديهياتها أن يكون كلامُ السابقين: منتشرًا في ثنايا الكتب؛ ليس مجموعًا في مكانٍ واحدٍ، قليلًا بحسب ما اقتضاه السؤال والمقام، ليس كثيرًا مُتكلفًا، موجزًا مجملًا في غالب الأحيان، لا مُسهبًا مطولًا مشروحًا، معتمدًا أكثره على إشارات وإيماءات يفهمها أهل الفن في حينها، وهي كاللغة؛ فلا يحتاج الطلبة إلى تفسيرها وشرح المقصود منها.
ثم تتابع المعتنون بهذا العلم في تَأمُّل ما ورثوه عن الأوائل، محاولين جمع ما تشتت منه، وتصنيفه وتبويبه، وذكر أنواعه، وشرح ما غمض منه، فكانت الكتب المصنفة في "مصطلح الحديث" على مَرِّ العصور.
وأَلْفِتُ النظر هنا إلى أوائل ما كُتب في هذا الشأن كتابةً خاصَّةً؛ إرشادا للطالب إلى مطالعة تلك المصنفات، فهي أصل هذا العلم، وعليها المعوَّل، بالإضافة إلى تصرفات النقاد العملية في ذلك، فأقول وبالله التوفيق:
(1)
ضَمَّنَ الشافعي رحمه الله تعالى (المتوفَّى سنة 240 ه) كتابه "الرسالة" بعض الأبحاث المتعلقة بعلم المصطلح، منها:
الصفات اللازم توفرها في خبر الخاصة كي يكون حجة، فقال:
1 - أن يكون من حدَّث به ثقةً في دينه.
2 - معروفًا بالصدق في حديثه.
3 - عاقلًا لما يحدث به.
4 - عالمًا بما يُحيلُ معاني الحديث من اللفظ.
5 - أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، لا يحدث به على المعنى ...
6 - حافظًا إن حدَّث به من حفظه.
(3/103)

7 - حافظًا لكتابه إن حدَّث من كتابه.
8 - إذا شرك أهل الحفظ في حديثٍ وافق حديثهم.
9 - بريًّا من أن يكون مدلسًا يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه.
10 - و [بريًّا أن] يحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يحدث الثقات خلافه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
11 - ويكون هكذا مَنْ فوقه مِمَّن حدثه.
12 - حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أو إلى من انتهى به إليه دونه. اه
فقد تَضمَّنَ كلامُ الشافعي ما اشتهر بعد ذلك ب: "شروط صحة الحديث"، وهي:
• العدالة (رقم 1، 2).
• الضبط (رقم 6، 7).
• الاتصال (9، 12).
• انتفاء الشذوذ والعلة (8، 10).
ويزيد عليها ما عُرف ب:
• "دراية" المحدث لما يحدث به (3، 4).
• رواية الحديث على اللفظ دون المعنى (5).
ثم ذكر مسألة الرواية بالمعنى بشيء من التفصيل.
وذكر قبول عنعنة غير المدلس، وأن من دلّس مَرَّة فقد أبان عورته في روايته.
وأن من كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتابٍ صحيح، لم يقبل حديثه.
وذكر تقديم المعروف بطلب علم الحديث وسماعه وطول مجالسة أهل التنازع فيه على من خالفه من أهل التقصير عنه.
وبيَّن طريقة الاستدلال على حفظ الراوي بموافقة أهل الحفظ فيما رَوَوْا.
(3/104)

وتكلم على الحديث المنقطع والمرسل، وذكر شروط الاحتجاج بالحديث المرسل عنده.
وكذا ذكر بعض القضايا الأصولية، كالاحتجاج بخبر الواحد، والفرق بين شروط الرواية والشهادة.
(2)
ووَضَعَ مسلمٌ (المتوفَّى سنة 261 ه) مقدمةً لصحيحه، أبان فيها شيئًا من قواعد هذا الفن، منها:
مراتب ناقلي الأخبار، وبيَّن انقسامهم إلى ثلاثة أو أربعة مراتب:
الأولى: أهل الاستقامة في الحديث، والإتقان، وصفتهم: أنه لا يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليطٌ فاحش.
الثانية: من لم يوصف بالحفظ والإتقان، لكن اسم السِّتر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، وهم أنزل من المرتبة الأولى.
الثالثة: قوم عند أهل الحديث أو أكثرهم مُتَّهَمُون.
الرابعة: من كان الغالب على حديثه المُنكر أو الغلط.
ثم شرح ما يُستدل به على المنكر، فقال:
"وعلامةُ المنكر في حديث المحدث: إذا ما عُرِضَتْ روايتُه للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا: خالفتْ روايتُه روايتَهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجورَ الحديث، غيرَ مقبوله ولا مستعمله".
قال: "فلسنا نعُرج على حديث هذا الضرب ولا نتشاغل به؛ لأنَّ حُكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما تفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك
(3/105)

الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رَوَوْا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبلتْ زيادته.
فأما مَنْ تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل الحديث مبسوطٌ مشتركٌ قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العَدَد من الحديث، مما لا يعرفُه أحدٌ من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبولُ حديثِ هذا الضرب من الناس".
* ثم ذكر أن الواجب على كُلِّ أحدٍ عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الغافلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع.
ثم ذكر ما يدل على ذلك من القرآن.
ثم ذكر أبوابًا في:
• تغليظ الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
• والنهي عن الحديث بكل ما سمع.
• والنهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.
• وبيَّن أن الإسناد من الدين.
• ووجوب بيان ما في الرواة من الجرح حفظًا للسنة.
• والتنبيه على أن صلاح المرء في نفسه ودينه شيء، وثقته في الحديث وأخذه عنه شيء آخر، وأنه يكثر وقوع الكذب -وهو هنا بمعنى الخطأ- على لسان أهل الخير والصلاح -من غير أهل الثبت في الحديث- من غير تعمّد منهم لذلك.
• وأهمية التفتيش عن صدق الرواة وكيفية تحديثهم للحديث في الأوقات المختلفة، والنظر في كتب البعض إن احتاج الأمر وحصلت الريبة.
(3/106)

• وذمّ مجالسة القُصَّاص لكثرة تحديثهم بالغرائب والمناكير.
• وذم الرافضة وترك حديثهم.
• وكشف الذين يَدَّعون سماعاتٍ كذبًا.
• والذين يضعون كلامًا صحيح المعنى، وينسبونه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كذبًا.
• ومن يكذب لِيُرَوِّجَ بدعتَه.
• وأن من لا يؤتمن على دينه لا يؤتمن على الحديث.
• ومن أطلق الكذب أحيانًا بمعنى مخالفة الرواية للواقع، وإن لم يكن هناك تعمُّد.
• وكشف كذب الراوي بروايته عن شيخه ما ثبت عنه خلافه إذا تكرر منه ذلك، وبروايته الحديث الواحد مراتٍ عن شيوخ مختلفين.
• وبيان التصحيف في الأسانيد والمتون.
• وذم تدليس الشيوخ، فربما دُلِّسَ الكذاب فلا يُعرفُ.
• والعناية بمعرفة التاريخ في نقد الروايات.
• وأن جرح الرواة ليس بالغيبة المحرمة.
• وذِكْر إنصاف أهل الحديث وتقديمهم له على أهليهم، فيجرح الراوي أخاه ويبيِّن ضعفه لئلا يؤخذ عنه الحديث.
ثم قال رحمه الله:
"وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في مُتَّهَمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثيرٌ يطول الكتابُ بذكره على استقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهَّم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبيَّنُوا.
وإنما ألزموا أنفسهم الكشفَ عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سُئِلُوا؛ لما فيه من عظيم الخطر؛ إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليلٍ
(3/107)

أو تحريم أو أمرٍ أو نهي أو ترغيبٍ أو ترهيبٍ، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدنٍ للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبيِّن ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًا لعوام المسلمين؛ إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع.
ولا أحسب كثيرًا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتدّ بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف إلا أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال: ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألَّف من العَدد.
ومَنْ ذهب في العلم هذا المذهب، وسَلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه، وكان بأن يُسَمَّى جاهلًا أَوْلى من أن يُنسب إلى علم" اه
فتأمَّلْ أيها اللبيبُ عناوينَ تلك المسائل، وطالِعْها في تلك المقدمة، تحظى بعلم وافر.
ثم انتقل مسلم إلى مناقشة قضية صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن، وقد أطال في تقرير مذهبه فيها، ولعلَّ هذه القضية هي ما يستحوذ على الناظر في تلك المقدمة دون غيرها من الفوائد، ويأتي تحقيقها إن شاء الله عند الكلام على شرط الاتصال من شروط صحة الحديث، فلينظر هناك.
ولمسلم كتاب "التمييز" وهو كتاب حافلٌ، شرح فيه مسلم أنواعَ العلل والأخطاء الواقعة في الأحاديث، والقطعة التي وُجدت منه تنمُّ عن علمٍ جَمٍّ وتمكُّنٍ بالغٍ، وتعطي إشارة مجملة عن قواعد هذا الفن.
وكذا وضع مسلم أصنافًا أخرى من الكتب؛ ككتاب "العلل"، و"أوهام المحدثين"، و"أفراد الشاميين"، و"الوحدان"، و"الأفراد" وغيرها، وإن لم يبلغنا أكثر ذلك.
(3/108)

(3)
وكتب ابن أبي حاتم (المتوفَّى سنة 327 ه) مقدمةً لكتاب "الجرح والتعديل" له، بَيَّن فيها:
وجوب التمييز بين عدول الرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والمثبت والإتقان منهم، وبَيْن أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب.
ثم بيَّن تمييز طبقات الرواة ومراتبهم إلى خمسٍ:
الأولى: أهل الحفظ والانتقاد والبحث عن الرجال، وهم أهل التزكية والجرح.
الثانية: أهل العدالة والثبت والصدق والورع والحفظ.
الثالثة: الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا، وقد قبله النقاد، فهو يحتج بحديثه.
الرابعة: الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب ونحوه، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.
الخامسة: مَن أَلْصَقَ نفسه بمن سبق، ودلَّسَها بينهم وليس من أهل الصدق والأمانة، فهذا يترك حديثه ويُطرح.
ثم ذكر طبقات العلماء الجهابذة النقاد، وذكر من أحوالهم ما يستدل به على مكانتهم وبراعتهم وحفظهم، وشيء من مناهجهم وطرائقهم في النقد.
ثم ذكر أبوابًا في الجرح والتعديل وشرح أحوال الرواة، منها:
• نفي تهمة الكذب عن الصحابة في الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
• وأن الأخبار من الدين ووجوب التحرز والتوقي فيها.
• وأن للأخبار جهابذة نُقَّادًا. فذكر منهم:
(3/109)

إبراهيم النخعي، وقتادة، والزهري، وأيوب، ووكيع، والثوري، وشعبة، وحماد ابن زيد، ومالك، وابن عيينة، والأوزاعي، وابن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني، وأبو زرعة.
ثم قال ابن أبي حاتم: قيل لأبي: فغير هؤلاء -يعني آخر أربعة- تعرف اليوم أحدًا؟ قال: لا.
• وأن وصف الرواة بالضعف ليس بغيبة.
• ووجوب تبيين أمر المجروح.
• وأن صحة الأسانيد خير من علوّها.
• واختيار الأسانيد، وتفضيل بعضها على بعض.
• وعدم سقوط عدالة أهل الكوفة بشرب النبيذ.
• وأنه لا يضر الراوي إذا لم يرزق الحفظ إذا اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه، ولم ينتقص منه، ولم يقبل التلقين، وهو قول الحميدي.
• وبيان صفة من يحتمل منه الرواية في الأحكام والسنن:
1 - فذكر وصية غير واحدٍ بأن لا يؤخذ الحديث إلا من الثقات.
2 - وذكر قول ابن عون وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر: لا يؤخذ العلم إلا ممن شُهد له بالطلب.
3 - وقول ابن سيرين في الأخذ من أهل السنة وترك أهل البدع.
4 - وقول يزيد بن هارون: لا يكتب عن الرافضة؛ فإنهم يكذبون.
5 - وأن وقوع الغلط في حديث الراوي لا يمنع من الكتابة عنه إلا إذا كان غالبًا.
6 - وقول شعبة: خذوا العلم من المشهورين.
7 - وقول الشافعي في "الرسالة" والذي سبق نقله قريبًا.
(3/110)

• وذِكر ما تحتمل الرواية عنه من الضعفاء في الآداب والمواعظ ونحوها.
• وبيان صفة من لا يحتمل الرواية عنه في الأحكام والسنن، فذكر:
1 - قول من نهى عن أخذ الحديث ممن يعتمد على الصحف دون السماع.
2 - وقول شعبة في صفة مَن يترك حديثه: إذا حدَّث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، وإذا أكثر الغلط، وإذا اتُّهم بالكذب وإذا روى حديثًا غلطا مجتمعًا عليه فلم يتهم نفسه فيتركه.
3 - وقول مالك في الثقة الذي له كتاب إلا أنه لا يحفظ حديثه: أنه لا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يؤمن عليه إذا زيد في الحديث شيء لم يعرفه.
4 - وقوله أيضًا فيمن لا يؤخذ عنه العلم؛ قال:
رجل معلن بالسَّفَه وإن كان أروى الناس، ورجل يكذب في أحاديث الناس إذا حدَّث بذلك وإن لم يتهم أن يكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، وشيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث به.
5 - وذم السماع من أهل الأهواء.
6 - وقول الحميدي في صفة الغفلة التي يرد بها حديث الرجل، قال:
أن يكون في كتابه غلط، فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ويحدّث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم؛ لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف تصحيفًا فاحشًا فيقلب المعنى لا يعقل ذلك فيكف عنه.
وكذلك من لُقِّنَ فتلقَّن، التلقين يرد حديثه الذي لقّن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا علم أن ذلك التلقين حادثٌ في حفظه لا يعرف به قديمًا، فأما من عرف به قديمًا في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن أن يكون ما حفظ مما لُقِّن.
(3/111)

• وذكر بابًا في التيقظ في أخذ العلم والتثبت فيه، وفيه:
1 - كلامٌ لهشام بن عروة وشعبة ويحيى بن سعيد القطان في توقيف المحدث على سماع ما يرويه من الحديث: هل سمعه ممن رواه عنه أم لا؟ ويتأكد الأمر في حَقِّ من عرف بالتدليس إذا لم يصرح بالسماع.
2 - وقول يحيى القطان في ذم من تدفع إليه كتبه فيقرأ منها ولا يحفظها.
3 - وقول عبد الرحمن بن مهدي: خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحُكم والحديث - يعني: لا يستعمل حسن الظن في قبول الرواية عمن ليس بمرضي.
4 - وقوله: لا يكون الرجل إمامًا مَن يسمع مِن كُلِّ أحدٍ، ولا يكون إمامًا في الحديث مَنْ يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا في الحديث من يتبع شواذ الحديث، والحفظ هو الإتقان.
5 - وقول مروان بن محمد فيمن أخطأه الحفظ، فرجع إلى كتب صحيحة: لم يضره.
• وذكر بابًا في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقويه وعن المطعون عليه أنها لا تقويه.
1 - وقال: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجلٍ غير ثقة مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه.
2 - ونحوه عن أبي زرعة، وتعليله رواية الثوري عن الكلبي مع ضعفه عنده: بأنه كان على وجه الإنكار والتعجب، لا على وجه القبول له.
• وختم بباب في بيان درجات رواة الآثار، فذكر ثمانية مراتب:
1 - ثقة أو متقن ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه.
2 - صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه.
3 - شيخ، وهذا يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون المنزلة السابقة.
4 - صالح الحديث، فهذا يكتب حديثه للاعتبار.
(3/112)

5 - لين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه اعتبارًا.
6 - ليس بقوي، فهو بمنزلة السابق إلا أنه دونه.
7 - ضعيف الحديث، فهو دون السابق، لا يطرح حديثه بل يعتبر به.
8 - متروك الحديث أو ذاهب الحديث أو كذاب، فهذا ساقط الحديث، لا يكتب حديثه.
وهي عنده أربعة منازل:
رقم (1) المنزلة الأولى، ورقم (2) المنزلة الثانية، ومن (3) إلى (7) المنزلة الثالثة وهي متفاوتة، و (8) المنزلة الرابعة.
ثم ذكر قول ابن مهدي في تقسيم الرواة إلى ثلاث مراتب:
الأولى: الحافظ المتقن، وهذا لا يُختلف فيه.
الثانية: مَنْ يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه.
الثالثة: من يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه.
(4)
ثم وضع الرامهرمزي (المتوفى بعد سنة 350 ه) كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ذكروا أنه أول كتاب صُنِّفَ في علوم الحديث، مدحه الذهبي وقال: كتاب ينبىءُ بإمامته.
وهذا تلخيصٌ لما تعرَّض له الرامهرمزي في هذا الكتاب:
• السِّنّ الذي يصلح معه طلب الحديث، وعادة أهل الأمصار في ذلك.
• سِنُّ التحديث والامتناع منه.
• العلوّ والنزول في طلب الحديث.
• فضل الجمع بين الرواية والدراية.
(3/113)

• تقييد العلم وما يتعلق به.
• من كان يحفظ ثم يكتبه بعد ذلك، وليس في المجلس.
• الصفات الواجب توفرها فيمن يؤخذ منه الحديث.
• العرض على المحدث، والإجازة، والمناولة.
• صيغ الأداء الواردة في الأسانيد.
• قولهم: وجدت في كتاب فلان كذا وكذا.
• إصلاح اللحن والخطأ.
• الرواية بالمعنى.
• التقديم والتأخير، واختصار الحديث.
• المعارضة.
• المذاكرة.
• من كان يتهيب الرواية ويتوقاها ويكثر التشكك.
• من كره كثرة الرواية.
• من كره أن يروي أحسن ما عنده - يعني أغرب ما عنده.
• من كان يقول: مثله ونحوه، ومن كره ذلك.
• في الذي يسمع من المحدث ولا يرى وجهه.
• في الجماعة يسأل بعضهم بعضًا، ويستفهم بعضهم بعضًا في المجلس.
• الانتخاب.
• نقل السماع من الكتب أو من الحفظ بعد المجلس.
• الحك والضرب والحواشي والعلامات والنقط والشكل.
• الجمع بين الرواة.
وهي مباحث مفيدة تلفت النظر إلى قضايا حديثية مهمة في دقائق علم الإسناد والمتن.
(3/114)

(5)
ثم جاء أبو عبد الله الحاكم (المتوفى سنة 405 ه) فوضع كتاب "معرفة علوم الحديث" وهو أوسع وأشمل ما كُتب في ذلك حتى زمانه، وهو بديعٌ في بابه، محكمٌ في تصنيفه، جوَّده الحاكم، وأكثر من أنواعه، وشرح أجناس العلل الواقعة في الأسانيد والمتون؛ ونقل عن أئمة هذا الشأن وأهل الاختصاص فيه قواعدَ جمَّة، وتقريرات مهمّة في هذا الباب.
إلا أنه: قد عاد فنقض طائفة من تلك التقريرات والتحريرات في كتابه "المستدرك"، لا سيما بعض الأنواع مثل: النوع (التاسع عشر) وهو: "معرفة الصحيح والسقيم"، الذي يقول فيه:
"إن الصحيح لا يُعرف بروايته فقط، إنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عونٌ أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث.
فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته". اه
فقارن هذا بما قاله في صدر كتاب "المستدرك" والذي أسَّس عليه تصنيفه له.
وكذلك النوع (السابع والعشرين) في "معرفة علل الحديث"، فذكر عشرة أجناس للعلة وجعلها كالمثال لغيرها.
وقارن ذلك بما أُخذ عليه في كتابه "المستدرك" من إخراج كثير من الأخبار المعلَّة. وراجع ترجمة "الحاكم" في القسم الثاني من هذا الكتاب.
(3/115)

(6)
ثم جاء الخطيب البغدادي (المتوفى سنة 463 ه) فوضع كتبًا شتى في مجالات علوم الحديث، أهمها "الكفاية في علم الرواية" وهو من أجمع ما كُتب في هذا الشأن، وقد اعتمد كل من أتى بعد الخطيب على كتبه المتنوعة في فنون المصطلح.
وكتاب الخطيب: "الكفاية" من أنفع ما وضع في هذا الباب، إلا أن الخطيب قد خلَط أحيانًا أقوال أهل الاختصاص من أئمة النقد بكلام غيرهم من الأصوليين والمتكلمين.
مثال ذلك ما ذكره في مسألة "زيادة الثقة" (ص 424)، حيث قال:
"باب القول في حُكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادةٍ فيه لم يروها غيره"، وكذلك ذكر ما اختلف فيه وصلًا وإرسالًا (ص 409) ورفعًا ووقفًا (ص 417) وذكر مذاهب الناس في ذلك، واختار قبول زيادة الثقة مطلقًا في جميع الأحوال، وكذا تقديم الوصل والرفع على الإرسال والوقف.
وقد انتقده في صنيعه هذا ابنُ رجب في "شرح علل الترمذي" (ص 428) عند الكلام على هذا النوع من الاختلاف، فقال:
"كلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ ... وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين الذين أرسلوا الحديث، وهذا يخالف تصرفه في "المستدرك"، وقد صنَّف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سماه: "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وقسمه قسمين:
أحدهما: ما حَكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد وتركها.
والثاني: ما حَكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.
(3/116)

ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب "الكفاية" للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تُعرف عن أحدٍ من متقدمي الحفاظ، وإنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين.
ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب "تمييز المزيد". اه
ثم ذكر ابنُ رجب أن مراد الأئمة في قبول زيادة الثقة أحيانًا إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ.
قلت: هذا هو الأصل، والقبول يدور على القرائن، فربما توقفوا في زيادة بعض الحفاظ، والميزان بأيديهم، رحمة الله عليهم.
(7)
ثم جاء القاضي عياض (المتوفى سنة 544 ه) فأخذ من ذلك بنصيب، فألَّف كتابه "الإلمام إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع"، وضَمَّنَهُ:
• ضوابط سماع الصغير.
• أنواع الأخذ والتحمل، وصحة الاحتجاج بكل منها.
• صيغ التعبير عن تلك الأنواع.
• ضوابط التحديث من الكتب، ومداخل الخلل في الاعتماد على ذلك دون الحفظ لما فيها، وتقديم صاحب الحفظ والكتاب على صاحب الكتاب فقط.
• عناية الراوي بالنقط والشكل، وأثر غياب ذلك في وقوع التصحيف والتحريف لمن لم يتقن حفظ كتابه.
• ضوابط مقابلة ومعارضة الأصول.
• آداب تناول الأصول بالإلحاقات والتصحيح والتمريض والتضبيب والضرب والحك والمحو، ونحو ذلك.
(3/117)

• تحري الرواية باللفظ، وضوابط الرواية بالمعنى.
• ضوابط تغيير اللحن والخطأ في الكتب.
• ضرورة ضبط اختلاف الروايات في الكتاب الواحد، حتى تتميز ولا تختلط على صاحبها مع طول الزمن وكبر السن، أو على الناظر في كتابه من بعده.
• كيفية رواية الشيخ أحاديثه من كتبه، وكيف يسوق إسناده في كل حديث.
• ضوابط سِنّ ابتداء التحديث والامتناع منه.
• قولٌ لابن مهدي في أهمية انتقاء المحفوظ من العلم، وترك الشاذ، وانتقاء من يروي عنه، وما يرويه.
(8)
ثم صنف أبو حفص الميانشي (المتوفى سنة 580 ه) جزءًا سماه: "ما لا يسع المحدث جهله" اعتنى به من بعده، ونقلوا عنه في غير موضع.
* * *
وبَعْدُ، فهذا أشهر ما كُتب في هذا الفن رأسًا حتى نهاية القرن الخامس الهجري، وتبقى بعض كتب السؤالات والتواريخ ونحوها، والمتدبر لما حاولتُ سردَه من فوائد تلك الكتب، والمطالع لأصلها، يستطيع الإلمام بحدود هذا العلم وقواعده وأصوله عند أهله على سبيل الإجمال، وعلى التفصيل أحيانا.
وستأتي قريبا أطروحاتٌ بهذا الصدد.
وما سبق سردُه إنما هو دلالةٌ لما يُمكن استخراجُه من كتب أهل الاختصاص، ومحاولةٌ إلى بعث المكنون من مصنفاتهم، فهكذا ينبغي أن تكون فهرسة ما فيها من الفوائد والفرائد، ويبقى كثير منها يحتاج إلى قراءةٍ متأنية، وتحليل لما تحويه من ذلك،
(3/118)

مع محاولة دفع التأثر بالأفكار المسبقة التي يتداولها أهل المصطلح من المتأخرين، حتى تكون النتائج صافية نقية خالية من العوارض والمؤثرات الخارجية، ثم يُعرض كلامُ المتأخرين على تلك النتائج؛ ليتبين مدى قربه أو بعده منها.
لكن يبقى هنا الشق الثاني من السؤال المتقدم وهو: كيف نفهم التطبيق العملي لتلك القواعد النظرية؟
والجواب:
أن هذا ليس بالأمر الله الهيِّن، وقد كان ما قام به الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي جهدا من تلك الجهود، بأطروحاته العلمية وتحقيقاته النقدية، ولقد حاولتُ في هذا الكتاب بأقسامه إبراز ذلك الجهد، بما فتح الله عليَّ من ذلك. أسأله تبارك وتعالي أن يجعل هذا العمل خطوة موفقة على هذا الدرب.
وإن من المؤسف أنه قد هُجرت كثيرٌ من قواعد هذا الفن، فنتج عن ذلك ميلٌ واضحٌ عن أحكام المتقدمين وتصرفاتهم حيال الأخبار والاختلاف في أسانيدها ومتونها، ووسَّع المتأخرون ما ضيَّقه المتقدمون واحتاطوا فيه، فتاهت بعض الحقائق، فلزمت العودة إلى أصول هذا الفن لكشف تلك الحقائق.
وإن للأئمة مصنفات، هي كالبيان التطبيقي لكيفية التعامل مع المرويات ورواتها، من ذلك: الكتب المصنفة في التواريخ، والسؤالات، والعلل، والسنن، والصحاح، ونحوها.
• أما كتب التواريخ فمثالها: "تاريخ" ابن معين برواية كل من: الدوري، والدارمي، وتواريخ البخاري الثلاثة: "الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير"، و"تاريخ" يعقوب الفسوي، و"تاريخ" أبي زرعة الدمشقي، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر، و"تاريخ بغداد" للخطيب، وغيرها.
(3/119)

• وأما كتب السؤالات فمنها: ما كان عن الإمام أحمد بن حنبل مثل: "سؤالات أبي داود" له في جرح الرواة وتعديلهم، ويلتحق بها: مسائل ابنه صالح، وابن هانىء وأبي داود، والكرماني، والكوسج، وهي مسائل عامة في الفقه والحديث وغيرهما.
ومنها سؤالات لابن معين حكاها عنه: عثمان بن أبي شيبة، والدقاق، وابن محرز، وابن مرثد الطبراني، وغيرهم.
ومنها سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي.
ويلتحق بها: سؤالات جماعة للدارقطني مثل: الحاكم، والسهمي، والبرقاني، والسلمي، وغيرهم.
• أما كتب العلل فمنها: كتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله، ورواية المروذي، و"علل" الخلال عنه أيضًا.
ومنها: "علل" ابن المديني، و"علل" يعقوب بن شيبة، و"العلل" المنقولة عن أبي زرعة وأبي حاتم الرازي، وما صنفه الذهلي وغيره من الحفاظ في علل أحاديث بعض مشاهير الرواة كالزهري وغيره، ويلتحق بها "علل الدارقطني".
• يضاف إلى ما سبق بعض الكتب المصنفة في الضعفاء ككتاب "الضعفاء الكبير" و"الصغير" للبخاري، وكتاب النسائي أيضًا، ثم كتاب العقيلي، وابن عدي، ويلتحق بها كتاب "المجروحين" لابن حبان.
• بالإضافة إلى بعض كتب السنن التي عنيت بشرح بعض أحوال الرجال، وعلل أحاديثهم، ككتاب "السنن" لأبي داود والنسائي.
• وكذلك اختيارات الشيخين في "صحيحيهما".
* * *
(3/120)

والسبيل إلى الوقوف على دقائق هذا الفن وخفاياه إنما هو بالتصدي لاستقراء تلك الكتب، ممن له الأهلية في ذلك؛ إذ الأمر يحتاج إلى خلفيات متعددة يُستقرأ من خلالها، من أهمها:
1 - الإلمام بأحوال مشاهير الرواة، ومَن تدور عليهم الأحاديث في البلدان المختلفة، من حيث: طبقاتهم، ومراتبهم، وأصحاب كل منهم، ورحلاتهم، ونحو ذلك من أحوالهم.
2 - ثم ينبغي أن يتحلى المستقرأ بالخبرة اللازمة لفهم عبارات وتصرفات الأئمة.
3 - ويتصف مع ذلك بالإنصاف والخشية والورع.
4 - ويكون مُنْزلا لكل إنسان منزلته اللائقة به، فلا يضع مَنْ حَقُّهُ الرفعُ أو العكس.
5 - ويكون محترِما لأهل هذا الفن، مُقَدِّرًا لهم، لا يتقدم عليهم بهواه أو بإعجابه برأيه، بل يَتَّهِم نفسه بالقصور نحوهم، ويضع من نفسه حيال علمهم، وما حباهم الله عز وجل، ضارعا إلى الله تعالى أن يَمُنَّ عليه بفهم طريقتهم كأقرب ما يكون مرادهم، ثم التوفيق من عند الله سبحانه.
ثم إن مما يُعينُ الطالبَ على إدراك حدودِ هذا العلم ورَسْمِه: ما بدأه أبو عمرو بن الصلاح (المتوفى سنة 643 ه) من محاولة جمع الأبواب والفصول المستخرجة مِنْ كتب مَنْ سبق، فوضع كتابه الشهير في "أنواع علوم الحديث"، وتلاه جمعٌ من أهل الحديث وغيرهم ممن أَثْرَوا هذا المجال بمصنفات عِدَّه، اعتمدوا في وضعها على كتاب ابن الصلاح.
وقد وصف ابن الصلاح نفسُهُ كتابَه وسبب تأليفه له، فقال في صدره:
"لقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيمًا، عظيمةً جموعُ طلبته، رفيعةً مقاديرُ حفاظه وحملته، وكانت علومهم بحياتهم حَيَّةً وأفنان فنونه ببقائهم غَضَّة، ومغانيه بأهله آهلة.
(3/121)

فلم يزالوا في انقراضٍ، ولم يزل في اندراسٍ، حتى آضت به الحال إلى أن صار أهلُه إنما هم شرذمة قليلة العَدد، ضعيفة العُدد، لا تُعنى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غُفْلا، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلا، مُطَّرحين علومه التي بها جَلَّ قدرُه، مباعدين معارفه التي بها فخم أمره.
فحين كاد الباحثُ عن مُشْكَلِه لا يُلفي بها عارفا، منَّ الله الكريم -تبارك وتعالى وله الحمد أجمع- بكتاب "معرفة أنواع علوم الحديث" هذا الذي أباح بأسراره الخفية، وكشف عن مشكلاته الأبية، وأحكم معاقده، وقعَّد قواعده، وأنار معالمه، وبيَّن أحكامه، وفصَّل أقسامه، وأوضح أصوله، وشرح فروعه وأصوله، وجمع شتات علومه وفوائده، وقنص شوارد نكته وفوائده".
فذكر من ذلك خمسة وستين نوعا من أنواع علوم الحديث.
وقد اعتنى بهذا الكتاب جماعة من أهل العلم -على اختلاف تخصصاتهم ومشاربهم- بَيْنَ ناظمٍ ومختصر وشارح له، ومن هؤلاء من تناول كثيرًا من قضاياه ومسائله بالتنكيت والتعقيب والاعتراض، وهذا شأن من يُنشىء فنًّا ويبتدؤه، فيأتي من بعده فيزيدُ المسائل تحريرًا وتقعيدًا، كلٌّ بحسب اجتهاده.
فألف النووي (631 - 676) عليه كتابي "الإرشاد"، و"التقريب"، وابن جماعة (639 - 733) كتاب "المنهل الروي"، وابن دقيق العيد (625 - 702) كتاب "الاقتراح"، وابن كثير (701 - 774) كتاب "اختصار علوم الحديث"، والزركشي (745 - 794) كتاب "النكت"، وابن الملقن (723 - 804) كتاب "المقنع"، والبلقيني (724 - 805) وكتاب "محاسن الاصطلاح"، وزين الدين العراقي (725 - 806) "الألفية وشرحها"، وكتاب "التقييد والإيضاح"، وابن حجر (773 - 852) كتاب "النكت"، و"نزهة النظر"، والسخاوي المتوفى (902) كتاب "فتح المغيث"، والسيوطي المتوفى (911) كتاب "تدريب الراوي" على "تقريب" النووي، والصنعاني المتوفى (1182) كتاب "توضيح الأفكار".
(3/122)

وغيرهم، لكنَّ هؤلاءِ أشهرُهم.
وكثيرٌ من مباحث هذه الكتب يبْنِيها المتأخر على كلام المتقدم ويزيد شيئًا، أو يحرر قضية، أو يخالف نتيجة، أو يخصص عامًّا، أو يقيد مطلقًا، أو عكسهما، ونحو ذلك من ثمرات النظر.
وقد كانت مباحث هذا الفن وأصوله وقواعده ودقائقه إنما مرجعها إلى أهله الذين هم أعرف به من غيرهم -كدأب أي فن من الفنون- وكان التسليم لهم هو شأن المنصفين من أهل سائر الفنون، حتى إن إمامًا كالشافعي وهو محدث فقيه لا يُنْكَرُ علمُه وفضلُه فيهما، إلا أنه لم يكن يرى في نفسه في كثير من الأحيان أهليةً للاستقلال بالحكم على الحديث، فَيَكِلُ علمَ ذلك إلى أهله، ويُوقفُ عملَه وذهابَه إلى مقتضاه على قول أصحاب الحديث فيه، وهذا مستفيضٌ عنه.
والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
(3/123)

الفصل الثاني
مراتب نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث
ذكر العَلَّامة المعلمي في "الاستبصار" (ص 8) أربع مراتب لنقد الخبر:

المرتبة الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا (1).
وسيأتي تفصيل الكلام على هذه المرتبة في "الشروط الواجب توفرها في الراوي" من شرائط قبول الحديث.
الثانية: النظر في اتصاله.
وسيأتي تناوله في الشروط المذكورة أيضًا.
الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطإ إن كان.
وهذه تشمل: جمع طرق الخبر، مع السبر والاعتبار، والبحث عما يكون من علَّةٍ أو شذوذٍ أو غير ذلك.
وسيأتي شيء من ذلك.
الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه.
وهذه تشمل: جمع سائر الأخبار في الباب، والنظر فيما يتعلق بذلك الخبر من عام وخاص، ومطلق ومقيد، وناسخ ومنسوخ، ونحو ذلك، أي ما يتعلق بعلم الجمع والترجيح.
__________
(1) سبق التنبيه على أن محقق "الاستبصار" لم يقف إلا على المقالة الخاصة بتلك المرتبة، قال: ولا نعلم هل أتم الشيخ الكتاب أم فقد؟ وهو ضمن "مجموعة المعلمي" في مكتبة الحرم المكي الشريف.
(3/124)

شرائط قبول الحديث:
أولًا: الشروط الواجب توفرها في المخبِر "الراوي".
- الشرط الأول: الإسلام.
- الشرط الثاني: البلوغ.
- الشرط الثالث: العقل.
- الشرط الرابع: العدالة.
- الشرط الخامس: الضبط.
وهذه الشروط الخمسة هي المندرجة تحت المرتبة الأولى من مراتب نقد الخبر، وهي محل البحث في الصفحات التالية.
ثانيًا: شرط الاتصال؛ وسيبحث في المرتبة الثانية من مراتب نقد الخبر.
ثالثًا: انتفاء الشذوذ والعلّة؛ وسيبحث ذلك في المرتبة الثالثة، وهي بأول المجلد الرابع من هذا الكتاب.
* * *
(3/125)

أولًا: الشروط الواجب توافرها في الراوي

الشرط الأول: الإسلام
قال العلامة المعلمي في "الاستبصار" (ص 8 - 14):
"شرط قبول الخبر أن يكون المُخْبِرُ حين أخبر به مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا ضابطًا.
أما الإسلام فلاشتراطه أدلةٌ، منها: أن عامة الأدلة على مشروعية العمل بخبر الواحد في الدين خاصة واردة في خبر المسلم، ومنها: قول الله تبارك وتعالى في المنافقين والرد عليهم: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61]. أي ويصدق المؤمنين.
ومنها: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)} [الحجرات: 6].
والكفر من الفسق قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)} إلى قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20].
وقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99].
والآيات في ذلك كثيرة.
(3/126)

وتبادر "المسلم" من نحو قولك: "رأيت رجلًا فاسقا" من العرف الحادث بعد صَدْر الإسلام، وسببه أنها (1) صار الغالب إذا ذُكر الكافر أن يُذكر بلفظه الخاص به "كافر" أو ما يعطي ذلك مثل: يهودي، ونصراني، ومجوسي، وإذا ذُكر المسلم الذي ليس بعدل أن يذكر بنحو: فاسق، وفاجر، ومثل هذا العرف لا يعتد به في فهم القرآن.
وغفل بعضهم عن هذا، فظن أن دخول الكافر في الآية إنما هو من باب الفحوى، قال: لأنه أسوأ حالًا من الفاسق.
ونوقش في ذلك بأن الفسق مظنة التساهل في الكذب؛ إذ المانع من الكذب هو الخوف من الله عز وجل ومن عيب الناس، ومرتكب الكبيرة قد دل بارتكابه إياها على ضعف هذا الخوف من نفسه.
وأما الكافر فقد يكون عدلا في دينه بأن يكون يحسب أنه على الدين الحق، ويحافظ على حدود ذلك الدين، ويخاف الله عز وجل والناس بحسب ذلك.
أقول: في هذا نظر؛ فإن الحجة قد قامت على الكافر، فدل ذلك على كذبه في زعمه أنه يعتقد أن دينه حق.
والكافر الذي بلغته دعوة الإسلام لا يخلو عن واحد من ثلاثة أمور:
الأول: التقصير في البحث عن الدين الحق.
الثاني: الهوى الغالب.
الثالث: العناد.
ولو برىء من هذه الثلاثة لأسلم، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 68 - 69].
__________
(1) كذا، والظاهر أن الصواب: "أنه".
(3/127)

وقد اتفقوا على أن من كان مسلما مخالطا للمسلمين، ثم ارتكب كبيرة قد قامت الحجة بأنها كبيرة؛ كأن ترك صوم رمضان، فهو فاسق، فإن زاد على ذلك فزعم أنه لا حجة عنده على تحريم ما ارتكبه كان مرتدا، وهو في باب الأخبار أسوأ حالًا من المسلم المرتكب الكبيرة مع اعترافه بأنها كبيرة.
فإن قيل: إننا نجد من الكفار من يبالغ في تحري الصدق والأمانة حتى إن من يخبر حاله، ويتبع أخباره، قد يكون أوثق بخبره من خبر كثير من عدول المسلمين.
قلت: وكذلك في فساق المسلمين ممن يترك الصلاة المفروضة -مثلا- من يكون حاله في إظهار تحري الصدق والأمانة كحال الكافر المذكور.
وحَلُّ الإشكال من أوجه:
الوجه الأول: أن الظاهر من حال الكافر والفاسق الذي يُعرف بتحري الصدق أن المانع له من الكذب: الخوفُ من الناس، وحُبُّ السمعة الحسنة بينهم، وعلى هذا فهذا المانع إنما يؤثر في الأخبار التي يَخاف من اطلاع الناس على جلية الحال فيها، فلا يؤمن ممن هذا حاله أن يكذب إذا ظن أنه لا يوقف على كذبه.
الوجه الثاني: أنه لا يستنكر من الشارع أن لا يعتد بصدق مثل هذا؛ لأنه ليس بصدق يحمده عليه الشارع؛ إذ الباعث عليه هو رئاء الناس كما علمت.
الوجه الثالث: أنه لو فرض أنه يحصل من الوثوق بخبره كما يحصل بخبر المسلم العدل، فقد يكون الشارع جعل كفر هذا الرجل أو فسقه مانعا من قبول خبره في الدين؛ زجرا له، وعونا له على نفسه، لعله يستنكف من تلك الحال فيتوب، ورفعا لتلك المرتبة العلية -وهي أن يدان بخبر الرجل- عمن لا يستحقها.
الوجه الرابع: أن السبب الباعث على الحكم قد يكون خفيا، أو غير منضبط، فإذا كان هكذا فلو كَلَّفَ الشارعُ الناسَ ببناء الحُكم عليه، كان في ذلك مفاسد:
(3/128)

منها: أنه من باب التكليف بما لا يطاق.
ومنها: أنه فتح لباب اتباع الهوى، ولكثرة الاختلاف واتهام الحكام، وغير ذلك.
فاقتضت الحكمة أن يبني الشارع الحكم على أمر آخر يشتمل على ذلك السبب غالبا، ثم تكفل الله عز وجل بتطبيق العدل بقضائه وقدره.
مثل ذلك: أن السبب الباعث على شرع العقوبة على ذنب هو الذنب، فإذا شرعت العقوبة على وجهين -مثلا- فإنما ذلك لاختلاف حال ذلك الذنب، فمن ذلك الزنا شرع الحد عليه على وجهين:
الأول: الجلد.
الثاني: الرجم.
ولا يخفى أن الجلد أخف من الرجم، وأن حقه أن يكون الرجم عقوبة لمن يكون زناه جرما أغلظ من زنا من عقوبته الجلد، ولكن الغلظ والخفة في الإجرام بالزنا لا ينضبط؛ لأنَّ شديد الشهوة أقرب إلى العذر من ضعيفها، وشدتها وضعفها أمر خفي وغير منضبط، والعاشق أقرب إلى العذر من غيره، والعشق يَخْفى ولا ينضبط، والمصادف للمرأة بغتة أقرب إلى العذر من المتصدي لها، والعاجز عن التزوج بالمرأة أقرب إلى العذر من القادر على زواجها، في أمور أخر.
فلذلك عَلَّقَ الشارعُ الفرقَ بالإحصان وعدمه؛ لأنَّ الغالب أن يكون المحصن أضعف عذرا من غيره، على أنه قد يتفق خلاف ذلك، فقد يكون شاب فقير، قوي البنية، شديد الشهوة، عاشقا لامرأة، عاجزا عن التزوج بها، وهو يحبس نفسه عن التعرض لها، والقرب من مكانها، ثم حاول أن يدافع داعيته، فتزوج امرأة فقيرة، فبات معها ليلة فهلكت، ثم لم يستطع الزواج بغيرها، ولم تزل نفسه متعلقة بمعشوقته، فبينا هو ليلة في خلوة لم يفجأه إلا دخول معشوقته عليه، ورميها نفسها بين ذراعيه، فلم يتمالك أن كان ما كان.
(3/129)

وآخر غني، ضعيف البنية، ضعيف الشهوة، لم يتزوج حتى شاخ وضعف، فتعرض مرة لامرأة لو شاء لتزوجها، ولكنه لم يلتفت إلى ذلك، بل تبعها ووقع عليها، فظاهرٌ أن ذنب هذا الشيخ الذي لم يحصن أغلظ من ذنب ذلك الشاب الذي قد أحصن بدرجات، ولكن مع ذلك حَدّ الشاب المحصن الرجم، وحَدّ الشيخ الذي لم يحصن الجلد.
إلا أننا نقول: إن الحكمة اقتضت في القانون الكلي أن يُناط الفرقُ بالإحصان وعدمه، والله سبحانه وتعالى هو الرقيب على عباده، يطبق العدل بقضائه وقدره، كأن يستر ذلك الشاب، ويفضح هذا الشيخ، أو غير ذلك، فإنه سبحانه بكل شيء خبير، وعلى كل شيء قدير.
ومن ذلك: القاتل إذا تعمد الضرب قد تكون عقوبته الدية، وقد تكون القتل قودا، والمعقول أن جرمه إنما يختلف بأن يكون قصد القتل أو لم يقصده، ولكن قصده القتل أمر خفي لا يعلم كما ينبغي إلا بقوله، والقاتل غالبا يدفع عن نفسه القتل، فهو وإن قصد القتل -حري بأن يقول: لم أقصده، والقرائن عامتها تشتبه، فناط الشارعُ الفرقَ بأقوى القرائن، وهي الآلة، وموضع الضرب بها، فإن كان الضرب في ذلك المكان من قِبل تلك الآلة من شأنه أن يَقتل حُكم بالقود؛ إذ الغالب أن القاتل قصد القتل، وإلا فلا، وكأنه -والله أعلم- بناء على هذا ذهب مالك: إلى أن الوالد إذا قتل ولده قتلة شنيعة كأن أضجعه فذبحه وجب القصاص، وإلا فلا، كأنه بنى دفع القصاص عن الوالد بأن الغالب أنه لا يقصد القتل، فلم يوجب القصاص عليه إلا في الحال التي يمتنع فيها أن يكون لم يقصد القتل.
(3/130)

هذا وقد يتفق في مَن حقُّه بحكم الشرع أن يُقاد منه أن لا يكون قصد القتل، وفي مَن حقُّه أن لا يُقاد منها (1) أنه قصد القتل، فمثل هذا يطبق الله سبحانه وتعالى العدل فيه بقضائه وقدره.
إذا تقرر هذا فمظنته (2) أن لا يكذب المخبِر في خبر عن الشرع مما لا ينضبط، فضبطه الشارع بالإِسلام والعدالة، وقد يتفق في المسلم العدل أن يكذب خطأ أو عمدًا، وفي غيره أن يصدق، ولكن الله تبارك وتعالى يطبق العدل بقضائه وقدره، فيهدي أهل العلم إلى معرفة خطأ ذلك أو عمده، ويغنيهم عن خبر الكافر أو الفاسق بأن ييسر لهم علمه من غير طريقه.
فإن قيل: قد لا يهتدي بعضهم إلى الخطأ، وقد لا يقف بعضهم على الطريق.
قلت: إن قصَّر فهو الموقع نفسه في ذلك، وإن لم يُقَصِّر فذلك داخل في تدبير الله عز وجل، وتطبيقه العدل، والحكم بقضائه وقدره، والبحث طويل، وفي هذا كفاية. اه.
* * *
__________
(1) كذا، والظاهر أن الصواب: "منه".
(2) كذا، ويظهر أن الصواب: "فمظنة".
(3/131)

الشرط الثاني: البلوغ
قال المعلمي في "الاستبصار" (ص 15):
"وأما البلوغ فهو حَدُّ التكليف، ولا يتحقق الخوف من الله عز وجل والخوف من الناس إلا بعده؛ لأن الصبي مرفوع عنه القلم، فلا يخاف الله عز وجل، وكذلك لا يخاف الناس؛ لأنهم إن ظهروا على كذبٍ منه قالوا: صبي، ولعله لو قد بلغ وتمَّ عقلُه لتحرز، ومع هذا فلا تكاد تدعو الحاجة إلى رواية الصبي؛ لأنه إن روى فالغالب أن المروي عنه حي، فيُراجع، فإن كان قد مات فالغالب إن كان الصبي صادقًا أن يكون غيره ممن هو أكبر قد سمع من ذلك المخبر أو غيره، فإن اتفق أن لا يوجد ذلك الخبر إلا عند ذلك الصبي فمثل هذا الخبر لا يوثق به.
هذا، وعامَّةُ الأدلة على شرع العمل بخبر الواحد موردها في البالغين. اه.
قال أبو أنس:
ما ذكره الشيخ المعلمي: ينطبق على الراوي حال الأداء، أما التحمّل ففي الكُتب المعنية بهذا الشأن جدلٌ وكلامٌ لكبار الأئمة بهذا الصدد، أرى من تمام الفائدة أن ألقي الضوء عليها:
• فمن أول من تعرض لهذه المسألة: الرامهرمزي في كتاب "المحدث الفاصل" ففيه باب: "القول في أوصاف الطالب والحد الذي إذا بلغه صلح يطلب فيه".
وهو باب طويل، أسند فيه إلى ابن عيينة قوله: قال الزهري: ما رأيت طالبا للعلم أصغر منه، يعنيني، وسمعت منه وأنا ابن خمس عشرة سنة. قال الرامهرمزي: وقد أخبر ابن عيينة من رواية الجوهري أنه كتب عن الزهري وهو ابن خمس عشرة، فصار بين ابتداء كتبه عنه إلى يوم توفي الزهري سنتان أو نحوهما، واستصغره الزهري لخمس عشرة، وهي حدّ البلوغ عند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد.
(3/132)

ثم قال: وحكى لي حال أن الأوزاعي سُئل عن الغلام يكتب الحديث قبل أن يبلغ الحدَّ الذي تجري عليه فيه الأحكام؟ فقال: إذا ضبط الإملاء جاز سماعه وإن كان دون العشر، واحتج بحديث سبرة بن معبد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر".
قال: وهذه حكاية عن الأوزاعي لا أعرف صحتها، إلا أنها صحيحة الاعتبار؛ لأنَّ الأمر بالصلاة والضرب عليها إنما هو على وجه الرياضة، لا على وجه الوجوب. وكذلك كَتْبُ الحديث، إنما هو لِلِّقاء وتحصيل السماع، وإذا كان هذا هكذا فليس المعتبر في كَتب الحديث البلوغ ولا غيره، بل يُعتبر فيه الحركة والنضاجة والتيقظ والضبط.
قال: وقد دَلَّ قولُ الزهري: ما رأيت طالبا للعلم أصغر من ابن عيينة، على أن طلاب الحديث عصر التابعين كانوا في حدود العشرين، وكذلك يُذكر عن أهل الكوفة ... وذكر أخبارا في ذلك.
ثم قال: ولو كان السماع لا يصح إلا بعد العشرين لسقطت رواية كثير من أهل العلم سوى من هو في عداد الصحابة ممن حفظ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صغير، ثم ذكر من هؤلاء: الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، قال: وقال علي بن المديني: حفظ المسور بن مخرمة وهو ابن ثمان، وحفظ عمر بن أبي سلمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن سبع سنين، وكذلك السائب بن يزيد، وكذلك سهل بن أبي حثمة وثابت بن الضحاك الأشهلي، هؤلاء أبناء ثمان سنين، فأما عبد الله بن حنظلة الراهب، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفي وهو ابن سبع سنين، وله رواية.
قال: وقال أحمد بن حنبل: حدثني ثابت بن الوليد بن عبد الله بن جميع حدثني أبي قال: قال أبو الطفيل: أدركت ثماني سنين من حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وولدت عام أحد.
وإلى مسلمة بن مخلد قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة وأنا ابن أربع سنين، ومات وأنا ابن أربع عشرة.
(3/133)

ثم ذكر حكايات في حضور ما عُبِّرَ عنه ب"الصبيان" مجالس بعض المشايخ مثل: الأعمش، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وإسماعيل بن رجاء، ثم ذكر حكاية عن ابن عيينة استدل بها على أنه حفظ عن عبدة بن أبي لبابة وهو ابن عشر أو في حدودها.
• ثم جاء الخطيب فذكر في كتابه "الكفاية" (ص 54) بابًا في: "ما جاء في صحة سماع الصغير"، صدَّره بقوله: قد اختلف أهل العلم في التحمُّل قبل البلوغ، فمنهم من صحح ذلك، ومنهم من دفع صحته.
قال: قلَّ من كان يثبت -وفي رواية: يكتب- الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حدَّ البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم.
وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.
وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة: وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح السماع لمن سنه دون ذلك، وهذا عندنا هو الصواب.
ثم ذكر الخطيب حكايات عن بعض العلماء تؤيد ما ذكره آنفا، ثم نقل عن الرامهرمزي -وهو ابن خلاد- ما نقلناه عنه قريبا في سماع جماعة من الصحابة وهم صبية، وزاد: وتزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائشة وهي بنت ست سنين، وابتنى بها وهي بنت تسع، وروت عنه ما حفظته في ذلك الوقت. وروى معاوية بن قرة المزني عن أبيه قال: كنت غلاما صغيرا فمسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأسي ودعا لي.
... وممن كثرت الرواية عنه من الصحابة وكان سماعه في الصغر: أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري.
وكان محمود بن الربيع يذكر أنه عقل مجة مجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وجهه من دلو كان معلقا في دارهم، وتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وله خمس سنين.
(3/134)

ثم ذكر الخطيب بأسانيده سماع طائفة من الصحابة من النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم صغار، ثم ذكر جماعة كسعيد بن عامر وسفيان بن عيينة احتج أهل العلم بروايتهم ما سمعوه قبل الاحتلام.
ثم أسند الخطيب إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي: متى يجوز سماع الصبي في الحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط. قلت: فإنه بلغني عن رجل سميته أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رد البراء وابن عمر استصغرهم يوم بدر، فأنكر قوله هذا، وقال: بئس القول، يجوز سماعه إذا عقل، فكيف يصنع بسفيان بن عيينة ووكيع، وذكر أيضًا قوما.
وفي رواية لاحقة عن أحمد أيضًا: "إنما ذلك في القتال، يعني: ابن خمس عشرة سنة"، أو كلاما ذا معناه، وفي أخرى: سئل عن سماع الصغير متى يصح؟ قال: إذا عقل. وسئل عن إسحاق بن إسماعيل وقيل له: إنهم يذكرون أنه كان صغيرا، فقال: قد يكون صغيرا يضبط. قيل له: فالكبير وهو لا يعرف الحديث ولا يعقل؟ قال: إذا كتب الحديث فلا بأس أن يرويه.
قال الخطيب: أراد أبو عبد الله بذلك أن يكون الكبير يضبط كتابه، غير أنه لا يعرف علل الأحاديث واختلاف الروايات ولا يعقل المعاني واستنباطها، فمثل هذا يكتب عنه لصدقه وصحة كتابه وثبوت سماعه.
وممن قال بما استنكره أحمد: ابن معين.
فأسند الخطيب إلى عباس الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حد الغلام في كتاب الحديث: أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، أو كما قال (1).
__________
(1) قال السخاوي في "فتح الغيث" (2/ 12): "على أن قول ابن معين هذا يُوَجَّهُ بحمله على إرادة تحديد ابتداء الطلب بنفسه، أما من سمع اتفاقا أو اعتُني به فسُمِّعَ وهو صغير فلا". وهذا قاله ابن حجر في "الفتح" (1/ 206) بلفظه.
(3/135)

وإلى أبي داود السجستاني قال: سمعت الحسن بن علي يعني الحلواني يقول: سمعت يزيد يعني ابن هارون يقول: مقدار الغلام عندنا في الحديث يعني ثلاث عشرة سنة، ثم أورد الخطيب حديثا لحفص بن غياث من رواية علي بن المديني عنه، وذكر ابن المديني عن حفص قوله: سمعت هذا الحديث من سبعين سنة ولم أبلغ عشر سنين.
ثم اسند إلى الرامهرمزي ما نقلناه عنه آنفا حتى قوله: ... فليس المعتبر في كتب الحديث البلوغ ولا غيره، بل يعتبر فيه الحركة والنضاجة والتيقظ والضبط. فقال الخطيب: قد تقدمت منا الحكاية عن بعض أهل العلم أن السماع يصح بحصول التمييز والإصغاء حسب، ولهذا بكروا بالأطفال في السماع من الشيوخ الذين علا إسنادهم.
ثم ذكر شواهد على ذلك، منها: رواية الدبري عن عبد الرزاق، وقد مات الثاني وللأول ست سنين أو سبع، قال الخطيب: روى الدبري عن عبد الرزاق عامّة كتبه، ونقلها الناس عنه، وسمعوها منه.
ومنها: رواية القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي عن أبي علي اللؤلؤي كتاب "السنن" لأبي داود وأكبر سن سمعه فيه وله خمس سنين. قال الخطيب: واعتد الناس بذلك السماع ونقل عنه الكتاب عامةُ أهل العلم من حفاظ الحديث والفقهاء وغيرهم.
ثم ذكر حالات كأنها نادرة مستظرفة في سماع البعض في سن الرابعة، وأخرى في سن أقل من الثالثة.
ثم أسند إلى موسى بن هارون الحمال وسأله أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن بكير التميمي: متي يسمع الصبي الحديث؟ فقال: إذا فرق بين البقرة والحمار.
ثم عاد الخطيب بعد أبواب، فذكر فصل (ص 76) قال فيه:
قد ذكرنا حكم السماع، وأنه يصح قبل البلوغ، وأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحا يلزم العمل به إلا بعد البلوغ، ويجب أيضًا أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلا مميزا.
(3/136)

واستدل الخطيب على ذلك بحديث أبي الضحى عن علي (ولم يدركه) عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق" (وفي الحديث خلاف كثير، وفي رفعه ووقفه وغير ذلك، راجع نصب الراية 4/ 209).
قال الخطيب: ولأن حال الراوي إذا كان طفلا أو مجنونا دون حال الفاسق من المسلمين، وذلك أن الفاسق يخاف ويرجو ويتجنب ذنوبا ويعتمد قربات، وكثير من الفساق يعتقدون أن الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتعمد له ذنب كبير وجرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول، فخبر الطفل والمجنون أَوْلى بذلك، والأمة مجمعة على ما ذكرناه، لا نعرف بينها خلافا فيه.
هذا آخر ما أورده الخطيب حيال هذه القضية.
ولخص أبو عمرو بن الصلاح ذلك، وجمع شتاته في النوع الرابع والعشرين من كتابه "معرفة علوم الحديث" (ص 241) فقال:
"يصح التحمل قبل وجود الأهلية، فتقبل رواية من تحمل قبل الإسلام وروى بعده، وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده، ومنع من ذلك قوم فأخطئوا؛ لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة ك: الحسن بن علي، وابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأشباههم من غير فرق بين ما تحملوا قبل البلوغ وما بعده، ولم يزالوا قديما وحديثا يحضرون الصبيان مجالس التحديث والسماع، ويعتدون بروايتهم لذلك، والله أعلم".
ثم قال بعد قليل:
"أما الاشتعال بكتبة الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده، فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وليس ينحصر في سن مخصوص".
(3/137)

ثم ذكر الاختلاف في أول زمان يصح فيه سماع الصغير، فأورد ما سبق نقله عن موسى بن هارون، وأحمد بن حنبل في ذلك.
ثم نقل عن القاضي عياض قوله: قد حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع. وذكر رواية البخاري في "صحيحه" بعد أن ترجم: "متى يصح سماع الصغير" بإسناده عن محمود بن الربيع قال: عقلت من النبي -صلى الله عليه وسلم- مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو -وفي رواية أخرى- أنه كان ابن أربع سنين.
هذا ما نقله عن القاضي وأزيد عنه قوله:
وليعلم إنما أرادوا أن هذا السن أقل ما يحصل به الضبط وعقل ما يسمع وحفظه وإلا فمرجع ذلك للعادات؛ فرب بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئًا فوق هذا السن.
ثم قال ابن الصلاح:
"التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس فصاعدا: سمع، ولمن لم يبلغ خمسًا: حضر، أو أُحضر.
والذي ينبغي في ذلك أن نعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعا عن حال من لا يعقل فهما للخطاب وردا للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك، لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين".
ثم قال بعد:
"وأما حديث محمود بن الربيع فيدل على صحة ذلك من ابن خمس مثل محمود، ولا يدل على انتفاء الصحة فيما لم يكن ابن خمس، ولا على الصحة فيمن كان ابن خمس ولم يميز تمييز محمود -رضي الله عنه-، والله أعلم. اه
(3/138)

قال أبو أنس:
مع صحة سماع من يُميز ما يسمعه، دون التقيد بسن في ذلك كما سبق رجحانه، فإن الأئمة لم يُنزلوا سماعَ الصغير والكبير منزلة واحدة، فإن من الأسباب التي ربما أعلوا بها رواية رجل عن شيخه إذا قامت القرائن عندهم على ذلك: استصغار الرجل في شيخه؛ كما قيل في:
قبيصة بن عقبة السوائي في سفيان الثوري، وابن وهب في ابن جريح، ومعمر في قتادة وأبي بكر بن أبي الأسود في ابن عيينة، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني في نحو جرير بن عبد الحميد، وغيرهم.
وممن تكلم في بعض هذا السماع للصغر: أحمد بن حنبل، وهو الذي سبق النقل عنه أنه يرى أن الصغر ليس يلزم معه عدم الضبط، وترى شرح ذلك بشيء من التفصيل في رسالتي "ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل".
والله تعالى الموفق.
* * *
(3/139)

الشرط الثالث: العقل
وقال (ص 15) أيضًا:
"وأما العقل فالأمر فيه أظهر؛ إذ المراد هنا أن لا يكون مجنونًا، فأما المغفَّل فيأتي الكلام فيه في الباب الخامس (1) إن شاء الله تعالى.

الشرط الرابع: العدالة
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في معنى العدالة.
المبحث الثاني: في ذكر بعض شروط تحقيق العدالة.
أولًا: هل يكفي أن يكون المُعَدِّلُ واحدًا أم يشترط التعدد؟
ثانيًا: هل يشترط أن يكون المعَدِّلُ معاصرًا لمن يعدِّله؟
المبحث الثالث: في عدالة الصحابة.
المبحث الرابع: في عدالة التابعين.
المبحث الخامس: في أوجه الطعن في العدالة.
* * *
__________
(1) هو الباب المتعلق ب"الضبط" ولم يوجد في الجزء المطبوع من "الاستبصار" كما سبق التنبيه عليه لكن سيأتي الكلام عليه فيما يتعلق بأوجه الخلل في الضبط في موضعه إن شاء الله تعالى.
(3/140)

المبحث الأول
في معنى العدالة
قال العلامة المعلمي في "الاستبصار" (ص 16):
"والعدالة مصدر عدل الرجل صار عادلًا، والعدل في الحكم: الإنصاف فيه، كأنه من عدل الغِرَارَتين (1) على البعير مثلا، أي التسوية بينهما حتى تكونا متعادلتين، فيبقى الحمل معتدلًا مستقيمًا لا ميل فيه، فالعدل في الحكم إذًا: أن ننظر ميل المائل عن الحق فيرده (2) إليه، وحاصله أن يُتحرى الحق فيقضي به.
فالعدالة إذًا:
هي الاستقامة على حدود الشرع، والفسق هو الخروج عن هذه الصفة، قالوا: وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها. اه.
قال أبو أنس:
تعريف العدالة إجمالا: هو ملكة في الشخص تحمله على ملازمة التقوى والمروءة.
وسيأتي شيء من ذلك في الكلام على الوجه الخامس والسادس من أوجه الطعن في العدالة من المبحث الخامس منه.
سؤال: هل تقتضي العدالةُ انتفاءَ "هوى النفس" عن صاحبها؟
قال المعلمي في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل" وهي "رواية المبتدع":
__________
(1) الغِرارَةُ: وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه. "المعجم الوسيط".
(2) كذا في المطبوع والظاهر أن الصواب: "فنرده".
(3/141)

"قد عَرَّفَ أهلُ العلم العدالةَ بأنها "ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسّة ... " زاد السبكي: "وهوى النفس"، وقال: "لا بد منه، فإن المتقي للكبائر وصغائر الخسّة مع الرذائل المباحة قد يتبع هواه عند وجوده لشيء منها فيرتكبه، ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة".
نقله المحلى في "شرح جمع الجوامع" لابن السبكي، ثم ذكر أنه صحيح في نفسه ولكن لا حاجة إلى زيادة القيْد، قال: "لأن من عنده ملكة تمنع عن اقتراف ما ذكر ينتفي عنه اتباع الهوى لشيء منه، وإلا لوقع في المهوي فلا يكون عنده ملكة تمنع منه".
أقول: ما من إنسان إلا وله أهواء فيما ينافي العدالة، وإنما المحذور اتباع الهوى. ومقصود السبكي تنبيه المعدِّلين، فإنه قد يخفى على بعضهم معنى "الملكة" فيكتفي في التعديل بأنه قد خبر صاحبه فلم يره ارتكب منافيًا للعدالة فيعدِّله، ولعله لو تدبَّر لعلم أن لصاحبه هوى غالبًا يُخشى أن يحمله على ارتكاب منافي العدالة إذا احتاج إليه وتهيأ له، ومتى كان الأمر كذلك فلم يغلب على ظن المعدِّل حصول تلك الملكة وهي العدالة لصاحبه، بل إما أن يترجح عنده عدم حصولها فيكون صاحبه ليس بعدل، وإما أن يرتاب في حصولها لصاحبه، فكيف يشهد بحصولها له؟ كما هو معنى التعديل.
وأهل البدع كما سماهم السلف: "أصحاب الأهواء" واتّباعهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، وإنما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومن ثبت تعمده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يُؤمن كذبه.
وفي "الكفاية" للخطيب (ص 123) عن علي بن حرب الموصلي:
"كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي".
يريد والله أعلم أنهم مظنة ذلك، فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته.
(3/142)

هذا إذا كانت حجج السنة بينة، فالمخالف لها لا يكون إلا معاندًا أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق، واتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يعذر صاحبه، فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر فعَلَى الأقَلّ لا يمكنهم تعديل الرجل، وهذه حال الداعية ... فأما غير الداعية فقد مَرَّ نقل الإجماع على أنه كالسني، إذا ثبتت عدالته قبلت روايته ... ".
* * *
(3/143)

المبحث الثاني
في ذكر بعض شروط تحقيق العدالة
الشرط الأول
هل يكفي أن يكون المُعَدِّلُ واحدًا، أم يشترط التعدد؟
تمهيد:
قال أبو بكر الخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص 96):
باب القول في العدد المقبول تعديلهم لمن عَدَّلُوه:
قال بعض الفقهاء: لا يجوز أن يقبل في تعديل المحدث والشاهد أقل من اثنين، وردوا ذلك إلى الشهادة على حقوق الآدميين، وأنها لا تثبت بأقل من اثنين.
وقال كثير من أهل العلم: يكفي في تعديل المحدث المزكي الواحد، ولا يكفي في تعديل الشاهد على الحقوق إلا اثنان.
وقال قوم من أهل العلم: يكفي في تعديل المحدث والشاهد تزكية الواحد إذا كان المزكي بصفة من يجب قبول تزكيته.
والذي نستحبه أن يكون من يزكي المحدث اثنين للاحتياط، فإن اقتصر على تزكية واحد أجزأ، يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب قَبِلَ في تزكية سُنين أبي جميلة قولَ عريفه، وهو واحد ... (1).
__________
(1) ذكر الخطيب هنا خبر عمر هذا، وسيأتي تحقيق ما فيه من كلام المعلمي رحمه الله تعالى.
(3/144)

ويدل على ذلك أيضًا أنه قد ثبت وجوب العمل بخبر الواحد، فوجب لذلك أن يُقبل في تعديله واحد ... (1).
تحقيق العلامة المعلمي لهذا المبحث:
قال في "الاستبصار" (ص 41):
"أما المعدِّل فشرطه أن يكون في نفسه بالغًا، عاقلا، عدلا، عارفا بما يثبت العدالة وما ينافيها، ذا خبرة بمن يعدله، ولا بد أن يكون متيقظًا، عارفا بطباع الناس وأعرافهم.
وهل يكفي الواحد؟ اختلف في ذلك:
فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا بد من ثلاثة، واحتج بما في "صحيح" مسلم (2) من حديث قبيصة بن المخارق عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة ... ورجل أصابته فاقةٌ حتى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يُصيب قِواما من عَيش".
قال أبو عبيد: "وإذا كان هذا في حق الحاجة فغيرها أولى" "فتح المغيث" (ص 123).
أقول: ومما يساعده أن العدالة تتعلق بما يخفى من حال الإنسان كالحاجة.
ولكن يَرِدُ عليه أمورٌ:
منها: أن هذا الحديث تفرد به عن قبيصة: كنانة بن نعيم، ولم يُعَدِّلْهُ ثلاثة ... وإنما قال ابن سعد: "فهو معروف ثقة إن شاء الله" فلم يجزم، ووثقه العجلي، وسيأتي في بحث المجهول أن في توثيقه نظر، وأن مذهبه قريب من مذهب ابن حبان، ووثقه
__________
(1) سأنقل تتمة هذا الاستدلال عند مناقشة المعلمي له قريبًا.
(2) رقم (1044).
(3/145)

ابن حبان، ومذهبه معروف في التسامح، ويأتي بيانه -أيضًا-، فإذا عددنا إخراج مسلم لحديثه توثيقا، فلم يَسلمْ له إلا مسلم.
الأمر الثاني: أن هؤلاء كلهم لم يدركوا كنانة، وإنما وثقوه بناء على مذاهبهم أن من روى عنه الثقات، ولم يجرح، ولم يأت بمنكر، فهو ثقة، وسيأتي الكلام في هذا - إن شاء الله تعالى.
الأمر الثالث: ظاهر الحديث أنه لا يحل لمحتاج المسألة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فيخبرون أنه نزلت به فاقة، ولا يُعرف أحدٌ قال بهذا، بل مدار الحِلِّ عند أهل العلم على نفس الحاجة، فإن احتاج في نفسه إلى المسألة حلَّت له، ولا نعلم أحدا تكلف العمل بهذا، وليس هذا من ردِّ السنة بعدم العمل بموافقٍ لها، أو عاملٍ بها، المقصود أن مثل هذا قد يُستنكر فيصير الحديث منكرا، فيقدح في راويه -أعني: كنانة بن نعيم- مع قِلِّة مَا لَه من الحديث ومع أنه في حديثه هذا شيء من الاختلاف: فرواه حماد بن زيد عن هارون بن رئاب عن كنانة كما مَرَّ.
ورواه ابن عيينة عن هارون، فقال في أوله: "إن المسألة لا تصلح" وقال مرة: "حرمت" أخرجه أحمد في "المسند" (3/ 475).
ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب عن هارون، فلم يذكر محل الشاهد أصلًا، بل قال: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة ... ورجل أصابته فاقة فيسأل حتى يصيب قواما من عيش" أخرجه أحمد في "المسند" (5/ 60).
الأمر الرابع: أن مقتضى حمل الشاهد والمخبر على المحتاج: أن لا يحل أن يشهد أحد أو يخبر حتى يعدله ثلاثة، وهذا لا قائل به، ولا يُعلم واحد فضلا عن ثلاثة عَدَّلَ كنانة قبل أن يخبر.
الأمر الخامس: أن الأولوية التي ادعاها أبو عبيد غير ظاهرة، بل الصواب عكس ما قال: وبيان ذلك أن الحكمة في تحريم المسألة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من
(3/146)

قومِ مَنْ يريدُ المسألة هي أولًا: منع أهل الستر عن المسألة بدون حاجة؛ لأن أحدهم يرى أنه لو استشهد ثلاثة من قومه لا يشهدون له، وإن أقدم على المسألة بدون شهادة كان عند الناس أنه أقدم على محرم، وهو يكره ذلك محبة الستر.
وثانيًا: شَرْعُ طريقٍ يُرجى أن يَستغني بها المحتاج من أهل الصلاح أو الستر، فلا يحتاج إلى المسألة البتة، وإيضاحه أنه لا يقدم على المسألة بدون استشهاد فيضطر إلى أن يطالب ثلاثة من ذوي الحجا من قومه بأن يشهدوا له، ولا ريب أنهم إذا علموا حاجته وجب عليهم أحد أمرين: إما أن يقوموا فيشهدوا، وإما أن يواسوه من أموالهم بما يغنيه عن المسألة، ولعل هذا الثاني يكون أيسر عليهم؛ لأنهم يرون أن اقتصارهم على أن يقوموا فيشهدوا يحمل الناس على أن يرموهم باللؤم، ويقول الناس: أما كان في أموال هؤلاء الثلاثة متسع لأن يواسوا ابن عمهم بما يسد فاقته إلى أن يجد قواما من عيش؟! ولهذا -والله أعلم- شرط في الحديث أن يكونوا من قومه، وأن يكونوا من ذوي الحجا، وأن يكونوا ثلاثة؛ لأن الغالب أن الثلاثة لا يكونون كلهم فقراء أو لؤماء.
وعلى فرض أنهم قاموا فشهدوا، فالغالب أن قومه عندما يسمعون شهادة الثلاثة من ذوي الحجا فيهم يجمعون له ما يكفيه بدون أن يحتاج إلى مسألة، وعلى هذا قد أغنى الله عز وجل ذلك المحتاج بدون أن يحتاج إلى مسألة؛ لأن مطالبة الثلاثة بأن يشهدوا ليس مسألة لهم، وإظهاره الحاجة ليس بمسألة صريحة، وإظهاره العزم على المسألة ليس بمسألة فتدبر، وليس في الشهادة والإخبار أثر لهذا المعنى، على أن المحتاج مضطر إلى أن يستشهد الثلاثة، فلا يكون في اشتراط ذلك مفسدة، والشاهد والمخبر غير مضطرين إلى الشهادة والإخبار، بل إن شروط أن يتقدم تعديل الثلاثة على الشهادة والإخبار -ما هو مقتضى حملهما على المسألة كما مَرَّ- وجد الشاهد عذرًا لعدم حضوره إلى الحاكم، وأما المخبر فيجد عذرا لكتمانه العلم.
(3/147)

وقال جماعة: لا بد من اثنين، قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص 123):
حكاه القاضي أبو بكر بن الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم؛ لأن التزكية صفة فيحتاج في ثبوتها إلى عدلين، كالرشد والكفاءة وغيرهما، وقياسا على الشاهد بالنسبة لما هو المرجح فيها عند الشافعية والمالكية، بل هو قول محمد بن الحسن، واختاره الطحاوي.
وعارض الخطيب في الكفاية (ص 47) (1) هذا القياس بقياس آخر (2) حاصله أنه لا يكفي في شهود الزنا إلا أربعة، ومع ذلك اكتفي في إثبات الإحصان الذي به ثبت الرجم باثنين، وقد اكتفي في إثباتها بدون ما اكتفي به في الأخبار، إلا أنه غير ممكن.
وكأن الخطيب عدل عما هو أوضح في هذا خوف النقض؛ وذلك أن أوضح من هذا أن يقال: لم يكتف في عدد شهود الزنا بأقل من أربعة واكتفى في عدد مزكيهم باثنين وواحد عند قوم، فقياس ذلك أن يكفي في عدد مزكي المخبر دون ما يكفي في عدد المخبر، ونقضه أن يقال: قد اكتفى قوم في الأموال بشاهد ويمين، ولم يكتفوا في تعديل هذا الشاهد إلا باثنين اتفاقا.
__________
(1) كذا في "الاستبصار"، وصوابه (ص 97).
(2) قال الخطيب في "الكفاية" (ص 97): "ويدل على ذلك أيضًا -يعني إجْزَاء تزكية الواحد- أنه قد ثبت وجوب العمل بخبر الواحد، فوجب لذلك أن يقبل في تعديله واحد، وإلا وجب أن يكون ما به ثبتت صفة من يقبل خبره آكد مما يثبت وجوب قبول الخبر والعمل به، وهذا بعيد؛ لأن الاتفاق قد حصل على أن ما به تثبت الصفة التي بثبوتها يثبت الحكم أخفض وأنقص في الرتبة من الذي يثبت به الحكم.
ولهذا وجب ثبوت الإحصان الذي بثبوته يجب الرجم بشهادة اثنين، وإن كان الرجم لا يثبت بشهادة اثنين.
فبان بذلك أن ما يثبت به الحكم يجب أن يكون أقوى مما تثبت به الصفة التي عند ثبوتها يجب الحكم.
وكذلك يجب أن يكون ما به تثبت عدالة المحدث أنقص مما به يثبت الحكم بخبره، والحكم في الشرعيات يثبت بخبر الواحد، فيجب أن تثبت تزكيته بقول الواحد، ولو أمكن ثبوتها بأقل من تزكية واحد لوجب أن يقال بذلك لكي يكون ما به تثبت صفة المخبر أخفض مما به يثبت الحكم، غير أن ذلك غير ممكن". اه
(3/148)

وهذا كله حِجَاج (1)، والصواب إنما هو النظر في النصوص، فإن وجد فيها دلالة بَيِّنَةً فذاك، وإلا نظر في التعديل: أشهادة هو، أم خبر، أم شهادة في تعديل الشاهد وخبر في تعديل المخبر؟
فإن تعين واحدٌ من هذه الثلاثة فذاك وإلا نظر في الحكمة التي لأجلها فرق الشارع بين الشهادة والخبر، ثم ينظر في التعديل: أَمِثْل الشهادة في تلك الحكمة، أم كالخبر؟
فهذه ثلاثة مسالك.
فأما النصوص فهاكها:
فمنها: حديث "الصحيحين" (2) عن أنس في الثناء على الميت وفيه: "مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وجبت"، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا. فقال: "وجبت"، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
ولهما (3): من طريق أبي الأسود عن عمر نحو هذه كقصته، فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؛ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد".
فورد تفسير هذا بما رواه أحمد وابن حبان والحاكم في حديث أنس مرفوعًا: "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله تعالى: قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون".
__________
(1) أي: جدال.
(2) البخاري (1367) (2642) ومسلم (949).
(3) البخاري (1368) (2643) فقط.
(3/149)

ذكره الحافظ في "الفتح"، وإيضاحه أن في الصحيحين أيضًا عنه -صلى الله عليه وسلم-: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين"، وعقبه البخاري بحديث ابن عمر مرفوعًا: "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، ثم يقول: عملت كذا وكذا فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم".
وفي معنى هذا أحاديث أخرى في أن من ستره الله عز وجل من المؤمنين في الدنيا لم يفضحه في الآخرة.
ومن السر في ذلك والله أعلم؛ أن الإنسان إذا أظهر المعصية كان ذلك مما يجرىء الناس عليها:
أولًا: لأنه يكثر تحديثهم بها فتنتبه الدواعي إلى مُتعها، وقد قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].
ثانيًا: لأنه إذا لم يعاجَل بالعقوبة هانت على الناس.
ثالثًا: لأن العاصي يتجرأ على المعاصي بعد ذلك؛ لأنه كان يخاف أولًا على شرفه وسمعته، وبعد الفضيحة لم يبق ما يخاف عليه، بل يقول كما تقول العامة: "يا آكل الثوم كُل وأكثر".
رابعًا: أنه يحرص على أن يدعو الناس إلى مثل فعله؛ ليشاركوه في سوء السمعة، فتخف الملامة عنه.
خامسًا: يخرج بذلك عن قول الله عز وجل {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] لأنه إن أمر بمعروف أو نهى عن المنكر قيل له: ابدأ بنفسك ألم تفعل كذا وكذا؟!.
سادسًا: يكون سببًا لعدم إفادة أمر غيره بالمعروف ونهيه عن المنكر؛ لأن من يؤمر أو يُنهى يقول: لست وحيدا في هذا، قد فعل فلان كذا وفلان كذا، وأنا واحد من جملة الناس.
(3/150)

سابعًا: أن ذلك يقلل خوف الناس من الله عز وجل، يقول أحدهم: أنا من جملة عباد الله العاصين، هذا فلان وهذا فلان وذاك فلان، وقد تقدم في فصل (5) حديث: " ... ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده".
وفي "الصحيحين" (1): "لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه أول من سن القتل".
وقد قال الله عز وجل: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25].
وقوله: "بغير علم" يصح أن يكون حالًا من الفاعل والمفعول معا فيدخل فيه أن المتبوع يحمل من أوزار من تبعه وإن لم يعلم بأنهم يتبعونه، كما أن ابن آدم الأول لم يكن يعلم بمن سيستن به في القتل، وليس ما تقدم بمخالف لقول الله عز وجل: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: 38]. وما في معناها؛ لأن التحقيق أن المتبوع إنما عُذب بوزره. وبيان ذلك أن أصل الإثم في المعصية منوط بتعمدها، وأما زيادة قدره فمنوط بما ينشأ عنها من المفاسد.
ألا ترى لو أن ثلاثة صوبوا بنادقهم إلى ثلاثة قاصدين رميهم، ثم أطلقوا بنادقهم: أن أصل الإجرام قد وقع من كل منهم، وأما زيادة مقداره فموقوف على ما ترتب على ذاك الفعل، فلو أخطأ أحدُهم وأصاب آخرُ فجَرَحَ وأصاب الثالثُ فقَتَل، لكان جُرْمُ الثالث أغلظَ من جُرم الثاني، وجُرمُ الثاني أغلظَ من جُرم الأول.
وقد حرَّم الله عز وجل ما حرَّم ولم يُفَصِّلْ ما يترتب على المحرمات من المفاسد، فمن علم بالتحريم، ثم أقدم على الفعل، فقد التزم ما يترتب عليه من المفاسد، فدخلت كلها في وزره، وإن لم يعلم بتفصيلها، فتدبر.
__________
(1) البخاري (3336) (6867) (7321) ومسلم (1677).
(3/151)

هذا وقوله -صلى الله عليه وسلم-: إن الله عز وجل يقول: "وغفرت له ما لا يعلمون" ظاهر في أن شهادتهم إنما تنفع إذا كانت مطابقة لعلمهم؛ لأنه إنما يغفر له ما لا يعلمون، فإن كانوا علموا شرا فكتموه وقالوا: لم نعلم إلا خيرًا أو نحو ذلك، لم ينفعه ذلك، بل يضرهم؛ لأنهم شهدوا زورا.
وبناء النبي -صلى الله عليه وسلم- الحكم على ثناء الناس بقوله: "وجبت" صريح في أن الذين أثنوا كانوا عدولا عنده -صلى الله عليه وسلم-، فبنى على أن شهادتهم مطابقة للواقع في أن الذي أثنوا عليه خيرًا لم يظهر منه للناس إلا خير.
وإذا كان الإنسان بحيث لا يظهر منه لجيرانه الأدنيين ونحوهم من أهل الخبرة إلا الخير العدل، والمُثني عليه منهم بذلك معدل له، فالمثنون على الميت من جيرانه وأهل الخبرة به معدلون له، وقد نص في الحديث على أنه يكفي في ذلك الأربعة ويكفي الثلاثة ويكفي الاثنان، ففي هذا دليل واضح على كفاية الاثنين في التعديل.
ويبقى النظر في الواحد، فقد يقال: قد ثبت في حديث جابر وغيره أنه كان للصحابة -رضي الله عنهم- أن يراجعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- مرتين، فإذا قال الثالثة، لم يكن لهم أن يراجعوه بعدها، وشواهد هذا في الأحاديث كثير، فابتداؤه -صلى الله عليه وسلم- بذكر الأربعة يشعر بالنهي عن السؤال عن الواحد؛ وذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- لعله إنما ابتدأ بالأربعة مستشعرًا أنهم سيراجعونه فيسألونه عن الثلاثة، ثم يراجعونه ثانية فيسألونه عن الاثنين، ثم يقفون؛ لما تقرر عندهم من المنع عن المراجعة فوق اثنتين.
وفي هذا دلالة ما على أن ثناء الواحد لا يكفي لبناء الحكم بوجوب الجنة، فأما وجوب الجنة في نفس الأمر فقد ظهر مما تقدم أنها تجب لمن لم يظهر منه إلا الخير وإن لم يُثن عليه أحد، ففائدة الشهادة على هذا إنما هي لحكم من يسمعها ممن لم يخبر حال الميت بمقتضاها؛ كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وجبت".
(3/152)

وقد يحتمل أن الشهادة تنفع، فمن لم يشهدوا له في الدنيا، وكان في نفسه لم يظهر للناس منه إلا الخير، فيحتاج في الآخرة إلى أن يسأله الله عز وجل، كما في حديث ابن عمر المتقدم، ثم يقول له: "إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم"، ومن شهدوا له لم يحتج إلى هذا السؤال والعلم عند الله عز وجل.
وقد يقال: إن قول عمر: "ثم لم نسأله عن الواحد" يشعر بأنّه لم يفهم من الحديث أن الواحد لا يكفي.
وأقول: إذا صح أن في الحديث إشارة إلى ذلك لم يضرها أن يتردد فيها الصحابي، لكن لقائل أن يقول: فسلمنا إشارة ما إلى أنه لا يكفي ثناء الواحد على الميت في الحكم له بالجنة، ولكن لا يلزم من هذا عدم الاكتفاء بتعديل الواحد للشاهد والمخبر، فإن الحكم للميت بالجنة لا ضرورة إليه ولا كبير حاجة. فإذا كان من أهل الجنة ولم يحكم له [الناس بأنه من أهلها] (1) لم يترتب على ذلك مفسدة بخلاف الشهادات والأخبار؛ فإن الضرورة فيها قائمة، وفي رد شهادة العدل وخبر الصادق ما لا يخفى من المفاسد، فتأمل.
ومن النصوص ما وقع في قضية الإفك من سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- أسامة عن عائشة، فأخبر أنه لا يعلم إلا خيرًا، وكذلك سأل بريرة وسأل أيضًا زينب بنت جحش وكلتاهما أثنت خيرًا، وبنى النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك قوله على المنبر: "من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا".
وفي الاحتجاج بهذا نظر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان هو نفسه خبيرًا بعائشة، وإنما استظهر بسؤال غيره؛ لئلا يقول المنافقون: إن محبته إياها (والعياذ بالله) ... (2).
وهذا -والله أعلم- من الحكمة في تأخير الله عز وجل إنزال براءتها.
__________
(1) في التعليق على المطبوع: "في الأصل كلام مطموس والذي كتب فهم من سياق الكلام".
(2) في التعليق على المطبوع: "هكذا وضع المؤلف النقط لبشاعة العبارة".
(3/153)

وقال البخاري في "الصحيح": "باب إذا زكى رجل رجلًا كفاه"، وقال أبو جميلة: وجدت منبوذا فلما رآني عمر قال: "عسى الغوير أبؤسًا" كأنه يتهمني، قال عريفي: إنه رجل صالح قال: كذلك، اذهب وعلينا نفقته.
وهذا الأثر أخرجه مالك في "الموطأ"، وفيه بعد قوله "كذلك": "قال: نعم. فقال عمر: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته".
والحجة فيه أن عمر قَبِلَ تعديل التعريف وَحْدَهُ، وبنى على ذلك تصديق أبي جميلة في أن ذلك الطفل كان منبوذًا، وأقره في يده، ولا يُقر اللقيط إلا في يد عدل، وحكم له بولائه، وأنفق عليه من بيت المال.
وقد أجيب على هذا بأنه مذهب لعمر مع أن أبا جميلة إما صحابي وإما من كبار التابعين، فلا يلزم من الاكتفاء في تعديله بواحد أن يكتفى بذلك فيمن بعد ذلك.
وهذا الجواب ضعيف، والظاهر أن هذا مذهب عمر، فإن لم يكن في النصوص ما يخالفه ولا نقل عن الصحابة ما يخالفه صح التمسك به.
ثم ذكر البخاري في الباب حديث أبي بكرة: "أثنى رجل على رجل عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ويلك قطعت عنق صاحبك، مرارا"، ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانا، والله حسيبه؛ ولا أزكي على الله أحدا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه".
قال ابن حجر في "الفتح": "ووجه احتجاجه بحديث أبي بكرة أنه -صلى الله عليه وسلم- اعتبر تزكية الرجل إذا اقتصد؛ لأنه لم يعب عليه إلا الإسراف والتغالي في المدح. واعترضه ابن المنير بأن هذا القدر كاف في قبول تزكيته، وأما اعتبار النصاب فمسكوت عنه. وجوابه أن البخاري يجري على قاعدته بأن النصاب لو كان شرطا لذكر؛ إذ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة".
(3/154)

أقول: لا يخفى حال هذا الجواب؛ فإنه ليس في الحديث أن الممدوح شهد أو أخبر، ولا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بنى على مدح المادح حُكْمًا يحتاج فيه إلى عدالة الممدوح، وليس هناك حاجة لبيان نصاب التعديل.
نعم الأشبه بدقة نظر البخاري: تعالى، ولطف استنباطه، إذ فهم من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمادح: "قطعت عنق صاحبك" ثناء على الممدوح؛ فإن قطع العنق كناية عن الإهلاك، والمعنى كما قال الغزالي: "إن الآفة على الممدوح أنه لا يأمن أن يُحدث فيه المدح كبرًا أو إعجابًا، أو يتكل على ما شهره به المادح، فيفتر عن العمل؛ لأن الذي يستمر على العمل غالبا هو الذي يعد نفسه مقصرًا" ذكره في "الفتح".
فكأن البخاري: فهم أن المدح إنما يقطع عنق من له عنق، والكافر والفاسق مقطوعة أعناقهما، ففي قوله -صلى الله عليه وسلم-: "قطعت عنق صاحبك" دلالة على أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى بأن للممدوح عنقًا يخشى أن يقطعها المادح بمدحه، العنق هي العدالة، فقد تضمن ذلك القضاء بأن الممدوح عدل، وهذا على لطفه لا يكفي للحجة، وفيه بُعْد؟ ذلك أنه ليس في الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يعرف الممدوح، حتى يقال: إنه إنما أثبت له سلامة العنق بثناء ذاك المادح.
وأما المسلك الثاني (1): فالأقرب أن تزكية الشاهد شهادة، وأما تزكية المخبر فإن كانت ممن جاوره أو صحبه مدة فالظاهر أنها خبر، وإن كانت ممن تأخر عليه كتعديل الإمام أحمد لبعض التابعين فقد يقال: إنها حكم؛ لأن أئمة هذا الفن في معنى المنصوبين من الشارع أو من جماعة الأمة لبيان أحوال الرواة ورواياتهم، وقد يقال: إنها فتوى؛ لأنها خبر عما أدى إليه النظر والاجتهاد، وهو إن لم يكن حكمًا شرعيا فتبنى عليه أحكام شرعية كما لا يخفى، والأقرب أنها خبر أيضًا.
__________
(1) يعني مسلك النظر في التعديل: أشهادة هو أم خبر، أم شهادة في تعديل الشاهد وخبر في تعديل المخبر؟
(3/155)

وأما المسلك الثالث (1): فقد شرحت في رسالة الاحتجاج بخبر الواحد بعض ما ظهر لي من الحكمة في أنه لا يكفي في الزنا أقل من أربعة شهود، وفي الدماء وغيرها بشاهدين، وفي الأموال بشاهدين ويمين المدعي عند قوم، والاكتفاء في الخبر بواحد، والذي يظهر من ذلك أن تعديل الشاهد كالشهادة بالدماء ونحوها في أنه لا يكفي إلا اثنان، وأن تعديل المخبر كالخبر.
وعلى كل حال فخبر من عدله اثنان أرجح من خبر من لم يعدله إلا واحد، وإن قامت الحجة بكل منهما، والله أعلم.
هذا كله حال المُعَدِّل، فأما الجارح، فشرطه أن يكون عدلًا، عارفًا بما يوجب الجرح إن جرح ولم يفسر وقلنا يقبوله. واشترط بعضهم أيضًا أن لا يكون بينه وبين المجروح عداوة دنيوية شديدة؛ فإنها ربما أوقعت في التحامل ولا سيما إذا كان الجرح غير مفسر، وزاد غيرهم العداوة الدينية (2). كما يقع بين المختلفين في العقائد، وقد بسطت القول في ذلك في " ... " (3).
والكلام في عدد الجارح كما مر في المعدل. اه.
* * *
__________
(1) يعني مسلك النظر في الحكمة التي لأجلها فرق الشارع بين الشهادة والخبر.
(2) في التعليق على المطبوع: "في الأصل كلام مطموس والذي كتب فهم من سياق الكلام". اه
(3) في التعليق على المطبوع "في الأصل مقدار كلمة غير مقروءة وهي تشير إلى كتاب". اه
قلت: الظاهر أنه "التنكيل"؛ فقد بسط القول في هذه المسألة في القاعدة التي عنون لها ب"قدح الساخط ومدح المحب" من قسم القواعد.
(3/156)

الشرط الثاني
هل يشترط أن يكون المُعَدِّل معاصرًا لمن يُعدِّلُه؟
مقدمة:
ممن اشتهر بالقول بهذا: ابن القطان الفاسي.
قال الذهبي في ترجمة: حفص بن بُغَيْل -بالموحدة والمعجمة مصغرًا، الهمداني، المُرهبي، الكوفي: وقد قال فيه ابن القطان: "لا يعرف له حال". قال الذهبي: "ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمامٌ عاصر ذلك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته".
وفي "الصحيحين" من هذا النمط كثيرون ما ضعفهم أحدٌ ولا هم بمجاهيل. اه
وقال الذهبي أيضًا في ترجمة: مالك بن الخير الزبادي بالزاي والموحدة، نسبة إلى زباد وهو موضع بالمغرب كما في "الأنساب" وذكر مالكًا هذا -المصري الإسكندراني- وقد قال فيه ابن القطان: "لم تثبت عدالته"، قال الذهبي: "يريد أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة، وفي رواة "الصحيحين" عدد كثير ما علمنا أن أحدًا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعةٌ ولم يأت بما يُنكَرْ عليه أن حديثه صحيح". اه
قال ابن حجر في "اللسان": "وهذا الذي نسبه إلى الجمهور لم يصرح به أحدٌ من أئمة النقد إلا ابن حبان. نَعَم هو حقٌ في حقِّ مَنْ كان مشهورًا بطلب الحديث والانتساب إليه، كما قررتُه في علوم الحديث، وهذا الرجل قد ذكره ابن حبان في "تاريخ الثقات" فهو عنده ثقة، وكذا نص الحاكم في "مستدركه" على أنه ثقة.
(3/157)

ثم إن قول الشيخ: إن في رواة الصحيح عددًا كثيرًا إلى آخره مما يُنازَعُ فيه، بل ليس كذلك، بل هذا شيء نادر؛ لأن غالبهم معروفون بالثقة إلا من خرجا له في الاستشهاد". اه.
تحقيق العلَّامة المعلمي لهذا المبحث:
قال في "الاستبصار" (ص 54).
"تقدم أن من شرط المعدِّل أن يكون ذا خبرة بمن يعدِّلُه، وذكروا أن الخبرة تحصل بالجِوار أو الصحبة أو المعاملة، ولا شك أنه يكفي جوارُ يوم أو يومين، وكذلك الصحبة، وكذا المعاملة لا يكفي فيها أن يكون قد اشترى منه سلعة أو سلعتين، بل لا بد من طول الجوار أو الصحبة أو المعاملة مدّة يغلب على الظن حصول الخبرة فيها، والمَدَارُ في ذلك على غلبة ظن المُزكِّي الفطن العارف بطباع الناس وأغراضهم.
واشتراط الخبرة بهذا التفصيل في مُزكِّي الشاهد لا إشكال فيه، وإنما الإشكال في تزكية الرواة؛ فإن ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام في الرواة المتقدمين غالبًا من كلام من لم يدركهم، بل ربما كان بينه وبينهم نحو ثلاثمائة سنة، هذا الدارقطني المولود سنة 306 يتكلم في التابعين، فيوثق ويضعف.
قد يتوهم من لا خبرة له أن كلام المحدث فيمن لم يدركه، إنما يعتمد النقل عمن أدركه، فالمتأخر ناقلٌ فقط أو حاكمٌ بما ثبت عنده بالنقل، وهذا الحصر باطل، بل إذا كان هناك نقل فإن المتأخر يذكره، فإن لم يذكره مرة ذكره أخرى أو ذكره غيره، والغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم "ثقة" أو"ضعيف" أو غير ذلك إنما هو اجتهاد منهم، سواء أكان هناك نقل يوافق ذاك الحكم أم لا، وكثيرًا ما يكون هناك نقل يخالف ذاك الحكم.
(3/158)

واعتمادهم في اجتهادهم على طرق:
الطريقة الأولى: النظر فيمن روى عن الرجل، فإن لم يرو عنه إلا بعض المتهمين كابن الكلبي والهيثم بن عدي، طرحوه ولم يشتغلوا به، وإن كان قد روى عنه بعض أهل الصدق، نظروا في حال هذا الصدوق، فيكون له واحدة من أحوال:
الأولى: أن يكون يروي عن كل أحد، حتى من عُرف بالجرح المسقط.
الثانية: كالأول، إلا أنه لم يرو عمن عرف بالجرح المسقط.
الثالثة: كالأولى، إلا أنه لم يُعرف بالرواية عمن عرف بالجرح، وإنما شيوخه بين عدول ومجاهيل، والمجاهيل في شيوخه كثير.
الرابعة: كالثالثة، إلا أن المجاهيل في شيوخه قليل.
الخامسة: أن يكون قد قال: "شيوخي كلهم عدول"، أو: "أنا لا أحدث إلا عن عدل".
فصاحب الحال الأولى لا تفيد روايته عن الرجل شيئًا، وأما الأربع الباقية فإنها تفيد فائدة ما، تضعف هذه الفائدة في الثانية، ثم تقوى فيما بعدها على الترتيب، فأقوى ما تكون في الخامسة.
الطريقة الثانية: النظر في القرائن؛ كأن يوصف التابعي بأنه كان من أهل العلم، أو من سادات الأمصار (1)، أو إمامًا في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو مؤذنًا لعمر أو قاضيًا لعمر بن عبد العزيز، أو ذَكَر الراوي عنه أنه أخبره في مجلس بعض الأئمة وهو يسمع كما قال الزهري.
الطريقة الثالثة: وهي أعمّ الطرق، اختبار صدقه وكذبه بالنظر في أسانيد رواياته ومتونها، مع النظر في الأمور التي قد يستفاد منها تصديق تلك الروايات أو ضعفها.
__________
(1) في المطبوع: "الأنصار"، وهو خطأ.
(3/159)

فأما النظر في الأسانيد:
• فمنه أن ينظر تاريخ ولادته وتاريخ وفاة شيخه الذي صرح بالسماع منه، فإن ظهر أن ذلك الشيخ مات قبل مولد الراوي، أو بعد ولادته بقليل بحيث لا يمكن عادةً أن يكون سمع منه ووعى كَذَّبُوه.
• ومنه أن يسأل عن تاريخ سماعه من الشيخ، فإذا بَيَّنَهُ وتبيَّن أن الشيخ قد كان مات قبل ذلك كَذَّبُوه.
• ومنه أن يسأل عن موضع سماعه من الشيخ، فإذا ذكر مكانًا يُعرف أن الشيخ لم يأته قط كَذَّبُوه.
• وقريب من ذلك أن يكون الراوي مكيًّا لم يخرج من مكة وصرح بالسماع من شيخ قد ثبت عنه أنه لم يأت مكة بعد بلوغ الأول سن التمييز، وإن كان قد أتاها قبل ذلك.
• ومنه أن يحدث عن شيخ حيّ فيسأل الشيخ عن ذلك فيكذبه.
فإذا لم يوجد في النظر في حاله وحال سنده ما يدل على كذبه، نظر في حال شيوخه المعروفين بالصدق، مع الشيوخ الذين زعم أنه سمع منهم على ما تقدم.
فإذا كان قد قال: حدثني فلان أنه سمع فلانًا، فتبَّين بالنظر أن فلانًا الأول لم يلق شيخه كَذَّبُوا هذا الراوي، وهكذا في بقية السند.
لكن إذا وقع شيء من هذا ممن عرفت عدالته وصدقه، وكان هناك مظنة للخطأ حملوه على الخطأ، وقد يختلفون فيكذبه بعضهم ويقول غيره: إنما أخطأ هو أو شيخه أو سقط في الإسناد رجل أو نحو ذلك. اه
(3/160)

قال أبو أنس:
قد شرح الشيخ المعلمي وبيَّن ما يدل على خطأ ما ذُكر عن ابن القطان -أو غيره- من اشتراطِ توثيقِ معاصرٍ أو آخذٍ عنه لإثبات عدالة الراوي.
واعلم أن للأئمة في الحكم على الرواة مسالكَ، منها وعلى رأسها: اللقاء بالراوي وحضور مجالس تحديثه مثلا، والنظر في كتبه، وعرض أحاديثه على أحاديث أقرانه عن شيوخهم - كما سبق في كلام المعلمي.
ثم تأتي المعاصرة -وهي دون اللقاء- ويعتمد فيها الناقد على ما يبلغه من سيرة الراوي وحديثه، ونحو ذلك.
ومن الجدير بالذكر أن اللقاء أو المعاصرة لا يكفيان بمجردهما، بل لا بد أن ينضم إليهما ما سبق شرحه، حتى إنه ربما يتوفر للناقد من المعلومات عن الراوي الذي لم يعاصره ما لم يتوفر له عمن عاصره، فالأمر دائر مع مقومات ومسوغات تقويم حال الراوي في نظر الناقد، سواء كانت معاصرة أم لا؟
بل في الرواة من لقيهم بعض الأئمة، فتجملوا لهم، واستقبلوهم بأحاديث مستقيمة، فوثقوهم، وقد خبرهم أئمة آخرون واطلعوا منهم على ما يقدح في عدالتهم (راجع ترجمة ابن معين من القسم الثاني من هذا الكتاب).
وهذا نموذج تطبيقي للشيخ المعلمي ناقش فيه تلك القضية في "تنكيله".
ذكر المعلمي في النوع السابع من مغالطات ومجازفات الكوثري من "طليعة التنكيل" (ص 56) قوله في المعروف الموثق: "مجهول"، أو"مجهول الصفة"، أو"لم يوثق"، أو نحو ذلك، فمن الأمثلة: "عبد الله بن محمود السعدي المروزي".
قال الكوثري: "مجهول الصفة".
(3/161)

فقال المعلمي: "لعبد الله بن محمود السعدي المروزي ترجمة في كتاب ابن أبي حاتم، وقال: "كتب إلى أبي بمسائل ابن المبارك من تأليفه"، وله ترجمة في "تذكرة الحفاظ" (ج 2 ص 257).
قال الذهبي: "الحافظ الثقة محدث مرو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن عبد الله السعدي ... قال الحاكم: ثقة مأمون".
وزاد المعلمي الحاشية: "وهو من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في ثقاته مع روايته عنه في "صحيحه"، وتوثيق ابن حبان لمن عرفهم وخبرهم من أعلى التوثيق؛ فإنه يتشدد في هؤلاء ويحسن الظن بغيرهم".
ثم ذكره المعلمي في "التنكيل" رقم (135) وقال:
"زعم الأستاذ -الكوثري- في "الترحيب" أنه لم يوثقه أحد من أهل عصره، وأن الحاكم متأخر عنه، وقد نعى الشيخ المعلمي على الكوثري تناقضه، إذ رَدَّ هنا توثيق الحاكم؛ لأنه ليس عصريّ عبد الله بن محمود، ثم هو يردّ جرح المتقدمين لبشار ابن قيراط، ويتشبث بقول الخليلي -المتأخر عنه بقريب من مائتي سنة: "رضيته الحنفية بخراسان". (راجع ترجمة بشار من هذا الكتاب)، مع أن الحاكم لا يعتد به، فأما الذهبي فمتابع للحاكم، ثم أومأ الأستاذ إلى أن بعض أهل عصره وثقه، وإنني إذا فتشت وجدته.
فأقول: لا حاجة إلى التفتيش، والحاكم أقرب إلى عبد الله بن محمود من ابن معين إلى أبي حنيفة! فضلا عن التابعين وأتباعهم الذين يوثقهم ابن معين، ويعمل أهل العلم بتوثيقه لهم.
والحاكم إمام مقبول القول في الجرح والتعديل ما لم يخالفه من يرجح عليه وستأتي ترجمته.
(3/162)

ولم يقتصر الذهبي على حكاية كلمة الحاكم بل قال من عنده: "الحافظ الثقة" وفوق ذلك فعبد الله من شيوخ ابن خزيمة كما في "تذكرة الحفاظ" ولعله روى عنه في "صحيحه"، ومن شيوخ ابن حبان كما في "معجم البلدان" (بُسْت)، وذكره في "ثقاته" وذكر تاريخ وفاته، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من أثبت التوثيق كما يأتي في ترجمته". اه.
* * *
(3/163)

المبحث الثالث
في عدالة الصحابة
وفيه:
إثبات القول بعدالة الصحابة مطلقًا، وبيان عصمة الله تعالى لهم من الكذب لا سيما على رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ وفاءً بما تكفل به سبحانه من حفظ دينه، وصونًا لهم من الطعن المؤدي إلى الطعن في الإسلام جملةً، مع دحض الشبه المثارة حول القول بإطلاق تلك العدالة.
إِجْمالٌ قبل تفصيل:
قال أبو بكر الخطيب في "الكفاية" (ص 46):
باب: ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يُحتاج إلى سؤالٍ عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم.
كل حديث اتصل إسناده بكان من رواه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن ... (1).
ثم قال: والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج
__________
(1) ذكر الخطيب هنا آيات في فضل الصحابة، ستأتي وأزيد منها في بحث المعلمي، ثم ذكر الخطيب عدة أخبار في هذا المعنى أيضًا، منها خبر: "خير الناس قرني ... " وخبر: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ... ".
(3/164)

أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له ... (1).
هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.
وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم، وسفك بعضهم دماء بعض، فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة، ولما اختلطوا بأهل النزاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم، وليس في أهل الدين والمتحققين بالعلم من يصرف إليهم خبر ما لا يحتمل نوعًا من التأويل وضربًا من الاجتهاد، فَهُم بمثابة المخالفين من الفقهاء المجتهدين في تأويل الأحكام لإشكال الأمر والتباسه. ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا؛ إذا لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم. اه
تحقيق العلَّامة المعلمي لهذا الفصل:
وفيه مواضع:
الموضع الأول:
قال في "الاستبصار في نقد الأخبار" (ص 19 - 28):
"اسم الصحابي: يعمُّ الجمهورُ كُلَّ من رأى (2) النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلمًا ومات على ذلك.
والمراد رؤيته إياه بعد البعثة وقبل الوفاة.
والاسم يشمل من ارتد بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ممن كان قد رآه مسلما إذا عاد إلى الإسلام ومات عليه كطليحة بن خويلد، وعيينة بن حصن، وأضرابهما.
__________
(1) هاهنا كلام للخطيب سينقله عنه المعلمي في بحثه الآتي قريبًا.
(2) التعبير بلفظ الاجتماع بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أو لقائه أدقُّ؛ ليشملَ من كان أعمى، كعبد الله بن أم مكتوم -رضي الله عنه-.
(3/165)

لكن قضيته ما نُقل عن الشافعي وغيره -من أن الردة تحبط العمل الصالح قبلها ولو عقبتها توبة- أن هؤلاء لا حَظَّ لهم في فضل الصحبة.
وذهب الجمهور إلى أن الصحابة كلهم عدول، قال ابن الأنباري:
"وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف للبحث عن أسباب العدالة والتزكية، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أصحاب السير فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح" "فتح المغيث" (ص 378).
وقال الخطيب في "الكفاية" (ص 46): "باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم ... " فذكر عدة آيات وأحاديث في الثناء عليهم، إلى أن قال: "فهم على هذه الصفة، إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيحكم بسقوط العدالة، وقد برَّأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها -من: الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين- القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين".
أقول: أما الآيات فمنها:
1 - {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
(3/166)

فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8 - 10].
2 - {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
3 - {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117].
4 - {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].
5 - {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].
6 - {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 172 - 174].
(3/167)

7 - {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].
8 - {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121].
9 - {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
10 - {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
ومن تدبر هذه الآيات وغيرها من القرآن وجد الثناء على المهاجرين عامًّا سالمًا من التخصيص، فإذا تَتَبَّع السنة أيضًا لم يجد ما ينافي ذلك سوى فلتات، ربما كانت تقع من بعضهم فلا تضرهم.
• فمنها: ما جرى منهم يوم بدر من ترجيح أخذ الفداء فأقرَّهم الله عز وجل عليه وأنزل: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 68، 69].
• ومنها: تولِّي بعضهم يوم أحد فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].
ومنها: قصة مسطح بن أثاثة لما خاض مع أهل الإفك فكان ما كان، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله عز وجل: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].
(3/168)

• ومنها قصة حاطب بن أبي بلتعة ...
• وأشد ما وقع من ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح، مع أنه ليس من المهاجرين الأولين، وإنما كان ممن أسلم قُبيل الفتح، ثم ارتد، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح بقتله فلم يُقتل وأسلم.
قال ابن عبد البر: "فحسن إسلامه فلم يظهر منه شيء ينكر عليه بعد ذلك وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش"، ثم ذكر ولايته مصر وفتحه إفريقية والنوبة، ثم قال: "ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى الصبح، فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلم من يمينه، وذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه، ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره".
ومع ذلك فلم يَرِدْ عنه من الحديث شيء إلا حديث واحد قد رواه غيره من الصحابة، ومع ذلك لم يصح السند إليه (1).
__________
(1) هو ما رواه ابن لهيعة قال: حدثنا عياش بن عباس القتباني، عن الهيثم بن شُفي، عن عبد الله بن سعد ابن أبي سرح قال: "بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعشرة من أصحابه معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وغيرهم على جبل، إذ تحرك بهم الجبل، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اسكن حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد"، وابن لهيعة ليس بحجة.
رواه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر وأخبارها" (ص 172) عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة به. وقال: ليس لهم -يعني أهل مصر- عنه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث غيره وحديث آخر مرسل بِشَكٍّ، وهو حديث: ضمام بن إسماعيل عن عياش بن عباس القتباني قال: لما حصروا الإسكندرية قال لهم صاحب المقدمة: لا تعجلوا حتى آمركم برأيي، فلما فتح الباب دخل رجلان فقتلا، فبكى صاحب المقدمة. قال ضمام: أظنه عبد الله بن سعد.
فقيل له: لم بكيت وهما شهيدان؟ قال: ليت أنهما شهيدان! ولكن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يدخل الجنة عاص".
(3/169)

وأما الأنصار فحالهم قريب من حال المهاجرين، إلا أنه لم يعم الإيمان جميع الأوس والخزرج، بل كان منهم أفراد منافقون، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه، لكن أولئك الأفراد كانوا قليلين كما يظهر من الآيات والأحاديث، وكما يعلم ذلك بدلالة المعقول؛ فإنهم لو كانوا هم الأكثر أو كثيرا لكانوا أظهروا كفرهم، ولم يحتاجوا إلى النفاق، ومع ذلك فقد كانوا معروفين عند النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، إن لم يكن علم اليقين فالظن، قال الله عز وجل: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 29، 30].
وكانوا مع ذلك خائفين كما قال الله عز وجل فيهم: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4].
وكانوا مع ذلك إلى نقصٍ بالهلاك أو التوبة والإخلاص، والغالب على الظن أن من بقي منهم بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتعرض أحدٌ منهم لِأَن يَذكر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا لخوفهم من المؤمنين، وعلمهم بنفاقه: حذيفة أو غيره ممن كان قد أسرَّ إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأسماء المنافقين.
وأما الأعراب فقد قال الله عز وجل: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14].
والظاهر أن أهل هذه الآية آمنوا بعد ذلك أو غالبهم كما تقتضيه كلمة "لمَّا".
وقد ذكر الله عز وجل فِرقَهُم في سورة التوبة الآيات من (95 - 105) فذكر أن منهم منافقين، ومنهم مؤمنين مخلصين، ومنهم مخلطين يرجى لهم الخير، وقال في آخر ذلك: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}.
(3/170)

ثم ابتلاهم الله عز وجل بعد غزوة العسرة بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فارتد أقوام من الأعراب فعرفهم المؤمنون حق المعرفة.
وأما الطلقاء من أهل مكة فلم يرتد منهم أحد بعده -صلى الله عليه وسلم-، وقد شملتهم بعض الآيات المتقدمة كما يعلم بمراجعتها، وكذلك تشملهم بعض الأحاديث كالحديث المشهور: "خير الناس قرني ... ".
وبالجملة فتعديل الله عز وجل ورسوله ثابت للمهاجرين عامة، ولم يجيء ما يخصصه.
وأما الأنصار فالثناء عليهم عام، ولكن قد كان من الأوس والخزرج منافقون لكنهم قليل، ولم يحضر من المنافقين أحد بيعة العقبة، ولا شهد بدرا ولا أُحُدا؛ لأن كبيرهم اعتزل بهم، والظاهر أنه لم يبايع تحت الشجرة أَحَدٌ منهم، وقد قيل إنه كان هناك واحد منهم فلم يبايع، وقد سُمي (1).
وقول الله عز وجل في ذكر تخلفهم عن غزوة تبوك: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 46، 47].
يقتضي أنه لم يشهد تبوك أحد منهم، ولكن روي أن اثني عشر منهم اعترضوا النبي -صلى الله عليه وسلم- مرجِعَهُ من تبوك، وأرادوا ترديته من العقبة.
وقد يقال - إن صح الخبر (2): لعل هؤلاء لم يشهدوا تبوك، وإنما ترصدوا قدومه -صلى الله عليه وسلم- من تبوك فالتقوه ببعض الطريق لما همّوا به، ومع ذلك ففي الخبر أن حذيفة عرف هؤلاء.
__________
(1) هو الجدّ بن قيس. راجع "الإصابة" (1/ 238).
(2) وقفت له على طريقين: الأول: أحمد بن عبد الجبار -وهو العطاردي- عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق به. والثاني: ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة به. وفيهما ضعف ظاهر وإرسال. انظر "الدلائل" للبيهقي (5/ 257) وكذا "سننه" (9/ 32).
(3/171)

هذا وقد سبق أن الظاهر أن من بقي من المنافقين لم يَرِدْ عن أَحَدٍ منهم شيءٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وأما الأعراب فقد تم امتحانهم بوفاته -صلى الله عليه وسلم-، فمن ثبتت منهم الإسلام (1) فقد ثبتت عدالته، ومن ارتد فقد زالت، فمن عاد بعد ذلك إلى الإسلام فيحتاج إلى عدالة جديدة.
وأما الطلقاء فقد شملتهم بعض الآيات كما عرفت، ولم تقع منهم رِدَّةٌ.
ولو اقتصر المخالف في المسألة على القول بأن من تأخر إسلامُه وَقلَّت صحبتُه يحتاج إلى البحث عنهم، لكان لقوله وجهٌ في الجملة، وأوجهُ من ذلك من كان من الأعراب ويحتمل أنه ممن ارتد عقب وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأما من عُلم أنه ممن ارتدَّ فالأمر فيه أظهر.
هذا وقد كان العرب يتحاشون من الكذب، وتأكد ذلك فيمن أسلم؛ وكان أحدهم وإن رَقَّ دينُه - لا يبلغ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوافرون، وأنه إن اجترأ أحد على الكذب افتضح.
ولو قال قائل: إن الله تبارك وتعالى منع القوم من تعمُّد الكذب على نبيه -صلى الله عليه وسلم- بمقتضى ضمانه بحفظ دينه ولا سيما مع إخباره بعدالتهم لما أبْعَدَ.
ومن تدبر الأحاديث المروية عمن يُمكن أن يتكلم فيه من الطلقاء ونحوهم ظهر له صدق القوم؛ فإن المروي عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثا يصح عن أحد منهم إلا وقد صح بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين أو الأنصار، وقد كانت بين القوم إِحَنٌ بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلو استساغ أحد منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذم خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحا صريحا.
__________
(1) كذا في المطبوع ولعل الصواب: "فمن ثبت منهم على الإسلام".
(3/172)

وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدَّعُوا عصمَة القوم، بل غاية ما ادَّعوه أنه ثبتَ لهم أصلُ العدالة، ثم لم يثبت ما يزيلها، والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حق بعضهم ما يزيل العدالة، فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبتَ أهلُ السنة أنها لم تصح، وأن ما صح منها لا يقتضي زوال العدالة استتب الأمر.
فأما من ثبتت شهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالمغفرة فقد تضمن ذلك تعديلهم أولًا وآخرًا. والله الموفق.
تنبيه:
أما الخطأ فقد وقع من بعض الصحابة كقول ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتمر في رجب وغير ذلك مما يُعرف بتتبُّع كتب السنة.
مسألة:
قال الخطيب في الكفاية (ص 52):
"ومن الطريق إلى معرفة كونه صحابيًّا تظاهر الأخبار بذلك، وقد يحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينًا مقبول القول إذا قال: صحبت النبي -صلى الله عليه وسلم- وكثر لقائي له ... (1) وإذا قال: أنا صحابي ولم نجد (2) عن الصحابة رَدَّ قوله ولا ما يعارضه ... وجب إثباته صحابيا حكمًا بقوله لذلك، أو قول آحاد الصحابة".
أقول: فعرف من هذا أن من لم تثبت صحبته إلا بقوله، حُكْمُهُ حُكْمُ التابعين في البحث عن عدالته؛ لأنها لا تثبت صحبته حتى تثبت عدالته. اه
__________
(1) تمام كلام الخطيب: "فيحكم بأنه صحابي في الظاهر لموضع عدالته، وقبول خبره، وإن لم يقطع بذلك، كما يعمل بروايته عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإن لم يقطع بسماعه ولو رُدَّ قوله: إنه صحابي لرُدَّ خبره عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ... ".
(2) في الكفاية: "يحك".
(3/173)

قال أبو أنس:
يتعلق بهذا المبحث في هذه المناسبة قضايا تتصل بمعرفة الصحابة، وكيف تثبت الصحبة؟ وهل كل من ترجم له في الكتب المصنفة في الصحابة قد ثبتت صحبتهم بحيث يكون جميع ما ورد عنهم من الأخبار التي تروى عنهم موصولة؟
وحتى لا أقطع على القارىء تصدي المعلمي للدفاع عن عدالة من ثبتت صحبته وكشفه لشبهات أهل الأهواء في ذلك أرجىء تلك القضايا لآخر هذا المبحث، والله تعالى الموفق.
الموضع الثاني:
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص 266 - 277):
"الآيات القرآنية في الثناء على الصحابة والشهادة لهم بالإيمان والتقوى وكل خير معروفة، ومن آخرها نزولا قول الله عز وجل: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 117، 118] ساعة العسرة: غزوة تبوك.
وكلمة "المهاجرين" هنا تشمل السابقين واللاحقين ومن كان معهم من غير الأنصار، ولا نعلمه تخلف ممن كان بالمدينة من هؤلاء أحد إلا عاجز أو مأمور بالتخلف مع شدة حرصه على الخروج، وفي "الصحيح" قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رجع من تبوك: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم ... حبسهم العذر".
وفي "الفتح": أن المهلب استشهد لهذا الحديث بقول الله تعالى {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} [النساء: 95] وهو استشهاد متين. والمأمور بالتخلف أولى بالفضل.
(3/174)

وفي هذا وآيات أخرى ثناء يعم المهاجرين ومن لحق بهم لا نعلم ثَمَّ ما يخصصه.
فأما الأنصار فقد عمت الآية من خرج منهم إلى تبوك والثلاثة الذين خلفوا والعاجزين، ولم يبق إلا نفر كانوا منافقين.
وفي "الصحيح" في حديث كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين خُلفوا: "فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء".
وفي هذا بيان أن المنافقين قد كانوا معروفين في الجملة قبل تبوك، ثم تأكد ذلك بتخلفهم لغير عذر وعدم توبتهم، ثم نزلت سورة براعة فقشقشتهم، وبهذا يتضح أنهم قد كانوا مشارًا إليهم بأعيانهم قبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فأما قول الله عز وجل: {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} فالمراد -والله أعلم- بالعلم ظاهره أي اليقين، وذلك لا ينفي كونهم مغموصين أي متهمين، غاية الأمر أنه يحتمل أن يكون في المتهمين من لم يكن منافقا في نفس الأمر، وقد قال تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} ونص في سورة براءة وغيرها على جماعة منهم بأوصافهم، وعيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- جماعة منهم، فمن المحتمل أنَّ الله عز وجل بعد أن قال: {لَا تَعْلَمُهُمْ} أعلمه بهم كلهم.
وعلى كل حال فلم يمت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا وقد عَرف أصحابُه المنافقين يقينا أو ظنا أو تُهمة، ولم يبق أحد من المنافقين غير متهم بالنفاق.
ومما يدل على ذلك، وعلى قلتهم وذلتهم وانقماعهم ونفرة الناس عنهم، أنه لم يُحس لهم عند وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- حراك. ولما كانوا بهذه المثابة لم يكن لأحد منهم مجال في أن يحدث عن النبي؛ لأنه يعلم أن ذلك يعرضه لزيادة التهمة ويجر إليه ما يكره.
وقد سَمَّى أهلُ السير والتاريخ جماعة من المنافقين لا يُعرف عن أحد منهم أنه حدَّث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجميع الذين حدثوا كانوا معروفين بين الصحابة بأنهم من خيارهم.
(3/175)

وأما الأعراب فإن الله تبارك وتعالى كشف أمرهم بموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فارتد المنافقون منهم، فتبين أنه لم يحصل لهم بالاجتماع بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ما يستقر لهم به اسم الصحبة الشرعية، فمن أسلم بعد ذلك منهم فحكمه حكم التابعين.
وأما مُسلمة الفتح فإن الناس يغلطون فيهم يقولون: كيف يُعقل أن ينقلبوا كلهم مؤمنين بين عشية وضحاها، مع أنهم إنما أسلموا حين قُهروا وغُلبوا ورأوا أن بقاءهم على الشرك يضر بدنياهم؟
والصواب أن الإسلام لم يزل يعمل في النفوس منذ نشأته. ويدلك على قوة تأثيره أمور:
الأول: ما قصه الله تبارك وتعالى من قولهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].
وقولهم: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} [الفرقان: 42].
الثاني: ما ورد من صدِّهم للناس أن يسمعوا القرآن حتى كان لا يَرِدُ مكةَ وارد إلا حذروه أن يستمع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن اشتراطهم على الذي أجار أبا بكر أن يمنعه من قراءة القرآن بحيث يسمعه الناس.
الثالث: وهو أوضحها؛ إسلامُ جماعة من أبناء كبار رؤسائهم ومفارقتهم آباءهم قديما، فمنهم عمرو وخالد ابنا أبي أحيحة سعيد بن العاص، والوليد بن الوليد ابن المغيرة، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وعبد الله وأبو جندل ابنا سهيل بن عمرو وغيرهم.
وآباء هؤلاء هم أكابر رؤساء قريش وأعزهم وأغناهم، فارقهم أبناؤهم وأسلموا. فتدبر هذا، فقد جرت عادة الكُتَّاب إذا ذكروا السابقين إلى الإسلام ذكروا الضعفاء فيتوهم القارىء أنهم أسلموا لضعفهم وسخطهم على الأقوياء وحبهم للانتقام منهم على الأقلِّ لأنه لم يكن لهم من الرياسة والعز والغنى ما يصدُّهم عن قبول الحق وتحمل المشاق في سبيله.
(3/176)

والحقيقة أعظم من ذلك كما رأيتَ، إلا أن الرؤساء عاندوا واستكبروا، وتابعهم أكثر قومهم مع شدة تأثرهم بالإسلام فكان في الشبان من كان قوي العزيمة فأسلموا وضحّوا برياستهم وعزهم وغناهم، متقبلين ما يستقبلهم من مصاعب ومتاعب، وبقي الإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين، فلم يزل الإسلام يفشو فيهم حتى بعد هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
ثم لما كان صلح الحديبية وتمكن المسلمون بعده من الاختلاطِ بالمشركين ودعوة كل واحد قريبه وصديقه فشا الإسلام بسرعة وأسلم في هذه المدة من الرؤساء خالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وغيرهم، والإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين.
ونستطيع أن نجزم أن الإسلام كان قد طرد الشرك وخرافاته من نفوس عقلاء قريش كلهم قبل فتح مكة، ولم يبق إلا العناد المحض يلفظ آخر أنفاسه، فلما فتحت مكة مات العناد ودخلوا في الإسلام الذي قد كان تربع في نفوسهم من قَبْل.
نعم بقي أثر في صدور بعض الرؤساء فبسط لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- التأليف يوم فتح مكة وبعده وآثرهم بغنائم حنين، ولم يزل يتحراهم بحسن المعاملة حتى اقتلع البقية الباقية من أثر العناد.
ثم كان من معارضة الأنصار بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- لقريش في الخلافة واستقرار الخلافة لقريش غير خاصة ببيت من بيوتها، وخضوع العرب لها ثم العجم، ما أكد حب الإسلام في صدر كل قرشي. وكيف لا وقد جمع لهم إلى كل شبر كانوا يعتزون به من بطحاء مكة آلاف الأميال، وجعلهم ملوك الدنيا والآخرة.
ومما يوضح لك ذلك أن الذين عاندوا إلى يوم الفتح كانوا بعد ذلك من أجدِّ الناس في الجهاد، كسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه الحارث، ويزيد ابن أبي سفيان.
(3/177)

فأما ما يذكره كثير من الكُتَّاب من العصبية بين بني هاشم وبني أمية فدونك الحقيقة:
شمل الإسلام الفريقن ظاهرا وباطنا، وكما أسلم قديما جماعة من بني هاشم فكذلك من بني أمية كابني سعيد بن العاص وعثمان بن عفان وأبي حذيفة بن عتبة، وكما تأخر إسلام جماعة من بني أمية فكذلك من بني هاشم. وكما عاداه بعض بني أمية فكذلك بعض بني هاشم كأبي لهب بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن المطلب، ونزل القرآن بذم أبي لهب ولا نعلمه نزل في ذم أُموي معّين، وتزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- بنت أبي سفيان بن حرب الأموي ولم يتزوج هاشمية, وزوج إحدى بناته في بني هاشم وزوج ثلاثا في بني أمية. فلم يبق الإسلام في أحد الجانبين حتى يحتمل أن يستمر هدفا لكراهية الجانب الآخر، بل ألَّف الله بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا وأصبح الإسلام يلفهم جميعا؛ يحبونه جميعا ويعظمونه جميعا، ويعتزون به جميعا، ويحاول كل منهم أن يكون حظه منه أوفر.
ولم تكن بين فتح مكة وبين ولاية عثمان الخلافة نُفرة ما بين العشيرتين، فلما كانت الشورى وانحصر الأمر في علي وعثمان وجدت الأوهامُ منفذا إلى الخواطر، ثم لما صار في أواخر خلافة عثمان جماعة من عشيرته بني أمية أمراء وعمالا وصار بعض الناس يشكوهم أشيعت عن علي كلمات يندد بهم ويتوعدهم بأنه إذا صلي الخلافة عزلهم وأخذ أموالهم وفعل وفعل، ثم كانت الفتنة، وكان لبعض من يُعَدُّ من أصحاب علي إصبع فيها، حتى قُتل عثمان، وقام قتلته بالسعي لمبايعة علي، فبويع له، وبقي جماعة منهم في عسكره.
فمن تدبر هذا وجد هذه الأسباب العارضة كافية لتعليل ما حدث بعد ذلك، إذنْ فلا وجه لإقحام ثارات بدر وأُحد التي أماتها الإسلام، وما حُكي مما يشعر بذلك لا صحةَ له البتة، إلا نزعة شاعر فاجر في زمن بني العباس يصح أن تُعَدَّ من آثار الإسراف في النزل لا من مؤثراته.
(3/178)

وجرى من طلحة والزبير ما جرى، فأي ثأر لهما كان عند بني هاشم؟
وبهذا يتضح جليا أن لا مساغ البتة لأن يُعلل خلاف معاوية بطلبه بثأر من قتل من آله ببدر، ثم يتذرع بذلك إلى الطعن في إسلامه، ثم في إسلام نظرائه!
فإن قيل: مهما يكن من حال الصحابة فإنهم لم يكونوا معصومن فغاية الأمر أن يُحملوا على العدالة ما لم يتبين خلافها، فلماذا يُعدِّل المحدثون من تبين ما يوجب جرحه منهم؟
فالجواب من أوجه:
الوجه الأول: أنهم تدبروا ما نقل من ذلك فوجدوه ما بين غير ثابت نقلا أو حكما أو زلة تيب منها أو كان لصاحبها تأويل.
الوجه الثاني: أن القرآن جعل الكذب على الله كفرا، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] والكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- في أمر الدين والغيب كذب على الله، ولهذا صرح بعض أهل العلم بأنه كفر، واقتصر بعضهم على أنه من أكبر الكبائر، وفرق شيخ الإسلام ابن تيمية بين من يخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا واسطة كالصحابي إذا قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبين غيره, فمال إلى أن تعمد الأول للكذب كفر وتردد في الثاني.
ووقوع الزلة أو الهفوة من الصحابي لا يسوغ احتمال وقوع الكفر منه، هَبْ أن بعضهم لم يكن يرى الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- كفرا، فإنه -على كل حال- يراه أغلظ جدا من الزلات والهفوات المنقولة.
الوجه الثالث: أن أئمة الحديث اعتمدوا فيمن يمكن التشكك في عدالته من الصحابة اعتبار ما ثبت أنهم حدثوا به عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو عن صحابي آخر عنه، وعرضوها على الكتاب والسنة وعلى رواية غيرهم مع ملاحظة أحوالهم وأهوائهم، فلم يجدوا من ذلك ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من
(3/179)

الصحابة ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو ما يشهد له، وراجع (ص 64) (1).
وهذا الوليد بن عقبة بن أبي معيط (2) يقول المشنِّعون: ليس من المهاجرين ولا الأنصار، إنما هو من الطلقاء. ويقولون: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أمر بقتل أبيه عقب بدر قال: يا محمد فمن لِلصبْيَة؟ يعني بَنيه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لهم النار.
__________
(1) سيأتي نقل ما في هذا الموضع فإنه مهم.
(2) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو: ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أم عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فالوليد بن عقبة أخو عثمان لأمه, يكنى أبا وهب، أسلم يوم الفتح هو وأخوه خالد بن عقبة, استعمله عثمان فولاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص، فاستعظم الناس ذلك، وكان الوليد شجاعًا شاعرًا جوادًا. قال مصعب الزبيري: وكان من رجال قريش وسراتهم.
قال الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب "العواصم من القواصم" لأبي بكر بن العربي القاضي المالكي (ص 98 - 99): "تلقفت دولة الإسلام الأُولى من خلافة أبي بكر هذا الشاب الماضي العزيمة الرضي الخلق، الصادق الإيمان, فاستعملت مواهبه في سبيل الله إلى أن توفي أبو بكر، وأول عمل له في خلافة أبي بكر أنه كان موضع السر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة 12 "الطبري" (4 - 7)، ثم وجهه مددا إلى قائده عياض بن غنم الفهري "الطبري" (4 - 22)، وفي سنة 13 كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة, فكتب إلى عمرو بن العاص وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد، فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين، وسار الوليد بن عقبة قائدا إلى شرق الأردن "الطبري" (4/ 29 - 30)، ثم رأينا الوليد في سنة 15 أميرا على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة (الطبري 4: 155) يحمى ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا من خلفهم، فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ، مسلمهم وكافرهم.
وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايتها وقيادته على هذه الجهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية, فكان مع جهاده الحربي وعمله الإداري داعيا إلى الله؛ يستعمل جميع أساليب الحكمة والموعظة الحسنة لحمل نصارى إياد وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب. وهربت منه إياد إلى الأناضول وهو تحت حكم البيزنطيين، فحمل الوليد خليفته عمر على كتابة كتاب تهديد إلى =
(3/180)

ويقولون: إنه هو الذي أنزل الله تعالى فيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} فنص القرآن أنه فاسق يجب التبين في خبره (1).
__________
= قيصر القسطنطينية بأن يردهم إلى حدود الدولة الإسلامية, وحاولت تغلب أن تتمرد على الوليد في نشره الدعوة الإسلامية بين شبابها وأطفالها، فغضب غضبته المضرية المؤيدة بالإيمان الإسلامي، وقال فيهم كلمته المشهورة:
إذا ما عصبت الرأس منى بمشوذ ... فغيك منى تغلب ابنة وائل.
وبلغت هذه الكلمة عمر، فخاف أن يبطش قائده الشاب بنصارى تغلب فيفلت من يده زمامهم في الوقت الذي يحاربون فيه مع المسلمين حمية للعروبة, فكف عنهم يد الوليد ونحاه عن منطقتهم.
وبهذا الماضي المجيد جاء الوليد في خلافة عثمان فتولى الكوفة له، وكان من خير ولاتها عدلا ورفقا وإحسانا، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة". اه.
(1) قال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (ج 3 ص 1553): "ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أنّ قوله عز وجل: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} نزلت في الوليد بن عقبة ... ". وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج 8 ص 216): "ذكر ذلك غير واحد من المفسرين، والله أعلم بصحة ذلك".
قال ابن حجر في "الإصابة" (ج 4 ص 637): "هذه القصة أخرجها عبد الرزاق في تفسيره عن معمر، عن قتادة قال: وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الوليد بن عقبة ... [يعني مرسلًا]، وأخرجه عبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة نحوه. ومن طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة نحوه. ومن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد كذلك. وأخرجها الطبراني موصولة عن الحارث بن أبي ضرار المصطلقي مطولة، وفي السند من لا يُعرف". اه.
وقال أبو بكر بن العربي في "العواصم من القواصم" (ص 102): "وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أن الله سماه فاسقًا في قوله: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6]. فإنها -في قولهم- نزلت فيه، أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بني المصطلق، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم خالد بن الوليد، فتثبت في أمرهم فتبَّين بطلان قوله. وقد اختلف فيه, فقيل: نزلت في ذلك، وقيل: في عليّ والوليد في قصة أخرى، وقيل: إن الوليد سبق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمسح رءوسهم وبرك عليهم إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خَلوق، فامتنع -صلى الله عليه وسلم- من مَسِّه. (سيأتي تحقيق المعلمي لهذا الخبر قريبًا). فمن يكون في مثل هذه السن يرسل مصدقًا؟! ". اه.
بَحْثُ الشيخ محب الدين الخطيب في تحقيق هذا الخبر:
قال في تعليقه على "العواصم من القواصم" لابن العربي (ص 102): "كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة, ويسميه الله فاسقا، ثم تبقى له في نفس خليفتي =
(3/181)

. . . . . . . . . . . . . . .
__________
= رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي بكر وعمر المكانة التي سجلها له التاريخ وأوردنا الأمثلة عليه في هامش (ص 98) عند استعراضنا ماضيه في بضعة عشر عاما قبل أن يوليه عثمان الكوفة، إن هذا التناقض بين ثقة أبي بكر وعمر بالوليد بن عقبة, وبين ما كان ينبغي أن يعامل به لو أن الله سماه فاسقا - حملني على الشك في أن تكون الآية نزلت فيه, لا استبعادا لوقوع أمر من الوليد يعد به فاسقا، ولكن استبعادا لأن يكون الموصوم بالفسق في صريح القرآن محل الثقة من رجلين لا نعرف في أولياء الله عز وجل بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من هو أقرب إلى الله منهما.
وبعد أن ساورني هذا الشك أعدت النظر في الأخبار التي وردت عن سبب نزول الآية {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ...}، فلما عكفت على دراستها وجدتها موقوفة على مجاهد، أو قتادة, أو ابن أبي ليلى، أو يزيد بن رومان، ولم يذكر أحد منهم أسماء رواة هذه الأخبار في مدة مائة سنة أو أكثر مرت بين أيامهم وزمن الحارث، وهذه المائة من السنين حافلة بالرواة من مشارب مختلفة، وأن الذين لهم هوى في تسويىء سمعة مثل الوليد ومن هم أعظم مقامًا من الوليد قد ملئوا الدنيا أخبارًا مريبة ليس لها قيمة علمية.
وما دام رواة تلك الأخبار في سبب نزول الآية مجهولين من علماء الجرح والتعديل بعد الرجال الموقوفة هذه الأخبار عليهم، وعلماء الجرح والتعديل لا يعرفون من أمرهم حتى ولا أسماءهم، فمن غير الجائز شرعا وتاريخا الحكم بصحة هذه الأخبار المنقطعة التي لا نسب لها.
وهنالك خبران موصولان: أحدهما: عن أم سلمة زعم موسى بن عبيدة أنه سمعه من ثابت مولى أم سلمة. وموسى بن عبيدة ضعفه النسائي وابن المديني وابن عدي وجماعة. وثابت المزعوم أنه مولى أم سلمة ليس له ذكر في كل ما رجعت إليه من كتب العلم، فلم يذكر في "تهذيب التهذيب" ولا في "تقريب التهذيب" ولا في خلاصة "تهذيب الكمال"، بل لم أجده ولا في قفصي الاتهام أعني "ميزان الأعتدال" و"لسان الميزان" وذهبت بلى مجموعة أحاديث أم سلمة في "مسند" الإمام أحمد فقرأتها واحدا واحدا فلم أجد فيها هذا الخبر، بل لم أجد لأم سلمة أي خبر ذكر فيه اسم مولى لها يدعى ثابت، زد على كل هذا أن أم سلمة لم تقل في هذا الخبر -إن صح عنها، ولا سبيل إلى أن يصح عنها- أن الآية نزلت في الوليد، بل قالت - أي: قيل على لسانها: "بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا في صدقات بني المصطلق".
والخبر الثاني الموصول رواه الطبري في التفسير عن ابن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس. والطبري لم يلق ابن سعد ولم يأخذ عنه؛ لأن ابن سعد لما توفي ببغداد سنة 230 كان الطبري طفلا في السادسة من عمره ولم يخرج إلى ذلك الحين من بلده آمل في طبرستان، لا إلى بغداد ولا لغيرها، وابن سعد وإن كان في نفسه من أهل العدالة في الدين والجلالة في العلم، إلا أن هذه السلسلة من سلفه يجهل علماء الجرح والتعديل أسماء أكثرهم فضلا عن أن يعرفوا شيئا من =
(3/182)

ويقولون: إنه في زمن عثمان كان أميرا على الكوفة، فشهدوا عليه أنه شرب الخمر، وكلَّم عليٌّ عثمانَ في ذلك فأمره أن يجلده فأمر عليٌّ عبد الله بن جعفر فجلده. ومنهم من يزيد، أنه صلى بهم الصبح سكران فصلى أربعا ثم التفت فقال: أزيدكم؟ (1).
__________
= أحوالهم، فكل هذه الأخبار من أولها إلى آخرها لا يجوز أن يؤاخذ بها مجاهدٌ كان موضع ثقة أبي بكر وعمر، وقام بخدمات للإسلام يرجى له بها أعظم المثوبة إن شاء الله، أضف إلى كل ما تقدم أنه في الوقت الذي حدثت فيه لبني المصطلق الحادثة التي نزلت فيها الآية كان الوليد صغير السن كما سيأتي". اه.
(1) كَشْفُ الشيخ محب الدين الخطيب عن دخائل هذه الحكاية:
ذكر رحمه الله في تعليقه على "العواصم" (ص 106 - 108): "أن فريقا من الأشرار وأهل الفساد أصاب بنيهم سوط الشريعة بالعقاب على يد الوليد، فوقفوا حياتهم على ترصد الأذى له، ومن هؤلاء رجل يسمى: أبا زينب بن عوف الأزدي, وآخر يسمى: أبا مورع، وثالث اسمه. جندب أبو زهير قبض السلطان على أبنائهم في ليلة نقبوا بها على ابن الحيسمان داره وقتلوه، وكان نازلا بجواره رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جيش خزاعة يوم فتح مكة فجاء هو وابنه من المدينة إلى الكوفة ليسيرا مع أحد جيوش الوليد بن عقبة التي كان يواصل توجيهها نحو الشرق للفتوح ونشر دعوة الإسلام، فشهد هذا الصحابي وابنه في تلك الليلة سطو هؤلاء الأشرار على منزل ابن الحيسمان، وأدى شهادته هو وابنه على هؤلاء القتلة السفاحين، فأنفذ الوليد فيهم حكم الشريعة على باب القصر في الرحبة, فكتب آباؤهم العهد على أنفسهم للشيطان بأن يكيدوا لهذا الأمير الطيب الرحيم، وبثوا عليه العيون والجواسيس ليترقبوا حركاته, وكان بيته مفتوحا دائما. وبينما كان عنده ذات يوم ضيف له من شعراء الشمال كان نصرانيا في أخواله من تغلب بأرض الجزيرة وأسلم على يد الوليد، فظن جواسيس الموتورين أن هذا الشاعر الذي كان نصرانيا لابد أن يكون ممن يشرب الخمر ولعل الوليد أن يكرمه بذلك، فنادوا أبا زينب وأبا المورع وأصحابهما، فاقتحموا الدار على الوليد من ناحية المسجد، ولم يكن لداره باب فلما فوجىء بهم نحى شيئا أدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه بلا إذن من صاحب الدار، فلما أخرج ذلك الشيء من تحت السرير إذا هو طبق عليه تفاريق عنب، وإنما نحاه الوليد استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون من الخجل، وسمع الناس بالحكاية فأقبلوا يسبونهم ويلعنونهم، وقد ستر الوليد عليهم ذلك وطواه عن عثمان وسكت عن ذلك وصبر.
ثم تكررت مكايد جندب وأبي زينب وأبي المورع، وكانوا يغتنمون كل حادث فيسيئون تأويله ويفترون الكذب. وذهب بعض الذين كانوا عمالا في الحكومة ونحاهم الوليد عن أعمالهم لسوء =
(3/183)

. . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= سيرتهم فقصدوا المدينة وجعلوا يشكون الوليد لأمير المؤمنين عثمان ويطلبون منه عزله عن الكوفة. وفيما كان هؤلاء في المدينة دخل أبو زينب وأبو المورع دار الإمارة بالكوفة مع من يدخلها من غمار الناس وبقيا فيها إلى أن تنحى الوليد ليستريح، فخرج بقية القوم، وثبت أبو زينب وأبو المورع إلى أن تمكنا من سرقة خاتم الوليد من داره وخرجا. فلما استيقظ الوليد لم يجد خاتمه, فسأل عنه زوجتيه -وكانتا في مخدع تريان منه زوار الوليد من وراء ستر- فقالتا: إن آخر من بقي في الدار رجلان، وذكرتا صفتهما وحليتهما للوليد، فعرف أنهما أبو زينب وأبو المورع، وأدرك أنهما لم يسرقا الخاتم إلا لمكيدة بيتاها، فأرسل في طلبهما فلم يوجدا في الكوفة, وكانا قد سافرا توًّا إلى المدينة، وتقدما شاهدين على الوليد بشرب الخمر -وأكبر ظني أنهما استلهما شهادتهما المزورة من تفاصيل الحادث الذي سبق وقوعه لقدامة بن مظعون في خلافة عمر- فقال لهما عثمان: كيف رأيتما؟ قالا: كنا في غاشيته, فدخلنا عليه وهو يقيء الخمر. فقال عثمان: ما يقيء الخمر إلا شاربها. فجيء بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان: "نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار".
هذه قصة اتهام الوليد بالخمر كما في حوادث سنة 30 من تاريخ الطبري, وليس فيها -على تعدد مصادرها القديمة- شيء غير ذلك. وعناصر الخبر عند الطبري أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعددت شواهد غلهم عليه, ولم يرد في الشهادة ذكر الصلاة من أصلها فضلا عن أن تكون اثنتين أو أربعا.
وزيادة ذكر الصلاة هي الأخرى أمرها عجيب؛ فقد نقل خبرها عن الحضين بن المنذر-أحد أتباع علي- أنه كان مع علي عند عثمان ساعة أقيم الحد على الوليد، وتناقل عنه هذا الخبر فسجله مسلم في "صحيحه" (كتاب الحدود ب 8 ج 38 - ج 5 ص 126)، بلفظ: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما: حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ.
فالشاهدان لم يشهدا بأن الوليد صلى الصبح ركعتين وقال أزيدكم، بل شهد أحدهما بأنه شرب الخمر وشهد الآخر بأنه تقيأ.
أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة أزيدكم فهي من كلام حضين، ولم يكن حضين من الشهود، ولا كان في الكوفة في وقت الحادث المزعوم، ثم إنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف ومن العجيب أن نفس الخبر الذي في "صحيح" مسلم وارد في ثلاثة مواضع من "مسند" أحمد رواية عن حضين، والذي سمعه من حضين في "صحيح" مسلم هو الذي سمعه منه في "مسند" أحمد بمواضعه الثلاثة, فالموضعان الأول والثاني (ج 1 ص 82 و 140 الطبعة الأولى- ج 2 رقم 264 و 1184 الطبعة الثانية) ليس فيهما ذكر للصلاة عن لسان حضين فضلا عن غيره, فلعل أحد الرواة من بعده أدرك أن الكلام عن الصلاة ليس من كلام الشهود فاقتصر على ذكر الحد.
وأما في الموضع الثالث من "مسند" أحمد (ج 1 ص 144 - 145 الطبعة الأولى - ج 2 رقم 1229) =
(3/184)

وكان الوليد أخا عثمان لأمه فلما قتل عثمان صار الوليد ينشىء الأشعار يتهم عليًّا بالممالأة على قتل عثمان، ويحرض معاوية على قتال علي.
هذا الرجل أشد ما يُشنِّعُ به المعترضون على إطلاق القول بعدالة الصحابة، فإذا نظرنا إلى روايته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لنرى كم حديثًا روى في فضل أخيه ووليّ نعمته عثمان؟ وكم حديثا روى في ذم الساعي في جلده الممالىء على قتل أخيه في ظنه، عليّ؟ وكم حديثا روى في فضل نفسه ليدافع ما لحقه من الشهرة بشرب الخمر؟ هَالَنَا أننا لا نجد له رواية البتة، اللهم إلا أنه رُوي عنه حديث في غير ذلك لا يصح عنه، وهو ما رواه أحمد (1) وأبو داود (2) من طريق رجل يقال له: أبو موسى عبد الله الهمداني عن الوليد بن عقبة قال: "لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رءوسهم ويدعو لهم، فجيء بي إليه وأنا مطيب بالخلوق فلم يمسح رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا أن أمي خلقتني بالخلوق، فلم يمسني من أجل الخلوق".
__________
= فقد جاء فيه على لسان حضين: "أن الوليد صلى بالناس الصبح أربعا"، وهو يعارض ما جاء على لسان حضين نفسه في "صحيح" مسلم، ففي إحدى الروايتين تحريف، الله أعلم بسببه.
وفي الحالتين لا يخرج ذكر الصلاة عن أنه من كلام حضين، وحضين ليس بشاهد، ولم يرو عن شاهد، فلا عبرة بهذا الجزء من كلامه.
وبعد أن علمت بأمر الموتورين فيما نقله الطبري عن شيوخه, أزيدك علما بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد فتزوج في مدينة الرسول امرأة مطلقة ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأولى، فغضب عليه عثمان لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة, فجاء الكوفة يعيث فيها فسادا، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة وكان سبب تسييره إلى الشام, وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين الآخرين قبله إلى ضمير القارىء يحكم به عليهم بما يشاء, في اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع كيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وصدق الرعاية لأمانات الله ... ".
(1) (4/ 32).
(2) رقم (4181).
(3/185)

هذا جميع ما وجدناه عن الوليد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (1). وأنت إذا تفقدت السند وجدته غير صحيح لجهالة الهمداني (2)، وإذا تأملت المتن لم تجده منكرا (3) ولا فيه ما يمكن أن يتهم فيه الوليد (4)، بل الأمر بالعكس فإنه لم يذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا له، وذكر أنه لم يمسح رأسه، ولذلك قال بعضهم: قد علم الله تعالى حاله فحَرَمَهُ بركة يد النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعائه (5).
أفلا ترى معي في هذا دلالة واضحة على أنه كان بين القوم وبين الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- حجر محجور؟
__________
(1) لم يذكر الإمام أحمد سواه في "مسنده" (4/ 32) وقد بوب له: "حديث الوليد بن عقبة ... "، وكذا ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1/ 405) لكن زاد الطبراني في "الكبير" (22/ 150) حديثا آخر، وفي إسناده: عبد الله بن حكيم أبو بكر الداهري وهو تالف. وأخرجه أيضا في "المعجم الأوسط" (1/ 37)، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "لم يَرْو الوليد بن عقبة سُنَّة يحتاج فيها إليه".
(2) هذا الخبر يرويه جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج الكلابي عن أبي موسى عبد الله الهمداني هذا عن الوليد بن عقبة به. هكذا رواه عن جعفر بن برقان جماعة, وخالف زيد بن أبي الزرقاء فجعله عن جعفر عن ثابت عن عبد الله الهمداني عن أبي موسى عن الوليد. فزاد في الإسناد: أبا موسى بين عبد الله هذا والوليد؟ فوهم فيه. انظر "التاريخ الكبير" للبخاري (8/ 140)، و"الضعفاء" للعقيلي (2/ 319)، و"المعجم الكبير" للطبراني (22/ 150، 151) وغيرها.
قال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (4/ 1553): "قالوا: أبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح"، وترجمه العقيلي في "الضعفاء" فقال: "عبد الله الهمداني عن أبي موسى. حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري قال: عبد الله الهمداني ولا يصح" يعني حديثه هذا، وقد ذكره العقيلي بعد ذلك.
(3) بل قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "الحديث منكر ... لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- صبيًّا يوم الفتح. ويدل أيضا على فساد ما رواه أبو موسى المجهول أن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة, فكانت هجرتها في الهدنة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين أهل مكة، ومن كان غلاما يوم الفتح ليس يجيء منه مثل هذا، وذلك واضح والحمد لله رب العالمين. اه.
(4) نعم هذا صحيح.
(5) ذكره الحاكم في "المستدرك" عن الإمام أحمد.
(3/186)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ردِّه على الأخنائي (ص 163): "فلا يُعرف من الصحابة من كان يتعمد الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان فيهم من له ذنوب لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه".
قد ينفر بعض الناس من لفظ "العصمة" وإنما المقصود أن الله عز وجل وفاءً بما تكفل به من حفظ دينه وشريعته هيأ من الأسباب ما حفظهم به وبتوفيقه سبحانه من أن يتعمد أحد منهم الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فإن قيل: فلماذا لم يحفظهم الله تعالى من الخطأ؟ قلت: الخطأ إذا وقع من أحد منهم فإن الله تعالى يهيىء ما يُوقَفُ به عليه, وتبقى الثقة به قائمة في سائر الأحاديث التي حدث بها مما لم يظهر فيه خطأ، فأما تعمد الكذب فإنه إن وقع في حديث واحد لزم منه إهدار الأحاديث التي عند ذاك الرجل كلها، وقد تكون عنده أحاديث ليست عند غيره. راجع (ص 20 - 21) (1).
وقال أبو رية (ص 42): "الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته ... " ثم ذكر ما رُوي عن ابن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب قال: "كان حي من بني ليث على ميلين من المدينة، فجاءهم رجل وعليه حُلة, فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى - وكان قد خطب منهم امرأة [في الجاهلية] فلم يزوجوه, فانطلق [حتى نزل] على تلك المرأة, فأرسلوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال: كذب عدو الله. ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا [ولا أراك تجده] فاضرب عنقه، وإن وجدته ميتا فحرقه بالنار".
أقول: عزاه إلى أحكام ابن حزم (2)، ومنه أضفت الكلمات المحجوزة, وانظر لماذا أسقطها أبو رية؟! وراويه عن ابن بريدة: صالح بن حيان، وهو ضعيف، له
__________
(1) تجد هذا في الفصل الثالث من الفصول النافعة في السنة من كتابنا هذا فراجعه.
(2) هو فيه (2/ 211).
(3/187)

أحاديث منكرة، وفي السند غيره، وقد رُويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى، وفي كل منهما ضعف، راجع "مجمع الزوائد" (1/ 145) (1).
__________
(1) هذا الحديث روي من ثلاث طرق:
الأول: صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه.
الثاني: عبد الله بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن صهر لهم من أسلم سمع النبي -صلى الله عليه وسلم-.
الثالث: عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث وقيل عن عبد الله بن الزبير به.
أما الأول، فصالح بن حيان ضعيف باتفاق من يُعْتدُّ به من أهل العلم، وقد ذكر ابن عدي صالحًا هذا في "الكامل" (4/ 54) وأورد له هذا الحديث في مناكيره.
وقال الذهبي في "السير" (7/ 374): "هذا حديث منكر ولم يأت به سوى صالح بن حيان القرشي هذا الضعيف".
وكذا ذكره في "الميزان" (2/ 293)، وقال: "لم يصح بوجه".
وقد روى هذا الحديث عن صالح: علي بن مسهر، وعن علي: يحيى بن عبد الحميد الحماني وزكريا بن عدي وسويد بن سعيد.
أما الأولّان فذكرا تمام الحديث والقصة، وأما سويد فذكر حديث: "من كذب علي متعمدا ... " فقط دون القصة.
وأما الثاني: فقد رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (6/ 277، رقم 6215) عن علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم عن أبي حمزة الثمالي ثابت بن أبي صفية عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن محمد بن الحنفية به.
وفيه حديث: ... يا بلال أرحنا بالصلاة وقصة هذا الرجل.
وأبو حمزة الثمالي ضعيف رافضي.
وقد رواه الإمام أحمد في "المسند" (5/ 371) من طريق ابن مهدي عن إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم به، لكن بحديث: أرحنا بالصلاة فقط دون القصة. وعثمان ثقة وروايته عند المقارنة أوْلى من رواية الثمالي، ولا تصلح شاهدا لأصل القصة كما زعم الحافظ ابن حجر "التلخيص الحبير" (4/ 127) وسيأتي ما في كلامه.
وأما الثالث: فرواه عن عطاء بن السائب: داود بن الزبرقان، وهو متروك، ولا يعرف عطاء بن السائب بالرواية عن عبد الله بن الحارث أو ابن الزبير.
فالطرق الثلاثة واهية، وقد قال الذهبي في "الميزان" كما سبق عنه: "لم يصح بوجه"، فاعترض عليه ابن حجر بقوله في "التلخيص الحبير" (4/ 127): "طريقة أحمد ما بها بأس، وشاهدها حديث بريدة، فالحديث حسن". =
(3/188)

وعلى فرض صحته فهذا الرجل كان خطب تلك المرأة في الشرك فردوه، فلما أسلم أهلها سوَّلت له نفسه أن يظهر الإسلام ويأتيهم بتلك الكذبة لعله يتمكن من الخلوة بها ثم يفرّ، إذْ لا يعقل أن يريد البقاء وهو يعلم أنه ليس بينه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- سوى ميلين، فأنكر أهلها أن يقع مثل ذلك عن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأوا أن ينُزلوا الرجل محترسين منه، ويرسلوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبرونه. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ولا أراك تجده" ظن منه أن عقوبة الله عز وجل ستعاجل الرجل، وكذلك كان كما في الطرق الأخرى، وجده الرسول قد مات، وفي رواية: "خرج ليبول فلدغته حية فهلك".
وحدوث مثل هذا لا يصلح للتشكيك في صدق بعض من صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- غير متهم بالنفاق ثم استمر على الإسلام بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يراجع (ص 193) فما بعدها (1).
وتعجيل العقوبة القدرية لذلك الرجل يمنع غيره من أن تحدثه نفسه بكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته، وكذا من باب أولى بعد وفاته؛ فإن العقوبة القدرية لم تمهل ذاك مع أنه كان بصدد أن تناله العقوبة الشرعية، ولا يترتب على كذبه المفاسد.
هذا ومن الحكمة في اختصاص الله تعالى أصحاب رسوله بالحفظ من الكذب عليه أنه سبحانه كره أن يكونوا هدفا لطعن مَنْ بعدهم؛ لأنه ذريعة إلى الطعن في الإسلام جملة، وليس هناك سبب مقبول للطعن إلا أن يقال: نحن مضطرون إلى
__________
= أقول: نعم، طريق أحمد ما بها بأس؛ لأنها لا تشتمل على القصة محل النظر، وقد سبق بيان مخالفة عثمان بن المغيرة لثابت بن أبي صفية الثمالي في ذلك.
وأما حديث بريدة فإسناده ضعيف من أجل صالح بن حيان, فأين الحُسْنُ المذكور، بل الصواب ما قاله الذهبي أن الحديث منكر، ورَدَّ بذلك على شيخ الإسلام ابن تيمية؛ إذ صحح الحديث في "الصارم المسلول" (ص 169 - 170) وقد ذكر طرق هذه القصة على أنها السبب في حديث: "من كذب علي متعمدا ... " ابن الجوزي في "الموضوعات" (1/ 50) وعنه "البدر المنير" (9/ 205 - 209).
(1) سبق نقل هذا الموضع قريبًا.
(3/189)

بيان أحوالهم لِيُعرف من لا يحتج بروايته منهم، فاقتضت الحكمة حسم هذا؛ لقطع العذر عمن يحاول الطعن في أحد منهم.
وقال (1) (ص 43): "الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موته ... فإن الكذب قد كثر عليه بعد وفاته ... "
أقول: قد كان كذب، لكن متى؟ وممن؟ لا شأن لنا بدعاوى أبي رية، وإنما ننظر في شواهده (2):
ذكر قصة بُشير (بالتصغير) بن كعب العدوي مع ابن عباس في مقدمة "صحيح" مسلم وجعلها قصتين وإنما هما روايتان، وبُشير هذا غير بَشِير -بفتح فكسر- بن كعب بن أبي الحميري العامري الذي شهد اليرموك، بل هذا أصغر منه بكثير، وأخطأ من عدهما واحدا، وراجع "الإصابة". هذا عراقي بصري له قصة مع عمران ابن حصين في الحياء تدل أنه كان يقرأ صحف أهل الكتاب، وقصته مع ابن عباس يظهر أنها كانت حوالي سنة ستين، فإن ابن عباس توفي سنة 68 أو بعدها وعاش بشير بعد ابن عباس زمانا.
روى مسلم القصة من طريق طاوس ومجاهد، وحاصلها أن بُشيرا جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث -زاد مجاهد: ويقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال طاوس: فقال له ابن عباس: عُد لحديث كذا وكذا، فعادَ له. ثم حدثه فقال له: عد لحديث كذا وكذا. فعادَ له، فقال له: ما أدري أعرفتَ حديثي كله وأنكرتَ هذا، أم أنكرتَ حديثي كله وعرفتَ هذا؟ فقال ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذْ لم يكن يُكذَب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه - وفي رواية عن طاوس هي أثبت من الأولى، قال: إنما كنا نحفظ
__________
(1) يعني أبا رية.
(2) المقصود شواهد أي رية على ما ذكره من كثرة الكذب بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-.
(3/190)

الحديث يُحفظ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأما إذ ركبتم كل صعب وذلول فهيهات- ولفظ مجاهد: فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إلبه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".
عرف ابن عباس أن بُشيرا ليس بصحابي، ومع ذلك لم يدرك كبار الصحابة، ولعله مع ذلك لم يكن يعرفه بالثقة، وفوق ذلك كان يرسل، لا جرم لم يصغ إلى أحاديثه.
أما استعادته بعضها فكأن المستعاد كان أحاديث يعرفها ابن عباس فأراد أن يصححها لبشير إن كان عنده فيها خطأ.
كانت القصة حوالي سنة ستين كما مر، وقد ظهر الكذب بالعراق قبل ذلك كما يؤخذ مما يأتي، وبشير عراقي فليس في القصة ما يخدش في صدق الصحابة -رضي الله عنهم-، ولا ما يدل على ظهور الكذب بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بمدة يسيرة. وقوله في إحدى روايتي طاوس: "تركنا الحديث عنه"، يريد تركنا أخذ الحديث عنه إلا من حيث نعرف.
وذكر (ص 44) ما في مقدمة "صحيح" مسلم أيضا عن ابن أبي مليكة: "كتبتُ إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني فقال: ولد ناصح، وأنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه، قال: فدعا بقضاء عليّ -رضي الله عنه- فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل".
أقول: أورد مسلم بعد هذا: "عن طاوس قال: أُتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي ... "، ثم أورد: "عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد عليّ -رضي الله عنه- قال رجل من أصحاب عليّ: قاتلهم الله أي عِلم أفسدوا".
التفّ حول عليّ -رضي الله عنه- بالكوفة نفر ليس لهم علم ولا كبير دين، وذاك الكتاب جُمع من حكاياتهم وحكايات غيرهم عن قضاء عليّ، وجيء إلى ابن عباس بنسخة منه.
(3/191)

وذكر مسلم أيضا ونقله أبو رية عن المغيرة بن مقسم قال: "لم يكن يصدق على عليّ -رضي الله عنه- في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود"؛ وذلك أن ابن مسعود كان بالكوفة في عهد عمر وبعده، فكان له أصحاب طالت صحبتهم له وفقهوا، فلما جاء علي إلى الكوفة أخذوا عنه أيضا وكانوا أوثق أصحابه. وهذه الآثار إنما تدل على فشو الكذب بالكوفة بعد علي -رضي الله عنه-. اه.
الموضع الثالث:
وقال في "الأنوار" أيضا (ص 92 - 94):
ذكر أبو رية عن أئمة السنة: إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والنسائي، ثم ابن حجر، ما حاصله أنه لم يصح في فضل معاوية حديث.
أقول: هذا لا ينفي الأحاديث الصحيحة التي تشمله وغيره، ولا يقتضي أن يكون كل ما روي في فضله خاصة مجزوما بوضعه.
وبَعْدُ ففي هذه القضية برهان دامغ لما يفتريه أعداء السنة على الصحابة، وعلى معاوية، وعلى الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث، وعلى أئمة الحديث، وعلى قواعدهم في النقد.
أما الصحابة -رضي الله عنهم- ففي هذه القضية برهان على أنه لا مجال لاتهام أحد منهم بالكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك أن معاوية كان عشرين سنة أميرا على الشام وعشرين سنة خليفة، وكان في حزبه وفيمن يحتاج إليه جمع كثير من الصحابة منهم كثير ممن أسلم يوم فتح مكة أو بعده، وفيهم جماعة من الأعراب، وكانت الدواعي إلى التعصب له والتزلف إليه متوفرة، فلو كان ثمَّ مساغ لأن يكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- أحد لقيه وسمع منه مسلما لأقدم بعضهم على الكذب في فضل معاوية، وجهر بذلك أمام أعيان التابعين، فينقل ذلك جماعة ممن يوثقهم أئمة السنة فيصح عندهم ضرورة.
(3/192)

فإذا لم يصح خبر واحد، ثبت صحة القول بأن الصحابة كلهم عدول في الرواية، وأنه لم يكن منهم أحد مهما خفت منزلته وقوي الباعث له محتمَلا منه أن يكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- ما دام في فضيلة له، وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يُجْده ترغيب ولا ترهيب في حمل أحد منهم على ذلك، فقد كان في وسعه أن يحدث هو عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قد حدث عدد كثير من الصحابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بفضائل لأنفسهم وقَبِلَهَا منهم الناس ورووها وصححها أئمة السنة.
ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكر في أن يكذب أو يحمل غيره على الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- مهما اشتدت حاجته إلى ذلك.
ومن تدبر هذا علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية أدل على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث.
وأما الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث فقد كان من حزب معاوية والموالين له عدد منهم، كان في وسعهم أن يكذبوا على بعض الصحابة الذين لقوهم ورووا عنهم فيرووا عنه حديثا أو أكثر في فضل معاوية، ينشروا ذلك فيمن يليهم من الثقات فيصححه أهل الحديث، فعدم وقوع شيء من ذلك يدل على أن الرواة الذين يوثقهم أئمة الحديث ثقات في نفس الأمر.
وأما أئمة الحديث فهم معروفون بحسن القول في الصحابة عامة، وخصومهم ينقمون عليهم ذلك كما تراه في فصل عدالة الصحابة من كتاب أبي رية, ويرمونهم بالنصب ومحبة أعداء أهل البيت والتعصب لهم.
(3/193)

وتلك القضية براءة لهم؛ فلو كانوا من أهل الهوى المُتَّبَع لأمكنهم أن يصححوا عدة أحاديث في فضل معاوية، أو يسكتوا على الأقل عن التصريح بأن كل ما روي في ذلك غير صحيح.
وأما قواعدهم في النقد فلا ريب أن نجاحها في هذا الأمر -وهو من أشد معتركات الأهواء- من أقوى الأدلة على وفائها بما وُضعت له". اه.
الموضع الرابع:
وقال في "الأنوار" أيضًا (ص 282):
"ثم ذكر يعني أبا رية (ص 324 - 327) كلاما للدكتور طه حسين ذكره في معرض الرد على الذين يكذّبون غالب ما روي من الأحداث في زمن عثمان ويقولون إنه: "على كل حال لم يرد إلا الخير، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير" ويرون في سائر الصحابة أنهم "يخطئون ويصيبون، ولكنهم يجتهدون دائما ويسرعون إلى الخير دائما فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر، ولا أن يحدثوا إلا هذه الصغائر التي يغفرها الله للمحسنين من عباده".
أقول: أما أهل العلم من أهل السنة فلا يقولون في عثمان ولا في غيره من آحاد الصحابة إنه معصوم مطلقا أو من الكبائر، وإنما يقولون في المبشَّرين بالجنة: إنه لا يمكن أن يقع منهم ما يحول بينهم وبين ما بُشروا به, وإن الصحابي الذي سمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يُعرف بنفاق في عهده ولا ارتد بعد موته لا يكذب عليه -صلى الله عليه وسلم- متعمدا، وقد تقدم بيان ذلك، ولا يُظن به أن يرتكب كبيرة غير متأوِّل ويصرّ عليها.
والعارف المنصف لا يستطيع أن يجحد أن هذه الحال كانت هي الغالبة فيهم، فالواجب الحمل عليها ما دام ذلك محتملا، وعلماء السنة يجدون الاحتمال قائما في كل ما نقل نقلا ثابتا، نعم قد يبعد في بعض القضايا ولكنهم يرونه مع بعده أقرب من ضده، وذلك مبسوط في كتبهم.
(3/194)

قال أبو رية (ص 325): "ونحن لا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد".
أقول: وعلماء السنة كما رأيت لا يبلغون ذلك الحد، وإن كانوا يعلمون أن حال الصحابة لا تقاس بحال غيرهم.
قال: "ولا نرى في أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لم يكونوا يرون في أنفسهم".
أقول: المدار على الحجة، فإذا ثبت عندنا أن أحدهم كان يرى في صاحبه أمرًا فليس لنا أن نوافقه إذا لم نعلمَ له حجة، فكيف إذا ما قامت الحجة على خلافه؟ وأوضح من ذلك أنه ليس لنا أن نتهم غير صاحبه بمثل تلك التهمة ما دام لا حجة لنا على ذلك، فأما الاستدلال على الإمكان فعلماء السنة لم ينفوا الإمكان إلا فيما قام عليه دليل شرعي كالتبشير بالجنة، والدليل الشرعي لا يعارضه ما دونه.
قال: "وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، فقد روي أن عمار بن ياسر ... ".
أقول: أما الترامي بالفسوق بمعنى ارتكاب بعض الكبائر فقد كان بعض ذلك وعُلم حكمُه مما مر، وأما الترامي بالكفر فلم يثبت، بل الثابت خلافه، وما ذكر أنه روي عن عمر وابن مسعود لم يثبت، وعلى فرض أنه ثبت عن بعضهم كلمة يظهر منها ذاك المعنى فهي فلتة لسان عند ثورة غضب لا يجوز أخذها على ظاهرها لشذوذها ونفي جمهور الصحابة لما يزعمه ظاهرها، كيف وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تبشير عثمان بالشهادة والجنة؟ ". اه.
* * *
(3/195)

فائدة (1)
دلالة ترك الصحابي للشيء
• قال الشيخ المعلمي في مسألة رفع اليدين من الجزء الثاني من "التنكيل" ص (28):
"لنا أن ندعي في قضيتنا هذه إجماع الصحابة؛ لأن جماعة منهم رووا الرفع وتواتر العمل به عن كثير منهم، بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا، فاشتهر ذلك وانتشر، ولا يعرف عن أحد منهم ما يدل على أنه غير مشروع، فأما ما روي عن بعضهم أنه تركه فلم يثبت، وقد مر الكلام على ما روي عن ابن مسعود، ويأتي الكلام على غيره, ولو ثبت بعض ذلك فإنما هو ترك جزئي، أي في ركعة واحدة أو صلاة واحدة, وذلك لا يدل على أن التارك يراه غير مشروع، إذ قد يكون قَصَدَ بيان أن الرفع في غير الأولى ليس في مرتبتها، وقد يكون سها، وقد يكون ترخص لعذر أولغير عذر في ترك ما يعلمه مندوبًا.
بل لو ثبت أن بعضهم تركه مدة طويلة لما دل ذلك على أنه يراه غير مشروع؛ فقد جاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس أنهم كانوا لا يُضَحُّون.
بل قد ثبت أن الصحابة تركوا في عهد عثمان تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها، واستمر ذلك حتى أن عليًا لما قدم العراق وصلى بهم وأتى بالتكبيرات وجهر بها قال عمران بن حصين كما في "الصحيحين" وغيرهما (ذَكَّرنا هذا الرجل صلاةً كنا نصليها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-). وقال أبو موسى الأشعري فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح في (الفتح) (ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إما نسيناها وإما تركناها عمدًا).
(3/196)

واستمر الترك بالحجاز حتى إن أبا هريرة حين استخلفه مروان على إمارة المدينة في عهد معاوية صلى بهم، فأتى بالتكبيرات وجهر بها، فأنكروا ذلك، قال أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف كما في (صحيح مسلم): (قلنا يا أبا هريرة ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) وصلى بهم بمكة فأتى بالتكبيرات وجهر بها فأنكروا ذلك، قال عكرمة كما في "صحيح البخاري" وغيره (فقلت لابن عباس إنه أحمق، قال ثكلتك أمك سنة أبي القاسم محمد -صلى الله عليه وسلم-).
* * *
(3/197)

فائدة (2)
فِعْلُ الصحابة هل يُفيد صحة الخبر المرفوع إذا ثبت وهنُه؟
• في "الفوائد المجموعة" ص (229):
حديث: إن العجم يبدؤن بكبارهم إذا كتبوا إليهم، فإذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه.
قال الشوكاني:
رواه العقيلي عن أبي هريرة مرفوعًا، وهو موضوع، وفي إسناده: مجهول، وهو: محمد بن عبد الرحمن القشيري.
وقد رواه الطبراني في الأوسط من طريق أخرى بلفظ: إذا كتب أحدكم إلى إنسان فليبدأ بنفسه، وإذا كتب فليترب كتابه فهو أنجح.
(قال المعلمي: فيه الخبائري عن العكاشي، كذاب عن أكذب منه).
ورواه الطبراني أيضًا في الكبير عن النعمان بن بشير.
(قال المعلمي: اختصره في اللآلىء، وهو في قصة طويلة في مجمع الزوائد 10/ 34 وتهذيب تاريخ ابن عساكر 3/ 260 وفي سندها من لا يعرف، والصناعة فيها ظاهرة).
وقد روى أبو داود، وابن أبي شيبة: أن العلاء بن الحضرمي كان عامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على البحرين، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه وكان هذا هو المعلوم من حال الصحابة فمن بعدهم.
فقال المعلمي:
"هذا حق، ولكنه لا يفيد صحة ذاك الخبر القولي". اه.
(3/198)

قال أبو أنس:
هاهنا ينتهي ما أردت عرضه من كلام الشيخ المعلمي فيما يتعلق بالصحابة.
وقد أرجأتُ سابقًا الحديث عن معرفة الصحابة، وكيف تثبت الصحبة، إلى هذا الموضع، فأقول وبالله التوفيق:
أهمية معرفة من ثبتت له الصحبة:
أما فيما يتعلق بالحديث وعلومه, فللتمييز بي المسند والمرسل، فمن ثبتت صحبته كان ما رُوي من طريقه مسندًا، وما لا كان مرسلا، والمرسل ليس بحجة عند جمهور أهل العلم من أئمة هذا الفن.
فمن لم تثبت صحبته -بعد أن يُختلف فيها أو تُدَّعى له من غير بَيِّنَة- نُظر: هل ثبتت عدالته أم لا؟ لأن مجرد الاختلاف في صحبة الرجل لا تُسوِّغُ ثبوت عدالته من غير حجة, فرب مجاهيل أو مستورين أُسندت إليهم أحاديث يرفعونها من طرق لا تقوم بها حجة، فنُسبت إليهم الصحبة خطأً.
لذا، فقد اعتنى أهل العلم بهذا الفن وهو معرفة الصحابة، وأُلِّفت فيه المصنفات.
فمن أول من صنف في ذلك: علي بن المديني، صنف "معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان" ذكروا أنه خمسة أجزاء.
وضمن البخاري كتابه "التاريخ الكبير" أسماء الصحابة؛ يبدأ في كل حرف بأسماء من روي عنه الحديث من الصحابة، ثم يتلوه بمن بعدهم، وهكذا.
ويمكن تقسيم ما صنفه الأئمة في التعريف بالصحابة إلى الأقسام التالية:
1 - كتب "الطبقات" (وهو تصنيف زمني) ككتاب "الطبقات" لابن سعد، وتبع فيه شيخه الواقدي، و"طبقات" خليفة بن خياط، و"طبقات" مسلم بن الحجاج.
2 - كتب التواريخ المصنفة على البلدان، فيبدأ عند كل بلد أو قطر أولًا بمن نزلها من الصحابة، كتاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ".
(3/199)

3 - كتب التواريخ المصنفة على حروف المعجم ككتاب "التاريخ الكبير" للبخاري كما سبق.
4 - كتب المسانيد وبعض المعاجم المصنفة على الصحابة، كمسند أحمد وغيره, والمعجم الكبر للطبراني. وفيها يجمع المصنف تحت كل ترجمة ما أُسند إلى صاحبها من الأحاديث، فإذا كانت قليلة استوعبها المصنف، سواء ثبتت أم لم يثبت، وعليه فسواء ثبتت الصحبة أم لا؟ وقد تثبت صحبة الرجل، ولا تثبت عنه رواية ما.
5 - الكتب المصنفة في الصحابة رأسًا.
وأشهرها كتاب ابن منده وأبي نعيم الأصبهاني و"الاستيعاب" لابن عبد البر و"أسد الغابة" لابن الأثير و"معجم" ابن قانع.
وقد اعتنى الأوَّلان بذكر الأحاديث المروية للصحابي لاسيما المقل منهم، مع ذكر الخلاف في أسانيدها إن وجد، وهو مسلك مهم لضبط أحاديث من ذكروا في الصحابة, فربما لا يُعرف الرجل في الصحابة إلا من خلال حديث أو عدة أحاديث، فيحتاج لإثبات صحبته إلى النظر في تلك الأسانيد وإجراء قواعد أهل الفن عليها، فإن كانت محفوظة ثبتت صحبته, وإلا توقف فيه.
وقد حذف مَن بعدهما أكثر ذلك، واعتنوا بأنساب الصحابة وما يعرف بهم، مع ذكر طرف من أحاديثهم مختصرة متونها وأكثر أسانيدها.
ثم جاء الحافظ ابن حجر، فأراد أن يجمع شتات ما سبقه، فقسَّم كل حرف من كتابه "الإصابة" إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: من وردت روايته أو ذكره من طريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو منقطعة.
القسم الثاني: من له رؤية فقط.
(3/200)

القسم الثالث: من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر أنه اجتمع بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
القسم الرابع: من ذكر في كتب مصنفي الصحابة أو مخرجي المسانيد غلطا مع بيان ذلك.
لكن لا يُستغنى به عن كتاب ابن منده وأبي نعيم؛ لأن فيهما الأخبار مسندة تامة المتن، مع سياق الاختلاف في ذلك كله.
أما القسم الأول فأحاديثهم مسندة إذا كان المذكورُ ثابتَ الصحبة من غير طريق تلك الأحاديث، أو كانت أسانيد تلك الأحاديث محفوظة, فإن لم يكن لا ذا ولا ذاك لم يمكن الجزم بصحبته, فإما أن يكون على الاحتمال، أو يقطع بعدم الثبوت لسقوط
الإسناد مثلا.
وأما القسم الثاني والثالث فحديثهما له حكم المرسل.
وأما الرابع فمجزوم بغلطه على ما يبينه الحافظ.
تعريف الصحابي:
هو بمجموع ما قيل فيه:
من اجتمع -أو التقى- بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة حال حياته مسلما، ومات على الإسلام، وإن تخلل ذلك ردة على الأصح.
فالتعبير بالاجتماع أو اللقاء أولى من التعبير بالرؤية تحرزًا ممن كان أعمى، وهو صحابي باتفاق؛ كعبد الله بن أم مكتوم.
وعبارة: "في اليقظة" تحرزًا ممن رآه واجتمع به في رؤيا المنام.
وعبارة: "حال حياته" تحرزًا ممن بلغ المدينة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة ورآه حينئذ.
وقولهم: "مسلما" تحرزًا ممن التقى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يسلم ثم أسلم بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
(3/201)

وقولهم: "ومات على الاسلام" تحرزًا ممن ارتد ومات على غير الإسلام.
وقولهم: "وإن تخلل ذلك ردة" يعني شريطة أن يموت على الإسلام.
وقولهم: "على الأصح" إشارة إلى الراجح من الخلاف في ذلك.
أقول: قد وقع جدل في القَدْر الذي يصح معه إطلاق اسم الصحبة.
والذي يتحرر من الناحية العملية أن الصحبة نوعان:
الأولى: صحبة فضيلة.
والثانية: صحبة رواية.
فالأولى تطلق على صنفين:
أحدهما: كل من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو مرة، ولو للحظة، وإن لم يقع معها مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة.
ثانيهما: الصغير غير المميز، كعبد الله بن حارث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري وغيرهما ممن حنكه النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعا له، ومحمد بن أبي بكر الصديق المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام، فهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه، صدق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رآه، وعلى ذلك مشى غير واحدٍ ممن صنف في الصحابة؛ يذكرون كل من نال شرفَ وفضيلةَ رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والصنف الأول يقول فيه المحققون: له رؤية وليست له صحبة. يعنون بذلك أنه لم يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئا، أي له صحبة الفضيلة لرؤية النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن ليست له صحبة الرواية، فحديثه مرسل.
وأما صحبة الرواية فهي لمن صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- مدة أو حضر له مجلسا أو نحو ذلك مما مكَّنَهُ من سماع النبي -صلى الله عليه وسلم- والرواية عنه.
ويتفاوت الصحابة في ذلك بين مقل ومكثر.
(3/202)

ومن هؤلاء من كان صغيرًا حين البعثة، ثم صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- بالغًا، فحكى أشياء عُرف بالتاريخ أنه لم يحضرها لصغره، أو حضرها، ولكن لم يسمح له سنه أن يضبطها؛ منهم: ابن عباس وابن الزبير.
وقد ميز المحققون تلك الأحاديث، ونبهوا عليها وسموها مراسيل، ولكنهم قبلوها؛ لعلمهم أن هؤلاء إنما أخذوها ممن هم أكبر منهم من الأصحاب.
لكن ربما استفيد من ذلك في بيان خطأ من روى شيئًا لهؤلاء، وأسند إليهم سماعه أو حضوره على سبيل الوهم والخطأ.
ومن هؤلاء أيضا من كان إسلامه متأخرًا، فحكى أشياء لم يحضرها مما كان قبل إسلامه فهو كسابقه.
وبعد، فهذه إشارة إلى بعض المسائل المتعلقة بقضية الصحبة، وفيها غير ذلك مما لا يتسع له هذا المقام، وبالله تعالى التوفيق.
* * *
(3/203)

المبحث الرابع
في عدالة التابعين
قال المعلمي في "الاستبصار" (ص 9):
"التابعي: من أدرك بعض الصحابة، ورأى بعضهم، وسمع منه سماعا يُعتد به بأن يكون السامع مميزا، وقيل بل تكفي الرؤية مع التمييز.
والذي يظهر في حديث: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم" أن الدخول في الذين يلونهم يشترط فيه زيادة على ما تقدم.
قال ابن الأثير في "النهاية" عن أبي عبيد الهروي فيه: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم" يعني: الصحابة ثم التابعين, والقرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم، وأحوالهم، وقيل القرن: أربعون سنة، وقيل: ثمانون, وقيل: مائة".
أقول: والقول الثاني كأنه ضابط تقريبي للأول.
هذا، والقرون تتداخل -أعني أن القرن الأول إذا أخذ في النقصان أخذ الذي يليه في الزيادة, وهكذا- فقد يقال: إن قرنه -صلى الله عليه وسلم- بقي على الغلبة إلى تمام ثلاثين سنة من الهجرة، ثم أخذ في الضعف، وذلك حين بدأ الناس في الإنكار على أمراء عثمان، وأخذ القرنان يصطرعان، فكان بعد خمس سنين قبل عثمان، وذلك مصداق حديث البراء بن ناجية, عن ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال: فقلت: مما بقى أو مما مضى؟ قال: مما مضى" (1).
__________
(1) أخرجه أبو داود (4254) (2/ 454)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (2/ 236)، والبغوي في "شرح السنة" (4225) (15/ 17)، كلهم من طريق منصور عن ربعي عن البراء به.
(3/204)

وفي بعض الروايات "مما بقي" (1).
وروى شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود مرفوعا: "إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين، فإن اصطلحوا فيما بينهم على غير قتال يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدًا، وإن يقتتلوا يركبوا سنن من قبلهم" (2).
فكان لخمس وثلاثين حصر عثمان، ولم يقم الدين كما ينبغي؛ إذ لم يصطلحوا على غير قتال، بل كان هلاك (3) بالقتل والفرقة والفتنة، فكان سبيلهم سبيل الأمم الماضية من الاختلاف، ثم تمت الغلبة للقرن الثاني بعد سنوات بقتل أمير المؤمنن علي عليه السلام، ثم بتسليم ابنه الحسن الخلافة لمعاوية, وذلك مصداق حديث سفينة مولى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك" (4).
أقول: فتمت الغلبة للقرن الثاني نحو أربعين سنة من الهجرة، فثلاثون سنة فيها كانت للقرن الأول، وعشر بينه وبين الثاني، ثم تمت للقرن الثاني ثلاثون سنة لستين من الهجرة, فكانت ولاية يزيد، ثم قتل الحسين بن علي عليه السلام، وقد صح عن أبي هريرة أنه كان يتعوذ من عام الستن وإمارة الصبيان، فمات قبلها.
ثم كانت وقعة الحرف وإحراق الكعبة، ثم كان بعد السبعين رمي الكعبة بالمجانيق، وقتل ابن الزبير، واستتباب الأمر لعبد الملك.
وعلى هذا المنوال يكون انتهاء القرن الثاني سنة سبعين، وانتهاء الثالث على رأس المائة.
__________
(1) أخرجه أحمد (1/ 393)، و (395)، وأبو نعيم في الفتن (1963) (2/ 692)، والطحاوي (2/ 236). والبيهقي في "دلائل النبوة" (6/ 393) من طريق منصور بلفظ: قال عمر: أمن هذا أو من مستقبله؟ قال: من مستقبله.
(2) أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (2/ 236).
(3) مقدار كلمة غير واضحة ولعلها "فيها" كذا قال محقق "الاستبصار".
(4) "المسند" (5/ 220، 221) والترمذي: كتاب الفتن - باب ما جاء في الخلافة ح (2225).
(3/205)

ومن أسباب الفضل للثاني والثالث أنه لم يزل فيهما بقايا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومنتهى ذلك بعد انتهاء المائة بقليل مصداقا لقوله -صلى الله عليه وسلم- قبيل موته: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة [منها] لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" (1).
هذا، والظاهر أنه يدخل في القرن الأول من أسلم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يجتمع به، وكذلك من أسلم بعده بقليل، وكذا من ولد بعده بقليل، بحيث يكون منشؤه في عهد كثرة الصحابة وظهورهم؛ فإنه يقتدي بهم، ويقتبس من أخلاقهم وآدابهم حتى يستحكم خلقه على ذلك، ولا مانع من أن يكون هؤلاء في القرن الأول وإن لم يكونوا صحابة.
وعلى هذا فالدرجات تتفاوت: فمن ولد بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرب إلى نيل خصائص القرن الأول ممن ولد بعده بخمس سنوات -مثلا- وهكذا، حتى إن من ولد بعده -صلى الله عليه وسلم- بخمس عشرة سنة أقرب إلى القرن الثاني، وقد يكون بعض من يولد متأخرا أمكن في خصائص القرن الأول ممن ولد متقدما لأسباب أخرى، ككثرة مجالسة أفاضل الصحابة, وقس على هذا.
ومن استحكمت قوته في عهد القرن الأول فهو منهم وإن بقي إلى القرن الثاني والثالث، وهكذا، وقد يكون هذا هو السر -والله أعلم- في الشك في أكثر روايات الحديث وكرر النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ثم الذين يلونهم" مرتين أو ثلاثا، وذلك أنه بعد انتهاء قرنه ثم الذي يليه, ثم الذي يليه، تبقى جماعة من أهل الثالث يعيشون في الرابع.
هذا وقد احتج بهذا الحديث على أن الظاهر في التابعن وأتباعهم العدالة، فمن لم يجرح منهم فهو عدل.
__________
(1) أخرجه البخاري (116) (1/ 255)، و (564) (2/ 54)، و (601) (2/ 88)، ومسلم (2537) (4/ 1965) من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
(3/206)

وقد يوجه ذلك بأن الخير لم يرتفع من الأمة جملة بعد تلك القرون، فثناؤه -صلى الله عليه وسلم- عليها، وذمُّهُ منْ بعدها إنما هو بناء على الأغلب، فكأنه يقول: إن غالب أهلها أخيار، وغالب من بعدهم أشرار، وإذا ثبت أن غالبهم أخيار فمن لم يعرف حاله منهم حمل على الغالب.
أقول: وفي هذا نظر من وجهين:
الوجه الأول: أنه قد يجوز أن يكون -صلى الله عليه وسلم- راعَى الكثرة, فيكون حاصل ذلك أن القرن الأول -وهم الصحابة ومن انضم إليهم- غالبهم عدول، والقرن الثاني نصفهم عدول، والقرن الثالث ثلثهم عدول، والثلث كثير، وأما بعد ذلك فإن العدالة تقل عن ذلك، وعلى تسليم الغلبة في القرن الثاني -أيضا- فقد يكون في الثالث التعادل، واستحقوا الثناء؛ لأن شرهم لم يكن كثر من خيرهم، بخلاف من بعدهم.
الوجه الثاني: أن الغلبة تصدق بخمسة وخمسين في المائة -مثلا- ومثل هذا لا يحصل به الظن المعتبر في أن من لم يعرف حاله من المائة فهو من الخمسة والخمسين، ولو قال المحدث: أكثر مشايخي ثقات لما كان توثيقا لمن لا يعرف حاله منهم.
وتمام هذا البحث يأتي في الكلام على المجهول - إن شاء الله تعالى. اه.
قال أبو أنس:
تجدر الإشارة في هذا المقام إلى ارتباط هذا المبحث بمناقشة طائفة ممن صنفوا في ثقات الرواة؛ إذ اعتمدوا على ما حكاه المعلمي من اعتبار أن الظاهر في التابعين وأتباعهم العدالة، فمن لم يجرح منهم فهو عدل.
راجع مزيدًا من إلقاء الضوء على هذه القضية في ترجمة ابن حبان من القسم السابق من هذا الكتاب.
وانظر كذلك مبحث المجهول في هذا القسم.
(3/207)

وهذه تتمات موجزة:
1 - يأتي في تعريف التابعي أكثر ما سبق في تعريف الصحابي، فهو من التقى أو اجتمع بمن صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلما، واحدا أو أكثر.
وبقية تعريف الصحابي لا وجه له غالبا هنا.
ووصف التابعي منه ما هو وصف فضيلة فقط، ومنه ما هو وصف رواية. فالأول من كان صغيرا غير مميز، أو من له رؤية من البالغين لكن ليس له سماع ولا رواية، كالأعمش رأى أنسا ولم يسمع منه شيئا.
وأما الثاني فكثير.
2 - لا شك أن التابعن يتفاوتون في القِدَمِ والفضل والعلم، وكذلك في العدالة، ليسوا على درجة واحدة, حسبما يقتضيه صنيع جمهور أهل العلم من تناولهم لهذه الطبقة بالنقد والجرح والتعديل، خلافا لمن شذ فأطلق القول بعدالتهم جميعا.
نعم، العدالة فيهم أغلبية لاعتبارات معلومة, كما شرح المعلمي، لكن الأغلبية لا تنفي وجود ما يستثنى منها.
3 - اعتنى المحدثون بالنظر في سماع التابعين من الصحابة، وميزوا من سمع ومن لم يسمع، ومن له رؤية فقط، ومن سمع حديثا أو أحاديث قليلة وما عداه فمرسل.
والناظر في كتب المراسيل المصنفة على تراجم الرواة يرى أكثر ما فيها العناية بمرويات التابعين عن الصحابة لنقد سماعاتهم.
4 - ممن اعتنى بذكر التابعين: مسلم، وابن سعد، وخليفة بن خياط، وأبو بكر بن البرقي، وأبو الحسن بن سميع في طبقاتهم، وفيهم من أفردهم بالتصنيف كأبي حاتم الرازي، وأبي القاسم بن منده وغيرهما.
(3/208)

5 - المخضرمون؛ هم من أدركوا الجاهلية والإسلام، إلا أنهم لم يجتمعوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وربما أسلموا في حياته أو بعد موته، هؤلاء لهم في الرواية حكم كبار التابعين، وقد أفردهم البرهان الحلبي الحافظ في جزء سماه: "تذكرة الطالب المعلم فيمن يقال: إنه مخضرم" منهم: الأسود بن هلال المحاربي، والأسود بن يزيد النخعي، وثمامة بن حزن القشيري، وجبير بن نفير الحضرمي، وحجر بن عنبس، وربيعة ابن زرارة العتكي، وزيد بن وهب الجهني، وسعد بن إياس أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة، وشبيل بن عوف الأحمسي، وشريح بن الحارث القاضي، وشريح بن هانىء، وشقيق بن سلمة أبو وائل، وأبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب، وعبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله الصنابحي، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وعبد الرحمن بن مل أبو عثمان النهدي، وعبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، وعمران بن ملحان أبو رجاء العطاردي، وعمرو بن ميمون الأودي، وقيس بن أبي حازم، ومسروق بن الأجدع، والمعرور بن سويد وغيرهم.
* * *
(3/209)

المبحث الخامس
أوجه الطعن في العدالة
يشتمل هذا المبحث هنا على سبعة أوجه:
الوجه الأول: رمي الراوي بالكذب في الحديث النبوي.
الوجه الثاني: أنواع من الكذب تُلحق بالكذب في الحديث النبوي.
الوجه الثالث: رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي.
الوجه الرابع: التهمة بالكذب.
الوجه الخامس: خوارم المروءة.
الوجه السادس: البدعة.
الوجه السابع: الجهالة.
* * *
(3/211)

الوجه الأول
رمي الراوي بالكذب في الحديث النبوي
ويشتمل على مطالب:
المطلب الأول: في بيان حفظ الله تعالى للسنة من اختلاط الكذب ونحوه بها، وأن وقوع الكذب في الرواية لا يمنع من معرفة الصدق فيها.
المطلب الثاني: في ذم الكذب.
المطلب الثالث: في الرواية عن الكذابين والمتروكين ونحوهم.
فائدة: ورود الرواية عمن فسد فصار يكذب قد تحمل على ما قبل أن يفسد.
المطلب الرابع: في رواية الأحاديث المكذوبة والباطلة والمنكرة في الكتب.
فائدة: في النظر في كتب الهلكى والمتروكين لأغراض صحيحة لا لأجل الاعتماد على ما فيها.
المطلب الخامس: في سرقة الحديث. وفيه أمور:
أولًا: المقصود بسرقة الحديث.
ثانيًا: الباعث على سرقة الحديث وقيمة معرفة ذلك.
ثالثًا: من دلائل الاتهام بسرقة الحديث.
رابعًا: بعض مسالك الكذابين والسارقين:
1 - تركيب الأسانيد على متون مسروقة.
(3/213)

2 - السارق يدخل الحديث على من لا يظن به الكذب ترويجًا له.
3 - الكذب على المغمورين أبعد عن الفضيحة.
4 - أمثلة للتهمة بسرقة الحديث ونظر المعلمي في ذلك.
خامسًا: السارق لا يعتد بمتابعته.
المطلب السادس: فوائد تتعلق بالحكم على الحديث بالبطلان أو الوضع وأنه لا يلزم اشتمال إسناده على كذاب.
* * *
(3/214)

المطلب الأول
في بيان حفظ الله تعالى للسنة من اختلاط الكذب ونحوه بها وأن وقوع الكذب في الرواية لا يمنع من معرفة الصدق فيها
وينحصر النقل عن المعلمي هنا في ثلاثة مواضع:
الموضع الأول:
قال: في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل":
" ... أعداء الإسلام وأعداء السنة يتشبثون بذلك [يعني بوقوع الكذب في الرواية] في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شئون دنياهم: الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظامًا.
ولم يزل الناس يغشون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدرّ والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها، ولم يَحُلْ ذلك دون معرفة الصحيح.
والخالق الذي هَيَّأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام تكفل بحفظه إلى الأبد، وعنايته بحفظ الدين أشد وآكد؛ لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا. قال الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 59].
ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها.
(3/215)

وفي "تهذيب التهذيب" (ج 1 ص 152): "قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقًا فأراد قتله فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتُها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا؟ "
وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وتلا قول الله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
والذكر يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يتوقف عليه معرفة الحق، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى يوم القيامة؛ لأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، والله عز وجل إنما خلق الخلق لعبادته فلا يقطع عنهم طريق معرفتها، وانقطاع ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاع لعلة بقائهم فيها.
قال العراقي في "شرح ألفيته" (ج 1 ص 267):
"روينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث. وروينا عن عبدالرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلًا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله. وروينا عن ابن المبارك قال: لو هَمَّ رجل في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب". اه.
الموضع الثاني:
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص 89):
"وهو [يعني الوضع في الحديث] واقع في الجملة, ولكن المستشرقين والمنحرفين عن السنة يطوّلون في هذا ويهوّلون ويهملون ما يقابله، ومثلهم مثل من يحاول منع الناس من طلب الحقيقي الخالص من الأقوات والسمن والعسل، والعقاقير، والحرير والصوف، والذهب والفضة، واللؤلؤ والياقوت، والمسك والعنبر، وغير ذلك بذكر ما وقع من التزوير والتلبيس والتدليس والغش في هذه الأشياء ويطيل في ذلك.
(3/216)

والعاقل يعلم أن الحقيقي الخالص من هذه الأشياء لم يُرفع من الأرض، وأن في أصحابها وتجارها أهل صدق وأمانة وأن في الناس أهل خبرة ومهارة - يميزون الحقيقي الخالص من غيره، فلا يكاد يرجع الضرر إلا على من لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصر ومن لا يبالي ما أخذ.
والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله عز وجل بعباده في دنياهم، فما الظن بعنايته بدينهم؟ لابد أن يكون أتم وأبلغ. ومن تتبع الواقع وتدبَّره وأنعم النظر تبين له ذلك غاية البيان ... (1)
وكان أهل العلم يشددون في اختيار الرواة أبلغ التشديد، جاء عن بعضهم -أظنه الحسن بن صالح بن حَيّ- أنه قال: كنا إذا أردنا أن نسمع الحديث من رجل سألنا عن حاله حتى يقال: أتريدون أن تزوجوه؟
وجاء جماعة إلى شيخ ليسمعوا منه، فرأوه خارجًا وقد انفلتت بغلته وهو يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها إياها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فرجعوا ولم يسمعوا منه، قالوا: هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث.
وذكروا أن شعبة كان يتمنى لقاء رجل مشهور ليسمع منه، فلما جاءه وجده يشتري شيئا ويسترجح في الميزان، فامتنع شعبة من السماع منه.
وتجد عدة نظائر لهذا ونحوه في "كفاية" الخطيب (ص 110 - 114).
وكان عامّة علماء القرون الأول وهي قرون الحديث مقاطعين للخلفاء والأمراء، حتى كان أكثرهم لا يقبل عطاء الخلفاء والأمراء ولا يرضى بتولي القضاء، ومنهم من كان الخلفاء يطلبونهم ليكونوا بحضرتهم ينشرون العلم فلا يستجيبون، بل يفرّون ويستترون.
__________
(1) ثم أشار المعلمي بلى ما يتعلق بعدالة الصحابة والتابعين وقد أفردتهما بالذكر آنفًا في الفصل الثالث والرابع من فصول "العدالة" فراجعه إن شئت.
(3/217)

وكان أئمة النقد لا يكادون يوثقون محدثًا يداخل الأمراء أو يتولى لهم شيئا.
وقد جرحوا بذلك كثيرًا من الرواة، ولم يوثقوا ممن داخل الأمراء إلا أفرادًا علم الأئمة علمًا يقينًا سلامة دينهم وأنه لا مغمز فيهم البتة.
وكان محمد بن بشر الزنبري محدثًا يسمع منه الناس، فاتفق أن خرج أمير البلد لسفر فخرج الزنبري يشيعه، فنقم أهل الحديث عليه ذلك وأهانوه ومزقوا ما كانوا كتبوا عنه.
وكثيرًا ما كانوا يكذبون الرجل ويتركون حديثه لخبر واحدٍ يتهمونه فيه وتجد من هذا كثيرًا في "ميزان" الذهبي وغيره.
وكذلك إذا سمعوه حدث بحديث ثم حدث به بعد مُدّة على وجهٍ ينافي الوجه الأول، وفي "الكفاية" (ص 113) عن شعبة قال: "سمعت من طلحة بن مصرف حديثًا واحدًا، وكنت كلما مررت به سألته عنه ... أردت أن أنظر إلى حفظه، فإن غيَّر فيه شيئًا تركته".
وكان أحدهم يقضي الشهر والشهرين يتنقل في البلدان يتتبع رواية حديث واحد، كما وقع لشعبة في حديث عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر، وكما وقع لغيره في الحديث الطويل في فضائل السور، ومن تتبع كتب التراجم وكتب العلل بَانَ له من جَدِّهم واجتهادهم ما يُحَيِّر العقول.
وكان كثير من الناس يُحْضِرون أولادهم مجالس السماع في صغرهم ليتعودوا ذلك ثم يكبر أحدهم فيأخذ في السماع في بلده, ثم يسافر بلى الأقطار ويتحمل السفر الطويل والمشاقّ الشديدة. وقد لا يكون معه إلا جراب من خبز يابس يحمله على ظهره، يصبح فيأخذ كسرة ويبلها بالماء ويأكلها ثم يغدو للسماع، ولهم في هذا قصص كثيرة.
(3/218)

فلا يزال أحدهم يطلب ويكتب إلى أن تبلغ سنه الثلاثين أو نحوها، فتكون أمنيته من الحياة أن يقبله علماء الحديث ويأذنوا للناس أن يسمعوا منه، وقد عرف أنهم إن اتهموه في حديثٍ واحدٍ أسقطوا حديثه وضاع مجهوده طول عمره وربح سوء السمعة واحتقار الناس.
وتجد جماعة من ذُرِّيَّة أكابر الصحابة قد جرحهم الأئمة.
وتجدهم سكتوا عن الخلفاء العباسين وأعمامهم لم يرووا عنهم شيئًا مع أنهم قد كانوا يروون أحاديث.
ومن تتبع أخبارهم وأحوالهم لم يعجب من غلبة الصدق على الرواة في تلك القرون، بل يعجب من وجود كذابين منهم.
ومن تتبع تشدد الأئمة في النقد لم يعجب من كثرة من جرحوه وأسقطوا حديثه، بل يعجب من سلامة كثير من الرواة وتوثيقهم لهم مع ذلك التشدّد.
وبالجملة فهذا الباب يحتمل كتابًا مستقلا، وأرجو أن يكون فيما ذكرته ما يدفع ما يرمي إليه المستشرقون وأتباعهم -بإفاضتهم في ذكر الوضع- من تشكيك المسلمين في دينهم وإيهامهم أن الله تعالى أَخَلَّ بما تكفَّلَ به من حفظ دينه، وأن سلف الأمّة لم يقوموا بما عليهم أو عجزوا عنه فاختلط الحق بالباطل، ولم يبق سبيل إلى تمييزه.
كلا، بل حجة الله تعالى لم تزل ولن تزال قائمة، وسبيل الحق مفتوحا لمن يريد أن يسلكه ولله الحمد. اه.
الموضع الثالث:
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص 284 - 285):
"لا يجهل عاقل أن أحوال الرواة مختلفة: فمنهم المغفل المتساهل الذي يبني على التوهم فيكثر غلطه، ومنهم الضابط المتقن المتثبت الذي يندر جدا أن يخطىء وليس كل ما يصلح مستندا للتوقف عن خبر الأول أو ردّه يصلح لمثل ذلك في خبر الثاني.
(3/219)

فأما الصدق وتعمد الكذب ولاسيما في الحديث النبوي فالأمر فيهما أعظم، وللكذب دواع وموانع، والناس متفاوتون جدا في الانقياد للدواعي أو الموانع، فإني أعرف من الأغنياء الوجهاء من يساوم بالسلعة الخفيفة فيقول له الدكاني: ثمنها ثلاثة قروش، فيقول كاذبا: إن صاحب ذاك الدكان يبيعها بقرشين؛ يكذب هذه الكذبة طمعا في أن يغُرَّ الدكاني فيعطيه إياها بقرشين مع علمه أن كذبه قد ينكشف كن قرب، بل إذا نجح فأخذها بقرشين، قد يذهب فيخبر بالقصة متمدحا بكذبته.
وأعرف من المقلين من لا تسمح له نفسه بمثل هذا الكذب ولو ظن أنه يتحصل به على مقدار كبير.
فأما الحديث النبوي فالأمر فيه أشد، والمتدينون من الكذب فيه أبعد وأبعد.
فإن قيل: قد ذكر أهل الحديث أن جماعة صالحين كانوا يكذبون في الحديث عمدا في المواعظ ونحوها، وذكروا في الهيثم بن عدي -وهو ممن يكذبون- أنه كان يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب.
قلت: أما صالحٌ يتعمد الكذب فلا يكون إلا شديد الجهل بالدين، ومثل هذا نادر لا يسوغ أن يقاس به من عرف بالدين والعلم والصدق، ولو ساغ هذا لساغ أن يُتهم كل إنسان بكل نقيصة عرفت لغيره, ولو عرف بأنه من أبعد الناس عنها.
فأما الهيثم بن عدي فتلك الحكاية إنما حكاها عباس الدوري قال: "حدثنا بعض أصحابنا قال: قالت جارية الهيثم بن عدي: كان مولاي ... ".
والجارية لا يعرف حالها، والمخبر عنها لا يُدرى من هو وما حاله، وإنما ذكروا هذه الحكاية على أنها نادرة مستطرفة؛ لأن مثل هذا نادر كما مر، وإنما استندوا في تكذيب الهيثم إلى دلائل ثابتة.
(3/220)

هذا وعلماء السنة لا يستندون في التصديق والتكذيب إلى أن ذاك يروقهم وهذا لا يعجبهم، ولكنهم ينظرون إلى الرواة, فمن كان من أهل الصدق والأمانة والثقة لا يكذبونه، غير أنهم إذا قام الدليل على خطئه خطئوه، سواء أكان ذلك فيما يسوءهم أم فيما يعجبهم.
وأما من كان كذابا أو متهما أو مغفلا أو مجهولا أو نحو ذلك فإنهم لا يحتجون بروايته.
ومن هؤلاء جماعة كثيرة قد رووا عنهم في كتب التفسير وكثير من كتب الحديث والسير والمناقب والفضائل والتاريخ والأدب، وليست روايتهم عنهم تصديقا لهم وإنما هي على سبيل التقييد والاعتبار، فإذا جاء دور النقد جروا على ما عرفوه, فما ثبت مما رواه هؤلاء برواية غيرهم من أهل الصدق قبلوه، وما لم يثبت فإن كان مما يقرب وقوعه لم يروا بذكره بأسا وإن لم يكن حجة، وإن كان مما يستبعد أنكروه، فإن اشتد البُعد كذبوه.
وهذا التفصيل هو الحق المعقول، ومعلوم أن الكذوب قد يصدق فإذا صدقناه حيث عرفنا صدقه واستأنسنا بخبره حيث يقرب صدقه لم يكن علينا -بل لم يكن لنا- أن نصدقه حيث لم يتبين لنا صدقه, فكيف إذا تبين لنا كذبه؟. اه.
* * *
(3/221)

المطلب الثاني
في ذم الكذب
تكلم العلامة المعلمي في الفصل الخامس من مقدمة "التنكيل" على طوائف: أهل الرأي، وغلاة المقلدين في فروع الفقه، والمتكلمين، وذكر شيئا من نشأتها وخصائصها - لاسيما الأولى والأخيرة، ثم قال:
ومع هذا كله فغالب أصحاب الرأي وغلاة المقلدين وأكثر المتكلمين لم يُقدموا على اتهام الرواة الذين وثقهم أهل الحديث، وإنما يَحملون على الخطأ والغلط والتأويل، وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي المقلدين، أما الأستاذ -يعني الكوثري- فبرز على هؤلاء جميعًا!
وأما كُتَّاب العصر فإنهم مقتدون بكُتَّاب الإفرنج الذين يتعاطون النظر في الإسلاميات ونحوها، وهم مع ما في نفوسهم من الهوى والعداء للإسلام إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منه.
فمن الموانع: التدين والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة. وقد قال سبحانه: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ} [النحل: 105].
وفي "الصحيح" عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "علامة المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حَدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف" وإخلاف الوعد أغلب ما يكون إذا كان الوعد كذبًا، والخيانة تعتمد الكذب كما لا يخفى. وقال أبو بكر الصديق: "الكذب مجانب للإيمان".
(3/222)

فأما توهم حِلّ الكذب في مصلحة الدين فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدهم غفلة؛ لأن حظر الكذب مطلقًا هو من أظهر الأحكام الشرعية.
وأولئك الكُتَّاب لا يعرفون هذا المانع لأنهم لا يجدونه في أنفسهم ولا يجدون فيمن يخالطونه مَنْ تقهرهم سيرته على اعتقاب اتصافه بهذا المانع لضعف الإيمان في غالب الناس ورقة التدين.
ولا يعرفون من أحوال سلف المسلمين ما يقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع؛ لأنهم إنما يطالعون التواريخ وكتب الأدب ك "الأغاني" ونحوها، وهذه الكتب يكثر فيها الكذب والحكايات الفاجرة ... ولو عكف أولئك الكُتَّاب على كتب السُّنَّة ورجالها وأخبارهم لعلموا أن هذه الطائفة, وهي طائفة أصحاب الحديث، كان ذلك المانع غالبًا فيهم ...
ومن الموانع: خوف الضرر الدنيوي، وأولئك الكُتَّاب يعرفون شرط هذا المانع وهو الضرر الماديّ، فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنبون الخيانة والكذب في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم فيعدلوا إلى معاملة غيرهم ...
فأما الشطر المعنوي فإن أولئك الكُتَّاب لا يقدرون قدره.
فأقول: كان العرب يحبون الشرف ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل، وفي أوائل "صحيح" البخاري في قصة أبي سفيان بن حرب: "أن هرقل لما جاء كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا بمن كان بالشام من تجار قريش، فأتي بأبي سفيان ورهط معه قال: دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقربهم نسبًا، قال: أدنوه مني، قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره, ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كَذَبَني فَكَذِّبُوه قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عليه ... ".
(3/223)

قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفي قوله: يأثروا دون قوله: يكذبوا دليل على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه ترك ذلك استحياءً وأَنَفَةً من أن يتحدثوا بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك".
أقول -المعلمي: وهذا هو الذي أراده هرقل، ثم جاء الإسلام فشدّد في تقبيح الكذب جدًّا حتى قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105].
وتوهَّم رجل من صغار الصحابة أمرًا فأخبر بما توهمه وما يقتضيه ففضحه الله عز وجل إلى يوم القيامة إذ أنزل فيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6].
ثم كان الصحابي يرى من إكرام التابعين له وتوقيرهم وتبجيلهم ما لا يخفى أثره على النفس ويعلم أنه إن بان لهم منه أن كذب كذبة سقط من عيونهم مقتوه واتهموه بأنه لم يكن مؤمنًا وإنما كان منافقًا.
وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال، ودام ذلك زمانا ولم يبلغنا عن أحدٍ منهم أنه رمى مخالفه بالكذب في الحديث.
وكان التابعون إذا سمعوا حديثًا من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة ولم يبلغنا أن أحدًا منهم كذب صاحبه، غاية الأمر أنه قد يخطئه ...
ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشح لطلب الحديث وهو طفل، ثم ينشأ دائبًا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارًا أو يرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان، ويقاسي المشاقَّ الشديدة كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث ويسمعوا منه ويرووا عنه.
(3/224)

وفي "تهذيب التهذيب" (ج 11 ص 183): "قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كنت قاضيا وأميرًا ووزيرًا، ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي (1): من ذكرتَ؟ رضي الله عنك".
وفيه (ج 6 ص 314): "روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة وقلت: يا رب ما لي أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاءوني".
وقد علم طالب الحديث في أيام طلبه تشدد علماء الحديث وتعنتهم وشدة فحصهم وتدقيقهم، حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يرجها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا: إنه كذاب كذب على البغلة بإيهامها أن المخلاة (2) شعيرًا، والواقع أنه ليس فيه شيء.
فمن تدبر أحوال القوم بان له أنه ليس العجب ممن تحرز عن الكذب منهم طول عمره، وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب.
كما أنه من تدبر كثرة ما عندهم من الرواية وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه وتدبر تعنت أئمة الحديث بان له أنه ليس العجب ممن جرحوه، بل العجب ممن وثقوه ... ".
__________
(1) علق المعلمي هنا فقال: كان إذا كثر الجمع عند المحدث يقوم رجل صيت يسمع إملاء الشيخ الحديث ويستفهمه فيما يخفى، ثم يعيد ذلك بصوت عال ليسمعه الحاضرون، فهذا الرجل يقال له "المستملي".
(2) كذا في "التنكيل"، ولعل الصواب: "بالمخلاة" أو "في المخلاة". والله أعلم.
(3/225)

تنبيه:
قال العلامة المعلمي في القاعدة الأولى من قسم القواعد من "التنكيل":
"تنبيه: ليس من الكذب ما يكون الخبر ظاهرًا في خلاف الواقع محتملًا للواقع احتمالًا قريبًا وهناك قرينة تدافع ذاك الظهور بحيث إذا تدبر السامع صار الخبر عنده محتملًا للمعنيين على السواء.
كالمجمل الذي له ظاهر ووقت العمل به لم يجيء.
وكالكلام المرخص به في الحرب.
وكالتدليس، فإن المعروف بالتدليس لا يبقى قوله: "قال فلان" ويُسمي شيخا له: ظاهرًا في الاتصال، بل يكون محتملًا.
وهكذا من عرف بالمزاح، إذا مزح بكلمة يعرف الحاضرون أنه لم يرد بها ظاهرها -وإن كان فيهم من لا يعرف ذلك- إذا كان المقصود ملاطفته أو تأديبه عَلى أن يُنَبَّه في المجلس.
وهكذا فلتات الغضب، وكلمات التنفير عن الغلوّ ... على فرض أنه وقع فيها ما يظهر منه خلاف الواقع.
وقد بسطت هذه الأمور وما يشبهها في رسالتي في "أحكام الكذب".
فأما الخطأ والغلط فمعلوم أنه لا يضر وإن وقع في رواية الحديث النبوي، فإذا كثر وفحش من الراوي قدح في ضبطه ولم يقدح في صدقه وعدالته. والله الموفق". اه.
* * *
(3/226)

المطلب الثالث
في الرواية عن الكذابين والمتروكين ونحوهم
• في ترجمة: محمد بن أبي الأزهر من "التنكيل" رقم (190) الإشارة إلى حكاية ساقها الخطيب في "التاريخ" من طريق محمد هذا، مع قول الخطيب فيه: "كان كذابًا قبيح الكذب ظاهره".
قال العلامة المعلمي:
"قد يُعْرَفُ صدقُ بعض أخبار الكذاب بدلالة، وأشهر الرواة بالكذب محمد بن السائب الكلبي ومع ذلك روى عنه ابن جريج والسفيانان وابن المبارك وغيرهم من الأجلّة. وكان الثوري يُحذِّرُ منه ويروي عنه, فقيل له في ذلك؟ فقال: أنا أعرفُ صدقه من كذبه، وَرَووا عنه في التفسير وغيره, فما بالك بالتاريخ الذي تدعو الحاجة إلى تزيينه بالحكايات المستظرفة؟ ". اه.
• وفي ترجمة: أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود من "التنكيل" رقم (24):
قال المعلمي:
"كذَّب الخطيب أحمد هذا وروى في غير ترجمة أبي حنيفة من طريقه حكايتين غير منكرتين، لا عيب في ذلك على الخطيب، فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة عن الكلبي مع اشتهاره بالكذب، وفي ترجمته من "الميزان": يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي فقيل: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرف صدقه من كذبه". اه.
(3/227)

• وفي ترجمة: عباد بن كثير الثقفي البصري من "التنكيل" رقم (116):
قال الكوثري: "كان الثوري يكذبه ويحذر الناس من الرواية عنه, فكيف يتصور أن يروي الثوري عن مثله؟ ".
فقال العلامة المعلمي:
"تحذير الثوري من الثقفي معروف، فأما تكذيبه له فإنما حكاه الحاكم وأبو نعيم الأصبهاني، ولا أدري من أين أخذاه، فإن صح فإنما أراد الوهم والغلط.
وقد أثنى على الثقفي بالصلاح جماعة، منهم ابن المبارك وأحمد وابن معين وأبو زرعة والعجلي، ووصفوه مع ذلك بأنه ليس بشيء في الحديث، وأنه يحدث بما لم يسمع لبلهه وغفلته، فانظر هل يتناول ذلك حكايته المذكورة، وهي قوله: "قلت لأبي حنيفة ... " فذكر سؤالًا وجوابًا، وقد تقدم أن الخطيب روى نحوها من وجه آخر.
وعلى كل حال فلا مانع أن يحكي الثوري عن عباد ما يظهر له صحته, وفي ترجمة محمد بن السائب الكلبي من "الميزان": "يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه. قال: أنا أعرف صدقه من كذبه". اه.
فائدة: الرواية عمن فسد فصار يكذب قد تُحمل على ما قَبل أن يفسد:
• في ترجمة محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله أبي المفضل الشيباني من "التنكيل" رقم (216) وقد ساق الخطيب عن الأزهري عنه شيئًا، فقال المعلمي:
"ذكروا أنه كان ذا هيئة وسمت حسن يحفظ، فانتخب عليه الدارقطني سبعة عشر جزءًا وسمعها الناس منه، وقال الدارقطني: "يشبه الشيوخ".
(3/228)

ثم روى (1) عن ابن العراد شيئًا، فقيل له: الأكبر أم الأصغر؟ فقال الأكبر. فقيل له: متى سمعت منه؟ فقال: سنة 310 فبلغ ذلك الدارقطني، فكذبه في ذلك وتركوا السماع منه، ثم فسد بعد ذلك فانضم إلى الرافضة، وصار يضع لهم على ما قال الخطيب.
والأزهري الذي روى الخطيب هنا عنه عن هذا الرجل هو ممن حكى القصة، فإنما روى عنه من تلك الأجزاء التي انتخبها الدارقطني والله المستعان". اه.
* * *
__________
(1) يعني أبا الفضل الشيباني.
(3/229)

المطلب الرابع
في رواية الأحاديث المكذوبة والباطلة والمنكرة في الكتب
• ترجم المعلمي لأبي نعيم الأصبهاني الحافظ في "التنكيل" رقم (21) ونقل غمز الكوثري لأبي نعيم بقوله: " ... ويذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب، ويعلم أيضًا ما يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور ... ومن المعروف أن عادة أبي نعيم سوق الأخبار الكاذبة بأسانيده بدون تنبيه على كذبها".
فقال العلامة المعلمي:
"أما سياقه في مؤلفاته الأخبار والروايات الواهية التي ينبغي الحكم على كثير منها بالوضع فمعروف، ولم ينفرد بذلك، بل كثير من أهل عصره ومن بعدهم شاركوه في ذلك، ولاسيما في كتب الفضائل والمناقب، ومنها مناقب الشافعي ومناقب أبي حنيفة, ثم يجيء من بعدهم فيحذفون الأسانيد ويقتصرون على النسبة إلى تلك الكتب، وكثيرًا ما يتركون هذه النسبة أيضًا كما في "الإحياء" وغيره.
وفي "فتح المغيث" (ص 106) في الكلام على رواية الموضوع: "لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك لعدم الأمن من المحذور به وإن صنعه كثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا، خصوصًا الطبراني. وأبو نعيم وابن منده، فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته ... قال شيخنا: وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان ... ".
أقول: "مدار التشديد في هذا على الحديث الصحيح: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".
(3/230)

ومن تدبر علم أنه إنما يكون كاذبا على أحد وجهين:
الأول: أن يرسل ذاك الحديث جازمًا كأن يقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ...
الثاني: أن يكون ظاهر حاله في تحديثه أن ذاك الخبر عنده صدق أو محتمل أن يكون صدقًا فيكون موهمًا خلاف الواقع فيكون بالنظر إلى ذاك الإيهام كاذبًا، وقد علمنا أن قول من صحب أنسًا: "قال أنس ... " موهم بل مفهم إفهامًا تقوم به الحجة أنه سمع ذلك من أنس، إلا أن يكون مدلسًا معروفًا بالتدليس، فإذا كان معروفًا بالتدليس فقال فيما لم يسمعه من أنس: "قال أنس ... " لم يكن كاذبًا ولا مجروحًا، وإنما يلامُ على شرهه، ويُذْكَرُ بعادته لتعرف فلا تحمل على عادة غيره، وذلك أنه لما عُرف بالتدليس لم يكن ظاهرُ حاله أن لا يقول: "قال أنس ... " إلا فيما سمعه من أنس، وبذلك زال الإفهام والإيهام فزال الكذب.
فهكذا وأولى منه: من عُرف بأنه لحرصه على الجمع والإكثار والإغراب وعلو الإسناد يروي ما سمعه من الأخبار وإن كان باطلًا ولا يبّين، فإنه إذا عرف بذلك لم يكن ظاهر حاله أنه لا يحدث غير مبين إلا بما هو عنده صدق أو محتمل للصدق، فزال الإيهام فزال الكذب، فلا يجرح ولكن يلام على شرهه ويذكر بعادته لتعرف، وكما يكفي المدلس أن يعرف عادتَه أهلُ العلم وإن جهلها غيرهم فكذلك هذا؛ لأن الفرض على غير العلماء مراجعة العلماء، على أن العامّة يشعرون في الجملة بما يدفع اغترارهم الذي هوّل به الأستاذ، ولذلك كثيرًا ما نسمعهم إذا ذكر لهم حديث قالوا: هل هو في البخاري؟
فعلى هذا القول في أبي نعيم ومن جرى مجراه: إن احتمل أنهم لانهماكهم في الجمع لم يشعروا ببطلان ما وقع في رواياتهم من الأباطيل فعذرهم ظاهر، وهو أنهم لم يحدثوا بما يرون أنه كذب، وإنما يلامون على تقصيرهم في الانتقاد والانتقاء، وإن كانوا شعروا ببطلان بعض ذلك فقد عرفت عادتهم فلم يكن في ظاهر حالهم ما
(3/231)

يوجب الإيهام، فلا إيهام ولا كذب فإن اغتر ببعض ما ذكروه مَنْ قد عَرفَ عادتهم من العلماء بالرواية فعليه التَّبعَةُ، أو مَنْ لم يعرف عادتهم ممن ليس من العلماء بالرواية فَمِنْ تقصيره أُتِيَ؛ إذ كان الفرض عليه مراجعة العلماء بالرواية، ولذلك لم يَجْرَحْ أهلُ العلم أبا نعيم وأشباهه, بل اقتصروا على لومهم والتعريف بعادتهم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات". اه.
• وترجم المعلمي لأبي الشيخ الأصبهاني الحافظ في "التنكيل" رقم (129) وأورد قول الكوثري فيه: "صاحب كتاب "العظمة" وكتاب "السنة" وفيهما من الأخبار التالفة ما لا آخر له".
فقال المعلمي:
"أما ما في كتبه من الأخبار الواهية فهو كغيره من حفاظ عصره وغيرهم. قال ابن حجر في "لسان الميزان" (ج 3 ص 75) في ترجمة الطبراني: "عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جَمْعَهُ الأحاديث الأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات ... وهذا أمر لا يختص به الطبراني ... بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته".
وقد مَرَّ النظر في ذلك في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني". اه.
• وترجم المعلمي لأبي بكر الخطيب في "التنكيل" رقم (26) وأورد من مزاعم ابن الجوزي في الخطيب قوله: "وقد ذكر في كتاب الجهر أحاديث يعلم أنها لا تصح، وفي كتاب القنوت أيضًا، وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثًا يَدْري أنه موضوع، فاحتج به ولم يذكر عليه شيئًا، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من روى حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".
فقال المعلمي:
(3/232)

الجواب من أوجه:
الأول: أن الخطيب إن كان قصد بجمع تلك الرسائل جمع ما ورد في الباب فلا احتجاج، وإن كان قصد الاحتجاج فبمجموع ما أورده, لا بكل حديث على حدة.
الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرعه في الحكم بالوضع والبطلان، وترى إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث "الموضوع".
الثالث: أن من جملة ما أورده في "الموضوعات" وَحْدها أكثر من ثلاثين حديثًا رواها الإمام أحمد في "مسنده" ولعله أورد في "الأحاديث الواهية" أضعاف ذلك، فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإمام أحمد ما عَلِمْتَهُ من كون تلك الأحاديث موضوعة أو باطلة، فما نراك أحسنت الثناء عليه, وعلى ذلك فالخطيب أَوْلى أن يخفى عليه.
الرابع: لا يلزم من زعم ابن الجوزي أن الحديث موضوع باطل أن يكون الخطيب يرى مثل رأيه.
الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعًا أو باطلًا ولم ينتبه الخطيب لذلك.
السادس: إذا رُوي الحديث بسند ساقط لكنه قد روي بسند آخر حسن أو صالح أو ضعيف ضعفًا لا يقتضي الحكم ببطلانه لم يجز الحكم ببطلان المتن مطلقًا، ولا يدخل من رواه بالإسنادين معًا في حديث: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".
وقد يُتوسع في هذا فَيُلْحق به ما إذا كان المتن المروي بالسند الساقط ولم يُرو بسند أقوى لكن قد رُوي معناه بسند أقوى، يقوي هذا أن المفسدة إنما تعظم في نسبة الحكم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ظن أنه كذب، لا في نسبة اللفظ، وشاهد هذا جواز الرواية بالمعنى. اه.
فائدة: في النظر في كتب الهلكى والمتروكين لأغراض صحيحة لا لأجل الاعتماد على
(3/233)

ما فيها:
• ساق المعلمي في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رقم (32) من "التنكيل" ما جاء في "تاريخ" الخطيب (3/ 177) أن أحمد كان ربما نظر في كتب أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي، ثم قال المعلمي:
"في الحكاية أنه كان قليل النظر في كتبهما، كثير النظر في كتب الواقدي، هذا مع أنه من أسوأ الناس رأيا في الواقدي، فلم يكن ينظر في كتبه ليعتمد عليه، بل رجاء أن يرى فيها الشيء مما يهمه فيبحث عنه من غير طريق الواقدي على حَدِّ قول الله تبارك وتعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} فلم يأمر بإلغاء خبر الفاسق إذ لعلّه صادق، بل أمر بالتبيّن، فخبر الفاسق يكون تنبيهًا يستدعي الالتفات إلى ما أخبر به والاستعداد له وعدم الاسترسال مع ما يقتضيه الأصل من عدمه حتى يبحث عنه فيتبين الحال. اه.
* * *
(3/234)

المطلب الخامس
في سرقة الحديث
أولًا: المقصود بسرقة الحديث:
إذا أخذ الرجل أحاديثَ الناس فرواها عن شيوخهم، فإن كان يصرح في ذلك بالسماع فهذا هو المعروف بسرقة الحديث، وهو كذب، وإلا فهو تدليس.
أفاده المعلمي في ترجمة يحيى بن عبد الحميد الحماني من "التنكيل" رقم (265).

ثانيًا: الباعث على سرقة الحديث وقيمة معرفة ذلك:
قال الخطيب في "التاريخ" (ج 13 ص 394): "أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمدان حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ حدثنا القاسم بن أبي صالح ... ".
زعم الكوثري أن صالحًا هذا هو ابن أبي مقاتل القيراطي الذي رماه ابن حبان بسرقة الحديث.
فدفع العلامة المعلمي: تعالى هذا الزعم من سبعة أوجه في "طليعة التنكيل" (ص 13 - 14) ثم في ترجمة صالح بن أحمد من "التنكيل" رقم (109)، وأثبت أنه: صالح بن أحمد بن محمد أبو الفضل التميمي الهمذاني الحافظ الثقة الثبت.
والذي يعنينا هنا قول المعلمي في صالح الواقع في السند:
"ينبغي بمقتضى العادة ألا يكون توفي بعد القاسم بمدة؟ وأن لا يكون بين وفاته ووفاة الراوي عنه مدة طويلة بما يندر مثله".
ثم قال: "لم تذكر له -يعني القيراطي- رواية عن القاسم".
(3/235)

وعلق المعلمي هنا في الحاشية قائلًا:
"والقيراطي متهم بسرقة الحديث، إنما يحمله على ذلك تَرفُّعُه أن يروي عن أقرانه فمن دونهم، وشيوخه توفوا سنة 252 أو نحوها، وأقدم شيخ سمي: القاسم توفي سنة 277، وشيخه في هذه الحكاية توفي سنة 294، فكيف يروي سارق الحديث عن أصغر منه بنحو خمس عشرة سنة عن أصغر من شيوخ السارق بنحو أربعين سنة؟
• وقال المعلمي في ترجمة صالح رقم (109) من "التنكيل":
"وشيوخ القيراطي قدماء كما مر، وهو مَرْمِيٌّ بسرقة الحديث، والباعث على سرقة الحديث هو الغرام بدعوى العلوّ، فمن حمله غرامه بالعلو على الكذب فكيف بَعْدَ سماعه من الذين توفوا سنة 252 ينزل إلى الرواية عمن كان في تلك السنة طفلًا أو لم يولد؟ وهو القاسم بن أبي صالح المتوفى سنة 338، فإن أقدم من سمي من شيوخ القاسم: أبو حاتم الرازي المتوفى سنة 277، بل إذا روى القيراطي عن محمد بن أيوب شيخ القاسم في تلك الحكاية لكان نزولًا؛ فإن محمد بن أيوب توفي سنة 294 ". اه.

ثالثًا: من دلائل الاتهام بسرقة الحديث:
• قال العلامة المعلمي في ترجمة: إبراهيم بن محمد بن يحيى أبي إسحاق المُزكِّي النيسابوري، رقم (9) من "التنكيل":
"وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب.
ففي الحال الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه لظهور براءة من فوقه منها.
(3/236)

وفي الحال الثانية يقال: مِنْ أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فَيُتَّهم بسرقة الحديث، كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي: "كان أضعفَنا طَلَبًا وأكثرَنا غرائب". اه. (1).

رابعًا: بعض مسالك الكذابين والسارقين:
1 - تركيب الأسانيد على متون مسروقة:
• قال العلامة المعلمي في ترجمة محمد بن سعيد البورقي من "التنكيل" رقم (207):
"من شأن الدجالين أن يركب أحدهم للحديث الواحد عدة أسانيد تغريرًا للجهال، وأن يضع أحدهم فيسرق الآخر ويركب سندًا من عنده, ومن شأن الجهال المتعصبن أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد" (2).
أمثلة تطبيقية على ذلك:
المثال الأول:
• أورد الشوكاني في "الفوائد" (ص 374) حديث: "أن عليًّا رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه. فقلت: من هذا الذي تلعنه يا رسول الله؟ قال: هذا الشيطان الرجيم. فقلت: والله يا عدو الله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك. فقال: ما هذا جزائي منك. قلت: وما جزاؤك يا عدو الله؟ قال: والله ما أبغضك أحدٌ إلا شاركتُ أباه في رحم أمه".
__________
(1) وسيأتي في المثال الأول من أمثلة التهمة بسرقة الحديث نحو هذا المعنى.
(2) تتمة كلام المعلمي: وقد قال أبو العباس القرطبي: "استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دَلَّ عليه القياس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء .. ولأنهم لا يقيمون لها سندًا صحيحًا" وقد أشار إلى هذا ابن الصلاح بقوله: "وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دَلَّ عليه القياس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-".
(3/237)

قال الشوكاني: "رواه ابن مردويه عن علي مرفوعًا، وفي إسناده: إسحاق بن محمد النخعي، وهو من الغلاف وكان يعتقد في عليّ الألوهية".
ورواه الخطيب أيضًا بلفظ: والله ما أبغضك أحد إلا قد شاركت أباه في أمه".
قال المعلمي على رواية الخطيب:
"من طريق محمد بن يزيد بن أبي الأزهر، وهو كذاب يضع، سرق هذا الخبر من النخعي، وركب له إسنادا آخر، وزاد فيه". اه.
المثال الثاني:
• أورد الشوكاني (ص 379) حديث: "مثلي مثل شجرة, أنا أصلها، وعليٌّ فرعها، والحسن والحسن ثمرتها، والشيعة ورقها، فأي شيء يخرج من الطيب إلا الطيب".
قال الشوكاني: رواه ابن مردويه عن علي مرفوعًا، وفي إسناده: عباد بن يعقوب وهو رافضي.
قال المعلمي:
"عباد على رفضه وحُمقه صدوق، رواه عن يحيى بن بشار الكندي، عن عمرو ابن إسماعيل الهمداني، وهما مجهولان، فالحمل عليهما، وفي ترجمتيهما من "الميزان" و"اللسان" ذكر هذا الخبر".
وقال الشوكاني: وقد أخرج هذا الحديث: الحاكم في "المستدرك"، وقال: متن شاذ، وتعقب بأن في إسناده من يكذب وأن هذا الحديث موضوع.
قال المعلمي:
"أخرجه الحاكم عن "محمد بن حيويه بن المؤمل، عن الدبري، عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن ميناء، قال: سمعت رسول الله ... إلخ".
(3/238)

زعم الحاكم أن ميناء صحابي، وإنما أخذ صحبته من هذا الخبر، قال الذهبي: "ما قال هذا بشر سوى الحاكم، وإنما ذا -يعني ميناء- تابعي ساقط. قال أبو حاتم: كذاب يكذب ... ولكن أظن أن هذا وُضِعَ على الدبري، فإن ابن حيويه متهم بالكذب".
قال المعلمي:
"هذا هو الصواب، سرقه محمد بن حيويه من عباد، وركبه على ذاك السند، وافتضح بقوله عن ميناء: "سمعت". اه.

2 - السارق يُدخل الحديثَ على من لا يُظن به الكذب ترويجًا له:
• أورد الشوكاني في "الفوائد المجموعة (ص 175) حديث: "أنه جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فشكا قلة الولد، فأمره أن يأكل البيض والبصل" وقال: رواه ابن حبان عن ابن عمر مرفوعًا وقال: موضوع بلا شك.
... ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عمر مرفوعًا: "أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله عز وجل الضعف فأمره بأكل البيض". قال: تفرد به ابن أزهر عن أبي الربيع.
قال المعلمي:
"الآفة فيه: محمد بن يحيى بن ضرار، راجع ترجمته في اللسان، وقد سرقه منه جماعة، وأدخلوه على بعض من لا يتعمد الكذب".
وفي موضع آخر: "رواه غير ابن أزهر، والذي تولى كبره محمد بن يحيى بن ضرار، والباقون بين سارقٍ ومُدْخَل عليه".

3 - الكذب على المغمورين أبعد عن الفضيحة:
• ترجم المعلمي لأحمد بن محمد بن الصلت الحِمَّاني في "التنكيل" رقم (34) وأورد ما رواه الخطيب من طريق ابن الصلت: حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر
(3/239)

ابن الحارث قال سمعت ابن عيينة قال: العلماء: ابن عباس في زمانه، الشعبي في زمانه، وأبو حنيفة في زمانه".
قال الخطيب: ذِكْرُ أبي حنيفة في هذه الحكاية زيادة من الحماني، ثم بيّن أن المحفوظ عن ابن عيينة قوله: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه".
بين المعلمي أن محمد بن المثنى المذكور في الإسناد ليس هو أبو موسى الزَّمِن البصري الحافظ كما يوهمه صنيع الكوثري، وإنما هو كما نُصَّ عليه في الاسناد: صاحب بشر بن الحارث وترجمته في "تاريخ بغداد" (ج 4 ص 286) وفيها: "محمد ابن المثنى بن زياد أبو جعفر السمسار كان أحد الصالحين صحب بشر بن الحارث وحفظ عنه وحدث عن نوح بن يزيد وعفان بن مسلم وغيرهم ... ".
قال ابن أبي حاتم: "كتبت عنه مع أبي وهو صدوق" ومات سنة 260. لم يخرج له أحد من الستة.
ثم قال المعلمي:
"يظهر أنه لم يدرك ابن عيينة، وأنّ ابن الصلت افتضح في روايته عنه أنه قال: "سمعت ابن عيينة"؛ فإن ابن عيينة مات سنة 198، والمُسَمَّوْن من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان، فبشر بن الحارث سنة 227، وعفان 220، ونوح بن يزيد قريبًا من ذلك، ولم أظفر بتاريخ وفاته لكن ذكروا في الرواة عنه أحمد بن سعد بن إبراهيم أبا إبراهيم الزهري الذي ولد سنة 198 كما في "تاريخ بغداد" (ج 4 ص 181)، وأحمد بن علي بن الفضيل أبا جعفر الخزاز المقرىء المتوفى سنة 286 كما في "تاريخ بغداد" (ج 4 ص 303)، فظهر بذلك أن وفاة نوح كانت سنة بضع عشرة ومائتين أو بعد ذلك.
(3/240)

أضف إلى ذلك أن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل أقدم شيوخه وأجلهم، فلو عرفوا للسمسار سماعًا من ابن عيينة أو أحد أقرانه أو من قرب منهم لكان أَوْلى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعفان.
فإن قيل: إن كان ابن الصلت أراد الكذب فما الذي منعه أن يسمي شيخًا أشهر من السمسار وأثبت لا يُشك في سماعه من ابن عيينة؟
قلت: منعه علمه بأن الكذب على المشاهير سرعان ما يفتضح لإحاطة أهل العلم بما رووه، بخلاف المغمورين الذين لم يرغب أهل العلم في استقصاء ما رووه". اه.

4 - أمثلة للتهمة بسرقة الحديث ونظر المعلمي في ذلك:
المثال الأول:
ترجم العلامة المعلمي ل: فهد بن عوف أبي ربيعة في "التنكيل" رقم (177) وقال: "قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ما رأيت بالبصرة أكيس ولا أحلى من أبي ربيعة فهد بن عوف وكان ابن المديني يتكلم فيه ... قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: تعرف وتنكر، وحرك يده" ثم ذَكَر عن أبي زرعة قصةً حاصلُها: أن أبا إسحاق الطالقاني وَرَدَ البصرة فحدَّثَ من حديث ابن المبارك بحديثين غريبين، أحدهما: عن وهيب بسنده, والآخر: عن حماد بن سلمة بسنده، فبعد مدّة يسيرة حدث فهد بالحديث الأول عن وهيب بن خالد بذاك السند، والثاني عن حماد بن سلمة بسنده، فَرَمَوْا فهدًا بسرقة الحديثين، وأنه إنما سمعهما من الطالقاني عن ابن المبارك عن وهيب وعن حماد، فحدث بهما عن وهيب وعن حماد، وغلط مع ذلك فروى الأول عن وهيب بن خالد، وإنما وهيب شيخ ابن المبارك وهيب بن الورد.
والحجة في رميه بسرقة الحديث الثاني أنه حديث غريب لم يكن في كتب حماد بن سلمة، ولا رواه عنه غير ابن المبارك حتى حدث به الطالقاني عن ابن المبارك فوثب عليه فهد.
(3/241)

وقد يحتمل في هذا أن يكون فهد قد سمعه من حماد بن سلمة ثم غفل عنه، فلما حدث به الطالقاني واستفاده الناس وأعجبوا به فتش فهد في كتبه فوجده عنده عن حماد بن سلمة، ولكن في هذا الاحتمال بُعْد.
فأما الحديث الأول فالتهمة فيه أشدّة لأنه ليس من حديث وهيب بن خالد أصلًا، وإنما هو من حديث وهيب بن الورد.
ولا يخفى أنه ليس من الممتنع أن يكون الحديث عند وهيب بن خالد أيضًا ولم يسمعه منه إلا فهد، لكن في هذا من البُعْد ما فيه.
فالظاهر أن هذين الحديثين -هُمَا ولاسيما الأول- بَلِيَّةُ هذا الرجل؛ لأجل ذلك كذبه ابن المديني وتكلم فيه غيره.
لكن يظهر من كلمة ابن أبي حاتم (1) أنه متوقف. وقال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي زرعة: يكتب حديثه؟ فقال: أصحاب الحديث ربما أراهم يكتبونه"، وأسند إلى ابن معين أنه سئل عنه فقال: "ليس لي به علم، لا أعرفه، لم أكتب عنه" وقد يبعد أن لا تكون القصة بلغت ابن معين، ومع ذلك توقف.
... والذي يتجه أنه إن كان صرح في الحديث الأول بسماعه من وهيب بن خالد فقد لزمته التهمة، وإن لم يصرح وإنما رواه بصيغة تحتمل التدليس، فقد يقال: لعله دَلَّسه، ولكن يبقى أنهم لم يذكروه بالتدليس، والمدلِّس إنما يَسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عُرف عنه أنه يدلس، فإن ذلك يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذبًا، وقد يقال: كان جازمًا بصحة الخبرين عن وهيب وحماد فاستجاز تدليسهما وإن لم يكن قد عُرف بالتدليس، وفي هذا نظر والله أعلم. اه.
__________
(1) كذا هنا، وإنما الكلمة لأبي حاتم كما سبق النقل عنه.
(3/242)

المثال الثاني:
ترجم المعلمي ل: قطن بن إبراهيم في "التنكيل" رقم (181) ونقل قولَ الكوثري فيه: "حدث بحديث إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في الدباغ، فطالبوه بالأصل فأخرجه وقد كتبه على الحاشية، فتركه مسلم بعد أن صار إليه وكتب عنه جُمْلَةً، وهو متهم بسرقة حديث حفص عن (1) محمد بن عقيل".
فقال المعلمي:
"هو حديث واحد رواه محمد بن عقيل، عن حفص، عن عبد الله السلمي، عن إبراهيم بن طهمان, وكان قطن قد سمع من حفص كثيرًا، ثم ذكر محمد بن عقيل أن قطنًا سأله: أي حديث عندك من حديث إبراهيم بن طهمان أغرب؟ فذكر له هذا الحديث.
فذهب قطن فحدث به بالعراق عن حفص، فبلغ محمد بن عقيل فأنكر ذلك وقال: "لم يكن حفظ هذا الحديث -يعني عن حفص- إلا أنا ومحمود أخو خشتام" واتَّهَمَ قطنًا أنه سرقه منه، ثم حدث به قطن بنيسابور، فطالبوه بالأصل، فدافعهم، ثم أخرجه، فرأوا الحديث مكتوبًا على الحاشية، فأنكروا ذلك.
هذا حاصل القصة، وقطن مكثر عن حفص وغيره. وقد قال الحاكم أبو أحمد: "حدث بحديثين لم يتابع عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء" وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "يخطىء أحيانًا، يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه" وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في "لسان الميزان" (ج 2 ص 416). وقال النسائي: "فيه نظر"، ثم روى عنه في "السنن". وقال الذهبي في "الميزان": "صدوق".
__________
(1) كذا في"التنكيل" و"التأنيب"، وهو خطأ ظاهر، والصواب "من" كما يعلم من السياق بعد ذلك.
(3/243)

فإذا كانت هذه حاله، ولم يُنقم عليه مع إكثاره إلا ذاك الحديث، فلعل الأَوْلى أن يحمل على العذر، فلا يمتنع أن يكون قد سمع الحديث من حفص ثم نسيه أو خفى عليه أنه غريب، أو طمع أن يدلَّهُ محمد بن عقيل على حديث غريب آخر ثم ذكره وتنبَّه لفرديته فرواه.
وقد يكون كتبه بعد أن سمعه في الحاشية، أو لا يكون كتبه أولًا ثم لما ذكر أنه سمعه أو عرف أنه غريب ألحقه في الحاشية، وكان مع حفص في بلد واحد فلا مانع أن يكون سمع منه الحديث في غير المجلس الذي سمع فيه محمد بن عقيل وصاحبه.
وأهل الحديث جزاهم الله خيرًا ربما يشددون على الرجل وهم يرون أن له عذرًا؛ خشية أن يتساهل غيره طمعًا في أن يعذروه كما عذروا ذاك. والله أعلم. اه.
المثال الثالث:
ترجم المعلمي ل: محمد بن يونس الجمال في "التنكيل" رقم (240) ونقل قولَ الكوثري فيه: "قال محمد بن الجهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابنٌ يُدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس ... ".
فقال المعلمي:
"محمد بن الجهم هو السمري، صدوق، وليس من رجال هذا الشأن. وقوله: "قالوا: كان له ابن ... " لم يبيّن مَن القائل، وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديث واحد رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عدي أنه حديث حسين الجعفي عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرد به حسين الجعفي عن ابن عيينة، وحسن الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة, فالحكم على
(3/244)

الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبين، لكن لم أر من وثق الجمال، فهو ممن يستشهد به في الجملة، والله أعلم. اه.
المثال الرابع:
راجع ترجمة: إبراهيم بن أبي الليث من القسم الأول من هذا الكتاب.

خامسًا: السارق لا يُعتد بمتابعته:
وهذا واضح ومستفيض في كلام الشيخ المعلمي، وقد سبقت نماذج من ذلك.
* * *
(3/245)

المطلب السادس
من قواعد الحكم على الحديث بالبطلان أو الوضع، وأنه لا يلزم اشتمال إسناده على كذاب
أولا: قال الشيخ المعلمي في مقدمة الفوائد المجموعة:
هذه قواعد يحسن تقديمها:
إذا قام عند الناقد من الأدلة ما غلب على ظنه معه بطلان نسبة الخبر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فقد يقول: "باطل" أو"موضوع"، وكلا اللفظين يقتضي أن الخبر مكذوب عمدا أو خطأ، إلا أن المتبادر من الثاني الكذب عمدا، غير أن هذا المتبادر لم يلتفت إليه جامعوا كتب الموضوعات، بل يوردون فيها ما يرون قيام الدليل على بطلانه، وإن كان الظاهر عدم التعمد.
قد تتوفر الأدلة على البطلان، مع أن الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يُتهم بتعمد الكذب، بل قد يكون صدوقا فاضلا، ولكن يرى الناقد أنه غلط أو أدخل عليه الحديث.
كثيرا ما يذكر ابن الجوزي الخبر، ويتكلم في راوٍ من رجال سنده، فيتعقبه بعض من بعده بأن ذاك الراوي لم يتهم بتعمد الكذب، ويعلم حال هذا التعقب من القاعدتين السابقتين.
نعم، قد يكون الدليلُ الآخر غيرَ كافٍ للحكم بالبطلان، ما لم ينضم إليه وجود راوٍ في السند معروف بتعمد الكذب، ففي هذه الحال يتجه ذاك التعقب.
(3/246)

ثانيًا: نماذج من تطبيق المعلمي لتلك القواعد:
1 - قال المعلمي في "حاشية الفوائد المجموعة" (ص 215):
ابن لهيعة لم يكن يتعمد الكذب، ولكن كان يدلس، ثم احترقت كتبه, وصار من أراد جمع أحاديث على أنها من رواية ابن لهيعة، فيقرأ عليه وقد يكون فيها ما ليس من حديثه، وما هو في الأصل من حديثه: لكن وقع فيه تغيير، فيقرأ ذلك عليه. وقد عوتب في ذلك فقال: "ما أصنع؟ يجيئونني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك فأحدثهم".
نعم، إذا كان الراوي عنه ابن المبارك أو ابن وهب وصرح مع ذلك بالسماع فهو صالح في الجملة ..
فأما ما كان من رواية غيرهما، ولم يصرح فيه بالسماع، وكان منكرًا، فلا يمتنع الحكم بوضعه. اه.
2 - وقال في "الفوائد" (ص 470):
ليث -ابن أبي سليم- كما في "التقريب": "صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك"، ومثله: "إذا جاء بالمنكر الشديد الإنكار اتجه الحكم بوضعه". اه.
3 - وفي "الفوائد" (ص 171):
حديث: لا تسبوا الديك فإنه صديقي وأنا صديقه، وعدوه عدوي، والذي بعثني بالحق: لو يعلم بنو آدم ما في صوته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب والفضة، وإنه ليطرد مدى صوته من الجن.
قال الشوكاني:
رواه ابن حبان، وهو موضوع، وفي إسناده: رشدين وعبد الله بن صالح وهما ضعيفان جدًّا.
(3/247)

وروي من حديث أنس مرفوعا بلفظ: من اتخذ ديكا أبيض في داره لم يقربه شيطان ولا السحرة.
وفي إسناده: يحيى بن عنبسة، وهو كذاب.
ورواه أبو بكر الرقي بلفظ: الديك الأبيض صديقي - إلخ.
وفي إسناده: وضاع.
ورواه العقيلي بلفظ: الديك الأبيض الأفرق حبيبي. وهو أيضا موضوع.
قال ابن حجر: لم يتبين لي الحكم بالوضع.
قلت: وقد رُوي من طرق بألفاظ مختلفة، وأكثرها لفظ: الديك الكبير الأبيض. فيكون الحديث ضعيفا لا موضوعا. اه.
فقال الشيخ المعلمي:
دافع ابن حجر عن ثلاث روايات. وحاصل دفاعه: أن المطعون فيهم من رواتها لم يبلغوا من الضعف أن يحكم على حديثهم بالوضع.
فإن كان مراده أنه لا يحكم بأنهم افتعلوا الحديث افتعالًا، فهذا قريب، ولكنه لا يمنع من الحكم على الحديث بأنه موضوع، بمعنى أن الغالب على الظن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقله، وأن من رواه من الضعفاء الذين لم يُعرفوا بتعمد الكذب، إما أن يكون أُدخل عليهم، وإما أن يكونوا غلطوا في إسناده. اه.
4 - وفي "الفوائد" ص (361):
حديث: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي.
... قال ابن حجر في القول المسدد في الذب عن مسند أحمد: قول ابن الجوزي في هذا الحديث باطل، وأنه موضوع، دعوى لم يستدل عليها إلا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين. وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم، ولا ينبغي
(3/248)

الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أنه لا يمكن بعد ذلك؛ لأن فوق كل ذي علم عليم ...
قال الشوكاني:
ما ذكره من قوله: ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع: كلام غير صحيح. فإنه إذا تعذر الجمع لا يحل لأحد أن يحكم بوضع الموضوع، بل غاية ما يلزم تقديم الراجح عليه. وذلك لا يستلزم كونه موضوعًا بلا خلاف ...
فقال الشيخ المعلمي:
بل إذا تحقق التناقض ولزم من صحة أحدهما بطلان الآخر لزم الوضع، والحكم بالوضع يكفي فيه غلبة الظن كما لا يخفى. اه.
5 - وقال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد" ص (314):
المتروك إن لم يكذب عمدًا فهو مظنة أن يقع له الكذب وهمًا، فإذا قامت الحجة على بطلان المتن، لم يمتنع الحكم بوضعه، ولاسيما مع التفرد المريب. اه.
6 - وفي "الفوائد" ص (429):
حديث: أهل مقبرة عسقلان يزفون إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها.
... روى أحمد في المسند من حديث أنس مرفوعًا: عسقلان أحد العروسين ... أورده ابن الجوزي في الموضوعات. وقال في إسناده: أبو عقال هلال بن زيد، يروي عن أنس أشياء موضوعة.
وقال ابن حجر في القول المسدد: وهذا الحديث في فضائل الأعمال والتحريض على الرباط، وما يحيله الشرع ولا العقل، فالحكم عليه بالبطلان بمجرد كونه من رواية أبي عقال لا يتجه.
وطريق الإمام أحمد معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل دون أحاديث الأحكام.
(3/249)

قال الشوكاني:
هذا كلامه، ولا يخفاك أن هذه مراوغة من الحافظ ابن حجر، وخروج من الإنصاف. فإن كون الحديث في فضائل الأعمال، وكون طريقة أحمد: معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل: لا يوجب كون الحديث صحيحًا ولا حسنًا، ولا يقدح في كلام من قال في إسناده وضاع. ولا يستلزم صدق ما كان كذبًا وصحة ما كان باطلا. فإن كان ابن حجر يسلم أن أبا عقال يروي الموضوعات، فالحق ما قاله ابن الجوزي، وإن كان ينكر ذلك، فكان الأولى به التصريح بالإنكار والقدح في دعوى ابن الجوزي ...
فقال الشيخ المعلمي:
ابن حجر لا ينكر ما قيل في أبي عقال، ولكنه يقول إن ذلك لا يستلزم أن يكون كل ما رواه موضوعًا، وإذا كان الكذوب قد يصدق، فما بالك بمن لم يصرح بأنه كان يتعمد الكذب؟ فيرى ابن حجر أن الحكم بالوضع يحتاج إلى أمر آخر ينضم إلى حال الراوي، كأن يكون مما يحيله الشرع أو العقل.
وهذا لا يكفي في رده ما ذكره الشوكاني.
وقد يقال: انضم إلى حال أبي عقال أن المتن منكر، ليس معناه من جنس المعاني التي عني النبي -صلى الله عليه وسلم- ببيانها، أضف إلى ذلك قيام التهمة هنا؛ فإن أبا عقال كان يسكن عسقلان، وكانت ثغرا عظيما، لا يبعد من المغفل أن يختلق ما يرغب الناس في الرباط فيه، أو يضعه جاهل ويدخله على مغفل، والحكم بالوضع قد يكفي فيه غلبة الظن كما لا يخفى. اه.
7 - وقال الشوكاني في آخر الكلام على الحديث السابق:
وقد روى ابن النجار، عن أنس مرفوعًا ... في فضل رباط عسقلان.
(3/250)

فقال الشيخ المعلمي:
الشطر الأول من سنده مظلم جدًّا، والثاني كالشمس، وهذا يدل على بطلانه حتما. اه.
8 - وفي "الفوائد" ص (429):
حديث: ما حسن الله خُلق رجل وخَلقه فأطعم لحمه النار.
في إسناده: عاصم بن علي، قيل: ليس بشيء، ورُدَّ بأنه أخرج له البخاري في صحيحه ووثقه الناس.
وروى من حديث أبي هريرة وأنس. وفي إسنادهما: مقال، فالحديث إذا لم يكن حسنًا فهو ضعيف، وليس بموضوع.
فقال الشيخ المعلمي بعد أن نقد أسانيده:
المدار على المعنى. اه.
9 - وفي "الفوائد" ص (304):
حديث: لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذلك القرآن كله.
رواه ابن قانع عن أنس مرفوعا. وقال أحمد: هو حديث منكر، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.
قال ابن حجر: أفرط ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في الموضوعات.
ولم يذكر مستنده إلا قول أحمد [وتضيف عبيس]، وهو لا يقتضى الوضع.
فقال الشيخ المعلمي:
لكنه انضم بلى ذلك ما تواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من إطلاق (سورة البقرة) وإنما تنطع في ذلك الحجاج بن يوسف كما في حديث رمي الجمرة في الصحيحين. اه.
(3/251)

الوجه الثاني
أنواع من الكذب تُلحق بالكذب في الحديث النبوي.
قال الشيخ المعلمي في آخر القاعدة الأولى من "التنكيل":
"فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين، ولو غير الحديث, فلا خفاء في سقوط صاحبه؛ فإن الكذب في رواية أثرٍ عن صحابي قد يترتب عليه أن يحتج بذلك الأثر مَنْ يرى قولَ الصحابي حُجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك القول ليس خرقًا للإجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويَرُدُّ به بعضُ أهل العلم حديثًا رواه ذاك الصحابي يخالفه ذلك القول، ويأتي نحو ذلك في الكذب في رواية قول عن التابعي، أو عالم ممن بعده، وأقل ما في ذلك أن يقلده العامي.
وهكذا الكذب في رواية تعديل لبعض الرواة؛ فإنه يترتب عليه قبول أخبار ذلك الرواي، وقد يكون فيها أحاديث كثيرة، فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب على كذبٍ في حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الكذب في رواية الجرح، فقد يترتب عليها إسقاط أحاديث كثيرة صحيحة، وذلك أشد من الكذب في حديث واحد.
وهكذا الإخبار عن الرجل بما يقتضي جرحه.
وهكذا الكذب في الجرح والتعديل؛ كقوله "هو ثقة" "هو ضعيف".
فالكذب في هذه الأبواب في معنى الكذب في الحديث النبوي أو قريب منه، وتترتب عليه مضار شديدة ومفاسد عظيمة، فلا يُتوهم محل للتسامح فيه، على فرض أن بعضهم تسامح في بعض ما يقع [في] حديث الناس.
(3/252)

فالأستاذ -يعني الكوثري- يرمي بعض أئمة السنة فمن دونهم من ثقات الرواة بتعمد الكذب في الرواية وفي الجرح والتعديل، كذبا يترتب عليه الضرر الشديد والفساد الكبير، ثم يزعم أنه إنما يقدح بذلك فيما لا يقبله هو منهم، فأما ما عداه فإنهم يكونون فيه مقبولين، كذا يقول، وكأنه يقول: وإذا لزم أن يسقطوا البتة فليسقطوا جميعًا ... اه.
* * *
(3/253)

الوجه الثالث
رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي (1)
قال الشيخ المعلمي في القاعدة الأولى من قسم القواعد من "التنكيل":
"تقدم في الفصل الثالث (2) قول مالك: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ عن معلن بالسفه (3)، وإن كان أروى الناس (4)، ولا تأخذ عن كذاب يكذب في حديث الناس، إذا جرب عليه ذلك، وإن كان لا يهتم أن يكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .... ".
أسنده الخطيب في "الكفاية" (5) (ص 116) إلى مالك كما تقدم، ثم قال (6) (ص 117): "باب في أن الكاذب في غير حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترد روايته".
وقد ذكرنا آنفا قول مالك بن أنس، ويجب أن يقبل حديثه إذا ثبت توبته. اه.
ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك.
وأسند (7) (ص 23، 24) إلى: الشافعي " ... ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى
__________
(1) تنظر هذه القاعدة في نوع "المتروك" من أنواع الحديث الضعيف، ولا أعلم فيمن صنف في علوم الحديث من أفرد هذا النوع بالذكر قبل الحافظ ابن حجر في "نخبة الفكر" (ص 43 - 45) -كما سيأتي-، ولذا فقد قال السيوطي في "تدريب الراوي" (1/ 240): "وهو -أي المتروك- نوع مستقل ذكره شيخ الإسلام".
(2) (1/ 18) من التنكيل.
(3) هكذا في "التنكيل"، وفي "الكفاية": "لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه".
(4) أي أكثرهم رواية.
(5) "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي (ص 189)، وتمام قول مالك: " ... ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه, ولا من شيخ له فضل وعبادة, إذا كان لا يعرف ما يحدث".
(6) (ص 190) من "الكفاية".
(7) (ص 62) من "الكفاية".
(3/254)

يجمع أمورا: منها أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه ... ". وهذه العبارة ثابتة في رسالة الشافعي (1).
وفي "لسان الميزان" (ج 1 ص 469): "قال ابن أبي حاتم (2)، عن أبيه، أن يحيى بن المغيرة سأل جريرا (ابن عبد الحميد) عن أخيه أنس، فقال: قد سمع من هشام بن عروة, ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا يكتب عنه" (3). اه.
__________
(1) "الرسالة" ص (370) بتحقيق الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر، وللكلام بقية نافعة مفيدة, آثرت أن أوردها.
قال الشافعي بعد الذي نقله المعلمي هنا: " ... عاقلا لما يحدث به, عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كا سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى، وهو غير عالم بما يحيل معناه, لم يدر -لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أدَّاه بحروفه فلم يبق وجهٌ يُخاف فيه إحالتُه الحديث، حافظا إن حدث به من حفظه, حافظا لكتابه إن حدث من كتابه, إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم، بريئا من أن يكون مدلسا: يحدث عمن لقى ما لم يسمع منه, ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ... ".
قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه (ص 379): "ومن فقه كلام الشافعي في هذا الباب، وجد أنه جمع كل القواعد الصحيحة لعلوم الحديث (المصطلح)، وأنه أول من أبان عنها إبانة واضحة، وأقوى من نصر الحديث، واحتج لوجوب العمل به, وتصدى للرد على مخالفيه، وقد صدق أهل مكة, وبروا، إذ سموه: "ناصر الحديث" -رضي الله عنه-". اه.
قلت: وفي هذا دلالة واضحة على أن قواعد هذا العلم وأصوله قد دُونت منذ عهد بعيد، فضلا عن تخمرها في أذهان المحدثين ورواة الأخبار في العصور الأولى لعلم الرواية, مع تطبيقهم العملي لها قبل تدويتها، وذلك بداية من عصر خير القرون -الصحابة -رضي الله عنه- وما بعده.
وما ذكروه عند الكلام على أول من صنف في "علم الحديث"، وإنه "الرامهرمزي"، إنما قصدوا به من أفرد التصنيف فيه مع شيء من التبويب والتفصيل والترتيب لمسائله وحدوده.
وأصول هذا العلم وقواعده يشهد لصحتها القرآن والسنة، من الجرح والتعديل، وصفات من تقبل روايته أو ترد، ولتأسيس هذا المعنى موضع آخر، والله الموفق.
(2) قاله في "الجرح والتعديل" المجلد الثاني (ص 289). وذكره الذهبي تبعا له في "ميزان الاعتدال" (1/ 277) دون ذكر هذه القصة، ثم الحافظ ابن حجر في "اللسان" (1/ 469). ولم أر ذكرا لأنس ابن عبد الحميد في مصنفات الضعفاء والمجروحين إلا فيما ذكرتهم.
(3) انظر إلى هذا الصدق والورع وعدم المحاباة, فلم يمنع جريرا أخوة أنس، أن يذكر ما فيه من الجرح، حتى =
(3/255)

وفي "النخبة وشرحها" (1): " (ثم الطعن) يكون بعشرة أشياء ... ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد على سبيل التدلي ....) (إما أن يكون بكذب الراوي) في الحديث النبوي ... متعمدا لذلك (أو تهمته بذلك) بأن لا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عُرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهو دون الأول (2) (أو فحش غلطه) أي كثرته (أو غفلته) عن الإتقان (أو فسقه) (3) .... (أو وهمه) بأن يروي على سبيل التوهم (أو مخالفته) أي للثقات (أو جهالته) .... (أو بدعته) .... (أو سوء حفظه) .... ".
__________
= يكون الناس على بينة من حديثه, ولهذا المعنى نظائر عند الرواة والمحدثين، حتى ليتكلم الرجل في أبيه, وابنه وأخيه؛ أداءً للأمانة وبراءةً للذمة, وسيأتي للمعلمي كلام في هذا مع ذكر أمثلته في رسالة "علم الرجال وأهميته".
(1) "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" (ص 43 - 45) للحافظ ابن حجر.
(2) يعني أن "المتهم بالكذب" دون "الكذب في الحديث النبوي" في موجب الضعف والطعن، فالأول وهو "المتهم" حديثه متروك، والثاني حديثه موضوع كما سيأتي.
(3) تنبيه: أطلق الحافظ في "النخبة" على الوجه الأول من وجوه الطعن: "الموضوع"، وعلى الثاني: "المتروك"، وقال في الثالث -وهو فحش الغلط-، وفي الرابع -وهو الغفلة-، وفي الخامس -وهو الفسق-: قال فيهم جميعا وصفا واحدا وهو: "المنكر" وقيده بقوله: "على رأي".
وشرح "المتروك" بما نقله عنه المعلمي هنا، لكن السيوطي رحمه الله تعالى قال في "تدريب الراوي": (1/ 240): " .... فحينئذ فالحديث الذي لا مخالفة فيه, وراويه متهم بالكذب؛ بأن لا يروى إلا من جهته, وهو مخالف للقواعد المعلومة، أو عرف به -أي الكذب- في غير الحديث النبوي، أو كثير الغلط، أو الفسق, أو الغفلة يسمى"المتروك"، وهو نوع مستقل ذكره شيخ الإسلام ... " قلت: فالملاحظ أن السيوطي قد أقحم في حد "المتروك" ما ليس منه عند الحافظ في "النخبة" كما سبق إيراده؛ فإن وجوه الطعن الثلاثة وهي (كثرة الغلط، والفسق، والغفلة) إنا أطلق عليها الحافظ: "المنكر على رأي" وهي إشارة منه إلى وجود رأي أخر أو كثر في مسميات هذه الأوجه الثلاثة -فأدخل السيوطي ذلك كله في حد "المتروك" وسياقه في "التدريب" - وإن لم يكن فيه تصريح بنقل كلام الحافظ من "النخبة"- إلا أنه يشعر بذلك، فإذا صح هذا الإشعار، ففي هذا النقل نظر.
وفي "النكت على ابن الصلاح" للحافظ (2/ 675) عند الكلام على "المنكر": قال: "وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه ما نصه": "وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية =
(3/256)

. . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، ولم تكد توافقها. فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث, غير مقبوله ولا مستعمله". قلت: -القائل ابن حجر-: فالرواة الموصوفون بهذا هم "المتروكون"، فعلى هذا: رواية "المتروك" عند مسلم تسمى "منكرة" - وهذا هو المختار والله أعلم". اه. كلام الحافظ.
قلت: الوصف ب "الترك" عند علماء الجرح والتعديل أشد من الوصف ب"النكارة" و"المتروك" يلي "الموضوع" في مراتب الجرح عندهم، فإطلاق الأخف على الأشد له وجه محتمل -وذلك عند التفرد، لكن عند اجتماعهما والمقارنة بينها يجب التفريق- هذا من غير عكس لذلك الإطلاق، وهو الذي صنعه السيوطي، حيث أطلق الأشد -وهو "المتروك" على الأخف- وهو "المنكر".
فقول الحافظ إذن: "رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة" لا إشكال فيها ... لكن يبقى النظر في وصف مسلم للراوي، والذي أطلق عليه الحافظ لفظ "الترك"، مع مقارنته باصطلاحه في "النخبة". فأقول: هذا الوصف هو "مخالفة الثقات"، وينقسم صاحبه عند الحافظ في "النخبة" إلى أحد قسمين: "الشاذ" إذا كان المخالف ثقة, و"المنكر" إذا كان المخالف ضعيفا، فإطلاق الحافظ وصف "المتروك" عليه يعد قولا ثانيا له في حد "المتروك"، يمكن أن تحمل عليه مقالة السيوطي في "التدريب" .. فيقال: "مخالفة الثقة" إنما هي أثر ونتيجة لعدة أوجه من الطعن في الراوي، تخل بضبطه؛ كفحش الغلط, وفرط الغفلة، وكثرة النسيان. فإطلاق السيوطي على من كان هذا حاله -بالإضافة إلى "الفسق"- لفظ "الترك"، يعتبر جمعا بين قولي الحافظ في "النخبة" وفي "النكت"، سواء قصد السيوطي ذلك أم كان وهما في النقل عن "النخبة" كما قدمنا.
هذا، وقد نقل عن شعبة بن الحجاج في حد "المتروك" ما يوافقه كلام السيوطي، ففي "شرح الألفية" للسخاوي: (ص 160، 161): "قال ابن مهدي: سئل شعبة: من الذي يترك حديثه. قال: من يتهم بالكذب، ومن يكثر الغلط, ومن يخطىء في حديث يجمع عليه فلا يتهم نفسه ويقيم على غلطه، ورجل روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون".
وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/ 230): " ... وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث".
وكذا قال الخليلي في "الإرشاد" (1/ 176): "والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة "فمتروك"، وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به". اه.
لكن قول الخليلي: "ما ليس له إلا إسناد واحد" يشير إلى التفرد مع عدم المخالفة، وكذا بدا لي أن قول السيوطي السالف الذكر "فالحديث الذي لا مخالفة فيه ... " يرجح أنه لم يقصد نقل كلام الحافظ في "النكت" بل هو وهم في نقل كلام "النخبة" أو يكون إنشاء من عنده. والله تعالى أعلم بالصواب. =
(3/257)

هذه النقول تعطي أن الكذب في الكلام ترد به الرواية مطلقا، وذلك يشمل الكذبة الواحدة التي لا يترتب عليها ضرر ولا مفسدة.
وقد ساق صاحب (الزواجر) الأحاديث في التشديد في الكذب، ثم قال (ج 2 ص 169): "هذا هو ما صرحوا به، قيل: لكنه مع الضرر ليس كبيرة مطلقا، بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء، وقد لا يكون - انتهى".
وفيه نظر -بل الذي يتجه أنه حيث اشتد ضرره بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة، بل صرح الروياني (1) في "البحر" بأنه كبيرة وإن لم يضر، فقال: "من كذب قصدا
__________
= فوائد تتعلق بالترك:
1 - قال العراقي في "شرح ألفيته" (2/ 11): "فلان فيه نظر، وفلان سكتوا عنه"، هاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه.
2 - ذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا، ومرة هكذا، ولا يثبت على رواية واحدة، تركه.
نقله عنه الترمذي في "العلل الصغير" من آخر كتابه "الجامع" (4/ 390 - بشرح التحفة).
وقال الترمذي أيضا في نفس الموضع: " ... وإن كان يحيى ترك الرواية عن هؤلاء -يعني: شريك، وأبا بكر بن عياش، والربيع بن صبيح، والمبارك بن فضالة- فلم يترك الرواية عنهم لأنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم".
فلا يغتر بقولهم: "تركه يحيى القطان" ويظن أن هذا الراوي متهم بالكذب.
(1) هو الإمام أبو المحاسن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن إسماعيل الروياني الشافعي، توفي سنة اثنتين وخمسمائة, له كتاب "بحر المذهب في الفروع"، وهو الذي عناه المعلمي هنا، وهو غير الحافظ الروياني صاحب "المسند".
قال السمعاني في "الأنساب" (6/ 198) عن صاحب "البحر":
"كان من رءوس الأئمة والأفاضل لسانا وبيانا، له الجاه العريض والقبول التام في تلك الديار، وحميد المساعي والآثار، والتصلب في المذهب، والصيت المشهور في البلاد، والإفضال على المنتابين والقاصدين إليه".
وقال تاج الدين السبكي عن كتابه "البحر" في "طبقات الشافعية الكبرى" (7/ 195): "ومن تصانيفه "البحر" وهو وإن كان من أوسع كتب المذهب, إلا أنه عبارة عن "حاوي" الماوردي، مع =
(3/258)

رُدَّتْ شهادتُه، وإن لم يضر بغيره؛ لأن الكذب حرام بكل حال، وروى فيه حديثا، وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها يوافقه، وكأن وجه عُدولهم عن ذلك ابتلاء أكثر الناس به، فكان كالغيبة، على ما مر فيه عند جماعة".
أقول: لا يلزم من التسامح في الشاهد أن يتسامح في الراوي لوجوه:
الأول: أن الرواية أقرب إلى حديث الناس من الشهادة، فإن الشهادة تترتب على خصومة، ويحتاج الشاهد إلى حضور مجلس الحكم، ويأتي باللفظ الخاص الذي لا يحتاج إليه في حديث الناس، ويتعرض للجرح فورا.
فمن جربت عليه كذبة في حديث الناس لا يترتب عليها ضرر، فخوف أن يجره تساهله في ذلك إلى التساهل في الرواية أشد من خوف أن يجره إلى شهادة الزور.
الثاني: أن عماد الرواية الصدق، ومعقول أن يشدد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدد في الشهادة، وقد خفف الرواية في غير ذلك ما لم يخفف في الشهادة؛ تقوم الحجة بخبر الثقة ولو واحدا، أو عبدا، أو امرأة، أو جالب منفعة إلى نفسه، أو أصله، أو فرعه، أو ضرر على عدوه -كما يأتي- بخلاف الشهادة، فلا يليق بعد ذلك أن يخفف في الرواية فيما يمس عمادها.
الثالث: أن الضرر الذي يترتب على الكذب في الرواية أشد جدا من الضرر الذي يترتب على شهادة الزور، فينبغي أن يكون الاحتياط للرواية آكد.
__________
= فروع تلقاها الروياني عن أبيه وجده, ومسائل أخر، فهو أكثر من "الحاوي" فروعا، وإن كان "الحاوي" أحسن ترتيبا وأوضح تهذيبا". اه.
وقال السبكي نقلا عن "البحر" (7/ 198): "وجزم -أي الروياني- بأن الكذب عن قصد يرد الشهادة، قال: لأنه حرام بكل حال قال: قال القفال: إلا أن يكون على عادة الكتاب والشعراء في المبالغة". اه.
والروياني بضم الراء، وسكون الواو، كما في الأنساب.
(3/259)

وقد أجاز الحنفية قبول شهادة الفاسق دون روايته, والتخفيف في الرواية بما تقدم من قيام الحجة بخبر الرجل الواحد وغير ذلك لا ينافي كونها أولى بالاحتياط؛ لأن لذلك التخفيف حِكما أخرى، بل ذلك يقتضي أن لا يخفف فيها فيما عدا ذلك فتزداد تخفيفا على تخفيف.
الرابع: أن الرواية يختص لها قوم محصورون، ينشأون على العلم والدين والتحرز عن الكذب، والشهادة يحتاج فيها إلى جميع الناس؛ لأن المعاملات والحوادث التي يحتاج إلى الشهادة عليها تتفق لكل أحد، ولا يحضرها غالبا إلا أوساط الناس وعامتهم.
والذين ينشأون على التساهل، فمعقول أنه لو رُدَّتْ شهادةُ كل من جُربت عليه كذبة، لضاعت حقوق كثيرة جدا، ولا كذلك الرواية.
نعم، الفلتة والهفوة التي لا ضرر فيها ويعقبها الندم، وما يقع من الإنسان في أوائل عمره, ثم يقلع عنه, ويتوب منه, وما يدفع به ضرر شديد، ولا ضرر فيه, وصاحبه مع ذلك مستوحش منه ربما يغتفر (1) والله أعلم.
* * *
__________
(1) من الفروق بين الكاذب في الحديث النبوي، والكاذب في حديث الناس، أن الأول لو ثبت عنه ولو مرة واحدة لا يقبل حديثه أبدا ولو تاب، بخلاف شاهد الزور إذا تاب وأما الثاني فيقبل حديثه إذا صحت توبته, وقد سبق قول الخطيب البغدادي في "الكفاية" ص (190): " ... ويجب أن يقبل حديثه إذا ثبت توبته".
وقال في "النخبة النبهانية بشرح المنظومة البيقونية" ص (37) عن الحديث "المتروك": "وهو أخف من "الموضوع"، وهذا الرجل إذا تاب وصحت توبته, وظهرت أمارات الصدق فيه جاز سماع الحديث منه، والذي يقع منه أحيانا نادرا في كلامه غير الحديث النبوي، فذلك غير مؤثر في تسمية حديثه ب "الموضوع" أو "المتروك".
(3/260)

الوجه الرابع
التهمة بالكذب
قال الشيخ المعلمي في القاعدة الثانية من "التنكيل":
"تقدم أن أشدَّ موجباتِ ردِّ الراوي كذبُه في الحديث النبوي، ثم تهمتُه بذلك، وفي درجتها كذبُه في غير الحديث النبوي، فإذا كان في الرواية والجرح والتعديل بحيث يترتب عليه من الفساد نحو ما يترتب على الكذب في الحديث النبوي، فهو في الدرجة الأولى، فالتهمة به في الدرجة الثانية أو الثالثة.
وقد ذكر علماء الحديث بعد درجة الكذب في الحديث النبوي ودرجة التهمة به درجتين، بل درجات، ونصوا على أن من كان من أهل درجة من الأربع الأولى فهو ساقط البتة في جميع رواياته، سواء منها ما طُعن فيه بسببه وغيره.
... وينبغي أن يعلم أن التهمة تقال على وجهين:
الأول: قول المحدثين (فلان متهم بالكذب).
وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد إليه أن الخبر لا أصل له، وأن الحمل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي: أتعمد الكذب أم غلط؟ فإذا تدبر وأنعم النظر، فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنه إلى أحدهما، إلا أنه لا يبلغ أن يجزم به.
فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: (متهم بالكذب) أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى.
ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحد من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يَتهم بعض المتقدمن رجلًا في حديثٍ يزعم أنه تفرد بمع فيجد له
(3/261)

بعض أهل العصر متابعات صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح، فأما من وثقه إمام من المتقدمين أو أكثر ولم يتهمه أحد من الأئمة فيحاول بعض أهل العصر أن يكذبه أو يتهمه فهذا مردود؛ لأنه إن تهيأ له إثباتُ بطلان الخبر عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه فلا يتهيأ له الجزم بأنه تفرد جمع ولا أن شيخه لم يروه قط، ولا النظر الفني الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به.
بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذبه المتقدمون، لكن مع الاستناد إلى كلامهم، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت، وترجمة محمد بن سعيد البورقي.
وإن كان الأستاذ -يعني الكوثري- يخالف في ذلك؛ فيصدق من كذبه الأئمة وكذبُه واضحٌ، كما يكذب أو يتهم من صدقوه وصدقُه ظاهرٌ، شأن المحامين في المحاكم؛ معيار الحق عند أحدهم مصلحة موكله!
... الوجه الثاني: مقتضى اللغة، والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم، وهو كما في (القاموس): (من خطرات القلب أو مرجوح طرفي المتردد فيه).
والتهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحب أن يعتقد السامع ثبوته؛ وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه وعلى من بينه وبينه نفرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يحمد عليه، وإخباره عمن هو نافر عنه بما يذم عليه.
وقِسْ على هذا كُلَّ ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب، وتلك الدواعي تخفى وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض، وتعارضها الموانع من الكذب، وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس، فلذاك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإسلام والعدالة والصدق، فمن ثبتت عدالته وعُرف بتحري الصدق من المسلمين، فهو على العدالة والصدق في أخباره، لا يقدح في إخباره أن يقوم بعض تلك الدواعي، ولا أن يتهمه
(3/262)

من لا يعرف عدالته، أو لا يعرف أثر العدالة على النفس أو من له هوى مخالف لذلك الخبر، فهو يتمنى أن لا يصح، كما قال المتنبي:
شقّ الجزيرة حتى جاءني نبأ ... فزعت منه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع إلى صدقه أملًا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
وكأنه أخذه من قول الأول:
إني أتتني لسان ما أسر بها ... من علو لا عجب فيها ولا سخر
جاءت مرجة قد كنت أحذرها ... لو كان ينفعني الإشفاق والحذر
تأتي على الناس لا تلوي على ... حتى أتتنا وكانت دوننا مضر
إذا يعادُله ذكر أكذبه ... حتى أتتني بها الأنباء والخبر
وجماعة من الصحابة روى كل منهم فضيلةً لنفسه, يرون أن على الناس قبول ذلك منهم، فتلقت الأمة ذلك بالقبول، وكان من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج، ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذم الخوارج، فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول.
وكثيرًا ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إخبار الرجل منهم بثناء غيره عليه، فيتلقى أهل العلم ذلك بالقبول، وقبلوا من الثقة دعواه ما يُمكن من صحبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لأصحابه أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك مما فيه فضيلة للمدعي وشرف له وداع للناس إلى الإقبال عليه وتبجيله والحاجة إليه.
ولم يكن أهل العلم إذا أرادوا الاستيثاق من حال الرواي يسألون إلا عما يمسّ دينه وعدالته.
(3/263)

ونص أهل العلم على أن الرواية في ذلك مخالفة للشهادة، وفي (التحرير) لابن الهمام الحنفي مع (شرحه) لابن أمير حاج (ج 3 ص 245): (وأما الحرية والبصر وعدم الحد في قذف) وعدم (الولاد و) عدم (العداوة) الدنيوية (فتختص بالشهادة) أي تُشترط فيها، لا في الرواية).
فأما الشهادة فإن الشرع شرط لها أمورًا أخرى مع الإسلام والعدالة كما أشار إليه ابن الهمام، وشرط في إثبات الزنا أربعة ذكور، وفي غيره من الحدود ونحوها ذكرين، وفي الأموال ونحوها رجلا وامرأتين إلى غير ذلك.
فأما الشهادة للنفس فمتفق على أنها لا تُقبل، وأما الشهادة للأصل وللفرع وللزوج وعلى العدو ففيها خلاف، وفي بعض كتب الفقه أن الرد في ذلك لأجل التهمة، وظاهر هذا أن التهمة هي العلة، فيبني عليها قياس غير المنصوص عليه، وهذا غير مستقيم؛ إذ ليس كل شاهدٍ لنفسه حقيقا بأن يُتهم؛ ألا ترى أن كبار الصحابة وخيار التابعين لو شهد أحدهم لنفسه لم نتهمه، ولا سيما إذا كان غنيًا والمشهود به يسيرًا كخمسة دراهم، والمشهود عليه معروفًا بجحد الحقوق.
أقول هذا لزيادة الإيضاح، وإلا فالواقع أننا لا نتهمهم مطلقًا، حتى لو شهد أحدهم لنفسه على آخر منهم وأنكر ذاك لم نتهم واحدًا منهما، بل نعتقد أن أحدهما نسي أو غلط، وليس ذلك خاصًا بهم، بل كل من ثبتت عدالتُه لا يتهمه عارفوه الذين يعدلونه ولا الواثقون بتعديل المعدلِّين، فإن اتهمه غيرهم كان معنى ذلك أنه غير واثق بتعديل المعدلِّين، ومتى ثبت التعديل الشرعي لم يُلتفت إلى من لا يثق به.
ولو كان لك أن تعدل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زورًا بخمسة دراهم مثلًا، لكان لك أن تعدل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زورًا، وهذا باطل قطعًا؛ فإن تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك
(3/264)

له بالعدالة، والعدالة (ملكة تمنع صاحبها من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة ...) فكيف يسوغ لك أن تشهد بهذه الملكة لمن تتهمه بما ذُكر؟
ولو كان كل عدل حقيقًا بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذُكر لما كان في الناس عدل، وفي أصحابنا من لا نتهمه في شهادته ولو حصل له بسببها مائة درهم أو أكثر؛ كأن يدعي صاحبنا على فاجر بمائة درهم فيجحده, ثم تتفق للفاجر خصومة أخرى فيجيء إلى صاحبنا فيقول له: أنت تعرف هذه القضية، فاحضر فاشهد بما تعلم، فيقول صاحبنا: نعم أنا أعرفها ولكنك ظلمتني مائة درهم فأدِّها إليَّ إن أردتَّ أن أشهد، فيدفع له مائة درهم، فيذهب فيشهد، فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته.
وفي أصحابنا من لو ائتمن على مئات الدراهم، ثم بعد مدة ادعى ما يحتمل من تلفها أو أنه ردها على صاحبها الذي قد مات لما اتهمناه، نعم قد يتهمه من لا يعرفه كمعرفتنا، أو من لا يعرف قدر تأثير الموانع عن الخيانة في نفس من قامت به, فالفاسق المتهتك لا يعرف قدر العدالة، فتراه يتهم العدول، ولا يكاد يعرف عدالتهم ولو كانوا جيرانه.
فإن قيل: يكفي في التعليل أن ذلك مظنة التهمة، ولا يضر تخلفها في بعض الأفراد، كما قالوا في قصر الصلاة في السفر أنه لأجل المشقة وإن تخلفت المشقة في بعض المسافرين كالمَلِك المترفه.
قلت: العلة في قصر الصلاة هي السفر بشرطه, لا المشقة, فكذلك تكون العلة في رد الشهادة للنفس هي أنها شهادة للنفس أو دعوى، كما يومىء إليه حديث: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعي ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم ... " (1)
__________
(1) أخرجه البخاري (4187) ومسلم (3228) واللفظ له من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(3/265)

فعلى هذا لا يتأتى القياس؛ ألا ترى أن في أعمال العمال المقيمين ما مشقته أشد من مشقة السفر العادي، ذلك كالعمل في المناجم ونحوها، ومع ذلك ليس لهم أن يقصروا الصلاة. فإن قيل: الشهادة للأصل والفرع مظنة للتهمة كما أن الشهادةَ للنفس مظنة لها، قلت: فالعمل في المناجم مظنة للمشقة، بل المشقة فيه أشق وأغلب، والتهمة في الشهادة للأصل أو الفرع أضعف وأقل من التهمة في الشهادة للنفس، وقد يكون الرجل منفردًا عن أصله أو فرعه وبينهما عدواة.
والشافعي ممن يقول برد الشهادة للأصل والفرع، ولم يعرج على التهمة، ولكنه لما علم أن جماعة ممن قبله ذهبوا بلى الرد، ولم يعلم لهم مخالفًا هاب أن يقول ما لا يعلم له فيه سلفًا، فحاول الاستدلال بما حاصله أن الفرع من الأصل فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه، ثم قال كما في (الأم) (ج 7 ص 42): (وهذا مما لا أعرف فيه خلافًا) كأنه ذكر هذا تقوية لذاك الاستدلال واعتذارًا عما فيه من الضعف، ولما علم بعض حذاق أصحابه كالمزني وأبي ثور أن هناك خلافًا ذهبوا إلى القبول.
وليس المقصود هنا إبطال القول برد الشهادة للأصل والفرع والزوج، وإنما المقصود أن الاستدلال عليه بقياس مبني على أن التهمة علة غير مستقيم.
فأما الشهادة على العدو فالقائلون أنها لا تُقبل يخصون ذلك بالعداوة الدنيوية التي تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه, فأما العداوة الدينية والدنيوية التي لم تبلغ ذاك فلا تمنع من القبول عندهم.
والمنقول عن أبي حنيفة كما في كتب أصحابه أن العداوة لا تقتضي رد الشهادة إلا أن تبلغ أن تسقط بها العدالة.
أقول: وإذا بلغت ذلك لم تُقبل شهادة صاحبها حتى لعدوه على صديقه، ويقوي هذا القول أن القائلين بعدم القبول يشرطون أن تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه،
(3/266)

وهذا يتمنى أن يفرح لذبح أطفاله ظلمًا والزنا ببناته وارتداد زوجاته ونحو ذلك، وقِسْ على ذلك الحزن لفرحه، وهذا مسقط للعدالة حتمًا.
فإن قيل: قد يفرح بذلك من جهة أنه يحزن عدوه، ومع ذلك يحزن من جهة مخالفته للدين، قلت: إن لم يغلب حزنُه فرحَه فليس بعدل، وإن غلب فكيف يظن به أن يوقع نفسه في شهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر وفيها أعظم الضرر على نفسه في دينه, ولا يأمن من أن يلحقه لأجلها ضرر شديد في دنياه، كل ذلك ليضر المشهود عليه في دنياه ضررًا قد يكون يسيرًا كعشرة دراهم.
وهَبْهُ صحَّ الردُّ بالعدواة مع بقاء العدالة، فالقائلون بذلك يشرطون أن تكون عداوة دنيوية تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهذا لا يتأتى للأستاذ -يعني الكوثري- إثباته في أحدٍ ممن يتهمهم؛ لأنه إن ثبت انحرافهم عن أبي حنيفة وأصحابه وثبت أن ذلك الانحراف عداوة فهو عداوة دينية، وهَبْ أنه ثبت في بعضهم أنها عداوة دنيوية, فلا يأتي للأستاذ إثبات بلوغها ذاك الحد، أي أن يحزن لفرحه ويفرح لحزف وهَبْهُ بلغ فقد تقدم أن الرواية لا ترد بالعدواة.
هذا على فرض مجامعة ذلك للعدالة، وإلا فالرد لعدم العدالة.
وأما ما ذكره الشافعي في أصحاب العصبية، فالشافعي إنما عني العصبية لأجل النسب، كما هو صريح في كلامه, وذلك أمر دنيوي، وكلامه ظاهر في أنها بشرطها تسقط العدالة، ولا ريب أنه إذا بلغت العصبية أو العداوة إسقاط العدالة لم تُقبل لصاحبها شهادة ولا رواية البتة، سواء أكانت دنيوية أم مذهبية أم دينية؛ كمن يُسرف في الحنق على الكفار، فيتعدى على أهل الذمة والأمان بالنهب والقتل ونحو ذلك، بل قد يكفر.
(3/267)

فقد اتضح بما تقدم الجواب عن بعض ما يمكن التشبث به في رد رواية العدل، وبقي حكايةٌ عن شريك ربما يؤخذ منها أنه قد يقبل شهادة بعض العدول في القليل ولا يقبلها في الكثير، وفرع للشافعي قد يتوهم فيه نحو ذلك، وما يقوله أصحاب الحديث في رواية المبتدع، وما قاله بعضهم في جرح المحدث لمن هو ساخط عليه.
فأما الحكاية عن شريك فمنقطعة, ولو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئن إليه نفسه، فإن القاضي قد لا يكون خبيرًا بعدالة الشاهدين وضبطهما وتيقظهما، وإنما عدَّلهما غيره، فإذا كان المال كثيرًا جدًّا بقي في نفسه ريبة، وقد بيَّن أهل العلم أن مثل هذا إنما يقتضي التروي والتثبت، فإذا تروى وبقيت الحال كما كانت، وجب عليه أن يقضي بتلك الشهادة ويعرض عما في نفسه.
وأما الفرع المذكور عن الشافعي فليس من ذاك القبيل، وإنما هو من باب الاحتياط للتعديل، ومع ذلك فقد ردَّه إمام الحرمين، وقال: إن أكثر الأئمة على خلافه.
وأما رواية المبتدع، وجرح المحدث لمن هو ساخط عليه، فأُفرد كلا منهما بقاعدة. اه.
* * *
(3/268)

الوجه الخامس
خوارم المروءة
قال العلامة المعلمي في "الاستبصار" (ص 36 - 38):
"اشتهر بين أهل العلم أن مما يخرم العدالة تعاطي ما ينافي المروءة، وقيَّده جماعة بأن يكثر ذلك من الرجل حتى يصير إخلاله بما تقتضيه المروءة غالبًا عليه.
قال الشافعي: تعالى: "ليس من الناس أحد نعلمه -إلا أن يكون قليلًا- يمحص الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحص المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما شيئا من الطاعة والمروءة، فإذا كان الغالب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قُبلت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة رُدَّت شهادته" "مختصر المزني بهامش الأم" (5/ 256).
أقول: ذكروا أن المدار على العُرْف، وأنه يختلف باختلاف حال الرجل وزمانه ومكانه، فقد يُعَدُّ الفعل خرمًا للمروءة إذا وقع من رجل من أهل العلم، لا إذا كان من فاجر -مثلًا- وقد يُعَدُّ ذلك الفعل من مثل ذلك الرجل خَرْمًا للمروءة في الحجاز -مثلًا- لا في الهند، وقد يُعَدُّ خرمًا للمروءة إذا كان في الصيف لا إذا كان في الشتاء، أو يُعَدُّ خرمًا في عصر ثم يأتي عصر آخر لا يُعَدُّ فيها خرمًا.
ثم أقول: لا يخلو ذلك الفعل الذي يَعُدُّهُ أهل العُرْف خرمًا للمروءة عن واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون -مع صرف النظر عن عُرْف الناس- مطلوبًا فعله شرعا وجوبًا أو استحبابًا.
(3/269)

الثاني: أن يكون مطلوبًا تركه بأن يكون حرامًا أو مكروهًا أو خلاف الأولى.
الثالث: أن يكون مباحًا.
فأما الأول: فلا وجه للالتفات إلى العُرف فيه؛ لأنه عرف مصادم للشرع، بل إذا ترك ذلك الفعلَ رجلٌ حفظًا لمروءته في زعمه كان أحق بالذم ممن يفعله لمجرد هواه وشهوته.
وأما الثاني: فالُعْرف فيه مُعاضد للشرع، فالاعتداد به في الجملة متجه؛ إذ يقال في فاعله: إنه لم يستح من الله عز وجل ولا من الناس، وضعف الحياء من الله عز وجل ومن الناس أبلغ في الذم من ضعف الحياء من الله عز وجل فقط، وتقدم حديث: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين".
وأما الثالث: فقد يقال: يلتحق بالثاني؛ إذ ليس في فعل ذلك الفعل مصلحة شرعية، وفيه مفسدة شرعية، وهي تعريض النفس لاحتقار الناس وذمهم.
هذا وقد يقال: إذا ثبت صلاح الرجل في دينه بأن كان مجتنبًا الكبائر والصغائر غالبًا فقد ثبتت عدالته، ولا يلتفت إلى خوارم المروءة؛ لأن الظاهر في مثل هذا أنه لا يتصور فيه أن يكون إخلاله بالمروءة غالبًا عليه، وعلى فرض إمكان ذلك فقد تبين من قوّة إيمانه وتقواه وخوفه من الله عز وجل ما لا يحتاج معه إلى معاضدة خوفه من الناس، بل يظهر في هذا أن عدم مبالاته بالناس إنما هو من كمال إيمانه وتقواه.
وأما من كثر منه ارتكاب الصغائر ومع ذلك كثر منه مخالفة المروءة, ولم يبلغ أن يقال معاصيه أغلب من طاعاته، فهذا محل نظر، وفَصْل ذلك إلى المُعَدِّل: فإن كان يجد نفسه غير مطمئنة إلى صدقه فليس ممن يُرْضى، وقد قال الله عز وجل {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}. اه.
* * *
(3/270)

الوجه السادس
البدعة
• قال العلامة المعلمي في كتاب "الاستبصار" (ص 40):
"البدعة التي جرت عادتهم بالبحث عن صاحبها عند الكلام في العدالة هي البدعة في الاعتقاديات وما بني عليها أو أُلْحِق بها.
وأهل العلم مختلفون في هذا الضرب من البدعة أن يكون جرحًا في عدالة صاحبه.
والذي يظهر لي أنه ينبغي أولًا النظر في أدلة تلك المقالة (1)، ثم في أحوال الرجل وأحوال عصره وعلاقته بها، فإن غلب على الظن بعد الإبلاغ في التثبت والتحري أنه لا يخلو إظهاره تلك المقالة عن غرض دنيوي: من عصبيته (2)، أو طمع في شهرة، أو حب دنيا، أو نحو ذلك، فحقه أن يُطرح، وكذلك إن احتمل ذلك احتمالًا قويًّا بحيث لا يغلب على ظن العارف به تبرئته مما ذكر.
وإن ظهر إنما أدَّاه إليها اجتهاده, وابتغاؤه الحق، وأنه حريص على إصابة الحق في اتباع الكتاب والسنة، فلا ينبغي أن يُجرح بمقالته، بل إن ثبتت عدالته فيما سوى ذلك، وضبطه, وتحريه, نظر في درجته من العلم والدين والصلاح، والتحري والتثبت، فإن كان عالي الدرجة في ذلك احتج به مطلقًا، وإلا فقد قُبل منه (3) ما لا يوافق مقالته، ويتوقف عما يوافقها لموضع التهمة، وليس هذا بشيء؛ لأنه إن كان حقيقًا
__________
(1) يعني مقالة صاحب البدعة.
(2) كذا، ولعل الصواب: "من عصبية".
(3) يعني قَبل منه قومٌ ذلك، ويأتي نقض المعلمي له.
(3/271)

بأن يتهم في شيء من روايته مما ينافي العدالة فلم تثبت عدالته، وقد شرحت هذا في "التنكيل"". اه.

• وقال في "عمارة القبور" ص (211 - 214):
قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة: ابن المديني:
"ثم ما كل من فيه بدعة، أو له هفوة، أو ذنوب، يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ".
وفي "إرشاد الفحول" للشوكاني (ص 49).
قال ابن القشيري: والذي صح عن الشافعي، أنه قال: في الناس من يمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية، وفي المسلمين من يمحض المعصية، ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى رد الكل، ولا إلى قبول الكل؛ فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة، قُبلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة، رددتُها".
وفيه من جملة كلام عن الرازي:
"والضابط فيه أن كل ما لا يؤمن من جراءته على الكذب، ترد الرواية وما لا، فلا".
وفيه قال الجويني: "الثقة: هي المُعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر، قبل".
قال المعلمي:
وهذا هو المعقول، وعليه عمل الأئمة الفحول؛ فإن الحكمة في اشتراط العدالة في الراوي هي كونها مانعة له عن الكذب، فيقوى الظن بصدقه، فإذا جرت منه هفوة لا تخدش قوة الظن بصدقه، لم تخدش قبول روايته.
(3/272)

ومن هنا رجح الأئمة رواية الخوارج على رواية الشيعة؛ لأن الخوارج يعتقدون أن مطلق الكذب كفر، فضلًا عن الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما الشيعة فيتدينون بالكذب، (التقية) حتى جوزوها من النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل على الله عز وجل؛ لتأويلهم الآيات الواردة في مدح بعض الصحابة على خلاف ظاهرها، قائلين: إنما جعل الله -تعالى- ظاهرها الثناء استداراجًا لأولئك القوم؛ ليقوموا بنصر الدين، ويكفوا ضررهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته. اه.

• وقال المعلمي في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل":
1 - لا شُبهة أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الإسلام لم تقبل روايته؛ لأن من شرط قبول الرواية: الإسلام.
2 - وأنه إن ظهر عناده أو إسرافه في اتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق ونحو ذلك مما هو أَدَلُّ على وَهَنِ التدين من كثير من الكبائر كشرب الخمر وأخذ الربا فليس بعدْلٍ، فلا تقبل روايته؛ لأن من شرط قبول الرواية: العدالة.
3 - وأنه إن استحل الكذب، فإما أن يكفر بذلك، وإما أن يفسق، فإن عذرناه (1) فمن شرط قبول الرواية: الصدق، فلا تقبل روايته.
4 - وأن من تردد أهل العلم فيه، فلم يتجه لهم أن يكفروه أو يفسقوه, ولا أن يعدلوه, فلا تقبل روايته؛ لأنه لم تثبت عدالته.
ويبقى النظر فيما عدا هؤلاء.
والمشهور الذي نقل ابن حبان والحاكم إجماع أئمة السنّة عليه أن المبتدع الداعية لا تقبل روايته، وأما غير الداعية فكالسني.
واختلف المتأخرون في تَعْليل رَدّ الداعية.
__________
(1) يعني فلم يكفر ولم يفسق.
(3/273)

والتحقيق إن شاء الله تعالى أن ما اتفق أئمة السنة على أنها بدعة فالداعية إليها الذي حقه أن يُسَمَّى داعية لا يكون إلا من الأنواع الأولى: إن لم يتجه تكفيره اتجه تفسيقه، فإن لم يتجه تفسيقه فعلى الأقلّ لا تثبت عدالته. وإلى هذا أشار مسلم في مقدمة "صحيحه" إذ قال:
"اعلم وفقك الله أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} وقال جل ثناؤه: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} فدل ما ذكرنا أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما؛ إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم". اه.
قال المعلمي:
فالمبتدع الذي يتضح عناده: إما كافر وإما فاسق، والذي لم يتضح عناده ولكنه حقيق بأن يتهم بذلك وهو في معنى الفاسق. لأنه مع سوء حاله لا تثبت عدالته، والداعية الذي الكلام فيه واحدٌ من هذين ولَابُدَّ ... (1).
__________
(1) أشار المعلمي هنا إلى ما يتعلق ب "هوى النفس" وأن ما من إنسان إلا وله أهواء فيما ينافي العدالة، وإنما المحذور اتباع الهوى. راجع نص كلامه في الفصل الأول من فصول العدالة من هذا الكتاب.
(3/274)

وأهل البدع كما سماهم السلف "أصحاب الأهواء" واتِّبَاعُهم لأهوائهم في الجملة ظَاهِرٌ، وإنّما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومن ثبت تعمده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يؤمن كذبه، وفي "الكفاية" للخطيب (ص 123) عن علي بن حرب الموصلي: "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي" يريد والله أعلم أنهم مظنة ذلك فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته.
هذا وإذا كانت حججُ السنة بَيِّنَةً، فالمخالف لها لا يكون إِلَّا معاندًا أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق.
واتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يعذر صاحبه، فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر فعلى الأقل لا يمكنهم تعديل الرجل، وهذه حال الداعية الذي الكلام فيه، فإنه لولا أنه معاند ومنقاد لهواه انقيادًا فاحشًا، مُعْرِضٌ عن حجج الحق إعراضًا شديدًا لكان أقل أحواله أن يحمله النظر في الحق على الارتياب في بدعته فيخاف -إن كان متدينًا- أن يكون على ضلالة ويرجو أنه إن كان على ضلالة فعسى الله تبارك وتعالى أن يعذره، فإذا التفت إلى أهل السنة علم أنهم إن لم يكونوا أولى بالحق منه، فالأمر الذي لا ريب فيه أنهم أولى بالعذر منه وأحق إن كانوا على خطأ أن لا يضرهم ذلك؛ لأنهم إنما يتبعون الكتاب والسُّنَّة ويحرصون على اتباع سبيل المؤمنين ولزوم صراط المنعَم عليهم: النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وخيار السلف، فيقول في نفسه: هَبْ أنهم على باطل فلم يأتهم البلاء من اتباع الهوى وتتبع السبل الخارجة.
ولا ريب أن من كانت هذه حاله فإنه لا يُكَفِّرُ أهل السنة ولا يضللهم، ولا يحرص على إدخالهم في رأيه، بل يشغله الخوف على نفسه فلا يكون داعية.
فأما غير الداعية فقد مَرَّ نقل الإجماع على أنه كالسُّنِّي، إذا ثبتت عدالته قبلت روايته، وثبت عن مالك ما يوافق ذلك، وقيل عن مالك إنه لا يُروى عنه أيضًا، والعمل على الأول.
(3/275)

وذهب بعضهم إلى أنه لا يروى عنه إِلَّا عند الحاجة، وهذا أمر مصلحي لا ينافي قيام الحجة بروايته بعد ثبوت عدالته.
وحكى بعضهم أنه إذا روى ما فيه تقوية لبدعته لم يؤخذ عنه، ولا ريب أن ذلك المروي إذا حكم أهل العلم ببطلانه فلا حاجة إلى روايته إِلَّا لبيان حاله، ثم إن اقتضى جرح صاحبه بأن ترجح أنه تعمد الكذب أو أنه متهم بالكذب عند أئمة الحديث سقط صاحبه البتّة فلا يؤخذ عنه ذاك ولا غيره، وإن ترجح أنه إنما أخطأ فلا وجه لمؤاخذته بالخطأ، وإن ترجح صحة ذلك المروي فلا وجه لعدم أخذه.
نعم قد تدعو المصلحة إلى عدم روايته حيث يُخشى أن يغتر بعض السامعين بظاهره فيقع في البدعة، قرأت في جزء قديم من "ثقات" العجلي ما لفظه: "موسى الجهني قال: جاءني عمرو بن قيس الملائي وسفيان الثّوري فقال (1): لا تحدث بهذا الحديث بالكوفة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" كان في الكوفة جماعة يغلون بالتشيع ويدعون إلى الغلو، فكره عمرو بن قيس وسفيان أن يسمعوا (2) هذا الحديث فيحملوه على ما يوافق غلوهم فيشتد شرهم.
وقد يمنعُ العالمُ طلبةَ الحديث عن أخذ مثل هذا الحديث لِعلمه أنهم إذا أخذوه ربما رووه حيث لا ينبغي أن يروى، لكن هذا لا يختص بالمبتدع، وموسى الجهني ثقة فاضل لم ينسب إلى بدعة.
هذا وَأَوَّلُ مَنْ نُسِبَ إليه هذا القولُ (3): إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - وكان هو نفسه مبتدعًا منحرفًا عن أمير المؤمنين علي، متشددًا في الطعن علي المتشيعين كما
__________
(1) كذا في "التنكيل" ولعلها: "فقالا" ويؤيده قول المعلمي بعد ذلك: فكره "عمرو بن قيس وسفيان".
(2) ضمير الجمع هنا يعود إلى تلك الجماعة المشار إليها.
(3) يعني عدم قبول رواية غير الداعية فيما يقوى بدعته.
(3/276)

يأتي في القاعدةُ الآتية (1) - ففي "فتح المغيث" (ص 142): "بل قال شيخنا: إنه قد نص على هذا القيد في المسألة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي، فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل: ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه، لكنه مخذول في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة إِلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف وليس بمنكر إذا لم تقو به بدعتهم فيتهمونه بذلك".
والجوزجاني فيه نَصْبٌ، وهو مُولع بالطعن في المتشيعين كما مَرَّ، ويظهر أنه إنما يرمي بكلامه هذا إليهم، فإن في الكوفيين المنسوبين إلى التشيع جماعة أجلّة اتفق أئمة السنة على توثيقهم وحسن الثّناء عليهم وقبول رواياتهم وتفضيلهم على كثير من الثقات الذين لم ينسبوا إلى التشيع حتى قيل لشعبة: "حَدِّثْنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نَفرٍ يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور". راجع تراجم هؤلاء في "تهذيب التهذيب".
فكأن الجوزجاني لما علم أنه لا سبيل إلى الطعن في هؤلاء وأمثالهم مطلقًا، حاول أن يتخلص مما يكرهه من مروياتهم وهو ما يتعلق بفضائل أهل البيت.
وعبارته المذكورة تُعطي أن المبتدع الصادق اللهجة، المأمون في الرواية، المقبول حديثه عند أهل السنة، إذا روى حديثًا معروفًا عند أهل السنة غير منكر عندهم، إِلَّا أنه مما قد تَقْوى به بدعتُهُ فإنه لا يؤخذ وأنه يُتَّهم.
فأما اختيار أن لا يؤخذ فَلَهُ وجهٌ رِعَايَةً للمصلحة كما مَرَّ، وأمّا أنه يُتهم فلا يظهر له وجهٌ بعد اجتماع تلك الشرائط، إِلَّا أن يكون المراد أنه قد يَتَّهِمُهُ من عَرف
__________
(1) ترى ذلك في مبحث "قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك" من أبحاث الجرح والتعديل.
(3/277)

بدعته، ولم يعرف صدقه وأمانته، ولم يعرف أن ذاك الحديث معروف غير منكر، فيسيء الظن به وبمروياته، ولا يبعد من الجوزجاني أن يصانع عما في نفسه بإظهار أنه إنما يحاول هذا المعنى فبهذا تستقيم عبارته.
أنها الحافظ ابن حجر ففهم منها معنى آخر، قاله في "النخبة وشرحها" (سيأتي الكلام معه قريبًا).
ولابن قتيبة في كتاب "تأويل مختلف الحديث" كلام حاصله:
"أن المبتدع الصادق المقبول لا يُقبل منه ما يُقَوِّي بدعته، ويُقبل منه ما عدا ذلك. قال: "وإنما يَمنع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه أن نفسه تُرِيه أن الحق فيما اعتقده، وأن القربة إلى الله عز وجل في تثبيته بكل وجه، ولا يؤمن مع ذلك التحريف والزيادة والنقص".
كذا قال، واحتج بأن شهادة العدل لا تقبل لنفسه وأصله وفرعه، وقد مَرَّ الجواب عن ذلك (1). ولا أدري كيف يُنْعَتُ بالصادق من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص؟! وإنما يستحق النعت بالصادق من يوثق بتقواه، وبأنه مهما التبس عليه من الحق فلن يلتبس عليه أن الكذب بأي وجه كان منافٍ للتقوى، مجانب للإيمان.
... (2) والمقصود هنا أن من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص على أي وجه كان فلم تثبت عدالته، فإن كان كل من اعتقد أمرًا ورأى أنه الحق وأن
__________
(1) راجع مبحث "التهمة بالكذب"، و"الفرق بين الرواية والشهادة".
(2) استطرد المعلمي هنا في بيان أن فيمن يَتَسِمُ بالصلاح من المبتدعة وكذا من أهل السنة من يقع في الكذب إما تقحمًا في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق وأن هذا لا يختص بالعقائد وأنه وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها، ثم بيَّن أن كثرة وقوع الكذب ليست بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء. [راجع الفصل الأول من الوجه الأول من أوجه الطعن في العدالة]، ثم بين عناية الأئمة بحفظ السنة وحراستها والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين، وسيأتي في قوله "والمقصود هنا ... " بيان قيمة هذا الاستطراد.
(3/278)

القربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمن منه ذلك فليس في الدنيا ثقة، وهذا باطل قطعًا، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافه بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل، وإلا وجب أن لا يحتج بخبره البتة، سواء أوافق بدعته أم خاللها.
والعدالة "ملكة تمنع من اقتراف الكبائر ... "
وتعديل الشخص شهادة له بحصول هذه الملكف ولا تجوز الشهادة بذلك حتى يغلب على الظن غلبةً واضحةً حصولها له، وذلك يتضمن غلبة الظن بأن تلك الملكة تمنعه من تعمد التحريف والزيادة والنقص.
ومن غلب على الظن غلبةً يصح الجزم بها أنه لا يقع منه ذلك فكيف لا يؤمن أن يقع منه؟ ومن لا يؤمن أن يقع منه ذلك فلم يغلب على الظن أن له ملكة تمنعه من ذلك.
ومن خيف أن يغلبه ضرب من الهوى فيوقعه في تعمد الكذب والتحريف لم يؤمن أن يغلبه ضرب آخر وإن لم نشعر به، بل الضرب الواحد من الهوى قد يوقع في أشياء يتراءى لنا أنها متضادة، فقد جاء أن موسى بن طريف الأسدي كان يرى رأي أهل الشام في الانحراف عن علي -رضي الله عنه- ويروي أحاديث منكرة في فضل علي ويقول: "إني لأسخر بهم" يعني بالشيعة، راجع ترجمته في "لسان الميزان".
وروى محمد بن شجاع الثلجي الجهمي عن حبان بن هلال أحد الثقات الأثبات عن حماد بن سلمة أحد أئمة السنة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها".
وفي "الميزان" إن غرض الجهمية من وضع هذا الحديث أن يستدلوا به على زعمهم أن ما جاء في القرآن من ذكر "نفس الله" عز وجل إنما المراد بها بعض مخلوقاته.
أقول: ولهم غرضان آخران:
أحدهما: التذرع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة.
(3/279)

الثاني: التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل.
والشيعي الذي لا يؤمن أن يكذب في فضائل أهل البيت لا يؤمن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية، أو ليري الناس أنه غير متشدد في مذهبه، يمهد بذلك ليُقبل منه ما يرويه مما يوافق مذهبه.
وعلى كل حال فابن قتيبة على فضله ليس هذا فَنَّه، ولذلك لم يعرج أحد من أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق.
وفي "فتح المغيث" (ص 140) عن ابن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءً لِنَارِه، وإن لم يوافقه أحد. ولم يوجد ذلك الحديث إِلَّا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدّم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره".
ويظهر أن تقييده بقوله: "وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته" إنما مغزاه أنه إذا كان فيه تقوية لبدعته لم تكن هناك مصلحة في نشره بل المصلحة في عدم روايته كما مَرَّ، ويتأكد ذلك هنا بأن الفرض أنه تفرد به، وذلك يدعو إلى التثبت فيه، وإذا كان كلام ابن دقيق العيد محتملًا لهذا المعنى احتمالًا، ظاهرًا فلا يسوغ حمله على مقالة ابن قتيبة التي مَرَّ ما فيها.
وقال ابن حجر في "النخبة وشرحها":
"الأكثر على قبول غير الداعية إِلَّا أن يروي ما يقوي مذهبه فَيُرَدُّ على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي ... وما قاله متجه؛ لأن العلّة التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردةٌ فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية. والله أعلم".
(3/280)

أقول: الضمير في قوله "فَيُرَدُّ" يعود فيما يظهر على المبتدع غير الداعية، أَوْقَعَ الرَّدَّ على الراوي في مقابل إطلاق القبول عليه، وقد قال قبل ذلك: "والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كل مكفر ببدعة" والمراد بردّ الراوي ردّ مروياته كلها.
وقد يقال: يحتمل عود الضمير على المروي المقوي لمذهبه، وعلى هذا فقد يفهم منه أنه يقبل منه ما عداه، وقد يُشعر بهذا استناد ابن حجر إلى قول الجوزجاني فأقول:
إن كان معنى الردّ على هذا المعنى الثاني ترك رواية ذاك الحديث للمصلحة وإن كان محكومًا بصحته، فهذا هو المعنى الذي تقدم أن به تستقيم عبارة الجوزجاني.
وإن كان معناه ردّ ذاك الحديث اتهامًا لصاحبه ويردّ معه سائر رواياته، فهذا موافق للمعنى الأول، ولا تظهر موافقته لعبارة الجوزجاني.
كان كان معناه ردّ ذلك الحديث اتهامًا لراويه فيه ومع ذلك يبقى مقبولًا، فيما عداه فليست عبارة الجوزجاني بصريحة في هذا، ولا ظاهرة فيه كما مَرَّ وإنما هو قول ابن قتيبة.
وسياق كلام ابن حجر ما عدا استناده إلى قول الجوزجاني يدل على أن مقصوده ردّ الراوي مطلقًا أو ردّ ذاك الحديث وسائر روايات راويه وذلك لأمور، منها:
أن ابن حجر صرح بأن العلة التي ردّ بها حديث الداعية واردة في هذا، وقد قَدَّم أن العلة في الداعية هي: "أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه".
ومن كانت هذه حاله فلم تثبت عدالته كما تقدّم فيردّ مطلقًا.
ومنها: أن هذه العلة اقتضت في الداعية الردّ مطلقًا فكذلك هنا، بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أَوْلَى؛ لأن الداعية يردّ مطلقًا وإن لم يرو ما يوافق بدعته، وهذا قد رَوى.
هذا وقد وثق أئمة الحديث جماعة من المبتدعة واحتجوا بأحاديثهم وأخرجوها في الصحاح، ومن تتبع رواياتهم وَجَدَ فيها كثيرًا مما يوافق ظاهره بدعهم، وأهل
(3/281)

العلم يتأولون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها ولا في راويها بروايته لها (1)، بل في رواية جماعة منهم أحاديث ظاهرة جدًّا في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إِلَّا أَنَّ لها عللًا أخرى، ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضَعَّفَها أهلُ العلم، بعضُها بضعف بعض من فوق الأعمش في السند، وبعضُها بالانقطاع، وبعضُها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس، ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في "تاريخه الصغير" (ص 68)، ووهَّنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين.
هذا وقد مرَّ تحقيق علة رد الداعية (2)، وتلك العلّة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمن منه ما ينافي العدالة، فهذه العلّة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوِّي بدعته ولو لم يكن داعية وجب أن لا يحتج بشيء من مرويات من كان كذلك ولو فيما يوهن بدعته (3)، وإلا -وهو الصواب- فلا يصح إطلاق الحكم بل يدور مع
__________
(1) عَلَّق المعلمي على هذا الموضع من "التنكيل" بقوله: "كحديث مسلم من طريق الأعمش عن عديّ ابن ثابت عن زرّ قال: قال عليّ: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأميّ -صلى الله عليه وسلم- إليَّ أنه لا يحبني إِلَّا مؤمن ولا يبغضني إِلَّا منافق".
عديّ قال فيه ابن معين: "شيعي مفرط"، وقال أبو حاتم: "صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصهم"، وعن الإمام أحمد: "ثقة إِلَّا أنه كان يتشيع"، وعن الدارقطني: "ثقة إِلَّا أنه كان غاليًا في التشيع"، ووثقه آخرون.
ويقابل هذا رواية قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص: عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- جهارًا غير سِرٍّ يقول: "ألا إن آل طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليّي الله وصالح المؤمنين، إن لهم رحمًا سأبلها ببلاها". ورواه غندر عن شعبة بلفظ: "إن آل أبي ... " ترك بياضًا، وهكذا أخرجه الشيخان.
وقيس ناصبي منحرف عن علي -رضي الله عنه- وولي في هذا كلام". اه.
(2) وهي انتفاء شرط العدالة.
(3) سبق بيان المعلمي أن صاحب البدعة -كالشيعي- كما أنه لا يؤمن أن يكذب في فضائل أهل البيت فكذلك لا يؤمن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية أو الخداع ونحو ذلك.
(3/282)

العلّة، فذاك المروي المقوي لبدعة راويه إما غير منكر فلا وجه لردِّه فضلًا عن ردّ راويه، وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف.
فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة؛ كَرَمْيِه بتعمد الكذب أو اتهامه به سقط البتة، وإن اتجه الحمل على غير ذلك؛ كالتدليس المغتفر والوهم والخطأ لم يجرح بذلك.
وإن تردد الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول من هو أعرف منه أو وَقَفَ.
... وبما تقدم يتبين صحة إطلاق الأئمة قبول غير الداعية إذا ثبت صلاحه وصدقه وأمانته، ويتبين أنهم إنما نصوا على ردّ المبتدع الداعية تنبيها على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي وهو ثبوت العدالة". اه.
بعض تطبيقات العلامة المعلمي على رواية المبتدع:
1 - ما يُخشى من تدليس المبتدع إذا روى ما يؤيد بدعته:
المثال الأول:
• عَلَّق العَلَّامة المعلمي على حديث: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها"، وفي لفظ: "أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها" (ص 349) من "الفوائد المجموعة"، وفَصَّل الكلام على طرقه، وبيَّن عِلَلَها -سوى ما لا نزل في سقوطه منها- ونظر في ذلك على ثلاثة مقامات:
المقام الأول: سند الخبر باللفظ الأول إلى أبي معاوية الضرير، والثاني إلى شريك، وأنهى بحثه بأن الخبر لا يثبت عنهما، ثم قال:
المقام الثاني: على فرض أن أبا معاوية حدث بذاك وشريكًا حدث بهذا، فإنما جاء ذاك عن أبي معاوية عن الأعمش، عن مجاهد"، وجاء هذا "عن شريك عن سلمة بن
(3/283)

كهيل"، وأبو معاوية والأعمش وشريك كلهم مُدَلِّسُون مُتَشَيِّعُون، ويزيد شريك بأنه يكثر منه الخطأ ... (1).
وقد قَرَّرَ ابنُ حجر في "نخبته" ومقدمة "اللسان" وغيرهما أن من نوثقه ونقبل خبره من المبتدعة يختص ذلك بما لا يؤيد بدعته، فما يؤيد بدعته فلا يقبل منه البتّة، وفي هذا بحث (2)، لكنه حق فيما إذا كان مع بدعته مدلسًا، ولم يصرح بالسماع، وقد أَعَلَّ البخاري في "تاريخه الصغير" (ص 68) خبرًا رواه الأعمش عن سالم يتعلق بالتشيع - بقوله: "والأعمش لا يُدرى سمع هذا من سالم أم لا، قال أبو بكر بن عياش، عن الأعمش أنه قال: نستغفر الله من أشياء كنا نرويها على وجه التعجب، اتخذوها دينًا" (3).
ويشتد أعتبار تدليس الأعمش في هذا الخبر خاصة؛ لأنه عن مجاهد، وفي ترجمة الأعمش من "التهذيب": "قال يعقوب بن شيبة في "مسنده": ليس يصح للأعمش عن مجاهد إِلَّا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إِلَّا ما قال: سمعت، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبي يحيى القتات.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه في أحاديث الأعمش عن مجاهد قال أبو بكر بن عياش، عنه: حدثنيه ليث [بن أبي سليم] عن مجاهد".
__________
(1) تحدث المعلمي هنا عن الطبقة الثانية من طبقات المدلسين، وبيَّن أن الشيخين ينتقيان من معنعناتهم في المتابعات ونحوها.
(2) سبق قريبًا.
(3) انظر ترجمة الأعمش من القسم الأول من هذا الكتاب مع تعليقي عليها، ففيها بحثٌ لصيقُ الصِّلَة بموضوعنا هذا.
(3/284)

أقول: والقتات وليث ضعيفان، ولَعَلَّ الواسطة في بعض تلك الأحاديث مَنْ هو شَرٌّ منهما، فقد سمع الأعمش من الكلبي أشياء، يرويها عن أبي صالح باذام، ثم رواها الأعمش عن باذام تدليسًا، وسكت عن الكلبي، والكلبي كذاب، ولاسيما فيما يرويه عن أبي صالح كما مر في التعليق (ص 315)، ويتأكل وَهَنُ الخبر بأن من يثبته عن أبي معاوية يقول: إنه حدث به قديمًا، ثم كَفَّ عنه، فلولا أنه علم وَهَنَهُ لما كَفَّ عنه ... ".
المثال الثاني:
• أورد الشوكاني في "الفوائد" (ص 346) حديث: "أولُكم ورودًا على الحوض أولُكم إسلامًا: علي بن أبي طالب".
وقال: رواه ابن عدي عن سلمان مرفوعًا، وفي إسناده:
1 - عبد الرحمن بن قيس الزعفراني، وهو وضاع، وتابعه:
2 - سيف بن محمد وهو شَرٌّ منه، وتابعهما:
3 - يحيى بن هاشم السمسار عند الحارث بن أبي أُسامة، وهو كذاب.
ثم قال: وروى أبو بكر بن أبي عاصم من طريق:
4 - عبد الرزاق متابعًا لهم لكن موقوفًا على سلمان.
قال السيوطي: "وهذه متابعة قوية جدًّا، ولا يضر إيراده بصيغة الوقف؛ لأنَّ له حكم الرفع".
قال الشوكاني: "فقد رواه كل واحد من هؤلاء الأربعة عن سفيان الثوري.
ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن يحيى المازني (1) عن سفيان، فكان خامسًا لهم، وعبد الرزاق لا يحتاج إلى متابع". اه. كلام الشوكاني.
__________
(1) كذا وصوابه: "المَأْربي" وهو محمد بن يحيى بن قيس السبئي المَأْربي، أبو عمر اليماني.
(3/285)

فتكلم المعلمي في الثّلاثة الأُوَل، ونقل أقوال أهل العلم في تكذيبهم، ثم قال:
"وأما خبر ابن مردويه ففي سنده محمد بن أحمد الواسطي، أُراه المذكور في "لسان الميزان" (5/ 53 رقم 179) وهو تالف، هو صاحب حديث: "النظر في مرآة الحجام دناءة" رواه عن "إسحاق بن الضيف" وهو صدوق يخطىء، عن "محمد بن يحيى المأربي" وثقه الدارقطني، وقال ابن عديّ: "أحاديثه مظلمة منكرة" رواه عن الثوري، عن قيس ابن مسلم الجدلي، عن عُلَيْم (1) الكندي (وهو مجهول) عن سلمان، والثلاثة المتقدمون يقولون: عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق (2) عن عليم.
وأما خبر عبد الرزاق، فعبد الرزاق عمي بأخرة، وصار يلقن فيتلقن، وربما دلس، وكان يتشيع، فلا يؤمن أن يكون سمعه من بعض أولئك الدجالين فدلسه ... وقول السيوطي: "إن له حكم الرفع" مردود؛ إِذْ لا مانع أن يستشعر سلمان أن السبق إلى الإسلام يقتضي السبق في الورود. اه.
2 - ما يُخشى من إدخال بعض دجاجلة المبتدعة أحاديث على أصحابهم من أهل الصدق ممّن يتلقن وفيه غفلة.
• ذكر الشوكاني في "الفوائد" (ص 407) حديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع صوت غناء فقال: انظروا ما هذا؟ قال أبو برزة: فصعدت فنظرت فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان، فجئت فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "اللهم اركسهما في الفتنة ركسًا، ودعِّهما إلى النار دَعًّا".
__________
(1) مصغر وهو: ابن قُعَيْر ويقال: ابن قُعْبُر، ذكر حديثه الدارقطني في "المؤتلف"، وزاد "حنش" بين أبي صادق، وعليم.
(2) هو الأزدي الكوفي، ترجمته في "التهذيب".
(3/286)

وقال: ذكره ابن الجوزي في "موضوعاته"، وقال: لا يصح، يزيد بن أبي زياد كان يتلقن.
قال السيوطي في "اللآلىء": "هذا لا يقتضي الوضع".
فقال المعلمي:
"لكنه مظنة رواية الموضوع؛ فإن معنى قبول التلقن أنه قد يقال له: أَحَدَّثَكَ فلان عن فلان بكيت وكيت؟ فيقول: نعم، حدثني فلان ابن (1) فلان بكيت وكيت. مع أنه ليس لذلك أصل وإنما تلقنه وتوهم أنه من حديثه.
وبهذا يتمكن الوضاعون أن يضعوا ما شاءوا، ويأتوا إلى هذا المسكين فيلقنونه فيتلقن ويروي ما وضعوه.
وشيخ يزيد في هذا الخبر سليمان بن عمرو بن الأحوص، مجهول الحال كما قال ابن القطان، ولا يدفع ذلك ذكر ابن حبان له في "الثقات".
ولا أرى البلاء إِلَّا من يزيد؛ فإنه من أئمة الشيعة الكبار، والراوي عنه لهذا الخبر شيعي (2)، وله عنه خبر آخر باطل، وإذا كان من أئمة الشيعة فلا بدع أن يستحوذ عليه بعض دجاجلتهم فيلقنه الموضوعات". اه.
* * *
__________
(1) كذا والظاهر أنها "عن".
(2) هو محمد بن فضيل بن غزوان.
(3/287)

الوجه السابع
الجهالة
وفيه بعض الفوائد المتعلقة ب "المجهول" (1).

الفائدة الأولى: مناهج بعض الأئمة في توثيق المجاهيل.
الفائدة الثانية: المجهول قد يسقط أو يُتهم بما يرويه إذا قامت القرائن على ذلك.
الفائدة الثالثة: عدم وقوف أمثالنا على ترجمة للرجل لا يُسَوِّغ لنا الحكم عليه بالجهالة.
الفائدة الرابعة: أمثلة لمجهول الحال.
الفائدة الأولى: مناهح بعض الأئمة في توثيق المجاهيل:
الموضع الأول:
* قال العلامة المعلمي في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من مقدمة "التنكيل":
" ... فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء وإن لم يعرف ما روى وعمن روى ومن روى عنه ... والعجليُّ قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين، والنسائي وآخرون غيرهم يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة؛ بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إِلَّا واحد، ولم يبلغهم عنه إِلَّا حديث واحد.
__________
(1) من أشهر المسائل المتعلقة بهذا المبحث: تقسيم المجهول إلى عَينٍ وحَالٍ مع اختلافهما في الحدِّ والاحتجاج، وقد ذكرتُ طَرَفًا من ذلك في ترجمة: أبي حاتم الرازي من القسم الثاني من هذا الكتاب.
(3/288)

فَمِمَّن وثقه ابن معين من هذا الضرب: الأسقع بن الأسلع، والحكم بن عبد الله البَلَوي، ووهب بن جابر الخيواني، وآخرون.
وممَّن وثقه النسائي: رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة، وآخرون.
وقد روى العوام بن حوشب عن الأسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا، ولا يُعرف الأسود وحنظلة إِلَّا في تلك الرواية، فوثقهما ابن معين.
وروى همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب حديثًا، ولا يُعرف قدامة إِلَّا في هذه الرواية فوثقه ابن معين، مع أن الحديث غريب، وله علل أخرى. راجع "سنن" البيهقي (ج 3 ص 248). اه.
الموضع الثاني:
* ثم قال المعلمي في الأمر التاسع من هذه القاعدة:
"قد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذلك المجهول إِلَّا واحد، فإن شئت فاجعل هذا رأيًا لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة" كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثق من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة". اه.
الموضع الثالث:
* وقال المعلمي في "الاستبصار" (ص 7):
"إن منهم -أئمة الجرح والتعديل- من لا يطلق "ثقة" إِلَّا على من كان في الدرجة العليا من العدالة والضبط.
ومنهم من يطلقها على كل عدل ضابط وإن لم يكن في الدرجة العليا.
(3/289)

منهم من يطلقها على العدل وإن لم يكن ضابطًا.
ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا واحدًا تُوبع عليه.
ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا له شاهد.
ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا لم يستنكره هو.
ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى عنه ثقة، إلى غير ذلك". اه.

الفائدة الثانية: المجهول قد يَسْقُطُ أو يُتَّهَمُ بما يرويه إذا قامت القرائن على ذلك:
وفيه أمثلة:
المثال الأول:
• في كتاب "الفوائد المجموعة" (ص 298) حديث: "مَنْ قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاف لم يمنعه من دخول الجنة إِلَّا الموت".
قال الشوكاني: "رواه الدارقطني عن أبي أمامة مرفوعًا، وقد أدخله ابن الجوزي في "الموضوعات"، وتعقبه ابن حجر في تخريج أحاديث "المشكاة"، وقال: غفل ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في الموضوعات وهو من أسمج ما وقع له.
قال في "اللآلىء": وقد أخرجه النسائي، وابن حبان في "صحيحه"، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"، وصححه الضياء في "المختارة"".
فقال المعلمي:
"مدار الحديث على محمد بن حمير، رواه عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، وابنُ حمير موثق، غمزه أبو حاتم ويعقوب بن سفيان، وأخرج له البخاري في "الصحيح" حديثين، قد ثَبَتا من طريق غيره، وهما من روايته عن غير الألهاني، فَزَعْمُ أَنَّ هذا الحديث على شرط البخاري غفلةٌ.
(3/290)

وفي "اللآلىء": أن الدمياطي ذكر له شواهد، منها عن عليّ وقد ذكر في الأصل (1)، ومنها عن ابن عمرو، والمغيرة، وجابر، وأنس. قال: "من الطرق التي ما نريدها، يعني: لسقوطها، ثم عاد فذكر الذي عن المغيرة، وأنه من طريق "هاشم بن هاشم" عن عمر ابن إبراهيم، عن محمد، عن المغيرة بن شعبة" رفعه، وأن أبا نعيم قال: "غريب من حديث المغيرة ومحمد، تفرد به هاشم عن عمر عنه"، ثم ذكر عن الدمياطي أن محمدًا هو محمد بن كعب، وأن عمر بن إبراهيم هو "أبو حفص العبدي البصري"، يعني المترجم في "التهذيب"، أقول: وَهِمَ الدمياطي ومَنْ تبعه، إنما هذا "عمر بن إبراهيم بن محمد بن الأسود، له ترجمة في "الميزان"، و"اللسان"، وهو مجهول، ذكره ابن حبان في "الثقات" على عادته في ذكر المجاهيل، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وذكر له خبرًا آخر لهذا السند نفسه، لم يتابع عليه، والمجهول إذا روى خبرين لم يتابع عليهما، فهو تالف، ثم ذكره من طريق محمد بن الضوء بن الصلصال بن الدلهمس، عن أبيه، عن جده مرفوعًا، ومحمد ابن الضوء كذاب فاجر". اه.
المثال الثاني:
• وفي "الفوائد المجموعة" (ص 226) حديث: "إذا صافح المؤمنُ المؤمنَ نزلت عليهما مائة رحمة، تسعة وتسعون لأبَشِّهِما وأَحْسَنِهِمَا لقاءً".
قال الشوكاني: "رواه الخطيب عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي إسناده: محمد بن عبد الله الأشناني، وهو وضاع، ورواه البيهقي في "الشُّعَبِ" عن عمر مرفوعًا".
فقال المعلمي:
"في سنده -يعني حديثَ "الشُّعَب"-: "عُمَرُ بنُ عَامِر"، وهو التَّمَّار كما صرح به في رواية لأبي الشيخ، وفي "الميزان" و"اللسان": "عمر بن عامر أبو حفص السعدي
__________
(1) يعني: "الفوائد"، قال الشوكاني: "وفي سنده: حبة العرني، ونهشل بن سعيد، كذابان".
(3/291)

التمار بصري، روى عنه أبو قلابة ومحمد بن مرزوق حديثا باطلًا"، فذكر حديثًا آخر، فَعُمر هذا مجهول يروي المنكرات فهو ساقط". اه.
المثال الثالث:
• وفي "الفوائد" أيضًا (ص 415) حديث: "زَوِّجُوا الاكفاء وتزوجوا الأكفاء، واختاروا لنطفكم، وإياكم والزنج فإنهم خَلْقٌ مُشَوَّهٌ".
قال الشوكاني: "رواه ابن حبان عن عائشة مرفوعًا، وفي إسناده: محمد بن مروان السُّدِّي، وهو كذاب، وله طريق أخرى عند أبي نعيم في "الحِلْيَة" (1).
فقال المعلمي في طريق "الحِلْيَة":
"فيه مجهولان: أحدهما (2): نقل في "اللسان" أن ابن حبان ذكره في "الثقات"، وقال: "يغرب"، وإذا كان يغرب مع جهالته وإقلاله فهو تالف". اه.
المثال الرابع:
• وفيه أيضًا (ص 242) حديث: "فِكرَةُ ساعة خَيْرٌ من عبادة ستين سَنَة".
__________
(1) في "اللآلىء" (1/ 445): قال أبو نعيم في "الحلية": حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أحمد بن عمر بن الضحاك، حدثني عبد العظيم بن إبراهيم السلمي، حدثنا عبد الكريم بن يحيى (بن) (كذا والظاهر أن صوابه: عن) سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس مرفوعًا. قال أبو نعيم: غريب من حديث زياد والزهري، لم نكتبه إِلَّا من هذا الوجه والله أعلم. اه. ولم أجده في فهارس "الحلية" المطبوع.
(2) هو عبد العظيم بن عمر السالمي (كذا جاء في "الثقات" و"اللسان" -مطبوع ومخطوط- وجاء في "اللآلىء" كما سبق النقل عنه: السلمي فالله أعلم)، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (8/ 424) وقال: من أهل حمص، يروي عن أبي اليمان وأهل بلده، حدثنا عنه محمد بن المسيب، يغرب. اه. لكنه ذكر قبله بعدة تراجم: عبد العظيم بن إبراهيم بن عمر السالمي، من أهل حمص، يروي عن إسماعيل بن عياش والشاميين، روى عنه محمد بن عوف وأهل بلده، مستقيم الحديث. اه.
ذكر في "اللسان" الأول ولم يذكرْ أو يُشِرْ إلى الثاني، ولم أره في "تاريخ دمشق"، فينظر هل هما واحد أم اثنان؟ وصنيع ابن حبان يدل على أنهما عنده اثنان. فالله أعلم.
(3/292)

قال الشوكاني: "رواه أبو الشيخ عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي إسناده: عثمان بن عبد الله القرشي، وإسحاق بن نجيح الملطي، كذابان، والمتهم به أحدهما. وقد رواه الديلمي من حديث أنس من وجه آخر".
فقال المعلمي في حديث أنس:
"في سنده علي بن إبراهيم القزويني، لعله المترجم في "لسان الميزان"؛ وهو مجهول يروي عن أبي زرعة خبرًا منكرًا (1) فهو تالف". اه.
المثال الخامس:
• وفيه (ص 481) حديث أنس مرفوعًا: "ما منْ معمّر يعمّر في الإسلام أربعين سنة إِلَّا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين ... ".
ذكر الشوكاني ممن روى هذا الحديث: أحمد بن منيع في "مسنده"، وأنَّ في إسناده: عَبَّاد بن عَبَّاد المُهَلَّبي، ونقل عن ابن حبان قوله: كان يحدث بالمناكير فاستحق الترك".
قال المعلمي:
"إنما قال ابن حبان هذا في عباد بن عباد الأُرْسُوفي، وهو غير المُهَلَّبي، نَبَّهَ عليه ابن حجر، فأما المهلبي فثقة يخطىء. وأرى البلاء في هذا الخبر من شيخه "عبد الواحد بن راشد"، فإنه مجهول جدًّا (2) ". اه.
__________
(1) هو خبر: "إذا كان يوم القيامة يقول الله: اليوم أضع أنسابكم، أنا الملك الديان ... " الحديث. رواه عن أبي زرعة الرازي، عن محمد بن كثير، عن شعبة، عن داود بن أبي هند، عن الحارث بن عمرو، عن علي -رضي الله عنه- مرفوعًا.
قال الخطيب: وهذا حديث منكر، لم أكتبه إِلَّا بهذا الإسناد.
قال ابن حجر: الحمل فيه على هذا القزويني.
(2) في "الميزان": "عبد الواحد بن راشد، عن أنس -رضي الله عنه-، وعنه عباد بن عباد، ليس بعمدة، روى حديث: "ما من معمر" هذا، ولم يزد ابن حجر في "اللسان" شيئًا.
(3/293)

المثال السادس:
• وفيه (ص 379) حديث: "مَثَلي شجرة، أنا أَصْلُها، وعليٌّ فَرْعُها، والحسن والحسين ثمرتها، والشيعة ورقها. فأيُّ شَيءٍ يخرج من الطيِّب إلا الطيِّب".
قال الشوكاني: "رواه ابن مردويه عن عليٍّ مرفوعًا، وفي إسناده: عباد بن يعقوب، وهو رافضي".
قال المعلمي:
"عَبَّادٌ عَلَى رَفْضِهِ وحُمْقِهِ صَدُوقٌ، رواه عن يحيى بن بشار الكندي (1)، عن عمرو ابن إسماعيل الهمداني (2)، وهما مجهولان، فالحمل عليهما، وفي ترجمتيهما من "الميزان" و"اللسان" هذا الخبر". اه.
المثال السابع:
• وفيه (ص 246) حديث: "إن لله في الخَلْق ثلاثمائة، قلوبهم على قَلْبِ آدم، ولله في الخَلْق أربعون قلوبهم على قلب موسى ... ".
ذكر الشوكاني فيمن رواه: الطبراني عن ابن مسعود مرفوعًا، وقال: في إسناده مجاهيل.
قال المعلمي:
"هو من طريق عبد الرحيم بن يحيى الأدمي، ثنا عثمان بن عمارة، وهما مجهولان، والمتهم بوضعه أحدهما، وفي "الميزان": "فَقَاتَل اللَّهُ مَنْ وَضَعَ هَذا الإِفْكِ". اه.
__________
(1) ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: شيخ لعباد بن يعقوب الرواجني، لا يعرف وأتى بخبر باطل - وذكر هذا الخبر، ولم يزد في "اللسان" شيئًا.
(2) ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: عن أبي إسحاق السبيعي بخبر باطل - فذكره.
(3/294)

الفائدة الثالثة: عدم وقوف أمثالنا على ترجمة للرجل لا يُسَوِّغُ لنا الحكم عليه بالجهالة:
في هذه الفائدة أمثلة:
المثال الأول:
• في ترجمة: أحمد بن خالد الكرماني رقم (16) من "التنكيل" أشار المعلمي إلى ما رواه الخطيب في "تاريخه" (2/ 178) من طريق محمد بن إسماعيل التمار الرقي عن أحمد بن خالد. ونقل قول الكوثري في أحمد: "مجهول".
فقال المعلمي:
"وأنا أيضًا لم أظفر له بزجمة ولا خبر إِلَّا في هذه الرواية، أو ذكره في شيوخ التمار، لكن مثل هذا لا يسوغ لأمثالنا أن يقول: "مجهول"". اه.
المثال الثاني:
• وفي ترجمة: إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي رقم (531) نقل المعلمي قول الكوثري فيه: "من المجاهيل" فقال: "الصواب أن يقول: "لم أعرفه"، فإن عدم معرفة مثل الأستاذ بالرجل لا يستلزم أن يكون مجهولًا". اه.

الفائدة الرابعة: أمثلة ل: "مجهول الحال":
المثال الأول:
• قال المعلمي في تعليقه على "الفوائد" (ص 484):
"أما عبد الله بن محمد بن رمح فمقل جدًّا، له ترجمة في "تهذيب التهذيب"، لم يذكر فيها راويًا عنه إِلَّا ثلاثة: بكر بن سهل راوي هذا (1) وسيأتي حاله، ومحمد بن محمد بن
__________
(1) يعني حديث أنس مرفوعًا: "ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إِلَّا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء ... " انفرد به بكر بن سهل الدمياطي عن ابن رمح، عن ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أنس، وله طرق أخرى واهية.
(3/295)

الأشعث أحد الكذابين، وابن ماجة، وليس له عند ابن ماجه إلا حديثان غريبان. ومع ذلك قال ابن حجر في القول المسدد: "ثقة"، وفي "التقريب": "صدوق"، وهذا مخالف لقاعدة ابن حجر التي جرى عليها في "التقريب"، ولكنه تسمّح هنا جريًا مع ما سمّاه في خطبة القول المسدد: "عصبية لا تخل بدين ولا مروءة".
والتحقيق أن هذا الرجل مجهول الحال، ومثله لا يلتفت إلى ما تفرد به، ولاسيما عن ابن وهب، فكيف إذا انفرد عنه بكر بن سهل (1) ... ".
المثال الثاني:
• علق المعلمي على حديث: "سَيِّدُ طعام أهل الجنَّة اللَّحْمُ" في "الفوائد" (ص 167) فقال:
"رواه سليمان -يعني: ابن عطاء- عن مسلمة -يعني: ابن عبد الله الجهني- عن أبي مشجعة عن أبي الدرداء، وأبو مشجعة ومسلمة لم يجرحا ولم يوثقا، فهما مجهولا الحال".
المثال الثالث:
• قال المعلمي في المسألة (14) من القسم الثالث من "التنكيل":
"في "مصنف ابن أبي شيبة" عن شريك عن عطية بن مقسم عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أُتي عمر بسارق فأمر بقطعه، فقال عثمان: إن سرقته لا تساوي عشرة دراهم قال: فأمر به عمر فقومت ثمانية دراهم فلم يقطعه.
القاسم لم يدرك عمر ولا كاد، وعطية مجهول الحال، وشريك سيء الحفظ، ونسبه بعضهم إلى التدليس، ورواه الثوري عن عطية بن عبد الرحمن الثقفي عن القاسم قال: أُتي عمر بن الخطاب بنحو، ويؤخذ من كلام البخاري وأبي حاتم أن عطية هذا هو الذي روى عنه شريك، فإن صح هذا فهو مجهول الحال، وإلا فكلاهما مجهول".
__________
(1) راجع ترجمة بكر بن سهل من القسم الأول من هذا الكتاب.
(3/296)

الشرط الخامس من الشروط الواجب توفرها في الراوي: الضبط
ينقسم الكلام على الضبط إلى قسمين:

الأول: ضبط الراوي في نفسه، وهو المعروف ب: ضبط الصدر.
الثاني: ضبط الراوي لكتابه.
أولا: ضبط الصدر:
وفيه مسائل:
الأولى: الأصل في الحفظ هو حفظ الصدور.
الثانية: ضبط الصغير المميز.
الثالثة: في بيان حَدِّ الضابط لحديثه، وهل من شرط الضابط أن لا يقع له النسيان أو الشك؟
الرابعة: هل الضبط يتجزأ؟
الخامسة: الأُمِّيَّة وأثرها في ضبط الراوي.
السادسة: أوجه الطعن في ضبط الراوي أو: مظاهر خفة ضبط الراوي.
* * *
(3/297)

المسألة الأولى
الأصل فى الحفظ هو حفظ الصدور
قال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" عند الكلام على الرواية بالمعنى (ص 77):
"حفظُ الصدور قد اعتُمِدَ عليه في القرآن، وبقي الاعتمادُ عليه وحده -بعد حفظ الله عز وجل- في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعمر، وسنين من عهد عثمان؛ لأن تلك القطع التي كُتب فيها في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت مفرقة عند بعض أصحابه، لا يعرفها إلا من هي عنده، وسائر الناس غيره يعتمدون على حفظهم، ثم لمَّا جُمِعت في عهد أبي بكر، لم تُنشر هي، ولا الصحف التي كُتبت عنها، بل بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان، ثم اعتُمِد عليه في عامَّةِ المواضع التي يَحتمل فيها الرسمُ وجهين أو أكثر، واستمر الاعتماد عليه حتى استقرَّ تدوينُ القراءات الصحيحة.
... (و) حال الأميين قد اقتضتِ الترخيصُ لهم في الجملة في القراءة بالمعنى، وإذا كان ذلك في القرآن، مع أن ألفاظه مقصودة لذاتها؛ لأنه كلامُ ربِّ العالمين بلفظه ومعناه، مُعْجِرٌ بلفظه ومعناه، مُتَعَبَّدٌ بتلاوته، فما بالك بالأحاديث التي مدار المقصود الديني فيها على معانيها فقط؟
وإذا علمنا ... ما دلت عليه القواطع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مبينٌ لكتاب الله ودينه بقوله وفعله، وأنَّ كل ما كان منه مما فيه بيانٌ للدين، فهو خالدٌ بخلودِ الدين إلى يوم القيامة، وأن الصحابةَ مأمورون بتبليغ ذلك في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعد وفاته ... وأن
(3/298)

النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرهم بكتابة الأحاديث، وأقرَّهُم على عدم كتابتها، بل قيل: إنه نهاهم عن كتابتها كما مَرَّ بما فيه، ومع ذلك كان يأمرهم بالتبليغ لِمَا عَلِمُوه وفهموه.
وعلمنا أن عادةَ الناس قاطبةً فيمن يُلْقَى إليه كلامٌ؛ المقصود منه معناه، ويُؤمر بتبليغه، أنه إذا لم يَحفظ لفظَهُ على وجهه -وقد ضَبط معناه- لزمه أن يُبلغه بمعناه، ولا يُعد كاذبًا ولا شبهَ كاذب: علمنا يقينًا أن الصحابة إنما أُمِروا بالتبليغ على ما جرت به العادة، مَنْ بَقي منهم حافظًا لِلَّفْظِ على وجهه، فليؤده كذلك، ومَنْ بقي ضابطًا للمعنى، ولم يَبق ضابطًا لِلَّفْظِ، فليؤده بالمعنى.
هذا أمرٌ يقيني لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعد وفاته.
... وتشديده -صلى الله عليه وسلم- في الكذب عليه، إنما المرادُ به الكذبُ في المعاني، فإن الناس يَبعثون رسلهم ونُوابهم ويأمرونهم بالتبليغ عنهم، فإذا لم يُشترطْ عليهم المحافظةُ على الألفاظ، فبلغوا المعنى، فقد صدقوا.
ولو قلتَ لابنك: اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك، فذهب، وقال له: والدي -أو الوالد- يدعوك، أو: يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعًا صادقًا، ولو اطلعتَ بعد ذلك على ما قال، فزعمتَ أنه عمى أو كذب، وأردت أن تعاقبَه لأنكر العقلاء عليك ذلك.
وقد قَصَّ الله عز وجل في القرآن كثيرًا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم، لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحَدَّ المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمي، ومنه ما يأتي في موضعٍ بألفاظٍ، وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضعٍ، ويختصر في آخر.
فبالنظر إلى أداء المعنى كرر النبي -صلى الله عليه وسلم- بيانَ شدة الكذب عليه، وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب، فقال: "نضر الله امرًا سمع منا شيئًا فأداه كما سمعه،
(3/299)

فرب مبلغ أوعى من سامع" جاء بهذا اللفظ أو معناه مطولا ومختصرا من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجبير بن مطعم، وعائشة، وسعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمير بن قتادة، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وزيد بن خالد، وعبادة بن الصامت، منها الصّحيح وغيره، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحرى معونتهم على الحفظ والفهم كما مر.
... أما التابعون فقد يتحفظون الحديث كما يتحفظون القرآن، كما جاء عن قتادة أنه: "كان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل حتى يحفظه"، هذا مع قوة حفظه، ذكروا أن صحيفة جابر -على كِبرها- قُرئت عليه مرّة واحدة -وكان أعمى- فحفظها بحروفها، حتى قَرأ مرة سورة البقرة فلم يخطىء حرفًا، ثم قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة ... ". اه.
اختبار حفظ الراوي:
ثم قال الشيخ المعلمي:
"كان الأئمةُ يعتبرون حديثَ كُلِّ راوٍ، فينظرون كيف حَدَّثَ به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يُحدث مرة كذا ومرة كذا، بخلافٍ لا يحتمل، ضَعَّفُوه، وربما سمعوا الحديثَ من الرجل، ثم يَدَعُونه مدةً طويلة، ثم يسألونه عنه.
ثم يُعتبر حرفُ مروياته برواية مَنْ روى عن شيوخه، وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف روايةَ الثقات، حكموا عليه بحسبها.
وليسوا يوثقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حاله في حديثه كما مر.
وتجدهم يجرحون الرجلَ بأنه يخطىء ويغلط، وباضطرابه في حديثه، وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا". اه.
(3/300)

• وقال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 200):
"اعلم أن المتقدمين كانوا يعتمدون على الحفظ، فكان النقاد يعتمدون في النقد عدالةَ الراوي واستقامةَ حديثه، فمن ظهرتْ عدالتُه وكان حديثُه مستقيمًا وثقوه، ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع ... ". اه.
* * *
(3/301)

المسألة الثانية
ضبط الصغير المميز (1)
• ذكر الشيخ المعلمي في شرط قبول الخبر: البلوغ، فقال في "الاستبصار" (ص 15):
"وأما البلوغ فهو حَدُّ التكليف، ولا يتحققُ الخوفُ من الله عز وجل والخوفُ من الناس إلا بعده؛ لأن الصبي مرفوعٌ عنه القلمُ، فلا يخاف الله عز وجل، وكذلك لا يخاف الناس؛ لأنهم إن ظهروا على كذبٍ منه، قالوا: صبي، ولعله لو قد بلغ وتم عقله لتحرز.
ومع هذا، فلا تكادُ تدعو الحاجةُ إلى روايةِ الصبي؛ لأنه إن رَوى، فالغالبُ أن المرويَّ عنه حيٌّ، فيراجع، فإن كان قد مات، فالغالب -إن كان الصبي صادقًا- أن يكون غيره ممن هو أكبر منه قد سمع من ذلك المخبر أو غيره، فإن اتفق أن لا يوجد ذلك الخبر إلا عند ذلك الصبي، فمثل هذا الخبر لا يُوثَقُ به.
هذا، وعامَّةُ الأدلة على شرع العمل بخبر الواحد مَوردُها في البالغين". اه.
• وقال في ترجمة: عبد الله بن محمد بن حميد أبي بكر بن أبي الأسود من "التنكيل" (128):
" ... فعلى ذلك يكون سِنُّ ابن أبي الأسود حين وفاة أبي عوانة خمس عشرة سنة أو أكثر، وكان ابنَ أختِ عبد الرحمن بن مهدي، فقد يكون ساعده هو أو غيره في الضبط، وقد صحح الجمهور السماع في مثل تلك السن وفيما دونها". اه.
__________
(1) راجع الكلام على سن الراوي عند الحديث على شروط قبول الراوي.
(3/302)

• وفي ترجمة: أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست العلاف (37):
تكلم محمد بن أبي الفوارس في روايته عن المطيري وطعن فيه.
قال الشيخ المعلمي:
"ذكره الخطيب عن ابن أبي الفوارس، ثم روى عن عيسى بن أحمد بن عثمان الهمذاني كلامًا يتعلق بابن دوست، وفيه من قول عيسى: "كان محمد بن أبي الفوارس يُنكر علينا مُضينا إليه وسماعَنا منه، ثم جاء بعد ذلك وسمع منه".
فكأن ابنَ أبي الفوارس تكلم أولًا في سماع ابن دوست من المطيري؛ لأنه كان عند موت المطيري ابن اثنتي عشرة سنة، ثم كأنه تبين لابن أبي الفوارس صحة السماع، فعاد فقصد ابن دوست، وسمع منه؛ وذلك أن والد ابن دوست كان من أهل العلم والصلاح والرواية والثقة، ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج 3 ص 409)، ووفاته سنة 381، ومولد أحمد سنة 323، فقد وُلد له في شبابه، فكأنه اعتنى به، فَبَكَّرَ به للسماع، وقَيَّدَ سماعَه، وضَبَطَهُ له على عادة أهل العلم في ذاك العصر، وقد صَحَّحَ المحدثون سماعَ الصغير المميز". اه.
قال أبو أنس:
سماع الصغير وإن دلت القرائن أحيانا على أنه ضَبط ما سمع أو ضُبط له، إلا أنه من أحد أسباب التعليل المعروفة عند النقاد؛ فيستصغرون بعض الرواة في شيوخهم، كما سبق، وسيأتي في الكلام على شرط انتفاء العلة من شروط قبول الحديث.
* * *
(3/303)

المسألة الثالثة
في بيان حد الضابط لحديثه، وهل من شرط الضابط أن لا يقع له النسيان أو الشك؟
• قال العلامة المعلمي في النوع الثامن من "طليعة التنكيل" رقم (1):
"لا يلزم من النسيان اختلالُ الضبط؛ فإن الناسي إن نسي الحديثَ أصلا لم يُحَدِّثْ به البَتَّة، وكيف يُحدث به وهو ناسٍ له؟
وإن عرض له ترددٌ في قصةٍ أو في بعضها، فإنه إذا كان ضابطا لم يُحدث بها، أو يُحدث بها ويبين التردد والشك.
فالضابطُ هو الذي لا يُحدث إلا بما يُتْقِنُهُ، فما لم يُتْقِنْهُ لم يُحدث به، أو حَدث به وبَيَّن شَكَّهُ، سواء أكان عدمُ الإتقان لذاك أول مرّة عند التلقي أم عارضا". اه.
* * *
(3/304)

المسألة الرابعة
هل الضبط يتجزأ؟
• في ترجمة: محبوب بن موسى أبي صالح الفراء من "التنكيل" (183):
"قال أبو داود: ثقة، لا يُلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب".
فقال العلامة المعلمي:
"فقوله: ثقة، يدفع عنه الكذب والمجازفة والتساهل الفادح، ويعين أن المقصود أنه كان لا يُتقن حفظَ الحكاياتِ كما يحفظُ الحديثَ، فكان إذا حكاها من حفظه يخطىء.
فلا يُحتج من حكاياته إلا بما رواه من كتابه، أو توبع عليه، أو ليس بمظنة للخطأ.
وقد قال العجلي: "ثقة صاحب سنة". وقال ابن حبان في "الثقات": "متقن فاضل". وقال أبو حاتم: "هو أحب إلي من المسيب بن واضح"". اه.
* * *
(3/305)

المسألة الخامسة
الأمية وأثرها في ضبط الراوي
• قال الشيخ المعلمي في النوع الثامن من "طليعة التنكيل"، مثال رقم (1) (ص 69):
"أما الأمية، فليست مما يوجب قلةَ الضبط، وإنما غايتُها أن يكون في رواية صاحبها كثيرٌ من الرواية بالمعنى، وليس ذلك بقادح". اه.
قال أبو أنس:
الرواية بالمعنى، وإن لم تكن سببا للقدح في ضبط الراوي -إذْ فَعَلها كثير من الأكابر- إلا أنها تُعد أحيانا من أسباب الوهم والتعليل، كما هو معلوم، وسيأتي في موضعه.
* * *
(3/306)

المسأله السادسة
أوجه الطعن في ضبط الراوي أو مظاهر خفة ضبط الراوي
وفيه ستة أوجه:
الوجه الأول: وقوع الخطأ في حديث الراوي.
الوجه الثاني: التغير والاختلاط.
الوجه الثالث: قبول التلقين لما ليس من حديثه.
الوجه الرابع: الإدخال في حديثه.
الوجه الخامس: الغفلة.
الوجه السادس: النسيان.
* * *
(3/307)

الوجه الأول
وقوع الخطأ في حديث الراوي
وفيه مطلبان:

المطلب الأول
تفاوت درجات وقوع الخطأ في حديث الراوي، وأثر ذلك في الحكم عليه بالقبول والرد
وفيه قضايا:
القضية الأولي
الخطأ اليسير لم يسلم منه أحد، ولا يقدح في ضبط الراوي
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: الحارث بن عمير رقم (68) من "التنكيل":
" ... ومثل هذا الخطأ -وهو وصلُ المرسل- وأظهرُ منه: قد يقعُ للأكابر؛ كمالك والثوري، والحُكم المُجمعُ عليه في ذلك: أنَّ من وقع منه ذلك قليلا لم يضره، بل يُحتجّ به مطلقا، إلا فيما قامت الحجةُ على أنه أخطأ فيه". اه.
• وقال في ترجمة حنبل بن إسحاق رقم (86):
"قال الدارقطني: كان صدوقا، وقال الخطيب: كان ثقة ثبتا، وتخطئته في حكايةٍ إنما تدل على اعتقاد أنه لم يكن معصوما من الخطأ، وليس هذا مما يوهن الثقة المكثر
(3/309)

كحنبل، وقد خَطَّأَ أهلُ العلم جماعةً من أَجِلَّةِ الصحابة، بل قالوا: إن الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام قد يُخطئون في أمور الدنيا، بل قال بعضهم: قد يُعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين ولكن يُنبَّهون في الحال؛ لمكان العصمة في التبليغ، وقد تعرضت لذلك في قسم الاعتقاديات.
والمقرر عند أهل العلم جميعا: أن الثقةَ الثبتَ قد يُخطىء، فإن ثبت خطؤه في شيء، فإنما يُترك ذاك الشيءُ، فأما بقية روايته فهي على الصواب، ومن ادَّعَى الخطأ في شيء فعليه البيان". اه.
• وقال في ترجمة: محمد بن عثمان بن أبي شيبة رقم (219):
"وليس من شرط الثقة أن لا يخطىء ولا يهم، فما من ثقة إلا وقد أخطأ، وإنما شرط الثقة أن يكون صدوقا، الغالب عليه الصواب، فإذا كان كذلك فما تبين أنه أخطأ فيه اطرح، وقُبل ما عداه، والله الموفق". اه.
• وقال في ترجمة: هشام بن عروة رقم (261):
"أما الوهم، فإذا كان يسيرا، يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات، فلا يستحق أن يُسمَّى خللا في الضبط، ولا ينبغي أن يُسمى تغيرا". اه.
• وفي ترجمة: الهيثم بن جميل (263):
قال ابن عدي: لم يكن بالحافظ، يغلط على الثقات.
فذكر الشيخ المعلمي مَنْ وثقه ووصفه بالحفظ، ثم قال:
"أما الغلط، فذكر له الذهبي في "الميزان" حديثًا واحدًا، فإن كان هو الذي أشار إليه ابن عدي، فابن عدي هو الغالط ...
وذكره الدارقطني في "السنن" (ص 498) ثم قال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ.
(3/310)

أقول: فإن حُكم للهيثم كما قد يُشعر به كلام الدارقطني فذاك (1)، وإن ترجح خطؤه كما يُشير إليه كلامُ ابن عدي، فمثل هذا الخطأ اليسير لم يَسْلم منه كبار الأئمة، كما يُعلم من كتب العلل". اه.
* * *
__________
(1) يعني: لإردافه تفرد الهيثم بقوله: وهو ثقة حافظ، فكأن فيه ميلا إلى عدم تخطئته في ذلك. والله تعالى أعلم.
(3/311)

القضية الثانية
تقديم من لم يوصف بالخطأ على من وصف به
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (2/ 159):
"عبد الله بن الحارث (1) فإنه أثبت من زيد بن الحباب؛ فإن زيدًا قد وصف بأنه يخطىء، ولم يوصف بذلك عبد الله، وكلاهما ثقتان من رجال مسلم". اه.
القضية الثالثة
كثرة الخطأ وأثرها في قبول حديث الراوي
• في ترجمة: مؤمل بن إسماعيل (253):
يقول فيه البخاري: منكر الحديث. ويقول أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير.
فقال الشيخ المعلمي:
"وثقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني، ووصفاه بكثرة الخطأ، ولَخَّصَ محمد بن نصر المروزي حالَهُ، فقال: إذا انفرد بحديثٍ وجب أن يُتوقف فيه ويُتثبت؛ لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط.
فَحَدُّه أن لا يُحتج به إلا فيما تُوبع فيه، وفيما ليس من مظانِّ الخطأ". اه.
__________
(1) يعني: ابن عبد الملك المخزومي.
(3/312)

القضية الرابعة: ليس كل من وصف بالغلط أو الخطأ ونحوه من أوجه الطعن في الضبط يجب تخطئته في كل موضع، بل فيما قامت الحجة على خطئه فيه أو كان من مظان الخطأ.
• في ترجمة: سفيان بن وكيع من "التنكيل" (100):
في "تاريخ بغداد" (13/ 379) عنه (أعني: سفيان بن وكيع) قال: جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة، فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حمادًا يقول: بعث ابنُ أبي ليلى إلى أبي حنيفة، فسأله عن القرآن ...
قال الكوثري: كان وراقُه كذابا، يُدخل في كتبه ما شاء من الأكاذيب، فيرويها هو، فنبهوه على ذلك، وأشاروا عليه أن يُغير وراقَهُ، فلم يفعل، فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقاد.
فقال الشيخ المعلمي:
"حَسَّنَ الترمذي بعضَ أحاديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان شيخًا فاضلا صدوقا، إلا أنه ابتلي بوراق سوء ... وهو من الضرب الذين لأن يخر أحدهم من السماء أحب إليهم من أن يكذبوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وذكر له ابن عدي خمسة أحاديث معروفة، إلا أن في أسانيدها خللا، ثم قال: إنما بلاؤه أنه كان يتلقن، يقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه، أو مرسل يوصله، أو يبدل رجلا برجل.
والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين، ولا من مظنة الإدخال في الكتب، فإذا صح أن هذا الرجل صدوق في نفسه، لم يكن في الطعن فيه بقصة الوراق فائدة هنا". اه.
(3/313)

• وفي ترجمة: سلام بن أبي مطيع رقم (101):
قول سلام: كان أيوب قاعدا في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة ...
فرد الكوثري الحكاية بقوله: قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به.
فقال الشيخ المعلمي:
"هذا رجل من رجال "الصحيحين" منسوبٌ إلى العقل، لا إلى الغفلة، فكأن الحاكم صَحَّف، قال أبو داود: كان يُقال هو أعقل أهل البصرة.
وقال البزار: كان من خيار الناس وعقلائهم.
وقال أحمد وأبو داود: ثقة.
وقال ابن عدي: لم أر أحدا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة، وهو مع ذلك كله عندي لا بأس به.
فكأن ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريبا، فأطلق.
وروايته هنا ليست عن قتادة، وإنما هي قصة جرت لأيوب شهدها سلام، وليس ذلك من مظنة الغلط". اه.
• وفي ترجمة: سلمة بن كلثوم رقم (103) منه:
أبو توبة: حدثنا سلمة بن كلثوم، وكان من العابدين، ولم يكن في أصحاب الأوزاعي أحيى منه، قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة ...
فرد الكوثري هذه الحكاية بقوله: يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم -يعني سلمة.
فقال الشيخ المعلمي:
"عبارة الدارقطني على ما في "التهذيب": "يهم كثيرا"، وليست حكايته هذه مظنة للوهم، وقد توبع عليها، وقال أبو اليمان: كان يقاس بالأوزاعي". اه.
(3/314)

• وفي ترجمة: محمد بن أعين أبي الوزير رقم (194) من "التنكيل":
أنه حضر واقعة لعبد الله بن المبارك ... كما في "تاريخ بغداد" (ج 13 ص 384)، وقد كان خادمه ووصيه، فطعن الكوثري في الحكاية بقوله: وكون المرء خادما أو كاتبا أو وصيا أو معتمدا عنده في شيء ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم ...
فقال الشيخ المعلمي:
" ... وابن أعين قالوا: أوصى إليه ابن المبارك وكان من ثقاته، وابن المبارك كان رجلا في الدين، ورجلا في الدنيا، فلم يكن ليعتمد بثقته في حياته وإيصائه بعد وفاته إلا إلى عدل أمين يقظ، لا يُخشى منه الخطأ في حفظ وصاياه وتنفيذها، فهذا توثيق فعلي، قد يكون أبلغ من التوثيق القولي.
غاية الأمر أنه قد يقال: ليس من الممتنع أن يكون ابن أعين ممن ربما أخطأ في المواضع الملتبسة من الأسانيد، وهذا لا يضر هنا؛ لأن روايته في "تاريخ بغداد" إنما هي واقعة لابن المبارك ... ". اه.
• وفي ترجمة: إسحاق بن إبراهيم الحنيني رقم (42) من "التنكيل":
في "تاريخ بغداد" (13/ 396) من طريق: الحسن بن الصباح، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك ...
... قال البزار: كُفَّ بصرُهُ، فاضطربَ حديثُه.
قال المعلمي:
" ... كلمةُ البزار تقضي أن حديثَه كان قبل عماه مستقيما، فينظر متى عمي؟ ومتى سمع منه الحسن بن الصباح؟ وهل روايته التي ساقها الخطيب من مظانِّ الغلط؟ ". اه.
(3/315)

• وفي ترجمة: مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبي مصعب اليساري الأصم، رقم (247) من "التنكيل":
في "تاريخ بغداد" (13/ 399) من طريق القاسم بن المغيرة الجوهري حدثنا مطرف أبو مصعب الأصم قال: سئل مالك بن أنس عن قول عمر في العراق: بها الداء العضال. قال: الهلكة في الدين ...
فرد الكوثري هذا الأثر بقول ابن عدي في مطرف: يروي المناكير عن ابن أبي ذئب ومالك.
فقال الشيخ المعلمي بعد النظر فيما أورده ابن عدي في ترجمة مطرف من أحاديث:
"والأثر: إن بالعراق الداء العضال، ثابت في "الموطأ" عن مالك، ومطرف يقول: سئل مالك، فليس هنا مظنة الخطأ.
ومطرف قال فيه أبو حاتم: مضطرب الحديث، صدوق. ورجحه على إسماعيل ابن أبي أويس.
وقال ابن سعد والدارقطني: ثقة.
وروى عنه أبو زرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما مر مرارا، وروى
عنه البخاري في "صحيحه"". اه.
• وفي ترجمة: مؤمل بن إسماعيل رقم (253) من "التنكيل":
قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير.
ووثقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني، ووصفاه بكثرة الخطأ، ولَخَّصَ محمد بن نصر المروزي حاله، فقال: إذا انفرد بحديثٍ وجب أن يُتوقف فيه ويُتثبت؛ لأنه كان سيء الحفظ، كثير الغلط.
فَحَدُّهُ أن لا يُحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظانِّ الخطأ". اه.
(3/316)

• وفي ترجمة: علي بن عاصم رقم (162):
قال الشيخ المعلمي:
"فأما علي بن عاصم فالذي يظهر من مجموع كلامهم فيه أنه خلط في أول أمره، ثم تحسَّنت حالُه، وبقي كثرة الغلط والوهم، فما حدث به أخيرا ولم يكن مظنة الغلط فهو جيد". اه.
* * *
(3/317)

المطلب الثاني
الإصرار على الخطأ وأثره في قبول الراوي
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: المسيب بن واضح (245):
قال أبو حاتم: صدوق يخطىء كثيرا، فإذا قيل له لم يَقْبَل.
أقول: "ذكر الخطيب في "الكفاية" (ص 143 - 147) ما يتعلق بخطأ الراوي، وبعدم رجوعه، فذكروا أنه يُرد روايةُ من كان الغالب عليه الغلط، ومن يغلط في حديثٍ مجتمع عليه، فَيُنْكَرُ عليه، فلا يرجع.
ومعلومٌ من تصرفاتهم ومن مقتضى أدلتهم أن هذا حُكمُ الغلط الفاحش الذي تعظم مفسدتُه، فلا يدخلُ ما كان من قَبيل اللحن الذي لا يُفسد المعنى، ومن قبيل ما كان يقع من شعبة من الخطأ في الأسماء، وما كان يقع من وكيع وأشباه ذلك، وكما وقع من مالك؛ كان يقول في عمرو بن عثمان: "عمر بن عثمان"، وفي معاوية بن الحكم: "عمر بن الحكم"، وفي أبي عبد الله الصنابحي: "عبد الله الصنابحي"، وقد جاء عن معن بن عيسى أنه ذكر ذلك لمالك، فقال مالك: "هكذا حفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطىء، ومن يَسلم من الخطأ". فلم يرجع مالك مع اعترافه باحتمال الخطأ.
فكلمةُ أبي حاتم في المسيب لا تدل على أنه كان الغالب عليه، ولا أن خطأه كان فاحشا، ولا أنه بُيِّنَ له في حديثٍ اتفاقُ أهل العلم على تخطئته فلم يرجع.
وقد قال أبو عروبة في المسيب: "كان لا يحدث إلا بشيء يعرفه يقف عليه". وهذا يُشعر بأن غالب ما وقع منه من الخطأ ليس منه بل ممّن فوقه، فكان يَثبت على ما سمع قائلا في نفسه: إن كان خطأ فهو ممّن فوقي لا مني". اه.
(3/318)

• وقال الشيخ في ترجمة: الهيثم بن خلف الدوري من "الطليعة" (ص 41):
"الخطأ الذي يضر الراوي الإصرارُ عليه هو ما يُخشى أن تترتبَ عليه مفسدةٌ، ويكون الخطأ من المُصِرّ نفسِه، وذلك كمن يسمع حديثًا بسند صحيح، فيغلط فيركب على ذاك السند متنًا موضوعًا، فينبهه أهلُ العلم، فلا يرجع، وليس ما وقع للهيثم من هذا القبيل، إنما وقع عنده في حديث: الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عتبان، وقع عنده "محمد بن الربيع" بدل "محمود بن الربيع" وثبت على ذلك، وهذا لا مفسدة فيه، بل ثبات الهيثم يدل على عظم أمانته وشدة تثبته؛ إِذْ لم يستحل أن يغير ما في أصله، وقد وقع لمالك بن أنس الإمام نحو هذا، كان يقول في عمرو بن عثمان: "عمر بن عثمان" وثبت على ذلك". اه.
* * *
(3/319)

الوجه الثاني من أوجه الطعن في ضبط الراوي
التغير والاختلاط
وفيه مطالب:

المطلب الأول
كبر السن أو ذهاب البصر لا يستلزم التغير، فإنا كان فإنه لا يستلزم الاختلاط الاصطلاحي.
• قال الشيخ المعلمي في "طليعة التنكيل" (ص 66):
"بلغ حسان (1) مائة وعشرين سنة، وكان سويد بن غفلة يؤم الناس في قيام رمضان وقد أتى عليه مائة وعشرون سنة، ثم عاش حتى تم له مائة وثلاثون سنة، وبلغ أبو رجاء العطاردي مائة وسبعًا وعشرين سنة، وبلغ أبو عمرو سعد بن إياس الشيباني مائة وعشرين سنة، وبلغ المعرور بن سويد مائة وعشرين سنة، وبلغ زر بن حبيش مائة وسبعًا وعشرين سنة، وبلغ أبو عثمان النهدي مائة وثلاثين، وقيل: مائة وأربعين سنة، وحسان صحابي، والستة الباقون كلهم ثقات أثبات، مجمع على الاحتجاج بروايتهم مطلقًا، ولم يطعن أحدٌ في أحدٍ منهم بأنه تغير بأخرة". اه.
• وفي "الطليعة" أيضا (ص 72):
"بلوغ التسعين لا يستلزم اختلال الضبط، ويتأكد ذلك في هؤلاء المتأخرين؛ لأن اعتمادهم على أصولٍ مثبتة منقحة محفوظة، لا على الحفظ، والله الموفق". اه.
__________
(1) يعني: ابن ثابت.
(3/320)

• وفي ترجمة: سفيان بن عيينة (99):
"كان ابن عيينة أشهر من نار على علم، فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحي لسارت بذلك الركبان، وتناقله كثيرٌ من أهل العلم، وشاع وذاع ... فالحق أن ابن عيينة لم يختلط ولكن كبر سنه، فلم يبق حفظه على ما كان عليه، فصار ربما يخطىء في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في إتقانها؛ كحديثه عن أيوب، والذي يظهر أن ذلك خطأ هين، ولهذا لم يعبأ به أكثر الأئمة، ووثقوا ابن عيينة مطلقا". اه.
• وفي ترجمة: محمد بن ميمون أبي حمزة السكري (236):
قال النسائي: "ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذاك فحديثه جيد".
فقال الشيخ المعلمي:
"إنما يُخشى منه بعد عماه أن يحدث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطىء، فأما ذِكر ابنِ القطان الفاسي له فيمن اختلط، فلم يُعرف له مستندٌ غير كلام النسائي، وقد علمتَ أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي". اه.
• وقال الشيخ في ترجمة: الحجاج بن محمد الأعور من "التنكيل" (71):
"التغيير أعم من الاختلاط". اه.
• وقال في ترجمة: محمد بن عبد الله أبي عبد الله الحاكم النيسابوري صاحب "المستدرك" (215):
"قولهم: "تغير وغفلة" لا يؤدي معنى الاختلاط". اه.
• وقال في ترجمة الحجاج أيضًا:
"إما أن لا يكون حجاج اختلط، وإنما تغير تغيرًا يسيرًا لا يضر ... ". اه.
(3/321)

• وقال في ترجمة: هشام بن عروة رقم (261):
"أما النسيانُ، فلا يلزمُ منه خللٌ في الضبط؛ لأن غايتَهُ أنه كان أولًا يحفظ أحاديثَ، فحدث بها، ثم نسيها، فلم يحدث بها". اه.
• ونَبَّهَ أيضًا في ترجمة: أبي عبد الله الحاكم رقم (215) من "التنكيل":
أن كبرَ السِّنِّ والحاجةَ إلى مطالعة الكتب عند المذاكرة لا يستلزم الغفلة.
* * *
(3/322)

المطلب الثاني
قد يتغير الرجل أو يختلط ولا يظهر له في ذلك الحال ما يُنكر عليه
• قال في ترجمة الحجاج تتمة لما سبق:
" ... وإما أن لا يكون سمع منه أحدٌ في مدة اختلاطه، وهو أقرب، فكأن يحيى بن معين ذهب إلى حجاج عقب قدومه، فأحسَّ بتغيره، فقال لابنه: لا تدخل عليه أحدا، ثم عاد يحيى عشية ذاك اليوم في الوقت الذى جرت العادة بالدخول فيه على القادم للسماع منه؛ خشيةَ أن لا يعمل ابنُ حجاج بما أمره به، فوجد الأمر كذلك: أَذن لهم الابن، فدخلوا، ويحيى معهم، فسكت أولًا، فلما أخذ حجاج الكتاب، فخلط، قال يحيى للابن: ألم أقل لك؟ فكأنهم قطعوا المجلس، وحجبوا حجاجًا حتى مات، فلم يَسمعْ منه أحدٌ في الاختلاط.
فلما وَثقَ يحيى وبقيةُ أهلِ العلم بذلك، لم يروا ضرورةً إلى أن يُشيعوا اختلاطَ حجاج، وبيان تاريخه، بل كانوا يوثقونه ويوثقون كثيرًا من الذين سمعوا منه مطلقًا؛ لعلّمهم أن ما بأيدى الناس من روايته كله كان في حال تمام ضبطه.
• وفي ترجمة حجاج من مقدمة "الفتح":
"أجمعوا على توثيقه وذكره أبو العرب الصقلي في "الضعفاء" بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، لكن ما ضره الاختلاط فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يدخل عليه بعد اختلاطه أحدًا". اه.
• وفي ترجمة: محمد بن الفضل السدوسي المشهور بعارم (228):
اختلط اختلاطا شديدا بعد سنة 220.
(3/323)

قال الشيخ المعلمي:
"قال الدارقطني: "تغير بأخرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديثٌ منكرٌ، وهو ثقة"، وخالفه ابنُ حبان، فردَّ عليه الذهبي كما في "الميزان". اه.
قال أبو أنس:
في ترجمة عارم من "الميزان":
" ... وقال أبو حاتم أيضًا: اختلط عارم في آخر عمره، وزالَ عقلُه، فمن سمع منه قبل العشرين ومائتين فسماعه جيد.
ولقيه أبو زرعة سنة اثنتين وعشرين.
وقال البخاري: تغير عارم في آخر عمره.
وقال أبو داود: بلغني أن عارما أُنكر سنة ثلاث عشرة ومائتين، ثم راجعه عقله، ثم استحكم به الاختلاط سنة ست عشرة ومائتين.
وقال الدارقطني: تغير بأَخَرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديثٌ منكرٌ، وهو ثقة.
قال الذهبي: فهذا قولُ حافظِ العصر الذي لم يأتِ بعد النسائي مثله، فأين هذا القولُ من قولِ ابن حبان الخَسَّاف المتهور في عارم، فقال: اختلط في آخر عمره وتغير، حتى كان لا يدري ما يُحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لم يُعلم هذا من هذا تُرك الكُلُّ، ولا يُحتج بشيء منها.
قلت: ولم يَقْدِرْ ابنُ حبان أن يسوق له حديثا منكرا، فأين ما زعم؟ ". اه.
* * *
(3/324)

المطلب الثالث
رواية حاكي الاختلاط عن المختلط هل يُعتد بها؟
• في ترجمة: نعيم بن حماد من "التنكيل" (258):
ذكر الشيخ المعلمي مما أُخذ على حماد حديثا أخرجه الحاكم في "المستدرك" (ج 4 ص 430):
" ... نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فرقة: قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرمون الحلال، ويحللون الحرام". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
فقال المعلمي:
"هذا الحديثُ أشدّ ما أُنكر على نعيم، أنكره ابن معين ووثَّق نعيما، وقال: "شُبِّه له". وقال دحيم: "هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية". يعني: أن إسناده مقلوب ... وقد تابع نعيمًا على روايته عن عيسى بن يونس جماعةٌ، منهم ثلاثة أقوياء: سُوَيْد بن سعيد الحدثاني، وعبد الله بن جعفر الرقي، والحكم بن المبارك الخواستي.
... والرقي مُوَثَّقٌ، إلا أنه نُسب إلى الاختلاط بأَخَرة، لكن ذكر ابنُ حبان أن اختلاطه لم يكن فاحشًا، وراوي هذا الحديثِ عنه ثقةٌ، وهو الذي أخبر بأنه اختلط (1)، فقد يقال: لو عَلم أنه اختلط اختلاطًا شديدًا، وكان إنما سمع منه هذا
__________
(1) هو هلال بن العلاء الرقي، قال: ذهب بصره سنة ست عشرة ومائتين، وتغير سنة ثماني عشرة ومائتين، ومات سنة عشرين ومائتين. "تهذيب الكمال" (14/ 378)
وهلال إنما قال أبو حاتم: "صدوق"، وقال النسائي: "صالح"، وفي موضع آخر: "ليس به بأس، روى أحاديث منكرة عن أبيه، فلا أدري الريب منه أو من أبيه" وذكره ابن حبان في "الثقات".
(3/325)

الحديث عند اختلاطه، لكان الظاهر أن لا يرويه عنه إلا مقرونا ببيان أنه إنما سمع منه هذا الحديث بعد الاختلاط (1) ... ". اه.
* * *
__________
(1) قد أجبتُ عما دافع به الشيخ المعلمى عن هذا الحديث في ترجمة نعيم من القسم الأول من هذا الكتاب.
(3/326)

الوجه الثالث من أوجه الطعن في الضبط: قبول التلقين
وهو من مظاهر غفلة الراوي وقلة ضبطه، وهو كذلك من أسباب التعليل.
وفيه مطالب:

المطلب الأول
معنى التلقين وعلاقته بالوضع ونحوه
• في "الفوائد المجموعة" (ص 407):
حديث: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع صوت غناء، فقال: انظروا ما هذا؟ قال أبو برزة: فصعدت فنظرت فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان، فجئت فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم-. فقال: اللهم اركسهما في الفتنة ركسًا ودعّهما إلى النار دعًّا".
رواه أبو يعلى عن أبي برزة مرفوعًا. وقد ذكره ابن الجوزي في "موضوعاته". وقال: لا يصح؛ يزيد بن أبي زياد كان يتلقن.
قال في "اللآلىء": هذا لا يقتضى الوضع.
فتعقبه الشيخ المعلمي بقوله:
"لكنه مظنة رواية الموضوع؛ فإن معنى قبول التلقن أنه قد يقال للراوي: أَحَدَّثَكَ فلانٌ عن فلانٍ بكيت وكيت؟ فيقول: نعم، حدثني فلان عن فلان بكيت وكيت، مع أنه ليس لذلك أصل، وإنما تَلَقَّنَهُ، وتَوَهَّمَ أنه من حديثه.
(3/327)

وبهذا يتمكن الوضاعون أن يضعوا ما شاءوا، ويأتوا إلى هذا المسكين فيلقنونه فيتلقن، ويروي ما وضعوه". اه.
• وقال الشيخ المعلمي في (ص 215) من "الفوائد":
"ابن لهيعة لم يكن يتعمد الكذب، ولكن كان يدلس، ثم احترقت كتبه وصار من أراد جمع أحاديث على أنها من رواية ابن لهيعة، فيقرأ عليه، وقد يكون فيها ما ليس من حديثه، وما هو في الأصل من حديثه، لكن وقع فيه تغيير، فيقرأ ذلك عليه، ولا يرد من ذلك شيئا، ويذهبون يروون عنه، وقد عوتب في ذلك فقال: "ما أصنع؟ يجيئونني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك فأحدثهم ... ". اه.
* * *
(3/328)

المطلب الثاني
جواز التلقين على سبيل الامتحان مع بيان ذلك في المجلس وأن الشيخ يسقط بكثرة قبوله له
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: الحجاج بن محمد الأعور رقم (71) من "التنكيل":
"التلقنُ القادحُ في الملقّن هو أن يوقعَ الشيخَ في الكذب ولا يُبَيِّنُ، فإن كان إنما فعلَ ذلك امتحانا للشيخِ، وبَيَّنَ ذلك في المجلس لم يضره.
وأما الشيخ فإن قبل التلقين وكثر ذلك منه فإنه يسقط.
دخل حفص بن غياث ويحيى بن سعيد القطان على موسى بن دينار المكي، فوجدا عنده أبا شيخٍ جاريةَ بن هرم الفُقيمي، فجعل حفص يقول لموسى امتحانا: حدَّثَتْكَ عائشةُ بنت طلحة عن عائشة بكذا؟ وحدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا؟ وحدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بكذا؟ ويذكر أحاديث قد علم أن موسى لم يسمعها ممن ذَكر، فأجابه موسى بالإثبات.
وكان أبو شيخ مغفلا فكتبها، فلما فرغ حفص مَدَّ يده إلى ما كتبه أبو شيخ فمحاه، وبَيَّنَ له الواقع. راجع ترجمة موسى وجارية من "لسان الميزان". اه.
* * *
(3/329)

المطلب الثالث
الإعلال باحتمال وقوع التلقين ممن جُرِّبَ عليه ذلك
• قال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد" (ص 219):
"هشام -يعني: ابن عمار- ثقة، ولكنه في آخر عمره صار يُلَقَّنُ فَيَتَلَقَّنُ، أَعَلَّ أبو حاتم بهذا أحاديث عديدة". اه.
قال أبو أنس:
انظر المواضع الآتية من "علل الرازي":
[1575 - 1743 - 1899 - 2469 - 2629] وفيها التصريح بقبول هشام بن عمار للتلقين، و [1154 - 1481] وفيها ذكر الإدخال عليه، ومُؤَدَّاهُما واحدٌ. والترقيم يتوافق مع النسخة التي قمتُ بضبطها على النسخ الخطية، وقيَّدتُ عليها مُلحًا تَشرحُ غَوامِضها، وتُبينُ معانيها، سميتها: "ملح الحديث على كتاب علل الحديث"، يسر الله إتمامها.
* * *
(3/330)

الوجه الرابع من أوجه الطعن في الضبط: الإدخال في حديث الراوي
وفيه مطالب:

المطلب الأول
الإدخال القادح وغير القادح
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: دعلج بن أحمد السجزي رقم (90) من "التنكيل":
فأما مطاعن الأستاذ (الكوثري) في دعلج ...
فثالثها: أن الرواة الأظناء كانوا يبيتون عنده، ويُدخلون في كتبه، وهذا تَخَرُّصٌ، نعم حُكي عن رجلٍ غيرِ ظِنِّين أنه بات عنده، وأَرَاهُ مالَهُ، ولم يَقل أن كتبه كانت مطروحةً له ولا لغيره ممّن يُخشى منه العبث بها.
فأما إدخالُ بعضِهم عليه أحاديث، فذلك لا يقتضي الإدخالَ في كتبه؛ بل إذا استخرجَ الشيخُ أو غيرُه من أصوله أحاديثَ، وسَلمها إلى رجلٍ لِيُرتبَها، وينسخها، فذهب الرجل ونسخها، وأدخل فيها أحاديثَ ليست من حديث الشيخ، وجاء بالنسخة فدفعها إليه ليحدث بها، صدق أنه أدخل عليه أحاديث.
ثم إذا كان الشيخُ يقظا، فاعتبر تلك النسخة بحفظه، أو بمراجعة أصوله، أو دفعها إلى ثقةٍ مأمونٍ عارفٍ، كالدارقطني، فاعتبرها، فأخرج تلك الزيادة، ولم يحدث بها الشيخُ، لم يكن عليه في هذا بأس.
(3/331)

ولعله هكذا جَرَى؛ فقد قال الخطيب في دعلج: كان ثقةً ثبتا، قَبِلَ الحكامُ شهادتَهُ، وأثبتوا عدالتَهُ ... وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله، والمصنف له كتبه، فحدثني أبو العلاء الواسطي عن الدارقطني قال: صنفت لدعلج "المسند الكبير" فكان إذا شك في حديث ضرب عليه، ولم أر في مشايخنا أثبت منه ... "
... جعل الأستاذ (الكوثري) المُدخِلين جماعة، والمعروفُ رجلٌ واحدٌ، ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج 11 ص 385):
علي بن الحسن (1) بن جعفر أبو الحسن البزاز يعرف بابن كرنيب وبابن العطار المخرمي ... بلغني عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري قال: ذكر الدارقطني ابن العطار فذكر من إدخاله على المشايخ شيئا فوق الوصف، وأنه أشهد عليه واتخذ محضرا بإدخاله أحاديث على دعلج ... ".
وذلك لا يضر دعلجا وروايته ما لم يثبت أن ذلك كان على وجهٍ يوجب القدح فيه، وذلك مدفوع بأن المُخبرَ بذلك وكاتب المحضر ... هو الإمام أبو الحسن الدارقطني، وهو الذي كان الناظر في أمور دعلج، والمصنِّف له كتبه، وهو الذي وثَّقَهُ أثبتَ توثيق كما سلف". اه.
* * *
__________
(1) في "التنكيل": الحسين، وهو خطأ.
(3/332)

المطلب الثاني
شأن من أُدخلت عليه أحاديث ألا يُقبل منه إلا ما رواه عنه متثبت ينظر في أصول كتبه
• قال الشيخ المعلمي في تعليقه على حديث: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله" من "الفوائد المجموعة" (ص 244):
" ... أما عن أبي أمامة، فتفرد به بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، وبكر بن سهل ضعفه النسائي، وهو أهل ذلك؛ فإن له أوابد، وعبد الله بن صالح أُدخلت عليه أحاديثُ عديدة، فلا اعتداد إلا بما رواه المتثبتون عنه بعد اطلاعهم عليه في أصله الذي لا ريب فيه، وعلى هذا حُمل ما عَلَّقَهُ عنه البخاري، فتفرد بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح بهذا الخبر الذي قد عُرف برواية الضعفاء له من طرق أخرى يُوهنه حتما". اه.
• وذكر الشوكاني في "الفوائد" حديث: "لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي وأنا صديقه ... " وقال: رواه ابن حبان، وهو موضوع، وفي إسناده: رشدين، وعبد الله بن صالح، وهما ضعيفان جدا.
فَعَلَّقَ الشيخ المعلمي (ص 172) بقوله:
"رشدين لشدة غفلته، وعبد الله بن صالح أُدخلت عليه أحاديث، وراوي هذا عنه ليس من المتثبتين الذين كانوا ينظرون في أصول كتبه". اه.
* * *
(3/333)

المطلب الثالث
قد يسقط الرجل إذا حدث بأحاديث أدخلت عليه
• قال المعلمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة" (ص 394):
"قيس بن الربيع أُدخلت عليه أحاديث فحدث بها فسقط". اه.
قال أبو أنس:
لأن الإدخال القادح -ومن قبله: التلقين- يدلان على غفلةٍ شديدةٍ، تُوهنُ الثقةَ والاعتمادَ على الراوي، وربما منعت الأمنَ من تلبيسه في أي موضع.
* * *
(3/334)

الوجه الخامس من أوجه الطعن في الضبط: الغفلة
وفيه:
الصدق لا ينافي الوصف بالغفلة والوهم ونحو ذلك.
• ذكر الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص 63) حديث:
"من جاع أو احتاج فكتمه الناسَ وأفضى به إلى الله، فتح الله له برزق [سنة] من حلال".
وقال: رواه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعا، وقال: باطل، آفته إسماعيل بن رجاء الحصني.
قال في "اللآلىء": أخرجه البيهقي في "الشعب" من هذا الطريق، وقال: ضعيف، تفرد به إسماعيل بن رجاء عن موسى بن أعين وهو ضعيف، وأخرجه الخطيب في "المتفق والمفترق" وقال: غريب. وحكى ابن حجر في "اللسان" عن العجلي والحاكم توثيق إسماعيل، وعن أبي حاتم أنه صدوق.
فقال الشيخ المعلمي:
"لكن ضعفه الساجي، والعقيلي، والدارقطني، وابن حبان، وابن عدي، والبيهقي، وأنكروا هذا الحديث.
وقول أبي حاتم: "صدوق" لا يدفع عنه الغفلة، وكذا توثيق العجلي والحاكم؛ فإن كلمة "ثقة" عندهما لا تفيد أكثر مما تفيده كلمة "صدوق" عند غيرهما، بل دون ذلك". اه.
(3/335)

• وذكر الشوكاني فيه (ص 265) حديث:
"لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك".
وقال: قال في "الذيل": لا يصح. وقال الصغاني: موضوع. وقال في "الوجيز": هو من حديث واثلة بن الأسقع، وفيه عمر بن إسماعيل كذاب. وقد أخرجه البيهقي من طريقه.
وقد تابعه أمية بن القاسم عن حفص بن غياث، وقال الترمذي: حسن غريب، وله شاهد عن ابن عمر.
فقال الشيخ المعلمي:
"أما عمر بن إسماعيل فهالك، وأما أمية بن القاسم فذكروا أن الصواب: القاسم ابن أمية. ذكر الرازيان أنه صدوق، وقال ابن حبان: يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، ثم ساق له هذا الحديث.
قال ابن حجر: شهادة أبي زرعة وأبي حاتم أنه صدوق أولى.
أقول: بل الصواب تتبع أحاديثه، فإن وجد الأمر كما قال ابن حبان ترجح قوله، وبان أن هذا الرجل تغيرت حاله بعد أن لقيه الرازيان، وإلا فكونه صدوقا لا يدفع عنه الوهم، وقد تفرد بهذا". اه.
* * *
(3/336)

الوجه السادس من أوجه الطعن في الضبط: النسيان
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: هشام بن عروة من "التنكيل" (216):
"النسيان لا يلزم منه خللٌ في الضبط؛ لأن غايته أنه كان أولًا يحفظ أحاديثَ، فحدث بها، ثم نسيها فلم يحدث بها". اه.
• وقال في ترجمة: أنس -رضي الله عنه- من "الطليعة":
"ذكروا أنه -رضي الله عنه- لما كبر نسي بعض حديثه، لكن لا يلزم من النسيان اختلال الضبط؛ فإن الناسي إن نسي الحديث أصلًا لم يُحدث به البتة، وكيف يحدث به وهو ناسٍ له؟ وإن عرض له ترددٌ في قصةٍ أو في بعضها، فإنه إذا كان ضابطًا لم يحدث بها، أو يحدث بها ويبين التردد والشك، فالضابط هو الذي لا يحدث إلا بما يتقنه، فما لم يتقنه لم يحدث به، أو حدث به وبَيَّنَ شَكَّه، سواء أكان عدم الإتقان لذاك أول مرة عند التلقي أم عارضًا". اه.
• وفي "التنكيل" (2/ 156):
"كان سهيل (1) أصيب بما أنساه بعض حديثه، ومن ذلك هذا الحديث، فكان سهيل بعد ذلك يرويه عن ربيعة (2) ويقول: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه - ولا أحفظه.
والنسيان علة غير قادحة". اه.
__________
(1) يعني: ابن أبي صالح.
(2) يعني: ربيعة الرأي.
(3/337)

القسم الثاني منه أقسام الضبط: ضبط الكتاب
وفيه عشرة مطالب:
المطلب الأول: أهميةُ الضبطِ بالكتابة، وعنايةُ المحدثين بأصلِ السماعِ، والمطالبةُ به إذا حَدَثتْ رِيبةٌ، وهل يُغمزُ الراوي حينيذٍ إذا لم يبرِزْهُ؟ وهل يُعذر أحيانا إذا لم يبرز بروايته أصلا؟
المطلب الثاني: صحة كتاب الراوي تغني عن النص على ضبطه إذا كان صدوقا.
المطلب الثالث: هل تصح رواية الراوي من غير أصله إذا وثق به؟
المطلب الرابع: هل الروايةُ من أصلٍ موثوقٍ فيه أمتنُ أم الرواية من الحفظ.
المطلب الخامس: تقديم المفضول على الفاضل في شيخٍ لروايته عنه من أصله.
المطلب السادس: رواية أهل الثبت والتحري عمن في أصوله سُقْم واضطراب ونحو ذلك.
المطلب السابع: وقوع الخطأ في الحداثة وبقاؤه في الأصل العتيق للشيخ.
المطلب الثامن: ضياع الكتب أو دفنها وأثر ذلك على ضبط الراوي.
المطلب التاسع: رواية الضرير من كتبه.
المطلب العاشر: فوائد تتعلق بالنُسَخِ والأصولِ، وذِكْرِ التسميعات والتصحيحات، وعادة المحدثين في كتابة السماع في كل مجلس، وكيف تصح رواية الحفاظ المتأخرين للكتب الستة ونحوها.
(3/339)

المطلب الأول
أهميةُ الضبطِ بالكتابة، وعنايةُ المحدثين بأصلِ السماعِ، والمطالبةُ به إذا حَدَثتْ رِيبةٌ، وهل يُغمزُ الراوي حينيذٍ إذا لم يُبْرِزْهُ؟ وهل يُعذر أحيانا إذا لم يبرز بروايته أصلا؟
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبي عبد الله العلاف، رقم (37) من "التنكيل":
"اعلم أن المتقدمين كانوا يعتمدون على الحفظ، فكان النقادُ يعتمدون في النقد عدالةَ الراوي واستقامةَ حديثه، فمن ظهرت عدالتُه وكان حديثه مستقيما وثَّقُوه.
ثم صاروا يعتمدون الكتابةَ عند السماع، فكان النقادُ إذا استنكروا شيئا من حديث الراوي طالبوهُ بالأصل.
ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقييد السماع، فشَدَّدَ النقادُ، فكان أكثرُهم لا يسمعون من الشيخ حتى يُشاهدوا أصلَهُ القديم الموثوقَ به، المقيدَ سماعُه فيه، فإذا لم يكن للشيخِ أصلٌ لم يعتمدوا عليه، وربما صرح بعضُهم بتضعيفه، فإذا ادَّعَى السماعَ ممن يستبعدون سماعَه منه كان الأمرُ أَشَدَّ، ولا ريبَ أن في هذه الحال الثالثة احتياطا بالغا.
لكن إذا عُرِفَتْ عدالةُ الرجل، وضبطُه، وصدقُه في كلامه، وادَّعى سماعا محتملا ممكنا، ولم يُبرزْ به أصلا، واعتذر بعذرٍ محتملٍ قريبٍ، ولم يأت بما يُنكَر، فبأي حُجَّةٍ يُرَدُّ خبره؟ ". اه.
• وفي ترجمة: محمد بن أحمد بن الحسن بن القاسم بن الغطريف أبي أحمد الجرجاني الغطريفي الحافظ، رقم (186) من "التنكيل":
قال الكوثري: ... أنكروا عليه حديثه في إهداء الرسول -صلى الله عليه وسلم- جملا لأبي جهل، وكان يزعم أن فلانا وفلانا أفاداه من غير أن يخرج أصله ...
(3/341)

فقال الشيخ المعلمي:
"أما حديث الجمل ففي "الموطأ" في المناسك، باب: ما يجوز من الهدي: مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهدى جملا كان لأبي جهل بن هشام في حج أو عمرة.
وهكذا رواه الناس عن مالك، حتى رواه سويد بن سعيد عن مالك فقال: عن الزهري عن أنس عن أبي بكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ... فأُنكر على سويد حتى قال ابن معين لما ذُكر له هذا: لو أن عندي فرسا خرجت أغزوه.
وممن رواه عن سويد: أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، فاستنكره الناس، فأبرز الصوفي أصله العتيق، ثم تبين أن جماعة رووه عن سويد كذلك.
ثم رواه الغطريفي، إما عن الصوفي كما يظهر من بعض العبارات، وإما عن ابن صاعد، وابن مظاهر عن الصوفي كما يظهر من بعضها.
قال حمزة السهمي في ترجمة الغطريفي من "تاريخ جرجان" (ص 387): وقد أنكروا على أبي أحمد الغطريفي: حيث روى حديث مالك ... وكان يذكر أن ابن صاعد وابن مظاهر أفاداه عن الصوفي هذا الحديث ولا يبعد أن يكون قد سمع، إلا أنه لم يُخرج أصله، وقد حَدَّثَ غيرُ واحد من المتقدمين والمتأخرين هذا الحديث عن الصوفي ...
وفي "تاريخ بغداد" (ج 4 ص 83): أَخْبَرَنَا البرقاني قال: سألتُ أبا بكر الإسماعيلي عن حديثِ الصوفي ... : أهدى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- جملا لأبي جهل؟ فقال: حدثناه بحضرة ابن صاعد وابن مظاهر فاختلفا فيه ... فأخرج الصوفي أصله العتيق فكان كما قال.
قال البرقاني: وحدثناه عن الصوفي أيضًا أبو أحمد الغطريفي كذلك وذكر القصة نحو هذا.
(3/342)

والإسماعيلي إمام، وكذلك البرقاني، وكان الغطريفي رفيق الإسماعيلي في الطلب، ثم كان نازلا في بيته، وروى عنه الإسماعيلي في "الصحيح" أحاديث كثيرة، وسئل عنه فقال: ما علمته إلا صواما قواما.
وكأن الذين أنكروا عليه الحديث توهموا أنه تفرد به، وقد اتضح خطأهم في ذلك.
فأما عدم إبرازه أصله فلا يضره؛ إذ قد يكون قَصَّرَ فلم يكتبه، أو كتبه وغاب عنه أصلُه، أو لم يعثر عليه حينيذٍ؛ فإنه كان مكثرا جدا". اه.
* * *
(3/343)

المطلب الثاني
صحة كتاب الراوي تغني عن النص على ضبطه إذا كان صدوقا
• في ترجمة: سالم بن عصام من "التنكيل" (95):
قال أبو الشيخ الأصبهاني: "كان شيخا صدوقا صاحب كتاب ... ".
فقال الشيخ المعلمي (1):
"صاحبُ الكتاب يكفيه كونُه في نفسه صدوقًا، وكونُ كتابه صحيحا". اه.
• وفي ترجمة: محمد بن موسى البربري منه (235):
قال الكوثري: قال عنه الدارقطني: إنه لم يكن بالقوي، ولم يكن يحفظ غير حديثين، أحدهما موضوع عند الأكثرين.
فقال الشيخ المعلمي:
"كلمة الدارقطني تعطي أنه قوي في الجملة، كما مَرَّ في ترجمة الحسن بن الصباح، وأما الحفظ فليس بشرط، كان علمُ الرجل في كتبه، ومنها يروي، وذلك أثبت من الحفظ ... ". اه.
* * *
__________
(1) جوابا على قول الكوثري: كلمة "صدوق" دون كلمة "ثقة".
(3/344)

المطلب الثالث
هل تصح رواية الراوي من غير أصله إذا وثق به؟
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة ابن حيويه من "التنكيل" (209):
"من المقرر عندهم أن التلميذَ إذا سمعَ وضبطَ أصلَه، ثُمَّ بَعد مُدَّة وَجَدَ في أصل شيخه زيادةً أو مخالفةً لما في أصله لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله.
وقد قال حمزة السهمي في "تاريخ جرجان" (ص 122 - 123):
"أخبرنا أبو أحمد بن عدي ... أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم - في كتابي بخطي: عثراتهم، ورأيتُ في كتاب ابن عدي بخطه: عقوبتهم".
فلو أن حمزة روى ذاك الحديث وقال: "عقوبَتهم"، ثم رأى أهلُ العلم أصلَه، وفيه: "عثراتهم"، فراجعوه في ذلك، فقال: نعم، ولكني بعد سماعي بمُدة رأيتُ في أصل شيخي: "عقوبَتهم" لَعَدُّوا هذا تساهلا.
ومَنْ رَوى مِن أصل شيخِه لا يَأمنُ أن يقعَ في نحو هذا، إلا إذا كان قد كَرَّرَ المقابلةَ، حتى وثق كُلَّ الوثوق بالمطابقة، وأَولى به -وإن وثق كل الوثوق- أن لا يروي إلا من أصل نفسه". اه.
• وفي ترجمة: ابن الغطريف (186):
قال: "أما تحديثه ب "مسند" إسحاق من غير أصله، فمسند إسحاق كتابٌ مصنفٌ محفوظٌ مرويٌّ، فإذا لم يصل إلى أصله الذي سمع فيه، ووصل إلى نسخة أخرى يثق بمطابقتها لأصله، لم يكن عليه حرجٌ في ذلك، وإنما المحذور أن يحدث الرجل من كتابٍ لا يثق بمطابقته لأصله". اه.
(3/345)

المطلب الرابع
هل الروايةُ من أصلٍ موثوقٍ فيه موثوقٍ أمتنُ أم الرواية من الحفظ؟
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: ابن رزق من "التنكيل" (187):
"قد استغنى أهلُ العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة، فمن وثق بصحة نسخةٍ كان له أن يحتج بما فيها، كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب.
والخطيبُ -كما يُعلمُ من "تاريخه"- غايةٌ في المعرفة والتيقظ والاحتياط، فإذا وثق بأن كتبَ ابنِ رزق محفوظةٌ، ثم دَفَعَ إليه ابنُ رزق كتابا منها، فرأى سماعَهُ فيه صحيحا، وعَلم أنه قد رواه مرارا قبل عَمَاهُ، فقد حُقَّ له أن يحتج بما يجدُ فيه، وإن لم يقرأه هو أو غيره بعضرته على ابن رزق، فكيف إذا وفى الحجة بقراءته عليه؟
بل إذا تدبرتَ علمتَ أن الوثوقَ بهذا أمتنُ من الوثوق بما يرويه الرجلُ من حفظه؛ فإن الحفظَ خوَّان". اه.
* * *
(3/346)

المطلب الخامس
تقديم المفضول على الفاضل في شيخٍ لروايته عنه من أصله
قال الشيخ المعلمي في ترجمة: عنبسة بن خالد (176):
"قال الآجري عن أبي داود: عنبسة أحب إلينا من الليث بن سعد، سمعت أحمد ابن صالح يقول: عنبسة صدوق.
كنتُ استعظمتُ هذه الكلمةَ للاتفاق على جلالة الليث وإمامته، ثم تبين لي -كما يرشد إليه السياق- أن مراده: تفضيل عنبسة على الليث في أمرٍ خاص، وهو روايتهما عن يونس بن يزيد الأيلي؛ فإن أصولَ يونس كانت صحيحةً، كما قاله ابن المبارك وغيره، وكان إذا حدث من غيرها ربما يخطىء، وكان الليث سمع من يونس من غير أصوله، وعنبسة سمع من عمه يونس من أصوله، وكانت أصوله عند عنبسة.
ويدل على هذا أن أبا داود قال عقب كلمته تلك: سألت أحمد بن صالح قلت: كانت أصول يونس عنده أو نسخة؟ قال: بعضها أصول، وبعضها نسخة". اه.
* * *
(3/347)

المطلب السادس
رواية أهل الثبت والتحري عمن في أصوله سُقْمٌ واضطراب ونحو ذلك
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: محمد بن عبد الله بن أبان أبي بكر الهيتي (210):
"قال الخطيب: كانت أصولُ أبي بكر الهيتي سقيمةً، كثيرةَ الخطأ، إلا أنه كان شيخا مستورا، صالحا فقيرا، مقلا، معروفا بالخير، وكان مغفلا ... " والخطيب معروف بالتيقظ والتثبت، فلم يكن لم يروي عن هذا الرجل إلا ما يثق بصحته". اه.
• وفي ترجمة: محمد بن علي أبي العلاء الواسطي القاضي (224):
قال الخطيب: رأيت له أصولا مضطربة، وأشياء سماعه فيها مفسود، إما مصلح بالقلم، وإما مكشوط بالسكين.
فقال الشيخ المعلمي:
"ما وقع في أصول أبي العلاء، فالخطيب هو الذي حَقَقَ ذلك فالظن به أنه انتقى من مرويات أبي العلاء ما تبين له صحةَ سماعِه ... ". اه.
• وفي ترجمة: محمد بن نصر بن مالك (237):
قال الأزهري: حضرت عند محمد بن نصر بن مالك، فوجدته على حالة عظيمة من الفقر والفاقة، وعرض عليَّ شيئا من كتبه لأشتريه، ثم انصرفت من عنده وحضرت عند أبي الحسن بن رزقويه، فقال لي: ألَّا ترى ابن مالك؟ جاءني بقطعة من كتب أبي الدنيا، قال: اشترها مني، فإن فيها سماعك معي ... قال الأزهري: فنظرت في تلك الكتب، وقد سمع فيها ابن مالك بخطه لابن رزقويه تسميعا طريا.
(3/348)

قال الشيخ المعلمي:
"فهذا الرجل إنما خلط بأخرة؛ لعظم ما نزل به، والحكاية التي رواها الخطيب من طريقه: راويها عنه من المتثبتين، الذين كانت عادتهم أن لا يسمعوا من الرجل إلا من أصوله الموثوق بها". اه.
* * *
(3/349)

المطلب السابع
وقع الخطأ في الحداثة وبقاؤه في الأصل العتيق للشيخ
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: مطرف بن عبد الله أبي مصعب اليساري الأصم من "التنكيل" (247):
"في ترجمة أحمد بن داود من "اللسان": قال أبو سعيد بن يونس: حَدَّثَ عن أبي مصعب بحديثٍ مناكير، فسألتُه عنه، فأخرجه من كتابه كما حَدَّثَ به.
وفيه بعد ذلك، ذكر حديثه عن أبي مصعب، عن عبد الله بن عمر، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: من رأى مبتلى فقال: الحمد لله، إلخ.
قال: قال ابن عدي: لما حَدَّثَ أحمد بهذا الحديث عن مطرف كانوا يتهمونه ... فظلموه؛ لأنه قد رواه عن مطرف: علي بن بحر (1)، وعباس الدوري، والربيع ...
فقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس هو هذا الحديث: من رأى مبتلى ... إلخ. رآه ابن عدي في أصل أحمد بن داود، وعرف أن غيره قد رواه عن مطرف، ورأى أن الحمل فيه على مطرف البتة، فقاس بقية الأحاديث عليه.
وقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس غير هذا الحديث، ويكون ابن عدي رأى الأحاديث في أصل أحمد بن داود، فاعتقدوا براءته منها للدليل الظاهر، وهو ثبوتها في أصله، فحملها كلها على مطرف.
__________
(1) في "التنكيل": عمر، وهو خطأ.
(3/350)

فإن كان الأمر على هذا الوجه الثاني، فذاك الدليل: وهو ثبوت الأحاديث في أصله، يحتمل الخلل، ففي "لسان الميزان" (ج 1 ص 253):
"أحمد بن محمد بن الأزهر ... قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث، ويجري مع أهل الصناعة فيه، ولا يكاد يُذكر له بابٌ إلا وأغرب فيه عن الثقات، ويأتي فيه عن الأثبات بما لا يتابع عليه، ذاكرته بأشياء كثيرة فأغرب عليَّ فيها، فطاولته على الانبساط، فأخرج إليَّ أصولَ أحاديث ... فأخرج إليَّ كتابه بأصل عتيق ...
قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه ... ". اه.
فهذا رجلٌ روى أحاديثَ باطلة، وأبرز أصله العتيق بها، فإما أن يكون كان دجالا من وقت طلبه، كأن يسمع شيئًا، ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقت طلبه بعض الدجالين، فكان يُدخل عليه ما لم يسمع، كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح، كما تراه في ترجمة: عثمان بن صالح السهمي من مقدمة "الفتح".
وفي ترجمة محمد بن غالب تمتام من "الميزان" أنه أُنكر عليه حديثٌ، فجاء بأصله إلى إسماعيل القاضي، فقال له إسماعيل: ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة.
وفي "الكفاية" (ص 118 - 119) عن حسين بن حبان: "قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجلٍ حَدَّثَ بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحابُ الحديث، إن هو رجع وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها علي، فقد رجعت عنها؟
فقال: لا يكون صدوقا أبدا ... فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتابًا عتيقا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتابٍ عتيقٍ فهو صدوق، فيكون شُبِّهَ له، وأخطأ كما يُخطىء الناس، فيرجع عنها".
(3/351)

فأنت ترى ابن معين لم يجعل ثبوتها في الأصل العتيق دليلًا على ثبوتها عمن رواها صاحب الأصل عنهم، بل حمله على أنه شُبِّهَ له وأخطأ في أيام طلبه.
إذا تقرر هذا فلعل الأحاديث التي ذكرها ابن عدي عن أحمد بن داود عن أبي مصعب رآها ابن عدي في أصلٍ عتيقٍ لأحمد بن داود، فبنى على أن ذلك دليل ثبوتها عن أبي مصعب، وهذا الدليل لا يوثق به كما رأيت، لكن في البناء عليه عذر ما لابن عدي، يَخِفُّ به تعجبُ الذهبي إذ يقول: هذه أباطيل، حاشا مطرفًا من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود، فكيف خفي هذا على ابن عدي؟! ". اه.
• وفي "حاشية الموضح" (1/ 34):
"عبد الله بن عمر -هو ابن محمد بن أبان بن صالح بن عمير القرشي الأموي أبو عبد الرحمن الكوفي- مُشْكُدانه، مُوَثَّقٌ، على ما فيه من الغلو والغفلة.
وفي "الميزان": أنه كان مرة يقرأ التفسير، فمرَّ بقوله تعالى: {يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} فقرأ الكلمة الأخيرة: "ونشرا"، فروجع، فقال: هي منقوطة بثلاث. يعني أنها في كتابه الذي يقرأ منه: "ونشرا"، فقد صَحَّفَها عند كتابته، ثم قرأها على التصحيف". اه.
* * *
(3/352)

المطلب الثامن
ضياع الكتب أو دفنها وأثر ذلك على ضبط الراوي
• في ترجمة: يوسف بن أسباط من "التنكيل" (268):
قال الكوثري: من مغفلي الزهاد، دفن كتبه واختلط، واستقر الأمر على أنه لا يحتج به.
فقال الشيخ المعلمي:
"أما التغفيل والاختلاط فمن مفتريات الكوثري، وأما دفن كتبه فصحيح، وكذلك فعل آخرون من أهل الورع؛ كانوا يرون أن حفظ الحديث وروايته فرض كفاية، وأن في غيرهم من أهل العلم من يقوم بالكفاية وزيادة، ويرون أن التصدي للرواية مع قيام الكفاية بغيرهم لا يخلو من حظ النفس بطلب المنزلة بين الناس، ثم لم يتصد يوسف للرواية بعد أن دفن كتبه، ولكن كان يأمر بالمعروف ويَنهى عن المنكر، ويُرغِّب في الطاعة ويُحذر من المعصية، ويَحُضُّ على اتِّباع السُّنة، ويُنَفِّرُ عن البدعة، فربما احتاج في أثناء ذلك لرواية الحديث، فيذكره من حفظه، فقد يقع له الخطأ في مظانه، وإلى أي حدٍّ كان ذلك؟
قال ابن معين: "ثقة"، وقال ابن حبان في "الثقات": "كان من عباد أهل الشام وقرائهم، سكن أنطاكية، وكان لا يأكل إلا الحلال، فمان لم يجده استف التراب، وكان من خيار أهل زمانه، مستقيم الحديث، ربما أخطأ، مات سنة 195 ".
فعبارة ابن حبان تعطي أن خطأه كان يسيرًا، لا يمنع من الاحتجاج بخبره حيث لم يتبين خطؤه، ويشهد لذلك إطلاق ابن معين أنه ثقة. وقال البخاري: "كان قد دفن كتبه، فصار لا يجيء بالحديث كما ينبغي".
(3/353)

وهذا يُشعر بأنه كان يكثر منه الخطأ في مظانه، وقريبٌ من ذلك قولُ ابن عدي: "من أهل الصدق، إلا أنه لما عدم كتبه صار يحمل على حفظه فيغلط، ويشتبه عليه، ولا يتعمد الكذب، وبالغ الخطيب فقال: "يغلط في الحديث كثيرًا". اه.
قال أبو أنس:
"قال ابن أبي حاتم في "العلل" (2366): سألت أبي: عن حديثٍ رواه المسيب ابن واضح، عن يوسف بن أسباط، عن الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "مدارة الناس صدقة".
قال أبي: هذا حديث باطل، لا أصل له، ويوسف بن أسباط دفن كتبه". اه.
* * *
(3/354)

المطلب التاسع
رواية الضرير من كتبه
• في ترجمة: ابن رزق من "التنكيل" (186):
قال الكوثري: الكفيف لا يؤخذ عنه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب.
فقال الشيخ المعلمي:
"قد حقق الخطيبُ نفسُه هذه القضية في "الكفاية" (ص 226 - 229) و (ص 258 - 259)، وذكر هنالك مَنْ كان يروي من كتبه بعدما عمي، ومنهم: يزيد بن هارون، وأبو معاوية محمد بن خازم، وعبد الرزاق.
والذين حكى عنهم المنع من ذلك اعتلوا بخشية أن يُزادَ في كتاب الأعمى وهو لا يدري.
وغيرهم يقول: المدار في هذا الأمر على الوثوق، فإذا كان الضريرُ واثقا بحفظ كتابه، ثم قرأ عليه منه ثقة مأمون متيقظ، فقد حصل الوثوقُ، وقد استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة، فمن وثق بصحة نسخة، كان له أن يحتج بما فيها، كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب ...
بل إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه فإن الحفظ خوان". اه.
• وفي ترجمة: محمد بن جابر اليمامي رقم (196):
ذكر المعلمي الأمور التي لأجلها ضعفه ابن معين وغيره فقال:
(3/355)

الرابع: أن إسحاق ابن الطباع قال: "وحدثت محمدا يوما بحديث: قال: فرأيت في كتابه ملحقا بين سطرين بخط طري.
والرجل كان أعمى، فالمُلحق غيرُه حتما، ورواية الأجلة عنه؛ مثل أيوب السختياني وعبد الله بن عون وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وآخرين، وشهادة جماعة منهم له بأنه صدوق تدل أن الإلحاق لم يكن بعلمه.
فأما قول ابن حبان: كان أعمى، يُلحق في كتبه مما ليس من حديثه، ويسرق ما ذوكر به، فيحدث به، فإنما أخذه من هذه القضية، وقد بان أن الإلحاق من غيره، وإذا كان بغير علمه كما يدل عليه ما سبق، فليس ذلك بسرقة (1)، فالحكم فيه أن ما رواه الثقات عنه ونصوا على أنه من كتابه الذي عرفوا صحته فهو صالح، ويتوقف فيما عدا ذلك". اه.
* * *
__________
(1) علقت على هذا الموضع في ترجمة ابن جابر من القسم الأول رقم (642) بقولي:
"قد يُلْحِقُ الرجلُ في كتابه لمعانٍ غير السرقة، ولا يَمْنَعُ من إلحاقه بعلمه أن يكون أعمى؛ إذ قد يأمر بذلك مَنْ يُلْحِقُ له. وقد ترجم الشيخ المعلمي نفسه لقطن بن إبراهيم من "التنكيل" رقم (181)، وقد اتُّهِمَ قطن بسرقة حديث عن حفص بن غياث، وجدوه ملحقا في الحاشية، فقال المعلمي: لا يمتنع أن يكون قد سمع الحديث من حفص، ثم نسيه، أو خفي عليه أنه غريب ... ثم ذكره وتنبَّه لفرديته فرواه، وقد يكون كتبه بعد أن سمعه في الحاشية، أو لا يكون كتبه أولًا، ثم لما ذكر أنه سمعه أو عرف أنه غريب ألحقه في الحاشية ... "
أقول: سواء كان الإلحاق بعلم ابن جابر -وحُمل على غير السرقة- أو كان بغير علمه، فقد كان الرجل سيء الحفظ، وكان اعتماده على كتبه، ثم عمي، فَوُجد في كتبه أشياء ألحقت فيها واختلط عليه حديثه، وصار يُلقَّن ما ليس من حديثه، فسقط وتُرك، ولم يعتمد عليه أهل العلم في شيء من روايته، ولم يُخرج له في "الصحيحين" لا أصلا ولا استشهادا، وليس له في الكتب الستة سوى الحديث الذي ذكرنا، وهو أيضًا لا يثبت، فإنه من أفراد قيس بن طلق".
(3/356)

المطلب العاشر
فوائد تتعلق بالنُسَخِ والأصولِ، وذِكْرِ التسميعات والتصحيحات، وعادة المحدثين في كتابة السماع في كل مجلس، وكيف تصح رواية الحفاظ المتأخرين للكتب الستة ونحوها
(1)

كثرةُ التسميعات والتصحيحات في الأصول القديمة لا ينفي وقوع الخلل فيها.
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 186):
"وقع في جزء ابن مخلد (ما رواه الأكابر عن مالك):
نا أبو محمد القاسم بن هارون، نا عمران، نا بكار بن الحسن الأصبهاني، نا حماد بن أبي حنيفة، ثنا مالك ... كما نقله الأستاذ فيما علقه على "الانتقاء"، وذكر هو أن ذاك الحديث قد رواه الدارقطني في "غرائب مالك" وابن شاهين عن: محمد بن مخزوم، عن جده محمد بن الضحاك، ثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن، ثنا حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن مالك ...
فعمران في سند ابن مخلد هو عمران بن عبد الرحيم في سند الدارقطني وابن شاهين، وفي ترجمته من "الميزان" عن السليماني: هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك.
فابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحةَ، وإنما اكتفى بما روي، فلو وقع في روايته من طريق عمران بسقوط أبي حنيفة لكان الظاهر أن يذكر الرواية الأخرى، فإنه لابد أن يكون عند تأليفه ذاك الجزء تتبع ما يصلح أن يُذكر فيه، ويبعد أن لا يظفر بالرواية المشهورة عن عمران بثبوت أبي حنيفة، وهي أدل على مقصوده، وقد ذكر الأستاذ أنه
(3/357)

ليس في ذاك الجزء من طريق أبي حنيفة عن مالك شيء، وبهذا يظهر أنه وقع في روايته كما وقع في رواية غيره: حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة ثنا مالك.
فزاغ نظرُ ناسخِ ذاك الجزء من "حنيفة" الأولى إلى الثانية، ولا يدفع ذلك ما على الجزء من التسميعات، وقد رأينا عدةً من الأصول القديمة عليها كثير من التسميعات والتصحيحات، وبقي فيها مثلُ هذا الخلل أو أشد منه، راجع "التاريخ الكبير" للبخاري (ج 1 قسم 1 ص 70، 79، 80، 101، 105، 154، 157) ". اه.
(2)

عادةُ المحدثين كتابةُ السماع في كل مجلس، وما يترتب على ذلك.
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: أحمد بن الحسن بن خيرون (15) من "التنكيل":
"جرت عادةُ المُثْرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم أن يَستنسخ كُلٌّ منهم الكتابَ قبل أن يسمعه على الشيخ، ثم يسمع في كتاب نفسه، ويصحح نسخته، وكثير منهم يستنسخ قبل كُلِّ مجلسٍ القطعةَ التي يتوقع أن تُقرأ في ذلك المجلس، إلى أن يتم الكتاب". اه.
• وقال في ترجمة ابن المذهب (78):
"جرت عادتُهم بكتابة السماعِ وأسماءِ السامعين في كُلِّ مجلسٍ، فمن لم يُسَمَّعْ له في بعض المجالس دَلَّ ذلك على أنه فاته، فلم يسمعه، فإذا ادَّعَى بعد ذلك أنه سمعه ارتابوا فيه؛ لأنه خلافُ الظاهر، فإذا زاد فَأَلْحَقَ اسمَه أو تسميعه بخطِّ كاتبِ التسميع الأول، قالوا: زَوَّرَ.
... ولا ريب أن من استيقن أنه سمعَ، جاز له أن يُخبر أو يَكتب أنه سمع، وأن من تثبت عدالتُه وأمانتُه، ثم ادَّعَى سماعًا، ولا مُعارض له، أو يعارضه ما مَرَّ، ولكن
(3/358)

له عذرٌ قريبٌ؛ كأن يقول: فاتني أولًا ذلك المجلس، وكان الشيخُ يعتني بي، فأعاده لي وحدي، ولم يحضر كاتبُ التسميع، فإنه يُقبلُ منه". اه.
• وقال في ترجمة ابن دوما (74):
"ذكره الخطيب فقال: كان كثير السماع إلا أنه أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه.
ثم قال الخطيب: وذكرت للصوري جزءا من حديث الشافعي: حدثنا ابن دوما فقال لي: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء، وفيه سماع ابن دوما الأكبر، وليس فيه سماع أبي علي، ثم سمع أبو علي فيه لنفسه، وألحق اسمه مع اسم أخيه.
فمن الجائز أنهم كانوا يحضرونه مع أخيه ولم يكتبوا إسماعه؛ لصغره، فرأى أنه كان مميزًا، وأن له حق الرواية بذلك، فإن كان كتب بخطه العادي أنه سمع، فلعله صادق، وإن كان قَلَّدَ خَطَّ كاتبِ السماع الأول إيهاما أنه كتب سماعه في المجلس، فهذا تدليس قبيح، قد يكون استجازه بناء على ما يقوله الفقهاء في مسألة: الظفر ونحوها، بعلة أنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك". اه.
(3)

استغناء أهل العلم بالوثوق بصحة النسخة عن اشتراهما صحة السند إليها.
• في ترجمة: الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعالي من "التنكيل" (74):
في "تاريخ بغداد" (13/ 374): أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم حدثنا أحمد بن علي الأبار حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء.
أخبرنا ابن رزق أخبرنا جعفر الخلدي حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ... بمثله، وزاد فيه: فأبيت.
(3/359)

قال الكوثري: النعالي هو ابن دوما المزور، قال عنه الخطيب نفسه: أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه.
وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهدًا فيه ابن رزق والحضرمي.
فقال الشيخ المعلمي:
"ابن رزق هو محمد بن أحمد بن رزق، ثقة تأتي ترجمته، والحضرمي حافظ جليل تأتي ترجمته، فالسند الثاني لا غبار عليه، وإذا كان المتن محفوظًا بسندٍ صحيحٍ، لم يزده سوقُه مع ذلك بسندٍ فيه مقالٌ إلا تأكيدا على أن المقال في ابن دوما لا يضر هاهنا.
فإن كان الخطيب إنما يروي بذاك السند ما يأخذه من مصنف الأبار، والعمدة في ذلك على أن تكون النسخة موثوقًا بها، كما لو روى أحدُنا بسندٍ له من طريق البخاري حديثا ثابتا في "صحيحه"، فإنه لا يقدح في ذلك أن يكونَ في السند إلى البخاري مطعونٌ فيه، وقد شرحت هذا في "الطليعة" وغيرها، والأبار هو الحافظ أحمد بن علي بن مسلم، تقدمت ترجمته، والخطيب معروف بشدة التثبت، بل قد يبلغ به الأمر إلى التعنت، فلم يكن ليروي عن مصنف الأبار إلا عن نسخةٍ موثوقٍ بها، بعد معرفته صحة سماع ابن دوما". اه.
• وفي ترجمة: عبد الله بن جعفر بن درستويه (119):
قال الشيخ المعلمي:
"كان يروي "تاريخ" يعقوب بن سفيان، فرواه عنه جماعةٌ، ويروي الخطيب عن رجلٍ عنه، فيأخذُ الخطيبُ الحكايةَ من "تاريخ" يعقوب، ولا يَنُصُّ على ذلك، بل يسوقها بالسند عن شيخه عن ابن درستويه عن يعقوب إلخ، على ما جرت به عادة محدثي عصره، كما ترى في "سنن" البيهقي؛ يأخذ من "سنن" أبي داود و"سنن"
(3/360)

الدارقطني ومؤلفات أخرى كثير؛، فيسوق الحديثَ بسنده إلى أبي داود، ثم يصله بسند أبي داود، ويكرر ذلك بها كل حديث.
وقد قَرَّرَ أهلُ العلم أن جُلَّ الاعتماد في مثل هذا على الوثوق بصحة النسخة، فلا يضر أن يكون مع ذلك في الوسائط التي دون مؤلف الكتاب رجلٌ فيه كلامٌ؛ لأنه واسطة سندية فقط، والاعتماد على صحة النسخة.
وهذا كما لو أحب إنسان منا أن يشوق بسندٍ له إلى البخاري، ثم يصله بسند البخاري لبعض الأحاديث في "صحيحه"، فإنه بعد ظهور أنه إنما يروي بذلك السند من "صحيح" البخاري، لا يكون هناك معنًى لأن يعترض عليه بأن في سنده إلى البخاري رجلًا فيه كلام.
والأئمة الأثبات كالبيهقي والخطيب قد عُرف عنهم كمالُ التحري والتثبت في صحة النُّسخ، وتأكد ذلك بأن مَن كان من أهل العلم والنقد في عصرهم وما بعده لم يُنكروا عليهم شيئًا مما رووه من تلك الكتب مع وجود نسخ أخرى عندهم، وكانوا بغاية الحرص على أن يجدوا للمحدث زلةً أو تساهلًا فيشيعوا ذلك ويذيعوه؛ نصيحةً للدِّين مِن وجهٍ، وحبًّا للسمعة وللشهرة من وجه آخر، ولما قد يكون في صدر بعضهم من الحنق على الرجل أو الحسد له من وجهٍ ثالث.
وقد كان القدماء كسعيد بن أبي عروبة ووكيع وغيرهما يروون من حفظهم، وتكون لأحدهم كتبٌ ومصنفاتٌ لا تحيط بحديثه، فكثيرًا ما يُحدث من حفظه بما ليس في كتبه، مع ذلك كان الرجل إذا روى عن أحدِ هؤلاء ما ليس في كتبه أَنكر الناسُ عليه ذلك، قائلين: ليس هذا في كتب ابن أبي عروبة، ليس هذا في كتب وكيع، حتى تناول بعضهم يحيى بن معين إذ روى عن حفص بن غياث حديثًا لم يوجد في كتب حفص، كما تقدم في ترجمة حسين بن حميد.
(3/361)

فما بالك بالمتأخرين الذين إنما يروون من الكتب.
فما بالك بمثل الخطيب الذي قد عُرف أنه إنما يروي بذاك السند من كتاب يعقوب، فإذا لم يطعن أحدٌ في شيء يرويه الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب، ولا قال أحدٌ: هذه الحكاية ليست في "تاريخ" يعقوب، ولا هذا السياق مخالف لما في "تاريخ" يعقوب بزيادةٍ أو نقصٍ أو تغييرٍ، فقد ثبت بذلك وبغيره صحةُ نُسخة الخطيب، وثبوت ذلك عن يعقوب، وهكذا لم يطعن أحد في شيء رواه ابن درستويه عن يعقوب بأنه ليس في كتاب يعقوب، إما البتة وإما بذلك السياق.
فظهر بهذا أن كُلَّ ما رواه ابنُ درستويه عن يعقوب فهو ثابت في كتاب يعقوب.
وبهذا يتبين أن محاولةَ القدحِ في كل الحكايات التي يرويها الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب بمحاولة الطعن في ابن درستويه تعبٌ لا يجدي ولا يفيد ولا يبدىء ولا يعيد". اه.
• وفي ترجمة: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبي بكر القطيعي (12):
قال الخطيب: كان بعض كتبه غرق، فاستحدث نَسْخَهَا من كتابٍ لم يكن فيه سماعُه، فغمزه الناسُ، إلا أنا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به، وقد روى عنه من المتقدمين: الدارقطني وابن شاهين ... سمعت أبا بكر البرقاني سُئل عن ابن مالك، فقال: كان شيخًا صالحًا ... ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك، فنسخها من كتابٍ، ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة.
قال الخطيب: وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك، حتى ثبت عندي أنه صدوق، لا يشك في سماعه، وإنَّما كان فيه بُلْه، فلما غرقت "القطيعة" بالماء الأسود غرق شيء من كتبه، فنسخ بدل ما غرق من كتابٍ لم يكن فيه سماعه.
(3/362)

فأجاب الشيخ المعلمي عما قيل في القطيعي حتى قال:
"الذين ذكروا الاستنساخ، لم يذكروا أنه روى مما استنسخه، ولو علموا ذلك لذكروه؛ لأنه أبينُ في التليين، وأبلغ في التحذير، وليس مِنْ لازمِ الاستنساخ أن يروي عما استنسخه ولا أن يعزم على ذلك، وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه.
وقد قال الخطيب في "الكفاية" (ص 109): "ومذاهبُ النقاد للرجال غامضةٌ دقيقةٌ، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لرد الحديث، ولا مسقطًا للعدالة، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى؛ رجاء إن كان الراوي حيًّا أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزله من نقل عنه منزلته، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز.
ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده، حتى ينظر هل من أخوات ونظائر ... ".
فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغير، وأنه استنسخ من كتابٍ ليس عليه سماعُه، كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حَدَّثَ بعد تغير شديد، أو حَدَّث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه، ولا استنكروا له روايةً واحدةً، وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدّم، تبين بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به.
هذا، وكتبُ الإمام أحمد ك "المسند" و"الزهد" كانت نُسَخُها مشهورةً متداولةً، قد رواها غيرُ القطيعي، وإنما اعتنوا بالقطيعي، واشتهرتْ روايةُ الكتب من طريقه لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات". اه.
(3/363)

• وفي ترجمة ابن المذهب (78):
بعد كلام طويل فيما قيل في ابن المذهب والجواب عنه، ذكر الشيخ المعلمي قول الخطيب: "ليس بمحل للحجة"، فقال:
"حاصله أنه لا تقوم الحجة بما يتفرد بمع وهذا لا يدفع أن يُعتمد عليه في الرواية عنه من مصنف معروف: ك "المسند" و"الزهد".
وسيأتي في ترجمة عبد العزيز بن الحارث طعنهم فيه وتشنيعهم عليه وتشهيرهم به بسبب حديثين نسبهما إلى "المسند" وهم يرون أنهما ليسا منه، ولم يغمزوا ابن المذهب بشيء ما من هذا القبيل.
وذلك يدل أوضح دلالة على علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروي منهما "المسند" و"الزهد" لسائر النسخ الصحيحة، فالكلام فيه وفي شيخه (1) لا يقتضي أدنى خدش في صحة "المسند" و"الزهد"، فليخسأ أعداء السنة". اه.
• وفي ترجمة: عمر بن محمد بن عيسى السذابي الجوهري (173):
في ترجمة أبي حنيفة من "تاريخ بغداد" حكاياتٌ من طريقه عن الأثرم.
قال الكوثري: قال الذهبي: في حديثه بعض النكرة، تفرد برواية ذاك الحديث الموضوع: "القرآن كلامي ومني خرج ... ".
فقال الشيخ المعلمي:
"روى السذابي هذا الحديثَ عن الحسن بن عرفة، فقد يكون رواه من حفظه فوهم أو أدخله عليه بعض الجهال.
__________
(1) يعني: القطيعي.
(3/364)

فأما روايته عن الأثرم، فالظاهر أنها من كتابٍ مؤلف، والاعتماد في ذلك على صحةِ النسخة كما مَرَّ في ترجمة عبد الله بن جعفر وغيرها، ولذلك تجد تلك الحكايات مستقيمة، قد توبع عليها". اه.
• وفي ترجمة: محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الأدمي (187):
في "تاريخ بغداد" (13/ 405): أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي حدثنا محمد بن علي الإيادي حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا بعض أصحابنا قال: قال ابن إدريس: ...
قال الكوثري: ترى البرقاني يصفّ نفسَه في صفّ هؤلاء، فيروي عن مثل الأدمي ... راوي "العلل" للساجي ...
فقال الشيخ المعلمي:
" ... الخبر في كتاب "العلل" للساجي، ولم يكن البرقاني ليسمع الكتاب من الأدمي حتى يثق بصحة سماعه، وبصحة النسخة.
فهب أن البرقاني أو الخطيب قال: قال الساجي في "العلل" ... ألَّا يكفي هذا للحجة؟ ".اه.
* * *
(3/365)

المرتبة الثانية: النظر في اتصال الخبر
تحتوى هذه المرتبة على مطالب:
المطلب الأول: قضية اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين.
وفيه مباحث:
1 - المبحث الذي ذكره المعلمي في "عمارة القبور".
2 - القاعدة التاسعة من مقدمة "التنكيل" تحت عنوان: مباحث في الاتصال والانقطاع.
3 - دراسة الأحاديث التي استشهد بها مسلم في مقدمة "صحيحه".
فصله: في جواب الفقير إلى الله تعالى على كتاب: "إجماع المحدثين" للدكتور: حاتم العوني.
المطلب الثاني: فوائد متفرقة تتعلق بقضية التدليس:
الأولى: أثر التدليس على العدالة.
الثانية: تحقيق القول في الفرق بين حدِّ التدليس والإرسال.
الثالثة: الوصف بمطلق التدليس يحمل على أخف أنواعه وهو: تدليس الشيوخ، أنها تدليس التسوية فلابد فيه من التصريح به.
الرابعة: عنعنة المدلسين داخل "الصحيحين".
الخامسة: الإعلال بالتدليس.
(3/367)

المطلب الثالث: ضرورة إجراء القواعد في نقد صيغ الأداء الواردة في الأسانيد.
المطلب الرابع: قضايا ومسائل تتعلق بالسماع.
المطلب الخامس: الاعتماد على النظر في سني الولادة والوفاة للرواة لبحث قضية السماع أو الإدراك لاسيما إذا لم توجد نصوص في ذلك.
المطلب السادس: نقد بعض صور التحمل سوى السماع:
1 - الوجادة.
2 - الإجازة.
* * *
(3/368)

المطلب الأول
قضية اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين
قال الفقير إلى الله تعالى:
للشيخ المعلمي: كتاباتٌ أفردها لهذا الشأن، وهي كتابات "بحثية" حاول فيها مناقشة رأى الفريقين المشهورين، وسلك فيها أسلوبَ المناظرة والمحاورة، ويغلب على اتجاهه فيها تقريرُ مذهب مسلم، والرد والجواب عمن يخالفه، وهذا واضح جدا فى بحثه فى "عمارة القبور"؛ حتى إنه قرر فى آخره فقال:
"فالمختار ما قاله مسلم: أن ثبوت اللقاء ليس شرط الصحة ... " وقد أطال فى هذا التقرير.
لكن قد خلا بحثه ذلك عن التعرض لأدلة مسلم التى نصبها لتقوية ما ذهب إليه، بل ونقل فيه إجماع السلف.
أما فى "التنكيل" فقد اختصر الكلام فيه، لكن اتجه البحث أولًا إلى تقوية مذهب مسلم، وقال: "وقد كنت بسطت ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه".
ثم استشكل عدم تعرض أصحاب المذهب المخالف لمسلم للأحاديث التى ذكرها مسلم محتجا بها على مذهبه، فقال:
"قد كان على المجيبن أن يتتبعوا طرق الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التى فى "صحيح البخاري"، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح فى رد دعوى مسلم .. ثم إنني بحثت، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت فى بعضها السماع، بل فى "صحيح مسلم" نفسه التصريح بالسماع فى حديثٍ منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها
(3/369)

ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك".
وقد ذكر تلك الأجوبة عما ذكره مسلم من الأحاديث فى جزء مستقل.
والذى يُفهم من جوابه عن تلك الأحاديث التى شمَّر مسلمٌ لنصبها أدلةً على ما يقول: أن المعلمي لم يحيى فيها حُجَّةً لما ذهب إليه مسلم، فإذا سقطت أدلةُ المستدل، قويتْ شوكةُ مخالله كما هو معلوم.
وقطعًا للاستعجال، أورد أولًا ما كتبه المعلمي فى هذا الصدد، ثم أُعقب بما يفتح الله تعالى به.
* * *
(3/370)

1 - البحث الذى ذكره الشيخ المعلمي في "عمارة القبور"
قال المعلمي في (ص 233) منه:
"لي بحث في اشتراط اللقاء، أحببت أن ألخصه هنا:
فأقول: الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي، أو أدركه، فتأمل هذا، وأفرض أمثلة بريئة عن القرائن من الطرفين، كأن تكون ببلدة فتسمع برجل غريب جاءها، وبعد أيام تلقاه، فيخبرك عن أناس من أهل تلك البلدة: أن فلانًا قال: كذا، وفلانًا قال: كذا، من دون أن يصرح بسماع، ولا علمت لقاءه لهم، ولكنك تعتقد أنه لا مانع له من لقائهم، ثم توسع في الأمثلة، ولاحظ أنها واقعة في عصر التابعين حين لا برق، ولا بريد، ولا صحافة، ولا تأليف، وإنما كان يتلقى العلم من الأفواه، والناس مشمرون لطلب العلم، ولاسيما للقاء أصحاب نبيهم -صلى الله عليه وسلم-.
ثم لاحظ أنه لم يكن يوجد منهم إلا نادرًا من لم يزر الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه، إذا كانا متعاصرين، وبهذا يندفع ما يوهمه تباعد البلدين مع عدم اللقاء، فإذا كان الحال ما ذكر، وثبت أن أحد المتعاصرين روى عن الآخر بلا تصريح بسماع، ولا عدمه، كان المتبادر السماع، فكيف إذا لاحظت أن كثيرًا من السلف كان يزور الحرمين كل عام؛ فكيف إذا كان أحدهما ساكنًا أحد الحرمين! فكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما! وكذا إذا كان أحد الشخصين ببلد قد زاره الآخر.
فأما إذا كانا ساكنين بلدًا واحدًا فإنه يكاد يقطع باللقاء.
وزد على هذا أن الإسناد كان شائعًا في عهد السلف، لا تكاد تجد أحدًا إلا وهو يقول: عن فلان، أن فلانًا أخبره عن فلان، أن فلانًا أخبره عن فلان -مثلًا- مع أن السلف كانوا أهل تثبت واحتياط.
(3/371)

إذا تقرر هذا، فما المانع من الأخذ بهذه الدلالة الظاهرة، المحصلة للظن، المستوفية لنصاب الحجية؟!
إن قيل: كان اصطلاح السلف خلاف ما يقتضيه الأصل، بدليل شيوع الإرسال فيهم.
قلت: أما الإرسال الجلي فَمُسَلَّمٌ، ولكن أقل من الإسناد، كما يعلم بالاستقراء، فهو كالمجاز، لا يقدح شيوعه في تقديم الحقيقة عليه.
وأما الخفي فقليل، حتى إنه أقل من التدليس.
فإن قيل: فإن ذهاب ابن المديني والبخاري -رحمهما الله تعالى- إلى اشتراط اللقاء يدل على شيوع الإرسال الخفي في السلف.
قلت: الاستقراء أقوى من هذا الاستدلال، مع أن مسلمًا: نقل في مقدمة "صحيحه" الإجماع على عدم اشتراط اللقاء -أي قبلهما- كما أشار إليه بالتشنيع على بعض معاصريه، فقيل: "إنه أراد به البخاري"، ولا مانع من أن يريده وشيخه ابن المديني؛ فقد كان -أيضًا- معاصرًا له، فلا يخدش خلافهما وخلاف من عاصرهما أو تبعهما في الإجماع السابق، على أن أقل ما يثبت بنقل مسلم أن الغالب في عهد السلف أن تكون الرواية عن السماع، والبخاري وشيخه لا ينكران أن الظاهر من الرواية السماع؛ بدليل تصحيحهما لعنعنة الملاقي غير المدلس، فلولا وفاقهما على أن الظاهر من الرواية السماع لكانا إنما يعتمدان مجرد اللقاء، فيلزمهما أن يثبتا لكل من لقي شخصًا أنه سمع منه جميع حديثه، وهذا كما ترى، وإنما اشترطا ثبوت اللقاء؛ لأن الدلالة معه تكون أقوى وأظهر، وهذا صحيح غالبًا، ولكنه لا يقتضي إهدار الدلالة الحاصلة مع عدم ثبوت اللقاء ما دامت دلالته ظاهرة؛ مُحَصِّلة للظن مستكملة النصاب كما مَرَّ، وقد ألزمهما مسلم -رحمهم الله- عدم تصحيح المعنعن أصلًا؛ لأنه كما أن عنعنة من لم يثبت لقاؤه تحتمل عدم السماع، فكذلك من ثبت لقاؤه.
وأجيب بأن احتمال السماع في الثاني أقوى.
(3/372)

ويرد بأن احتمال السماع في الأول قوي ظاهر محصل للظن، فلا عبرة بزيادة الثاني؛ إذ هي زيادة على النصاب، مع أن لنا أمورًا تجيز هذه الزيادة.
منها: قلة الإرسال الخفي في السلف.
ومنها: أنه أقبح وأشنع من التدليس -كما سيأتي- فالثقة أشد تباعدًا عنه؛ تدينًا وخوفًا من نقد النقاد الذين كانوا يومئذ بالمرصاد، بخلاف التدليس؛ فإنه أشد خفاء على الناقد.
وأجيب -أيضًا- بأن احتمال العنعنة لعدم السماع مع ثبوت اللقاء اتهام للراوي بالتدليس، والفرض سلامته منه، بخلاف احتمالها له مع عدم ثبوت اللقاء، فإنما فيه اتهامه بالإرسال الخفي فقط.
ويُرد بأنه قد نقل محققون من أهل الفن أن الإرسال الخفي تدليس، منهم: ابن الصلاح (1)، والنووي (2)، والعراقي (3). وقال: "إنه المشهور بين أهل العلم بالحديث"، ولنا بحثٌ في تحقيق ذلك والإجابة عما ذكره الحافظ: لا حاجة لإثباته هنا؛ لأن الخلاف لفظي للاتفاق على أن في الإرسال الخفي إيهامًا، فاتهام الراوي به كاتهامه بالتدليس، فإذا اتهمتم الراوي بأنه يزسل خفيا -وإن لم يوصف به- فيلزمكم أن تتهموا الراوي بأنه يدلس، فإن قلتم: إن الأصل في الثقة عدم التدليس، قلنا: وكذا الإرسال الخفي.
فإن قلتم: الإيهام في الإرسال الخفي أضعف منه في التدليس، فهو أقرب إلى اتصاف الثقة به.
قلنا: مُسَلَّمٌ غالبًا، ولكن هذا لا يقتضي أن لا يكون الأصل في الثقة عدمه، ما دام فيه إيهامٌ وتغريرٌ وغشٌّ منافٍ لكمال الثقة، مع أن الإيهام في الإرسال الخفي لأمرين
__________
(1) انظر: "المقدمة" (ص 14)، و"الاقتراح" (ص 213).
(2) انظر: "الإرشاد" (1/ 314)، و"تدريب الراوي" (1/ 130).
(3) انظر: "فتح المغيث" (1/ 113).
(3/373)

كلاهما خلاف الواقع: السماع لذلك الحديث واللقاء، بخلاف التدليس، فإنه وإن دل على الأمرين، فاللقاء موافق للواقع، فتبين أن الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس، كما قاله ابن عبد البر في "التمهيد"، ونحوه ليعقوب بن شيبة. انظر "فتح المغيث" (ص 75 - 74).
وعليه فالثقة أشد بعدًا عنه تدينا وخوفًا من نقد النقاد، كما مر، فإذا اتهمتم الثقة به من غير أن يوصف به، لزمكم من باب أولى اتهام الثقة بالتدليس، وإن لم يوصف به.
فإن قيل: لعل السامع يكون عالمًا بعدم اللقاء، فلا إيهام، فلا إرسال خفيا.
قلنا: وكذلك لعل السامع يكون عالمًا بعدم السماع مطلقًا، أو لذلك الحديث، فلا إيهام، فلا تدليس.
والتحقيق أنه لو كان الراوي يعلم بعدم اللقاء، أو عدم السماع، وهو ثقة غير مدلس، لبيَّنه لمن يأخذ عنه، ولو فرض أن الثاني كان عالمًا بذلك فاستغنى عن التبيين، فيلزم الثاني أن يبينه للثالث، وهكذا. فإذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس، أو الإرسال الخفي إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن عاصره وأمكن لقاؤه له، ولم ينص أحد من رجال السند ولا غيرهم على عدم اللقاء، فهو كما إذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن لقيه، وأمكن سماعه لذلك الحديث منه، ولم ينص أحد من رجال السند أو غيرهم على عدم السماع.
ففي قبول الأول احتمال اللقاء والسماع، وفي رده اتهام الثقة بإيهام اللقاء والسماع، وفي قبول الثاني احتمال السماع فقط، وفي رده اتهام الثقة بإيهام السماع فقط، فهذه بتلك.
فإذا لاحظنا قلة الإرسال الخفي في السلف واعتيادهم للإسناد وخوفهم من نقد النقاد، كان الأمر واضحًا، فكيف إذا اعتبرنا القرائن الدالة على اللقاء -كما سبق بيانها أول البحث.
(3/374)

فالمختار ما قاله مسلم: إن ثبوت اللقاء ليس بشرط الصحة، ولم نختره لما ذكره من الإجماع والإلزام، بل لما قدمنا أن الدلالة حينئذ دلالة ظاهرة محصلة للظن، مستكملة لنصاب الحجية. والله أعلم.
وقد رأيت عن الحافظ ما يوافق ما قلناه. قال تلميذه السخاوي في "فتح المغيث" (ص 62): "ولكن قيده ابن الصيرفي بأن يكون صرح بالتحديث ونحوه، أما إذا قال: عن رجل فن الصحابة وما أشبه ذلك، فلا يقبل. قال: لأني لا أعلم أسمع ذلك التابعي منه أم لا؟ إذ قد يحدث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا؟ فلو علمت إمكانه فيه لجعلته كمدرك العصر"، قال الناظم (العراقي): "وهو حسن متجه، وكلام من أطلق محمول عليه"، وتوقف شيخنا الحافظ في ذلك؛ لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس، حملت عنعنته على السماع، وهو ظاهر. قال: ولا يقال: إنما يتأتى هذا في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين فلا بد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمه حتى نعلم هل أدركه أم لا؟
لأنا نقول: سلامته من التدليس كافية في ذلك؛ إذ مدار هذا على قوة الظن، وهي حاصلة في هذا المقام" اه.
أقول: وإذا كان هذا مع احتمال عدم إدراك المعنعن للصحابي فضلا عن لقائه، ففي مسألتنا أولى وأظهر؛ لأنه قد ثبت الإدراك، وربما قامت عدة قرائن تدل على اللقاء، كمامر.
والعجب من الحافظ: كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه، ولو مع قيام القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها، بل احتج لقبولها في حق من لم يعلم معاصرتها أصلا، فسبحان من له الكمال المطلق، وإنما ذكرنا هذا ليعلم صحة ما ذكرناه، من أن الدلالة ظاهرة، مستكملة نصاب الحجية. والله أعلم". اه.
(3/375)

قال الفقير إلي الله تعالى.
تمام البحث ذكره صاحب "البناء على القبور" (ص 93) في صلب الكتاب، بينما ذكره صاحب "عمارة القبور" في الحاشية (ص 240) على اعتبار أنه أخذه من النسخة التي اعتمد عليها الأول، والتي كانت مسودة للكتاب. وقد وقع لهما -لا سيما الثاني- تصحيفات وتخليط في أرقام أصحاب المناظرة، فأصلحت ذلك، وزدت أشياء لتميم الفائدة جعلتها بين حاجزين [].
قال المعلمي:
"نقل مسلم في مقدمة "صحيحه" إجماع السلف من أئمة الحديث على الاكتفاء بالمعاصرة في تصحيح المعنعن من غير المدلس، ما لم يقم دليل على نفي اللقاء، وشنَّع على من اشترط ثبوت اللقاء من أهل عصره.
ثم جاء المتأخرون فقالوا: إن الاشتراط قول المحققين، وذكروا منهم البخاري وشيخه ابن المديني.
ولا يخفى أن هذا لا ينافي سَبْقَ الإجماعِ لهما، ومجردُ حسنِ الظن بهما أنهما لا يخرقان الإجماع، وأنهما اطلعا أنه لم يزل في طبقات السلف من يشترط اللقاء: لا يغني شيئًا.
فلو ناظر مسلم البخاري، فقال: أنت وشيخك مسبوقان بالإجماع، لم يفده إلا أن يصرح بالنقل عن بعض السلف من جميع الطبقات في موافقة قوله؛ فأما مجرد إنكار الإجماع فلا يفيد؛ إذ الإجماع من الأمور التي لا يطالب مدعيها بدليل.
أما لو قال البخاري: إنه يلزمك وغيرك حسن الظن بنا، لكان قد أتى بما يضحك منه.
نعم، ذكر السخاوي في "فتح المغيث" (ص 66) [1/ 287 طبعة دار المنهاج] عن الحارث المحاسبي ما يُظن خادشًا للإجماع؛ حيث قال: "اختلف أهل العلم .. [فيما
(3/376)

يثبت به الحديث على ثلاثة أقوال: أولها أنه لابد أن يقول كُل عدل في الإسناد: حدثني أو سمعت إلى أن ينتهي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن لم يقولوا أو بعضهم ذلك فلا؛ لما عُرف من روايتهم بالعنعنة فيما لم يسمعوه] ". اه.
لكنه لا يصادم نقلَ مسلم؛ لاحتمال أن يكون [يعني المحاسبي] راعَى خلافَ ابن المديني، ومع هذا فإننا لا نقنع لأنفسنا بالتمسك بدعوى الإجماع، كما لا يهولنا دعوى التحقيق في الطرف الآخر، بل نسعى لتحقيق البحث بأدلته الحقيقية على صورة مناظرة؛ مشيرين لمذهب مسلم برقم (1) ومُقابله برقم (2).
ونستوفي البحث بقدر الجهد، بحسب ما اطلعنا عليه من أدلة الفريقين، وما ظهر لنا أنه قد يستدل به. والله المستعان.
(1) الأصل الثابت في الرواية أن يكون عما شاهده الراوي وأدركه، سواء أعلم السامع لقاء الراوي للمروي عنه أم لا، وعليه فهذا هو الأصل، والظاهر الذي يجب التمسك به حتى يتبين خلافه.
(2) وما دليلكم على ذلك؟
(1) نذكر أمثلة نوضحه بها:
أ- مصري زار اليمن، ثم عاد فأخذ يخبر عن فلان من علماء صنعاء أنه قال كذا، وعن آخر من علماء زبيد، وثالث من علماء تَعز، والسامعون لا يسمعون بأولئك العلماء، ولم يخبرهم أنه لقيهم، ولا أنهم أحياء.
ب- هندي زار الحجاز، ثم عاد، فأخبر عن فلان من علماء مكة، وفلان من علماء المدينة، وفلان من علماء الطائف، والسامعون كما تقدم.
ج- عالم هندي أخذ يخبر بمثل الذي قبله، مع أن السامعين لا يعلمون أزار الحجاز أم لا؟
(3/377)

من تأمل هذه الأمثلة علم أن الذي يتبادر إلى الأذهان من رواية أولئك الأشخاص أنها عن سماع، مع أن الفرض أن الراوي عنعن، وأن السامع لا يعلم المعاصرة بدليل خارجي فضلًا عن اللقاء؛ أما إذا علمها فإن الأمر يزداد قوة.
(2) هذه الأمثلة تُعارَض بغيرها، فإذا ذهب شرقي إلى أوربا، ثم عاد فأخبر عن فلان بإنجلترا، أو عن فلان بفرنسا، وعن فلان بألمانيا، فإن الذي يتبادر عدم السماع، وإن علمت المعاصرة.
(1) هذا التبادر لوجود القرائن الصارفة عن الأصل كتباعد البلدان، وضعف الدواعي إلى زيارتها، وزيادة المشقة في ذلك، ووجود البرق والبريد والصحافة والتآليف بكثرة، وغلبة الإرسال بحيث لا تكاد تجد إنسانًا يقول: أخبرني فلان عن فلان، وغير ذلك، ولهذا مثلنا أمثلة بريئة عن القرائن، وإن شئت فتصورها واقعة في زمن التابعين حيث كانت الأقوال -ولاسيما السُّنَّة- إنما تؤخذ من ألسنة الرجال، فلا برق ولا بريد ولا صحافة، بل ولا تأليف.
والناس يومئذ أهل جد وتشمير في الرحيل لطلب العلم، ولاسيما للقاء أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكيف إذا كان الراوي والمروي عنه بأحد الحرمين، والناس يومئذ كلهم يزورون الحرمين، وكثير منهم من يحج كل سنة.
فكيف إذا ثبتت زيارة الحرمين بالفعل، أو كان أحد الرجلين ببلدة قد وصلها الآخر، فكيف إذا ما أقاما ببلدة واحدة.
والحاصل: أن الأصل كما قررناه، وأنه قد تقوم قرائن تصرف عنه، وقد تقوم قرائن تؤيده، ولنذكر مثالًا آخر نوضح ذلك الأصل:
كنا في بومباي -مثلًا- فجاء رجل من السند، لم يصل بومباي قبلُ، فمكث في بومباي بضعة أيام، ثم لقينا، فأخذ يخبرنا عن فلان المدرس بمدرسة كذا في بومباي أنه قال كذا، وعن فلان الإمام بمسجد كذا فيها أنه صلى الجمعة بسورة كذا، وعن
(3/378)

فلان التاجر بها أن سائلًا سأله فرد عليه بكذا، فالذي يتبادر إلى الأذهان أنه لقي أولئك الأفراد، وسمع منهم، مع أنه لو لم يخبرنا بذلك، لم يترجح لنا ألقيهم أم لا؟
فتبين أن التبادر إنما جاء من الرواية، فثبت أن الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي وأدركه.
(2) لعل اصطلاح المحدثين كان على خلاف ذلك، كما يدل عليه ذهاب ابن المديني والبخاري ومن تبعهما إلى ما ذهبوا إليه.
(1) قد أسلفنا أن مجرد ذهابهما إلى ذلك القول لا يصح نقضًا لما نقله مسلم من إجماع السلف، وهو يدل أبلغ دلالة أن اصطلاحهم كان موافقًا للأصل، بل هناك من القرائن ما يدل على شدة محافظتهم على الأصل أشد من محافظة غيرهم، وذلك مزيد احتياطهم وتثبتهم وجريان عادتهم بالإسناد، والتحفظ من نقد النقاد، وغير ذلك، على أننا لو تنازلنا عن دعوى الإجماع بقيت الأغلبية، وهي كافية في إثبات المطلوب.
مع أن موافقة البخاري وشيخه على حمل عنعنة من ثبت لقاؤه على السماع يدل على ما ذكرنا، وإلا لكانت الحجة عندهما هي مجرد اللقاء، فيلزمهما أن كل من لقي شيخًا ثبت سماعه لكل حديثه، وهذا كما ترى، وإنما رأيا أن دلالة الرواية بدون ثبوت اللقاء لا تخلو عن ضعف، فاشترطا تقويتها بثبوت اللقاء، ونحن نسلم أن الرواية مع ثبوت اللقاء أقوى منها بدونه غالبًا، ولكن هذا لا يقتضي عدم حجيتها إذا كانت في نفسها دلالة ظاهرة محصلة للظن، على أنه يُعلم مما قدمناه أن القرائن قد تتظافر على إثبات اللقاء حتى تكاد تقطع به وإن لم ينقل صريحًا.
(2) لنا: شيوع الإرسال في السلف؛ فإنه دليل على أن اصطلاحهم على خلاف الأصل الذي قدمتم.
(3/379)

(1) أما الإرسال الجلي فلا نزل فيه؛ لأن المرسِل يتكل على وضوح القرينة الصارفة عن الأصل، وهذا إنما هو كشيوع المجاز، لا يقتضي إلغاء الحقيقة، وأما الإرسال الخفي، فلنا جوابان عنه [أ، ب]:
أ- لا نُسلم شيوعه، والاستقراء يدل على قِلَّتِه؛ فإن أكثر رواية التابعين وتابعيهم المتصلة مُعَنْعَنَة، ولو كان الإرسال الخفي شائعًا فيهم لأقلُّوا خشية الإيهام.
(2) لعلهم كانوا يتَّكِلُون على ثبوت اللقاء.
(1) ما كل سامع لحديثهم مطلع على اللقاء، فالإيهام باق بالنسبة إلى من لم يطلع.
(2) لعلهم كانوا يتَّكِلُون على أن من لم يطلع على ثبوت اللقاء يَسأل عنه.
(1) قد يتساهل فلا يسأل، مع أنه قد يغلب على ظنه ثبوت اللقاء؛ للقرائن المتقدمة، فالأسهل والأحوط التصريح بالتحديث من أول وهلة، ولا حامل على تركه.
فتبين أنهم كانوا يعنعنون المتصلات لاعتقادهم دلالة ذلك على السماع، بل إذا تتبعت رواية المدلسين وجدهم كثيرًا ما يعنعنون المتصلات، فلماذا يعنعنون مع علمهم بأن عنعنتهم لا تحمل على السماع لتدليسهم؟ هل يقال: إنهم كانوا يريدون أن يوهموا أنهم لم يسمعوا تلك الأحاديث، والحال أنهم سمعوها، هذا عكس التدليس المتعارف.
فالتدليس: إيهامُ السماع مع عدمه، وهذا إيهام عدم السماع مع ثبوته، وغرض المدلس إنما يتعلق بالأول دون الثاني.
فتبين أنهم إنما كانوا يعنعنون جريًا على الأصل والعرفِ المطرد في الاكتفاء بالعنعنة في المسموع.
ب- الإرسال الخفي تدليس، والكلام في الراوي غير المدلس، فإذا سوَّيْتُم بين من وُصف بالتدليس وغيره لزمكم أن تردوا المعنعن مطلقًا، كما ذكره مسلم رحمه الله تعالى.
(3/380)

(2) كلا، ليس الإرسال الخفي تدليسًا؛ إذ لا إيهام فيه مع عدم اللقاء.
(1) قد قدمنا ما يُعلم منه أن الإيهام واقع، وإن لم يثبت اللقاء، ويتأكد بالقرائن، كما مَرَّ.
(2) على كل حال: المختار أنه ليس تدليسًا، كما يُعلم بمراجعة كتب المصطلح.
(1) التحقيق أنه تدليس، ولكن لا نطيل ببيانه، إذ يغنينا أن نقول: لا يضر الخلاف في الاسم، فالإرسال الخفي كالتدليس في الإيهام والتغرير، بل هو أقبح منه وأشنع، قال في "فتح المغيث" (ص 74 - 75) [1/ 316 ط دار المنهاج]:
"فقال ابن عبد البر في "التمهيد" [1/ 28]: ولا يكون ذلك عندهم إلا عن ثقة، فإن دلس عن غير ثقة فهو تدليس مذموم عند جماعة أهل الحديث، وكذلك إن حدث عمن لم يسمع منه، فقد جاوز حَدَّ التدليس الذي رخَّص فيه من رخَّص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه.
وسبقه لذلك يعقوب بن شيبة، كما حكاه الخطيب عنه [الكفاية ص 516]، وهو -مع قوله في موضع آخر: إذا وقع فيمن لم يلقه أقبح وأسمج [التمهيد 1/ 27]:- يقتضي أن الإرسالَ أشدُّ، بخلاف قوله الأول، فهو مشعر بأنه أخفُّ، فكأنه هنا عني الخفي لما فيه من إيهام اللقي والسماع معًا، وهناك عني الجلي لعدم الالتباس" اه.
أقول: قوله: "إيهام اللقي والسماع معًا" أي لأن الرواية توهم السماع، ولا يكون سماع إلا مع لقي، وكلاهما غير واقع، بخلاف التدليس، فإن أحدهما وهو اللقي واقع.
(2) لكن الإيهام في التدليس أقوى لثبوت اللقاء.
(1) نعم غالبًا، لكن قوة الإيهام فيه لا تنافي وجود الإيهام في الإرسال الخفي، على أن الإيهام في هذا لأمرين كلاهما غير واقع، وفي التدليس لأمر واحد غير واقع، مع أنه قد يكون هناك قرائن تقوي إيهام اللقاء.
(3/381)

(2) ............................. [طمس بمقدار خمس أو ست كلمات].
(1) فقد لزمكم على الأقل أن تسووا بين الأمرين، فكما أنكم لا تقبلون عنعنة من لم يثبت لقاؤه خشيةَ الإرسال الخفي، وإن لم يوصف بأنه كان يفعله، فكذلك لا تقبلوا عنعنة من ثبت لقاؤه خشيةَ التدليس، وإن لم يوصف بأنه كان يدلس.
(2) هاهنا فرق، وهو أن السلامة من التدليس هي الأصل والظاهر من حال الثقة، فلا يُقام لاحتماله وزنٌ ما لم يُنقل.
(1) وكذلك نقول في الإرسال الخفي سواء، بل السلامة من الإرسال الخفي أقرب؛ لأمور، منها: أنه أقبح وأشنع كما مَرَّ، فالثقة أشد بُعدًا عنه.
ومنها: أن الغرض الحامل عليه أضعف من الحامل على التدليس؛ لأن الشخص قد يستنكف عن إدخال واسطة بينه وبين شيخ قد لقيه وسمع منه؛ لأن ذلك يوهم تقصيره، بخلاف من لم يلقه.
ومنها: أن الشخص يرغب في التدليس؛ لأنه أروج لدلسته من الإرسال الخفي.
ومنها: أنه لا يأمن الإنكار في الإرسال الخفي، فإنه قد يكون هناك من يعلم عدم اللقاء فيبادر بالإنكار عليه، بخلاف التدليس؛ فإنه لا ينكر عليه الرواية عن شيخ قد لقيه وسمع منه.
(2) أما المدلسون فقد تكفل الأئمة ببيانهم، بخلاف الإرسال الخفي، فلم يبينوا أهله على جهة الاستقصاء، وهذا يدل أنهم كانوا يرون الخطر في التدليس، ولا يرون في الإرسال الخفي خطرًا.
وهذا إنما يتمشى على أنهم كانوا يشترطون اللقاء في قبول المعنعن، فمتى فُقد اللقال فالعنعنةُ غيرُ مقبولة لِفقده، سواء أكان الراوي ممن يرسل الإرسال الخفي أم لا، ومتى ثبت اللقاء فالعنعنةُ مقبولة، إلا إن كانت من مدلس؛ فلهذا اهتموا ببيان المدلسين، بخلاف أهل الإرسال الخفي.
(3/382)

(1) هذه مغالطة، فقد قدمنا بيان دلالة الرواية على السماع، وقدمنا نقل مسلم لإجماع السلف على حملها على السماع إذا ثبتت المعاصرة فقط، وبسطنا ذلك أحسن بسط، وأما هذه الشبهة فلنا جوابان عنها: جواب مكافأة وجواب إنصاف.
أ- أنه إذا كان الأئمة لم يَنقلوا عن أحدٍ أنه كان يرسل إرسالًا خفيًّا، فهذا دليلٌ لنا على غلظه وشدة شناعته وقبحه، بحيث إن جميع المحدثين تنزهوا عنه، إلا الكذابين؛ فإن وصفهم بالكذب يغني عن وصفهم بالإرسال الخفي.
وإن كان الأئمة نقلوا ذلك، ولكن عن قليلٍ بالنسبة إلى مَن نقلوا عنه التدليس، فهذا أيضًا دليل لنا على شناعة الإرسال الخفي، بحيث إن الموصوفين به من المحدثين قليلٌ جدًّا بالنسبة إلى المدلسين.
ب- المشهور بين المحدثين أن الإرسال الخفي تدليس، فالوصف بالتدليس يتناول النوعين، ولنا بحث في تحقيق هذه المسألة نلخصه هاهنا:
في عبارة ابن الصلاح في حَدِّ التدليس: "فتح المغيث" (ص 73) [1/ 314] [مقدمة ابن الصلاح ص 66]: "وعمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه"، وتبعه النووي، وعبارته في "التقريب": "بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهمًا سماعه".
وكذا العراقي، فقال "فتح المغيث" (ص 74) [التقييد والإيضاح ص 98]: "إنه هو المشهور بين أهل الحديث". ومثله للسيوطي في شرح "التقريب"، وهو ظاهر عبارة الخطيب في "الكفاية". انظر "فتح المغيث" (ص 74) [الكفاية ص 510].
وإن قال الحافظ [النكت على ابن الصلاح 2/ 614 - 615]: إنها تخالفه. ويؤيد هذا القول أن معنى التدليس لغة يتناوله، والأصلُ عدمُ النقل.
وأما البزار، وابن القطان، وابن عبد البر، فإنهم وإن خَصوا تعريف التدليس بما ثبت فيه اللقاء، فقد فرقوا بينه وبين الإرسال بوجود الإيهام في الأول بخلاف الثاني،
(3/383)

وهذا يدلك أنهم أسقطوا الإرسال الخفي، فلا أدخلوه في تعريف التدليس كما مَرَّ، ولا في الإرسال؛ لقولهم: إن الإرسال لا إيهام فيه، ومع ذلك فكلامهم يدل على إلحاقه بالتدليس؛ لوجود الإيهام فيه، فليس من الإرسال، ولقولهم: إن التدليس إنما كان تدليسًا لوجود الإيهام، وفي هذا إيهام، وأي إيهام، انظر عبارة ابن عبد البر المنقولة سابقًا.
وأما كلام الشافعي [يعني أبا بكر الصيرفي، وهو قوله فيما نقله السخاوي في فتح المغيث (1/ 286): كل من عُلم له -يعني ممن لم يظهر تدليسه- سماعٌ من إنسان، فحدث عنه، فهو على السماع حتى يُعلم أنه لم يسمع منه ما حكاه. وكل من عُلم له لقاءُ إنسان فحدث عنه فحكمه هذا الحكم اه. وهذا قد نقله السخاوي عن ابن الصلاح (مقدمته ص 59) وقوله: يعني ممن لم يظهر تدليسه هو من كلام ابن الصلاح] فلم أقف عليه الآن [قال الزركشي في النكت (2/ 38): ما حكاه -يعني ابن الصلاح [المقدمة ص 156]- عن أبي بكر الصيرفي رأيته مصرحا به في كتابه المسمى بالدلائل والأعلام في أصول الأحكام، فقال: وكل من عُلم له سماع ... لأن السماع واللقاء قد حصلا، اللهم إلا أن يتبين أنه لم يسمع مع اللقاء. قال: ومن أمكن سماعُه وعدمُ سماعِه فهو على العلم حتى يتحقق سماعه، وكذلك الحكم في اللقاء. انتهى
وقول ابن الصلاح: إنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسه؛ يعني لأنه قال قبل هذا الكلام: ومن ظهر تدليسه عن غير الثقات لم يقبل خبره حتى يقول حدثني وسمعت. وقال في موضع آخر: متى قال المحدث: حدثنا فلان عن فلان. قُبل خبرُه؛ لأن الظاهر أنه حكى عنه، وإنما توقفنا في المدلس لعيب ظهر لنا منه، فإن لم يظهر فهو على سلامته، ولو توقفنا في هذا لتوقفنا في "حدثنا" لإمكان أن يكون حدث قبيلته وأصحابه كقول الحسن: "خطبنا فلان بالبصرة" ولم يكن حاضرا؛ لأنه احتمال لاغٍ، فكذلك من عُلم سماعه إذا كان غير مدلس، وكذلك إذا قال الصحابي أبو بكر أو
(3/384)

عمر: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو محمول على السماع، والقائل بخلاف ذلك مغفل انتهى]، إلا أن المدعَّى إنما هو أنه يقتضيه، وليس صريحًا فيه.
وأما قول أبي حاتم في أبي قلابة الجرمي -"فتح" (ص 67) -[يعني فتح المغيث (1/ 289)، وهو في الجرح 5/ 58، والمراسيل ص 110]: "أنه كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم لكنه عاصرهم، كأبي زيد عمرو بن أخطب، وقال مع ذلك: إنه لا يعرف له تدليسًا". اه.
فيحمل على الإرسال الجلي، بأن يكون مشهورًا بين الناس أنه لم يلقهم، فلا إيهام، والرواية عن المعاصر إنما تكون تدليسًا إذا وجد الإيهام. [تراجع ترجمة أبي قلابة من القسم الأول من هذا الكتاب رقم (396)]
وأما استدلال الحافظ -"فتح" (ص 73) -[يعني فتح المغيث (1/ 313)، وهو في نزهة النظر ص 72 - 73]: بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قبيل الإرسال، لا من قبيل التدليس، فلو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس؛ لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي -صلى الله عليه وسلم- قطعًا، ولكن لم يعرف هل لقوه أم لا؟ اه.
وجوابه: أن الصحبة أمر غير مجمل لا يخفى، فكان معلومًا للتابعين أن هؤلاء ليسوا بصحابة، فلم يكن في إرسالهم إيهام.
وقوله رحمه الله "ولم يعرف لقوه أم لا؟ " فيه نظر. راجع تراجمهم في كتبه.
على أنه لو فرض أنه لم يقم دليل على عدم لقائهم له -صلى الله عليه وسلم-، لالتزمنا أن تكون روايتهم عنه دعوى صحبة لها حكمُها.
ومع هذا كله فالمدَّعَى إنما هو كون هذا القول هو المشهور بين أهل الحديث، فلا ينافيه أن يكون منهم من يخالفه.
(3/385)

على أنه لو فرض أن الإرسال الخفي لا يسمى تدليسًا، لكان وصف الشخص بالتدليس يدل على أنه لا يتنزه عن الإرسال الخفي؛ لأنهما متقاربان متشابهان.
(2) بقي لنا اعتراض واحد، إن تفصيتم عنه [يعني تخلصتم منه] فقد فلجتم [بالجيم يعني فزتم وظفرتم]، وهو أن الثقة قد يرسل عمن عاصره غير قاصد إيهامًا، بل اتكالًا على معرفة السامع بعدم اللقاء، كما حملتم عليه قول أبي حاتم في أبي قلابة الجرمي، فيكون هذا إرسال خفي.
وفي الحقيقة لا يمتنع اتصاف الثقة به. ولا يلزم الأئمة نقله وإن صار فيما بعد خفيا.
(1) هذا أشفُّ ما أوردتموه وعلى ذلك فجوابه من وجهين: إلزامي، وتحقيقي.
أما الإلزامي؛ فلأنه يلزمكم مثله في التدليس، بأن يقال: إن الثقة قد يرسل عمن لقيه وسمع منه غير قاصد إيهامًا بل اتكالًا على معرفة السامع بأنه وإن لقيه لم يسمع منه، أو سمع منه ولكن هذا المعنعن ليس مما سمعه، وهذا لا يسمى تدليسًا، إذ لا إيهام فيه، فلا يمتنع اتصاف الثقة به، ولا يلزم الأئمة نقلُه وإن صار فيما بعد تدليسًا، فإذا اعتبرتم الاحتمال هناك، لزمكم اعتباره هنا، فيردون كل معنعن، كما قاله مسلم رحمه الله.
وأما التحقيقي فنقول: إن السامع من المعنعِن إذا كان ثقة غير مدلس كما هو المفروض، فإنه يبين أن شيخه لم يلق الذي روى عنه، فإن فرض أن هذا السامع حدث من يعلم بعدم لقاء المعنعن لشيخه، فهذا المحدَّث إذا كان ثقة غير مدلس كما هو المفروض، فإنه يبين وهكذا.
فتلخص من هذا أنه إذا ثبت عن أحد رجال السند بيان أن المعنعِن لم يلق المعنعَن عنه، فالأمر واضح، وإن لم يجيء البيان عن أحد منهم، ولا عن غيرهم، وجب حمل تلك العنعنة على السماع، وإلا لزم أن يكون في الرجال مدلس، والمفروض سلامتهم من التدليس، وهذا هو جوابكم عما ألزمناكم، فصح، وثبت أن العنعنة من المعاصر غير المدلس إذا رويت بسند رجاله ثقات غير مدلسين، فهي محمولة على السماع، إلا
(3/386)

أن يقوم دليل على خلافه، ومثل العنعنة غيرها من ألفاظ الرواية التي ليست صريحة في السماع، ولا في عدمه.
(2) هل وافقكم أحد على رأيكم هذا؟
(1) ها هي الأدلة بين أيديكم، تأملوها، فإن رأيتم الدليل موافقًا لنا، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وإن رأيتموه علينا، فلن ينفعنا موافقة أحد، على أننا قد قدمنا أن هذا قول الإمام مسلم بن الحجاج، ونقل أنه إجماع السلف من أهل الحديث، ولم تُخدش دعوى الإجماع بما يُعد خادشًا، وقد نقل السخاوي (ص 62) بعد كلام ما عن أبي بكر [سقطت لفظة بكر من الأصل] الصيرفي، ملخصه:
أن التابعي إذا قال: عن رجل من الصحابة، لا تقبل، إذ لا يعلم أعاصره أم لا، فلو أمكن علم أنه عاصره جعل كمدرك العصر ... ثم قال السخاوي: "وتوقف شيخنا في ذلك؛ لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس، حملت عنعنته على السماع، وهو ظاهر، قال: ولا يقال: إنما يتأتى هذا في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين فلابد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمه حتى يعلم هل أدركه أم لا؟ لأنا نقول سلامته من التدليس كافية في ذلك؛ إذ مدار هذا على قوة الظن، وهي حاصلة في هذا المقام". اه.
أقول: وإذا كان هذا مع احتمال عدم إدراك المعنعِن الصحابي فضلًا عن لقائه، ففي مسئلتنا أولى وأحرى؛ لأنه قد ثبت الإدراك، وربما قامت عدة قرائن تدل على اللقاء كما، والعجب من الحافظ: كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه، مع أنه قد تقوم القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها بل احتج لقبولها في حق من لم يعلم معاصرته أصلًا. وكان العكس أقرب، كما هو واضح. والله أعلم". اه.
(3/387)

قال الفقير إلى الله تعالي:
قد سقت ما كتبه الشيخ المعلمي في هذا الموضع، ولي على ما كتبه ملاحظات، أُجملها فيما يلي:
أولًا: اعتمد المعلمي فى بحثه هنا على أمور، أهمها:
1 - أن الأصل فى الرواية أن تكون عما شاهده الراوي أو أدركه، وجعله هو الظاهر الذى يُتمسك به حتى يتبين خلافه.
وفى استدلاله على هذا الأصل، ذكر أمورا عقليةً وحالاتٍ افتراضيةً تقع للناس فى نقلهم عن غيرهم، ولِمُخالفه أن ينقض بعض ما قرره فى ذلك، بالإضافة إلى أن باب "الرواية" يلزم فيه من "الاحتياط" و"التحري" أكثر مما يلزم في غيره.
2 - نَقْل مسلم إجماع السلف من أئمة الحديث على الاكتفاء بالمعاصرة في تصحيح المعنعن من غير المدلس ما لم يقم دليل على نفي اللقاء.
وقد استصحب المعلمي هذا النقل فى غير موضع من المناظرة التى أجراها، وأكَّد به تقرير الأصل السابق، ودفع به استدلال من ذهب إلى خلاف ذلك الأصل كابن المديني والبخاري ومن تبعهما، وأن مجرد ذهاب هؤلاء إلى ذلك لا يصح نقضا لما نقله مسلم من إجماع السلف، وأن دعوى الإجماع لم تُخدش بما يُعد خادشا.
وكذلك دفع به قولَ بعض المتأخرين: إن اشتراط ثبوت اللقاء هو قول المحققين، وذكروا منهم البخاري وابن المديني، دفع ذلك بقوله: لا يَخفى أن هذا لا ينافي سَبْق الإجماع لهما.
هذا، مع أنه قد قال بعد ذلك: "فلو ناظر مسلمٌ البخاري فقال: أنت وشيخك مسبوقان بالإجماع، لم يُفِدهُ إلا أن يُصرح بالنقل عن بعض السلف من جميع الطبقات فى موافقة قوله".
(3/388)

وهذا لم يفعله مسلم، بل اكتفى بنقل الإجماع، ثم استشهد ببعض الأحاديث التي زعم قبولَ أهل العلم لها مع عدم تحقق ذلك الشرط فيها، وأنه يلزم على قول المخالف ردها.
وتلك الأحاديث قد قام المعلمي نفسُه فيما بعدُ بالجواب عنها بما يُسقط الاستدلال بها.
ثم عاد المعلمي فتنزل، فقال: "على أننا لو تنازلنا عن دعوى الإجماع، بقيت الأغلبية، وهي كافية فى إثبات المطلوب" يعني بذلك مَنْ سِوى ابن المديني والبخاري.
ثم عاد فذكر أنه لم يُعَوِّلْ على هذا الإجماع، فقال: "فالمختار ما قاله مسلم: أن ثبوت اللقاء ليس بشرط الصحة، ولم نختره لما ذكره من الإجماع والإلزام، بل لما قدمنا أن الدلالة حينئذ ظاهرة، مُحَصِّلة للظن، مستكملة لنصاب الحجية".
فعاد إلى الاعتماد على ذلك الأصل، مع أنه قد كان قوَّى ذلك الأصل بهذا الإجماع، فى قضايا أُخَر سبق تقريرها وتدعيمها به، مع جوابه عن حُججٍ للمخالف اعتمادا عليه كذلك.
3 - ابتنى هذا الأصل أيضا ودعَّمه ب "قلة الإرسال الخفي" في السلف حسبما ادعاه بالاستقراء، أما "الإرسال الجلي" فلا نزل فيه، لأن المرسِل يتكل على وضوح القرينة الصارفة عن الأصل. وأكد هذا أيضا بنقل مسلم ذلك الإجماع الذى يدل على عدم شيوع هذا النوع من الإرسال.
ثانيًا: لم يعتن المعلمي في بحثه بالجانب العملي فيه، وهو النظر فى تصرفات الأئمة حيال هذه القضية، وأرى أن مِما أوقع المعلمي فى ذلك: فقدُه لكثير من المصادر التى يمكن الوقوف من خلالها على حقيقة الأمر، مثل كتب المراسيل؛ ككتاب الرازي، ولا سيما الجامعة منها ك"جامع التحصيل" للعلائي، وإنما يوجد شيء من ذلك فى بعض تراجم "تهذيب التهذيب" لابن حجر، وهي مواضع متناثرة فى أنحاء الكتاب.
(3/389)

ومثل بعض كتب العلل المعنية بهذا الأمر؛ كالعلل والسؤالات المنقولة عن أحمد وابن المديني، ومثل كتاب "شرح علل الترمذي" لابن رجب، وفيه نَقَلَ المذهب الذى شنع عليه مسلم: عن جمهور المحدثين والمتقدمين، وأجاب عن الأحاديث التى استشهد بها مسلم على مذهبه جوابا إجماليا (1).
ومثل كتاب "السَّنَن الأبين" لابن رشيد، وقد ألفهُ لبحث تلك القضية بحثا موسعا، وهو ملىء بالنقولات المعنية بهذا الأمر عن سائر الأئمة، وقد أجاب عن معظم أحاديث مسلم جوابا مسهبا.
وقد نعى المعلمي -كما سيأتي- على من خالف مسلما بأنهم لم يجيبوا على تلك الأحاديث، ذلك أنه لم يطلع على تلك المصنفات وغيرها، فتعنَّى هو الجوابَ عنها جوابا مختصرا، وهو آخر عهده ببحث تلك المسألة فيما يظهر، وتطبيقاته العملية في ثنايا كتبه -كما سيأتي- تؤكد ذلك.
وقد رأيت بعض الفضلاء، وهو الشيخ إبراهيم عبد الله اللاحم في كتابه: "الاتصال والانقطاع" (2) ذكر المعلمي فيمن اختار مذهب مسلم من المعاصرين.
وقد يصح هذا بالنسبة لما كتبه في "عمارة القبور"، لكن في "التنكيل" يُفيد كلامُه نوعا من التوقف وعدم الجزم بذلك، بل فتح فيه بابا لنقض الأمثلة التي ساقها مسلم مستدلا بها على مذهبه، مما دفعه بعد ذلك للكتابة فيه رأسا كما سيأتي، وانتظر.
* * *
__________
(1) انظر من (ص 359 إلى ص 375).
(2) (ص 101).
(3/390)

2 - القاعدة التاسعة من مقدمة "التنكيل" تحت عنوان: مباحث في الاتصال والانقطاع:
وهي خمسة مباحث:
قال العلامة المعلمي:

المبحث الأول
في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت لقاؤه له
ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" عن بعض أهل عصره: أنه شرط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة، فإن لم يثبت لم يحكم لما يرويه عنه بالاتصال، وذكروا أن الذي شرط ذلك هو البخاري وشيخه علي بن المديني، وحكى مسلم إجماعَ أهل العلم سلفًا وخلفًا على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفه أن لا يحكم بالاتصال فيما لم يصرح فيه الراوي بالسماع وإن ثبت اللقاء في الجملة ولم يكن الراوي مدلسًا.
وتوضيح هذا الإلزام أنه كما أن الراوي الذي يُعرف ويشتهر بالإرسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يُعرف ويشتهر بالإرسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك.
فإن كان ذلك الوقوعُ يُوجِبُ التوقفَ عن الحكم بالاتصال في الأوَّل، فليوجبه في الثاني، كان لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول.
أجاب النووي بما إيضاحه: أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن قد لقيه وسمع منه الظاهر منها السماع، والاستقراء يدل أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع، إلا المدلس.
(3/391)

أقول: فمُسْلمٌ يقول: الحال هكذا أيضًا في رواية غير المدلس عمن عاصره، والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليسٌ أيضًا عند الجمهور، ومن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا يُنكر أنها تدليسٌ في المَعْنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه.
هذا، وصنيعُ مسلمٍ يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الايهام، ويوافقه ما في "الكفاية" للخطيب (ص 357) (1).
وذكر مسلم أمثلةً، فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه، ولم تعد تدليسًا ولا عُدُّوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الراوية تدفع ظهور الصيغة في السماع، وقد كنت بسطت ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه.
ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة؛ لأنا نقول: هذا مُسَلَّمٌ، ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإيهام، والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك، بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.
__________
(1) قال الخطيب: "الضرب الأول: تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه، ويعدل عن البيان بذلك، ولو بين أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلسه عنه فكشف ذلك لصار ببيانه مرسلا للحديث غير مدلس فيه؛ لأن الأرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه وملاقيًا لمن لم يلقه، إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة من حيث كان المدلس ممسكًا عن ذكر من بينه وبين من دلس عنه، وإنما يفارق حاله حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون هذا التدليس متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يذم العلماء من أرسل الحديث وذموا من دلسه". اه.
(3/392)

وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" أنه لا يُحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور، وهذا سَهْوٌ من النووي؛ فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديثَ كثيرةً زعم أنه لم يُصرَّحْ فيها بالسماع، ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح" البخاري كما ذكره النووي أيضًا.
هذا، ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلا بأن نفي مسلم العلم باللقاء لا يستلزمُ عدمَ علمِ غيره، وهذا ليس بجوابٍ عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله أنها عند أهل العلم صحاح.
وقد دفعه بعض علماء العصر بأنه لا يكفي في الرد على مسلم مع العلم بسعة اطلاعه.
أقول: قد كان على المُجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في "صحيح البخاري"، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح في رَدِّ دعوى مسلم، فاضطروا بلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي، ثم إنني بحثتُ، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت في بعضها السماع، بل في "صحيح" مسلم نفسه التصريح بالسماع في حديث منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك (1).
وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء، إنما هو لما يخرجه في "صحيحه"، لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدةٍ من كتبه ك (جزء القراءة) وغيره ما يدفع هذا. والله الموفق.
__________
(1) قد شرح الشيخ المعلمي هذا، ونظر في تلك الأحاديث كلها في جزء خاص، سأنقله بتمامه في السطور الآتية.
(3/393)

المبحث الثاني
في ضبط المعاصرة المُعْتَد بها على قول مسلم
قال المعلمي:
ضبطها مسلم بقوله:
"كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاءُه والسماعُ منه؛ لكونهما كانا في عصر واحد ... ".
وجَمْعُهُ بين "جائز" و"ممكن" يُشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة، والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك.
والمعنى يؤكد هذا؛ فإنه قد ثبت أن الصيغةَ -بحسب العُرْف، ولا سيما عُرْف المحدثين وما جرى عليه عملهم- ظاهرةٌ في السماع، فهذا الظهور يحتاج إلى دافعٍ، فمتى لم يُعلم اللقاء، فإن كان مع ذلك مستبعدا: الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع؛ لأن ظهور عدم اللقاء يُدافع ظهور الصيغة، وقد يكون الراوي عدَّ ظهور عدم اللقاء قرينة على أنه لم يُرِدْ بالصيغة السماع، وإن احتمل اللقاء احتمالًا لا يترجح أحد طرفيه فظهور الصيغة لا معارض له، فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهرًا بينًا فلا محيص عن الحكم بالاتصال؛ وذلك كمدني روى عن عمر، ولم يعلم لقاؤه له نصًّا، لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلا، فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مرارًا.
فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا؛ كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار، فإنه يُحكم باللقاء حتمًا، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي روى عن يماني لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع. وانظر ما يأتي في الفقهيات في مسألة "القضاء بالشاهد واليمين".
(3/394)

المبحث الثالث
قال المعلمي: لا يكفي احتمال المعاصرة، لكن إذا كان الشيخ غير مُسَمًّى، ففي كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال؛ وذلك فيما إذا جاءت الراوية عن فلان التابعي: عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ... ونحو ذلك، راجع "فتح المغيث" (ص 62).
والفرق بين التسمية والإبهام أن ظاهر الصيغة السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينةً، فالمدلس يعتد بأنه قد عُرف منه التدليس قرينة، وأما غيره فإذا سمى شيخًا ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة.
وأهل العلم كثيرا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان مَنْ حَدَّث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك؛ لكثرته، فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة، فأما إذا أَبْهَمَ، فلم يُسَمِّ، فهذا الاحتمال (1) مُنتفٍ؛ لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عي ذلك الصحابي، فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟! ففي هذا تنتفي القرينةُ (2)، وإذا انتفت ظهر السماعُ وإلا لزم التدليس والفَرضُ عدمُه.
هذا ما ظهر لي (3)، وعندي فيه توقف (4).
* * *
__________
(1) يعني احتمال أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه.
(2) يعني قرينة الاحتمال المذكور.
(3) يعني في توجيه التفريق بين تسمية الشيخ وإبهامه.
(4) يعني في صحة الاعتداد بهذا التفريق بناءً على هذا التوجيه.
(3/395)

المبحث الرابع
قال المعلمي: اشتراط العلم باللقاء أو بالمعاصرة إنما هو بالنظر إلى من قُصدت الروايةُ عنه، فأما من ذُكر عَرَضًا فالظاهر أنه يكفي فيه الاخال، فإذا كان غيرَ مسمًّى فالأمر أوضح؛ لما مَرَّ فى المبحث السابق.
وذلك كما في حديث "الصحيحين" (1) من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: "سأل رجل أنس بن مالك: ما سمعت نبي الله -صلى الله عليه وسلم- يذكر فى الثوم؟ فقال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ... " لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "سئل أنس عن الثوم؟ فقال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ... ".
عبد العزيز معروف بصحبة أنس، ولا ندري من السائل.
ومن ذلك ما في "صحيح" مسلم (2) من طريق حنظلة قال: "سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسًا أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... " وأخرجه البخاري (3) من طريق حنظلة: "عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... ".
وقد يأتي شِبهُ هذا، ويكون المُبهم هو الراوي نفسه، وإنما كنى عن نفسه لغرضٍ، كحديث "الصحيحين" (4) عن معاذة: "أن امرأة قالت لعائشة: أيجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ ... " لفظ البخاري.
__________
(1) البخاري (856) (5451)، ومسلم (562).
(2) رقم (16).
(3) رقم (8).
(4) البخاري (321)، ومسلم (335).
(3/396)

وفي "الفتح": "بَيَّنَ شعبةُ في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية، أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن قتادة".
أقول: في "صحيح" مسلم من طريق يزيد الرشك "عن معاذة أن امرأة سألت ... " ومن طريق عاصم عن معاذة قالت: "سألتُ عائشةَ فقلتُ ... ".
وقد يجيء نحو ذلك والراوي لم يشهد القصة ولكنه سمعها بتمامها ممن قصد الرواية عنه، كما في حديث البخاري (1) من طريق علقمة قال: "كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا نزلت! فقال: قرأت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... ". ورواه مسلم (2) من وجهٍ آخر عن علقمة: "عن عبدالله قال: كنت بحمص، فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم، قال: فقال لي رجل من القوم: والله ما هكذا أُنزلت ... ".
فإن لم يكن التصرف من الرواة، فالجمع بين الروايتين أن علقمة كان مع عبد الله ابن مسعود بحمص ولكنه لم يشهد القصة وإنما سمعها من عبد الله، ولما كان المقصود الرواية عنه هو عبد الله، لم يلتفت إلى ما وقع في الرواية الأولى من إيهام شهود علقمة للقصة، وهكذا ما في قول معاذة: "أن امرأة سألت .... " من إيهام أن السائلة غيرها، فإن مثل ذلك لا يضع حكمًا ولا يرفعه.
والسر في حمل تلك الأمثلة على السماع ما قدمناه، ومن شك في هذا لزمه أن يشك في اتصال قولِ ثقةٍ غير مدلس قد عُرف بصحبة ابن المبارك: طار غراب فقال ابن المبارك ... أو: هبت ريح فقال ابن المبارك ... وهذا لا سبيل إليه فكذا ذاك، والله الموفق.
* * *
__________
(1) رقم (5001).
(2) رقم (801).
(3/397)

المبحث الخامس
قال المعلمي: اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة "عن" ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها، بل هي لفظُ مَن دونه.
وذلك كما لو قال همام: "حدثنا قتادة عن أنس" فكلمة "عن" من لفظ همام؛ لأنها متعلقة بكلمة "حدثنا" وهي من قول همام، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدىء الشيخ فيقول: "عن فلان ... "، وإنما يقول: حدثنا، أو أخبرنا، أو قال، أو ذكر، أو نحو ذلك، وقد يبتدىء فيقول: "فلان ... " كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من "فتح المغيث" وغيره، ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات "قال" في أثناء الإسناد قبل: "حدثنا"، و"أخبرنا"، وذلك في نحو قول البخاري: "حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا يحيى بن سعيد" وكثيرًا ما تحذف فيزيدها الشراح أو قراء الحديث، ولا تثبت قبل كلمة "عن"، وتصفح إن شئت "شرح القسطلاني على صحيح البخاري".
فبهذا يتضح أنه في قول همام: "حدثنا قتادة عن أنس" لا يُدرى كيف قال قتادة، فقد يكون قال: "حدثني أنس" أو "قال أنس" أو "حدَّث أنس" أو"ذَكَر أنس" أو "سمعت أنسًا" أو غير ذلك من الصيغ التي تصرح بسماعه من أنس أو تحتمله، لكن لا يحتمل أن يكون قال: "بلغني عن أنس"؛ إذ لو قال هكذا، لزم همامًا أن يحكي لفظه أو معناه؛ كأن يقول: "حدثني قتادة عمَّن بلَّغَهُ عن أنس" وإلا كان همام مدلسًا تدليس التسوية، وهو قبيح جدًّا، وإن خف أمره في هذا المثال لما يأتي في قسم التراجم في ترجمة الحجاج بن محمد.
والمقصود هنا أنه لو قال راوٍ لم يُعرف بتدليس التسوية: "حدثني عبد العزيز بن صهيب عن أنس" كان متصلًا؛ لثبوت لقاء عبد العزيز لأنس، وأنه غير مدلس، مع أننا لا ندري كيف قال عبد العزيز، فقد يكون قال: "قال أنس" أو "ذكر أنس" أو
(3/398)

"حدث أنس" أو ابتدأ فقال: "أنس" فالحمل على السماع في العنعنة يستلزم الحمل على السماع في هذه الصيغ وما أشبهها، وقد صرحوا بذلك كما تراه في "فتح المغيث" (ص 69) وغيره (1).
وما ذكروه من الخلاف في كلمة "أن" إنما هو في نحو أن يجيء "عن عبد العزيز أن أنسا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- ... " ومعلوم أن عبد العزيز لم يدرك ذلك، ومن حمله على السماع إنما مال إلى أن الظاهر أن عبد العزيز سمع القصة من أنس، فكأنه قال: "حدثني أنس أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- ... " وفي هذا المثال لا مزية لكلمة "أن" بل لو قال عبد العزيز "سأل أنس النبي -صلى الله عليه وسلم- ... " لكان هذا كقوله: "عن عبد العزيز أن أنسًا سأل ... " بل إن كلمة "أن" في المثال ليست من لفظ عبد العزيز وإنما هي من لفظ الراوي عنه فقوله: "حدثني عبد العزيز أن أنسًا سأل" إنما تقديره: "حدثني عبد العزيز بأن أنسًا سأل" وقد يكون عبد العزيز قال: "سأل أنس" وقد يكون قال غير ذلك. والله أعلم. اه.
* * *
__________
(1) قد جاءت عبارات للأئمة تدل بمنطوقها على أن لفظة: "عن" قد تكون من قول الراوي نفسه.
(3/399)

3 - جواب المعلمي
عن الأحاديث التي استشهد بها مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة "صحيحه" على ما ذهب إليه من عدم اشتراط العلم باللقاء
قال الشيخ المعلمي:
1 - حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "كنت أطيب ... " (1). ورواه جماعة عن هشام، عن أخيه عثمان، عن أبيه.
أقول: فهذا تدليس من هشام، وراجع ترجمة هشام في مقدمة "الفتح"، و"معرفة الحديث" للحاكم (ص 104).
قال الفقير إلى الله تعالى:
قد حمل المعلمي في هذا الجواب صنيعَ هشام على أنه تدليسٌ منه، وهو القول الأحدث له، ومقتضاه إيهامُ السماع، ودَعَّمَ ذلك بما أحال به على مقدمة "الفتح" و"معرفة علوم الحديث" للحاكم.
ففي مقدمة "الفتح" (ص 471): "قال يعقوب بن شيبة: هشام ثبت ثقة، لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق؛ فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده. والذي نراه أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمع منه، فكان تساهله أنه أرسل عن أبيه ما كان يسمعه من غير أبيه، عن أبيه. قال ابن حجر: هذا هو التدليس. اه.
__________
(1) لفظ مسلم من رواية أبي أسامة عن هشام، عن أخيه عثمان، عن عروة، عن عائشة "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم". مسلم: كتاب الحج، (باب: الطيب للمحرم عند الإحرام) (2/ 847) (رقم 1189/ 37).
(3/400)

وفي "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص 104) ذكر أجناس التدليس قال:
الجنس الثاني من المدلسين: قوم يدلسون الحديث فيقولون: "قال فلان"، فإذا وقع إليهم من ينقر عن سماعاتهم، ويُلح، ويراجعهم، ذكروا فيه سماعاتهم، ثم ذكر مثالا لرواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حديثًا، ثم بيَّن أن بعضه لم يسمعه من أبيه، إنما هو عن الزهري. اه.
أقول:
مقتضى ما ذهب إليه المعلمي هنا -وهو أن صنيعَ هشام: تدليسٌ؛ مستدلا بوصف الحاكم وابن حجر لفعل هشام بذلك- ينقضُ استدلالَ مسلم؛ وذلك لأن الأمثلة التي ذكرها مسلم مفروضة في غير المدلس، ومقتضى استدلال مسلم برواية هشام: تصريح بأن هشاما لا يدلس.
وهو الذي ذهب إليه المعلمي قبل ذلك في "التنكيل" (1/ 503)؛ فقال فى ترجمة هشام رقم (789):
"التحقيق أنه لم يدلس قط، ولكن كان ربما يحدث بالحديث عن فلان، عن أبيه، فيسمع الناس منه ذلك ويعرفونه، ثم ربما ذكر ذلك الحديث بلفظ: "قال أبى" أو نحوه؛ اتكالًا على أنه قد سبق منه بيانُ أنه سمعه من فلان، عن أبيه، فيغتنم بعض الناس حكايته الثانية، فيروي ذاك الحديث عنه، عن أبيه؛ لما فيه من صورة العلو، مع الإتكال على أن الناس قد سمعوا روايته الأولى وحفظوها. وفي مقدمة "صحيح مسلم" ما يصرح بأن هشامًا غير مدلس، وفيه أن غير المدلس قد يرسل، وذكر لذلك أمثلةً، منها: حديث رواه جماعة عن هشام: "أخبرني أخي عثمان بن عروة، عن عروة" ورواه آخرون عن هشام، عن أبيه، ومع هذا فإنما اتفق لهشام مثل ذلك نادرًا، ولم يتفق إلا حيث يكون الذي بينه وبين أبيه ثقة لا شك فيه؛ كأخيه عثمان، ومحمد ابن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة، والله الموفق". اه.
(3/401)

وقد نحا ابنُ رشيد في كتابه "السنن الأبين" (ص 91 - 97) نحوًا آخر؛ إذ ذكر أن الأمثلة التي أوردها مسلم في هذا الموضع لرواةٍ لقي بعضهم بعضًا، وأسندوا رواياتِهم معنعِنين ممن لم يُتهم بالتدليس.
ثم قال: على أن هشامًا قد وقع له بعض الشيء، ثم أورد المثال الذي ذكره الحاكم في الجنس الثاني من أجناس التدليس، والذي أشار إليه المعلمي آنفًا.
ثم قال ابن رشيد: "فحاصل ما أتيتَ به أيها الإمام من الأمثلة أن من عُلم سماعُه من إنسانٍ، ثم اختلفت الرواةُ عنه؛ فزاد بعضهم بينهما رجلًا أو أكثر، وأسقطه بعضهم، ومثَّلتَ ذلك بهشام عن أبيه عن عائشة؛ فإنه يحكم لمن في زاد بالاتصال، ولمن نقص بالإرسال، وهذه المسألة أيها الإمام من معضلات هذا العلم، وهي من باب العلل التي يعز لدائها وجود الدواء، ويتعذر في كثهير منها الشفاء، فكيف يصح أن يجعل ما هذه حاله دليلًا في محل نزاع أو يحكم فيه حكمًا جمليًّا، وليت الحكم التفصيلي يكشف بعض أمره.
فنقول: إذا ورد حديث معنعن عن رواة لقي بعضهم بعضا، ثم ورد ذلك الحديث بعينه بزيادة رجل منصوصا على التحديث فيه أو معنعنا أيضا، نظرنا إلى حفظ الرواة وكثرة عددهم، وانفتح باب الترجيح، فحكمنا لمن يرجح قوله من الزائد أو الناقص أو لمن تيقنا صوابه؛ كأن نتحقق أنه لم يسمعه ممن رواه عنه مرسلا، أو أن ذلك الزائد في الإسناد خطأ، كما قد نحكم بذلك إذا كان الحديث بلفظ: (نا)، ثم زاد أحدهما راويا نقصه غيره، أو أن الحديث عند الراوي عنهما معا، وقد بان ذلك كله في بعضها كما هو معلوم عند أهل الصنعة.
فإن أشكل الأمر توقفنا وجعلنا الحديث معلولا، إذ كل واحد من الطريقين متعرض لأن يعترض به على الآخر؛ إذ لعل الزائد خطأ، وإذا كان الزائد بلفظ: (عن) أيضا، فلعله نقص رجل آخر غير ذلك المزيد، وإنما يرتفع هذا الاحتمال إذا قال الراوي الزائد: حدثنا، ويبقى احتمال أن يكون الحديث عنده عنهما معا.
(3/402)

فأما أن يحكم بأنه لم يسمعه منه لزيادة رجل في الإسناد مطلقا، ففيه نظر، لا سيما في رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد أو عن الآباء فقط أو الإخوة بعضهم عن بعض، فكثيرا ما يتحملون النزول ويدَعون العلو -وإن كان عندهم- حرصا على ذكره عن الآباء والأجداد وإبقاءً للشرف ...
... وقد حكم بعض المتأخرين بإرسال الناقص ووصل الزائد، وهو الذي ظهر منك أيها الإمام في حكمك هنا، وهو كما قدمناه لا يسلم من التعقب بأن يعترض على أحدهما بالآخر.
فمن ذلك أنك قلت: إن أيوب السختياني وابن المبارك ووكيعا وابن نمير وجماعة غيرهم رووا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-: كنت أطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحله ولحرمه بأطيب ما أجد.
فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبو أسامة عن هشام قال: أخبرني عثمان بن عروة، عن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم أوردت في كتابك حديث عثمان؛ لأنه الذي رجح عندك أنه المسند، ومن أسقطه أرسل، ولسنا ننفي أن يحصل ظنٌ في بعض الأحاديث بأن الحُكم لمن زاد، كما قد يرجح أيضا في بعض أن الحكم لمن نقص، فتعميم الحُكم في المسألة لا يصح. اه.
(3/403)

قال الفقير إلى الله تعالي:
هذه ثلاثة أجوبة على هذا النموذج الذي ساقه مسلم:
الجواب الأول:
للمعلمي، وهو أنه تدليسٌ من هشام، وهو ينقضُ استدلالَ مسلم كما سبق؛ لأن الفرض في المسألة أنها في غير المدلس، ولذا اكتفى المعلمي في الجواب بقوله: فهذا تدليسٌ من هشام.
أقول:
لكنَّ هشاما لم يصفْه أحدٌ من المتقدمن بالتدليس صراحةً، قال العلائي في جامع التحصيل (ص 111):
"هشام بن عروة إمام مشهور، لم يشتهر بالتدليس، ولكن قال علي بن المديني: سمعت يحيى يعني ابن سعيد يقول: كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وما ضرب بيده شيئا .. الحديث. فلما سألته قال: أخبرني أبي عن عائشة، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين. لم أسمع من أبي إلا هذا، والباقي لم أسمعه إنما هو عن الزهري. رواه الحاكم في "علومه" (ص 104 - 105) عن ابن المديني. وفي جعل هشام بمجرد هذا مدلسا نظر، ولم أر من وصفه به". اه. كلام العلائي.
وذكره ابن حجر في المرتبة الأولى من المدلسين، وهم من لم يوصف بذلك إلا نادرا، ووصف ما وقع لهشام بأنه تدليس، كما سبق أن وصفه بذلك في "مقدمة الفتح"، وكذا ذكره احتمالا في "النكت الظراف" (12/ 16).
وانظر ما يأتي في الجواب الثاني.
(3/404)

الجواب الثاني:
للمعلمي أيضا؛ وهو أن هشاما لم يكن مدلسا، وإنما كان يعتمد على ما وصله قبل ذلك فيرسله، ولم يتفق له ذلك إلا نادرا، حيث يكونُ الذي بينه وبين أبيه ثقةٌ لا شكَّ فيه.
أقول:
في "شرح علل الترمذي" لابن رجب (2/ 487 - 491):
"قال الأثرم: فقلت له -يعني لأحمد-: هذا الاختلاف عن هشام، منهم من يرسل، ومنهم من يسند عنه، مِنْ قِبَلِه كان؟ فقال: نعم.
... وقال الأثرم أيضًا: قال أبو عبد الله: ... ما أرى ذاك إلا على النشاط، يعني أن هشامًا ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى.
قلت لأبي عبد الله: كان هشام تغير؟ قال: ما بلغني عنه تغير ... اه.
فقول الإمام أحمد: مما أرى ذاك إلا على النشاط، يعني أن هشاما ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى: يؤيد قول المعلمي الثاني؛ أنه ليس بالتدليس المقتضي للإيهام، وإنما هو الإرسال الذي يسوغه ما سبق من الوصل.
الجواب الثالث:
لابن رشيد؛ وهو أنه خلافًا من الرواة عن هشام، فمنهم من زاد بينه وبين أبيه رجلا -وهو أخوه عثمان- ومنهم من لم يذكره، فينبغي أن يكون الأمرُ دائرا على الترجيح بين الرواة في ذلك، فقد تكون الزيادةُ خطًا، أو قد يكون الساقطُ من الرواية الناقصة أكثرَ من رجل، أو قد يكون الراوي سمع الحديث بواسطة وبدون واسطة، لا سيما إذا كان قد صرح بالسماع في الحالة الثانية.
إذًا، فليست كلُّ زيادةِ رجلٍ في إسنادٍ تدل على أن الرواية بدونه مرسلة أو منقطعة.
(3/405)

هذا إجمالُ ما ذكره ابن رشيد، وأزيد هنا فأقول:
أولا: إذا كان سماعُ الراوي من شيخه ثابتا بالطرق المعتبرة، ورُوي عنه عن شيخه حديثٌ بلا واسطة، ثم زاد بعضهم واسطة، فإنه تجري فيه الاحتمالات التي ذكرها ابن رشيد، بحسب صيغ الاتصال الواردة في الإسنادين، وبحسب قرائن الترجيح المعتمدة، فلا يُحكم دائما برجحان الرواية الزائدة.
لكن في هذه الحالة التي نحن بصددها قد ثبت ما يُقوي أن هشاما إنما أخذ هذا الحديث عن أخيه عثمان، وأنه لم يسمعه من أبيه.
وهذا ما رواه سفيان بن عيينة قال: قال لي عثمان بن عروة: ما يروي هشام بن عروة هذا الحديث إلا عني. اه.
رواه عن ابن عيينة: الشافعي (مسنده: 565) والحميدي (1/ 105) وأحمد (6/ 160) وأبو خيثمة زهير بن حرب (تاريخه: 3049).
وذكر الدارقطني في العلل (15/ 53) فيمن روى ذلك عن ابن عيينة: علي بن المديني.
وقال الدارقطني: الصحيح: عن هشام بن عروة أنه سمع هذا الحديث من أخيه عثمان بن عروة، عن عروة. وكان أحيانا يرسله. اه.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (19/ 296): لم يسمعه هشام من أبيه، إنما سمعه من أخيه عثمان، عن أبيه. اه.
ثانيا: إذا لم يكن السماع ثابتا، فإن مما يستدل به الأئمة على عدم السماع: ورود بعض الروايات بالواسطة بينهما، وهذا مستفيضٌ عنهم.
مثاله:
أ- ما في جامع التحصيل في أحكام المراسيل (1/ 179):
(3/406)

سالم بن أبي الجعد الكوفي ... وقال أحمد بن حنبل: لم يلق ثوبان؛ بينهما معدان بن أبي طلحة. وسئل ابن معين عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة البهزي؟ فقال: هو مرسل؛ قد أدخل شعبة بينهما: شرحبيل بن السمط.
ب- و (1/ 270):
محمد بن ميمون أبو حمزة السكري، قال أبو حاتم: كنت أرى أبا حمزة أدرك بكير بن الأخنس، حتى قيل لي إن المراوزة يدخلون بينهما: أيوب بن عائذ.
وثَمَّ جوابٌ رابع احتمله الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" (12/ 16)؛ فقال: "إما أن يكون هشام دلسه، وإما أن يكون مِمَّن رواه عنه بدون ذكر عثمان سوَّاه". اه.
أقول:
الاحتمال الأول سبق إيراده واحتمالُ التسوية من أمثال: أيوب، وابن المبارك، ووكيع، وابن نمير بعيدٌ، والله تعالى أعلم.
وثَمَّ جوابٌ خامس وهو أنه بسبب نقصٍ في حفظ هشام لما كبر؛ ففي "شرح علل الترمذي" لابن رجب (2/ 605):
قال يعقوب بن شيبة: "هشام مع تثبته ربما جاء عنه بعض الاختلاف".
فقال ابن رجب: "وذلك فيما حدث بالعراق خاصة، ولا يكاد يكون الاختلاف عنه فيما يفحش، يُسند الحديث أحيانًا، ويُرسله أحيانًا، لا أنه يقلب إسناده، كأنه على ما تذكر من حفظه. يقول: عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقول: عن أبيه، عن عائشة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، إذا أتقنه أسنده وإذا هابه أرسله.
وهذا فيما نرى أن كتبه لم تكن معه بالعراق فيرجع إليها. والله أعلم". اه.
وسبق أن الإمام أحمد قال: ما بلغني عنه تغير.
(3/407)

ومع ذلك وصفه ابن القطان بالتغير، فقال الذهبي في "الميزان": "هشام حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبى صالح اختلطا وتغيرا.
نعم الرجل تغير قليلا، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان؟
ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك، ولشعبة، ولوكيع، ولكبار الثقات ... ". اه.
2 - هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا اعتكف" (1) ورواه مالك (2) عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة.
في أبواب الاعتكاف "باب لا يدخل البيت إلا لحاجة". [4/ 320 فتح]
عندما روى البخاري المتن بمعنى هذا عن الليث، عن الزهري، عن عروة وعمرة، ذكر الحافظ أن منهم من اقتصر على عروة، ثم قال: "اتفقوا على أن الصوابَ قولُ الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد".
أقول: ويؤيد ذلك ما في كتاب الحيض من "صحيح" البخاري [1/ 478 فتح] من طريق هشام عن أبيه، وفيه من قوله: "أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي حائض، ورسول الله حينئذ مجاور في المسجد، يدني لها رأسه، فترجله وهي حائض". اه.
__________
(1) يعني: يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض. أخرجه مسلم من رواية هشام بنحوه في كتاب الحيض، (باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله ....). (1/ 244) رقم (9/ 297) وهو آخر إسناد عنده لحديث عروة.
(2) مسلم (1/ 244) رقم (297/ 6) من رواية مالك مصدرا بها الباب.
(3/408)

قال الفقير إلى الله تعالي:
قال ابن رشيد جوابًا على هذا الموضع:
"هذا أيضا من ذلك القبيل؛ حكمتَ فيه أن من نقص عَمرة فهو مرسل، والصحيح في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا عن عائشة، وهو الذي اعتمد البخاري، فقال:
نا قتيبة، قال نا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبى -صلى الله عليه وسلم- قالت: "وإن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجته إذا كان معتكفا".
وأما أنت فظهر من فعلك في كتابك أنك لم يَصْفُ عندك كَدَرُ الإشكال في هذا الحديث، فأوردتَّ في كتابك حديثَ مالك مُصَدِّرًا به بناء على اعتقادك فيه الاتصال وفي غيره الانقطاع، فقلتَ: نا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وإذا اعتكف يدني إليَّ رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان".
ثم أتبعته باختلاف الرواة فيه على شرطك من أنك لا تكرر إلا لزيادة معنى أو إسنادٍ يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك، فقلت:
حدثنا قتيبة بن سعيد قال نا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح قال أنا الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة، وإن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا". وقال ابن رمح: "إذا كانوا معتكفين".
(3/409)

فقد بيَّنَ الليث في حديثه عندك وعند البخاري أنه له عنهما، وقد كان يمكننا أن نقول إنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة بهذا السياق الأتم، وعن عروة فقط مختصرا، لولا ما أورده البخاري عن ابن شهاب عن عروة وعمرة مختصرا أيضا. [4/ 320 فتح]
وقد كفى الإمام أبو عبد الله البخاري مؤونةَ البحث، وبيَّنَ أنه عند عروة مسموع من عائشة، فذكر رواية هشام عن أبيه بإسقاط عمرة من طريق مالك وابن جريح عن هشام عن أبيه عن عائشة، ووقع في رواية ابن جريج من قول عروة: أخبرتني عائشة، وذكر الحديث في كتاب الحيض من صحيحه في باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله ...
فهذا نص جلي على سماع عروة من عائشة، وذلك بخلاف ما اعتقده مسلم رحمه الله من انقطاع رواية من أسقط عمرة من الإسناد فيما بين عروة وعائشة.
ولم يقل فيه أحد: عن عروة، عن عمرة إلا مالك رحمه الله، وأنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، فتابع مالكا، والجمهور على خلافهما؛ بيَّن ذلك الإمام أبو الحسن الدارقطني في جزء له جمعه في الأحاديث التي خولف فيها مالك -رضي الله عنه- فقال:
روى مالك في الموطأ عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وإذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله.
خالفه عقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، فرووه عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة، وقيل ذلك عن الأوزاعي، وتابعهم ابن جريج، والزبيدي، والأوزاعي، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن أخي الزهري، وعبد الرحمن ابن نمير، ومحمد بن أبي حفصة، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن بديل، وغيرهم، فرووه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، لم يذكروا فيه عمرة، ويشبه أن يكون القول قولهم؛ لكثرة عددهم واتفاقهم على خلاف مالك.
(3/410)

وقد رواه أنس بن عياض أبو ضمرة عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، فوافق مالكا، ولا نعلم أحدا تابع أبا ضمرة على هذه الرواية عن عبيد الله، والله أعلم. انتهى كلام الدارقطني رحمه الله.
قلت -والله المرشد-: والصحيح عندي في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معا، ولاشك أنه عند عروة مسموع من عائشة كما بينه البخاري من طريق ابن جريح حيث قال: أخبرتني عائشة ... ". اه.
3 - الزهري وصالح بن أبي حسان، عن أبي سلمة، عن عائشة: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل وهو صائم". ققال يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو سلمة أن عمر بن عبد العزيز أخبره أنا عروة أخبره أنا عائشة أخبرته. [أخرج مسلم حديث يحيى دون الحديث الأول، كتاب الصيام، (باب: بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته) (2/ 778) (رقم 1106/ 69)].
أقول: الظاهر أن الحديث عند أبي سلمة من الوجهين، وإنما رواه بنزول؛ توقيرا ل "عمر بن عبد العزيز"، وإظهارًا لفضله، وهذا أولى بلا ريب من اتهام أبي سلمة بالتدليس.
قال الفقير إلى الله تعالى:
قال ابن رشيد: "فزاد يحيى -كما تراه في الإسناد- رجلين نصًّا على الإخبار، فاعتمدتَ -يعني مسلمًا- في كتابك على حديث يحيى بن أبي كثير؛ لأنه زاد في الإسناد، والحُكم عندك لمن زاد، ولسنا نُسلم ذلك؛ فإن أبا سلمة معلومُ السماع من عائشة، والزهري ويحيى إمامان، وصالح بن أبي حسان صالح للمتابعة والاعتبار، وهو معلومُ السماع من أبي سلمة وسعيد بن المسيب، ذكر سماعه منهما البخاري [التاريخ الكبير (4/ 275)] فيما حكاه القاضي أبو الفضل وغيره، فتقوى به جانب
(3/411)

الزهري ... ومع ذلك فيحتمل أن يكون الحديث عند أبي سلمة عن عائشة، ويكون عنده أيضًا عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة عن عائشة، فاحتاج إلى نقله من طريق عمر بن عبد العزيز لأرب له في ذلك، فأعد نظرًا في هذا الحديث، فإنه لا يصفو من كدر العلة". اه.
أقول:
قد عبر المعلمي عن هذا الأَرَب -ولم ير كلامَ ابنِ رشيد- بتوقير عمر بن عبد العزيز، وإظهار فضله.
وفي الحديث اختلاف كثير، ذكره الدارقطني في "العلل" (5/ 151 / أ، ب) فليراجعه من شاء، وفي "علل ابن أبي حاتم" (739) جانبٌ منه، وقد تعرضت له في كتابي: "السعي الحثيث في كشف ما أغلق من علل الحديث" وهو شرح لكتاب العلل لابن أبي حاتم.
4 - وروي ابن عيينة وغيره، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: "أطعمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحوم الخيل" رواه حماد بن زيد (1) عن عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر.
أقول: عمرو ذكره ابن حجر في "طبقات المدلسين" وقال: "أشار الحاكم في "علوم الحديث" إلى أنه كان يدلس".
أقول: عبارة الحاكم في "المعرفة" (ص 111) في الكلام على المدلسين: "هذا باب يطول، فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ... وأن الأعمش لم يسمع من أنس، وأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس، وأن عامة حديث عمرو
__________
(1) رواية حماد أخرجها البخاري (4219) (5520) (5524)، ومسلم (1941/ 36)، ولم يخرجا الرواية الأولى.
(3/412)

ابن دينار عن الصحابة غير مسموعة"، وقد حمل الترمذي (1) رواية حماد على الوهم، وقال: "سمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: ابن عيينة أحفظ من حماد" (2).
ولكن ذكر الحافظ في "الفتح " (9/ 513) أن حمادًا توبع، ثم قال: "والحق أنه إن وجدت رواية فيها تصريح عمرو بالسماع من جابر، فتكون رواية حماد من المزيد في متصل الأسانيد، وإلا فرواية حماد بن زيد هي المتصلة".
أقول: إن لم يثبت عن عمرو ما يدل على التدليس غير هذا، فينبغي حمل كلام الحاكم على الصحابة الذين لم يلقهم عمرو، وقد بين الأئمة كثيرًا منهم في ترجمة عمرو من "التهذيب"، وهذا عند الحاكم تدليس، كما صرح به، والحق أنه لا يلزم من ثبوت هذا عن الراوي أن يحكم عليه بالتدليس في شيوخه الذين قد سمع منهم، ثم يحمل ما وقع في هذا الحديث على نحو ما تقدم في الذي قبله، وهو أن عمرًا أراد تكريم محمد بن علي؛ لقرابته من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفضله، فروى عنه ما قد سمعه هو من شيخه، والله أعلم.
ثم رأيت في "مسند" أحمد (3/ 268) "ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو ابن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: "كنا نفعله على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعني العزل، قال: قلت لعمرو: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا" والحديث في "الصحيحين" (3) من طريق عمرو، عن عطاء، عن جابر مصرحًا فيه بالسماع، فقد يقال إن عمرًا إنما يفعل مثل هذا فيما سمعه نادرًا، حيث قد حدَّثَ بالحديث على وجهه، ويكون سمعه من ثقة متفق عليه.
__________
(1) "الجامع" (1793)، وقال: رواية ابن عيينة أصح.
(2) لعل البخاري عني: في الجملة، لا في هذا الحديث بعينه؛ ولا في روايتهما عن عمرو كما سيأتي؛ وبدليل أن البخاري لم يخرج رواية ابن عيينة وخرج رواية حماد كما سبق.
(3) أخرجه البخاري برقم (5208) من طريق سفيان قال عمرو: أخبرني عطاء، سمع جابرا، أما مسلم فأخرجه (1440/ 136) من طريق معقل عن عطاء، قال سمعت جابرا.
(3/413)

قال الفقير إلى الله تعالى:
قال ابن رشيد: "هذا أيضًا من ذلك القبيل؛ حكمتَ -يعني مسلمًا- فيه لرواية حماد على رواية سفيان، فأوردت رواية حماد في كتابك، وليس حماد بن زيد ممن يُضاهى بسفيان بن عيينة، لاسيما في عمرو بن دينار؛ فهو المَلِيُّ به، الثبت فيه، المقدَّم على غيره.
قال ابن الجنيد: قلت ليحيى: من أثبت في عمرو بن دينار، سفيان أو محمد بن مسلم؟ فقال: سفيان أثبت في عمرو بن دينار من محمد بن مسلم ومن داود العطار ومن حماد بن زيد، سفيان أكثر حديثا منهم عن عمرو وأسند، قيل: فابن جريج؟ قال هما سواء.
قال عثمان بن سعيد: قال يحيى بن معين: ابن عيينة أحب إلي في عمرو بن دينار من سفيان الثوري. وهو أعلم به، ومن حماد بن زيد. قلت: فشعبة؟ قال: وأي شيء عند شعبة عن عمرو بن دينار؟ إنما يروي عنه نحوا من مائة حديث ..
فكيف يُقدَّمُ أحدٌ على من هذه حاله في عمرو، مع أن عمرًا معلوم بالرواية عن جابر، وقد تابع سفيانَ على قوله: الحسنُ بن واقد، ذكر ذلك النسوي، وما أرى محمد بن علي في هذا الموضع إلا من المزيد في متصل الأسانيد". والله أعلم. اه.
5، 6 - "عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأي النبي -صلى الله عليه وسلم-، روي عن حذيفة حديثًا، وعن أبي مسعود حديثًا، ولم يصرح بالسماع، ولا علمنا لقيه لهما".
أقول: أما حديث حذيفة فذكر النووي أنه قوله: "أخبرني النبي -صلى الله عليه وسلم- بما هو كائن" الحديث، خرجه مسلم (1).
__________
(1) (2891) (24).
(3/414)

أقول: أخرج أولًا معناه (1) مطولًا من طريق أبي إدريس عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل (2) عن حذيفة، ثم ذكره؛ فهو متابعة. والحديث مشهور عن حذيفة، فإن صح قول مسلم في عدم العلم بلقاء عبد الله بن يزيد ل "حذيفة"، فالجواب أنه لما لم يكن له عنه إلا حديث واحد، والحديث مشهور من غير طريقه عن حذيفة، لم يَحْتَجْ أهل العلم إلى الكلام فيه، بل رووا الحديث على أنه متابعة، فهو مقبول في مثل ذلك، وإن كان محكومًا عليه بالانقطاع (3).
وأما حديثه عن أبي مسعود ففي شرح النووي أنه حديث "نفقة الرجل على أهله".
أقول: والحديث في "الصحيحين" (4) من طرق، وفي رواية للبخاري (5): " ... عن عبد الله بن يزيد أنه سمع أبا مسعود ... " فقد ثبت اللقاء والسماع لهذا الحديث نفسه (6). راجع "الفتح" (9/ 401).
قال الفقير إلى الله تعالي:
أجاب ابن رُشيد عن الاستدلال بهذين الحديثين بجوابين:
الأول عام: وهو أن عبد الله بن يزيد الأنصاري له صحبة، وقد رأى النبى -صلى الله عليه وسلم- كما قال مسلم، وذكره في الكوفيين من الصحابة في كتاب "الطبقات".
... والصحابة رضوان عليهم عدول بأجمعهم، بإجماع أهل السنة على ذلك، فلو قدَّرْنا إرسالَ بعض الصحابة عن بعض لم يضرنا ذلك شيئًا، ولم يكن قادحًا،
__________
(1) (2891) (22).
(2) (2891) (23).
(3) قال ابن رشيد: "ليس فيه ذكر سماع، ولا نعلم الآن من ذكر فيه سماعًا". اه.
(4) البخاري (55) (5351)، ومسلم (1002).
(5) (4006).
(6) كذلك قال ابن رشيد.
(3/415)

ولا يدخل هنا قولك: "إن المرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"؛ لما قلناه من الاتفاق على عدالة الجميع، ولذلك قبل الجمهور مراسل الصحابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ... فإن اعترضت أيضا أيها الإمام بإمكان احتمال الإرسال عن تابعي؛ إذ يحتمل أن يكون الصحابي رواه عن تابعي، عن صحابي، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن أرسله، قلنا: نادرٌ بعيدٌ، فلا عبرة به، وغاية ما قدر عليه الحفاظ المعتنون أن يبرزوا من ذلك أمثلة نَزْرة تجري مجرى المُلَح في المذاكرات والنوادر في النوادي".
الثاني خاص: وهو شقان:
أولهما: ثبوت سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود، كما رواه البخاري في الصحيح، وهذا مما غاب عن مسلم رحمه الله.
ثانيهما: حديث عبد الله عن حذيفة، قال: لم يخرجه البخاري؛ إما لعلةٍ اطلع عليها بسعة علمه لم يطلع عليها مسلم، أو يكون تركه للاختصار" اه.
وجواب المعلمي عن هذا الحديث جواب حسن، والله تعالى أعلم.
7، 8 - "أبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية، وصحبا البدريين، ونقلا عنهم الأخبار، حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة، قد أسند كل واحد منهما عن أُبيِّ بن كعب حديثًا، ولا يعلم لقاؤهما له".
أقول: حديث أبي عثمان، قال النووي: إنه قوله: "كان رجل لا أعلم أحدًا أبعد من المسجد بيتًا منه" خرجه مسلم (1).
__________
(1) (663) (278).
(3/416)

والجواب عنه أن في "مسند" أحمد (5/ 33): "حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَي"، فذكر الحديث، ثم قال أحمد: "ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله بن المبارك أنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، حدثني أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما إنَّ لك ما احتسبت".
وهي قطعة من هذا الحديث، فثبت اللقاء والسماع. اه.
قال النووي: وأما حديث أبي رافع عنه فهو: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف في العشر الأُخر، فسافر عامًا، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين يومًا". رواه أبو داود.
أقول: لم يخرجه مسلم: في "الصحيح"، وذلك يدل على توقفٍ له فيه؛ لأنه ليس هناك طريقٌ أخرى صحيحةٌ يوردها، ويجعل هذه متابعةً لها، والحديثُ في حُكْمٍ وسُنَّة، وقد أنصف بذلك.
قال الفقير إلى الله تعالي:
قد استدل ابنُ رشيد على ثبوت سماع أبي عثمان النهدي من أُبي بن كعب يقول ابن المديني في كتاب "التاريخ" له: "أبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن ملّ، وكان جاهليًّا، ثقة، لقي عمر وابن مسعود وأبا بكرة وسعدًا وأسامة، وروى عن علي وأبي موسى وعن أبي بن كعب، وقال في بعض حديثه: حدثني أُبي بن كعب، وقد أدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-". اه.
قال ابن رشيد: "قد نصَّ علي أنه يقول في بعض حديثه: حدثني أُبي بن كعب، فمنه ما اطّلعنا عليه، ومنه ما لم نطّلع عليه ... ".
ولعل ما قصده عليُّ بن المديني هو الحديث الذي استدل به المعلمي من "مسند" أحمد، فإن عني غيره فالأمر أثبت. والله تعالى الموفق.
(3/417)

9، 10، 11، 12 - أسند أبو عمرو الشيباني، وأبو معمر عبد الله بن سخبرة، كل واحد منهما عن أبي مسعود خبرين.
قال النووي: "حديثا الشيباني أحدهما حديث: "جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إنه أُبْدَع بِي"، والآخر: "جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بناقة مخطومة، فقال: لك بها" أخرجهما مسلم (1)، وأسند أبو عمرو أيضًا عن أبي مسعود حديثا ... "المستشار مؤتمن" رواه ابن ماجه" (2).
أقول: ومتن الأول: "من دل على خير، فله مثل أجر فاعله".
وأما الثاني، فمتنه: "لتأتين" (3) أي الناقة، وكلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها"، وقوله: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه".
ودليل الثاني قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [سورة البقرة: 261].
وللثالث شواهد من حديث جابر وابن عباس وأبي هريرة، ومعناه ثابت في العقول (4) أن الإنسان لا يستشير على الحقيقة إلا من يأتمنه، فمن استشارك فقد ائتمنك.
قال النووي: "وأما حديثا أي معمر، فأحدهما: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- "يمسح مناكبنا في الصلاة" أخرجه مسلم (5)، والآخر: "لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في
__________
(1) الأول (1893)، والثاني (1892).
(2) لم يذكر الطبراني في "المعجم الكبير" (17/ 225)، لأبي عمرو الشيباني عن أبي مسعود سوى هذه الأحاديث الثلاثة، فكأنه ليس له عنه غيرها.
(3) كذا، ولفظه: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة".
(4) في منسوخة العلامة الأنصاري، (المعقول) (ل/ 2).
(5) (432) (122).
(3/418)

الركوع" أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وقال الترمذي: (هو حديث حسن صحيح) ".
أقول: أما الحديث الأول فأخرج معه مسلم عدة أحاديث صحيحة تؤدي معناه، فهو في حكم المتابعة، وأقرب تلك الشواهد من لفظه حديث النعمان بن بشير، فهو إذًا في معنى المتابعة.
وأما الحديث الثاني فلم يخرجه مسلم، ولعل ذلك لأنه في حكم مختلف فيه، ولم يجد له شاهدًا صريحًا صحيحًا.
ومن شواهده: حديث المسيء صلاته وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ارجع فصل فإنك لم تصل" وهو في "الصحيحن"؛ لكن لم يقع في روايتهما أن الرجل إنما قصر بأنه لم يقم صلبه في الركوع والسجود، كان وقع معنى ذلك في رواية لغيرهما كما في "الفتح" (1).
ومن شواهده قول زيد بن وهب: "رأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع والسجود، فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- عليها" أخرجه البخاري (2)؛ ولكن في الحكم له بالرفع خلاف، والله أعلم.
13 - قال مسلم: "وأسند عبيد بن عمير (3) عن أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا، وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-".
قال النووي: "هو قولها لما مات أبو سلمة: قلت غريب وفي أرض غريبة (4)، لأبكينه بكاء يتحدث عنه. أخرجه مسلم (5).
__________
(1) (2/ 223).
(2) رقم (791).
(3) هو ابن قتادة، أبو عاصم الليثي.
(4) كذا في المطبوع، والذي في "صحيح" مسلم: "أرض غُرْبة".
(5) (922).
(3/419)

أقول: حاصله أنه بعد موت أبي سلمة جاءت امرأة لتسعدها في البكاء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للمرأة: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا قد أخرجه الله منه" فهو في النهي عن النياحة، وهو ثابت بأحاديث كثيرة، وفيه فضيلة لأبي سلمة وذلك -أيضًا- ثابت.
14، 15، 16 - قال مسلم: "وأسند قيس بن أبي حازم (1) -وقد أدرك زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أخبار".
قال النووي: "هي حديث: "إن الإيمان هاهنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين" (2)، وحديث: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد" (3)، وحديث: "لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان" (4)، أخرجها كلها البخاري ومسلم.
أقول: قال البخاري في "الصحيح"، في كتاب الكسوف: "حدثنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس، قال سمعت أبا مسعود يقول ... "، فذكر الحديث الثاني (5).
وقال في أبواب الإمامة: "حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا إسماعيل، قال: سمعت قيسًا قال: أخبرني أبو مسعود"، فذكر الحديث الثالث (6)، فثبت اللقاء والسماع، ولله الحمد.
__________
(1) يراجع: "العلل" لابن المديني (ص 79)، و"جامع التحصيل" (121)، و"السنن الأبين" (ص 150)، و"شرح علل الترمذي" (1/ 375).
(2) أخرجه البخاري (3302) (3498) (4387) (5303) ومسلم (51).
(3) أخرجه البخاري (1041) (1057). ومسلم (911).
(4) البخاري (90) (702)، ومسلم (466).
(5) هو برقم (1041).
(6) برقم (702).
(3/420)

قال الفقير الى الله تعالى:
استدل ابن رُشيد أيضا على سماع قيس من أبي مسعود بهذين الحديثين اللذين أخرجهما البخاري وفيهما التصريح بالسماع، وكذا استدل يقول علي بن المديني بسماعه منه في كتابه "التاريخ والعلل"، وهو في المطبوع من "العلل" (ص 49 - 50).
17 - قال مسلم: "وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى -وقد حفظ عنه عمر، وصحب عليا- عن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا".
قال النووي: "وهو قوله: "أمر أبو طلحة أم سليم، اصنعي طعامًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-"، أخرجه مسلم" (1).
أقول: هو عنده في كتاب الأشربة والأطعمة: "باب جواز استتباعه (2) غيره"، ساق مسلم الحديث من طريق (3) إسحاق بن عبد الله بن (4) أبي طلحة أنه سمع أنسًا"، ثم من طريق (5) سعد (6) بن سعيد حدثني أنس، ومن طريق أخرى عنه: سمعت أنسا، ثم ذكر رواية ابن أبي ليلى، فهي عنده متابعة ثم ذكره من طريق خمسة آخرين عن أنس.
18، 19، 20 - قال مسلم: "وأسند ربعي بن حراش (7) عن عمران بن حصين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثين، وعن أبي بكرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثا، وقد سمع ربعي من علي، وروى عنه".
__________
(1) (2040)، (143 - مكرر 3).
(2) في المطبوع من كتاب المعلمي: "استتباع"، والمثبت من الصحيح.
(3) (2040) (142).
(4) في المطبوع: "عن" وهو خطأ.
(5) (2040) (143).
(6) في المطبوع: "بُسْر" وهو تحريف.
(7) في المطبوع من كتاب المعلمي: "خراش"، أوله معجمة، وهو تصحيف.
(3/421)

قال النووي: "أما حديثاه عن عمران فأحدهما في إسلام حصين والد عمران، رواه عبد بن حميد في "مسنده" (1)، والنسائي في كتاب "عمل اليوم والليلة" (2) بإسناديهما الصحيحين (3)، والحديث الآخر: "لأعطن الراية رجلًا يحب الله ورسوله"، رواه النسائي في "سننه" (4).
أقول: لم يخرجهما مسلم، ولا فيهما حُكم، وقد تُوبع ربعي على كُلٍّ منهما.
قال النووي: "وأما حديثه عن أبي بكرة فهو: "إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على حرف جهنم" أخرجه مسلم (5)، وأشار إليه البخاري (6).
أقول: ذكراه في المتابعات.
21 - قال مسلم: "وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا".
قال النووي: "أما حديثه فهو حديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره"، أخرجه مسلم في كتاب الإيمان هكذا (7)، وقد أخرجه البخاري ومسلم -أيضًا- من رواية سعيد بن أبي سعيد المقبري (8) ".
__________
(1) "المنتخب من مسند عبد بن حميد" (1/ 429).
(2) (ص 413)، أبواب الجاهلية، (باب: ما يؤمر به المشرك أن يقول).
(3) في منسوخة العلامة الأنصاري (ل/ 4): "في الصحيحين" وهو سبق قلم.
(4) (5/ 46)، المناقب، (باب: فضائل على رضي الله عنه).
(5) رقم (2888) (16).
(6) رقم (7083).
(7) رقم (48).
(8) البخاري رقم (6019)، ومسلم رقم (48) (ص 1352).
(3/422)

أقول: أخرج مسلم حديث أبي هريرة (1) بمثل أبي شريح، ثم أخرج حديث نافع عن أبي شريح، فهو شاهد، مع ثبوته عن أبي شريح من طريق سعيد المقبري سماعًا من أبي شريح (2).
22، 23، 24 - قال مسلم: "أسند النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أحاديث".
قال النووي: "الأول: "من صام يومًا في سبيل الله" (3)، والثاني: "إن في الجنة شجرة" (4)، أخرجهما البخاري ومسلم، والثالث: "إن أدنى أهل الجنة"، أخرجه مسلم (5) ".
أقول: قال البخاري في "التاريخ" (4/ 712): "النعمان بن أبي عياش الزرقي الأنصاري، سمع أبا سعيد الخدري ... "، وقال في "الصحيح" في كتاب الرقاق في باب صفة الجنة والنار: "وقال إسحاق بن إبراهيم: أنبأنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب عن أبي حازم عن سهل بن سعد ... " قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: أخبرني أبو سعيد ... فذكر الحديث الثاني، بل رواه مسلم نفسه في أوائل كتاب الجنة بهذا السند نفسه، وفيه: وقال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال حدثني أبو سعيد الخدري.
__________
(1) رقم (47).
(2) رقم (48/ 16) (ص 1353).
(3) البخاري (2840)، ومسلم (1153)، وجاء التصريح بالسماع عند النسائي في "السنن" (2249) (2250) وغيره.
(4) البخاري (3553)، ومسلم (2828).
(5) رقم (188)، (211).
(3/423)

25 - قال مسلم: "وأسند عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا".
قال النووي: "هو حديث: الدين النصيحة".
أقول: أخرجه مسلم (1) في كتاب الإيمان (باب: بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون)، وذكر معه أحاديث تؤدي معناه، منها: حديث أبي هريرة: "لا تؤمنوا حتى تحابوا"؛ وحديث جرير: "بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم"، وقد روي: "الدين النصيحة" من حديث ثويان وغيره، ومعناه ثابت بنصوص كثيرة، كقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمُهُ" وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من غشنا فليس منا" إلى غير ذلك.
قال الفقير إلي الله تعالي:
قد صرح ابن المديني في كتابه "العلل" (ص 68) بلقائه لجماعة من الصحابة منهم تميم الداري.
26 - قال مسلم: "وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا".
قال النووي: "هو حديث المحاقلة أخرجه مسلم (2) ".
أقول: في باب كراء الأرض بالطعام، وأخرج له عدة متابعات، وشواهد.
27 - قال مسلم: "وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث".
__________
(1) رقم (55).
(2) رقم (1048).
(3/424)

قال النووي: "من هذه الأحاديث: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" أخرجه مسلم (1) "، ثم ذكر (2) عن الحميدي: أنه ليس للحميري عن أبي هريرة في الصحيح غيره، قال النووي: "وربما اشتبه ب "حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري"، وقد رويا له في "الصحيحين" أحاديث كثيرة، وليس للحميري عن أبي هريرة -أيضًا- في "سنن" أبي داود (3) والترمذي (4) والنسائي (5) غير هذا الحديث".
قال مسلم في (باب: فضل صوم المحرم)، والترمذي في (باب: ما جاء في صوم المحرم)، والنسائي في (باب: فضل صلاة الليل)، قال النسائي: "أخبرنا قتيبة"، زاد مسلم والنسائي: "ابن سعيد ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميري"، كذا قال مسلم والترمذي، أما النسائي فقال: "هو ابن عوف عن أبي هريرة"، وقال أبو داود: (باب: في صوم المحرم)، "حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد، قال أبو عوانة، عن أبي بشر، بن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة".
وقال أحمد في "المسند" (3/ 344): "ثنا عفان، ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وأخرجه النسائي عن سعيد بن نصر عن عبد الله عن شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، أنه سمع حميد بن عبد الرحمن يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال النسائي: "أرسله شعبة".
ورواه أحمد (3/ 335): عن أبي الوليد الطيالسي عن أبي عوانة عن عبد الملك عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
ورواه البيهقي في "السنن" (4/ 291) من طريق مسدد، ثنا أبو عوانة عن عبد الملك ابن عمير عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة.
__________
(1) رقم (1163).
(2) يعني النووي.
(3) رقم (2429).
(4) رقم (438)، (740).
(5) رقم (1613) ووقع عنده: ابن عوف كما قال المعلمي.
(3/425)

وقد رواه مسلم أيضًا من طريق جرير عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ومن طريق زائدة عن عبد الملك بن عمير، قال مسلم بهذا الإسناد في ذكر الصيام عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثله.
وقد أخرجه ابن ماجه من طريق زائدة عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم".
قال البيهقي (1): "وخالفهم في إسناده عبيد الله بن عمرو (2) الرقي"، ثم ساقه من طريق الربيع بن نافع عن عبيد الله عن عبد الملك بن عمير عن جندب بن سفيان البجلي، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول، فذكره (3).
أقول: ورجاله ثقات، ويمكن أن يكون شعبة -والله أعلم- إنما أرسله لهذا الاختلاف.
وقال البخاري في "التاريخ" (1/ 2 / 343): "حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري عن أبي هريرة وابن عباس".
أقول: وفي الحديث نظر من وجوه:
الأول: ما ذكره مسلم من أنه لا يعلم ل "حميد الحميري" لقاء لأبي هريرة.
الثاني: ما سمعتَ من الاختلاف.
والثالث: أنه لا يُتابع عن أبي هريرة، ولا عن جندب، مع ما لأبي هريرة من الأصحاب الحفاظ المكثرين.
__________
(1) "سننه الكبرى" (3/ 4)، (4/ 291).
(2) في المطبوع من كتاب المعلمي: "عمير"، وهو خطأ.
(3) وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (2/ 169) و"الأوسط" (6/ 281) من طريقين آخرين عن عبيد الله بن عمرو.
(3/426)

الرابع: أنه بالنسبة إلى الصوم ليس له شاهد -فيما أعلم- إلا ما رواه الترمذي (1) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، وقال الترمذي: "حسن غريب" وعبد الرحمن بن إسحاق هو: ابن شيبة الواسطي، قال أحمد: ويحيى: "ليس بشيء"، وقال أحمد، وغيره: "منكر الحديث" وقال مرة: "ليس بذلك، وهو الذي يحدث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير"، وضعفه غيرهم أيضًا، والنعمان بن سعد تفرد عنه عبد الرحمن بن إسحاق فيما قال أبو حاتم (2)، وكذا قال البخاري (4/ 3 / 77)، كما ثبت في بعض نسخ "التاريخ" (3). قال ابن حجر في "التهذيب" (4): "والراوي عنه ضعيف، فلا يحتج بخبره".
أقول: ذكره ابن حبان في "الثقات" (5)، والثقة عنده من روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يرو منكرًا، وهذا الشرط مع تساهله مفقود هنا؛ لأن الراوي عنه غير ثقة، وروى عنه المناكير، كما مر.
الخامس: أن الثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملا؛ إلا أنه كان يكثر الصيام في شعبان، والله أعلم.
المجموع 23 حديثًا (6).
8: الذي يثبت السماع فيه.
__________
(1) رقم (741).
(2) "الجرح والتعديل" (7/ 411).
(3) (8/ 78).
(4) (8/ 113).
(5) (5/ 11).
(6) هكذا جاء المجموع (23) والأعداد الآتية مجموعها (24) لكن مجموع ما مر حسبما رقمنا: (27) حديثًا.
(3/427)

4: الذي لم يخرجه مسلم.
11: الذي أخرجه في المتابعات والشواهد ونحوها.
1: الذي أخرجه محتجًا به فيما يظهر. اه.
قال الفقير إلى الله تعالى:
قد أجاب الشيخ المعلمي عن الشواهد التي ساقها مسلم للتدليل على ما قرره في عدم اشتراط العلم باللقاء أو السماع في صحة الإسناد المعنعن، وقد استوفى النظر فيها، ولم يكن الجواب فيها جميعًا واحدًا، بل كُلٌّ بحسبه.
ووافق المعلمي ابنَ رشيد في بعض ما أجاب به، مع عدم اطلاع المعلمي على كلام ابن رشيد، ولم يُتم ابنُ رشيد النظر في كل الشواهد.
والمتحصَّل أن تلك الأجوبة غالبُها ظاهرٌ في الرد على احتجاج مسلم بها، وقد اعترف بذلك بعض المؤيدين لمسلم، بل والزاعمين إجماع المحدثين على مذهبه، وهو حاتم العوني، واعتذر لمسلم فيما اعتذر به أن مسلمًا استهان بخصمه غاية الاستهانة، وأنه كان عنده أقل وأدنى من أن ينقر له الأدلة ويصفي له الرويَّة، قال: ولو كان مسلم يرد على البخاري أو على بن المديني أو على غيرهما من أئمة السنة لرأيت غير ذلك ولاختلف الأمر تمامًا، قال: لقد كان مسلم مترددًا في الرد -كما ذكر- استخفافًا بذلك المبتدع المستحدث لذلك القول، ثم تصبَّر على الرد وهو مستثقله، ولذلك لم يحزم له كُلَّ حُموله ولا أعدَّ له كُلَّ عُدَّتِه.
كذا قال العوني، ومثل هذا الاعتذار لا يليق بمثل مسلم رحمه الله، أن تدفعه الاستهانةُ بخصمه أن يسوق أدلةً لا تنهض ولا تصلح فيما ساقها من أجله فيعطي لخصمه ما يُسَوِّغُ له ردَّ كلامِه.
(3/428)

وقد يُتَصور هذا إذا كان كلامُ مسلم جوابًا على سؤالٍ عارضٍ، أما إذا كان في صَدر تصنيفٍ كهذا، مع شدة التشنيع على المخالف، فكيف لا يحزم له حُمولَه، ويعدُّ له عُدَّتَه، وفي الفصل الآتي جواب مجمل عما أورده العوني في هذا الكتاب، والله تعالى الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
(3/429)

فصل: جوابٌ مُجْمَلٌ على كتاب: (إجماع المحدثين)
للدكتور/ حاتم العوني
قال الفقير إلى الله تعالى.
هذه مجامع بعض الفوائد والفرائد التى يُستعان بها في تحرير هذه القضية، كنت قد قيَّدتُها في الجواب عن الكتاب المذكور، وقد خَلَّط فيه صاحبُه، ونحا فيها منحًى لم يُسبق إليه؛ إذ ذهب إلى أن إجماعَ المحدثين -ومنهم ابن المديني والبخاري- موافقٌ لما ذهب إليه مسلم من عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين.
وقد رأيتُ أن أورد مجامعَ هذه النِّكات هاهنا؛ تتميما للفائدة، دون استقصاءٍ للقضية المذكورة، فلها موضع آخر.
وطريقتي أن أذكر أرقام الصفحات التي أُعلق عليها من الكتاب المذكور أولًا، ثم أذكر ما يُمكِنُ لغير الناظر فيه أن يستفيد من هذا التعليق، ولو كان ناظرا فيه لكان أَوْلَى، والله تعالى الموفق.
ص (16 - 17):
أقول:
ثبوتُ الاتصال شرطٌ من شروط قبول الحديث، فإذا لم يثبت الاتصال وفق شرطه عند قائله، لزم عدمُ قبول الحديث حتى يثبت، وعليه فلا يلزم من أجل رَدِّ الحديث الجزمُ بالانقطاع؛ لأن ذلك يحتاج إلى دليل آخر.
(3/430)

إذًا، فسواء توقف الناقد فى ثبوت الاتصال، أو جزم بالانقطاع، فالنتيجة واحدة من حيث عدم القبول، وإن كان الأولُ أخفَّ باعتبار أنه يحتمل أن يقف الناقد فيما بعدُ على شرطه فى الاتصال. لكن إذا وجدنا الناقد ينفي علمه بثبوت ما يدل على الاتصال فى كتابٍ مصنف له، فهل نقول مع ذلك: إنه متوقف فقط، غير جازم بالانقطاع، لعله يقف على ما نفاه بعد ذلك؟ فيه بُعدٌ واضحٌ.
هذه هى ثمرة التفريق بين التوقف فى ثبوت الاتصال، والجزم بالانقطاع، وهو افتراض جدلي، لا يُعوِّل عليه أحدٌ فيما أعلم؛ لأن الأصل أن نفي الإمام ما ذكرنا لا يكون إلا مع استقصاء البحث والنظر.
إذًا، فكلام ابن القطان إذا كان تقسيما من حيث التسمية فقط، فلا بأس، أما مِن حيث الحُكم فحسبما قدمنا.
ولذا فقد تعقبه الذهبي بكلام عمليّ إذ قال: بل رأيهما دال على الانقطاع. يعني بذلك الانقطاع الحكمي، وهو المعتبر هنا.
وموقف الذهبي -فى ضوء ما حررتُه آنفا- منضبطٌ لا إشكال فيه، وليس فيه غرابةٌ ولا اضطرابٌ كما زعم العوني.
ص (22):
قول العوني: فلم خشي مسلم الإرسال مع تحقق المعاصرة الطويلة؟
أقول:
لم يذكر العوني القرينة التى راعاها مسلم في نفي سماع الحسن من عمران -إذا صحَّ ما نسبه الحاكم إلى مسلم - والبخاري- في جزمهما بهذا النفي.
ومن الدلائل البينة التى تُراعَى في سماع المتعاصرين، والتي لا يسعُ مسلما ولا غيره إهمالها: ورود نفي السماع من إمام معتمد في هذا الباب، كيحيى القطان
(3/431)

وابن مهدي، وأحمد وابن معين، فقولهم حجة في مثل هذا عند الشيخين، إذا لم يقم عندهما أو أحدهما دليل مناهض لهذا القول.
وقد قال بعدم سماع الحسن من عمران بن حصين: ابن المديني، وأحمد، وبهز بن أسد العمي، ويحيى بن معين، وهو قول أبى حاتم وغيره.
ص (23 - 25):
أقول:
مسلمٌ قد نَصَّ في مقدمة صحيحه أن من شروط اتصال الإسناد المعنعن: عدم وجود دلالة بينة على عدم اللقاء أو السماع.
فإذا وجدت الدلالة، اتفق الجميع على الحكم بانقطاع ذلك الإسناد: مسلمٌ؛ لِنَصِّهِ على ذلك، ومخالفُه من بابٍ أَولى؛ لأن شرطه أبعد من هذا.
وإنما محل الخلاف: إذا لم توجد دلالة بينة أو قرينة على ذلك، فمسلم -بحسب كلامه فى ذاك الموضع- لا يتردد -مع توفر الشرطن الآخرين- في أن الرواية على السماع حتى تكون هناك دلالة على خلافه.
وأما من نَقل مسلمٌ قولَه، فلا يحكم لتلك الرواية بالاتصال حتى يتبين له بالدليل وقوع اللقاء أو السماع ولو مرة.
في ضوء ذلك يمكن توجيه وفهم ما ألزم به ابنُ رجب مسلما، فأقول:
من ثبتت له رؤية النبى -صلى الله عليه وسلم-، فإن كان حينئذ رضيعا أو صغيرا لا يضبط، فتلك دلالة تاريخية بينة على عدم السماع المعتد به، فمسلم كغيره، يرى تلك الرواية مرسلة، لأن الرؤية حصلت في سِنٍّ لا يحتمل، ولذا فقد ذكرهم مسلم فى طبقة ما قبل كبار التابعين؛ لأن لهم حُكمهم.
(3/432)

وهؤلاء لا يعنيهم ابنُ رجب فى قوله: "ويَرِدُ على ما ذكره مسلم: أنه يلزمه أن يحكم باتصال كل حديث رواه من ثبت له رؤية من النبى -صلى الله عليه وسلم-، بل هؤلاء أَوْلى؛ لأن هؤلاء ثبت لهم اللقي، وهو يكتفي بمجرد إمكان السماع"، وإنما يعني من كان وقت الرؤية بالغا، ولم يرد ما يدل على ثبوت السماع أو ما يدل على حضوره مجلس النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو مصاحبته في سفر، أو نحو ذلك مما يمكن معه سماع شيء من حديثه.
وهذا مُتصور فيمن أسلم يوم الفتح، ولم يهاجر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لا يمتنع أن يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئا ذلك اليوم، وليست هناك دلالة على عدم السماع، ولم يرو ما يدل على نحو ما سبق، فيكون على قول مسلم حديثه متصل، وعلى قول مخالفه حديثه مرسل، ولو مع ثبوت الرؤية التى هى أبلغ من مجرد إمكان السماع، حتى يثبت السماع ولو مرة.
ومثل هؤلاء من قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، وقد ثبتت رؤيتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الجمع الغفير.
والمخالف لمسلم لا يرى ذلك كافيا في ثبوت سماعهم لغير ما سمعه عامة الصحابة في خطبة الوداع.
وكذلك مَن أسلم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أهل الجزيرة، فقد عاصره، وأمكن لقاؤه له، لقرب دار بعضهم، ولم تقم دلالة على عدم سماعه منه. فهذا على قول مسلم هاهنا حديثه متصل، ومخالفه لا يرى ذلك كافيا، بل لابد من قيام دليل على لقائه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، أو سماعه منه ولو مرة.
فإذا قامت دلالة بينة على عدم اللقاء أو السماع، كقدومه على النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلما إلا أنه لم يدركه؛ لِوَفاته -صلى الله عليه وسلم-، فالجميع متفقون على أن حديثه مرسل.
وهذا الصنف الأخير من "المخضرمين" وقد ذكرهم مسلم فى طبقاته سردا، ولم يذكر لكل واحدٍ دلالةً على عدم سماعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-، إلا أن يكون اعتمد قولَ مَن
(3/433)

سبقه من الأئمة في وصف هؤلاء بذلك، أو استدل مع ذلك بكون جُل رواية هؤلاء عن الصحابة، وليس فيها رواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولعله لذلك قد نصَّ ابن رجب في إلزامه بأن يكون مُعاصر النبي -صلى الله عليه وسلم- مع إمكان لقائه: روى عنه شيئا، فحينئذ يكون الإلزام قائما، والله تعالى أعلم.
ص (27):
تعليقا على الملاحظة الواردة هناك.
أقول:
إنما قال مسلم " ... وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما جميعا كانا فى عصر واحد ... ".
فمسلم قد صرح بأنه يُكتفى بإمكانية اللقاء والسماع للمعاصر، شريطة ألا يقوم دليلٌ ينقض تلك الإمكانية، فالحديث عنده على الاتصال بهذه الإمكانية مع تحقق الشرطين الآخرين، فهو لا يشترط العلم بالسماع بدليل خاص، بل يكتفي بما قدمنا.
أما مخالفه فيشترط تحقق العلم باللقاء أو السماع بدليل خاص؛ كثبوت تصريحه بما يدل عليه من ألفاظ الاتصال المعروفة، كسمعت وحدثنا، أو ما يدل على حضور مجلسه أو مماشاته أو نحو ذلك من الأدلة الخاصة المُثبِتة لوقوع اللقاء أو السماع ولو مرة.
فمسلم لا يشترط -لثبوت الاتصال- تحقُّق العلم باللقاء أو السماع، بل إذا توفرت الشروط التى ذكرها، فالأصل هو حصول اللقاء والسماع.
ومخالفه لا يراه أصلا فى ذلك، بل هو على الاحتمال حتى يأتي دليلٌ خارجي يُثبت ذلك، ولو مرة.
فليس في تعبير أهل العلم بأن البخاري يشترط العلم باللقاء أو السماع، وأن مسلما لا يشترط العلم بذلك: أيّ تجوّز أو تسمّح أو اختصار، بل هي كبد الحقيقة، والله تعالى أعلم.
(3/434)

ص (31):
قول العوني في توجيه كلام السمعاني في اشتراط طول الصحبة: "من كان مختصا بشيخٍ ملازما له حُملت عنعنته عنه على الاتصال، ولو كان من مشاهير المدلسين، كما هو مقرر فى هذا العلم". اه.
أقول:
هذا الكلام فيه نظر من جهة أنه أطلقه، والصواب أن يكون ذلك أغلبِيًّا.
وشاهدُ ذلك مواضعُ عنعن فيها مشهور بالتدليس، عن شيخ قد أكثر عنه جدا؛ كرواية الأعمش عن إبراهيم بن يزيد النخعي.
راجع ترجمة الأعمش من القسم الأول من هذا الكتاب.
ص (34).
أما عدم تصريح البخاري بالشرط المنسوب إليه، فشأنه في ذلك شأن عامة المتقدمين من الأئمة، لا يذكرون مناهجهم وشروطهم بعباراتٍ تعريفية أو بحدودٍ فاصلة، على طريقة متأخري المتكلمن والأصوليين، بل جرت عادتهم باستعمال اللغة الخاصة بأهل هذا الفن، فإذا لم يفهم غيرهم المراد من مفردات تلك اللغة، فالعتْبُ عليهم؛ إذ لم يرجعوا إلى أصحاب التخصص فى ذلك.
وليس عدمُ نصِّ أئمة هذا الشأن على ما ذكرنا بمسوِّغٍ لغير أهل الاختصاص: أن يطلقوا العنان لنسبة ما يتراءى لهم من شروطٍ للأئمة أو مناهجَ لهم.
بل الأمر بحاجة إلى طول النظر، والبحث المتواصل، مع توفر الملكة والأدوات اللازمة لفهم تصرفات الأئمة وعباراتهم.
وأما عدم صلاحية (صحيح البخاري) لإثبات نسبة شرطٍ ما من شروط الصحة إلى البخاري بحجة أن البخاري قد أسَّسَ كتابه على شدة الاحتياط والمبالغة في
(3/435)

التحري، فهذه مجازفةٌ، تُفقد (صحيح البخاري) أيَّ اعتبارٍ لناظر، أو مجالٍ لباحث، أو متأملٍ لدارس.
فما عساهُ ينفع النظر والبحث والدرس في كتابِ إمامٍ يبالغ في التحري والاحتياط، فلا يُقاسُ على أحكامه، ولا تصرفاته.
هذا لو سلمنا بافتراض أن تكون المبالغةُ في التحري أو شدةُ الاحتياط أمرًا خاصًّا بالبخاري، زائدًا على تصرفات الأئمة في تعاملهم مع النصوص، فهل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد وابن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة، لا يبالغون في الاحتياط في حكمهم على الحديث أو على الرواة؟ وهل لا يوصف الإمام بذلك إلا إذا صنف كتابا في "الصحيح"؟
لقد اتفق المحققون من أئمة هذا الفن على أن الحديث لا يصلح فيه حُسْنُ الظنِّ، وأنَّ مَبْناه على الاحتياط والتحري، فهو أصلٌ فيه، وكُلُّ أحكامهم وقواعدهم تؤيد ذلك وتؤكده، وما حادَ مَن حادَ مِمَّن بعدهم عن منهج النقد إلا بسبب التفريط في هذا الأصل.
وهذا موضوعٌ مِن الأهمية بمكان، وقد حاولتُ بَسْطَ القول فيه في رسالتي "القواعد المهمة فى إحياء مناهج الأئمة"، وهي قَيْدُ الجمع، يسَّر الله إتمامها.
والمقصود هنا أن البخاري قد صنف كتبا عِدَّة منها ما جمع فيه ما احتج به طوائف أهل العلم في بعض المسائل محل النظر، ككتاب "القراءة خلف الإمام" و"خلق أفعال العباد"، ورجح من ذلك ما رآه راجحا.
ومنها ما صنفه ليكون ما يخرجه فيه حجةً بينه وبين الله تعالى، وسماه "المسند الصحيح". فما لم يخرجه فيه، فإن جاء عنه نقلٌ -لا إشكال فيه- أنه صحَّحه، فإن كان مِمَّا لا يَسَعُهُ تركُه؛ لظهور الحاجة إليه في أبوابٍ قد خرجها فى صحيحه، فإنه لم يُغفله -مع وضوح الاحتياج إليه، واستغناء البخاري بالخفي فى ذلك- إلا لأنه لم
(3/436)

ير ذلك الحديث صالحا لأن يخرج في مصافِّ ما يُحتج به في بابه، وأما إن كان مما يَسَعُهُ إغفالُه؛ لإخراجه ما يُغني عنه في بابه، فإن كانا سواء، فقد استغنى البخاري بما خرجه، ولم ير في الثاني مزيدَ فائدة، وإن كان في الثاني ما ليس فيما خرجه، فتَرْكُ البخاري له مع ذلك يُشعر بما قدمنا.
هذا إذا كان نَقْلُ التصحيح لا إشكالَ فيه؛ فإن أكثر مَن نَقل عن البخاري في ذلك هو الإمام أبو عيسى الترمذي، وفي بعض النقولات المروية عنه من طريقه إشكالٌ يحتاج إلى تحرير، وقد وقفتُ لبعض المحققين كابن عبد البر والذهبي على اعتراضات على الترمذي بهذا الصدد، فلم يُسَلِّمُوا بأشياء نقلها الترمذي عن البخاري، بل وشنَّع عليه الذهبي أحيانا.
وقد وقع لي قدرٌ غيرُ قليل من هذه الإشكالات أثناء استقرائي لكتاب "الجامع" مع ترتيب "العلل الكبير" للقاضي، وقيَّدتُّ فى ذلك تحريراتٍ على هذه المواضع، وهي فى جزء، يسر الله إتمامه وإخراجه.
أما إذا لم يُنقل عنه تصحيحُه، فالأمر في ذلك أوضح.
ومن المعلوم لِكل باحثٍ أن البخاري قد أودع اختياراتِه وما يذهب إلى القول به في أبواب العلم المختلفة: فيما بوَّب به، وما خرجه في تلك الأبواب، حتى إنه قد اشتهر بين المحققين أن "فقه البخاري" في تراجمه، فهل بالغ أيضا فى التحري والاحتياط في اختياراته تلك، بحيث لا يمكن أن يُستفاد مما فيها من أحكام ونظر واجتهاد، إلا لمن أراد الاحتياط والتحري البالِغَيْن؟.
الحَقُّ أن هذه النظرة لكتاب "الصحيح" للبخاري قد اخترعها بعضُ متأخري المحققين، ولا أثر لها عند المتقدمين، الذين أخضعوا كتابَه للنقد كسائر الكتب، وإنَّ مما أَكْسَبَ كَتاب "الصحيح" مكانتَهُ: نُدْرَةَ ما صفا للنقاد من تعقباتهم على البخاري فيه، بخلاف غيره من الكتب.
(3/437)

فزعمُ أن البخاري قد وضع لأحاديث هذا الكتاب ورواته شروطا: هي فوق المقاييس التى تعارف عليها النقاد حينئذٍ؛ زيادةً في الاحتياط والتحري: زعمٌ خالٍ من أي تحقيق أو تحرير.
نعم، يمكن أن تكون تلك المقاييس والضوابط بالنسبة لكثير من المتأخرين ممن شهروا هذا المعنى وأُشْربوه: فيها تشددٌ واحتياطٌ بالغٌ، لِبُعْدِ الهْوَّةِ -ليس بين البخاري وحده، بل- بين المتقدمين بعامة وبين المتأخرين في باب النقد.
ولا شك أن البخاري لمَّا كان على رأس مَن صنَّفُوا في الصحيح من المتقدمين، صار وصفُ منهجه بالمبالغة في الاحتياط والتحري: إفساحا للمجال أمام المتوسعين في التسامح مع النصوص، تخففا من ذلك الاحتياط المزعوم، فَصُنِّفَتْ لذلك كثيرٌ من الكتب الموسومة بالصحة وُلوجا من هذا المدخل.
هذه إشارة، وراجع تراجم: ابن حبان، والحاكم، والضياء المقدسي، من القسم الثاني من هذا الكتاب.
وقد عاد العوني فنقض ما ذكره من أن كتاب "صحيح البخاري" لا يصلح أن يكون دليلا على صحة نسبة ذلك الشرط على البخاري للسبب الذى ذكرناه عنه آنفا، بِرَدِّهِ على مَن زعم أن شرطَ البخاري المنسوبَ إليه شرطُ كمال، بمعنى أنه شرطٌ له في (الجامع الصحيح) لا في أصل الصحة، مع أن ما ردَّه هو من مقتضيات ما أكَّدَهُ قبل ذلك، لكنه فضَّل انتفاء هذا الشرط عن البخاري أصلا.
هذا من حيث الجواب العقلي على ما قاله العوني، أما الجواب العملي الخاص بنسبة هذا الشرط إلى البخاري بصفة عامة، فيأتي طرف منه في موضعه.
(3/438)

ص (37 - 38):
في الجواب عما طرحه العوني عن سبب عدول ابن رجب وابن حجر عن انتزاع الأدلة من (صحيح البخاري) إلى كتب البخاري الأخرى ك (التاريخ الكبير) و (الأوسط) و (القراءة خلف الإمام).
أقول:
لا فرقَ بين مذهب البخاري فى (الصحيح) وغيره في أصل ما يَتوقف عليه قبولُ الحديث أو ردُّه، لكن قد يتخفف البخاري من بعض الشروط خارج (الصحيح) في مفردات أسانيد يراها دالةً بمجموعها على صحة ما يستدل عليه.
والباحث عن دليل شيء يعمد إلى الأصرح والأوضح من ذلك.
وصنيعُ البخاري في غالب صحيحه إنما هو: "تصرفاتٌ" تحتاج إلى فهم خاص، مع البحث في قرائن خارجية، أما في كتبه الأخرى فهي عباراتٌ صريحةٌ وواضحةٌ وذِكْرُ إدراكِ ولقاءِ وسماعِ الرواة بعضهم من بعض في تلك الكتب -لا سيما التاريخ- من أعظم المقصود فيها، كما يُعلم باستقراءها.
ص (42 - 43):
حول الفرق بين قولهم: "لا أعرف لفلان سماعا من فلان" و: "لم يسمع فلان من فلان" ودعوى العوني أنهما جميعا جزمٌ بالانقطاع.
أقول:
سبق أن ذكرتُ أن تحققَ الاتصال شرطٌ في ثبوت صحة الرواية، ومقتضى كونِ الشىء شرطا لصحة أمرٍ ما: أنه ما لم يتحقق ثبوتُ ذلك الشرط، لا يمكن الحُكم بصحة ذلك الأمر، فنافِي الصحة: على أصله حتى يتبأنه أو لغيره -ممن هو على مذهبه- ثبوتُ ذلك الشرط.
(3/439)

فإذا تحقق من عدم ثبوته جزم بعدم الصحة، وإذا لم يتحقق من ذلك، ولم يقف على ما يفيد الثبوت كان على أصله في لزوم ثبوت الشرط.
ففى الحالتين لا يثبت عنده ذلك الأمر: تارة للجزم بالبطلان، وتارة لتخلف شرط الصحة.
ففي مسألتنا هذه يُعبر الناقد عن الحال الأولى بقوله مثلا: "فلان عن فلان منقطع" أو "مرسل" أو "لم يسمع فلان من فلان"، وفي الحال الثانية يقول: "لا أعرف أو: لا أعلم لفلان سماعا من فلان" ونحو ذلك من العبارات الدالة على ما قدَّمنا.
فلما لم يتحقق عدم ثبوت السماع بدليل خاص -فلم يجزم بالانقطاع-، اكتفى بالتنصيص على عدم توفر شرطه فى الاتصال وهو العلم بالسماع، ليدل على عدم اعتداده بهذه الرواية حتى يثبت عنده ذلك، فربما قال حينئذ: هذا إسناد ليس بمتصل مثلا، يعني لم يتوفر فيه عنده شرط صحة الاتصال.
فاحتجاج المحققين يقول البخاري وغيره: "لا أعلم لفلان سماعا من فلان" على أنه اشتراطٌ للعلم بالسماع لثبوت الاتصال احتجاجٌ صحيحٌ وواضح.
• وقد ينفي الناقدُ علمَه بسماع راوٍ من آخر، فهو على أصله السابق ذِكْرُه، ثم يدعم ذلك بقرينةٍ تُقَوي ثبوت عدم السماع -الذى لم يتحقق من ثبوته- كأن يقف على رواية بواسطة بأن الراويين، أو كأن يذكر أنه لم يعلم ما يدل على إدراك الراوي الأول للثاني.
• وقد يجزم الناقد -مع عدم علمه بالسماع- بالانقطاع أو الإرسال بناءً على أصله في لزوم تحقق شرط العلم بالسماع، فالحديث عنده مرسل لما سبق من فَقْد شرط الاتصال.
ولا يلزم أن يكون الانقطاع مجزوما به في كل موضع، بل إذا تخلف شرط الاتصال كان للإسناد حُكم الانقطاع كما بيناه آنفا.
(3/440)

• وقد ينفي الناقدُ العلمَ بالسماع في وقت، وتستقر نفسُه على ذلك، فيجزم بعدم السماع في وقتٍ آخر؛ لدليل وقف عليه، أو لغلبة ظن، أو لقرينة، ونحو ذلك، لكن هذا قليل جدا، بل نادر الوقوع، ويمكن حمله على محامل أخر.
• وقد يختلف ناقدان؛ فيجزم أحدهما بالانقطاع، ويتوقف الثاني، بحسب قوة ما توفر لكل منهما من الدلائل، وإن كانا جميعا لا يريان فيه حجة كما سبق.
والمقصود هنا أن نفي العلم بالسماع ليس هو نفيا للسماع في نفس الأمر، وإن كان له حُكمه، والله تعالى أعلم.
ص (51 - 52):
النظر فى بعض نماذج من القرائن ذكرها العوني للدلالة على أن نفي العلم بالسماع ليس اشتراطا للعلم به:
• جهالة الراوى، فيقال: لا يُعرف له سماع من شيخه، أو: إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضهم من بعض.
أقول:
هذه قرينة على عكس ما استدل به العوني؛ فالمجهول لا يمكن الجزم بعدم سماعه من شيخه؛ لأنه لا تعرف عينُه أو حالُه، ولا تُعلم سَنَةُ ميلاده ولا وفاته، وربما لم تُعرف بلدُه، فمثل هذا لا يُعلم سماعه، ولا يُجزم بنفيه، لكن يكفي عدم العلم في سقوط الاعتداد بروايته فضلا عن جهالته.
أما ما ذُكر من القرائن الأخرى فهى ترجح عدم السماع، وإن لم تكن كافيةً للجزم به، لكن محل النظر في هذه القضية هو حيث لا توجد قرائن كما سبق، وإلا فمُسلم نفسه قد اشترط عدم وجود دلائل بينة على عدم السماع.
(3/441)

فمن القرائن المشهورة في ذلك:
• ذكر وسائط بين راويين لم يثبت التقاؤهما.
• نكارة المتن.
• بُعْد البلدان بين الرواة المتعاصرين.
• اختلاف طبقات الرواة.
• وقوع كتاب شيخٍ لراوٍ، فيروي عنه، ولا يذكر ما يدل على السماع.
• عدم ثبوت رواية راوٍ عن شيخٍ، تقضي العادة بإكثاره عنه لو لقيه وسمع منه، فإذا حدَّث عنه بحديث أو حديثين لم يُثبتوا له السماع بذلك.
ص (63 - 65):
ومما ذُكر من معاني نفى العلم بالسماع:
1 - نفي أن يكون الراوي قد تلقى روايته عن شيخه بطريق السماع، وإن كان قد تلقاها إجازة أو مكاتبة أو وجادة أو عرضا.
أقول:
هذا خلاف الأصل في حقيقة السماع، وهو مُفتقِرٌ لنصٍّ خاصٍّ ممن أطلقه، وهو واضح في النماذج التى سيقت فى ذلك.
2 - الخبر المجرَّد عن أن الراوي لم يذكر ما يدل على السماع ممن روى عنه دون إعلالٍ للحديث بذلك -بل مع الحكم بالاتصال والقبول-؛ يعني أن الناقد يريد إخبارنا بذلك فقط، دون إعلال.
أقول:
لو صحَّ هذا لكان كلامُ الناقد لَغْوا، لا يُقصد به شيء ذو بال، وهذا غير معهود في كلام أئمة هذا الشأن.
(3/442)

والنموذج الذى سيق للتدليل على هذا العنى لا يُغني شيئا.
وهو قول البخاري في سليمان بن بريدة بن الحصيب: "لم يذكر سماعا من أبيه" وقد ولد هو وأخوه عبد الله في بطن واحد على عهد عمر، وقد أدركا من أبيهما ثلاثين سنة أو أكثر، وقد كان معه بالمدينة إلى أن ذهب إلى البصرة، إلى أن استقر أخيرا بمرو في خراسان، وهو معه في جميع تنقلاته، هكذا قرر العوني.
أقول:
مع ذلك كله لم يُثبت البخاري لهما السماع، ولم يخرج في صحيحه لسليمان عن أبيه شيئا، ولم ينفرد بذلك، بل توقف في هذا السماع: أحمد في أصح الروايات عنه ونفاه إبراهيم الحربي.
وإذا كان هذا مع ما سبق من توفُّر حيثيات السماع، فما بالك بما هو أقل من ذلك بكثير؟.
وقد استدل العوني على أن نفي البخاري العلمَ بسماع سليمان من أبيه إنما هو خبر مجرد، ليس فيه قصد الإعلال أو التوقف عن الحكم بالاتصال: بنقل الترمذي في كتابه "العلل الكبير" (بترتيب القاضي 1/ 202 - 203) عن البخاري قوله: "أصح الأحاديث عندي في المواقيت: حديث جابر بن عبد الله، وحديث أبي موسى، قال: وحديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه في المواقيت، وهو حديث حسن، ولم يعرفه إلا من حديث الثوري".
استدل العوني على ما سبق بتحسين البخاري لحديث سليمان عن أبيه، وبإخراج مسلم له فى صحيحه (613)، وبتصحيح ابن خزيمة (323، 324) وابن الجارود (151) وابن حبان (1492) له في صحاحهم.
(3/443)

أقول:
ليس في تصحيح هؤلاء في قضيتنا هذه مدخل، إنما النظر في تحسين البخاري -بحسب حكاية الترمذي عنه-، فيقال: لو افترضنا أن معنى "الحسن" عند البخاري يفيد وصف الحديث بالقوة أو بدرجة ما من القبول، فما أَدْرَى العوني -أو غيره- أن مقتضيات "الحسن" عند البخاري هي مقتضيات "الصحيح"، حتى يقال إن تحسين البخاري لتلك الرواية يدل على صحة السماع المذكور؟
والبخاري لم يخرج في "جامعه" شيئا مما رآه -بحسب نقل الترمذي- أصح الأحاديث عنده في المواقيت، ولم يذكر شيئا منه في بابه، مع شدة الحاجة إليه؛ لأنه بوَّب عليه، ولم يذكر فيه سوى حديث أبي مسعود الأنصاري، وليس فيه بداية وقت كل صلاة ونهايتها، وهو بيت القصيد فيه.
وأحاديث المواقيت يمكن تقسيمها بطريقتن:
الأولى:
1 - ما كان منها في إمامة جبريل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يومين متتالين، يصلي به الصلوات الخمس في اليوم الأول لأول أوقاتها، وفي الثاني لآخر أوقاتها، فيكون وقت كل صلاة بين هذين الوقتين.
وقد رُوي حديثُ إمامة جبريل عن جماعة من الصحابة، منهم: جابر، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو سعيد. وتكاد تتفق تلك الروايات في سياق مواقيت الصلوات.
2 - ما كان منها حكاية عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيانه لتلك المواقيت، وممن رُوي عنه ذلك: عبد الله بن عمرو، وبريدة، وأبي موسى.
(3/444)

والطريقة الثانية:
1 - ما وقعت فيها صلاة المغرب في وقت واحد هو غروب الشمس، فليس فيها وقتان كسائر الصلوات.
2 - ما وقعت فيها في وقتين؛ هما غروب الشمس وقبل غياب الشفق لصلاة العشاء.
ولم تختلف روايات حديث إمامة جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم- في أن لصلاة المغرب وقتا واحدا، سوى من لم يتعرض لذلك من الرواة.
واتفقت روايات عبد الله بن عمرو، وبريدة؛ وأبي موسى، على أن له وقتين.
لم يخرج مسلم من حديث إمامة جبريل شيئا، إنما خرج حديث عبد الله بن عمرو أولًا، ثم حديث بريدة ثم حديث أبي موسى. وهي جميعا متفقة على أن لصلاة المغرب وقتين.
والذي جاء في ترتيب "العلل الكبير" للقاضي: "قال محمد -يعني البخاري-: أصح الأحاديث عندي في المواقيت: حديث جابر بن عبد الله، وحديث أبي موسى، قال: وحديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه في المواقيت، وهو حديث حسن، ولم يعرفه إلا من حديث الثوري".
لكن يبدو أن في هذا السياق شيئا؛ ففيه عطفُ حديث أبي موسى وبريدة على حديث جابر في الوصف ب "أصح الأحاديث عندي"، وعلى ذلك بَنَى العوني كلامَه.
ونُسخة "ترتيب العلل" معروفة بالسقم، لا يُركن إليها دائما؛ ففي نَقْل البيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 371) عن "علل الترمذي" عن البخاري أنه قال: "حديث أبي موسى حسن، وحديث الثوري عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه في المواقيت هو حديث حسن". اه.
(3/445)

وفي نَقل ابن الملقن في "البدر المنير" (3/ 179) عن "علل الترمذي": سألت البخاري عنه - يعنى حديث بريدة، فقال: حديث حسن، ولم يعرفه إلا من حديث سفيان - يعني الثوري.
فصواب عبارة البخاري حسبما جاء في الكتب الناقلة لهذا الموضع:
"أصح الأحاديث عندي في المواقيت حديث جابر بن عبد الله، وحديث أبي موسى حسن، وحديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة حديث حسن، ولم يعرفه إلا من حديث الثوري، وحديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة في المواقيت هو حديث حسن".
قال الترمذي: وحديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو حديث وهب بن كيسان عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فالذي قدمه البخاري بإطلاق هو حديث جابر، والأحاديث الأخرى قد حسَّنها، والدليل على ذلك أن كُلَّ مَن نقل كلام الترمذي ذكر قول البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر. ولم ينقلوا ذلك في سائر الأحاديث، وإنا نقلوا فيها التحسين فقط.
وقد فهم عبد الحق الإشبيلي من عبارة الأصحية لحديث جابر أن ذلك في إمامة جبريل، لا في كل أحاديث المواقيت، نقله عنه الحافظ ابن حجر في كتاب "التلخيص الحبير".
والمتأمِّل في الأحاديث الثلاثة التي نقل الترمذي فيها عن البخاري القولَ بتحسينها يراها جميعا تشتمل على فردية وغرابة في أسانيدها، ولعل في كلام الترمذى عقبه في ذكر تعدد الرواة عن جابر إشارة إلى ذلك.
(3/446)

بيانه:
1 - أن حديث أبي موسى الأشعري لا يُعرف إلا من طريق بدر بن عثمان، عن أبى بكر بن أبي موسى، عن أبيه، به. ورواه عن بدر جماعةٌ حفاظ مشاهير.
قال البزار في مسنده (البحر الزخار 8/ 44): "حديث أبي موسى لا نعلم رواه عن أبى بكر إلا بدر بن عثمان". ثم قال: "وأكثر الأحاديث التى تُروى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه صلى المغرب في اليومين جميعا لوقتٍ واحد، إلا حديث أبي موسى هذا، وحديث أبي هريرة الذي رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وحديث قتادة عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو؛ فإن هؤلاء رووا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل للمغرب وقتين". اه.
وفاتَهُ حديثُ سليمان بن بريدة عن أبيه، وروايةٌ لسليمان بن موسى، عن عطاء، عن جابر.
وبدر بن عثمان ليس له في "صحيح مسلم" (614) و"سنن النسائي" (523) سوى هذا الحديث الواحد، ورواه أبو داود في "سننه" (334) وقال: "روى سليمان ابن موسى، عن عطاء، عن جابر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في المغرب بنحو هذا ... وكذلك روى ابن بريدة عن أبيه". اه.
وفاتَه رواية قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو في ذلك.
وذكر البخاري حديث بدر هذا في ترجمته من "التاريخ الكبير" (2/ 139).
2 - وأما حديث بريدة بن الحصيب، فلا يُعرف إلا من طريق علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة -وهو سليمان- عنه به. ونقل الترمذي -كما في ترتيب العلل- عن البخاري أنه لم يعرفه إلا من حديث الثوري، عن علقمة. مع أن الحديث قد رُوي عن شعبة، عن علقمة، كذا حكاه الترمذي نفسه في "الجامع" (152)
(3/447)

وخرجه مسلم من طريقه كذلك في "الصحيح" عن شيخه إبراهيم بن محمد بن عرعرة السامي، عن حرمي بن عمارة، عن شعبة به.
فسواءٌ قلنا إن البخاري لم يقف على رواية شعبة أصلا -وهو بعيد- أو قلنا إنه لم يرها محفوظةً، كما عُهد عن غير واحد من النقاد إذا عبروا بهذه الجملة، فهو يَرى أن الحديث لا يُعرف إلا من طريق الثوري، عن علقمة بن مرثد، وهذا يؤيد معنى الغرابة الذي قدمنا.
ورواية شعبة مدارها على حرمي بن عمارة، وقد رواها عنه غير ابن عرعرة شيخ مسلم: جماعةٌ منهم: ابن المديني، وبندار -محمد بن بشار-.
ولما روى بندار هذا الحديث عن حرمي، ذكره لأبي داود -الطيالسي- فأنكره عليه، وقال: صاحب هذا الحديث ينبغي أن يُكَبَّرَ عليه.
قال بندار: فمحوتُه من كتابي.
وكأنَّ أبا داود رأى أن هذا الحديث ليس من حديث شعبة -وقد كان من المكثرين عنه والمقدَّميِن فيه- وأن الوهم إما من حرمي بن عمارة راويه عن شعبة، أو من بندار نفسه، فمحاه بندار من كتابه خشية أن يكون الحديث خطأ.
هذا هو الظاهر من استنكار أبي داود، لكن ابن خزيمة لم يفهم منه هذا، بل كأنه فهم أن أبا داود يستنكر الحديث من أصله، لا من رواية شعبة فحسب، فقال في صحيحه: "ينبغي أن يُكبَّر على أبي داود؛ حيث غلط، وأن يُضرب بندار عشرة؛ حيث محا هذا الحديث من كتابه، (وهو) حديث صحيح على ما رواه الثوري أيضا عن علقمة، غلط أبو داود، وغيَّر بندار". اه.
وحرمي بن عمارة ليس من المقدَّمِين في شعبة، وله عنه أوهام، وقد استنكر عليه الإمام أحمد حديثين عن شعبة، -صحَّحَ الشيخان أحدَهما، ووصفه أحمد بالغفلة مع كونه صدوقا.
(3/448)

والمقصود أن الحديثَ عند البخاري في جميع الأحوال غريبٌ من جهة الثوري، عن علقمة بن مرثد.
ورواه عن الثوري: إسحاق بن يوسف الأزرق عند مسلم وغيره، ومخلد بن يزيد الحراني عند النسائي وغيره.
3 - وأما حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، فكذلك، لا يُعرف الحديثُ عن أبي هريرة إلا من هذا الطريق، وجاء عنه من طريق آخر أعلَّه البخاري بالإرسال، وهو حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبى هريرة، راجع "جامع الترمذي" رقم (151).
ومحمد بن عمرو بن علقمة ليس بذلك الحافظ، ولابن معين كلام في روايته عن أبي سلمة، وله عنه مناكير.
والملاحظ أن حديثي بريدة وأبي موسى يجعلان للمغرب وقتين، بخلاف حديث محمد بن عمرو، فيجعل له وقتا واحدا.
أما حديث جابر، فله عنه طرق عدة، كما حكاه الترمذي، اتفقت جميعها على أن للمغرب وقتا واحدا، سوى رواية لسليمان بن موسى الأشدق، عن عطاء، عن جابر، ففيها أن له وقتا واحدا، وقد خولف سليمان فى ذلك.
وبعد هذا الاستطراد، فإن من المعلوم أن قول البخاري: أصح الأحاديث عندي حديث كذا، لا يقتضي صحته عنده، وإنما هو من باب التفضيل والترجيح، وأَنْزَلُ منه ما وصفه بعد ذلك من الأحاديث بالحُسْن، ولو رأى البخاري في شيء من تلك الأخبار ما يصلح أن يخرجه في صحيحه أو يذكره تعليقا أو نحو ذلك في باب المواقيت -وهو بحاجة إلى ذلك وليس عنده ما يغني عنه- لَفَعَلَ.
(3/449)

فالاستدلال بوصف حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه ب "الحسن" على أن البخاري يرى صحة سماع سليمان من أبيه -مع ما مَرَّ شرحُه- استدلالٌ في غاية البُعد، والله تعالى الموفق.
وأما رواية عبد الله بن بريدة، عن أبيه فلم يسلك فيها البخاري مسلك رواية أخيه سليمان، فلم يقل: لم يذكر عبد الله سماعا من أبيه، ولا أعرض عن إخراج حديث عبد الله عن أبيه في صحيحه، بل اكتفى بقوله في ترجمته من "التاريخ الكبير": (5/ 51): "عن أبيه سمع سمرة، ومن عمران بن حصين".
ففرَّق بين (عن) أبيه و (سمع) سمرة. وعلَّق مغلطاي على هذا الموضع من ترجمة عبد الله من كتابه "الإكمال" بأن فيه إشعارا بل جزما بانه لم يسمع منه. اه.
لكن لا يتساوى صنيع البخاري في ترجمة سليمان وعبد الله من هذه الزاوية، فترجمة سليمان أصرح فى المراد.
وبالنظر في الحديثين الذين خرجهما البخاري لعبد الله بن بريدة، عن أبيه في كتاب "المغازي" نلاحظ ما يلي:
الحديث الأول: رقم (4350)
أخرجه البخاري في باب: "بعث علي بن أبى طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع" الحديث الثانى في الباب.
قال البخاري: "حدثني محمد بن بشار حدثنا روح بن عبادة حدثنا علي بن سويد بن منجوف عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عليا إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا، وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكرت ذلك له، فقال: يا بريدة أتبغض عليا؟ فقلت: نعم.
قال: لا تبغضه، فإن له فى الخمس أكثر من ذلك".
(3/450)

هذا الحديث بهذا السياق المختصر، معروف برواية روح بن عبادة، عن علي بن سويد بن منجوف به. رواه عن روح جماعة، منهم الإمام أحمد في المسند (5/ 359).
وعلي بن سويد ليس له في البخاري سوى هذا الموضع، كما قاله ابن حجر.
وللحديث طريق أخرى عن عبد الله بن بريدة، يرويها عنه عبد الجليل بن عطية القيسي، وممن رواه عن عبد الجليل:
(1) يحيى بن سعيد القطان، رواه عنه الإمام أحمد في المسند (21889).
(2) والنضر بن شميل، رواه النسائي في "خصائص علي" عن إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه عنه به. ومن طريق النسائي أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (7/ 74).
(3) وعبد الصمد بن عبد الوارث، أخرجه ابن زنجويه في "الأموال" (968). وتتميز رواية عبد الجليل عن رواية علي بن سويد بن منجوف بما يلي:
1 - قال عبد الجليل -في رواية القطان والنضر عنه-: حدثنا عبد الله بن بريدة قال: حدثني أبي: بريدة قال ...
ففيه تصريح عبد الله بسماعه من أبيه.
2 - في آخره -من روايتهم جميعا عنه- قال عبد الله: فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث غير أبي: بريدة.
وهذا تأكيد لما سبق من السماع.
3 - في سياق حديث عبد الجليل زيادات، ففيها في أوله قولُ بريدة: "أبغضتُ عليا بغضا لم أبغضه أحدا، وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا، قال: فأصَبْنا سَبْيًا، فكتب -أي الرجل- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: ابعث إلينا من يخمسه، قال: فبعث إلينا عليا، وفي السبي وصيفةٌ هى أفضل السبي، قال: فخَمَّس
(3/451)

وقسم، فخرج رأسه يقطر، فقلت: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال: ألم تر إلى الوصيفة؟ فإنها صارت في الخمس، ثم صارت في آل محمد، ثم صارت في آل علي، فوقعت بها".
ثم قال: "فكتب الرجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقصة، فقلت: ابعثني، فبعثني، فجعل يقرأ الكتاب ويقول صدق". وفيه: "لا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا".
وفيه: "فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة".
وزاد: "قال: فما كان أحدٌ من الناس أحبَّ إليَّ من علي".
وعبد الجليل هذا وثقه يحيى بن معين، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (6/ 123): "ربما وهم".
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (5/ 121): "تفرد به بهذا السياق عبد الجليل ابن عطية الفقيه أبو صالح البصري".
ودخولُ الوهم على مثل عبد الجليل في ذِكْره صيغة التحديث بأن عبد الله وأبيه ممكنٌ. لكن ربما يُبعده نَقْلُ عبد الجليل قول عبد الله في آخر الحديث: "فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث غير أبي: بريدة".
فالوهم في هذا بعيد، وحينئذٍ فربما أشعر هذا أن عبد الله احتاج إلى بيان سماعه لهذا الحديث من أبيه مباشرة بلا واسطة؛ إذ كان السامعون يَعرفون عدم سماعه من أبيه في الجملة.
فهل استأنس البخاري -على افتراض وقوفه عليه- برواية عبد الجليل في ذِكْر السماع في هذا الحديث بِعَيْنِه؛ لبُعده عن مظنة الوهم، لكنه لمَّا لم يكن على شرطه لم يخرج روايته، ولم يعتمد على لفظه، واكتفى بإيراد أصل الحديث مختصرا من رواية غير عبد الجليل عن عبد الله.
(3/452)

يُشجع على هذا الاحتمال عدمُ جزم البخاري بما يفيد عدم السماع -كما فعل مع سليمان- وإخراجه لعبد الله، عن أبيه حديثين في صحيحه.
وللحديث طريق ثالثة، أخرجها الحاكم في "المستدرك" (6/ 195) من حديث الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن عبد الله بن بريدة. لكن اختلف في إسناده على الأعمش؛ فرواه أبو قلابة، قال: ثنا يحيى بن حماد -هو ابن أبي زياد اليصري- ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، حدثني عبد الله بن بريدة، قال: إني لأمشي مع أبي، إذ مَرَّ بقوم ينقصون عليا ... ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه: أنه مَرَّ على مجلسٍ .. ثم ذكر الحديث.
والإسناد الأول صريح في الاتصال بخلاف الثاني، ولم أر الإسناد الأول إلا عند الحاكم في هذا الموضع، أما الاسناد الثانى فقد رواه أحمد فى "المسند" (5/ 358) وغيره، ورواه أبو معاوية عن الأعمش، مختصرا جدا، بلفظ: "ابن بريدة عن أبيه". أخرجه النسائي (5/ 130) وغيره.
وهذا الإسناد الثانى أَسْلَمُ من جهة رواته، وأَبْعَدُ عن أسباب الوهم.
وقد يمكن أن يقال: لم يخرج البخاري لعبد الله عن أبيه ما يحتج به أو يعتمد عليه فى بابه.
أما هذا الحديث فقد خرج البخاري أولا حديث البراء: "بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع خالد بن الوليد إلى اليمن. قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه ... ".
وهو كافٍ في معنى ما بوَّب به: "باب: بعث علي بن أبى طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع"، ثم خرج حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وهو شاهد لهذا المعنى، وليس فيه فيما زاد على ذلك شيء يُنكر.
(3/453)

وأما الحديث الثانى، فأخرجه (4473) في آخر باب: "كم غزا النبي -صلى الله عليه وسلم-" من كتاب المغازي أيضا، وفيه أن بريدة غزا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ست عشرة غزوة.
وقد صدَّر البخاري الباب بحديث زيد بن أرقم، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غزا تسع عشرة غزوة، غزا هو معه سبع عشرة منها.
وهذا كافٍ في معنى الباب المعقود لعدد غزواته -صلى الله عليه وسلم-.
ثم أعقبه بحديث البراء أنه غزا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- خمس عشرة، ثم حديث بريدة أنه غزا معه ست عشرة غزوة. فهما شاهدان لصحة حديث زيد بن أرقم في الجملة، والله تعالى أعلم.
والإمام أحمد، مع روايته لحديث عبد الجليل بن عطية وإخراجه له في المسند -مع اشتماله على تصريح عبد الله بن بريدة بسماعه من أبيه- لمَّا سُئل عن سماعه منه، قال: "ما أدري، عامَّة ما يُروى عن بريدة عنه وضعف حديثه". رواه أبو القاسم البغوي: حدثني محمد بن علي الجوزجاني قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل ...
وكذا قال حنبل بن إسحاق لأحمد: "فسمع عبد الله من أبيه شيئا؟ قال: لا أدري". اه.
فهاتان روايتان عن أحمد تفيد توقفه في هذا السماع.
لكن عقَّب محمد بن علي الجوزجاني -وهو أبو جعفر الوراق- بقوله: "لا أدري ما معنى قول أحمد هذا؛ فإن عبد الله بن بريدة ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وبقي أبوه بريدة إلى أيام يزيد بن معاوية، فكيف لم يسمع منه، على أن أحمد قد روى له حديثا أنه وفد مع أبيه على معاوية، فكيف خفي سماعه منه". اه.
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (27/ 134).
(3/454)

أقول:
خبر وفادة عبد الله بن بريدة مع أبيه على معاوية قد رواه عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن زيد بن الحباب، عن حسين -وهو ابن واقد- عن عبد الله بن بريدة، وفيه حكاية.
ورواه أبو زرعة الدمشقي عن أحمد بن شبوية، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن عبد الله بن بريدة بذكر الوفادة فقط دون الحكاية.
أخرجهما ابن عساكر (27/ 126).
وأحمد لم ينف لقاء عبد الله لأبيه حتى يُستدرك عليه لإخراجه لما يدل على ذلك، وإن كان لأحمد كلام فى رواية حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، وعزا أحمد ما يُنكر من حديث عبد الله إلى رواية حسين عنه، وكذا أبي المنيب، فلعله أن يقال: لم يَركن أحمد لهذا الخبر. وعلى كل حال، فإن كان ثَمَّ استدراك أو تعقيب، فبرواية عبد الجليل السالفة؛ ففيها التصريح بالتحديث، بل وفيها نَصُّ عبد الله على ما يدفع الشك في سماعه؛ بأنه لا يوجد بينه وبين أبيه في هذا الخبر واسطة.
لكن يبقى افتراض أن يكون هذا الإسناد عند أحمد صحيحا محفوظا حتى يصلح الإلزام به. ولم أقف لأحمد على رأي في عبد الجليل بن عطية.
وكثيرا ما نَفى النقاد سماعا أو توقفوا فيه مع حصول اللقاءة لقرينةٍ أو لأمرٍ ما دفعهم إلى ذلك، وهذا مستفيضٌ من صنيعهم.
ومع اتفاق حنبل بن اسحاق ومحمد بن علي الجوزجاني في روايتهما عن الإمام أحمد قوله في سماع عبد الله بن بريدة من أبيه: "لا أدري"، فقد روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (27/ 134) من طريقين: أحدهما: معمر بن محمد الجوهري -وهو ابن عيسى بن سعيد أبو حفص المعروف بالسذابي- والخضر بن داود -فرقهما- قالا: حدثنا أحمد بن هانىء -هو أبو بكر الأثرم- قال: قلت لأبي عبد الله: ابنا
(3/455)

بريدة سليمان وعبد الله- زاد الجوهرى: كيف هما عندك؟ وقالا: فقال: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله. ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لسليمان بن بريدة أَحْمَدَ منهم لعبد الله، أو شيئا هذا معناه.
زاد الجوهرى: "قلت لأبي عبد الله: سمعا من أبيهما؟ قال: ما رأيت أحدا يشك في هذا أيهما (كذا) سمعا" اه. ولعل المراد: (أنهما) سمعا.
أقول:
أما رواية الخضر بن داود، فهى من رواية العقيلي عنه، رواها في ترجمة عبد الله بن بريدة من كتابه "الضعفاء". وهذا المعنى الذي اتفق الخضر بن داود والجوهري على روايته عن الأثرم مستفيضٌ عن الإمام أحمد، وهو تقديم أحاديث سليمان على أحاديث بريدة، وأرجع أحمد ما يوجد في أحاديث عبد الله عن أبيه من النكارة إلى بعض الرواة عن عبد الله كما مَرَّ.
أما ما جاء من زيادة الجوهري في روايته عن الأثرم، وسؤاله لأحمد عن سماع سليمان وعبد الله من أبيهما، وجواب أحمد بأنه ما رأى أحدا يشك في هذا (أنهما) سمعا، فإن صح السياق هكذا ولم يكن فيه تحريف -ولم أجده في غير هذا الموضع- فهي زيادة مخالفة لما سبق نقلُه عن أحمد في ذلك.
وعمر بن محمد الجوهري هذا قد ترجم له الخطيب في "تاريخ بغداد" (11/ 225) وعنه الذهبي في "الميزان" (6200) وابن حجر في "اللسان" (6208).
ولم يذكر الخطيب فيه توثيقا، بل قال: "وفي بعض حديثه نكرة" وساق له خبرا مرفوعا، قال الذهبي عنه: هذا موضوع.
ولذا فلا يمكن الوثوق بزيادة الجوهري هذه عن الأثرم، إن صحت العبارة هكذا، وإجراء قواعد النقد على روايته تلك يقضى بخطأها وشذوذها، والله تعالى أعلم.
(3/456)

ص (71 - 75):
استطرد العوني في استدلاله على أن نفي العلم بالسماع ليس دليلا على اشتراط العلم به، وإنما هو نفي لنفس السماع، فذكر ثلاثة أمثلة تدل على أن مسلما نفسه استعمل الإعلال بنفي السماع، والمفترض أنه لا يذهب هذا المذهب، بل يُشَنِّع على قائله، فهو دليل على أنه لم يقصد نفي العلم المجرَّد، بل نفي السماع بالقرائن التى وقف عليها.
وهاك الجواب عما ذكره من الأمثلة:
المثال الأول:
ذكر مسلم حديثًا في كتابه "التمييز" من رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده عبد الله بن عباس، وهو حديث: "أن النبى -صلى الله عليه وسلم- وقَّت لأهل المشرق العقيق"، ثم تعقبه بقوله: "لا يُعلم له سماعٌ من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه".
قال العوني:
"لم يلجأ مسلم إلى الجزم بعدم السماع اعتمادا على عدم المعاصرة، وإنما لجأ إلى الإعلال بنفي العلم بالسماع، التي هي عبارة عن ترجيحٍ لعدم السماع.
قال: ويشهد لوقوع المعاصرة فعلا بين محمد بن علي وجدّه: أن ابن حبان ذكر محمد بن علي في طبقة التابعين، ولم يذكر له رواية عن صحابي غير جدّه ابن عباس.
قال: واستدل لوقوع المعاصرة أيضا الشيخ أحمد محمد شاكر بطبقة الآخذين عن محمد بن علي، حتى مال إلى صحة سماعه من جده.
وقال: بَيَّن ابنُ القطان في "بيان الوهم والإيهام" أن سبب الشك في سماع محمد ابن علي من جده ابن عباس أنه أدخل بينه وبينه واسطة في بعض حديثه عنه. اه.
(3/457)

أقول:
الجواب: أن راوي هذا الحديث عن محمد بن علي هو يزيد بن أبي زياد القرشي أبو عبد الله الكوفي، قال مسلم نفسُه قبل كلامه السابق في سماع محمد من جده: يزيد ممن قد اتقى حديثَه الناسُ والاحتجاجَ بخبره إذا تفرد؛ (للذي) اعتبروا عليه من سوء الحفظ والمتون (؟) في رواياته التي يرويها.
فالعلة التى ردَّ بها مسلمٌ هذه الرواية هي ضعفُ يزيد هذا؛ لسوء حفظه -وما كان يتلقن في آخر عمره- فلا يحتج بما يتفرد بيع وقد تفرد بهذا الحديث عن محمد بن علي، وجعله مع ذلك: عن جده.
وقول مسلم بعد ذلك: "ومحمد بن علي لا يُعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه" ليس من باب تعدد مواطن العلة فى هذا الحديث، وإنما هو لتقرير نكارة هذا الإسناد، وإلزام يزيد بالوهم فيه؛ بأن محمد بن علي بن عباس لا يُعرف بروايته عن جده، ولا يُعلم له لقاؤه أو رؤيته.
ومن المعلوم أنه لا يُنظر في سماع راوٍ من شيخ له فى إسناد، إلا إذا كان الطريق إلى ذلك الراوي محفوظا حتى يستحق النظر في سماعه من شيخه هذا، فإن لم يكن كذلك، اكتفى الناقد ببيان عدم صحة الإسناد من أصله.
وللنقاد نظرٌ خاصٌّ بمن يُعَلَّلُ به الإسنادُ فَيُحَمِّلُونه تبعةَ الخطأ فيه، وليس من منهجهم (فرز) الإسناد واحدا واحدا، واستخراج ما فيه من العيوب: فهذا ضعيف، وهذا لين، وهذا مدلس وقد عنعن، وهذا اختلط والراوي عنه ممن سمعه بعد الاختلاط، وهذا لم يسمع من شيخه، وهكذا. بل يصيبون كبد الحقيقة -ما أمكن- فيما يُعللون به الحديث، أو يُعِلُّون الحديث ولا يترجح لهم سببٌ خاصٌّ فى ذلك، فيتوقفون عن ذِكره مع جزمهم بالإعلال، ومع وجود عدة أسباب محتملة لذلك.
(3/458)

ولم يذكر أحدٌ من المعتمَدين في باب التراجم -وعلى رأسهم البخاري والرازيان- أن محمد بن علي يروي عن ابن عباس، ومن المعلوم أن أصحاب التواريخ وكتب التراجم يَذكرون أعلى مَن روى عنهم المترجَم له، فلو أن لمحمد بن علي رواية عن ابن عباس لقدموها على روايته عن أبيه. وهذا لا ينفي وجود روايته عن ابن عباس في بعض الأسانيد التي لا يرونها محفوظةً، فلم يعولوا عليها.
أما ابن حبان، فمع اعتماده على البخاري في سوق تراجمه في الغالب، إلا أنه أحيانا يعتمد على ما يقع له في بعض الأسانيد، فيذكر الراوي في طبقة - بل وطبقتين، بناء على ما وقع له من ذلك، وعليه في بعض ذلك اعتراضات ومؤاخذات.
والحافظ ابن حجر مع قوله في "تهذيب التهذيب": "ذكره ابن حبان فى طبقة التابعين من الثقات" إلا أنه لم يُقم لذلك وزنا، فقال في "التقريب": "من السادسة، لم يثبت سماعه من جده، مات سنة أربع -أو خمس- وعشرين يعني ومائة". والطبقة السادسة كما بيَّنها في مقدمة "التقريب" هي: طبقة من عاصروا صغار التابعين، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة.
فصنيع ابن حبان خطأ وشذوذ بلا شك.
وما قدَّمته من عدم اعتداد الأئمة برواية محمد بن علي عن ابن عباس، فلم يذكروها في ترجمته، وقولُ مسلم السابق في كتاب "التمييز": "لا يُعلم له سماعٌ من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه" قاضٍ على تلك الرواية بالشذوذ، ولو ثبتت فهي منقطعة حتما، ولا عبرة حينئذ بميل أحدٍ إلى صحة ذلك السماع بناء على مقدمات واهية في مقابل تصرفات الأئمة.
وفَهْمُ العوني لجواب ابن القطان: بأن سبب الشك في سماع محمد بن علي من جده ابن عباس أنه أدخل بينه وبينه واسطة في بعض حديثه عنه: خطأ؛ لأسباب:
(3/459)

أما أولًا: فلأن ابن القطان إنما قال: "ومحمد بن علي إنما هو معروف بالرواية عن أبيه عن جده ابن عباس ... ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم أنه روى عن جده". ثم نقل كلام مسلم في "التمييز"، فهذا واضح من كلام ابن القطان -كما سبق في تقريرنا- أن الأصل في رواية محمد بن علي أنها عن أبيه عن جده، فلما جاءت رواية يزيد بن أبى زياد هذه بإسقاط (أبيه) وقع الشك -حسبما عبَّر ابن القطان- في سماع محمد من جده. لا أن ابن القطان يقول إن سبب الشك في هذا السماع هو وجود (أبيه) بين محمد وجده في بعض حديثه، فهذا قَلْبٌ للأمر.
ثانيًا: لا يصح ما ذكره العوني شرحا لكلام ابن القطان إلا إذا عكسنا القضية، فتكون رواية محمد بن علي عن جده مستفيضة، أو قائمة يعترف بها الأئمة ويثبتونها في كتبهم، ثم يبحثون في سماعه منه، فيقعون على بعض الروايات التى ترد بزيادة (أبيه)، فحينئذ يقولون: لم يذكر سماعا، ويروي أحيانا بواسطة، فيغلب على ظنهم عدم السماع.
وهذا نموذج عجيب لعدم فهم تصرفات القوم في تعاملهم مع الأسانيد والروايات. وعُذر العوني ميلُه الشديد لإثبات ما تقرر عنده سلفا. والله تعالى الموفق.
المثال الثاني:
ذكر ابن رجب في "فتح الباري" حديثا لأبي صالح -مولى أم هانىء- عن ابن عباس، ثم قال: وقال مسلم في كتابه "التفصيل": "هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس". اه.
أقول:
أبو صالح هذا قد اتُّهم بالكذب، والقضية إنما هي في رواية الثقة غير المدلس، وأبو صالح ليس هو بالثقة، ولا هو ممن يُؤمن منه التدليس، فقول مسلم: لا يثبت له سماع من ابن عباس، إنما هو باعتبار أنه في نفسه ليس بثقة حتى تُحتمل منه عنعنةٌ بالشرائط التي ذكرها مسلم. فالمثال لا يصلح إلا مع اكتمال أركان المسألة، والله تعالى أعلم.
(3/460)

المثال الثالث:
قال العوني:
تُذكر قصة صحيحة أن مسلما دخل على البخاري، فقال له مسلم: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله!. ثم ذكر بمحضرهما حديث كفارة المجلس، من رواية موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال مسلم للبخاري: في الدنيا أحسن من هذا؟! تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟! فقال البخاري: لا، إلا أنه معلول. فقال مسلم: لا إله إلا الله! (وارتعد)، أخبرني به؟ فقال: استر ما ستر الله، فألحَّ عليه، وقبَّل رأسه وكاد أن يبكي، فقال: اكتب إن كان ولابد. وأَمْلَى عليه رواية وهيب، عن سهيل بن أبي صالح، عن عون بن عبد الله بن عتبة موقوفا عليه، وقال له: لم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل، وحديث وهيب أَوْلَى، فقال مسلم: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك"!
أقول:
بصرف النظر عن الشك في صحة هذه القصة، وما في سياقها من بعض الغرابة -ولعلنا نتعرض لذلك لاحقا- فإن القَدْر المتعلق بإعلال البخاري لرواية موسى بن عقبة قد أورده البخاري في "تاريخه الكبير" (4/ 105) وغيره، والملاحظ أن العلة الأصلية لرواية موسى هي مخالفة وهيب بن خالد، وإجراء بعض قواعد النقد على تلك المخالفة يقضى لرواية وهيب على رواية موسى.
بيان ذلك:
1 - أن وهيبا -بالإضافة إلى تثبته البالغ- هو أعرف بسهيل وحديثه، وقد أكثر عنه، وله في "صحيح" مسلم عنه عدة أحاديث، وسماعُه منه مستفيضٌ، أما موسى بن عقبة فهو من أقران سهيل، ولا تكاد تعرف له عنه رواية إلا في هذا الحديث، وحديث
(3/461)

آخر بهذا الإسناد مرفوعا: "وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر" وقد خالفه وهيب فيه أيضا: فرواه عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس، عن كعب قوله.
ذكره الدارقطني في "العلل" (10/ 125) والبيهقي في "سننه" (5/ 262). بل إن رواية سهيل عن موسى هي الأكثر والأشهر في الكتب.
2 - أن رواية وهيب تدل على حفظه؛ لأنها طريق غير معهودة، قد سلك فيها خلاف الجادة من حديث سهيل.
3 - أن إسناد: ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، لا يُعرف إلا في هذا الحديث، كما قال البخاري لمَّا سأله مسلم: "في الدنيا أحسن من هذا؟ تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ ". وهو سؤال استغراب من مسلم أن يأتي هذا المتن بمثل هذا الإسناد، فلمَّا أطلعه البخاري على علة قاضيةٍ بخطأ ذلك الإسناد، زال استغرابُه.
4 - ليس من اللازم أن تكون المقارنة بين وهيب وموسى في روايتهما عن سهيل، يدل عليه من كلام البخاري قوله: لم يذكر موسى سماعا من سهيل، فكأنه يُحيل على ما بينهما من الواسطة، وكذلك فقد أعلَّ روايةَ موسى برواية وهيب كُلٌّ من: الإمام أحمد، حكاه الدارقطني في "العلل" (8/ 203) وأبو زرعة وأبو حاتم كما في "العلل" (2077) وأرجع أحمد احتمال الوهم فيه لابن جريج، وتردد أبو حاتم في سبب الوهم بين ابن جريج وبين سهيل، ولم يذكروا موسى بن عقبة بشيء.
فهؤلاء كأنهم يذهبون:
أولا: -بتخطئة ابن جريج- إلى:
1 - أن الحديث لم يكن عند ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، بل هو عنده بإسناد آخر.
(3/462)

2 - أو عنده عن موسى بن عقبة، لكن ليس عن سهيل، بل عن رجل عن سهيل، فالعهدة على تلك الواسطة.
3 - أو عنده عن موسى بن عقبة، عن سهيل، لكن ليس عن أبيه، عن أبى هريرة مرفوعا.
وثانيا: -بتخطئة سهيل- إلى أنه كان عنده: عن عون بن عبد الله موقوف، فوهم وسار على جادة الإسناد، فجعله: عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا.
فالبخاري قد قدم رواية وهيب، وأعلَّ الرواية الأخرى، كما صنع أحمد والرازيان، لكن قوله: "لم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل" كأنه يُلمح إلى الاحتمال الثاني، على اعتبار أن بين موسى وسهيل واسطة؛ لأنه لا يُعرف له سماع منه، سواء كان موسى يرسله عن سهيل، أو أخطأ فيه ابن جريج، وإلى الاحتمال الأول على اعتبار أن موسى بن عقبة لا يُعرف بالرواية عن سهيل، فالإسناد خطأ.
يؤيدُ الأخيرَ جزمُه بأنه لا يعرف في الدنيا بهذا الإسناد إلا هذا الحديث، ولشهرة رواته، كان ذلك أمارةً على شذوذ هذا الإسناد من أصله. فلما وقف على رواية وهيب زالت تلك الإشكالات، وتبين وجه الصواب في الإسناد، بغض النظر عن تعيين وجه الخطأ فيه.
أما مسلم فقد استغرب إسناد هذا الحديث، وعبَّر عن ذلك بقوله: "في الدنيا أحسن من هذا! " كعادة غير واحدٍ من المتقدمين في التعبير أحيانا عن الغرابة بالحسن، وزاد: "تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ ".
فحديثٌ غريبٌ؛ لا تُعرف روايةُ بعض رواته عن بعض -مع شهرتهم- إلا في هذا الحديث الواحد، لَيُثير الريبة، مع شيء من التعجب والهيبة، فلما أوقفه البخاري على رواية وهيب الموقوفة، زال عنه إشكال تلك الغرابة، وعلم أن هذا الإسناد خطأ كشأن كثير مما يشبهه من غرائب الأسانيد ذات الرواة المشاهير.
(3/463)

هذا هو ما اطمأن له مسلم من العلة المذكورة، وليس رضاه عن ذلك منحصرا فيما ذكره البخاري من عدم علمه بسماع موسى بن عقبة من سهيل، فلم تكن صحة الإسناد عنده متوقفة على ذلك السماع حتى يقال: إنه رضي بنفيه من البخاري، بل وكاد يطير فرحًا بذلك!!. بل أسباب الخلل في هذا الإسناد لاسيما مع الاطلاع على رواية وهيب ظاهرة لصغار الطلبة فضلا عن إمامٍ كمسلم رحمه الله.
يؤيد ذلك تعليلُ أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وغيرهم للحديث دون التعرض لذلك السماع. وقد سبق شرحُ تلك الأسباب آنفا.
والمقصود أن ما جعله العوني إعلالا من البخاري -وهو عدم العلم بالسماع- إنما هو قرينة لذلك، وما جعله قرائن للإعلال -وهو ما اشتملت عليه رواية وهيب من المخالفة- إنما هو عين الإعلال، والله تعالى الموفق.
وأما فيما يتعلق بصحة هذه القصة، فقد سبق العوني إلى تصحيحها: الحافظ ابن حجر في كتاب "النكت على كتاب ابن الصلاح" (1/ 227) وجاء تصحيحه لها ردا على توهين العراقي -وغيره- لها، واتهامه لراويها: أحمد بن حمدون القصار، وقد حقق ابن حجر وغيره أن المستنكر في هذه القصة ما جاء فيها من قول البخاري: "لا أعلم في الباب غير هذا الحديث" وهذا غير متصور أن يصدر من مثل البخاري في سعة اطلاعه، مع وجود عدة أحاديث في هذا الباب. وذكر أن صواب العبارة: "لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث" وقد سبق شرحُ ما يستفاد من هذه العبارة.
وذكر ابن حجر أن الوهم جرى لأبي عبد الله الحاكم في سياقه لهذه الحكاية في كتابه "معرفة علوم الحديث"، وقد روى تلك الحكاية من طريق الحاكم بهذا اللفظ المستنكر: الخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 496) (13/ 102) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (58/ 91)، ورواه الخطيب (1/ 205) وابن عساكر (52/ 68) باللفظ الآخر من غير طريق الحاكم.
(3/464)

وقد ساقها الحاكم نفسه على الصواب في "تاريخ نيسابور" كما قاله ابن حجر وغيره.
ووهم الحاكم في هذا الحديث وهمًا آخر، فقال عقبه في "المستدرك": "هذا الحديث صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري قد علله بحديث وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الأحبار". اه.
كذا قال، وقد سبق أن رواية وهيب التي ذكرها البخاري وغيره إنما هي عن: سهيل، عن عون بن عبد الله بن عتبة من قوله.
ولعل الحاكم ذهب وهمُه إلى حديث: "وفد الله ثلاثة ... " الذي سبقت الإشارة إليه، وقد خالف فيه أيضا وهيب ما رواه موسى بن عقبة عن سهيل.
وأحمد بن حمدون القصار الذي تدور عليه هذه القصة -وهو صاحبها، والذي اتهمه بها بعضهم- قد حمل عليه أبو علي الحافظ شيخ الحاكم، وقال: حدثنا أحمد بن حمدون إن حلت الرواية عنه، وأنكر عليه أحاديث.
وقد كان حافظا، وقال الخليلي في "الإرشاد": "صاحب غرائب وحفظ".
وسأل الحاكمُ شيخَه: لم قال ذلك؟ أهذا بسبب ما نُسب إليه من المجون والسخف، أم لأجل الحديث؟ فقال: لأجل الحديث. فساق له أحاديث استنكرها عليه، فأجاب عنها الحاكم بأنه قد رواها غيره، وذكر أنه فتش في حديثه فلم ير شيئا يكون الحمل فيه عليه، وقال: أحاديثه مستقيمة، وهو مظلوم.
ويشهد لأصل القصة فيما يتعلق بإعلال البخاري لرواية ابن جريج عن موسى تلك، ما ذكره البخاري بلفظه في ترجمة سهيل من "التاريخ الكبير" كما سبق.
لكن يبقى النظر في بقية سياق القصة وألفاظها، وليس بالمستغرب أن يسأل مسلمٌ البخاريَّ عن هذا الحديث على النحو الذي ذكرناه آنفا، لكن لا يبعد أن يصبغها راويها أحمد بن حمدون القصار بتلك الصبغة حسبما يتفق مع ما وصف به من المزاح والسخف، ففي السياق "صنعة" و"كلفة".
(3/465)

وفي بعض السياق غرابة، فليس من عادة البخاري ولا غيره من النقاد ذلك التمنُّع والعُسْر الشديد في بيان ما عندهم من نقد الأخبار، حتى تبلغ أن يُلِحَّ مسلمٌ، ويُقَبِّلَ رأسَ البخاري، ويكاد يبكي!
وليس يسوغ لأئمة هذا الشأن أن يستروا -أو يكتموا- أخطاء الرواة أو علل الأسانيد، لاسيما إذا سُئلوا عنها، أو عُرضت عليهم. فلا يُقال في هذا: "استر ما ستر الله" فليس هذا من جنس ما يسوغ سِتْرُهُ.
هذا ما أردت تقييده هنا بهذا الصدد على عجالة، والله تعالى الموفق.
ص (77):
في المسألة الثالثه: الأدلة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء.
الدليل الأول:
سبق الجواب عن شبهات العوني في محاولته إسقاط الحجة التي اعتمد عليها الناسبون لذلك الشرط إلى البخاري وغيره من الأئمة.
الدليل الثاني:
نَقْل مسلم الإجماع في مقدمة "صحيحه" على ما ذهب إليه.
أقول:
1 - إطلاق ذلك الإجماع إنما هو دعوى في محل نزل تحتاج إلى ما يدعمها، وما ذكره مسلم من شواهد على ذلك الإجماع قد نُوزع فيها كما سبق، بل وفي صنيعه نفسه ردٌ على بعض ذلك.
2 - ومَنْ زُعم اطلاعُه على "مقدمة مسلم" دون نكير -وهو أبو زرعة- هو من مشاهير من نُسب إليه خلافُ مذهب مسلم، وفي مناقشة تلك القضية الشائكة
(3/466)

لا يُكتفى باحتمال اطلاع فلان وفلان على ما قاله مسلم دون نكير؛ لأن الجواب عن ذلك باحتمالات مناهضة يُفسد الحِجاج ويُسقطه. والواجب اعتبار الصريح من تصرفات الأئمة، دون الركون إلى احتمالات ومنطقيات لا تقدم ولا تؤخر.
3 - ومهما يكن من قوة عبارات مسلم في نقل ذلك الإجماع وثقته بذلك، فهو يعكس قناعته التامة بما يطرحه في هذه القضية، وقد بناه على ما ذكره من أن طائفة من أهل الحديث الذين ذكرهم -ومنهم شعبة والقطان وابن مهدي، ومن بعدهم- لم يكونوا يفتشون عن سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إلا إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهر به.
وقد خُولف مسلمٌ فيما بَنى عليه ذلك الإجماع بأن ما نفاه من صنيع أهل الحديث قد وُجد بكثرة، ونظرةٌ في كتب المراسيل -مثلا- تُبين ذلك بجلاء.
4 - وقضيةُ قَصْد مسلم بذلك التشنيع البخاريَّ رحمه الله، قضيةٌ فرعيةٌ لا تُغير من حقائق الأمور شيئا، وسواء أقصد مسلمٌ البخاريَّ أم لا؟ فالمراد: هل هو مذهب البخاري -كما أكده غير واحد من المحققن وأثبتوه من صنيعه في كتبه- أم لا؟ واستبعادُ أن يكون مسلمٌ قصد البخاريَّ لشناعة الألفاظ التي استعملها في الحَطِّ على قائل تلك المقالة، لا ينفي عن البخاري أن يكون من أصحابها، والعبرة بالدلائل والبينات.
5 - ولا حاجةَ لِنَصْبِ أو زَعْم خلافٍ بين البخاري ومسلم في تلك المسألة، وناسِبُ ذلك الشرط الذي أنكره مسلم إلى البخاري لا يلزمه القول بنصب ذلك الخلاف، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
6 - قول العوني في جوابه عما تُعُقب به على مسلم من الوقوف على تصريح بعض الرواة بالسماع من بعض في تلك الأسانيد التي زعم مسلم أنه لم يُحفظ عنهم فيها سماع، ومن ذلك في "صحيح" مسلم نفسه، قوله (ص 93): "إني لأتلمس
(3/467)

من وقوع السهو لمسلم في بعض ذلك أنه كان مستهينا بخصمه غاية الاستهانة، وأنه كان عنده أقل وأدنى من أن يُنَقِّر له الأدلة، ويُصَفِّيَ له الروَّية؛ استخفافا بذلك المبتدع المستحدث لذلك القول، ثم تصبَّر على الرد، وهو مستثقله، ولذلك لم يَحزم له كُلَّ حُموله، ولا أعد له كُلَّ عدته"!!
أقول:
هذا أقرب إلى انتقاص مسلم من الاعتذار له؛ إذ كيف يُقيم الدنيا في رد دعوى جاهل خامل الذكر، ثم يستهين به حتى يفتح الباب له لينقده بل اللائق به أن يعتني بتمحيص الأدلة، وانتقاء البراهن التي تُلزم خصمه وتلجمه مهما كان حاله، بل رد الجاهل خامل الذكر على مثل مسلم أشد عيبا لمسلم من رد ذي العلم المعروف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ص (93):
• قول الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى: سألت أبا الوليد: أكان شعبة يفرق بين (أخبرني) و (عن)؟ فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما.
أقول:
الحاكم هو أبو عبد الله، ومحمد بن يحيى هو الذهلي، وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. وتعتمد صحة وجادة الحاكم تلك على معرفته بخط الذهلي وتمييزه له، وقراءته من كتابٍ له، وأبو الوليد كأنه يُلمح إلى مذهب شعبة في ذلك بأن ذكر ما يخالفه، وشعبة قد استفاض عنه قوله: "كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خَلٌّ وبَقْلٌ"، وهو من أَجَلِّ شيوخ هشام، وقد عُرف بالتشدد في هذا الباب، وكان يتتبع ألفاظ الرواة، ويوقفهم على السماع، وقد كَفى مَن بعده النظر في عنعنة المدلسين الذين روى عنهم كما هو مشهور في موضعه.
(3/468)

وعلى كل حال فمطلق عبارة هشام غير مراد قطعا، ولابد لها من حَمْلٍ مقبول، ولذا فقد ضيَّقه البيهقي بأن حمله على من لا يُعرف بالتدليس، فمن لم يُعرف بذلك لم يُراع العلماء ذكره التحديث أو الإخبار في روايته، لكن وُجد في صنيع النقاد الإعلال بعدم السماع لفقد التصريح من غير المدلس في أحيان كثيرة، وجعلوه من قبيل المرسل، ولذلك فقد زاد ابن رجب فاحتمل حمله على من ثبت لقاؤه، حتى يحترز من المرسل.
وعبارة أبي الوليد لا تفيد معنى الإجماع المذكور، بل تصدق على جماعة ممن أدركهم، ويبقى افتراض أنهم ممن يؤخذ عنهم ذلك الفن.
ص (95):
• قول الحاكم في النوع الحادي عشر من "علوم الحديث" (ص 34):
"معرفة الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس، وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل على تورع رواتها عن أنواع التدليس".
أقول:
الملاحظ أن الحاكم لم يتعرض لاشتراط العلم باللقاء، لكنه شرط خلو الإسناد من أنواع التدليس.
وبالرجوع إلى النوع السادس والعشرين من "علوم الحديث" وهو معرفة المدلسين (ص 103) نجد الحاكم قد ذكر للتدليس عنده ستة أجناس:
قال: الجنس السادس من التدليس:
"قوم رَوَوْا عن شيوخ لم يَرَوْهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عال ولا نازل". اه.
(3/469)

فبان بذلك أن قوله في الموضع الأول: " ... وليس فيها تدليس ... على تورع رواتها عن أنواع التدليس" يدخل فيه التحرز من الإرسال الذي هو رواية الراوي عمن عاصره ولم يره أو لم يدركه إلا أنه لم يسمع منه.
والتحرز من الإرسال هو أساس اشتراط العلم باللقاء أو السماع بين المتعاصرين كما هو معلوم.
نعم، تطبيقات الحاكم تفيد اكتفاءه بالمعاصرة، فهذا مذهبُه، وقد جُرِّب على الحاكم مخالفته لتقريراته النظرية في كتابه "المستدرك" لمن تأمل ذلك، والله الموفق.
وقد شرح ابن حجر في "النكت" ظهور الاتصال الذي هو من شروط "المسند" وعَوَّلَ فيه على كلام الحاكم الذي اختلفت النسخ الخطية في نقله عنه، بقوله: "ظهور الاتصال يخرج المنقطع، لكن يدخل فيه ما فيه انقطاع خفي؛ كعنعنة المدلس، والنوع المُسمَّى بالمرسل الخفي، فلا يخرج ذلك عن كون الحديث يُسمى مسندا".
وعبارة الحاكم التي يدور الجدل حولها هي قوله: "المسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه لِسن يَحتمله (وفي نسخ: ليس يحتمله) وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
فقد بيَّن الحافظ أن هذا الظهور لا يشترط انتفاء عنعنة المدلس ولا الإرسال الخفي، مع أن الحاكم قد شرط لقبول الحديث المعنعن ألا يكون فيه تدليس -مع تورع رواته عن أنواع التدليس- كما سبق بيانه، واشتمال ذلك عنده على الإرسال.
ص (102).
لست أطيل في هذا الموطن فيما وقع في كلام أبي عمرو الداني، والبيهقي، وابن حزم بهذا الصدد، لكني أقول:
أما أبو عمرو الداني فهو آخذٌ من عبارة الحاكم، وقد عاب ابنُ حجر على ابن الصلاح نقل هذا القول عن أبي عمرو مع أنه أخذه من كلام الحاكم.
(3/470)

قال ابن حجر: "لا شك أن نقله عن الحاكم أَوْلَى؛ لأنه من أئمة الحديث، وقد صنف في علومه".
يعني أن أبا عمرو الداني ليس من أئمة الحديث، فإن فنه القرآن وعلومه كما هو معلوم. وقد سبقت الإشارة إلى كلام الحاكم في هذا الصدد.
ص (105):
أما البيهقي، فإن العوني ادعى أن الطحاوي أعلَّ حديث قيس بن سعد عن عمرو بن دينار بعدم العلم بسماعه منه، فأجاب عليه البيهقي، والحق أن الطحاوي لم يُعل الحديث بعدم العلم بالسماع، بل قال: "أما حديث ابن عباس فمنكر؛ لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء" يعني حديث القضاء بشاهد ويمين.
وعبارة الطحاوي لا تفيد ما توهمه العوني، فإن الطحاوي قد ادعى أن الحديث منكر، ثم وجه ذلك بقوله: "لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء".
فلم يتعرض لسماعه منه أو لقائه له بنفي ولا إثبات، ولا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع، فإن كثيرا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم ثم لم يحدثوا عنهم بشيء.
حرر ذلك العلامة المعلمي في "التنكيل" (2/ 153 - 154) وقال:
"فإن قيل: إنما ذاك لاعتقادهم ضعف أولئك المشايخ، وعمرو لم يستضعفه أحد.
قلت: بل قد يكون لسببٍ آخر؛ كما امتنع ابن وهب من الرواية عن المفضل بن فضالة القتباني؛ لأنه قضى عليه بقضية، وامتنع مسلم من الرواية عن محمد بن يحيى الذهلي؛ لما جرى له معه في شأن اختلافه مع البخاري، فكأن الطحاوي رأى أن قيسا لو كان يروي عن عمرو لجاء من روايته عنه عدة أحاديث؛ لأن عمرا كان أقدم وأكبر وأجل، وقد سمع من الصحابة، وحديثه كثير مرغوب فيه، وكان قيس معه
(3/471)

بمكة منذ ولد، فحَدَسَ الطحاوي أن قيسا كان ممتنعا من الرواية عن عمرو، فلما جاء هذا الحديث استنكره كما قد نستنكر أن نرى حديثا من رواية ابن وهب عن المفضل، أو من رواية مسلم عن محمد بن يحيى.
فإن قيل: فقد يكون لاستنكاره خشي انقطاعه.
قلت: كيف يبني على ظن امتناع قيس من الرواية عن عمرو نفسه أن يحمل هذا الحديث على أنه أرسله عنه، بل المعقول أنه إذا امتنع من الرواية عنه نفسه كان أشد امتناعا من أن يروي عن رجل عنه، فضلا عن أن يرسل عنه -أو بعبارة أخرى- يدلس، وقيس غير مدلس.
فإن قيل: فعلى ماذا يحمل؟
قلت: أما الطحاوي فكأنه خشي أن يكون سيف -وهو راوي الحديث عن قيس- أخطأ في روايته عن قيس، عن عمرو.
فإن قيل: فهل تقبلون هذا من الطحاوي؟
قلت: لا، فإن أئمة الحديث لم يعرجوا عليه؛ هذا البخاري مع استبعاده لصحة الحديث فيما يظهر إنما حَدَسَ أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس، وذلك يقضي أن الحديث عنده ثابت عن عمرو. وهذا مسلم أخرج الحديث في "صحيحه" وثبته النسائي وغيره. وليس هناك مظنة للخطأ، وسيف ثقة ثبت، لو جاء عن مثله عن ابن وهب عن المفضل بن فضالة، أو عن مسلم عن محمد بن يحيى لوجب قبوله؛ لأن المحدث قد يمتنع من الرواية عن شيخ ثم يضطر إلى بعض حديثه. هذا على فرض ثبوت الامتناع، فكيف وهو غير ثابت هنا؟ بل قد جاء عن قيس عن عمرو حيث آخر، روى وهب بن جرير عن أبيه قال: "سمعت قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن دينار ... " ووهب وأبوه من الثقات الأثبات.
(3/472)

ذكر البيهقي ذلك في الخلافيات ثم قال: "ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير هذا" نقله ابن التركماني في "الجوهر النقي" ثم راح يناقش البيهقي بناء على ما توهموه أن مقصود الطحاوي الانقطاع ودعوى أنه لم يثبت لقيس لقاء عمرو، وقد مر إبطال هذا الوهم.
والطحاوي أعرف من أن يدعي ذلك لظهور بطلانه، مع ما يلزم من اتهام قيس بالتدليس الشديد الموهم للقاء والسماع، على فرض أن هناك مجالا للشك في اللقاء.
وقد بيَّنا أن الطحاوي إنما حام حول الامتناع، والحق أنه لا امتناع، ولكن قيسا عاجله الموت، ولما كان يحدث في حلقته في المسجد الحرام كان عمرو حيا في المسجد نفسه، ولعل حلقته كانت بالقرب من حلقة عمرو، فكان قيس يرى أن الناس في غنى عن السماع منه عن عمرو؛ لأن عمرا معهم بالمسجد، فكان قيس يحدث بما سمعه من أكابر شيوخه، فإن احتاج إلى شيء من حديث عمرو في فتوى أو مذاكرة فذكره، قام السامعون أو بعضهم فسألوا عمرا عن ذلك الحديث فحدثهم به فرووه عنه ولم يحتاجوا إلى ذكر قيس، واستغنى سيف في هذا الحديث وجرير في الحديث الآخر بالسماع من قيس، لأنه ثقة ثبت، ولعله عرض لهما عائق عن سؤال عمرو ... ".
وقد قال المعلمي قبل ذلك (ص 153):
"قيس ولد بعد عمرو ومات قبله، وكان معه بمكة وسمع كل منهما من عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم.
وكان عمرو لا يدع الخروج إلى المسجد الحرام والقعود فيه إلى أن مات، كما تراه في ترجمته من طبقات ابن سعد، وكان قيس قد خلف عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد أيضا، وسمع عمرو من ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم ولم يدركهم قيس.
فهل يظن بقيس أنه لم يلق عمرا وهو معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات، أو لم يكونا يصليان معا في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟! أو لم يكونا يجتمعان في حلقة
(3/473)

عطاء وغيره في المسجد؟! ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة أذرع!
أو يظن بقيس أنه استنكف من السماع من عمرو؛ لأنه قد شاركه في صغار مشايخه ثم يرسل عنه إرسالا؟ ". اه.
قال الفقير إلى الله تعالى:
المراد هنا أن البيهقي إنما رد استنكار الطحاوي رواية قيس عن عمرو بن دينار، وأنه لا يوجد مسوغ لردها واستبعادها، وأن الدلائل والبينات قائمة على وقوع اللقاء بينهما على ما ذكر البيهقي -وشرحه المعلمي وقرره- وهي من الحالات النادرة التي تتوفر فيها تلك الدلائل بين أمثال قيس بن سعد وعمرو بن دينار، ولا يوجد تصريح واحد بسماع ونحوه، ومع ذلك لم يطعن أحد في ذلك السماع، ولا أثبته أحدٌ بنصٍّ خاصٍّ.
ص (111):
وأما ابن حزم فنقلُه عدم الخلاف فيما ذَكر مجازفةٌ، فقد نقل أن العدل لا يروي عمن أدركه إلا ما سمعه، والمدلس عنده ساقط العدالة، وليس ابن حزم ممن يرجع إليه في مثل تلك القضايا.
ص (106):
وأما ابن عبد البر فكلامه واضح غاية الوضوح في الإجماع على قبول الإسناد المعنعن إذا كان رواته عدولا، وتحقق لقاء بعضهم لبعض مجالسةً ومشاهدةً، مع البراءة من التدليس.
وقد غالط العوني في تعليقه على كلام ابن عبد البر مغالطاتٍ يضيق هذا الموضع عن كشفها.
(3/474)

لكني أقول:
مراد ابن عبد البر أن الإسناد المعنعن إذا اجتمعت فيه تلك الشرائط فهو مجمع على قبوله، ولا يشترط التصريح بالسماع في كل موضع؛ لأن: (عن) حينئذ ظاهرها الاتصال، وهو الأصل فيها، فلو اختل شرط من تلك الشرائط تخلف هذا الظهور. والمثال الذي ذكره ابن عبد البر يحتاج إلى إيضاح:
روى الإمام أحمد ع