Advertisement

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد 002


مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي وَأَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيْثِ
المُسَمَّاة
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد

إِعدَاد
أَبِي أَنَس إِبْرَاهِيَم بنْ سَعِيْد الصبَيْحي

الْقسم الثاني
«مناهج بعض أئمة النقد والمصنِّفين»
دَارُ طَيْبَة
(2/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(2/2)

مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد (2)
(2/3)

(ح) دَار طيبَة للنشر والتوزيع، 1431 ه

فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
الصبيحي، إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم
موسوعة المعلمي الْيَمَانِيّ وأثره فِي علم الحَدِيث الْمُسَمَّاة (النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد)./ إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم الصبيحي - الرياض، 1431 ه
4 مج.
ردمك: 0 - 93 - 8003 - 603 - 978 (مَجْمُوعَة)
7 - 94 - 8003 - 603 - 978 (ج 2)
1 - عُلُوم الحَدِيث.
2 - الحَدِيث - الْجرْح وَالتَّعْدِيل.
3 - الحَدِيث - علل.
أ - العنوان
ديوى 230 - 19/ 1431

رقم الْإِيدَاع: 19/ 1431
ردمك: 0 - 93 - 8003 - 603 - 978 (مَجْمُوعَة)
7 - 94 - 8003 - 603 - 978 (ج 2)

جَمِيعُ الحُقُوق مَحفُوظَةٌ
الطَّبعَةُ الأولى
1431 ه - 2010 م

دَار طيبَة للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - السويدي
ش. السويدي الْعَام - غرب النفق - ص. ب 7612
الرَّمْز البريدي 11472 - هَاتِف 4253737 (6 خطوط) - فاكس 4258277
(2/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
إن الحمدَ للَّه، نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونَعوذُ باللَّه من شُرُور أنفسِنا ومِن سَيِّئاتِ أعمالنا، من يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك لَهُ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. [آل عمران: 102]
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فإنَّ اللَّه تعالى قَدِ امْتَنَّ على هذه الأُمّة بأَنْ جَعلها خيرَ الأُمَمِ، وجعلَ رسولَها -صلى الله عليه وسلم- خاتمَ الأنبياءِ والمرسلينَ، وجعلها يومَ القيامةِ شَاهدةً على النَّاس.
وقد حَبَاها اللَّهُ تبارك وتعالى ما يجعلُها أَهْلا لتلك المنَّةِ العظيمة: كتابًا خالدًا، مُهيمنًا على الذي بين يديه {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] و: سُنَّةً مُبَيِّنَةً لِمَا في هذا الكتابِ على مَرِّ العُصور والأزْمَان.
(2/5)

وشاءت حِكمةُ اللَّهِ عز وجل أَلَّا يُخَلِّفَ رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- وراءَهُ شيئًا من حُطام الدنيا، وإنما خَلَّفَ ميراثًا وافرًا من العلمِ النافعِ، وَرِثَهُ عنه أصحابُه وحَمَلَةُ لِوَائِهِ.
وقد اشْتَهرَ من هؤلاءِ الصَّحْبِ نَفَرٌ، قيَّضَهُم اللَّهُ تعالى لِحفْظِ النَّصِيبِ الأَوْفَر من هذا الميراث، فاعتَنَوْا به, وبلَّغُوه مَنْ بَعْدهم، وأخذه عَنْ كُل منهم تلاميذُ أَكْفَاء، فكانوا مشاعلَ لهذا العلم، وعَنْ هؤلاءِ أخذهُ نحوُهم، وهَلُمَّ جَرَّا.
وهكذا في كُل عصر يبرزُ رجالٌ؛ يَحْفَظُ اللَّه بهم تلك السُّنَّةَ التي هي مُبَيِّنَةٌ لذلك الكتابِ المعجزِ الخاتمِ الذي تكَفَّلَ -سبحانه- بحفظِهِ.
وكما اخْتَارَ اللَّهُ لِدِينه أَعْلامًا يَحْملُون لِوَاءَهُ، ويحفظون سُنَنَ النبي الأمين، فقد اختارَ رجالا، صَنَعهم على عَيْنِهِ، ورَزَقهم مِنَ المعرفةِ، وهيَّأَ لهم من الأَحْوال، ما جعلهم نُقَّادًا صَيَارِفَةً، اجتهدوا في حفظ ذلك الميراث, فنَفَوْا عنه كُلَّ تحريفٍ، وأماطَوْا عنه كُلَّ انْتِحَالٍ، بَيّنوا خطأَ المخطىء -مَهْما كان- وميَّزُوا بين عُدُول النَّقَلَةِ وأَهْل الحِفْظِ منهم، وبين سَاقِطيهم وأهْلِ الغفلة وسُوء الحِفْظِ.
جعلهم اللَّه حُرَّاسَ الشَّريعة، المأمونين عليها من كُلِّ دَخِيل، فقطَعُوا في حِفْظِها المَفَاوِزَ، وجَازُوا في سبيلها القِفارَ والبحار، تَشَفَّقَتْ في طلبها أَقْدامُهم وأَشْداقُهم، ورَبَطُوا على بطونهم -من الجوع- الأَحْجَار.
طلبوا الدرجاتِ الرفيعة, والأقدارَ الشريفة، فلما صحَّتْ نِيَّتهُمْ وصَدَقَتْ عَزِيمتُهمْ، وَوَضَحتْ أهدافُهم، ودَأَبُوا وما مَلُّوا، واستقاموا وما تَلَفَّتُوا -مع النَّباهة واليقظة- بَلَغَ اللَّه بهم من المنزلةِ غايةً؛ ليس وراءها مُطَّلَع لِنَاظِرٍ، ولا زيادةٌ لمُسْتَزِيدٍ، ولا فوقها مُرْتقًى لِهِمَّةٍ، ولا مُتَجَاوَزٌ لأمَلٍ، وبلغتْ بهم نعمةُ اللَّهِ في ذلك حيثُ لا تُبْلَغُ الآمَالُ والأمَانيُّ والهِمَمُ، وذلك فَضْلُ اللَّه يؤتيه من يشاء.
(2/6)

وبعد:
فهذه هي الحلْقة الثانية في سِلْسِلَة ذَهَبِيّ العَصْر الشيخ العلَّامة: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، ومنهجه في النَّقْد، والتي سَمَّيْتُها ب:"النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد".
وهذه الحلْقة تشتمل على كلام الشيخ المعلمي على مناهج بعض أئمة النَّقْد والمصنِّفين في كتبهم.
وكانت الحلْقة الأصلى مشتملةً على تراجم الرجال الذين تكلم عليهم الشيخ المعلمي جرحًا وتعديلا، وقد بلغوا هناك (841) ترجمة، واستدركتُ عليهم عشرين ترجمة, أوردتهم في مواضعهم هناك في الطبعة الثانية من القسم الأول.
وقد كنت ذكرتُ في القسم الأول من الكتاب أني قسمته أربعة أقسام، ثالثها: في بيان منهج الشيخ المعلمي في نقد الأخبار من خلال انتقاء أحاديث قد تكلم عليها تصحيحا وتضعيفا، لكني قد اقتصرت من هذا الانتقاء على ما أوردته في ملحقٍ من آخر القسم الرابع -وهو الثالث حسب التقسيم الحالي-، فتمَّ الكتابُ في ثلاثة أقسام فقط، أضفت إلى الثالث منها مُلْحَقَيْن:
الملحق الأول: وهو: المنتقى من أخبار تناولها المعلمي بالنقد، يظهر فيها تميزه عن كثير من المتأخرين والمعاصرين، يُدْرَكُ ذلك بالتأمُّل والتدبُّر.
الملحق الثاني: كلام المعلمي في الفن الخاص بالتعامل مع المخطوطات، والطريق الأمثل لتصحيح الكتب وضبطها.
وقد قدَّمْتُ للحلْقة الأُولى بالأسباب التي دَعَتْني إلى تصنيف هذه السلسلة, وذكرتُ هناك أن المعلمي: كان من بقايا هذا العلم، ونادرةً من نوادر النَّقْد في هذه الأزمان، وأن اللَّه قَد ادَخَّره لكَبْتِ أصحاب الأهواء وأَتْباعهم، ودَفَعَ به في نَحْر مَنْ
(2/7)

أَراد السُّنَة وأهلَها وأئمتَها بِسُوءٍ, وأنَّ الشيخَ: قد كَشَفَ عن انْحِرافِ مَنِ انْحَرَفَ عن أهل السنة عقيدة ومنهجًا، وعن أئمة الحديث تصحيحًا وتعليلا، بأُطْرُوحَاتٍ عِلْمِيَّةٍ مُتَّزِنَةٍ، بناها على الاستقراء والبحث الدءوب.
وأَن الله تعالى قد كشف به ما تَفَشَّى من داء التساهل الذي أصاب أنظارَ كثير من المتأخرين والمعاصرين في الحكم على الرواة والأخبار، فنراهم قد توسَّعُوا في الاعتماد على ظواهر الأسانيدِ دُونَ التفتيشِ عن عِلَلِها ومَظِنَّاتِ الخلل فيها، بل ونَلْحَظُ قُصورًا في الرجوع إلى كُتب المتقدمين المعنيّة ببيان ما أصاب الأخبارَ من تفردات الرواة وأوهامهم ... إلى آخر ما تراه في تلك المقدمة.
ثم صَنَعْتُ هناك تمهيدًا في تعظيم قدر أئمة النقد، جعلته كرسالة إلى كل مَنْ يُطالِعُ هذا الكتاب أو غيره من كتب الفَنِّ المعنيَّة بعلم الحديث والأثر، وإلى كل من يَرُومُ سُلُوكَ سَبيلِ أهل النَّقْد، أو ينظر في كلامهم، ولِتَكُونَ إبرازًا لِمَا اخْتَصَّ اللَّه تعالى به مُتَقَدِّمِي هذه الأمة في هذا الصَّدَد من المنهج السديد الذي لا يَسَعُ مَنْ جاء بعدهم -إذا أراد أن يَسْلُكَ هذا السبيلَ- إلا أن يقْفُوَ أثرَهم، ويلتمِسَ خُطاهم.
وقد صنفتُ هذا الكتابَ لمقاصد، أهمها:
1 - تذكيرُ أُولي الِهمم بِعِظَمِ قَدْر أئمة النقد.
2 - التقريبُ لما كانوا يتمتَّعُون به مِنْ ملكاتٍ وغرائزَ حديثيةٍ متميزةٍ.
3 - شَحْذُ هِمَمِ الطالبين لمعالي الأمور ببيان منهج المتقدمين في النَّقْد، ودقائقهم في تَأْصِيل وإِرْسَاءِ قواعد هذا الفن.
4 - محاولة فَهْم طرائقهم في التعامل مع النصوص قبولا وردًّا.
ومن أجل هذا المقصد الرابع صَنَّفْتُ هذا القسم الثاني، وهو الخاص بمنهج بعض أئمة النقد، وأضفتُ إليه فوائدَ تتعلق ببعض مصنفي الكتب من المتأخرين.
(2/8)

واعلم أن الحديثَ عن مناهج الأئمة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، يَخْتَصُّ بالحُذَّاقِ من أَهْل الصَّنْعَةِ، وهو مَبْنيٌّ على أُسُسٍ عَامَّةٍ يَتَّفِقُ عليها معظمُهُم، لكن ربما اختلفوا أحيانًا في تطبيق بعض الجزئيات, وهو اختلافٌ في الاجتهاد لا يقدحُ في استقرار القواعد العامَّة عندهم.
ومن الأدلّة على ما ذكرتُ، أنَّ النَّاظِرَ في كُتب العلل والأخرى المَعْنِيَّة بالتخريج، ليرَى توافقَ الأئمة في الأَعَمِّ الأغْلَبِ في الحكْمِ على الحديث الواحد، وفي كثير من الأحيان يكون إعلالُهم للحديث من زاويةٍ واحدةٍ, ولسببٍ واحدٍ، على غير اتفاقٍ بينهم، ولا سؤال بعضِهم لبعضٍ، وربما كانت هناك عدة زوايا هي مظنَّات للخلل، ولكنهم يَعرفون كيف تُورد الإبل.
وهذا من أَقْوَى الأدِلَّة على أنَّ هذا العلمَ حَقٌّ، وأن أَدِلَّتَهُ مَبْنِيَّةٌ على أساسٍ متينٍ، وأن اللَّه تعالى قد هيّأ أسبابَهُ لأئمته الذين اختارهم.
وقد ذكرتُ شيئًا من ذلك التوافق بين الأئمة في "التمهيد" المشار إليه سابقًا في تعظيم قدر أئمة النقد (ص 126 - 127) من القسم الأول من هذا الكتاب.
أما غَيْرُ أهلِ الاختصاص، والآخذين من أهله بقُشُورِ هذا العلم، والمُشَمِّرِينَ لِكُلِّ علمٍ دُونَهُ، فإنما يَرَوْنَ تلك المناهجَ، وهذه القواعدَ والأُسُسَ، تارةً: تكهنًا، وتارة: تخمينًا، وتارةً: احتمالاتٍ وتارةً: تناقضاتٍ وتارةً: ألغازًا!.
ويُعرفُ تَصَوُّرُ هؤلاء عن هذا العلم وأهلِه إما تصريحًا، وإما تلميحًا، وإما بِعُزُوفِهِم عن مَوَارِدِهِ ومظانِّه، فتجدُ كلامَ نُقَّادِ هذا الفَنِّ، تارةً مهجورًا، وتارةً: منقولا، لكن مفرَّغًا من مدلوله إلى مدلولاتٍ أخرى مخترعة، وتارةً: منقولا، لكن مُنْتَقَضًا بكلام غيرهم من غير أهل الاختصاص، أو من متساهلي أهله، وتارةً: منقولا، لكن دون أيّ اعتبار لمعناه ومُؤَدَّاه.
وقد وَضَعْتُ في إِجْلاء هذه المعاني رسالةً سَمَّيْتُها: "القواعد المُهِمَّة في إِحْياء مناهج الأئمة" وهي قَيْدُ الجمع.
(2/9)

خطة العمل في هذا القسم:
لقد تتبعتُ من كلام الشيخ المعلمي: جُمَلًا وعباراتٍ تتعلق بالأئمة المذكورين، ثم صنفتُ تلك النصوص في: أبحاثٍ، وأقسامٍ، ومطالبَ، مع الأخْذِ في الاعتبارِ أنَّ الشيخَ لم يكنْ بصددِ عَملِ تراجمَ، أو شرحٍ لمناهجِ هؤلاءِ, بل جاء ذلك: إما ضمن مناقشةٍ لخصمٍ، أو ردٍّ على مخالفٍ، أو تأييدٍ لرأيٍ، فيأتي كلامُه في ذلك حسبما يقتضيه المقامُ، لكنها جاءت نُكَتا نَفِيسةً, وأبحاثا طريفةً، وإن لم يكن قاصدا بذلك الإحاطة بما يتصل بها، أو التقصي لمسائلها.
ولقد جعلتُ كلامَه: هو أصلُ البناء، وربما أضفتُ من عندي: مقدماتٍ، أو زياداتٍ، أو تفسيراتٍ، أو تأييداتٍ، أو اعتراضاتٍ، أو تعليقاتٍ، أو نحو ذلك، مما يزيد في فائدة الكتاب إن شاء اللَّه تعالى.
لكنْ هذا -مع ذلك- لم يَسْمَحْ باستيفاءِ القَولِ فيما يتعلقُ بكلِّ مذكورٍ من الأئمة؛ مراعاةً للحالِ والمقامِ، وأُحبلُ القارىء إلى سلسلتي: "التَعريفُ بمناهجِ أئمةِ أهل الأثر"، وهي قَيْدُ الجَمْعِ.
وتتلخص خطة العمل في النقاط التالية:
أولًا: استخرجتُ الفوائدَ، والأبحاثَ، والنِّكَاتِ المُتَعَلِّقَةَ بمناهج أئمة النَّقْدِ وغيرهم من المصنِّفِين في كُتُبهم، والتي جَرَى ذِكْرُها في تراجم "التنكيل" وبين ثَنَايا "الأنوار الكاشفة" وفي تحقيقات "الفوائد المجموعة" وغيرها من أعمال الشيخ المعلمي.
ثانيًا: تشتمل هذه المُسْتَخْرَجَاتُ على أمورٍ، لِكُلِّ إِمامٍ أو مُصَنِّفٍ حَظٌّ مِنْ بَعْضها:
فمنها: ما يتعلَّقُ بمذهب الإمام في قضايا التصحيح والتعليل، أو الجرح والتعديل بصفة عامَّة.
(2/10)

ومنها: ما يتعلقُ بطريقته في كتبه، كشرطه فيها، أو ترتيبه لها.
ومنها: ما يتعلقُ باصطلاحه في بعض الألفاظ المستعملة في هذا الفنّ.
ومنها: ما يتعلقُ بمكانة الإمام في باب النَّقْد، ومناقشةِ ما يمسُّ وَصْفَهُ بالتَّشَدُّدِ أو التَّسَاهُلِ في ذلك.
ومنها: ما يتعلقُ بمسائلَ عقائدية تختصُّ به.
ومنها: التنبيه على بعض انحرافاتٍ في الفهم أو في التصور لبعضهم.
ثالثًا: بالنسبة لترتيب إيراد الأئمة والمصنِّفين، فقد كان الأحْرَى أن يكونَ بِحَسب وَفَيَاتِهم: الأقدم فالأحدث، لكني رأيتُ أن تكون الأَوْلَوِيَّةُ في الترتيب بِحَسبِ الأهميةِ وطُولِ الأبحاثِ والنكاتِ المتعلقة بالإمام؛ لأن هذا هو المقصود لذاته هنا، بغض النظر عن قِدَم الإمام وفَضْلِهِ.
فَأَبْدَأُ غالبا:
1 - بِمَنْ لهُ تعلقٌ بالمنهج والمصطلح، وهؤلاء قد رتبتهم على حسب أهميةِ المباحثِ وطولِها. ثُمَّ:
2 - مَنْ ذُكِرُوا بجرحٍ أو تعديلٍ مِمَّنْ بعدهم. ثُمَّ:
3 - بالمتأخرين مِمَّنْ له تصنيفٌ في فنٍّ من الفُنون. ثُمّ:
4 - بأهل الأهواء والمجاهيل منهم.
والمذكورون في هذا الكتاب سبعةٌ وستونَ مُتَرجَمًا، حسبما وقع اختياري أثناءَ مطالعةِ كتبِ الشيخِ المعلمي، وربما سَيَلْفِتُ نظرَ القارىء خُلُوُّ هذه القائمةِ من: الكوثري، وأبي رية, الذَيْنِ تَبَنَّى المعلمي الردَّ عليهما في كتابيه: "التنكيل", و"الأنوار الكاشفة"، وأبانَ عن زيغِهما فيما أظهراهُ مِنْ تَعَصُّبِ الأولِ ومتابعتِه لهواهُ،
(2/11)

ضاربًا بكلِّ ثوابتِ هذا العلم وقواعدِه عرضَ الحائط، مُتَعاميًا عمَّا يخالفُ مشربَهُ المبتَدعَ، لاويًا عُنُقَ النصوصِ، ودافعًا بالصَّدْرِ والتَّلْبِيسِ والتَّحْرِيفِ تحقيقاتِ النُّقَّادِ من أهلِ ذلك العلم، هذا مع الاعترافِ له بالتَّمَكُّنِ من الوصول إلى الحَقِّ لو أرادهُ, والمُوَفَّقُ من وَفَّقَهُ اللَّهُ.
ومِنْ جهلِ الثاني وضلالِهِ، ومتابعتِهِ مَنْ هُمْ على شاكلتِه مِنَ المستشرقينَ، ومَنْ نَحا نَحوهم مِنَ الكُتَّابِ والمُفَكِّرِينَ، الرَّامِينَ إلى الطَّعْنِ في السنة النبوية، السَّالِكِين في سبيلِ ذلك تمييعَ قضايا هذا العلم والتشكيكَ فيها.
وجوابُ الشيخِ المعلمي عن جميعِ ذلك وغيرِهِ منتشرٌ في الكتابيْنِ، وحالُهما في هذا العلم أوضحُ من إفرادهما بالذِّكْرِ، فلْيُطْلب من هنالك.
رابعًا: بالنسبة لِخِطَّةِ عَرْضِ الأُطْرُوحَاتِ الخاصَّة بكل إمامٍ أو مُصَنِّفٍ، فقد اختلفتْ طريقةُ تناولي لذلك في هذا القسم عن سابقه، ففى القسم الأول كان الأصلُ في صُلْبِ الكتابِ أن يكونَ مِنْ كلام الشيخ المعلمي، وما كان مِنْ إضافةٍ أو تعليقٍ مِنّي ففي حواشي الكتاب، أما فى هذا القسم، فربما اقتضى المقامُ:
1 - أن أُقَدِّمَ بين يَدِيِّ كلام الشيخ المعلمي بِمُقَدِّمَةٍ تُعِينُ على الإِلْمام بأطرافِ الموضوع مَحَلّ الطَّرْح.
2 - أو تخليلُ كلامِ الشيخ بشيء من التوضيح.
3 - أو تدعيمُهُ بِنْقلٍ أو بَيَانٍ.
4 - أو تذييلهُ بما يُكَمِّلُ فوائدَهُ ويُتَمِّمُ نَفْعَهُ.
5 - أو تعقيبُهُ برأي مُبَايِنٍ.
فرأيت أن يكون جميعُ ذلك في صُلْب الكتاب، وقد مَيَّزْتُهُ بقولي: "قال أبو أنس".
(2/12)

خامسا: أكتفي بتناول ما أشار إليه أو ناقشه الشيخ المعلمي فيما يتعلق بالإمام أو المصنِّف، ويحتاج من يُترجمُ أو يَدْرسُ منهجَ الواحدِ منهم أن يُوسعَ مجالَ البحث والنَّظرِ، بحيث يشملُ جوانب أُخْرى، ولكنَّ المقامَ هنا يرتبط بما له علاقة بكلام الشيخ المعلمي، أما تلك الجوانب فلها مقامات أُخَر، وباللَّه التوفيق.
سادسا: قد كنتُ شَرَعْتُ في عَملِ ترجمةٍ لِكُلِّ إمام أو مصنِّفٍ ذُكِرَ في هذا الكتاب، تكونُ بَيْنَ يديّ ما يُطْرح بشأنه لكني لا أَميلُ لعمل التراجم التقليدية التي تُطَوِّلُ الكتاب، ولا يجهلُ المُعْتَنُون بهذا الأمرِ أكثرَ ما يَرِدُ فيها، ولو رَامُوا معرفةَ بعض ذلك لَسَهُلَ عليهم، كما أنني أرى أن أَوْلى التراجم ما يمسّ القضايا الحديثية دون مجرد سرد جوانب السيرة الذاتية للأشخاص، اللهم إلا إن كان في بعض هذه الجوانب التصاقٌ بما ذكرنا، ولذا فقد عَدَلْتُ عما كنت شرعتُ فيه إلا حينما يقتضي المقام، واللَّه الموفق.
* * *
(2/13)

خاتمة:
اعْلَمْ أنه لم يُصَرِّحْ أكثرُ أئمةِ الحديث -لا سيما المتقدمين منهم- بشروطهم في كتبهم، ولم يَحُدُّوا لما يُخرجونه من الحديث أو لمن يخرجون له من الرواة حَدًّا لا يَنْفَكُّون عنه.
فلم يُدَوِّنِ الأكثرُ شروطَهم ولا مناهجَهم في مصنفاتِهم، وإنما سارتْ كتبُهم في أهل الفهم والنظر، فوقفوا على مقاصدِ أصحابها، استنادًا إلى قواعدَ قدِ استقرتْ، وطرائقَ قد مُهِّدَتْ، على اختلافٍ بينهم في أمورٍ جزئيةٍ، لا يستحيلُ في العادة وقوعُها، ولا يمنعُ الاجتهادُ من حدوثِها، وصارَ لكلِّ إمامٍ منهم: "بصمةٌ" يُعرفُ بها.
فلما تَقادَمَ العَهْدُ، وطالتِ الأسانيدُ على مَنْ بعدهم: وَعَرَ الطريقُ، وطاشَتْ مَعالِمُه، وازداد الخَطْبُ، وصار الفهم عزيزًا، فاحتار الناظرون في مقاصدِ القوم واضطربتْ آراؤهم، وصارت كثيرٌ من البديهيات عند الأوائل معضلاتٍ ومبهماتٍ عند مَنْ بعدهم، وذلك بسبب قِصَرِ أنظارِهِم، وسَطْحِيَّهِ أفكارِهِم، وزادوا الطِّينَ بلة؛ فقلَّد التالي منهم المتقدمَ، ولم يُدَقِّقْ ولم يُمَحِّصْ، كما قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" (ص 489):
"كثير من المحدثين وغيرهم يستروحون بنقل كلام من يتقدمهم مقلِّدِين له، ويكون الأول ما أتقن ولا حرّر، بل يتبعونه تحسينًا للظن به". اه.
فإذا تَقَرَّرَ ما سبق، فاعلم أنه لا سبيلَ للوقوف على مقاصدِ القوم وطرائِقِهِم إلا سبيلٌ واحدٌ، ألا وهو: دراسةُ منهجِ هؤلاء من خلال ما سَطَّروا، أو سُطِّر عنهم، والسعي إلى الوقوف على التصور الصحيح لهذا الميدان الواسع الذي كانت تدور في جنباته حلقاتُ الرواية, ومحاولةُ فهمِ مسالك الرواة في تحمُّلِهم وأدائهم، وإدراكُ دلالاتِ التوثيقِ والضبطِ والاحتياطِ, وأوجهِ الخلل وأسبابِ العلل في المرويات.
(2/14)

وهذا -وغيره- لا يأتي إلا بالممارسةِ الطويلة، وحُسنِ الفهمِ والنظرِ، وتحصيلِ أسبابِ المَلَكَةِ، وعدمِ استعجالِ النتائج، مع سلامة النية والقصد.
وبعد:
فهذه أماراتٌ على دربٍ -يوصِّلُ إلى المراد إن شاء اللَّه- ظننتُ أنه مهجورٌ، إلا مِنْ أوزاعٍ سائرين على وَجَلٍ، لا قائدَ لهم يدلُّهم، ولا مُعينَ لهم يحتمون به, وإلى اللَّه المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وهذا أوان الشروع في المقصود، واللَّه حسبي، وهو نعم الوكيل.
وكتبه
أبو أنس إبراهيم بن سعيد الصبيحي
الدوحة - قطر
في السابع عشر من رجب الخير لعام 1430 ه
الموافق للعاشر من يوليو لعام 2009 م
جوال: 9745788137 +
بريد إلكتروني: ebsaeed_sobihe@yahoo.com
(2/15)

البخاري
(ت 256 ه)
(2/17)

تنقسم النكت المتعلقة بالبخاري -رحمه الله تعالى- إلى أربعة مباحث:
المبحث الأول: منهجه في "الجامع الصحيح". وفيه مطلبان:
المطلب الأول: فيما يتعلق بالأسانيد. وفيه خمسة أمور:
الأمر الأول: منهج البخاري في انتقاء رجال "صحيحه"، وكيفية إخراجه لهم. وفيه:
مقصد: تطبيقات العلامة المعلمي على منهج البخاري وشرطه في رجال صحيحه.
الأمر الثاني: انتقاء البخاري من أحاديث شيوخه المتكلم فيهم.
الأمر الثالث: الرواة المتكلم فيهم داخل الصحيحين.
الأمر الرابع: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في الصحيح يقتضي ضعفه أو لينه عندهما؟
الأمر الخامس: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في الأصول يقتضي أنه لا يحتج به عندهما؟
المطلب الثاني: فيما يتعلق بالمتون. وفيه ستة أمور أيضًا.
الأمر الأول: من منهج البخاري في ترتيب أحاديث الباب.
الأمر الثاني: من منهج البخاري في إخراج الحديث في باب دون باب. وفيه: تحقيق المؤلف لهذا الأمر بسرد نماذج توضحه.
الأمر الثالث: الأحاديث المنتقدة على الصحيحين.
(2/19)

الأمر الرابع: ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم.
الأمر الخامس: رواية البخاري من حفظه.
الأمر السادس: فيما ذُكر أن البخاري مات قبل أن يبيض كتابه.
المبحث الثانى: منهجه في غير "الجامع الصحيح".
المبحث الثالث: البخاري وكتابه "التاريخ الكبير". وفيه مطلبان.
المطلب الأول: طريقة البخاري في إخراج كتابه "التاريخ الكبير" ومنهجه في تصنيفه.
المطلب الثاني: إشارة البخاري أحيانا إلى حال الرجل بإخراج شيء من حديثه في ترجمته.
المبحث الرابع: اصطلاح البخاري في بعض عبارات الجرح.
* * *
(2/20)

المبحث الأول: منهج البخاري في "الجامع الصحيح"
اعلم أن مسلمًا يشترك مع البخاري في كثير من أفراد هذا المبحث، وسأعطف مسلمًا على البخاري في كُلِّ موضع يشتركان فيه، وإن كان الكلام وضِعَ أصالةً للبخاري، وذلك إيثارًا لعدم التكرار عندما تَرِدُ ترجمةُ مسلم رحمه الله، فلتكن على ذُكْرٍ من ذلك، وسأُحيل على هذا الموضع من ترجمة البخاري إذا أتيتُ على مواضع الاشتراك بينه وبين مسلم في ترجمته.
* * *
(2/21)

المطلب الأول: فيما يتعلق بالأسانيد
وفيه أربعة أمور:

الأمر الأول
منهج البخاري في انتقاء رجال "صحيحه" وكيفية إخراجه لحديثهم، أو: شرطه في رجال "صحيحه"
ويشتمل الكلام هنا على توطئة، ومقصد.
توطئة
في ذكر ما قاله بعض أهل العلم في ذلك إجمالًا.

أولاً: قول ابن طاهر في شروط الأئمة الستة:
قال: (ص 13): "إن الأئمة الخمسة: البخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، لم يُنقلْ عن واحدٍ منهم أنه قال: شرطتُّ في كتابي أن أخرج على كذا، لكن لما سُبِرَتْ كُتُبهم عُلِم بذلك كُلُّ واحدٍ منهم، فشرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديثَ المتفقَ على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ, وإن لم يكن له إلا راوٍ وصَحَّ الطريقُ إليه كَفَى ... ".
(2/22)

تعليق بعض الحفاظ على قول ابن طاهر:
أ- على قوله: "المتفق على ثقة نقلته".
• قال العراقي: "ليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضَعَّف جماعةً أَخرج لهم الشيخان أو أحدهما (1)، وأُجيب بأنهما أخرجا من أُجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدحُ في ذلك تضعيفُ النسائي بعد وجود الكتابين". اه.
• فقال ابن حجر: "تضعيفُ النسائي إن كان باجتهاده أو نَقْلِه عن معاصرٍ فالجواب ذلك، وإن نَقَلَهُ عن متقدِّمٍ فلا، ويمكن أن يُجابَ بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يُخْرِجَانِ عنه لمُرَجِّع يقوم مقامه". اه.
• قال السخاوي في "فتح المغيث" (1/ 46):
"ما ادعاه من الاتفاق على ثقة نقلتهما قد لا يخدش فيه وجودُ حكاية التضعيف في بعضهم ممن قبلهما؛ لتجويز أنهما لم يرياه قادحًا، فَنَزَّلا كلام الجمهور والمعتمد عندهما منزلة الإجماع". اه.
ب- التعليق على قوله: "من غير اختلاف بين الثقات الأثبات".
قال السخاوي: "قوله: من غير اختلاف بين الثقات، ليس على إطلاقه؛ فإنه ليس كُلُّ خلافٍ مُؤثرًا، وإنما المؤثر مخالفة الثقة لمن هو أحفظ منه أو أكثر عددًا من الثقات كما سيأتي في الشاذ". اه.
__________
(1) عَقَّبَهُ الأمير الصنعاني في "توضيح الأفكار" (1/ 101) بقوله: "ما هذا -أي تضعيف جماعة من رواة الشيخين- مما اختص به النسائي، بل شاركه في ذلك غير واحد من أئمة الجرح والتعديل، كما هو معروف في كتب هذا الشأن، كأنه لم يرد الزين -يعني العراقي- إلا التمثيل، وإلا فإنه لا يخفى على مثله أن غير النسائي قدح في جماعة من رواتهما".
(2/23)

ثانيًا: قول الحازمي في شروط الأئمة الخمسة:
قال: (ص 48 - 50): "مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبرَ حالَ الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا بابٌ فيه غموضٌ، وطريقُهُ معرفةُ طبقاتِ الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم.
ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم مثلا أن أصحاب الزهري على خمس طبقاتٍ متفاوتة، ولكل طبقةٍ منها مزية على التي تليها وتفاوت، فمن كان في الطبقة الأولى فهي في غاية الصحة وهو غاية قصد البخاري، نحو: مالك، وابن عيينة، وعبيد اللَّه ابن عمر، ويونس وعقيل ونحوهم.
والثانية: شاركتِ الأُولى في العدالة، غير أن الأُولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة (1) للزهري، حتى كان منهم من يلازمه في السفر ويلازمه في الحضر، والثانية لم تلزم الزهري إلا مدة يسيرة, ولم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأصلى، وهم فرط مسلم، كالليث بن سعد، والأوزاعي، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن مسافر، ونحوهم.
__________
(1) تَعَقَّبَهُ الأمير الصنعاني في "توضيح الأفكار" (1/ 103) بقوله: "هذا لا يوافق ما نُقل عن البخاري من أنه يشترط اللقاء ولو مرة, بل هذا يدل على أنه إنما يكتفي بالمرة في حق أهل الطبقة الثانية الذين أشار إليهم بقوله: وأنه قد يخرج أحيانا عن أعيان الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن رووا عنه فلم يلازموه إلا ملازمة يسيرة, وأن شرط مسلم عطف على قوله أن شرط البخاري أن يخرج أحاديث هذه الطبقة الثانية, لا يخفى أن مسلما لا يشترط اللقاء أصلا، كما صرح به في مقدمة صحيحة, كما يأتي لفظه، وأهل هذه الطبقة يشترط فيهم اللقاء ولو يسيرا كما عرفت".
(2/24)

والثالثة: جماعة لزموا الزهري كالطبقة الأولى، غير أنهم لم يَسْلموا من غوائل الجرح، فَهُمْ بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود والنسائي، نحو جعفر بن برقان، وسفيان بن حسين السلمي، وزمعة بن صالح المكي، وعبد اللَّه بن عمر العمري، ونحوهم.
والرابعة: قوم شاركوا أهل الثالثة في الجرح والتعديل، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري؛ لأنهم لم يلازموه كثيرًا، وهم شرط الترمذي ... ومن هذه الطبقة: معاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن يحيى الكلبي، والمثنى بن الصباح، وإبراهيم ابن يزيد المكي، وإسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة ونحوهم.
والخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب أن يخرج لهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه، فأما عند الشيخين فلا؛ كبحر بن كنيز السقاء، والحكم بن عبد اللَّه الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغيرهم.
وقد يخرج البخاري أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعلام الطبقة الثالثة، وأبو داود عن مشاهير الرابعة؛ وذلك لأسباب اقتضته. اه.

ثالثًا: قول ابن تيمية:
سُئل رحمه الله: ما شرط البخاري ومسلم فإنهم فرقوا بينهما؟
فأجاب:
"أما شرط البخاري ومسلم، فلهذا رجالٌ يروي عنهم يختص بهم، ولهذا رجالٌ يروي عنهم يختص بهم، وهما مشتركان في رجال آخرين، وهؤلاء الذين اتفقا عليهم: عليهم مدار الحديث المتفق عليه وقد يروي أحدهم عن رجلٍ في المتابعات والشواهد دون الأصل، وقد يروي عنه ما عُرف من طريق غيره، ولا يروي ما انفرد
(2/25)

به, وقد يترك من حديث الثقة ما عَلم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يَحتجُّ به أصحاب "الصحيح"، وليس الأمر كذلك؛ فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفن كيحيى بن سعيد القطان، وعليّ بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب "الصحيح"، والدارقطني وغيرهم، وهذه علوم يعرفها أصحابها. اه. مجموع الفتاوى (18: 42)

رابعًا: قول العراقي:
قال: في صدد الكلام عن "الصحيحين": "هنا أمر فيه غموض لابد من الإشارة إليه, وذلك أنهم لا يكتفون في التصحيح بمجرد حال الراوي في العدالة والاتصال من غير نظر إلى غيره، بل ينظرون في حاله مع من روى عنه في كثرة ملازمته له أو قلتها، أو كونه في بلده ممارسًا لحديثه، أو غريبًا من بلد من أخذ عنه، وهذه أمور تظهر بتصفح كلامهم وعملهم في ذلك". اه. "تدريب" (1/ 128).
قال أبو أنس:
هذا مُجْمَلُ أَشْهَرِ ما قيل في هذا الصَّدَد، ولكثيرٍ منه حاجةٌ إلى تحرير، وسأحاول -بعونه تعالى وتوفيقه- أن أُلَخِّصَ أَهَمَّ النقاط العملية التي يُمكن استخراجُها بممارسة "الصحيحن" -لاسيما البخاري هنا- وذلك عقب تطبيقات المعلمي الآتية.
* * *
(2/26)

مقصد تطبيقات العلامة المعلمي على منهج البخاري وشرطه في رجال "صحيحه"
1 - ذكر الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص 298) حديثَ: "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه آمنه اللَّه على داره، ودار جاره، ودويراتٍ حوله".
ثم قال: ... وقد رواه الدارقطني (1) عن أبي أمامة مرفوعًا بدون قوله: "ومن قرأها حين يأخذ مضجعه ... " إلخ. وقد أدخله ابن الجوزي في الموضوعات (2) وتعقبه ابن حجر في تخريج أحاديث "المشكاة" وقال: "غفل ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في الموضوعات وهو من أسمج ما وقع له". قال في "اللآلىء": "وقد أخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه، وابن السني في عمل اليوم والليلة، وصححه الضياء في المختارة. اه. كلام الشوكاني.
وأورد السيوطي في "اللآلىء" قولَ الدارقطني عقب الحديث: تفرد به محمد بن حِمْيَر وليس بالقوي، ثم تعقبه بقوله: "كلا، بل قويٌّ ثقةٌ من رجال البخاري، والحديث صحيحٌ على شرطه ... "، وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في جزءٍ جمعه في تقوية هذا الحديث: "محمد بن حِمْيَر القضاعي السليحي الحمصي، احتج به البخاري في "صحيحه"، وكذلك محمد بن زياد الألهاني الحمصي احتج به البخاري أيضًا".
__________
(1) وقال: تفرد به محمد بن حِمْيَر، وليس بالقويّ.
(2) (1/ 244).
(2/27)

فعلَّق الشيخ المعلمي على ذلك كله بقوله:
"مدار الحديث على محمد بن حِمْيَر، رواه عن محمد بن زياد الأَلْهاني، عن أبي أمامة، وابنُ حِمْيَر موثَّق (1)، غمزه أبو حاتم (2)، ويعقوب بن سفيان (3)، وأخرج له البخاري في "الصحيح" حديثين قد ثبتا من طريق غيره, وهما من روايته عن غير الأَلْهاني (4)، فَزَعْمُ أن هدا الحديث على شرط البخاري غَفْلَةٌ".
__________
(1) وثقه ابن معين -رواية الدارمي عنه- وقال في رواية ابن محرز: لا بأس به. ووثقه دحيم. وقال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا. وقال النسائي والدارقطني: ليس به بأس. "تاريخ الدارمي" (ت 759)، و"سؤالات ابن محرز" (350)، و"العلل ومعرفة الرجال" (2/ 132)، و"تهذيب الكمال" (25/ 118).
(2) فقال: يكتب حديثه, ولا يحتج بما ومحمد بن حرب وبقية أحبُّ إِليَّ منه. "الجرح" (7 / ت 1315).
(3) قال: ليس بالقوي. "المعرفة والتاريخ" (2/ 309).
(4) قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "الفتح" (ص 460): "ليس له في البخاري سوى حديثين، أحدهما: عن إبراهيم بن أبي عبلة, عن عقبة بن وسَّاج، عن أنس في "خضاب أبي بكر" وذكر له متابعًا. والآخر: عن ثابت ابن عجلان, عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مَرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعنز ميتة, فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها". أورده في الذبائح، وله أصل من حديث ابن عباس عنده في الطهارة". اه.
قلت:
الأول: في مناقب الأنصار (7/ 302) رقم (3919)، قال البخاري: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن حمير حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة أن عقبة بن وسَّاج حدثه عن أنس -رضي الله عنه- قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة ..
ثم أتبعه البخاري (3920) بقوله: وقال دحيم: حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي حدثني أبو عبيد، عن عقبة بن وسَّاج حدثني أنس ... وساقه بنحوه.
قال الحافظ في "الفتح" (7/ 303): "وصله الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان, عن دحيم. وأبو عبيد هو حاجب سليمان بن عبد الملك وهو ثقة, وقد أفاد هذا الطريق متابعة محمد بن حمير، وتصريح عقبة ابن وسَّاج بسماعه من أنس".
الثاني: في كتاب الذبائح والصيد (9/ 575) رقم (5532) قال البخاري: حدثنا خطاب بن عثمان حدثنا محمد بن حمير، عن ثابت بن عجلان قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس -رضي الله عنه- يقول: مَرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ...
(2/28)

2 - وفي "الفوائد" أيضًا (ص: 56): "أخرج البزار في "مسنده" من حديث أبي هريرة: "إذا دخلت منزلك فَصَلّ ركعتين تمنعانك مدخل السوء، وإذا خرجت من مجلسك فَصَلِّ ركعتين تمنعانك من مخرج السوء". قال في "مجمع الزوائد": رجاله موثقون".
فقال الشيخ المعلمي:
"هو من طريق يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن صفوان بن سليم. وقد أخرجه البيهقي في "الشعب" من هذا الوجه (1)، وفيه: قال بكر: حسبته عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. كذا في "شرح الإحياء". وفي "شرح الإحياء" عن ابن حجر: هو حديث حسن، ولولا شك بكر لكان على شرط "الصحيح".
أقول: بكر لم يوثقه أحد، وليس له في البخاري إلا حديث واحد متابعة، وقد أخرجه البخاري من طريق أخرى. كذا قال ابن حجر نفسه في مقدمة "الفتح" (ص 391)، وليس له عند مسلم إلا حديث واحد، وهو حديث أبي ذر: "قلت: يا رسول اللَّه ألا تستعملني؟ قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف ... "، ثم أخرجه مسلم من
__________
= وقد قدَّم البخاري في الباب ما رواه عن زهير بن حرب حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي، عن صالح قال: حدثني ابن شهاب أن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه أخبره أن عبد اللَّه بن عباس -رضي الله عنه- أخبره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بشاة ميتة فقال: "هلا استمتعتم بإهابها؟ " قالوا: إنها ميتة. قال: "إنما حرم أكلها". ثم ذكر ما رواه عن خطاب بن عثمان.
وحديث ابن شهاب هذا هو الذي أشار إليه الحافظ في مقدمة "الفتح" بقوله: "وله أصل من حديث ابن عباس عنده في الطهارة"، وكأن الحافظ ذَهَل عن إيراد البخاري له مُصَدِّرًا به الباب الذي ذكر فيه رواية محمد ابن حمير! فقد تكلم الحافظ في "الفتح" (9/ 576) على إسناد حديث محمد بن حمير هذا، وذكر ما في إسناده من الكلام، ثم قال: فهذا الحديث من أجل هؤلاء من "المتابعات"، لا من الأصول، والأصل فيه الذي قبه ...
(1) (3/ 124)
(2/29)

وجه آخر، فروايته عن بكر في معنى المتابعة، وليس له عند مسلم غيره، كما يعلم من الجمع بين رجال "الصحيحين"، ففي تحسين حديثه نظر، كيف وقد شك فيه؟! مع أن الراوي عنه: يحيى بن أيوب هو الغافقي، راجع ترجمته في مقدمة "الفتح" (1).
3 - وفي "الفوائد" (ص 85): حديث: "من أنظر معسرا كان له مثله كل يوم صدقة".
قال الشوكاني: "إسناده ضعيف، وهو في "سنن" ابن ماجه (2) وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما".
فقال العلامة المعلمي: "هو في "المستدرك" (2/ 29) من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه وليس هو على شرط البخاري؛ لأن البخاري لم يخرج لسليمان، وذكر أنه لم يذكر سماعا من أبيه، ولفظ الحديث في "المستدرك" آخر، وهو مع ذلك مخالف للفظه عند أحمد في "المسند" (5/ 360)، وأحسب بعض الخطأ من النساخ". اه.
قال أبو أنس:
أُلَخِّصُ هنا ما وعدتُّ به من أهم النقاط المتعلقة بمنهج البخاري -ونحوه مسلم- في انتقاء رجال "صحيحيهما"، وكيفية إخراجهما لحديثهم في ضوء ما سبق من تحقيق الشيخ المعلمي، فأقول:
أولا: مجرد إخراج الشيخين للرجل في "الصحيح" لا يكفي في استحقاقه التوثيق المطلق، بل لابد من النظر في كلام سائر أهل النقد في تفصيل حاله من حيث الضبط وغيره من الأحوال التفصيلية التي يُستفاد منها في معرفة حاله في كل حديثٍ يأتي من طريقه.
__________
(1) انظر ترجمة بكر بن عمرو وهو المعافري المصري في قسم تراجم الرواة من كتابنا هذا رقم (137).
(2) علق المعلمي فقال: "هو من طريق نفيع أبي داود الأعمى وهو هالك رواه عن بريدة".
(2/30)

وهذا خلافٌ لمن اغتر بقول القائل: "من أُخرج له في الصحيح فقد جاز القنطرة" فلا يَعتبرُ بما ورد فيه من الجرح وأوجه الضعف من قِبَل غير صاحب "الصحيح"، بل ربما من صاحب "الصحيح" نفسه.
والبخاري ومسلم رحمهما اللَّه تعالى لم يشترطا أن يخرجا لمن لم يتكلم فيه أحدٌ من أهل النقد المتقدمين عنهما أو المعاصرين لهما، بل ربما خرَّجا لمن وصفاه هما بالوهم ونحوه، ويكون إخراجُهما لهذا وأمثالِه ممن وصفهم غيرهما من الأئمة بذلك، إنما هو على سبيل انتقاء ما قامت القرائن عندهما على صحة ما رَوَياه لهؤلاء في الكتابين، وربما لم تنهض تلك القرائن عند غيرهما من النقاد للحكم على حديثٍ ما بالصحة، فينشأ من هنا الاختلاف في الحكم على بعض ما خرجه صاحبا "الصحيح".
ثانيا: مجرد إخراج الشيخين للرجل في بعض المواضع من "الصحيح" لا يعني بالضرورة أنهما يرياه أَهْلا لأن يُخرَّجَ له في كل موضع، فلا يقال لإسنادٍ أخرج البخاري أو مسلم لجميع رواته: هذا مما أخرجا أو أحدُهما لرجال إسناده, فينبغي أن يُصَحَّحَ هذا الإسنادُ قياسا على ذلك!.
ثالثا: هناك فرقٌ بين من يخرجا له احتجاجا، ومن يخرجا له متابعةً أو استشهادا، فليس من احتجابه فأخرجا له في صَدْر الباب -لا سيما مسلما-، أو ما يدور الحديث عليه، كمن أخرجا له مستشهَدا به، مؤخَّرا عن صدر الباب , أو ثبت الحديث عندهما من غير طريقه.
رابعا: قد يخرجا للرجل عن شيخٍ، ومن طريق شيخٍ معين عنه؛ لِمَا يريانه من استقامة حديث كل من هؤلاء عن الآخرة لمزيد اختصاصٍ به، أو حفظٍ لحديثه، أو غير ذلك من القرائن، وعليه فليس بلازمٍ ولا سائغٍ أن يقال لإسنادٍ ورد فيه هذا الرجل -لكن ليس بذاك النَّسق المشار إليه: هذا على شرطهما.
(2/31)

خامسا: لا يستوي من خرجا له فَأَكْثَرَا، ومن خرجا له حديثا أو حديثين؛ فالإكثار مظنة القوة والاحتجاج، والإقلال بخلافه غالبا.
هذا إجمالٌ وتلخيصٌ يُعرف بشيء من الاستقراء والتتبع، ولتفصيل هذه الأمور وشرح ذلك بأمثلة توضح المقصود منها موضعٌ آخر، كما أشرت آنفًا، ويأتى مزيد بيان في الأمور التالية، واللَّه تعالى الموفق.
* * *
(2/32)

الأمر الثاني: انتقاء البخاري من أحاديث شيوخه المتكلم فيهم
في ترجمة: أحمد بن عبد اللَّه أبي عبد الرحمن الفرياناني من "التنكيل" رقم (23) - وستأتي هنا في المبحث الثاني عند ذكر منهج البخاري في رجال غير "الصحيح".
قال العلامة المعلمي:
"في باب: الإمام ينهض بالركعتين من "جامع الترمذي": قال محمد بن إسماعيل البخاري: (ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه شيئًا؛ لأنه لا يُدرى صحيح حديثه من سقيمه, وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا ...) (1).
فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من سقيمه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين:
إما أن يكون الراوي ثقة ثبتًا فَيُعرف صحيح حديثه بتحديثه.
وإما أن يكون صدوقًا يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى؛ كأن يكون له أصولٌ جيدة، وكأن يكون غلطه خاصًّا بجهةٍ؛ كيحيى بن عبد اللَّه ابن بكير، روى عنه البخاري (2) وقال في "التاريخ الصغير": "ما روى يحيى [ابن عبد اللَّه] بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه"، ونحو ذلك". اه.
__________
(1) انظر تمام كلام الشيخ المعلمي في المبحث المشار إليه أعلاه.
(2) يعني في "الصحيح".
(2/33)

قال أبو أنس:
نقله ابن حجر في "تهذيبه" (11/ 238)، ومقدمة "الفتح" (ص 475) وقال في المقدمة: "فهذا يدلك على أنه ينتقي حديث شيوخه، ولهذا ما أخرج عنه عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة (1)، ومعظم ما أخرج عنه عن الليث (2) ... ". اه.
* * *
__________
(1) راجعا "الصحيح" (2629) (3149) (4095) (4420) (5315) (5394) وليس شيء منها في التاريخ.
(2) هو ابن سعد، أخرج له عنه في ثمانين ومائة موضع.
(2/34)

الأمر الثالث: الرواة المتكلم فيه داخل "الصحيحين"
(1)
شرح العلامة المعلمي أسباب ما أوقع الحاكمَ أبا عبد اللَّه في كتابه "المستدرك" من الخلل والتساهل في التصحيح، وفي وصف الأحاديث بأنها على شرط الشيخين أو أحدهما، وذلك في ترجمة الحاكم من "التنكيل" رقم (215).
فكان مما ذكر المعلمي قولَ الحاكم في خطبة "المستدرك":
"سألني جماعة ... أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيدَ يحتج محمد ابن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما اللَّه لم يدعيا ذلك لأنفسهما".
فقال: معلقًا:
"لم يُصب في هذا؛ فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما، وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس له علة قادحة".
ثم ذكر المعلمي أن الحاكم توسع معنى قوله: "بأسانيد يحتج ... بمثلها" (1) فبنى على أن في رجال "الصحيحين"، من فيه كلام، فأخرج عن جماعة يعلم أن فيهم كلامًا.
__________
(1) يراجع هذا المعنى في ترجمة الحاكم من هذا الكتاب، ففيه زيادة فائدة.
(2/35)

قال:
ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة:
أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضره في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاصٌّ بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما يسمع منه من غير كتابه، أو بما سُمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنةً وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس.
فيُخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح". اه.
(2)
وقال العلَّامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 259):
"إذا تدبرنا حال أولئك الثمانين -يعني الذين تُكلم فيهم من رجال البخاري- واستقرأنا ما أخرجه البخاري لهم، اتضح أن الأمر هيِّنٌ، وقد ساق الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" تراجم هؤلاء، وما قيل فيهم من مَدْحٍ وقَدْحٍ، وما أخرجه لهم البخاري، فذكر في أولهم ممن اسمه أحمد: تسعة نفر، اختلف فيهم، وغالبهم من شيوخ البخاري الذين لقيهم واختبرهم.
فثلاثةٌ منهم: اتضح أنهم ثقات، وأن قَدْحَ منْ قَدَحَ فيهم ساقطٌ كما تراه جليًّا في مقدمة "الفتح".
(2/36)

وثلاثةٌ فيهم كلام، وإنما أخرج لكل واحد منهم حديثًا واحدًا متابعةً؛ يروي البخاري الحديثَ عن ثقة أو أكثر، ويرويه مع ذلك عن ذاك المتكلم فيه.
واثنان: رَوى عن كلٍّ منهما أحاديثَ يسيرة متابعة أيضًا.
التاسع: أحمد بن عاصم البلخي، ليس له في "الصحيح" نفسه شيء, ولكن المستملي -أحد رواة "الصحيح" عن الفِرَبْرِي عن البخاري- أدرج في باب رفع الأمانة من الرقاق قوله: قال الفربري: قال أبو جعفر: حَدَّثْتُ أبا عبد اللَّه [البخاري] فقال: سمعت أبا [جعفر] أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول: قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: جذر قلوب الرجال، الجذر الأصل من كل شيء، والوكت أثر الشيء.
هذا هو التحقيق، وإن وقع في "التهذيب"، ومقدمة "الفتح" ما يوهم خلافه، وراجع "الفتح" (11/ 286).
وإِذْ قد عرفتَ حالَ التسعة الأولين، فقِسْ عليهم الباقي، وإن شئت فراجع وابحث، يتضح لك أن البخاري عن اللوم بمنجاة. اه.
وقال بعده بقليل:
"رجال البخاري يناهزون ألفي رجل، وإنما وقع الاختلاف في ثمانين منهم، وقد عرفتَ سابقًا حال الثمانين". اه.
(3)
وقال الشيخ في "الأنوار الكاشفة" (ص 282):
"لو فرض أن البخاري احتج في "الصحيح" بمن لم يوثقه غيره، فاحتجاجه به في "الصحيح" توثيق وزيادة". اه.
* * *
(2/37)

الأمر الرابع: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في "الصحيح" يقتضي ضعْفَهُ أو لِينَهُ عندهما؟
قد طعن الكوثري في جماعةٍ من الرواة والمحدثين مُحْتَجًّا بأن البخاري -وربما أصحاب الكتب الستة- لم يخرجوا لهم، فشَرَحَ المعلمي بعضَ أسباب ذلك بما لا يقتضي الطعن.
من ذلك:
(1)
قول العلامة المعلمي في ترجمة إبراهيم بن شماس الغازي من "التنكيل" رقم (6):
أما عدم إخراج البخاري عنه في "صحيحه" فكأنه إنما لقيه مرة؛ فإن إبراهيم كان دائبًا في الجهاد، فلم يسمع منه البخاري ما يحتاج إلى إخراجه في "الصحيح".
وقد أدرك البخاري من هو أكبر من إبراهيم وأعلى إسنادًا، وكم من ثقةٍ ثبتٍ لم يتَّفِقْ أن يخرج عنه البخاري في "صحيحه" وأخرج عمن هو دونه بكثير.
فأما بقية الستة؛ فأبو داود ولد سنة 202، فقد أدرك إبراهيم؛ فإن إبراهيم استشهد سنة 220، ولكن لعله لم يَلْقَهُ وإنما روى في مسائل مالك عن رجل عنه, على ما يظهر من "التهذيب"، وقد سمع أبو داود جماعةً ممن هو أكبر وأعلى إسنادًا من إبراهيم.
ومسلم ولد سنة 204، والباقون بعد ذلك.
(2/38)

وجامعو الكتب الستة يتحرون علوّ الإسناد والاختصار، ولا ينزلون إلا لحاجةٍ، والروايةُ عن إبراهيم قليلةٌ؛ لاشتغاله بالجهاد، ولأنه لم يُعَمَّرْ حتى يُحتاج إليه، وقد رَوى عنه من هو أجَلُّ من أصحاب الكتب الستة كما مرّ (1).
(2)
وقوله في ترجمة: محمد بن علي بن الحسن بن شقيق رقم (221):
"من شأنهما -يعني الشيخين- في "الصحيح" أن يتطلبا العلوّ ما وجدوا إليه سبيلًا، ولا يرضيان بالنزول إلا أن يتفقَ لهما حديثٌ صحيحٌ تشتد الحاجة إلى ذكره في "الصحيح" ولا يقع لهما إلا بنزول، فلم يتفق لهما ذلك هنا، وهذا الرجل سِنُّهُ قريبٌ من سِنِّهِما، فروايتهما عنه نزولٌ.
وهناك وجوهٌ أُخَر لعدم إخراجهما للرجل في "الصحيح"، راجع ترجمة إبراهيم ابن شماس.
ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجهما، فلم يَعُدُّوا عدمَ إخراجهما الحديث دليلا على عدم صحته، ولا عدم إخراجهما للرجل دليلا على لِينِه (2).
ومحمد هذا وثقه النسائي، والنسائي ممن قد يفوق الشيخين في التشدد كما نبهوا عليه في ترجته، ووثقه غيره أيضًا.
وروى عنه أبو حاتم وقال: "صدوق" وأبو زرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في "لسان الميزان" (2/ 416)، وبقي بن مخلد، وهو لا يروي إلا عن ثقة كما مرّ في ترجمة أحمد بن سعد، وابنُ خزيمة, وهو لا يروي في "صحيحه" إلا عن ثقةٍ، واللَّه الموفق". اه ..
__________
(1) مثل أحمد وكذا أبي زرعة رحمهما اللَّه وهما لا يرويان إلا عن ثقة عندهما، كا ذكره المعلمي، وعظَّم إسحاقُ بن راهويه شأنه وحرَّض على الكتابة عنه, ووثقه الدارقطني وابن حبان.
(2) سيأتي النظر في هذا القول في نهاية هذا الأمر الرابع.
(2/39)

(3)
وقوله في ترجمة رجاء بن السندي رقم (92):
"توفي رجاء سنة (231) فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وأدركوا مِنْ أقرانه ومَنْ هو أكبر منه مَنْ هو مثله أو أعلى إسنادًا منه، فلم يحتاجوا إلى الرواية عن رجلٍ عنه؛ لإيثارهم العلوّ.
وأدركه أبو داود في الجملة؛ لأنه مات وسنّ أبي داود نحو تسع عشرة سنة، ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يلقه.
فأما مسلم فإنه كان له حين مات رجاء نحو لست عشرة سنة، وهو بلديُّه، ويمكن أن يكون سمع منه وهو صغير، فلم ير مسلم ذلك سماعًا لائقًا بأن يعتمده في "الصحيح"، ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع ممن هو أسنُّ من رجاء وأعلى إسنادًا، فَفَاتَهُ رجاء.
وأما البخاري فقد ذكر الكمال أنه روى عنه لكن قال المزي: لم أجد له ذكرًا في "الصحيح" (1). فقد لا يكون البخاري لقيه (2)، وقد يكون لقيه مرة فلم يسمع منه إلا شيئًا عن شيوخه الذين أدرك البخاري أقرانهم فلم يَحْتَجْ إلى النزول بالرواية عن رجاء.
__________
(1) هكذا هو في "تهذيب" ابن حجر (3/ 231) مختصرًا من كلام المزي، وتمامه: ولا ذكره أحدٌ من المصنفين في رجاله، "وإنما قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": "روى عنه البخاري، ولم يقل في "الصحيح" فلعلَّه روى عنه خارج "الصحيح". هكذا قاله المزي في حاشية نسخته من "تهذيب الكمال"، كما نقله عنه محققه (9/ 164).
(2) هكذا قال المعلمي اعتمادا على نقل الحافظ ابن حجر المختصر لكلام المزي، وسبق كلام الحاكم في ذلك.
(2/40)

فتحصَّلَ مِنْ هذا أنهم إنا لم يخرجوا عنه إيثارًا للعلوّ من غير طريقه على النزول من طريقه (1). وراجع ترجمة إبراهيم بن شماس.
وقد رَوى عنه الإمام أحمد، وهو لا يروي إلا عن ثقةٍ، كما يأتي في ترجمة محمد بن أعين، وروى عنه أيضًا إبراهيم بن موسى وأبو حاتم وقال: "صدوق". وقال الحاكم: "ركن من أركان الحديث".
(4)
وقوله في ترجمة: محمد بن معاوية الزيادي رقم (234):
"قد قدَّمْنا مِرارًا أن كونَهم -يعني الأئمة الستة- لم يخرجوا للرجل، ليس بدليل على وَهَنِه عندهم، ولاسيما مَنْ كان سنُّهُ قريبًا من سِنِّهم وكان مقلا كهذا الرجل، فإنهم كغيرهم من أهل الحديث إنا يُعنون بعلوّ الإسناد، ولا ينزلون إلا لضرورة.
وقد روى النسائي عن هذا الرجل في "عمل اليوم والليلة" وقال في مشيخته: "أرجو أن يكون صدوقًا، كتبت عنه شيئًا يسيرًا" وإنما قال: "أرجو ... "؛ لأنه إنما سمع منه شيئًا يسيرًا ولم يتفرغ لاختباره؛ لاشتغاله بالسعي وراء مَنْ هُم أعلى منه إسنادًا ممن هم في طبقة شيوخ هذا الرجل ... ".
(5)
وقوله في ترجمة: إسماعيل بن عرعرة رقم (51):
"قد يكون الرجلُ ثقةً مقلا من الرواية، إنا يروي قليلا من الحكايات، فلا يعتني به أهل التواريخ، ولا يُحتاج إليه في الأمهات الست".
__________
(1) قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" - الطبقة 23: "من كبار أصحاب الحديث، لكنه مات قبل أن ينتشر ذكره". اه. وهو مؤيد لكلام المعلمي رحمه الله.
(2/41)

(6) - (7)
انظر ترجمتي: أحمد بن الحسن الترمذي رقم (14)، وترجمة عامر بن إسماعيل البغدادي رقم (115) من "التنكيل".
قاله أبو أنس:
قد لخَصَّ الشيخُ المعلمي القولَ في هذا المبحث بقوله آنفًا:
"لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجهما -يعني الشيخين- فلم يَعُدُّوا عدمَ إخراجهما الحديث دليلا على عدم صحته, ولا عدم إخراجهما للرجل دليلا على لِينِه".اه.
فأقول:
هذا الكلام فيه تفصيلٌ لابدَّ منه، وذلك أن الملاحظ في النماذج التي سبق جواب الشيخ المعلمي عن عدم إخراج الشيخين لأصحابها، إنما هو لأسباب لا تتعلق بلِينِ الراوي ونحوه, إنما هو لعدم الاحتياج لما عند الراوي، لاسيما إذا كانت روايتهما عنه بنزول، مع الاستغناء عما عنده حينئذ بطرق أخرى عالية، وهذا واضحٌ وسائغٌ جدًّا في طبقة أصحاب الكتب الستة -لاسيما الشيخين- أو طبقة شيوخهم، وهو جل النماذج السابقة.
أما الطبقات المتقدمة, فالراوي إذا كان معروفًا، وروى أحاديثَ لا توصف بالندرة، ومنها ما هو في أبواب يُحتاج إليها، وظهر الاحتياج لما عنده حينئذ لضيق مخارجه أو قلة طرقه، أو وضوح متنه في بابه، أو نحو ذلك من مُهمات الإسناد أو المتن، فعدمُ إخراج صاحبي "الصحيح" لمثل هذا -مع ما وصفنا- يُعد إعراضا عنه وعما عنده من الحديث.
(2/42)

نعم، هذا لا يلزمُ منه توهينُ الراوي -إلا أن يصرحا بضعفه، أو يتفق الأئمة على ذلك- ولكن يدل ذلك على أنهما لم يرياه صالحا للاحتجاج، ولا ما عنده ناهضا للاستشهاد.
وقد دَأَبَ غيرُ واحد من المحققين على غمز الراوي -لا سيما المختلف فيه- بعدم إخراج صاحبي "الصحيح" له، تدعيما لمن ضعفه على من أَجمل فيه القولَ.
من هؤلاء: البيهقي، فقد ذكر ذلك في جماعة من الرواة في كتابه "السنن الكبرى".
قاله في: عبد خير (1/ 292)، وداود بن عبد اللَّه الأودي (1/ 190)، وقيس بن عباية (2/ 52)، والأجلح بن عبد اللَّه (10/ 267) (1).
قال في كُلٍّ من هؤلاء: لم يحتج به صاحبا "الصحيح".
وخليد بن جعفر (6/ 71) قال فيه: لم يحتج به محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب "الصحيح"، وأخرج مسلم بن الحجاج حديثه الذي يرويه مع المستمر بن الريان عن أبي نضرة عن أبي سعيد في المسك وغيره. اه.
ولخليد هذا في صحيح مسلم ثلاثة أحاديث: أحدها هذا الذي أشار إليه البيهقي، وهو برقم (2252) مقرون بالمستمر بن الريان. والثاني برقم (1738) وقد أعقبه أيضًا بمتابعة المستمر بن الريان عن أبي نضرة. والثالث برقم (2341) من رواية شعبة عنه عن أبي إياس عن أنس أنه سئل عن شيب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ما شانه اللَّه ببيضاء. أخرجه في آخر باب شيب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد قدَّم عليه حديث أنس من طرق أخرى أصح من هذه، وفيها قول أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان به شعرات قليلة بيضاء.
وسيأتي مزيدُ بيانٍ لإخراج صاحبي "الصحيح" للرجل في الشواهد ونحوها دون الأصول، وذلك في الأمر التالي، واللَّه الموفق.
__________
(1) وحمزة بن ربيعة: "نصب الراية" عنه: (3/ 228).
(2/43)

الأمر الخامس: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في الأصول يقتضي أنه لا يحتج به عندهما؟
سبق في المطلب الثالث عند شرح العلامة المعلمي لأسباب الخلل والتساهل الواقعَيْن في "مستدرك" الحاكم، أن الحاكم توسَّع في الإخراج عن جماعة من الرواة المتكلم فيهم مقارنةً ومشابهةً بمن أُخرج لهم في "الصحيحن" ممن تُكلم فيهم كذلك.
وبيَّن الشيخُ المواضعَ التي إنما يخرج فيها صاحبا "الصحيح" لمن فيه كلام، فذكر ثلاثة مواضع:
الثاني منها:
أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يُحتج به مقرونًا، أو حيث تابعه غيره، ونحو ذلك. اه.
وكذلك سبق في المثالين الأول والثاني من تطبيقاته على منهج البخاري وشرطه في رجال "صحيحه" أنه نصَّ على انتفاء وصف الرجل بأنه على شرط "الصحيح" بإطلاق، محتجًّا بأن البخاري -ومسلمًا- إنما أخرجا له متابعة، أو أن الحديث ثبت عندهما من طريق غيره، وذلك عند الكلام على كُلٍّ من: محمد بن حِمْيَر الحمصي - وراجع تعليقي هناك وقولِ الحافظ ابن حجر: إنه إنما أُخرج له في "الصحيح" في المتابعات لا في الأصول، وكذا عند الكلام على بكر بن عمرو المصري.
وذكر الشيخ في حاشيته على "الفوائد المجموعة" (ص 351) أن الطبقة الثانية من طبقات المدلسين - على تقسيم ابن حجر، وهي طبقة من احتمل الأئمة تدليسه
(2/44)

وأخرجوا له في "الصحيح"- لا تُقبل عنعنتهم مطلقًا كمن ليس بمدلس البتة، وإنما المعنى أن الشيخين انتقيا في المتابعات ونحوها من معنعناتهم ما غلب على ظنهما أنه سماع، أو أن الساقط منه ثقة، أو كان ثابتًا من طريق أخرى، ونحو ذلك، كشأنهما فيمن أخرجا له ممن فيه ضعف. اه.
قال أبو أنس:
قد استفاض هذا المعنى في كلام العلامة المعلمي، وقد سبقه إليه غير واحد من المحققين، وقد اعتمد الحافظ ابن حجر في جوابه عن كثير من الرواة المتكلم فيهم داخل "الصحيح" على أنهم ما احتج بهم البخاري في الأصول، وإنما أخرج لهم في المتابعات والشواهد، وذلك في الفصل التاسع من مقدمة "الفتح" (ص 403) بل وكتب عنوانه: "الفصل التاسع: في سياق أسماء من طُعن فيه من رجال هذا الكتاب مرتبًا على حروف المعجم، والجواب عن الاعتراضات موضعًا موضعًا، وتمييز من أَخرج له منهم في الأصول أو في المتابعات والاستشهادات مفصلا لجميع ذلك".
لكن قد مال الشيخ المعلمي في دفاعه عن حماد بن سلمة من "التنكيل" رقم (85) إلى خلاف ما قرره في غير موضع من منهج البخاري في تفريقه بين من يخرج له في الأصول محتجًّا به، ومن يخرج له على غير ذلك.
فقال هناك: "استشهد به البخاري في مواضع من "الصحيح" (1)، فأما عدم
__________
(1) قال الذهبي في "السير" (7/ 446): "تحايد البخاري إخراج حديثه, إلا حديثًا خرجه في الرقاق, فقال: قال لي أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أُبَيّ".
وقال ابن حجر في مقدمة "الفتح" (ص 419): "استشهد به البخاري تعليقًا ولم يخرج له احتجاجًا ولا مقرونًا ولا متابعة إلا في موضع واحد قال فيه: قال لنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة فذكره, وهو في كتاب الرقاق، وهذه يستعملها البخاري في الأحاديث الموقوفة، وفي المرفوعة أيضًا إذا كان في إسنادهما من لا يحتج به عنده".
(2/45)

إخراجه له في الأصول فلا يوجب أن يكون عنده غيرَ أهلٍ لذلك، ولذلك نظائر؛ هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبت الناس في ثابت، وأنه أثبت فيه من حماد بن زيد، وقد ثَبَّتَه الأئمة جدًّا، قال أحمد: "ثبت ثبت"، وقال ابن معين: "ثقة ثقة" والثناء عليه كثير، ولم يغمزه أحد، ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره ... " (1).
قال أبو أنس:
هذا قياسٌ مع الفارق؛ فأين مَنْ ثَبَّتَهُ الأئمة ووثقوه لإطلاق، ولم يغمزه أحد منهم بشيء، بمن ذكروه بسوء الحفظ وكثرة الخطأ، ولم يثبتوه إلا في روايته عن ثابت وحميد، ومع ذلك فقد خطئوه في عدة مواضع من روايته عنهما كما يُعلم بالنظر في كتب العلل.
والمقصود أن عدم إخراج البخاري لسليمان بن المغيرة في الأصول أو عدم احتجاجه به لا يمكن أن يكون لسبب يتعلق بعدالة سليمان أو ضبطه؛ للإجماع على ثقته وإتقانه، وإنما هو لأسباب خارجة عن ذلك؛ كأن يكون استغنى برواية غيره فيما احتاج إلى إيراده من الأحاديث لأغراضٍ ربما تتعلق بالإسناد أو المتن.
أما حماد بن سلمة، فالدلائلُ على خِفَّةِ ضبطه، والأوهامِ التي استفاضَ عن النقادِ وقوعُه فيها، جديرٌ ذلك بأن يكون هو سبب إعراضِ البخاري عن الاحتجاج به.
فالدفاع عن حماد بحمل صنيع البخاري معه على أنه لم يقصد الإعراض عن الاحتجاج به -استدلالا بصنيعه مع سليمان بن المغيرة- فيه نظر كبير، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
__________
(1) في تهذيب ابن حجر (4/ 221): "قال أبو مسعود الدمشقي في الأطراف في مسند أنس: ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاري غير هذا الحديث الواحد وقرنه بغيره".
(2/46)

المطلب الثاني: فيما يتعلق بالمتون
وفيه ستة أمور:

الأمر الأول
من منهح البخاري في ترتيب أحاديث الباب
ذكر الشيخ المعلمي في المسألة الرابعة عشرة من الجزء الثاني من "التنكيل" -وهي مسألة: "تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا"- حديثَ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وذكر اختلاف الرواة فيه عن هشام سندًا ومتنًا (1).
قال: وأما المتن فعلى ثلاثة أوجه:
الأول (2): ما رواه البخاري، عن عثمان بن أبي شيبة, عن عبدة، عن هشام عن أبيه، عن عائشة: "أن يد السارق لم تُقطع على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا في مِجَنِّ حَجَفَةٍ أو تُرس".
ثم روى البخاري، عن عثمان أيضًا، عن حميد: "ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة" مثله.
__________
(1) قال: "أما السند فمنهم من ذكر عائشة, ومنهم من لم يذكرها وجعله مرسلًا من قول عروة، نبه على ذلك البخاري في "الصحيح" والصواب ذكر عائشة".
(2) "الفتح" (12/ 99) رقم (6792).
(2/47)

الثاني (1): ما رواه البخاري، عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "لم تكن تُقطع يدُ السارق في أدنى من حجفة أو ترس، كل واحد منهما ذو ثمن" (2).
الثالث (3): رواه البخاري: حدثني يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة, قال: هشام ابن عروة أخبرنا، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "لم تُقطع يدُ سارقٍ على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في أدنى من ثمن المجن: ترسٍ أو حجفةٍ, وكان كل منهما ذا ثمن".
فالأول: مداره على عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة، وعن حميد، وقد خولف عن كل منهما.
فرواه مسلم في "صحيحه" عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، عن حميد بسنده: "لم تُقطع يدُ سارقٍ في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في أقل من ثمن المجن حجفة أو ترس وكلاهما ذو ثمن". وهذا على الوجه الثالث كما ترى.
ورواه البيهقي في "السنن" (8/ 256) من طريق هارون بن إسحاق، عن عبدة بسنده: "لم تكن يدٌ تُقطع على عهد رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- في أدنى من ثمن مجن حجفة أو ترس".
وهذا على الوجه الثاني كما ترى.
وبهذا بانَ ضعفُ الوجهِ الأول، بل ظاهره باطل؛ لأنه يعطي أن القطع لم يقع على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا مرة واحدة في ذاك المجن، وقد ثبت قطع سارق رداء صفوان الذي كانت قيمته ثلاثين درهمًا، وثبت قطع يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي ثم تجحدهُ.
__________
(1) رقم (6793).
(2) زاد البخاري هنا: رواه وكيع وابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلًا.
(3) رقم (6794).
(2/48)

وأما الوجه الثاني فقد اختلف على عبدة كما رأيت، وكذلك اختلف على ابن المبارك، رواه النسائي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "لم تقطع يد سارق في أدنى من حجفة أو ترس، وكل واحد منهما ذو ثمن".
وهذا على الوجه الثالث كما ترى، فبانَ رجحانُ الوجه الثالث؛ لأنه رواه عن هشام: أبو أسامة ولم يختلف عليه فيه، ورواه ابن نمير، عن حميد، عن هشام، وابنُ نمير أثبتُ من عثمان بن أبي شيبة، ورواه سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام. وقد رجح الشيخان والنسائي الوجهَ الثالث.
أما البخاري فساقها على هذا الترتيب، ثم عَقَّبَ بحديث ابن عمر (1)، فأشار -واللَّه أعلم- بالترتيب إلى ترتيبها في القوة، فالثاني أقوى من الأول، والثالث أرجح منهما.
أو قُلْ: أشار إلى أن الثاني يُفَسِّرُ الأولَ من وجهٍ، والثالث (2) يفسرهما جميعًا.
وأشار بالتعقيب بحديث ابن عمر إلى أن هذا الحديثَ وحديثَ ابن عمر عن واقعة واحدة؛ فعائشة حفظتْ أَنَّ أقلَّ ما قطع فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- هو ذاك المجن ولم تذكر قيمته، وابن عمر حفظ قيمته، ولم يذكر أنه أقل ما قطع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه.
وأما مسلم (3) فصدَّرَ بحديثه عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير وساقه بتمامه، وهو على الوجه الثالث كما مرَّ، ثم قال:
__________
(1) من رقم (6795) حتى (6798) ولفظه: "أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم" وفي رواية الليث: "قيمته".
(2) في أصل التنكيل: "والثاني" وصُوِّبَ في حاشية الطبع إلى "والثالث" وهو الصواب.
(3) (ص 313) رقم (1685).
(2/49)

حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن ح وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان ح.
وثنا أبو كريب ثنا أبو أسامة كلهم عن هشام بهذا الإسناد نحو حديث ابن نمير عن حميد بن عبد الرحمن، وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة: (وهو يومئذ ذو ثمن). اه.
فحمل سائر الروايات على حديث ابن نمير، وهو على الوجه الثالث كا مَرَّ، ولم يَعْتَدَّ بمخالفة بعضها له في الأوجه المذكورة، مع اعتداده بالاختلاف في قول ابن نمير: "وكلاهما ذو ثمن" وقولِ عبد الرحيم وأبي أسامة: "وهو يومئذ ذو ثمن"، ثم عَقَّبَ ذلك مسلم بحديث ابن عمر.
وأما النسائي (1) فإنه مع تصدِّيه لجميع الروايات في ذكر المجن، لم يَسُقْ من طرق حديث هشام المذكور إلا رواية سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام، وهي على الوجه الثالث. اه.
قال أبو أنس:
تحقيق العلامة المعلمي لترتيب البخاري أحاديث هذا الباب تحقيقٌ بديعٌ، والأمر بحاجة إلى بحثٍ مستقل؛ للنظر: هل هذا المنهج يَطّردُ في نظائره من "الجامع الصحيح"، أم أن لكل موضع تحقيقًا خاصًّا بحسب القرائن المحتفة به؟ وانظر ما يأتي من تعليقي عقب الأمر الثاني.
* * *
__________
(1) المجتبى (8/ 82).
(2/50)

الأمر الثاني
من منهج البخاري في إخراج الحديث في باب دون باب
(1)
روى البخاري في "صحيحه"، كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم (6502) عن محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: "إن اللَّه قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه ... ".
ذكر الشيخ المعلمي هذا الحديثَ في "الأنوار الكاشفة" (ص 193)، فقال:
هذا الخبر نظر فيه الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من "الميزان" (1) وابن حجر في "الفتح"؛ لأنه لم يُرو عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة.
ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث، مع أن خالدًا له مناكير، وشريكًا فيه مقال.
__________
(1) قال الذهبي: "هذا حديث غريب جدًّا، لولا هيبةُ "الجامع الصحيح" لعدّوه في منكرات خالد بن مخلد؛ وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك, وليس بالحافظ, ولم يُرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه مَنْ عدا البخاري، ولا أظنه في مسند أحمد، وقد اختلف في عطاء, فقيل: هو ابن أبي رباح، والصحيح أنه عطاء بن يسار". اه.
(2/51)

وقد جاء الحديثُ بأسانيدَ فيها ضعف من حديث علي، ومعاذ، وحذيفة، وعائشة، وابن عباس، وأنس، فقد يكون وقع خطأٌ لخالد أو شريك؛ سمع المتن من بعض تلك الأوجه الأخرى المروية عن علي أو غيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثًا آخر بهذا السند، ثم التبسا عليه, فغلط فروى هذا المتن بسند الحديث الآخر ... وإلا فهو من جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فَسَّرَهُ أهلُ العلم بما تجده في "الفتح"، وفي "الأسماء والصفات" (ص 345 - 348).
وقد أومأ البخاري إلى حالِهِ فلم يخرجه إلا في باب "التواضع" من كتاب "الرقاق". اه.
(2)
في المسألة الحادية عشرة من الجزء الثاني من "التنكيل" وهي: "للراجل سهم من الغنيمة وللفارس ثلاثة؛ سهم له وسهمان لفرسه".
ذكر الشيخ المعلمي مَنْ وقع عليه من الرواة لهذا الحديث عن عبيد اللَّه بن عمر ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، حتى بلغ الثامن: زائدة بن قدامة عند البخاري في "صحيحه" في غزوة خيبر (1)، رواه البخاري، عن الحسن بن إسحاق، عن محمد بن (سابق، عن) (2) زائدة (3) ... "قسم رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر للفرس: سهمين، وللراجل: سهمًا. فسَّرَهُ نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم".
__________
(1) "الفتح" (7/ 553) رقم (4228).
(2) سقط ما بين القوسن من طبعة دار الكتب السلفية من "التنكيل" وهو مثبت في الطبعة الأم.
(3) تمامه: عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
(2/52)

وهذا التفسير يدل أن الصواب في المتن "للرجل" لكن وقع في نسخ "الصحيح" كما رأيت.
وزائدة متقن، لكن شيخ البخاري ليس بالمشهور، ومحمد بن سابق، قال ابن حجر في ترجمته من الفصل التاسع من مقدمة "الفتح":
وثقه العجلي، وقوَّاهُ أحمد بن حنبل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة, وليس ممن يوصف بالضبط, وقال النسائي: لا بأس بمع وقال ابن أبي خيثمة, عن ابن معين: ضعيف.
قلت: ليس له في البخاري سوى حديث واحد في "الوصايا" ... وقد تابعه عليه عبيد اللَّه بن موسى. اه.
كذا قال، وفاتَهُ هذا الحديثُ، وعُذْرُ البخاري أنه رأى أنَّ الوهْمَ في هذا الحديث يسيرٌ يجبرهُ التفسيرُ.
ومع ذلك فلم يذكرْهُ في باب: "سهمان الخيل" وإنما ذكره في: "غزوة خيبر". اه.
قال أبو أنس:
تحقيق الشيخ المعلمي لقضية "الترتيب" -هنا وفي ترجمة مسلم كما سيأتي- و"إخراج الحديث في باب دون باب" يقتضي أمرا مهمًّا، نَدَر من يتعرض له، ألا وهو:
أن صاحبي "الصحيح" قد يخرجان في كتابيهما بعض الأحاديث التي ليست في الدرجة العليا من الصحة، ولا يخرجانها بقصد تصحيح متونها أو بعض ألفاظٍ فيها، بل لِيُنَبِّها على وهم يقع فيها من بعض الرواة, وهذا التنبيه يأخذ أشكالا متعددة, يعرفها الممارسُ، ويغفل عنها من لم يوفق لها، فينتقد تلك الأحرف على صاحبي "الصحيح"، وما أُتِي إلا من عدم التفاته لاصطلاحهما في ذلك، كما سيشير إليه الشيخ المعلمي في الأمر التالي.
(2/53)

وهذا فهم دقيقٌ، تَدْعَمُه الممارسَةُ المَرِنَةُ للصحيحين، وهو سبيلٌ لم يُطْرَقْ بالقَدْر الكافي من المحققين.
وهذه الأحرف المشار إليها، والتي يعرفها الحذاق من أهل الاختصاص، لا تُعكر على أصل وضع "الصحيح" كما يتوهمه أكثر المعترضين، بل هي كالفوائد والنِّكات الإسنادية والمَتْنِيَّة، لم ير الشيخان إخلاءَ الكتابين منها، وهي دليلُ البراعة والتمكن، خلافا لمن لم يقبل ذلك، فعاد عليهما بالانتقاد والتناقض أحيانا.
ويبقى أن لكلٍّ من صاحبي "الصحيح" طريقته في سَوْق وعرض تلك الفوائد، يحتاج كل منهما إلى أن يُفرد بالبحث، للاقتراب من التصور المقبول لذلك.
وأنا أسوق في هذا القسم بعضَ النماذج التي تُلاحظُ بممارسة الصحيحين، أَعرضها على الباحثين للنظر في مدلولاتها، عسى أن تصلح نواةً لهذا المبحث، ودَرءا لما يكون أحيانا سببًا في توجيه نَقْدٍ أو رَمْي بنقصٍ لأحدهما.
أما البخاري فهناك ثلاثة نماذج نستعرضها للتأمل فيها، وأما مسلم فنؤخره إلى ترجمته:

النموذج الأول:
في باب: الأكفاء في الدِّين، من كتاب النكاح:
قال البخاري (5089): حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة, عن هشام، عن أبيه, عن عائشة قالت: دخل رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج. قالت: واللَّه لا أجدني إلا وجعة. فقال لها: حجي واشترطي، قولي: اللهم محلي حيث حبستني، وكانت تحت المقداد بن الأسود. اه.
(2/54)

فأقول:
هذا الحديث يشتمل على قصة ضباعة بنت الزبير، وهي أصح وأشهر ما يُستدل به على قضية الاشتراط في الحج، وحديثها معروفٌ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، لكن اختلف على هشام فيه وصلا وإرسالا.
وقد أخرجه مسلم (1207) وصَدَّرَ به الباب من طريق أبي أسامة موصولا كما أخرجه البخاري، ثم خرجه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به.
وأعقبه برواية عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ثم خرجه من طرق عن ابن عباس، وأرسله ابن عيينة عن هشام، فلم يذكر عائشة في الإسناد، ولذا فقد تردد الشافعي فيه فقال: لو ثبت حديث عروة لم أَعْدُهُ إلى غيره.
وفي الحديث بحثٌ ليس هذا محله, انظر "الفتح" (4/ 12).
والمقصود هنا أن مقتضى صنيع البخاري في "صحيحه" أنه لا يرى الاشتراط في الحج، ففي باب: الإحضار في الحج من كتاب المحصر (4/ 11 - فتح) لم يخرج البخاري سوى حديث ابن عمر، وابن عمر معروف أنه كان ينكر الاشتراط، ويقول: "أليس حسبكم سنة رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-، إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا ...
قال ابن حجر: أشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عباس.
أما حديث عائشة، فالقدر المقصود منه هو قوله: وكانت -يعني ضباعة- تحت المقداد بن الأسود - كما في "الفتح" (9/ 38) فهو المراد للتبويب المذكور، فقد كانت ضباعة فوق المقداد في النسب، ولم يمنع ذلك من زواجه منها.
(2/55)

وصار ما ذكر في هذا الحديث من الاشتراط لا يراه البخاري حجة؛ لما سبق من الخلاف الواقع في إسناده، ولو كان يراه حجة لخرجه في باب الإحصار في الحج على سبيل اختلاف النصوص أو نحو ذلك، وهو أليقُ مكانٍ به.
لكنه نبَّه بإخراجه في كتاب النكاح إلى أنه -على الأقل- متوقف عن الحكم بمقتضاه فيما يتعلق بالاشتراط، وخرج في باب الإحصار من حديث ابن عمر ما يدل على خلاف مقتضاه، مكتفيًا بذلك، وهذا واضح بحمد اللَّه.
فالبحث هنا إنما هو في تصرف البخاري في أبوابه , وما يخرج فيها من الأحاديث؛ لتوافق رأيه وما ذهب إليه من الأحكام، لا مجرد إخراج الحديث بين دفتي "الصحيح"، بغض النظر عن ملابسات ومناسبات الأبواب؛ لأن من المعروف أن فقه البخاري في تراجم أبوابه.
والمتخصص إذا عزا حديثا للصحيحين؛ فحري به أن يذكر الباب الذي خرج فيه الحديث؛ ليلتفت الناظر إلى ما قد يدعوه إلى مطالعة الكتاب بنفسه.
ومثاله هنا: مَن أراد الاستدلال على قضية الاشتراط في الحج مثلا، فليس من الإنصاف مع البخاري و"صحيحه"، بل لا يُستبعد وصفُ ذلك بالقُصور المبعد عن حقيقة الحال أن يُعزى حديثُ أبي أسامة هذا إلى البخاري بإطلاق، دون التنبيه على كيفية إخراجه له، فأما إذا عزاه على النحو المذكور، ثم خالفَ البخاريَّ في نقده للحديث، فهذا أمر آخر، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل.

النموذج الثاني:
في باب: الرطب والتمر من كتاب الأطعمة (9/ 477 - فتح).
أخرج البخاري (5443) حديث إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري
(2/56)

إلى الجذاذ ... ، فجاءني اليهودي عند الجذاذ، ولم أجد منها شيئا، فجعلت أستنظره إلى قابل، فيأبى، فأخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ... فقمتُ، فجئتُ بقليل رطب، فوضعته بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأكل ...
فأقول:
في هذا الحديث قضيتان، قد استشكلهما بعضُ المحققين:
أولهما: أن فيه أن قصة دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في النخل بالبركة كانت فيما كان على جابر من الدَّيْن، وإنما المحفوظ المعروف أنها كانت فيما كان على والد جابر.
هكذا أخرجه البخاري في غير موضع موصولا ومعلقا في مواضعه المعهودة, منها (2395) (2601) (2781) (3580) (4053).
القضية الثانية: أن في هذا الحديث "السَّلف إلى الجذاذ" وهذا لا يقول به البخاري ولا يجيزه هو، هكذا قال الإسماعيلي، كما نقله عنه ابن حجر في "الفتح" (9/ 479)، وهذا واضح جدًّا؛ فقد اعتمد البخاري في كتاب السَّلَم من "صحيحه" (4/ 500): "السَّلَم إلى أجل معلوم" لم يذكر غيره، وهو الموضع اللائق بكل ما يتعلق ب: "السَّلَم" شريطة أن تكون النصوص يراها البخاري حُجة في بابها، بغض النظر عن رجحان بعضها على بعض لأسباب خارجة عن صحتها في نفسها.
فإذا أبعد البخاري حديث إبراهيم هذا عن كتاب السَّلَم، مع اشتماله على ما هو صريح في بابه، ووضعه في كتاب آخر لأجل ما فيه من أكل "الرطب"، فإن ذلك يدل للمتأمل أن البخاري لا يرى أن عبارة: "كان يسلفني في تمري إلى الجذاذ" محفوظة، وهذه إشارةٌ بديعةٌ، لا تصدر إلا من مثل البخاري في براعته، فإذا أراد أحدهم أن يستدل لمن يقول بالسلم إلى الجذاذ بتصحيح البخاري هذا الحديث، محتجا بأنه مخرج في "الصحيح"، لكان هذا محل نظر كبير وتعجب طويل.
(2/57)

نعم، يمكن أن يُختلف مع البخاري، أو يخالِف في ذلك مَنْ يرى من المحققين صحةَ الحديث بلفظه وسياقه هذا، متجشما تأويله وتوجيهه.
فبينما ذهب الإسماعيلي -ومثله ابن التين- إلى شذوذ هذه الرواية لما فيها من جعل الدَّيْن لجابر وليس لوالده، دفع ذلك ابنُ حجر بتعدد القصة، وأنه لا مانع من وقوعها لدَيْن جابر ودَيْن أبيه.
وكذلك قول الإسماعيلي: السَّلَف إلى الجذاذ مما لا يجيزه البخاري وغيره، فقد ذهب ابن حجر إلى أنه وقع في الاقتصار على الجذاذ اختصار، وأن الوقت كان في أصل العقد معيَّنًا.
نتجاوز هنا القضية الأولى لقبولها الأخذ والرد والاحتمال، أما القضية الثانية فقد اتفق ابن حجر مع الإسماعيلي على أن لفظ "السَّلم إلى الجذاذ" لا يصح، ولا يُراد مدلولُه، وأوَّلَهُ ابن حجر بأنه لفظٌ "مختصر" عن أصل كلام العقد، ولا يخفى على الحافظ ابن حجر أن "الاختصار" -لو كان هو الواقع هنا- هو أحد مداخل الخلل وأسباب التعليل التي يُعِلُّ بها النقادُ أحيانا بعضَ المتون، وهو منتشر في كلامهم، فثبت الاتفاق بين المُنْكِر والمؤَوِّل على أن هذا اللفظ غير موافق لواقع الحال، فهو خطأ.
وهذا هو المراد لمن تأمل هذا الموضع: أن البخاري خرج هذا الحديث في كتاب الأطعمة، وهو لا يرى أن جميعَ لفظه محفوظ، بل أراد أن يضرب بسهم واحد غرضين:
الأول: الاستفادة من اشتماله على أكل الرطب وحده, وقد بوَّب قبله على أكل القثاء بالرطب.
الثاني: الإشارة إلى ما وقع في رواية إبراهيم بن أبي ربيعة هذا من الأوهام في متنه.
(2/58)

وإبراهيم هذا ليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد، وليس هو بالمحل الذي يُقبل منه تفرده بهذين المعنيين المذكورين، فإنه لم يوثق توثيقا يعتد به، وهو مقل من الحديث، واللَّه تعالى الموفق للصواب.

النموذج الثالث:
في باب: المسح على الخفين (1/ 365 فتح):
أخرج البخاري أولا حديث سعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة في المسح على الخفين، ثم أخرج (204) حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يمسح على الخفين.
قال البخاري: وتابعه حرب بن شداد وأبان عن يحيى، ثم أخرجه (205) من طريق ابن المبارك، أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو، عن أبيه، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يمسح على عمامته وخفيه.
قال: وتابعه معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ... اه. فلم يذكر جعفرا في الإسناد.
فأقول:
المتأمل يلاحظ أن البخاري لم يبوب على المسح على العمامة، وإنما أورد رواية الأوزاعي تحت باب المسح على الخفين، فهل ذكر العمامة في هذا الحديث محفوظ عنده؟
إن كانت الإجابة: نعم؛ لأنه خرجها، وذكر متابعة معمر للأوزاعي عن يحيى، فقد يقال: لِمَ لَمْ يبوب عليها بابا مستقلا: "المسح على العمامة"، وهو الذي يترجم بأدق من هذا بكثير، وأبواب المسح على العمامة مما اعتنى بذكرها الأئمة، فكان حري به أن يخرجها في بابها إذًا؟
(2/59)

وقد اتفق -فيما ذكره البخاري- شيبان، وحرب بن شداد، وأبان بن يزيد العطار على رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير بلفظ المسح على الخفين فقط.
ورواه الأوزاعي عن يحيى، فزاد فيه المسح على العمامة.
ورواه معمر عن يحيى فأسقط من الإسناد جعفرا، كما ساقه البخاري، ولكنه عبر عن رواية معمر بالمتابعة, ومع ذلك فقد بين أنه خالفه في الإسناد، فهل يعني بالمتابعة: موافقته في المتن؟ هذا هو الظاهر، وإلا فيكون المقصود: متابعته في أصل الحديث، مع مخالفته في اللفظ والإسناد، وهو بعيد.
قال ابن حجر: ذكر أبو ذر في روايته لفظ المتن، وهو قوله: "يمسح على عمامته" زاد الكشميهني: "وخفيه" وسقط ذكر المتن من سائر الروايات في "الصحيح".
ورواية معمر قد أخرجها عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر بدون ذكر العمامة، ولكن أخرجها ابن منده في كتاب الطهارة له من طريق معمر بإثباتها. اه.
أقول:
ظاهر صنيع البخاري أنه عني أن معمرا تابع الأوزاعي في ذكر العمامة، وإلا لم يكن لمتابعته أي معنى، ولا يكون لإرداف رواية الأوزاعي برواية معمر أي مزية, وإلا فيكون معمر حينئذ قد وافق الثلاثة الأول: شيبان، وحرب، وأبان، في لفظه، وخالف الجميع -ومعهم الأوزاعي- في إسناده بإسقاط جعفر.
فدل هذا السياق أن البخاري قصد متابعة معمر للأوزاعي على ذكر العمامة.
يؤيد ذلك رواية أبي ذر والكشميهني وفيها ذكر العمامة من رواية معمر، وكذلك رواية ابن منده، وإن لم يذكر الحافظ راويها عن معمر؛ ليقارن بعبد الرزاق في روايته عنه.
ومع رجحان إرادة البخاري متابعة معمر للأوزاعي في ذكر المسح على العمامة، فهل ذلك كافٍ في كونها محفوظة عنده؟
(2/60)

استقراء "الصحيح" يقتضي أن الإجابة لو كانت: نعم، لأفرد لها البخاري بابا خاصا بها، وخرج فيه حديث الأوزاعي ومتابعة معمر، لكن تصرف البخاري يشير إلى توقفه -على الأقل- في صحة هذه الزيادة.
هذا بغض النظر عن صحة "المسح على العمامة" سواء في حديث عمرو بن أمية، أو غيره، وقد خرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة، لكن المراد هنا هو التأمل في رأي البخاري في ذلك، ومقتضى إخراج رواية الأوزاعي فيها.
وقد نقل ابن بطال في شرح "صحيح البخاري" (1/ 306) عن أبي محمد الأصيلي قوله:
ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي؛ لأن شيبان روى الحديث عن يحيى بن أبي كثير ولم يذكر العمامة، وتابعه حرب بن شداد، وأبان العطار، فهؤلاء ثلاثة من رواة يحيى بن أبي كثير خالفوا الأوزاعي، فوجب تغليب الجماعة على الواحد، وأما متابعة معمر للأوزاعي فهي مرسلة، وليس فيها ذكر العمامة. روى عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية قال: رأيت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يمسح على خفيه.
هكذا وقع في مصنف عبد الرزاق، ولم يذكر العمامة، وأبو سلمة لم يسمع من عمرو، وإنما سمع من ابنه جعفر، فلا حجة فيهما.
وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين أن حديث عمرو بن أمية في المسح على العمامة مرسل. اه.
نقل ابن حجر في "الفتح" (1/ 369) كلام الأصيلي عن كتاب ابن بطال، دون حكاية ابن أبي خيثمة عن ابن معين، ثم أجاب عن الإرسال بأن سماع أبي سلمة من عمرو ممكن ... وعن تفرد الأوزاعي برواية معمر عند ابن منده، ثم قال: "وعلى
(2/61)

تقدير تفرد الأوزاعي بذكرها لا يستلزم ذلك تخطئته؛ لأنها تكون زيادة من ثقة حافظ غير منافية لرواية رفقته فتقبل، ولا تكون شاذة، ولا معنى لرد الروايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية. اه.
أقول:
نعم، التفرد لا يستلزم الخطأ، ولكنها هنا زيادة حكم أو حكاية فِعل في حديثٍ لا يتعدى بضع كلمات ممن لم يُقدَّم على أحد ممن خالفهم -وهم جماعة- فكيف يُقدم عليهم جميعا؟!
فإذا انضاف إلى ذلك أن رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قد تكلم فيها بعض الأئمة؛ ففي "شرح علل الترمذي" لابن رجب (ص 486):
ذكر أحمد في رواية غير واحد من أصحابه أن الأوزاعي كان لا يُقيم حديث يحيى ابن أبي كثير، ولم يكن عنده في كتاب، إنما كان يحدث به من حفظه, ويهم فيه, ويروي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة, عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب. اه.
فالتفرد بمثل هذه الزيادة، مع هذه القرائن، يُريب في صحتها، وهذا هو مقتضى عدم اعتماد البخاري لها، فلم يبوب عليها.
والحكم بالخطأ أو الشذوذ في الحديث يكفي فيه غلبة الظن إذا انقدح في ذهن الناقد ذلك، كما هو معلوم.
وبعد، فهذه النماذج -إضافة إلى ما ذكره الشيخ المعلمي- إنما هي أُطروحات ربما تَفتح بابَ النظر في "صحيح البخاري" على أساس محاولة فهم تصرفات البخاري في أبوابه وما يحتج فيها من الأحاديث، وما هو على شرطه في الباب الذي يخرج فيه الحديث، وما يخرج في غير بابه.
ولعل هذا يدفع عن البخاري -ومسلم- بعض الانتقاد الذي أُخذ عليهما في إخراج بعض الأحاديث، إذا لوحظ تصرفهما في إخراجها.
(2/62)

ولا يخفى أن مثل هذا النظر لا يتهيأ لغير أهل الصنعة الذين قد وُضع هذا "الصحيح" من أجل نظرهم وبحثهم -رزقنا اللَّه فَهْمَهُم- والأمر يحتاج إلى تحصيل الملكات الخاصة بهذا الشأن، مع شيء من التأمل المجرد، والنية الخالصة - وهبنا اللَّه إياها.
واللَّه تعالى من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
* * *
(2/63)

الأمر الثالث
الأحاديث المنتقدة على "الصحيحين"
لخَّص العلامة المعلمي حال تلك الأحاديث، فقال في "الأنوار الكاشفة" (ص 9):
"في كل منهما -يعني "الصحيحين"- أحاديثُ يسيرة، انتقدها بعض الحفاظ أو ينتقدها بعض الناس، ومرجع ذلك إما إلى اختلاف النظر، وإما إلى اصطلاح لهما يغفل عنه المنتقد (1)، وإما إلى الخطأ الذي لا ينجو منه بشر". اه.
وقال في (ص 258):
"قد ساقها الحافظ ابن حجر -يعني الأحاديث المنتقدة على البخاري- في مقدمة "الفتح" (2)، وبين حالها، ومن تدبر ذلك علم أن الأمر فيها هيِّنٌ، ليس فيه ما يحطُّ من قدر البخاري و"صحيحه"". اه.
* * *
__________
(1) راجع الأمرين السابقين.
(2) في الفصل الثامن منها (ص 364).
(2/64)

الأمر الرابع
ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم
ذكر الشيخ المعلمي في "عمارة القبور" ص (154) أن:
"ما علقه البخاري بصيغة الجزم، قد قالوا إنه محمول على أنه صَحَّ لديه في الجملة، أي: إما على شرطه، وإما على شرط غيره على الأقل، وفي هذا إجمال؛ فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم غيره، من يتساهل في التصحيح.
ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذبه غيره، فلابد من النظر في رجال السند".
وأكده في ص (157) بقوله:
"ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، لا يغني ذلك عن النظر في سنده".
وقد أعل المعلمي في هذين الموضعين أثرين علقهما البخاري بصيغة الجزم.
* ففيه (ص 153 - 156):
"البخاري في "صحيحه" تعليقا: "لما مات الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سَنَة، ثم رُفعت، فسمعت صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا".
قال المعلمي:
علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد قالوا: إن ما كان كذلك فهو محمول على أنه صح لديه في الجملة، أي: إما على شرطه وإما على شرط غيره على الأقل، وفي هذا إجمال؛ فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم غيره، من يتساهل في التصحيح.
(2/65)

ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذبه غيره، فلابد من النظر في رجال السند.
وقد راجعنا "فتح الباري" فذكر فيه ما لفظه: (3/ 161).
"أي: الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ الفسطاط، كما رويناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي رواية الأصبهاني عنه".
وفي كتاب ابن أبي الدنيا في "القبور" من طريق المغيرة بن مقسم قال: "لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فسطاطًا، فأقامت عليه سنة، فذكر بنحوه".
ولا ندري ما حال السندين إلا أن المغيرة بن مقسم كان أعمى ومدلسا.
وقد ذكر البخاري هذه القصة في (باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور).
قال في "الفتح": "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة. وقال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه؛ تعليلا للنفس، وتخييلا باستصحاب المألفوف من الأُنس، ومكابرة للحس .. فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا .. الخ".
أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضربت الخيمة للاجتماع لقراءة القرآن، وهذا مع كونه ممنوعًا -أيضًا- مردود بقول الهاتفين: "هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا".
فالقصة فيها زِراية على زوجة الحسن، وهي كما في الفتخ، فاطمة بنت الحسين بن علي، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذ كلهم.
فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح؛ فإن أهل البيت أعلم بالله وأكمل عقولا، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة.
وفي الحديث: "لعن زوارات القبور"، أي: المكثرات لزيارتها، وضرب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنَة، أبلغ من إكثار الزيارة وأهل البيت أَولى من ينزه عن ذلك.
(2/66)

هذا مع علمنا أن مثل هذا لا تقوم به حجة، بل القصة بنفسها في ذكر كلام الهاتفين تدل على قبح ذلك الصنع، ولكن رأينا حقا علينا الذب عن أهل البيت. اه.
* وفيه أيضًا (ص 157):
البخاري في "صحيحه" تعليقًا -أيضًا- في (باب: الجريد على القبر): وقال خارجه بن زيد: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان -رضي الله عنه- وإن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يُجاوزه.
قال في "الفتح": "وقد وصله المصنف في "التاريخ الصغير"، من طريق ابن إسحاق".
أقول: قال في "التاريخ الصغير" ص (23) طبعة إله آباد:
"وحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شبان زمن عثمان، وأن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه".
وقد مر قريبًا الكلام على ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، وأنه لا يغني ذلك عن النظر في سنده، وقد عُلم هاهنا سنده.
فأقول: شيخ ابن إسحاق لم أر له ترجمة وابن إسحاق كما تقدم في حديث فضالة أنه قال الذهبي: "ما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا".
ولا نعلم أحدًا تابعه في هذا الأثر، ولا ثَم قرينة تدل على حفظه، ينجبر بها تفرده، ففي الأثر نكارة.
بل على القول بأنه يُفهم منه رفع القبر فوق الشبر شذوذ، إذ المعروف المشهور أن القبور لم تكن ترفع في ذلك العصر.
(2/67)

بل نفس قبر عثمان بن مظعون ورد "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وضع حجرًا، وقال: أعلم به قبر أخي". وأسلفنا أن ذلك يدل أنه لم يرفع عن وجه الأرض.
ومع ذلك فيبعد جدا أن يخرج الشبان من أولاد الصحابة يتواثبون على قبر رجل من أفاضل السابقين، بحيث أنه لا يجاوز القبر إلا أشدهم وثبة، وغالبهم تقع وثبته على القبر، مع أن بجواره من قبور أبناء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبر إبراهيم وغيره.
نعم، قد كان بعض الصحابة والتابعن، ومنهم خارجة لا يرون بأسًا بالجلوس على القبور، ولكن أين الجلوس من التوثب، وقد كان أبناء الصحابة بغاية التمسك بالآداب الشرعية، ولا سيما مثل خارجة بن زيد. اه.
* * *
(2/68)

الأمر الخامس
رواية البخاري من حفظه
حكى الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 85) ما وقع في حديث "الصلاة في بني قريظة" عند البخاري بلفظ: "لا يصلين أحدكم العصر إلا ... " وعند غيره: "لا يصلين أحدكم الظهر إلا ... " مع اتحاد المخرج، فقال رحمه الله:
في "الفتح": إن الذي عند أهل المغازي: "العصر" وكذلك جاء من حديث عائشة، ومن حديث كعب بن مالك، ورواه جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، فقال أبو حفص السلمي، عن جويرية: "العصر"، وقال أبو غسان، عن جويرية: "الظهر".
ورواه عبد اللَّه بن محمد بن أسماء عن جويرية، فقال البخاري عنه: "العصر"، وقال مسلم وغيره عنه: "الظهر".
فذكر ابنُ حجر احتمالين: حاصل الأول: أن جويرية قال مرة "العصر" كما رواه عنه أبو حفص السلمي، ومرة "الظهر" كما رواه عنه أبو غسان، وكتبه عبد اللَّه بن محمد بن أسماء، عن جويرية على الوجهين، فسمعه البخاري من عبد اللَّه على أحدهما، ومسلم وغيره على الآخر.
وكأن البخاري راجع عبد اللَّه في ذلك، ففتش عبد الله أصولَه، فوجد الوجه الذي فيه "العصر" فأخذ به البخاري لعلمه أنه الصواب.
الاحتمال الثاني: أن يكون البخاري إنما سمعه من عبد اللَّه بلفظ: "الظهر" ولم يكتبه البخاري إلا بعد مدة من حفظه فقال: "العصر" أخطأ لفظ شيخه وأصاب الواقع.
(2/69)

أما ما ذُكر أن البخاري كان يحفظ ثم يكتب من حفظه، فإن صح ذلك، فهذا "صحيحه" فيه آلاف الأحاديث، وقلَّ حديث منها إلا وقد رواه جماعةٌ غيره عن شيخه وعن شيخ شيخه، وقد تتبع ذلك المستخرجون عليه وشرَّاحُه، فإذا لم يقع له خطأ إلا هذا الموضع -على فرض أنه أخطأ- كان هذا من أدفع الحجج لتشكيك أبي رية. اه.
* * *
(2/70)

الأمر السادس
فيما ذكر أن البخاري مات قبل أن يبيض كتابه
نقل العلامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 257)، عن أبي رية قولَه: يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبييض كتابه، فقد ذكر ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" أن أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِرَبْرِيّ، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يُثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض.
قال أبو الوليد الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي ورواية ... (1) مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصلٍ واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرفٍ (2) أو رقعةٍ مضافة أنه من موضع ما أضافه (3) إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث. اه.
فعلَّق العلامة المعلمي بقوله:
أقول: قول أبي رية: قبل أن يبيض، يوهم احتمال أن يكون في النسخة ما لم يكن البخاري مطمئنًّا إليه على عادة المصنفين؛ يستعجل أحدهم في التسويد على أن يعود فينقح، وهذا باطل هنا.
__________
(1) هكذا اختصره المعلمي، وتمامه: "ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشمهيني، ورواية أبي زيد المروزي".
(2) هكذا في "الأنوار" وفي المقدمة: "طرة"، ومثله في كتاب الباجي "التعديل والتجريح" (1/ 311) وهو الصحيح.
(3) هكذا في "الأنوار" وفى المقدمة وكتاب الباجي: "فأضاف".
(2/71)

فإن البخاري حدَّث بتلك النسخة وسمع الناس منه منها، وأخذوا لأنفسهم نسخًا في حياته، فثبت بذلك أنه مطمئن إلى جميع ما أثبته فيها، لكن ترك مواضع بياضًا، رجاء أن يضيفها فيما بعد، فلم يتفق ذلك.
وهي ثلاثة أنواع:
الأول: أن يثبت الترجمة وحديثًا أو أكثر، ثم يترك بياضًا لحديث كان يفكر في زيادته، وأخَّر ذلك لسببٍ ما، ككونه كان يحب إثباته كما هو في أصله ولم يتيسر له الظفر به حينئذ.
الثاني: أن يكون في ذهنه حديثٌ يرى إفراده بترجمة فيثبت الترجمة ويؤخر إثبات الحديث لنحو ما مرَّ.
الثالث: أن يثبت الحديث ويترك قبله بياضًا للترجمة؛ لأنه يُعنى جدًّا بالتراجم ويضمنها اختياره، وينبه فيها على معنًى خفي في الحديث، أو حمله على معنى خاص، أو نحو ذلك، فإذا كان مترددًا ترك بياضًا ليتمه حين يستقر رأيه.
وليس في شيء من ذلك ما يوهم احتمال خلل فيما أثبته.
فأما التقديم والتأخير فالاستقراء يبين أنه لم يقع إلا في الأبواب والتراجم؛ يتقدم أحدُ البابين في نسخةٍ ويتأخر في أخرى، وتقع الترجمة قبل هذا الحديث في نسخة وتتأخر عنه في أخرى، فيلتحق بالترجمة السابقة، ولم يقع من ذلك ما يمسُّ سياقَ الأحاديث بضرر.
وفي مقدمة "الفتح" بعد العبارة السابقة: "قلت: وهذه قاعدة حسنة يُفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا" اه.
* * *
(2/72)

المبحث الثاني: منهج البخاري في غير "الصحيحين"
يشتمل الكلام في هذا المبحث على منهج البخاري في رجال غير "الصحيح".

أولًا: شيوخه:
(1)
ترجم الشيخ المعلمي في "التنكيل" لأحمد بن عبد اللَّه بن حكيم أبي عبد الرحمن الفرياناني المروزي، رقم (23)، وقد قال هو في تعليقه على "الفوائد المجموعة" (ص 71): "تالف"، ثم قال (ص 354): "البخاري لا يمتنع في غير "الصحيح" عن الرواية عن الضعفاء؛ فقد روى عن أبي نعيم النخعي وهو كذاب، وعن الفرياناني وهو كذاب أيضًا".
كذا جزم المعلمي بكذبه مع أنه مال في "التنكيل" إلى أنه لم يجد ما تحصل به نسبته إلى ذلك، وأنه -مع ضعفه في الرواية- كان صدوقًا في الأصل.
وللفرياناني ترجمة في قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (53)، فراجعها.
والذي يُعنينا هنا هو بحث الشيخ المعلمي في "التنكيل" في مقتضى رواية البخاري عن الرجل.
قال رحمه الله: "قال الذهبي في "الميزان": وقد رأيت البخاري يروي عن الفرياناني في كتاب "الضعفاء".
أقول: في باب الإمام ينهض بالركعتين من "جامع الترمذي": قال محمد بن إسماعيل البخاري: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه شيئًا؛ لأنه لا يدرى صحيح حديثه من سقيمه وكُلُّ من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا.
(2/73)

والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله: "لا أروي عنه" أي بواسطة.
وقوله: "وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا". يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة، فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى؛ لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيرًا ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة.
وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يَرو عن أحدٍ إلا وهو يَرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقًا في الأصل؛ فإن الكذاب لا يمكن أن يُعرف صحيح حديثه.
فإن قيل: قد يُعرف بموافقته الثقات. قلت: قد لا يكون سمع، وإنما سرق من بعض أولئك الثقات.
ولو اعتدَّ البخاري بموافقة الثقات لروى عن ابن أبي ليلى، ولم يقل فيه تلك الكلمة؛ فإن ابن أبي ليلى عند البخاري وغيره صدوق، وقد وافق الثقات في كثير من أحاديثه، ولكنه عند البخاري: كثير الغلط، بحيث لا يؤمن غلطه حتى فيما وافق عليه الثقات.
وقريب منه من عُرف بقبول التلقين؛ فإنه قد يلقَّنُ من أحاديثِ شيوخه ما حدثوا به، ولكنه لم يسمعه منهم.
وهكذا: مَنْ يحدث على التوهم، فإنه قد يسمع من أقرانه عن شيوخه، ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه، فيرويها عنهم.
فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من [سقيمه] (1) لا يحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين:
__________
(1) في "التنكيل": شيوخه، كذا، وهو وهم.
(2/74)

- إما أن يكون الراوي ثقةً ثبتًا، فيُعرف صحيح حديثه بتحديثه.
- وإما أن يكون صدوقًا يغلط، ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى؛ كأن يكون له أصول جيِّدة؛ وكأن يكون غلطه خاصًا بجهةٍ؛ كيحيى بن عبد اللَّه بن بكير روى عنه البخاري، وقال في "التاريخ الصغير": "ما روى يحيى بن عبد اللَّه بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه" (1)، ونحو ذلك.
فإن قيل: قضية الحكاية المذكورة أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما هو عنده صحيح؛ فإنه إن كان يروي ما لا يرى صحته، فأيُّ فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيح حديثه من سقيمه؟! لكن كيف تصح هذه القضية مع أن في كتب البخاري غير "الصحيح" أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يَحكم هو نفسه بعدم صحتها؟!
قلت: أما ما نبَّه على عدم صحته فالخطب فيه سهل؛ وذلك بأن يُحمل كونه لا يروي ما لا يصح على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج، فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبين عدم صحته ويبقى النظر فيما عدا ذلك.
وقد يقال: إنه إذا رأى أن الراوي لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه تركه البتة؛ ليعرف الناس ضعفه مطلقًا، وإذا رأى أنه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه كما في: يحيى بن بكير.
وأما غير ذلك فإنه يروي ما عرف صحته وما قاربه أو أشبهه مبينًا الواقع بالقول والحال. والله أعلم.
__________
(1) عن تهذيب ابن حجر (11/ 238)، ومقدمة "الفتح" له (ص 475)، وقال هناك: "فهذا يدلك على أنه ينتقي حديث شيوخه، ولهذا ما أخرج عنه عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة، ومعظم ما أخرج عنه عن الليث ... ". وسبق التعرض لروايته في الصحيح.
(2/75)

(2)
وترجم المعلمي في "التنكيل" أيضًا لضرار بن صرد رقم (112)، وقد روى عنه البخاري في غير "الصحيح" قال: أما ضرار فروى عنه أبو زرعة أيضًا، وقال البخاري والنسائي: "متروك الحديث".
لكن البخاري روى عنه، وهُو لا يروي إلا عن ثقة كما صرح به الشيخ تقي الدين بن تيمية، ومَرَّ النظر في ذلك في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي عبد الرحمن الفرياناني.
والظاهر: التوسلى وهو أن البخاري لا يروي إلا عمن هو صدوق في الأصل يتميز صحيح حديثه من سقيمه كما صرح به في رواية الترمذي عنه.
فقوله في ضرار: "متروك الحديث" محمول على أنه كثير الخطأ والوهم، ولا ينافي ذلك أن يكون صدوقًا في الأصل يمكن لمثل البخاري تمييز بعض حديثه. اه.
وانظر ترجمة ضرار من القسم الأول؛ فإنها أتم مما هنا، واكتفيت هنا بموضع الحاجة منها، والله الموفق.
(3)
وترجم الشيخ لإسماعيل بن عرعرة بن البرند رقم (51)، وقد روى عنه البخاري في "التاريخ الصغير" قال: سمعت إسماعيل بن عرعرة يقول: قال أبو حنيفة ... فقال الكوثري: "بين إسماعيل وبين أبي حنيفة انقطاع، وإسماعيل هذا مجهول الصفة، لم يذكره أحد من أصحاب التواريخ التي اطلعنا عليها، حتى البخاري ... نعم له ذكر في كتاب "السنة" لعبد اللَّه بن أحمد في (ص 27، 154) بما يدل أنه بصري، معاصر لعباس بن عبد العظيم العنبري، وليس في هذا أدنى غَناء بعد أن عُلم أنه لم يرو أحد من أصحاب الأصول الستة عن ابن عرعرة هذا".
(2/76)

فقال الشيخ المعلمي
في "إكمال ابن ماكولا": (برند) أن لعرعرة (1) بن البرند البصري ابنًا اسمه: إسماعيل. وعرعرة ولد سنة (110)، ومات سنة (193)، فلا مانع أن يكون له ابنٌ أدرك أبا حنيفة ثم عاش حتمًا حتى أدركه البخاري.
وقد مَرَّ في ترجمة أحمد بن عبد اللَّه أبو عبد الرحمن أن البخاري لا يروي إلا عن صدوقٍ يتميز صحيح حديثه من سقيمه وقد يكون الرجل ثقةً مقلا من الرواية إنما يروي قليلا من الحكايات فلا يَعتني به أهل التواريخ، ولا يُحتاج إليه في الأمهات الست". اه.
(4)
وترجم لعبد اللَّه بن أُبَيٍّ الخوارزمي القاضي رقم (117)، وفيها نحو ما سبق في ترجمة إسماعيل بن عرعرة، فانظرها في مكانها من التراجم من هذا الكتاب.
(5)
ومثله في ترجمة إبراهيم بن شماس رقم (6).

ثانيًا: غير شيوخه:
قال الشيخ المعلمي في ترجمة القاسم بن محمد بن حميد المعمري من "التنكيل" رقم (180):
"وأخرج البخاري قصة ذبح "الجعد بن إبراهيم" من طريقه في كتاب "خلق أفعال العباد"، ورواية البخاري من طريقه تقويه كما مرّ في ترجمة أحمد بن عبد اللَّه أبو عبد الرحمن". اه.
__________
(1) في المطبوع من "التنكيل": عروة وهو خطأ من الطبع، وانظر "الإكمال" (1/ 252).
(2/77)

المبحث الثالث: البخاري وكتابه "التاريخ الكبير"
فيه مطلبان:
المطلب الأول: طريقة البخاري في إخراج كتابه "التاريخ الكبير"، ومنهجه في تصنيفه، والجواب المجمل عن الأوهام التي أوردها الرازيان ومن بعدهما الخطيب عليه فيه.
المطلب الثاني: إشارة البخاري أحيانًا إلى حال الرجل بإخراج شيء من حديثه في ترجمته من "التاريخ".
* * *
(2/78)

المطلب الأول
طريقة البخاري في إخراج كتابه "التاريخ الكبير" ومنهجه في تصنيفه والجواب المجمل على ما أُخذ عليه فيه
أشار إلى ذلك الشيخ المعلمي في مقدمة كتاب "موضح أوهام الجمع والتفريق"، فقال (ص 10):
"من اللطائف أن تاريخ البخاري مُثَلَّثٌ من ثلاث جهات:
الأولى: في مقدمة "فتح الباري" عنه: "لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت التاريخ"، ثم قال: "صنفته ثلاث مرات".
ومعنى هذا أنه بدأ فقيد التراجم بغير ترتيب، ثم كَرَّ عليها فرتبها على الحروف، ثم عاد فرتب تراجم كل حرف على الأسماء: باب: إبراهيم، باب: إسماعيل ... إلخ.
هذا هو الذي التزمه، ويزيد في الأسماء التي تكثر مثل: محمد وإبراهيم، فيرتب تراجم كل اسم على ترتيب الحروف الأوائل لأسماء الآباء ونحوها.
الجهة الثانية: في مقدمة "الفتح" أيضًا عنه: "صنفت جميع كتبي ثلاث مرات".
يعني والله أعلم أنه يصنف الكتاب ويخرجه للناس، ثم يأخذ يزيد في نسخته ويصلح، ثم يخرجه مرة ثانية، ثم يعود يزيد ويصلح، حتى يخرجه الثالثة، وهذا ثابت للتاريخ كما يأتي.
الجهة الثالثة: أن له ثلاثة تواريخ: الكبير، والصغير، والأوسط.
(2/79)

ومعرفة الجهتين الأوليين نافعة:
أما الثانية، فإن ما تقدم من كلام أبي زرعة وصالح بن محمد الحافظ، وما جمعه ابن أبي حاتم من المآخذ على البخاري كان بالنظر إلى النسخة التي أخرجها البخاري أولا، وبهذا يتضح السبب فيما ذكره الخطيب معترضا على ابن أبي حاتم، قال: "وحكى عنه -أي عن البخاري- في ذلك الكتاب أشياء [على الغلط] هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه".
فكلام ابن أبي حاتم كان بحسب النسخة التي أخرجها أولا، وكلام الخطيب بالنظر إلى النسخة التي أخرجها البخاري ثانيا، وهي رواية أبي أحمد محمد بن سليمان ابن فارس الدلال النيسابوري المتوفى سنة 312 ... (1).
في رواية ابن فارس هذه مواضع على الخطأ، وهي في رواية محمد بن سهل بن كردي عن البخاري على الصواب، انظر "الموضح"، الأوهام: 7، 9، 13 من أوهام البخاري مع تعليقي.
فظهر أن رواية ابن فارس مما أخرجه البخاري ثانيا؛ ورواية ابن سهل مما أخرجه ثالثا".
وأستطردُ هنا في النقل عن الشيخ المعلمي بما له تعلق بهذه الجهة فأقول:
__________
(1) وذكر المعلمي في حاشية "الموضح" (1/ 51) قضية استدل بها على أن: "البخاري أخرج التاريخ قديما، وأن رواية ابن فارس مما أخرجه قبل سنة 224 ".
وذكر كذلك في حاشية (ص 166): "أن ابن فارس إنما قرأ على البخاري من التاريخ إلى باب: فضيل". وما بعد ذلك فبالإجازة وقد نَبَّه الشيخُ المعلمي في حاشية "الموضح" (1/ 167) (1/ 174 - 175) (1/ 196) (1/ 198) وغيرها، على ما وقع لابن فارس من الخطأ من جَرَّاءِ أَخْذِهِ ذلك القَدْر بالإجازة بينما وقع لابن سهل على الصواب؛ لأنه أخذه سماعا، فراجعه إن شئت.
(2/80)

قال المعلمي في مقدمة تحقيقه لكتاب "بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه" لابن أبي حاتم الرازي:
"موضوع الكتاب على التحديد بيانُ ما وقع من خطأ أو شبهه في النسخة التي وقف عليها الرازيان من "تاريخ البخاري"، والشواهد تقضي أن أبا زرعة استقرأ تلك النسخة من أولها إلى آخرها، ونبه على ما رآه خطأ أو شبهه مع بيان الصواب عنده، وترك بياضا في مواضع، ثم تلاه أبو حاتم، فوافقه تارة وخالفه أخرى، واستدرك مواضع.
وإذ كان البخاري والرازيان من أكابرِ أئمةِ الحديث والرواية وأوسعِهم حفظًا، وأثقبِهم فهمًا، وأسدّهم نظرًا، فمن فائدة هذا الكتاب أنَّ كُلَّ ما في التاريخ مما لم يعترضْهُ الرازيان فهو على ظاهره من الصحة بإجماعهم، ومثلُه -بَلْ أَوْلىَ- ما ذكرا أنه الصواب وحكيا عن التاريخ خلافَه والموجود في نسخ التاريخ ما صَوَّباه.
ومن فائدته بالنظر إلى المواضع التي هي في نسخ التاريخ على ما حكياه وذكرا أنه خطأ: معرفةُ الخلاف؛ ليجتهد الناظرُ في معرفة الصواب، وكثيرٌ من ذلك لم ينبه عليه في الجرح والتعديل ولا غيره فيما علمتُ.
النظر في تعقبات الرازييْن:
وجدتُ المواضعَ المتعقَّبَةَ على أضربٍ:
الأول: ما هو في التاريخ على ما صوَّبَهُ الرازيان، لا على ما حكياه عنه وخَطَّآهُ، وهذا كثيرٌ جدًّا، لعله أكثر من النصف، وقد ذكرتُ في مقدمة "الموضح" أن البخاري أخرج التاريخ ثلاث مرات، وفي كل مرة يزيد وينقص ويصلح، واستظهرتُ أن النسخة التي وقعت للرازييْن كانت مما أخرجه البخاري لأول مرة، وهذا صحيح، ولكني بعد الاطلاع على هذا الكتاب علمت أنه لا يكفي لتعليل ما
(2/81)

وقع فيه من هذا الضرب لكثرته، ولأن كثيرًا منه يبعد جدًّا أن يقع من البخاري بعضه فضلًا عن كثيرٍ منه، وتبين لي أن معظم التبعة في هذا الضرب على تلك النسخة التي وقعت للرازيين، وعلى هذا فوق ما تقدم شاهدان:
الأول: أن الخطيب ذكر في "الموضح" (ج 1 ص 7) هذا الكتاب ثم قال: "وقد حكى عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه" وقد وقف الخطيب على عدة نسخ من التاريخ مختلفة الأسانيد إلى البخاري.
والثاني: أن أبا حاتم -وهو زميل أبي زرعة، ولابد أن يكون قد اطلع على تلك النسخة، وعرف حالها- يقول في مواضعَ كثيرة من هذا الكتاب: "وإنما هو غلط من الكاتب"، أو نحو هذا، راجع رقم 10، 31، 42، 66، 89، 210، 229، 230، 239، 404، 460، 472، 609، يعني أن الخطأ فيها ليس من البخاري ولا ممن فوقه، وإنما هو من كاتب تلك النسخة التي حكى عنها أبو زرعة، وثَمَّ مواضع أكثر مما ذكره الحملُ فيها على الكاتب أوضحُ.
قد يُعترض هذا بما في أولِ هذا الكتاب عن أبي زرعة: "حَمل إليَّ الفضلُ بنُ العباس المعروف بالصائغ كتابَ "التاريخِ"، ذكر أنه كتبه من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري، فوجدت فيه ... " والفضل بن العباس الصائغ حافظٌ كبيرٌ يبعد أن يخطىءَ في النقل ذاك الخطأ الكثير، وقد ذكر أنه كتب من كتاب البخاري، والظاهر أنه يريد به نسخة البخاري التي تحت يده والأوْجُهُ التي تُحملُ التبعةُ على تلك النسخة توجب أحدَ أمرين:
الأول: أن يكون الفضل بن العباس حين نَقل النسخة لما يستحكم علمه، وقد تكون نسخة البخاري حين نقل منها لا تزال مسودة، فنقل ولم يسمع ولا عرض ولا قابل.
(2/82)

الثاني: أن تكون كلمة "كتاب محمد بن إسماعيل" في عبارة أبي زرعة لا تعني نسخة البخاري التي تحت يده، وإنما تعني مُؤَلَّفَهُ الذي هو التاريخ، وتكون النسخةُ التي نقل منها الصائغُ نسخةً لبعضِ الطلبة غير محررة، وإنما نُقلت عن نسخةٍ أخرى، مع جهل الكاتب، ولم يسمع ولا عرض ولا قابل.
الضرب الثاني: ما اختلفت فيه نسخ التاريخ، ففي بعضها كما حكاه أبو زرعة وخَطَّأَهُ، وفي بعضها كما ذكر أنه الصواب، والأمر في هذا محتمل، وموافقة بعض النسخ للنسخة التي وقف عليها أبو زرعة لا تكفي لتصحيح النسبة إلى البخاري، ولاسيما ما يكثر فيه تصحيف النساخ؛ كاسم: "سعر" يتوارد النساخ على كتابته: "سعد".
الثالث: ما وقع في الموضع الذي أحال عليه أبو زرعة كما حكاه، وفي موضع آخر من التاريخ على ما صَوَّبَهُ، وهذا قريب من الذي قبله، لكن إذا حكى البخاري كلًّا من القولين من وجهٍ غير وجه الآخر، فالخلاف من فوق. وقد يذكر البخاري مثل هذا ويرجح تصريحًا أو إيماء، وقد يسكت عن الترجيح، ولا يعد هذا خطأ، والبخاري معروف بشدة التثبت.
الرابع: ما هو في التاريخ على ما حكاه أبو زرعة وخَطَّأَهُ، ولا يوجد فيه كما صوبه، والأمر في هذا أيضًا محتمل، ولاسيما في المواضع التي تنفرد نسخة واحدة من التاريخ، وفي المواضع التي يغلب فيها تصحيف النساخ، وما صحت نسبته إلى البخاري من هذا، فالغالب أنه كذلك سمعه، فإن كان خطأ فالخطأ ممن قبله، وما كان منه يكون أمره هينًا، كالنسبة إلى الجد، فإن أبا زرعة يعدها في جملة الخطأ، وقد دفع ذلك أبو حاتم في بعض المواضع - راجع رقم 36، 92، وقد يكون الصواب مع البخاري وأخطأ أبو زرعة في تخطئته، وقد قضى أبو حاتم بذلك في مواضع، منها ما هو مصرح به في هذا الكتاب، ومنها ما يعلم من الجرح والتعديل - راجع رقم (11، 32، 33، 44، 49).
(2/83)

وبالجملة، فقد استقرأتُ خمسين موضعًا من أول الكتاب، فوجدته يتجه نسبة الخطأ إلى أبي زرعة في هذه المواضع الخمسة، ولا يتجه نسبة الخطأ على البخاري نفسه إلا في موضع واحد، هو رقم 25، ذكر رجلا ممن أدركه، سماه محمدا، وقال الرازيان وغيرهما: اسمه أحمد.
حكم الخطأ هنا:
من الناس من عرف طرفا من علم الرواية ولم يحققه، فسمع أن كثرة خطأ الراوي تخدش في ثقته، فإذا رأى هنا نسبة الخطأ إلى البخاري أو أبي زرعة، تَوَّهَمَ أن هذا الخطأ من جنس ذاك، ومن الناس من يعرف الحقيقة ولكنه يتجاهلها لهوًى له، والحقيقة هي أن غالب الخطأ الذي تتجه نسبته إلى البخاري نفسه أو إلى أبي زرعة إنما هو من الخطأ الاجتهادي الذي يوقع فيه اشتباهُ الحال وخفاء الدليل، وما قد يكون في ذلك مما يسوغ أن يعد خطأ في الرواية، فهو أمر هين لا يسلم من مثله أحد من الأئمة، وعلى كل حالٍ فليس هو بالخطأ الخادش في الثقة". اه.
ثم أستكمل نقل كلام الشيخ المعلمي في مقدمة "الموضح"، إذ يقول:
"وأما الجهة الأصلى فيتعلق بها اصطلاحات للبخاري:
الأول: أنه حيث يرتب الأسماء الكثيرة بحسب أوائل أسماء الآباء يتوسع، فيعد كل لفظ يقع بعد: "فلان بن" بمنزلة اسم الأب، ويزيد على ذلك فيمن لم يذكر أبوه، فيعد اللفظ الواقع بعد الاسم كاسم الأب، فمن ذلك: "عيسى الزرقي"، ذكره فيمن اسمه: عيسى، وأول اسم أبيه: زاي، وهكذا: "مسلم (1) الخياط" فيمن اسمه: "مسلم" وأول اسم أبيه: خاء.
__________
(1) في الموضع المشار إليه من المقدمة: "أسلم" وهو خطأ، راجع: "التاريخ الكبير" (7/ 260).
(2/84)

الثاني: أنه إذا عرف اسم الرجل على وجهين، يقتضي الترتيب وضعه بحسب أحدهما في موضع، وبحسب الآخر في آخر ترجمة في الموضعين.
فمن ذلك شيخه: محمد بن إسحاق الكرماني، يعرف أيضًا ب: محمد بن أبي يعقوب، ذكره في موضعين من المحمدين، فقال في المجلد الأول رقم 66: "محمد بن إسحاق هو ابن أبي يعقوب الكرماني مات سنة 224 " وقال في رقم 858: "محمد بن أبي يعقوب أبو عبد اللَّه الكرماني ... ".
ومن ذلك: عبد اللَّه بن أبي صالح ذكوان، يقال لعبد اللَّه: "عباد"، فذكره البخاري في باب: "عبد اللَّه" وفي باب: "عباد".
وكلامه في الموضعين وفي ترجمة صالح بن أبي صالح ذكوان صريح في أنه لم يلتبس عليه.
... فهذا هو اصطلاحه ... وصنيعُ البخاري على كُلِّ حالٍ ليس بوهم، ولكن الخطيب يَعُدُّ هذه أوهاما، انظر "الموضح": الوهم 2، 42، 55 من أوهام البخاري، ولم يكتفِ بذلك، بل فضل هذه المواضع بمزيد من التشنيع، وتشنيعُه عائدٌ عليه كما لا يخفى (1).
__________
(1) من ذلك قول الخطيب في الوهم العشرين (1/ 75): "وقد وهم البخاري ... وأخطأ خطأ قبيحا ... "، فقال المعلمي في الحاشية:
"لم يكن للخطيب بحالٍ أن يَزِلَّ قلمُه بهذه الكلمة، فكيف ولم يقع من البخاري وهمٌ ولا خطأ، وإنما الخطأ من نسخة الخطيب، ثم منه ... ".
ويقول الخطيب في الوهم الخامس والخمسين: " ... وهذا أطرف الأشياء من البخاري ... والخطأُ في فِعله هذا ظاهرٌ، يُغني عن الإسهاب فيه، والله يغفر لنا وله".
فأجاب الشيخ المعلمي عمَّا زعمه الخطيب وهما، ثم قال:
"والأمر في ذلك ظاهر، فلا وَهْمَ البتة، ولا ما يُسَوِّغُ أن يقال فيه: أطرف الأشياء ... خطأ ظاهر، غفر الله للجميع". اه.
وقد رَدَّ الشيخُ المعلمي إلى الخطيب قولَهُ: "وهذا أطرف الأشياء" مشيرا إلى أن الخطيب قد وضعها =
(2/85)

الاصطلاح الثالث: (وقد نبهت عليه في تعليقاتي على التاريخ 2/ 1 / 269 رقم 1001) وهو:
أن البخاري إذا وجد من وُصِفَ بوصفين، وكان محتملا أن يكون واحدا وأن يكون اثنين، فإنه يَعقدُ ترجمتين، فإن لم يمنعه مقتضى الترتيب الذي التزمه من قَرْنهما قَرَنَهُما؛ كي يسهل فيما بَعْدُ جعلُهما ترجمة واحدة إذا تبين له، أو الإشارة القريبة البينة إذا قوي ذلك ولم يتحقق، كأن يزيد في الثانية: "أُراه الأول".
ولما جرت عادتُه بهذا، صار القَرْنُ في مواضع الاحتمال كالإشارة إليه والتنبيه عليه.
أما إذا لم يسمح مقتضى الترتيب بالقرن فإنه يضع كلا من الترجمتين في موضعهما، ويشير إشارة أخرى، وقد يكتفي بظهور الحال، انظر "الموضح": 6، 12، 14، 15، 38، 55 من أوهام البخاري.
وكثير من المواضع التي لم يقض فيها دليل الخطيب على أحد الاحتمالين غير كافٍ للجزم بحسب تحري البخاري وتثبته، وما كان كافيا للجزم، فلا يليق أن يسمى توقف البخاري وهما.
هذا وللبخاري: ولوعٌ بالاجتزاء بالتلويح عن التصريح، كما جرى عليه في مواضع من "جامعه الصحيح"؛ حرصا منه على رياضة الطالب، واجتذابا له إلى التنبه والتيقظ والتفهم.
__________
= هنا في غير موضعها؛ ففي الوهم التاسع والستين، وقع في نسخة الخطيب من "التاريخ" خطأ في اسم رجل وقع في إسنادٍ سيق في ترجمة رجل آخر، وقد ذكر الخطيب أنه وقع على الصواب في الترجمة الأصلية لذاك الآخر، ومع ذلك قال (1/ 206): "وقول البخاري ... وهم"، فقال الشيخ المعلمي: "يحمل خطأ نسخته في هذا الموضع على البخاري ... وهذا أطرف الأشياء من الخطيب، [ال] كلمة التي وضعها غير موضعها في الوهم 55 ". اه.
(2/86)

قدمت هذا الفصل هنا لأحيل عليه في التعليقات كما ستراه، وترى بقية الأجوبة عن أكثر القضايا التي سماها الخطيب أوهاما.
ومما يجب التنبه له أن المزي وابن حجر وغيرهما قد يقلدون الخطيب، ويذكرون أن البخاري وهم، ولا يبينون شيئا مما بينته ولا يذكرون ما استدل به الخطيب.
فمن الواجب على كل من يريد التحقيق في علوم الحديث تحصيلُ هذا الكتاب؛ ليتبينَ له الحالُ في تلك المواضع وغيرها، مع الوقوف على الأدلة، وما لها وما عليها، ويَعرف ما يتعلق بهذا الفن الخاص؛ ليُحَصِّلَ فوائدَهُ التي تقدمت الإشارةُ إليها، مع فوائدَ أخرى جزيلة لهذا الكتاب، واللَّه الموفق". اه.
وفي حاشية "الموضح" (1/ 26) قال الشيخ المعلمي:
"نُسخةُ الخطيب كما بَيَّنَهُ في صَدْرِ هذه الأوهام ترجع إلى رواية ابن فارس، وهي متقدمة عن نسخة ابن سهل، فنسخة ابن سهل هي المعتمدة عند الاختلاف، واللَّه الموفق". اه.
يشير الشيخ المعلمي إلى قول الخطيب عند ذكر أول وَهَمٍ:
"فمن أوهام البخاري في الجمع والتفريق أنه قال في تاريخه الكبير الذي يرويه عنه أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس الدلال النيسابوري ... ".
لكن يقول الشيخ المعلمي في تلك الحاشية (1/ 33):
" ... وهذا مما يدل على أن رواية ابن سهل هي المتأخرة، وقد كانت عند الخطيب نسخة منها، سينقل عنها فيما يأتي، فلا أدري لماذا لم يلتزم مراجعتها في جميع المواضع".
يشير الشيخ المعلمي إلى ما ذكره الخطيب في الوهم الثامن عشر والوهم السابع والثلاثين من "الموضح".
(2/87)

المطلب الثاني
إشارة البخاري أحيانًا إلى حال الرجل بإخراج شيء من حديثه في ترجمته من "التاريخ"
(1)
في "الفوائد" (ص 179): حديثٌ في فضل التمر البرني، له طرق واهية، منها ما في إسناده عقبة بن عبد اللَّه الأصم الرفاعي البصري، قال ابن حبان: عقبة بن عبد اللَّه الأصم ينفرد بالمناكير عن المشاهير.
قال السيوطي: "روى له الترمذي، وقد أخرجه البخاري في "التاريخ"، والبيهقي في "الشعب"، وصحَّحه المقدسي. وأخرجه من حديث أبي سعيد: أبو نعيم في الطب، والحاكم في "المستدرك" فالحكم بوضعه مجازفة".
فقال الشيخ المعلمي: "بل المجازفة في هذا الكلام؛ فإن ألفاظ الخبر مختلفة، ومنها ما ينادي على نفسه بالوضع، وإخراج البخاري في "التاريخ" لا يفيد الخبر شيئا، بل يضره؛ فإن من شأن البخاري أن لا يخرج الخبر في "التاريخ" إلا ليدل على وَهَن راويه.
وتصحيح المقدسي لرواية عقبة الأصم مع ضعفه، وتدليسه، وتفرده، وإنكار المتن مردود عليه.
أما حديث أبي سعيد ففي سنده من لا يُعرف، ولم يصححه الحاكم، وإنما قال: "أخرجناه شاهدًا". اه.
(2/88)

في "الفوائد" (ص 350) حديث أسماء بنت عميس: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُوحَى إليه ورأسُه في حِجْرِ عَلِيٍّ، فلم يُصَلِّ العصر حتى غربت الشمس ... " وهو حديث ردّ الشمس لعلي ليدرك صلاة العصر.
فَوَهَّنَهُ الشيخ المعلمي وحكى استنكار أكثر أهل العلم له، وبيَّن وجوه هذا الاستنكار.
ذكر مِنْ طُرقه: ما رواه فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن (1)، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس. وقيل: عن فضيل عن إبراهيم عن فاطمة بنت علي عن أسماء.
وقال الشيخ المعلمي في التعليق على هذا الإسناد:
"إبراهيم لا يكاد يُعرف بالرواية، إنما يذكر عنه هذا الخبر، وخبرٌ آخر رواه عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ مرفوعًا: "يظهر في آخر الزمان قومٌ يُسَمَّوْن الرافضة، يرفضون الإسلام" أُخرج في "زوائد مسند" أحمد، الحديث (808)، وذكره البخاري في "التاريخ" في ترجمة إبراهيم (2)، وفي ذلك إشارة إلى أن الحمل فيه عليه، وذكره الذهبي في "الضعفاء" (3).
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" كأنه بنى على أن هذين الخبرين لا يثبتان عنه فبقي عنده على أصل العدالة بحسب قاعدته". اه.
__________
(1) هو إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أخو عبد الله بن الحسن الهاشمي.
(2) (1 / ت 897).
(3) "ديوان الضعفاء" (ص 9)، وهو مترجم أيضًا في "اللسان" (1/ 47)، و"تعجيل المنفعة" (1/ 256) وغيرهما.
(2/89)

المبحث الرابع: اصطلاح البخاري في بعض عبارات الجرح
أولاً: قوله: "فيه نظر"، "سكتوا عنه"، "منكر الحديث":
قال الشيخ المعلمي في ترجمة: إسحاق بن إبراهيم الحنيني (42):
"ذكروا أن البخاري يقول: "فيه نظر"، أو"سكتوا عنه" فيمن هو عنده ضعيف جدًّا، قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص 161): "وكثيرًا ما يعبر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها" ولم يقل البخاري في الحنيني: "فيه نظر" إنما قال: "في حديثه نظر" وبينهما فرق؛ فقوله: "فيه نظر" تقتضي الطعن في صدقه، وقوله: "في حديثه نظر" تشعر بأنه صالح في نفسه، وإنما الخلل في حديثه لغفلةٍ أو سوءِ حفظٍ ... والمقصود هنا أن الحنيني كان صالحا في نفسه، وقد سقنا شواهد ذلك، فأما حديثه فكلمة البخاري تقتضي أنه مطرح لا يصلح حتى للاعتبار ... ". اه. المعلمى.
قال أبو أنس:
أزيد هنا فأقول:
• قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (12/ 439): "وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا.
قلت: صدق رحمه الله، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه؛ فإنه أكثر ما يقول: "منكر الحديث"، "سكتوا عنه"، "فيه نظر" ونحو هذا، وقَلَّ أن يقول: "فلان كذاب"، أو "كان يضع الحديث"،
(2/90)

حتى إنه قال: إذا قلت: "فلان في حديثه نظر" فهو مُتَّهَمٌ واهٍ (1)، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني اللَّه أني اغتبت أحدا، وهذا هو واللَّه غاية الورع". اه.
• وقال في ترجمة: عبد اللَّه بن داود الواسطي التمار من "الميزان" (4296):
"وقد قال البخاري: فيه نظر، ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالبا". اه.
• وفي ترجمة: إبراهيم بن يزيد الخوزي من "الكامل" لابن عدي (1/ 226):
"سمعت محمد بن أحمد بن حماد -يعني الدولابي- يقول: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري: إبراهيم بن يزيد أبو إسماعيل الخوزي المكي، سكتوا عنه يروي عن عمرو بن دينار. قال ابن حماد: يعني سكتوا عنه: تركوه". اه.
• وقال المزي في ترجمة: عبد الكريم بن أبي المخارق من "تهذيب الكمال" (18/ 265): "قال الحافظ أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي: بَيَّنَ مسلمٌ جَرْحَهُ في صَدْر كتابه، وأما البخاري فلم يُنَبِّهْ من أمره على شيء، فدل أنه عنده على الاحتمال؛ لأنه قد قال في "التاريخ": كل من لم أُبَيِّنْ فيه جُرْحَةً فهو على الاحتمال، وإذا قلت: "فيه نظر" فلا يحتمل". اه.
وقد أهمل ابن حجر هذا النقل في "تهذيب التهذيب" (6/ 379)، ونقله العراقي في "البيان والتوضيح" (ص 144).
لكن في "تهذيب التهذيب" (6/ 290) نقل ابن حجر في ترجمة: عبد الرحمن بن هانىء أبي نعيم النخعي، قولَ البخاري فيه: "فيه نظر، وهو في الأصل صدوق"، فتعرض الشيخ المعلمي لهذه العبارة في "التنكيل" (1/ 288) بقوله: "وكلمة: "فيه
__________
(1) هكذا لم يفرق الذهبي بين قول البخاري: "فيه نظر" و"في حديثه نظر".
(2/91)

نظر" معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري، لكن تعقيبه هنا بقوله: "وهو في الأصل صدوق" يخفف من وطأتها". اه.
قال أبو أنس:
تُنظر ترجمة أبي نعيم هذا في قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (450)، والأكثر على ضعفه، لكن روى عنه البخاري في "التاريخ" كما قال المزي.

ثانيا: قوله: "لم يصح حديثه"، "في إسناده نظر"، "يتكلمون في إسناده":
• في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (2/ 345) ترجمة الأخنس، روى عن ابن مسعود، روى عنه ابنه بكير بن الأخنس. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي ينكر على من أخرج اسمه في كتاب "الضعفاء" ويقول: لا أعلم روى عن الأخنس إلا ما روى أبو جناب يحيى بن أبي حية الكوفي، عن بكير بن الأخنس، عن أبيه. فإن كان أبو جناب لين الحديث، فما ذنب الأخنس والد بكير؟ وبكير ثقة عند أهل العلم!
فعلق الشيخ المعلمي على هذه الترجمة في حاشية الجرح بقوله:
"الذي ذكره في "الضعفاء": البخاري قال -كما في "الضعفاء الصغير": (لم يصح حديثه)، وفي هذا تنبيه على أن الحمل على غيره، وكذلك ذكر البخاري في "الضعفاء": هند بن أبي هالة، وهو صحابي، وقال: (يتكلمون في إسناده)، فهذا اصطلاح البخاري يذكر في "الضعفاء" من ليس له إلا حديث واحد لا يصح على معنى أن الرواية عنه ضعيفة، ولا مشاحة في الاصطلاح".
هذا آخر ما وقع اختياره مما يتعلق بالبخاري في هذا الموضع من ترجمته، وفيه أمور أخرى تأتي في ثنايا القسم الآتي من هذا الكتاب، والله تعالى الموفق.
* * *
(2/92)

مسلم بن الحجاج
(ت 261 ه)
(2/93)

تنقسم النكت المتعلقة بمسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" إلى سبعة مطالب:
المطلب الاول: منهجه في انتقاء رجال "صحيحه" وكيفية إخراجه لأحاديثهم، أو شرطه في رجال "صحيحه".
المطلب الثاني: الرواة المتكلم فيهم داخل "صحيحه".
المطلب الثالث: هل مجرد عدم إخراج مسلم للرجل في "الصحيح" يقتضي ضعفه أو لينه عنده؟
المطلب الرابع: هل عدم إخراج مسلم للرجل في الأصول يقتضي أنه لا يحتج به عنده؟
المطلب الخامس: الأحاديث المنتقدة داخل "الصحيح".
المطلب السادس: منهج مسلم في عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين.
المطلب السابع: منهج مسلم في ترتيب أحاديث الباب.
* * *
أما الخمسة الأُول فتراجع نظائرها في ترجمة الإمام البخاري السابقة، فهما يشركان في أصل تلك المباحث، وقد ألممنا بشيء منها، ويأتي شيءآخر أثناء عرض المطلب الآتي.
وأما المطلب السادس فقد عرضتُه بشيء من التوسع في المبحث الخاص بشرط الاتصال من القسم الثالث من هذا الكتاب، أوردتُّ كلام العلامة المعلمي في هذا الصدد، وأتبعتُه ببعض الملاحظات والتعقبات على ذلك، ثم زدتُّ فصلا في ذِكر
(2/95)

مُجمل النِّكات التي ظهرت لي في هذه القضية، وذلك من خلال جواب وضعته على كتاب "إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين" للدكتور/ حاتم العوني.
أما هنا فأتناول المطلب الأخير، وهو المتعلق بمنهج مسلم في ترتيب أحاديث الباب.
وبالله تعالى التوفيق، ومنه أستمد العون.
* * *
(2/96)

المطلب السابع
منهج مسلم في ترتيب روايات الحديث في الباب الواحد
• تناول الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 28 - 29) قصة تأبير النخل، فقال:
"أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث طلحة قال: "مررت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوم على رءوس النخل. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه؛ يجعلون الذَّكَرَ في الأنثى فيلقح. فقال رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: ما أظن يغني ذلك شيئًا. قال: فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن اللَّه شيئًا فخذوا به؛ فإني لن أكذب على اللَّه عز وجل".
ثم أخرجه عن رافع بن خديج وفيه: "فقال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا، فتركوه فنقضت ... فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. قال عكرمة: أو نحو هذا".
ثم أخرجه عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس ... وفيه: "فقال: لو لم تفعلوا لصلح". وقال في آخره: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوَّتها: يقدم الأصح فالأصح.
قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث طلحة: "ما أظن يغني ذلك شيئًا إخبار عن ظنه، وكذلك كان ظنه، فالخبر صدق قطعًا، وخطأ الظن ليس كذبًا وفي معناه قوله في حديث رافع: "لعلكم ... " وذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في رواية حماد؛ لأن حمادًا كان يخطىء.
(2/97)

وقوله في حديث طلحة: "فإني لن أكذب على اللَّه" فيه دليل على امتناع أن يكذب على الله خطأ؛ لأن السياق في احتمال الخطأ، وامتناعه عمدًا معلوم من باب أولى، بل كان معلومًا عندهم قطعًا". اه.
• وقال الشيخ في "التنكيل" (2/ 257 - 258) في باب تنزيه الأنبياء عن الكذب:
"فأما الخطأ فلا ريب أن الأنبياء قد يخطىء ظنهم في أمور الدنيا، وأنهم يحتاجون إلى الإخبار (1) بحسب ظنهم إذا احتاجوا إلى ذلك فإنما يخبر أحدهم بأنه يظن وذلك -كما تقدم- صدق حتى على فرض خطأ الظن.
فمن ذلك ما جاء في قصة تأبير النخل؛ نشأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة وليست بأرض نخل، ورأى عامة الأشجار تثمر ويصلح ثمرها بغير تلقيح، فلا غرو ظنَّ أن الشجر كلها كذلك، فلما ورد المدينة مرَّ على قوم يؤبرون نخلا فسأل فأخبروه فقال: "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، وفي رواية: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا". فتركوه فلم يصلح فبلغه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن اللَّه شيئًا فخذوا به؛ فإني لن أكذب على اللَّه".
وفي رواية: لا إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. أو كما قال".
أخرج مسلم الرواية الأولى من حديث طلحة بن عبيد الله، والثانية من حديث رافع بن خديج، ثم أخرج من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة وعن ثابت، عن أنس: القصة مختصرة وفيها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لو لم تفعلوا لصلح". وحماد على فضله كان يخطىء فالصواب ما في الروايتين الأوليين.
__________
(1) في "التنكيل": "الأخبار" بفتح الهمزة، وهو خطأ.
(2/98)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به؛ فإني لن أكذب على الله"، و"إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به" واضح الدلالة على عصمته -صلى الله عليه وسلم- من الكذب خطًا فيما يخبر به عن الله وفي أمر الدين. اه.
قال أبو أنس:
قضية ترتيب مسلم روايات الحديث بحسب القوة قد تعرض لها مسلم في مقدمة "صحيحه"، نورد نصه في ذلك، ثم نعرج على كلام أهل العلم حيال كلامه هناك، ثم نذكر طرفا مما وقفنا عليه من الفوائد المتعلقة بهذه القضية.
قال الإمام مسلم: في مقدمة "صحيحه" (ص 4):
" ... ثم إنا -إن شاء الله- مبتدئون في تخريج ما سألتَ وتأليفِه على شريطةٍ سوف أذكرها لك، وهو أنا نعمد إلى جملةِ ما أُسند من الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، على غير تكرار، إلا أن يأتي موضعٌ لا يُستغنى فيه عن ترداد حديثٍ فيه زيادةُ معنًى، أو إسنادٌ يقع إلى جنب إسناد، لِعلةٍ تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديثٍ تام، فلابد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عَسُر من جملته، فإعادته بهيئته إذا ضاق ذلك أسلمُ، فأما ما وجدنا بدا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه فلا نتولى فعله إن شاء الله.
فأما القسمُ الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهلَ استقامةٍ في الحديث وإتقانٍ لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليطٌ فاحش، كما قد عُثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم.
(2/99)

فإذا نحن تقصَّينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم -وإن كانوا فيما وصفنا دونهم- فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم من حُمَّال الآثار، ونُقَّال الأخبار -فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين- فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة، وخصلة سنية.
ألا ترى أنك إذا وازنتَ هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم: عطاء، ويزيد، وليثا ب: منصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد في إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتَّهم مباينين لهم لا يدانونهم، لا شك عند أهل العلم بالحديث في ذلك للذي استفاض عندهم من صحة حفظ منصور، والأعمش، وإسماعيل، وإتقانهم لحديثهم، وأنهم لم يَعرفوا مثل ذلك من عطاء، ويزيد، وليث.
وفي مثل مَجْرى هؤلاء إذا وازنتَ بين الأقران، كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبي جميلة وأشعث الحمراني، وهما صاحبا الحسن وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البَوْن بينهما وبين هذين بعيدٌ في كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم، ولكن الحال ما وصفنا من المنزلة عند أهل العلم.
وإنما مَثَّلْنا هؤلاء في التسمية ليكون تمثيلُهم سمةً يصدر عن فهمها من غَبِيَ عليه طريقُ أهل العلم في ترتيب أهله فيه فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطى كل ذى حق فيه حقه وينزل منزلته.
(2/100)

وقد ذُكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ننزل الناس منازلهم" مع ما نطق به القرآن من قول الله تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.
فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألتَ من الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم، كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار.
وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضًا عن حديثهم.
وعلامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفتْ روايتُه روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجورَ الحديث، غيرَ مقبولِه ولا مستعملِه.
فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح ابن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعُمر بن صُهبان، ومَن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به؛ لأن حُكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قُبلت زيادته.
(2/101)

فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنن لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروى عنهما، أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في "الصحيح" مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم.
قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفق لها، وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى". انتهى كلام الإمام مسلم.
قال أبو أنس:
قد فهم الحاكم من قول مسلم في مقدمته ما يلي:
"أنه يفرد لكل طبقة كتابا، ويأتي باحاديثها خاصة مفردة، وأن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وأنه إنما ذكر القسم الأول".
ووافقه تلميذه الحافظ البيهقي (1).
وناقشه القاضي عياض: فقال:
"هذا الذي تأوله أبو عبد الله الحاكم على مُسْلم من اخترام المنية قبل استيفاء غرضه مما قَبِلَهُ الشيوخ، وتابعه عليه الناسُ في أنه لم يُكْمِلْ غرضه إلا من الطبقة الأولى، ولا أدخل في تأليفه سواها".
__________
(1) نقله القاضي في شرحه ل "صحيح" مسلم. "الإكمال" (1/ 19 / 1).
(2/102)

وأنا أقول: إن هذا غير مُسَلَّم لمن حقَّق نظره، ولم يتقيد بتقليد ما سمعه، فإنك إذا نظرتَ تقسيمَ مُسْلم في كتابه الحديثَ كما قال على ثلاث طبقات من الناس، فذكر أن القسمَ الأولَ حديثُ الحفاظ، ثم قال بأنه إذا تقصَّى هذا أَتْبَعَهُ بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطي العلم، وذكر أنهم لاحقون بالطبقة الأولى، وسمَّى أسماء من كل طبقة من الطبقتن المذكورتين، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع أو اتفق الأكثر على تهمته، وبقي من اتهمهم بعضُهم وصححه بعضهم فلم يذكره هنا.
ووجدته: قد ذكر في أبواب كتابه وتصنيفِ أحاديثه حديثَ الطبقتين الأوليين التي ذكر في أبوابه، وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التي سماها وحديثها، كما جاء بالأولى، على طريق الإِتْباع لأحاديث الأولى والاستشهاد بها، أو حيث لم يجد في الكتاب للأولى شيئا، وذكر أقواما تكلم قوم فيهم وزكَّاهم آخرون، وخرج حديثهم ممن ضعف أو اتهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري.
فعندى أنه قد أَتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذَكر ورتَّب في كتابه وبيَّنَهُ في تقسيمه، وطرح الرابعة كما نص عليه (1)، فتأوَّل الحاكمُ أنه إنما أراد أن يُفرد لكل طبقة كتابا، ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة، وليس ذلك مراده، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه وبأن من غرضه أن يجمع ذلك في الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين، فيبدأ بالأولى ثم يأتي بالثانية على طريقة الاستشهاد والإتباع، حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة، ويحتمل أن يكون أراد الطبقات الثلاث من الناس الحفاظ، ثم الذين يلونهم، والثالثة هي التي طرحها (2) والله أعلم بمراده.
__________
(1) مسلم إنما قسَّم الرواة ثلاثة أقسام وثلاث طبقات، وطرح أحاديث الثالثة، هذا ما صرَّح به.
(2) هذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
(2/103)

وكذلك أيضًا عِلَل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها: قد جاء بها في مواضعها من الأبواب؛ من اختلافهم في الأسانيد، والإرسال والإسناد، والزيادة والنقص، وذكر تصاحيف المصحفين، وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه وإدخاله في كتابه كما وعد به.
وقد فاوضتُ في تأويلي هذا ورأيي فيه مَن يفهم هذا الباب، فما وجدت منصفا إلا صوَّبه وبأن له ما ذكرتُ، وهو ظاهرٌ لمن تأمَّل الكتابَ وطالع مجموعَ الأبواب، والله الموفق للصواب.
ولا يعترض على هذا ما نقلتُ عن ابن سفيان من أن مسلما خرج بثلاث كتب، فإنك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله تجده كذلك إن شاء الله". اه.
ثم قال -شارحا لقول مسلم: "وسنزيد إن شاء الله شرحا وإيضاحا ... "-:
"قيل: هذا الكلام الذي وعد به ليس منه شيء في الكتاب، وأنه مما اخترمته المنية قبل جمعه، إذ ما أدخله في كتابه من "الصحيح" المتفق عليه ليس يحتاج إلى شيء من الكلام عليه؛ لعلو رتبته، وقلة غلط رواته؛ وحفظهم وإتقانهم، وقد قدمنا الكلام عليه، وأنه قد ذكره في أبواب". اه. كلام القاضي.
وقد نقل النووي في شرح "صحيح" مسلم عن القاضي قوله في بعض أحاديث "الصحيح": "هذا الإسناد من الأحاديث المعللة في كتاب مسلم التي يبين مسلم علتها كما في خطبته، وذكر الاختلاف فيه" (4/ 26).
وفي موضع آخر عنه: "هذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في موضعها، فظن ظانون أنه يأتي بها مفردة، وأنه تُوفي قبل ذِكرها، والصواب أنه ذكرها في تضاعيف كتابه كما أوضحناه في أول هذا الشرح" (11/ 81).
(2/104)

قال أبو أنس:
قد تبع الحاكمَ في قوله: تلميذُهُ البيهقي، وتبع القاضي جماعةٌ من المحققين؛ كابن الصلاح والنووي.
وفي المسألة نقل كثير، نطويه هنا، ويحتاج البتُّ فيها إلى استقراء صحيح مسلم، مع دراسة أسانيده ومتونه، ومحاولة فهم طريقته في سرد الأحاديث، مع استحضار الأحوال التفصيلية للرواة، وعرض أحاديثه على نظر النقاد؛ ليتبينَ الحالُ.
ولابد حينئذ من استخراج النماذج التي تقضي لأحد الرأْيَيْن، بحيادٍ تام وموضوعية، بعيدا عن التعصب لقولٍ دون الآخر، وقد أثارت هذه القضية جدلا في هذا العصر.
وهذه مناسبةٌ حسنةٌ لعرض بعض ما وقفتُ عليه حيال ذلك، أسأل الله تعالى التوفيق والسداد.
ونُذَكِّرُ بأن محور الخلاف في هذه القضية قديما وحديثا يكمن في سؤالين:
1 - هل خرج مسلم هذه الأقسام من الحديث وتلك الطبقات من الرواة (1) في كتابه "الصحيح" الذي بين أيدينا، أم ليس فيه إلا القسم الأول والطبقة الأولى؟
2 - هل يحتوي كتاب "الصحيح" لمسلم على أخبار مُعلَّة ذكرها مسلم على سبيل الشرح والإيضاح منه، كما قال هو، أم أنه أيضا لم يُقدَّر له ذلك في هذا الكتاب، واخترمته المنية كما قال الحاكم؟
وكما هو معلوم، فإنه لا يلزم من وجود الأخبار المعلَّة أن يكون في أسانيدها أحدٌ من أهل الطبقة الثانية.
__________
(1) البحث في الطبقتين الأوليين أما الثالثة وهي من اتهموا أو غلب عليهم المنكر، فقد صرح بأنه لم يتشاغل بإخراجها.
(2/105)

ويمكن تقسيم النماذج الآتية بحسب قوة وضوحها إلى أنواع:
الأول: ما وقفتُ لمسلمٍ فيه على كلام خارج "الصحيح"، وهو أعلاها.
الثاني: ما نبَّهَ مسلم عقب إيراده على ما وقع فيه من الوهم أو المخالفة.
الثالث: ما يورد فيه مسلمٌ الحديثَ أولا بالسياق المحفوظ، ثم يشير إلى وروده من طريقٍ أخرى يسوق إسنادها أو يقول: بمثل إسناد السابق، لكنه يُعرض عن متنها.
الرابع: ما تدل طريقة عرضه لأحاديث الباب، ولقرائن تحتف بذلك على إرادته ترجيح أحاديث على أخرى.
الخامس: ما شرح مسلم فيه ما وقع أحيانا من الإدراج في بعض الأحاديث، دون النص على وقوع ذلك.
* * *
(2/106)

النوع الأول
ما وقفتُ فيه لمسلمٍ فيه على كلام خارج "الصحيح"، وهو أعلاها
نموذج (1)
في باب: مواقيت الحج والعمرة (ص 838):
أخرج مسلم ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث طاوس عن ابن عباس (1181/ 11، 12): وقَّت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل المدينة: ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم ... أخرجه من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، ووهيب عن عبد الله بن طاوس -كلاهما: مفرقين- عن ابن عباس بذلك.
الثاني: حديث ابن عمر (1182/ 13 - 15) من طريق مالك عن نافع، والزهري عن سالم، وعبد الله بن دينار، ثلاثتهم -مفرقين- عن ابن عمر مرفوعا، بالثلاثة مواقيت الأولى في حديث ابن عباس، ويقول في الرابعة: بلغني، وفي رواية: وذُكر لي ولم أسمع، وفي أخرى: وزعموا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم أسمع ذلك منه، وفي آخرها: وأخْبِرتُ أنه قال: ويهل أهل اليمن من يلملم.
الثالث: حديث روح بن عبادة ومحمد بن بكر البرساني -فرقهما- عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يُسْأَلُ عن المُهَلّ؟ فقال: سمعت. في رواية روح: ثم انتهى فقال: أُرَاه، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-. وفي رواية محمد بن بكر: أحسبه رفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. واتفقا، فقال: مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهَلُّ أهل نجد من قرن، ومُهَلُّ أهل اليمن من يلملم. اه.
(2/107)

أقول:
في الحديث الثالث زيادةٌ ليست في واحدٍ من الحديثين الأولين، ألا وهي: ميقات أهل العراق، وفي كلا الطريقين عن ابن جريج عن أبي الزبير شكٌ في رفع هذا الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، والشَّك عِلَّةٌ تقدح في الحديث.
ومقتضى صنيع مسلم في تأخيره لهذه الرواية أنه لا يرى الرفع فيها محفوظا، وذلك أن الثابت في توقيت ذات عرق لأهل العراق إنما صنعه عمر -رضي الله عنه-، ولم يكن على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل مشرق، كما قاله طاوس، من رواية ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه.
قال الشافعي: "لا أحسبه إلا كما قال طاوس". "مسند" الشافعي (1/ 115).
وأخرج البخاري (1531) من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما فُتح هذان المِصْران أَتَوْا عُمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حَدَّ لأهل نجد قرنا، وهو جَوْزٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شقَّ علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم. فحدَّ لهم ذات عرق. اه. والمراد بالمصران: الكوفة والبصرة.
وقد أعلَّ مسلم كُلَّ ما جاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقَّت لأهل العراق ذات عرق.
ففي كتاب "التمييز" له ص (212) قال:
"ذِكْر حديث منقول على الخطأ في الإسناد والمتن.
حدثنا إسحاق، أنا عبد الرزاق، قال: سمعت مالكا يقول: وقَّت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل العراق قرنا. فقلت: من حدثك هذا يا أبا عبد الله؟ قال: أخبرنيه نافع، عن ابن عمر ... قال عبد الرزاق: وأخبرني بعض أهل المدينة أن مالكا بأخرة محاه من كتابه.
قال مسلم:
ذِكْر الروايات التي فيها بيان خطأ هذه الرواية عن عبد الرزاق.
(2/108)

ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن، قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ويهل أهل اليمن من يلملم.
ثم سَرَدَ مسلمٌ طرق هذا الحديث عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعطاء مرسلا، وذكر ألفاظَ كُلِّ رجلٍ منهم بعد أن بين أن رواية عبد الرزاق عن مالك خطأ غير محفوظ، هكذا حكى راوي الكتاب عن مسلم.
ثم قال مسلم:
فأما الأحاديث التي ذكرناها من قَبْلُ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقَّت لأهل العراق ذات عرق، فليس منها واحد يثبت (1).
وذلك أن ابن جريج قال في حديث أبي الزبير عن جابر (2).
فأما رواية المعافى بن عمران عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة، فليس بمستفيض عن المعافى، إنما روى هشام بن بهرام، وهو شيخ من الشيوخ، ولا يُقَرّ الحديث بمثله إذا تفرد (3).
__________
(1) قاله أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه" (2592) وغيره.
(2) هكذا وقع في المطبوع من "التمييز" والظاهر أنه سقط القَدْر الذي يدل على الشك في رفع هذا الحديث، على ما أوردناه سابقا، وقد أخرجه مسلم كما سلف، وهو آخر حديث في باب المواقيت عنده.
وقد رواه عن أبي الزبير -بدون شك في رفعه- اثنان: إبراهيم بن يزيد الخوزي عند ابن ماجه (2915) وهو متروك، وابن لهيعة عند أحمد (3/ 336). ذكره البيهقي في "سننه الكبرى" (5/ 27) وقال: الصحيح رواية ابن جريج، ويحتمل أن يكون جابر سمع عمر بن الخطاب يقول ذلك في مهل أهل العراق. ثم استدل بما ثبت عن عمر أنه هو الذي وقت ذات عرق لأهل العراق، كما رواه البخاري.
(3) لكن قد رواه النسائي من طريق محمد بن علي الموصلي عن المعافى بن عمران (5/ 94).
(2/109)

وأما حديث يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي، عن ابن عباس: فيزيد هو ممن اتقى حديثه الناس، والاحتجاج بخبره إذا تفرد؛ للذي اعتبروا عليه من سوء الحفظ والمتون في رواياته التي يرويها.
ومحمد بن علي لا يُعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه، أو رآه.
وأما رواية جعفر، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، فلم يُحْكِمْ حِفْظَهُ؛ لأن فيه: لأهل الطائف قرنا. وفي رواية سالم ونافع وابن دينار: ولأهل نجد قرنا، وميَّزوا في رواياتهم لأهل اليمن أن ابن عمر لم يسمع ذلك من النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفي رواية ميمون: جعل لأهل المشرق ذات عرق.
وسالم ونافع وابن دينار؛ كل واحد منهم أول بالصحيح عن ابن عمر من ميمون الذي لم يسمعه من ابن عمر. اه.
قال أبو أنس:
قد أعلَّ مسلمٌ كُلَّ الرواياتِ المشتملة على رفع توقيت ذات عرق لأهل العراق، وقد أخرج منها حديثا واحدا، اكتفى في إعلاله بوقوع الشك في رفعه من طريقين عن ابن جريج.
قال النووي في شرح "صحيح مسلم" (8/ 81):
"ذكر مسلم في الباب ثلاثة أحاديث، حديث ابن عباس أكملها؛ لأنه صرح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلهذا ذكره مسلم في أول الباب، ثم حديث ابن عمر؛ لأنه لم يحفظ ميقات أهل اليمن، بل بلغه بلاغا، ثم حديث جابر؛ لأن أبا الزبير قال: "أحسب جابرا رفعه"، وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعا". اه.
* * *
(2/110)

نموذج (2)
في باب: من باع نخلا عليها ثمر (ص 1172):
أورد مسلم حديث ابن عمر من طريقين عنه.
بدأ برواية نافع (1543) (77 - 79) عن ابن عمر-من رواية مالك، وعبيد الله والليث، وأيوب، عن نافع- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من باع نخلا قد أُبِّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" هذا لفظ مالك.
ثم ثَنَّى برواية سالم (1543) (80) عن ابن عمر -من رواية الليث، وابن عيينة ويونس-مفرَّقين -: جميعا عن الزهري، عن سالم- مرفوعا، بنحو حديث نافع، وزاد: ومن ابتاع عبدا فمالُه للذي باعه، إلا أن يشرط المبتاع.
قد اتفق نافع وسالم على رواية قصة النخل عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرفعاها جميعا عن ابن عمر، واختلفا في قصة العبد؛ فرفعها سالم، ووقفها نافع، عن ابن عمر، عن عمر. هذا هو المحفوظ عنهما.
لكن قد اكتفى مسلم بتصدير القَدْر المرفوع من حديث نافع، وهو أصح ما ورد في هذا الباب، ولم يختلف فيه.
وأخَّر حديثَ سالم، على الرغم من اشتماله على زيادة، ولو كان قاصدا تصحيح قصتي النخل والعبد جميعا مرفوعتين لقدَّم روايةَ سالم؛ لأن اللفظَ التامَّ أَوْلَى.
ومما يؤيد ذلك ويقويه أن مسلما قد سُئل عن اختلاف سالم ونافع في قصة العبد، فقال: القول ما قال نافع، وإن كان سالم أحفظ منه.
أسنده البيهقي في "سننه الكبرى" (5/ 324)، وانظر "فتح الباري" (4/ 402) ومقدمته (ص 361) و"تهذيب السنن" لابن القيم (5/ 79).
(2/111)

وهذا قاض لهذا التوجيه بالصحة، والله تعالى الموفق.
وهذا من الأحاديث التي اختلف فيها سالم ونافع عن ابن عمر، لكن قدَّم الحفاظ رواية نافع على الرغم من جلالة سالم وحفظه.
وقد كانت رواية نافع -من رواية هؤلاء الكبار عنه- كافيةٌ في الباب، إلا أن مسلما أراد تدعيمَ روايته برواية سالم، لكن في قصة النخل، مشيرا في نفس الوقت إلى تقديم رواية نافع، كما سبق بيانه.
وقد وافق مسلما على تقديم رواية نافع: النسائي في سننه، وجماعة من الحفاظ، كما قاله ابن القيم في "تهذيب السنن" (5/ 80).
أما البخاري، ومِن قَبله الإمام أحمد، وجماعة من الحفاظ، كما قال ابن القيم، فقد قالوا: هُما جميعا صحيحان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني أن في حديث سالم زيادةً على حديث نافع، وهي مقبولة.
أخرج البخاري (2379) حديث سالم بالقصتين، ثم قال: وعن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر في العبد، وقد أخرج حديث نافع بقصة النخل في (2204) (2716).
ونقل الترمذي عن البخاري في الجامع (1244) ترجيحَ قول سالم، ونقل عنه في العلل تصحيح الروايتين.
* * *
(2/112)

نموذج (3)
في أول كتاب القسامة (ص 1291):
ذكر مسلم (1669/ 1) حديث سهل بن أبي حثمة -ورافع بن خديج في بعض الطرق- قال: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر، تفرقا في بعض ما هنالك، ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلا، فدفنه، ثم أقبل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو وحويصة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل ... فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم -أو قاتلكم-؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟، قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطى عَقْلَه. اه.
وفي روايةٍ: فَوَداهُ مِنْ عنده.
وفي أخرى: فعقله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِنْ عنده.
أخرجه مسلم (1669/ 1 - 4) بنحو هذه الألفاظ من طريق جماعة من الحفاظ عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بُشَيْر بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة به.
ثم أخرجه (1669/ 5) من طريق عبد الله من نمير: حدثنا سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري، أنه أخبره أن نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلا.
قال مسلم: وساق الحديث، وقال فيه: فكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة. اه.
أقول:
يلاحظ أن مسلمًا اكتفى بقوله: وساق الحديث -يعني سعيد بن عبيد- ولم يذكر لفظه، وذلك لأنه قد شرح ما وقع فيه من الوهم لسعيد بن عبيد في كتابه "التمييز".
(2/113)

ففيه (ص 191):
"مِنَ الحديث الذي نُقل على الوهم في متنه ولم يُحفظ".
ثم ساق حديث سعيد بتمامه من نفس طريق "الصحيح". وفيه بعد قوله: فوجدوا أحدهم قتيلًا: "فقلنا للذين وجدناه عندهم: قتلتم صاحبنا. قالوا: ما قتلنا ولا علمنا. قال: تجيئون بالبيّنة على الذين تدعون عليهم؟ قالوا: ما لنا ببينة. قال: فيحلفون لكم. قالوا: لا نقبل أيمان يهود. فكره رسول الله ... ".
ثم أشار إلى أنه قد رواه أبو نعيم أيضًا عن سعيد.
ورواية أبي نعيم قد أخرجها البخاري في "الصحيح" (6898) وكذا النسائي وأبو داود.
ثم قال مسلم:
"هذا خبرٌ لم يحفظه سعيد بن عُبيد على صحته، ودخله الوهم حتى أغفل موضع حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جهته.
وذلك أن في الخبر حُكم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقسامة: أن يحلف المدَّعُون خمسين يمينا ويستحقون قاتلهم، فأبوا أن يحلفوا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: تبرئكم يهود بخمسين يمينا، فلم يقبلوا أيمانهم، فعند ذلك أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- عَقْلَهُ. اه.
ثم لخص مسلم طرق هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بُشير بن يسار، بمثل ما ساقه في "الصحيح".
وزاد طرقا أخرى، ثم قال:
قد ذكرنا جملةً من أخبار أهل القسامة في الدم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكلها مذكور فيها سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- إياهم قسامة خمسين يمينا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سألهم البَيِّنة، إلا ما ذكر سعيد من عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر، فلم يذكره.
(2/114)

وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة.
وغير مُشْكَلٍ على من عقل التمييز من الحفاظ من نَقَلَةِ الأخبار ومن ليس كمثلهم: أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأنا في طريق العلم وأسبابه.
فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بُشير بن يسار، لكان الأمر واضحا في أن أَوْلاهما بالحفظ: يحيى بن سعيد، ودافعٌ لما خالفه. اه.
ثم ذكر مسلم -استطرادا- وجوها أخرى للخلاف في متن هذا الحديث، فقال:
"غير أن الرواة قد اختلفوا في موضعين من هذا الخبر سوى الموضع الذي خالف فيه سعيد، وهو أن بعضهم ذكر في روايته أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بدأ المدَّعِين بالقسامة، وتلك رواية بُشير بن يسار ومن وافقه عليه، وهو أصح الروايتين.
وقال الآخرون: بل بدأ بالمدَّعَى عليهم.
والموضع الآخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وَداهُ مِنْ عنده، وهو ما قال بُشير في خبره، ومن تابعه.
وقال فريق آخر: بل أغرم النبي -صلى الله عليه وسلم- يهودا الدية، وحديث بُشير -يعني: ابن يسار- في القسامة، أقوى الأحاديث فيها وأصحها. اه.
قال أبو أنس:
بهذا البيان البديع، والشرح الماتع، يتضح أن مسلما قد وفَّى بما وعد به في مقدمة "صحيحه"، وألزم نفسه به: أنه يبدأ بالأحاديث ذات الطرق والمتون الأسلم من العيوب وهي أقوى وأصح ما ورد عنده في الأبواب التي يعقدها في "صحيحه".
وما يُؤخِّرُه ليس بهذه الصفة، وربما يشتمل مع ذلك على عِلَّةٍ أو وهمٍ لبعض الرواة، تتباين وسائلُ شرحه لها، وتنبيهه عليها بحسب كل موضع وما يليق به.
(2/115)

ولو عُثِر على كتاب "التمييز" كاملا، لأبان عن أكثر ما أودعه مسلم في تضاعيف كتابه "الصحيح" من الصناعة الحديثية التي يرتاب فيها أو يهابها كثير من الباحثين.
وَرَأْيُ مسلمٍ في رواية سعيد بن عبيد واضحٌ من منطوق كلامه في "التمييز" أنه يراها وهما من سعيد، ومن مفهوم صنيعه في "الصحيح".
وشرح ذلك -على فرض أننا لم نقف على كلامه في "التمييز"- أنه قد ساق حُكم القسامة من خلال ما اشتهر من طريق جماعة من الحفاظ عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار في ذلك، وهو البدء باستحلاف خمسين من المدَّعِين، فلما أَبَوْا عرض عليهم استحلاف مثلهم من المدَّعى عليهم.
ثم لما ذكر حديث سعيد بن عبيد، ولم يسق لفظه تاما كما فعل مع حديث يحيى، ولم يقل: مثله أو نحوه، ليدل على أنه لم يسق لفظه اختصارا، أثار ذلك هِمَّةَ الباحث لينظر في لفظ حديث سعيد من طريق مسلم، فلما وُجد في لفظه البدءُ بسؤال البينة، وعدم ذكر الخمسين في المستحلَفِين، عَلم أن مسلما لو كان يرى أن لفظ سعيد محفوظا، لما ساغ له طيُّه في معرض بيان حكمٍ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف ما لو كان لفظ سعيد موافقا للفظ يحيى.
فلما تحقق الباحث من هذه المعطيات، ترجح عنده أن مسلما قصد الإعراض عن سياق لفظ سعيد لما يراه من وهمه فيه.
وقد كان يمكن لمسلم أن يسوق لفظ سعيد بتمامه، وينبه على وهمه صراحة، لكنه قد نصب أماراتٍ تُرشد الباحث إلى مراده من ذلك، تعلم بالاستقراء والتتبع والنظر.
وإنما شَرْحُ تلك العلل وبيان أوهام الرواة موضعه كتابٌ كالتمييز له، فهذا هو مقام التفصيل، أما "الصحيح" فإنه إذا احتاج إلى شيء منه لمزيد فائدة، فإنما يسلك في ذلك طرائق عدة، ولكل مقام مقال.
(2/116)

وشاء الله عز وجل أن يُسَطِّرَ مسلم رأيه في كثير من الأحاديث التي احتاج إلى إيراد بعضها في "الصحيح" ليجلي طريقته التي أشار إليها في مقدمة "صحيحه"، لئلا تبقى خافيةً على من ينظر في كتابه "الصحيح"، إلا أنه قد فُقد كثر ذلك، فَوَعَرَ الطريق، واحتاج الأمر إلى مزيد بحث مع كثير من التوفيق والاحتياط.
* * *
استطراد:
أما البخاري فقد ذكروا أنه لا يذهب إلى القول بالقسامة؛ لأنها مما خالفت فيه بقيةَ الحقوق من حيث أن القاعدة: "البينة على من ادَّعَى، واليمن على من أنكر".
وقد أقام البخاري الشواهد والقرائن الدالة على مذهبه هذا، ففي باب القسامة من "صحيحه" (12/ 239 فتح) قال:
وقال الأشعث بن قيس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "شاهداك أو يمينه". وقال ابن أبي مليكة: لم يُقِدْ بها معاوية. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة -وكان أمَّره على البصرة- في قتيلٍ وُجد عند بيت من بيوت السمانين: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يُقضي فيه إلى يوم القيامة.
ثم أخرج حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار الذي فيه: تأتون ببينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة. قال: فيحلفون.
ثم أخرج قصة سؤال عمر بن عبد العزيز للناس عن القسامة فقالوا: نقول القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء، وسؤاله لأبي قلابة، وإنكار أبي قلابة لها.
واحتجاجه فيما احتج بما ذكره -مرسلا- من قصة تشبه قصة عبد الله بن سهل ومحيصة -أو لعلها هي- وفيها أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟ فقالوا: ما
(2/117)

يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون. قال: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: ما كنا لنحلف. فوداه من عنده. والنَّفْل هو الحلف.
فلم يخرج البخاري في باب القسامة إلا ما يؤيد عدم القول بمقتضى القسامة الواردة في حديث يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار.
وقد أخرج مع ذلك حديث يحيى بن سعيد ومالك عن أبي ليلى في أبواب أُخر بعيدة عن باب القسامة.
أخرج الأول في باب: الصلح مع المشركين (2702) من كتاب الصلح؛ لقول سهل بن أبي حثمة: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صلح ... " والمراد مصالحة أهلها اليهود مع المسلمن.
ثم أخرجه في باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره ... من كتاب: الجزية والموادعة (3173) لنفس السبب.
ثم أخرجه في باب: إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال من كتاب: الأدب (6142) لقوله في الحديث: فبدأ عبد الرحمن -وكان أصغر القوم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: كَبِّرِ الكُبْرَ. قال يحيى: ليلي الكلام الأكبر.
وأخرج الثاني -حديث مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل- في باب: كتاب الحاكم إلى عُمَّاله، والقاضي إلى أمنائه من كتاب: الأحكام (7192) لقوله: "فكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم -أي إلى أهل خيبر- به".
فقد أخرج الرواية المشتملة على القسامة في أربعة مواضع من "الصحيح" مُبْعدا لها عن بابها (1).
__________
(1) قال بنحو هذا ابن المنير، نقله عنه الحافظ في "الفتح" (12/ 248 - 249).
(2/118)

وهذا مما تَنَوَّعَ فيه تصرفُ الشيخين في التعبير عن رأيهما في هذا الحديث.
وحديث سعيد بن عبيد قد أعله الإمام أحمد، ففي كتاب "التمهيد" لابن عبد البر (23/ 209):
" ... وحكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه ضعف حيث سعيد بن عبيد هذا عن بشير بن يسار. وقال: الصحيح ما رواه عنه يحيى بن سعيد، وإليه أذهب". اه.
وقال ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم" (ص 313):
" ... ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي؛ فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين، وقد ذُكر للإمام أحمد مخالفةُ سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث، فنفض، وقال: ذاك ليس بشيء ... وتواطؤ الأخبار بخلافه يقضي عليه بالغلط" اه.
وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" (6/ 321):
"الصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدَّعِين، فلما لم يحلفوا ثَنَّى بأيمان اليهود، وهذا هو المحفوظ في هذه القصة، وما سواه وهم، وبالله التوفيق.
وقد نحا البيهقي إلى الجمع بين الروايتين في ذلك، فقال في رواية سعيد بن عبيد: "كأنه أراد بالبينة: أيمان المدعين، مع اللَّوْث (1)، كما فسره يحيى بن سعيد وطالبهم بالبينة كما في هذه الرواية فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في رواية يحيى بن سعيد، فلما لم يحلفوا ردها على اليهود، كما في الروايتين جميعا (2) ". اه.
__________
(1) اللوث هنا: خفاء الأمر والتواؤه، واسترخاء قيام الدليل على الدم.
(2) نقله ابن القيم في "تهذيب السنن"، وردَّه بتصويب رواية يحيى بن سعيد، وتوهيم ما عداها، كما سبق.
(2/119)

وبنحو هذا قال الحافظ في "الفتح" (12/ 244).
وفي حديث القسامة يقول القاضي عياض - كما نقله عنه الحافظ في "الفتح" (12/ 245): "هذا الحديث أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به.
وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يروا القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكما، وهذا مذهب: الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. اه.
وبعد، فالذي يعنينا هنا أصالةً فهو: كيف عَبَّر مسلمٌ عن رأيه في هذا الحديث داخل "الصحيح"، وقد اتضح ذلك، والحمد لله رب العالمين.
* * *
(2/120)

النوع الثاني
ما نبَّهَ مسلم عقب إيراده على ما وقع فيه من الوهم أو المخالفة
نموذج (1)
في باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها من "الصحيح" ص (262) ذكر مسلم (333/ 62) حديثَ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في سؤال فاطمة بنت أبي حبيش للنبي -صلى الله عليه وسلم- في استحاضتها وصلاتها، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لها:
"إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي".
أخرجه من طريق وكيع عن هشام.
ثم ذكر من حديث عبد العزيز بن محمد، وأبي معاوية -جمعهما- وجرير، وعبد الله من نمير، وحماد بن زيد -فرقهم-: كلهم عن هشام.
قال مسلم: بمثل حديث وكيع وإسناده.
ثم قال: وفي حديث حماد بن زيد زيادةُ حرفٍ تركنا ذكره. اه.
أقول:
فقد أشار مسلم إلى اتفاق وكيع، والدراوردي، وأبي معاوية الضرير، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن نمير، جميعا عن هشام في لفظ هذا الحديث.
لكن في حديث حماد وحده عن هشام زيادةُ حرف، ترك مسلم ذكره لينبه على خطئه، وهذا الحرف هو الأمر بالوضوء وهو قوله: "اغسلي عنك الدم وتوضئي".
(2/121)

والمحفوظ أن هذا الحرف إنما هو من قول عروة، كذلك خرجه البخاري في كتاب الوضوء من طريق أبي معاوية، عن هشام، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال: وقال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت". اه.
فأدرجه حماد بن زيد في الحديث، راجع لذلك "السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 116) و"فتح الباري" لابن رجب (2/ 69 - 73)، وغيرها.
والمقصود أن مسلما عبر عن إعلاله لهذه الزيادة بتركه لذكرها أصلا، وتنبيهه على هذا الترك؛ ليعلم الناظر في هذا الموضع رأيه في ذلك.
ولم يكن سائغا له أن يشير إلى رواية حماد بن زيد دون التنبيه على ما فيها من الزيادة، لكن كان من السائغ أن يذكر هذه الزيادة بلفظها، كأن يقول: وفي حديث حماد بن زيد زيادة: وتوضئي، ثم يحكم عليها بالخطأ.
لكنه آثر طريقة الإشارة في هذا الموضع، دون التنصيص.
* * *
(2/122)

نموذج (2)
ذكر مسلم في "صحيحه" (162/ 259) حديث حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، في قصة الإسراء بطولها، ومختصرة (162/ 261).
ثم أورد (262) من حديث ابن وهب، عن سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسري برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام.
قال مسلم: وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدَّم فيه شيئا وأخَّر، وزاد ونقص. اه.
أقول:
قد عبَّر مسلمٌ عما يراه من أوهام شريك في هذا الحديث بتلك العبارة: "قدَّم وأخَّر"، و"زاد ونقص". ولو كان ذلك السياق بهذا التقديم والتأخير، والزيادة والنقصان محفوظا عند مسلم في حديث أنس؛ لما تردد في إيراده هنا؛ لأنه قد جمع في هذا الموضع ما رآه صحيحا في قصة الإسراء.
وقد كان يمكن أن يُعرض مسلم عن ذكر حديث شريك أصلا، لكنه أراد التنبيه على أوهامه وتفرداته فيه، لِمَا وعد من شرح وإيضاح الأخبار المعلَّة في أماكنها.
وقد عَدَّ ابنُ القيم ومِن بعده ابنُ حجر أكثر من عشرة أشياء خالف فيها شريكٌ غيرَه من المشهورين في سياق هذا الحديث. انظر "الفتح" (13/ 494).
وقد نقل ابن حجر (13/ 488) استنكارَ جماعة من الحفاظ والمحققين لأوهام شريك في هذا الحديث؛ منهم: الخطابي، وابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، والقاضي
(2/123)

عياض، والنووي. قال ابن حجر ص (493): "وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة: مسلمٌ في "صحيحه"، فإنه قال بعد أن ساق سنده وبعض المتن، ثم قال: "فقدَّم وأخَّر، وزاد ونقص".
استطراد:
أما البخاري فقد خرج حديث الإسراء في أول كتاب الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء (349) من طريق يونس، عن الزهري، عن أنس، عن أبي ذر به، مرفوعا بطوله، ثم أخرجه مختصرا من حديث يونس أيضا في كتاب الحج باب: ما جاء في زمزم (1636).
ثم أخرجه كذلك مطولا في كتاب أحاديث الأنبياء باب ذكر إدريس عليه السلام (3342).
وأخرجه في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة رقم (3207) من طريق قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة مرفوعا مطولا.
وكذلك في (3393) (3430) مختصرا و (3887) في كتاب مناقب الأنصار، باب: المعراج مطولا، ولعل هذا هو أليق موضع به؛ لأن البخاري قد بوب باسمه، ولذا فقد ادَّخَر الحافظ ابن حجر شرحه مفصلا فيه.
ثم ختم البخاري مواضع هذا الحديث من "الصحيح" بإخراجه في آخر الكتاب، باب ما جاء في قوله عز وجل: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} من كتاب التوحيد، رقم (7517) من طريق سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك بتمامه.
والحافظ ابن رجب كلما تناول شيئا من رواية شريك أثناء شرحه لأول موضع في كتاب الصلاة، يقول: الذي خرجه البخاري في آخر كتابه "الصحيح"، فقد جاء ذلك في أربعة مواضع من كلامه (2/ 311، 314، 316، 319)، وهو مشعر بما
(2/124)

يتبادر إلى ذهن الممارس لصحيح البخاري، بأن تأخير رواية شريك إلى آخر الكتاب، يُلمح إلى حاله عنده في الجملة، بأنه لا يعتمد عليه في تفاصيل سياقه للحديث، والمعتمد عنده قد قدَّمه قبل ذلك مطولا ومختصرا.
ولا يبعد أن يريد تنبيه الناظر إلى ما خالف فيه شريك غيره من الحفاظ.
فبينما نبه مسلم على ذلك إجمالا، فقد نبه البخاري عليه تفصيلا، وطريقةُ مسلم أسلمُ وأوضحُ وأقطعُ للاختلاف في مقصوده، ولذا لم يَسلم البخاري من انتقاد مَنْ استنكر ألفاظا وعباراتٍ في حديث شريك؛ كالخطابي، وهو معذور في ذلك، لكن ما طرحناه من طريقة البخاري في إخراج أحاديث الإسراء أليقُ بالبخاري وإمامته وبراعته، وذلك أَوْلَى من إلصاق العيب على كتابه واختياره، والله تعالى الموفق.

نموذج (3)
انظر الحديث رقم (1162) من الصحيح.
* * *
(2/125)

النوع الثالث
ما يورد فى فيه مسلمٌ الحديثَ أولا بالسياق المحفوظ، ثم يشير إلى وروده من طريقٍ أخرى يسوق إسنادها أو يقول: بمثل إسناد السابق، لكنه يُعرض عن متنها
نموذج (1)
في باب التيمم من "الصحيح".
ذكر مسلم حديث شعبة (368/ 112) أخرجه من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة قال: حدثني الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء ...
وفيه قول عمار عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بها وجهك وكفيك". فقال عمر: اتق الله يا عمار. قال: إن شئت لم أحدث به.
قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه مثل حديث ذر. قال (1): وحدثني سلمة، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم. فقال عمر: نوليك ما توليت.
أقول:
فقد ساق مسلم لفظ حديث شعبة عن الحكم، ثم أشار إلى أن لشعبة فيه إسنادا آخر عن سلمة بن كهيل بمثل إسناد الحكم بن عتيبة، لكن مسلما لم يذكر لفظ سلمة، بل اكتفى منه بقول عمر لعمار: نوليك ما توليت.
__________
(1) القائل هو: شعبة.
(2/126)

فذكر مسلم اتحاد إسناد شعبة عن الحكم وسلمة.
لكن بالنظر في لفظ حديث سلمة، وُجد أنه كان يشك فيه: هل ذكر في الحديث مسح الكفين أو المرفقين. وكان أحيانا يحدث سلمة به ويقول: إلى الذراعين. فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر، فقال سلمة: لا أدري أذكر الذراعين أم لا؟
خرج ذلك أبو داود (324، 325) والنسائي (312، 319).
وقد حكى ابن رجب نحو هذا عن سلمة في شرحه ل"صحيح" البخاري، ثم قال (2/ 244): "ولهذا المعنى أشار مسلم إلى اتحاد الإسناد من رواية الحكم وسلمة" وسكت عن اللفظ؛ فإنه مختلف". اه.
ولم يخرج البخاري حديث شعبة إلا من روايته عن الحكم، فإنها متفقة، ذكره من طريق ستة عن شعبة بهذا، ولم يخرج طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة التي خرجها مسلم، قال ابن رجب: "لم يخرجها لأمرين:
أحدهما: أن سفيان الثوري والأعمش روياه عن سلمة بن كهيل، فخالفا شعبة في إسناده، على اختلاف عليهما فيه.
والثاني: أن سلمة شك ... ".
أقول:
أما مسلم، فقد جمع بين الحسنيين، أخرج اللفظ المتفق المحفوظ من رواية شعبة عن الحكم، من الوجه المشتمل أيضا على رواية شعبة عن سلمة بمثل إسناد الحكم، وأشار إلى اختلاف لفظه فلم يَسُقْهُ، وإنما أشار إلى اتحاد الإسناديين فقط.
(2/127)

نموذج (2)
راجع النموذج الآتي المتعلق بصلاة الكسوف في النوع الرابع.
أقول:
يحتاج هذا النوع إلى عمل استقراء لكتاب "الصحيح"؛ فمسلم يكثر من إحالة الأحاديث بعضها على بعض بعبارات مثل: بنحوه، بمثله، بإسناده ... فينظر مدى اتفاق اللفظن والسياقين، وهل توجد فروق مؤثرة يمكن أن يكون مسلم أعرض عن ذكرها لما يراه من وهمٍ أو علةٍ؟
* * *
(2/128)

النوع الرابع
ما تدل طريقة عرضه لأحاديث الباب، ولقرائن تحتف بذلك على إرادته ترجيح أحاديث على أخرى.
نموذج (1)
الأحاديث الواردة في صفة صلاة الكسوف.
قد اختُلف في عدد الركعات -أي الركوعات- في صلاة الكسوف، بعد الاتفاق على أنها ركعتان، وفي كل ركعة سجدتان.
فقيل: في كل ركعة ركوعان، وقيل ثلاث، وقيل أربع. فعلى الأول يكون عدد الركوعات في الصلاة: أربع، وعلى الثاني: ست، وعلى الثالث: ثمان ركوعات.
انقسم أهل العلم حيالَ ذلك إلى قسمين: قسمٍ صحَّحوا جميعَ ما ورد في ذلك، وذهبوا إلى تعدد صلاته -صلى الله عليه وسلم- للكسوف، فصلى في كل مرة عددا من الركوعات في الركعة بحسب طول فزة الكسوف، فإنه كان يصلي حتى تنجلي الشمس، فحكى كل صحابي ما حضره من ذلك، فصار الجميعُ سنةً يشرع الأخذ بأيٍّ منها.
من هؤلاء: إسحاق بن راهوية والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، وقوَّاه النووي في شرح مسلم.
وقسمٍ لم يصححوا إلا صفة واحدة منها، وهي الأولى، وذهبوا إلى خطأ ما عداها، واستندوا في ذلك إلى قوة وشهرة طرقها، وأنه قد ثبت في غير ما طريق منها ومن بعض الصفات الأخرى أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال في تلك المناسبة: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ... ".
(2/129)

وكثير من سائر الطرق قد ثبت فيها قوله هذا دون ذكر موت إبراهيم، وهو المراد من جوابه هذا عما قد يتبادر إلى أذهان البعض أن هذا الكسوف إنما حصل لموت إبراهيم، فالتصريح بأن ذلك كان في ذلك اليوم، أو الإشارة إليه بهذا القول المذكور - يدل على أن هذه الصلاة إنما صلاها -صلى الله عليه وسلم- مرة واحدة بصفة واحدة فوجب المصير إلى الترجيح بين الصفات الواردة فتعين ترجيح الصفة الأولى لما ذكرنا قَبلُ من قوة طرقها وشهرة رجالها.
من هؤلاء: الشافعي، والبخاري، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن حجر.
أقول:
أما البخاري فلم يخرج سوى الأحاديث المشتملة على الصفة الأولى، وأعرض عن سائرها، فأخرج حديث عائشة من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة عنها به (1066)، وأخرج حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (1051) وحديث ابن عباس من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه به (1052).
ونقل الترمذي في العلل الكبير (ترتيبه 1/ 299) عن البخاري قوله: "أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات". اه.
أما مسلم فقد تجشَّم إخراجَ أحاديث الصفات الثلاث. وبتأمّل سياق مسلم لتلك الأحاديث يلاحظ ما يلي:
• أخرجَ مسلمٌ صلاةَ الكسوف لتسعة من الصحابة، بدأ بأربعةٍ منها؛ تشتمل على عدد الركوعات في كل ركعة، هؤلاء الأربعة هم الثلاثة الذين أخرج لهم البخاري كما سلف، وهم: عائشة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، يضاف إليهم: جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-.
(2/130)

أما حديث عبد الله بن عمرو، فلم يختلف الرواة فيه أنه على الصفة الأولى: أربع ركعات في أربع سجدات.
وأما الثلاثة الآخرون فقد وقع اختلافٌ للرواة في حكاية ذلك العدد في أحاديثهم، اكتفى البخاري بإيراد مَن رواه على تلك الصفة المذكورة؛ من حديث عائشة وابن عباس كما سبق، وأعرض عمن رواه على خلاف ذلك.
• أما مسلم فقد ساق هذا الخلاف على نمط واحد: يبدأ في أحاديث كل صحابي من الثلاثة المذكورين: عائشة، وابن عباس، وجابر، بمن رواه على الصفة الأولى، ثم يتبعها بمن رواه على خلاف ذلك، مع عدم خلو الأسانيد المؤخرة من علة أو مقال -وإن لم ينص هو على شيء منها صراحة- كما سيأتي.
وطريقته في عرض أحاديث تلك الصلاة ينسجم تماما مع ما صرح به في مقدمة "صحيحه" أنه يبدأ بالأحاديث التي هي أسلم من العيوب، فالأحاديث التي قدَّمها -وقد اتفق معه البخاري على إخراجها، واكتفى بها- أصحُّ أسانيدَ، وأشهرُ طرقا مما أخَّره عن ذلك.
وقد حافظ مسلم على تقديم رواية الصفة الأصلى من صلاة الكسوف على غيرها، وهذا مؤدَّاه -حسب تصريحه- أن تلك الصفة عنده أقوى من غيرها.
بل إن مسلما قد أَلْمح إلى تلك التقوية بشيء آخر -سوى ما سبق- فعلى الرغم من اشتمال أكثر تلك الأحاديث الأربعة على قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في مناسبة تلك الصلاة: "إن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" وفي سياق واحد منها التصريح بأن ذلك كان يوم مات إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم- (904/ 10) فقد أعقب مسلم تلك الأحاديث الأربعة في صفة صلاة الكسوف بأحاديث خمسة من الصحابة، هم: أبو مسعود الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة ليس فيها جميعا -سوى حديث عبد الرحمن بن سمرة- إلا مقالة النبي -صلى الله عليه وسلم- المذكورة، وفي بعض طرق حديث أبي مسعود: يوم مات إبراهيم،
(2/131)

فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، وكذلك هو في حديث المغيرة بن شعبة - وهو آخرها، وليس في شيء منها عدد الركوعات.
فلا تظهر فائدةُ إيراد تلك الأحاديث بعد عرض أحاديث صفة الصلاة، واشتمال أكثرها على ما اشتملت عليه تلك الأحاديث إلا أن يريد مسلمٌ التنبيه على أن صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة الكسوف كان يوم مات إبراهيم، فهى مرة واحدة لم تتكرر منه -صلى الله عليه وسلم-، وهذا دال على أنه يَلزم ترجيح صفة واحدة لتلك الصلاة، فتعيَّن أن تكون هي ما قدَّمه في كل رواية على ما سبق بيانه.
أقول:
هذا على سبيل الإجمال، أما على سبيل التفصيل لما ساقه مسلم من طرق هذا الباب، وما في أحاديث الصفات المخالفة للصفة الأولى من المقال، فهاك البيان:
• بدأ مسلم بحديث عائشة (901) وقد رواه عنها مشتملا على عدد الركوعات: عروة بن الزبير، والزهري، وعبيد بن عمير.
فبدأ برواية عروة من طريق مالك وعبد الله بن نمير وأبي معاوية -فرقهم- عن هشام بن عروة، عن عروة به.
ثم برواية الزهري من طريق يونس بن يزيد الأيلي عنه، ومن طريق الوليد بن مسلم قال: قال الأوزاعي وغيره: سمعمت ابن شهاب يخبر عن عروة به. ومن طريق الوليد بن مسلم: أخبرنا عبد الرحمن بن نمر أنه سمع ابن شهاب به.
ثم ذكر للزهري إسنادا آخر من طريق عبد الرحمن بن نمر أيضًا، مختصر، ومن طريق محمد بن الوليد الزبيدي عنه بمثل حديث عروة عن عائشة.
جميع ذلك من حديث عروة والزهري عن عائشة، اتفقت الرواية فيها على الصفة الأولى: أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
ثم ختمها برواية عبيد بن عمير عنها، أوردها من طريقين عن عبيد:
(2/132)

الأول: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: سمعت عبيد بن عمير يقول: حدثني من أصدق -حسبته يريد عائشة- أن الشمس انكسفت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... وفيه: ثلاث ركعات وأربع سجدات.
الثاني: من طريق معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عائشة بمثله مختصرا.
أما رواية ابن جريج عن عطاء ففيها شك فيمن سمع منه عبيد بن عمير هذا الحديث.
وأما حديث معاذ عن أبيه، فلم يشك فيه قتادة، لكن قد خولف معاذ في إسناده، فرواه وكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان عن هشام الدستوائي، فأوقفاه على عائشة، ذكره النسائي عقب حديث معاذ في "السنن الكبرى"، وكذلك أوقفه أبو داود الطيالسي عن هشام.
ومعاذ قد تُكلم في حفظه، لكن قد رواه ابن خزيمة (1382) عن محمد بن بشار عن معاذ وابن أبي عدي كلاهما عن هشام به مرفوعا، فقد تابع ابن أبي عدي معاذا.
لكن يُخشى من جمعهما أن تُحمل روايةُ أحدهما على الآخر، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن قتادة به مرفوعا، أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني" (1/ 328).
وحماد قد قال مسلم في "التمييز" (ص 218): يخطىء في حديث قتادة كثيرا.
وقد قال ابن عبد البر في "التمهيد" (3/ 307): "سماع قتادة عندهم من عطاء غير صحيح".
• ثم ثَنَّى مسلم بحديث جابر، أورده من طريقين، بدأ بطريق إسماعيل بن علية وعبد الملك بن الصباح -فرقهما- عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر به، بالصفة الأولى. ولم يختلف على أبي الزبير في رفع هذا الحديث.
(2/133)

ثم أتبعه مسلم بطريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر مرفوعا، وفيه: يوم مات إبراهيم ابن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم. فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات ... وهي الصفة الثانية.
فقد خالف عبدُ الملك كُلَّ من رواه عن عطاء في إسناده، فجعله عن جابر بدلا من عبيد بن عمير عن عائشة.
وفي متنه؛ إذ أن المعروف في حديث جابر: أربع ركوعات في أربع سجدات أشار إلى ذلك النسائي عقب حديث يحيى بن سعيد عن هشام في "السنن".
وفي كتاب "العلل ومعرفة الرجال" لأحمد (5123): قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول في حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر: انكسفت الشمس: خالفه ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: أخبرني من أصدق -فظننته يريد عائشة-، قال أبي: رواه قتادة، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قال أبي: أقضي بابن جريج على عبد الملك في حديث عطاء. اه.
• أما حديث ابن عباس -وهو ثالثها- فقد أورده من طريقين أيضا، بدأ برواية حفص بن ميسرة ومالك بن أنس -فرقهما- عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس مرفوعا بالصفة الأولى، وهي أربع ركوعات في أربع سجدات، ثم أتبعه برواية إسماعيل بن علية ويحيى بن سعيد القطان -فرقهما- عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعا بالصفة الثالثة، وهي: ثمان ركعات في أربع سجدات، وزاد مسلم بعد حديث إسماعيل بن علية: وعن عليٍّ مثل ذلك.
• أما حديث حبيب بن أبي ثابت، فقد قال ابن حبان في "الصحيح" (7/ 98): "خبر حبيب عن طاوس ليس بصحيح؛ لأن حبيبا لم يسمع من طاوس هذا الخبر".
وقال البيهقي في "سننه الكبرى" (3/ 327): "حبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس ... وقد
(2/134)

روى سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس من فعله أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعا". اه.
• وأما حديث عليٍّ المشار إليه فهو من رواية حنش بن ربيعة، عن علي، وقد اختلف في وقفه ورفعه، كما في "السنن الكبرى" للبيهقي (3/ 329 - 330) وقد أعلَّه ابن حبان أيضا في "صحيحه" (7/ 98) بحنش راويه عن علي.
وبعد، فقد وضح المراد من عرض مسلم أحاديث ذلك الباب على النحو الذي لم يَخْتَلَّ في موضع واحد.
يبقى أنه ذكر حديث عائشة من رواية عمرة عنها، وحديث أسماء بنت أبي بكر.
أما حديث عمرة فهو بعد حديث عبيد بن عمير، لكن اقتصرت فيه على ركوعين في ركعة واحدة قالت: ثم رفع وقد تجلت الشمس. فلم تذكر ركعتين، هكذا ساقه من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد عنها به، ثم ذكره من طريق عبد الوهاب، وابن أبي عمر عن سفيان كلاهما عن يحيى، ولم يسق لفظه، وإنما قال: بمثل معنى حديث سليمان بن بلال، لكن رواه الحميدي عن سفيان عن يحيى عنها بالصفة الأولى.
وأما حديث أسماء بنت أبي بكر فهو بعد حديث جابر، وذكرت فيه طول القيام جدًّا، ولم تذكر فيه عددا.
قال البيهقي في "سننه الكبرى" (3/ 326) تعقيبا على حديثي عبد الملك عن عطاء، وأبي الزبير، عن جابر: "من نظر في هاتين القصتين علم أنها قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها يوم توفي إبراهيم ابن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد اتفقت رواية عروة ابن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن -يعني من رواية الحميدي السابقة- عن عائشة، ورواية عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس، ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما صلاها ركعتين، في كل ركعة ركوعين.
(2/135)

وفي حكاية أكثرهم قوله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنخسفان لموت أحد ولا لحياته" دلالةٌ على أنه إنما صلاها يوم توفي ابنه، فخطب وقال هذه المقالة ردا لقولهم: إنما كسفت لموته.
وفي اتفاق هؤلاء العدد مع فضل حفظهم دلالةٌ على أنه لم يزد في كل ركعة على ركوعين، كما ذهب إليه الشافعي ومحمد بن إسماعيل البخاري رحمها الله تعالى". اه.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/ 532) فيما زاد على الصفة الأولى:
"لا يخلو إسنادٌ منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر، ونقل صاحب الهدي -يعني ابن القيم في زاد المعاد (1) - عن الشافعي، وأحمد، والبخاري أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح ... " ثم ذكر الأقوال الأخرى في المسألة.
أقول:
لا محيصَ من فَهْمِ طريقة مسلم في عرض تلك الروايات تقديما وتأخيرا بناءً على طريقته التي صرح هو نفسه بها -ولم يذكرها عنه أحدٌ نظرا أو استقراءً- أنه يبدأ بالأخبار التي هي أسلم من العيوب، مع قرينةِ إخراجه عقب ذلك لطرق الحديث التي تشتمل فقط على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الشمس والقمر ... وفي بعضها التصريح بأن ذلك يوم مات إبراهيم كما سبق، على ما سلف شرحه ونقله عن البيهقي وغيره، مع اشتمال بعض ما قدمه من الأحاديث على هذه المعاني.
__________
(1) (1/ 123 - 127).
(2/136)

فالقول بأن مسلما إنما عرض هذه الأخبار على هذا النحو في ضوء ما وعد به من زيادة البيان والإيضاح للأخبار المعلَّة: أمرٌ يتفق مع منهجه الذي صرح به، ومع إمامته في هذا الشأن، فيتفق مع جهابذة هذا الفن، وهذا أَولى وأَحْرى بالقول من مثل قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (1/ 256):
"لا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري ... وكان من عادة البخاري إذا روى حديثا اختلف في إسناده أو في بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه.
ولهذا كان جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه.
بخلاف مسلم بن الحجاج، فإنه نُوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركعات كما روي أنه صلى ركعتين.
والصواب أنه لم يُصل إلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم. وقد بيَّن ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان له إبراهيمان". اه.
فأقول:
إذا تحقق ما ذكرناه آنفا من تأمُّل طريقة مسلم في إخراج أحاديث هذا الباب، ظهرت موافقته لمن ذكرهم ابن تيمية، ولا يُعَدُّ هذا حينئذٍ مما نُوزع مسلم في تصحيحه، والله تعالى الهادي إلى الصواب.
(2/137)

نموذج (2)
الأحاديث المتعلقة بصلاة العشاء: وقتها وتأخيرها.
أخرج مسلم (638 - 644):
• أولا: (638/ 218) من حديث ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: أعتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة من الليالي بصلاة العشاء وهي التي تُدْعَى العتمة ...
• ثم خرج (642/ 225) بعد أحاديث: روايةً لعبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيُّ حينٍ أحبُّ إليك أن أصلي العشاء التي يقولها الناس العتمة ... ؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: أعتم نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلةٍ العشاءَ ...
• ثم خرج بعده (643/ 226) حديث أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤخر صلاة العشاء الآخرة.
• ثم أعقبه (643/ 227) برواية أبي عوانة، عن سماك، عن جابر بلفظ: كان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا.
• ثم ختم (644/ 228) برواية ابن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعتمون بالإبل".
وفي لفظ بعده: " ... فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تُعتم بحلاب الإبل".
قال ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري (4/ 364):
"كذا رواه ابن أبي لبيد عن أبي سلمة، وابن أبي لبيد كان يُتهم بالقدر، وقال العقيلي: كان يخالف في بعض حديثه.
(2/138)

وتابعه عليه ابن أبي ليلى عن أبي سلمة، وابن أبي ليلى ليس بالحافظ.
ورواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي سلمة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلا (1).
وقيل: عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعا. وخرجه ابن ماجه (2) وليس بمحفوظ.
وفيه أيضًا: عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي إسناده جهاله (3). اه.
قلت:
عبد الله بن أبي لبيد قد أخرج له البخاري حديثا واحدا مقرونا، وأخرج له مسلم سوى هذا الحديث حديثن آخرين، هي كل ما له في الكتب الستة.
والحاصل أنه لا يخلو ما جاء في كراهة هذه التسمية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن المقال، لكن قد روي عن طائفة من السلف كراهة ذلك، منهم ابن عمر، وابنه سالم، وابن سيرين.
فأما البخاري فعنده: باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا (2/ 53 - فتح).
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 439) من طريق حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة.
(2) رقم (705) وهو من طريق شيخ ابن ماجه يعقوب بن حميد -وهو ابن كاسب- عن ابن أبي حازم عن عبد الرحمن بن حرملة به. وابن كاسب مشَّاه بعضهم، وضعفه غير واحد، ووهاه آخرون، وهو صاحب غرائب ومناكير.
ورواه ابن ماجه قبله عن يعقوب هذا عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة وقد أجاد ابن رجب إذ قال في هذا الحديث من هذا الطريق: إنه غير محفوظ.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 439) عن وكيع ثنا ابن أبي رواد، عن رجل لم يسمه، عن عبد الرحمن بن عوف به مرفوعا. وقد استنكره واستغربه غير واحد، انظر مسند البزار (3/ 1055) وحلية الأولياء (8/ 385).
وقد أخرج ابن أبي شيبة أيضًا في هذا الموضع عن وكيع ثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سمعهم يقولون: العتمة غضب غضبا شديدا.
(2/139)

علَّق فيه بعضَ الأخبار التي وردت التسمية فيها بالعشاء وبالعتمة، قد خرج عامَّتها في مواضع أخر من كتابه.
قال: والاختيار أن يقول: العشاء لقوله تعالى: (ومن بعد صلاة العشاء).
ثم خرج في الباب حديثا واحدا، هو حديث يونس، عن الزهري، قال سالم: أخبرني عبد الله قال: صلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلةً صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة ...
قال ابن رجب في شرحه (4/ 369): "في هذا الحديث أن صلاة العشاء يدعوها الناس: العتمة، وكذا في حديث عائشة وأبي برزة، وهذا كله يدل على اشتهار اسمها بين الناس بالعتمة، وهو الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-". اه.
قلت:
هكذا جزم هنا بنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، مع أنه قد مال إلى تعليل ما ورد في ذلك، كما سلف.
قال: وكان ابن عمر وغيره يكرهون أن يغلب عليها اسم العتمة حتى لا تسمى بالعشاء إلا نادرا، وأما إذا غلب عليها اسم العشاء، ثم سميت أحيانا بالعتمة بحيث لا يزول بذلك غلبة اسم العشاء عليها، فهذا غير منهي عنه، وإن كان تسميتها بالعشاء، كما سماها الله بذلك في كتابه أفضل. وقد ذكر البخاري في الباب السابق لهذا باب: من كره أن يقال للمغرب العشاء، فخرج فيه حديث عبد الله بن مغفل المزني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال: الأعراب تقول: هي العشاء.
فذكر ابن رجب في توجيهه مثلما قال في هذا الحديث.
(2/140)

أقول:
المراد أن مسلما قد صدر هذا الباب بما يدل على أن تسمية العشاء بالعتمة من الأمور التي اشتهرت ونطق بها غير واحد من الصحابة، وأنها مما تعارف عليها الناس حينئذ، فأورد ذلك من طرق مشهورة، لا مغمز فيها.
ثم أخَّر ما فيه نهي عن ذلك، فلقائلٍ أن يقول: المعول عنده على ما قدمه في هذا الباب، أما المؤخر فإما أنه ينبه على أنه لا ينهض لمعارضة ما قدم، وإما أنه لا يراه -لو صح- معارضا، بل هو نهي عن "تغليب" لفظ العتمة على لفظ العشاء فقط، لا أنه نهي مطلق عن تسمية تلك الصلاة بالعتمة، بدليل ما قدمه من الأخبار. والله تعالى أعلم.
* * *
(2/141)

نموذج (3)
أحاديث "سترة المصلي":
أخرج مسلم (ص 358) حديث ابن عباس في ذلك.
• بدأ بطريق مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أقبلتُ راكبا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي الصف ...
• ثم ثَنَّى بطريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به بلفظ: ... ورسول الله قائم يصلي بمنى في حجة الوداع ...
• ثم طريق ابن عيينة عن الزهري بهذا الإسناد قال: والنبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي بعرفة.
• ثم ختم روايات حديث ابن عباس بطريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري بهذا الإسناد. قال: ولم يذكر فيه منى ولا عرفة، وقال: في حجة الوداع أو يوم الفتح.
أقول:
واضح من سياق مسلم لرواية ابن عيينة ومعمر، واكتفائه فيهما بذكر زمن هذه الحادثة، مع ذكر الشك الوارد في حديث عبد الرزاق عن معمر، واتفاق ابن عيينة مع مالك ويونس، أنه أراد أن ينبه على وهم المخالفة الواردة في شك عبد الرزاق -أو معمر- في وقتها.
وربما لم يتكلف شرح هذا الوهم؛ لوضوح أن ابن عباس يوم الفتح لم يكن قد ناهز الاحتلام.
(2/142)

قال ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري (4/ 6) بعد إيراد تلك الروايات عند مسلم: "اقتصر -يعني مسلما- من حديث ابن عيينة ومعمر على هذا. وذِكْرُ يوم الفتح لا وجه له؛ فإن ابن عباس لم يكن قد ناهز يومئذ الاحتلام، ولا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي يومئذ بمنى ولا عرفة". اه.
وقد اكتفى البخاري برواية مالك -من طرق عنه- عن ابن شهاب، وعلَّق رواية يونس. وجميعها على الجادة والصواب كما خرجها مسلم، إلا أن مسلما تجشَّم إخراج رواية عبد الرزاق عن معمر؛ للتنبيه على ما ذكرنا، والله تعالى ولي التوفيق.
* * *
(2/143)

النوع الخامس:
ما شرح مسلم فيه ما وقع أحيانا من الإدراج في بعض الأحاديث، دون النص على وقوع ذلك.
نموذج (1)
باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن من "الصحيح".
أخرج مسلم (450/ 150) عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود -وهو ابن أبي هند- عن عامر -وهو الشعبي- قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، ففقدناه ... قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك .... فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن. قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكُلُّ بَعْرَةٍ علفٌ لدوابكم.
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم. اه.
ثم قال مسلم:
وحدثنيه علي بن حجر السعدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، بهذا الإسناد إلى قوله: وآثار نيرانهم.
(2/144)

قال الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة، إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلا من حديث عبد الله.
ثم قال: وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس، عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى قوله: وآثار نيرانهم.
ولم يذكر ما بعده. اه.
أقول:
فقد بيَّن مسلم ما في حديث عبد الأعلى عن داود من إدراج قول الشعبي في الحديث؛ بإيراده رواية ابن علية عن داود. وأيده بما في رواية عبد الله بن إدريس من الاكتفاء بالقَدْر المرفوع فقط.
لكن قد يقال هنا: كان مقتضى منهج مسلم -لو كان مراده إعلال رواية عبد الأعلى عن داود بالإدراج- أن يقدم رواية إسماعيل بن إبراهيم ابن علية التي فصلت قول الشعبي على أساس أنها الأصح والأسلم من العيوب، ثم يتبعها برواية من أدرج قول الشعبي في الحديث.
وهو قولٌ متين، جدير بالتحقيق، أُرجىء النظر فيه لما بعد النموذج الآتي.
* * *
(2/145)

نموذج (2)
باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه:
أخرج مسلم فيه حديثا واحدا رقم (2605/ 101) قال: حدثني حرملة بن يحى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، أن أُمَّهُ أَمَّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط -وكانت من المهاجرات الأول، اللاتي بايعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرته أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرا وينمي خيرا".
قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
ثم قال: حدثنا عمرو الناقد حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي، عن صالح حدثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، بهذا الإسناد، مثله. غير أن في حديث صالح: وقالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث - بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب.
ثم قال مسلم: وحدثناه عمرو الناقد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا معمر، عن الزهري، بهذا الإسناد، إلى قوله: "ونَمى خيرا" ولم يذكر ما بعده. اه.
أقول:
• فقد بدأ مسلم برواية يونس، وفيها فصل قول الزهري عن الحديث، ولم ينسب الزهري عدم الترخيص لأحد بعينه.
• ثم أتبعه برواية صالح بن كيسان بمثل إسناد يونس، إلا أنه أدرج قول الزهري في الحديث، وجعله من قول أم كلثوم، ناسبةً عدم الترخيص للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
(2/146)

• ثم أيَّد مسلم قضية الإدراج برواية معمر عن الزهري، فلم يجاوز معمر القول المرفوع. فلعل الزهري كان يحدث به أحيانا هكذا، فسمعه منه معمر، وتارة يضيف من عنده مسألة الترخيص المذكورة، ففصلها يونس، وأدرجها صالح، أو أن معمرا سمعه كما سمعه الآخرون، لكنه اقتصر على القدر المرفوع.
وسياق مسلم لهذه الروايات عن الزهري يوافق طريقته المعهودة في تقديم الأصح والأسلم من ذلك.
ويلاحظ أن هذا الباب ليس فيه إلا هذا الحديث الواحد، فتعيَّن على مسلم أن يسوقه على هذا النسق.
• أما في النموذج السابق، فقد صدَّر مسلم الباب بحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطن وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب ... فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، وهو بنخل، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له ...
وهذا قد أخرجه البخاري (4921) لكن ليس فيه عنده: "ما قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الجن وما رآهم".
ففي هذا الحديث تصريح ابن عباس بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقرأ على الجن، ولكنهم استمعوا إلى قراءته دون أن يشعر بهم، حتى أنزل الله تعالى عليه قرآنا يخبره خبرهم.
(2/147)

وهو الذي يشتمل على جهره -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الفجر بالقراءة، وهو المقصود بهذا الباب، وقد استفيد من قوله: فلما سمعوا القرآن استمعوا له.
ثم أتبعه مسلم بحديث علقمة عن ابن مسعود، وقد وقع فيه الاختلاف المذكور في قول الشعبي.
وكذلك فليس فيه إلا مطلق قراءته -صلى الله عليه وسلم- القرآن عليهم، دون ذكر لصلاة الصبح، فإيراد هذا الحديث هنا هو على سبيل الاستطراد، وليس مقصودا لهذا الباب؛ لخلوه من محل الشاهد.
وكذلك فإن فيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". وهو مخالف لحديث ابن عباس.
وجمع البيهقي بأن ما حكاه ابن عباس إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله عز وجل، كما رواه عبد الله بن مسعود.
وكذلك ذهب الحافظ في "الفتح" إلى تعدد القصة، وليس هذا محل تحقيق هذه القضية، لكن المراد هنا هو تأمُّل طريقة عرض مسلم للخلاف في هذا الحديث.
وواضح من الروايات التي ساقها مسلم أن الخلاف في هذا الحديث هو على داود بن أبي هند، وهو بصري، ساقه مسلم من طريق ثلاثة عنه؛ هم عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، وإسماعيل بن علية كذلك، وعبد الله بن إدريس الكوفي، وجميعا ثقات أثبات.
ولو قدَّم مسلمٌ روايةَ ابن علية وابن إدريس وأخَّر رواية عبد الأعلى، لكان مقتضاه تخطئته لعبد الأعلى فيه.
(2/148)

لكنه قدم رواية عبد الأعلى التي وقع فيها الإدراج، مع إرادته التنبيه على الوهم الواقع فيها، فتحصل من ذلك أن مسلما كأنه يرى أن الاختلاف في هذا الحديث ليس من الرواة عن داود، بل من داود نفسه، اضطرب فيه، فكان يحدث به تارة مدرجا، وتارة مفصلا، وروى كل واحد ما سمعه منه.
وداود قال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف.
يؤكد ذلك أن محمد بن أبي عدي البصري قد رواه عن داود إلى قوله: وآثار نيرانهم. ثم قال: قال داود: ولا أدري في حديث علقمة أو في حديث عامر أنهم سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الليلة الزاد.
أسنده البيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 109) إلى ابن أبي عدي.
فوضح أن داود كان أحيانا يصرح بِشَكِّهِ في هذا القَدْر، عمَّن هو؟
إذًا، فقد كان يحدث به على ثلاث صور: الجزم بالتفصيل، والجزم بالإدراج، والشك فيه.
يبين ذلك أيضا أنه قد رواه:
يزيد بن زريع عند البزار في "مسنده" (5/ 35).
ويحيى بن أبي زائدة عند ابن خزيمة (82) وابن حبان (1432).
ووهيب بن خالد عند أبي داود الطيالسي (1/ 37) -وجمعه مع يزيد-.
ثلاثتهم: عن داود بالإدراج، فوافقوا عبد الأعلى في روايته.
ورواه النسائي من طريق يحيى بن أبي زائدة (6/ 499) وكذلك الطحاوي في شرح المعاني (1/ 96) مثلما حدث به ابن إدريس، لم يذكر القدر المدرج أصلا.
(2/149)

ورواه البخاري في التاريخ الكبير (2/ 201) من طريق وهيب، لكن إلى قوله: وآثار نيرانهم، كرواية ابن إدريس.
وهذا كله يدل على ما سبق، فإذا كان الاختلاف من داود، صح اختلاف الرواة عنه، بل والاختلاف على أفراد منهم، تبعا لسماع كل واحد منهم للحديث من داود في مجالس متعددة. والله تعالى أعلم.
وبعد:
فهذا آخر ما أردت عرضه فيما يتعلق بهذه القضية، آثرت فيه الاختصار، والاقتصار على أوضح النماذج التي وقفت عليها حال المطالعة، ومذاكرة بعض النابهين في هذا الشأن. وبين يدي نماذج أخرى، أرجأتها لموضع آخر.
فما كان فيه من صواب فمن الله تعالى التوفيق، وإن كانت الأخرى فأسأله سبحانه العفو والهداية.
* * *
(2/150)

أبو حاتم الرازي
(ت 277 ه)
(2/151)

يتعلق بأبى حاتم هاهنا أمر واحد، وهو ما اشتهر عنه لدى كثير من المتأخرين مِن وَصْفهِ بالتشدد أو التعنت في باب الجرح، وقد جاء وصفُهُ بذلك في كلام الشيخ المعلمي، أُورِدُهُ أولًا، ثم أنظرُ في ذلك إجمالًا.
1 - قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 350):
"معروف -يعني أبا حاتم- بالتشدد، قد لا تقِلُّ كلمةُ (صدوق) منه عن كلمة (ثقة) من غيره؛ فإنك لا تكاد تجده أطلق كلمة (صدوق) في رجل إلا وتجد غيره قد وثقه هذا هو الغالب". اه.
2 - وبنحوه في (1/ 325).
3 - وقال في ترجمة: نعيم بن حماد من "التنكيل" (1/ 495):
"وقال أبو حاتم مع تشدده: صدوق".
4 - ومثله في ترجمة: محمد بن كثير العبدي منه (1/ 467).
5 - وقال في ترجمة محمد بن بشار بندار (1/ 430):
"ثقة جليل، وثقه أبو حاتم مع تشدده".
(2/153)

قال أبو أنس:
نظرت هنا إجمالا في وصف أبي حاتم بالتشدد في باب الجرح:
فأقول:
"قسَّم الذهبيُّ المتكلمين في الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام:
قِسْمٍ منهم: متعنت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، قال: فهذا إذا وَثَّقَ شخصًا، فَعَضَّ قوله بنواجذك، وتَمَسَّكْ بتوثيقه، وإذا ضَعَّفَ رجلا، فانظر: هل وافقه غيرُه على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثِّقْ ذاك الرجل أحدٌ من الحُذَّاقِ، فهو ضعيف، وإن وَثَّقَهُ آخر، فهذا هو الذي قالوا: لا يُقبل فيه الجرحُ إلا مفسَّرا؛ يعني لا يكفي فيه قولُ ابنِ معين مثلا: هو ضعيف -ولم يوضح سببَ ضعفه- ثم يجيءُ البخاري وغيره يوثقه، ومثل هذا يُختلفُ في تصحيح حديثه وتضعيفه.
وقسمٍ منهم يتسمَّح، كالترمذي والحاكم.
وقسمٍ معتدل، كأحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي". اه.
ولم يُسَمِّ الذهبيُّ من القسم الأول أحدًا هنا، لكنه ذكر بعد ذلك طبقات من تكلموا في الجرح والتعديل، فبلغ: عبد الرحمن بن يوسف بن خراش البغدادي فقال: "له مصنَّف في الجرح والتعديل، قويُّ النَّفَس كأبي حاتم".
وقد نعت الذهبي جماعةً بذلك في كتابه "الميزان".
فمن هؤلاء:
1 - يحيى بن سعيد القطان:
وصفه الذهبي ب "متعنت جدًّا في الرجال" في ترجمة: سفيان بن عيينة رقم (3327)، وقال في ترجمة: سيف بن سليمان المكي رقم (3636): "حدث يحيى القطان مع تعنته عن سيف".
(2/154)

2 - ابن حبان البستي:
وصفه الذهبي ب "الحشاف -أو الخساف- المتهور" في ترجمة: محمد بن الفضل السدوسي عارم رقم (8057)، وقال في ترجمة: سويد بن عمرو الكلبي رقم (3624): "أسرف واجترأ"، وفي ترجمة: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي رقم (5532): "يُقَعْقِعُ كعادته".
3 - ابن القطان الفاسي:
ترجم له الذهبي وقال: "تعنَّتَ في أحوال الرجال، فما أَنْصَفَ، بحيث إنه أخذ يُلَيِّنُ هشامَ بن عروة، ونحوه".
4 - وقد حملَ الذهبي جدًّا على العقيلي بسبب ترجمته ل: علي بن المديني، في كتابه "الضعفاء"، فقال عند ذكر ابن المديني رقم (5874):
"ذكره العقيلي في كتاب "الضعفاء"، فبئس ما صنع ... أفما لك عقلٌ يا عقيليُّ، أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقاتٍ كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له وأكمل لرتبته وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك ... ". اه.
ولم أر الذهبي يصف أبا حاتم بالتشدد إلا في موضعين -على كثرة ما نقل عنه في كتبه:
(2/155)

الأول: في ترجمة عاصم بن علي الواسطي شيخ البخاري من "الميزان" (4058) قال الذهبي: "هو كما قال فيه المتعنت أبو حاتم: صدوق" اه. يقوي بذلك تعديلَه على مَنْ ليَّنَهُ.
الثاني: في ترجمة طالوت بن عباد من "السير" (11/ 26) قال: "حَسْبُكَ بقول المتعنّت في النقد أبي حاتم فيه اه. يعني قوله: صدوق. يردُّ بذلك على ابن الجوزي في قوله: "ضعَّفه علماء النقل".
ويلاحظ في هذين المثالين أن وصف الذهبي لأبي حاتم بالمتعنت، ليس ردًّا لقوله بسبب العنت، وإنما هو من باب: إذا وَثَّقَ المتعنِّتُ أحدًا فعض عليه بالنواجذ، وهو يوافق كلمة الشيخ المعلمي التي نقلناها آنفا أن كلمة "صدوق" من أبي حاتم قد لا تقل عن كلمة "ثقة" من غيره.
ولم أر الذهبي ردّ قولا لأبي حاتم من أجل تعنته.
بل إن الذهبي اعتمد على أبي حاتم في ذكر المجاهيل من الرواة بقوله فيهم: "مجهول"، حتى إنه يقول هذا في تراجم "الميزان"، ولا يذكر قائله، وهو قول أبي حاتم في "الجرح"، كما صرح بذلك الذهبي في ترجمة: أبان بن حاتم الأملوكي من "الميزان" رقم (4) فقال:
"اعلم أن كل من أقول فيه "مجهول" ولا أسنده إلى قائلٍ، فإن ذلك هو قول أبي حاتم فيه، وسيأتي من ذلك شيء كثير جدًّا، فاعلمه، فإن عزوته إلى قائله، كابن المديني وابن معين، فذلك بَيِّنٌ ظاهرٌ، وإن قلت: "فيه جهالة" أو: "نكرة" أو: "يجهل" أو: "لا يعرف"، وأمثال ذلك، ولم أعزه إلى قائلٍ فهو مِنْ قِبَلي". اه.
لكن قال الذهبي في ترجمة أبي زرعة من "السير" (13/ 81):
(2/156)

"يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يَبِينُ عليه الورعُ والمَخْبَرَةُ، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جَرَّاح". اه.
إلا أنه لا يدل على التشدد، بل على أنه أجرأ على جرح من يراه مستحقا لذلك من الرواة، والله أعلم
أما الحافظ ابن حجر، فقد قال في ترجمة: محمد بن أبي عدي البصري من مقدمة "الفتح" (ص 463): "من شيوخ أحمد، قال عمرو بن علي: أحسن عبد الرحمن بن مهدي الثناء عليه، وقال أبو حاتم والنسائي وابن سعد: ثقة، وفي "الميزان" أن أبا حاتم قال: لا يحتج به، فينظر في ذلك، وأبو حاتم عنده عَنَت، وقد احتج به الجماعة". اه.
قلت: مع النظر الذي أشار إليه ابن حجر، وثبوت توثيق أبي حاتم له، لا يتجه وصفه بالعنت هنا.
ولو ثبتت هذه العبارة عن أبي حاتم، لدَلَّتْ على درجة التوثيق التي عناها؛ لأن الثقة درجات، كما هو معلوم.
وقال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح":
"كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى: شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه، ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد منه، ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري وأبو حاتم أشد من البخاري". اه.
أقول:
بالنسبة للرابعة، فربما بناها ابن حجر على: تجهيلِ أبي حاتم لجماعةٍ مِمَّنْ أخرج لهم البخاري في "صحيحه"، أو طعنِهِ فيهم، أو إعلالِه لبعض ما أخرجه البخاري
(2/157)

فيه، وهذا لا يلزمُ، وإلا لاطَّرَدَ، فيقال مثلُهُ في جماعةٍ من الحفاظ، انتقدوا على البخاري إخراجَهُ لبعض الأحرف، أو تكلموا في بعض رجال "صحيحه"، ولا شك أن هذا غير مُسَلَّم، فهذا ابن طاهر لما قال: "شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة رجاله إلى الصحابي المشهور"، قال العراقي: "ليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضعف رجالا أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين، فأجاب الحافظ ابن حجر بقوله: "تضعيف النسائي إن كان باجتهاده أو نَقْلِهِ عن معاصرٍ، فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم، فلا ... ".
قلت: لاحِظْ أنه لما ضَعَّفَ النسائيُّ جماعةً من رجال الشيخين، بل وتجنب إخراجَ أحاديثهم، قيل: إنَّ له في الرجال شرطًا أشد من شرطهما، ولم يقل أحد أنه أشد تعنتا منهما، وذلك لأنها قضية تختلف فيها الأنظار، ولا شك أن أكثر ما خالف فيه النسائي -أو وافق أيضا- إنما مرجعه إلى الاجتهاد والنظر- ونَقْلُهُ في الأبواب كلامًا لغيره قليلٌ.
فكذلك الحالُ بالنسبة لأبي حاتم أو غيره من النقاد، يُجَهِّلُ أحدُهم مَنْ يَعرفُهُ غيرُه، أو يُضَعِّفُ مَنْ يُوثقُهُ غيرُه، والعكسُ بالعكسِ، ولا غضاضةَ في ذلك، ولا إشكالَ البَتَّةَ لِمَنْ تدبر كتب القوم واختلافهم فيها.
وقواعدُ النظرِ في اختلافهم، والترجيحِ بين أقوالهم: منشورةٌ في كتب الفن قديما، لا يعوز الطالبَ إلا تحصيلُ أسبابها، وليس من تلك القواعد أن تُطرحَ أقوالُ أَحدهم -لمجرد مخالفة غيره له من النقاد- بدعوى أنه متعنت، والأمرُ دائرٌ حولَ القرائن، وتابعٌ لاختلافِ الأحوال، والحججُ والدلائلُ والشواهدُ قاضيةٌ على كُلِّ دعوى.
(2/158)

ومن تلك الدلائل والحجج على ما ذكرتُ، أن من وُصف في كلام متأخري الحفاظ والمحققين بالعنت أو التشدد، سواء بإطلاق أو بالمقارنة بغيره، تجده في مواضع -ليست بالقليلة- يُجْمِلُ القولَ ويُسَهِّلُه فيمن يضعفه غيره، فإذا ثبت هذا وتكرر، دل على ما سبق من اعتماد ذلك على الاجتهاد والنظر، لا أنها صفةٌ لازمة لكل إمام لا ينفك عنها، بحيث يُرد جرحُه إذا لم يوافقه عليه غيره.
وفيما يخص أبا حاتم هنا، فهذه بعض المواضع التي تدل على ما أسلفتُه من عدم اطِّراد ما قيل بشأن تعنته في باب الجرح، أذكرها -على سبيل الاختصار- كنماذج على ما سبق:

1 - أيوب بن سويد الرملي:
كلام الأئمة فيه شديد، فقد ضعفه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء يسرق الأحاديث ... وقال في رواية معاوية بن صالح عنه: كان يدعي أحاديث الناس.
وقال البخاري: يتكلمون فيه.
وهي كلمة شديدة كما مَرَّ، وقريب منها قول النسائي: ليس بثقة.
وذكره ابن حبان في "الثقات" لكنه قال: كان رديء الحفظ يخطىء، يُتقى حديثه من رواية ابنه محمد بن أيوب عنه ...
قلت: قد أورد له ابن عدي في ترجمته من "الكامل" مناكير من غير رواية ابنه عنه.
أما أبو حاتم فقد نقل عن ابن معين نحو ما سبق عنه، ولما سأله ابنه عنه قال: "هو لين الحديث". "الجرح" (2/ 250)
(2/159)

وقد فسَّر ابن أبي حاتم هذه العبارة عند بيانه درجات رواة الآثار في الجرح (2/ 37) فقال في الدرجة الخامسة - من أصل ثمانية: "إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه اعتبارا".
ثم ذكر بعده: "ليس بقوي" وهو دون ذلك، ثم ذكر: "ضعيف الحديث" ثم: "متروك الحديث أو ذاهب الحديث أو كذاب".
فإذا قارنت قول أبي حاتم في أيوب بقول ابن معين والبخاري ظهر أبو حاتم كأنه سَهَّلَ والآخران شدَّدا، لاسيما البخاري الذي سبقت مقارنته بأبي حاتم في كلام ابن حجر.

2 - ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي:
نقل ابن أبي حاتم عن أحمد وابن معين قولهما فيه: "ليس بشيء" وزاد أحمد: "ضعيف الحديث".
ولما سأل أبا حاتم عنه قال: "لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به" ومثله قول أبي زرعة: كوفي لين.
فقول أبي حاتم -ومثله أبو زرعة- تضعيفٌ هَيِّنٌ، وهو أعلى من قول أحمد وابن معين بدرجتين كما سبق بيانه.

3 - حسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي:
قال أحمد: لا أعرفه. وقال ابن عدي: يسرق الأحاديث، وذكر له شيئا من ذلك، ثم قال: له غير هذا مما سرقه من الثقات، وأحاديثه لا يتابع عليها. اه.
وقال ابن حبان في "الثقات": ربما أخطأ.
ووهَّاه الأزدي.
(2/160)

أما أبو حاتم فقد سمع منه، وسئل عنه فقال: صدوق.
نعم، قد يقال هنا إن أبا حاتم أَخْبَرُ به؛ لأنه سمع منه، لكن قد يقال أيضًا: لعله طرأ عليه بعد أن لقيه أبو حاتم ما أوقعه فيما أخذه عليه ابن عدي.
وعلى كلا الاحتمالين، فالأمر دائر على النظر في حيثيات كل من الجرح والتعديل، وفي: أيهما أبعد عن الخلل وأقرب لحال الراوي، وهذا هو العمدة في هذا الفن، لا مجرد النظر في مراتب المجرحين والمعدلين في هذا الباب لإنزال قوله بحسب مرتبته في ذلك.

4 - سماك بن حرب الكوفي:
وصفه أحمد بأنه مضطرب الحديث، وقدَّمه مع ذلك على عبد الملك بن عمير، ووثقه ابن معين، وذكر أن مما عيب عليه أنه أسند أحاديث لم يسندها غيره.
وضعفه الثوري وشعبة، وذكر الأخير أنه كان يُلقَّن، وكذلك قال النسائي، وذكر أنه إذا انفرد بأصل لم يكن بحجة.
وذكر ابن المديني أن روايته عن عكرمة مضطربة.
وقد احتج مسلم به في روايته عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير وجماعة كما قاله الذهبي في "الميزان".
أما أبو حاتم فقد سئل عنه فأطلق القول بأنه: صدوق ثقة (4/ 280).

5 - ضرار بن صرد أبو نعيم الطحان الكوفي:
نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين تكذيبه. وقال البخاري والنسائى: متروك الحديث. وقال النسائي مرة: ليس بثقة. وضعفه أكثر الحفاظ المتأخرين.
وقد روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة والبخارى في "خلق أفعال العباد" حديثين (161، 544)
(2/161)

وقال أبو حاتم: صاحب قرآن وفرائض، صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به، روى حديثا عن معتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضيلة لبعض الصحابة ينكرها أهل المعرفة بالحديث. اه.
فقارن العبارات التي استعملها أبو حاتم في مقابل عبارة ابن معين والبخاري والنسائي، فهل يقال: هم شددوا؟ أم يقال: هو سَهَّل؟
الحق أنه لا هذا ولا ذاك، وإنما هو بحسب نظر كل منهم، وما أدَّاه إليه اجتهادُه في حال ضرار.
وعلى الناقد أن ينظر في أسباب حُكم كل منهم إذا وسعه ذلك وكان أهلا له.
من ذلك أن الحديث الذي ذكره أبو حاتم وأنكره أهل المعرفة بالحديث، قد أخرجه الحاكم في "المستدرك" (3/ 122) بلفظ: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعلي: أنت تُبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي" وقال: صحيح على شرط الشيخين!! فرده الذهبي في "التلخيص" بقوله:
"بل هو فيما أعتقده من وضع ضرار، قال ابن معين كذاب".
فهذان طرفان، فقال الشيخ المعلمي في ترجمة ضرار من "التنكيل" (112):
"لا ذا ولا ذاك، والصواب ما أشار إليه أبو حاتم، فإنه أعرف بضرار وبالحديث وعلل، فكأنَّ ضرارا لُقِّنَ أو أُدْخل عليه الحديث أو وَهِم".
ثم قال في حال ضرار:
"الذى يظهر أن ضرارا صدوق في الأصل، لكنه ليس بعمدة، فلا يحتج بما رواه عنه من لم يعرف بالإتقان، ويبقى النظر فيما رواه عنه مثل أبي زرعة أو أبي حاتم أو البخاري، والله أعلم". اه.
(2/162)

6 - عبد الرحمن بن النعمان بن معبد:
نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين قوله فيه: ضعيف. ثم سأل أباه عنه فقال: صدوق (5/ 294).
ذكره الذهبي في "الميزان" (4991) ثم قال: "وقد روى عن سعد بن إسحاق العجري، فقلب اسمه أولا، فقال: إسحاق بن سعد بن كعب، ثم غلط في الحديث، فقال: عن أبيه عن جده، فَضَعْفُهُ راجح". اه.
ونقل الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (6/ 287) عن ابن المديني قوله فيه: مجهول.
والحديث الذي أشار إليه الذهبي قد رواه أبو داود في "سننه" (2377). وقال عقبه: قال لي يحيى بن معين: هو منكر.

7 - أبو جعفر الرازي واسمه عيسى، واخلتف في اسم أبيه:
وثقه غير واحد من الأئمة، ومع ذلك لَيَّنُوه، وذكروه بالخطأ والتخليط وسوء الحفظ.
وقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرا.
أما أبو حاتم فقد أطلق فيه أنه: ثقة صدوق صالح الحديث.

8 - مجاهد بن وردان:
قال ابن معين: لا أعرفه. ذكره أبو حاتم، فلما سئل عنه قال: ثقة، روى عنه شعبة (8/ 320)

9 - محمد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي:
قال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين عن ابن أبي نعيم فقال: ليس بشيء. وقال الآجري: سئل أبو داود عن ابن أبي نعيم فقال: سمعت ابن معين يقول: أكذب
(2/163)

الناس، عفر من الأعفار. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات. وقال أحمد بن سنان القطان: ثقة صدوق.
وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وقال أبو حاتم: صدوق (8/ 83 - 84).

10 - الوليد بن الوليد بن زيد العنسي الدمشقي:
قال أبو حاتم: صدوق، ما بحديثه بأس، حديثه صحيح.
لكن قال الدارقطني وغيره: متروك. وروى له نصر المقدسي في "أربعينه" حديثا منكرا، وقال: تركوه.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن الأوزاعي مسائل مستقيمة، ثم أعاده في "المجروحين" وقال: روى عن ابن ثوبان نسخة أكثرها مقلوب، وأورد له عن الأوزاعي خبرا قال فيه: لا أصل له من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص 451): "متروك، وإنما قال: "صدوق" من لم يخبر حاله". اه.
فرجع الأمر إلى اختلاف النظر والاجتهاد، فليس من وُصف بالعنت في باب الجرح يصير توثيقُه حُجة حيثما وجد، بل لكل ترجمة نظر خاص بها.

11 - يمان بن عدي الحضرمي الحمصي:
قال أحمد: ضعيف، رفع حديث التفليس.
وقال البخارى: في حديثه نظر.
وقال الدارقطنى: ضعيف.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم.
أما أبو حاتم فقال: شيخ صدوق.
(2/164)

12 - يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي بن صهيب:
قال البخارى: فيه نظر.
وقال أبو حاتم: شيخ، وهو من ولد صهيب ليس به بأس.

13 - يونس بن أبي يعفور العبدي الكوفي:
ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، ووثقه الدارقطني، وأخرج له مسلم موضعا واحدا (1852) شاهدا.
وقال أبو حاتم: صدوق.
قال أبو أنس:
هذه نماذج على تعديل أبي حاتم لمن ضعفه أو وهَّاه غيره، وكذلك على تعديله لمن لم يعرفه مثل ابن معين، وسبق تعليقي على بعض هذه النماذج بما يدل مجموع ذلك على المواد منها.
ويلاحظ من بعض تلك النماذج أن أبا حاتم بينما يَنقل هو تضعيف غيره للراوي، أو ينقل ابنه التضعيف أو التجهيل، فإنه مع ذلك يوثقه أو يقول: صدوق، ونحو ذلك.
ومن المعلوم أن صاحب النَّفَس المتشدد في الجرح، لا تسمح له نفسه غالبا بتوثيق من ضعفه غيره أو جهَّله، لاسيما وهو الذي يحكي ذلك أو يُحكى له، فقد كان مقتضى الطَّبْع أن يستروح لكلام غيره في ذلك.
فدل صنيع أبي حاتم في هذه المواضع أن اختلاف الاجتهاد هو الذي دفعه لهذا التوثيق.
(2/165)

فالأمر إذًا دائر مع:
الدلائل والشواهد والقرائن التي تدعم أو تخالف أو تُفَسِّر أو تُقَيِّد كلام إمام الجرح والتعديل.
مع عرض كلام بعضهم على بعض، واستصحاب بعض الانطباعات التي أُخذت عن أيٍّ منهم في غالب تصرفاته في الأحوال المشابهة من الرواة، على سبيل حمل الغامض أو المجمل من ذلك على الواضح المبين.
والأصل في جميع ذلك أن يدل كلام أئمة الجرح والتعديل في مجمله على معنى متقارب، مع تقارب ألفاظهم وعباراتهم في ذلك، فإن عبارات الجرح والتعديل متجاذبة، يمكن حمل بعضها على بعض، للتقريب بينها.
وما لم يمكن التقريب بينه من عباراتهم حُمل على تباين الاجتهاد، وللنظر في كلامهم حينئذ قواعد تُعرف بالممارسة لكتبهم، ترى شيئا منها في أقسام هذا الكتاب، مما قرره الشيخ المعلمي في مصنفاته، ومما فتح الله به من بعض التحريرات والأطروحات التي أضعها بين يدي الباحثن، عسى أن تكون موفَّقَةً وناهضةً لتدقيق أهل الاختصاص، عاملين فيها بالنقد؛ تمحيصا وتدعيما وتصويبا وتعقيبا، والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وأعود لأبي حاتم، فأقول:
لقد طال عجبي وأنا أطالع كتاب "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" لأبي الحسنات اللكنوي الهندي الحنفي -وما أكثر ما في هذا الكتاب من العجائب، وقد شرعتُ في تحريرِ الجوابِ عن كثيرٍ من المسائل التي خالفَ فيها مؤلفُه وجهَ الصواب، وقد دأبَ مؤلفُه على تمييعِ كثيرٍ من القضايا الاصطلاحية، وتفريغِ العديدِ من ألفاظِ الجرحِ من مضمونها، وملأ كتابَه بكثيرٍ من الإطلاقات والتعميمات في غير محلها- إذ عقد فيه ما أسماه: "إيقاظ 14 " وقال فيه (ص 107):
(2/166)

لا تغترر بقول أبي حاتم في كثير من الرواة -على ما يجده من يطالع "الميزان" وغيره- إنه (مجهول)، ما لم يوافقه غيره من النقاد؛ فإن الأمان من جرحه بهذا مرتفع عندهم، فكثيرا ما ردوه عليه بانه جَهَّلَ مَن هو معروف عندهم.
فقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري":
• الحكم بن عبد الله البصري، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: (مجهول).
قلت: ليس بمجهول من روى عنه أربع ثقات، ووثقه الذهلي.
• وقال أيضًا: عباس القنطري، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: (مجهول).
قلت: إن أراد العين، فقد روى عنه البخاري، وموسى بن هلال، والحسن بن علي المعمري. وإن أراد الحال، فقد وثقه عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي، فذكره بخير.
وقال السيوطي في "تدريب الراوي": جَهَّل جماعةٌ من الحفاظ قوما من الرواة لعدم علمهم بهم، وهم قوم معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في "الصحيحين" من ذلك:
1 - أحمد بن عاصم البلخي، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه ابن حبان، وقال: روى عنه أهل بلده.
2 - إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي، جَهَّلَهُ ابن القطان وعرفه غيره فوثقه ابن حبان.
3 - أسامة بن حفص المديني، جَهَّلَهُ أبو القاسم اللالكائي، وقال الذهبي: ليس بمجهول، روى عنه أربعة.
4 - أسباط أبو اليسع، جَهَّلَهُ أبو حاتم، وعرفه البخاري.
5 - بيان بن عمرو، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه ابن المديني وابن حبان وابن عدي وعبيد الله بن واصل.
(2/167)

6 - الحسين بن الحسن بن يسار، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه أحمد وغيره.
7 - الحكم بن عبد الله البصري، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه الذهلي، وروى عنه أربع ثقات.
8 - عباس القنطري، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه أحمد وابنه.
9 - محمد بن الحكم المروزي، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه ابن حبان". اه. نقل اللكنوي.
قال أبو أنس:
ما أشدَّ خطورة هذا الفصل -ككثير من فصول ذاك الكتاب- ومُؤَدَّاهُ كما رَمَى إليه مؤلفُه هو: طَرْحُ قولِ أبي حاتم في الرواة: "مجهول" إذا لم يوافقه على ذلك أحدٌ من النقاد.
وما استدل مؤلفُه بنقله عن ابن حجر والسيوطي فيما يخصُّ أبا حاتم، فَأَوْهَى من بيت العنكبوت.
وهذا إجمالٌ لنكاتٍ تُفيد في الجوابِ عمَّا ذَكره، ثم أُعَرِّجُ على ما نقله تفصيلًا. والله تعالى الموفق.
أولا: الجهالة عند أبي حاتم وكثر المتقدمين في أدقِّ معانيها هي عدم الوقوف على ما يفيد في معرفة ما يمكنُ الاعتمادُ عليه في قبول حديث الراوي، وليس عند الحُذَّاق منهم فرقٌ في ذلك بين مَن روى عنه واحد، أو روى عنه جماعة، فربما وثقوا مِنَ الصنف الأول، وجَهَّلُوا مِن الثاني.
وعدم الوقوف هذا ربما انبنى على:
عزةِ حديث الراوي، أو عزةِ مَنْ روى عنه أو عدمِ سلامةِ الطرق إليه، أو نحو ذلك مما يُعرف بالتتبع والاستقراء.
(2/168)

والأمر في ذلك أوسعُ مما حدَّه المتأخرون في شأن الجهالة، فقسموها إلى الصنفين السابقن، وسموا الأول: "مجهول العين"، والثاني: "مجهول الحال"، وجعلوا الأول: مردودا مطلقا، والثاني: صالحا للاستشهاد والمتابعة.
ثانيا: فَرَّعَ البعضُ على هذا التقسيم أمورا، من ذلك -وهو لصيقٌ بما نحن بصدده- قولُ اللكنوي في كتابه المذكور "الرفع والتكميل" في "الإيقاظ 13 ":
"فرقٌ بين قولِ أكثر المحدثين في حق الراوي: (إنه مجهول)، وبين قول أبي حاتم: (إنه مجهول)، فإنهم يريدون به غالبا: جهالةَ العين، بأن لا يروي عنه إلا واحد، وأبو حاتم يريد به جهالةَ الوصف، فافهمْه واحفظْه؛ لئلا تحكم على كل من وجدتَّ في "الميزان" إطلاقَ المجهول عليه أنه مجهول العين". اه.
أقول:
فهذا تلبيسٌ ظاهرٌ، لأنه يُلزِمُ أبا حاتم بهذا التقسيم المذكور، ثم يُقْصِرُ قولَه: "مجهول" على أنه أراد به جهالةَ الوصف أو الحال، لا العين.
واللكنوي هو الذي نقل بعد ذلك عن تقي الدين السبكي في "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" قوله:
"أما قول أبي حاتم الرازي في موسى بن هلال: إنه "مجهول"، فلا يضره؛ فإنه إما أن يريد به جهالة العين أو جهالة الوصف ... ".
وعن "فتح المغيث" للسخاوي قوله:
"على أن قول أبي حاتم في الرجل: إنه "مجهول"، لا يريد به أنه لم يرو عنه سوى واحد؛ بدليل أنه قال في: "داود بن يزيد الثقفي" إنه مجهول، مع أنه قد روى عنه جماعة، ولذا قال الذهبي عقبه: هذا القول يوضح لك أن الرجل قد يكون مجهولا عند أبي حاتم، ولو روى عنه جماعة ثقات. يعني إنه مجهول الحال انتهى.
(2/169)

ومعنى كلام هؤلاء واضح جدًّا أن أبا حاتم لا يتقيد في تجهيله للرواة برواية الواحد أو الجماعة، وهو ما قررناه آنفًا، فكيف يقال مع ذلك: " ... وأبو حاتم يريد به جهالة الوصف، فافهمه واحفظه ... "!
أما تفصيل الجواب عما نقله اللكنوي فأقول:
أبو حاتم من أهل الاصطلاح الذين تُؤخذ عنهم القواعد، بل هو من المقدَّمين منهم، الذين أثّرَوْا عِلْمَ النقد بوافرٍ من التحقيقات والتعليلات، وعليه مدار كثير من المنقول في نقد الرواة والأخبار؛ فلا يقال له في رجل قال فيه "مجهول": "ليس بمجهول من روى عنه أربع ثقات، ووثقه الذهلي".
بل يقال كما سبق:
لا يشترط في الوصف بالجهالة عدمُ رواية أكثر من واحد عن الراوي، كما قاله الذهبي؛ استدلالًا بصنيع أبي حاتم.
أو قُلْ: هو اصطلاح أبي حاتم على أَقَلِّ تقدير.
أما الذُّهلي فكان فيه تسمُّح؛ ترتفع الجهالةُ عنده برواية اثنين عن الراوي، فلعله أثبت له العدالة هنا بناءً على هذا، ولا يُقارَن الذهلي بأبي حاتم في هذا الباب.
وأبو حاتم إمامٌ، فلا يُبْطَلُ نَقْدُهُ بنَقْدِ إمامٍ آخر، ولكن يُجمع بينهما بقواعد الجمع المعروفة، فربما اطَّلع الواحد منهم على ما لم يطلع عليه الآخر، أو يكونا اطَّلعَا، لكنِ اعْتَدَّ أحدُهما بما وقف عليه فوثَّق أو صحَّح، ولم يعتد الآخر به فجهَّل أو توقَّف، ولكُلِّ مقامٍ نقدٌ خاصٌ.
وقد يكون من اعتدَّ: قد اغترَّ بما لا ينهضُ، فخالفه الصوابُ.
هذا ربما تدل عليه القرائن، وهو خلاف الأصل المتعارف عليه: أن من علم حُجة على من لم يعلم.
(2/170)

وأما ما سرده السيوطي، فمما يُؤخذُ عليه:
اعتمادهُ توثيق ابن حبان للطبقات المتقدمة، لاسيما في مقابل تجهيل أبي حاتم، وراجع ترجمة ابن حبان في هذا القسم.
وقابل ما أورده من النماذج بما أوردته سابقا، تعلم أن القضية ليست بمطردة، وأن الأمر دائرٌ على الاجتهاد واختلاف النظر في كل موضع.
هذا آخر ما أردتُّ التنبيه عليه فيما يتعلق بأبي حاتم هنا، وإن كان تناولُ منهجه يحتاج إلى دراسة مستقلة، لكن كما نبهت في مقدمة هذا القسم أنني إذا تناولت تحرير شيء فإني أتقيدُ بما يأتي ذكره في كلام الشيخ المعلمي.
* * *
(2/171)

ابن معين
(ت 233 ه)
(2/173)

يتعلق به هاهنا ثمانية أمور:
الأول: اختلافُ قوله في الراوي.
الثاني: تكذيبه أحيانًا بمعنى كثرة الخطأ ونحوه.
الثالث: قوله: "ليس بثقة" قد يريد بها نفي الدرجة العليا من التوثيق.
الرابع: تشدده أحيانا فيما يتفرد به الراوي.
الخامس: معنى قوله: "ليس بشيء".
السادس: توثيقُه لبعض المجاهيل.
السابع: توثيقه لمن ضعفه غيره.
الثامن: تَجَمُّلُ بعضِ الرواة الضعفاء له، واستقباله بأحاديث مستقيمة، فَيُحْسِنُ القولَ فيهم.
* * *
(2/175)

الأمر الأول
اختلاف قوله في الراوي
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 69):
"قد اختلف كلام ابن معين في جماعة، يوثق أحدهم تارة ويضعفه أخرى، منهم: إسماعيل بن زكريا الخُلقاني، وأشعث بن سوار، والجراح بن مليح الرؤاسي، وحرب (1) بن أبي العالية، والحسن بن يحيى الخشني، والزبير بن سعيد، وزهير بن محمد التميمي، وزيد بن حبان الرقي، وسَلْم العلوي، وعافية القاضي، وعبد الله بن (2) الحسن أبو حريز، وعبد الله بن عقيل أبو عقيل، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وعبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني، وعبد الواحد بن غياث، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهم ...
وقد يقول ابن معين في الراوي مرة: "ليس بثقة"، ومرة: "ثقة"، أو: "لا بأس به"، أو نحو ذلك (راجع تراجم جعفر بن ميمون التميمي وزكريا بن منظور ونوح بن جابر) ". اه.
* * *
__________
(1) في "التنكيل": "جرير" وهو تحريف.
(2) سقط من "التنكيل".
(2/177)

الأمر الثاني
تكذيبه أحيانًا بمعنى كثرة الخطأ ونحوه
• في ترجمة: ضرار بن صرد من "التنكيل" رقم (122):
قال الأستاذ -يعني الكوثري- (ص 60): "ضرار بن صرد هو أبو نعيم الطحان الذي يقول عنه ابن معين: كذاب ... ".
فقال الشيخ المعلمي:
"قال علي بن الحسن الهسنجاني عن ابن معين: بالكوفة كذابان؛ أبو نعيم النخعي وأبو نعيم ضرار بن صرد، وظاهر هذا تعمد الكذب"، لكن قال الأستاذ (ص 163): "الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم، فمن غلط أو وهم في شيء يمكن عده كاذبًا على هذا الرأي ... فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب، ما لم يفسر وجه كذبه ... "
أقول: وقد قال ابن معين لشجاع بن الوليد أبي بدر السكوني: يا كذاب. وقد قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: شجاع بن الوليد ثقة، ووثقه غيره، ولكنه يهم ويغلط.
فلننظر كلام غير ابن معين في أبي نعيم النخعي واسمه عبد الرحمن بن هانىء، ثم في أبي نعيم ضرار بن صرد" (1).
قال أبو أنس:
هذا -كما هو واضح- خلاف الأصل في استعمال تلك العبارة، وإنما ساغ صَرْفُهَا عن أصل وضعها واستعمالها لِمَا ثبت عن ابن معين من سائر العبارات، فوجب الجمعُ، وحَمْلُ بعضها على بعض، فالجمع كما هو معلوم أوْلى من التضاد أو الطَّرْح.
__________
(1) ترجمتاهما في قسم التراجم برقمي (356، 450).
(2/178)

الأمر الثالث
قوله "ليس بثقة" قد يريد به نفي الدرجة العليا من التوثيق
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: محمد بن فليح بن سليمان من "التنكيل" رقم (29):
"روى أبو حاتم عن معاوية بن صالح، عن ابن معين: فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه فسئل أبو حاتم فقال: ما به بأس، ليس بالقوي.
وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح؛ قال مرة: ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي، وقال مرة: ضعيف ما أقربَهُ من أبي أويس، وقال مرة: أبو أويس مثل فليح فيه ضعف وقال في أبي أويس: صالح ولكن حديثه ليس بذاك الجائز. وقال مرة: صدوق وليس بحجة.
فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأصلى: ليس بثقة إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة". اه.
قال أبو أنس:
يقال هاهنا مثل ما قيل في الأمر السابق.
* * *
(2/179)

الأمر الرابع
تشدده أحيانًا فيما يتفرد به الراوي
• قال المعلمي في "التنكيل" (1/ 240):
"قد كان يحيى بن معين ينتقد على الرواة ما يراهم تفردوا به، وربما شَدَّد".
• وقال في "التنكيل" أيضًا (1/ 68):
"ربما يجرح أحدهم الراوي لحديثٍ واحدٍ استنكره وقد يكون له عذر.
وَرَدَ ابنُ معين مصرَ، فدخل على عبد الله بن الحكم فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان. وعَدَّ جماعةً روى عنهم قصة، فقال ابنُ معين: حدَّثك بعضُ هؤلاء بجميعه وبعضهم ببعضه؟ فقال: لا، حدثني جميعُهم بجميعه، فراجعه فأصَرَّ، فقام يحيى وقال للناس: يكذب.
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أنَّ كُلا منهم حدَّثه ببعض القصة، فجمع ألفاظهم، وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز ليست بحديث، فظن يحيى أن مراده أن كلا منهم حدَّثه بالقصة بتمامها على وجهها، فكذَّبه في ذلك، وقد أساء الساجي إذ اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: كذبه ابن معين.
وبلغ ابنَ معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدِّث عن عبد الرزاق بحديثٍ استنكره يحيى فقال: مَنْ هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا فقام فقال: هو ذا أنا، فتبسم يحيى وقال: أما إنك لست بكذاب ... ". اه.
* * *
(2/180)

الأمر الخامس
معنى قول ابن معين: ليس بشيء
• قال الشيخ المعلمي في طليعة "التنكيل" (ص 54 - 55):
"ابن معين مما يطلق: ليس بشيء، لا يريد بها الجرحَ وإنما يريد أن الرجلَ قليلُ الحديث". وقد ذكر الكوثري ذلك (ص 129)، ويأتي تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من "التنكيل".
وحاصله أن ابنَ معين قد يقول: "ليس بشيء" على معنى قلة الحديث، فلا تكون جرحًا، وقد يقولها على وجه الجرح كما يقولها غيره فتكون جرحًا، فإذا وجدنا الراوي الذي قال فيه ابنُ معين: "ليس بشيء" قليل الحديث وقد وُثِّقَ، وجبَ حملُ كلمة ابن معين على معنى قلة الحديث لا الجرح، وإلا فالظاهر أنها جرح، فلما نظرنا في حال ثعلبة وجدناه قليل الحديث، ووجدنا ابن معين نفسه قد ثبت عنه أنه قال في ثعلبة: لا بأس به، وقال مرة: ثقة، كما في "التهذيب".
وممن قال ابن معين فيه: ليس بشيء: أبو العطوف الجراح بن المنهال، فنظرنا في حاله، فإذا له أحاديث غير قليلة، ولم يوثقه أحد بل جرحوه، قال ابن المديني: لا يكتب حديثه، وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال أبو حاتم والدولابي الحنفي: متروك الحديث ذاهب لا يكتب حديثه، وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة ولا يكتب حديثه وذكره البرقي فيمن اتُّهِم بالكذب، وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر ... والكلام فيه أكثر من هذا، فعرفنا أن قول ابن معين فيه: "ليس بشيء" أراد بها الجرح كما هو المعروف عند غيره في معناها.
(2/181)

• وقال المعلمي في ترجمة أبي العطوف جراح بن المنهال من "التنكيل" (1/ 215):
"أما قول ابن معين: ليس بشيء، فلا ريب أنه قد يقولها في الراوي بمعنى قلة ما رواه جدًّا، يعني أنه لم يُسند من الحديث ما يُشتغل به كما مرت الإشارة إليه ... ، فأما أنه كثيرًا ما يقول هذا فيمن قلَّ حديثه فهذه مبالغة الأستاذ - يعني الكوثري".
وحاصله أن الظاهر المتبادر من هذه الكلمة: الجرحُ، فلا يُعدل عنه إلا بحجة فلما كان ابن معين قد وثق ثعلبة -وهو ابن سهل القاضي- ولم يقدح فيه غيره، وثعلبة قليل الحديث جدًّا، تبين أن مراد ابن معين بتلك الكلمة - لو ثبتت: قلة الحديث.
وأبو العطوف لم يوثقه ابن معين ولا غيره، بل أوسعوه جرحًا، وحديثه غير قليل، فقد ذكر له الأستاذ خمسة، وفي "لسان الميزان" ثلاثة أخرى، لو لم يكن له غيرها لما كانت من القِلَّة بحيث يصح أن يقال: إنها ليست بشيء. ولولا أنهم تركوه ولم يكتبوا حديثه لوجدنا له غير ما ذكر ... فمن الواضح أن قول ابن معين في أبي العطوف: "ليس بشيء" إنما محملها الجرح الشديد. اه.
* * *
(2/182)

الأمر السادس
توثيقه لبعض المجاهيل
• قال الشيخ المعلمي "التنكيل" (1/ 66 - 67):
"ينبغي أن يُبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك.
فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يَعرف ما روى وعمَّن روى ومَن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنَّت فيمن وجد في روايته ما استنكره وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا، والعجلي قريبٌ منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد وابن معين والنسائي وآخرون غيرهم يوثقون مَنْ كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا روايةَ أحدِهم مستقيمة، بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديثٌ واحد.
فمِمَّن وثقه ابن معين من هذا الضرب:
الأسقع بن الأسلع (1).
__________
(1) ذكره الذهبي في "الميزان" (822) وقال: ما علمت روى عنه سوى سويد بن حجير الباهلي، وثقه مع هذا يحيى بن معين، فلما كُلُّ من لا يُعرف ليس بحجة، لكن هذا الأصل".
(2/183)

والحكم بن عبد الله البلوي (1).
ووهب بن جابر الخيواني (2) وآخرون ...
وقد روى العوام بن حوشب عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا، ولا يُعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية، فوثقهما ابن معين.
وروى همَّام، عن قتادة، عن قُدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب حديثًا، ولا يُعرف قُدامة إلا في هذه الرواية، فوثقه ابن معين، مع أن الحديثَ غريبٌ، وله علل أخرى، راجع "سنن" البيهقي (3/ 248) ".
• وقال: (1/ 68 - 69):
"قد عرفنا رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد.
فإن شئتَ فاجعل هذا رأيًا لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة"؛ كأن يراد بها استقامة ما بلَغَ الموثِّقَ من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة". اه.
* * *
__________
(1) ذكره أيضًا الذهبي (2184) وقال: "عنه يزيد بن أبي حبيب وحده ولا يُعرف، لكن هذا وثقه يحيى ابن معين".
(2) روى عنه أبو إسحاق السبيعي وحده، وقال ابن المديني والنسائي: مجهول.
(2/184)

الأمر السابع
توثيقه لمن ضعفه غيره
• قال الشيخ في "التنكيل" (1/ 69):
"وجاء عن ابن معين توثيقُ جماعةٍ ضعفهم الأكثرون، منهم: تمام بن نجيح، ودراج بن سمعان، والربيع بن حبيب الملاح، وعباد بن كثير الرملي، ومسلم بن خالد الزنجي (1)، ومسلمة بن علقمة، وموسى بن يعقوب الزمعي، ومؤمل بن إسماعيل، ويحيى بن عبد الحميد الحمَّاني.
وهذا يُشعر بأن ابن معين كان ربما يطلق كلمة "ثقة" لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب". اه.
قال أبو أنس:
هذا يتمشى مع ما قررناه سلفًا، أن الغالب في مجموع كلام الأئمة في الرجل أن يكون قريبًا بعضه من بعض، يُردُّ المجمل منه إلى المبيَّن، والمُطْلَقُ إلى المُقَيَّد، والمُبْهَمُ إلى المُفَسَّر، إلا إذا دَلَّت القرائنُ على تباين واضح في الاجتهاد فيُلجأ حينئذٍ إلى الترجيح بينها حسب القواعد المقررة لذلك.
* * *
__________
(1) لم يتفق الرواة عن ابن معين على توثيقه فقد نقل بعضهم عنه تليينه أيضًا، ونقل بعضهم تضعيفه. وراجع ترجمة مسلم هذا في القسم الأول من هذا الكتاب رقم (734)، مع تعليقي عليها.
(2/185)

الأمر الثامن
تجمُّل بعض الرواة الضعفاء لابن معين واستقباله بأحاديث مستقيمة فيُحسن القولَ فيهم
• قال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص 30):
"عادةُ ابنِ معين في الرواة الذين أدركهم أنه إذا أعجبته هيئةُ الشيخ يسمعُ منه جملةً من أحاديثه، فإذا رأى أحاديثه مستقيمةً ظنَّ أن ذلك شأنَه، فوثَّقَهُ، وقد كانوا يَتَّقُونَهَ ويخافونه.
فقد يكون أحدُهم مِمنْ يُخَلِّطُ عمدًا، ولكنه استقبل ابن معين بأحاديث مستقيمة ولَمَّا بَعُدَ عنه خَلَّطَ.
فإذا وجدنا مِمَّنْ أدركه ابنُ معين من الرواة مَن وثقه ابنُ معين وكَذَّبه الأكثرون أو طعنوا فيه طعنًا شديدًا، فالظاهر أنه مِنْ هذا الضَّرْب، فإنما يزيدُه توثيقُ ابن معين وَهَنًا؛ لدلالته على أنه كان يتعمد". اه.
• وقال: في "التنكيل" (1/ 67 - 68):
"كان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغداد شيخٌ فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ثم سُئل عن الشيخِ وثَّقَهُ، وقد يتفقُ أن يكون الشيخُ دجالا، استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلَّط قبل ذلك أو يخلِّط بعد ذلك.
ذكر ابنُ الجنيد أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: "ما كان به بأس" فحَكَى له عنه أحاديثَ تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيمًا".
(2/186)

وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه" وقد كذبه أحمد وقال: "أحاديثه موضوعة"، وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة". اه.
• وعلق الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 400) على حديثٍ بقوله:
"في سنده محمد بن كثير الكوفي: هالك؛ تَصَنَّعَ لابن معين بأحاديث مستقيمة، فظنَّ ابنُ معين أن ذلك شأنه فأثنى عليه، ثم ذُكر له بعض مناكيره، فقال: فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب"، وقال أحمد: حرقنا حديثه، وقال ابن المديني: كتبنا عنه عجائب وخططت على حديث". اه.
• وقال: في "الفوائد" أيضًا (ص 293):
"أبو الصلت -وهو عبد السلام بن صالح الهروي- فيما يظهر لي كان داهيةً؛ من جهةٍ: خدم علي الرضا بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وتظاهر بالتشيع، ورواية الأخبار التي تدخل في التشيع.
ومن جهةٍ: كان وجيهًا عند بني العباس.
ومن جهةٍ: تقرَّبَ إلى أهل السنة بردِّه على الجهمية.
واستطاع أن يتجمَّلَ لابن معين حتى أحسن الظن به، ووثقه ... " (1).
* * *
__________
(1) انظر: ترجمة أبي الصلت في قسم التراجم رقم (455).
(2/187)

قال أبو أنس:
من تأمَّل تلك الأمور الخاصَّة بابن معين، عَلم ما قررناه سابقًا أن لكل إمام نظرًا يختلف من حالٍ إلى حال، ومن راوٍ إلى آخر، وأن الحَقَّ يُعرفُ بمجموع كلام الإمام.
ولو استحق الإمامُ وصفًا ما برأي كرره في مواضع، وخالف فيه غيره من الأئمة، لاستحق كُلُّ إمامٍ أوصافا متناقضة فمن نظر إلى الأمر السادس والسابع، رمى ابن معين بالتساهل، ومن نظر إلى الأمر الرابع، رماه بالتشدد، وإلى الأمر الثاني والثالث، رماه بالمجازفة والتعدِّي في استعمال ألفاظ الجرح فيمن لا يستحق.
ومن نظر في الأمر الثامن ربما ظن عدم الخبرة أو نحو ذلك، وفي الأمر الأول ظن اضطراب ابن معين في أقواله.
وجميعُ هذا لا يصحُّ وصفُ ابن معين -ولا غيره من الأئمة- به، ولا يكادُ يسلمُ كلامُ أحدٍ من الأئمة في الرواة من بعض هذه الأمور، كما سبق في ترجمة أبي حاتم، فبينما جَهَّلَ جماعة من الرواة قد عرفهم أو وثقهم غيره فقد عرف ووثق جماعةً قد جهلهم أو ضعفهم غيره.
وهذا أمر منتشر مستفيض في كتب التراجم، لا يلزم من شيء منه إلصاق الأوصاف بالأئمة، وتعطيل أقوال بعضهم في الرواة بحجة كونه يتشدد أو يُسَهِّلُ.
اللهم إلا أن يُصرِّحَ الإمامُ بمنهجٍ له في توثيق الرواة، يُعلم من مذاهب النقاد وقوع الخلل في ذاك المنهج، كتوثيقات ابن حبان مثلًا، كما سيأتي.
والله تعالى الهادي إلى الصواب.
* * *
(2/188)

الإمام أحمد بن حنبل
(ت 241 ه)
(2/189)

يتعلق به هاهنا ثلاثة أمور:
الأول: كيف يُشير إلى تعليل الروايات في "مسنده" أحيانا؟
الثاني: منهجُه في ترتيب الروايات من حيث القوة.
الثالث: موضوع "المسند"، وهل يُخرج فيه مراسيل؟
* * *
(2/191)

الأمر الأول
كيف يشير إلى تعليل الروايات في "مسنده" أحيانا؟
ذكر الشوكاني في "الفوائد" (ص 149) حديث: "الربا سبعون بابًا، أصغرها كالذي ينكح أمه".
وذكر من خرَّجه إلى أن قال:
وأخرجه أحمد في "مسنده" من حديث عبد الله بن حنظلة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "درهم ربا يأكله الرجل -وهو يعلم- أشدُّ من ستةٍ وثلاثين زنية".
قال: وفي إسناده حسين بن محمد بن بهرام. قال أبو حاتم: رأيته ولم أسمع منه ... وأخرجه أحمد من قول كعب موقوفًا. قال الدارقطني: وهذا أصح من المرفوع. اه.
قال: ولم يُصِبْ ابن الجوزي لإدخال هذا الحديث في الموضوعات؛ فحسين المذكور قد احتج به أهل "الصحيح"، وقد وثقه جماعة.
فعلَّق العلامة المعلمي هنا بقوله:
"لكنهم حكموا عليه -يعني حسينًا- بالغلط في هذا، أشار إلى ذلك الإمام أحمد؛ إذ روى الخبر عن حسين، ثم عقبه بالرواية التي جعلته من قول كعب، وكذلك أعلَّهُ أبو حاتم، راجع كتاب العلل لابن أبي حاتم (1/ 387)، وكذلك الدارقطني كما
مَرَّ ... ". اه.
* * *
(2/192)

الأمر الثاني
منهجه في ترتيب الروايات في "المسند" من حيث القوة
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (2/ 118):
"ولِقُوَّةِ هذه الرواية -يعني رواية ابن المبارك عن يونس بن يزيد- ذكرها الإمام أحمد عقب رواية ابن عيينة -يعني: عن الزهري- كأنه يشير إلى أن رواية يونس هذه هي الصواب".
وانظر: ترجمة يونس من قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (831).
* * *
(2/193)

الأمر الثالث
موضوع "المسند" وهل يخرج فيه مراسيل؟
ذكر العلامة المعلمي طرقَ حديث: "للفرس سهمان وللرجل سهم" في المسألة رقم (11) من القسم الثالث من "التنكيل" إلى أن قال (2/ 75):
"وعند الدارقطني (ص 471) عن إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة روايتان: إحداهما: عن أبيه عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: "أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر أربعة أسهم ... ".
والأخرى: عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن الزبير ... بمعناه، وإسماعيل يخلط فيما يرويه عن غير الشاميين.
وفي "مسند" أحمد (1/ 166): "ثنا عتاب، ثنا عبد الله، ثنا فليح بن محمد، عن المنذر بن الزبير، عن أبيه: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى الزبير سهمًا وأمه سهمًا وفرسه سهمين".
ذكره أحمد في مسند الزبير وليس من عادة أحمد في "المسند" إخراج المراسيل.
وعتاب هو ابن زياد المروزي، وثقه أبو حاتم وغيره، ولم يغمزه أحد، وعبد الله هو ابن المبارك.
وقد تصحفت على بعضهم كلمة "بن "بين محمد والمنذر، فجرى البخاري في تاريخه ومن تبعه على ذلك كما في ترجمة فليح في "تعجيل المنفعة"، ولم يذكر البخاري مَنْ رواه كذلك، عن ابن المبارك، فالصواب إن شاء الله رواية أحمد ... أما فليح فغير مشهور، لكن رواية ابن المبارك عنه تقويه. اه.
(2/194)

قال أبو أنس:
قول الشيخ المعلمي: "وليس من عادة أحمد في "المسند" إخراج "المراسيل" مع ما بعده، يعني أن الصواب ما وقع في "المسند": "فليح بن محمد (عن) المنذر بن الزبير عن أبيه" لأن هذا ظاهره الاتصال بين المنذر وأبيه الزبير.
أما ما وقع في "التاريخ الكبير" للبخاري (1/ 243): "محمد بن المنذر بن الزبير ابن العوام القرشي الأسدي، روى ابن المبارك عن فليح بن محمد عن أبيه عنه، مرسل، عداده في أهل المدينة". اه.
فهو يدل على أن الإسناد وقع لدى البخاري هكذا: فليح بن محمد (بن) المنذر بن الزبير عن أبيه عن الزبير ومحمد عن الزبير مرسل، ولم يذكر البخاري من رواه هكذا عن ابن المبارك حتى يقارنه ب "عتاب" الذي وثقه أبو حاتم وغيره. وقوَّى المعلمي صحة ما في "المسند" بأن الإمام أحمد ليس من عادته إخراج المراسيل.
* * *
(2/195)

الإمام مالك بن أنس
(ت 179 ه)
(2/197)

قضية تركه للعمل بما لم يعمل به أهل المدينة.
قال العلامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 23):
"كان مالك: يدين باتباع الأحاديث الصحيحة، إلا أنه ربما توقف عن الأخذ بحديث، ويقول: ليس عليه العمل عندنا؛ يرى أن ذلك يدل على أن الحديث منسوخ أو نحو ذلك.
والإنصاف أنه لم تتحَرَّرْ لمالك قاعدةٌ في ذلك؛ فوقعت له أشياء مختلفة. راجع الأم للشافعي (7/ 177 - 249).
وقد اشتهر عن مالك قوله: "كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقوله للمنصور إذ عرض عليه أن يَحملَ الناسَ على الموطأ: "إن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تفرقوا في الأمصار فعند أهل كل مصر عِلم". اه.
ثم أجاب الشيخ المعلمي عن قول مالك: "أحب الأحاديث إليَّ ما اجتمع الناس عليه". فقال: "لا ريب أن المُجمع عليه أعلى من غيره، مع قيام الحجة بغيره إذا ثبت عند مالك وغيره". اه.
* * *
(2/199)

عبد الله بن المبارك
(ت 181 ه)
(2/201)

يتعلق به هاهنا ثلاثة أمور:

الأول: أن من عادته تتبع أصول شيوخه:
قاله الشيخ المعلمي في "التنكيل" (2/ 117) وقدم بذلك روايةً لابن المبارك، عن يونس، عن الزهري على رواية ابن وهب، عن يونس، قال: "هذا أثبت؛ لأن ابن المبارك أثبت من ابن وهب. وكان يقول: كتاب يونس صحيح، وكان من عادة ابن المبارك تتبع أصول شيوخه، فالظاهر أنه أخذ هذا عن يونس من أصل كتابه ... " اه.

الثاني: هل روايته عن الرجل تقويه؟
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (2/ 75):
"أما فليح -يعني: ابن محمد- فغير مشهور، لكن رواية ابن المبارك عنه تقويه".
لكن هذا يعارضه ما يأتي.

الثالث: هل هو ممن لا يشدد في الرواية عن الرجال؟
قال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 213):
" ... وروى ابن المبارك، عن إبراهيم بن يزيد الخوزي مَرَّة، ثم تركه، فسئل أن يحدث عنه فقال: تأمرني أن أعود في ذنب قد تبت منه ... مع أن ابن المبارك ليس ممن يُشَدِّدُ؛ فقد روى عن الكلبي ... (1) ". اه.
__________
(1) وانظر ترجمة إبراهيم من قسم التراجم رقم (29).
(2/203)

قال أبو أنس:
فإذا كان لا يُشدد، فظاهره أنه لا يقتصر في روايته عن مشايخه على الثقات، فروايته عن غير مشهور إذًا لا تقويه.
إلا أنَّ وصفَه بأنَّه ليس مِمَّنْ يشُدِّدُ؛ بناءً على ما ذُكر من روايته عن الكلبي، قد نظرتُ في ذلك فوجدت ما يلي:
كان ابن المبارك يتوسع الرواية عمن يلقى من المشايخ، حتى يكتب عمن هو أصغر منه، لِعَلَّةٍ ذكرها:
ففي كتاب "الجامع" للخطيب (2/ 219): "أخبرني القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، أنا المعافى بن زكريا الجريري، نا أبي، نا الفضل بن محمد بن عقيل، قال: سمعت أبا حاتم الرازي يقول: كان عبد الله بن المبارك يكتب عمن دونه؛ مثل: رشدين بن سعد وغيره. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، كم تكتب؟ قال: فقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع إلي". اه.
فقد كان يسمعُ ويكتبُ عمَّن يَلْقَى؛ بغيةَ الانتفاع بالمعاني والفوائد والمواعظ، ككثير من الأئمة الذين يتساهلون في مثل ذلك، فإذا جاءت الأحكام والحجة في دين الله شددوا وانتقوا.
يدل على ذلك ما جاء في "السير" (8/ 397):
"قال العباس بن مصعب في "تاريخه" عن إبراهيم بن إسحاق البناني، عن ابن المبارك، قال: حملتُ العلمَ عن أربعةِ آلافِ شيخٍ، فرويتُ عن ألف شيخٍ، ثم قال العباس: فتتبعتهم حتى وقع لي ثمانمائة شيخ له". اه.
فلم يرو إلا عن رُبع مَن سَمع وكَتب عنه.
(2/204)

وفي تصونه وانتقائه للمشايخ:
قال المسيب بن واضح كما في "تذكرة الحفاظ" (1/ 277):
"سمعت ابن المبارك، وسئل: عَمَّنْ نأخذ؟ قال: من طلب العلم لله، وكان في إسناده أشدَّ، قد تلقى الرجل ثقة وهو يحدث عن غير ثقة، وتلقى الرجل غير ثقة وهو يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة". اه.
وفي امتناعه عن إتيان الشيخ لخبرٍ بلغه عنه أنه حدث به:
ما في ترجمة: عبيد الله بن عبد الله أبي المنيب العتكي الهروي من "التاريخ الكبير" (5/ 388): " ... عنده مناكير، قال أبو قدامة: أراد ابن المبارك أن يأتيه، فأُخبر أنه روى عن عكرمة: "لا يجتمع الخراج والعشر"، فلم يأته".
وفي احتياطه حتى في صيغ الأداء:
نقل في "التذكرة" أيضا أن نعيم بن حماد قال: "ما رأيت ابن المبارك يقول قط: "حدثنا"، كأنه يرى "أخبرنا" واسع". اه.
هذا، ولم ينفرد ابن المبارك بالرواية عن الكلبي -فيما ذكروا- بل شاركه جماعة من الحفاظ في ذلك، منهم: شعبة، والثوري، وابن عيينة، ومعمر، وحماد بن سلمة وغيرهم.
وقد ذكر ابن عدي في "الكامل" أن شعبة والثوري إنما حدثا عنه بالشيء اليسير غير المسند، وأما غيرهما -ولم يذكر ابن المبارك- فقد رضوه في التفسير.
وأما في الحديث، فخاصة إذا روى عن أبي صالح، عن ابن عباس، ففيه مناكير ... اه. وذلك أن الكلبي نفسَه قد اعترف بأن هذه النسخة كذب.
(2/205)

أما الثوري، ففي "الجرح والتعديل" (7/ 270):
"نا أحمد بن سليمان الرهاوي -فيما كتب إلي- قال: سمعت زيد بن حباب يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: عجبا لمن يروي عن الكلبي.
نا عبد الرحمن قال: فذكرته لأبي وقلت له: إن الثوري يروي عن الكلبي؟ قال: كان لا يقصد الرواية عنه، ويحكي حكايةً تعجبا، فيعلقه من حضره، ويجعلونه روايةً عنه.
... وكيع، قال: كان سفيان لا يعجبه هؤلاء الذين يفسرون السورة التي من أولها إلى آخرها، مثل الكلبي". اه.
وفي "الكامل": " ... إبراهيم بن عبد الله بن المنذر، ثنا يعلى بن عبيد، قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من كذبه". اه.
فالظاهر أن هذا هو حالُ سائرِ مَنْ ذكروا روايتَه عنه من الكبار، فقد سمعوا منه أشياء لم يتحققوا كذبه فيها، فذكروها على وجه سوى أوجه الرواية المعروفة.
يدل على ذلك دلالةً بينةً خلوُّ الكتب الأصول، كالسنن والمسانيد والتفسير من رواية هؤلاء عنه، فهذا قاطع في أن الكلبي لم يَرو -أو لم يَسمع هؤلاء منه- ما يُحتاج إليه. والله تعالى أعلم.
والمقصود هنا أن مجرد ذكر الكلبي فيمن روى عنهم ابن المبارك، مع ما سبق من تثبت ابن المبارك واحتياطه وتصونه في هذا الباب، لا يكفي في دعوى أنه لم يكن يشدد. والله الموفق.
* * *
(2/206)

الإمام النسائي
(ت 303 ه)
(2/207)

فيه مبحثان، وتطبيقٌ يتعلق بتشيعه:
المبحث الأول: منهجه في الجرح والتعديل.
ويشتمل على مطلبين:
الأول: شرط النسائي في الرجال مقارنةً بشرط الشيخين.
الثاني: توسعه في توثيق المجاهيل.
المبحث الثاني: منهجه في إيراد اختلاف الروايات في سننه.
* * *
(2/209)

المبحث الأول: منهجه في الجرح والتعديل
المطلب الأول
شرط النسائي في الرجال مقارنةً بشرط الشيخين
قال الكوثري في محمد بن علي بن الحسن بن شقيق:
"يكفي في إثبات أنه ليس بالقوي إعراض الشيخين عن إخراج حديثه في "الصحيح" مع روايتهما عنه خارج "الصحيح". اه.
فأجاب العلامة المعلمي بقوله في ترجمة محمد من "التنكيل" رقم (221):
"ليس هذا بشيء، فمن شأنهما في "الصحيح" أن يتطلبا العلوّ ما وَجَدَا إليه سبيلا، ولا يرضيان بالنزول إلا أن يتفق لهما حديثٌ صحيحٌ تشتد الحاجة إلى ذكره في "الصحيح" ولا يقع لهما بنزول، فلم يتفق لهما ذلك هنا.
وهذا الرجل سِنُّهُ قريب من سِنِّهِما، فروايتُهُما عنه نُزول.
وهناك وجوهٌ أُخر لعدم إخراجهما للرجل في "الصحيح"، راجع ترجمة إبراهيم ابن شماس، ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجهما، فلم يَعُدُّوا عدم إخراجهما الحديث دليلا على عدم صحته ولا عدم إخراجهما للرجل دليلا على لِينِه (1).
__________
(1) قد نظرت في هذا في ترجمة البخاري من هذا القسم، فراجعه.
(2/210)

ومحمد هذا وَثَّقه النسائي، والنسائي قد يفوق الشيخين في التشدد كما نبهوا عليه في ترجمته (1)، ووثقه غيره أيضًا ... "
قال أبو أنس:
الذي يظهر أن قائل هذا ومن وافقه قد بَنَوْا ذلك على أن النسائي قد تكلم في بعض الرجال الذين أخرج لهم الشيخان أو أحدهما على أساس أن إخراجهما للرجل يدل على أنه على شرطهما -سواء احتجا به أم خرجا له في الشواهد، كُلٌّ بحسبه- فإذا ليَّنَهُ النسائي أو ضعَّفهُ، كان مقتضى ذلك عند هذا القائل أن النسائي لا يراه أهلًا لأن يخرج له في "الصحيح"، أو أن تليينه أو تضعيفه يكون في مقابل ما يدل عليه إخراج الشيخين من تعديلهما له.
فأقول:
هذا المقتضى ليس بلازم هنا؛ وأمر الجرح والتعديل دائر على الاجتهاد، وأكثر الذين تكلم فيهم النسائي من هؤلاء إنما لَيَّنَهُم تليينًا هيِّنًا، وهذا اللِّينُ لا يمنع الشيخين من إخراج أحاديث لهم على سبيل الانتقاء مما اطمأنا إلى صحته، فلا مقابلةَ حينئذٍ بين مَنْ خَرَّجَا له، وقد ليَّنَه النسائي أو غيره.
وأما من ضَعَّفَهُ بإطلاق أو وَهَّاه من هؤلاء -وهم قليل جدًّا- فإن مرجعه إلى اختلاف الاجتهاد كما مَرَّ في ترجمة أبي حاتم الرازي وابن معين.
ثم إن الكلام في بعض رجال "الصحيحن" لم يختصّ بالنسائي وحده، بل شاركه فيه غيره من الأئمة، فهل يقال فيهم جميعا إن لهم شروطًا في الرجال أشد من شرطهما؟
__________
(1) قال ابن طاهر: سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه، فقلت: قد ضعفه النسائي. فقال: يا بني، إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم. اه. ووافقه الذهبي بقوله: "صدق، فإنه لين جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم.
(2/211)

وكذلك، ففي مقابل ذلك قد انفرد النسائي بتوثيق جماعة من متقدمي الرواة لم يشتهروا ولم يُعرفوا إلا بحديث أو حديثين، فلا شك أن شرطه في هؤلاء أنزلُ من شرط غيره من الأئمة.
وهكذا، فإن الأمر لا يطَّرِدُ، وقد يكون للناقد بعض الاصطلاحات الخاصة في بعض الأمور، تُعرف بالاستقراء.
على كُلِّ حالٍ فهذه قائمة بأسماء من تكلم فيهم النسائي من رجال الشيخين أولا، مع ذِكْرٍ مختصرٍ لمن شاركوه في ذلك، أُتبعها في المطلب الآتي بمن تفرد بتوثيقهم من المتقدمين، وأنظر في ذلك إجمالا:
1 - خ: أبي بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، قال النسائي: ليس بالقوي (1).
2 - خ: إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل السكسكي.
3 - م: إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي.
4 - خ م: إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق.
5 - خ: أحمد بن بشير الكوفي، قال النسائي: ليس بذاك القوي (2).
6 - خت م: أسامة بن زيد الليثي، قال النسائي: ليس بالقوي (3).
7 - خت م: أسباط بن نصر، قال النسائي: ليس بالقوي (4).
8 - خ: إسحاق بن محمد الفروي، قال النسائي: متروك (5).
__________
(1) وضعفه أحمد وابن معين.
(2) وقال عثمان الدارمي: متروك، وقال الدارقطني: ضعيف يعتبر به.
(3) وتكلم فيه غير واحد.
(4) وضعفه غير واحد.
(5) وقد وهاه غيره.
(2/212)

9 - خ م: إسماعيل بن أبي أويس، ضعفه النسائي (1).
10 - خ: إسماعيل بن مجالد، قال النسائي: ليس بالقوي (2).
11 - خ مقرونا بغيره: أسيد بن زيد الجمال، قال النسائي: متروك (3).
12 - م: أشعث بن سوار، قال النسائي: ضعيف (4).
13 - خ م: حاتم بن إسماعيل المدني، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس به بأس (5).
14 - م: الحارث بن عبيد الإيادي البصري، قال النسائي: ليس بذاك القوي (6).
15 - خ م: حبيب المعلم أبو محمد البصري، قال النسائي: ليس بالقوي (7).
16 - م (مقرونًا): حجاج بن أرطاة، قال: ليس بالقوي (8).
17 - خ م: حسان بن إبراهيم الكرماني قال: ليس بالقوي (9).
18 - خ: الحسن بن بشر بن سلم البجلي الكوفي، قال النسائي: ليس بالقوي (10).
__________
(1) وتكلم فيه غيره وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح.
(2) وقال أبو زرعة: وسط ليس ممن يكذب وغمزه غير واحد.
(3) وقال ابن معين: كذاب حدث بأحاديث كذب وضعفه الدارقطني، قال ابن عدي: لا يتابع على روايته وقال أبو حاتم: رأيتهم يتكلمون فيه، وتكلم فيه غيرهم.
(4) وضعفه غير واحد.
(5) قال أحمد: زعموا أنه كان فيه غفلة، وغمزه ابن المديني بوصل بعض المراسيل.
(6) وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه، ولا يحتج به، وضعفه ابن معين وقال أحمد: مضطرب الحديث.
(7) قال عمرو بن علي الفلاس: كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه.
(8) وضعفه ولينه غير واحد.
(9) أنكرت عليه بعض الأحاديث.
(10) روى مناكير ذكره بها بعضهم في الضعفاء.
(2/213)

19 - خ: الحسن بن الصباح البزار أبو علي الواسطي قال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: صالح (1).
20 - م: رباح بن أبي معروف، قال: ليس بالقوي وقال مرة: ضعيف (2).
21 - خ م: زياد بن عبد الله البكائي، قال النسائي: ليس بالقوي (3).
22 - م: سالم بن نوح، قال: ليس بالقوي (4).
23 - م: سعد بن سعيد الأنصاري، قال النسائي: ليس بالقوي (5).
24 - خ م: سلْم بن زرير، قال: ليس بالقوي (6).
25 - خ: سنان بن ربيعة الباهلي، قال: ليس بالقوي (7).
26 - م: سويد بن سعيد الحدثاني، قال النسائي: ليس بثقة (8).
27 - خ م: عبدالحميد بن أبي أويس ضَعَّفه النسائي (9).
28 - خ م: عبد ربه بن نافع أبو شهاب، قال النسائي: ليس بالقوي (10).
__________
(1) لم يلينه أحد.
(2) وضعفه ابن معين، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه.
(3) قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة ضعيف، وضعفه ابن المديني، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقد روى له البخاري حديثا واحدا مقرونا.
(4) وقال الدارقطني مثله، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به.
(5) وضعفه أحمد ولينه غيره.
(6) وضعفه غير واحد.
(7) ومثله قال ابن معين، وقال أبو حاتم: شيخ مضطرب الحديث. وروى له البخاري مقرونا بغيره.
(8) والكلام فيه كثير.
(9) ووثقه غيره.
(10) وقال يعقوب بن شيبة: تكلموا في حفظه. وقال الساجي: صدوق يهم في بعض حديثه. وقال القطان: لم يكن بالحافظ، ولم يرض أمره.
(2/214)

29 - م: عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، قال النسائي: ليس بالقوي (1).
30 - م: عبد الله بن عبد الله أبو أويس المدني، قال النسائي: ليس بالقوي (2).
31 - م: عبد الله بن عطاء الطائفي، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال مرة: ضعيف (3).
32 - م: عبد الله بن عمر العمري، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال مرة: ضعيف الحديث (4).
33 - خ: عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال النسائي: ليس بالقوي (5).
34 - م: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، قال: ليس بالقوي (6).
35 - خ م: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، قال النسائي: ليس بالقوي (7).
36 - خ م: فضيل بن سليمان النميري أبو سليمان البصري، قال النسائي: ليس بالقوي (8).
37 - م: فضيل بن مرزوق ضعفه النسائي (9).
__________
(1) وكذا قال أبو حاتم، وقال الدارقطني: يعتبر به.
(2) وكذلك قال ابن معين وضعفه مرة وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفا، وقال الفلاس: فيه ضعف.
(3) لم يغمزه أحد.
(4) وتكلم فيه غير واحد.
(5) وتكلم فيه العقيلي والساجي، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة، وتكلم فيه غيرهم.
(6) وليَّنَهُ غير واحد، وأنكرت عليه أحاديث.
(7) وقال أبو داود: ليس هو بذاك، وضعفه عثمان الدارمي، وتكلم فيه ابن معين، وقال الجوزجاني: مضطرب الحديث.
(8) وكذلك قال أبو حاتم، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، ولينه أبو زرعة، وقال صالح جزرة: منكر الحديث.
(9) وغيره قال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، يهم كثيرا، يكتب حديثه قيل له: يحتج به؟ قال: لا.
(2/215)

38 - خ م: كثير بن شنظير، قال: ليس بالقوي (1).
39 - خ: محبوب بن الحسن البصري، ضعفه النسائي (2).
40 - خ م: محمد بن بكر البرساني، قال النسائي: ليس بالقوي.
41 - خ م: محمد بن أبي حفصة ضعفه النسائي (3).
42 - خ م: محمد بن طلحة بن مصرف قال: ليس بالقوي (4).
43 - خ م: مغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله الحزامي، قال النسائي: ليس بالقوي (5).
44 - م: هشام بن سعد، ضعفه النسائي (6).
45 - خ م: يحيى بن أيوب الغافقي، قال مرة: ليس بالقوي، ومرة: ليس به بأس (7).
46 - خ م: يحيى بن سليم الطائفي، قال النسائي: ليس بالقوي. ونقل عنه أنه قال: ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر (8).
47 - خ م: يحيى بن عبد الله بن بكير، ضعفه النسائي، وقال مرة أخرى: ليس بثقة (9).
__________
(1) وليَّنَهُ غير واحد.
(2) وقال أبو حاتم: ليس بقوي. أخرج له البخاري حديثا واحدا شاهدا.
(3) ولينه بعضهم، وقال الدارقطني: ليس بقوي.
(4) ولينه بعضهم.
(5) وقال ابن معين: ليس بشيء.
(6) وتكلم فيه أحمد وابن عدي وكان القطان لا يحدث عنه.
(7) وقال أحمد: كان سيء الحفظ، وقال الساجي: صدوق يهم، وقال الحاكم أبو أحمد: كان إذا حدث من حفظه يخطىء، وما حدث من كتابه فلا بأس به وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب.
(8) وتكلم فيه أحمد، وقال الدولابي: ليس بالقوي، وتكلم في حفظه.
(9) وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وكان يفهم هذا الشأن. وتكلم فيه ابن معين، وأنكر الذهبي على النسائي تضعيفه.
(2/216)

48 - م: يحيى بن عيسى الرملي، قال النسائي: ليس بالقوي (1).
49 - م: يحيى بن يمان العجلي، قال النسائي: ليس بالقوي (2).
قال أبو أنس:
قد كان يمكن أن يقال: إن شرط النسائي في الرجال أشد من شرط الشيخين أو أنه أكثر تشددًا منهما في باب الجرح إذا كان قد انفرد بجرح من أخرجا له، فيقال: هذا نظرٌ قد اختصَّ به في مقابل نظرهما، فتصح المقارنة حينئذٍ، أو إذا كان النسائي قد صَنَّفَ صحيحًا تجنَّب فيه إخراج أحاديث لجماعة من رجال الشيخين.
لكن قد بان بما سبق أن النسائي قد شُورك في نظره فخرج عن أن يكون نظرًا خاصًّا به، بل هو من اختلاف الاجتهاد الذي لا ينفك عنه البشر.
ثم إنه لما صنف "السنن" أخرج لجماعة من المجهولين والضعفاء عند غيره، وربما نبَّه أحيانًا على ذلك، وكثيرا ما لا ينبه وموضوعُ "السنن" أوسع من "الصحيح"، فلا يتعقب عليه في ذلك.
يضاف إلى ذلك أن كثيرًا ممن ذكرناهم آنفًا، إنما خرج لهم الشيخان -أو أحدهما- مقرونًا أو استشهادًا، على قلة ذلك -حديثٍ أو حديثين- فلا يمكن مع هذا أن يُقَالَ: إنهما احتجا بهم، كما سبق تقريره في غير موضع.
وبالجملة فالنسائي إمامٌ له نظره الخاص، فقد يوثق من يجهله أو يجرحه غيره أو العكس، شأنه في ذلك شأن سائر الأئمة.
ويتضح ذلك -في مقابل ما سبق- من المطلب الآتي.
__________
(1) قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: عامة رواياته مما لا يتابع عليه.
(2) وقال أحمد: لين، وتكلم فيه ابن معين وابن المديني.
(2/217)

المطلب الثاني
توسُّعُه في توثيق المجاهيل
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (2/ 164):
"النسائي يتوسع في توثيق المجاهيل".
• وقال في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من مقدمة "التنكيل" (1/ 66):
"ينبغي أن يُبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدَّله؛ فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستُهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك.
فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يَعرف ما روى وعمَّن روى ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكره وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا.
والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين والنسائي وآخرون غيرهما؛ يوثقون مَن كان من التابعن أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد (1)، وإن لم يرو عنه إلا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد.
... وممن وثَّقَهُ النسائي من هذا الضرب: رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة وآخرون". اه.
__________
(1) في "التنكيل": "مشاهد" وهو خطأ.
(2/218)

قال أبو أنس:
هذه أمثلة لمن انفرد النسائي بتوثيقهم من الطبقات المتقدمة:
1 - أوفى بن دلهم العدوي البصري (1).
2 - خ م: بعجة بن عبد الله بن بدر الجهني.
3 - ثابت بن قيس الأنصاري الزرقي المدني (2).
4 - م: ثمامة بن شفي الهمداني أبو علي المصري.
5 - جابر بن يزيد السوائي (3).
6 - الحسن بن علي بن أبي رافع القرشي الهاشمي المدني (4).
7 - الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني (5).
8 - خالد بن سُمير السدوسي البصري (6).
9 - خشف بن مالك الطائي الكوفي (7).
10 - خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم التميمي المنقري البصري (8).
__________
(1) قال أبو حاتم: لا يعرف، ولا أدري من هو. وقال الأزدي: فيه نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد مَرَّت عادة ابن حبان في توثيق أمثال هؤلاء.
(2) وقال النسائي أيضًا -إضافة إلى توثيقه-: لا أعلم روى عنه غير الزهري. وذكره ابن حبان في "الثقات" وله حديث واحد.
(3) وقال ابن المديني: لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وخرج حديثه في صحيحه.
(4) ذكره ابن حبان في "الثقات" على عادته.
(5) كذلك، وله عند الترمذي والنسائي حديث واحد.
(6) ووثقه ابن حبان والعجلي، وذكر له ابن عبد البر والبيهقي حديثا أخطأ في لفظةٍ منه.
(7) وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني في "السنن": مجهول. وتبعه البغوي في المصابيح. وقال الأزدي: ليس بذلك.
(8) وذكره ابن حبان في "الثقات".
(2/219)

11 - رزيق بن حكيم أبو حكيم الأيلي (1).
12 - رفاعة بن شداد بن عبد الله بن قيس الفتياني البجلي أبو عاصم الكوفي (2).
13 - زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني (3).
14 - زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد الأسلمي المدني (4).
15 - زفر بن صعصعة بن مالك (5).
16 - زياد بن جارية التميمي الدمشقي (6).
17 - زياد بن الحصن بن أوس، ويقال: ابن قيس النهشلي، عم غسان بن الأغر (7).
18 - زيد بن عقبة الفزاري الكوفي (8).
19 - سعيد بن سلمة المخزومي من آل ابن الأزرق (9).
20 - سعيد بن عبيد بن السباق الثقفي أبو السباق المدني (4).
__________
(1) ووثقه ابن حبان -لكن وهم فذكره في حرف الزاي- والعجلي وابن سعد، وجميعًا لا يُعوَّل على توثيقهم.
(2) وذكره ابن حبان في "الثقات"، وله عند النسائي وابن ماجه حديث واحد.
(3) وذكره ابن حبان في "الثقات"، وله عند الترمذي حديث واحد.
(4) كذلك.
(5) كذلك، وله حديث واحد عند النسائي وأبي داود.
(6) وقال أبو حاتم: شيخ مجهول، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكره ابن أبي عاصم وأبو نعيم في الصحابة، ولا يصح.
(7) وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له النسائي حديثا واحدًا.
(8) ووثقه العجلي وابن حبان.
(9) وذكره ابن حبان في "الثقات".
(2/220)

21 - سلمة بن صفوان بن سلمة الأنصاري الزرقي المدني (1).
22 - سويد بن قيس التجيبي المصري (2).
23 - صعصعة بن مالك، والد زفر بن صعصعة، بصري (1).
24 - عاصم بن عمرو، ويقال: ابن عمر، حجازي من أهل المدينة (3).
25 - عاصم بن لقيط بن صبرة العقيلي، حجازي (4).
26 - عاصم العدوي، كوفي (1).
27 - عبد الله بن السائب بن يزيد الكندي أبو محمد المدني ابن أخت نمر (5).
28 - عبد الله بن سفيان بن عبد الله الثقفي الطائفي (6).
29 - عبد الله بن قدامة بن عنزة أبو السواء العنبري البصري (7).
30 - عبد الله بن نجي بن سلمة بن جشم الحضرمي الكوفي (8).
__________
(1) كذلك.
(2) كذلك، ووثقه يعقوب بن سفيان وقال الذهبي في "الميزان": "لا يعرف، تفرد عنه يزيد بن أبي حبيب، لكن وثقه النساني". اه.
(3) كذلك، وقال علي بن المديني: ليس بمعروف، لا أعرفه إلا في أهل المدينة. له عند الترمذي والنسائي حديث واحد.
(4) كذلك، وذكره الذهبي في "الميزان" وقال: "ما روى عنه سوى إسماعيل بن كثير المكي، وقيل: روى دلهم عن أبيه عنه قال النسائي: ثقة". اه.
(5) قال أحمد: لا أعرفه من غير حديث ابن أبي ذئب. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: روى عنه أهل المدينة. قال ابن حجر في "التهذيب": إن كان أراد بهذا الإطلاق ابن أبي ذئب فهو محتمل، وإن كان مراده ظاهر اللفظ فشاذّ. اه وذكره الذهبي في "الميزان" بتفرد ابن أبي ذئب عنه.
(6) ووثقه العجلي وابن حبان، وذكره الذهبي في "الميزان".
(7) وذكره ابن حبان في "الثقاته"، وله عند النسائي حديث واحد.
(8) قال البخاري: فيه نظر. وقال الدارقطنى: ليس بقوي في الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الشافعي: مجهول.
(2/221)

31 - عبد الله بن يسار الجهني الكوفي (1).
32 - عبدالحميد بن المنذر بن الجارود العبدي البصري (2).
33 - عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان القرشي الأموي المدني (3).
34 - عبد الرحمن بن عائذ الأزدي الثمالي، ويقال: الكندي، ويقال: اليحصبي أبو عبد الله، ويقال: أبو عبيد الله الشامي الحمصي (4).
35 - عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد القرشي الأموي المكي (3).
36 - عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو محمد المدني (3).
37 - عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي أبو الأصبغ المدني (5).
38 - عبيد الله بن عبد الله بن أقرم بن زيد الخزاعي، حجازي.
39 - عبيد بن تعلى الطائي الفلسطيني (6).
40 - عدي بن دينار المدني (7).
41 - عفيف بن عمرو بن المسيب السهمي (8).
__________
(1) وذكره ابن حبان في "الثقات".
(2) كذلك، وله حديث واحد عند ابن ماجه.
(3) كذلك.
(4) كذلك، وهو تابعي، وذكره بعضهم في الصحابة ولا يصح. وضعفه الأزدي.
(5) كذلك، ووثقه ابن سعد، ووصفه بقلة الحديث. وذكره الذهبي في "الميزان".
(6) كذلك، وقال ابن المديني: "لم يسمع به في شيء من الأحاديث". وله حديث واحد عند أبي داود، قد اختلف في إسناده.
(7) كذلك، وله عندهم حديث واحد.
(8) كذلك وقال الذهبي: شيخ لبكير بن الأشج لا يدرى من هو.
(2/222)

42 - علي بن خالد الدؤلي المدني (1).
43 - عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد المدني (2).
44 - عمرو بن وهب الثقفى (3).
45 - عمران بن نافع (4).
46 - كثير بن أفلح المدني مولى أبي أيوب الأنصاري (5).
47 - محمد بن عبد الله بن أبي سليم المدني (6).
48 - معمر بن مخلد الجزري أبو عبد الرحمن السروجي، وقيل: معمر بالتشديد.
49 - المغيرة بن أبي بردة، ويقال: المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، حجازي، ويقال: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني (7).
50 - نوفل بن مساحق بن عبد الله الأكبر بن مخرمة القرشي العامري أبو سعد، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو مساحق.
51 - يحيى بن عبيد المكي مولى السائب بن أبي السائب المخزومي.
__________
(1) كذلك، وقال الدارقطني: شيخ يعتبر به.
(2) وثقه ابن سعد وابن حبان، وقال ابن حزم: مجهول لا يدرى من هو.
(3) ووثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان. وذكره الذهبي في "الميزان" وقال: تفرد عنه ابن سيرين إلا أن النسائي وثقه.
(4) وذكره ابن حبان في "الثقات". وله عند النسائي حديث واحد. وذكره الذهبي في "الميزان" وقال: "لا يعرف، روى عنه بكير بن الأشج، لكن وثقه النسائي". اه.
(5) كذلك ووثقه العجلي.
(6) وقال الذهبي: لا يعرف.
(7) ذكره الذهبي في "الميزان".
(2/223)

52 - يزيد بن زياد، ويقال: يزيد بن أبي زياد، ويقال: يزيد بن قلاد بن أبي زياد المدني (1).
53 - أبو مريم الثقفي المدائني، ويقال: الحنفي الكوفي (2).
قال أبو أنس:
يلاحظ مما سبق، أن جماعةً من هؤلاء لم يتفق مع النسائي في توثيقهم إلا أمثال ابن حبان، والعجلي، وابن سعد، وحالهم في التوثيق معروفة، وترى شيئا من ذلك في تراجمهم من هذا الكتاب.
وجماعة أخرى قد جهَّلهم أمثال: أحمد، وابن المديني، وأبو حاتم، والشافعي، والدارقطني، وابن حزم.
وآخرون قد ضعفهم البعض كالبخاري، والدارقطني.
وأكثرهم لم يرو عنهم إلا واحد، وليس لهم إلا حديث واحد، ومن أجل ذلك ذكر بعضَهم الذهبي في "الميزان" مع ذكره توثيق النسائي له، ولم يمنعه توثيقُ النسائي من ذكر هؤلاء في "الميزان" مع أنه لم يذكر فيهم جرحا.
يشير جميع ذلك إلى ما لابد منه؛ وهو القول أن للنسائي اصطلاحا خاصًّا في إطلاق كلمة "ثقة" على رجال هذه الطبقة من التابعين، وأنه يبعد جدًّا أن تكون كإطلاقها على مشاهير الرواة الذين كثرت أحاديثهم وسُبرت، واعتمد عليها الأئمة، وملئوا بها مصنفاتهم.
وقد سبق توجيه الشيخ المعلمي لذلك، فراجعه.
__________
(1) وقال البخاري: لا يتابع على حديثه.
(2) وقال الدارقطني: مجهول.
(2/224)

المبحث الثاني: منهجه في إيراد اختلاف الروايات في سننه
ترتيب النسائي أحاديث عند ذكر الخلاف فيه.
يقول ابن رجب الحنبلي في "شرح العلل" (1/ 411):
"وقد اعترض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب، وكان قصده: ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود: فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية ... ". اه.
هكذا أطلق ابنُ رجب، والأمر ليس على إطلاقه؛ فقد تبين أنه قدم أحيانا الصواب وأخَّر الخطأ في عدة مواضع، منها:
كتاب الصلاة - ذكر اختلاف الناقلين لخبر زيد بن ثابت في صلاة الوسطى.
كتاب الصيام -فضل شهر رمضان- ذكر الاختلاف على الزهري فيه.
أما الشيخ المعلمي فقد صرح بأن النسائي إذا اكتفى بإيراد الطريق السالمة من العيوب، ولم يورد ما يُعكر عليها مما فيه علّة مع وجوده واشتهاره أَشْعَرَ ذلك بأنه يرى الحكم للسالمة من العلة، وأن الأخرى لا تضر.
فقد قال الشيخ في "التنكيل" (2/ 75):
"وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عند النسائي، ومحاضر بن المورع عند الدارقطني، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن جده
(2/225)

أنه كان يقول: ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم: سهما للزبير وسهمًا لذي القربى -لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير- وسهمين للفرس.
سعيد ومحاضر من رجال مسلم، وفي كل منهما مقال.
واقتصر النسائي في باب: سهمان الخيل على هذا الحديث، ولم يتعقبه بشيء، وذاك يشعر بأنه صحيح عنده لا يضره الخلاف.
وقد رواه عيسى بن يونس عند ابن أبي شيبة، ومحمد بن بشر العبدي عند الدارقطني (ص 471)، وابن عيينة عند الشافعي كما في "مسند" بهامش "الأم" (6/ 250) ثلاثتهم، عن هشام بن يحيى مرسلا ... ".
قال أبو أنس:
قول الشيخ المعلمي: "وذاك يشعرُ ... " ربما يقويه أن النسائي طويلُ النَّفَس في ذكر الخلاف في الأبواب، وربما ذكر أنواعًا من الخلاف قد لا تراها في كتاب آخر، فيصير تركه لخلاف مشهور ومؤثر؛ كإرسال موصول أو وقف مرفوع ونحو ذلك مُشعر بما قاله المعلمي، أو يقال: لعلَّه لم يطَّلِعْ عليه، ويؤيدُه خلوّ بعض الأبواب من أنواع من الخلاف الذي تراه في كتب الأئمة.
فكلا الطرفين يمكن رؤيتهما في سنن النسائي: طُول النَّفَس جدًّا، مع تفرده أحيانا بذكر وجوه من الخلاف، وفي المقابل: اقتصاره أحيانا على وجه واحد مع حكاية غيره وجوه أُخر.
ولذا، فالذي يظهر لي أن الترك حيئذ يصعب حَمْلُه على عدم الاعتداد أو على أنه رآه خلافا لا يضر، والساكت لا يُنسب له قولٌ إلا بقرينة قوية، والله تعالى أعلم.
* * *
(2/226)

تطبيق يتعلق بما نسب إلى النسائي من التشيع
في ترجمة سليمان بن عبدالحميد البهراني الحمصي من "التنكيل" (105):
"قال الأستاذ -يعني الكوثري-: "مختلف فيه يقول النسائي عنه: كذاب ليس بثقة" (1).
فقال الشيخ المعلمي:
"قد أحسن الأستاذ بقوله: "مختلف فيه"؛ فإن سليمان هذا وثقه مَسلمة، وقال ابن أبي حاتم: "هو صديق أبي، كتب عنه، وسمعت منه بحمص، وهو صدوق" وروى عنه أبو داود، وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما مرّ في ترجمة أحمد بن سعد ابن أبي مريم.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "كان ممن يحفظ الحديث ويتنصَّب".
والنسائي: نُسب إلى طرفٍ من التشيع، وهو ضدّ التنصّب، فلعلّه سمع سليمان يحكي بعض الكلمات الباطلة التي كان يتناقلها أهل الشام في تلك البدعة التي كانت رائجة عندهم وهي النَّصْب.
وقد قال الأستاذ (ص 163): "فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب ما لم يفسر وجه كذبه ... ". اه.
* * *
__________
(1) في "تهذيب الكمال" (12/ 23) زيادة: "ولا مأمون".
(2/227)

ابن حبان
(ت 354 ه)
(2/229)

يتعلق بابن حبان هنا إجمالا مطلبان:
الأول: فيما قيل في حَقِّهِ مما لا تعلق له بمنهجه في باب الجرح والتعديل أو التصحيح والتعليل.
وفيه ثلاثة أمور:
1 - قولُ ابن الصلاح فيه: غلط الغلط الفاحش في تصرفه.
2 - ما نُقل عنه أنه قال: "النبوة: العلم والعمل".
3 - ما نُقل من إنكاره الحدّ لله تعالى.
الثاني: ما له تعلُّقٌ بذلك.
وفيه تسعة أمور:
1 - منزلة ابن حبان بين أهل النقد.
2 - منهج ابن حبان في شرائط إيراده للرواة في كتاب "الثقات".
3 - ذِكْرُ بعض عادات ابن حبان في إيراد الرواة في كتاب "الثقات".
4 - درجات توثيق ابن حبان.
5 - فيما ذُكر من تعنت ابن حبان في باب الجرح في مقابل ما وُصف به من التساهل في باب التوثيق.
6 - تفسير بعض الألفاظ التي يطلقها ابن حبان في كتاب "الثقات".
7 - شرائط ابن حبان في تصحيح الأخبار.
8 - النظر في طبقة شيوخ وشيوخ شيوخ ابن حبان.
9 - أمثلة لما أُخذ على ابن حبان في تناقضه بتوثيق مَنْ ضَعَّفَهُ في موضع آخر.
(2/231)

المطلب الأول
ما لا صلة له بمنهجه في الجرح والتعديل أو التصحيح والتعليل
الأمر الأول
قولُ ابن الصلاح فيه: غلط الغلط الفاحش في تصرفه
نقله الشيخ المعلمي -فيما يظهر- عن "اللسان"، وهذا بِدَوْره يذكره عن "الميزان"، وهو نَقْلٌ مجملٌ لم يتضح فيه مراد ابن الصلاح بهذا الغلط الفاحش.
ولذا فقد اضطر الشيخ المعلمي أن يجيب عنه جوابًا مجملًا أيضًا حسبما حَدَسَ أن يكون هو مراد ابن الصلاح، فقال: في "التنكيل" (1/ 436):
"ابن الصلاح ليس منزلته أن يُقبلَ كلامُه في مثل ابن حبان بلا تفسير، والمعروف مما يُنْسَبُ ابنُ حبان فيه إلى الغلط أنه يذكر بعض الرواة في "الثقات" ثم يذكرهم في "الضعفاء"، أو يذكر الرجل مرتين، أو يذكره في طبقتين ونحو ذلك، وليس ذلك بالكثير، وهو معذور في عامَّةِ ذلك، وكثير من ذلك أو ما يشبهه قد وقع لغيره كابن معين والبخاري". اه. كلام المعلمي.
(2/232)

قال أبو أنس:
بالرجوع إلى أصل كلام ابن الصلاح -الذي لم يَطَّلِعْ عليه المعلمي- يتضح المراد، فقد قال ابن الصلاح في كتابه "طبقات الشافعية" (1/ 115 - 116):
"كان أبو حاتم هذا: واسعَ العلم، جامعًا بين فنون منه، كثيرَ التصنيف، إمامًا من أئمة الحديث، كثيرَ التصرف فيه والافتنان، يسلك مسلك شيخه ابن خزيمة في استنباط فقه الحديث ونُكَتِهِ، وربما غلط في تصرُّفِهِ الغلطَ الفاحش على ما وجدتُّه". اه.
قلت:
فوضح أنه أراد غلطه في بعض استنباطاته وتأويلاته وتبويباته في كتابه "التقاسيم والأنواع" المعروف ب "صحيح ابن حبان".
ولذا فقد عَقَّبَ الذهبيُّ في "الميزان" (4/ 427) قولَ ابن الصلاح بقوله: "صَدَقَ أبو عمرو، وله أوهام كثيرف تَتَبَّعَ بعضَها الحافظُ ضياء الدين" (1). اه.
وقال في "السير" (16/ 97): "في تقاسيمه من الأقوال والتأويلات البعيدة والأحاديث المنكرة عجائب، وقد اعترف أن "صحيحه" لا يقدر على الكشف منه إلا من حفظه" (2).
وأبان السيوطي عن سبب ذلك فقال في "تدريب الراوي" (1/ 109):
"صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع، ليس على الأبواب ولا على المسانيد، ولهذا سماه
__________
(1) سأورد ما ذكره الذهبي منها بعد قليل.
(2) قال ابن حبان في مقدمة "التقاسيم والأنواع" (ص 150):
"قصدنا في نظم السنن حذو تأليف القرآن؛ لأن القرآن أُلِّفَ أجزاءً، فجعلنا السنن أقسامًا بإزاء أجزاء القرآن ... وإذا كان عنده هذا الكتاب وهو لا يحفظه، ولا يتدبر تقاسيمه وأنواعه، وأحبَّ إخراج حديث منه، صعب عليه ذلك، فإذا رام حفظه أحاط علمه بالكل، حتى لا ينخرم منه حديثه أصلًا، وهذا هو الحيلة التي احتلنا ليحفظ الناس السنن ... ".
(2/233)

"التقاسيم والأنواع" وسببه أنه كان عارفًا بالكلام والنحو والفلسفة، ولهذا تُكلم فيه ونُسب إلى الزندقة ... " (1).
وذكر الذهبي في "السير" (16/ 98 - 102) عن الحافظ الضياء أمثلةً لما غلط ابن حبان في تأويله، فقال الذهبي:
"قرأت بخط الحافظ الضياء -في جزء عَلَّقَهُ- مآخذَ على كتاب ابن حبان، فقال في حديث أنس في "الوصال": فيه دليل على أن الأخبار التي فيها وضع الحَجَر على بطنه من الجُوع كلها بواطيل، وإنما معناها: الحُجَز، وهو طرف الرداء، إِذِ الله يطعم رسوله، وما يغني الحجرُ من الجوع" (2).
قلت: فقد ساق في كتابه حديثَ ابن عباس في خروج أبي بكر وعمر من الجوع، فلقيا النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبراهُ فقال: أخرجني الذي أخرجكما. فدلَّ على أنه كان يُطْعَمُ ويُسْقَى في الوِصَال خَاصَّة (3).
وقال في حديث عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل: "أَصُمْتَ من سَرَرِ شعبان شيئًا؟ " قال: لا.
قال: "إذا أفطرت فصم يومين" (4).
فهذه لفظة استخبار، يريد الإعلام بَنفْي جواز ذلك، كالمُنْكِرِ عليه لو فعله، كقوله لعائشة: "تسترين الجدر". وأمره بصوم يومين من شوَّال، أراد به انتهاء السِّرار. وذلك في الشهر الكامل، والسِّرار في الشهر الناقص يوم واحد.
__________
(1) سيأتي ما في هذه النسبة في الأمر الثاني والثالث إن شاء الله تعالى.
(2) "الإحسان" (3579).
(3) "الإحسان" (5216).
(4) "الإحسان" (3588).
(2/234)

قلنا: لو كان مُنْكِرًا عليه لما أمره بالقضاء.
... وحديث: "كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله تسع نسوة" وفي رواية الدستوائي، عن قتادة: "وهي إحدى عشرة" (1).
قال ابن حبان: فحكى أنس ذلك الفعلَ منه أولَ قدومه المدينة، حيث كانت تحته إحدى عشرة امرأة، والخبر الأول إنما حكاه أنس في آخر قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع؛ لأن هذا الفعل كان منه مرات.
قلنا: أول قدومه فما كان له سوى امرأة، وهي سودة، ثم إلى السنة الرابعة من الهجرة لم يكن عنده أكثر من أربع نسوة، فإنه بنى بحفصة وبأمِّ سلمة في سنة ثلاث، وقبلها سَوْدة وعائشة، ولا نعلم أنه اجتمع عنده في آنٍ إحدى عشرة زوجة.
... حديث ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتمر في رجب (2).
قال ابن حبان: "فيه البيان بأنَّ الحَبْر الفاضل قد يَنْسى، قال: لأنَّ المصطفى ما اعتمر إلا أربعًا: أولاها: عمرة القضاء عام القابل من عام الحديبية، قال: وكان ذلك في رمضان. ثم الثانية حين فَتح مكة في رمضان، ولما رجع من هوازن اعتمر من الجِعِرَّانَة وذلك في شوال، والرابعة مع حجته".
فوهم أبو حاتم كما ترى في أشياءة ففي "الصحيحين" (3) لأنس: اعتمر نبي الله أربع عُمر، كلهن في ذي القعدة إلا التي في حجته: عمرة الحديبية، وعمرته من العام المقبل، وعمرته من الجِعِرَّانَة.
وقال: ذِكْر ما كان يقرأ عليه السلام في جلوسه بين الخطبتين، فما ذكر شيئًا. اه.
__________
(1) (1209).
(2) (3945).
(3) البخاري (1780) (4148) ومسلم (1253).
(2/235)

الأمر الثاني
ما نُقل عنه أنه قال: "النبوة: العلم والعمل"
قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري مؤلف كتاب "ذم الكلام": "سمعت عبد الصمد بن محمد بن محمد يقول: سمعت أبي يقول: أنكروا على أبي حاتم بن حبان قوله: "النبوة: العلم والعمل" فحكموا عليه بالزندقة، وهُجِرَ، وكُتب فيه إلى الخليفة، فَكَتب بقتله".
حكاه الذهبي في "السير" (1) ثم عقبه بقوله:
"هذه حكاية غريبة، وابن حبان فمن كبار الأئمة، ولسنا ندعي فيه العصمة من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها، قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق الفيلسوف، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي، لكن يُعْتَذَرُ عنه فنقول: لم يُرِدْ حَصْرَ المبتَدأ في الخبر (2)، ونظيرُ ذلك قولهُ عليه الصلاة والسلام: "الحج عرفة" ومعلوم أن الحاجَّ لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذكر مُهِمَّ الحج.
وكذا هذا ذكر مُهِمَّ النبوة؛ إذْ من كمل صفات النبي -صلى الله عليه وسلم-: كمال العلم والعمل، فلا يكون أحدٌ نبيًّا إلا بوجودهما، وليس كُلُّ من برز فيهما نبيًّا؛ لأن النبوة موهبة من الحقِّ تعالى، لا حيلةَ للعبد في اكتسابها، بل بها يتولد العلم اللَّدُنِّي والعمل الصالح. وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل، فهذا كُفْرٌ، ولا يريده أبو حاتم أصلًا، وحاشاه". اه.
__________
(1) "السير" (16/ 95 - 96).
(2) يعني أنه لم يُرد حصر النبوة في العلم والعمل.
(2/236)

وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (3/ 922) نحو هذا مختصرًا، ثم قال: "ولا ريب أن إطلاق ما نُقل عن أبي حاتم لا يَسُوغُ، وذلك نفسٌ فَلْسَفِيٌّ".
وقال الشيخ المعلمي في الجواب عن ذلك أيضًا في "التنكيل" (1/ 437):
"إن صَحَّ هذا عنه فهو قول مُجْمَلٌ، وابنُ حبان معروف عنه في جميع تصانيفه أنه يعظم النبوة حق تعظيمها، ولعله أراد أن المقصود من إيحاء الله عز وجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يَعْلَمَ هو ويعملَ، ثم يبين للناس فيعلموا ويعملوا". اه.
* * *
(2/237)

الأمر الثالث
ما نُقل من إنكاره الحدّ لله تعالى
قال أبو إسماعيل الأنصاري: "سمعت يحيى بن عمَّار الواعظ وقد سألته عن ابن حبان، فقال: نحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبيرُ دِين، قدم علينا فأنكر الحدَّ لله، فأخرجناه".
عقبه الذهبي في "السير" (1) بقوله:
"إنكاركم عليه بدعة أيضًا، والخوض في ذلك مما لم يأذن به الله، ولا أتى نصٌّ بإثبات ذلك ولا بِنَفْيِه.
ومن حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه، وتعالى الله أن يُحدَّ أو يوصف إلا بما وصف به نفسَهُ، أو عَلَّمه رسلَه بالمعنى الذى أراد، بلا مِثْل ولا كيف {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. اه.
قال الشيخ المعلمي في الجواب عن ذلك في "التنكيل" (1/ 437):
"لعلَّه امتنع من التصريح بإثبات الحدِّ باللفظ الذي اقْتُرِحَ عليه، أو أَتى بعبارةٍ حملها المُشَنِّعُون (2) على إنكار الحدّ كما اتفق للبخاري في القرآن، وغير ذلك، وكتبُ ابن حبان من أولها إلى آخرها جارية على التمسك بالسنة والثناء على أصحابها وذم من يخالفها، وهو من أَخَصِّ أصحاب ابن خزيمة أحد أئمة السنة". اه.
__________
(1) "السير" (16/ 97).
(2) وذلك أنه لم يُنقل هنا اللفظُ الذي قاله في هذه المسألة، وإنما حَكى مخالِفُه إنكارَه للحدِّ دون تفسيرٍ لألفاظ هذا الإنكار. لكن قد قال ابن حبان في مَطْلَعِ مقدمته لكتاب "الثقات": "الحمد لله الذي ليس له حدٌّ محدود ... ".
(2/238)

المطلب الثاني
ما يتعلق بمنهج ابن حبان في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل وغير ذلك
وهو المراد هنا.
وينتظم ذلك هنا في تسعة أمور:

الأمر الأول
منزلة ابن حبان بين أهل النقد
قال الحازمي في كتابه "شروط الأئمة الخمسة" (ص 31 - 32):
"ابنُ حبان أَمْكَنُ في الحديث من الحاكم". اه.
وقال ابن كثير في كتابه: "اختصار علوم الحديث" (ص 26):
"قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة، وهما خير من "المستدرك" بكثير، وأنظف أسانيد ومتونًا". اه.
قال أبو أنس:
قد نُسب ابنُ حبان إلى التعنت في الجرح، وإلى التساهل في التصحيح والتوثيق أيضا، وهذا مما قد يُوهِمُ الاضطرابَ في الحكم على ابن حبان من حيث الاعتماد عليه في باب النقد.
(2/239)

وسيأتي في الفصول الآتية شرحُ ما يدفعُ هذا الإيهامَ، ويُبَيِّنُ وَجْهَ الحكم عليه في الحالتين إن شاء الله تعالى.
وخلاصة ذلك: أنه وإن كان يتساهل في توثيق من لم يَعرف من حالهم شيئًا بناءً على البراءة الأصلية عنده، فإنه ربما تعنَّت فيمن وقف له على حديث منكر أو أكثر ممن وثقه جمهور الأئمة، فلا هو بالمتساهل مطلقًا، ولا هو بالمتعنت مطلقًا، ولِكُلِّ مقامٍ مقالٌ، فلا تعارض ولا إيهام، ويأتي تفصيل ذلك قريبًا، والله الموفق.
ومما يبُيّنُ منزلةَ ابن حبان عند الشيخ المعلمي، مع ما سيأتي من تفصيل قوله فيه:
(1)
أنه قابلَ قولَ أبي زرعة وأبي حاتم بقول ابن حبان في القاسم بن أُمية؛ ففي تعليق المعلمي على "الفوائد المجموعة" (ص 265):
"ذكر الرازيان أنه -يعني القاسم بن أمية- صدوق. وقال ابن حبان: يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، ثم ساق له هذا الحديث (1). وقال: لا أصل له من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن حجر: شهادة أبي زرعة وأبي حاتم أنه صدوق أَوْلى.
أقول: بل الصواب تتبع أحاديثه، فإن وُجد الأمر كما قال ابن حبان ترجَّح قولُه وبان أن هذا الرجل تغيَّرت حالُه بعد أن لقيه الرازيان، وإلا فكونه صدوقًا لا يدفع عنه الوهمَ، وقد تفرد بهذا". اه.
__________
(1) يعني حديث: "لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك".
(2/240)

قال أبو أنس:
فهاك منهجٌ للمعلمي تُضربُ له أكبادُ الإبل، وهو: أن الجرحَ المُفسَّرَ المُبَرْهَنَ عليه لا يُدفعُ بالتعديل المطلق، مهما تفاوتَ قدرُ الجارح والمعدِّل، بل ربما كان مع الجارح زيادةُ علمٍ أو غيرها من الملابسات، هذا حتى ولو كان الجارح معروفًا بالتعنت والمجازفة في الجرح.
وأوضحُ من ذلك في إرساء هذا المنهج ما ذكره الشيخ المعلمي في ترجمة مهنأ بن يحيى من "التنكيل" رقم (255) إذ قال فيه أبو الفتح الأزدي: "منكر الحديث".
فقال الشيخ المعلمي: "الأزدي نفسه متكلم فيه حتى رُمي بالوضع ... و ... في عبارة ابن الجوزي في "المنتظم" (8/ 368): ذكر -يعني الخطيب- مهنأ بن يحيى، وكان من كبار أصحاب أحمد، وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحكى ... عن أبي الفتح الأزدي ... وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكُلِّ ... فلا يستحيي الخطيب أن يقابلَ قولَ الدارقطني في مهنأ بقول هذا ثم لا يتكلم عليه؟
أقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج ... وعليك في كلامك هذا مؤاخذات: ...
الرابعة: أن الأزدي ذكر مُتَمَسَّكَهُ، فلا يسوغُ ردُّ قوله إلا ببيانِ سقوطِ حجته.
أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن جابر حديثًا في الجمعة، ولا يُعلم رواه أحدٌ غيره عن زيد بن أبي الزرقاء، ولا أحد غير زيد بن أبي الزرقاء عن سفيان الثوري، فلا يُعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد ... فلو كان ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وحَقَّقَ، لكان أَوْلَى به مما صنع، وعلى كل حال فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟ وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان من خيار الناس في حديث أحمد بن حنبل وبشر
(2/241)

الحافي، مستقيم الحديث" ويكفيه مكانته عند أحمد وثناء أصحابه عليه. والله أعلم". اه. كلام المعلمي.
قلت:
فانظر كيف أقام المعلمي لجرح الأزدي -على ما فيه- وزنًا؛ لَمَّا فسَّرَهُ الأزدي وبَيَّن مستنده فيه ولم يقبل المعلمي دَفْعَ ابن الجوزي له لمجرد ما في الأزدي من الطعن.
وفي جواب المعلمي عما رُمي به ابن حبان من المجازفة والتهور في الجرح أحيانًا يقول المعلمي في ترجمة ابن حبان من "التنكيل" رقم (200):
"إنما ذلك في مواضع غير كثيرة، يرى ما يستنكره للراوي، فيبالغ في الحطّ عليه، وهذا أمرٌ هيِّن؛ لأنه إن كان فيمن قد جرحَه غيره فكما يقول العامّة: "لا يضر المقتول طعنة" وإن كان فيمن وثقه غيره، لم يُلتفت إلى تشنيعه، وإنما ينظر في تفسيره وما يحتج به". اه.
(2)
مثال آخر لبيان منزلة ابن حبان عند المعلمي أنه قابلَ تجهيلَ أبي حاتم للراوي بمعرفة ابن حبان له.
فقد ترجم ابن أبي حاتم في "الجرح" (8 / ت 1431) لمصعب بن خارجة، ولم يزد في نسبه شيئًا، وبيَّض لشيوخه والآخذين عنه، ونقل عن أبيه قولَه فيه: "مجهول".
فقال الشيخ المعلمي في ترجمة مصعب من "التنكيل" (246):
"قد عرفه ابن حبان فقال في "الثقات": مصعب بن خارجة بن مصعب، من أهل سرخس، يروي عن حماد بن زيد وأبيه، روى عنه أهل بلده، مات سنة إحدى أو اثنتن ومائتين، وكان على قضاء سرخس". اه. كلام المعلمي.
(2/242)

قال أبو أنس:
واضح من سياق ابن أبي حاتم للترجمة أن أباه لم يعرف عنه سوى أنه وقع له هكذا في بعض الأسانيد. والله تعالى أعلم.
(3)
وفي ترجمة: مسلم بن أبي مسلم من "التنكيل" رقم (244):
"وثقه الخطيب لكن في "اللسان" أنه ربما يخطىء. وقال البيهقي: غير قوي، وقال أبو الفتح الأزدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها".
قال الشيخ المعلمي: "ذكره ابن حبان في "الثقات": مسلم بن أبي مسلم الجرمي، سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين.
وقدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه.
فأما أبو الفتح محمد بن الحسن الأزدي، فليس في نفسه بعمدة حتى لقد اتهموه بوضع الحديث.
ومع ذلك فليس من شرط الثقة أن يُتابَعَ في كل ما حدَّث به، وإنما شرطه أن لا ينفرد بالمناكير عن المشاهير فيكثر.
والظاهر أن الأزدي إنما عنى الحديث الذي ذكره البيهقي، وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يقل أحدكم زرعته، ولكن ليقل حرثته". قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63 - 64].
(2/243)

وهذا الحديث أخرجه ابن جرير في تفسير الواقعة عن أحمد بن الوليد القرشي عن مسلم. وفي "اللسان" أن البيهقي أخرجه في "شعب الإيمان" من وجهين [عنه] وقال: إن مسلمًا غيرُ قويّ.
ولعل ابن حبان إنما أشار بقوله: "ربما أخطأ" إلى هذا الحديث، على أن الصواب موقوف، وأخطأ مسلم في رفعه.
ومسلم مكثر في التفسير كما يُعلم من "تفسير ابن جرير" فإن ترجح خطؤه في هذا الحديث الواحد لم يضره ذلك إن شاء الله.
وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي". اه.
* * *
(2/244)

الأمر الثاني
منهج ابن حبان في شرائط إيراده للرواة في كتاب "الثقات"
• قال الشيخ المعلمي: في ترجمة ابن حبان من "التنكيل" (1/ 436):
"بَيَّن ابنُ حبان اصطلاحه وهو أنه يذكر في "الثقات" كُلَّ مَنْ روى عنه ثقة ولم يرو منكرًا، وأن المسلمين على العدالة حتى يثبت الجرح، وقد ذهب غيره من الأكابر إلى قريبٍ من هذا كما قدمته في "قسم القواعد" في القاعدة السادسة.
نعم، إنه ربما يظهر أنه يذكر الرجل ولم يعلم ما روى، ولا عمَّن روى، ولا من روى عنه. وعذره في هذا أنه بنى على رأيه أن المسلمن على العدالة، واستأنس بصنيع بعض من تقدمه من الأئمة (1) مِنْ ذكر ذلك الرجل بدون إشارة إلى ضعفٍ فيه ... ومع ذلك يُبين ابن حبان بعدم ذكر شيخ الرجل ولا راوٍ عنه أنه لم يعرفه". اه.
• وقال في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد من "التنكيل" (1/ 66):
"ينبغي أن يُبحث عن معرفة الجارح أو المعدِّل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه ومنهم من يجاوز ذلك.
__________
(1) لاسيما البخاري في "التاريخ الكبير" كما سيأتي.
(2/245)

فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سمَّاه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يعرف ما روى، وعمَّن روى، ومن روى عنه ... والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد.
وابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا روايةَ أحدهم مستقيمة؛ بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد (1)، وإن لم يَرْوِ (2) عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد ...
وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نَصَّ على ذلك في "الثقات"، وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (1/ 14) واستغربه، ولو تدبَّر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبع أحدهم أحاديثَ الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولم يبلغه ما يوجب طعنًا في دينه وثَّقَهُ، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف". اه.
قال أبو أنس:
قد أفصح ابن حبان عن شرطه في كتاب "الثقات"، فقال في مقدمة الكتاب:
"كل من أذكره في هذا الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرَّى عن خصالٍ خمسٍ، فإذا وُجد خبرٌ منكرٌ عن شيخٍ من هؤلاء الشيوخ الذين ذكرتُ أسماءهم فيه كان ذلك الخبر لا ينفك عن إحدى خصالٍ خمسٍ:
إما: أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرته في هذا الكتاب شيخ ضعيف سوى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن الله نَزَّه أقدارهم عن إلزاق الضعف بهم.
__________
(1) في "التنكيل": "مشاهد" وهو خطأ.
(2) في "التنكيل": "يروا" كذلك.
(2/246)

أو: دونه شيخ واهٍ لا يجوز الاحتجاج بخبره.
أو: الخبر يكون مرسلًا لا يلزمنا به الحجة.
أو: يكون منقطعًا لا تقوم بمثله الحجة.
أو: يكون في الإسناد شيخ مدلس لم يبين سماع خبره عمن سمع منه ...
فإذا وُجد الخبرُ متعرّيًا عن هذه الخصال الخمس، فإنه لا يجوز التنكب عن الاحتجاج به؛ لأن العدل من لم يُعرف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلم بجرح فهو عدل إذا لم يتبين ضده؛ إذ لم يُكَلَّف الناسُ من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم". اه.
ويقول ابن حبان في موضع آخر:
"الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين ما يوجب القدح هذا حكم المشاهير من الرواة، فأما المجاهيل الذين لم يَرو عنهم إلا الضعفاءُ، فهم متروكون على الأحوال كلها". اه.
وقال الحافظ ابن حجر كما في كتاب "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 37) عنه:
"إذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل، وكان كلٌ من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده -أي ابن حبان- ثقة، وفي كتاب "الثقات" له كثير ممن هذه حاله". اه.
قال أبو أنس:
الناظر في كلام ابن حبان السابق، تتبين له ملامحُ منهجه في التصحيح والتوثيق.
• أما في التصحيح فإنه اختزل شرطين من الشرائط المعروفة عند أهل النقد في الحكم على الحديث بالصحة، هما:
الأول: انتفاء الشذوذ.
(2/247)

الثاني: انتفاء العلة (1).
وستأتي إشارة الشيخ المعلمي إلى عدم تَقَيُّد ابن حبان بشرائط المنكر عند أهل العلم، والتي بيَّنها الإمام مسلم في مقدمة "صحيحه".
• وأما في التوثيق ففيه ملاحظتان:
الأولى: أنه لم يشترط في العدالة ما يرفع جهالة حال الرجل، بل اكتفى برفع جهالة عينه برواية ثقة عنه، وربما كان ذاك الراوي عنه ممن أجرى عليه ابن حبان تلك الشرائط فلا يمتنع أن يكون مجهول الحال أيضًا (2)، وهكذا.
وقد علَّق الحافظ ابن حجر على مذهب ابن حبان هذا بقوله في مقدمة كتاب "لسان الميزان" (1/ 93):
"وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان -من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه- مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألَّفَهُ؛ فإنه يذكر خَلْقًا ممن يَنُصُّ عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكأنَّ عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره". اه.
الثانية: أنه لم يشترط في العدالة أيضا ما يثبت به ضبط الراوي (3).
__________
(1) ثم رأيت الحافظ ابن حجر يشير إلى عدم اشتراط ابن حبان لهذين الشرطين، وذلك في كتابه: "النكت على كتاب ابن الصلاح" (1/ 290).
(2) بل أكثر من هذا، وانتظر.
(3) قد أشار إلى ذلك أيضًا الحافظ ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح" (1/ 290).
(2/248)

وبعد، فقد أبانَ ابنُ حبان عن منهجه، وأفصح عن طريقته، وتبين من صريح كلامه، وأكَّده الحافظ ابن حجر، أن في كتاب "الثقات" جملةً وافرةً مِمَّن ذكرهم ابن حبان على البراءة الأصلية في تعديل المسلمين، خلافًا لجمهور أهل العلم الذين اعتبروا هذا الضرب من الرواة في حَيِّز الجهالة.
وقد سبقت بعض النكات المتعلقة بحدود "الجهالة" في ترجمة أبي حاتم الرازي من هذا الكتاب.
والمقصود هنا أن ابن حبان قد وضع شروطًا لتوثيق الرواة تَقْصُرُ عن الشروط المعتبرة عند أئمة الحديث.
أقول:
مع ما سبق من صريح كلام ابن حبان فقد أفاد بعض الباحثين أن ابن حبان لا ينبغي أن يُنسبَ له توثيقُ أحدٍ ممن ذكرهم في "الثقات" إلا إذا ضمَّن ترجمته تعديلا صريحا؛ كان يصفه بالثقة أو التثبت أو الإتقان أو اليقظة، ونحو ذلك، أما غير هذا فإنه لم يقصد توثيقه، إنما أراد فهرسة ما وقف عليه من رواة الأسانيد، وهذا بلا شك أَعَذْرُ لابن حبان، وأرفعُ للإشكال؛ وهو أمرٌ مرغوبٌ فيه، إلا أنه لا يُساعد عليه صريحُ كلامِ ابن حبان.
وعلى كل حالٍ، فالمحصلة بالنسبة إلينا واحدة، وقد سبقت مراتب الاعتماد على ابن حبان في توثيق الرواة، والله تعالى الموفق.
وقد أجاد الشيخ العلامة المعلمي في تعليقاته النفيسة على كتاب "الفوائد المجموعة" للشوكاني، إذ وضع الأمور في نصابها، وأعطى كتاب "الثقات" حَقَّهُ وأنزله منزلته.
(2/249)

(1)
ففي "الفوائد" (ص 294) حديث: "من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة لم تقبل له صلاة تلك الليلة".
قال الشوكاني: قيل هو موضوع، وقد تفرد به عاصم بن مخلد، وهو مجهول. وقال في "اللآلىء": هو في "مسند" أحمد من هذه الطريق.
قال ابن حجر في "القول المسدد": ليس في شيء مما ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ما يقتضي الوضع. وعاصم ليس مجهولا، بل ذكره ابن حبان في "الثقات" ...
فعلَّق الشيخ المعلمي بقوله:
"قاعدة ابن حبان أن يذكر في "ثقاته" المجهول إذا لم يعلم في روايته ما يستنكره، وهذا معروف مشهور، فَذِكْرُهُ الرجل في "ثقاته" لا يمنع كونه مجهولا". اه.
(2)
وقال الشيخ في تعليقه على "الفوائد" (ص 492):
"موسى هذا -يعني: ابن جبير- ذكره ابن حجر في "التقريب" وقال: مستور. وذكره ابن حبان في "ثقاته"، لكنه قال: يخطىء ويخالف.
وذِكْرُ ابن حبان للرجل في "ثقاته" وإخراجُه له في "صحيحه" لا يخرجه عن جهالة الحال، فأما إذا زاد ابن حبان فغمزه بنحو قوله هنا: يخطىء ويخالف، فقد خرج عن أن يكون مجهول الحال إلى دائرة الضعف". اه.
(2/250)

(3)
وقال في تعليقه على "الفوائد" (ص 70):
"محمد بن ثابت بن سباع ذكره ابن حبان في "الثقات" وذلك لا يكفي في معرفة حاله".
(4)
وقال في تعليقه على "الفوائد" (ص 240) في أبي المبارك الذي روى عنه يزيد بن سنان الرهاوي: "مجهول، وذِكْرُ ابن حبان له في "الثقات" لا يُخرجه عن ذلك".
(5)
وقال فيه (ص 299):
"عمر بن إبراهيم بن محمد بن الأسود، له ترجمة في "الميزان" و"اللسان" وهو مجهول، ذكره ابن حبان في "الثقات" على عادته في ذكر المجاهيل ... ".
قال أبو أنس:
هذا من حيث بيان الخلل الواقع في منهج ابن حبان في باب توثيق الرواة.
ولكن هل وَفَّى ابنُ حبان بتلك الشروط التي وضعها للتوثيق؟
قد عقد السيوطي في "تدريب الراوي" (1/ 108) مقارنةً بين ابن حبان والحاكم في شرائط التوثيق والتصحيح، ثم قال:
"فالحاصل أن ابنَ حبان وَفَّى بالتزام شروطه، ولم يُوَفِّ الحاكم". اه.
(2/251)

أقول:
أما الحاكم فسيأتي الكلام عنه في موضعه، وأما ابن حبان، فَزَعْمُ أنه وَفَّى بالتزام شروطه -على ما فيها- زَعْمٌ ينقصه التدقيق والتحرير، ويتبين ذلك مما يلي:
(1)
في "الفوائد" (ص 414 - 415) حديث: "دعوني من السودان، إنما الأسود لبطنه وفرجه".
... وقد رواه العقيلي، عن أم أيمن مرفوعًا، وفي إسناده خالد بن محمد بن خالد ابن الزبير. قال أبو حاتم: هو مجهول.
وقال في "اللسان": ذكره ابن حبان في "الثقات".
فعلَّق الشيخ المعلمي بقوله:
"هذا لا ينفي الجهالة، فإنه من قاعدة ابن حبان أن يذكر المجهولين في "ثقاته" بشرطٍ قرَّرَه، ومع ذلك لا يفي به؛ فإن من شرطه أن لا يروي الرجلُ منكرًا، وهذا قد روى هذا المنكر، بل قال البخاري: منكر الحديث". اه.
(2)
وفي "الفوائد" (ص 474) حديث: "مِنْ سعادة المرء خِفَّةُ لحيته".
رواه الخطيب عن ابن عباس مرفوعًا، وفي إسناده: المغيرة بن سويد وهو مجهول.
ورواه ابن عدي ...
قال السيوطي في "اللآلىء": المغيرة ذكره ابن حبان في "الثقات".
(2/252)

فقال الشيخ المعلمي:
"قاعدة ابن حبان ذِكْرُ المجهولين في "ثقاته" بشروطٍ ذكرها، ومع ذلك يخل بالوفاء بها". اه.
(3)
وفي "الفوائد" (ص 273): بشر بن عبيد ... كذَّبه الأزدي، وقال في "اللسان": ذكره ابن حبان في "الثقات".
فقال الشيخ المعلمي:
"لا ينفعه ذلك، فقد قال ابن عدي: منكر الحديث عن الأئمة، بَيِّن الضعف جدًّا". اه.
وقال الشيخ في "الفوائد" (ص 61) معلقًا على ترجمة بشر هذا: "بشر هالك ... وابن حبان معروف بالتسامح في كتابه "الثقات".
(4)
وفي "الفوائد" (ص 343) قولُ عليٍّ: "أنا عبد الله وأخو رسول الله، أنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب، صليت قبل الناس بسبع سنين".
رواه النسائي في "الخصائص"، وفي إسناده: عباد بن عبد الله الأسدي، وهو المتهم بوضعه.
وقال ابن المديني: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
فقال الشيخ المعلمي:
"لا يفيد ذلك شيئًا مع كلام كبار الأئمة فيه وظُهور سُقوطِه". اه.
(2/253)

قال أبو أنس:
•• ومن أمثلة من ذكرهم ابن حبان في "الثقات" وهم من الهَلْكى والمتروكين:
(1) عمرو بن مالك الراسبي.
وقال: يخطىء ويغرب. وانظر: "تهذيب الكمال" (22/ 257)، و"ميزان الاعتدال" (6435).
(2) إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني الدمشقي.
وقد أخرج له في "صحيحه"، وهو كذاب، وانظر: "الميزان" (244).
(3) عبد الله بن خراش.
وقال: ربما أخطأ، وقد كُذِّب. انظر: "تهذيب الكمال" (14/ 453).
(4) الحسن بن عبد الأول.
وهو كذاب. انظر: "الميزان" (2016)، و"اللسان" (2775).
•• ومن أمثلة ما خالف فيه ابن حبان شرطه فيمن يورده في كتابه أن يكون الراوي عنه وشيخه ثقات:
(1) خالد بن زيد الجهني:
ذكره ابن حبان في "الثقات" (4/ 197) بروايته عن أبيه وعنه: عبد الله بن محمد ابن عقيل، وعبد الله مجروح عند ابن حبان نفسه، كما في "المجروحين" (2/ 3).
(2) محمد بن عقبة بن أبي مالك القرشي:
ذكره ابن حبان في "الثقات" (5/ 359) وذكر أنه روى عنه زكريا بن منظور، وهو عنه منكر الحديث جدًّا كما في "المجروحين" (1/ 314)، ومحمد بن رفاعة وهو ابن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" على قاعدته، وقال الأزدي: منكر الحديث.
(2/254)

الأمر الثالث
في ذكر بعض عادات ابن حبان في إيراد الرواة في كتاب "الثقات"
أولًا: يذكر الرجل في "الثقات" بناء على أنه يروي المناكير التى رويت من طريقه أنَّ الحمل فيها على غيره:
(1)
في "الفوائد" (ص 350) حديث أسماء بنت عميس: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُوحَى إليه ورأسُه في حِجْرِ عَلِيٍّ، فلم يُصَلِّ العصر حتى غربت الشمس ... " وهو حديث ردّ الشمس لعلي ليدرك صلاة العصر.
فَوَهَّنَهُ الشيخ المعلمي وحكى استنكار أكثر أهل العلم له، وبيَّن وجوه هذا الاستنكار.
وذكر مِنْ طُرقه: ما رواه فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن (1)، عن فاطمة بنت الحسن، عن أسماء بنت عميس. وقيل: عن فضيل عن إبراهيم عن فاطمة بنت علي عن أسماء.
وقال الشيخ المعلمي في التعليق على هذا الإسناد:
"إبراهيم لا يكاد يُعرف بالرواية، إنما يُذكر عنه هذا الخبر، وخبرٌ آخر رواه عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ مرفوغا: "يظهر في آخر الزمان قومٌ يُسَمَّوْن الرافضة، يرفضون الإسلام" أُخرج في "زوائد مسند أحمد"، الحديث (808)، وذكره البخاري
__________
(1) هو إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أخو عبد الله بن الحسن الهاشمي.
(2/255)

في "التاريخ" في ترجمة إبراهيم (1)، وفي ذلك إشارة إلى أن الحمل فيه عليه، وذكره الذهبي في "الضعفاء" (2).
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" كأنه بنى على أن هذين الخبرين لا يثبتان عنه فبقي عنده على أصل العدالة بحسب قاعدته". اه.
(2)
في "الفوائد" (ص 55 - 56) حديث أبي هريرة: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، وإذا دخل بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعلٌ له من ركعتيه في بيته خيرًا".
قال الشيخ المعلمي في تعليقه:
"في سنده: إبراهيم بن يزيد بن قديد، رواه سعد بن عبد الحميد عنه، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا.
ذكر البخاري إبراهيم هذا في "التاريخ" (1/ 1 / 336) وذكر هذا الحديث، ثم قال: هذا لا أصل له.
وفي ترجمة إبراهيم من "الميزان" (3) ذكر هذا الحديث، وأن ابن عدي (4)، قال: هذا منكر بهذا الإسناد عن الأوزاعي.
__________
(1) (1 / ت 897).
(2) "ديوان الضعفاء" (ص 9)، وهو مترجم أيضا في "اللسان" (1/ 47)، و"تعجيل المنفعة" (1/ 256) وغيرهما.
(3) (748).
(4) "الكامل" (1/ 252).
(2/256)

وفي "اللسان" أن العقيلي (1) ذكر إبراهيم وقال: في حديثه وهم وغلط. ثم ساق هذا الحديث.
وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في "الموضوعات" (2) عن الأزدي، وأنه قال في إبراهيم: ليس حديثه بشيء، روى عن الأوزاعي مناكير، منها ... فذكر هذا الحديث ثم قال: لا أصل له.
تعقَّبَهُ السيوطي في "اللآلىء" (2/ 24) بقوله؛ قلت: قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (3): إبراهيم هذا ذكره ابن حبان في "الثقات" (4). اه.
ثم ذكر الشواهد، وكذا صنع "شارح الإحياء" (3/ 465) مع أن بقية عبارة "اللسان": فقال -يعني: ابن حبان: يعتبر حديثه من غير رواية سعد (5) ... (و) سعد بن عبد الحميد بن جعفر ... ترجمته في "التهذيب" (3/ 477)، وفيها عن ابن حبان: كان ممن يروي المنكير عن المشاهير، وممن فحش وهمه حتى حسن التنكب عن الاحتجاج به.
وعلى كل حال فقد بان أن ابن حبان إنما ذكر إبراهيم في "الثقات"؛ لأنه يرى الحمل في هذا الحديث على الراوي عنه. اه.
__________
(1) (1/ 72).
(2) (3/ 75).
(3) (1/ 125).
(4) (8/ 61).
(5) ذكره الشيخ المعلمي نقلا عن "اللسان": "سعيد" ونبَّه المعلمي على خطأ الحافظ ابن حجر في ذلك بالدلائل، وقد أوردته كاملا في ترجمة إبراهيم من قسم التراجم رقم (28) ولا حاجة بنا هنا إلى ذلك فاكتفيت بما نحن بصدده منه، والله تعالى الموفق.
(2/257)

ثانيًا: إذا تردد ابن حبان في توثيق راوٍ ذكره في "الثقات" وغَمَزَهُ:
(1)
ترجم الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 484) ل: محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الأموي أبي عبد الله المدني الملقب ب: الديباج، فقال:
"فيه نظر، قال البخاري: عنده عجائب. وقال العقيلي: لا يكاد يتابع على حديثه. وقال النسائي في موضع: ثقة. ثم كأنه رجع، فقال في موضع آخر: ليس بالقوي، ولم يخرج له هو ولا أحد من الستة غير ابن ماجه.
وقال ابن حبان في "الثقات": في حديثه عن أبي الزناد بعض المناكير.
ومن شأن ابن حبان إذا تردد في راوٍ أنه يذكره في "الثقات" ولكنه يغمزه ... " اه
(2)
وترجم في "الفوائد" أيضًا (ص 364) ل: ميمون أبي عبد الله الكندي البصري مولى عبد الرحمن بن سمرة، فقال:
"كان يحيى القطان لا يحدث عنه، وسُئل عنه فحمض وجهه، وقال: زعم شعبة أنه كان فسلا. وقال الإمام أحمد: عنده مناكير (1). وقال النسائي والحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي.
وقال ابن حبان في "الثقات" (2): كان يحيى القطان سيءَ الرأي فيه.
__________
(1) في "الجرح" (8 / ت 1057)، وتهذيب الكمال" (29/ 232)، و"تهذيبه" (10/ 393): "أحاديثه مناكير" وبينهما فرق.
(2) (5/ 418).
(2/258)

ولم يتعقب ابنُ حبان هذا بشيء، وقد عُرف من صنيعه أنه قد يذكر الرجل في "الثقات" ويضعفه أو يتردد فيه، فهذا من ذاك". اه.

ثالثًا: عادة ابن حبان فيمن لم يجد عنه إلا راوٍ واحدٍ:
قال الشيخ المعلمي في مقدمة تحقيقه لكتاب "الجرح والتعديل" (ص: يو).
"قد يذكر المؤلف -يعني: ابنَ أبي حاتم- الرجلَ ولا يستحضر عمَّن رَوى، ولا مَنْ رَوى عنه، أو يستحضر أحدهما دون الآخر، فيدع لما لا يستحضره بياضًا: روى عن ... روى عنه .... ويكثر ذلك في الأسماء التي ذكرها البخاري ولم ينص.
وعادة ابن حبان في "الثقات" أن لا يدع بياضًا، ولكن يقول: "يروي المراسيل - روى عنه أهل بلده" كأنه اطلع على ذلك، أو بنى على أن البخاري إنما لم يذكر عمن يروي الرجل لأنه لم يرو عن رجل معين وإنما أرسل، وأن الغالب أنه إذا كان الرجل ممن يُروى عنه، فلابد أن يروي عنه بعض أهل بلده.
وطريقة المؤلف -يعني ابنَ أبي حاتم- أحوط كما لا يخفى". اه.
* * *
(2/259)

الأمر الرابع
في درجات توثيق ابن حبان
نَعَى الشيخ المعلمي على الكوثري إكثاره من ردّ توثيق ابن حبان -يعني حينما يكون هواه في الردِّ- وحقَّق القولَ في درجات توثيقه، فقال في ترجمة ابن حبان من "التنكيل" رقم (200):
"التحقيق أن توثيقه على درجات:
الأولى: أن يصرح به كأن يقول: "كان متقنًا" أو"مستقيم الحديث" أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم (1).
الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يُعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذاك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى: لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم.
والثانية: قريب منها.
والثالثة: مقبولة.
والرابعة: صالحة.
والخامسة: لا يُؤْمَنُ فيها الخلل. والله أعلم. اه.
__________
(1) سيأتي في المطلب التاسع: النظر في طبقة شيوخ ابن حبان.
(2/260)

قال أبو أنس:
يُعْلَمُ مما سبق ومما يأتي إن شاء الله تعالى أنَّ هذه الأحكامَ أَغْلَبيَّةٌ، وكُلُّ حالةٍ تتجاذبها القرائن المحتفة بها، ولعل أحكام الشيخ المعلمي على توثيقات ابن حبان فيما ذكرناه آنفًا وسيأتي، أكثر واقعية من الناحية العملية التطبيقية بعيدًا عن الناحية النظرية التقسيمية.
وعلى كل حال فإن للشيخ المعلمي تطبيقات على ما يراه مقبولا من توثيقات ابن حبان، وكلها في كتاب "التنكيل"، وهاك بيانها:
(1)
في ترجمة: محمد بن معاوية الزيادي وهو البصري الذي يلقب: عصيدة من "التنكيل" رقم (234): " ... وقال ابن حبان في "الثقات": "كان صاحب حديث". فدل هذا أنه قد عرفه حق معرفته، وقدمنا في ترجمة ابن حبان أن مثل هذا من توثيقه توثيقٌ مقبولٌ، بل قد يكون أثبتَ من توثيق كثير من الأئمة؛ لأن ابن حبان كثيرًا ما يتعنت في الذين يعرفهم". اه.
فذاك من الدرجهَ الأولى من درجات التوثيق الآنفة.
(2)
وفي ترجمة: مسلم بن أبي مسلم وهو الجرمي رقم (244):
"ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون، ومخلد بن الحسين، ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين
وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه". اه.
فذاك من الدرجة الثالثة أو الرابعة.
(2/261)

(3)
وفي ترجمة: عبد الله بن عمر بن الرماح وهو النيسابوري قاضي نيسابور، رقم (126):
"قال ابن حبان في "الثقات" (1): عبد الله بن عمر بن ميمون بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور، روى عن مالك ووكيع وأهل العراق، حدثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري، وعبد الله بن محمد الأزدي، مستقيم الحديث إذا حدث عن الثقات، وقد قيل: كنيته أبو محمد، وكان مرجئًا، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
وهذا من ابن حبان توثيق مقبول كما يأتي في ترجمته". اه.
فذاك كسابقه.
(4)
وفي ترجمة: الحسن بن إدريس الهروي رقم (81):
"ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (كان ركنًا من أركان الحديث في بلده) وأخرج له في "صحيحه".
وقد عرفه حق المعرفة، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من أثبت التوثيق كما يأتي في ترجمة ابن حبان، وقد وافقه غيره على توثيق الحسين". اه.
وذاك من الدرجة الأولى.
(5)
وفي ترجمة: عبد الله بن محمود السعدي المروزي، من طليعة "التنكيل" (ص 59)
قال الشيخ المعلمي في الحاشية:
__________
(1) (8/ 357) وفيه: عبد الله بن عمرو ...
(2/262)

"هو من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في "ثقاته" مع روايته عنه في "صحيحه"، وتوثيق ابن حبان لمن عرفهم وخبرهم من أعلى التوثيق؛ فإنه يتشدد في هؤلاء ويحسن الظن بغيرهم". اه.
وذاك من الدرجة الثانية.
(6)
وفي ترجمة: إسماعيل بن حمدويه وهو البيكندي من طليعة "التنكيل" (ص 60)؛ قال الكوثري: مجهول. فقال الشيخ المعلمي:
"ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يروي عن أبي نعيم وأبي الوليد وأهل البصرة، حدثنا عنه مُحَمَّد بن المنذر شكّر، كان مقيمًا بالرملة زمانًا وكتب عنه شكّر.
فقد عرفه ابن حبان وعرف حديثه، وتوثيقه لمن عرفه وعرف حديثه مقبول، كتوثيق غيره من الأئمة، ويأتي شرح ذلك في ترجمة ابن حبان". اه.
فذاك من الدرجة الثالثة أو الرَّابعة.
* * *
(2/263)

الأمر الخامس
فيما ذُكر من تعنت ابن حبان في باب الجرح في مقابل ما وُصف به من التساهل في باب التوثيق
قال أبو أنس:
سبقت الإشارة في الأمر الأول إلى نسبة ابن حبان إلى أمرين ظاهرهما التعارض، أَلا وهما: التساهل في التوثيق، والتعنت في الجرح.
وقد مَرَّ في الأمر الثاني تقرير الشيخ المعلمي لتساهل ابن حبان في قاعدته في توثيق المجاهيل، مع ما زدناه من البيان والنقل عن أهل العلم.
لكن مما يلفت النظر أنه يوجد في كلام بعض النقاد وصفُ ابن حبان بالتعنت في باب الجرح بما ظاهره عكس ما مَرَّ في تلك القاعدة.
(1)
ففي ترجمة: مُحَمَّد بن الفضل السدوسي ولقبه عارم من "الميزان" (3/ 121) بعد ذكر توثيقه وتقديمه:
"قال الدارقطني: تغير بأخرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة.
قال الذهبي: فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله فأين هذا القولُ من قولِ ابن حبان الخسَّاف المتهور في عارم فقال: اختلط في آخر عمره وتغيَّر حتَّى كان لا يدري ما يحدَّثُ به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة؛ فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون؛ فإذا لم يُعلم هذا من هذا تُرك الكُلُّ، ولا يحتج بشيء منها.
قلت: ولم يَقْدِر ابنُ حبان أن يسوق له حديثًا منكرًا، فأين ما زعم؟ ". اه.
(2/264)

(2)
وفي ترجمة: سعيد بن عبد الرحمن الجمحي من "الميزان" أيضًا (1 / ت 3227).
"وثقه ابن معين وغيره. وقال ابن عدي: له غرائب حسان، وأرجو أنها مستقيمة؛ وإنما يهم فيرفع موقوفًا ويوصل مرسلًا، لا عن تعمد.
وأما ابن حبان، فإنه خسَّاف قصَّاب، فقال: روى عن الثَّقات أشياء موضوعة". اه.
(3)
وفي ترجمة: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي منه (3/ 442):
"يحدث عن قوم ضعاف ... وهو لا بأس به في نفسه.
وأما ابن حبان فإنه يُقَعْقِعُ كعادته، فقال فيه: يروي عن قوم ضعاف أشياء يدلسها عن الثقات، حتَّى إذا سمعها المستمع لم يَشُكَّ في وضعها، فلما كثر ذلك في أخباره أُلزقت به تلك الموضوعات، وحمل الناس عليه في الجرح، فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته كلها بحال ...
(و) لم يرو ابن حبان في ترجمته شيئًا، ولو كان له عنده شيء موضوع لأسرع بإحضاره، وما علمت أن أحدًا قال في عثمان بن عبد الرحمن هذا: إنه يدلس عن الهَلْكى، إنما قالوا: يأتي عنهم بمناكير، والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامَّ المعرفة تامِّ الورع". اه.
(4)
وفي ترجمة: أفلح بن سعيد المدني منه (1 / ت 1023):
"وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال.
فقال الذهبي: ابن حبان ربما قَصَبَ الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه". اه.
(2/265)

(5)
وفي ترجمة: سالم بن عجلان الأفطس من "هدي الساري" للحافظ ابن حجر:
"قال أبو حاتم: صدوق نقي الحديث وكان مرجئًا، وقال الجوزجاني: كان يخاصم في الإرجاء، داعيةً، وهو في الحديث متماسك، وأفرط ابن حبان فقال: كان مرجئًا يقلب الأخبار وينفرد بالمعضلات عن الثقات ...
قلت: ... وأما ما وصفه به من قلب الأخبار وغير ذلك فمردود بتوثيق الأئمة له، ولم يستطع ابن حبان أن يورد له حديثًا واحدًا". اه.
قال أبو أنس:
ومن مجازفات ابن حبان في جرحه للرواة:
(1) قوله في بهز بن حكيم بن معاوية: "يخطىء كثيرًا، فأما أحمد وإسحاق فيحتجان به، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث" إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا" لأدخلناه في "الثقات" وهو ممن أستخير الله فيه".
قال الذهبي في ترجمة بهز من "تاريخ الإسلام" في الطبقة الخامسة عشرة:
"على أبي حاتم البستي في قوله مؤاخذات:
إحداها: قوله: "كان يخطىء كثيرًا"، وإنما يُعرف خطأ الرجل بمخالفة رفاقه له، وهذا فانفرد بالنسخة المنفردة المذكورة وما شاركه فيها [أحد] ولا له في عامتها رفيق، فمن أين لك أنه أخطأ؟
الثانية: قوله: "تركه جماعة" فما علمت أحدًا تركه أبدًا، بل قد يتركون الاحتجاج بخبره، فهلا أفصحت بالحق؟
الثالثة: قوله: ولولا حديث: "إنا آخذوها" فهو حديث انفرد به بهز أصلا ورأسًا، وقال به بعض المجتهدين". اه.
(2/266)

(2) قوله في عبد الله بن إنسان الطائفي في "الثقات": "كان يخطىء". فقال الذهبي في ترجمة عبد الله من "الميزان" (3 / ت 4215):
"هذا لا يستقيم أن يقوله الحافظ إلا فيمن روى عدَّة أحاديث، فأما عبد الله هذا فهذا الحديث (1) أول ما عنده وآخره، فإن كان قد أخطأ فحديثه مردود على قاعدة ابن حبان". اه.
ويجيب الشيخ المعلمي عن تنديد الكوثري على ابن حبان بوصف الذهبي له بمثل تلك الأوصاف، بقوله في ترجمة ابن حبان من "التنكيل":
"إنما ذلك في مواضع غير كثيرة، يرى ما يستنكره للراوي فيبالغ في الحطِّ عليه وهذا أمر هيّن؛ لأنه إن كان فيمن قد جرحه غيره فكما يقول العامة: "لا يضر المقتول طعنة" (2) وإن كان فيمن وثقه يخرج لم يُلتفت إلى تشنيعه، وإنما ينظر في تفسيره وما يحتج به". اه.
لكن يعلق الشيخ في الأمر التاسع من القاعدة السادسة من "التنكيل" على قول ابن حبان في شعبة مولى ابن عباس: "روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر" بقوله:
"ابن حبان كثيرًا ما يُهَوِّلُ مثل هذا التهويل في غير محلِّه كما يأتي في ترجمته".
ويُفَصِّلُ الشيخ هذه القضية في الأمر الثامن من تلك القاعدة، فيقول:
"ابن حبان قد يذكر في "الثقات" مَنْ يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يعرف ما روى وعمن روى ومن روى عنه.
ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكره وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا ... ".
__________
(1) هو حديثه عن عروة عن أَبيه مرفوعًا: "إن صَيْد وَجٍّ وعضاهه حرم محرم الله".
(2) التنديد بابن حبان إنما هو في جرحه البالغ للثقة أو من هو قريب منه، لا في مبالغته في جرح المجروح، والأمثلة التي سقتها آنفًا تدل على ذلك.
(2/267)

قال أبو أنس:
في هذا فَصْلُ الخِطاب إن شاء الله تعالى، فابنُ حبان بينما يذكر في ثقاته من لم يعرفهم أصلا، إذا هو يبالغ في الحطِّ على الراوي الثقة بالحديث الواحد أو الحديثين مما يستنكره عليه.
إذًا، فلا يعتد بتوثيق ابن حبان إلا لمن عرفهم وخبرهم وسبر أحاديثهم، ولا يُعتد بجرحه لمن وثَّقه غيرُه ما لم يُفَسِّرْ وجهَ جرحِه فيُنظر فيه، والله تعالى الموفق.
* * *
(2/268)

الأمر السادس
في تفسير بعض الألفاظ التي يطلقها ابن حبان في كتاب "الثقات"
أولاً: قوله: ربما أخطأ، وربما خالف، ونحوهما:
قال أبو أنس:
يطلق ابن حبان هذا في كبارٍ، ولا تعني الضعف عنده، وقد أفصح عن منهجه في ذلك.
• فقال في ترجمة: عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي في "الثقات" (7/ 97):
"ربما أخطأ، كان عبد الملك من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، والغالب على من يحفظ ويحدث من حفظه أن يَهِمَ في روايته، ولو سلكنا هذا المسلك للزمنا ترك حديث الزهري وابن جريج والثوري وشعبة؛ لأنهم أهل حفظ وإتقان، وكانوا يحدثون من حفظهم ولم يكونوا معصومين حتَّى لا يَهِمُوا في الروايات.
والأَوْلى في مثل هذا قبولُ ما يَروي الثبت من الروايات، وتركُ ما صح أنه وَهِمَ فيها، ما لم يفحش ذلك حتَّى يغلب على صوابه، فإن كان كذلك استحق الترك حينئذ". اه.
• وقال في ترجمة: سعيد بن سفيان الجَحْدري من"الثقات" أيضًا (8/ 265):
"كان ممن يخطىء، حمل عليه عليّ بن المديني، وليس من سَلك مَسْلك الأثبات، ثم لم يتعرَّ من الوهم والخطأ، استحق الحمل عليه حتَّى يُعدل به عن مسلك الأثبات إلى غيرهم". اه.
(2/269)

وقد قرَّر الشيخ المعلمي هذا المنهج.
• فقال في ترجمة: مسلم بن أبي مسلم وهو الجرمي رقم (244) من "التنكيل":
"ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعن ومائتين.
وقد قدَّمْنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه". اه.
• وقال في ترجمة يوسف بن أسباط من "التنكيل" أيضًا رقم (268):
"قال ابن معين: ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عباد أهل الشام، وقرائهم، سكن أنطاكية وكان لا يأكل إلا الحلال، فإن لم يجده استف التراب، وكان من خيار أهل زمانه، مستقيم الحديث، ربما أخطأ، مات سنة 195.
فعبارة ابن حبان تعطي أن خطأه كان يسيرًا لا يمنع من الاحتجاج بخبره حيث لم يتبين خطؤه، ويشهد لذلك إطلاق ابن معين أنه ثقة ... ". اه.

ثانيًا: قوله: يغرب:
قال الشيخ المعلمي في ترجمة: علي بن صدقة من "التنكيل" رقم (161): "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "يغرب". وابن حبان قد يقول مثل هذا لمن يستغرب له حديثًا واحدًا أو زيادة في حديث". اه.
لكن قال الشيخ في تعليقه على "الفوائد" (ص 347):
"السندي بن عبدويه مجهول الحال، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ثم نقض ذلك بقوله: يغرب". ه.
(2/270)

ثالثًا: قوله: يخطىء ويخالف:
علَّق الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 492) على حديث من طريق موسى بن جبير فقال:"موسى هذا ذكره ابن حجر في التقريب وقال: "مستور" وذكره ابن حبان في "ثقاته"، لكنه قال: "يخطىء ويخالف" وذِكْرُ ابن حبان للرجل في "ثقاته" وإخراجه له في "صحيحه" لا يُخرجه عن جهالة الحال، فأما إذا زاد ابن حبان فغمزه بنحو قوله هنا: "يخطىء ويخالف" فقد خرج عن أن يكون مجهول الحال إلى دائرة الضعف". اه.
* * *
(2/271)

الأمر السابع
في شرائط ابن حبان في تصحيح الأخبار
قال أبو أنس:
اشتهر كتابُ ابنِ حبان "التقاسيم والأنواع" المعروف ب "صحيح ابن حبان" بذكره في كتب "مصطلح الحديث" عند الكلام على مظانِّ الحديث الصحيح الزائد على ما في "الصحيحين"، لكن مع ذِكْرهم له بالتساهل في التصحيح، وأنه قريب من الحاكم في ذلك.
وقد أسلفتُ في الفصل الثاني أن ابن حبان قد أفصح عن شرائطه في التوثيق والتصحيح، إذ يقول في مقدمة "الثقات":
"كُلُّ شيخٍ ذكرتُه في هذا فهو صدوق يجوز الاحتجاج بروايته إذا تعرَّى عن خمسِ خصالٍ:
فإذا وُجد خبرٌ منكرٌ عن شيخٍ من هؤلاء الشيوخ الذين ذكرتُ أسماءهم فيه كان ذلك الخبر لا ينفكُّ عن إحدى خصالٍ خمسٍ:
إما: أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرته في هذا الكتاب شيخٌ ضعيفٌ سوى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن الله نَزَّه أقدارهم عن إلزاق الضعف بهم.
أو: دونه شيخ واهٍ لا يجوز الاحتجاج بخبره.
أو: الخبر يكون مرسلًا لا يلزمنا به الحجة.
أو: يكون منقطعًا لا تقوم بمثله الحجة.
أو: يكون في الإسناد شيخ مدلس لم يبيَّن سماع خبره عمن سمع منه ...
(2/272)

فإذا وُجد الخبرُ متعرِّيًا عن هذه الخصال الخمس، فإنه لا يجوز التنكب عن الاحتجاج به؛ لأن العدلَ من لم يُعْرَفْ منه الجرحُ ضد التعديل، فمن لم يُعلم بجرح فهو عدل إذا لم يتبين ضده؛ إذْ لم يكلف النَّاسُ من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم". اه.
وقد نظر الحافظ ابن حجر في كتابه "النكت على ابن الصلاح" (1/ 290 - 291) في تلك الشروط، واعترض على قول ابن الصلاح عند قوله على الزيادة في "الصحيح" على ما في "الصحيحين" في مقدمته (1): "ويكفي مجرد كونها في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه كابن خزيمة ... ".
فقال ابن حجر: "مقتضى هذا أن يؤخذ ما يوجد في كتاب ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما ممن اشترط الصحيح -بالتسليم ... وفي ذلك نظر، فلم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان في كتابيهما أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف- يعني ابن الصلاح (2) ... وقد صرح ابن حبان بشرطه، وحاصله: أن يكون راوي الحديث عدلا مشهورًا بالطلب (3)، غير مدلس، سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي، فإن كان يروي من حفظه، فليكن عالمًا بما يحيل المعاني.
فلم يشترط على الاتصال والعدالة ما اشترطه المؤلف في "الصحيح" من وجود:
(1) الضبط.
(2) ومن عدم الشذوذ والعلة.
__________
(1) (ص 93).
(2) حيث قال ابن الصلاح (ص 83): "أما الحديث الصحيح فهو: الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العَدْل الضابط عن العَدْل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًّا ولا مُعَلَّلا. وفي هذه الأوصاف: احتزاز عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ، وما فيه علَّة قادحة، وما في راويه نوع جرح". اه.
(3) أما العدالة فعلى منهجه فيها، وأما الشهرة بالطلب ففي تحقق التزامه بها نظر كبير، وقد سبق في المطلب الثاني بيان ذلك مفصلا؛ إذ ربما أخرج ابن حبان لمن لا يعرفه ولا يعرف أباه ولا شيئًا عنه.
(2/273)

وهذا وإن لم يتعرض ابن حبان لاشتراطه، فهو إن وجده كذلك أخرجه، وإلا فهو ماشٍ على ما أصَّل؛ لأن وجود هذه الشروط لا ينافي ما اشترطه.
وسمى ابن خزيمة كتابه "المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ولا جرح في النقلة".
وهذا الشرط مثل شرط ابن حبان سواء؛ لأن ابن حبان تابعٌ لابن خزيمة، مغترفٌ من بحره، ناسجٌ على منواله.
ومما يُعَضِّدُ ما ذكرنا: احتجاجُ ابن خزيمة وابن حبان بأحاديثِ أهل الطبقة الثَّانية اللذين يخرج مسلم أحاديثهم في المتابعات، كابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغير هؤلاء.
فإذا تقرر ذلك عرفتَ أن حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة.
وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط المذكورة في حَدِّ الصحيح فلا، والله أعلم". اه. كلام ابن حجر.
وعلَّق السخاوي في "فتح المغيث" (1/ 37) على قول العراقي في "ألفيته": "والبستي -يعني: ابن حبان- يداني الحاكما" يعني في التساهل، بقوله:
"وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضًا؛ لأنه غير متقيد بالمعدَّلين، بل ربما يخرج للمجهولين".
(2/274)

قال أبو أنس:
قد بأن بما سبق نقلُه عن ابن حبان، ونَكَّت به ابن حجر، وعلَّق به السخاوي ما يلي:
أولًا: لم يزد ابن حبان في شروط التصحيح على شرطين:
(1) العدالة - بمعناها عنده.
(2) الاتصال - ويشمل انتفاء الإرسال والانقطاع والتدليس.
ويُفهم من سائر صنيعه اعتبار ألا يكون المتن منكرًا، حتَّى إنه ليسارع إلى الحكم على الحديث بالوضع إذا وجد متنه مما لا يقبله عقل أو لا يوافقه شرع.
وكذا شَرَط في قبول زيادات الألفاظ في الأحاديث أن يكون الزائدُ فقيهًا حتَّى يَعلم ما يزيده، وإن حَدَّث الراوي من حفظه فَشَرَط أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني.
ثانيًا: لم ينص ابن حبان على اشتراط ما يلي:
(1) الضبط.
(2) انتفاء الشذوذ.
(3) انتفاء العلَّة.
أما العدالة فقد مرَّ النظر في منهج ابن حبان في شرائطها، وأنه لا يمكن الاعتبار بتعديله لمن لم يعرفهم، فإنه يتوسع جدًّا في توثيق المجاهيل بناءً على قاعدته في أن المسلمين على الصلاح والعدالة ما لم يتبين فيهم جرح، وهذه القاعدة لا تصلح في باب الرواية، وقد بيَّن الحافظ ابن حجر أن الجمهور على خلاف ما ذهب إليه ابن حبان، وارجع إلى تفصيل هذا في الفصل الثاني.
ولذا فقد نَبَّهَ السخاوي إلى أن تساهل ابن حبان في باب توثيق المجاهيل، يقتضي النظر في أحاديث "صحيحه".
(2/275)

أقول:
وذلك أنه يبني تصحيحه على كثير من هؤلاء، فوجب التفتيش في أسانيده، وعرْض رجالها على موازين التعديل المعتبرة عند جمهور أهل العلم.
ولا شك أن "صحيحه" يشتمل على جملة من أحاديث هؤلاء، يجب ألا تندرج تحت اسم الصحيح لعدم تحقق شرط العدالة المعتبر عند أئمة النقد.
وأما الاتصال فلم يبيِّن ابن حبان شروطه في إثبات صحة السماع على نحو الخلاف المشهور في: هل الواجب تحقق اللقاء ولو مرة، أم الواجب تحقق المعاصرة مع الخلوِّ من التدليس والقرائن الدالة على عدم السماع؟
وعلى هذا فالأمر يحتاج إلى استقراء وتتبع لمنهجه في ذلك، وهل يتقيَّدُ ابن حبان بكلام المتقدمين في ذِكْر عدم سماع الرواة بعضهم من بعض، أم أن له اجتهاد خاص في ذلك؟
فإنا نرى ابن حبان لا يكاد يذكر في كتبه كثيرًا من الأئمة الذين عليهم مدار النقد في باب الجرح والتعديل والاتصال والانقطاع ونحو ذلك من أحوال الرواة التفصيلية.
وأما الضبط، فقد نصَّ ابن حجر أن ابن حبان لم يشترطه، كما سبق، لكن في قول ابن حبان: "فإن كان -يعني: الراوي- يروي من حفظه فليكن عالمًا بما يحيل المعاني" إشارةٌ إلى اعتباره للفرق بين أن يروي الراوي من كتابه أو من حفظه، وإلى تلميحه لاحتمال خطأ الذي يروي من حفظه إذا لم يكن عارفًا بمقتضيات الألفاظ ومدلولاتها.
(2/276)

وضَبْطُ الراوي إنما يُعرف بعرض أحاديثه على أحاديث الثقات المتقنين، فَيُقَارَنُ سياقُه بسياقهم؛ إسنادًا ومتنًا، ويُحكم على ضبطه بقدر موافقته لهم.
فإن اعتبرَ ابنُ حبان ذلك في المشاهير من الرواة، ورجح بعضَهم على بعض لحالِ اختلاف الضبط بينهم، فإنه لا سبيل له في ذلك في المجاهيل الذين وثقهم وهو لا يعرف عنهم شيئًا؛ بناءً على أصل العدالة عنده، وليس الضبط من العدالة بسبيل!
فتبيَّن من هذا أن ابن حبان لم يتقيد باشتراط الضبط أو البحث فيه بصورة مُطَّرِدَة، لكن إن وجد ما يدل عليه اعتبره، وإلا فهو جارٍ على أصله.
وأما نفي الشذوذ والعلة فقد أشار الحافظ ابن حجر -كما سبق- إلى عدم اشتراط ابن حبان له في باب التصحيح، فقال في "النكت" (1/ 290): "وهذا وإن لم يتعرض ابن حبان لاشتراطه، فهو إن وجده كذلك أخرجه، وإلا فهو ماشٍ على ما أَصَّل؛ لأن وجود هذه الشروط لا ينافي ما اشترطه". اه.
قال أبو أنس:
قد قطع شيخنا العلامة المعلمي بمخالفة ابن حبان -ومثله الدارقطني- للمتقدمين في هذا.
ففي كتاب "الأنوار الكاشفة" (ص 112) من قول أبي رية: "أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي -أي كعب الأحبار- يقول: إنك من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله، ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه، فقال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتَّى تدخل الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرة
(2/277)

في الجنة ومرة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها فإذا مت اقتحموا، وقد صدقت يمينه ... فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة 23 ه".
فنظر الشيخ المعلمي في متن هذه الحكاية، وخلص إلى تجويز -إن صحت الحكاية- أن يكون كعب استند إلى بعض العلامات المنقولة عن عمر، ويكون مع ذلك وجد في صحفه إشارةً فَهِمَ منها بطريق الرمز مع النظر في القرائن وتلك العلامات أن عمر لا يعيش بعد تلك السنة.
ثم قال:
"وبعدُ، فسند الحكاية غير صحيح، تفرد بها عن مالك رجلٌ يقال له: "عبد الوهاب ابن موسى" لا يكاد يعرف، وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذُكر في تاريخ البخاري ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبي في "الميزان": "لا يُدرى مَنْ ذا الحيوان الكذاب".
وفي مقدمة "صحيح" مسلم: "الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قُبل منه ... ".
وهذا الرجل لم يمعن في المشاركة، فضلا عن أن يكون ذلك على الموافقة، لكن هذا الشرط لا يتقيَّدُ به بعض المتأخرين كابن حبان والدارقطني، ومِنْ ثَمَّ -والله أعلم- وَثَّق الدارقطني عبد الوهاب هذا، وزعم أن الخبر صحيح عن مالك". اه.
(2/278)

قال أبو أنس:
قد اتَّسعَ الخَرْقُ على مَنْ جاء بعد هؤلاء مِمّن نَحَا هذا النَّحْوَ؛ بسبب عدم التَقَيُّدِ بانتفاء الشذوذ والعلَّة، فكان من لازم ذلك: التصحيحُ بظواهر الأسانيد، دون اعتبارٍ لتفردات الرواة ومخالفاتهم لمن هم أوثق منهم، ولا التفتيش عن العلل الخفية في الأخبار، ومداخل الخلل في المرويات، والأسباب المتباينة للتعليل عند أئمة هذا الشأن، والله تعالى المستعان (1).
* * *
__________
(1) وسيأتي مزيدُ بيانٍ لهذه المسائل عند الحديث عن أسباب التعليل وغيرها في قسم القواعد من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
(2/279)

الأمر الثامن
في النظر في طبقة شيوخ وشيوخ شيوخ ابن حبان
1 - طبقة شيوخ ابن حبان:
سبق في الفصل الرابع النقلُ عن المعلمي في بيان درجات توثيق ابن حبان، قوله: "التحقيق أن توثيقه على درجات:
الأولى: أن يصرح به كأن يقول: "كان متقنًا" أو"مستقيم الحديث" أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم ...
ثم قال رحمه الله: فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية قريب منها ... ".
قال أبو أنس:
لا شك أن معرفةَ ابنِ حبان لشيوخه وخبرتَه بهم تقضي بقبول قوله فيهم، واحتجاجُه بهم في "صحيحه" فمن أعلى التوثيق عنده، وقد عرفنا أنه قد يتعنَّتُ فيمن عرفهم ووقف على أحاديثَ لهم.
إذًا فشيوخ ابن حبان في "صحيحه" هم ثقات عنده، وتوثيقه لهذه الطبقة معتبر مقبول.
وقال الشيخ المعلمي في ترجمة: عبد الله بن محمود السعدي في حاشية "الطليعة" (ص 56):
"هو من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في "ثقاته" مع روايته عنه في "صحيحه"، وتوثيق ابن حبان لمن عرفهم وخبرهم من أعلى التوثيق؛ فإنه يتشدد في هؤلاء ويحسن الظن بغيرهم". اه.
لكن هل الثقة بشيوخ ابن حبان في "صحيحه" أمر مُطَّرِدٌ لا يدخله الخلل؟
(2/280)

فأقول:
أولا: وُجد في شيوخ ابن حبان في "صحيحه" طائفة لا يكادون يُعرفون، ولا توجد لهم تراجم في الكتب المتداولة بعد البحث والتفتيش، من هؤلاء:
(1) ثابت بن إسماعيل بن إسحاق (11/ 308) رقم (4936).
(2) الحسن بن مُحَمَّد بن أسد (11/ 498) رقم (5098).
(3) الحر بن سليمان (11/ 590) رقم (5185).
ثانيًا: لابن حبان في "الصحيح" شيوخٌ لم يُوَثَّقُوا.
منهم: جعفر بن أحمد بن صليح العابد الصليحي الواسطي (7/ 163) رقم (2093)، (8/ 151) رقم (3364).
ثالثًا: لابن حبان في "الصحيح" شيخٌ ضُعِّفَ، بل واتُّهِمَ، هو:
• نصر بن الفتح السمرقندي العائذي "الميزان" (5/ 378)، (14/ 210) رقم (6302).

2 - طبقة شيوخ شيوخ ابن حبان:
لم يذكر الشيخ المعلمي هذه الطبقة في درجات توثيق ابن حبان كما توهَّمَهُ البعض، وإنما اعتدَّ بتوثيق ابن حبان لبعض هؤلاء بناءً على أنه عرفهم، فتوثيقه لهم من أثبت التوثيق.
(1) ففي ترجمة: مسلم بن أبي مسلم الجرمي، رقم (244) من "التنكيل"، قال:
"ذكره ابن حبان في "الثقات" [وقال]: "مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن حسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين.
(2/281)

قال: وقد قدَّمْنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه". اه.
(2) وفي ترجمة: عبد الله بن عمر بن الرماح رقم (126)، قال:
"قال ابن حبان في "الثقات": "عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور، روى عن مالك ووكيع وأهل العراق، حدثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري وعبد الله بن مُحَمَّد الأَزدي: مستقيم الحديث إذا حدث عن الثقات، وقد قيل: كنيته أبو مُحَمَّد، وكان مرجئًا، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
وهذا من ابن حبان توثيق مقبول كما يأتي في ترجمته". اه.
(3) وفي ترجمة: إسماعيل بن حمدويه من "الطليعة" (ص 60):
"ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: فيروي عن أبي نعيم وأبي الوليد وأهل البصرة، حدثنا عنه مُحَمَّد بن المنذر شكّر، كان مقيمًا بالرملة زمانًا، وكتب عنه شكَّر.
فقد عرفه ابن حبان وعرف حديثه، وتوثيقه لمن عرفه وعرف حديثه مقبول، كتوثيق غيره من الأئمة، ويأتي شرح ذلك في ترجمة ابن حبان من "التنكيل". اه.
قال أبو أنس:
العبرة في الاعتداد بتوثيق ابن حبان لهذه الطبقة -ما لم يأت جرحٌ معتبرٌ- هو قُرْبُ عهد ابن حبان بها، واطلاعه على أحاديث رجالها، وسبره لمروياتهم، والله تعالى أعلم.
* * *
(2/282)

الأمر التاسع
أمثلة لما أُخذ على ابن حبان في توثيقه لمَنْ ضَعَّفَهُ في موضع آخر
1 - في ترجمة: أفلح بن سعيد الأنصاري من "تهذيب التهذيب" (1/ 368):
"قال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحلّ الاحتجاج به ولا الرواية عنه بحالٍ. وقرأت بخط الحافظ الذهبي بعد هذه الحكاية: ابن حبان ربما قَصَبَ الثقة؛ حتَّى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه، ثم ذكر مستنده فساق حديثًا له.
أجاب عنه الذهبي وابن حجر، وردوا تضعيفه له، قال ابن حجر: وقد غفل مع ذلك -يعني: ابن حبان- فذكره في الطبقة الرَّابعة من الثقات". اه.
2 - وفي ترجمة: بشر بن شعيب بن أبي حمزة منه (1/ 452):
"أما ابن حبان ففصَّل، فقال في "الثقات": كان متقنًا وبعض سماعه عن أَبيه مناولة، وسمع نسخة شعيب سماعًا. وذكره أيضًا في "الضعفاء"، ونقل عن البخاري أنه قال: تركناه. وهذا خطأ نشأ عن حذفٍ، فالبخاري إنما قال: تركناه حيًّا كما تقدم، وقد تعقب ذلك أبو العباس النباتي على ابن حبان في "الحافل" فأسهب". اه.
3 - وفي ترجمة: الحكم بن مصعب القرشي عنه (2/ 439):
"ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطىء ... وذكره أيضًا في "الضعفاء" وقال: روى عنه أبو المغيرة أيضًا، لا يجوز الاحتجاج بحديثه ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار.
قال ابن حجر: وهو تناقض صعب ... ". اه.
(2/283)

4 - وفي ترجمة: خالد بن عمرو بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سعيد بن العاص الأُموي منه (3/ 109):
"قال ابن حبان -يعني: في "الضعفاء"-: كان يتفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحلّ الاحتجاج بخبره. وذكره أيضًا في "الثقات". قال ابن حجر: وهي إحدى غفلاته". اه.
5 - وفي ترجمة: عبد الله بن بشر بن التيهان الرقي منه (5/ 160):
"ذكره ابن حبان في "الثقات"، وغفل فذكره في "الضعفاء" فقال: ... كان ممن يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، وينفرد بأشياء يشهد السمع لها أنها مقلوبة". اه.
6 - وفي ترجمة: الحارث بن عبيدة الحمصي من "تعجيل المنفعة" رقم (161):
"قال ابن حبان في "الضعفاء": روى عنه أهل بلده، وأتى عن الثقات بما ليس من أحاديثهم، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد. قال ابن حجر: قد تناقض ابن حبان فذكره في كتاب "الثقات"، وقال: روى عنه أهل مصر". اه.
قدمنا بعض النماذج، وتراجع التراجم الآتية في "تهذيب التهذيب":
7 - أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي المصري (1/ 65 - 66).
8 - جعفر بن الحارث الواسطي (2/ 89).
9 - الحارث بن النعمان بن سالم (2/ 160).
10 - دهثم بن قران العكلي (3/ 213).
11 - رزيق أبو عبد الله الألهاني (3/ 275).
(2/284)

12 - زياد بن عبد الله النميري (3/ 378).
13 - سعيد بن سلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي (4/ 83).
14 - سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي (4/ 108).
15 - سَلْم بن زرير العطاردي أبو موسى البصري (4/ 130).
16 - عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري (5/ 52).
17 - عبيد الله بن سعيد بن مسلم بن عبيد بن مسلم الجعفي أبو مسلم الكوفي (7/ 16).
18 - كلثوم بن جوشن القشيري الرقي (8/ 443).
19 - مُحَمَّد بن عمرو الأنصاري البصري (9/ 378).
20 - مروان بن شجاع الجزري الحراني (10/ 94).
21 - معروف بن خربوذ المكي (10/ 231).
22 - يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي أبو جعفر الكوفي (11/ 224).
23 - يحيى بن عثمان القرشي التيمي (11/ 257).
24 - يحيى بن ميمون بن عطاء بن زيد القرشي أبو أَيوب التمار البصري البغدادي (11/ 290).
25 - يونس بن أبي يعفور (11/ 452).
وأما في ترجمة: إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، فقد صرح ابن حبان فيه أنه قد ذكره في "الثقات" و"الضعفاء" لما ظهر له من حالة، وأنه لتغير اجتهاده فيه. انظر التهذيب (1/ 255).
(2/285)

فهل يُقال:
إن سائر المواضع إنما هو تغير اجتهاد، وأنه قصد أن يُحَوَّلوا جميعًا من "الثقات" إلى "الضعفاء"، إلا أنه اكتفى بالتنبيه في ترجمة إسحاق -وربما غيره- للدلالة على سائر المواضع؟ قد قال بهذا بعض الباحثين، وهو أَعْذَرُ لابن حبان، فلا بأس بذلك، والله تعالى الموفق.
* * *
(2/286)

الحاكم صاحب "المستدرك"
(ت 405 ه)
(2/287)

يتعلق به هاهنا أربعة مطالب:
الأول: شرط الحاكم في كتابه "المستدرك".
الثاني: تناقضه في إخراج أحاديث في "المستدرك" بأسانيد قد وَهَّن بعض رجالها في مواضع أخرى.
الثالث: البحث في القَدْر الذي أصاب الحاكم فيه التساهل في "المستدرك".
الرابع: منزلته في التوثيق والتصحيح.
* * *
(2/289)

المطلب الأول
شرط الحاكم في كتابه "المستدرك"
مقدمة:
قال الحاكم في صدر كتابه "المستدرك" (ص 2 - 3):
"سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيدَ يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له؛ فإنهما رحمهما الله لم يَدَّعِيا ذلك لأنفسهما ...
وأنا أستعينُ اللهَ على إخراجِ أحاديثَ رواتُها ثقاتٌ، قد احتج بمثلها الشيخان -رضي الله عنهما- أو أحدُهما.
وهذا شرطُ الصحيح عند كافَّة فقهاء الإسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة". اه. كلام الحاكم
قال أبو أنس:
هاهنا عدةُ قضايا اشتملت عليها تلك المقدمة الوجيزة:
الأولى: معنى المثلية في عبارة الحاكم.
الثَّانية: زَعْم الحاكم أنه لا سبيل إلى إخراج ما لا علَّة له، وأن الشيخين لم يدعيا ذلك لأنفسهما.
الثالثة: اتفاق كافة فقهاء الإسلام على قبول زيادة الثقة.
نتعرض هنا للأوليين، أما الثالثة فمحلها بحث "زيادة الثقة" في موضع آخر.
(2/290)

أما بالنسبه للقضية الأولى
فقد اخْتُلِفَ في حَدِّ قولِ الحاكم:
" ... أجمعُ كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها ... وأنا أستعينُ اللهَ على إخراجِ أحاديثَ، رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما ... ".
فماذا تعني "المثلية" في عبارة الحاكم؟
هل تعني: "الذاتية"؛ أي يُخرجُ لنفس من خرَّج لهم الشيخان أو أحدهما؟
أم تعني: "المشابهة"؛ أي يُخرجُ لرجالٍ يشُبهون رجال الشيخين أو أحدهما في الصفات من حيث العدالة والضبط؟
أكثرُ الذين تعرَّضوا لهذه القضية؛ كابن الصلاح، والنووي، وعليه عمل ابن دقيق العيد، والذهبي: مالوا إلى المعنى الأول.
وممن رأى المعنى الثاني فيما وقفت عليه: البلقيني في "محاسن الاصطلاح"، والعراقي في "التقييد والأيضاح"، والزركشي في "نكته على ابن الصلاح".
أصحاب المعنى الأول:
قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص 93):
"اعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في "الصحيحين" وجمع ذلك في كتاب سمَّاه: "المستدرك"، أودعه ما ليس في واحد من "الصحيحين" مما رآه على شرط الشيخين، قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاري وحده، أو على شرط مسلم وحده ... ".
(2/291)

وقال النووي في "التقريب" (1/ 127 تدريب):
"إن المراد بقولهم على شرطهما: أن يكون رجال إسناده في كتابيهما؛ لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما" اه.
وقال العراقي في "التقييد والإيضاح" (ص 30):
"وعلى هذا عمل ابن دقيق العيد؛ فإنه ينقل عن الحاكم تصحيحه لحديثٍ على شرط البخاري مثلًا، ثم يعترض عليه بأن فيه فلانًا، ولم يخرج له البخاري، وكذا فعل الذهبي في مختصر "المستدرك". اه.
أصحاب المعنى الثاني:
قال البلقيني في "محاسن الاصطلاح" (ص 94 حاشية مقدمة ابن الصلاح):
" ... شرط الحاكم أن يخرج أحاديث جماعة كَمَنْ خرج لهم الشيخان ... وإيراد كون الرجل لم يخرج له من استدرك عليه، لا يُلتفت إليه؛ لأنه لم يلتزم العَيْنَ، بل الشَّبَه، ومع ذلك فلم يوجد ما شرطه ... ".
وقال العراقي في "التقييد" بعد حكاية المعنى الأول عن ابن الصلاح والنووي وعمل ابن دقيق العيد والذهبي:
"ليس ذلك منهم بجيد؛ فإن الحاكم صرح في خطبة "المستدرك" بخلاف ما فهموه عنه، فقال: وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما.
فقوله "بمثلها" أي بمثل رواتها، لا بِهِم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون مثلها إذا كانت بنفس رواتها، وفيه نظر.
(2/292)

وتحقيقُ "المثلية" أن يكون بعضُ من لم يخرج عنه في "الصحيح" مثل مَنْ خرج عنه فيه، أو أعلى منه عند الشيخين، وتُعرفُ "المثلية" عندهما: إما بنصهما على أن فلانًا مثل فلان، أو أرفع منه، وقلَّما يوجد ذلك، وإما بالألفاظ الدالة على مراتب التعديل؛ كأن يقولا في بعض من احتجا به: "ثقة"، أو "ثبت"، أو "صدق"، أو "لا بأس به"، أو غير ذلك من ألفاظ التعديل، ثم يوجد عنهما أنهما قالا ذلك أو أعلى منه في بعض من لا يَحتجان به؛ لأن مراتبَ الرواةِ معيارُ معرفتِها ألفاظُ الجرح والتعديل.
ولكن هنا أمر فيه غموض لابد من الإشارة إليه، وذلك أنَّهم لا يكتفون في التصحيح بمجرد حال الراوي في العدالة والاتصال من غير نظر إلى غيره، بل ينظرون في حالة مع من روى عنه في كثرة ملازمته له أو قلتها، أو كونه في بلده ممارسًا لحديثه، أو غريبًا من بلد من أخذ عنه، وهذه أمور تظهر بتصفح كلامهم وعملهم في ذلك". اه. كلام العراقي
وقبل أن أختم تلك النقولات بتحرير الحافظ ابن حجر لهذه القضية، أُورد ما قاله الزركشي في "نكته" على ابن الصلاح، ليتم نقل ما له تعلق بأصحاب المعنى الثاني.
قال الزركشي في "نكته" (1/ 198) تعقيبًا على أصحاب المعنى الأول:
"ليس ذلك منهم بحسن؛ لِما ذكرنا من كلام الحاكم في خطبته أنه لم يشترط نفسَ الرجال المخرَّج لهم في "الصحيح"، بل اشترط رواة احتج بمثلهم الشيخان أو أحدهما، وإنما ينبغي منازعته في تحقيق المماثلة بين رجاله ورجال "الصحيحين".
نعم، القوم معذورون؛ فإنه قال عقب أحاديث أخرجها هو: صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بفلان وفلان، يعني المذكورين في سنده، فهذا منه جنوح إلى إرادة نفس رجال "الصحيح"، وهو يخالف ما ذكره في مقدمة كتابه، ثم إنه خالف الاصطلاحين في أثناء كتابه، وقال -لما أخرج "التاريخ" و"السير": ولابد لنا من نقل كلام ابن إسحاق والواقدي". اه. كلام الزركشي.
(2/293)

ويلاحظ من كلام الزركشي أنه رجح المعنى الثاني، إلا أنه عَرَض ما يقوي المعنى الأول، ولم يأت على ترجيحه للثاني بدليل، إلا ما فهمه من عبارة الحاكم.
تحرير الحافظ ابن حجر لمقصد الحاكم من تلك العبارة:
قال ابن حجر نقلا عن "تدريب الراوي" (1/ 128):
"ما اعترض به شيخنا يعني العراقي على ابن دقيق العيد والذهبي ليس بجيد؛ لأن الحاكم استعمل لفظة "مثل" في أعم من الحقيقة والمجاز في الأسانيد والمتون، دَلَّ على ذلك صنيعُه؛ فإنه تارة يقول: على شرطهما، وتارة: على شرط البخاري، وتارة: على شرط مسلم، وتارة: صحيح الإسناد، ولا يعزوه لأحدهما.
وأيضًا فلو قصد بكلمة: "مثل" معناها الحقيقي حتَّى يكون المراد: احتج بغيرها ممن فيهم من الصفات مثل ما في الرواة الذين خرَّجا عنهم، لم يقل قط: على شرط البخاري؛ فإن شرط مسلم دونه، فما كان على شرطه فهو على شرطهما؛ لأنه حوى شرط مسلم وزاد".
وقال في "النكت على ابن الصلاح" تعقيبًا على العراقي أيضًا:
"تصرُّفُ الحاكم يقوي أحد الاحتمالين الذين ذكرهما شيخنا: -يعني: العراقي- فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا أو أحدهما لرواته قال: صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما، وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الإسناد حسب.
ويوضح ذلك قوله في باب التوبة لما أورد حديث أبي عثمان (1)، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تُنزعُ الرحمةُ إلا من شقي"، قال: هذا حديث صحيح الإسناد،
__________
(1) "المستدرك" (4/ 249).
(2/294)

وأبو عثمان هذا ليس هو النهدي، ولو كان هو النهدي لحكمتُ بالحديث على شرط الشيخين.
فدلَّ هذا على أنه إذا لم يخرجا لأحد رواة الحديث لا يحكم به على شرطهما، وهو عَيْنُ ما ادعى ابن دقيق العيد وغيره، وإن كان الحاكم قد يغفل عن هذا في بعض الأحيان، فيصحح على شرطهما بعض ما لم يخرجا لبعض رواته، فيحمل ذلك على السهو والنسيان، ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض والله أعلم ". اه. كلام ابن حجر.
قال أبو أنس:
يتبين مما سبق عرضُه أن الحاكم لم تكن له طريقة مُطَّرِدة في إخراج أحاديث رواة هم مثل ما أخرج لهم الشيخان، ولو كان له ذلك لما اختُلف فيه على هذا النحو، بل إن الخلاف يشير إلى أنه ربما أخرج لرواة على المعنى الأول -وهم عَيْنُ من أُخرج لهم في "الصحيحين"- وربما أخرجهم على المعنى الثاني -وهم شَبَهُ من أُخرج لهم فيهما- فربما نظر البعض إلى مواضعَ تؤيد أحد المعنين فركن إليه.
وحرَّر الحافظ ابن حجر فقوّى المعنى الأول بأمثلة ذكرها، لكنه لم ينف وجود بعض المواضع على المعنى الثاني على سبيل الوهم والنسيان.
والذي يعنينا هنا هو ما يتعلق برواة المعنى الأول، وهم الذين صحح لهم الحاكم في "مستدركه" على شرط الشيخين أو أحدهما، وهم في الأصل معدودون في رجال الكتابين أو أحدهما.
أما رواة المعنى الثاني فقد صحح لهم الحاكم مطلقًا في غالب الأحيان -وسيأتي البحث معه في ذلك- وعلى شرط الشيخين أو أحدهما أحيانًا -على سبيل الوهم- كما قال ابن حجر.
(2/295)

وأهمية هذه المباحث هنا هو الوقوف على مدى حُجِّيَّةِ تصحيح الحاكم على شرط "الصحيح"، فإنه قد أكثر المتأخرون من الاحتجاج بتصحيح الحاكم على هذا النحو، وجعلوا تصحيحه من جملة الأدلة على صحة الحديث.
والمقصود هنا أن نقارن بين حُجِّية تصحيح الحاكم على شرط "الصحيح" وبين منهج الشيخين في إخراج الرجال في كتابيهما، بحيث يكون الكلام على تلك الحجية هو المدخل لما نحن بصدده، وسبق التنويه بأن الحاكم هو أكثر المصنفين استعمالًا لهذا النوع من التصحيح، وهو التصحيح على شرط الشيخين أو أحدهما.
تحقيق الحافظ ابن حجر لأقسام أحاديث "المستدرك":
قال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح":
"ينقسم "المستدرك" أقسامًا، كل قسم منها يمكن تقسيمه:
الأول: أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجًّا برواته في "الصحيحين" أو أحدهما على صورة الاجتماع، سالمًا من العلل. واحترزنا بقولنا: على صورة الاجتماع عما احتجا برواته على صورة الانفراد؛ كسفيان بن حسين عن الزهري؛ فإنهما احتجا بكل منهما على الانفراد (1)، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ لأن سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه، فإن وُجد حديثٌ من روايته عن
__________
(1) هذا وهم من الحافظ؛ فإن البخاري ومسلمًا لم يحتج واحد منهما بسفيان بن حسين أصلًا، إنما ذكره البخاري تعليقًا، وأخرج له مسلم في مقدمة صحيحه، ولأجل أن البخاري لم يسند من طريقه شيئًا، لم يذكره الحافظ فيمن تُكلم فيهم من رجال البخاري، وذلك في الفصل الذي عقده لذلك في مقدمة "فتح الباري". انظر: (ص 426 - 427). وكذلك لم يذكره أحد ممن صنَّف في رجال الشيخين، فذهوله هنا عجيب منه رحمه الله تعالى.
(2/296)

الزهري لا يقال: على شرط الشيخين؛ لأنهما احتجا بكل منهما، بل لا يكون على شرطهما إلا إذا احتجا بكل منهما على صورة الاجتماع.
وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتج بآخر منه، كالحديث الذي يُروى من طريق شعبة مثلًا، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ فإن مسلمًا احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما حتَّى يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره.
واحترزت بقولي: أن يكون سالمًا من العلل، بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع، إلا أن فيهم من وصف بالتدليس أو اختلط في آخر عمره؛ فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسن بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى.
وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط.
فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلس قد عنعنه أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه بأنه على شرطهما، وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه إلا إذا صرح المدلس من جهة أخرى بالسماع، وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوسف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما.
ولا يوجد في "المستدرك" حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرًا أو أصلًا إلا القليل كما قدمناه.
(2/297)

نعم وفيه جملة مستكثرة بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكم واهمًا في ذلك ظانًّا أنهما لم يخرجاه.
القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته، لا على سبيل الاحتجاج، بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونًا بغيره.
ويلتحق بذلك ما إذا أخرجا لرجل وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن، عن أَبيه، عن أبي هريرة ما لم يتفرد به.
فلا يحسن أن يقال: إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرج بعضها إلا بعد أن تبين أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلتحق أفراده بشرطهما.
وقد عقد الحاكم في كتاب "المدخل" بابًا مستقلًا، ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم إنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في "المستدرك" زاعمًا أنها على شرطهما.
ولا شك في نزول أحاديثهم عن درجة الصحيح، بل ربما كان فيها الشاذ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن.
والحاكم إنما يُناقَشُ في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما، وهذا القسم هو عمدة الكتاب.
القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرجا له، لا في الاحتجاج ولا في المتابعات وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما ... ". اه. كلام ابن حجر.
(2/298)

تحقيق الشيخ المعلمي لهذه القضية والتي تليها:
فقال في معرض حديثه عن أسباب الخلل الواقع في "المستدرك":
" ... توسع الحاكم في معنى قوله: "بأسانيد يحتج ... بمثلها"، فبنى على أن في رجال "الصحيحين" من فيه كلام، فأخرج عن جماعةٍ يَعلم أن فيهم كلامًا.
ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة.
أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضر في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا، أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما يُسمع منه من غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنةً وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس، فيخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح.
وقَصَّرَ الحاكم في مراعاة هذا، وزاد فأخرج في مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له بناء على أنه نظير من قد أخرجا له، فلو قيل له: كيف أخرجت لهذا وهو متكلم فيه؟ لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان وفيه كلام قريب من الكلام في هذا، ولو وفَّى بهذا لهان الخطب، لكنه لم يَفِ به بل أخرج لجماعة هلكى". اه.
وبالنسبة للقضية الثانية يقول الشيخ المعلمي:
"ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة:
(2/299)

سألني جماعة ... أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد ابن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له؛ فإنهما رحمهما الله لم يَدَّعِيَا ذلك لأنفسهما.
ولم يُصِبْ في هذاة فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة.
وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس له علة قادحة". اه.
* * *
(2/300)

المطلب الثاني
تناقضه في إخراج أحاديث في "المستدرك" بأسانيد قد وَهَّنَ هو بعض رجالها في مواضع أخرى
(1) قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 444):
"فأما "مستدرك" الحاكم فحدِّث عنه ولا حرج؛ فإن في "مستدركه" كثيرًا من الرواة التالفين، وجماعة منهم قد قطع هو نفسه بضعفهم الشديد ... ".
(2) ونقل السيوطي قول الحاكم في: فائد بن عبد الرحمن أبي الورقاء الكوفي العطار في "المستدرك": مستقيم الحديث.
فقال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 39):
"في ترجمة فائد من "التهذيب": وقال الحاكم أبو أحمد: حديثه ليس بالقائم ... وقال الحاكم: روى عن ابن أبي أوفى أحاديث موضوعة.
أقول: الظاهر أن الحاكم الثاني هو أبو عبد الله صاحب "المستدرك"؛ لأنه هو المراد عند الإطلاق، ولو كان المراد أَبا أحمد لجمع كلمتيه، فإذا كان هذا كما قلت، فقد غفل الحاكم في "المستدرك" غفلة شديدة ... ". اه.
وانظر: ترجمة فائد من قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (594).
* * *
(2/301)

المطلب الثالث
البحث في القَدْر الذي أصاب الحاكم فيه التساهُل في "المستدرك"، والسبب في ذلك
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 455):
"قال ابن حجر في "اللسان" بعد أن ذكر ما في "المستدرك" من التساهل:
قيل في الاعتذار عنه: أنه عند تصنيفه ل "المستدرك" كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب "الضعفاء" له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في "مستدركه" وصححها". اه.
ولعل المراد بقوله: وذكر بعضهم ما في "تذكرة الحفاظ" عن بعضهم أن الحاكم قال له: "إذا ذاكرتُ في باب لابد من المطالعة؛ لكبر سني"، وهذا لا يستلزم الغفلة، ومع ذلك فقوله "تغير وغفلة" لا يؤدي معنى الاختلاط، فكيف الاختلاط الشنيع؟ (1).
وقد رأيت في "المستدرك" المطبوع إثبات تواريخ السماع على الحاكم في أوله أي ج 1 ص 2 ثم ص 36، ف: ص 69، ف: ص 94، ف: ص 129، ف: ص 163، وتاريخ الأول سابع المحرم سنة 393، والثاني بعد ثلاثة أشهر تقريبًا، وهكذا بعد كل ثلاثة أشهر يملي جزءًا في نيف وثلاثين صفحة من المطبوع، ولم يستمر إثبات ذلك في جميع الكتاب.
وآخر ما وجدته فيه ج 3 ص 156 في غرة ذي القعدة سنة 402، وهذا يدل على أن تلك الطريقة استمرت منتظمة إلى ذاك الموضع، فأما بعد ذلك فاللَّه أعلم، فإنه لو
__________
(1) يَرُدُّ بذلك الشيخ المعلمي على الكوثري في قوله في الحاكم: اختلط اختلاطًا شنيعًا.
(2/302)

بقي ذاك الانتظام لم يتم الكتاب إلا سنة 410، لكن الحاكم توفي سنة 405، وفي المجلد الرابع (ص 249)، ذكر الحاكم أول سند "أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ... " لكن بلا تاريخ.
هذا واقتصاره في كل ثلاثة أشهر على مجلس واحد يملي فيه جزءًا بذاك القدر يدل أنه إنما أَلَّفَ الكتاب في تلك المدة، فكان الحاكم مع اشتغاله بمؤلفاتٍ أخرى يشتغل بتأليف "المستدرك"، والتزم أن يحضر في كل ثلاثة أشهر جزءًا ويخرجه للنَّاس، فيسمعونه؛ إذ لو كان قد ألَّف الكتاب قبل ذلك وبَيَّضَهُ، فلماذا يقتصر في إسماع الناس على يوم في كل ثلاثة أشهر؟
فأما إسراعه في الأواخر فلعله فرغ من مصنفاته الأخرى التي كان يشتغل بها مع "المستدرك" فتفرغ ل"المستدرك".
وفي "فتح المغيث" (ص 13) عند ذكر تساهل الحاكم في "المستدرك":
فيه عدة موضوعات، حمله على تصحيحها إما التعصب لِما رمي به من التشيع، وإما غيره فضلًا عن الضعيف وغيره، بل يقال: إن السبب في ذلك أنه صنَّفه في أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير، وأنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قَدْر الخُمْس الأول منه قليل جدًّا بالنسبة لما فيه؛ فإنه وجد عنده: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم.
أقول: لا أرى الذنب للتشيع؛ فإنه يتساهل في فضائل بقية الصحابة كالشيخين وغيرهما، وفي المطبوع ج 3 (ص 156): (حدثنا الحاكم ... إملاء غرة ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة).
وعادته كما تقدم أن يملي في المجلس جزءًا في بضع وثلاثين صفحة من المطبوع، فقد أملى إلى نحو صفحة 190 من المجلد الثالث المطبوع، وذلك أكثر من نصف
(2/303)

الكتاب، فأما الموضع الذي في ج 4 (ص 349) فإنما فيه "أخبرنا ... " وليس فيه لفظ "إملاء" ولا ذكر التاريخ.
والذي يظهر لي فيما وقع في "المستدرك" من الخلل أن له عدة أسباب:
الأول: حرص الحاكم على الإكثار، وقد قال في خطبة "المستدرك":
(قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة، يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على أَلْف جزء أو أقل أو أكثر كلها سقيمة غير صحيحة).
فكان له هوى في الإكثار للرد على هؤلاء.
والثاني: أنه قد يقع له الحديث بسندٍ عالٍ أو يكون غريبًا مما يتنافس فيه المحدثون فيحرص على إثباته، وفي "تذكرة الحفاظ" ج 2 (ص 270): قال الحافظ أبو عبد الله الأخرم: استعان بي السَّرَّاج في تخريجه على "صحيح مسلم" فكنت أتحير من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عاليًا يقول: لابد أن نكتبه -يعني في المستخرج- فأقول: ليس من شرط صاحبنا -يعني مسلمًا- فشفعني فيه.
فعرض للحاكم نحو هذا؛ كما وجد عنده حديثًا يفرح بعلوه أو غرابته اشتهى أن يثبته في "المستدرك".
الثالث: أنه لأجل السببين الأولين، ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة:
"سألني جماعة ... أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد ابن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له؛ فإنهما رحمهما الله لم يَدَّعِيَا ذلك لأنفسهما".
(2/304)

ولم يُصِبْ في هذا؛ فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة.
وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس له علة قادحة.
الرابع: أنه لأجل السببين الأولين توسَّع في معنى قوله: "بأسانيد يحتج ... بمثلها"، فبنى على أن في رجال "الصحيحين" من فيه كلام، فأخرج عن جماعةٍ يَعلم أن فيهم كلامًا.
ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة.
أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضر في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضى أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا، أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه أو بما يُسمع منه من غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنةً وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس، فيخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح.
وقَصَّرَ الحاكم في مراعاة هذا، وزاد فأخرج في مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له بناء على أنه نظير من قد أخرجا له، فلو قيل له: كيف أخرجت لهذا وهو متكلم فيه؟
لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان وفيه كلام قريب من الكلام في هذا، ولو وفَّى بهذا لهان الخطب، لكنه لم يَفِ به بل أخرج لجماعة هلكى.
(2/305)

الخامس: أنه شرع في تأليف "المستدرك" بعد أن بلغ عمره اثنتن وسبعين سنة، وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه، وكان فيما يظهر تحت يده كتب أخرى يصنفها مع "المستدرك"، وقد استشعر قرب أجله فهو حريص على إتمام "المستدرك" وتلك المصنفات قبل موته، فقد يتوهم في الرجل يقع في السند أنهما أخرجا له، أو أنه فلان الذي أخرجا له، والواقع أنه رجل آخر، أو أنه لم يجرح أو نحو ذلك.
وقد رأيت له في "المستدرك" عدة أوهام من هذا القبيل يجزم بها، فيقول في الرجل: قد أخرج له مسلم -مثلًا- مع أن مسلمًا إنما أخرج لرجل آخر شبيه اسمُه باسمِه، ويقول في الرجل: فلان الواقع في السند هو فلان ابن فلان، والصواب أنه غيره.
لكنه مع هذا كله لم يقع خلل ما في روايته؛ لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه، فكل حديث في "المستدرك" فقد سمعه الحاكم كما هو، هذا هو القدر الذي تحصل به الثقة، فأما حكمه بأنه على شرط الشيخين، أو أنه صحيح، أو أن فلانًا المذكور فيه صحابي، أو أنه هو فلان ابن فلان، ونحو ذلك، فهذا قد وقع فيه كثير من الخلل.
هذا وذكرهم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه ب"المستدرك"، فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها فيما أعلم، وبهذا يتبين أن التشبث بما وقع له في "المستدرك" وبكلامهم فيه لأجله: إن كان لإيجاب التروي في أحكامه التي في "المستدرك" فهو وجيه، وإن كان للقدح في روايته أو في أحكامه في غير "المستدرك" في الجرح والتعديل ونحوه فلا وجه لذلك، بل حالة في ذلك كحال غيره من الأئمة العارفين، إن وقع له خطأ فنادر كما يقع لغيره، والحكم في ذلك اطِّراح ما قام الدليل على أنه أخطأ فيه، وقبول ما عداه، والله الموفق". اه.
* * *
(2/306)

المطلب الرابع:
منزلته في التوثيق والتصحيح، وهو مبني على ما سبق
قال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 64):
"كلمة "ثقة" عند الحاكم لا تفيد أكثر مما تفيده كلمة "صدوق" عند غيره، بل دون ذلك". اه.
وقال فيها (ص 240):
"تصحيح الحاكم ليس بحجة كما هو معروف". اه.
* * *
(2/307)

ابن القطان صاحب "بيان الوهم والإيهام"
(ت 628 ه)
(2/309)

يتعلق به هنا أمران:
الأول: قول المعلمي فيما وقع لابن القطان من التصحيف في أسماء الرواة.
الثاني: ما زدته من:
بعض الفوائد والنكات الحديثية المتعلقة بكتاب "بيان الوهم والإيهام".
ويليه:
نماذج من مناقشات واعتراضات بعض الحفاظ على ابن القطان في جانب نقده للرواة:
1 - الرد عليه في رميه هشام بن عروة بالاختلاط والتغير.
2 - الاعتراض عليه في إطلاق التجهيل على من لم يَطَّلِعْ على حالة من الرواة مع مناقشة هذا الاعتراض إن لم يُسلَّم لصاحبه.
3 - عدم معرفة ابن القطان بأئمة كبار.
4 - الاعتراض عليه في ذهابه إلى أن انفراد الثقات أو اختلافهم لا يضر.
5 - الاعتراض على ابن القطان في إبطاله لكثير من تعليلات النقاد بأنواع من التجويزات والاحتمالات العقلية.
6 - الاعتراض عليه في رده مراسيل الصحابة.
* تعليق مجمل على ما سبق.
* * *
(2/311)

الأمر الأول
قول المعلمي فيما وقع لابن القطان من التصحيف في أسماء الرواة
قال العلامة المعلمي في "التنكيل" (1/ 256):
"ابن القطان ربما يأخذ من الصحف فيصحف؛ فقد وقع له في موضعٍ تصحيفٌ ثلاثة أسماء متوالية (1). راجع "لسان الميزان" (2/ 201 - 202).
__________
(1) من ذلك:
1 - قول ابن حجر في "اللسان" (4/ 188):
"ز صدقة بن عبيد عن عمرو بن عبد الجبار، وعنه داود بن إبراهيم، قال ابن القطان: لا يعرف، وحديثه في ترجمة عمرو بن عبد الجبار من كتاب العقيلي. قلت: وقد انقلب عليه وإنما هو: عبيد بن صدقة، ولا بأس به". اه.
وترجمة عمرو بن عبد الجبار -وهو السنجاري- في "ضعفاء العقيلي" (3/ 287)، وفيها: عبيد بن صدقة على الصواب، ونسبه: التغلبي.
ونقل هذا الإسناد كذلك الذهبي في ترجمة: عمرو بن عبد الغفار الفقيمي، من "الميزان" (6403).
لكني مع ذلك لم أقف على ترجمة ل: عبيد بن صدقة هذا.
2 - وفي "اللسان" (7/ 231) أيضًا:
"نعيم بن سالم عن أنس، وعنه عمرو بن خليفة.
قال ابن القطان: لا يعرف.
قلت: تصحف عليه اسمه، وإلا فهو معروف، مشهور بالضعف، متروك الحديث، وأول اسمه: ياء مثناة من تحت، ثم غين معجمة، ثم نون، وسيأتي". اه.
يعني هو: يغنم بن سالم، "اللسان" (7/ 383).
3 - وفي "تهذيب التهذيب" (1/ 136):
"س ق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستى العبسي أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة الكوفي ... وأغرب ابن القطان فزعم أنه ضعيف، وكأنه اشتبه عليه بجده إبراهيم بن عثمان فهو المعروف بأبي شيبة أكثر مما يعرف بها هذا، وهو المضعف كما سيأتي". اه. =
(2/312)

قد قال ابن حجر في الموضع المشار إليه من "اللسان" متعقبًا كلمة ابن القطان (1): "ولا يغتر أحدٌ بقولِ ابن القطان، قد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحد.
... وذكره ابن أبي حاتم، فقال: كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف العلماء وأحكام القرآن. وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة". اه.
* * *
__________
= 4 - وفي "تهذيب التهذيب" (12/ 425):
"د ت ق سلمى أم رافع، مولاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقال: مولاة صفية بنت عبد المطلب، وهي زوجة أبي رافع، روت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن فاطمة الزهراء، وعنها ابن ابنها عبيد الله بن علي بن أبي رافع.
قال ابن عبد البر: كانت قابلة إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي التي غسلت فاطمة الزهراء.
وقال هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: جاءت سلمى مولاة صفية امرأة أبي رافع مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تستعديه على أبي رافع، فذكر حديثًا.
قلت: جزم ابن القطان بأن سلمى مولاة صفية هي والدة أبي رافع، لا زوجته، وأن سلمى زوجة أبي رافع مولاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأورد لابن السكن من طريق جارية بن محمد، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن جدته سلمى، وكانت خادما للنبي -صلى الله عليه وسلم-، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بيت لا تمر فيه كأن ليس فيه طعام"، وأما زوجته فذكر ابن أبي خيثمة أنها شهدت خيبر، وولدت لأبي رافع ابنه عبد الله وغيره.
وتعقب ابنُ المَوَّاق كلامَ ابنِ القطان، ومداره على ثبوت رواية جارية بن محمد، والله تعالى أعلم.
والذي يظهر لي أن الشبهة دخلت على ابن القطان من ظنه أن عبيد الله بن أبي رافع الذي روى عنه جارية ابن عمد هو الكبير، وليس كذلك بل هو الصغير، وهو عبيد الله بن علي بن أبي رافع، نسب إلى جده، فعلى هذا فجدته سلمى هي أم رافع زوج أبي رافع، وأما ابن أبي رافع فلا يعرف اسمه ولا صحبته.
وهذا من المواضع الدقيقة، والعلل الخفية التي ادخرها الله تعالى للمتأخر، لا إله إلا هو، ما أكثر مواهبه، ولا نحصي ثناء عليه، لا إله إلا هو". اه.
(1) يعني كلمته في زكريا بن يحيى الساجي: "مختلف فيه في الحديث، وثقه قوم وضعفه آخرون".
(2/313)

الأمر الثاني
ما زدتُّه من بعميه الفوائد والنكات الحديثية المتعلقة بكتاب "بيان الوهم والإيهام"
قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (22/ 306):
"عَلَّقْتُ من تأليفه كتاب: "الوهم والإيهام" فوائدَ تدل على قوة ذكائه، وسيلان ذهنه، وبصره بالعلل، لكنه تَعَنَّتَ في أماكن، ولَيَّنَ هشامَ بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، ونحوهما". اه.
قال أبو أنس:
هذا وصفٌ دقيقٌ لابنِ القطان -مع إضافةِ أمورٍ أخرى تأتي- وقد اعتمد أكثر الحفاظ الذين صنفوا في الرجال والتخريج ابنَ القطان في كلامه على الرواة والأخبار، حتَّى إنه في بعض الأحيان لا يوجد لديهم سوى ما قاله ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام".
ومن أكثر هؤلاء الحفاظ: الذهبي وابن حجر، تتابعا على نقل كلامه في كتبهما، وعلى الرغم من وصفهما له بالعنت في باب الجرح -لا سيما التجهيل- واعتراضهما عليه في غير موضع، فقد كثرا من نقل عبارات الجهالة عنه في كثير من الرواة، لا سيما من لم يوجد للمتقدمين فيه كلام.
وقد حاولتُ هنا أن أساعد في تكوين صوررةٍ أوضحَ لمكانة ابن القطان في نقد الرواة والحكم على الأخبار، وفي موقفه من بعض قواعد هذا الفن وأصوله.
وقد جعلت ذلك من خلال عرض نماذج لانطباعات أهل العلم إزاء تصرفات ابن القطان في تعامله مع تلك الأمور من غير استقصاءٍ للمباحث التي تعرض لها، والله الموفق، وهو الهادي إلى الصواب.
(2/314)

نماذج من مناقشات واعتراضات بعض الحفاظ على ابن القطان في جانب نقده للرواة
1 - الرد عليه في رميه هشام بن عروة بالاختلاط والتغير:
• قال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة من "السير" (6/ 35 - 36):
"لا عبرة بما قاله الحافظ أبو الحسن بن القطان من أنه هو وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا؛ فإن الحافظ قد يتغير حفظه إذا كبر، وتَنقصُ حِدَّةُ ذهنه، فليس هو في شيخوخته كهو في شبيبته، وما ثَمَّ أحدٌ بمعصومٍ من السهو والنسيان، وما هذا التغير بضار أصلًا، وإنما الذي يضرُّ الاختلاطُ، وهشام فلم يختلط قط، هذا أمر مقطوع به. وحديثه محتج به في "الموطأ" و"الصحاح" و"السنن". فقول ابن القطان: "إنه اختلط" قولٌ مردودٌ مرذولٌ.
فَأَرِنِي إمامًا من الكبار سَلِم من الخطأ والوهم؛ فهذا شعبة -وهو في الذروة- له أوهام، وكذلك معمر والأوزاعي ومالك رحمة الله عليهم". اه.
• وفي "الميزان" (9233):
"صح هشام بن عروة (ع) أحد الأعلام حجة إمام لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدًا.
ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، نعم الرجل تغير قليلًا ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا؟ أهو معصوم من النسيان.
ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك، ولشعبة، ولوكيع، ولكبار الثقات.
فَدَعْ عنك الخَبْطَ، وذَرْ خَلْطَ الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين.
فهشام شيخ الإسلام، ولكنْ أحسنَ الله عزاءنا فيك يا ابن القطان". اه.
(2/315)

2 - الاعتراض عليه في إطلاق التجهيل على من لم يَطَّلِعْ على حاله من الرواة مع مناقشة هذا الاعتراض:
• قال الذهبي في "الميزان" (2109):
"حفص بن بُغَيْل" عن زائدة وجماعة، وعنه أبو كريب وأَحمد بن بديل، قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف.
"قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا؛ فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل، أو أخذ عمن عاصره، ما يدل على عدالته.
وهذا شيء كثير؛ ففي "الصحيحين" من هذا النمط خلق كثير مستورون؛ ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل". اه.
قال أبو أنس:
لكن إخراج مثل هؤلاء في "الصحيحين" له مزية على غيرهم كما هو معلوم، فلا يقاس عليهم، وانتظر جواب ابن حجر على الترجمة الآتية.
• وفيه (7015):
"مالك بن الخير الزيادي مصري محله الصدق، يروي عن أبي قبيل عن عبادة مرفوعًا: "ليس منا من لم يبجل كبيرنا".
روى عنه حيوة بن شريح، وهو من طبقته، وابن وهب، وزيد بن الحباب، ورشدين.
قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته.
يريد أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة، وفي رواة "الصحيحين" عددٌ كثيرٌ ما عَلِمْنا أن أحدًا نَصَّ على توثيقهم.
والجمهور على أن مَنْ كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأتِ بما يُنكر عليه أن حديثه صحيح". اه.
(2/316)

تعقبه ابن حجر في "اللسان" (6/ 82) بقوله:
"هذا الذي نسبه للجمهور لم يُصَرِّحْ به أحدٌ من أئمة النقد إلا ابن حبان، نعم هو حَقٌّ في حَقِّ مَنْ كان مشهورًا بطلب الحديث، والانتساب إليه، كما قررته في علوم الحديث.
وهذا الرجل قد ذكره ابن حبان في "تاريخ الثقات"، فهو ثقة عنده، وكذا نص الحاكم في "مستدركه" على أنه ثقة.
ثم إن قول الشيخ: إن في رواة "الصحيح" عددًا كثيرًا ... إلى آخره، مما يُنازَعُ فيه، بل ليس كذلك، بل هذا شيء نادر؛ لأن غالبهيم معروفون بالثقة، إلا من خرجًا له في الاستشهاد" اه.
• وفيه (9936):
"أبو إدريس السكوني (د) حمصي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي بثلث منها الضحى. رواه عنه صفوان بن عمرو.
قال ابن القطان: حالة مجهولة.
قلت: قد روى عنه غير صفوان، فهو شيخ محله الصدق. وحديثه جيد". اه.
تعقب ابنُ حجر الذهبيَّ في "التهذيب" (12/ 6) بقوله:
"قرأت بخط الذهبي: قال ابن القطان: حالة مجهولة. قال الذهبي: قد روى عنه غير صفوان بن عمرو، فهو شيخ محله الصدق.
كذا قال، ولم يسم الراوي الآخر، وقد جزم ابن القطان بأنه ما روى عنه غير صفوان.
وقول الذهبي: أن من روى عنه أكثر من واحد فهو شيخ محله الصدق لا يوافقه عليه من يبتغي على الإسلام مزيدَ العدالة، بل هذه الصفة هي صفة المستورين الذين اختلفت الأئمة في قبول أحاديثهم، والله تعالى أعلم". اه.
(2/317)

• وقال ابن حجر في "اللسان" (1/ 318):
"ن أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري عن أَبيه، وعنه الحسن بن علي المعمري، وإبراهيم بن حماد، وعلي بن سعيد الرازي، وآخرون.
قال ابن القطان: مجهول.
قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: روى عن ابن عيينة وعنه ابن الباغندي. [قال ابن القطان]: لم تثبت عدالته.
وابن القطان يتبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله، وهذا الرجل بصري شهير، وهو ولد عبيد الله القاضي المشهور". اه.
• وفي "تهذيب التهذيب" (9/ 487):
"ت محمد بن نجيح أبي معشر بن عبد الرحمن السندي أبو عبد الملك مولى بني هاشم رأى ابن أبي ذئب وروى عن أَبيه والنضر بن منصور الغبري وأبي نوح الأنصاري، روى عنه الترمذي، وروى أيضًا عن يحيى بن موسى البلخي عنه. و ... وأبو حاتم الرازي، وأبو يعلى الموصلي، وابن جرير الطبري ... وآخرون.
قال أبو حاتم: محله الصدق. وقال الحسين بن حبان: سألت أَبا زكريا عنه، فقال: قدم المصيصة فسألت حجاجا عنه، فقال: جاءني، فطلب مني كتبًا مما سمعت من أَبيه فأخذها ونسخها وما سمعها مني.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو يعلى الموصلي: ثقة.
قلت: ... عَدَّهُ أبو الحسن بن القطان فيمن لا يعرف، وذلك قصور منه، فلا تغتر به.
وقد أكثر مِنْ وَصف جماعةٍ من المشهورين بذلك، وتبعه إلى مثل ذلك: أبو محمد ابن حزم، ولو قالا: لا نعرفه لكان أولي لهما". اه.
• وفيه (10478):
"أبو عمير (د س ق) ابن أنس بن مالك عن عمومة له في ثبوت العيد بعد الزوال وصلاة العيد من الغد.
(2/318)

لا يعرف إلا بهذا، وبحديث آخر، تفرد عنه أبو بشر.
قال ابن القطان: لم تثبت عدالته.
وصحح حديثه ابنُ المنذر، وابن حزم، وغيرهما؛ فذلك توثيق له، فالله أعلم". اه.
قال أبو أنس:
تصحيح ابن المنذر وابن حزم وغيرهم -على جلالتهم- للحديث، لا يستلزم توثيقَ كُلِّ راوٍ فيه، فربما يُصَحَّحُ الحديثُ لاعتباراتٍ أخرى سوى توثيق رواته توثيقا اصطلاحيا، فالأمر يحتاج إلى اشتراطٍ من المُصَحِّحِ بذلك، حينئذٍ يقال: الأصل أنه ثقة عنده.
فلو سلمنا بصحة دلالة تصحيحهما على ثقته عندهما، فهل هما من أئمة الجرح والتعديل الذين يثبت بتوثيقهما لأحد التابعين ما يدفع توقف ابن القطان في إثبات العدالة له؟ والأصل معه؛ فإنه لم يأت عن أئمة هذا الشأن لا تصريحًا ولا تضمينا ما يثبت له الثقة بمعناها الاصطلاحي. والله تعالى أعلم.
• وفيه (10494):
"أبو عيسى الخراساني (د) عن الضحاك مرسلًا: نهى أن يخرج يوم العيد بسلاح.
قال ابن القطان: لا يعرف حالة.
قلت: ذا ثقة؛ روى عنه حيوة بن شريح، وسعيد بن أبي أَيوب، وابن لهيعة، وجماعة، سكن مصر، ووثقه ابن حبان". اه.
قال أبو أنس:
انظر ما مرَّ من جواب ابن حجر على ترجمة: مالك بن الخير، وذِكْرُ ابنِ حبان للرجل من هذه الطبقات في ثقاته لا يُركن إليه، راجع ترجمة ابن حبان من هذا الكتاب.
(2/319)

• وفي الميزان: (2868):
"زفر بن وثيمة (د) ابن مالك بن أوس بن الحدثان النصري من الشاميين عن حكيم بن حزام في النهي عن الشِّعْر والحدود في المسجد.
ضعفه عبد الحق - أعني الحديث.
وقال ابن القطان: علته الجهل بحال زفر، تفرد عنه محمد بن عبد الله الشعيثي.
قلت؛ قد وثقه ابن معين، ودحيم". اه.
• وفي "اللسان" (3/ 259):
"داود بن حماد بن فرافصة البلخي كان بنيسابور عن ابن عيينة، ووكيع، وإبراهيم ابن الأشعث، وجرير.
وعنه: أبو زرعة، وأَحمد بن سلمة النيسابوري، والحسن بن سفيان، وغيرهم.
قال ابن القطان: حالة مجهول.
قلت: بل هو ثقة؛ فمن عادة أبي زرعة أن لا يحدث إلا عن ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: كان ضابطًا، صاحب حديث، يغرب". اه.
قال أبو أنس:
فمثل هذا -مع ثقته- يُحتاط فيما أغرب أو تفرد به، حسبما تقتضيه عبارة ابن حبان، والله تعالى أعلم.
• وفي "اللسان" (3/ 326):
"زكريا بن الحكم عن عمرو بن عمرو العسقلاني، وعنه أحمد بن حماد بن عبد الله الرقي، وأبو عروبة، وجماعة من أهل الجزيرة.
قال ابن القطان: مجهول.
قلت: وليس بمجهول؛ فقد روى عنه هؤلاء، ووثقه ابن حبان". اه.
(2/320)

قال أبو أنس:
نعم، هو مستور على رأي ابن حجر نفسه، كما شرحه في ترجمة مالك بن الخير الزيادي التي مرت، وانظر الترجمة الآتية.
• وفي "الميزان" (5035):
"عبد الرحيم بن كردم بن أرطبان عن الزهري، روى عنه جماعة، سماهم ابن أبي حاتم، مجهول.
قلت: من الرواة عنه: العقدي، ومعلى بن أسد، وإبراهيم بن الحجاج السامي، فهذا شيخ ليس بواهٍ، ولا هو بمجهول الحال، ولا هو بالثبت، ويكنى أَبا مرحوم.
قال البزار في "مسنده": حدثنا محمد بن معمر ثنا أبو عامر ثنا أبو مرحوم الأرطباني ثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الغيرة من الإيمان والبذاء من النفاق".
قال البزار: لا نعلمه يُروى عن أبي سعيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بهذا اللفظ، تفرد به أبو مرحوم، هو ابن عم عبد الله بن عون بن أرطبان الإمام.
قال أبو الحسن بن القطان: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: مجهول.
ثم قال أبو الحسن: فانظر كيف عرفه برواية جماعة عنه، ثم قال فيه: مجهول. وهذا منه صواب". اه.
زاد ابن حجر في "اللسان" (5/ 10):
"يعني مجهول الحال، قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطىء. وقال أبو أحمد الحاكم: لا يتابع على حديثه. وأخرج له الحاكم في "المستدرك"". اه.
(2/321)

• وفي "اللسان" (7/ 73):
"مرداس بن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأَشعري عن محمد بن أَبان عن أَيوب بن عائذ بحديث في الوضوء عند الدارقطني، وعنه محمد بن عبد الله الزهري.
قال ابن القطان: لا يعرف البتة.
قلت: هو مشهور بكنيته أبو بلال من أهل الكوفة يروي عن قيس بن الربيع والكوفيين روى عنه أهل العراق.
قال ابن حبان في "الثقات": يغرب ويتفرد.
ولينه الحاكم أيضًا.
وقول ابن القطان: لا يعرف البتة وهم في ذلك؛ فإنه معروف". اه.
• وفيه (8/ 135):
"أبو الوليد بن برد الأَنطاكي.
قال ابن القطان: لا يعرف. انتهى.
وقد ذكره النسائي في "الكني" وقال: صالح". اه.
• وفي "تهذيب التهذيب" أيضًا (8/ 226):
"د س عيسى بن أبي عيسى واسمه هلال بن يحيى السليحي الطائي الحمصي المعروف بابن البراد، وسليح بطن من قضاعة.
روى عن ... روى عنه: أبو داود، والنسائي، ويعقوب بن سفيان، وإبراهيم بن يوسف الهسنجاني، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، والحسين بن إدريس الهروي ... وأبو بكر بن أبي داود وآخرون.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب.
(2/322)

قلت: ... وعده ابن القطان فيمن لا يُعرف حالة، فما أصاب، فقد ذكره النسائي في أسماء شيوخه، وقال: لا بأس به". اه.
• وفي "تهذيب التهذيب" (4/ 19):
"د ت سعيد بن حيان التيمي، من تيم الرباب الكوفي، روى عن علي وأبي هريرة والحارث بن سويد وشريح القاضي ومريم بنت طارق وغيرهم وعنه ابنه أبو حيان التيمي.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: وجعل الحارث بن سويد راويًا عنه عكس ما هنا.
وقال العجلي: كوفي ثقة، ولم يقف ابن القطان على توثيق العجلي، فزعم أنه مجهول". اه.
قال أبو أنس:
توثيق العجلي قريب من ابن حبان في التساهل، فلا يُعَوَّلُ على ما انفردا بتوثيقه. والله تعالى أعلم.
• ومثله قوله في "التلخيص الحبير" (1/ 154):
"ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان، وقد وثقه العجلي، وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول". اه.
• وفي "تهذيب التهذيب" (10/ 116):
"س مسعود بن جويرية بن داود المخزومي الموصلي أبو سعيد روى عن المعافى بن عمران، وهشيم، وعفيف بن سالم، وابن عيينة، ووكيع، وغيرهم. وعنه النسائي، وجعفر بن محمد البلدي، وعلي بن الهيثم الفزاري، وأَحمد بن العباس البغدادي ... وغيرهم.
(2/323)

قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو زكريا الأزدي في "تاريخ الموصل": كان نبيلا من الرحالة توفي سنة ثمان وأربعن ومائتين.
قلت: تتمة كلام ابن حبان: مستقيم الحديث. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. وغفل ابن القطان فقال: لا يعرف". اه.
• وفي "مقدمة الفتح" (408):
"خ س ق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المدني.
قال ابن القطان الفاسي: لا يعرف حالة.
قلت: وروى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان. وله في "الصحيح" حديث واحد في كتاب الأطعمة في دعائه -صلى الله عليه وسلم- في تمر جابر بالبركة حتى أوفى دينه، وهو حديث مشهور، له طرق كثيرة عن جابر، وروى له النسائي وابن ماجه". اه.
قاله أبو أنس:
نعم، هو مستور، انتقى له البخاري حديثا دلت القرائن على أنه حفظه، فاكتسب قوة بإخراج البخاري له.
• وفي "ذيل ميزان الاعتدال" للعراقي (614):
"عميرة بن أبي ناجية، واسم أبي ناجية: حريث أبو يحيى الرعيني المصري مولى حجر بن رعين.
روى عن أَبيه، وعن بكر بن سوادة، ويزيد بن أبي حبيب في آخرين.
روى عنه الليث بن سعد، وابن وهب وآخرون.
له عند النسائي عن الليث قال: حدثني عميرة بن أبي ناجية وغيره عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار، مرسلًا: أن رجلين خرجًا في سفر ... فذكر الحديث في صلاتهما بالتيمم، ثم وجدا الماء في الوقت. الحديث.
(2/324)

قال ابن القطان: إنه مجهول الحال.
وكأنه لم يمعن الكشف عنه؛ وإلا فقد قال النسائي في "التمييز": إنه ثقة. وكذا قال يحيى بن بكير: إنه ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: توفي سنة إحدى وخمسين ومائة. وقال ابن يونس: سنة ثلاث وخمسن ومائة، وكانت له عبادة وفضل". اه.
• وفيه أيضًا (658):
"محمد بن عبد الملك بن زنجويه أبو بكر البغدادي الغزال، صاحب أحمد بن حنبل، روى عن يزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وغيرهما روى عنه أصحاب "السنن"، وغيرهم.
قال ابن القطان: وهو مجهول الحال، لم أجد له ذكرًا.
قلت: هذا عجيب من أبي الحسن، وهو كثير النقل من كتاب ابن أبي حاتم، وقد ذكره ابن أبي حاتم في كتابه، فقال: روى عن عبد الرزاق، والحسن بن موسى الأشيب، وجعفر بن عون، ويزيد بن هارون، والفريابي، وعصام بن خالد، وأسد ابن موسى، وطلق بن السمح.
سمع منه أبي، وسمعت منه وهو صدوق.
قلت: ووثقه النسائي أيضًا، وروى عنه جماعة من الأئمة، منهم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وإبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي، وعبد الله ابن أحمد، وأبو يعلى الموصلي، وابن صاعد، وآخرون.
فَمَنْ هذه ترجمته، كيف تكون حالة مجهولة؟
ولكن الذي أوقع أَبا الحسن في ذلك كون ابن أبي حاتم لم يصفه بأنه الغزال، ونسبه إلى جده، ثم إن صاحب "الكمال" ترجمه ترجمتين؛ مرة نسبه إلى جده، ومرة ذكره من غير ذكر جده، ووصفه بأنه الغزال، وهو وهم. وقد ذكره على الصواب: ابنُ عساكر في أسماء "شيوخ النبل"، فنسبه إلى جده، ووصفه بأنه الغزال، ونقل توثيق النسائي له، وتبعه على ذلك: المزي في "تهذيبه"، والذهبي في مختصره". اه.
(2/325)

• وفي حاشية ابن القيم على "سنن أبي داود" (1/ 107):
"قال الشيخ شمس الدين بن القيم -في حديث أنس في تخليل اللحية-: قال أبو محمد بن حزم: لا يصح حديث أنس هذا؛ لأنه من طريق الوليد بن زوران (1)، وهو مجهول، وكذلك أعله ابن القطان بأن الوليد هذا مجهول الحال، وفي هذا التعليل نظر؛ فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن برقان، وحجاج بن منهال، وأبو المليح الحسن بن عمر الرقي، وغيرهم، ولم يُعلم فيه جرح". اه.
قاله أبو أنس:
قد روى عنه غير واحد، ولم يُجرح، لكنه لم يُوثق توثيقا معتبرا، إنما ذكره ابن حبان في "الثقات" -على شرطه المعروف- ولذا قال الذهبي في "الميزان" (9366): "ماذا بحجة، مع أن ابن حبان وثقه". اه.
وقد أخرج أبو داود هذا الحديث في "سننه" (145) ونقل الآجري عن أبي داود قوله -لما سأله عنه-: "لا ندري سمع من أنس أم لا؟ ". اه.
فهذه علة أخرى.

3 - عدم معرفة ابن القطان بأئمة كبار:
• في "ذيل الميزان" للعراقي (499):
"عبد الله بن محمد بن يوسف شيخ لأبي عمر بن عبد البر، جهله ابن القطان.
قلت: وهو عجب، فهو أبو الوليد الفرضي الحافظ الكبير وليس هو ممن يجهل مثله". اه.
__________
(1) ويقال: زروان، بتقديم الراء على الواو.
(2/326)

• وفيه (763):
"أبو أحمد الحاكم، صاحب "الكني".
قال ابن القطان: لا أعرفه، واعترض عليه ابن الوكيل. فقال: قلت: هو محمد بن محمد بن إسحاق الحافظ، ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور"، فقال كان إمام الصنعة ... ". اه.
• وفيه (767):
"أبو بكر بن أبي عاصم روى عن عبد الجبار بن العلاء أبي بكر العطار روى أبو نعيم عن عبد الله بن محمد بن جعفر عنه.
قال ابن القطان: لا أعرفه.
قلت: أبو بكر بن أبي عاصم إمام ثقة حافظ مصنف لا يجهل مثله". اه.
• وفي "اللسان" (1/ 403):
"أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج عن أَبيه.
قال ابن القطان: لا يعرف.
قلت: هذا رجل من كبار المسندين بمصر، يكنى أبا بكر، وهو مصري، ويعرف بابن المهندس روى عن أبي بشر الدولابي ... وآخرين روى عنه عبد الملك بن عبد الله بن مسكين ... وآخرون. قال أبو سعيد: ثقة متقن، وقال ابن الطحان في" ذيل تاريخ مصر: "ثقة سمعت منه. وتوفي في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وكان مولده سنة خمس وتسعين ومائتين، قاله الماليني. وقال الحبال: ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، فقارب المائة". اه.
(2/327)

4 - الاعتراض عليه في ذهابه إلى أن انفراد الثقات أو اختلافهم لا يضر:
• عند حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أَلقى البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه وطفا، فلا تأكلوه".
قال ابن القيم في حاشيته على "سنن أبي داود" (5/ 324):
"قال عبد الحق: هذا الحديث إنما يرويه الثقات من قول جابر، وإنما أُسند من وجه ضعيف من حديث يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر. ومن حديث عبد العزيز بن عبد الله بن حمزة بن صهيب، وهو ضعيف لم يرو عنه إلا إسماعيل بن عياش.
وقال ابن القطان: يحيى بن سليم وثقه ابن معين، وتكلم فيه غيره من أجل حفظه، والناس رووه موقوفا غير يحيى.
وذكر أبو داود هذا الحديث، وقال: رواه الثوري، وحماد عن أبي الزبير، وقفاه على جابر. وقد أُسند من وجهٍ ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر.
قال ابن القطان: فإن كان عبد الحق ضَعَّفَ المرفوعَ لكونه من رواية أبي الزبير، فقد تناقض؛ لتصحيحه الموقوف، وهو عنه، وإن عنى به ضعف يحيى بن سليم، ناقض أيضًا، فكم من حديث صححه من روايته، ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا مَنْ هو دونه؛ وهو إسماعيل بن عياش.
وأما إسماعيل بن أمية فلا يسأل عن مثله.
وهذا تعنت من ابن القطان، والحديث إنما ضُعِّفَ؛ لأن الناس رووه موقوفًا على جابر، وانفرد برفعه يحيى بن سليم، وهو مع سوء حفظه قد خالف الثقات وانفرد عنهم. ومثل هذا لا يَحتج به أهل الحديث، فهذا هو الذي أراده أبو داود وغيره من تضعيف الحديث.
(2/328)

وأما تصحيحه حديث يحيى بن سليم هذا، فلا إنكار عليه فيه؛ فهذه طريقة أئمة الحديث، العالِمِين بعلله؛ يصححون حديثَ الرجل، ثم يضعفونه بعينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات.
ومن تأمل هذا وتتبعه رأى منه الكثير؛ فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له، أو لأنه معروف الرواية صحيح الحديث عن شيخ بعينه ضعيفها في غيره، وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس:
طائفة: تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح، وقد احتج به فيه، فحيث وجدوه في حديثٍ، قالوا: هذا على شرط الصحيح، وأصحابُ الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه، ورووا له ما تابعه فيه الثقات، ولم يكن معلولا، ويتركون من حديثه المعلولَ، وما شذ فيه وانفرد به عن الناس وخالف فيه الثقات، أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه، ولا سيما إذا لم يجدوا حديثه عند أصحابه المختصين به، فإن لهم في هذا نظرًا واعتبارًا اختصوا به عمن لم يشاركهم فيه، فلا يلزم حيث وُجد حديثُ مثل هذا أن يكون صحيحًا، ولهذا كثيرا ما يعلل البخاري ونظراؤه حديثَ الثقة بأنه لا يتابع عليه.
والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تُكلم فيه بسبب حديثٍ رواه، وضُعف من أجله، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعفون من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بالحديث بصحته.
وهذا باب قد اشتبه كثيرا على غير النقاد.
والصواب ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده من تنقية حديث الرجل وتصحيحه والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر، وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل ظاهر، كإسماعيل بن عياش في غير الشاميين، وسفيان بن حسين في الزهري، ونظائرهما متعددة.
(2/329)

وإنما النقد الخفي إذا كان شيخه واحدا؛ كحديث العلاء بن عبد الرحمن مثلًا عن أبيه عن أبي هريرة، فإن مسلمًا يصحح هذا الإسناد ويحتج بالعلاء، وأعرض عن حديثه في الصيام بعد انتصاف شعبان، وهو من روايته على شرطه في الظاهر، ولم هي إخراجه لكلام الناس في هذا الحديث وتفرده وحده به، وهذا أيضًا كثير يعرفه من له عناية بعلم النقد ومعرفة العلل.
وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه، ويحتج به في "صحيحه"، ولا تناقض منه في ذلك". اه.
قال أبو أنس:
هذا كلام أهل الصنعة، وأرباب الفن، الذين ذاقوا طعم هذا العلم من ينابيعه الصافية قبل أن تكدره دلاء أهل الكلام والمنطق والأصول، ومن تأثَّر بهم.
• وفي "الميزان" (1368):
"صح ثابت بن عجلان (خ د س ق) شامي، حدث عنه بقية، ومحمد بن حمير.
وثقه ابن معين، وقال أحمد بن حنبل: أنا متوقف فيه. وقال أبو حاتم: صالح.
وذكره ابن عدي، وساق له ثلاثة أحاديث غريبة. وذكره العقيلي في كتاب "الضعفاء". وقال: لا يتابع في حديثه.
فمما أنكر عليه: حديث عتاب بن بشير عنه، عن عطاء، عن أم سلمة، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ قال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فَزُكِّيَ فليس بكنز".
قال الحافظ عبد الحق: ثابت لا يحتج به.
فناقشه على قوله أبو الحسن بن القطان، وقال: قول العقيلي أيضًا فيه تحامل عليه، وقال: إنما يُمس بهذا من لا يُعرف بالثقة مطلقًا، أما من عرف بها فانفراده لا يضر، إلا أن يكثر ذلك منه.
(2/330)

قلت: أما من عرف بالثقة، فنعم، وأما من وثق، ومثل أحمد الإمام يتوقف فيه، ومثل أبي حاتم يقول: صالح الحديث فلا نرقيه إلى رتبة الثقة، فتفرد هذا يعد منكرا، فرجح قول العقيلي وعبد الحق.
وهذا شيخ حمصي ليس بالمكثر، رأى أنسًا وسمع من مجاهد وعطاء وجماعة، ووقع إلى باب الأبواب غافلًا.
قال دحيم: ليس به بأس. وقال النسائي: ثقة. وسئل عنه أحمد بن حنبل مرة: أكان ثقة؟ فسكت". اه.
قال أبو أنس:
لكن وافق ابنُ حجر ابنَ القطان على قوله في مقدمة "الفتح" (ص 413) فقال: "هو كما قال، له في البخاري حديث واحد في الذبائح، وآخر في التاريخ". اه.
قلت:
هما حديث واحد، رواه محمد بن حمير عنه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعنز ميتة، فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها". قال ابن حجر في ترجمة محمد بن حمير من مقدمة "الفتح" (ص 460): "له أصل من حديث ابن عباس عنده -يعني البخاري- في الطهارة".
والحق مع الذهبي؛ فإذا كان الأئمة يتوقفون في تفردات بعض الحفاظ، أفلا يردون تفرد مثل هذا؟ لكنه مذهب عُرف عن ابن القطان في قبول ما جاء به الثقة مهما كان، وهو مذهب مردود، ولتفصيل الجواب عن هذه القضية موضع آخر. والله الموفق.
• وفي "فتح الباري" لابن حجر (1/ 696):
"باب إثم الإشارة بين يدي المصلي: أورد فيه البخاري حديث بسر بن سعيد أن
(2/331)

زيد بن خالد -أي الجهني الصحابي- أرسله إلى أبي جهيم، أي ابن الحارث بن الصمة الأنصاري الصحابي.
هكذا روى مالك هذا الحديث في "الموطأ"، لم يُختلف عليه فيه أن المرسِل هو زيد، وأن المرسَل إليه هو أبو جهيم.
وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر عند مسلم وابن ماجه وغيرهما.
وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر، فقال: عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله، فذكر هذا الحديث.
قال ابن عبد البر: هكذا رواه ابن عيينة مقلوبا، أخرجه ابن أبي خيثمة عن أَبيه عن ابن عيينة، ثم قال ابن أبي خيثمة: سُئل عنه يحيى بن معين فقال: هو خطأ؟ إنما هو: أرسلني زيد إلى أبي جهيم، كما قال مالك.
وتعقب ذلك ابن القطان فقال: ليس خطأ ابن عيينة فيه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم يستثبت كل واحد منهما ما عند الآخر.
قلت: تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ، وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح". اه.
قال أبو أنس:
ما أبرد هذا الكلام على الصدر، لا سيما حينما يخرج من مثل الحافظ ابن حجر، فهو يبعث روح الطمأنينة في قلوب سالكي هذا الدرب، ويزرع الأمل في عودة ما غاب من الفهم السليم لقواعد هذا الفن وأصوله. والله الهادي إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.
(2/332)

5 - الاعتراض على ابن القطان في إيطاله لكثير من تعليلات النقاد بأنواع من التجويزات والاحتمالات العقلية:
• قال ابن القيم عند تعليقه على حديث أنس في "تخليل اللحية" في حاشيته على "سنن" أبي داود (1/ 107):
"وقد روى هذا الحديث محمد بن يحيى الذهلي في كتاب "علل" حديث الزهري فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار من أصله -وكان صدوقًا- حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ فأدخل أصابعه تحت لحيته فخللها بأصابعه، ثم قال: "هكذا أمرني ربي عز وجل". وهذا إسناد صحيح.
... قلت: وتصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذهلي فيه نظر؛ فإن الذهلي أعله، فقال في "الزهريات": وحدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس بن مالك ... فذكره.
قال الذهلي: هذا هو المحفوظ.
قال ابن القطان: وهذا لا يضره؛ فإنه ليس مَنْ لم يحفظ حجةً على من حفظ، والصفار قد عَيَّن شيخ الزبيدي فيه، وبَيَّن أنه الزهري حتَّى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدث به تارة، فقال فيه: عن الزبيدي بلغني عن أنس لم يضره ذلك، فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذي حدث به الزهري فيحدث به عنه فأخذه عن الصفار هكذا.
وهذه التجويزات لا يَلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله، ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له، ولهم ذوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات". اه.
قال أبو أنس:
هذه أخطر وأشنع الآفات التي أصابت منهج ابن القطان في مقتل، فهو لا يرى
(2/333)

الاختلاف في الرواية: وصلًا وإرسالًا، أو رفعًا ووقفًا، أو زيادة ونقصًا: سببًا في التعليل، طالما أن رواةَ الكُلِّ ثقاتٌ، فكأنَّ الثقةَ عنده لا يخطىء، وفي هذا إهدارٌ لميراثٍ عظيم من تعليلات النقاد، وهَلْ عملُ النُّقَّادِ إلا على أحاديث الثقات؟!
أما غيرهم، فقد كفى ضعفُهم مئونةَ التفتيشِ عن أخطائهم، ولبسط هذا المبحث موضع آخر. والله تعالى الموفق.

6 - الاعتراض عليه في رده مراسيل الصحابة:
• قال ابن القيم في حاشيته على "سنن أبي داود" (2/ 71) تعليقًا على حديث أبي بكرة في باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعتين:
"حديث أبي بكرة هذا رواه الدارقطني عنه ... قال ابن القطان: وعندي أنه غير متصل؛ فإن أبا بكرة لم يصل معه صلاة الخوف؛ لأنه بلا ريب أسلم في حصار الطائف، فتدلى ببكرة من الحصن، فسمي أبا بكرة، وهذا كان بعد فراغه -صلى الله عليه وسلم- من هوازن، ثم لم يلق -صلى الله عليه وسلم- كيدا إلى أن قبضه الله.
وهذا الذي قاله لا ريب فيه، لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه؛ فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصة، فإنه سمعها من صحابي غيره، وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة، مع أن عامتها مرسلة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم ينازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء، فالتعليل على هذا باطل والله أعلم". اه.
• وقال ابن حجر في "التلخيص" (2/ 75):
"وأعله ابن القطان بأن أبا بكرة أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة، وهذه ليست بعلة؛ فإنه يكون مرسل صحابي". اه.
(2/334)

تعليق مجمل على ما سبق
قال أبو أنس:
بعد عرض ما سبق انتقاؤه من مناقشات الحفاظ لابن القطان يتضح أن ابن القطان -كما قالوا- شديد الذكاء والفطنة، دءوبا في البحث والمناظرة، إلا أنه -بجرأته في الاستقلال بالنقد- كثيرُ المخالفة لقواعد أهل الفن، وما اشتهر واستقر من أصولهم في ذلك، مما دفع غير واحد من الحفاظ بعده إلى الإقذاع في الرد عليه، وكشف شذوذه وحيدته عن المنهج السديد.
أما عبد الحق الإشبيلي، فقد كان -على الرغم مما أُخذ عليه- أقربَ إلى منابع هذا الفن من ابن القطان، وكان ألزمَ لكلام أهل النقد في تحقيقاتهم وتحريراتهم، وكان أكثر ما أخذ عليه إنما هو في اجتهاده في تطبيق قواعدهم، لا في مخالفتهم فيها كابن القطان.
ولا شك أن اللصوق بأهل الفن في أصولهم هو أحرى بالنجاة في هذا الباب، والله تعالى الموفق إلى وجه الصواب.
* * *
(2/335)

الضياء المقدسي صاحب "المختارة"
(ت 643 ه)
(2/337)

يتعلق به هنا أمران:
الأول: قول المعلمي في تصحيحٍ للضياء.
الثاني: ما زدتُّه من:
بعض الفوائد والنكات المتعلقة لإخراج الضياء المقدسي للحديث في كتابه "المختارة" وتصحيحه له بناء على ذلك.
1 - مدح كتابه لا سيما عند مقارنته ب"مستدرك الحاكم".
2 - تصحيحه ما لم يُسبق إليه.
3 - بعض ما انتقده الحفاظ عليه في "المختارة".
تعليق المؤلف على هذه الانتقادات.
* * *
(2/339)

الأمر الأول
قول المعلمي في تصحيحٍ للضياء
• في "الفوائد" (ص 179) حديثٌ في فضل التمر البرني، له طرق واهية، منها ما في إسناده: عقبة بن عبد الله الأصم. قال ابن حبان: "عقبة بن عبد الله الأصم ينفرد بالمناكير عن المشاهير".
قال السيوطي: "روى له الترمذي. وقد أخرجه البخاري في "التاريخ" والبيهقي في "الشعب". وصححه المقدسي ... ".
فقال الشيخ المعلمي:
" ... وتصحيح المقدسي لرواية عقبة الأصم مع ضعفه وتدليسه وتفرده وإنكار المتن مردود عليه". اه.
* * *
(2/340)

الأمر الثاني
ما زدتُّه من بعض الفوائد والنكات المتعلقة بإخراج الضياء المقدسي للحديث في كتابه "المختارة" وتصحيحه له بناء على ذلك
1 - مدح كتابه لا سيما عند مقارنته ب "مستدرك الحاكم":
• ذكر ابن تيمية في غير موضع من كتبه أن "المختارة" أصح من صحيح الحاكم. كما في "مجموع الفتاوى" (3/ 43) على سبيل المثال.
وزاد في التأكيد على ذلك في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 322) عند الكلام على حديث "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم".
فقال: "رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على "الصحيحين"، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في "صحيحه".
• وزاد في "الفتاوى الكبرى" (1/ 98):
"ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله، لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في "الصحيح" خلافه؛ فإن أهل العلم متفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح، حتى إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع، فكيف بتصحيح البخاري ومسلم، بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر بن خزيمة وأبي حاتم بن حبان البستي وأمثالهما، بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "مختارته" خير من تصحيح الحاكم، فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث". اه.
(2/341)

• وفي "الرسالة المستطرفة" (ص 24):
"وذكر ابن تيمية والزركشي وغيرهما أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وفي "اللآلىء" ذكر الزركشي في تخريج الرافعي أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبان. اه.
وذكر ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" نحوه، وزاد: "فإن الغلط فيه قليل، ليس هو مثل صحيح الحاكم؛ فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة؛ فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره". اه.
• وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (13/ 198):
"فيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من "مستدرك" الحاكم لو كمل". اه.

2 - تصحيحه ما لم يُسبق إليه:
• قال العراقي في "التقييد والإيضاح":
"وممن صَحَّحَ أيضًا من المعاصرين له - يعني لابن الصلاح:
الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، جمع كتابًا سماه "المختارة"، التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يُسبق إلى تصحيحها فيما أعلم".
• وقال الكتاني في "الرسالة المستطرفة" (ص 24):
"وكتاب "الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما" لضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي الحافظ الثقة الجبل الزاهد الورع المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
وهو مرتب على المسانيد على حروف المعجم، لا على الأبواب في ستة وثمانين جزءًا، ولم يكمل، التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يُسبق إلى تصحيحها، وقد سلم له فيه، إلا أحاديث يسيرة جدًّا، تُعقبت عليه ... ". اه.
(2/342)

3 - بعض ما انتقده الحفاظ عليه في "المختارة":
1 - في "الميزان" (4520):
"عبد الله بن كثير بن جعفر (ق) عن أَبيه، عن جده، عن بلال، مرفوعًا: رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها، والجمعة كذلك".
لا يُدرى من ذا، وهذا باطل، والإسناد مظلم، تفرد به عنه عبد الله بن أيوب المخزومي.
لم يحسن ضياء الدين بإخراجه في "المختارة".
وقيل: هو عبد الله بن كثير بن جعفر بن أبي كثير، الراوي عن كثير بن عبد الله بن عوف المزني، فلعله سقط اسم شيخه: كثير، وبقي: عن أَبيه". اه.
2 - وفي "تهذيب التهذيب" لابن حجر (12/ 62):
" (خت: أبو الجودي) عن أبي الصديق الناجي، وعنه شعبة كذا وقع في "المختارة" للضياء، من طريق أبي زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة.
وقد أخرجه النسائي والدارقطني وغيرهما من طرق عن شعبة، عن زيد العمي، عن أبي الصديق.
فإن كان زيد يكنى أبا الجودي، فلا اختلاف، وإلا فهي رواية شاذة.
وقد جاز ذلك على الضياء، وزيد ضعيف". اه.
3 - وفي "الإصابة" (3/ 171):
"سهل بن مالك بن أبي كعب بن القين الأنصاري أخو كعب بن مالك الشاعر المشهور.
قال ابن حبان: له صحبة. روى سيف بن عمر في أوائل "الفتوح" عن أبي همام سهل بن يوسف بن مالك، عن أَبيه، عن جده، قال: لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حجة الوداع صعد المنبر، فقال: يَا أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط ... الحديث.
(2/343)

وأخرجه ابن شاهين وأبو نعيم من طريق سهل بطوله. وأخرجه ابن منده من طريق خالد بن عمرو الأموي عن سهل به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قلت: خالد بن عمرو متروك واهي الحديث. وروى أبو عوانة والطحاوي من طريق مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن عمه، "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهى الذين قتلوا ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والصبيان".
فإن كان محفوظا، احتمل أن يكون اسم عمه سهلا، لكن أخرجه أبو عوانة والطحاوي من وجهين آخرين عن الزهري عن عبد الرحمن عن أبيه.
وزعم الدمياطي أن جدَّ سهل بن يوسف هو سهل بن قيس بن أبي كعب الماضي وهو ابن عم هذا.
ويرده ما رويناه في "فوائد" الأبنوسي من طريق محمد بن عمر المقدمي، عن علي بن يوسف بن محمد بن سفيان، عن قنان بن أبي أيوب، عن خالد بن عمرو، عن سهل بن يوسف بن سهل بن مالك ابن أخي كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده، فذكر الحديث، وكذا زعم ابن عبد البر أنه سهل بن مالك بن عبيد بن قيس الأنصاري، ذكره أبو عمر، ثم قال: ويقال: سهل بن عبيد بن قيس، ولا يصح واحد منهما. قال: ويقال: إنه حجازي سكن المدينة.
ومدار حديثه على خالد بن عمرو، وهو متروك، وفي إسناد حديثه مجهولون ضعفاء، يدور على سهل بن يوسف بن سهل بن مالك، أو مالك بن يوسف بن سهل بن عبيد. وهو حديث منكر موضوع انتهى.
ووقع للطبراني فيه وهم؛ فإنه أخرجه من طريق المقدمي، عن علي بن يوسف بن محمد، عن سهل بن يوسف.
واغتر الضياء المقدسي بهذه الطريق، فأخرج الحديث في "المختارة"، وهو وهم؛ لأنه سقط من الإسناد رجلان. فإن علي بن محمد بن يوسف إنما سمعه من قنان بن أبي أيوب عن خالد بن عمرو عن سهل.
(2/344)

وقد جزم الدارقطني في "الأفراد" بأن خالد بن عمرو تفرد به عن سهل، لكن طريق سيف بن عمر ترد عليه، وقد خبط فيه أيضًا ابن قانع؛ فجعله من مسند سهل ابن حنيف". اه.
4 - وفي "الإصابة" أيضًا (3/ 415):
"طارق بن علقمة بن أبي رافع والد عبد الرحمن، قال البغوي: سكن الكوفة. وقال ابن منده: له ذكر في حديث أبي إسحاق.
وله حديث مرفوع مختلف فيه، فروى الطبراني وابن شاهين من طريق عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن عبد الرحمن بن طارق بن علقمة، أخبره عن أبيه" أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا حاذى مكانا عند دار يعلى بن أمية، استقبل البيت ودعا".
وهذا وهم ممن دون عمرو بن علي، فقد أخرجه النسائي عنه، فقال: عن أمه. ولم يقل: عن أَبيه. وكذا أخرجه البخاري في "تاريخه" عن أبي عاصم. وكذا أخرجه البغوي والطبري من طريق أبي عاصم. وكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج، وتابعه هشام بن يوسف، وهو عند أبي داود.
واغتر الضياء المقدسي بنظافة السند، فأخرجه من طريق الطبراني في "المختارة"، وهو غلط، فقد أخرجه البغوي وابن السكن وابن قانع من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج، كالأول، وأن البرساني رواه عن ابن جريج، فقال: عن عمه.
فهذا اضطراب يُعَلُّ به الحديث، لكن يقوي أنه "عن أمه"، لا "عن أَبيه"، ولا "عن عمه" أن في آخر الحديث عند أبي نعيم: "فنخرج معه يدعو ونحن مسلمات". وحكى البغوي أنه قيل: إن رواية روح أصح". اه.
(2/345)

5 - وفيه (4/ 606):
"عمير غير منسوب روى عنه ولده أبو بكر.
قال البخاري: له صحبة. ولم يسم البخاري أباه، ولا أبو حاتم، ولا ابن شاهين، ولا الطبراني، ولا من بعدهم.
ولم أجده منسوبا عند أحد منهم، وذكره ابن أبي حاتم فيمن لا يعرف اسم والده. وقد قيل فيه: عمير بن سعد. كما سأذكره في الميم من القسم الرابع في محمود بن عمير.
وروى البغوي وابن أبي خيثمة وابن السكن والطبراني وغيرهم من طريق قتادة، عن أبي بكر بن أبي أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله عز وجل وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة بغير حساب. فقال عمير: يا رسول الله زدنا. فقال هكذا بيده. فقال عمير: يا رسول الله زدنا. فقال عمر: حسبك يا عمير. فقال عمير: ما لنا ومالك يا ابن الخطاب، وما عليك أن يدخلنا كلنا الجنة، فقال عمر -رضي الله عنه-: إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة واحدة. فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: صدق عمر".
قال ابن السكن: تفرد به معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة وكان معاذ ربما ذكر أبا بكر بن أنس في الإسناد، وربما لم يذكره.
وقال البغوي: بلغني أن معاذ بن هشام كان في أول أمره لا يذكر أبا بكر بن أنس في الإسناد، وفي آخر أمره كان يزيده في السند. وقد خالف معاذًا في سنده: معمر. فقال: عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس. أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، وأبو يعلى من طريقه، وكذلك وقع لي بعلو في جزء البعث لابن أبي داود. قال: حدثنا سليمان بن معبد حدثنا عبد الرزاق بسنده هذا، ولفظه عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله عز وجل وعدني أن يدخل من أمتي الجنة أربعمائة ألف. فقال
(2/346)

أبو بكر: زدنا يا رسول الله. فقال: كذا وكذا. قال: زدنا يا رسول الله. قال وهكذا قال: زدنا يا رسول الله. فقال عمر: دعنا يا أبا بكر. أو قال: حسبك يا أبا بكر. فقال أبو بكر: ما عليك أن يدخلنا الله كلنا الجنة. فقال عمر: يا أبا بكر إن الله إن شاء أن يدخل خلقه الجنة بكف واحدة فعل. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: صدق عمر".
أخرجه الضياء في "الأحاديث المختارة"، وصححه الحاكم من طريق أبي بكر بن عمير عن أبيه، ولكن أبو بكر لا أعرف من وثقه". اه.
6 - وفيه (2/ 89):
"حصين بن مشمت -بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الميم بعدها مثناة- ابن شداد بن زهير. قال ابن حبان وغيره: له صحبة. وروى البخاري في "تاريخه" وابن أبي عاصم والحسن بن سفيان وابن شاهين والطبراني من طريق محرز بن ورد بن عمران بن شعيث -بالمثلث- ابن عاصم بن حصين بن مشمت، حدثني أبي، أن أباه حدثه، أن أباه شعيثا حدثه، أن أباه عاصمًا حدثه، أن أباه حصينا حدثه، أنه وفد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبايعه بيعة الإسلام، وصدق إليه صدقة ماله، وأقطعه النبي -صلى الله عليه وسلم- وشرط عليه ألا يمنع ماءه، ولا يمنع فضله، وفي ذلك يقول زهير بن حصن:
إن بلادي لم تكن أملاسا ... بهن خط القلم الأنقاسا
من النبي حيث أعطى الناسا
وأكثر رواته غير معروفين، لكن قد صححه ابن خزيمة. وأخرجه الضياء في "المختارة"". اه.
7 - وذكر ابن حجر في "الفتح" (9/ 509):
ما ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عق عن نفسه بعد النبوة، فقال:
(2/347)

" ... وأخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين ... ثانيهما: من رواية أبي بكر المستملي، عن الهيثم بن جميل وداود بن المحبر، قالا: حدثنا عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس.
وداود ضعيف، لكن الهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخاري، فالحديث قوي الإسناد.
وقد أخرجه محمد بن عبد الملك بن أيمن، عن إبراهيم بن إسحاق السراج، عن عمرو الناقد. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أحمد بن مسعود، كلاهما عن الهيثم بن جميل وحده به، فلولا ما في عبد الله بن المثنى من المقال، لكان هذا الحديث صحيحًا، لكن قد قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بقوي. وقال أبو داود: لا أخرج حديثه. وقال الساجي: فيه ضعف، لم يكن من أهل الحديث، روى مناكير. وقال العقيلي: لا يتابع على أكثر حديثه. قال ابن حبان في "الثقات": ربما أخطأ. ووثقه العجلي، والترمذي، وغيرهما. فهذا من الشيوخ الذين إذا انفرد أحدهم بالحديث لم يكن حجة.
وقد مشى الحافظ الضياء على ظاهر الإسناد فأخرج هذا الحديث في "الأحاديث المختارة مما ليس في "الصحيحين"".
ويحتمل أن يقال -إن صح هذا الخبر- كان من خصائصه -صلى الله عليه وسلم-، كما قالوا في تضحيته عمن لم يضح من أمته". اه.
8 - وفي "لسان الميزان" (4463):
"عباد بن سعيد، بصري مقل، روى عن مبشر، لا شيء انتهى.
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" في الثالثة، فقال: عباد بن سعيد، روى عن أبي بردة بن أبي موسى، روى عنه أهل العراق.
(2/348)

فما أدري عنى هذا أو غيره.
ومبشر الذي أشار إليه المصنف، هو ابن أبي المليح بن أسامة. وقد أخرج حديثه الضياء في "المختارة" من "الأفراد" للدارقطني ومن الطبراني، ولكن كلاهما من رواية يحيى بن أبي زكريا الغساني عن عباد بن سعيد بسنده.
وقال الدارقطني: تفرد به مبشر بن أبي المليح عن أبيه عن جده.
وقد وجدت له في "الكبير" للطبراني في ترجمة أسامة بن عمير حديثًا منكرًا، والآفة فيه من مبشر". اه.
10 - وفيه (4550):
"عبد الله بن إسحاق الهاشمي. قال العقيلي: له أحاديث لا يتابع منها على شيء.
علي بن العباس، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، ثنا عبد الله بن إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، حدثني أبي، عن صالح بن خوات، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". انتهى.
وهذا الحديث أخرجه ابن السكن وابن قانع وابن شاهين في "الصحابة" من رواية محمد بن يحيى القطعي، ثنا عبد الله بن إسحاق ... وساقوا السند عن صالح ابن خوات بن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن جده عن خوات بن جبير.
وأخرج الطبراني من رواية خليفة بن خياط، عن عبد الله بن إسحاق، عن خوات ابن صالح بن خوات بن جبير، عن أبيه، عن جده مثله.
وأخرجه أيضًا المقدسي في "المختارة" من طريقه، وقال: لا أعرف هذا الحديث إلا بهذا الإسناد.
كذا قال، وقد أخرجه الطبراني وابن السكن وابن شاهين وغيرهم من طريق محمد بن الحجاج المصغر عن خوات كذلك، وهو معروف بالمصغر.
(2/349)

وأما من طريق عبد الله بن إسحاق فغريب، ووقع في رواية الطبراني: عبيد الله بالتصغير، وفي رواية غيره مكبر كما هنا". اه.
11 - وفي "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 213) عند الكلام على نوع "المعلل":
" ... وكذا إذا تبين أن راوي الطريق الفرد لم يسمع ممن فوقه مع معاصرته له؛ كحديث أشعث بن سوار عن محمد بن سيرين عن تميم الداري؛ فإن ابن سيرين لم يسمع من تميم؛ لأن مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وكان قتل عثمان -رضي الله عنه- في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وتميم مات سنة أربعين، ويقال قبلها.
وكان ابن سيرين مع أبويه بالمدينة، ثم خرجوا إلى البصرة، فكان إذ ذاك صغيرًا، وتميم مع ذلك كان بالمدينة، ثم سكن الشام، وكان انتقاله إليها عند قتل عثمان.
وحينئذ فهو منقطع بخفي الإرسال.
وقد خفي ذلك على الضياء مع جلالته، وأخرج حديث هذه الترجمة في "المختارة" اعتمادا على ظاهر السند في الاتصال من جهة [المعاصرة] (1)، وكون أشعث وابن سيرين أخرج لهما مسلم". اه.
قال أبو أنس:
بِعَرْضِ ما سبق من النُّقُولِ تتضح المعاني التالية:
أولًا: كتاب الضياء المقدسي: "الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما" يشبه "مستدرك" الحاكم في أصل تصنيفه.
ثانيًا: صَحَّحَ الضياءُ في "المختارة" بناءً على ذلك أحاديثَ لم يُسبق إليها.
__________
(1) في المطبوع: "المواثرة"، وهو تصحيف.
(2/350)

ثالثا: تابع كثيرٌ من الحفاظ: ابنَ تيمية في تقديم "المختارة" على "المستدرك" في شرطه، ونظافة أسانيده، وقلة ما فيه من الغلط.
رابعًا: لم تَخْلُ أسانيدُ "المختارة" -مع ذلك- من بعض المجاهيل والضعفاء، بل والمتروكين.
خامسًا: لم تَسْلَم "المختارة" من وقوع التصحيف والخطأ أو الشذوذ في بعض أسانيد المصنَّفات التي نقل منها الضياء في "المختارة".
سادسًا: اعتمد الضياء أحيانًا في تصحيحه للحديث على ظاهر الإسناد، فلم يفطن إلى ما فيه من العلل الخفية.
سابعًا: قد يخرج الضياءُ الحديثَ ويُشيرُ إلى ما يدفع صحته، كالتفرد وغيره.
والخلاصة:
أن "المختارة" أنظفُ أسانيدَ، وأسلمُ متونا من "مستدرك" الحاكم، لكن ينبغي إجراء قواعد النقد على كل حديث فيها، ولا يُرْكَنُ إلى عُلُوِّ مرتبته على غيره في ذلك؛ لِمَا حَكَيْنا مِن صنيع المحققين حيالَهُ، والله تعالى الهادي إلى الصواب.
* * *
(2/351)

أبو عوانة
صاحب "الصحيح المستخرج على صحيح مسلم"
(ت 316 ه)
(2/353)

يتعلق به هنا أمران:
الأول: قول المعلمي في أبي عوانة والمستخرجات بصفة عامة.
الثاني: ما زدته من:
بعض النماذج التي وقفت عليها مما يؤيد تلك المعاني التي شرحها المعلمي.
* * *
(2/355)

الأمر الأول
قول المعلمي في أبي عوانة والمستخرجات بصفة عامة
تقدمة:
الكلام المتعلق بأبي عوانة لا يختص بذاته، وإنما يتعلق بالكلام على "المستخرجات" ومناهج أصحابها وطريقتهم في تصنيفها، وشرائطهم فيما يخرجونه فيها من الأحاديث، أو من يخرجون له من الرواة، وهل مجرد إخراج الحديث في تلك الكتب قاضٍ له بالصحة في جميع لفظه الوارد به؟ وهل مجرد الإخراج للراوي فيها قاضٍ بثقته عند أصحابها؟ ونحو ذلك من القضايا التي لا يسع من يطالع تلك الكتب الجهل بها أو الغفلة عنها.
وإليك بعض الأمثلة التي ألقى بها الشيخ المعلمي الضوء على هذه القضايا، لكن يبقى استخراج تلك الزيادات التي في أحاديث "الصحيحين" مما زادها أصحاب المستخرجات بأسانيدهم إلى شيوخ صاحبي "الصحيح" أو من فوقهم، والنظر في صحتها التي يزعمها بعض من تكلم على تلك المصنفات، وسيأتي جواب الحافظ ابن حجر على هذا الزعم جوابًا عامًا، لكن تبقى الشواهد على ذلك محل استقراء، ولهذا موضع آخر إن شاء الله تعالى.
• قال الشيخ المعلملي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص 356):
"عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير، اتَّهَمَهُ ابن عدي لروايته عن أبيه حديثين منكرين ... وقال ابن حبان: "يروي عن الثقات المقلوبات".
(2/356)

ولا ينفعه رواية أبي عوانة عنه في "صحيحه"؛ لأن "صحيح" أبي عوانة مستخرج على "صحيح" مسلم، يعمد إلى أحاديث مسلم فيخرجها بأسانيده إلى شيخ مسلم أو شيخ شيخه، فربما لا يجد الحديث إلا عند راوٍ ضعيف فيخرجه عنه؛ لأن الحديث ثابت من غير طريقه". اه.
• وحاول الكوثري تقوية الحسن بن زياد اللؤلؤي -وهو كذاب مكشوف الأمر- بقوله: " ... أخرج عنه الحافظ أبو عوانة ... في "الصحيح المسند المستخرج" وهذا توثيق منه ... ".
فأجاب الشيخ المعلمي بقوله في "التنكيل" (1/ 443):
"أما أبو عوانة ... ففي "الميزان" و"اللسان" في ترجمة عبد الله بن محمد البلوي: "روى عنه أبو عوانة في "صحيحه" في الاستسقاء خبرًا موضوعًا" (1).
وروى أبو عوانة في "صحيحه" (1/ 236 - 237) حديثًا في سنده: عبد الله بن عمرو الواقفي، وجابر بن يزيد الجعفي، وكلاهما مُتَّهم.
وفي "فتح الباري" في شرح باب "القصد والمداومة على العمل" من كتاب "الرقاق": " ... وهذا من الأمثلة لِما تعقبته على ابن الصلاح في جزمه بأن الزيادات التي تقع في المستخرجات يُحكم بصحتها ... ووجه التعقب أن الذين استخرجوا لم يصرحوا بالتزام ذلك، سَلَّمْنَا أنهم التزموا ذلك، لكن لم يَفُوا به".
__________
(1) زاد ابن حجر في "اللسان" (4/ 339): "وهو صاحب رحلة الشافعي، طَوَّلَها ونَمَّقَها، وغالب ما أورده فيها مختلق". اه. (182) (3/ 308).
(2/357)

أقول: أصحاب المستخرجات يلتزمون إخراج كل حديث من الكتب التي يستخرجون عليها، فأبو عوانة جعل كتابه مستخرجًا على "صحيح" مسلم، ومعنى ذلك أنه التزم أن يخرج بسند نفسه كل حديث أخرجه مسلم، فقد لا يقع له بسند نفسه الحديثُ إلا من طريق رجلٍ ضعيفٍ فيتساهل في ذلك؛ لأن أصل الحديث صحيح من غير طريقه، ومع ذلك زاد أبو عوانة أحاديث ضعيفة لم يحكم هو بصحتها، فإنما يسمى كتابه "صحيحًا"؛ لأنه مستخرج على "الصحيح"، ولأن معظم أحاديثه -وهي المستخرجة- صحاح، فإخراجه لرجلٍ لا يستلزم توثيقه ولا تصديقه، بل صاحب "الصحيح" نفسه قد يخرج في المتابعات والشواهد لمن لا يوثقه، وهذا أمر معروف عند أهل الفن". اه.
* * *
(2/358)

الأمر الثاني
ما زدتُّه من بعض النماذج التي وقفت عليها مما يؤيد تلك المعاني التي شرحها المعلمي.
1 - في الميزان (331):
"أحمد بن الحسن بن القاسم بن سمرة، الكوفي، روى بمصر عن وكيع، وكان يعرف ب"رسول نفسه".
قال الدارقطني وغيره: متروك.
وقال ابن حبان: كذاب.
روى عن وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من تحت العرش، فيؤتى بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ... " الحديث.
وروى عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن، عن أنس، مرفوعًا: "يجزي من بر الوالدين الجهاد في سبيل الله".
قال ابن يونس: حدث بمناكير، ومات سنة اثنتين وستين ومائتين بمصر. اه.
وزاد ابن حجر في "اللسان" (1/ 248):
"وقد تقدم لإبراهيم بن عبد الله بن خالد، عن وكيع، عن الثوري مخالفة في السند، وفي سياق المتن.
واستنكر له ابن حبان أيضًا حديثه المذكور عن حفص بن غياث، وجزم بأنه يضع الحديث.
(2/359)

وذكره ابن الفرضي في "الألقاب"، قاله النباتي، قال: وحُقُّ لمن يروي مثل هذا الحديث أن لا يكتب حديثه.
وقد روى عنه أبو عوانة في "صحيحه"، فكأنه ما خبر حاله". اه.
2 - وفيه (593):
"أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، البتلهي، الدمشقي عن أبيه.
له مناكير.
قال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر.
وحدث عنه أبو الجهم المشغرائي ببواطيل.
ومن ذلك: قال: حدثنا بكر بن محمد، ثنا ابن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "ما استرذل الله عبدًا إلا حظر عنه العلم والأدب".
وله عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن ابن المنكدر، عن جابر، يرفعه: "من أحب أن يشم رائحتي فليشم الورد". اه.
وزاد ابن حجر في "اللسان" (1/ 393):
"ويأتي في ترجمة أبيه محمد كلام ابن حبان فيه أيضًا.
وقال أبو عوانة الإسفراييني في "صحيحه" بعد أن روى عنه: سألني أبو حاتم: ما كتبت بالشام قدمتي الثالثة؟ فأخبرته بكتبي مائة حديث لأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، كلها عن أبيه، فساءه ذلك، وقال: سمعت أنا أحمد يقول: لم أسمع من أبي شيئًا. فقلت: لا يقول: حدثني أبي، إنما يقول: عن أبيه إجازة.
وقال الحاكم أبو أحمد: الغالب علي أنني سمعت أبا الجهم، وسألته عن حال أحمد ابن محمد، فقال: قد كان كبر، فكان يلقن ما ليس من حديثه، فيتلقن.
مات سنة تسع وثمانين ومائتين.
(2/360)

روى عنه أيضًا الطبراني وخيثمة وابن جوصا ... وآخرون". اه.
3 - وفيه (3980):
"طاهر بن الفضل الحلبي عن سفيان بن عيينة، وحجاج الأعور.
قال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات وضعا، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب، حدثنا عنه محمد بن أيوب بن مشكان النيسابوري بطبرية، ثم ساق له أربعة أحاديث.
وقال الحاكم: روى الموضوعات. اه.
وزاد ابن حجر في "اللسان" (4/ 209):
"وفي ثقات ابن حبان أيضًا: طاهر بن الفضل بن سعيد، يروي عن سفيان بن عيينة، حدثنا عنه محمد بن المنذر بن سعيد، يخطىء ويخالف.
فهو هو، فما لذكره في "الثقات" معنى.
وقال أبو نعيم: روى عن ابن عيينة، وحجاج بن محمد مناكير لا شيء.
وقرأت بخط الحسيني: تفرد بحديث: "بنو أسامة مني وأنا منهم".
قلت: أخرجه الدارقطني في "الأفراد" عن أحمد بن إبراهيم بن حبيب الزراد عنه عن ابن عيينة بسند صحيح، وله أصل أخرجه أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: "بنو ناجية مني وأنا منهم"، وبنو ناجية بطن من بني أسامة.
وقد ذكره ابن النجار في "الذيل"، فقال: طاهر بن الفضل بن سعيد البغدادي، سكن حلب، وحدث بها عن ابن عيينة، ووكيع، وروى عنه أبو عوانة الإسفراييني، والحسن بن علي الطرائفي، وإبراهيم بن محمد الفرائضي، وابن مشكان، ثم ساق من طريق أبي عوانة عنه عن ابن له، وهو موجود في "صحيحه" في كتاب الصلاة من حديث المغيرة في قيام الليل.
(2/361)

وساق من طريق أبي أحمد الحاكم، عن الفرائضي، عن طاهر، عن وكيع، عن حمزة الزيات، عن حمران بن أعين، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، مرفوعًا في تفسير {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا}.
قال أبو أحمد: لم يذكر فيه أحدٌ عبدَ الله بن عمر إلا طاهر بن الفضل.
ثم ساق من طريق أبي سعيد النقاش، عن محمد بن فارس، عن ابن مشكان، عنه، عن وكيع، عن الأعمش، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، رفعه: "أصبح نور صومك دهنا مرجلا".
قال النقاش: هذا حديث موضوع على وكيع، لعل طاهرًا وضعه". اه.
4 - وفيه (4075):
"عامر بن خارجة عن جده سعد بن مالك.
قال البخاري: في إسناده نظر.
قلت: روى حفص بن النضر السلمي، حدثنا عامر، عن جده: "أن قومًا شكوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قحط المطر، فقال: اجثوا على الركب، وقولوا: يا رب يا رب، ففعلوا، فسقوا". اه.
وزاد ابن حجر في "اللسان" (4/ 228):
"وهذه الترجمة كلها للعقيلي (182)، فذكر كلام البخاري، ثم ساق الحديث من طريق ابن عائشة (1) عن حفص.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: يروي عن جده حديثًا منكرًا في المطر لا يعجبني ذكره.
__________
(1) هو عبيد الله بن محمد التيمي.
(2/362)

وأورد الحديث المذكور أبو عوانة في "صحيحه" من طريقه". اه.
5 - وفيه (5056):
"عبد السلام بن عبيد بن أبي فروة, صاحب سفيان بن عيينة، تأخر بمدينة نصيبين.
ورحل إليه الحافظ أبو عوانة، وروى عنه في "صحيحه".
قال ابن حبان: كان يسرق الحديث، ويروي الموضوعات.
وقال الأزدي: لا يكتب حديثه.
وذكر ابن حبان له عن سفيان، عن الزهري، عن أنس حديث: "من كذب علي متعمدا"، وعن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة حديث: "لا يلسع المؤمن من جحر مرتين".
وهذان ليسا عند ابن عيينة أصلا؛ فالأول يرويه يونس والليث عن الزهري. والثاني إنما رواه ابن عيينة عن الزهري عن سعيد، لا عن أبي الزناد عن الأعرج". اه.
وزاد ابن حجر في "اللسان" (5/ 18):
"وقال الدارقطني في "العلل": ليس بشيء". اه.
6 - وفيه (5365):
"عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير، المصري عن أبيه، وعنه علي بن قديد والحسين بن إسحاق.
قال ابن حبان: يروي عن الثقات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به.
قلت: روى عنه أبو عوانة في "صحيحه". اه.
زاد ابن حجر في "اللسان" (5/ 107):
"قال ابن حبان: يكنى أبا القاسم، لا يشبه حديثه حديث الثقات.
(2/363)

وأورد ابن عدي في "الكامل" في ترجمة أبيه حديثين من رواية ابنه عنه، أحدهما: عن مالك، عن أبي سهيل، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، أن رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقا ... الحديث، وأورده الدارقطني في "الغرائب" من هذا الوجة مطولا، ثم قال ابن عدي:
ما رواه عن مالك إلا سعيد، ولا عنه إلا ابنه.
وقال الدارقطني: تفرد به عبيد الله بن سعيد، عن أبيه، عن مالك.
وأورده ابن حبان عن الحسين بن إسحاق الأصبهاني عنه، وقال: ليس هذا من حديث مالك، ولا أبي سهيل، ولا عطاء، ولا ابن عمر.
ثم قال ابن عدي: سعيد بن عفير مستقيم الحديث، فلعل البلاء فيهما من ابنه".
7 - وفي اللسان (2/ 84):
"ذ (1) إسماعيل بن إبراهيم أبو الأحوص، روى عن يحيى بن يحيى، قال الذهبي في "المغني": كذبه ابن طاهر.
قلت: روى عنه أبو عوانة في "صحيحه" عدة أحاديث، يقول فيها: حدثنا أبو الأحوص صاحبنا، ونسبه في بعضها.
وذكره الحاكم في "تاريخه"، فقال: إسماعيل بن إبراهيم بن الوليد الإسفراييني أبو الأحوص، سمع مكي بن إبراهيم، وأبا الوليد الطيالسي، وجماعة، روى عنه أيوب بن الحسن، ومحمد بن إبراهيم المروزي، ومحمد بن جعفر الفقيه، وأبو بكر محمد بن النضر بن سلمة الجارودي، وآخرون.
قال الجارودي: قدم علينا في ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائتين.
__________
(1) إشارة إلى أنه مما زاده العراقي على "الميزان".
(2/364)

قال الحاكم: وحدثني محمد بن علي الإسفراييني، سمعت أحمد بن بشر بن محمود الإسفراييني، يقول: سألت أبا بكر محمد بن محمد بن رجاء: هل رأيت من مشايخنا أحدا يكذب في الحديث؟ قال: نعم. قلت: من هو؟ فسكت، حتى أعدت عليه مرة بعد أخرى، فقلت: أسألك بالله إلا ما أخبرتني به، قال: أبو الأحوص.
قال الحاكم: بلغني أنه توفي سنة ستين ومائتين.
ووقفت له على حديث باطل، أخرجه ابن عساكر في "أماليه" من طريق أبي حامد ابن بلال البزاز عنه، حدثنا حماد بن سفيان، ثنا إسماعيل بن أبان الغنوي، عن عمران ابن يزيد، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن أنس -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أتى عليه ستون سنة في الإسلام حرمه الله على النار، وكان من أهل الرجاء في الله". اه.
* * *
(2/365)

الخطيب البغدادي
(ت 463 ه)
(2/367)

يدور الكلام حول الخطيب هاهنا في سبعة أمور:
الأول: النظر في عقيدته، وتقرير أنه كان على مذهب السلف.
الثاني: النظر في مذهبه في الفروع.
الثالث: حول اختصاصه بالبغداديين.
الرابع: حول انفراده بالرواية عن الرجل وتصديقه إياه.
الخامس: تثبته واحتياطه.
السادس: عادته في تاريخه التعويل فيما يورده من الجرح والتعديل على الكلام المؤخر في الترجمة.
السابع: الإشارة إلى وَهَن الراوي بإيراد الأحاديث الشاذة والمنكرة في ترجمته من "التاريخ".
* * *
(2/369)

الأمر الأول
النظر في عقيدته وتقرير أنه كان على مذهب السلف
قال الشيخ المعلمي في ترجمة الخطيب من "التنكيل" رقم (26):
"زعم بعضهم أنه كان يذهب إلى مذهب الأشعري، فردَّ الذهبي ذلك بقوله: "قلت: مذهب الخطيب في الصفات أنها تمر كما جاءت، صرح بذلك في تصانيفه" فاعترضه ابن السبكي في "طبقات الشافعية" (3/ 13) بقوله: "قلت: هذا مذهب الأشعري ... وللأشعري قولٌ آخر بالتأويل".
أقول: الذي شهره المتعمقون عن الأشعري التأويل، وإن كان آخر مصنفاته "كتاب الإبانة" أعلن فيه اعتماده مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث، فالقائل أن الخطيب كان يذهب مذهب الأشعري أَوْهَمَ أنه كان من المتأولين، ولم يزد الذهبي على دفع هذا الإيهام، ولكن ابنَ السكن لِغُلُوِّهِ شديدُ العُقوق لأستاذه الذهبي. وقد نقل الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (3/ 319) فصلًا من كلام الخطيب في الاعتقاد ينفي عنه التأويل والتعطيل، قال الخطيب:
"أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح: مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية (1) والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم
__________
(1) علَّق الشيخ "المعلمي" هاهنا بقوله: "مراده كغيره نفي الكيفية المدركة بالعقول كما جاء عن ربيعة الرأي ومالك وغيرهما: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول"، وليس المراد نفي أن يكون في نفس الأمر كيفية, كيف وذلك من لوازم الوجود". اه.
(2/370)

فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا بذلك إلى ضربٍ من التشبيه والتكييف، والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين ... ".
ويظهر أن ابنَ الجوزي أمْيَلُ إلى المبتدعة من الخطيب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "شرح العقيدة الأصفهانية" (ص 68):
"وأما الانتساب فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصًا وسائر أئمة الحديث عمومًا ظاهرٌ مشهورٌ في كتبهم كلها، وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفًا للإمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه".
* * *
(2/371)

الأمر الثاني
النظر في مذهبه في الفروع
قال الشيخ المعلمي في ترجمة الخطيب من "التنكيل":
"وإذ قد بان أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة، فلننظر في انتقاله عن مذهب أحمد في الفروع.
الظاهر: أن معنى أنه كان على مذهب أحمد أن والده وأهله كانوا على مذهب أحمد، وأنه هو انتقل إلى مذهب الشافعي في صغره زمان طلبه العلم، فما الباعث له على الانتقال؟
يقول ابن الجوزي: "إن ذلك لِمَيْلِ الحنابلة عليه وإيذائهم له"، فلماذا آذوه؟ يقول ابن الجوزي: "لِمَا رأوا من ميله إلى المبتدعة".
قد تقدم إثبات أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة, وذلك ينفي أن يكون ميلُه إليهم رغبة منه في بدعتهم أو موافقة عليها، فما معنى الميل وما الباعث عليه؟
كان الحنابلة في ذاك العصر يَنفرون بحقٍّ مِنْ كُلِّ مَنْ يقال إنه أشعري أو معتزلي، ويَنفرون عن الحنفية والمالكية والشافعية لشيوع البدعة فيهم، وكان كثير من الحنابلة يبالغون في النفرة ممن نفروا عنه، فلا يكادون يروون عنه إذا كان من أهل الرواية ولا يأخذون عنه غير ذلك من العلوم، وإذا رأوا الطالب الحنبلي يتردد إلى حنفي أو مالكي أو شافعي سخطوا عليه.
وقد ذكر ابن الجوزي نفسه في "المنتظم" (9/ 213)، عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال: "وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علمًا نافعًا".
(2/372)

وتقدم في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني ما لفظه:
"قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليفعل -وكان مهجورًا في ذلك الوقت بسبب المذهب، وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع - فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يُقتل"، مع أن مجلس أبي نعيم إنما كان لسماع الحديث لا للدعوة إلى الأشعرية.
وقد قال ابن الجوزي في "المنتظم" (8/ 267) في وصف الخطيب:
"كان حريصًا على علم الحديث وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه" وقال قبل ذلك بورقة: "أول ما سمع الحديث في سنة 403 وهو ابن إحدى عشرة سنة ... وأكَثْرَ مِنَ السماع من البغداديين، ورحل إلى البصرة ثم إلى نيسابور ثم إلى أصبهان، ودخل في طريقه همذان والجبال ثم عاد إلى بغداد، وخرج إلى الشام وسمع بدمشق وصور ووصل إلى مكة ... وقرأ" صحيح البخاري "على كريمة ... في خمسة أيام".
أقول: فحرصُه على تحصيل العلم وولوعُه به هو الذي كان يحمله على أن يقصدَ كُلَّ من عُرف بالعلم مَهْما كان مذهبه وعقيدته، وكان الحنابلة إذ ذاك يخافون عليه بحقٍّ أن يقع في البدعة، وإذا كانت نهمته تضطره إلى الانطلاق في مخالفتهم، وغيرتُهم تضطرهم إلى المبالغة في كَفِّه: بَلَغَ الأمرُ إلى الإيذاء، وكان وهو حنبلي لا يرجو من غيرهم أن يعطف عليه ويحميه وينتصر له، فاحتاج أن يتحول إلى مذهب الشافعي ليحميه الشافعيون ولا يعارضوه في الاختلاف إلى مَنْ شاء من أهل العلم مهما كان مذهبه وعقيدته؛ لأن الشافعية لم يكونوا يُضيقون في ذلك، مع أنهم إنما استفادوا الخطيب، فَهُمْ أشدُّ مسامحةً له، وهذا وإن نفعه من جهة الظفر بأنصارٍ أقوياء، يتمكن في حمايتهم من طلب العلم كيف شاء، لكن من شأنه أن يزيد حنق الحنابلة عليه وغيظهم منه, وكانت بغداد مقر الحنابلة وأكثر العامة معهم، والعامة كما لا يخفى إذا اتصل بهم السخط على رجل تسارعوا إلى إيذائه وبالغوا.
(2/373)

قال الكوثري في "التأنيب" (ص 12): "وفي" مرآة الزمان "لسبط ابن الجوزي: وقال ابن طاهر: جاء جماعة من الحنابلة يوم الجمعة إلى حلقة الخطيب بجامع المنصور فناولوا حَدَثًا صبيحَ الوجه دينارًا وقالوا له: قِفْ بإزائه ساعة وناوله هذه الرقعة، فناوله الصبي وإذا فيها -ما ذكره السبط مما لا حاجة إلى ذكره هنا (1)، ثم قال: وكانوا يُعطون السَّقَّاء قطعةً يوم الجمعة فكان يقف من بعيد بإزائه ويميل رأس القربة وبين يديه أجزاء فيبتل الجميع فتتلف الأجزاء، وكانوا يطينون عليه باب داره في الليل فربما احتاج إلى الغسل لصلاة الفجر فتفوته ... ".
أقول: السبط ليس بعمدة كما يأتي، وابن طاهر لم يدرك الخطيب، لكن ما تضمنته القصة من تتبع أولئك العامة للخطيب وإيذائه يوافق في الجملة ما تقدم عن ابن الجوزي، وكذلك يوافق ما في "تذكرة الحفاظ" (3/ 318) عن الحافظ المؤتمن الساجي: "تحامَلَتِ الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه".
وابن الجوزي نفسه يتألم آخر عمره من أصحابه الحنابلة حتى قال في "المنتظم" (10/ 253) بعد أن ذكر تسليم المدرسة إليه وحضور الأكابر وإلقاءه الدرس: "وكان يومًا مشهودًا لم يُرَ مثلُه، ودخل على قلوبِ أهلِ المذهبِ غَمٌّ عظيمٌّ".
وزاد سِبْطُهُ في "المرآة" عنه: "لأنهم حسدوني" قال السبط: "وكان جدي يقول: والله لولا أحمد والوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب؛ فاني لو كنت حنفيًّا أو شافعيًّا لحملني القوم على رءوسهم".
وليس السبط بعمدة، لكن عبارة "المنتظم" تشعر بصحة الزيادة.
هذا حالُ ابنِ الجوزي في آخر عمره، فأما الخطيب فإنه كان انتقاله في حداثته ليتمكن من طلب العلم، لا لِيُحملَ على الرءوس". اه.
__________
(1) انظر إلى عِفَّةِ الشيخ المعلمي وحيائه من ذكر ما يبغض سماعه أهل الصيانة والتقى، رحمة الله عليه.
(2/374)

الأمر الثالث
حول اختصاصه بالبغداديين
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 17): "بغدادي لا يعرفه الخطيب الذي صرف أكثر عمره في تتبع الرواة البغداديين لا يكون إلا مجهولا". اه.

الأمر الرابع
حول انفراده بالرواية عن الرجل وتصديقه إياه
نقل الشيخ المعلمي في ترجمة: محمد بن المظفر بن إبراهيم أبي الفتح الخياط من "التنكيل" (1/ 472) قولَ الكوثري: "لا يعرفه أحدٌ سوى الخطيب، ولا روى عنه أحدٌ سواه".
فقال: "بنى هذه المجازفة على قول الخطيب في ترجمة هذا الرجل: "كتبت عنه في سنة 413، وهو شيخ صدوق، كان يسكن دار إسحاق، ولا أعلم كتب عنه أحد غيري".
ويكفي هذا الرجل رواية الخطيب وتصديقه". اه.
* * *
(2/375)

الأمر الخامس
تثبته واحتياطه
(1) قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 230):
"الخطيب معروف بشدة التثبُّت، بل قد يبلغ به الأمر إلى التعنُّت".
(2) وقال أيضًا في ترجمة ابن رزقويه (1/ 390):
"قد حقَّقَ الخطيب في "الكفاية" (ص: 226 - 229) و (ص: 258 - 259) ... وذكر من كان يروي من كتبه بعدما عمي، ومنهم: يزيد بن هارون وأبو معاوية محمد بن خازم وعبد الرزاق، والذين حَكَى عنهم المنعَ مِنْ ذلك اعتلوا بخشية أن يُزاد في كتاب الأعمى وهو لا يدري، وغيرهم يقول: المدار في هذا الأمر على الوثوق، فإذا كان الضرير واثقا بحفظ كتابه, ثم قرأ عليه منه ثقة مأمون متيقظ فقد حصل الوثوق، وقد استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة، فمن وثق بصحة نسخة كان له أن يحتج بما فيها كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب.
والخطيب كما يُعلم من "تاريخه" غايةٌ في المعرفة والتيقظ والاحتياط، فإذا وثق بأن كتب ابن رزق محفوظة، ثم دفع إليه ابنُ رزق كتابا منها فرأى سماعه فيه صحيحا، وعلم أنه قد رواه مرارا قبل عماه، فقد حق له أن يحتج بما يجد فيه وإن لم يقرأه هو أو غيره بحضرته على ابن رزق ... بل إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه فإن الحفظ خوَّان.
وقد رأيت في "تاريخه" (9/ 309): "دَفَعَ إليَّ ابنُ رزقٍ أصلَ كتابه الذي سمعه من مكرم بن أحمد القاضي، فنقلتُ منه، ثم أخبرنا الأزهري أخبرنا عبد الله بن عثمان أخبرنا مكرم ... " فذكر خبرًا، وهذا مما يبين تحري الخطيب وتثبته". اه.
(2/376)

قال أبو أنس:
يعني أن الخطيبَ مع وُثُوقِه بكتاب ابن رزق، لم يكتفِ بما وجده فيه، بل عضَّدَهُ بما رواه بإسناده هو.
(3) وقال في ترجمة: محمد بن عبد الله بن أبان أبي بكر الهيتي:
"الخطيب معروف بالتيقظ والتثبت، فلم يكن ليروي عن هذا الرجل (1) إلا ما يثق بصحته، وقضية الاستتابة (2) متواترة".
وانظر آخر ترجمة محمد بن العباس بن حيويه أبي عمر الخزاز من "التنكيل" رقم (208) ففيها مثال باهر على كمال احتياط الخطيب وتثبته.
* * *
__________
(1) قد قال الخطيب في الهيتي: "كانت أصول أبي بكر الهيتي سقيمةً كثيرةَ الخطأ، إلا أنه كان شيخًا مستورًا صالحًا فقيرًا، معروفًا بالخير وكان مغفلا ... ".
(2) التي رواها الخطيب من طريق الهيتي هذا.
(2/377)

الأمر السادس
عادته في "تاريخه" التعويل فيما يورده من الجرح والتعديل على الكلام المؤخر في الترجمة
قال الشيخ المعلمي في ترجمة: مهنأ بن يحيى من "التنكيل" رقم (255):
"روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: "كُلُّ مَنْ ذكرتُ فيه أقاويلَ الناس من جرح أو تعديل، فالتعويل على ما أَخَّرْتُ" كما في "تذكرة الحفاظ" (3/ 315).
وهاهنا بدأ الخطيب في ترجمة مهنأ بحكاية قول الأزدي: منكر الحديث -وهو نفسه متكلم فيه حتى رمي بالوضع- ثم أتبعها برواية السلمي عن الدارقطني: "ثقة نبيل".
ثم ذكر مكانة مهنأ عند أحمد، وثناء أصحابه عليه, فعُلم بذلك أن التعويل عنده على التوثيق.
وبهذا يُعلم ما في عبارة ابن الجوزي في "المنتظم" (8/ 368) في تجنياته على الخطيب: "ذَكَر مهنأ بن يحيى، وكان من كبار أصحاب أحمد، وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحَكى بعد ذلك عن أبي الفتح الأزدي ... وهو يَعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكُلِّ ... ".
... والموجود في "تاريخ الخطيب" تعقيب كلمة الأزدي بحكاية السلمي عن الدارقطني كما مَرَّ ... ". اه.
* * *
(2/378)

الأمر السابع
الإشارة إلى وَهَن الراوي بإيراد الأحاديث الشاذَّة والمنكرة في ترجمته من "التاريخ"
في "الفوائد المجموعة" (ص 97): حديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الصرد أول طير صام عاشوراء".
قال الشيخ المعلمي:
"أخرجه الخطيب في "التاريخ" (6/ 296) في ترجمة إسماعيل -يعني ابن إسحاق ابن الحصين ابن بنت معمر بن سليمان المعمري أبا محمد الرقي- من وجهين عنه، ثم ذكر من وجهٍ ثالث عنه أيضًا، ولكن وقع فيه تخليطٌ، ولم يَذكر الخطيب في إسماعيل جرحًا ولا تعديلا، وإنما أشار إلى وَهَنِه بذكر هذا الحديث، ولم يُذكر إسماعيل في "الميزان"، ولا "اللسان" ... ". اه.
* * *
(2/379)

ابن الجوزي
(ت 597 ه)
(2/381)

يتلخص الكلام حوله هاهنا في ثلاثة أمور:
الأول: النظر في عقيدته.
الثاني: التنبيه على أنه لا يُعلم أنه يلتزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، والتنبيه على كثرة أوهامه في تصانيفه.
الثالث: كشف ما في كلامه في الخطيب من التجني والتحامل.
* * *
(2/383)

الأمر الأول
النظر في عقيدته
(1) قال ابنُ الجوزي في عبْد بن أحمد أبي ذر الهروي في "المنتظم" (7/ 194): "كان من الأشاعرة المبغضين، وهو أول من أدخل الحرمَ مذهبَ الأشعري، ولا يُقبلُ جرحُه لحنبلي يَعتقدُ كُفْرَهُ".
فقال الشيخ المعلمي في ترجمة أبي ذر من "التنكيل" (ص 150):
أقول: قال ابنُ الجوزي نفسُه في ترجمة أبي ذر من "المنتظم" نفسه (8/ 115): "كان ثقةً ضابطًا فاضلا ... وقيل: إنه كان يَميلُ إلى مذهب الأشعري" ويظهر من هذه العبارة الأخيرة أن المَيْلَ لم يَثبتْ، فإن ثبت فما مقداره؟ وقد كان ابن الجوزي نفسه مائلا، بل يوجد في كلامه وكلام كثير من الحنابلة ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من كلام الأشعري وأصحابه.
هكذا قاله أعرفُ الناس بهم، وهو رجل منهم (1) كما تقدم في ترجمة الخطيب.
هَبْ أن أبا ذر كان أشعريًّا فما تفصيل ذلك؟ والنقل عن الأشعري مختلف وأصحابه مختلفون، وعلى كل حال فلا يكفرون الحنابلة، نعم قد يبدعونهم، ولكن عقلاءهم -ولاسيما العارفين بالرواية منهم كالبيهقي- لا يرون ذلك موهنًا للرواية، ولا مُسَوَّغًا للبغض والعداوة.
__________
(1) هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، سيأتي كلامه قريبًا.
(2/384)

وقد مرت الإشارة إلى ذلك في القواعد، وأشبعت القول في قسم الاعتقاديات، فالحق الذي لا معدل عنه أن أبا ذر ثقةٌ تُقبلُ روايتُه ويُردُّ عليه من قوله ورأيه ما أخطأ فيه الحقَّ". اه.
(2) ونقل الشيخ المعلمي في ترجمة الخطيب من "التنكيل" رقم (26) قولَ ابن الجوزي في "المنتظم" (8/ 267): "كان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد ابن حنبل، فمال عليه أصحابه [الحنابلة] لِما رأوا من ميله إلى المبتدعة، وآذوه فانتقل إلى مذهب الشافعي".
فأجاب الشيخ المعلمي بما تراه في ترجمة الخطيب (1) من هذا القسم، إلى أن قال: "ويظهر أن ابن الجوزي أَمْيَلُ إلى المبتدعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "شرح العقيدة الأصفهانية" (ص 68):
"وأما الانتساب فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصًا وسائر أئمة الحديث عمومًا ظاهرٌ مشهورٌ في كتبهم كلها، وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفًا للإمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد؛ كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وصدقة بن الحسين وأمثالهم، ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه".
* * *
__________
(1) وفيها تقرير أن الخطيب كان على مذهب السلف.
(2/385)

الأمر الثاني
التنبيه على أنه لا يُعلم أنه يلتزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، والتنبيه على كثرة أوهامه في تصانيفه
(1) قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 221):
"لا نعلمُ ابنَ الجوزي التزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، ولو التزم لكان في صحة الاعتماد على نقله نظر؛ لأنه كثير الأوهام، وقد أثنى عليه الذهبي في "تذكرة الحفاظ" كثيرًا، ثم حكى عن بعض أهل العلم أنه قال في ابن الجوزي: "كان كثيرَ الغلط فيما يصنفه؛ فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره".
قال الذهبي: "نعم له وهم كثير في تآليفه، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر، ومن أجلِ أن علمه من كتبِ صحفٍ ما مارس فيها أربابَ العلم كما ينبغي".
وذكر ابن حجر في "لسان الميزان" (3/ 84) حكايةً عن ابن الجوزي، ثم قال: "دلت هذه القصة على أن ابنَ الجوزي حاطبُ ليلٍ لا يَنْقُدُ ما يحدث به".
وقد وقفتُ أنا على جملةٍ من أوهامه:
منها: أنه حَكَى عن أبي زرعة وأبي حاتم أنهما قالا في داود بن عمرو بن زهير: "منكر الحديث" وإنما قالا ذلك في داود بن عطاء المدني، راجع التعليق على "تاريخ البخاري" (ج 2 قسم 1 ص 215).
ومنها: أنه حَكَى في إسحاق بن ناصح عن الإمام أحمد كلاما، إِنما قاله أحمد في إِسحاق بن نجيح، راجع "لسان الميزان" (1/ 376).
(2/386)

ومنها: أنه قال في الربيع بن عبد الله بن خطاف: "كان يحيى بن سعيد يُثْنِي عليه, وقال ابن مهدي: لا ترو عنه شيئًا"، وهذا مقلوب كما في ترجمة الربيع من "التهذيب".
ومنها: أنه حَكَى في سوار بن عبد الله بن سوار أن الثوري قال فيه: "ليس بشيء" مع أن سوارًا هذا إنما ولد بعد موت الثوري، وإنما قال الثوري تلك الكلمة في جده سوار بن عبد الله كما في "التهذيب".
ومنها: أنه حَكَى في صخر بن عبد الله بن حرملة الحجازي أن ابن عدي وابن حبان اتهماه بالوضع، وإنما اتهما صخر بن محمد، ويقال ابن عبد الله الحاجبي المروزي، راجع "التهذيب"، و"اللسان".
ومنها: أنه حَكَى في جعفر بن حيان أبي الأشهب البصري كلامًا عن الأئمة، إنما قالوه في جعفر بن الحارث أبي الأشهب الواسطي. راجع: "التهذيب".
ومنها: أنه ذكر معاوية بن هشام (1)، فقال: وقيل: هو معاوية بن أبي العباس روى ما ليس من سماعه فتركوه, كذا قال، ومعاوية بن هشام من الثقات لم يرو ما ليس من سماعه، ولم يتركه أحد، وإنما روى مروان بن معاوية الفزاري، عن معاوية بن أبي العباس أحاديثَ عن شيوخِ الثوري، وهي معروفة من حديث الثوري، فقال ابن نمير -وأخذه عنه أبو زرعة وغيره: إن معاوية بن أبي العباس رجلٌ متروكٌ, كان جارًا للثوري، فلما مات الثوري أخذ معاوية كتبه فرواها عن شيوخه فسمعوا منه، ثم فطنوا لصنيعه فافتضح وتركوه، وبقي مروان يروي عنه.
ورأى بعض الحفاظ أن معاوية بن هشام روى تلك الأحاديث عن الثوري، فسمعها منه مروان، ثم دَلَّسَ مروان اسمه وأسقط الثوري من السند فدلس مروان [تدليس] تسوية بعد تدليسه الاسم، وهذا القول على وَهَنِهِ كما بينته في تعليقي على
__________
(1) انظر: ترجمته رقم (747) من قسم التراجم.
(2/387)

"الموضح" (1) لا يُفِيدُ أن معاوية بن هشام روى ما لم يسمع ولا أنهم تركوه, ولكنَّ ابنَ الجوزي جمع بين القولين؛ فإن القائل أن ابن أبي العباس روى ما لم يسمع وتركوه بَنَى على أنه غير معاوية بن هشام، والقائل أنه هو لم يقل أنه روى ما لم يسمع ولا أنهم تركوه.
ومنها: أنه ذكر في موضوعاته حديثًا رواه الطبراني قال: "حدثنا أحمد حدثنا إسحاق بن وهب العلاف حدثنا بشر بن عبيد الفارسي ... ".
ثم قال ابن الجوزي: "إسحاق كذاب ... "، قال السيوطي في "اللآلىء" (1/ 206): "إنما الكذاب إسحاق بن وهب الطهرمسي فالتبس على المؤلف ... " يعني ابن الجوزي، وصدق السيوطي، العلاف موثق وهو من شيوخ البخاري في "صحيحه" والطهرمسي كذبوه، إلى غير ذلك من أوهامه". اه.
(2) وفي "الفوائد" (ص 97) حديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الصرد أول طير صام عاشوراء".
رواه الخطيب (2) من طريق إسماعيل بن إسحاق الرقي حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه ...
قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 204): في إسناده: عبد الله بن معاوية، منكر الحديث.
فقال الشيخ المعلمي: "هذا من أوهام ابن الجوزي؛ فإن الذي قيل فيه "منكر الحديث" هو عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي,
__________
(1) (2/ 424 - 425).
(2) "تاريخ بغداد" (6/ 295 - 296).
(2/388)

والذي في السند منصوصٌ على أنه جمحي، وهو عبد الله بن معاوية وهو ابن موسى ابن أبي غليظ الجمحي، ثقةٌ عندهم.
والبلاء في هذا الحديث من غيره, إما أبيه، وإما الراوي عنه: إسماعيل بن إسحاق ابن الحصين المعمري الرقي ابن بنت معمر بن سليمان الرقي، رواه الرقي عن عبد الله: سمعت أبي يحدث، عن أبيه، عن جده، عن أبي غليظ بن أمية بن خلف, قال: رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلخ.
أخرجه الخطيب في "التاريخ" (6/ 296) في ترجمة إسماعيل من وجهين عنه, ثم ذكر من وجهٍ ثالث عنه أيضًا، ولكن وقع فيه تخليط, ولم يذكر الخطيب في إسماعيل جرحًا ولا تعديلا، وإنما أشار إلى وهنه بذكر هذا الحديث, ولم يذكر إسماعيل في "الميزان"، ولا "اللسان"، وإنما ذكرا (1): معاوية بن موسى والد عبد الله، وفيهما: "هذا حديث منكر، رواه ثلاثة عن الرقي". اه.
* * *
__________
(1) "الميزان" (4/ 137)، و"اللسان" (6/ 159).
(2/389)

الأمر الثالث
كشف ما في كلامه في الخطيب من التجني والتحامل
نقل الشيخ المعلمي في ترجمة مهنأ بن يحيى الشامي من "التنكيل" رقم (255) قولَ الكوثري في مهنأ: "قال أبو الفتح الأزدي ... منكر الحديث، وتابعه الخطيب".
فقال المعلمي: "الأزدي نفسه متكلم فيه (1) ... وقول الكوثري: "وتابعه الخطيب" باطل، فقد روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: "كُلُّ من ذكرت فيه أقاويل الناس من جرح أو تعديل فالتعويل على ما أَخَّرْتُ". كما في "تذكرة الحفاظ" (3/ 315).
وهاهنا بدأ الخطيب في ترجمة مهنأ بحكاية قول الأزدي، ثم أتبعها برواية السلمي عن الدارقطني: "ثقة نبيل"، ثم ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه، فعُلِم بذلك أن التعويل عنده على التوثيق.
وبهذا يُعلم ما في عبارة ابن الجوزي في "المنتظم" (8/ 368) في تجنياته على الخطيب: "ذكر مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحكى بعد ذلك عن أبي الفتح الأزدي ... وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكُلّ ... فلا يستحي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنأ بقول هذا ثم لا يتكلم عليه؟ ".
__________
(1) انظر: ترجمة الأزدي في هذا القسم من الكتاب.
(2/390)

أقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج، ما أرى الباعث لك على التجني على الخطيب إلا ما قدمته في ترجمته (1).
وعليك في كلامك هذا مؤاخذات:
الأولى: أن الموجود في "تاريخ الخطيب" تعقيبُ كلمة الأزدي بحكاية السلمي عن الدارقطني كما مَرَّ.
الثانية: أن هذا مع ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه في قوة الردّ على كلمة الأزدي كما مَرَّ. اه.
* * *
__________
(1) يعني ترجمة الخطيب وانظرها في هذا القسم.
(2/391)

ابن عدي
(ت 365 ه)
(2/393)

يتعلق بابن عدي هاهنا ثلاثة أمور:
الأول: ذِكْرُه الأحاديث في ترجمة الرجل، مع أن الحمل فيها على غيره.
الثاني: النظر في جواب المعلمي على رمي ابن عدي رجلا بالسرقة من أجل حديث واحد لا يتبين الحمل فيه عليه.
الثالث: معنى قوله في التراجم: أرجو أنه لا بأس به.
* * *
(2/395)

الأمر الأول
ذكره الأحاديث في ترجمة الرجل مع أن الحمل فيها على غيره واعتذار المعلمي عنه في بعض المواضع
تقدمة:
قال أبو أنس:
مِنْ عادةِ ابن عدي في كتابه "الكامل" أن يُخرجَ الأحاديثَ التي أُنكرت على الثقة أو على غير الثقة، فقد قال في مقدمته:
" ... وذاكرٌ في كتابي هذا كُلَّ مَن ذُكِرَ بضرْبٍ من الضَّعف، ومن اختلف فيهم، فجرحه البعضُ وعدَّلَهُ البعضُ الآخر ... وذاكرٌ لِكُلِّ رجلٍ منهم مِمَّا رواه ما يُضَعَّفُ مِن أجله ... لحاجةِ الناسِ إليها؛ لِأُقَرَّبَهُ على الناظر فيه". اه.
فهذا هو الأصل في وضع الكتاب, ومقتضاه أن الأحاديث التي يوردها ابن عدي في تراجم كتابه تشتمل على أوهامٍ للرُّواةِ في الأسانيد والمتون، وأصنافٍ من العلل الخفية, وبالتالي فما يُورَدُ في مثل كتاب ابن عدي هو أشد ما يُنْكَر على الراوي، وما سواه فهو دون ذلك.
ويَنْبَنِي على هذا عدمُ صلاحيةِ ما يورده ابنُ عدي فيه للاعتبار: متابعةً أو استشهادا، خلافا لصنيعِ مَنْ لم يَلتفتْ إلى ذلك مِنَ المُتَهافِتين على تقوية الأحاديثِ بالطرق المنكرةِ والمُعَلَّةِ, وهو ذهولٌ عن مناهج الأئمة في كتبهم، وسقوطٌ في بَراثنِ شهوة التصحيح والتحسين.
(2/396)

نَعَمْ، قد يُختلفُ مع ابنِ عديٍّ فيمن تُعْصَبُ به جنايةُ حديثٍ بعينه، أو مَنْ يُلصقُ به الوهمُ مِن رجال الإسناد، وقد اخْتَلف معه في بعض ذلك أئمةٌ بعده, كما سيأتي، لكنِ الذي لا يتجهُ بحالٍ هو: النظر إلى تلك الطرق نظرات مجردة وكأنَّها محفوظةُ المتنِ والإسناد، واستعمالُها في تقوية الواهي والضعيف من الروايات.
ولهذا المعنى نظائرُ في التعامل مع كتب أخرى، راجع مقدمة القسم الأول من هذا الكتاب.
ونعود إلى نُكَتِ المعلمي في ذلك، وبالله تعالى التوفيق:
فأقول:
ذكر الشيخ المعلمي في ترجمة: مطرف بن عبد الله الأصم من "التنكيل" (1/ 480) قول ابن عدي فيه: "يروي المناكير عن ابن أبي ذئب ومالك".
فقال المعلمي:
"أقول: فسَّر ابنُ عدي كلمتَه بأن ذكر أحاديث مناكير رواها ابن عدي عن أحمد ابن داود بن عبد الغفار، عن أبي مصعب, فَرَدَّ الذهبي وغيره على ابن عدي بأن الحمل في تلك الأحاديث على أحمد بن داود، وأحمد بن داود كذبه الدارقطني، ورماه العقيلي وابن طاهر بالوضع.
أقول: قد وقع لابن عدي شبيه بهذا في: غالب القطان؛ قال ابن حجر في "مقدمة الفتح": "وأما ابن عدي فذكره في "الضعفاء" وأورد له أحاديث الحمل فيها على الراوي عنه عمر بن مختار البصري، وهو من عجيب ما وقع لابن عدي، والكمال لله".
ويظهر لي أن لابن عدي هنا عذرًا ما؛ ففي ترجمة أحمد بن داود من "اللسان": "قال أبو سعيد بن يونس: حدَّث عن أبي مصعب بحديث منكر، فسألته عنه فأخرجه من كتابه كما حدث به"، وفيه بعد ذلك: ذكر حديثه عن أبي مصعب، عن عبد الله بن عمر،
(2/397)

عن سهيل، عن أبيه, عن أبي هريرة مرفوعًا: "من رأى مبتلى فقال: الحمد لله ... "، إلخ، قال: "قال ابن عدي: لما حدث أحمد بهذا الحديث عن مطرف: كانوا يتهمونه ... فظلموه لأنه قد رواه عن مطرف: علي بن عمر وعباس الدوري والربيع ... ".
فقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس هو هذا الحديث: من رأى مبتلى ... إلخ؛ رآه ابن عدي في أصل أحمد بن داود، وعرف أن غيره قد رواه عن مطرف، ورأى أن الحمل فيه على مطرف البتة، فقاس بقية الأحاديث عليه، وقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس غير هذا الحديث، ويكون ابن عدي رأى الأحاديث في أصل أحمد بن داود فاعتقد براءته منها للدليل الظاهر وهو ثبوتها في أصله فحملها كلها على مطرف، فإن كان الأمر على هذا الوجه الثاني فذاك الدليل -وهو ثبوت الأحاديث في أصله- يحتمل الخلل؛ ففي "لسان الميزان" (1/ 253):
"أحمد بن محمد بن الأزهر ... قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث ويجري مع أهل الصناعة فيه ولا يكاد يُذكر له باب إلا وأغرب فيه عن الثقات، ويأتي فيه عن الأثبات بما لا يتابع عليه، ذاكرتُه بأشياء كثيرة فأغرب عليَّ فيها، فطاولته على الانبساط، فأخرج إليَّ أصولَ أحاديث ... فأخرج إليَّ كتابه بأصلٍ عتيقٍ ... قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه ... ".
فهذا رجلٌ رَوى أحاديث باطلة وأبرز أصله العتيق بها، فإما أن يكون كان دجالا من وقت طلبه، كان يسمع شيئًا ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقتَ طلبِه بعضُ الدجالين, فكان يُدخل عليه ما لم يَسمع، كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح، كما تراه في ترجمة عثمان بن صالح السهمي من "مقدمة الفتح".
وفي ترجمة محمد بن غالب تمتام من "الميزان" أنه أُنكر عليه حديث فجاء بأصله إلى إسماعيل القاضي، فقال له إسماعيل: "ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة".
(2/398)

وفي "الكفاية" (ص 118 - 119) عن حسين بن حبان: "قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجلٍ حدث بأحاديث منكرة فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا ... فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتابًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شُبِّهَ له وأخطأ كما يخطىء الناس فيرجع عنها".
فأنت ترى ابن معين لم يجعل ثبوتها في الأصل العتيق دليلا على ثبوتها عمن رواها صاحب الأصل عنهم، بل حمله على أنه شُبه له وأخطأ في أيام طلبه.
إذا تقرر هذا فلعلَّ الأحاديث التي ذكرها ابن عدي عن أحمد بن داود عن أبي مصعب رآها ابنُ عديّ في أصلٍ عتيقٍ لأحمد بن داود، فبنى على أن ذلك دليل ثبوتها عن أبي مصعب، وهذا الدليل لا يوثَقُ به كما رأيت، لكن في البناء عليه عذر ما لابن عدي يخف به تعجب الذهبي إذ يقول: هذه أباطيل حاشا مطرفا من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود، فكيف خفي هذا على ابن عديّ؟! ". اه.
تنبيه:
مِنْ عجيب ما بَيَّنَ الذهبي خطأ ابن عدي فيه، ما قاله الذهبي في ترجمة: عبد الله ابن نافع الصائغ من "السير" (10/ 373) إذ قال:
"وقد أخطأ الإمام أبو أحمد بن عدي في ترجمته خطأ لا يحتمل منه، وذلك أنه لم يرو في ترجمته سوى حديث واحد، فساقه بإسناده إلى عبد الوهاب بن بُخت المكي، عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، فذكر حديثا، ثم إنه قال: وإذا روى عن عبد الله مثل عبد الوهاب بن بُخت، يكون ذلك دليلا على جلالته، وهو من رواية الكبار عن الصغار.
(2/399)

قلت: من أين يمكن أن يروي عبد الله بن نافع الصائغ عن هشام، ولم يأخذ عن أحد حتى مات هشام؟ ومن أين يمكن أن يحدث عبد الوهاب عن الصائغ وإنما ولد الصائغ بعد موت عبد الوهاب بأعوام عديدة، وإنما عبد الله بن نافع المذكور في الحديث مولى ابن عمر، مات قديما في دولة أبي جعفر المنصور". اه.
* * *
(2/400)

الأمر الثاني
النظر في جواب المعلمي على رمي ابن عدي رجلا بالسرقة من أجل حديث واحد لا يتبين الحمل فيه عليه
قال ابن عدي في: محمد بن يونس الجمال: "ممن يسرق حديث الناس".
فقال الشيخ المعلمي في ترجمة الجمال من "التنكيل" (1/ 475):
"ابن عديّ إنما رماه بالسرقة لحديثٍ واحدٍ، رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عديّ أنه حديثُ حسين الجعفي، عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرد به حسين الجعفي، عن ابن عيينة، وحسن الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة، فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبَيِّن.
لكن لم أر من وثق الجمال (1)، فهو ممن يستشهد به في الجملة, والله أعلم". اه.
قال أبو أنس:
قد علَّقْتُ هاهنا في قسم التراجم (ص 617) بقولي:
"قد ذكر ابنُ عدي للجمّال حديثين سوى هذا، قد رواهما الجمَّال بإسنادين وصفهما ابن عدي بأنهما غير محفوظين، أوَّلُهما: الذي رواه عنه محمد بن الجهم السمري وقال عقبه المقالة السابقة.
__________
(1) قد ذكر ابن عساكر في "الشيوخ النبل" أن مسلمًا روى عنه. قال المزي والذهبي وغير واحد: لم نقف على روايته عنه. زاد الذهبي: فلعله روى عنه خارج الصحيح. وقال ابن حجر: لم يثبت أن مسلمًا روى عنه.
(2/401)

ثم قال ابن عدي: ولمحمد بن يونس أحاديث أخر من طراز ما ذكرت، وهو ممن يسرق حديث الناس.
وابن عديّ من نقاد هذا الفن، وعبارته: "له أحاديث أخر من طراز ما ذكرت" تعني أن الجمال يروي أحاديث سوى ما ذكره بأسانيد غير محفوظة، فمن أين له بها؟ إما أنه يسرقها ويفتعلها، وإما أنها تُدخل عليه، أو غير ذلك.
فلما روى عن ابن عيينة ما عَلم ابن عدي أنه إنما ينفرد به حسين الجعفي، انقدح في ذهن ابن عدي -مع اتهام السمري له وهو من الآخذين عنه- أنه قد سرق هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي يرويها بأسانيد غير محفوظة.
ولا يُعرف مخالفٌ لابن عدي فيما رَمى به الجمَّال، فمع نَصْب ابن عديّ الشواهد على ما قال فلا محيصَ من إعمال قوله، وعدم الاعتبار بما رواه الجمال رأسًا، والله تعالى أعلم.
* * *
(2/402)

الأمر الثالث
معنى قوله في التراجم: أرجو أنه لا بأس به
قال السيوطي في: درست بن زياد: "وثَّقَه ابن عديّ، فقال: أرجو أنه لا بأس به".
فقال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 459): "ليس هذا بتوثيق، وابن عدي يذكر منكرات الراوي، ثم يقول: "أرجو أنه لا بأس به" يعني بالبأس: تعمد الكذب، ودرست واهٍ جدًّا". اه.
* * *
(2/403)

الدارقطني
(ت 385 ه)
(2/405)

يشتمل هذا الموضع على:
التنبيه على منهج الدارقطني في عدم تقيّده بمذاهب المتقدمين في اشتراط إمعان الراوي في موافقة الثقات من أجل توثيقه، وقبول تفرداته.
في "الأنوار الكاشفة" (ص 112 - 114) خبرٌ أخرجه الخطيب عن مالك: "أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي -أي كعب الأحبار- يقول إنك من أبواب جهنم، فقال عمر: ما شاء الله, ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرّة في الجنة ومرّة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم، تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا متّ اقتحموا. وقد صدقت يمينه ... فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة 23 ه" (1).
تناول الشيخ المعلمي ما في هذه الحكاية مما يُستنكر من بيان وقت موت عمر على التحديد، فقد كان عمر في شهر ذي الحجة سنة 23 حاجًّا ... إلى آخر ما قال رحمه الله، ثم قال:
__________
(1) قال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (4/ 91): "قد ذكر الخطيب عبد الوهاب بن موسى صاحب الترجمة في "الرواة عن مالك"، وكناه: أبو العباس، ونسبه زهريًّا، وأورد له من طريق سعيد بن أبي مريم، عنه, عن مالك، عن عبد الله بن دينار أثرًا موقوفا على عمر في قصةٍ له مع كعب الأحبار، وقال: إنه تفرد به، ولم يذكر فيه جرحًا.
وأورده الدارقطني في "الغرائب" من هذا الوجه, وقال: هذا صحيح عن مالك، وعبد الوهاب بن موسى ثقة، ومن دونه كذلك". اه. كلام الحافظ.
(2/407)

"وبَعْدُ فسند الحكاية غير صحيح، تفرد بها عن مالك رجل يقال له: "عبد الوهاب ابن موسى" لا يكاد يعرف، وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذُكر في تاريخ البخاري، ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبي في "الميزان": "لا يُدرى من ذا الحيوان الكذاب" (1).
وفي مقدمة "صحيح مسلم": "الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقاتِ من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبل منه ... " (2).
وهذا الرجل لم يُمعن في المشاركة، فضلا عن أن يكون ذلك على الموافقة.
لكن هذا الشرط لا يتَقَيَّدُ به بعض المتأخرين كابن حبان والدارقطني، ومن ثَمَّ -والله أعلم- وَثَّق الدارقطني عبد الوهاب هذا، وزعم أن الخبر صحيح عن مالك.
أما بقية سنده عن مالك فهو عن عبد الله بن دينار عن سعد الجاري، وسعد الجاري غير مشهور ولا موثق، ولا يُدرى أدركه عبد الله بن دينار أم لا؟
__________
(1) قال الذهبي في "الميزان" (2/ 684): "عبد الوهاب بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد بحديث: إن الله أحيا لي أمي فآمنت بي" الحديث. لا يُدرى مَنْ ذا الحيوان الكذاب؛ فإن هذا الحديث كذب مخالف لما صَحَّ أنه -صلى الله عليه وسلم- استأذن ربه في الاستغفار لها فلم يؤذن له. اه.
(2) (ص 7) من "مقدمة مسلم"، وبقيته: فأما من تراه -يعني من الرواة - يَعْمد لمثل الزهري أو مالك كما في مثالنا- في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره, وحديثه عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابه عنه حديثه على الاتفاق منهم في أكثره, فيروي عنه -يعني ذاك الراوي- العددَ من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابه, وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبولُ حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم. اه. بتصرف.
(2/408)

ومقطع الحق أن ليس بيد من يتهم كعبًا بالمؤامرة غير كلمات يروى أن كعبًا قالها لعمر، وقد كان عمر والصحابة أعلم بالله ورسوله وكتبه منا، وأعلم بعد أن طعن عمر بالمؤامرة وقد انكشفت وهو حي، وأعلم بحال كعب لأنه صحبهم وجالسهم.
والمعقول أنه لو كان فيما خطب به عمر ما يوجب اتهامه لاتهموه، وقد علمنا أنهم لم يتهموه، لا قبل انكشاف المؤامرة ولا بعده، فوجب الجزم بأنه لم يقع منه ما يقتضي اتهامه. اه.
قال أبو أنس:
يؤيد ما ذكره المعلمي ما ذُكر في مذهب الدارقطني في رفع الجهالة وإثبات العدالة:
قال السخاوي في "فتح المغيث":
"عبارة الدارقطني: من روى عنه ثقتان، فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته، وقال أيضًا في الديات نحوه.
وكذا اكتفى بمجرد روايتهما ابنُ حبان، بل توسع كما تقدم في مجهول العين، وقيل: يفصل، فإن كانا لا يرويان إلا عن عَدْلٍ قُبِلَ، وإلا فلا". اه.
* * *
(2/409)

البيهقي
(ت 458 ه)
(2/411)

يتعلق به هاهنا ثلاثة أمور:
الأول: بيان عذر البيهقي في إخراج أحاديث البخاري وغيره بإسناد البيهقي إليهم ونسبتها إليهم مع وجود خلاف في اللفظ.
الثاني: جواب الشيخ المعلمي عن قول البيهقي في حماد بن سلمة.
الثالث: مقارنة البيهقي بابن حبان والخطيب في معرفة دقائق هذا الفن.
* * *
(2/413)

الأمر الأول
بيان عذر البيهقي في إخراج أحاديث البخاري وغيره بإسناد البيهقي إليهم، ونسبتها إليهم مع وجود خلاف في اللفظ
نقل الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص 86)، عن أبي رية قوله: "وبلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم، ثم يعزونه إلى كتب السنة ... ".
فقال:
"حاصله أن البيهقي يروي في كتبه الأحاديثَ بأسانيده إلى شيخ البخاري أو شيخ شيخه ومن فوقه, ويقع في لفظه مخالفة للفظ البخاري مع اتفاق المعنى، ومع ذلك يقول: "أخرجه البخاري عن فلان"، ولا يبين اختلاف اللفظ, وكذا يصنع البغوي.
وأقول: العذر في هذا واضح، وهو اتفاق المعنى، مع جريان العادة بوقوع الاختلاف في بعض الألفاظ، وكتاب البخاري متواتر، فأقلّ طالب حديث يشعر بالمقصود". اه.
* * *
(2/414)

الأمر الثاني
جواب الشيخ المعلمي عن قول البيهقي في حماد بن سلمة
ذكر الشيخ المعلمي في ترجمة حماد بن سلمة من "التنكيل" رقم (85) ما قيل فيه من الكلام، وهي أربعة أوجه، قال:
... الوجه الثاني: أنه تغيَّر بأخرة، وهذا لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أَرْعَبَتْهُ شقاشقُ أستاذه ابن فُورك المتجهم الذي حذا حذو ابن الثلجي في كتابه الذي صنفه في تحريف أحاديث الصفات والطعن فيها.
وإنما قال البيهقي: "هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد".
أقول: أما التغير فلا مستند له (1)، ونصوص الأئمة تبين أن حمادًا أثبت الناس في ثابت وحميد مطلقًا، وكأنه كان قد أتقن حفظ حديثهما، فأما حديثه عن غيرهما فلم يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدث من حفظه أو حين يحول إلى الأصناف التي جمعها كما مرَّ.
__________
(1) عَلَّقْتُ على هذا الموضع من ترجمة حماد بن سلمة من قسم التراجم (ص 306) بقولي: "لكن قال أبو حاتم لمَّا سُئل عن أبي الوليد الطيالسي وحجاج بن المنهال: أبو الوليد عند الناس أكثر، كان يقال: سماعه من حماد بن سلمة فيه شيء, كأنه سمع منه بأخرة, وكان حماد ساء حفظه في آخر عمره". اه. (الجرح 9 / ت 253).
وإن كان سوء الحفظ لا يُعطي معنى التغير الاصطلاحي، إلا أنه يفيد في اختلاف حال حماد بأخرة, والله تعالى أعلم".
(2/415)

ولم يتركه البخاري، بل استشهد به في مواضع من "الصحيح" (1)، فأما عدم إخراجه له في الأصول فلا يوجب أن يكون عنده غير أهل لذلك (2)، ولذلك نظائر؛ هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبت الناس في ثابت، وأنه أثبت فيه من حماد بن زيد، وقد ثبَّتَه الأئمة جدًّا، قال أحمد: "ثبت ثبت"، وقال ابن معين: "ثقة ثقة" والثناء عليه كثير ولم يغمزه أحد، ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره (3).
وقد عتب ابن حبان على البخاري في شأن حماد بن سلمة، وذكر أنه قد أخرج في غير الشواهد لمن هو دون حماد بكثير كأبي بكر بن عياش، وفليح، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. اه.
* * *
__________
(1) قال الذهبي في "السير" (7/ 446): "تحايد البخاري إخراج حديثه, إلا حديثًا خرجه في الرقاق، فقال: قال لي أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أُبَيٍّ".
(2) راجع منهج البخاري في "صحيحه" من هذا القسم.
(3) قد سبق الجواب عن قياس حماد بن سلمة على سليمان بن المغيرة, فراجعه.
(2/416)

الأمر الثالث
مقارنة البيهقي بابن حبان والخطيب في معرفة دقائق هذا الفن
في "التنكيل" رقم (244) قال الكوثري: "مسلم بن أبي مسلم عبد الرحمن الجرمي، وثَّقَهُ الخطيب، لكن في "اللسان": "أنه ربما يخطىء". وقال البيهقي: "غير قوي". وقال أبو الفتح الأزدي: "حدَّثَ بأحاديث لا يتابع عليها"".
فقال الشيخ المعلمي: "ذكره ابن حبان في "الثقات": "مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين، ثنا عنه الحسن ابن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين"".
وقد قَدَّمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه.
فأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي فليس في نفسه بعمدة, حتى لقد اتهموه بوضع الحديث.
ومع ذلك فليس من شرط الثقة أن يتابَع في كل ما حدث به، وإنما شرطه أن لا يتفرد بالمناكير عن المشاهير فيُكثر.
والظاهر أن الأزدي إنما عنى الحديث الذي ذكره البيهقي، وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يقل أحدكم زرعته، ولكن ليقل حرثته"، قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قول الله: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}.
(2/417)

وهذا الحديث أخرجه ابن جرير في تفسير الواقعة عن أحمد بن الوليد القرشي عن مسلم.
وفي "اللسان" أن البيهقي أخرجه في "شعب الإيمان" من وجهين [عنه] وقال: إن مسلمًا غير قوي.
ولَعَلَّ ابن حبان إنما أشار بقوله: "ربما أخطأ" إلى هذا الحديث، على أن الصواب موقوف، وأخطأ مسلم في رفعه.
ومسلم مكثر في التفسير كما يعلم من: "تفسير ابن جرير" فإن ترجح خطؤه في هذا الحديث الواحد لم يضره ذلك إن شاء الله، وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي. اه.
* * *
(2/418)

ابن قانع
(ت 351 ه)
(2/419)

وصفه الشيخ المعلمي في غير موضع من "التنكيل" ب: حافظ الحنفية.
لكن قال في "حاشية الموضح" (1/ 225): "كثير الوهم". اه.
أقول:
قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (11/ 88):
سألت البرقاني عن عبد الباقي بن قانع، فقال: في حديثه نكرة، وسُئل وأنا أسمع عنه، فقال: أما البغداديون فيوثقونه، وهو عندنا ضعيف.
قلت: لا أدري لأي شيء ضعفه البرقاني، وقد كان عبد الباقي من أهل العلم والدراية والفهم، ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه، وقد كان تغير في آخر عمره.
حدثني الأزهري عن أبي الحسن بن الفرات، قال: كان عبد الباقي بن قانع قد حَدَثَ به اختلاطٌ قَبْلَ أن يموت بمدة نحو سنتين، فتركنا السماع منه، وسمع منه قوم في اختلاطه.
حدثني علي بن محمد بن نصر الدينوري، قال: سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: سألت أبا بكر بن عبدان عن عبد الباقي بن قانع، فقال: لا يدخل في الصحيح. قال حمزة: وسأل أبو سعد الإسماعيلي أبا الحسن الدارقطني عن أبي الحسين بن قانع، فقال: كان يحفظ ويعلم، ولكنه كان يخطىء ويُصِرُّ على الخطأ.
قرأت في كتاب أبي عمر محمد بن علي بن عمر بن الفياض: عرفني عبد الباقي بن قانع أنه ولد في ذي القعدة لخمس ليالٍ بقين منه، من سنة خمس وستين ومائتين.
أخبرنا السمسار، حدثنا الصفار، قال: مات عبد الباقي بن قانع لسبعٍ خلون من شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة". اه.
(2/421)

• وقال الذهبي في "السير" (15/ 526):
"الإمام، الحافظ، البارع، الصدوق إن شاء الله ... صاحب كتاب "معجم الصحابة" الذي سمعناه.
... وكان واسع الرحلة، كثير الحديث، بصيرا به".
ثم نقل ما في "تاريخ بغداد".
• ونقله أيضًا في "الميزان" (4735).
• وقال ابن حزم في "المحلى" (6/ 168):
"اختلط ابن قانع قبل موته بسنة، وهو منكر الحديث، تركه أصحاب الحديث جملة". اه.
فأجاب ابن حجر في "اللسان" (4/ 379 - 380) بقوله:
"قلت: ما أعلم أحدا تركه، وإنما صح أنه اختلط فتجنبوه". اه.
• وقال ابن حزم أيضًا فيه (9/ 57):
"وابن شعبان (1) في المالكيين نظير عبد الباقي بن قانع في الحنفيين، قد تأملنا حديثهما، فوجدنا فيه البلاء البين، والكذب البحت، والوضع اللائح، وعظيم الفضائح، فإما تَغَيَّرَ ذِكْرُهُمَا، أو اختلطت كتبهما، وإما تعمدا الرواية عن كل من
__________
(1) هو محمد بن القاسم بن شعبان أبو إسحاق المصري المالكي الفقيه، سمع من شيوخ المصريين, ولم يكثر، ولم يرحل، وكان رأس المالكية بمصر، وأحفظهم للمذهب مع التفنن في التاريخ والأدب، مع الدين والورع، وله "أحكام القرآن" و"مناقب مالك والرواة عنه" و"المناسك" و"الزاهي في الفقه"، وغير ذلك، وكان سلفي المذهب.
ذكر ذلك ابن الطحان في "ذيل تاريخ مصر"، كما نقله ابن حجر في ترجمته في "اللسان" (6/ 404).
وقد قال الذهبي في "الميزان" (8078): "وهاه أبو محمد بن حزم, ما أدري لماذا؟ " اه.
(2/422)

لا خير فيه من كذاب ومغفل يقبل التلقين، وأما الثالثة -وهي ثالثة الأثافي- أن يكون البلاء من قِبَلِهِمَا، ونسأل الله العافية". اه.
نقله ابن حجر في "اللسان" ووقع في المطبوع منه تصحيفات، فجاء فيه: "ابن سفيان"، و"ثالثة الأثاني" وكلاهما خطأ.
وزاد ابن حجر:
"وقال ابن أبي الفوارس في "تاريخه": قيل إنه سمع منه قوم في اختلاطه، قال: وكان من أصحاب الرأي، وكان مولده سنة ست وستين ومائتين.
... وقال ابن فتحون في "ذيل الاستيعاب": لم أر أحدا ممن يُنسب إلى الحفظ أكثر أوهاما منه، ولا أظلم أسانيد، ولا أنكر متونا، وعلى ذلك فقد روى عنه الجلة, ووصفوه بالحفظ، منهم أبو الحسن الدارقطني، فمن دونه.
قال: وكنت سألت الفقيه أبا علي -يعني الصدفي- في قراءة "معجمه" عليه, فقال لي: فيه أوهام كثيرة, فإن تفرغت إلى التنبيه عليها فافعل.
قال: فخرجت ذلك، وسميته "الإعلام والتعريف مما لابن قانع في معجمه من الأوهام والتصحيف". اه.
• وقال الحافظ في الإصابة (2/ 150) ترجمة (3901):
"ابن قانع ليس بعمدة في النسب ولا السند". اه.
قال أبو أنس:

هذه نماذج مما تعقب فيه ابنُ حجر ابنَ قانع:
1 - في "تهذيب التهذيب" (1/ 318):
"الأغر بن يسار المزني، ويقال الجهني، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنه ليغان على قلبي". وروى عن أبي بكر، وعنه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، ومعاوية بن قرة.
(2/423)

قلت: أنكر ابن قانع على من جعله مزنيا، وإنكاره هو المنكر". اه.
2 - وفيه (2/ 141):
"الحارث بن زياد الأنصاري الساعدي، قيل إنه شهد بدرا، يعد في الكوفيين، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعنه حمزة بن أبي أسيد الساعدي، له حديث واحد في فضل الأنصار.
قلت: قال أبو القاسم البغوي: لا أعلم له غيره.
وزعم ابن قانع أنه خال البراء بن عازب، وهو من أوهامه، وإنما خال البراء هو: الحارث بن عمرو". اه.
3 - وفيه (2/ 167):
"حازم بن حرملة الغفاري، معدود في الصحابة، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعنه مولاه أبو زينب، أخرج له ابن ماجه حديثا واحدا في الأمر بالإكثار من الحوقلة.
قلت: ذكره ابن أبي حازم والطبراني وغيرهما في الحاء المهملة.
وذكره ابن قانع في الخاء المعجمة، فصحف". اه.
وفي "الإصابة" نماذج عدة على ذلك، انظر:
• أوس بن حارثة الطائي (1/ 147).
• أوس المزني (1/ 260).
• سهل بن مالك بن أبي كعب بن القين الأنصاري (3/ 205).
• شبل بن مالك (3/ 393).
• شداد بن أسيد (3/ 318).
• شرحبيل العبسي (3/ 395).
• شرحبيل والد عمرو (3/ 396).
(2/424)

• شيبان بن محرز الحنفي (3/ 40).
• شيبة المهري (3/ 400).
• الصامت الأنصاري (3/ 465).
• الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري (3/ 502).
• عامر بن مالك بن صفوان (5/ 176).
• عبد الله الصنابحي (4/ 271).
• عبيد الله بن ثعلبة العذري (5/ 253).
• عبيد الذهلي (5/ 255).
• عقيل بن مقرن المزني أبو حكيم (4/ 532).
• عمرو بن سعيد الثقفي (5/ 294).
• عمرو بن سليمان المزني (5/ 297).
• غرفة بن الحارث اليماني (5/ 318).
• غرقدة والد شبيب (5/ 343).
• فضيل بن فضالة التابعي (5/ 399).
• كعب بن علقمة (5/ 663).
• كليب بن شهاب الجرمي (5/ 668).
• معاوية بن معبد (6/ 364).
* * *
(2/425)

الدولابي
(ت 310 ه)
(2/427)

(1)

تعرض الشيخ المعلمي للكلام في الدولابي في ترجمة نعيم بن حماد من "التنكيل" (1/ 494) حيث قال الدولابي: "نعيم يروي عن ابن المبارك. قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب".
فقال الشيخ المعلمي: "فأما الدولابي فهو محمد بن أحمد بن حماد، له ترجمة في "الميزان"، و"اللسان" قال ابن يونس: "من أهل الصنعة، حسن التصنيف، وكان يُضَعَّف". وقال الدارقطني: "تكلموا فيه لما تبين من أمره الأخير" (1).
وذكر ابن عدي قول الدولابي في معبد الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور ابن زاذان عن الحسن عنه, أنه معبد بن هوذة الذي ذكره البخاري في "تاريخه".
قال ابن عدي: "هذا الذي قاله غير صحيح، وذلك أن معبد بن هوذة أنصاري فكيف يكون جهنيًّا؟ ومعبد الجهني معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابي على ذلك إلا ميله لمذهبه".
وقال ابن عدي أيضًا: "ابن حماد متهم فيما قاله في نعيم بن حماد؛ لصلابته في أهل الرأي".
__________
(1) عَلَّقْتُ في هذا الموضع من قسم التراجم (ص 660) بقولي: "هكذا جاءت العبارة في "الميزان" (3/ 459)، و"اللسان" (5/ 41 - 42) المطبوعين، ومنه ينقل المعلمي، وهو خطأ من الطبع، ففي أصلين خطيين من "اللسان" وهو كذلك في النسخة المطبوعة عن خمس نسخ خطية (6/ 118) منه، ومثله في "سؤالات السهمي للدارقطني" رقم (82): "تكلموا فيه, ما تبين من أمره إلا خير"، وهو كذلك في سير النبلاء (14/ 309) وغيره, وبين العبارتين بون شاسع.
(2/429)

وفي ترجمة نعيم من "مقدمة الفتح" بعد الإشارة إلى حكاية الدولابي: "وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه لأنه كان شديدًا على أهل الرأي. وهذا هو الصواب" وقال في "التهذيب": "حاشى الدولابي أن يُتَّهَم، وإنما الشأن في شيخه الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم".
أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عهدة ذاك النقل المريب؛ فإن ابن عدي قال (1) كما في "التهذيب":
"قال لنا ابن حماد - يعني الدولابي: نعيم يروي عن ابن المبارك، قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي: وابن حماد متهم ... ".
فلا يحتمل أن يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يعتد به، وإلا لصرح به وصرخ به صراخا.
فإن كان سمعها ممن لا يعتد به, فلم يكن له أن يحكيها على هذا الوجه، بل كان عليه أن يُعرض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرح باسمه. وإن كان لم يسمعها من أحد -وإنما اختلق ذلك- فأمره أسوأ، وإن كان كنى بقوله: "غيره" عن نفسه -كأنه أراد: "وقلت أنا"- فالأمر في هذا أخف، وقد عُرف تعصب الدولابي على نعيم، فلا يقبل قوله فيه بلا حجة، مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو يذكر معهم". اه.
__________
(1) الكامل (7/ 2482).
(2/430)

(2)

ذكر الشيخ المعلمي أوجه الطعن في حماد بن سلمة في "التنكيل" رقم (85) والجواب عنها، وقال في الوجه الثالث منها:
"زعم بعضهم أنه كان له ربيب يُدخل في كتبه وقيل ربيبان، وصحَّف بعضهم" ربيب حماد إلى "زيد بن حماد" راجع "لسان الميزان" (2/ 506).
ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي:
قال الذهبي في "الميزان": "الدولابي: حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يُعرف بهذه الأحاديث -يعني التي في الصفات- حتى خرج مرة إلى عَبَّادان، فجاء وهو يرويها فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر يحفظ، وكانوا يقولون إنها دُسَّت في كتبه, وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه".
قال الذهبي: "قلت: ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله، وقَدِ اتُّهِم نسأل الله السلامة".
أقول: الدولابي حافظ حنفي (1) له ترجمة في "لسان الميزان" (4/ 41)، وهو بريء من هذه الحكاية إن شاء الله، إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. اه.
ثم ذكر المعلمي محمد بن شجاع بن الثلجي هذا وما يتعلق به من اتهامه ورميه بالكذب ووضع الحديث -وترى ذلك في ترجمته من قسم التراجم (2)، ثم ذكر
__________
(1) زاد في "التنكيل" (1/ 392): "فيه مقال".
(2) رقم (667).
(2/431)

الأمارات الدالة على كذبه في هذه الحكاية بالنظر في إمكانية سماعه من إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وكذا في معرفة إبراهيم هذا بحماد بن سلمة، وحكايته عنه ما غاب عن أبيه وكبار الأئمة!!
* * *
(2/432)

العقيلي
(ت 322 ه)
(2/433)

قال الشيخ المعلمي في ترجمته من "التنكيل" (1/ 465):
"قد كان في العقيلي تَشَدُّدٌ ما، فينبغي التثبتُ فيما يقول من عند نفسه في مَظَانِّ تَشَدُّدِه". اه.
فائدة:
قول العقيلي في بعض التراجم: يخالف في حديثه، أو: في بعض حديثه.
ذكر العقيلي: صباح بن محارب الكوفي، في كتابه "الضعفاء" (2/ 214) وقال: "يخالف في حديثه" وذكر له حديثا فيه خلاف كثير.
وذكره الذهبي في الميزان (2/ 306) وقال:
"صالح الحديث، أثنى عليه أبو زرعة وأبو حاتم فقالا: صدوق ... وذكره العقيلي فقال: يخالف في بعض حديثه. قلت: هكذا سائر الثقات يتفردون". اه.
* * *
(2/435)

مسلمة بن القاسم الأندلسي
(ت 353 ه)
(2/437)

هو مسلمة بن القاسم بن إبراهيم أبو القاسم الأندلسي
قال الذهبي في "السير" (16/ 110):
"لم يكن بثقة.
قال ابن الفرضي: سمعت من ينسبه إلى الكذب، وقال لي محمد بن أحمد بن يحيى ابن مفرج: لم يكن كذابا، بل كان ضعيف العقل، قال: وحُفظ عليه كلام سوء في التشبيه". اه.
وفي "الميزان" (8528):
"ضعيف، وقيل كان من المشبهة". اه.
فتعقبه ابن حجر في "اللسان" (7/ 95) بقوله:
"هذا رجل كبير القدر، ما نسبه إلى التشبيه إلا من عاداه, وله تصانيف في الفن، وكانت له رحلة لقي فيها الأكابر.
قال أبو جعفر المالقي في "تاريخه": "فيه نظر".
وهو مسلمة بن قاسم بن إبراهيم بن عبد الله بن حاتم، جمع تاريخا في الرجال، شرط فيه أن لا يذكر إلا من أغفله البخاري في "تاريخه"، وهو كثير الفوائد في مجلد واحد.
وقال أبو محمد بن حزم: يكنى أبا القاسم، كان أحد المكثرين من الرواية والحديث، سمع الكثير بقرطبة, ثم رحل إلى المشرق قبل العشرين وثلاثمائة, فسمع بالقيروان وأطرابلس والإسكندرية وأقريطش ومصر والقلزم وجدة ومكة والمدينة واليمن والبصرة وواسط والأيلة وبغداد والمدائن وبلاد الشام، وجمع علما كثيرا، ثم رجع إلى الأندلس، فكف بصره ... وكان قوم بالأندلس يتحاملون عليه، وربما كذبوه, وسئل القاضي محمد بن يحيى بن مفرج عنه، فقال: لم يكن كذابا، ولكن كان ضعيف العقل.
(2/439)

وقال عبد الله بن يوسف الأزدي -يعني ابن الفرضي: كان مسلمة صاحب رقى ونيرنجات، وحُفظ عليه كلام سوء في التشبيهات". اه.
قول الشيخ المعلمي في كلام مسلمة في الرجال:
قال الشيخ المعلمي في ترجمة محمد بن سعد العوفي من "التنكيل" (1/ 444) جوابا على توثيق مسلمة له:
"أما مسلمة بن القاسم فقد جعل لكل شيء قدرًا، حَدُّهُ أن يُقبل منه توثيق من لم يجرحه مَنْ هو أجلُّ منه ونحو ذلك، فأما أن يعارض بقوله نصوص جمهور الأئمة فهذا لا يقوله عاقل". اه.
قال أبو أنس:
مما قد يُختلف فيه مع المعلمي -في ضوء هذا الكلام- قولُه في:
1 - أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد أبي جعفر المصري.
قال المعلمي فيه في ترجمة نعيم بن حماد رقم (258) من "التنكيل": "فيه كلام، وقد وثقه مسلمة". اه.
فَعَلَّقْتُ في ترجمة أحمد من القسم الأول من هذا الكتاب رقم (163)
فقلت:
قال ابن أبي حاتم: سمعت منه بمصر، ولم أحدث عنه لِمَا تكلموا فيه.
وحكى ابن عديّ قصةً فيها تكذيب أحمد بن صالح المصري له، ثم ساق له ابن عديّ حديثًا، وقال: هذا الحديث بهذا الإسناد ليس بمحفوظ، وهو محتمل، وابن رشدين هذا صاحب حديث كثير، يحدث عنه الحفاظ بحديث مصر، أُنكرت عليه أشياء مما رواه، وهو ممن يكتب حديثه مع ضعفه. اه.
(2/440)

وفي "اللسان" عن ابن عديّ: وكأن آل بيت رشدين خُصوا بالضعف، من أحمد إلى رشدين.
وفي "اللسان" أيضًا: وقال ابن يونس: توفي ليلة عاشوراء سنة (292) وكان من حفاظ الحديث وأهل الصنعة.
وقال عبد الغنى بن سعيد: سمعت حمزة بن محمد يقول: هو أَدْخَل على أحمد بن سعيد الهمداني حديث بكير بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- حديث "الغار". وسمعت الفقيه أبا بكر بن الحداد يقول: سمعت النسائي يقول: لو رجع أحمد بن سعيد عن حديث الغار عن بكير لحدثت عنه.
وفيه أيضًا: قال مسلمة في "الصلة": "حدثنا عنه غير واحد، وكان ثقة عالمًا بالحديث".
قلت: أما كونه عالمًا بالحديث، فقد وصفه ابن يونس بأنه من حفاظ الحديث وأهل الصنعة، لكنه لم يصرح بتوثيقه، ومسلمة بن قاسم مجروح، فلا يقبل منه تفرده بهذا التوثيق، وتوثيقه مُعارَضٌ بتضعيف ابن عديّ، بل وتكذيب أحمد بن صالح -فيما حكاه ابن عدي- ثم إن الرجل له مناكير يتفرد بها، ولم يوثقه مُعْتَبَرٌ، فقول ابن أبي حاتم مما يُقَوِّي الحُكْمَ عليه بالضعف، والله تعالى أعلم.
2 - وقوله في: علي بن زيد بن عبد الله أبي الحسن الفرائضي من "التنكيل" رقم (159):
"قال ابن يونس: "تكلموا فيه"، ولم يبين من المتكلم ولا ما هو الكلام، وقد قال مسلمة بن قاسم: "ثقة"، والتوثيق مقدم على مثل هذا الجرح كما لا يخفى". اه.
وقد علقْتُ على هذه الترجمة هناك، فنقلت كلام ابنَ الفرضي، والمالقي، والذهبي، وابن حجر، ثم قلت:
فمثل هذا ليس بعمدة أصلًا، ولا يُعتد بقوله في الجرح والتعديل، لاسيما إذا انفرد أو خالف.
(2/441)

وقد قال الشيخ المعلمي نفسه في ترجمة: محمد بن سعد العوفي، من "التنكيل": أما مسلمة بن قاسم فقد جعل الله لكل شيء قدرًا ...
وقول ابن يونس: "تكلموا فيه" ظاهره الجرح بلا شك، لكن إذا ثبت توثيق من قيل فيه هذا توثيقا معتبرا، تطمئن النفس إليه، فيقال حينئذ: التوثيق مقدم، والجرح غير مفسر - فلعله تُكلم فيه بكلام لا يضر، أما إذا لم يوثق توثيقا يعتد به، كما في هذه الحالة، صار الجرح وإن كان غير مفسر، محلا للاعتبار والقبول، والله تعالى أعلم".
* * *
(2/442)

أبو الفتح الأزدي
صاحب كتاب "الضعفاء"
(ت 274 ه)
(2/443)

• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 476):
"ليس في نفسه بعمدة, حتى لقد اتهموه بوضع الحديث". اه.
• وفيه (1/ 495):
"هو في نفسه على يديّ عدلٍ، وترجمته في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" تبين ذلك". اه.
• وفيه (1/ 221):
"أما الأزدي فقد تكلموا فيه حتى اتهموه بالوضع، راجع ترجمته في "لسان الميزان" (ج 7) رقم (464) مع الرقم الذي يليه من: "قال الخطيب"، إلى آخر الترجمة، فإنه كله متعلق بالأزدي، وقال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب في الفصل التاسع من مقدمة "الفتح":
"لا عبرة بقول الأزدي؛ لأنه هو ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات"، وذكر نحو ذلك في ترجمة خثيم بن عراك وغيرها، وقال في ترجمة علي بن أبي هاشم: "قدَّمت غير مرة أن الأزدي لا يعتبر تجريحه؛ لضعفه هو". اه.
قال أبو أنس:
ومع ما سبق من ذِكْرِ المعلمي له بالضعف والتهمة، فقد أقام له وزنا ما لمَّا ذكر الأزدي مستنده في تضعيف من ضعفه.
ففي ترجمة: مهنأ بن يحيى -وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل- من "التنكيل" رقم (255):
"قال الكوثري: قال أبو الفتح الأزدي ... منكر الحديث ...
(2/445)

فقال الشيخ المعلمي:
الأزدي نفسه متكلم فيه، حتى رُمي بالوضع، وقد رَدَّ ابن حجر في مواضع من: "مقدمة الفتح" جَرْحَهُ وبيَّن أنه لا يُعتد به.
... ثم ذكر المعلمي - في أثناء رَدِّهِ على ابن الجوزي:
أن الأزدي ذكر مُتَمَسَّكَهُ، فلا يسوغُ ردُّ قولِه إلا ببيان سُقُوطِ حُجَّتِهِ.
قال:
أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء, عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن جابر حديثًا في الجمعة.
ولا يُعلم رواه أحدٌ غيره عن زيد بن أبي الزرقاء، ولا عن غيره عن سفيان الثوري.
فلا يُعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد.
وإنما يُعرف من رواية عبد الله بن محمد العدوي التميمي رواه عن علي بن زيد، والعدوي طعنوا فيه، وقال وكيع: يضع الحديث، وحكى ابن عبد البر عن جماعة أهل العلم بالحديث أنهم يقولون: إن هذا الحديث من وضعه، كذا في ترجمة العدوي من "التهذيب".
وفي ترجمة مهنأ من "اللسان" عن ابن عبد البر: لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة، إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوي أو على مهنأ بن يحيى.
... وعلى كل حالٍ، فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟!
(2/446)

وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان من خيار الناس في حديث أحمد بن حنبل وبشر الحافي، مستقيم الحديث.
ويكفيه مكانته عند أحمد، وثناء أصحابه عليه, والله أعلم. اه.
قال أبو أنس:
• قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (3/ 967):
"له مصنف كبير في الضعفاء، وهو قويُّ النَّفَسِ في الجَرْحِ، وَهَّى جماعة (1) بلا مستند طائل". اه.
• وقال في "السير" (16/ 347):
"وعليه في كتابه في الضعفاء مؤاخذات، فإنه ضَعَّفَ جماعةً بلا دليل، بل قد يكون غيره قد وثقهم". اه.
قلت:
مع ما سبق من بيان حال الأزدي، وإشارة مثل الذهبي إلى تلك المؤاخذات، إلا أن الحفاظ -لاسيما من صنف منهم في الرجال، وبخاصة الضعفاء- قد استوعبوا كتابه هذا في مصنفاتهم، فنقلوا كلامه ونقده للرواة، على اختلاف الحال في ذلك:
فتارةً: يوافق سائر من تناول ذاك الراوي بالضعف.
وتارةً: يوافق بعضا، ويخالف آخرين.
وتارةً: يخالف كُلَّ من نُقِلَ عنه قولٌ فيه.
وتارةً: ينفرد الأزدي بذكر الرجل في الضعفاء، مكتفيا بقوله فيه، أو ذاكرا له حديثا استنكره عليه.
__________
(1) في "التذكرة": "وهاه جماعة"، وهو خطأ، يدل عليه قوله الآتي في "السير".
(2/447)

أما الحالان الأولان فلا إشكال فيهما، ولا غبار عليه إذا وافق غيره، أما الأخيران وهما مخالفة الجميع أو التفرد فهذه نماذج ينظر فيها منتزعة من "ميزان الاعتدال" للذهبي.
أولا: المخالفة:
• في "الميزان" (1076):
"أيوب بن سليمان (خ د ت س) ابن بلال أبو يحيى المدني، عن أبي بكر عبد الحميد بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال بنسخة كبيرة.
وعنه البخاري، والذهلي، ومحمد بن إسماعيل الترمذي.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاري: لا بأس به.
وقال أبو الفتح الأزدي: يحدث بأحاديث لا يتابع عليها، ثم ساق له أحاديث جيدة غريبة". اه.
زاد ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (1/ 404):
"وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال الحاكم عن الدارقطني: ليس به بأس، وقال زكريا الساجي وأبو الفتح: يحدث بأحاديث لا يتابع عليها، ثم ساق الأزدي له أحاديث غرائب صحيحة.
... وقال ابن عبد البر في "التمهيد": "أيوب بن سليمان بن بلال ضعيف، ووهم في ذلك، ولم يسبقه من الأئمة إلى تضعيفه إلا ما أشرنا إليه عن الساجي ثم الأزدي، والله أعلم". اه.
• وفيه (1325):
" (صح) بهز بن أسد (خ م) العمي عن شعبة وطائفة، وعنه أحمد وبندار وطائفة.
(2/448)

قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت. وقال أبو حاتم: ثقة إمام.
وقال أبو الفتح الأزدي: كان يتحامل على عثمان -رضي الله عنه-، كذا قال الأزدي، والعهدة عليه، فما علمت في بهز مغمزا". اه.
• وفيه (2891):
"زكريا بن يحيى بن أسد المروزي، صاحب ابن عيينة, قال أبو الحسين بن المنادي: توفي أبو يحيى زكرويه صاحب الخبر الواحد الذي رواه لنا عن سفيان في ربيع الآخر سنة سبعين ومائتين.
وقال الدارقطني: لا بأس به.
وقال أبو الفتح الأزدي: لقبه جوذابه، كذا قال.
ولولا أن الأزدي أورده في كتاب "الضعفاء" لما أوردته, ثم إنه ما نطق فيه بشيء، بل قال: زعم أنه سمع من ابن عيينة". اه.
• وفيه (3093):
"السري بن يحيى (س) ابن إياس بن حرملة أبو الهيثم الشيباني البصري عن الحسن وجماعة, وعنه ابن وهب وسعيد بن أبي مريم وأبو الوليد وعدة.
قال أحمد: ثقة ثقة.
وقال أبو الفتح الأزدي: حديثه منكر، فآذى أبو الفتح نفسه.
وقد وقف أبو عمر بن عبد البر على قوله هذا، فغضب أبو عمر، وكتب بإزائه: السري بن يحيى أوثق من مؤلف الكتاب -يعني الأزدي- مائة مرة.
قلت: ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن معين والنسائي وآخرون ... ". اه.
(2/449)

• وفيه (819):
" (صح) إسرائيل بن موسى (خ د ت س) البصري، نزيل السند عن الحسن وجماعة، وعنه حسين الجعفي ويحيى القطان.
وثقه أبو حاتم وابن معين.
وشذ الأزدي، فقال: فيه لين".
ثم ذكر الذهبي حديثا من طريقه استغربه جدًّا.
• وفيه (873):
" (صح) إسماعيل بن رجاء الزبيدي (م عو).
وثقه ابن معين وغيره، وحدث عنه شعبة وفطر.
وقال أبو الفتح الأزدي وحده: منكر الحديث". اه.
• وفيه (1069):
"أيوب بن أبي حجر الشامي، منكر الحديث، قاله الأزدي، وهو ابن سليمان بن أبي حجر، روى عن بكر بن صدقة.
وأما أبو حاتم فقال: أحاديثه صحاح". اه.
تعقبه ابن حجر في "اللسان" بقوله: "والذي في كتاب ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: لا نعرفه". اه.
قلت: هو فيه كذلك (2/ 249)، ثم قال ابن أبي حاتم: "وقال أبي: هذه الأحاديث التي رواها صحاح". اه.
• وفيه (1106):
"أيوب بن موسى بن عمرو الأشدق، لا يقوم إسناد حديثه، قاله الأزدي، فلا عبرة بقوله؛ لأنه وثقه أحمد ويحيى وجماعة". اه.
(2/450)

• وفيه (1389):
" (ت) ثعلبة بن سهيل (ت ق) الطهوي أبو مالك الكوفي الطبيب نزيل الري عن الزهري وجماعة، وعنه جرير ومحمد بن يوسف الفريابي وجماعة.
وثقه ابن معين ... قال أبو الفتح الأزدي: قال ابن معين: ثعلبة بن سهيل ليس بشيء.
قلت: هذه رواية منقطعة, والصحيح ما رَوى إسحاق الكوسج عن ابن معين: ثقة، أو لعل ليحيى فيه قولان والله أعلم". اه.
فهذه مخالفة في النقل.
• وفيه (1416):
"جابر بن صبح (د ت س) أبو بشر بصري عن خلاس وغيره, وعنه شعبة والقطان.
وثقه ابن معين وغيره. وقال الأزدي: لا يقوم حديثه".
• وفيه (1545):
" (صح) جعيد بن عبد الرحمن (خ م)، ويقال: جعد، شيخ لمكي بن إبراهيم.
صدوق (1)، شذ الأزدي، فقال: فيه نظر". اه.
• وفيه (1740):
"حجاج بن صفوان المدني عن أسيد بن أبي أسيد، وعنه أبو ضمرة والقعنبي.
وكان القعنبي يثني عليه، وقال الأزدي: ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: ثقة". اه.
وزاد ابن حجر في "اللسان" (2/ 389):
"وقال أبو حاتم: صدوق، وهو ابن صفوان بن أبي يزيد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى أيضًا عن موسى بن أبي موسى الأشعري عن أبيه". اه.
__________
(1) وثقه ابن معين والنسائي، وأخرج له الشيخان.
(2/451)

• وفيه (1888):
"الحسن بن عطية (ت) ابن نجيح القرشي الكوفي عن إسرائيل وخالد بن طهمان وأبي عاتكة وقيس بن الربيع، وعنه أبو كريب.
ضعفه الأزدي، وقال أبو حاتم: صدوق، وحدث عنه أيضًا أبو زرعة، وعباس الدوري، والبخاري في "التاريخ"، وتمتام، وعدة". اه.
قال ابن حجر في "التهذيب" (2/ 294): "أظنه اشتبه عليه بالذي قبله". اه.
يعني: الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة، المتفق على ضعفه.
• وفيه (2024):
"الحسن بن عروة (ق) البصري عن الحمادين ومالك، وعنه أحمد بن المعذل ونصر بن علي الجهضمي.
قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الأزدي: ضعيف". اه.
• وفيه (2164):
"حفص بن ميسرة (خ م س ق) الصنعاني أبو عمر نزيل عسقلان عن زيد بن أسلم والعلاء بن عبد الرحمن وجماعة، وعنه آدم وسعيد بن منصور وجماعة.
وثقه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه في حديثه بعض الأوهام.
وقال الأزدي: يتكلمون فيه.
قلت: بل احتج به أصحاب الصحاح، فلا يلتفت إلى قول الأزدي". اه.
• وفيه (2235):
" (صح) حماد بن أسامة أبو أسامة الحافظ الكوفي (ع) أحد الأثبات، سمع من هشام بن عروة وطبقته.
(2/452)

قال الأزدي: قال المعيطي: كان كثير التدليس، ثم بعد ذلك تركه, وذكر الأزدي عن سفيان الثوري -بلا إسناد- قال: إني لأعجب، كيف جاز حديثُ أبي أسامة, كان أمرُه بَيِّنًا؛ كان من أسرقِ الناس لحديثٍ جيدٍ.
قلت: أبو أسامة، لم أورده لشيء فيه, ولكن ليُعْرَفَ أن هذا القولَ باطلٌ، قد روى عنه أحمد، وعلي، وابن معين، وابن راهويه.
وقال أحمد: ثقة, من أعلم الناس بأمور الناس وأخبارهم بالكوفة، وما كان أرواه عن هشام، وما كان أثبته، لا يكاد يخطىء.
وقال عبد الله مشكدانه: سمعت أبا أسامة يقول: كتبت بأصبعي هاتين مائة ألف حديث". اه.
قال أبو أنس:
قد نظرت فيما نسب إلى أبي أسامة من التدليس في ترجمته من القسم الأول من هذا الكتاب رقم (228)، فرأيت من الفائدة إيراد هذا المبحث هنا:
فأقول:
"قال المعلمي في المسألة (14) من "التنكيل" (2/ 113):
"كان يدلس، ثم ترك التدليس بأخرة، ولا يُدرى متى حدث بهذا". اه.
أقول:
في نسبة حماد بن أسامة إلى التدليس نظر؛ فقد حمل عنه الأئمة واحتجوا به مطلقًا، ووثقوه وثبتوه، ولم يذكره أحدٌ منهم بشيء من التدليس.
فقد روى عنه ابن مهدي على تقدمه، وأحمد، وابن المديني، وابن معين، وإسحاق بن راهويه، والشافعي، والحميدي، وغيرهم، واحتج به البخاري ومسلم وباقي الستة.
(2/453)

وقال أحمد: كان ثبتًا، ما كان أثبته, لا يكاد يخطىء. "العلل ومعرفة الرجال" (745).
وقال في موضع آخر: أبو أسامة أثبت من مائة مثل أبي عاصم -يعني النبيل- كان أبو أسامة صحيح الكتاب، ضابطًا للحديث, كيسًا صدوقًا. (772، 4891).
وقال الثوري: ما بالكوفة شاب أعقل من أبي أسامة. "تهذيب الكمال" (7/ 223).
أما ابن سعد فقد قال في "طبقاته" (6/ 395): كان ثقة مأمونًا كثير الحديث، يدلس وتبين -كذا- تدليسه.
وليس ابن سعد ممن يُقبل منه تفرده بمثل هذا؛ فإن مادته من شيخه الواقدي، والواقدي ليس بعمدة، وانظر ترجمة ابن سعد من هذا الكتاب.
ولعل ابن سعد أو شيخه قد بَنَى على ما لا يصح، أو ما لا يُفيد الوصف بالتدليس.
فقد قال الآجري عن أبي داود: دَفَن أبو أسامة كتبه فما أخرجها، وكان بعد ذلك يستعير الكتب. "سؤالات الآجري" (284).
وقال عنه أيضًا: قال وكيع: قد نهيتُ أبا أسامة أن يستعير الكتب، وكان دفن كتبه. (585).
ومثله في "العلل ومعرفة الرجال" لعبد الله بن أحمد عن أبيه عن وكيع، بدون ذكر دفن الكتب (1726).
فقد كان أمرُ دَفْنِه كتبه واستعارته كتب غيره معروفًا عند الآخذين عنه من الأئمة الأثبات, ومع ذلك لم يغمزه أحدٌ بذلك، ولا وصفه أحدٌ بتدليس أو غيره, وانتظر.
قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (3/ 4):
"حكى الأزدي في "الضعفاء" عن سفيان بن وكيع، قال: كان أبو أسامة يتتبع كتب الرواة, فيأخذها وينسخها. قال لي ابن نمير: إن المحسِنَ لأبي أسامة يقول: إنه دفن كتبه، ثم تتبع الأحاديث بَعْدُ من الناس.
(2/454)

قال سفيان بن وكيع: إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة! كان أمره بَيِّنًا، وكان من أسرق الناس لحديثٍ جيد". اه.
أقول: هاهنا أمور:
الأول: الأزدي في نفسه متهم، فلا يؤتمن على مثل هذا النقل.
الثاني: سفيان بن وكيع قد اتهمه أبو زرعة بالكذب, وأسقطه غيرُ واحد، فليس هو ممن يقبل قوله في مثل هذا، وستأتي ترجمته, فلعلَّه سمع قول أبيه, فأساء فَهْمَهُ.
الثالث: ذكر الذهبي حكاية الأزدي في "الميزان" (2 / ت 2235) لكن وقع له: عن سفيان الثوري، ووهَّمَهُ الحافظ في "التهذيب" (3/ 3).
ثم قال الذهبي: أبو أسامة لم أورده لشيء فيه، ولكن ليُعرف أن هذا القول باطل. اه.
الرابع: لابن نمير -وهو محمد بن عبد الله- قولٌ في أبي أسامة، يُوهم تهمته له بالتدليس؛ فقد قال يعقوب الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2/ 801): قال ابن نمير: هو الذي يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ونرى أنه ليس بابن جابر المعروف، ذكر لي أنه رجل يسمى بابن جابر، فدخل فيه، وإنما هو إنسان يسمى بابن جابر.
قال يعقوب: صدق، هو ابن تميم، وكأني رأيت ابن نمير يتهم أبا أسامة أنه علم ذلك وعرف، ولكن تغافل عن ذلك، قال لي ابن نمير: أما ترى روايته لا تشبه شيئًا من حديثه الصحاح الذي روى عنه أهل الشام وأصحابه الثقات. اه.
قال الذهبي في "تاريخ الإسلام": تلقت الأُمَّةُ حديث أبي أسامة بالقبول لحفظه ودينه، ولم يُنْصِفْهُ ابن نمير. اه.
(2/455)

أقول: لو ثبت أن ابن نمير اتهم أبا أسامة بتدليس اسم هذا الرجل، فقد عَذَرَ أبا أسامة سائر الأئمة, ووصفوه بالوهم فيه، وقد شاركه في هذا الوهم: حسين الجعفي -وهو ثقة أيضًا- كما حكاه البخاري في "التاريخ الكبير" (5 / ت 1156) وأبو زرعة وأبو حاتم "الجرح" (5 / ت 1423) وراجع "تهذيب الكمال" (17/ 482 - 486)، (18/ 8) وغيره.
الخامس: قضية دفن أبي أسامة كتبه واستعارته كتب غيره -إن ثبتت الاستعارة- لا تخدش فيه؛ وذلك لأنه هو في نفسه قد سبق أنه كان ثقةً ثبتًا حافظًا صحيح الكتاب، كيِّسًا عاقلًا، لا يكاد يخطىء، فقد دفن كتبه ثقةً بحفظه, وربما لغير ذلك أيضًا، وقد دفن بعض الأئمة كتبهم، انظر "سير أعلام النبلاء" (11/ 377).
وأما استعارته الكتب، فقد قال وكيع: "نهيتُ أبا أسامة أن يستعير الكتب، وكان دفن كتبه". فليس في هذا القول تصريح بأن أبا أسامة كان يستعير الكتب، وإنما فيه نهي وكيع له عن ذلك، فلعلَّ وكيعًا لما رأى أبا أسامة دفن كتبه، بادر فحذَّره من استعارة الكتب، خشيةَ أن يروي أبو أسامة ما فيها من أحاديثه, فتقع له أشياء لم تكن في كتبه التي دفنها.
لكن لو ثبتت الاستعارة, فلا يلزم منها أن يروي حماد ما ذُكر، ولو ثبت أنه نظر في كتب غيره، فوجد فيها أحاديث يحفظها فرواها، لا يقدح هذا فيه البتة؛ لأن مدار الأمر على الضبط والتثبت، وقد كان حافظًا ضابطًا متثبتًا، فلا يُظَنُّ به إلا أن يروي ما حفظه وضبطه, يدل على ذلك تداول الأئمة النقاد لحديثه، والاحتجاج به، دون الإشارة إلى روايته من كتب غيره، وذلك اطمئنانًا إلى ضبطه.
(2/456)

وقضية الرواية من كتب الغير قد تناولها الأئمة، وبَيَّنوا أن الرواة في ذلك ليسَوا على وتيرة واحدة، وأنه بينما يُقْبَلُ هذا الأمرُ من البعض، فربما سقط به آخرون، وربما أُعِلَّ به أحاديثُ قومٍ من الثقات ممن لم يبلغوا من الضبط ما بلغ مثل حماد بن أسامة.
فمثال الأول: قول الخطيب في بندار محمد بن بشار: "وإن كان يقرأ من كل كتاب، فإنه كان يحفظ حديثه". "تاريخ بغداد" (2/ 104).
وقد قال الدارقطني في بندار: "من الحفاظ الأثبات". "تهذيب التهذيب" (9/ 73).
وقال الذهبي في "الميزان" (3 / ت 7269): "ثقة صدوق، احتج به أصحاب الصحاح كلهم، وهو حجة بلا ريب، كان من أوعية العلم".
ومثال الثاني: أقوام من الرواة أخذوا كتب الناس بغير سماع، فرووا ما فيها سرقةً وانتحالًا، انظر على سبيل المثال ترجمة عبد الله بن زياد بن سمعان.
ومثال الثالث: ما رواه أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذكر الحديث الذي رواه الأنصاري -وهو محمد بن عبد الله بن المثنى- عن حبيب ابن الشهيد، عن ميمون، عن ابن عباس: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم"، فضعَّفَهُ، وقال: كانت ذهبت للأنصاري كُتُبٌ، فكان بَعْدُ يُحدثُ من كُتُبِ غلامه أبي حكيم، أُراه قال: وكان هذا من ذلك. اه. "تاريخ بغداد" (5/ 410).
والأنصاري ثقة, ولكنه لم يكن مبرزًا في الحفظ، وكان قد غلب عليه الرأي، ولم يكن من فرسان الحديث. انظر "تهذيب الكمال" (25/ 542 - 545).
والمقصود هنا أن مَنْ وَصَفَ أبا أسامة بالتدليس، إن كان بنى على قضية استعارته للكتب، فليس فيها أنه كان يروي منها ما لم يسمع مما ليس من حديثه، كما سبق بيانه،
(2/457)

وإن كان بنى على كلام ابن نمير، فقد كان ابن نمير متحاملًا عليه، أما سائر الأئمة فقد بَيَّنوا أن أبا أسامة إنما أخطأ في ذلك، ووهم فيه -كما مَرَّ- والواهم غيرُ قاصدٍ للإيهام، فليس بمدلسٍ.
ومما يحسن التنبيه عليه بهذه المناسبة، ما وقع من الأستاذ/ نور الدين عتر في تعليقه على كتاب "شرح علل الترمذي" من الإغراب في تصوُّرِ معنى كلام الحافظ ابن رجب في تبويبه لِمَا وقع لأبي أسامة وغيره بنحو هذا الوهم.
فقد قال ابن رجب (2/ 679): "ذِكْرُ من حَدَّث عن ضعيفٍ وسماهُ باسم ثقة"، وأورد ما وقع لأبي أسامة، ومثله لحسين الجعفي، ولزهير بن معاوية، ولأبي بلج الواسطي، ولجرير بن عبد الحميد، ولأهل الشام عن زهير بن محمد.
وبيَّن ابن رجب أخطاء هؤلاء في تسمية بعض شيوخٍ لهم؛ فأبو أسامة وحسين الجعفي أخطئا في عبد الرحمن بن يزيد فجعلاه: ابن جابر، وإنما هو: ابن تميم.
وزهير بن معاوية انقلب عليه اسم: صالح بن حيان، فجعله: واصل بن حيان ولم يوصف زهير بتدليس أصلًا.
وأبو بلج الواسطي أخطأ في اسم عمرو بن ميمون، وليس هو ذاك المشهور، وإنما هو ميمون أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن سمرة، وهو ضعيف.
ونحو ذلك الباقون، وليس في هذا الباب ذكر التدليس، وإنما هي أوهام وأخطاء، إلا ما كان من قول ابن نمير في أبي أسامة، وقد سبق الجواب عليه.
ثم قال ابن رجب بعد ذلك (2/ 690): "ذِكْرُ من روى عن ضعيف وسماه باسم يتوهم أنه اسم ثقة".
فزاد في العنوان هنا لفظ الإيهام، وهو شرط التدليس، ثم ذكر ما وقع من عطية العوفي، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، وحسين بن واقد.
(2/458)

وبَيَّن ابن رجب تدليس هؤلاء -وبخاصة الثلاثة الأُوَل- لبعض أسامي شيوخهم.
فأما عطية فكان يأخذ عن الكلبي التفسير -والكلبي كذاب- ويكنيه بأبي سعيد، يوهم أنه أبو سعيد الخدري الصحابي.
وأما الوليد بن مسلم فكان يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الدمشقي -وهو ضعيف جدًّا- ويكنيه بأبي عمرو، موهمًا أنه أبو عمرو الأوزاعي الإمام.
وأما بقية بن الوليد فكان ربما روى عن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، أو زرعة ابن عمرو الزبيدي -وكلاهما ضعيف الحديث- فيقول فيه: نا الزبيدي، موهمًا أنه محمد بن الوليد الزبيدي الثقة صاحب الزهري.
ثم ذكر ابن رجب ما يتعلق بمن كان يدلس تدليس التسوية بعد ذكره تدليس الشيوخ.
أقول:
واضح مما سلف من سياق ابن رجب أنه قرن بين صورتين تتشابهان في إبدال اسم راوٍ بغيره, لكن افترقا في القصد، فأولاهما محمولة على الخطأ، والثانية محمولة على التدليس.
لكن الأستاذ نور الدين العتر قد حمل الصورتين على تدليس الشيوخ، وقد بان بحمد الله الفرق بين الصورتين، والله تعالى الموفق.
وبعد:
فقد تبين مما سبق براءة أبي أسامة من التدليس، وأنه لم يثبت في حقه اتهامه بذلك، ولا ما يخدش في روايته البتَّة، والله تعالى أعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل". اه.
(2/459)

• وفيه -أعني "الميزان"- (2493):
" (صح) خثيم بن عراك (خ م) ابن مالك عن أبيه وسليمان بن يسار، وعنه ابنه إبراهيم ويحيى القطان وحماد بن زيد وطائفة.
وثقه النسائي وغيره.
وقال الأزدي وحده: منكر الحديث، كذا قال". اه.
• وفيه (3104):
"سعد بن أوس (عو) العبسي عن بلال بن يحيى.
صدوق، وثقه بعض الحفاظ، وضعفه الأزدي فقط، وهو كوفي، قال أبو حاتم: صالح.
قلت: روى عنه أبو نعيم وأبو أحمد الزبيري وعدة.
قال ابن الجوزي: أحاديثه مناكير". اه.
• وفيه (3684):
"شرحبيل بن شريك (م تِ س) روى عنه الليث بن سعد وغيره.
قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الأزدي: ضعيف، وقال النسائي: ليس به بأس، يروي عن أبي عبد الرحمن الحبلي". اه.
• وفيه (4764):
" (صح) عبد الحميد بن أبي أويس (خ د م س ق) عبد الله بن عبد الله أبو بكر المدني، أخو إسماعيل، روى عن ابن أبي ذئب وسليمان بن بلال وخلق، وعنه أخوه وأيوب بن سليمان وابن راهويه.
(2/460)

وثقه يحيى بن معين وغيره. وأما الأزدي، فقال: كان يضع الحديث.
قلت: وهذه منه زلة قبيحة". اه.
• وفيه (5518):
" (صح) عثمان بن أبي شيبة (خ م د ق) أبو الحسن، أحد أئمة الحديث الأعلام كأخيه أبي بكر ...
وقال الأزدي: رأيت أصحابنا يذكرون أن عثمان روى أحاديث لا يتابع عليها.
قلت: عثمان لا يحتاج إلى متابع، ولا يُنكر له أن ينفرد بأحاديث؛ لسعة ما روى، وقد يغلط، وقد اعتمده الشيخان في "صحيحيهما"، وروى عنه أبو يعلى والبغوي والناس.
وقد سئل عنه أحمد، فقال: ما علمت إلا خيرا، وأثنى عليه، وقال يحيى: ثقة مأمون.
قلت: إلا أن عثمان كان لا يحفظ القرآن فيما قيل ... ". اه.
• وفيه (6086):
"عمر بن حبيب المكي عن عمرو بن دينار عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمرو، قال: كان كركرة على ثقل النبي -صلى الله عليه وسلم- فمات.
قلت: الحديث صحيح، أورده الأزدي لعمر بن بن حبيب، وعمر نزل اليمن، وقد وثقه أحمد ويحيى (1)، فافتضح الأزدي". اه.
• وفيه (6209):
"عمر بن محمد (م د س) ابن المنكدر.
__________
(1) انظر "الجرح" (6/ 104).
(2/461)

قال الأزدي: في القلب منه شيء.
قلت: احتج به مسلم (1)، فليسكن قلبك، له حديث واحد عندهم". اه.
• وفيه (6981):
"كهمس بن الحسن (ع) التميمي البصري العبد الصالح الثقة، يروي عن أبي الطفيل ويزيد بن الشخير وطائفة، وعنه يحيى القطان والمقرىء وعدة.
قال أحمد: ثقة (2) وزيادة.
... وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الأزدي: قال ابن معين: ضعيف.
كذا نقله أبو العباس النباتي، ولم يسنده الأزدي عن يحيى، فلا عبرة بالقول المنقطع، لاسيما وأحمد يقول في كهمس: ثقة وزيادة.
وقال عثمان بن دحية: ضعيف روى مناكير، وهذا أخذه ابن دحيم -كذا والصواب: دحية- من المعدن -كذا- الذي نقل عنه النباتي". اه.
وقال الذهبي في "المغني" (2/ 534): "كَهْمَس بن الحسن، ضعفه عثمان بن دحية بجهلٍ، فقال: ضعيف، روى مناكير.
__________
(1) حديث رقم (1910) قال مسلم: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهَ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ وُهَيْبٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ, مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ.
قَالَ ابْنُ سَهْمٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-". اه.
ووثقه النسائي، وهو قليل الحديث, كما قال أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (642).
(2) وكذا وثقه ابن معين وأبو داود، وغيرهما.
(2/462)

• وفيه (8693):
"مُعمَّر، بالتثقيل، (ت ق س) ابن سليمان الرقي عن خُصيف وإسماعيل بن أبي خالد، وعنه أحمد وسعدان وعدة.
وثقه ابن معين وغيره. وقال أبو عبيد: كان خيرَ مَنْ رأيت.
وذكره أحمد، فذكر من فضله وهيبته.
وقال الأزدي: في حديثه مناكير.
قلت: ما التُفتَ بلى غمز الأزدي له، ويكفيه أنه ذكره فيمن اسمه مَعمَر، بالتخفيف، وإنما هو مُثَقَّل". اه.
ثانيا: التفرد:
• في "الميزان" (704): "أسامة بن حفص عن عبيد الله بن عمر، صدوق، ضعفه أبو الفتح الأزدي بلا حجة، وقال اللالكائي: مجهول، قلت: روى عنه أربعة". اه.
• وفيه (710):
"أسباط بن عبد الواحد، منكر الحديث، ذكره أبو الفتح الأزدي". اه.
• وفيه (905):
"إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي عن حماد بن زيد وطبقته، وعنه ابن الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا. وثقه ابن حبان، وقال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث". اه.
• وفيه (1169):
"بسطام بن جميل شامي عن التابعين.
قال الأزدي: ليس حديثه بشيء". اه.
(2/463)

زاد ابن حجر في "اللسان" (2/ 200):
"وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن يوسف بن عمر، روى عنه محمد بن المهاجر الشامي.
وكذا قال ابن أبي حاتم (1)، وقال البخاري (2): روى عنه بقية، قليل الحديث". اه.
• وفيه (1175):
"بشار بن عبيد الله عن عطاء بن أبي ميمونة، روى عنه أبو عمر الغداني، قال الأزدي: متروك منكر الأمر جدًّا". اه.
• وفيه (1212):
"بشر بن غالب الأسدي عن الزهري.
قال الأزدي: مجهول". اه.
زاد ابن حجر في "اللسان" (2/ 215):
"وفي "الكني" للنسائي: حدثنا لوين، ثنا حسين بن بسطام، حدثني أبو مالك بشر بن غالب بن بشر، عن الزهري، عن مجمع بن جارية، عن عمه، يرفعه: "لا دين لمن لاعقل له".
قال النسائي: هذا حديث باطل منكر.
قلت: واستفدنا منه كنيته وتسمية جده". اه.
• وفيه (1240):
"بشير بن طلحة، من التابعين، روى عنه خالد بن دريك.
__________
(1) في "الجرح" (2/ 414).
(2) في "التاريخ" (2/ 126).
(2/464)

قال الموصلي: ليس بالقوي". اه.
واستدرك ابن حجر في "اللسان" (2/ 227 - 228) فقال: "هذا من أغلاط أبي الفتح؛ فإن ابن أبي حاتم ذكره، فقال: الخشني شامي، روى عن خالد بن دريك، روى عنه بقية، ومنصور بن عمار، وأبو توبة، والهيثم بن خارجة، قال: وروى هو عن عطاء الخراساني، والعباس بن عبد الله بن معبد، ويزيد بن يزيد بن جابر، سألت أبي عنه (1)، فقال: ليس به بأس، حدث عنه ضمرة.
وذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة من "الثقات"، قال: يروي عن خالد بن دريك، عن يعلى بن منبه، روى عنه بقية بن الوليد، وأعاده في الطبقة الرابعة، فقال: الخشني من أهل الشام، يروي عن خالد بن دريك، روى عنه الهيثم بن خارجة. فقد تبين أن خالد بن دريك شيخه، لا الراوي عنه، وأنه ليس من التابعين، وأنه ليس بضعيف". اه.
• وفيه (1749):
"حجاج بن النعمان عن سليمان بن الحكم، قال الأزدي: لا يكتب حديثه". اه.
وزاد ابن حجر في "اللسان" (2/ 391):
"وقال في موضع آخر -يعني الأزدي: مجهول ضعيف، وقال ابن عدي في ترجمة الحسن بن علي العدوي: لا يعرف". اه.
• وفيه (1805):
"حسان بن سنيد، لا يُدرى مَنْ هو، ضعفه أبو الفتح الأزدي". اه.
__________
(1) هكذا في "اللسان"، والذي في "الجرح" (2/ 375): "أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي، قال: سألت أبي عن بشير بن طلحة، فقال ... "
(2/465)

زاد ابن حجر في "اللسان" (3/ 6): "وإنما أخشى أن يكون هو: حنان، بنون خفيفة، وأبوه: سدير، بمهملة وزن: قدير، تصحف، هو وأبوه".اه.
• وفيه (1807):
"حسان بن عبد الله المزني البصري عن أيوب، وعنه إسماعيل بن عياش، له حديث في البيع.
قال الأزدي: منكر الحديث.
قلت: النكارة من جهة الراوي عنه". اه.
زاد ابن حجر في "اللسان" (3/ 8):
"والحديث المذكور رواه عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ برجلٍ، وهو يساوم صاحبه، فجاءه رجل، فقال للمشتري: دعه لا تزد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، ومن استنصح أخاه فلينصحه"". اه.
• وفيه (2248):
"حماد بن راشد عن جابر الجعفي، قال الأزدي: يتكلمون فيه". اه.
• وفيه (2582):
"خيثمة بن خليفة عن ربيعة الرأي، ضعفه أبو الفتح الأزدي جدًّا، وهو جعفي كوفي".اه.
زاد ابن حجر في "اللسان" (3/ 252):
"وقد نسبه الأزدي، فسمَّى جدَّهُ: خيثمة بن عبد الرحمن، وأورد له حديثًا من رواية أصرم بن حوشب عنه، وأصرم ضعيف أيضًا". اه.
(2/466)

• وفيه (3274):
"سعيد بن معروف بن رافع بن خديج، قال الأزدي: لا تقوم به حجة، ثم ساق له عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "التمسوا الجارَ قبلَ الدار، والرفيقَ قبلَ الطريق"، رواه عنه أَبان بن المحبر.
قلت: أَبان متروك، فالعهدةُ عليه". اه.
• وفيه (5754):
"علاق بن أبي مسلم (ق) عن أَبان بن عثمان.
وَهَّاهُ الأزدي (1)، وما لَيَّنَهُ القدماء". اه.
• وفيه (6019):
"عمارة بن أبي حجار عن نافع.
قال أبو الفتح الأزدي: لا يصح حديثه". اه.
• وفيه (6900):
"قطن بن صالح الدمشقي عن ابن جريج، قال أبو الفتح الأزدي: كذاب". اه.
• وفيه (7481):
"محمد بن خثيم عن شداد بن أوس، قال أبو الفتح الأزدي: يتكلمون فيه". اه.
* * *
__________
(1) فقال: ذاهب الحديث، ذكره ابن حجر في "التهذيب".
(2/467)

السليماني
(ت 404 ه)
(2/469)

في ترجمة: عمار بن رُزَيق (1) الضبي التميمي أبي الأحوص الكوفي من "التنكيل" رقم (169) نقل المعلمي عن الذهبي في "الميزان" قوله فيه: "ثقة ما رأيت لأحدٍ فيه تليينًا إلا قول السليماني: إنه من الرافضة، والله أعلم".
فقال المعلمي: "لم يذكر المزّي ولا ابن حجر هذه الكلمة في ترجمة عمار بن رزيق، والسليماني مع تأخره (2) وانزوائه في (بيكند) مما يَنْسُبُ المتقدمين إلى نحو هذا.
وفي "لسان الميزان" (3/ 433) عنه أنه قال: "ذكر أسامي الشيعة من المحدثين ... الْأَعمش، النعمان بن ثابت، شعبة بن الحجاج ... ".
والمتقدمون الذين هم أعرف بعمّار اعتمدوه ووثقوه ولم يعيبوه بشيء.
قال الإمام أحمد: "كان من الأثبات". ووثقه ابن معين وابن المديني وأبو زرعة وغيرهم، وأخرج له مسلم وأبو داود والنسائي". اه.
قول بعض أهل العلم في السليماني:
هو أبو الفضل أحمد بن علي بن عمرو البيكندي البخاري.
__________
(1) عَلَّقْتُ في هذا الموضع من قسم التراجم (ص 525) بقولي: "بضم الراء ثم بالزاي كما في كتاب "الإكمال" لابن ماكولا (4/ 51) ويخرج ووقع في "التنكيل" بتقديم الزاي على الراء وهو خطأ، إنما ذاك شيخ آخر لا يُعرف روى عنه القاسم بن الفضل الحذاني، كما في كتاب "مشتبه النسبة" للذهبي (1/ 315) وغيره ولم يذكره صاحب "الإكمال".
(2) ولد السليماني سنة 311 ه، وتوفي سنة 404 ه. وفي ترجمة عمار بن رزيق من "تهذيب الكمال" (21/ 190): "قيل إنه مات قبل سفيان الثوري سنة تسع وخمسين ومائة". اه. فقد وُلد السليماني بعد وفاة عمار ب (152) سنة.
(2/471)

• قال ابن السمعاني في كتاب "الأنساب" (7/ 122 - 123):
"كانت له رحلة إلى الآفاق، وعُرف بالكثرة والحفظ والإتقان، ولم يكن له نظير في زمانه إسنادًا وحفظًا ودراية بالحديث وضبطًا وإتقانًا، كان يصنف كل أسبوع شيئًا، ويحمله إلى جامع بخارى من بيكند ويحدث به". اه.
• وفي "طبقات الشافعية" للسبكي (4/ 42):
"كان محفظ الحديث، ورحل فيه، وكان من الحفاظ الزهاد".
• وفي طبقات الإسنوي (1/ 327):
"كان من الفقهاء الزهاد الحفاظ للحديث، الراحلين فيه".
• لكن قال الذهبي في ترجمة السليماني من كتاب "سير أعلام النبلاء" (17/ 202): "رأيت للسليماني كتابًا فيه حَطٌّ على كِبَار، فلا يُسمع منه ما شَذَّ فيه". اه.
وهو فصل الخطاب فيه إن شاء الله.
* * *
(2/472)

السيوطي
(ت 911 ه)
(2/473)

كَشْفُ الشيخ المعلمي عن حالِ السيوطي في باب التصحيح والتعديل من التساهل والجازفة.
وقد نبَّه المعلمي على منهج السيوطي في كتابه "اللآلىء المصنوعة" تنبيهًا عامًّا، فقال في مقدمة تحقيقه ل"الفوائد المجموعة" (ص 3 - 4).
"ورأيته -يعني الشوكاني- كثيرًا ما يورد الحديث، وأن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات، ثم يذكر أن صاحب "اللآلىء المصنوعة" -وهو السيوطي- تعقبه في ذلك، أو ذكر له طريقًا أخرى، فصاعدًا ...
وقد تتبعتُ كثيرًا من تلك الطرق، وفتَّشْتُ عن تلك الأسانيد، فوجدتُ كثيرًا منها أو أكثرها، يكون ما ذكره السيوطي من الطرق ساقطًا، لا يفيدُ الخبرَ شيئًا من القوة.
ومنها: ما غايته أن يقتضي التوقف عن الجزم بالوضع، فأما ما يفيد الحسن أو الصحة فقليل". اه.
أقول:
تمتلىء تعليقات العلامة المعلمي على كلام السيوطي بما يُقَرِّرُ هذا ويؤيده، وهذه جُلُّ المواضع المعنيَّة بذلك:
(1)
في "الفوائد" (ص 179): حديثٌ في فضل التمر البرني، له طرق واهية، منها ما في إسناده عقبة بن عبد الله الأصم الرفاعي البصري، قال ابن حبان: عقبة بن عبد الله الأصم ينفرد بالمناكير عن المشاهير.
(2/475)

قال السيوطي: "روى له الترمذي، وقد أخرجه البخاري في "التاريخ"، والبيهقي في "الشعب"، وصحيحه المقدسي. وأخرجه من حديث أبي سعيد: أبو نعيم في "الطب"، والحاكم في "المستدرك" فالحكم بوضعه مجازفة اه.
فقال الشيخ المعلمي:
"بل المجازفة في هذا الكلام؛ فإن ألفاظ الخبر مختلفة، ومنها ما ينادي على نفسه بالوضع، وإخراج البخاري في "التاريخ" لا يفيد الخبر شيئًا، بل يضره؛ فإن من شأن البخاري أن لا يخرج الخبر في "التاريخ" إلا ليدل على وَهَن راويه.
وتصحيح المقدسي لرواية عفبة الأصم مع ضعفه وتدليسه وتفرده وإنكار المتن مردود عليه.
أما حديث أبي سعيد ففي سنده من لا يُعرف، ولم يصححه الحاكم، وإنما قال: "أخرجناه شاهدًا". اه.
(2)
قال الشيخ المعلمي في: إبراهيم بن يزيد الخوزي من "الفوائد" (ص 213): "هالك، قال أحمد والنسائي وابن الجنيد: "متروك الحديث" وقال ابن معين: "ليس بثقة وليس بشيء". وقال أبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني: "منكر الحديث". وقال البخاري: "سكتوا عنه". وهذه من أشد صيغ الجرح عند البخاري. وقال البرقي: "كان يُتَّهَمُ بالكذب". وقال ابن حبان: "روى المناكير الكثيرة حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها" وروى ابن المبارك عنه مرّة ثم تركه، فسئل أن يحدث عنه فقال: "تأمرني أن أعود في ذنب قد تُبْتُ منه".
أَهْمَلَ السيوطي هذا كُلَّهُ وقال: "أخرج له الترمذي وابن ماجه وقال ابن عديّ: يكتب حديثه" وهو يعلم أن فيمن يخرج له الترمذي وابن ماجه ممن أجمع الناس على تكذيبه كالكلبي.
(2/476)

وابن عديّ إنما قال: "هو في عداد من يكتب حديثه". وقد قال ابن المديني: "ضعيف لا أكتب عنه شيئًا". وقال النسائي: "ليس بثقة ولا يكتب حديثه". وعَدَّ ابن المبارك الرواية عنه ذنبًا تجب التوبة منه كما مَرَّ، مع أن ابن المبارك ليس ممن يشُدد فقد روى عن الكلبي.
فإن كان إبراهيم يكذب عمدًا كما اتُّهم بذلك فيما قال البرقي فواضح، وإلا فهو ممن يكثر منه الكذب خطأ". اه.
(3)
في "الفوائد" (ص 314) ذكر المعلمي خبر: "ما أنزل الله من وَحْيٍ قطّ عَلى نبيّ بينه وبينه إلا بالعربية ثم يكون هو مبلغه قومه بلسانهم".
وقال: "في سنده العباس أبو الفضل الأنصاري، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا.
قال ابن الجوزي: "سليمان متروك".
فنازع السيوطي بأن سليمان أخرج له (د س ت) ولم يُتهم بكذب ولا وضع، وأن له شاهدًا.
أقول: سليمان ساقط؛ قال أبو داود، والترمذي وغيرهما: "متروك الحديث".
وقال النسائي: "لا يكتب حديثه". والكلام فيه كثير، وإنما ذكرت كلام الذين أخرجوا له لِيُعْلَمَ أن إخراجَهم له لا يدفع كونه متروكًا، والمتروك إن لم يكذب عمدًا فهو مظنة أن يقع له الكذب وهمًا، فإذا قامت الحجة على بطلان المتن، لم يمتنع الحكم بوضعه، ولاسيما مع التفرد المريب، كتفرد سليمان هنا عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وفوق هذا، فالراوي عن سليمان وهو العباس بن الفضل الأنصاري تالف ...
(2/477)

وأما الشاهد فيكفي أنه عن الكلبي عن أبي صالح ... والكلبي كذاب، وشيخه تالف. اه.
(4)
في "الفوائد" (ص 471) حديث: "مَنْ وُلد له مولود وسمَّاه محمدًا تبركًا به، كان هو ومولوده في الجنة".
قال الشوكاني: "ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال: في إسناده من تُكلم فيه. وقال في "اللآلىء": هذا أمثلُ حديثٍ أورده في الباب، وإسناده حسن".
فقال العلامة المعلمي:
"هيهات؛ راح السيوطي ينظر في آخر السند، وغفل عن أوله، وفي "الميزان"، و"اللسان": حامد بن حماد العسكري، عن إسحاق بن سيار النصيبي بخبر موضوع، فذكر هذا، وهذا أول سنده". اه.
(5)
واكتفى السيوطي عند كلامه في: زكريا بن يحيى المصري الوقار بقوله: "ذكره ابن حبان في الثقات".
فكشف الشيخ المعلمي عن هذا التفريط الشنيع بقوله في "الفوائد" (ص 336):
"ولكنه -يعني ابن حبان- قال: "يخطىء ويخالف" وقال صالح بن محمد الحافظ: "حدثنا زكريا بن يحيى الوقار وكان من الكذابين الكبار" وذكر ابن عدي أنهم كانوا يُثْنون عليه في العبادة ويتهمونه بوضع الحديث". اه.
(6)
ونحو ذلك قول السيوطي في: يزيد بن سنان الجزري الرهاوي: "محله الصدق".
(2/478)

فقال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 240):
"تتمة كلام أبي حاتم: والغالب عليه الغفلة، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ضعيف متروك الحديث. وقال أيضًا: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: له حديث صالح، وروى عن زيد بن أبي أنيسة نسخة تفرد بها عنه بأحاديث، وله عن غير زيد أحاديث مسروقة عن الشيوخ، وعامّة حديثه غير محفوظ، والكلام فيه كثير". اه.
(7)
وقال السيوطي في: محمد بن علي بن خلف العطار الكوفي: "وثقه الخطيب في تاريخه".
فكشف الشيخ المعلمي عن هذه المغالطة بقوله في "الفوائد" (ص 409):
"إنما قال الخطيب (3/ 57): "أخبرنا محمد بن علي الدقاق قال: قرأنا على الحسن -الصواب الحسن- من هارون، عن أبي-الصواب: ابن- سعيد وهو أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، يروي الخطيب من تاريخه بهذا الإسناد، قال ابن عقدة: محمد بن علي بن خلف العطار الكوفي سكن بغداد سمعت محمد بن منصور يقول: "كان محمد بن علي بن خلف ثقة مأمونًا حسن العقل".
فهذا قول محمد بن منصور، ولم يتبين من هو، والظاهر أنه من تَمَامِ حكاية ابن عقدة، فعلى هذا: لا يثبت عن محمد بن منصور؛ لأن ابن عقدة رافضي مُتَّهَم، ومحمد ابن علي بن خلف هذا رافضي لأنه كوفي، وروايته تدل على ذلك (1) وعلى كل حال فكلام ابن عدي هو المعتمد" (2).اه.
__________
(1) حديثه المشار إليه: "أن عمار بن ياسر قال لأبي موسى -رضي الله عنهما-: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يلعنك. قال: إنه استغفر لي. قال عمار: شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار".
(2) يعني قول ابن عدي: أن البلاء في هذا الحديث من ذاك العطار. وذكره ابن الجوزي في موضوعاته.
(2/479)

(8)
في "الفوائد" (ص 459) قال ابن الجوزي: "درست بن زياد ليس بشيءٍ".
قال السيوطي في "اللآلىء": "لم يُتَّهم بكذب، بل قال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: ضعيف، ووثقه ابن عديّ فقال: أرجو أنه لا بأس به".
فقال الشيخ المعلمي:
"ليس هذا بتوثيق، وابن عديّ يذكر منكرات الراوي ثم يقول: أرجو أنه لا بأس به، يعني بالباس: تعمد الكذب، ودرست واهٍ جدًّا". اه.
(9)
وفي "الفوائد" (ص 350) حديث: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُوحَى إليه ورأسُه في حجر عليٍّ، فلم يصل العصر حتَّى غربت الشمس ... ".
له طرق قد نقدها الشيخ المعلمي، حتَّى قال الشوكاني (ص 354):
"وقد رواه الطحاوي في "مشكل الحديث" من طريقين، وقال: هما ثابتان، ورواتهما ثقات".
فعلَّق الشيخ المعلمي بقوله:
"للبحث في "مشكل الآثار" للطحاوي (2/ 8 - 14) ليس فيه هذه العبارة، والمؤلف -الشوكاني- أخذها من "اللآلىء"، وصاحب "اللآلىء" نقلها عن "شفاء" عياض، ولا يبعد أن يكون السيوطي راجع كتاب الطحاوي فلم يجد هذه العبارة ولكن لم تسمح نفسه بتركها ... ".
(2/480)

(10)
وفيها ص (442):
حديث: إن بين الله وبين الخلق سبعين ألف حجاب، وأقرب الخلق إلى الله جبريل، وإسرافيل، ومياكائيل، وأن بينهم وبينه أربعة حجب من نار، وحجاب من ظلمة، وحجاب من غمام، وحجاب من الماء.
رواه الدارقطني عن سهل بن سعد مرفوعًا، وفي إسناده: حبيب بن أبي حبيب، وكان وضاعًا.
وقال في الميزان: وهاه أبو زرعة، وتركه ابن المبارك، وقد استدرك صاحب اللآلىء على ابن الجوزي، حكمه بوضع هذا الحديث، وأطال الكلام عليه ..
فقال الشيخ المعلمي:
وقع في السند (محمد بن يوسف بن أبي معمر. ثنا حبيب بن أبي حبيب ثنا هشام ابن سعد - الخ) قال ابن الجوزي: (تفرد به حبيب وكان يضع).
زعم السيوطي أن ابن الجوزي وهم، فظن أن الواقع في السند (حبيب) بالتكبير ابن أبي حبيب الخرططي) قال: (والذي في هذا الإسناد حبيب بالتصغير ابن حبيب بالتكبير، وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات).
أقول: وهم السيوطي وهما مضاعفًا؛ ليس هذا بالخرططي، ولا أخى حمزة، إنما هذا كاتب مالك فإنه حبيب بن أبي حبيب كما في السند، وفي ترجمته من التهذيب 2/ 181 (قال ابن حبان، ... وذكر له عدة أحاديث عن هشام بن سعد وغيره، وقال: كلها موضوعة) وترجمة الراوي عنه في تاريخ بغداد 3/ 393 رقم 1516 (محمد بن يوسف بن أبي معمر أبي جعفر السعدي، حدث حبيب كاتب مالك - إلخ).
(2/481)

(11)
وفيها ص (346):
حديث: أولكم ورودًا على الحوض، أولكم إسلامًا: علي بن أبي طالب.
رواه ابن عدي عن سلمان مرفوعًا. وفي إسناده: عبد الرحمن بن قيس الزعفراني، وهو وضاع، وتابعه سيف بن محمد، وهو شر منه.
وقد رواه الخطيب من طريقه، وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريقه أيضًا. وقد رواه الحارث بن أبي أسامة من طريق يحيى بن هاشم السمسار متابعًا لهما، وهو كذاب.
وروى أبو بكر بن أبي عاصم من طريق عبد الرزاق متابعًا لهم، لكن موقوفًا على سلمان.
قال في اللآلىء: وهذه متابعة قوية جدًّا، ولا يضر إيراده بصيغة الوقف، لأن له حكم الرفع. انتهى.
فقد رواه كل واحد من هؤلاء الأربعة عن سفيان الثوري.
ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن يحيى المازني عن سفيان. فكان خامسًا لهم، وعبد الرزاق، لا يحتاج إلى متابع.
فقال المعلمي:
... أما خبر عبد الرزاق، فعبد الرزاق عمي بآخره، وصار يلقن فيتلقن. وربما دلس، وكان يتشيع، فلا يؤمن أن يكون سمعه من بعض أولئك الدجالين فدلسه.
وذكره السيوطي من وجه آخر عن سلمة بن كهيل. وفيه السندي بن عبدويه مجهول الحال. وذكره ابن حبان في الثقات ثم نقض ذلك بقوله (يغرب) وهو أيضًا عن سلمان من قوله ...
(2/482)

وفوق هذا فقول السيوطي: إن له حكم الرفع مردود؛ إذ لا مانع أن يستشعر سلمان أن السبق إلى الإسلام يقتضي السبق في الورود. اه.
(12)
وفيها ص (480):
حديث: إني لأستحيي من عبدي وأمتي يشيب رأسهما في الإسلام ثم أعذبهما بعد ذلك، ولأنا أعظم عفوًا من أن أستر على عبدي ثم أفضحه، ولا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني.
رواه ابن حبان عن أنس مرفوعًا، وقال: باطل لا أصل له، وله طرق أوردها صاحب اللآلىء.
فقال المعلمي:
كلها هباء ... في السادسة: أحمد بن عبيد، ثنا عمرو بن جرير، راح السيوطي يذكر كلامهم في أحمد بن عبيد لثناء بعضهم عليه، وأغفل ذكر شيخه، وهو كذاب ... ويكفي في هذا الباب قول الله تبارك وتعالى: (إن الله لا يستحي من الحق).
(13)
وفيها ص (214):
حديث: إن لقيتم عشارًا فاقتلوه.
هو موضوع.
قال في اللآلىء: أخرجه أحمد، وفيه ابن لهيعة ذاهب الحديث، وقال في الوجيز: في إسناده مجاهيل، وأخرجه البخاري في تاريخه والطبراني.
.... قال السيوطي: والصواب أنه حسن.
(2/483)

فقال الشيخ المعلمي:
"هذا عجيب؛ فإن الخبر مع ما تقدم وقع فيه (عن رجل من جذام)، وهذا لا يُدرى من هو، وفيه تحيس بن ظبيان، وهو مجهول، وفيه عبد الرحمن بن أبي حسان، أو عبد الرحمن بن حسان، وهو مجهول، وهو من طريق إمالك بن عتاهية، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم-) وفي الإصابة عن يحيى بن بكير، يقولون: مالك بن عتاهية سمع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا ريح لم يسمع منه شيئًا. اه.
(14)
وفيها ص (407):
حديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع صوت غناء فقال: انظروا ما هذا؟ قال أبو برزة: فصعدت فنظرت فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان، فجئت فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "اللهم اركسهما في الفتنة ركسًا، ودعّهما إلى النَّار دَعًّا".
ذكره ابن الجوزي في "موضوعات"، وقال: لا يصح، يزيد بن أبي زياد كان يتلقن.
قال السيوطي في "اللآلىء": "هذا لا يقتضي الوضع".
فقال المعلمي:
"لكنه مظنة رواية الموضوع؛ فإن معنى قبول التلقين أنه قد يقال له: أَحَدَّثَكَ فلان عن فلان بكيت وكيت؟ فيقول: نعم، حدثني فلان ابن (1) فلان بكيت وكيت. مع أنه ليس لذلك أصل وإنما تلقنه وتوهم أنه من حديثه.
وبهذا يتمكن الوضاعون أن يضعوا ما شاءوا، ويأتوا إلى هذا المسكين فيلقنونه فيتلقن ويروي ما وضعوه.
__________
(1) كذا والظاهر أنها "عن".
(2/484)

وشيخ يزيد في هذا الخبر سليمان بن عمرو بن الأحوص، مجهول الحال كما قال ابن القطان، ولا يدفع ذلك ذكر ابن حبان له في "الثقات".
ولا أرى البلاء إلا من يزيد؛ فإنه من أئمة الشيعة الكبار، والراوي عنه لهذا الخبر شيعي (1)، وله عنه خبر آخر باطل، وإذا كان من أئمة الشيعة فلا بدع أن يستحوذ عليه بعض دجاجلتهم فيلقنه الموضوعات". اه.
قاله أبو أنس:
قد كنت وقفت قديمًا على كلام للسيوطي على حديث إحياء الله تعالى لأبوي النبي -صلى الله عليه وسلم- وإيمانهما به، وتقويته له، في كتابه "اللآلىء المصنوعة" 1: 266، وأشار هناك أن له في ذلك جزءًا سَمَّاهُ "نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين". ثم وقفت على مجلد، مكتوب عليه "الرسائل التسع" لجلال الدين السيوطي، طبع دار إحياء العلوم - بيروت، الطبعة الثانية 1409 ه يحتوي على تسع رسائل، منها ست رسائل تتعلق بهذا الموضوع، أحدهما "نشر العلمين" والباقي هي: "مسالك الحنفا في والدي المصطفى"، و"الدرج المنيفة في الآباء الشريفة" و"السبل الجلية في الآباء العلية" و"المقامة السندسية في النسبة المصطفوية" و"التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله في الجنة" وهذه الأخيرة رأيتها مطبوعة مفردة.
وهذه الست رسائل جميعًا كأنها واحدة مع تغير في السياق والترتيب، ويدور محورها جميعًا على رفع رتبة هذا الحديث من الوضع إلى الضعف، كي يسوغ له رحمه الله تعالى إجراء ما يعرف بالتساهل في أحاديث الفضائل.
__________
(1) هو محمد بن فضيل بن غزوان.
(2/485)

وفي كلامه على أسانيد هذا الحديث مؤاخذات عديدة، وكنت قد شرعت في تَقْييد رسالةٍ في مناقشاتي على كلامه ذلك، وتفنيد ما قَوَّى به هذا الحديث الباطل الذى حكم عليه بالوضع والنكارة والبطلان كثير من الحفاظ الجهابذة، على رأسهم: الدراقطني رحمه الله تعالى.
وقد وقع في كلام السيوطى رحمه الله تعالى عند نقله لكلام الأئمة في نقد أسانيد هذا الحديث، ما يتعب الصدور، من اقْتِضَابٍ وبَتْرٍ للكلام على الرجال، وحَذْفِ ما فيه تُهْمَةٌ لَهُم.
والسّيُوطي: يُصِرُّ على أن أحدًا من رجال تلك الأسانيد لم يُتهم، ولم يُرْمَ بالوضع.
ومدار الحديث على ثلاثة رجال هُمْ:
1 - أبو بكر محمد بن الحسن النَّقَّاش.
2 - أبو غَزِيَّه محمد بن يحيى الزهري.
3 - عُمر بن أيوب الكَعْبى.
وكذا نسخة أو صحيفة: أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ...
أما الأول: فهو كذاب، راجع "ميزان الاعتدال" (3: 516، 40: 35)، "واللسان" (5: 632).
أما السيوطي: فقد اكتفى بنقل الذهبي لمعرفته بالقرآن، وترك تصريحَهُ بكذبه، وراجع "الميزان" في المصدرين السابقين.
وأما الثاني: فقد ذكر ابن الجوزي في "الموضوعات" 1: 284 أنه مجهول، فتعقبه الحافظ في "اللسان" 4: 91 بقوله: "وأما محمد بن يحيي فليس بمجهول، بل هو معروف، له ترجمه جيدة في "تاريخ مصر" لأبي سعيد بن يونس، ورماه الدراقطني بالوضع" اه.
(2/486)

فلما أن جاء السيوطي ليَرُدَّ كلامَ ابن الجوزي في تجهيله، نَقَل كلامَ الحافظ السابق، لكنه لم يذكر قوله: "ورماه الدراقطني بالوضع"! ثم قال بعد ذلك: "ومدار الحديث على أبي غزية، وهو ضعيف، ما رمي بكذب"!.
وأما الثالث: فهو مُتَّهم، تردد الدارقطني في واضع هذا الحديث: هو أم الكعبي.
ومع ذلك يكتفي السيوطي بقوله: "فيه جهالة"!. وراجع "اللسان" 4: 192.
وأما النسخة المذكورة فيقول الدارقطني: "لا يصح منها شيء" وراجع "اللسان" 4: 192. وانظر مزيدا للبيان كتاب: "الأباطيل والمناكير" للجورقاني، الجزء الأول، حديث رقم (207).
هذا ما كنت كتبته في حاشية كتابي: "حكم العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال".
وسيأتي شيء من ذلك في الحديث رقم (17) من ملحق (المنتقى) في آخر هذا القسم.
* * *
(2/487)

ابن التركماني
صاحب كتاب "الجوهر النقي في الرد على البيهقي"
(ت 749 ه)
(2/489)

قال أبو أنس:
عَلَى ابن التركماني مؤاخذات عديدة في تعقباته للبيهقي، أوقعه فيها تعصبه لمذهبه، كشف بعضها الشيخ المعلمي.
1 - ففي ترجمة الشافعي من "التنكيل" (1/ 423 - 426) يقول الشيخ المعلمي:
"ومن براعة الشافعي الفائقة ومهارته الخارقة أنه يجمع في مناظرته بين لطف الأدب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع ... " إلى أن قال:
"ومن لطائفه ما تراه في "الأم" (6/ 160) ذكر مناظرته مع بعضهم إلى أن قال:
"وكانت حجته في أن لا يقتل المرأة على الردة شيئًا رواه عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس ... وكلمني بعض من يذهب هذا المذهب، وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث، فما علمت واحدًا منهم سكت عن أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يُثبت أهل العلم حديثه، فقلت له: قد سمعت ما قال هؤلاء الذين لا شك في علمهم بحديثك ... قال: إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... ".
فكأن الشافعي كان متوقعًا البحث في ذاك المجلس عن هذه المسألة، وأن يستدل مناظره بحديث أبي حنيفة عن عاصم وكره الشافعي أن يقول هو في أبي حنيفة شيئًا يسوء صاحبه، وكان لابد له من بيان أن الحديث لا يصلح للحجة. فتلطف في الجمع بين المصلحتين، بأن أوعز إلى جماعة من العلماء بالحديث أن يحضروا المجلس ليكون الكلام في أبي حنيفة منهم، ولعله أتَمَّ اللطفَ بأن أظهر أنه لم يتواطأ معهم على الحضور! وألطف من هذا أنه حافظ على هذا الخلق الكريم في حكايته المناظرة في كتابه وهو بمصر بعيدًا عن الحنفية؛ فقال: "رواه عن عاصم" وترك تسمية
(2/491)

الراوي عن عاصم؛ وهو أبو حنيفة. وقال في حكاية قوله الجماعة: "والذي روى هذا" ولم يقل: "وأبو حنيفة".
وقد حاول التركماني استغلال هذا الأدب؛ فقال في "الجوهر النقي":
"أبو رزين صحابي، وعاصم وإن تكلم فيه بعضهم. قال الدارقطني: في حفظه شيء. وقال ابن سعد: ثقة. إلا أنه كثير الخطأ في حديثه. فإن ضعَّفوا هذا الأمر لأجله فالأمر فيه قريب، فقد وثقه جماعة ... وإن ضُعف لأجل أبي حنيفة فهو وإن تكلم فيه بعضهم فقد وثقه كثيرون، وأخرج له ابن حبان في "صحيحه" ... ".
أطنب في مدح أبي حنيفة، بلى أن قال: "وذكر أبو عمر في" "التمهيد" "أن أبا حنيفة والثوري رويا هذا الأثر عن عاصم. وكذا أخرجه الدارقطني بسند جيد عنهما عن عاصم. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عنه فقد تابع الثوري أبا حنيفة ... ".
كذا قال، وسعى جهده في قلب الحقائق؛ فذكر أولا احتمال أن يكونوا أرادوا عاصمًا، ومَهَّدَ لذلك بأن ذكر غمز الدارقطني وابن سعد له، ولما ذكر أبا حنيفة لم يذكر شيئًا من كلامهم فيه، وإنما اكتفى بخطفه مجملة، ثم راح يطنب في إطرائه، وذكر إخراج ابن حبان في "صحيحه"، ونسي كلام ابن حبان في أبي حنيفة في "كتاب الضعفاء" كما يأتي في ترجمة ابن حبان.
وغرضه أن يُوقع في نفس القارىء ترجيحَ أنهم أرادوا عاصمًا، وهو يعلم حق العلم أنهم إنما أرادوا أبا حنيفة، وأعرض عما رواه البيهقي نفسه في ذاك الموضع " ... أحمد بن حنبل ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة، فقال: أما مِنْ ثقةٍ فلا". وحكى عن "التمهيد"، ولا أشك أن صاحب "التمهيد" قد أوضح أن الثوري إنما سمعه من أبي حنيفة، ثم حكى عن الدارقطني. والذي في "سنن" الدارقطني المطبوع (ص 338): " ... عبد الرزاق، عن سفيان، عن أبي حنيفة، عن عاصم ... ".
(2/492)

نعم ذكروا أن عبد الرزاق رواه في "مصنفه": "عن سفيان عن عاصم" ولا يبعد أن يكون سفيان إنما قال: "يحكى عن عاصم" أو نحو ذلك، فأطلق بعضهم: "سفيان عن عاصم" اتكالا على أنه لا مفسدة في هذا؛ لاشتهار سفيان بالتدليس، فلا يحمل على السماع، كما قدمت لضرحه في ترجمة حجاج بن محمد.
وقد ساق الخطيب في "تاريخه" بعض ما يتعلق بهذا الحديث، فاكتفى الأستاذ بالتبجح بأن سفيان قد روى عن أبي حنيفة! وقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة الثوري من "تقدمة الجرح والتعديل" عن صالح بن أحمد بن حنبل، عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان قال: "سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة، فأنكره. وقال: "ليس من حديثي".
وقد أعَلَّ ابن التركماني بعضَ الأحاديث بأن سفيان الثوري مدلس، وتغافل عن ذلك هنا مُصِرًّا على أن الثوري قد تابع أبا حنيفة.
وإذا تسامح العالم نفسه مثل هذه المسامحة، فالجاهل خير منه بألف درجة". اه.
2 - وفي المسألة الحادية عشرة من الجزء الثاني من "التنكيل": "للراجل سهم من الغنيمة وللفارس ثلاثة؛ سهم له وسهمان لفرسه" (ص 71 - 72).
ذكر الشيخ المعلمي مَنْ روى هذا الحديثَ عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال:
... السابع: عبد الله بن نمير. رواه عنه الإمام أحمد في "المسند" (ج 2 ص 143): " .... أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قسم للفرس سهمين وللرجل سهما". وكذلك رواه الدارقطني (ص 467) من طريق أحمد. ورواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، وأحال على متن سُليم بن أخضر قال: "مثله. ولم يذكر: في النفل". ورواه الدارقطني أيضًا من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن عبد الله بن نمير.
(2/493)

وفي "مصنف ابن أبي شيبة": باب "في الفارس كم يُقسم له؟ من قال: ثلاثة أسهم":
حدثنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير قالا: ثنا عبيد الله بن عمر ... أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا. "وذكره ابن حجر في "الفتح" عن "مصنف ابن أبي شيبة"، وذكر أن ابن أبي عاصم رواه في "كتاب الجهاد" له عن ابن أبي شيبة كذلك.
وقال الدارقطني (ص 469): "حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور (الرمادي) نا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو أسامة وابن نمير ... أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا.
قال الرمادي: كذا يقول ابن نمير. قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي؛ لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا، وقد تقدم ذكره عنهما. ورواه ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا أيضًا وقد تقدم".
أقول: الوهم من الرمادي؛ فقد تقدم عن "مصنف ابن أبي شيبة": "للفرس، للرجل" وكذلك نقله ابن حجر عن "المصنف". وكذلك رواه ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبة كما مَرَّ، ويؤكد ذلك أن ابن أبي شيبة صدَّر بهذا الحديث البابَ الذي قال في عنوانه: "من قال ثلاثة أسهم" كما مَرَّ، ثم ذكر بابًا آخر عنوانه: "من قال: للفارس سهمان؟ " فذكر فيه حديث مجمع وأَثَرَيْ عليٍّ وأبي موسى، فلو كان عنده أن لفظ ابن نمير كما زعم الرمادي أو لفظ أبي أسامة أو كليهما: "للفارس، للراجل" لوضع الحديث في الباب الثاني ...
فإن قيل: فقد قال ابن التركماني في "الجوهر النقي": "وفي "الأحكام" لعبد الحق: وقد روي عن ابن عمر أنه عليه السلام جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا. ذكره أبو بكر بن أبي شيبة وغيره".
(2/494)

ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (3/ 417) حديث ابن أبي شيبة، وفيه: "للفارس، للراجل"، ثم قال: "ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في "سننه" وقال: قال أبو بكر النيسابوري ... ".
أقول: أما عبد الحق فلا أُراه إلا اعتمد على رواية الرمادي.
وأما ابن التركماني فالمعتبة عليه؛ فإنه ينقل كثيرًا عن "مصنف ابن أبي شيبة" نفسه، بل نقل عنه بعد أسطر أثرَ عليٍّ، فبها بالُه أعرض هنا عن النقل عنه، وتناوله من بعيد من "أحكام عبد الحق"؟!
وأما الزيلعي فلا أُراه إلا اعتمد على رواية الدارقطني عن النيسابوري عن الرمادي، فإما أن لا يكون راجع "المصنَّف" لظنه موافقته لما رواه الرمادي، وإما أن يكون حمل الخطأ على النسخة التي وقف عليها من "المصنف" ولم يتنبه لزاجم الأبواب، وإما -وهو أبعد الاحتمالات- أن يكون وقع في نسخته في "المصنف" خطأ كما قاله الرمادي. والله المستعان ...
التاسع: ابن المبارك، رواه عنه علي بن الحسن بن شقيق كما في "فتح الباري" ذكر رواية الرمادي، عن نعيم، عن ابن المبارك الآتية، ولفظها: " ... عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهمًا"، ثم قال: "وقد رواه علي بن الحسن بن شَقِيق -وهو أثبت من نعيم- عن ابن المبارك بلفظ: أسهم للفرس" ولم يذكر بقيته؛ لأنه إنما اعتنى بلفظ الفارس والفرس، وقد قال قبل ذلك: " ... فيما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة ... بلفظ: أسهم للفارس سهمين. قال الدارقطني ... ".
فأما ما رواه الدارقطني (ص 469) "حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور (الرمادي) نا نعيم بن حماد نا ابن المبارك ... عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهمًا. قال أحمد: "كذا لفظ نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه".
(2/495)

قال النيسابوري: "ولعل الوهم من نعيم؛ لأن ابن المبارك من أثبت الناس".
أقول: نعيم كثير الوهم، وكلام الحنفية فيه شديد جدًّا، كما في ترجمته من قسم التراجم، ولكني أخشى أن يكون الوهم من الرمادي، كما وهم على أبي بكر بن أبي شيبة، ولا أدري ما بليته في هذا الحديث مع أنهم وثقوه.
وقال ابن التركماني: "رواه ابن المبارك عن عبيد الله بإسناده فقال فيه: للفارس سهمين وللراجل سهمًا ذكره صاحب "التمهيد".
أقول: وهذه معتبة أخرى على ابن التركماني؛ إذ لم يذكر أن صاحب "التمهيد" إنما رواه من طريق الرمادي عن نعيم! والله المستعان. اه.
* * *
(2/496)

ابن سعد
صاحب "الطبقات" وكاتب الواقدي
(ت 230 ه)
(2/497)

1 - قال الشيخ المعلمي في ترجمة أبي إسحاق الفزاري من "التنكيل" (1/ 94 - 95):
"وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، روى الخطيب في ترجمته أن مصعبًا الزبيري قال لابن معين: "حدثنا ابن سعد الكاتب بكذا وكذا" فقال ابن معين: "كذب" واعتذر الخطيب عن هذه الكلمة وقال: "محمد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه ... " وقال أبو حاتم: "يصدق".
ووفاة ابن سعد سنة (230) فقد أدركه أصحاب الكتب الستة إدراكًا واضحًا، وهو مقيم ببغداد حيث كانوا يترددون، وهو مكثر من الحديث والشيوخ، وعنده
فوائد كثيرة، ومع ذلك لم يخرجوا عنه شيئًا، إلا أن أبا داود روى عن أحمد بن عبيد -وستأتي ترجمته- عن ابن سعد، عن أبي الوليد الطيالسي، أنه قال: "يقولون: قبيصة ابن وقاص له صحبة" وهذه الحكاية ليست بحديث ولا أثر، ولا ترفع حكمًا ولا تضعه.
والأستاذ -يعني الكوثري- كثيرًا ما يتشبث في التليين بعدم إخراج أصحاب الكتب الستة للرجل مع ظهور العذر كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن شماس، فأما ابن سعد فلا مظنة للعذر، إلا أنهم رغبوا عنه.
وأظن الأستاذ أوَّل من منح ابن سعد لقب: "الإمام" ولم يقتصر عليه بل قال: "الإمام الكبير" وتغاضى الأستاذ عن قول ابن سعد في أبي حنيفة؛ فإنه ذكره في موضعن من "الطبقات" (6/ 256)، و (7/ 67 قسم 2) وقال في كلا الموضعين: "وكان ضعيفًا في الحديث" ولم يقرن هذه الكلمة بشيء مما قرن به كلمته في أبي إسحاق فلم يقل: "ثقة"، ولا "فاضل"، ولا "صاحب سنة"!
(2/499)

ومع ذلك فليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة رجاله في حَدٍّ أن يقبل منه تليين من ثبَّته غيره، على أنه في أكثر كلامه إنما يتابع شيخه الواقدي، والواقدي تالف.
• وفي "مقدمة الفتح" في ترجمة "عبد الرحمن بن شريح":
"شذَّ ابن سعد فقال: منكر الحديث، ولم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا؛ فإن مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي ليس بمعتمد".
• وفيها في ترجمة "محارب بن دثار":
"قال ابن سعد: لا يحتجون به. قلت: بل احتج به الأئمة كلهم ... ولكن ابن سعد يقلد الواقدي".
• وفيها في ترجمة "نافع بن عمر الجمحي":
"قد قدمنا أن تضعيف ابن سعد فيه نظرة لاعتماده على الواقدي". اه.
2 - وقال الشيخ في "الفوائد" (ص 69):
"لا اعتداد بتوثيق ابن سعد إذا خالف؛ فإن مادته من الواقدي، كما قاله ابن حجر في تراجم: عبد الرحمن بن شريح، ومحارب بن دثار، ونافع بن عمر الجمحي من مقدمة الفتح، والواقدي لا يحتج به". اه.
3 - وقال بنحو ذلك في "الفوائد" أيضًا (ص 355).
4 - وقال في "التنكيل" (1/ 316):
"أبو داود أثبت من عدد مثل ابن سعد". اه.
* * *
(2/500)

ابن شاهين
(ت 385 ه)
(2/501)

يشتمل ذلك هنا على:
عدم الاعتداد بما يحكيه فيه "الثقات" عمَّن لم يدركه:
1 - قال ابن شاهين في "ثقاته":
"قال عثمان بن أبي شيبة: الحسن بن الربيع صدوق وليس بحجة".
فقال الشيخ المعلمي في ترجمة الحسن من "التنكيل" رقم (75):
"هذه الحكاية منقطعة؛ لأن ابن شاهين إنما ولد بعد وفاة عثمان بنحو ستين سنة، ولا نعلمه التزم الصحة فيما يحكيه في "ثقاته" عمن لم يدركه". اه.
وانظر ترجمة الحسن من قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (181).
2 - وضعَّف الشيخ المعلمي الخليل بن مرة الضبعي في "الفوائد" (ص 401).
وقال (ص 304):
"صالح متعبد فمن ثَمَّ أثنى بعضهم عليه، فأما في الحديث، فقد قال البخاري: "منكر الحديث"، وقال أيضًا: "فيه نظر" وهاتان من أشد صيغ الجرح عند البخاري. وقال أبو الوليد الطيالسي: "ضال مضل". اه. كلام المعلمي.
وعَلَّقْتُ أنا في هذا الموضع من قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (254) بقولي:
"وقال ابن معين والنسائي: ضعيف.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، هو شيخ صالح، بابة بكر بن خنيس وإسماعيل بن رافع.
وقال أبو زرعة: شيخ صالح.
(2/503)

وقال ابن حبان في "المجروحين": "منكر الحديث عن المشاهير، كثير الرواية عن المجاهيل".
وقال ابن عدي - وذكر له جملة من المناكير: للخليل أحاديث غرائب، وقد حدث عنه الليث وأهل الفضل، ولم أر في حديثه حديثًا منكرًا قد جاوز الحدَّ، وهو في جملة من يكتب حديثه، وليس هو متروك الحديث.
وأغرب ابن شاهين، فقال في "ثقاته" (1): "الخليل بن مرة ثقة، قال أحمد بن صالح: ما رأيت أحدًا يتكلم فيه، ورأيت أحاديثه عن قتادة ويحيى بن أبي كثير صحاحًا، وإنما استغنى عنه البصريون لأنه كان خاملا، ولم أر أحدًا تركه وهو ثقة".
فَبَيْن ابن شاهين وأَحمد بن صالح مفاوز، فلا يُدرى من أين أخذ هذا النقل؟ وهو خلاف ما سبق نقله عن الأئمة.
قول بعض أهل العلم في ابن شاهين:
قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (11/ 265):
"عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب بن ازداذ بن سراج بن عبد الرحمن أبو حفص الواعظ المعروف بابن شاهين.
كان ثقة أمينا ...
وسمعت محمد بن عمر الداودي يقول: كان ابن شاهين شيخًا ثقة يشبه الشيوخ، إلا أنه كان لَحَّانًا، وكان أيضًا لا يعرف من الفقه لا قليلًا ولا كثيرًا، وكان إذا ذُكر له مذاهب الفقهاء كالشافعي وغيره، يقول: أنا محمدي المذهب، ورأيته يومًا اجتمع مع أبي الحسن الدارقطني، فلم ينبس أبو حفص بكلمةٍ هيبةً وخوفًا أن يخطىء بحضرة أبي الحسن.
__________
(1) رقم (333).
(2/504)

قال الداودي: وقال لي الدارقطني يومًا: ما أعمى قلب ابن شاهين! حمل إليَّ كتابَه الذي صنفه في التفسير، وسألني أن أصلح ما أجد فيه من الخطأ، فرأيته قد نفل تفسير أبي الجارود وفرقه في الكتاب، وجعله عن أبي الجارود عن زياد بن المنذر، وإنما هو عن أبي الجارود وزياد بن المنذر.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمر بن يزداذ -إمام جامع الكرخ بها- قال: قال لي أبو بكر البقال: كان ابن شاهين يسألني عن كلام الدارقطني على الأحاديث، فأخبره فيعلقه، ثم يذكره بعد ذلك في أثناء تصانيفه.
قال لي ابن يزداذ: وكان ابن شاهين عند ابن البقال ضعيفًا.
وذكر ابن البقال عنه، أنه قال: رجعت من بعض سفري، فوجدت كتبي قد ذهبت، فكتبت من حفظي عشرين ألف حديث، أو قال ثلاثين ألف حديث استدراكًا مما ذهب.
وحدثنا البرقاني قال: قال ابن شاهين: جميع ما خرجته وصنفته من حديثي لم أعارضه بالأصول -يعني ثقة بنفسه فيما ينقله- قال البرقاني: فلذلك لم أستكثر منه زهدا فيه.
حدثني علي بن محمد بن نصر الدينوري، قال: سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: سمعت الدارقطني يقول: أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين يلج (1) على الخطأ، وهو ثقة.
وقال الذهبي في "السير" (16/ 434) بعد أن أورد معظم ترجمته من "تاريخ بغداد": "ما كان الرجل بالبارع في غوامض الصنعة، ولكنه راوية الإسلام". اه.
__________
(1) كذا في التاريخ بالجيم، وفي سؤالات السهمي رقم (344) بالحاء، وعزاه للنسختين من السؤالات، ومثله في "سير النبلاء" (16/ 433).
(2/505)

ابن يونس
صاحب "تاريخ علماء مصر"
(ت 347 ه)
(2/507)

قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (15/ 578):
"الإمام الحافظ المتقن أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد ابن الإمام يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري ...
ما ارتحل ولا سمع بغير مصر، ولكنه إمام بصير بالرجال فهم متيقظ ...
وقد اختصرتُ "تاريخه"، وعَلَّقْت عنه غرائب .. اه.
ترجيح قوله في المصريين على غيره:
قال المعلمي في "التنكيل" (1/ 176):
"ابن جَزْء قيل في وفاته سنة 85، 86، 87، 88 وأرجحها الثاني؛ لأنه قول ابن يونس؛ لأنه مؤرخ مصر". اه.
* * *
(2/509)

أبو الشيخ الأصبهاني
(ت 369 ه)
(2/511)

1 - قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 257):
"حافظ ثقة جبل". اه.
2 - وقال عن كتابه "العظمة" في "الأنوار" (ص 116):
"كتاب العظمة تكثر فيه الرواية عن الكذابين والساقطين والمجاهيل". اه.
3 - وقال في ترجمته من "التنكيل" (1/ 308):
"أما ما في كتبه من الأخبار الواهية، فهو كغيره من حفاظ عصره وغيرهم. قال ابن حجر في "لسان الميزان" (3/ 75) في ترجمة الطبراني: "عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات ... وهذا أمر لا يختص به الطبراني ... بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته".
وقد مرَّ النظر في ذلك في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأَصبهاني". اه.
4 - وقال في طليعة "التنكيل" (ص 45):
"وأبو الشيخ ... التزم في كتابه -يعني طبقات الأصبهانيين- النصّ على الغرائب، حتى قال في ترجمة الحافظ الجليل أبي مسعود أحمد بن الفرات: "وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير". اه.
5 - وقال في ترجمة موسى بن المساور الضبي من "التنكيل" (1/ 485):
"قال أبو الشيخ في "طبقات الأصبهانين": "روى عن سفيان بن عيينة وعبيد الله بن معاذ ووكيع والناس، وكان خيرًا فاضلًا، ترك ما ورثه من أبيه
(2/513)

لإخوته ولم يأخذ منه شيئًا؛ لأن أباه كان يتولى للسلطان ... " ونحو ذلك في "تاريخ أَصبهان" لأبي نعيم.
وبهذا يثبت أن الرجل عدل صدوق، ويبقى النظر في ضبطه، وسكوت هذين الحافظين وغيرهما من حفاظ أَصبهان وغيرهم عن الكلام في روايته يدل أنه لم يكن به بأس". اه.
* * *
(2/514)

السُّلَمي
(ت 412 ه)
(2/515)

هو محمد بن الحسين أبو عبد الرحمن النيسابوري الصوفي.
1 - قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 100):
"تكلموا فيه حتى رموه يوضع الحديث".
2 - وبنحوه في "الأنوار الكاشفة" (ص 117).
3 - وقال في "التنكيل" أيضًا (1/ 379):
"أراهم يحتملون حكاياته عن الدارقطني، مع أنه على يديّ عَدْلٍ".
4 - وقال فيه أيضًا (1/ 503): "ذُكرتْ ترجمته في "المنتظم" (8/ 6) فيها قول محمد ابن يوسف القطان: "كان أبو عبد الرحمن غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيع حدث عن الأصم ب "تاريخ يحيى بن معين "وبأشياء كثيرة سواها، وكان يضع للصوفية الأحاديث" (1). اه. كلام المعلمي.
قول بعض أهل العلم في السلمي:
قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (2/ 248):
"كان ذا عناية بأخبار الصوفية، وصنف لهم سننا وتفسيرًا وتاريخا".
وقال الذهبي في "سير النبلاء" (17/ 247):
__________
(1) قول القطان هذا قد أخذه عنه الخطيب، وذكره في تاريخ بغداد (2/ 248) بلفظ: وقال لي محمد بن يوسف القطان، وأعقبه الخطيب بقوله: "قَدْر أبو عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، ومحله في طائفته كبير، وقد كان مع ذلك صاحب حديث مجودًا، جمع شيوخًا وتراجم وأبوابًا". وكان قد قال في صَدْر ترجمته: "كان ذا عناية بأخبار الصوفية، وصنف لهم سننًا وتفسيرًا وتاريخًا"، كما سيأتي.
(2/517)

"ما هو بالقوي في الحديث (1)، ... وله سؤالات للدارقطني عن أحوالِ المشايخِ الرواةِ سؤال عارف، وفي الجملة ففي تصانيفه أحاديث وحكايات موضوعة، وفي "حقائق تفسيره" أشياء لا تسوغ أصلًا، عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية، وعدها بعضهم عرفانا وحقيقة، نعوذ بالله من الضلال، ومن الكلام بهوى؛ فإن الخير كل الخير في متابعة السنة، والتمسك بهدي الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم-.
... وقيل بلغت تآليف السلمي ألف جزء، و"حقائقه" قرمطة، وما أظنه يتعمد الكذب، بلى يروي عن محمد بن عبد الله الرازي الصوفي أباطيل، وعن غيره.
قال الإمام تقي الدين ابن الصلاح في "فتاويه": وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر: أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي "حقائق التفسير"، فإن كان اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر.
قلت: واغوثاه! واغربتاه! ". اه.
وفي "الميزان" (7419): "تكلموا فيه، وليس بعمدة ... وعُني بالحديث ورجاله ... وفي القلب مما يتفرد به" (2). اه.
__________
(1) وقال في "تذكرة الحفاظ" (ص 1046): "ضعيف ... ألف "حقائق التفسير"، فأتى فيه بمصائب، وتأويلات الباطنية، نسأل الله العافية.
ثم قال: قد سألَ أبا الحسن الدارقطني عن خَلْقٍ من الرجال سؤال عارف بهذا الشأن. اه.
(2) هل عنى بذلك تفرده بحديث أو حكاية، أم عنى كل تفرد ليشمل نقله أقوال الجرح والتعديل مثلًا؟
(2/518)

قال أبو أنس:
على الرغم مما قيل في السلمي، فقد أكثر المصنفون في الرجال من نقل سؤالاته للدارقطني، وسبق قولُ الذهبي:
"وللسلمي سؤالات للدارقطني عن أحوالِ المشايخِ الرواةِ سؤال عارفٍ -يعني بهذا الشأن".
فلم أجد الذهبيَّ أو أحدًا من الحفاظ اتَّهَمَهُ في نقله عن الدارقطني، ورواة السؤالات عن الدارقطني كثير، ولم أقف على من ذكر أنه يخالفهم أو ينفرد عنهم بما يدل الحال على وهمه، ولذا فقد لَخَّصَ المعلمي هذا الأمر فقال:
"أراهم يحتملون حكاياته عن الدارقطني، مع أنه على يديّ عَدْلٍ".
* * *
(2/519)

ابن طاهر
(ت 507 ه)
(2/521)

يشتمل ذلك هنا على:
وُلُوعِه بالجمال، وتعلقه به، وتسمُّحِه فيه، وأثرِ ذلك في حكايته عن الخطيب ما فيه غضٌّ منه.
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 132):
"وأما ابن طاهر وما أدراك ما ابن طاهر؟ ... يقول ابن الجوزي في ترجمة ابن طاهر من "المنتظم" (9/ 178):
" ... فمن أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث، وإلا فالجرح أولى به، ذكره أبو سعد بن السمعاني وانتصر له بغير حجة بعد أن قال: سألت شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي عن محمد بن طاهر، فأساء الثناء عليه، وكان سيء الرأي فيه، وقال: سمعت أبا الفضل محمد بن ناصر يقول: محمد بن طاهر لا يحتج به، صنف كتابًا في جواز النظر إلى المرد، وأورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها، فقيل له: تصلي عليها؟ فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح، ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة.
قال ابن السمعاني: وذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الدقاق الحافظ، فأساء الثناء عليه جدًّا، ونسبه إلى أشياء، ثم انتصر له ابن السمعاني، فقال: لعله قد تاب.
فواعجبًا ممن سيره قبيحة، فيترك الذم لصاحبها لجواز أن يكون قد تاب، ما أبله هذا المنتصر!.
(2/523)

ويدل على صحة ما قاله ابن ناصر من أنه كان يذهب مذهب الإباحة ما أنبأنا به أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أنشدنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي لنفسه:
دع التصوف والزهد الذي اشتغلت ... به جوارح أقوام من الناس
وعج على دير داريا فإن به ... الرهبان ما بين قسيس وشماس
فاشرب معتقة من كف كافرة ... تسقيك خمرين من لحظ ومن كاس
ثم استمع رنة الأوتار من رشأ ... مهفهف لحظه أمضي من الماس
وذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (4/ 37)، وذب عنه قال:
"الرجل مسلم مُعَظِّمٌ للآثار، وإنما كان يرى إباحة السماع [يعني سماع الغناء والملاهي] لا الإباحة المطلقة ... معلوم جواز النظر إلى الملاح عند الظاهرية فهو منهم"، وذكر ثناء جماعة عليه، وله ترجمة في "لسان الميزان".
والمقصود أن ابن طاهر كان له ولوع بالجمال، وتعلق به، وتسَمُّح فيه، وإن لم يُخرجه إن شاء الله تعالى إلى ما يوجب الفسق، وإنما ذكرته هنا لأن له أثرًا على حكايته الآتية، كما سترى.
في "تذكرة الحفاظ" (3/ 318):
"قال ابن طاهر في "المنثور" أخبرنا مكي الرملي [صوابه الرميلي] قال: كان سبب خروج الخطيب من دمشق أنه كان يختلف إليه صبي مليح، فتكلم فيه الناس، وكان أمير البلد رافضيًا متعصبًا، فجعل ذلك سببًا للفتك بالخطيب، فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله، وكان سنيا، فقصده تلك الليلة في جماعته فأخذه، وقال له بما أمر به، ثم قال: لا أجد لك حيلة إلا أنك تفر منَّا، وتهجم دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي ... ففعل ذلك، فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به، فقال
(2/524)

له: أيها الأمير ... ليس في قتله مصلحة ... أرى أن تخرجه من بلدك، فأمر بإخراجه، فذهب إلى صور، وأقام بها مدة".
وذكر ياقوت في "معجم الأدباء" (4/ 34) عن ابن طاهر نحو ذلك، وفيه: " ... كان يختلف إليه صبي مليح الوجه قد سماه مكي، وأنا نكبت عن ذكره".
أجاب الشيخ المعلمي عن تلك القصة التي أوردها ابن طاهر بأمورٍ، وبيَّن أن مكي الرميلي هذا حافظ فاضل شافعي من تلامذة الخطيب المعظمين له، إلى أن قال:
"طَهَّر الله ابنَ طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن يسمع حكايةً لها علاقةٌ ما بالجمال الذي كان مولعًا به متسمحًا في شأنه، فتصطبغ في نفسه صبغة تناسب هواه، فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى.
فعسى أن يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي على ما تقدم عن ابن عساكر توقف؛ لأن أكثر أهل الشَّام أهل سُنَّة، ويخشى أن يعلموا أنه تعرض للخطيب لأجل المذهب، ففكر أولئك السعاة في حيلة، فرأوا في طلبة العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحًا، فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة، وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس، ثم قالوا للأمير: تأخذ الخطيب على أنك أخذته بهذه التهمة التي قد تحدث بها الناس.
فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة، فقد يقع مثلها لأفضل الناس، ويخبر بوقوعها له أعقل الناس وأحزمهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرصوا منها ما يكره، ويحكي وقوعها لأستاذه أبر الناس وأوفاهم، لكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه، ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي أَلَّف فيه، ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمَّى ذاك الفتى، ولم هي في ذكر اسمه غضاضة عليه، فلما حكاها ابن طاهر، لم يسمه بل قال: "قد سماه مكي وأنا نكبت عن ذكره؛ لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي، ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما
(2/525)

احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهدًا لابن طاهر على ما يميل إليه، كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية". اه. كلام المعلمي.
قول بعض الأئمة في ابن طاهر:
قال الذهبي في "السير" (19/ 361):
" ... كتب ما لا يوصف كثرة بخطه السريع، القوي الرفيع، وصنف وجمع، وبرع في هذا الشأن، وعُني به أتم عناية، وغيره كثر إتقانا وتحريا منه ... قال أبو القاسم بن عساكر: سمعت إسماعيل بن محمد الحافظ يقول: أحفظ من رأيت محمد بن طاهر.
وقال أبو زكريا يحيى بن منده: كان ابنُ طاهر أحدَ الحفاظ، حسنَ الاعتقاد، جميلَ الطريقة، صدوقًا، عالمًا بالصحيح والسقيم، كثيرَ التصانيف، لازما للأثر.
قال أبو سعد السمعاني: سألت الفقيه أبا الحسن الكرجي عن ابن طاهر، فقال: ما كان على وجه الأرض له نظير، وكان داودي المذهب ...
... وقد ذكره الدقاق في رسالته، فَحَطَّ عليه، فقال: كان صوفيا ملامتيا، سكن الري، ثم همذان، له كتاب "صفوة التصوف"، وله أدنى معرفة بالحديث في باب شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما.
قلت: يا ذا الرجل أقصر؟ فابن طاهر أحفظ منك بكثير.
ثم قال: وذُكِرَ لي عنه الإباحة.
قلت: ما تعني بالإباحة؟
إن أردت بها الإباحة المطلقة، فحاشا ابن طاهر، هو والله مسلم أَثَرِيٌّ، معظمٌ لحرمات الدين، وإن أخطأ أو شذ.
وإن عنيت إباحة خاصة؛ كإباحة السماع، وإباحة النظر إلى المرد، فهذه معصية، وقول للظاهرية بإباحتها مرجوح.
(2/526)

قال ابن ناصر: محمد بن طاهر لا يحتج به؛ صنف في جواز النظر إلى المرد، وكان يذهب مذهب الإباحة.
قال أبو سعد السمعاني: سألت إسماعيل بن محمد الحافظ عن ابن طاهر، فتوقف، ثم أساء الثناء عليه، وسمعت أبا القاسم بن عساكر يقول: جمع ابن طاهر أطراف "الصحيحين"، و"أبي داود"، و"أبي عيسى"، و"النسائي"، و"ابن ماجه"، فاخطأ في مواضع خطأ فاحشا.
وقال الذهبي في "الميزان" (7710):
"ليس بالقوي؛ فإنه له أوهام كثيرة في تآليفه ... وله انحراف عن السنة إلى تصوف غير مرضي، وهو في نفسه صدوق، لم يتُهم، وله حفظ ورحلة واسعة". اه.
* * *
(2/527)

رزين بن معاوية العبدري
أبو الحسن الأندلسي السَّرَقُسْطِيّ
(ت 525 أو 535 ه)
(2/529)

قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص 49):
"ولقد أدخل -يعني رزين- في كتابه الذي جمع فيه بين دواوين الإسلام بلايا وموضوعات لا تعرف، ولا يكرى مِنْ أين جاء بها، وذلك خيانة للمسلمين، وقد أخطأ ابن الأثير خطًا بينًا بذكر ما زاده رزين في "جامع الأصول"، ولم ينبه على عدم صحته في نفسه إلا نادرًا، كقوله بعد ذكر هذه الصلاة -يعني: صلاة الرغائب- ما لفظه:
"هذا الحديث مما وجدته في كتاب رزين، ولم أجده في واحدٍ من الكتب الستة، والحديث مطعون فيه".
فعلق الشيخ المعلمي هاهنا بقوله:
"رزين معروف وكتابه مشهور، ولم أقف عليه ولا على طريقته وشرطه فيه، غير أنه سماه فيما ذكر صاحب "كشف الظنون" (1): تجريد الصحاح الستة هي: الموطأ، والصحيحان، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي.
ويظهر من "خطبة جامع الأصول" (2) لابن الأثير أن رزينًا لم يلتزم نسبة الأحاديث إلى تلك الكتب، بل يسوق الحديث الذي هو فيها كلها والحديث الذي في واحد منها ك "جامع الترمذي" مُغْفِلا النسبة في كل منها، فعلى هذا لا يستفاد من كتابه في الحديث، إلا أنه في تلك الكتب أو بعضها، ومع ذلك زاد أحاديث ليست فيها ولا في واحد منها.
فإذا كانا الواقع هكذا ومع ذلك لم ينبه في خطبة كتابه أو خاتمته على هذه الزيادات فقد أساء، ومع ذلك فالخطب سهل؛ فإن أحاديث غير الصحيحين من تلك الكتب ليست كلها صحاحًا. فصنيع رزين -وإنْ أَوْهَمَ في تلك الزيادات أنها في بعض تلك
__________
(1) (1/ 345).
(2) (1/ 48).
(2/531)

الكتب، فلم يوهم أنه صحيح ولا حسن، وأحسب الأحاديث التي زادها كانت وقعت له بأسانيده؛ فإنها أحاديث معروفة في الجملة؛ ومنها: حديث صلاة الرغائب، فإنه مختصر الخبر المتقدم (1)، والخبر المتقدم حدث به علي بن عبد الله بن جهضم المتوفى سنة (414)، وكان ابن جهضم شيخًا لحرم مكة، وإماما به، وجاء بعده رزين، فإن وفاته سنة (535) وكان بمكة. فالظاهر أنه وقع له الحديث بسنده إلى ابن جهضم، ولم يكن رزين من أهل النقد فلم يعرف حال الحديث.
ورزين لم يُذْكَرْ في "الميزان"، ولا فيما استدرك عليه، وذكره الذهبي عند ذكر المتوفن سنة (535) في "تذكرة الحفاظ" (2)، وذلك في ترجمة إسماعيل التيمي قال: "والمحدث أبو الحسن رزين ... مؤلف "جامع الصحاح"، جاور بمكة وسمع عن الطبري وابن أبي ذر" (3).
وذكره الفاسي في "العقد الثمين" (4)، فقال: "إمام المالكية بالحرم" ونقل عن السلفي أنه ذكر رزينًا فقال: "شيخ علام لكنه نازل الإسناد"، وذكر أنه توفي سنة (525) وله ترجمة في "الديباج المذهب" (ص 188) (5)، وذكر الفاسي وصاحب "الديباج" أن كتابه جمع فيه بين الصحاح الخمسة والموطأ، وفي "الديباج": توفي بمكة سنة خمس وعشرين، وقيل: خمس وثلاثين وخمسمائة" (6). اه.
__________
(1) خبر: رجب شهر الله وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي.
(2) (4/ 1281).
(3) وفي "السير" (20/ 86): "وفيها مات الامام الكبير المحدث أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي المجاور" اه.
(4) (4/ 398).
(5) (1/ 366) طبعة دار التراث.
(6) وله ترجمة أيضًا في "الصلة" لابن بشكوال (1/ 186)، وبغية الملتمس للضبي (ص 293)، وسير النبلاء (20/ 204)، والعبر (2/ 447)، وتاريخ الإسلام (الطبقة 40)، ومرآة الجنان (3/ 263)، =
(2/532)

قال أبو أنس:
ترجمه السمعاني في "التحبير" (214) فقال:
"أبو الحسن رزين بن معاوية بن عمار العبدري المالكي الأندلسي الفقيه السرقسطي، فقيه فاضل من أصحاب مالك ... وكان إمام المالكية بحرم الله تعالى، والمصلي بهم إمامًا في المسجد الجامع، سمع الفقيه أبا الحسن علي بن عبد الله الصقلي، وأبا العباس أحمد بن الشاطبي، وغيرهما، كتب إلي الإجازة بجميع مسموعاته من مكة حرسها الله". اه.
وترجمه الذهبي في "السير" (20/ 204) فقال:
"رزين بن معاوية بن عمار الإمام المحدث الشهير أبو الحسن العبدري الأندلسي السرقسطي صاحب كتاب "تجريد الصحاح".
جاور بمكة دهرا، وسمع بها: "صحيح البخاري" من عيسى بن أبي ذر، و"صحيح مسلم" من أبي عبد الله الطبري.
أدخل كتابه زياداتٍ واهيةً، لو تنزه عنها لأجاد. اه.
* * *
__________
= والنجوم الزاهرة (5/ 267)، وشذرات الذهب (4/ 106)، وروضات الجنات للموسوي (3 / رقم 303)، و"الرسالة المستطرفة" (130)، وشجرة النور الزكية (1/ 133)، وتاريخ الأدب العربي (6/ 266)، وهدية العارفين (1/ 367)، ومعجم المؤلفين (4/ 155).
قلت: له كتاب آخر في "أخبار مكة"، ذكره السلفي، لكن قال الفاسي: قد رأيته وهو ملخص من كتاب الأزرقي.
(2/533)

النووي
(ت 676 ه) على المشهور
(2/535)

في "الفوائد" (ص 225) حديث أبي هريرة:
"مَنْ حَدَّث حديثًا فَعُطس عنده فهو حق".
لا يعرف إلا من طريق بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة مرفوعا. وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه كما في "العلل" (2552) فقال: "هذا حديث كذب". اه.
وقد ذكره ابن عدي وعنه الذهبي في ترجمة شيخ بقية هذا.
وله إسناد آخر ضعيف أخرجه الطبراني عن أنس.
وفي "كشف الخفاء" (2/ 321):
"رواه أبو يعلى عن أبي هريرة رفعه. وأخرجه الطبراني والدارقطني في "الأفراد" والبيهقي وقال: منكر. وقال غيره: باطل، ولو كان سنده مثل الشمس. لكن قال النووي في "فتاويه": له أصل أصيل انتهى. وقال في "الدرر" تبعا للزركشي: حسنه النووي. وأخطأ من قال: إن الحديث باطل انتهى.
نَقَدَ الشيخ المعلمي إسناديه. وقال في الأول: منكر جدًّا سندا ومتنا وضعف الثاني. وعلَّقَ على تحسين النووي لحديث أبي هريرة بقوله:
"بنى النووي على أن كل إسناده ثقات متقنون، وقد علمتَ أن شيخ بقية (1) ليس كذلك، بل هو هالك، والذين استنكروا الخبر من الأئمة أعلمُ بالحديث وبرواته من النووي". اه.
* * *
__________
(1) هو معاوية بن يحيى، وانظر: الترجمة رقم (748) من قسم التراجم من هذا الكتاب.
(2/537)

ابن تيمية
(ت 728 ه)
(2/539)

* قال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 127).
"يورد الأحاديث في مؤلفاته من حفظه". اه.
قاله أبو أنس:
في "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" لابن عبد الهادي (1/ 42):
"وللشيخ: من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك، مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثير منها صنفه في الحبس، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب". اه.
قلت:
هذا مفاده لمن يطالع كتب شيخ الإسلام إذا أراد اعتماد لفظ ما، أو أراد أن يعزو حديثًا إلى مصادره من كتب السنة أن يراجع ما ذكره شيخ الإسلام في مصادره التي أحال عليها؛ خشيةَ وقوع فرقٍ ما بين اللفظين أو بين السياقين ربما ترتب عليه أمرٌ ذو بال، والله تعالى أعلم.
* * *
(2/541)

ابن السبكي
صاحب "طبقات الشافعية الكبرى"
(ت 771 ه)
(2/543)

هو تاج الدين قاضي القضاة أبو النصر عبد الوهاب بن تقي الدين علي بن عبد الكافي بن تمام الأنصاري السبكي الشافعي.
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 127):
" ... لِغُلُوُّهِ شديدُ العُقوق لأستاذه الذهبي". اه.
قاله أبو أنس:
أسرد هنا ما يتعلق بهذه القضية، مما لخصه الدكتور/ بشار عواد في ترجمته للذهبي في مقدمة "سير أعلام النبلاء" (ص 128) قال:
" ... وقد عرفنا من حياة الذهبي أنه رافق الحنابلة، وتأثر بشيخه ابن تيمية، لا سيما في العقائد، فكان شافعي الفروع، حنبلي الأصول، ولذلك عني عند النقد بإيراد العقائد على طريقة أهل الحديث، وعَدَّها جزءا منه كما بيَّنَا قبل قليل، ووجدنا في البيئة الدمشقية في الوقت نفسه من يتعصب للأشاعرة غاية التعصب.
وبسبب العقائد انْتُقِدَ الذهبيُّ مِنْ بعض معاصريه، لا سيما تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي (1) (728 - 771) في غير موضع من كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" (2) وفي كتابه الآخر "معيد النعم" (3)، فقال في ترجمته من "الطبقات":
"وكان شيخنا -والحق أحق ما قيل، والصدق أولي ما آثره ذو السبيل- شديدَ الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الازدراء بأهل السنة الذين إذا حضروا كان أبو الحسن
__________
(1) اتصل السبكي بالذهبي سنة 739 ه، ولم يبلغ آنذاك اثني عشر عامًا، ولازمه، فكان يذهب إليه في كل يوم مرتين، وقد ترجم له الذهبي في "معجمه المختص" انظر مقدمة "طبقات الشافعية".
(2) انظر مثلًا 2/ 13 فما بعد، 3/ 299، 352 - 353، 356، 4/ 33، 133، 147، 9/ 103 - 104، وغيرها.
(3) "معيد النعم" (ص 74، 77).
(2/545)

الأَشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم.
صنف "التاريخ الكبير"، وما أحسنه لولا تعصب فيه، وكمله لولا نقص فيه، وأي نقص يعتريه" (1).
وقال في ترجمة: أحمد بن صالح المصري من "الطبقات" أيضًا:
"وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له، فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين؛ أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد في المجسمة، هذا وهو الحافظ المِدْرَه، والإمام المبجل، فما ظنك بعوام المؤرخين" (2).
وذكر في موضع آخر أنه نقل من خط صلاح الدين خليل بن كيلكلدي العلائي (694 - 761) وهو من تلاميذ الذهبي والمتصلين به، أنه قال ما نصه:
"الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي، لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس، ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات، ومنافرة التأويل، والغفلة عن التنزيه، حتى أثَرَ ذلك في طبعه انحرافا شديدًا عن أهل التنزيه وميلا قويًا إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم لواحدٍ منهم يُطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته، ويتاول له ما أمكن، وإذا ذكر أحدًا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما، لا يبالغ في وصفه، ويُكثر من قول من طعن فيه، ويُعيد ذلك ويُبديه، ويعتقده دينًا، وهو لا يشعر، ويُعْرِضُ عن محاسنهم الطافحة، فلا يستوعبها، وإذا ظفر لأحدٍ منهم بغلطة ذكرها.
__________
(1) (2/ 22).
(2) (9/ 103 - 104).
(2/546)

وكذلك فِعْلُهُ في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحدٍ منهم بتصريحٍ يقول في ترجمته: والله يُصلحه، ونحو ذلك، وسببه المخالفة في العقائد" (1).
ثم ذكر السبكي أن الحال أزيد مما وصف العلائي، ثم قال: "والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه، وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجرىء أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه" (2).
وبالغ السبكي بعد ذلك، فقال: "إن الذهبي متقصد في ذلك، وأنه كان يغضب عند ترجمته لواحد من علماء الحنفية والمالكية والشافعية غضبا شديدًا، ثم يقرطم الكلام ويمزقه، ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي، فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها" (3).
وقد أثارتْ انتقاداتُ السبكي هذه نقاشا بين المؤرخين، فَرَدَّ عليه السخاوي (ت 902 ه) حيث اتَّهَمَ السبكيَّ بالتعصب الزائد للأشاعرة. ونقل قولَ عز الدين الكناني (ت 819 ه) في السبكي: "هو رجلٌ قليلُ الأدب، عديمُ الإنصاف، جاهلٌ بأهل السنة ورتبهم" (4).
وقال يوسف بن عبد الهادي (ت 909 ه) في "معجم الشافعية":
"وكلامُه هذا في حَقِّ الذهبيِّ غيرُ مقبول؛ فإن الذهبي كان أَجل من أن يقول ما لا حقيقة له ... والإنكار عليه أشدُّ من الإنكار على الذهبي، لا سيما وهو شيخه وأستاذه فما كان ينبغي له أن يفرط فيه هذا الإفراط". اه.
__________
(1) "الدرر الكامنة" لابن حجر: (2/ 179 - 182).
(2) نفسه (2/ 13 - 14).
(3) نفسه (2/ 14).
(4) "الإعلان بالتوبيخ" (ص 469) فما بعدها.
(2/547)

والحق أن السبكي أشعري جلد متعصب غاية التعصب، ولا أدل على ذلك من شتيمته المقذعة في حقِّ الذهبي في ترجمة أبي الحسن الأَشعري من "الطبقات"، فقد سفَّ بها إسفافا كثيرا؛ بسبب عدم قيام الذهبي بترجمته ترجمة طويلة في "تاريخ الإسلام"، ولأنه اكتفى بإحالة القارىء إلى كتاب "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر، فعَدّ ذلك نقيصة كبيرة في حق الأَشعري ...
ولقد أبانت دراستنا ل "تاريخ الإسلام" أن الذهبي قد وُفِّقَ إلى أن يكون منصفا إلى درجة غير قليلة في نقده لكثير من الناس، وما رأينا عنده تفريقا كبيرًا بين علماء المذاهب الأربعة، وما كان يرضى الكلام بغير حق، ولا حتَّى نقله في بعض الأحيان.
* قال في ترجمة: الحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه الحنفي:
"قد ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي لي ذكرها". اه.
* وقال في ترجمة: ابن الحريري الدمشقي الحنفي (ت 728 ه):
"قاضي القضاة، علامة المذهب، ذو العلم والعمل". اه.
* وقوله في قاضي الحنفية: شمس الدين الأذرعي (ت 673 ه):
"لم يخلف بعده مثله". اه.
* وترجم لأبي جعفر الطحاوي ترجمة رائقة ودلل على سعة معرفته وفضله وعلمه الجمّ.
* وقال في ترجمة عماد الدين الجابري الحنفي المتوفى سنة (584 ه) من "السير" (1): "شيخ الحنفية نعمان الزمان". اه.
* وقال في ترجمة المرغيناني الحنفي: "كان من أوعية العلم" (2).
__________
(1) (21/ 172).
(2) نفسه (21/ 232).
(2/548)

وهذا هو منهجه في معظم الحنفية، لم نره تكلم في أحدهم بسبب المذهب، لا من الشافعية ولا المالكية ولا الحنفية.
ولو قال السبكي: إنه كان يتعصب على الأشاعرة حَسْب لَوَجَد بعضَ الآذان الصاغية، ولبحث له المؤيدون عن بضعة نصوص قد تؤيد رأيه علمًا أني بحثت في "تاريخ الإسلام" و"سير أعلام النبلاء" وغيرهما، فلم أستطع أن أحصل على مثلٍ يصلح أن يسمى انتقادا لأشعري.
نعم قد نجد بعض تقصير في تراجم قسمم من الأشاعرة، وفي هذا المجال صرت أشعر أن سبب قصر بعض تراجم الأشاعرة قد جاء من عدم قيام الذهبي بنقل آراء المخالفين بتوسع حبا منه للعافية، كما في ترجمة أبي الحسن الأشعري الذي لم يأت الذهبي بكلمةِ نقدٍ فيه، مع أن الأشعري قضى القسم أكبر من حياته معتزليا. ونحن نعرف موقف الذهبي من المعتزلة.
والواقع أن الذهبي ما بخس فضل هذا الرجل إلى درجة أنه عده مجددا في أصول الدين على رأس المائة الرابعة (1).
أما كلام الذهبي في الصوفية، فصحيحٌ ما قاله السبكي، ولكن في النادر منهم، وهذا رأي ارتآه الذهبي، واعتقد فيه وآمن بمع فقد ميَّز بين طائفتين منهم:
أولاهما: كانت متمسكة بالدين القويم، متبعة للسنة، احترمهم الذهبي الاحترام كله، بل لبس هو خرقة التصوف من الشيخ ضياء الدين عيسى بن يحيى الأنصاري السبتي عند رحلته إلى مصر، وكان يعتقد ببعض كرامات كبار الزهاد، ويُعنى بايرادها في كتابه، بل يكثر منها عادة، ويورد بعض أقوالهم وحكاياتهم في الزهد والمحبة فيه.
__________
(1) انظر "طبقات" السبكي (3/ 26).
(2/549)

أما الثانية: فقد عدهم الذهبي مارقين عن الدين، مشعوذين بِهِم مَسٌّ من الجنون ومنهم الأحمدية أتباع الشيخ أحمد الرفاعي، والقلندرية (1)، وشيخُها جمال الدين محمد الساوجي، فقد ذكر تُرَّهاته، وانغشاش الناس به وبحاله الشيطاني ووصف بعض أحوالهم في ترجمة يوسف القميني (ت 657 ه) فقال: "وكان يأوي إلى قمين حمام نور الدين، ولما تُوفي شيَّعَهُ خلقٌ لا يحصون من العامة، وقد بصَّرنا الله تعالى وله الحمد وعرفنا هذا النموذج ... فقد عم البلاء في الخلق بهذا الضرب ... ومن هذه الأحوال الشيطانية التي تضل العامة: أكل الحيات ودخول النار، والمشي في الهواء ممن يتعانى المعاصي، ويخل بالواجبات ... وقد يجىء الجاهل، فيقول: اسكت، لا تتكلم في أولياء الله ولم يشعر أنه هو الذي تكلم في أولياء الله وأهانهم إذ أدخل فيهم هؤلاء الأوباش المجانين أولياء الشيطان".
ولم يكن الذهبي متعصبا للحنابلة بالمعنى الذي صوره السبكي، فالرجل كان محدثا يحب أهل الحديث ويحترمهم، إلا أن هذا لم يمنعه من تناول مساوىء بعضهم؛ فقد نقل عن الإمام ابن خزيمة في ترجمة الطبري المؤرخ قوله: "ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة"، ثم قال الذهبي معقبًا: "كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهلٍ وحاسدٍ وملحدٍ".
وقال في ترجمة: عبد الساتر بن عبد الحميد، تقي الدين، الحنبلي، المتوفى سنة 679: "ومهر في المذهب ... وقلَّ من سمع منه؛ لأنه كان فيه زعارة. وكان فيه غلو في السنة ومنابذة للمتكلمين، ومبالغة في اتباع النصوص ... وهو فكان حنبليا خشنا، متحرقا على الأشعري ... كثير الدعاوى قليل العلم".
__________
(1) القلندرية: المحلقون أي الذي يحلقون رءوسهم ولحاهم.
(2/550)

ومع ما كان للذهبي من إعجابٍ بشيخه ابن تيمية، فإنه أخذ عليه: "تغليظه، وفظاظته، وفجاجة عبارته، وتوبيخه الأليم المبكي المنكي المثير النفوس" ... وقد رأى في بعض فتاويه انفرادًا عن الأمة. قال: "وقد انفرد بفتاوى نِيلَ من عِرضه لأجلها، وهي مغمورةٌ في بحر علمه، فالله تعالى يسامحه، ويرضى عنه، فما رأيت مثله، وكُلُّ أحدٍ من الأمة فيؤخذ من قوله ويترك فكان ماذا؟ " (1).
وقد بلغ حرص الذهبي في النقد وشدة تحريه: أنه تكلم في ابنه أبي هريرة عبد الرحمن، فقال: "إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتَّى نسيه" (2).
ولست هنا في حال دفاع عن الرجل فكتاباته خير مدافع عنه، وهي الحكَمُ في تقويمه ولكنني أقول: إن تحقيق كثيرٍ من الإنصاف -وإن لم يكن كله- أمر له قيمته العظمى في كل عصر". اه. النقل عن مقدمة "السير" للدكتور/ بشار عواد، بغالب حواشيه.
* * *
__________
(1) "تذكرة الحفاظ" (4/ 1497).
(2) "الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي (ص 488).
(2/551)

سبط ابن الجوزي
(ت 654 ه)
(2/553)

1 - قال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 128):
"معروف بالمجازفة".
2 - وقال في "التنكيل" (1/ 129):
"ليس بعمدة".
3 - وفيه (1/ 335):
"كثير التصرف في الحكايات".
4 - وقال فيه (1/ 135):
"استمعْ لسبط ابن الجوزي وتصرفه، قال الذهبي في "الميزان":
"يوسف بن قُزْغُلي الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي، روى عن جده وطائفة وألَّف "مرآة الزمان" فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يجنف ويجازف، ثم إنه ترفَّض، وله في ذلك مؤلف ... قال الشيخ محيي الدين ... لما بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال: لا رحمه الله؛ كان رافضيًّا.
قلت: كان بارعًا في الوعظ ومدرسًا للحنفية".
أقول: قد تقدم أنه كان حنبليًّا، ثم تحنف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيل مرءاته لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب الذي يلقبه الكوثري" عالم الملوك الملك المعظم، فإن هذا الملك كان أهله شافعية فتحنف وتعصب ...
فأما السبط فقد مرَّ عن الذهبي ما علمت، ومن طالع "المرآة" علم صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة والمجازفات ولا سيما فيما فيه مدح لنفسه، ويظهر من "المرآة" ما يوافق قول صاحب الذيل عليها أنه إنما تحنف في الصورة الظاهرة، وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي، فكأنه إنما أَلَّف كتابه في الترفض تقربًا إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا.
(2/555)

فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى، وقد عرفت بعض حالة في التعصب، فتحنف السبط إرضاء له، وألَّف كلٌّ منهما ردًّا على الخطيب كما مر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون، وحاول السبط التقرب إلى عيسى بذم الخطيب، وذكر حكاية ابن طاهر (1) فزاد فيها.
قال الأستاذ (ص 12): "قال سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان": قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشق فصحبه حدثٌ صبيحُ الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وكثروا حتَّى بلغ والي المدينة وكان من قبل المصريين شيعيًّا، فأمر صاحب الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله وكان صاحب الشرطة سنيًّا فهجم عليه فرأى الصبي عنده وهما في خلوة فقال للخطيب: قد أمر الوالي بقتلك وقد رحمتك ... فأخرجوه فمضى إلى صور واشتد غرامه بذلك الصبي ... ".
فيقال لهذا الجانف المجازف: توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدك، فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر حتَّى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات الفاجرة حتَّى في ترجمة الكسائي فلم يذكروا فيها ما ذكرت، بل نقلها خليلك الملك عيسى في رده على الخطيب (ص 277) من خط ابن طاهر كما قال، ولم يذكر هذه الزيادة ولا ما يشير إليها. استفدت هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العش. وكانت القصة وابن طاهر سنه تسع سنين ولم يكن بدمشق فممن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكي الرميلي فإنه حكى ما سمعه من مكي على غير هذا، وقد تقدم حال مكي بما يعلم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكيا لم يشهد القصة فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها، ولو كان السبط ثقة لاتجه الحمل على ابن طاهر وتثبت مجازفته، لكن حال السبط كما علمت، وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجهٍ يغتفر في الجملة، فالحمل على السبط". اه.
__________
(1) انظر: ترجمة ابن طاهر في هذا القسم.
(2/556)

ابن فُورَك
(ت 604 ه)
(2/557)

وصفه الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 242) ب:
"المُتَجَهِّمُ الذي حَذا حَذْوَ ابنِ الثَّلْجِي في كتابه الذي صنفه في تحريفِ أحاديثِ الصفاتِ والطعنِ فيها" (1). اه.
قلت:
هو: أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورَك الأَصبهاني.
قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (17/ 214):
كان أشعريا، رأسًا في فَنِّ الكلام، أخذ عن أبي الحسن الباهلي صاحب الأشعري.
* * *
__________
(1) ليس العيبُ على ابنِ فَوْرَك في هذا، فهو مَشْرَبُهُ، وكُلُّ إناءٍ يَنضحُ بما فيه، ولكنَّ المَلامَ على الشُرَّاحِ من أهل الحديث الذين أكثروا من النقل عنه في تأويل الصفات وتحريفها، والله المستعان.
(2/559)

ابن الثلجي
(ت 266 ه)
(2/561)

قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 252):
"كان ابنُ الثَّلْجِيِّ مِنْ أتباعِ بِشر المريسي، جهميًّا داعيةً عدوًّا للسنة وأهلها، قال مَرة: "عند أحمد بن حنبل كتبُ الزندقة، وأَوْصَى أن لا يُعطَى من وصيته إلا من يقول: القرآن مخلوق. ولم أر من وثقه، بل اتهموه وكذبوه، قال ابن عدي: "كان يضع أحاديث في التشبيه، وينسبها إلى أصحاب الحديث، يثلبهم بذلك". وذكر ما رواه عن حبان بن هلال، وحبان ثقة، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها" (1). وكذبه أيضًا الساجي، والأزدي، وموسى بن القاسم الأشيب.
فأما ما نُسب إليه من التوسع في الفقه وإظهار التعبد فلا يدفع ما تقدم، وحكايته هذه يلوح عليها الكذب ... الحمل فيها على ابن الثلجي كما ذكر الذهبي". اه.
وقال الذهبي في ترجمة حماد من "الميزان": "ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله وقَدِ اتُّهِم، نسأل الله السلامة". اه. كلام المعلمي.
قوله بعض أهل العلم في ابن الثلجي:
في "تاريخ بغداد" (5/ 350):
"كان فقيه أهل العراق في وقته، وهو من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي ... وكان يذهب إلى الوقف في القرآن.
... عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت القواريري يقول قبل أن يموت بعشرة أيام -وذكر ابن الثلجي- فقال: هو كافر. فذكرت ذلك لإسماعيل القاضي، فسكت، فقلت له: ما أكفره إلا بشيء سمعه منه، قال: نعم.
__________
(1) انظر "الكامل" (2/ 260)، و (6/ 291).
(2/563)

أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، عن عمه أبي علي عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان، أنه سأل أحمد بن حنبل عن ابن الثلجي، فقال: مبتدع صاحب هوى.
أخبرني أبو بكر البرقاني، حدثني محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك الأدمي، حدثنا محمد بن علي بن أبي داود البصري، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال: فأما محمد بن شجاع الثلجي فكان كذابا، احتال في إبطال الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورَدِّه نصرةً لأبي حنيفة ورأيه.
حدثني أحمد بن محمد المستملي، أخبرنا محمد بن جعفر الوراق، أخبرنا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الحافظ، قال: محمد بن شجاع الثلجي البغدادي كذاب لا تحل الرواية عنه لسوء مذهبه وزيغه عن الدين ... اه.
* * *
(2/564)

ابن قتيبة
(ت 276 ه)
(2/565)

1 - قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 94):
"ابن قتيبة لا شان له بمعرفة الرواية والخطأ والصواب فيها وأحوال الرواة ومراتبهم؛ وإنما فَنُّه معرفة اللغة والغريب والأدب". اه.
2 - ونقل الشيخ المعلمي في مبحث رواية المبتاع من "التنكيل" (1/ 47) عن ابن قتيبة كلامًا يتعلق بهذا المبحث، فناقشه وفَنَّدَهُ ثم قال (ص 49):
"وعلى كل حال فابن قتيبة على فضله ليس هذا فَنَّهُ، ولذلك لم يعرج أحد من أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق". اه.
قلت:
هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري وقيل المروزي الكاتب صاحب التصانيف، نزل بغداد وصنف وجمع.
قال الخطيب: كان ثقة دينا فاضلا.
قال الذهبي في "السير": (13/ 298):
"كان رأسا في علم اللسان العربي والأخبار وأيام الناس، وقال أبو بكر البيهقي: كان يرى رأي الكرامية، ونقل صاحب "مرآة الزمان" بلا إسناد عن الدارقطني أنه قال: كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه.
قلت: هذا لم يصح، وإن صح عنه فسحقا له، فما في الدين محاباة.
وقال مسعود السجزي: سمعت أبا عبد الله الحاكم، يقول: "أجمعت الأمة على أن القتيبي كذاب".
قلت: هذه مجازفة وقلة ورع، فما علمت أحدا اتهمه بالكذب قبل هذه القولة، بل قال الخطيب: إنه ثقة.
(2/567)

وقد أنبأني أحمد بن سلامة عن حماد الحراني أنه سمع السلفي ينكر على الحاكم في قوله: لا تجوز الرواية عن ابن قتيبة ويقول: ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة، ثم قال: لكن الحاكم قصده لأجل المذهب.
قلت: عهدي بالحاكم يميل بلى الكرامية، ثم ما رأيت لأبي محمد في كتاب "مشكل الحديث" ما يخالف طريقة المثبتة والحنابلة، ومن أن تُمَرَّ ولا تتأول. فالله أعلم.
... والرجل ليس بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمة، وعلوم مهمة.
... قيل لابن أصبغ: فكتابه في الفقه كان ينفق عنه؟ قال: لا والله، لقد ذاكرت الطبري وابن سريج، وكانا من أهل النظر، وقلت: كيف كتاب ابن قتيبة في الفقه؟ فقالا: ليس بشيء. ولا كتاب أبي عبيد في الفقه ... قالا: ليس هؤلاء لهذا، بالحَري أن تصح لهما اللغة، فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي وداود ونظرائهما.
قال قاسم بن أصبغ: كنا عند ابن قتيبة، فأتوه بأيديهم المحابر، فقال: اللهم سلمنا منهم فقعدوا، ثم قالوا: حَدِّثْنا رحمك الله. قال: ليس أنا ممن يحدث، إنما هذه الأوضاع، فمن أحب؟ قالوا له: ما يحل لك هذا، فحدِّثْنا بما عندك عن إسحاق بن راهويه؛ فإنا لا نجد فيه إلا طبقتك، وأنت عندنا أوثق. قال: لست أحدث، ثم قال لهم: تسألوني أن أحدث وببغداد ثمانمائة محدث كلهم مثل مشايخي، لست أفعل، فلم يحدثهم بشيء". اه.
* * *
(2/568)

ابن خراش
(ت 283 ه)
(2/569)

هو أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش المروزي ثم البغدادي.
قال الشيخ المعلمي في ترجمة هشام بن عروة من "التنكيل" (1/ 503):
" ... بَقِيَ ما قيل: إن هشامًا كان يدلس، قال يعقوب بن سفيان: "ثقة ثبت لم يُنْكَر عليه إلا بعدما صار إلى العراق؛ فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشامًا تسهل لأهل العراق أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه [مما] كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه.
وجاء عن ابن خراش ما يفهم منه هذا المعنى وقد تفهم منه زيادة لا دليل عليها، فلا تقبل من ابن خراش ... ". اه.
قلت:
قال ابن عدي في "الكامل" (4/ 322):
"سمعت عبدان نسبه إلى الضعف ... وقد ذكر في عبدان أن ابن خراش حدَّث بأحاديثَ مراسيل أوصلها، ومواقيف رفعها ... سمعت عبدان يقول: وحمل ابن خراش إلى بندار جزأين صنفهما في مثالب الشيخي، فأجازه بألفي درهم، فبنى بذلك حجرة ببغداد ليحدث فيها فما مُتِّعَ بها، ومات حين فرغ منها.
وسمعت أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة يقول: كان ابن خراش في الكوفة إذا كتب شيئا من باب التشيع يقول في: هذا لا يتفق إلا عندي وعندك يا أبا العباس.
وسمعت عبد الملك بن محمد أبا نعيم يثني على ابن خراش هذا، وقال: ما رأيت أحفظ منه، لا يُذكر له شيخ من الشيوخ والأبواب إلا مَرَّ فيه.
(2/571)

وابن خراش هذا هو أحد من يذكر بحفظ الحديث من حفاظ العراق، وكان له مجلس مذاكرة لنفسه على حدة، إنما ذكر عنه شيء من التشيع كما ذكره عبدان، فأما الحديث فأرجو أنه لا يتعمد الكذب". اه.
وفي "سؤالات حمزة للدارقطني" (341): "سألت أحمد بن عبدان عن عبد الرحمن ابن يوسف بن خراش يقبل قوله؟ قال: لم أسمع فيه شيئا، سألت أبا زرعة محمد بن يوسف الجرجاني عن عبد الرحمن بن خراش فقال: كان أخرج مثالب الشيخين وكان رافضيًّا". اه.
وصفه الذهبي في "السير" (13/ 508) ب: الحافظ الناقد البارع ... ثم نقل ما سبق عن ابن عدي، ثم قال: "هذا مُعَثَّرٌ مخذولٌ، كان علمه وبالا، وسعيه ضلالا، نعوذ بالله من الشقاء". اه.
وقال في "الميزان": "هذا واللهِ الشيخُ المُعَثَّر الذكره ضل سعيه، فإنه كان حافظ زمانه، وله الرحلة الواسعة والاطلاع الكثير والإحاطة، وبعد هذا فما انتفع بعلمه، فلا عتب على حمير الرافضة". اه.
* * *
(2/572)

ابن نمير
(ت 234 ه)
(2/573)

هو محمد بن عبد الله بن نمير الحافظ أبو عبد الرحمن الهمداني ثم الخارفي مولاهم الكوفي من أقران أحمد بن حنبل وعلي بن المديني.
* قال الشيخ المعلمي في "الموضح" (2/ 426):
"ثبت متقن فاضل، إليه المنتهى في معرفة شيوخ الكوفيين حتى كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان فيهم ما يقوله". اه.
قلت:
قال الذهبي في "السير" (11/ 455):
"كان رأسا في العلم والعمل. قال أبو إسماعيل الترمذي: كان أحمد بن حنبل يعظم محمد بن عبد الله بن نمير تعظيما عجيبا، ويقول: أي فتى هو؟! وقال إبراهيم بن مسعود الهمذاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: محمد بن عبد الله بن نمير درة العراق.
قال علي بن الحسين بن الجنيد الحافظ: كان أحمد وابن معين يقولان في شيوخٍ ما يقول ابن نمير فيهم يعني: يقتديان بقوله في أهل بلده.
* * *
(2/575)

عثمان بن أبي شيبة
(ت 239 ه)
(2/577)

تعنته في الرجال:
1 - قال الشيخ المعلمي في ترجمة: الحسن بن الربيع أبي علي البجلي الكوفي من "التنكيل" رقم (75):
"عثمان على قلة كلامه في الرجال يتعنت".
2 - وقال أيضًا: "نقل ابن شاهين عن عثمان قوله في الحسن: "صدوق وليس بحجة".
فقال المعلمي:
"كلمة ليس بحجة لا تنافي الثقة، فقد قال عثمان نفسه في أحمد بن عبد الله بن يونس الثقة المأمون: ثقة وليس بحجة". وراجع فتح المغيث (ص 157) ". اه.
وانظر ترجمة الحسن من قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (181).
3 - وفي ترجمة: إسرائيل بن يونس من الجرح والتعديل (2/ 330) قول ابن مهدي فيه: "كان إسرائيل في الحديث لصًّا يعني أنه يتلقف العلم تلقفًا".
فعلق الشيخ المعلمي بقوله:
"في "التهذيب" (263): قال عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي: إسرائيل لص يسرق الحديث.
كذا قال، والمعروف عن ابن مهدي توثيق إسرائيل والثناء عليه. وفي "التهذيب": وقال ابن مهدي: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري".
فكلمة "يسرق الحديث" إنما هي من قول عثمان، فسَّر بها كلمة "لص" والصواب ما قاله المؤلف". اه. يعني بالمؤلف: ابن أبي حاتم.
* * *
(2/579)

دحيم
(ت 245 ه)
(2/581)

هو أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون الدمشقي قاضي مدينة طبرية.
في "الفوائد" (ص 464) حديث: "في السماء الدنيا بيت يقال له: المعمور بحيال هذه الكعبة ... ".
قال ابن الجوزي: هو موضوع؛ آفته روح بن جناح ... قال السيوطي: ما هو بموضوع ... وروح لم يتهم بالكذب، بل قال النسائي وغيره: ليس بالقوي. ووثقه دحيم. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
فقال الشيخ المعلمي:
"توثيقُ دحيم لا يُعارضُ توهينَ غيرهِ من أئمة النقد؛ فإن دحيمًا ينظر إلى سيرة الرجل، ولا يُمعِنُ النظرَ في حديثه وهذا الحديث قد أنكره الأئمة إنكارًا شديدًا، منهم: الجوزجاني والحاكم أبو أحمد والعقيلي وغيرهم، وهو منكر جدًّا سندًا ومتنًا ... ". اه.
قلت:
قال الخليلي في "الإرشاد" (1/ 450): "أحد حفاظ الأئمة، متفق عليه، مخرج في "الصحيحين"، روى عن أصحاب الأوزاعي وأصحاب مالك، وروى عن ابن عيينة، ويعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وجرحهم ... سمعت محمد بن علي الفرضي والحسن بن عبد الرزاق يقولان: سمعنا سليمان بن يزيد الفامي يقول: سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي يقول: لم أر بالشام مثل دحيم، ولا بالعراق مثل عمرو بن علي". اه.
(2/583)

وقال الذهبي في "السير" (11/ 515):
"القاضي الإمام الفقيه الحافظ محدث الشام ... وعُنِيَ بهذا الشأن، وفاق الأقران، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل ... قال ابن أبي حاتم: كان يُعرف بدحيم اليتيم، فسمعت أبي يقول: كان دحيم يميز ويضبط وهو ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون ... قال عبدان: سمعت الحسن بن علي بن بكر يقول: قدم دحيم بغداد سنة اثنتي عشرة ومائتين، فرأيت أبي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وخلف بن سالم بين يديه كالصبيان قعودا.
قلت: هؤلاء أكبر منه، ولكن كرموه؛ لكونه قادما، واحترموه لحفظه. قال أحمد العجلي: دحيم ثقة، كان يختلف إلى بغداد، فذكروا: الفئة الباغية هم أهل الشام، فقال: من قال هذا فهو ابن الفاعلة، فنكب عنه الناس، ثم سمعوا منه.
قلت: هذه هفوة من نصب، أو لعله قصد الكف عن التشغيب بتشغيب. قال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يقول: دحيم حجة، لم يكن بدمشق في زمانه مثله. قال المروذي: سمعت أحمد بن حنبل يثني على دحيم ويقول: هو عاقل ركين. وقال الدارقطني: ثقة. وقال أبو أحمد بن عدي: هو أوثق من حرملة". اه.
* * *
(2/584)

العجلي
(ت 261 ه)
(2/585)

1 - قال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 22):
"قد استقرأت كثيرًا من توثيق العجلي، فبان لي أنه نحو من ابن حبان".
2 - وفيه (ص 64):
"كلمة ثقة عنده لا تفيد أكثر مما تفيده كلمة صدوق عند غيره، بل دون ذلك".
3 - وفيه (ص 220):
"متسمح جدًّا".
4 - وفيه (ص 282):
"العجلي مثل ابن حبان أو أشد تسهلا في توثيق التابعين كما يعلم بالاستقراء". اه.
5 - وفيه (ص 485):
"العجلي متسمح جدًّا، وخاصة في التابعين، فكأنهم كلهم عنده ثقات، فتجده يقول" تابعي ثقة "في المجاهيل وفي بعض المذمومين؛ كعمر بن سعد، وفي بعض الهلكى كأصبغ بن نباتة". اه.
6 - وفي "الأنوار الكاشفة" (68): "توثيق العجلي وجدته بالاستقراء كتوثيق ابن حبان أو أوسع".
7 - وفي "التنكيل" (1/ 66): "العجلي قريب من ابن حبان في توثيق المجاهيل من القدماء".
* * *
(2/587)

ابن أبي خيثمة
(ت 279 ه)
(2/589)

ذكر الكوثري أنه نُسب إلى القدر، وكان مختصًّا بعلي بن عيسى.
فقال الشيخ المعلمي (1/ 273):
"أما ابن أبي خيثمة فقال الدارقطني: "ثقة مأمون". وقال الخطيب: "كان ثقة عالمًا متقنًا حافظًا" هكذا في "تذكرة الحفاظ"، و"لسان الميزان". ووقع في "تاريخ بغداد": "متفننًا" بدل "متقنًا". وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": الحافظ الحجة الإمام".
فأما القَدَر، فلو ثبت عنه لم يضره كما سلف في القواعد، فكيف وهو غير ثابت؟ إذ لا يُدرى من الناس الذين نسبوه إليه؟ وما مستندهم في تلك النسبة؟
وأما اختصاصه بعلي بن عيسى، فالظاهر أن الفرغاني لم يذكرها على جهة الذم؛ إذ ليس فيها ما يقتضيه؛ فإن علي بن عيسى الوزير كان من خيار الوزراء مع مشاركته في العلم وعنايته بالعلماء واختصاص ابن أبي خيثمة به إنما كان لعلقة العلم". اه.
* * *
(2/591)

ابن محرز
راوي السؤالات عن ابن معين
(2/593)

هو أبو العباس أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز.
قال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 350):
"له ترجمة في تاريخ بغداد، لم يذكر فيها من حاله إلا أنه روى عن ابن معين، وعنه جعفر بن درستويه". اه. "التاريخ" (5/ 83).
قال أبو أنس:
لم أجد له ترجمةً سوى في هذا الموضع، وقد أكثر الخطيب مع ذلك من النقل في تاريخه عن ابن معين من طريقه عنه، ولم أر من غمز ابنَ محرز في شيءٍ مِنْ نقله عن ابن معين، وربما احتاج الأمر إلى سَبْرِ رواياتِ ابن محرز عن ابن معين، ومقارنتها برواية غيره عنه؛ ليتضح ما شارك فيه غيره مما خالف فيه، مع الأخذ في الاعتبار أن ابن معين مما يكثر اختلاف قوله في الرجل الواحد.
* * *
(2/595)

موسى بن عقبة
صاحب "المغازي"
(ت 141 ه)
(2/597)

قال الشيخ المعلمي في "رسالة مقام إبراهيم" (ص 186):
"ثقة أدرك بعض الصحابف لكن ذكروا أنه تتبع المغازي بعد كِبَرِ سِنِّهِ؛ فربما يسمع ممن هو دونه". اه.
قال أبو أنس:
في "سير النبلاء" (6/ 144) قال إبراهيم بن المنذر: حدثني مطرف ومعن ومحمد ابن الضحاك قالوا: كان مالك إذا سئل عن المغازي قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة؛ فإنها أصح المغازي. وقال أيضًا: سمعت محمد بن طلحة سمعت مالكا يقول: عليكم بمغازي موسى؛ فإنه رجل ثقة، طلبها على كبر السن؛ لِيُقَيِّدَ من شهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يُكَثِّرْ كما كَثَّر غيره.
قلت: هذا تعريضٌ بابن إسحاق، ولا ريب أن ابن إسحاق كَثَّرَ وطوَّل بأنساب مستوفاة، اختصارُها أملحُ، وياشعارِ غيرِ طائلةِ حذفُها أرجحُ، وبآثارِ لم تُصَحَّحْ، مع أنه فاته شيء كثير من الصحيح لم يكن عنده، فكتابه محتاج على تنقيح وتصحيح ورواية ما فاته.
وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها وغالبها صحيح ومرسل جيد، لكنها مختضرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة ...
إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا سفيان بن عيينة قال: كان بالمدينة شيخ يقال له: شرحبيل أبو سعد، وكان من أعلم الناس بالمغازي، قال: فاتهموه أن يكون يجعل لمن لا سابقة له سابقة، وكان قد احتاج، فاسقطوا مغازيه وعلمه. قال إبراهيم: فذكرت هذا لمحمد بن طلحة بن الطويل، ولم يكن أحد أعلم بالمغازي منه فقال لي: كان شرحبيل أبو سعد عالما بالمغازي، فاتهموه أن يكون يدخل فيهم من لم يشهد بدرا ومن قتل يوم أحد والهجرة ومن لم يكن منهم، وكان قد احتاج فسقط عند الناس.
فسمع بذلك موسى بن عقبة، فقال: وإن الناس قد اجترءوا على هذا؟ فدب على كبر السن، وقيد من شهد بدرا وأحدا، ومن هاجر إلى الحبشة والمدينة، وكتب ذلك ...
(2/599)

قال أبو أنس:
"التحديث عن الصغار"، أو: تحديثُ الرجلِ عمَّنْ هو أصغرُ منه، هو من مظنَّاتِ الخطأ وأسبابِ التعليل المعروفة؛ وذلك لأنه مظنة عدم ضبط الراوي عمن يصغره.
من الشواهد على ذلك:
* قول يعقوب بن سفيان الفسوي في "تاريخه" (2/ 172):
حدثني الفضل بن زياد، قال: قال أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل: أبو بكر - يعني: ابن عياش- يضطرب في حديث هؤلاء الصغار، فأما حديثه عن أولئك الكبار ما أقربه عن أبي حصين وعاصم، وإنه ليضطرب عن أبي إسحاق، أو نحو هذا. اه. وهو في "تاريخ بغداد" أيضًا (14/ 379).
* وفي كتاب "العلل ومعرفة الرجال" لعبد الله ابن الإمام أحمد رقم (950):
"سمعت أبي يذكر عن يحيى بن سعيد القطان قال: كان ثور -يعني: ابن يزيد بن زياد أبو خالد الشامي الحمصي- إذا حدثني بحديث عن رجل لا أعرفه، قلت: أنت أكبر أو هذا؟ فإذا قال: هو أكبر مني، كتبته، وإذا قال: أصغر مني، لم أكتبه". اه.
* وفيه رقم (1253).
"سمعت أبي يقول: قال وكيع: وجدناه عند أبي عوانة، عن سليمان بن أبي العتيك، عن أبي معشر، عن إبراهيم: كره الكراريس.
قال أبي: كان وكيع إذا حدث عن مثل أبي عوانة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة يقول: وجدناه عند أبي عوانة، وجدناه عند حماد بن زيد؛ يستصغرهم". اه.
وفي المسألةِ شواهدُ ونصوصٌ أخرى، تراها مع شيء من الشرح والبيان في كتابي: "ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل" وهو قيد الجمع، يسر الله إتمامه.
(2/600)

الحكيم الترمذي
صاحب "نوادر الأصول"
(240 - 320 ه) تقريبا
(2/601)

هو أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر الترمذي المؤذن.
1 - قال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص 226):
" ... إنما ذكرت هذا ليُعرف أن غالب ما ينفرد به الحكيم الترمذي هو من هذه الأكاذيب، وله ترجمة في لسان الميزان (5/ 308) ".
2 - وقال في الفوائد أيضًا (ص 248):
"وتفرد نوادر الأصول بحديث يدل على سقوطه".
قال أبو أنس:
قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (13/ 439): كان ذا رحلةٍ ومعرفةٍ، وله مصنفاتٌ وفضائلُ ...
وله حكم ومواعظ وجلالة، لولا هفوة بدت منه ...
قال أبو عبد الرحمن السلمي: أخرجوا الحكيم من ترمذ، وشهدوا عليه بالكفر وذلك بسبب تصنيفه كتاب: "ختم الولاية"، وكتاب "علل الشريعة"، وقالوا: إنه يقول: إن للأولياء خاتما كالأنبياء لهم خاتم، وإنه يفضل الولاية على النبوة، واحتج بحديث: "يغبطهم النبيون والشهداء" فقدم بلخ، فقبلوه لموافقته لهم في المذهب.
وقال السلمي: هُجر لتصنيفه كتاب: "ختم الولاية"، و"علل الشريعة"، وليس فيه ما يوجب ذلك، ولكن لِبُعد فَهمهم عنه.
قلت: كذا تُكلم في السلمي من أجل تأليفه كتاب: "حقائق التفسير"، فيا ليته لم يؤلفه، فنعوذ بالله من الإشارات الحَلاجية، والشطحات البسطامية، وتصوف الاتحادية، فواحزناه على غربة الإسلام والسنة.
(2/603)

قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] اه.
وقال الحافظ في "اللسان":
"ذكره القاضي كمال الدين بن العديم صاحب "تاريخ حلب" في جزءٍ له سماه: "اللمحة في الردّ على ابن طلحة" قال فيه: "وهذا الحكيم الترمذي لم يكن من أهل الحديث وروايته، ولا عِلْمَ له بطرقه وصناعته، وإنما كان فيه الكلام على إشارات الصوفية والطرائق ودعوى الكشف عن الأمور الغامضة والحقائق ... ".
* * *
(2/604)

بدر الدين العيني
(ت 855 ه)
(2/605)

محاولته تقوية حديث موضوع في فضل أبي حنيفة رحمه الله تعالى:
قال الشيخ المعلمي في ترجمة محمد بن سعيد البورقي من "التنكيل" رقم (206):
في "تاريخ بغداد" (13/ 335) من طريقه: "حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر حدثنا بشر بن يحيى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في أمتي رجلا اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي".
قال الخطيب: "قلت: وهو حديث موضوع، تفرد بروايته البورقي، وقد شرحنا فيما تقدم أمرَه وبَيَّنَا حالَه".
يعني في ترجمته، وهي في "التاريخ" (5/ 308 - 309) وفيها عن حمزة السهمي: "محمد بن سعيد البورقي كذاب، حدث بغير حديث وضعه"، وعن الحاكم: "هذا البورقي قد وضع من المناكير على الثقات ما لا يُحصى، وأفحشها روايته: "سيكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي". هكذا حدث به في بلاد خراسان، ثم حدث به بالعراق بإسناده وزاد فيه أنه قال: "وسيكون في أمتي رجل يقال له: محمد ابن إدريس، فتنته على أمتي أضر من إبليس"، وذكر الخطيب غير هذا من مناكيره".
قال الأستاذ -يعني الكوثري- (ص 30): "استوفى طرقَه البدرُ العيني في "تاريخه الكبير"، واستصعبَ الحكمَ عليه بالوضع مع وروده بتلك الطرق الكثيرة، وقد قال: " ... فهذا الحديث كما ترى قد روي بطرقٍ مختلفةٍ ومتونٍ متباينةٍ، ورواةٍ متعددةٍ عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا يدل على أنه له أصلا، وإن كان بعضُ المحدثين بل أكثرهم ينكرونه وبعضهم يَدَّعون أنه موضوع، وربما كان هذا من أثر التعصب، ورواةُ الحديثِ أكثرُهم علماء، وهم من خير الأمم، فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي عليه الصلاة والسلام متعمدًا".
(2/607)

ذَيَّلَ عليه الكوثري بقوله: "وعالمٌ مضطهدٌ طولَ حياتِه، يموتُ وهو محبوسٌ، ثم يعمُّ علمُه البلادَ من أقصاها إلى أقصاها، شرقًا وغربًا، ويتابعه في فقهه شطرُ الأمة المحمدية، بل ثلثاها على توالي القرون، رغم مواصلة الخصوم من فقيهٍ ومحدثٍ ومؤرخٍ مناصبةَ العداءِ له نبأٌ جللٌ لا يُستبعد أن يخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- ... "!
أقول: لا أدري أَعِلْمُ هؤلاء القوم أَحْرَى أن يؤسفَ عليه أم دينُهم أم عقولُهم؟! قد تأملتُ رواياتِ هذا الحديث في "مناقب أبي حنيفة" وغيرها، فرأيته يدور على جماعة:
أولهم: البورقي، وقد عرفتَ حاله، رواه عن مجهول عن مثله عن السيناني بذاك السند، وقد صح عن السيناني أنه قال: "سمعت أبا حنيفة يقول: مِنْ أصحابي مَنْ يبول قُلَّتَيْن، يَردُّ على النبي -صلى الله عليه وسلم-: إذا كان الماء قُلَّتَيْن لم ينجس" ذكره الأستاذ (ص 83).
الثاني: أبو علي أحمد بن عبد الله بن خالد الجويباري الهروي، وهو مشهورٌ بالوضع، مكشوف الأمر جدًّا، وله فيه أربع طرق:
الأولى: عن السيناني بذاك السند.
الثانية: عن أبي يحيى المعلم عن حميد عن أنس.
الثالثة: عن أبي يحيى عن أبان عن أنس.
الرابعة: عن عبد الله بن معدان عن أنس.
والراوي عنه في بعض هذه مأمون بن أحمد السلمي، وهو شبيهه في الشهرة بالوضع الفاحش.
الثالث: أبو المعلى بن مهاجر، إن كان له ذنب، وهو مجهول. رواه محمد بن يزيد المستملي -وهو متهم- عن مجهول عن مثله عن أبي المعلى عن أبان عن أنس، ورواه النضري بثلاثة أسانيد أخرى كلهم مجاهيل عن أبي المعلى عن أبان عن أنس.
(2/608)

الرابع: أبو علي الحسن بن محمد الرازي، وهو متهم، قد تقدم بعض ما يتعلق به في ترجمة: أحمد بن محمد بن الصلت رقم (34)، رواه النضري من طريقه بسند كلهم مجاهيل إلى عبد الله بن مغفل عن علي بن أبي طالب قوله.
الخامس: النضري؛ قال فيه ابنُ السمعاني في "الأنساب": (الخِيُّوِي) باسم "أبي القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس بن خيَّو النضري الخيوي من أهل بلخ الملقب شيخ الإسلام ... "، ولم يذكر فيه توثيفًا ولا جرحًا والله أعلم به، وبعض الطرق المتقدمة من طريقه، وزاد: بسند كلهم مجاهيل عن أبان عن أنس.
وبسند كلهم مجاهيل عن أبي هُدبة عن أنس.
وبسند كلهم مجاهيل عن موسى الطويل عن ثابت بن أنس. وبسند كلهم مجاهيل عن حماد عن رجل عن نافع عن ابن عمر. وبسند كلهم مجاهيل عن أبي قتادة الحراني عن جعفر بن محمد عن جوير عن الضحاك عن ابن عباس.
هذا ما وقفتُ عليه فالأربعة الأولون قد عرفتهم.
وأما الخامس وهو النضري فالله أعلم به.
وعلى كل حال فكان بين قومٍ أعاجم جهال متعصبين، لا بِدْعَ أن يتقربوا إلى الله عز وجل بتكثير الطرق وكلهم مجاهيل.
وأبان وأبو هدبة وموسى الطويل ثلاثتهم هلكى، ومع ذلك لا أراهم إلا أبرياء من هذا الحديث، وإلا لاشتهر في زمانهم، فما بالُه لم يُعرف له أثر إلا بعد أن وضعه الجويباري في القرن الثالث؟
وأبو قتادة الحراني فسد بأخرة، ومع ذلك لا أراه إلا بريئًا من هذا.
وحماد الذي روى عنه عن رجل عن نافع عن ابن عمر لا أدري من هو، وربما يكون المقصود: حماد بن أبي حنيفة؛ فإنه قد قيل إنه يروي عن مالك عن نافع عن ابن
(2/609)

عمر فكأنَّ بعضَ المجاهيل سمع بذلك، فركب السند إليه بهذا الحديث، فاستحيا النضري عن أن يقول: عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فيكون أشنعَ للفضيحة، فكنى عن مالك برجل!
هذا، ومن شأنِ الدجالين أن يركبَ أحدُهم للحديثِ الواحدِ عدةَ أسانيدَ؛ تغريرًا للجهال، وأن يضعَ أحدُهم فيسرق الآخر، ويركب سندًا من عنده، ومن شأن الجهال المتعصبين أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد.
وقد قال أبو العباس القرطبي: "استجاز بعضُ فقهاءِ أهلِ الرأي نسبةَ الحكمِ الذي دل عليه القياسُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... ولهذا ترى كتبهم مشحونةً بأحاديثَ تشهد متونُها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ... ولأنهم لا يقيمون لها سندًا صحيحًا".
وقد أشار إلى هذا ابن الصلاح بقوله: "وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه القياس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-".
فتدبر ما شرحناه، ثم تأمل ما تقدم عن العيني ... وانظر ما يقول العيني والكوثري؛ حتى كأنَّ أئمةَ الحديثِ ورجالِه وفقهاءَ المذاهبِ الأخرى أهلٌ عند العيني والكوثري لِكلِّ كذبٍ، وإن اشتهروا بالإمامة والثقة والصدق والتقوى، بخلاف أصحابِهما أهلِ الرأي، كأنه لا يكون منهم ولا من حُمُرهم وكلابهم إلا الصدق ... ". اه.
* * *
(2/610)

ياقوت الحموي
(ت 626 ه)
(2/611)

1 - قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 437):
"ليس بعمدة".
2 - وفيه (1/ 136 - 137):
"شديد الغرام بالحكايات الفاجرة".
قول بعض أهل العلم في ياقوت:
• قال الذهبي في "السير" (22/ 312):
"الأديب الأوحد شهاب الدين الرومي مولى عسكر الحموي السفار النحوي الأخباري المؤرخ.
أعتقه مولاه، فَنَسخ بالأجرة، وكان ذكيا، ثم سافر مضاربة إلى كيش، وكان من المطالعة قد عرف أشياء، وتكلم في بعض الصحابة فأُهين، وهرب إلى حلب، ثم إلى إربل وخراسان، وتجر بمرو وبخوارزم، فابتلي بخروج التتار، فنجا برقبته، وتوصَّل فقيرا إلى حلب، وقاسى شدائد.
وله كتاب "الأدباء" في أربعة أسفار، وكتاب "الشعراء المتأخرين والقدماء"، وكتاب "معجم البلدان"، وكتاب "المشترك وضعا والمختلف صقعا" كبير مفيد، وكتاب "المبدأ والمآل في التاريخ"، وكتاب "الدول"، وكتاب "الأنساب".
وكان شاعرا، متفننا، جيد الإنشاء ...
توفي في العشرين من رمضان سنة ست وعشرين وستمائة عن نيف وخمسين سنة، ووقف كتبه ببغداد على مشهد الزيدي، وتآليفه حاكمة له بالبلاغة، والتبحر في العلم.
استوفى ابن خلكان ترجمته وفضائله". اه.
(2/613)

• وفي "لسان الميزان" (7/ 307):
"قال ابن النجار: كان ذكيا، حسن الفهم، ورحل في طلب النسب إلى بلاد الشام ومصر والبحرين وخراسان، وسمع الحديث، وصنف "معجم البلدان"، و"معجم الأدباء"، و"أسماء الجبال والأنهار والأماكن".
قال ابن النجار: كان غزير الفضل، وكان حسن الصحبة، طيب الأخلاق، حريصا على الطلب ...
قال ابن خلكان في ترجمته: ... وقع بينه وبين شخص بغدادي في دمشق منازعة في علي بن أبي طالب، فبدر من ياقوت ما لزم منه أنه نسب إلى رأي الخوارج في التعصب على علي، فثاروا عليه فهرب، وخرج عن بغداد؛ خشية أن يؤخذ فيقتل، حتى وصل إلى خراسان ...
قلت: ولم أر في شيء من تصنيفه التصريحَ بالنصب، بل يحكي فيها فضائل علي ما يتفق ذكره". اه.
* * *
(2/614)

الحسن بن صالح بن حي
(ت 169 ه)
(2/615)

هو الحسن بن صالح بن صالح بن حيّ أبو عبد الله الهمداني الثوري الكوفي الفقيه العابد.
قال السمعاني في "الأنساب" (2/ 74) في نسبه: البَتْري:
"هذه النسبة لجماعة من الشيعة من الفرقة الزيدية، وهي إحدى الفرق الثلاث من الزيدية وهي (1) الجارودية والسليمانية والبترية.
أما البترية فهم أصحاب كثير النواء والحسن بن صالح بن حي. وقولهم كقول السليمانية، غير أنهم توقفوا في عثمان وأمره وحاله، وأضللنا هذه الطائفة لأنهم شكوا في إيمان عثمان، وأجازوا كونه كافرًا من أهل النار، ومن شك في إيمان من أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل الجنة فقد شك في صحة خبره، والشاكُّ في خبره كافر.
وهذه الفرق الثلاثة من الزيدية يكفر بعضهم بعضًا؛ لأن الجارودية أكفرت أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما-، والسليمانية والبترية كفرت من أكفرهما". اه.
فعلَّق الشيخ المعلمي بقوله:
"لا يصدق هذا على الزيدية المعروفين باليمين وأسلافهم من أئمة أهل البيت النبوي، والحسن بن صالح بن حي إمام من أئمة المسلمين (2)، إنما أنكر عليه بعض معاصريه من الأئمة تحبيذه الخروج على خلفاء الجور؛ رأى المنكرون عليه أن الخروج في زمنهم لا يؤدي إلا إلى ما هو أعظم شرًّا، ويخشون أن يعمل بعض أهل الخير والصلاح برأي الحسن فيخرجوا، فيشتد الشر على المسلمن جميعًا، فشددوا النكير عليه؛ ليكفوا الناس عن التسرع في العمل برأيه.
__________
(1) في "الأنساب": "وفي" خطأ.
(2) وثقه جمهور الأئمة: أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي.
(2/617)

ويجب التثبت فيما يحكيه العالم عن الفرق المخالفة لفرقته؛ فربما اغتر بحكاية من لا يوثق به، وربما حكى عنهم ما لم يقله إلا بعض من ينتسب إليهم، وربما حكى عنهم ما يعلم أخهم لا يقولون به. ولكنه يراه لازمًا لهم، وكتب الزيدية موجودة، فمن أحب أن يعرف مقالاتهم فلينظرها في كتبهم والله المستعان". اه. (1).
* * *
__________
(1) قال الذهبي في "السير" (7/ 361): "هو من أئمة الإسلام، لولا تلبسه ببدعة"، وقال (ص 371): "كان يرى الخروج على أمراء زمانه لظلمهم وجورهم، ولكن ما قاتل أبدًا، وكان لا يرى الجمعة خلف الفاسق".
وقال في "الميزان" (2/ 19): "فيه بدعة تشيع قليل".
(2/618)

الإمام أبو حنيفة
(ت 150 ه على الصحيح)
(2/619)

الإمام المبجل النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي فقيه أهل العراق ومفتيهم.
• في "الأنوار الكاشفة" (51) أجاب الشيخ المعلمي عن قول أبي رية:
"ثم ما جرى عليه علماء الأمصار في القرن الأول والثاني من اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة بما بلغه ووثق به من الحديث وإن قَلَّ وعدم تعنِّيه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبين أحكامه".
بقوله: "لزمَ أبو حنيفةَ حمادَ بن أبي سليمان، يأخذ عنه مدة، وكان حمادٌ كثيرَ الحديث، ثم أخذ عن عددٍ كثيرٍ غيره كما تراه في مناقبه، وقلَّةُ الأحاديثِ المروية عنه لا تدل على قِلَّةِ ما عنده؛ ذلك أنه لم يَتَصَدَّ للرواية.
وقد قدمنا أن العالم لا يُكَلَّفُ جمع السنة كلها، بل إذا كان عارفًا بالقرآن، وعنده طائفةٌ صالحةٌ من السنة بحيث يغلب على اجتهاده الصواب، كان له أن يُفتي، وإذا عرضتْ قضيةٌ لم يجدها في الكتاب والسنة سأل من عنده علم بالسنة، فإن لم يجد اجتهد رأيه.
وكذلك كان أبو حنيفة يفعل، وكان عنده في حلقته جماعة من المكثرين في الحديث كمسعر وحبان ومندل، والأحاديث التي ذكروا أنه خالفها قليلة بالنسبة إلى ما وافقه.
وما من حديث خالفه إلا وله عذر لا يخرج إن شاء الله عن أعذار العلماء، ولم يَدَّع هو العصمةَ لنفسه ولا ادَّعاها له أحد، وقد خالفه كبارُ أصحابه في كثيرٍ من أقواله.
وكان جماعةٌ من علماء عصره ومن قربَ منه ينفرون عنه وعن بعض أقواله، فإن فُرض أنه خالف أحاديثَ صحيحةً بغير حجة بَيِّنَة فليس معنى ذلك أنه زعم أن
(2/621)

العمل بالأحاديث الصحيحة غير لازم، بل المتواتر عنه ما عليه غيره من أهل العلم أنها حجة. بل ذهب إلى أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء اتباعًا لحديث ضعيف (1)، ومن ثَمَّ ذكر أصحابه أن مِنْ أصله تقديم الحديث الضعيف -بَلْه الصحيح- على القياس. اه.
* * *
__________
(1) علَّق المعلمي هنا بقوله: وذكر ابن القيم في إعلام الموقعين مسائل أخرى لأبي حنيفة من هذا القبيل وكذلك غيره.
(2/622)

أبو بكر الرازي
(ت 370 ه)
(2/623)

ذكر الكوثري: زكريا بن يحيى الساجي فقال: "شيخ المتعصبين، كان وقاعًا، ينفرد بمناكير عن مجاهيل، وتجد في "تاريخ بغداد" نماذج من انفراداته عن مجاهيل بأمور منكرة، ونضال الذهبي عنه من تجاهل العارف ... وقال أبو بكر الرازي بعد أن ساق حديثا بطريقه: انفرد به الساجي ولم يكن مأمونًا ... ".
فقال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 255):
"أما التعصب فقد حكمه في القواعد، وبينا أنه إذا ثبتت ثقة الرجل وأمانته لم يقدح ما يسميه الأستاذ تعصبًا في روايته، ولكن ينبغي التروي فيما يقوله برأيه، لا اتهامًا له بتعمد الكذب والحكم بالباطل، بل لاحتمال أن الحنق حال بينه وبين التثبت. وبهذه القاعدة نفسها نعامل ما حكاه الأستاذ عن أبي بكر الرازي: إن كان ممن ثبتت ثقته وأمانته، فلا نقبلها منه بغير مستند، مع مخالفته لمن هو أثبت منه وأعلم بالحديث ورجاله، ولأمر ما ستر الأستاذ على نفسه وعلى الرازي، فلم يذكر الحديث، ولا بين موضعه ...
وليس الرازي ممن يذُكر في هذا الشأن حتى يتتبع الذهبي وغيره كلامه، فيسوغ أن يظن بالذهبي أنه وقف على كلمته وأعرض عنها لمخالفتها هواه كما يتوهمه أو يوهمه الأستاذ! ". اه.
* * *
(2/625)

عبد القادر القرشي
صاحب كتاب "الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية"
(ت 775 ه)
(2/627)

قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 280):
"من أهل القرن الثامن، ولم يشتهر بالضبط والإتقان". اه.
قال أبو أنس:
في "ذيل تذكرة الحفاظ" (1/ 157) للحسيني الدمشقي:
"هو عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم بن أبي الوفاء القرشي الحنفي الإمام العلامة الحافظ محيي الدين أبو محمد ...
أجاز له الحافظ الدمياطي، وتفقه وبرع، وأفتى ودرس، وصنف وجمع. من ذلك: "طبقات الفقهاء الحنفية" و"تخريج أحاديث الهداية".
وحدث، وسمع منه الحفاظ والفضلاء. اه.
وله أيضًا "الدرر المنيفة في الرد على ابن أبي شيبة فيما أورده على أبي حنيفة".
* * *
(2/629)

ابن خالويه
(ت 371) أو (370 ه)
(2/631)

قال سالم الكرنكوي في ترجمة ابن خالويه من آخر كتاب الأخير: "إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم" (ص 246):
"قد يظهر من كتابه هذا أنه كان شيعيًّا؛ فإنه ذكر فيه أشياء لا يقولها أحدٌ من أهل السنة، مثل الحكاية الركيكة في أكل النبي -صلى الله عليه وسلم- السفرجلة التي لا أصل لها في الحديث النبوي (1)، وغير ذلك مما لا يخفى على القارىء". اه.
عَلَّق الشيخ المعلمي هاهنا بقوله:
"لكن في هذا الكتاب عَيْيه ما ينفي عنه الرفض انظر كلامه على "الصراط المستقيم" في تفسير الفاتحة، وعبارته في تفسير "أن لن يقدر عليه أحد". إلا أن عبارته في نسخة رامفور قد تناقض ذلك.
فأما ما قاله في تفسير "اهدنا" من الفاتحة استطرادًا، واقتصاره في الصلاة على الآل، وقوله عند ذكر علي: "عليه السلام" أو: "صلوات الله عليه" ونحو ذلك، فليس فيه دلالة على رفضه". اه.
قال أبو أنس:
كلامه في "الصراط المستقيم" هو في (ص 29)، قال:
"حدثني محمد بن أبي هاشم، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي قال: سئل الحسن البصري عن الصراط المستقيم، فقال: هو والله أبو بكر وعُمر وعثمان وعليٌّ الحجة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
__________
(1) قال ابن خالويه في ذاك الكتاب (ص 120): "وكان -صلى الله عليه وسلم- ليلة أُسري به رُفعت له شجرة وهي سفرجلة فأكلها ثم نزل فواقع خديجة فخلق الله تلك السفرجلة ماءً في ظهر رسول صلى الله عليه وآله وسلم، فلما واقع خديجة خلق الله تعالى من ذلك الماء فاطمة عليها السلام .. ".
(2/633)

وقال أبو العالية في قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) قال: أبو بكر وعُمر. فسئل الحسن عن ذلك، فقال: صدق أبو العالية ونصح". اه.
وعبارته في تفسير (أن لن يقدر عليه أحد) هي في (ص 89): قال:
"وقوله جل وعز (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) فالهاء كناية عن أبي بكر الصديق. اه.
وفي الحاشية: "الذي في م، ر: فأحد هاهنا أبو بكر الصديق". اه. وبينهما بون شاسع.
التعريف بابن خالويه:
• قال الذهبي في الطبقة السابعة والثلاثين من "تاريخ الإسلام":
"الحسن بن أحمد بن حمدان بن خالويه أبو عبد الله الهمذاني، النحوي، اللغوي، قدم بغداد، ثم إنه قدم الشام، وصحب سيف الدولة بن حمدان، وأدب بعض أولاده، ونفق سوقه بحلب، واشتهر ذكره، وقصده الطلاب من الآفاق.
وكان صاحب سنة، وصنف في اللغة: كتاب "ليس" (1)، وكتاب "شرح الممدود والمقصور"، وكتاب "أسماء الأسد" ذكر له خمسمائة اسم، وكتاب "البديع" في القراءات، و"الجُمَل" في النحو، وكتاب "الاشتقاق"، وكتاب "غريب القرآن"، وله مصنفات سوى ما ذكرنا ... اه.
__________
(1) بنى كلامه فيه على أنه: ليس من كلام العرب كذا، وليس كذا، فسمي به وهو مختصر، طبع في أوروبا عن النسخة الوحيدة الموجودة في بريتيش موزيوم، باعتناء: ديرنبرغ 1894، هكذا قال يوسف إليان سركيس في "معجم المطبوعات العربية" (1/ 91).
(2/634)

• وذكره ابن حجر في "اللسان" (3/ 93) وزاد:
"وسمع على أبي العباس بن عقدة وغيره.
قال ابن أبي طي (1): كان إماميًّا، عالما بالمذهب.
قلت: وقد ذكر في كتاب "لَيْسَ" ما يدل على ذلك.
وقال الذهبي في "تاريخه": كان صاحب سنة.
قلت: كان يُظْهِرُ ذلك تقربا لسيف الدولة صاحب حلب؛ فإنه كان يعتقد ذلك، وقد قرأ أبو الحسين النصيبي -وهو من الإمامية- عليه كتابه في الإمامة.
... وكان يقال له: ذو النونين؛ لأنه كان يكتب في آخر كتبه: الحسين بن خالويه، فيغرق النونين.
... ووقع بينه وبين المتنبي منازعات عند سيف الدولة". اه.
* * *
__________
(1) هو: يحيى بن أبي طي حميد بن ظافر بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن الحسن بن صالح بن علي ابن سعيد ابن أبي الخير الطائي أبو الفضل البخاري الحلبي المولود سنة 575 والمتوفى سنة 630.
له كتاب: "معادن الذهب في تاريخ حلب" و"شرح نهج البلاغة" و"الحماوي في رجال الإمامية" وغيرها، ترجمه ابن حجر في "اللسان" (7/ 331)، وفيه: "كان بارعا في الفقه على مذهب الإمامية ... وقفت على تصانيفه، وهو كثير الأوهام والسقط والتصحيف، وكان سبب ذلك ما ذكره ياقوت من أخذه من الصحف" اه.
(2/635)

أبو الحسن الأشعري
(ت 324 ه. وقيل بقي إلى 330 ه)
(2/637)

قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 126 - 127):
"الذي شهره المتعمقون عن الأشعري التأويل، وإن كان آخر مصنفاته "كتاب الإبانة" أعلن فيه اعتماده مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث". اه.
* * *
(2/639)

الدميري
وكتابه: "حياة الحيوان"
(808 ه)
(2/641)

قال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 100):
"ثم ذكر -يعني أبا رَيَّة- حكايةً عن "حياة الحيوان"، وحَسْبها أنه لم يجد لها مصدرًا إلا "حياة الحيوان"". اه.
قال أبو أنس:
النقد لا يتجزأ، وربما احتاجتِ الحكاياتُ إلى احتياطٍ أبلغَ من الروايات؛ لِمَا يكثرُ فيها من التساهل في النقل والرواية بالمعنى، وتأثر ذلك بمعتقدات الناقلين وأهواءهم ومشاربهم، فضلا عن الثقة والضبط، هذا مع وجود الأسانيد، فما بالك بالحكايات المنقطعة والمعضلة والمرسلة؟
والدميري هو كمال الدين محمد بن عيسى الدميري الشافعي.
• في "كشف الظنون" (1/ 696): "حياة الحيوان للشيخ كمال الدين محمد بن عيسى الدميري الشافعي المتوفى سنة 808 ثمان وثمانمائة وهو كتابٌ مشهورٌ في هذا الفن، جامعٌ بين الغَثِّ والسَّمينِ؛ لأن المصنفَ فقيهٌ فاضلٌ، محققٌ في العلوم الدينية، لكنه ليس من أهل هذا الفن كالجاحظ، وإنما مقصده تصحيح الألفاظ وتفسير الأسماء المبهمة.
وذكر أنه ألفه من خمسمائة وستين كتابا ومائة وتسعة وتسعين ديوانا من دواوين شعراء العرب، وجعله نسختين كبرى وصغرى، في كُبراه زيادة "التاريخ" و"تعبير الرؤيا"، وفرغ من مسودته في شهر رجب سنة 773 ثلاث وسبعين وسبعمائة ... ولهذا الكتاب مختصرات منها: مختصر الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الدماميني المتوفى سنة 828 ثمان وعشرين وثمانمائة، ذكر فيه أن كتاب شيخه هذا كتاب حسن في بابه، جمع بين أحكام شرعية، وأخبار نبوية، ومواعظ نافعة، وفوائد بارعة،
(2/643)

وأمثال سائرة، وأبيات نادرة، وخواص عجيبة، وأسرار غريبة، لكنه طَوَّل في بعض أماكنه، ووقع في بعضه ما لا يليق بمحاسنه ...
قال السخاوي في حق الأصل: وهو نفيس، مع كثرة استطراده فيه من شيء إلى شيء، وأتوهم أن فيها ما هو مدخول؛ لما فيها من المناكير، وقد جردها الفاسي، ونبه على أشياء مهمة يحتاج الأصل إليها انتهى
... ومختصر علي القاري نزيل مكة المكرمة المتوفى سنة 1016 ست عشرة وألف سماه "بهجة الإنسان في مهجة الحيوان" ...
* * *
(2/644)

أبو جعفر الإسكافي
(ت 240 ه)
(2/645)

قال الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص 152):
"من دُعاة المعتزلة والرفض في القرن الثالث، ولا يُعرف له سند".
قلت:
• قال السمعاني في "الأنساب" (1/ 245):
"أما الإسكافية، فهم طائفة من المعتزلة، وهم أصحاب أبي جعفر الإسكافي الذي زعم أن الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء وإنما يقدر على ظلم المجانين والأطفال، وهذا تدقيق منه في الكفر بديع! ".
• وقال الذهبي في "السير" (10/ 550) -تلخيصا لما في "الفهرست لابن النديم" المعتزلي أيضًا: "هو العلامة أبو جعفر محمد بن عبد الله السمرقندي ثم الإسكافي المتكلم وكان أعجوبة في الذكاء وسعة المعرفة، مع الدين والتصون والنزاهة، وكان في صباه خياطا، وكان يحب الفضيلة فيأمره أبواه بلزوم المعيشة، فضمه جعفر بن حرب إليه، وكان يبعث إلى أمه في الشهر بعشرين درهما بدلا من كسبه، فبرع في الكلام، وبقي المعتصم معجبا به كثيرا، فأدناه وأجزل عطاعما وكان إذا ناظر أصغى إليه وسكت الحاضرون، ثم ينظر المعتصم إليهم ويقول: من يذهب عن هذا الكلام والبيان، ويقول: يا محمد، اعرض هذا المذهب على الموالي، فمن أبى فعَرِّفْنِي خبره؛ لأنكل به.
ذكر له النديم (1) مصنفاتٍ عدةٍ: منها: "نقض كتاب حسين النجار"، وكتاب "الرد على من أنكر خلق القرآن"، وكتاب "تفضيل علي"، وكان يتشيع، مات سنة أربعن ومئتين". اه.
__________
(1) ص: (213).
(2/647)

الثعالبي
(ت 429 ه)
(2/649)

قال الشيخ في "الأنوار" (ص 150):
"ومن هو الثعالبي حتى يُقبل قولُه بغير سند؟ " (1).
تعريف بالثعالبي:
• في "سير أعلام النبلاء" (17/ 347):
"العلامة شيخ الأدب أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري الشاعر، مصنف كتاب "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر"، وله كتاب "فقه اللغة"، وكتاب "سحر البلاغة"، وكان رأسا في النظم والنثر، مات سنة ثلاثين وأربعمائة، وله ثمانون سنة". اه.
• وفي "أبجد العلوم" (3/ 71):
"صاحب كتاب "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر"، وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها، والثعالبي نسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها.
وله كتاب "فقه اللغة"، و"سحر البلاغة وسر البراعة".
* * *
__________
(1) قاله المعلمي ردا على قول أبي رية في كتابه (ص 199): "وفي خاص الخاص للثعالبي: كان أبو هريرة يقول: ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحار، وما رأيت فارسا أحسن من زيد على تمر".
(2/651)

الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب
(ت 624 ه)
(2/653)

1 - قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 136):
"يلقبه الكوثري": عالم الملوك الملك المعظم "فإن هذا الملك كان أهله شافعية فتحنف وتعصب. قال فيه الملا علي القاري الحنفي كما في"الفوائد البهية في مناقب الحنفية" (ص 152):
"كان متغاليًا في التعصب لمذهب أبي حنيفة. قال له والده يومًا: كيف اخترت مذهب أبي حنيفة وأهلك كلهم شافعية؟ فقال: أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم"!
وهذا الملك قد أثنى عليه خليله السبط في "المرآة" ومع ذلك ذكره في مواضع متفرقة بفظائع، وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون، وذكرت المانع من تتبع هفواته". اه.
2 - وقال في الموضع المشار إليه (1/ 108):
"أما الملك عيسى فحسبك أن تتبع ما يحكيه عنه خليله في المجلد الأخير من تاريخه "مرآة الزمان" في مواضع متعددة، ويمنعني من نقل ذلك هنا أنه كان له مشاهد في قتال الكفار، وأنه حكى عنه ما يدل على محافظته على الصلاة حتى في مرض موته والله أعلم". اه.
* * *
(2/655)

ابن دحية
(ت 633 ه)
(2/657)

"صاحب مجازفات".
قاله الشيخ المعلمي في حاشية "الأنساب" (2/ 81)، (3/ 284).
تعريفٌ مُجْمَلٌ بابن دحية:
• قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (22/ 389):
"قال أبو عبد الله الأبار: كان بصيرا بالحديث، معتنيا بتقييده، مكبا على سماعه، حسن الخط، معروفا بالضبط، له حظ وافر من اللغة، ومشاركة في العربية وغيرها، روى عنه ابن الدبيثي، فقال: كان له معرفةٌ حسنةٌ بالنحو واللغة، وأَنَسَةٌ بالحديث، فقيها على مذهب مالك، وكان يقول إنه حفظ "صحيح مسلم" جميعه، وإنه قرأه على شيخ بالمغرب من حفظه ويدير أشياء كثيرة ...
قلت: كان هذا الرجل صاحب فنون وتوسع ويد في اللغة، وفي الحديث على ضعفٍ فيه ...
قال الضياء: لقيته بأصبهان، ولم أسمع منه، ولم يعجبني حاله؛ كان كثير الوقيعة في الأئمة، وأخبرني إبراهيم السنهوري بأصبهان أنه دخل المغرب وأن مشايخ المغرب كتبوا له جرحه وتضعيفه.
قال الضياء: وقد رأيت منه غير شيء مما يدل على ذلك.
وقال ابن نقطة: كان موصوفا بالمعرفة والفضل ولم أره، إلا أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها، ذكر في أبو القاسم بن عبد السلام ثقة قال: نزل عندنا ابن دحية فكان يقول: أحفظ "صحيح مسلم" و"الترمذي" قال: فأخذت خمسة أحاديث من الترمذي، وخمسة من المسند، وخمسة من الموضوعات، فجعلتها في جزء، ثم عرضت عليه حديثا من الترمذي فقال: ليس بصحيح. وآخر فقال: لا أعرفه. ولم يعرف منها شيئا.
(2/659)

وقال ابن واصل الحموي: كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث، وحفظه الكثير له، متهما بالمجازفة في النقل، وبلغ ذلك الملك الكامل، فأمره أن يعلق شيئا على كتاب الشهاب فعلق كتابا تكلم فيه على أحاديثه وأسانيده، فلما وقف الكامل على ذلك خلاه أياما وقال: ضاع ذاك الكتاب فعلق لي مثله ففعل، فجاء الثاني فيه مناقضة للأول، فعلم السلطان صحة ما قيل عنه، ونزلت مرتبته عنده، وعزله من دار الحديث التي أنشأها آخرا وولاها أخاه أبا عمرو ...
قلت: وكان ممن يترخص في الإجازة، ويطلق عليها "حدثنا"، وقد سمع منه أبو عمرو بن الصلاح الموطأ بُعيد سنة ستمائة ...
ولمتأخري المغاربة مذهب في إطلاق "حدثنا" على الإجازة، وهذا تدليس.
... قال ابن النجار: قدم علينا، وأملى من حفظه وذكر أنه سمع من ابن الجوزي، وسمع بأصبهان "معجم الطبراني" من الصيدلاني، وسمع بنيسابور وبمرو وواسط، وأنه سمع من جماعة بالأندلس، غير أني رأيت الناس مجمعين على كذبه وضعفه، وادعائه ما لم يسمعه، وكانت أمارات ذلك لائحة على كلامه وفي حركاته، وكان القلب يأبى سماع كلامه، سكن مصر وصادف قبولا من السلطان الكامل، وأقبل عليه إقبالا عظيما، وسمعت أنه كان يسوأنه المداس حين يقوم ... إلى أن قال: ونسبه ليس بصحيح، وكان حافظا ماهرا، تام المعرفة بالنحو واللغة، ظاهري المذهب، كثير الوقيعة في السلف، أحمق شديد الكبر، خبيث اللسان، متهاونا في دينه، وكان يخضب بالسواد.
حكى ابن النجار في "تاريخه" وابن العديم في "تاريخ حلب" وأبو صادق محمد ابن العطار وابن المستوفي في "تاريخه" عنه أشياء تُسقطه". اه.
* * *
(2/660)

محمد بن مخلد أبو عبد الله العطار
(ت 331 ه)
(2/661)

كتابه: "ما رواه الأكابر عن مالك" (1).
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 187):
"ابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحة، وإنما اكتفى بما قد روي". اه.
تعريف به:
• قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (3/ 310):
"كان أحد أهل الفهم، موثوقا به في العلم، متسع الرواية مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة.
... حدثني علي بن محمد بن نصر، قال: سمعت حمزة بن يوسف يقول: سألت الدارقطني عن أبي عبد الله محمد بن مخلد العطار، فقال: ثقة مأمون". اه.
• وزاد الذهبي في "السير" (15/ 256):
"كتب ما لا يوصف كثرة مع الفهم والمعرفة وحسن التصانيف ... وكان موصوفًا بالعلم والصلاح والصدق والاجتهاد في الطلب، طال عمره واشتهر اسمه، وانتهى إليه العلو مع القاضي المحاملي ببغداد". اه.
* * *
__________
(1) طبع هذا الكتاب في مؤسسة الريان ببيروت عام 1416 ه، في مجلد واحد، بعناية: عواد الخلف.
(2/663)

ابن أبي الحديد
(ت 656 ه)
(2/665)

قال الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص 152):
"من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإسلام، وحاله مع ابن العلقمي الخبيث معروفة".
قال أبو أنس:
هو عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني.
صاحب "شرح نهج البلاغة" للإمام علي. طبعة/ دار إحياء الكتب الغربية -القاهرة- سنة 1378 ه. لمحققه: محمد أبي الفضل إبراهيم.
• قال محققه في ترجمته: "أحد جهابذة العلماء، وأثبات المؤرخين، ممن نجم في العصر العباسي الثاني، أزهى العصور الإِسلامية إنتاجا وتأليفا، وأحفلها بالشعراء والكتاب والأدباء والمؤرخن واللغويين وأصحاب المعاجم والموسوعات، كان فقيهًا أصوليا، وله في ذلك مصنفات معروفة مشهورة، وكان متكلما جدليا نظارا، اصطنع مذهب الاعتزال، وعلى أساسه جادل وناظر. وحاجَّ وناقش.
وفي "شرح النهج" وكثير من كتبه آراء منثورة مما ذهب إليه، وله مع الأشعري والغزالي والرازي كتب ومواقف.
وكان أديبا ناقدًا، ثاقب النظر، خبيرا بمحاسن الكلام ومساوئه، وكتابه "الفلك الدائر على المثل السائر" دليل على بعد غوره، ورسوخ قدمه في نقد الشعر وفنون البيان، ثم كان أديبا متضلعا في فنون الأدب، متقنًا لعلوم اللسان، عارفًا بأخبار العرب، مطلعا على لغاتها، جامعًا لخطبها ومنافراتها، راويًا لأشعارها وأمثالها، حافظًا لمُلحها وطرفها، قارئًا مستوعبا لكل ما حوته الكتب والأسفار في زمانه.
(2/667)

وكان وراء هذا شاعرا عذب المورد، مشرق المعنى، متصرفا مجيدا، كما كان كاتبا بديع الإنشاء حسن الترسل ناصع البيان.
ولد بالمدائن في غرة ذي الحجة سنة ست وثمانن وخمسمائة، ونشأ بها، وتلقى عن شيوخها، ودرس المذاهب الكلامية فيها، ثم مال إلى مذهب الاعتزال منها، وكان الغالب على أهل المدائن التشيع والتطرف والمغالاة، فسار في دربهم، وتقبل مذهبهم، ونظم القصائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم، وفيها غالَى وتَشَيَّعَ، وذهب به الإسراف في كثير من أبياتها كل مذهب.
وحينما انقضت أيام صباه، وطوى رداء شبابه، خَفَّ إلى بغداد، حاضرة الخلافة، وكعبة القُصَّاد، وعشّ العلماء، وكانت خزائنها بالكتب معمورة، ومجالسها بالعلم والأدب مأهولة، فقرأ الكتب واستزاد من العلم، وأوغل في البحث، ووعى المسائل، ومحَّص الحقائق، واختلط بالعلماء من أصحاب المذاهب، ثم جنح إلى الاعتزال. وأصبح كما يقول صاحب "نسمة السحر": معتزليا جاحظيا ... في أكثر شرحه للنهج - بعد أن كان شيعيا غاليا.
وفي بغداد أيضًا نال الحظوة عند الخلفاء من العباسيين ومدحهم، وأخذ جوائزهم، ونال عندهم سني المراتب ورفيع المناصب، فكان كاتبا في دار التشريقات، ثم في الديوان، ثم ناظرا للبيمارستان، وأخيرا فوض إليه أمر خزائن الكتب في بغداد ...
وذكر ابن الفوطي في كتاب "مجمع الألقاب" أنه أدرك سقوط بغداد، وأنه كان ممن خلص من القتل في دار الوزير مؤيد الدين العلقمي مع أخيه موفق الدين. كما ذكر أيضًا في كتابه الحوادث الجامعة في وفيات سنة 656: "توفي فيها الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي في جمادى الآخرة ببغداد ... والقاضي موفق الدين أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد المدائني في جمادى الآخرة، فرثاه أخوه عز الدين عبد الحميد بقوله ... ".
(2/668)

• وفي "البداية والنهاية" لابن كثير (17/ 313):
"ثم دخلت سنة 649 ... وفيها كمل شرح الكتاب المسمى ب "نهج البلاغة" في عشرين مجلدا مما ألفه عبد الحميد بن داود بن هبة الله بن أبي الحديد المدائني الكاتب للوزير مؤيد الدين بن العلقمي، فأطلق له الوزير مائة دينار وخلعة وفرسا وامتدحه عبد الحميد بقصيدة لأنه كان شيعيا معتزليا". اه.
• وفي "مرآة الجنان" (4/ 147): "في حوادث 656 فيها دخلت التتار بغداد وسبب دخولهم أن الملك المؤيد ابن العلقمي كاتَبَهم وحرضهم على قصد بغداد؛ لأجل ما جرى على إخوانه الرافضة من النهب والخزي، وظن أن الأمر يتم ويبقى خليفةً علويا، فأشار على المستعصم أني أخرج إليهم لتقرير الصلح، فخرج الخبيث، وتوثق لنفسه بالأمان ورجع، وقال للخليفة: إنهم يريدون أن يكون الأمر كما كان لأجدادك مع السلجوقية، فخرج المستعصم مع عدة فقتلوا" ثم قال اليافعي: "وفيها توفي الوزير الرافضي ابن العلقمي، ولي وزارة العراق 14 سنة، وكان ذا حقد على أهل السنة، فصار سبب دخول التتار بغداد، ثم انعكس حالة، وكل يده ندما، وبقي بعد تلك الرتبة الرفيعة في حالة وضيعة، وولي مع غيره وزارة التتار على بغداد بطريق الشركة، ثم مرض غما ومات بعد قليل". اه.
* * *
(2/669)

محمد رشيد رضا
صاحب مجلة المنار
(ت 1354 ه)
(2/671)

يتعلق به هاهنا أربعة أمور:
الأول: مناقشته في قضية خطيرة، نسبها إلى أبي حامد الغزالي وهو منها براء.
الثاني: الردّ عليه في قوله أن النهي عن كتابة الأحاديث متأخر عن الإذن بالكتابة.
الثالث: الجواب عما زعمه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصدق المنافقين والكفار في أحاديثهم لعدم علمه بالغيب.
الرابع: البحث في: هل السنة تنسخ القرآن أم لا؟
* * *
(2/673)

الأمر الأول
مناقشته في قضية خطيرة نسبها إلى أبي حامد الغزالي، وهو منها براء
نقل أبو رية عن صاحب المنار قوله: "والعمدة في الدين: كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى، والسُّنَّة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية وما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة".
فقال العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص: 24):
"أقول (1): قد سبق أن المعروف بين أهل العلم ذكر الكتاب والسنة، ثم يُقسمون السنة إلى متواتر وآحاد وغير ذلك.
قال -يعني صاحب "المنار": "ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى وقد قرر ذلك الغزالي".
علق أبو رية في الحاشية:
"قرر الغزالي ذلك في كتاب "القسطاس المستقيم".
وعبارة صاحب المنار في مقدمته لمغني ابن قدامة: "فَمِنْ مقتضى أصولهم كلهم وجوب ترك أسباب كل هذا التفرق والاختلاف (2) حتَّى قال الغزالي في "القسطاس المستقيم" بالاكتفاء بالعمل بالمجمع عليه، وعد المسائل الظنية المختلف فيها كأن لم تكن".
__________
(1) هاهنا عنوان جانبي: "قضية خطيرة".
(2) علق هنا الشيخ المعلمي بقوله: "أسباب التفرق والاختلاف الواجب تركها باتفاقهم هي الجهل والهوى والتعصب، وكذلك الخطأ بقدر الوسع، فأما أن يترك أحدهم ما يراه حقًا فلا قائل به، بل هو محظور باتفاقهم".
(2/674)

كذا قال، والذي في "القسطاس المستقيم" خلاف هذا، فإن فيه (ص 89) فما بعدها أنه: "يعظ العامِّي الطالب الخلاص من الخلاف في الفروع بأن يقول له: لا تشغل نفسك بمواقع الخلاف ما لم تفرغ من جميع المتفق عليه، فقد اتفقت الأمة على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع، وأن الكسب الحرام والمال الحرام والغيبة والنميمة والزنا والسرقة والخيانة ... حرام، والفرائض كلها واجبة، فإن فرغت من جميعها علمتك طريق الخلاص من الخلاف".
قال: "فإن هو طالبني بها قبل الفراغ من هذا كده فهو جَدَلي وديس بعامِّي ... نعم لو رأيتم صالحًا قد فرغ من حدود التقوى كلها، وقال: ها أنا تشكل عليَّ مسائل ... فأقول له: إن كنت تطلب الأمان في طريق الآخرة فاسلك سبيل الاحتياط وخذ بما يتفق عليه الجميع، فتوضأ من كل ما فيه خلاف، فإن كل من لا يوجبه يستحبه ... فإن قال: هو ذا يثقل عليَّ ... فأقول له: الآن اجتهد مع نفسك وانظر إلى الأئمة أيهم أفضل ... فمن غلب على ظنك أنه الأفضل فأتبعه".
حاصل هذا أن الغزالي كان يعلم أن العامَّة في زمانه ينتسب كل منهم إلى مذهب ويتعصب له، فإن فرض أن أحدهم سأل عن الخلاف وكيف يتخلص منه فلن يكون إلا أحد رجلين: إما فارغًا متلهيًا، وإما ورعًا تقيًا، والتقي الورع لا بد أن يكون قد شغل فكره المحافظة على الفرائض المتفق عليها وتجنب المحرمات المتفق عليها، وعمل بذلك على مذهبه قبل أن يشغله الخلاف.
فإذا كان السائل مقصرًا مفرطًا وجاء يسأل عن الخلاف فلن يكون إلا متلهيًا، فيقال له: ابدأ بالعمل بما تعلمه يقينًا ثم سَلْ، فإن أَبَى فهو جَدليَ يتعنت في السؤال ولا يهمه العمل، والإعراض عن مثله أَوْلى.
(2/675)

فأما من أتى بما عليه بحسب مذهبه، وسأل عن الخلاص من الخلاف، فالظاهر أنه يَسأل ليعلم ويعمل، قال الغزالي: "فأقول له: إن كنت تطلب الأمان في طريق الآخرة فاسلك سبيل الاحتياط وخذ بما يتفق عليه الجميع".
وفَسَّر ذلك بما بعده، وذلك يوضح قطعًا أن مراده بما يتفق عليه الجميع أن يلتزم أن يكون وضوءه الذي يصلي به وضوءًا يتفق العلماء على صحته، يتوضأ من كل ما قال عالم إنه ينقض الوضوء، وهكذا في سائر عمله، يأخذ بالأشد الأشد من أقوال المختلفن، وفهم منها صاحب المنار أن لا يتوضأ من شيء قال عالم إنه لا ينقض الوضوء، وهكذا في سائر عمله، يأخذ بالأخف الأخف من أقوال المختلفين، فلينظر العالم أين هذا من ذاك؟
على أنه إن لم يتوضأ إلا مما اتفقوا على أنه ينقض الوضوء قد يكون وضوءه باطلًا باتفاقهم؛ وذلك أن بعض العلماء يوجب الوضوء بمس الذكر ولا يوجبه من خروج الدم، وبعضهم يعكس، فإذا وقع لعامي هذا وهذا ولم يتوضأ، فوضوءه الأول باطل باتفاق الفريقين.
ومع أن مراد الغزالي الاحتياط الأكيد، اقتصر على أن فيه الأمان في طريق الآخرة، ومع أن صاحب المنار قلبه إلى التفريط الشديد لم يقتصر على أن صاحبه يكون ناجيًا في الآخرة بل زاد مقربًا عند الله تعالى.
وبعد فلندع الغزالي وصاحب المنار، ولنرجع إلى الحجة.
إننا نعلم أن لكثيرٍ من علماء الفرق زلاتٍ وشواذ مخالفة لدلالات واضحة من القرآن ولأحاديث تبلغ درجة التواتر المعنوي أو درجة القطع عند من يعرف الرواية والرواة، ومثل هذا غير قليل، فالمقتصر على ما اتُّفِق عليه على ما فهمه صاحب المنار
(2/676)

لا بد أن يخالف الكتاب والسنة حتمًا في كثير من القضايا، هذا في المخالفة القطعية، فأما الظنية فحدِّث عن كثرتها ولا حرج.
ومن جهةٍ أخرى فمن المحال عادة أن يكون الحق دائمًا من المسائل الخلافية مع المرخصين، فالترخص فيها كلها ترك متيقن لكثير من الحق.
ولنفرض أن جماعةً تتبعوا أقوال علماء المسلمين من جميع الفرق ثم جمعوا كتابًا ضمنوه ما اتفق المسلمون على أنه واجب أو حرام أو باطل (1) وأهملوا ما عدا ذلك، فهل يقال: إن من حافظ على ما في ذاك الكتاب بدون نظر إلى غيره كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى ثم يستغني الناس بذاك الكتاب عن كتاب الله وتفسيراته وعن كتب السنة وشروحها ومتعلقاتها وعن كتب الفقه كلها، ثم لا يعدم المشذبون مقالا يشكك فيما ضمَّه ذاك الكتاب كالشك في تحقق الإجماع وفي حجيته، ولتغير الأحكام بتغير الزمان، وحينئذ يستريح الذين يدعون أنفسهم بالمصلحين من كل أثرٍ للإسلام.
وقال ابن حزم في "الأحكام" (3/ 114):
"وبالجملة فهذا مذهبٌ لم يُخلق له معتقدٌ قطُّ، وهو أن لا يقول القائل بالنص حتَّى يوافقه الإجماع، بل قد صح الإجماع على أن قائل هذا القول معتقدًا له كافر بلا خلاف؛ لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف في وجوب طاعتها".
هذا وقد برئت ذمةُ الغزالي من ذاك القول كما علمتَ.
__________
(1) علَّق هاهنا الشيخ المعلمي بقوله: انظر: هل يسمحون بزيادة: أو مندوب.
(2/677)

وأنا أُجِلُّ السيدَ محمد رشيد رضا عن أن يقول به متصوِّرًا حقيقته، وإنما هذا شأن الإنسان؛ كَمَن يكون على جسر غير محجر، فتستولي على ذهنه خشية السقوط من جانب، فيتأخر عنه ويتأخر حتَّى يسقط بغير اختياره من الجانب الآخر.
بلى، من عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى، وهذا المتفق عليه هو العمل بالدلائل القطعية والظنية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله الثابتة قطعًا أو ظنا، فالعالم يتحرَّى ذلك بالنظر في الأدلة، فإن اشتبهت عليه أو تعارضت أَخذ باحسنها مع تجنب خرق الإجماع الصحيح.
والعامِّي يسأل العلماء ويأخذ بفتواهم، فإن اختلفوا عليه احتاط أو طلب ترجيحًا ما، وإذا علم الله حسن نيته فلابد أن ييسر له ذلك، فأما تقليد الأئمة فمهما قيل فيه فلا ريب أنه خيرٌ بكثير من تتبع الرخص.
وراجع "الموافقات" (4/ 72 - 81). اه.
* * *
(2/678)

الأمر الثاني
الرَّدُّ عليه في قوله إن النهي عن كتابة الأحاديث متأخر عن الإذن بالكتابة
قضية كتابة الحديث في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أشبع الشيخ المعلمي القولَ فيها في "الأنوار الكاشفة" (ص 31 - 35)، وسأفردها بالذكر إن شاء الله تعالى في قسم "القواعد" من كتابنا هذا.
وأكتفي هنا بإيراد ما يتعلق بردِّه المجمل على "صاحب المنار".
قال الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص 43):
"ثم نقل أبو رية (ص 25 - 27) عن مجلة المنار كلامًا بُدِىءَ فيه بمحاولة الجمع بين حديث النهي (1) وقصة "اكتبوا لأبي شاه" بأن ما أمر بكتابته لأبي شاه من الدين العام، وأن النهي كان عن كتابة سائر الأحاديث التي هي من الدين الخاص.
أقول: نظرية "دين عام ودين خاص" مردودة عليه، وقد تقدمت الإشارة إليها (ص 15) (2)، وحديث الإذن لعبد الله بن عمرو قاطع لشغبه البتَّة.
قال صاحب المنار: "ولنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين:
أحدهما: استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-".
__________
(1) يعني: عن كتابة الحديث.
(2) انظر ما سبق في الأمر الأول.
(2/679)

أقول: لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالمرويُّ عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه وعن أبي سعيد روايتان:
إحداهما: فيها الرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد، ونحن لم نقل في هذا إنه منسوخ، إنما قلنا إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله، كما قال البخاري وغيره، وإما محمول على أمر خاص تقدم بيانه.
وثانيتهما: رواية أبي نضرة عن أبي سعيد امتناعه هو، وليس فيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى، وقد بقيت صحيفة عليّ عنده إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله ابن عمرو عنده، ثم عند أولاده كما مَرَّ، فلو كان هناك نسخ لكان بقاء الصحيفتين دليلا واضحًا جدًّا على أن الإذن هو المتأخر، وتقدم أن عُمر عزم على الكتابة، وأشار عليه الصحابة بها ثم تركها لمعنى آخر، ولم يذكروا نهيًا كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك صريح فيما قلنا، وقد أجاز الكتابةَ من الصحابة: عبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، وأبو أُمامة، وأنس -رضي الله عنهما-، وروى هارون بن عنترة عن أبيه أن ابن عباس رخص فيها ثم أجمعت عليها الأمة". اه.
* * *
(2/680)

الأمر الثالث
الجواب عما زعمه هو وأبو رية من تصديق النبي للمنافقين والكفار في أحاديثهم لعدم علمه بالغيب
نقل الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص 29 - 30) عن أبي رية قوله:
"وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصدّق بعض ما يفتريه المنافقون كما وقع في غزة تبوك وغيرها، وصدَّق بعض أزواجه، وتردد في حديث الإفك ... حتَّى نزل عليه آيات البراءة".
وذكر (ص 142) عن صاحب المنار: " ... والنبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يعلم الغيب، فهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق إذا لم تَحُفَّ به شبهة وكثيرًا ما صدَّق المنافقين والكفار في أحاديثهم، وحديث العرنيين وأصحاب بئر معونة مما يدل على ذلك ... إذ أذن لبعض المعتذرين من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وما علَّلَه به وهو قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} وإذا جاز على الأنبياء والمرسلين أن يصدّقوا الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ... ".
وذكر (ص 22) عن عياض حديث: "فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فاقضي له" وفي رواية: "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ... ".
فقال العلَّامة المعلمي:
أقول: لم يكن -صلى الله عليه وسلم- يعلم من الغيب ما لم يُعلمه الله تعالى به ولم يكن -بأبي وأمي- مغفلا، ولم يصدق المنافقين أي يعتقد صدقهم، بل ولا ظَنَّه وإنما كان الأمر عنده على الاحتمال، ولهذا عاتبه الله عز وجل على الإذن لهم، هذا واضح بحمد الله.
(2/681)

والعُرَنيون لم يتحقق منهم كذب، فلعلهم كانوا صادقن في إسلامهم، وإنما بدا لهم أن يرتدّوا لما وجدوا أنفسهم منفردين بالإبل والراعي بعيدًا عن المدينة.
وقصة بئر معونة اختلف فيها فلم يتحقق فيها شاهد على ما نحن فيه. راجع "فتح الباري" (7/ 296).
وقصته مع بعض أزواجه أراها في "الصحيحين"عن عائشة: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أن أيَّنَنَا دخل عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- فلتقل: إنِّي لأجد منك ريح مغافير، أكلتَ مغافير؟ فدخل على إحديهما، فقالت له ذلك فقال: لا بل شربتُ عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزلت: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}، إلى {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} لعائشة وحفصة ... ".
وتمام الآية {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ولو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- صدَّق المرأة أن لذاك العسل رائحة كريهة، لكان امتناعه لكراهيتها، وكذلك كان خلقه الكريم المطلوب منه شرعًا، وسياق الآية يخالف ذلك كما هو واضح.
فالذي يظهر أنه -صلى الله عليه وسلم- فطن للحيلة، وعلم أن قائلة ذلك إنما غارت لطول مكثه عند ضرتها وانفرادها بسقيه العسل الذي يحبه، فحملتها شدة المغيرة، فتكرم فلم يكاشفها، وامتنع من شرب العسل عند ضرتها تطييبًا لنفسها.
وأما تردده في قصة الإفك فليس فيه ما يوهم التصديق ولا ظن الصدق.
وأما قوله: "فأحسب أنه صادق" فالحسبان هو الظن، ولينظر سند هذه الحكاية. اه.
* * *
(2/682)

الأمر الرابع
هل السنة تنسخ القرآن أم لا؟
نقل أبو رية عن صاحب المنار قوله:
"والنبي -صلى الله عليه وسلم- مبين للقرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان التفصيلُ والتخصيصُ والتقييدُ، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره، ولذلك كان التحقيق أن السنة لا تنسخ القرآن".
فقال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص 23):
"أقول: أما الإبطال ونقض الخبر بمعنى تكذيبه فهذا لا يقع من السنة للقرآن ولا من بعض القرآن لبعض، فالقرآن كله حق وصدق {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (1).
وأما التخصيص والتقييد ونحوهما والنسخ فليست بإبطال ولا تكذيب، وإنما هي بيان.
فالتخصيص مثلًا إن اتصل بالخطاب العام كأن نزلت آيةٌ فيها عموم ونزلت معها آية من سورة أخرى فيها تخصيص للآية الأولى، أو نزلت الآية فتلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيَّن ما يخصصها فالأمر واضح؛ إذ البيان متصل بالمبيَّن، فكان معه كالكلام الواحد.
__________
(1) سورة فصلت، آية: 42.
(2/683)

وإن تأخر المخصِّص عن وقت الخطاب بالعام، ولكنه تبعه قبل وقت العمل بالعام أو عنده، فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرْف العرب في لغتهم كما بيَّنه الشافعي في "الرسالة" (1).
أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص فإنما يكون نسخًا جزئيا، لكن بعضهم يُسَمِّي النسخ تخصيصًا جزئيا كان أو كليًا؛ نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات عموم، والنسخ إخراج لبعض تلك الأوقات، وهو المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يَحتج به من يُجيز نسخ بعض أحكام الكتاب بالسنة". اه.
* * *
__________
(1) علق المعلمي هاهنا بقوله: "قد يكون كذلك في غير العربية، ولكن الشافعي رأى بعض المستغربين يستنكرونه، فجوَّز مخالفةَ لغاتهم الأعجمية للعربية في ذلك".
(2/684)

المدعو مسعود بن شيبة
وكتابه المزعوم "كتاب التعليم"
(2/685)

قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (1/ 396):
" ... وإذا بحنفي آخر محترق يكتب كتيبًا يضمنه أشياء في فضل أبي حنيفة، وعيب سائر الأئمة، ولا سيما الشافعي، وخوفًا من الفضيحة نَحل الكتابَ من لا وجود له، فكتب عنوانه "كتاب التعليم" لشيخ الإسلام عماد الدين مسعود بن شيبة ابن الحسين السندي، ثم رمى بالكتاب في بعض الخزائن، فعثر الناس عليه بعد مدة، فتساءل العارفون: من مسعود بن شيبة؟ لا يجدون له خبرًا ولا أثرًا إلا في عنوان ذاك الكتيب.
القضية مكشوفة، إلا أنها صادفت هوى في نفوس بعض الحنفية، فصار بعض مؤرخيهم وجامعي طبقاتهم ومناقبهم يذكرون مسعود بن شيبة، وينقلون من ذاك الكتيب، فاضطر الحافظ ابن حجر إلى أن يقيم لذلك وزنًا ما، فقال في "لسان الميزان": "مسعود بن شيبة ... مجهول لا يُعرف عمن أخذ العلم، ولا من أخذ عنه، له مختصر سماه" التعليم "كذب فيه على مالك وعلى الشافعي كذبًا قبيحًا ... ".
فيجيء الأستاذ الذي يصف نفسه كما في لوح كتابه الذي طبع بتصحيحه ومراجعته بأنه: "الإِمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري، وكيل المشيخة الإِسلامية في الخلافة العثمانية سابقًا".
فيحتج بذاك الكتيب المسمى ب "التعليم"، ويذكر مسعود بن شيبة كعالمٍ حقيقي، ويزيد لي ذلك فيقول في حاشية (ص 3) من التأنيب: "وابن شيبة هذا جهله ابن حجر فيما جهل، مع أنه معروف عند الحافظ عبد القادر القرشي، وابن دقاق المؤرخ، والتقي
(2/687)

المقريزي، والبدر العيني، والشمس ابن طولون الحافظ، وغيرهم (1) فنَعُدُّ صنيعَ ابن حجر هذا من تجاهلاته المعروفة -لحاجةٍ في النفس- وقانا الله اتباع الهوى".
كذا يقول هذا الظالم لنفسه، وهو يعلم حق العلم أن هؤلاء الذين سماهم - وكلهم متأخرون، لم يعرفوا إلا ذاك الكتيب، فتجاهلوا حالة، وذكروا مسعود بن شيبة بما أخذوه من ذاك الكتيب، فإن كانت هذه معرفة فالحافظ ابن حجر لم ينكرها، بل أثبتها في تلك الترجمة، والداهية الدهياء أن يختم الأستاذ عبارته بقوله: "وقانا الله اتباع الهوى" أفليس هذا أشنع وأفظع وأدل على المكروه من قول شارب الخمر حين يشربها: باسم الله؟!
* * *
__________
(1) وجاء النقل عنه أيضًا في "نصب الراية" للزيلعي الحنفي (1/ 31)، وجاء ذكره فيمن جمع "طبقات الحنفية" في "كشف الظنون" (2/ 1099)، و (1/ 426).
(2/688)