Advertisement

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 004


كتاب
الجواهر المضية
لمجدد الدعوة النجدية
شيخ الإسلام، علم الهداة الأعلام، الشيخ محمد عبد الوهاب
أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بغير حساب

وفيه بيان عقيدته وما دعا إليه، ويليه بضع رسائل له في بيان حقيقة التوحيد وكلمته، والشرك الجلي والخفي، والنفاق الاعتقادي والعملي

من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية، ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
أيده الله تعالى
{وهو وقف لله تعالى لا يباع ولا يشترى}

الطبعة الأولى في سنة 1349
مطبعة المنار بمصر
(4/1)

الجواهر المضية، في بيان عقيدة أهل نجد السلفية
...

{عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى}
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: أخبركم أني، ولله الحمد، عقيدتي وديني الذي أدين الله به: مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بَيَّنْتُ للناس إخلاصَ الدين ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من: الذبح والنذر والتوكل والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسَل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء؛ لكونه خالف عادة نشؤوا عليها.
وأيضا ألزمتُ مَن تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله. ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه؛ لكونه مُسْتَحْسَنًا عند العوام؛ فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمُرُ به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولَبَّسُوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرتْ الفتنة جدا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، فنقول:
[توحيد الألوهية وما طرأ عليه من الشرك بدعاء غير الله]
التوحيد نوعان توحيد الربوبية، وهو أن الله سبحانه- متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه؛ لكن لا يُدْخِلُ الرجلَ في الإسلام، بل أكثر الناس مقرّون به، قال الله -تعالى-: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 1. وإن الذي يدخل
__________
1 سورة يونس آية: 31.
(4/2)

الرجلَ في الإسلام هو: توحيد الإلهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعِثَ والجاهلية يعبدون أشياء مع الله: فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة؛ فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله لِيُوَحَّدَ؛ ولا يُدْعَى أحدٌ لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن اتبعه ووحد الله: فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى أو الملائكة واستنصرهم، والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو.
وهذه جملة لها بسطٌ طويلٌ، ولكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء.
فلما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها صلى الله عليه وسلم حيث قال: "لتتبعن سَنَن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه"1، وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 2 وصار ناس من الضالين يدعون أناسا من الصالحين في الشدة والرخاء مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف أعني على الداعين.
وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم، وبَيَّنَ أهل العلم في أمثال هذا أنه هو الشرك الأكبر وعبادة الأصنام، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لِيُعْبَدَ وحدَهُ، ولا يدعى معه إله آخر.
والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل: الشمس والقمر والصالحين، والتماثيل المصورة على صورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تُنْزِلُ المطرَ أو تُنْبِتُ النباتَ، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تَنْهَى عن أن يُدْعَى أحدٌ من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.
واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (7320) , وابن ماجه: الفتن (3994) , وأحمد (2/ 511).
2 سورة التوبة آية: 31.
(4/3)

بأنهم يدعون الملائكة والأولياء والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم، وإلا فهم مقرون بأن الأمر لله، فهم لا يدعونهم إلا في الرخاء، فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله. قال الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} 1 الآية.
[دعوة الرسل إلى توحيد الألوهية]
واعلم أن التوحيد هو: إفراد الله سبحانه- بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح -عليه السلام- أرسله الله إلى قومه؛ لما غَلَوْا في الصالحين: وَدًّا وسوَاع ويَغوث ويعوق ونسرا. وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي كسَّر صورَ هؤلاء الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون، ويذكرون الله كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله تعالى يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل: الملائكة وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين.
فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محضُ حق الله تعالى لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.
فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 2. وقوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ
__________
1 سورة الإسراء آية: 67.
2 سورة يونس آية: 31.
(4/4)

شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} 1.
وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقرون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعرفت 2 أن التوحيد الذي جحدوه، وهو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله -سبحانه وتعالى- ليلا ونهارا خوفا وطمعا. ثم منهم من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين لأجل صلاحهم وقربهم من الله عز وجل ليشفعوا لهم، ويدعو رجلا صالحا مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم على ذلك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} 3. وقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} 4 الآية.
وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم ليكون الدين كله لله، والدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يُدْخِلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب لله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم - عرفت 5 حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.
وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يُقْصَد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا، أو وليا أو شجرة، أو قبرا أو جنيا، لم يريدوا أن الإله هو: الخالق الرازق المدبر، فإنهم يقرون أن ذلك لله
__________
1 سورة المؤمنون آية:84: 89.
2 قوله وعرفت - لم يتقدمه ما يصح عطفه عليه ولعل أصل الكلام: فإذا عرفت أن التوحيد إلخ وإلا كان هنالك شرط عطف هذا عليه، وسقط من الناسخ كان يكون: إذا عرفت ذلك.
3 سورة الجن آية: 18.
4 سورة الرعد آية: 14.
5 هذه الجملة جواب الشرط المذكور.
(4/5)

وحده، كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله: ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد.
فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي: لا إله إلا الله. والمراد من هذه الكلمة: معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يُعْبَد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 1.
فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك؛ فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من معنى هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يدبر الأمر إلا الله. فلا خير في رجل، جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.
[الشرك بدعاء الصالحين وغيرهم هو شرك عباد الأصنام]
فإذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال فيه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ} 2 الآية، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس اليوم فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين:
الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، قال الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} 3. وأفادك أيضا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله كما ظن المشركون، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} 4، فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله. واعلم أن الله سبحانه- من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي
__________
1 سورة ص آية: 5.
2 سورة النساء آية: 48.
3 سورة يونس آية: 58.
4 سورة الأعراف آية: 138.
(4/6)

بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} 1.
وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} 2.
فإذا عرفتَ ذلك، وعرفتَ أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج كما قال تعالى: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} 3 الآية. فالواجب عليك أن تعلم مِن دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومُقَدَّمهم لربك عز وجل: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} 4 ولكن إن أقبلت على الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف ولا تحزن: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} 5. والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} 6؛ فجنده هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان.
وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد مَنَّ الله علينا بكتابه الذي جعله تِبْيَانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويُبَيِّنُ بطلانها كما قال تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} 7. قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
[بيان من كفرهم إمام الوهابية ومن قاتلهم]
والحاصل: أن كل ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك، فكله من البهتان، وما أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين! ‍ فإني لما بينتُ لهم كلام الله، وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {ولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} 8 الآية، وقوله: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 9، وقوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 10، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ
__________
1 سورة الأنعام آية: 112.
2 سورة غافر آية: 83.
3 سورة الأعراف آية: 86.
4 سورة الأعراف آية: 16.
5 سورة النساء آية: 76.
6 سورة الصافات آية: 173.
7 سورة الفرقان آية: 33.
8 سورة الإسراء آية: 57.
9 سورة يونس آية: 18.
10 سورة الزمر آية: 3.
(4/7)

وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ} 1 الآية.
وغير ذلك، قالوا: لا يجوز العمل لنا ولا لمثلنا بكلام الله ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون.
ولما قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي؛ كُلٌّ أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله. وذكرتُ كل ما قالوا بعدما صُرِّحَتْ الدعوةُ عند القبور والنذر لها، فعرفوا ذلك وتحققوه؛ فلم يزدهم إلا نفورا.
وأما التكفير: فإني أكفر مَنْ عرف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سَبَّهُ ونَهَى الناس عنه، وعادى مَنْ فعله، فهذا هو الذي أُكَفِّرُهُ، وأكثر الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك.
وأما القتال: فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أَتَوْنَا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة، وجزاء سيئة سيئة مثلها. وكذلك مَنْ جَاهَرَ بسَبِّ دين الرسول بعد ما عرفه.
فإن تبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه؛ وأن الواجب إشاعته في الناس، وتعليمه النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له, ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضى. والله أعلم.
__________
1 سورة يونس آية: 31.
(4/8)

رسالة في المسائل الخمس الواجب معرفتها
...
رسالته في المسائل الخمس
(الواجبة معرفتها)
وله أيضا -قدس الله روحه، ونور ضريحه- ما نصه:
الواجب عليك أن تعرف خمس مسائل:
[الإنذار عن الشرك بالله]
(الأولى): أن الله لما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، كان أول كلمة أرسله الله بها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} 1، ومعنى قوله: {فَأَنْذِرْ}: الإنذار عن الشرك بالله. وكانوا يجعلونه دينا يتقربون به إلى الله تعالى مع أنهم يفعلون من الظلم والفواحش ما لا يحصى، ويعلمون أنه معصية.
فمن فهم فهما جيدا أن الله أمره بالإنذار عن دينهم الذي يتقربون به إلى الله قبل الإنذار عن الزنى ونكاح الأمهات والأخوات، وعرف الشرك الذي يفعلونه، رأى العجب العجاب، خصوصا إن عرف أن شركهم دون شرك كثير من الناس اليوم لقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} 2.
[التوحيد هو إخلاص الدين لله تعالى]
(الثانية): أنه لما أنذرهم عن الشرك، أمرهم بالتوحيد الذي هو إخلاص الدين لله تعالى، وهو معنى قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} 3، يعني: عظمه بالإخلاص. وليس المراد تكبير الأذان وغيره؛ فإنه لم يشرع إلا في المدينة.
فإذا عرف الإنسان أن ترك الشرك لا ينفع إلا إذا لبس ثوب الإخلاص، وفهم الإخلاص فهما جيدا، وعرف ما عليه كثير من الناس من ظنهم أن الإخلاص وترك دعوة الصالحين نقص لهم، كما قال النصارى: إن محمدا يشتم عيسى، لما ذكر أنه عبد الله ورسوله ليس يعبد مع الله تعالى، فمن فهم هذا عرف غربة الإسلام، خصوصا إن أحضر بقلبه ما فعل الذين يَدَّعُونَ
__________
1 سورة المدثر آية:1: 3.
2 سورة الزمر آية: 8.
3 سورة المدثر آية: 3.
(4/9)

أنهم من العلماء؛ من معاداة هذه المسألة وتكفيرهم مَن دَانَ بها وجاهدهم مع عُبَّاد قُبة أبي طالب وأمثالها، وقبة الكواز وأمثالها، وفتواهم لهم بحل دمائنا وأموالنا؛ لتركنا ما هم عليه. ويقولون لهم: إنهم ينكرون دينكم.
فلا تعرف هذه والتي قبلها إلا بإحضارك في ذهنك ما علمت أنهم فعلوا مع أهل هذه المسألة، وما فعلوا مع المشركين؛ فحينئذ تعرف أن دين الإسلام ليس مجرد المعرفة: فإن إبليس وفرعون يعرفونه، وكذلك اليهود يعرفونه كما يعرفون آباءهم، وإنما الإسلام هو: العمل بذلك والحب والبغض، وترك موالاة الآباء والأبناء في هذا.
[الرسول عليه السلام جاء ليصدق ويتبع]
(الثالثة): أن تُحْضِر بقلبك أن الله -سبحانه- لم يرسل الرسول إلا لِيُصَدَّقَ وَيُتَّبَعَ، ولم يرسله لِيُكَذَّبَ وَيُعْصَى. فإذا تأملتَ إقرار من يدعي أنه من العلماء بالتوحيد وأنه دين الله ورسوله، لكن من دخل فيه فهو من الخوارج الذين تحل دماؤهم وأموالهم، ومن أبغضه وسَبَّهَ وَصَدَّ الناسَ عنه فهو الذي على الحق، وكذلك إقرارهم بالشرك وقولهم: ليس عندنا قبة نعبدها، بل جهادهم الجهاد المعروف مع أهل القباب، وأن من فارقهم حل ماله ودمه، فإذا عرف الإنسان هذه المسألة الثالثة كما ينبغي، وعرف أنه اجتمع في قلبه، ولو يوما واحدا أن قلبه قَبِلَ كلامهم: أن التوحيد دينُ الله ورسوله، ولكن لا بد من بغضه وعداوته، وأن ما عليه أهل القباب هو الشرك، ولكن هم السواد الأعظم، وهم على الحق، ولا يقول: إنهم يفعلون الشرك، فاجتماع هذه الأضداد في القلب مع أنها أبلغ من الجنون؛ فهي من أعظم قدرة الله تعالى وهي من أعظم ما يعرفك بالله وبنفسك، ومن عرف نفسه وعرف ربه، ثم أمره. فكيف إذا علمت أن هذين الضدين اجتمعا في قلب صالح وحيوان وأمثالهما أكثر من عشرين سنة.
[الشرك يحبط العمل ولو لأجل الإسلام]
(الرابعة): أنك تعلم أن الله أنزل على رسوله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 1، مع أنهم راودوه
__________
1 سورة الزمر آية: 65.
(4/10)

على قول كلمة أو فعل مرة واحدة، ووعدوه أن ذلك يقودهم إلى الإسلام.
إذا عرفت أن أعظم أهل الإخلاص وأكثرهم حسنات، لو قال كلمة الشرك مع كراهيته لها ليقود غيره بها إلى الإسلام حبط عمله وصار من الخاسرين؛ فكيف بمن أظهر أنه منهم، وتكلم بمائة كلمة؛ لأجل تجارة، أو لأجل أن يحج؛ لما مَنَعُوا الموحدين من الحج كما منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى فتح الله مكة؟
فمن فهم هذا فهما جيدا، انفتح له معرفة قدر التوحيد عند الله عز وجل وقدر الشرك. ولكن إن عرفت هذه بعد أربع سنين فَنِعِمَّى لك، أعني: المعرفة التامة كما تعرف أن قطرة من البول تنقض الوضوء الكامل إذا خرجت ولو بغير اختياره.
[الإيمان بما جاء به الرسول عليه السلام كله]
(الخامسة): أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض الإيمان بما جاء به كله لا تفريق فيه، فمن آمن ببعضٍ وكفر ببعض، فهو كافر حقا، بل لا بد من الإيمان بالكتاب كله. فإذا عرفت أن من الناس من يصلي ويصوم، ويترك كثيرا من المحرمات؛ لكن لا يُوَرِّثُونَ المرأةَ، ويزعمون أن ذلك هو الذي ينبغي اتباعه، بل لو ورثها أحد عندهم وخالف عادتهم لأنكرت قلوبهم ذلك.
أو ينكر عدة المرأة في بيت زوجها مع علمه بقول الله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} 1، ويزعم أن تركها في بيت زوجها لا يصلح، وأن إخراجها منه هو الذي ينبغي فعله، أو أنكر التحية بالسلام مع معرفته أن الله شرعها حبا لتحية الجاهلية لما ألفها، فهذا يكفر؛ لأنه آمن ببعض، وكفر ببعض، بخلاف مَن فعل المعصية أو ترك الفرض مثل فعل الزنى وترك بر الوالدين مع اعترافه أنه مخطيء وأن أمر الله هو الصواب 2.
واعلم أني مثلتُ لك بهذه الثلاث؛ لتحذو عليها؛ فإن عند الناس من هذا
__________
1 سورة الطلاق آية: 1.
2 يعني أن الكفر في: استقباح شرع الله، وتفضيل العادات المحرمة عليه؛ لا مجرد فعل المحرم مع اعتقاد فاعله أنه مذنب وأن فعله قبيح.
(4/11)

كثير يخالف ما حد الله في القرآن، وصار المعروف عندهم ما ألفوه عند أهلهم، ولو يفعل أحدٌ ما ذكر الله ويترك العادة لأنكروا عليه وَاسْتَسْفَهُوهُ، بخلاف مَن يفعل أو يترك مع اعترافه بالخطأ، وإيمانه بما ذكر الله.
واعلم أن هذه المسألة الخامسة من أشد ما على الناس خطرا في وقتنا بسبب غربة الإسلام، والله أعلم.

[رسالة في النفاق الأكبر والأصغر وصفات المنافقين]
رسالة في النفاق بقسميه وصفات المنافقين
قال -أسكنه الله الفردوس الأعلى-:
اعلم -رحمك الله- أن الله تعالى منذ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم وأعزَّهُ بالهجرة والنصر صار الناس ثلاثة أقسام: قسم مؤمنون، وهم الذين آمنوا به ظاهرا وباطنا، وقسم كفار: وهم الذين أظهروا الكفر به، وقسم منافقون: وهم الذين آمنوا به ظاهرا لا باطنا. ولهذا افتتح الله سورة البقرة بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وثلاث عشرة في صفة المنافقين.
[النفاق الأكبر والأصغر]
وكل واحد من: الإيمان، والكفر، والنفاق، له دعائم وشُعَب كما دل عليه الكتاب والسنة، وكما فسره علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الحديث المأثور عنه. فمن النفاق ما هو: نفاق أكبر، ويكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره، مثل أن يُظْهِر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المَسَرَّة بانخفاض دينه، أو المَسَاءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوا لله ورسوله، وهذا القدر موجود في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وما زال بعده أكثر من عهده؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى، فإذا كانت مع قوتها، والنفاق موجود فوجوده فيما دون ذلك أولى به، وهذا ضرب النفاق الأكبر، والعياذ بالله.
(4/12)

وأما النفاق الأصغر: فهو نفاق الأعمال ونحوها، مثل أن يكذب إذا حدَّث، ويُخلف إذا وعد، أو يخون إذا ائتُمِنَ، للحديث المشهور عنه صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم"1.
[صفات المنافقين]
ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين لقوله صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يَغْزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق"2 رواه مسلم.
وقد أنزل الله سورة براءة التي تُسَمَّى الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين كما قاله ابن عباس رضي الله عنه- قال: "هي الفاضحة، ما زالت تنْزل (ومنهم، ومنهم) حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذُكِرَ فيها"، وعن المقداد بن الأسود قال: هي سورة البَحُوث؛ لأنها بحثَتْ عن سرائر المنافقين. وقال قتادة: هي المثيرة؛ لأنها أثارت مخازي المنافقين.
وهذه السورة نزلت في آخر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة تبوك، وقد أعز الله الإسلام وأظهره؛ فكشف فيها عن أحوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجبن والبخل. فأما الجبن فهو: ترك الجهاد، وأما البخل فهو: عن النفقة في سبيل الله.
وقال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} 3 الآية. وقال: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} 4 الآية.
فأما وصفهم فيها بالجبن والفزع فقد قال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} 5 يلجؤون إليه مثل المعاقل والحصون {أَوْ مَغَارَاتٍ} يغورون فيها كما يغور الماء، {أَوْ مُدَّخَلًا} وهو الذي يتكلف الدخول إليه ولو بكُلْفَة ومشقة، {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} عن الجهاد {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} 6 أي: يسرعون إسراعا لا يردهم شيء؛ كالفرس الجَمُوح الذي إذا حمل لم يرده اللجام. وقد قال تعالى:
{إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ
__________
1 البخاري: الإيمان (33) , ومسلم: الإيمان (59) , والترمذي: الإيمان (2631) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5021) , وأحمد (2/ 357 ,2/ 397 ,2/ 536).
2 مسلم: الإمارة (1910) , والنسائي: الجهاد (3097) , وأبو داود: الجهاد (2502).
3 سورة آل عمران آية: 180.
(4/13)

وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} 1. فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد. وقال تعالى: {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} 2 الآيتين. فهذا إخبار من الله أن المؤمن لا يستأذن في ترك الجهاد، وإنما يستأذن الذين لا يؤمنون بالله، فكيف بالتارك من غير استئذان؟
وقال في وصفهم بالشح: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ} 3 إلى قوله: {وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} 4؛ فإذا كان هذا ذَمُّ الله -تبارك وتعالى- لمن أنفق وهو كاره، فكيف بمن ترك النفقة رأسا؟
وقد أخبر أن المنافقين لما قربوا من المدينة؛ تارة يقولون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم، فأنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه وخالفتموهم. وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، وإلا لو كنا قد سافرنا، ما أصابنا هذا.
وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم. وتارة يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم تريدون أن تهلكوا أنفسكم وتهلكوا الناس معكم. وتارة يقولون أنواعا من الكلام المؤذي، فأخبر الله عنهم بقوله عز وجل: {يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} 5، فوصفهم -تبارك وتعالى- بثلاثة أوصاف:
الأول: أنهم -لخوفهم- يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذا حال الجبان الذي في قلبه مرض، فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن.
الوصف الثاني: أن الأحزاب إذا جاؤوا تَمَنَوْا أن لا يكونوا بينكم؛ بل في البادية بين الأعراب يسألون عن أنبائكم: أيش خبر المدينة؟ وأيش خبر الناس؟.
الوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا، وهم فيكم لم يقاتلوا إلا قليلا. وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس.
__________
1 سورة الحجرات آية: 15.
2 سورة التوبة آية: 44.
3 سورة التوبة آية: 54.
4 سورة التوبة آية: 54.
5 سورة الأحزاب آية: 20.
(4/14)

رسالة في كلمة لا إله إلا الله
بين فيها حقيقة التوحيد ومعناه، وكونه لا يُنَجِّي من النار سواه
وله في معنى لا إله إلا الله ما نصه:
قال -رحمه الله تعالى-: هذه كلمات في بيان شهادة أن لا إله إلا الله، وبيان التوحيد الذي هو: حق الله على العبيد، وهو أفرض من الصلاة والزكاة وصوم رمضان، فرحم الله امرأ نصح نفسه وعرف أن وراءه جنة ونارا، وأن الله عز وجل جعل لكل منهما أعمالا. فإن سأل عن ذلك وجد رأس أعمال أهل الجنة: توحيد الله تعالى.
فمن أتى به يوم القيامة فهو من أهل الجنة قطعا، ولو كان عليه من الذنوب مثل الجبال، ورأس أعمال أهل النار: الشرك بالله. فمن مات على ذلك، فلو أتى يوم القيامة بعبادة الله الليل والنهار والصدقة والإحسان؛ فهو من أهل النار قطعا، كالنصارى الذين يبني أحدهم صومعة في البرية؛ ويزهد في الدنيا ويتعبد الليل والنهار، لكنه خلط ذلك بالشرك بالله؛ تَعَالى اللهُ عن ذلك.
قال الله عز وجل: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} 1. وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} 2 الآية.
فرحم الله امرأ تنبه لهذا الأمر العظيم، قبل أن يعض الظالم على يديه ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا!
نسأل الله أن يهدينا، وإخواننا المسلمين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم، وهم: العلماء الذين علموا ولم يعملوا، وطريق الضالين وهم: العباد الجهال فما أعظم هذا الدعاء! وما أحوج مَن دعا به أن يُخلص قلبه في كل ركعة
__________
1 سورة الفرقان آية: 23.
2 سورة إبراهيم آية: 18.
(4/15)

إذا قرأ بها بين يدي الله -تعالى- أن يهديه وأن ينجيه؛ فإن الله قد ذكر أنه يستجيب هذا الدعاء الذي في الفاتحة؛ إذا دعا به الإنسان من قلب حاضر.
[حقيقة معنى لا إله إلا الله]
(فنقول): لا إله إلا الله هي: العروة الوثقى، وهي كلمة التقوى، وهي الحنيفية ملة إبراهيم، وهي التي جعلها الله عز وجل كلمة باقية في عقبه، وهي التي خلقت لأجلها المخلوقات، وبها قامت الأرض والسماوات، ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 1. وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 2، والمراد معنى هذه الكلمة، وأما التلفظ باللسان مع الجهل بمعناها فلا ينفع، فإن المنافقين يقولونها، وهم تحتَ الكفارِ في الدرك الأسفل من النار.
(فاعلم) أن معنى هذه الكلمة نفيُ الإلهية عما سوى الله -تبارك وتعالى- وإثباتها كلها لله وحده لا شريك له، ليس فيها حق لغيره لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، كما قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} 3. وقال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} 4. وقال تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} 5 الآية.
فإذا قيل: لا خالق إلا الله؛ فهذا معروف، لا يشاركه في ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل. وإذا قيل: لا يرزق إلا الله فكذلك. فإذا قيل: لا إله إلا الله فكذلك. فتفكر رحمك الله! واسأل عن معنى لا إله إلا الله، كما تسأل عن معنى الخالق والرازق. فاعلم أن الإله هو المعبود؛ هذا هو تفسير هذه اللفظة بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئا فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل، إلا إله واحد وهو الله وحده تبارك وتعالى علوا كبيرا.
[العبادة وأنواعها]
والعبادة أنواع كثيرة لكني أُمَثُّلُهَا بأنواع كثيرة لا تُنْكَر: من ذلك السجود:
__________
1 سورة الذاريات آية: 56.
2 سورة النحل آية: 36.
3 سورة مريم آية:93، 95.
4 سورة النبأ آية: 38.
5 سورة النحل آية: 111.
(4/16)

فلا يجوز لعبد أن يضع وجهه على الأرض ساجدًا إلا لله وحده لا شريك له، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل ولا لِوَلِيٍّ. ومن ذلك الذبح: فلا يجوز لأحد أن يذبح إلا لله وحده، كما قرن الله بينهما في القرآن في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} 1 والنسك هو: الذبح، وقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} 2؛ فتفطن لهذا.
واعلم أن مَن ذبح لغير الله من جني أو قبر، فهو كما لو سجد له. وقد لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح قال: "لعن الله من ذبح لغير الله"3.
ومن أنواع العبادة: الدعاء: كما كان المؤمنون يدعون الله ليلا ونهارا في الشدة والرخاء وحده، لا يشك أحد أن هذا من أنواع العبادة 4.
فتفكر -رحمك الله- أنه فيما حَدَثَ في الناس اليوم من دعاء غير الله في الشدة والرخاء: هذا يريد سفرا فيأتي عند قبر أو غيره، فيدخل عليه بماله على من يَنْهَبه. وهذا تلحقه الشدة في البر أو البحر فيستغيث بعبد القادر أو السمان أو بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء، أن ينجيه من هذه الشدة.
فيقال لهذا الجاهل: إن كنت تعرف أن الإله هو: المعبود، وتعرف أن الدعاء من العبادة؛ فكيف تدعو مخلوقا ميتا عاجزا وتترك الحي القيوم، الرؤوف الرحيم القدير؟ فيقول هذا المشرك: إن الأمر بيد الله، ولكن هذا العبد الصالح يشفع لي عند الله وتنفعني شفاعته وجاهه، ويظن أن ذلك يسلمه من الشرك.
__________
1 سورة الأنعام آية: 162.
2 سورة الكوثر آية: 2.
3 مسلم: الأضاحي (1978) , والنسائي: الضحايا (4422) , وأحمد (1/ 108 ,1/ 118 ,1/ 152).
4 وهو أعلى الأنواع، وأدلها على الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، فالسجود إنما كان عبادة بحكم الشرع، وقد كان عادة في التحية من قبل، ومنه سجود يعقوب وأولاده لولده يوسف عليهم السلام. وأما الدعاء فهو: ركن العبادة الأعظم بمقتضى الفطرة، وفي دين الله على ألسنة جميع الأمم، ولذلك قال (ص): "الدعاء هو العبادة" رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من حديث النعمان بن بشير وأبو يعلى من حديث البراء؛ وفي معناه: "الدعاء مخ العبادة" رواه الترمذي من حديث أنس.
(4/17)

فيقال لهذا الجاهل: المشركون عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وغنم أموالهم وأبنائهم ونساءهم كلهم يعتقدون أن الله هو النافع الضار الذي يدبر الأمر، وإنما أرادوا ما أردت من الشفاعة عند الله، كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 1. وقوله {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 2. وإلا فهم يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار كما أخبر عنهم بقوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 3.
فليتدبر اللبيب العاقل الناصح لنفسه الذي يعرف أن بعد الموت جنة ونارا، هذا الموضع، ويعرف الشرك بالله الذي قال الله فيه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 4 الآية. وقال: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} 5. فما بعد هذا البيان بيان! إذا كان الله عز وجل قد حكى عن الكفار أنهم يقرون أنه هو الخالق الرازق، والمحيي المميت الذي يدبر الأمر، وإنما أرادوا من الذين يعتقدون فيهم التقرب والشفاعة عند الله -تعالى-.
(فكم من) آية في القرآن ذكر الله فيها هذا، كقوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} 6 - إلى قوله- {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} 7. وكقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 8 {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 9، وغير ذلك من الآيات التي أخبر الله بها عنهم أنهم أقروا بهذا لله وحده، وأنهم ما أرادوا من الذين يعتقدون فيهم إلا الشفاعة، لا غير ذلك.
[الشرك بعبادة الأصنام كالشرك بعبادة الأنبياء والصالحين]
فإن احتج بعض المشركين أن أولئك يعتقدون في أصنام من حجارة وخشب، ونحن نعتقد في الصالحين. قيل له: والكفار أيضا منهم من يعتقد في الصالحين مثل:
__________
1 سورة يونس آية: 18.
2 سورة الزمر آية: 3.
3 سورة يونس آية: 31.
4 سورة النساء آية: 48.
5 سورة المائدة آية: 72.
6 سورة المؤمنون آية: 84.
7 سورة المؤمنون آية: 89.
8 سورة العنكبوت آية: 61.
9 سورة العنكبوت آية: 63.
(4/18)

الملائكة وعيسى بن مريم. وفي الأولياء مثل: العزير واللات، وناس من الجن. وقد ذكر الله عز وجل في كتابه ما يدل على هذا، فقال في الذين يعتقدون في الملائكة ليشفعوا لهم: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون َ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} 1. وقال: {لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} 2.
وقال فيمن اعتقد في عيسى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} 3. وقال: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 4؛ فإذا كان عيسى بن مريم -وهو من أفضل الرسل- قيل فيه هذا، فكيف بعبد القادر أو غيره؛ إذ يقال فيه: إنه يملك ضرا أو نفعا؟.
وقال في حق الأولياء: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} 5. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة وعزيرا والمسيح فقال الله: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجون أنتم رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.
فرحم الله امرأ تفكر في هذه الآية العظيمة، وفيما نزلت فيه، وتفكر أن الذين اعتقدوا فيهم إنما أرادوا التقرب إلى الله والشفاعة عنده بهم، وهذا كله يدور على كلمتين:
الأولى: أن تعرف أن الكفار يعرفون أن الله -سبحانه- هو الخالق الرازق الذي يدبر الأمر وحده، وإنما أرادوا التقرب بهؤلاء إلى الله -تعالى-.
والثانية: أن تعرف أن منهم أُنَاسًا يعتقدون في أناس من الأنبياء والصالحين مثل: عيسى والعزير والأولياء، فصاروا هم والذين يعتقدون في الأصنام من الحجر والشجر واحدا، فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين الذين يعتقدون في الأوثان من الخشب والحجر، والذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين؛
__________
1 سورة سبأ آية: 40.
2 سورة الأنبياء آية: 28.
3 سورة النساء آية: 171.
4 سورة المائدة آية: 76.
5 سورة الإسراء آية: 56.
(4/19)

إذا تبين هذا لك عرفت دين الله.
ولو قال المشرك بعد ذلك: هذا بَيِّنٌ نعرفه في أول الأمر ولا نخاف منه.
[عناية القرآن بمحو الشرك من القلوب والبراءة من أهله]
قيل: إن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا هذا إلا بعد التعلم، ومن أنواع الشرك أشياء ما عرفوها إلا بعد سنين، فإن عرفت هذا بلا تعلم فأنت أعلم منهم، بل الأنبياء لم يعرفوا هذا إلا بعد أن علَّمَهم الله تعالى، قال الله تعالى لأعلم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} 1 وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 2.
فإذا كان هذا حال نبينا، وحال الخليل إبراهيم -عليه السلام- إذ يوصي بها أولاده وهم أنبياء. قال الله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 3. وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} 4؛ فإذا كان هذا الأمر لا يخاف على المسلمين منه، فما بال الخليل يخاف على نفسه وعلى بنيه، وهم أنبياء؛ حيث قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} 5. ما بال العليم الحكيم لما أنزل كتابه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور جعله في هذا الأمر، وأكثر الكلام فيه وبَيَّنَه، وضرب فيه الأمثال، وحَذَّرَ منه وأبدى وأعاد؟ فإذا كان الناس يفهمونه بلا تعلم، ولا يخاف عليهم منه، فما بال رب العالمين جعل أكثر كتابه فيه؟ فسبحان من طَبَعَ على قلب من شاء من خلقه، فأصمهم وأعمى أبصارهم!
وأنت يا مَنْ مَنَّ الله عليه بالإسلام، وعرف معنى: لا إله إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق وتارك ما سواه 6، لكن لا أتعرض لهم ولا أقول فيهم شيئا، لا تظن أنك غير عاصٍ ربك، بل لا بد من بغضهم وبغض من يحبهم، ومسبتهم
__________
1 سورة محمد آية: 19.
2 سورة الزمر آية: 65.
3 سورة البقرة آية: 132.
4 سورة لقمان آية: 13.
5 سورة إبراهيم آية: 35.
6 كذا في الأصل ويظهر أنه سقط من هنا شيء.
(4/20)

ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم والذين معه لقومهم: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 1. وقال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} 2 الآية، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 3.
ولو قال رجل: أنا أتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الحق، لكن لا أتعرض للات والعزى، ولا أتعرض لأبي جهل وأمثاله، ما عليَّ منهم؟ لم يصح إسلامه.
وأما مجادلة بعض المشركين بأن هؤلاء الطواغيت ما أمروا الناس بهذا ولا رضوا به، فهذا لا يقوله إلا مشرك مكابر، فإن هؤلاء ما أكلوا أموال الناس بالباطل ولا ترأسوا عليهم، ولا قربوا ما قربوا إلا بهذا، وإذا رأوا رجلا موحدا منكرا لهذا الشرك سبوه وآذوه، وإذا رأوا مشركا كافرا تابعا للشيطان قربوه وأحبوه وزوجوه بناتهم وعَدُّوا ذلك شرفًا.
وهذا القائل يعلم أن قوله ذلك كذب، فإنه لو يحضر عندهم ويسمع بعض المشركين يقول: جاءتني شدة فجئت الشيخ فلان أو السيد فلان فنذرت له فخلصني، لم يجز أن يقول هذا القائل: لا يضر ولا ينفع إلا الله، بل لو قال هذا وأشاعه في الناس لأبغضه الطواغيت، بل لو قدروا على قتله لقتلوه. وبالجملة لا يقول هذا إلا مشرك مكابر، وإلا فدَعْوَاهم هذه وتخويفهم الناس، وذكرهم السوالف الكفرية التي اشتهرت عن آبائهم مشهور، لا ينكره من عرف حالهم كما قال تعالى: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} 4.
[العبرة فيما ذكر الله عن المشركين إذا مسهم الضر]
ولنختم الكتاب بذكر آية من كتاب الله فيها عبرة لمن اعتبر. قال تعالى في حق الكفار: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} 5، فذكر عن الكفار أنهم إذا جاءتهم الشدة تركوا غيره، وأخلصوا له الدين، وأهل زماننا إذا جاءتهم الشدة والضر التجؤوا إلى غير الله -سبحانه وتعالى- عن ذلك. فرحم الله مَن تفكر في هذه الآية وغيرها من الآيات.
__________
1 سورة الممتحنة آية: 4.
2 سورة البقرة آية: 256.
3 سورة النحل آية: 36.
4 سورة التوبة آية: 17.
5 سورة الإسراء آية: 67.
(4/21)

وأما مَنْ مَنَّ الله عليه بالمعرفة، فليحمد الله تعالى. وإن أشكل عليه شيء، فليسأل أهل العلم عما قال الله ورسوله ولا يبادر بالإنكار؛ لأنه إن رَدَّ: رَدَّ على الله. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} 1.
[الباطل لا يصير حقا بعظمة قائله وجلالته]
اعلم -رحمك الله- أن أشياء من أنواع الشرك الأكبر وقع فيها بعض المصنفين -على جهالة- لم يُفْطَن لها؛ من ذلك قوله في البردة:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وفي الهمزية من جنس هذا وغيره أشياء كثيرة، وهذا من الدعاء الذي هو العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده، وإن جادلك بعض المشركين بجلالة هذا القائل وعلمه وصلاحه، وقال بجهله: كيف هذا؟ فقل له: أعلم منه وأجل أصحاب موسى الذين اختارهم الله وفضلهم على العالمين، وقد قالوا: {يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} 2؛ فإذا خفي هذا على بني إسرائيل مع جلالتهم وفضلهم، فما ظنك بغيرهم 3. وقل لهذا الجاهل:
__________
1 سورة السجدة آية: 22.
2 سورة الأعراف آية: 138.
3 فيه أن بني إسرائيل الذين قالوا هذا القول: لم يكونوا أصحاب جلالة وفضل ولا علم بالدين، ولا كانت التوراة نزلت عليهم، وإنما كانوا مشركين أنقذهم موسى عليه السلام- من ظلم فرعون وقومه؛ ليتخذ منهم شعبا يعبد الله وحده ويقيم دينه، وقد أجابهم موسى -عليه السلام- بقوله: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}، وقد اتخذوا العجل بعد ذلك وعبدوه. وفي القرآن، وكذا في التوراة من ذم قوم موسى وتمردهم وعنتهم وإيذائهم له في عهد التشريع العجب العجاب، وأما تفضيل بني إسرائيل على العالمين في زمانهم، فالمراد به جملتهم بما كان فيهم من الأنبياء والصالحين من قبل موسى إلى عهد عيسى -عليهم السلام- {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}.
(4/22)

أصلح من الجميع وأعلم أصحاب محمد 1 لما مروا بشجرة فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} 2.
ففي هذا عبرتان عظيمتان:
(الأولى): أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح أن من اعتقد في شجرة أو تبرك بها أنه متخذها إلها، وإلا فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون أنها لا تخلق ولا ترزق، وإنما ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بالتبرك بها صار فيها بركة.
(والعبرة الثانية): أن الشرك قد يقع ممن هو أعلم الناس وأصلحهم وهو لا يدري، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشرك أخفى من دبيب النمل"3 بخلاف قول الجاهل: هذا بَيِّنٌ نعرفه.
فإذا أشكل عليك من هذا شيء، وأردت بيانه من كلام أهل العلم، وإنكار جنس الشرك الذي حرمه الله فهو موجود، وابحث عن كلام العلماء في هذا، إن أردت من الحنابلة، وإن أردت من غيرهم. والله أعلم.
__________
1 كان ينبغي أن يقال: بعض أصحاب محمد -صلّى الله عليه وسلّم- من أهل مكة، فإن الذين قالوا هذا ليسوا أعلمهم كالخلفاء والعبادلة مثلا، وإنما هم الطلقاء الذين كانوا حديثي عهد بالشرك، بل كان بعضهم لا يزال على شركه كما ظهر في غزوة حنين فتنبه.
وكتبه محمد رشيد.
2 سورة الأعراف آية: 138.
3 أحمد (4/ 403).
(4/23)

رسالة في الشهادتين ودلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
...
رسالة أخرى في الشهادتين
(وبعثة محمد -صلّى الله عليه وسلّم- ودلائل رسالته)
قال -صب الله عليه من شآبيب بره ورحمته ووالى-:
هذه كلمات في معرفة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وقد غلط أهل زماننا فيها، وأثبتوا لفظها دون معانيها، وقد يأتون بأدلة على ذلك تلتبس على الجاهل المسكين، ومن ليس له معرفة في الدين، وذلك يُفْضِي إلى أعظم المهالك.
[معنى كون أهل السنة لا يكفرون أهل القبلة]
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم"1 الحديث. وكذا قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن شفاعته: من أحق بها يوم القيامة؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه"2. وقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة" 3. وكذلك حديث عتبان بن مالك: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله"4.
وهذه الأحاديث الصحيحة إذا رآها هذا الجاهل أو بعضها أو سمعها من غيره طابت نفسه، وقرتْ عينه، واستنقذه المساعد على ذلك، وليس الأمر كما يظنه هذا الجاهل المشرك. فلو أنه دعا غير الله أو ذبح له، أو حلف به، أو نذر له: لم ير ذلك شركا، ولا محرما، ولا مكروها؛ فإذا أنكر عليه أحدٌ بعضَ ما ينافي التوحيد لله، والعمل بما أمر الله اشمأز ونفر وعارض بقوله: قال رسول الله، وقال رسول الله، وهذا لم يدر حقيقة الحال.
فلو كان الأمر كما قال؛ لما قال الصديق -رضي الله عنه- في أهل الردة: والله لو منعوني عناقا -أو قال عقالا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه. أفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله؟ وما يصنع هذا الجاهل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم، فإنهم شر قتيل
__________
1 البخاري: الجهاد والسير (2946) , ومسلم: الإيمان (21) , والترمذي: الإيمان (2606) , والنسائي: الجهاد (3090 ,3095) وتحريم الدم (3971 ,3972 ,3974 ,3976 ,3977 ,3978) , وأبو داود: الجهاد (2640) , وابن ماجه: الفتن (3927 ,3928) , وأحمد (1/ 11 ,2/ 377 ,2/ 423 ,2/ 502 ,2/ 528 ,3/ 300 ,3/ 332 ,3/ 339 ,3/ 394).
2 البخاري: العلم (99) , وأحمد (2/ 373).
3 أبو داود: الجنائز (3116) , وأحمد (5/ 233 ,5/ 247).
4 البخاري: الصلاة (425) والأطعمة (5401) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (33).
(4/24)

تحت أديم السماء"1؟
أفيظن هذا الجاهل أن الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، أنهم لم يقولوا لا إله إلا الله؟ وقال صلى الله عليه وسلم: "في هذه الأمة -ولم يقل منها- قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم"2، 3.
وكذلك أهل حلقة الذكر؛ لما رآهم أبو موسى في المسجد في كل حلقة رجل يقول: سَبِّحُوا مائة، هَلِّلُوا مائة. الحديث؛ فلما أنكر عليهم عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما أردنا إلا الخير. قال: كم من مريد للخير لم يصبه 4 إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: "أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم"5 أو قال: "تراقيهم"6. وأيم الله لا أدري أن يكون أكثرهم إلا منكم، قال عمرو بن سلمة: فما كان إلا قليل حتى رأوا أولئك يطاعنون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النهروان مع الخوارج.
أفيظن هذا الجاهل المشرك أنهم يتركون ذلك؛ لكونهم يسبحون ويهللون ويكبرون؟ وكذلك المنافقون على عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم؛ ويصلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس ويحجون معه، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} 7.
أفيظن هذا الجاهل أنهم لم يقولوا: لا إله إلا الله؟ وكذلك قاتل النفس بغير حق يقتل؛ أفيظن هذا الجاهل أنه لم يقل: لا إله إلا الله؟ وأنه لم يقلها خالصا من قلبه؟ فسبحان من طبع على قلب من شاء من عباده، وأخفى عليه الصواب، وأسلكه مسلك البهائم والدواب: {أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} 8، حتى قال هؤلاء الجهلة ممن ينتسب
__________
1 البخاري: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (6930) , ومسلم: الزكاة (1066) , والنسائي: تحريم الدم (4102) , وأبو داود: السنة (4767) , وأحمد (1/ 81 ,1/ 131).
2 البخاري: المناقب (3610) , ومسلم: الزكاة (1064) , وأحمد (3/ 33 ,3/ 60 ,3/ 65).
3 فيه أن الخليفة الرابع -رضي الله عنه- قاتلهم ببغيهم، ولم يحكم بكفرهم، وكانوا متأولين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع.
4 أنكر ابن مسعود (رض) ذلك على قائله؛ لأنه بدعة كما بينه الشاطبي في الاعتصام وغيره.
5 البخاري: المناقب (3610) , ومسلم: الزكاة (1064) , والنسائي: الزكاة (2578) وتحريم الدم (4101) , وأبو داود: السنة (4764) , وأحمد (3/ 4 ,3/ 33 ,3/ 60 ,3/ 68 ,3/ 73).
6 البخاري: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (6934) , ومسلم: الزكاة (1068).
7 سورة النساء آية: 145.
8 سورة الأعراف آية: 179.
(4/25)

إلى العلم والفقه: قِبْلَتُنا مَنْ أَمَّها لا يكفر 1.
فلا إله إلا الله: نَفْيُ وإثباتُ الإلهية كلها لله، فمن قصد شيئا من قبر أو شجر أو نجم أو ملك مقرب أو نبي مرسل؛ لجلب نفع وكشف ضر فقد اتخذه إلها من دون الله، فَكَذَّبَ بلا إله إلا الله؛ يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل.
[الشرك بعبادة غير الله للتبرك]
فإن قال هذا المشرك: لم أقصد إلا التبرك، وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر. فقل له: إن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردتَ، كما أخبر الله عنهم، أنهم لما جاوزوا البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: {يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، فأجابهم بقوله: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} 2 الآيتين.
وحديث أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الله أكبر إنها السنن 3، قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، لتركبن سنن من كان قبلكم".
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} 4، وفي الصحيح عن ابن عباس وغيره أنه رجل صالح كان يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره. فيرجع هذا المشرك ويقول: هذا الشجر والحجر، وأنا أعتقد في أناس
__________
1 يعني الشيخ -رحمه الله- أن هؤلاء الجهلة لم يفهموا قول أهل السنة: أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة، وأنهم يعنون به عدم التكفير بالذنب لا بالشرك، والكفر الذي لا يحتمل التأويل. والتأويل الذي يمنع تكفير الشخص المُعَيَّن: إنما يمنعه ما دام محتملا فإذا قامت عليه الحجة، وذهب احتمال التأويل ظهر أنه مُرتد ليس له عذر.
2 سورة الأعراف آية: 138.
3 الضمير هنا ضمير القصة والشأن، والسنن: سنن الله في الأمم، وهي قواعد الاجتماع والأحوال التي يستن فيها بعض الناس بما كان عليه غيرهم.
4 سورة النجم آية: 19.
(4/26)

صالحين أنبياء وأولياء، أريد منهم الشفاعة عند الله، كما يشفع ذو الحاجة عند الملوك، وأريد منهم القربة إلى الله، فقل له: هذا مذهب الكفار بعينه، كما أخبر سبحانه بقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 1 وقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 2.
وقد ذكر أناسا يعبدون المسيح وعزيرا، فقال الله: هؤلاء عبيدي يرجون رحمتي كما ترجون، ويخافون عذابي كما تخافون، وأنزل الله -سبحانه-: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا} 3 الآيتين، وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} 4 الآيتين.
والقرآن، بل والكتب السماوية من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا الشرك وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسوله، وأنهم أولياء الشيطان، وأنه سبحانه لا يغفر لهم ولا يقبل عملهم، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 5. وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} 6. وقال تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 7. قال ابن مسعود وابن عباس: لا تجعلوا له أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله.
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت فقال: "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء لله وحده". وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر. فسئل عنه فقال: الرياء"8.
[لم يتخلص من عبادة الأوثان إلا أتباع ملة إبراهيم عليه السلام]
وبالجملة، فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان، ولم يتخلص من ذلك إلا الحنفاء: أتباع ملة إبراهيم -عليه السلام-، وعبادتها في الأرض من قبل قوم نوح، كما ذكر الله، وهي كلها، ووقوفها وسدانتها وحجابتها، والكتب المصنفة في شرائع عبادتها طبقت الأرض، قال إمام الحنفاء: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} 9، كما قص الله ذلك عنهم في القرآن وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين. وكفى في معرفة كثرتهم، وأنهم أكثر أهل الأرض ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن
__________
1 سورة الزمر آية: 3.
2 سورة يونس آية: 18.
3 سورة الإسراء آية: 56.
4 سورة سبأ آية: 40.
5 سورة النساء آية: 48.
6 سورة الفرقان آية: 23.
7 سورة البقرة آية: 22.
8 أحمد (5/ 428).
9 سورة إبراهيم آية: 35.
(4/27)

بَعْثَ النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، قال الله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} 1. وقال: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} 2. وقال: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} 3.
[دلائل نبوة نبينا عليه السلام]
ولما أراد سبحانه إظهار توحيده، وإكمال دينه، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بعث محمدا خاتم النبيين، وحبيب رب العالمين، وما زال في كل جيل مشهورا، وفي توراة موسى وإنجيل عيسى مذكورا، إلى أن أخرج الله تلك الدرة، بين بني كنانة وبني زهرة، فأرسله على حين فَتْرَةٍ من الرسل، وهداه إلى أقوم السُّبُل، فكان له صلى الله عليه وسلم من الآيات الدالة على نبوته قبل مبعثه ما يعجز أهل عصرها.
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت له بُصْرَى من أرض الشام"4. وولد صلى الله عليه وسلم ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وانشق إيوان كسرى ليلةَ مولده حتى سمع انشقاقه وسقط أربعة عشر شرفة 5 وهو باق إلى اليوم آية من آيات الله، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك، وغاضت بحيرة ساوة، وكانت بحيرة عظيمة في مملكة العراق عراق العجم وهمدان تسير فيها السفن، وهي أكثر من ستة فراسخ، فأصبحت ليلة مولده يابسة ناشفة، كأن لم يكن بها ماء، واستمرت على ذلك حتى بني مكانها مدينة ساوة وهي باقية إلى اليوم، وأرسلت الشهب على الشياطين كما أخبر الله بقوله: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} 6 الآية.
وأنبته الله نباتا حَسَنًا، وكان أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا، وأعزهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا حتى سماه قومه: "الأمين" لما جعل الله فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية؛ ووصل بُصْرَى من أرض الشام مرتين فرآه بحيرا الراهب فعرفه، وأخبر
__________
1 سورة الإسراء آية: 89.
2 سورة الأنعام آية: 116.
3 سورة يوسف آية: 103.
4 أحمد (4/ 127).
5 كذا في الأصل؛ ولا بد أن يكون صوابه: أربع عشرة شرفة منه أو من شرفاته.
6 سورة الجن آية: 9.
(4/28)

عمه أنه رسول الله، ونصحه أن يرده، فرده مع بعض غلمانه، وقال لعمه: احتفظ به فلم نجد قدما أشبه بالقدم الذي بالمقام 1 من قدمه. واستمرت كفالة أبي طالب له كما هو مشهور، وَبُغِّضَ إليه الأوثان ودين قومه فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك.
والدليل على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العقل والنقل: فأما النقل فواضح.
وأما العقل فنبه عليه القرآن: من ذلك: أن ترك الله خلقَه بلا أمر ولا نهي لا يناسب في حق الله، ونَبَّهَ عليه في قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} 2 ومنه أن قول الرجل: إني رسول الله؛ إما أن يكون خير الناس وإما أن يكون شرهم وأكذبهم.
والتمييز بين ذلك سهل يعرف بأمور كثيرة، ونبه على ذلك بقوله: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} 3 الآيات. ومنه شهادة الله بقوله: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} 4. ومنها شهادة أهل الكتاب بما في كتبهم كما في هذه الآية.
ومنها -وهي أعظم الآيات العقلية-: هذا القرآن الذي تحداهم بسورة من مثله، ونحن إن لم نعلم وجه ذلك من جهة العربية فنحن نعلمه من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له، علمائهم وفصحائهم، وتكريره هذا واستعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك على شدة حرصهم على تكذيبه، وإدخال الشبهة على الناس.
ومنها: تمام ما ذكرنا، وهو إخباره -سبحانه- أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله إلى يوم القيامة، فكان كما ذكر، مع كثرة أعدائه في كل عصر، وما أُعْطُوا من الفصاحة والكمال والعلوم.
ومنها: نصرُهُ مَنْ اتَّبَعَهُ، ولو كانوا أضعف الناس.
ومنها: خذلان من عاداه وعقوبته في الدنيا، ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم.
ومنها: أنه رجل أمي لا يخط ولا يقرأ الخط، ولا أخذ عن العلماء، ولا ادعى
__________
1 مقام إبراهيم، يعني أنه -صلى الله عليه وسلم- أشبه الناس بإبراهيم.
2 سورة الأنعام آية: 91.
3 سورة الشعراء آية: 221.
4 سورة الرعد آية: 43.
(4/29)

ذلك أحد من أعدائه مع كثرة كذبهم وبهتانهم، ومع هذا أتى بالعلم الذي في الكتب الأولى، كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} 1.
[الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك]
وقال -رحمه الله تعالى-: ولما بلغ أربعين سنة، بعثه الله بشيرا ونذيرا {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} 2 ولما أتى قومه بلا إله إلا الله قالت قريش: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} 3. قال الترمذي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة وزيد بن مروان وغيرهم قالوا: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين مُسْتَخْفِيًا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين يوافي الموسم كل عام فيقول: "أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة"4. وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئٌ كذابٌ، فيردون عليه أقبح الرد.
ولما أمره الله بالهجرة، هاجر وأظهر الله دينه على الدين كله، وقاتل جميع المشركين؛ ولم يميز بين مَن اعتقد في نبي ولا ولي ولا شجر ولا حجر، وما زال يعلم الناس التوحيد، ويقمع من دعاة الشرك كل شيطان مريد، حتى أزال الله الجهل والجهال، وبان للناس من التوحيد ساطعُ الجمالِ.
وعن أنس قال: قال أناس: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس أنا محمدٌ عبدُ الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منْزلتي التي أنزلني الله عز وجل"5.
وعن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أنت سيدنا. فقال: "السيد الله"6. وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتْ النصارى المسيحَ ابن مريم؛ إنما أنا عبد الله ورسوله"7. وما زال صلى الله عليه وسلم مُعَلِّمًا لأصحابه هذا التوحيد، َومُحَذِّرًا من الشرك، حتى أتاهم مرة وهم يتذاكرون الدجال فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف
__________
1 سورة العنكبوت آية: 48.
2 سورة الأحزاب آية: 46.
3 سورة ص آية: 5.
4 أحمد (3/ 492).
5 أحمد (3/ 249).
6 أبو داود: الأدب (4806).
7 البخاري: أحاديث الأنبياء (3445) , وأحمد (1/ 23 ,1/ 24 ,1/ 47 ,1/ 55).
(4/30)

ما أخاف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لِمَا يَرَى مِن نظر رجل"، وحتى قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلِفَ له بالله فَلْيَرْضَ، ومن لم يرض فليس من الله في شيء"1 وحتى قال: "لا يقول أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان"2 وحتى قال: "لا تقولوا: لولا الله وفلان" وحتى قال: "لا يقول أحدكم: عبدي وأمتي"3 وحتى قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر"4.
وحذرهم من الشرك بالله في الأقوال والأعمال، حتى قال: "إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: كتاب الله فيه الهدى والنور، ومن تركه كان على الردى"5، وحتى قال: "خير الحديث: كتاب الله، وخير الهدي هَدْيُ محمد، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"6 وحتى أنه لم يترك النهي عند الموت والتحذير لنا من هذا الشرك حتى قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضبُ الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"7. وحتى قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب" الحديث. وحتى حذرهم عن الكفر بنعمة الله، قيل: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته من آبائي، وقال بعضهم: هو كقوله: الريح طيبة والملاح حاذق، ونحو ذلك.
[الصلاة والزكاة من حق الإسلام يقاتل تاركهما]
ولما ذكر شيخ الإسلام تقي الدين الأحاديث*: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"8، وكذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"9. وقال: "إن الصلاة من حقها، والزكاة من حقها"، كما قال الصِّدِّيق لعمر، ووافقه عمر وسائرهم على ذلك. ويكون ذلك أنه قال: قد شرع في العصمة وإلا بطل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد من الحديثين في وقت ليعلم المسلمون أن الكافر إذا قالها جَبَّ الكفر عنه، ثم صار القتال مجردًا إلى الشهادتين؛
__________
1 ابن ماجه: الكفارات (2101).
2 أبو داود: الأدب (4980) , وأحمد (5/ 384 ,5/ 398).
3 البخاري: العتق (2552) , ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (2249) , وأبو داود: الأدب (4975) , وأحمد (2/ 316 ,2/ 423 ,2/ 463 ,2/ 484 ,2/ 491 ,2/ 508).
4 الترمذي: النذور والأيمان (1535) , وأبو داود: الأيمان والنذور (3251) , وأحمد (2/ 76 ,2/ 125).
5 مسلم: فضائل الصحابة (2408).
6 مسلم: الجمعة (867) , والنسائي: صلاة العيدين (1578) , وابن ماجه: المقدمة (45) , وأحمد (3/ 371) , والدارمي: المقدمة (206).
7 مالك: النداء للصلاة (416).
* انظر "شرح عمدة الفقه لابن تيمية - كتاب الصلاة" ص 62. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
8 البخاري: الإيمان (25) , ومسلم: الإيمان (22).
9 البخاري: الإيمان (25) , ومسلم: الإيمان (22).
(4/31)

ليعلم أن تمام العصمة يحصل بذلك لئلا يقع شبهة؛ وأما مجرد الإقرار فلا يعصمهم على الدوام 1 كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاها الصديق رضي الله عنه ووافقوه.
وقال ابن القيم في شرح المنازل 2: شهادة أن لا إله إلا الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. هذا هو التوحيد الذي نفى الشرك الأعظم، وعليه نصبت القبلة، وبه حقنت الدماء والأموال، وانفصلت دار الإيمان من دار الكفر، وصحت به الملة للعامة، وإن لم يقوموا بحسن الاستدلال بعد أن يسلموا من الشبهة والحيرة والريبة بصدق شهادة صححها قبول القلب، وهذا توحيد العامة، الذي يصح بالشواهد، وهي إرسال الرسل الصنائع 3، ويجب بالسمع، ويوجد بِتَبْصِيرِ الحق، وينمو على مشاهدة الشواهد 4. والحمد لله رب العالمين.
__________
1 الإقرار بالشهادتين هو المدخل في الإسلام، والعنوان على ترك الكفر السابق، فهما كافيتان في العصمة من القتل في أثناء القتال؛ وأما الاعتداد بإسلام قائليها بعد ذلك: فلا بد فيه من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) وقال بعدها: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين).
2 هذه العبارة التي نقلها هنا هي عبارة كتاب المنازل لا شارحه ابن القيم.
3 عبارة المنازل: وهي "أي الشواهد" الرسالة والصنائع. قال ابن القيم: ومقصوده أن الشواهد نوعان آيات متلوة وهي الرسالة، وآيات مرئية وهي الصنائع.
4 هذه آخر عبارة المنازل.
(4/32)

رسالة في كلمة التوحيد
وله أيضا - قدس الله روحه ونور ضريحه- ما نصه:
[معرفة شهادة أن لا إله إلا الله]
اعلم -رحمك الله- أن فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله قبل فرض الصلاة والصوم، فيجب على العبد أن يبحث عن معنى ذلك أعظم من وجوب بحثه عن الصلاة والصوم، وتحريم الشرك والإيمان بالطاغوت أعظم من تحريم نكاح الأمهات والجدات. فأعظم مراتب الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله.
ومعنى ذلك أن يشهد العبد أن الإلهية كلها لله؛ ليس منها شيء لنبي ولا لملك ولا لولي؛ بل هي حق لله على عباده والإلهية هي التي تسمى في زماننا السر. والإله في كلام العرب هو الذي يسمى في زماننا الشيخ والسيد الذي يُدْعَى ويستغاث به؛ فإذا عرف الإنسان أن هذا الذي يعتقده كثيرون في السمان 1 وأمثاله، أو في قبر بعض الصحابة، هو العبادة التي لا تصلح إلا لله، وأن من اعتقد في نبي من الأنبياء 2 فقد كفر، وجعله مع الله إلها آخر، فهذا لم يكن قد شهد أن لا إله إلا الله.
ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تَبْرَأَ من كل ما يعتقد فيه غير الله من جني أو إنسي، أو شجر أو حجر، أو غير ذلك، وتشهد عليه بالكفر والضلال وتبغضه، ولو كان أباك وأخاك.
فأما من قال: أنا لا أعبد إلا الله، وأنا لا أتعرض السادة والقباب على القبور.
__________
1 السمان: شيخ كان أهل نجد يعتقدون ولايته فيدعونه في الشدائد.
2 أي أنه يُدْعَى ويُسْتَغَاث به فيدعوه لكشف الضر وجلب النفع، سواء اعتقد المعتقد أنه يفعل ما يدعي له بنفسه أو بتأثيره عند الله -تعالى-، فإن اعتقاد هذا التأثير في إرادة الله وفعله: عين الإشراك في حصول المقصود، فهو من الشرك.
(4/33)

وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول: لا إله إلا الله، ولم يؤمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت.
وهذا كلام يسير، يحتاج إلى بحث طويل واجتهاد في معرفة دين الإسلام، ومعرفة ما أرسل الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، والبحث عما قال العلماء في قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} 1، ويجتهد في تعلم ما عَلَّمَ اللهُ رسولَه، وما علَّمه الرسول لأمته من التوحيد. ومن أعرض عن هذا فطبع الله على قلبه، وآثر الدنيا على الدين، لم يعذره الله بالجهالة، والله أعلم.

[رسالة في كلمة التوحيد وما تنفي وما تثبت]

رسالة أخرى في كلمة التوحيد
(وكونها تنفي أربعًا وتثبت أربعًا)
قال -رحمه الله تعالى-:
[كلمة التوحيد تنفي أربعا وتثبت أربعا]
اعلم -رحمك الله- أن معنى لا إله إلا الله: نَفْيٌ وإثباتٌ، تنفى أربعة أنواع؛ وتثبت أربعة أنواع، تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.
فالآلهة: ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت مُتَّخِذُهُ إِلَهًا. والطواغيت: مَنْ عُبِدَ وهو راضٍ أو رُشِّحَ للعبادة، مثل السمان أو تاج، أو أبي حديدة. والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام من أهل، أو مسكن أو عشيرة، أو مال فهو نِدٌّ؛ لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} 2.
والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته؛ مِصْدَاقًا لقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 3.
وتثبت أربعة أنواع: القصد: وهو كونك ما تقصد إلا الله. والتعظيم والمحبة؛ لقوله عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} 4 والخوف والرجاء؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ
__________
1 سورة البقرة آية: 256.
2 سورة البقرة آية: 165.
3 سورة التوبة آية: 31.
4 سورة البقرة آية: 165.
(4/34)

يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} 1.
فمن عرف هذا، قطع العلاقة مع غير الله. ولا تكبر عليه جَهَامة الباطل، كما أخبر الله عن إبراهيم -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- بتكسيره الأصنام وَتَبَرِّيهِ من قومه؛ لقوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} 2 الآية.

[مذاكرة الشيخ مع أهل حريملاء في كلمة التوحيد، وفيمن يجمع بينها وبين الشرك]
مذاكرة
الشيخ محمد رحمه الله مع أهل بلد حريملة
في كلمة التوحيد، والجمع بين التوحيد والشرك
قال لهم: لا إله إلا الله قد سألنا عنها كل من جاءنا منكم من مطوع 3 وغيره، ولا لقينا عندهم إلا أنها لفظة ما لها معنى، ومعناها: لفظها، ومن قالها فهو مسلم، وقد يقولون لها معنى لكن معناها لا شريك له في ملكه.
ونحن نقول: لا إله إلا الله ليست باللسان فقط؛ لا بد للمسلم إذا لفظ بها أن يعرف معناها بقلبه، وهي التي جاءت لها الرسل وإلا الملك ما جاءت الرسل له. وأنا أُبَيِّنُ لكم -إن شاء الله- مسألة التوحيد، ومسألة الشرك.
تعرفون المشهد فيه قبة؛ والذي صلى الظهر من الرجال، قام وتقبل القبر، وولى الكعبة قفاه وركع لِعَلِيٍّ ركعتين: صلاته لله توحيد، وصلاته لِعَلِيٍّ شركٌ، أأنتم فهمتم؟ قالوا: فهمنا، صار هذا مشركا صلى لله، وصلى لغيره.
ولله -سبحانه- حق على عبده في البدن والمال. والصلاة زكاة البدن، والزكاة في المال حق له تعالى فإذا زكيت لله وخرجت بشيء تُفَرِّقُهُ عند القبة؛ فزكاتك لله توحيد، وزكاتك للمخلوق شرك.
__________
1 سورة يونس آية: 107.
2 سورة الممتحنة آية: 4.
3 المطوع: هو الذي يُعَلِّمُ العامة ويفقههم، وهو دون العالم.
(4/35)

كذلك سفك الدم إن ذُبِحَتْ لله توحيد، وإن ذبحت لغيره صار شركا، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} 1 والنسك: سفك الدم 2.
كذلك التوكل من أنواع العبادة، إن توكلت على الله صار توحيدا، وإن توكلت على صاحب القبة صار شركا. قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} 3.
وأكبر من ذلك كله: الدعاء، تفهمون أنه يُذْكَرُ 4 أن الدعاء مخ العبادة؟ قالوا: نعم، قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} 5 أنتم تفهمون أن هنا من يدعو الله ويدعو الزبير، ويدعو الله ويدعو عبد القادر، الذي يدعو الله وحده مخلصٌ، وإن دعا غيره صار مشركا. فهمتم هذا؟ قالوا: فهمنا.
قال الشيخ: هذا إن فهمتموه: فهذا الذي بيننا وبين الناس، فإن قالوا: هؤلاء يعبدون أصناما يدعونهم يريدون منهم، ونحن عبيد مذنبون وهم صالحون ونبغي بجاههم، فقل لهم: عيسى نبي الله -عليه السلام- وأمه صالحة، والعزير صالح، والملائكة كذلك، والذين يدعونهم أخبر الله عنهم أنهم ما أرادوا منهم ما أرادوا بجاههم إلا قربة وشفاعة، واقرأ عليه الآيات في الملائكة في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ} 6 الآية، وفي الأنبياء قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} 7 الآية، وفي الصالحين: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ} 8 الآية، ولم يفرق بينهم النبي صلى الله عليه وسلم.

رسالة أخرى في كلمة التوحيد
وله أيضًا -رحمه الله تعالى-:
اعلم -أرشدك الله- أن الله خلقك لعبادته، وأوجب عليك طاعته، ومن أفرض عبادته عليك: معرفة لا إله إلا الله علما وقولا وعملا، والجامع لذلك قوله تعالى:
__________
1 سورة الأنعام آية: 162.
2 أي: لأجل القربة كالأضحية، وفدية الإحرام، ومثلها النذر لله وحده.
3 سورة هود آية: 123.
4 أي يذكر في الحديث عن النبي (ص).
5 سورة الجن آية: 18.
6 سورة سبأ آية: 40.
7 سورة النساء آية: 171.
8 سورة الإسراء آية: 56.
(4/36)

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} 1. وقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 2.
[كلمة التوحيد الفارِقة بين الكفر والإسلام]
فاعلم أن وصية الله لعباده: هي كلمة التوحيد الفارِقة بين الكفر والإسلام، فعند ذلك افترق الناس سواء جهلا أو بغيا أو عنادا. والجامع لذلك: اجتماع الأمة على وفق قول الله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 3، وقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} 4 الآية.
فالواجب على كل أحد إذا عرف التوحيد، وأقر به أن يحبه بقلبه، وبنصره بيده ولسانه، وينصر من نصره ووالاه وإذا عرف الشرك وأقر به أن يبغضه بقلبه، ويخذله بلسانه، ويخذل من نصره ووالاه باليد واللسان والقلب هذه حقيقة الأمرين، فعند ذلك يدخل في سلك من قال الله فيهم: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} 5. فنقول: لا خلاف بين الأمة أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب الذي هو العلم، واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي، فإنْ أخَلَّ بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلما، فإن أقر بالتوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس، وإن عمل بالتوحيد ظاهرا، وهو لا يعتقده باطنا فهو منافق خالص، وهو شر من الكافر، والله أعلم.
[توحيد الألوهية هو الفارق بين الكافر والمسلم]
قال -رحمه الله-: وهو نوعان: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية: أما توحيد الربوبية فيقر به الكافر والمسلم، وأما توحيد الألوهية فهو الفارق بين الكفر والإسلام. فينبغي لكل مسلم أن يميز بين هذا وهذا، ويعرف أن الكفار لا ينكرون أن الله الخالق الرازق المدبر، قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 6 الآية. {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
__________
1 سورة آل عمران آية: 103.
2 سورة الشورى آية: 13.
3 سورة الشورى آية: 13.
4 سورة يوسف آية: 108.
5 سورة آل عمران آية: 103.
6 سورة يونس آية: 31.
(4/37)

مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 1 الآية.
فإذا ثبت لك أن الكفار يقرون بذلك عرفت أن قولك، لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، لا يُصَيِّرُكُ مسلمًا حتى تقول: لا إله إلا الله مع العمل بمعناها. فهذه الأسماء كُلٌّ منها له معنًى يخصه.
أما قولك: الخالق؛ فمعناه الذي أوجد جميع مخلوقاته بعد عدمها. وأما قولك: الرازق؛ فمعناه أنه لما أوجد الخلق أجرى عليهم أرزاقهم. وأما المدبر: فهو الذي تنْزل الملائكة من السماء إلى الأرض بتدبيره، وتصعد إلى السماء بتدبيره، ويسير السحاب بتدبيره، وتصرف الرياح بتدبيره، وكذا جميع خلقه، هو الذي يدبرهم على ما يريد. فهذه الأسماء تتعلق بتوحيد الربوبية الذي يقر به الكفار.
وأما توحيد الألوهية فهو قولك: لا إله إلا الله، وتعرف معناها كما عرفت معنى الأسماء المتعلقة بالربوبية، فقولك: لا إله إلا الله نَفْيٌ وإثباتٌ: فتنفي الألوهية كلها عن غير الله، وتثبتها لله وحده، فمعنى الإله في زماننا: الشيخ والسيد الذي يقال فيهم سر ممن يعتقد فيهم أنهم يجلبون منفعة أو يدفعون مضرة.
فمن اعتقد في هؤلاء أو غيرهم؛ نبيا كان أو غيره هذا الاعتقاد فقد اتخذه إلها من دون الله، فإن بني إسرائيل لما اعتقدوا في عيسى ابن مريم وأمه سَمَّاهم لله إلهين، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} 2.
ففي هذا دليل على أن مَن اعتقد في مخلوق جَلْبَ منفعةٍ أو دفعَ مضرةٍ فقد اتخذه إلها، فإذا كان الاعتقاد في الأنبياء هذه حاله فما دونهم أولى.
__________
1 سورة العنكبوت آية: 61.
2 سورة المائدة آية: 116.
(4/38)

وأيضًا فإن من تبرك بحجر أو شجر، أو مسح على قبر أو قبة يتبرك بهم، فقد اتخذهم آلهة 1.
والدليل على ذلك أن الصحابة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، يريدون بذلك التبرك، قال: "الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} "2.
فوصف قول الصحابة في ذات أنواط بقول بني إسرائيل وسماه إلها 3.
ففي هذا دليلٌ على أن مَن فعل مِن ذلك شيئا مما ذكرناه: فقد اتخذه إلها.
[الإله الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله وحده]
والإله هو: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله وحده، فمن نذر لغير الله أو ذبح له فقد عبده، وكذلك من دعا غير الله، قال تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} 4، وفي الحديث:
__________
1 كذا في الأصل بضمير العقلاء. ويعني بالتبرك المنافي للتوحيد: ما فشا في العوام من اعتقاد أن هذه الأشياء المُتَبَرَك بها تنفع فتشفي من المرض وبرد البلاء وغير ذلك، بخلاف التبرك المَرْوِي عن بعض الصحابة بآثار النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وبدم حجامته ونخامته، وتبرك الشافعي بقميص الإمام أحمد الذي روي بالسند كما في طبقات السبكي، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن هذه الرواية غيرُ ثابتة، وعلى تقدير ثبوتها يراد بها وبأمثالها ذكرى الحب كالمعهود من عشاق الحسان.
2 سورة الأعراف آية: 138: 140.
3 إن الذين قالوا للنبي (ص) ما ذُكِرَ كانوا حديثي عهد بالشرك، فظنوا أن ما يجعله لهم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- من ذلك يكون مشروعا لا ينافي الإسلام. وأما بنو إسرائيل الذين طلبوا من موسى جعل الآلهة لهم فكانوا جاهلين بحقيقة التوحيد بما تَرَبَوْا عليه من شرك الفراعنة كما تقدم في حاشية سابقة.
4 سورة يونس آية: 106.
(4/39)

"إن الدعاء مخ العبادة"1، وكذلك من جعل بينه وبين الله واسطةٌ، وزعم أنها تقربه إلى الله فقد عبده.
وقد ذكر الله ذلك عن الكفار؛ فقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 2. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 3. وكذلك ذَكَرَ عن الذين جعلوا الملائكة وسائط فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} 4.
فذكر سبحانه أن الملائكة نَزَّهُوهُ عن ذلك، وأنهم تبرؤوا من هؤلاء، وأن عبادتهم كانت للشياطين الذين يأمرونهم بذلك. وذكر سبحانه عن الذين جعلوا الصالحين وسائط، فقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} 5. وذكر سبحانه أنهم لا يملكون كشف الضر عن أحد ولا عن أنفسهم، وأنهم لا يُحَوِّلُونَهُ عن أحد، وأنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.
فهذا يثبت لك معنى لا إله إلا الله؛ فإذا عرفت حال المعتقدين في عيسى بن مريم والمعتقدين في الملائكة، والمعتقدين في الصالحين، وحالهم معهم أنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فضلا عن غيرهم عرفتَ أن مَن اعتقد فيمن دونهم فهو أضل سبيلا، فحينئذ يثبت لك معنى لا إله إلا الله، والله أعلم.
__________
1 الترمذي: الدعوات (3371).
2 سورة يونس آية: 18.
3 سورة الزمر آية: 3.
4 سورة سبأ آية:40: 41.
5 سورة الإسراء آية:56، 66.
(4/40)

[رسالة في حقيقة الإسلام ومن خالفه من أدعياء العلم]

رسالة في حقيقة الإسلام من الكتاب والسنة
(ومن خالفهما من أدعياء العلم والعرفان)
قال -رحمه الله تعالى-:
اعلم -وفقنا الله وإياك للإيمان بالله ورسله- أن الله سبحانه قال في كتابه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا} 1. فتأمل هذا الكلام، وأن الله أمر بقتلهم وحصرهم والقعود لهم كل مرصد إلى أن يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
وأيضا فقد قال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى"2 فهذا كلام رسوله.
وقد أجمع العلماء عليه من كل مذهب، وخالف ذلك من هؤلاء الجهال الذين يسمون العلماء فقالوا: من قال لا إله إلا الله فهو المسلم، حرام الدم والمال. وقد بَيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام في حديث جبريل لما سأله عن الإسلام فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"3.
فهذا تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء يقولون: البدو إسلام؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، فمن سمع كلامهم وسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يصدق الله ورسوله ويتبرأ منهم ويكذبهم، وإما أن يصدقهم ويكذب الله ورسوله؛ فنعوذ بالله من ذلك، والله أعلم.
فتأمل أصول الدين:
(الأولى): أن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق من الباطل.
(الثانية): بيان ما اختلف فيه الناس أن الواجب عليهم اتباع
__________
1 سورة التوبة آية: 5.
2 البخاري: الإيمان (25) , ومسلم: الإيمان (22).
3 مسلم: الإيمان (8) , والترمذي: الإيمان (2610) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4990) , وأبو داود: السنة (4695) , وابن ماجه: المقدمة (63) , وأحمد (1/ 27 ,1/ 51 ,2/ 107).
(4/41)

ما أنزل إليهم من ربهم.
(الثالثة): أن مَن لم يرفع به رأسا فهو منافق جاهل.
(الرابعة): رد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة.
(الخامسة): أن من اتَّبَعَ الهدى الذي جاءت به الرسل من عند الله لا يضل ولا يشقى.
(السادسة): أن من أعرض عن ذلك حُشِرَ أعمى ضالا شقيا مُبْعَدًا.
(السابعة): أن الذين في قلوبهم مرض يتبعون ما تشابه منه.
{تكفير المسلم بالشرك بالله وموالاة المشركين على المؤمنين}
(قال الشيخ محمد -رحمه الله تعالى-):
إذا شهد الإنسان أن هذا دين الله ورسوله؛ كيف لا يَكْفُرُ مَن أنكره، وَقَتَلَ مَنْ آمَنَ به وحَبَسَهُمْ؟ كيف لا يَكْفُرُ مَنْ أتَى المشركين يحثهم على لزوم دينهم، ويُزَيِّنه لهم، ويحثّهم على معاداة الموحدين وأخذ أموالهم؟ كيف لا يكفر؛ ويشهد أن هذا الذي يحث عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكره، ونهى عنه وسماه الشرك بالله؟ وهذا الذي يبغضه ويبغض أهله ويأمر المشركين بقتلهم هو دين الله ورسوله.
واعلم أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله، أو صار مع المشركين على الموحدين ولم يشرك: أكثر من أن تُحْصَر من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام العلماء.
وأنا أذكر لك آية من كلام الله؛ أجمع أهل العلم على تفسيرها، وأنها في المسلمين، وأن الرجل إذا قال ذلك فهو كافر في أيّ زمان كان. قال الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ} 1 الآية.
وفيها ذكر أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة؛ لما فتنهم أهل مكة، وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفا منهم، فهو كافر بعد إيمانه؛ فكيف بالمؤمن في زماننا إذا تكلم بالبصرة أو الإحساء أو مكة أو غير ذلك، خوفا منهم لكن قبل الإكراه؟ إذا كان هذا يكفر، فكيف بمن كان معهم وسكن معهم، وصار من جملتهم؟ فكيف بمن أعانهم على الشرك وزينه لهم؟ فكيف بمن أمرهم
__________
1 سورة النحل آية: 106.
(4/42)

بقتل الموحدين وحثهم على لزوم دينهم؟
فأنتم -وفقكم الله- تأملوا هذه الآية، وتأملوا مَنْ نزلت فيه، وأجمع العلماء على تفسيرها، وتأملوا ما جرى بيننا وبين أعداء الله، نطلبهم دائما للرجوع إلى كتبهم التي بأيديهم في مسألة التكفير والقتال، فلا يجاوبوننا إلا بالشكوى عند الشيوخ وأمثالهم. ونسأل الله أن يوفقكم لدينه القيم، ويرزقكم الثبات عليه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

{ذبيحة المرتد وما يكفر به المسلم وحكمه}
وسئل عن ذبيحة المرتد، وتكفير من يعمل بفرائض الإسلام إلخ.
فأجاب: قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} 1 الآية. وقوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} 2 الآيات، لا اختلاف في حكمهن بين أحد عرف كتاب الله. ولكن الكلام في حكم الذابح هل هو مسلم فيدخل حكمه في حكم الآية؛ إذا ذبح وسمى الله عليها؛ فلو ترك التسمية نسيانا حلت ذبيحته، وكانت من الطيبات، بخلاف من ترك التسمية عمدا فلا تحل ذبيحته. وكذلك أهل الكتاب أعني: اليهود والنصارى، ذبيحتُهم ومناكحتُهم حلالٌ؛ لقوله تعالى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} 3 الآية.
وأما المرتد فلا تحل ذبيحته؛ وإن قال فيها: بسم الله؛ لأن المانع لذلك ارتداده عن دين الإسلام، لا ترك التسمية؛ لأن المرتد شر عند الله من اليهود والنصارى من وجوه:
(أحدها): أن ذبيحته من الخبائث.
(الثانية): أنها لا تحل مناكحته بخلاف أهل الكتاب.
(الثالثة): أنه لا يُقَرُّ في بلد المسلمين لا بجزية ولا بغيرها.
(الرابعة): أن حكمه يضرب عنقه بالسيف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه"4، بخلاف أهل الكتاب.
فإذا تقرر هذا عندك: فاعرف أن الكلام في تحريم ذبيحة المرتد، لا في أن الله أمر بأكل ما سمي الله عليه، ولا تحليل طعام أهل الكتاب.
[تكفير من يعمل بفرائض الإسلام]
وقولكم: لِمَ تُكفِّرُون مَن يعمل بفرائض الإسلام الخمس؟ فقد كان في زمن
__________
1 سورة المائدة آية: 4.
2 سورة الأنعام آية: 118.
3 سورة المائدة آية: 5.
4 البخاري: الجهاد والسير (3017) واستتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (6922) , والنسائي: تحريم الدم (4059) , وأبو داود: الحدود (4351) , وابن ماجه: الحدود (2535) , وأحمد (1/ 217 ,1/ 282 ,1/ 322).
(4/43)

الرسول صلى الله عليه وسلم مَن انتسب إلى الإسلام ثم مَرَقَ من الدين 1 كما في الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث البراء بن عازب معه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه؛ ليقتله ويأخذ ماله، وقد انتسب إلى الإسلام وعمل به.
ومثل قتال الصديق والصحابة -رضي الله عنهم- مانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين بعد ما عملوا بشرائع الإسلام.
ومثل اجتماع التابعين على قتل الجعد بن درهم وهو مشتهر بالعلم والدين إلى غير ذلك، وقد جرى وقائع لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ومثل بني عُبَيْدٍ الذين ملكوا مصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام، وصلاة الجمعة والجماعة، ونصب القضاة والمفتين. لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا: لم يتوقف أحد من أهل العلم والدين عن قتالهم مع ادعائهم الملة، ومع قولهم: لا إله إلا الله، أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعنا منكم.
فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب وهو (باب حكم المرتد) وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، حتى ذكروا فيه أنواعا كثيرة كل نوع منها يُكَفِّر الإنسان، ويحل دمه وماله، حتى ذكروا أشياء يسيرة مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المَزْح واللعب، والذين قال الله فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} 2 الآية.
أسمعت! الله كفَّرَهم بكلمة مع كونهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يجاهدون معه، ويصلون، ويزكون، ويصومون، ويحجون، ويوحدون الله سبحانه. وكذلك الذين قال الله فيهم: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ} 3 الآية، قالوا كلمة على وجه المزح واللعب 4، فصرح
__________
1 كذا في الأصل وقد سقط منه الخبر أي كذلك يحكم بكفره ويقتل.
2 سورة التوبة آية: 74.
3 سورة التوبة آية: 65.
4 تلك الكلمة تتضمن تكذيب النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الشك في نبوته، قيل: هي قول بعضهم: إن كان ما يقول محمد حقا فهم شر من الحمير، وقيل: هي استهزاؤهم بقتاله للروم، وعلى كل حال قد ثبت بالآية أن الذي يصلي ويصوم ويجاهد قد يُحْكَم بكفره بكلمة استهزاء بالدين أو بالرسول -صلى الله عليه وسلم-.
(4/44)

الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك؛ فتأمل -أرشدك الله- من انتسب إلى الإسلام مرق من الإسلام؛ لما أظهر خلاف ذلك، فكيف بما هو أظهر من ذلك؟ فإذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه مَن انتسب إلى الإسلام مَن مرق منه، مع عبادته العظيمة، حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فعلم أن المُنْتَسِب إلى الإسلام في هذه الأزمان قد يمرق من الإسلام.
[الإسلام لا يصلح إلا بمعاداة أهل الشرك]
وقولكم: هل يعلمون للنبي صلى الله عليه وسلم دينا إلا الإسلام الذي جاء به جبرئيل؟ فمعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يدعو الناس إلى التوحيد سنين عديدة، قبل أن يدعوهم إلى أركان الإسلام.
ومعلوم أن التوحيد الذي جاء به جبرئيل أعظم فريضة، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من أركان الإسلام كفر، ولو عمل بكل ما جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل من نوح إلى محمد لا يكفر؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله؛ أو لأنه يفعل كذا وكذا؟ فما الذي فَرَّقَ بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش؟ هل هو عند الملك والرياسة والتطاول؟ أو عند لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ فتفرقوا عند ذلك وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 1.
أتظن أن قريشا لو يعلمون أن هذا الكلام مجرد قول بلا عمل، وأنهم يقولون لا إله إلا الله، وينشؤون على دينهم، ولا يضرهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يرضى منهم بذلك وأنه ما يحاربهم ولا يكفرهم ولا يقاتلهم؟ أتراهم يتركون التلفظ بلا إله إلا الله كما هو اعتقادكم، أَوَ دِينُ الإسلام لفظُ لا إله إلا الله؟ وأن من قالها فهو المسلم، وتؤثرون عليها حديث جبرئيل، وحديث: بني الإسلام على خمسة أركان، وحديث أمرت أن أقاتل الناس. وحديث أسامة. وحديث من صلى صلاتنا.
وحديث أنه كان إذا أغار على القرية؛ إن سمع أذانا كَفَّ عنها، وإلا أغار عليها، ولكن الأمر كما قال عمر -رضي الله عنه-: "إنها لا تنقض عُرَى الإسلام عروة عروة حتى ينشأ في الإسلام
__________
1 سورة ص آية: 5.
(4/45)

من لا يعرف الجاهلية". فذلك أنه إذا لم يعرف من الشرك ما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو فوقه أو دونه أو شر منه، فَتُنْقَضُ بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفَّر الرجل بمَحْضِ الإيمان وتَجْرِيد التوحيد، وَيُبَدَّعُ بمتابعة الرسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فإن كان سؤالك مُسْتَرْشِدًا فاسأل عن قول الله في إبراهيم: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} 1. قال: وما نجا من شر هذا الشرك الأكبر إلا مَن جَرَّدَ التوحيد لله، وعادَى المشركين في الله وتقرب بِمَقْتِهِمْ إلى الله.
فتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك، وإن لم يعادهم فهو منهم ولو لم يفعله، واسأل عن معنى قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} 2 إلى قوله: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} 3، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} 4 إلى قوله: {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 5 الآيات.
وقال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 6 الآيات، وما أشبه ذلك. واسأل عن سبب نزول الآية، وما معناها، وإن كان غير ذلك، فلا تأس على الهالكين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

{انتهت رسائل الشيخ محمد عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-}
__________
1 سورة إبراهيم آية: 35.
2 سورة المائدة آية: 78.
3 سورة المائدة آية: 81.
4 سورة الممتحنة آية: 1.
5 سورة الممتحنة آية: 4.
6 سورة المجادلة آية: 22.
(4/46)

كتاب
جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية
وهو رد على بعض علماء الزيدية، فيما اعترض به على دعوة التوحيد الوهابية

تأليف
الشيخ الإمام عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
رحمهم الله تعالى

طبع على نفقة صاحب الجلالة السعودية، ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
{وقد جعله كسابقه ولاحقه وقفًا لله تعالى}
(4/47)

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، -صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.
(أما بعد): فإنه قد وصل إلينا كتابكم الذي فيه الاعتراض على الجواب الذي قد أتاكم العام الماضي صحبة رسولكم؛ واعتراض المعترض عليه فاسد من وجوه كثيرة، وهو يدل على جهالة قائله ومكابرته ومعاندته لأهل البيت النبوي، وغيرهم من أهل السنة والجماعة المقتدين بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما سنبينه -إن شاء الله تعالى-.
والجاهل يبين جهله وضلاله بالأدلة، فإذا عاند وكابر صار جهاده بالسيف، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} 1.
أما قوله: إن سبب الاختلاف بين السائل والمسؤول هو أن عَلِيًّا -عليه السلام- فارقه وحاربه معاويةُ بن أبي سفيان رضي الله عنه، وقتل علي رضي الله عنه بعد أن كانت الحرب بينهما أربعين يوما إلى آخره.
[الشرك بالله سبب الاختلاف بين أهل نجد والرافضة]
فنقول: هذا مما يدل على جهل المعترض أو تجاهله، وذلك أن الاختلاف الذي بيننا وبينكم ليس هذا سببه، وإنما سبب الاختلاف والعداوة والمقاتلة لمن قاتلناه هو: الشرك بالله، الذي قد انتشر وذاع في سائر البلاد، من يَمَنٍ وشام ومغرب
__________
1 سورة الحديد آية: 25.
(4/48)

ومشرق، وهو: الاستغاثة بالصالحين ودعوتهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد الذي قال الله فيه وفيمن فعله: {مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} 1.
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} 2. وقال تعالى في حق الأنبياء: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 3. وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 4. وقال تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} 5.
وقد صح عندنا بالنقل المتواتر أن هذا يُفْعَل عندكم في كثير من بلاد اليمن ولا تُزِيلُونه ولا تُنْكِرُونه على مَن فعله، والأوثان والبنايات التي على القبور موجودة عندكم. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليٌّ رضي الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أَدَعُ تمثالا إلا طمستُه، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته"6.
__________
1 سورة المائدة آية: 72.
2 سورة النساء آية: 48.
3 سورة الأنعام آية: 88.
4 سورة الزمر آية: 65.
5 سورة يونس آية: 106.
6 ورُوِيَ: "ألا تَدَعَ تمثالا" بالخطاب إلخ.
(4/49)

الاختلاف بين علي ومعاوية
{ورأي أهل السنة في هذه الفتن} 1
[سبب الفتن والحروب في عهد الصحابة]
وأما الاختلاف الذي بين علي ومعاوية: فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولنا ما كسبنا، ولا نسأل عما كانوا يعملون، كما قال الله تعالى؛ لأهل الكتاب لما احتجوا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 2.
وأما قوله: فلما مات الحسن اسْتَتَمَ لمعاوية هذا الأمر، فهذا مما يدل على جهله بالسِّيَر والأخبار، فإن الأمر قد استتم لمعاوية قبل موت الحسن بسنين، وبايعه جميع المسلمين بالخلافة سنة انخلع الحسن من الخلافة، وسلمها إلى معاوية، وصالحه على ذلك في سنة إحدى وأربعين. وذلك أنه ولي الخلافة بعد قتل أبيه رضي الله عنه فأقام فيها ستة أشهر وأياما، ثم سار إليه معاوية وأرسل إليه الحسن يبذل تسليم الأمر إليه واشترط عليه شروطا، فأجاب معاوية إلى ذلك، وظهرت المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي: "إن ابني هذا سيد؛ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"3.
وكان نزوله عنها في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، وقيل في جماد الأول 4. وتوفي الحسن رضي الله عنه بالمدينة سنة تسع وأربعين، وقيل: في خامس ربيع الأول سنة خمس وأربعين، وقيل سنة إحدى
__________
1 هذا العنوان وأمثاله من وضع المطبعة لا من وضع المؤلف، والغرض منها الترغيب في المطالعة وتسهيل المراجعة، اقتداء بوضع الأمة أسماء السور في المصحف ووضع العلماء أبوابًا لصحيح مسلم.
2 سورة البقرة آية: 134.
3 البخاري: الصلح (2704) , والترمذي: المناقب (3773) , والنسائي: الجمعة (1410) , وأبو داود: السنة (4662) , وأحمد (5/ 37 ,5/ 49).
4 كذا في الأصل، ولعله تحريف من النساخ، فالصواب: جمادى الأولى.
(4/50)

وخمسين. كذا ذكره السيوطي وغيره من أهل التواريخ، وبهذا يتبين لك تخبط المجيب في كلامه، وجهله بالنقل.
[نكبة المسلمين الكبرى وفتنتها بقتل عثمان]
وأما قوله: فلما قتل علي، ومات ابنه الحسن استتم لمعاوية الأمر، فذلت له الرقاب، وافترقت الأمة إلى فرقتين إلى آخر كلامه.
فيقال: وهذا أيضا من عجيب جهله، فإن الافتراق العظيم الواقع بين الأمة سببه قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وبعد قتله افترقت القلوب حتى آل الأمر إلى القتال بالسيف، وجرى بين علي وطلحة والزبير وقعة الجمل المشهورة؛ قتل فيها بين الفريقين نحو ثمانية عشر ألفا، ثم جرت بين علي ومعاوية وقعة "صفين". ودام القتال بينهم نحو مائة يوم وعشرة أيام، وقتل بين الفريقين نحو مائة ألف وعشرة آلاف، فمن أهل الشام تسعون ألفا، ومن أهل العراق عشرون ألفا كما ذكر ذلك المسعودي، وغيره من أهل العلم بالتاريخ.
وجرى في أيام علي من الفتن والحروب والقتل بين المسلمين ما هو معروف، وكل ذلك بسبب قتل عثمان رضي الله عنه 1.
وقد أخرج ابن عدي وابن عساكر من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن لله سيفا مغمودا في غمده ما دام عثمان، فإذا قتل عثمان جرد ذلك السيف، فلم يغمد إلى يوم القيامة"، قال السيوطي: تفرد به عمرو بن فائد وله مناكير.
وأخرج ابن عساكر عن حذيفة قال: "أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال. والذي نفسي بيده، لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا وقع في فتنة الدجال، وإن لم يدركه آمن به في قبره".
وأخرج ابن عساكر 2: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء.
__________
1 وأما السبب الباطن لهذه الفتن فهي دعاية التشيع لعلي -كرم الله وجهه- التي بثها الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي الزنديق في المسلمين، فكان الغلو فيها سبب غلو الخوارج في عداوة علي وأنصاره، وغيرهم من أهل السنة.
2 لم يذكر صاحب هذا الأثر، والظاهر أنه حذيفة، فيراجع في تاريخ ابن عساكر.
(4/51)

وأخرج عن سمرة قال: "إن الإسلام كان في حصن حصين، وأنهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان لا تسد إلى يوم القيامة، وأن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة فأخرجوها، ولم تعد إليهم".
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن حميد بن هلال قال: كان عبد الله بن سلام يدخل على محاصري عثمان فيقول: "لا تقتلوه، فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم؛ لا يد له، وإن سيف الله لم يزل مغمودا، وإنكم والله إن قتلتموه لسله الله ثم لا يغمده عنكم أبدا. وما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا قبل أن يجتمعوا"1.
وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك، حيث قال:
فكف يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أن الله ليس بغافل
وقال لأهل الدار: لا تقتلوهم ... عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل
فكيف رأيت الله صب عليهم ال ... عداوة والبغضاء بعد التواصل؟
وكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار الرياح الجوافل؟
[اتفاق كلمة المسلمين بنُزول الحسن لمعاوية عن الخلافة]
وأما بعد مبايعة الحسن لمعاوية فاجتمعت الكلمة واصطلح الناس، ولأجل ذلك سمي العام عام الجماعة، فكيف يقول هذا الجاهل: افترقت الأمة بعد أن استتم لمعاوية الأمر فرقتين ... إلى آخر كلامه 2.
وقد ذكر أهل العلم بالسير والتواريخ أن معاوية لما تولى الخلافة، واستتم له الأمر -حين عزل الحسن نفسه- اتفقت كلمة المسلمين، وكانوا في ولايته متفقين غير
__________
1 من مرويات عبد الله بن سلام من كتب بني إسرائيل اه من حاشية الأصل.
2 قوله: هذا اصطلاح للشيعة يعنون به أن فريقا من الناس صاروا عثمانيين ويعنون بهم أهل السنة، وفريقا صاروا علويين ويعنون بهم أنفسهم، كما سيأتي مع رد المؤلف عليه.
(4/52)

مختلفين، يغزون العدو ويجاهدون في سبيل الله. فلما مات معاوية جرت الفتن العظيمة، منها قتل الحسين وأهل بيته، ومنها حصار ابن الزبير بمكة، ووقعة الحرة بالمدينة، ثم لما مات يزيد، جرت فتنة بالشام بين مروان والضحاك بمرج راهط. ثم وثب المختار بن عبيد على ابن زياد فقتله، وجرت فتنة مصعب بن الزبير وقتله، ثم حاصر الحجاج ابن الزبير فقتله وجرت فتنة، ثم لما تولى الحجاج العراق خرج عليه عبد الرحمن بن الأشعث مع خلق عظيم من القراء، وكانت فتنة كبيرة. فهذا كله بعد موت معاوية رضي الله عنه ثم جرى بعد ذلك -أيضا- فتنة ابن المهلب بخراسان، وقتل زيد بن علي بالكوفة، وجرت فتن. ثم قام أبو مسلم وغيره بخراسان، وجرت فتن يطول وصفها وتزايد شرها.
[مزايا معاوية وفضل ملكه على من بعده]
وبالجملة فلم يكن ملك من ملوك المسلمين خير من معاوية إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده. وقد روى أبو بكر الأثرم: حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا مروان عن يونس، عن قتادة قال: لو أصبحت في مثل عمل معاوية لقال الناس: هذا المهدي. وكذا رواه ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش، عن مجاهد، قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي.
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الثقة، عن أبي إسحاق السبيعي أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم هذا المهدي 1.
__________
1 أكبر فضيلة لمعاوية عند هؤلاء المثنين عليه وغيرهم أنه قدر على حفظ المملكة الإسلامية من التقاتل بين المسلمين، ووجه همتهم وقوتهم إلى الكفار، وفتح الأمصار، وأكبر غائلة له إخراج منصب الإمامة العظمى عما وضعها فيه الصحابة بهداية الله ورسوله، وهو الانتخاب الاختياري، إلى عصبية النسب بجعلها في ولده يزيد الفاجر، ثم إرثا يتداوله بنو أمية، فكان هذا سببا لجعلها كالكرة يتقاذفها الأقوياء بالعصبية دون هداية الصحابة، وبذلك صارت ملكا عضوضا بعد الراشدين كما ورد في الحديث.
(4/53)

وفي الصحيحين: "أن رجلا قال لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية إنه أوتر بركعة؟ فقال: أصاب، إنه فقيه"1، فهذه شهادة ابن عباس بفقه معاوية. وابن عباس من علماء أهل البيت، ومعاوية ليس من السابقين الأولين، بل قد قيل: إنه من مسلمة الفتح، وقيل: بل أسلم قبل ذلك، وكان يعترف بأنه ليس من فضلاء الصحابة، ومعلوم بإجماع المسلمين أنه ليس قريبا من عثمان وعلي فضلا عن أبي بكر وعمر.
وقد تبين بما ذكرنا لكل منصف أريب، ولمن له قلب منيب، جهل هذا المعترض وطائفته بما عليه أهل البيت، وأن دعواهم ومحبتهم كذب وافتراء، ومجرد دعوى لا حقيقة لها، كما أن اليهود والنصارى يدعون اتباع أنبيائهم، وهم قد خالفوهم وسلكوا غير طريقهم. وكذلك الرافضة والشيعة يدعون اتباع علي وأهل بيته، وهم قد خالفوا طريقهم، وسلكوا غير منهاجهم، وأن أسعد الناس باتباعهم ومحبتهم أهل السنة والجماعة القائلون بما دل عليه الكتاب والسنة.
__________
1 البخاري: المناقب (3765).
(4/54)

مدة الحرب بين علي ومعاوية
وأما قوله: بعد أن كانت الحرب بينهما أربعين يوما، فالجواب أن يقال: هذا مما يدل على جهل هذا المعترض بالسير والأخبار، وأنه يخبط في كلامه خبط عشواء بلا دليل ولا مستند ولا استبصار، ولا معرفة بما نقله أهل تواريخ الإسلام والعلماء الكبار، فإن كان مراده يوم "صفين" خاصة، فقد ذكر أهل التواريخ الإسلامية أن الحرب أقامت بين علي ومعاوية في يوم صفين 1 نحو مائة يوم وعشرة أيام، وجرى بينهم في تلك المدة نحو تسعين وقعة.
وذلك أنهم ذكروا أن ابتداء القتال في أول يوم من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة، فدامت الحرب بينهم ثلاثة أشهر وعشرين يوما، كما ذكر معنى ذلك المسعودي عن أهل السير والأخبار كما تقدم ذلك عنه. وذكر القرطبي، صاحب التفسير الكبير، أن مقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر، وقيل: تسعة، وقيل: ثلاثة، وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين يوما زحفا في ثلاثة أيام من أيام البيض؛ وهي ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، وقتل ثلاثة وسبعون ألفا من الفريقين، ذكره الثقة العدل إبراهيم بن الحسن الكسائي الهمذاني.
وفي تلك الليالي ليلة الهرير؛ جعل بعضهم يهر إلى بعض، والهرير:
__________
1 إن قيل: كيف قال يوم صفين، ثم قال: إنه كان 110 أيام؟ (قلنا): إن لفظ "اليوم" في أصل اللغة معناه الزمن الذي يحدده ما يقع فيه قل أو كثر، فيوم صفين هو الزمن الذي وقعت فيه الحرب بين علي ومعاوية وقدره 110 أيام فلكية، وهكذا يقال في يوم الجمل، وأيام العرب وغيرها. ويوم القيامة زمن مقداره خمسون ألف سنة كما قال الله -تعالى-.
(4/55)

الصوت يشبه النباح؛ لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى تقصفت، ثم نزل القوم بعضهم إلى بعض، قد كسروا جفون سيوفهم، واضطربوا بما بقي من السيوف وعمد الحديد، فلا تسمع إلا غمغمة القوم والحديد في الهام.
فلما صارت السيوف كالمناجل، تراموا بالحجارة، ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا بالأفواه، وكسفت الشمس وثار القتام، وارتفع الغبار، وتقطعت الألوية والرايات، ومرت أوقات أربع صلوات؛ لأن القتال كان بعد صلاة الصبح، واقتتلوا إلى نصف الليل، وذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، قاله الإمام أحمد في تاريخه. انتهى ما ذكره القرطبي 1.
وأما إن كان مراده محاربة علي ومعاوية، وعدم تسليم معاوية الأمر له، فهذا أعظم جهلا وأكبر خطأ مما قبله. فإن معاوية أقام محاربا لعلي مدة خلافته كلها من حين قتل عثمان إلى أن قتل علي رضي الله عنه وذلك نحو خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وقيل: أربع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وقيل: وستة أيام، وقيل: وأربعة عشر يوما، وقيل: أربع سنين وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوما.
__________
1 ولا يخفى ما في كلام القرطبي من الكذب والغلو والتشنيع المخالف لصحيح التاريخ. اه من حاشية الأصل. والقرطبي لم يكن هو المفتري، ولكنه اغتر ببعض ما كتبه أصحاب الأهواء في ذلك.
(4/56)

فصل
[في افتراق الأمة بعد قتل عثمان]
وأما قوله: افترقت الأمة فرقتين: فرقة توالي معاوية باطنا وظاهرا، وهم الذين قاتلوا معه ونصروه وسموا أنفسهم أهل السنة والجماعة، كما أخبرت بذلك التواريخ.
فالجواب أن يقال: هذا أيضا جهل وتخبيط وقصور فهم وغباوة شديدة، فإن الأمة قد افترقت بعد قتل عثمان رضي الله عنه ثلاث فرق: فرقة بايعت عليا رضي الله عنه ودخلوا في طاعته، وهم أكثر الصحابة وجمهور المسلمين، وفرقة امتنعت عن الدخول في طاعته ومبايعته، وأظهروا الطلب بدم عثمان رضي الله عنه وهم معاوية ومن تابعه، وكان هو الأمير عليهم في خلافة عمر رضي الله عنه وخلافة عثمان، وأرسلوا إلى علي: إن كنت تريد أن نبايعك فادفع إلينا قتلة عثمان، فأبى علي رضي الله عنه ذلك.
والطائفة الثالثة لم يبايعوا عليا ولا معاوية، واعتزلوا الفريقين جميعا، لم يعينوا هؤلاء ولا هؤلاء، ولم يدخلوا في تلك الحروب والفتن، ولم يحضروها؛ منهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومنهم أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين الخزاعي، وأبو بكرة الثقفي، وأهبان بن صيفي. ومن التابعين شريح والنخعي -رضي الله عنهم أجمعين-.
وأخرج ابن ماجة عن أبي بردة، قال: دخلت على محمد بن مسلمة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فائت بسيفك أُحُدا فاضربه به حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة، أو منية قاضية"1، فقد وقعت وفعل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هؤلاء من بايع عليا رضي الله عنه ولم يقاتل معه في حروبه، قال أبو عمر
__________
1 ابن ماجه: الفتن (3962).
(4/57)

ابن عبد البر في "الاستيعاب": وتخلف عن بيعة علي أقوام، فلم يكرههم علي، وسئل عنهم فقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يدخلوا في الباطل. وقال غيره: إن كثيرا من المسلمين حتى من أهل المدينة ومكة لم يكونوا بايعوه، دع الذين كانوا بعيدين كأهل الشام ومصر والمغرب وخراسان والعراق. انتهى.
وقد قال غير واحد من أهل العلم: إن جمهور الصحابة ما دخلوا في الفتنة، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبي ثنا إسماعيل، يعني ابن علية، حدثنا أيوب السختياني عن محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين. هذا إسناد من أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل.
وقال عبد الله: حدثنا أبي، ثنا إسماعيل، ثنا منصور بن عبد الرحمن 1 قال: قال الشعبي: لم يشهد الجمل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير علي وعمار وطلحة والزبير، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذاب.
وقال عبد الله بن أحمد: ثنا أبي، ثنا أمية بن خالد، قال: قيل لشعبة: إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلا، فقال: كذب والله، لقد ذاكرت الحكم بذلك، وذاكرناه في بيته فما وجدنا شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت، وهذا النفي يدل على قلة من حضرها، وقيل: إنه حضرها سهل بن حنيف وأبو أيوب، وكلام ابن سيرين متقارب فما يكاد يذكر مائة واحد. وقد روى ابن بطة بإسناده عن بكير بن الأشج قال: أما إن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان رضي الله عنه فلم يخرجوا إلا لقبورهم.
__________
1 قال أبو حاتم: لا يحتج به. اه من حاشية الأصل.
(4/58)

فصل
[في تفضيل أهل السنة عليا على معاوية]
وأما قوله في معاوية -رضي الله عنه-: لمّا استتم له الأمر فذلت له الرقاب، افترقت الأمة إلى فرقتين: فرقة توالي معاوية باطنا وظاهرا؛ وهم الذين قاتلوا معه، وسموا أنفسهم أهل السنة والجماعة، كما أخبرت به كتب التواريخ، وبدّعوا من والى عليا وأهله.
فالجواب أن يقال: هذا من الكذب والبهتان الظاهر لكل من له معرفة بما عليه أهل السنة والجماعة، بل معاوية وأصحابه الذين قاتلوا عليا ومن معه لا يبدّعونه ولا يبدّعون من والاه، بل العلماء منهم مقرون بفضله ودينه وورعه وسابقته، وحسن بلائه في الإسلام، حتى معاوية نفسه يقر بذلك في المحافل والمجالس، كما ذكر ذلك أهل العلم في كتبهم. فروى يحيى الجعفي في كتاب صفين بإسناده: حدثني يعلى بن عبيد حدثنا أبي قال أبو مسلم الخولاني وجماعة لمعاوية: أأنت تنازع عليا؟ أم أنت مثله؟ قال: لا والله إني لأعلم أن عليا أفضل مني، وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدمه، فأتوا عليا فليدفع إليّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليا فكلموه، فلم يدفعهم إليه.
فانظر وتأمل يتبين لك كذب المعترض ونسبته إلى الصحابة ما لا يليق بهم، كذلك نسبته إلى أهل السنة والجماعة تبديع من والى عليا وأهل بيته وشيعته، فإن هذا كذب وافتراء على القوم، بل جميع أهل السنة يتولون عليا وأهل البيت، ويقدمونه على معاوية، بل وعلى من هو أفضل من معاوية، فإن الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر، ثم بعد عمر عثمان، ثم بعد عثمان علي، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين-، وأهل السنة يعلمون أن معاوية ليس من السابقين الأولين، بل هو من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة قلوبهم، ولكنه ممن حسن إسلامه بعد ذلك، وصار يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لما توفي
(4/59)

أبو بكر خرج إلى الجهاد مع أخيه يزيد بن أبي سفيان. ثم لما توفي يزيد استعمله عمر رضي الله عنه على الشام، فأقام أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، وكانت رعيته تحبه لحسن سيرته.
[اعتراف معاوية بفضل علي]
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"1. ومما يدل على اعتراف معاوية بفضل علي ما أخرجه غير واحد من أهل السنة في كتبهم، وذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستيعاب" في ترجمة علي حيث قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا يحيى بن مالك، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلد البغدادي بمصر، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن درية، قال: حدثنا الكلبي عن الحرماوي عن رجل من همدان، قال: قال معاوية لضرار الصدائي: يا ضرار، صف لي عليا، قال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: فلتصفه لي، قال: "أما إذ لا بد من وصفه؛ فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقربهم، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييئس الضعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيرى، إليّ تقرّبت؟ أم إليّ تشوفت؟ هيهات هيهات، بتتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! ".
__________
1 مسلم: الإمارة (1855) , وأحمد (6/ 24 ,6/ 28) , والدارمي: الرقاق (2797).
(4/60)

فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال "حزن من ذبح واحدها في حجرها".
وكان معاوية رضي الله عنه يكتب فيما ينْزل به إلى علي بن أبي طالب يسأله عن ذلك، فلما بلغه قتله، قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له عتبة أخوه: لا يسمع هذا منك أهل الشام. انتهى ما ذكره أبو عمر.
وكذلك الصحابة الذين قاتلوا عليا مع معاوية ليس فيهم من يقول: إن معاوية أفضل من علي، وإنما قاتلوه ومن معهم من أهل الشام للطلب بدم عثمان رضي الله عنه.
وكانوا يقولون: إن معاوية هو ولي عثمان والطالب بدمه، كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم بالأخبار والتواريخ وأيام الناس.
قال مجالد عن الشعبي: لما قتل عثمان أرسلت أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى أهل عثمان: أرسلوا إلي بثياب عثمان، وبالخصلة الشعر التي نتفت من لحيته، ثم دعت النعمان بن بشير فبعثته إلى معاوية، فمضى بذلك وبكتابها فصعد معاوية المنبر، وجمع الناس، ونشر القميص عليهم، وذكر ما صنع بعثمان ودعا إلى الطلب بدمه، فقام أهل الشام فقالوا: هو ابن عمك وأنت وليه، ونحن الطالبون معك بدمه، فبايعوا له.
وقال يونس عن الزهري: لما بلغ معاوية قتل طلحة والزبير، وظهور علي، دعا أهل الشام للقتال معه على الشورى، والطلب بدم عثمان، فبايعوه على ذلك أميرا غير خليفة.
وقد روى الطبراني عن ابن عباس قال: ما زلت موقنا أن معاوية سيلي الملك والسلطان من هذه الآية {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} 1، 2.
[أهل السنة يتولون عليا وأهل البيت]
وأما سائر أهل السنة والجماعة فكلهم يتولون عليًّا وأهل البيت، ويحبونهم،
__________
1 سورة الإسراء آية: 33.
2 ولكن قال الله بعد ذلك: (فلا يسرف في القتل)، وقد أسرف معاوية، وقامت عليه الحجة بما رواه هو وغيره من قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" ثم ماذا فعل بقتلة عثمان، بعد أن انتهى إليه السلطان؟؟ (*)
(*) هذا استدراك خاطئ من طابع الكتاب! فمعاوية -رضي الله عنه وأرضاه- من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن أصول السنة: الترضي عن الصحابة جميعًا، وعدم انتقاص أحد منهم أو بغضه لحدث كان منه وعدم ذكر مساوئه، فأدناهم منزلة أفضل مِن كل مَن جاء بعدهم. فكيف لو كان هذا الصحابي مجتهدًا دائرًا بين الأجر والأجرين؟! فاللهم غفرًا. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(4/61)

وينكرون على بني أمية الذين يسبون عليًّا، وكتبهم مشحونة بالثناء عليه ومحبته وموالاته، وجميع كتب الحديث مذكور فيها فضل علي وأهل البيت، ولكنهم يتولون سائر الصحابة ويحبونهم، ويترضون عنهم طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
فإن الله -تعالى- ذكر الصحابة في كتابه، وأحسن الثناء عليهم، فقال -تعالى-: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} 1 الآية، وقال -تعالى-: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} 2 الآية.
وأثنى -تعالى- على من جاء من بعدهم، ودعا لهم بالمغفرة، فقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ} 3 الآية. فتبين بما ذكرنا جهالة المعترض وكذبه على أهل السنة بأنهم بدعوا من والى عليا وأهل بيته.
* * *
وأما قوله: ولذلك قال الشافعي لما رأى التبديع لأهل الحق:
إن كان رفضًا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
فجميع أهل السنة وأكثر أهل البدعة من المعتزلة والمرجئة وغيرهم يقولون كما قال الشافعي، ويقولون -أيضا- كما قال بعض العلماء:
إن كان نصبا حب صحب محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي
فالبيت الأول إرغام للخوارج وطائفة من بني أمية الذين يبغضون عليا -رضي الله عنه- وأهل بيته، ومنهم من يكفره، والبيت الثاني إرغام للروافض والزيدية الذين يبغضون بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن الله -تبارك وتعالى- هدى أهل السنة والجماعة لما اختلف فيه من الحق {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 4، وذلك أنهم آمنوا بجميع المنَزل من عند الله، وجميع ما ورد عن رسول الله من الأحاديث الصحيحة الثابتة، ولم يغلوا غلو الروافض والزيدية، ولم يقصروا تقصير الخوارج، ومن نحا نحوهم.
__________
1 سورة الفتح آية: 29.
2 سورة الحديد آية: 10.
3 سورة الحشر آية: 10.
4 سورة البقرة آية: 213.
(4/62)

فصل
[في إنصاف أهل السنة وكذب الروافض]
وأما قوله: ولهذا الافتراق روى مسلم في صحيحه عن أبي إسحاق ما معناه: أنه لما وقعت الفتنة قال بعض المحدثين لبعض إذا حدثوا: بيّنوا لنا رجالكم، وكانوا قبل الفتنة يقبلون المرسل، ولا يسألون عن رجال السنة.
فيقال: هذا مما يدل على إنصاف أهل السنة والجماعة، ونصحهم لله ولرسوله ولدينه، خصوصا أئمة الحديث وجهابذته. وذلك أنه دين فلا يجوز لهم الأخذ عن كل من روى الحديث حتى يعرفوا حاله هل هو ثقة حافظ ضابط لما يرويه؟ وهل هو من أهل السنة، أو من أهل البدعة؟ فإذا عرفوا الرجل بالكذب بينوا حاله، وإذا عرفوه بالبدعة بينوا حاله، فإذا عرفوا أن الرجل ثقة أخذوا عنه، وقبلوا حديثه، ولو كان من أهل البدع.
وإذا كان الرجل قليل الضبط، أو معروفا بالكذب، أو بالتخليط، أو الاضطراب في حديثه تركوا حديثه، وبينوا حاله، وإن كان من أهل السنة ومن أهل الصلاح.
يعرف ذلك من طالع كتب الجرح والتعديل، وفي البخاري ومسلم والسنن الأربعة رجال من أهل البدع يروون عنهم الحديث من الخوارج والقدرية والمرجئة والشيعة وغيرهم؛ إذ كانوا معروفين بالصدق والضبط.
ولكن أهل الحديث وأهل العلم يعلمون أن أكذب الطوائف هم الرافضة والشيعة ومن نحا نحوهم، وذلك أن عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإسناد وكثير من وضع المعروفين بالكذب.
قال أبو حاتم الرازي: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك عن الرافضة فقال: لا ترو عنهم، ولا تكلمهم فإنهم يكذبون.
وقال أبو حاتم: حدثنا حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: لم أر أحدًا أشهدَ بالزور من الرافضة.
وقال مؤمل بن
(4/63)

إهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: يكتب عن كل صاحب بدعة، إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون.
وقال محمد بن سعيد الأصبهاني: سمعت شريكا يقول: احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث فيتخذونه دينا، وشريك هذا هو شريك بن عبد الله القاضي بالكوفة من أقران الثوري وأبي حنيفة، وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه: أنا من الشيعة، وهذه شهادته.
ومن تأمل كتب الجرح والتعديل المصنفة في أسماء الرواة والنقلة وأحوالهم؛ مثل كتب يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم الرازي، والنسائي، وأبي حاتم بن حبان، وأبي أحمد بن عدي، والدارقطني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ويعقوب بن سفيان، والعجلي، والعقيلي، والموصلي، والحاكم النيسابوري، والحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، وأمثال هؤلاء الذين هم جهابذة نقاد، ولهم المعرفة التامة بأحوال الإسناد، علم أن المعروف عندهم بالكذب في الشيعة أكثر منهم في جميع الطوائف، حتى أن أصحاب الصحيح كالبخاري وغيره لم يرووا عن أحد من قدماء الشيعة مثل عاصم بن ضمرة، والحارث الأعرج، وعبد الله بن سلمة، مع أن هؤلاء من خيار الشيعة، وإنما يروون حديث علي عن أهل بيته كالحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع، وعن أصحاب ابن مسعود كعبيدة السلماني، والحارث بن قيس وأشباههم. وهؤلاء أئمة النقل ونقاده من أبعد الناس عن الهوى، وأخبرهم بالناس، وأقولهم بالحق، لا يخافون في الله لومة لائم.
ولهذا قال أحمد بن حنبل -رحمه الله- لما قيل له: إن ابن أبي قتيلة يقول: إن أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أحمد ينفض ثوبه، ويقول: زنديق، زنديق، زنديق.
وقال بعضهم: إذا رأيت من يبغض أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع، وإذا
(4/64)

رأيت من يبغض يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب، ولا يبغض يحيى بن معين ويتكلم فيه وفي أمثاله إلا من هو من أهل الكذب.

فصل
[في موالاة أهل السنة لعلي وتفسيقهم لمن سبوه وطغوا عليه]
وأما قوله: ونشأ من هذا الافتراق الأمر العظيم، وهو استمرار لعن علي -عليه السلام- على المنابر حتى قطعه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
فيقال: أما لعن علي رضي الله عنه فإنما فعله طائفة قليلة من بني أمية، وهم عند أهل السنة ظلمة فسقة، وأهل السنة ينكرون عليهم ذلك بألسنتهم، ويروون الأحاديث الصحيحة في فضائل علي، وذلك أنهم أرادوا وضعه عند الناس، وحط رتبته ومحبته من قلوبهم، فجازاهم الله بنقيض قصدهم، ورفعه الله. وأظهر أهل السنة والجماعة فضائله، وحدثوا بها الناس، فاشتهرت عند العامة فضلا عن الخاصة، وجميع أهل السنة يحبونه ويوالونه رضي الله عنه.
فلما زالت دولة بني أمية، وجاءت دولة بني العباس في سنة ثنتين وثلاثين ومائة انقطع لعن علي رضي الله عنه.
وأما قول المعترض: أن ابن تيمية روى في منهاجه أنه استمر لعن علي إلى زمانه، وأما في أيامه فقد انقطع، فهذا كذب ظاهر على ابن تيمية -رحمه الله-، وقلة حياء فيمن نسب ذلك إليه، ومنهاج السنة موجود عندنا، ولم يذكر هذا فيه، وابن تيمية أجل من أن يخفى عليه هذا الأمر الواضح الذي يعرفه أدنى من له معرفة بالسير والتواريخ، وأنه انقطع من الشام، وغيره من بلاد الإسلام.
ثم ظهرت الدولة العباسية وانقطعت الدولة الأموية في أيام السفاح الذي كان هو أول ملوك بني العباس، وقتل مروان الملقب بالحمار الذي هو آخر ملوك بني أمية سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
(4/65)

وأعجب من هذا قوله: إن ابن تيمية أيضًا روى في منهاج السنة أن كثيرًا من علماء السنة والجماعة حكموا بتخطئة علي في حروبه، إلا أحمد بن حنبل إمام الشيعة عند التحقيق، فإنه قال: من خطأ عليا في حروبه فهو كحمار أهله. انتهى معنى كلام ابن تيمية.
والجواب أن يقال: إن هذا من الكذب الظاهر على ابن تيمية، وعلى أحمد ابن حنبل -رحمهما الله-، وهذا نص لفظ ابن تيمية في المجلد الأول من كتاب "منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية"*:
قال رحمه الله: "ولهذا اضطرب الناس في خلافة علي على أقوال، فقالت طائفة: إنه إمام، وأن معاوية إمام، وأنه يجوز نصب إمامين في وقت واحد إذا لم يمكن الاجتماع على إمام واحد، وهذا يحكى عن الكرامية وغيرهم، وقالت طائفة: لم يكن في ذلك الزمان إمام عام، بل كان زمان فتنة، وهذا قول طائفة من أهل الحديث البصريين وغيرهم.
ولهذا لما أظهر الإمام أحمد التربيع بعلي في الخلافة، وقال: من لم يربّع بعلي فهو أضل من حمار أهله، أنكر طائفة من هؤلاء، وقالوا: قد أنكر خلافته من لا يقال فيه هو أضل من حمار أهله، يريدون من تخلف عنها من الصحابة. واحتج أحمد وغيره على خلافة علي بحديث سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة، ثم تصير ملكا"1 وهذا الحديث قد رواه أهل السنن كأبي داود وغيره.
وقالت طائفة ثالثة: علي هو الإمام، وهو مصيب في قتاله لمن قاتله، وكذلك من قاتله من الصحابة كطلحة والزبير كلهم مجتهدون مصيبون، وهذا قول من يقول: كل مجتهد مصيب، كقول البصريين من المعتزلة، وأبي الهذيل وأبي هاشم ومن وافقهم من الأشعرية كالقاضي أبي بكر وأبي حامد، وهو المشهور عند أبي الحسن الأشعري. وهؤلاء -أيضا- يجعلون معاوية مجتهدا مصيبا في قتاله، كما أن عليا مصيب. وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره، ذكره أبو عبد الله بن حامد.
وذكر لأصحاب أحمد في المقتتلين يوم
__________
* منهاج السنة النبوية 1/ 537. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
1 الترمذي: الفتن (2226) , وأبو داود: السنة (4646 ,4647) , وأحمد (5/ 221).
(4/66)

الجمل وصفين ثلاثة أوجه:
(أحدها): كلاهما مصيب.
(والثاني): المصيب واحد لا بعينه.
(والثالث): أن عليا هو المصيب، ومن خالفه مخطئ.
"والمنصوص عن أحمد وأئمة السنة أنه لا يذم أحد منهم، وأن عليا أولى بالحق من غيره. أما تصويب القتال فليس هو قول أئمة السنة، بل هم يقولون: إن تركه كان أولى. وطائفة رابعة تجعل عليا هو الإمام، وكان مجتهدا مصيبا في القتال، ومن قاتله كانوا مجتهدين مخطئين، وهذا قول كثير من أهل الكلام والرأي من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد.
وطائفة خامسة تقول: إن عليا مع كونه كان خليفة، وهو أقرب إلى الحق من معاوية، فكان ترك القتال أولى. وينبغي الإمساك عن القتال لهؤلاء وهؤلاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ستكون فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي"1. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال في الحسن: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين"2 فأثنى على الحسن بالإصلاح. ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لما مدح تاركه.
قالوا: وقتال البغاة لم يأمر الله به ابتداء، ولم يأمر بقتال كل باغ، بل قال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} 3 فأمر إذا اقتتل المؤمنون بالإصلاح بينهم، فإن بغت إحداهما على الأخرى قوتلت.
قالوا: ولهذا لم يحصل بالقتال مصلحة، والأمر الذي لم يأمر الله به لا بد أن يكون مصلحته راجحة على مفسدته، وفي سنن أبي داود: ثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد، ثنا هشام عن محمد بن سيرين، قال: قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تضره الفتنة"4، فهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن محمد بن مسلمة لا تضره الفتنة، وهو ممن اعتزل في القتال، فلم يقاتل مع علي، ولا مع معاوية، كما اعتزل سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر،
__________
1 البخاري: المناقب (3602) , ومسلم: الفتن وأشراط الساعة (2886) , وأحمد (2/ 282).
2 البخاري: الصلح (2704) والمناقب (3629 ,3746) والفتن (7109) , والنسائي: الجمعة (1410) , وأحمد (5/ 44).
3 سورة الحجرات آية: 9.
4 أبو داود: السنة (4664).
(4/67)

وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وأكثر السابقين الأولين.
وهذا يدل على أنه ليس هناك قتال واجب ولا مستحب؛ إذ لو كان كذلك لم يكن ترك ذلك مما يمدح به الرجل، بل كان من فعل الواجب أو المستحب أفضل ممن تركه، ودل ذلك أن القتال قتال فتنة، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ستكون فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير من المُوضِع"1، 2.
وأمثال ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تبين أن ترك القتال كان خيرا من فعله من الجانبين، وعلى هذا جمهور أئمة الحديث والسنة، وهذا هو مذهب مالك، والثوري، وأحمد، وغيره، وهذه أقوال مَن يحسن القول في علي، وطلحة، والزبير، ومعاوية، ومَن سوى هؤلاء من الخوارج، والروافض، والمعتزلة، فمقالتهم في الصحابة نوع آخر؛ فالخوارج يكفرون عليا وعثمان ومن والاهما، والروافض يكفرون جمهور الصحابة ومن والاهم، أو يفسقوهم، ويكفرون من قاتل عليا، ويقولون: هو إمام معصوم، وطائفة من المروانية تفسقه، وتقول: إنه ظالم معتد.
وطائفة من المعتزلة تقول: قد فسق؛ إما هو وإما من قاتله، لكن لا يعلم عينه. وطائفة أخرى منهم تفسق معاوية، وعمرو بن العاص، دون طلحة، والزبير، وعائشة". انتهى ما ذكره الشيخ تقي الدين بن تيمية في منهاج السنة.
فانظر -رحمك الله- بعين الإنصاف إلى كلام هذا الإمام، ثم انظر إلى كلام المعترض يتبين لك تحريفه للكلم عن مواضعه، فإن ابن تيمية إنما ذكر أن جمهور أئمة السنة يرون أن ترك قتال علي أولى من القتال، وأن تركه أحب إلى الله، وإلى رسوله لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي، وغيره الدال على هذا المعنى، وتقدمت الإشارة إلى بعضها.
__________
1 البخاري: المناقب (3602) , ومسلم: الفتن وأشراط الساعة (2886) , وأحمد (2/ 282).
2 الموضع كالمسرع وزنًا ومعنى.
(4/68)

وأما تخطئتهم عليا في ذلك فحاشا وكلا، بل كثير من أهل السنة والجماعة يرون أن عليا مصيب في قتاله لمعاوية، ومن معه، وكلهم متفقون على أنه أقرب إلى الحق، وأولى به من معاوية، ومن معه.
وأما ما ذكره عن أحمد بن حنبل، فإنما أراد أحمد بذلك: ومن لم يجعل عليا رابع الخلفاء الراشدين. وقال: من لم يربع بعلي في الخلافة، فهو أضل من حمار أهله.
وأما لفظ المعترض الذي ذكره عن أحمد: أن من خطأ عليا في حروبه فهو كحمار أهله، فليس هذا لفظ أحمد، ولا هو معنى كلامه، ولا ذكره الشيخ ابن تيمية -رحمه الله- عن أحمد، ولكن نعوذ بالله من التعصب، واتباع الهوى اللذَين يصدان عن اتباع الحق، ويحملان على كتمان الحق، ولبسه بالباطل؛ وقد نهى الله -سبحانه- في كتابه عن هاتين الخصلتين، فقال -تعالى-: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 1.
ومن العجب أن هذا المعترض وأشباهه يعلمون أن الحسن بن علي رضي الله عنه وغيره من أهل البيت يرون أن ترك القتال أولى من فعله، وأحب إلى الله وإلى رسوله، كما اختاره كثير من أهل السنة والحديث، ومع هذا ينكرون على أهل السنة ذلك، مع زعمهم أنهم من شيعة أهل البيت. ويزعمون أن أهل السنة يبغضون أهل البيت، ومن والاهم، وقد كذبوا؛ فإن أهل السنة والحديث أولى باتباع أهل البيت منهم، وهم شيعتهم على الحقيقة؛ لأنهم سلكوا طريقتهم، واتبعوا هديهم، وقد قال -تعالى- لليهود والنصارى -لما ادعى كل طائفة منهم أن إبراهيم كان منهم-: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} 2.
__________
1 سورة البقرة آية: 42.
2 سورة آل عمران آية: 68.
(4/69)

فصل
{الأقوال والآراء في قتال الحسين -رضي الله عنه- ليزيد}
[كيفية التغيير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
وأما قوله: ومما نشأ من هذا الافتراق أن كثيرًا من علماء أهل السنة، والجماعة حكموا بأن الحسين بن علي باغ على يزيد بن معاوية.
فيقال: قد اختلف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وكذلك أهل البيت؛ فذهبت طائفة من أهل السنة -رضي الله عنهم- من الصحابة، فمَن بعدهم كسعد بن أبي وقاص، وأسامة ابن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهم-، وغيرهم، وهو قول أحمد بن حنبل، وجماعة من أصحاب الحديث، إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان -إن قدر على ذلك-، وإلا فبالقلب فقط، ولا يكون باليد، وسل السيوف، والخروج على الأئمة، وإن كانوا أئمة جور.
واستدلوا بأحاديث صحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما أخرجاه في الصحيحين، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رأى من أميره شيئا يكرهه، فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس يخرج من السلطان شبرا فمات، إلا مات ميتة جاهلية"1. وفي لفظ: "من فات الجماعة شبرا فمات، مات ميتة جاهلية"2. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميتة جاهلية"3 الحديث.
وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: "قلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر فقلت: فهل بعد ذلك الخير شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: نعم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: يا رسول الله،
__________
1 البخاري: الفتن (7053) , ومسلم: الإمارة (1849) , وأحمد (1/ 310).
2 البخاري: الفتن (7054) , ومسلم: الإمارة (1849) , وأحمد (1/ 275 ,1/ 297) , والدارمي: السير (2519).
3 مسلم: الإمارة (1848) , والنسائي: تحريم الدم (4114) , وأحمد (2/ 296 ,2/ 306 ,2/ 488).
(4/70)

فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
وذهبت طائفة أخرى من الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم من التابعين، ثم الأئمة بعدهم إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يقدر على إزالة المنكر إلا بذلك، وهو قول علي بن أبي طالب، وكل من معه من الصحابة -رضي الله عنهم-؛ كعمار بن ياسر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم، وهو قول أم المؤمنين، ومن معها من الصحابة؛ كعمرو بن العاص، والنعمان بن بشير، وأبي العادية السلمي وغيرهم، وهو قول عبد الله بن الزبير، والحسين بن علي، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج؛ كعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وأبي البختري الطائي، وعطاء السلمي، والحسن البصري، والشعبي، ومن بعدهم؛ كالناسك الفاضل عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، وعبيد الله بن حفص بن عاصم، وسائر من خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ومع أخيه إبراهيم بن عبد الله، وهشيم بن بشير، والوراق، وغيرهم.
[خروج الحسين لقتال يزيد ومخالفة الصحابة له]
وقد ذكر ابن كثير في تاريخه عن طاوس، عن ابن عباس قال: استشارني الحسين بن علي في الخروج إلى العراق، فقلت: لولا أن يزري بي وبك الناس لنشبت يدي في رأسك، فلم أتركك تذهب، فكان الذي رد علي أن قال: لأن أُقتل في مكان كذا أحب إلي من أن أقتل بمكة، قال: وكان هذا الذي سلى نفسي عنه.
وقال غير واحد عن شبابة بن سوار: حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي، قال: سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر: أنه كان بمكة، فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال ابن عمر: لا تأتهم، فأبى،
(4/71)

فقال ابن عمر: إني محدثك حديثا: "إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وذلك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم" فأبى أن يرجع، فاعتنقه ابن عمر، وبكى، وقال: أستودعك الله من قتيل.
وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين بن علي على الخروج، وقد قلت له: اتق الله في نفسك، ولا تخرج على إمامك، والزم بيتك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين، فأدركته، فناشدته الله أن لا يخرج، فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما يقتل نفسه، فقال: لا أرجع.
وقال جابر بن عبد الله: كلمت حسينا فقلت له: اتق الله، ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم، فعصاني. وقال سعيد بن المسيب: لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له، وكتب إليه المسور بن مخرمة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق، ويقول لك ابن الزبير: ألحق بهم فإنهم ناصروك، إياك أن تبرح الحرم، فإنهم إن كان لهم بك حاجة، فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك، فتخرج في قوة وعدة، فجزاه خيرا، وقال: أستخير الله في ذلك.
وكتب إليه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كتابا يحذره أهل الكوفة، ويناشده الله أن يشخص إليهم، فكتب إليه الحسين: "إني رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني بأمر أنا ماض له، ولست بمخبر بها أحدا، حتى ألاقي عملي".
وذكر محمد بن سعد -رحمه الله- بأسانيده: أنه لما بايع معاوية الناس ليزيد، كان حسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية؛ كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم، فأبى، وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويشيطوا دماء الناس ودماءنا.
(4/72)

فأقام الحسين على ما هو عليه من الهموم مدة يريد أن يسير إليهم، ومدة يجمع الإقامة عنهم، فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله، إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبكم قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك بالكوفة يقول: "والله لقد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني".
وكلمه في ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فلم يطع أحدًا منهم، وصمم على المسير.
وقال له ابن عباس: والله أني أظنك ستقتل بين نساءك وولدك، كما قتل عثمان، فلم يقبل منه.
وكذلك أخوه محمد بن الحنفية نهاه عن ذلك وأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمد بن الحنفية ولده فلم يبعث معه أحدا منهم، حتى وجد حسين في نفسه على محمد.
والمقصود من هذا: أن ابن عباس وغيره من الصحابة أنكروا على الحسين خروجه على يزيد، ونهوه عن ذلك؛ خوفا عليه مما جرى عليه وعلى أهل بيته، ولكن لا رادّ لما قضى الله.
وما جرى على الحسين رضي الله عنه وعلى أهل بيته مما يعظم الله به أجورهم، ويرفع به درجاتهم -رضي الله عنهم أجمعين-.
وأهل السنة يبغضون يزيد، ومنهم من يلعنه، ليس كما يظنه المعترض فيهم ويرميهم به من بغضهم عليا وأهل بيته، يعرف ذلك كل من طالع كتب القوم.
(4/73)

فصل
{بيان مذهب الزيدية من البدع}
(وأقوال المُحدِّثين في الإمام زيد بن عليّ وبراءتهم من الشيعة)
وأما قوله: (ومن عجائب الانحراف عن آل محمد: أن عالم أهل السنة والجماعة الذهبي لما عدّد في ميزانه المذاهب الإسلامية قال ما معناه عن يحيي بن معين: وللزيدية مذهب بالحجاز، وهو معدود من مذاهب أهل البدع. فهذا يخبرك بأن علماء أهل السنة والجماعة لم يعرفوا طريقة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إلى آخره.
فيقال: هذا من أعظم الجهل؛ فإن علماء أهل السنة والجماعة، خصوصا أئمة الحديث؛ كيحيى بن معين، وأشباهه من أخبر الناس بأحوال الرجال، ويقولون الحق الذين يدينون الله به، لا يخافون في الله لومة لائم. فإذا كان للزيدية مذهب ينسبونه إلى زيد بن علي -وأهل العلم يعرفون كذبهم وافتراءهم عليه في ذلك- بينوه إذا كان ذلك مخالفا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه علماء أهل البيت كعلي وابن عباس، وليس كل من انتسب إلى أحد من أهل البيت، أو غيرهم من الأئمة يكون صادقا في انتسابه إليهم ونقله عنهم.
فهؤلاء الروافض الذين يسبون الشيخين وجمهور الصحابة ويكفرونهم، ينتسبون إلى علي وأولاده، ويقولون: نحن شيعة آل محمد، أفكانوا صادقين في ذلك؟ كلا، بل هم أعداؤهم حقًا، وأهل البيت براء منهم. وكذلك اليهود والنصارى ينتسبون إلى أنبيائهم، ويزعمون أنهم على دينهم، وعلى طريقتهم، وهم قد باينوهم أشد المباينة.
وكذلك أهل البدع من هذه الأمة ينسبون مذاهبهم الباطلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى أصحابه. وكلام علماء أهل الحديث والسنة في زيد بن علي، وأمثاله من علماء أهل البيت معروف مشهور.
(4/74)

قال أبو حاتم البستي: لما ذكر قتل زيد بن علي بالكوفة قال: كان من أفاضل أهل البيت وعلمائهم، وكانت الشيعة تنتحله. انتهى.
ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهم رفضه قوم، فقال: رفضتموني، فسموا رافضة لرفضهم إياه. ولا يبغض علماء أهل الحديث، ويتكلم فيهم إلا من هو من أهل البدع والكذب والفجور.
وقد تقدم كلام أحمد في ابن أبي قتيلة لما قيل له: إن أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أحمد ينفض ثوبه، ويقول: زنديق، زنديق، يعني أنه لا يتكلم فيهم إلا من هو منافق؛ لأن الله حفظ بهم الدين، وميزوا بين صحيح الأخبار وسقيمها، ولهذا قال أحمد بن هارون الفلاس: إذا رأيت الرجل يقع في يحيى بن معين، فاعلم أنه كذاب يضع الحديث.
وقال ابن حجر- في كتاب "تهذيب التهذيب في معرفة الرجال": زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسين المديني روى عن أبيه، وأخيه، وأبي جعفر الباقر، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن أبي رافع، روى عنه ابناه حسين وعيسى، وابن أخيه جعفر بن محمد، والزهري، والأعمش، وشعبة، وسعيد بن هشيم 1 وإسماعيل، وزبيد اليامي، وزكريا بن أبي زائدة، وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، وأبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، وابن أبي الزناد، وعده ابن حبان في الثقات.
وقال: روي عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السدي عن زيد بن علي: "الرافضة حربي، وحرب أبي في الدنيا والآخرة".
وروى الحافظ أبو الحجاج المزي بإسناده عن الفضل بن مرزوق، قال: سألت عمر بن علي، وحسين بن علي: هل فيكم إنسان مفترضة طاعته؟ فقال: لا، والله ما هذا فينا، مَن قال هذا فهو كذاب، فقلت لعمر بن علي: رحمك الله، إنهم يزعمون أن النبي
__________
1 في تهذيب التهذيب: سعيد بن خيثم.
(4/75)

صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي، وأن عليا أوصى إلى الحسن، وأن الحسن أوصى إلى الحسين، وأن الحسين أوصى إلى ابنه علي، وابنه علي أوصى إلى ابنه محمد بن علي؟ فقال: "والله لقد مات أبي، فما أوصى بحرفين، ما لهم -قاتلهم الله-؟ والله إن هؤلاء إلا متأكلة بنا".
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: سمعت علي بن الحسين، وكان أفضل هاشمي رأيته، يقول: "أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم، حتى صار علينا عارًا".
فانظر -رحمك الله- إلى ما نقله أهل العلم عن أهل البيت علي بن الحسين وأولاده، يتبين لك أن الشيعة من الرافضة والزيدية هم المنحرفون عن آل محمد، لا أهل السنة والحديث.

فصل
[في قول ابن معين في مذهب الزيدية]
وأما قوله: (ويا ليت شعري، هل سمع ابن معين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عد مذهب أولاده من البدع؟).
فهذا من عظيم جهل المعترض وافترائه على ابن معين وغيره من أهل السنة والجماعة؛ فإن ابن معين لم يقل: إن مذهب زيد بن علي وآبائه وأجداده من البدع، بل قال ما نقله عنه المعترض: وللزيدية مذهب بالحجاز، وهو معدود من مذاهب أهل البدع -يعني بذلك الزيدية الذين ينتسبون إلى زيد بن علي، وليسوا على طريقته-، ومجرد الانتساب إلى زيد أو غيره من أهل البيت لا يصير به الرجل متبعا لطريقتهم حتى يعرف طريقتهم، ويتبعهم عليها، كما قال الحسن البصري -رحمه الله- في قوله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب"1 إن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم، فلا تغتروا.
وابن معين -رحمه الله- سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"2 فهذه كلمة جامعة بين فيها صلى الله عليه وسلم أن كل من أحدث ما يخالف أمر الله ورسوله فهو مردود عليه. وكذلك قوله في حديث العرباض بن
__________
1 البخاري: الأدب (6168) , ومسلم: البر والصلة والآداب (2641) , وأحمد (1/ 392 ,4/ 405).
2 البخاري: الصلح (2697) , ومسلم: الأقضية (1718) , وأبو داود: السنة (4606) , وابن ماجه: المقدمة (14) , وأحمد (6/ 146 ,6/ 180 ,6/ 240 ,6/ 256 ,6/ 270).
(4/76)

سارية: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"1، والرسول صلى الله عليه وسلم أُعطي جوامع الكلم، فأفاد أمته، وأعلمهم -صلوات الله وسلامه عليه-: "أن كل بدعة ضلالة "2.
فإذا تبين لأهل العلم أن طائفة من طوائف الزيدية أو غيرهم، خالفوا ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بينوا للناس أنهم أهل بدعة، وضلالة لئلا يغتر بهم الجاهل، كما بينوا فساد مذهب الرافضة المنتسبين إلى علي وأولاده، وكذلك بينوا فساد مذهب القدرية المنكرين أن يكون الله خلق أعمال العباد وقدرها عليهم، وكذلك بينوا فساد مذهب الخوارج الذين كفّروا عليا وعثمان ومن والاهما؛ وهم مع ذلك ينتسبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر، وعمر، ويتولونهما، ويستدلون بآيات من القرآن لا تدل على ما قالوه.
وهذا الجاهل يظن أن من انتسب إلى زيد بن علي، وغيره من أهل البيت لا يذم ولا يعاب، ولو خالف الكتاب والسنة. وهذا جهل عظيم لا يمتري فيه إلا من أضله الله، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، نعوذ بالله من الخذلان.

فصل
{الشيعة المعتدلون من أئمة الحديث}
وأما قوله: (وممن رموه بالتشيع: أهل السنة والجماعة المذكورون: علي بن المديني شيخ البخاري، وعبد الرزاق الصنعاني، وأحمد بن عقدة، والدارقطني، والحاكم ... إلخ.
فيقال: هذا مما يبين لك معرفة أهل الحديث بأحوال الرجال، وبعدهم عن التعصب والهوى، وهؤلاء الأئمة الذين عددتهم هم عند أهل السنة والجماعة من أئمة العلم يقتدون بهم، ويأخذون عنهم، ويرحلون إليهم، ولو كان فيهم بعض التشيع الذي لا يخرجهم عن أن يكونوا أئمة هدى يقتدى بهم، والتشيع الذي
__________
1 أبو داود: السنة (4607) , والدارمي: المقدمة (95).
2 أبو داود: السنة (4607) , وابن ماجه: المقدمة (42).
(4/77)

لا يخرج صاحبه عن الحق، لا يذم به صاحبه، ولا يخرجه عن أهل السنة والجماعة، فإن لفظ التشيع ليس مذموما في الشرع، بل قال -تعالى- لما ذكر نوحا -عليه السلام-، قال بعده: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} 1 أي: من أهل دينه، وإنما صار مذموما عند أهل السنة لما كان أهل البدع كالرافضة وأمثالهم الذين يسمون أنفسهم الشيعة يقولون: نحن شيعة آل محمد، وهم قد كذبوا في ذلك، بل هم أعداؤهم؛ لأنهم خالفوا هديهم، وسلكوا غير طريقتهم.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله، وصالح المؤمنين"2.

فصل
{افتراء الشيعة على أهل السنة الانحراف عن آل البيت وتولي الدول الجائرة}
وأما قوله: (وسبب انحراف من ذكر عن أهل البيت وشيعتهم أنهم تولوا -اليوم- الدول الجائرة، وأطاعوهم، وصححوا ولايتهم، واستدلوا على ذلك بأحاديث كثيرة رووها، فلما سمعها أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوها مخالفة لكتاب الله -تعالى- في قوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} 3. وقوله: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} 4. وقوله: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} 5، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
ونظروا في الأحاديث الموجبة لطاعة أئمة الجور، فوجدوها قد رواها خصومهم تقريرا لمذهبهم، وردوها للقاعدة التي قررها أهل الأصول، وأهل الحديث في أنه لا يجب على الخصم قبول رواية خصمه، فيما يقرر مذهبه الذي يرى خصمه أنه عنده بدعة).
فيقال: الجواب عن هذا الكلام من وجوه:
(أحدها): أن هذا كذب على
__________
1 سورة الصافات آية: 83.
2 البخاري: الأدب (5990) , ومسلم: الإيمان (215) , وأحمد (4/ 203).
3 سورة البقرة آية: 124.
4 سورة هود آية: 113.
5 سورة الكهف آية: 51.
(4/78)

أهل السنة والجماعة، لا يمتري فيه أحد عرف مذهبهم، وطالع كتبهم، فإنهم لم ينحرفوا عن أهل البيت، بل من أصول الدين عندهم: محبة أهل البيت النبوي، وموالاتهم، والصلاة عليهم في الصلاة وغيرها، ولو ذهبنا نذكر نصوصهم في ذلك لطال الكلام جدا.
(الثاني): أنهم لم يتولوا الدول الجائرة، كما ذكره هذا المعترض، بل هم يبغضونهم ويكرهونهم، ويسمونهم ظلمة، وأئمة جور، وإنما أوجبوا طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله، ويستدلون على ذلك بأحاديث ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أنه قال: "على المرء السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية؛ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"1 وثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، وأنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت، إلا ويموت ميتة جاهلية"2.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة من رواية أهل البيت وغيرهم من الصحابة -رضي الله عنهم- بأسانيد ثابتة بنقل العدول من أهل الحديث.
(الوجه الثالث): أن أهل السنة والجماعة لم يصححوا ولايتهم، إلا إذا تولوا على الناس، وبايعهم على ذلك أهل الشوكة، وأهل الحل والعقد، فإذا كان كذلك صحت ولايته، ووجبت طاعته في طاعة الله، وحرمت طاعته في المعصية، ولكن لا يجوزون الخروج عليه، ومحاربته بالسيف؛ لأن ذلك يؤول إلى الفتن العظيمة، وسفك الدماء، والهرج الكثير. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهذا القول هو الذي تدل عليه النصوص النبوية، وعليه كثير من أهل البيت.
(الوجه الرابع): أن قوله في الأحاديث التي يستدل بها أهل السنة على السمع والطاعة لولي الأمر: (فلما سمعها أهل البيت وجدوها مخالفة لكتاب الله)، كذب ظاهر على أهل البيت -عليهم السلام-؛ فإن كثيرا من أهل البيت، مذهبهم مذهب
__________
1 البخاري: الأحكام (7144) , ومسلم: الإمارة (1839) , والترمذي: الجهاد (1707) , وأبو داود: الجهاد (2626) , وابن ماجه: الجهاد (2864) , وأحمد (2/ 17 ,2/ 142).
2 البخاري: الفتن (7054) , ومسلم: الإمارة (1849) , وأحمد (1/ 275 ,1/ 297) , والدارمي: السير (2519).
(4/79)

أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، هذا الحسن بن علي رضي الله عنه انخلع لمعاوية رضي الله عنه وبايعه، وأمر كل من بايعه، وبايع أباه بمبايعة معاوية، والسمع والطاعة له، وهو عند هذا المعترض وأمثاله من أئمة الجور. وأما عند أهل السنة والجماعة فهو من خيار ملوك الإسلام، وأعدلهم، وأحسنهم سيرة، ونهى أخاه الحسين عند موته عن طاعة سفهاء الكوفة.
وهذا ابن عباس، وهو من أئمة أهل البيت، نهى ابن عمه الحسين رضي الله عنه عن الخروج، وكذلك محمد بن الحنفية، وعبد الله بن جعفر -رضي الله عنهم-، وهؤلاء من أئمة أهل البيت، وقد تقدم النقل عنهم بذلك. وذكرنا من رواه من الأئمة.
(الوجه الخامس): أن أهل السنة -رحمهم الله- بينوا أن هذه الأحاديث المروية عنهم في السمع والطاعة لولي الأمر هي الموافقة لكتاب الله حقا، لا تخالفه، بل القرآن يصدقها، ويدل على ما دلت عليه؛ لأن الجميع من عند الله. والرسول صلى الله عليه وسلم أعلم بكتاب الله من أهل البدع، وكذلك أصحابه، وأهل بيته.
قال العلماء: كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينْزل بالقرآن، وقد أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن في أكثر من سبعين موضعا، وأخبر أن من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد أمر الله بطاعة أولي الأمر في القرآن، فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} 1 الآية، قال أئمة التفسير: هم العلماء والأمراء.
(الوجه السادس): أن هذه الآيات التي ذكر أنها تخالف هذه الأحاديث، قد بين أهل التفسير معناها، وليس فيها ما يخالف كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ما يدل على مراد هذا المعترض، وأشباهه من أهل البدع؛ كالخوارج، والمعتزلة. ونحن نذكر كلام أئمة التفسير -رحمهم الله- في هذه الآيات؛ لنبين بطلان ما ذهب إليه هذا المعترض.
قال أبو حيان -رحمه الله- في تفسيره المسمى بالبحر: والعهد -يعني في الآية-
__________
1 سورة النساء آية: 59.
(4/80)

الإمامة، قاله مجاهد، أو النبوة قاله السدي، أو الأمان قاله قتادة، وروي عن السدي واختاره الزجاج، أو الثواب، قاله قتادة أيضا، أو الرحمة قاله عطاء، أو الدين قاله الضحاك والربيع، أو لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه قاله ابن عباس، أو الأمر من قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} 1. {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} 2، أو إدخاله الجنة من قوله: "كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة"، أو طاعتي 3 قاله الضحاك، أو الميثاق، أو الأمانة، والظاهر من هذه الأقوال: أنها الإمامة؛ لأنها هي المصدر بها، فأعلم الله إبراهيم -عليه السلام- أن الإمامة لا تنال الظالمين. انتهى كلامه.
وقد جمع لك كلام المفسرين في هذه الآية في هذا المختصر، ولم يذكر أحد من المفسرين أن الآية تدل على الخروج على ولي الأمر ومقاتلته بالسيف، وأنه لا يطاع إذا أمر بطاعة الله وطاعة رسوله. وأهل السنة أهل عدل وإنصاف واتباع للحق؛ لأنهم لم يأمروا بطاعة ولي الأمر في المعصية، بل أمروا بطاعته إذا أمر بطاعة الله، فإذا أمر بالمعصية، فلا سمع له ولا طاعة. لكن لا يجوزون الخروج عليه 4 ولا يكون عندهم إماما في الدين إذا كان ظالما.
والآية تدل على أن الظالم لا يكون إماما في الدين، وليس فيها ما يدل على أنه إذا غصب الناس، وتولى عليهم، وصار معه أهل الشوكة، وأهل الحل والعقد لا تجوز طاعته في الطاعة ومبايعته، فيتبين بما ذكرنا: أن هذه الآية ليس فيها دليل على ما ذهب إليه أهل البدع، والله أعلم.
وأما الآية الثانية التي احتج بها وهي قوله -تعالى-: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} 5، فقال أبو العالية: في معنى {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
__________
1 سورة آل عمران آية: 183.
2 سورة يس آية: 60.
3 هذا تفسير لكلمة (عهدي) من الآية، وبقية الألفاظ تفسير للعهد فيها غير مضاف.
4 لأن خروج الناس عليه والشوكة بيده مدعاة للفتن الداخلية، واقتتال الأمة بما يجعل بأسها بينها، ويقوي أعداءها عليها، ولكن عدم طاعتها له في المعصية تضطره إلى التزام الشريعة. وأما أهل الحل والعقد فيجب عليهم إقرار الإمامة في قرارها الشرعي إذا قدروا.
5 سورة هود آية: 113.
(4/81)

فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} 1، قال: المعنى: لا ترضوا بأعمالهم، وقال ابن عباس: معنى الركون: الميل، وقال السدي، وابن زيد: لا تداهنوا الظلمة، وقال سفيان: لا تدنوا من الذين ظلموا.
وقال جعفر الصادق: {إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} إلى أنفسهم؛ فإنها ظالمة، وقيل: لا تشبهوا بهم. ذكر هذه الأقوال كلها أبو حيان النحوي في تفسيره "البحر"، ولم يذكر أحد من المفسرين أن الآية تدل على أن الظالم إذا تولى على الناس وقهرهم بشوكته وسلطانه، لا تصح ولايته، ولا تجوز طاعته إذا أمر بطاعة الله.
وجميع أهل السنة والجماعة متفقون على أن الركون إلى الظلمة لا يجوز على ما فسره علماء التفسير، كابن عباس، وأبي العالمية، فلا يجوز الميل إليهم، ولا الرضى بأعمالهم التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله. وكذلك لا تجوز مداهنتهم، بل ينكر عليهم ما فعلوه من المنكر بلسانه إذا قدر على ذلك، فإن لم يقدر أنكره بقلبه، كما في الحديث المرفوع أنه لما ذكر الظلمة قال: "من أنكره فقد سلم، ومن كره فقد برئ، ولكن من رضي وتابع"2، 3. فتبين بما ذكرناه أن الآية لا تدل على ما ذهب إليه هذا المعترض، ومن نحا نحوه من أهل البدع.
وأما الآية الثالثة وهي: قوله -تعالى-: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} 4، قال أهل التفسير: {الْمُضِلِّيْنَ} يعني الشياطين؛ لأنهم الذين يضلون الناس، {عَضُدًا} قال قتادة: أعوانا يعضدونني إليها، والعضد كثيرا ما يستعمل في معنى العون، وذلك أن العضد قوام اليد، ومنه قوله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} 5 أي: سنعينك ونقويك به، فهذا إخبار عن كمال قدرته، واستغنائه عن الأنصار والأعوان، والله -تبارك وتعالى- لا يحتاج إلى إعانة أحد من خلقه، بل هو الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فهل في هذه الآية ما يدل على مقصود هذا المعترض، الجاهل بوجه من الوجوه؟
(الوجه السابع): أن يقال: احتجاجه بهذه الآيات على معارضة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمع والطاعة لولي الأمر ومناصحته، من جنس
__________
1 سورة هود آية: 113.
2 مسلم: الإمارة (1854) , والترمذي: الفتن (2265) , وأبو داود: السنة (4760) , وأحمد (6/ 295,6/ 305).
3 أي: فهو المذنب المؤاخذ.
4 سورة الكهف آية: 51.
5 سورة القصص آية: 35.
(4/82)

احتجاج الخوارج وأشباههم على بطلان ولاية علي وإمامته، بقوله -تعالى-: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 1. وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} 2، وإنما أتوا من قلة معرفتهم بتفسير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن جنس احتجاج الرافضة، ومَن نحا نحوهم على كفر الصحابة، وظلمهم بقوله -تعالى-: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} 3. وكذلك احتجاجهم على إمامة علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله -تعالى-: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} 4 الآية.
وكذلك احتجاج الجهمية، والمعتزلة على نفي الصفات الواردة في القرآن والسنة بقوله -تعالى-: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} 5 وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 6. وكل هذه الآيات لا تدل على ما ذهبوا إليه، وإنما تدل على ما أجمع عليه سلف الأمة، وأئمتها من الصحابة، والتابعين -رضي الله عنهم-؛ لأن القرآن يصدق بعضه بعضا، وكذلك الأحاديث يصدق بعضها بعضا، والسنة الصحيحة لا تخالف الكتاب؛ لأن الجميع من مشكاة واحدة {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} 7.
(الوجه الثامن): أن يقال: قوله: (ونظروا في الأحاديث الموجبة لطاعة أئمة الجور، فوجدوها قد رواها خصومهم عنه) كذب ظاهر، وتمويه على الجهال الأصاغر، فإن الأحاديث التي فيها السمع والطاعة لولي الأمر قد رواها جماعة كثيرة من الصحابة من أهل البيت وغيرهم، ولم يردها علماء أهل البيت، بل تلقوها بالقبول كما تقدم النقل عنهم بذلك 8. وبينا أن أهل البيت اختلفوا في جواز الخروج على أئمة الجور.
__________
1 سورة الزمر آية: 65.
2 سورة المائدة آية: 44.
3 سورة المائدة آية: 54.
4 سورة المائدة آية: 55.
5 سورة مريم آية: 65.
6 سورة الشورى آية: 11.
7 سورة النساء آية: 82.
8 بقي شيء آخر: وهو أن رواة الأحاديث الذين دونوها ومحصوا أسانيدها، ليسوا خصوما فيها لآل البيت، ولا للشيعة وغيرهم من المبتدعة، بل يروون عن كل من ثبت عندهم عدالته في الرواية، وإن كان مخالفا لهم في بعض الأصول والفروع، لا يتعصبون لمذهب أحد في الرواية؛ فالمجتهد منهم يروي كل ما سمعه من الرواة، ويتبع ما صح عنده بحسب فهمه، ومن نشأ على مذهب كالذهبي والمزي وابن حجر العسقلاني لا يأبى أن يصحح ما خالف مذهبه، وأن يضعف ما وافقه، فتمحيص الأسانيد عندهم مقدم على كل شيء، وعلماء الشيعة المتعصبون من الزيدية والإمامية يعلمون هذا، ولكنهم يوهمون عوامهم أن حفاظ الحديث خصوم لهم؛ ليقطعوا طريق الأدلة الصحيحة عليهم.
(4/83)

فمنهم من يرى ذلك ويفعله، ومنهم من لا يرى ذلك ولا يفعله، بل ينهى عنه ويكرهه. ولو لم يكن إلا فعل الحسن رضي الله عنه لكفى به تكذيبا لما حكاه هذا المعترض، ولكن هذا وأشباهه من أهل البدع ينتسبون إلى أهل البيت، وينقلون مذاهبهم الباطلة عنهم، فينسبونها إليهم، ويكذبون عليهم، ولا يميزون بين الصدق والكذب، فلا نقل صحيح، ولا عقل مليح، نسأل الله العفو والعافية.

فصل
(في أهواء الشيعة والخوارج في حديث الردة وحديث الوصية بآل البيت)
وأما قوله: (ولقد قرر هذا الواقع على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حذر عنه الأمة والصحابة من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم محشورون إلى الله؛ حفاة، عراة، غرلا"1 الحديث، وكذلك حديث ابن مسعود وما في معناهما، وكذلك قوله: وقد فسر هذين الحديثين للذين ذكرهما صلى الله عليه وسلم بمخالفة كتاب الله عز وجل وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجه الطبراني في "الكبير" عن زيد بن أرقم قوله صلى الله عليه وسلم "إني لكم فرط"2 الحديث وما في معناه من الأحاديث).
فالجواب عن ذلك من وجوه:
(أحدها): أن يقال: حديث ابن عباس، وحديث ابن مسعود المتفق عليهما وما في معناهما من الأحاديث الصحيحة 3 قد رواها أهل العلم، وفسروها بأن المراد بها الذين ارتدوا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر الصديق والصحابة معه، كأصحاب مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطليحة، ومن معهم من قبائل العرب، فجهز أبو بكر رضي الله عنه الجيوش، وأمَّر عليهم خالد بن الوليد، وقاتلهم حتى قتل منهم على الردة جماعة كثيرة، ودخل
__________
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3349) والرقاق (6524) , ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2860) , والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2423) وتفسير القرآن (3167 ,3332) , والنسائي: الجنائز (2081 ,2082 ,2087) , وأحمد (1/ 220 ,1/ 223 ,1/ 229 ,1/ 235 ,1/ 253) , والدارمي: الرقاق (2802).
2 البخاري: المغازي (4085) , ومسلم: الفضائل (2296) , والنسائي: الجنائز (1954) , وأحمد (4/ 149 ,4/ 153 ,4/ 154).
3 التي فيها أن بعض من يرد عليه -صلى الله عليه وسلم- الحوض، تذودهم الملائكة، ويعللون طردهم بقولهم له -صلى الله عليه وسلم-: "إنك لا تدري مما أحدثوا بعدك"، فيقول: "بعدا لهم وسحقا".
(4/84)

بقيتهم في الإسلام طوعا وكرها، وظهر مصداق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} 1 الآية. قال الحسن البصري -رحمه الله-: هم والله أبو بكر، وأصحابه.
وقد روى البخاري في صحيحه تفسير ذلك بما ذكرنا، فقال في ترجمة مريم من (أحاديث الأنبياء)، قال الفربري: عن أبي عبد الله البخاري، عن قبيصة قال: هم الذي ارتدوا على عهد أبي بكر، فقاتلهم أبو بكر، يعني حتى قتلهم، وماتوا على الكفر.
قال الخطابي: لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا بصيرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المذكورين.
قال الحافظ: ورجح عياض والباجي وغيرهما ما قاله قبيصة راوي الخبر، ولا يبعد أن يدخل في ذلك -أيضا- من كان في زمنه من المنافقين، كما في حديث الشفاعة: "وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها"2، فدل على أنهم يحشرون مع المؤمنين.
(الوجه الثاني): أن يقال: الخوارج، ومن سلك سبيلهم يحملون هذه الأحاديث على علي رضي الله عنه ومن والاه، ويقولون: إنهم ارتدوا، وأشركوا، فكما أنهم مخطئون ظالمون في ذلك، فكذلك الروافض، والشيعة الذين يحملون هذه الأحاديث على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر وجمهور الصحابة، أو على معاوية ومن قاتل معه عليا؛ بل قولهم أظهر فسادا، وأبعد عن الحق والصواب من قول الخوارج، فإن كان كلامهم صحيحا فكلام الخوارج أقرب إلى الصحة.
(الوجه الثالث): أن أهل البيت الذين ذكروا في حديث زيد بن أرقم، وما في معناه هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين حرمت عليهم الصدقة، قال: علي، وآل جعفر، وآل العباس، وآل أبي لهب، كما أخبر بذلك زيد بن أرقم، وهو راوي الخبر، كما ذكر ذلك مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، وغيرهما من أهل الحديث، وهذا لفظهما، وروايتهما: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي حيان اليمني، حدثني يزيد بن حبان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم،
__________
1 سورة المائدة آية: 54.
2 البخاري: التوحيد (7438) , ومسلم: الإيمان (182) , وأحمد (2/ 275).
(4/85)

فلما جلسنا إليه، قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا؛ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه، وصليت معه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدِّثْنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، والله لقد كبر سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوه، وما لا فلا تكلفونيه.
ثم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبا بماء يدعى (خما) بين مكة والمدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر، ووعظ، ثم قال: "أما بعد؛ ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله؛ فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به"1، فحث على كتاب الله ورغب فيه، وقال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"2، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، قال: أكل هؤلاء حُرِمَ الصدقة؟ قال: نعم.
فانظر -رحمك الله- إلى كلام الصحابي، راوي الخبر، وإخباره أن أهل البيت كل من حرم الصدقة بعده 3، والرافضة والشيعة تحمل هذه الأحاديث على آل علي خاصة.
(الوجه الرابع): أن يقال: هذه الأحاديث أكثرها مطعون في صحتها، لا تقوم بها حجة، والصحيح منها لا يدل على مقصود هذا المعترض وأشباهه من أهل البدع، وذلك لأن مدلولها يعم أهل البيت، كآل علي، وآل العباس، وآل عقيل، وآل جعفر، وغيرهم ممن حُرِّمت عليه الصدقة، وتدل على أن إجماعهم حجة، وأنهم لا يجمعون على مخالفة كتاب الله وسنة رسوله.
وأما إذا اختلفوا لم يكن قول أحدهم حجة على الآخر، بل يجب الرد عند التنازع إلى الله، وإلى الرسول، كما قال -تعالى-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} 4.
__________
1 مسلم: فضائل الصحابة (2408) , وأحمد (4/ 366) , والدارمي: فضائل القرآن (3316).
2 مسلم: فضائل الصحابة (2408) , وأحمد (4/ 366) , والدارمي: فضائل القرآن (3316).
3 والتحقيق أنهم بنو هاشم وبنو المطلب.
4 سورة النساء آية: 59.
(4/86)

(الوجه الخامس): أن يقال: الذين ظلموا أهل البيت وقتلوهم، أو أحدا منهم، هم عند أهل السنة والجماعة أئمة جور وظلم، لا يحبونهم ولا يوالونهم، بل يبغضونهم ويعادونهم، ويلعنون من ظلمهم، وهذه كتبهم محشوة بالثناء على أهل البيت، والدعاء لهم، والترضي عنهم، وذم من ظلمهم، ولو ذهبنا نذكر نص كلامهم، لطال الكتاب جدا.
فتبين بما ذكرنا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه، وأن مذهب الرافضة والزيدية هو المخالف لكتاب الله وسنة رسوله، ولما أجمع عليه أهل البيت النبوي. والله أعلم.

فصل
(في تفسير {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى})
وأما قوله: (وأما أدلة السائل وحجته على أن معتمده وطريقه إلى جده صلى الله عليه وسلم أهل الحق، أعني أهل البيت، سلام الله عليهم في الكتاب والسنة، أما الكتاب فآيات قد أضاء نورها، أولها قوله -تعالى-: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} 1. وقوله: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} 2 ووجه الدلالة: أن الله لا يأمر بمودة من ليس على الحق ... إلى آخره.
فيقال: هذا من تمويهه على الجهال؛ الذين لا يميزون بين الحق والباطل، وليس كل من احتج بالقرآن يدل على ما احتج به عليه، وإنما يعرف معاني القرآن والسنة أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ كابن عباس -رضي الله عنهما- وعلي بن الحسين، ومن شابههم من أهل العلم، الذين يعرفون مراد الله ورسوله.
وقد صح عن ابن عباس أنه فسر قوله -تعالى -: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} 3 بأن المراد بذلك: أن يصلوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرابة، ويكفوا عنه الأذى، ويدعوه يبلغ رسالات ربه، كما قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة،
__________
1 سورة الأحزاب آية: 33.
2 سورة الشورى آية: 23.
3 سورة الشورى آية: 23.
(4/87)

سمعت طاووسا، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} 1، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: "إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة"2 انفرد به البخاري.
ورواه الإمام أحمد عن يحيى القطان، عن شعبة به. قال ابن كثير: وهكذا روى عامر الشعبي، والضحاك، وعلي بن أبي طلحة، والعوفي، ويوسف بن مهران، وغير واحد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي، رواه الطبراني بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي؛ لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم". وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا، إلا أن تودوا الله، وتتقربوا إليه بطاعته"، هكذا روى قتادة عن الحسن البصري، عن ابن عباس مثله.
وهذا كأنه تفسير بقول ثان، وقول ثالث، وهو ما حكاه البخاري وغيره عن سعيد بن جبير ما معناه أنه قال: معنى ذلك أن تودوني في قرابتي، أي تبروهم وتحسنوا إليهم. قال ابن كثير: والحق تفسير الآية بقول حبر الأمة، وترجمان القرآن؛ عبد الله بن عباس كما رواه عنه البخاري 3؛ ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم،
__________
1 سورة الشورى آية: 23.
2 البخاري: تفسير القرآن (4818) , والترمذي: تفسير القرآن (3251) , وأحمد (1/ 229 ,1/ 286).
3 نعم هذا هو الحق وما عداه باطل، مخالف لنصوص القرآن القطعية الناطقة بأن رسل الله -تعالى- لم يسألوا على تبليغ وحي الله ودينه أجرا، بل صرحوا بأن أجرهم على الله وحده، كما تراه في قصص الرسل في سورتي هود والشعراء وغيرهما، وما كان خاتم النبيين بدعا من الرسل، فما ينبغي له، وهو أفضلهم أن يسأل قومه أجرا على تبليغ الدين، أن يودوا قرابته، وأكثر البشر يسعون، ويكدحون لأجل أولي قرباهم، وقد حكى الله -تعالى- عنه ذلك، كما حكى عنهم في سور الأنعام، ويوسف والفرقان، وسبأ، وص، والشورى، وفيها استثناء (إلا المودة في القربى)، وهو استثناء منقطع قطعا لئلا تختلف مع بقية الآيات التي جاءت على أصل العقيدة في سائر الرسل -عليهم السلام- فمعناها: لا أسألكم عليه أجرا مطلقا، ولكن أسألكم المودة في القرابة، وصلة الرحم بيني وبينكم كسائر الأقربين، كما استثنى في آية الفرقان (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا).
(4/88)

وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، وأشرف بيت وجد على ظهر الأرض فخرا، وحسبا ونسبا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلي، وأهل بيته وذويه.
ثم ذكر ابن كثير -رحمه الله- الأحاديث في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وساقها من وجوه متعددة.

فصل
(في تفسير {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} وتحريف الشيعة لها)
وأما قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} 1، فقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: هذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النُزول داخل فيه قولا واحدا. إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} 2 قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة: من شاء باهلته؛ إنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان المراد أنهن سبب النُزول دون غيرهن فهذا حق، وإن كان المراد أنها لا تعم غيرهن ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك، ثم ساق الأحاديث بطولها. انتهى معنى ما ذكره ابن كثير.
ومن تدبر القرآن لم يشك أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} 3؛ لأن سياق الكلام معهن 4. ولهذا قال
__________
1 سورة الأحزاب آية: 33.
2 سورة الأحزاب آية: 33.
3 سورة الأحزاب آية: 33.
4 التحقيق المتبادر من الآيات أنها في نساء النبي وحدهن دون غيرهن، وإنما ذكر الضمير في قوله (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) لدخوله -صلّى الله عليه وسلّم- معهن في ذلك، ولكون ما أريد من التشديد عليهن بهذه الوصايا، وحكمته هو تطهير بيته (ص) مما يدنسه بانحرافهن عن صراط التقوى - (برأهن الله من ذلك) - ومن المعلوم بالبداهة: أن الرجل لا يلحقه من العار بارتكاب أحد أولاد عمه لفاحشة ما مثل ما يلحقه باقتراف زوجه للفاحشة.
(4/89)

بعد هذا كله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} 1 أي: واعملن بما أنزل الله على رسوله في بيوتكن، من الكتاب والسنة، قاله قتادة، وغير واحد من المفسرين، وعائشة بنت الصديق -رضي الله عنها وعن أبيها- أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، فإنه لم ينْزل على رسوله صلى الله عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال بعض العلماء: لأنه لم يتزوج بكرا غيرها، ولم ينم معها رجل في فراشها غيره صلى الله عليه وسلم فناسب أن تخص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العلية.
والمقصود: أن هذه الآية تناقض مذهب هذا المعترض، وترد عليه، وتنادي ببطلان مذهبه من وجوه كثيرة: (منها): أنها عامة في جميع أهل البيت كآل العباس، وآل جعفر، وآل الحارث بن عبد المطلب، وهو إنما يظن أن المراد بها آل علي خاصة. (ومنها): أن أزواجه داخلات في جملة أهل البيت، وهم يزعمون أن عائشة، ومن معها من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- مخطئون عاصون في قتالهم عليا وأصحابه.
(ومنها): أنه ليس فيها دليل على عصمة أهل البيت؛ لأن العلماء -رحمة الله عليهم- ذكروا أن الإرادة في القرآن نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة قدرية كونية؛ فالأولى كقوله في هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} 2 وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} 3 الآية وقوله: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} 4. وأخبر أنه يريد أن يتوب على المؤمنين ويطهرهم، وفيهم من تاب ومن لم يتب، ومن تطهر ومن لم يتطهر، فلا يكون فيها دليل على العصمة، ولا الإمامة 5.
وأما الإرادة الكونية القدرية فكقوله: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} 6 الآية، وقوله: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} 7 وقوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً} 8 الآية،
__________
1 سورة الأحزاب آية: 34.
2 سورة الأحزاب آية: 33.
3 سورة النساء آية: 26.
4 سورة المائدة آية: 6.
5 ومثله في حكمة الرخصة في الصيام (يريد الله بكم اليسر) الآية.
6 سورة الأنعام آية: 125.
7 سورة المائدة آية: 41.
8 سورة الإسراء آية: 16.
(4/90)

وقوله: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} 1 الآية. وهذه هي الكلمات التي لا يجاوزهن بر، ولا فاجر.
ولفظ (الرجس) أصله القذر، ويراد به الشرك كقوله -تعالى-: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} 2، ويراد به الخبائث المحرمة كقوله: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} 3. ونحن نقطع أن الله أذهب عنهم الرجس والخبائث، فمن تاب وقع ذنبه مكفرا، أو مغفورا له، فقد طهره الله تطهيرا.
فتبين بما ذكرنا: أن الآيات التي احتج بها قد أضاء نورها في بطلان ما ذهب إليه هذا المعترض، وهو المطلوب.

فصل
{في أهواء الشيعة في مناقب أحاديث آل البيت}
وأما قوله: (وأما الأحاديث ففي الترمذي عن زيد بن أرقم قوله صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي"4 إلى آخره، وكذلك حديث أبي سعيد الذي أخرجه ابن أبي شيبة، وابن سعد وأحمد، وكذلك حديث أبي ذر: "مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه" إلى آخره، وكذلك حديث ابن الزبير، وكذلك حديث أبي سعيد وغيره مما ذكر).
(فالجواب) أن يقال: قد تقدم الجواب عن حديث الثقلين، وما في معناه قريبا، وبينا أنها لا تدل على مقصود هذا المعترض، بل تدل على نقيض مقصوده، وإنما تدل على أن إجماع أهل البيت حجة، وأنهم لا يجمعون على باطل؛ لأن الله عصمهم من ذلك، كما عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيره، ذكره القاضي في المعتمد.
ومن العجب قوله: قال بعض أهل التحقيق: إن حديث الثقلين متلقى بالقبول،
__________
1 سورة القصص آية: 5.
2 سورة الحج آية: 30.
3 سورة الأنعام آية: 145.
4 الترمذي: المناقب (3788).
(4/91)

################
(4/92)

{قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} 1. فلقد فرقت بين النبي صلى الله عليه وسلم وآله، وقطعت ما وصله الله ورسوله، وخالفت قوله صلى الله عليه وسلم فيما قاله لعلي: "أما 2 تكون رابع أربعة: أول من يدخل الجنة أنا وأنت، والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرياتنا خلف أزواجنا" أخرجه الثعلبي، وأحمد في المناقب، وفي رواية أخرى أخرجها بعد ذكر الذرية: "وأشياعنا عن أيماننا وشمائلنا" إلى آخره.
(فالجواب) أن يقال: في هذا الكلام من الكذب والزور والظلم أنواع كثيرة:
(الأول): قوله: قد تحجرت واسعا، قال الله -تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} وقد جعلت سيد المرسلين الذي هو رحمة للعالمين، رحمة لك، ولأهل مذهبك. وهذا كذب ظاهر على المجيب؛ لأنه لم يخص أحدا معينا، بل أخبر أن مذهبه في هذه الآيات وما أشبهها من الأحاديث، مذهب السلف الصالح، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فهذا كلامه صريحا في تكذيب هذا المعترض.
(الثاني): قوله: فقد جعلت سيد المرسلين الذي هو رحمة للعالمين، رحمة لك، ولأهل مذهبك. وهذا أيضا كذب ظاهر على المجيب؛ لأن ظاهر كلامه على صريحه يناقض ما ذكره هذا المعترض، وكل من اتبع كتاب الله وسنة رسوله من جميع الطوائف فهو عنده من أهل الرحمة الناجين، ولا يخالف في هذه المسألة أحد من أمته -صلى الله عليه وسلم-؛ لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة، وإنما الشأن في تحقيق هذه الدعوى بالعمل، وقد قال -تعالى- في كتابه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} 3 الآية، فدلت هذه الآية الكريمة على أن كل من أطاع الله ورسوله من الأولين والآخرين، فهو من أهل الجنة الناجين.
(الثالث): قوله: وللمتسمّين بأهل السنة والجماعة خاصة. وهذا أيضا كذب على المجيب؛ لأن الذي ذكر المجيب -كما نقله هو عنه- أنه ما درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
1 سورة الزمر آية: 28.
2 كذا في الأصل، ولعله "أما ترضى أن تكون، إلخ" أو نحو هذا.
3 سورة النساء آية: 69.
(4/93)

################
(4/94)

################
(4/95)

إبراهيم خليلا على غير مدلولها، كما ذكر ذلك أهل العلم من أهل التواريخ وغيرهم. فقد خالفت ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والتابعون لهم بإحسان، واتبعت سبيل المبتدعة الضالين، وذممت طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكل من اتبعهم وزعمت أنها تقتضي التشبيه والتجسيم، ومدحت طريقة جهم بن صفوان، وجعد بن درهم، وزعمت أنها هي الحق الذي يجب اتباعه، ونسبتها -بجهلك- إلى رسول الله، وأهل بيته.
وقد ذكر البخاري -رحمه الله- في كتابه (خلق أفعال العباد) قصة جهم بن صفوان وجعد بن درهم، وكان جعد أخذ هذا المذهب عن الصابئين، وأخذه عنه الجهم بن صفوان. قال -رحمه الله-: حدثنا قتيبة، حدثني القاسم بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب، عن أبيه عن جده، قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط في يوم الأضحى وقال: "ارجعوا وضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا" ثم نزل فذبحه. قال أبو عبد الله: بلغني أن جهما كان يأخذ هذا الكلام عن الصائبة.

فصل
وأما قوله: فلقد فرقت بين النبي صلى الله عليه وسلم وقطعت ما وصله الله ورسوله. فهذا كذب وافتراء على المجيب، لا يمتري فيه ذو قلب منيب، وذلك أن المجيب قرر في كلامه مذهب السلف الصالح، وهو ما عليه رسول الله وأصحابه، وذكر الأدلة على ذلك من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام أهل العلم.
وإنما الذي قطع ما أمر الله به أن يوصل وفرق بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أهل البدع والضلال الذين شاقوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى، واتبعوا غير سبيل المؤمنين، فأولئك يوليهم الله ما تولوا، ويصليهم جهنم وساءت مصيرا، ولو ادعوا اتباعهم، وانتحلوا طريقتهم كذبا وافتراء عليهم.
(4/96)

فصل
(زعم الزيدي أن الوهابي كفّر من خالف مذهبه، وإبطاله)
وأما قوله: أولم تدر أنك ضللت، وكفّرت من خالف مذهبك؟ استنادًا إلى الأوزاعي الذي يدعي أن الحق معه، وأن التابعين أجمعوا على ما ادعاه.
(فالجواب) أن يقال: في هذا الكلام من الكذب والظلم والجهل أنواع كثيرة:
(الأول) قوله: إنك ضللت، وكفّرت من خالف مذهبك في مسألة الصفات، فإن الأمة اختلفوا في هذه المسائل اختلافا كثيرا، ولم يكفّر بعضهم بعضا، وإنما يكفّرون من خالف نص كتاب أو سنة، وقامت عليه الحجة، واعتقد أن الحق خلاف ذلك. وأما نحن فلم نكفّر أحدا بهذه الأمور، وإنما كفّرنا من أشرك بالله، وعبد معه غيره، وقامت عليه الحجة، واستهزأ بالدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، أو شيء منه، أو كرهه وأبغضه.
والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة كقوله -تعالى-: {مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} 1. وقال -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 2. وقال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 3. وقال -تعالى-: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} 4 الآية. وقال -تعالى-: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} 5. وقال -تعالى-: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} 6.
(الثاني): قوله: استنادًا إلى الأوزاعي، الذي ادعى أن الحق معه؛ لأن الأوزاعي -رحمه الله- لم يدع أن الحق معه، بل ذكر أن مذهبه هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما أجمع عليه التابعون. ومعلوم أن الحق معهم لا يمتري في ذلك مسلم، وإذا تنازع الناس في مسألة من المسائل الأصولية والفروعية، فالصواب
__________
1 سورة المائدة آية: 72.
2 سورة الزمر آية: 65.
3 سورة النساء آية: 48.
4 سورة الحج آية: 31.
5 سورة التوبة آية: 65، 66.
6 سورة محمد آية: 9.
(4/97)

والحق مع من كان الدليل معه كائنا من كان.
(الثالث): قوله: وإن التابعين أجمعوا على ما ادعاه؛ لأن الإجماع في هذه المسألة قد حكاه غير واحد من أهل العلم، كمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وأبي عمر بن عبد البر وغيرهما. فثبت عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال: "اتفق الفقهاء من الشرق والغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير، ولا تشبيه، فمن فسر شيئا من ذلك، فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة، فمن قال بقول جهم فارق الجماعة". انتهى.
فانظر -رحمك الله- إلى هذا الإمام، كيف حكى الإجماع في هذه المسألة؟ ولا خير فيما خرج عن إجماعهم، ولو لزم التجسيم عن السكوت عن تأويلها لفروا منه، فإنهم أعرف الأمة بما يجوز على الله، وما يمتنع عليه. وثبت عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال: "إن أصحاب الحديث، المتمسكين بالكتاب والسنة، يعرفون ربهم -تبارك وتعالى- بصفاته التي نطق بها كتابه، وتنْزيله، وشهد بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقله العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه؛ تحريف المعتزلة والجهمية". وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتشبيه، ومن عليهم بالتفهيم والتعريف حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنْزيه، وتركوا القول بالتشبيه، واكتفوا بنفي النقائص بقوله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1. وبقوله -تعالى-: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} 2.
فتبين بما ذكرنا بطلان قول المعترض؛ استدلالك بما رواه الأوزاعي من الإجماع آحادي، ولا يجوز تكفير المسلمين إلا بقطعي المتن والدلالة.
__________
1 سورة الشورى آية: 11.
2 سورة الإخلاص آية: 3.
(4/98)

فصل
[قول السلف في الاستواء على العرش]
وأما قوله: (إنك ادعيت أن الذي تذهب إليه ترك التعرض لتفسير آيات الصفات، والأوزاعي روى خلاف ما تدعي، فإنه قال: كنا والتابعون نقر بأن الله فوق عرشه. وإذا أثبت التابعون والأوزاعي الفوقية لله على العرش فقد فسروا 1، فكأنهم قالوا معنى قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2 أي كان فوقه، وأنت تقول: إنك لا تتعرض لتفسير آيات الصفات، فما الجامع بين كلامك، وكلام الأوزاعي والتابعين؟ فكيف تستدل به على تكفير المسلمين؟).
(فالجواب) أن يقال: هذا الكلام من المعترض مما يدل على جهله، وقلة معرفته بكلام الأئمة ومرادهم، فإن كلام الأوزاعي وغيره من أهل السنة معناه: أنهم لا يفسرون، ولا يكيفون صفات الله كالاستواء على العرش، والنُزول، والمجيء، والغضب، والرضى، والمحبة وغير ذلك من الصفات. فيقولون مثلا في الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، كما قال الإمام مالك ابن أنس رحمه الله، فقيل له: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 3، كيف استوى؟ فأطرق مالك، وعلاه الرحضاء -يعني العرق-، وانتظر القوم ما يجيء منه، فرفع رأسه إليه، وقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأحسبك رجل سوء، وأمر به فأخرج.
ومَن أوّل الاستواء بالاستيلاء فذاك هو الذي فسر، وهذا تأويل الجهمية والمبتدعة الضالين، وهم أئمة هذا المعترض، الذين فارقوا ما عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابتدعوا في الدين ما لم يأذن به
__________
1 التفسير في اللغة المبالغة في توضيح ما فيه خفاء، وبهذا المعنى كان يذكره المتقدمون، فقول الأوزاعي بعدم تفسير الصفات الإلهية أنهم يرونها على ظاهر مدلول اللغة، مع اعتقاد تنزيهه -تعالى- عن مشابهة خلقه.
2 سورة طه آية: 5.
3 سورة طه آية: 5.
(4/99)

الله، والدليل على أن مذهب السلف ما ذكرنا أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل مصدق لها، يؤمن بها غير مرتاب فيها ولا شاك في صدق قائلها، ولم يفسروا ما يتعلق بالصفات بتأويل ولا غيره، ولا شبهوه بصفات المخلوقين؛ إذ لو فعلوا شيئا من ذلك لنقل عنهم، ولم يجز أن يكتم بالكلية، إذ لا يجوز التواطؤ على كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته؛ لجريان ذلك في القبح مجرى التواطؤ على نقل الكذب، وفعل ما لا يحل، بل بلغ من مبالغتهم في السكوت عن هذا، أنهم كانوا إذا رأوا من يسأل عن المتشابه بالغوا في كفه وزجره، تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب، وتارة بالإعراض الدال على شدة الكراهة لمسألته.
ولذلك لما بلغ عمر رضي الله عنه أن صبيغا يسأل عن المتشابه، أعد له عراجين النخل، ثم أمر به فضرب ضربا شديدا، وبعث به إلى البصرة، وأمرهم أن لا يجالسوه فكان بها كالبعير الأجرب؛ لا يأتي مجلسا إلا قالوا: عزله أمير المؤمنين فتفرقوا عنه.
وقال سعيد بن جبير: ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين.
وثبت عن الربيع بن سليمان قال: سألت الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله -تعالى-، فقال: حرام على العقول أن تمثل الله -تعالى-، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تتعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف الله به نفسه، أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.
وثبت عن الحميدي أبي بكر عبد الله بن الزبير أنه قال: أصول السنة، فذكر أشياء- ثم قال: وما نطق به القرآن، والحديث مثل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} 1. ومثل: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} 2. وما أشبه هذا من القرآن والحديث، ولا نزيد فيه، ولا نفسره.
ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 3. فمن زعم غير هذا فهو جهمي، فمذهب السلف -رحمة الله عليهم-: إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها
__________
1 سورة المائدة آية: 64.
2 سورة الزمر آية: 67.
3 سورة طه آية: 5.
(4/100)

ونفي الكيفية عنها؛ لأن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وعلى هذا مضى السلف كلهم.
ولو ذهبنا نذكر ما اطَّلعْنا عليه من كلام السلف في ذلك لخرج بنا عن المقصود في هذا الجواب، فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى بما قدمنا، ومن كان قصده الجدال والقيل والقال والمكابرة لم يزده التطويل إلا ضلالا، والله الموفق للصواب.

فصل
{في إنكار الزَّيْدِي صفة العلو والفوقية لله تعالى، والرد عليه}
وأما قوله: (وأنت -أيضا- قد ناقضت كلامك بكلامك؛ حيث قلت: وذلك مثل وصف نفسه -تبارك وتعالى- بأنه فوق السماوات مستوٍ على عرشه. فقد فسرت كتاب الله، وأثبتَّ له صفة وهي الفوقية المستلزمة للتجسيم، وليست الفوقية مذكورة في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1).
(فالجواب) أن يقال: قد ذكرنا أن تفسير الصفات -الذي نفيناه في كلامنا، وذكرنا نفيه عن السلف- هو تأويل آيات الصفات وأحاديثها بتأويلات الجَهْمِيَّة والمُعْتَزَلَة، الذين يفسرون الاستواء بالاستيلاء والفوقية بالقهر، واليد بالنعمة، وما أشبه ذلك. ويفسرونها بتفسير المُشَبِّهَة، الذين يقولون: استوى كاستواء المخلوق على سريره، ويفسرون اليد بالجارحة كجارحة المخلوق.
فكل هذا من التفسير المردود المُبْتَدَع المُحْدَث في الدين، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف بإسناد صحيح ولا ضعيف، حتى إن المخالفين لهم في ذلك يقرون بأن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها إمرارها كما جاءت، من غير تعرض لتفسير أو تأويل، مع نفي التشبيه عنها، ويقولون: هذا أسلم.
وأما مذهب الخلف فهو تأويلها وتفسيرها بما يليق بالله -سبحانه-، فحصل الاتفاق من الموافق والمخالف على أن مذهب السلف ما ذكرنا، ولله الحَمْدُ والمِنَّة.
__________
1 سورة طه آية: 5.
(4/101)

وأما وصف الرب بالفوقية فقد صرحت الآيات الكريمات بذلك، وكذلك الأحاديث الثابتة المتواترة، وأجمعت عليه الأمم عربهم وعجمهم؛ لأن الله فَطرَهم على ذلك، إلا من شذّ واجتالته الشياطين عن فطرته التي فطره الله عليها، وهذا كتاب الله -تعالى-، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وعامة كلام الصحابة والتابعين، ثم عامة كلام سائر الأمة مملوء بما هو؛ إما نص، وإما ظاهر، في أن الله هو العليّ الأعلى، وأنه فوق كل شيء، وأنه عالٍ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، مثل قوله: {لَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} 1، {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} 2 {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} 3، {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} 4، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} 5، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} 6 في ستة مواضع، إلى أمثال ذلك مما لا يحصى إلا بكلفة.
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم يوما من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الأحاديث والآيات لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضي مقاييسكم؛ فإنه الحق، وما خالفه فلا تعتقدوه وانفوه.
ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرا لهم في أصل دينهم؛ لأن مردَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم شقاء وضلالا. ونحن لم نصف الله بالفَوقية، وإنما هو -سبحانه- هو الذي وصف نفسه بذلك، فبطل قول المعترض، وكلامه صريح بأنه اتبع ما قاله الله ورسوله، وأن الله هو الذي وصف نفسه بذلك.
وأما قوله: "فقد فسرت كتاب الله". فهذا كذب وافتراء على المجيب، يعرفه كل منصف لبيب، وهذا المعترض لا يستحي من كثرة الكذب، نعوذ بالله من ارتكاب الهوى، والتعصب على الباطل، اللذين يصدان عن اتباع الحق وإرادته.
وقوله: "وأثبت لله صفة وهي الفوقية المستلزمة للتجسيم". كذب ظاهر؛ لأن إثبات الفوقية لا يلزم منه ذلك عند من قال به، والله -سبحانه وتعالى- أعلم من خلقه بما يجوز عليه وما يمتنع عليه، ولكن هذا شأن أهل البدع والضلال، يردون ما جاء
__________
1 سورة فاطر آية: 10.
2 سورة آل عمران آية: 55.
3 سورة الملك آية: 16.
4 سورة المعارج آية: 4.
5 سورة النحل آية: 50.
6 سورة الأعراف آية: 54.
(4/102)

به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من عند الله بهذه الأمور القبيحة، كما أن الجَهْمِيَّة أنكروا تكليم الله لموسى -عليه السلام- وغيره من خلقه، وزعموا أن القرآن مخلوق، قالوا: لأن الكلام إذا أطلق على ظاهره يلزم منه الجسم.
وكذلك أنكروا رؤية الله في الآخرة، وزعموا أن المرئيات لا تكون إلا جسما، ولهذا لما ظهرت الفتنة في إمارة المأمون العَبَّاسي، وامتحن العلماء بالضرب والحبس على أن يقولوا: "القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة"، وجرى أمور عظيمة، وقتلوا بعض العلماء، وضربوا الإمام أحمد لما امتنع من القول بذلك. ولما ناظره بُرْغُوث تلميذ حسين النجار بأن الله لو كان متكلما لكان جسما، قال الإمام أحمد: لا أدري ما تقولون، ولكن أقول: {اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} 1 فأجابهم الإمام أحمد بطريقة الأنبياء وأتباعهم، وهو الاعتصام بكتاب الله، وترك البدع والمقاييس التي لم يأت بها كتاب ولا سنة، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.

فصل
[الاحتجاج بالمُرْسَل ورد دعوى تكفير الوهابية لمن خالفهم مطلقا]
وأما قوله: (إن روايتك عن الأوزاعي مرسلة لم تذكر طريقها، ولا مخرجها، ولا من صححها، فكيف تكفر بها المسلمين؟).
(فالجواب) أن يقال: هذا المعترض لا يعرف معنى المرسل عند أهل الحديث، ولا يميز بينه وبين المنقطع أو المعضل؛ لأن هذا لا يُسمى مرسلا، وإنما المرسل ما أرسله التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وسقط الصحابي، كما إذا روى سَعِيد بن المُسَيَّبِ أو الزُّهْرِيُّ أو الحَسَنُ أو مَكْحُولٌ وأمثالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما مثل هذا فلا يُسمى مرسلا، وإنما يُسمى مُعْضَلا أو مُنْقَطِعًا.
ويقال -أيضا-: استنادنا في هذه المسألة ليس إلى قول الأوزاعي خاصة، ولا إلى قول من هو أجلّ من الأوزاعي، وإنما استنادنا في هذه المسألة وأمثالها من صفات الله إلى نصوص الكتاب والسنة
__________
1 سورة الإخلاص آية: 1.
(4/103)

وإجماع أهل العلم من السلف الصالح، فقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد كما تقدم التنبيه عليه.
وقوله: "فكيف يكفر بها المسلمين؟ " فيا سبحان الله! كيف تفتري الكذب الظاهر على المجيب؟ فقد بيَّنَّا فيما تقدم أننا لم نكفر أحدا بالجهل في هذه المسألة -أعني تأويل آيات الصفات وأحاديثها، ومخالفة ما عليه السلف- ولا نكفر إلا من أنكر ما علم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم به ضرورة.

فصل
[في بدعة إنكار القدر وتقدمها على بدعة تأويل الصفات]
وأما قولك: (إن الأَوْزَاعِيَّ -الراوي لذلك الإجماع- قد ناقض نفسه، فقد حكى عنه الذَّهَبِيُّ أنه قال: لا نعلم أحدًا ينسب إلى القدر من التابعين أجلّ من الحَسَنِ ومَكْحُول رحمهما الله).
فالجواب: أن هذا المعترض لا يعرف المناقضة؛ لأن إثبات القدر أو نفيه من باب إثبات فعل العبد لله -تعالى- أو نفيه، لا من باب تفسير الصفات وتأويلها، والذي ذكره الأَوْزَاعِيُّ عن التابعين إثبات الصفات لله -تبارك وتعالى- وعدم تفسيرها وتأويلها، فأين في هذا ما يناقض ما ذكره الأوزاعي في قوله: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه. ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته"؟ وقد رواه البَيْهَقِيُّ وغيره، بإسناده عن الأَوْزَاعِيِّ.
وإثبات خلق الله -تعالى- للأشياء المخلوقة لا ينازع فيه أحد من الناس، حتى عبدة الأوثان يقرون بذلك، كما أخبر الله عنهم بقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} 1. وقوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} 2 إلى قوله: {وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 3.
وإنما نازع من نازع من المُعْتَزَلَة في فعل العبد خاصة، فالمُعْتَزَلَة ينكرون أن الله خلق أفعال العباد؛ خيرها وشرها.
__________
1 سورة الزخرف آية: 87.
2 سورة يونس آية: 31.
3 سورة يونس آية: 31.
(4/104)

وفي صحيح مسلم: أن أول من قال ذلك بالبصرة مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ، فلما ذكر ذلك لعبد الله بن عمر تبرأ منه، واستدل على إثباته بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر حين سأله جِبْرِيلُ -عليه السلام- عن الإسلام والإيمان والإحسان، كما ذكر ذلك مُسْلِمٌ في أول كتاب الإيمان من صحيحه. وكذلك ابن عَبَّاس ثبت عنه أنه تبرأ ممن أنكر ذلك.
ومن العجب قوله: (وأيضا ينتقض بما رُوي عن عامر الشَّعْبِيّ التابعي أنه قال: "إن أحببنا أهل البيت هلكت دنيانا، وإن أبغضناهم هلك ديننا").
فأين المناقضة في هذا الكلام يا جاهل؟ وأهل السنة كلهم يحبون آل محمد، مع إثباتهم لصفات الله تعالى التي نطق بها القرآن.
فإن قلت: إن أهل البيت ينكرون هذه الصفات، ويتأولون ظواهر هذه الآيات، طالبناك بصحة النقل عنهم بذلك، وهيهات؛ لأن أهل البيت لا يفارقون كتاب الله ولا يخالفونه، كما ورد في الحديث أنه قال: "ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض"1 كما تقدم في حديث زَيْد بن أَرْقَمَ وغيره.
وأنت لا تنكرنَّ ظواهر الآيات والأحاديث المذكورة فيها صفة الرب بصفاته العلى وأسمائه الحسنى، كالعلي الأعلى، وأنه فوق عرشه استوى، وأنه فوق عباده. ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فسر هذه الآيات بتفسير المُعْتَزَلَة والجَهْمِيَّة الذي يذهب إليه هذا المعترض، ولا قالوا للناس: اعلموا أن ظاهر هذه النصوص غير مراد فلا تعتقدوه فإنه يقتضي التشبيه والتجسيم، بل سكتوا عن ذلك، ووصى بعضهم بعضا بالسكوت عنها، وإنما فسرها وتأولها أهل الضلال والبدع.
وما أحسن ما قال عُمَرْ بنُ عبدِ العَزِيز بنُ عبدِ اللهِ بنُ أَبِي سَلَمَةَ المَاجِشُونُ: "عليك بلزوم السنة؛ فإنها لك -بإذن الله- عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في
__________
1 الترمذي: المناقب (3788) , وأحمد (3/ 14 ,3/ 17 ,3/ 26 ,3/ 59).
(4/105)

خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارْضَ لنفسك بما رضوا به، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها كانوا أحرى، وإنهم لهم السابقون".
"وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم، ولئن قلتم حدث حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما تحته، فكره على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه عنهم من اتبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجَفوا، وطمح آخرون فغَلَوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم".

فصل
{في مسألة القدر وإثبات السلف والخلَف [من] أهل السنة له}
وأما قوله: (وقد رُوي التكلم في القدر عن مُحمد بن سِيرِين وقَتَادَة -إلى قوله-: ومن تكلم في القدر فقد تكلم في الصفات، وسواء كان من جانب المُعْتَزَلَة؛ كالحَسَن ومَكْحُول، ومن ذكروا من جانب الأشعرية، فمن التابعين من هو سلف للأشاعرة.
وقلنا: إن التكلم في القدر تكلُّم في الصفات، إذ معناه عند الحَسَن ومَكْحُول أن الله -تعالى- متصف بعدم خلق أفعال العباد، أي: لم يؤثر فيها، ومن أثبت لله خلق الأفعال فقد وصف الله بأنه مؤثر فيها.
وهذان المذهبان قد اشتهرا وشاعا في التابعين؛ فمنهم الذاهب مذهب المُعْتَزَلَة كالحَسَن ومَكْحُول ومن ذكرنا، ومنهم الذاهب مذهب الأشعرية).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها) أن يقال: إثبات القدر أو نفيه ليس من باب إثبات الصفات، ولا تفسيرها عند المثبتين ولا عند النافين كما تقدم التنبيه عليه، وإنما ذلك من باب إثبات الفعل والخلق. فالْمُعْتَزَلَة ينفون أن الله قدر أفعال العباد، ويقولون: إن الله لا يقدرها عليهم ثم يعذبهم عليها، وإنما يكون ذلك ابتداء من
(4/106)

عند أنفسهم، ويوردون على ذلك شبهات من الكتاب والسنة.
وأما السلف وأهل السنة، ومن اتبعهم من أتباع الأئمة الأربعة من الأشعرية وغيرهم، فيثبتون أن الله قدَّر أفعال العباد وشاءها منهم، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ويستدلون على ذلك بالآيات القرآنية الصريحة في أن الله خلق العباد وأعمالهم، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 1، وقوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} 2، وقوله: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} 3.
وبالأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله قدر أعمال العباد، وأن كلا مُيَسَّر لما خُلق له، كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} 4.
(الوجه الثاني) أن يقال: هؤلاء الذين ذكرهم مع المُعْتَزَلَة -كالحَسَن وابن سِيرِين ومَكْحُول- كلهم قد صح عنهم الإيمان بالقدر وإثباته؛ موافقة لأهل السنة، وإن كان قد نسب إلى بعضهم موافقة المُعْتَزَلَة، فليس كل ما ينسب إلى شخص يكون ثابتا عنه، فليس مجرد نسبة بعض الناس إليهم ذلك يكون صدقا؛ وذلك لأن المُعْتَزَلَة إنما اشتهر أمرهم بعد موت الحَسَن البَصْرِيّ، لأنهم اعتزلوا أصحاب الحسن بعد موته فسُمُّوا المُعْتَزَلَة لذلك، وهم الذين يسمون القَدَرِيَّة؛ لأنهم ينكرون أن يكون الله -تبارك وتعالى- قدر أفعال العباد وشاءها منهم.
وغلاتهم ينكرون أن يكون الله علم ذلك، ومن أنكر علم الله بذلك فقد كفر عند أئمة أهل السنة، ولهذا قال من قال من أئمة أهل السنة: ناظروا القَدَرِيَّة بالعلم، فإن أنكروه كفروا، وإن أقروا به خصموا.
(الثالث): أن أهل السنة الذين حكينا مذهبهم في الصفات، وأنهم لا يتعرضون لها بتفسير ولا تأويل، بل يثبتونها صفات لله، ولا يلزم من إثباتهم الصفات لله أنهم يفسرونها أو يتأولونها. كما أنهم وغيرهم يثبتون لله ذاتا وفعلا وحياة وقدرة،
__________
1 سورة الصافات آية: 96.
2 سورة القمر آية: 49.
3 سورة الكهف آية: 17.
4 سورة الليل آية: 5: 10.
(4/107)

ولا يكيفونها، ولا يفسرونها، بل يثبتون ما أثبته لنفسه، ويسكتون عما سكت عنه، وينَزهونه عن مشابهة المخلوقات، ومذهبهم وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، فلا يتأولونها تأويل المبتدعة، ولا يشبهونها بصفات المخلوقين، وقد قال تعالى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 1.
(الوجه الرابع) أن هذا المعترض جزم في كلامه بأن الحَسَن ومَكْحُولا ومن ذكر معهم قد ذهبوا مذهب المُعْتَزَلَة، وهذا كذب ظاهر عليهم، فإن كان مراده أن هؤلاء نسب إليهم القول بمذهب المُعْتَزَلَة، فقد بيَّنَّا أن مجرد نسبته إليهم لا يلزم منه صحة ذلك عنهم، والمنقول عنهم في ذلك -من موافقة أهل السنة والجماعة في إثبات القدر والإيمان به- هو الثابت عنهم.
وأنت تعلم أن كثيرا من الناس قد نقل عن عَلِيٍّ رضي الله عنه وأهل البيت أشياء كثيرة، ونسبوا إليهم أقوالا قد برأهم الله منها، والرسول صلى الله عليه وسلم قد نسب إليه أقوال كثيرة، وأهل العلم يعرفون أنها مكذوبة عليه.
ومن هؤلاء المذكورين من تكلم في شيء من القدر ثم رجع عنه كوَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ، كما قال الحَافِظُ أَبُو الحَجَّاجِ المِزِّيُّ في تهذيبه، قال أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عن عَبْدِ الرَّزَّاقِ: سمعت أبي يقول: "حج عامة الفقهاء سنة مائة، وحج وهب بن منبه، فلما صلوا العشاء أتاه نفر فيهم عطاء والحَسَن بن أبي الحَسَن، وهم يريدون أن يذاكروه في باب من الحمد، فما زال فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا ولم يسألوه عن شيء". قال أحمد: "وكان يتهم بشيء من القدر ورجع".
وقال حمَّاد بن سَلَمَةَ عن أبي سِنَانٍ، قال: سمعت ابن مُنَبِّه يقول: كنت أقول بالقدر، حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الأنبياء، في كلها: "من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر". فتركت قولي.
فتبين بما ذكرنا أن جزم هذا المعترض -بأن هؤلاء الأئمة المذكورين يقولون بمقالة المُعْتَزَلَة، كذب ظاهر، وقول بلا دليل.
__________
1 سورة البقرة آية: 213.
(4/108)

(الوجه الخامس): أن من المعلوم عند أهل العلم أن أول من تكلم في آيات الصفات وأحاديثها بهذه التأويلات الباطلة المخالفة للظاهر هم المُعْتَزَلَة والجَهْمِيَّة خاصة، وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان فكلهم متفقون على الإيمان بها، والسكوت عن البحث عن كيفيتها.

فصل
[المبتدعة ترد ما وصف الله به نفسه بزعم التجسيم]
وأما قوله: (فمن أعجب ما سمعنا: قولك بأن مذهبك الذي درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو معنى كلامك، فإن أهل السنة والجماعة هم الذين ملؤوا كتبهم بروايات التجسيم لله -تعالى- والكيفية في الصفات، وفسروا صفاته، فلو ادعيت ذلك التنْزيه على ما في نفسك، لكان أحسن من تحجر الواسع الذي يريد قومك من أهل السنة والجماعة.
فاسمع ما رواه السُّيوطِيّ في "الدُّرِّ المنثور" قال: أخرج ابن جرير والحاكم 1 وابن مردويه "أن موسى -عليه السلام- لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، فسأله فقال: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} 2. قال: فحف حول الجبل الملائكة، وحف حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حولهم بنار، ثم تجلى ربك للجبل، تجلى منه مثل الخنصر، وجعل الجبل دكا فخر موسى صعقا" إلى آخر الحديث الذي في تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} 3.
ثم ذكر حديث ابن عباس نحو ما تقدم، وكذلك أخرج أبو الشيخ عن أبي هُرَيْرَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما تجلى الله لموسى كان ينظر إلى دبيب النمل في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ" فهذا في التجسيم والتكييف).
(فالجواب) أن يقال: كلام هذا المعترض يدل على رسوخه في الجهل العظيم، واتباعه لأهل البدع والضلال، وعداوته لله ورسوله وعباده المؤمنين، وذلك
__________
1 راجعت المستدرك للحاكم في تفسير قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل). فلم أجده في المستدرك، وهو من رواية ابن إسحاق عن بني إسرائيل اه من هامش الأصل.
2 سورة الأعراف آية: 143.
3 سورة الأعراف آية: 143.
(4/109)

أن مثل هذا الذي زعم أنه تجسيم وتكييف قد ورد ما هو مثله أو أبلغ منه في كتاب الله، وفي الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا كان هذا عنده تجسيمًا وتكييفًا فلازم كلامه أن الله وصف نفسه بالتجسيم والتكييف، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن زعم هذا فقد انسلخ من العقل والدين.
فاسمع الآن ما ذكر الله في كتابه: قال الله تعالى:? {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} 1. وقال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} 2. وقال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} 3 في ستة مواضع من كتابه العزيز.
وقال تعالى:? {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} 4، ووصف نفسه بأنه يحب عباده المؤمنين.
وكذلك وصف نفسه بالغضب والسخط في غير آية من القرآن، وكذلك وصف نفسه بأنه سميع بصير، وبأن له يدين، كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} 5، وقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} 6، وبأنه يقبض الأرض يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الله يقبض الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه، ثم يهزهن بيده، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ "7.
وقال تعالى:? {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} 8. وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة، وقد أمرنا الله بتدبر القرآن وتفهمه.
إذا تبين هذا، فقد أوجب الله تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم فيما أخبر به عن الله من أسمائه وصفاته، مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه، كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
فإن هؤلاء الذين تلقوا عنه القرآن، كعُثْمَان بن عَفَّان وعبد الله بن مَسْعُود وغيرهم، قد أخبروا أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 سورة البقرة آية: 210.
2 سورة الأنعام آية: 158.
3 سورة الأعراف آية: 54.
4 سورة الملك آية: 16، 17.
5 سورة ص آية: 75.
6 سورة المائدة آية: 64.
7 البخاري: تفسير القرآن (4812) , ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (2787) , وابن ماجه: المقدمة (192) , وأحمد (2/ 374) , والدارمي: الرقاق (2799).
8 سورة الفجر آية: 22.
(4/110)

عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: "فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا".
ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم يوما من الدهر ولا أحد من أصحابه -فيما بلغنا- أن ظواهر هذه الآيات وما في معناها من الأحاديث تقتضي التشبيه والتكييف والتجسيم فلا تعتقدوها، بل أولوها على التأويلات المستكرهة، كما يقول من يقوله من الجَهْمِيَّة والرَّافِضَة وغيرهم من أهل البدع والضلال، بل أطلقوا هذه النصوص وبَلَّغُوها لجميع الخلق.
ومعلوم أن في زمانهم الذكي والبليد من أهل البادية والحاضرة والرجال والنساء، فلم يقولوا لأحد منهم: لا تعتقدوا ظواهر هذه النصوص، ولا فسروها بما يخالف ظاهرها.
فهذا سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، ومن أعرض عن ذلك واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.

فصل
{في شبهة تأويل بعض السلف للصفات}
وأما قوله: (وأما تفسير الصفات وتأويلها فروى -أيضا- السُّيوطِي في "الدر المنثور" في قوله تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} 1 قال: أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عَبَّاس في قوله تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} 2 قال: شديد القوة. وعنه أيضا: شديد المكر والعداوة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أيضا: شديد الحول.
وأخرج ابن جرير عن عَلِيٍّ رضي الله عنه قال: شديد الأخذ. وأخرج ابنُ أبي حاتِم عن مُجَاهِد قال: شديد الانتقام. وأخرج أبو الشيخ عن عَلِيّ قال: شديد الحقد. وأخرج عبد الرزَّاق وابن أبي حاتم وابن جرير وأبو الشيخ عن قَتَادَة: شديد المحال: القوة والحيلة، انتهى.
__________
1 سورة الرعد آية: 13.
2 سورة الرعد آية: 13.
(4/111)

قال المعترض: (فهؤلاء الأجلة من الصحابة والتابعين، قد روى عنهم من هو إمام في حزبك وسلفك: السيوطي، ما ترى من تفسير الصفات وتأويلها، بل روى التجسيم عن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر اشتهار الشمس في كتب قومك وسلفك حديث: "سترون ربكم كالقمر ليلة البدر"1 فهل بعد هذا التكييف من بلاء وعمى؟ نسأل الله لك الهداية، والسلامة من نزغات الشيطان).
(فالجواب) من وجوه كثيرة:
(أحدها) أن يقال: ما ذكرت من رواية السيوطي عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين ليس من باب تفسير الصفات وتأويلها الذي ينكره أهل السنة والجماعة، بل فسروها على ظواهر الآيات، ووصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا من أوضح الدلائل في الرد عليك أيها المعترض، وعلى أشباهك المنكرين لصفات الله -تعالى-، فلم يفعلوا فعل الجاهلية النفاة الذين لم يثبتوا لله صفة ولا فعلًا، الممثلة المُشَبِّهَة الذين يشبهون صفاته بصفات خلقه.
(الوجه الثاني): أن جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان يصفون الله بأنه شديد القوة، وكذلك شديد المكر، وشديد الأخذ، كما وصف نفسه بذلك في غير آية من كتابه، كقوله: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} 2 وقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} 3. وقال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} 4. وقال: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} 5. وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} 6.
فيمرون هذه الآيات على ظواهرها، ويعرفون معناها ولكن لا يكيفونها، ولا يشبهونها بصفات المخلوقين.
هذا مجمع عليه بينهم، ولله الحمد والمنَّة.
فأين في هذا ما يدل علي أنهم أوَّلُوا صفات الله بتأويلات الجَهْمِيَّة والمُعْتَزَلَة والرَّافِضَة، ومن نحا نحوهم ممن أزاغ الله قلبه واتبع المتشابه وترك المحكم؟ كما قال تعالى:
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ
__________
1 البخاري: مواقيت الصلاة (554) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (633) , والترمذي: صفة الجنة (2551) , وأبو داود: السنة (4729) , وابن ماجه: المقدمة (177) , وأحمد (4/ 360 ,4/ 362 ,4/ 365).
2 سورة هود آية: 102.
3 سورة الأنفال آية: 30.
4 سورة الذاريات آية: 58.
5 سورة الأنعام آية: 165.
6 سورة فصلت آية: 15.
(4/112)

رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} 1.
جعلنا الله وسائر إخواننا ممن يقول هذه المقالة التي علمنا الله إياها، وأعاذنا من طريق المغضوب عليهم والضالين.
فأما المغضوب عليهم فيتركون الحق ولا يريدونه، مع معرفتهم به، وأما الضالون فالجهال الذين جهلوا الحق فلم يعرفوه، بل عملوا على جهل.
وذكر المفسرون أن المراد من المغضوب عليهم اليهود؛ لأنهم عرفوا الحق معرفة تامة وتركوا اتباعه، والمراد بالضالين النصارى؛ لأنهم عبدوا الله على جهل، وقد نزه الله نبيه عن هذين الوصفين، فقال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} 2 وقد قال سُفْيان بن عُيَيْنَة وغير واحد من السلف: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى".
(الوجه الثالث) أن يقال: قوله: بل قد روي التجسيم عن سيد المرسلين، كذب ظاهر، لأن السيوطي وغيره من أهل السنة ينفون عن الله مشابهة المخلوقات ومماثلة الأجسام المصنوعات. فإن قال: إن لازم كلامهم يقتضي التجسيم والتشبيه. قلنا هذا ممنوع عند أهل السنة، فإنهم يقولون: إن إثبات الصفات لله -تبارك وتعالى-، وإثبات رؤيته -تعالى- لا يقتضي ذلك ولا يلزم منه التجسيم، ولكن هذا شأن أهل البدع والضلال، يردون كتاب الله وسنة رسوله بهذه الخرافات الباطلة، والجهالات والضلالات الكاذبة الفاسدة.
(الوجه الرابع) أن يقال: القرآن مملوء من صفات الله -تبارك وتعالى- وأسمائه الحسنى، وقصص الأنبياء المتضمنة لإثبات الصفات والأفعال الاختيارية لله -تبارك وتعالى-، كالمجيء والمناداة والتكلم والقبض والبسط والغضب والرضى. أفيقول مسلم أو عاقل إن الله وصف نفسه بالتجسيم والتكييف؟! أو وصفه به رسله وأنبياؤه؟ فإذا قلتم: إن لازم تلك النصوص إثبات التجسيم والتكييف، فهذه النصوص
__________
1 سورة آل عمران آية: 7، 8.
2 سورة النجم آية: 1، 2.
(4/113)

الواردة في القرآن أبلغ منها فيما ذكرتم. سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل، ولازم هذه المقالة أن ظواهر القرآن والسنة تجسيم وتكييف.
(الوجه الخامس) أن يقال: قوله قد اشتهر اشتهار الشمس في كتب قومك وسلفك حديث: "إنكم سترون ربكم"1 إلخ. فيقال: هذا حق وصدق تواترت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودلَّ على ذلك آيات كثيرة من القرآن كقوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} 2، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أنه -سبحانه- نفى إدراك الأبصار له، وأثبت له إدراكها، ونفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية، فمفهوم الآية أن الله يرى ولا يدرك. وبما ذكرنا فسر الآية حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- كما روى ذلك أئمة التفسير عنه، كابن جرير وابن أبي حاتم عن عِكْرِمَة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه، فقلت: أليس الله يقول {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} 3 الآية، فقال لي: لا أُمَّ لك، ذلك نور إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، قال عكرمة لمن قال له لا تدركه الأبصار: ألست ترى السماء؟ قال بلى، قال؟ فكلها ترى؟ 4.
ولابن أبي حاتم بسنده عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} 5 قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله عز وجل".
ويدل على ذلك قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 6 فسرها أئمة التفسير بأن المراد بذلك أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حَنبَل -رحمه الله- في كتاب "الرد على الزَّنَادِقَة والجَهْمِيَّة": (باب بيان ما جحدت الجَهْمِيَّة) {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 7.
__________
1 البخاري: مواقيت الصلاة (554) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (633) , والترمذي: صفة الجنة (2551) , وأبو داود: السنة (4729) , وابن ماجه: المقدمة (177) , وأحمد (4/ 360 ,4/ 362 ,4/ 365).
2 سورة الأنعام آية: 103.
3 سورة الأنعام آية: 103.
4 يعني أنها لو كانت ترى كلها لكانت رؤيتها إدراكا، فإن الإدراك هو الإحاطة، فنفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية التي دون الإحاطة بالمرئي.
5 سورة الأنعام آية: 103.
6 سورة القيامة آية: 22، 23.
7 سورة القيامة آية:22، 23.
(4/114)

فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟ فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه؛ لأن المنظور إليه معمول موصوف، فقلنا لهم: أليس الله يقول: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 1؟ فقالوا: إنما معناه أنها تنظر الثواب من ربها، وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته، وتلوا آية من القرآن: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} 2 المعنى: ألم تر إلى فعل ربك.
فقلنا: إن فعل الله لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 3، فقالوا: إنما تنتظر الثواب من ربها. فقلنا: إنها مع ما تنتظر من الثواب، هي ترى ربها. فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وتلوا آية من المتشابه من قوله -جل ثناؤه-: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} 4.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف معنى قول الله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} 5 وقال: "إنكم سترون ربكم"6 وقال الله لموسى -عليه السلام {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ 7 ولم يقل لن أرى، فأيهما أولى أن يتبع؟ النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "إنكم سترون ربكم"8 أم جهم حين قال: لا ترون ربكم؟ والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم، لا يختلف أهل العلم في ذلك.
ومن حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد في قول الله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} 9 قال: النظر إلى وجه الله.
ومن حديث ثابت البُناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "إذا استقر أهل الجنة في الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن الله قد أذن لكم في الزيارة، قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إلى الله لا إله إلا هو".
وإنا لنرجو أن يكون جهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله؛ لأن الله قال للكفار: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 10.
فإذا كان الكافر يُحجب عن الله، والمؤمن يُحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟
فالحمد لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع، ولم يجعلنا ممن ابتدع. انتهى كلام أحمد بحروفه ولفظه.
وهذا الكتاب -الذي نقلت منه هذا الكلام- رواه عن أحمد أئمة أصحابه
__________
1 سورة القيامة آية: 23.
2 سورة الفرقان آية: 45.
3 سورة القيامة آية: 22.
4 سورة الأنعام آية: 103.
5 سورة الأنعام آية: 103.
6 البخاري: مواقيت الصلاة (554) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (633) , والترمذي: صفة الجنة (2551) , وأبو داود: السنة (4729) , وابن ماجه: المقدمة (177) , وأحمد (4/ 360 ,4/ 362 ,4/ 365).
7 سورة الأعراف آية: 143.
8 البخاري: مواقيت الصلاة (554) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (633) , والترمذي: صفة الجنة (2551) , وأبو داود: السنة (4729) , وابن ماجه: المقدمة (177) , وأحمد (4/ 360 ,4/ 362 ,4/ 365).
9 سورة يونس آية: 26.
10 سورة المطففين آية: 15.
(4/115)

وهو مشهور عند العلماء، وفي هذا ما يبين أن هذا المعترض اتبع قول جَهْم وشيعته، وترك ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأصحابه.
ومن العجب أنه يدعي أن الإمام أحمد هو إمام الشيعة عند الحقيقة، وقد خالف مذهبه في هذه المسألة وغيرها من مسائل أصول الدين، فكيف بمسائل الفروع؟
وأعجب من هذا قوله: إن رواية هذا الحديث -أعني حديث الرؤية وما شابهه- تكييف وعماء وضلال، فإذا كان موسى -عليه السلام- قال لربه:? {أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} 1 أفيسأل موسى -عليه السلام- ما هو تكييف وتجسيم وعماء وضلال؟ ويكون موسى -عليه السلام- لا يعرف ما يجوز على الله وما يمتنع عليه، ويعرف ذلك جهم وشيعته؟! فلا إله إلا الله ما أقبح هذا الجهل وأبعده عن السداد والصواب عند أولي الألباب!!
وقد صرح بعض شياطين هؤلاء المبتدعة الضلال بأن عيسى -عليه السلام- شبه حيث قال:
{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} 2، وكذلك موسى -عليه السلام- حيث قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} 3.
وكذلك جهم، ذكر البخاري -رحمه الله- في كتاب خلق أفعال العباد بسنده أن جهما قرأ في المصحف، فلما أتى على هذه الآية {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 4 قال: "والله لو قدرت لحككتها من المصحف".
وذكر أبو الحجَّاج المِزِّي في (كتاب تهذيب الكمال في معرفة الرجال) أن عَمْرو بن عُبَيدٍ شيخ القَدَرِيَّة قال في حديث الصادق المصدوق، المخرج في الصحيحين وغيرهما، من كتب الإسلام عن عبد الله بن مسعود قال: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة"5 إلخ، فقال: لو سمعت الأَعْمَشَ يقول هذا لقلت له: كذبت، ولو سمعت زَيْد بن وَهْبٍ يقول ذلك لقلت له: كذبت، ولو سمعت ابن مَسعُودٍ يقول ذلك ما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك لرددته، ولو سمعت الله يقول ذلك لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا أو كلاما هذا معناه.
فنسأل الله العظيم المنَّان أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة، إنَّه الوهَّاب.
__________
1 سورة الأعراف آية: 143.
2 سورة المائدة آية: 116.
3 سورة الأعراف آية: 143.
4 سورة طه آية: 5.
5 البخاري: بدء الخلق (3208) وأحاديث الأنبياء (3332) والقدر (6594) والتوحيد (7454) , ومسلم: القدر (2643) , والترمذي: القدر (2137) , وأبو داود: السنة (4708) , وابن ماجه: المقدمة (76) , وأحمد (1/ 382 ,1/ 414 ,1/ 430).
(4/116)

فصل
[تشنيع المبتدع على أهل السنة في مسألة الصفات، ورده]
وأما قوله: (فاركب السفينة، وادخل من باب حِطَّة، حتى تدخل بنور قلبك، حقيقة عاقبة أمرك، وما حصلت عليه من التكفير للمسلمين بسبب الاستناد والركون إلى سلفك، والمتسمين بأهل السنة والجماعة، والحال أنهم قد نقضوا غزلك، فبَيْنَا أنت تأوي إلى كهفهم من أنهم لا يفسرون ولا يؤولون آيات الصفات، إذ جاؤوك بالمُدْلَهِمَّات من التجسيمات والتأويلات، ورووها عمن ركنت إلى إجماعهم، وهم التابعون الذين رووه لك عن الأوزاعي، فكنت كالساعي إلى مثعب موائلا من سل لراعد، وانظر -هداك الله- وتدبر، فإنك تخوض في بحر الغرق، وهو تكفير أهل الإسلام، ولم تأوِ إلى ركن شديد، ولم تركب سفينة نوح، فقد أردت أن تنَزه ربك بما يلزم منه التجسيم، كما نبينه إذا جاء قومك بالقراقر، وهو صريح التجسيم والتكييف).
(فالجواب) أن يقال: قد تقدم ما يبطل دعواك فيما ذكرت في هذا الكلام بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنَّة.
وهذا الكلام فيه أنواع من الكذب والزور والبهتان، يتضح لكل من له أدنى بصيرة من علم وإيمان:
(منها): قوله: "وما حصلت عليه من تكفير المسلمين"، فأين في كلام المجيب أنه صرح بتكفير المسلمين؟!
(الثاني): قوله: "والحال أنهم قد نقضوا غزلك"، فأين فيما ذكرت عنهم أيها الجاهل في النقض على المجيب؟ وقد بيَّنَّا أن كلامهم موافق لما ذكره المجيب لا مخالف له، وإنما فيه النقض عليك وعلى سلفك من المُعْتَزَلَة والجَهْمِيَّة الذين ينفون صفات الله ويعطلونها عن حقائقها.
(الثالث): قوله: "فبَيْنَا أنت تأوي إلى كهفهم من أنهم لا يفسرون ولا يؤولون آيات الصفات، إذ جاؤوك بالمُدْلَهِمَّات من التجسيمات والتأويلات". وهذا -أيضا- من أظهر
(4/117)

الكذب والفجور عليهم؛ لأن جميع ما ذكره عنهم لا يدل على التجسيم ولا التأويل الباطل بوجه من الوجوه، وإنما يدل على أنهم يصفون الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهم قد صرَّحوا بذلك، وتحملوا إثمه عنك وعن سلفك؛ طاعة لربهم ومعبودهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم كما قال القائل:
وعيَّرها الواشُون أنِّي أُحبُّها ... وتِلكَ شكاةٌ ظَاهرٌ عَنْكَ عَارُها
ويقال لهذا وأشباهه من أهل البدع والضلال: أأنتم أعلم أم الله؟
(الرابع): قوله: "فإنك تخوض في بحر الغرق، وهو تكفير أهل الإسلام". فيقال: أين في كلام المجيب أنه كفر أحدا من المسلمين بتأويل آيات الصفات وأحاديثها؟ أما تستحي من كثرة الكذب وترداده في السطر الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة من كلامك؟ أما عندكم رجل رشيد ينصح هذا الجاهل، ويستر عورته إذا كشفها؟
(الخامس): قوله: "ولم تأوِ إلى ركن شديد، ولا ركبت سفينة نوح". وهذا أيضا من الكذب والزور والبهتان؛ لأن المجيب قد أوى إلى ركن شديد، وركب سفينة نوح التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وقد احتج في كلامه بكتاب الله وسنة رسوله، وبما أجمع عليه السلف الصالح من صدر هذه الأمة.
(السادس) قوله: "وقد أردت أن تنَزه ربك بما يلزم منه التجسيم". كذب ظاهر؛ لأنا قد بيَّنَّا أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله حق وصدق وصواب، ولازِم الحقِ حقٌ بلا ريب، ولا نسلِّم أن ذلك يلزم منه التجسيم، بل جميع أهل السنة المثبتة للصفات ينازعون في ذلك، ويقولون لمن قال لهم ذلك: لا يلزم منه التجسيم كما لا يلزم من إثبات الذات لله تعالى، والحياة، والقدرة، والإرادة، والكلام، تجسيم وتكييف عند المنازع.
ومعلوم أن المخلوق له ذات، ويوصف بالحياة والقدرة والإرادة والكلام، ومع هذا لا يلزم من إثبات ذلك لله -تبارك وتعالى- إثبات التجسيم والتكييف، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرا.
(4/118)

ومعلوم أن هذه الصفات في حق المخلوق إما جواهر وإما أعراض، وأما في حقه -تبارك وتعالى- فلا يعلمها إلا هو، بلا تفسير ولا تكييف.
(السابع) قوله: "إذ جاء قومك بالقراقر". وهو صريح التكييف والتجسيم؛ لأن ما ذكره عن أهل السنة ليس فيه تصريح بالتجسيم، وإنما يقول المخالف: إنه يلزم منه ذلك، وقد تقرر عند علماء الأصول وغيرهم أن: "لازمِ المذهبِ ليس بمذهب"، وهو نفسه ذكر أن ذلك يلزم منه التجسيم، ومنازعه يقول: لا يسلم له ذلك.
ثم في آخر كلامه، في موضع واحد يقول: "وهو صريح التجسيم"، وليس فيما ذكره عن المجيب ولا عن سلفه من أهل السنة ما هو صريح في ذلك، والصريح في ذلك أن يقول القائل: أن لله جِسما كما يقوله بعض أئمة الرَّافِضَة، كهِشَام بن الحَكَم وغيره من أهل الكوفة، كما يذكر ذلك عنهم أهل المقالات.
فاتَّقِ الله أيها الرجل، واحذر أن تكون من الذين يفترون الكذب، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} 1.

فصل
[في إبطال زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر الصفات]
وأما قوله -جوابا عن كلام المجيب "وهو ما درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم"-: (فنقول: هات لنا حديثا واحدا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعي الدلالة، متواتر المتن، أو مُتلقى بالقبول عند الأمة، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع من تفسير آيات الصفات وتأويلها؛ حتى يكون حجة لك على من خالفك في تكفيرك له. وأما أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يتعرض للتفسير والتأويل فإنه لا يكفيك في تكفير المسلمين، مع أنا قد ذكرنا لك أن قومك قد رووا عنه صلى الله عليه وسلم التفسير والتأويل والتجسيم، فاختر لنفسك ما يحلو، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها) أن يقال: أن المجيب قد ذكر من الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة أن الله وصف نفسه بالاستواء واليدين والمجيء والرضى والسخط
__________
1 سورة النحل آية: 105.
(4/119)

والغضب والمحبة وغير ذلك من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، ما يشفي ويكفي لمن أراد الله هدايته.
(الثاني): أنه لم يدع أن معه دليلا حديثا قطعي الدلالة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع من تفسير آيات الصفات وتأويلها حتى يقال له: هات ما ادعيت.
وإنما دعواه أن آيات الصفات وأحاديثها قد وردت في الكتاب والسنة، وتلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان بالقبول والتصديق والإيمان.
ولم يَرِدْ عن أحد منهم -لا بإسناد صحيح ولا حسن- أنهم فسروا ذلك، أو قال الرسول أو أحد من أصحابه للناس: لا تعتقدوا ظواهر هذه النصوص بل تأولوها على ما تقتضيه عقولكم ومقاييسكم، بل سكتوا عن ذلك، وأمروا بتبليغ القرآن والسنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بلِّغوا عني ولو آية"1، وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} 2 الآية، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} 3، {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} 4.
(الثالث): أنك قد أقررت أنه صادق في هذه الدعوى بقولك: وأما أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للتفسير والتأويل فإنه لا يكفيك، فقد صرحت بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لها بتفسير ولا تأويل، وهو المطلوب.
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد درجوا على ما ذكره المجيب من إمرارها كما جاءت من غير تعرض لها بتفسير ولا تأويل، وقد أقررت بذلك ولم تنكره، أفلا يسعك ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين المهديين كأَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمِانَ وعَلِيٍّ وأولاده، والعباس وابنه عبد الله بن عباس، والحَسَن والحُسَين ابني علي، وأخاهما محمد بن الحَنَفِيَّة، وعبد الله بن جَعْفَر، وعلماء العترة رضي الله عنهم؟ فلا وسع الله لمن لا يسعه ما وسعهم؛ فإنهم أئمة المتقين، وهداة الغر المحجلين.
وقد قال تعالى في سورة المائدة -وهي من آخر القرآن نزولا-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
__________
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3461) , والترمذي: العلم (2669) , وأحمد (2/ 159 ,2/ 202 ,2/ 214) , والدارمي: المقدمة (542).
2 سورة المائدة آية: 67.
3 سورة الرعد آية: 40.
4 سورة المائدة آية: 99.
(4/120)

لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا} 1.
والإسلام هو ما درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت عنه وجب على الأمة السكوت عنه، فالأمور التي ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكلام فيها يجب على الأمة اتباعهم فيها، كما أن الأمور التي فعلها وأمر بها يجب على الأمة اتباعه في ذلك، وهذا هو دين الإسلام الذي رضيه الله لهذه الأمة حيث قال: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا} 2 وقال {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} 3.
وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ"4 وفي حديث أنه قال: "تركتكم على المَحَجَّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يَزيغ عنها بعدي إلا هالك"5.
وقال أبو ذر: "لقد تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا ذكر لنا منه علما"6.
وفي صحيح مسلم وجامعِ الترمِذِيّ وغيرهما: "عن سَلْمَان أنه قيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخِرَاءه؟ فقال سلمان: أَجَلْ".
أفليس في هذا بيان للمؤمن أن كل ما حدث بعدهم فليس من دين الإسلام، بل من البدع والمنكرات العظام؟ وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} 7 وأثنى الله -تبارك وتعالى- على من اتبع سبيلهم، واقتفى منهاجهم، فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 8.
(الوجه الرابع) أن يقال: الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا أقدر على تفسيرها وتأويلها ممن بعدهم، فلم يسكتوا عن ذلك إلا لعلمهم بأن الصواب فيما سلكوه، والحق فيما أصلوه، فإنهم ينابيع العلم، ومصابيح الدُّجَى، كما قال عبد الله بن مسعود (رض): "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما، وأقلها تكلفا
__________
1 سورة المائدة آية: 3.
2 سورة المائدة آية: 3.
3 سورة آل عمران آية: 85.
4 البخاري: الصلح (2697) , ومسلم: الأقضية (1718) , وأبو داود: السنة (4606) , وابن ماجه: المقدمة (14) , وأحمد (6/ 146 ,6/ 180 ,6/ 240 ,6/ 256 ,6/ 270).
5 ابن ماجه: المقدمة (44) , وأحمد (4/ 126).
6 أحمد (5/ 153).
7 سورة الأحزاب آية: 21.
8 سورة التوبة آية: 100.
(4/121)

قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم".
وقال رضي الله عنه لقوم رآهم قد تحلقوا في مسجد الكوفة، وواحد منهم يقول لهم: سبِّحُوا مائة. فيسبحون جميعا، فإذا فرغوا قال: كبِّرُوا مائة. فإذا فرغوا قال: هلِّلُوا مائة. فجاءهم، فلما رأى صنيعهم قال: "والذي نفسي بيده لقد فضلتم أصحاب مُحَمَّدٍ علما، أو لقد جئتم ببدعة ظلما". قالوا: والله ما جئنا ببدعة ظلما، ولا فضلنا أصحاب مُحَمَّدٍ علما. قال: "بلى، والذي نفس ابن مسعود بيده لقد فضلتم أصحاب محمد علما، أو لقد جئتم ببدعة ظلما".
فانظر -رحمك الله- إلى كلام هذا الإمام الذي هو من سادات الصحابة ونجبائهم وفضلائهم، كيف أخبر وأقسم على ذلك بأن من فعل ما لم يفعله أصحاب محمد فقد جاء ببدعة، نسأل الله أن يرزقنا سلوك طريقهم وسيرتهم وهديهم.
(الوجه الخامس): قوله: "وأما أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للتفسير والتأويل، فإنه لا يكفيك في تكفير المسلمين". فيقال: هذا كذب ظاهر على المجيب، من جنس ما تقدم من كذب هذا المعترض وفجوره، فإن المجيب لم يذكر في كلامه تكفير أحد من المسلمين خالفه في هذه المسألة؛ لأن ذلك مما تنازعت فيه الأمة، حتى إن طوائف من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم يذهبون إلى تأويل آيات الصفات وأحاديثها، وهم من جملة أهل السنة والجماعة، وإن كانوا عند المجيب مخطئين في ذلك؛ لأن مذهبه وعقيدته اتِّباع السلف الصالح في السكوت عنها، وإمرارها كما جاءت، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها.
(الوجه السادس): قوله: "مع أنا قد ذكرنا أن قومك قد رووا عنه صلى الله عليه وسلم التفسير والتأويل والتجسيم". وهذا كذب ظاهر؛ فإنه لم يذكر فيما نقل عن أهل السنة شيئا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الصفات، فضلا عن التأويل والتجسيم.
(4/122)

وقد ذكرنا نص كلامه بحروفه، وجميع ما نقله من "الدر المنثور" عن الصحابة والتابعين من تفسير قوله: {شَدِيدُ الْمِحَالِ} 1 أي: شديد القوة أو المكر أو الحول، قد بيَّنَّا أن ذلك ليس هو تفسير آيات الصفات وتأويلها الذي وقع النّزاع فيه بين أهل الإثبات وأهل النفي، بل ذلك من باب وصف الله -سبحانه- بأسمائه بالحسنى، وصفاته وأفعاله اللازمة، والتعدية مع قطع النظر عن معرفة كيفية ذلك، أو تأويله بالتأويلات المبتدعة.
(الوجه السابع): قوله: "فاختر لنفسك ما يحلو، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، فنقول: قد اخترنا لأنفسنا ما اختاره الله لنا في كتابه، وهو الاقتداء والتأسِّي بما درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذه المسألة وغيرها، كما وصَّانا الله بذلك في كتابه حيث قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} 2، وقال: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} 3، وقال في آخر السورة: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} 4، وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} 5، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه بإجماع المفسرين، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد وفاته.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا إذ هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.

فصل
وأما قوله: (ثم لا يخفى أن المجيب قد جعل أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث الذين لم يتكلموا في القدر، ولم يفسروا آيات الصفات ولا تأولوها، فنطلب منه التحقيق والإفادة، بأن يبين لنا من روى من أهل العلم المحقق بأن هذا الاصطلاح مخصوص بمن ذكره؛ فإن العلماء مختلفة أقوالهم في إطلاقهم أهل السنة والجماعة كما عرفت).
__________
1 سورة الرعد آية: 13.
2 سورة الأحزاب آية: 21.
3 سورة الأعراف آية: 3.
4 سورة الأنعام آية: 153.
5 سورة النساء آية: 59.
(4/123)

(فالجواب) أن يقال: المجيب إنما ذكر كلاما عاما في أن أهل السنة والجماعة هم الذين اقتفوا ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ومعلوم أن أهل الحديث هم أعظم طوائف الأمة بحثا ومعرفة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لأنهم قد اشتغلوا بذلك، وأفنوا أعمارهم في طلب ذلك ومعرفته، واعتنوا بضبط ذلك وجمعه وتنقيته؛ حتى بيَّنُوا صحيح ذلك من ضعيفه من كذبه، ولا ينازع في ذلك إلا عدو لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين.
(الوجه الثاني): أن ظاهر كلام المجيب ... 1 وكلامه يبين أنه لم يخص بذلك طائفة معينين، بل كل من سلك هذه الطريقة فهو منهم من جميع الطوائف، وهو داخل في قوله: وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة.
(الوجه الثالث): قوله: "الذين لم يتكلموا في القدر"، وهذا كذب ظاهر على المجيب وعلى أهل الحديث، فإن أهل السنة والحديث من هذه الأمة يتكلمون في القدر، بمعنى أنهم يؤمنون به ويثبتونه، ويقولون: إن الله قدر أفعال العباد؛ خيرها وشرها.
وهو من أصول الإيمان عندهم، كما ثبت ذلك في الصحيحين في حديث جبرائيل -عليه السلام- لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فأخبره بأنه: "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره"2. فهذا هو الذي عليه جماعة أهل السنة والجماعة والحديث، وعليه يدل كتاب الله والأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولولا خوف الإطالة لذكرنا من ذلك شيئا كثيرا، وليس هذا موضع بسط ذلك وذكر الدلائل عليه.
وأما الْمُعْتَزَلَة الذين ينفون أن الله قدر أفعال العباد عليهم أو شاءها منهم، فهم الذين ينكرون ذلك، ومن اتبعهم من الروافض والزيدية الذين ينكرون أن الله قدر أفعال العباد وشاءها منهم.
__________
1 هنا في الأصل بياض قدر كلمة.
2 مسلم: الإيمان (8) , والترمذي: الإيمان (2610) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4990) , وأبو داود: السنة (4695) , وابن ماجه: المقدمة (63) , وأحمد (1/ 28)
(4/124)

(الوجه الرابع): أن الاصطلاح لا حجة فيه عند أهل العلم وغيرهم، فإذا سمى أحد طائفة من الناس بأنهم أهل السنة والجماعة، لم يمنع من ذلك إلا إذا كانوا مخالفين لما عليه جماعة أهل السنة والجماعة، كأهل البدع الذين يسمون أنفسهم بذلك مع مباينتهم لطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
(الوجه الخامس): أن كثيرا من علماء السنة ذكروا أن أهل الحديث هم الفرقة الناجية التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة"1 كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما.
وذكر البخاري عن علي بن المديني أنهم أهل الحديث، وكذلك قال أحمد بن حنبل: "إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ ".

فصل
[في إبطال زعم أن الطائفة الناجية هم أهل البيت فقط]
وأما قوله: (وأنت خبير أن الطائفة التي أشار إليها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم هم أهل بيته، فإن الناس أذعنوا لأهل الشام، ولم يقدروا على منازعتهم، إلا أهل البيت وشيعتهم، فكن -أيها المجيب- من تلك الطائفة الناطقة بالحق، الخارجة عن حزب أهل الشام؛ لتحشر في الطائفة المخالفة لهم، ولا تكن في حزب أهل الشام محبا لهم، فإن المرء يحشر مع من أحب).
(فالجواب) من وجوه: (أحدها): أن الطائفة الناجية جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها لما سُئل عنها، فقال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"2 فمن سلك سبيلهم، واقتفى منهاجهم، وتبعهم بإحسان فهو من هذه الطائفة، سواء كان من أهل البيت -رضي الله عنهم- أو من غيرهم من جميع الطوائف، ومن خالف ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو مع الهالكين، سواء كان من أهل البيت أو من غيرهم؛ ولهذا قال -تعالى- في نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وهن من أهل البيت قطعا: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} 3.
__________
1 البخاري: المناقب (3641) , ومسلم: الإمارة (1037).
2 الترمذي: الإيمان (2641).
3 سورة الأحزاب آية: 30.
(4/125)

إلى قوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} 1 الآية. وثبت في الصحيحين أنه قال: "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليّي الله وصالح المؤمنين"2.
وفي الحديث الصحيح: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"3، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} 4، وقال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} 5، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 6 الآية.
(الوجه الثاني): قوله: "فإن الناس أذعنوا لأهل الشام، ولم يقدروا على منازعتهم، إلا أهل البيت وشيعتهم". وهذا كذب ظاهر يعرفه من له أدنى معرفة بالأخبار والتواريخ؛ وذلك لأن بني أُمَيَّة قد نازعهم في خلافتهم غير أهل البيت، فنازعهم ابن الزبير حتى تولى على الحجاز والعراق واليمن وغير ذلك من بلاد الإسلام، ولم يخرج عن ولايته إلا طائفة قليلة من أهل الشام، فأرسل مَرْوَان بن الحَكَم إليهم ليأخذ بيعته، فخلعه وأخذ البيعة لنفسه، وبايعه كثير من أهل الشام، كما ذكر ذلك أبو مُحَمَّد بن حَزْم في سيرته.
ثم خرج على مروان كثير من أهل الشام، فنازعوه وقاتلوه، ثم جرت وقعة ب"مَرْجِ رَاهِطٍ" بين الضَحَّاك ومروان، وقُتِل النُّعْمَان بن بَشِيرٍ -رضي الله عنهما-، والأصح -كما قال الذهبي وغيره من أهل العلم- أن مروان لا يُعَدُّ في إمرة المؤمنين، بل باغٍ خارج على ابن الزُّبَير، ولا عهده على ابنه عبد الملك صحيح، وإنما صحت خلافة عبد الملك حين قتل ابن الزبير.
وذلك أن عبد الملك جهّز لقتاله الحجاجَ في أربعين ألفا، فحصره بمكة أشهرًا، ورمى عليه بالمنجنيق، وخذل ابنَ الزبير أصحابُه، فتسللوا إلى الحجاج، فظفر به، وقتله وصلبه.
وفي أيام ابن الزبير خرج المختار بن أبي عُبَيد، وتبعه طوائف من الناس، وقاتلوا عبد الله بن زياد فقتلوه، وأرسل المختار برأسه إلى زَيْنِ العَابِدِين عَلِيّ بن الحُسَيْن بالمدينة، وتولى على العراق وطرد بني أمية عنه، ثم بعد ذلك ادَّعَى النبوة، فأرسل إليه عبد الله بن الزبير أخاه مُصْعَبا معه جيش، فحاربوه حتى قتلوه، وأخذوا منه العراق. وفي أيام يزيد بن
__________
1 سورة الأحزاب آية: 32.
2 البخاري: الأدب (5990) , ومسلم: الإيمان (215) , وأحمد (4/ 203).
3 مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) , والترمذي: القراءات (2945) , وابن ماجه: المقدمة (225) , وأحمد (2/ 252) , والدارمي: المقدمة (344).
4 سورة الحجرات آية: 13.
5 سورة آل عمران آية: 68.
6 سورة آل عمران آية: 31.
(4/126)

معاوية خرج عليه أهل المدينة وخلعوه، وأخرجوا أميره من المدينة، فأرسل إليهم يزيدُ مُسلمَ بنَ عُقْبَةَ المُرِّيِّ بجيش عظيم حتى قتل أهل المدينة، وجرت فتنة عظيمة قُتل فيها من الصحابة -رضي الله عنهم- مَعْقِل بن يَسَار الأَشْجَعِيُّ، وعبدُ الله بنُ حَنْظَلَةَ الغَسِيل الأَنْصَاري، وعبدُ الله بنُ زيدِ بنُ عاصِم المَازِنِيُّ، وقُتل من أولاد المهاجرين والأنصار نحو ثلاثمائة وستة أنفس.
وفي أيام ابن الزبير خرجت طوائف من الخَوَارِج يسمون الأَزَارِقَة، فتولى محاربتهم المُهلَّبُ بن أبي صُفْرَةَ، وأباد منهم ألوفًا، كما ذكره الذهبي وغيره.
وفي أيام عبد الملك خرج عبد الرَّحْمَن بنُ الأَشْعَث، وتبعه خلق عظيم من القرَّاء وغيرهم، وقاتلوا الحجاج، وجرت بينهم وقائع عظيمة، فغلب الحجاج حتى قتل ابن الأشعث، وقتل معه خلق عظيم.
ولو ذهبنا نذكر كل من خرج على بني أمية وبني العباس لطال الكلام جدا، وبعض من خرج عليهم يبغضون عليا رضي الله عنه ويكفرونه، فتبين لكل ذي معرفة بالسير والأخبار بطلان قول هذا المعترض: "أن الناس أذعنوا لأهل الشام ولم يقدروا على منازعتهم إلا أهل البيت وشيعتهم".
(الوجه الثالث): أن يقال: إن هذا المعترض جعل الفرقة الناجية هم أهل البيت وشيعتهم، وجعل الدليل على ذلك هو منازعتهم لأهل الشام، فعلى كلامه أن كل من نازعهم وخرج عليهم هو الناجي، ومن الطائفة التي أشار إليها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم مع أن أكثر الناس خروجا عليهم هم الخَوَارِج الذين يكفرون عليا رضي الله عنه ومعاوية وغيرهما من الصحابة ومن والاهما.
فانظر -رحمك الله- إلى هذا الجهل والتخبيط الذي لا يصدر ممن له أدنى مسكة من علم وعقل.
(الوجه الرابع): أنه جعل أهل الشام كلهم قد والوا بني أمية، وصاروا معهم المستقدمين منهم كالذين كانوا في زمانهم، والمستأخرين من أهل الشام بعد
(4/127)

انقراض الدولة الأموية، وهذا معلوم البطلان بالضرورة؛ لأن كثيرا من أهل الشام -من العلماء وغيرهم- يبغضون أئمة الجور من بني أمية، ويطلقون ألسنتهم بذمهم والطعن عليهم. وقد تقدم كلام الذهبي في مَرْوَان وابنه عبد الملك قريبا.
ولو ذهبنا نذكر كلام علماء الشام -من المتقدمين والمتأخرين- في ذم بني أمية والطعن عليهم لطال الكلام جدا، وليس هذا الجواب محل التطويل والبسط، فمن أراد ذلك فلينظر في كتب القوم حتى يتبين له جهل هذا المعترض وتخبيطه في كلامه بما تَمُجّه الأسماع، وتنبو منه الطباع. والله أعلم.

فصل
[جدل المعترض في صفات الله تعالى، والرد عليه]
وأما قول المعترض: (قولك: "ونقر بها ونعلم أنها صفات". فإما أن تجعل الواو عاطفة في قولك: "ونعلم"، أو تكون جملة أخرى منفصلة، فما معنى الإقرار بها؟ هل المراد الإقرار بمتونها أو كلماتها، أو كونها من عند الله جل وعلا؟ فالمسلمون جميعا مثلك، ولا يخالفك أحد من المسلمين، فما فائدة إخبارك بأنك تقر بها؟ وإن أردت بالواو أنها للحال، أي: نقر بها حال كونها صفات.
فإما أن تريد بها قول الواصف فلا معنى لذلك، وتريد أنها تضمنت معنى خاصا للموصوف، أو أنها لفظ دلَّ على ذات باعتبار معنى هو المقصود كما ذكره ابن الحاجب؟ وهذان التعريفان قد ذكرهما العلماء اصطلاحا وتعريفا في محاورتهم.
فإن ترد أنها تدل على معنى زائد على الذات لزمك ما لزم الأَشَاعِرَة، وهو أن يكون مع الله قدماء، وهي المعاني التي لحقت ذاته -تعالى- بالوصف، ونحن نبرأ من هذا نحن وأنت.
وإن ترد أن الصفة دلت على معنى لذاته -تعالى-، وتغمض عن كيفيته وتصوره في الذهن بأي كيفية، وهذا هو المفهوم من كلامك، فلا تساعدك لغة العرب؛ لأن الصفات قوالب لمعاني مفهومة معقولة مبينة للموصوف معينة له، فقد جزمت بأنها غير مكيفة، كما يفهم من كلامك أيضا مع
(4/128)

مخالفة لغة العرب ولزمك التجسيم.
أما مخالفة لغة العرب فلا يجوز لك أن تخالفها وتفسر كتاب الله -جل وعلا- بغيرها؛ لمخالفتك لما أنزل الله فيه، وقد قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} 1 وقال تعالى: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} 2 إلى غير ذلك من الآيات.
فهل يجوز لك أن تقول: استوى بلا كيف بعد أن قال مبين، وقال: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} 3؟ ما كأنك إلا قلت: ما تبين لنا ولا عقلناه، فخاطبنا ربنا بما لا نتبينه ولا نعقله، وليس هو من جنس لغة العرب ولو كان عربيا لتبين لنا وعقلناه.
ووجه المخالفة على التحقيق أن كلمات كتاب الله -تعالى- على مقتضى لغة العرب، مبينة مفهومة، فلا بد أن تدل الكلمة على معنى حقيقي أو مجازي على مقتضى استعماله، فنقول لك: قد صرحت بأن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 4 دلّ على الاستواء على العرش، كما فهمناه من كلامك وخطابك. ولغة العرب حاكمة بأن حقيقة الاستواء على العرش الجلوس عليه، وهو القعود مع تعطف الرجلين ورجوع بعضها على بعض، تعالى الله عن ذلك.
فهذا حقيقته عند العرب، فلما أن خشيت لزوم التجسيم في حق الباري، ولجأت إلى التنْزيه له -تعالى-، فلم تجد مهربا، وتوحشت من هذا الأمر الشنيع؛ لفطرة التعظيم لربك -جل وعلا-، فلم تجد إلى الهرب سبيلا إلا بالبَلْكَفَة التي قد تستر بها مشايخك، فقلت: استوى بلا كيف، واستأنست بذلك الطيف.
فلما ظننت إنك قد حفظت نفسك من التجسيم قلنا لك: هل تقول العرب استوى، أي: جلس جلوسا غير مكيف -بتعطيف الأرجل- ولا مستقر ونحو ذلك، حيث يريدون حقيقة الاستواء والجلوس؟
فإن كان هذا من روايتك عن العرب، وأنهم يطلقون على ما أردت من عدم الكيف ما ذكرناه لك، وهيهات، فلن تستطيع له طلبا.
وإن لم يكن، قلنا لك: يا هذا، قد خالفت القرآن العربي المبين، وفسرته بلسان قومك الذين تستروا بالبَلْكَفَة، ولم يستروا عوراتهم، ولم تخرج عن شبهة
__________
1 سورة الشعراء آية: 193 - 194.
2 سورة الزخرف آية:1: 3.
3 سورة الزخرف آية:1: 3.
4 سورة طه آية: 5.
(4/129)

التجسيم، إذ قد أثبت لله تعالى الاستواء فوق العرش، وأقررت بذلك الحدث واعتقدته له -تعالى-، وهو يستلزم التجسيم عقلا ولغة، فإن العقل -أولا- يحكم بالذات، وبأن هذا الحدث -وهو الاستواء- لا يكون إلا من جسم قبل أن تلتفت إلى كيفيته.
وكذلك اللغة، فإن مفهوم الاستواء الحدث، وقد فسروا الحدث بالأثر أو مؤثره على خلاف بين اللغويين، وقد حكمت على الله ووصفته بالاستواء، وجعلته -تعالى- محلا له كما هو قاعدة الصفة، ولم تقدر أن تخرجه عن الحدث وتجعله غير الحدث بعد أن أقررت بالاستواء الذي هو غير الحدث كما عرفناك، فلزمك أن يكون الله -تعالى- محلا للاستواء، والمحل لا يكون إلا جسما.
إلى قوله: وقد كان له مندوحة عن هذا، وتخلص كما تخلص أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملها على المجاز، وإخراجها عن الحقائق، التي أوقعته في المضايق، ولم يسعه بعد ذلك إلا أضغاث أحلام ظن بها أنها أخرجته إلى التنْزيه ولم تفده، فلو أخرجها إلى المجاز المأنوس المألوف في لغة العرب المنادي بفصاحة كتاب الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوجه الأكمل والتنْزيه لله -تعالى- على الطريق اللائق بجلاله الأعدل، لكان مناسبا لكمال إعجازه والرد إلى محكمه على وجه أبلغ من الحقيقة، وأسلم من التستر بالبَلْكَفَة التي كشفت ضعف كلامه وسخفه).
[الوجه الأول في الرد على شبهات المعترض]
(فالجواب) أن يُقال: الواو عاطفة، والمعنى نقر بها بألسنتنا ونعلم أنها صفات لله عز وجل كما يليق بجلاله وعظمته وكبريائه، وإن رغمت أنوف أهل البدع والضلال.
فقوله: "فما معنى الإقرار بها؟ هل المراد الإقرار بمتونها وكلماتها؟ " فذلك هو مراد المجيب، مع اعتقاد أنها صفات لله -تعالى- لا تشبه صفات المخلوقين. فهذا معنى قول المجيب: ونعلم أنها صفات لله -تبارك وتعالى-، فالواو الأولى عاطفة، والثانية حالية أي نقر بها حال كوننا نعلم أنها صفات لله، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
[الوجه الثاني: المؤمن يخبر بإيمانه بالله ورسوله وإقراره بأصول الدين]
(الوجه الثاني): قوله: "فالمسلمون جميعا مثلك، ولا يخالفك أحد من المسلمين،
(4/130)

فما فائدة إخبارك بأنك تقر بها؟ ".
فنقول: هذا يدل على جهله، فإن المؤمن يخبر بإيمانه بالله ورسوله، وإقراره بأصول الدين التي هي أشهر وأعظم من هذه المسألة، كالشهادتين وغيرهما من الأصول العظيمة.
ولا يقال: إن ذلك يعرفه المسلمون كلهم، ولهذا شُرع الأذان دائما، وتكراره دائما كل وقت، وشُرع للرجل إذا فرغ من الوضوء أن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". وأن يقول إذا صلى: "لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن" وأمثال ذلك كثير.
[الوجه الثالث: وجوب الإيمان بما جاء عن الله ورسوله كما جاء]
(الوجه الثالث): قوله: "فأما أن تريد بها قول الواصف ولفظه". فلا معنى لذلك، أو تريد أنها تضمنت معنى حاصلا للموصوف، أو أنها لفظ دلّ على ذات باعتبار معنى هو المقصود كما ذكره ابن الحاجب؟ فمراد المجيب أنها تدل على معنى حاصل للموصوف على ما أراده الله ورسوله كما قال الإمام الشافعي -رضي الله عنه-: "آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت بما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله".
وذلك أنه يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة المعلومة جملة وتفصيلا، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم جملة، وذلك هو تحقيق "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".
فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله -عز وجل- من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه، ووعده ووعيده، وأمره ونهيه، وخبره عما كان وما يكون، فإن هذا هو حقيقة الشهادة له بالرسالة، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وهو متفق عليه بين الأمة.
إذا تقرر هذا فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أُخبر به عن الله من أسمائه وصفاته مما جاء في القرآن، وفي السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
(4/131)

(الوجه الرابع): قوله: "فإن ترد أنها تدل على صفات زائدة على الذات لزمك ما لزم الأَشَاعِرَة، وهو أن يكون مع الله قدماء، وهي المعاني التي لحقت ذاته تعالى بالوصف، ونحن نبرأ من هذا نحن وأنت". فيقال: أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله -تبارك وتعالى- موجود كامل بجميع صفاته، فإذا قال القائل: "دعوت الله" أو "عبدت الله"، كان اسم الله متناولا للذات المتضمنة لصفاتها، ليس اسم الله اسما للذات مجردة عن صفاتها اللازمة لها، وحقيقة ذلك أنه لا يكون نفسه إلا بنفسه، ولا يكون ذاته إلا بصفاته، ولا يكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى اسمها، وهذا حق.
ولكن قول القائل: إنه يلزم أن يكون مع الله قدماء، تلبيس. فإن ذلك يشعر أن مع الله قدماء غيره منفصلة عنه، وهذا لا يقوله إلا من هو أكفر الناس وأجهلهم بالله كالفلاسفة؛ لأن لفظ الغير ُيراد به ما كان مفارقا له بوجود أو زمان أو مكان، ويُراد به ما أمكن العلم دونه.
فالصفة لا تسمى غيرا له، فعلى المعنى الأول يمتنع أن يكون معه غيره، وأما على المعنى الثاني فلا يمتنع أن يكون وجوده مشروطا بصفات، وأن يكون مستلزما لصفات لازمة له، وإثبات المعاني القائمة التي توصف بها الذات لا بد منها لكل عاقل، ولا خروج عن ذلك إلا بجحد وجود الموجودات مطلقا.
وأما من جعل وجود العلم هو وجود القدرة، ووجود القدرة هو وجود الإرادة، فطرد هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى، وهذا منتهى الاتحاد، وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مُخَلِّصَ من هذا إلا بإثبات الصفات، مع نفي مماثَلة المخلوقات، وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وذلك أن نُفاة الصفات -من المتفلسفة ونحوهم- يقولون: إن العاقل والمعقول، والعاشق والمعشوق، واللذة واللذيذ والملتذ هو شيء واحد، وأنه موجود واجب له عناية، ويفسرون عنايته بعلمه أو عقله، ثم يقولون: وعلمه أو عقله هو ذاته، وقد يقولون: إنه حي عليم قدير، مريد متكلم، سميع بصير.
ويقولون: إن
(4/132)

ذلك شيء واحد، فإرادته عَيْنُ قدرته، وقدرته عين علمه، وعلمه عين ذاته؛ وذلك لأن من أصلهم أنه ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته؛ إما سلبية، كقولهم: "ليس بجسم، ولا متحيز، ولا جوهر، ولا عرض". وإما إضافة، كقولهم: "مبدأ وعلة". وإما مؤلف منهما، كقولهم: "عاقل ومعقول وعقل".
ويعبرون عن هذه المعاني بعبارات هائلة، كقولهم: إنه ليس فيه كثرة "كم" ولا كثرة "كيف"، وإنه ليس له أجزاء "حد" ولا أجزاء "كم"، أو إنه لا بد من إثبات واحد موحدا توحيدا منَزها عن المقولات العشر، عن الكم والكيف والأين والوضع والإضافة، ونحو ذلك.
ومضمون هذه العبارات وأمثالها نفي صفاته التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم يسمون نفي الصفات توحيدا، وكذلك المُعْتَزَلَة ومن ضاهاهم من الجَهْمِيَّة يسمون ذلك توحيدا، وهم ابتدؤوا هذا التعطيل الذي يسمونه توحيدا، وجعلوا اسم التوحيد واقعا على غير ما هو واقع عليه في دين المسلمين.
فإن التوحيد -الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه- هو أن يعبد الله لا يشرك به شيئا، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 1.
ومن تمام التوحيد أن يوصف الله -تعالى- بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، فيصان ذلك عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ?} 2.
ومن هنا ابتدع من ابتدع لمن اتبعه على نفي الصفات اسم الموحدين، وهؤلاء منتهاهم أن يقولوا: هو الوجود بشرط الإطلاق، كما قاله طائفة منهم، أو بشرط نفي الأمور الثبوتية كما قاله ابن سينا وأتباعه، أو يقولون: هو الوجود المطلق لا بشرط، كما يقوله القونوي وأمثاله، ومعلوم بصريح العقل -الذي لم يكذب قط- أن هذه الأقوال متناقضة باطلة من وجوه:
(أحدها): أن جعل عين العلم عين القدرة، ونفس القدرة هي نفس الإرادة،
__________
1 سورة الأنبياء آية: 25.
2 سورة الإخلاص آية: 1: 4.
(4/133)

ونفس الحياة هي نفس العلم، ونفس العلم نفس الفعل، ونفس الحياة هي نفس العلم والإبداع، ونحو ذلك معلوم الفساد بالضرورة؛ فإن هذه حقائق متنوعة، فإن جعلت هذه الحقيقة هي تلك كان بمنْزلة من يقول: أن حقيقة السواد حقيقة البياض، وحقيقة البياض حقيقة الطعم، وحقيقة الطعم حقيقة اللون.
وأمثال ذلك مما يجعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة فمن قال: إن العلم هو المعلوم، والمعلوم هو العلم فَضَلالُه بيِّن، فالتمييز بين مسمى المصدر ومسمى اسم الفاعل واسم المفعول، والتفريق بين الصفة والموصوف مستقر في فِطَر الناس وعقولهم، وفي لغات جميع الأمم، ومن جعل أحدهما هو الآخر كان قد أتى بما لا يخفى فساده على من تصور ما يقول.
فمن قال: إن ذاته تعرف بدون معرفة شيء من أسمائه وصفاته الثبوتية والسلبية، فقوله معلوم البطلان، ممتنع وجود ذلك في الأعيان. ولو قدر إمكان ذلك، وفرض العبد في نفسه ذاتا مجردة عن جميع القيود السلبية والثبوتية فليس ذلك معرفة بالله البتة، وليس رب العالمين ذاتا مجردة عن كل أمر سلبي أو ثبوتي، ولهذا كان كثير من الملاحدة لا يصلون إلى هذا الحد، بل يقولون كما يقول أبو يعقوب السجستاني وغيره من الملاحدة: نحن لا ننفي النقيضين، بل نسكت عن إضافة واحد منهما إليه، فلا نقول هو موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل. فيقال لهم: إعراض قلوبكم عن العلم به، وكف ألسنتكم عن ذكره لا يوجب أن يكون هو في نفسه مجردا عن النقيضين، بل يفيد كفركم بالله وكراهتكم لمعرفته وذكره وعبادته، وهذا حقيقة مذهبكم.
[الوجه الخامس: إثبات أهل السنة لذات الله وصفاته وتنزيههما]
(الوجه الخامس): أن يقال: مذهب أهل السنة والجماعة ومن تبعهم بإحسان أن كل ما وَصَف به الرب نفسه من صفاته فهي صفات مختصة به، غير مخلوقة بائنة منفصلة عنه، بل يمتنع أن يكون له فيها مشارك أو مماثل، فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئا من الذوات، وكذلك صفاته المختصة به لا تماثل شيئا من الصفات؛ لأنه -سبحانه- أحد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فاسمه الأَحَد دلَّ على نفي المشاركة والمماثلة، واسمه الصَّمَد دلَّ على أنه مستحق لصفات الكمال.
(4/134)

والمقصود هنا أن صفات التنْزيه يجمعها هذان المعنيان المذكوران في هذه السورة:
(أحدهما): نفي النقائص عنه، وذلك من لوازم إثبات صفات الكمال، فمن ثبت له الكمال التام انتفى عنه النقصان المضاد له، والكمال من مدلول اسمه الصَّمَد.
(والثاني): أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال الثابتة، وهذا من مدلول اسمه الأَحد.
فهذان الاسمان العظيمان -الأَحد، الصَّمد- يتضمنان تنْزيهه عن كل نقص وعيب، وتنْزيهه في صفات الكمال أن يكون له مماثل في شيء منهما.
فالسورة تضمنت كل ما يجب نفيه عن الله، وتضمنت كل ما يجب إثباته لله من وجهين؛ من جهة اسمه "الصَّمد"، ومن جهة أن ما نُفي عنه من الأصول والفروع والنظير استلزم ثبوت صفات الكمال؛ فإن كل ما يمدح به الرب -تبارك وتعالى- من النفي فلا بد أن يتضمن ثبوتا، بل وكذلك كل ما يُمدح به شيء من الموجودات من النفي فلا بد أن يتضمن ثبوتا، وإلا فالنفي المحض معناه عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، فضلا عن أن يكون صفة كمال.
وهذا كما يذكر -سبحانه- في آية الكرسي: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} 1، فنفي أخذ السنة والنوم له مستلزم لكمال حياته وقيوميته، فإن النَّوم أخو الموت، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون.
ثم قال: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 2، فنفي الشفاعة بدون إذنه مستلزم لكمال ملكه، إذ كل من يشفع إليه شافع بلا إذنه، فقبل شفاعته كان منفعلا عن ذلك الشافع، قد أثرت شفاعته فيه، فصيرته فاعلا بعد أن لم يكن، وكان ذلك الشافع شريك المشفوع إليه في ذلك الأمر المطلوب بالشفاعة إذا كان بدون إذنه، لا سيما والمخلوق إذا شفع إليه بغير إذنه فقبل الشفاعة فإنما يقبلها لرغبة أو لرهبة، إما من الشافع وإما من غيره.
وإلا فلو كانت داعيته من تلقاء نفسه، تامة مع القدرة لم يحتج إلى شفاعته، والله -تعالى- مُنَزَّه عن ذلك كما قال في الحديث الإلهي: "إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نَفْعِي فتنفعوني" 3 ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالشفاعة إليه إذا أتاه طالب حاجة يقول: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على
__________
1 سورة البقرة آية: 255.
2 سورة البقرة آية: 255.
3 مسلم: البر والصلة والآداب (2577).
(4/135)

لسان نبيه ما شاء"1.
أخرجاه في الصحيحين، وهو إنما يفعل ما أمر الله به. ثم قال: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} 2، بيَّن أنهم لا يعلمون من علمه إلا ما علمهم إياه، كما قالت الملائكة: {لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} 3؛ فكان في هذا النفي إثبات أنه عالم، وأن عباده لا يعلمون إلا ما علمهم إياه، فأثبت أنه الذي يعلمهم لا ينالون العلم إلا منه، فإنه الذي خلق الإنسان من علق، وعلَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم.
ثم قال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} 4 أي: لا يثقله ولا يكربه، وهذا النفي يتضمن كمال قدرته، فإنه -مع حفظه السماوات والأرض- لا يثقل ذلك عليه كما يثقل على من في قوته ضعف، وهذا كقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} 5 فنَزَّه نفسه عن اللغوب. قال أهل اللغة: "اللغوب" هو الإعياء والتعب.
وكذلك قوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} 6 والإدراك -عند السلف والأكثرين- هو الإحاطة، وقالت طائفة: هو الرؤية، وهو ضعيف؛ لأن نفي الرؤية لا مدح فيه، فإن العدم لا يرى، وكل وصف لا يشترك فيه الوجود، والعدم لا يستلزم أمرا ثبوتيا، ولا يكون فيه مدح، إذ هو عدم محض بخلاف ما إذا قيل: لا يحاط به، فإنه يدل على عظم الرب -جل جلاله-، وأن العباد -مع رؤيتهم له- لا يحيطون به رؤية، كما أنهم -مع معرفتهم- لا يحيطون به علما، وكما أنهم -مع مدحهم له، وثنائهم عليه- لا يحصون ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه المقدسة، كما قال أفضل الخلق -صلى الله عليه وسلم-: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"7.
[الوجه السادس: صفات الله ليست عينا له ولا غيرا مباينا له]
(الوجه السادس): أن يقال: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك"8 أخرجاه في الصحيحين، وهذا مما يدل على تغاير صفات الله؛ لأنه استعاذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، فدلَّ ذلك على أن الرضى غير السخط، والمعافاة غير العقوبة، ومن جعل نفس إرادته هي رحمته وهي غضبه يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ برضاك من سخطك"9 عنده أنه استعاذ بنفس الإرادة منها، وهذا ممتنع؛ فإنه ليس عنده للإرادة صفة ثبوتية
__________
1 البخاري: الزكاة (1432) , ومسلم: البر والصلة والآداب (2627) , والنسائي: الزكاة (2556) , وأبو داود: الأدب (5131) , وأحمد (4/ 400 ,4/ 413).
2 سورة البقرة آية: 255.
3 سورة البقرة آية: 32.
4 سورة البقرة آية: 255.
5 سورة ق آية: 38.
6 سورة الأنعام آية: 103.
7 مسلم: الصلاة (486) , والترمذي: الدعوات (3493) , والنسائي: التطبيق (1100 ,1130) , وأبو داود: الصلاة (879) , وابن ماجه: الدعاء (3841) , وأحمد (6/ 58) , ومالك: النداء للصلاة (497).
8 مسلم: الصلاة (486) , والترمذي: الدعوات (3493) , والنسائي: التطبيق (1100 ,1130) والاستعاذة (5534) , وأبو داود: الصلاة (879) , وابن ماجه: الدعاء (3841) , وأحمد (6/ 58) , ومالك: النداء للصلاة (497).
9 مسلم: الصلاة (486) , والترمذي: الدعوات (3493) , والنسائي: التطبيق (1100 ,1130) والاستعاذة (5534) , وأبو داود: الصلاة (879) , وابن ماجه: الدعاء (3841) , وأحمد (6/ 58) , ومالك: النداء للصلاة (497).
(4/136)

يستعاذ بها من أحد الوجهين باعتبار ذلك الوجه منها باعتبار الوجه الآخر، بل الإرادة لها عنده مجرد تعلق بالمخلوق، والتعلق أمر عدمي، وهذا بخلاف الاستعاذة به منه؛ لأن له صفات متنوعة، فيستعاذ به باعتبار ومنه باعتبار.
ومن قال: إنه ذات لا صفة لها، أو وجود مطلق لا يتصف بصفة ثبوتية. فهذا يمتنع وجوده في الخارج، وإنما يمكن تقدير هذا في الذهن كما تُقَدَّر الممتنعات، فضلا عن كونه يكون ربا خالقا للمخلوقات.
وهؤلاء إنما ألجأهم إلى هذا مضايقات الجَهْمِيَّة والمُعْتَزَلَة لهم في مسائل الصفات، فإنهم صاروا يقولون: كلام الله هو الله أو غير الله؟ فإن قلتم: هو غيره. فما كان غير الله فهو مخلوق، وإن قلتم: هو هو، فهو مكابرة، وهذا أول ما احتجوا به على الإمام أحمد -رحمه الله- في المحنة، فإن المعتصم لمّا قال لهم: ناظروه. قال له عبد الرحمن ابن إسحاق: ما تقول في القرآن، أو قال: في كلام الله، أهو الله أو غيره؟ فقال له أحمد: ما تقول في علم الله، أهو الله أو غيره؟
فعارض أحمد بالعلم فسكت، وهذا من حسن معرفة أبي عبد الله -رحمه الله- بالمناظرة، فإن المبتدع بنَى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرتَ له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه لما قام بنفسه من الشبهة.
فينبغي -إذا كان المناظر مدَّعيا أن الحق معه- أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق أُعطيه، وإلا فما دام معتقدا نقيض الحق لم يدخل الحق أذن قلبه، كاللوح الذي كُتب فيه كلام باطل، فامْحُه أولا ثم اكتب فيه الحق، فهؤلاء كان قصدهم الاحتجاج لبدعتهم، فذكر لهم أحمد من المعارضة والنقض ما يبطلها.
وقد تكلم أحمد -في ردِّه على الجَهْمِيَّة- في جواب هذا، وبين أن لفظ "الغير" مجمل، يراد بالغير ما هو منفصل عن الشيء، ويراد بالغير ما ليس هو الشيء، فلهذا لا يطلق القول بأن كلام الله وعلمه ونحو ذلك هو هو؛ لأن هذا باطل، ولا يطلق أنه غيره؛ لئلا يُفهم أنه بائن عنه، منفصل عنه كما رواه الخَلَّال -رحمه الله- قال: أخبرني الخضر ابن المثنى الكندي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل -رحمه الله- قال: هذا ما أخرجه أبي -رحمه الله- في الرد على الزَّنَادِقَة والجَهْمِيَّة فيما شكت فيه من متشابه القرآن، وتأولته غير تأويله. فقال أحمد بن حنبل -رضي الله عنه:
(4/137)

رَدُّ الإمام أحمد على الزَنَادِقة والجَهْميّة
"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا مقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين، وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا بكلامهم بشرا كثيرا.
"فكان مما بلغنا من أمر الجهم -عدو الله- أنه كان من أهل خراسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله، فلقي أناسا من المشركين يقال لهم: السمنية، فعرفوا الجهم، فقالوا له: نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك. فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم. فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا. قالوا: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فشممت له رائحة؟ قال لا. قالوا: فوجدت له حسا؟ قال: لا. قالوا: فوجدت له مجسا؟ قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم، فلم يدر من يعبد أربعين يوما.
ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زَنَادِقَة النصارى، وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عِيسَى هو روح الله من ذات الله، فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه، فيأمر بما شاء، وينهى عما شاء، وهو روح
(4/138)

غائب عن الأبصار.
فاستدرك الجَهْم حجة مثل هذه الحجة، فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحا؟ قال: نعم. قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا. قال: فسمعت كلامه؟ قال: لا. قال: فوجدت له حسا أو مجسا؟ قال: لا. قال: فكذلك الله، لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان.
ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه؛ قوله -عز وجل-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 1 {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} 2 و {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} 3.
فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات، وتأوّل القرآن على غير تأويله، وكذّب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف الله بشيء -مما وصف به نفسه أو حدث عنه رسوله- كان كافرا، وكان من المُشَبِّهَة، وأضلَّ بكلامه بشرا كثيرا، واتَّبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة، ووضع دين الجَهْمِيَّة.
فإذا سألهم الناس عن قول الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 4 يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرض السابعة، كما هو على العرش، لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يوصف، ولا يعرف بصفة ولا بفعل، ولا له غاية، ولا له مُنْتَهَى، ولا يُدرك بعقل، وهو وَجْهٌ كُلّه، وهو عِلْم كُلّه، وهو سَمْع كلّه، وهو بَصَر كلّه، وهو نُور كلّه، وهو قُدْرَة كلّه، ولا يُوصف بوصفين مختلفين، وليس له أعلى ولا أسفل، ولا نواحٍ ولا جوانب، ولا يمين ولا شمال، ولا هو ثقيل ولا خفيف، ولا له نور ولا جسم، وليس هو معلول 5، وكل ما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه.
فقلنا: هو شيء؟ فقالوا: هو شيء لا كالأشياء. فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء. فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا، ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون من العلانية.
__________
1 سورة الشورى آية: 11.
2 سورة الأنعام آية: 3.
3 سورة الأنعام آية: 103.
4 سورة الشورى آية: 11.
5 لعله: معلوم ولا معقول.
(4/139)

فإذا قيل لهم: من تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق. فقلنا: هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم. قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تأتون بشيء، وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى؟ قالوا: لم يتكلم، ولا يتكلم؛ لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح عن الله منفية.
فإذا سمع الجاهل قولهم ظن أنهم من أشد الناس تعظيما لله، ولا يعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى ضلال وكفر، فما يُسأل عنه الجهمي يقال له: تجد في كتاب الله أنه يخبر عن القرآن أنه مخلوق؟ فلا يجد. فيقال له: فتجد في سنة رسول الله أنه قال: إن القرآن مخلوق؟ فلا يجد. فيقال له: فمن أين قلت؟ فيقول: من قول الله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} 1.
وزعم أن جعل مخلوق مجعول هو مخلوق 2، فادَّعى كلمة من الكلام المتشابه يحتج بها من أراد أن يلحد في تنْزيلها، وكما يبتغي الفتنة في تأويلها، وذلك أن "جعل" في القرآن من المخلوقين على وجهين: على معنى تسمية، وعلى معنى فعل من أفعالهم، فقوله: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} 3، قالوا: هو شعر وأساطير الأولين، وأضغاث أحلام. فهذا على معنى تسمية.
وقال: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} 4 يعني: إنهم سموهم إناثا، ثم ذكر "جعل" على غير معنى تسمية، فقال: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} 5 فهذا على معنى فعل من أفعالهم.
وقال: {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} 6 هذا على معنى "جعل"، فهذا على جعل المخلوقين، ثم جعل من أمر الله على معنى خلق لا يكون إلا خلق، ولا يقوم إلا مقام خلق لا يزول عنه المعنى.
وإذا قال الله: "جعل" على غير معنى خلق لا يكون خلق، ولا يقوم مقام خلق، ولا يزول عنه المعنى، فمما قال الله جعل على معنى خلق قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} 7، يعني: وخلق الظلمات والنور. وقال: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ} 8.
__________
1 سورة الزخرف آية: 3.
2 كذا في الأصل.
3 سورة الحجر آية: 91.
4 سورة الزخرف آية: 19.
5 سورة البقرة آية: 19.
6 سورة الكهف آية: 96.
7 سورة الأنعام آية: 1.
8 سورة النحل آية: 78.
(4/140)

يقول: وخلق لكم. وقال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} 1، يقول: وخلقنا الليل والنهار آيتين. وقال: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} 2، وقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} 3، يقول: وخلق منها زوجها، يقول: خلق من آدم. وقال: {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} 4، يقول: وخلق لها رواسي، ومثله في القرآن كثير، فهذا وما كان على مثاله لا يكون إلا على معنى خلق.
"ثم ذكر جعل على معنى غير خلق قوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ} 5، لا يعني: ما خلق الله من بحيرة ولا سائبة، وقال الله لإبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} 6، لا يعني: إني خالقك للناس إماما؛ لأن خلق إبراهيم كان متقدما 7.
قال إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} 8. وقال إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ} 9، لا يعني: اخلقني مقيم الصلاة. وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ} 10.
وقال لأم موسى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} 11 لا يعني: وخالقوه من المرسلين؛ لأن الله وعد أم موسى أن يرده إليها ثم يجعله من بعده رسولا، وقال: {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} 12 وقال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} 13 لا يعني: ونخلقهم أئمة، وقال: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} 14، ومثله في القرآن كثير.
"فهذا -وما كان على مثاله- لا يكون على معنى خلق، فإذا قال الله: "جعل" على معنى خلق، وقال: "جعل" على غير معنى خلق، فبأي حجة قال الجهمي جعل على معنى خلق؟ فإن رد الجهمي الجعل إلى المعنى الذي وصفه الله فيه، وإن كان لا كان من الذين يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
فلما قال الله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} 15 يقول: "جعله عربيا" جعله جعلا على معنى فعل من أفعال على غير معنى خلق، وقال في سورة الزخرف: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} 16، وقال: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} 17، وقال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} 18.
__________
1 سورة الإسراء آية: 12.
2 سورة نوح آية: 16.
3 سورة الأعراف آية: 189.
4 سورة النمل آية: 61.
5 سورة المائدة آية: 103.
6 سورة البقرة آية: 124.
7 أي: متقدما على إمامته.
8 سورة إبراهيم آية: 35.
9 سورة إبراهيم آية: 40.
10 سورة آل عمران آية: 176.
11 سورة القصص آية: 7.
12 سورة الأنفال آية: 37.
13 سورة القصص آية: 5.
14 سورة الأعراف آية: 143.
15 سورة الزخرف آية: 3.
16 سورة الزخرف آية: 3.
17 سورة الشعراء آية: 194.
18 سورة مريم آية: 97.
(4/141)

فلما جعل الله القرآن عربيا، ويسَّره بلسان نبيه صلى الله عليه وسلم كان ذلك فعلا من أفعال الله -تبارك وتعالى- جعل القرآن به عربيا بينا يعني هذا بيان، لمن أراد الله هداه.
ثم إن الجهمي ادَّعى أمرًا آخر وهو من المحال، فقال: أخبرونا عن القرآن، هو الله أو غير الله؟ فادعى في القرآن أمرا، فوهم للناس. فإذا سئل الجاهل عن القرآن: هو الله أو غير الله؟ فادعى في ال من أن 1 يقول أحد القولين، فإن قال: هو الله. قال له الجهمي: كفرت. وإن قال: هو غير الله. قال: صدقت. فلم لا يكون غير الله مخلوقا؟ فيقع في نفس الجاهل من ذلك ما يميل به إلى قول الجهمي، وهذه المسألة من الجهمي هي من المغاليط.
(فالجواب) للجهمي إذا سأل فقال: أخبرونا عن القرآن: هو الله، أو غير الله؟ قيل له: إن الله -جل ثناؤه- لم يقل: في القرآن إن القرآن أنا، ولم يقل: هو غيري، وقال: هو كلامي، فسميناه باسم سمَّاه الله به، فقلنا: كلام الله، فمن سمَّى القرآن باسم سمَّاه الله به كان من المهتدين، ومن سمَّاه باسم غيره كان من الضالين.
وقد فَصَلَ الله بين قوله وبين خلقه، ولم يسمه قولا، فقال: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} 2، فلما قال: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ} 3 لم يبق شيء مخلوق إلا كان داخلا في ذلك، ثم ذكر ما ليس بخلق فقال: {وَالأَمْرُ} فأمره هو قوله: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 4 أن يكون قوله خلقا.
وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} 5، ثم قال للقرآن: {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا} 6، وقال: {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} 7 يقول: لله القول من قبل الخلق ومن بعد الخلق، فالله يخلق ويأمر، وقوله غير خلقه.
وقال: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ} 8، وقال: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} 9. ثم قال أحمد -رحمه الله-:
__________
1 الظاهر أن العبارة هكذا: فلا بد أن يقول أحد القولين، اه من الأصل.
2 سورة الأعراف آية: 54.
3 سورة الأعراف آية: 54.
4 سورة الأعراف آية: 54.
5 سورة الدخان آية: 3.
6 سورة الدخان آية: 3.
7 سورة الروم آية: 4.
8 سورة الطلاق آية: 5.
9 سورة هود آية: 40.
(4/142)

{باب بيان ما فصل الله به بين قوله وبين خلقه}
وذلك أن الله -جل ثناؤه- إذا سمى الشيء الواحد باسمين أو ثلاثة أسامٍ فهو مرسل غير مفصل، وإذا سمى شيئين مختلفين لم يدعهما مرسلا حتى يفصل بينهما، من ذلك قوله: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} 1 فهذا شيء واحد سماه بثلاثة أسامٍ وهو مرسل، ولم يقل: إن له أبا وشيخا وكبيرا.
وقال: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ} 2، ثم قال: {وَأَبْكَارًا} فلما كانت البكر غير الثَّيِّب لم يدعه مرسلا حتى فصل بينهما، وذلك قوله: {وَأَبْكَارًا}.
وقال: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى} 3، ثم قال: {وَالْبَصِيرُ}. فلما كان البصير غير الأعمى فصل بينهما، ثم قال: {وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ} 4. فلما كان كل واحد من هذا غير الشيء الآخر فصل بينها، ثم {هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} 5، كله شيء واحد، فهذا مرسل ليس بمفصل.
فكذلك إذا قال الله: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} 6 لأن الخلق غير الأمر، فهو مفصل، انتهى ما ذكره أحمد -رحمه الله-.
وهذا الذي ذكره أحمد -رحمه الله- هو الذي عليه الحذاق من أئمة السنة، وهو قول ابن كلاب وغيره، فهؤلاء لا يطلقون القول بأن صفات الله هي الله، ولا أنها غيره؛ وذلك لأن هذا إثبات قسم ثالث وهو خطأ، ففرق بين إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجماع، وبين نفي مسمى اللفظين مطلقا وإثبات معنى ثالث خارج من مسمى اللفظين.
فجاء بعد هؤلاء أبو الحسن الأشعري وكان أحذق ممن بعده، فقال بنفي مفرد لا مجموعا، فيقول مفردا: ليست الصفة هي الموصوف؟ ويقول مفردا: ليست غيره؟ ولا يجمع بينهما، فلا يقال: لا هي هو، ولا هي غيره؛ لأن الجمع بين النفي فيه من الإيهام ما ليس في التفريق. وجاء بعده
__________
1 سورة يوسف آية: 78.
2 سورة التحريم آية: 5.
3 سورة فاطر آية: 19.
4 سورة فاطر آية:20، 21.
5 سورة الحشر آية: 23، 24.
6 سورة الأعراف آية: 54.
(4/143)

أقوام فقالوا: بل ينفى مجموعا، فيقال: لا هي هو، ولا هي غيره، ثم كثير من هؤلاء إذا بحثوا يقولون: هذا المعنى إمَّا أن يكون هذا وإمَّا أن يكون غيره؛ فيتناقضون، وسبب ذلك أن لفظ الغير مجمل يُراد بالغير: المباين المنفصل، ويُراد به ما ليس هو غير الشيء، وقد يعبر عن الأول بأن الغيرين ما جُوِّزَ وجودُ أحدهما وعدمه، أو ما جاز مفارقة أحدهما للآخر بزمان أو مكان أو وجود، ويعبر عن الثاني بأنه ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر. فبين هذا وهذا فرق ظاهر.
فصفات الرب اللازمة لا تفارقه البتة، فلا يكون غيرًا بالمعنى الأول، ويجوز أن يعلم بعض الصفات دون بعض، ويعلم الذات دون الصفة فيكون غيرًا باعتبار الثاني.
ولهذا أطلق كثير من مثبتة الصفات عليها أنها أغيار للذات، وقالوا: إنها غير الذات. ولا يقولون إنها غير الله، فإن لفظ الذات لا يتضمن الصفات، بخلاف اسم الله فإنه يتناول الصفات.
ولهذا كان الصواب -على قول أهل السنة- هو أن لا يقال في الصفات: إنها زائدة على اسم الله، بل من قال ذلك فقد غلط عليهم، وإذا قيل: هي زائدة على الذات أم لا؟ كان الجواب أن الذات الموجودة في نفس الأمر مستلزمة للصفات، فلا يمكن وجود الذات مجردة عن الصفات، بل ولا يوجد شيء من الذوات مجردا عن جميع الصفات، بل لفظ "الذات" تأنيث "ذو"، ولفظ "ذو" مستلزم للإضافة، وهذا اللفظ مولد، وأصله أن يقال: ذات علم وذات قدرة، وذات سمع، كما قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} 1 ويقال: فلانة ذات مال وجمال.
ثم لما علموا أن نفس الرب ذات علم وقدرة، وسمع وبصر، عرفوا لفظ الذات ردًّا على من نفى صفاتها، وصار التعريف يقوم مقام الإضافة، بحيث إذا قيل لفظ الذات فهو ذات كذا. فالذات لا يكون إلا ذات علم وقدرة، ونحوه من الصفات لفظا ومعنى.
وإنما يريد محققو أهل السنة بقولهم: "الصفات زائدة على الذات" أنها زائدة على ما أثبته نفاة الصفات من الذات، فإنهم أثبتوا ذاتا مجردة
__________
1 سورة الأنفال آية: 1.
(4/144)

لا صفات لها، فأثبت أهل السنة الصفات زائدة على ما أثبته هؤلاء، فهي زيادة في العلم والاعتقاد والخبر، لا زيادة على نفس الله -جل جلاله-، بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات، لا يمكن أن تفارقها، ولا توجد الصفات بدون الذات، ولا الذات بدون الصفات.
والمقصود هنا بيان بطلان كلام هذا المعترض وقوله: إن من أثبت الصفات لله تبارك وتعالى لزمه أن يكون مع الله قدما، فظهر -بما ذكرنا عن أهل السنة والجماعة- أن كلامه هذا تلبيس وجهل وضلال، وأن مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات الثابتة في القرآن والسنة هو الصواب الموافق لصريح المعقول، كما أنه هو الوارد في صحيح المنقول.
[الوجه السابع: الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها]
(الوجه السابع) أن يقال: الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة: قسمان يقولان: تجري على ظواهرها، وقسمان يقولان: هي على خلاف ظواهرها، وقسمان يسكتان.
أما الأولون فقسمان:
(أحدهما): من يجريها على ظواهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المُشَبِّهَة، ومذهبهم باطل بالكتاب والسنة، ولهذا أنكره السلف عليهم، وإليه توجه الرد بالحق.
(والثاني): من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله -تعالى-، كما يجري اسم الله العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله -تعالى-، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين؛ إما جوهر محدث، وإما عرض قائم، فالعلم والقدرة والمشيئة والرحمة والرضى والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض. والوجه واليدان والعين في حق المخلوق أجسام.
فإذا كان الله موصوفا عند عامة أهل الإثبات بأن له علما وقدرة وكلاما ومشيئة، وإن لم تكن أعراضا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين، فلم لا يجوز أن
(4/145)

يكون وجه الله ويداه ليست أجساما لا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين؟
وهذا هو المذهب الذي حكيناه عن أهل السنة، وهو الذي نعتقده وندين لله به، وهو الذي يدل عليه كلام علماء السنة، وهذا أمر واضح، ولله الحمد والمنة، ولا يلزم عليه شيء من اللوازم الباطلة؛ وذلك لأنه حق، ولازم الحق حق، فإن الصفات كالذات.
فكما أن ذاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقات، فكذلك صفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات، فمن قال: لا أعقل علما ويدا واستواء إلا من جنس العلم واليد والاستواء المعهود. قيل له: فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين؟
[الوجه الثامن: صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته]
(الوجه الثامن) أن يقال: صفات كل موصوف تناسب ذاته، وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوقين فقد ضل في عقله ودينه، وخالف لغة العرب وما فطر الله عليه عباده.
فتبين -بما ذكرنا- أن هذه اللوازم التي ذكرها هذا المعترض لا تلزم على قولنا الذي حكيناه عن أهل السنة والجماعة.
[الوجه التاسع: لوازم الصفات التي يدعيها المبتدعة إنما تلزم على مذهبهم دون مذهب السلف]
(الوجه التاسع) أن يقال: اللوازم الشنيعة الفظيعة المخالفة لصحيح المعقول وصريح المنقول، إنما تلزم على قول هذا المعترض وسلفه المتكلمين من الجَهْمِيَّة والمُعْتَزَلَة والقَدَرِيَّة، ومن نحا نحوهم من الشِّيعَة والزَّيْدِيَّة.
وبيان ذلك أنه إذا كان الكتاب والسنة مملوءان مما ظاهره عندهم تشبيه وتجسيم وتكييف، كيف يجوز على الله -تعالى-، ثم على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم على الصحابة أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به، ولا يدلون عليه، حتى يجيء أنباط الفرس والروم والفلاسفة فيثبتون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل اعتقادها؟
لئن كان الحق فيما يقوله هؤلاء المتكلمون لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل
(4/146)

كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضا في أصل الدين، فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم -معاشر العباد- لا تطلبوا معرفة الله ولا ما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجودا في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا تصفوه به، وإليه عند التنازع فارجعوا؛ فإنه الحق الذي تعبدتكم به.
وما كان مذكورا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا فاجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام، أو اسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات. هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء، وهو لازم لهم لزوما لا محيد عنه.
ومضمونه أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وما أشبه حال هؤلاء بالذين قال الله فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} 1 إلى قوله: {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} 2.
فإن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو إلى سنته بعد وفاته، فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ذلك أعرضوا، ورأيتهم يصدون عنه صدودا، ويقولون: يلزم منه كذا، وما قصدنا إلا إحسانا وتوفيقا بين هذه الطريقة التي سلكناها وبين الدلائل النقلية.
ثم عامة هذه الشبهات -التي يسمونها دلائل- إنما قلدوا فيها طاغوتا من طواغيت المشركين والصابئين، أو بعض ورثته الذين أمروا أن يكفروا به، وقد قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي
__________
1 سورة النساء آية: 60، 61.
2 سورة النساء آية: 62.
(4/147)

أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 1.
وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} 2 إلى قوله: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 3.
[الوجه العاشر: لا يجوز تفسير كتاب الله تعالى بغير لغة العرب]
(الوجه العاشر) قوله: "أما مخالفة لغة العرب فلا يجوز لك أن تخالفها وتفسر كتاب الله -جل وعلا- بغيرها؛ لمخالفتك لما أنزل الله فيه، فقد قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} 4 الآية، وقال: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} ".
فهذا الكلام حق أُريد به باطل، كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه للخوارج، لما قالوا له: أشركت؛ لأنك حَكَّمْتَ الرجالَ في دين الله، وقد قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 5 قال: "كلمة حق أريد بها باطل". وهذا من أعظم حجج المُشَبِّهَة القائلين بأنا لا نعقل من هذه الصفات إلا مثل صفاتنا؛ لأنه نزل بلغة العرب، فهم أسعد منك بهذه الحجة؛ لأن اللفظ يُحمل على ظاهره عند العرب كما تزعم.
وأما السلف وأهل السنة والجماعة فلا تلزمهم هذه الحجة؛ لأنهم يقولون: إنها على ظاهرها في حقه -تبارك وتعالى-، لكنها كما يليق بجلاله وعظمته؛ لأن الصفات تابعة للذات، كما تقدم تقريره قريبا.
[الوجه الحادي عشر: لو كانت أسماء الصفات مجازات لجاز نفيها ككل مجاز]
(الوجه الحادي عشر) قوله: "هل يجوز لك أن تقول: استوى بلا كيف بعد أن قال: {مُبِينٌ} وقال: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} 6؟ ما كأنك إلا قلت: ما تبين لنا ولا عقلناه، فخاطبنا ربنا بما لا نتبينه ولا نعقله، وليس هو من جنس لغة العرب، ولو كان عربيا لتبين لنا وعقلناه ... " إلى آخر كلامه.
فيقال: هذا مما يدل على جهلك وعدم معرفتك بالحجج التي تحتج بها؛ وذلك لأن المُشَبِّهَة يردون عليك بكلامك هذا: "نحن لا نعقل من لغة العرب إلا ما قلنا"، والعرب يحملون الكلام على حقيقته، فما المانع من حمل هذه النصوص على ظواهرها في حقنا، والمجاز إنما يُصار إليه عند الضرورة، ولا ضرورة هنا؟ وأيضًا
__________
1 سورة النساء آية: 65.
2 سورة البقرة آية: 213.
3 سورة البقرة آية: 213.
4 سورة الشعراء آية: 193.
5 سورة الزمر آية: 65.
6 سورة الزخرف آية: 3.
(4/148)

يقولون: من قاعدة المجاز جواز نفيه، ولا يجوز لأحد أن ينفي تلك الصفات عن الله -عز وجل- فيقول: ليس بسميع، ليس بحي، ليس ببصير، ليس بقادر، ليس بمتكلم، ليس بمستوٍ على العرش، فكيف تقولون: إنها من المجاز ومن قاعدة العرب أنهم يجوزون نفي المجاز؟
فإذا قالوا للشجاع: هذا أسد، إذا أرادوا تشبيهه بالأسد في الشجاعة، جوَّزُوا أن ينفى ذلك عنه، ويقال ليس بأسد، بل هذا إنسان ناطق متكلم عاقل.
وكذلك إذا قالوا للبليد: حِمار، تشبيها له بالحمار في الجهالة، جوزوا أن ينفي ذلك عنه، فيقال: ليس هذا بحمار، وإنما هو شبه له بالجهل، وأشباه ذلك كثير في كلامهم.
وأما إذا قال أهل السنة: إن الله أخبرنا أنه استوى على العرش، ولم يخبرنا بكيفية ذلك، فقلنا بما قال الله، وسكتنا عما سكت الله عنه، وحملنا الاستواء على حقيقته في حق الباريء تعالى، فإذا قيل لنا: كيف استوى؟ قلنا: لم يخبرنا الله بذلك، فهذا معنى قولنا: "بلا كيف"، فأين في هذا ما يخالف لغة العرب؟
وما أحسن ما قال بعض أهل السنة: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ أو كيف ينْزل إلى سماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ أو نحو ذلك، فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا يعلم ما هو إلا هو؟ وذات الباريء غير معلومة للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن يعلم كيفيته؟ وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لذلك الموصوف، بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء".
وقد أخبر الله -تعالى- أنه: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} 1 الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: "يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"2.
فإذا كان نعيم الجنة -وهو خلق من خلق الله- كذلك، فما الظن بالخالق -سبحانه وتعالى-؟ أفلا يعتبر العاقل بهذا عن الكلام في كيفية الله -تعالى-؟ وقد قال -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 3.
__________
1 سورة السجدة آية: 17.
2 البخاري: بدء الخلق (3244) , ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2824) , والترمذي: تفسير القرآن (3197) , وابن ماجه: الزهد (4328) , وأحمد (2/ 313 ,2/ 438 ,2/ 466 ,2/ 495) , والدارمي: الرقاق (2828).
3 سورة الشورى آية: 11.
(4/149)

وبما ذكرنا يتبين للمنصف اللبيب أن أهل السنة والجماعة هم أسعد الناس بفهم كتاب الله وتعقله وتفهمه وتدبره، وقد هداهم الله لما اختُلف فيه من الحق، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
[الوجه الثاني: عشر حقيقة الاستواء في لغة العرب]
(الوجه الثاني عشر): قوله: (قد صرَّحت بأن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 دلَّ على الاستواء على العرش كما فهمناه من كلامك وخطابك. ولغة العرب حاكمة بأن حقيقة الاستواء على العرش الجلوس عليه، وهو القعود مع تعطف الرجلين ورجوع بعضها إلى بعض، تعالى الله عن ذلك، فهذا حقيقته عند العرب).
فيقال: هذا كذب ظاهر على اللغة العربية، وليس هذا حقيقته عند العرب في حق الباريء -تعالى-، وإذا كان علماء العربية قد بينوا أن الاستواء في حق المخلوق يطلق على معانٍ كثيرة، كالاستيلاء والاستقرار وغير ذلك، فكيف يقول هذا الجاهل: إن لغة العرب حاكمة بأن حقيقة الاستواء على العرش الجلوس عليه، وهو القعود مع تعطف الرجلين ورجوع بعضها على بعض، تعالى الله عن ذلك، فهذا حقيقته عند العرب.
ولكن هذا المعترض وشيعته -لظلمة قلوبهم وزيغها عن الحق- لا يفهمون من صفات الله إلا ما يفهمونه من صفات المخلوقين؛ ولذلك زعموا أن ظاهر هذه النصوص الواردة في القرآن والسنة تشبيه وتجسيم وتكييف، وكلامنا في هذا الوجه وما قبله من الوجوه شافٍ كافٍ في نقض كلامه وبيان بطلانه لمن أراد الله هدايته، والله أعلم.

فصل
[مذهب آل البيت في الصفات]
وأما قوله: (فإن قلت: قد أَبَنْت خطأ المجيب وتخليطه، وذكرت في كلامك أن المرجع عند الشبه إلى قرناء كتاب الله -تعالى- أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تحقيق مذهبهم في الصفات؟ وما أثبت الله -تعالى- لنفسه في صريح الآيات من اليد والاستواء وغيرهما حتى تطمئن القلوب إليه، ويكون المُعَوِّل في الاعتقاد عليه). ثم نقل عن
__________
1 سورة طه آية: 5.
(4/150)

محمد بن عز الدين المفتي في كتاب "البدر الساري شرح: واسطة الدراري، في توحيد الباري" من نحو قادر وعالم وموجود وقديم وحي ... إلى آخر كلامه، وكذلك ما ذكره عن "عقد النظام" وغيره. ثم قال: "ولو اتسع المقام، لذكرنا أقوال علماء الآل -عليهم السلام- قولا قولا، والوجه على ما ذهبوا إليه، هو أنهم اطلعوا على حقيقة ما هو قرينهم كتاب الله -تعالى- الذين هم تراجمته، وفهموه بفهم جدهم صلى الله عليه وسلم حيث قال: "فهمهم فهمي".
(فالجواب) أن يقال:
(أولا): نطالبك بصحة هذا عن زين العابدين رضي الله عنه.
ويقال: (ثانيا): مَنْ رواه مِنْ الأئمة المعروفين بالعلم ومعرفة الحديث: كالإمام أحمد ومالك بن أنس، والشافعي والزهري، والحسن بن أبي الحسن البصري، وسعيد بن المسيب وقتادة، وأمثال هؤلاء الذين اشتهر عند الأمة أنهم أهل صدق فيما نقلوه عن أهل البيت وغيرهم.
ومجرد نقل من ذكرت عنه لا يوجب صحة النقل عنه بذلك، وهؤلاء الذين ذكرت أنهم نقلوا ذلك عنه لا يُعرفون عند أهل العلم بصدق ولا أمانة ولا ديانة، كما يعرف أئمة أهل البيت: مثل زين العابدين، وابنه زيد بن علي، وأشباههم رضي الله عنهم.
ويقال: (ثالثا): قد نقل عن أهل البيت ما يخالف ما نقلته عمن ذكرت، فمن ذلك ما نقل البغوي في تفسيره المشهور، قال فيه: قال ابن عباس رضي الله عنه وأكثر المفسرين من السلف: "استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء". وكذلك قال الخليل بن أحمد، وهو من أئمة اللغة المشهورين.
وروى البيهقي بإسناده قال الفراء: "استوى إلى السماء أي: صعد. " قاله ابن عباس. والتفاسير المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين مثل: تفسير محمد بن جرير الطبري، وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم، وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وتفسير ابن المنذر، وتفسير أبي بكر عبد العزيز وتفسير أبي الشيخ
(4/151)

الأصبهاني، وتفسير أبي بكر بن مردويه، وما قبل هؤلاء من التفاسير، مثل: تفسير الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وبقي بن مخلد، ومن قبلهم، مثل: تفسير عبد بن حميد، وتفسير سنيد، وتفسير عبد الرازق، ووكيع بن الجراح، فيها من هذا الباب الموافق لقول أهل السنة والجماعة ما لا يحصى، فمن أراد ذلك فليطالع في تلك الكتب.
وهؤلاء الأئمة هم الذين يعرفون مذهب أهل البيت، ويميزون بين صحيح القول من ذلك والمكذوب منه، وهم المتبعون لأهل البيت حقا؛ وبهذا تبين بطلان قول المعترض.

فصل
[مذهب السلف والخلف في الصفات، وجهل المعترض ذلك]
وأما قوله في الكلام على الاستواء: (وقوله: قال الإمام الأعظم القاسم بن محمد في كتابه "الأساس": جمهور أئمتنا أن العرش عبارة عن عز الله وملكه ... إلى آخره) قال في شرحه: اعلم أن تأويل الاستواء على العرش متفق عليه إلا عند مثل ابن عربي والمُجَسِّمَةِ، ثم ذكر الحامل له على التأويل).
(فالجواب) أن يقال: هذا يدل على جهل المعترض، وأنه لا يعرف المذاهب في هذه المسألة، وجهل من نقل عنه ذلك؛ فإن مذهب أهل السنة في هذه المسألة من التابعين وأتباعهم، والأئمة الأربعة وأصحابهم، أمر مشهور معلوم عند من له أدنى معرفة بمذاهب الناس، حتى المُأَوِّلَة من المعتزلة والأشعرية وغيرهم يقرون بذلك إذا ذكروا آيات الصفات، وأحاديثها في تفاسيرهم، وعقائدهم يقولون: فيها مذهبان: مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت مع اعتقاد أنها صفات لله، لا تشبه صفات المخلوقين. وقالوا ذلك أسلم، (والثاني) مذهب الخلف: وهو تأويلها وصرفها عن ظاهرها كتأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة والنعمة، وأشباه ذلك.
وقد نقل مذهب السلف في هذه المسألة -كما ذكرنا- غير واحد من الأئمة: كحرب الكرماني صاحب الإمام
(4/152)

أحمد في "مسائله"، والإمام البخاري صاحب "الصحيح" في كتاب خلق أفعال العباد، والخلال في كتاب "السنة"، وأبي عثمان إسماعيل الصابوني، وعثمان بن سعيد الدارمي الذي هو من أقران البخاري ومسلم، وذكروا مذهب التأويل عن جهم بن صفوان، وبشر المريسي، وأشباههم ممن هو معروف بالبدعة والضلالة، وهذا نص كلامهم بحروفه:

{نُقُول مصنفي السلف في مذهب أهل السنة في صفات الله تعالى}
قال أبو محمد حرب الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما، وذكر من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وغيرهم ما ذكر، وهو كتاب كبير صنفه على طريقة "الموطأ" ونحوه من المصنفات. قال في آخره في الباب الجامع:
قول الإمام الكرماني في مذهب السلف:
(باب القول في المذهب): هذا مذهب أئمة العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل الشام والعراق والحجاز وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا منها، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مبتدع خارج من الجماعة، وزائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وبقي ابن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم، وذكر الإيمان في القدر والوعد والوعيد والإمامة، وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وغير ذلك ... إلى أن قال: "وهو سبحانه بائن عن خلقه، لا يخلو من علمه مكان".
ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه -عَزَّ ذِكره وتعالى جده، ولا إله غيره-. والله سبحانه سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك 1 ويسمع
__________
1 يعني بالتحرك: ما ورد في مجيئه وإتيانه، وهو في القرآن، ومن نزوله إلى سماء الدنيا في الحديث، ولكن لفظ التحرك لا نعرفه في الكتاب والسنة ولا آثار الصحابة.
(4/153)

ويبصر وينظر، ويقبض ويبسط ويعرج، ويحب ويكره، ويبغض ويرضى، ويسخط ويغضب، ويرحم ويعفو ويغفر، ويعطي ويمنع، وينْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1 إلى أن قال: ولم يزل الله متكلما عالما، فتبارك الله أحسن الخالقين".
قول الإمام الأثرم في مذهب السلف:
وقال الفقيه الحافظ أبو بكر الأثرم صاحب الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وقد نقله عنه الخلال في "السنة": حدثنا إبراهيم بن الحارث -يعني: العبادي- حدثني الليث بن يحيى، سمعت إبراهيم بن الأشعث: قال أبو بكر صاحب الفضيل: سمعت الفضيل ابن عياض يقول: "ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف، لأن الله وصف نفسه فأبلغ، فقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} 2.
فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه، وكل هذا النُزول، وهذه المباهاة، وهذا الاطلاع، كما شاء أن ينْزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يطلع، وكما شاء أن يضحك. فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، وإذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب يتحرك، أو يزول عن مكانه. فقل: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء.
وقد ذكر هذا الكلام الأخير عن الفضيل بن عياض -رحمه الله- البخاري -رحمه الله- في كتاب "خلق أفعال العباد"، هو وغيره من أئمة أهل السنة، وتلقوه بالقبول، قال البخاري: وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: "من زعم أن {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 3 على خلاف ما يقر في قلوب العامة، فهو جهمي".
قول إسحاق بن إبراهيم في كتاب "السنة":
وقال إسحاق بن إبراهيم في كتاب السنة: أخبرني عبيد الله بن حنبل أخبرني أبي حنبل بن إسحاق قال: قال عمي أحمد بن حنبل: "نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد، فصفات الله له ومنه، وهو
__________
1 سورة الشورى آية: 11.
2 سورة الإخلاص آية:1: 4.
3 سورة طه آية: 5.
(4/154)

كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، وعلام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف، وهو كما وصف نفسه.
وليس من الله شيء محدود، ولا يبلغ علم قدرته أحد، غلب الأشياء كلها بقدرته وسلطانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1، وكان الله قبل أن يكون شيء. والله هو الأول والآخر لا يبلغ أحد حَدَّ صفاته".
قال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى "أن الله -تبارك وتعالى- ينْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا"، و"أن الله يُرَى"، و"أن الله يضع قدمه"، وما أشبه هذه الأحاديث.
فقال أبو عبد الله: "نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى" أي: لا نكيفها ولا نحرفها بالتأويل، فنقول: معناها كذا، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، إذا كان بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 2.
وقال حنبل في موضع آخر، عن أحمد، قال: "ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه، وقد أجمل -تبارك وتعالى- بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، فصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حد، ونؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفات من صفاته لشناعة شنعت، لا نتعدى القرآن والحديث، والخبر. "يضحك الله" ولا يُعْلَمُ كيف ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم. لا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد. تعالى الله عما يقول الجهمية والمُشَبِّهَةُ".
قلت: والمُشَبِّهَةُ ما يقولون؟ قال: "مَنْ قال بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي. فقد شبه الله بخلقه، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، والكلام في هذا لا أحبه". انتهى.
__________
1 سورة الشورى آية: 11.
2 سورة الشورى آية: 11.
(4/155)

والكتب الموجودة فيها ألفاظهم الثابتة بأسانيدها عنهم، وغير أسانيدها كثير، مثل: كتاب "الرد على الجهمية" لابن أبي حاتم، والرد عليهم لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري، والرد عليهم للحكم بن معبد الخزاعي، وكتاب "السنة" لعبد الله بن أحمد بن حنبل، و"السنة" لحنبل ابن عم الإمام أحمد، و"السنة" لأبي داود السجستاني، و"السنة" للأثرم، و"السنة" لأبي بكر الخلال، و"الرد على الجهمية" للدارمي، ونقضه على "الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد".
وكتاب "التوحيد" لابن خزيمة، و"السنة" للطبراني ولأبي الشيخ الأصبهاني، و"شرح السنة" للالكائي، و"الإبانة" لابن بطة، وكتب ابن منده، و"السنة" لأبي ذر الهروي، و"الأسماء والصفات للبيهقي"، و"الأصول" لأبي عمر الطلمنكي، وكتاب "الفاروق" لأبي إسماعيل الأنصاري، و"الحجة" لأبي القاسم التيمي، وغير ذلك من الكتب التي يذكر مصنفوها مذاهب السلف بالنقول الثابتة بألفاظهم الكثيرة المتواترة في إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه تبارك وتعالى.
فكيف يقول هذا الجاهل: "إن تأويل الاستواء متفق عليه إلا عند ابن عربي والمجسمة؟ اللهم إلا أن يريد بالمجسمة أهل السنة والحديث: كالصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وأتباعهم من أهل الحديث وغيرهم كما يلقبهم بذلك الجهمية والمعتزلة؛ فإنهم يسمون كل من أثبت صفات الله مُجَسِّمًا.
وأما ابن عربي وأمثاله من أهل وحدة الوجود، فهم من غُلاة الجهمية، وإنما حملهم على ذلك المبالغة في إنكار الصفات؛ وذلك أن الجهمية لما أنكروا أن يكون الله تكلم بالقرآن، قالوا: "إن الله خلقه، وأحدثه في بعض الأجسام، فنسبة ذلك إلى الله مجاز، فلزم أن يكون كلام جميع الخلق كلام الله؛ لأنه خلق ذلك فيهم". ولهذا قال ابن عربي:
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره نظامه
ومعلوم أن من خالف ما جاءت به الرسل عن الله بمجرد عقله، فهو أولى بالكفر والجهل والتشبيه، والتجسيم ممن لم يخالف ما جاءت به الرسل، وإنما خالف
(4/156)

ما علم بالعقل؛ إن كان ذلك حقا، كما قال بعض نُفَاةِ الصفات لما تأمل أحوال أصحابه، وحال مثبتيها، قال: لا ريب أن حال هؤلاء عند الله خير من حالنا؛ فإنهم إن كانوا مصيبين نالوا الدرجات العالية، والرضوان الأكبر، وإن كانوا مخطئين، فإنهم يقولون: يا ربّ نحن صدقنا ما دل عليه كتابك وسنة رسولك، إذ لم يتبين لنا بالكتاب والسنة نفي الصفات كما دل كلامك على إثباتها.
فنحن أثبتنا ما دل عليه كلامك، وكلام رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، فإن كان الحق بخلاف ذلك، فلم يبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك، ولم يكن خلاف ذلك مما يعلم ببدائه العقول، بل إن قُدِّرَ أنه حق، فإنما يعلمه الأفراد، فكيف والمخالفون في ذلك يقرون بالحيرة والارتياب.
قال النافي: فإن كنا نحن المصيبين، فإنه يقال لنا: أنتم قلتم شيئا لم آمركم بقوله، وطلبتم علما لم آمركم بطلبه، فالثواب إنما يكون لأهل الطاعة، وأنتم لم تمتثلوا أمري. قال: وإن كنا مخطئين فقد خسرنا خسرانا مبينا.

فصل
[في إبطال تأويل الاستواء بالاستيلاء]
وأما قوله في تأويل الاستواء بالاستيلاء، ويساعده من كلام العرب ما نقله الغزالي من قول الشاعر:
قد استوى عمرو على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق
(فالجواب) أن يقال: أنت قد نقضت كلامك المتقدم، وقولك: ولغة العرب حاكمة بأن حقيقة الاستواء على العرش: الجلوس عليه، وهو القعود مع تعطف الرجلين ورجوع بعضها على بعض.
وبيان ذلك أن الشاعر أخبر أن عمرًا استوى على العراق أي: ملَكه، فتقول: إن معناه جلس على العراق كله، وعطف رجليه على جميعه! فإن قلت هذا، فهذا مكابرة، وإن قلت: إن المعنى باستواء عمرو على العراق: ملكه، فقد نقضت ما أَصّلتَه، وهدمت ما قررته، فأعجب لِبَانٍ يُخَرِّبُ ما بَنَى. ولم تعلم
(4/157)

بجهلك بلغة العرب، وما يجوز على الله، وما يمتنع عليه أن ذلك لا يجوز في حقه -تبارك وتعالى-، وذلك أن الله -تعالى- مُسْتَوْلٍ على الكونيْن والجنة والنار وأهلها. فأيّ فائدة في تخصيص العرش؟ وأيضًا الاستيلاء يكون بعد قهر وغلبة، والله تعالى منَزه عن ذلك.
وقد أخرج اللالكائي في "السنة" عن ابن الأعرابي -وهو من أكابر أئمة اللغة- أنه سئل عن معنى: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} 1 فقال: هو على عرشه كما أخبر، فقيل: يا أبا عبد الله، معناه استولى؟ فقال: اسكت. لا يقال: استولى على الشيء إلا إذا كان له مضادٌّ، فإذا غلب أحدهما. قيل: استولى.
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن الاستواء في لغة العرب يطلق على معانٍ متعددة:
(أحدها): بمعنى الاستقرار، كقوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} 2.
(ثانيها): بمعنى الاستيلاء، ومنه قول الشاعر:
فلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وكاسر
(وثالثها): القصد والإقبال على الشيء، كقول القائل: "كان الأمير يدبر أمر الشام، ثم استوى إلى أهل الحجاز". أي: تحول فعله وتدبيره إليهم.
(رابعها): أنه بمعنى التمام والكمال، كقوله -تعالى-: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} 3 أي: كمل عقله.
فتبين بذلك كذب هذا المفتري وجهله بلغة العرب، وما أحسن ما قال بعضهم: "أكثر ما يفسد الناس نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي. هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان وهذا يفسد اللسان".
__________
1 سورة الأعراف آية: 54.
2 سورة هود آية: 44.
3 سورة القصص آية: 14.
(4/158)

فصل
[نقض حجة الزيدي من كلام من احتج بهم]
أما قوله: (وقد ذكر القاضي العلامة إسحاق بن محمد العبدي -رحمه الله- في كتاب "الاحتراس" بعد أن طوَّل بما يشفي الصدور في تقرير حجة المأولين للعرش بالعز، والملك والاستواء بالاستيلاء والقهر. ولكنه كلام طويل تضيق عنه هذه الرسالة، فاقتصرنا على آخر كلامه، قال ما لفظه: "إذا استبان لك ما أشرنا إليه، فأمر الاختيار مفوض إليك. فأما جمهور العدلية من المعتزلة وغيرهم، فقد جنحوا إلى التأويل، ورأوا أن ذلك أوفق وأليق لمن يرد إلى سواء السبيل.
وأما المحافظون على بقاء الظواهر، وكذلك التاركون للتفصيل والتأويل، فقد ظنوا أن في ذلك نوعا من التعطيل، وما التفتوا إلى التأويل، وما يرفع الشبه لا بد منه عند الفريقين، إما في نفس العرش، أو الاستواء عليه، وإما أن يكون التأويل تفصيليا أو إجماليا، وإذا كان لا بد من التأويل، فالتأويل بما يرفع مطالبة الوهم بالكيف، ويقطع مادة تلفته إلى إدراك تلك الحقيقة أحق وأوفق وأليق.
وقد كشفت لك الغطاء في التعيين والتوقف والتأويل، وأنت بعد ذلك مخير على أي جانبيك تميل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل").
(فالجواب) أن يقال: هذا الذي نقلته من هذا الكلام، قد نقض عليك ما نقلته قبل ذلك بأسطر يسيرة من أن تأويل الاستواء على العرش متفق عليه، إلا عند مثل ابن عربي والمجسمة، وذلك أنه ذكر في كلامه الأقوال في المسألة.
فذكر أن جمهور العدلية من المعتزلة وغيرهم يميلون إلى التأويل. فكلامه يدل على أن بعض المعتزلة يميل إلى القول المقابل لقول أهل التأويل؛ ولهذا قال: وأما المحافظون على بقاء الظواهر، وكذا التاركون للتفصيل والتأويل، فقد ظنوا أن في ذلك نوعا من التعطيل. ثم إنه خيَّر الناظر في كلامه على أي وجه يميل إليه من تلك الأقوال، وإن كان القول الأول هو الأوفق والأليق والراجح عنده. فلو أن هذا المعترض
(4/159)

قال مثل مقالة هذا الرجل لكان أليق به وأوفق.
وأما ما ذكره من كلام الزمخشري وغيره من أئمة المعتزلة. فكلامهم في نفي الصفات، والقول بخلق القرآن مشهور معروف، وليسوا من أئمة العلم والدين المقتدى بهم، بل هم من أئمة البدع والضلال؛ ولهذا نقل عن بشر بن غياث المريسي حديثا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
فإذا كان رجاله الذين ينقل عنهم كلام أهل البيت مثل بشر بن غياث المريسي، وأضرابه الذين كفرهم أهل العلم، وبَدَّعُوهم، واشتهروا بينهم بالزندقة والكفر والكذب، تبين لك أن عامة ما ينقله هذا وأشباهه عن أهل البيت كذب وافتراء عليهم. نسأل الله أن ينتقم لأهل البيت ممن كذب عليهم وأبغضهم، وقد قال البخاري -رحمه الله- في كتاب "خلق أفعال العباد": حدثني أبو جعفر، حدثني أحمد بن خالد الخلال، قال: سمعت يزيد بن هارون ذكر أبا بكر الأصم وبشر المريسي، فقال: "هما والله زنديقان، كافران بالرحمن، حلالا الدم".
وقال الخطيب في تاريخه المشهور: "وبشر بن غياث من أصحاب الرأي، أخذ الفقه من أبي يوسف القاضي، إلا أنه اشتغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وحكى عنه أقوالا شنيعة، ومذاهب مستنكرة، أساء أهل العلم قولهم فيه بسببها، وكفره أكثرهم لأجلها". ثم ذكر الخطيب كلام أهل العلم في تكفيره، والأمر بقتله.
وقد صنف علماء السنة مصنفات كثيرة في الرد على بشر المريسي، ونحوه من أئمة الجهمية والمعتزلة. فمن ذلك ما صنفه أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي الإمام المشهور من طبقة البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، وطبقتهم، وسماه "نقض عثمان بن سعيد، على المريسي الجهمي العنيد، فيما افترى على الله في التوحيد" قال فيه: "وقد اتفقت الكلمة من المسلمين، والكافرين أن الله في السماء، إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث، قد عرفوه بذلك: إذا ضرب الصبي رفع يده إلى السماء يدعو ربه، وكلامه بالله وبمكانه أعلم من الجهمية"، حدثنا
(4/160)

أحمد بن منيع، حدثنا معاوية، عن شبيب بن شيبة، عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيه: "يا حصين كم تعبد اليوم؟ قال: سبعة: ستة في الأرض، وواحدا في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء"1 فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الكافر إذ عرف أن إله العالمين في السماء.
فحصين الخزاعي في كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل من بشر المريسي وأصحابه مع ما ينتحلون من الإسلام، إذ ميز بين الإله الخالق الذي في السماء، وبين الآلهة والأصنام المخلوقة في الأرض.
(قال): وادعى المعارض -أيضًا- أن قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله ينْزل إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من داع؟ هل من تائب؟ "2 فادعى أن الله لا ينزل بنفسه، إنما ينْزل أمره ورحمته، وهو على العرش، وبكل مكان من غير زوال؛ لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه لا يزول.
(قال): فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان؛ لأن أمر الله ورحمته ينزلان في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يحد لنُزوله الليل دون النهار؟ ويوقت من الليل شطره أو الأسحار؟ فأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار؟ أَو يَقْدِرُ الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولان: هل من داع فأجيب؟ هل من مستغفر فأغفر؟ هل من سائل فأعطي؟ فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله. وهذا محال عند السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟!
وقد علمتم ذلك، ولكن تكابرون، وما بال رحمته وأمره ينْزلان من عنده شطرا من الليل، ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر، ثم يرفعان؟ لأن رفاعة يرويه في حديثه حتى ينفجر الفجر، وقد علمتم -إن شاء الله- أن هذا التأويل أبطل باطل، ولا يقبله إلا كل جاهل.
__________
1 الترمذي: الدعوات (3483).
2 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (758) , وأحمد (2/ 433 ,3/ 43 ,3/ 94).
(4/161)

وأما دعواك أن تفسير الحي القيوم: الذي لا يزول عن مكانه، ولا يتحرك، فلا يقبل هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول -الله صلى الله عليه وسلم- أو عن بعض أصحابه أو التابعين؛ لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط إذا شاء، ويجلس إذا شاء؛ لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، فكل حي متحرك لا محالة.
ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة إذ فسر نزوله مشروحا منصوصا، ووَقّتَ لنُزوله وقتا مخصوصا، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا.
(قال): ثم أجمل المُعارض جميع ما تنكره الجهمية من صفات الله -تعالى- وذاته المسماة في كتابه، وفي آثار رسوله صلى الله عليه وسلم، فعد منها بضعة وثلاثين صفة نسقا، وأخذ يحكم عليها، ويفسرها بما حكم به المريسي، وفسرها وتأولها حرفا حرفا، معتمدا فيها على تفسير الزائغ الجهمي بشر بن غياث المريسي، متسترا عند الجهال بالتشنيع على قوم يؤمنون بها، ويصدقون الله ورسوله فيها بغير تكييف ولا تمثيل.
فزعم أن هؤلاء مؤمنين بها يكيفونها، ويشبهونها بذوات أنفسهم، وأن العلماء -بزعمه- قالوا: ليس في شيء منها اجتهاد رأي ليدرك كيفية ذلك، أو يشبه شيئا منها بشيء مما هو للخلق موجود. قال: وهنا خطأ، كما أن الله ليس كمثله شيء، فكذلك ليس ككيفيته شيء.
قال أبو سعيد: فقلنا لهذا المعارض المشنع: أما قولك: إن كيفية هذه الصفات، وتشبيهها بما هو في الخلق خطأ. فإنا لا نقول: إنه خطأ كما قلت، بل هو عندنا كفر، ونحن بكيفيتها، وتشبيهها بما هو في الخلق موجود أشد اتقاء منكم، غير أنا كما أنا لا نشبهها ولا نكيفها، ولا نكفر بها ولا نكذب بها، ولا نبطلها بتأويل الضلال كما أبطلها إمامك المريسي في أماكن من كتابك.
وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله. فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا، ونسمعها في آذاننا، فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون، وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا
(4/162)

لا نقول فيها كما قال إمامك المريسي: إن هذه الصفات كلها كشيء واحد، وليس السمع منه غير البصر، ولا الوجه منه غير اليد، ولا اليد منه غير النفس، وأن الرحمن ليس يعرف -زعمكم- لنفسه سمعا من بصر، ولا وجها من يدين، ولابصرا من سمع، هو كله -بزعمكم- سمع وبصر، ووجه ويد، ونفس وعلم، ومشيئة وإرادة، مثل الأرضين والسماء والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات.
والله تعالى عندنا متعال أن يكون كذلك، فقد ميز الله في كتابه السمع من البصر، فقال: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} 1، وقال: {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} 2، وقال: {وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} 3، ففرق بين الكلام والنظر دون السمع، فقال عند السماع: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} 4 إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} 5، وقال -تعالى-: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} 6، ولم يقل: قد رأى الله، وقال في موضع الرؤية: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} 7، وقال: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} 8، ولم يقل: سمع الله تقلبك، وسمع عملكم. فلم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا السماع فيما يرى، كما أنهما عنده خلاف ما عندكم.
وكذلك قال الله -تعالى-: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} 9، وقال: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} 10 ولم يقل لشيء من ذلك: على سمعي. فكما أنا لا نكيف هذه الصفات، لا نكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم. انتهى.
فتأمل -رحمك الله- كلام هذا الإمام بعين البصيرة يتبين لك بطلان كلام هذا المعترض، وكذبه على أهل البيت، وأنه هو وشيعته من أبعد الناس عن اتباعهم، وإنما يتبعون أعداء الملة الإسلامية والطريقة المحمدية، كجهم والمريسي وأحزابهما من أهل البدع والضلال، والله أعلم.
__________
1 سورة طه آية: 46.
2 سورة الشعراء آية: 15.
3 سورة آل عمران آية: 77.
4 سورة المجادلة آية: 1.
5 سورة المجادلة آية: 1.
6 سورة آل عمران آية: 181.
7 سورة الشعراء آية:218، 219.
8 سورة التوبة آية: 105.
9 سورة القمر آية: 14.
10 سورة طه آية: 39.
(4/163)

فصل
[اختلاف أهل البيت في الصفات وغيرها كغيرهم]
قال المعترض: (فإن قلت: أنت تروي إجماع أهل البيت في هذه المسائل، وقد عرفت تفرقهم في المذاهب: فمنهم الأشعري، والحنبلي وغير ذلك. قلت: أجل، ولكن لم يحدث التفرق إلا بعد انعقاد إجماع الآل في العصور المتقدمة، ولا يضر ذلك التفرق بعد وشب فروخ من ذكر عن منهج أهل البيت الأولين نشأتهم بين من لم يعرف أهل البيت ولا كتبهم فأخذوا عن العلماء ... إلى آخره).
(فالجواب) أن يقال: قد نقضت بكلامك هذا الأصل الذي أصلته، وهو أن جميع أهل البيت لا يخالفون كتاب الله، وأنهم العصمة، وباب حطة، وجميع دلائلك التي استدللت بها من الآيات والأحاديث ينازعك خصومك في دلالتها على ما أردت، وقد تقدم جواب ذلك مبينا. وهذا على التقدير والتّنَزّل؛ وإلا فأكثر هذه الأحاديث التي رويتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طعن فيها أهل العلم بالإخبار، وبينوا أنها من وضع الكذابين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا كنت قد أقررت أن أهل البيت في هذا الزمان وقبله بأزمنة متطاولة قد افترقوا وصار بعضهم مع خصومكم. فكذلك أهل البيت في العصر الأول، ودعواك إجماعهم كذب ظاهر.
وهذه نصوص أهل البيت، قد نقلناها لك فيما تقدم من الرد عليك. وهذا ابن عباس -رضي الله عنهما- من أكابر علماء أهل البيت، وقد فسر الاستواء في حقه -تبارك وتعالى- بالاستقرار، كما حكى ذلك مقاتل والكلبي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "استوى بمعنى استقر". وقد ذكر الطبرسي، وهو من أئمة الشيعة في كتاب "مجمع البيان بعلوم القرآن" في تفسير قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} 1 فقال ما لفظه: اختلف فيه على أقوال:
(أحدها): وسع علمه السماوات والأرض. عن ابن عباس ومجاهد،
__________
1 سورة البقرة آية: 255.
(4/164)

وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، ويقال للعلماء: "كراسي"، كما يقال لهم: "الأوتاد"؛ لأن بهم قوام الدين والدنيا.
(وثانيها): أن الكرسي ههنا: هو العرش. عن الحسن: وإنما سمي كرسيا لتركيب بعضه على بعض.
(وثالثها): أن المراد بالكرسي ههنا الملك والسلطان والقدرة.
(ورابعها): أن الكرسي سرير دون العرش.
وقد روي ذلك عن أبي عبد الله، وقريب منه ما روي عن عطاء، أنه قال: "ما السماوات والأرض عند الكرسي إلا كحلقة في فلاة".
ومنهم من قال: إن السماوات والأرض جميعا على الكرسي، والكرسي تحت العرش، والعرش فوق السماوات.
وروى الأصبغ بن نباتة أن عليا -رضي الله عنه- قال: "السماوات والأرض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله تعالى" انتهى. وهذا يبين كذب هذا المعترض على أهل البيت في دعوى الاتفاق منهم في هذه المسائل.

فصل
[ما قيل في إسرار النبي إلى بعض أزواجه حديثا]
وأما قوله في الاعتراض على قول المجيب في قوله: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} 1، ثم ذكر أن مراد السائل من ذلك استظهار ما عند المسؤول، هل يقدم أبا بكر -رضي الله عنه- على علي -رضي الله عنه- في الخلافة أم العكس؟ وأن المجيب أتى بما يعهده من تفسير الآية، فأعرض عن غرض السائل وقصده.
ثم إنه قد اطلع على روايات مسندة أن الحديث الذي أسره رسول الله صلى الله عليه وسلم هي خلافة علي على الأمة، وتقديمه على أبي بكر رضي الله عنه. ثم قال المعترض: وأنا أقول: يُنظر في تصحيح هذه الروايات، وإذا صحت فما فائدة الإسرار بولاية علي رضي الله عنه؟
(فالجواب) أن يقال: هذا المعترض قد كفانا المؤنة في رد هذه الروايات الباطلة، وذكر أنها إذا صحت فما فائدة الإسرار بولاية علي -رضي الله عنه-، وذلك
__________
1 سورة التحريم آية: 3.
(4/165)

أن الأمر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله أو أمر به، لا يقال فيه: فما فائدة الإسرار بذلك؟ بل إذا صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل شيئا أو أمر به، فلا يفعله ولا يأمر به إلا لما فيه من الفائدة العظيمة، والمصلحة العميمة، ولا يقول مثل هذا الكلام إلا من هو من أجهل الجاهلين، وأبطل المبطلين.
كيف يجوز عند من له أدنى مسكة من العقل والدين أن يصح عنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل شيئا أو أمر به، ولا يكون في ذلك فائدة أصلا؟ ولكن هذا شأن أهل البدع والضلال، لا يقدرون رسول الله صلى الله عليه وسلم حق قدره، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه.

فصل
[رأي الزيدية في الإمامة وغلو الإمامية والباطنية]
زعم الزيدية أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على تقديم علي في الخلافة
وأما قوله: (وقد علمنا بالتواتر المعنوي من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعلن وأنذر وأفصح وأكثر في تقديم علي رضي الله عنه على غيره من الصحابة -رضي الله عنهم- في الولاية، ولكن أهل البيت بعد علمهم بتقديم علي، لم يخوضوا في جانب من تقدم إلا كخوضه رضي الله عنه من إبانة الحق للأمة، وأنه الأقدم.
والتوجع فقط في مواطن، خروجا منه عن التلبيس والمداهنة في الدين، إذ الحق لله -تعالى- فإذا هو رضي الله عنه قد فرض أنه أسقط حقه، وجب عليه إبانة ما هو لله إذ هو المولى له، فلم يسكت، بل أعلن رضي الله عنه بما يجب عليه، وأهل البيت وصفوة شيعته لم يصنعوا إلا كما صنع علي، فلم يغلوا غلو الإمامية ولا الباطنية، نسأل الله السلامة).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها): أن هذا من أظهر الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى علي رضي الله عنه، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره بالأسانيد الثابتة قصة خروج علي والعباس من عند النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه حين قال الناس لعلي: "يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا. فقال له العباس -رضي الله عنه-: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسأله:
(4/166)

فيمن هذا الأمر فإن كان فينا عرفنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه، فأوصى بنا. فقال علي رضي الله عنه: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم"1 أخرجه البخاري عن إسحاق.
أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة، حدثني أبي عن الزهري، أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، وكان كعب أحد الثلاثة الذين تيب عليهم: أن ابن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي منه، وذكر الحديث كنحو ما سقناه. وكل هؤلاء الذين رووا هذا الحديث أئمة مشاهير.
(الوجه الثاني): ما أخرجه أحمد والبيهقي بسند حسن، عن علي أنه قال -لما ظهر يوم الجمل-: "أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام، ثم ضرب الدين بِجِرَانِهِ، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا، فكانت أمور يقضي الله فيها".
(الوجه الثالث): ما روى جمع من أهل الحديث: كالدارقطني وابن عساكر والذهبي وغيرهم: أن عليا أقام بالبصرة حين بايعه الناس، فقام إليه رجلان، فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه؛ لتستولي على الأمر وعلى الأمة، تضرب بعضها ببعض، أعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهده إليك؟ فحدثنا، فأنت الموثوق به، والمأمون على ما سمعت.
فقال: "أما أن يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فلا، والله لأن كنت أول من صدق به، فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي منه عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة، وعمر بن الخطاب يثبان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردي هذه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُقْتَلْ قتلا، ولم يمت فجأة، ومكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه لصلاة، فيأمر أبا بكر، فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني.
ولقد أرادت امرأة من
__________
1 البخاري: المغازي (4447) , وأحمد (1/ 263 ,1/ 325).
(4/167)

نسائه تصريفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: "أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس"1. فلما قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا مَنْ رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، وكانت الصلاة أعظم شعائر الإسلام، وقوام الدين، فبايعنا أبا بكر رضي الله عنه فكان لذلك أهلا، لم يختلف عليه منا اثنان -وفي رواية- فأديت إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.
فلما قُبِضَ رضي الله عنه بايعنا عمر، لم يختلف عليه منا اثنان، فأديت له حقه، وغزوت معه، وعرفت طاعته، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما قبض رضي الله عنه تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي، وأنا أظن أن لا يُعْدَل بي، ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده شيئا إلا لحقه في قبره.
فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة لآثر بها ولده وبرئ منها لرهط أنا أحدهم، فظننت ألا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم بايع عثمان، فنظرت فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.
فلما أصيب فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما بالصلاة قد مضيا، وهذا الذي أخذ له ميثاقي قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين -الكوفة والبصرة- فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمى، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه، يعني: "معاوية". أخرجه هؤلاء الأئمة.
وأخرجه إسحاق بن راهويه من طرق أخرى، قال الذهبي: وهذه طرق يقوي بعضها بعضا، قال: وأصحها ما رواه إسماعيل بن علية، فذكره وفيه: لما قيل لعلي: أخبرنا عن مسيرك، أعهد عهده إليك النبي صلى الله عليه وسلم أم رأي رأيته؟
__________
1 البخاري: الأذان (664) , ومسلم: الصلاة (418) , والترمذي: المناقب (3672) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1232) , وأحمد (6/ 34 ,6/ 96 ,6/ 210 ,6/ 224 ,6/ 270) , ومالك: النداء للصلاة (414).
(4/168)

فهذه الطرق كلها عن علي رضي الله عنه متفقة على نفي النص بإمامته، ووافقه على ذلك علماء أهل بيته.
فقد أخرج أبو نعيم عن المثني بن الحسن السبط، أنه لما قيل له: "من كنت مولاه فعلي مولاه" نص في إمامة علي.
فقال: "أما والله لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الإمارة والسلطان، لأفصح لهم به؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس، ولقال لهم: يا أيها الناس هذا ولي أمري، والقائم عليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. ما كان من هذا شيء، فوالله لئن كان الله ورسوله اختارا عليا لهذا الأمر، والقيام به للمسلمين من بعده، ثم ترك علي أمر الله ورسوله أن يقوم به، أو يعذر فيه للمسلمين، إن كان أعظم الناس خطيئة لعلي إذ ترك أمر الله ورسوله، وحاشاه من ذلك"
وكلام علي وأهل بيته في الثناء على أبي بكر وعمر كثير جدا بعد ما أفضت إليه الخلافة، وتواتر عنه أنه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر".
وروى البخاري في صحيحه عن سفيان الثوري عن منذر عن محمد بن الحنفية، قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "يا بني، أبو بكر". قلت: ثم من؟ قال: "عمر". فخشيت أن يقول: ثم عثمان. فقلت: ثم أنت؟ فقال: "يا بني، إنما أنا رجل من المسلمين". وصح هذا عنه من وجوه كثيرة، وطرق متغايرة يصدق بعضها بعضا.
قال بعض أهل الحديث: إنه رواه عن أكثر من ثمانين نفسا من خواص أصحابه وأهل بيته. فقد تبين بما ذكرنا بطلان دعوى المعترض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على إمامته. فإذا ادعوا أن هذا مكذوب على أهل البيت، أمكن خصومهم أن يدعوا الكذب فيما رووه عن أهل البيت.
والدلائل الصحيحة التي احتجوا بها على النص على إمامة علي رضي الله عنه كقوله -تعالى-: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} 1، وكحديث غدير خم وقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فكل هذا ليس بصريح في
__________
1 سورة المائدة آية: 55.
(4/169)

النص على إمامته، والله -تبارك وتعالى- قد فرض على رسوله صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين الذي يفهمه عامة الناس وخاصتهم، وتلك الدلائل معارضة بما هو أصح منها وأصرح، لكن هؤلاء لا يقبلون رواية أهل السنة، فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها.
(الوجه الرابع): أن دعواهم النص على إمامته رضي الله عنه قد عارضها أقوام ادعوا النص على العباس، وعلى غيره، فالدعاوي الباطلة تمكن كل واحد. وقد قال الإمام أبو محمد بن حزم في كتاب "الملل والنحل":
"اتفق جميع فرق أهل القبلة، وجميع المعتزلة وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج -حاشا النجدات من الخوارج خاصة 1 - على وجوب الإمامة فرضا، وأن على الأمة الانقياد لإمام عدل يقيم فيهم أحكام الله عز وجل ويسوسهم بأحكام الشريعة.
[مذاهب فرق المسلمين في الإمامة]
ثم اختلف القائلون بوجوب الإمامة على فرقتين: فذهب أهل السنة، وجميع الشيعة، وجمهور المرجئة، وبعض المعتزلة إلى أن: الإمامة لا تجوز إلا في قريش، خاصة مَنْ كان مِنْ ولد فهر بن مالك. وذهبت الخوارج كلها، وبعض المرجئة، وبعض المعتزلة إلى أنها جائزة في كل من قام بالكتاب والسنة، قرشيا كان أو عربيا أو عجميا. قال أبو محمد: وبوجوب الإمامة في ولد فهر بن مالك نقول؛ لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الأئمة من قريش.
وهذه رواية جاءت مجيء التواتر، رواها أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومعاوية رضي الله عنهم، وروى (جابر) بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت -رضي الله عنهم- معناها.
ومما يدل على معناها إذعان الأنصار يوم السقيفة، وهم أهل الدار والمنعة والعدد والسابقة في الإسلام -رضي الله عنهم-، ومن المحال الممتنع الباطل أن يتركوا اجتهادهم لاجتهاد غيرهم لولا قيام الحجة عليهم بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الحق لغيرهم في ذلك.
ثم قال: ولا يخلو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش"2 من أحد
__________
1 وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي القائم باليمامة.
2 أحمد (3/ 129).
(4/170)

وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون أمرًا، وإما أن يكون خبرًا، فإن كان أمرا، فمخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسق، وعمله مردود، وإن كان خبرا، فمجيز تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم كافر.
[اختلاف الفرق في الإمامة]
ثم اختلف القائلون بأن الإمامة لا تكون إلا في صلبة قريش، فقالت طائفة: هي جائزة في جميع ولد فهر بن مالك فقط، وهذا قول أهل السنة، وجميع المرجئة، وبعض المعتزلة.
وقالت طائفة: لا تجوز الخلافة إلا في ولد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم قصروها على عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.
وقال بعض بني الحارث بن عبد المطلب: لا تجوز الخلافة إلا لبني عبد المطلب خاصة، وهم أربعة فقط لم يعقب لعبد المطلب غيرهم، وهم: العباس والحارث وأبو طالب وأبو لهب. وبلغنا عن رجل من أهل طبرية الأردن: لا تجوز الخلافة إلا في بني أمية بن عبد شمس، وكان له في ذلك تأليف مجموع. ورأينا كتابا مؤلفا لرجل من ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحتج فيه بأن الخلافة لا تجوز إلا في ولد أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فقط.
قال أبو محمد: "وهذه الفرق الأربعة لم نجد لهم شبهة تستحق أن يشتغل بها إلا دعاوي كاذبة، لا وجه لها مع انقطاع القائلين بها ودثورهم".
وقالت طائفة: لا تجوز الخلافة إلا في ولد العباس، وهو قول الراوندية 1، واحتجوا بأن العباس كان عاصب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارثه. قالوا: فإذا كان كذلك، فقد ورث مكانه، وهذا ليس بشيء؛ لأن الميراث لو صح له، لما كان ذلك إلا في المال خاصة، وأما المرتبة فما جاء قط في الديانة أنها تورث، فبطل هذا التمويه جملة، ولله الحمد.
وقد صح بإجماع جميع أهل القبلة -حاشا الروافض- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنا لا نورث، ما تركناه صدقة"2 فاعترضوا بقول الله عز وجل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} 3 وقوله -تعالى- حاكيا عن زكريا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي
__________
1 نسبة إلى ابن الراوندي.
2 البخاري: المناقب (3712) والمغازي (4036 ,4241) والفرائض (6725 ,6730) , والترمذي: السير (1610) , وأبو داود: الخراج والإمارة والفيء (2968) , وأحمد (1/ 48) , ومالك: الجامع (1870).
3 سورة النمل آية: 16.
(4/171)

وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} 1.
وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن الرواة، وحملة الأخبار، وجميع التواريخ القديمة، وكواف بني إسرائيل ينقلون بلا خلاف نقلا يوجب العلم: أن داود -عليه السلام- كان له بنون ذكور جماعة غير سليمان؛ فصح أن سليمان ورث النبوة، وهكذا القول في ميراث يحيى بن زكريا -عليهما السلام- وبرهان ذلك من نص الآية نفسها قول زكريا -عليه السلام-: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} 2.
فأي شيء كان يرث من آل يعقوب؟ لكل سبط من أسباط يعقوب عصبات عظيمات، وهم مئو ألوف، فصح أنه إنما رغب في ولد يرث عنه، وعن آل يعقوب النبوة فقط. وأيضا فمن المحال أن يرغب زكريا في ولد يحجب عصبته عن ميراث إذ إنما يرغب في هذا ذو الحرص على الدنيا وحطامها.
وقد كان العباس حيا قائما إذ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ادعى العباس لنفسه في ذلك حقا، لا حينئذ، ولا بعد ذلك. فصح أنه رأي محدث فاسد لا وجه للاشتغال به، وما رضيه أحد قط من خلف ولده، ولا من أماثلهم ترفعا عن سقوط هذه الدعوى ووهنها، وبالله التوفيق.
[مذهب الروافض والزيدية في الإمامة]
وأما القائلون بأن الإمامة لا تكون إلا في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإنهم انقسموا قسمين: فقالت طائفة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله عنه بأنه الخليفة بعده. وإن الصحابة -رضي الله عنهم- بعد موته اتفقوا على ظلم علي رضي الله عنه وعلى كتمان ذلك النص. وهؤلاء هم الروافض.
وطائفة قالت: لم ينص النبي صلى الله عليه وسلم على علي، لكنه كان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحقهم بالخلافة، وهؤلاء هم الزيدية "نسبوا إلى زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم"، ثم اختلفت الزيدية فرقا، فقالت طائفة أن الصحابة ظلموه، فكفروا كل من خالفه من الصحابة -رضي الله عنهم- وهم الجارودية.
وقالت طائفة: لم يظلموه، لكن طابت نفسه بتسليم حقه إلى أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وأنهما إماما هدى، ووقف بعضهم في عثمان -رضي الله عنه- وتولاه بعضهم. وجميع الزيدية لا يختلفون في أن الإمامة في جميع بني
__________
1 سورة مريم آية:5، 6.
2 سورة مريم آية: 6.
(4/172)

علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من خرج منهم يدعو إلى الكتاب والسنة، وجب سل السيف معه.
وقالت الروافض بأجمعهم: الإمامة في علي رضي الله عنه وحده بالنص عليه، ثم في الحسن، ثم في الحسين رضي الله عنهما. وادعوا نصا آخر من النبي صلى الله عليه وسلم عليهما بعد أبيهما، ثم علي بن الحسين؛ لقول الله -عز وجل-: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 1.
قالوا: فولد الحسين أحق من بني أخيه الحسن، ثم محمد بن علي بن الحسين، ثم في جعفر بن محمد، ثم افترقت الرافضة بعد موت هؤلاء المذكورين وموت جعفر بن محمد. فقالت طائفة بإمامة ابنه إسماعيل بن جعفر وادعوا أنه حي لم يمت، والذي لا شك فيه أنه مات في حياة أبيه، وهو كان أكبر بنيه. وقالت طائفة بإمامة ابنه محمد بن جعفر. وقالت طائفة جعفر بن محمد حي لم يمت.
وقال جمهور الروافض بإمامة ابنه موسى بن جعفر، ثم علي بن موسي، ثم محمد بن علي بن موسى، ثم علي بن محمد بن على بن موسى، ثم الحسن بن علي، ثم مات الحسن عن غير عقب، فافترقوا فرقا، وثبت جمهورهم على أنه ولد للحسن ولد فأخفاه، وقيل: بل ولد له بعد موته من جارية له اسمها صقيل.
وكانت طائفة قديمة رئيسهم المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكيسان المكنى بأبي عمرة وغيرهم، يذهبون إلى أن الإمام بعد الحسين بن على رضي الله عنه أخوه محمد المعروف بابن الحنفية، ومن هذه الطائفة السيد بن إسماعيل الحميري الشاعر، وكثير عزة الشاعر، وكانوا يقولون: إن محمد بن الحنفية حي بجبل رضوى، ولهم من التخليط ما تضيق عنه الصحف الكثيرة.
وعمدة هذه الطوائف كلها في الاحتجاج أحاديث مكذوبة ;موضوعة، لا يعجز عن توليد مثلها من لا دين له ولا حياء.
قال أبو محمد: "لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا، فهم لا يصدقونها، وإنما يجب أن
__________
1 سورة الأنفال آية: 75.
(4/173)

يحتج الخصوم بعضهم على بعض بما يصدقه الذي تقام به عليه الحجة سواء صدقه المحتج به أو لم يصدقه؛ لأن من صدق شيئا لزمه القول به، أو بما يوجب العلم الضروري، فيصير الخصم حينئذ -إن خالفه- مكابرا بالباطل منقطعا.
إلا أن بعض ما يشغبون به أحاديث صحيحة، منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "أنت مني بمنْزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي"1.
قال أبو محمد: "وهذا لا يوجب فضل علي على من سواه، ولا استحقاق الإمامة بعده؛ لأن هارون -عليه السلام- لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى -عليهما السلام- وإنما ولي الأمر بعد موسى -عليه السلام- فتاه يوشع بن نون، وهو صاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام. كما ولي الأمر بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاحبه في الغار الذي سافر معه إذ هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وإذا لم يكن علي نبيا كما كان هارون، ولا كان هارون خليفة على بني إسرائيل بعد موسى -عليهما السلام-، فقد صح أن كونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنْزلة هارون من موسى -عليهما السلام- إنما هو في القرابة فقط.
وأيضا فإنما قال رسول -الله صلى الله عليه وسلم- هذا القول إذ استخلفه على المدينة في "غزوة تبوك"، فقال المنافقون: استثقله فَخَلَّفَهُ. فلحق علي رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ، فشكا إليه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أنت مني بمنْزلة هارون من موسى"2 لاستخلافه إياه على المدينة مختارا له.
ثم قد استخلف صلى الله عليه وسلم قبل تبوك وبعدها على المدينة في غزواته وعُمَرِهِ وحجه رجالا سوى علي رضي الله عنه فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلا على غيره ممن استخلفه، ولا يوجب -أيضا- ولاية الأمر بعده صلى الله عليه وسلم كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين.
قال أبو محمد: "وعمدة ما احتجت به الإمامية أنه لا بد أن يكون إمام معصوم، عنده جميع علم الشريعة، يرجع الناس إليه في أحكام الدين؛ ليكونوا مما تعبدوا به على يقين.
قال أبو محمد: "هذا لا شك فيه، وهو معروف ببراهينه الواضحة، وأعلامه
__________
1 البخاري: المغازي (4416) , ومسلم: فضائل الصحابة (2404) , والترمذي: المناقب (3731) , وابن ماجه: المقدمة (121) , وأحمد (1/ 175 ,1/ 177 ,1/ 179 ,1/ 182 ,1/ 184 ,1/ 185).
2 البخاري: المغازي (4416) , ومسلم: فضائل الصحابة (2404) , والترمذي: المناقب (3731) , وابن ماجه: المقدمة (121) , وأحمد (1/ 175 ,1/ 177 ,1/ 179 ,1/ 182 ,1/ 184 ,1/ 185).
(4/174)

المعجزة وآياته الباهرة، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله إلينا ببيان دينه الذي ألزمنا إياه صلى الله عليه وسلم فكان كلامه، وعهوده وما بَيَّنَ وبلغ من كلام الله عز وجل حجة باقية معصومة من كل آفة إلى كل من بحضرته، وإلى من كان في حياته غائبا عن حضرته، وإلى كل من يأتي بعد موته صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة من جن وإنس، قال عز وجل: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} 1.
فهذا نص ما قلنا، وإبطال اتباع أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما الحاجة إلى فرض الإمامة؛ لينفذ الإمام عهود الله -عز وجل- الواردة إلينا من عنده فقط، لا لأن يأتي الناس بما لا يشاؤونه في معرفته من الدين الذي أتاهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ووجدنا عليا رضي الله عنه إذا دعي إلى التحاكم بالقرآن، أجاب، وأخبر أن التحاكم إلى القرآن حق، فإن كان علي رضي الله عنه أصاب في ذلك فهو قولنا، وإن كان أجاب إلى الباطل، فهذه غير صفته رضي الله عنه. ولو كان التحاكم إلى القرآن لا يجب إلا بحضرة الإمام؛ لقال علي حينئذ: كيف تطلبون تحكيم القرآن، وأنا الإمام المبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[دحض ابن حزم شبهة الروافض في الإمام المعصوم]
فإن قالوا: إذ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد من إمام يبلغ الدين. قلنا: هذا باطل، ودعوى بلا برهان، وقول لا دليل على صحته، وإنما الذي يحتاج إليه أهل الأرض من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بيانه صلى الله عليه وسلم وتبليغه فقط، سواء في ذلك من كان بحضرته، ومن غاب عنه، ومن جاء بعده، إذ ليس في شخصه المقدس صلى الله عليه وسلم إذا لم يتكلم أو يعمل بيان عن شيء من الدين فالمراد عنه صلى الله عليه وسلم +ق أبدا مبلغ إلى كل من في الأرض.
وأيضا فلو كان ما قالوا من الحاجة إلى إمام موجود أبدا؛ لكان ذلك مُنْتَقَضًا عليهم بمن كان غائبا عن حضرة الإمام في أقطار الأرض، إذ لا سبيل
__________
1 سورة الأعراف آية: 3.
(4/175)

إلى مشاهدة الإمام لجميع أهل الأرض في المشرق والمغرب، من فقير وضعيف، وامرأة ومريض، ومشغول بمعاشه الذي يهلك إن أغفله، فلا بد من التبليغ عن الإمام. فالتبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع من التبليغ عمن دونه. وهذا ما لا انفكاك منه.
قال أبو محمد: "لا سيما وجميع أئمتهم الذين يدعون بعد علي بن أبي طالب، والحسن والحسين ابنيه -رضي الله عنهم- ما أمروا قط في غير منازل سكناهم، ولا حكموا على قرية فما فوقها بحكم. فما الحاجة إليهم لا سيما منذ مائة ونيف وثمانين عاما! فإنهم ينتظرون إماما ضالة من الضوال، لم يُخلق كعنقاء مغرب، هم أولو فحش وقِحَةٍ وبهتان، ودعوى كاذبة لا يعجز عنها أحد.
"ويقال لهم -أيضا-: كون الدين كله عند إمام واحد معصوم من حين موت النبي صلى الله عليه وسلم إلى انقضاء الدهر، لا يخلو من أن يكون أحكام الدين عند ذلك الإمام من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما عن وحي من الله عز وجل فهذه نبوة. ومن قال بنبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير المسيح، فقد كفر وارتد وحل دمه.
أو عن إلهام، وهذا وسواس من الشيطان، وليس هو أولى بدعوى الإلهام من غيره، أو بتعليم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم سائر الناس بما أعلم به علي بن أبي طالب، فعليّ وغيره في ذلك سواء ولا فرق، وإن كان صلى الله عليه وسلم كتم من سائر الناس ما علمه علي بن أبي طالب، فلم يبلغ كما أُمِرَ.
قال -تعالى-: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 1 فمن قال: إنه صلى الله عليه وسلم لم يبين للناس ما أنزل الله إليه، بل كتمهم إياه، وخص به علي بن أبي طالب سرا، فقد كفر إذ وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه عصى أمر ربه -تعالى- له بالبيان للناس جهارا. فبطل ما ادعوه يقينا من كل وجه، والحمد لله رب العالمين.
"وأيضا فنقول لهؤلاء المخاذيل، وبالله التوفيق: هل بيَّن هؤلاء ما ادعوه من
__________
1 سورة النحل آية: 44.
(4/176)

الدين أو لم يبينوا؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: بينوا ما عندهم. قلنا: وتبيين أولهم يكفي عن الآخر منهم؛ لأنه يصير ما بين عند الناس ينقلونه جيلا عن جيل، فبطلت الحاجة إليهم. فإن قالوا: لم يبينوا -وهو قولهم- لأنهم عندهم صامتون حتى يأتي الإمام الناطق (الثاني عشر).
قلنا لهم: فهل حاقت بهم اللعنة من الله -تعالى- بنص القرآن إذ لم يبينوا ما عندهم من الهدى. وبالجملة فما أمة أحمق من الروافض والنصارى جملة.
قال أبو محمد: "وبرهان آخر ضروري، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وجمهور الصحابة -رضي الله عنهم- حضور -حاشا مَنْ كان منهم في النواحي- فما منهم أحد أشار إلى الناس في علي بكلمة يذكر فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص عليه، ولا ادعى ذلك علي رضي الله عنه قط، لا في ذلك الوقت ولا بعده، ولا ادعاه أحد له، ولا بعده في ذلك الوقت.
ومن المحال الممتنع الذي لا يمكن البتة، ولا يجوز اتفاق أكثر من عشرين ألف إنسان متنابذي الهمم والنيات والأنساب، أكثرهم موتور من صاحبه في الدماء من الجاهلية على طي عهده صلى الله عليه وسلم إليهم. وما وجدنا قط رواية عن أحد بهذا النص المدعى، إلا رواية موضوعة واهية عن قوم مجهولين، لا يعرفهم أحد، عن مجهول يكني أبا الحمراء لا يُعرف من هو، ووجدنا عليا -رضي الله- عنه قد توقف عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه ستة أشهر، فما أكرهه أبو بكر على البيعة حتى بايع طائعا مبادرا، راجعا عن تأخره عنها، مختارا غير مكره. فكيف حل لعلي عند هؤلاء النوكى أن يبايع طائعا لرجل كافر أو فاسق، جاحد لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يعينه على أمره، وأن يشاهد في مجلسه، وأن يواليه إلى أن مات.
ثم بايع بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه مبادرا غير متردد ساعة فما فوقها، غير مكره، بل طائعا، وصحبه وأعانه على أمره، وأنكحه ابنته من فاطمة رضي الله عنها، ثم قبل إدخاله في الشورى أحد ستة رجال؟ فكيف حل لعلي -رضي الله عنه- عند هؤلاء الجهال أن
(4/177)

يشارك بنفسه في شورى ضلالة أو كفر، وأن يغر الأمة هذا الغرور؟ هذا الأمر أدى أبا كامل -وهو من أئمة الروافض- إلى تكفير علي؛ لأنه زعم أنه أعان الكفار على كفرهم، وأيدهم على كتمان الديانة، وعلى ستر ما لا يتم الدين إلا به.
[البراهين على بطلان دعوى النص على إمامة علي]
قال أبو محمد: "ولا يجوز أن يظن بعلي رضي الله عنه أنه أمسك عن ذكر النص عليه خوف الموت، وهو الأسد شجاعة، قد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات، ثم يوم الجمل وصفين، فما الذي جبنه بين هاتين الحالتين؟
وما الذي ألف بين بصائر الناس على كتمان حق علي رضي الله عنه ومنعه حقه مذ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قتل عثمان، رضي الله عنه؟ ثم ما الذي جلى بصائرهم في عونه إذ دعا لنفسه، فقامت معه طوائف من المسلمين عظيمة، وبذلوا دماءهم دونه، ورأوه حينئذ صاحب الأمر، والأولى بالحق ممن نازعه؟ فما الذي منعه، ومنعهم من الكلام، وإظهار النص الذي يدعيه الكذابون إذ مات عمر رضي الله عنه وبقي الناس بلا رأس ثلاثة أيام، أو يوم السقيفة؟
وأظرف من هذا كله بقاؤه ممسكا عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه ستة أشهر، فما سُئِلَهَا، ولا أجبر عليها ولا كلفها، وهو متصرف بينهم في أموره، فلولا أن رأى الحق فيها، فاستدرك أمره، فبايع طالبا حظ نفسه في دينه، راجعا عن الخطأ إلى الحق - لما بايع.
فإن قالت الروافض: إنه بعد ستة أشهر رأى الرجوع عن الحق إلى الباطل، فقولهم هو الباطل حقا، لا ما فعل علي رضي الله عنه, ثم ولي علي رضي الله عنه فما غير حكما من أحكام أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولا أبطل عهدا من عهودهم، ولو كان ذلك عنده باطلا، لما كان في سعة من أن يمضي الباطل وينفذه، وقد ارتفعت التقية عنه.
وأيضا فقد نازع الأنصار -رضي الله عنهم- أبا بكر رضي الله عنه ودعوا إلى بيعة سعد بن عبادة. ودعا المهاجرون إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وقعد علي رضي الله عنه في بيته، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ليس معه أحد غير الزبير بن العوام رضي الله عنه
(4/178)

ثم استبان الحق للزبير فبايع سريعًا، وبقي علي وحده لا يرقب عليه، ولا يمنع من لقاء الناس، ولا يمنع أحد من لقائه.
فلا يخلو رجوع الأنصار كلهم إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه من أن يكون عن أحد ثلاثة أوجه، لا رابع لها البتة: إما عن غلبة، وإما عن ظهور حقه إليهم فأوجب عليهم الانقياد لبيعته، وإما فعلوا ذلك مطارفة لغير معنى. فإن قالوا: بايعوه بغلبة، ظهر فاحش كذبهم؛ لأنه لم يكن هناك قتال ولا تضارب، ولا سباب ولا تهديد، ولا وقت طويل ينفسح للوعيد، ولا سلاح مأخوذ، ومن المحال الممتنع أن يترك أزيد من ألفي فارس أنجاد أبطال، كلهم عشيرة واحدة، وقد ظهر من شجاعتهم ما لا مرمى وراءه، وهو أنهم بقوا ثمانية أعوام متصلة محاربين لجميع العرب في أقطار بلادهم، مُوَطَّنِين على الموت، متعرضين مع ذلك لحرب قيصر والروم بمؤتة وغيرها، ولحروب كسرى والفرس ببصرى، من يخاطبهم يدعوه ويدعوهم إلى اتباعه، وأن يكونوا كأحد من بين يديه. هذه صفة الأنصار التي لا ينكرها إلا رقيع مجاهر بالكذب.
"فمن المحال الممتنع الذي لا يمكن ألبتة أن يرهبوا أبا بكر ورجلين أتيا إلى مجلسهم فقط، وأبو بكر رضي الله عنه لا يرجع إلى عشيرة كثيرة، ولا إلى موالي، ولا إلى عصبة، ولا إلى مال، فرجعوا إليه -وهو عندهم مبطل- وبايعوه بلا تردد نصف يوم فأكثر.
وكذلك يبطل أن يرجعوا عن قولهم، وما كانوا قد رأوه من أن الحق حقهم، وعن بيعة ابن عمهم مطارفة بلا معنى ولا خوف ولا ظهور الحق إليهم.
فمن المحال اتفاق أهواء هذا العدد العظيم على ما يعرفون أنه باطل دون خوف يضطرهم إلى ذلك، ودون طمع يتعجلونه من مال أو جاه، بل فيما فيه ترك العز والرياسة والدنيا، وتسليم كل ذلك لرجل أجنبي لا عشيرة له ولا منعة، ولا حاجب ولا حراس على بابه، ولا قصر يمنعه ولا موالي ولا مال، فأين كان علي وهو الذي لا نظير له في
(4/179)

الشجاعة، ومعه جماعة بني هاشم، وبني المطلب من قتل هذا الشيخ الذي لا دافع دونه لو كان عنده ظالما، أو عن منعه وزجره إن لم يستحل قتله؟ بل قد علم -والله- علي أن أبا بكر رضي الله عنه على الحق، وأن من خالفه على الباطل، فأذعن للحق إذ تبينه بعد ما عرضت له فيه كبوة.
وكذلك الأنصار -رضي الله عنهم- إنما رجعوا إلى بيعته بلا شك ولا مرية؛ لبرهان حق صح عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم لا لاجتهاد كاجتهادهم، ولا لظن كظنهم إذ لم يبق غير ذلك، وبطل كل ما سواه يقينا.
"وإذ قد بطل أن يكون الأمر في الأنصار، وزالت الرياسة عنهم. فما الذي حملهم كلهم أولهم عن آخرهم على أن يتفقوا على جحد نص النبي صلى الله عليه وسلم على إمامة علي رضي الله عنه؟
ومن المحال الممتنع أن تتفق آراؤهم كلهم على معاونة من ظلمهم، وغصبهم حقهم بالباطل، إلا أن يدعي الروافض أنهم كلهم اتفق لهم نسيان ذلك العهد. فهذه أعجوبة من المحال غير ممكنة، ثم لو أمكنت، لجاز لكل أحد أن يدعي فيما شاء من المحال أنه قد كان، وأن الناس كلهم نسوه، وهذا إبطال الحقائق كلها.
"وأيضا فإن كان جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على جحد ذلك النص وكتمانه، واتفقت طبائعهم كلهم على نسيانه، فمن أين وقع إلى الروافض علمه؟ ومن بلغه إليهم؟ وهذا هوس ومحال. فبطل الأمر في دعوى النص على علي رضي الله عنه بيقين لا يشك فيه، والحمد لله رب العالمين.
"فإن قال قائل: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان قد قتل الأقارب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولد له بذلك حقد في قلوب جماعة من الصحابة رضي الله عنهم؛ فلذلك انحرفوا عنه. قلنا لهم: هذا تمويه ضعيف كاذب؛ لأنه إن ساغ لكم في بني عبد شمس، وبني مخزوم، وبني عبد الدار، وبني عامر بن لؤي؛ لأنه قتل من كل قبيلة من هذه القبائل رجلا أو رجالا، فقتل من بني عامر بن لؤي رجلا
(4/180)

واحدًا فقط، وهو عمرو بن عبد ود، وقتل من بني مخزوم وبني عبد الدار رجالا، وقتل من بني عبد شمس الوليد بن عتبة بن ربيعة، وقيل: إنه قتل عقبة بن أبي معيط، وقيل: لم يقتله إلا عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه.
ولا مزيد فقد علم كل من له أقل علم بالأخبار أنه لم يكن لهذه القبائل، ولا لأحد منها يوم السقيفة عقد ولا حل، ولا رأي ولا أمر، اللهم إلا أن أبا سفيان بن حرب بن أمية كان مائلا إلى علي رضي الله عنه في ذلك تعصبا للقرابة لا تدينا، وكان ابنه يزيد، وخالد بن سعيد بن العاص، والحارث بن هشام المخزومي -رضي الله عنهم- مائلين مع الأنصار تدينا، والأنصار -رضي الله عنهم- قتلوا أبا جهل أخا الحارث.
وكان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة شديد الميل إلى علي رضي الله عنه حين قصة عثمان رضي الله عنه وبعد ذلك؛ ولذلك قتله معاوية رضي الله عنه صبرا على عثمان -رضي الله عنه-.
فعرفونا من قتل علي من بني تيم بن مرة، أو من بني عدي بن كعب، أو من بني الحارث بن فهر رهط أبي عبيدة -رضي الله عنه- حتى يظن أهل القحة أنهم حقدوا عليه؟
ثم أخبرونا من قتل علي من الأنصار -رضي الله عنهم- أو من جرح منهم، أو من آذى منهم؟ ألم يكونوا معه في تلك المشاهد كلها، بعضهم متقدم، وبعضهم مساو له، وبعضهم متأخر عنه؟ فأي حقد له في قلوب الأنصار حتى يطبقوا كلهم على جحد النص عليه، وعلى إبطال حقه، وعلى ترك ذكر اسمه جملة، وعلى إيثار سعد بن عبادة عليه، وعلى إيثار أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- عليه، والمسارعة إلى بيعتهم دونه بالخلافة، وهو بين أظهرهم، يرونه غدوا وعشيا، لا يحول أحد بينهم وبينه؟
ثم أخبرونا مَنْ قتل علي مِنْ أقارب المهاجرين من العرب من مضر وربيعة، واليمن وقضاعة حتى يطبقوا كلهم على كراهة ولايته، ويتفقوا كلهم على جحد النص عليه؟ وإن هذه العجائب لا يمكن اتفاق مثلها في العالم أصلا
(4/181)

"ولقد كان لطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص من القتل في المشركين كالذي كان لعلي، فما الذي خصه باعتقاد الأحقاد له لو كان للروافض حياء وعقل؟ ولقد كان لأبي بكر رضي الله عنه في مضادة قريش في الدعاء إلى الإسلام ما لم يكن لعلي، فما منعهم ذلك من بيعته، وهو أسوأ الناس أثرا عندهم في حال كفرهم. ولقد كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في مغالبة كفار قريش، وإعلانه الإسلام على زعمهم ما لم يكن لعلي.
فليت شعري! ما الذي أذهب آثار هؤلاء، وأوجب أن ينسى، وأوجب أن يعادوا عليا من بينهم كلهم؟ لولا قلة حياء الروافض، وصفاقة وجوههم، حتى بلغ الأمر بهم إلى أن عدوا على سعد وأسامة وابن عمر رضي الله عنهم، وعلى رافع بن خديج، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- سواء هؤلاء من المهاجرين والأنصار - أنهم لم يبايعوا عليا إذ دعا إلى نفسه، ثم بايعوا معاوية -رضي الله عنه-، ويزيد ابنه -من أدركه منهم-، وادعوا أن تلك الأحقاد حملتهم على ذلك.
قال أبو محمد: حمق الروافض، وشدة ظلمة جهلهم وقلة حيائهم هورهم في الدمار والبوار، والعار والنار، وقلة المبالاة بالفضائح.
وليت شعري! أيُّ خُمَاشة، وأي كلمة خشنة كانت بين علي وبين هؤلاء أو واحد منهم؟ وإنما كان هؤلاء، ومن جرى مجراهم لا يرون بيعة في فرقة، فلما أصفق المسلمون على من أصفقوا عليه كائنا ما كان، دخلوا في الجماعة، وهكذا فعل من أدرك من هؤلاء ابن الزبير ومروان؛ فإنهم قعدوا عنهما، فلما انفرد عبد الملك بن مروان دخلوا في الجماعة، وبايعه من أدركه منهم لا رضى عنه، ولا عداوة لابن الزبير، ولا تفضيلا لعبد الملك على ابن الزبير، لكن لما ذكرناه. وهكذا كان أمرهم في علي ومعاوية رضي الله عنهما.
فلاحت نُوكَةُ هؤلاء المجانين، والحمد لله رب العالمين.
(4/182)

"فصحّ ضَرُورَة بِكُل مَا ذكرنَا أَن الْقَوْم أنزلوه مَنْزِلَته غير غالين فيه، وَلَا مقصرين به رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ، وَأَنَّهُمْ قدمُوا الأحق فَالْأحق وَالْأَفْضَل فَالْأَفْضَل، وساووه بنظرائه مِنْهُم.
"ثمَّ أوضح برهَان وَأبين بَيَان فِي بطلَان أكاذيب الروافض أَن عليا رَضِي الله عَنهُ إذ دعا لنَفسه بعد قتل عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ سارعت طوائف من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار إِلَى بيعَته، فَهَل ذكر أحد من النَّاس قط أن أحدًا مِن الذين بايعوه اعتذر إِلَيْهِ مِمَّا سلف من بيعتهم لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رضي الله عنهم؟ أَو هَل تَابَ أحد مِنْهُم من جَحده للنَّص على إِمَامَته؟ أَو هل قَالَ أحد مِنْهُم: لقد ذكرت النَّص الَّذِي كنت نسيته فِي أَمر هَذَا الرجل؟ إن عقولاً خَفِي عَلَيْهَا هَذَا الظَّاهِر اللائح لَعقول مخذولة لم يرد الله أَن يهديها.
"ثمَّ مَاتَ عمر رَضِي الله عَنهُ وَترك الْأَمر شُورَى بَين سِتَّة من الصَّحَابَة رضي الله عنهم عَليّ أحدهم، وَلم يكن فِي تِلْكَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة سُلْطَان يخَافه أحد وَلَا رَئِيس يتوقع، وَلَا مَخَافَة من أحد، وَلَا جند معد للتغلب.
"أفَتُرى لَو كَانَ لعَلي رَضِي الله عَنهُ حق ظَاهر يخْتَص بِهِ من نَص عَلَيْهِ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو من فضل بَائِن على من مَعَه ينْفَرد بِهِ عَنْهُم. أما كَانَ الْوَاجِب على عَليّ رضي الله عنه أَن يَقُول: أَيهَا النَّاس كم هَذَا الظُّلم لي؟ وَكم هَذَا الكتمان لحقي؟ وَكم هَذَا الْجحْد لنَصّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَي؟ وَكم هَذَا الْإِعْرَاض عَن فضلي الْبَائِن على هَؤُلَاءِ المقرونين بِي؟ فَإِذا لم يفعل فلَا أدْرِي لماذا؟ أما كَانَ فِي بني هَاشم -على كثرتهم يومئذ- أحد لَهُ دين يَقُول هَذَا الْكَلَام؟ إمّا الْعَبَّاس عَمه -وَجَمِيع الْمسلمين على توقيره وتعظيمه، حَتَّى أَن عمر رضي الله عنه توسل بِهِ إِلَى الله عز وجل بِحَضْرَة المسلمين فِي الاسْتِسْقَاء-، وَإمّا أحد بنيه، وَإمّا عقيل، وَإمّا أحد بني جَعْفَر وبني الحارث أو بني لهب أو مواليهم. فَإِذا لم يكن أحد منهم يَتَّقِي الله عز وَجل وَلَا يَأْخُذهُ فِي قَول
(4/183)

الحق مداهنة، أما كان في جميع أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار وغيرهم واحد يقول: يا معشر المسلمين، قد زالت الرقبة، وهذا الرجل علي بن أبي طالب له حق واجب بالنص عليه، وله فضل بائن ظاهر لا يمترى فيه، فبايعوه، فأمره بين أصفاق جميع الأمة أولها عن آخرها، من برقة إلى خراسان، ومن أذربيجان وأرمينيه إلى أقصى اليمن، إذ بلغهم الخبر على السكوت عن حق هذا الرجل، واتفاقهم على ظلمه، ومنعه من حقه، وليس هنالك شيء يخافونه، لإحدى عجائب المحال الممتنع، وفيهم الذين بايعوه بعد ذلك إذ صار الحق حقه، وقتلوا أنفسهم دونه.
فأين كانوا عن إظهار ما تنبهت له الروافض الأنذال بعد مائة وخمسين عاما؟ ثم مع هذا الكتمان والنسيان كيف بلغ الروافض علمه؟ ومن بلغه إليهم؟ ثم العجب إذا كان غيظهم عليه -هذا الغيظ الذي تزعمه الروافض- كذبا منهم، واتفاقهم على جحد حقه هذا الاتفاق، كيف تورعوا عن قتله ليستريحوا منه؟ أم كيف أكرموه وبروه؟ ".
انتهى ما ذكرته من كلام الإمام أبي محمد بن حزم ملخصا، وهو شاف كاف في الرد على هذا المعترض وأهل مذهبه.

فصل
{في وصف العالم الزيدي الشيعة الإمامية بالغلو كالباطنية، وإثبات غلو الزيدية دون غلوهما}
وأما قوله: (وأهل البيت وصفوة شيعهم لم يصنعوا إلا كما صنع علي، فلم يغلوا غلو الإمامية ولا الباطنية، نسأل الله العافية).
(فالجواب) أن يقال: ما ذكره هذا المعترض كاف في غلوه في حق علي رضي الله عنه وفي الكذب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وفي قلة الحياء، ودعواه تشبه دعوى الإمامية؛ لأن دعوى الفريقين مِنْ أَبْطَلِ الباطل، وأبين المحال، وإن كان
(4/184)

قول الإمامية والباطنية أظهر بطلانا، وأبين ضلالا، وعندهم من الدلائل الباطلة، والأحاديث المكذوبة أكثر مما عند هذا وسلفه، حتى إنهم يستدلون بآيات كثيرة من القرآن كما رأيناه مسطورا في كتبهم. وفي هذا لك عبرة عظيمة، تبين لك أن ليس كل من ادعى اتباع أهل البيت مصيب في دعواه. والله أعلم.
وأما قوله في المسألة الرابعة: ما المراد بقوله -تعالى-: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} 1 ثم ذكر ما ذكره ابن مردويه عن أسماء بنت عميس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وصالح المؤمنين: علي بن أبي طالب"، فهذا أصل دعوى أهل البيت -سلام الله عليهم- وشيعتهم في تخصيص عليّ بالآية الكريمة ... إلى قوله: "وانظر بعين الإنصاف في آية المباهلة حين جعل علي -عليه السلام- مع أخيه المصطفى نفس الأنفس، وهل أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا للأنفس غير علي؟ بل ترك القريب والبعيد، وأبرز عليا وفاطمة والحسين سلام الله عليهم).
(فالجواب) من وجوه:
(الوجه الأول): أن يقال: ذكر صاحب "الدر المنثور" في تفسير الآية أقوالا عن المفسرين.
فأول ما ذكر في ذلك قال: أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان أبي يقرؤوها: وصالح المؤمنين أبو بكر وعمر. وأخرج ابن عساكر، عن ميمون بن مهران مثله، وأخرج ابن عساكر، عن الحسن البصري في قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن} عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأخرج ابن عساكر، عن مقاتل بن سليمان قال: أبو بكر وعمر وعلي. وأخرج ابن عساكر من طريق مالك بن أنس، عن زيد بن زيد في قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن}، قال: الأنبياء. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن} 2 أبو بكر وعمر.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، في: "فضائل الصحابة" عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن} 3. قال: "صالح المؤمنين أبو بكر وعمر". وأخرج في "الأوسط" وابن مردويه عن ابن عمر
__________
1 سورة التحريم آية: 4.
2 سورة التحريم آية: 4.
3 سورة التحريم آية: 4.
(4/185)

وابن عباس في قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن} 1 قال: "نزلت في أبي بكر وعمر".
وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن} قال: "نزلت في عمر بن الخطاب خاصة". وأخرج الحاكم عن أبي أمامة في قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن} قال: أبو بكر وعمر.
فكل هذه الروايات نقلها السيوطي، ثم ذكر الروايات في أنها في "علي"، وذكر أن إسنادها ضعيف. فهؤلاء أئمة التفسير قد نقضوا عليك ما ادعيت من الخصوص.
(الوجه الثاني): قوله: (الملازم له في جميع الطرائق، المؤنس له في مدلهمات المضايق).
فيقال: تخصيص "علي" بذلك دون سائر الصحابة كذب ظاهر، ومكابرة عند أولي البصائر، كما يعرف ذلك من طالع كتب السير والتواريخ، وهو رضي الله عنه من صغار السابقين الأولين في السن.
(الوجه الثالث): قوله: (وعند ابتداء النبوة والتفرد عن الناس بدين الله الأتم المُسْتَنْكَرِ عند أهله وقومه صلى الله عليه وسلم استوحش غاية الوحشة، وكان علي هو الولي الأتم، والفاضل الأقدم).
فيقال: تخصيص "علي" بذلك دون خديجة، وزيد بن حارثة، وأبي بكر الصديق -رضي الله عنهم أجمعين- كذب ظاهر فاحش، وغلو لا يَمْتَرِي فيه إلا كل جاهل غبي. ومعلوم أن خديجة -عليها السلام ورضي الله عنها- أعظم من آنسه عند ابتداء الوحي، كما ثبت في الصحيحين والمسانيد والسنن والسير وكتب التفاسير: "أنه -عليه السلام- لما نزل عليه الوحي في غار حراء، وغطه الملك ثلاث مرات حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله، وقال له {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} 2 إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} 3، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة، وقال: "زملوني زملوني ... وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم،
__________
1 سورة التحريم آية: 4.
2 سورة العلق آية:1.
3 سورة العلق آية:5.
(4/186)

وتعين على نوائب الحق، ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل -وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ الكتب- فقالت: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا" الحديث بطوله؛ ولهذا استحقت أن يرسل إليها ربها -تبارك وتعالى- بالسلام على لسان رسوليه جبرائيل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كما ثبت ذلك بالأسانيد الصحيحة.
(الوجه الرابع): أنه من المعلوم المقرر عند أهل الأخبار والسير أن علي بن أبي طالب كان حال البعثة صغيرا، قيل: ابن ثمان سنين، وقيل: عشر. فهم متفقون على أنه لم يبلغ الحلم حين البعثة. وأما أبو بكر الصديق، وزيد بن حارثة، وغيرهما من كبار الصحابة.
فلم يختلف أحد من أهل العلم في أنهم حال البعثة رجال بالغون، وهم أعظم ملازمة ومؤانسة للنبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك من علي؛ ولهذا ذكر أهل العلم أن زيد بن حارثة هو الذي كان معه حال خروجه إلى الطائف يدعوهم إلى الله، وأن أهل الطائف لما ضربوه وأخرجوه، وأمروا سفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، جعل زيد بن حارثة يقيه بنفسه؛ ولهذا ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: لقد أتى علي من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب" الحديث.
وكذلك أبو بكر رضي الله عنه ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قيل له: أخبرنا بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟
(4/187)

قال: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} 1 الآية"2 - الحديث، وكان رفيقه وأنيسه، وصاحبه في الغار وسفر الهجرة. كما اتفق عليه الموافق والمخالف.
(الخامس): قوله: حتى أحجم أصحاب أخيه صلى الله عليه وسلم ... ثم ذكر قصة قتل علي رضي الله عنه عمرو بن عبد ود.
(فيقال): قوله: إن الصحابة أحجموا عن عمرو كذب ظاهر، وأما كون علي رضي الله عنه هو الذي قتله فأمر مشهور، وذلك لا يقتضي فضله على من سواه.
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: "من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي حواري، وإن حواريّي الزبير"3. وفي رواية: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي حواري وإن حواريّي الزبير"4، فالسابقون الأولون قد ورد لهم من الفضائل; والخصائص مثل ما ورد لعلي.
(الوجه السادس): قوله: "حتى ردت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ... حتى قال: لأبعثن بالراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".
فيقال: قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا لغيره من الصحابة، وليست من خصائصه، بل هي فضيلة شاركه فيها غيره، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر؛ فإن كثيرا منها خصائص لهما لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص لم يشركه فيها غيره، كما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أَمَنَّ الناس علَيّ في صحبته وذات يده: أبو بكر"5 وقال: "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر" 6.
(الوجه السابع): احتجاجه بحديث: "أنت مني بمنْزلة هارون من موسى"7، تقدم الجواب عليه في كلام ابن حزم بما يكفي
__________
1 سورة غافر آية:28.
2 البخاري: المناقب (3856) , وأحمد (2/ 204).
3 البخاري: المغازي (4113) , ومسلم: فضائل الصحابة (2415) , والترمذي: المناقب (3745) , وابن ماجه: المقدمة (122) , وأحمد (3/ 307 ,3/ 338 ,3/ 345 ,3/ 365).
4 البخاري: المغازي (4113) , ومسلم: فضائل الصحابة (2415) , والترمذي: المناقب (3745) , وأحمد (3/ 307 ,3/ 338 ,3/ 345 ,3/ 365).
5 البخاري: الصلاة (466) , ومسلم: فضائل الصحابة (2382) , والترمذي: المناقب (3660) , وأحمد (3/ 18).
6 الترمذي: المناقب (3661) , وابن ماجه: المقدمة (94) , وأحمد (2/ 253 ,2/ 366).
7 البخاري: المناقب (3706) والمغازي (4416) , ومسلم: فضائل الصحابة (2404) , والترمذي: المناقب (3731) , وابن ماجه: المقدمة (115 ,121) , وأحمد (1/ 170 ,1/ 173 ,1/ 174 ,1/ 175 ,1/ 177 ,1/ 179 ,1/ 182 ,1/ 184 ,1/ 185).
(4/188)

وأما احتجاجه بحديث المباهلة، فنفس الحديث يدل على أن ذلك ليس من خصائص علي رضي الله عنه؛ لأنه قد شاركه فيه فاطمة وحسن وحسين، كما شاركوه في حديث الكساء، فعلم أن ذلك لا يختص بالرجال ولا بالذكور ولا بالأئمة، بل شركه فيه المرأة والصبي؛ فإن الحسنين كانا صغيرين عند المباهلة.
فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران بعد فتح مكة سنة تسع أو سنة عشر، والنبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يستكمل الحسين سبع سنين، والحسن أكبر منه بنحو سنة، وإنما دعا هؤلاء؛ لأن الله أمر أن يدعو كل واحد من المتباهلين الأبناء والنساء والأنفس، فيدعو الواحد من أولئك أبناءه، ونساءه، وأخص الرجال به نسبا، وهؤلاء أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه؛ لأن المقصود أن يدعو كل واحد أخص الناس به، لما في جبلة الإنسان من الخوف عليه، وعلى ذوي رحمه الأقربين إليه؛ ولهذا خصهم في حديث الكساء لهم.
والمباهلة مبناها على العدل، فأولئك أيضا يحتاجون أن يدعوا أقرب الناس إليهم نسبا، فهم يخافون عليهم ما لا يخافون على الأجانب، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.

فصل
[الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة]
وأما قوله: (حتى روى المحدثون من فضائله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت مني كرأسي من جسدي").
فالجواب أن يقال: هذا الحديث لا يعرف في شيء من الكتب المعتمدة: كالصحيحين والسنن والمسانيد، ولم يصححه أحد من أهل الحديث المعروفين بنقد الحديث، والتمييز بين صحيحه من موضوعه.
ومجرد رواية بعض أهل الكتب لا توجب صحته؛ لأن كثيرا من أهل الكتب يروون في كتبهم الصحيح والحسن والضعيف والموضوع؛ وذلك لأنهم يميزون بين الحديث الذي تقوم به الحجة
(4/189)

مما لا تقوم به الحجة.
ولهذا كانوا يخرجون في كتبهم جميع الأحاديث الصحيحة والضعيفة والحسنة والموضوعة، وأهل الخبرة بالحديث وعلله ورجاله يميزون الحديث الصحيح من غيره، كما يميز الصيرف البصير الدراهم المغشوشة، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.

فصل
[انصراف وصيته -صلّى الله عليه وسلّم- بأهل بيته إلى من في زمنه منهم]
ثم قال المعترض: (فإذا تقرر ذلك، فقد قال كثير من العلماء المحققين: إن المطلق إذا ورد صرف، وخص بالأغلب المألوف المعروف حال الورود، مثل تحريم الميتة في قوله -تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 1 فإنه ينصرف إلى الأكل خاصة دون الانتفاع والترطب، ولا يدخل تحريم غير الأكل بالآية بأدلة السنة، فكذلك نصنع في قوله: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} 2 فإنه مطلق فيصرف إلى تخصيص الولاية بعلي رضي الله عنه.
ويؤيد التخصيص الإضافة؛ لتتم فائدتها وهو التخصيص، إذ هو أولى من جعلها للعموم كما ذكره المجيب؛ لأن العموم يوجب المصير إلى كون الإضافة بيانية، وهو خلاف الغالب في الإضافة، ولو جازت غلبت الولاية، وحصلت لصحابي بملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل علي عليه السلام؛ لتلقيناه بالقبول، ووضعناه على الرأس، ولا نحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها): أن يقال: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، ونقضت الأصل الذي أصلت، والدلائل التي أوردت من الأحاديث التي سطرت، كحديث زيد بن أرقم في قوله: "فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي" ... إلخ. فيقول لك خصمك: هذا محمول على أهل بيته المعهودين المعروفين في زمانه، ولا يدخل فيهم من بعدهم من الذرية.
وهذا عكس مراد المعترض؛ لأنه قرر في كلامه أن أهل البيت كلهم، من كان منهم من الصحابة، ومن جاء بعدهم من ذرياتهم - أنهم كلهم داخلون في عموم هذه الآيات التي
__________
1 سورة المائدة آية: 3.
2 سورة التحريم آية: 4.
(4/190)

أورد، والأحاديث التي ذكر، فكيف يقول هذا الجاهل بكلام الله ورسوله، وكلام أهل العلم: إن المطلق إذا ورد صرف، وخص بالأغلب المألوف المعروف حال الورود.
فيقول لك خصمك: دلائلك هذه التي أوردت محمولة على أهل بيته المعهودين المعروفين في زمانه: كالعباس وأولاده، وجعفر وأولاده، وعقيل وأولاده، وأبي سفيان بن الحارث وأولاده، وأولاد أبي لهب، وعلي وأولاده منهم، ولا يدخل فيهم من بعدهم من الذرية، فما هذا الاعتراض البارد الذي كشف الله به عورتك، وجعلك به ضحكة عند من نظر في كلامك؟ وهذا الوجه كاف في رد كلام هذا المعترض.
(الوجه الثاني): أن يقال قوله عن كثير من العلماء المحققين: "إن المطلق إذا ورد صرف، وخص بالأغلب المألوف المعروف حال الورود، مثل تحريم الميتة في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 1، فإنه ينصرف إلى الأكل خاصة دون الانتفاع، والترطب ... إلخ. فهذا يدل على جهل هذا المعترض بما ذكره علماء الأصول المحققون. فقد قال أبو زرعة أحمد بن الإمام عبد الرحيم بن الحسين العراقي الشافعي في "شرحه على جمع الجوامع" لابن السبكي تقي الدين رحمه الله، وهذا لفظ الماتن والشارح: (العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر) (ش) فهم من تصدير تعريف العام باللفظ أنه من عوارض الألفاظ، والمراد لفظ واحد للاحتراز عن الألفاظ المتعددة الدالة على أشياء متعددة، وخرج بقوله: (يستغرق) المطلق، فإنه لا يدل على شيء من الإفراد أصلا. والنكرة في سياق الإثبات مفردة كانت أو مثناة أو مجموعة أو عددا، فإنها إنما تتناول الإفراد على سبيل البدل. واحترز بقوله: (الصالح له عما لا يصلح، فعدم استغراق "ما" -لمن يعقل- إنما هو لعدم صلاحيتها له، أي: عدم صدقها عليه، لا لكونها غير عامة.
وخرج بقوله: (من غير حصر) أسماء العدد، فإنها متناولة للصالح لها، لكن مع الحصر، وهذا مبني على أنها ليست عامة. وتبعه المصنف هناك، وزاد البيضاوي وغيره في هذا التعريف "بوضع واحد" ليخرج المشترك إذا أريد به معناه،
__________
1 سورة المائدة آية: 3.
(4/191)

فإنه مستغرق لما يصلح له، لكن بوضعين لا بوضع واحد، فتناوله لهما ليس من العموم.
(ص) والصحيح دخول النادرة، وغير المقصودة تحته، وأنه قد يكون مجازا، وأنه من عوارض الألفاظ، قيل والمعاني وقيل به في الذهن، ويقال للمعنى أعم، واللفظ عام.
(ش) فيه مسائل:
(الأولى): الصحيح أن الصورة النادرة تدخل في العموم، وقال الشارح: زعم المصنف أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي حكى فيه خلافا، ولم أجده في كتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء؛ ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين: (أصحهما) نعم؛ لقوله -عليه السلام-: "لا سبق إلا في خف أو حافر"1 (والثاني) لا؛ لأنه نادر عند المخاطبين في الحديث.
[دخول الصور النادرة والمجاز في صيغة العموم]
(الثانية): الصحيح دخول الصور التي ليست مقصودة في العموم؛ فإن اللفظ متناول لها، ولا انضباط للمقاصد، وممن حكى الخلاف في ذلك القاضي عبد الوهاب، ويوجد في كلام أصحابنا؛ ولهذا قال في البسيط، بعد حكاية الخلاف في ذلك، فيما لو وكله بشراء عبد، فاشترى من يعتقه على الموكل. ومثار الخلاف التعلق بالعموم، والالتفات إلى المقصود.
(الثالثة): الصحيح أن المجاز كالحقيقة في أنه قد يكون عاما، فلم ينقل عن أحد من أئمة اللغة أن الألف واللام، أو النكرة في سياق النفي، أو غيرهما من صيغ العموم، لا تفيد العموم إلا في الحقيقة، وخالف فيه بعض الحنفية، فزعم أن المجاز لا يعم بصيغته؛ لأنه على خلاف الأصل.
(الرابعة): لا خلاف أن العموم من عوارض الألفاظ، وليس المراد وصف اللفظ به مجردا عن المعنى، بل باعتبار معناه الشامل للكثرة. وعطف المصنف ذلك على ما عبر فيه بالأصح يقضي خلافا فيه. قال الشارح: وينبغي أن يجعل استئنافا لا عطفا على ما قبله. قلت: يمكن أنه أراد أنه من عوارض الألفاظ فقط، فيرجع
__________
1 الترمذي: الجهاد (1700) , والنسائي: الخيل (3589) , وابن ماجه: الجهاد (2878) , وأحمد (2/ 256 ,2/ 358 ,2/ 474).
(4/192)

التصحيح إلى تضعيف القول بأنه من عوارض المعاني أيضا، لا إلى كونه من عوارض الألفاظ؛ ولذلك عقبه بقوله: (قيل والمعاني). والذاهبون إليه اختلفوا في أن عروضه للمعاني: هل هو حقيقة أو مجاز، فقال بعضهم: حقيقة، فكما صح في الألفاظ شمول أمر لمتعدد، صح في المعاني شمول معنى لمعاني متعددة بالحقيقة فيها.
وقال القاضي عبد الوهاب: مراد قائله حمل الكلام على عموم الخطاب، وإن لم يكن هناك صيغة تعمها، كقوله -تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 1 إن نفس الميتة وعينها لما لم يصح تناول التحريم لها، عممنا بالتحريم جميع التصرف فيها، من الأكل والبيع واللبس وسائر أنواع الانتفاع، وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم لا بعموم ولا بخصوص. انتهى ما ذكره ابن السبكي، وأبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم في الشرح المذكور.
[تحريم الميتة يشمل جميع أنواع الانتفاع بها]
وقال المقدسي من الحنابلة: قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 2 هي ظاهرة في جميع أنواع التصرف، واستدل على أن المراد جميع أنواع التصرف فيها بأدلة ذكرها.
وكذلك قال ابن عقيل: يحرم جميع الأفعال فيها، وقد ذكر أنه قول الجبائي، وابنه وعبد الجبار، فظاهر هذا، بل صريحه أن هذه الآية عامة في كل نوع من الانتفاع؛ ولهذا احتج بها أحمد في دباغ جلود الميتة. قال في رواية صالح: إن الله قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 3، فالجلد هو من الميتة، وههنا احتج بها أحمد على عدم الانتفاع بالجلد.
فظهر بما ذكر عن هؤلاء الأئمة بطلان ما ذكره هذا المعترض في عدم شمول الآية في أنواع الانتفاع؛ ولهذا ثبت في الصحيح والسنن من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -عام الفتح وهو بمكة-: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنْزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، هو حرام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله -تعالى- لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوها، ثم باعوها فأكلوا ثمنها"4.
__________
1 سورة المائدة آية: 3.
2 سورة المائدة آية: 3.
3 سورة المائدة آية: 3.
4 البخاري: البيوع (2236) , ومسلم: المساقاة (1581) , والترمذي: البيوع (1297) , والنسائي: الفرع والعتيرة (4256) والبيوع (4669) , وأبو داود: البيوع (3486) , وابن ماجه: التجارات (2167) , وأحمد (3/ 326).
(4/193)

وروى أبو داود في السنن عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء، فضحك، فقال: "لعن الله اليهود -ثلاثا-. إن الله -تعالى- حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله عز وجل إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم أكل ثمنه"1.

فصل
[رواة أهل السنة لا يتعصبون في الروايات كالشيعة]
وأما قوله: (فلو جاءت غلبة الولاية، وحصلت لصحابي؛ لملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل "علي" لتلقيناه بالقبول، ووضعناه على الرأس، ولا نحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله).
(فالجواب) أن يقال: قد كذبت في هذه الدعوى، فقد علمتم أنه قد ورد لغيره من الفضائل ما هو مثل فضائل علي رضي الله عنه أو أعظم، ولم تضعونها على الرأس، بل كذبتم به، ورددتموه بمجرد الدعاوي الباطلة التي يمكن كل أحد أن يدعيها فيمن يحبه ويهواه. فإن كنت صادقا كما زعمت فقل لنا، حتى نكتب لك ذلك، وننقله من الكتب الصحيحة، والتفاسير المأثورة.
فإن قلتم: لا نقبل رواية خصومنا. قال لكم خصومكم: لا نقبل روايتكم؛ لأنكم خصومنا، والروايات التي رويناها في فضائل أهل البيت قد روينا في فضائل الصحابة ما هو مثلها أو أعظم منها، ولم يمكنكم أن تحتجوا عليهم بحجة صحيحة لا معارض لها. فاستحيوا من الله ;-تعالى- ومن خلقه، من هذا الجنون، والخبال الذي يفضحكم عند الرجال والنساء.

فصل
[بغي بعض المسلمين على بعض لا يقتضي الكفر ولا ينفي محبتهم جميعا]
وأما قوله -في الاعتراض على كلام المجيب على حديث عمار رضي الله عنه- وذكر أن المجيب (قد أقر على لسان أهل السنة والجماعة بأن معاوية رضي الله عنه
__________
1 أبو داود: البيوع (3488) , وأحمد (1/ 247 ,1/ 293 ,1/ 322).
(4/194)

قد أخطأ وأذنب، وقد قال -تعالى-: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} 1 ثم قال: وقد نص -تعالى- على موجب الظلم، وما يحكم به لصاحبه فقال -عز من قائل-: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} 2. ثم إنك أقررت ببغي معاوية رضي الله عنه وأصحابه، ثم حكمت له بالمغفرة، وبالجنة بعد ثبوت الفاحشة منه، وهو البغي. وقد قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} 3، ويقرنه بالفحشاء والمنكر، ويدخل فاعله -الذي لم يتب منه، ومات مُصِرًّا عليه- الجنة؟ ما هذا حكم بالعدل!).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها): أن يقال: أنت قد نقضت كلامك هذا كله في كلامك الذي قبل هذا بأسطر يسيرة بقولك: قال كثير من العلماء المحققين: إن المطلق إذا ورد صرف، وخص بالأغلب المألوف المعروف حال الورود ... إلى آخره. وذلك أنه من المعلوم أن هذه الآيات التي جعلتها متناولة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معاوية رضي الله عنه ومن معه، يقول لك منازعوك: إن المعروف المشهور عند أهل التفسير أنها نزلت في أهل الشرك والكفر، فكيف جعلتها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تخص بها أهل الكفر المألوف المعروف في حقهم؟
(الوجه الثاني): أن المجيب ذكر أن الحديث على ظاهره ولم يغيره ولم يؤوله، ولكن ذكر أن إثبات البغي لهم لا يوجب فسقهم ولا كفرهم إذا كانوا متأولين مخطئين في ذلك. والمجيب لا ينْزههم من الذنوب والخطأ، لكنه ذكر ما دل عليه كتاب الله من أن البغي لا ينفي الإيمان عمن فعله، كما قال -تعالى-: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} 4، فسماهم الله مقتتلين مع الإيمان.
(الوجه الثالث): قوله: فأين فائدة كلام الحكيم صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: إنما يعرف فائدة كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أهلُ العلم والإيمان، فهم الذين يهتدون به ويعرفون معناه
__________
1 سورة الطلاق آية: 1.
2 سورة غافر آية: 18.
3 سورة النحل آية: 90.
4 سورة الحجرات آية: 9.
(4/195)

ويعقلونه كعلي -رضي الله عنه- وأصحابه، ومن شابههم من أهل الفهم والمعرفة لكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما أهل الجهل والضلال فهو عليهم عمى وضلال كما قال -تعالى-: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} 1، كهذا المعترض ومن شاكله الذي يتناقض في السطر الواحد، ويرد كلامه بعضه بعضا، وهو لا يشعر ولا يدري.
والفائدة في حديث عمار قد عقلها أهل السنة والجماعة، وهو أنهم علموا أن قتلة عمار فئة باغية على الإمام، وأن عليا رضي الله عنه وأصحابه أولى بالحق من معاوية رضي الله عنه وأصحابه، وهذا هو الفائدة في الحديث؛ ومن فهم منه غير ذلك فقد أبعد النجعة، وتكلف ما لا علم له به.
(الوجه الرابع): أن يقال: حمله هذه الآيات التي ذكرها على معاوية وأصحابه مثل حمل الخوارج آيات الشرك والكفر والظلم على علي رضي الله عنه وأصحابه سواء بسواء، فكما أن كلام الخوارج معلوم البطلان بضرورة العقل، فكذلك حمل هذه الآيات على معاوية رضي الله عنه وأصحابه معلوم البطلان بالضرورة. فما هذه الوقاحة، وقلة الحياء، وصفاقة الوجوه؟!
(الوجه الخامس): أن يقال قوله: ما هذه السوابق والحسنات التي لهم؟ هل قتل عمار وخزيمة ذي الشهادتين وأبي الهيثم بن التيهان وغيرهم من المهاجرين والأنصار؟ فيقال: الحسنات العظيمة التي لا مطمع لأحد فيها هي صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجهادهم معه الذي لو أنفق الرجل مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه.
كما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخالد بن الوليد لما جرى بينه وبين عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما- كلام ومنازعة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما بلغت مد أحدهم ولا نصيفه"2 هذا كلامه في خالد وهو من جملة الصحابة. لكنه ليس من السابقين الأولين، فكيف بمن لم يصحبه؟
__________
1 سورة فصلت آية: 44.
2 البخاري: المناقب (3673) , ومسلم: فضائل الصحابة (2541) , والترمذي: المناقب (3861) , وأبو داود: السنة (4658) , وأحمد (3/ 11 ,3/ 54 ,3/ 63).
(4/196)

وأما قتل عمار وخزيمة وأبي الهيثم وغيرهم -رضي الله عنهم- فإنما فعلوا ذلك بتأويل واجتهاد، وكل من الفريقين يظن أن الحق والصواب معه. وعلي -رضي الله عنه- وأصحابه قتلوا الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وغيرهم من السابقين ومن الصحابة -رضي الله عنهم- فما ذكرت في معاوية وأصحابه ففي علي وأصحابه ما هو مثلهم.
فصح -يقينا- أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الحق والصواب، وهو محبة جميع الصحابة -رضي الله عنهم- والترضي عنهم، والدعاء لهم، والكف عما شجر بينهم، رضي الله عنهم أجمعين.

فصل
[مخالفة الشيعة لأهل السنة في الصحابة وآل البيت]
وأما قوله: (فهذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن علي بن القاسم أبو طالب -حفظه الله- قد حكمك، وفوض إليك بسؤاله بأن تحكم بين جده علي بن أبي طالب، ومن معه من المهاجرين والأنصار وشيعة أهل العراق.
وأهل اليمن أهل الإيمان من حمير وهمدان، وبين معاوية ومن معه من أهل الشام الطغام أعداء الرحمن، فحكمت بما قاله خصماء علي بن أبي طالب، وهم ممن رضي فواقر معاوية وصنيعه، وهم الموالون له، المحبون له ولأصحابه، المتسمون بأهل السنة والجماعة.
فكأن السائل عندكم لم يعرف كتاب الله، ولا ما جاء به جده صلى الله عليه وسلم ... إلى قوله: وهيهات أن يطمع في ذلك طامع، فقلوبهم قد نبت فيها حب آل محمد صلى الله عليه وسلم ورسخ لما رأوا من حلاوته، وقد سقاه حسن الوفاء بأجر سيد المرسلين من المودة لذريته المباركة، نجوم أهل الأرض، وباب حطة، وباب السلام، وسفينة نوح، وقرناء القرآن، والله المستعان).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها): أن يقال: قوله "فحكمت بما قاله خصماء علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم ممن رضي فواقر معاوية وصنيعه" كذب ظاهر؛ فإن المجيب قد بين أن قوله هو الذي يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،
(4/197)

وبما تواتر عن علي رضي الله عنه أنه كان يسمي أهل الشام إخوانه، وقال: "هؤلاء إخواننا قد بغوا علينا" كما ذكره غير واحد من علماء السير والتواريخ.
(الوجه الثاني): قوله في أهل الشام: الطغام أعداء الرحمن، كذب وفجور، وقول بلا دليل، ومخالفة لما عليه جماعة جميع أهل البيت، ولازمه الطعن في أكابر أهل البيت كالحسن والحسين، وابن عباس وابن جعفر؛ لأن هؤلاء كلهم قد بايعوا معاوية -رضي الله عنه- وصاروا من جملة رعيته بلا إكراه كما تقدم تقريره، وكما سيأتي في فصل كلام أهل البيت -رضي الله عنهم- في معاوية رضي الله عنه.
(الوجه الثالث): قوله في أهل السنة: وهم ممن رضي فواقر معاوية. وهذا أيضا كذب بين وبهتان؛ فإن المجيب وسلفه من أهل السنة لا يرضون بقتال معاوية وأصحابه لعلي، بل الصواب عندهم أن معاوية ومن معه في طاعة أمير المؤمنين وبيعته، ولا يرضون بسب علي وأهل بيته، بل ينكرونه على من فعله أو رضيه، كما ملئت كتبهم بذلك، وهذا المعترض يعلم، ولكنه ممن يجادل بالباطل.
(الوجه الرابع): قوله: وهم الموالون له، المحبون له ولأصحابه. فهذا صدق وصواب؛ فإن أهل السنة يتولون جميع الصحابة كلهم، ويطهرون ألسنتهم من الخوض في تلك الحروب الواقعة بينهم، بمعنى أنهم يحملون ذلك على المحمل الحسن اللائق بهم؛ لأن الله أثنى على جميع الصحابة في كتابه العزيز بقوله: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} 1 ويعرفون للسابقين الأولين حقهم على من بعدهم، وينْزلون كلا منْزلته التي أنزله الله إياها فلم يفعلوا كفعل الروافض، والزيدية، والخوارج الذين يفرقون بينهم، فيتولون بعضهم، ويبغضون ويتبرؤون من بعضهم، وهذا هو الذي تدل عليه الدلائل الصحيحة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة بالأسانيد المرضية.
__________
1 سورة الحديد آية: 10.
(4/198)

(الوجه الخامس): قوله: فوجدك قد قلت بمقالة أهل الانحراف عن الآل. وهذا أيضا من نمط ما تقدم من كذبه وفجوره وقلة حيائه من الناس؛ فإن المجيب قد بين أن مقالته التي ذهب إليها هو وسلفه هي التي عليها آل محمد صلى الله عليه وسلم. وقد نقل في كلامه لفظهم بحروفه، وبين أن دعوى المعترض اتباع الآل كذب وجهل وخبال، لا يعجز عنه أحد من الناس.
(الوجه السادس): قوله عن أهل السنة: أنهم أصلوا أصولهم، وقعدوا قواعدهم على أساس أسسه لهم بنو أمية وبنو العباس. وهذا أيضا من كذبه وفجوره، وذلك أن أهل السنة إنما أصلوا أصولهم على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من وجوب طاعة أولي الأمر كما تقدم ذكر الدلائل على ذلك من الكتاب والسنة أول هذا الجواب بما أغنى عن إعادته.
فإن قال: إن تلك الآيات والأحاديث لا تدل على ذلك، أو إنها مخالفة لكتاب الله، أو إنها مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمكن خصمك أن يقول مثل ذلك في الأصول التي أصلت، والدلائل التي قررت.
[بغض الشيعة لأناس وهم من آل محمد وعترته]
(الوجه السابع): أن يقال: أنت قد تبرأت وتنصلت من الملوك الظلمة من بني العباس، وهم من آل محمد بالإجماع، وداخلون في مسمى عترته عند جميع فرق الأمة، فهذا يبطل جميع ما أوردته من الدلائل التي معك في اتباع أهل البيت، فإذا كان من أهل البيت مَنْ هو من الملوك الظلمة أئمة جور، فكذلك يقال في من خالفوا الكتاب والسنة من آل علي سواء بسواء، ولا يمكنك أن تأتي بحجة صحيحة لا معارض لها في دخول آل علي في تلك الدلائل، وخروج غيرهم منها، فأبطلت بكلامك ما أصلته ورددت على نفسك بنفسك ما قررته وأنت لا تشعر، وهذا حال من يتكلم في مثل هذه الأمور العظيمة بمثل هذه الجهالات والخبالات التي يأنف منها أهل العرفان، بل ينفر منها الصبيان، عياذا بالله من الخزي والخذلان.
(4/199)

[اختلاف جيش علي عليه واتفاق جيش معاوية عليه]
(الوجه الثامن) أن يقال: قوله عن السائل وشيعته: وهم أهل اليمن من همدان وحمير وذرية من قاتل معاوية، وأهل الشام في صفين مع وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيه القائل في همدان، حين شقت سيوفهم قلوب العدوان من أهل الشام الطغام في ذلك الأوان:
فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
فهذا من أظهر الكذب وأفجر الفجور في أنه قد مدحهم بما ليس فيهم، والدليل على ذلك ما ذكره أهل الأخبار والسير من أن عسكر علي اختلفوا عليه اختلافا كثيرا، وآذوه أذى عظيما، حتى مل منهم، وتمنى الموت.
وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام -وهو من أئمة الحديث والفقه واللغة- عمن حدثه عن أبي سنان العجلي قال: قال ابن عباس لعلي رضي الله عنه: "ابعثني إلى معاوية، فوالله لأفتلن له حبلا لا ينقطع وسطه". فقال: "لست من مكري ومكره في شيء، ولا أعطيه إلا السيف حتى يغلب الحق الباطل". فقال ابن عباس رضي الله عنه: "أوغير ذلك؟ " قال: "كيف؟ " قال: "إنه يطاع ولا يعصى، وأنت عن قريب تعصى ولا تطاع". قال: فلما جعل أهل العراق يختلفون على علي رضي الله عنه قال: "لله ابن عباس، إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق".
وحدثني خلاد بن يزيد الجعفي، حدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الشعبي أو أبي جعفر الباقر -شك خلاد- قال: "لما ظهر أمر معاوية -رضي الله عنه- دعا علي -رضي الله عنه- رجلا، وأمره أن يسير إلى دمشق، فيعقل راحلته على باب المسجد، ويدخل بهيئة السفر، ففعل الرجل، وكان قد وصاه، فسألوه: من أين جئت؟ قال من العراق. قالوا: ما وراءك؟ قال: تركت عليا قد حشد إليكم، ونهد في أهل العراق، فبلغ معاوية رضي الله عنه، فأمر أبا الأعور السلمي يحقق أمره، فأتاه فسأله، فأخبره بالأمر الذي شاع، فنودي: الصلاة جامعة، فامتلأ الناس في المسجد، فصعد معاوية المنبر، وتشهد
(4/200)

ثم قال: إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق، فما الرأي؟ فضرب الناس أذقانهم على صدورهم، ولم يرفع إليه أحد طرفه، فقام ذو الكلاع الحميري، فقال: عليك الرأي وعلينا أم فعال -يعني الفعال-. فنَزل معاوية، ونودي في الناس: اخرجوا إلى معسكركم، ومن تخلف بعد ثلاث أحل نفسه. فخرج رسول علي حتى وافاه، وأخبره بذلك، فأمر علي رضي الله عنه فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن رسولي الذي أرسلته إلى الشام قد قدم علي، وأخبرني أن معاوية قد نهد إليكم في أهل الشام، فما الرأي؟ قال: فأضب أهل المسجد يقولون: يا أمير المؤمنين، الرأي كذا الرأي كذا، فلم يفهم علي كلامهم من كثرة كلامهم، وكثرة اللغط، فنَزل وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب بها ابن أكَّالة الأكباد"، يعني: معاوية رضي الله عنه.
وقال الأعمش: حدثني مَنْ رأى عليا يوم صفين يصفق بيديه ويعض عليها، ويقول: "يا عجبًا أُعْصَى ويُطَاع معاوية! "
[ظلم بسر بن أرطأة وعدم ثبوت صحبته]
وذكر ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد عن هشام بن محمد عن أبي مخنف لوط قال: لما توجَّه بسر بن أبي أرطاة أخبر عبيد الله بن عباس بذلك، وهو على اليمن عامل لعلي رضي الله عنه فدخل بسر بن أبي أرطاة اليمن، فأتى بابني عبيد الله بن عباس، فذبحهما وهما صغيران، فنال أمهما عائشة بنت عبد الدان من ذلك أمر عظيم.
وذكر أبو عمرو الشيباني في خروج بسر أنه أغار على همدان، فقتل وسبى نساءهم، وكن أول نساء سبين في الإسلام، وبسر هذا له أخبار سوء بجانب علي رضي الله عنه ولا تصح له صحبة، قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين، قال يحيى بن معين: كان رجل سوء، وذكر أن عليا رضي الله عنه دعا عليه أن يطيل الله عمره، ويذهب عقله، فكان كذلك.
(4/201)

قال ابن دحية: ولما ذبح الصغيرين، وفقدت أمهما عقلها، كانت تقف بالمواسم تنشد شعرا يبكي العيون، ويهيج بلابل الأحزان والغبون:
ها من أحس بني اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بني اللذين هما ... سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف
حدثت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أحنى على ودجي ابني مرهفة ... مشحوذة وكذاك الإثم يقترف
[خذلان أهل العراق للحسين ووجود بعض أهل اليمن مع معاوية]
ومعلوم عند من له أدنى معرفة بالأخبار ما جرى من أهل الكوفة مع الحسين بن علي -رضي الله عنهما- حين كاتبوه، وأمروه بالشخوص والقدوم عليهم، ووعدوه أن يبايعوه، فاغتر بهم وبمواعيدهم الكاذبة، وأمانيهم الباطلة، فشخص إليهم بأهله وولده، وكان قد أرسل إليهم قبل ذلك ابن عمه مسلم بن عقيل -رضي الله عنهما-، فلما قرب الحسين منهم خذلوه، وأسلموه للقتل، وقُتِلَ معه اثنان وثمانون رجلا من أصحابه مبارزة، ثم قتل جميع بنيه إلا عليا المسمى بعد ذلك بزين العابدين، كان مريضا فأخذ أسيرا، وقتل أكثر إخوة الحسين وبني أعمامه.
فهؤلاء شيعة أهل البيت الذين أثنى عليهم هذا المعترض، وهم أهل اليمن من همدان وحمير، وقد كان مع معاوية رضي الله عنه جموع كثيرة من حمير وغيرها من قبائل اليمن، منهم: ذو الكلاع الحميري، كان من أشراف أصحاب معاوية وساداتهم وقتل يومئذ، ومن أصحاب معاوية وأمرائه يومئذ كريب بن الصباح الحميري أحد الأبطال، قتل يومئذ جماعة ثم بارزه علي فقتله.
(4/202)

فصل
[في اعتدال أهل السنة بين غلو الشيعة وجفوة النواصب]
وأما قوله: (وانظر تواريخ الإسلام وما قال الناس، هل أحد روى أن معاوية وأصحابه ضمنوا ما أفسدوا من حقوق المسلمين، وأنهم تابوا من تلك الطامة، والفاحشة العامة، والمعصية الكبيرة، وهو البغي الذي أقررت به، وهل ودوا عمارا وخزيمة وأبا الهيثم وأويسا القرني -سيد التابعين- وغيرهم، وسلموا دياتهم إلى أهليهم، أم ماتوا متلطخين بدمائهم وبالفسق والعصيان؟)
(فالجواب): أن يقال كل ما ذكرت في معاوية وأصحابه قد جرى مثله لعلي وأصحابه أو ما هو أعظم من ذلك، وهو قتل طلحة والزبير ومن معهما من المهاجرين والأنصار، وأعظم من ذلك أن قتلة عثمان أمير المؤمنين رضي الله عنه كانوا مع علي، وكانوا من رؤوس عسكره، فما قلت في معاوية يقال في علي رضي الله عنه فكما تأوَّل علي رضي الله عنه في الدماء كذلك تأوَّل معاوية وأصحابه، فإن صحَّت هذه الدعوى ففيها من القدح والغضاضة في علي والحسن والحسين وابن عباس -رضي الله عنهم- ما لا يخفى.
وهذه الحجة التي ذكرت مما يحتج بها معاوية رضي الله عنه وأصحابه على علي رضي الله عنه وأصحابه، ولا يمكنك أن تأتي بحجة صحيحة تُبَرِّيء بها عليا وأصحابه دون معاوية وأصحابه، إلا بالمكابرة والمعاندة.
فظهر بما ذكرناه أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الصواب الذي لا يتناقض؛ لأن الباغي قد يكون متأوِّلا معتقدا أنه على حق، وقد يكون متعمدا يعلم أنه باغٍ، وقد يكون بغيه مركبا من شبهة وشهوة وهو الغالب، وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة، فأصلهم مستقيم مطرد في هذا الباب، وأما أنتم فمتناقضون.
وذلك أن النواصب من الخوارج وغيرهم الذين يُكَفِّرون عليا أو يُفسِّقُونه أو يشكون في عدالته من المعتزلة والمروانية وغيرهم لو قالوا لكم: ما الدليل على إيمان
(4/203)

علي وإمامته وعدله؟ لم يكن لكم حجة، فإنكم إن احتججتم بما تواتر من إسلامه وعبادته، قالوا لكم: وهذا متواتر عن الصحابة والتابعين والخلفاء الثلاثة وغيرهم. فليس قدحنا في إيمان علي وأصحابه إلا مثل قدحكم في إيمان معاوية وأصحابه. وإن احتججتم بما في القرآن من الثناء والمدح على الصحابة، قالوا: آيات القرآن عامة تتناول غير علي منهم مثل ما تتناول عليا رضي الله عنه، وإن أخرجتم هؤلاء من المدح والثناء، فإخراجنا عليا أيسر وأهون، فإن احتججتم عليهم بالنص الذي تدعونه، كان احتجاجهم بالنصوص التي يدعونها في أبي بكر، بل في العباس معارضا لذلك -رضي الله عنهم-، ولا ريب عند كل من يعرف الحديث أن تلك أولى بالقبول والتصديق. فإذا قال الرافضي: إن معاوية رضي الله عنه كان باغيا ظالما، قال له الناصبي: وعلي كان باغيا ظالما، قتل المسلمين على إمارته، وبدأهم بالقتال، وصال عليهم، وسفك دماء الأمة بغير فائدة لهم لا في دينهم ولا في دنياهم، وكان السيف في خلافته مسلولا على أهل الملة مكفوفا عن الكفار.
والقادحون في علي رضي الله عنه طوائف: طائفة تقدح فيه وفيمن قاتل جميعا. وطائفة تقول: فسق أحدهما لا بعينه، كما يقول ذلك عمرو بن عبيد وغيره من شيوخ المعتزلة، يقولون في أهل الجمل: فسقت إحدى الطائفتين لا بعينها، وهؤلاء يُفَسِّقُون معاوية. وطائفة تقول: هو الظالم دون معاوية كما تقوله المروانية. وطائفة تقول: كان في أول الأمر مصيبا فلما حكَّم الحَكَمَيْن كفر وارتدَّ، وهؤلاء الخوارج، وكلهم مخطئون في ذلك ضالون مبتدعون، وخطأ الشيعة مثله أو أظهر بطلانا منه.
فإن قال الذابُّ عن علي رضي الله عنه هؤلاء الذين قاتلهم علي كانوا بغاة؛ لما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"1، فللناس في هذا الحديث أقوال منهم: مَنْ قدح في حديث عمار، ومنهم مَنْ تأوَّله على أن الباغي الطالب، وهو ضعيف، ومنهم مَنْ تأوَّله على عليٍّ وأصحابه كما قال معاوية لَمَّا
__________
1 مسلم: الفتن وأشراط الساعة (2916) , وأحمد (6/ 289 ,6/ 300 ,6/ 311 ,6/ 315).
(4/204)

قيل له: إن عمارا قُتِل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تقتلك الفئة الباغية"1، فقال: "أفنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين أسيافنا ورماحنا، وإنما ندفع عن أنفسنا". وهذا تأويل باطل؛ ولهذا ردَّه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بما لا حيلة فيه، فقال: إذًا فرسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حمزة رضي الله عنه حين جاء به يقاتل المشركين.
وأما أهل السنة والجماعة -رحمهم الله - فكلامهم مستقيم، ولا مطعن فيه لأحد؛ لأنهم اتفقوا على أنه لا تُفَسَّقُ واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما إنهم كانوا بغاة؛ لأنهم كانوا متأوِّلين مجتهدين، والمجتهد المخطئ لا يُكَفَّر ولا يُفَسَّق، وإن تعمَّد البغي فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يُرْفَعُ عقابها بأسباب متعددة كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعاء المؤمنين، وغير ذلك من الأسباب؛ ولهذا قال محمد بن شهاب الزهري -وهو من أئمة التابعين-: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمع رأيهم على أن كل دم أو مال أصيب بتأويل القرآن فهو هدر" أو كلاما هذا معناه، أخرجه غير واحد من الأئمة.

فصل
[مذهب الزيدية في لعن معاوية]
وأما قوله في تحقيق مذهب الزيدية في لعن معاوية: (أنهم يظهرون -حيث يخشون التهمة- بموالاته المحرمة بنص الكتاب العزيز، حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} 2 فلا يوجبونها مطلقا ولا يستحبونها مطلقا ...) إلى آخر كلامه.
(فالجواب): أن يقال: أنت قرَّرت في أول اعتراضك أنه لو جاء ملك بلعن إبليس -لعنه الله- على المنابر لَعُدَّ مبتدعا، فكيف استجزتم -أيها المنتسبون إلى زيد رضي الله عنه- لعن معاوية -رضي الله عنه-؟! ما هذا التناقض العظيم والتهور فيما يوجب العذاب الأليم؟!
__________
1 مسلم: الفتن وأشراط الساعة (2916) , وأحمد (6/ 289 ,6/ 300 ,6/ 311 ,6/ 315).
2 سورة الممتحنة آية: 1.
(4/205)

وأما استدلاله بهذه الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} 1، وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} 2 الآية، فهي دعوى باطلة كدعوى الخوارج والمبغضين لعلي رضي الله عنه وأهل بيته بأن هذه الآيات فيهم، فكما أن دعواهم ظاهرة البطلان، فكذلك دعواكم.
[دعوى أن أهل السنة رضوا بسب علي رضي الله عنه]
وأما دعواه أن أهل السنة قد رضوا بسبِّ علي رضي الله عنه فكذب عليهم لا يمتري فيه أحد، بل هم ينكرون سب علي رضي الله عنه أشد الإنكار في قديم الزمان وحديثه، وهم الذين عملوا بقوله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} 3 الآية.

فصل
[لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك]
وأما قوله: (قد حكمت بدخوله الجنة).
(فالجواب): أن يقال: هذا كذب ظاهر على المجيب؛ وذلك أنه هو وسلفه من أهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة -رضي الله عنهم-، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك في القرآن كأبي لهب والوليد بن المغيرة وقوم نوح، وجميع المهلكين من الأمم، ومَنْ ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[لعنهم لمعاوية يستلزم الطعن في الحسن والحسين وسائر آل البيت]
ويقال أيضا: إن كان ما قلت حقا فأول مَنْ يدخل في هذه الآيات الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وأخوه الحسين، ومن معهما من أهل البيت وربيعة ومضر وهمدان، حين انخلع الحسن لمعاوية رضي الله عنه من الخلافة، وولَّى عليها من هو عدو لله ورسوله صلى الله عليه وسلم عندكم، ووافقه على ذلك أخوه الحسين، وكل مَنْ معه من
__________
1 سورة الممتحنة آية: 1.
2 سورة الأنعام آية: 68.
3 سورة النساء آية: 135.
(4/206)

المسلمين، ورضوا بذلك من غير إكراهٍ ولا غلبة من معاوية وأهل الشام، بل بمجرد ما تقابل الجمعان جرت بينهما المفاوضة في الصلح قبل أن يقع بينهما قتال، أفلا يستحي العاقل من هذه الخرافات التي تنادي على قائلها بالارتكاس في الظلمات؟! وهذا كافٍ في بطلان كلامك.

فصل
[حمل الشيعة أخبار المرتدين على من قاتلهم من الصحابة لا عليهم]
وأما قوله: (وإذا كان معاوية في الجنة، فليت شعري، أين تضع الأحاديث الواردة في دواوين الإسلام، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "يُؤْتَى برجال من أصحابي فَيُؤْخَذُ بهم ذات الشمال"1 إلى آخره، أفتنَزه معاوية ومَنْ معه مثل عمرو بن العاص وابنه عبد الله، وتضعها في سعد بن معاذ وعمار وخزيمة -ذي الشهادتين- ومن قاتل مع علي رضي الله عنه بصفين؟! أم في العشرة المبشرة بالجنة -رضي الله عنهم-؟! فاختر لنفسك أين تضعها على مقتضى شهواتك أنت وأهل السنة والجماعة ...) إلى آخره.
(فالجواب): أن يقال: قد بيَّنا فيما تقدم أن أهل العلم الذين رووا هذه الأخبار حملوها على مَن ارتدَّ من جفاة الأعراب بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وماتوا على الردة، كالأسود العنسي وأصحابه الذي تنبَّأ بصنعاء، وتبعه خلق من أهل اليمن حتى قتله الله، وكمسيلمة صاحب اليمامة وأصحابه، وكأصحاب طليحة الأسدي الذين قتلهم خالد، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خلقا عظيما. ومنهم مَنْ قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، أفتنكر أنه لم يقع ردة بعد النبي ولا كفر أحد ممن أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى جرى قتال معاوية لعلي -رضي الله عنهما-؟
ويقال أيضًا: دعواك أن هذه الأحاديث محمولة على معاوية، ومن معه من الصحابة من جنس دعوى الخوارج الذين يُكَفِّرون عليا ومن والاه، ويحملون هذه الأحاديث عليهم، فما يمكنك أن تأتي بحجة إلا عارضوك بما هو من جنسها، فاتق الله، ولا تكن من الذين يجادلون بالباطل؛ فتكون مع الهالكين.
__________
1 البخاري: تفسير القرآن (4625) , ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2860) , والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2423) وتفسير القرآن (3167) , والنسائي: الجنائز (2087) , وأحمد (1/ 235 ,1/ 253).
(4/207)

فصل
[تفسير الشيعة وأهل السنة لآية {وإن طائفتان} الخ]
وأما قوله: (إن المراد بقوله تعالى: {إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} 1 أي: أرادوا الاقتتال، وأنها كقوله تعالى: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} 2، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم "من بدَّل دينه فاقتلوه"3 إلى آخر كلامه).
(فالجواب): أن يقال: هذا لو عارضناه بكلام أهل التفسير من أهل السنة والجماعة، أو بما رووه من الأحاديث لم يقبل ذلك، فالواجب معارضته بما لا يقدر على إنكاره، وهو ما اتفقنا نحن وهم عليه، وهو أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- انخلع من الخلافة لمعاوية مع حضور أهل البيت وجمهور المسلمين معه، أفتقول: إن الحسن لا يفهم كلام الله ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما عرفته أنت وشيعتك؟ فيلزم من كلامك أن الحسن ومَنْ معه هم الذين سلَّطوا الكفار والفساق على فساد الدين، والكفر برب العالمين.
(وجواب ثان): وهو أنه تواتر عن علي رضي الله عنه أنه لَمَّا قتل أهل الجمل، لم يفعل فيهم كفعله في الكفار المرتدين من السبي، وأخذ الأموال، والإجهاز على الجريح كما احتجَّ بهذه الحجة على الخوارج حبر الأمة، وترجمان القرآن ابن عباس -رضي الله عنهما-.
(وجواب ثالث): وهو أن يقال: الآية نفسها مصرِّحة بنقيض ما فسَّرها به هذا المعترض؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قال في أولها: "اقتتلوا" وهذا فعل ماض بإجماع النحويين، ثم قال: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} 4 أي: بعد الاقتتال والإصلاح، ثم قال: {فَإِنْ فَاءَتْ} 5 أي: رجعت عن البغي {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} 6 ثم قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
__________
1 سورة الحجرات آية: 9.
2 سورة المائدة آية: 54.
3 البخاري: الجهاد والسير (3017) , والترمذي: الحدود (1458) , والنسائي: تحريم الدم (4059 ,4060 ,4061 ,4062 ,4064 ,4065) , وأبو داود: الحدود (4351) , وابن ماجه: الحدود (2535) , وأحمد (1/ 217 ,1/ 282 ,1/ 322).
4 سورة الحجرات آية: 9.
5 سورة الحجرات آية: 9.
6 سورة الحجرات آية: 9.
(4/208)

أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} 1.
فالآية من أولها إلى آخرها تنادي بتكذيب هذا المعترض الذي يفسر كتاب الله برأيه.
(وجواب رابع): وهو أن يقال: إذا جوَّزت أن يكون المراد بقوله -تبارك وتعالى-: {إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} 2 أن يكون المعنى أي: أرادوا الاقتتال، أو قوله: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} 3 أي: أرادوا البغي؛ جاز أن يقال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم "من بدَّل دينه فاقتلوه" 4، فيكون معنى الحديث عندكم: مَنْ أراد تبديل دينه وَهَمَّ بذلك -وإن لم يتكلم ويعمل- فاقتلوه.
وهذا لا يقوله من يفهم ما يقول؛ وذلك لأن ما في القلوب من الإرادات والنيات لا يعلمه إلا الله، وجاز أن يكون معنى قوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} 5 أي: يرد قتله وإن لم يقتله، وجازه -أيضا- ذلك في جميع آيات الوعد والوعيد كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا} 6 أي: يرد أن يعصي الله ورسوله ويتعد حدوده، وإن لم يفعل ذلك، فإن طردت ما قلت لزمك أن تقول ذلك في جميع ما شابهها في آيات الوعد والوعيد والأمر والنهي.
[حكاية مكذوبة]
وأما الحكاية التي ذكرها أن معاوية رضي الله عنه أظهر لأهل الشام، أن عليا لا يصلي، حتى حاجَّ بذلك بعض أهل الشام هاشم بن عتبة رضي الله عنه فهي من أظهر الكذب والبهتان عند من له أدنى معرفة بهذا الشأن، وقد ذكرنا بالنقول المتواترة أن أهل الشام إنما قاتلوا عليا ومَن معه للطلب بدم عثمان -رضي الله عنه-؛ لأن قتلة عثمان كانوا رؤوس جيش علي، ولا يحكي مثل هذه الحكاية إلا من لا يستحي من الكذب.
__________
1 سورة الحجرات آية: 10.
2 سورة الحجرات آية: 9.
3 سورة الحجرات آية: 9.
4 البخاري: الجهاد والسير (3017) , والترمذي: الحدود (1458) , والنسائي: تحريم الدم (4059 ,4060 ,4061 ,4062 ,4064 ,4065) , وأبو داود: الحدود (4351) , وابن ماجه: الحدود (2535) , وأحمد (1/ 217 ,1/ 282 ,1/ 322).
5 سورة النساء آية: 93.
6 سورة النساء آية: 14.
(4/209)

فصل
[حديث غدير خم، وزيادة الشيعة فيه لفظ ومعنى]
وأما ذكره من استدلاله بحديث غَدِير خُمٍّ، وأنه ورد من روايات جماعة من الصحابة، فقد قدَّمنا الجواب عنه، وقد بيَّن أهل العلم أنه لا يدل على ما ذهب إليه الروافض والزيدية؛ لأن المولى يطلق على معاني متعددة.
وأما قوله: "اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأعن من أعانه"، فهذا ليس في الأحاديث الصحيحة التي صحَّحها أهل العلم بالحديث، بل طعن كثير منهم في هذه الزيادة، قالوا: والواقع يشهد بكذبها؛ لأن النصر والغلبة والإعانة وقع لمن حاربه وقاتله، ومعلوم أن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجاب، فلو كان هذا حقا وصدقا لوقع الأمر بخلاف ما وقع، وأنت لا تنكر أن الغلبة والظفر والإعانة كان لمن قاتله وحاربه، فبطل ما ذكرت -ولله الحمد والمنة-.
وأكثر هذه الأحاديث التي ذكرها في أول هذا الاعتراض وآخره قد بين أهل العلم بالحديث أنها كذب موضوعة مفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم من العجب استدلاله بكلام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حين ذكروا عثمان وعليا وطلحة والزبير -رضي الله عنهم- وما كان منهم، فأكثروا وعمر ساكت، فقال القوم: ألا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: "لا أقول شيئا، تلك دماء طَهَّرَ الله منها كفي، فلا أغمس فيها لساني". اه.
وهذا هو الذي أراد المجيب؛ لأن الله أثنى عليهم في كتابه جملة قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} 1، وأثنى على من جاء بعدهم، فدعا لهم بالمغفرة، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} 2.
فإن قلت: إن هؤلاء الآيات في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار،
__________
1 سورة الفتح آية: 29.
2 سورة الحشر آية: 10.
(4/210)

قلنا: جاءتك قاصمة الظهر، وهي قوله -تبارك وتعالى-: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} 1.
[أحاديث في مناقب معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما]
ومعلوم بإجماعنا وإجماعكم أن معاوية وعمرو بن العاص -رضي الله عنهما- ممن أسلم بعد الفتح، والأحاديث الواردة في فضل معاوية وعمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قد رواها مَنْ روى تلك الأحاديث في فضل علي رضي الله عنه وأهل البيت، فإما أن تقبل الجميع، وإما أن ترد الجميع، وأما أن تقبل ما وافق هواك، وترد ما خالفه بلا برهان ولا حجة يوافقك عليها أهل المعرفة، فهذا تناقض، وقد قال السيوطي: أخرج الترمذي وحسَّنه عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الصحابي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديا مهديا"2.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه العذاب"3.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال: "قال لي معاوية رضي الله عنه: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاوية، إذا ملكت فأحسن".
وأخرج الترمذي عن أبي إدريس الخولاني قال: "لما عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمير بن سعد عن حمص، وولَّى معاوية رضي الله عنه، فقال الناس: عزل عميرا وولى معاوية، فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اهد به"4.
وقال آدم عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "أبناء العاص مؤمنان عمرو وهشام"5 وقال عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال طلحة: "ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
1 سورة الحديد آية: 10.
2 الترمذي: المناقب (3842) , وأحمد (4/ 216).
3 أحمد (4/ 127).
4 الترمذي: المناقب (3843).
5 أحمد (2/ 304).
(4/211)

بشيء؟ ألا إني سمعته يقول: "عمرو بن العاص من صالح قريش"1 وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول: "نعم أهل البيت: أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله"2. اه ما ذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه.

فصل
[كذب الشيعة على معاوية وما أنكره أهل السنة عليه]
وأما ما ذكره من إحداثات معاوية، منها: إلحاقه زياد بن سمية بأبيه، فأهل العلم ينكرون ذلك على معاوية في قديم الزمان وحديثه، وكذلك أخذ البيعة لابنه الظالم، ينكرون ذلك ولا يرضونه حتى أنكر مَنْ أنكر منهم ذلك عليه بنفسه في حياته، وأما قوله: إنه أمر علماء السوء بأن يضعوا أحاديث في فضائل الصحابة الذين تقدموا عليا، وفي مثالب علي، فهذا من أظهر الكذب عند الخاصة والعامة من أهل العلم بالأخبار والسير، وأهل الوضع للحديث هم الشيعة كما تقدم ذكره عن أهل الحديث. وأما لعن علي رضي الله عنه فهو من المنكرات، وأهل السنة والجماعة ينكرون على من فعله كائنا من كان.
ومن العجب قوله: ولو لم يقطعه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لبقي في الشام إلى اليوم. فيقال: وما يدريك بذلك، أقرأت في اللوح المحفوظ، فكتبت هذا الكلام منه؟! أم بلغك ذلك في حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بذلك فهو الصادق فيما أخبر به؟ وأيضا أنت ذكرت عن ابن تيمية -رحمه الله- في أول كتابك، وفي هذا الموضع أنه لم ينقطع إلا قبل وقته، فهذا يرد قولك أنه لو لم يقطعه عمر لبقي إلى اليوم، وأيضا أنت كذبت على ابن تيمية، فإنه لم يقل ذلك، وابن تيمية -رحمه الله- أجلُّ من أن يقول مثل هذه الخرافات والجهالات في المنقولات.
وأيضًا من المعلوم المتواتر أن بني أمية بعد موت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه استمروا على سبِّ علي، ولم ينقطع من الشام ولا من غيره من بلاد الإسلام إلا بعد انقراض دولة بني أمية في ولاية بني العباس.
__________
1 الترمذي: المناقب (3845).
2 أحمد (4/ 150).
(4/212)

وأما قوله: ومن إحداثاته ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في أول السورة، فهذا كذب ظاهر، وما ذكره عن الرازي دعوى مجردة لا دليل عليها، وأيضا معارضة بما هو من أصح الأسانيد، وهو ما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها"1.
وأما تشريعه الإقامة في صلاة العيدين، فكذب ظاهر، فإن الذي أحدثه بنو أمية بعد معاوية في العيدين هو تقديم الخطبة على الصلاة كما في الصحيحين: أن أول من فعل ذلك مروان بن الحكم، فأنكر عليه أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعين.

فصل
[دعوى الزيدية العصمة لعلي كدعوى الإمامية النص على إمامته]
وأما دعواه العصمة لعلي رضي الله عنه وقوله: (قد حصل القطع بها، ولا ينكرها إلا مكابر، إلى آخره.
(فالجواب): أن يقال: (أولا) هذه الدعوي من جنس دعوى الإمامية بالنص والعصمة لعلي وأولاده، ومن جنس دعوى الباطنية، وجنس دعوى السبائية في محمد بن علي -المعروف بابن الحنفية-، وما أحسن ما قال بعضهم:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة
وقد تقدم الجواب عن أدلته التي ذكر مفصلا مبينا، ولكن نذكر فصلا نختم به كتابنا هذا، ننقل فيه كلام أهل البيت في الرد على هذا المعترض وأشباهه؛ ليتبين الحق لمن أراد الله هدايته، وأما من أراد الله به الشقاء والخذلان، فذلك لا حيلة فيه كما قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} 2 الآية.
__________
1 البخاري: الأذان (743) , ومسلم: الصلاة (399) , والترمذي: الصلاة (246) , والنسائي: الافتتاح (902 ,903) , وأبو داود: الصلاة (782) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (813) , وأحمد (3/ 101 ,3/ 111 ,3/ 168 ,3/ 176 ,3/ 179 ,3/ 203 ,3/ 205 ,3/ 223 ,3/ 255 ,3/ 264 ,3/ 273 ,3/ 275 ,3/ 278 ,3/ 289) , والدارمي: الصلاة (1240).
2 سورة المائدة آية: 41.
(4/213)

فصل
{في كلام بعض أهل البيت في الثناء على معاوية}
في ذكر شيء من كلام أهل البيت -رضي الله عنهم- في الثناء على معاوية رضي الله عنه.
من ذلك ما أخرجه غير واحد من أهل العلم أن عليا رضي الله عنه قال: "لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر على كواهلها"، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا قال له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية أنه أوتر بركعة؟ فقال: "أصاب إنه فقيه" فهذه شهادة ابن عباس، وهو من أكابر علماء أهل البيت.
[ترك الحسن الخلافة لمعاوية وكلامه في إمامة والده]
ومن ذلك انسلاخ الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" في ترجمة الحسن بن علي رضي الله عنه: "كان -رحمه الله- حليما ورعا، دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله". وقال: "والله ما أحب منذ عرفت ما ينفعني وما يضرني أن ألي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أن يهراق في ذلك محجمة دم". وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان رضي الله عنه والذابِّين عنه، ولما قتل أبوه علي رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفا كلهم قد بايعوا أباه عليا قبل موته على الموت، وكانوا أطوع للحسن وأحب فيه منهم في أبيه.
فبقي نحو سبعة أشهر خليفة في العراق وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه -وذكر ما جرى بينهما، إلى أن قال-: وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"1. وكان أصحاب الحسن يقولون: "يا عار المؤمنين". فيقول: "العار خير من النار" وذكر بإسناده عن أبي روق الهمداني أن أبا العريف حدثه قال: "كنا في مقدمة الحسن بن علي اثني عشر ألفا مستميتين، تقطر
__________
1 البخاري: الصلح (2704) , والترمذي: المناقب (3773) , والنسائي: الجمعة (1410) , وأبو داود: السنة (4662) , وأحمد (5/ 37 ,5/ 49).
(4/214)

أسيافنا من الجد والحرص على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمرطة، فلما جاءنا صلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ والحزن، فلما جاء الحسن الكوفة أتاه شيخ منا يُكْنَى أبا عامر فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: لا تقل هكذا يا أبا عامر، فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على طلب الملك.
قال أبو عمر: وروينا من وجوه أن الحسن بن علي رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: "يا أخي، إن أباك -رحمه الله- لمَّا قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون صاحبه، فصرف الله ذلك عنه ووليها أبو بكر، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوَّف إليها وصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان. فلما هلك عثمان بويع، ثم نوزع حتى جرَّد السيف، فطلبها وما صفا له شيء منها. وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا -أهل البيت- النبوة والخلافة، فلأعرفن ربما استخفَّك سفهاء الكوفة فأخرجوك". انتهى. فانظر -رحمك الله- إلى كلام هذا السيد، وما فيه من الرد على هذا المعترض من دعواه النص على عليٍّ رضي الله عنه وغير ذلك من الدعاوى الباطلة يتبين لك مخالفته لأهل البيت، وأن دعواه محبة أهل البيت كذب وافتراء ودعوى لا حقيقة لها.
[كيف كان الصلح بين الحسن ومعاوية]
ومن العجب أن يدَّعي عصمة أهل البيت فيحتج بالأحاديث والآيات على ذلك، وأنهم كسفينة نوح وباب حطة، ثم يخالفهم ويرد كلامهم، ولازم كلامه أن فعل الحسن رضي الله عنه من نزوله عن الخلافة ومصالحته معاوية هو سبب افتراق الأمة وضلالتها، وأن كلام الحسن لأخيه الحسين -رضي الله عنهما- كلام باطل، بل الواجب على الحسين وغيره من المسلمين الخروج على معاوية رضي الله عنه ومقاتلته وانتزاع الخلافة منه، ونحن نقول: بل الحسن مصيب بارٌّ راشد ممدوح، وليس يجد في صدره مما صنع حرجا ولا تلوُّما ولا ندما، بل هو راضٍ بذلك مستبشر به، وإن كان هذا قد ساء خلقا من ذويه وشيعته ولا سيما بعد ذلك بمدد وهلم جرا
(4/215)

إلى يومنا هذا.
والحق في ذلك اتباع السنة، وقد مدحه جده صلى الله عليه وسلم كما ثبت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن الحسن البصري -وكان من سادات التابعين وأفاضلهم- قال: "استقبل الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إني لأرى كتائب لا تُوَلِّي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، مَنْ لي بأمور المسلمين، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه وتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن رضي الله عنه: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا له: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: مَنْ لي بهذا، من لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، قال الحسن: فصالحه. قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي رضي الله عنه إلى جنبه، وهو ينظر إلى الناس مرة، وإليه مرة، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
[ما فعله الحسن من الصلح مع معاوية مما يحبه الله ورسوله]
ففي هذا الحديث الصحيح أن معاوية رضي الله عنه هو الذي طلب إليه الصلح، والذي ذكره أهل السير والأخبار أن الحسن هو الذي كتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على شروط اشترطها عليه.
وقد أخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة؟ فقال: "قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الحجاز". أو كما قال.
(4/216)

ففي هذا من الرد على المعترض ما يعرفه كل منصف، وذلك أن هذا المعترض جعل هذا الصلح والاجتماع الذي فعله الحسن بن علي، ووافقه عليه أهل بيته وجمهور المسلمين هو سبب فساد الأمة وافتراقها، فعلى كلامه يكون الحسن هو الذي تسبَّب في فساد الأمة، وظهور الفتن فيها.
فإن قال: ألجأه إلى ذلك الخوف والضعف. قلنا: هذا باطل من وجوه كثيرة: (منها): ما تقدم من كثرة جيش الحسن رضي الله عنه ومحبة الناس له وانقيادهم معه، وقد بيَّن رضي الله عنه أن الذي حمله على ذلك هو كفُّ الفتنة، وإيثار الآخرة على الدنيا؛ ولهذا مدحه النبي صلى الله عليه وسلم على فعله ذلك.
قال العلماء -رحمة الله عليهم-: فدلَّ هذا على أن قتال أهل الشام ليس بواجب قد أوجبه الله ورسوله، ولو كان واجبا لم يمدح النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بتركه. فدل الحديث على أن ما فعله الحسن بن علي مما يحبه الله ورسوله، وتواترت الأخبار عن علي رضي الله عنه بكراهة القتال في آخر الأمر، لما رأى اختلاف الناس، واختلاف شيعته عليه وتفرقهم، وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل، وكان يقول رضي الله عنه ليالي صفين: "لله در مقام قامه عبد الله بن عمر وسعد بن مالك: إن كان برا إن أجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطره ليسير"، وكان يقول لابنه الحسن رضي الله عنه: "يا حسن، يا حسن، ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا، ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة".
[ما كان بين علي ومعاوية -رضي الله عنه- من المهادنة بعد صفين]
حتى ذكر ابن كثير وغيره من أهل التواريخ أن في سنة أربعين بعد وقعة صفين جرت بين علي ومعاوية المهادنة على وضع الحرب، وأن يكون ملك العراق لعلي، ولمعاوية ملك الشام، ولا يدخل أحد على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غيرها، ذكر ذلك من رواية زياد عن ابن إسحاق؛ وذلك لأن معاوية رضي الله
(4/217)

عنه بعد أن رجع من صفين إلى الشام، ورجع علي رضي الله عنه إلى الكوفة فرَّق معاوية رضي الله عنه جيوشا كثيرة في أطراف معاملات علي رضي الله عنه، فبعث النعمان بن بشير في ألفي فارس على عين النمر، وبها مالك بن كعب في ألف فارس مسلَّحة لعلي رضي الله عنه، فلما سمعوا بقدوم الشاميين ارفضّوا عنهم، فلم يبق مع مالك إلا مائة رجل، فكتب إلى علي يخبره بأمر النعمان، فندب علي الناس إلى إغاثته، فتثاقلوا عليه ونكلوا ولم يجيبوا إلى الخروج، فخطبهم علي رضي الله عنه فقال في خطبته: "يا أهل الكوفة كلما سمعتم بمسيرٍ لأهل الشام قد أظلكم انحجر كل امرئ منكم في بيته، وغلق عليه بابه انحجار الضب في جحره، والضبع في وجاره، المغرور مَنْ غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند الالتجاء، إنا لله وإنا إليه راجعون، ما هذا ملئت به منكم، عمي لا تبصرون، وبكم لا تنطقون، وصم لا تسمعون، إنا لله وإنا إليه راجعون". قال أهل الأخبار: حتى كره الحياة بينهم وتمنَّى الموت، وكان يكثر أن يقول: "ماذا يحبس أشقاها؟ " أي: ما ينتظر؟ ما له لا يقتل؟ ثم يقول: "والله لتخضبن هذه -ويشير إلى لحيته- من هذه -ويشير إلى هامته-".
قال ابن كثير -في تاريخه-: وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة ثم سرد تلك الطرق.
[ما يروى من ذم علي وكراهته لأهل العراق]
وقال الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن زهير بن الأرقم قال: خطبنا علي رضي الله عنه قال: "نبئت أن قراءكم قد خلعوا الإمام، وإني والله لأحسب هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وخياناتكم أماناتكم، وأدائهم أمانتهم، وإفسادكم في أرضكم، وإصلاحهم في أرضهم، قد بعثت فلانا فخان وغدر، وبعثت فلانا فخان وغدر، وبعث بالمال إلى معاوية، لو أئتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته. اللهم سئمتهم وسئموني
(4/218)

وكرهتهم وكرهوني، اللهم فأرحني منهم وأرحهم مني". قال فما صلى الجمعة الأخرى حتى قُتِلَ. انتهى ما نقله من تاريخ ابن كثير الذي سمَّاه "البداية والنهاية".
[لم يعهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى علي من دماء أهل القبلة شيئا]
وقد كان رآه عليا رضي الله عنه في دماء أهل القبلة لم يعهده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمره به، كما في سنن أبي داود وغيره: "عن قيس بن عباد قال: قلت لعلي أخبرنا عن مسيرك هذا، عهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأي رأيته؟ قال: ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم شيئا"1، وهذا أمر ثابت عنه؛ ولهذا لم يرو علي في قتال أهل الجمل وصفين عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روى في قتال الخوارج، فإنه روى هو وغيره من الصحابة في قتال الخوارج أحاديث كثيرة، أخرجها علماء أهل السنة كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال الإمام أحمد: "صحَّ الحديث في الخوارج عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه".
وأما الحديث الذي يروى أنه أمر بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فقد قال أهل العلم بهذا الشأن: إنه حديث موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم.
[ماجرى بعد موت معاوية من فتن قتل الحسين غيرها]
وقد روى البخاري وغيره عن سهل بن حنيف -وهو ممن قاتل مع علي بصفين-: "أيها الناس اتهموا الرأي على الدين، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته، وما أردت بذلك إلا الخير، وما رفعنا سيوفنا على عواتقنا إلا أسلمنا بها إلى أمر نعرفه، غير أمركم هذا؛ ما سددنا خصما إلا انفجر لنا خصم آخر"2؛ وذلك لأن هذا القتال لم يحصل به مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم، بل أُريقت به دماء ألوف مؤلَّفة من المسلمين، ونقص الخير عما كان، وزاد الشر على ما كان، ولما تولى معاوية رضي الله عنه الخلافة واستتم له الأمر اتفقت الكلمة، وكان الناس في ولايته متفقين يغزون العدو، ويجاهدون في سبيل الله، فلما مات معاوية -رحمه الله- جرت فتن عظيمة منها قتل الحسين وأهل بيته، ثم جرت فتنة الحرة بالمدينة، ثم حصر ابن الزبير بمكة. ثم لما مات
__________
1 أبو داود: السنة (4666).
2 البخاري: الجزية (3181) , ومسلم: الجهاد والسير (1785) , وأحمد (3/ 485).
(4/219)

يزيد جرت فتنة بالشام بين مروان والضَّحَّاك بمرج راهط، وجرت فتنة مصعب بن الزبير، وقتل مصعب، ثم حاصر الحجاج ابن الزبير وقتله. وجرت فتنة لما تولى الحجاج العراق، وخرج عليه عبد الرحمن بن الأشعث معه خلق عظيم من القراء، وكانت فتنة كبيرة.
[من أثنى من علماء التابعين على معاوية]
وبالجملة، فلم يكن ملك من ملوك الإسلام خيرا من معاوية، ولا كان الناس في زمن ملك من ملوك المسلمين خيرا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده.
وقد روى أبو بكر الأثرم حدثنا محمد بن عمرو حدثنا محمد بن مروان عن يونس عن قتادة قال: "لو أصبحت في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي"، وكذلك رواه ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: "لو أدركتم معاوية لقلتم: هذا المهدي".
ومعلوم بإجماع المسلمين أنه ليس قريبا من عثمان وعلي -رضي الله عنهما- فضلا عن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فكيف يُشبَّه غير الصحابة بهم، والله أعلم.
وروى أسد بن موسى قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة قال: "ما بلغني أن عمر بن عبد العزيز جلد سوطا في خلافته إلا رجلا شتم معاوية عنده، فجلده ثلاثة أسواط".
وروى أسد -أيضا- قال: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا قتادة قال: قلت للحسن: "يا أبا سعيد، إن ههنا أناسا يشهدون على معاوية أنه من أهل النار. قال: لعنهم الله، وما يدريهم من في النار".
فقد تبين بما ذكرنا لكل منصف أريب، ولمن له قلب منيب، جهل هذا المعترض وأشباهه بما عليه أهل البيت، وأن دعواه اتباعهم ومحبتهم كذب وافتراء، ومجرد دعوى لا حقيقة لها، كما أن اليهود والنصارى يدعون اتباع أنبيائهم، وهم قد خالفوهم وسلكوا غير طريقهم، وكذلك الإمامية والغالية من الرافضة يدعون اتباع علي
(4/220)

وأهل بيته، وهم قد خالفوا طريقتهم وسلكوا غير منهاجهم.
فقد تقرر وظهر -ولله الحمد والمنة- أن أسعد الناس باتباع أهل البيت ومحبتهم هم أهل السنة والجماعة، القائلون بما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} 1 الآية، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} 2 الآية.
ونسأل الله أن يوفقنا وسائر إخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، وأن يجنبنا ما يسخطه من الخطأ والزلل، ويرينا الحق حقا ويوفقنا إلى اتباعه، ويرينا الباطل باطلا، ويوفقنا إلى اجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل.
[الدعاء المأثور عند الاشتباه]
وينبغي للمؤمن عند الاشتباه أن يلجأ إلى الله، ويضرع إليه، ويدعو بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل وهو: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"3.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. انتهى.

{تم الكتاب}
طبع عن نسخة كتب في آخرها:-
وقع الفراغ من نسخه نهار الأربعاء عاشر رجب سنة 1343 بقلم الفقير إلى رحمة ربه القدير، المقر بالذنب والتقصير عبد الرحمن بن محمد بن براك، غفر الله له ولوالديه ولإخوانه المسلمين. آمين.
__________
1 سورة آل عمران آية: 68.
2 سورة آل عمران آية: 31.
3 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (770) , والترمذي: الدعوات (3420) , والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1625) , وأبو داود: الصلاة (767) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1357) , وأحمد (6/ 156).
(4/221)

كتاب
بيان المحجة في الرد على اللجة
تأليف
شيخنا وإمامنا، ناصر السنة، وقامع البدعة
الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
أجزل الله لهم الأجر والثواب آمين

من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
وقد وقفه على من ينتفع به من أهل العلم والدين
لا يحل لمن وقع بيده بيعه
(4/223)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله لهم الأجر والثواب، وأدخلهم الجنة بغير حساب ولا عذاب:
اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} 1. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي قال الله تعالى خطابا له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} 2. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه، من أذهب الله عنهم الرجس، وطهَّرهم تطهيرا.
أما بعد:

[نفي ما في البردة من شرك نشأ عن جهل وفساد تصور]
فإني وقفت على جواب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، وقد سئل عن أبيات من البردة، وما فيها من الغلو والشرك العظيم المضاهي لشرك النصارى ونحوهم ممن صرف خصائص الربوبية والإلهية لغير الله تعالى، كما هو صريح الأبيات المذكورة في البردة، لا يخفى على مَنْ عرف دين الإسلام أنه الشرك الأكبر الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه، وبيَّن أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وأن الجنة عليه حرام.
__________
1 سورة الفرقان آية:2، 3.
2 سورة الأحزاب آية:45، 46.
(4/224)

وذكر الشيخ -رحمه الله- في جوابه: أن الأبيات المذكورة تضمَّنت الشرك، وصرف خصائص الربوبية والإلهية لغير الله، فاعترض عليه جاهل ضالٌّ فقال مبرئا لصاحب الأبيات من ذلك الشرك بقوله: حماه الله من ذلك، ويكفيه في نفي هذه الشناعة قوله أول المنظومة:
* دع ما ادعته النصارى في نبيهم *
البيت المطابق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم"1.
(الجواب): أن هذه التبرئة إنما نشأت عن الجهل وفساد التصور، فلو عرف الناظم وهذا المعترض ومن سلك سبيلهما حق الله على عباده، وما اختصَّ به من ربوبيته وإلهيته، وعرفوا معنى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لَمَا قالوا ما قالوا هم وأمثالهم ممن جهل التوحيد، كما قال تعالى في حق من هذا وصفه: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} 2.
فالجهل بما بعث الله به رسله قد عمَّ كثيرا من هذه الأمة، وظهر فيها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ "3 ونحو هذا من الأحاديث.
وقوله: ويكفيه في نفي هذه الشناعة قوله أول المنظومة:
* دع ما ادعته النصارى في نبيهم * ... ... .... البيت
(الجواب): أن هذا يزيده شناعة ومقتا؛ لأن هذا تناقض منه بيِّن، وبرهان على أنه لا يعلم ما يقول، فلقد وقع فيما وقعت فيه النصارى من الغلو العظيم الذي نهى الله عنه ورسوله، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، أو فعل ما يوصل إليه بقوله: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا"4. وقال:
__________
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3445) , وأحمد (1/ 23 ,1/ 24 ,1/ 47).
2 سورة الأنعام آية: 119.
3 البخاري: أحاديث الأنبياء (3456) , ومسلم: العلم (2669) , وأحمد (3/ 84 ,3/ 89 ,3/ 94).
4 البخاري: الصلاة (436) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531) , والنسائي: المساجد (703) , وأحمد (1/ 218 ,6/ 34 ,6/ 80 ,6/ 121 ,6/ 255) , والدارمي: الصلاة (1403).
(4/225)

"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"1، وقوله لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده"2 وقال: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل". فلقد حذر أمته صلى الله عليه وسلم وأنذرهم عن الشرك ووسائله، وما دقَّ منه وجلَّ، ودعا الناس إلى التوحيد ونهاهم عن الشرك، وجاهدهم على ذلك، حتى أزال الله به الشرك والأوثان من جميع الجزيرة وما حولها من نواحي الشام واليمن وغير ذلك.
وقد بعث السرايا في هدم الأوثان وإزالتها، كما هو مذكور في كتب الحديث والتفسير والسير، كما في حديث أبي الهياج الأسدي الذي في الصحيح، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته"3. وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح لهدم (مناة) وبعث خالد بن الوليد يومئذ لهدم بيت العزى، وقطع السمرات التي كانت تعبدها قريش وهذيل، وبعث المغيرة بن شعبة لهدم اللات فهدمها، وأزال عن جزيرة العرب وما حولها جميع الأصنام والأوثان التي كانت تعبد من دون الله.
والصحابة -رضي الله عنهم- تعاهدوا هذا الأمر واعتنو بإزالته أعظم الاعتناء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما يقع في أمته من الاختلاف، كما في حديث العرباض بن سارية قال: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا"4 الحديث، فوقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وعظم الاختلاف في أصل الدين بعد القرون المفضلة كما هو معلوم عند العلماء، ولو أخذنا نذكر ذلك أو بعضه لخرج بنا عن المقصود من الاختصار.

[هدم الإسلام للشرك ثم عودته إلى المسلمين وفشوه فيهم]
فانظر إلى ما وقع اليوم من البناء على القبور والمشاهد وعبادتها، فلقد عمَّت هذه البلية كثيرا من البلاد، ووقع ما وقع من الشرك وسوء الاعتقاد في أناس
__________
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3445) , وأحمد (1/ 23 ,1/ 24 ,1/ 47).
2 أحمد (1/ 214).
3 مسلم: الجنائز (969) , والترمذي: الجنائز (1049) , والنسائي: الجنائز (2031) , وأبو داود: الجنائز (3218) , وأحمد (1/ 96 ,1/ 128 ,1/ 145 ,1/ 150).
4 الترمذي: العلم (2676) , وأبو داود: السنة (4607) , وابن ماجه: المقدمة (44) , وأحمد (4/ 126) , والدارمي: المقدمة (95).
(4/226)

ينسبون إلى العلم، قال سليمان التيمي: "لو أخذت بزلة كل عالم لاجتمع فيك الشرك كله". فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقوله المطابق لقول النبي: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم"1.
(أقول): لا ريب أن المطابقة وقعت منه ولا بد، لكنها في المنهي عنه لا في النهي، فالذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من الإطراء طابقته الأبيات من قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك ... إلى آخرها
فقد تضمَّنت غاية الإطراء والغلو الذي وقعت فيه النصارى وأمثالهم، فإنه قصر خصائص الإلهية والربوبية التي قصرها الله على نفسه، وقصرها عليه رسوله صلى الله عليه وسلم فصرفها لغير الله؛ فإن الدعاء مخ العبادة، واللياذ من أنواع العبادة.

[أبيات البردة فيها الاستعانة والاستغاثة بغير الله]
وقد جمع في أبياته الاستعانة والاستغاثة بغير الله، والالتجاء والرغبة إلى غير الله، فإن غاية ما يقع من المستغيث والمستعين والراغب إنما هو الدعاء واللياذ بالقلب واللسان. وهذه هي أنواع العبادة، ذكرها الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه وشكرها لمن قصرها على الله، ووعده على ذلك الإجابة والإثابة، كقوله تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 2. وقوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 3 الآية، وقوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} 4 الآيات.
فهذا هو الدين الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يقول لهم: {إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} 5، فقصر الدعاء على ربه الذي هو توحيد الإلهية، وقال: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدا} 6 إلى آخر الآيات، وهذا هو توحيد الربوبية، فوحَّد الله في إلهيته وربوبيته، وبيَّن للأمة ذلك كما أمر الله تعالى.
__________
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3445) , وأحمد (1/ 23 ,1/ 24 ,1/ 47).
2 سورة غافر آية: 65.
3 سورة غافر آية: 60.
4 سورة الجن آية: 19.
5 سورة الجن آية: 20: 23.
6 سورة الجن آية: 21.
(4/227)

وقال تعالى {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} 1 أمره بقصر الرغبة على ربه تعالى، وقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} 2 ونهى عن الاستعاذة بغيره بقوله تعالى عن مؤمني الجن: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} 3.
واحتجَّ الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وغيره على القائلين بخلق القرآن بحديث خولة بنت حكيم مرفوعا: "من نزل مَنْزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات"4 الحديث، على أن القرآن غير مخلوق، إذ لو كان مخلوقا لَمَا جاز أن يستعاذ بمخلوق؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وأمثال ذلك في القرآن والحديث كثير يظهر بالتدبر.

[عبادة النصارى وتأليههم للمسيح]
وأما قول المعترض: إن النصارى يقولون: إن المسيح ابن الله. نعم قاله طائفة منهم، وطائفة قالوا: هو الله، والطائفة الثالثة قالوا: هو ثالث ثلاثة، وبهذه الطرق الثلاث عبدوا المسيح -عليه السلام-، فأنكر الله عليهم تلك الأقوال في المسيح، وأنكر عليهم ما فعلوه من الشرك كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 5.
فأنكر عليهم عبادتهم للمسيح والأحبار والرهبان: أما المسيح فعبادتهم له بالتألُّه وصرف خصائص الإلهية له من دون الله كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} 6، فأخبر أن الإلهية وهي العبادة حق لله لا يشركه فيها أولو العزم ولا غيرهم، يبين ذلك قوله: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} 7.

[اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا]
وأما عبادتهم للأحبار والرهبان فإنهم أطاعوهم في تحليل ما أحلوه لهم من الحرام، وتحريم ما حرموه من الحلال عليهم.
__________
1 سورة الشرح آية:7، 8.
2 سورة الأنبياء آية: 90.
3 سورة الجن آية: 6.
4 مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2708) , والترمذي: الدعوات (3437) , وابن ماجه: الطب (3547) , وأحمد (6/ 377) , والدارمي: الاستئذان (2680).
5 سورة التوبة آية: 31.
6 سورة المائدة آية: 116.
7 سورة المائدة آية: 117.
(4/228)

ولما قدم عدي بن حاتم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراره إلى الشام -وكان قبل مقدمه على النبي صلى الله عليه وسلم نصرانيًّا- فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا، تلا عليه هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 1 قال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليسوا يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟ " قال: بلى. قال: "فتلك عبادتهم".
ففيه بيان أن من أشرك مع الله غيره في عبادته، أو أطاع غير الله في معصيته فقد اتخذه ربا ومعبودا، وهذا بيِّن بحمد الله.

[نبذ الشرك وعبادة الله وحده]
فلو تأمل هذا الجاهل قول الله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} 2، لعلم أن الله قد أنكر على النصارى قولهم وفعلهم، وعلى كل من عبد مع الله غيره بأي نوع من أنواع العبادة، لكن هذا وأمثاله كرهوا التوحيد، وألفوا الشرك وأحبوه وأحبوا أهله، فترامى بهم هذا الداء العضال إلى ما ترى من التخليط والضلال والاستغناء بالجهل ووساوس الشيطان، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ولا شفاء لهذا الداء العظيم إلا بالتجرد عن الهوى والعصبية والإقبال على تدبر الآيات المحكمات في بيان التوحيد الذي بعث الله به المرسلين. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} 3، ومثل قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 4. أمره تعالى أن يدعو أهل الكتاب إلى أن يخلصوا العبادة لله وحده، ولا يشركوا فيها أحدا من خلقه، فإنهم كانوا يعبدون أنبياءهم كالمسيح ابن مريم ويعبدون أحبارهم ورهبانهم.
وتأمَّل قوله: {كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} 5، وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم إلى جميع من أرسل إليه كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
__________
1 سورة التوبة آية: 31.
2 سورة المؤمنون آية: 91.
3 سورة يونس آية: 57.
4 سورة آل عمران آية: 64.
5 سورة آل عمران آية: 64.
(4/229)

اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} 1. وقوله: {وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} 2 يعم كل شرك دقَّ أو جلَّ، كثر أو قل.

[دعوة جميع الرسل إلى عبادة الله وحده]
قال العماد ابن كثير في تفسيره: "هذا الخطاب مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم، وقوله: {سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} 3 أي: عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} 4 لا وثنا ولا صنما ولا صليبا ولا طاغوتا ولا نارا ولا شيئا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له". (قلت): وهذا هو معنى لا إله إلا الله. ثم قال: "وهذه دعوة جميع الرسل قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 5، وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 6". انتهى المقصود منه.
وقال -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} 7 الآية: قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "قال أبو رافع القرظي -حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام-: أتريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران يقال له الرئيس: أَوَذَاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ -أو كما قال- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني" أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل في ذلك {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} 8 إلى قوله: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 9 قوله: {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} 10 أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس:
__________
1 سورة الرعد آية: 36.
2 سورة آل عمران آية: 64.
3 سورة آل عمران آية: 64.
4 سورة آل عمران آية: 64.
5 سورة الأنبياء آية: 25.
6 سورة النحل آية: 36.
7 سورة آل عمران آية: 79.
8 سورة آل عمران آية: 79.
9 سورة آل عمران آية: 80.
10 سورة آل عمران آية: 79.
(4/230)

اعبدوني من دون الله، أي: مع الله، وإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل فَلأَنْ لا يصلح لأحد من الناس بطريق الأولى والأحرى. ولهذا قال الحسن البصري: "لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا"، يعني: أهل الكتاب، وقوله: {أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} 1 أي: لا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 2 أي: لا يفعل ذلك؛ لأن من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 3. وقال: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} 4. وقال في حق الملائكة: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} 5 انتهى. وهو في غاية الوضوح. وبيان التوحيد، وخصائص الربوبية والإلهية، ونظائر هذه الآيات كثير في القرآن، وفي السنة من الأحاديث كذلك.

[إخلاص الدعاء لغير الله]
فإذا كان من المستحيل عقلا وشرعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وجميع الأنبياء والمرسلين أن يأمروا أحدا بعبادتهم، فكيف جاز في عقول هؤلاء الجهلة أن يقبلوا قول صاحب البردة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وقد أخلص الدعاء الذي هو مخ العبادة، واللياذ الذي هو من أنواع العبادة لغير الله، وتضمَّن إخلاص الرغبة والاستكانة والاستغاثة والالتجاء إلى غير الله؟ وهذه هي معظم أنواع العبادة كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} 6 الآية. وقوله: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي
__________
1 سورة آل عمران آية: 80.
2 سورة آل عمران آية: 80.
3 سورة الأنبياء آية: 25.
4 سورة الزخرف آية: 45.
5 سورة الأنبياء آية: 29.
6 سورة الرعد آية: 14.
(4/231)

اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} 1 إلى قوله: {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} 2. وعن أنس مرفوعا: "الدعاء مخ العبادة"3 رواه الترمذي.

[تفسير قوله {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}]
وقوله:
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا، وإلا فقل يا زلة القدم
المنافي لقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} 4. وقوله: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا} 5. وقوله: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا} 6 الآية.
وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة وأحب الناس إليه: "يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا"7.
فتأمَّل ما بين هذا وبين قول الناظم من التضاد والتباين، ثم المصادمة منه لما ذكره الله -تعالى- وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} 8. وتأمل ما ذكره العلماء في سبب نزول هذه الآية، وأمثال هذه الآية كثير لم يُنْسَخ حكمها ولم يُغَيَّر، ومَنْ ادَّعى ذلك فقد افترى على الله كذبا، وأضل الناس بغير علم كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} 9.
وبهذا يعلم أن الناظم قد زلَّت قدمه، اللهم إلا أن يكون قد تاب قبل الوفاة، والله أعلم.

[لا شريك لله في ملكه كما لا شريك له في إلهيته وربوبيته]
وأما قوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ... ... ... ... ...
فمن المعلوم أن الجواد لا يجود إلا بما يملكه، فمقتضى ذلك: الدنيا والآخرة ليست لله بل لغيره، وأن أهل الجنة من الأولين والآخرين لم يدخلهم الجنة الرب الذي خلقهم وخلقها لهم، بل أدخلهموها غيره {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ
__________
1 سورة الأنعام آية: 71.
2 سورة الأنعام آية: 73: 75.
3 الترمذي: الدعوات (3371).
4 سورة الانفطار آية: 17.
5 سورة الجن آية: 21.
6 سورة يونس آية: 49.
7 البخاري: الوصايا (2753) وتفسير القرآن (4771) , ومسلم: الإيمان (206) , والنسائي: الوصايا (3646) , والدارمي: الرقاق (2732).
8 سورة آل عمران آية: 128.
9 سورة هود آية: 123.
(4/232)

عَمَّا يَصِفُونَ} 1. وفي الحديث الصحيح: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته"2. وقد قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} 3 وقوله -تبارك وتعالى-: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 4، وقوله: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} 5، وقوله: {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى} 6. فلا شريك لله في ملكه كما لا شريك له في إلهيته وربوبيته، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.

[إحاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها]
وقوله:
... ... ... ... ... ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا أيضًا كالذي قبله، لا يجوز أن يقال إلا في حق الله تعالى الذي أحاط علمه بكل شيء كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} 7. وقال: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} 8. وقوله: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} 9. وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} 10. وقال تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ} 11 والآيات في هذا المعنى كثيرة تفوت الحصر.
وكل هذه الأمور من خصائص الربوبية والإلهية التي بعث الله رسله، وأنزل كتبه لبيانها واختصاصها بالله -سبحانه وتعالى- دون كل من سواه، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} 12، كقوله في آية الكرسي: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} 13 الآية، فقد أطلع الله مَنْ شاء من أنبيائه ورسله على ما شاء من الغيب بوحيه إليهم.
فمن ذلك ما جرى من الأمم السالفة، وما جرى عليهم كما قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} 14، وكذلك
__________
1 سورة الصافات آية: 180.
2 البخاري: الرقاق (6467).
3 سورة النساء آية: 134.
4 سورة الملك آية: 1.
5 سورة الأنعام آية: 12.
6 سورة الليل آية: 13.
7 سورة الأنعام آية: 73.
8 سورة يونس آية: 61.
9 سورة الأنعام آية: 50.
10 سورة الأنعام آية: 59.
11 سورة النمل آية: 65.
12 سورة الجن آية: 26.
13 سورة البقرة آية: 255.
14 سورة هود آية: 49.
(4/233)

ما تضمَّنه الكتاب والسنة من أخبار المعاد والجنة والنار ونحو ذلك، أطلع الله عليه رسوله، والمؤمنون عرفوه من كتاب الله وسنة رسوله، وآمنوا به.
وأما إحاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها، وما كان منها وما لم يكن، فذاك إلى الله وحده لا يُضاف إلى غيره من خلقه، فمن ادَّعى ذلك لغير الله فقد أعظم الفرية على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فما أجرأ هذا القائل على الله في سلب حقه! وما أعداه لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن تولاه من المؤمنين والموحدين!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-* وذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه "إنما تنقض عُرَى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام مَنْ لا يعرف الجاهلية": "وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقرَّه، ودعا إليه وصوَّبه وحسَّنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه، فتنتقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويُكَفَّر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويُبَدَّعُ بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، والله المستعان". انتهى.
(قلت): وقد رأينا ذلك -والله- عيانا من هؤلاء الجهلة الذين ابتلينا بهم في هذه الأزمنة، أشربت قلوبهم الشرك والبدع، واستحسنوا ذلك، وأنكروا التوحيد والسنة، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فضلوا وأضلوا.

[الموافقة في الاسم لا تنفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة]
وأما قول الناظم:
* فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدًا * ... البيت
فهذا من جهله، إذ من المعلوم عند كل من له أدنى مسكة من عقل أن الموافقة في الاسم لا تنفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة، فأولياء الرسول صلى الله عليه وسلم أتباعه
__________
* لم أجد هذا النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن وجدته بحروفه في كتاب "مدارج السالكين" للإمام ابن القيم رحمه الله 1/ 351. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(4/234)

على دينه، والعمل بسنته، كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ} 1 إلى قوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 2.

[موت أبي طالب على الشرك]
وتأمَّل قصة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان يحوطه ويحميه وينصره، ويجمع القبائل على نصرته صلى الله عليه وسلم وحمايته من أعدائه، وقد قال في حق النبي صلى الله عليه وسلم:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل
ولما لم يتبرأ من دين أبيه عبد المطلب، ومات على ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه"3 أنزل الله -سبحانه-: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} 4.

[لا وسيلة للعبد إلى نيل شفاعة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- إلا بالإيمان به وبما جاء به من توحيد الله]
فلا وسيلة للعبد إلى نيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالإيمان به، وبما جاء به من توحيد الله، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، ومحبته واتباعه وتعظيم أمره ونهيه، والدعوة إلى ما بعث به من دين الله، والنهي عما نهى عنه من الشرك بالله والبدع، وما لا فلا.
فعكس الملحدون الأمر، وطلبوا الشفاعة التي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها وإنكارها، وقتال أهلها بالشرك، وإحلال دمائهم وأموالهم، وأضافوا إلى ذلك إنكار التوحيد، وعداوة من قام به، واقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم في كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- من قوله: ويكفّر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد إلى آخر كلامه.
وأما قول الناظم:
__________
1 سورة الأعراف آية: 156، 157.
2 سورة الأعراف آية: 157.
3 البخاري: الجنائز (1360) , ومسلم: الإيمان (24) , والنسائي: الجنائز (2035) , وأحمد (5/ 433).
4 سورة التوبة آية: 113.
(4/235)

* ولن يضيق رسول الله جاهك بي * ... البيت
فهذا هو الذي ذكر الله عن المشركين، من اتخاذهم الشفعاء ليشفعوا لهم، ويقربوهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 1. فهذا هو دين الله الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، ثم ذكر بعد ذلك دين المشركين فقال: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} 2.
فتأمَّل كون الله تعالى كفَّرهم بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 3 وقال في آخر هذه السورة: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} 4 الآية.
(قلت): وقد وقع من هؤلاء من اتخاذهم شفعاء بدعائهم، وطلبهم ورغبتهم، والالتجاء إليهم، وهم أموات غافلون عنهم لا يقدرون، ولا يسمعون لما طلبوا منهم وأرادوه، وقد أخبر تعالى أن الشفاعة ملكه لا ينالها من أشرك به غيره، وهو الذي له ملك السماوات والأرض، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} 5 فعاملهم الله بنقيض قصدهم من جميع الوجوه، وسجَّل عليهم بالضلال، ولهذه الآية نظائر كثيرة كقوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 6.
فبيَّن أن دعوتهم غير الله شرك بالله، وأن المدعو من غيره لا يملك شيئا، وأنه
__________
1 سورة الزمر آية:2، 3.
2 سورة الزمر آية: 3.
3 سورة الزمر آية: 3.
4 سورة الزمر آية: 43، 44.
5 سورة الأحقاف آية:5، 6.
6 سورة فاطر آية:13، 14.
(4/236)

لا يسمع دعاء الداعي، ولا يستجيب له، وأن المدعو ينكر ذلك الشرك ويتبرَّأ منه، ومن صاحبه يوم القيامة.
فمن تأمَّل هذه الآيات، انزاحت عنه بتوفيق الله وفتحه جميع الشبهات، ومما يشبه هذه الآية -في حرمان من أنزل حوائجه بغير الله، واتخذه شفيعا من دون الله بتوجيه قلبه وقالبه إليه، واعتماده في حصول الشفاعة عليه، كما قد تضمنه بيت الناظم- قول الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 1.

[الشفاعة الشركية والشفاعة الشرعية بقيديها]
فانظر كيف حرمهم الله الشفاعة لما طلبوها من غيره، وأخبر أن حصولها مستحيل في حقهم بطلبها في دار العمل من غيره، وهذه هي الشفاعة التي نفاها القرآن كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} 2. وقال: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} 3.
فهذه الشفاعة المنفية هي التي فيها شرك، وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن فإنما ثبتت بقيدين عظيمين: إذن الرب تعالى للشفيع، ورضاه عن المشفوع له، وهو لا يرضى من الأديان الستة المذكورة في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} 4 الآية، إلا الإيمان الذي أصله وأساسه التوحيد والإخلاص، كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 5، وقال: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} 6، وقال: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} 7، وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} 8 إلى قوله: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} 9.
__________
1 سورة يونس آية: 18.
2 سورة البقرة آية: 254.
3 سورة الأنعام آية: 51.
4 سورة الحج آية: 17.
5 سورة البقرة آية: 255.
6 سورة الأنبياء آية: 28.
7 سورة النجم آية: 26.
8 سورة الأعراف آية: 54.
9 سورة يونس آية: 3.
(4/237)

وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر شفاعته قال: "وهي نائلة من شاء الله ممن مات لا يشرك بالله شيئا". وقال له أبو هريرة رضي الله عنه: "من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه"1. قال شيخ الإسلام في هذا الحديث: "فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله".
وقد كشفنا -بحمد الله- بهذه الآيات المحكمات تلبيس هذا المعترض الملبس ولجاجه وافتراءه على الله ورسوله، فإن دعوة غير الله ضلال وشرك ينافي التوحيد، وإن اتخاذ الشفعاء إنما هو بدعائهم، والالتجاء إليهم، وسؤالهم أن يشفعوا للداعي، وقد نهى الله عن ذلك، وبيَّن أن الشفاعة له، فإذا كانت له وحده فلا تُطْلَب إلا ممن هي ملكه، فيقول: اللهم شفِّع نبيك في؛ لأنه تعالى هو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيمن يرضى دينه، وهو الإخلاص كما تقدم بيانه.
وأما قول المعترض: إن المعتزلة احتجُّوا بالآيات التي فيها نفي الشفاعة على أنها لا تقع لأهل الكبائر من الموحدين.
فأقول: لا ريب أن قولهم هذا بدعة وضلالة، وأنت أيها المجادل في آيات الله بغير سلطان مع المعتزلة في طرفي نقيض، تقول: إن الشفاعة تثبت لمن طلبها وسألها من الشفيع، فجعلت طلبها منه موجبا لحصولها، والقرآن قد نفى ذلك وأبطله في مواضع كثيرة -بحمد الله-، والحق أنها لا تقع إلا لمن طلبها من الله وحده، ورغب إليه فيها، وأخلص له العبادة بجميع أنواعها.
وهذا هو الذي تقع له الشفاعة قبل دخول النار أو بعده إن دخلها بذنوبه، فهذا هو الذي يأذن الله للشفعاء أن يشفعوا له بما معه من الإخلاص كما صرحت بذلك الأحاديث، والله أعلم.
وقد قدمنا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة أن ما في القرآن من ذكر الشفاعة نفيا
__________
1 البخاري: العلم (99) والرقاق (6570) , وأحمد (2/ 373).
(4/238)

وإثباتا فحق لا اختلاف فيه بين أهل الحق، فالشفاعة المنفية إنما هي في حق المشرك الذي اتخذ له شفيعا يطلب الشفاعة منه؛ فيرغب إليه في حصولها، كما في البيت المتقدم، وهو كفر كما صرَّح به القرآن.

[حديث الشفاعة العظمى]
وأما الشفاعة التي أثبتها الكتاب والسنة فقد ثبتت للمذنبين الموحدين المخلصين، وهذا هو الذي تظاهرت عليه النصوص واعتقده أهل السنة والجماعة، ودانوا به.
والحديث الذي أشار إليه المعترض من قوله: "أنا لها، أنا لها"1 لا ينافي ما تقرر، وذلك أن الناس في موقف القيامة إذا فزعوا إلى الرسل ليشفعوا لهم إلى الله في إراحتهم من كرب ذلك المقام بالحساب، وكلٌّ ذكر عذره، قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "فيأتوني فَأَخِرُّ بين يدي الله ساجدا -أو كما قال- فأحمده بمحامد يفتحها علي، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تُشَفَّع، قال: فَيُحَدُّ لي حدا، فأدخلهم الجنة".
فتأمَّل كون هذه الشفاعة لم تقع إلا بعد السجود لله ودعائه وحمده والثناء عليه، وقوله: "فيحد لي حدا" فيه بيان أن الله هو الذي يحد له.

[سؤال الحي الحاضر والتوسل إلى الله بدعائه]
وهذا الذي يقع من الناس يوم القيامة مع الرسل هو من باب سؤال الحي الحاضر، والتوسل إلى الله بدعائه كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو لهم إذا نابهم شيء كما في حديث الاستسقاء وغيره.
ولما توفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يفعلون عند قبره شيئا من ذلك البتة، ففرَّق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، -وهم أعلم الأمة وأفضلها- بين حالتي الحياة والممات. وكانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد والخروج منه، وفي الصلاة والخطب وعند ذكره امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم"2.

[التوسل بالنبي -صلّى الله عليه وسلّم- بعد وفاته لا يجوز]
ولما أراد عمر رضي الله عنه أن يستسقي بالناس، أخرج معه العباس بن
__________
1 البخاري: التوحيد (7510) , ومسلم: الإيمان (193).
2 أبو داود: المناسك (2042) , وأحمد (2/ 367).
(4/239)

عبد المطلب رضي الله عنه فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا؛ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"، فيدعو. فلو جاز أن يتوسل عمر والصحابة بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، لما صلح منهم أن يعدلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمه العباس، فلما عدلوا عنه إلى العباس علم أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته لا يجوز في دينهم، وصار هذا إجماعا منهم.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-*: "وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك، فقال أبو الحسن القدوري -في شرح كتاب الكرخي- قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام. قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله فتكره في قولهم؛ لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه.
وقال ابن بلدمي -في شرح المختار-: ويكره أن يدعو الله إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك؛ لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه: أكره كذا، هو عند محمد حرام، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب 1. فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه وأنجع لقضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثنا يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له والطواف، وتقبيله
__________
* النقل من "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" 1/ 216 - 218. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
1 لكن نقل الشافعي في "الأم" عن أبي يوسف: أن الحرام ما كان يطلق عند السلف إلا على ما كان بيِّنا في كتاب الله بلا تفسير، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أن السلف ما كانوا يحرمون شيئا إلا بدليل قطعي". نقله عنه ابن مفلح في "الآداب الشرعية"، وذكر أن في مذهب أحمد روايتين في المسألة الثانية أن التحريم يثبت بالدليل الظني، أيضا. اه بالمعنى، ونحن نتبع السلف -رضي الله عنهم-.
(4/240)

واستلامه والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس لعبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكا، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم.

[مراتب البدع عند القبور]
قال شيخنا -قدَّس الله روحه-*: "وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب؛ أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس. قال: وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه، ويتمثَّل لهم الشيطان أحيانًا وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة. ثم ذكر المرتبة الثانية وهي أن يسأل الله به. قال: وهو بدعة باتفاق المسلمين.
(والثالثة): أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعًا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من الناس يفعل ذلك". انتهى.
ففرض على كل أحد أن يعلم ما أمر الله ورسوله به، من إخلاص العبادة لله وحده، فإنه الدين الذي بعثه الله به، وأن يترك ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم من الشرك فما دونه كما قال تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} 1 الآية، وأن لا يدين الله تعالى إلا بما دلَّ الدليل على أنه من دين الله، ولا يكون إمعة يطير مع كل ريح.
فإن الناس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم والأمم قبلها قد تنازعوا في ربهم وأسمائه وصفاته، وما يجب له على عباده، وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} 2.
فيا سعادة من تجرَّد عن العصبية والهوى، والتجأ إلى حصن الكتاب والسنة، فإن العلم معرفة الهدى بدليله، وما ليس كذلك فجهل وضلال.

[النبي ينهى أمته عن كل ما يؤول بهم إلى الغلو]
وأما قول المعترض: فانظر إلى (الشفاء) تجده حكى كفر مَنْ قال مثل هذه الكلمة
__________
* يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والنقل من كتاب "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" للإمام ابن القيم (1/ 217)، وقد أدرج في "المستدرك على مجموع الفتاوى" (1/ 22)، وأصله مذكور في "الرد على البكري" (1/ 145). [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
1 سورة يونس آية: 106.
2 سورة النساء آية: 59.
(4/241)

أي: الكلمة التي ذكرها المجيب في معنى قوله: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا} 1 الآيات، ذكر عبارة النسفي في معناها، وهي قوله: "هو إظهار للعبودية وبراءة عما يختص بالربوبية من علم الغيب، أي: أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر" إلى آخر كلامه.
إذ من عادة هذا المعترض الجاهل رد الحق والمكابرة في دفعه والغلو المتناهي، وإلا فمن المعلوم عند من له معرفة بدين الإسلام أن المجيب إنما أتى في جوابه بتحقيق التوحيد، ونفي الشرك بالله، وذلك تعظيم لجانب الرسالة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أمته عن كل ما يؤول بهم إلى الغلو، ولما قيل له صلى الله عليه وسلم أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. قال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منْزلتي التي أنزلني الله تعالى"2. والنبي صلى الله عليه وسلم هو أحق الخلق بالتواضع لله وحده -سبحانه-، وفي الحديث: "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلي ضيعة وعورة، وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك"3 الحديث، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة يخبر بذلك عن نفسه، ويعترف بذلك لربه، وهو الصادق المصدوق. فإذا قال المسلم: مثل هذا في حقه صلى الله عليه وسلم وأخبر عنه بما أخبر به عن نفسه لم يكن منتقصا له، بل هذا من تصديقه والإيمان به.

[توحيد الرب ونفي خصائصه عما سواه]
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-*: إذا كان الكلام في سياق توحيد الرب ونفي خصائصه عما سواه لم يجز أن يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، فإن المقام أجلُّ من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا الوجه، وإن كان نفسه المسلوب، كما في الصحيحين في حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة من السماء، وأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قالت لها أمها: "قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده ولا إياكما، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي"4.
__________
1 سورة الجن آية: 21.
2 أحمد (3/ 249).
3 أحمد (5/ 191).
* النقل من كتاب "الرد على البكري" 2/ 647، ونقله مختصرًا الإمام محمد بن عبد الوهاب في "مسائل لخصها من كلام ابن تيمية" ص 104. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
4 البخاري: الشهادات (2661) , ومسلم: التوبة (2770) , وأحمد (6/ 194).
(4/242)

فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم وأبوها على هذا الكلام الذي نفت فيه أن يُحْمَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية: "بحمد الله لا بحمدك"، ولم يقل أحد هذا سوء أدب عليه صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البيهقي بسنده إلى محمد بن مسلم: سمعت حبان صاحب ابن المبارك يقول: قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: "بحمد الله لا بحمدك" إني لأستعظم هذا! فقال عبد الله: "ولت الحمد أهله".
وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن الأسود بن سريع: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بأسير فقال: اللهم أني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله"1.

[الشرك بالله هضم للربوبية وتنقُّص للإلهية]
وهذا المعترض وأمثاله ادَّعوا تعظيم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قد نهى عنه من الغلو والإطراء، وهضموا ربوبية الله، وتنقَّصوا إلهيته، وأتوا بزخارف شيطانية، وحاولوا أن يكون حق الله تعالى من العبادة التي خلق لها عباده نُهْبَى بين الأحياء والأموات: هذا يصرفه لنبي، وهذا لملك، وهذا لصالح، أو غير هؤلاء ممن اتخذوهم أندادا لله، وعبدوا الشياطين بما أمروهم به من ذلك الشرك بالله، فإن عبادتهم للملائكة والأنبياء والصالحين إنما تقع في الحقيقة على مَنْ زيَّنها لهم من الشياطين، وأمرهم بها كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} 2. ونحو هذه الآية كثير في القرآن.
ولما ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- ما وقع في زمانه من الشرك بالله قال: "وهذا هضم للربوبية، وتنقُّص للإلهية، وسوء ظن برب العالمين، وذكر أنهم إنما ساووهم بالله في العبادة كما قال تعالى عنهم وهم في النار: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 3.

[الله يستدرج أهل الشرك بأمور تقع لهم يظنونها كرامات عقوبة لهم]
وأما ما ذكره عن خالد الأزهري، فخالد وما خالد؟ أغرك منه كونه شرح
__________
1 أحمد (3/ 435).
2 سورة سبأ آية: 40، 41.
3 سورة الشعراء آية:97، 98.
(4/243)

التوضيح والآجرومية في النحو؟! وهذا لا يمنع كونه جاهلا في التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم كما جهله من هو أعلم منه، وأقدم منه ممن لهم تصانيف في المعقول كالفخر الرازي وأبي معشر البلخي ونحوهما ممن غلط في التوحيد.
وقد كان خالد هذا يشاهد أهل مصر يعبدون البدوي وغيره فما أنكر ذلك في شيء من كتبه، ولا نقل عنه أحد إنكاره، فلو صحَّ ما ذكره خالد من حال الناظم لم يكن جسرا تذاد عنه النصوص من الآيات المحكمات القواطع، والأحاديث الواضحات البينات كقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} 1 وقوله: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} 2، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وهو يدعو لله ندا، دخل النار"3.
وقد يستدرج الله أهل الشرك بأمور تقع لهم يظنونها كرامات عقوبة لهم، وكثير منها أحوال شيطانية أعانوا بها أولياءهم من الإنس كما قد يقع كثيرا لعباد الأصنام، وما أحسن ما قال بعضهم:
تخالف الناس فيما قد رأوا ورووا ... وكلهم يدعون الفوز بالظفر
فخذ بقول يكون النص ينصره ... إما عن الله أو عن سيد البشر
وقد حاول هذا الجاهل المعترض صرف أبيات البردة عما هو صريح فيها نص فيما دلَّت عليه من الشرك في الربوبية والإلهية ومشاركة الله في علمه وملكه، وهي لا تحتمل أن تصرف عما هي فيه من ذلك الشرك والغلو، فما ظفر هذا المعترض من ذلك بطائل، غير أنه وسم نفسه بالجهل والضلال والزور والمحال، ولو سكت لسلم من الانتصار لهذا الشرك العظيم الذي وقع فيه.

[حكمة الرب في خلق السماوات والأرض]
وأما قول المعترض: ورد في الحديث: "لولا حبيبي محمد ما خلقت سمائي ولا أرضي ولا جنتي ولا ناري" فهذا من الموضوعات لا أصل له، ومَنْ ادَّعى خلاف ذلك فليذكر من رواه من أهل الكتب المعتمدة في الحديث، وأنى له ذلك؟ بل هو
__________
1 سورة النساء آية: 36.
2 سورة المؤمنون آية: 117.
3 البخاري: تفسير القرآن (4497) , وأحمد (1/ 374 ,1/ 402 ,1/ 407 ,1/ 462 ,1/ 464).
(4/244)

من أكاذيب الغلاة الوضاعين، وقد بيَّن الله تعالى حكمته في خلق السماوات والأرض في كثير من سورة القرآن كما في الآية التي تأتي بعد، وهي قول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} 1، ولها نظائرها تبين حكمة الرب في خلق السماوات والأرض.
وقوله: وكيف ينكر تصرفه في إعطاء أحد بإذن الله من الدنيا في حياته، أو في الآخرة بعد وفاته؟

[التصرف في الكون لله وحده]
(أقول): هذا كلام من اجترأ وافترى وأساء الأدب مع الله، وكذب على رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يعرف حقيقة الشفاعة، ولا عرف تفرُّد الله بالملك يوم القيامة. وهل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه أو من بعدهم من أئمة الإسلام: إن أحدا يتصرَّف يوم القيامة مع الله في ملكه؟ ولو أطلقت هذه العبارة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم لادَّعاها كلٌّ لمعبوده من نبي أو ملك أو صالح أنه يشفع له إذا دعاه. {سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} 2، وقال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 3 الآية، وقال: {لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} 4. وهذا القول الذي قاله هذا الجاهل قد شافهنا به جاهل مثله بمصر، يقول: الذي يتصرف في الكون سبعة: البدوي والإمام الشافعي والشيخ الدسوقي، حتى أكمل السبعة من الأموات، هذا يقول: هذا وليُّ له شفاعة، وهذا صالح كذلك، وقد قال الله تعالى: {لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاق يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} 5 إلى قوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} 6. وأي ظلم أعظم من الشرك بالله، ودعوى الشريك له في الملك والتصرف؟ وهذا غاية الظلم.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-* في معنى قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ
__________
1 سورة الطلاق آية: 12.
2 سورة الفرقان آية: 18.
3 سورة هود آية: 105.
4 سورة النبأ آية: 38.
5 سورة غافر آية: 15، 16.
6 سورة غافر آية: 18.
* هذا النقل من كتاب "الإيمان" ص 66، وهو في "مجموع الفتاوى" 7/ 77. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(4/245)

فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ} 1: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب. فالشفاعة التي يظنها المشركون منتفية كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: "ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع"2. وقال له أبو هريرة رضي الله عنه: "من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه"3، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضَّل على أهل الإخلاص؛ فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل الإخلاص والتوحيد. انتهى.

[نفي الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك]
وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في مدارج السالكين: "وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فقال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ} 4. فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده، فنفى -سبحانه- المراتب الأربع نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية نورًا
__________
1 سورة سبأ آية:22، 23.
2 البخاري: التوحيد (7410) , ومسلم: الإيمان (193) , وابن ماجه: الزهد (4312) , وأحمد (3/ 116 ,3/ 144 ,3/ 244 ,3/ 247) , والدارمي: المقدمة (52).
3 البخاري: العلم (99) والرقاق (6570) , وأحمد (2/ 373).
4 سورة سبأ آية:22، 23.
(4/246)

وبرهانا وتجريدًا للتوحيد وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا، فهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن. ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك"، إلى أن قال: "ومن أنواعه -أي الشرك-: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن أن يملك لمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد.
فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنْزلة مَنْ استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى النقص بالأموات، وهم قد تنقَّصوا الخالق بالشرك به، وأولياءه الموحدين له بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقَّصوا مَنْ أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم يوالونهم عليه. وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم! قال: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرَّد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده، فجرَّد حبه لله، وخوفه لله، ورجاءه لله، وذله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله، وأخلص قصده لله متبعا لأمره متطلبا لمرضاته. إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله وبالله ومع الله". انتهى.
فرحم الله هذا الإمام وشيخه فلقد بينا حقيقة الشرك وطرقه وما يبطله.
(4/247)

وفي حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"1 ولم يقل: فاسألني أو استعن بي. فقصر السؤال والاستعانة على الله الذي لا يستحقه سواه، كما في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 2. فمن صرف ذلك لغير الله فقد عصى الله ورسوله، وأشرك بالله.
وللمعترض كلام ركيك لا حاجة لنا إلى ذكر ما فيه، وإنما نتتبع من كلامه ما يحتاج إلى رده وإبطاله كجنس ما تقدم.

[طلب الشفاعة ممن لا يملكها كالأموات شرك بالله]
واعلم أنه قال -لما ذكر قول المجيب-: إنه لا يجتمع الإيمان بالآيات المحكمات، وتلك الأبيات لما بينهما من التنافي والتضاد.
قال المعترض أقول: يجتمعان بأن يفرد الله بالعبادة، ولا يقدح فيه تشفُّعُه بأحبابه إليه، وكيف يحكم عليه بالضلال بمجرد طلبه الشفاعة ممن هو أهل لها كما في الحديث: "أنا لها، أنا لها"3، ومعلوم أن الضلال ضد الحق؟
(فالجواب): لا يخفى ما في كلامه من التخليط والتلبيس والعصبية المشوبة بالجهل المركب، لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.
وقد بينا فيها تقدم أن دعوة غير الله ضلال، وأن اتخاذ الشفعاء الذي أنكره الله تعالى إنما هو بدعائهم والالتجاء إليهم والرغبة إليهم فيما أراده الراغب منهم من الشفاعة التي لا يقدر عليها إلا الله، وذلك ينافي الإسلام والإيمان بلا ريب؛ فإن طلبها من الأموات والغائبين طلب لما لا يقدر عليه إلا الله، وهو خلاف لما أمر الله به تعالى، وارتكاب لما نهى عنه كما تقدم بيانه في معنى قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 4 الآية، وقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا} 5 الآية، وقوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 6. فطلب الشفاعة من النبي
__________
1 الترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2516) , وأحمد (1/ 293 ,1/ 303 ,1/ 307).
2 سورة الفاتحة آية: 5.
3 البخاري: التوحيد (7510) , ومسلم: الإيمان (193).
4 سورة يونس آية: 18.
5 سورة الإسراء آية: 56.
6 سورة الزمر آية: 3.
(4/248)

صلى الله عليه وسلم أو غيره بعد وفاته وبعده عن الداعي، لا يحبه الله تعالى ولا يرضاه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو التوسل الذي ذكره العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- وشيخه -رحمه الله تعالى- وصرَّحا بأنه شرك، وللعلامة من أبيات في المعنى، وهي قوله:
والشرك فهو توسل مقصوده الز ... لفى من الرب العظيم الشان
بعبادة المخلوق من حجر ومن ... بشر ومن قبر ومن أوثان
والناس في هذا ثلاث طوائف ... ما رابع أبدًا بذي إمكان
إحدى الطوائف مشرك بإلهه ... فإذا دعاه دعا إلهًا ثاني
هذا وثاني هذه الأقسام ذ ... لك جاحد يدعو سوى الرحمان
هو جاحد للرب يدعو غيره ... شركًا وتعطيلًا له قدمان
هذا وثالث هذه الأقسام خير ... الخلق ذاك خلاصة الإنسان
يدعو إله الحق لا يدعو ولا ... أحدًا سواه قط في الأكوان
يدعوه في الرغبات والرهبات وال ... حالات من سر ومن إعلان
وقد أنكر الله ذلك الدعاء على من زعم في الرسل والملائكة ذلك كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا} 1.
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وأمه وعزيرا والملائكة، فأنكر الله ذلك، وقال: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. وهؤلاء الذين نزلت هذه الآية في إنكار دعوتهم هم من أوليائه وأحبائه، وقد تقدَّم أن الدعاء وجميع أنواع العبادة حق لله مختص به، كما تقدم في الآيات.
والحاصل أن الله تعالى لم يأذن لأحد أن يتخذ شفيعًا من دونه يسأله ويرغب إليه ويلتجئ إليه، وهذا هو العبادة، ومن صرف من ذلك شيئًا لغير الله فقد أشرك مع الله غيره كما دلت عليه الآيات المحكمات، وهذا ضد إفراد الله بالعبادة
__________
1 سورة الإسراء آية: 56.
(4/249)

وكيف يتصور أفراده بالعبادة وقد جعل له العبد ملاذا ومفزعا سواه؟ فإن هذا ينافي الإفراد، فأين ذهب عقل هذا وفهمه؟! ‍‍‍‍‍
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-*: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة". انتهى.
وقد تبين أن الدعاء مخ العبادة، وهو مما يحبه ويأمر به عباده، وأن يخلصوه له، وقد تقدم من الآيات ما يدل على ضلال من فعل ذلك وكفره.
وبهذا يحصل الجواب عن قول المعترض: أن الشفاعة المنفية إنما هي في حق الكفار.
(فنقول): فمن اتخذ معبودا سوى الله يرجوه أو يخافه فقد كفر، وتأمَّل قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 1 فبيَّن تعالى أن المخلوق لا يصلح أن يُدْعَى من دون الله، وأن مَنْ دعاه فقد أشرك مع الله غيره في الإلهية، والقرآن من أوله إلى آخره يدل على ذلك، وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الملحدين محجوبون عن فهم القرآن، كما حُجِبُوا عن الإيمان بجهلهم وضلالهم وإعراضهم عما أنزل الله في كتابه من بيان دينه الذي رضيه لنفسه ورضيه لعباده.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-**: "وحقيقة التوحيد أن يعبد الله وحده ولا يدعى إلا هو، ولا يخشى ولا يتقى إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، وأن لا تتخذ الملائكة والنبيون أربابا فكيف بالأئمة والشيوخ؟! ‍‍‍‍‍‍‍ فإذا جعل الإمام والشيخ كأنه إله يدعى مع غيبته وموته، ويستغاث به، ويطلب منه الحوائج، كان مشبها بالله، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي أصله شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله". انتهى.

[تعليم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ابن عباس الدعاء]
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس -رضي الله عنهما-: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"2، فلو جاز أن يسأل صلى الله عليه وسلم، لما قصر سؤاله
__________
* مسألة "العبودية" ص 44، وهي في "مجموع الفتاوى" 10/ 149. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
1 سورة النحل آية: 20: 22.
** كتاب "منهاج السنة النبوية" 3/ 490. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
2 الترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2516) , وأحمد (1/ 293 ,1/ 303 ,1/ 307).
(4/250)

واستعانته على الله وحده، وابن عباس من أحق الناس بأن يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه له منفعة، فلو جاز صرف ذلك لغير الله لقال: واسألني واستعن بي، بل أتى صلى الله عليه وسلم في مقام الإرشاد والإبلاغ والنصح لابن عمه بتجريد إخلاص السؤال، والاستعانة على الله -تعالى-. فأين ذهبت عقول هؤلاء الضُّلال عن هذه النصوص؟ والله المستعان.
وقال الشيخ -رحمه الله تعالى-*: واعلم أن لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل، فكل سائل: عابد، وأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه. وإذا جمع بينهما؛ فإنه يراد بالسائل الذي يطلب لجلب المنفعة ودفع المَضَرّة بِصِيَغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد: من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن هناك صيغة سؤال، ولا يتصور أن يخلو داعٍ لله؛ دعاء عبادة أو دعاء مسألة، مِنَ الرَّغَب والرَّهَبِ والخوف والطمع. انتهى.
فتبين أن أبيات البُرْدَةِ التي قدمنا الكلام عليها: تنافي الحق وتناقضه. وماذا بعد الحق إلا الضلال؟

[الفتنة بالعالم الفاجر والعابد الجاهل أضر من كل فتنة]
وقول المعترض: لا سيما، والناظم على جانب عظيم من الزهد والورع والصلاح؛ بل وله يد في العلوم، كما حكى ذلك مترجموه. وهذا صار كله هباء منثورا؛ حيث لم يرضوا عنه.
(أقول): هذه دعوى تحتمل الصدق والكذب. والظاهر أنه لا حقيقة لذلك فإنه لا يعرف إلا بهذه المنظومة فلو قدر أن لذلك أصلا فلا ينفعه ذلك مع تلك الأبيات، لأن الشرك يحبط الأعمال كما قال تعالى {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1، وقد صار العمل مع الشرك هباء منثورا. قال سفيان بن عيينة: "احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".
فإن كان في الرجل عبادة فقد فتن بأبياته كثيرا من الجهال، وعبادته -إن كانت- لا تمنع كونه ضالا؛ كما يرشد إلى ذلك آخر الفاتحة.
قال سفيان ابن عيينة: "من فسد
__________
* يعني شيخ الإسلام ابن تيمية، والنقل من كتاب "مختصر الفتاوى المصرية" ص 128، وانظر الفتوى بتمامها في "مجموع الفتاوى" 10/ 237 - 336. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
1 سورة الأنعام آية: 88.
(4/251)

من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى". فالواجب علينا أن نبين ما في كلامه مما يُسْخِطُ الله ورسوله من الشرك والغلو.
وأما هذا الشخص وأمثاله ممن قد مات، فيسعنا السكوت عنه؛ لأنا لا ندري ما آل أمره إليه، وما مات عليه، وقد عرفت أن كلام خالد الأزهري لا حجة فيه.

[حجة الجاهلين منامات وحكايات مجهولة عن مجهول]
وأهل الغلو والشرك ليس عندهم إلا المنامات والأحوال الشيطانية التي يحكيها بعضهم عن بعض؛ كما قال لي بعض علماء مصر: إن شيخًا مشى بأصحابه على البحر وقال: لا تذكروا غيري، وفيهم رجل ذكر الله، فسقط في البحر، فأخذ بيده الشيخ فقال: ألم أقل لكم لا تذكروا غيري!
فقلت: هذه الحكاية تحتمل أحد أمرين لا ثالث لهما: أحدهما: أن تكون مكذوبة مثل أكاذيب سَدَنة الأوثان. أو أنها حال شيطانية. وأسألك أيها الحاكي لذلك: أيكون فيها حجة على جواز دعوة غير الله؟ فأقَرَّ، وقال: لا حجة فيها على ذلك.
والمقصود أنه ليس عند الغلاة من الحجة إلا ما زَخْرَفُوهُ أو حَرَّفُوهُ أو كذبوه، وأما قال الله قال رسوله: فهذا -بحمد الله- كله عليهم لا لهم، وما حرفوه من ذلك: رُدَّ إلى صحيح معناه الذي دل عليه لفظه مطابقةً وتضمنًا والتزامًا، قال الله -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} 1.
وذكر المعترضُ حكايةً، يقول: عن غير واحد من العلماء العظام أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم والمنظومة تُنْشَد بين يديه -إلى قوله- لكن للخصم منع ذلك كله، بقوله: إنهم كفار.
(فالجواب) أن يقال: ليس هذا وجه المنع، وإنما وجهه أنها حكاية عن مجهول، وهذا من جنس إسناد الأكاذيب؛ فلو قيل: من هؤلاء العظام؟ وما أسماؤهم؟ وما زمنهم؟ وما طبقتهم؟ لم يُدْرَ عنهم، وأخبار المجهولين: لا تُقْبَلُ، شهادةً ولا روايةً يقظةً، فكيف إذا كانت أحلامًا؟ والمعترض كثيرا ما يحكي عن هيان بن بيان.
__________
1 سورة الأنعام آية: 112.
(4/252)

ثم قال المعترض -على قول المجيب: وطلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم ممتنعٌ شرعًا وعقلا، قال المعترض-: من أين هذا الامتناع؟ وما دليله من العقل والسمع؟
(فالجواب) أن يقال: معلوم أن دليله من الجهتين لا تعرفه أنت، ومن كان مثلك، وإنما معرفتك في اللجاج، الذي هو كالعجاج الذي يحوم في الفجاج، أما دليله من السمع: فقد تقدم في آيات الزُّمَر ويونس وغيرها، وقد بسطنا القول في ذلك بما يغني عن إعادته؛ فليرجع إليه.
وأما دليله من العقل: فالعقل الصحيح يقضي ويحكم بما يوافق النقل: بأن النجاة والسعادة والفلاح، وأسباب ذلك كله لا تحصل إلا بالتوجه إلى الله -تعالى- وحده، وإخلاص الدعاء والالتجاء له وإليه؛ لأن الخير كله بيديه، وهو القادر عليه.

[تسوية المخلوق بالخالق خلاف العقل]
وأما المخلوق فليس في يده من هذا شيء، كما قال تعالى: {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} 1، فتسوية المخلوق بالخالق خلاف العقل، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 2. فالذي له الخلق والأمر والنعم كلها منه، وكل مخلوق فقيرٌ إليه لا يَستغني عنه طرفة عين، هو الذي يستحق أن يُدْعَى وَيُرْجَى ويُرْغَبُ إليه، وَيُرْهَبُ منه، ويُتَّخَذَ مَعَاذًا ومَلاذًا، ويُتَوَكَّلُ عليه، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} 3.

[التوكل على الله جماع الإيمان]
وقال المفسرون المحققون السلفيون المتَّبِعُون في قول الله تعالى: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} 4 أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه. ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب؛ ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان. ذكره العماد ابن كثير في تفسيره.
ولْيُتَأَمَّل ما ذكره الله -تعالى- عن صاحب يس من قوله: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ
__________
1 سورة فاطر آية: 13.
2 سورة النحل آية: 17.
3 سورة فاطر آية: 15.
4 سورة الأنفال آية: 2.
(4/253)

آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُون ِإِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 1 فهذا دليل فطري عقلي سمعي.

[الإحاطة بما في اللوح المحفوظ علما ليس إلا لله -تعالى- وحده]
وأما قول المعترض: إن قول الناظم: ومن علومك علم اللوح والقلم: أن "من" بيانية.
(فالجواب): أنه ليس كما قال؛ بل هي تبعيضية، ثم لو كانت بيانية فما ينفعه، والمحذور بحاله، وهو أنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وقد صَرَّحَ المعترضُ بذلك فقال: ولا شك أنه أوتي علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون.
(فالجواب): هذه مُصادمة لما هو صريح في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الإحاطة بما في اللوح المحفوظ علما ليس إلا لله -تعالى- وحده، كذلك علم الأولين والآخرين ليس إلا لله وحده، إلا ما أطلع الله عليه نبيه في كتابه كما قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} 2. فالرجل في عمًى عن قول الله -تعالى-: {بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} 3. وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} 4 وقد تقدم لهذه الآيات نظائر.

[اختص الله -تعالى- بعلم الغيب كله]
فإحاطة العلم بالموجودات والمعدومات التي وجدت أو ستوجد، لله وحده لم يجعل ذلك لأحد سواه، وقال -تعالى-: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} 5 فأسند علم وقت الساعة إلى ربه بأمره؛ كقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} 6. وأمثال هذه الآيات مما يدل على أن الله -تعالى- اختص بعلم الغيب كله إلا ما استثناه بقوله: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} 7 و"من" تبعيضية ههنا بلا نزاع. وقد قال الخضر لموسى -عليهما السلام -: "ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا
__________
1 سورة يس آية: 23.
2 سورة البقرة آية: 255.
3 سورة البقرة آية: 255.
4 سورة الطلاق آية: 12.
5 سورة الأعراف آية: 187.
6 سورة النازعات آية: 42.
7 سورة البقرة آية: 255.
(4/254)

كما نقص هذا العصفور من هذا البحر"، فتأمل هذا وتدبر!

[كذب المعترض على أهل العلم ما لم يقولوه في معنى مفاتيح الغيب]
وأما قول المعترض وتأويله لقول الله -تعالى-: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} 1، فتأويلٌ فاسدٌ، ما قاله أحد غيره؛ ولا يقوله مسلم من أنه يعلم الغيب بتعليم الله له، والمنفي في الآية: أن يعلمه بنفسه بدون أن يُعْلِمَهُ الله ذلك، فما أجرأ هذا الجاهل على هذا التأويل، وما أجهله بالله وبكتابه!
(فيقال في الجواب): لا ينفعك هذا التأويل الفاسد؛ إذ لو كان يعلم أحد جميع الغيب بتعليم الله؛ لصدق عليه أن يقال: هذا يعلم الغيب كله الذي يعلمه الله، فما بقي على هذا -لقصر علم الغيب على الله- في هذه الآية معنى، وحصل الاشتراك، نعوذ بالله من الافتراء على الله، وعلى كتابه، وخرق ما لم ينْزل الله به سلطانا.
وأما قوله في قول الناظم:
* إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي * ... -: إن الأخذ باليد بالشفاعة.
(فالجواب): أن حقيقة هذا القول وصريحه: طلب ذلك من غير الله، فلو صح هذا الحمل فالمحذور بحاله، لما قد عرفتَ من أن الاستغاثة بالأموات والغائبين والاستشفاع بهم في أمر هو في يد الله ممتنعٌ حصوله لكونه تأليها وعبادة. وقد أبطله القرآن، فهذا المعترِض الجاهل يدور على منازعة الله في حقه وملكه وشمول علمه، والله يجزيه بعمله.
وأما قوله: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} 2 فقيل: المراد بها: الخمس المذكورة في سورة لقمان. وهذا قبل أن يُطْلِع الله نبيه عليها، وإلا فقد ذكر عامة أهل العلم أنه لم يتوفاه الله -تعالى- حتى علَّمه كل شيء حتى الخمس.
(فالجواب): انظر إلى هذا المفتري الجاهل البليد، كيف اقتفى أثر صاحب الأبيات في جميع ما اختلقه وافتراه، وأكثر من الأكاذيب على أهل العلم في قوله: ذكر عامة أهل العلم أنه لم يتوفاه الله حتى علَّمه كل شيء حتى الخمس؟ فحاشا أهل
__________
1 سورة النمل آية: 65.
2 سورة الأنعام آية: 59.
(4/255)

العلم الذين يعرفون بأنهم أهل العلم من هذه المقالة، وعامة أهل العلم بل كلهم على خلاف ما ادعاه سلفًا وخلفًا.

[قول أهل العلم في معنى مفاتيح الغيب]
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيره الكبير الذي فاق على أكثر التفاسير: ابتدأ -تعالى- ذكر الخبر عن علمه بمجيء الساعة فقال: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} 1 التي تقوم فيها القيامة، لا يعلم ذلك أحد غيره {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} 2 من السماء لا يقدر على ذلك أحدٌ غيره {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} 3، أرحام الإناث {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} 4، يقول: وما تعلم نفس حي ماذا تعمل في غد {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} 5، يقول: وما تعلم نفس حي بأيِّ أرضٍ تكون ميتتها، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} 6، يقول: إن الذي يعلم ذلك كله هو الله دون كل أحد سواه، وذكر بسنده عن مجاهد: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} 7. قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال امرأتي حبلى: فأخبرني ماذا تلد؟ وبلادنا محل جدبة فأخبرني متى ينْزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فمتى أموت؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} 8 إلى آخر السورة. قال: فكان مجاهد يقول: هن مفاتح الغيب التي قال الله -تعالى-: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} 9.
وأخرج بسنده عن قتادة: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} 10 الآية: خمس من الغيب استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا.
وبسنده عن عائشة -رضي الله عنها- "من قال إن أحدًا يعلم الغيب إلا الله فقد كذب" وأعظم الفِرْيَة على الله، قال الله -تعالى-: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} 11.
وبالسند عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله"12
{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ
__________
1 سورة لقمان آية: 34.
2 سورة لقمان آية: 34.
3 سورة لقمان آية: 34.
4 سورة لقمان آية: 34.
5 سورة لقمان آية: 34.
6 سورة لقمان آية: 34.
7 سورة لقمان آية: 34.
8 سورة لقمان آية: 34.
9 سورة الأنعام آية: 59.
10 سورة لقمان آية: 34.
11 سورة النمل آية: 65.
12 البخاري: الجمعة (1039) , وأحمد (2/ 52).
(4/256)

أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} 1. ثم قال: "لا يعلم أحد ما في غد إلا الله، ولا يعلم أحد متى ينْزل الغيث إلا الله، ولا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا الله، ولا يعلم أحد ما في الأرحام إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله"2.
وبسنده عن مسروق عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب" ثم قرأت: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} 3.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله"4 {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} 5. انتهى ما ذكره ابن جرير -رحمه الله تعالى-.
وذكر البغوي في تفسيره حديث ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهما- المتقدم ثم قال: وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض، وقال عطاء ما غاب عنكم من الثواب، وقيل: انقضاء الأجل، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم، وقيل ما لم يكن بعدُ، أنه يكون أم لا يكون، وما لا يكون كيف يكون، وما لا يكون، إن لو كان كيف يكون. انتهى.

[قول السلف في مفاتيح الغيب]
(قلت): ولا يُعْرَفُ عن أحد من أهل العلم خلافُ ما دلت عليه هذه الآيات المُحْكَمَات، ونعوذ بالله من مخالفة ما أنزله الله في كتابه، وما أخبر به عن نفسه، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع العلماء عليه، فإن الله استأثر بعلمه عن خلقه ووصف نفسه بأنه علام الغيوب، ونعوذ بالله من حال أهل الافتراء والتكذيب.

[لا أحد يكفر أحدا مات وظاهره الإسلام]
وأما قوله: ولو أن عبارات أهل العلم مثل البيضاوي وأبي السعود والقسطلاني وأمثالهم تُجْدِي لديكم شيئا لذكرناها، لكنها تُمْحَى بلفظة واحدة وهي: أنهم كلهم كفار. انظر كيف خرج به البغض والتعصب لمذهبه وهواه إلى البُهْت البحت؛ فلا يقبل منهم أحدًا، ومَن هذا حاله، فلا حيلة به.
__________
1 سورة لقمان آية: 34.
2 البخاري: تفسير القرآن (4697) , وأحمد (2/ 24 ,2/ 52 ,2/ 58 ,2/ 85 ,2/ 122).
3 سورة لقمان آية: 34.
4 البخاري: الإيمان (50) , ومسلم: الإيمان (9 ,10) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4991) , وابن ماجه: المقدمة (64) والفتن (4044) , وأحمد (2/ 426).
5 سورة لقمان آية: 34.
(4/257)

(فالجواب): أنه ليس للبيضاوي، ومن ذكر، عبارةٌ تخالف ما قاله السلف والعلماء في معنى الآيات، ومعاذ الله أن يقول المجيب: إن هؤلاء كفار، ولا يوجد عن أحد من علماء المسلمين أنه كَفَّرَ أحدًا قد مات من هذه الأمة ممن ظاهره الإسلام، فلو وجد في كلامه زلة من شرك أو بدعة، فالواجب التنبيه على ذلك والسكوت عن الشخص؛ لما تقدم من أنا لا ندري ما خاتمته. وأما هؤلاء الذين ذكرهم من المفسرين فإنهم من المتأخرين الذين نشؤوا في اغتراب من الدين.

[عيوب الكشاف]
والمتأخرون يغلب عليهم الاعتماد على عبارات أهل الكلام المُخَالِفَة لما عليه السلف وأئمة الإسلام من: الإرجاء، ونفي حكمة الله، وتأويل صفات الله -تعالى- وسلب معانيها ما يقارب ما في كشاف الزمخشري والإرجاء والجبر يقابل ما فيه من نفي القدر، وكلاهما في طَرَفَيْ نَقِيضٍ، وكُلٌّ خَالَفَ ما عليه أهل السنة والجماعة في ذلك. ومعلوم أن صاحب الكشاف أقدمُ من هؤلاء الثلاثة، وأرسخ قدما منهم في فنون من العلم، ومع هذا فقد قال شيخ الإسلام البلقيني: استخرجتُ ما في الكشاف من دسائس الاعتزال بالمناقيش، وقال أبو حيان -وقد مدح الكشاف وما فيه من لطيف المعنى ثم قال-:
ولكنه فيه مجال لناقد ... وزلات سوء قد أخذن المخانقا
فيثبت موضوع الأحاديث جاهلا ... ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا
وينسب إبداء المعاني لنفسه ... ليوهم أغمارا وإن كان سارقا
ويُسهِبُ في المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا
يُقَوِّلُ فيها اللهَ ما ليس قائلا ... وكان مُحِبا في المخاطب وامقا
ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما إن أولجوه المضايقا
إلى أن قال-:
لئن لم تداركه من الله رحمة ... لسوف يُرَى للكافرين مرافقا
(4/258)

فإذا كان هذا في تفسير مشهور، وصاحبه معروف بالذكاء والفهم، فمَن دونه من المتأخرين أولى بأن لا يُتَلَقَّى من كلامه بالقبول إلا ما وافق تفسير السلف، وقام عليه الدليل.

[أفضل كتب التفاسير]
وهذا المعترض من جهله يحسب أن كل بيضاء شحمة، يُعَظِّم المفضولَ من الأشخاص والتصانيف، ولا يعرف ما هو الأفضل. ولو كان له أدنى مِسْكَة من فهم، ومعرفة للعلماء ومصنفاتهم: لعلم أن أفضل ما في أيدي الناس من التفاسير هذه الثلاثة التي نقلنا منها: تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وتفسير الحسين بن مسعود البغوي، وتفسير العماد إسماعيل بن كثير.
فهذه أجلّ التفاسير، ومُصَنِّفُوهَا أئمةٌ مشهورون، أهل سنة ليسوا بجهمية، ولا معتزلة ولا قَدَرية ولا مجبرة، ولا مرجئة بحمد الله.
وأكثر ما في هذه التفاسير: الأحاديث الصحيحة، وآثار الصحابة، وأقوال التابعين وأتباعهم، فلا يَرغب عنها إلا الجاهلون الناقصون المنقوصون، والله المستعان.
والمصنِّفُون في التفسير وغيره -غير ما ذكر المعترض- كثيرون، وأحسن من البيضاوي وأبي السعود: البحر لأبي حيان؛ لأنه كثيرا ما ينقل في تفسيره عن السلف والأئمة، وكذلك تفسير الخازن.
وبالجملة فمن كان من المصنفين أبعدُ عن تقليد المتكلمين وذِكْر عباراتهم؛ ويعتمد أقوال السلف، فهو الذي ينبغي النظر إليه والرغبة فيه. وعلى كل حال، فليس في تفسير البيضاوي وأبي السعود وشرح القسطلاني ومواهبه ما ينفع هذا الجاهل المفتري، وَكُلٌّ يُؤْخَذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[حدوث الشرك والبدع والفرقة في الأمة]
وقول المعترض على قول المجيب: علماؤهم شَرُّ مَنْ تحت أديم السماء، فيقال: قد ورد هذا الحديث في أهل العراق، فهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كفار مجوس، أو فيما يأتي فهذه شَنَاعَةٌ على غالب علماء الأمة، ومنهم الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وأمثالهم.
(4/259)

(فالجواب): أن هذا كلام مَن لا يعقل ولا يفهم شيئا ولا يفرق بين أهل السنة والجماعة وأهل البدعة والضلالة؛ ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "لا تقوم الساعة حتى يعبد فِئَامٌ من أمتي الأوثان، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"1 رواه البرقاني في صحيحه.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أن أمته ستفترق كما افترقت اليهود والنصارى فاليهود افترقت على إحدى وسبعين، والنصارى على ثنتين وسبعين، وهذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة؛ وهي الجماعة"2.
وأول من فارق الجماعة في عهد الصحابة -رضي الله عنهم-: الخوارج قاتلهم علي رضي الله عنه بالنَّهْروان. والقدرية في أيام ابن عمر وابن عباس، وأكثر الصحابة موجودون، ومن دعاتهم معبد الجهني وغيلان القدري الذي قتله هشام بن عبد الملك. كذلك الغُلاة في عليٍّ الذين خدّ لهم علي الأخَادِيد وحَرَّقَهم بالنار، منهم المختار بن أبي عبيد الذي قتله مصعب بن الزبير، ادعى النبوة، وتبعه خلق كثير.
ثم ظهرت فتنة الجهمية، وأول من أظهرها الجعد بن درهم قتله خالد بن عبد الله القسري، والصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون والأئمة متوافرون وقتَ ظهور مبادئ هذه البِدَع، لم يلحقهم من ضلال هذه الفرق شناعة ولا غضاضة؛ لأنهم متمسكون بالكتاب والسنة، منكرون لما خالف الحق.

[لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه]
وصح من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقَوْا ربكم"3 سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم.
وظهرت بدعة جهم بن صفوان في زمن أبي حنيفة، وأنكرها وناظرهم. وانتشرت في زمان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- والفقهاء وأهل الحديث. وامتُحِنَ الإمام أحمد فتمسك بالحق وصبر. وصَنَّفَ العلماء -رحمهم الله تعالى- المصنفات الكبار في
__________
1 مسلم: الإمارة (1920) , وابن ماجه: المقدمة (10) , وأحمد (5/ 278).
2 ابن ماجه: الفتن (3993) , وأحمد (3/ 120 ,3/ 145).
3 البخاري: الفتن (7068) , والترمذي: الفتن (2206) , وأحمد (3/ 132 ,3/ 177 ,3/ 179).
(4/260)

الرد على الجهمية القائلين بخلق القرآن، المعطلين لصفات الملك الديان، كالإمام أحمد في رده المعروف، وابنه عبد الله، وعبد العزيز الكناني في كتابه "الحيدة" وأبي بكر الأثرم والخَلال وعثمان بن سعيد الدارمي، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة، واللالكائي، وأبي عثمان الصابوني، وقبلهم وبعدهم ممن لا يُحْصَى، وهذا كله إنما هو في القرون الثلاثة المفضلة.
ثم بعدها ظهرت كل بدعة: بدعة الفلاسفة، وبدعة الرافضة، وبدعة المعتزلة، وبدعة المجبرة، وبدعة أهل الحلول، وبدعة أهل الاتحاد، وبدعة الباطنية الإسماعيلية، وبدعة النُّصَيْرِيَّة والقرامطة ونحوهم.

[رد أهل السنة للبدع وأشهر أئمتهم في ذلك]
وأما أهل السنة والجماعة فيردون بدعة كل طائفة من هؤلاء الطوائف بحمد الله. فالأئمة متمسكون بالحق في كل زمان ومكان، والبلد الواحد من هذه الأمصار يجتمع فيها أهل السنة وأهل البدعة، وهؤلاء يناظرون هؤلاء ويُنَاضِلُونَهُم بالحُجَج والبراهين، وظهر معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم إنها تَخْلُفُ من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"1. وقال صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يَصْلُحُونَ إذا فسد الناس"2، وفي رواية "يُصْلِحُونَ ما أفسد الناس"3.
وقد صنف العلماء -رحمهم الله تعالى- في بيان الثنتين والسبعين الفرقة عدة مصنفات، وبيَّنُوا ما انْتَحَلَتْهُ كل فرقة من بدعتها المخالفة لما عليه الفرقة الناجية، وليس على الفرقة الناجية شناعة ولا نقص في مخالفة هذه الفرق لها. وإنما ظهر فضل هذه الفرقة بتمسكها بالحق، وصبرها على مخالفة هذه الفِرَق الكثيرة، والاحتجاج بالحق ونصرته.
وما ظهر فضل الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد، ومن قبلهما من الأئمة
__________
1 مسلم: الإيمان (50).
2 مسلم: الإيمان (145) , وابن ماجه: الفتن (3986) , وأحمد (2/ 389).
3 الترمذي: الإيمان (2630).
(4/261)

ومن بعدهما إلا بتمسكهم بالحق ونُصْرته وردهم الباطل. وما ضر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- وأصحابه حين أجلب عليهم أهل البدع وآذوهم؛ بل أظهر الله بهم السنة، وجعل لهم لسان صدق في الأمة. وكذلك من قبلهم ومن بعدهم، كشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- لما دعا إلى التوحيد وبَيَّنَ أدلته، وَبَيَّنَ الشركَ وما يبطله.
وفيه قال الإمام العلامة الأديب أبو بكر حسين بن غنام -رحمه الله تعالى-:
وعاد به نهج الغواية طامسا ... وقد كان مسلوكا به الناسُ ترتع
وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي تَرَفّع
فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع
فهذا المعترض لو تصور وعقل لتبينَ له أن ما احتج به ينقلب حجة عليه.

[ظهور الفتن والبدع في كل بلد لا يختص بها قطر]
وقول المعترض: وإن كان قد ورد في حق أهل الحرمين، فهذا ظاهر البطلان، إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان، ولو قيل: إن هذا الحديث وأمثاله ورد في ذم نجد وأهلها، فقد ورد في ذمهم أحاديث كثيرة شهيرة؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزالون في شر من كذابهم إلى يوم القيامة".
(فالجواب) أن نقول: الأحاديث التي وردت في غربة الدين وحدوث البدع وظهورها؛ لا تختص بمكة والمدينة، ولا غيرهما من البلاد، والغالب أن كل بلد لا يخلو من بقايا متمسكين بالسنة، فلا معنى لقوله: وإن كان قد ورد في حق أهل الحرمين، والواقع يشهد لما قلنا.
وقد حدث في الحرمين في أواخر عهد الصحابة -رضي الله عنهم- بل وفي وقت الخلفاء الراشدين ما هو معروف عند أهل العلم مشهور في السير والتاريخ: وأول ذلك مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم وقعة الحرة
(4/262)

المشهورة، ومقتل ابن الزبير في مكة، وما جرى في خلال ذلك من الفتن، وصارت الغلبة في الحرمين وغيرها لأهل الأهواء. فإذا كان هذا وقع في خير القرون، فما ظنك فيما بعدُ، حين اشتدت غربةُ الإسلام، وعاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟ نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير.

[الأرض لا تقدس أحدًا وإنما يُقَدِّسُ المرءَ عملُهُ]
وأما قوله: إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان.
(فالجواب): أن نقول: مهبط الوحي في الحقيقة: قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} 1. وقال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} 2، فهذا محل الوحي ومستقره.
وقوله: "ومنبع الإيمان".
الإيمان ينْزل به الوحي من السماء لا ينبع من الأرض، ومحله قلوب المؤمنين، وهذه السور المكية في القرآن معلومةٌ -التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر من في مكة المشركون- وفيها ذمهم والردُّ عليهم؛ كقوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} 3، وقوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} 4، وقوله: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} 5، ونحو هذه الآيات، كما في فصلت والمدثر وغيرهما. ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وأهل الشرك لم يزالوا بها، ومنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخولها بالوحي، وقاتلوهم ببدر وأحد والخندق، وهم كانوا آخر العرب دخولا في الإسلام، حاشا مَنْ هاجر. وكل هذا بعد نزول الوحي.
ونحن -بحمد الله- لا ننكر فضل الحرمين، بل ننكر على من أنكره، ولكن، نقول: الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يُقَدِّسُ المرءَ عملُهُ، فالمحل الفاضل قد يجتمع فيه المسلم والكافر، وأهل الحق وأهل الباطل كما تقدم. فأهل الحق يزدادون بالعمل الصالح في المحل الفاضل لكثرة ثوابه، وأهل الباطل لا يزيدهم ذلك إلا شرا، تعظم فيه
__________
1 سورة الشعراء آية: 193.
2 سورة العنكبوت آية: 49.
3 سورة الأنعام آية: 66.
4 سورة الأنعام آية: 26.
5 سورة الأنعام آية: 33.
(4/263)

سيئاتهم؛ كما قال -تعالى- في حرم مكة: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} 1. فإذا كان هذا الوعيد في الإرادة، فعمل السوء أعظم، فالمعول عليه هو الإيمان والعمل الصالح، ومحله: قلب المؤمن، والناس مَجْزِيُونَ بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

[الحديث في فتن نجد إنما يظهر في نجد المدينة وهو العراق]
وقوله: ولو قيل: إن هذا الحديث ورد في ذم نجد وأهلها إلى آخره.
(فأقول): الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد، كقوله صلى الله عليه وسلم "اللهم بارك لنا في يَمَنِنَا، اللهم بارك لنا في شامنا" 2 قالوا: وفي نجدنا، قال: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان" 3 قيل: إنه أراد نجد العراق؛ لأن في بعض ألفاظه ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نَجْدَ الحجازِ، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث. فقد جرى في العراق من الملاحم والفتن ما لم يَجْرِ في نجد الحجاز، يعرف ذلك مَنْ له اطلاع على السير والتاريخ، كخروج الخوارج بها، الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة، وقتال بني أمية لمصعب بن الزبير وقتله، وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده.
وعلى كل حالٍ، فالذمُّ يكون في حالٍ دون حالٍ، ووقتٍ دون وقتٍ بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل؛ وإن كانت الأماكن تتفاضل، وقد تقع المُدَاولة فيها؛ فإن الله يداول بين خلقه حتى في البقاع، فمحل معصية في زمن؛ قد يكون محل طاعة في زمن آخر وبالعكس.
* * *
وأما قول المعترض: منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزالون في شر من كذابهم".
(فالجواب): هذا من جملة كَذِبِهِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهله بالعلم لا يميز
__________
1 سورة الحج آية: 25.
2 البخاري: الجمعة (1037) , والترمذي: المناقب (3953) , وأحمد (2/ 90 ,2/ 118 ,2/ 124 ,2/ 126).
3 البخاري: الجمعة (1037) , والترمذي: المناقب (3953) , وأحمد (2/ 118).
(4/264)

بين الحديث وغيره. وهذا الكلام ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في نفر من بني حنيفة سكنوا الكوفة في ولاية ابن مسعود عليها، وكانوا في مسجد من مساجدها، فسمع منهم كلمة تُشْعِر بتصديق مسيلمة، فأخذهم عبد الله بن مسعود، وقتل كبيرهم ابن النواحة، وقال في الباقين: "لا يزالون في بَلِيَّة من كذابهم" يعني: ذلك النفر، فلا تُذَمُّ نَجْدُ بنَفَرٍ أحدثوا حَدَثًا في العراق. وقد أفنى الله كل من حضر مسيلمة في القرن الأول؛ ولم يبق بنجد من يصدق مسيلمة الكذاب، بل من كان في أواخر عهد الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم بنجد يكفرون مسيلمة ويكذبونه، فلم يبق بنجد من فتنة مسيلمة لا عين ولا أثر. فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه؛ لذم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة.
وما ضر المدينةَ سُكْنَى اليهود فيها، وقد صارت مُهَاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وَمَعْقِل الإسلام، وما ذُمَّتْ مكةُ بتكذيب أهلها الرسولَ صلى الله عليه وسلم وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه.

[رؤيا النبي دار الهجرة وذهاب وهله أنها اليمامة]
فإذا كان الأمر كذلك فأرض اليمامة لم تَعْصِ الله، وإنما ضَرَّتِ المعصيةُ ساكنيها بتصديقهم كذابهم، وما طالت مدتهم على ذلك الكفر بحمد الله، فَطَهَّرَ الله تلك البلاد منهم، ومن سلم منهم من القتل دخل في الإسلام، فصارت بلادهم بلادَ إسلام، بُنِيَتْ فيها المساجد، وأقيمت فيها الشرائعُ، وعُبِدَ الله فيها في عهد الصحابة -رضي الله عنهم- وبعدهم. ونَفَرَ كثير منهم مع خالد بن الوليد لقتال العجم، فقاتلوا مع المسلمين، فنال تلك البلاد من الفضل ما نال غيرَها من بلاد أهل الإسلام، على أنها تفضل على كثير من البلاد بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -وهو بمكة لأصحابه-: "أُرِيتُ دارَ هجرتكم، فوصفها، ثم قال: فذهب وَهَلِي إلى أنها اليمامة أو يثرب"1.
ورؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وَحْيٌ حَقٌّ، وكفى بهذا فضلا لليمامة وشرفا لها على غيرها، فإن ذهاب وَهَله صلى الله عليه وسلم في رؤياه إليها لا بد أن يكون له أثر في الخير يظهر، فظهر ذلك
__________
1 أحمد (6/ 198).
(4/265)

الفضل بحمد الله في القرن الثاني عشر، فقام الداعي بها يدعو الناس إلى ما دعت إليه الرسل من إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، وإقامة الفرائض والعمل بالواجبات، والنهي عن مُوَاقَعَة المُحَرَّمَات. وظهر فيها الإسلام أعظم من ظهوره في غيرها في هذه الأزمان، ولولا ذلك ما سَبَّ هؤلاء نجدا واليمامة بمسيلمة.
إذا عرف ذلك، فليعلم أن مسيلمة وبني حنيفة إنما كفروا بجحودهم بعض آية من كتاب الله جهلا أو عنادا، وهذا المعترض وأمثاله جحدوا حقيقة ما بعث الله به رسله من التوحيد الذي دلت عليه الآيات المحكمات التي تفوت الحصر، وعصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بارتكاب ما نهى عنه من الغلو والشرك، فَجَوَّزُوا أن يُدْعَى مع الله غيره؛ وقد نهى الله ورسوله عن ذلك في أكثر سور القرآن.
وَجَوَّزُوا أن يُسْتَعَان بغير الله، وقد نهى الله ورسوله عن ذلك وجوَّزُوا الالتجاء إلى الغائبين والأموات والرغبة إليهم، وقد نهى الله ورسوله عن ذلك أشد النهي. وجعلوا لله شريكا في ملكه وربوبيته كما جعلوا له شريكا في إلهيته، وجعلوا له شريكا في إحاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها. وقد قال -تعالى- مبينا لما اختص به من شمول علمه: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} 1 إلى قوله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ} 2 الآيات.

[فشو الشرك المخالف لفاتحة الكتاب وسورة الناس]
وهذه الأصول كلها في الفاتحة؛ يبين تعالى أنه هو المختص بذلك، دون كل من سواه: ففي قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 3 اختصاص لله بالحمد لكماله في ربوبيته وإلهيته وملكه وشمول علمه وقدرته، وكماله في ذاته وصفاته. {رَبِّ الْعَالَمِينَ} 4 هو ربهم وخالقهم ورازقهم ومليكهم، والمتصرف فيهم بحكمته ومشيئته ليس ذلك إلا له. {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} 5 فيه تفرده بالملك كقوله: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} 6، وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ
__________
1 سورة الرعد آية:8، 9.
2 سورة الرعد آية: 14.
3 سورة الفاتحة آية: 2.
4 سورة الفاتحة آية: 2.
5 سورة الفاتحة آية: 4.
(4/266)

وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 1 فيه قَصْرُ العبادة عليه -تعالى- بجميع أفرادها، وكذلك الاستعانة. وفي {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 2 أيضا توحيد الربوبية.
وهذه الأصول أيضا في: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} 3 فهو ربهم ورازقهم، والمتصرف فيهم، والمدبر لهم: {مَلِكِ النَّاسِ} 4 هو الذي له الملك كما في الحديث الوارد في الأذكار "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"5.
وقوله: {إِلَهِ النَّاسِ} 6 هو مَأْلُوهُهُمْ ومَعْبُودُهم، لا معبود لهم سواه، فأهل الإيمان خَصُّوهُ بالإلهية، وأهل الشرك جعلوا له شريكا يَأْلَهُونَهُ بالعبادة كالدعاء والاستعانة والاستغاثة والالتجاء والرغبة والتعلق عليه، ونحو ذلك.
وفي: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} 7 براءة النبي صلى الله عليه وسلم من الشرك والمشركين. {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} 8 إلى قوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} 9 فهذا هو التوحيد العملي، وأساسه البراءة من الشرك والمشركين باطنا وظاهرا، وفي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 10 توحيد العلم والعمل.
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 11 يعني هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نِدَّ، ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ في الإثبات إلا على الله -عز وجل-؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} 12 قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الذي يَصْمُدُ الخلائقُ إليه في حوائجهم ومسائلهم.
(قلت): وفيه توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية. وقال الأعمش عن شقيق أبي وائل: {الصَّمَدُ} السيد الذي قد انتهى سُؤْدُدُهُ، وقال الحسن أيضا: {الصَّمَدُ} الحي القيوم الذي لا زوال له، وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد، كأنه جعل ما بعده تفسيرا له، وقال سفيان عن منصور عن مجاهد: {الصَّمَدُ} المُصْمَتُ الذي لا جوف له، قال أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة: وكُلُّ هذه صحيحةٌ، وهي صفات ربنا عز وجل.
__________
1 سورة الفاتحة آية: 5.
2 سورة الفاتحة آية: 5.
3 سورة الناس آية: 1.
4 سورة الناس آية: 2.
5 البخاري: الأذان (844) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (593) , والنسائي: السهو (1341 ,1342 ,1343) , وأبو داود: الصلاة (1505) , وأحمد (4/ 247 ,4/ 250 ,4/ 251) , والدارمي: الصلاة (1349).
6 سورة الناس آية: 3.
7 سورة الكافرون آية: 1.
8 سورة الكافرون آية:1، 2.
9 سورة الكافرون آية: 6.
10 سورة الإخلاص آية: 1.
11 سورة الإخلاص آية: 1.
12 سورة الإخلاص آية: 2.
(4/267)

وقال مجاهد: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} 1 يعني: لا صاحبة له، وهذا كما قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 2 أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظيرٌ يساميه، أو قريبٌ يدانيه؟ تعالى وتقدَّس وتنَزه.
(قلت): فتدبر هذه السورة ما فيها من توحيد الإلهية والربوبية، وتنزيه الله عن الشريك والشبيه والنظير، وما فيها من مجامع صفات كماله ونعوت جلاله، ومَن له بعضُ تصورٍ يدرك هذا بتوفيق الله {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 3.

[كلام ابن تيمية في شرك القبوريين]
وأما قول المعترض: على قول المجيب: ونوع الشرك جرى في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. أقول: هذه البردة متقدمة على زمن شيخ الإسلام، ولم ينقل عنه فيها كلمة واحدة.
(فالجواب): تقدُّم البردة على زمن شيخ الإسلام إن كان كذلك فماذا يُجْدِي عليه؟ وما الحجة منه على جواز الشرك؟ وأيضا فشهادته هذه على شيخ الإسلام غيرُ محصورة، فلا تُقْبل. وهو لم يطلع إلا على النّزر اليسير من كلام شيخ الإسلام، ولم يفهم معنى ما اطلع عليه، وهو في شِقٍّ، وشيخ الإسلام في شِقٍّ، وليس في كلام شيخ الإسلام إلا ما هو حجة على هذا المعترض، لكنه يتعلق في باطله بمثل خيط العنكبوت، فإن كان يقنعه كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- المُؤَيَّد بالبرهان، فقد تقدم من كلامه ما يكفي ويشفي في تمييز الحق من الباطل.
وكلامه -رحمه الله تعالى- في أكثر كتبه يُبَيِّنُ هذا الشركَ ويُنكره ويَرده، كما قد رد على البكري حين جَوَّزَ الاستغاثة بغير الله. ولا يشك مَن له أدنى مِسْكَة من عقلٍ وفهمٍ أن كلام صاحب البُرْدَة داخلٌ تحت كلام شيخ الإسلام في الرد عليه والإنكار.
__________
1 سورة الإخلاص آية: 4.
2 سورة الأنعام آية: 101.
3 سورة النور آية: 40.
(4/268)

وأنا أُورِدُ هنا جوابًا لشيخ الإسلام* عن سؤالِ مَن سأله عن نوع هذا الشرك وبعض أفراده، فأتى بجواب عام شامل، كافٍ وَافٍ.

[آيات القرآن في أن دعاء غير الله شرك]
قال السائل: ما قول علماء المسلمين فيمن يستنجد بأهل القبور، ويطلب منهم إزالة الألم، ويقول: يا سيدي أنا في حسبك، وفيمن يستلم القبر، ويمرغ وجهه عليه، ويقول قضيت حاجتي ببركة الله، وبركة الشيخ، ونحو ذلك؟
(الجواب): الحمد لله رب العالمين، الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو: عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته والتوكل عليه، ودعاؤه لجلب المنافع ودفع المضار، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 1 الآيات. وقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} 2، وقال: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 3 وقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا} 4 الآيات.
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة، فقال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة، فكيف بمن دونهم؟. قال تعالى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} 5 الآية. وقال: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} 6.
فبيَّنَ سبحانه أن مَن دُعِيَ من دون الله من جميع المخلوقات: الملائكة، والبشر، وغيرهم، أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه، وأنه ليس له شريك في ملكه {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 7، وأنه ليس له عَوْنٌ، كما يكون للملك أعوان وظهراء، وأن الشفعاء لا يشفعون عنده إلا لمن ارتضى، فنفى بذلك وجوه الشرك
__________
* المنقول هنا هو المسألة الشهيرة ب"زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور" مع شيء من الاختصار، وهي في مجموع الفتاوى 27/ 64 - 105. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
1 سورة الزمر آية: 2.
2 سورة الجن آية: 18.
3 سورة غافر آية: 65.
4 سورة الإسراء آية: 56.
5 سورة الكهف آية: 102.
6 سورة سبأ آية: 22.
7 سورة التغابن آية: 1.
(4/269)

وذلك أن مَن دُعِيَ من دونه، إما أن يكون مالكا، وإما أن لا يكون مالكا، وإذا لم يكن مالكا، فإما أن يكون شريكا، وإما أن لا يكون شريكا، وإذا لم يكن شريكا فإما أن يكون معاونًا، وإما أن يكون سائلا طالبا.

[نفي الشفاعة الشركية]
فأما الرابع: فلا يكون إلا من بعد إذنه، كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 1، وكما قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} 2. وقال: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُون َقُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 3. وقال: {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} 4 وقال: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} 5. وقال: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} 6 إلى قوله: {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 7.
فبيَّنَ سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا كان كافرا، فكيف بمن اتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم أربابا؟ فلا يجوز أن يقول لملك ولا لنبي ولا لشيخ، سواء كان حيا أو ميتا: اغفر ذنبي، وانصرني على عدوي، أو اشْفِ مريضي، أو ما أشبه ذلك؛ ومن سأل ذلك مخلوقا كائنًا مَن كان، فهو مشرك بربه من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه، قال الله -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} 8 الآية. وقال: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ
__________
1 سورة البقرة آية: 255.
2 سورة النجم آية: 26.
3 سورة الزمر آية: 43، 44.
4 سورة الأنعام آية: 51.
5 سورة السجدة آية: 4.
6 سورة آل عمران آية: 79.
7 سورة آل عمران آية: 80.
8 سورة المائدة آية: 116، 117.
(4/270)

ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 1.
وإن قال: أنا أسأله؛ لأنه أقرب إلى الله مني؛ ليشفع لي؛ لأني أتوسل إلى الله به، كما يتوسل إلى السلطان بِخَوَاصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء، يستشفعون بهم في مطالبهم؛ ولذلك أخبر الله عن المشركين، أنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 2. وقد قال سبحانه: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ} 3، إلى قوله: {تُرْجَعُونَ}. وقال: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} 4. وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 5.
فبيَّن الفرق بينه وبين خلقه، فإن من عادات الناس أن يستشفعوا إلى الكبير بمن يَكْرُمُ عليه، فيسأله ذلك الشفيع فيقضي حاجته إما رغبة، وإما رهبة، وإما حياء، وإما غير ذلك، فالله -سبحانه- لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع، فلا يفعل إلا ما يشاء، وشفاعة الشافع عن إذنه، والأمر كله له، فالرغبة يجب أن تكون إليه كما قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} 6. والرهبة تكون منه، قال تعالى: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} 7. وقال: {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} 8. وقد أمرنا أن نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، وجعل ذلك من أسباب إجابة دعائنا.
وقول كثير من الضُّلال: هذا أقرب إلى الله مني، وأنا بعيد منه، لا يمكن أن ندعوه إلا بهذه الواسطة، ونحو ذلك - هو من قول المشركين، فإن الله -تعالى- يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} 9.
وقد روي أن الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا: يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنَزلت الآية. وقد أمر الله تعالى العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته، وأمر كُلا منهم أن يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 10.

[شبهة من يدعو غير الله]
ثم يقال لهذا المشرك: أنت إذا دعوتَ هذا، فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك
__________
1 سورة التوبة آية: 31.
2 سورة الزمر آية: 3.
3 سورة الزمر آية: 43.
4 سورة السجدة آية: 4.
5 سورة البقرة آية: 255.
6 سورة الشرح آية:7، 8.
7 سورة النحل آية: 51.
8 سورة المائدة آية: 44.
9 سورة البقرة آية: 186.
10 سورة الفاتحة آية: 5.
(4/271)

أو يقدر على إجابة سؤالك، أو أرحم بك من ربك فهذا جهل وضلال وكفر. وإن كنت تعلم أن الله -تعالى- أعلم وأقدر وأرحم؛ فلماذا عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره؟ وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك، وأعلى منْزلة عند الله منك فهذا حقٌّ أُرِيدَ به باطلٌ، فإنه إذاكان أقرب منك وأعلى درجة فإن معناه أن يثيبه ويعطيه؛ ليس معناه أنك إذا دعوته كان الله يقضي حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوته أنت، فإنك إن كنت مُسْتَحِقًّا للعقاب؛ ورد الدعاء، فالنبي والصالح لا يعين على ما يكرهه الله، ولا يسعى فيما يُبَغِّضُك إليه، وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول منه.
فإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب إذا دعوته أنا، فهذا هو القسم الثاني، وهو أن يطلب منه الفعل ولا يدعوه، ولكن يطلب أن يدعو له، كما يقال للحي: ادع لي، وكما كان الصحابة يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء فهذا مشروع في الحي.
وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ونحو ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد في ذلك حديث، بل الذي ثبت في الصحيح: أنهم لما أَجْدَبُوا زمن عمر استسقى بالعباس -رضي الله عنهما- فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا "فيسقون، فلم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قائلين: يا رسول الله ادع الله، أو استسق لنا، ونحن نشكو إليك ما أصابنا ونحو هذا، ولم يقله أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون عليه، ثم إذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر، بل ينحرفون فيستقبلون القبلة، ويدعون الله وحده لا شريك له كما كانوا يدعونه في سائر البقاع.

[لعن متخذي القبور مساجد]
وفي الموطأ وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال "اللهم لا تجعل قبري وثنا يُعْبَدُ؛
(4/272)

اشتد غضبُ الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"1؛ وفي السنن أيضا أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني"2.
وفي الصحيح أنه قال في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"3 يحذر ما فعلوا. قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولولا ذلك؛ لأبرِزَ قبرُهُ، لكن خُشِيَ أن يتخذ مسجدا، وفي سنن أبي داود عنه أنه قال: "لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج"4. ولهذا قال العلماء: لا يجوز بناء المساجد على القبور، وقالوا: إنه لا يجوز أن يُنْذَر لقبر، ولا للمجاورين عند القبر شيئا، لا من دراهم ولا زيت، ولا شمع ولا حيوان، ولا غير ذلك كله نذر معصية، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين: إن الصلاة عند القبور، وفي المشاهد مستحبةٌ، ولا أن الدعاء هناك أفضل، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد، وفي البيوت أفضل من الصلاة عند قبر، لا قبر نبي ولا صالح؛ سواء سُمِّيَتْ مشاهد أم لا. وقد شرع الله ذلك في المساجد دون المشاهد، وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} 5، ولم يقل في المشاهد، وقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} 6، وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} 7 الآية.
وذكر البخاري في صحيحه والطبري وغيره في تفاسيرهم في قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} 8، قالوا: هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثيلهم أصناما. فالعكوف على القبور، والتمسح بها، وتقبيلها، والدعاء عندها هو أصل الشرك، وعبادة الأوثان، ولهذا اتفق العلماء على أنَّ من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين؛ فإنه لا يَتَمَسَّح به ولا يقبِّله. وليس في الدين ما شُرِعَ تقبيلُهُ إلا الحجر الأسود
__________
1 مالك: النداء للصلاة (416).
2 أبو داود: المناسك (2042) , وأحمد (2/ 367).
3 البخاري: المغازي (4441) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531) , والنسائي: المساجد (703) , وأحمد (1/ 218 ,6/ 34 ,6/ 80 ,6/ 121 ,6/ 146 ,6/ 255) , والدارمي: الصلاة (1403).
4 الترمذي: الصلاة (320) , والنسائي: الجنائز (2043) , وأبو داود: الجنائز (3236) , وابن ماجه: ما جاء في الجنائز (1575) , وأحمد (1/ 229 ,1/ 287 ,1/ 324 ,1/ 337).
5 سورة البقرة آية: 114.
6 سورة الأعراف آية: 29.
7 سورة التوبة آية: 18.
(4/273)

وقد ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. ولهذا لا يُسَنُّ أن يقبل الرجل ويستلم ركني البيت اللذين يليان الحجر، ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم، ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين. اه.

[كراهة السلف لتعظيم القبور والاستغاثة بالموتى]
وقال -رحمه الله تعالى- في "الرد على البكري"* -بعد كلام له سبق-: لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر، نبيا كان أو غير نبي، كان ذلك سببا في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين:
(إحداهما): أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله.
(والثانية): أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سببا كونيا يجوز تعاطيه ... إلى أن قال: وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتا أو غائبا وأن يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره، أو لم يكن عند قبره، بل نقول: سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غير نبي، من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله به، ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين.
وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين، فإن أحدا منهم ما كان يقول -إذا نزلت به شدة، أو عرضت له حاجة لميت-: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقوله بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي
__________
* "الرد على البكري" 1/ 446. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(4/274)

صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها، بل ولا أقسم بمخلوق على الله أصلا، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا قبور غير الأنبياء، ولا الصلاة عندها. وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف.

[ليس لسؤال الموتى تأثير في الإجابة]
وأما ما يُرْوَى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف: الترياقُ المُجَرَّب، وقول بعضهم: فلان يدعى عند قبره. وقول بعض الشيوخ: إذا كانت لك حاجة فاستغث بي، أو قال استغث عند قبري، ونحو ذلك، فإن هذا قد وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم؛ ولكن هذه الأمور كلها بدعٌ محدثةٌ في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثةٌ في الإسلام، والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"1 يحذر ما فعلوا - قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا.
وثبت في الصحيح عنه أنه قال -قبل أن يموت بخمس-: "إِنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد؛ ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك"2. وقد تقدم أن عمر لما أجدبوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فَيُسْقَوْنَ.
فلم يذهبوا إلى القبور، ولا توسلوا بميت ولا غائب، بل توسلوا بالعباس وكان توسلهم به توسلا بدعائه، كالإمام مع المأموم، وهذا تعذر بموته.
فأما قول القائل -عن ميت من الأنبياء والصالحين-: اللهم أني أسألك بفلان، أو بجاه فلان، أو بحرمة فلان، فهذا لم يُنْقَل لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا التابعين؛ وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، فكيف يقول القائل للميت: أنا أستغيث بك وأستجير بك، وأنا في حسبك، أو سل لي الله، ونحو ذلك؟
__________
1 البخاري: المغازي (4441) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531) , والنسائي: المساجد (703) , وأحمد (1/ 218 ,6/ 34 ,6/ 80 ,6/ 121 ,6/ 146 ,6/ 255) , والدارمي: الصلاة (1403).
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (532).
(4/275)

فتبيَّن أن هذا ليس من الأسباب المشروعة، لو قُدِّرَ أن له تأثيرا، فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح؟

[الأنبياء والصالحون لم يُعْبَدُوا إلا بعد موتهم]
وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت من تتمثل له الشياطين، وربما كانت على صورة ذلك الغائب، وربما كلمته، وربما قضتْ له أحيانا بعضَ حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام، فإن أحدا من الأنبياء والصالحين لم يُعْبَد في حياته؛ إذ هو يَنْهَى عن ذلك.
وأما بعد الموت فهو لا يقدر أن ينهى؛ فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا يُعْبَد. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيدا .. إلخ"1 وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يُعْبَد"2.
وقال غير واحد من السلف في قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} 3 الآية: إن هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم؛ ولهذا المعنى لعن النبي صلى الله عليه وسلم الذين اتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد. انتهى ملخصا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير أنه رأى قوما يمسحون المقام فقال: لَم تُؤْمَرُوا بهذا، إنما أُمِرْتُم بالصلاة عنده. وأخرج عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قول الله -تعالى-: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} 4 قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة أشياء ما تكلفته الأمم قبلها.
فإذا كان المعترض يستدل بكلام شيخ الإسلام؛ فهذا صريح كلامه المُؤَيَّد بالأدلة والبراهين. وكلام العلماء كمثل كلام شيخ الإسلام في هذا المعنى كثيرٌ جدا، لو ذكرناه لطال الجواب.
وأما قول المعترض: بل مدح الصرصري، وأثنى عليه بقوله: قال الفقيه الصالح يحيى بن يوسف الصرصري في نظمه المشهور.
(فالجواب): أن هذا من جملة أكاذيب المعترض على شيخ الإسلام وغيره،
__________
1 أحمد (2/ 367).
2 مالك: النداء للصلاة (416).
3 سورة نوح آية: 23.
4 سورة البقرة آية: 125.
(4/276)

وقد كذب على "الإقناع" و"الشفاء"، وليس في الكتابين إلا ما يبطل قوله. وفي الحديث "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت"1 وإلا فكلام شيخ الإسلام في رد ما يقوله الصرصري وإنكاره: موجود بحمد الله.
قال -رحمه الله تعالى- في رده على البكري* بعد وجهين ذكرهما:
(الثالث): أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة به، وهذا جائز في حياته، لكنه أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما عَلِمْتُهُ يُنْقَلُ عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة، وكمحمد بن النعمان؛ وهؤلاء لهم صلاح ودين، ولكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، وليس معهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مَرْضِي، بل عادة جَرَوْا عليها كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه.
وأكثر منه: مَن يأتي إلى قبر الشيخ يدعوه، ويدعو به ويدعو عنده، وهؤلاء ليس لهم مُسْتَنَد شرعي من كتاب، أو سنة، أو قول عن الصحابة والأئمة، وليس عندهم إلا قول طائفة أخرى: قبر معروف: ترياقٌ مجربٌ، والدعاء عند قبر الشيخ مجابٌ، ونحو ذلك، ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت، فَرَأَوْهُ قد أتى في الهواء، وقضى بعض تلك الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين، أو الكواكب والأوثان، فإن الشياطين كثيرا ما تتمثل لهم فيرونها، وقد تخاطب أحدهم ولا يراها، ولو ذكرتُ ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا لطال المقال.
وكلما كان القوم أعظم جهلا وضلالا كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر، وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال أو طعام أو لباس أو غير ذلك، وهو لا يرى أحدا أتاه به فيحسب ذلك كرامة، وإنما هو من الشيطان، وسببُه شركُه بالله، وخروجه عن طاعة الله ورسوله إلى طاعة الشيطان، فأضلتهم الشياطين بذلك كما كانت تضل عُبَّاد الأصنام. انتهى ما ذكره شيخ
__________
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3483 ,3484) والأدب (6120) , وأبو داود: الأدب (4797) , وابن ماجه: الزهد (4183) , وأحمد (4/ 121 ,4/ 122 ,5/ 273).
* "الرد على البكري" 2/ 478. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(4/277)

الإسلام -رحمه الله تعالى- من إنكاره ما في شعر الصرصري وغيره من هذه الأمور الشركية وبيان أسبابها.

[الفتنة بقصائد المتأخرين في مدح النبي وغيره والاستغاثة بهم]
وأما قول المعترض: وفيه توسل عظيم، إن لم يزد على قول صاحب البردة لم ينقص عنه.
(فالجواب): أن هذا من عدم بصيرته وكبير جهله، فإن مَن له أدنى معرفة وفهم يعلم أن بين قول صاحب البردة وقول الصرصري في أبياته تفاوتا بعيدا؛ فقد نبهنا على ما يقتضيه كلام صاحب البردة من قصر الإلهية والربوبية والملك وشمول العلم على عبد شَرَّفَه الله بعبوديته ورسالته، ودعوة الخلق إلى عبادته وحده، وجهاد الناس على ذلك، وبَلَّغَ الأمةَ ما أنزله الله -تعالى- عليه في الآيات المُحْكَمَات من تجريد التوحيد والنهي عن الشرك ووسائله، كما قدمنا الإشارة إليه.
وأما الصرصري ففي كلامه التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به، لكن لا قصر ولا حصر للاستعانة والاستغاثة في جانب المخلوق، وقد أنكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وذكر أنه لا دليل من كتاب ولا سنة عليه، ولا قال به أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وقد بيَّن -رحمه الله تعالى- أن استغاثة الحي بالحي إنما هو بدعائه وشفاعته.
وأما الميت والغائب فلا يجوز أن يُسْتَغَاثُ به، وكذلك الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأن أهل الإشراك ليس معهم إلا الجهل والهوى، وعوائد نشؤوا عليها بلا برهان، وقد عرفتَ أن هذا المعترض لم يأت إلا بشبهات واهية، وحكايات سوفسطائية، أو منامات تضليلية، كما قال كعب بن زهير:
فلا يغرنك ما مَنَّتْ وما وَعَدَتْ ... إن الأماني والأحلام تضليل
وليس مع هؤلاء المشركين إلا دعوى مجردة مَحْشُوَّة بالأكاذيب، وليس معهم -بحمد الله- دليل من كتاب أو سنة أو قول واحد من سلف الأمة وأئمتها،
(4/278)

وقد جئناهم بأدلة الكتاب والسنة، وما عليه الصحابة والأئمة، ولو استقصينا ذكر الأدلة، وبسط القول لاحتمل مجلدا ضخما.
وسبب الفتنة بقصائد هؤلاء المتأخرين كقصائد البوصيري والبرعي، واختيارها على قصائد شعراء الصحابة كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، وغيرهم من شعراء الصحابة -رضي الله عنهم- وفيها من شواهد اللغة والبلاغة ما لم يُدْرِك هؤلاء المتأخرون منه عُشْرَ المِعْشَار، وما ذاك إلا لأن قصائد هؤلاء المتأخرين تجاوزوا فيها الحد إلى ما يكرهه الله ورسوله، فَزَيَّنَهَا الشيطانُ في نفوس الجُهَّال والضُلال، فمالت إليها نفوسهم عن قصائد الصحابة التي ليس فيها إلا الحق والصدق، وما قصروا فيها جهدهم عما يصلح أن يمدح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وتَحَرَّوْا فيها ما يرضيه، وتجنبوا ما يُسْخِطهُ صلى الله عليه وسلم وما نهى عنه من الغلو.
فما أشبه هؤلاء بقول أبي الوفاء بن عقيل - وهو في القرن الخامس: "لما صعبت التكاليف على الجُهَّال والطِّغَام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاعٍ وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع ... إلى آخره.

[مقصود زيارة الموحدين للقبور]
ومما يتعين أن نختم به هذا الجواب: فصل ذكره العلامة ابن القيم* -رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه- قال، بعد أن ذكر زيارة الموحدين للقبور وأن مقصودها ثلاثة أشياء:
(أحدها): تذكير الآخرة والاعتبار والاتعاظ.
(الثاني): الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به فيتناساه، فإذا زاره وأهدى إليه هدية من دعاء أو صدقة، ازداد بذلك سروره وفرحه. ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم للزائر أن يدعو لأهل القبور بالمغفرة والرحمة، ويسأل لهم العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم ولا يدعو بهم ولا يصلي عندهم.
(الثالث): إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم.
__________
* ذكره في "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" 1/ 218. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة].
(4/279)

وأما الزيارة الشركية، فأصلها مأخوذٌ عن عباد الأصنام، قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قربٌ ومَزِيَّة عند الله -تعالى- لا يزال تأتيه الألطاف من الله -تعالى- وتفيض على روحه الخيرات. فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه، فَاضَ من روح المَزُور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفاتٌ إلى غيره. وكلما كان جمع القلب والهمة عليه أعظم: كان أقرب إلى الانتفاع به.
وقد ذكر هذه الزيارة ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا وتعليق السُّتُور عليها، وإيقاد السُّرُج، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطالَه ومَحْوَهُ بالكلية، وسد الذرائع المُفْضِيَة إليه، فوقف المشركون في طريقه وناقضوه في قصده.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شِقٍّ وهؤلاء في شِقٍّ. وهذا الذي ذكره هؤلاء في زيارة القبور والشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله، قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوَجِيهِ المُقَرَّب عند الله، وتوجه بهمته إليه وعكف بقلبه عليه، صار بينه وبينه اتصالٌ يفيض عليه نصيب مما يحصل له من الله. وشَبَّهُوا ذلك بمن يخدم ذا جاهٍ وحظوةٍ وقُرْبٍ من السلطان، وهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلقَ به بحسب تعلقه به. فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله؛ وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه، ولعنهم وأباح دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وأوجب لهم النار.

[الشفاعة جميعها لله يأذن لمن شاء لمن ارتضى]
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم، قال الله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ *
(4/280)

قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 1 فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض، وهو الله وحده، وهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه؛ ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه؛ فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له. والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه وأمره، بعد شفاعته -سبحانه- إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده.
وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون وَمَن وافَقَهم، وهي التي أبطلها الله -سبحانه وتعالى- بقوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} 2، وقوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} 3، وقال: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} 4. وأخبر -سبحانه- أنه ليس للعباد شفيع من دونه؛ بل إذا أراد -سبحانه- رحمة لعبده أذن هو لمن يشفع فيه، كما قال تعالى: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} 5. وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 6. فالشفاعة بإذنه، ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيعٌ من دونه، بل يشفع بإذنه. والفرق بين الشَّفِيعَيْن كالفرق بين الشريك والعبد المأمور، فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها شفاعة العبد المأمور الذي يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول: أشفع في فلان.
ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد، وخَلَّصُوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله -سبحانه-. قال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} 7، وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} 8، فأخبر أنه لا تحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضى قول المشفوع له، وإذنه للشافع. فأما المشرك فإنه لا يرضاه، ولا
__________
1 سورة الزمر آية: 43،44.
2 سورة البقرة آية: 123.
3 سورة البقرة آية: 254.
4 سورة الأنعام آية: 51.
5 سورة يونس آية: 3.
6 سورة البقرة آية: 255.
7 سورة الأنبياء آية: 28.
8 سورة طه آية: 109.
(4/281)

يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه -سبحانه- علَّقَها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع. فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة.
وسر ذلك أن الأمر كله لله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل، والملائكة المقربون، وهم عبيدٌ محضٌ: لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئا إلا من بعد إذنه لهم، ولا سيما يوم لا تملك نفسٌ لنفس شيئا. فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه، فإذا أشركهم به المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه ظَنًّا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب -سبحانه- وما يجب له ويمتنع عليه، فإن هذا مُحَالٌ ممتنعٌ يشبه قياس الرب -سبحانه- على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم مَن يشفع له عندهم في الحوائج.
وبهذا القياس الفاسد عُبِدَتْ الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي. والفرق بينهما هو الفرق بين الخالق والمخلوق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.

[الفرق بين شفاعة المخلوق إلى الخالق وشفاعته إلى المخلوق]
فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم، ولولا هم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس؛ فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم، وإنْ لم يأذنوا فيها، ولم يرضوا عن الشافع؛ لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم، فتنقص طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم فلا يجدون بُدًّا من قبول شفاعتهم على الكُرْهِ والرضى.
فأما الذي غناه من لوازم ذاته، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه لذاته، وكل مَن في السماوات والأرض عبيدٌ له مقهورون؛ لقهره، مُصَرَّفُونَ بمشيئته، لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة. قال تعالى:
(4/282)

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} 1؛ وقال في -سيدة آي القرآن- آية الكرسي: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 2 وقال: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} 3، فأخبر أن مُلْكَهُ السماواتِ والأرضَ يُوجِبُ أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وأن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه، فإنه ليس بشريك، بل مملوك محضٌ، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض.
فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله -سبحانه- في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يفعلها بعضهم مع بعض. ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بإذنه. وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه، فإنه الذي أَذِنَ، والذي قبل، والذي رضي عن المشفوع، والذي وَفَّقَهُ لفعل ما يستحق به الشفاعة.

[شفاعة المخلوق إلى المخلوق لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده]
وقوله: فَمُتَّخِذُ الشفيع لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومَرْجُوَّه ومخوفه، الذي يتقرب إليه وحده ويطلب رضاه، ويتباعد من سخطه، هو الذي يأذن الله -سبحانه- للشفيع أن يشفع له، قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 4.
فبيَّن -سبحانه وتعالى- أن متخذي الشفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم. وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده لا خلقا ولا أمرا ولا إذنا، بل هو سبب مُحَرِّك له من خارج كسائر الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المحرك؛ لأجله ما يوافقه، كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون
__________
1 سورة المائدة آية: 17.
2 سورة البقرة آية: 255.
3 سورة الزمر آية: 44.
4 سورة يونس آية: 18.
(4/283)

عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه في أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المُعَارض فيقبل شفاعة الشافع.
وقد يكون المُعَارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع فيردها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى مترددا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد، وبين الشفاعة التي تقتضي القبول، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بِمُرَجِّح. وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب -سبحانه وتعالى- فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويرضى عن الشافع، لم يمكن أن توجد. والشافع لا يشفع عنده بمجرد امتثال أمره وطاعته له. فهو مأمور بالشفاعة مطيع بامتثال الأمر، فإن أحدا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله وخلقه.

[الله تعالى هو الذي يُحَرِّك الشفيع حتى يشفع]
فالرب -تعالى- هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق، هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مُسْتَغْن عنه في أكثر أموره، وهو في الحقيقة شريكه ولو كان مملوكه وعبده، فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله من النفع والضر والمعاونة وغير ذلك.
كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله من رزق أو نصر أو غيره؛ فكل منهما محتاج إلى الآخر. ومن وَفَّقَهُ الله لفهم هذا الموضوع، تَبَيَّنَ له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبته الله من الشفاعة وما نفاه وأبطله، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. ومَن له خبرةٌ بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم: عَلِمَ أن بين السلف وبين هؤلاء الخُلُوف من البعد أبعد مما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شيء والسلف على شيء كما قيل:
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبًا ... شَتَانَ بين مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّب
والأمر والله أعظم مما ذكرناه. انتهى.
وبه كمل الجواب، والحمد لله الذي هدانا لدينه الذي رضيه لعباده، وما كنا
(4/284)

لنهتدي؛ لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.

تم نسخ ذلك في 5 رمضان سنة 1346، بقلم الفقير إلى الله
عبد الله بن إبراهيم الربيعي، غفر الله له ولوالديه، ولجميع
المسلمين خصوصًا أهل هذه الدعوة النجدية، والطريقة
المحمدية، أئمتنا ومشايخنا، عليهم الرضوان
والرحمة ما تعاقب المَلَوَان، ونطقت
شَفَة ولسان
آمين
(4/285)

كتاب
المورد العذب الزلال في كشف شبه أهل الضلال
تأليف
شيخنا وإمامنا، ناصر السنة، وقامع البدعة
الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
أجزل الله لهم الأجر والثواب آمين

من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
وقد وقفه على من ينتفع به من أهل العلم والدين
لا يحل لمن وقع بيده بيعه
(4/287)

المورد العذب الزلال في كشف شبه أهل الضلال
ورد مفتريات رجل من أهل الخرج
...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، مُعِزّ الإسلام بنصره، ومُذِلّ الشرك بقهره، ومُصَرِّف الأمور بأمره، ومُسْتَدْرِج العاصين بِمَكْرِهِ، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يُمَانَع، الظاهر على خلقه فلا يُنَازَع، الحكيم فيما يريد فلا يُدَافَع.
أحمده على إعزازه لأوليائه، ونصرته لأنصاره، وخفضه لأعدائه، حَمْدَ من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؛ شهادة مَن طهَّر بالتوحيد قلبه، وأرضى بالمعاداة فيه والموالاة ربَّه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رافع الشك، وخافض الشرك، وقامع الكذب والإفك، اللهم صَلِّ على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
(وبعد): فاعلم أيها الطالب للسلامة، الساعي في أسباب تحصيل الفوز والكرامة، أني وقفتُ على رسالة لمن لم يُسَمِّ نفسه، مُشْعِرَة بأنه من بلاد الخَرْج 1 متضمنة لأنواع من الكذب والمرج، جامعة لأمور من الباطل، لا يَسَعُ مسلمًا السكوتُ عليها خشيةَ أن يفتن بها بعض الجاهلين فيعتمد عليها، فإن كل عصر لا يخلو من قائل بلا علم، ومتكلم بغير إصابة ولا فهم.
وقد جعل الله في كل زمان فترة، بقايا من أهل العلم يدعون مَنْ ضَلَّ إلى الهدى، ويُبَصِّرُونَ بدين الله أهل العمى، ويحيون بكتاب الله الموتى، فكم من قتيل لإبليس قد أَحْيُوهُ، وتَائِهٍ ضالٍّ قد هَدُوهُ، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم،
__________
1 في بلاد نجد.
(4/288)

وقد عَنَّ لي الجواب؛ لتمييز الخطأ من الصواب، فلا بد من ذكر مقدمة نافعة لتكون هي المقصودة بالذات، رجاء أن تكون سَبَبًا موصلا إلى رضوان الله، يستبصر بها طالب الهُدَى من عباد الله، وذلك بتوفيق الله الذي لا إله سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اعلم أيها المُنْصِفُ أن دين الله القَوِيم، وصراطه المستقيم، إنما يتبين بمعرفة أمور ثلاثة، هي مدار دين الإسلام، وبها يتم العمل بأدلة الشريعة والأحكام، ومتى اخْتَلَّتْ وتَلاشَتْ وقع الخلل في ذلك النظام:
(الأمر الأول): أَنْ تَعْلَمَ أنَّ أصلَ دين الإسلام وأساسه، وعماد الإيمان ورأسه، هو: توحيدُ الله -تعالى- الذي بعث به المرسلين، وأنزل به كتابه المحكم المبين، قال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} 1، وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن أصل دين الإسلام: أن لا يُعْبَد إلا الله، وأن لا يُعْبَد الله إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع.
وقد قال شيخنا -رحمه الله تعالى- إمام الدعوة الإسلامية، والداعي إلى الملة الحنيفية: أصل دين الإسلام وقاعدته أمران: الأمر بعبادة الله وحده، والتحريض على ذلك والموالاة فيه، وتكفير من تركه. والنهي عن الشرك بالله في عبادته، والتغليظ فيه والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. والمُخَالِف في ذلك أنواع، ذكرها -رحمه الله تعالى-.

[نواقض التوحيد]
وهذا التوحيد له أركان وفروع، ومقتضيات وفرائض، ولوازم، لا يحصل الإسلام الحقيقي على الكمال والتمام إلا بالقيام بها عِلْمًا وعملا.
وله نواقض ومبطلات تُنَافِي ذلك التوحيد، فمن أعظمها أمور ثلاثة:
(الأول): الشرك بالله في عبادته كدعوة غير الله، ورجائه والاستعانة به، والاستغاثة به، والتوكل عليه، ونحو ذلك من أنواع العبادة، فمن صَرَفَ منها شيئا لغير الله كَفَرَ، ولم يصح له عمل، وهذا الشرك هو أعظم
__________
1 سورة هود آية: 1.
(4/289)

مُحْبِطَات الأعمال كما قال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1. وقوله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين َ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 2، ففي هذه الآية: نَفْي الشرك وتغليظه، والأمر بعبادة لله وحده. ومعنى قوله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} 3 أي: لا غيره، فإن تقديم المَعْمُول يُفيد الحصرَ عند العلماء قديما وحديثا.
(الأمر الثاني من النواقض): انشراح الصدر لمن أشرك بالله ومُوَادَّة أعداء الله 4 كما قال تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 5 الآية، إلى قوله: {أنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} 6. فمن فعل ذلك فقد أبطل توحيده ولو لم يفعل الشرك بنفسه.
قال الله -تعالى-: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} 7 الآية؛ قال شيخ الإسلام: أخبر -سبحانه- أنه لا يوجد مؤمن يُوَادُّ كافرًا، فمن وَادَّهُ فليس بمؤمن. قال: والمشابهةُ مَظِنَّة الموادَّة، فتكون مُحَرَّمَة.
قال العماد ابن كثير في تفسيره: قيل: نزلتْ في أبي عبيدة حين قتل أباه يوم بدر، {أَوْ أَبْنَاءَهُم} في الصديق يومئذ هَمَّ بقتل ابنه عبد الرحمن، {أَوْ إِخْوَانَهُم} في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، {أَوْ عَشِيْرَتَهُم} في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا، وحمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبةَ وشيبةَ والوليدَ بن عتبة يومئذ.
قال: وفي قوله: {رَضِيَ الله عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ} سرٌ بديعٌ، وهو أنهم لما
__________
1 سورة الأنعام آية: 88.
2 سورة الزمر آية: 65،66.
3 سورة الزمر آية: 66.
4 أي موادتهم وانشراح الصدر لهم؛ لأجل شركهم وعداوتهم؛ لأن تعليق الحكم على المشتق يدل على أنه علة له كما قالوه في آية حد السارق، ولذلك استدل هنا بآية (ولكن من شرح بالكفر صدرا) إلخ، ولا يدخل في ذلك الصحبة بالمعروف؛ لأجل القرابة ونحوها -مع كراهة الكفر نفسه-؛ لقوله -تعالى- في الوالدين المشركين: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) الآية.
5 سورة النحل آية: 106.
6 سورة النحل آية: 107.
7 سورة المجادلة آية: 22.
(4/290)

سخطوا على القرائب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضى عنهم، ورضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم، ونَوَّهَ بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة في مقابلة ما ذكر عن أولئك من أنهم حزب الشيطان: {أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} 1.

[موالاة المشركين بالنصرة والإعانة ناقض للإسلام]
(الأمر الثالث): موالاة المشرك، والركون إليه، ونصرته وإعانته باليد، أو اللسان، أو المال كما قال تعالى: {فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} 2. وقال: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} 3. وقال: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} 4. وهذا خطاب من الله -تعالى- للمؤمنين في هذه الأمة؛ فانظر أيها السامع أين تقع من هذا الخطاب وحكم هذه الآيات.
ولما أعانت قريش بني بكر على خزاعة سرا، وقد دخلوا في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتقضَ عهدهم وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك غضبا شديدا، وتَجَهَّزَ لحربهم، ولم يَنْبِذْ إليهم؛ لما كتب لهم حاطبٌ كتابا يخبرهم بذلك إخبارا أنزل الله -تعالى- في ذلك هذه السورة بكمالها، ابتدأها بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} 5 إلى قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} 6.
ثم أمر تعالى بالتأسي بخليله -عليه السلام- وإخوانه من المرسلين بالعمل بدينه الذي بعثهم به فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} 7 أي: من إخوانه المرسلين: {إِِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 8.
فذكر أمورًا خمسة لا يقوم التوحيد إلا بها علما وعملا، وعند القيام بهذه الخمسة مَيَّزَ الله الناسَ لَمَّا ابْتَلاهم بعَدِّوهم، كما قال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ? وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
__________
1 سورة المجادلة آية: 19.
2 سورة القصص آية: 86.
3 سورة القصص آية: 17.
4 سورة الممتحنة آية: 9.
5 سورة الممتحنة آية: 1.
6 سورة الممتحنة آية: 1.
7 سورة الممتحنة آية: 4.
8 سورة الممتحنة آية: 4.
(4/291)

وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} 1.
وحذَّر تعالى عباده عن تَوَلِّيهِمْ عَدُّوَهُم. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 2.
وقال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} 3 الآية. وقال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} 4.
فتأمل ما في هذه الآيات، وما رتب الله -سبحانه وتعالى- على هذا العمل من سخطه، والخلود في عذابه، وسلب الإيمان وغير ذلك؛ وذكر ابن جرير -رحمه الله تعالى- في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} 5 أنه ردة عن الإسلام. وفي سورة محمد -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على ذلك؛ قال الله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ} 6 إلى قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ} 7.
والسين: حرف تنفيس؛ تفيد استقبال الفعل، فدل على أنهم وعدوهم ذلك سرا بدليل قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} 8 والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ والمقصود بيان عِظَم هذا الذنب عند الله، وما رتب عليه من العقوبات عاجلا وآجلا. نسأل الله الثبات على الإسلام والإيمان، ونعوذ بالله من الخيبة والخذلان.
وقد ذكر شيخنا -رحمه الله تعالى- في مختصر السيرة له: ذكر الواقدي أن خالد بن الوليد لما قَدِمَ العارض قَدَّمَ مائتي فارس، فأخذوا مجَّاعة بن مُرَارة في ثلاثة عشر رجلا من قومه بني حنيفة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما تقولون في صاحبكم؟ فشهدوا أنه رسول الله، فضرب أعناقهم، حتى إذا بقي سارية بن عامر قال:
__________
1 سورة العنكبوت آية: 2.
2 سورة المائدة آية: 57.
3 سورة النساء آية: 138.
4 سورة المائدة آية:80، 81.
5 سورة آل عمران آية: 28.
6 سورة محمد آية: 25.
7 سورة محمد آية: 26.
8 سورة محمد آية: 26.
(4/292)

يا خالد، إن كنت تريد بأهل اليمامة خيرًا أو شرًّا فاسْتَبْقِ مجَّاعة، وكان شريفًا، فلم يقتله وترك سارية أيضًا، فأمر بهما فَأُوثِقَا في مَجَامع من حديد، فكان يدعو مجَّاعة، وهو كذلك، فيتحدث معه، وهو يظن أن خالدًا يقتله، فقال يا ابن المغيرة: إن لي إسلاما، والله ما كفرت، فقال خالد: إن بين القتل والترك منْزلة، وهي الحبس حتى يقضي الله في أمرنا ما هو قاض. ودفعه إلى أم مُتَمِّم زوجته، وأمرها أن تُحْسِن إِسَارَهُ، فظن مجَّاعة أن خالدا يريد حبسه ليخبره عن عدوه، وقال: يا خالد قد علمتَ أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه بالأمس. فإن يَكُ كَذَّابٌ قد خرج فينا، فإن الله يقول: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 1. فقال: يا مجَّاعة تركت اليوم ما كنتَ عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب، وسكوتك عنه، وأنت من أعز أهل اليمامة إقرارًا له ورضاء بما جاء به، فهل أبديتَ عُذْرًا، فتكلمت فيمن تكلم؟ فقد تكلم ثُمَامة فرد وأنكر، وتكلم اليشكريّ، فإن قلتَ: أخاف قومي، فهلا عمدتَ إليَّ أو بعثتَ إليَّ رسولا؟
فتأمل كيف جعل خالدٌ سكوتَ مجَّاعة رِضًى بما جاء به مسيلمة وإقرارًا، فأين هذا ممن أظهر الرضاء، وظاهر، وأعان وجد، وشمَّر مع أولئك الذين أشركوا مع الله في عبادته، وأفسدوا في أرضه؟ فالله المستعان.

[لا يثبت الإسلام ولا يتحقق إلا بالعمل بشرائعه]
(الأمر الثاني): من الأمور التي لا يصلح الإسلام إلا بها: العملُ بشرائعه وأحكامه، وبالقيام بذلك يقوم الدين وتستقيم الأعمال كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} 2 الآية، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرا ً?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} 3، وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} 4 الآية.
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا
__________
1 سورة الأنعام آية: 164.
2 سورة النساء آية: 66.
3 سورة النساء آية:58، 59.
4 سورة الشورى آية: 10.
(4/293)

مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} 1. وقال تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} 2 وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} 3 الآية، وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} 4.
وفي هذا المعنى قال أبو تمام:
وعبادة الأهواء في تطويحها ... بالدين مثل عبادة الأوثان
هذا هو الغالب على كثير من الناس: رَدُّ الحق؛ لمخالفة الهوى ومعارضته بالآراء، وهذا من نقص الدين وضعف الإيمان واليقين.

[مما يثبت به الإسلام أداء الأمانات واجتناب المحرمات]
(الأمر الثالث): أداء الأمانات، واجتناب المحرمات والشهوات، والجد في أداء الفرائض، والعبادات الواجبات، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات، وقد وقع الخلل العظيم في ذلك كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} 5 الآية، وبذلك وقعت الغفلة والإعراض عن كتاب الله -تعالى- واشتغل أكثر الناس بدنياهم عن طاعة مولاهم، وزهدوا في كل ما يعود نفعه إليهم في دنياهم وأخراهم مما يوجب رضى ربهم ومولاهم؛ فيجب على مَن نصح نفسه ممن جعل الله له القدرة والسلطان ونفوذ الكلمة أن يهتم بحفظ هذه الثغور الثلاثة، فإنها ثغور الإسلام، وقد سعى في خرابها مَن ليس من أهلها.
ومن أسباب حفظها: الإخلاص لله، والصدق، واللُّجْء إليه، وتعظيم أمره ونهيه، والتوكل عليه، وتمييز الخبيث من الطيب. فإن الله -تعالى- مَيَّزَهم لعباده؛ لَمَّا ابتلاهم؛ فعليك بِبُغْضِ أعداء الله، والاهتمام بما يرضيه، ومحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، وخشيته ومراقبته، والله المستعان.
__________
1 سورة الأحزاب آية: 36.
2 سورة النور آية: 48.
3 سورة القصص آية: 50.
4 سورة الفرقان آية: 43.
5 سورة مريم آية: 59.
(4/294)

[فيما تضمنته كلمة التوحيد في نفيها وإثباتها]

فصل
في الإشارة إلى ما تضمنَتْهُ لا إله إلا الله من نَفْيِ الشرك وإبطاله، وتجريد التوحيد لله تعالى والإشارة إلى بعض ما تُنْتَقَضُ به عُرَى الدين الذي بعث الله به المرسلين.
والباعث لذلك: ما بلغني عن رجل كان قبل طُرُوق الفتن يغلو في التكفير، ويُكَفِّر بأشياء لم يُكَفِّر بها أحدٌ من أهل العلم، ثم إنه بعد ذلك قال: من قال: لا إله إلا الله فهو المسلم المعصوم، وإن قال ما قال.
فأقول -وبالله التوفيق-: اعلم أنَّ لا إله إلا الله: كلمةُ الإسلام، ومفتاحُ دار السلام، وقد سمَّاها الله -تعالى- كلمة التقوى، والعروة الوثقى، وهي كلمة الإخلاص التي جعلها إبراهيم الخليل عليه السلام كلمة باقية في عَقِبِهِ.
ومضمونها: نَفْيُ الإلهية عما سوى الله وإخلاص العبادة بجميع أفرادها لله وحده، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} 1، وقال عن يوسف -عليه السلام-: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} 2 وقال بعدها: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 3. وقال تعالى لخاتم رسله: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ} 4 الآية، وقال: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} 5. وقال: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِد رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} 6.
وقد تفاوت الناس في هذه الكلمة بحسب حالهم علما وعملا، فمنهم من يقولها وهو يجهل مدلولها ومقتضاها، فلا يعرف الإله المنفي بأداة النفي، ولا الإلهية المثبتة لله -تعالى-، فهذا لا تنفعه بلا ريب، تجده يأتي بما يناقضها وهو لا يدري.

[شروط كلمة التوحيد]
واعلم أن لها شروطا ثقالا: (منها): العلم بمدلولها ومقتضاها وحقوقها ولوازمها ومُكَمِّلاتها. ومن شروطها: الصدق واليقين، وإرادة وجه الله، والكفر بما يُعْبَدُ من
__________
1 سورة الزخرف آية: 26، 27.
2 سورة يوسف آية: 38.
3 سورة يوسف آية: 40.
4 سورة الرعد آية: 36.
5 سورة هود آية: 2.
6 سورة الصافات آية: 4.
(4/295)

دون الله كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 1 قال ابن جرير: يعلمون حقيقة ما شهدوا به. وقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} 2 وصحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذكر هذه الشروط كلها، ومن لم يكن كذلك لم تنفعه لا إله إلا الله؛ لأن القول بلا علم هباءٌ.
قال شيخ الإسلام: ومَنْ فَقَدَ الدليلَ: ضَلَّ السبيلُ.*
وكذلك من يقولها، وهو لا يجهل مضمونها ومقتضاها، لكن يمنعه مِن قَصْد ذلك واتِّبَاع الحق، والعمل به مَوَانِعٌ من آفات النفوس. فتجده ينكر التوحيد تارة، ويبغض أهله، ويُحب الشرك وأهله، كحال الذين قالوا: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} 3 قال الله -تعالى-: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} 4.
فلو أن مجرد القول ينفع بدون الإخلاص والصدق واليقين القلبي لنفع هؤلاء، فكذلك من يقول ظَانًّا أنه أتى بمضمونها ومقتضاها، ويأتي بما يناقضها من موالاة المشركين، ومظاهرتهم على المسلمين والاستبشار بنصرهم وظهورهم، وغير ذلك من الأمور التي عَدَّهَا العلماء من نواقض الإسلام.
قال الله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} 5 الآية، وقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 6، ومعنى: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} 7 أي: إلى توحيده واتباع أمره وترك نهيه، ثم قال: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} 8.

[بعض أعمال المنافقين وأقوالهم التي عُدَّت كفرا]
فذكر أمورًا أربعة، كلها تُنَافِي قول لا إله إلا الله. يحقق ذلك نَهْيُ الله -تبارك وتعالى- عبادَهُ المؤمنين عن موالاة أعدائه في أول سورة الممتحنة وفي غيرها، وقال: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} 9.
وتدبر تلك الآيات، وما رتب الله -تعالى- من الوعيد الأكيد والعذاب الشديد
__________
1 سورة الزخرف آية: 86.
2 سورة محمد آية: 19.
* نقلها عنه تلميذه الإمام ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" 1/ 83 بلفظ: "من فارق الدليل ضل السبيل". وقد أدرجت ضمن "المستدرك على مجموع الفتاوى" 2/ 6. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
3 سورة المنافقون آية: 1.
4 سورة المنافقون آية: 1.
5 سورة الأحزاب آية: 26.
6 سورة القصص آية: 86.
7 سورة القصص آية: 86.
8 سورة القصص آية: 88.
9 سورة الممتحنة آية: 1.
(4/296)

ونفي الإيمان، وحبوط الأعمال على هذه الأمور التي لا يَعُدُّهَا مَنْ وقعتْ منه كبيرَ ذنب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبالجملة فلو بقي لهؤلاء دين -مع ذلك- لسلموا من العقوبات؛ لأن الإيمان أمن، والإسلام سلامة، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} 1؛ فإن تدارك الله من شاء منهم بتوبة نصوح فهو فضله سبحانه وإلا فيا خسرهم.
وقد بَيَّنَ الله -تعالى- في كتابه كثيرا من نواقض الإسلام والإيمان؛ فإن سبب نزول قوله تعالى: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} 2 أن أناسا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك يجاهدون عدوه، فقال رجل منهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء، فأنزل الله هذه الآية.
والقصة مشهورة في التفسير وكتب الحديث، فانظر كيف أبطلوا إيمانهم وكفروا بربهم، فلم ينفعهم قول لا إله إلا الله، ولا صلاتهم، ولا جهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ} 3 نزلت -على ما ذكره المفسرون- في الجلاس بن عمرو، قال: إن كان ما يقول محمدٌ حَقًّا فنحن شر من الحمير، ولو يقولها أحد في زماننا هذا لم يعد كافرا ولا عاصيا. ولا ريب أن هؤلاء كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون ويزكون ويجاهدون، ولم يُظَاهِرُوا على المسلمين عدوا.
وكذلك أهل مسجد الضرار كانوا من جملة الأنصار، وفعلوا ما هو في الظاهر قربة، فلما أضمروا خلاف ما أظهروا أنزل الله في شأنهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} 4، وهو أبو عامر الفاسق. قال الله -تعالى-: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى
__________
1 سورة الأنعام آية: 82.
2 سورة التوبة آية: 66.
3 سورة التوبة آية: 74.
4 سورة التوبة آية: 107.
(4/297)

وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} 1 إلى قوله تعالى: {لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} 2 أي: بالموت.
أيظن مَن عرف موقع كتاب الله وآياته أنه ينفع مَن أحب المشركين قولٌ يقوله، أو عملٌ يعمله؟ وهو يعلم ما وقع بهؤلاء من عقوبة الله على ما أسروه؟ هذا لا يظنه مَن له مِسْكَة من عقل؛ لأن ما كلف به عوقب به من بعدهم على مثل ما عُوقبوا به بلا ريب، اللهم إلا أن يتدارك الله -تعالى- من شاء بتوبة ماحِية، وإلا فالخطر عظيم.
وكذلك قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} 3 وسبب نزولها، ومن نزلت فيه معروف في كتب التفسير.

[دعوة الرسل والأنبياء أقوامهم إلى عبادة الله وحده]
ومن زعم أن المراد من لا إله إلا الله: مجرد القول، فقد خالف ما جاءت به الرسل والأنبياء من دين الله، واتبع غير سبيل المؤمنين، قال الله -تعالى- عن نوح -عليه السلام- أنه قال لقومه: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} 4، فأجابوه بقولهم: {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا} 5 الآية. علموا -على كفرهم وضلالهم- أنه لم يُرِدْ منهم مجرد الإقرار، وإنما أراد منهم الاتباع، والعمل، وترك عبادة الأصنام، وأخبر تعالى عن هود -عليه السلام- أنه قال لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 6، وذكر تعالى عنهم في جوابهم له: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} 7؛ علموا أنه أراد منهم قصر العبادة على الله، وترك عبادة من سوى الله، وهذا هو مضمون لا إله إلا الله ومعناها.
ولما دعا الخليل -عليه السلام- أباه إلى التوحيد بقوله: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} 8، أجابه بقوله: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} 9. عرف أنه أراد ترك عبادة ما سوى الله، والرغبة عن ذلك إلى إخلاص العبادة لله وحده، ثم قال الخليل -عليه السلام-: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
__________
1 سورة التوبة آية: 107.
2 سورة التوبة آية: 110.
3 سورة التوبة آية: 77.
4 سورة نوح آية: 2.
5 سورة نوح آية: 23.
6 سورة الأعراف آية: 65.
7 سورة الأعراف آية: 70.
8 سورة مريم آية: 42.
9 سورة مريم آية: 46.
(4/298)

اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي} 1 فذكر مضمون لا إله إلا الله ولازمها.
كما ذكر تعالى مثل ذلك عن أهل الكهف في قولهم: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} 2؛ وقال تعالى عن صاحب ياسين: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 3.
وتأمل أيضا قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} 4. عرفوا -وهم كفار- أن مطلوب النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم: "لا إله إلا الله"، أنه ترك عبادة الأوثان، فيا له من بيان ما أوضحه!

[القرآن تحقيق لمعنى كلمة التوحيد]
والمقصود أن القرآن من أوله إلى آخره يُحَقِّق معنى لا إله إلا الله بنفي الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه. لكن لما اشتدت غُرْبَة الدين بهجوم المفسدين وقع الريب والشك بعد اليقين، وانتقض أكثر عرى الإسلام، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.
ومما انتقض من عُرَاه: الحب في الله، والبغض في الله، والمعاداة والموالاة لله، كما في الحديث الصحيح: "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله"5. وأنت ترى حال الكثير حبه لهواه وبغضه لهواه، فلا يسكن إلا إلى ما يلائم طبعه، ويوافق هواه، ولو غَرَّه وأغواه، فتأمل: تجد هذا هو الواقع، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والحاصل أن كل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه: فهو من مدلول كلمة الإخلاص، فدلالتها على الدين كله إما مطابقة، وإما تضمنا، وإما التزاما، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى، والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي وإخلاص العبادة لله واتباع أمره على ما شرعه، وقد فسرها ابن مسعود
__________
1 سورة مريم آية: 48.
2 سورة الكهف آية: 16.
3 سورة يس آية: 20: 24.
4 سورة الصافات آية: 35.
5 أبو داود: السنة (4599).
(4/299)

رضي الله عنه "أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله".
وقد أخرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يَدَع ما لا بأس به حَذَرًا مما به بأس"1.
وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} 2: قال أبو بكر الصديق: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، أي لم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه، لا بالحب ولا بالخوف ولا بالرجاء، ولا بالتوكل عليه، بل لا يحبون إلا الله، ولا يحبون إلا لله. اه.*

[جواب الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمن سأله عما يقاتِلون عليه وما يكفِّر به]
وقال شيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: سألني الشريف عما نقاتل عليه وما نُكَفِّر به؟ فقلت في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر. فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع:
الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، وأن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر والبشر الذي هو دين غالب الناس اليوم، أنه الشرك الذي بعث الله رسوله بالنهي عنه، وقتال أهله ليكون الدين كله لله، ولم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك فيه الشرك، فهذا كافر نقاتله؛ لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف دين المشركين فلم يتركه، مع أنه لم يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ولا يزينه.
__________
1 الترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2451) , وابن ماجه: الزهد (4215).
2 سورة الأحقاف آية: 13.
* من "رسالة إلى أصحابه وهو في سجن الإسكندرية" ضمن "مجموع الفتاوى" 28/ 32. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(4/300)

النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكن تبين في سب دين الرسول مع ادعائه أنه عامل به وتبين في مدح من عبد يوسف والأشقر وأبي علي والخضر، وفضلهم على من وحد الله وترك الشرك، فهذا أعظم كفرا من الأول، وفيه قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} 1 الآية. وممن قال الله فيهم: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} 2 الآية.
النوع الثالث: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه وعرف الشرك وتركه، لكن يكره من دخل في التوحيد ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا كافر وفيه قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} 3.
النوع الرابع: من سلِم من هذا كله لكن أهل بلده يصرحون بعداوة التوحيد واتباع أهل الشرك ويسعون في قتالهم، وعذره أنّ ترك وطنه يشق عليه فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بماله ونفسه، فهذا أيضا كافر؛ لأنهم لو أمروه بترك صيام رمضان ولا يمكنه ذلك إلا بفراق وطنه فعل، ولو أمروه أن يتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه مخالفتهم إلا بذلك فعل.
وأما موافقته على الجهاد معهم بماله ونفسه مع أنهم يريدون قطع دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأكبر مما ذكرنا بكثير، فهذا أيضا كافر ممن قال الله فيهم: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ} 4 الآية.
والله -سبحانه وتعالى- أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
__________
1 سورة البقرة آية: 89.
2 سورة التوبة آية: 12.
3 سورة محمد آية: 9.
4 سورة النساء آية: 91.
(4/301)

[إيذاء أهل الباطل لأهل الحق]

فصل:
وهذا شروع في الجواب المشار إليه سابقًا، وقد كنت عزمت أن أتتبع كلامه وأجيب عنه تفصيلا، ثم إنه عرض لي ما يجب أن يكون هو المقصود بالذات مما قدمته حماية لجانب التوحيد والشريعة.
ثم بدا لي أن أقتصر في جواب الرجل لما في الاقتصار من رعاية الصبر والاصطبار؛ لأنا لو أجبناه بكل ما يليق في الجواب لم نسلم من أمثاله ممن ينسج على منواله، كما هو الواقع من أكثر البشر قديما وحديثا مع كل من قام بالحق أو نطق بالصدق. فكل من كان أقوم في دين الله كان أذى الناس إليه أسرع والعداوة له أشد وأفظع. وأفضل خلق الله رسله وقد عالجوا من الناس أشد الأذى، حكمة بالغة. قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} 1 والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدا. ينبئك عن تفصيل هذا ما ذكره الله تعالى في كتابه عن أنبيائه لما دعوا أممهم إلى التوحيد كيف قيل لهم؟ وما خوطبوا به؟
وتأمل ما جرى لخيار هذه الأمة كالخلفاء الراشدين وسادات أصحاب سيد المرسلين من أعدائهم كالرافضة والخوارج ونحوهم، وما جرى لأعيان التابعين ومن بعدهم من أعيان الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي وأمثال هؤلاء ممن لا يمكن حصرهم، ولو ذكرنا جنس ما جرى لهم من الأذى لطال الجواب. والقصد هو الاقتصار، ومن أراد الوقوف على ذلك فعليه بالسيَر والتاريخ ولله درّ أبي تمام حيث يقول:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
وقال أبو الطيب:
وشأن صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابَق معوج بمعتدل؟
__________
1 سورة الفرقان آية: 31.
(4/302)

[الرد على من طعن في الشيخ عبد الرحمن بن حسين]
إذا علمت ذلك، فإن هذا الرجل ذكر عن الشيخ عبد الرحمن بن حسين أنه لا يصلي بهم، ولا يقدم من يهوونه، ولا يقطع خصومة، وعدوه من نظر في كتاب أو نطق بصواب. هذا كلامه فيه. عد هذه الأمور من المثالب.
والبصير إذا تأمل رآها من المناقب؛ لأن المسلم لا يجوز أن يحمل إلا على الخير فيما خفي عذره فيه حتى يتبين ما يرفع الاحتمال. وهذه العيوب الخمسة محتملة لأمور:
(الأول): منها يحتمل أنه فعله تأثما من الصلاة بالناس لعذر خفي يوجب ذلك، فإن الأعذار عن الإمامة كثيرة.
(الثاني): يحتمل نصحه لهم فيختار لهم من يصلح لذلك المقام، ونظره لهم خير من نظرهم لأنفسهم.
(والثالث): فيه التثبت في الفتيا بالنظر والتأمل والمراجعة في كتب الأحكام، وهذا مطلوب من كل مفتٍ لا سيما في هذا الوقت.
(والرابع والخامس): فيه حماية جانب العلم عمن يجهل، ولا يدري أنه يجهل، والمطلوب سد أبواب الاختلاف في أحكام الدين، فإن الله ذمه في كتابه، فإذا حمل مثله على غير ذلك أوقع في اغتياب المسلم، وقد حرمه الله في كتابه، فإن عده المغتاب له نصيحة فقد أحل ما حرمه الله ورسوله، وهو أمر عظيم، وفيه تشيين المسلم بما يحتمل ضد ذلك.
* * *
وأما تحذير هذا الرجل للإمام من أولاد الشيخ كلهم وأنه لا يجوز له أن يصغي إليهم ولا يدين لهم جانبا.
(فالجواب): نعم هذا رأيه للإمام وهو الذي يحبه له ويرضاه، لكن رأي المسلمين خصوصا من ينسب منهم إلى الدين، والحب في الله والبغض فيه، وكذلك العقلاء، يخالفونه في ذلك. وفي نصيحة المسلمين للإمام الحث على طاعة أولئك
(4/303)

والأخذ منهم، وقبول نصيحتهم ورأيهم كما هو الواقع من الإمام.
فلا يخلو إما أن يكون الصواب مع هذا الرجل، وأما أن يكون مع أعيان المسلمين وأهل الدين الذين لهم لسان صدق ومحبة في الناس {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} 1.

[حل جوائز السلطان]
وأما قوله: إن ابن ثنيان يلقمهم الحرام.
(فالجواب): أن يقال: وهل شاهدت ذلك وعرفت أن ما أعطاهم حرام بعينه، أو رأى ذلك من يوثق بخبره؟ هذا أمر لا يقدر هو ولا غيره أن يثبت ذلك لكنه كما قيل:
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
والذي يأخذون منه ومن غيره من الأئمة هو مما أفاء الله على المسلمين المسمى بيت المال أو من الزكاة ونحوها، وهذا لا يقول أحد من العلماء أنه حرام. والذي نص عليه الفقهاء من أهل الحديث وغيرهم أنه يجوز الأخذ لمن يستحقه ما لم يعلم أنه حرام بعينه، ذكره ابن رجب عن الزهري ومكحول، قال: ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام، ما لم يعلم أنه حرام بعينه.
قال: وروي في ذلك آثار كثيرة عن السلف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام كله.
قال: وروى الحارث عن علي رضي الله عنه أنه قال -في جوائز السلطان-: لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام، وقال ابن مسعود: إنما الهناء لكم والوِزر عليهم.
وذكر في المغني أن الحسن البصري أخذ جائزة عمرو بن هبيرة وردها ابن سيرين، فعتب الحسن عليه ذلك. ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: جوائز السلطان
__________
1 سورة البقرة آية: 220.
(4/304)

أحب إليّ من الصدقة. يعني أن الصدقة أوساخ الناس صين عنها آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصانوا عن جوائز السلطان.
وذكر عنه أيضا أنه احتج بأن جماعة من الصحابة تنْزهوا عن مال السلطان، منهم حذيفة وأبو عبيدة ومعاذ وأبو هريرة وابن عمر، قال: ولم يرَ أبو عبد الله ذلك حراما، فإنه سئل فقيل له: مال السلطان حرام؟ قال: لا. وفي رواية قال: ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم حق، فكيف أقول سحت؟ وقد كان الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكثير من الصحابة يقبلون جوائز معاوية.
قال: ولأن جوائز السلطان لها وجه في الإباحة والتحليل، فإن لها جهات كثيرة من الفيء والصدقة وغيرهما اه.

[أخذ العلماء أرزاقهم من بيت المال]
(قلت): وما زال العلماء في كل عصر يأخذون أرزاقهم من بيت المال ولم ينكر ذلك أحد من أهل الورع ولا غيرهم، ويرونه حلالا.
أما أولئك الظلمة الذين جاروا على أهل نجد بغيا وعدوانا، فلا ريب أن ما أخذوه كله ظلم؛ لأنهم إنما جاؤوا بالباطل والظلم والعدوان، فلا يسوغ لهم أخذ شيء مما أباح الله لولاة أهل الإسلام أخذه من زكاة وفيء أو غير ذلك، فما أخذه أولئك ظلم بحت. فلينظر في حال هذا الطاعن على أهل العلم وأمثاله، فإن كانوا قد كرهوا ما أخذه هؤلاء المسرفون المعتدون ولم يقبلوا شيئا منه ولم يبق إلا أنهم جهلوا حكم أموال الفيء، فالمصيبة أهون.
وأما إذا كانوا أخذوا من أولئك من تلك الأموال على الوجه الذي ذكرناه، فالمصيبة أعظم، وذلك أنهم حرموا على علماء المسلمين أن يأخذوا ما حل لهم، ويأخذونه من أولئك ويأكلونه حراما صرفا من غير تأويل.
وعلى كل حال؛ فإنهم لما رأوا هؤلاء الأشياخ من أقرب الناس دعوة إلى التوحيد وإرشادًا إلى طاعة ربهم واتباع نبيهم، فتوصل شرار أهل نجد بمسبتهم إلى مسبة
(4/305)

الدين لمخالفته أهواءهم، ولا ريب أن هذا تحته كل عيب، ويستدل به العارف على أنه إنما صدر منهم عن شك في حقيقة الإسلام وريب.

[الوهابية لا يكفرون إلا بما أجمع العلماء على أنه كفر]
ثم إن هذا المعترض قال في سبابه لأهل العلم المشار إليهم سابقا: إنهم نظروا إلى سد باب القبلة ومصر ولم ينظروا إلى أبواب السماء. يشير إلى أنهم وسعوا للمتولي أمرهم في مداهنة تلك الجهات.
(فالجواب): إنه لا يخلو إما أن يكون هذا الرجل من أشد الناس غباوة وأجهلهم بأحوال الناس، ولا معرفة له بالواقع أصلا، وإما أنه تعمد الكذب والتشيين لأولئك الأئمة وهو يعرف أنه قد كذب عليهم وافترى، فإن من المعلوم من طريقتهم ورأيهم ونصحهم أنهم لا يجوزون المداهنة في الدين، ولا يرضون ذلك من كبير ولا صغير.
ولهذا صار الأعداء يطعنون عليهم بذلك عند مبغضيهم ويقولون: إنهم يكفّرونكم، وحقيقة أمرهم أنهم لا يكفّرون أحدا إلا بعمل صرح القرآن بتكفير فاعله، ولا يقولون على شخص بعينه إنه كافر ولا على جماعة إنهم كفار إلا إذا ارتكبوا أعمالا من المكفّرات وثبت ذلك بطريق من طرق العلم، إما مشاهدة أو سماعا أو تواترا. وقد تقدم عن شيخنا إمام الدعوة الإسلامية أنه قال في جوابه للشريف: إنا لا نكفر إلا بما أجمع العلماء عليه أنه كُفر.
وعلى هذا فيقال لهذا الرجل: إذا كان هذا الذي تنسبه إليهم من مداهنة أهل القبلة ومصر عيبا يعاب به من فعله، فأنت ممن داهنهم وأطاعهم وتابعهم وخدمهم، فهلا عبت على نفسك هذا الذي اعترفت بأنه عيب كبير؟ وما مثلك إلا كما قيل في المثل: رمتني بدائها وانسلت.
فيقال لإمام المسلمين -أعزه الله بالدين-: تأمل ما ذكره الله في كتابه المبين، واتبِعه، فإن هذا هو الواجب على كل أحد، لا سيما من ولاه الله أمر الناس، فإن الله
(4/306)

افترض عليه أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا صلاح لهم بدون ذلك أصلا، علما وعملا. وعليه أن يصلح نفسه بما يرضي الله من إقامة دينه وأن لا يخاف في الله لومة لائم، وأن يحب في الله ويبغض فيه ويوالي لله ويعادي فيه، وأن يميز الناس بتمييز الله، فإن الله ميز أولياءه من أعدائه.
ولا شك أن هذا من فرائض التوحيد، وليكن على حذر من الناس وأهوائهم؛ فإنهم لا يرضون إلا بمتابعة أهوائهم، وقد قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} 1.
واعتبِرْ بما جرى من أكثر الناس من أنواع الشرك والظلم والفساد كما قد جرى فيما مضى، كما ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- حيث يقول:
ولقد رأينا من فريق يدعي ال ... إسلام شركا ظاهر التبيان
جعلوا له شركاء والوهم وسا ... ووهم به في الحب لا السلطان
والله ما ساووهمو بالله بل ... زادوا لهم حبًّا بلا كتمان

[فشو الشرك بالدعاء والاستغاثة بغير الله]
وهذا وأمثاله هو الواقع في هذه الأزمنة، يعرفه من تدبر القرآن وفهم أدلة التوحيد، فلقد كثر هذا الشرك بنوعيه من دعوة غير الله والاستغاثة به وتعظيمه والحلف به، حتى إن بعض الجهال يستنكفون من قول القائل: محمد عبد الله ورسوله فينكرون قوله: عبد الله. ولا ريب أن الله -تبارك وتعالى- شرفه بعبوديته له الخاصة والرسالة.
وأما أهل الإسلام على الحقيقة والإيمان فيخلصون إرادتهم وأعمالهم لله -تعالى- وحده دون من سواه، فلا يدعون ولا يرجون ولا يستغيثون ولا يتوكلون ولا يتقربون بنوع من أنواع العبادة إلا إلى ربهم ومليكهم وخالقهم والقائم عليهم والمتصرف فيهم بمشيئته وإرادته، ويعملون بما شرعه لهم في كتابه، وسنه لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم من شريعته، معتصمون
__________
1 سورة الجاثية آية:18، 19.
(4/307)

بحبل الله متعاونون على طاعة الله.
فاعرف كلا من الفريقين بشواهد الأحوال والأعمال، واستشهد على كل من الفريقين بصريح القرآن وصحيح الأخبار، واستدع بكتب العلماء المحققين العدول الأخيار، فإن البهرج لا يميزه إلا أولو البصائر والاستبصار؛ ومن لم يميز الناس بتمييز الله لهم عظمت مصيبته ودامت حسرته.

[امتحان الله الناس في الفتن للتمييز بينهم]
فإن الله -وله الحمد- أجرى العادة بمقتضى الحكمة البالغة أن يبتلي عباده بوقوع الفتن ليميز الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق، بما يضمرونه ويظهرونه من ترك طاعته والعمل بمعصيته، ومن هو بخلاف ذلك {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} 1. قال الله تعالى:? {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} 2 إلى قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} 3 - إلى آخر السياق-.
وقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} 4. وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} 5.
وقد بلا الله أخبار الناس بما جرى في هذه الأعوام وميز بها من قاتل أهل الإسلام وسبهم، ممن والاهم وأحبهم، والله يعلم أنا لم نرد بهذا تشيين أحد أو عداوته، ولكنا تأثمنا من كتمان العلم، ورغبنا في إرشاد العباد إلى طاعة ربهم ومعبودهم، لما ابتُلينا بأناس من أهل نجد يقولون على الله بلا علم، ويتكلمون في أشياء من غير رواية ولا فهم.
فكان الواجب على من منحه الله علما أن ينشر منه ما تيسر وقت الاحتياج إليه، وخصوصا في هذه الأزمنة لما قل العلم وكثر الجهل وغلبت الأهواء اشتغل الناس فيه بمحبة دنياهم، وإيثارها على طاعة مولاهم والعمل لأخراهم.
__________
1 سورة النجم آية: 31.
2 سورة العنكبوت آية: 1: 3.
3 سورة العنكبوت آية: 10.
4 سورة آل عمران آية: 179.
5 سورة التوبة آية: 16.
(4/308)

والله تعالى هو المرجو المسؤول أن يرفع عنا وعن المسلمين العقوبة، وأن يكتب لنا المثوبة بتحري رضاه، وأن يوفقنا للاستقامة على طاعته وتقواه، وأن يحقق لنا وإخواننا ما طلبناه ورجوناه إنه هو البر الرحيم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

[دعاء النبي للمؤمنين الذين عجزوا عن الهجرة معه]
واعلم أن هذا الرجل وأمثاله لما امتلأت قلوبهم بالعداوة والبغض وظهرت على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم، وأتَوا بكل بلية ورمية -كما تقدم- طمعوا فيما هو أعظم من ذلك، وأكبر ضررا مما هنالك. فأوردوا على الجهال شبهات تحسينا لما قد فعلوه، وتزيينا لسبيلهم الذي سلكوه.
والعارف إذا نظر إليها علم أنهم قد أقروا على أنفسهم وعلى الذين والوهم وآووهم بما قد لا يصرح به غيرهم فيهم ابتداء فمن ذلك قول بعضهم: إن الله تعالى يقول: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} 1 الآية.
يشير إلى أنه معذور بإقامته مع هؤلاء كما عذر من أقام من المؤمنين بمكة مع المشركين، فيقال له (أولا): إن هؤلاء الذين سماهم الله مؤمنين لم يظاهروا على المؤمنين مشركا ولا منافقا ولا باغيا ولا ظالما ولا سبوا مؤمنا ولا عادوه.
ومنهم من قيده أهله بمكة ومنعوه من الهجرة كأبي جندل بن سهيل. فإنه خرج يوم الحديبية من مكة يرسف بقيوده، فلو أن أحدا منهم سب المسلمين أو عابهم أو أعان عدوهم انتقض إسلامه بلا ريب، لكن الله تعالى حفظهم من هذه الأمور وعذرهم باستضعافهم وعجزهم، ولهذا ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو لهم في الفريضة، كما أخرج البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: "ربنا ولك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش
__________
1 سورة الفتح آية: 25.
(4/309)

ابن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين"1.
وقوله: والمستضعفين من المؤمنين هو من عطف العام على الخاص بلا ريب، ومن المحال أن يسميهم الله ورسوله مؤمنين، وقد وقع منهم ما ينافي الإيمان قال الله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} 2، فعلم من هذه الآية أن أولئك المستضعفين من المؤمنين لما كانوا بمكة مع قريش أنهم لم يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين ولم يطمعوا منهم بموادة ولا ركون، وحاشاهم من ذلك، فلهذا وصفهم الله بالإيمان وقد أخبر تعالى أن الإيمان ينتفي بموالاة أعدائه كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} 3.

[الظالمون لأنفسهم بترك الهجرة وحالهم عند الموت]
قال بعض المفسرين -في الآية الأولى-: من الممتنع أن تجد قوما من المؤمنين يوادّون من حاد الله ورسوله. ويقال أيضا: إن الله تعالى بيّن حال الذين عذرهم عن الهجرة وميزهم بالوصف ممن لم يعذرهم فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} 4 قال في شرح البخاري: والسؤال للتوبيخ، أي: لِمَ تركتم الجهاد والهجرة والنصرة؟ {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} 5.
وروى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن الأسود قال: "قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيني عكرمة فأخبرته، فنهاني أشد النهي وقال: أخبرني ابن عباس أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين يأتي السهم فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه فيقتله، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً} 6 الآيتين".
__________
1 البخاري: تفسير القرآن (4560) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (675) , وأبو داود: الصلاة (1442) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1244) , وأحمد (2/ 239 ,2/ 255 ,2/ 396 ,2/ 407 ,2/ 418 ,2/ 470 ,2/ 502 ,2/ 521) , والدارمي: الصلاة (1595).
2 سورة المجادلة آية: 22.
3 سورة المائدة آية: 81.
4 سورة النساء آية: 97.
5 سورة النساء آية: 97.
6 سورة النساء آية: 97.
(4/310)

فتأمل كيف ترتب عليهم هذا الوعيد وأوجب لهم النار؟ وقد ورد أنهم كانوا مكرهين على تكثير سواد المشركين فقط، فكيف بمن كثر سوادهم بغير إكراه وأعان وظاهر، وقال وفعل من غير استضعاف ولا إكراه؟ أترى بقي مع هذا شيء من الإيمان والحالة هذه؟

[وعيد من ترك الهجرة إلا المستضعفين]
ثم إن الله تعالى بين في هذه الآية من خرج من هذا الوعيد بأوصاف لا تخفى على البليد فقال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} 1، فذكر أنهم الذين {لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} 2، وهم العاجزون عن الهجرة من كل وجه، وهؤلاء هم الذين دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتقدم، بخلاف من لم يعجز عن الهجرة، بل اختارهم ورغب إليهم وسكن إليهم ووافقهم وتأيد بهم واستنصر مثل عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة الليثي وأمثالهما مما تزين له الباطل، كجبلة بن الأيهم الغساني، وأمثال هؤلاء كثيرون. نسأل الله الثبات على الإسلام والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.
والأمر الثاني: استدلالهم على جواز الإقامة مع المشركين أو تركهم الهجرة؛ لأن الصحابة هاجروا إلى الحبشة وفيها نصارى.
فيقال: (أولا): لا يجوز عند من له أدنى معرفة أن يستدل على ترك الهجرة بأن الصحابة هاجروا، وكيف يجوز في عقل من له أدنى مسكة من عقل أن يستدل لترك شيء بأن ذلك الشيء الذي تركه قد فعله غيره؟
وقد عرفت أن الله سجل على من ترك الهجرة بالوعيد الشديد وبرئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثنى على من هاجر، ووعدهم على الهجرة بخيري الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} 3. وقال: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ
__________
1 سورة النساء آية:98: 99.
2 سورة النساء آية: 98.
3 سورة النحل آية: 41.
(4/311)

دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} 1، وأي جهل أعظم من جهل من يسوي بين حسنات المقربين الأبرار، وسيئات العصاة الأشرار؟ {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} 2.

[هجرة الصحابة إلى الحبشة وإكرام النجاشي لهم]
وهذا سياق قصة مهاجرة الحبشة. قال أبو نعيم في منتقاه من سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: حدثنا محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار -النجاشي-، أمِنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جَلْدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة.
وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدّما إلى النجاشي هداياه، ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدِما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار ... إلى أن قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب. وقال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك
__________
1 سورة آل عمران آية: 195.
2 سورة السجدة آية: 18.
(4/312)

به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا وعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل من الخبائث ما حرم الله علينا. فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال جعفر: نعم، فقال له النجاشي: اقرأه علي، فقرأ عليه صدرًا من {كهيعص} قالت: فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى لَيخرج من مِشكاة واحدة، انطلقا فلا -والله- لا أسلمهم إليكم ولا أكاد" ثم ساقت القصة.
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رُومان عن عروة عن عائشة قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث: أنه لا يزال على قبره نور. انتهى.
(قلت): وقد أنزل الله في النجاشي وأصحابه آيات في سورة المائدة من قوله: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} 1 إلى قوله: {وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} 23.
وكل من له أدنى معرفة لا يفهم من هذه القصة إلا أنها حجة عظيمة على الهجرة الواجبة من وجوه لا تخفى على البليد، اللهم إلا من ابتلي بسوء الفهم وفساد التصور وكابر العقل والشرع فلا حيلة فيه، يا ربنا نسألك الثبات على الإسلام.

[حال المسلم الذي يقيم بين المشركين المعادين للإسلام]
وأورد أيضا حديث: "أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما"4، والحجة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه مسلما، فيفيدان إقامته بين أظهر المشركين لا تخرجه عن الإسلام.
__________
1 سورة المائدة آية: 82.
2 سورة المائدة آية: 82.
3 الغاية التي ذكرها سهو فإن الآيات الثلاث التي بعدها فيهم أيضا.
4 الترمذي: السير (1604) , وأبو داود: الجهاد (2645).
(4/313)

(فالجواب): أن براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن جلس بين ظهرانيهم إنما كان عقوبة له على مجرد الإقامة بين أظهرهم. وأما إيواؤهم ونقض العهد لهم ومظاهرتهم ومعاونتهم والاستبشار بنصرهم وموالاة وليهم ومعاداة عدوهم من أهل الإسلام، فكل هذه الأمور زائدة على مجرد الإقامة بين أظهرهم، وكل عمل من هذه الأعمال قد توعّد الله عليه بالعذاب والخلود فيه وسلب الإيمان، وحلول السخط به وغير ذلك مما هو مضمون الآيات المحكمات التي قد تقدمت، وكل ذنب من هذه الذنوب له عقوبة تخصه، كلما ازداد منه زاد الله له في العقوبة.
فإن لم يؤمن بتلك الآيات المحكمات ويعترف بصدور تلك الأعمال منه فما أشبه حاله بحال من قال الله فيهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} 1.
واعلم أن هؤلاء المشركين لا يرضون من هذا وأمثاله بمجرد الموالاة والنصرة دون عبادتهم وتسويتهم لهم بالله في التعظيم والإجلال والتودد إليهم. فمن ذلك الانحناء لهم والإشارة باليد إلى أشرف أعضاء السجود وهو الجبهة والأنف.
وكل ذلك من خصائص الإلهية، وذلك أمر لا محيد لهم عنه، كما قال تعالى عن أهل الكهف: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} 2. ولهذا لم يجدوا من مفارقتهم بُدا، حتى ذهبوا إلى غار في رأس جبل خوفا من ذهاب دينهم فآثروا الله على كل ما سواه.
قال شيخنا -في هذه القصة-: فيه اعتزال أهل الشرك واعتزال معبوداتهم وقوله: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} 3 فيه شدة صلابتهم في دينهم حيث عزموا على ترك الرياسة الكبرى والنعمة العظيمة واستبدلوا بها كهفا في رأس جبل.
(قلت): ومثل ذلك ما ذكره الله عن سحرة فرعون لما استنارت قلوبهم
__________
1 سورة البقرة آية: 85.
2 سورة الكهف آية: 20.
3 سورة الكهف آية: 10.
(4/314)

بالإيمان قالوا لفرعون لعنه الله: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} 1.
واعلم أن حقيقة حال هؤلاء المشبهة أن الله تعالى أمر بقتال المشركين فقاتلوا معهم، وأمرهم بالبعد عنهم فآووهم وقربوا منهم، وأمر بمعاداتهم فوالوهم، وأمرهم ببغضهم فوادوهم، وأمرهم بأن ينصروا أهل الإسلام فاستنصروا بالكفرة عليهم، ونهوا عن مداهنتهم فداهنوهم.
ونهاهم عن كتمان ما أنزل الله من هذا وغيره فكتموه وشبهوا كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 2. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} 3 الآية. فجمعوا بين الكتمان والرد على من بين ولم يكتم، والتشبيه والجدال بالباطل، فتركوا ما أوجب الله عليهم وارتكبوا ما حرم عليهم. وهذا ظاهر جدا لا يرتاب فيه من له أدنى معرفة بالناس وما وقع منهم، فلا يأمنهم ويقربهم بعد هذه العظائم إلا من سفه نفسه.

[شبهة استئجار أبي بكر لعبد الله بن أريقط، والرد عليها]
ولهم شبهة أخرى، وهي أن أبا بكر استأجر عبد الله بن أريقط في طريق الهجرة إلى المدينة وكان هاديا خِرِّيتا يدلهم على الطريق، فأحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبته؛ فتكون صحبة العسكر وإعانتهم على المسلمين ونصرتهم لا بأس بها.
فيقال: (أولا): قد ذكرت في الشبهة التي قبل هذه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين"4 وهذا يناقض ما استدللت به هنا، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتبرأ من صاحب عمل وهو يفعله، ومثل هذا قوله: "من جامع المشرك أو ساكنه فهو مثله"5. والآيات المحكمات صريحة في التحذير من موالاتهم ناطقة بالوعيد الشديد على موادتهم ونصرتهم.
إذا عرف هذا فالفرق بين الدليل والمدعى أبعد مما بين المشرق والمغرب
__________
1 سورة طه آية: 72.
2 سورة البقرة آية: 174.
3 سورة البقرة آية: 174.
4 الترمذي: السير (1604) , وأبو داود: الجهاد (2645).
5 أبو داود: الجهاد (2787).
(4/315)

وذلك أن ابن أريقط أعان رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبر البر بعد الإسلام، وأفرض الفرائض بعد الإيمان، وسعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مصالحه التي يتوصل بها إلى رضاء مولاه، ومراغمة أعدائه.
ولا ريب أن هذا لو صدر من ابن أريقط بنية لكان من أفضل الأعمال، فإذا أسلم كتب له ذلك من أفضل حسناته على حديث حكيم: "أسلمت على ما أسلفت من خير"، بخلاف من آوى المشركين ورضي بهم بدلا من المسلمين وأعانهم، واستنصر بهم وفرح بنصرهم وظهورهم، ودعا الناس إلى متابعتهم.
فالفرق بين الفعلين كالفرق بين فعل أبي طالب من النصرة والحياطة والحماية، وفعل أبي جهل وعقبة بن أبي مُعيط والنضر بن الحارث، فلو أسلم أبو طالب لكان فعله من أعظم القربات، وفعل أبي جهل وأمثاله من أعظم الكفر الموصل إلى الدركات في العذاب وحلول المثُلات، فأين من أعان الباطل ووادّ أهله ونصرهم وظاهَرهم ممن أعان المسلمين وسعى في مصالحهم وراغم عدوهم؟
سارت مشرقّة وسرت مغرّبا ... شتان بين مشرّق ومغرّب
فابن أُريقط فعل خيرا جره إلى الإسلام كما جر سراقة بن مالك، وقد فعل من النصيحة في حال كفره ما يحمد به باطنا وظاهرا، بخلاف من والى المشركين ونصح لهم فإنه قد وقع في الوعيد والسخط والمقت وفساد الدين، ومفارقة المؤمنين، والله أعلم بما يؤول إليه حال أعيان أولئك الضُلَّال، لكنه يخشى عليهم أن يصيبهم مثل ما قصه الله في شأن بلعام، وكذلك أهل مسجد الضرار، وقد كانوا قبل ذلك في عداد الأنصار. فيا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على الإيمان.
ولا ريب أن عدول هذا المستدل عن الآيات المحكمات وصحيح الأخبار ترك للمحكم واتباع للمتشابه، وقد قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ
(4/316)

مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} 1 الآية. وعن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعا "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم"2.
وحاصل ما قدمنا من الجواب على ما أورده المشبه هنا يتضمن خمسة أوجه:
(الأول): أن ابن أريقط أجير ومن شأن الأجير أن يخدم المستأجر؛ لأنه ملك منافعه بعقد الإجارة، والأجير تحت المستأجر.
(الوجه الثاني): أن ذلك مستأجر في مصلحة دينية هي من أكبر مصالح الدين، فإعانته للمسلم وقت الحاجة إليه لا محذور فيها لكونها مصلحة محض، فكيف يجوز أن يستدل بذلك على ما هو أعظم المفاسد في الدين من موالاة المشركين وإعانتهم على باطلهم والصد عن سبيل الله؟
شتان بين الحالتين فمن يرد ... جمعا فما الضدان يجتمعان
(الوجه الثالث): أن استئجار الكافر للمصلحة نظير استرقاق الكافر، وذلك جائز بخلاف العكس، فإنه لا يجوز؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وهذا المشبه كأمثاله صاروا لأهل مصر 3 كالمماليك في طاعتهم، ومتابعتهم، وإعانتهم اختيارا منهم لا اضطرارا.
(الوجه الرابع): أن ما فعله ابن أريقط لا يعاب عليه عقلا ولا شرعا بل قد يثاب عليه في حال كفره في الدنيا، وربما صار سببا لإسلامه لقربه من الإسلام بإعانة أهله على طاعة ربهم، بخلاف من أعان على معصية الله والصد عن سبيله، فأين من كان مع أهل الحق ممن كان مع عدوهم؟ وهل سمعت بتفاوت أعظم من هذا التفاوت؟
والله ما اجتمعا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان
__________
1 سورة آل عمران آية: 7.
2 البخاري: تفسير القرآن (4547) , ومسلم: العلم (2665) , والترمذي: تفسير القرآن (2994) , وأبو داود: السنة (4598) , وأحمد (6/ 124 ,6/ 256) , والدارمي: المقدمة (145).
3 المراد من أهل مصر الجنود الذين قاتلوا جماعة المؤلف وكانوا من شعوب مختلفة وأصل الكلام في الذين ساعدوهم من أهل الحجاز وغيرهم.
(4/317)

(الوجه الخامس): أن ما فعله ابن أريقط يغيظ كفار قريش، وإغاظة الكفار يحبها الله تعالى، بخلاف من يفعل معهم ما يسرهم ويغيظ عدوهم من المؤمنين، فأين هذا من هذا لو كانوا يعلمون؟
والبصير يعلم أن هذا التشبيه من هؤلاء على العوام صد لهم عن سبيل الله، وأنه من آثار عقوبة تلك الأعمال.
اللهم إنا نعوذ بك أن نفتن عن ديننا، وأن نرد على أعقابنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما.

وهذا آخر ما تيسر جمعه، والله أسأل أن يعمم بنفعه
أملاه وجمعه الفقير إلى الله تعالى عبده عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
وكتبه الفقير إلى الله عبده علي بن عبد الله البواردي
وذلك في سنة 1261 من هجرته صلى الله عليه وسلم
وكتبه من قلم كاتبه حرفا بحرف عبده الفقير إليه عبد الله بن إبراهيم الربيعي
وذلك في 25 صفر سنة 1346 وصلى الله على محمد
وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا
آمين
(4/318)

كتاب
بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري عبد المحمود
تأليف
شيخنا وإمامنا، ناصر السنة، وقامع البدعة
الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
أجزل الله لهم الأجر والثواب آمين

من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
وقد وقفه على من ينتفع به من أهل العلم والدين
لا يحل لمن وقع بيده بيعه
(4/319)

قال الشيخ الإمام شيخ الإسلام عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى- آمين -ورضي عنهم-:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثل ولا معين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واجعلهم شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، فاقبلها منهم وأتمها عليهم. اللهم انصر دينك وكتابك ورسولك وعبادك المؤمنين. اللهم أظهِر دينك دين الهدى، ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم على الدين كله.
اللهم عذب الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيلك، ويبدلون دينك، ويعادون عبادك المؤمنين، اللهم خالف بين كلمتهم، وشتت بين قلوبهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، وأدر عليهم دائرة السوء، اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم منَزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلهم وانصرنا عليهم، اللهم أعنا ولا تعن علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغي علينا. اللهم اجعلنا شاكرين
(4/320)

ذاكرين مطاويع إليك مخبتين، أواهين منيبين، اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا واهد قلوبنا وثبت حجتنا، واسلل سخيمة صدورنا يا رب العالمين.
(أما بعد): فاعلموا معشر الإخوان أن الله تعالى أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وعرفهم ما خلقوا له من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله، والرغبة عن عبادة غيره والبراءة منها والكفر بالطاغوت -وهو الشيطان- وما زينه من عبادة الأوثان.
فدعا قريشا والعرب إلى أن يقولوا لا إله إلا الله لما دلت عليه من بطلان عبادة كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة لله وحده دون كل ما سواه. وهذا هو التوحيد الذي خلق الله الخلق لأجله، وأرسل الرسل لأجله، وأنزل الكتب لأجله.
وهو أساس الإيمان والإسلام ورأسه، وهو الدين الحق الذي لا يقبل الله من عبد دينا سواه. قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 1 أي: يوحدون، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} 2، وهذه الآية تفسر الآية قبلها.
وتبين أن المراد بالعبادة التوحيد، وأن يكون سبحانه وتعالى هو المعبود وحده دون كل ما سواه، والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد وبيانه، وبين ذلك قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} 3.

[دعوة الرسل كلهم إخلاص العبادة لله وحده]
والرسل عليهم الصلاة والسلام افتتحوا دعوتهم لقومهم بهذا التوحيد {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 4. وقال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا، إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ
__________
1 سورة الذاريات آية: 56.
2 سورة الإسراء آية: 23.
3 سورة يوسف آية: 40.
4 سورة المؤمنون آية: 32.
(4/321)

كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} 1. وقوله: {فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} 2 يعني قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب مدين والمؤتفكات، وهم قوم لوط، وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} 3.
وكل رسول يدعو قومه إلى أن يخلعوا عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله ويخلصوا أعمالهم كلها عن الأصنام والأوثان التي اتخذوها وجعلوها أندادا لله بعبادتهم، كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} 4.
وهذا هو معنى لا إله إلا الله لا يشك في هذا مسلم كما قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 5، فأجابوه بقولهم: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ، وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ، وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ، قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ، وَاشْهَدُوا، أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} 6.
وهذا هو المنفي في كلمة الإخلاص {أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ} 7 كما قال تعالى مخبرا عن جميع رسله أنهم قالوا لقومهم: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 8.
والإيمان بالله وحده هو البراءة مما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان وإخلاص العبادة لله وحده؛ لا يرتاب في هذا مسلم.
فمن شك في أن هذا هو معنى لا إله إلا الله فليس معه من الإسلام ما يزن حبة خردل.
والقرآن أفصح عن معنى لا إله إلا الله في آيات كثيرة يطول الكتاب بذكرها، ويأتي بعضها إن شاء الله في هذا الجواب.
وأنتم معشر المخاطبين بهذا قد تقرر عند من له علم فيكم حتى العامة من أكثر
__________
1 سورة العنكبوت آية:16: 18.
2 سورة العنكبوت آية: 18.
3 سورة النحل آية: 36.
4 سورة يس آية: 74.
5 سورة الأعراف آية: 65.
6 سورة هود آية: 53.
7 سورة هود آية: 54.
8 سورة الممتحنة آية: 4.
(4/322)

من مائة وثلاثين سنة أن هذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، فما بال أناس يرغبون عما عرفوه وعُرفوه من كتاب الله وسنة رسوله إلى طلب العلم ممن لم يعرف هذا التوحيد ولا نشأ في تعلمه ولا عرفه، كما هو ظاهر في كلامه؟ يعرف من له عقل وبصيرة أنه لا يتكلم به إلا من لم يعرف ما بعث الله به المرسلين من توحيد رب العالمين.
وقد علمتم معشر الموحدين ما حال بين كثير من الناس وبين معرفة التوحيد من العوائد الشركية والشبهات الخيالية لما افترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة. فلقد عظمت نعمة الإسلام على من عرفها وقبلها وأحبها وصار مستيقنا بها قلبه، مخلصا صادقا، ورزق الثبات والاستقامة على ذلك، فيا لها من نعمة ما أعظمها وموهبة ما أجملها! نعوذ بالله أن يصدف عنها صادف أو يصرف عنها صارف، ونعوذ بالله من مُضلّات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
فاتقوا الله عباد الله وارغبوا فيما كنتم فيه من نعمة الإسلام والإيمان، وجددوا وجدوا واجتهدوا في معرفته على الحقيقة بأدلته وبراهينه التي نصبها عليه رب العالمين في كتابه المبين، وبينها لكم نبيه الصادق المصدوق الأمين، -صلوات الله وسلامه عليه وعلى من اتبعه إلى يوم الدين-.

[ورقة في معنى كلمة التوحيد لكاتب مجهول]
ثم إنه قد تكلم غريب في معنى لا إله إلا الله لا يعرف ما هو ولا ممن هو؟ وكتب في ذلك ورقة تبين فيها من الجهل والضلال ما سنذكره لكم حذرًا وتحذيرًا وإعذارًا وتعذيرًا، والقلوب بين أصابع الرحمن، نسأل الله الثبات على الإسلام والإيمان.
ذكر ما في الورقة: قال: الحمد لله المتوحد بجميع الجهات.
(الجواب) وبالله التوفيق: لا يخفى على من له ذوق وممارسة ومعرفة بمذاهب المبتدعة أن هذا لفظ لا معنى له إلا على قول أهل الحلول من الجهمية ومن تابعهم؛ فإنهم يقولون: إن الله تعالى حالّ في جميع الجهات وفي كل مكان، ويجحدون ما تقرر
(4/323)

في القرآن من علو الله على جميع خلقه واستوائه على عرشه {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} 1. وهذا الرجل إنما تكلم بألسنتهم، فهذا محصوله من العلم الذي ادعاه قد ظهر واستبان على صفحات وجهه، وفلتات اللسان.
وأهل السنة ينكرون هذه الألفاظ، ويشيرون إلى ما فيها من دسائس أهل البدع أسوة أمثال هذا من الفلاسفة وأهل الوحدة وغيرهم ممن لم يستضئ بنور العلم، ولم يلجأ إلى ركن وثيق، فلا تنظر إلى منظر الرجل وانظر إلى مخبره.

[غلط كثير من الطوائف في مسمى التوحيد]
وقد غلط أكثر الفرق الثلاث والسبعين في مسمى التوحيد، وكل فرقة لها توحيد تعتقد أنه هو الصواب حتى الأشاعرة القائلين بأن معنى الإله: الغني عما سواه، المفتقر إليه ما عداه 2، ويقولون أنهم أهل السنة وهيهات هيهات، ولم يصبر منها على الحق إلا فرقة واحدة وهم الذين عرفوا التوحيد على الحقيقة من الآيات المحكمات وصحيح السنة. جعلنا الله وإياكم من الفرق الناجية.
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى هذا المعنى فقال: "وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة".* وهذا يفيد الحذر من مخالطة كل من لا يعرف دينه، وقد كان بعض العلماء إذا دخل عليه مبتدع جعل أصبعيه في أذنيه حتى يفارقه حذرًا من أن يلقي إليه كلمة تفتنه.
فارجعوا رحمكم الله إلى صريح القرآن فإنه حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو النور كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 3.
__________
1 سورة الإسراء آية: 43.
2 هذه العبارة هي التي بنى عليها السنوسي عقيدته الصغرى المشهورة وزعم أنها معنى كلمة التوحيد واستنبط الصفات السلبية والثبوتية منها وما هي إلا من لوازمها، وما كل الأشعرية يقول بأنها معناها.
* كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" 2/ 385. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
3 سورة المائدة آية: 15، 16.
(4/324)

[الرد على تفسير الورقة لكلمة إله]
ثم إن هذا قال في ورقته: اعلم أن الإله هو المعبود فقط غير مقيد بقيد الحقيقة والبطلان إذ اشتقاقه من ألهه، إذا عبده، يوجب اتحاده معه في المعنى لعدم وجوده بدونه، إذ الاشتقاق وجود التناسب في اللفظ والمعنى.
(فالجواب): أن نقول: سبحان الله، كيف يشكل على من له أدنى مسكة من عقل ما في هذا القول من الكذب والضلال والإلحاد والمحال؟ فلقد صادم الكتاب والسنة والفطر والعقول واللغة والعرف.
أما مصادمته الكتاب والسنة فإن الله تعالى يقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} 1 في عدة مواضع من الكتاب والسنة، فالله تعالى الحق وعبادته وحده هي الحق أزلا وأبدا، وما يدعى من دونه هو الباطل قبل وضع اللغات وبعدها، وهذا لا يمتري فيه مسلم أصلا.
وأما مصادمته للعقل: فإن كلّ مألوه معبود ولا بد أن يكون حقا أو باطلا، فإن كان هو الله فهو الحق سبحانه كما في حديث الاستفتاح الذي رواه البخاري وغيره: "ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق"2. وإن كان المعبود غيره فهو باطل بنص القرآن. والقرآن كله يدل على أن الله هو الحق وأن ما يدعى من دونه فهو باطل.
وأما مخالفته للفطر: فباتفاق الناس على ما دل عليه الكتاب والسنة والمعقول، حتى أهل البدع من كل طائفة لا يقول بهذا القول الذي قاله هذا أحد منهم، لكن كل طائفة تدعي أنها أسعد من غيرها بالدليل، على ما في أدلة كل طائفة من التحريف والتأويل.
وأما مخالفته للغة: فلا ريب أن الواضع وضَع الألفاظ بإزاء معانيها، فكل لفظ وضع لمدلوله الذي وضع له لأجل الدلالة عليه، والواضع وضع الألفاظ دالة على معانيها، فاللفظ دال والمعنى مدلوله، يعرف هذا كل من له أدنى مسكة من عقل. وكل ما ذكرناه لا نزاع فيه ولا يعرف أن أحدا قال بخلاف ما ذكرنا.
__________
1 سورة الحج آية: 62.
2 البخاري: الجمعة (1120) , ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (769) , والترمذي: الدعوات (3418) , والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1619) , وأبو داود: الصلاة (771) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1355) , وأحمد (1/ 298 ,1/ 308 ,1/ 358) , ومالك: النداء للصلاة (500) , والدارمي: الصلاة (
(4/325)

وواضع اللغة قال بعض العلماء: هو الله تعالى، وقال بعضهم وضعها غيره من بني آدم المتقدمين بإلهام منه تعالى وجبلة جبلهم عليها. واللغات وإن تعددت فهي بإلهام من الله، وبها يعرف مراد المتكلم ومقصوده.
إذا عرفت ذلك، فيلزم على قول هذا الجاهل أن الملائكة قبل خلق آدم وذريته كانت عبادتهم لله تعالى غير مقيدة بحق ولا باطل، وهذا اللازم باطل فبطل الملزوم. وكذلك عبادة آدم وذريته قبل حدوث الشرك في قوم نوح لا توصف عبادتهم لله بأنها حق أو باطل، وهذا اللازم باطل، فبطل الملزوم.
وكذلك قوم نوح لما عبدوا آلهتهم، وقالوا لما دعاهم نوح عليه السلام: {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} 1، فيلزم على قول هذا أن عبادتهم لتلك الأصنام ليست باطلة، وهذه اللوازم الباطلة تلزمه، وببطلانها يبطل ملزومها الذي ذكرناه عنه.
وأيضا ففي قوله هذا مضاهاة لقول ابن عربي إمام أهل الوحدة:
وعباد عجل السامري على هدى ... ولائمهم في اللوم ليس على رشد
فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
فلا تعجب، فكل صاحب بدعة لا بد أن يجادل عن بدعته، والعلم نور يهبه الله لمن يشاء من عباده وهو معرفة الهدى بدليله، والناس ليسوا كلهم كذلك إلا أقل القليل الذين تمسكوا بالكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة وأئمتها علما وعملا، ومن تدبر القرآن رأى العجب فيما قصه الله تعالى عن الرسل مع أممهم قديما وحديثا كما قال تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} 2.

[أصل دعوة الرسل عبادة الله وحده]
فإذا كان الكلام في بيان معنى لا إله إلا الله؛ فإن الله تعالى هو الذي تولى بيانه في مواضع
__________
1 سورة نوح آية: 23.
2 سورة غافر آية: 4.
(4/326)

من كتابه وأجمعت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 1 بل القرآن كله في بيان معناها، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 2 أي: إليها من البراءة من عبادة كل معبود سوى الله، وإخلاص العبادة له تعالى كقول إمام الحنفاء -عليه الصلاة والسلام- في هذه الآية {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا} 3 وهي لا إله إلا الله، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ} 4.
والطاغوت: الشيطان وما زينه للمشركين من عبادة معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، كأصنام قوم نوح وأصنام قوم إبراهيم، واللات والعزى ومناة، وما لا يحصى كثرة في العرب والعجم وغيرهم، وهي موجودة في الخارج معينة معلومة الوجود كأصنام قوم نوح وغيرها مما لا يحصى كثرة.
فمن قال: لا إله إلا الله بصدق وإخلاص وتعيين، فقد برئ من كل معبود يعبد من دون الله ممن كان يعبده أهل الأرض. وهذه الكلمة دلت على البراءة من الشرك والكفر به تضمنا، ودلت عليه وعلى إخلاص العبادة لله تعالى مطابقة، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 5 بيّن تعالى أن الحكمة في خلق الجن والإنس أن يعبدوه وحده لا شريك له ومن المعلوم أنه خلق الجن قبل الإنس، فيلزم على هذا القول الفاسد الذي أبداه هذا الجاهل أن العبادة التي خلق تعالى لها الثقلين لا توصف بحق ولا باطل حين خلقهم لها. واللازم باطل فبطل الملزوم.
وهذا الموضع الذي بيّنا بطلانه بالمعقول والمنقول هو ثاني موضع زلت فيه قدم هذا الذي يدعي أنه على شيء وليس معه شيء يلتفت إليه بما يوجب إنكاره عليه، وقد قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 6. وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ
__________
1 سورة الأنبياء آية: 25.
2 سورة الزخرف آية: 26: 28.
3 سورة البقرة آية: 256.
4 سورة الزمر آية: 17.
5 سورة الذاريات آية: 56.
6 سورة العنكبوت آية: 51.
(4/327)

فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} 1. وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} 2. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا. قال "يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين" رواه الدارمي.
فرضي الله تعالى عن أمير المؤمنين عمر كأنه ينظر إلى ما وقع في هذه الأمة من جدال أهل الأهواء بالكتاب، وكثرة الآراء المخالفة للحق التي بها كثر أهل الضلال، وكثرت بها البدع، وتفرقت الأمة واشتدت غربة الإسلام، حتى عاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير.
وما أحسن ما قال بعض السلف: "لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين". وقال بعضهم: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا". فالناصح لنفسه يتهم رأيه وهواه، ويرجع إلى تدبر كتاب الله سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه، وإلى ما سنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما عليه سلف الأمة وأئمتها قبل حدوث الأهواء وتفرق الآراء، وليكن من الشيطان وجنده على حذر.
اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سِلما لأوليائك. حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك. اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة، اللهم هذا الجهد وعليك التُكلان.

[قول الورقة: إن الإله مشتق من ألهه]
وأما قول هذا في ورقته: (إذ اشتقاقه من ألهه بوجوب اتحاده معه في المعنى).
(أقول): قد عرفتم ما ذكرناه من تناقضه في هذه العبارة وما قبلها، وقد أخطأ أيضا فيما عبر به عن الاشتقاق من وجهين:
(الأول): أنه جعل ألهه مشتقا منه وهو فهل يشتق ولا يشتق منه، والمصدر
__________
1 سورة الجاثية آية: 18، 19.
2 سورة الأعراف آية: 3.
(4/328)

هو الذي يشتق منه الفعل كما قال في الخلاصة 1: * وكونه أصلا لهذين انتخب * ومصدره أله إلاهة قال في القاموس: أله إلاهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة. ومنه لفظ الجلالة وأصله إله كفعال بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه. انتهى.
(الوجه الثاني): قوله: ألهه إذا عبده فجعل عبده مشتقا من ألهه وهو من غير مادته وهو فعل أيضا، فإن عبده مشتق من عبادة يقال: عبده عبادة فمادته عبد لكن، عبد تفسير لأله فاتفقا في المعنى لا في اللفظ. وأيضا فقوله: ألهه إذا عبده يناقض ما سلف من كلامه.
وأما قوله: يوجب اتحاده معه في المعنى لعدم وجوده بدونه.
(فالجواب): أن قوله: يوجب اتحاده معه في المعنى، ليس كذلك بل لا بد أن يتضمن أحدهما وهو الفعل معنى المصدر وزيادة لدلالته على الحدث والزمان، والمصدر إنما يدل على الحدث فقط، وهذا أمر معروف عند النحاة وغيرهم، محسوس. فعبارته تدل على أنه لا يعرف معنى الاشتقاق الذي ذكره العلماء، ولو سئل عن معناه لما أجاب، ولكنه خلا بأناس عظموه في نفسه فأراد أن يأخذ العلوم بمجرد الدعوى.
ومن نظر في كلامه عرف أنه لا شيء هناك فتجده يأتي بعبارات متضمنة لجهالات لم يسبقه إليها سابق كما قد عرفتم وتعرفونه فيما يأتي من كلامه وما فيه من التناقص، فما أقبح جهل من يدعي العلم، وما أفحش خطأ من يدعي الفهم.
والله أسأل أن يُوزِعنا شكر ما أنعم به علينا مما علمناه وفهمناه. فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، ونسأله الثبات والاستقامة، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولكل من عرف الإسلام وقبله ودان به، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

[قول الورقة: إن العرف خصَّ معنى الإله بالمعبود بحق]
وأما قوله: ثم استعمل في العرف على الأغلب والأكثر على المعبود بحق لعدم تحقق العبادة إلا بعد اعتقاد العابد استحقاق المعبود لها. وإلا فلا تسمى عبادة.
__________
1 المعروفة بألفية ابن مالك.
(4/329)

(فالجواب): أن قوله: ثم استعمل في العرف أي: بعد أن كان الإله المعبود لغة غير مقيد بقيد الحقيقة والبطلان كما تقدم صريحا في كل أمة. فليت شعري، متى هذا العرف الذي وضع للألفاظ اللغوية معناها؟ ومن هم أهل هذا العرف؟ هل كانوا في قوم نوح أو قوم هود، فيسأل هذا متى كانوا؟ فما أقبح هذه الأقوال المختلقة التي غايتها التمويه والتلبيس! فلا منقول ولا معقول ولم يسبقه إليها أحد.
وقدم تقدم ما يلزم على هذا القول من اللوازم الباطلة، فتبين أن قوله هذا كذب على اللغة لا يعرف عن أحد لغوي ولا عن عربي، والعرف لا يغير اللغة عن أصلها لفظا ومعنى.
وهذه كتب اللغة كالقاموس وصحاح الجوهري وغيره ليس فيها ما يدل على هذا القول الباطل، فيكون قد كذب على اللغة والعربية وعلى غيرها من اللغات، وعلى كتاب الله وسنة رسوله.
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى-: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة ورجاء وتوكلا وغير ذلك من أنواع العبادة، وهذا قول أهل السنة قاطبة لا يختلف فيه اثنان.*
وأما قوله: (على الأغلب والأكثر على المعبود بحق) فمفهومه أنه يستعمل في غير الأغلب والأكثر على غير المعبود بحق، فهذا صحيح لكنه لا يختص بالعرف بل هو في اللغة كذلك، فإذا كان يطلق على غير المعبود بحق كما تفهمه كل أمة، فهذا حجة عليه؛ فإن جميع الأصنام والأوثان وما يعبد من دون الله كلها آلهة معبودة بغير حق، باطلة بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله. ففيها النفي والإثبات، كما سيأتي بيان ذلك.
وكل ما نفته لا إله إلا الله من الأصنام والأنداد فليس كليا لا يوجد إلا ذهنا كما يقوله المفتري أفلاطون الفيلسوف وشيعته، وإنما كانت أشخاصا متعددة يباشرها عبادها بالعبادة بالدعاء، والاستغاثة والاستشفاع بها، والعكوف عندها، والتبرك بها كأصنام قوم نوح، وأصنام قوم عاد القائلين: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ
__________
* لم أجد هذا اللفظ بعينه، ولكن ورد تعريف (الإله) في عدة مواضع؛ مثل: "مجموع الفتاوى" (11/ 524)، و"الواسطة بين الحق والخلق" (ص 42)، و"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" (ص 333)، و"الرد على البكري" (1/ 141)، و"درء التعارض" (9/ 377)، وغيرها. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(4/330)

آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} 1. وأصنام نمروذ التي تبرأ منها خليل الرحمن بقوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} 2 أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، وجعلها في ذريته باقية {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 3 أي: إليها.

[النفي والإثبات في كلمة التوحيد]
فالخليل -عليه السلام- فسر لا إله إلا الله بمدلولها من النفي والإثبات، فالنفي في قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} 4، فالبراءة منها وإبطالها نفيها، وقوله: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} 5 استثنى الإله الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الذي فطره أي: خلقه، وخلق جميع المخلوقات {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} 6.
وقد قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} 7 {فَإِنْ تَوَلَّوا} أي: عما تدعوهم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، والرغبة عما كانوا يعبدونه من دون الله كالمسيح وأمه عليهما السلام.
فإن سبب نزول الآية في نصارى نجران وكانوا يعبدون آلهة أخرى، فقوله: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} 8 ينفي كل معبود سوى الله ويثبت العبادة لله وحده التي لا يستحقها غيره. وهذا ظاهر جلي لا يخفى على من له أدنى بصيرة، وسبب النّزول لا يمنع عموم النهي لجميع الأمة كما هو ظاهر في قوله: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} 9 فلم يستثن أحدا سواه لا ملكا ولا نبيا ولا من دونهما كما قال تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} 10.
وقوله: {وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 11 أي: من جميع المخلوقات من بشر وحجر وغير ذلك، لكن قوله: {وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا} 12 يختص بالبشر لما تقدم من أنهم كانوا يعبدون المسيح وأمه وغيرهما من الأنبياء والصالحين، ويشمل غيرهم من باب أولى. وقد قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} 13،
__________
1 سورة هود آية: 54.
2 سورة الزخرف آية: 26 - 28.
3 سورة الزخرف آية: 28.
4 سورة الزخرف آية: 26.
5 سورة الزخرف آية: 27.
6 سورة الصافات آية: 5.
7 سورة آل عمران آية: 64.
8 سورة آل عمران آية: 64.
9 سورة هود آية: 2.
10 سورة النحل آية: 51.
11 سورة آل عمران آية: 64.
12 سورة آل عمران آية: 64.
13 سورة الجن آية: 18.
(4/331)

و {أَحَدًا} نكرة في سياق النهي، وهي تعم كل مدعو من دون الله من أهل السماوات والأرض. وتأمل قوله: {مَعَ الله} وخبر "لا" التي لنفي الجنس محذوف تقديره: حق، كما دل عليه القرآن قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} 1. وهذا قول أهل السنة والجماعة اتباعا لما دل عليه القرآن. ومن قدر الخبر المحذوف غير ذلك كقول بعضهم: إن المحذوف "أحد" فلا حجة له ولا برهان.
ينبئك عن هذا المعنى العظيم ما قرره ابن القيم -رحمه الله تعالى- قال: "فإن قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة أخرى غير الله لم يكن إلها حقا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سميَّ له ولا مثل له. فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما فيه صلاحها؛ إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار، ويستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في تألهها إلى إلهين متساويين".*
وقد قال -رحمه الله- في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} 2 الآية، قال: "فالمؤمنون أشد حبا لربهم ومعبودهم من كل محب لكل محبوب. وليست هذه المسألة من المسائل التي للعبد عنها غنى أو منها بُد؛ بل هذه أفرض مسألة على العبد، وهي أصل عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها.
فليشتغل العبد بها أو ليعرض عنها، ومن لم يتحقق بها علما وعملا وحالا لم يتحقق شهادة أن لا إله إلا الله فإنها سرها وحقيقتها ومعناها، وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن علمه الجاهلون؛ فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه، وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى
__________
1 سورة الحج آية: 62.
* كتاب "طريق الهجرتين" ص 57. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
2 سورة البقرة آية: 165.
(4/332)

حبه. وليس ذلك إلا لله وحده. ولهذا كانت أصدق الكلام وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته.
فهذه المسألة قطب رحى الدين الذي عليه مداره وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله ولا حول ولا قوة إلا بالله".* انتهى. فما أحسن هذا من بيان.

[زعم عدم تحقق العبادة إلا بعد استحقاق المعبود لها]
وأما قول الملحد في ورقته: (لعدم تحقق العبادة إلا بعد اعتقاد استحقاق المعبود لها).
(فالجواب): هذا القيد ممنوع وهو من جملة اختلاقاته وأكاذيبه؛ لأنه فاسد شرعا ولغة وعرفا. ومما يبين فساده ما في الحديث من قصة الرجلين الذَين مرا على صنم قوم لا يجاوزه أحد إلا قرب له شيئا، فقالوا لأحد الرجلين: قرِّب فقال: ما عندي شيء أقرب. قالوا: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار، أي: بتقريبه الذباب لصنمهم. وهو إنما قربه للتخلص من شرهم من غير اعتقاد استحقاقه لذلك، فصار عبادة للصنم دخل بها النار. وهذا يدل على أن هذا الفعل منه هو الذي أوجب له دخول النار؛ لأنه عبد مع الله غيره بهذا الفعل. وقالوا للآخر: قرب فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة.
وأيضا فقد قال أبو طالب:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
وقوله يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا
__________
* كتاب "طريق الهجرتين" ص 319 - 320. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(4/333)

فثبت بهذا أن أبا طالب لم يعتقد أن ما كان قومه عليه من الشرك حقا ولم يمنعه من الدخول في الإسلام إلا خوف أن يسب أسلافه فقط، ومع هذا مات مشركا كما ثبت في الصحيح، وهذا يبين فساد هذا القيد.
فإذا عرف ذلك، تبين أن هذا الرجل يختلق أقوالا لا برهان عليها ولا حجة، ثم إن من المعلوم أن كل من عبد معبودا غير الله وأصر على عبادته له أنه يعتقد استحقاقه للعبادة، وهذا هو الغالب على المشركين في حق معبوداتهم، ولهذا تجدهم يجادلون عنها ويناضلون مجادلة من يعتقد أنها تستحق ما كانوا يفعلونه لها من العبادة.

[قوله: إن المعبودات الباطلة سميت آلهة من حيث اعتقاد عبَّادها]
وقوله: (في كل أمة أيضا) اعتراف منه بأن الإله يطلق على كل معبود يعتقد عابده أنه يستحق العبادة كما هو حال أكثر المشركين، فاحفظ هذا الاعتراف منه فسيأتي في كل أمة ما يناقضه.
وأما قوله: (ولهذا ذهب كثير من المتبحرين إلى أنه عبارة عن المعبود بحق، وما قيل من أن كثيرا ما يطلق على الآلهة الباطلة كما ورد في أكثر موارد القرآن وهو يوجب عدم صحة المدعى، فمدفوع بأن إطلاقه عليها بالنظر إلى اعتقاد عبادها لا باعتبار نفس الأمر).
(فالجواب) أن يقال: هذا يناقض ما تقدم له من أن العابد إذا اعتقد استحقاق معبوده للعبادة صار إلها، ولا يخفى مناقضة هذا له، فإنه أقر فيما تقدم قريبا أن المعبود يكون إلها باعتقاد عابده استحقاقه للعبادة في نفس الأمر، وقد عرفت أن القيد ممنوع، فأخطأ في الموضعين أي: في هذا والذي قبله وتناقض.
وأما قوله: ولهذا ذهب كثير من المتبحرين ... إلخ، فهذا القول مجهول قائله لا يعرف أن أحدا من المسلمين قاله، والقائل به مجهول لا يقبل له قول، وقد أجمع العلماء قديما وحديثا على أن المجهول لا يقبل له قول ولا خبر، ولا
(4/334)

تقوم به حجة في شيء من أبواب العلم، فكيف إذا كان إلحادا وطعنا في أصل الدين؟ وقد أجمع المحدثون على أن رواية المجهول لا تقبل كذلك، فسقط هذا القول من أصله وفسد.

وقوله: (كما ورد في أكثر موارد القرآن)، انظر إلى هذا الجهل العظيم في محاولته رد ما ورد في أكثر موارد القرآن، بقول المجهولين الذين لا يعتد بقولهم عند أحد من طوائف العلماء، وموارد القرآن يحتج بها لا يحتج عليها بقول أحد، وهي الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} 1 الآية، فما وافق القرآن سواء كان نصا أو ظاهرا قبل، وما خالفه رد على من قاله كائنا من كان. فقد ارتقى هذا مرتقى صعبا بتهجينه القرآن وإبطال دلالته عنه بما زخرفه ونسبه إلى مجهولين، فسبحان الله كيف يخفى هذا على أحد؟ فمن تدبر هذا المحل تبين له ضلاله.
وأما قوله: (فمدفوع بأن إطلاقه عليها بالنظر إلى اعتقاد عبادها).
(فالجواب): أن هذا يبطله القرآن كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 2. وقال: {أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} 3 فسماها الخليل آلهة مع كونها باطلة، وكونها باطلة لا ينافي تسميتها آلهة.
كما قال موسى عليه الصلاة والسلام، لما قال له بنو إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 4. وقال: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا} 5 فسماه الكليم إلها مع إنكاره عليهم ما طلبوا، وهو قد أقر فيما تقدم أن يطلق على غير الإله الحق، فتناقض؛ والإلهية المنفية في كلمة الإخلاص بدخول أداة النفي عليها، وهي لا النافية.
فالمراد بنفيها إبطالها والبراءة منها والكفر بها واعتزالها وغير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فكما تسمى آلهة وأندادا وأربابا وشركاء وأولياء؛ لأن من عبدها فقد جعلها مألوهة له وجعل
__________
1 سورة النساء آية: 59.
2 سورة الأنعام آية: 74.
3 سورة الصافات آية: 86.
4 سورة الأعراف آية: 138، 139.
5 سورة الأعراف آية: 140.
(4/335)

لها شركة في العبادة التي هي حقه، ومثلها بالله في عبادته لها، واتخذها أربابا وأولياء، وكل هذا في القرآن كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} 1.
وقد تقدم كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى على هذه الآية العظيمة. وقال تعالى: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} 2. وقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 3. وقال: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} 4.
وهذا في القرآن كثير، فصارت تطلق عليها هذه الأوصاف بجعل عابديها واتخاذهم لها كذلك بعبادتهم وإرادتهم كما تقدم بيانه في هذه الآيات، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} 5. {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} 6، فصارت آلهة بالفعل والاتخاذ والإرادة والقصد، واستشهد العلماء على ذلك بقول رؤبة بن العجاج:
لله درّ الغانيات المدّه ... سبحن واسترجعن من تألهي
أي: من تعبدي، وتقدم كلام صاحب القاموس على هذا المعنى. وقرأ ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- {وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ} 7 أي: عبادتك قال: لأنه كان يعبد وتقدم تقرير هذا في كلام العلماء.
وهذا يبين أن كل معبود إله، حقا كان أو باطلا؛ لأنه قد ألهه العابد بالعبادة، وتبين بهذا أن هذا الرجل يتكلم في هذه الأمور بلا علم، ويأتي بما يخالف القرآن واللغة والسلف والعلماء، ويتناقض.

[الإله المنفي في كلمة الإخلاص]
ومن فرط جهله قوله: (وبهذا تعين فساد ما توهم من أن الإله المنفي بلا، في الكلمة الطيبة هو المطلق غي