Advertisement

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 002


- 30 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم

وله أيضًا -رحمه الله تعالى- إجابة عن هذه المسائل*:
ما قولكم فيما إذا كان لإنسان على آخر دين وقال دينك قادم في هذا الزّرع أو هذه الثّمرة هل يكون هذا رهن أم لا؟ وفي رجل عليه دين ولا يفي دينه بما عليه وعند إنسان له رهن هل صاحب الرّهن مقدّم على من سواه، وفيما إذا امتنع الرّاهن من قضاء الدّين وأبى أن يأذن في بيع الرّهن وتعذر إجباره وتعذر الحاكم، فهل إذا قام عدل وباع الرّهن وقضى الدّين هل ينفذ تصرّفه أم لا؟
وهل إذا أعطت الأمّ ابنتها الصّغيرة حليا تلبسه ولم يقبضه وليها لها وليست ذات زوج فهل تملكه أم لا؟ وهل إذا شرط البائع للثّمرة بعد بدو صلاحها القطع على المشتري فتلقت بجائحة أو تعيبت بها فهل يكون ضمانها على المشتري أم لا؟
وهل إذا باع الرّاهن الرّهن بغير إذن المرتهن فهل يكون بدله الّذي أبدله به رهن والحالة هذه. وإذا ادعى إنسان على آخر عقارًا فقال المدّعي عليه ورثته من أبي ولم أعلم أنّ لك فيه حقًا هل تقبل يمينه هذه على صفة جوابه؟
وإذا ادّعى إنسان شيئًا وأنّه يملكه الآن وشهدت البيّنة أنّه كان له أمس أو لأبيه قبل موته إلى أن مات هل تسمع أم لا؟ أفتونا مأجورين.
الجواب -وبالله التّوفيق- أمّا المسألة الأولى فيما إذا قال حقك أو دينك قادم في هذا الزّرع الخ فهذا ليس برهن وإنّما هو وعد فيصير المقول
__________
* تكررت هذه المسائل بعد ذلك في 2/ 3/ 148. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(1/674)

له ذلك أسوة الغرماء، وإن لم يكن غريم غيره فيستحبّ للقائل الوفاء بوعده ولا يجب عند أكثر العلماء.
وأمّا إذا ضاق مال الإنسان عن دينه وكان له عين مرهونة عند بعض الغرماء فإنّ المرتهن أحقّ بثمن الرّهن من سائر الغرماء إذا كان رهنا لازما بلا نزاع.
قال في الشّرح: لا نعلم فيه خلافًا؛ فإن كان الرّاهن حين الرّهن قد ضاق ماله عن دينه أنبني صحّة رهنه على جواز تصرّفه وعدمه وهو أنّه هل يكون محجورًا عليه إذا ضاق ماله عن ديونه بغير حكم حاكم كما هو قول مالك، ويحكى رواية عن أحمد اختاره الشّيخ تقيّ الدّين، أو لا يكون محجورًا عليه إلا بحكم حاكم كما هو قول أبي حنيفة والشّافعي وأحمد في المشهور عنه.
وأمّا إذا امتنع الرّاهن من قضاء الدّين فقال الشّيخ تقيّ الدّين*: "جوز بعض العلماء للمرتهن دفع الرّهن إلى ثقة يبيعه ويحتاط بالإشهاد على ذلك ويستوفي في حقه إذا تعذر الحاكم ولم يكن الرّاهن قد أذن للمرتهن في بيع الرّهن بعد حلول الأجل"، وهذا قول حسن إن شاء الله تدعو الحاجة إليه في كثير من البلدان والأزمان والله أعلم.
وأمّا إذا ألبست الأمّ ابنتها حليًا الخ فقد رأيت في ذلك جوابًا لأحمد بن يحي بن عطوة فإنّه سئل عمّا إذا وجد على البنت الصّغيرة حلي وثياب فاخرة فما حكم ذلك وهل تسمع دعوى الأمّ أنّ ذلك لها، وإنّما ألبستها إيّاه تجميلًا أو دعوى الورثة أنّه لموروثهم وإنّما جملها به، وهل بين الصّغير والكبير فرق أم لا؟ وهل ذلك عام في الأبّ والأمّ أفتونا مأجورين.
__________
* هذه المسألة ضمن "مجموع الفتاوى" 29/ 538. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(1/675)

أجاب -رحمه الله- الظّاهر من شواهد الأحوال والعرف والعادة المستمرّة أنّ تجميل الأبوين بنتهما بكلّ ما يعد تجميلًا أنّه تخصيص لها بذلك دون سائر من يرثهما إذا لم تجر عادتهما بأنّه عارية تجري عليها أحكامها.
إذا علم ذلك فلا كلام لسائر الورثة في ذلك بعد موت المخصص المعطي للزوم ذلك بموته كما صرح به الأصحاب، والتّخصيص سائغ أيضا في مسائل كفقر وعلم ونحوهما في رواية.
وأمّا الأمّ فإن أقامت بيّنة شرعيّة أنّ ذلك لها وإنّه عارية ساغت دعواها بذلك، وإلّا فلا فرق بين الصّغيرة والمميّزة الكبيرة في ذلك.
وأمّا غير المميّزة فمحل نظر وتأمل، والّذي يظهر لي أنّ ذلك عام في الأبّ والأمّ وإنّما يعد الأبّ لأنّه الغالب والشّيء إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له. إلى أن قال:
فحيث ثبت إمكان ملك البنت في المسألة المذكورة بما ذكر فلا يجوز انتزاع ما صار إليها إلّا بدليل راجح يسوغ المصير إليه شرعا اه.
ومن جواب للشّيخ سليمان بن عليّ وقد سئل عن هذه المسألة: إذا كان الحلي على البنت ولو لم تذهب به إلى بيت زوج وادعته الأمّ لم تقبل إلّا ببيّنة أنّه للأمّ وأنّه على البنت عارية، ولو أقامت الأمّ بيّنة أنّها هي الّتي اشترته لم تقبل حتّى تقول وهو عارية على البنت اه.
وأمّا إذا باع الثّمرة بعد بدو صلاحها بشرط القطع فقدم في الشّرح وغيره يجوز هذا الشّرط وهو ظاهر، وإذا تلفت والحالة هذه فإن كان تلفها قبل تمكن المشتري من أخذها فهي من ضمان بائع، وإن كان تلفها بعد التّمكن من أخذها فهي من ضمان مشتر لتفريطه، وقد صرح
(1/676)

وقد صرح الأصحاب فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فتلفت بجائحة سماوية بعد تمكنه من قطعها، فهي من ضمانه، وإن تلفت قبل تمكنه من قطعها، فهي من ضمان بائع؛ لعموم الحديث. وصرحوا أيضا فيما إذا اشتراها بعد بدو الصلاح ولم يشترط القطع في الحال، بأنها من ضمان بائع، ما لم يؤخرها المشتري عن وقت أخذها المعتاد، فإن أخر أخذها عن الوقت المعتاد فالثمرة التالفة من ضمان مشتر لتفريطه، والله أعلم.
وأما إذا باع الراهن العين المرهونة بغير إذن المرتهن فالبيع فاسد بلا خلاف بين العلماء، فإن أمكن المرتهن استرجاع الرهن، استرجعه وهو رهن بحاله، وإن لم يتمكن من استرجاعه لزم الراهن دفع قيمته للمرتهن، فتكون رهنا، سواء كانت القيمة مثل الثمن الذي بيع به، أو أقل أو أكثر. والله علم.
وأما إذا ادعى إنسان عقارًا في يد غيره، فلا يخلو إما أن يدعي على من هو بيده أنه غصبه إياه ونحو ذلك، فإذا لم يكن للمدعي بينة فعلى المدعى عليه اليمين على حسب جوابه؛ فإن قال المدعي: غصبتني، حلف أني ما غصبتك هذا. وإن قال المدعي: أودعتك هذا، حلف أنك ما أودعتني إياه، ونحو ذلك. فإذا حلف بأنك ما تستحق علي شيئا، أو أنك لا تستحق شيئا فيما ادعيته كان جوابا صحيحا، ولا يكلف سواه.
(والحال الثاني): أن يدعي على من هو في يده بأن أباك غصبني هذا، أو أنه وديعة عنده، ونحو ذلك، فيمين المدعى عليه على نفي العلم، فيحلف في دعوى الغصب بأني ما علمت أن أبي غصب هذا منك، وفي دعوى الوديعة ما علمت أنك أودعته إياه ونحو ذلك.
وفي سنن أبي داود "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي: ألك بينة؟
(1/677)

قال: لا ولكن أحلفه والله ما يعلم أنّها أرضي اغتصبها أبوه. فتهيّأ الكندي لليمين ولم ينكر ذلك النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-" ولأنّه لا تمكّنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه فوجب أن لا يكلّف اليمين على البت.
وأمّا إذا ادّعى أنّ هذه العين له الآن وشهدت البيّنة بأنّها كانت له أمس أو أنّها كانت في يده أمس لم تسمع بيّنته لعدم تطابق البيّنة والدّعوى.
قال في الإنصاف في أصحّ الوجهين حتّى يتبيّن سبب يد الثّاني نحو غاصبه بخلاف ما لو شهدت أنّه كان ملكه اشتراه من ربّ اليد فإنّها تقبل اه.
وأمّا إذا شهدت البيّنة بأنّ هذه العين لهذا المدّعي بهذه الصّيغة كفى ذلك وسلمت إلى المدّعي ولو لم تقل وهي في ملكه الآن.
وأمّا إذا ادّعى أنّ هذه العين كانت لأبيه أو أمّه أو أخيه ومات وهي في ملكه سمعت البيّنة بذلك، وإن قالت البيّنة كانت ملكا لأبيه ونحوه ولم تشهد بأنّه خلفها تركة لم تسمع هذه البيّنة.
وفي الفروع والإنصاف عن الشّيخ تقيّ الدّين -رحمه الله- أنّه قال فيمن بيده عقار فادعى آخر بثبوت عند حاكم أنّه كان لجدّه إلى موته ثمّ لورثته ولم يثبت أنّه مخلف عن موروثه لا ينتزع منه بذلك لأن أصلين تعارضا، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ولم تجر العادة بسكوتهم المدّة الطّويلة، ولو فتح هذا الباب لاتنْزع كثير من عقار النّاس بهذه الطّريق والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
وأمّا تقليد المؤذّن إذا كان في السّماء غيم ونحوه فلا ينبغي تقليده، لأنّه يؤذّن عن اجتهاد فلا يقلد بل يجتهد الإنسان لنفسه فلا يفطر حتّى يتيقن أو يغلب على ظنّه الغروب فيجوز له الفطر مع غلبة الظّن.
(1/678)

وأما في الصحو، فيجوز الاعتماد على أذان المؤذن إذا كان ثقة. والله أعلم.

- 31 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم

من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ أحمد بن دعيج -سلّمه الله-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت من أمر روائح الأشياء إذا شمّها الصّائم فلا بأس بذلك إلّا الدّخان إذا شمّه الصّائم متعمّدًا لشمّه فإنّه يفطر بقصد شمّ الدّخان أي دخان كان، وإن دخل في أنفه من غير قصد لشمّه لم يفطر لمشقّة التّحرز منه والسّلام.

- 32 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم

ما قولكم -أدام الله النّفع بعلومكم- فيمن لا يعرف الإيمان بالله ولا معنى الكفر بالطّاغوت، وهذه حال الأكثر ممّا لدينا، يدعي الإسلام ويلتزم شرائعه الظّاهرة ويزعم حبّ أهل الحقّ وينتسب إليهم على الإجمال، وأمّا على التّفصيل فيبغض أهل التّوحيد ويمقتهم ويرى منهم الخطأ في الأمور الّتي تخالف عادته وما يعرف فيعتقد خلاف ما عرف خطأ، لأنّ الّذي في ذهنه أنّ ما عرف النّاس عليه هو الدّين، ولا يعرف دليلا يرد به عليه، ولا يرعوي ولا يلتفت إليه، لأنّه يرى الدّين ما تظاهر به المنتسبون، فما حال من هذا وصفه؟ ومنهم كثيرون يصرحون بالبغض والعداوة لأهل الحقّ ويحرصون على اتّباع عوراتهم والوقوع في عثراتهم، ونرى مثل هؤلاء الّذين منهم هذا المذكور مع عدم معرفة أصل الإسلام وضدّه كفارا لأنّهم لم يعرفوا
(1/679)

الإسلام أوّلًا، وثانيا عادوا أهله وأبغضوهم، ورأوا الدّين ما عليه أكثر المنتسبين، فهل رأينا فيهم صواب أم لا؟ وبيّنوا حال الصّنف الأوّل لنا أيضا هل يطلق عليهم الكفر أم لا؟ وفيمن يزعم أنّ النّفاق لا يوجد في هذه الأمة بعد زمن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أو قريبا منه، ثمّ بعد ذلك لا يوجد إلّا الإسلام المحض أو الكفر المحض.
ويحتج بما رواه البخاري عن عبد الله بن عقبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- يقول: إنّ النّاس كانوا يؤاخذون بالوحي وإنّ الوحي قد انقطع، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقرّبناه وليس لنا من سريرته من شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إنّ سريرته حسنة.
وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: إنّما النّفاق كان على عهد النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فأمّا اليوم إنّما هو الكفر والإيمان. رواه البخاري.
ما الجواب عن قول حذيفة وعن قول عمر وما علامات النّفاق الّذي يصير به الرّجل في الدّرك السفل من النّار، وما معنى قول الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب -رحمه الله- في كتاب التّوحيد رد المسألة المشكلة إلى المسألة الواضحة ليزول الإشكال في (باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغيره)، وقوله في (باب الدّعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) في كلامه على حديث معاذ الرّابعة عشرة: كشف العالم الشّبهة عن المتعلّم أشكل علينا استخراج هذه المسألة من الحديث، وعن قول النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في آخر حديث رواه مسلم "ومن مات وليس في عنقه بيعة فإنّه يموت ميتة الجاهليّة" أفتونا مأجورين.
أجاب الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين -رحمه الله تعالى-:
(1/680)

الحمد لله، (الجواب) عن حكم الصنفين المسئول عنهما الموصوفة حالهما يرجع إلى شيء واحد وهو إن كان الرّجل يقرّ بأنّ هذه الأمور الشّركية الّتي تفعل عند القبور وغيرها من دعاء الأموات والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتّقرب إليهم بالنّذور والذّبائح إنّ هذا شرك وضلال، ومن أنكره هو المحق ومن زينه ودعا إليه فهو شرّ من الفاعل فهذا يحكم بإسلامه؛ لأنّ هذا معنى الكفر بالطّاغوت والكفر بما يعبد من دون الله، فإذا اعترف بأنّ هذه الأمور وغيرها من أنواع العبادة محض حق الله لا يصلح لغيره لا لملك مقرب، ولا نبيّ مرسل فضلًا عن غيرهما.
فهذا حقيقة الإيمان بالله والكفر بما يعبد من دون الله. قال النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" وفرض على كلّ أحد معرفة التّوحيد وأركان الإسلام بالدّليل ولا يجوز التّقليد في ذلك، لكن العامي الّذي لا يعرف الأدلّة إذا كان يعتقد وحدانيّة الرّب سبحانه ورسالة محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- ويؤمن بالبعث بعد الموت وبالجنّة والنّار.
وإنّ هذه الأمور الشّركيّة الّتي تفعل عند هذه المشاهد باطل وضلال فإذا كان يعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا لا شكّ فيه فهو مسلم وإن لم يترجم بالدّليل؛ لأنّ عامة المسلمين ولو لقنوا الدّليل فإنّهم لا يفهمون المعنى غالبًا.
ذكر النّووي في شرح مسلم في الكلام على حديث ضمام بن ثعلبة قال: قال أبو عمرو بن الصّلاح فيه دلالة لما ذهب إليه أئمّة العلماء من
(1/681)

أنّ العوام المقلّدين مؤمنون وإنه يكتفى منهم بمجرّد اعتقاد الحق جزمًا من غير شكّ وتزلزل خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك لأنّه -صلّى الله عليه وسلّم- قرّر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ومجرد إخباره إيّاه بذلك ولم ينكر عليه ذلك ولا قال يجب عليك النّظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلّة القطعيّة اه.
وأمّا من قال: إنّ هذه الأمور الّتي تفعل عند هذه المشاهد من دعا غير الله والنّذر والذّبح لهم إنّ هذا ليس بحرام، فإطلاق الكفر على هذا النّوع لا بأس به بل هذا كفر بلا شكّ، وأمّا من يوافق في الظّاهر على أنّ هذه الأمور شرك ويبطن خلاف ذلك فهو منافق نفاقًا أكبر، فإن كان يظهر منه بغض من قام بهذه الدّعوة الإسلاميّة عامة فهذا دليل نفاقه.
قال بعض العلماء في قول النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في الأنصار "لا يحبّهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق" قال فمن أبغض من قام لنصرة دين الله وسنّة نبيّه -صلّى الله عليه وسلّم- استحق هذا الوصف وهو النّفاق، وأمّا من يبغض بعضًا دون بعض فقد يكون ذلك لسبب غير الدّين.
وأمّا من صرح بالسب فقد قال شيخ الإسلام تقيّ الدّين -رحمه الله- فيمن يسبّ أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: اختلف العلماء في حكمهم على قولين: قيل بكفرهم، وقيل بفسقهم، توقف أحمد في كفره وقتله، وقال يعاقب ويجلّد ويحبس حتّى يموت أو يرجع عن ذلك. قال وهذا هو المشهور من مذهب مالك اه.
فإذا كان هذا كلامهم في الّذي يسبّ أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الّذين أثنى الله عليهم ورضي عنهم فغيرهم دونهم ولم يقل أحد من العلماء بكفر
(1/682)

من سبّ غيرهم ولا قتله، ولهذا قال الأصحاب: من سبّ إمامًا عدلًا، أو عدلًا غيره عزر.
وأمّا قول من قال: إنّ النّفاق لا يوجد إلّا في أفضل القرون فهذا جاهل بحقيقة النّفاق ضال أو معاند فاجر بل كافر إذا قال: إنّه لا يوجد بعد ذلك إلا الإسلام المحض، وصاحب هذا القول مكذب لله ولرسوله ولجميع علماء المسلمين، ومثل هذا يرد عليه بكلام العلماء الّذي لا يمكنه ردّه.
وقد أجمع علماء السّنّة والجماعة على كفر الاتّحاديّة الّذين يقولون الخالق هو المخلوق، وكذلك أجمعوا على تكفير الحلوليّة الّذين يقولون: إنّ الله بذاته في كلّ مكان، وهاتان الطّائفتان منتشرتان في أمصار المسلمين.
ولمّا ذكر صاحب الإقناع حكم هاتين الطّائفتين قال شارحه: وقد عمت البلوى بهذه الفرق فأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التّوحيد فأخبر الشّارح بكثرة هؤلاء المجمع على كفرهم، وذكر هاتين الطّائفتين، وكذا من قذف عائشة -رضي الله عنها- أو ادّعى أنّ جبريل غلط ونحو ذلك ممّا لا يقدر أحد على إنكاره.
وأمّا أمر الشّرك فالكلام معهم فيه يطول وكفر هذا فضيحة، قوله: إنّ النّفاق والكفر يوجد في أفضل القرون ويستحيل وجوده فيما بعده. وهذا في حقيقة أمره ينكر على الفقهاء وضعهم باب حكم المرتدّ إذا لم يكن إلا الإسلام المحض فيلزم تخطئتهم بأن نقول لا كفر ولا نفاق بعد القرن الأوّل الفاضل.
وأمّا احتجاج بعضهم بقول عمر -رضي الله عنه- أنّ النّاس كانوا يؤاخذون بالوحي على عهد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الخ فأيّ حجة له في هذا على نفي الكفر
(1/683)

والنّفاق عن الأمّة، وإنّما هذا مثل قوله -صلّى الله عليه وسلّم- فيمن أتى بشرائع الإسلام حيث قال: "وحسابهم على الله تعالى"، ومراد عمر -رضي الله عنه- أن من رأينا عمله حسنًا ولم ير منه ما يعاب أمناه وقرّبناه وحسابه في سريرته إلى الله، ومن رأينا ما يكرهه الله من المعاصي كشرب الخمر وشهادة الزّور والكذب والنّميمة والغيبة وغير ذلك من الذّنوب أو إخلال في فرض لم نأمنه ولم نقرّبه، وإن قال: إنّ سريرته حسنة.
وقوله: من أظهر لنا سوءًا، أي من أطلعنا منه على ذلك وعلمناه ليس مراده أنّه يظهر ذلك ويجاهر به وهكذا كما يقول العلماء في الشّاهد إذا علم منه ما يقدح في شهادته، ردّت شهادته، وإن كان لا يظهر إلّا الخير، وكذا إذا رأينا من ظاهره الخير لكن رأيناه يألف الفسقة أو أهل البدع والضّلال، قلنا هذه خصلة سوء يتّهم بها وإن قال سريرته حسنة.
نقل أبو داود عن الإمام أحمد -رحمه الله- في الرّجل يمشي مع المبتدع لا تكلّمه، ونقل غيره إذا سلم على المبتدع فهو يحبّه، وقال أحمد -رحمه الله- إنّما هجر النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- الثّلاثة لأنّه اتّهمهم بالنّفاق فكذا كلّ من خفنا عليه وهذا الّذي ينكر وجود النّفاق سببه عدم معرفة الإسلام وضدّه.
وحقيقة النّفاق إظهار الخير وإسرار ضدّه، فإذا كان إنسان عند أهل السّنة يظهر بطلان مذهب الاتّحاديّة والحلوليّة ونحوهم وهو يعتقد في الباطل صحّة بعض هذه المذاهب فهو منافق نفاقًا أكبر، وكذا إذا أظهر تضليل غلاة الرّافضة وهو في الباطن يرى رأيهم فهو منافق، وكذا من اعترف بصحّة هذا الأمر الّذي ندعو إليه وهو التّوحيد وإفراد الله بالعبادة يعترف به ظاهرًا ويبطن خلافه فهو منافق نفاقًا أكبر.
(1/684)

وأمّا قول حذيفة فهو كما روي عنه من وجه آخر أنّه قال المنافقون على عهد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يخفون نفاقهم وهم اليوم يظهرونه، فمراد حذيقة أنّهم في زمانه تبدو منهم أمارات ظاهرة بخلاف حالهم زمن النّبوّة، وقال: إن كان الرّجل ليتكلّم بالكلمة على عهد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يصير بها منافقًا وإنّي لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرّات.
وسمع حذيفة رجلًا يقول: اللهمّ أهلك المنافقين فقال يا ابن أخي لو أهلك المنافقين لاستوحشتم في طرقاتكم من قلّة السّالكين، وهذا النّافي للنّفاق عن جميع الأمّة قائل بغير علم كاذب وما يدريه أنّه ليس في الأمّة حاضرها وباديها منافق؛ لأنّ من أظهر الإسلام وهو يشكّ في البعث بعد الموت أو في رسالة محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- فهو منافق نفاقًا أكبر.
وهل اطّلع هذا المتخرص على قلوب الأمّة شرقًا وغربًا وهل يأمن على نفسه من النّفاق بأن يزيغ الله قلبه إذا زاغ عن الحقّ {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف، من الآية:5]، وقد أثنى الله سبحانه على الرّاسخين في العلم بسؤالهم إيّاه أن لا يزيغ قلوبهم في قولهم {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران، الآية:8].
ومن دعاء النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك" فقيل له أوتخاف علينا؟ قال: "نعم، ما من قلب إلّا وهو بين إصبعين من أصابع الرّحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه" ومن دعائه -صلّى الله عليه وسلّم- عند الانتباه من النّوم: "ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني". قيل للإمام أحمد -رحمه الله- ما تقول فيمن لا يخاف النّفاق على نفسه؟ فقال ومن يأمن على نفسه النّفاق؟
(1/685)

وروي عن الحسن أنّه حلف ما مضى مؤمن قطّ ولا بقي إلّا وهو من النّفاق خائف، ولا مضى منافق قطّ ولا بقي إلّا وهو من النّفاق آمن وكلام السّلف في هذا كثير، ويكفي في بيان بطلان قول هذا إثباته الكفر والنّفاق في أفضل قرون الأمّة ونفي ذلك عن القرون الّتي وصفها -صلّى الله عليه وسلّم- بأنّها شرّ إلى يوم القيامة، ويفضح شبهة هذا وشبهة من قال إنّه يستحيل وجود الكفر في أرض العرب ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال "ليس من بلد إلّا سيطوله الدّجّال إلّا مكّة والمدينة، وما من نقب من أنقابها إلّا وعليه الملائكة صافين تحرسهما فينْزل السّبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله تعالى منها كلّ كافر ومنافق" فأخبر -صلّى الله عليه وسلّم- أنّ في المدينة إذ ذاك كفّارًا ومنافقين موجودين قبل خروج الدّجّال، فإذا كان هذا حال المدينة فغيرها أولى وأحرى. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة" فأرجو أنّه ما يجب على كلّ إنسان المبايعة وأنّه إذا دخل تحت الطاعة وانقاد ورأى أنّه لا يجوز الخروج على الإمام ولا معصيته في غير معصية الله أنّ ذلك كاف، وإنّما وصف -صلّى الله عليه وسلّم- ميتته بالميتة الجاهليّة؛ لأنّ أهل الجاهليّة كانوا يأنفون من الانقياد لواحد منهم ولا يرضون بالدّخول في طاعة واحد فشبه حال من لم يدخل في جماعة المسلمين بحال أهل الجاهليّة في هذا المعنى والله أعلم.
وقول الشّيخ ردّ المسألة المشكلة إلى آخره الظّاهر أنّه أراد أنّ الّذي سأل النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- من حكم نذره أنّه أشكل هل يوفي به أم لا؟ فلّما أخبر -صلّى الله عليه وسلّم- أن ذلك المعيّن خال ممّا ذكر زال الإشكال.
(1/686)

وأمّا قوله: كشف العالم الشّبهة عن المتعلّم فلا يتبيّن لي مراده إلّا إن كان يشير إلى أنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فصل له صفة ما يدعو إليه والله أعلم.

- 33 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم

من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الولد المحب عليّ بن عبد العزيز بن سليم -زاده الله علمًا ووهب لنا وله حكمًا-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
موجب الخطّ إبلاغ السّلام والسّؤال عن الحال أصلح الله لنا ولكم الدّين والدّنيا والآخرة، والخطّ وصل أوصلك الله إلى ما تحب، وما سألت عنه من حكم صرف ما ذكرت بعضه ببعض كالرّيال بالجدد والإرباع والقاروني بشيء من ذلك، وهل ذلك من مسألة مد عجوة؟
فقال في الإقناع وشرحه: وإن باع دينارًا أو درهمًا مغشوشًا بمثله أي بدينار أو درهم مغشوش والغش فيهما أي المثمن والثّمن، أو غير معلوم المقدار لم يجز؛ لأنّ الجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل، وإن علم التّساوي في الذّهب الّذي في الدّينارين وعلم تساوي الغش الّذي فيهما جاز بيع أحدهما بالآخرة لتماثلهما في النّقود وهو الذّهب، ولتماثلهما في غيره أي الغش وليس من مسألة مد عجوة لكون الغش غير مقصود فكأنّه لا قيمة له كالملح في الخبز انتهى.
ونقل في الفروع عن الشّيخ جواز بيع فضّة لا يقصد غشّها بخالصة مثلّا بمثل، ورأيت أيضا في فتوى للشّيخ تقيّ الدّين بعد كلام سبق في مسألة مد عجوة، قال وكذا يجوز بيع حنطة فيها شعير يسير بحنطة فيها
(1/687)

شعير يسير فإنّ ذلك يجوز عند الجمهور، وكذا إذا باع الدّراهم الّتي فيها غشّ بجنسها فإنّ الغشّ غير مقصود والمقصود بيع الفضّة وهما متماثلان.
وقال أيضا: إذا باع درهما خالصًا بمغشوش فإن كانت فضّة الدّراهم الخالص تزيد على فضّة المغشوش تزيد على فضّة المغشوش زيادة يسيرة بقدر النّحاس الّذي في الآخرة جاز ذلك في أحد قولي العلماء، فظهر من كلام الشّيخ عدم جواز صرف ما ذكرتم بعضها ببعض كالقاروني بالجدد أو الإرباع ونحو ذلك وهو صريح الإقناع وشرحه والله أعلم.

- 34 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم

من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الولد عليّ بن عبد العزيز -وفقه الله لطاعته وأصلح له دنياه وآخرته-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
موجب الخطّ إبلاغ السّلام والخطّ وصل أوصلك الله إلى ما تحب، وما سألت عنه من الجهر بالتّهليل بعد الصّبح والمغرب فما علمت ورود شيء يخصّه، وإنّما اختلف العلماء في الجهر بالذّكر المشروع في إدبار الصّلوات ولم يخصوا ذكرًا دون ذكر والله أعلم.
(وأمّا قولك) إذا ظهر من إنسان الكفر وقامت عليه الحجّة وامتنع إنسان من تكفيره فكأنك تشير إلى حال أهل هذه المشاهد الّتي يقع عندها الشّرك الأكبر.
ومن المعلوم أنّه لا يصحّ إسلام إنسان حتّى يكفر بالطّاغوت وهو كلّ ما عبد من دون الله {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}، [البقرة، من الآية:256]، وفي الحديث الصّحيح: "من قال لا إله إلّا الله وكفر بما
(1/688)

يعبد من دون الله حرم ماله ودمه"، والكفر بذلك البراءة منه واعتقاد بطلانه نسأل الله لنا ولكم الهدى والسّداد والله أعلم.

[فوائد]
(فائدة في قراءة الجنب) قوله ولا يزيد على ما يجزيء من القراءة وظّاهر العبادة مطلقا وهذا في الجنب لا في المحدث حدثا أصغر. قاله الجراعي في حواشي الفروع، وفي شرح المحرم للسيسي أنّ ذلك محرم، وفي الغاية ولا يزيد على ما يجزيء في قراءة وغيرها ويتّجه ندبا وفي زائد عن الفاتحة لجنب وجوبا، وفي خطّ زامل تلميذ المصنّف على هامش المنتهى، فإذا زاد حرم وبطلت والله أعلم.

(فائدة يجب التّنبّه لها والتّحرز منها) قال وقول بعضهم: لو أنّي حاضر ما سنه الله. هذه كلمة كفر، يردّ قضاء الله بزعمه في ذلك، وقول بعضهم أنا متوجّه عليك بالله، هذا من الشّرك بالله، ومثل قول بعض العوام: الحديث ما غدى أحدًا ولا عشى أحدًا ونحو هذه الألفاظ كلمة كفر نعوذ بالله؛ لأنّ هذا استنقاص للسنّة نسأل الله العفو والعافية، وقول بعض العوام فلان ما يلقى في قبره إلّا الدّواب ونحو ذلك لا يجوز ذلك لأنّه اعتراض على الله، ومثل قولهم فلان المرحوم؛ بل يقول الله يرحمه لأنّه لا يدري والله أعلم.

(مسألة): ما يعمله بعض الجهّال من توديعهم الفطرة عند جار ونحوه الّذي يجيء يعطونها إيّاه وهذا لا يجزئ؛ لأنّهم لم يخرجوها على وجهها فلا يسقط قدر الفطرة من الثّمرة المكنوزة بل الّذين جربوه يقولون قدر وزنتين إلّا ثّلث.

(فائدة): وقال حذيفة -رضي الله عنه- لا تفرّ من الفتنة ما عرفت دينك
(1/689)

إنّ الفتنة إذا اشتبه عليك الحقّ بالباطل، وقال ابن الجوزي المحرم من الدّم هو المفسوح، ثمّ قال القاضي فأمّا الدّم الّذي يبقى في خلال اللّحم بعد الذّبح وما يبقى في العروق فمباح، قال المجد في شرح الهداية: وكذلك ما يبقى على اللّحم بعد السّفح فمباح حتّى لو مسه بيده فظهر عليها أو مسه بقطنة لم ينجس نصّ عليه، وبه قال الثّوري وابن عيينة وإسحاق وأبو يوسف. قال ابن قندس: فعلى هذا النّجس من الدّم هو المفسوح أو لا فقط. قال أبو العبّاس: إنّما حرّم الله الدّم المفسوح المصبوب المراق فأمّا ما يبقى في العروق فلم يحرمه أحد من أهل العلم والله أعلم.

(فائدة): قال في الإنصاف يجوز دفع الزّكاة إلى أقاربه الّذين لا تلزمه نفقتهم وإن كان يرثهم وهو المذهب انتهى، وقال في جمع الجوامع: هل يجوز دفع الزّكاة إلى من يرثه بفرض أو تعصيب أو لا؟ ثمّ قال يجوز: نقلها الجماعة واختارها جماعة، وقطع بها في المنور وفاقًا لأبي حنيفة وأصحابه، ومن لا تجب نفقته فيجوز الدّفع إليه إجماعًا ثمّ قال: ولا يخل القريب من غير عمودي النّسب إمّا أن تجب نفقته على الدّافع أو لا؟ فإن لم تجب جاز الدّفع إليه بلا نزاع أو وجبت ففيه روايتان، ومن كلام لأبي العبّاس شيخ الإسلام: يجوز الدّفع إلى الوالدين والولد إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن الانفاق عليهم وهو أحد القولين عن أحمد وما أخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنيّة الزّكاة وتسقط ولو لم يكن على صفتها. انتهى.
(1/690)

رسائل وفتاوى للشيخ سعيد بن حجي
...
رسائل وفتاوى
الشّيخ سعيد بن حجي
- 1 -
بسم الله الرحمن الرّحيم.

من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر كان الله له ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وجعلك من أعوانه وسر الخاطر ما ذكرت من نصر الله لدينه، فالله المحمود على ذلك وتسأل عن مسائل:
(الأولى): ما قول العلماء رحمهم الله في الهاشمة والمنقلة في الرأس إذا لم توضح، بل دمغت وهشمت ونقلت عظامها بعد ما شقوا الجلد ولحمته الفوقية ما حكم الدّية؟
(الجواب): اعلم أولًا أنّ الشّجاج العشر اسم لجراح الرّأس والوجه خاصة، فأمّا الهاشمة فهي التي توضح العظم أي تبرزه وتهشمه وتكسره ففيها عشر من الإبل، وأمّا إن ضرب رأسه فهشم العظم ولم يوضحه ففيه وجهان:
(أحدهما): فيه خمس من الإبل.
(والثّاني): تجب الحكومة وهو المذهب، وأمّا المنقلة فهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها بتكسرها وفيها خمس عشر من الإبل بالإجماع، وأمّا الدّامغة فليست من أولئك وأمّا إذا هشم العظم فقط وشق الجلد واللحمة الّتي فوق العظم ثمّ نقلت العظام.
فالجواب: إن كان ذلك بإذن المجني عليه وهو رشيد فلا شيء له أو بإذن وليه إن كان غير رشيد فلا شيء له، وإن فعله أجنبي بغير إذن فعلى الشّاق الّذي أوضح العظم خمس من الإبل وعلى منقل العظام خمس من
(1/691)

الإبل، وعلى الهاشم الأول خمس من الإبل، فإن تأملت كلام الفقهاء وتفصيلهم في الموضحة والجائفة وجدته كذلك والله أعلم.
(المسألة الثّانية): الأسنان إذا جني عليها وبقي لها سنوخ لم ينتفع بها المجني عليه هل يحكم بديتها تامة أم لا؟ الخ.
(الجواب): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنّ دية السّن خمس من الإبل، وإنّما يجب هذا الضّمان في سن من قد ثغر وهو الّذي أبدل أسنانه وبلغ حدًا إذا تلف سنه لم يعد بدلها، فأمّا سن الصّبي الّذي لم يثغر فلم يجب بقلعها في الحال شيء فإن مضت مدة يئس من عودها وجبت ديتها، وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها، لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة أو طويلة ففيها حكومة، وتجب دية السن فيما ظهر من اللثة لأنّ ذلك هو المسمى سنا وفي اللثة يسمى سنخا، فإذا كسر السن ثمّ جاء آخر فقلع السنخ ففي السن ديتها وفي السنخ حكومة، وإن قلعها الأول بسنخها لم يجب فيها أكثر من ديتها والله أعلم.
(المسألة الثّالثة): حضانة الأم إذا تزوجت وسقطت هل الجدة أم الأم أولى بالحضانة أم الأب؟
الحمد لله (الجواب): الحضانة واجبة كالإنفاق فالأم أحق بها من أبيه ثمّ أمهاتها القربى فالقربى، ثمّ أمهاتها إلى آخر كلامهم.
(المسألة الرّابعة): هل على سيدة الغلام إذا كان لها فيه شركة أن تحتجب عنه أم لا؟.
(الجواب): وللعبد النّظر إلى الوجه والكفّين من مولاته لقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النّور من الآية: 31]، فأمّا النّظر إلى شعرها فكرهه الحسن وأباحه
(1/692)

ابن عباس لقوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية، [النّور من الآية: 58]. وعبارة الإقناع وشرحه والعبد المشترك، وأفتى الموفق في المشترك أنّه كالعبد له نظر ذلك أي الوجه والرّقبة واليد والقدم والرّأس والسّاق من مولاته لقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الآية، إلى قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النّور من الآية: 31]؛ ولأنّه يشق على رب العبد التّحرز انتهى.
(المسألة الخامسة): إذا دفن ميت مسلم بغير تكفين أو تغسيل وهو ممن يغسل بلا عذر وهما فرضا كفاية ما الحكم؟
(فالجواب): لو دفن قبل الغسل من أمكن غسله لزم نبشه إن لم يخف تفسخه أو تغيره، ومثله من دفن غير متوجه إلى القبلة أو قبل الصّلاة عليه أو قبل تكفينه انتهى.
وذكر في المبدع ثماني صور في نبش الميت إلى أن قال: قال في الشّرح فإن تغير الميّت لم ينبش بحالٍ وكلّ موضعٍ أجزنا نشبه فالأفضل تركه. انتهى.
(المسألة السّادسة): إذا دفع إنسان إلى آخر دابته يرعاها بأجرة ثمّ دفعها الأجير إلى أجير آخر بغير إذن صاحب الدّابة فهلكت ما الحكم؟.
فإن أفتيتم بالضمان فهو على الأول أو على الثّاني أو هو مخير.
الحمد لله (الجواب): لا ضمان على الرّاعي إذا لم يتعد بلا نزاع فإن تعدى ضمن مثل أن ينام عنها أو يتركها تتباعد عنه أو تغيب عن نظره أو يسلك بها موضعًا تتعرض فيه للتلف انتهى، فإذا كان هو يضمن بهذه الأمور فإذا تعدى وآجرها غيره إذن فمن باب أولى، اللهم إلّا أن يكون محسنًا فلا يبعد عدم الضّمان، وأمّا ضمانها عليه فهو مبني على معرفة الأجير الخاص من المشترك والله أعلم.
(1/693)

- 2 -
بسم الله الرحمن الرحيم

فائدة لَخصها سعيد بن حجي على بعض الحساد لما اعترض عليه في معرفة وقت الظّهر:
أمّا بعد فلما رأيت بعض من يدعي العلم وليس بعالم اعترض علي في معرفة وقت الظّهر وهو لنفسه ظالم، فإنّه قد قيل بترك ما لا يعنيك يتم لك ما يغنيك فأحببت أن أبين له الدّليل ليكون كالدّواء للعليل فمن قبل الحق انتفع ومن أعرض عنه ذل وارتدع.
(فائدة): تجب في معرفة أوقات الصلاة لأنّها من شروطها، قال يحي بن محمد بن هبيرة الحنبلي الوزير -رحمه الله- في كتابه المسمى (الإفصاح) الّذي وضعه لما أجمع عليه العلماء وما اتفق عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه من مسائل الفقه، واختلفوا في وقت وجوب الصلاة، فقال مالك رحمه الله والشّافعي وأحمد تجب بأول الوقت، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة تجب بآخره، وأجمعوا على أنّ أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وأنّه لا يجوز أن يصلي قبل الزّوال انتهى.
وقال الإمام موفق الدّين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه (الكافي) الأولى هي الظهر لما روى أبو برزة الأسلمي قال كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشّمس يعني تزول. متفق عليه، وأوّل وقتها إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الّذي زالت الشمس عليه لما روى ابن عباس عن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظّهر
(1/694)

في المرة الأولى حين زالت الشّمس والفيء مثل الشراك، ثمّ صلّى بي في المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله وقال الوقت ما بين هذين" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ويعرف زوال الشّمس بطول ظل بعد تناهي قصره انتهى.
وقال الشّارح: يعني صاحب الشرح الكبير على المقنع والظهر هي الأولى ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الّذي زالت عليه الشمس، ومعنى زوال الشمس ميلها عن وسط السّماء وإنّما يعرف ذلك بطول الظل بعد تناهي قصره لأنّ الشمس حين تطلع يكون الظل طويلا وكلما ارتفعت الشمس قصر الظل، فإذا مالت عن كبد السماء شرع في الطول فذلك علامة زوال الشمس.
فمن أراد معرفة ذلك فليقوم ظل شيء ثم ليصبر قليلا ثم يقوم ثانيا فإن نقص لم يتحقق، وإن زاد فقد زالت الشمس، وكذلك إن لم ينقص لأن الظل لا يقف فيكون قد نقص، وتعجيلها في غير الغيم أفضل بغير خلاف علمناه، ويستحب تأخيرها في شدة الحر، قال القاضي إنّما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في البلاد الحارة ومساجد الجماعات.
فأمّا صلاة الجمعة فلم ينقل أنّه -صلّى الله عليه وسلّم- أخرها، بل كان يعجلها. ثمّ العصر وهي الوسطى، وأول وقتها من خروج وقت الظّهر وآخره إذا صار ظل الشيء مثليه سوى ظل الزوال اه من الإقناع، وهو قول مالك والشّافعي. وعنه ما لم تصفر الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها لوقتها وتعجيلها أفضل بكل حال اه.
(1/695)

وقال في الكافي: وتعجيلها أفضل بكل حال لقول أبي برزة في حديثه كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يصلي العصر ثمّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية. متفق عليه انتهى، وقد نظم بعض العلماء معرفة وقت الظّهر والعصر فقال:
يا سائلي عن زائد الظّل والقصر ... وظل زوال هاك وصفا على العصر
فخذ أنت عودًا ذا اعتدال وطوله ... كشبر وإن زاد القياس على الشّبر
ومن بعد فانصبه بأرض سوية ... لتعلم كون الظّل في دائم الدّهر
فما زال في نقص فزده بنقصه ... إلى أن تراه واقفًا زائد القدر
فأوّل وقت للزّوال زيادة ... وحين زوال الشّمس من أوّل الظّهر
وكن عارفًا للظّل كم قد مضى به ... لتعلم تحقيق الصّواب من القدر
وصف سبعة الأقدام فوق الّذي مضى ... فذلك حقٌ أوّل الوقت للعصر
وقال في الإقناع: طول ظل كل إنسان سبعة أقدام بقدم نفسه تقريبًا إلا ثلث قدم اه.
فقد عرفت رحمك الله تعالى ممّا مرّ أنّ أول وقت الظهر الزوال بالإجماع، وأنّ الزّوال يعرف بطول الظل بعد تناهي قصره، وأن آخره إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزّوال، وأن تعجيلها أفضل لا مستثنى وأن أول وقت العصر من حين خروج وقت الظهر، وأن تعجيلها أفضل بكل حال، فمن اتضح له الحق وبان فليرجع فإن الصواب يقبله أولو الألباب، ولكنه عدل إلى فعل الحسود، وقد قيل: إنّ الحسود ما يسود لا سيما أن عرفت مذهب المعترض -إن كان له مذهب- هو ما قاله ابن هبيرة فيما مر وهو قوله: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة تجب بآخره اه.
(1/696)

فإن تاب المعترض بعد هذا وبين وإلا فيزع الله بالسلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن وبالله التّوفيق، ونسأل الله أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا، ونعوذ بالله من علم لا ينفع وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

- 3 -
بسم الله الرحمن الرحيم.

من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من جهة القضاء فهو جمرة من الغضا إلا من عصمه الله بالتقوى ومنها القوة والأمانة فالأمانة العلم والقوة تنفيذه والعمل به، وقد جاءك مني رسالة فيما مضى فيها مقدمة فيها فوائد فلا بأس لو راجعتها. وتسأل فيه عن مسائل:
(الأولى): هل الإقالة لها خيار مجلس كالبيع أم لا؟
فالجواب: -وبالله التوفيق- ليس لها خيار مجلس لأنها ليست بيعًا ولا بمعناه وإنّما هي فسخ للعقد من أصله فلا فيها خيار مجلس وتجوز الإقالة في دين السلم، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم؛ لأنّها فسخ للعقد إذا قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة هذا المختار عند الموفق والشّارح وصاحب المبدع وغيرهم يعني قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة.
(المسالة الثّانية): إجارة الإنسان نفسه أو غيره بجزء مشاع من ثمرة زرع أو نخل قبل بدو صلاحها هل يجوز إلى آخره؟
(1/697)

(فالجواب): يشترط معرفة الأجرة بما تحصل به معرفة الثمن بغير خلاف نعلمه، لأنه -صلّى الله عليه وسلّم- نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره. رواه أحمد إلا أنه يصح استئجار الأجير بطعامه وكسوته. روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى -رضي الله عنهم- لما تقدم من قوله -صلّى الله عليه وسلّم- "رحم الله أخي موسى" الخبر، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وإنّ العادة جارية به من غير نكير فكان كالإجماع، ولأنه مقيس على الظّئر، وكذلك الظئر إجماعا لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} [الطلاق: من الآية: 6]، وقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: من الآية: 233]، اه ملخصًا من المبدع، فقد علم السّائل أنه لا بد من معرفة الأجرة وأنّها لا تصح مجهولة إلا في الظئر بالنص أو في الأجير بطعامه وكسوته بدليل فعل الصّحابة ولأنه مقيس على الظئر.
(المسألة الثّالثة): عمد الصّبي والمجنون هل هو في ماله أو عاقلته؟ الخ.
(فالجواب): عمد الصبي والمجنون خطأ لا قصاص فيه؛ لأنه عقوبة وغير المكلف ليس من أهلها، والدية على العاقلة حيث وجبت في الخطأ والكفارة وما جرى مجراه اه، وعبارة غيره وجناية الصبي والمجنون الخ.
(المسألة الرابعة): إذا دفع بعيره إلى آخر يرعاه مدة معلومة بأجرة معلومة ثم هلك البعير بآفة سماوية إلى آخره ما الحكم؟
(فالجواب): تنفسخ الإجارة بتلف المعقود عليه كدابة نفقت أو عبد مات؛ لأن المنفعة زالت بالكلية بتلف المعقود عليه فانفسخت كتلف المبيع قبل قبضه وله أحوال ثلاثة: أن تتلف بعد مضي بعض المدة فافسخ فما بقي من المدة خاصة في الأصح اه مبدع وغيره، لكن تسقط الأجرة بأن يكون أجرها في الصّيف أكثر من الشّتاء أو العكس.
(1/698)

(المسألة الخامسة): المقدر من الشجاج كالموضحة إذا كانت لم تبن حين الجناية ثمّ بانت بعد مدة بسبب معالجة الدواء هل يحكم بذلك أم لا؟
(الجواب): الموضحة هي التي توضح العظم؛ أي: تبدي بياضه، أي: تبرزه ولو بقدر رأس إبرة، وموضحة الوجه والرّأس سواء، وفيها إن كانت من حر مسلم ولو أنثى خمس من الإبل لحديث عمرو بن حزم رواه الخمسة، ولا يعتبر إيضاحها للناظر، فلو أوضحه برأس مسلة أو إبرة وعرف وصولها إلى العظم كانت موضحة فحد الموضحة ما أفضى إلى العظم اه كلامهم ولم يذكروا ما أبرزه الدواء.
(المسالة السّادسة): ما حد الجائفة في القرب والبعد؟
(فالجواب): قال: وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى الجوف وهذا قول عامة أهل العلم، والجائفة ما وصل غاى باطن الجوف من بطن أو ظهر أونحر أو صدر أو ورك وغيره؛ فإن جرحه في جوفه فخرجت من الجانب الآخر فهي جائفة هذا القول أكثر أهل العلم، قال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، ولما روي أن رجلًا رمى رجلًا بسهم فأنفذه فقضى أبو بكر بثلثي الدية ولا مخالف له فيكون إجماعًا. أخرجه سعيد اه مغني فقد علمت أنّه لا يعتبر القرب والبعد، بل متى نفذ إلى الجوف وجبت الدية.
(المسألة السابعة): إذا كان إنسان في بلد ومال في آخر هل الزكاة تتبع البدن أم المال؟
(الجواب): إذا كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده أي المال نص عليه؛ لأن المال سبب الزكاة، وأما زكاة الفطر فيخرجها في
(1/699)

البلد الذي هو فيه، هكذا ذكر الفقهاء في كتبهم. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمّد وآله وصحبه وسلم.

- 4 -
بسم الله الرحمن الرحيم.

من سعيد بن حجي إلى جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وتسأل فيه عن مسائل:
(الأولى): العاقلة الذين يعقلون في الدية ما حدهم الذي ينتهون إليه في البعد والقرب؟
(فالجواب): -وبالله التوفيق- لا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوى الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات ليس هم من العاقلة وسائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا من النسب والولاء، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز وحماد ومالك والشّافعي ولا أعلم عن غيرهم خلافهم ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا -إلى أن قال- وليس على فقير من العاقلة ولا صبي ولا زائل عقل حمل شيء من الدية. وأكثر أهل العلم على أنّه لا مدخل لأحد من هؤلاء في تحمل العقل.
قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان، وأجمعوا على أنّ الفقير لا يلزمه شيء وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرّأي اه مخلصًا من المغني، فقد علمت أنّ العاقلة العصبات الّذين يرثون بالتعصيب وأنّهم يعصبون وإن حجبوا، وأن الفقير والمرأة والصبي لا عقل لهم.
(1/700)

(الثّانية): عورة المرأة إذا جني عليها هل للرجال النظر إليها من غير ذوي محارمها كالنّظر للطبيب عند الحاجة أم لا؟
(الجواب): ونعم. له ذلك واعلم أنّ الطبيب اسم للعالم بالطب وهو في الأصل الحاذق في الأمور، ويعرف العلة بالتّأمل وغيره، قال الفقهاء في باب تحريم نظر الرجل إلى الأجنبية: وللطبيب نظر ولمس ما ندعو الحاجة إلى نظره ولمسه من جميع بدنها من العورة وغيرها، وليكن ذلك مع حضور محرم أو زوج. اه.
(الثّالثة): إذ جنى الزوج على زوجته وألقت جنينًا ميتًا هل تجب عليه الغرة ولا يرث منها أم لا؟
(فالجواب): إذا شربت الحامل دواء وألقت جنينًا فعليها غرة عبد أو أمة ولا ترث منها شيئا لأن القاتل لا يرث المقتول وتكون الغرة لسائر ورثته وعليها عتق رقبة وليس في هذا اختلاف بين أهل العلم نعلمه، ولو كان الجاني المسقط الجنين أبًا أو غيره من ورثته فعليه غرة لا يرث منها شيئا ويعتق رقبة وهذا قول الزّهري والشّافعي وغيرهما قاله في المغني.
(الرّابعة): إذا قتل امرأة حاملًا خطأ هل تجب الدّية والغرة معا أم لا؟.
(فالجواب): ولو قتل حاملا فلم اسقط جنينها فلا شيء فيه لأنّه لا يثبت حكم الولد إلّا بخروجه اه اقناع وشرحه، وعبارة الكافي وإن قتل فلم يسقط لم يضمن جنينها لعدم اليقين لحملها اه، وكذا قال الزّركشي وغيره، وكذا قال ابن المقري الشّافعي في شرح الإرشاد فقد علمت أن قاتل الحامل ليس عليه إلا الدّية إذا لم يسقط جنينها.
(المسألة الخامسة): إذا دفع ولي الأمر زكاة أهل بلد إلى أمير تلك
(1/701)

البلد أو بعضها لنوائبه وما يتعلق به وأراد المعطى أن يعطي غيره ممن ليس من أهلها هل تحل للمعطي الثّاني كما إذا دفع إلى المسكين فأهدى إلى الغني لا يجوز؟
فالجواب: -وبالله التوفيق- اعلم أنّ الله تعالى حصر الزّكاة في ثمانية أصناف بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: من الآية 60]، وهذا إجماع، قال الموفق وغيره من الحنابلة: وأربعة يأخذون أخذًا مستقرًا. لا يرجع عليهم بشيء: الفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة؛ لأنّهم ملكوها ملكًا مستقرًا، وأربعة يأخذون أخذًا مراعي: الرّقاب والغارمين والغزاة وابن السّبيل إن صرفوه فيما أخذوا له وإلّا استرجع منهم، وكذا إن فضل معهم شيء بعد قضاء ما أخذوا له استرجع منهم، فقد علمت أنّ الأصناف الأربعة المتقدمة وهم: الفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة، يملكون ما أخذوه من الزّكاة فعلى هذا يملكون جميع التّصرفات فيه، ولا يحرم على غيرهم ما أخذه منهم هبة أو صدقة أو نحوهما والله أعلم.
(السّادسة): إذا أسلم إنسان إلى آخر في نخل أو زرع أو غيرهما من الثّمار بعد بدو صلاحه وحلول بيعه هل هو سلم صحيح أم لا يجوز التّعيين ولو قد بدأ فيه الصّلاح الخ؟
فالجواب: -وبالله التّوفيق- إذا أسلم في نمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة أو في نتاج فحل بني فلان أو غنمه لم يصح؛ لأنّه لم يأمن تلفه وانقطاعه أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معلوم أو صنجة بعينها دليل الأصل ما روي عن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه أسلف إليه اليهودي من ثمر حائط بني فلان فقال النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- "أما من حائط بني فلان فلا" رواه ابن ماجه ورواه الجوزاني
(1/702)

وفي المترجم قال: أجمع العلماء على كراهة هذا البيع، قال ابن المنذر المنع منه كالإجماع لاحتمال الجائحة.
ونقل أبو طالب وغيره يصح إذا بدأ صلاحه واستحصل ويعارضه ما سبق اه مبدع، وعبارة الشّرح الكبير، وقال ابن المنذر إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، منهم الثّوري ومالك والشّافعي والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرّأي اه، وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك، فقد علمت أنّ العقد المسؤول عنه ليس بصحيح، وإنّ الخلاف فيه ضعيف والله أعلم.
(السّابعة): نصاب السرقة الّذي نفهم ثلاثة دراهم أو أربع دينار، وقدروا المائتي درهم في نصاب الزّكاة واحدًا وعشرين ريالًا فعليه بم يقدر نصاب السرقة الآن من الجدد والذهب والفضة؟
(فالجواب): نصابٍ السرقة في قدره إختلاف كثير ومعرفة الدينار وهو المثقال والدرهم أيضا صعبة لتغير النّقدين وزنًا وغشًا ونقص حب الشّعير الّذي يعرف به المثقال والدّرهم، والجدد عرض من العروض ليست من النّقدين والحدود تدرأ بالشّبهات، فنقول الله أعلم وصلى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.

- 5 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم.

من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه. وسر الخاطر سؤالك وورعك عن القول بلا علم، لكن نذكر
(1/703)

قبل الشّروع في المرام مقدمة نافعة إن شاء الله لمن تأملها وعمل بها. قال ابن القيّم في أعلام الموقعين:
(فصل): وكان السّلف من الصّحابة والتّابعين يكرهون الشّروع في الفتوى ويود أحدكم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنّها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسّنة وأقوال الخلفاء الرّاشدين، ثمّ أفتى، وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أراه قال في المسجد فما كان منهم أحد يحدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلّا ود أن أخاه قد كفاه الفتيا.
قال ابن عباس أن كل من أفتى النّاس في كل ما يسألون عنه لمجنون وقال سحنون بن سعيد أجسر النّاس على الفتيا أقلهم علمًا اه ملخصًا. وقال في كتاب آداب الفتيا اعلم أنّ الأفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل لكنه معرض للخطأ أو الخطر، ولهذا قال المفتي موقع عن الله تعالى قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من النّاس، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتّى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رؤساء جهالًا يفتون بغير علم فضلّوا وأضلّوا" رواه الشّيخان، وعن ابن مسعود: عسى رجل أن يقول أنّ الله أمر بكذا أو عني كذا وكذا ويقول الله له كذبت. رواه الطّبراني.
وعن الشّافعي وقد سئل عن مسألة فسكت ولم يجب، فقيل له ألا تجيب؟ فقال حتى أدري أن الفضل في سكوتي أو في الجواب، وعنه أنّه ربّما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول:
(1/704)

من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنّة والنّار وكيف خلاصه ثمّ يجيب، وعن أبي حنيفة أنّه سئل عن تسع مسائل فقال فيها لا أدري، وعن الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول لا أدري وذلك لما عرف من الأقاويل انتهى ملخصًا.
ومن كان يهوى أن يرى متصدرًا ... ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
إذا تم ذلك فلنرجع إلى المسائل المسؤول عنها:
(الأولى): تضمن السؤال عنها أن جماعتكم يكرون الأرض للزرع بطعام معلوم من جنس ما يخرج منها فأصاب الزّرع جائحة أذهبته أو بعضه وأنّك قلت للأمير يحط من الكراء قدر ما أذهبت الجائحة، فإن كان ذهب الزّرع كله فهل على العامل شيء من الكراء؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق- نذكر لك شيئًا من كلام الفقهاء لعل الحق يتبين لك، قال في المغني: أمّا إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها ففيه روايتان:
(إحداهما): المنع وهي قول مالك لما تقدم من الأحاديث.
(والثّانية): جواز ذلك وهو قول أبي حنيفة والشّافعي انتهى.
وأمّا قدر وضع الجائحة من الكراء فقال في المغني أيضًا: ومتى غرق الزّرع أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو غير ذلك فلا ضمان على المؤجر ولا ضمان على المكتري نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا، وهو مذهب الشّافعي؛ لأن التّالف غير المعقود عليه وإنّما تلف مال المكتري فيه فأشبه من اكترى دكانًا فاحترق متاعه فيه، ثمّ إن أمكن المكتري الانتفاع بالأرض بغير الزّرع أو بالزّرع في بقية المدة فله ذلك فالأجر لازم له؛ لأن تعذره لفوات وقت
(1/705)

الزّراعة بسبب غير مضمون على المؤجر لا لمعني في العين انتهى كلامه.
وقال في الإنصاف: متى زرع فغرق أو تلف أو لم ينبت فلا خيار له وتلزمه الأجرة انتهى.
وهذا مذهب متأخري الحنابلة، ثمّ قال في الإنصاف: وإن تعذر زرعها لغرقها فله الخيار، وكذا له الخيار لقلّة ماء قبل زرعها أو بعده أو عابت بغرق تعيب به بعض الزّرع، واختار الشّيخ تقي الدين ابن تيمية أو برد أو نار أو تعذر قال أمضى العقد فله الأرش كعيب الأعيان فإن فسخ فعليه القسط قبل القبض ثمّ أجرة المثل إلى كماله انتهى.
وقال في الإنصاف أيضًا: لا جائحة في غير النخل، واختار الشّيخ تقي الدين الجائحة في زرع مستأجر وحانوت نقص نفعه عن العادة وحكم به أبو الفضل بن حمزة في حمام انتهى. فتنبّه لقوله: وإن تعذر زرعها لغرقها إلى قوله بعض الزرع؛ فإنّه غير الّذي قبله، فهذا كلام الفقهاء كما ترى.
(الثّانية): أن عندكم من يساقي على النخل بمئات أو آلاف من الثّمرة لصاحب النّخل هل من أجاز هذا إذا أصاب الثّمرة جائحة يحط عن العامل قدر الجائحة أم لا؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: ليس هذه مساقاة وإنّما المساقاة أن يدفع الرّجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره فهذه جائزة لحديث ابن عمر قال: عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أهل خيبر بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع حديث صحيح متّفق عليه.
والإجماع منعقد على جوازها، وأمّا إجارة الشّجر كالمسألة المسؤول عنها فقال في الإنصاف: ولا تجوز إجارة أرض أو شجر كحملها حكاه أبو عبيد إجماعًا، وجوّزه ابن عقيل تبعًا للأرض ولو كان الشّجر أكثر، اختاره الشّيخ
(1/706)

تقي الدّين بل جوز إجارة الشّجر مفردًا ويقوم عليه المستأجر كأرض الزّرع، فإن تلفت الثّمرة فلا أجرة، وإن نقصت عن العادة فالفسخ أو الأرش لعدم المنفعة المقصودة بالعقد كجائحة انتهى.
فقد علمت -رحمك الله- أنّ من أجاز إجارة الشّجر إذا أصابته جائحة يحط عن العامل قدرها وإن أذهبت جميع الثّمرة فلا شيء على العامل.
(الثّالثة): هل حكم من جامع وهو صائم قضاء رمضان كمن جامع في نهار رمضان في إيجاب الكفّارة عليه عند من أوجبها أم لا؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: لا كفارة على من جامع وهو صائم في قضاء رمضان لعدم حرمة الزّمان. قال الموفق في الكافي: ولا تجب الكفارة بالوطء في غير رمضان لعدم حرمة الزّمان انتهى.
وقال في المبدع والإقناع نحو ذلك، وقال في الذّيل وشرحه للشّافعية: لما ذكر الكفّارة على من أفسد صوم رمضان بالجماع: فلا كفارة على من أفسده بغير جماع أو بجماع في غير رمضان كنذر وقضاء لأنّ النّص إنّما ورد في إفساد صوم رمضان بجماع اه.
(الرّابعة): من أوجب النية للصّوم الواجب من اللّيل هل محلها كلّه حتّى يطلع الفجر أم تختص بوقت من اللّيل؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الشّرح الكبير ولا يصح صوم واجب إلّا أن ينويه من اللّيل وهو مذهب مالك والشّافعي انتهى. وفي الكافي عن حفصة عن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: "من لم يبيّت الصّيام من اللّيل فلا صيام له" رواه أبو داود انتهى.
وقال في المبدع: ولا يصحّ صوم واجب إلّا أن ينويه من اللّيل لما روى ابن عمر عن حفصة أن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: "من لم يجمع الصّيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الخمسة، وعن عائشة
(1/707)

مرفوعًا: "من لم يبيّت الصّيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الدارقطني، وظاهره أنّه في أيّ وقت من اللّيل نوى أجزأه لإطلاق الخبر وسواء وجد بعدها ما يبطل الصّوم كالجماع والأكل أو لا. نص عليه انتهى كلام صاحب المبدع على المقنع ملخصًا. فقد عرفت أنّه متى نوى من اللّيل قبل الفجر في الصّوم الواجب صحّت منه.
(الخامسة): قول الفقهاء: لا يقبل في الطّلاق إلّا شهادة رجلين عدلين هل دليلهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه إلى آخره، هل هناك نصّ غير هذا الحديث؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قد ذكر الفقهاء أنّ ما ليس بعقوبة ولا مال ويطلع عليه الرّجال غالبًا كنكاح وطلاق ورجعة ونسب إلى آخره لا يقبل فيه أقل من رجلين لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: من الآية: 2]، قاله في الرّجعة والباقي قياسًا انتهى.
وقد ذكر شارح رسالة ابن أبي زيد المالكي نحوًا من ذلك، وعن أحمد رواية أخرى يقبل فيه رجل وامرأتان، وقال القاضي: النّكاح وحقوقه لا يثبت إلّا بشاهدين وما عدا يخرج فيه رويتان، والأولى هي المذهب عند متأخري الحنابلة. وأمّا حديث عمرو بن شعيب فقال في إعلام الموقعين لابن القيّم: وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم-: "إنّ المرأة إذا أقامت شاهدًا واحدًا على الطّلاق فإن حلف الزّوج أنّه لم يطلق لم يقض عليه وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضى عليه". وقد احتج الأئمّة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، ولا نعرف في أئمّة الفتوى إلّا من احتاج إليها، واحتج بها في هذه الحكومة أنّه يقضى في الطّلاق وما يقوم مقام
(1/708)

شاهد آخر من النّكول ويمين المراة. انتهى ملخصًا.
(السّادسة): كفارة الظّهار إذا كان المظاهر لا يملك إلّا ثمن الرقبة هل تلزم أم لا؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الكافي بعد ما ذكر الآية والحديث في كفارة الظّهار: فمن ملك رقبة أو مالا يشتري به رقبة فاضلًا عن حاجته لنفقته وكسوته ومسكنه وما لا بدّ له منه من مؤنة عياله ونحوه لزمه العتق لأنّه واجد، وإن كانت له رقبة لا يستغني عن خدمتها لم يلزمه عتقها؛ لأنّ ما استغرقته حاجته كالمعدوم انتهى، وقال غيره نحو ذلك حتى قالوا: إن كان عليه دين ولو لم يكن مطالبًا به أو له دابة يحتاج إلى ركوبها أو كان له رقرق يتقوت بخراجهم أو له عقار يحتاج إلى غلته أو عرض للتّجارة ولا يستغني عن ربحه في مؤنته ومؤنة عياله وحوائجه الأصلية لم يلزمه العتق؛ يعني وينتقل إلى الصّوم، وقال في الإرشاد للشّافعية نحو ذلك.
(السّابعة): إذا انتقل المظاهر إلى صيام شهرين هل يشترط أن لا يكون فيهما يوم عيد؟ وهل من أفطر فيهما شيئًا من الأيام يكفيه قضاء ذلك اليوم ونحوه أم يستأنف شهرين متتابعين؟
(فالجواب): وبالله التّوفيق: قال في الكافي ومن لم يجد رقبة وقدر على الصّيام لزمه صيام شهرين متتابعين، وإن شرع في أوّل شهر أجزأه صيام شهرين بالأهلة تامين كانا أو ناقصين، فإن دخل في أثناء شهر صام شهرًا بالهلال وأتم الشّهر الّذي دخل فيه بالعدد ثلاثين يومًا، فإن أفطر يومًا لغير عذر لزمه استئناف الشّهرين لأنّه أمكنه التتابع، وإن حاضت المرأة أو نفست أو أفطرت لمرض مخوف أو جنون أو إغماء لم ينقطع التتابع؛
(1/709)

لأنّها لا صنع لها في الفطر، وإن أفطر لسفر فظاهر كلام أحمد أنّه لا ينقطع التتابع؛ لأنّه عذر مبيح للفطر أشبه المرض، ويتخرج في السّفر والمرض غير المخوف أنّه ينقطع التتابع؛ لأنّه أفطر باختياره، وإن أفطر يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التّشريق لم ينقطع به التتابع؛ لأنّه فطر واجب ويكمل الشّهر الّذي أفطر فيه يوم الفطر ثلاثين يوما لأنّه بدأ من أثنائه، وإن صام ذي الحجة قضى أربعة أيّام حسب بعد ما أفطر؛ لأنّه بدأ من أوّله، وإن قطع صوم الكفارة بصوم رمضان لم يقطع التتابع؛ لأنّه زمن منع الشّرع صومه في الكفارة أشبه زمن الحيض انتهى.
(الثّامنة): وهل المرأة الّتي ظاهر منها زوجها إذا تمت عدتها تزوج إذا لم يفعل زوجها ما وجب عليه وتصير مظاهرته محل طلاق أم كيف الحكم؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: لا يكون الظّهار طلاقًا وإن نوى به الطّلاق أو صرح به قال في الإقناع وشرحه: وإن قال لزوجته أنت عليّ كظهر أمّي، فهو ظهار ولا يقع به الطّلاق ولو نواه ولو صرح به، فقال بعد قوله أنت عليّ كظهر أمّي أعني به الطّلاق لم يصر طلاقًا لأنّه لا تصلح الكناية عنه، ذكره في الشّرح والمبدع انتهى، وقال في الكافي وغيره نحو ذلك، وقال في الإرشاد للشّافعية: إذا قال لزوجته: أنت حرام كظهر أمّي فله أحوال إلى أن قال الخامس أن ينعكس فينوي بالحرام الظّهار وبالآخرة الطّلاق فيصح الظّهار فقط؛ لأنّ قوله كظهر أمّي لا يصلح كناية عن الطّلاق اه.
وقاله في شرح الرّسالة، وأمّا حكم الظّهار فقال أيضًا في الإقناع وشرحه ويحرم على مظاهر منها الوطء قبل التّكفير للآية ولحديث ابن عبّاس ومن مات منهما ورثه الآخر، ولو مات أحدهما أو طلقها المظاهر
(1/710)

قبل الوطء فلا كفارة عليه، وإن عاد المظاهر فتزوجها لم يطأها حتى يكفر اه ملخصًا، وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك.
وأمّا إذا ظاهر من زوجته ولم يكفر إضرارًا بها بلا عذر وطلبت زوجته منه ذلك فقد ذكر بعض فقهاء الحنابلة أنّ حكمه كحكم المولي من زوجته فتضرب له مدة أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر ولم يكفر ويطأ أو يفيء: لسانه إن كان له عذر ورافعته إلى الحاكم أمره الحاكم بذلك، فإن أبى أمره الحاكم بالطّلاق إذا طلبته الزّوجة، فإن لم يطلق طلق الحاكم عليه بعد طلب الزّوجة، فلو طلق عليه الحاكم طلقة أو طلقتين أو فسخ صح ذلك لأنّ الحاكم قائم مقام الزّوج؛ لأنّه نائبه انتهى ملخصًا وذلك يوم الاثنين السّابع من شهر ربيع أوّل سنة 1318 ه.

- 6 -
بسم الله الرحمن الرّحيم.

من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان وفقه الله للإيمان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الكتاب وتقول أفتنا في مسائل ممّا تفضل الله به عليك:
(الأولى): هل يجوز رهن ثمرة النخل قبل بدو صلاحها وإلا تتبع للأصول، وهل يجوز رهن الزّرع الأخضر قبل اشتداد حبه أم لا؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق وبه الثّقة-: نعم يجوز. قال الموفق -رحمه الله-: (باب ما يصلح رهنه وما لا يصلح) إلى أن قال: ويصحّ رهن الثّمرة قبل بدو صلاحها والزّرع الأخضر مطلقًا وبشرط التّبقية لأنّ الغرر يقل فيه لاختصاصه بالوثيقة مع بقاء الدّين بحاله بخلاف البيع اه. وكذا قال غيره من فقهاء الحنابلة ولا شيء يرده.
(1/711)

(الثّانية): إذا قال لزوجته أنت طالق إلى مكة ونحوها ما حكم هذه اللفظة؟
(الجواب): قال في الإقناع وشرحه: وإن قال أنت طالق إلى مكة ولم يرد بلوغها مكة، أو قال: أنت طالق بعد مكة طلقت في الحال ويأتي ذلك في باب الطّلاق في الماضي والمستقبل اه. وكذا قال في الإنصاف اه. فقد علمت أنّه إذا قال ذلك في الحال، وإنّه إذا نوى بلوغ مكة لم تطلق حتّى تبلغها.
(الثّالثة): هل لأب المرأة أن يأخذ صداقها أو بعضه أم لا؟
(الجواب): نعم له ذلك بشروط واستدل الفقهاء بجوازه بقصّة شعيب، مع موسى، وبقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: "أنت ومالك لأبيك" وبقوله -عليه السّلام-: "أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" رواه أبو داود والتّرمذي وحسنه هذا ممّن كان لا يصح تملكه من مال الولد على ما تقدم تفصيله في الهبة، ومن شرطه أنّه لا يجحف بمال البنت، قال في المجرد وابن عقيل والموفق والشّارح: وهذا مذهب المتأخرين، وقال الثّوري وأبو عبيد يكون كله للمرأة وكلام الحنابلة أقرب على شروط تملك الأب من مال الولد في الهبة فليراجع والله أعلم.
(الرّابعة): إذا كان لإنسان بناء مشرف على جاره وهذا البناء سابق متقدم على جاره وطلب منه الجار الحادث سترة نفسه عن الإشراف عليه هل يدفع الضّرر المتقدم أم لا؟
(فالجواب): لم نقف على تفرقة بين البناء المتقدم والحادث وإنّما ذكروا في المغني والشّرح وغيرهما أنّه إذا كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر فليس لصاحب العلو الصّعود على وجه يشرف على جاره إلا أن يبني سترة تستره؛ لأنّه إضرار بجاره ويشرف على حرمه فأشبه ما لو اطّلع إليه من
(1/712)

ظاهر بابه، وقد دل على المنع قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: "لو أن رجلًا اطّلع عليه وخذفه بحصاه ففقأت عينه لم يكن عليه جناح" اه. لكن قال في الإقناع والرّوض المربع: فإن استويا اشتركا وأيّهما أبى أجبر مع الحاجة إلى السترة اه.
(الخامسة): التّكبير في ليلة عيد الفطر هل هو مطلق أو مقيد بعد الفرائض؟
(فالجواب): هو مطلق غير مقيد، قال القاضي: والتّكبير في الفطر مطلق غير مقيد، وقال أبو الخطّاب: يكبّر من غروب الشّمس إلى خروج الإمام إلى المصّلى اه كافي، وعبارة المقنع وشرحه يسنّ التّكبير في ليلتي العيدين وفي الفطر آكد اه.
(السّادسة): إذا حملت من لا زوج لها ولا سيّد هل تحد بمجرّد الحمل أم لا؟ وإن أدعت شبهة ها يقبل منها؟
(الجواب): المسألة فيها خلاف قديم ولا يمكننا التّكلم فيها إلّا عند الحاجة، وأمّا إذا أدعت شبهة فلا خلاف أنّ الحدّ يدرأ عنها بالشّبهات، قاله في المغني.
(السّابعة): هل يجوز بيع الدّين لغير من هو في ذمّته إلى آخره؟
(فالجواب): أمّا بيع دين السّلم قبل قبضه فقال في الشّرح وغيره لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه بغير خلاف علمناه؛ لأنّه -صلّى الله عليه وسلّم- نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه وعن ربح ما لم يضمن اه وهذا المفتى به.
والرّواية الثّانية عن أحمد أنّه يجوز وقاله الشّيخ تقي الدّين فمعناه بقدر القيمة لئلا يربح فيما لم يضمن، ولا يجوز أخذ غيره مكانه. وبه قال أبو حنيفة والشّافعي، وعن ابن عبّاس قال: إذا أسلمت في شيء إلى أجل
(1/713)

فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عرضًا أنقض منه ولا تربح مرتين رواه سعيد. ولنا قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: "من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره" رواه أبو داود وابن ماجه.
وأمّا بيع الدّين غير دين السّلم فيجوز بيع الدين المستقر لمن هو في ذمّته بشرط أن يقبض عوضه في المجلس ولا يجوز لغيره لحديث ابن عمر كنّا نبيع الإبل إلى آخره، فدلّ على جواز بيع ما في الذّمة من أحد النّقدين بالآخر وغيره مقاس أو دلّ على اشتراط القبض في المجلس قوله: "لا بأس أن يأخذها بسعر يومها ما لم يتفرقا وليس بينهما شيء"رواه أبو داود والأثرم، فإن باع الدّين لغير من هو في ذمّته لم يصح. وبه قال أبو حنيفة والثّوري وإسحاق اه من الشّرح الكبير، ويوضحه عبارة الإقناع قال: ويصحّ بيع دين مستقر من ثمن وقرض ومهر بعد دخول وأجرة استوفى نفعها أو فرغت مدّتها وأرش جناية وقيمة متلف ونحوها لمن هو في ذمّته ورهنه له بحقّ له ولا يصحّ بيعه لغيره اه. وعبارة مختصر المقنع وشرحه: ويصحّ بيع دين مستقرّ كقرض وثمن بيع لمن هو عليه بشرط قبض عوضه في المجلس اه.
(الثّامنة): إذا عقد على امرأة هل يلزمه نفقة لها قبل الدّخول بها أم لا؟ وإذا دخل بها وتحول إلى مسكنه هل لها عليه نفقة؟
(فالجواب): قال الموفّق: باب نفقة الزّوجات يجب على الرجل نفقة زوجته وكسوتها بالمعروف إذا أسلمت نفسها إليه ومكنته من الاستمتاع بها كما روى جابر أنّه-صلّى الله عليه وسلّم-قال: "اتقوا الله في النّساء فإنهنّ عوان عندكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف". رواه مسلم، فإن امتنعت من تسليم نفسها التّسليم
(1/714)

التّام فلا نفقة لها، وإن عرضت عليه التّمكين التّام وهو حاضر لزمته النّفقة وإن كان غائبًا لم تجب حتّى يقدم هو أو وكيله، وإن لم تسلّم إليه ولم تعرض عليه فلا نفقة عليه، ولو عرضت صغيرة لا يوطأ مثلها فلا نفقة لها اه ملخصًا, فقد علمت أنّ المرأة بعد العقد وقبل الدّخول لا نفقة لها إلّا أن تمكنه من نفسها لتمكين التّام أو تعرض عليه، وإنّه إذا دخل بها ومكّنته من نفسها التّمكين التّام أنّ لها النّفقة والكسوة.
(التّاسعة): إذا طلقت المرأة وحاضت حيضة أو حيضتين ثمّ أمسك عنها ولا تدري ما رفعه حتّى مضت سنة بعد ما أمسك عنها الدّم هل تتزوّج والحالة هذه أم لا؟
(الجواب): نعم تتزوّج بعد تسعة أشهر للحمل؛ لأنّها مدّته غالبًا وثلاثة أشهر عدة الآيسة. قال الشّافعي -رحمه الله- هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصاري لا ينكره منكر علمناه فصار إجماعًا.
(العاشرة): ما قول أهل العلم في الأب إذا أعطى بعض ولده ولم يعط الآخر ومات الأبّ هل للإخوة الرّجوع على المعطى بالتّسوية أم لا؟
(فالجواب): ليس لهم الرّجوع، قال في المغني والشّرح: إذا مات يعني الأبّ قبل أن يسترده ثبت ذلك للموهوب له ولزم وليس لبقية الورثة الرّجوع، هذا المنصوص عن أحمد وبه قال مالك وأصحاب الرّأي وأكثر أهل العلم انتهى، لكن بشرط صحّة العطية وأن لا تكون في مرض الموت والله أعلم.
(الحادية عشرة): هل تجب الزّكاة في المشاخصة الّتي تعلق مع الحلي للبس وتدعي صاحبتها أنّها حلي أم لا بدّ أن تصاغ على عادة النّساء في الحلي؟
(فالجواب): لا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-:
(1/715)

"ليس في الحلي زكاة" رواه الطّبراني وهو قول ابن عمر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر وجماعة من التّابعين، ويباح للنّساء من الذّهب كل ما جرت عادتهنّ بلبسه قلّ أو كثر، وقال ابن حامد إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزّكاة إلى أن قال: فرع يجوز للمرأة التّحلي بدراهم ودنانير معراة أو في مرسلة في وجه وعليها تسقط الزّكاة اه مبدع.
وقال في الإقناع: ولا زكاة في حلي مباح إلى أن قال: ويباح للنّساء من ذهب وفضة ما جرت عادتهنّ بلبسه كطوق وخلخال وسوار إلى أن قال: ولو زاد على ألف مثقال حتّى دراهم ودنانير معراة أو في مرسلة اه، وقال الشّيخ تقي الدّين الحصني الشّافعي -رحمه الله-: قوله هل تجب الزّكاة في الحلي المباح فيه قولان: أحدهما: لا وهو الأظهر؛ لأنّ عائشة -رضي الله عنها- كانت تحلي بنات لأخيها يتامى في حجرها فلا تخرج منها الزّكاة رواه في الموطّأ -إلى أن قال- وفي جواز التّحلي بالدّراهم والدّنانير المثقوبة الّتي في القلادة وجهان أصحّهما الجواز.
قال الأسنائي: وحكاية الخلاف ممنوع، بل يجوز لبس ذلك للنّساء وبلا كراهة وصرح به في البحر اه ملخصًا، فقد علمت أنّ المسألة المسؤول عنها وهو لبس المشاخصة مع الحلي لا زكاة فيها تبعًا للحلي ومراده بالشروط المتقدّمة، لكن إن كان اتّخاذ المشاخصة في الحلي للفرار من الزّكاة ففيها الزّكاة والله أعلم.
(الثّانية عشرة): هل يعتبر بينة على وكالة المرأة المعتبر إذنها لوليّها في التّزويج أم يصدق؟
(فالجواب): قال الفقهاء: ولا يشترط الإشهاد على إذنها لوليّها أن يزوّجها
(1/716)

ولو غيره أو مجبرة، والاحتياط الإشهاد فإن ادعى زوج إذنها في التّزويج للولي وأنكرت صدقت قبل الدّخول ولا تصدق بعد الدّخول؛ لأن تمكينها من نفسها دليل على إذنها اه إقناع وشرحه، قال في الإنصاف: وإذن الثيّب الكلام بلا نزاع في الجملة، وإذن البكر الصمات هذا المذهب إلى أن قال: وفي التّرغيب وغيره: لا يشترط الإشهاد على إذنها، وكذا قال ابن المني في تعليقه لا تعتبر الشّهادة على رضى المرأة وقدمه في الفروع اه فقد علمت أن الإشهاد أحوط لاسيّما في هذه الأزمنة اه.

- 7 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه أجمعين.

ما قول العلماء -أيدهم الله ونفع بهم المسلمين- في المبيع المقبوض بعقد فاسد، هل يملك به وهل ينفذ تصرف المشتري فيه؟ وهل يضمنه أو نقصه وزوائده وأجرته إن كانت؟ وهل عليه مؤنة ردّه أم لا؟
الحمد لله (الجواب): قال في الإقناع ويحرم تعاطيهما عقدًا فاسدًا فلا يملك به ولا ينفذ تصرفه ويضمنه وزياداته بقيمته كمغصوب لا بالثّمن اه.
وقال الموفّق في الكافي لما ذكر الاختلاف في الشّروط في البيع: وكلّ موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض؛ لأنّه مقبوض بعقد فاسد أشبه ما لو كان الثّمن ميتة ولا ينفذ تصرّف المشتري فيه وعليه ردّه بنمائه المنفصل والمتّصل وأجرة مثله مدّة مقامه في يده، ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن به المغصوب؛ لأنّه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشّرع أشبه المغصوب اه.
(1/717)

وقال في الإنصاف: فائدة يحرم تعاطيهما عقدًا فاسدًا فلو فعلا لم يملك به ولا ينفذ تصرّفه على الصّحيح من المذهب. وقال الشّيخ تقي الدّين: يترجّح أنّه يملك بعقد فاسد فعلى المذهب حكمه حكم المغصوب في الضّمان.
وقال ابن عقيل وغيره: حكمه حكم المقبوض على وجه السّوم، وعلى المذهب أيضًا يضمنه بقيمته، وذكر أبو بكر يضمنه بالمسمّى واختاره الشّيخ تقي الدّين اه وكلامه في المبدع قريب من كلام الإنصاف فهذه عبارات الحنابلة كما ترى.
وأمّا كلام الشّافعيّة فقال في كتاب الأنوار (تكملة) حيث فسد البيع وحصل القبض لم يملكه المشتري ولم ينفذ تصرّفه فيه ولزمه الرّد ومؤنته وأجرة المثل لمدّة يده وإن لم ينتفع، وأرش النّقص إن نقص وأقصى القيم من القبض إلى التّلف إن تلف والزّوائد مضمونة عليه ولو اتفق مدّة لم يرجع وإن جهل الفساد اه.
وقال في الحاوي وحيث فسد لو قبض المشتري فهو كالمغصوب أي في موضع فسد البيع بانضمام شرط فاسد أو للإخلال بشرط أو ركن لو قبض المشتري المبيع بذلك البيع الفاسد فالمشتري المقبوض مثل المغصوب وإن قبضه بإذن البائع حتّى لا يجوز تصرفه فيه ولزم أقصى القيم أو المثل ويجب عليه مؤنة الرّد ولا يرجع بما أنفق سواء علم الفساد أو ظنّ الصّحة ويجب عليه أجرة المثل لمدّة التّصرف سواء استوفى المنفعة أو لا ورد الزّوائد متّصلة كانت أو منفصلة اه.
وأمّا كلام المالكيّة فقال أبو الجودي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد المسمّى (إيضاح المسالك على المشهور من مذهب مالك) ص: وكلّ بيع فاسد فضمانه من البائع فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه
(1/718)

فإن حال سوقه أو تغير في يده فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده، وإن كان ممّا يوزن أو يكال فعليه مثله ولا يفيت المبتاع حوالة سوق. ش، إذا وقع عقد المبيع فاسدًا فضمان المبيع على البائع لأنّ المبيع الفاسد لا ينقل الملك فإن قبضه المبتاع انتقل الضّمان إلى المتباع، فإذا فسد ردّ المبيع إلى بائعه ولا شيء على المبتاع ممّا اغتله لأنّه خراج والخراج للضّامن، فإن تعذّر الرّد لفوات المبيع ضمن قيمته في المقوم ومثله في المثلي، والمشهور أنّ التّقويم يوم القبض لا يوم الفوات اه، ثمّ ذكر أنواع الفوات.
وقال محمّد بن غانم البغدادي الحنفي في كتابه مجمع الضّمانات: البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض، ولو هلك المبيع في يد المشتري كان أمانة عند بعض وعند البعض يكون مضمونًا؛ لأنّه لا يكون من المقبوض على سوم الشّراء إلى أن قال: والفاسد يفيد الملك عند القبض، ويكون الْمبيع مضمونًا في يد المشتري يلزمه مثله إن كان مثليًا والقيمة إن كان قيميًا كما في الهداية. اه.
وذكر في المقبوض بعقدٍ غير صحيحٍ من الخلاف ما يطول ذكره عند الحنفية، فمَن تأمّل هذه العبارات اتّضح له الحقّ. والله الموفّق وهو المستعان، وعليه التّكلان.

- 8 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم

من سعيد بن حجي إلى الأخ رشيد السّردي.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الكتاب وتسأل فيه عن مسائل:
(1/719)

(الأولى): إذا قال الإنسان في كلامه: وأبي أني صادق، أو وأبي أنّك كاذب ونحو ذلك هل هذا شرك؛ لأنّه أدخل عليه واو القسم وينكر على قائله أم لا؟
(الجواب): -وبالله التّوفيق- هو شرك وينكر عليه، قال في الإقناع وشرحه ويحرم الحلف بغير الله ولو كان الحلف بنبي؛ لأنّه إشراك في تعظيم الله تعالى، ولحديث ابن عمر مرفوعًا: "من حلف بغير الله فقد أشرك"رواه التّرمذي وحسّنه، وروى ابن عمر النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- سمع عمر يحلف بأبيه فقال: "إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"متّفق عليه، فإن حلف بغير الله أو صفاته استغفر الله وتاب بالنّدم والإقلاع والعزم أن لا يعود اه. وقال في الشّرح: والحلف بغير الله يشبه تعظيم الرّب تبارك وتعالى ولهذا سمي شركًا اه.
(المسألة الثّانية): هل يعصب بنو الإخوة أخواتهم من الميراث كالإخوة أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): قال في المغني أربعة من الذّكور يعصبون أخواتهم فيمنعونهنّ الفرض ويقتسمون ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين وهم: الابن وابن الابن وإن نزل والأخ من الأبوين والأخ من الأب وسائر العصبات ينفرد الذّكور بالميراث دون الإناث وهم بنو الإخوة والأعمام وبنوهم، ثمّ ذكر الدّليل والتّعليل -إلى أن قال- وهذا لا خلاف فيه بحمد الله اه فقد عرفت أن بني الإخوة المسؤول عنهم ينفردون بالميراث دون أخواتهم.
(الثّالثة): إذا كان الأخوات عصبة مع الغير هل يحجبن الأخ للأب ومن أبعد منه من العصبة أم لا؟
(1/720)

(الجواب وبالله التّوفيق): الأخوات مع البنات عصبات لهنّ ما فضل بعد الفرض، والمراد بالأخوات من الأبوين ومن الأب وإلى هذا ذهب عامّة الفقهاء، فإنّ ابن مسعود قال في بنت وبنت ابن وأخت: لأقضين فيها بقضاء رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، للبنت النّصف ولبنت الابن السّدس وما بقي فللأخت. رواه البخاري وغيره وما تأخذه مع البنت ليس بفرض وإنّما هو بالتّعصيب كميراث الأخ، وأجمع أهل العلم على أنّ بنات الابن بمنْزلة البنات عند عدمهنّ في إرثهنّ، وفي جعل الأخوات منهنّ عصبات وغير ذلك انتهى ملخصًا من المغني.
قال الشّنشوري تتمة حيث صارت الأخت الشّقيقة عصبة مع الغير صارت كالأخ الشّقيق فتحجب الإخوة للأبّ ذكورًا كانوا أو إناثًا ومن بعدهم من العصبات، وحيث صارت الأخت للأبّ عصبة مع الغير صارت كالأخ للأبّ فتحجب بني الإخوة ومن بعدهم من العصبات اه.
(الرّابعة): إذا كان الإنسان قبل أن يسلم أو في الإسلام يبيع عشرة آصع من البر أو من التّمر بعشرين صاعًا نساء ونحو ذلك، ثمّ نهي عن ذلك فتحيل وقال للآخر أعطيك قروشًا على عشرين واشترى بها منّي على عشرة هل يجوز هذا التّحيل أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): لا يجوز بيع الربوي بالربوي إلّا يدًا بيد فإن كان جنسًا واحدًا كالتّمر بالتّمر والبرّ بالبرّ ونحوها اشترط فيه المساواة والتّقابض في مجلس العقد، وإن كان جنسًا بجنس آخر كالتّمر بالبرّ ونحوها اشترط التّقابض في المجلس ولم تشترط المساواة فيجوز صاع تمر بصاعي برّ ونحو ذلك بشرطه المتقدّم.
(1/721)

وأمّا مسألة الحيلة المسؤول عنها فلا تجوز لاسيّما إذا كان يعامل بالرّبا ثمّ نهي عنه، قال في الشّرح: وأمّا الحيل فهي محرمة كلّها. قال أيّوب السّختياني: إنّهم ليخادعون الله كما يخادعون صبيًّا لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي.
وقال أبو حنيفة: هي جائزة إذا لم يشترطا عند العقد، ولنا أنّ الله عذب أمّة بحيلة احتالوها وجعل ذلك نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتّقين يتعظون بهم اه، وذكر في الإقناع نحوًا من ذلك وهل إذا أسلم إليه القروش وتقابضا واشترى منه بذلك الثّمن ربويًا، أمّا إذا لم يتقابضا شيئًا فالبيع فاسد.
(الخامسة): هل يصحّ الأذان إلى غير القبلة أم لا؟، وإذا تكلّم المقيم في أثناء الإقامة هل يعيدها أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الشّرح: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ من السّنّة أن يستقبل القبلة في الأذان وكره طائفة من أهل العلم الكلام في الأذان، وقال الأوزاعي: لا نعلم أحدًا يقتدى به فعله ورخص فيه سليمان بن صرد وغيره، قيل لأحمد: الرّجل يتكلّم في أذانه؟ قال نعم، قيل وفي الإقامة؟ قال لا، وعن الأوزاعي إذا تكلّم في الإقامة أعادها، وأكثر أهل العلم على أنّها تجزيء قياسًا على الأذان اه، فقد عرفت أن استقبال القبلة في الأذان سنّة، وأن تركها لا يبطله، وأنّ الكلام في الأذان والإقامة مكروه وأن فعل المكروه لا يبطلها.
(المسألة السّادسة): إذا سمع الإنسان الأذان هل يجوز له أن يقوم من حين يسمعه أم لا؟
(1/722)

(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الإقناع يستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذّن في الأذان، بل يصبر قليلًا؛ لأنّ في التّحرك عند النّداء شبهًا بالشّيطان اه، فلعل مراده قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: "إذا نودي للصّلاة أدبر الشّيطان وله ضراط حتّى لا يسمع التّأذين" رواه البخاري ومسلم.
(السّابعة): هل يجوز الفصد والكحل في نهار رمضان أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الإقناع وغيره ولا يفطر بفصد ولا شرط ولا رعاف انتهى، وقال في الكافي: وإن اكتحل فوصل الكحل إلى حلقه أفطر لأنّ العين منفذ وإن شكّ في وصوله لكونه يسيرًا كالميل ونحوه ولم يجد طعمه لم يفطر نصّ عليه انتهى، وكذا قال غيره. وقال الشّافعي لا يفطر الكحل واختاره الشّيخ تقي الدّين فقد عرفت أنّ الأحوط تركهما في نهار رمضان.
(الثّامنة): هل تجوز المبالغة في المضمضة للصّائم أم لا؟
(الجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الشّرح: في سنن الوضوء والبداءة بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما إلّا أن يكون صائمًا انتهى. قال في الإقناع وغيره: فتكره يعني للصّائم، قال في المطلع: المضمضة إدارة الماء بجميع فمه والاستنشاق جذبه بنفسه إلى أقصى أنفه اه.
(التّاسعة): هل الفرخ في بيضة المأكول نجس أم لا؟
(الجواب): -وبالله التّوفيق-: إن كان الفرخ حيًا فهو طاهر، وإن كان ميّتًا أو دما فهو نجس.
(العاشرة): هل يجوز التّدخن بروث الفرس أم لا؟.
(الجواب): وبالله التّوفيق: يجوز التّدخن بروثها؛ لأنّه طاهر بخلاف
(1/723)

الحمار؛ فإنّ روثه نجس ودخان النّجاسة نجس وفيه تفصيل، قال في الكافي: ودخان النّجاسة وبخارها نجس فإن اجتمع منه شيء أو لاقا جسمًا صقيلًا فصار ماء فهو نجس، وما أصاب الإنسان من دخان النّجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شيء ولا ظهر له صفة فهو معفو عنه لعدم إمكان التّحرز منه اه وكذلك ذكر غيره.
(الحادية عشرة): إذا كان ماء قيمة أربعين صاعًا أو أكثر ووجد فيه أثر كلب هل يجوز الوضوء منه أم لا؟
(الجواب): -وبالله التّوفيق-: يجوز الوضوء منه؛ لأنّ الصّحيح من أقوال العلماء أنّ الماء لا ينجس إلّا أن يتغيّر بالنّجاسة، قال في الشّرح.
(الرّواية الثّانية): لا ينجس الماء إلّا بالتّغيّر، روي عن حذيفة وأبي هريرة وابن عبّاس ومالك وابن المنذر وهو قول الشّافعي لقوله -صلّى الله عليه وسلّم- لما سئل عن بئر بضاعة: "الماء طهور لا ينجسه شيء" رواه أبو داود والنّسائي والتّرمذي وحسّنه وصحّحه أحمد اه وهو اختيار الشّيخ تقي الدّين والشّيخ محمّد -يعفو الله عنهما-، وأيضًا نجاسة الكلب مختلف فيها فمذهب مالك طهارته وسؤره.
(الثّانية عشرة): إذا كان للإنسان لقب غير اسمه هل ينهى عن ذلك أم لا؟
(الجواب): وبالله التّوفيق: قال النّووي -رحمه الله- في كتاب الأذكار باب النّهي عن الألقاب الّتي يكرهها صاحبها قال الله تعالى: {وَلا تَنَابَزُوا بِاْلأَلْقَابِ} الآية، [الحجرات: من الآية 11]، واتّفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره سواء كان صفة له كالأعمى والأعمش والأجلح والأعرج، أو كان صفة لأبيه أو لأمّه أو غير ذلك ممّا يكرهه، واتّفقوا على جواز ذكره بذلك على سبيل التّعريف لمن لا يعرف إلّا بذلك، وأدّلة كلّ ما ذكرته كثيرة مشهورة
(1/724)

حذفتها اختصارًا واستغناءًا لشهرتها.
(باب جواز استحباب اللّقب الّذي يحبّه صاحبه)
فمن ذلك أبو بكر الصّديق اسمه عبد الله بن عثمان واتّفق العلماء على أنّه لقب الخير، ومن ذلك أبو تراب لقب علي بن أبي طالب وكنيته أبو الحسن، في الصّحيح أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وجده نائمًا في المسجد وعليه التّراب فقال: "قم أبا تراب" فلزمه هذا اللّقب الحسن الجميل وكان أحب أسماء علي إليه اه. فقد عرفت الفرق بين اللّقب الّذي يحبّه صاحبه واللّقب الّذي يكرهه صاحبه فإنّه ينهى عنه، قال الشّيخ تقي الدّين في جواب سائل سأله عن الألقاب.
(فصل): وأمّا الألقاب فكانت عادة السّلف الأسماء والكنى فإذا أكرموه كنوه بأبي فلان وتارة يكنون الرّجل بولده وتارة بغير ولده كما يكنون مَن لا ولد له إمّا بإضافة اسمه أو اسم أبيه أو ابن سميه أو إلى أمر له به تعلق كما كنَّى النَّبِيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عائشة باسم ابن أختها عبد الله، وكما يكنون داود أبا سليمان لكونه باسم داود الّذي اسم ولده سليمان، وكذلك كنَّي إبراهيم أبا إسحاق وكما كنَّى النَّبِيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أبا هريرة باسم هرة كانت تكون معه إلى أن قال ولا ريب أن الّذي يصلح معه الإمكان ما كان السّلف يعتادونه اه، فقد عرفت أنّ هذه الألقاب الّتي يكرهها صاحبها ليست من عادة السّلف وهم القدوة والخير في اتّباعهم والله أعلم. قال كاتب الأصل تاريخ الخط في شهر الله المحرّم 17 سنة 1222 ه.
(1/725)

رسالة للإمام عبد العزيز آل سعود
...
رسالة لصاحب الجلالة
الإمام عبد العزيز بن سعود
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد العزيز بن سعود إلى الإخوان من أمراء المسلمين وعامّتهم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
جرى بين أمير حرمة والعسكر طلابة في عقد بيع نخل متقدّم ودخل عليه عقد ثانٍ وفسد عليه وفلج العسكر وأصل وجه الدّعوى لأمير حرمة وصاح الشّيطان في النّاس ولبوا له، وكلّ جماعة قام بعضهم على بعض وقاموا يتقلّبون في عقود ماضية طول هذا في أموال مستول عليها أهلها من سنين طوال وحضروا عندنا آل الشّيخ واتّفق رأيهم على أنّ ما أفتى به الشّيخ -رحمه الله- أو غيره من قضاة المسلمين واستغله الّذي هو في يده مدّة والمدّعي ما جود ولا أنكر وادعى فلا له طريق إلّا إن تبيّن بمقالة فيها نص صحيح، أو إجماع أهل العلم، أو ما اتّفق عليه قضاة المسلمين الموجودين، وإلّا ما يثبت له دعوى بفتيا الواحد في مثلها بمقالة؛ كتلك المقالة الّتي يقضي فيها قاضٍ من قضاة المسلمين فلا يتعرضها الآخر إلّا بإجماع القضّاة، إنّ هذه الفتيا مخالفة للشّرع؛ فإن نقضها واحد ما صحّ نقضه، فإن تعدّى أمير أو مأمور على مسلم وأكل ماله بظلم أو بيع فاسد فهذا يجيئي وأقوم له إن شاء الله. ويذكر لنا بعض النّاس الّذين حضروا الشّيخ محمّد -رحمه الله- أنّه إذا عرض عليه حفيظة بخط مطوع من مطاوعة الجاهليّة أمضاها ولا نكثها، فإذا استدام ملك واحد في يد الآخر استغله ثلاث سنين أو أربع سنين وراعي الدّعوى حاضر ولا ادّعى في هذه المدّة سدّ عليه الباب. والسّلام.
(1/726)

رسالة للشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير الأشيقري
...
{رسالة الشّيخ أحمد بن محمّد بن حسن القصير الأشيقري}
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سئل الشّيخ أحمد بن محمّد بن حسن القصير الأشيقري -رحمه الله- عن رجل أوصى بقدر معلوم يشتري به أرض ثمّ توقف هل يجوز شراء نخل معها أرض أو أوصى بشراء نخل هل يجوز شراء أرض إذا ظنّ أنّها أصلح ومراد الموصي والله أعلم أنّ الأرض والنّخل سواء لكن ما عنده بهذا شيء أم لا يجوز؟
وعن امرأة وقفت نخلًا على المسجد واستثنت غلته مدة حياتها وأكلته ثلاث سنين ثمّ توفيت والنّخل قد ركب الجريد، فقال إمام المسجد الموقوف عليه الثّمرة تابعة للأصل، وقال ورثة المرأة الثّمرة إرث لنا؛ لأنّها مستثناة.
وعمّا إذا كان لإنسان دار بجنب المسجد والسّوق بينها وبين المسجد فأراد صاحب الدّار أن يخرج سطحًا على السّوق ويجعل خشبه على جدار المسجد ويكون المسجد فيه سعة له وظلّ لمن مشى تحته أو قعد وذلك بأمر والي البلد هل يصحّ ذلك أم لا؟
وعمّا إذا كان ثمّ حمل هدوم بين شركاء وليس هو مشاع بينهم بل كلّ واحد له هدوم معلومة متميّزة موسومة وأخذ منها ظالم عشر عبيات مثلًا من هدوم أحدهم والظّالم آخذهنّ من جميع الهدوم أي الحمل أو منعهم قاطع طريق بجزء مشاع من الهدوم وقاسمهم وصار نصيب القاطع هدوم أحدهم هل تذهب المأخذات على صاحبهنّ أم يرجع صاحبهنّ على شركائه؟
وعمّا إذا أخذ ظالم من إنسان بسبب دين أو إتلاف أو غضب مالًا للظّالم المذكور عند أقارب الإنسان المظلوم المذكور أو جيرانه أو
(1/727)

أهل بلده هل يرجع به المظلوم عليهم أم لا؟
وعمن لم يمكنه استنقاذ مال غيره من يد نحو قاطع طريق إلا بشرائه منه بثمن ونوى الشّراء لمالكه على وجه المصلحة لمالكه هل يرجع بالثّمن على مالكه أم لا؟
أجاب -رحمه الله تعالى-: إذا أوصى بشراء أرض ثمّ توقف أو نخل وجب العمل بما قال فلا يجوز شراء غيره عملًا بقول الموصي ولو كان غيره أنفع. وأمّا ثمرة النّخل المذكور فالّذي نفهم من كلامهم أن ثمرة النّخل الموقوف إذا تشقق والموقوف عليه حي والواقف استثنى ثمر ما وقف كمسألتكم فإنّ الثّمر يصير للوارث من بعده لصيرورة الثّمر إذا ظهر على ملك مورثهم كما يقال في مولود من قوم موقوف عليهم، فإن كان وضعه قبل التّأبير شاركهم، وإن كان مولودًا بعده فلا يستحق معهم شيئًا لظهور الثّمرة على ملكهم صرح به غير واحد من الأصحاب.
وأمّا وضع الخشب على السّوق وعلى المسجد فإن كان الأمر كما ذكرتم وأذن فيه والي البلد القاهر لهم بسيفه حتّى أذعنوا له جاز ذلك على صحيح المذهب لكن بشرط انتفاء الضّرر عن المارة وعن جدار المسجد، مثل أن يوضع على الجدار أطراف خشب تعيبه، فإن خيف شيء من ذلك لم يصحّ وضعه عليه.
وأمّا إذا قصد ظالم مال قوم فضرب عليهم ضريبة تعديا منه ولم يقصد مال أحد منهم دون غيره وجب على الملاك التّساوي في غرم ذلك وتكون قيمته موزعة على قيم أموالهم كلّ بقدره، وإذا ظلم قومًا دفعة واحدة أي لم يخص أحدًا منهم دون غيره وجب عليهم التّساوي في الظّلم كما يجب التّساوي
(1/728)

في العدل ذكره الشّيخ تقي الدّين، ولم يزل يفعل ذلك في كلّ عصر ومصر، إذا ضرب السّلاطين الظّلمة أو نوابهم ونحوهم من أهل البادية على أهل بلد أو قافلة أو حاج ضريبة ظلمًا أنّه يجب عليهم التّساوي على قدر أموالهم ولم يظهر في ذلك نكير فجرى مجرى الإجماع، فعلى هذا لو أخذ الظّالم مال أحدهم , بعضهم عن مال الآخرين فله الرّجوع عليهم بقدر مال كلّ منهم.
وأما إذا ظلم إنسان إنسانًا بأخذ ماله أو نحوه فأكره أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه على أن يؤدّوا عنه فلهم الرّجوع عليه مع النّية عند الدّفع منه إذا دفعوا جنس ما لزم الظّالم، هذا المذهب فيمن أدى عن غيره دينًا واجبًا غصبا أو غيره، وعند الشّيخ تقي الدّين يرجع مطلقًا حيث قال: ومن صودر على أخذ مال وأكره أقاربه أو أصدقاءه أو جيرانه على أن يؤدوا عنه فلهم الرّجوع؛ لأنّهم ظلموا لأجله ولم يذكر هو بنية رجوع ولا غيره، فظاهره لهم الرّجوع عليه مطلقًا لظاهر تعليله.
وأمّا إذا وجد إنسان مال مسلم في يد ظالم أخذه الظّالم بغير حق فلكل مسلم أن يستنقذ مال أخيه من يد ذلك الظّالم بأي حيلة وكيد بشرط أن ينوي بذلك الثّواب باستنقاذ مال أخيه المسلم فعند ذلك له من الله الثّواب. وأمّا المعاوضة عنه بمال لأجل استنقاذه فذلك جائز في نفس الاستنقاذ وهو محسن في ذلك كلّه بشرطه المذكور لكن لا يرجع بذلك العوض الّذي سمّاه ثمنًا على المالك بغير إذنه له، وعند الشّيخ تقي الدّين وفي زعمي وابن القيّم إنّه يرجع مطلقًا والله أعلم.

وسئل أيضًا -رحمه الله تعالى-: عن أكيلة السّبع إذا أكل بعض أمعائها
(1/729)

وذكيت هل تحل أم لا؟ وعن قولهم أو أبينت حشوته ما معناه، وإذا أصلح مفت بين خصمين وتراضيا هل يلزم أم لا؟ وإذا كان أرض قادم في غلتها كل عام أضحية وما بقي فعلى الفقراء والمساكين وغاب وليّها ولم تذبح تلك السّنة فهل يذبح في القابل أضحيتين قادمتين في الغلة أم كيف الحكم؟ وهل إذا لم يوجد تلك السّنة أضاحي تباع هل يرصد من غلّة هذا العام أضحية، وهل يجوز ذبحها في غير أيّام النّحر أم لا يجوز إلّا في العام المقبل؟ وما معنى قوله في الإقناع: وإن فات الوقت قبل ذبح هدي أو أضحية ذبح الواجب قضاء وسقط التّطوّع، والوليّ على الأضحية هل يحرم عليه أخذ شيء من بدنه وشعره أم لا؟ وهل يجوز له الأكل منها والادخار أم لا؟ والدّهن المتنجس هل يجعل في طعام الصّبيان الّذين لا يصلون يأكلونه وتدهن به رؤوسهم أم لا؟ وإذا لمس الطّفل الّذي لا يصلي طعامًا أو شرابًا أو أكل أو شرب منه فهل يكون ذلك في حكم النّجس المحرم أكله وشربه إذا لم ير على الصّغير نجاسة وهو كما تخبرون يباشر النّجاسات.
فأجاب -رحمه الله تعالى-: أمّا أكيلة السّبع فإذا لم يستكمل السّبع أمعاءها وأبان بعض الأمعاء ولم تبن كلّها ووجد بها حياة مستقرة فذكيت وهي فيها حلت والعكس بالعكس.
وأمّا المفتي إذا أصلح بين الخصمين ورضيا بذلك الصّلح ثمّ افترقا على الرّضا به فلا يحل لأحد منهما بعد ذلك نقضه. وأمّا لزوم ذلك وعدمه فلا يلزم إذا لم يحكم به من هو للحكم أهل.
وأمّا الأضحية الموصى بها مقدمة في غلة أرض موقوفة تذبح في كلّ عام فيجب العمل بذلك لكن إن فات وقت الذّبح ولم تعين الأضحية ذبحت من العام المقبل في أيّام النحر تكون قضاء عن الماضي، وإن اشتريت
(1/730)

من الغلة ومضت أيّام النّحر ولم تذبح لعذر أو غيره ذبحت أي وقت كان لأنّها وجبت بنفس الشّراء من الغلة فتعيّنت به، وإن مضت أيّام النّحر قبل الشّراء فكما ذكرنا تذبح في العام المقبل مع أضحية فيكونان اثنتين، وكذا عامان أو أكثر فيذبح لكلّ عام أضحية فلا تسقط بمضي الزّمان، وكذا لو عدمت في عام ثمّ وجدت في آخر لكن مع العدم لا إثم بالتّأخير على النّاظر ومع الوجود يأثم إثمًا عظيمًا بتأخيرها عن وقتها.
وأمّا قوله: وإن فات الوقت الخ فمراده إذا عين الإنسان شاة مثلًا ناويًا بقلبه قائلًا بلسانه: هذه أضحية أضحيها وهذا هدي سواء كان ذلك الهدي عن واجب كهدي التّمتع أو القران أو من فعل محصور أو ابتدأه تطوّعًا سماه هديًا يريد التّقرب به إلى فقراء الحرم ونحوه، فهذا هو الواجب فيجب ذبحه متى زال عذره، ويكون قضاء؛ لأنّ وقته قد فات وما سواه بأن لم يعين شيئًا من بهيمة الأنعام وطلب القربة بذبح شيء يريده هديًا أو أضحية وفات الوقت وهو أيّام النّحر فلا يستفيد شيئًا من ذلك؛ لأنّه والحالة هذه تطوع فسقط، وإن فعل فهو لحم يأكله ما لم يكن نذر فلا يأكل ولا يبيع منه شيئًا بل يتصدّق به على الفقراء والمساكين.
وأمّا النّجس فلا يجوز أكله وكذلك المتنجّس قبل تطهيره فلا يجوز أكل ذلك ولا شربه سوى دفع لقمة غص بها، ولا يجوز إطعامه الأطفال؛ لأنّ كلّ نجس العين كالميتة وكذا المتنجس وهو الطّاهر الّذي طرأت عليه النّجاسة وهو يمكن تطهيره كلّ ذلك حرام أكله وشربه، ولا يحلّ لولي الطّفل ونحوه كالمجنون ومن ليس بمكلّف إطعامه من ذلك؛ لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: "لحم نبت على السّحت -وهو الحرام- فالنّار أولى به" وليس
(1/731)

هو المغصوب فقط، بل كلّ ما حرم الله ورسوله فهو سحت كائنًا ما كان.
وأمّا إذا لمس الطّفل شيئًا وبه بلل أي اللامس أو ما لمسه، فإن علم نجاسة العضو الّذي لمس به الشّيء يقينا فنجس، وإن علمت طهارته يقينًا فطاهر، وإن شك في ذلك فما لمسه طاهر بيقين والنّجاسة الطّارئة عليه من الطّفل شك ولا يزال اليقين بالشّك، لكن الأطفال معلوم أنّهم لا يتنَزهون من النّجاسات جدًا فالتنَزُّه عنهم وعمّا يباشرونه أحوط وأسلم، وإن لم يكن طهر بعد ولادته فهو نجس لمباشرته النّجاسة الّتي لا تخفى غالبًا تعرف بالعقل والحس ولا ينكرها إلا جاهل فتطهيرهم أحسن.
وأمّا الوصي على تفريق لحم الأضاحي ونحوها كالصّدقات المتقرب بها فلا يجوز له أخذ شيء منها.
وأمّا الوارث ونحوه الّذي يستحق الولاية بأصل الشّرع لا بالوصية فيجوز له الأكل والادخار.
واعلم أنّه من أراد التّضحية فدخل عليه عشر ذي الحجة حرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته إلى الذّبح، قال ابن منجا في شرحه على المقنع إجماعًا للحديث الشّريف المتّفق على صحته.
وأمّا الوكيل والوصي على شرائها أو تفريق لحمًا فليس من النّهي في شيء ولا جناح عليه لو أخذ شيئًا من ذلك بخلاف المضحي عن نفسه والمضحى عنه كما قدمنا والله أعلم.

وسئل أيضًا -رحمه الله- عن رجل له بستان وعليه جدار فانهدم الجدار فقال له جاره: ابن جدارك؛ لأنّك إذا تركته أضر بي فأبى فهل يجبره على بنائه أم لا؟ وإذا قال الزّوج لزوجته: ما هي معي أو قال: ما تحلّ لي بالمذاهب
(1/732)

الأربعة، ومات أحدهما هل يتوارثان أم لا؟
وعن الأرض المشتراة بشرط الخيار إذا أجّرها المشتري لِمَن يزرعها وفسخ البيع بعد ما زرعت من يستحقّ الأجرة، هل للبائع أو للمشتري أم كيف الحكم؟
أجاب -رحمه الله تعالى-: أمّا إذا انهدم جدار بستانه وهو متّحد بملكه لا مشارك له فيه فلا يجبر على بنائه بخلاف الجدار المشترك، فإنّ الشّريك يجبر شريكه على إعادته.
وأمّا إذا قال لزوجته، أو لغيرها ما هي معي أو لا تحلّ لي في المذاهب الأربعة فالصّحيح أنّ هذه قرينة يرجع فيها إلى نيّته بهذا اللّفظ، فإن نوى به طلاقًا فهو طلاق أو ظهارًا فهو ظهار، أو يمينًا فهو يمين. هذا في الصّورة الأخيرة نظير قوله: أنتِ عليّ كالميتة، أو الدّم، أو الخنْزير، فإنّ هذا اللّفظ يصلح لذلك كلّه، ثم إذا مات الزّوج مثلًا ولم تعلم نيّته فبينونة الزّوجة منه في حياته شكّ لعدم الاطّلاع على قصده بما تلفظ تلفّظ به، لكن نحكم بأنّ النّكاح ثابت عقده بيقين وانحلاله هنا شك، فلا يزال انعقاده ابتداء إلّا بيقين انحلاله انتهاء، فعلى هذا، الزّوجية بحالها، ويتوارثان، وإن كان الموت أصاب الزّوج ويسأل الزّوج عن قصده بنيّته؛ لأنّ ذلك لا يعرف إلّا من قبله فقبل قوله في نيّته ثم يعمل بمقتضى قوله.
وأمّا الأرض المشتراة بشرط الخيار فأجّرها المشتري وزرعت ثم فسخ البيع فالأجرة كلّها للمشتري؛ لأنّها حصلت في زمن ملكه. ولأنّها تجب بالعقد ولو لو تسلم إليه.
ولما ورد في الحديث: "الخراج بالضّمان"، لكن الذي يظهر لي أنّ المشتري لا يسوغ له أن يؤجّرها مدّة تزيد على مدّة الخيار، فإن فعل فالإجارة
(1/733)

صحيحة لصدورها ابتداء من مالك العين والمنفعة والأجرة له قبل الفسخ وبعده لبائعها؛ لأنّه لو يحكم بها أي بالإجارة فيما بقي من المدّة بعد الفسخ للمشتري ونحوه أضرّ بالبائع؛ لأنّ المشتري لو يظفر بملك منفعة عين في مدّة لم يملك الرّقبة فيها لأجرها أمدًا بعيدًا. وهذا لا سبيل إليه لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: "لا ضرر ولا ضرار". والله أعلم.
...

رسالة للشيخ محمد بن عبد الله بن إسماعيل
...
{رسالة الشّيخ محمّد بن عبد الله بن إسماعيل}
سُئِلَ الشّيخ محمّد بن عبد الله بن إسماعيل الأشيقري -رحمه الله تعالى- عن رجلٍ قال لزوجته: اشتري نفسك منِّي بعوض وعوضته شيئًا. وقال: أنا خالع زواجك وجهازك من رقبتِي، هل تبين منه أم لا؟ وعن الغزاة إذا أرادوا أن يشتروا ذهابًا وحملانًا ونحوه مما يحتاجون إليه هل يحرم البيع عليهم، ويكون حكمه حكم السّلاح أم لا؟ وعمّا إذا ظلم واحد من الغزو إنسانًا وأخذ منه مالًا وقدر المظلوم على واحدٍ من الغزو هل له أن يأخذ قدر ماله منه؛ لأنّهم يعين بعضهم بعضًا والرّدء كالمباشر أم لا؟ وعما إذا أوصى شريك شريكه على أولاده هل له أن يقاسم نفسه أم لا؟ وإذا كان عليه جرح في اجتماع المال كيف يصنع في عزل المالين.
أجاب -رحمه الله تعالى-: الخلع المذكور صحيح تبين به الزّوجة، لأنّ الخلع يصح بكل لفظ يؤدي معناه مع أنّ هذا لفظ صحيح؛ صريح لأنّه إذا قال أنا خالع زواجك من رقبتي فهذا صريح، وقولها أنا شارية نفسي أوهاك هذا واخلعني أو خلني صحيح أيضًا.
وأمّا لفظة الجهاز فلا أصل لها وهي زيادة ما تضر.
وأمّا قطاع الطّريق وأهل الفتنة فلا يجوز بيع السّلاح عليهم ونحوه كدرع وترس.
وأمّا بيع الزّاد
(1/734)

والثّياب والقرب فلا عندي فيه علم بالمنع، والظّاهر صحة بيعة إلا بدليل.
وأمّا الرّحل والدّابة فلا أدري، لكن أكره ذلك؛ لأنّه يعين على المعصية، وهو من التّعاون على الإثم والعدوان.
وأمّا الغزو إذا اجتمعوا واعتصبوا وتظاهروا لقطع الطّريق ثمّ أخذ بعضهم مالًا وهم حوله يكونون ردءًا له إذا رأى ما يكره؛ فالكل منهم ضامن، ومن وجدت منهم فلك أخذ قدر مالك منه قهرًا؛ لأنّ أهل العلم قالوا ردء وطليع كمباشر وإن أخذ مالك بعضهم والباقي بعيد بحيث لا يكون ردأ لو رأوا ما يكرهون فلا ضمان على البعيد، بل على الآخذ ومن حوله فقط.
وأمّا الوصي على الأيتام وهو شريك لهم فله أخذ نصيبه وإفرازه من المكيل ونحوه وغير المكيل والموزون لا يقاسم نفسه، فإن تضرر بعدم القسمة ولم يصبر حتّى يرشدوا فله عزل نفسه عن الوصية ثمّ ينظر في مال الأيتام الحاكم إن كان حاكم وإلا فعدل إن تعذر الحاكم، ثمّ ينظر الحاكم أو العدل فإن كانت قسمة أجبار قاسمك، وإن كانت نوع قسمة التّراضي فإن رأى لهم مصلحة ظاهرة في القسمة وحظًا فله المقاسمة وإلًا فلا والله أعلم.

وسئل أيضًا عن مسائل:
(منها) إذا وهب إنسان ملكه لورثته في حياته واستثنى من غلته ثلثها مدة حياته هل يصحّ ذلك أم لا؟
(ومنها): إذا أبرأ الغريم غريمه بعد ما ضمن له ظانا عدم براءة الضّامن منه؛ لأنّه جاهل بحكم الشّرع هل تصحّ براءة الغريم على هذه الصّفة أم لا؟
(ومنها): إذا كان الملك كلّه وقفًا أو بعضه وقف وبعضه طلق هل يجبر الشّريك شريكه على القسمة إن لم يكن فيها ضرر ولا رد عوض أم لا؟ وإذا
(1/735)

ادعى أحدهم الضّرر والآخر عدمه ولا بيّنة فهل الأصل عدم الضّرر أم لا؟
(أجاب رحمه الله تعالى): أمّا إذا وهب الإنسان ملكه لورثته أو أجنبي واستثنى الغلة مدة حياته أو بعضها فالشّرط باطل إلّا في الثّمرة الظّاهرة وقت الهبة وغير الظّاهر فلا؛ لأنّ ذلك معدوم فلا يصح هبة المعدوم كالّذي تحمل به أمته أو شجرة واستثناؤه كذلك لا يصحّ سواء كان مدة حياته أو مدة معلومة بخلاف الوقف.
وأمّا عقد الهبة المذكورة فلا أدري أتبطل الهبة ببطلان الشّرط أم لا ولكن الرّاجح في القلب بطلانها.
وأمّا إذا أبرأ الغريم غريمه من الدّين بعد ما ضمن له ظانًا عدم براءة الضّامن منه كما يفعله بعض الجهال بأحكام الشّرع فإنّه لا يبرأ المدين ولا الضّامن، بل الدّين باقٍ بحاله حتى يوفى أو ببراءة يعرف حقيقة أمرها.
وأمّا العقار إذا كان بعضه طلقًا وبعضه وقفًا وكان ممّا لا ضرر في قسمه بإمكان تعديله بلا رد عوض، فالظّاهر أنّ قسمته قسمة إجبار، فإذا طلب أحدهما إمّا صاحب الطّلق أو مستحق الوقف أو النّاظر للقسمة وكانت ممّا لا ضرر فيها ولا رد عوض أجبر أحدهما صاحبه فيما ظهر لي، فإن كان الكلّ وقفا وطلب بعض المسحقّقين للوقف القسمة وأبى الآخر وكانت القسمة ممّا لا ضرر فيها ولا رد عوض فلا يخلو الوقف من حالتين: إمّا أن يكون الوقف على جهتين أو جهة واحدة. قال في الإقناع في باب القسمة في فضل نوع الإجبار وهي إفراز حق لا بيع فيصحّ قسم وقف بلا رد عوض من أحدهما إن كان على جهتين فأكثر، فأمّا على جهة واحدة فلا تقسم عينه قسمة لازمة اتّفاقًا؛ لتعلّق حق الطّبقة الثّانية والثّالثة، لكن تجوز
(1/736)

المهايأة وهي قسمة المنافع. قاله الشّيخ تقي الدّين عن الأصحاب وهذا وجه، فظّاهر كلام الأصحاب لا فرق.
قال في الفروع: وهو أظهر، وفي المبهج لزومها إذا اقتسموا بأنفسهم ورضوا وتهايؤوا. انتهى كلام الشّرح والمتن، وفي الغاية: لا يصحّ قسم موقوف ولو على جهة خلافًا له اه.
وقال في المغني: ومتى جازت قسمة الوقف وطلبها أحد الشّريكين أو ولي الوقف أجبر الآخر؛ لأنّ كلّ قسمة جازت بلا رد عوض ولا ضرر فهي واجبة انتهى.
وأمّا إذا ادعى أحد الشّريكين الضّرر والآخر عدمه فالشّيخ أحمد القصير يفتي بأن الأصل عدم الضّرر؛ لأنّ أحدهما يدعيه وخصمه ينكره، والّذي يظهر أنّ الشّريك لا يجبر ألّا بشروط:
(أحدها) ثبوت انتفاء الضّرر. ذكره في شرح الإقناع وشرح المنتهى كما لا يخفى عليكم، فإذا لم يثبت انتفاء الضّرر فلا إجبار. والله أعلم.
...

رسالة للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل
...
(رسالة الشّيخ محمّد بن أحمد بن إسماعيل)
سُئِلَ الشّيخ محمّد بن أحمد بن إسماعيل -رحمه الله- عمّا إذا دفع رجل لآخر مائة محمّدية مثلًا أو وكله في شراء سلعة بها ثم يبيعها على نفسه بمائة وخمسين إلى أجل وهما متواطئان على أنّ المائة بمائة وخمسين، هل يصحّ أم لا؟ وعمّا إذا كان عند زيد لعمرو حمران، وقال له: أنت بريء ثم قال بعد ذلك: أنت بريء من غير تلك الحمران وليس له عليه دين غيرهن هل تصحّ هذه البراءة ولو لم يقل من مالي عليك، أو مما في ذمّتك لي أو من هذه الحمران أم لا؟
(1/737)

وعن قاتل النّفس عمدًا إذا تاب توبةً نصوحًا هل تصحّ إمامته أم لا؟ وعن الذي يؤكل لحمه من البقرة والغنم والإبل ما خرج منهن مع الولادة من الدّم والسّلا طاهر أم لا؟
وعن رجلين رَهنَا رَهْنًا بدينين لهما على آخر كلّ واحد منهما دينه منفرد وحده وشرط أحدهما على الآخر أن دينه مقدم ولا للآخر إلّا ما بقي، فإن استغرق دين الأوّل الرّهن فهو له، وإن بقي منه شيء فهو للثّاني أو يقضي دينه من غلة الرّهن وليس للثّاني شيء حتّى يقضي الأوّل دينه هل يثبت ذلك أم لا؟
وعمّا إذا استأجر إنسان إنسانًا يأتي له بإبل أو غنم من البادية أو من البلد الفلاني وأتى بهن واسترفق عليهنّ أو استخفر عليهنّ خفيرًا أو خيالًا كما هو العادة، وقال صاحبهنّ ما أمرتك تسترفق ولا تشترط للخيال وهو فاعل ذاك للمصلحة عليهن وعلى غيرهن هل يستحق ذلك أم لا؟ وعمّا إذا استأجرت رجلا يأتي بشيء من عند فلان وذهب إليه فلم يجده فما يستحق علي؟
(فأجاب رحمه الله تعالى): إذا دفع شخص بالغ عاقل لمثله مالًا معلومًا يشتري به عينًا معلومةً أو موصوفةً ويقبضها لموكله وتكون من ضمان الموكل ثمّ يبيعها على نفسه بزيادة الثّلث أو أقلّ أو أكثر إلى أجل صحّ، ولو كان قبل ذلك العقد مواعدًا؛ لأنّ وجود هذا المواعد كعدمه لا يلزم بشيء من العقد، أمّا إذا قال: اشتر بهن سلعة ولم يعينها ولم يصفها تصحّ الوكالة.
وأمّا إذا كان لزيد على عمرو دين وقال: أبرئني من الّذي علي لك، أو
(1/738)

عندي لك، أو ما يدل على ذلك وأجابه بقوله أنت بريء ولم يزد على ذلك صحّ؛ لأنّ هذا جواب صحيح ويبرأ ممّا له عليه كلّه، وأمّ إذا قال أنت بريء ولم يتقدّمه كلام يدلّ على أنّه يريد من الدّين الّذي له عليه ولا جواب لكلام متقدّم ثمّ فسّره بمحتمل بأن يكون له عليه دين آخر أو عين أو مظلمة في مال أو عرض، أو فسّره بأنّه يريد بريء من شيء من ذلك قبل تفسيره، وإن لم يفسّره بمحتمل فالّذي يظهر لي براءته ممّا له عليه.
وأمّا قاتل النّفس عمدًا إذا تاب إلى الله توبة صحيحة بشروطها وهي ندم وإقلاع وعزم أن لا يعود، وأيضًا يتخلص من حقوق الورثة بأن يسلم نفسه إلى وارث المقتول، فإن شاء الوارث قلته، وإن شاء عفا عنه مجانًا أو رضي الوارث بدية أو ديات، فإذا تم ذلك بقي حق المقتول وتخلص من حقّين: حقّ الله بالتّوبة وحقّ الوارث بتسليم نفسه أو بذل ديات حتّى يرضوا وبقي حقّ المقتول وقد تعذر الخلاص منه في دار الدّنيا ثم بعد ذلك يدعو له جهده ويتصدّق له، ثم بعد ذلك إمامته صحيحة وشهادته.
وأمّا الولد من آدمي أو بهيمة يؤكل لحما فطاهر إذا عُرِيَ عن الدّم، والماء الخارج عند الولادة طاهر إذا لم يكن فيه دم.
وأمّا السّلا فما دام متّصلًا بالحيوان فهو طاهر أيضًا، وكذا إذا عُرِيَ عن الدّم فإن انفصل عن الحيوان فنجس من غير الآدمية، وأمّا من الآدمي فطاهر؛ لأنّ ما أبين من حي فهو كميتته.
وأمّا إذا رهن اثنان عينًا في دينين بشرط تقديم أحد الدّينين فالّذي يظهر لي صحّة الرّهن دون الشّرط فيكونان بالسوية في الدّينين ولم أقف فيها على نصّ صريح.
(1/739)

وأمّا إذا استأجر رجل رجلًا يأتي بماله من مكانٍ معيَّن أو غير معيَّنٍ فقبض مالًا صار أمانة بيده له أن يفعل فيه ما يقوم بحفظه مما جرت به العادة. فإذا خاف عليه من ضياعٍ أو ظالمٍ فبذل شيئًا في حفظه وصيانته بما جرت العادة به العادة من الملّاك في أملاكهم وأهل الأموال في أموالهم صحّ وله الرّجوع به على أهل المال. لكن إذا زاد على أجرة المثل ضَمِنَ الزّيادة فقط؛ لأنّه متبرِّع فإن نقد الأجرة من ماله بنيّة الرّجوع وكذلك يرجع.
وأمّا إذا استأجر إنسان إنسانًا إلى موضعٍ معيَّن ليأتي له بشيءٍ معيَّنٍ معلومٍ صحّ. فإن لم يجده وتعذر عليه إتيانه بغير تقصيرٍ ولا تفريطٍ فله أجرة عمله ويسقط من الأجرة قدر حمله على المالك إن كان لحمله مؤنة. وإن كان التّقصير من الأجير لم يستحقّ شيئًا وهذا مع صحّة الإجارة وإلّا فله أجرة المثل. والله أعلم.

وسئل أيضًا -عفا الله عنه- عمّا إذا لم يكن بالبلد حاكم وغاب الرّاهن أو امتنع من بيع الرّهن أو من وفاء الدّين فماذا يكون؟
وعن المفلس إذا أراد توليج ماله عن غرمائه من الّذي يحجر عليه ويوفي غرماءه إذا امتنع؟
وعمّا إذا أقرّ المفلس أن ما بيدي أو شيئًا معلومًا ممّا بيده لفلان أو لزوجة أو غيرها هل للغرماء اليمين على المقرّ له أنّه ليس بتلجئة أم لا؟
وعمّا إذا كان عند رجل لآخر دين أو وديعة وقال الّذي عنده الدّين أو الوديعة أن الّذي دينني أو أودعني أشهدني أنّه لفلان ومات المالك وقال ورثته: هذا مال مورثنا ولا نعمل بقولك، فهل تصحّ شهادته ويحلف المقرّ له معه أم لا؟ أو يكون المال للورثة، وهل إن صحّ المال للورثة هل
(1/740)

يلزم المودع أو المدين ما أقرّ به للمقرّ أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): إذا حلّ الدّين الّذي به رهن وجب على الرّاهن بيعة بطلب المرتهن وإيفاء الدّين من غيره، فإن أبى لزم الحاكم إجباره على ذلك فإن لم يكن حاكم أجبره رئيس القرية بالحبس والضّرب ونحوه ما أمكنه حتّى يبيع ويسلم للمرتهن ثمنه أو حقه، فإن أبى عن البيع وأصرّ وقف الأمر ولا يبيعه المرتهن.
وأمّا المفلس فلا يحجر عليه إلا حاكم فإن خصص بعض الغرماء قبل الحجر نفذ تخصيصه لكن يحرم عليه التّخصيص، وإن أقرّ بماله كلّه أو بعضه لغيره أو وهبه صحّ إذا كان المفلس مكلّفا رشيدًا، وليس للغرماء مطالبة المقرّ له أو الموهوب له ولا استحلافه لكن لهم على المدين يمين بالله لا مال له ولا يقدر على الوفاء ولا بعضه انتهى.
وأمّا إذا أودع إنسان إنسانًا وديعة وقال هي لفلان صحّ ذلك وقبل قول المودع بلا بينة إن كان الإيداع بلا بيّنة نصّ عليه في حاشية الإقناع قال فيها:
(فائدة): قال في الاختيارات: لو قال المودع أودعنيها الميت، وقال هي لفلان، وقال: ورثته بل هي له، ولم تقم بيّنة إنّها كانت للميّت ولا على الإيداع. قال أبو العبّاس: أفتيت أنّ القول قول المودع بيمينه؛ لأنّه قد ثبتت له اليد انتهى كلامه.
وأمّا الدّين في الذّمة فلا يقبل قوله أي الّذي هو في ذمّته إذا أقرّ إنّه لفلان وهذا إقرار ممن هو في ذمّته لا شهادة فيلزمه تسليمه لمن أقرّ له به، ويسلم أيضًا ثانية لوارث الميّت إن كان ميتًا وإلّا فلمالكه إن كان حيًا؛ لأنّه أقر به لغير مالكه بلا بينة، وهذا كلّه مع إقراره به أو تصديقه للميّت
(1/741)

أنّه لفلان مع إنكار الورثة.
وأمّا إن قال: أقرّ الميّت أنّ الدّين الّذي عليّ لفلان ولست مصدقه بما قال، فلا يلزمه شيء للمقرّ له به إذا أنكره الورثة ولم تقرّ به بيّنة، وإن علم الدّين أنّه للمقرّ له به لزمه تسليمه إليه، فإن طالب الوارث به فله الحلف أنّك لا تستحقّ عليّ شيئًا ما لم تقم به بيّنة للميّت، فإن قامت به بيّنة لزمه أيضًا تسليمه إلى الوارث؛ لأنّ المدين يدعي أنّ الورثة ظلموه والله أعلم.
...

{رسالة للشّيخ عبد العزيز بن عبد الجبّار}
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
من عبد العزيز بن عبد الجبّار إلى الأخ المكرّم محمّد بن نصر الله -سلّمه الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
يا أخي وصل خطك وما ذكرت صار معلومًا وتذكر أنّ الشّيخ ذكر لكم أنّ شركة بيت المال ما تثبت بها الشّفعة، وهذا حقّ؛ لكونه وقفًا والوقف ما يشفع به، ولكن وقت الخصومة ما ذكرتم لي أن الّذي شافع به ابن مهيدب بيت مال، وثبت عندي بعد ذلك أنّه بيت مال فعلى هذا الحال ليس لابن مهيدب شفعة عليكم لشركة بيت المال وما أفتيت به بثبوته الشّفعة له إنا ناقضه لمخالفته نص مذهبنا ليكون لديك معلومًا والسّلام.
...

رسالة للشيخ حمد بن عتيق
...
رسالة الشّيخ حمد بن عتيق.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
قال شيخنا حمد بن عتيق في جوابه لمن ناظره في حكم أهل مكّة وما يقال في البلد نفسه.
فأجاب بقوله (سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم) جرت المذاكرة في كون مكّة بلد كفر أم بلد إسلام.
(1/742)

فنقول -وبالله التّوفيق-: قد بعث الله محمّدًا -صلّى الله عليه وسلّم- بالتّوحيد الّذي دين جميع الرّسل، وحقيقته هو مضمون شهادة أن لا إله إلّا الله وهو أن يكون الله معبود الخلائق فلا يتعبدون لغيره بنوع من أنواع العبادة، ومخ العبادة هو الدّعاء ومنها: الخوف والرّجاء والتّوكّل والإنابة والذّبح والصّلاة وأنواع العبادة كثيرة، وهذا الأصل العظيم الّذي هو شرط في صحّة كلّ عمل.
(والأصل الثّاني): هو طاعة النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- في أمره وتحكيمه في دقيق الأمور وجليلها وتعظيم شرعه ودينه والإذعان لأحكامه في أصول الدّين وفروعه:
(فالأوّل): ينافي الشّرك ولا يصحّ مع وجوده.
(والثّاني): ينافي البدع ولا يستقيم مع حدوثها، فإذا تحقق وجود هذين الأصلين علمًا وعملًا ودعوةً، وكان هذا دين أهل البلد أيّ بلد كان بأن عملوا به ودعوا إليه وكانوا أولياء لمن دان به ومعادين لمن خالفه فهم موحدون.
وأمّا إذا كان الشّرك فاشيًا مثل دعاء الكعبة والمقام والحطيم ودعاء الأنبياء والصّالحين، وإفشاء توابع الشّرك مثل الزّنا والرّبا وأنواع الظّلم ونبذ السّنن وراء الظّهر، وفشو البدع والضّلالات وصار التّحاكم إلى الأئمّة الظّلمة ونواب المشركين وصارت الدّعوة إلى غير القرآن والسّنة، وصار هذا معلومًا في أيّ بلد كان فلا يشكّ من له أدنى علم أنّ هذه البلاد محكوم عليها بأنّها بلاد كفر وشرك لاسيّما إذا كانوا معادين أهل التّوحيد وساعين في إزالة دينهم وفي تخريب بلاد الإسلام.
وإذا أردت إقامة الدّليل على ذلك وجدت القرآن كلّه فيه، وقد أجمع عليه العلماء فهو معلوم بالضّرورة عند كلّ عالم.
وأمّا قول القائل: ما ذكرتم من الشّرك إنّما هو من الأفاقية لا من أهل
(1/743)

البلد، فيقال له أوّلًا: هذا إمّا مكابرة وإمّا عدم علم بالواقع فمن المتقرر أنّ أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم كما يسمعه كلّ سامع ويعرفه كلّ موحد.
ويقال ثانيًا: إذا تقرر وصار هذا معلوما فذاك كافٍ في المسألة ومن الّذي فرق في ذلك ويا لله العجب إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادهم ولا تقدرون أن تصرحوا بدينكم وتخافتون بصلاتكم لأنّكم علمتم عداوتهم لهذا الدّين وبغضهم لمن دان به فكيف بقع لعاقل إشكال! أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم ويدعو الرّسول والصّحابة يا هذا لا تدعو غير الله أو أنت مشرك هل تراهم يسامحونه أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنّه ليس على توحيد الله فوالله ما عرف التّوحيد ولا تحقق بدين الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- أرأيت رجلًا عندهم قائلا لهؤلاء راجعوا دينكم أو اهدموا البناآت الّتي على القبور ولا يحلّ لكم دعاء غير الله هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمّد -صلّى الله عليه وسلّم-؟ لا والله لا والله.
وإذا كانت الدّار دار إسلام لأيّ سيء لم تدعوهم إلى الإسلام وتأمروهم بهدم القباب واجتناب الشّرك وتوابعه، فإن يكن قد غركم أنّهم يصلّون أو يحجّون أو يصومون ويتصدّقون، فتأمّلوا الأمر من أوله وهو أنّ التّوحيد قد تقرر في مكّة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل - عليهما السّلام - ومكث أهل مكّة عليه مدّة من الزّمان، ثمّ إنّه فشا فيهم الشّرك بسبب عمرو بن لحي وصاروا مشركين وصارت البلاد بلاد شرك مع أنّه قد بقي معهم أشياء من الدّين، وكما كانوا يحجّون ويتصدّقون على الحاج وغير الحاج.
(1/744)

ولقد بلغكم شعر عبد المطّلب الّذي أخلص فيه قصّة الفيل وغير ذلك من البقايا ولم يمنع الزّمان ذلك من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظّاهر عندنا وعند غيرنا أنّ شركهم اليوم أعظم من ذلك الزّمان، بل قبل هذا كلّه أنّه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التّوحيد حتّى حدث فيهم الغلوّ في الصّالحين فدعوهم مع الله فكفروا فبعث الله إليهم نوحا -عليه السّلام- يدعو إلى التّوحيد.
فتأمل ما قصّ الله عنهم وكذا ما ذكر الله عن هود -عليه السّلام- أنّه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله لأنّهم لم ينازعوه في أصل العبادة، وكذلك إبراهيم دعا قومه إلى إخلاص التّوحيد وإلا فقد أقرّوا لله بالآلهة، وجماع الأمر أنّه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله وتوابع ذلك واستمرّ أهلها عليه وقاتلوا عليه، وتقرّرت عندهم عداوة أهل التّوحيد وأبوا عن الانقياد للدّين، فكيف لا يحكم عليها بأنّها بلد كفر؟ ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر وأنّهم منهم بريؤون مع مسبّتهم لهم وتخطأتم لِمَن دان به والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفّار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلّها موجودة فهذه مسألة عامّة كلّيّة؟
وأمّا القضايا الجزئية فنقول: قد دلّ القرآن والسّنة على أنّ المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشّرك والانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}. [محمد: 25].
مع قوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم}، [المائدة، من الآية: 51]. وأمعن النّظر في قوله تعالى: {فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}، [النّساء، من الآية: 140].
(1/745)

وأدلّة هذا كثيرة ولا تنسوا ما ذكر الله في سورة التّوبة: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}، [التّوبة، من الآية: 66].
وقوله: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْر}، [التّوبة، من الآية: 74]. واذكر قوله تعالى: {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، [آل عمران: 80].
وتأمل قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا}، [الحجّ، من الآية: 72]، في موضعين وقد علمت حالهم إذا دعوا إلى التّوحيد انتهى والله أعلم.
...

رسالة لبعض علماء الرياض
...
{رسالة لبعض علماء المسلمين من أهل الرّياض}
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على محمّد وآله وصحبه أجمعين.
قال ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في الهدي النّبوي:
(فصل): في حكمه -صلّى الله عليه وسلّم- في قسمة الغنائم حكم -صلّى الله عليه وسلّم- إنّ للفارس ثلاثة أسهم وللرّاجل سهم، هذا حكمه الثّابت عنه في مغازيه كلّها عند الجمهور العلماء، وحكم أنّ السّلب للقاتل ثمّ قال: وقال عبادة بن الصّامت خرجنا مع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إلى بدر، فلّما هزم الله العدوّ وتبعتهم طائفة يقتلونهم وأحدقت طائفة برسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وطائفة استولت على المعسكر والغنيمة فلمّا رجع الّذين طلبوهم قالوا لنا النّقل ونحن طلبنا العدوّ، وقال الّذين أحدقوا برسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- نحن أحقّ به لأنا أحدقنا برسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أن لا ينال العدوّ غرّته، وقال الّذين استولوا على المعسكر هو لنا نحن حويناه، فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ اْلأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [لأنفال، من الآية: 1]، فقسمه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عن بواء قبل أن ينْزل {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ
(1/746)

لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال، من الآية: 41]، اه ثمّ قال ابن القيّم في الهدي:
(فصل): في حكم النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بالسّلب للقاتل ولم يخمسه ولم يجعله من الخمس بل من أصل الغنيمة وهذا حكمه وقضاؤه. قال البخاري في صحيحه: السّلب للقاتل إنّما هو من غير الخمس وحكم به بشهادة الواحد وحكم به بعد القتل؛ فهذه أربعة أحكام تضمّنها حكمه -صلّى الله عليه وسلّم- بالسّلب لمن قتل قتيلا -ثمّ قال- والصّحيح أنّه يكتفى في هذا بالشّاهد الواحد ولا يحتاج إلى شاهد آخر ولا يمين كما جاءت به السّنّة الصّحيحة الصّريحة الّتي لا معارض لها اه.
(مسألة): قال في الشّرح الكبير "والسّلب ما كان عليه من ثياب وحلي وسلاح والدّابة بآلتها، وعنه أنّ الدّابة ليست من السّلب ونفقته وخيمته ورحله غنيمة" سلب القتيل ما كان لابسه من ثياب وعمامة وقلنسوة ومنطقة ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورة وران وخف بما في ذلك من حلية لأنّ المفهوم من السّلب اللّباس، وكذلك السّلاح من السّيف والرّمح واللت والقوس ونحوه؛ لأنّه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللّباس.
فأمّا المال الّذي معه في هميانه وخريطته فليس بسلب، لأنّه ليس من الملبوس ولا ممّا يستعين به في الحرب وكذلك رحله وإناؤه وما ليست يده عليه -ثمّ قال- واختلفت الرّواية عن أحمد في الدّابة فنقل عنه أنّها ليست من السّلب اختاره أبو بكر؛ لأنّ السّلب ما كان على بدنه والدّابة ليست كذلك فلا تدخل في الخبر -ثمّ قال-: ونقل عنه أنّها من السّلب وهو المذهب وبه قال الشّافعي لما روى عوف بن مالك قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ووافقني مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الرّوم وفيهم
(1/747)

رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهّب وسلاح مذهّب فجعل يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فعلاه ققتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد فأخذ منه السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى. رواه الأثرم.
وفي حديث شهر بن علقمة أنه أخذ فرسه كذلك، قال أحمد كقوله فيه ولأن الفرس يستعان بها في الحرب فأشبهت السلاح. ثم قال: إذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتحقيبها وحلية إن كانت عليها وجميع آلتها* من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب وإنما تكون من السلب إذا كان راكبًا عليها، فإن كانت في منزله أو مع غيره أو منقلبة لم تكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه. ثم قال: وان كان على فرس وفي يده جنيبه لم تكن الجنيبة من السلب لأنه لا يمكنه ركوبهما. ثم قال في الشرح الكبير:
{مسألة} (وإن أخذ منهم مال مسلم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به، وإن أدركه مقسومًا فهو أحق به بثمنه، وعنه لا حق لهم فيه، وإن أخذه منهم أحد الرعية بثمن فصاحبه أحق به بثمنه، وإن أخذه بغير عوض فصاحبه أحق به بغير شيء) إذا أخذ الكفار أموال المسلمين ثم أخذها المسلمون منهم قهرًا، فإن علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء في قول عامة أهل العلم منهم عمر رضي الله عنه وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي.
وقال الزهري: لا يرد إليه وهو للجيش، ونحوه عن عمرو بن دينار
__________
* في الأصل المطبوع: (آلهتها)، والتصويب من "الشرح الكبير على متن المقنع". [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(1/748)

لأنّ الكفّار ملكوه بالاستيلاء فصار غنيمة كسائر أمولهم.
ولنا ما روى ابن عمر أن غلامًا له أبق إلى العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّه النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- إلى ابن عمر ولم يقسمه، وعنه قال ذهب فرس له فأخذها العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّ عليه في زمن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- رواهما أبو داود.
وعن رجاء بن حيوة أنّ أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطّاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثمّ ظهر المسلمون عليهم بعد، قال من وجد ماله بعينه فهو أحقّ به مالم يقسم. رواه سعيد والأثرم، وكذلك إن علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسمه وجب ردّه وصاحبه أحقّ به بغير شيء -ثمّ قال-:
(فصل): فإن أخذه أحد الرّعية نهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به بغير شيء -ثمّ قال-: ولنا ما روي أنّ قومًا أغاروا على سرح النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فأخذوا ناقة وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أيّامًا ثمّ خرجت في بعض اللّيل قالت فما وضعت يديّ على ناقة الأرغب قالت حتّى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثمّ توجّهت إلى المدينة ونذرت أن نجاني الله عليها أن أنحرها، فلمّا قدمت المدينة إستعرفت النّاقة فإذا هي ناقة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فأخذها فقلت يا رسول الله إنّي نذرت أن أنحرها، قال: "بئسما جازيتها لا نذر في معصية الله" وفي رواية "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك" أخرجه مسلم، ولأنّه لم يحصل في يده بعوض فكان صاحبه أحقّ به بغير شيء كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة انتهى.
وهذا عام في كلّ مال مسلم أخذ من العدوّ سواء ذهب إليهم من الغزو أو أخذه منهم أو من بلادهم ثمّ قال في الشّرح الكبير:
(1/749)

(مسألة): وإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب فدفعها إلى أهلها فإن كان فيها مال مسلم دفعه إليه؛ لأنّ صاحبه متعين؛ ولأنّه استحقه بسبب سابق ثمّ بمؤنة الغنيمة، من أجرة النّقال والجمال والحافظ والمخزن والحاسب؛ لأنّه لمصلحة الغنيمة، ثمّ بالرّضخ في أحد الوجهين؛ لأنّه استحق بالمعاونة في تحصيل الغنيمة أشبه أجرة النّقالين والحافظين وفي الآخر يبدأ بالخمس قبله؛ لأنّه استحق بحضور الوقعة وهذا أقيس. ثمّ قال ويرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد والنّساء والصّبيان، ومعنى الرّضخ أن يعطوا شيئًا من الغنيمة دون السّهم ولا تقدير فيما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام فإن شاء التّسوية بينهم سوَّى، وإنّ رأي التّفضيل فَضَّلَ. وهذا قول أكثر العلماء -ثمّ قال-.
(مسألة): وإن غزا العبد على فرس لسيّده قسم للفرس ورضخ للعبد - ثمّ قال: وقال أبو حنيفة والشّافعي: لا يسهم للفرس لأنّها تحت من لا يسهم له فلم يسهم له كما لو كانت تحت مخذل، ولنا أنّه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السّيّد راكبه، إذا ثبت هذا فإنّ سهم الفرس ورضخ العبد لسيّده لأنّه مالكه ومالك فرسه سواء حضر السّيّد القتال أو غاب عنه -ثمّ قال-: أجمع أهل العلم على أنّ للغانمين أربعة أخماس الغنيمة، وقد دلّ النّص على ذلك بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال، من الآية:41]، يفهم منه أنّ أربعة أخماسها الباقية لهم؛ لأنّه أضافها إليهم ثمّ أخذ منها سهمًا لغيرهم فبقي سائرها لهم ويقسم بينهم للرّاجل سهم وللفارس ثلاث أسهم سهم له وسهمان لفرسه -ثمّ قال-: قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ من غزا على بعير فله سهم راجل، كذلك قال الحسن ومكحول والثّوري والشّافعي وأصحاب الرّأي، وهو الصّحيح إن شاء الله
(1/750)

تعالى؛ لأنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لم ينقل عنه أنّه أسهم لغير الخيل من البهائم ولو أسهم لها لنقل وكذلك بعد النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمنا أنّه أسهم لغير الخيل، قال في الشّرح الكبير وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال قاتل أو لم يقاتل وقال فيه أيضا ومن بعثه الإمام لمصلحة الجيش مثل الرّسول والدّليل والجاسوس وأشباههم فإنّه يسهم له وإن لم يحضر لأنّه لمصلحة الجيش أشبه السّريّة.
قال أحمد: إذا غنم المسلمون غنيمة فلحقهم العدوّ وجاء المسلمين مدد فقاتلوا العدوّ معهم حتّى سلموا الغنيمة فلا شيء لهم من الغنيمة؛ لأنّهم قاتلوا عن أصحابهم دون الغنيمة؛ لأنّ الغنيمة قد صارت في أيديهم وحووها. قيل له فإن أهل المصيصة غنموا ثمّ استنقذ منهم العدوّ فجاء أهل طرسوس فقاتلوا معهم حتّى استنقذوه؟ فقال: أحب أن يصطلحوا. أمّا في الصّورة الأولى فإنّ أهل الغنيمة قد أحرزوها وملكوها بحيازتها فكانت لهم دون من قاتل معهم. وأمّا في الصّورة الثّانية فإنّما حصلت الغنيمة بقتال الّذين استنقذوها في المرّة الثّانية فينبغي أن يشتركوا فيها؛ لأنّ الإحراز الأوّل قد زال يأخذ الكفّار لها. ويحتمل أنّ الأوّلين قد ملكوها بالحيازة الأولى ولم يزل ملكهم بأخذ الكفّار لها منهم فلهذا أحبّ أحمد أن يصطلحوا على هذا انتهى ملخصًا من الشّرح الكبير.
وقال في الشّرح الكبير أيضا: والنّفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام:
(أحدها): هذا وهو أنّ الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا بعث بين يديه سريّة تغيّر على العدوّ ويجعل لهم الرّبع بعد الخمس فما قدمت به السّريّة أخرج خمسه وأعطى السّريّة ما جعل لهم وهو ربع الباقي وقسم ما بقي
(1/751)

في الجيش والسّريّة معًا فإذا قفل فبعث سريّة تغيّر وجعل لهم الثّلث بعد الخمس فما قدمت السّريّة أخرج خمسه ثمّ أعطى السّريّة ثلث ما بقي ثمّ قسم سائره في الجيش والسّريّة معه.
(القسم الثّاني): أن ينفل الإمام بعض الجيش لعنائه وعنايته وبأسه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش.
(القسم الثّالث): أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السّور أو نقب هذا النّقب أو فعل كذا فله كذا، أو من جاء بأسير فله كذا، فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم. انتهى ما نقلته من الشّرح الكبير رحم الله مؤلّفه، فظهر ممّا نقل الجواب عن المسائل المسؤول عنها وبيان حكمها.
وأمّا من منع إنسانا من العدوّ وأمنه على أن يعطيه فرسه أو بعيره أو سلاحه أو ما معه فالظّاهر أنّه لا يستحقّه وحده إلّا أن يجعله الإمام له وإلّا فيجعل مع الغنيمة والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
وقال في الشّرح الكبير:
(مسألة) وإذا لحق مدد وجاء أسير وأدركوا الحرب قبل تقضيها أسهم لهم وإن جاؤوا بعد إحراز الغنيمة فلا شيء لهم.
...

رسالة لبعض علماء نجد
...
{رسالة لبعض علماء المسلمين أهل نجد}
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(مسألة): هل يجوز إطلاق لفظة تبارك على غير الله مثل من قول تبارك علينا فلان أو تباركت الدّابة ونحو ذلك وهل هو دعاء أو إخبار فلا يمنع منه أو صفة من الصّفات فلا تطلق إلا على الله؟
(الجواب): الحمد لله هذه المسألة قد كفانا جوابها شمس الدّين ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في بدائع الفوائد بأوضح عبارة وأبيّنها لمن أراد الإنصاف
(1/752)

وسلم من التّعصب والاعتساف وصرف المعاني عن حقائقها إلى مالا تدلّ عليه ولا تفهم منه قال -رحمه الله-:
(فصل): وأمّا البركة فهي نوعان أحدها بركة هي فعله تبارك وتعالى، والفعل من بارك يتعدّى بنفسه تارة وبأداة على تارة وبأداة في تارة والمفعول منها مبارك وهو ما جعل كذلك فكان مباركًا بجعله تعالى.
(والنّوع الثّاني): بركة تضاف إليه تعالى إضافة الرّحمة والعزّة والفعل منها تبارك ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلّا له -عزّ وجلّ- فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك وذلك كما قال المسيح: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم، من الآية:31] , فما بارك الله فيه وعليه فهو المبارك.
وأمّا صيغة تبارك فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون، من الآية: 14]، {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الزخرف، من الآية: 85]، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان، من الآية: 1]، {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} [الفرقان، من الآية: 10]، {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} [الفرقان، من الآية: 10]، {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان، من الآية: 61]، أفلا تراها كيف أطردت في القرآن جارية عليه مختصّة به لا تطلق على غيره وجاءت على بناء السّعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوه فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الّذي هو دال على كمال العلوّ ونهايته؛ فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمتها وسعتها، وهذا معنى قول من قال من السّلف تبارك تعاظم، وقال آخر: إن مجيء البركات من قبله، فالبركة كلّها منه وقال غيره: كثرة خيره وإحسانه إلى خلقه، وقيل: اتّسعت رأفته ورحمته بهم، وقيل: تزايد على كلّ شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، ومن هنا قيل: معناه تعالى وتعاظم، وقيل: تبارك تقدس وطهر الطّهارة، وقيل: تبارك أي: اسمه مبارك في كلّ شيء، وقيل: تبارك ارتفع المبارك المرتفع ذكره البغوي.
(1/753)

وقيل: تبارك أي: البركة تكتسب وتنال بذكره، وقال ابن عبّاس حاز كلّ بركة وحقيقة اللّفظة أنّ البركة كثرة الخير ودوامه ولا أحقّ بذلك وصفًا وفعلًا منه تبارك وتعالى، وتفسير السّلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان لكن الأليق باللّفظ معنى الوصف لا الفعل؛ فإنّه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاظم، ومثل هذه الألفاظ لا يصحّ أن يكون معناها أنّه جعل غيره عاليًا ولا قدوسًا ولا عظيمًا وهذا ممّا لا يحتمله اللّفظ بوجه وإنّما معناها في نفس من نسبت إليه وهو المتعالي المتقدّس في نفسه، فكذلك تبارك لا يصحّ أن يكون معناها بارك في غيره وأين أحدهما من الآخر لفظًا ومعنى هذا لازم، وهذا متعد فقد علمت أنّ مَن فسّر تبارك بمعنى ألقى البركة وبارك في غيره لم يصب معناها، وإن كان هذا من لوازم كونه تعالى متباركا، فتبارك من باب مجد، والمجد صفات الجلال والكمال والسّعة والفضل، وبارك من باب أعطى وأنعم.
ولمّا كان المتعدّي في ذلك يستلزم الّلازم من غير عكس فسّر من فسّر من السّلف اللّفظة بالتّعدي لينتظم المعنيين فقال مجيء البركة كلّها من عنده أو البركة كلّها من قبله، وهذا فرع على تباركه في نفسه وتدبّر النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في حديث ثوبان الّذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافه من الصّلاة: "اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، فتأمّل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثّناء أعني ثناء التّنْزيه والتّسبيح، وثناء الحمد والتّحميد بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمّه معنى فأخبر أنّه السّلام ومنه السّلام، فالسّلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدّم بيان هذا في وصفه تعالى بالسّلام، وأنّ صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلّها سلام.
وكذا الحمد كلّه له
(1/754)

وصفًا وملكًا فهو المحمود في ذاته وهو الّذي بجعل من يشاء من عباده محمودًا.
وكذلك العزّة كلّها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذّي لا شيء أعزّ منه ومن عزّ من عباده فبإعزازه له.
وكذلك الرّحمة كلّها له وصفًا وملكًا.
وكذلك البركة فهو المتبارك في ذاته والّذي يبارك فيمن يشاء من خلقه، وعليه فيصير بذلك مباركًا: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [غافر: من الآية: 64]، {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَاْلأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزّخرف، الآية: 85]، وهذا البساط إنّما هو غاية معارف العلماء الّذين من أهل حواشيه وأطرافه.
وأمّا ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق وأقربهم إلى الله وأعظمهم عنده جاها "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقال في حديث الشّفاعة الطّويل: "فأخر ساجدًا لربّي فيفتح عليّ من محامده بما لا أحسنه الآن" وفي دعاء الهمّ والغمّ "أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، فدل على أنّ لله سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في غيبه دون خلقه لا يعلمها ملك مقرب ولا نبيّ مرسل، وحسبك الإقرار بالعجز والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك، فلا نغلو فيه ولا نجفو عنه. وبالله التّوفيق انتهى وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وسلّم.
...

رسالة للشيخ محمد بن أحمد بن محمد القصير
...
{رسالة الشّيخ محمد بن أحمد بن محمّد القصير}
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من محمّد بن حسن بن شبانة إلى جناب الشّيخ المكرّم محمّد بن أحمد بن محمّد القصير -سلّمه الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/755)

وبعد،
أشكل علينا مسائل:
منها: بيّنة الإكراه هل هي مقدّمة على بيّنة الطّواعية أم لا؟ وذاكرت فيها الشّيخ عمي فقال إذا كانت البيّنتان على إقرار قدّمت بيّنة الإكراه وإن كانتا على عقد بيع قدّمت بيّنة الطّواعية، هكذا قال فإن ظفرت فيها بجواب فأفد به أخاك جزيت خيرًا.
(الثّانية): وقع في القصيم خصومة وهي رجل خلع زوجته بحضرة شاهدين لكن الّذي بذل العوض أحد الشّاهدين فقال ابن عضيب تصحّ شهادة الّذي بذل العوض وإن لم تصحّ حلفت ضرّتها وأخذت المال لأنّه المقصد وذلك بعد موت الزّوج فنازعه آل زامل في ذلك، ووصلت إلى العارض أسئلة ابن عضيب فقال فيها الشّيخ أحمد: إمّا أنّها تحلف مع الشّاهد فلا يتصوّر، وأمّا شهادة الّذي بذل العوض فلا عندي فيها شيء إلّا ما قال في آخر باب شروط من تقبل شهادته.
قوله: وتقبل شهادة الشّخص على فعل نفسه الخ، وهو مترجّح عنده الصّحة لكن توقف عنها، وأمّا آل سليمان فجزموا بأنّها لا تصحّ وإنّ ما قال في باب شروط من تقبل شهادته محصور على الحاكم والقاسم والمرضعة فقط فإن رأيت فيها شيئًا فنبّهنا عليه.
(وغير ذلك) رجل دفع إلى آخر أحمرين، وقال: ادفعهما إلى زيد مضاربة فلمّا حضروا للمحاسبة قال الدّافع للعامل دفعت لك أحمرين لفلان ودفعت لك سبعة من مالي ضاربتك عليها فأنكر العامل الأحمرين وأقرّ بالسّبعة، فهل إذا حلف العامل أنّه لم يصل إليه سوى السّبعة تقبل يمين الدّافع أنّه دفع للعامل أحمرين وأنّ هذه السّبعة له ولا شيء لصاحب الأحمرين أم كيف الحكم؟ أفتنا أثابك الله الجنّة والسّلام.
الحمد لله وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته. وبعد،
فاعلم أنّ بيّنة
(1/756)

الإكراه مقدّمة على بيّنة الطّواعية؛ لأنّ معها زيادة علم ولم يظهر لي الفرق بين ذلك في الإقرار دون العقد.
وأمّا شهادة الدّافع للعوض الباذل له في الخلع فلا تصحّ؛ لأنّه يشهد على تصرّفه بنفسه في حل عقد النّكاح.
وقولهم في المرضعة والقاسم والحاكم فمختصّ بذلك، والقول قول الوكيل في دفع الأحمرين إلى فلان، وأنّه دفع إذا كان أمانة فإن اتّهم حلف، والقول قوله أيضًا في سبعة الحمران أنّها له؛ لأنّه أمين ولا يعرف ذلك إلّا من جهته، فإن حلف العامل أنّه لم يدفع إليه أحمرين سوى السّبعة ولا شيء منهما ذهب المال على المالك والله أعلم.
...

{رسالة لبعض علماء الدّرعية}
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(المسألة الأولى): الرّكن والسّنّة في قول التّنقيح في واجبات الصّلاة وركوع مأموم أدرك إمامه راكعا فركن وسنّة.
(الجواب): اعلم وفقك الله أنّ المأموم إذا لم يدرك الإمام إلّا في ركوع فإنّه يكبّر معه للإحرام ثمّ يركع معه؛ لأنّ تكبيرة الإحرام ركن مطلقًا وتكبيرة الرّكوع في هذه الحال سنّة لا واجب؛ لا اجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام، ووجهه أنّه اجتمع عبادتنان من جنس واحد في محل فأجزأ الرّكن عن الواجب؛ كطواف الزّيارة والوداع، وفيما سوى هذه الصّورة تكبيرة الرّكوع واجبة وهنا ليس إلّا ركن وسنّة فقط.
(المسألة الثّانية): عن قوله في الإقناع في الشّفعة: وإن نما عنده نماء متّصلًا كشجر كبر وطلع لم يؤبر تبعه في عقد وفسخ هل للشّفيع أخذ النّماء المتّصل إذا كان سببه مال المشتري الخ.
(1/757)

(الجواب): المجزوم به عند جمهور الحنابلة أنّ النّماء المتّصل كالشّجر يكبر وطلع لم يؤبر يتبع في الأخذ بالشّفعة والرّد بالعيب فيكون ملكًا للشّفيع قال في الإنصاف قاله الأصحاب منهم القاضي في المجرد وابن عقيل في الفصول، والمصنّف في المغني، والكافي والشّرح وغيرهم اه.
وفي شرح الإقناع كالرّد بالغيب فيأخذه الشّفيع بزيادته، لا يقال: فلم لا يكون حكمه حكم الزّوج إذا طلق قبل الدّخول؛ لأنّ الزّوج يقدر على الرّجوع بالقيمة إذا فاته الرّجوع في العين وهذا يسقط حقّه منها إذا لم يرجع في الشّقص فافترقا انتهى.
فهذا كلام فقهاء الحنابلة ولم يحك في الإنصاف خلافًا في المذهب، لكن إذا قاسوه على الرّد بالغيب فأبو العبّاس ابن تيمية اختار هناك أنّ النّماء المتّصل كالمنفصل يكون للمشتري لا للبائع وقال: نصّ عليه أحمد في رواية ابن منصور، قال في الإنصاف: فعلى هذا يقوم على البائع انتهى، أي في الرّد بالعيب ولا يبعد قياس مسألتنا عليه. إنّي أتوقف عن الإفتاء في هذه المسألة والله أعلم.
...

{رسالة للشّيخ محمّد بن عمر بن سليم}
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
ما قولكم -وفقكم الله- في رجل خرج من بيته بعد ما ارتفعت الشّمس فلقيه رجل آخر فقال له أنّه لم يصل الصبح حتّى الآن، قال له ما منعك عن الصّلاة؟ قال إنّه كانت عليه جنابة وكان الماء باردًا فلم يغتسل ثمّ مضى في شأنه حتّى كاد أن يدخل وقت الظّهر ما يجب عليه وما يقال فيه؟
وفي رجل لقيه رجل آخر يريد أن يسلم عليه فقال: له ألا تركت السّلام
(1/758)

علينا حتّى نرجع من السّفر علينا غبار المسلمين نهلهل عليك وكان سفره لبلد الرّياض وقصده الاستهزاء صريحًا ما يقال في مثل هذا أنفاق أم كفر أم دون ذلك؟ أفتونا مأجورين.
الحمد لله الجواب وبالله التّوفيق:
(المسألة الأولى): نقول هذا الرجل الّذي أخر صلاة الفجر إلى قريب الظّهر مخطيء آثم؛ لأنّ تأخير الصّلاة عن وقتها حرام باتفاق العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- اتّفق المسلمون كلّهم على أن عليه أن يصلي الظّهر والعصر بالنّهار، ويصلّي الفجر قبل طلوع الشّمس لا يترك ذلك لصناعة ولا لصيد ولا لهو ولا زراعة ولا لجنابة ونجاسة ولا غير ذلك، والنّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أخر صلاة العصر يوم الخندق لاشتغاله بجهاد الكفّار ثمّ صلاها بعد المغرب فأنزل الله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة، من الآية: 238]، صلاة العصر.
ولهذا قال جمهور العلماء إنّ ذلك التّأخير منسوخ لهذه الآية فلم يجز تأخير الصّلاة حال القتال بل أوجبوا عليه الصّلاة في الوقت حال القتال هذا مذهب مالك والشّافعي وأحمد في المشهور عنه، وعن أحمد رواية أخرى يخيّر حال القتال بين الصّلاة وبين التّأخير، ومذهب أبي حنيفة يشتغل بالقتال ويصلّي بعد الوقت.
وأمّا تأخير الصّلاة لغير الجهاد لصناعة أو زراعة أو عمل أو صيد فلا يجوز ذلك عند أحد من العلماء، بل قال الله -سبحانه وتعالى- {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون، الآيتان: 4 - 5]، قال طائفة من السّلف هم الّذين يؤخرونها عن وقتها، وقال بعضهم هم الّذين لا يؤدونها على وجه المأمور به، وإن
(1/759)

صلوها في الوقت فتأخيرها عن الوقت حرام باتفاق العلماء، والعلماء متّفقون على أنّ تأخير صلاة اللّيل إلى النّهار وتأخير صلاة النّهار إلى اللّيل بمنْزلة تأخير شهر رمضان إلى شوّال، وإنّما يعذر بالتّأخير النّائم والنّاسي كما قال النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلّا ذ لك".
وأمّا الجنب والمحدث ومَن عليه نجاسة إذا عدم الماء أو خاف الضّرر باستعماله لمرض أو برد فإنّه يتيمّم ويصلّي في الوقت وجوبًا ولا يؤخر الصّلاة حتّى يصلّي في غير الوقت باغتسال، قال النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: "الصّعيد الطّيّب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فامسه بشرتك فإنّه خير لك" فكلّ ما يباح بالماء يباح بالتّيمّم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، فإذا تيمم للصّلاة يقرأ القرآن داخل الصّلاة وخارجها وإن كان جنبًا.
وقال شيخ الإسلام تقيّ الدّين -رحمه الله تعالى- أيضًا: ومن امتنع عن الصّلاة بالتيمّم فإنّه من جنس اليهود والنّصارى، فإنّ التيمّم إنّما أبيح لهذه الأمّة خاصة كما قال النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في الحديث الصّحيح: "فضلنا على النّاس بثلاث: جعلت صفوفنا صفوف الملائكة، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي". قال: وممّا يزيد ما تقدّم وضوحًا قول النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لعمران بن حصين: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". فتبيّن بهذا أنّ المريض يصلّي في الوقت على حسب حاله قاعدًا أو على جنب إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلّي بعد خروج الوقت قائمًا هذا ممّا اتّفق عليه العلماء، وهذا كلّه لأنّ
(1/760)

فعل الصّلاة في وقتها فرض والوقت آكد فرائض الصّلاة؛ كما أنّ صيام شهر رمضان أوجب في وقته ليس لأحد أن يؤخّره عن وقته، لكن يجوز الجمع بين الظّهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء وبين الظّهر والعصر عند كثير من العلماء للسّفر والمرض ونحو ذلك من الأعذار.
وأمّا تأخير صلاة النّهار إلى اللّيل واللّيل إلى النّهار والفجر بعد طلوع الشّمس فلا يجوز لمرض ولا لسفر ولا لشغل ولا صناعة باتّفاق العلماء، قال عمر -رضي الله عنه-: الجمع بين الصّلاتين لغير عذر من الكبائر، وفي وصيّة أبي بكر لعمر -رضي الله عنهما-: إنّ لله حقّا بالنّهار لا يقبله باللّيل، وحقّا باللّيل لا يقبله بالنّهار. ومن ظنّ أنّ الصّلاة بعد خروج الوقت بالماء خير من الصّلاة في الوقت بالتّيمّم فهو جاهل ضال. انتهى كلام الشّيخ -رحمه الله تعالى-.
وأمّا حكم تارك الصّلاة فقال في الإقناع وشرحه: ومَن جحد وجوبها كفر، فإن تركها تهونًا أو كسلًا لا جحودًا دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، ويهدّده فإن أبى أن يصلّيها حتّى تضايق وقت الّتي بعدها وجب قتله لقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلى قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التّوبة، من الآية: 5].
فمتى ترك الصّلاة لم يأت بشروط التّخلية فيبقى على إباحة القتل ولقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: "من ترك الصّلاة متعمّدًا فقد برئت ذمّة الله ورسوله"، رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيّد ولا يقتل حتّى يستتاب ثلاثة أيّام كمرتدّ نصًّا، فإن تاب بفعلها وإلّا قتل بضرب عنقه بالسّيف لكفره
(1/761)

لما روى جابر مرفوعًا: "بين الرّجل وبين الكفر ترك الصّلاة" رواه مسلم وروى بريدة مرفوعًا: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة انتهى.
قال منصور في شرح المنتهى: ولا قتل ولا تكفير قبل الدّعاية ولم يقتل بترك الأولى لأنّه لا يعلم أنّه عزم على تركها إلّا بخروج وقتها، فإذا خرج علم تركه لها لكنّها فاتته لا يقبل بها، فإذا تضايق وقت الثّانية وجب قتله اه، قلت: هذا أحد الوجهين في المذهب، وعنه يجب قتله إذا أبى حتّى يتضايق وقت أوّل صلاة بعدها اختار هذا القول المجد وصاحب مجمع البحرين قال في الفروع وهو أظهر.
وقال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمّة الّذين يرون كفر تارك الصّلاة أنّ من تركها يكفر بخروج الوقت عليه ولم يعتبروا أن يستتاب ولا أن يدعى إليها، وعليه يدّل كلام المتقدّمين من أصحابنا كالخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى، ثمّ استدلّ لذلك بالأحاديث الّتي فيها ذكر تارك الصّلاة كقوله: "بين الرّجل وبين الكفر ترك الصّلاة" وحديث: "العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة فمن تركها فقد كفر" اه كلام ابن رجب -رحمه الله تعالى-.
وقال الشّيخ أحمد بن حجر الهيتمي الشّافعي في التّحفة: إنّ ترك الصّلاة جاحدًا وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلًا مع اعتقاد وجوبها قتل لآية {فَإِنْ تَابُوا} وخبر: "أمرت أن أقاتل النّاس"، فإنّهما شرطان في الكفّ عن القتل والمقاتلة؛ الإسلام وإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة. إلى آخر كلامه -رحمه الله-. هذا ما أمكن نقله من كلام العلماء على هذا السّؤال وما تحتمله هذه الورقة.
(وأمّا المسألة الثّانية): فقائل الكلام الّذي ذكرتم يتهم بكلامه هذا
(1/762)

ويخاف عليه من النّفاق فلو هجر هذا القائل كان هجره عندي مناسبًا بشرط أن يكون في هجره مصلحة.
قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: إنّما هجر النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- الثّلاثة لأنّه اتّهمهم بالنّفاق فكذا كلّ من خفنا عليه اه.
وأمّا إطلاق الكفر والنّفاق بمجرّد كلامه ذلك فلا أتجاسر عليه؛ لأنّ كلامه ليس بصريح بسب الدّين ولا الاستهزاء به ولا بِمَن قام به، قال بعض العلماء في قول النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في الأنصار: "لا يحبهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق"، قال: فمن أبغض من قام بنصرة دين الله أو سنّة نبيّه -صلّى الله عليه وسلّم- استحقّ هذا الوصف، وأمّا من يبغض بعضًا دون بعض فقد يكون ذلك لسبب غير الدّين.
قال شيخ الإسلام: اختلف العلماء فيمن يسبّ الصّحابة على قولين: قيل بكفرهم وقيل بفسقهم. توقف أحمد في كفره وقتله، وقال: يعاقب ويجلّد ويحبس حتّى يموت أو يرجع عن ذلك. قال: وهذا هو المشهور من مذهب مالك اه. هذا كلامهم في الّذي يسبّ أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الّذين أثنى الله عليهم ورضي عنهم فغيرهم دونهم، ولم يقل أحد من العلماء -رحمهم الله- بكفر من سبّ غيرهم ولا قتله، ولهذا قال الأصحاب من سبّ إمامًا عدلًا أو عدلًا غيره عزر فبذلك يظهر الجواب عن السؤال والله أعلم.

{تمّ القسم الثّالث}
(من الجزء الأوّل من مجموعة الرّسائل والمسائل النّجديّة)
(وبتمامه يتمّ الجزء الأوّل والحمد لله في البدء والختام)
(1/763)

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية

الجزء الثاني
يحتوي على ثلاثة أقسام:
أولها - كتاب الإيمان، ورسائل الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، المتوفى سنة 1285 ه
ثانيها - رسائل وفتاوى الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر
ثالثها - رسائل وفتاوى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، المتوفى سنة 1282 ه
رحمهم الله تعالى أجمعين

من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
أيده الله تعالى

مطبعة المنار بمصر
(2/)

كتاب
الإيمان والرد على أهل البدع
هذه فوائد مجموعة تشتمل على شيء من تقريرات العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة، عفى الله عنهم
(2/ 1/1)

كتاب الإيمان والرد على أهل البدع، وملحقاته
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين وعليه أتوكل

الفائدة الأولى:
الكلام في الإسلام والإيمان في مقامات (الأول) فيما دل عليه حديث عمر رضي الله عنه في سؤال جبريل -عليه السلام- للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" ... الحديث "قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره"1.
فأخبر أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، وبذلك يفسر كل منهما عند الاقتران، فإذا أُفْرِدَ الإيمان -كما في كثير من آيات القرآن- دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة كما دل على ذلك كثير من الآيات والأحاديث، كقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} [سورة النساء آية: 136] ... الآية.
فتناولت الآية جميع الأعمال الباطنة والظاهرة لدخولها في مسمى الإيمان. وأما الأركان الخمسة فهي جزء مسمى الإيمان، ولا يحصل الإسلام على الحقيقة إلا بالعمل بهذه الأركان والإيمان بالأصول الستة المذكورة في الحديث.
وأصول الإيمان المذكورة تتضمن الأعمال الباطنة والظاهرة؛ فإن
__________
1 مسلم: الإيمان (8) , والترمذي: الإيمان (2610) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4990) , وأبو داود: السنة (4695) , وابن ماجه: المقدمة (63) , وأحمد (1/ 51,1/ 52).
(2/ 1/2)

الإيمان بالله يقتضي محبته وخشيته وتعظيمه وطاعته بامتثال أمره وترك نهيه، وكذلك الإيمان بالكتب يقتضي العمل بما فيها من الأمر والنهي؛ فدخل هذا كله في الأصول الستة.
ومما يدل على ذلك قوله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [سورة الأنفال آية: 2] إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [سورة الأنفال آية: 4].
فدلت هذه الآيات على أن الأعمال الظاهرة والباطنة داخلة في مسمى الإيمان كقوله -تعالى-:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [سورة الحجرات آية: 15] فانتفاء الشك والريب من الأعمال الباطنة، والجهاد من الأعمال الظاهرة، فدل على أن الكل إيمان.
ومما يدل على أن الأعمال من الإيمان قوله -تعالى-: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} 1 أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة. ونظائر هذه الآية في الكتاب والسنة كثيرة كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث وفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا خمس ما غنمتم"2، ففسر الإيمان بالأعمال الظاهرة، لأنها جزء مسماه كما تقدم.
إذا عرفت أن كلا من الأعمال الظاهرة والباطنة من مسمى الإيمان شرعا، فكل ما نقص من الأعمال التي لا يخرج نقصها من الإسلام، فهو نقص في كمال الإيمان الواجب كما في حديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن،
__________
1 سورة البقرة آية: 143.
2 البخاري: التوحيد (7556) , ومسلم: الإيمان (17) , والترمذي: الإيمان (2611) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5031) , وأبو داود: الأشربة (3692) , وأحمد (1/ 361).
(2/ 1/3)

ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن"1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له"2، ونفي الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه. فالمنفي في هذه الأحاديث كمال الإيمان الواجب فلا يطلق الإيمان على مثل هذه الأعمال إلا مقيدًا بالمعصية أو بالفسوق، فيكون معه من الإيمان بقدر ما معه من الأعمال الباطنة والظاهرة، فيدخل في جملة أهل الإيمان على سبيل إطلاق أهل الإيمان كقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [سورة النساء آية: 92].
[الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان]
وأما المؤمن الإيمان المطلق الذي لا يتقيَّد بمعصية ولا بفسوق وبنحو ذلك، فهو الذي أتى بما يستطيعه من الواجبات مع تركه لجميع المحرمات، فهذا هو الذي يطلق عليه اسم الإيمان من غير تقييد، فهذا هو الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؛ والثاني هو الذي لا يصر صاحبه على ذنب، والأول هو المصر على بعض الذنوب. وهذا الذي ذكرته هنا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة في الفرق بين الإسلام والإيمان، وهو الفرق بين مطلق الإيمان. والإيمان المطلق فمطلق الإيمان هو وصف المسلم الذي معه أصل الإيمان الذي لا يتم إسلامه إلا به، بل لا يصح إلا به؛ فهذا في أدنى مراتب الدين، إذا كان مصرا على ذنب أو تاركا لما وجب عليه مع القدرة عليه.
والمرتبة الثانية من مراتب الدين مرتبة أهل الإيمان المطلق الذين كمل إسلامهم وإيمانهم بإتيانهم بما وجب عليهم، وتركهم ما حرمه الله عليهم، وعدم إصرارهم على الذنوب؛ فهذه هي المرتبة الثانية التي وعد الله أهلها بدخول الجنة، والنجاة من النار كقوله -تعالى-: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [سورة الحديد آية: 21] ... الآية. فهؤلاء اجتمعت لهم الأعمال الظاهرة والباطنة، ففعلوا ما أوجبه الله عليهم
__________
1 البخاري: المظالم والغصب (2475) , ومسلم: الإيمان (57) , والترمذي: الإيمان (2625) , والنسائي: قطع السارق (4870,4871) , وأبو داود: السنة (4689) , وابن ماجه: الفتن (3936) , وأحمد (2/ 317,2/ 386) , والدارمي: الأشربة (2106).
2 أحمد (3/ 135).
(2/ 1/4)

وتركوا ما حرم الله عليهم، وهم السعداء أهل الجنة. والله -سبحانه وتعالى- أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

الفائدة الثانية
[معنى لا إله إلا الله]
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم رحمك الله: أن كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" لا تنفع قائلها إلا بمعرفة معناها، وهو نفي الإلهية عما سوى الله -تعالى- والبراءة من الشرك في العبادة، وإفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها كما قال -تعالى-: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سورة آل عمران آية: 64] ومعنى {سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي: نستوي نحن وأنتم في قصر العبادة، وترك الشرك كله.
وقال الخليل -عليه السلام-: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة الزخرف آية: 26] فهذا هو حقيقة معنى لا إله إلا الله، وهو البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة له وحده، وهذا هو معناها الذي دلَّت عليه هذه الآيات، وما في معناها. فمن تحقق ذلك وعلمه، فقد حصل له العلم بها المنافي لما عليه أكثر الناس حتى من ينتسب إلى العلم من الجهل بمعناها.
فإذا عرفت ذلك، فلا بد من القبول لما دلت عليه، وذلك ينافي الرد؛ لأن كثيرا ممن يقولها ويعرف معناها لا يقبلها، كحال مشركي قريش والعرب وأمثالهم، فإنهم عرفوا ما دلت عليه من البراءة، لكن لم يقبلوه؛
(2/ 1/5)

فصارت دماؤهم وأموالهم حلال لأهل التوحيد، فإنهم كما قال -تعالى-: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [سورة الصافات آية: 35]، عرفوا أن لا إله إلا الله توجب ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله. ولا بد -أيضا- من الإخلاص المنافي للشرك كما قال -تعالى-: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الزمر آية: 11] إلى قوله: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [سورة الزمر آية: 14] وفي حديث عتبان: "من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"1.
ولا بد أيضا من المحبة المنافية لضدها، فلا يحصل لقائلها معرفة إلا بقبول ما دلت عليه من الإخلاص، ونفي الشرك؛ فمن أحب الله أحب دينه، ومن لا فلا، كما قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [سورة البقرة آية: 165]، فصارت محبتهم لله ولدينه، فأحبوا من أحبه الله، وأبغضوا ما أبغضه الله، وفي الحديث: "وهل الدين إلا الحب والبغض"؛ولهذا وجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى العبد من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، فإن شهادة لا إله إلا الله تستلزم أن محمدا رسول الله، وتقتضي متابعته كما قال -تعالى-: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [سورة آل عمران آية: 31].
[حب الله يستلزم الانقياد لأوامره ونواهيه]
ولا بد -أيضا- من الانقياد لحقوق لا إله إلا الله بالعمل بما فرضه الله، وترك ما حرمه، والتزام ذلك وهو ينافي الترك، فإن كثيرا ممن يدعي الدين يستخف بالأمر والنهي ولا يبالي بذلك، وحقيقة الإسلام أن يسلم العبد بقلبه وجوارحه لله، ويتأله له بالتوحيد والطاعة كما قال -تعالى-: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [سورة البقرة آية: 112] , وقال -تعالى-: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى
__________
1 البخاري: الصلاة (425) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (33).
(2/ 1/6)

اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [سورة لقمان آية: 22].
وإحسان العمل لا بد فيه من الإخلاص، ومتابعة ما شرعه الله ورسوله. ولا بد أيضا لقائل هذه الكلمة من اليقين بمعناها المنافي للشك والريب كما في الحديث الصحيح: "مستيقنا بها قلبه غير شاكٍ فيها"1؛ ومن لم يكن كذلك فإنها لا تنفعه كما دل عليه حديث سؤال الميت في قبره. ولا بد -أيضا- من الصدق المنافي للكذب كما قال -تعالى- عن المنافقين: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [سورة الفتح آية: 11]. والصادق يعرف معنى هذه الكلمة، ويقبله ويعمل بما يقتضيه، وما يلزم قائلها من واجبات الدين، ويصدق قلبه لسانه. فلا تصح هذه الكلمة إلا إذا استجمعت هذه الشروط؛ وبالله التوفيق، آخره، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

الفائدة الثالثة
[النهي عن مفارقة الجماعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد):
تفهمون أن الجماعة فرض على الإسلام، وعلى من دان بالإسلام كما قال -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [سورة آل عمران آية: 103]. ولا تحصل الجماعة إلا بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، وفي الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى
__________
1 مسلم: الإيمان (31).
(2/ 1/7)

اختلافًا كثيرًا. فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ".
وقد جمع الله أوائل الأمة على نبيه صلى الله عليه وسلم وذلك بسبب الجهاد، وكذلك الخلفاء ردَّ الله بهم إلى الجماعة من خرج عنها، وأقاموا الجهاد في سبيل الله؛ فأظهر الله بهم دينه، وفتح الله لهم الفتوح، وجمع الله عليهم. وتفهمون أن الله -سبحانه وتعالى- جمعكم على إمامكم عبد الله بن فيصل بعد وفاة والده فيصل -رحمه الله- فاللي بايع بايع وهم الأكثرون، واللي ما بايع بايعوا لهم كبارهم، واجتمعوا عليه أهل نجد باديهم وحاضرهم، وسمعوا وأطاعوا، ولا اختلف عليه أحد منهم حتى سعود بن فيصل بايع أخوه. وهو ما صار له مدخال في أمر المسلمين لا في حياة والده ولا بعده، ولا التفت له أحد من المسلمين، ونقض البيعة وتبين لكم أمره أنه ساع في شق العصا، واختلاف المسلمين على إمامهم، وسعى في نقض بيعة الإمام، وقد قال -تعالى-: {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [سورة النحل آية: 91].
وسعود سعى في ثلاثة أمور كلها منكر: نقض البيعة بنفسه، وفارق الجماعة، ودعا الناس إلى نقض بيعة الإسلام؛ فعلى هذا يجب قتاله، وقتال من أعانه، وفي الحديث: "من فارق الجماعة قيد شبر فمات، فميتته جاهلية"1 وفي الحديث الآخر: "فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"2، فإن كان أحد مشكل عليه وجوب قتاله لما في الحديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"3.
__________
1 البخاري: الفتن (7054) والأحكام (7143) , ومسلم: الإمارة (1849) , وأحمد (1/ 275,1/ 297,1/ 310) , والدارمي: السير (2519).
2 النسائي: قطع السارق (4872).
3 البخاري: الإيمان (31) , ومسلم: الفتن وأشراط الساعة (2888) , والنسائي: تحريم الدم (4120,4121,4122,4123) , وأبو داود: الفتن والملاحم (4268) , وأحمد (5/ 41,5/ 43,5/ 46,5/ 48,5/ 51).
(2/ 1/8)

فظاهر الحديث أن المراد ما يجري بين القبائل من العصبية، أما عند ضربة عصا من قبيلتين أو فخذين أو طعنة، فكل قبيلة أو فخذ يكون منهم حمية لمن كان منهم غير خروج على الإمام، ونقض لبيعة الإسلام، ولا شق عصا المسلمين. وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم ذكروا قتال العصبية وحكمه، وقتال الباغي وحكمه؛ فذكروا أنه يجب على الإمام في قتال العصبية أن يحملهم على الشريعة، وأما البغاة فحكمهم أنهم يقاتلون حتى يفيئوا أو يرجعوا ويدخلوا في جماعة المسلمين. فالفرق ظاهر بين -ولله الحمد-، فاستعينوا بالله على قتال من بغى وطغى وسعى في البلاد بالفساد، وهذا أمر فساده ظاهر ما يخفى على من له عقل، واحتسبوا جهادكم وأجركم على الله، وأنتم سالمون، والسلام، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، سنة 1330 هجرية.

قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن -أحسن الله إليه-:

الفائدة الرابعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد ورد علينا أسئلة من الأخ جمعان بن ناصر:
[العقود التي وقعت فاسدة وتقابضوا بها]
منها: إذا وقع عقد فاسد في معاملة في الإسلام قد انقضت بالتقابض في أكثرها، فهل يحكم بفساد العقد من أوله ورده؟ أو نقول لا يرد ما تقابضوه من تلك المعاملة الفاسدة؟
(2/ 1/9)

فأقول: الجواب يظهر مما قاله شيخ الإسلام -رحمه الله- في آية الربا في قوله -تعالى-: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [سورة البقرة آية: 275]، فاقتضى أن السالف للقابض، وأن أمره إلى الله ليس للغريم فيه أمر، وذلك أنه لما {جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} [سورة البقرة آية: 275] كان مغفرة ذلك الذنب، والعقوبة عليه إلى الله -تعالى-، إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له، وإلا عاقبه. ثم قال: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة البقرة آية: 278] فأمر بترك الباقي ولم يأمر برد المقبوض وقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [سورة البقرة آية: 279] إلا أنه يستثنى منها ما قبض. وهذا الحكم ثابت في حق الكافر إذا عامل كافرا بالربا، وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا، فإن ما قبضه يحكم له به كسائر ما قبضه الكفار بالعقود التي يعتقدون حلها.
وأما المسلم فله ثلاثة أحوال: تارة يعتقد حل الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل ولا يعلم أن ذلك ربا محرم، وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم.
أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم، قيل: يرد ما قبض كالغاصب، وقيل: لا يرده، وهو أصح، لأنه إذا كان معتقدا أن ذلك حلال، والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية. فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه، فالمسلم إذا تاب أولى أن يغفر الله، إذا كان أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك، فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله.
[الجهل بالأحكام]
وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شر من الكافر، وقد ذكرنا فيما يتركه من الواجبات التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما الاقتضاء عليه. وأصل ذلك أن أصل الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان في مذهب
(2/ 1/10)

أحمد وغيره، ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل أو صلى وقد أكل لحم الجزور، ثم صلى، وقد تبين له النص هل يعيد؟ على روايتين، وقد نصرت في موضع أنه لا يعيد، وذكرت على ذلك أدلة متعددة، منها:
قصة عمر وعمار لما كانا جنبين فصلى عمار، ولم يصل عمر، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة.
ومنها: المستحاضة التي قالت: منعني الصوم والصلاة.
ومنها الأعرابي المسيء الذي قال: والله ما أحسن غير هذا، أمره أن يعيد الصلاة الحاضرة لأن وقتها باق وهو مأمور بها، ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ذلك.
ومنها الذين أكلوا حتى تبين الحبل الأبيض والأسود ولم يؤمروا بالإعادة. والشريعة أمر ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب، فكذلك النهي. فمن فعل شيئا لم يعلم أنه محرم ثم علم لم يعاقب. وإذا عامل معاملات ربوية يعتقدها جائزة وقبض منها ما قبض، ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرا من الكافر إذا غفر له قبضه لكونه قد تاب، فالمسلم بطريق الأولى. والقرآن يدل على هذا بقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} 1، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه فانتهى، فقد جعل الله له ما سلف. انتهى ملخصا من كلامه -رحمه الله-، وبه يظهر للسائل تفصيل ما أجمله في السؤال فليتأمل.
العبد كالحر في كفارة الظهار
وسأل -أيضا- عن ظهار المملوك هل هو كالحرام؟
فالجواب: أن العبد كالحر في كفارة الظهار، غير أن العبد لا يكفر إلا بالصوم بناء على المشهور في مذهبنا وغيره، لأنه لا يملك، قال في "المنتهى": فإن لم يجد صام حرًّا وقنًّا شهرين. انتهى.
[أكثر مدة الحمل]
وسأل عن أكثر مدة الحمل إذا كانت أربع سنين على المشهور في
__________
1 سورة البقرة آية: 275.
(2/ 1/11)

مذهبنا، فهل لها إذا انقضت أن تتزوج ولو ارتابت أم لا؟
وجوابه: أن العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- قد ذكر في "تحفة الودود" أنه قد وجد لخمس سنين، وأكثر منها إلى سبع، فعليه لا تمكن من التزويج إلا بعد تيقن براءة رحمها، والله أعلم.
وسأل عن حكم الدم المحتقن في جوف الذبيحة.
فالجواب -وبالله التوفيق-: قال في "الإنصاف" وغيره نقلا عن القاضي: أن الدم الذي يبقى في خلال اللحم بعد الذبح وفي العروق مباح، قال الشيخ تقي الدين: لا أعلم خلافا في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرقة بل يؤكل معها، والله أعلم. قالوا: فظاهر كلام القاضي في الخلاف وابن الجوزي أن المحرم هو الدم المسفوح كما دلت الآية الكريمة، قال المفسرون في معنى قوله: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} 1 أي: مهراقا سائلا، قال ابن عباس رضي الله عنه ما يريد ما يخرج من الحيوانات وهي حية، وما يخرج من الأوداج عند الذبح. وممن قال بطهارة بقية الدم وإن ظهرت حمرته المجد في شرحه، والناظم وصاحب الفائق وغيرهم، والله أعلم.
[ذبيحة الكافر والمرتد إذا ذبحت وذكر اسم الله عليها]
وسأل عن ذبيحة الكافر والمرتد إذا ذبحت وذكر اسم الله عليها، فهل هناك نص بتحريمها غير الإجماع؟ ومفهوم قوله -تعالى-: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} 2 ... الآية.
فالجواب: الإجماع دليل شرعي بالاتفاق، ولا بد أن يستند الإجماع إلى دليل من الكتاب والسنة، وقد يخفى ذلك الدليل على بعض العلماء. فإذا كان قد وقع الإجماع على تحريم ذبيحة الكافر والمشرك غير الكتابي فحسبك به، ودلت الآية الكريمة على التحريم كما قد عرفتم.
والجواب عن قوله: "وذكر اسم الله عليها" أن يقال: التسمية من الكافر الأصلي
__________
1 سورة الأنعام آية: 145.
2 سورة المائدة آية: 5.
(2/ 1/12)

ومن المرتد غير معتبرة لبطلان أعمالهما، فوجودها كعدمها، كما أن التهليل إذا صدر منه حال استمراره على شركه غير معتبر فوجوده كعدمه، وإنما ينفع إذا قاله عالما بمعناه ملتزما لمقتضاه كما قال -تعالى-: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 1 قال ابن جرير كغيره: وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به.
[عدة المسلمة بعد موت زوجها الكافر]
وسأل -أرشدنا الله وإياه- عن زوجة الكافر إذا كانت مسلمة ومات، هل عليها عدة؟ ... إلخ.
أقول -وبالله التوفيق-: إن كان تزوجها في حال كفره، فالنكاح باطل لقوله -تعالى-: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} 2، وقوله: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} 3. وإن كان كفره طارئا على النكاح أو كانا كافرين فأسلمت قبله، فإن كان قبل الدخول انفسخ نكاحها، وإن كان بعد الدخول وقف على انقضاء العدة على الصحيح عند متأخري الأصحاب.
واستدلوا بحديث مالك في إسلام صفوان بن أمية بعد إسلام زوجته بنحو شهر، والحديث مشهور عند أهل العلم قالوا: فإن أسلم الثاني قبل انقضاء العدة فهما على نكاحهما، وإلا تبينا فسخه منذ أسلم الأول، والمرتد كغيره؛ والذي اختاره ابن القيم -رحمه الله- عدم مراعاة زمن العدة، واستدل بأحاديث وآثار، منها ما روى أبو داود -في سننه- عن ابن عباس قال: "ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا بعد ست سنين".
وفي لفظ لأحمد: لم يحدث شهادة ولا صداقا ولم يحدث نكاحا، وقال في حديث عمرو بن شعيب: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّها على أبي العاص بن الربيع بنكاح جديد" إن الإمام أحمد قال: هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه أقرهما على النكاح الأول. وقال الترمذي: في إسناد هذا
__________
1 سورة الزخرف آية: 86.
2 سورة البقرة آية: 221.
3 سورة الممتحنة آية: 10.
(2/ 1/13)

الحديث مقال، وقال الدارقطني: هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: "كان المشركون على منزلتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. فكان إذا هاجرت امرأة من دار الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه"، وذكر ابن أبي شيبة عن معمر بن سليمان عن معمر عن الزهري: إذا أسلمت ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما إلا أن يفرِّق بينهما سلطان، قال: ولا يعرف اعتبار العدة في شيء من الأحاديث، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتك أم لا؟
ولا ريب أن الإسلام لو كان بمجرده فرقة لم يكن فرقة رجعية بل بائنة، فلا أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنما أثرها في منع نكاحها للغير، فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة، ولكن الذي دل عليه حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، فإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت، ولا نعلم أحدا جدد للإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد أمرين: إما افتراقهما ونكاحها غيره، وإلا بقاءها عليه وإن تأخر إسلامها وإسلامه. وقد ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وهو إنما أسلم زمن الحديبية، وهي أسلمت من أول البعثة، وبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة.
وأما قوله في الحديث: "كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين"1 فوهم، إنما أراد بين هجرتها وإسلامه، ولولا إقراره صلى الله عليه وسلم الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما على الآخر بعد صلح الحديبية
__________
1 صحيح البخاري: كتاب الصلاة (496) وكتاب مواقيت الصلاة (576) وكتاب الجمعة (1134) وكتاب الصوم (1921) وكتاب الجهاد والسير (2870) وكتاب أحاديث الأنبياء (3365) وكتاب المناقب (3803) وكتاب المغازي (4086) وكتاب تفسير القرآن (4844) وكتاب الرقاق (6510) وكتاب الأيمان والنذور (6649) وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (7334) وكتاب التوحيد (7555) , وصحيح مسلم: كتاب الإيمان (141) وكتاب الصلاة (508,510) وكتاب الأيمان (1649) وكتاب الجهاد والسير (1785) وكتاب فضائل الصحابة (2541) وكتاب صفات المنافقين وأحكامهم (2779) وكتاب التفسير (3027) , وسنن الترمذي: كتاب السير (1580) وكتاب تفسير القرآن (3155,3168) , وسنن النسائي: كتاب المواقيت (588,597) وكتاب القبلة (750) وكتاب قيام الليل وتطوع النهار (1728) وكتاب الصيام (2156,2157) وكتاب مناسك الحج (2914) , وسنن أبي داود: كتاب الصلاة (1082) وكتاب الطلاق (2295) وكتاب الجهاد (2759) , وسنن ابن ماجه: كتاب الحدود (2574) , ومسند أحمد (2/ 122,2/ 136,2/ 206,3/ 69,3/ 104,3/ 135,3/ 170,3/ 234,3/ 237,3/ 266,3/ 451,3/ 485,4/ 90,4/ 113,4/ 323,4/ 385,5/ 25,5/ 151,5/ 160,5/ 188,5/ 222,5/ 331,5/ 390,5/ 439,6/ 430) , وموطأ مالك: كتاب النداء للصلاة (502) وكتاب النكاح (1154) , وسنن الدارمي: كتاب المقدمة (17,647) وكتاب الصوم (1695).
(2/ 1/14)

وزمن الفتح لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة لقوله -تعالى-: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} 1، وقوله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} 2. وإن الإسلام سبب الفرقة، وكل ما كان سببا للفرقة تعقبه الفرقة كالرضاع والخلع والطلاق، وهذا اختيار الخلال وأبي بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم، وهو مذهب الحسن وطاووس وعكرمة وقتادة والحكم.
قال ابن حزم: وهو قول ابن الخطاب وجابر بن عبد الله وابن عباس، وبه قال حماد بن زيد والحكم بن عتبة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدي ابن عدي الكندي والشعبي وغيرهم، (قلت) وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، ولكن الذي أنزل عليه قوله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} 3 وقوله: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} 4 لم يحكم بتعجيل الفرقة، وما حكاه ابن حزم عن عمر فما أدري من أين حكاه، والمعروف عنه خلافه، ثم ساق الرواية عن عمر بخلاف ما حكاه ابن حزم، انتهى ملخصا.
وأما إذا مات الزوج قبل انقضاء العدة، فالصحيح من المذهب أنها تستأنف العدة للوفاة ويلغوا ما مضى، وإن كان موته بعد انقضائها فلا عدة؛ والذي يتمشى عليه ما اختاره ابن القيم أنها إن لم يفسخ نكاحها حاكم يطلبها أنها تعتد منه أيضا، والله أعلم.
[صرف الزكاة لطالب العلم]
وسأل -أيضا- عن قول شارح بلوغ المرام على قوله: "أو غاز في سبيل الله" ويلحق به من كان قائما بمصلحة عامة ... إلخ.
أقول -وبالله التوفيق-: لم أقف على شيء من كلام أئمتنا يعضد هذا المأخذ أو يومئ إليه، وغاية ما رأيته ما قد أشرت إليه من قول شيخ الإسلام ابن تيمية ونصه في "الاختيارات": "ومن ليس معه ما يشترى به كتبا يشتغل
__________
1 سورة الممتحنة آية: 10.
2 سورة الممتحنة آية: 10.
3 سورة الممتحنة آية: 10.
4 سورة الممتحنة آية: 10.
(2/ 1/15)

فيها، يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منه. انتهى كلامه. والله أعلم.
[الحلف بالطلاق]
قال السائل -أيضا- واستعمال الناس اليوم الحلف بالطلاق عند إلجاء أحدهم إلى الغضب، كقول أحدهم: عليَّ الطلاق لأفعلن .. إلى آخر ما نقل السائل -عافاه الله-.
نقل شيخنا -الشيخ الهمام العلامة -رحمه الله- عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- روايتين في قول القائل: عليَّ الطلاق، أحدهما: تطلق ثلاثا ... إلخ.
أقول: هذه الرواية هي المذهب إذا نوى الثلاث، وإن لم ينو ثلاثا فواحدة عملا بالعرف، وكذا قوله: الطلاق لازم لي، أو عليَّ صريح منجزا أو معلقا ومحلوفا به، هذا شرح ما نقله عن شيخنا وهو المعتمد، وأما ما فرق به شيخ الإسلام فقد ذكرته للسائل في جوابنا الذي صدره قبل هذا في مسألة التحريم، وأشرت إلى قوة ما ذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه العلامة ابن القيم -رحمهما الله تعالى-، وحاصله أنهما اختارا أنه يقع بوجود شرطه، إذا أراد الجزاء بتعليقه لا إن أراد الحظر والمنع، وقولهم: إن أراد الجزاء، أي: الطلاق احترازا منه أن يريد حظرًا أو منعا، وهو يكره وقوعه عند شرطه فإنه والحالة هذه عندهما يمين مكفر، والله أعلم.
والذي عليه مشائخنا من أهل التقوى إنما يعتمدون كلام الجمهور في هذه المسألة، فيفتون بإيقاع الطلاق إذا وجد المعلق عليه، وهو الشرط كما عليه الأئمة وجمهور الفقهاء، والله أعلم.
[موافقة الجمعة يوم العيد]
وسأل عما إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، قالوا: تسقط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام ... إلخ.
أقول -وبالله التوفيق-: الذي نص عليه علماؤنا -رحمهم الله- أنه إن اتفق
(2/ 1/16)

عيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد، إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه إلا ألَّا يجتمع له من يصلي الجمعة. وهذا يفهم أن المراد بالإمام هو الذي يتولى الصلاة بهم؛ وهذا الحكم يتعلق بأهل كل بلد، وليس كل بلد فيها إمام أعظم، وهذا يفيد قولهم: إلا ألا يجتمع به من يصلي به الجمعة. نعم، إن وقع ذلك في بلد الإمام الأعظم وجبت عليه، وإن لم يتول الصلاة، لأن المتولي للصلاة كالنائب عنه.
وبدليل ما ورد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون"1 رواه ابن ماجه. فصير الجمع في قوله: "وإنا مجمعون" يقتضي ما قلناه؛ لأنه -صلوات الله وسلامه عليه- هو الإمام الأعظم، وإمامهم في الصلاة، والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إذا اجتمعت الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: ثالثها -وهو الصحيح-: أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف، ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها، وكلام الشيخ يوضح ما قررته قبل، والله أعلم.
[حديث عمران بن حصين في قصة العقيلي]
وسأل -أيضا- عن حديث عمران بن حصين في قصة العقيلي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "بم أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟ فقال: أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف" 2 ... إلخ.
أقول: الحديث خرَّجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي -رحمهم الله- وهاأنا أسوق رواية الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده قال: حدثنا
__________
1 أبو داود: الصلاة (1073) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1311).
2 مسلم: النذر (1641) , وأبو داود: الأيمان والنذور (3316) , وأحمد (4/ 430) , والدارمي: السير (2505).
(2/ 1/17)

إسماعيل عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل، وأصيبت معه العضباء. فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق، فقال: يا محمد، يا محمد، فقال: ما شأنك؟ قال: بم أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟ إعظاما لذلك، فقال: أخذت بجريرة حلفائك ثقيف، ثم قال: يا محمد يا محمد -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا- فأتاه قال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح. ثم انصرف عنه، فناداه: يا محمد، يا محمد. فأتاه، فقال: ما شأنك؟ فقال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، قال: هذه حاجتك. فقال: ففدي بالرجلين. وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت معها العضباء فكانت المرأة في الوثاق، فانفلتت ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا، فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ. قال: وناقة منوخة، فقعدت في عجزها وزجرتها، فانطلقت. ونذروا بها، وطلبوها فأعجزتهم، فنذرت إن الله عز وجل أنجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: إني نذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: سبحان الله! بئسما جزتها إن الله -تبارك وتعالى- أنجاها لتنحرنها لا وفاء في نذر في معصية الله ولا في ما لا يملك العبد" ولأبي داود: ابن آدم 1.
قال النووي -رحمه الله- في شرحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أخذتك بجريرة حلفائك"2 أي: بجنايتهم.
__________
1 أي: لفظ ابن آدم بدل لفظ العبد.
2 مسلم: النذر (1641) , وأبو داود: الأيمان والنذور (3316) , وأحمد (4/ 430) , والدارمي: السير (2505).
(2/ 1/18)

قوله صلى الله عليه وسلم: "لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح"1 معناه: لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر حين كنت مالك أمرك أفلحت كل الفلاح، لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فزت بالإسلام وبالسلامة من الأسر ومن اغتنام ... 2
وأما إذا أسلمت بعد الأسر فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمن والفداء، وفي هذا جواز المفاداة، وإن إسلام الأسير لا يسقط حق الغانمين منه بخلاف ما لو أسلم قبل الأسر. انتهى. فليس في الحديث دليل على أن المسلم يؤخذ بجناية غيره أو حق عليه، بخلاف الكافر فإنه يؤخذ ويغنم ماله لكفره، ولو كان من قوم معاهدين إذا نقضوا العهد كحال هذا الرجل العقيلي فإنه لما قال: إني مسلم، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح"3 وهو صريح في أن هذا الرجل لم يكن قبل مسلما.
وفي الحديث أيضا ما يدل على ذلك، وهو قوله: ففودي الرجل بعد بالرجلين، فتأمله فإنه ظاهر لا غبار عليه -والحمد لله-. والحديث لا علة له، قال الحافظ المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بطوله، وأخرج الترمذي طرقا منه، وأخرج النسائي وابن ماجه منه طرقا. انتهى كلامه. وقد ذكرنا في أول الحديث ما وقفنا عليه من مخرجيه وأتحفنا السائل بسياق الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.
[قبض العقار في الرهن]
وسأل -عافاه الله- عن قبض العقار في الرهن كغيره.
أقول -وبالله التوفيق-: قبض المرتهن له بالتخلية بأن يمكنه الراهن منه تمكينا تاما بحيث
__________
1 مسلم: النذر (1641) , وأبو داود: الأيمان والنذور (3316) , وأحمد (4/ 430) , والدارمي: السير (2505).
2 بياض في الأصل.
3 مسلم: النذر (1641) , وأبو داود: الأيمان والنذور (3316) , وأحمد (4/ 430) , والدارمي: السير (2505).
(2/ 1/19)

لم يضع يده عليه، فإن وضع يده عليه بأن تولى سقيه أو زرعه أو إجارته زال لزوم الرهن، والله أعلم.
[أسانيد المؤلف وشيوخه]
وأما ما طلبت من روايتي من مشايخي فأقول:
اعلم إني قرأت على شيخنا الإمام الجد شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-، كتاب التوحيد من أوله إلى أبواب السير، وجملة من آداب المشي إلى الصلاة، وحضرت عليه عدة مجالس كثيرة في البخاري والتفسير وكتب الأحكام بقراءة شيخنا الشيخ ابنه عبد الله -رحمهما الله تعالى- وشيخنا الشيخ ابنه علي -رحمهما الله تعالى- في كتاب البخاري، وقراءة ابنه الشيخ عبد العزيز -رحمه الله- في سورة البقرة من كتاب ابن كثير، وفي كتاب منتقى الأحكام بقراءة الشيخ عبد الله بن ناصر وغيرهم، وسنده -رحمه الله تعالى- معروف تلقاه عن عدة من علماء المدينة وغيرهم، رواية خاصة وعامة منهم محمد بن حياة السندي والشيخ عبد الله بن إبراهيم الفرضي الحنبلي، وقرأت وحضرت جملة كثيرة من الحديث والفقه على الشيخين المشار إليهما أعلاه، وشيخنا الشيخ حسين -رحمه الله تعالى-، وحضرت قراءة وأنا إذ ذاك في سن التمييز على والده شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وشيخنا الشيخ حمد بن ناصر -رحمه الله تعالى-، وقرأت عليه في مختصر الشرح والمقنع وغيرهما، وشيخنا الشيخ عبد الله بن فاضل -رحمه الله تعالى- قرأت عليه في السيرة، وشيخنا الشيخ عبد الرحمن بن خميس قرأت عليه في شرح الشنشوري في الفرائض، وشيخنا الشيخ أحمد بن حسن الحنبلي قرأت عليه شرح الجزرية للقاضي زكريا الأنصاري، وشيخنا الشيخ أبو بكر حسين بن غنام قرأت عليه شرح الفاكهي على المتممة في النحو.
(2/ 1/20)

وأما مشايخنا من أهل مصر فمن فضلائهم في العلم الشيخ حسن القويسني حضرت عليه شرح جمع الجوامع في الأصول للمحلي، ومختصر السعد في المعاني والبيان وما فاتني من الكتابين إلا أفوات يسيرة، وأكبر من لقيت بها من العلماء الشيخ عبد الله سويدان، وأجازني هو والذي قبله بجميع مروياتهم، ودفع لي كل واحد منهما نسخته المتضمنة لأوائل الكتب التي رووها بسندهم إلى الشيخ المحدث عبد الله بن سالم البصري شارح البخاري. ولقيت بها الشيخ عبد الرحمن الجبرتي وحدثني بالحديث المسلسل بالأولية بشروطه، وهو أول حديث سمعته منه وقرأت عليه سنده حتى انتهيت إلى الإمام سفيان بن عيينة -رحمه الله- عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن -تبارك وتعالى-. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"1 وأجازني بجميع مروياته عن شيخه الشيخ مرتضي الحسيني عن الشيخ عمر بن أحمد بن عقيل وعن الشيخ أحمد الجوهري كلاهما عن عبد الله بن سالم البصري، وهو يروي عن أبي عبد الله محمد بن علاء الدين البابلي عن الشيخ سالم السنهودي عن النجم الغيطي عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الحافظ شيخ الإسلام أحمد ابن علي بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري، وأكثر روايات من ذكرنا من مشايخنا للكتب تنتهي إليه.
وأما روايتهم للبخاري فرواه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- عن إبراهيم بن أحمد التنوخي عن أحمد بن أبي طالب الحجار عن الحسين بن المبارك الزبيدي الحنبلي عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الهروي عن أبي الحسن
__________
1 الترمذي: البر والصلة (1924) , وأبو داود: الأدب (4941).
(2/ 1/21)

عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن داود الداودي عن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الغربري عن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-. وقرأت عليه أسانيده عن شيخه المذكور متصلة إلى مؤلفي الكتب الحديثية كالإمام أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه -رحمهم الله-، فأجازني بها وبسند مذهبنا بروايته عن شيخه المذكور عن السفاريني النابلسي الحنبلي عن أبي المواهب متصلا إلى إمامنا -رحمه الله تعالى-.
وأما الشيخ عبد الله سودان فأجازني بجميع ما في نسخة عبد الله بن سالم المعروفة بمصر، ونقلتها من أصله فهي الآن موجودة عندنا مسندة إلى الشيخ المذكور بروايته عن محمد بن أحمد الجوهري عن أبيه عن شيخه عبد الله بن سالم، وقد تقدم سياق سنده إلى البخاري، وأجاز لي برواية مذهب إمامنا بروايته عن يد الشيخ أحمد الدمنهوري عن الشيخ أحمد بن عوض عن شيخه محمد الخلوتي عن شيخه الشيخ منصور البهوتي عن الشيخ عبد الرحمن البهوتي عن أظن اسمه يحيى بن الشيخ موسى الحجازي عن أبيه، وسند الأب مشهور إلى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.
وأما الشيخ حسن القويسني فأجاز لي بجميع ما في نسخة الشيخ عبد الله بن سالم البصري المذكور روايته عن الشيخ عبد الله الشرقاوي عن الشيخ محمد بن سالم الحفني عن الشيخ عيد بن علي النمرسي عن عبد بن سالم البصري ح قال: وأخذت صحيح البخاري جميعه عن الشيخ داود القلعي عن الشيخ أحمد بن جمعة البجيرمي عن الشيخ مصطفى الإسكندراني المعروف بابن الصباغ عن الشيخ عبد الله بن سالم بسنده المتقدم قال: أخذت الصحيح عن شيخنا سليمان البجيرمي عن الشيخ محمد العشماوي عن الشيخ أبي العز
(2/ 1/22)

العجمي عن الشيخ محمد الشنويري عن محمد الرملي عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ التنوخي عن الشيخ سليمان بن حمزة عن الشيخ علي بن الحسين بن المنير عن أبي الفضل بن ناصر عن الشيخ عبد الرحمن بن منده عن محمد بن عبد الله بن أبي بكر الجوزقي عن مكي بن عبدان النيسابوري عن الإمام مسلم عن الإمام البخاري -رضي الله عنهم أجمعين قلت: وبهذا السند روي صحيح مسلم.
ولقيت بمصر مفتي الجزائر محمد بن محمود الجزائري الحنفي الأثري، فوجدته حسن العقيدة، طويل الباع في العلوم الشرعية، وأول حديث حدثنيه المسلسل بالأولية رواه لنا عن شيخه حمودة الجزائري بشرطه متصلا إلى سفيان ابن عيينة كما تقدم، وأجازني بمروياته عن شيخه المذكور، وشيخه علي بن الأمين، وقرأت عليه جملة في صحيح مسلم وأول البخاري رواية ابن سعادة بالسند المتصل إلى المؤلف -رحمه الله تعالى-، وقرأت عليه جملة من الأحكام الكبرى للحافظ عبد الحق الإشبيلي -رحمه الله- وكتبت أسانيده في الثبت الذي كتبته عنه.
وممن وجدت أيضا بمصر الشيخ إبراهيم العبيدي المقرئ شيخ مصر في القراءات يقرأ العشر، وقرأت عليه أول القرآن، وأما الشيخ أحمد سلمونه فلي به اختصاص كثير، وهو رجل حسن الخلق، متواضع له اليد الطولى في القراءات والإفادات، قرأت عليه كثيرا من الشاطبية وشرح الجزرية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وقرأت عليه كثيرا من القرآن، وأجاد وأفاد وهو مالكي المذهب، والذي قبله روايات وأسانيد متصلة إلى القراء السبعة وغيرهم، ومنهم الشيخ يوسف الصاوي قرأت عليه الأكثر
(2/ 1/23)

من شرح الخلاصة لابن عقيل -رحمه الله تعالى-.
ومنهم إبراهيم البيجوري قرأت عليه شرح الخلاصة للأشموني إلى الإضافة، وحضرت عليه في السلم، وعلى محمد الدمنهوري في الاستعارات، والكافي في علمي العروض والقوافي، قرأها لنا بحاشيته بالجامع الأزهر -عمره الله تعالى- بالعلم والإيمان، وجعله محلا للعمل بالسنة وجميع المدن والأوطان، إنه واسع الامتنان، وصلى الله على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أملاه الفقير إلى الله -تعالى- عبد الله بن حسن، أحسن الله إليه بمنه وكرمه، وكتبه الفقير إلى الله، إبراهيم بن راشد سنة 1244، ونقله من خطه الفقير إلى رحمة ربه العزيز محمد بن علي بن محمد البيز، رزقه الله العلم والعمل وحسن الخاتمة عند حلول الأجل، إنه واسع المن كثير الفضل سنة 1334.
(2/ 1/24)

الفائدة الخامسة
[أحكام الحج]
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه المسألة للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله-.
اعلم وفقني الله وإياك لطاعته أن من استكملت فيه شروط وجوب الحج لا يخلو من أن يكون صحيح البدن وهو الغالب، فيلزمه السعي إلى الحج فورا إذا تمت شروطه كأمن الطريق، وإما أن يكون مريضا ونحوه؛ والمرض إما أن يرجى برؤه كغالب الأمراض أو لا، فإن كان يرجى برؤه فلا يجوز له الاستنابة بحال، فإن برئ حج بنفسه، وإن مات أقيم من يحج عنه من رأس ماله. وإن كان المرض لا يرجى برؤه كمرض السل في آخره لزمه أن يقيم من يحج عنه كالكبير الذي يشق عليه السفر مشقة غير محتملة، قال في "الإنصاف": وإن عجز عن السعي للكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه من بلده. انتهى.
قلت: وأصله حديث ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: "يا رسول الله إن فريضة الله، على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا"1 الحديث، وهذا الحكم خاص لمن كان بعيدا عن الحرم، ولم يتلبس بالإحرام من الميقات، أما من أحرم منه فليس له أن يستنيب من يحج عنه بحال إذا حصر بعدو أو مرض ونحوه؛ ولم ينقل عن أحد من العلماء أنه أجاز لمن أحصر أن يستنيب فيما أعلم. وحكم من حصره عدو أو ضل عن الطريق
__________
1 البخاري: الحج (1513) , ومسلم: الحج (1334) , والترمذي: الحج (928) , والنسائي: مناسك الحج (2635,2641) , وأبو داود: المناسك (1809) , وابن ماجه: المناسك (2907) , وأحمد (1/ 213,1/ 251) , ومالك: الحج (806) , والدارمي: المناسك (1831,1833).
(2/ 1/25)

أن يتحلل بهدي إن وجده، وإلا صام عشرة أيام للآية الكريمة هذا إذا لم يشترط في ابتداء إحرامه، وهل يجوز له إذا لم يشترط أن يتحلل بالمرض وذهاب النفقة؟ المذهب أنه لا يحل حتى يقدر على المبيت، وإن فاته الحج تحلل بعمرة، وفيه احتمال يتحلل كمن حصره عدو، قال في "الإنصاف": وهي رواية اختارها تقي الدين. انتهى. وهذا فيمن إحرامه تام، أما من أحصر عن طواف الإفاضة فإنه لا يتحلل حتى يطوف، قال في المنتهى وشرحه: ومن أحصر عن طواف الإفاضة فقط لم يتحلل حتى يطوف ويسعى إن لم يكن سعى، وكذا لو أحصر عن السعي فقط، لأن الشرع ورد بالتحلل بإحرام تام يحرم جميع المحظورات، وهذا يحرم النساء خاصة فلا يلحق به، ومتى زال الحصر أتى بالطواف والسعي إن لم يكن سعى، وتم حجه.
إذا علمت ذلك، فالواجب على من ينتسب إلى معرفة شيء من أحكام الشرع أن لا يفتي في مسألة حتى يعرف حكمها بالنص عليها في كلام العلماء -رحمهم الله تعالى-، فعلى هذا لا تصح الاستنابة عن طواف الإفاضة بحال ويلزم من لم يطف للإفاضة بنفسه أن يعتزل النساء حتى يرجع فيحرم من الميقات بعمرة، فإذا طاف طواف العمرة وسعى طاف لحجه وسعى إن لم يكن سعى، والله -سبحانه وتعالى- أعلم، قاله الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-.
(2/ 1/26)

الفائدة السادسة
بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله
الحمد لله، من عبد الرحمن بن حسن إلى الشيخ جمعان بن ناصر منحه الله من العلوم أنفعها ومن الفضائل أرفعها، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(أما بعد): فقد وصل إلينا كتابك، فاستبان به مرامك وخطابك، فسررنا به غاية السرور، جعله الله -تعالى- من مكاسب الأجور. وقد سألت فيه -أمدك الله بإمداده وسددك بإلهامه وإرشاده- عن مسائل:
[تحريم الزوجة]
(الأولى): ما قول العلماء فيمن حرم زوجته ... إلى آخره.
(فالجواب) -وبالله التوفيق ومنه أستمد العون والتحقيق-: تحريم الزوجة ظهار ولو نوى به طلاقا أو يمينا، نص عليه إمامنا -رحمه الله- في رواية الجماعة، وهو المذهب، ونقل ما يدل على أنه يمين وفاقا للثلاثة. وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاختيارات" و"الفتاوى المصرية" في باب الظهار بالأول، لكن قال ابن القيم في الإعلام: إنه إن وقع التحريم كان ظهارا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام، وعليه يدل النص والقياس؛ فإنه إذا أوقعه كان أتى منكرا من القول وزورا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرم. وإذا حلف به كان يمينا من الأيمان كما لو التزم الإعتاق والحج، وهذا محض القياس والفقه. انتهى.
قلت: قوله إذا حلف كان يمينا ... إلى آخره، بناء إلى ما ذهب إليه
(2/ 1/27)

من أن المعلق على شرط يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام، فإنه يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث، وإن أراد الإيقاع عند وجود المعلق عليه طلقت، وصرَّح به الشيخ في باب تعليق الطلاق بالشروط؛ وكذا الحلف بعتق وظهار وتحريم.
[إحالة الدين]
(الثانية): إذا أحال إنسان على آخر، ولم يعلم بذلك حتى قضى دينه أو قضاه من أحاله عليه ثانيا ... إلى آخره.
(فالجواب): قد برئت ذمة المدين إذا دفعه إلى صاحبه أو إلى من أذن له أن يدفعه إليه لوجوب القضاء بعد الطلب فورا، ولا يلزم المدين غرم ما قضاه من الدين؛ لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، فلا تبعة عليه فيما لم يعلم، وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه القاعدة، وقرر أدلتها فعلى هذا يرجع من أحيل أولا بدينه على المحيل كما قبل الحوالة.
[إصلاح الرهن]
(الثالثة): إذا رهن إنسان نخله أو زرعه، واحتاج الراهن لما يصلح الرهن، فطلب من المرتهن أن يداينه لذلك أو يطلق الرهن لمن يداينه، فامتنع وعلى الراهن ضرر.
(فالجواب): أن الصحيح من أقوال العلماء أن القبض والاستدامة شرط للزوم الرهن، قال في الشرح: ولا يلزم الرهن إلا بالقبض، ويكون قبل رهنا جائزا، يجوز للراهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية: إنه يلزم بمجرد العقد، ونص عليه الإمام أحمد -رحمه الله- في رواية الميمون، وهذا مذهب مالك، ووجه الأولى قوله -تعالى-: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} 1 فعلى هذا إن تصرف الراهن فيه قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق أو جعله صداقا أو رهنه فيه
__________
1 سورة البقرة آية: 283.
(2/ 1/28)

قبل القبض ثانيا، بطل الرهن الأول سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرهن الثاني أو لم يقبضه، فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره له زال لزومه، وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض، قال في "الإنصاف": هذا المذهب وعليه الأصحاب، وعنه أن استدامته في العين ليس بشرط، واختاره في الفائق. انتهى ملخصا.
فقد عرفت الأصح من الأقوال الذي عليه أكثر العلماء، فعليه لا ضرر على الراهن لبطلان الرهن بالتصرف إذا لم يكن في قبضة المرتهن. وقد ذكر العلماء -أيضا- أن المرتهن لا يختص في ثمن الرهن إلا إذا كان لازما، وما عدا هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ويترتب على الفتوى به من المفاسد ما لا يتسع لذكره هذا الجواب، وليس مع من أفتى به إلا محض التقليد، وأن العامة تعارفوه فيما بينهم ورأوه لازما فأنت خبير بأن هذا ليس حجة شرعية، وإنما الحجة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع -اتفاق مجتهدي العصر على حكم- ولا بد للإجماع من مستند، والدليل القياس الصحيح وكذا الاستصحاب على خلاف فيه. فلا إله إلا الله كم غلب على حكام الشرع في هذه الأزمنة من التساهل في الترجيح، وعدم التعويل على ما اعتمده المحققون من القول الصحيح. وقد ادعى بعضهم أن شيخنا أفتى بلزوم الرهن وإن لم يقبض، فاستبعدت ذلك على شيخنا -رحمه الله-؛ ولو فرضنا وقوع ذلك، فنحن بحمد الله متمسكون بأصل عظيم، وهو أنه لا يجوز لنا العدول عن قول موافق لظاهر الكتاب والسنة لقول أحد كائنا من كان. وأهل العلم معذورون وهم أهل الاجتهاد كما قال مالك -رحمه الله-: ما منا إلا راد ومردود عليه
(2/ 1/29)

إلا صاحب هذا القبر يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعد زعم هذا الزاعم منَّ الله علي بالوقوف على جواب شيخنا -رحمه الله- فإذا هو جار على الأصح الذي عليه أكثر العلماء، وصورة جوابه أن الراجح الذي عليه كثير من العلماء أو أكثرهم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وقبض كل شيء هو المتعارف، فقبض الدار والعقار هو تسلم المرتهن له، ورفع يد الراهن عنه، هذا هو القبض بالإجماع، ومن زعم أن قوله: "مقبوض" يصيره مقبوضا فقد خرق الإجماع مع كونه زورا مخالفا للحس.
إذا ثبت هذا فنحن إنما أفتينا بلزوم الرهن بضرورة وحاجة، فإذا أراد صاحبها أن يأكل أموال الناس، ويخون أمانته لمسألة مختلف فيها، فالرجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة، فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعا، وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء فهم لا يلزمون ذلك إلا برفع يد الراهن وكونه في يد المرتهن، انتهى المقصود.
فذكر -رحمه الله تعالى- في هذه الفتيا أن الراجح الذي عليه أكثر العلماء أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وأنه إنما أفتى بخلافه لضرورة وحاجة، وأنه رجع إلى قول الجمهور لما قد ترتب على خلافه من الخروج عن العدل ومن الخيانة، وهذا الذي أشار إليه -رحمه الله- من الخروج عن العدل، وأكل أموال الناس بالباطل والخيانة؛ في الأمانة قد رأيناه عيانا، وسببه الإفتاء بخلاف قول الجمهور في هذه المسألة. وقد قرر -رحمه الله- في هذه الفتيا أن قول الجمهور أقرب إلى العدل، فلا يجوز أن ينسب إليه -رحمه الله- غير هذا القول المقرر هنا، والله أعلم.
[انتفاء لزوم الرهن]
(الرابعة): إذا استأجر إنسان أرضا للزرع ونحوه، ثم رهنه فقصرت
(2/ 1/30)

الثمرة عن الدين والأجرة وعن الجذاذ والجزار والعامل ... إلى آخره.
(فالجواب): إذا انتفى لزوم الرهن لعدم القبض أو الاستدامة تحاصوا في الثمرة وغيرها على قدر الذي لهم؛ لأن محل ذلك ذمة المدين، وتقديم أحدهم على ترجيح من غير مرجح. وما اشتهر بين الناس من تقديم العامل في الزرع ونحوه بأجرته، فلم نقف على أصل يوجب المصير إليه، والله أعلم.
[جعل قيمة العروض رأس مال المضاربة]
(الخامسة): إذا دفع إنسان إلى آخر عروضا مضاربة، وجعل قيمتها رأس مال المضاربة، هل يجوز هذا أم لا؟.
(الجواب): يشترط في المضاربة وشركة العنان أن يكون رأس المال من النقدين أو أحدهما، وهو المذهب؛ وعنه رواية أخرى أنها تصح بالعروض، اختارها أبو بكر وأبو الخطاب وصاحب الفائق وغيرهم، قال في "الإنصاف": قلت: وهو الصواب، فعلى هذه الرواية يرجع عند المفارقة بقيمة العروض عند العقد، كما جعلنا نصابها قيمتها، وسواء كانت مثلية أو غير مثلية، والله أعلم.
[فسخ المضاربة]
(السادسة): إذا دفع إنسان مالا مضاربة، وعمل فيه المضارب، ثم تلف من المال شيء بخسارة أو نحوها، ثم فسخ المضارب، هل عليه أن يعمل فيه حتى يكمل رأس المال أم لا؟
(فالجواب): ذكر في القواعد الفقهية عن ابن عقيل ما حاصله أنه لا يجوز للمضارب الفسخ حتى يتضرر رأس المال، ويعلم به ربه لئلا يتضرر بتعطل ماله عن الربح، وأن المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الربح ولا يسقط به حق العامل، قال: وهو حسن جار على قواعد المذهب في
(2/ 1/31)

اعتبار المقاصد وسد الذرائع؛ ولهذا قلنا: إن المضارب إذا ضارب لآخر من غير الأول وكان عليه في ذلك ضرر رد حقه من الربح في شركة الأول. انتهى.
(أقول): مراده بقوله: "حتى يتضرر رأس المال" يعني: إذا لم ينقص، أما إذا نقص فليس على المضارب إلا تنضيض ما بقي في يده من رأس المال، لأن المضاربة عقد جائز، ولا ضمان على المضارب فيما تلف من غير تعدٍ منه ولا تفريط، والله أعلم.
[إكراء الأرض والزرع]
(السابعة): هل يلزم صاحب الأرض إذا أكرى أرضه أو شجره عند من يُجوِّز ذلك ما يلزمه في عقد المساقاة من سد حائط أو إجراء نهر أو لا؟ فلم أقف في هذه المسألة للعلماء -رحمهم الله- على نص، والله أعلم.
[غنيمة المسلم مال المسلم من كافر]
(الثامنة): ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليون، ثم اشتراه بعض التجار ممن أخذه، ثم باعه على آخر ... إلخ.
(فالجواب): أما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليون فذكر القاضي أبو يعلى -رحمه الله-: أنهم يملكونه بالقهر، وهو المذهب عنده، وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنهم لا يملكونها يعني: ولو حازوها إلى دارهم، قال في "الإنصاف": وهو رواية عن أحمد اختارها الآجري وأبو الخطاب في تعليقه وابن شهاب وأبو محمد الجوزي، وجزم به ابن عبدوس في تذكرته، قال في "النظم": لا يملكونه في الأظهر، وذكر ابن عقيل في فنونه ومفرداته روايتين، وصحَّح فيها عدم الملك وصحَّحه في نهايته ابن رزين ونظمها. انتهى.
قال في الشرح: وهو قول الشافعي وابن المنذر؛ لحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم تملك بها
(2/ 1/32)

كالغصب، ولأن من لا تملك فيه غيره لا يملك ماله به أي: بالقهر كالمسلم مع المسلم، ووجه الأولى أن القهر سبب تملك به المسلم مال الكافر فملك به الكافر مال المسلم كالبيع، فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دارهم، وهو قول مالك.
وذكر القاضي أنهم يملكونها بالحيازة إلى دارهم، وهو قول أبي حنيفة. وحكي عن أحمد في ذلك روايتان، قال ابن رجب: ونص أحمد أنهم لا يملكونها إلا بالحيازة إلى دارهم. فعليها يمتنع ملكهم لغير المنقول كالعقار ونحوه، لأن دار الإسلام ليست لهم دارا، وإن دخلوها. لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن أحمد -رحمه الله- لم ينص على الملك ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا لا يساوي امتلاك المسلمين من كل وجه. انتهى.
قلت: قد صرح في كتاب "الصارم" و"الفتاوى المصرية" وغيرها أن القيد المشار إليه هو إسلام آخذها، ونصه: "ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه، كان له ملكا ولم يرده إلى الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم؛ وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص أحمد، وقول جماهير أصحابنا على أن الإسلام والعهد قرر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحلها.
قال في "الاختيارات: قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام، قال: ومن العلماء من قال يرده على مالكه المسلم كالغصب؛ ولأنه لو أخذه
(2/ 1/33)

منهم المسلم أخذًا لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه أو يصرفه، فإنه يرده إلى مالكه المسلم؛ لحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو مما اتفق الناس عليه مما نعلمه ولو كانوا قد ملكوه لملكه الغانم منهم، ولم يرده إلى مالكه. انتهى. واختار أن الكافر يملكه بالإسلام عليه.
أقول: تأمل ما ذكره شيخ الإسلام من حجة الشافعي وموافقيه على أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين، فلو كان الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء أو الحيازة إلى داره لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمر عبده وفرسه التي كان قد أخذها العدو لما ظهر عليهم المسلمون، فلو لم يكن باقيا على ملك ابن عمر لم يرد إليه، وليس لتخصيصه بذلك دون سائر المسلمين معنى غير ذلك، وعمل بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده. والأحاديث بذلك مشهورة في كتب الأحكام وغيرها.
قال البخاري -رحمه الله- في صحيحه: (باب إذا غنم المسلمون مال المسلم ثم وجده المسلم) قال ابن نمير: أنبأنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فردَّه عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبق له عبد فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. اه. ثم ساقه متصلا.
وما استدل به القائلون بأنهم يملكونها بالقهر من أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فملك به الكافر مال المسلم، فهذا قياس مع الفارق لا يصح دليلا لو لم يكن في مقابلة الأحاديث فكيف يمنعه؟ ولو لم يكن مع الشافعي وأبي الخطاب وابن عقيل فيما صحَّحه من الروايتين، ومن وافقهم كابن المنذر إلا حديث مسلم: "أن قوما أغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذوا ناقته
(2/ 1/34)

وجارية من الأنصار، فأقامت عندهم أياما، ثم خرجت في بعض الليل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها، ثم توجهت إلى المدينة، ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها، فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة، فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها، وقلت: يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها. قال: بئسما جزيتها لا نذر في معصية الله". وفي رواية: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم"1.
هذا هو الحديث المشار إليه فيما تقدم، وقد عرفت من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن من العلماء من قال يرده على مالكه المسلم ولو أسلم عليه، وعزاه للشافعي وأبي الخطاب، وذكر ما يدل لهذا القول، وأنا أذكر ما يدل لهذا القول أيضا، وإن لم يذكره شيخ الإسلام وهو ما رواه ... 2 في صحيحه عن وائل بن حجر قال: "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان، قال: بينتك؟ قال: ليس لي بينة، قال: يمينه. قال: إذًا يذهب بها. قال: ليس لك إلا ذلك"3 ... الحديث.
وأما حكم ما أخذه المسلمون منهم مما قد أخذوه من مال المسلم، فالجمهور من العلماء يقولون: إذا علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء. قال الشارح في قول عامة أهل العلم، منهم عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وحجتهم ما تقدم من قصة ابن عمر، قال في "الشرح": وكذلك إن علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه وجب ردُّه، وصاحبه أحق به بغير شيء، لأن قسمته صارت باطلة من
__________
1 النسائي: الأيمان والنذور (3812) , وأبو داود: الأيمان والنذور (3316) , وابن ماجه: الكفارات (2124) , وأحمد (4/ 429,4/ 430,4/ 432) , والدارمي: النذور والأيمان (2337).
2 بياض في الأصل.
3 مسلم: الإيمان (139) , والترمذي: الأحكام (1340) , وأبو داود: الأيمان والنذور (3245) والأقضية (3623) , وأحمد (4/ 317).
(2/ 1/35)

أصلها، فهو كما لو لم يُقَسَّم، فإن أدركه بعد القسم ففيه روايتان، إحداهما: يكون صاحبه أحق به من الثمن الذي حسب به على آخذه؛ وكذلك إن بيع، ثم قسم ثمنه فهو أحق به من الثمن، وهذا قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك كي لا يُفضي إلى حرمان أخذه من الغنيمة، أو تضييع الثمن على المشتري، يعني: من الغنيمة وحقهما يُخيَّر بالثمن، فيرجع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص لمشفوع.
والرواية الثانية: أنه لا حق له فيه بعد القسمة بحال، نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره، وهو قول عمر وسلمان وربيعة وعطاء والنخعي والليث. وقال الشافعي وابن المنذر: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح، لأنه لم يزل عن ملك صاحبه، فوجب أن يستحق بغير شيء كما قبل القسمة، ويعطى من حسبت عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان أخذه حقه من الغنيمة، وجعل من سهم المصالح؛ لأن هذا منها، فإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحق به من غير شيء. وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلا بالقيمة، وهو محجوج بحديث ناقة النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم؛ ولأنه لم يحصل في يده بعوض، فصار صاحبه أحق به من غير شيء كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة، فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه.
وهذا كله إنما هو في الكافر الأصلي، أما المرتد فلا يملك مال المسلم بحال عند جميع العلماء، ولا يُعْلَم أحد قال به، وقد تتبعت كتب الخلاف كالمغني والقواعد والإنصاف وغيرها، فما رأيت خلافا في أنه لا يملكه، وإنما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفة ممتنعة أو لحق بدار الحرب
(2/ 1/36)

والمذهب أنه يضمن ما تلف في يده مطلقا، فافهم ذلك. المرتد لا يملك مال المسلم مطلقا، فافهم ذلك.
فالمسلم يأخذ ماله من المرتد أو من انتقل إليه بعوض أو غيره بغير شيء، وما تلف في يد المرتهن من مال المسلم أو تلف عند من انتقل إليه من جهة المرتد فهو مضمون كالمغصوب.
ثم اعلم أنه قد يغلط من لا تمييز عنده في معنى التلف والإتلاف، فيظن أنه إذا استنفق المال أو باعه أو وهبه أو نحو ذلك يعد إتلافا، وليس كذلك؛ بل هذا تصرف وانتفاع. وقد فرَّق العلماء بين هذا وبين الإتلاف، ومن صور الإتلاف والتلف أن يضيعه أو يضيع أو يسرق أو يحرق أو يقتل 1 ونحو ذلك، فإن كان بفعله فهو إتلاف؛ وإن كان بغير فعله فهو بالنسبة إليه تلف يترتب عليه أحكام ما تلف بيده، وبالنسبة إلى الفاعل إتلاف؛ وضابطه فوات الشيء على وجه لا يعد من أنواع التصرفات.
إذا عرفت أن حكم المرتد يفارق حكم الكافر الأصلي، فاعلم أنه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فيمن اشترى مال مسلم من التتر لما دخلوا الشام، إن لم يعرف صاحبه صُرِفَ في المصالح وأعطي مشتريه ما اشتراه به، لأنه لم يصر لها إلا بنفقة، وإن لم يقصد ذلك. انتهى من الإنصاف.
[اجتهادات العلماء في المنهوب]
وسئل -أيضا- عمن اشترى فرسا، ثم ولدت عنده حصانا، وأخذ السلطان الفرس، وأهدى الحصان لرجل فأعطاه عوضه، ثم ظهرت الفرس أنها كانت مكسوبة نهبا من قوم، فهل يحرم ثمن الحصان؟
(فأجاب): إن كان صاحب الفرس معروفا رُدَّت إليه فرسه، ورجع المشتري بالثمن على بائعه، ويرجع عليه بقيمة الحصان، أو قيمة نصفه الذي يستحقه صاحبه لكونه
__________
1 يعني المملوك الحي من إنسان وحيوان.
(2/ 1/37)

غره، وإن كانت مكسوبة من التتر والعرب الذي يغير بعضهم على بعض، فيأخذ هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، ولم يعرف صاحبها؛ لم يحرم على مهدي الحصان عوض هديته. والله أعلم.
وقد صرَّح شيخ الإسلام -رحمه الله- بأن هذا المنهوب يرد إلى صاحبه، أو قيمته إن تصرف فيه، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، وإنه إن لم يعرف صاحبه ما أخذه من التتر والعرب لم يحرم عليه عوضه، فمفهومه أنه إذا عرف صاحبه، فعوضه حرام على من اعتاض عنه لكونه ظهر مستحقا لمسلم معصوم. وهذا -أيضا- يفيد ما تقدم من قوله: فمن اشترى مال مسلم من التتر إن لم يعرف صاحبه صُرِفَ في المصالح ... إلخ. وهو صريح في أن التتر لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء والحيازة. ومن العلوم أن التتر من أعظم الناس كفرا لما جمعوه من المكفرات في الاعتقادات والأعمال، ومع ذلك قال شيخ الإسلام: يرد ما أخذوه لصاحبه المسلم من غير أن يدفع إلى مشتريه منهم شيئا، كما يفيده الجواب الثاني. ولم يقل فيه أنه لا يحرم على من اعتاض عن الحصان شيئا إلا بقيد عدم معرفة صاحبه بناء على أصله في الأموال التي جهلت أربابها؛ ولذلك قال في المكوس: إذا أقطعها الإمام الجند هي حلال لهم إذا جهل مستحقها.
وبهذا يظهر الجواب عن المسألة التاسعة، وهو أن ما دفع في هذه السنين من النهب والظلم يرد ما وجد منه إلى مالكه، من غير أخذ ثمن ولا قيمة، وحكم يد المشتري منهم حكم الأيدي المترتبة على يد الغاصب؛ لما تقرر من أن الخلاف إنما جرى في حق الكافر الأصلي، وأما المرتد ونحوه فالقول بأنه لا يملك مال المسلم مسألة وفاق.
(2/ 1/38)

قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في الفتاوى المصرية ما يفهم الفرق بين الكافر الحربي والمرتد، فقال: وإذا قدر على كافر حربي فنطق بالشهادتين وجب الكف عنه، بخلاف الخارجين عن الشريعة كالمرتدين الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه والتتر وأمثال هذه الطوائف ممن نطق بالشهادة ولا يلتزم شرائع الإسلام، وأما الحربي فإذا نطق بها كفَّ عنه. وقال -أيضا-: ويجب جهاد الكفار، واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأموالهم بإنفاق المسلمين، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله. انتهى.
فيعلم مما تقرر أن الأموال المنهوبة في هذه السنين غصوب يجري فيها حد الغصب، وما يترتب عليه، وبهذا أفتى شيخنا الشيخ عبد الله بن شيخنا الإمام -رحمهما الله تعالى-، وأفتى به الشيخ محمد بن علي قاضي صنعاء، وما علمت أن أحدا له أدنى ممارسة يخالف ذلك، والله أعلم.
[ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مع التسمية]
(العاشرة): قال السائل وجدت نقلا عن الإقناع وشرحه إذا ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مسميا حل لربه ونحوه أكله، ولم يكن ميتة كالمغصوب. انتهى. قال السائل: وهل هذا إلا مغصوب ويعارضه حديث عاصم بن كليب عن أبيه ... إلخ.
(الجواب): لا معارضة إذ ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكل منها لا يدل على أنها ميتة من وجوه، منها: أنها ليست ملكا لهم ولا لمن ذبحها، فهي وإن حرمت عليهم لا تحرم على مالكها، ولا من أذن له مالكها في الأكل منها. ويحتمل أنه ترك الأكل منها تنزُّها، ويدل على حلها بهذه الزكاة قوله: أطعمتها الأسارى) وهو لا يطعهم ميتة، وقوله: "كالمغصوب"
(2/ 1/39)

راجع لقوله حلالا لا لقوله ميتة شبهه بذبح الحيوان المغصوب في الحل لا في الحرمة، والله أعلم.
[قاص أو جازفه في الدين]
(الحادية عشرة): إذا كان لإنسان على آخر دين من طعام ونحوه، فأشفق في الوفاء، فطلب غريمه أن يعطيه الثمرة عماله في ذمته، فهل يجوز ذلك أم لا.
(فالجواب) -وبالله التوفيق-: قال البخاري -رحمه الله- في صحيحه (باب إذا قاص أو جازفه في الدين، فهو جائز -زاد في رواية كريمة- تمرا بتمر وغيره) وساق حديث جابر أن أباه توفي، وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له إليه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى، الحديث. وبه استدل ابن عبد البر وغيره من العلماء على جواز أخذ الثمر على الشجر عما في ذمته، إذا علم أنه دون حقه إرفاقا بالمدين، وإحسانا إليه وسماحة بأخذ الحق ناقصا.
وترجم البخاري -رحمه الله- بهذا الشرط فقال: (إذا قضى دون حقه أو حلَّله فهو جائز)، وساق حديث جابر -أيضا-، فأما إذا كان يحتمل أنه دون حقه أو مثله أو فوقه، فهذا غير جائز أن يأخذ عما في الذمة شيئا مجازفة أو خرصا، لا سيما إذا كان دين سَلَمٍ لما في البخاري وغيره عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ومضمون"1 هذا الحديث عام، وبه أخذ الجمهور، وقد يقال: إن قضية جابر قضية عين لا عموم لها، ويترجَّح المنع بهذا سدا للذريعة، لا سيما في هذه الأوقات لكثرة الجهل والجراءة بأدنى شبهة، والله أعلم.
[الباطل والفاسد عند الأصوليين]
(الثانية عشرة): ما حكم الباطل والفاسد عند الأصوليين؟
__________
1 البخاري: السلم (2239) , ومسلم: المساقاة (1604) , والترمذي: البيوع (1311) , والنسائي: البيوع (4616) , وأبو داود: البيوع (3463) , وابن ماجه: التجارات (2280) , وأحمد (1/ 217,1/ 222).
(2/ 1/40)

(الجواب): هما مترادفان عند الأصوليين والفقهاء من الحنابلة والشافعية، وقال أبو حنيفة: إنهما متباينان، فالباطل عنده ما لم يشرع بالكلية كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد ما شرع أصله، ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا. وعند الجمهور كل ما كان منهيا عنه إما لعينه أو وصفه ففاسد وباطل؛ لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التفرقة بين ما أجمع على بطلانه وما لم يجمع على بطلانه، فعبروا عن الأول بالباطل، وعن الثاني بالفاسد، لتمييز هذا من هذا، لكون الثاني يترتب عليه أحكام الصحيح غالبا، أو أنهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التعبير، لأن من عادة الفقهاء أهل المذهب مراعاة الخروج من الخلاف. وبعضهم يعبر بالباطل عن المختلف فيه مراعيا للأصل، ولعل من فرَّق بينهما في التعبير لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلا، فلا اختلاف. ومثل ذلك خلافهم في الفرض، والواجب، قال في القواعد الأصولية: "نهما مترادفان شرعا في أصح الروايتين عن أحمد، اختارها جماعة منهم ابن عقيل، وقاله الشافعية. وعن أحمد الفرض آكد اختارها جماعة، وقاله الحنفية. فعلى هذه الرواية الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، وذكره ابن عقيل عن أحمد، وقيل: ما لا يسقط في عمد ولا سهو. وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية: أن الفرض ما لزم بالقرآن، والواجب ما كان بالسنة، وفائدة الخلاف أنه يثاب على أحدهما أكثر، وأن طريق أحدهما مقطوع به، والآخر مظنون، ذكره القاضي، وذكرهما ابن عقيل على الأول، قال غير واحد: والنزاع لفظي. وعلى هذا الخلاف ذكر الأصحاب مسائل فرَّقوا فيها بين الفرض والواجب، والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.
(2/ 1/41)

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
[الاستدانة لأجل وتزييد الفائدة بالتأخير]

(مسألة) في رجل أراد الاستدانة من رجل فقال: أعطيك كل مائة بكسب كذا. وتبايعا بينهما شيئا من عروض التجارة؛ فلما استحق الدين طالبه بالدين، فعجز عنه فقال: اقلب علي الدين بكسب كذا وكذا في المائة، وتبايعا بينهما عقارا، وفي آخر كل سنة يفعل معه مثل ذلك، وفي جميع المبايعات غرضهم الحلال. فصار المال عشرة آلاف درهم، فهل يحل لصاحب الدين مطالبة الرجل بما زاد في هذه المدة الطويلة؟ وهل لولي الأمر إنكار ذلك أم لا؟
(فالجواب): قول القائل لغيره: أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا حرام. وكذلك إذا حل الدين عليه وكان معسرا، فإنه يجب إنظاره؛ ولا يجوز إلزامه بالقلب عليه باتفاق المسلمين. وبكل حال فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هو معاملة فاسدة ربوية، والواجب رد المال المقبوض فيها، إن كان باقيا، وإن كان فانيا رد مثله؛ ولا يستحق الدافع أكثر من ذلك. وعلى ولي الأمر المنع من هذه المعاملات الربوية، وعقوبة من يفعلها، ورد الناس فيها إلى رؤوس أموالهم دون الزيادات؛ فإن هذا من الربا الذي حرَّمه الله ورسوله، وقد قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 1.
__________
1 سورة البقرة آية: 278.
(2/ 1/42)

[تحريم الربا]
(مسألة) * في تحريم الربا وما يفعل من المعاملات بين الناس اليوم ليتوصلوا بها إلى الربا، وإذا حل الدين يكون المديون معسرا، فيقلب الدين في معاملة أخرى بزيادة مال، وما يلزم ولاة الأمور في هذا؟ وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما زاد في معاملة الربا؟
(الجواب): المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وقد (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، ولعن المحلل والمحلل له)، قال الترمذي: حديث صحيح؛ فالاثنان ملعونان. وكان أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجَّل، فإذا حلَّ الأجل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفَّاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال؛ فيتضاعف المال والأصل واحد؛ وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين.
وأما إذا كان هذا هو المقصود، ولكن توسلوا بمعاملة أخرى فهذا تنازع فيه المتأخرون من المسلمين، وأما الصحابة فلم يكن فيهم نزاع أن هذا محرم؛ فإنما الأعمال بالنيات، والآثار عنهم بذلك كثيرة مشهورة. والله -تعالى- حرَّم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين وأكل المال بالباطل، وهو موجود في المعاملات الربوية. وأما إذا حلَّ الدَّيْن، وكان الغريم معسرا لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا غيرها، بل يجب إنظاره، وإن كان موسرا، كان عليه الوفاء؛ فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره، ولا مع إعساره، والواجب على ولاة الأمور بعد تعزير المتعاملين بالمعاملة الربوية بأن يأمروا المدين أن يؤدي رأس المال، ويسقطوا الزيادة الربوية؛ فإن كان معسرًا وله مغلات يوفَّى منها، وُفِّيَ دينه منها بحسب الإمكان، والله أعلم.
__________
* هذه المسألة أوردها الشيخ عبد الرحمن بن حسن من قبل منسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية في 1/ 381، وهي في "مجموع الفتاوى" 29/ 418. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(2/ 1/43)

[المتاجرة بالعملة]
(مسألة) فيمن اشترى الفلوس أربعة عشر قرطاسا بدرهم ويصرفها ثلاثة عشر بدرهم، هل يجوز؟
(الجواب): إذا كان يصرفها للناس بالسعر العام جاز ذلك، وإن اشتراها رخيصة. وأما من باع سلعة بدراهم، فإنه لا يجب عليه أن يقتص عن شيء منها فلوسا إلا باختياره، وكذلك من اشتراها بدراهم فعليه أن يوفيها دراهم؛ فإن تراضيا على التعويض عن الثمن أو بعضه بفلوس بالسعر الواقع، جاز، والله أعلم.
[التفاضل في الربوي للحاجة وانتفاء الضرر]
(مسألة) في بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية مع العلم بأن التفاوت بينهما يسير لا يقوم بمؤنة الضرب، بل فضة هذه الدراهم أكثر، هل تجوز المقايضة بينهما أم لا؟
(الجواب): هذه المقايضة تجوز في أظهر قولي العلماء، والجواز فيه له مأخذان، بل ثلاثة: أحدها: أن هذه الفضة معها نحاس، وتلك فضة خالصة، والفضة المقرونة بالنحاس أقل، فإذا بيع مائة درهم من هذه بسبعين -مثلا- من الدراهم الخالصة، فالفضة التي في المائة أقل من سبعين، فإذا جعل زيادة الفضة بإزاء النحاس جاز على أحد قولي العلماء الذين يجوزون مسألة (مد عجوة) كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وهي -أيضا- مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، إذا كان الربوي تبعا لغيره كما إذا باع شاة ذات لبن بلبن، أو دارا مموَّهة بالذهب بذهب، والسيف المحلى بفضة بفضة أو ذهب، ونحو ذلك. والذين منعوا عن مسألة (مد عجوة) وهو بيع الربوي بجنسه إذا كان معهما، أو مع أحدهما من غير جنسه قد علَّله طائفة منهم من أصحاب الشافعي وأحمد بأن الصفقة إذا اشتملت على عوضين
(2/ 1/44)

مختلفين انقسم الثمن عليهما بالقيمة، وهذه علة ضيقة؛ فإن الانقسام إذا باع شقصا مشفوعا، وما ليس بمشفوع كالعبد والسيف والثوب إذا كان لا يحل عاد الشريك إلى الأخذ بالشفعة، فأما انقسام الثمن بالقيمة لغير حاجة فلا دليل عليه. والصحيح عند أكثرهم كون ذلك ذريعة إلى الربا، بأن يبيع ألف درهم في كيس بألفي درهم، ويجعل الألف الزائدة في مقابلة الكيس كما يجوِّز ذلك من يجوِّزه من أصحاب أبي حنيفة. والصواب في مثل هذا أنه لا يجوز, لأن المقصود بيع دراهم بدراهم متفاضلة، فمتى كان المقصود ذلك حرم التوسل إليه بكل طريق، فإنما الأعمال بالنيات. وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي، بل يخرص خرصا مثل القلادة التي بيعت يوم خيبر، وفيها خرز مغلف بذهب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تباع حتى تُفَصَّل"1، فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد فنهى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- عن بيع هذا بهذا حتى تفصل، لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون؛ فيكون قد باع ذهبا بذهب مثله، وزيادة خرز، وهذا لا يجوز.
وإذا علم المأخذ فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها، وكان المفرد أكثر من المخلوط كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط، لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء، إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك؛ فيجوز التفاوت.
(المأخذ الثاني): مأخذ من يقول يجوز بيع الربوي بالربوي على سبيل التحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك إذا تعذر الكيل أو الوزن، كما يقول ذلك مالك والشافعي وأحمد في بيع العرايا بخرصها كما مضت فيه
__________
1 مسلم: المساقاة (1591) , والنسائي: البيوع (4573) , وأبو داود: البيوع (3352) , وأحمد (6/ 21).
(2/ 1/45)

السنة في جواز الرطب بالتمر خرصا لأجل الحاجة. ويجوز ذلك في كل الثمار في أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره، وفي الثاني: لا يجوز، وفي الثالث: يجوز في العنب والرطب خاصة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي، وكما يقول نظير ذلك مالك وأصحابه في بيع الموزون على سبيل التحري عند الحاجة، كما يجوز بيع الخبز بالخبز على وجه التحري. وجوَّزوا بيع اللحم باللحم على وجه التحري في السفر، قالوا: لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ولا ميزان عندهم؛ فيجوز كما جازت العرايا؛ وفرَّقوا بين ذلك وبين الكيل، فإن الكيل ممكن ولو بالكف. وإذا كانت السنة قد مضت بإقامة التحري والاجتهاد مقام العلم بالكيل أو الوزن عند الحاجة، فمعلوم أن الناس يحتاجون إلى بيع هذه الدراهم المغشوشة بهذه الخالصة، وقد عرفوا مقدار ما فيها من الفضة بإخبار أهل الضرب وإخبار الصيارفة وغيرهم ممن سبك هذه الدراهم، وعرف قدر ما فيها من الفضة، فلم يبق في ذلك جهل مؤثر، بل العلم بذلك أظهر من العلم الخرص أو نحو ذلك.
وهم إنما مقصودهم دراهم بدراهم بقدر نصيبهم، ليس مقصودهم أخذ فضة زائدة، ولو وجدوا من يضرب لهم هذه الدراهم فضة خالصة من غير اختيارهم بحيث تبقى في بلادهم لفعلوا ذلك، وأعطوه أجرته؛ فهم ينتفعون لما يأخذونه من الدراهم الخالصة، ولا يتضررون بذلك، وكذلك أرباب الخالصة إذا أخذوا هذه الدراهم فهم ينتفعون بذلك لا يتضررون. وهذا مأخذ ثالث يبين الجواز، وهو أن الربا إنما حرم لما فيه من أخذ الفضل، وذلك ظلم يضر المعطي، فحرم لما فيه من الضرر، وإذا كان كل من المتقايضين مقايضه أنفع له من كسر دراهمه، وهو إلى ما يأخذه محتاج كان ذلك مصلحة لهما هما يحتاجان
(2/ 1/46)

إليها، والمنع من ذلك مضرة عليهما؛ والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة، ويوجب المضرة المرجوحة كما قد عرف ذلك من أصول الشرع. وهذا كما أن من أخذ السفتجة من المقرض، وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه في بلد دراهم المقرض، ويكتب له سفتجة أي: ورقة إلى بلد فيها دراهم المقترض، فهذا يجوز في أصح قولي العلماء، وقيل: ينهى عنه؛ لأنه قرض جرَّ منفعة والقرض إذا جر منفعة كان ربا. والصحيح الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى ذلك، وقد انتفع المقرض أيضا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق إذا نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض؛ فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض؛ والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه، وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم، وقد أغناهم الله عنه، والله أعلم.
[الأكل بعوض]
(مسألة) في جندي له أقطاع، ويجيء عند فلاحيه فيطعمونه، هل يأكل؟
(الجواب): إذا أكل وأعطاهم عوض ما أكل فلا بأس، والله أعلم.
[الأموال المكسوبة من الخمر والحشيش]
(مسألة) في الأموال المكسوبة من الخمر والحشيش، هل يأكلها الفقير أو أعوان ولي الأمر؟
(الجواب): المال المكسوب من الخمر والحشيشة يتصدق به، وإذا تصدق به جاز للفقير أكله، ويجوز أن يعطيه ولي الأمر لأعوانه، والله أعلم.
[العمل في المكان المغصوب]
(مسألة): في رجل يطحن في طواحين السلطان يستأجرها، وهو يعلم أن بعضها ما هو غصب، وفي رجل يعمل في زرع السلطان، هل
(2/ 1/47)

نصيبه منه حلال أو ما يكسبه الأول من الطاحون؟
(الجواب): أما الأراضي السلطانية والطواحين السلطانية التي يعلم أنها مغصوبة، فيجوز للإنسان أن يعمل فيها مزارعة بنصيب من الزرع، ويجوز أن يستأجرها، ويجوز أن يعمل فيها بأجرته مع الضامن. وأما إذا علم أنها مغصوبة، ولم يعرف لها مالك معين، فهذه فيها نزاع؛ والأظهر أنه يجوز العمل فيها، إذا كان العامل لا يأخذ إلا أجرة عمله، فإنه حينئذ لا يكون قد ظلم أحدا شيئا. والعمل فيها خير من تعطيلها على كل تقدير، وهذا إن أمكن أن ترد إلى أصحابها وإلا صرفت في مصالح المسلمين، والمجهول كالمعدوم. وأما إذا عرف أن للأرض مالكا معينا، وقد أخذت منه بغير حق، فلا يعمل فيها بغير إذنه، أو إذن وليه، أو وكيله، والله أعلم.
[القصاص من السكران]
(مسألة) في رجل أمسك رجلا، وقدمه لرجل سكران بيده سيف، فضربه السكران، فقتل. هل يلزم الذي أمسكه (القود) أم لا؟
(الجواب): يجب القود على هذا الذي أمسكه وقدمه إلى الذي ضربه بالسيف حتى مات في أظهر قولي العلماء، كما هو قول مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والله أعلم.
[صيال البهائم]
(مسألة) في راكب فرس مسربة دباب، ومعه دب فجعل الفرس، ورأى راكبه، ثم هرب ورأى رجلا، فمات؟
(الجواب): لا ضمان على صاحب الفرس، والحال هذه لكن الدباب عليه العقوبة، والله أعلم.
[قتل الجماعة بالواحد]
(مسألة) في ثلاثة من اللصوص أخذ اثنان منهم مالا، والثالث قتل الجمّال هل تقتل الثلاثة؟
(2/ 1/48)

(الجواب) إذا كان الثلاثة حرامية اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة قتل الثلاثة، وإن كان الذي باشر القتل واحدا منهم، والله أعلم 1.
[سرق كيل غلة وبذره ولم يعرف مالكه]
(مسألة) فيمن سرق كيل غلة وبذره ولم يعرف مالكه، هل يجوز له الزرع كله؟
(الجواب): أما مقدار الزرع فيتصدق به بلا ريب، وأما الزيادة ففيها نزاع، وأعدل الأقوال أن يجعل ذلك مزارعة، فيأخذ نصيبه، ونصيب البذر يتصدق به عنه، والله أعلم.
[اختلاط الحرام بالحلال]
(مسألة) في رجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟
(الجواب): يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال حلاله، وإن لم يعرفه أو تعذرت معرفته تصدق به عنه، والله أعلم.
[زكاة الإبل]
(مسألة) في الرجل له جمال، ويشتري لها أيام الرعي مرعى، هل فيها زكاة؟
(الجواب): إذا كانت راعية أكثر الحول مثل أن يشتري لها المرعى ثلاثة أشهر أو أربعة فإنه يزكيها، هذا أظهر قولي العلماء.
[زكاة الزروع]
(مسألة) في مقطع له فلاح، والزرع بينهما مناصفة، فهل عليه عشر؟
(الجواب): ما ثبت على ملك الإنسان فعليه عشره، فالأرض المقطعة إذا كانت المقاسمة نصفين فعلى الفلاح تعشير نصفه، وعلى المقطع تعشير نصفه، هذا على القول الصحيح الذي عليه عمل المسلمين قديما وحديثا، وهو قول من قال إن المزارعة صحيحة سواء كان البذر من المالك أو من العامل، وأما من قال إن المزارعة باطلة فعنده لا يستحق المقطع إلا أجرة المثل أو الزرع كله
__________
1 أي: إذا كانوا من المشتركين في قطع الطرق، وقتل الناس لأخذ أموالهم، وأما إذا كانوا لصوصا غير قتلة، وانفرد أحدهم بقتل الجمال أو غيره فلا يقتل إلا القاتل.
(2/ 1/49)

لرب البذر العامل، وحينئذ فالعشر كله على العامل، فإن أراد المقطع أن يأخذ نصف المغل مقاسمة، ويجعل العشر كله على صاحب النصف الآخر لم يكن له هذا باتفاق العلماء، والله أعلم.
[زكاة المال]
(مسألة) في رجل تحت يده مال فوق النصاب فأخرج منه شيئا من زكاة الفرض ظنا منه أنه قد حال عليه الحول، ثم تبين أنه لم يحل الحول فيمن يخرج الزكاة، وفي نفسه إذا كان الحول حال فهي زكاة، وإلا تكون سلفا على ما يجب بعد، هل يجزي في الصورتين؟.
(الجواب): نعم يجب ذلك من الزكاة في الصورتين جميعا إذا وجبت الزكاة، والله أعلم.
[بيع الآبق]
(مسألة) في مملوك لشخص مسلم مقيم في بلاد التتر، ثم إن المملوك هرب من عند أستاذه من تلك البلاد، وجاء إلى بلاد الشام، وهو في الرق. والآن المملوك يختار البيع، فهل يجوز لأحد أن يبيعه ليحفظ ثمنه لأستاذه، ويوصل ذلك إليه أم لا؟
(الجواب): نعم يجوز إذا كان في رجوعه إلى تلك البلاد ضرر عليه في دينه أو دنياه، فإنه يباع في هذه البلاد بدون إذن أستاذه، والله أعلم.
[مشيئة الله]
(مسألة) في أقوام يقولون: المشيئة، مشيئة الله في الماضي والمستقبل. وأقوام يقولون: المشيئة في المستقبل لا في الماضي، ما الصواب؟
(الجواب): الماضي مضى بمشيئة الله، والمستقبل لا يكون إلا أن يشاء الله؛ فمن قال في الماضي أن الله خلق السماوات -إن شاء الله-، أو أرسل محمدا -إن شاء الله- فقد أخطأ، ومن قال خلق الله السماوات بمشيئة الله وأرسل محمدا بمشيئة الله ونحو ذلك فقد أصاب. ومن قال أنه يكون في الوجود
(2/ 1/50)

شيء بدون مشيئة الله فقد أخطأ، ومن قال: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن: فقد أصاب. وكل ما تقدم فقد كان بمشيئة الله قطعا؛ فالله خلق السماوات بمشيئته قطعا، وأرسل محمدا بمشيئته قطعا، والإنسان الموجود خلْق الله بمشيئته قطعا؛ وإن شاء الله أن يغير المخلوق من حال إلى حال فهو قادر على ذلك، فما خلقه فقد كان بمشيئته قطعا، وإن شاء الله أن يغيره غيره بمشيئته قطعا؛ والله أعلم.
[التحايل على القصاص والدية]
(مسألة) في طائفة تسمى العشير قيس ويمن يكثر القتل بينهم ولا يبالون به، وإذا طلب منهم القاتل أحضروا شخصا غير القاتل يتفقون معه على أن يعترف بالقتل عند ولي الأمر، فإذا اعترف جهزوا إلى المتولي مَنْ يدعي أنه من قرابة المقتول ويقول: أنا قد أبرأت هذا القاتل مما استحقه عليه؛ ويجعلون ذلك ذريعة إلى سفك الدماء وإقامة الفتن، فإذا رأى ولي الأمر وضع دية المقتول الذي لا يعرف قاتله من الطوائف الذين أثبت أسماءهم في الديوان على جميع الطوائف منهم، هل له ذلك أم لا؟ أو رأى وضع ذلك على أهل محلة القاتل كما نقل بعض الأئمة رضي الله عنهم؟ أو رأى تعزير هؤلاء العشير عند إظهارهم الفتن وسفك الدماء والعناد بوضع مال عليهم يؤخذ منهم ليكف نفوسهم العادية عن ذلك كله، فهل ذلك صحيح أم لا؟ وهل يثاب على ذلك؟ أفتونا مأجورين.
(فأجاب) الحنفي عن هذا السؤال بانقسامه على أهل المحلة التي وجد فيها قتيل لم يعرف قاتله، ووضع الدية عليهم دون التعزير بأخذ الأموال.
(وأجاب الشيخ) -أيده الله-: الحمد لله، إذا عرف القاتل فلا توضع الدية على أهل مكان المقتول باتفاق الأئمة، وإذا لم يعرف قاتله لا ببينة ولا إقرار ففي مثل هذا تُشرع القسامة، فإذا كان هناك لوث حلف المدعون
(2/ 1/51)

خمسين يمينًا عند الجمهور مالك والشافعي وأحمد كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم -في قصة القتيل الذي وجد بخيبر، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه. ومذهب أبي حنيفة يحلف المدعى عليهم أولا؛ فإن مذهبه أن اليمين لا تكون إلا في جانب المدعى عليه.
والجمهور يقولون: هي في جنبه أقوى المتداعيين، فأما إذا عرف القاتل، فإن كان قتله لأخذ مال فهو محارب يقتله الإمام حدا، وليس لأحد أن يعفو عنه لا أولياء المقتول ولا غيرهم، وإن قتل لأمر خاص، فهذا أمره إلى أولياء المقتول، فإن عفوا عنه ... 1 وللإمام في مذهب مالك أن يجلده مائة جلدة ويحبسه سنة، فهذا التعزير يُحَصِّلُ المقصود.
وعلى هذا، فإن كان أولياء المقتول قد رضوا بقتل صاحبهم فلا أرغم الله إلا بآنافهم، وإذا قيل: توضع الدية في بعض الصور على أهل المكان مع القسامة، فالدية لورثة المقتول لا لبيت المال، ولم يقل أحد من الأئمة: إن دية المقتول لبيت المال، وكذلك لا توضع الدية بدون قسامة باتفاق الأئمة.
وهؤلاء المعروفون بالفتن والعناد، لولي الأمر أن يمسك منهم مَنْ عرف بذلك فيحبسه، وله أن ينقله إلى أرض أخرى ليكف بذلك عدوانه، وله أن يعزر أيضا مَنْ ظهر الشر منه بما يكف به شره وعدوانه. ففي العقوبات الجارية على سنن العدل والشرع ما يعصم الدماء والأموال، ويغني ولاة الأمور عن وضع جنايات تفسد العباد والبلاد.
ومن اتُّهِمَ بقتلٍ وكان معروفا بالفجور، فلولي الأمر عند طائفة من العلماء أن يعاقبه تعزيرا على فجوره وتقريرا له؛ وبهذا وأمثاله يحصل مقصود السياسة العادلة. والله أعلم.
[فائي يأخذ منه رؤساء القرى شيئا يضيفون به المنقطعين وغيرهم]
(مسألة) في رجل فائي يأخذ منه رؤساء القرى شيئا يضيفون به
__________
1 هكذا في الأصل، بلا جواب الشرط وهو: سقط القود ووجبت الدية.
(2/ 1/52)

المنطعين وغيرهم ويجبون من المساكين والأرامل مالا فيعطونه، هل يكون حلالا أم حراما؟
(الجواب): إذا اشتروا منهم شيئا وأعطوهم ثمنه من مال يعلمون أنه مغصوب أخذ من أصحابه ظلما، لم يكن لهم أن ينتفعوا به؛ لكن هذا المال إذا اشتروا لهم به ما يطلبونه منهم، لم يكن عليهم منه شيء، إذا كانوا مكرهين على ذلك. فينبغي لمن يتقي أن يظلم وأن يظلم إن اشترى المظلمة بأموالهم ما يطلبونه منه لئلا يظلم غيره، ولا يكون هو مظلوما وهو مكره على هذا العمل. ومع هذا فالمال الذي جمعوه من الناس، وقد تعذر رده على أصحابه إذا أعطوه للفائي عوضا مما أخذوه منه بغير اختياره فهو أحق به ممن يعطاه من غير معاوضة، والظالم في الحقيقة هو الذي أخذ الأموال بغير حق، لا من أخذ عوض ماله من مال لا يعلم له مستحقا معينا، والله أعلم.
(مسألة) في نوبة الوكلاء والشحاني يحفظ الغلال على الفلاحين، هل هي حلال؟
(الجواب): إذا كان يحفظ الزرع لصاحب الأرض والفلاح، فله أجرته عليها، فإذا كانت المؤونة التي يأخذها من الفلاح بقدر حقه عليه: فلا بأس، والله أعلم
[أخذ الزكاة ممن ليس عنده نصاب]
(مسألة) في قرية بها فلاحون، وهي نصفان: أحد فلاحي النصفين له غنم تجب فيها الزكاة؛ والنصف الآخر ليس لفلاحيه غنم قدر ما تجب فيه الزكاة؛ فألزم الإمام أهل القرية بزكاة الغنم على الفلاحين، فهل تجب على من له النصاب؛ وإذا وجبت عليه فهل يجوز للإمام أن يأخذ ممن ليس له نصاب؟
(2/ 1/53)

(الجواب): تجب إن كان المطلوب هو مقدار ما فرضه الله على من تجب عليه الزكاة اختصوا بأدائه، وإن كان المطلوب فوق الواجب على سبيل الظلم، اشترك فيه الجميع بحسب أموالهم. والله أعلم.
[سامري ضرب مسلما وشتمه]
(مسألة) في سامري ضرب مسلما وشتمه.
(الجواب) تجب عقوبته عقوبة بليغة تردعه وأمثاله، والله أعلم.
[رجل استأجر قطع أرض وقف وغرس فيها غراسا ومضت مدة الاستئجار]
(مسألة) في رجل استأجر قطع أرض وقف وغرس فيها غراسًا، وأثمر؛ ومضت مدة الاستئجار، فأراد نظار الوقف قلع الغراس، فهل لهم ذلك، أو أجرة المثل، وهل يثاب ولي الأمر على مساعدته؟
(الجواب): ليس لأهل الأرض قلع الغراس بل لهم المطالبة بأجرة المثل، أو تملك الغراس بقيمته، أو ضمان نقصه إذا قلع. وما دام باقيا فعلى صاحبه أجرة مثله، وعلى ولي الأمر منع الظالم من ظلمه، والله أعلم.
[حديث: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه]
(مسألة) في قوله -عليه السلام-: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه"1 هل لهذا الحديث أصل؟ ومَنْ رواه؟
(الجواب): نعم له أصل، وهو مروي من وجوه متعددة، وهو ثابت عند أهل الحديث؛ لكن أكثر العلماء يقولون: هو منسوخ، وتنازعوا في ناسخه على عدة أقاويل: ومنهم من يقول: بل حكمه باق، وقيل: بل الوجوب منسوخ، والجواز باقٍ، وقد رواه أحمد والترمذي وغيرهما ورواه ابن ماجه، ولا أعلم أحدًا قدح فيه 2. والله أعلم.
__________
1 أبو داود: الحدود (4485).
2 لعله يريد الحديث المروي بهذا المعنى عن عدة من الصحابة. وأما اللفظ الذي سئل عنه فقد رواه أحمد والحارث بن أبي أسامة من طريق الحسن البصري عن عبد الله بن عمرو، وأعلوه بأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو.
(2/ 1/54)

[هل يصح للشريك شفعة]
(مسألة) في رجل له ملك وله شركة فيه فاحتاج إلى بيعه، فأعطاه إنسان فيه شيئا معلوما فباعه، فقال: زن لي ما قلت فنقصه بغير المثل، فهل يصح للشريك شفعة أم لا؟ وهل يصح شفعة أم لا؟
(الجواب): إذا باعه بثمن معلوم كان على المشتري أداء ذلك الثمن، وإن كان البيع فاسدا قد فات كان عليه قيمة مثله. وإذا كان الشقص مشفوعا فللشريك فيه الشفعة، والله أعلم.
[أكرهها زوجها على إبرائه من الصداق]
(مسألة) في بنت يتيمة تحت الحجر مزوجة، قال لها الزوج: أبرئيني من صداقك وأنت طالق ثلاثا، فمن شدة الضرب والفزع وهبته. ثم رجعت فندمت، هل لها أن ترجع ولا يحنثان أم لا؟
(الجواب): إذا أكرهها على الهبة أو كانت تحت الحجر لم تصح الهبة، ولم يقع الطلاق، والله أعلم.
[زُوجت بإذنها وإذن أخيها وسنها اثنتا عشرة سنة]
(مسألة) في بنت يتيمة ليس لها أب، ولا لها وليٌّ إلا أخوها وسنها اثنتا عشرة سنة، ولم تبلغ الحلم، وعقد عليها أخوها بإذنها فهل يجوز ذلك أم لا؟
(الجواب): بل هذا العقد صحيح في مذهب أحمد المنصوص عنه في أكثر أجوبته الذي عليه عامة أصحابه، ومذهب أبي حنيفة أيضا؛ لكن أحمد في المشهور عنه يقول: إذا زوجت بإذنها وإذن أخيها لم يكن لها الخيار إذا بلغت. وأبو حنيفة، وأحمد في رواية يقول: تُزَوَّجُ بلا إذنها، ولا لها الخيار إذا بلغت، وهذا أحد القولين في مذهب مالك أيضا؛ ثم عنه رواية: إن دعت حاجة إلى نكاحها، ومثلها يوطأ جاز، وقيل: تزوج ولها الخيار إذا بلغت، وقال ابن بشر: اتفق المتأخرون أنه يجوز نكاحها إذا خيف عليها
(2/ 1/55)

الفساد.
والقول الثالث: وهو قول الشافعي وأحمد في رواية، ومالك في الرواية الأخرى أنها لا تُزوَّجُ حتى تبلغ إذا لم يكن لها أب وجد؛ قالوا: لأنه ليس لها ولي مجبر، وهي في نفسها الإذن لها بعد البلوغ، فتعذر تزويجها بإذنها وإذن وليها. والقول الأول أصح بدلالة الكتاب والسنة والاعتبار؛ فإن الله تعالى يقول: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} 1.
وقد ثبت عن عائشة -رضي الله عنها- أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حِجر وليها، فإن كان لها مال وجمال تزوجها، ولم يُقْسِط في صداقها، وإن لم يكن لها مال لم يتزوجها، فنهي أن يتزوجها حتى يقسط في صداقها من أجل رغبته عن نكاحها إذا لم يكن لها مال.
وقوله: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} 2 يفتيكم ويفتيكم في المستضعفين، فقد أخبرت عائشة في هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، وأن الله أذن له في تزويجها إذا أقسط في صداقها، وقد أخبر أنها في حجره، فدل على أنها محجور عليها.
وأيضا فقد ثبت في السنن من حديث أبي موسى وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت فلا جواز عليها"3 فجَوَّز تزويجها بإذنها، ومنعه بدون إذنها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يُتْمَ بعد احتلامٍ"4 ولو أريد باليتيم ما بعد البلوغ فبطريق المجاز؛ فلا بد أن يعم ما قبل البلوغ وما بعده، أما تخصيص لفظ يتيم بما بعد البلوغ فلا
__________
1 سورة النساء آية: 127.
2 سورة النساء آية: 127.
3 النسائي: النكاح (3270) , وأبو داود: النكاح (2093) , وأحمد (2/ 259,2/ 475).
4 أبو داود: الوصايا (2873).
(2/ 1/56)

يحتمله اللفظ بحال.
ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه، كما يصح إحرامه بالحج بإذن الولي، وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه عند أكثر العلماء كما دل ذلك القرآن بقوله: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} 1 الآية، فأمر بالابتلاء قبل البلوغ وذلك قد لا يتأتى إلا بالبيع، ولا تصح وصيته وتدبيره عند الجمهور وكذلك إسلامه، كما يصح صومه وصلاته وغير ذلك لما له في ذلك من المنفعة، فإذا زوجها الولي بإذنها من كفء جاز، وكان هذا تصرفا بإذنها، وهو مصلحة لها، وكل واحد من هذين مُصَحح لتصرف المميز. والله أعلم.
[سألها الهبة ثم طلقها، هل لها الرجوع في الهبة؟]
(مسألة) في رجل طلق زوجته وسألها الصلح فصالحها وكتب لها دينارين، فقال لها: هبيني الدينار الواحد فوهبته؛ ثم طلقها. فهل لها الرجوع في الهبة -والحال هذه-؟
(الجواب): نعم لها أن ترجع فيما وهبته -والحال هذه-؛ فإنه سألها الهبة، وطلقها مع ذلك، وهي لم تطب نفسها أن يأخذ مالها بسؤالها ويطلقها. والله أعلم.
[الوكالة في قبض الدين والإبراء منه]
(مسألة) في رجل وَكَّلَ رجلا على قبض ديون له، ثم صرفه وطالبه لما بقي عليه، ثم إن الوكيل المتصرف كتب مبارأة بينه وبين من عليه الدين بغير أمر الموكل، فهل يصح الإبراء؟
(الجواب): إن لم يكن في وكالته إثبات ما يقتضي أنه مأذون له في الإبراء، لم يصح إبراؤه من دين هو ثابت للموكل، وإن كان أقر بالإبراء قبل إقراره فيما هو وكيل فيه، كالتوكيل بالقبض إذا أقر بذلك، والله أعلم.
[التسوية بين الأبناء في العطايا]
(مسألة) في رجل ترك أولادا ذكورا وإناثا وتزوجوا (؟) الإناث قبل
__________
1 سورة النساء آية: 6.
(2/ 1/57)

موت أبيهم فأخذوا (؟) الجهاز جملة كثيرة، ثم لما مات الرجل لم يرث الذكور إلا شيئا يسيرا، فهل على البنات أن يتحاصوهم (؟) والذكور في الميراث والذين معهم أم لا؟ 1
(الجواب): يجب على الرجل أن يسوي بين أولاده في العطية، ولا يجوز أن يفضل بعضا على بعض كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك حيث نهى عن الجور في التفضيل، وأمر برده. فإن فعل ومات قبل العدل، كان الواجب على مَنْ فُضِّلَ أن يتبع العدل بينه وبين إخوته، فيقتسمون جميع المال الأول والآخر على كتاب الله -تعالى- للذكر مثل حظ الأنثيين، والله أعلم.
[حلف بالطلاق ما بقي يشارك رجلا]
(مسألة) في رجل حلف بالطلاق ما بقي يشارك رجلا، وهو شريكه، فقال له رجل: قل: إن شاء الله، فقال، فهل إذا استمر على شركته يحنث؟
(الجواب) لا يقع به طلاق، والحالة هذه، والله أعلم.
[تفضيل إحدى الزوجتين على الأخرى]
(مسألة) في رجل له امرأتان ويفضل الواحدة على الأخرى في النفقة وسائر الحقوق، حتى أنه هجرها. فما يجب عليه؟
(الجواب): يجب أن يعدل بين المرأتين، وليس له أن يفضل إحداهما في القَسْمِ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما أكثر من الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل"2. وإن لم يعدل بينهما، فإما أن يمسكها بمعروف، وإما أن يسرح بإحسان، والله أعلم.
__________
1 يظهر أن هذه المسألة كتبت بأغلاطها كما وردت من بعض العامة ونحن لم نصححها لكثرتها مع أننا نصحح غيرها من الغلط القطعي لاعتقادنا أنه من خطأ النساخ ولكن وضعنا بجانبها علامة الاستفهام (؟).
2 الترمذي: النكاح (1141) , والنسائي: عشرة النساء (3942) , وأبو داود: النكاح (2133) , وابن ماجه: النكاح (1969) , وأحمد (2/ 347,2/ 471) , والدارمي: النكاح (2206).
(2/ 1/58)

[وضع يده على الأرض وادعى أنه استأجرها وذلك بغير طريق شرعي]
(مسألة) فيمن استأجر أرض وقف من الناظر على الوقف النظر الشرعي ثلاثين سنة بأجرة المثل، وأثبت الإجارة عند حاكم من الحكام، وأنشأ عمارة، وعَرَّشَ في المكان مدة أربع سنين ثم سافر، والمكان في إجارته؛ وغاب إحدى عشرة سنة. فلما حضر وجد بعض الناس قد وضع يده على الأرض، وادعى أنه استأجرها، وذلك بغير طريق شرعي، فهل له نزع هذا الثاني وطلبه بتفاوت الأجرة؟
(الجواب): إن كان الثاني قد استأجر المكان مِنْ غير مَنْ له ولاية الإيجار، واستأجره مع بقاء إجارة صحيحة عليه، فالإجارة باطلة، ويده بدعائه مستحقة للرفع والإزالة. وإذا كان الثاني استأجرها وتسلمها، وهي في إجارة الأول، فالأول مخير: بين أن يفسخ الإجارة، وتسقط عنه الإجارة من حين الفسخ، ويطالب أهل المكان بالإجارة لهذا الثاني المتولي عليه يطلبون منه أجرة المثل، إن كانت الإجارة فاسدة، وإن كانت صحيحة طالبوه بالمشي، وبين إن وصى الإجارة ويعطى أهل المكان أجرتهم، ويطالب الغاصب بأجرة المثل من حين استيلائه على ما استأجره.
[مما يقدح في عدالة الرجال ومروءتهم]
(مسألة) في رجل مقبول القول عند الحكام يخرج للفرجة في الزهر في مواسم الفرج حيث يكون مجمع الناس، ويرى المنكر ولا يقدر على إزالته، ويُخرج امرأته أيضا معه هل يجوز ذلك وهل يقدح في عدالته؟
(الجواب): ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار، إلا لموجب شرعي، مثل أن يكون هناك لما يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرها. فأما حضوره لمجرد الفرجة وإحضاره امرأته تشاهد ذلك، فهذا مما يقدح
(2/ 1/59)

في عدالته ومروءته، إذا أصر عليه، والله أعلم.
[العاقد للأنكحة بولي وشاهدي عدل، هل للحاكم منعه]
(مسألة) فيمن يعقد عقود الأنكحة بولي وشاهديْ عدل، هل للحاكم منعه؟
(الجواب): ليس للحاكم أن يمنع المذكور أن يتوكل للولي فيعقد العقد على الوجه الشرعي، لكن من لا ولي لها لا تزوج إلا بإذن السلطان، وهو الحاكم، والله أعلم.
[إيقاع الحلف بالطلاق ثلاثا مرة واحدة]
(مسألة) في رجل عنده طرق من الفروع يفتي من حلف بالطلاق الثلاث بواحدة، وربما يقول: لا شيء عليه، فهل ينكر عليه ويمنع من ذلك؟
(الجواب) أما المفتي المذكور فينظر فيما يفتي به فإن كان يفتي بما يسوغ فيه الاجتهاد لم ينكر عليه، وإن خالف الإجماع أنكر عليه، وكذلك إن خالف نصا من الكتاب أو السنة أنكر عليه. وقد تنازع العلماء فيمن حلف ليفعلن شيئا، أو لا يفعله بالطلاق أو العتاق أو الظهار أو الحرام أو صدقة المال، إذا حنث فقال بعضهم: يلزمه ما حلف به، وقال بعضهم: لا شيء عليه، وقال بعضهم: تلزمه كفارة يمين، وأما إن أوقع الثلاث بكلام واحد أو طلقها في الحيض، فهذا فيه نزاع بين السلف والخلف.
[طعام الزواج وطعام العزاء وطعام الختان وطعام الولادة]
(مسألة) في طعام الزواج وطعام العزاء وطعام الختان وطعام الولادة؟
(الجواب): أما وليمة العرس فهي سنة، والإجابة إليها مأمور بها. وأما وليمة الموت فبدعة مكروه فعلها والإجابة إليها. وأما وليمة الختان فهي جائزة، من شاء فعلها، ومن شاء تركها، وكذلك وليمة الولادة إلا أن يكون قد عق عن الولد؛ فإن العقيقة عنه سنة؛ والله أعلم.
[الاستيلاء على أرض الغير بغير وجه حق]
(مسألة) في رجل له أرض ملك، وهي بيده ثلاثون سنة، فجاء
(2/ 1/60)

[رجل جذ زرعه منها ثم زرعها في ثاني سنة، فما يجب عليه؟]
(الجواب): ليس لأحد أن يستولي عليه بغير حق؛ بل له أن يطالب من زرعه في ملكه بأجرة المثل، وله أن يأخذ الزرع إذا كان قائما ويعطيه نفقته، والله أعلم.
[تزوج امرأة بكرا ثم ادعى أنها كانت ثيبا]
(مسألة) في امرأة بكر تزوجها رجل ودخل بها، ثم ادعى أنها كانت ثيبا، وتحاكما إلى حاكم، فأرسل معها امرأتين فوجدوها كانت بكرا، فأنكر ونكل عن المهر، فما يجب عليه؟
(الجواب): ليس له ذلك، بل عليه كمال المهر، كما قال زرارة، وقضى الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون: أن من أغلق الباب وأرخى الستر، فقد وجبت عليه العدة والمهر، والله أعلم.
[زيادة الإيجار في نهاية مدة العقد]
(مسألة) في رجل أجر رجلا عقارا مدة، وفي أواخر المدة زاد رجل في أجرتها، فأجره، فعارضه المستأجر الأول، وقال: هذه في إجارتي، هل له ذلك؟
(الجواب): إذا كان قد أجر المدة التي تكون بعد إجارة الأول، لم يكن للأول اعتراض عليه في ذلك، والله أعلم.
[ضمان الأجير المشترك]
(مسألة) فيمن كان له ذهب مخيط في ثوبه فأعطاه للغسال نسيانا، فلما رده الغسال إليه بعد غسله، وجد مكان الذهب مفتقا ولم يجده، فما الحكم فيه؟
(الجواب): إما أن يحلف المدعى عليه بما يبرئه، وإما أن يحلف المدعي أنه أخذ الذهب بغير حق ويضمنه، فإن كان الغسال معروفا بالفجور، وظهرت الريبة بظهور الفتق، جاز ضربه وتقريره، والله أعلم.
(2/ 1/61)

[ضمان الشيء المستعار]
(مسألة) في رجلين عند أمير، فقال الأمير لأحدهما: اطلب لي سيف رفيقك على سبيل العارية، فأجاب، فأخذه الأمير، فعدم عنده، هل تلزم المطالبة للأمير أو للرسول الذي استعاره؟
(الجواب): إذا كان الرسول لم يكذب ولم يتعد، فلا ضمان عليه، بل الضمان على المستعير إن كان فرط، أو اعتدى باتفاق العلماء، وإلا ففي ضمانه نزاع، والله أعلم.
[ضرب غيره فعطل منفعة أصبعه]
(مسألة) فيمن ضرب غيره فعطل منفعة أصبعه؟
(الجواب): إذا تعطلت منفعة أصبعه بالجناية التي اعتدى فيها وجبت دية الإصبع، وهي عشر الدية الكاملة، والله أعلم.
[الرجوع في الشهادة]
(مسألة) في شهود شهدوا بما أوجب الحد، ولما شَخَصَ قالوا: غلطنا، ورجعوا، فهل يقبل رجوعهم؟
(الجواب): نعم إذا رجع عن شهادته قبل الحكم بها لم يحكم بها، وإذا كان يعلم أنه قد غلط وجب عليه أن يرجع، ولا يقدح ذلك في دينه ولا في عدالته، والله أعلم.
[القول بأن الخير من الله والشر من أنفسنا]
(مسألة) فيمن يقول: الخير من الله، والشر من أنفسنا؟
(الجواب): مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، لا رب غيره، ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم. والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله، منهي عن معصية الله ومعصية رسوله؛ فإن أطاع كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه، وكان له الأجر والثواب بفضل الله ورحمته، وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، ولا حجة
(2/ 1/62)

لأحد على الله.
وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته، لأنه يحب الطاعة ويأمر بها، ويثيب أهلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهى عنها، ويعاقب أهلها ويهينهم. وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعصيته، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} 1 أي: ما أصابك من خصب ونصر وهدًى فالله أنعم به عليك، وما أصابك من جدب وذل وشر فبذنوبك وخطاياك.
وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلا بد أن يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره وحلوه ومره، وأن يؤمن بشرع الله وأمره. فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مشابها للمشركين، ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشابها للمجوس، ومن آمن بهذا وبهذا: فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله، وعلم إن ذلك كله بقضاء الله وقدره: فهو من المؤمنين.
فإن آدم -عليه السلام- لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهدى، وإبليس أصر واحتج بالقدر فلعنه الله وأقصاه. فمن تاب كان آدميا، ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيا. فالسعداء يتبعون أباهم آدم، والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس. فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين.
__________
1 سورة النساء آية: 79.
(2/ 1/63)

مسائل نقلها الشيخ حمد بن ناصر من أجوبة لابن حجر الهيتمي
...
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
هذه مسائل نقلها الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان من أجوبة لابن حجر الهيتمي 1:
[قبض ملك الموت أرواح الأحياء كلها]
(مسألة) هل ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات كلها، أو ما يقبض إلا أرواح بني آدم فقط؟ وأين مستقر الأرواح بعد قبضها؟
(الجواب): الذي دلت عليه الأحاديث أن ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات من بني آدم وغيرهم؛ من ذلك قوله مخاطبا لنبينا صلى الله عليه وسلم: والله يا محمد لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون الله هو الآمر بقبضها.
قال القرطبي: وفي هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح، وأن تصرفه كله بأمر الله، ومن ذلك ما في خبر الإسراء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن نفسه فقلت: (يا ملك الموت فكيف تقدر على قبض أرواح من في الأرض: برها وبحرها؟) الحديث.
وذكر أبو نعيم عن ثابت البناني قال: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة تأتي على ذي روح إلا وملك الموت قائم عليها، فإن أمر بقبضها قبضها وإلا ذهب.
قال القرطبي: وهذا عام في كل ذي روح، ومِنْ ثَمَّ لما سئل مالك -رحمه الله- عن البراغيث أن ملك الموت هل يقبض أرواحها أطرق مليا، ثم قال: ألها
__________
1 يعني من كتاب "الفتاوى الحديثية" له وقد قابلنا عليها عند التصحيح.
(2/ 1/64)

نفس؟ قيل: نعم، قال: ملك الموت يقبض أرواحها {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} 1 وأشار مالك بذكر الآية إلى أن المراد بقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ} 2 أنه يأمر ملك الموت يتوفاها كما صرح به قوله -تعالى-: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} 3، ولا ينافي ذلك قوله -تعالى-: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} 4 وقوله: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} 5، لأن ملك الموت يقبض الروح وأعوانه يعالجون، والله -تعالى- يزهق الروح. وبهذا تجتمع الآيات والأحاديث، وإنما أضيف التوفي لملك الموت لأنه يتولاه بالوسائط والمباشرة، وأضيف الخلق للملك في خبر مسلم عن حذيفة: سمعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا مرت بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها فخلق سمعها وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها"6 الحديث 7.
والحاصل أن الله سبحانه وتعالى هو القابض لأرواح جميع الخلق بالحقيقة، وأن ملك الموت وأعوانه إنما هم وسائط؛ وكذلك القول في سائر الأسباب العادية، فإنها بإحداث الله وخلقه لا بغيره تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.
وذكر ابن رجب أن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- تكون أرواحهم في أعلى عليين، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم في الرفيق الأعلى"8. وأكثر العلماء على أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث تشاء كما في مسلم وغيره. وأما بقية المؤمنين فنص الشافعي -رحمه الله -على أن من لم يبلغ التكليف منهم: في الجنة حيث شاؤوا فتأوي إلى
__________
1 سورة الزمر آية: 42.
2 سورة الزمر آية: 42.
3 سورة الأنعام آية: 61.
4 سورة الملك آية: 2.
5 سورة البقرة آية: 258.
6 مسلم: القدر (2645).
7 سقط من هنا عدة أقوال للعلماء في الموضوع؛ الظاهر أن الشيخ أحمد بن ناصر تعمد حذفها اختصارا؛ ولأنها آراء وآثار غير صحيحة. وكتبه محمد رشيد رضا.
8 البخاري: المغازي (4437) , ومسلم: فضائل الصحابة (2444) , والترمذي: الدعوات (3496) , وأحمد (6/ 200,6/ 274) , ومالك: الجنائز (562).
(2/ 1/65)

قناديل معلقة بالعرش، وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود.
وأما أهل التكليف ففيهم خلاف كثير، فعن أحمد أنها في الجنة، وعن وهب أنها في دار يقال لها: البيضاء في السماء السابعة، وعن مجاهد أنها تكون في أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن لا تفارقه، أي: ثم تفارقه، ولا ينافيه سنية السلام على القبور، لأنه لا يدل على استقرار الأرواح على أفنيتها دائما، لأنه يسلم على قبور الأنبياء والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين؛ ولكن لها مع ذلك اتصال سريع بالبدن لا يعلم كنهه إلا الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك: بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت، وعن ابن عمررضي الله عنهما) نحوه 1. ويرجح ابن عبد البر أن أرواح غير الشهداء في أفنية القبور تسرح حيث شاءت، وقالت فرقة: تجتمع الأرواح بموضع من الأرض، كما روي عن ابن عمر قال: أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية، وأما أرواح الكفار فتجتمع بسبخة حضرموت يقال لها برهوت.
[خلود أهل الجنة والنار على صورهم في الدنيا]
(مسألة): هل خلود المؤمنين في الجنة على هذا التركيب أعني من اللحم والعظم وغيرهما، وخلود الكافرين في النار على صورهم أم لا؟ وهل منكر ونكير يسألان كل ميت صغيرا كان أو كبيرا مسلما أو كافرا مقبورا أو غير مقبور؟ وهل منكر بفتح الكاف أو كسرها؟ وهل هما اللذان يسألان المؤمن أو غيرهما؟
(الجواب): الذي دلت عليه الأحاديث أن خلود المؤمنين في الجنة والكافرين في النار، على نحو صورهم في الدنيا المشتملة على نحو اللحم والعظم، وصح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة
__________
1 سقط من هنا بعض الأحاديث والأقوال.
(2/ 1/66)

عراة غرلا"1.
قال الأئمة: أي غير مختونين ترد إليه الجلدة التي قطعت بالختان، وكذا يرد إليه كل ما كان فارقه في الحياة كالشعر والظفر، ليذوق نعيم الثواب أو أليم العقاب؛ فتكون تلك الأجزاء جميعها مع الإنسان في الجنة أو النار حتى تذوق النعيم أو العذاب.
ومما يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال في حق الكافر: السلسلة تدخل من إسته حتى تخرج من فيه، ثم يُنْظَمُونَ فيها كما يُنْظَمُ الجراد في العود ثم يشوى. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رفعه: "ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع"2، 3 ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كل من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعا"4.
وللترمذي وغيره: "من مات من أهل الدنيا صغيرا أو كبيرا يُرَدُّونَ أبناء ثلاث وثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها أبدا، وكذلك أهل النار"5 وفي رواية عند ابن أبي الدنيا: "على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك، وعلى حُسْن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين، وعلى لسان محمد -صلى الله عليه وسلم- جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ".
واعلم أن أهل السنة أجمعوا على أن الأجساد تعاد كما كانت في الدنيا بأعيانها وألوانها وأعراضها وأوصافها، ولا ينافي ذلك ما في بعض حديث الصور الطويل: "يخرجون منها شبانا أبناء ثلاث وثلاثين سنة"6؛ لأن هذا من حيث السن، فهم مستوون فيه. والذي دل عليه القرآن أن السقط والطفل يحشران على قدرهما، وحينئذ فهما مستثنيان من الحديث أعني: قوله: "أبناء ثلاث وثلاثين سنة". هذا كله إن صح الحديث، وإلا فقضية
__________
1 مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2860) , والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2423) وتفسير القرآن (3167) , والنسائي: الجنائز (2082) , والدارمي: الرقاق (2802).
2 البخاري: الرقاق (6553) , ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2852).
3 سقط هنا روايات، وقوله بعده: ولمسلم هو مَعْزُوٌّ في الفتاوى الحديثية إلى الشيخين كليهما.
4 البخاري: أحاديث الأنبياء (3326) , ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2841) , وأحمد (2/ 315).
5 الترمذي: صفة الجنة (9999).
6 الترمذي: صفة الجنة (2545) , وأحمد (5/ 243).
(2/ 1/67)

كلامهم أن الناس في الحشر على تفاوت صفاتهم في الدنيا حتى في الأسنان، وإنما يقع التبديل عند دخول الجنة.
وقد قال بعض المحققين والحفاظ: والصحيح بل الصواب أن الذي يعيده الله هو الأجساد الأولى لا غيرها، ومن قال غير ذلك فقد أخطأ، لمخالفته ظاهر القرآن (والحديث) 1. والناس في الموقف يكون كل منهم على طوله الذي مات عليه، ثم عند دخول الجنة يصيرون طولا واحدا؛ ففي الصحيحين: "يبعث كل عبد على ما كان عليه"2. وفي الحديث الصحيح في صفات الجنة (ما ذكرته) ويبعثون بشعورهم ثم يدخلون الجنة جردا مردا كما ثبت في الحديث الصحيح. انتهى.
قال القرطبي -رحمه الله-: يكون الآدميون في الجنة على سن واحد 3 وأما الحور فصفات مصنفة، صغار وكبار، على ما اشتهت أنفس أهل الجنة 4.
وسؤال الملكين يعم كل ميت ولو جنينا أو غير مقبور كحريق أو غريق، أو أكيل سبع كما جزم به جماعة من الأئمة، وقول بعضهم: يسألان المقبور، إنما أراد به التبرك بلفظ الخبر. نعم قال بعض الحفاظ: الذي يظهر اختصاص السؤال بمن يكون له تكليف، وبه جزم غير واحد من أئمتنا، ومن ثم لم يستحبوا تلقينه 5.
ولا يسأل الشهيد كما صحت به الأحاديث، وألحق به من مات مرابطا لظاهر حديث رواه أحمد وأبو داود وهو: "كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتاني القبر"6 وألحق القرطبي بالشهيد الصِّدِّيقَ
__________
1 سقط من هنا كلام أيضا.
2 مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2878) , وأحمد (3/ 331).
3 كذا في الأصلين والسن مؤنثة لغة.
4 سقط من هنا كلام كثير في نكاح أهل الجنة قلما يثبت منه رواية أو يصح رأي.
5 قوله: تلقينه يعني به الجنين، وسقط من هنا: ومن ثَمَّ خالف في ذلك القرطبيُّ وغيره فجزموا بأن الطفل يسأل. صح وكتبه محمد رشيد رضا.
6 الترمذي: فضائل الجهاد (1621) , وأبو داود: الجهاد (2500) , وأحمد (6/ 20).
(2/ 1/68)

لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه يؤخذ انتفاء السؤال في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حق سائر الأنبياء.
وفي بحث بعض الحفاظ: أن الملك لا يسأل، لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن، وفي حديث حسنه الترمذي والبيهقي وضعفه الطحاوي: "من مات ليلة الجمعة أو يومها لم يسأل" وجزم الترمذي والحكيم بأن المعلن بكفره لا يسأل، ووافقه ابن عبد البر، ورواه عن بعض كبار التابعين، لكن خالفه القرطبي وابن القيم، واستدلاله بآية: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} 1 وبحديث البخاري: "وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري"2 - بالواو- ورجحه شيخ الإسلام ابن حجر بأن الأحاديث متفقة على ذلك، وهي مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة. وجزم الترمذي والحكيم وابن عبد البر أيضا بأن السؤال يختص بهذه الأمة، لحديث مسلم: "أن هذه الأمة تبتلى في قبورها"3، وخالفهم جماعة، منهم ابن القيم وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي السؤال عمن تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن كيفية امتحانهم في القبور، لا أنه ينفي ذلك عن أولئك.
وتوقف آخرون وللتوقف وجه لأن قوله: "أن هذه الأمة" فيه تخصيص فتعدية السؤال إلى غيرهم يحتاج إلى دليل، وعلى تسليم اختصاصه بهم، فهو لزيادة درجاتهم ولخفة أهوال المحشر؛ ففيه رفق بهم أكثر من غيرهم، لأن المحن إذا تفرقت هان أمرها، بخلاف ما إذا توالت؛ فتفريقها لهذه الأمة عند الموت وفي القبر والمحشر دليل ظاهر على عناية ربهم لهم أكثر من غيرهم 4.
ومقتضى الأحاديث سؤال الملكين المؤمن، ولو فاسقا، كالعدل، ولكن
__________
1 سورة إبراهيم آية: 27.
2 البخاري: العلم (86) , ومسلم: الكسوف (905) , وأحمد (6/ 345) , ومالك: النداء للصلاة (447).
3 مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2867).
4 لهذا التوجيه من ابن حجر تتمة قليلة أمر بتأملها وقد سقط من هنا عمدا أو سهوا.
(2/ 1/69)

بشارته تحتمل أن تكون بحسب حاله، ومقتضى الأحاديث: استواء سائر الناس في اسمهما، وهو منكر ونكير كما في حديث عند الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، ومنكر بفتح الكاف اتفاقا، ومنكر ونكير هما اللذان يسألان المؤمن وغيره.
[قتل الحيات]
(مسألة) في حية الدار نقتلها أو نتحول عنها، وكم نتحول؟ فإن قلتم: ثلاثا، فهل هي أيام أو ساعات؟ وهل الحيات في ذلك سواء كالأفعى والرواز والثعبان، أم يختص التحول بنوع منها؟ وهل حية العمران كالبستان والبئر التي يسقى منها الزرع والأشجار حكمها حكم حية الدار أم لا؟ وهل يكره قتل شيء منها في الموات أو في العمران؟
(الجواب): اعلم أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات (أمر ندب) روى البخاري (والنسائي) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بغار بمنى، وقد نزلت عليه سورة {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا} 1 فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية، فقال: اقتلوها فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقاكم الله شرها كما وقاها شركم"2.
وعداوة الحية للإنسان معروفة إذ الذي عليه الجمهور أن الخطاب في قوله: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} 3 لآدم وحواء وإبليس والحية، وفي حيات الحيوان روى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما سالمناهن منذ عاديناهن"4.
وقال ابن عمر: من تركهن فليس منا، وقالت عائشة: من ترك حية خشية من ثأرها، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي مسند أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قتل حية فكأنما قتل مشركا، ومن ترك حية خوف عاقبتها فليس منا"5 وقال ابن عباس: إن الحيات مسخ الجن كما مسخت
__________
1 سورة المرسلات آية: 1.
2 البخاري: الحج (1830) وبدء الخلق (3317) , ومسلم: السلام (2234) , والنسائي: مناسك الحج (2884) , وأحمد (1/ 377,1/ 385).
3 سورة طه آية: 123.
4 أبو داود: الأدب (5248) , وأحمد (2/ 247,2/ 432,2/ 520).
5 أحمد (1/ 421).
(2/ 1/70)

القردة من بني إسرائيل، وأخرجه الطبراني عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه ابن حبان، هذا كله في غير حيات البيوت.
أما التي مأواها البيوت: فلا تقتل حتى تُنْذَر ثلاثا؛ واختلف العلماء هل المراد ثلاثة أيام أو ثلاث مرات؟ والأول عليه الجمهور، وقد ورد بكل منهما حديث: أخرج مالك ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري أن أبا السائب أراد أن يقتل حية بدار أبي سعيد، وهو يصلي، فأشار إليه أن لا تفعل، فلما قضى صلاته حدَّثه، وقد أشار إليه في بيت في الدار، فقال: كان فيه فتى كان حديث عهد بعرس، فخرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الخندق، فكان الفتى يستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنصاف النهار يرجع إلى أهله. فاستأذنه يوما فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة"1. فأخذ الرجل سلاحه فإذا امرأته قائمة بين البابين، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها، وأصابته غيرةٌ، فقالت: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه وخر الفتى ميتا، فما يدري أيهما كان أسرع موتا: الحية أم الفتى. قال فجئنا النبيَ صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بذلك وقلنا: ادع الله أن يحييه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "استغفروا الله لصاحبكم"2.
ثم قال: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام؛ فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان"3، وفي لفظ: "إن في هذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فَحَرِّجُوا عليه ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر"4.
__________
1 مسلم: السلام (2236) , ومالك: الجامع (1828).
2 صحيح مسلم: كتاب السلام (2236) , وسنن أبي داود: كتاب الأدب (5257) , ومسند أحمد (3/ 41).
3 مسلم: السلام (2236) , وأبو داود: الأدب (5257) , ومالك: الجامع (1828).
4 مسلم: السلام (2236) , والترمذي: الأحكام والفوائد (1484) , وأبو داود: الأدب (5256) , وأحمد (3/ 41) , ومالك: الجامع (1828).
(2/ 1/71)

وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الهوام من الجن، من رأى شيئا في بيته فَلْيُحَرِّجْ عليه ثلاث مرات، فإن عاد وإلا فليقتله فإنه شيطان"1.
وأخذ بعض العلماء من الحديث الأول، وهو قوله: "إن بالمدينة جنا"2 ... إلخ أن الإنذار ثلاثا بالمدينة، وصحح بعض أنه عام في كل بلدة لا تقتل حية حتى تُنْذَر؛ ثم الظاهر أن الإنذار مندوب إليه، وإن اقتضى بعض كلام الحنابلة وجوبه؛ حيث قال: قتل الحية بغير حق لا يجوز كالإنس، ولو كان كافرا.
والجن يتصورون بصور شتى، وحيات البيوت قد تكون جنا فتؤذن ثلاثا، فإن ذهبت وإلا قتلت؛ لأنها إن كانت حية أصلية قتلت، وإن كانت جنية، فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في صورة حية تفزعهم بذلك. انتهى 3.
والذي ينبغي أن الإنذار غير واجب؛ لأن الأصل في الصور أنها باقية على أصل خلقتها الأصلية.
وقد أهدر الشارع هذه الصورة أعني: صورة الحية بسائر أنواعها، وجعلها من الفواسق، وقد مر التحريض على قتلها، وكونها صورة جني أمر محتمل، وليس بمحقق، والاحتمال المخالف للأصل لا يقتضي الوجوب؛ لكن حديث البخاري ومسلم يقتضيه، ولفظ ابن عمر: كان يقتل الحيات ثم نهى، قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- هدم حائطا له فوجد فيه سلخ حية، فقال: انظروا أين هو، فنظروه فقال: اقتلوه. فكنت أقتلها، فلقيت
__________
1 مسلم: السلام (2236) , والترمذي: الأحكام والفوائد (1484) , وأبو داود: الأدب (5256) , ومالك: الجامع (1828).
2 مسلم: السلام (2236) , وأبو داود: الأدب (5257) , ومالك: الجامع (1828).
3 أي: كلام ابن حجر هنا، ولكن ما بعده ملخص من كلامه أيضا مع حذف. وكتبه محمد رشيد رضا.
(2/ 1/72)

أبا لبابة، فأخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقتلوا الحيات إلا كل أبتر ذي طفيتين، فإنه يسقط الولد ويذهب البصر فاقتلوه"1 ولفظه عن نافع عن ابن عمر "أنه كان يقتل الحيات، فحدثه أبو لبابة: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل حيات البيوت فأمسك عنها"2.
واعلم أن حديث أبي سعيد يقتضي طلب تقدم الإنذار في سائر الحيات، وحينئذ يعارض ما مر أول الجواب من إطلاق الأمر بقتلها، وقد يجاب بأن إطلاق الأمر بالقتل منسوخ، كما عرف من رواية البخاري السابقة أيضا، أي: حمل هذا على ما إذا لم يذهب بالإنذار، وإلا قتل جانًّا كان أو غيره، ويعارض استثناء الأبتر وذو الطفيتين إلا أن يجاب بأن استثناء هذين يقتضي أن الجني لا يتصور بصورتهما فَلْيُسَنّ قتلهما مطلقا، ثم رأيت الزركشي نقل ذلك عن الماوردي فقال: إنما أمر بقتلهما؛ لأن الشيطان لا يتمثل بهما، وإنما نهى عن ذوات البيوت لأن الجني يتمثل بهما.
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوهما فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبالى" قال الزهري: ويروى ذلك من سمهما؛ وظاهر الأحاديث السابقة اختصاص الإنذار بعامر البيوت، وهو محتمل، ويحتمل أنه خص بذلك لأنه يتأكد فيه أكثر، وإلا فالعلة المعلومة مما مر تقتضي الإنذار فيما عدا الأبتر وذي الطفيتين؛ سواء كانت عامرة بيت إنسان أو بستان أو بئر أو غيرهما، والتعبير بذوات البيوت وهي العوامر، في رواية البخاري السابقة، كأنه الغالب.
وبما تقرر علم أنه لا يطلب التحول من الدار لأجل ما ظهر من الحيات فيها؛ بل تنذر ثلاث ساعات؛ فإن ذهبت وإلا قتلت، وإن الثلاث
__________
1 البخاري: بدء الخلق (3311) , ومسلم: السلام (2233) , وابن ماجه: الطب (3535) , وأحمد (2/ 9).
2 البخاري: بدء الخلق (3313) , ومسلم: السلام (2233) , وأحمد (3/ 452).
(2/ 1/73)

ثلاثة أيام عند الجمهور وثلاث ساعات عند غيرهم؛ وأن سائر الحيات العوامر في ذلك سواء إلا الأبتر وذو الطفيتين، لما مر فيهما؛ وأن حيات غير البيوت لا يبعد إلحاقها بحيات البيوت؛ وقد ورد في أحاديثَ ما يقتضي اختصاص طلب الإنذار بحيات البيوت.
وظاهر كلام بعض الأئمة: الأخذ بهذا المقتضى، وأن حيات غير البيوت تقتل مطلقا، أي: من غير إنذار، والذي يتجه أن التقيد بعوامر البيوت إنما هو الغالب أو لمزيد التأكيد. وكيفية الكلام الذي يقال عند الإنذار: ما أخرجه أبو داود عن ابن أبي ليلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن حيات البيوت فقال: "إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا: أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن نوح، أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن سليمان أن لا تؤذونا. فإن عُدْنَ فاقتلوهن"1، 2 والله أعلم.
الأولياء هل يردون الحوض مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأنبياء
(مسألة) فيمن يقول: إن الأولياء يَرِدُونَ الحوضَ مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأنبياء؟
(الجواب): إنما يتم له ما ذكر إن ثبت أن الأنبياء يردون حوض النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم أر ما يدل على ذلك بعد الفحص والاطلاع على الأحاديث الواردة في الحوض عن بضعة وخمسين صحابيا؛ بل الذي رأيته يدل لخلافه فقد أخرج الترمذي عن سمرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن
__________
1 الترمذي: الأحكام والفوائد (1485) , وأبو داود: الأدب (5260).
2 ابن أبي ليلى المنفرد برواية هذا الحديث -كما في الترمذي- هو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى الفقيه، وهو لا يُحْتَجُّ بحديثه: اتفقوا على أنه كان سيئ الحفظ فاحش الخطأ، كثير الوهم والمناكير، وصرح أحمد بضعفه واضطراب حديثه، وأثنى على فقهه. وكتبه محمد رشيد رضا.
(2/ 1/74)

أكون أكثرهم واردة"1.
وأخرج الترمذي عن سمرة مرفوعا: "إن الأنبياء يتباهون أيهم أكثر أصحابا من أمته، فأرجو أن أكون يومئذ أكثرهم كلهم واردة، وإن كل نبي منهم يومئذ قائم على حوض ملآن معه عصا يدعو من عرف من أمته، وإن لكل نبي أمة لهم سِيمَا يعرفهم بها نبيهم"، فهذان الحديثان صريحان في أن لكل نبي حوضا مستقلا ترده أمته.
{فائدة}: نقل القرطبي عن العلماء: أنه يطرد عن الحوض من ارتد، أو أحدث بدعة كالرافضة والظلمة المعروفين بالجور، والمعلن بالمعاصي؛ ثم الطرد للمسلم قد يكون في حال، وقد يشرب منه ذو الكبيرة، ثم إذا دخل النار لا يعرف العطش. انتهى ملخصا.
وهذا بناء على أن الحوض قبل الصراط، والذي رجحه القاضي عياض أنه بعده، وأن الشرب منه بعد الحساب والنجاة من النار، وأيده الحافظ ابن حجر بأن ظاهر الأحاديث: أن الحوض بجانب الجنة؛ لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها، فلو كان قبل الصراط؛ لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر، ولا ينافيه أن جمعا يدفعون عنه بعد رؤيته إلى النار، لأنهم يقربون منه بحيث يرونه فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط، والله أعلم.
[خلق الأرض والسماء]
(مسألة): هل خلقت الأرض قبل السماء؟
(الجواب): نعم، كما صح في البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، والقرآن ناطق به، وأجاب عن قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} 2 - إلى قوله -: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} 3 بأن الأرض خلقت أولا كالخبزة، وخلقت السماء بعدها ثم هيأ الأرض ودحاها، والله أعلم.
(مسألة): هل العرش أفضل من الكرسي؟
__________
1 الترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2443).
2 سورة النازعات آية: 27.
3 سورة النازعات آية: 30.
(2/ 1/75)

(الجواب): نعم كما صرح به ابن قتيبة، وصرح أيضا بأن الكرسي أفضل من السماء، وأن الشام أفضل من العراق، وبأن الحجر أفضل من الركن اليماني وهو أفضل من القواعد.
[هل الليل في السماء كالأرض؟]
(مسألة) هل الليل في السماء كالأرض؟
(الجواب): الذي دلت عليه الآيات القرآنية أنه من خواص أهل الأرض، لأن الله امْتَنَّ علينا (به) راحةً لنا، لأنا نتعب ونمل، بخلاف أهل السماء، ومعنى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} 1 أنهم دائمون على ذلك، فكنى بذلك عن الدوام. ووقوع المعراج ليلا إنما هو بالنسبة لأهل الأرض، والله أعلم.
[الفرق بين العهد والميثاق واليمين]
(مسألة): ما الفرق بين العهد والميثاق واليمين؟
(الجواب): العهد الموثق يقال: عهد إليه في كذا: أوصاه به، وأوثقه عليه، والعهد في لسان العرب له معان: منها: الوصية والضمان والأمر، والرؤية والمنزلة. وأما الميثاق: فهو العهد الموثق باليمين، وأما اليمين فهو: الحلف بالله أو بصفاته على ما قرر في محله.
[تأذي الملائكة مما يتأذى منه الإنسان]
(مسألة): هل الحفظة يتأذون من كل الأشياء الكريهة الريح، ومن كثرة التردد إلى الخلاء والأماكن النجسة، ومن الجشاء المتغير، ومن نحو الصُّنَان؟ وهل على الكافر حفظة؟ وإذا مات الإنسان إلى أين يصار به؟ وهل الحفظة غير الكاتبين الكريمين؟
(الجواب): الذي في الحديث الصحيح: "أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" 2 ذكره النبي صلى الله عليه وسلم تعليلا لنهيه من أكل منتنا كَثَوْمٍ أو بصل أو كراث أو فجل أن يدخل المسجد فقال: "من أكل ثوما
__________
1 سورة الأنبياء آية: 20.
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (564) , والنسائي: المساجد (707) , وأحمد (3/ 374,3/ 387).
(2/ 1/76)

أو كراثا أو بصلا أو فجلا فلا يقربن مسجدنا أو المساجد، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"1، وهذا ظاهر في شموله للحفظة، وفي عموم تأذيهم مما يتأذى منه بنو آدم؛ فيشمل ذلك تأذيهم بكل ريح كريهة، سواء ريح الخلاء أو غيره إلا أنه سيأتي أن الحفظة يفارقونه حال دخوله الخلاء.
(وقوله): وهل للكافر حفظة؟
(جوابه): نعم كما شملته، بل يصرح به قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} 2 أي: الحساب: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ} 3 الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار، يحفظان عمله ويكتبان أثره. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: مع كل إنسان ملك عن يمينه وآخر عن شماله، فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير، وأما الذي عن شماله فيكتب الشر.
(وقوله): إذا مات الإنسان إلى أين يصار به؟
(جوابه): أخرج أبو الشيخ والبيهقي عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله وكل بعبده المؤمن ملكان يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: قد مات، فأذن لنا أن نصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه وتعالى: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولان فأين؟ فيقول: قُومَا على قبر عبدي فَسَبِّحَانِي واحمداني وكبراني، واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة".
وقوله: وهل هم غير الكاتبين؟
(جوابه): أنه قد علم مما قدمناه: أن الملائكة الحفظة الموكلين بالإنسان ينقسمون إلى: أن منهم من هو موكل بالحفظ لا غير، ومنهم وهم الكاتبان الكريمان من هو موكل بالحفظ والكتاب وورد في هذين أنهما يفارقان الإنسان، فقد أخرج البزار عن ابن عباس- رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحوا
__________
1 البخاري: الأذان (854) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (564) , والترمذي: الأطعمة (1806) , والنسائي: المساجد (707) , وأبو داود: الأطعمة (3822) , وأحمد (3/ 374,3/ 380,3/ 387,3/ 397,3/ 400).
2 سورة الانفطار آية: 9.
3 سورة الانفطار آية: 10.
(2/ 1/77)

من الملائكة الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث: الجنابة، والغائط، والغسل".
والظاهر أنه ليس هنا المفارقة بالكلية بل يبعدون عنه حينئذ نوع بُعْدٍ، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة فرأى رجلا يغتسل بفلاة من الأرض فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، اتقوا الله وأكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم، ليسوا يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين: حيث يكون الرجل على خلائه، أو يكون مع أهله، لأنهم كرام كما سماهم الله، فليستتر أحدكم عند ذلك بجِرْمِ حائطٍ" والله أعلم.
[التاجر المكتسب المتقي أفضل من العابد غير المكتسب]
(مسألة) في خطيب يروي أحاديث، ولم يبين مخرجها، ولا رواتها، ومن جملة ما رواه أنه ذكر حديث: "إن التجار هم الفجار، إلا من قال بيده هكذا وهكذا"1.
(الجواب): ما ذكره في خطبه من الأحاديث من غير أن يبين رواتها، فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من كتاب مؤلفه كذلك. وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك، فلا يحل ذلك؛ ومن فعل ذلك عزر التعزير الشديد. وهذا حال أكثر الخطباء: فإنه بمجرد خطبهم فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا لتلك الأحاديث أصلا، فيجب على حكام البلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك، ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه من ذلك، إن ارتكبه.
وأما ما ذكره من الحديث فصدره صحيح، كما قاله الترمذي، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى فقال: "يا معشر التجار"2،
__________
1 أحمد (3/ 428).
2 الترمذي: البيوع (1208) , والنسائي: الأيمان والنذور (3797,3798) , وأبو داود: البيوع (3326).
(2/ 1/78)

فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا، إلا من اتقى الله وصدق"1، ويروى في رواية صحيحة أيضا: "إن التجار هم الفجار"2، وقيل: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: "بلى، ولكنهم يُحَدِّثُونَ فيكذبون، ويحلفون، ويأثمون"3. وأما آخره وهو قوله: "إلا من قال هكذا وهكذا" فلم يرد في شيء من كتب الحديث بعد البحث عنه.
والتجار على قسمين: منهم من يتجنب في بيعه وشرائه وسائر معاملاته جميع المحرمات: كالربا والغش والخديعة والكذب والحلف الباطل؛ وهو مع ذلك يخرج حق الله وحق العباد من نفسه وماله.
فأهل هذا القسم لا يبعثون يوم القيامة فجارا بنص الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، بل يبعثون سعداء كما كانوا في الدنيا سعداء؛ بل هم أفضل من الفقراء الصابرين كما قال جماعة، لأنهم يفعلون ما يفعل الفقراء ويزيدون بالزكوات والصدقات؛ وفي هذين من نفع المسلمين ما يربو ثوابه على كثير من الأعمال القاصرة، هذا هو القسم الأول وهم المرادون بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "إلا من اتقى الله وبر وصدق"4، وهم المرادون بقوله أيضا في الحديث الصحيح: "التاجر الصدوق الأمين يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة"5.
وروى الشيخ أبو نعيم والبيهقي حديث: "من طلب الدنيا حلالا، تعففا عن المسألة، وسعيا على عياله، وتعطفا على جاره، لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر". وقال لقمان لابنه: استعن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب لمروءته، وأعظم من هذه الثلاث: استخفاف الناس به.
وسئل بعض التابعين عن التاجر الصدوق: أهو أحب إليك أم المتفرغ
__________
1 الترمذي: البيوع (1210) , وابن ماجه: التجارات (2146) , والدارمي: البيوع (2538).
2 أحمد (3/ 428).
3 أحمد (3/ 428).
4 الترمذي: البيوع (1210) , وابن ماجه: التجارات (2146) , والدارمي: البيوع (2538).
5 الترمذي: البيوع (1209) , والدارمي: البيوع (2539).
(2/ 1/79)

للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحب إليَّ، لأنه في جهاد: يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان، ومن قبل الأخذ والعطاء، فيجاهده، أي: ولا يطاوعه فيما يأمر به من المحرمات. وقيل للإمام أحمد بن حنبل: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي، فقال أحمد: هذا رجل لم يسمع العلم، أَمَا سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "جعل رزقي تحت ظل رمحي"1، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم؛ والقدوة بهم -رضي الله عنهم-.
والقسم الثاني: هم الذين لا يجتنبون في بيعهم وشرائهم ومعاملاتهم المحرمات: كالربا والغش والحلف الباطل وغير ذلك من القبائح التي انطوى عليها أكثر التجار؛ وهؤلاء فجار في الدنيا والآخرة، وهم ممن قال الله فيهم: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ} 2 الآية. وفي مسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة: رجل حلف على سلعة، لقد أُعْطِيَ بها أكثر مما أعطى وهو كاذب"3، وروى أبو يعلى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال قول لا إله إلا الله يدفع عن الخلق ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم". وأهل هذا القسم هم المرادون بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن التجار هم الفجار"4 الحديث.
[المراد بعلم التنجيم]
(مسألة): وقع في عبارة الفقهاء ما يصرح بتحريم علم التنجيم، هل المراد حساباته أو أحكامه؟
(الجواب): الأحكام المتعلقة بالنجوم منها ما هو واجب كالاستدلال بها على القبلة والأوقات واختلاف المطالع واتحادها ونحو ذلك، ومنها ما هو جائز كالاستدلال بها على منازل القمر وعروض البلاد، ومنها ما هو
__________
1 أحمد (2/ 50).
2 سورة آل عمران آية: 77.
3 البخاري: المساقاة (2369) , ومسلم: الإيمان (108) , والترمذي: السير (1595) , والنسائي: البيوع (4462) , وأبو داود: البيوع (3474) , وابن ماجه: التجارات (2207) , وأحمد (2/ 253).
4 أحمد (3/ 428).
(2/ 1/80)

حرام كالاستدلال بها على وقوع الأشياء المُغَيَّبَة بأن يقضي بوقوع بعضها مستدلا بها عليه بخلاف ما إذا قال: إن الله سبحانه وتعالى اطَّردت عادته بأن هذا النجم إذا حصل له كذا كان ذلك علامة على كذا، فهذا لا منع منه لأنه لا محذور فيه 1.
[من هو الغالي في القرآن والجافي عنه]
(مسألة) في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام السلطان المقسط"2، وما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من مسح رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر يده عليها حسنات"3، هل المراد من المسح حقيقة، أو الكناية عن الشفقة عليه والتلطف به؟
(الجواب): المراد بالغالي فيه: المتجاوز لما فيه من الحدود والأحكام الاعتقادية والعملية والآداب والأخلاق الظاهرة والباطنة. فمن حفظ ألفاظه وتجاوز شيئا من هذه المذكورات كان غير مستحق للإكرام والتعظيم بحسب ما ارتكبه؛ بمعنى أنه يؤاخذ به ويذم عليه من حيث ارتكابه لذلك، وإن كان يستحق التعظيم والإكرام لكونه مسلما، أو حافظا للقرآن؛ فليس المراد نفي التعظيم له مطلقا بل الاعتبار للذي ذكرته فتأمله.
والمراد بالجافي: من لا يخضع لما فيه من الآيات الباهرات والأدلة المتكاثرة، ولا يتأمل ما اشتمل عليه نظمه من بدائع المعاني بل يمره بلسانه مع قساوة
__________
1. كان يصح هذا القول لو صح معناه، ولم يصح عند محققي علماء الفلك إلى اليوم على اتساعه أن حركات النجوم تدل على أحداث الأرض وما يقع فيها - فهذا التجويز من مجازفات ابن حجر الهيتمي فيما لا علم له به؛ ليقيد به الأحاديث الصحيحة في إبطال خرافات المنجمين وتحريمها - ولو نقل هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية لأقام عليه ابن حجر هذا التكبر وسبه عليه أقبح السب. وكتبه محمد رشيد رضا.
2 أبو داود: الأدب (4843).
3 أحمد (5/ 250).
(2/ 1/81)

قلبه وجفاوة لبه، فهو كحمار الرحى وثور الحراثة. ولسنا متعبدين بمجرد حفظه، وإنما المقصود الأعظم بإنزاله والتعبد بحفظ ألفاظه هو هداية القلوب، ورجوعها بالاستكانة والخضوع إلى علام الغيوب، وتنزهها عن كل خلق ذميم؛ وعمل دميم، فمن ظفر بذلك مع حفظه فقد ظفر بالكنز الأعظم.
ومن أخذ بالأول فقد أخذ من الكمال ما يستحق بسببه أن يكرم ويعظم، ومن قنع بحفظ ألفاظه وخلا عن تلك المعاني بأن غلا وتجافى فهو بعيد عن الكمال، غير مستحق أن يبلغ به مبالغ الكُّمَّل من الرجال، فهذا -والله أعلم- هو المراد من الحديث. ويؤيد ما ذكرته ما روى أحمد وأبو يعلى والطبراني والبيهقي: "اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به"1.
والمراد من المسح على رأس اليتيم حقيقته، كما بينه آخر الحديث: "من مسح على رأس يتيم ولم يمسح إلا لله، كان له بكل شعرة تمر عليها يده عشر حسنات، ومن أحسن في يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين"2 وقرن بين أصبعيه. وخص الرأس بذلك لأن في المسح عليه تعظيما لصاحبه، وشفقة عليه، ومحبة له، وجبرا لخاطره، وهذه كلها مع اليتيم تقتضي هذا الثواب الجزيل.
وأما الإحسان إليه فهو أعلى وأجل، وقد ذكر بعده فيه القرب منه صلى الله عليه وسلم في الجنة حتى يكون كالإصبعين، فهو أعظم من إعطاء حسنات بعدد شعر الرأس، وقد روى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أردتَ أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم"3.
[قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ}]
(مسألة) في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} 1.
__________
1 أحمد (3/ 428).
2 أحمد (5/ 250).
3 أحمد (2/ 263).
(2/ 1/82)

(الجواب): أن الرزق في اللغة: الحظ والنصيب، ومنه قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} 2 أي: تجعلون حظكم ونصيبكم من سماع القرآن تكذيبكم به وبمن أنزل عليه، وأما في عرف الشرع: فهو أخص من ذلك؛ إذ هو ما تخصص به الحيوان وتمكن من الانتفاع به. وقد يطلق على ما يعم النعم الظاهرة والباطنة، ومن ثم قال جماعة من المفسرين وغيرهم: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} 3 يحتمل أن المراد الإنفاق من جميع ما منحهم الله تعالى به من النعم الظاهرة؛ إذ الإنفاق كما يكون من هذه، كذلك يكون من النعم الباطنة كالعلم والجاه، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن أبي شيبة: "إن علما لا يقال -أي لا يُتَحَدَّثُ به- ككنز لا يُنْفَقُ منه"4.
وروى الطبراني مرفوعا: "مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يتحدث به كمثل الذي يكنز الكنز ثم لا ينفق منه"5. وأما تناول الإنسان من الحرام يسمى رزقا كما دلت عليه الآيات والأحاديث.
[الكلام في كرامات الأولياء]
(مسألة): كرامات الأولياء حق، فهل تنتهي إلى إحياء الموتى وغيرها من معجزات الأنبياء؟
(الجواب): كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة خلافا للمعتزلة، وقول الفخر الرازي: إن أبا إسحاق الأسفرايني أنكرها، مردود أيضا بأنه إنما أنكر منها ما كان معجزة لنبي كإحياء الموتى، لئلا تختلط الكرامة بالمعجزة. وغلط النووي كابن الصلاح بأنه ليس في كراماتهم معارضة للنبوة، لأن الولي إنما أعطي ذلك ببركة اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه إلا إذا كان داعيا لاتباع النبي
__________
1 سورة الروم آية: 40.
2 سورة الواقعة آية: 82.
3 سورة البقرة آية: 3.
4 الدارمي: المقدمة (555).
5 الدارمي: المقدمة (555).
(2/ 1/83)

صلى الله عليه وسلم، بريئا من كل بدعة وانحراف عن شريعته صلى الله عليه وسلم. فببركة اتباعه يؤيده الله -تعالى- بملائكته وبروح منه، ويقذف في قلبه من أنواره. والحاصل أن كرامة الولي من بعض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لعظم اتباعه له أظهر الله بعض خواص النبي صلى الله عليه وسلم على يدي وارثه ومتبعه في سائر حركاته وسكناته؛ وقد تنزلت الملائكة لاستماع قراءة أسيد.
وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة وما فيها؛ ثم الصحيح أنهم ينتهون إلى إحياء الموتى خلافا لأبي القاسم القشيري. ومن ثم قال الزركشي: ما قاله ضعيف، والجمهور على خلافه، وقد أنكره عليه.
وفي شرح مسلم للنووي: تجوز الكرامات بخوارق العادات على اختلاف أنواعها؛ وخصها بعضهم بإجابة دعوة ونحوها، وهذا غلط من قائله، بل الصواب جريانها بانقلاب الأعيان ونحوه. انتهى.
وقد مات فرس بعض السلف في المنزل، فسأل الله إحياءه حتى يصل إلى بيته، فأحياه الله، فلما وصل إلى بيته قال لولده: خذ سرجه فإنه عارية 1 عندنا فأخذ سرجه فخر ميتا. ولا ينافي إحياء الميت الواقع كرامة لله، لأن الأجل محتوم لا يزيد ولا ينقص لأن من أُحْيِيَ كرامةً، مات أولا بأجله، وحياته وقعت كرامة؛ وكون الميت لا يحيى إلا للبعث هذا عند عدم الكرامة، أما عندها فهو كإحيائه في القبر للسؤال كما صح به الخبر؛ وقد وقع للعزير وحماره، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم.
__________
1 بياض بالأصل.
(2/ 1/84)

[الرد على من ينكر الدعاء]
(مسألة): أنكر بعضهم الدعاء ب"اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي" محتجا بحديث: "فرغ ربك من ثلاث: رزقك، وأجلك، وشقي أو سعيد" فهل هو كذلك؟
(الجواب): ليس الأمر كما زعم هذا المنكر، ويلزمه إبطال الدعاء من أصله، لأن كل ما سيقع لك قد فرغ منه. وبذلك قال بعض المبتدعة، فأبطلوا الدعاء من أصله، وقالوا: لا فائدة له؛ ورد عليهم أهل السنة وقالوا: له فائدة، وذلك أن المقدرات على قسمين: منها ما أُبْرِمَ وهو المُعَبَّرُ عنه بما في الكتاب الذي لا يقبل تغير ولا تبدل، ومنها ما علق على فعل شيء، وهو المعبر عنه باللوح المحفوظ القابل للتغيير والتبديل، وأصل ذلك قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} 1.
فمن ذلك حديث: "صلة الرحم تزيد في العمر"2 بناء على أن المراد بالزيادة حقيقتها لا مجازها الذي هو البركة، بأن يتيسر له في العمر القصير ما لا يتيسر لغيره في العمر الطويل، وإن قال بهذا جمع. وكذلك الدعاء قد يكون المدعو به معلقا على الدعاء، فكان للدعاء فائدة أيّ فائدة على أن الدعاء لا يجتنب أبدا، لأنه إن كان بما علق على الدعاء فواضح وجود الفائدة فيه، وعليه يُحْمَل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يرد القضاء إلا الدعاء"3. وإن كان بما لم يعلق على ذلك ففائدته الثواب، لأن الدعاء من العبادة، بل من أنهاها كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء مخ العبادة"4. وأيضا فيبدل الله الداعيَ بدل ما دعا به مما لم يُقَدِّر له ما هو أفضل منه، كما يليق بجوده وكرمه وسعة فضله.
ومن ثَمَّ أطلق تبارك وتعالى الاستجابة للدعاء ولم يقيدها بشيء فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 5، وقال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} 6.
__________
1 سورة الرعد آية: 39.
2 البخاري: الأدب (5985) , والترمذي: البر والصلة (1979).
3 الترمذي: القدر (2139).
4 الترمذي: الدعوات (3371).
5 سورة غافر آية: 60.
6 سورة البقرة آية: 186.
(2/ 1/85)

ثم رأيت بعضهم أشار لبعض ذلك، فقال: لا ينكر الدعاء إلا كافر مكذب بالقرآن؛ لأن الله -تعالى- تَعَبَّدَ عبادَه في غير آية، ووعدهم بالاستجابة على ما سبق في علمه من أحد ثلاثة أشياء على ما ورد في الحديث: استجابة، أو ادخار، أو تكفير عنه.
[أخوات سورة هود]
(مسألة): ما المراد بأخوات هود في حديث: "شيبتني هود وأخواتها"1؟
(الجواب): المراد بهن: الواقعة والمرسلات وعم والتكوير، رواه الترمذي والحاكم زاد الطبراني والحاقة وابن مردويه: وهل أتاك، وابن سعد: والقارعة، وسأل سائل، واقتربت الساعة.
[قطع السدر]
(مسألة) في حديث: "من قطع سدرة صَوَّبَ الله رأسه في النار"2 من رواه؟
(الجواب): رواه كثيرون، وصححه أيضا في المختارة، والأحاديث فيه كثيرة، وهي مؤولة عند العلماء؛ لإجماعهم على جواز قطعه. قال بعض السلف: محلها سدر الحرم، وقال أبو داود: وفي قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق.
(مسألة): هل يطلق الإسلام على سائر الأمم السابقة عين حقيقتها أو يختص بهذه الأمة؟
(الجواب): رجح ابن الصلاح الأول، وسيأتي ما يصرح به من لفظ القرآن. ورجح غيره الثاني، وهو أن لا يوصف به من الأمم السابقة إلا الأنبياء فقط، وشرفت هذه الأمة بأن وُصفت بما وُصف به الأنبياء تشريفا وتكريما.
(مسألة): ما عدد الأنبياء والرسل؟
__________
1 الترمذي: تفسير القرآن (3297).
2 أبو داود: الأدب (5239).
(2/ 1/86)

(الجواب): روى الطبراني بسند رجاله الصحيح أن رجلا قال: "يا رسول الله، أنبيٌّ آدم؟ قال: نعم. قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: كم بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشرة قرون. قال: يا رسول الله، كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر"، وخرَّج ابن حبان والحاكم في صحيحه عن أبي ذر قلت: "يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا قلت: يا رسول الله، كم الرسل؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمٌّ غفير"1. ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} 2 لأن هذا إما إخبار عما قص الله أو أنه قص عليه الكل بعد نزول تلك الآية. وبه يجاب أيضا عن التخالف بين الروايتين فيحمل أنه قص عليه أولا ثلاثمائة وثلاثة عشر، ثم ثانيا ثلاثمائة وخمسة عشر، فأخبر عن كلٍّ بما قص عليه وقت الإخبار به.
(مسألة): ما المعتمد في الخضر هل هو نبي حي؟ وكذا إلياس، أفتونا؟
(الجواب): حياتهما ونبوتهما، وأنهما خُصا بذلك في الأرض، كما خُص إدريس وعيسى -صلى الله عليهما وسلم- ببقائهما حيين في السماء.
(مسألة): كم بين عيسى وموسى، وبين عيسى ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-؟
(الجواب): الأول ألف وتسعمائة سنة، والثاني نحو ستمائة على الأشهر.
(مسألة): الطفل هل يحشر على صورته، وهل يتزوج الحور؟
(الجواب): الطفل يكون في الحشر على صورة خلقته، ثم عند دخول الجنة يزاد فيه حتى يكون كالبالغ، ثم يتزوج من نساء الدنيا ومن الحور.
(مسألة): حديث: (يدخل أهل الجنة الجنة مُردا مُكحلين وأبناء ثلاث
__________
1 أحمد (5/ 265).
2 سورة غافر آية: 78.
(2/ 1/87)

وثلاثين على خلق آدم سبعون ذراعا في عرض سبعة)، مَنْ رواه؟
(الجواب): رواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط.
(مسألة): من أين يخرج المهدي؟
(الجواب): ثبت في أحاديث أنه يخرج من قِبَل المشرق، وأنه يُبايع له بمكة بين الركن والمقام، وأنه يسكن بيت المقدس.
(مسألة): كم يقيم عيسى -عليه السلام- بعد نزوله؟
(الجواب): يقيم سبع سنين كما صح في مسلم، ولا ينافيه حديث الطيالسي أنه يقيم أربعين سنة، لأن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده؛ لأنه رفع وسنه ثلاث وثلاثين سنة.
(مسألة): ما الفرق بين الشبيه والمثيل والنظير؟
(الجواب) الثلاثة متحدة لغة، وأما اصطلاحا: فظاهر قول شراح العقائد عن الأشعرية: المماثلة إنما أثبتت عندهم بالاشتراك في جميع الأوصاف؛ فإن المثل أخصها؛ لأن المماثلة تستلزم المشابهة وزيادة، والشبيه أعم من المثيل وأخص من النظير. والنظير أعم من الشبيه؛ إذ المشابهة لا تستلزم المماثلة فقد يكون شبيه الشيء غير مماثل له، والنظير قد لا يكون مشابها. والحاصل أن المماثلة تقتضي المساواة من كل وجه، والمشابهة تقتضي ذلك في الأكثر؛ والمناظرة تكفي ذلك في وجه.
(مسألة): هل ورد مشروعية التكبير أواخر قصار المفصل؟ وهل هو خاص في حق غير المصلي؟
(الجواب): حديث التكبير ورد من طرق كثيرة عن أحمد بن أبي بريدة البزي، قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل
(2/ 1/88)

ابن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت والضحى، قال لي: كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم، وأخبره أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبيُّ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بذلك، وقد أخرجه الحاكم في صحيحه عن البزي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. انتهى.
قال الشافعي -رحمه الله-: إن تركت التكبيرَ تركت سنة. قال الحافظ العماد ابن كثير: وهذا من الشافعي يقتضي صحة هذا الحديث. ومما يقتضي صحته أيضا: أن أحمد بن حنبل رواه، وقد كان أحمد يجتنب المنكرات، فلو كان منكرا ما رواه. وقد صح عند أهل مكة: فقهائهم وعلمائهم ومن روى عنهم، وصحته استفاضت وانتشرت حتى بلغت حد التواتر.
واختلفوا في ابتدائه فقيل: من أول سورة الضحى، والجمهور على أنه من أول سورة ألم نشرح إلى آخر الناس، ولا فرق في ندب التكبير بين المصلي وغيره؛ فهو سنة حتى في الصلاة، كما نص عليه الشافعي وشيخه سفيان بن عيينة وابن جريج وغيرهم، ونقله جماعة من أئمتنا، وأفتوا به مَنْ يعمل به في صلاة التراويح، وأنكروا على من أنكر ذلك. وقال الحليمي: نكتة التكبير تشبيه القرآن بصوم رمضان إذا تمت عدته يكبر، فكذا هنا يكبر إذا كمل عدة السور، قال: وصفته: أن يقف بعد كل سورة ويقول: الله أكبر. قال سليمان الرازي: ومن لا يكبر من القراء فحجتهم في ذلك: سد الذريعة عن الزيادة في القرآن بأن يداوم عليها فَيُتَوهم أنها منه.
(مسألة): ما معنى لعن المسلم كقتله؟
(الجواب): أنه كقتله في الحرمة الشديدة، لأن لعن المسلم حرام؛ بل
(2/ 1/89)

لعن الحيوان كذلك؛ وسبب ذلك: أن اللعن عبارة عن الطرد والإبعاد عن الله، وذلك غير جائز إلا مَنْ اتصف بصفة يبعده عن الله -تعالى- وهو الكفر والبدعة والفسوق، فيجوز لعن المتصف بواحدة من هذا باعتبار الوصف الأعم، نحو: لعنة الله على الكافرين والمبتدعة والفسقة، والوصف الأخص نحو: لعن الله اليهود والخوارج والقدرية والروافض والزناة والظلمة وآكلي الربا، وأما المُعَيَّنُ فإن كان حيا لم يجز مطلقا إلا إن علم أنه يموت على الكفر كإبليس، وإن لم يعلم موته على الكفر لم يجز لعنه، وإن كان كافرا في الحال؛ لأنه ربما يسلم فيموت مقربا عند الله -تعالى- فكيف يُحكم بكونه ملعونا مطرودا.
نعم يجوز أن يقال: لعنه الله إن مات كافرا، وكذا قال في فاسق ومبتدع معين، إن مات ولم يتب، ومن ثم لم يجز لعنُ يزيد بن معاوية. وتشبيه لعن المؤمن بقتله إنما هو في أصل التحريم، أو لكون كل منهما كبيرة، وليس بلازم في المشبه أن يعطى حكم المشبه به من كل وجه. والله أعلم.
(مسألة): في قوله في حديث ابن عباس الذي رواه البخاري في حديث القبرين: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير"1، ثم قال: "بلى إنه كبير"، وفيه: "ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة. فقيل: يا رسول الله، لِمَ فعلتَ هذا؟ فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"2، ما الحكمة في ذلك؟ وهل لكل أحد أن يفعل ذلك في أيّ قبر؟ وهل المعذبان مسلمان أو كافران؟
(الجواب): قوله: وما يعذبان في كبير) ثم قال: بلى أي: يعذبان في كبير، والجمع بينهما: أي ليس بكبير عندكم، ولكنه كبير عند الله كما في قوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} 3. والمراد بقوله: وما يعذبان في كبير)، أي: في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز منه؛ إذ لا مشقة في
__________
1 البخاري: الوضوء (216) والجنائز (1361,1378) والأدب (6052,6055) , ومسلم: الطهارة (292) , والترمذي: الطهارة (70) , والنسائي: الطهارة (31) والجنائز (2068) , وأبو داود: الطهارة (20) , وابن ماجه: الطهارة وسننها (347) , وأحمد (1/ 225) , والدارمي: الطهارة (739).
2 البخاري: الوضوء (216) , ومسلم: الطهارة (292) , والترمذي: الطهارة (70) , والنسائي: الطهارة (31) والجنائز (2068) , وابن ماجه: الطهارة وسننها (347) , وأحمد (1/ 225) , والدارمي: الطهارة (739).
3 سورة النور آية: 15.
(2/ 1/90)

التنزه عن البول والنميمة، وليس المراد أن ذلك ليس بكبير في أمر الدين؛ بل هو محمول على أنه سأل الشفاعة لهما؛ فأجيب شفاعته بأن يخفف عنهما إلى أن ييبسا، وليس لليابس تسبيح وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} 1 أيُّ شيءٍ حي؛ وحياة كل شيء بحسبه ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع.
والجمهور أن هذا التسبيح على عمومه: إما حقيقة، وهو قول المحققين إذ العقل لا يحيله، أو أنه بلسان الحال باعتبار دلالته على الصانع.
وأما المعذبان فإنهما مسلمان؛ إذ الكافر لا يسأل له النبي -صلى الله عليه وسلم- الشفاعة. وتقدم عن العلماء أنه محمول عندهم على أنه سأل الشفاعة لهما فأجيب. وقوله: وهل لكل أحد أن يفعل ذلك؟ فيقال: نعم يسن فعل ذلك لكل أحد اتباعا له -صلى الله عليه وسلم- فإن الأصل في أفعاله -صلى الله عليه وسلم- التأسي إلا ما دل دليل على الخصوصية، ولا دليل هنا، والله أعلم.
[ابن صياد هو الدجال أو غيره؟]
(مسألة): ابن صياد هل هو الدجال أو غيره؟
(الجواب): اختلف في ذلك الصحابة -رضوان الله عليهم- فكثير منهم قالوا: إنه هو، وكان بعضهم يحلف على ذلك كجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله. وقال الآخرون: إنه غيره، وهو الأشهر، وعليه يدل صريحا ما في حديث مسلم الطويل، حديث الجساسة المنعوت فيه الدجال بأوصاف لا تنطبق على ابن صياد، منها: أنه مسلسل في جزيرة من جزائر البحرين؛ وابن صياد إذ ذاك بالمدينة، على أنه ورد أنه أسلم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تزوج وولد له. وأما ما ورد أيضا أنه فُقِدَ ولم يُدْرَ أين ذهب، فهذا لا يدل على أنه الدجال كما هو ظاهر، والله أعلم. آخر مسائل ابن حجر، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
__________
1 سورة الإسراء آية: 44.
(2/ 1/91)

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
[البيع على البيع والشراء على الشراء]

(المسألة الأولى): من قال لمن اشترى بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو قال لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ البيع ويعقد معه.
فهذه المسألة لها صور: فإن الأولى تسمى: بيع الرجل على بيع أخيه، والصورة الثانية: الشراء على شراء أخيه، وفعله حرام؛ ويتصور ذلك في خيار المجلس، وخيار الشرط وهو محرم؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض"1.
ومثله أن يقول: أبيعك خيرا منها بثمنها، أو يعرض عليه سلعة يرغب فيها المشتري؛ ليفسخ البيع؛ ويعقد معه؛ فلا يجوز ذلك، للنهي عنه، ولما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه"2 متفق عليه. وهذا في معنى الخاطب فإن خالف وفعل: فالبيع الثاني باطل، للنهي عنه؛ والنهي يقتضي الفساد.
وفيه وجه آخر أنه يصح لأن المُحَرَّم هو عرض سلعته على المشتري، وذلك سابق على البيع ولأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش؛ وهذا مذهب أحمد. وقال الشيخ تقي الدين: يحرم الشراء على شراء أخيه، فإن فعل كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة وأخذ عوضها.
[اشتراط المشتري على البائع شرطين]
(وأما المسألة الثانية): وهي إذا اشترط المشتري على البائع شرطين: كحمل الحطب، وتكسيره: فهذه المسألة فيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي،
__________
1 البخاري: البيوع (2150) , ومسلم: النكاح (1413) والبيوع (1515) , والترمذي: النكاح (1134) , والنسائي: البيوع (4496) , وأبو داود: البيوع (3443) , وابن ماجه: التجارات (2172) , وأحمد (2/ 311,2/ 360).
2 البخاري: النكاح (5142) , ومسلم: النكاح (1412) , والترمذي: البيوع (1292) , والنسائي: النكاح (3243) , وأبو داود: النكاح (2081) , وأحمد (2/ 21) , ومالك: النكاح (1112) , والدارمي: النكاح (2176).
(2/ 1/92)

وعن أحمد أن ذلك جائز، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، واحتج من أبطل ذلك بما روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع. ولا تَبِعْ ما ليس عندك"1 أخرجه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
واختلف أهل العلم في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فروي عن أحمد: أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد، فحكى ابن المنذر عنه وعن إسحاق فيمن اشترى ثوبا وشرط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاما واشترط طحنه وحمله؛ إن شرط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز.
وإن شرط شرطين: فالبيع باطل. وكذلك فسر القاضي الشرطين المبطلين بنحو هذا التفسير، وكذلك روي عن أحمد أنه فسر الشرطين أن يشتريها على أنه لا يبيعها لأحد، ولا يطأها، ففسره بشرطين فاسدين. ومحل الخلاف إذا لم يكونا من مصلحة العقد، فأما إن كانا من مصلحة العقد كالشرط والرهن والضمين: فإن ذلك يصح، اختاره الموفق والشارح والمجد وغيرهم من العلماء.
[اشترى سلعة فوجدها معيبة]
(وأما المسألة الثالثة): وهي إذا اشترى سلعة فوجدها معيبة، فقال البائع: العيب حدث عند المشتري، وقال المشتري: هي معيبة قبل الشراء، ولا بينة لهما: هذه المسألة فيها روايتان عن أحمد:
إحداهما: أن القول قول البائع مع يمينه، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، لأن الأصل سلامة البيع، وصحة العقد، ولأن المشتري يدعي أنه يستحق فسخ المبيع، والبائع ينكره؛ والقول قول المنكر.
والرواية الثانية: أن القولَ قولُ المشتري مع يمينه، فيحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب، أو أنه ما حدث عنده ويكون له الخيار؛ اختارها
__________
1 الترمذي: البيوع (1234) , والنسائي: البيوع (4611) , وأحمد (2/ 174,2/ 205) , والدارمي: البيوع (2560).
(2/ 1/93)

الخرقي لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، واستحقاق ما يقابله من الثمن. والقول الأول أظهر، والله أعلم.
قال في الإنصاف: ومحل الخلاف إذا لم يخرج عن يده، فإن خرج عن يده إلى غيره، لم يجز له رده، نقله مهنا، واقتصر عليه في الفروع، والله أعلم.
[معنى بيع الدين بالدين]
(أما المسألة الرابعة): وهو ما معنى بيع الدين بالدين؟ فله صور كثيرة: منها: بيع ما في الذمة حالّ من عروض وأثمان بثمن إلى أجل ممن هو عليه.
ومنها: جعل رأس مال السلم دينا، فإذا جعل الثمن دينا كان بيع دين بدين، ولا يصح بالإجماع، واختار الشيخ تقي الدين جواز ذلك، وكذلك ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين، وادعى أنه ليس في ذلك إجماع.
ومنها: لو كان لكل واحد من الاثنين دين على صاحبه من غير جنسه كالذهب والفضة، وتصارفا لم يحضرا شيئا: فإنه لا يجوز سواء كانا حالَّين أو مؤجلين، نص عليه أحمد فيما إذا كانا نقدين، واختار الشيخ تقي الدين الجواز.
ومنها لو كان لرجلين دين على رجلين من ذهب أو فضة وتبايعا ذلك، وصار غريم زيد عن غريم لعمرو، وغريم عمرو بما لزيد؛ وذلك لا يجوز بغير خلاف.
[تشقق الثمر ثم بيع النخل]
(وأما المسألة الخامسة): وهي إذا باع نخلا قد تشقق طلعه ولم يشترط المشتري الثمرة، ثم تنازعا بعد ذلك في الثمرة، فأكثر أهل العلم على أن الثمر إذا تشقق، ثم بيع النخل بعد ذلك، ولم يشترط المشتري الثمرة، فإنها تكون للبائع، سواء أُبِّرَتْ أو لم تُؤَبَّرْ.
وبالغ الموفق -رحمه الله- في ذلك وقال: لا خلاف فيه بين العلماء، وعن أحمد رواية ثالثة؛ وهو أن الحكم منوط بالتأبير، وهو التلقيح، لا بالتشقق؛ فعليها لو تشقق ولم يؤبر تكون الثمرة للمشتري؛ ونصر هذه الرواية الشيخ تقي الدين واختارها في الفائق. وأما قبل
(2/ 1/94)

التشقق فهي للمشتري، وبه قال مالك والليث والشافعي، وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري في الحالين؛ وقال أبو حنيفة والأوزاعي: هي للبائع في الحالين.
ووجه الأول: ما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع" 1 وهذا صريح في قول ابن أبي ليلى، وحجة على أبي حنيفة والأوزاعي بمفهومه؛ لأنه جعل التأبير حدا لملك البائع للثمرة فيكون ما قبله للمشتري؛ وإلا لم يكن حدا؛ ولا كان التأبير مفيدا.
[أسلم في ثمرة بستان بعينه ست سنين]
(وأما المسألة السادسة): وهي من أسلم في ثمرة نخل بعينه ست سنين، أيصح ذلك أم لا؟
فالسلم، والحالة هذه، باطل، قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم؛ وممن حفظنا ذلك عنه: الثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، قال: وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسلم إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، قال اليهودي: من تمر حائط بني فلان؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما من تمر حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى"2 رواه ابن ماجه وغيره ورواه الجوزجاني في المترجم. وقال: أجمع الناس على الكراهة لهذا البيع.
[سَبلَ في أرض نقدا معلوما ثم امتنعت المعاملة به]
(وأما المسألة السابعة): وهي إذا سَبلَ في أرض نقدا معلوما ثم امتنعت المعاملة به، ما الحكم في ذلك؟ فهذه المسألة نظيرة القرض إذا اقترضه فلوسا فحرمها السلطان، فذكر أهل العلم: أن له القيمة وقت القرض، حتى أن الشيخ تقي الدين -رحمه الله- طرد ذلك في الديون كالصداق وعوض الخلع والغصب والصلح، فإذا اقترضه فلوسا أو باعه بها، ونحو ذلك ثم
__________
1 البخاري: المساقاة (2379) والشروط (2716) , ومسلم: البيوع (1543) , والترمذي: البيوع (1244) , والنسائي: البيوع (4636) , وأبو داود: البيوع (3433) , وابن ماجه: التجارات (2210,2211) , وأحمد (2/ 9,2/ 63) , ومالك: البيوع (1302).
2 ابن ماجه: التجارات (2281).
(2/ 1/95)

حرمها السلطان، وتُرِكَتْ المعاملة بها بعد ذلك، فإنه يرجع بقيمتها على من هي عليه، فهذه المسألة مثلها؛ فإذا جعل الواقف نقدا معلوما في أرض ونحوها، ثم حرمه السلطان وتركت المعاملة به، جعل بدله مكانه قيمة تلك الفلوس قبل كسادها.
[اختلاف الراهن والمرتهن في قدر الدين]
(وأما المسألة الثامنة): وهي إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين، فقال الراهن: الرهن في ثمانية، وقال المرتهن: في عشرة؛ ولا بينة لهما، فقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في ذلك: فقال مالك: القول قول المرتهن ما لم يدع أكثر من ثمن الرهن أو قيمته.
وحكي ذلك عن الحسن وقتادة، واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم، قالوا: لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلا من الكتابة والشهود التي تنطق بالحق، فلو لم يقبل قول المرتهن في ذلك بطلت التوثقة من الرهن به، وادعى الراهن أنه رهنه على أقل شيء: فلم يكن في الرهن فائدة. ولأن الله أمر بكتابة الدين، وأمر بإشهاد الشهود، ثم أمر بعد ذلك بما تحفظ به الحقوق عند عدم القدرة على الكتابة والشهود وهو السفر في الغالب فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} 1 فدل ذلك دلالة بينة أن الرهن قائم مقام الكتابة، والشهود شاهدٌ مخبرٌ بالحق، كما يخبر الكتاب والشهود، فلو لم يقبل قول المرتهن على الراهن في قدر الدين، لم يكن الرهن وثيقة ولا حافظا لدينه؛ ولا بد من الكتابة والشهود، فإن الراهن يتمكن من أخذه منه، ويقول: إنما رهنته على درهم ونحوه. وهذا القول هو أرجح القولين.
والقول الثاني: أن القول قول الراهن، وبه قال النخعي والثوري والشافعي والبتي وأبو ثور وأصحاب الرأي، قالوا: لأن الراهن منكر للزيادة التي يدعيها المرتهن،
__________
1 سورة البقرة آية: 283.
(2/ 1/96)

والقول قول المنكر، لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو يُعْطَى الناس بدعواهم لأخذ قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" 1 رواه مسلم. وفي الحديث الآخر: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" 2؛ ولأن الأصل براءة الذمة من الزائد، فكان القول قول من ينفيه كما اختلفا في قدر الدين.
[ضمان المجهول]
(وأما المسألة التاسعة): وهي ضمان المجهول كمن ضمن على إنسان دينا لا يعلم قدره، ثم علم ذلك، فالصحيح في هذه المسألة صحة ذلك، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وهو اختيار الشيخ ابن القيم لقول الله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} 3 وحمل البعير غير معلوم بل يختلف باختلافه، ولعموم قوله عليه السلام: "الزعيم غارم"4 ولأنه التزام حق في الذمة من غير مفاوضة؛ فصح في المجهول كالنذر. وقال الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: لا يصح، لأنه التزام؛ فلم يصح مجهولا كالثمن.
[ضمان الوكيل فيما خالف فيه موكله]
(وأما المسألة العاشرة): وهي من وكل رجلا في بيع سلعة بعشرة، فباعها بثمانية، ووكله في شراء سلعة بثمانية، فاشتراها بعشرة ما الحكم في ذلك؟ فهذه المسألة فيها قولان للعلماء: هما روايتان عن أحمد: إحداهما): أن حكمه حكم من لم يؤذن له في البيع؛ فيكون تصرفه كتصرف الأجنبي فلا يصح البيع؛ وهذا قول أكثر أهل العلم؛ واختاره الموفق -رحمه الله- قال في الشرح: وهو أقيس، لأنه بيع غير مأذون فيه أشبه بيع الأجنبي، وكل تصرف كان الوكيل فيه مخالفا لموكله، فحكمه حكم تصرف الأجنبي. والرواية الثانية): أن البيع صحيح ويضمن الوكيل النقص، لأنه من صح بيعه بثمن المثل صح بدونه، كالمريض. قال في الاختيارات: قال في المحرر:
__________
1 البخاري: تفسير القرآن (4552) , ومسلم: الأقضية (1711) , والنسائي: آداب القضاة (5425) , وابن ماجه: الأحكام (2321) , وأحمد (1/ 363).
2 الترمذي: الأحكام (1341).
3 سورة يوسف آية: 72.
4 الترمذي: البيوع (1265) , وأبو داود: البيوع (3565) , وابن ماجه: الأحكام (2405).
(2/ 1/97)

وإذا اشترى المضارب أو الوكيل بأكثر من ثمن المثل صح ولزم النقص أو الزيادة، نص عليه. قال أبو العباس: وكذلك الشريك والوصي والناظر على الوقف وبيت المال ونحو ذلك.
قال: وهذا ظاهر فيما إذا فرَّط، وأما إذا احتاط في البيع والشراء ثم ظهر غبن أو عيب لم يقصر فيه، فهذا مغرور يشبه خطأ الإمام والحاكم، وأبين من هذا الناظر والوصي والإمام إذا باع أو آجر أو زارع ثم تبين أنه بدون القيمة بعد الاجتهاد ثم تبين أن المصلحة كانت في خلافه؛ وهذا باب واسع. ولكن الشريك والمضارب: فإن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة أو حصول المفسدة، لا لوم عليه فيها، وتضمين مثل هذا فيه نظر.
وقال أبو حفص في المجموع: وإذا سمى له ثمنا فنقص منه، فنص الإمام أحمد في رواية منصور: إذا أمر رجلا أن يبيع له شيئا فباع بأقل، قال: البيع جائز وهو ضامن.
قال أبو العباس: لعله لم يقبل قولهما على المشتري في تقدير الثمن، لأنهما يدعيان فساد العقد؛ وهو يدعي صحته، فكان القول قوله، ويضمن الوكيل النقص. انتهى في الاختيارات ملخصا.
[الاختلاف في قسمة ربح المضاربة]
(وأما المسألة الحادية عشر): وهي إذا دفع إلى إنسان مالا مضاربة فاشترط لأحدهما ثلث الربع، وللآخر الثلثين؛ ثم اختلف العامل ورب المال فيمن له الثلث ولا بينة لهما؛ فقال في الشرح: إذا اختلفا فيما شرطا للعامل ففيه روايتان:
(إحداهما): القول قول رب المال؛ نص عليه أحمد في رواية منصور وسندي؛ وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لأن رب المال منكر للزيادة التي ادعاها العامل؛ والقول قول المنكر، والرواية الثانية): أن العامل إن ادعى أجرة المثل، وما يتغابن الناس به، فالقول قوله،
(2/ 1/98)

لأن الظاهر صدقه، وإن ادعى أكثر فالقول قول رب المال فيما زاد على أجرة المثل، كالزوجين إذا اختلفا في الصداق. وقال الشافعي: يتحالفان لأنهما اختلفا في عوض عقد فيتحالفان كالمتبايعين؛ ولنا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ولكن اليمين على المدعى عليه"1 ولأنه اختلاف في المضاربة فلم يتحالفا كسائر اختلافهما؛ والمتبايعان يرجعان إلى رؤوس أموالهم بخلاف ما نحن فيه.
[أعطى ثوبه خياطا بلا عقد ثم اختلفا في قدر الأجرة]
(وأما المسألة الثانية عشر): وهي إذا أعطى ثوبه خياطا بلا عقد؛ ثم اختلفا في قدر الأجرة؛ فقال في الشرح: إذا دفع ثوبه إلى خياط ليخيطه أو قصار ليقصره من غير عقد ولا شرط ولا تعريض بأجرة؛ مثل أن يقول: خذ هذا فاعمله، وأنا أعلم أنك إنما تعمل بأجرة؛ وكان القصار والخياط منتصبين لذلك ففعلا ذلك، فلهما الأجرة لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول؛ فصار كعقد البلد، ولأن شاهد الحال يقتضيه فصار كالتعريض.
فأما إن لم يكونا منتصبين لذلك: لم يستحقا أجرة إلا بعقد أو شرط أو تعريض به؛ لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد، فهو كما لو تبرع به. وفي المسألة قول آخر: له الأجرة مطلقا سواء كان منتصبا للعمل بأجرة أو لم يكن؛ قال في الإنصاف: وهو الصحيح من المذهب؛ وعليه كثير من الأصحاب.
[اختلف المعير والمستعير في الدابة بعد مضي المدة]
(وأما المسألة الثالثة عشر): إذا اختلف المعير والمستعير في الدابة بعد مضي المدة؛ فقال المالك: أجرتك؛ وقال الآخر: أعرتني ولا بينة لهما؛ فقال في الشرح: إذا اختلف الراكب ورب الدابة، فقال المالك: هي عارية، وقال رب الدابة: أكريتكها، وكانت الدابة باقية لم تنقص، وكان الاختلاف عقيب العقد: فالقول قول الراكب؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة وطرد الدابة
__________
1 البخاري: الرهن (2514) , ومسلم: الأقضية (1711) , والترمذي: الأحكام (1342) , والنسائي: آداب القضاة (5425) , وأبو داود: الأقضية (3619) , وابن ماجه: الأحكام (2321) , وأحمد (1/ 342,1/ 363).
(2/ 1/99)

إلى مالكها إذا كلف الراكب، لأن الأصل براءة ذمته منها.
وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لها أجرة: فالقول قول المالك فيما مضى من المدة دون ما بقي منها؛ وحكي ذلك عن مالك؛ وقال أصحاب الرأي: القول قول الراكب؛ وهو منصوص الشافعي لأنهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب، وادعى المالك، عوضا لها. والأصل عدم وجوبه وبراءة ذمة الراكب منه؛ فكان القول قوله.
ولنا أنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك الراكب، فكان القول قول المالك، كما لو اختلفا في عين فقال المالك: بعتكها، وقال الآخر: وهبتها؛ ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في الملك والعقد عليها، ولو اختلفا في الأعيان كان القول قول المالك كذا هنا، وما ذكروه يبطل بهذه المسألة فيحلف المالك وتُسْتَحَقُ الأجرة، والله -تعالى- أعلم.
[غرس في أرض غيره بغير إذنه فطلب صاحب الأرض قلع غرسه]
(وأما المسألة الرابعة عشر): وهي إذا استولى على أرض غصب، وبنى فيها وغرس. ثم نازع المغصوب منه الغاصب بالقلع وأرش نقصها والتسوية والأجرة، فقال في الشرح: من غرس في أرض غيره بغير إذنه أو بنى فيها فطلب صاحب الأرض قلع غرسه وبناه لزم ذلك، ولا نعلم فيه خلافا، لما روى سعيد بن زيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس لعرق ظالم حق"1 رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وروى أبو داود وأبو عبيد في الحديث أنه قال: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث "أن رجلا غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للرجل بأرضه، وقضى للآخر أن ينزع نخله"، قال: فلقد رأيتها يُضْرَبُ في أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم، وإذا قلعها لزم التسوية الأرض ورد
__________
1 الترمذي: الأحكام (1378) , وأبو داود: الخراج والإمارة والفيء (3073).
(2/ 1/100)

الأرض إلى ما كانت عليه، لأنه ضرر حصل في ملك غيره بغير فعله، فلزمته إزالته، وعليه ضمان نقص الأرض إن نقصت بالغرس والبناء، وعليه أجرة المثل إلى وقت التسليم.
[تفضيل بعض الأولاد في العطية]
(وأما المسألة الخامسة عشر): إذا فضل بعض أولاده بعطية مال، فمات قبل المواساة، فالكلام في هذه المسألة في مقامين:
المقام الأول: في جواز التفضيل؛ وعدمه، فمذهب الإمام أحمد رضي الله عنه أن ذلك لا يجوز إذا كان على سبيل الأثرة، فإن خص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم أثم، إذا لم يختص بمعنى يبيح التفضيل؛ ووجبت عليه المساواة، إما برد الفاضل أو إعطاء الآخر، حتى يتم نصيبه.
وبهذا قال ابن المبارك، وروي معناه عن مجاهد وعروة، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين. وذهب الإمام مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي إلى جواز التفضيل، وروي معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح، لأن أبا بكر نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا، دون سائر أولاده، واحتج الشافعي بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث النعمان بن بشير: "أشهد على هذا غيري"1 فأمره بتأكيدها دون الرجوع. واحتج من ذهب إلى تحريم التفضيل بما في الصحيحين عن النعمان بن بشير: قال: "تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فجاء بي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليشهده على صدقتي، فقال: أكلّ ولدك أعطيته مثله؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم"2 قال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة. وفي لفظ قال: (فاردده) وفي لفظ: (فأرجعه) وفي لفظ: (فلا تشهدني
__________
1 مسلم: الهبات (1623) , وأبو داود: البيوع (3542) , وابن ماجه: الأحكام (2375) , وأحمد (4/ 270).
2 البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها (2587) , ومسلم: الهبات (1623) , والنسائي: النحل (3681,3682) , وأبو داود: البيوع (3542) , وأحمد (4/ 269,4/ 270,4/ 276).
(2/ 1/101)

على جور)، وفي لفظ: (فأشهد على هذا غيري)، وفي لفظ: (سوّ بينهم) متفق عليه. وهو دليل على التحريم؛ لأنه سماه جورا، وأمره برده، وامتنع من الشهادة عليه؛ والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها وخالتها.
وقول أبي بكر لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحتج به، ويحتمل أن أبا بكر خصها لعجزها عن المكسب والتسبب، مع اختصاصها بفضلها، ولكونها أم المؤمنين، وغير ذلك من خصائصها، ويحتمل أن يكون نحلها، ونحل غيرها من ولده، أو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك، ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه، لأن التفضيل منهي عنه، وأبو بكر لا يفعل المنهي عنه مع علمه بذلك.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أشهد على هذا غيري"1 فليس بأمر، وكيف يجوز أن يأمر بتأكيده مع أمره برده وتسميته إياه جورا؟ ولو أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بإشهاد غيره لامتثل أمره، ولم يرده لكن قوله: "أشهد على هذا غيري"2 تهديد، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} 3. فأما إن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه من حاجته أو زمان أو عمى أو كثرة عياله، أو لاشتغاله بالعلم، ومنع بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يعصي الله بما يأخذه ونحوه، فاختار الموفق جواز ذلك، واستدل له بحديث أبي بكر؛ ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها كما لو اختص بالقرابة، وأجاب عن حديث النعمان بأنه قضية في عين لا عموم لها. وقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، فإنه قال في تخصيص
__________
1 مسلم: الهبات (1623) , وأبو داود: البيوع (3542) , وابن ماجه: الأحكام (2375) , وأحمد (4/ 270).
2 مسلم: الهبات (1623) , وأبو داود: البيوع (3542) , وابن ماجه: الأحكام (2375) , وأحمد (4/ 270).
3 سورة فصلت آية: 40.
(2/ 1/102)

بعضهم بالوقف: لا بأس إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، والعطية في معنى الوقف. قال في الإنصاف: قلت: وهذا قوي جدا، ويحتمل أن يمنع من التفضيل بكل حال لحديث النعمان، لكون النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستفصل بشيرا في عطيته.
وأما المقام الثاني: وهو إذا فضل أو خص بعضهم، ثم مات قبل الرجوع أو المواساة، فهل تثبت العطية للمعطى أو للباقين؟، فقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فروي عنه أنها تثبت للمعطى، وليس لبقية الورثة الرجوع نص على ذلك في رواية محمد بن الحكم والميموني، واختاره الخلال، وصاحبه أبو بكر، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم لقول أبي بكر لعائشة لما نحلها: وددت لو أنك حزتيه، فيدل على أنها لو حازته لم يكن لهم الرجوع.
وقال عمر: لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد، والرواية الأخرى: لباقي الورثة أن يرجعوا ما وهبه، اختاره أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفص العكبريان، وابن عقيل والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، وهو قول عروة بن الزبير وإسحاق، قال أحمد: عروة قد روى الأحاديث الثلاثة: حديث عائشة، وحديث عمر، وحديث عثمان، وتركها، وذهب إلى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ترد في حياة الرجل وبعد موته؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك جورا بقوله لبشير: "لا تشهدني على جور"1 والجور لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطى تناوله، والموت لا يغيره عن كونه جورا حراما، فيجب رده؛ ولأن أبا بكر، وعمر -رضي الله عنهما- أمر قيس بن سعد برد قسمة أبيه حين ولد له، ولم يكن علم به، ولا أعطاه شيئا، وكان ذلك بعد موت سعد، فروى سعيد بإسناده أن سعد بن عبادة، قسم ماله بين أولاده
__________
1 البخاري: الشهادات (2650) , ومسلم: الهبات (1623) , والنسائي: النحل (3681,3682,3683).
(2/ 1/103)

وخرج إلى الشام، فمات بها، ثم ولد له بعد ذلك ولد، فمشى أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- إلى قيس بن سعد فقالا: إن سعدا قسم ماله، ولم يدر ما يكون، وإنا نرى أن ترد هذه القسمة، فقال: لم أكن أغير شيئا صنعه سعد، ولكن نصيبي له.
[مسائل في الرضاعة]
(وأما المسألة السادسة عشر، والسابعة عشر، والثامنة عشر، والتاسعة عشر): وهي مسائل الرضاعة، فهن حلال كلهن، وهو قول جمهور العلماء، فتباح أم المرتضع، وأخته من النسب لأبيه وأخيه من الرضاع، لأنهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة لا في مقابلة من يحرم من النسب.
والشارع صلى الله عليه وسلم إنما حرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، لا ما يحرم بالمصاهرة، وتباح المرضعة وبنتها لأبي المرتضع وأخيه من النسب، وتباح أخت ابنه، وأم أخته من الرضاع، ويحرم من النسب؛ لأن أخت ابنه من النسب ربيبة، وأم أخته من النسب زوجة أبيه، فأخت ابنه، وأم أخته يحرمان من النسب، ويباحان من الرضاع.
[شهادة الأخ لأخيه]
(وأما المسألة العشرون): وهي شهادة الأخ لأخيه، فهي جائزة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة، وروي ذلك عن ابن الزبير، وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، لأنه عدل غير متهم، فصحت شهادته لأخيه كالأجنبي، ولعموم الآيات، ولا يصح قياس الأخ على الوالد والولد؛ لأنهما بينهما بعضية وقرابة بخلاف الأخ.
وقد روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن شهادة كل من الوالد والولد للآخر مقبولة، وروي ذلك عن شريح، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو ثور، والمزني وداود وإسحاق وابن المنذر لعموم الآيات،
(2/ 1/104)

ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع، فتقبل فيه.
[شهادة الوالد على ابنه وابن ابنه]
(وأما المسألة الحادية والعشرون): وهي شهادة الوالد على ابنه وابن ابنه، فهي مقبولة نص على ذلك الإمام أحمد، وهو قول عامة أهل العلم، وذلك لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} 1 فأمر بالشهادة، ولو لم تقبل لما أمر بها؛ ولأنها إنما ردت شهادته له في التهمة في إيصال النفع، ولا تهمة في شهادته عليه؛ فوجب أن تقبل كشهادة الأجنبي، بل أولى أن يتهم له، ولا يتهم عليه، فشهادته عليه له أبلغ في الصدق كشهادته على نفسه.
[الشهادة بالاستفاضة والشهرة]
(وأما المسألة الثانية والعشرون): وهي الشهادة بالاستفاضة والشهرة، فهي صحيحة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك كالنسب والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزل، وما أشبه ذلك.
قال الخرقي: وما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في قلبه شهد به، كالشهادة على النسب والولادة. وقد أجمع أهل العلم على صحة الشهادة بالنسب بالاستفاضة، وكذلك الشهادة بالاستفاضة في الجرح والتعديل، فما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحا شرعيا، قاله الشيخ تقي الدين، قال: وقد صرح بذلك طوائف الفقهاء من الشافعية، والمالكية، والحنبلية، وغيرهم في كتبهم الصغار والكبار، صرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحا مفيدا أنه يجرح الجارح بما سمعه منه، أو رآه، أو استفاض، وما أعلم في هذا نزاعا بين المسلمين، فإن المسلمين كلهم يشهدون في مثل وقتنا، في مثل عمر بن عبد العزيز والحسن والبصري، وأمثالهما من العدل والدين، بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة، ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف، والمختار بن عبيد، ونحوهم بالظلم والبدعة بما لم يعلموه
__________
1 سورة النساء آية: 135.
(2/ 1/105)

إلا بالاستفاضة، قال: وهذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته، وأما إذا كان المقصود التحذير منه، واتقاء شره فيكفي بما دون ذلك. انتهى.
[ما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة]
وقد اختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة غير النسب والولادة، فقال بعضهم: هو تسعة أشياء: النكاح والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل.
وقال أبو حنيفة: لا تقبل إلا في النكاح والموت، ولا تقبل في الملك المطلق. ونص الإمام أحمد على ثبوت الشهادة بالاستفاضة في الخلع والطلاق. والصحيح من مذهب الشافعي: جواز الشهادة بالاستفاضة في النكاح والنسب وولاية القضاء والملك والعتق والوقف والولاء. واقتصر جماعة من أصحاب أحمد، منهم: القاضي في الجامع، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي، وابن البنا على النسب والموت والملك المطلق والنكاح والوقف والعتق والولاء، قال في الفروع: ولعله الأشهر. قال في العمدة: ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص، قال في الفروع: فظاهر الاقتصار عليهما، وهو أظهر. اه.
قال في عمدة الأدلة: تعليل أصحابنا بأن جهات الملك تختلف، تعليل يوجد في الدين، فقياس قولهم يقتضي أن يثبت الدين بالاستفاضة، قال في الإنصاف: قلت: وليس ببعيد. آخر الجواب، والحمد لله رب العالمين.

[أخَّر قضاء رمضان مع إمكان القضاء، فمات قبل أن يقضي]
{فائدة}: إذا أخر قضاء رمضان مع إمكان القضاء، فمات قبل أن يقضي، وقبل أن يدركه رمضان آخر، أطعم عنه لكل يوم مسكينا، وهذا
(2/ 1/106)

قول أكثر أهل العلم. وروي ذلك عن عائشة، وابن عباس، وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وابن علية وأبو عبيد في الصحيح عنهم لما روى ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا: "من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه لكل يوم مسكينا"1 رواه الترمذي، وقال الصحيح عن ابن عمر موقوفا.
وعن عائشة -أيضا- قالت: "يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام".
وعن ابن عباس: أنه سئل عن رجل مات، وعليه نذر بصوم شهر، وعليه صوم رمضان. قال: أما رمضان، فيطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه. رواه الأثرم، وحمل هؤلاء الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة أنه في النذر، بدليل أن عائشة هي التي روت الحديث، وقد قالت: يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام.
والقول الثاني: أنه يصام عنه، وهو قول أبي ثور، والشافعي، قال في الفروع: ومال صاحب النظم إلى صوم رمضان عن الميت بعد موته، فقال: لو قيل: لم أبعد، فعلى هذا الظاهر أن المراد: ولا يطعم كقول طاووس، وقتادة، ورواية عن الحسن والزهري، والشافعي في القديم وأبو ثور وداود. انتهى.
وقال في الفائق: ولو أخره لا لعذر، فتوفي قبل رمضان آخر، أطعم عنه لكل يوم مسكينا، والمختار الصيام عنه. انتهى.
وقال ابن عبدوس في تذكرته: ويصح قضاء نذر. قلت: وفرض عن الميت مطلقا كاعتكاف. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين: إن تبرع بصومه عمن لا يطيقه للكبر ونحوه، أو عن ميت، وهما معسران، توجه جوازه لأنه أقرب إلى المماثلة من المال. انتهى.
واستدل من قال: يصام عنه بما في الصحيحين عن عائشة، أن النبي
__________
1 الترمذي: الصوم (718) , وابن ماجه: الصيام (1757).
(2/ 1/107)

صلى الله عليه وسلم قال: "من مات، وعليه صيام صام عنه وليه"1 متفق عليه.
وروى ابن عباس مثله، قال النووي في شرح مسلم بعدما ذكر هذا الحديث: اختلف العلماء فيمن مات، وعليه صوم واجب من رمضان أو نذر أو غيرهما. هل يقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران: أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلا. والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويستحب صومه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى طعام عنه. وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابه الجامعون بين الفقه والحديث، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة.
وأما الحديث الوارد: "من مات وعليه صيام، أطعم عنه"2 فليس بثابت، ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يحمل على جواز الأمرين؛ فإن من يقول بالصيام، يجوز عنده الإطعام، فثبت أن الصواب المتعين: تجويز الصيام وتجويز الإطعام، والولي مخير بينهما.
ثم ذكر النووي عن الجمهور أنهم ذهبوا إلى أنه يطعم عنه، ولا يصام، سواء في ذلك رمضان أو النذر، والصواب فيما وجب بالنذر أنه يصام عن الميت للأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، وإنما الإشكال في قضاء رمضان، هل الواجب فيه الإطعام، أو يكفي الصيام؟ فظاهر حديث عائشة الذي في الصحيحين إجزاء الصيام، ومن ذهب إلى الإطعام حمل حديث عائشةعلى النذر، والله أعلم.

[مدة الإقامة للمسافر]
(فائدة): قال الشيخ الإمام العلامة أبو عمر بن عبد البر: اختلفوا في مدة الإقامة فقال مالك والشافعي والليث والطبري وأبو ثور: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وهو قول سعيد بن المسيب في رواية عطاء الخراساني
__________
1 البخاري: الصوم (1952) , ومسلم: الصيام (1147) , وأبو داود: الصوم (2400) والأيمان والنذور (3311) , وأحمد (6/ 69).
2 الترمذي: الصوم (718) , وابن ماجه: الصيام (1757).
(2/ 1/108)

عنه، وقال أبو حنيفة وأصحاب الثوري: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم وإن كان أقل قصر، وهو قول ابن عمر. وقال سعيد بن المسيب في رواية داود بن أبي هند عنه، وقال الأوزاعي: إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوما أتم، وإن كان أقل قصر. وعن سعيد بن المسيب قول ثالث: إذا أقام ثلاثا أتم. وعن السلف في هذه المسألة أقاويل متباينة منها: إذا زاد المسافر على إقامة اثنتا 1 عشرة، أتم رواه نافع عن ابن عمر قال: وهو آخر فعل ابن عمر وقوله. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: "قام النبي -صى الله عليه وسلم- سبعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا سبعة عشر قصرنا، وإذا زدنا أتممنا".
وروى عن علي وابن عباس من أقام عشر ليال أتمّ، والطرق عنهما بذلك ضعيفة، وبذلك قال محمد بن الحسن والحسن بن صالح، وروي عن سعيد بن جبير وعبد الله بن عتبة: من أقام أكثر من خمسة عشر أتمّ، وبه قال الليث بن سعد، وروي عن الحسن أن المسافر يصلي ركعتين أبدا حتى يدخل مصرا من الأمصار.
وقال أحمد بن حنبل: إذا أجمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر، وإن زاد على ذلك أتم. فهذه تسعة أقوال في هذه المسألة، وفيها قول عاشرأن المسافر يقصر أبدا حتى يرجع إلى وطنه أو ينزل وطنا له، وروي عن أنس أنه أقام سنتين بنيسابور يقصر الصلاة. وقال أبو مجلز: قلت لابن عمر: آتي المدينة، فأقيم بها السبعة أشهر والثمانية طالبا حاجة، فقال: صلّ ركعتين. وقال أبو إسحاق السبيعي: أقمنا بسجستان، ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نصلي ركعتين. وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين، وكان الثلج حال بينهم وبين القفول.
__________
1 هذا الكلام به مخالفة لمقتضى الإعراب مجاراة للغة العوام في خطابهم.
(2/ 1/109)

وأقام مسروق بالسلسلة سنتين، وهو عامل عليها يصلي ركعتين حتى انصرف، يلتمس السنة بذلك.
وعن شقيق قال: خرجت مع مسروق إلى السلسلة حين استعمل عليها؛ فلم نزل نقصر الصلاة حتى وصلنا، ولم يزل القصر في السلسلة حتى رجع، فقلت: يا أبا عائشة ما يحملك على هذا؟ قال: اتباع السنة. وقال أبو حمزة: قلت لابن عباس: إنا نطيل المقام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ قال: صلّ ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، والله أعلم.

[الفطر لإنقاذ غريق أو التقوي على الجهاد]
قال ابن القيم في "البدائع": إذا رأى إنسانا يغرق فلا يمكنه تخليصه إلا بأن يفطر فهل يجوز له الفطر؟
أجاب أبو الخطاب: يجوز له الفطر إذا تيقن تخليصه من الغرق، ولم يمكنه الصوم مع التلخيص، وأجاب ابن الزاغوني: إذا كان يقدر على تخليصه أو غلب على ظنه ذلك لزمه الإفطار وتخليصه، ولا فرق بين أن يفطر لدخول الماء في حلقه وقت السباحة، أو كان يجد في نفسه ضعفا عن تخليصه لأجل الجوع حتى يأكل؛ لأنه يفطر للسفر المباح، فلأن يفطر للواجب أولى. قلت: أسباب الفطر أربعة: السفر والمرض والحيض والخوف على هلاك من يخشى عليه بصومه، كالحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، ومثله مسألة الغريق. وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي للجهاد، وفعله، وأمر به لما نزل العدو دمشق في رمضان فأنكر عليه بعض المتفقهة، وقال: ليس هذا سفرا طويلا، فقال الشيخ: هذا فطر للتقوي على جهاد العدو، وأولى من الفطر لسفر يومين سفرا مباحا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم وهم صيام، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام.
(2/ 1/110)

وهل يشك فقيه أن الفطر هاهنا أولى من فطر المسافر؟ وقد أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا بذلك على عدوهم فعلل ذلك بالقوة على العدو لا بالسفر. قلت: إذا جاز فطر الحامل، والمرضع لخوفهما على ولديهما، وفطر من يخلص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقد غلط بل هذا من باب قياس الأولى. انتهى كلام ابن القيم في "البدائع".
وقال في الفروع: وإن أحاط العدو ببلد، والصوم يضعفهم، فهل يجوز الفطر وفاقا لمالك؟ ذكر الخلال روايتين ويعايا بها، قال ابن عقيل: إن حصر العدو بلدا، وقصد المسلمون عدوا بمسافة قريبة لم يجز الفطر والقصر على الأصح.
ونقل حنبل: إذا كانوا بأرض العدو وهم بالقرب، أفطروا عند القتال. انتهى. وقال في الإنصاف: اختار الشيخ تقي الدين الفطر للتقوي على الجهاد، وفعله هو، وأمر به لما نزل العدو دمشق، وقدمه في الفائق، وهو الصواب. انتهى.
(2/ 1/111)

مسائل وردت إلى الشيخ حسن بن حسين من الأخ عبد الله
...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يقول الحق، وهو يهدي السبيل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الدليل.
من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الله، وفقه الله تعالى، وسدده.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط المشتمل على السؤال وصل، وهذا صورته متبوعا بجوابه:
[اقتراض النقود وردها]
(المسألة الأولى): رجل عنده لآخر جدد حال كونه صرف الريال خمس من الجدد؛ فطالت المدة حتى بلغ صرف الريال هذا المبلغ، وطلب صاحب الحق حقه من الغريم، فهل يحكم له بالقيمة حال الاستدانة أو القرض أم ليس له إلا الجدد التي وقع العقد عليها؟
(فالجواب): قال في شرح المفردات عند قول الناظم -رحمه الله تعالى-:
والنص بالقيمة في بطلانها ... لا في ازدياد القدر أو نقصانها
ما لفظه: أي: إن النص إنما ورد عن الإمام أحمد فيما إذا أبطله السلطان، فمنع المعاملة بها لا فيما إذا زادت قيمتها أو نقصت مع بقاء التعامل بها، وعدم تحريم السلطان لها؛ فيرد مثلها سواء غلت، أو رخصت أو كسدت، وسواء كان الغلاء والرخص كثيرا بأن كان عشرة بدانق، فصارت عشرين بدانق، وعكسه أو قليلا، لأنه لم يحدث فيه شيء إنما تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت قال:
والشيخ في زيادة أو نقص ... مثلا كقرض في الغلا والرخص
أي: وقال الشيخ الموفق: إذا زادت قيمة الفلوس أو نقصت، رد مثلها كما لو افترض عرضا مثليا كَبُرٍّ وشعير، ونحاس، وحديد فإنه يرد مثله، ولو
(2/ 1/112)

غلا أو رخص، لأن غلو القيمة ونقصانها لا يسقط المثل عن ذمة المستقرض، فلا يجب المطالبة بالقيمة، وهذا معنى ما تقدم من أن نص الإمام بالقيمة إنما هو إذا أبطل السلطان المعاملة بها لا في زيادة القيمة، أو نقصانها. انتهى.
وحكى فيه مذهب مالك والشافعي والليث القول بالمثل، ثم قال: ولنا أن تحريمها منع إنفاقها، وإبطال ماليتها فأشبه كسرها. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين في شرح المحرر: إذا أقرضه أو غصبه طعاما فنقصت قيمته فهو نقص النوع، فلا يجبر على أخذه ناقصا، فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل فعيب الدين إفلاس المدين وعيب العين المعينة خروجها عن المعتاد. انتهى. وكلام الشيخ هذا هو الذي ذكره الناظم عنه تخريجا له واختيارا.
فقد عرفت أنه تحصل في المسألة من حيث هي ثلاثة أقوال: التفريق بين ما إذا حرمها السلطان فبطلت المعاملة بها بالكلية، ومثله إن تكسرت أو كسدت فلا يتعامل بها، فالقيمة، وبين ما إذا كان غايته الغلاء والرخص مع بقاء المعاملة بحالها، فالمثل والمثل مطلقا كما هو المنقول عن مالك، والشافعي، والليث. وثالثها اختيار أبي العباس، وهو المعتمد لدينا في الفتوى.
{تنبيه}: في المثلي الذي اختار أبو العباس القيمة فيه أوجه: أصحها أن المثلي ما حصره كيل، أو وزن وجاز السلم فيه؛ فإن وجد أحد الوصفين دون الآخر فليس بمثلي. قاله في مقدمة الحائض 1 وذكر معناه في الروض وغيره من كتب الأصحاب. وعلى هذا فالجدد ليست مثلية، لأنه لا يجوز السلم
__________
1 كذا في الأصل.
(2/ 1/113)

فيها لعدم الانضباط، فإنها تختلف بالكبر والصغر والثقل والخفة والطول والصفاء والخضرة وقلة الفضة وكثرتها، وأيضا ففيها فضة؛ ولا يجوز إسلام أحد النقدين في الآخر، لكن رأيته جزم في الإقناع بأن الدراهم المغشوشة مثلية، والجدد مثلها فيما يظهر لي، والله -سبحانه- أعلم.
[رد الدابة المشتراة بعد ركوبها]
(المسألة الثانية): رجل اشترى دابة، واستعملها بركوب، وسقي وغيره، أو نحو ذلك، ثم بان له به عيب قديم فرد المبيع، فهل يرد معه قدر استعماله مدة مقامه عنده، أم لا؟ إلى آخر السؤال.
(الجواب): إذا رد المبيع، فلا يخلو إما أن يكون بحاله، أو يكون قد زاد أو نقص؛ فإن كان بحاله رده، وأخذ الثمن، وإن زاد بعد العقد، أو حصلت له فائدة، فإن كانت الزيادة متصلة كالسمن والحمل والثمرة قبل الظهور، فإنه يرده بنمائه، لأنه يتبع في العقود والفسوخ. وإن كانت الزيادة منفصلة، فإن كانت من غير المبيع كالكسب والأجرة، فهو للمشتري في مقابلة ضمانه، وهو معنى قوله عليه السلام: "الخراج بالضمان"1 ولا نعلم في هذا خلافا.
وروى ابن ماجه عن عائشة أن رجلا اشترى عبدا فاستعمله ما شاء الله، ثم وجد به عيبا فرده فقال: يا رسول الله، استعمل غلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان"2 رواه أبو داود، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. وإن كانت الزيادة من عين المبيع كالولد، والثمرة، واللبن، فهو للمشتري أيضا، ويرد الأصل بدونها، وبهذا قال الشافعي إلا أن الولد إذا كان لآدمية لم يملك ردها دونه.
وعنه ليس له رده دون نمائه المنفصل قياسا على النماء المتصل، فإن اشتراها أي: الدابة حاملا فولدت عند المشتري فردها رد ولدها معها؛ لأنها من جملة المبيع،
__________
1 الترمذي: البيوع (1285) , والنسائي: البيوع (4490) , وأبو داود: البيوع (3508) , وابن ماجه: التجارات (2243).
2 الترمذي: البيوع (1285) , والنسائي: البيوع (4490) , وأبو داود: البيوع (3508) , وابن ماجه: التجارات (2243).
(2/ 1/114)

والولادة هنا نماء متصل. وإن نقص المبيع فسيأتي حكمه. انتهى من الشرح الكبير، وحكمه أن يرد مع المعيب أَرْش النقص عنده كأن وطئ البكر، أو قطع الثوب، أو هزلت الدابة، ونحو ذلك مما تنقص به قيمته. صرح به في المغني وغيره. قال في شرح الإقناع: لما روى الخلال بإسناده عن ابن سيرين أن عثمان قال في رجل اشترى ثوبا فلبسه ثم اطلع على عيب ... 1 وما نقص، وأجاز الرد مع النقص، وعليه اعتماد أحمد. انتهى. وقال في الإنصاف عند قول المقنع: وعنه ليس له رده دون نمائه: أي: المنفصل، فلو صدر العقد وهي حامل فولدت عنده، ثم ردها رد ولدها معها، وأما إذا حملت وولدت بعد الشراء فهو نماء منفصل بلا نزاع، والصحيح من المذهب أنه لا يردها إلا بولدها فتعين الأرش جزم به في المحرر. انتهى. فقد عرفت أنه إن كان بحاله رده مجانا، وأخذ ثمنه، وإن زاد ففيه التفصيل، أو نقص فإنه يرد معه أرش ما نقص عنده.
[ما يجوز فيه شهادة النساء]
(المسألة الثالثة): ما تقولون في شهادة النساء منفردات عن الرجال؟ وهل القدور والمقتول هما مما تعرفه المرأة مما يقبل فيه شهادتهن منفردات؟ هذا معنى سؤالكم.
(الجواب): قال في المغني في باب القضاء: ولا تقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة إن لم يكن معهن رجل. انتهى .. ومراده فيما يطلع عليه غيرهن، وقال في كتاب الشهادة: وفي شهادة النساء شبهة بدليل قول الله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} 2 وأنه لا تقبل
__________
1 بياض بالأصل.
2 سورة البقرة آية: 282.
(2/ 1/115)

شهادتهن، ولو كثرت ما لم يكن معهن رجل، وقال فيه: ولا نعلم خلافا في قبول شهادة النساء في الجملة ... 1 يعني في بعض المسائل كما ذكره الشرّاح، وذلك فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا كعيوب النساء تحت الثياب، والبكارة، والثيوبة، والحيض، والولادة، والرضاع، والاستهلال، ونحو ذلك.
حديث عقبة بن الحارث رواه أحمد، وسعيد قال أبو محمد: إلا أنه من رواية جابر الجعفي. قال: وكل موضع تقبل فيه شهادة النساء منفردات فإنه يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، واستدل بحديث عقبة، وبما روي عن حذيفة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجاز شهادة القابلة، رواه الفقهاء في كتبهم. وذكر أبو محمد في المقنع في باب اليمين في الدعاوى احتمالا قبول امرأتين ويمين في المال، وما يقصد به المال، وقال الشيخ تقي الدين: لو قيل: يقبل امرأتان، ويمين توجه، لأنهما أقيما مقام رجل في التحمل، ونصره ابن القيم في الإعلام والطرق وغيرهما، وذكره مذهب مالك.
وذكر أبو محمد وغيره أن أبا طالب نقل عن أحمد في مسألة الأسير: يقبل رجل ويمين، واختاره أبو بكر، وعنه في الوصية: إن لم يحضره إلا النساء فامرأة واحدة. وسأله ابن صدقة: الرجل يوصي ويعتق ولا يحضره إلا النساء، تجوز شهادتهن؟ قال: نعم في الحقوق، ذكره في الإنصاف، ولم يُقَيّده، والمجزوم به عند المتأخرين هو الأول، وعليه المعوّل.
وأما قول السائل: وهل القدور والمقتول من عورات النساء الذي لا يطلع عليه الرجال غالبا؟ فهل هذه إلا المال نفسه؟ فتنبه لذلك.
(تتمة): لا مدخل للنساء، ولو مع الرجال في العقوبات والحدود، ذكروه اتفاقا عن الأئمة الأربعة، ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء. قاله في المغني،
__________
1 بياض بالأصل.
(2/ 1/116)

وجزم به المتأخرون، وذكره في الإفصاح قول مالك والشافعي وأحمد. ومما تساوي فيه المرأة العدلة 1 الرجل الرواية، والإخبار بهلال رمضان والوقت والقبلة ونجاسة الماء وتنبيه الإمام لسهو؛ إذ في المغني ذوي الأفهام: دعوا النشوز والنسب؛ لأنه مما لا يطلع عليه الرجال غالبا. انتهى. والله -سبحانه وتعالى- أعلم بالصواب.

[مقام المسلم في أرض الكفار مع التمكن من الخروج منها]
فائدة
قال الإمام القرطبي في شرح مسلم: ولا يختلف في أنه لا يحل لمسلم المقام في بلاد الكفار مع التمكن من الخروج منها لجريان أحكام الكفر عليه، ولخوف الفتنة على نفسه، وهذا حكم ثابت مؤبد إلى يوم القيامة. وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفار لتجارة أو غيرها مما لا يكون ضرورة في الدين كافتكاك المسلم؛ وقد أبطل مالك شهادة من دخل بلاد الهند لأجل التجارة. انتهى كلامه -رحمه الله-.
وما ذكرت من مسألة الذي أوصى بوصية، ثم قال: ووقف عقاره الذي سماه، فظاهر اللفظ أن هذا وقف منجز غير ما أوصى به، وأنه ما يحسب من الثلث إذا كان في غير مرض الموت، ولفظ أقر أوضح من قوله: وقف، لأن قوله: وقف إنشاء للوقف، ولفظ أقر يفيد الإخبار بإيقاف سابق. وما قلنا في الفرق بين الوصية والوقف، فهذا إن كان كاتب الوثيقة عنده علم يفرق به بين الوصية والوقف، فإن كان كاتب الوثيقة عاميا صار في النفس شيء، لكن من أخذ بظاهر اللفظ فرق بين الوصية والوقف فهو أسلم، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.
__________
1 هذه الكلمة تخالف مقتضى اللغة مجاراة للعوام.
(2/ 1/117)

[عقد المساقاة لازم أم جائز؟]
الحمد لله. أجاب الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد -رحمه الله-:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
مسألة المساقاة كلام أهل العلم فيها مشهور، وهل هي من العقود اللازمة، أو العقود الجائزة؟ والذي عليه الفتوى عندنا أنها لازمة من قبل المالك جائزة من قبل المساقي، وهذا اختيار الشيخ ابن تيمية؛ فعلى هذا فلا تنفسخ بموت المالك، ولا بانتقالها إلى غيره بإرث أو هبة.

(وأما المسألة الثانية) *: الذي ينبت على ماء المستأجر بغير إذن المالك، فهو للكداد، فإن أراد المالك أخذه بقيمته وتراضيا ذلك فلهما، وإن قال: اقلعه، فيقلعه والسلام.
قال في الاختيارات: ولو دفع أرضا إلى آخر فيغرسها بجزء من الغراس صح كالمزارعة، واختاره أبو حفص العكبري، والقاضي في تعليقه، وهو ظاهر مذهب أحمد-رحمه الله- ثم قال: ومقتضى قول أبي حفص أنه يجوز أن يغارسه بجزء من الأرض كما جاز النسيج بجزء من الغزل نفسه. وقال في الفروع: هو ظاهر نص الإمام أحمد جواز المساقاة على شجر يغرسه، ويعمل عليه بجزء معلوم الشجر، أو بجزء من الشجر والثمر كالمزارعة، واختاره أبوحفص، وصححه القاضي في التعليق آخرا، واختاره في الفائق والشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى- قال في الإنصاف: لو كان الاشتراك في الغراس والأرض فسد وجها واحدا، قاله المصنف والشارح والناظم وغيرهم، وقال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب صحته، قال في الفائق: قلت: وصحح المالكيون المغارسة في الأرض الملك لا الوقف، بشرط استحقاق العامل جزءا من الأرض مع القسط من الشجر. انتهى.
فإذا عرفت أن القول بصحة المغارسة أقوى، وأن عليه جمعا من المحققين، وعليه الفتوى، وهذا على تقدير
__________
* وردت هذه المسألة من قبل منسوبة للشيخ عبد الرحمن بن حسن 1/ 403. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(2/ 1/118)

ثبوت هذه الدعوى مع وجود شهود أصل العقد بخطهم وقت المعاملة، أو المعاقدة، وسلامة العقد ظاهرة، فكيف لا نقول بصحته، وهذا هو الذي أوجب المراجعة، وبالله التوفيق. انتهى.

من كلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله تعالى- بقلم الفقير الحقير المقر بالذنب والتقصير عبده ابن عبده ابن أمته، ومن لا غناء له عن رحمة ربه طرفة عين عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد اللطيف -غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولمن كتبت له والمسلمين-. آمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.
(2/ 1/119)

بسم الله الرحمن الرحيم
[معنى لا إله إلا الله]
(سؤال): ما قول العلماء الأعلام، أئمة الإسلام، فيمن يقول لا إله إلا الله، ويدعو غير الله، هل يحرم ماله، ودمه بمجرد قولها أم لا؟
(الجواب): وبالله التوفيق، لا إله إلا الله كلمة الإخلاص، وكلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي الحنيفية ملة إبراهيم -عليه السلام-، جعلها كلمة باقية في عقبه، وقد تضمنت ثبوت الإلهية له -تعالى-، ونفيها عما سواه، والإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإنابة وتوكلاواستعانة ودعاء وخوفا ورجاء ونحو ذلك، ومعنى لا إله إلا الله: أي: لا معبود حق إلا الله، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} 1. قال جل ذكره: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} 2.
فدلت هذه الكلمة العظيمة مطابقة على إخلاص العبادة بجميع أفرادها لله تعالى، ونفي كل معبود سواه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 3 أي: لا إله إلا الله، فأرجع ضمير هذه الكلمة إلى ما سبق منه مدلولها، وهو قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} 4، وهذا هو الذي خلق الله الخلق لأجله، وافترضه على عباده، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيانه، وتقريره، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 5، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ إِلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} 6 الآية، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا
__________
1 سورة الحج آية: 62.
2 سورة الرعد آية: 14.
3 سورة الزخرف آية: 26 - 28.
4 سورة الزخرف آية: 26.
5 سورة الذاريات آية: 56.
6 سورة الإسراء آية: 23.
(2/ 1/120)

نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 1، وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ إِلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} 2 قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 3.
والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود ومتبوع أو مطاع، فمن تحقق مبدأ قول هذه الكلمة العظيمة من إخلاص العبادة لله -تعالى-، والبراءة من عبادة ما سواه بالجنان والأركان، وعمل بما اقتضته فرائض الإسلام والإيمان كان معصوم الدم والمال، ومن رد فلا، قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 4، فدلت هذه الآية الكريمة على أن عصمة الدم، والمال لا تحصل بدون هذه الثلاث؛ لترتيبها عليها بترتب الجزاء على الشرط.
وفي الصحيح عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى"5 فلا بد لتصحيحها من الإخلاص لله -تعالى-، ونفي الشرك كما قال الله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} 6، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 7، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 8، ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، وأخبر أنه لا يهديهم قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} 9.
وفي المتفق عليه من حديث معاذ -رضي الله تعالى عنه-: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"10 فمن تأله قلبه غير الله، ودعاه
__________
1 سورة الأنبياء آية: 25.
2 سورة هود آية: 1.
3 سورة البقرة آية: 256.
4 سورة التوبة آية: 5.
5 مسلم: الإيمان (23) , وأحمد (3/ 472,6/ 394).
6 سورة النساء آية: 36.
7 سورة البينة آية: 5.
8 سورة الزمر آية: 2.
9 سورة الزمر آية: 3.
10 البخاري: الجهاد والسير (2856) , ومسلم: الإيمان (30) , والترمذي: الإيمان (2643) , وابن ماجه: الزهد (4296) , وأحمد (3/ 260,5/ 228).
(2/ 1/121)

من دون الله فقد أشرك بالله، والله لا يغفر أن يشرك به قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} 1 الآية، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 2 وقال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} 3.
وفي المتفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "قيل: يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك"4 وفي رواية لمسلم: "أن تدعو لله ندا"5 الحديث، والله المستعان.
[تقبيل يد الصالحين]
(السؤال الثاني): عن تقبيل يد السادة المنسوبين لأهل البيت هل يجوز أم لا؟
(الجواب): لم يكن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- يعتادون ذلك مع رسول الله، ولا مع أهل بيته، ولا شك أنهم أعظم الناس محبة له وتوقيرا؛ وإنما كانوا يعتادون السلام والمصافحة اتباعا لما سنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأمره وفعله، فقال: "أفشوا السلام بينكم"6، وصح عنه -صلى الله عليه- وسلم "أنه قيل له: الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا. قيل: أيلتزمه، أو يقبله؟ قال: لا. قيل: أيصافحه؟ قال: نعم".
وأما ما ورد أنه لما قدم عليه أصحابه من غزوة، وقد قبلوا يده قالوا: نحن الفرارون قال: بل أنتم العكارون 7؛ وأما ما ورد في معنى هذا، فإنما وقع نادرا، وقد جوزه بعض الأئمة كالإمام أحمد -رحمه الله- إذا وقع كذلك لا على وجه التعظيم للدنيا. واشترط بعض الأئمة في ذلك
__________
1 سورة الأحقاف آية: 5.
2 سورة فاطر آية: 13.
3 سورة العنكبوت آية: 65.
4 البخاري: الأدب (6001) , ومسلم: الإيمان (86) , والترمذي: تفسير القرآن (3182,3183) , والنسائي: تحريم الدم (4013,4014) , وأبو داود: الطلاق (2310) , وأحمد (1/ 434,1/ 464).
5 البخاري: التوحيد (7532) , ومسلم: الإيمان (86).
6 مسلم: الإيمان (54) , والترمذي: الاستئذان والآداب (2688) , وأبو داود: الأدب (5193) , وابن ماجه: المقدمة (68) والأدب (3692) , وأحمد (2/ 391,2/ 442,2/ 477,2/ 495,2/ 512).
7 كذا في الأصل.
(2/ 1/122)

أن لا يمد إليه يده؛ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-. وذهب بعضهم إلى كراهة تقبيل اليد مطلقا كالإمام مالك -رحمه الله-، وقال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى. هذا إذا لم يفض إلى التعظيم والخضوع وتغيير السنة.
أما إذا اقترن بمثل هذه الأمور التي تدخل في نوع من الشرك والبدع، فلا يجوز أن ينسب إلى أحد من الأئمة تجويزه. قال في زاد المعاد: وأشرف عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ -يعني من المتصوفة- والمتشبهون بالعلماء والجبابرة: فأخذ الشيوخ أشرف ما فيها، وهو السجود. وأخذ المتشبهون بالعلماء منها بالركوع، فإذا لقي بعضهم بعضا ركع كما يركع المصلي لربه، وأخذ الجبابرة منها القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم، وهم جلوس. فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل؛ فتعاطيها مخالفة صريحة له؛ فنهى عن السجود لغير الله -تعالى- فقال: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد" وأنكر على معاذ لما سجد له، وقال: "مه".
فتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ولرسوله. وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوز عبودية غير الله. وأيضا فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قول الله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} 1 أي: منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه. انتهى.
[رفع الصوت وقت الخطبة]
(السؤال الثالث): عمن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويترضى عن الصحابة -رضي الله عنهم- جهرا، والإمام يخطب يوم الجمعة.
(الجواب): الجهر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والترضي حال الخطبة من غير الخطيب بدعة مخالفة للشريعة، منع منها طوائف من العلماء
__________
1 سورة البقرة آية: 58.
(2/ 1/123)

سلفا وخلفا، ولهم فيه مأخذان:
(الأول): أنه من محدثات الأمور التي لم تفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه، ولا في عهد التابعين، ولو كان خيرا سبقوا إليه.
(الثاني): أن الأحاديث ثبتت بالأمر بالإنصات للخطبة، فقد صح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قلت لصاحبك -والإمام يخطب يوم الجمعة-: أنصت، فقد لغوت"1.
قال في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث": إن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي دعاء، وجميع الأدعية السنة فيها الإسرار دون الجهر غالبا، قلت: وهذا مأخذ ثالث للمنع؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فالترضي عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- دعاء من الأدعية، والمشروع في الدعاء كله المخافتة إلا أن يكون هناك سبب يشرع له الجهر، قال: وأما رفع الصوت بالصلاة، والترضي الذي يفعله بعض المؤذنين قدام الخطباء في الجمع فمكروه، أو محرم. انتهى. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. أملاه الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله أجمعين.
وقد فرغ من تصحيح هذه النسخة يوم الأربعاء في 16 شهر ربيع الثاني سنة 1333.
__________
1 البخاري: الجمعة (934) , ومسلم: الجمعة (851) , والترمذي: الجمعة (512) , والنسائي: الجمعة (1401,1402) , وأبو داود: الصلاة (1112) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1110) , وأحمد (2/ 280) , ومالك: النداء للصلاة (232) , والدارمي: الصلاة (1548,1549).
(2/ 1/124)

أجوبة للشيخ عبد الرحمن بن حسن سأل عنها عبد الرحمن بن محمد القاضي
...
قال الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -أحسن الله لنا ولهم المآب وأدخلنا وإياهم الجنة بغير حساب بمنه وكرمه-:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فهذا جواب ما سأل عنه الأخ عبد الرحمن بن محمد القاضي -وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه-:
[استعمل الماء في الوضوء ولم يدخل يده في الإناء]
(السؤال الأول): في قول العلماء -رحمهم الله تعالى-: فلو استعمل الماء، ولم يدخل يده في الإناء لم يصح وضوءه، وفسد الماء إلى آخره.
(الجواب) -وبالله التوفيق-: فساد الماء هنا سلب طهوريته، فما حصل في يده قبل غسلها ثلاثا بنيةٍ من نوم ليل فسد، وإن لم يدخلها الإناء هذا معنى ما جزم به في الإقناع والمنتهى وشرح الزاد، قال الشيخ عثمان في حاشية المنتهى: ومعنى قوله: وفسد الماء: أي: الذي حصل في يده، وهو مبني فيما يظهر على القول بأن حصوله في بعضها كحصوله في كلها كما اختاره جمع، أما على الصحيح، فينبغي صحة الوضوء، ونحوه حيث لم يحصل في جميع اليد. انتهى.
وهو مفرع على ما هو الصحيح من المذهب أن غسلهما لمعنى فيهما، وقال في الشرح: وذكر أبو الحسن رواية أنه لأجل إدخالها الإناء فيصح وضوؤه، ولم يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال. انتهى.
(2/ 1/125)

[نية الغسل لا يرتفع بها الحدث]
(الثاني): إذا كان على الشخص موجب للغسل، ونوى الغسل، فهل يرتفع ما دونه إلى آخره؟
(الجواب): نية الغسل لا يرتفع بها الحدث لكونها ليست من الصور المعتبرة في الطهارة، وسنذكرها -إن شاء الله تعالى- وقول السائل: أم لا بد من التخصيص بالفعل، أو بالنية، أو بهما، قول لا معنى للتخصيص بالفعل هنا دون نية أصلا، والصور المعتبرة في الغسل ست:
نية رفع الحدث الأكبر، نية رفع الحدثين، نية رفع الحدث، ويطلق نية استباحة أمر يتوقف على الوضوء والغسل معا، نية أمر يتوقف على الغسل وحده، نية ما يسن له لغسل ناسيا للواجب، ففي هذه كلها يرتفع الأكبر، ويرتفع الأصغر أيضا فيما عدا الأولى والأخيرتين، أفاده الشيخ عثمان قلت: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنه يرتفع الأصغر في الأولى أيضا.
وهذه الست يتأتى نظيرها في الأصغر، ويزيد بأنه يرتفع إذا قصد بطهارته ما تسن له الطهارة ذاكرا الحدث، فافهم الفرق بين البابين فإنه مهم جدا، والله أعلم، قاله الشيخ عثمان.
[غسل اليد بنية القيام من الليل أو من الجنابة]
قال السائل: وهل يكفي غسل اليد بنية القيام من نوم الليل أو من الجنابة عن الآخر أم لا؟
(الجواب): النية هنا ليست مرادة للقيام، وإنما تراد لأجل النوم، فافهم. ولا يكفي نية غسلهما من نوم الليل عن الجنابة كالعكس على الأصح فيه، لأنهما أمران مختلفان فيعتبر لكل منهما نيته، أما على الوجه الثاني، وهو أن غسلهما من النوم لا يفتقر إلى نية، فيجزي عند نيته الحدث الأكبر، وكذا على قول الجمهور: إنه لا يجب غسلهما من نوم الليل بل يستحب. وقوله أو الأعلى يرتفع به الأدنى جوابه يظهر مما قبله.
وقوله: وما الأعلى منهما؟
(2/ 1/126)

أقول: اتفقوا على أن ما يوجب الوضوء وحده يسمى أصغر، وما يوجب الغسل يسمى أكبر، ونصوا على أن الحدث الأصغر يقوم بالبدن كله، ويرتفع بغسل الأعضاء الأربعة بشرطه، فكيف يقال: إن غسل اليدين من نوم الليل أكبر مع كونه خاصا بالكفين، على أنه مختلف في وجوبه. والقائلون بالوجوب لم يسموه حدثا، فافهم. وقوله: وهل يكفي أحد اليدين؟
فالجواب: إن الذي مشى عليه العلماء -رحمهم الله تعالى- أن هذا الحكم يتعلق باليدين معا، فلا تختص به اليمنى دون الشمال مع أن الوارد في الحديث الإفراد، فلنذكر الحديث ببعض ألفاظه منسوبا إلى مخرجيه -إن شاء الله تعالى-. فأقول: أخرجه الإمام مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم-رحمهم الله تعالى- من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضوء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"1، هذا لفظ مالك والبخاري، وللشافعي نحوه، وللنسائي: "فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثا"2 وله والدارقطني: "فإنه لا يدري أين باتت يده"3 وللدارمي: "في الوضوء" ولأبي داود: "إذا استيقظ أحدكم من الليل"4، وكذا للترمذي وفي الباب عن جابر، وابن عمر -رضي الله عنهم.
ووجه تعميم اليدين بهذا الحكم، والله أعلم لكونه مفردا مضافا، وهو يعم، وهو ظاهر على ما ذهب إليه الإمام أحمد-رحمه الله تعالى- تبعا لعلي، وابن عباس -رضي الله عنهم- والمحكي عن الشافعية، والحنفية خلافه، ذكره في القواعد الأصولية، فعلى قولهم لا يظهر لي وجهه، والله أعلم.
[خصائص يوم الجمعة]
(الثالث): ما ورد في يوم الجمعة من الخصائص، هل يختص بما قبل الزوال أم لا، مثل قراءة سورة الكهف وغيرها؟ لو قال: قبل الصلاة كان أولى.
__________
1 البخاري: الوضوء (162).
2 مسلم: الطهارة (278) , والنسائي: الطهارة (1) , وأبو داود: الطهارة (105) , وأحمد (2/ 241,2/ 471) , والدارمي: الطهارة (766).
3 البخاري: الوضوء (162).
4 الترمذي: الطهارة (24) , والنسائي: الغسل والتيمم (441) , وابن ماجه: الطهارة وسننها (393).
(2/ 1/127)

والجواب: خصائص الجمعة على ثلاثة أضرب:
الأول: محله قبل الصلاة كالاغتسال والطيب ولبس أحسن الثياب، وتأكد السواك، ومنع من تلزمه الجمعة إذا دخل وقتها من السفر، ونحو ذلك.
الثاني: ما لا يختص بما قبل الصلاة كاستحباب كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومزية الذكر، والصدقة، ونحو ذلك.
الثالث: متردد بينهما بحسب ما ورد كقراءة سورة الكهف، وساعة الإجابة. فأما قراءة سورة الكهف فورد في قراءتها ما يقتضي أن ليلة الجمعة كيومها محلا لحصول الفضل الوارد لما اقتضاه مجموع هذه الآثار، فروى الدارمي عن أبي سعيد موقوفا: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". ومنها ما يقتضي تخصيصه باليوم كما روى أبو بكر ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين".
قال الحافظ المنذري: إسناده لا بأس به، وقال ابن كثير: في رفعه نظر، وذكر في المغني عن خالد بن معدان: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة قبل أن يخرج الإمام كانت له كفارة ما بين الجمعة، وبلغ نوره البيت العتيق"1 وظاهر كلام الفقهاء أنه كالذي قبله لا يختص بما قبل الصلاة.
أما ساعة الإجابة ففيها أقوال تزيد على ثلاثين ذكرها ابن حجر في الفتح، والجلال السيوطي في شرح الموطأ. وذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- كثيرا منها، ثم قال: وأرجح الأقوال فيها قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، أحدهما أرجح من الآخر: الأول: أنها ما بين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، رجحه البيهقي، وابن العربي، والقرطبي، وقال
__________
1 الدارمي: فضائل القرآن (3407).
(2/ 1/128)

النووي: إنه الصحيح أو الصواب. قال ابن القيم: الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق، وساق ما يدل على ذلك كحديث عبد الله بن سلام، ثم قال: وهذا القول هو قول أكثر السلف، ويليه القول بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها. انتهى ملخصا.
وقال المحب الطبري: إن أصح الحديث فيها حديث أبي موسى في مسلم، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام. قال ابن حجر: وما عداهما إما ضعيف الإسناد، أو موقوف استند صاحبه إلى اجتهاد دون توقيف. انتهى. والله أعلم.
وأما حديث: "من مس الحصى فقد لغا"1 فرواه مسلم في صحيحه، وليس فيه: "ومن لغا فلا جمعة له"2 ولفظه "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا"3، لكن روى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده من حديث علي: "ومن قال لصاحبه: صه! فقد تكلم، ومن تكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له"4 قال النووي في شرح حديث مسلم: فيه النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة. انتهى، وهو واف بالمقصود والله أعلم.
[شهادة العدل برؤية هلال ذي الحجة]
الرابع: إذا شهد شاهد عدل برؤية هلال ذي الحجة، ولم يُرَ ليلة إحدى وثلاثين إلى آخره.
الجواب: إن الذي نص عليه العلماء -رحمهم الله- أن الناس إذا وقفوا
__________
1 مسلم: الجمعة (857) , والترمذي: الجمعة (498) , وأبو داود: الصلاة (1050) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1090) , وأحمد (2/ 424).
2 أبو داود: الصلاة (1051) , وأحمد (1/ 93).
3 مسلم: الجمعة (857) , والترمذي: الجمعة (498) , وأبو داود: الصلاة (1050) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1090) , وأحمد (2/ 424).
4 أبو داود: الصلاة (1051) , وأحمد (1/ 93).
(2/ 1/129)

الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، نص عليه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- دليله حديث أبي هريرة مرفوعا "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون"1.
ورواه أبو داود والدارقطني، وروي أيضا من حديث عائشة مثله، قال الخطابي في معالم السنن: معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما سبيله الاجتهاد، فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد؛ ثم ثبت أن الشهر كان تسعا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض. وكذلك هذا في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة فإنهم ليس عليهم إعادة وتجزئهم ضحاياهم.
[غيَّر الطريق النافذ مسجدا]
(الخامس): إذا غير الطريق النافذ مسجدًا، فهل هو جائز أم لا؟ إلى آخره.
(الجواب): أن الذي رأينا من كلام العلماء-رحمهم الله تعالى- كصاحب الإنصاف وغيره، أنه لا يجوز البناء في طريق نافذ مطلقا، قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، قال شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية: لا يجوز لأحد أن يخرج في طريق المسلمين شيئا من أجزاء البناء حتى إنه يُنْهى عن تجصيص الحائط إلا أن يدخل في حده بقدر الجص. انتهى. فعلى هذا يكون مغصوبا لا تصح الصلاة فيه.
[صلى بجماعة وبعد فراغه رأى في ثوبه أو بدنه نجاسة]
(السادس): إمام صلى بجماعة، وبعد فراغه رأى في بقعته أو ثوبه أو بدنه نجاسة فما حكم صلاته وصلاة من خلفه ... إلى آخره.
الجواب: أما حكم صلاته فعدم الصحة على الصحيح من المذهب، لأن اجتناب النجاسة شرط للصلاة فلم تسقط بالنسيان، ولا بالجهل كطهارة الحدث. وعن الإمام -رحمه الله- أنها تصح إذا نسي، أو جهل قال في الإنصاف: وهي الصحيحة عند أكثر المتأخرين، اختارها المصنف والمجد والشيخ تقي
__________
1 الترمذي: الصوم (697) , وأبو داود: الصوم (2324) , وابن ماجه: الصيام (1660).
(2/ 1/130)

الدين، لكن قال الشيخ: الروايتان في الجاهل، أما الناسي فليس عن الإمام نص فيه قال في الإنصاف: والصحيح أن الخلاف جارٍ في الجاهل والناسي، قاله المجد، وحكى الخلاف فيهما أكثر المتأخرين والله أعلم. وأما المأموم فصلاته صحيحة.
[إخفاء اللقطة وأخذ الجعل على ردها]
(السابع): فيمن التقط لقطة وكتمها فأنشدها صاحبها، وأخرج عليها جعلا فأخذ الملتقط الجعل، وأخرج اللقطة ... إلى آخره؟
الجواب: إن هذه لُقطة، ويكون آثما بتركه التعريف، وحكمه حكم الغاصب فلا يستحق شيئا أصلا. والجعالة قد عرفها الفقهاء -رحمهم الله تعالى- بأنها جعل شيء معلوم لمن يعمل له عملا، فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه، وفي أثنائه استحق حصة تمامه، ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه، وحُرم أخذه. انتهى من التنقيح ملخصا، وبه يحصل الجواب.
[الإشهاد على استئذان البكر]
(الثامن): إذا قال ولي البكر: استأمرتها فلم تتكلم، وشاهد الحال قد قرر ذلك، وعملوا له عمله، فهل يكفي أم لا بد من الإشهاد؟
الجواب: لا يشترط للبكر النطق لحديث: "وإذنها صماتها"1، والإشهاد على استئذانها لا يشترط بل يستحب، لكن لو أنكرته قبل الدخول، فالقول قولها وبعده لا يقبل. وأما الإشهاد على العقد فيشترط لصحة النكاح، وأدلة ذلك معروفة في كتب الحديث والفقه، والله أعلم وصلى الله على محمد.
أملاه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن حسن.
__________
1 مسلم: النكاح (1421) , والترمذي: النكاح (1108) , والنسائي: النكاح (3260,3261) , وأبو داود: النكاح (2098) , وأحمد (1/ 219,1/ 241) , ومالك: النكاح (1114) , والدارمي: النكاح (2188,2189).
(2/ 1/131)

رسالة للشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن
...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين وسلم تسليما.
أما بعد:
[حكم الخروج إلى البادية]
فهذا جواب ما سأل عنه الأخ من السؤالات، أما (السؤال الأول) فهو: ما حكم الخارج إلى ماله في البادية لأجل إصلاحه، ونيته الرجوع إلى بلده وهل يكون عاصيا أم لا؟
(الجواب) وبالله التوفيق: إن الذي نعتقده، وندين الله به في هذه المسائل وغيرها من أصول الدين وفروعه هو ما عليه سلفنا الصالح وعلماؤنا المحققون من الاعتقاد الصحيح لا نخرج عما قالوه واعتقدوه؛ لأنهم على أصل عظيم، وصراط مستقيم، ومنهج واضح سليم؛ فحسبنا أن نسير على منهاجهم ونقتفي آثارهم، وبالله العصمة والتوفيق.
فأما مسألة الخارج من دار هجرته بعدما نزل لأجل تصليح ماله، ونيته الرجوع إلى بلده هل يكون عاصيا؟
(فالجواب): هذا الخارج لا يطلق عليه أنه عاصٍ لله، ولا يدخل في حكم الوعيد المرتب على من تعرب بعد الهجرة بل يُحب، ويوالى لأن خروجه ليس معصية؛ فيعامل بما يعامل به من لم يخرج من بلده لأنه من جملة المهاجرين، وليس له نية إلا الرجوع إلى وطنه والهجرة مع إخوانه؛ فلا يحكم عليه بردة، بل ولا بمعصية.
[باع بيته وخرج إلى البادية وليس من نيته الرجوع]
(وأما المسألة الثانية): وهي ما حكم الذي باع بيته، وخرج إلى البادية، وليس من نيته الرجوع والسكنى، وهو ثابت على ما هو عليه من الإسلام، والتزام شرائعه ومحبة المسلمين، لكن محبته لصيرورته مع البادية.
(2/ 1/132)

(فالجواب): أن هذا يكون مرتكبا معصية، ومتعربا بعد هجرته، وهو داخل في حكم الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن علي -رضي الله- عنه لما عد الكبائر قال: التعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة -يعني جماعة المسلمين-، ونكث الصفقة -يعني نكث بيعة الإمام-؛ فجعل التعرب بعد الهجرة من الكبائر، ولكن لا يكون خروجه وتعربه كفرا ولا ردة، بل هو مسلم عاص يوالى ويحب على ما معه من الإيمان، ويبغض على ما معه من المعصية؛ ولا يعامل بالتعنيف، لأنه بتعربه بعد هجرته لا يدخل في حكم المرتدين، ولا يعامل بما يعامل به المرتد.
[باع بيته وخرج إلى البادية ويصدر منه مسبة للدين]
(وأما المسألة الثالثة): وهي ما حكم الذي باع بيته بعد ما نزله، ثم خرج إلى البادية، ومع ذلك يصدر منه مسبة للدين، وأهل الدين، ويفعل أشياء من المكفرات، وقد قامت عليه الحجة ما حكمه؟
(الجواب): إن هذا إذا كان بهذه الصفة، فهو مرتد قد خرج من الإسلام، ولا ينفعه ما فعله أولا، لأن إقامته عند إخوانه وسماع النصائح والمواعظ وسماع القرآن من أعظم قيام الحجة عليه، لأنه عرف وأنكر. وقد كان سابقا من جملة المسلمين، وإنما رغب عن السكنى، وفعل ما فعل من المسبة وغيرها لخبث في قلبه؛ فهذا يعادى ولا يوالى، ويبغض ولا يحب، وهجره من الواجبات الشرعية إلا إن حصل منه توبة صادقة، فالتوبة تهدم ما قبلها ولا يحال بينه وبين التوبة، والتوبة معروضة، وبابها مفتوح لمن وفقه الله وهداه.
[الهجرة وأنواعها]
(المسألة الرابعة): ما يقال في الهجرة من بين ظهراني المشركين من البادية والحاضرة وفضلها؟ وما الواجب منها؟ وما المستحب؟ وهل بين بادية نجد وغيرهم كعنزة والظفير ومن والاهم من بادية الشمال
(2/ 1/133)

ومن جنوب، إلى ما لا يخفى على المسؤول؟
الجواب: الهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه، وهي أقسام: الأول: هجر المحرمات التي حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله -صلى الله عليه وسلم- على جميع المكلفين وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه، وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه"1 وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية.
(القسم الثاني): الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات. والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم وبطلان ما هم عليه؛ لكن إنما جلس بين ظهرانيهم شحا بالمال والوطن، فهذا عاص ومرتكب محرما، وداخل في حكم الوعيد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} 2 إلى قوله: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} 3. فلم يعذر الله إلا المستضعف الذي لا يقدر على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدر ما عرف سلوك الطريق وهدايته إلى غير ذلك من الأعذار، وقال صلى الله عليه وسلم "من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله" 4، فلا يقال: إنه بمجرد المجامعة، والمساكنة يكون كافرا بل المراد أن من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين، وأخرجوه معهم كرها فحكمه حكمهم في القتل، وأخذ المال، لا في الكفر، وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين
__________
1 البخاري: الإيمان (10) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4996) , وأبو داود: الجهاد (2481) , وأحمد (2/ 192,2/ 209).
2 سورة النساء آية: 97.
3 سورة النساء آية: 99.
4 أبو داود: الجهاد (2787).
(2/ 1/134)

طوعا واختيارا، وأعانهم ببدنه وماله فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر. ومن الهجرة الواجبة أيضا الهجرة من بين ظهراني الأعراب المتظاهرين بالكفر والشرك، وارتكاب بعض المحرمات، وهو عاجز عن إظهار دينه، ولا قدرة له على الإنكار عليهم؛ فهذا هجرته فرض إذا قدر عليها، فإن تركها مع قدرته واستطاعته، فحكمه حكم من هو في بلدان المشركين المتقدم ذكرهم. فهولاء يعادَوْن، ويُبغضون على ما معهم من المعصية ويحبون ويوالَوْن على ما معهم من أصل الإسلام. وهجر هؤلاء ومن تقدم ذكرهم إذا كان فيه مصلحة راجحة وردع لهم وزجر لأمثالهم، ولم يترتب عليه مفسدة، فهو جائز. والمسافر إليهم مرتكب أيضا حراما فيهجر بقدر ذنبه.
قال علماؤنا: المقيم بين ظهراني المشركين والمسافر إليهم لأجل التجارة مشتركون في التحريم، متفاوتون في العقوبة، فعقوبة المقيم أعظم من عقوبة المسافر، وهجر المقيم أغلظ من هجر المسافر؛ فيعاملون بالهجر والمعاداة والموالاة بحسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية.
وأما الهجرة المستحبة، وهي الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا كان مظهرا لدينه، وقد أمن الفتنة على نفسه ودينه فهذا هجرته مستحبة، وكذلك من هو بين ظهراني بعض البوادي الملتزمين لشرائع الإسلام المجتنبين لما حرمه الله عليهم من سفك الدماء ونهب الأموال وغيرها، ولا يوجد عندهم من يجاهر بالمعاصي، فالهجرة حينئذ من بينهم مستحبة، وفيها فضل عظيم، وثواب جزيل لتعلم الخير وإقامة الجمعة وغير ذلك من المصالح التي يعرفها من نور الله قلبه، ورزقه البصيرة.
[حال نجد قبل الدعوة وبعدها]
(وأما المسألة الخامسة): وهي ما حكم من اتصف بالكفر اليوم وقام به
(2/ 1/135)

من بادية نجد؟ هل هو كفر أصلي أم طارئ؟ وهل عمهم الإسلام في وقت دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- أم لا؟
الجواب: اعلم يا أخي -وفقني الله وإياك للصواب- أن أهل نجد، باديتهم وحاضرتهم، قبل دعوة شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، مجدد ما اندرس من معالم الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، قد اشتدت غربة الإسلام فيما بينهم واستحكمت، وعم الشر وطم، وفشا الشرك وشاع الكفر، وذاع في القرى والأمصار والبادية والحضار. وصارت عبادة الطواغيت والأوثان دينا يدينون به، ويعتقدون في الأولياء أنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب، مع تضييع الصلاة، وترك الزكاة وارتكاب المحرمات. ولم يوجد من ينكر ذلك؛ نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير.
فشرح الله صدر إمام الدعوة الإسلامية الشيخ محمد -رحمه الله- فدعا الخلق إلى دين الله، وعرفهم حقيقة العبادة التي خلقوا لها وأمروا بها ودعت إليها الرسل فقاموا له عن ساق العداوة، فعارضوه وصادموه، العلماء منهم والأمراء، وسعوا بالتهييج عليه عند القريب والبعيد ولم يبقوا ممكنا. فعند ذلك ثبته الله، وصبر على أعباء الدعوة ومكابدة من عارضه، ولم يعبأ بمن خالفه لأنه قام مقام نبوة لأن حقيقة ما دعا إليه هي دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. فأعانه على هذه الدعوة والقيام بها، وتحمل عداوة القريب والبعيد وأواه، ونصره الإمام محمد بن سعود وأولاده وإخوانه، فعاضدوه -رحمهم الله- فثبتهم الله، وقوى عزمهم. وبادأهم من بادأهم بالعدواة والقتال وألبوا عليهم؛ فما ثنى عزمهم ولا تضعضعوا، فأظهرهم الله عليهم، وخذل جميع من ناوأهم. فدخل
(2/ 1/136)

كافة أهل نجد والجزيرة من البادية والحاضرة تحت ولايتهم، والتزموا ما دعوا إليه ودانوا به. ولم يوجد في نجد من البادية والحاضرة من لم يدخل في هذا الدين ولم يلتزم شرائعه؛ بل شملتهم الدعوة الإسلامية والتزموا أحكام الإسلام وواجباته. وأقاموا على ذلك مدة سنين في أمن وعافية وعز وتمكين، وبنودهم تخفق شرقا وغربا جنوبا وشمالا، حتى دهمهم ما دهمهم من الحوادث العظام، التي أزعجت القلوب وزلزلتهم من الأوطان، عقوبة قدرية سببها ارتكاب الذنوب والمعاصي، لأن من عصى الله، وهو يعرفه سلط عليه من لا يعرفه، والفتنة التي حلت بهم هي فتنة العساكر التركية والمصرية، فانتثر نظام الإسلام، وشتت أنصاره وأعوانه، وارتحلت الدولة الإسلامية، وأعلن أهل النفاق بنفاقهم، فرجع من رجع إلى دين آبائه وإلى ما كان سابقا من الشرك والكفر، وثبت من ثبت على الإسلام، وقام بهم من أمور الجاهلية أشياء لا تخرج من ثبت منهم عن الإسلام.
إذا تبين لك، هذا فاعلم أن الكفر الموجود في أعراب نجد الذين قد دخلوا في الإسلام سابقا إنما هو كفر طارئ، لا كفر أصلي، فيعامل من وجد منه مكفر بما يعامل به أهل الردة، ولا يحكم عليهم بعموم الكفر؛ لأنه يوجد فيهم من هو ملتزم لشرائع الإسلام وواجباته. وأما من ظاهره الإسلام منهم، ولكن ربما قد يوجد فيهم من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة، وفيهم شيء من أمور الجاهلية ومن أنواع المعاصي، صغائر كانت أو كبائر، فلا يعاملون معاملة المرتدين، بل يعاملون بالنصح برفق ولين، ويبغضون على ما معهم من هذه الأوصاف.
وليعلم أن المؤمن تجب موالاته ومحبته على ما معه من الإيمان، ويبغض
(2/ 1/137)

ويعادى على ما معه من المعاصي، وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة وزجر وردع، وإلا فيعامل بالتأليف وعدم التنفير، والترغيب في الخير برفق ولطف ولين، لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار، والله ولي الهداية.
وبالجملة فهذا الذي نعتقده وندين الله به في هذه المسائل المذكورة وغيرها، فمن نقل عنا خلاف ذلك، وتقول علينا ما لم نقل، فحسابه على الله الذي عنده تنكشف السرائر، وتظهر مخبتآت الصدور والضمائر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم.
قال ذلك ممليه الفقير إلى الله راجي رحمة ربه وعفوه محمد بن عبد اللطيف وذلك في 20 رجب سنة 1336.

انتهى الكتاب والحمد لله.
(2/ 1/138)

رسائل وفتاوى
الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب
المتوفى سنة 1285 رحمهم الله أجمعين

وقبلها
رسالة لحفيده الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف
حفظه الله تعالى
(بعد كتاب الإيمان وملحقاته من صفحة 132 إلى 138)

طبع على نفقة صاحب الجلالة السعودية ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها
أيده الله تعالى

الطبعة الأولى في سنة 1345 هجرية
مطبعة المنار بمصر
(2/ 2/1)

[الرسالة الأولى: الطاعة سبب الخير والمعصية سبب الشر]
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام الأكرم فيصل بن تركي، سلمه الله وهداه، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد):
فالواجب علينا وعليكم التناصح في دين الله، والتذكير بنعم الله وأيامه، فإن في ذلك من المصالح الخاصة والعامة ما لا يحيط به إلا الله، وفي الحديث: "ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة".
ولله حق وعبودية على خلقه بحسب وسعهم وقدرتهم، ولذلك كان على ولاة الأمور، ورؤساء الناس المطاعين فيهم ما ليس على عامتهم وسوقتهم. وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل وقبول ما جاؤوا به.
كل شر في الدنيا والآخرة إنما حدث ووقع بمعصية الله ورسله، والخروج عما جاؤوا به من النور والهدى، وهذه الجملة شرحها يطول وتفاصيلها لا يعلمها إلا الله الذي {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} 1. والسير والاعتبار، والاستقراء، والقصص، والأمثال، والشواهد النقلية والعقلية تدل على هذا، وترشد إليه، وبعض الأذكياء يعرف ذلك في نفسه وأهله وولده ودابته، قال بعضهم: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق أهلي ودابتي.
واللبيب يدرك من الأمور الجزئية والكلية ما لا يدركه الغبي الجاهل، ويكفي المؤمن قوله -تعالى-: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} 2، فهذه الآية يدخل فيها كل نعيم باطنا وظاهرا في الدنيا والآخرة، وفي البرزخ.
وقد قال -تعالى-: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ
__________
1 سورة سبأ آية: 3.
2 سورة الانفطار آية: 13.
(2/ 2/2)

وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} 1 الآية. ويدخل في هذا كل شيء من المصائب والجزاء، حتى الشرك، والهم والحزن؛ لكن المؤمن يثاب على ذلك، ويكفر عنه بإيمانه كما دل على ذلك الحديث.
إذا عرف هذا، فكثير من الناس يعرف أن المصائب والابتلاء حصل بسبب الذنوب، ويقصد الخروج منها والتوبة، ولا يوفق - نعوذ بالله من ذلك -، وذلك لأسباب: منها: جهله بالذنوب، ومراتبها، وحالها عند الله. ومنها: جهله بالطريق التي تخلصه منها، وتنقذه من شؤمها وشرها وتبعتها. ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، وما يخلص منه إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفة ما جاء به من الهدى ودين الحق إجمالا وتفصيلا؛ فإنه الواسطة بين العباد وبين ربهم في إبلاغ ما يحبه الرب ويرضاه، ويريده من عباده، ويوجب السعادة والنعيم والفلاح في الدنيا والآخرة، وفي إبلاغ ما يضرهم ويسخط ربهم، ويوجب الشقاوة، والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. فكل طريق غير طريقه مسدود على سالكيه، وكل عمل ليس عليه رسمه وتقريره، فهو رد على عامليه.
وقد عرفتم -أرشدكم الله تعالى- أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، وأهل الأرض قد عمتهم الجهالة، وغلبت عليهم الضلالة، عربيهم وعجميهم، إلا من شاء الله من بقايا أهل الكتاب.
فأول دعوته -صلى الله عليه وسلم- ورسالته، وقاعدة قبوله: رد الخلق إلى الله، وأمرهم بعبادته وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة، والبراءة منهم؛ وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص، وهو أول دعوة الرسل، وأول الواجبات والفرائض.
ومكث -عليه الصلاة والسلام-
__________
1 سورة النساء آية: 123.
(2/ 2/3)

مدة من الدهر نحو العشر بعد النبوة يدعو إلى هذا ويأمر به، وينهى عن الشرك وينذر عنه، وفرض الفرائض وبقية الأركان بعد ذلك منجما.
إن هذا هو أهم الأمور وأوجبها على الخلق كما في حديث: "رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد"1. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يبعث عماله، ويرسل رسائله إلى أهل الأرض، ويدعوهم إلى هذا يبدأ به قبل كل شيء، ولا يأمر بشيء من الأركان إلا بعد التزامه ومعرفته، كما دل عليه حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن، وغيره من الأحاديث.
وفي أوقاتنا بعد العهد بآثار النبوة، وطال الزمن، وكاد يشبه زمن الفترة لغلبة الجهل، وشدة الغربة.
وقد من الله لهذه الأقطار بشيخ الإسلام -رحمه الله-، فقام في تجديد الدين وتمهيد قواعد الملة أتم قيام، حتى ظهر -بحمد الله- منار التوحيد والإسلام، ووازره على ذلك من أسلافكم وأعمامكم من وازره رحمة الله عليهم أجمعين.
وبعدهم حصل من الناس ما لا يخفى من الإعراض والإهمال، وعدم الرغبة والتنافس فيما أوجبه الرب من توحيده وفرضه على سائر عبيده، وقل الداعي إلى ذلك، والمذكر به، والمعلم له في القرى والبوادي، والتساهل في هذه الأمور العظام التي هي آكد مباني الإسلام، يوجب للرعية أن يشب صغيرهم، ويهرم كبيرهم على حالة جاهلية لا يعرف فيها الأصول الإيمانية، والقواعد الإسلامية. والله سائلنا وسائلك عن ذلك كل بحسب قدرته وطوقه. والجهل والظلم غالب على النفوس، ولها وللشيطان حظ كبير في ذلك، والنفوس الجاهلية المعرضة عن العلم النبوي يسرع إليها الشرك والتنديد أسرع من السيل إلى منحدره.
والواجب مراعاة هذا الأصل، والقيام فيه، وبعث الدعاة إليه، وجعل
__________
1 الترمذي: الإيمان (2616) , وابن ماجه: الفتن (3973) , وأحمد (5/ 231).
(2/ 2/4)

أموال الله التي بأيديكم آلة له ووقاية وإعانة؛ فإن هذا من أفرض الفرائض وألزمها، ولم تشرع الإمامة والإمارة إلا لأجل ذلك، والقيام به.
وبقاء الإسلام والإيمان في استقامة الولاة والأئمة على ذلك، وزوال الإسلام والإيمان وانقضاؤه بانحرافهم عن ذلك، وجعل الهمة والأموال والقوة مصروفة في غيره، مقصودا به سواه من العلو والرياسة والشهوات.
ولذلك وقع في آخر بني العباس ما وقع من الخلل والزلل، واشتدت غربة الإسلام، وظهرت البدع العظام، وأظهر الكفر أعلامه وشعاره، وبنيت المساجد على القبور، وأسرجت عليها السرج، وأرخيت عليها الستور، وهتف أكثر الناس في الشدة بسكان القبور، وذبحوا لها القرابين ونذرت لها النذور، وبنيت الهياكل للنجوم، وخاطبها بالحوائج كل مشرك ظلوم. وسرى هذا في الناس حتى فعله من يظن أنه من الأخيار والأكياس، وكثير منهم يظن أن هذا هو الإسلام، وأنه مما جاء به سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام. وهل وقع ذلك وصار على تطاول الدهر والأعصار إلا بسبب إهمال الرؤساء والملوك الذين استكبروا في الأرض، ولم يرفعوا رأسا بما جاءت به الأنبياء، وقنعوا بمجرد الاسم والانتساب من غير حقيقة.
قال الله -تعالى-: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} 1 الآية.
[واجب الولاة المحافظة على دين الرعية]
فأهم المهمات وآكد الأصول والواجبات، التفكر في هذا، وتفقد الرعية، الخاصة والعامة، البادية والحاضرة، لأنك مسؤول عنهم، والسؤال يقع -أولا- عن الدين قبل الدنيا، وفي الحديث: "كلكم راع وكل مسئول عن رعيته"2، وفي الحديث الصحيح: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما
__________
1 سورة غافر آية: 47.
2 البخاري: الجمعة (893) , ومسلم: الإمارة (1829) , والترمذي: الجهاد (1705) , وأبو داود: الخراج والإمارة والفيء (2928) , وأحمد (2/ 108).
(2/ 2/5)

هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي. وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أوفوا ببيعة الأول، أعطوهم حقهم، فإن الله عز وجل سائلهم عما استرعاهم عليه"1. 2 ففتش عقائدهم، وانظر في توحيدهم وإسلامهم خصوصا مثل أهل الأحساء والقطيف؛ اشتهر عنهم ما لا يخفاك من الغلو في أهل البيت، ومسبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم التزام كثير من أصول الدين وفروعه، وكونهم يسرون ذلك ويخفونه مما لا يسقط عنك وجوب الدعوة، والتعليم، والنصح لله بظهور دينه، وإلزامهم به، وتعليم صغارهم وكبارهم؛ فإنك مسؤول عن ذلك، والحمل ثقيل، والحساب شديد.
وفي الطبراني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل بشر بن عاصم على صدقات هوازن، فتخلف بشر، فلقيه عمر، فقال: ما خلفك؟ أما لنا عليك سمع وطاعة؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من ولي شيئا من أمر المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم؛ فإن كان محسنا نجا، وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا"، فرجع عمر كئيبا حزينا. جعلك الله من الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب.
ومن الدعوة الواجبة والفرائض اللازمة: جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه، من البادية أو غيرهم، وكثير من بادية نجد يكفي فيهم المعلم، وأما من يليهم من المشركين مثل الضغير وأمثالهم فيجب جهادهم ودعوتهم إلى الله.
وقد أفلح من كان لله محياه ومماته، وخاف الله في الناس، ولم يخف
__________
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3455) , ومسلم: الإمارة (1842) , وابن ماجه: الجهاد (2871) , وأحمد (2/ 297).
2 الحديث في صحيح مسلم وفيه "أوفوا بيعة الأول فالأول" وليس في آخره كلمة عليه - وكتبه محمد رشيد رضا.
(2/ 2/6)

الناس في الله، وفي الحديث: "مثل المجاهد في سبيل الله، والله أعلم بمن يجاهد في سبيله، كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر وغنيمة"1. 2
[المحافظة على عقائد العامة]
وكذلك يجب على ولي الأمر أن يقدم على من نسب عنه طعن وقدح في شيء من دين الله ورسوله، أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم، مثل من ينهى عن تكفير المشركين، ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس، لأنهم يدَّعُون الإسلام، ويتكلمون بالشهادتين، وهذا الجنس ضرره على الإسلام -خصوصا على العوام- ضرر عظيم يخشى منه الفتنة. وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبه المشبهين وزيغ الزائغين، بل تجده -والعياذ بالله- سلس القياد لكل من قاده أو دعاه، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا على ركن وثيق، أقرب شبها بهم الأنعام السارحة.
فإذا تيسر لكم -إن شاء الله- الاهتمام والقيام بهذا الأصل العظيم، فينظُر بعد هذا في أحوال الناس في الصلوات الخمس المفروضات؛ فإنها من آكد الفروض والواجبات، وفي الحديث: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة"، وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء، وقد قال -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} 3 الآية. فيلزم جعل نواب يأمرون بما أمر الله به ورسوله من إقام الصلاة في المساجد في أوقاتها، ويؤدبون من عرف منه
__________
1 البخاري: الجهاد والسير (2787).
2 هذا لفظ البخاري وفي مسلم وغيره زيادة عليه.
3 سورة البينة آية: 5.
(2/ 2/7)

كسل، أو ترك، أو إهمال أدبا يردع أمثاله. وعلى أئمة المساجد تعليم ما يشترط لها، وما يجب فيها من الأعمال والأقوال.
وبعد هذا، يلتفت إلى النظر في أمر الزكوات الشرعية وجبايتها على الوجه الشرعي من الأنعام والثمار والنقود والعروض، ويكون مع كل عامل رجل له معرفة بالحدود الشرعية والأحكام الزكوية، ويحذر عن الزيادة عما شرعه الله ورسوله؛ فلا يؤخذ إلا مما وجبت فيه الزكاة، وتم نصابه، وحال حوله؛ وكثير من العمال يخرص جميع الثمار وإن لم تنصب. وأخذ الزكاة من شيء لم يوجبه الله ولا رسوله فيه ظلم بين وتعد ظاهر، حمانا الله وإياكم منه.
وكذلك ما يتبع الزكاة من النائبة قد أغنى الله عنها، وجعل فيما أحل غناء عما منع وحرم؛ ومن الواجبات على ولي الأمر ترك ذلك لله، وفي بيت المال ما يكفي الضيف ونحوه إن حصل تسديد، ومنّ الله بتوفيق من عنده.
وكذلك ما يؤخذ من المسلمين في ثغر القطيف من الأعشار لا يليق، ولا يجوز التعشير في أموال المسلمين؛ ويلزم ولي الأمر -أيده الله- أن يلزم التجار الزكوات الشرعية قهرا، ويدع ما لا يحل.
ومن الواجب تمييز الأموال الداخلة على ولي الأمر، فإن الله ميزها في كتابه وقسمها؛ فلا يحل تعدي ذلك وخلطها بحيث لا يمكن تمييز الزكاة من الفيء والغنائم، فإن لهذا مصرفا ولهذا مصرفا؛ ويجب على ولي الأمر صرف كل شيء في محله، وإعطاء كل ذي حق حقه، أهل الزكاة من الزكاة، وأهل الفيء من الفيء، ويعين ذلك في الأوامر التي تصدر من الإمام لوكيل بيت المال.
ويجب تفقد من في بلاد المسلمين من ذوي القربى في الفيء والغنيمة
(2/ 2/8)

فإن هذا من آكد الحقوق وألزمها لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بهم من عرف التوحيد والتزمه، وأهل الإسلام ما صالحوا (؟) من عاداهم إلا بسيف النبوة وسلطانها، خصوصا دولتكم فإنها ما قامت إلا بهذا، وهذا أمر يعرفه كل عالم، وفي الحديث: "إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ورب متخوض في مال الله بغير حق ليس له يوم القيامة إلا النار"1. عافانا الله وإياكم من النار، وأعمال أهل النار.
[حرمة أموال الناس ودمائهم]
وكل من أخذ مالا يستحقه من الولاة والأمراء والعمال فهو غال، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر الغلول وعظمه، وعظم أمره، حتى قال: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها أعار 2، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة
__________
1 مسلم: الزكاة (1035) , والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2463) , والنسائي: الزكاة (2531,2601,2602,2603) , وأحمد (3/ 434) , والدارمي: الزكاة (1650) والرقاق (2750).
2 كذا في الأصل والمعروف في الروايات، وكتب اللغة يعار بالياء المضمومة يعرث الشاة أو العنز تيعر - وفي صحيح مسلم وغيره (لها ثغاء) بالمثلثة المضمومة وهو صوت الشاة من الضان.
(2/ 2/9)

على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغتك".
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن هدايا العمال غلول، فقال: "هدايا العمال غلول"1. فينبغي التفطن لهذه الأمور لئلا يقع فيها وهو لا يدري.
وكذلك ينبغي تفقد أمر الناس في الحج، والقيام على من تركه وهو يستطيعه، وهو ركن من أركان الإسلام؛ ويذكر عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أضع الجزية على من ترك الحج. وبعض السلف يكفر من تركه، وأمر الرعية بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يسع أحدا تركه.
وكذلك القيام على الناس (ومنعهم) عن التعدي في الدماء والأموال وقطع السبيل، فهذا من الفساد في الأرض، والمحاربة لله ورسوله؛ فإن لم ينتهوا إلا بغزوهم لزم الإمام أن يبعث السرايا لحربهم. ولما تعرض الفجاء السلمي للناس يأخذ ويقتل من مسلم وكافر، بعث أبو بكر رضي الله عنه جيشا فظفروا به فأحرقه بالنار. ويذكر عن حسان أنه قال:
وما الدين إلا أن تقام شريعة ... وتأمن سبل بيننا وشعاب
وكذلك ما حدث من الدفنان للبادية إذا أخذوا المسلمين، وقتلوا لما فيه من ترك حقوق المسلمين في الدماء والأموال مع القدرة على استيفائها، والقيام بالعدل الذي أمر الله به ورسوله كما قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ} 2 الآية.
فتأمل هذه الموعظة، وما ختمها به من هذين الوصفين العظيمين وقال -تعالى-: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} 3 الآية.
فالواجب على من نصح نفسه أن لا يحكم إلا بحكم الله ورسوله، فإن لم
__________
1 أحمد (5/ 424).
2 سورة النساء آية: 58.
3 سورة النساء آية: 65.
(2/ 2/10)

يفعل وقع في خطر عظيم من تقديم الآراء والأهواء على شرع الله ورسوله، قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-:
والله ما خوفي الذنوب فإنها ... لعلى طريق العفو والغفران
لكنني أخشى انسلاخ القلب من ... تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآراء الرجال وخرصها ... لا كان ذاك بمنة الرحمن
[تفقد الإمام لدين رعيته]
ومما يجب على ولي الأمر: تفقد الناس من الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بإزالة أسبابها، وكذلك بخس الكيل والميزان، والربا؛ فيجعل في ذلك من يقوم به، من له غيرة لدين الله وأمانة.
وكذلك مخالطة الرجال للنساء، وكف النساء عن الخروج إذا كانت المرأة تجد من يقضي حاجتها من زوج أو قريب أو نحو ذلك، وكذلك تفقد أطراف البلاد في صلاتهم، وغير ذلك مثل أهل النخيل النائية، لأنه ربما يقع فيها فساد ما يدري عنه، وأكثر الناس ما يبالي، ولو فعل ما نهي عنه، وفي الحديث: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء"1، وفي الحديث -أيضا-: "ما ظهرت الفاحشة في قوم إلا ابتلوا بالطواعين والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا"2. نعوذ بالله من عقوبات المعاصي ونسأله العفو والعافية في الدنيا والأخرة.
وكذلك التوسع في لبس الحرير، وما زاد على المباح؛ وهو مما نهى الله عنه، ونهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ونص على تحريمه، ولا يجوز تتبع الرخص 3.
__________
1 البخاري: النكاح (5096) , ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2740,2741) , والترمذي: الأدب (2780) , وأحمد (5/ 200,5/ 210).
2 ابن ماجه: الفتن (4019).
3 لعله ذكر الرخص هنا لما روي من ترخيص النبي (ص) بلبس الحرير لذي العمل والحكمة، وترجيحه أن العشرة من الصحابة الذين روي عنهم لبس الحرير كانوا مترخصين به لأعذار لهم.
(2/ 2/11)

ومن الأصول التي تدور عليها الأحكام حديث: "إنما الأعمال بالنيات"1، وحديث "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"2، وحديث: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه"3 فكل أمر ينبغي لذوي العقول أن يتركوا ما تشابه منه، قد يقع فيه خلاف من بعض العلماء، فلا ينبغي أن يرخص لنفسه في أمر قد ظهرت فيه أدلة التحريم، فاجتنابه من تقوى الله وخوفه، وتركه مخافة الله من الأعمال الصالحة، التي تكتب له حسنات.
ومما يجب النهي عنه: الإسبال، كما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: "ما أسفل من الكعبين من الإزار 4 فهو في النار"، وفي الحديث: "بينما رجل يجر إزاره خيلاء، أمر الله الأرض أن تأخذه؛ فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة"5.
وكذلك التشبه باليهود والمجوس في ترك الشوارب، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإحفائها مخالفة لليهود والمجوس، فقال صلى الله عليه وسلم "احفوا الشوارب واعفوا اللحى، وخالفوا اليهود". والذي فيه دين ورغبة
__________
1 البخاري: بدء الوحي (1) , ومسلم: الإمارة (1907) , والترمذي: فضائل الجهاد (1647) , والنسائي: الطهارة (75) والأيمان والنذور (3794) , وأبو داود: الطلاق (2201) , وابن ماجه: الزهد (4227) , وأحمد (1/ 25,1/ 43).
2 البخاري: الصلح (2697) , ومسلم: الأقضية (1718) , وأبو داود: السنة (4606) , وابن ماجه: المقدمة (14) , وأحمد (6/ 240,6/ 270).
3 البخاري: الإيمان (52) , ومسلم: المساقاة (1599) , والترمذي: البيوع (1205) , والنسائي: البيوع (4453) , وأبو داود: البيوع (3329) , وابن ماجه: الفتن (3984) , وأحمد (4/ 269) , والدارمي: البيوع (2531).
4 سقط من الأصل كلمة (من الإزار)، وهي في نص البخاري، ولا يصح المعنى إلا بها، والمراد من الإزار موضعه، وقد نص الشافعي على أن تحريم هذه الزيادة في الإزار ونحوه مخصوص بما إذا قصد به الخيلاء، فإن لم يكن للخيلاء كره تنزيها، كما في شروح البخاري، وهذا التخصيص أخذه الشافعي من حديث جر الإزار.
5 أحمد (2/ 493).
(2/ 2/12)

في الخير ما يرضى لنفسه أن يخالف ما أمر الله به ورسوله، ويقتدي باليهود والمجوس والمتكبرين.
[السمع والطاعة لله ولرسوله]
وكل ما أمر الله به ورسوله فينبغي للعبد أن يمتثل ويسمع ويطيع لما في ذلك من المنافع الكثيرة، وما في خلافه من الإثم، قال -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} 1. فعلى الإمام أن يأمر النواب من رأوه تاركا للأمر أن يقوموا عليه، ويلزموه الطاعة؛ حتى تظهر طاعة الله ورسوله في المسلمين، ويمتازون بذلك عمن خالفهم في الدين من أهل الجفاء والغلظة والغفلة والإعراض. نسأل الله العفو والعافية، فإنها قد عمت البلوى بهذا بكثير، لما قام بقلوبهم من ضعف الإيمان، وعدم الرغبة فيه.
[من واجبات الإمام إعانة طالب العلم]
وكذلك يجب على الإمام: النظر في أمر العلم، وترغيب الناس في طلبه، وإعانة من تصدى للطلب لقلة العلم وكثرة الجهل. وإن كان قد قام ببعض الواجب فينبغي له أن يهتم بهذا الأمر لفضيلة العلم، وكثرة ثواب من قام به وأعان عليه؛ فإن أكثر من يطلب العلم فقراء، ويحتاجون إلى الإعانة على فقرهم لما يكون لهم فيه سعة. وطلب العلم اليوم من الفرائض كما لا يخفى على الإمام وغيره، وفي الحديث الصحيح: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم"2. وهذا ما يحصل إلا باعتناء الإمام، وتأليفه للطالب؛ فإذا كثر العلم وقل الجهل بسببه حصل له من الخير والحسنات ما لا يحصيه إلا الله إن قبله الله؛ وبالغفلة عن طلبه العلم تضعف هممهم، ويقل طلبهم.
وفي مناقب عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أنه إذا أراد أن يحيي سنة أخرج من العطاء مالا كثيرا، فإذا نفروا من هذا رغبوا إلى
__________
1 سورة الأحزاب آية: 36.
2 الترمذي: الزهد (2322) , وابن ماجه: الزهد (4112).
(2/ 2/13)

هذا، فلله دره -رحمه الله- ما أحسن نظره لنفسه، ولمن ولاه الله عليهم.
وهذا الذي ذكرنا من الأمور البينة التي ينبغي التنبه عليها بخصوصها؛ وأما الأمور التي بين الله وبين العبد التي فيها صلاح القلوب ومغفرة الذنوب من إتعاب النفس فيما يحبه الله ويرضاه مما يقع له وعليه. فهذا باب واسع، ولا يدرك هذا إلا من جعل الله له رغبة في تدبر كتابه، ومعرفة صفة أهل الإيمان والتقوى الذين أعد الله لهم الجنة، ويجاهد نفسه على ذلك فعلا وتركا.
وعلى كل من نصح نفسه أن يحذر من كبائر القلوب التي هي من أعظم الذنوب، ولا يأمن مكر الله، وليكن لنفسه أشد مقتا منه لغيره. وليكن معظما للأمر والنهي، مفكرا فيما يحبه الله ويرضاه، متدبرا لكتابه محبة لربه ورغبة في ثوابه، وخوفا من غضبه وعقابه.
ومن الواجب على كل أحد أن يحب في الله، ويبغض في الله، ويعادي في الله، ويوالي في الله، ويحب أولياء الله أهل طاعته، ويعادي أعداء الله أهل معصيته. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
صنف هذه الرسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجدد دين الله في نجد وغيرها في القرن الثاني عشر من الهجرة، صنفها في شدة مرضه؛ إعذارا وإنذارًا لإمام وقته فيصل بن تركي آل سعود رحمة الله عليهم أجمعين.
(2/ 2/14)

الرسالة الثانية
[إخلاص العبادة لله وحده]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم كثيرا وعلى آله وصحبه.
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ عبد اللطيف ابن حامد، وفقه الله -تعالى- لتوحيده، وجعله من صالحي عبده. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد):
فقد وصل إلينا خطك، ومعه نسخة الأسئلة، وسرنا ما كنت عليه مستقيما من دين الإسلام، الذي اشتدت غربته بين جميع الأنام. فأنا أذكر جواب ما سألت عنه على طريق الاختصار والإيجاز.
(السؤال الأول) عما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل"1.
فاعلم أن (لا إله إلا الله) هي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى. وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم الخليل -عليه السلام- باقية في عقبه لعلهم يرجعون؛ ومعناها نفي الشرك في الألوهية عما سوى الله، وإفراد الله تعالى بالألوهية. والألوهية هي تأله القلب بأنواع العبادة كالمحبة، والخضوع، والذل بالدعاء، والاستعانة، والرجا والخوف
__________
1 مسلم: الإيمان (23) , وأحمد (3/ 472).
(2/ 2/15)

والرغبة والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادة التي ذكر الله في كتابه العزيز أمرا وترغيبا للعباد أن يعبدوا بها ربهم وحده. وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنية والظاهرة. وكل فرد من أفراد العبادة لا يستحق أن يقصد به إلا الله وحده، فمن صرفه لغير الله فقد أشركه في حق الله الذي لا يصلح لغيره، وجعل له ندا. وقد عمت البلوى بهذا الشرك الأكبر، بأرباب القبور، والأشجار، والأحجار، واتخذوا ذلك دينا زعموا أن الله -تعالى- يحب ذلك ويرضاه؛ وهو الشرك الذي لا يغفره الله كما قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 1، وقال -تعالى-: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} 2 وقال -تعالى- في معنى هذا التوحيد: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} 3 أي: أمر ووصى، وهذا معنى لا إله إلا الله، فقوله: {أَلَّا تَعْبُدُوا} 4 هو معنى لا إله في كلمة الإخلاص، وقوله: {إِلَّا إِيَّاهُ} 5:هو معنى الاستثناء في لا إله إلا الله، ونظائر هذه الآية في القرآن كثير كما سنذكر بعضه.
وقال -تعالى-: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} 6: وهذا نهي عام يتناول كل مدعو من ملك أو نبي أو غيرهما، فإن أحدا نكرة في سياق النهي، وهي تعم. وأمثال هذه الآية كثير، كقوله -تعالى-: {قلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} 7. وفي حديث معاذ الذي في الصحيحين: "فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"8 وفيهما -أيضا-: "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار"9.
وإخلاص العبادة لله -تعالى- هو التوحيد الذي جحده المشركون قديما وحديثا، ولما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقومه وغيرهم من
__________
1 سورة النساء آية: 48.
2 سورة المائدة آية: 72.
3 سورة الإسراء آية: 23.
4 سورة الإسراء آية: 23.
5 سورة الإسراء آية: 23.
6 سورة الجن آية: 18.
7 سورة الجن آية: 20.
8 البخاري: الجهاد والسير (2856) , ومسلم: الإيمان (30) , والترمذي: الإيمان (2643) , وابن ماجه: الزهد (4296) , وأحمد (3/ 260,5/ 228).
9 البخاري: تفسير القرآن (4497) , وأحمد (1/ 374,1/ 402,1/ 407,1/ 462,1/ 464).
(2/ 2/16)

أحياء العرب: "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"1، قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 2 إلى قوله: {وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} 3، فعرفوا معنى لا إله إلا الله، وأنه توحيد العبادة، لكن جحدوه كما قال عن قوم هود: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} 4، وقال -تعالى-، عن مشركي هذه الأمة: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} 5، عرفوا أن المراد من لا إله إلا الله: ترك الشرك في العبادة، وأن يتركوا عبادة ما سواه مما كانوا يعبدونه من ملك، أو نبي، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك.
فإخلاص العبادة لله هو أصل دين الإسلام الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه؛ وهو سر الخلق، قال -تعالى- لنبيه: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} 6، وقال -تعالى-: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} 7. فإسلام الوجه هو إخلاص الأعمال الباطنة والظاهرة، كلها لله، وهذا هو توحيد الألوهية وتوحيد العبادة وتوحيد القصد والإرادة؛ ومن كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهي لا إله إلا الله. فإن مدلولها نفي الشرك وإنكاره، والبراءة منه، وإخلاص العبادة لله وحده، وهو معنى قول الخليل: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 8.
وهذا هو الإخلاص الذي هو دين الله، الذي لم يرض لعباده دينا سواه، كما قال -تعالى-: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 9 والدين هو العبادة، وقد فسره أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالدعاء، وهو بعض أفراد العبادة كما
__________
1 أحمد (3/ 492).
2 سورة ص آية: 5.
3 سورة ص آية: 6.
4 سورة الأعراف آية: 70.
5 سورة الصافات آية: 35.
6 سورة الرعد آية: 36.
7 سورة لقمان آية: 22.
8 سورة الأنعام آية: 79.
9 سورة الزمر آية: 2.
(2/ 2/17)

في السنن من حديث أنس: "الدعاء مخ العبادة"1، وحديث النعمان ابن بشير: "الدعاء هو العبادة"2 أي: معظمها، وذلك أنه يجمع من أنواع العبادة أمورا سنذكرها -إن شاء الله تعالى-.
وقال -تعالى-: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} 3، وقال -تعالى-: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 4. والدعاء في هذه الآية هو الدعاء بنوعيه: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 5 والحنيف هو الراغب عن الشرك، المنكر له، وقد فسره ابن القيم -رحمه الله- بتفسير شامل لمدلول لا إله إلا الله فقال: الحنيف المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه، وهذا التوحيد هو الذي أنكره أعداء الرسل من أولهم إلى آخرهم؛ وقد بيّن -تعالى- ضلالهم بالشرك، كما قال -تعالى-: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} 6.
[لا بد من توحيد الإلهية والربوبية معًا]
وقال -تعالى-: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 7، وهذا المذكور في هذه الآية هو توحيد الربوبية. ومشركو العرب والأمم لم يجحدوه، بل أقروا به لله، فصار حجة عليهم فيما جحدوه من توحيد الألوهية، ولهذا قال، بعد هذه الآية: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} 8، وقال -تعالى-: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} 9.
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا، بل القرآن من أوله إلى أخره يدل على هذا التوحيد مطابقة وتضمنا والتزاما، وهو الدين الذي بعث به المرسلين من أولهم
__________
1 الترمذي: الدعوات (3371).
2 الترمذي: تفسير القرآن (2969) , وابن ماجه: الدعاء (3828).
3 سورة الزمر آية: 14.
4 سورة غافر آية: 22.
5 سورة البينة آية: 5.
6 سورة الفرقان آية: 3.
7 سورة الأحقاف آية: 4.
8 سورة الأحقاف آية: 5.
9 سورة الحج آية: 71.
(2/ 2/18)

إلى آخرهم كما قال -تعالى-: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} 1، فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الله -تعالى- إنما أراد من عباده أن يخلصوا له العبادة، وهي أعمالهم، ونهاهم أن يجعلوا له شريكا في عباداتهم وإراداتهم التي لا يستحقها غيره كما تقدم، قال -تعالى-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} 2، وقال -تعالى-: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} 3، وقال -تعالى-: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} 4، والمراد تطهيره عن الشرك في العبادة، ولهذا قال -تعالى-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} 5.
[معنى لا إله إلا الله كما فسرها القرآن]
وقد بين الله -تعالى- في مواضع من القرآن معنى كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله)، ولم يكل عباده في بيان معناها إلى أحد سواه، وهو صراطه المستقيم؛ كما قال: {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} 6، وقال -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 7، فعبر عن معنى لا إله بقوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} 8، وعبر عن معنى إلا الله بقوله: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} 9؛ فتبين أن معنى لا إله إلا الله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله -تعالى- كما تقدم. وهذا واضح بيّن لمن جعل الله له بصيرة ولم تتغير فطرته، فلا يخفى إلا على من عميت بصيرته بالعوائد الشركية، وتقليد من خرج عن الصراط المستقيم من أهل الأهواء والبدع والضلال: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ
__________
1 سورة الأحقاف آية: 21.
2 سورة النساء آية: 36.
3 سورة الحج آية: 34.
4 سورة الحج آية: 26.
5 سورة الحج آية: 30.
6 سورة يس آية: 61.
7 سورة الزخرف آية: 26.
8 سورة الزخرف آية: 26.
9 سورة الزخرف آية: 27.
(2/ 2/19)

اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 1.
وقال -تعالى- في بيان معناها: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 2 والمعنى: أيّ بعض كان، من نبي أو غيره كالمسيح ابن مريم، والعزير ونحوهما، وفي قوله: {أَلَّا نَعْبُدَ} 3 معنى لا إله وقوله: {إِلَّا اللَّهَ} 4 هو المستثنى في كلمة الإخلاص. وهذا التوحيد هو الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وغيرهم من الإنس والجن كما قال -تعالى-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 5، وقد قال -تعالى- في معنى هذه الكلمة عن أصحاب الكهف: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} 6.
ففي قولهم: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ} 7 معنى لا إله، وقولهم: {إِلَّا اللَّهَ} هو المستثنى في كلمة الإخلاص وقال -تعالى-: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا} 8 إلى قوله: {لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ} 9، فتقرر بهذا أن الألوهية هي العبادة، وأن من صرف شيئا لغير الله فقد جعله لله ندا، والقرآن كله في تقرير معنى لا إله إلا الله، وما تقتضيه، وما تستلزمه، وذكر ثواب أهل التوحيد، وعقاب أهل الشرك، ومع هذا البيان الذي ليس فوقه بيان، كثر الغلط في المتأخرين من هذه الأمة في معنى هذه الكلمة، وسببه تقليد المتكلمين الخائضين؛ فظن بعضهم أن معنى لا إله إلا الله إثبات وجود الله -تعالى- ولهذا قُدّر الخبر المحذوف في لا إله إلا الله، وقالوا: لا إله موجود إلا الله، ووجوده -تعالى- قد أقر به المشركون الجاحدون لمعنى هذه الكلمة.
وطائفة ظنوا أن معناها قدرته على الاختراع، وهذا معلوم بالفطرة، وما يشاهد من عظيم مخلوقات الله كخلق السموات والأرض، وما فيها من عجائب المخلوقات، وبه استدل الكليم موسى -عليه الصلاة والسلام-
__________
1 سورة النور آية: 40.
2 سورة آل عمران آية: 64.
3 سورة آل عمران آية: 64.
4 سورة آل عمران آية: 64.
5 سورة يوسف آية: 108.
6 سورة الكهف آية: 16.
7 سورة الكهف آية: 16.
8 سورة الكهف آية: 14.
9 سورة الكهف آية: 14.
(2/ 2/20)

على فرعون لما قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} 1. وفي سورة بني إسرائيل: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} 2، ففرعون يعرف الله، ولكن جحده مكابرة وعنادا، وأما غير فرعون من أعداء الرسل من قومهم ومشركي العرب ونحوهم، فأقروا بوجود الله -تعالى- وربوبيته، كما قال -تعالى-: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} 3، وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 4 فلم يدخلهم ذلك في الإسلام لما جحدوا ما دلت عليه لا إله إلا الله من إخلاص العبادة بجميع أفرادها لله وحده.
وفي الحديث الصحيح: "من مات وهو يدعو لله ندا، دخل النار"5، وتقدم فيما تقدم من قول قوم هود: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} 6 دليل على أنهم أقروا بوجوده، وربوبيته، وأنهم يعبدونه، لكنهم أبوا أن يجردوا العبادة لله وحده دون آلهتهم التي كانوا يعبدونها معه؛ فالخصومة بين الرسل وأممهم ليست في وجود الرب، وقدرته على الاختراع؛ فإن الفِطَر والعقول دلتهم على وجود الرب، وأنه رب كل شيء ومليكه، وخالق كل شيء، والمتصرف في كل شيء، وإنما كانت الخصومة في ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله كما قال -تعالى-: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} 7.
وقال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ
__________
1 سورة الشعراء آية: 23.
2 سورة الإسراء آية: 102.
3 سورة الزخرف آية: 9.
4 سورة الزخرف آية: 87.
5 البخاري: تفسير القرآن (4497) , وأحمد (1/ 374,1/ 402,1/ 407,1/ 462,1/ 464).
6 سورة الأعراف آية: 70.
7 سورة هود آية: 25.
(2/ 2/21)

تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} 1.
[الشرك في هذه الأمة كسائر الأمم]
فالشرك في العبادة هو الذي عمت به البلوى في الناس قديما وحديثا كما قال -تعالى-: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} 2، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع. ولهذا أنكر كثير من أعداء الرسل في هذه الأزمنة وقبلها على من دعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، وجحدوا ما جحدته الأمم المكذبة من التوحيد، واقتدوا بمن سلف من أعداء الرسل في مسبتهم من دعاهم إلى إخلاص العبادة لله ونسبته إلى الخطأ والضلال، كما رأينا ذلك في كلام كثير منهم كابن كمال المشهور بالشرك والضلال، وقد كمل في جهله وضلاله وأتى في كلامه بأمحل المحال، وقد اشتهر عنه بأخبار الثقات أنه يقول: عبد القادر في قبره يسمع، ومع سمعه ينفع، وما يشعره أنه في قبره الآن رفات كحال الأموات. وهذا قول شنيع، وشرك فظيع، ألا ترى أن الحي الذي قد كملت قوته، وصحت حاسة سمعه وبصره، لو ينادى من مسافة فرسخ أو فرسخين لم يمكنه سماع نداء من ناداه، فكيف يسمع ميت من مسافة شهر، أو شهرين، أو دون ذلك، أو أكثر، وقد ذهبت قوته، وفارقته روحه، وبطلت حواسه؟!
هذا من أعظم ما تحيله العقول، وتنكره الفطر، وفي كتاب الله عز وجل ما يبطله؛ قال الله-تعالى-: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 3 فأخبر الخبير -جل وعلا- أن سماعهم ممتنع،
__________
1 سورة العنكبوت آية: 16.
2 سورة الروم آية: 42.
3 سورة فاطر آية: 13.
(2/ 2/22)

واستجابتهم لمن دعاهم ممتنعة. فهؤلاء المشركون لما استغرقوا في الشرك ونشئوا عليه أتوا في أقوالهم بالمستحيل، ولم يصدقوا الخبير في إخباره، وقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} 1؛ فذكره -تعالى- أنهم أموات دليل على بطلان دعوتهم، وكذلك عدم شعورهم.
يبين -تعالى- بهذا جهل المشرك وضلاله، فأحق عز وجل في كتابه الحق، وأبطل الباطل ولو كره المشركون، لكن هؤلاء لما عظم شركهم، نزلوا الأموات في علم الغيب منزلة علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وشبهوهم برب العالمين، سبحانه وتعالى عما يشركون، قال الله -تعالى-: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} 2.
وليس عند هؤلاء الملاحدة ما يصدون به العامة عن أدلة الكتاب والسنة التي فيها النفي عن الشرك في العبادة، إلا قولهم: قال أحمد بن حجر الهيتمي، قال فلان، وقال فلان: يجوز التوسل بالصالحين، ونحو ذلك من العبارات الفاسدة.
فنقول: هذا وأمثاله ليسوا بحجة تنفع عند الله، وتخلصكم من عذابه؛ بل الحجة ما في كتاب الله، وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم -الثابتة عنه، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها. وما أحسن ما قال الإمام مالك -رحمه الله-: أوَكلما جاءنا رجل أجدل من رجل، نترك ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله.
[التوسل الصحيح والباطل]
إذا عرف ذلك، فالتوسل يطلق على شيئين: فإن كان ابن حجر وأمثاله أرادوا سؤال الله بالرجل الصالح فهذا ليس في الشريعة ما يدل على جوازه، ولو جاز لما ترك الصحابة -رضي الله عنهم- من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، التوسل بالنبي -صلى الله عليه
__________
1 سورة النحل آية: 20.
2 سورة الأعراف آية: 191.
(2/ 2/23)

وسلم- بعد وفاته كما كانوا يتوسلون بدعائه في حياته إذا قحطوا، وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خرج بالعباس بن عبد المطلب عام الرمادة بمحضر من السابقين الأولين يستسقون، فقال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم قال: ارفع يديك يا عباس، فرفع يديه يسأل الله -تعالى-، ولم يسأله بجاه النبي-صلى الله عليه وسلم -ولا بغيره. ولو كان هذا التوسل حقا كانوا عليه أسبق، وعليه أحرص. فإن كانوا أرادوا بالتوسل دعاء الميت والاستشفاع به، فهذا هو شرك المشركين بعينه، والأدلة على بطلانه في القرآن كثيرة جدا؛ فمن ذلك قوله -تعالى-: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 1، فالذي له ملك السموات والأرض هو الذي يأذن في الشفاعة، كما قال الله -تعالى-: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 2 وقال -تعالى-: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} 3، وهو لا يرضى إلا الإخلاص بالأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وغيره.
وأنكر -تعالى- على المشركين اتخاذ الشفعاء فقال -تعالى-: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 4، فبين -تعالى- في هذه الآية أن هذا هو شرك المشركين، وأن الشفاعة ممتنعة في حقهم لما سألوها من غير وجهها، وأن هذا هو شرك نزه نفسه عنه بقوله -تعالى-: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 5.
__________
1 سورة الزمر آية: 43.
2 سورة البقرة آية: 255.
3 سورة النجم آية: 26.
4 سورة يونس آية: 18.
5 سورة يونس آية: 18.
(2/ 2/24)

فهل فوق هذا البيان بيان؟ وقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} 1، فكفرهم بطلبهم من غيره أن يقربهم إليه، وقد تقدم بعض الأدلة على النهي عن دعوة غير الله والتغليظ في ذلك، وأنه في غاية الضلال، وأنه شرك بالله وكفر به، كما قال: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} 2.
فمن أراد النجاة فعليه بالتمسك بالوحيين الذين هما حبل الله، وليدع عنه بنيات الطريق كما قال -تعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 3، وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم الصراط المستقيم، وخط خطوطا عن يمينه، وعن شماله، وقال: "هذه هي السبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه"4 والحديث في الصحيح وغيره عن عبد الله ابن مسعود، وكل من زاغ عن الهدى، وعارض أدلة الكتاب والسنة بزخرف أهل الأهواء فهو شيطان.
[فصل في معارضة المشركين لدعوة التوحيد]
فصل
والعاقل إذا تأمل ما عارض به أولئك الدعاة إلى الشرك بالله في عبادته كابن كمال وغيره، من دعاء الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، فالعاقل يعلم أن معارضتهم له قد اشتملت على أمور كثيرة منها:
(الأمر الأول): أنهم أنكروا ما جاءت به الرسل من توحيد العبادة، وما نزلت فيه الكتب الإلهية من هذا التوحيد؛ فهم في الحقيقة إنما عارضوا الرسل، والكتب المنزلة عليهم من عند الله.
__________
1 سورة الزمر آية: 3.
2 سورة المؤمنون آية: 117.
3 سورة الأنعام آية: 153.
4 أحمد (1/ 435) , والدارمي: المقدمة (202).
(2/ 2/25)

(الأمر الثاني): تضمنت معارضتهم قبول الشرك الأكبر ونصرته، وهو الذي أرسل الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه، وقد خالفوا جميع الرسل والكتب؛ فهم في الحقيقة قد أنكروا على من دان بهذا التوحيد، ودعا إليه من الأولين والآخرين.
(الأمر الثالث): وقد تضمنت معارضتهم أيضا مسبة من دعا إلى التوحيد، وأنكر الشرك أسوة أعداء الرسل كقوم نوح إذ قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 1، وقال قوم هود: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} 2 وقول من قال من مشركي العرب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} 3.
فالظلم والزور في كلام هؤلاء المنكرين للتوحيد أمر ظاهر يعرفه كل عاقل منصف، فقد تناولت مسبتهم كل من دعا إلى الإسلام، وعمل به من الأولين والآخرين؛ كما أن من كذب رسولا بما جاء به من الحق فقد كذب المرسلين كما ذكره الله -تعالى- في قصص الأنبياء، فمن أنكر ما جاءت به الرسل فهو عدو لهم.
(الأمر الرابع): وتضمنت معارضتهم -أيضا- الكذب والإفك والبهتان وزخرف القول في ذلك أسوة أعداء الرسل الذين قال الله فيهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} 4. فهذه حال كل داعية إلى الشرك بالله في عبادته من الأولين والآخرين، فإذا تأمل اللبيب ما زخرفوه، وأتوا به من الفشر والأكاذيب، وجدها كما قال -تعالى-: {سَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} 5.
(الأمر الخامس): معارضة أولئك للآيات المحكمات البينات التي
__________
1 سورة الأعراف آية: 60.
2 سورة الأعراف آية: 66.
3 سورة الفرقان آية: 4.
4 سورة الأنعام آية: 112.
5 سورة النور آية: 39.
(2/ 2/26)

هي في غاية البيان والبرهان، وبيان ما ينافي التوحيد من الشرك والتنديد، فعارضوا بقول أناس من المتأخرين لا يجوز الاعتماد عليهم في أصول الدين، فيقولون: قال ابن حجر الهيتمي، قال البيضاوي، قال فلان. ولا ريب أن الزمخشري وأمثاله من المعطلة أعلم من هؤلاء وأدرى في فنون العلم، لكنهم أخطؤوا كخطأ هؤلاء؛ وفي تفسير الزمخشري من دسائس الاعتزال ما لا يخفى، وليسوا بأعلم منه. وعلى كل حال فليسوا بحجة يعارض بها نصوص الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة وأئمتها من الدين الحنيف الذي هو ملة إبراهيم الخليل -عليه السلام- ودين الرسل الذين قال الله -تعالى- فيه: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} 1.
فأولئك المعارضون للحق بمن ذكرنا وأمثالهم، فيهم شبه بمن قال الله فيهم: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} 2، وهذا على تقدير أنهم أصابوا في النقل عنهم، ولعلهم أخطؤوا وكذبوا عليهم، والله أعلم.
والأدلة بالإجماع ثلاثة: الكتاب، والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. وأما القياس الصحيح فعند بعض العلماء حجة، إذا لم يخالف كتابا ولا سنة؛ فإن خالف نصا أو ظاهرا لم يكن حجة. وهذا هو الذي أجمع عليه العلماء سلفا وخلفا، وتفصيل ذلك في كتب أصول الفقه.
لوازم معنى لا إله إلا الله
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "وكفر بما يعبد من دون الله" 3، فهذا شرط عظيم لا يصح قول لا إله إلا الله إلا بوجوده، وإن لم يوجد لم يكن من
__________
1 سورة الشورى آية: 13.
2 سورة الزخرف آية: 23.
3 مسلم: الإيمان (23) , وأحمد (3/ 472,6/ 394).
(2/ 2/27)

قال لا إله إلا الله معصوم الدم والمال، لأن هذا هو معنى لا إله إلا الله؛ فلم ينفعه القول بدون الإتيان بالمعنى الذي دل عليه من ترك الشرك والبراءة منه وممن فعله. فإذا أنكر عبادة كل ما يعبد من دون الله، وتبرأ منه، وعادى مَن فعل ذلك، صار مسلما معصوم الدم والمال؛ وهذا معنى قول الله -تعالى-: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 1.
وقد قيدت لا إله إلا الله في الأحاديث الصحيحة بقيود ثقال، لا بد من الإتيان بجميعها، قولا، واعتقادا، وعملا. فمن ذلك حديث عتبان الذي في الصحيح: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" 2، وفي حديث آخر: "صادقا من قلبه -خالصا من قلبه - مستيقنا بها قلبه -غير شاك" 3. فلا تنفع هذه الكلمة قائلها إلا بهذه القيود إذا اجتمعت له، مع العلم بمعناها ومضمونها، كما قال -تعالى-: {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 4.
وقال -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} 5، فمعناها يقبل الزيادة لقوة العلم، وصلاح العمل. فلا بد من العلم بحقيقة معنى هذه الكلمة علما ينافي الجهل، بخلاف من يقولها وهو لا يعرف معناها. ولا بد من اليقين المنافي للشك فيما دلت عليه من التوحيد. ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك؛ فإن كثيرا من الناس يقولها وهو يشرك في العبادة، وينكر معناها، ويعادي من اعتقده وعمل به، ولا بد من الصدق المنافي للكذب، بخلاف حال المنافق الذي يقولها من غير صدق، كما قال -تعالى-: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} 6.
ولا بد من القبول المنافي للرد، بخلاف من يقولها ولا يعمل بها. ولا بد من المحبة لما دلت عليه من التوحيد والإخلاص وغير ذلك، والفرح بذلك المنافي
__________
1 سورة البقرة آية: 256.
2 البخاري: الصلاة (425) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (33).
3 مسلم: الإيمان (31).
4 سورة الزخرف آية: 86.
5 سورة محمد آية: 19.
6 سورة الفتح آية: 11.
(2/ 2/28)

لخلاف هذين الأمرين. ولا بد من الانقياد بالعمل بها وما دلت عليه، مطابقة وتضمنا والتزاما. وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه.
وأنت -أيها الرجل- ترى كثيرا ممن يدعي العلم والفهم قد عكس مدلول لا إله إلا الله، كابن كمال ونحوه من الطواغيت؛ فيثبتون ما نفته لا إله إلا الله من الشرك في العبادة، ويعتقدون ذلك الشرك دينا، وينكر ما دلت عليه من الإخلاص، ويشتم أهله، وقد قال -تعالى-: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 1.
وهذا النوع من الناس الذين قد فُتنوا وفَتنوا، يستجهلون أهل الإسلام، ويستهزئون بهم أسوة من سلف من أعداء الرسل، وقد قال الله -تعالى- في أمثال هؤلاء: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} 2.
وأما ما سألت عنه من حديث: "خذ من القرآن ما شئت لما شئت" فهذا ليس بحديث، ولا يصح أن ينسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأما حديث: "ويش الذي يغبا 3 يا رسول الله، قال: الذي ما كان"، فلا يجوز أن ينسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا، كيف وقد قال الله -تعالى-: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} 4 فسماها غائبة، مع وجودها في السماء والأرض.
وجوب تبليغ دعوة التوحيد حسب الاستطاعة
(وأما المسألة الرابعة): فيمن يعرف التوحيد ويعتقده، ويقرأ في التفسير كتفسير البغوي ونحوه، فلا بأس أن يحدث بما سمعه وحفظه من العلم، ولو لم يقرأ في النحو.
فمن المعلوم أن كثيرا من العلماء من المحدثين والفقهاء إنما كان دأبهم
__________
1 سورة الزمر آية: 2.
2 سورة الزمر آية: 45.
3 لعل المعنى: وأي شيء الذي يغيب إلخ.
4 سورة النمل آية: 75.
(2/ 2/29)

طلب ما هو الأهم، والنحو إنما يراد لغيره؛ فيأخذ الرجل منه ما يصلح لسانه. فانشر ما علمت من العلم خصوصا علم التوحيد، الذي هو في الآيات المحكمات كالشمس في نحر الظهيرة لمن رغب فيه، وأحبه، وأقبل عليه، وقد عرفت أن كتمان العلم مذموم بالكتاب والسنة، كما قال –تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} 1 وقد أرشد الله–تعالى- عباده إلى تدبر كتابه، وذَمَّ مَنْ لم يتدبره، وقد قال –تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 2.
وأخبر عن جن نصيبين أنهم لما سمعوا قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- للقرآن بوادي نخلة منصرفة من الطائف: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} 3 الآية، وأخبر -تعالى- عنهم في سورة الجن أنهم أنكروا الشرك الذي كان يفعله الإنس مع الجن من الاستعاذة بهم إذا نزلوا واديا. وأخبر تعالى عن هدهد سليمان أنه أنكر الشرك، وهو طائر من جملة الطير، قال -تعالى-: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ ِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} 4 الآية، فحدث الهدهد سليمان -عليه السلام- بما رآهم يفعلونه من السجود لغير الله، والسجود نوع من أنواع العبادة؛ فليت أكثر الناس عرفوا من الشرك ما عرفه الهدهد فأنكروه
__________
1 سورة البقرة آية: 159.
2 سورة العنكبوت آية: 51.
3 سورة الأحقاف آية: 29.
4 سورة النمل آية: 22.
(2/ 2/30)

وعرفوا الإخلاص فالتزموه. وبالله التوفيق، فسبحان من غرس التوحيد في قلب من شاء من خلقه، وأضل من شاء عنه بعلمه وحكمته وعدله!!.
وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو فرض باليد واللسان والقلب مع القدرة: فأما فرضه باليد واللسان فإنه من فروض الكفايات؛ إذا قام به طائفة سقط عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا. وأما القلب فلا يسقط عنه بحال، قال الله -تعالى-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 1، وقال في حق من تركه: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} 2. وفي الحديث الصحيح: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" 3 وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" 4.
وأما ما ذكرت بعد ذلك من الأسئلة في مخالطة المشركين، وأهل البدع فإن كان لك قدرة على الهجرة عنهم وجبت عليك، لما فيها من حفظ الدين ومفارقة المشركين والبعد عنهم. وأما من كان من المستضعفين الذين لا قدرة لهم على الهجرة، فعليه أن يعتزلهم ما استطاع، ويظهر دينه، ويصبر على أذاهم، فقد قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} 5 الآية، والله المستعان.
وأما السؤال عن قوله -تعالى-: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ} 6 فالآية نزلت في شأن عمار بن ياسر لما عذبه مشركو مكة، وحبسوه في بئر ميمون، وأكرهوه على كلمة كفر، فقالها تخلصا
__________
1 سورة آل عمران آية: 104.
2 سورة المائدة آية: 79.
3 مسلم: الإيمان (49) , والترمذي: الفتن (2172) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5008,5009) , وأبو داود: الصلاة (1140) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1275) والفتن (4013) , وأحمد (3/ 10,3/ 20,3/ 49,3/ 52,3/ 54,3/ 92).
4 مسلم: الإيمان (50).
5 سورة العنكبوت آية: 10.
6 سورة النحل آية: 106.
(2/ 2/31)

من عذابهم، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "فإن عادوا فعد" وهذا قبل وجوب الهجرة، فأنزل الله هذه الآية.
وأما حديث: "أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين؛ لا تراءى ناراهما" فهذا في حق من له قدرة على البعد عنهم، وأما من لا يمكنه البعد عنهم بحيث لا يقدر على ذلك بوجه من الوجوه، فلا.
وأما حديث: "من أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، فأولئك هم الهالكون" 1 فقد تقدم بيان ذلك في معنى حديث: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" 2.
فالإنكار يجب مع الاستطاعة، والكراهة هي أضعف الإيمان؛ وأما الرضى بالمنكر والمتابعة عليه فهو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح، والله أعلم.
ونسأل الله -تعالى- الثبات على الإيمان، وأن لا يزيغ قلوبنا عنه بعد إذا هدانا إليه، وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. آمين، آمين، آمين.
__________
1 مسلم: الإمارة (1854) , والترمذي: الفتن (2265) , وأبو داود: السنة (4760) , وأحمد (6/ 295,6/ 305).
2 مسلم: الإيمان (49) , والترمذي: الفتن (2172) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5008,5009) , وأبو داود: الصلاة (1140) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1275) والفتن (4013) , وأحمد (3/ 10,3/ 20,3/ 49,3/ 52,3/ 54,3/ 92).
(2/ 2/32)

الرسالة الثالثة: بيان ما في البردة مما يخالف الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الأخ عبد الله بن محمد. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت أنا ننصركم، فبلدكم بعيد لا يستطاع الوصول إليها، وأما نصرتكم بالحجة والبيان فالله تعالى قد قال في كتابه: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} 1.
والخصومة بينكم وبين الضد في عبادتهم غير الله -تعالى- من الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، كما قال -تعالى-: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} 2. وقد كان جل عبادتهم لهم في الرغبات والرهبات بالدعاء والاستغاثة، وقد قال -تعالى-: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} 3، و {أحدا} نكرة في سياق النهي تعم كل مدعو من دون الله، كالأنبياء ومن دونهم.
وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعبد ربه وحده بالدعاء وغيره من أنواع العبادة، قال الله -تعالى- آمرا نبيه أن يدعو أمته أن يخلصوا الدعاء لربهم وخالقهم، فقال -تعالى-: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} 4، وقال -تعالى-: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} 5 فبين -تعالى- أنه المستحق لدعوة الحق، وأن الذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، وأن دعوة غيره ضلال؛ والضلال ضد الهدى، وكفّرهم بذلك، وقال -تعالى-: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} 6.
__________
1 سورة الفرقان آية: 33.
2 سورة المائدة آية: 76.
3 سورة الجن آية: 18.
4 سورة الرعد آية: 36.
5 سورة الرعد آية: 14.
6 سورة المؤمنون آية: 117.
(2/ 2/33)

فكفّر من يدعو غيره في هاتين الآيتين، وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} 1, وقال -تعالى-: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 2.
فهذه الآيات تقصم ظهر المشرك الملحد؛ فمن تمسك بها غلب خصمه المشرك كما قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: "والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء الشياطين".
وما ذكرت من أنهم يأتون بفتاوى من علماء مكة، فليس مع من عارض أدلة التوحيد إلا شبهات شياطين؛ وقد كتبنا نسخة في هذا المعنى ردا على من زعم أن الاستمداد بالأموات جائز، وفيها كفاية لأهل الحق.
ترك الحديث الصحيح والعمل بالمذهب
وأما ما سألت عنه فيمن أنكر الحكم برجحان العمل بالحديث الصحيح في مقابلة المذهب الملتزم،
فهذا من محدثات الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان قال -تعالى-: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} 3، وقال -تعالى-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} 4 الآية. وهذا أصل عظيم من أصول الدين، قال العلماء -رحمهم الله-: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله.
وهذا القول الذي يقوله هؤلاء يفضي إلى هجران الكتاب والسنة، وتبديل أحكام النصوص كما فعل أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ والكتاب والسنة شفاء وهدى لمن أصغى إليهما.
__________
1 سورة الأحقاف آية: 5.
2 سورة فاطر آية: 14.
3 سورة الأعراف آية: 3.
4 سورة النساء آية: 59.
(2/ 2/34)

ومن طلب الحق منهما ناله وفهمه، وقد قال -تعالى-: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} 1، والأمر بتدبره، والتذكر ليس مخصوصا بالعلماء المجتهدين، بل عام لكل من ناله 2 فهم يدرك به معنى الكلام.
والتقليد المفضي إلى هذا الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة فيه شبه بمن قال الله فيهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 3. وقوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} 4 وأهل الاجتهاد من العلماء، وإن كانوا معذورين باجتهادهم، إنما هو في معنى أدلة الكتاب والسنة، وينهون عن تقليدهم، فالأئمة -رحمهم الله- اجتهدوا ونصحوا؛ قال الإمام الشافعي: إذا جاء الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، فهو مذهبي.
الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر
وأما قولكم: الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر فالأصغر: كيسير الربا والحلف بغير الله، وقول الرجل: أنا في حسبك، ولولا الله وأنت، وأن يجاهد ويأمر بالمعروف لطلب رياسة أو مال أو وظيفة، كمن يتعلم العلم لوظيفة المسجد، أو يقرأ القرآن ليسأل الناس به، أو يبيع الختمات، أو يحج ليأخذ المال، أو يتصدق ليكثر ماله، أو نحو ذلك، وهذا إنما يتبين بالتمثيل والحد لا بالعد.
وأما الشرك الأكبر، فهو اتخاذ الأنداد من أرباب القبور والغائبين، ومخاطبتهم بالحوائج، والذبح لهم، والنذر، واعتقاد أنهم ينفعون ويدفعون، وكاتخاذ الأشجار والأحجار والأصنام لجلب الخير ودفع الضر بها، وغير ذلك؛ وهو كثير جدا، وهو أن يرغب إلى شيء أو يدعوه أو يخافه أو يرجوه، أو يعكف عند القبر تعظيما له، ونحو ذلك.
وأمور الشرك، أكبره، وأصغره لا تدرك بالعد، لكن الشرك الأكبر يخرج من الملة ويحبط الأعمال، لأنه أعظم ذنب عصي الله به، وهو أظلم الظلم،
__________
1 سورة ص آية: 29.
2 حاشا الفهم المخالف لفهم السلف، فإن هذا أصول جهم وشيعته.
3 سورة التوبة آية: 31.
4 سورة الشورى آية: 21.
(2/ 2/35)

لأن المشرك أخذ حق الله ووضعه فيمن لا يستحقه. وأما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن رأى في يده حلقة من صفر فقال: "ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت -وهي عليك- ما أفلحت أبدا"1.
ولا يكفَّر الشرك أكبره وأصغره إلا بالتوبة منه قبل الممات، والأصغر لا يكفِّره في الدار الآخرة إلا كثرة الحسنات، لأن الأصغر لا يحبط إلا العمل الذي وقع فيه خاصة.
[الذهاب إلى المقابر التي بني عليها القباب]
وأما قولكم في الذهاب إلى المقابر التي بني عليها القباب، وأوقد فيها المصباح.
فالجواب: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن اليهود والنصارى وقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"2، وقال: "لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج"3.
وبناء القباب على القبور وإسراجها، وسيلة إلى عبادتها والخضوع لها، والتذلل والتعظيم، وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله؛ وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد؛ اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"4.
[استغاثة الأحياء بالأموات]
وأما مسألة استغاثة الأحياء بالموتى في طلب الجاه والسعة والرزق والأولاد، مثل أن يقال عند القبور: أن تدعوا الله في رفع فقرنا، وبسط رزقنا، وكثرة أولادنا وشفاء مريضنا؛ لأنكم سلف مستجابو الدعوات عند الله.
فالجواب: هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وهذا شرك في الربوبية والألوهية، وقد كان شرك المشركين في جاهليتهم بطلب الشفاعة والقربة.
وأما طلب الرزق والأولاد وشفاء المرضى، فقد أقروا بأن آلهتهم لا تقدر على ذلك، كما قال -تعالى-: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ
__________
1 ابن ماجه: الطب (3531) , وأحمد (4/ 445).
2 البخاري: الصلاة (436) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531) , والنسائي: المساجد (703) , وأحمد (6/ 34,6/ 255) , والدارمي: الصلاة (1403).
3 الترمذي: الصلاة (320) , والنسائي: الجنائز (2043) , وأبو داود: الجنائز (3236) , وابن ماجه: ما جاء في الجنائز (1575) , وأحمد (1/ 229,1/ 287,1/ 324,1/ 337).
4 مالك: النداء للصلاة (416).
(2/ 2/36)

يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 1.
فأقروا لله تعالى أنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، وقال: {أمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} 2 أي: يفعل ذلك؛ فأقروا لله بذلك، وصار إقرارهم حجة عليهم في اتخاذهم الشفعاء.
وقد قال -تعالى- في فاتحة الكتاب: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 3 أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك؛ فهو المعبود وحده، وهو المستعان. وقد تقدم ما يبين أن الدعاء مخ العبادة، لأن الله -تعالى- نهى عن دعوة غيره، وأخبر أن المدعو لا يستجيب لداعيه، وأنه شرك وضلال، وأنه كفر بالله.
وقد أوضحنا ذلك في الجواب في إبطال دعوة المدعي جواز الاستمداد بالأموات، ومن قال: إن الميت يسمع ويستجيب، فقد كذب على الله {وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ} 4، وقال -تعالى-: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} 5 فأخبر -تعالى- أنه لا أضل ممن يدعو أحدا من دون الله غير الله، وما أخبر أن المدعو لا يستجيب، وأنه غافل عن الداعي ودعوته، وأنه عدوه يوم القيامة.
فأهل التوحيد أعداء أهل الشرك في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} 6، فأخبر -تعالى- أن آلهتهم تبرأ منهم بين يدي الله ومن عبادتهم، ويستشهدون الله على أنهم في حال دعوتهم لهم غافلون لا يسمعون ولا يستجيبون. وهذا كتاب الله هو الحاكم بيننا، وبين جميع من
__________
1 سورة يونس آية: 31.
2 سورة النمل آية: 62.
3 سورة الفاتحة آية: 5.
4 سورة الزمر آية: 32.
5 سورة الأحقاف آية: 5.
6 سورة يونس آية: 28.
(2/ 2/37)

أشرك بالله من الأولين والآخرين، وليس فعل أحد من الناس، ولو من يظن أنه عالم يكون حجة على كتاب الله؛ بل القرآن هو الحجة على كل أحد، فلا تغتروا بقول بعضهم: قال فلان، وفعل فلان.
[التحذير من دلائل الخيرات والبردة والهمزية]
وأما السؤال عن دلائل الخيرات، فيكفي عن دراستها ما وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن كيفية الصلاة قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد"1 إلخ، وقد قال بعض العلماء لما قيل له: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحرق دلائل الخيرات، استحسن ذلك، فقال:
وحرق عمدًا للدلائل دفترًا ... أصاب ففيها ما يجل عن العد
غلو نهى عنه الرسول وفرية ... لا مرية فاتركه إن كنت تستهدي
أحاديث لا تعزى إلى عالم فلا ... تساوي فليسًا إن رجعت إلى النقد
وأما السؤال عن البردة للبوصيري والهمزية وأمثالهما في المديح، فالمنكر من ذلك ما كان فيه شرك، كقول صاحب البردة: "يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك"، فدعا غير الله، ولاذ به من دون الله، والدعاء مخ العبادة، واللياذ نوع من أنواع العبادة كالعياذ، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير ما كان عليه أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن إذا هبطوا واديا، يقولون: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، كما قال -تعالى-: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} 2 أي: طغيانا.
فشرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته قصر الاستعاذة على الله وأسمائه وصفاته، فقال في حديث خولة بنت حكيم، وهو في الصحيح: "من نزل منزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك"3. وكذلك قول صاحب البردة:
__________
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3370) , ومسلم: الصلاة (406) , والترمذي: الصلاة (483) , والنسائي: السهو (1287,1288) , وأبو داود: الصلاة (976) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (904) , وأحمد (4/ 241,4/ 244) , والدارمي: الصلاة (1342).
2 سورة الجن آية: 6.
3 مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2708) , والترمذي: الدعوات (3437) , وابن ماجه: الطب (3547) , وأحمد (6/ 378,6/ 409) , والدارمي: الاستئذان (2680).
(2/ 2/38)

إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فكل هذا شرك محرم بالكتاب والسنة. فما كان من جنس ذلك وجب إنكاره والنهي عنه وتغييره بطمسه؛ وهذا يتبين بما تقدم من الآيات المحكمات في النهي عن دعوة غير الله، والرغبة، والتوكل عليه، ورجاه.
وأما الإجماع، فقد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقال: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم، ويتوكل عليهم كفر إجماعا، وأما البدعة المنهي عنها فكل ما حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا دل عليه قول؛ من النبي ولا فعل، وكذلك أصحابه الذين هم أحرص الأمة على فعل الخير، فكل ما حدث بعدهم في العبادات، وغيرها من أمور الدين فهو بدعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في خطبته: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"1.
وبسط القول في هذا يستدعي كتابا ضخما، لكن في أصول الأدلة ما يكفي المسافر إلى الله على صراط مستقيم، وكل ما لم يفعله أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مما حدث بعدهم، فالجواب أن يقال: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه.
[السفر إلى قبر النبي]
وأما السؤال عن السفر إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"2، فالنهي عن شد الرحال إلى غير الثلاثة لفظ عام يتناول المساجد وغيرها، وفحوى الخطاب يدل عليه، لأن غير المساجد من باب أولى، ولكن إذا نوى الإنسان
__________
1 أبو داود: السنة (4607) , والدارمي: المقدمة (95).
2 أحمد (6/ 7).
(2/ 2/39)

السفر إلى مسجده حصلت زيارة القبر الشريف تبعا، فإنه إذا وصل إلى المسجد سلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- من قرب، فيكون قد أخذ بعموم الحديث، وحصلت له الزيارة من غير أن يخصها بشد الرحال المنهي عنه.
[الرسوم والعادات الجارية عند الأعاجم]
وأما السؤال عن الرسوم والعادات التي شاعت وذاعت في الأعاجم -سيما في مشايخهم- إذا مرض أحدهم يخفون ويحيطون فيقرؤون شيئا من الآيات بحساب وأعداد معلومات، فإذا انتهى قالوا: يا قاضي الحاجات، ويا كاشف الكربات، ثم يأتون بالأطعمة النفيسة فيأكلونها بأجمعهم.
فالجواب: أن الذي وردت به السنة دعاء العائد له وحده من غير تكلف ولا اجتماع، فإن شاء رقاه بما وردت به السنة، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لمَن نخستها عينها، إنما يكفيك أن تقولي: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك؛ شفاء لا يغادر سقما، هذا جنس المشروع.
وأما على هذه الكيفية التي ذكرها السائل فبدعة تجري مجرى ما ذكره الله -تعالى- ردا على من ابتدع في دينه، فقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} 1.
وأما ما ذكره السائل من أنه إذا مات أحدهم يتصدق أقاربه وعشائره، ويذبحون الذبائح، ويطبخون الطعام، ويفرشون الحرير، ويدعون الناس كلهم، الغني والفقير، فليس هذا من دين الإسلام؛ بل هو بدعة وضلالة ما أنزل الله بها من سلطان. وهذا من جنس ما أحدثه اليهود والنصارى من التغيير والتبديل في شريعتهم، خالفوا به ما جاءت به أنبياؤهم؛ فيجب اجتناب ذلك المأتم وما في معناه.
__________
1 سورة الشورى آية: 21.
(2/ 2/40)

[شد الرحال إلى مكانات مشرفة للأنبياء والأولياء]
وأما ما سألت عنه من شد الرحال إلى مكانات مشرفة للأنبياء والأولياء، هل ممنوع ومحذور، أم لا؟
فالجواب: لا ريب أن هذا مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي تقدم، وهو قوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"1، فإذا كان تبرك للمحل المزور فهو من الشرك، لأنهم قصدوا بذلك تعظيم المزور كقصد النبي صلى الله عليه وسلم أو الولي لتعود بركته عليه بزعمهم.
وهذه حال عباد الأصنام، سواء كما فعله المشركون باللات والعزى ومناة، فإنهم يقصدونها لحصول البركة بزيارتهم وإتيانهم إليها، وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الله أكبر، إنها السنن. قلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. لتركبن سنن من كان قبلكم"، فجعل التبرك بالأشجار مثل قول بني إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} 2؛ وهذا هو جنس عبادة الأشجار والأحجار.
وأما قول بعضهم: إن أمور التعظيمات خصصه الله -تعالى- للذات وسماه بالعبادة كالسجود والركوع، والقيام كقيام الصلاة، والتصدق بالصدقات والصيام باسمه، وقصد السفر إلى بيته من المكانات البعيدات، فهذا من وحي الشيطان وزخرفته التي ألقاها على ألسن المشركين، فجمع لهم الشرك، وتعظيمه، والغلو فيه، والبدع والضلالات. وكل هذا باطل
__________
1 أحمد (6/ 7).
2 سورة الأعراف آية: 138.
(2/ 2/41)

ما أنزل الله به من سلطان، {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} 1.
[بطلان شبهة المشركين في دعاء غير الله]
وأما سؤاله عن رجل بنى في جوار قبر صالح لإفاضة الفيوضات عليه وإصابه البركات، ورجل جلس مراقبة على قبر صالح.
(فالجواب) من أخبر هذا المغرور أن بركة هذا المدفون تفيض عليه، وهذا من جنس ما قبله مما زين الشيطان، وأجراه على ألسن المغرورين المفتونين الذين أعرضوا عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ولما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده"، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"2.
وقد صان الله قبر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن صار قبره في حجرته، حذرا من هذه الأمور التي نهى عنها، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، وقال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"3. والضابط أن ما كان يفعل مع الميت من رفع الأصوات على جنازته، والتبرك به وبتربته، والنذر له، وغير ذلك من الشرك كالذبائح والنذور التي يقصد بها الميت، حرام، وهي مما أهل به لغير الله، كما صرح به القرآن؛ قال -تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} 4.
وقد تضمنت هذه الأفعال التي ذكرت الشرك والبدع والغلو في الدين وخالف أهلها وصادموا ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله -تعالى-، وتوجيه الوجه والقلب إلى الله -تعالى- بجميع الإرادات الشرعية، والأحوال الدينية. وقد أبطل الله في
__________
1 سورة النجم آية: 23.
2 مالك: النداء للصلاة (416).
3 النسائي: مناسك الحج (3057).
4 سورة المائدة آية: 3.
(2/ 2/42)

كتابه التعلق على غيره كائنا من كان؛ قال الله -تعالى-: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} 1، وقال -تعالى-: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} 2، وقال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} 3 إلى قوله {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} 4، وقال -تعالى-: {مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} 5 الآية، وقال -تعالى-: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} 6، وقال -تعالى-: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 7، إلى قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} 8.
[أصل عبادة الأصنام]
إذا عرفت ذلك وما في معناه من الآيات المحكمات، فهذه الشبهات التي اعتمدها كثير من جملة المشركين كلها باطلة، تصادم كتاب الله وسنة رسوله. وأول من زخرف هذه الشبهات، وزين للجهال التعلق على الأموات: زنادقة الفلاسفة الكفار، الدعاة إلى الخلود في عذاب النار كابن سينا والفارابي؛ فإنهم أدخلوا على كثير ممن ينتسب إلى العلم كثيرا من الفلسفة، وزخرفوا هذه الشبهات التي صارت في أيدي المشركين، وحاولوا بها إبطال ما في الكتاب والسنة من توحيد المرسلين، وخالص حق رب العالمين. فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فمن التفت إلى الأموات يستمد منهم نفعا وتبركا بهم، فقد اتخذهم أربابا من دون
__________
1 سورة الحج آية: 62.
2 سورة يونس آية: 106.
3 سورة الحج آية: 11.
4 سورة الحج آية: 12.
5 سورة المائدة آية: 72.
6 سورة الحج آية: 31.
7 سورة النحل آية: 17.
8 سورة النحل آية: 20.
(2/ 2/43)

الله، قال الله -تعالى-: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} 1 إلى قوله: {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 2.
وقد أخبر -تعالى- عن عيسى ابن مريم أنه قال: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} 3، وهو دليل على أن من مات فلا اطلاع له على الأحياء ولا علم له بهم؛ فكيف يدعو من لا يعلم حاله، ولا يدري ما يفعله وما يقوله، وقد تقدم في الآيات المحكمات ما يدل على ذلك، وأن المدعو لا يسمع ولا يستجيب، فما هذه التعلقات الشركية التي هي أضل الضلال، وأمحل المحال إلا من وحي الشياطين، وزخرفة أعداء المرسلين كما قال -تعالى-: {كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} 4.
وكل هذه التعلقات على الأموات والغائبين هي أعمال الشرك من المشركين قديما وحديثا، وهو شرك قوم نوح لما صوروا الأصنام على صور صالحيهم، قال من بعدهم: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم؛ فعبدوهم، أي بطلب الشفاعة منهم واستمداد البركة بهم. وهذا هو شرك العالم، وهم في آخر هذه الأمة أشد وأعظم. فاستمسك بأدلة القرآن، وسبيل أهل الإيمان.
وقد عرفت أن عبادة الأشجار والقبور والأحجار بدعائهم لها باستمداد البركة منها في زعمهم، أنه أبطل الباطل، وأمحل المحال، كما دل عليه الكتاب والسنة.
__________
1 سورة آل عمران آية: 79.
2 سورة آل عمران آية: 80.
3 سورة المائدة آية: 117.
4 سورة الأنعام آية: 112.
(2/ 2/44)

وهذا الجواب يكفيك عما تقدم من السؤالات؛ فكل ما كان يفعل عند القبور من التعظيم لها ولأربابها، وقصدها، والتبرك بها، والدعاء عندها أو لها، كل هذا شرك وضلال.
فتأمل قوله عن خليله -عليه السلام-: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1، والحنيف هو المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه.
فهذه الأدلة التي ذكرنا تبطل كل ما تعلق به المشركون مما كانوا يفعلونه مع العزى ومناة، ومن ادعى جواز شيء من ذلك، أو أنه يحتمل الجواز، فيطالب بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله على أن هذا جائز. ولا يخفى أنه ينافي الإخلاص لما فيه من الإقبال على غير الله، والرغبة إليه، وجلب النفع والدفع منه، وكل هذا مردود بالآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"2. وكل ما كان يفعل هؤلاء مع الأموات، فليس فيه مستحب ولا مباح، إلا زيارة القبور من غير شد رحل لتذكر الآخرة، والاستعداد لما بعد الموت من الإخلاص، والعمل المشروع من غير تحر لإجابة الدعاء عندها. والصلاة إليها ولو كانت لله، فهذا محرم، سدا لذريعة الشرك، وحماية لجناب التوحيد.
[عصمة الأنبياء]
وأما قولهم في عصمة الأنبياء، فالذي عليه المحققون أنه قد تقع منهم الصغائر، لكن لا يقرون عليها؛ وأما الكبائر فلا تقع منهم. وكل ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما ثبت عنه فهو حق، كما قال -تعالى-: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 3، كذلك تقريراته حق.
__________
1 سورة الأنعام آية: 78.
2 البخاري: أحاديث الأنبياء (3445) , وأحمد (1/ 23,1/ 24).
3 سورة النجم آية: 3.
(2/ 2/45)

[الغلو في صالحي أهل القبور]
وأما قول أبو الوفاء ابن عقيل -رحمه الله تعالى- فهو حق، وأعظمه خطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل كذا وكذا، وأخذ تربتها والتبرك بها؛ فهذا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله. وقد كتبنا الأدلة على ذلك في الرد على الذي يقول بالإمداد من الموتى فطالعه، وفيه ما يكفي، ويميز الحق من الباطل.
وأما ما ذكره ابن عقيل -رحمه الله- من إفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها، فهو من إفراطهم وغلوهم في الآلهة التي يعبدونها من دون الله، وكلامه عندنا -رحمه الله- مُسَلَّم لأنه اشتمل على إنكار الشرك من التعلق بالأموات، واعتقاد أن لهم قدرة على قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، ويخاطبونهم بذلك من قريب وبعيد لاعتقادهم أن لهم تصرفات، وأنهم يعلمون الغيب، وأن لهم قدرة على ما أرادوا؛ والقرآن كله من أوله إلى آخره ينكر ذلك عليهم، ويبين أنه شرك وكفر وضلال، ودليله من الكتاب والسنة، وإجماع أهل السنة والجماعة مذكور على صاحب الرد في الإمداد.
وأما قول الأئمة الأربعة فذلك مذكور في مذاهبهم، في باب حكم المرتد في كل مذهب. وأما مسح الرقبة فقال أبو حنيفة: وجمهور الفقهاء بخلافه، لا يرون ذلك، وفيه حديث ضعيف.
[دعاء القنوت]
وأما دعاء القنوت فبعد الركوع، ورفع اليدين فيه جائز، والتكبير قبله محدث.
[قصر العبادة والاستعانة على الله دون كل ما سواه]
وأما الرسالة التي أرسلتموها إلينا، فالجواب عليها يصل إليكم -إن شاء الله-، ويظهر بطلانها بالتمسك بالآيات المحكمات والوقوف عندها، ويكفي في ردها ما في سورة الفاتحة في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 1 من قصر العبادة والاستعانة على الله دون كل ما سواه، فإن غالط فأدلة النهي عن دعوة غير
__________
1 سورة الفاتحة آية: 5.
(2/ 2/46)

الله، وأنها شرك وكفر تكفي المتمسك بها، وذكرنا من الأدلة ما فيه كفاية. ولو تتبعنا ما في كتاب الله وسنة رسوله من دلائل التوحيد، وكلام السلف والخلف من أهل السنة، لاحتمل مجلدا ضخما ومجلدات.
[رجل لا يتكلم بعد صلاة العصر والصبح]
وأما السؤال عن رجل لا يتكلم بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وبعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
(فالجواب): ما ذكرتموه من قصة أبي بكر مع المرأة الأحمسية، وقال لها: إن هذا لا يحل، فتكلمت.
[ما أحدثه المشايخ من المراقبات واللطائف]
وأما ما أحدثه المشايخ من المراقبات واللطائف، فإن كانت مما جاءت به السنة، وفعله أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم -، فاقبلوه، وما لم يفعلوه، ولم يقم عليه دليل فدعوه، فإن "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"1.
[استواء الله على العرش وعلوه على خلقه]
وأما قول أهل التأويل للصفات: إن الله -تعالى- منزه عن الجهات، فهذه شبهة أرادوا بها نفي علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ وقد ذكر استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه؛ قال الله -تعالى-: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} 2 في آية الكرسي، وغيرها من القرآن، فأثبت لنفسه العلو بأنواعه الثلاثة: علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات. ومن نفى علو الذات فقد سلب الله -تعالى- وصفه، وقد قال -تعالى-: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} 3، وقال: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} 4، وقال: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} 5. وحديث المعراج الذي تواترت به السنة يدل على علو الله على خلقه، وأنه على عرشه فوق سماواته؛ وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، يثبتون لله ما أثبت لنفسه وما أثبته له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من صفات كماله، ونعوت جلاله، على ما يليق بجلال الله
__________
1 النسائي: صلاة العيدين (1578) , والدارمي: المقدمة (206).
2 سورة البقرة آية: 255.
3 سورة فاطر آية: 10.
4 سورة النساء آية: 158.
5 سورة المعارج آية: 4.
(2/ 2/47)

وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، تعالى الله عما يقول المحرفون المخرفون عن الحق علوًّا كبيرًا. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.

الرسالة الرابعة
[الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان]
بسم الله الرحمن الرحيم
وسئل -قدس الله روحه-: ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟ ومسألة في زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-. فأجاب بقوله:
(الجواب) وبالله التوفيق: قد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان في حديث جبرائيل، وفسر الإسلام في حديث ابن عمر، وكلاهما في الصحيح، فقال: "الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"1، وقال: "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الأخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"2،
وقال في حديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت"3، وفي رواية "والحج، وصوم رمضان"4.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام؛ فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنا، ولا كل مسلم مؤمنا كما دلت عليه الأحاديث. انتهى كلامه -رحمه الله-.
__________
1 مسلم: الإيمان (8) , والترمذي: الإيمان (2610) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4990) , وأبو داود: السنة (4695) , وابن ماجه: المقدمة (63) , وأحمد (1/ 27,1/ 51).
2 البخاري: تفسير القرآن (4777) , ومسلم: الإيمان (10) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4991) , وابن ماجه: المقدمة (64) , وأحمد (2/ 426).
3 البخاري: الإيمان (8) , ومسلم: الإيمان (16) , والترمذي: الإيمان (2609) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5001) , وأحمد (2/ 26).
4 البخاري: الإيمان (8) , ومسلم: الإيمان (16) , والترمذي: الإيمان (2609) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5001) , وأحمد (2/ 120).
(2/ 2/48)

فإن قيل: قد فرق النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل بين الإسلام والإيمان، والمشهور عن السلف وأئمة الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم.
فالجواب أن الأمر كذلك، وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان: الكتاب والسنة؛ أما من الكتاب فكقوله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} 1، وأما من الحديث فكقوله في حديث أبي هريرة المتفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان"2 وغير ذلك.
فمن زعم أن إطلاق الإيمان على الأعمال الظاهرة مجاز، فقد خالف الصحابة والتابعين والأئمة، إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه يجمع بين الأحاديث بأن أعمال الإسلام داخلة في مسمى الإيمان، شامل لها، ففسرت بالإسلام، وهي جزء مسمى الإيمان، لكون الإيمان شاملها، ولغيرها من الأعمال الباطنة والظاهرة.
فإذا أفرد الإيمان في آية أو حديث دخل فيه الإسلام، وإذا قرن بينهما فسر الإسلام بالأركان الخمسة، كما في حديث جبريل، فسر الإيمان بأعمال القلب، لأنها أصل الإيمان ومعظمه؛ وقوته وضعفه ناشئان عن قوة ما في القلب من هذه الأعمال أو ضعفها، وقد يضعف ما في القلب من الإيمان بالأصول الستة حتى يكون وزن ذرة، كما في الحديث الصحيح: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"3. فبقدر ما في القلب من الإيمان تكون الأعمال الظاهرة التي هي داخلة في مسماه، وتسمى
__________
1 سورة الأنفال آية: 2.
2 مسلم: الإيمان (35) , والترمذي: الإيمان (2614) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5005) , وأبو داود: السنة (4676) , وابن ماجه: المقدمة (57) , وأحمد (2/ 379,2/ 414,2/ 445).
3 البخاري: الإيمان (22) , ومسلم: الإيمان (184) , وأحمد (3/ 56).
(2/ 2/49)

إسلامًا وإيمانًا كما في حديث وفد عبد القيس حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "آمركم بالإيمان بالله وحده؛ أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله أعلم ورسوله، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنتم"1. فهذه الأعمال أُدخلت في الإيمان وهي الإسلام، لأن الإسلام اسم لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة. فمن ترك شيئا من الواجبات، أو فعل شيئا من المحرمات نقص إيمانه بحسب ذلك، وهو دليل على نقصان أصل الإيمان، وهو إيمان القلب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام على الإسلام، والإيمان، والإحسان، وما بين الثلاثة من العموم والخصوص: أما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان. والإيمان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين. انتهى.
وهذا يبين ما قررناه، فحينئذ يتبين الإيمان الكامل الذي صاحبه يستحق عليه دخول الجنة والنجاة من النار، هو فعل الواجبات، وترك المحرمات، وهو الذي يطلق على من كان كذلك بلا قيد، وهو الإيمان الذي يسميه العلماء: الإيمان المطلق. وأما من لم يكن كذلك، بل فرط في بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات، فإنه لا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد فيقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو يقال: مؤمن ناقص الإيمان، لكونه ترك بعض واجبات الإيمان، كما في حديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"2 أي ليس موصوفا بالإيمان الواجب الذي يستحق صاحبه
__________
1 البخاري: المغازي (4368) , ومسلم: الإيمان (17) , والترمذي: الإيمان (2611) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5031) , وأبو داود: الأشربة (3692).
2 البخاري: المظالم والغصب (2475) , ومسلم: الإيمان (57) , والترمذي: الإيمان (2625) , والنسائي: قطع السارق (4870,4871) , وأبو داود: السنة (4689) , وابن ماجه: الفتن (3936) , وأحمد (2/ 317,2/ 386) , والدارمي: الأشربة (2106).
(2/ 2/50)

الوعد بالجنة والمغفرة والنجاة من النار، بل هو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه على ترك ما وجب عليه من الإيمان، وارتكابه الكبيرة. وقيل: هذا يوصف بالإسلام دون الإيمان، ولا يسمى مؤمنا إلا بقيد، وهذا الذي يسميه العلماء مطلق الإيمان، أي أنه أتى بالأركان الخمسة، وعمل بها باطنًا وظاهرًا.
وهذا الذي قلنا من معنى الإسلام والإيمان هو مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-، وطائفة من السلف والمحققين، وذهبت طائفة من أهل السنة أيضا إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد وهو الدين، فسمي إسلاما وإيمانا، فهما اسمان لمسمى واحد، والأول أصح، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، فلا نلتفت إلى ما يخالف هذين القولين، والله أعلم.
[شد الرحل إلى قبر النبي]
وأما قول السائل: هل يحرم شد الرحل إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؟
فالجواب: إن بعض العلماء قد قال: يجوز السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين. وهذا القول لصاحب المغني، وبعض المتأخرين من الحنابلة والشافعية، وهؤلاء يحتجون بقوله: "فزوروها". وأما ما يحتج به بعض من لا يعرف الحديث من قوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي". فهذا الحديث لا تقوم به حجة عند من له معرفة بعلل الحديث. وأما ما يقوله بعض الناس إنه حديث "من حج فلم يزرني فقد جفاني". فهذا لم يروه أحد من العلماء، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه-، ومثله حديث "من زارني ضمنت له على الله الجنة". قال الشيخ: وهذا باطل أيضا باتفاق العلماء -رحمهم الله تعالى-. قال: والصحيح ما ذهب إليه المتقدمون كأبي عبد الله بن بطة، وأبي الوفا ابن عقيل، وطوائف من المتقدمين من أن
(2/ 2/51)

هذا السفر منهي عنه، لا تقصر فيه الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وحجتهم ما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"1.
وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته، والعمل به في الجملة. فلو نذر الرجل أن يصلي في مسجد، أو مشهد، أو يعتكف فيه، أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق العلماء. ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد -رحمهم الله تعالى-، كما نص عليه شيخ الإسلام.
إذا عرفت أقوال العلماء في هذه المسألة، فاعلم أن الزائر إذا نوى بالزيارة التي فيها شد الرحل لسفر زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم صار ذلك به سفر طاعة بإجماع العلماء -رحمهم الله-، ويحصل له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم تبعا إذا وصل المسجد، وفعل ما هو المشروع من البداءة بتحية المسجد، ثم سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والزيارة والسلام على صاحبيه -رضي الله عنهما-، وذلك لا محذور فيه بوجه، بل هو مصلحة محضة. فأي محذور في تحصيل المصلحة المطلوبة على وجه صحيح بالإجماع؟ والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
__________
1 البخاري: الجمعة (1197) والصوم (1996) , ومسلم: الحج (827) , والترمذي: الصلاة (326) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1410) , وأحمد (3/ 78).
(2/ 2/52)

الرسالة الخامسة
[رسالة أهل نجد والجواب عليها]
{بسم الله الرحمن الرحيم}
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، المعرضين عن الحق المبين، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما.
أما بعد:
فإنه ألقي إلينا رسالة من الأحساء مشتملة على الكذب والبهتان، والإثم والعدوان، والله تعالى عند لسان كل قائل وقلبه، وهو المستعان.
وهذه الرسالة قد صدرها صاحبها بشبهة تنبي عن شك من صدرت منه، وارتيابه في هذا الدين، الذي بعث الله به المرسلين. والشبهة هي بذاتها وحروفها وكلماتها، هي التي أوردها أهل نجد على شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لما دعاهم إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ويتركوا عبادة ما كانوا يعبدونه من الأوثان والطواغيت كتاج وشمسان، ويخلعوا عبادة الأوثان، مثل عبادتهم لزيد بن الخطاب، وغيره من أرباب القبور، والأشجار، والأحجار.
وممن أورد هذه الشبهة عليه: عبد الله المويس راعي* حَرْمَة، وابن إسماعيل في الوشم، وسليمان بن عبد الوهاب في العارض، وزعموا أن الأمة لا يقع فيها شرك، فرد عليهم -رحمه الله- بالكتاب والسنة، وبين أن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، بالأدلة والبراهين من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وبين ضلال هؤلاء وأمثالهم، وظهرت حجته عليهم وعلى أمثالهم ممن اشمأز عن التوحيد؛ فانتشرت دعوته
__________
* في الأصل المطبوع: (واعي حرمه)، ولعل الصواب ما أثبت. و (حرمة) بلدة في إقليم سدير تقع على بعد 195 كم تقريبًا شمال غرب مدينة الرياض. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(2/ 2/53)

في الآفاق، وأقر بصحتها الخلق الكثير، والجم الغفير، فأنقذ الله بدعوته من الشرك والضلال أكثر أهل نجد، وما والاها، وبعض الأقاليم البعيدة؛ فالحمد لله على ظهور الحق ودحوض الباطل. ثم إن صاحب هذه الرسالة أظهر الشبهة المشار إليها فقال رسالته، يعني رجلا كان يكرهه لدينه، ويظن به ما قد أظهره في رسالته، فقال: أيها الرجل الجاهل المعجب بنفسه، لقد غويت وجهلت باعتقادك في هذه الأمة المحمدية التي قال الله فيها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 1، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} 2 أي عدلا خيارا. وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن هذه توفي سبعين أمة هي خيرها وأكرمها عند الله عز وجل".
قلت: فترك من الآيتين ما هو دليل عليه، وحرف الحديث وغيره.
ثم قال: إنك جعلتهم ما بين مشرك، ومبتدع، وفاسق، وجاهل، وظالم، ولا هنا مسلم حقيقي إلا أنت وكم نفر من الذي تشتهي، ولا سبقك أحد بهذا الاعتقاد.
فأقول قبل الجواب: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ما أعظم هذه الفرية وأبينها ضلالة! أليس الله تعالى قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود، والجن والإنس، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، ونافق من نافق، وأنزل الله عليه الكتاب والحكمة، وفي كل سورة من السور المكية محاجة المشركين، والرد عليهم، وبيان ضلالهم.
ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره الله بالجهاد، وافترضه عليه وعلى المؤمنين فقال: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} 3، وسمى
__________
1 سورة آل عمران آية: 110.
2 سورة البقرة آية: 143.
3 سورة النساء آية: 84.
(2/ 2/54)

الله تعالى في كتابه من لم يؤمن به كفارًا ومشركين، وأحل له دماءهم وأموالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، وهذا أظهر من الشمس في نحر الظهيرة.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يخلو هذا المشبه الجاهل الغاوي من أحد أمور ثلاثة، إما أن يقول: إن الذين سماهم الله كفارا ومشركين ومنافقين ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يقوله أحد حتى الزنادقة والشياطين، أو يقول: إن المؤمن والكافر والمنافق والمبتدع كلهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس، فهذا لا يقوله إلا من ضل عن القرآن وخرج من الإيمان، وغوى عن الحق والهدى، وسلك سبيل أهل الزيغ والردى؛ حيث جعل المشركين والكفار كالمقربين والأبرار، وسوى بين أهل الجنة وأهل النار.
فإن رجع عن هذين الأمرين خصم نفسه وأبطل شبهته. والبصير يعرف حال هذا الرجل في دينه وجهله، وأنه لا يقول هذا الأمر إلا من لا عقل له ولا دين، لكن يتعين علينا الجواب مخافة أن تكون هذه الشبهة قد دخلت على بعض العوام، وعلى بعض من ينتسب إلى العلم من المستكبرين المعرضين عن هذا الدين.
[تمييز أمة الإجابة من أمة الدعوة]
فأقول وبالله التوفيق: قال الله تعالى: {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} إلى قوله: {فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} 1، فأخبر تعالى في هذه الآيات أن الأكثر أعرضوا عن هذا القرآن، الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يقبلوا ما جاءهم به، وهم الذين بعث فيهم صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرهم، لا ريب أنهم من أمته صلى الله عليه وسلم، فصاروا فريقين: فريق آمنوا واتبعوه، والأكثر أعرضوا عنه، ونصبوا له
__________
1 سورة فصلت، الآيات: 1 - 5.
(2/ 2/55)

العداوة ولأتباعه؛ وهؤلاء كثير منهم من مات على كفره، ومنهم من قتل ببدر وأحد والخندق.
ولا يمكن أحد له أدنى مسكة من عقل أن يقول: إن هؤلاء ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يمكنه أيضا أن يقول: إنهم من خير أمة أخرجت للناس؛ فظهر بهذا الدليل الواضح أن خير الأمة هم المؤمنون، الذين استجابوا لله ولرسوله، من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهم الموصوفون في هذه الآية بقوله: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 1، فخص بالثناء على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأنهم خصوص أهل الإيمان دون من عداهم من مشرك ومنافق ومرتاب، فليسوا من خير أمة ولا كرامة، بل هم شرار الأمة.
وقد بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على من تخلف عن الإيمان به، شرع الله الهجرة، وأمره بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وعانده.
ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد فيها ثلاث قبائل من اليهود: بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة، وفيها من الأوس والخزرج من آمن به واتبعه، وفيهم أهل العقبة الذين بايعوه بمنى على أن يؤووه وينصروه، وفيهم من لم يؤمن به ويتبعه من المنافقين.
وقد بعثه الله تعالى إلى الأسود والأحمر من بني آدم كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} 2، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} 3. وكل أهل الملل من اليهود والنصارى
__________
1 سورة آل عمران آية: 110.
2 سورة الفرقان آية: 1.
3 سورة الأعراف آية: 158.
(2/ 2/56)

والمجوس والصائبة من أمته الذين أرسل إليهم، وكلهم من أمة محمد، وهم أمة الدعوة، قال الله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} 1.
فمن لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يتبعه من هذه الملل الخمسة فهو في النار كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} 2، فأخبر تعالى أنهم في النار خالدين فيها، وأنهم شر البرية، مع كونهم من هذه الأمة؛ فبطل بهذين الوجهين ما زعمه هذا الجاهل الغافل المغفل، الذي لم يرفع بدين الإسلام رأسا.
[تأييد الرد بالأدلة]
ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل كعب بن الأشرف اليهودي، وأجلى بني قينقاع لما أرادوا الغدر به وذلك بعد وقعة أحد، وقتل بني قريظة لما ظاهروا المشركين يوم الخندق، وكل هؤلاء كفارن ولا ريب أنهم من أمة الدعوة لا من أمة الإجابة. فيلزم على ما اعتقده هذا الضال الجاهل أن أولئك اليهود من خير أمة أخرجت للناس، وهذا لا يقوله من عرف الإسلام من الكفر؛ ومن يميز بين الكفر والإسلام فإنه لا يدري ما يقول.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار"3 رواه الإمام أحمد أيضا. وعن أبي هريرة مثله. فدل هذا الحديث أن اليهود والنصارى من هذه الأمة، وأن من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبعه منهم فهو من أهل النار.
وقد قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} 4، وقال
__________
1 سورة الحج آية: 17.
2 سورة البينة آية: 6.
3 مسلم: الإيمان (153) , وأحمد (2/ 317).
4 سورة التوبة آية: 5.
(2/ 2/57)

تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} 1، فأمر تعالى بقتال المشركين من العرب وأهل الكتاب، وهذا فرض على المسلمين، وحكم ثابت إلى يوم القيامة على كل من قام بالإسلام من هذه الأمة، فيجب عليه قتال المشركين وأهل الكتاب حتى يسلموا؛ فإن كانوا أهل كتاب وبذلوا الجزية أخذت منهم، واشترط عليهم ما اشترطه عمر بن الخطاب صاروا أهل ذمة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"2. وقد شرع الله تعالى جهاد الكفار والمشركين من أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا}، وقال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} 3.
ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أمره الله تعالى به، فقاتل من كفر من العرب وسبى النساء والذرية، وكذلك أهل الكتاب قتلهم بخيبر وسبى نساءهم، وبعث سراياه إلى الشام، وغزا النصارى حتى بلغ تبوك، فلم يلق كيدا فرجع، وهي آخر غزوة غزاها صلى الله عليه وسلم.
وعن بريدة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله"4 الحديث؛ وسيره صلى الله عليه وسلم وغزواته مبسوطة في كتب السير وكتب الحديث.
__________
1 سورة التوبة آية: 29.
2 مالك: الزكاة (617).
3 سورة محمد آية: 4.
4 مسلم: الجهاد والسير (1731) , والترمذي: الديات (1408) , وأبو داود: الجهاد (2613) , وابن ماجه: الجهاد (2858) , وأحمد (5/ 352,5/ 358) , والدارمي: السير (2439).
(2/ 2/58)

فعلم مما ذكرناه وغيره من أدلة الكتاب والسنة أن الكفار والمشركين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن أمته؛ ولهذا وجب قتالهم. وهذا أظهر من الشمس في نحر الظهيرة، لكن خفيت على الأعمى الذي لا يبصر.
وتبين بهذا خطأ من زعم أنه للناس وهم الأمة الوسط، ولا ريب أن قائل هذا لا يعرف القرآن ولا الرسول، ولا عرف الإسلام من الكفر، لأنه جعل الكل شيئا واحدا، ولو كان له أدنى نهمة إلى الإسلام لما خفي عليه هذا، لأن ما في الكتاب والسنة من ذلك أظهر شيء وأبينه، لا يخفى إلا على من هو أبعد الناس عن الحق ومعرفته، ومن لا علم له بالكتاب والسنة، فمن أين يهتدي إلى معرفة الحق وقبوله؟ اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
وما زال الجهاد بالحجة واللسان والسيف والسنان قائما في هذه الأمة، على الكفار والمشركين والمنافقين، وأهل البدع والفساد إلى قرب قيام الساعة. وسيأتي الإشارة إلى ذلك قريبا. وأصل دين الإسلام معرفة الشرك، والبراءة منه وإنكاره، ومعاداة أهله، ومعرفة التوحيد على الحقيقة، وقبوله ومحبته، وموالاة أهله، ومن لم يكن كذلك فليس له في الإسلام نصيب؛ لأن من لم يعرف الشرك لم يعرف التوحيد، ومن لم يعرفه كيف يعمل به، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
وأما ما استدل به من الآيتين فهما حجة عليه، وذلك أن الله وصف خير أمة أخرجت للناس بثلاث صفات، وهي لأهل الإيمان خاصة، وليس لأهل الكفر والشرك والنفاق والبدع والفسوق فيها نصيب، فقال: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 1، كما قال تعالى في
__________
1 سورة آل عمران آية: 110.
(2/ 2/59)

سورة براءة: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} 1 الآيتين.
ووصف المنافقين بعكس هذه الصفات فقال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 2، فوصفهم بالنفاق تارة وبالكفر تارة. وقوله: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} 3 فوصفهم بهذه الصفات التي صاروا بها في الدرك الأسفل من النار، وقد كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ويشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون ويجاهدون، فلم ينفعهم ذلك، لعدم إيمانهم وقبولهم لما بعث الله به ورسوله من الهدى والعلم.
ولهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بجهادهم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} 4 في سورة براءة والتحريم.
[بعثة الرسول بأربعة أسياف]
وذكر العماد ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف للمشركين: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 5، وسيف للكفار أهل الكتاب: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} 6، وسيف للمنافقين: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} 7، وسيف للبغاة: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} 8؛ وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير.
قلت: فإذا كان المستحقون لهذه السيوف التي بعث بها رسول الله
__________
1 سورة التوبة آية: 71.
2 سورة التوبة آية: 67.
3 سورة التوبة آية: 66.
4 سورة التوبة آية: 73.
5 سورة التوبة آية: 5.
6 سورة التوبة آية: 29.
7 سورة التوبة آية: 73.
8 سورة الحجرات آية: 9.
(2/ 2/60)

صلى الله عليه وسلم موجودين في حياته والقرآن ينزل، فلأن يوجد بعده وبعد القرون المفضلة أولى وأحرى، كما لا يخفى على من له بصيرة ومعرفة بأحوال الأمة، ولا يخفى هذا إلا على من هو أجهل خلق الله وأتركهم لدين الله.
[خطأ من قال ليس في الأمة كافر ولا مبتدع]
وأما ما استدل به على شبهته الواهية والباطلة من الآيتين: آية البقرة وآية آل عمران، فهما من أظهر الحجة عليه في إبطال شبهته، فإن قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 1 إنما خاطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالخطاب بها متوجه إليهم، فإنهم هم الموصوفون بهذه الصفات. فهو مؤمن من خير أمة أخرجت للناس، وهم الموعودون في كتاب الله وسنة رسوله بالفوز بالجنة والنجاة من النار؛ بخلاف الكفار والمشركين والمنافقين، فإنهم أهل المنكر، يفعلونه ويأمرون به ويوالون أهله، ويتركون المعروف وينهون عنه ويعادون أهله، فهم أعداء الله وأعداء رسوله حيث كانوا.
وقد كان جنسهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل القرآن، ووجودهم فيما بعد خير القرون أكثر، كما لا يخفى على من له عقل، بخلاف من ليس له عقل ولا دين يقول: ليس في الأمة كافر ولا مشرك ولا مبتدع. فأين ذهب عقل؛ هذا الجاهل عن القرآن والسنة؟! فإن الله بيَّن أحوال الكفار والمشركين والمنافقين، ومقتهم ولعنهم، وأمر بجهادهم ما داموا على كفرهم وشركهم وضلالهم، في كل زمان ومكان. قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} 2. فقل لهذا الجاهل المغفل الحيران المفتون: أين ذهب بك الشيطان عن معرفة ما في القرآن؟
وأما آية البقرة فهي أيضا حجة على هذا في إبطال شبهته وبيان
__________
1 سورة آل عمران آية: 110.
2 سورة الأنفال آية: 39.
(2/ 2/61)

جهله وضلاله، فإن الله تعالى قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} 1 أي: عدلا خيارا؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم المعنيون بهذه الآية أيضا، ومن كان مثلهم من أهل الإيمان لحق بهم. وأما الكفار والمشركون والمنافقون فهم أعداء الأمة الوسط في كل زمان ومكان، ولا يمكن أحد أن يزعم أنهم من الأمة الوسط إلا مثل هذا الجاهل الذي يقول: ليس في الأمة كافر ولا مشرك ولا مبتدع ولا فاسق. فكيف يثبت لهذا إيمان بالقرآن وهو يقول هذه المقالة التي في غاية البطلان والانحراف عن سبيل أهل الإيمان؟ قال الشاعر:
لا تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
ويلزمه من هذا القول أن الصحابة أخطؤوا في قتالهم من قاتلوه من العرب وبني حنيفة وغيرهم من فارس والروم؛ لأن الكل ليس فيهم كافر ولا مشرك ولا مبتدع، وكلهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: وكذلك كل من قاتل أهل الكتاب والمجوس والنصارى والمشركين فإنما قاتل الأمة الوسط الخيار، وهلم جرا إلى يومنا هذا.
وعلى هذا القول يلزمه أن من قاتل من خرج عن الشريعة فهو مخطئ، لأنه ليس في الأمة مبتدع ولا مشرك. وأنت تجد مثل هذا تظهر كراهته لمن أمره بمعروف أو نهاه عن منكر على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وتجده محبا لأهل المنكر مواليا لهم، معاديا لأهل المعروف؛ فما رأيت شبيها له إلا رجلا بمصر، رأيته وضع يده على نصراني فقال: هؤلاء أسيادنا. نعوذ بالله من الضلال والخذلان، والخروج عن سبيل أهل الإيمان، ولنذكر ما يزيد هذا المقام.
قال العماد ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره في معنى قول الله تعالى:
__________
1 سورة البقرة آية: 143.
(2/ 2/62)

{الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} 1: أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيره، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} 2 أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، الحكيم فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته، وقوله: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ} 3: هذا هو القسم الممدوح من الأعراب.
قلت: وهم الموصوفون بالإيمان والإخلاص، فتبين أن الأعراب وهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيهم المشرك والكافر، والمنافق والمؤمن؛ وما زالوا كذلك في كل زمان إلى يومنا هذا وبعده، وشرهم اليوم أكثر، وكفرهم أكبر وأظهر، فيلزمه على أصله أن كلهم من خير أمة أخرجت للناس ومن الأمة الوسط، وأن من قاتلهم لشركهم وكفرهم فقد ظلمهم، فتدبر.
ثم ذكر تعالى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان فقال تعالى:
{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 4، وذكر قول الشعبي أن السابقين من أدرك بيعة الرضوان.
قلت: والمذكور في هذه الآية هم الأمة الوسط، هم خير أمة أخرجت للناس.
قال العماد ابن كثير: فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم
__________
1 سورة التوبة آية: 97.
2 سورة التوبة آية: 97.
3 سورة التوبة آية: 99.
4 سورة التوبة آية: 100.
(2/ 2/63)

وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر، والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه؛ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ويبغضونهم ويسبونهم -عياذا بالله من ذلك-، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم؟!
[موالاة من والى الله ومعاداة من عاداه]
وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ومقتدون لا مبتدون؛ ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون. انتهى.
قلت: فما أكثر الرافضة في زماننا هذا! -لا كثرهم الله-، وتأمل كيف حال هذا المشبه؟ فإنه جعل الرافضة والمشركين والكافرين والمنافقين مثل الصحابة. وأهل الإيمان هم أعداء الرافضة والمشركين في كل زمان ومكان، وقد ميز الله تعالى في كتابه السعداء والأشقياء بالأعمال في المآل، ولا يخفى هذا إلا على من أعمى الله بصيرته، فلا يعرف حقا ولا باطلا، نعوذ بالله من عمى البصيرة، وخبث السريرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ما جرى في الأمة من الشرك والبدع والضلال]
ونشير إلى ما جرى في الأمة من الشرك والبدع والضلال، فمن ذلك: أن العرب لما سمعوا بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتد أكثرهم عن الإسلام، وقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه بالصحابة، حتى دخلوا من الباب الذي خرجوا منه، وقتل من قتل منهم على ردته. وكذلك بنو حنيفة صدقوا مسيلمة لما ادعى النبوة، وكفروا، وقاتلهم أصحاب رسول الله -صلى
(2/ 2/64)

الله عليه وسلم-، وأمرهم خالد بن الوليد وهو أمير الجيش الذين قاتلوا من ارتد، ولا ريب أن بني حنيفة كفار، ومن قتل منهم قتل كافرًا، فلم ينفعهم مع الكفر بالله كونهم من هذه الأمة، وعلى رأي هذا المشبه ليسوا كفارا، والصحابة أخطؤوا في قتالهم.
وكذلك الخوارج الذين قتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أنهم "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"1، وقال: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم"2 ولا ريب أنهم من هذه الأمة، لكنهم من شرار الأمة، وهم الذين قتلوا علي بن أبي طالب، قتله عبد الرحمن بن ملجم وهو منهم. وكذلك الذين اعتقدوا الإلهية في علي بن أبي طالب، فخد لهم الأخاديد وأحرقهم بالنار لشركهم بالله. فاسأل هذا الجاهل المفتري: هل أصاب علي في قتلهم أم أخطأ؟ وهل كانوا كفارا أم لا؟ ومن لم يكفرهم فهو كافر.
وكذلك الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي"3 أيكون هؤلاء كفارا أم لا؟ فإن طرد أصله وقال: لم يكونوا كفارا، صار أخا لهم؛ لأنه زكاهم وتولاهم. نفاة القدر من شرار هذه الأمة
وكذلك الذين أنكروا القدر، منهم معبد الجهني وغيلان القدري، الذين قال عبد الله بن عمر فيهم، لما أخبره يحيى بن يعمر قال له: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله، إن أحدهم لو أنفق مثل أُحد ذهبا ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مجوس هذه الأمة، وأفتى العلماء -رحمهم الله- بقتل داعيتهم غيلان القدري، فقتله هشام بن عبد الملك في خلافته. وهم مبتدعة بإجماع العلماء لمخالفتهم ما دل عليه الكتاب
__________
1 البخاري: المناقب (3611) , ومسلم: الزكاة (1066) , والنسائي: تحريم الدم (4102) , وأبو داود: السنة (4767) , وأحمد (1/ 91,1/ 147).
2 البخاري: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (6930) , ومسلم: الزكاة (1066) , والنسائي: تحريم الدم (4102) , وأبو داود: السنة (4767) , وأحمد (1/ 81,1/ 131).
3 أبو داود: الفتن والملاحم (4252).
(2/ 2/65)

والسنة في إثبات القدر، وهو من أصول الإيمان كما في سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. قال: صدقت"1. والآيات والأحاديث في إثباته كثيرة جدا.
والمقصود: أن نفاة القدر من هذه الأمة، وقد صاروا مبتدعة ضُلّالا، ومن كان كذلك فليس من خير أمة أخرجت للناس، بل هم من شر الأمة. صدق الله، وكذب المرتابون.
ثم ظهرت بدعة الجهمية في آخر دولة بني أمية، فجحدوا ما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفاته ونعوت جلاله. وكان أول من أظهر هذه البدعة الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري -وكان إذ ذاك أميرا على العراق- فقال في خطبته يوم الأضحى: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما ذكر بدعة الجهمية:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ال ... قسري يوم ذبائح القربان
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان
وفي تلك الدولة، والإسلام ظاهر والسنة ظاهرة وأهلها، كذلك البدعة إذا ظهرت أنكرت، وعوقب أهلها بالقتل تارة، وبالحبس تارة، وبالتعزير. ثم إن جهم بن صفوان أظهر هذه البدعة في دولة بني العباس، فأنكر ذلك العلماء، وكفروه ومن تبعه على بدعته، منهم سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والإمام مالك، وخلق كثير من أهل الحديث والفقه، قال ابن القيم -رحمه الله-:
__________
1 البخاري: تفسير القرآن (4777) , ومسلم: الإيمان (9,10) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4991) , وابن ماجه: المقدمة (64) , وأحمد (2/ 426).
(2/ 2/66)

ولقد تقلد كفرهم سبعون في ... عشر من العلماء في البلدان
فعظمت بدعتهم، وتكلم العلماء في ردها وإبطالها، وصنفوا الكتب في ذلك. وممن صنف في رد هذه البدعة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، وابنه عبد الله بن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو بكر المروزي صاحب الإمام أحمد، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة في كتاب التوحيد له، واللالكائي في كتاب السنة، وأبو عثمان الصابوني، وخلق كثير.
وبعض العلماء ضمن كتابه الرد عليهم كالبخاري، وغيره من أئمة الحديث، وممن رد عليهم شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب الفاروق له، وصنف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام كتاب "العقل والنقل في الرد على الجهمية والفلاسفة"، كما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-:
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثاني
قلت: فلو عرف هذا الجاهل المشبه ما وقع في هذه الأمة من البدع والمنكرات، لم يتفوه بهذه الشبهة، لكنه جاهل لا يدري ما وقع في الأمة من خير وشر، وقد أعجب بنفسه، وهو من السفلة الضلال، فلا علم ينفعه، ولا عقل يردعه، نعوذ بالله من غرور الشيطان، والانحراف عن سبيل أهل الإيمان. وهذه البدع التي ذكرنا ظهرت في القرون المفضلة، لكنها تنكر وتغير.
[الفتن في هذه الأمة وخير قرونها]
وفي هذه القرون من الأمة المفضلة الخلق الكثير، والجم الغفير، لا يحصيهم إلا الله سبحانه-. وقد عرفت أن أهل البدع والنفاق بينهم مقهورون ذليلون قليلون؛ وأهل هذه القرون هم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله"1،وهم المعنيون
__________
1 ابن ماجه: الزهد (4288) , وأحمد (4/ 447) , والدارمي: الرقاق (2760).
(2/ 2/67)

بقوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله لعيسى ابن مريم: إني باعث بعدك أمة، إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال: يا رب كيف ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي"1.
فإذا تصور العارف ما حصل في خلافة أبي بكر وعمر، ممن اجتمع من المسلمين على حرب فارس والروم لما أظهرهم الله عليهم، ملؤوا الشام والعراق والحجاز واليمن وغيرها، فما زالوا كذلك على السنة في القرون الثلاثة، والجهاد قائم بهم، والأقاليم مملوءة منهم.
وفي مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يضرب خباءه، ومنا من هو في جشره، ومنهم من ينتضل، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فانتهيت إليه وهو يخطب الناس، ويقول: أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم عما يعلمه شرا لهم. ألا وإن عافية هذه في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وفتن يرقق بعضها بعضا. تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي. ثم تنكشف فيقول: هذه هذه. ثم تنكشف، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر".
ويشهد لهذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" انتهى الحديث.
__________
1 أحمد (6/ 450).
(2/ 2/68)

قلت: وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وفي آخر القرن، وفيه امتحن المأمون بن الرشيد علماء الحديث، وحملهم على القول بخلق القرآن، فمنهم من أجاب مكرها، ومنهم من لم يجب، وصبر على المحنة كالإمام أحمد، ومحمد بن نوح -رحمه الله تعالى-، واستمرت المحنة في خلافة أخيه المعتصم، وفي خلافة الواثق. فلما استخلف المتوكل رفع المحنة عن الإمام أحمد وأهل الحديث.
ثم بعد ذلك ظهرت دولة القرامطة في المشرق، وصار لهم صولة، وأظهروا الكفر، وقتلوا الحجاج بمكة، وألقوهم في بئر زمزم، وقلعوا الحجر الأسود، ونقلوه إلى بلادهم. قال شيخ الإسلام: وهم من أشد الناس كفرا.
وظهرت دولة بني بويه في أوائل القرن الرابع، فأظهروا الغلو في أهل البيت، وبنوا المساجد على قبورهم، وبنوا المشاهد، وعبدوها من دون الله، فأشبهوا اليهود والنصارى، كما في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"1 يحذر ما صنعوا.
ولما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"2.
وكذلك بنو عبيد القداح تغلبوا على مصر وبعض المغرب، وبنوا المساجد على القبور والمشاهد، بزعمهم أنها قبور أناس من أهل البيت، وهي الموجودة تعبد إلى الآن، وغيرها تعبد من دون الله.
فظهرت المقالات والبدع من الفلاسفة، والجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والكرامية، والأشاعرة، وغيرهم من أهل البدع، وفشا الشرك والزندقة في هذه
__________
1 البخاري: الصلاة (436) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531) , والنسائي: المساجد (703) , وأحمد (1/ 218,6/ 34,6/ 80,6/ 252,6/ 255) , والدارمي: الصلاة (1403).
2 البخاري: الصلاة (434) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (528) , والنسائي: المساجد (704) , وأحمد (6/ 51).
(2/ 2/69)

الفرق وغيرها، وقلَّ أهل السنة والجماعة.
وفي القرن السابع سار التتر، وقتلوا الخليفة العباسي ببغداد، وقتلوا العلماء، وألقوا الكتب من الحديث والسنة في شط دجلة. وتحصن أهل الشام عنهم في رؤوس الجبال، فقاتلهم سلطان مصر، ومن معه من أهل مصر والشام، فهزمهم الله؛ وذلك بسبب شيخ الإسلام ابن تيمية لما شجع السلطان.
وفي تلك القرون اشتدت غربة الإسلام، وعاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، قال بعض أهل السنة: "لا تستوحش من الطريق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين". وفي هذه الحال يقول الشاطبي -رحمه الله-:
وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا
[غربة الإسلام في هذه الأزمنة]
وذلك أن هذه الأزمنة هي التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإسلام يعود غريبا كما بدأ، وأن القابض على دينه كالقابض على الجمر. قال ابن القيم: والحديث رواه الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: النزاع من القبائل"1 وفي حديث عبد الله بن عمرو: "قيل يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: ناس صالحون في أناس كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم"2.
قال العلامة ابن القيم: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم أنهم النزاع من القبائل: أن الله سبحانه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الأرض على أديان مختلفة، فهم بين عباد أوثان وعباد نيران وعباد صلبان
__________
1 الترمذي: الإيمان (2629) , وابن ماجه: الفتن (3988) , وأحمد (1/ 398) , والدارمي: الرقاق (2755).
2 أحمد (2/ 177).
(2/ 2/70)

ويهود وصابئة وفلاسفة، فكان الإسلام في أول ظهوره غريبا، فكان من أسلم منهم واستجاب لله ورسوله غريبا في حيه وقبيلته وقريته وأهله وعشيرته.
وكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل، آحادا منهم، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم، فكانوا هم الغرباء حقا، حتى ظهر الإسلام، وانتشرت دعوته، ودخل الناس فيه أفواجا، ثم أخذ في الاغتراب حتى عاد غريبا كما بدأ؛ بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اليوم أشد منه غربة في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدا، وأهله غرباء بين الناس.
وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات أتباع ورياسات، ومناصب وولايات، لا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟! فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم، وما هم عليه من الشبهات التي هي منتهى فضيلتهم وعلمهم، والشهوات التي هي غاية مقاصدهم وإرادتهم، فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم، وأطاعوا شيخهم، وأعجبوا منه برأيه؟ انتهى.
قلت: فإذا كان هذا في القرن السابع وما قبله، فما بعده أشد غربة للإسلام والسنة؛ وبسبب اشتداد الغربة أنكر الناس على من قام يدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا.
[حديث علي مع اليهودي والنصراني في الافتراق]
فقد ثبتت الأحاديث التي فيها افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ورواها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(2/ 2/71)

وقد رواه الإمام محمد بن نصر المروزي -رحمه الله- في كتاب الاعتصام، فنذكر من كل حديث ما دل على ذلك.
فروى بإسناده إلى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء قال: سمعت علي بن أبي طالب، وقد دعا رأس الجالوت وأسقف النصارى وقال: إني سائلكما عن أمر وأنا أعلم به منكما فلا تكتماني، يا رأس الجالوت: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، وأطعمكم المن والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقا، وأخرج لكم من الحجر اثنتي عشرة عينا، لكل سبط من بني إسرائيل عين، إلا ما أخبرتني عن كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟ فقال له: ولا فرقة واحدة. فقال له علي ثلاث مرات: كذبت، والله الذي لا إله إلا هو لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
ثم دعا الأسقف وقال: أنشدك الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجعل على رحله البركة، وأراكم العبرة، فأبرأ الأكمه، وأحيا الموتى، وصنع لكم من الطين طيورا، وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، فقال: دون هذا أصدقك يا أمير المؤمنين، فقال: على كم افترقت النصارى بعد عيسى من فرقة؟ فقال: لا والله ولا فرقة. فقال ثلاث مرات: كذبت، والله الذي لا إله إلا هو لقد افترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة.
فأما أنت يا يهودي فإن الله يقول: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} 1، فهي التي تنجو، وأما أنت يا نصراني فإن الله يقول: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} 2، فهي التي تنجو، وأما نحن فيقول: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} 3، وهي التي تنجو من هذه الأمة.
وبالسند إلى زاذان أبي عمرو قال: قال علي: يا أبا عمرو، أتدري كم
__________
1 سورة الأعراف آية: 159.
2 سورة المائدة آية: 66.
3 سورة الأعراف آية: 181.
(2/ 2/72)

افترقت اليهود؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: افترقت على إحدى وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة هي الناجية. ثم قال علي: أتدري كم تفترق فيَّ؟ قلت: وإنه يفترق فيك يا أمير المؤمنين؟! قال: نعم، اثنتا عشرة فرقة كلها في النار إلا واحدة (هي) الناجية، وهي تلك الموحدة، يعني الفرقة من الثلاث والسبعين، وأنت منهم يا أبا عمرو.
وبالسند إلى عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلا بمثل حذو النعل بالنعل، وإنهم تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار غير واحدة. قالوا: يا رسول الله، وما تلك الواحدة؟ قال: هي ما أنا عليه اليوم وأصحابي"1.
وبالسند إلى عبد الله بن عبدة عن بنت سعد عن أبيها سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، ولن تذهب الليالي والأيام حتى تفترق أمتي على مثلها -أو قال مثل ذلك- وكل فرقة منها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
وبالسند إلى سويد بن غفلة عن ابن مسعود قال: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن مسعود. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: أتدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل، واختلف من قبلي على اثنتين وسبعين فرقة ونجا منها ثلاثة وهلك سائرها، فرقة آذت الملوك وقاتلوهم على دينهم ودين عيسى وأخذوهم فقطعوهم بالمناشير، وفرقة لم يكن لهم طاقة في مؤاذاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم
__________
1 الترمذي: الإيمان (2641).
(2/ 2/73)

ويدعونهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم، فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله فيهم: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} إلى قوله: {فاسقون} ".
وقال صلى الله عليه وسلم "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لا يتبعني فأولئك هم الهالكون" قلت: فالفرقة الثالثة هي التي آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعته من بني إسرائيل وغيرهم.
[الفرقة الناجية هي المتمسكة بالكتاب والسنة]
وبالسند إلى يزيد الرقاشي حدثني أنس بن مالك مرفوعا أن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قال يزيد الرقاشي: وهي الجماعة. وفيه حديث معاوية وهو مشهور.
فتبين بهذه الأحاديث أن الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين هي التي تمسكت بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعملوا بما في كتاب الله، وأخلصوا له العبادة، واتبعوا رسوله. فإن أصل دين الإسلام أن لا يعبدوا إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وأنت اليوم (ترى) أكثر من ينتسب إلى العلم لا يعرف من معنى "لا إله إلا الله" إلا ما دلت عليه التزاما، وهو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون.
وذلك أن هؤلاء يفسرون الإله بالقادر على الاختراع، وما اهتدوا إلى ما دلت عليه كلمة الإخلاص مطابقة، وهو نفي ما يألهه المشركون من دون الله بأي نوع كان من العبادة، وهو المنتفي بجملة "لا إله"، ومعنى "إلا الله" أنه الذي يؤله ويعبد بكل نوع من أنواع العبادة دون كل ما سواه، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله.
وبسبب جهل كثير بما دلت عليه "لا إله إلا الله"، لم ينكروا عبادة الطواغيت والأشجار والأحجار والقبور وغير ذلك، وذلك أنه لا يعرف عن أحد من العلماء في
(2/ 2/74)

العصر الذي قام فيه شيخنا -رحمه الله- ولا من قبله أنه أنكر الشرك في الإلهية، ودعا الناس إلى عبادة الله وحده؛ فبسبب الجهل بهذا التوحيد الذي هو حق الله على عباده أنكروا على شيخنا -رحمه الله- دعاء الناس في القرن الثاني عشر إلى ما دعت إليه الرسل: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}،1 {أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} 2، {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} 3.
فالوقت الذي صارت دعوة الرسل فيه عند أهله منكرا، فالإسلام فيه قد بلغ في الغربة إلى غايتها ومنتهاها، وقد دل القرآن العزيز على أن الكفار الذين جحدوا هذا التوحيد كانوا يعرفون معنى ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لهم: "قولوا لا إله إلا الله"4، قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} 5.
فعرفوا أن معناها ترك الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله، وقد أخبر الله تعالى عن قوم هود أنهم أجابوه لما قال لهم: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 6، {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} 7، فتبين بهذه الآيات وجميع ما في القرآن أن الدعوة التي اتفق عليها الرسل هي إفراد الرب بالعبادة، كما في قوله تعالى في فاتحة الكتاب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 8: فتقديم المعمول يفيد الحصر، أي لا نعبد غيرك، ولا نستعين إلا بك. فالجهل بهذا التوحيد هو غاية الجهل، والإنكار على من دعا إليه هو الغاية في الكفر.
وقد قال عالم صنعاء في منظومته المشهورة، التي بعث بها لشيخنا محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-:
لقد أنكرت كل الطوايف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد
__________
1 سورة الأعراف آية: 59.
2 سورة هود آية: 2.
3 سورة هود آية: 1.
4 أحمد (3/ 492).
5 سورة الصافات آية: 35.
6 سورة الأعراف آية: 65.
7 سورة الأعراف آية: 70.
8 سورة الفاتحة آية: 5.
(2/ 2/75)

وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرًا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي
[قول ابن جرير في الدعاء والعبادة]
والمقصود أن الله تعالى مَنَّ على الناس في آخر هذه الأعصار ببيان الدين الذي بعث الله به رسله، وهو الذي خلق الخلق لأجله، وبيان أدلته من الكتاب والسنة، ودعوة الناس إلى أن يتدبروا ذلك، ويعرفوا ما أراده الله تعالى من عباده، وبينه تعالى بقوله: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 1، وقوله: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} 2، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 3.
وقد ذكر الإمام محمد بن جرير في تفسيره: إن الدين المذكور في هذه الآيات وأمثالها الدعاء، والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة؛ والكل عبادة. فمن أخلص الدعاء بنوعيه لله تعالى، ولم يجعل له فيه شريكا فقد وحد الله تعالى بعبادته، وأسلم لله. ومن جعل لله شريكا في ذلك فقد أشرك مع الله غيره، وهذا واضح في الآيات المحكمات كقوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 4.
وهذه الآية تشبه {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 5، والمعنى: بل الله فاعبد لا غيره، فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهذا هو الإخلاص، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فمن لم يفهم دين الإسلام الذي رضيه الله تعالى لعباده من هذه الآيات المحكمات فأبعده الله، فإن الخصومة بين الرسل والأمم إنما كانت في إخلاص العبادة كما قال تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ
__________
1 سورة الزمر آية: 2.
2 سورة الزمر آية: 14.
3 سورة البينة آية: 5.
4 سورة الزمر آية: 64.
5 سورة الفاتحة آية: 5.
(2/ 2/76)

قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} 1.
وهذا هو الدين الذي دعا إليه شيخنا -رحمه الله- آخر الأعصار، لما اندرست أعلامه، وانمحت آثاره، واتخذ الناس الشرك في العبادة دينا، وأنزلوا حوائجهم بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فكيف يملك لهم من الضر والنفع ما لا يملك لنفسه؟ قال تعالى: {أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 2.
والقرآن من أوله إلى آخره في بيان توحيد العبادة، وهو أظهر شيء في القرآن وأبينه، وقد أشرت إلى سبب خفاء هذا التوحيد على كثير من المتكلمين ومن سلك سبيلهم؛ فلهذا لم ينكروا الشرك الذي وقع في هذه الأمة من عبادة الأشجار والأحجار والطواغيت والجن، فصار هذا الشرك لهم عادة، نشأ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، وهذا هو سبب إنكارهم على من نهاهم عنه.
فمن تدبر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"3 تبين له خطأ المغرورين في إنكارهم على من دعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، واشمئزازهم من ذلك.
فلنذكر ما ورد هذا المعنى:
ففي الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "أنتم أشبه الناس ببني إسرائيل، والله لا تدعون شيئا عملوه إلا عملتموه، ولا كان فيهم شيء إلا سيكون فيكم مثله" وفي رواية عنه أنه قال: "أنتم أشبه الناس سمتا وهيئة ببني إسرائيل، تتبعون آثارهم حذو القذة بالقذة، لا يكون فيهم شيء إلا يكون فيكم مثله".
__________
1 سورة الأحقاف آية: 21.
2 سورة المائدة آية: 76.
3 البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (7320) , ومسلم: العلم (2669) , وأحمد (3/ 84,3/ 89,3/ 94).
(2/ 2/77)

وبالإسناد إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا كان فيكم".
وعن عبد الله بن عمرو قال: "لتركبن سنن من كان قبلكم حلوها ومرها" وتقدم في الأحاديث المرفوعة مثل هذا.
ولا يعرف ما وقع في الأمة من أنواع الشرك الأكبر وخفاءه على الأكثر، إلا من شرح الله صدره للإسلام وتدبر القرآن، بخلاف من أعرض عن كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتمد على ما في كتب المتكلمين ومقلديهم، نعوذ بالله من عمى البصيرة، وفساد الطوية والسريرة. وقد اعترف عالم صنعاء الأمير "محمد بن إسماعيل" بما كان الناس عليه من الجهل بالتوحيد، في وقت ظهور شيخنا -رحمه الله تعالى وعفا عنه-، فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى:
أُسائل من دار الأراضي سياحة ... عسى بلدة فيها هدى وصواب
فيخبر كلٌّ عن قبائح ما رأى ... وليس لأهليها يكون متاب
لأنهم عدّوا قبائح فعلهم ... محاسن يرجى عندهن ثواب
[مبدأ دعوة ابن عبد الوهاب]
ونذكر شيئا من مبدأ دعوة شيخنا -رحمه الله- فنقول: لما شرح الله صدره للإسلام، وتبين له ما كان أكثر الناس عليه من الجهل بالتوحيد، وما وقعوا فيه من الشرك والتنديد، دعا من كان حوله إلى تدبر كتاب الله، ومعرفة التوحيد الذي خلقوا له، وبعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وضمنه أشرف كتبه، وهو القرآن الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وأن ما وقع منهم من الاعتقاد في الطواغيت، وأرباب القبور، والأشجار والأحجار، وهو الشرك الذي بعث الله رسله بإنكاره.
فصاحوا به منكرين ما دعاهم إليه، واستنجدوا بالملوك من كل جانب، حتى أخرجوه من
(2/ 2/78)

بلده العيَينة*، فهاجر إلى الدرعية. فتلقاه شيخ البلد محمد بن سعود -رحمه الله- هو وأولاده وقرابته وأعيان أهل بلده، فقابلوا دعوته بالقبول، وجدوا في نصرته على ضعفهم وقلتهم، وكثرة عدوهم؛ واستصراخ أعدائهم الملوك عليهم، فما زالوا يرمونهم بقوس العداوة، وحزبوا عليهم مرارًا كثيرة من كل جهة، فأظهرهم الله على من عاداهم -على ضعفهم وقلتهم-، وأوقع بأسه بكل من عاداهم، حتى الملوك أهلكهم الله وأباد خضراءهم، وفي ذلك آيات لمن كان واعيا. وهذه الآية لا تخفى على من صحت بصيرته، وأما أعمى البصيرة فلا يبصر. وكلما كادهم عدو ورام إهلاكهم أهلكه الله، فما زالوا -بحمد الله- ظاهرين إلى يومنا هذا، {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِين َوَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 1. ولله در الشيخ حسين بن غنام، حيث قال لما ظهرت له أنوار التوحيد، أظهر ذلك في شعره نثرًا، وأجاب محمد بن فيروز في هجوه وسبه، ومنظومته موجودة في تاريخه، فمن قوله -رحمه الله-:
نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفى لدين حنينها
فسل ربك التثبيت أي موحد ... فأنت على السمحاء باد يقينها
وغيرك في بيد الضلالة سائر ... وليس له إلا القبور يدينها
وأنت بمنهاج الشريعة سالك ... وسنة خير المرسلين تبينها
[فساد اعتقاد صلاح جميع الأمة]
قلت: ولا يخفى على ذوي البصائر أن من أعظم الجهل، وأبين الكذب، وأبعد الضلال، جحود من جحد أنه: ليس في هذه الأمة كافر ولا مشرك، ولا مبتدع، ولا فاسق، ولا ظالم. والقرآن كله من أوله إلى آخره يخبر عن الكفار والمشركين والمنافقين والفاسقين والظالمين، فسبحان الله! كيف
__________
* في الأصل المطبوع: (العينية)، وهو خطأ مطبعي. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
1 سورة الجاثية آية: 36.
(2/ 2/79)

أدته العداوة والبغضاء لمن قام بالدعوة إلى التوحيد إلى أن جحد الكثير من القرآن والسنة! وادعى أن الأمة كلها من أولها إلى آخرها كلهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم الأمة الوسط؛ فجحد ما لا يمكن جحوده في حق أحد، وحقيقة حال هذا أنه كذّب بما في القرآن من ذلك.
فتأمل ما يترتب على هذا القول من الفساد والإلحاد، وكيف يمكن أحد أن يجحد ما وقع في هذه الأمة من ذلك من الكفر والشرك والبدع؟
وقد ذكرت في هذا الجواب بعض ما وقع في الأمة من ذلك -على سبيل الاختصار- لبيان بطلان هذه الشبهة، وشدة ضلال ملقيها. ثم إنه حرف القرآن والأحاديث، ووضعها في غير موضعها، فزعم أن المطيع والعاصي والمؤمن والكافر على حد سواء، وهذا ممتنع عقلا وشرعا وفطرة.
وقد تقدم في هذا الجواب ما يبين الخطأ من الصواب -ولله الحمد والمنة- مع الاقتصار كما في الأثر: "خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل"، والقصد بذلك انتفاع طالب الحق بالجواب عن شبهة المشبهين، وتحريف الملحدين. وبالله التوفيق.
وإلا ففي الواقع اليوم ممن هم من هذه الأمة ما يكفي البصير في رد الشبهة وإبطالها؛ فإن الرافضة اليوم كثيرون، وشركهم وبدعتهم لا يخفى على من يعرفهم، وكذلك أحوال الأعراب، وما فيهم من الفساد والجفا في الدين، واستحلال المحرمات، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وإخافة السبيل وقطعها.
والحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(2/ 2/80)

الرسالة السادسة
[معنى لا إله إلا الله وشروطها]
بسم الله الرحمن الرحيم
ومن مسائل التوحيد: ما أجاب به بعض من طلب الفائدة.
قال -رحمه الله-: وسرنا ما ذكرت من معرفتك جهل أكثر الناس بمعنى (لا إله إلا الله)، وإن تكلموا بها لفظا فقد أنكروها معنى؛ فانتبه لأمور ستة -أو سبعة- لا يسلم العبد من الكفر أو النفاق إلا باجتماعها، وباجتماعها والعمل بمقتضاها يكون العبد مسلمًا؛ إذ لا بد من مطابقة القلب للسان علما وعملا واعتقادًا وقبولا ومحبة وانقيادًا.
فلا بد من العلم بها المنافي للجهل. ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك. ولا بد من الصدق المنافي للكذب، بخلاف المشركين والمنافقين. ولا بد من اليقين المنافي للشك والريب، فقد يقولها وهو شاك في مدلولها ومقتضاها. ولا بد من المحبة المنافية للكراهة. ولا بد من القبول المنافي للرد، فقد يعرف معناها ولا يقبله كحال مشركي العرب. ولا بد أيضا من الانقياد المنافي للترك، لترك مقتضياتها ولوازمها وحقوقها المصححة للإسلام والإيمان.
فمن تحقق ما ذكرته، ووقع منه موقعا، صرف الهمة إلى تعلم معنى "لا إله إلا الله"، وصار على بصيرة من دينه، وفرقان ونور وهدى واستقامة. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(2/ 2/81)

الرسالة السابعة
[التحذير من البردة وبيان ما فيها من الشرك]
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف إلى عبد الخالق الحفظي. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد بلغنا من نحو سنتين اشتغالكم ببردة البوصيري، وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى، من ذلك قوله: "يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك" إلى آخر الأبيات، التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي صلى الله عليه وسلم وحده.
فأما دعاء الميت والغائب فقد ذكر الله في كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم النهي عن دعوة الأموات والغائبين بقوله تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} 1، ولم يستثن أحدا.
والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله، وقال: {فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} 2. فانظر إلى هذا الوعيد الشديد المترتب على دعوة غير الله، وخاطب به نبيه صلى الله عليه وسلم ليكون أبلغ للتحذير. فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينهاه عن ذلك، ويذكر الوعيد عليه، ويرضاه أن يفعل ذلك أحد معه، أو مع غيره -صلوات الله وسلامه عليه-؟!
ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده"3. ودعوة غيره تنافي الإخلاص، الذي هو دينه، الذي لا يقبل الله دينا سواه. وذكر تعالى اختصاصه بالدعاء بقوله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ
__________
1 سورة يونس آية: 106.
2 سورة الشعراء آية: 213.
3 أحمد (1/ 283).
(2/ 2/82)

وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} 1 الآية، وأخبر أن دعوة الحق مختصة به، وما ليس بحق فهو باطل، ولا يحصل به نفع لمن فعله، بل هو ضرر في العاجل والآجل لأنه ظلم في حق الله تعالى.
يقرر هذا تهديده تعالى لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا} 2، نزلت في عيسى وأمه والعزير والملائكة، باتفاق أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين والأئمة، فكيف يظن من له عقل أنه يرضى منه في حقه قولا وعملا تهديد الله من فعله مع عيسى وأمه والعزير والملائكة؟
وكونه -صلى الله عليه وسلم- أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده عموما وخصوصا، بل هو مأمور أن ينهى عنه، ويتبرأ منه كما تبرأ منه المسيح ابن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة، وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ.
وأما اللياذ فهو كالعياذ سواء، فالعياذ لدفع الشر، واللياذ لجلب الخير، وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله وأسمائه وصفاته، وأما العياذ بغيره فشرك ولا فرق.
وأما قوله: "فإن من جودك الدنيا وضرتها" فمناقض لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} 3، وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} 4 وفي قوله تعالى: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} 5، وغير ذلك من الآيات لهذا المعنى. وقال غير ذلك في منظومته مما يستبشع من الشرك.
[هدي السلف في مدح النبي]
ومدح النبي صلى الله عليه وسلم شعراء العرب الفصحاء، ولم يقرب أحد منهم حول هذا الحمى، الذي هو لله وحده؛ بل مدحوه بالنبوة، وما
__________
1 سورة الرعد آية: 14.
2 سورة الإسراء آية: 56.
3 سورة غافر آية: 16.
4 سورة الفاتحة آية: 4.
5 سورة الانفطار آية: 19.
(2/ 2/83)

خصه الله به من الفضائل والأخلاق الحميدة، مثل حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، وأمثال هؤلاء، فما تعلقت قلوبكم يا عبد الخالق إلا بنظم للشيطان فيه حظ وافر، قد أنكره الله ورسوله على من قاله أو فعله.
وهذه الأمور كانت عند محمد الحفظي وأبيه وأخيه فأقلعوا عنها، وتابوا إلى الله منها، وتجنبوا الشرك، وتبرؤوا إلى الله منه ومن أهله، وجاهدوا أهله نثرا ونظما، وقد نزلت المنزلة التي كانوا عليها في الجاهلية، ثم تابوا منها، فأصغ سمعك لكتاب الله، فإنه يكفيك ويشفيك في كل خير، ويعصمك من كل شر. اه آخر ما وجد والحمد لله.

الرسالة الثامنة
[أمر الإمامة والتدريس يُردُّ إلى الإمام]
ومنها رسالة أرسلها إلى محمد بن عبد الله، وعبد الله بن سالم، وسببها أن الشيخ عبد اللطيف بن مبارك نصب في بعض مساجد الأحسا من يتهم بمذهب الأشاعرة من غير إذن الإمام فيصل بن تركي آل سعود -رحمه الله-، قال فيها: من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوين المكرمين محمد بن عبد الله، وعبد الله بن سالم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فقد وصل الكتاب، وفهمت ما تضمنه من الخطاب، وما ذكرتماه عن نصب الشيخ عبد اللطيف لهؤلاء الأولاد الثلاثة، فالعادة أن مثل هذا يرجع فيه إلى الإمام، لأن نصبه له في أمر خاص، وهو فصل القضايا بين الناس.
وأما النظر فيما يصلح للإمامة والتدريس، فيرد إلى الإمام، وربما أن الإمام يجعل لنا فيه بعض الشورى، لأن كثيرا من الناس ما تخفانا حالهم وعقائدهم، ونصب الإمام لقضاة نجد كذلك. والشيخ أحمد بن مشرف
(2/ 2/84)

يسامي الأكابر ومثلهم ما ينسب له، والذي نعلم منه صحة المعتقد في توحيد الأنبياء والمرسلين، الذي جهله أكثر الطوائف، كذلك هو رجل سلفي يثبت من صفات الرب تعالى ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بجلال الله وعظمته.
[أخطاء الأشاعرة في أصول الدين]
وأما أهل بلدكم في السابق وغيرهم فهم أشاعرة، والأشاعرة أخطؤوا في ثلاث من أصول الدين، منها تأويل الصفات وهو صرفها عن حقيقتها التي تليق بالله.
وحاصل تأويلهم: سلب صفات الكمال عن ذي الجلال، أيضا أخذوا ببدعة "عبد الله بن كلاب" في كلام الرب -تعالى وتقدس-. ورد العلماء عليهم في ذلك شهير، مثل الإمام أحمد والشافعي وأصحابه، والخلال في "كتاب السنة"، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة، واللالكائي، وأبو عثمان الصابوني الشافعي، وابن عبد البر، وغيرهم من اتباع السلف، كمحمد بن جرير الطبري، وشيخ الإسلام الأنصاري.
وقد رجع كثير من المتكلمين الخائضين كالشهرستاني شيخ أبي المعالي، وكذلك أبو المعالي، والغزالي، وكذلك الأشعري قبلهم، في كتاب "الإبانة والمقالات"، ومع هذا وغيره فبقي هذا في المتأخرين، المقلدين لأناس من المتأخرين، ليس لهم اطلاع على كلام العلماء، وإن كانوا يعدون من العلماء.
وأخطؤوا أيضا في التوحيد، ولم يعرفوا من تفسير "لا إله إلا الله" إلا أن معناها: القادر على الاختراع، ودلالة "لا إله إلا الله" على هذا دلالة التزام، لأن هذا من توحيد الربوبية، الذي أقر به الأمم ومشركو العرب، كما قال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 1 الآيات،
__________
1 سورة المؤمنون آية: 84.
(2/ 2/85)

وهي كثيرة في القرآن، يحتج تعالى عليهم بذلك على ما جحدوه من توحيد الإلهية، الذي هو معنى "لا إله إلا الله" مطابقة وتضمنا، وهو الذي دعا إليه الناس في أول سورة البقرة، وفي سورة آل عمران، والنساء، وغيرهما، ودعت إليه الرسل: {أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} 1. وهو الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، ودعا إليه العرب قبلهم، كما قال أبو سفيان لهرقل لما سأله عما يقول: قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا.
وكل السور المكية في تقرير معنى "لا إله إلا الله" وبيانه. فإذا كان العلماء في وقتنا هذا وقبله في كثير من الأمصار، ما يعرفون من "لا إله إلا الله" إلا توحيد الربوبية، كمن كان قبلهم في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، اغتروا بقول بعض العلماء من المتكلمين أن معنى "لا إله إلا الله" القادر على الاختراع، وبعضهم يقول: معناها الغني عما سواه، المفتقر إليه ما عداه.
وعلماء الأحساء ما عادوا شيخنا -رحمه الله- في مبدأ دعوته إلا من أجل أنهم ظنوا أن عبادة يوسف والعيدروس وأمثالهم لا يستفاد بطلانها من كلمة الإخلاص، والله سبحانه بين لنا معنى هذه الكلمة في مواضع كثيرة من القرآن.
قال تعالى عن خليله عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ? إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} 2، فعبر عن هذه الكلمة بمعناها، وهو نفي الشرك في العبادة، وقصرها على الله وحده.
وقال عن أهل الكهف: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} 3. فإذا كان هذا التوحيد الذي هو حق الله على العباد قد خفي على أكابر العلماء في أزمنة سلفت، فكيف لا يكون بيانه أهم الأمور؟ خصوصا إذا كان الإنسان لا يصح له إسلام ولا إيمان إلا بمعرفة هذا التوحيد، وقبوله، ومحبته، والدعوة إليه،
__________
1 سورة هود آية: 2.
2 سورة الزخرف آية: 26.
3 سورة الكهف آية: 16.
(2/ 2/86)

وتطلب أدلته، واستحضارها ذهنا وقولا وطلبا ورغبة.
فهذه نصيحة مني لكل إنسان، دعاني إليها غربة الدين، وقلة المعرفة فيه، فينبغي أن تشاع وتذاع في مخاطر أهل العلم، يقبلها من وفقه الله تعالى للخير، فإنها خير مما كتبت فيه بأضعاف أضعاف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

الرسالة التاسعة
[معنى لا إله إلا الله وشروطها السبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلام في بيان ما أوردناه على الجهمي الذي في بني ياس، أما الكلام في معنى "لا إله إلا الله" فأقول وبالله التوفيق: أما هذه الكلمة العظيمة، فهي التي شهد الله بها لنفسه، وشهد بها له ملائكته، وأولو العلم من خلقه، كما قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 1.
فلا إله إلا الله هي كلمة الإسلام، لا يصح إسلام أحد إلا بمعرفة ما وضعت له ودلت عليه، وقبوله والانقياد للعمل.
وهي كلمة الإخلاص المنافي للشرك، وكلمة التقوى التي تقي قائلها من الشرك بالله، فلا تنفع قائلها إلا بشروط سبعة:
الأول العلم بمعناها نفيا وإثباتا، واليقين -وهو كمال العلم بها- المنافي للشك والريب، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المانع من النفاق، والمحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه، والسرور بذلك، والقبول المنافي للرد، فقد يقولها من يعرفها لكن لا يقبلها مما دعاه إليها تعصبًا وتكبرًا، كما هو قد وقع من كثير. السابع
__________
1 سورة آل عمران آية: 18.
(2/ 2/87)

الانقياد بحقوقها، وهي الأعمال الواجبة إخلاصا لله وطلبا لمرضاته.
إذا عرفت ذلك فقولك: "لا إله إلا الله": فلا: نافية للجنس. والإله هو: المألوه بالعبادة، وهو الذي تألهه القلوب، وتقصده رغبة إليه في حصول نفع أو دفع ضر، كحال من عبد الأموات والغائبين والأصنام، فكل معبود مألوه بالعبادة. والخبر المرفوع محذوف تقديره: حق. وقوله: "إلا الله" استثناء من الخبر المرفوع. فالله سبحانه هو الحق، وعبادته وحده هي الحق، وعبادة غيره منتفية بلا في هذه الكلمة.
قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} 1، فإلهية ما سواه باطلة، فدلت الآية على أن صرف الدعاء الذي هو مخ العبادة عنه لغيره باطل؛ فتبين أن الإلهية هي العبادة لأن الدعاء من أفرادها، فمن صرف منها شيئا لغيره تعالى فهو باطل.
والقرآن كله يدل على أن الإلهية هي العبادة كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ? إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} 2، فذكر البراءة من كل معبود سوى الله، ولم يستثن إلا عبادة من فطره سبحانه، ثم قال: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} 3 أي: "لا إله إلا الله" فعبر عن الإلهية بالعبادة في النفي والإثبات.
وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} 4: فقوله {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي} 5 هو معنى "إلا الله" في كلمة الإخلاص، وقوله: {وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} 6 هو المنفي في كلمة الإخلاص ب "لا إله"؛ فتبين أن "لا إله إلا الله" دلت على البراءة من الشرك في العبادة في حق كل ما سوى الله.
وقال الله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} 7 والدين هو العبادة، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ} 8، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 9 أي: الذي لا تصلح الإلهية إلا له وحده، فانتفت الإلهية
__________
1 سورة الحج آية: 62.
2 سورة الزخرف آية: 26.
3 سورة الزخرف آية: 28.
4 سورة الجن آية: 20.
5 سورة الجن آية: 20.
6 سورة الجن آية: 20.
7 سورة الزمر آية: 11.
8 سورة الرعد آية: 36.
9 سورة الكهف آية: 110.
(2/ 2/88)

وبطلت في حق كل ما سوى الله، والقرآن يبين بعضه بعضًا ويفسره.
والرسل إنما يفتتحون دعوتهم بمعنى "لا إله إلا الله": {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 1، فتبين أن الإلهية هي العبادة؛ ولهذا قال قوم هود لما قال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 2 {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} 3، فتبين بالآية أنهم لم يستنكفوا من عبادة الله، لكنهم أبوا أن يخلصوا العبادة لله وحده؛ فلم ينفوا ما نفته "لا إله إلا الله"، فاستوجبوا ما وقع بهم من العذاب، بعدم قبولهم من دعاهم إليه من إخلاص العبادة.
كما قال تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} 4 وهم الرسل جميعهم {أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} 5 وهذا هو معنى كلمة الإخلاص الذي اجتمعت عليه الرسل، فقوله: {أن لا تعبدوا} هو معنى (لا إله) وقوله: {إِلَّا اللَّهَ} هو المستثنى في كلمة الإخلاص؛ فهذا هو تحقيق معناها -بحمد الله- إنذار الرسل جميعهم أممهم عن الشرك في العبادة، وأن يخلصوها لله وحده لا شريك له. ففي ما ذكرناه في هذه الآيات في معناه كاف واف شاف، ولله الحمد والمنة.
[تعريف العبادة]
وأما تعريف العبادة، فقد قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في الكافية الشافية:
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان
فذكر أصل العبادة التي يصلح العمل مع حصولها إذا كان على السنة، فذكر قطبيها، وهما غاية المحبة لله في غاية الذل له. والغاية تفوت بدخول الشرك، وبه يبطل هذا الأصل، لأن المشرك لا بد أن يحب معبوده، ولا
__________
1 سورة الأعراف آية: 59.
2 سورة الأعراف آية: 59.
3 سورة الأعراف آية: 70.
4 سورة الأحقاف آية: 21.
5 سورة هود آية: 2.
(2/ 2/89)

بد أن يذل له، ففسد الأصل بوجود الشرك فيه. ولا تحصل الغاية فيهما إلا بانتفاء الشرك، وقصر المحبة والتذلل لله وحده؛ وبهذا تصلح جميع الأعمال المشروعة، وهي المراد بقوله: وعليهما فلك العبادة دائر. والدائرة هي الأعمال، ولا تصلح إلا بمتابعة السنة.
وهذا معنى قول الفضيل بن عياض -رحمه الله- في قول الله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} 1 قال: "أخلصه وأصوبه". قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة".
[أقسام التوحيد]
وأما أقسام التوحيد فهي ثلاثة:
توحيد الإلهية: وهي العبادة كما تقدم، فهي تعلق بأعمال العبد وأقواله الباطنة والظاهرة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة".
قلت: فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك بالله، وهذا هو الذي أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب بالإنذار عنه، وترتبت عليه عقوبات الدنيا والآخرة في حق من لم يتب منه، ويسمى هذا التوحيد إذا كان لله وحده "توحيد القصد والطلب والإرادة" وهو الذي جحده المشركون من الأمم.
وقد بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بالأمر به، والنهي عما ينافيه من الشرك، فأبى المشركون إلا التمسك بالشرك الذي عهدوه من أسلافهم، فجاهدهم صلى الله عليه وسلم على هذا الشرك، وعلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} 2 إلى قوله: {وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ
__________
1 سورة هود آية: 7.
2 سورة ص آية: 4.
(2/ 2/90)

امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} 1.
(النوع الثاني): توحيد الربوبية: وهو العلم والإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وهو المدبر لأمور خلقه جميعهم كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ} 2 إلى قوله: {وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} 3، وقال: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 4 إلى قوله: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} 5. وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير، وهذا النوع قد أقر به المشركون كما دلت عليه الآيات.
(والنوع الثالث): توحيد الأسماء والصفات: وهو أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال، التي تعرف بها سبحانه إلى عباده، ونفي ما لا يليق بجلاله وعظمته، وهذا النفي أقسام، ذكرها العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكافية الشافية.
فأهل السنة والجماعة سلفا وخلفا يثبتون لله هذا التوحيد، على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، وهذا النوع والذي قبله هو توحيد العلم والاعتقاد.
[تعريف التوحيد]
وأما تعريف التوحيد فقد ذكره ابن القيم في الكافية الشافية فقال:
فالصدق والإخلاص ركنا ذلك ال ... توحيد كالركنين للبنيان
وحقيقة الإخلاص توحيد ال ... مراد فلا يزاحمه مراد ثاني
والصدق توحيد الإرادة وهو بذ ... ل الجهد لا كسلا ولا متواني
ثم ذكر توحيد المتابعة فقال:
والسنة المثلى لسالكها فتو ... حيد الطريق لأعظم السلطان
__________
1 سورة ص آية: 6.
2 سورة يونس آية: 31.
3 سورة يونس آية: 31.
4 سورة المؤمنون آية: 84.
5 سورة المؤمنون آية: 89.
(2/ 2/91)

فلواحد كن واحدًا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الإخلاص بمثل ما ذكره ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقال: "الإخلاص محبة الله وإرادة وجهه".
[أقسام العلم النافع]
وأما أقسام العلم النافع الذي يجب معرفته أو اعتقاده فهو يتضمن ما سبق ذكره، وهو ثلاثة أقسام، ذكرها العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكافية الشافية قال:
والعلم أقسام ثلاث ما لها ... من رابع خلوا عن الروغان
علم بأوصاف الإله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني
وبهذا تم الجواب عما أوردناه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
(2/ 2/92)

الرسالة العاشرة
[من لوازم ما دلَّت عليه لا إله إلا الله]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام المكرم أكرمه الله بالتوحيد، وحماه من شبه أهل الشرك والإلحاد والتنديد. سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
(وبعد):
فاعلم أن "لا إله إلا الله" لها معنى عظيم، تستضيء به قلوب أهل الإسلام والإيمان، وهو الذي بعث الله به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم وخلقهم لأجله. والقرآن من أوله إلى آخره يبين معنى هذه الكلمة؛ ونذكر بعض ما دل عليه القرآن من معناها، وما ذكره العلماء من أئمة الإسلام، فدونك كلام العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} 1.
ذكر أن هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص، وأن قريشا دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سنة ويعبدون إلهه سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمره فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال: {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} 2 يعني من الأصنام والأنداد، {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} 3 وهو الله وحده؛ ولهذا كان كلمة الإسلام: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". والمشركون يعبدون غير الله.
(قلت): فدلت هذه السورة الكريمة على البراءة من عبادة أصنام المشركين وأوثانهم، فأمر الله تعالى نبيه أن يتبرأ من أوثان المشركين
__________
1 سورة الكافرون آية: 1.
2 سورة الكافرون آية: 2.
3 سورة الكافرون آية: 3.
(2/ 2/93)

وأصنامهم التي كانت موجودة في الخارج: اللات والعزى ومناة وغيرها. وقد أخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لأبيه وقومه: {مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} 1 إلى قوله: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} 2، فصرح بعداوة أصنامهم بأعيانها وهي موجودة في الخارج، واستثنى من معبوداتهم رب العالمين، لأنهم كانوا يعبدون الله، لكنهم يعبدون معه الأصنام؛ فاستثنى المعبود الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له.
فأخبر تعالى عنه أنه قال لقومه: {أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} 3، وأخبر عنه أنه قال لقومه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} 4 وهي: "لا إله إلا الله" بإجماع أهل الحق؛ فعبر عنها بالبراءة من معبوداتهم التي كانوا يعبدونها في الخارج. فقوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} 5 هو معنى النفي في قوله: "لا إله"، وقوله: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} 6 هو معنى "إلا الله"، وهذا كاف في البيان لمثلك الذي قد عرفه معنى "لا إله إلا الله".
وهذا المعنى في هذه الكلمة يعرفه حتى المشركون كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} 7. عرفوا أن "لا إله إلا الله" علم على ترك عبادة آلهتهم التي كانوا يعبدونها من أوثانهم وأصنامهم، وكل الفرق يعرفون معناها، حتى أعداء الرسل كما قالت عاد: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} 8، فعرفوا على شدة كفرهم أنه أراد منهم ترك عبادة ما كان يعبده آباؤهم.
[ما نفته لا إله إلا الله]
فتبين بهذا أن "لا إله إلا الله" نفت كل ما كان يعبد من دون الله من صنم ومن وثن، من حين حدث الشرك في قوم نوح إلى أن تقوم الساعة.
__________
1 سورة الشعراء آية: 70.
2 سورة الشعراء آية: 75.
3 سورة الصافات آية: 86.
4 سورة الزخرف آية: 26.
5 سورة الزخرف آية: 26.
6 سورة الزخرف آية: 26.
7 سورة الصافات آية: 35.
8 سورة الأعراف آية: 70.
(2/ 2/94)

وهذا المعنى أكثر أهل العلم يسلمونه ويعرفونه، حتى الخوارج والرافضة والمعتزلة والمتكلمون، من كل أشعري وكرامي وماتريدي؛ وإنما اختلفوا في العمل بلا إله إلا الله. فبعضهم يظن أن هذا في حق أناس كانوا فبانوا، فخفي عليهم حقيقة الشرك. وأما الفلاسفة وأهل الاتحاد فإنهم لا يقولون بهذا المعنى ولا يسلمونه، بل يقولون: إن المنفي ب "لا إله إلا الله" كلي، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد وهو الله، فهو المنفي وهو المثبت بناء على مذهبهم الذي صاروا به أشد الناس كفرا، وهو قولهم: إن الله هو الموجود المطلق. فلم يخرجوا من ذلك صنما ولا وثنا.
ويشبه قولهم هذا أهل وحدة الوجود القائلين بأن الله تعالى هو الموجود بعينه، فيقولون: إن المنفي كلي، والمثبت بقوله "إلا" هو الوجود بعينه. ولا فرق عند الطائفتين بين الخالق والمخلوق، ولا بين العابد والمعبود، كل شيء عندهم هو الله، حتى الأصنام والأوثان، وهو حقيقة قول هذا الرجل سواء. فخذ قولي واقبله -وفقك الله-.
فلقد عرفت -بحمد الله- ما أرادوه من قولهم: إن المنفي كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد. ويدعي هذا مثل ما ادعته هذه الطائفة أن تقدير خبر "لا": موجود. وهذه الكلمة لم توضع لتقرير الوجود، وإنما وضعت لنفي الشرك، والبراءة منه، وتجريد التوحيد، كما دلت عليه الآيات المحكمات البينات، ودعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم.
وتقدير خبر "لا" بموجود لا يجري إلا على مذهب الطائفتين -لعنهم الله- على قولهم: إن الله هو الوجود، فلا موجود إلا الله. فهذا معنى قوله: إنه كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد. فغير المعنى الذي دلت عليه "لا إله إلا الله" من نفي جميع المعبودات التي تعبد من دون الله، والمنفي إنما هو حقيقتها كما قال المسيح -عليه السلام-: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي
(2/ 2/95)

أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} 1.
[كل معبود سوى الله باطل]
ولا ريب أن كل معبود سوى الله فهو باطل، والمنفي ب"لا إله" هي المعبودات الباطلة، والمستثنى ب"إلا" هو سبحانه، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة الحج: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى} 2، وقال في آخر السورة: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} 3، وقال في سورة لقمان: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} 4.
فقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} 5 هو المستثنى ب"إلا الله"؛ وهو الحق، وقوله: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} 6 هو المنفي ب"لا إله"، وما بعد هذا إلا التلبيس على الجهال، وإدخال الشك عليهم في معنى كلمة الإخلاص؛ فكابر المعقول والمنقول بدفعه ما جاء به كل رسول.
نسأل الله لنا ولكم علما نستضيء به من جهل الجاهلين، وضلال المضلين، وزيغ الزائغين، وفي الحديث: "رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني"7. وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقرأ في الركعة الأخيرة بعد المغرب: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} 8. وهذا -بحمد الله- كاف في بيان الحق، وبطلان الباطل. وصلى الله على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما.
__________
1 سورة المائدة آية: 116.
2 سورة الحج آية: 6.
3 سورة الحج آية: 62.
4 سورة لقمان آية: 30.
5 سورة الحج آية: 6.
6 سورة الحج آية: 62.
7 أبو داود: الأدب (5061).
8 سورة آل عمران آية: 8.
(2/ 2/96)

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية

رسائل وفتاوى
العلامة الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي
رحمه الله تعالى

طبع بأمر صاحب العظمة السلطان عبد العزيز آل سعود
سلطان نجد وملحقاتها
لا زال ناشرًا للعلم والدين، ومعزًّا للإسلام والمسلمين

أشرف على طبعه وعلق عليه بعض الفوائد
السيد محمد رشيد رضا
منشئ مجلة المنار

الطبعة الأولى في
مطبعة المنار بمصر
سنة 1344
(2/ 3/1)

رسائل وفتاوى الشيخ حمد بن ناصر
...

[رسالة الاجتهاد والتقليد]
بسم الله الرحمن الرحيم
{وبه استعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم}
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
{مسألة}: ما قولكم -نوَّر الله قلوبكم لفك المعضلات، ووفقكم للأعمال الصالحات-: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناصّ على كل مسألة، ومعرفة طرقه وصحته؟ أم تقليد المخرجين للحديث أنه صحيح أو حسن، أو يكفيهم العمل بالفقهيات المجردة عن الدليل يغنيهم هذا فيمن طلب العلم وتأهل له. فما الحال في العوام، هل يجزئهم مجرد التقليد؟
وأيضا حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فأفيدونا واحتسبوا؛ فإن الحاجة ماسة إلى هذه المباحث، فإن تتفضلوا بطول الجواب، وذكر الدليل ومن قال به، فهو المطلوب.
فأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر -رحمه الله تعالى-: الجواب وبالله التوفيق:
[فريضة طاعة الله وطاعة رسوله]
لا ريب أن الله -سبحانه- فرض على عباده طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} 1، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} 2 إلى قوله: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} 3.
ولم يوجب الله على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
1 سورة الأعراف آية: 3.
2 سورة النور آية: 54.
3 سورة النور آية: 54.
(2/ 3/2)

واتفق العلماء على أنه ليس أحد معصوما إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم]
وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون، فقال أبو حنيفة: "علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه".
وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما خالف الكتاب والسنة فاتركوه".
وقال ابن القاسم: كان مالك يكثر أن يقول: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} 1.
وقال الشافعي: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة على الطريق فهي قولي".
والإمام أحمد كان يقول: "لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا". وكان يقول: "من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال". وقال: "لا تقلد دينك الرجال؛ فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا".
وقال ابن عبد البر: "أجمعَ الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله".
[من شروط القاضي الاجتهاد]
ولهذا جعل الفقهاء من شروط القاضي أن يكون مجتهدا، فلا يصح أن يتولاه المقلد، هذا الذي عليه جمهور العلماء.
قال في "الإفصاح":2 اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: يجوز ذلك.
وقال الموفق في "المغني"3: يشترط في القاضي ثلاثة شروط:
(أحدها): الكمال؛ وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة.
(والثاني): العدالة.
(والثالث): أن يكون من أهل الاجتهاد.
وبهذا قال مالك والشافعي وبعض
__________
1 سورة الجاثية آية: 32.
2 "الإفصاح عن شرح معاني الصحاح" -أي أحاديث الصحيحين- لأبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الوزير المتوفى سنة 560.
3 "المغني في فقه المذاهب الإسلامية" للشيخ موفق الدين بن قدامة الحنبلي، المتوفى في سنة 620.
(2/ 3/3)

الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض فصل الخصومات، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين، ولنا قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 1، ولم يقل بالتقليد، وقال: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 2، وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 3.
وروى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار"4 رواه ابن ماجه 5.
والعامي يقضي على جهل، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون مقلدا، فالحاكم أولى، انتهى.
وقال في "الإنصاف"6: ويشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، هذا المذهب المشهور، وعليه معظم الأصحاب.
قال ابن حزم: "يشترط كونه مجتهدا إجماعا"، وقال: "أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله".
وقال في "الإفصاح": الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم، واختار في "الترغيب": ومجتهدًا 7 في مذهب إمامه للضرورة.
واختار في "الإفصاح" و"الرعاية": ومقلدًا، (قلت): وعليه العمل من مدة طويلة وإلا تعطلت أحكام الناس، وقيل في المقلد: يفتي ضرورة.
__________
1 سورة المائدة آية: 48.
2 سورة النساء آية: 105.
3 سورة النساء آية: 59.
4 أبو داود: الأقضية (3573) , وابن ماجه: الأحكام (2315).
5 رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم، وهذا لفظ ابن ماجه.
6 يوجد عدة كتب سميت (الإنصاف في مسائل الخلاف)، أحدها: للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي، المتوفى سنة 543. وثانيها: لأبي سعد محمد بن يحيى النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة 548. وثالثها: للحافظ أبي الفرج بن الجوزي الحنبلي، المتوفى سنة 591. والظاهر أن هذا الأخير هو المراد هنا، فقوله: "معظم الأصحاب" يعني به الحنابلة.
7 الظاهر أنه معطوف على محذوف منصوب.
(2/ 3/4)

وذكر القاضي أن ابن شاقلا اعترض عليه بقول الإمام أحمد: "لا يكون فقيهًا حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث"، فقال: إن كنت لا أحفظه فإنني أفتي بقول من يحفظ أكثر منه.
قال القاضي: لا يقتضي هذا أنه كان يقلد أحمد لمنعه الفتيا بلا علم. قال بعض الأصحاب: ظاهره تقليده إلا أن يحمل على أخذ طرق العلم عنه.
وقال ابن بشار من الأصحاب: لا أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها. قال القاضي: هذا منه مبالغة في فضله، وظاهر نقل عبد الله يفتي غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة، انتهى ملخصا.
[فتوى المقلد وحكمها]
وذكر ابن القيم في مسألة التقليد في الفتيا ثلاثة أقوال:
(أحدها): أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام؛ ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب، وهو قول جمهور الشافعية.
(والثاني): أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به لغيره، وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا.
(والقول الثالث): أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح الأقوال، وعليه العمل. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.
فتبين بما ذكرناه أن المقلد ليس بعالم، وأن التقليد إنما يصار إليه عند الحاجة للضرورة، ولكن قد دعت الحاجة والضرورة إليه من زمان طويل، لا سيما في هذا الوقت، وحينئذ فيقال: التقليد ثلاثة أنواع:
(أحدها): التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول
(2/ 3/5)

المقلَّد، فهذا لا يجوز، وقد اتفق السلف والأئمة على ذمه وتحريمه، قال الشافعي -رحمه الله-: أجمع المسلمون على أنه من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
(النوع الثاني): التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل، فهذا مذمومٌ أيضا لأنه عمل على جهل، وإفتاء بغير علم، مع قدرته وتمكنه من معرفة الدليل المرشد، والله تعالى- قد أوجب على عباده أن يتقوه بحسب استطاعتهم، فقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 1، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"2.
فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله. ولم يكلِّف الله عباده ما لا يطيقونه، بل الواجب على العبد ما يستطيعه من معرفة الحق، فإذا بذل جهده في معرفة الحق فهو معذورٌ فيما خفي عليه.
(النوع الثالث) التقليد السائغ، وهو تقليد أهل العلم عند العجز عن معرفة الدليل، وأهل هذا النوع نوعان أيضا:
(أحدهما): من كان من العوام الذين لا معرفة لهم بالفقه والحديث، ولا ينظرون في كلام العلماء، فهؤلاء لهم التقليد بغير خلاف، بل حكى غير واحد إجماع العلماء على ذلك.
(النوع الثاني): من كان محصلا لبعض العلوم قد تفقه في مذهب من المذاهب، وتبصر في كتب متأخري الأصحاب؛ ك"الإقناع" و"المنتهى" في مذهب الحنابلة، أو "المنهاج" ونحوه في مذهب الشافعية، أو "مختصر خليل" ونحوه في مذهب المالكية، أو "الكنز" ونحوه في مذهب الحنفية، ولكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل ومعرفة الراجح من كلام العلماء، فهذا له
__________
1 سورة التغابن آية: 16.
2 البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (7288) , ومسلم: الحج (1337) , والنسائي: مناسك الحج (2619) , وابن ماجه: المقدمة (1,2) , وأحمد (2/ 258,2/ 355,2/ 428,2/ 456,2/ 482,2/ 495).
(2/ 3/6)

التقليد أيضا، إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه، و {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} 1.
ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة مشهورة؛ وذلك لقوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} 2، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم-: "ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال"3.
ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستفتون العلماء ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير؛ فكان إجماعا على جواز اتباع العامي العلماء المجتهدين، ويلزم هذا العامي أن يقلد الأعلم عنده، كما يلزمه في مسألة القبلة، فإذا اجتهد مجتهدان عند اشتباه القبلة فاختلفا في الجهة، اتبع المقلد أوثقهما عنده.
ولا يجوز له أن يتبع الرخص، بل يحرم ذلك عليه، ويفسق به. قال ابن عبد البر: "لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا". ولا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه.
قال الشيخ تقي الدين في الأخذ برخص المذهب وعزائمه: "طاعة 4 غير النبي صلى الله عليه وسلم- في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع"، وتوقف أيضًا في جوازه*.
[مَنْ تُؤْخَذ عنه الفتوى]
وبالجملة، فالعامي الذي ليس له من العلم حظ ولا نصيب، فرضه التقليد. فإذا وقعت له حادثة استفتى من عرفه عالما عدلا، أو رآه منتصبا للإفتاء والتدريس، واعتبر الشيخ تقي الدين وابن الصلاح الاستفاضة بأنه أهل للفتيا، ورجحه النووي في "الروضة"، ونقله عن أصحابه. وقال الشيخ تقي الدين: "لا يجوز أن يستفتى إلا من يفتي بعلم وعدل".
__________
1 سورة البقرة آية: 286.
2 سورة النحل آية: 43.
3 أبو داود: الطهارة (336).
4 قوله: طاعة إلخ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو: أي الأخذ المذكور طاعة لغير النبي إلخ، إلا أن يكون سقط من الناسخ بعض الكلم.
* انظر "الفتاوى الكبرى" (5/ 556)، و"المستدرك على مجموع الفتاوى" (2/ 251). [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(2/ 3/7)

فعلى هذا لا يكتفي بمجرد اعتزائه إلى العلم -ولو بمنصب تدريس أو غيره- لا سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه الجهل، وقل فيه طلب العلم، وتصدى فيه جهلة الطلبة للقضاء والفتيا، فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب، ولا يعلم صورة المسألة، بل لو طولب بإحضار تلك المسألة -وهي في الكتاب- لم يهتدِ إلى موضعها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس
قال في "شرح مختصر التحرير": ويلزم ولي الأمر منع من لم يعرف بعلم أو جُهل حاله من الفتيا. قال ربيعة: بعض من يفتي أحق بالضرب من السراق.
ولا تصح الفتيا من مستور الحال، وما يجيب به المقلد عن حكم فإخبار عن مذهب إمامه لا فتيا، قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق، ويعمل بخبره إن كان عدلا، لأنه ناقل كالراوي.
ولعامي تقليد مفضول من المجتهدين عند الأكثر من أصحابنا، منهم القاضي وأبو الخطاب وصاحب "الروضة"، وقاله الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية، وقيل: يصح إن اعتقده فاضلا أو مساويا، لا إن اعتقده مفضولا لأنه ليس من القواعد أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح.
وقال ابن عقيل 1 وابن سريج والقفال والسمعاني: يلزمه الاجتهاد، فيقدم الأرجح، ومعناه قول الخرقي والموفق في "المقنع"، ولأحمد روايتان.
ويلزمه -إن بان له الأرجح- تقليده في الأصح، زاد بعض أصحابنا وبعض الشافعية: "في الأظهر، ويقدم الأعلم على الأورع"، ويخير في تقليد أحد مستويين عند أكثر أصحابنا.
قال في "الرعاية": ولا يكفيه من تسكن نفسه إليه، بل لا بد من سكون النفس والطمأنينة به. ويحرم عليه
__________
1 ابن عقيل من كبار فقهاء الحنابلة والثلاثة الذين ذكروا بعده من كبار الشافعية.
(2/ 3/8)

تتبع الرخص ويفسق به. وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر بخلافه، تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد. وقيل: يأخذ بقول الأفضل منهما علما ودينا، وهذا اختيار الموفق في "الروضة".
[التساهل والتقليد في الفتوى]
ويحرم تساهل مفت وتقليد معروف به 1، لأن الفتيا أمر خطر، فينبغي أن يتبع السلف الصالح في ذلك؛ فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرًا، وقد قال الإمام أحمد: "إذا هاب الرجل شيئا لا ينبغي أن يحمل على أن يقول به".
قال بعض الشافعية: من اكتفى في فتياه بقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع.
وذكر عن أبي الوليد الباجي 2 أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: "الذي لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه"، قال أبو الوليد: "وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع". انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصا.
وهذا الذي ذكره أبو الوليد ذكر مثله الشيخ تقي الدين وصاحب "الإنصاف" وغيرهما.
قال في "الاختيارات": "وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، أو بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعا".
وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره؛ فيولى -مع عدم العدل- أنفع الفاسقين وأقلهما شرًّا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع: قدم فيما قد يظهر حكمُه ويُخاف الهوى فيه الأورع، وفيما ندر حكمه ويُخاف فيه الاشتباه الأعلم. انتهى.
__________
1 أي التساهل.
2 هو من كبار المالكية.
(2/ 3/9)

[معرفة الدليل ولو للمتعلم]
• هل يجب على المتعلم معرفة الدليل؟
(وقول السائل) وفقه الله-: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناص على كل مسألة؟
(جوابه): يعلم مما تقدم، وهو أن عليه أن يتقي الله بحسب استطاعته، فيلزمه من ذلك ما يمكنه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فلا يهجم على التقليد ويخلد إلى أرضه مع قدرته على معرفة الدليل، لا سيما إذا كان قاضيا أو مفتيا وله ملكة قوية يقوى بها على الاستدلال ومعرفة الراجح؛ فإن الرجل النبيه -الذي له فهم وفيه ذكاء- إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الكتب التي يذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم -ك"المغني" و"الشرح"1 و"التمهيد" لابن عبد البر ونحو هذه الكتب- يحصل عنده في الغالب ما يعرف به رجحان أحد القولين.
فإذا كان طالب العلم متمذهبا بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلا مخالفا لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يعلم له ناسخا ولا معارضا، فخالف مذهبه، واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل، كان مصيبا في ذلك؛ بل هذا الواجب عليه، ولم يخرج بذلك عن التقليد فهو مقلد لذلك الإمام، فيجعل إماما بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض.
قال في "الاختيارات": من كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل، لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم وأتقى، فقد أحسن.
وقال أبو العباس في موضع آخر: بل يجب عليه، وإنَّ أحمد نص عليه،
__________
1 أي "الشرح الكبير" على المقنع الذي يطبع الآن مع المغني في مطبعة المنار، وكلاهما يذكر الأحكام بأدلتها.
(2/ 3/10)

ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع.
وقال -أيضا-: أكثر من يميز في العلم من المتوسطين، إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام، ترجح عنده أحدهما؛ لكن قد لا يثق بنظره، بل يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه، والواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد، كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة إذا ترجح عنده أحدهما قلده، والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى بالاتباع من دليل عام، على أن أحدهما أعلم أو أدين، لأن الحق واحد ولا بد، ويجب أن ينصب الله على الحكم دليلا 1. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته*: قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"2، ولازم ذلك أن من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرا؛ فيكون التفقه في الدين فرضا. والفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها. لكن من الناس من قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، ويلزمه ما يقدر عليه.
[تقليد القادر على الاستدلال]
وأما القادر على الاستدلال فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقا. وقيل: يجوز مطلقا. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال. وهذا القول أعدل الأقوال.
والاجتهاد ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزي والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة؛ وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه. فمن نظر في
__________
1 يعني أبو العباس أن نصب الدليل على الحكم ثابت في الشرع قطعًا، ولا يريد أنه واجب على الله -تعالى-؛ فإنه سني سلفي لا معتزلي.
* انظر مجموع الفتاوى (20/ 212). [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
2 البخاري: العلم (71) , ومسلم: الزكاة (1037) , وابن ماجه: المقدمة (221) , وأحمد (4/ 93,4/ 95) , ومالك: الجامع (1667) , والدارمي: المقدمة (224,226).
(2/ 3/11)

مسألة: تنازع فيها العلماء، ورأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها معارضا بعد نظر مثله فهو بين أمرين:
إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره باشتغاله على مذهب إمام آخر.
وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فيكون موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذي يصلح.
وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تاما في هذه المسألة، لضعف آلة الاجتهاد في حقه؛ أما إذا قدر على الاجتهاد التام -الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النصوص- فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ورسوله.
بخلاف من يقول: قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 1، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"2.
والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلَّك على أن هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضا راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده.
وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول الذي ترجحت حجته، وأما الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم.
وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه -لا سيما إن كان قد رواه
__________
1 أبو داود: السنة (4643).
2 البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (7288) , ومسلم: الحج (1337) , والنسائي: مناسك الحج (2619) , وابن ماجه: المقدمة (1,2) , وأحمد (2/ 258,2/ 355,2/ 428,2/ 456,2/ 482,2/ 495).
(2/ 3/12)

أيضا- فمثل هذا لا يكون عذرا في ترك النص؛ فقد بيَّنا فيما كتبناه في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" نحوًا من عشرين عذرًا للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث، وبيَّنا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار.
وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول، فمن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس أو عمل بعض الأمصار -وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل-، لم يكن عذر ذلك الرجل عذرا في حقه.
فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه، لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقدا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار من أهل المدينة النبوية، الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ أو له معارض راجح، وقد بلغ من بعده أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل عمل به طائفة منهم أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض.
وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: "أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ " كانت هذه معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد عارضه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، فكما أن الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا تنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر- فكذلك موارد النزاع بين الأئمة.
وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة "تيمم الجنب"، وأخذوا بقول من هو دونهما، كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في "دية الأصابع"، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه وهذه سواء"1. وقد كان بعض الناس يناظر ابن
__________
1 البخاري: الديات (6896) , والترمذي: الديات (1392) , والنسائي: القسامة (4847) , وأبو داود: الديات (4558) , وابن ماجه: الديات (2652) , وأحمد (1/ 227,1/ 339).
(2/ 3/13)

عباس في "المتعة"، فقال له: إن أبا بكر وعمر يقولان .. فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!
وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر، فبيَّن أن عمر يرد ما يقولونه، فألَّحُوا عليه، فقال: أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحقُّ أن يُتَّبع أم أمر عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس.
ولو فُتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به اليهود والنصارى في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} 1. انتهى كلام الشيخ -رحمه الله تعالى-.
[تقليد نقاد الحديث]
• بحث تقليد نقاد الحديث في صحته وغيرها:
وأما سؤال السائل عن الترقي إلى معرفة طرق الحديث وصحته، أم تقليد المخرجين للحديث في أنه صحيح أو حسن يكفيهم.
فجوابه: أن ذلك يكفيهم.
قال في "شرح مختصر التحرير": ويُشترط في المجتهد أن يكون عالما بصحة الحديث وضعفه سندا ومتنا، ولو كان علمه بذلك تقليدا، كنقله من كتاب صحيح من كتب الحديث المنسوبة إلى الأئمة، كمالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والدارقطني، والحاكم ونحوهم، لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقومين في القيم، انتهى.
وقال في "مسودة بني تيمية": العامي الذي ليس معه آلة الاجتهاد في الفروع يجوز له التقليد فيها عند الشافعية والجمهور، قال أبو الخطاب: ويجوز
__________
1 سورة التوبة آية: 31.
(2/ 3/14)

له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحا أو فاسدًا، ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع، انتهى.
وقال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في ألفيَّته:
وأخذ متن من كتاب لعمل ... أو احتجاج حيث ساغ قد جعل
عرضًا له على أصول يشترط ... وقال يحيى النووي أصل فقط
ثم قال المؤلف في شرحه: أي: وأخذ الحديث من كتاب من الكتب المعتمدة لعمل به أو احتجاج به، إن كان ممن يسوغ له العمل بالحديث أو الاحتجاج به، جعل ابن الصلاح شرطه أن يكون ذلك الكتاب مقابلا بمقابلة ثقة على أصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة.
قال النووي: فإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه. وقال ابن الصلاح في قسم الحسن، حين ذكر أن نسخ الترمذي تختلف في قوله: حسن، أو حسن صحيح ونحو ذلك: "فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه.
فقوله: "ينبغي" قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك، وإنما هو مستحب، وهو كذلك. انتهى كلام العراقي.
وقال أبو الحسن البكري الشافعي في كتابه "كنز المحتاج على المنهاج" -لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا إلا إذا فوضت إليه واقعة خاصة-: فيكفي الاجتهاد في تلك الواقعة بناء على تجزئ الاجتهاد وهو الأصح ... إلى أن قال: وقد يحصل الاجتهاد في باب دون باب آخر، ولا حاجة لتتبع الأحاديث، بل يكفي أصل مصحح اعتني فيه بجمع أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- ولا أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه عند الحاجة، ولا إلى البحث عن رواة حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة
(2/ 3/15)

رواته ويقظتهم، وما عداه يكتفي في رواته بتعديل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه جرحا وتعديلا، ولا إلى ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف، بل يكفي معرفته بعدم مخالفة قوله الإجماع لموافقته بتقدم عليه أو غلبة ظن بتوليها في عصره، وكذا في معرفة الناسخ والمنسوخ، انتهى.
وقال في "شرح الروض" للقاضي زكريا -لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا- قال: والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة، وعرف منها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وعدالة الرواة وجرحهم، وأقاويل الصحابة -رضي الله عنهم- فمن بعدهم ... إلى أن قال: ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جمل منها، وأن يكون له في كتب الحديث أصل صحيح يجمع أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- فيعرف كل باب، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به.
ويكتفي في البحث عن الآحاد بما قبله منها السلف وتواترت أهلية رواته من العدل والضبط، وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل.
ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع، ويجوز أن يتبعض الاجتهاد، بأن يكون العالم مجتهدا في باب دون باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه. انتهى كلام القاضي.
فتبين -بما ذكرناه من النقول- جواز الاعتماد على نقل الأحاديث من الكتب المصححة، وكذلك التقليد لأهل الجرح والتعديل في تصحيح الحديث أو تضعيفه، والله -سبحانه- أعلم.
(2/ 3/16)

[تقليد الأئمة الأربعة]
• ما قيل في تقليد الأئمة الأربعة:
(وأما قول السائل) -وفقه الله لفهم المسائل-: حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله.
فنقول: هذا الإجماع حكاه غير واحد من المتأخرين، وكلهم نسبوه إلى الوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة صاحب "الإفصاح عن معاني الصحاح"؛ فإنه ذكر نحوا من هذه العبارة، وليس مراده أن الإجماع منعقد على وجوب تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة، وأن الاجتهاد بعد استقرار هذه المذاهب لا يجوز، فإن كلامه يأبى ذلك؛ وإنما أراد الرد على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، وأن المقلد لا ينفذ قضاؤه، كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
وحمل كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فيجوز تولية المقلد لأهلها، وينفذ قضاؤه.
وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة؛ بحيث أنْ يُلزم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلده كما قد يتوهم؛ بل كلامه يخالف ذلك ولا يوافقه.
وعبارته في "الإفصاح": اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة فإنه قال: "يجوز ذلك".
ثم قال: والصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد، فإنه -إنما عنى به- ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به لأنه مستند إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2/ 3/17)

"فالقاضي الآن، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يسعى في طلب الأحاديث وابتغاء طرقها، ولا عرف من لغة الناطق بالشريعة صلى الله عليه وسلم ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك مما قد فرغ منه، ودأب له فيما سواه، وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودونت العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق.
فإذا عمل القاضي في أقضية بما يأخذ عنهم -أو عن الواحد منهم, فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قاله. وعلى ذلك، فإنه إذا خرج من خلافهم -متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه- كان آخذا بالحزم، عاملا بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد؛ فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز علمه أن يعمل بقول الواحد.
إلا أنني أكره له أن يكون ذلك، من حيث إنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء، فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب.
حتى إنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم نحو الوكيل بغير رضاء الخصم، وكان الحاكم حنفيا، وقد علم أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفة يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، من غير أن يثبت عنده بالدليل ما قاله، ولا أداه اجتهاده إلى أن أبا حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا من الله عز وجل بأنه اتبع في ذلك هواه، وأنه ليس من الذين {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
(2/ 3/18)

فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.
وكذلك إن كان القاضي مالكيا، فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب، فقضى بطهارته مع علمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته.
وكذلك إن كان القاضي شافعيا، فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمدا، فقال أحدهما: هذا منعني من بيع شاة مذكاة. فقال الآخر: إنما منعته من بيع الميتة. فقضى عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه.
وكذلك إن كان القاضي حنبليا، فاختصم إليه اثنان، فقال أحدهما: لي عليه مال. فقال الآخر: كان له علي مال فقضيته. فقضى عليه بالبراءة من إقراره، مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه، فإن هذا وأمثاله -مما توخى اتباع الأكثرين فيه- أقرب عندي إلى الإخلاص، وأرجح في العمل.
"وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا صحيحة، وإنهم قد سدُّوا ثغرًا من ثغور الإسلام سَدُّهُ فرْضُ كفاية، ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على الطريق التي يمشي عليها الفقهاء، الذين يذكر كل منهم في كتابٍ إنْ صَنَّفه، أو كلامٍ إنْ قالَهُ، أنَّه لا يصح أن يكون قاضيا، إلا من كان من أهل الاجتهاد.
ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام، فإن هذا كالإحالة والتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، وأن لا ينفذ حق، ولا يكاتب به، ولا يقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، وهذا غير صحيح، بل الصحيح في المسألة أن ولاة الحكام جائزة، وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعا. انتهى كلام ابن هبيرة رحمه الله 1.
__________
1 في هذا الكلام نظر من وجوه، ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن من أصول الشريعة اليسر ورفع الحرج، ومن هدي النبي "ص" أنه ما خُيِّرَ =
(2/ 3/19)

فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد جائزة إذا تعذرت تولية المجتهد، لأنه ذكر أن شروط الاجتهاد ليست موجودة في الحكام، وأن هذا كالإحالة، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، فينفذ قضاء المقلد للحاجة لئلا تتعطل الأحكام.
وهكذا قال غير واحد من المتأخرين، الذين يذكرون أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا يذكر هذا، ثم يذكر القول الثاني أنه يجوز تولية المقلد للضرورة، كما ذكره متأخرو الحنابلة والمالكية والشافعية.
وتضمن أيضا كلام ابن هبيرة أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم، فلا يخرج القاضي عما أجمعوا عليه، فإن اختلفوا فالأولى أن يتبع ما عليه الأكثر، وصرح بأنه يكره له أن يقضي بما انفرد به الواحد منهم عما عليه الثلاثة، لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن يكون متبعا لهواه.
وتضمن كلامه -أيضا- أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون من عداهم من الأئمة؛ لأن مذاهبهم مدونة قد حررت، ونقحها أتباعهم، بخلاف أقوال غيرهم من الأئمة، فلأجل هذا جاز تقليدهم، فليس في كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم لا على وجوبه.
بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم لا يفتي إلا به، بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يتوخى مواطن الاتفاق
__________
= بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وهذا أفضل مرجح بين ما اختلف فيه الأربعة أو غيرهم، "ومنها" الترجيح بقوة الدليل، "ومنها" أن كتب هذه المذاهب وغيرها لا تغني عن الاجتهاد؛ لأن الناس يحدث لهم أقضية بما أحدثوا من أمور الكسب والعمران والنظم المالية، ومن الفجور أيضا كما قال الإمام عمر بن عبد العزيز "رض"، ويناسب هذا ما قاله الفقهاء في تعليق بعض الأعمال بالعرف الذي يختلف باختلاف الزمان والمكان، وكتبه محمد رشيد رضا.
(2/ 3/20)

إن وجده، وإلا توخى ما عليه الأكثر، فيعمل بما قاله الجمهور، لا بما قاله الواحد منهم مخالفا الأكثر.
فقضية كلامه أن المقلد لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة، بل يجتهد في أقوالهم، ويتوخى ما عليه أكثرهم، إلا أن يكون للواحد منهم دليل، فيأخذ بقول من كان الدليل معه، فيكون من {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} 1.
وهذا من جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم، من أن المقلد إذا كان نبيها، وله ملكة قوية، ونظر فيما تنازع فيه الأئمة الأربعة، وأمعن النظر في أدلتهم وتعليلاتهم، تبين له الراجح من المرجوح، وحينئذ فيعمل بما ترجح عنده أنه الصواب، ولا يخرج بذلك عن التقليد.
فإذا كان الرجل شافعيا أو حنبليا، ونظر في كتب الخلاف، ووجد دليلا صحيحا قد استدل به مالك فعمل بالدليل، كان هذا هو المناسب في حقه، فيجعل إماما بإزاء إمام، ويسلم له الدليل بلا معارض.
وليس هذا من الاجتهاد المطلق، بل هو من الاجتهاد المقيد، فهو يتبع الدليل، ويقلد الإمام الذي قد أخذ به.
وأما الأخذ بالدليل من غير نظر كلام العلماء فهو وظيفة المجتهد المطلق، وأما المقلد الذي لم يجتمع فيه الشروط، ففرضه التقليد وسؤال أهل العلم.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير ما أحب منها، فيفتي به ويعمل به؟
قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم. انتهى كلامه.
__________
1 سورة الزمر آية: 18.
(2/ 3/21)

[طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار]
وأما إذا وجد الحديث قد عمل به بعض الأئمة المجتهدين، ولا يعلم عند غيره حجة يدفع بها الحديث فعمل به، كان قد عمل بالحديث، وقلد هذا الإمام المجتهد في تصحيحه وعدم ما يعارضه، فيكون متبعا للدليل غيرَ خارجٍ عن التقليد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-*: طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار، التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح، مثل كتاب "التعليق" للقاضي أبي يعلى، و"الانتصار" لأبي الخطاب، و"عمل الأدلة" لابن عقيل، و"تعليق" القاضي يعقوب البرزيني وأبي الحسن الزاغوني.
ومما يعرف منه ذلك كتاب "المغني" للشيخ أبي محمد، وكتاب "شرح الهداية" لجدنا أبي البركات، ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، ومن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع.
وأحمد -رحمه الله- أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة -رضي الله عنهم-، والتابعين لهم بإحسان -رحمهم الله-؛ ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصا كما يوجد لغيره، ولا يوجد قول ضعيف -في الغالب- إلا وفي مذهبه ما يوافق القول القوي، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحا. انتهى كلامه -رحمه الله-.
وهو موافق لما ذكره صاحب "الإفصاح" من أن القاضي عليه أن يتوخى إصابة الحق، فيتوخى مواطن الاتفاق، فيعمل بما اتفقوا عليه، فإن لم يكن الحكم متفقا نظر فيما عليه الجمهور إذا لم يكن مع مخالفهم دليل، فليس الناظر في كتب الخلاف ومعرفة الأدلة بخارج عن التقليد. وليس في كلام صاحب "الإفصاح" ما يقتضي التمذهب بمذهب لا يخرج عنه، بل كلامه
__________
* انظر مجموع الفتاوى (20/ 227). [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(2/ 3/22)

صريح في ضد ذلك.
وهذه شبهة ألقاها الشيطان على كثير ممن يدعي العلم، وصار بها أكثرهم، فظنوا أن النظر في الأدلة أمر صعب لا يقدر عليه إلا المجتهد المطلق، وأن من نظر في الدليل، وخالف إمامه لمخالفة قوله لذلك الدليل فقد خرج عن التقليد، ونسب نفسه إلى الاجتهاد المطلق.
واستقرت هذه الشبهة في قلوب كثير، حتى آل الأمر بهم إلى أن {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} 1. وزعموا أن هذا هو الواجب عليهم، وأن من انتسب إلى مذهب إمام فعليه أن يأخذ بعزائمه ورخصه، وإن خالف نص كتاب أو سنة؛ فصار إمام المذهب عند أهل مذهبه كالنبي في أمته، لا يجوز الخروج عن قوله، ولا تجوز مخالفته.
[التعصب للمذهب]
فلو رأوا أحدا من المقلدين قد خالف مذهبه، وقلد إماما آخر في مسألة لأجل الدليل الذي استدل به، قالوا: هذا قد نسب نفسه إلى الاجتهاد، ونزل نفسه منزلة الأئمة المجتهدين، وإن كان لم يخرج عن التقليد، وإنما قلد إماما دون إمام آخر لأجل الدليل، وعمل بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 2.
فالمتعصبون للمذاهب إذا وجدوا دليلا ردوه إلى نص إمامهم، فإن وافق الدليل نص الإمام قبلوه، وإن خالفه ردوه واتبعوا نص الإمام.
واحتالوا في رد الأحاديث بكل حيلة يهتدون إليها، فإذا قيل: هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنت أعلم بالحديث من الإمام الفلاني؟
مثال ذلك: إذا حكمنا بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وحكم الشافعي بنجاسته، وقلنا له: قد دل على طهارته حديث العرنيين، وهو حديث صحيح، وكذلك حديث أنس في الصلاة في مرابض الغنم، فقال هذا المنجس لأبوال مأكول
__________
1 سورة المؤمنون آية: 53.
2 سورة النساء آية: 59.
(2/ 3/23)

اللحم: أنت أعلم بهذه الأحاديث من الإمام الشافعي؟ فقد سمعها ولم يأخذ بها.
فنقول له: قد خالف الشافعي في هذه المسألة من هو مثله أو أعلم منه، كمالك والإمام أحمد -رحمهما الله-، وغيرهما من كبار الأئمة، فنجعل هؤلاء الأئمة بإزاء الشافعي، ونقول: إمام بإمام. وتسلم لنا الأحاديث، ونرد الأمر إلى الله والرسول عند تنازع هؤلاء الأئمة، ونتبع الإمام الذي أخذ بالنص، ونعمل بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 1.
فنمتثل ما أمر الله به، وهذا هو الواجب علينا، ولسنا في هذا العمل خارجين عن التقليد، بل خرجنا من تقليد إمام إلى تقليد إمام آخر لأجل الحجة التي أدلى بها من غير معارض لها ولا ناسخ.
[الانتقال من مذهب إلى مذهب لأمر ديني]
فالانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لأمر ديني بأن تبين له رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الدليل- مثاب على فعله، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر، أن لا يعدل عنه، ولا يتبع أحدا في مخالفة حكم الله ورسوله؛ فإن الله فرض على الخلق طاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل حال كما تقدم ذكره.
وقد ذكرنا أن الشافعي -رحمه الله- قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
[الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى]
• الانتقال من مذهب إلى آخر:
وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى أو لغرض دنيوي، فهذا لا يجوز، وصاحبه يكون متبعا لهواه؛ وقد نص الإمام أحمد -رحمه الله- على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبًا أو محرما، ثم يعتقده غير واجب
__________
1 سورة النساء آية: 59.
(2/ 3/24)

أو محرم بمجرد هواه، وذلك مثل أن يكون طالبا للشفعة بالجوار، فيعتقدها أنها حق، ويقول: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح من مذهب الجمهور. ثم إذا طلبت منه الشفعة بالجوار اعتقد أنها ليست ثابتة، وقال: مذهب الجمهور في هذه المسألة أرجح.
ومثل من يعتقد إذا كان أخا مع جد أن الإخوة تقاسم الجد -كما هو مذهب الأئمة الثلاثة- فإذا كان جدا مع أخ اعتقد أن الجد يسقط الإخوة كما هو مذهب أبي حنيفة، فهذا ونحوه لا يجوز، وصاحبه مذموم، بل يجب عليه أن يعتقد الحق فيما له وعليه، ولا يتبع هواه، ولا يتبع الرخص، فمتبع الرخص مذموم، والمتعصب للمذهب مذموم، وكلاهما متبعٌ هواه.
المتعصبون لمذاهب الأئمة يأخذون من الأدنى دون الأعلى
والمتعصبون لمذاهب الأئمة تجدهم -في أكثر المسائل- قد خالفوا نصوص أئمتهم، واتبعوا أقوال المتأخرين من أهل مذهبهم، فهم يحرصون على ما قاله الآخر فالآخر، وكلما تأخر الرجل أخذوا بكلامه، وهجروا -أو كادوا- يهجرون كلام من فوقه.
فأهل كل عصر إنما يقضون بقول الأدنى فالأدنى إليهم، وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدمين هجرا ورغبة عنه، حتى إنَّ كُتب المتقدمين لا تكاد توجد عندهم، فإن وقعت في أيديهم فهي مهجورة.
فالحنابلة قد اعتمدوا على ما في "الإقناع" و"المنتهى"، ولا ينظرون فيما سواهما، ومن خالف مذهب المتأخرين فهو عندهم مخالف لمذهب أحمد -رحمه الله-، مع أن كثيرا من المسائل التي جزم بها المتأخرون مخالفة لنصوص أحمد، يعرف ذلك من عرفه.
وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم، بل قد هجروا كتب المتأخرين، ف"المغني" و"الشرح" و"الإنصاف" و"الفروع"، ونحو هذه الكتب التي يذكر فيها أهلها خلاف الأئمة أو خلاف الأصحاب
(2/ 3/25)

لا ينظرون فيها.
فهؤلاء -في الحقيقة- أتباع الحجاوي وابن النجار لا أتباع الإمام أحمد. وكذلك متأخرو الشافعية هم -في الحقيقة- أتباع ابن حجر الهيتمي صاحب "التحفة"، وأضرابه من شراح "المنهاج"، فما خالف ذلك من نصوص الشافعي لا يعبؤون به شيئا.
وكذلك متأخرو المالكية هم -في الحقيقة- أتباع خليل، فلا يعبئون بما خالف مختصر خليل شيئا، ولو وجدوا حديثا ثابتا في الصحيحين لم يعملوا به إذا خالف المذهب، وقالوا: الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} 1.
فكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم، فلا يرجعون إلا إليها، ولا يعتمدون إلا عليها.
وأما كتب الحديث -كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها-، وكتب الفقه الكبار التي يذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين، فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل. ويعتذرون بأنهم قاصرون عن معرفتها؛ فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبقَ إلا التقليد، والمقلِّد يأخذ بقول إمامه، ولا ينظر إلى دليلِه وتعليلِه.
ولم يميزوا بين المجتهد المطلق -الذي قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، فهو يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد- وبين المجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب الأئمة الأربعة من غير خروج عنها. فهو ملتزم لمذهب إمام من الأئمة، وينظر في كتب الخلاف، ويمعن النظر في الأدلة، فإذا رأى الدليل بخلاف مذهبه قلَّد الإمام الذي قد أخذ بالدليل، فهو اجتهاد مشوب بالتقليد، فينظر إلى ما اتفقوا عليه ويأخذ به، فإن اختلفوا نظر في الأدلة، فإن وجد مع أحدهم دليلا أخذ بقوله، فإن لم يجد في المسألة
__________
1 سورة المؤمنون آية: 53.
(2/ 3/26)

دليلا من الجانبين أخذ بما عليه الجمهور، فإن لم يجد ذلك، بل قوي الخلاف عنده من الجانبين التزم قول إمامه إذا لم يترجح عنده خلافه.
فأكثر المقلدين لا يميزون بين المجتهد المستقل من غيره، وجعلوهما نوعا واحدا، وهذا غلط واضح؛ فإن من كان قاصرا في العلم لا يستقل بأخذ الأحكام من الأدلة، بل يسأل أهل العلم، كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله- في رواية ابنه عبد الله، وقد ذكرناه فيما تقدم.
[الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة وتوخي الحق بما دل عليه الدليل]
وأما الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة وتوخي الحق بما دل عليه الدليل وبما عليه الجمهور، فهذا هو الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو الذي ذكره صاحب "الإفصاح".
[لزوم التمذهب بمذهب بعينه]
وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه؛ بحيث لا يخرج عنه وإن خالف نص الكتاب أو السنة، فهذا مذموم غير ممدوح، وقد ذمه صاحب "الإفصاح" كما تقدم ذكره، بل قد ذمه الأئمة رضي الله عنهم.
قال الشافعي -رحمه الله-: طالب العلم بلا حجة كحاطب ليل يحمل حزمة حطب، وفيها أفعى تلدغه، وهو لا يدري.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه.
وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟!
فقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل (قال): قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما وضعوا كتابا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه- بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا. ويأخذ بقول إبراهيم، قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت:
(2/ 3/27)

إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يستتابون.
وقال أبو عمر بن عبد البر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك، فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلدت؛ لأنَّ كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- لم أحصها، والذي قلَّدتُه قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلَم مني.
قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على تأويل شيء من الكتاب، أو حكاية عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم-، أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟
فإن قال: قلدته؛ لأني أعلم أنه على صواب. قيل له: علمت ذلك من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع؟
فإن قال: نعم. أبطل التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل.
وإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم مني. قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا، ولا تخص من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك.
فإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم الناس. قيل له: فهو إذًا أعلم من الصحابة. فكفى بقول مثل هذا قبحا 1.
"فإن قال: أنا أقلد بعض الصحابة. قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟ على أن القول لا يصح بفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.
وقد ذكر ابن مدين، عن
__________
1 إنه على قبحه -بمخالفة إمامه وسائر الأئمة على تفضيل الصحابة على أنفسهم- باطل بالبداهة، فإن المجتهد لا يمكنه أن يعرف أعلم الناس على الإطلاق، فضلا عن المقلد الذي لا يعرف أدلة أحد منهم.
(2/ 3/28)

عيسى بن دينار، عن القاسم عن مالك قال: ليس كلما قال الرجل قولا -وإن كان له فضل- يتبع عليه؛ لقوله عز وجل-: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} 1.
فإن قال: قصري وقلة علمي تحملني على التقليد. قيل له: أما من قلَّد فيما ينزل به أحكام شريعة عالما يتفق له على علمه، فيصدر في ذلك عما يخبره به فمعذورٌ لأنه قد أتى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله، لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.
ولكن من كانت هذه حاله هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله، فيحمل غيره على إباحة الفروج، وإراقة الدماء، واسترقاق الرقاب، وإزالة الأملاك، يصيرها إلى غير من كانت في يده بقول لا يعرف صحته، ولا قام له الدليل عليه، وهو مقر أن صاحبه يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه فيه؟
فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع، لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بذلك جهلا وردا للقرآن، قال الله -عز وجل-: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 2، وقال تعالى: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 3.
وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يستيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا.
ثم ذكر حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: "من أفتى بفتيا وهو يعمي عنها كان إثمها عليه"4 موقوفا ومرفوعا، قال وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"5 قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد. انتهى كلام أبي عمر -رحمه الله تعالى-.
فتأمل ما في هذا الكلام، من الرد على من يقول بلزوم التمذهب بمذهب من هذه المذاهب الأربعة، لا يخرج عن ذلك المذهب، ولو وجد
__________
1 سورة الزمر آية: 18.
2 سورة الإسراء آية: 36.
3 سورة الأعراف آية: 28.
4 الدارمي: المقدمة (160).
5 البخاري: النكاح (5144) , ومسلم: البر والصلة والآداب (2563) , والترمذي: البر والصلة (1988) , وأحمد (2/ 245,2/ 287,2/ 312,2/ 342,2/ 517,2/ 538) , ومالك: الجامع (1684).
(2/ 3/29)

دليلا يخالفه، لأن الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه، ويجعل هذا عذرًا له في رد الحديث، أو ترك العمل به.
وتأمل قوله: لا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد. ومراده: إذا كان المقلد قادرا على الاستدلال، وأما العاجز عنه فهو كالأعمى، يقلد في جهة القبلة، فهو معذور إذا كان عاجزا.
وقد حكى الإمام أبو محمد بن حزم الإجماع على أنه لا يجوز التزام مذهب بعينه لا يخرج عنه، فقال: أجمعوا على أنه لا يجوز لحاكم ولا لمفت تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله. انتهى.
فحكاية الإجماع من هذين الإمامين -أعني أبا عمر بن عبد البر وأبا محمد بن حزم- كافٍ في إبطال قول المتعصبين للمذهب، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.
ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. آمين.
(2/ 3/30)

عدة رسائل في مسائل فقهية
تأليف
العلامة الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي
رحمه الله تعالى

طبع بأمر صاحب العظمة السلطان عبد العزيز آل سعود
سلطان نجد وملحقاتها
لا زال ناشرًا للعلم والدين، ومعزًّا للإسلام والمسلمين

الطبعة الأولى في
مطبعة المنار بمصر
سنة 1344
(2/ 3/31)

عدة رسائل في مسائل فقهية
للشيخ: حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين

الرسالة الأولى
من حمد بن ناصر بن معمر إلى جناب الأخ المكرم جمعان بن ناصر -حفظه الله تعالى- آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الخط إبلاغ السلام. وبعد:
فالخط الشريف وصل -أوصلك الله إلى رضوانه-، وما ذكر جنابك صار لدَى محبك معلوما. ومن طرف المسائل التي تسأل عنها وتطلب جوابها:

(حكم اشترط طلاق الضرة في عقد النكاح)
(فالمسألة الأولى) فيمن شرطت على زوجها عند العقد طلاق ضرتها، فهذا الشرط اختلف العلماء فيه؛ هل هو صحيح أم فاسد، فذهب الحنابلة إلى صحته، فيجب عندهم الوفاء، وخيار الفسخ لها إذا لم يفِ. وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه شرط. باطل للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد، على هذا يبطل الشرط ويصح النكاح؛ لأن هذا ليس من الشروط المبطلة للعقد، كنكاح الشغار والتحليل والمتعة.
(2/ 3/32)

(الشروطُ الصحيحة في عقدِ النِّكاح)
(وأما المسألة الثانية) فيمن شرطت على الزوج عند العقد شرطًا صحيحا، ورضي بذلك، وقالت: إنْ فعلْتَ كذا فهو طلاقي. ثم لم يفِ لها، بل خالف ما شرطت عليه، فهذا الشرط -إن كان من الشروط الصحيحة- فلها الفسخ إن لم يفِ به. وإن لم تقل: "فهو طلاقي" فلها إلغاؤه وإبطاله، فإذا أسقطته بعد البينونة سقط، وجاز له أن يرجع إليها بنكاح جديد. وإن كان الإسقاط قبل البينونة سقط والنكاح بحاله، وليس لها مطالبته بذلك بعد إسقاطه.

(حكمُ تَراضِي الزوجين علَى تعليقِ الطَّلاقِ بالتزَوُّجِ عَلَيْها)
(وأما المسألة الثالثة) فيمن تشاجر هو وزوجته، ثم تراضيا على شروط صحيحة، كقوله: إن تزوجت عليك فهو طلاقك. ثم قالت له: أعد اللفظ. فأعاده مرتين أو ثلاثا، هل يثبت هذا الشرط، وإن كان بعد عقد النكاح؟ وهل يقع عليه الطلاق؟ وهل يفرق بين الحرفين فيما إذا قال: إن تزوجت فأنت طالق، أو إذا تزوجت؟
فنقول: هذا الشرط وهو تعليق الطلاق على التزوج، شرطٌ لازم، وتعليقه صحيح، فمتى تزوج طلقت. ثم ننظر في نيته حال تكراره لفظ الطلاق: فإنْ قصد بالتكرار إفهامها أو التأكيد لم تطلق إلا واحدة، وله أن يراجعها بعد التزوج بالأخرى، لأن هذا الشرط لم يوجد عند العقد، بل حدث بعد ذلك. فإنْ يقصد بالتكرار الإفهام ولا التأكيد طُلِّقَتْ ما نواه. فإن لم يكن له نية ففيه خلاف، والأشهر أنها تُطلَّق بعدد التكرار، وبعضهم يقول: لا تُطلَّق إلا واحدة.
وأما التفرقة بين إن الشرطية وإذا، فالعامة لا يفرقون بينهما، فيحكم
(2/ 3/33)

عليهم بلغتهم على قصدهم ونيتهم، مع أن في مثل هذه الصورة يقع الطلاق بكل حال.

(طَلاقُ غير البالغ)
(وأما المسألة الرابعة) وهي طلاق الصبي الذي لم يبلغ، فقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك وطائفة من العلماء إلى أنه لا يقع طلاقه حتى يبلغ، وذهب الإمام أحمد -في المشهور عنه- والشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه إذا عقل، وعلم أن زوجته تبين منه بذلك -خصوصا إذا تجاوز العشر- فإنه يقع طلاقه.

(أحكام زيادةِ الوكيلِ بالتطليق على الواحدة)
(وأما المسألة الخامسة) فيمن وكَّل وكيلا في طلاق زوجته، هل للوكيل أن يزيد على طلقة إذا كان الموكل لم يأمره بكثير ولا قليل؟ وهل إذا طلق ثلاثا تقع أم لا؟ وهل يعتبر إنكار الموكل ذلك؟
فهذه المسألة الراجح فيها أن الوكيل لا يزيد على واحدة لأن الزيادة خلاف السنة، فإن زاد لم يقع إلا واحدة، إلا أن يأمره الموكل بذلك، فإن لم يأمره بذلك ولم يثبت ببينة ولا بإقرار الموكل، لم يثبت إلا طلاق السنة، وهي الطلقة الواحدة.

(حكمُ تكرارِ لفظِ التطليقِ في الخُلْع)
(وأما المسألة السادسة) فيمن بذلت لزوجها عوضا، كمخالعة الناس اليوم على أن يطلقها، فقبل العوض ثم قال: أنت طالق. ثم قال: أنت طالق. ثم قال: أنت طالق. ثلاث مرات أو أكثر، هل تبين منه باللفظة الأولى، ولم تلحقها البواقي عند من يقول: إن المختلعة لا يلحقها طلاق؟
فنقول: الذي ذكره
(2/ 3/34)

الفقهاء -رحمهم الله تعالى- أنها تبين بالأولى، ولا يلحقها ما بعدها لأنها بانت بالجملة الأولى، فإذا لحقها جملة ثانية وثالثة لم يصادف ذلك محلا، وأما عند من يقول: إن المختلعة يلحقها الطلاق كما ذكر كثير من التابعين، فالطلاق عندهم لاحق.

(حُكْمُ مَن أَخَذَ عِوَضَ الخُلْعِ ولَمْ يَنْطِقْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إِنْشَائِهِ)
(وأما المسألة السابعة) فيمن خالع زوجته بأن بذلت له العوض وقبله، ولم يتلفظ بخلع ولا طلاق ولا فسخ، هل تبين بمجرد أخذ العوض؟
فالذي عليه الجمهور: أنه لا بد من اللفظ، لقوله صلى الله عليه وسلم-: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة"1.

(تَعليقُ الطَّلاق)
(وأما المسألة الثامنة) فيمن قال لزوجتهِ: إذا جاءني حقي فأنت طالق، وإن نزلت على أهلك فأنت طالق. فأقامت مدة لم تعطه، ولم تنزل على أهلها، هل الشرط لازم أم لهم إبطاله؟
فنقول: إذا علق طلاقها على ذلك فالشرط لازم، والتعليق ثابت ولو اتفقا على إبطاله، وفي الحديث: "ثلاث هزلهن جد، وجدهن جد"2 الحديث.

(الوصيَّةُ بالأُضحيةِ وأكْلُ ورثةِ المُوصِي منها)
(المسألة التاسعة) فيمن أوصى عند موته بأضحية، هل للموصى إليه أو غيره من ورثة الميت الأكل منها أم لا؟
فالذي يظهر لي من كلام العلماء أنه لا بأس بذلك، وإنما اختلفوا في أضحية اليتيم.
__________
1 البخاري: الطلاق (5273) , والنسائي: الطلاق (3463) , وابن ماجه: الطلاق (2056).
2 الترمذي: الطلاق (1184) , وأبو داود: الطلاق (2194) , وابن ماجه: الطلاق (2039).
(2/ 3/35)

(المفاضلة بين التضحية عن الميت والتصدق بثمنها)
(وأما المسألة العاشرة) هل الأضحية عن الميت أفضل أم الصدقة بثمنها؟
فهذه المسألة اختلف العلماء فيها، فذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء إلى أن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وهو اختيار الشيخ تقي الدين رحمه الله.
وذهب بعضهم إلى أن الصدقة بثمنها أفضل، وهذا القول قوي في النظر؛ وذلك لأن التضحية عن الميت لم تكن معروفة عند السلف، إلا أنه ورد عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه كان يضحي عن النبي صلى الله عليه وسلم-، ويذكر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوصاه بذلك.
والحديث ليس في الصحاح، وبعض أهل العلم تكلم فيه، وبعض الفقهاء لما سمعه أخذ بظاهره، وقال: لا يضحي عن الميت إلا أن يوصي بذلك، فإن لم يوصِ فلا يذبح عنه، بل يتصدق بثمنها، فإذا كان هذا صورة المسألة، فالأمر في ذلك واسع إن شاء الله تعالى.

(حكمُ من ضحَّى عن غيره قبل نفسه أو وفاء نذره)
(وأما المسألة الحادية عشرة): هل له أن يضحي عن غيره قبل أن يضحي لنفسه؟ وهل له أن يضحي وعليه نذر قبل أن يوفي بنذره؟
فمسألة التضحية عن الغير قبل أن يضحي لنفسه فلا أعلم فيها بأسا، وإنما المنع فيمن عليه حجة الإسلام، فليس له أن يحج عن غيره قبل أن يحج فريضة الإسلام.
وأما تقديم الأضحية على النذر فالواجب يقدم على النافلة، فإذا كان المنذور أضحية ذبحها قبل أضحية التطوع، فإن تطوع وترك النذر الواجب وجب عليه أن يذبح الواجب أيضا، وأما إذا أراد أن يذبحهما جميعا لكنه
(2/ 3/36)

قدم التطوع على النذر، فلا أعلم في هذا منعا.

(التفريقُ بين الأمِ وولدها الصغير وبين الأخوةِ في البيع)
(وأما المسألة الثانية عشرة) وهي التفريق بين الوالدة وولدها قبل البلوغ، وكذلك بين الأخوة في البيع، فأما قبل البلوغ فلا يجوز التفريق، وأما بعد البلوغ ففيه خلاف، والمشهور عن أحمد وكثير من الفقهاء أنه لا يجوز، لحديث: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"1، 2، وكذلك حديث علي في التفرقة بين الأخوة، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رده، رده"3.

(من أبان زوجًا من أربع ليس له التزوج بغيرها قبل انقضاء عدتها)
(وأما المسألة الثالثة عشرة) فيمن معه أربع فطلق واحدة وأبانها، هل له أن يتزوج في مكانها أخرى، وإن كانت المطلقة لم تعتد لأنها بائن ليس له عليها رجعة، أم لا يجوز ذلك حتى تعتد المطلقة؟ فالذي نص عليه العلماء أن ذلك لا يجوز، بل لا بد من انقضاء العدة، ولا يجوز له أن يجمع ماءه في رحم خمس نسوة. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
__________
1 الترمذي: السير (1566) , وأحمد (5/ 412,5/ 414) , والدارمي: السير (2479).
2 رواه أحمد والترمذي والحاكم عن أبي أيوب وصحح.
3 الترمذي: البيوع (1284) , وابن ماجه: التجارات (2249) , وأحمد (1/ 102).
(2/ 3/37)

رسالة ثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر بن معمر إلى جناب الأخ المكرم جمعان بن ناصر -سلمه الله تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والمسائل وصلت، وهذا جوابها:

(طلب إمام المسجد المعاونة من الفيء أو الزكاة)
أما سؤال إمام المسجد المعاونة من الفيء والزكاة، فالسؤال من حيث هو مذموم إلا في حال الاضطرار، لكن إن كان السؤال من الفيء فهو موافق، لأن الفيء للمسلمين غنيهم وفقيرهم، وما من أحد من المسلمين إلا وله فيه نصيب، فإذا سأل الإنسان نصيبه من الفيء لم ينكر عليه.
وأما إن كان السؤال من الزكاة، فإن كان السائل غنيا فهو حرام، ولا تحل له الزكاة، بل لو جاءته من غير سؤال لم تحل له، إلا إن كان من الخمسة المذكورين في الحديث؛ وذلك لأن الله تعالى قسمها بنفسه، ولم يرض فيها بقسم نبي ولا غيره.
[حكم القيء]

(فروع في العبادات)
وأما القيء فالمشهور أنه نجس، وأما نقض الوضوء به ففيه خلاف، والمشهور أنه ينقض إذا كان كثيرا، ولا ينقض اليسير منه. وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه لا ينقض الوضوء ولو كثر، لكن يستحب الوضوء، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين.
[الخروج من الصلاة لأجل الخارج]
وأما الخروج من الصلاة لأجل الخارج اليسير من القيء أو الدم
(2/ 3/38)

فإذا كان يسيرًا لم يقطع الصلاة، ولا إعادة عليه، لأنه روي عن الصحابة نحو ذلك، فابن أبي أوفى بزق دما ثم قام فصلى. وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، فصلى ولم يتوضأ.
[إخراج الإنسان زكاته أو بعضها بنفسه]
وأما إخراج الإنسان زكاته أو بعضها بنفسه، فذكر أهل العلم أنه لا يجوز أن يخرجها ولا بعضها إن كان الإمام عدلا يضعها في أهلها، (بل) يجب دفعها إليه.
[قضاء الفوائت]
وأما قضاء الفوائت، فالمشهور قضاء الفوائت على الفور مرتبا، قلت الفوائت أو كثرت.
وإذا صلى الحاضرة قبل الفائتة، فإن كان ناسيا للفائتة سقط الترتيب، ويصلي الفائتة، ولا يقضي الحاضرة، لأن الترتيب يسقط بالنسيان.
[الصلاة على الميت]
وأما الصلاة على الميت فإن أوصى الميت بأن يصلي عليه رجل معين فهو أحق من غيره، ولا يقوم أحد في جنب الإمام، بل يقف الإمام وحده إلا أن يكون المكان ضيقا، بحيث لا يحصل له الوقوف في الصف، حينئذ يقف في جنب الإمام للحاجة.
[العقد على المطلقة في العدة]
وأما المطلقة فلا يجوز العقد عليها في العدة بإجماع أهل العلم، بل لا يجوز التصريح في خطبتها، فإن كانت رجعية حرم التعريض أيضا، لأنها زوجة ما دامت في العدة، فإن عقد عليها فالنكاح باطل، ولا يحتاج إلى طلاق، لأنه باطل إجماعا، بل يفرق بينهما. فإذا اعتدت فهو خاطب من الخطاب، وعند مالك أنها تحرم عليه أبدا؛ وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر، والأول قول علي، وهو المشهور عن أحمد، والجديد من قولي الشافعي.
[المطلقة التي مات زوجها]
وأما المطلقة إذا مات زوجها وهي في العدة، فإن كانت رجعية استأنفت
(2/ 3/39)

عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا بلا خلاف بين العلماء، وإن كانت بائنا بنت على عدة الطلاق، إلا أن يطلقها في مرض موته، فتعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء. وعند مالك والشافعي أنها تبني على عدة الطلاق؛ لأنها بائن وليست بزوجة، كما لو طلقها في الصحة.
فأما إذا كان الطلاق البائن في الصحة، فإنها تبني على عدة الطلاق عند الأئمة الثلاثة، وعند أبي حنيفة تعتد أطول الأجلين.
[طلق زوجته واختل عقله]
وأما مسألة الذي طلق زوجته واختل عقله، فإن كان حال الطلاق ثابت العقل وطلق مختارا، فالطلاق واقع، فإن كانت آخر ثلاث تطليقات لم تحل له إلا بعد زوج وإصابة، ولو اختل عقله بعد ذلك، ولو آل به الأمر إلى الجنون.
وإن كان الطلاق الذي وقع بكلمة واحدة جمع فيها الطلاق، فكذلك عند الأئمة الأربعة، وهو الذي يفتى به عندنا. وعند الشيخ تقي الدين وابن القيم أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة مطلب يحسب طلقة واحدة، وحينئذ فله رجعتها، والعمل على كلام الجمهور.
[الدعاء عند ختم القرآن]
وأما الدعاء عند ختم القرآن، فروي عن أنس رضي الله عنه أنه كان يجمع أهله وولده، ويدعو عند ختم القرآن.
وروي عن طائفة من السلف، وهو قول غير واحد من الفقهاء. وأما تعيين الدعاء فلم يثبت فيه دعاء مخصوص، ولهذا لم يستحبه بعض الفقهاء؛ قال: لأنه لم يرد فيه سنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
[التكبير في آخر كل سورة من سورة الضحى]
وأما التكبير في آخر كل سورة من سورة الضحى إلى آخر القرآن، ففيه خلاف، ولم يستحبه الشيخ تقي الدين إلا لمن يقرأ بقراءة ابن كثير. وأما من قرأ بقراءة عاصم التي هي غالب قراءة الناس اليوم فلا.
[الوقف على المسجد]
وأما الرجل الذي وقف على المسجد بعض أملاكه، فإن عين القائمين
(2/ 3/40)

أو الإمام أو المؤذن تعين ما عينه الواقف من الجهات، فإن لم يعين جهة فالوقف على المسجد يدخل فيه الإمام والمؤذن والقيم، وكذا عمارته كتطيين سطحه، وإبدال خشبه لتكسير فيه، ونحو ذلك. والله -سبحانه وتعالى- أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

رسالة ثالثة
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان، رزقه الله العلم النافع والإيمان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
الخط وصل -أوصلك الله إلى رضوانه-، والمسائل وصلت، وهذا جوابها واصلك إن شاء الله تعالى.
[المنكر الذي يجب إنكاره]
(المسألة الأولى) في المنكر الذي يجب إنكاره، هل يسقط الإنكار إذا بلغ الأمير أم لا؟
فاعلم أن إنكار المنكر يجب بحسب الاستطاعة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"1؛ وحينئذ إذا وقع المنكر وبلغ الأمير فلم يغيره، لم يسقط إنكاره، بل ينكره بحسب الاستطاعة؛ لكن إن خاف حصول منكر أعظم سقط الإنكار، وأنكر بقلبه.
وقد نص العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه أنه لا ينبغي؛ وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد، وفي الحديث: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي"2.
[العدل في عطية الأولاد]
(وأما مسألة العطية) فلا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية
__________
1 مسلم: الإيمان (49) , والترمذي: الفتن (2172) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (5008) , وأبو داود: الصلاة (1140) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1275) , وأحمد (3/ 20,3/ 49,3/ 54).
2 الترمذي: الزكاة (652) , وأبو داود: الزكاة (1634) , وأحمد (2/ 192) , والدارمي: الزكاة (1639).
(2/ 3/41)

بين الأولاد، وكراهة التفضيل، لكن اختلفوا في صفة التسوية، فالمشهور عن أحمد أن المستحب أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله في الميراث، {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} 1 وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي أنه يعطى الأنثى مثل ما يعطي الذكر.

رسالة رابعة
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان -حفظه الله تعالى- آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
الخط وصل -أوصلك الله إلى رضوانه-، وسر الخاطر سؤالك عما أشكل عليك، رزقنا الله وإياك العلم النافع والعمل الصالح.
[كنايات الطلاق]
فأما ما سألت عنه من استعمال كنايات الطلاق، فالذي عليه أكثر العلماء أن الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا مع النية، فإذا تكلم الزوج بالكناية وقال: لم أرد طلاقك ولم أنوه، ولم يتكلم بذلك في حال الغضب وسؤالها الطلاق، فهذا يقبل قوله، ولا يقع به طلاق. وأما إن تكلم بذلك في حال الغضب فهذا مما اختلف الفقهاء فيه. فقال بعضهم: يقبل قوله إنه لم يرد طلاقا ولم ينوه. وقال بعضهم: لا يقبل قوله في ظاهر الحكم لأجل القرينة الدالة على إرادة الطلاق.
وبعض أهل العلم يفرق بين الكنايات، ويقول: الكنايات التي يكثر استعمالها في الطلاق، ويعبرون أن من تلفظ بها فإنما يريد الطلاق، فهذا لا يقبل قوله. وأما الكنايات التي تستعمل في عرف أهل البلد في الطلاق وفي غيره، فهذا يقبل أنه ما أراد الطلاق، بل لو تلفظ بذلك وقال:
__________
1 سورة النساء آية: 11.
(2/ 3/42)

لم أرد الطلاق ولا غيره، لم تطلق إلا بالنية إذا كان الطلاق لفظا يستعمل في الطلاق وفي غيره.
تكرير لفظ الطلاق
(وأما المسألة الثانية): إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فهذا إن نوى بالتكرار التأكيد أو إفهامها، لم يقع إلا واحدة. فإن نوى به طلاقا ثلاثا وقعت ثلاثا عند الجمهور. وأما إذا طلق بالنية، وقال: لم أرد به التأكيد والإفهام، ولا إيقاع ثلاث، بل عزبت نيته، فهذا محل الخلاف، فبعض أهل العلم يقول: يقع واحدة، إلا أن ينوي طلاق ثلاث فتقع.
(وأما قولك): إذا توقف المفتي عن الإفتاء في الكنايات، هل يكون داخلا في الكتمان أم لا؟
فاعلم أن الذي يتناوله الوعيد هو من عنده علم من الله ورسوله، فيُسأل عنه فيكتمه. وأما من أشكل عليه الحكم ولم يتبين له حكم الله ورسوله، فهذا لا حرج عليه إذا توقف، ولو عرف اختلاف العلماء ولم يعلم الراجح من القولين. وأحمد -رحمه الله- وغيره من العلماء يتوقفون كثيرا في مسائل، مع معرفتهم بكلام العلماء قبلهم في تلك المسائل إذا لم يتبين لهم الصواب. وأحمد يتوقف عن الإفتاء في كنايات الطلاق في أكثر أجوبته، وبعض العلماء لا يفتي في مسائل الطلاق بالكلية؛ لعظم خطرها.
والواجب على المفتي أن يراقب الله ويخشاه، ويعلم أنه قد عرض نفسه للحكم بين يدي الله وبين عباده، فيما أحل الله وحرم عليهم، فلا يتكلم إلا بعلم، وما أشكل عليه فليكله إلى عالمه.
[دم المرأة الحامل في غير عادتها]
(وأما مسألة الحامل) إذا رأت الدم فهذا ينظر فيه، وفي حال عادة المرأة، فإن كان ذلك ليس بعادة لها إذا حملت فهذا لا تلتفت إليه، بل تصلي فيه وتصوم، ويكون حكمها حكم المستحاضة، وليس في هذا اختلاف. وإنما الاختلاف فيما إذا كان عادة المرأة أنها تحيض وتطهر في عادة الطهر، فهذا
(2/ 3/43)

الذي اختلف فيه العلماء، والراجح في الدليل أنه حيض إذا كان على ما وصفنا، ولكن قليل الوقوع، وأكثر الواقع على متكرره وبين من ليس لها عادة، أو يضرب عليها الدم، فإنه يشتبه على كثير من الطلبة.
[تزويج اليتيمة]
(وأما مسألة اليتيمة) إذا طلبت الزوج، فيجوز لوليها تزويجها وإن لم تبلغ، إذا كانت لها تسع سنين، ولكن لا يجبرها، ولا يزوجها إلا برضائها إذا كانت يتيمة. وأما الأب فيجوز له إجبار الصغيرة التي لم تبلغ، والبلوغ يحصل بالحيض، ونبات الشعر الخشن حول القبل.
[لحن الإمام في الفاتحة]
(وأما مسألة الأمي) فالأمي الذي لا يحسن الفاتحة، أو يلحن فيها لحنا يغير المعنى، وأما إذا كان يحسن الفاتحة ولا يحيل ألفاظها عن معانيها، فهذا لا يسمى أميا. ولكن أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، فإن وجد القارئ قدم على غيره. وأما إذا أقيمت الصلاة، ثم جاء القارئ وهم يصلون، جاز للقارئ أن يصلي معهم إذا كان الإمام يحسن قراءة الفاتحة، ولا يلحن فيها لحنا يحيل المعنى. وأما الذي يلحن فيها لحنا يحيل المعنى فهذا هو الأمي، لا يجوز أن يصلي إلا بمثله، فلا يؤم أحدا يحسن الفاتحة.
[تعيين الإمام]
(وأما مسألة تعيين الإمام) كما هو الواقع في المساجد التي لها أئمة راتبون، فهذا إذا بان له أنه غير إمامه الراتب صحت صلاته لأن قصده الصلاة مع الجماعة، وليس له قصد في تعيين الإمام، والله أعلم.
(2/ 3/44)

رسالة خامسة
[استخدام الدابة بجزء من الثمرة]
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر -حفظه الله تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: الخط وصل -أوصلك الله إلى رضوانه- وكذلك السؤال وصورته.
ما قول العلماء فيمن دفع دابته إلى آخر يسقي عليها زرعا بجزء من الثمرة، سواء كان الدفع قبل وجود الزرع أو بعد ما اخضر الزرع، وسواء كان مدة السقي معلومة أو مجهولة، مثل إلى أن تهزل أو تعجف، هل هذا جائز يشبه دفع الدابة إلى من يعمل عليها ببعض مغلها؟ أم هذا ليس بصحيح لعدم معرفة الأجرة والجهل بالمدة إذ لم توقت؟
فنقول: هذه المسألة لم أقف عليها منصوصة في كلام العلماء، ولكنهم نصوا على ما يؤخذ منه حكم هذه المسألة؛ فمن ذلك أنهم ذكروا أن من شرط صحة الإجارة معرفة قدر الأجرة، ومعرفة قدر المدة. قال في "المغني": يشترط في عوض الإجارة كونه معلوما لا نعلم فيه خلافا، انتهى.
ولكن هذه المسألة هل تلحق بمسائل الإجارة وتعطى أحكامها، أم تلحق بمسائل الشركة وتعطى أحكامها، مثل المساقاة والمزارعة والمضاربة، وغير ذلك من مسائل المشاركات؟
فإن قلنا: إنها بمسائل الإجارة أشبه، فالإجارة لا تصح إلا بأجرة معلومة على مدة معلومة؛ ولهذا اختلف العلماء في جواز إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها كثلث أو ربع، فمنعه أبو حنيفة والشافعي وغيرهما، وعللوه بأن العوض مجهول، فلا تصح الإجارة بعوض مجهول، وأجازه الإمام أحمد، فمن أصحابه من
(2/ 3/45)

قال: هو إجارة. ومنهم من قال: بل هو مزارعة بلفظ الإجارة. قال في "الإنصاف": والصحيح من المذهب أن هذه إجارة؛ لأن الإجارة تصح بجزء مشاع معلوم مما يخرج من الأرض المأجورة، وهو من مفردات المذهب. انتهى.
قال في "المغني": "إجارة الأرض بجزء مشاع مما يخرج منها، كنصف وثلث وربع، المنصوص عن أحمد جوازه، وهو قول أكثر الأصحاب. واختار أبو الخطاب أنها لا تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وهو الصحيح -إن شاء الله-، لما تقدم من الأحاديث في النهي من غير معارض لها، ولأنها إجارة بعوض مجهول، فلم تصح كإجارتها بثلث ما يخرج من أرض أخرى، ولأنه لا نص في جوازها، ولا يمكن قياسها على المنصوص؛ فإن النصوص إنما وردت بالنهي عن إجارتها بذلك، ولا نعلم في تجويزها نصا.
والمنصوص جواز إجارة ذلك بذهب أو فضة أو شيء معلوم، فأما نص أحمد فيتعين حمله على المزارعة بلفظ الإجارة. انتهى.
وقال في "المغني" أيضا: قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى رجل على أن يعلفها ويحفظها، وما ولدت من ولد (فهو) بينهما؟ قال: "أكره ذلك". وبه قال أبو حنيفة وأبو خيثمة، ولا أعلم فيه مخالفا؛ وذلك لأن العوض معدوم مجهول أيوجد أم لا، والأصل عدمه. انتهى.
وأما إن ألحقنا هذه المسألة المسؤول عنها بمسائل الشركة، وقلنا: هي بمسائل الشركة أشبه جرى فيها من اختلاف العلماء ما جرى في نظائرها.
وأنا أذكر لك بعض ما ذكر العلماء في هذا الباب: قال في "المغني": وإن دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما رزق الله بينهما نصفين أو ثلاثا أو كيفما شرط صح، نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعي ما يدل على هذا، وكره ذلك الحسن والنخعي. وقال الشافعي وأبو ثور وابن
(2/ 3/46)

المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب المال، وللعامل أجرة مثله.
ولنا أنها عين نمت بالعمل عليها، فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة، والأرض في المزارعة، وقد أشار أحمد رحمه الله تعالى- إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة، فقال: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث أو الربع، لحديث جابر: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى خيبر على الشطر"1.
وهذا يدل على أنه ظاهر في مثل هذا إلى الجواز، لشبهه بالمساقاة والمزارعة، لا إلى المضاربة ولا إلى الإجارة.
ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة، أرجو أن لا يكون به بأس. ونقل أحمد بن سعيد فيمن دفع عبده إلى رجل يكتسب عليه، ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز، والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة.
وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قميصا وله نصف ربحه بعمله جاز، نص عليه في رواية حرب. وإن دفع غزلا إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه جاز، نص عليه.
ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئا من ذلك. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. وسئل: عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم أو درهمين؟ قال: أكرهه؛ لأن هذا شيء لا يعرف الثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزا؛ لحديث جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر"2.
قيل لأبي عبد الله: فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهما؟ قال: فليجعل له ثلثا وعشر ثلث، أو نصف عشر وما أشبهه، انتهى ملخصا.
وقد نص أحمد أيضا على جواز دفع الثوب لمن يبيعه بثمن يقدر له، ويقول: ما زاد فهو لك. وقال في "الإنصاف": "ولو دفع عبده أو دابته إلى من يعمل بهما بجزء من الأجرة،
__________
1 البخاري: الإجارة (2286) , والترمذي: الأحكام (1383) , وأبو داود: البيوع (3408) , وابن ماجه: الأحكام (2467) , وأحمد (2/ 17,2/ 37).
2 البخاري: الإجارة (2286) , والترمذي: الأحكام (1383) , وأبو داود: البيوع (3408) , وابن ماجه: الأحكام (2467) , وأحمد (2/ 17,2/ 37).
(2/ 3/47)

أو ثوبا يخيطه، أو غزلا ينسجه بجزء من ربحه جاز، نص عليه، وهو المذهب، جزم به ناظم "المفردات"، وهو منها.
وقال في "الحاوي الصغير": ومن استأجر من يجد نخله أو يحصد زرعه بجزء مشاع منه جاز نص عليه في رواية مهنا، وعنه لا يجوز وللعامل أجرة مثله.
ونقل مهنا في "الحصاد": "هو أحب إلي من المقاطعة، وعنه له دفع دابته أو نخله لمن يقوم به بجزء من نمائه، اختاره شيخ الإسلام والمذهب، لا لحصول نمائه من غير عمله، انتهى ملخصا.
وقال في "المغني": وإن اشترك ثلاثة من أحدهم الأرض، ومن الآخر البذر، ومن الآخر البقر، والعمل على أن ما رزق الله بينهم فعملوا، فهذا عقد فاسد نص عليه أحمد في رواية أبي داود ومهنا وأحمد بن القاسم، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي.
فعلى هذا يكون الزرع لصاحب البذر؛ لأنه نماء ماله، ولصاحبيه عليه أجرة مثلهما، انتهى.
وقال في موضع آخر: فإن اشترك ثلاثة من أحدهم الدابة، ومن آخر راوية، ومن الآخر العمل، على أن ما رزق الله بينهم، صح في قياس قول أحمد، فإنه قد نص في الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها، على أن لهم الأجرة على الصحة، وهذا مثله.
وهكذا لو اشترك أربعة، من أحدهم دكان، ومن الآخر رحى، ومن آخر بغل، ومن آخر العمل على أن يطحنوا بذلك، فما رزق الله تعالى- بينهم صح، وكان بينهم على ما شرطوه. وقال القاضي: العقد فاسد في المسألتين جميعا. وهو ظاهر قول الشافعي، انتهى.
ومن تأمل ما نقلناه تبين له حكم مسألة السؤال، والله أعلم.
(2/ 3/48)

رسالة سادسة*
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: وصل الخط، وصلك الله إلى رضوانه، وتسأل فيه عن مسائل:
[عدة البائن إذا مات زوجها]
(الأولى): المطلقة البائن إذا مات زوجها الذي أبانها وهي في العدة، فهذه إن كان زوجها طلقها في الصحة- فإنها تبني على عدة الطلاق، ولا تعتد للوفاة، كما لو لم يمت.
[عدة المتوفى عنها وهي حامل]
(الثانية): المتوفى عنها وهي حامل، هل هي في حداد ولو اعتدت أربعة أشهر وعشرا؟ فالأمر كذلك هي في حداد حتى تضع حملها.
[العبد المملوك إذا سرق من حرز من غير مال سيده]
(الثالثة): العبد المملوك إذا سرق من حرز من غير مال سيده، هل يجب عليه القطع؟ فالأمر كذلك، وأما سيده فلا يقطع بسرقة ماله.
[المطلقة ثلاثا قبل الدخول بها]
(الرابعة) فيمن طلق امرأته قبل أن يدخل بها ثلاثا، هل إذا بانت بالأولى تحل له بملاك جديد، أم تحرم عليه إلا بعد الزوج الثاني بعد أن يجامعها؟ 1 ولا تحل للزوج الأول قبل جماع الزوج الثاني. وأما إن كان طلقها ثلاثا؛ واحدة بعد واحدة، فإنها تبين بالأولى، ولا يلحقها بقية الطلاق؛ لأن غير المدخول بها لا عدة عليها، ولا يلحقها الطلاق، فإذا بانت بالأولى حلت لزوجها بعقد ثان، وإن لم تتزوج غيره، وتبقى معه على طلقتين.
[طلق زوجته تطليقتين بعد المسيس]
(الخامسة) فيمن طلق زوجته تطليقتين بعد المسيس، ثم تزوجت
__________
* هذه المسائل وردت قبل ذلك في 1/ 578. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
1 الظاهر أن هذا آخر السؤال، وأن بدء الجواب بعده بالواو سهو.
(2/ 3/49)

لها زوجا ثانيا، وطلقها قبل أن يمسها، هل ترجع إلى الأول؟
فالأمر كذلك، ولا تأثير لهذا الزوج في حل العقد، لأنها حلال لزوجها قبله، فإذا اعتدت حلت لزوجها الأول بعقد جديد، فإن لم يكن خلا بها فلا عدة، ويعقد عليها الثاني في الحال.
[وطء الصبي الصبية]
(السادسة): إذا وطئ الصبي الصبية، هل يلزمهما غير التعزير؟
فلا يلزمهما حد، بل يعزران تعزيرا بليغا، قال الشيخ تقي الدين: لا خلاف بين العلماء أن غير المكلف يعزر على الفاحشة تعزيرا بليغا.
[رمى صبية بالزنى أو صبيا]
(السابعة) فيمن رمى صبية بالزنى أو صبيا، فإن كان يمكن الوطء من مثله -كبنت تسع وابن عشر- فهذا يقام الحد على قاذفهما، وإن لم يبلغا -بخلاف الصغير الذي لا يجامع مثله، والصغيرة التي لا يجامع مثلها- فليس على قاذفهما إلا التعزير، وأما الصغير إذا قذف الكبير فليس عليه إلا التعزير.
[تفسير الشرطين]
(الثامنة) عبارة "الشرح" في تفسير الشرطين، وكذلك عبارة "الإنصاف" التي نقلت، فالذي عليه الفتوى: أن الشرطين الصحيحين لا يؤثران في العقد كما هو اختيار الشيخ تقي الدين.
[دية الجراح المقدرات]
(التاسعة) الجراح المقدرات، مثل الموضحة والمأمومة والجائفة إذا كانت في العبد، فديتها في نسبتها من ثمنه، فالموضحة في الحر ديتها نصف عشر الدية، ومن العبد نصف عشر قيمته بعد البرء.
[دية المملوك قيمته]
(العاشرة): دية المملوك قيمته، سواء كثرت أو قلت، وإذا قتل الحر العبد لم يقد به؛ لقوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} 1.
[الإقرار بالزنى]
(الحادية عشرة): الإقرار بالزنى هل يكفي فيه مرة أو أربع؟
فالمسألة خلافية بين العلماء، والأحوط أنه لا بد من الإقرار أربع مرات، كما هو مذهب
__________
1 سورة البقرة آية: 178.
(2/ 3/50)

الإمام أحمد، ولا بد أن يقيم على إقراره، فإن رجع عن إقراره لم يقم عليه الحد، بل لو شرعوا في إقامة الحد عليه، فرجع ترك، لحديث ماعز، والله أعلم.

رسالة سابعة
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان جعله الله من أهل العلم، والإيمان، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والخط وصل -أوصلك الله إلى رضوانه، وكذلك المسائل التي تسأل عنها.
[سرقة الدابة]
(الأولى): إذا سرقت الدابة، ونحرت ... إلخ.
(فالجواب): إن الدابة إن سرقت من حرز مثلها كالبعير المعقول الذي عنده حافظ، أو لم يكن معقولا، وكان الحافظ ناظرا إليه أو مستيقظا بحيث يراه، ونحو ذلك مما ذكر الفقهاء في معرفة حرز المواشي، فهذه إذا سرقت من الحرز فعلى السارق القطع بشروطه. فإن لم تكن في حرز فلا قطع على السارق، وعليه غرامة مثلي قيمتها، وهو مذهب الإمام أحمد، واحتج بأن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها.
وأما من سرق من الثمرة، فإن كان بعدما آواها الجرين فعليه القطع. فإن كان قبل ذلك بأن سرق من الثمر المعلق فلا قطع، وعليه غرامة مثليه في مذهب الإمام أحمد. وقال أكثر الفقهاء: لا يجب فيه أكثر من مثله، وبالغ أبو عمر بن عبد البر، وقال: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بغرامة مثليه.
والصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه
(2/ 3/51)

عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة، غير متخذ خبنة 1، فلا شيء عليه. ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة. ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع" حديث حسن.
قال الإمام أحمد: لا أعلم شيئا يدفعه، وأما ما عدا هذا من الثمرة والماشية، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا يغرم أكثر من القيمة، إن كان متقوما أو مثله إن كان مثليا، فالأصل وجوب غرامة المثل فقط، المتلف والمغصوب والنهب والاختلاس وسائر ما تجب غرامته مخالفة الأصل في هذين الموضعين لا أثر له، ويبقى ما عداهما على الأصل.
واختار الشيخ تقي الدين -رحمه الله- وجوب غرامته المثلية في كل سرقة لا قطع فيها.
وأما قول السائل -وفقه الله- إذا اختلفا في القيمة، ولا بينة لهما، من القول قوله؟ 2 فالظاهر من كلامهم أن القول قول الغارم. وأما قوله إذا سرقها، وباعها على من لا يعرف، فما الحكم؟ فنقول الحكم فيها كما تقدم، وهو غرامة المثلين على ما ذكرنا من تغريم عمر حاطبا، وعلى ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، فإن فيه أن السائل قال: الشاة الحريسة يا نبي الله؟ قال: "ثمنها ومثله معه"3 ولا فرق بين بيع الشاة، وبين ذبحها ونحر الناقة وبيعها.
[دبر الرجل جاريته]
(وأما المسألة الثانية): إذا دبر الرجل جاريته كقوله: أنت عتيقة على موتي، أو إذا مت فأنت حرة، فهل بين هذه الألفاظ فرق؟
(فالجواب): أنه لا فرق بين هذه الألفاظ، بل متى علق صريح العتق بالموت فقال: أنت حرة أو محررة أو عتيقة بعد موتي، صارت مدبرة بغير
__________
1 الخبنة كما في القاموس ما يحمله في حضنه.
2 أي فالقول لمن.
3 ابن ماجه: الحدود (2596).
(2/ 3/52)

خلاف علمته. وأما قوله إذا دبرها، وهي حامل أو حملت بعد التدبير، فما الحكم في ولدها؟
فنقول: أما إذا دبرها وهي حامل، فإن ولدها يدخل معها في التدبير بغير خلاف علمناه، لأنه بمنزلة عضو من أعضائها. وأما إذا حملت بعد التدبير، ففيه خلاف بين العلماء: فذهب الجمهور إلى أنه يتبع أمه في التدبير، ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها، وهو مروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والثوري وأصحاب الرأي.
وذكر القاضي أن حنبلا نقل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشترطه المولى قال: فظاهره أنه لا يتبعها، ولا يعتق بموت سيدها، وهذا قول جابر بن زيد، وهو اختيار المزني من أصحاب الشافعي.
قال جابر بن زيد: إنما هو بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت، فإن ثمرته لك ما عشت، وللشافعي قولان كالمذهبين.
[تصرف الفضولي]
(وأما المسألة الثالثة) إذا تصرف الفضولي، وأنكره صاحب المال، فلم يجز التصرف، فما الحكم في نماء المبيع؟
(فنقول): اختلف الفقهاء في تصرف الفضولي إذا أجازه المالك، هل هو صحيح أم لا؟، والخلاف مشهور. وأما إذا لم يجز المالك لم ينعقد أصلا، ولا تدخل هذه المسألة في الخلاف، بل الملك باق على ملك صاحبه، ولا ينتقل بتصرف الفضولي، ونماؤه لمالكه.
وأما قوله: إذا قال الفضولي للمشتري: أنا ضامن ما لحقك من الغرامة، هل يلزمه غرامة النماء؟ فنقول: إن كان المشتري جاهلا أن هذا مال الغير، أو كان عالما لكن جهل الحكم، وغره الفضولي، فما لزم المشتري من الغرامة
(2/ 3/53)

من هذا النماء الذي تلف تحت يده، فهو على الضامن من الغار.
[إثبات الشفعة بالشركة والطريق]
(وأما المسألة الرابعة) وهي قوله على القول بإثبات الشفعة بالشركة والطريق، هل إذا باع إنسان عقاره، وقد وقعت الحدود أن الشركة باقية في البئر والطريق ومسير الماء، هل يأخذ الشفيع المبيع كله لأجل الشركة في هذه الأمور؟ أم لا شفعة له في الطريق ومسير الماء؟
فنقول: على القول بإثبات الشفعة بالشركة في البئر والطريق، يأخذ الشفيع المبيع كله بالشركة في البئر والطريق، ولا يختص ذلك في البئر نفسها ولا بالطريق وحده، وقد نص على ذلك أحمد -رحمه لله- في رواية أبي طالب، فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ فقال: للجار إذا كان الطريق واحدا؛ فإذا صرفت الطرق، وعرفت الحدود، فلا شفعة.
ويدل على ذلك ما رواه أهل السنن الأربعة من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظره بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا"1.
وفي حديث جابر المتفق عليه: "الشفعة في كل ما لم يقسم؛ فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة"2. فمفهوم الحديث الأخير موافق لمنطوق الأول بإثبات الشفعة إذا لم تصرف الطرق، والشركة في البئر تقاس على الشركة في الطريق لأن الشفعة إنما شرعت لإزالة الضرر عن الشريك، ومع بقاء الشركة في البئر والطريق يبقى الضرر بحاله، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين -رحمه الله-، وهو الذي عليه الفتوى.
وأما الشفعة فيما لا ينقل وليس بعقار كالشجر إذا بيع مفردا ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك، فالمشهور في المذهب أنها لا تثبت فيه، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى أن الشفعة تثبت
__________
1 الترمذي: الأحكام (1369) , وأبو داود: البيوع (3518) , وابن ماجه: الأحكام (2494) , وأحمد (3/ 303) , والدارمي: البيوع (2627).
2 البخاري: الشفعة (2257) , ومسلم: المساقاة (1608) , والترمذي: الأحكام (1370) , والنسائي: البيوع (4646) , وأبو داود: البيوع (3514) , وابن ماجه: الأحكام (2499) , وأحمد (3/ 296,3/ 399).
(2/ 3/54)

في البناء والغراس، وإن بيع مفردًا، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "الشفعة فيما لم يقسم"1، ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر، والضرر فيما لم يقسم أبلغ منه فيما ينقسم، وقد روى الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للشفيع شريك، والشفعة في كل شيء"2 وقد روي مرسلا، ورواه الطحاوي من حديث جابر مرفوعا، ولفظه: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شيء"3.
[وجوب الضيافة]
(وأما مسألة الضيافة) والقول بوجوبها، فالضيف على من نزل به. وأما الغائب، ومن لم ينزل به الضيف، فلا يجب عليه معونة المنزول به إلا أن يختار المعين.
[إبراء الغريم]
(وأما مسألة الغريم) الذي أبرأ غرماءه مما عليهم من الدين، فلما برئ من المرض أراد الرجوع مما زاد على الثلث، فهذا لا رجوع فيه، بل سقط الدين بمجرد إسقاطه، وإنما التفضيل فيما إذا أبرأ من الدين ومات في ذلك المرض.
(وأما الذي أبرأ غريمه على شرط مجهول) بأن شرط عليه ذلولا تمشي في الجهاد دائما، ومتى ماتت اشترى أخرى، أو شرط عليه أضحية كل سنة على الدوام، فهذا لا يصح، والبراءة والحالة هذه لا تصح، والله أعلم.
__________
1 ابن ماجه: الأحكام (2497).
2 الترمذي: الأحكام (1371).
3 البخاري: الشركة (2496) , ومسلم: المساقاة (1608) , والنسائي: البيوع (4701) , وأبو داود: البيوع (3514) , وابن ماجه: الأحكام (2499) , وأحمد (3/ 296) , والدارمي: البيوع (2628).
(2/ 3/55)

رسالة ثامنة
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان -حفظه الله-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: الخط وصل -أوصلك الله إلى رضوانه- وهذا جواب المسائل واصلك -إن شاء الله تعالى-.
[طلق زوجته في مرض موته وأبانها]
(الأولى) فيمن طلق زوجته في مرض موته، وأبانها؛ فالذي عليه العمل أنها ترثه، ما دامت في العدة في قول جمهور العلماء، وكذا ترثه بعد العدة ما لم تتزوج، كما ذهب إليه مالك والإمام أحمد في رواية؛ بل مذهب مالك: أنها ترثه ولو تزوجت، والراجح الأول.
[المطلقة عليها أطول الأجلين]
(المسألة الثانية) وهي قولهم في المطلقة عليها أطول الأجلين من ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشرا، فصورة المسألة على ما صورته في السؤال، وأما الخلاف فالمشهور عن أحمد المعمول به عند أصحابه أن المطلقة البائن في مرض الموت تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال مالك والشافعي: تبني على عدة الطلاق.
[إجارة العين المستأجرة]
(وأما المسألة الثالثة): فالمشهور جواز إجارة العين المستأجرة، قال في المغني: يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها نص عليه أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي والشعبي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وأما إجارتها قبل قبضها، فلا يجوز من غير المؤجر في إحدى الوجهين، وهو قول أبي حنيفة، والمشهور
(2/ 3/56)

من قولي الشافعي، ويجوز للمستأجر إجارة العين بمثل الأجرة وزيادة، نص عليه أحمد، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر.
[الحرز]
(وأما المسألة الرابعة) وهي مسألة الحرز، فالحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه، ويختلف باختلاف الأموال: فحرز الغنم الحظيرة، وحرزها في المرعى بالراعي، ونظره إليها إذا كان يراها في الغالب، وأما إذا نام عنها فقد خرج من الحرز. والضابط ما ذكرناه، وهو أن الحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه، والأموال تختلف؛ وتفصيل المسألة مذكور في باب القطع في السرقة، فراجعه.
[السرقة من الثمر قبل إيوائه الحرز]
(وأما المسألة الخامسة) وهي السرقة من الثمر قبل إيوائه الحرز، فهذا لا قطع فيه، ولو كان عليه حائط أو حافظ إذا كان في رؤوس النخل، لحديث رافع بن خديج: "لا قطع في ثمر ولا كثر" 1. وكذلك الماشية تسرق من المرعى إذا لم تكن محرزة، لا قطع فيها، وتضمن بمثل قيمتها. والثمر يضمن بمثلي قيمته لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ وروى الأثرم أن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها، وهذا مذهب أحمد.
وأما الجمهور فقالوا: لا يجب عليه إلا غرامة مثله، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بغرامة مثليه. وحجة أهل القول الأول حديث عمرو بن شعيب قال أحمد: لا أعلم شيئا يدفعه.
وأما المختلس والمنتهب والخائن وغيرهم، فلا يغرم إلا مثله من غير زيادة على المثل والقيمة، لأن الأصل وجوب غرامة المثل بمثله، والمتقوم بقيمته خولف في هذين الموضعين للأثر، ويبقى ما عداهما على الأصل.
[جامع جاهلا أو ناسيا في نهار رمضان]
(وأما المسألة السادسة): إذا جامع جاهلا أو ناسيا في نهار رمضان، هل حكم الجاهل حكم الناسي أم بينهما فرق؟
__________
1 الترمذي: الحدود (1449) , والنسائي: قطع السارق (4960,4961,4962,4963,4964,4965,4966,4967,4968,4969,4970) , وأبو داود: الحدود (4388) , وابن ماجه: الحدود (2593) , وأحمد (3/ 463,3/ 464,4/ 140,4/ 142) , ومالك: الحدود (1583) , والدارمي: الحدود (2304,2305,2306,2308,2309).
(2/ 3/57)

فالمشهور أن حكمهما واحد عند من يوجب الكفارة، وبعض الفقهاء فرق بين أن يكون جاهلا بالحكم أو جاهلا بالوقت، فأسقط الكفارة عن الجاهل بالوقت، كما لو جامع أول يوم من رمضان يظن أنه من شعبان، أو جامع معتقدا أن الفجر لم يطلع، فبان أنه قد طلع، ومن أسقطها عن الجاهل بالوقت؛ فالناسي مثله وأولى. قال الشيخ تقي الدين: لا قضاء على من جامع جاهلا بالوقت أو ناسيا، ولا كفارة أيضا.
[أقسام القذف]
(وأما المسألة السابعة) وهي مسألة القذف، فالقذف ينقسم إلى صريح وكناية كالطلاق؛ فالصريح ما لا يحتمل غيره نحو: يا زاني يا عاهر، ونحو ذلك. والكناية التعريض بالألفاظ المجملة المحتملة للقذف وغيره، فإن فسر الكناية بالزنى فهو قذف، لأنه أقر بالقذف، وإن فسره بما يحتمله غير القذف قبل مع يمينه، ويعزر تعزيرا يردعه وأمثاله، ونحو ذلك، فمتى وجد منه اللفظ المحتمل للقذف وغيره، ولم يفسره بما يوجب القذف، فإنه يعزر، ولا حد عليه.
[أخذ الأب صداق ابنته]
(وأما المسألة الثامنة): هل للأب أن يأخذ من صداق ابنته أم لا؟ فالمشهور عن أحمد جوازه، وهو قول إسحاق بن راهويه. وقد روي عن مسروق أنه زوج ابنته، واشترط لنفسه عشرة آلاف يجعلها في الحج والمساكين، ثم قال للزوج: جهز امرأتك. وروي ذلك عن علي بن الحسين أيضا، واستدلوا لذلك بما حكى الله عن شعيب {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} 1 وبقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك"2 وقوله: "إن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم"3
فإذا شرط لنفسه شيئا من الصداق كان آخذا من مال ابنته، وله ذلك.
__________
1 سورة القصص آية: 27.
2 ابن ماجه: التجارات (2291).
3 الترمذي: الأحكام (1358) , والنسائي: البيوع (4450) , وأبو داود: البيوع (3529) , وابن ماجه: التجارات (2290) , وأحمد (6/ 41,6/ 127,6/ 162,6/ 193,6/ 201) , والدارمي: البيوع (2537).
(2/ 3/58)

[استبدال الدين]
(وأما المسألة التاسعة): إذا كان لإنسان طعام في ذمة رجل، وليس هو سلما، وذلك بأن يكون قرضا، أو إجارة أرض أو عمارة نخل، وأراد صاحبه أن يأخذ عنه جنسا آخر من الطعام، فهذا لا بأس به إذا لم يتفرقا وبينهما شيء. فإن اتفقا على المعاوضة، وتفرقا قبل التقابض لم يثبت الأول، ومتى تقابضا جازت المعاوضة، كما يجوز ذلك في بيع الأعيان، لقوله: صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلفت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد"1، وكما وردت السنة بمثل ذلك في قبض الدراهم عن الدنانير، والدنانير عن الدراهم في حديث ابن عمر.
[العاصب للميت من كان أقرب من غيره]
(وأماالمسألة العاشرة) فالعاصب للميت من كان أقرب من غيره، بعد العاصب أو قرب، فمتى ثبت النسب بأن هذا ابن عم الميت، ولا يعرف أحد أقرب منه فهو العاصب، ولو بعد عن الميت. فإن عرف أن هذا الميت من هذه القبيلة، ولم يعرف له عاصب معين، وأشكل الأمر دفع إلى أكبرهم سنا، فإن كان للميت وارث ذو فرض أخذ فرضه، ولم يوجد عاصب، فالرد إلى ذوي الفروض أولى من دفعه إلى بيت المال، ويرد على أهل الفروض على حسب ميراثهم إلا الزوج والزوجة، فلا يرد عليهم.
[تغريب المرأة البكر في الزنى]
(وأماالمسألة الحادية عشرة): إذا زنت المرأة البكر وجلدت، فهل تغرب أم لا؟ والمسألة فيها خلاف بين العلماء، والمشهور أنها تغرب كما هو ظاهر الحديث، أعني قوله: صلى الله عليه وسلم: "البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام"2. والله أعلم.
__________
1 مسلم: المساقاة (1587) , وأحمد (5/ 320).
2 أحمد (3/ 476).
(2/ 3/59)

رسالة تاسعة
(قال جامع الرسائل): ومن جواب أسئلة وردت على حمد بن ناصر - رحمه الله وعفا عنه- قال:

(التهليلات العشر من صلاتي المغرب والفجر)
الحمد لله، أما المسائل التي سألت عنها، فأولها السؤال عن التهليلات العشر بعد صلاة الصبح والمغرب، إذا كان قد ثبت في الأحاديث: "من قال قبل أن ينصرف -وفي لفظ: دبر المغرب والصبح-: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له"1 إلخ، وهو الذي يفعله الناس اليوم من الجهر، هل كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- وفعله أصحابه والتابعون؟ وما أصل هذه التهليلات؟
فنقول، وبالله التوفيق: أما أصل التهليلات العشر، فهو ما أشار إليه السائل - وفقه الله- من الأحاديث الواردة فيه، فروى الترمذي في سننه حديث أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال في دبر صلاة الصبح، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي، ويميت، وهو على كل شيء قدير -عشر مرات-، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات"2 ... الحديث.
وروى الترمذي أيضا، والنسائي في اليوم والليلة من حديث عمارة بن شبيب مرفوعا: "من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، على إثر المغرب، بعث الله له مَسْلحةً يحفظونه حتى يصبح"3 الحديث. قال الترمذي: غريب. فهذان
__________
1 أحمد (4/ 226).
2 الترمذي: الدعوات (3474).
3 الترمذي: الدعوات (3534).
(2/ 3/60)

الحديثان هما أصل التهليلات العشر بعد صلاة الصبح والمغرب، وهما حجة على استحباب هذه التهليلات، ولهذا استحبها العلماء، وذكروها في الأذكار المستحبة دبر الصلاة، وأن المصلي يهلل بهن دبر صلاة الفجر وصلاة المغرب.

(المأثور في الأذكار عقب الصلاة ورفع الصوت بها)
وأما قول السائل: هل كان هذا من هديه صلى الله عليه وسلم أو فعله أصحابه؟ فهذا لم يبلغنا من فعله -صلى الله عليه وسلم-، والذي ثبت عنه الترغيب في ذلك، ويترتب الأجر العظيم على فعله، وذلك كاف في استحبابه. وهذا له نظائر كثيرة في السنة: فإذا وردت الأحاديث بالحث على شيء من العبادات ورغب فيه الشارع ثبت أنها مستحبة، وإن لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه فعلها لم تستحب. ومن تأمل الأحاديث عرف ذلك، وليس في هذا اختلاف بين العلماء، وإنما الخلاف بينهم في استحباب رفع الصوت بالذكر عقب الصلاة المكتوبة، لأنه قد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"1.
قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك، يعني بالجهر. ولهذا اختلف العلماء، هل الأصل الإسرار كما هو المشهور عند أتباع الأئمة؟ أم الجهر أفضل لهذا الحديث الصحيح؟ قال في الفروع: وهل يستحب الجهر لذلك كقول بعض السلف والخلف، وقاله شيخنا، أم لا؟ كما ذكره أبو الحسن بن بطال وجماعة، وأنه قول أهل المذاهب المتبوعة وغيرهم، وظاهر كلام أصحابنا مختلف، ويتوجه تخريج واحتمال يجهر لقصد التعليم فقط، ثم يتركه، وفاقا للشافعي، وحمل الشافعي خبر ابن عباس على هذا. انتهى
__________
1 البخاري: الأذان (841) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (583) , وأبو داود: الصلاة (1003) , وأحمد (1/ 367).
(2/ 3/61)

كلامه. فهذا الاختلاف في استحباب الجهر بعد الصلوات بالأذكار الواردة من حيث الجملة، وحديث ابن عباس دليل على الاستحباب. وأما تخصيص هذه التهليلات بالجهر دون غيرها من الأذكار، فلم نعلم له أصلا، ولكن لما أثبت ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صح الاستدلال به على رفع الصوت بالتهليلات؛ إذ هو من جملة الأذكار الواردة، فمن رفع صوته بذلك لم ينكر عليه، بل يقال: رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة مستحب، ومن أسر لم ينكر عليه، لأن ذلك من مسائل الاختلاف بين العلماء، وكل منهم قد قال باجتهاده، رضي الله عنهم.

(حكم التلقيح بالجدري)
وأما السؤال عن التوتين الذي يفعله العوام يأخذون قيحا من المجدور، ويشقون جلد الصحيح، ويجعلونه في ذلك المشقوق يزعمون أنه إن جدر يخفف عنه، فهذا ليس من التمائم المنهي عن تعليقها فيما يظهر لنا، وإنما هو من التداوي عن الداء قبل نزوله كما يفعلون بالمجدور إذا أخذته حمى الجدري لطخوا رجليه بالحنا لئلا يظهر الجدري في عينيه، وقد جرب ذلك، فوجد له تأثير، وهؤلاء يزعمون أن التوتين من الأسباب المخففة للجدري.
والذي يظهر لنا فيه الكراهة، لأن فاعله يستعجل به البلاء قبل نزوله إلا أنه في الغالب إذا وتن ظهر فيه الجدري، فربما قتله، فيكون الفاعل لذلك قد أعان على قتل نفسه، كما قد ذكره العلماء فيمن أكل فوق الشبع؛ فمات بسبب ذلك فهذا وجه الكراهة 1.
__________
1 يظهر أن هذا التوتين الذي يسمى الآن التلقيح أو التطعيم لم يكن في عصر هذا المفتي أو في بلاده قد نجح كنجاحه المعروف الآن حتى في أمراض =
(2/ 3/62)

(التوسل إلى الخالق بالمخلوقين)
وأما السؤال عن قول الخارج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، فهذا ليس فيه دليل على السؤال بالمخلوق كما قد توهمه بعض الناس، فاستدل به على جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، وإنما هو سؤال الله -تعالى- بما أوجبه على نفسه فضلا وكرما، لأنه يجيب سؤال السائلين إذا سألوه كما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} 1، ونظيره قوله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} 2، وقوله {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 3، وقوله: {كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} 4.
هذا معنى ما ذكر العلماء في الحديث الوارد في ذلك إن صح، وإلا فهو ضعيف. وعلى تقدير صحته، فهو من باب السؤال بصفات الله، لا من السؤال بذات المخلوقين، والله أعلم.
__________
= أخرى غير الجدري، ولذلك أثبت أنه مظنة الضرر فيكون مكروها، وقد حرمه في أول ظهوره كثير من أهل البلاد، والملل المختلفة حتى الإنكليز، وقد ثبت من عهد بعيد أنه يقي من هذا الداء الفتاك المشوه، وأن تأثير التلقيح الواقي خفيف جدا يتحمله الأطفال بسهولة، فالقول بوجوبه غير بعيد.
1 سورة البقرة آية: 186.
2 سورة الروم آية: 47.
3 سورة هود آية: 6.
4 سورة يونس آية: 103.
(2/ 3/63)

رسالة عاشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ إبراهيم بن محمد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد): وصل الخط -أوصلك الله إلى رضوانه-، وما ذكرت صار عندنا معلوما.

[ما تضمنته سورة الإخلاص من التوحيد العلمي]
ومن جانب السؤال عما تضمنته سورة الإخلاص من التوحيد العلمي، فيذكرون أهل العلم أن سورة الإخلاص متضمنة للتوحيد العلمي، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} 1 متضمنة للتوحيد العملي. فسورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 2 فيها توحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب -تعالى- من الأحدية المنافية لمطلق الشركة، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصمدية، ونفي الكفو المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل. فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي الشبيه والمثيل، ونفي مطلق الشريك عنه.
وهذه الأصول مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه فرق الضلال والشرك، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن. وبيان ذلك أن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والخبر نوعان: خبر عن الخالق، وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه -سبحانه- وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، كما أخلصت سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} 3 لبيان الشرك العملي القصدي.
__________
1 سورة الكافرون آية: 1.
2 سورة الإخلاص آية: 1.
3 سورة الكافرون آية: 1.
(2/ 3/64)

(الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية)
وأما الفرق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية، فهي مسألة عظيمة، ومن لم يعرفها لم يعرف حقيقة التوحيد والشرك. والشيخ -رحمه الله-1 عقد لها بابا في كتاب التوحيد فقال: (باب الشفاعة)، وقول الله -تعالى-: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} 2، ثم ساق الآيات، وعقبه بكلام الشيخ تقي الدين. فأنت راجع الباب، وأمعن النظر فيه يتبين لك حقيقة الشفاعة، والفرق بين ما أثبته القرآن، وما نفاه. وإذا تأمل الإنسان القرآن، وجد فيه آيات كثيرة في نفي الشفاعة، وآيات كثيرة في إثباتها. فالآيات التي فيها نفي الشفاعة مثل قوله -تعالى-: {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} 3، ومثل قوله -تعالى-: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} 4، وقوله: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} 5، وقوله: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} 6، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن؛ فمثل قوله -تعالى-: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} 7، وقوله: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} 8 وقوله: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} 9، وقوله: {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} 10، إلى غير ذلك من الآيات.
فالشفاعة التي نفاها القرآن هي التي يطلبها المشركون من غير الله، فيأتون إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى قبر من يظنونه من الأولياء والصالحين، فيستغيث به، ويتشفع به إلى الله لظنه أنه إذا فعل ذلك شفع
__________
1 يعني الشيخ محمد عبد الوهاب قدس الله روحه.
2 سورة الأنعام آية: 51.
3 سورة الأنعام آية: 51.
4 سورة البقرة آية: 254.
5 سورة السجدة آية: 4.
6 سورة الزمر آية: 44.
7 سورة النجم آية: 26.
8 سورة سبأ آية: 23.
9 سورة الأنبياء آية: 28.
10 سورة طه آية: 109.
(2/ 3/65)

له عند الله، وقضى الله حاجته، سواء أراد حاجة دنيوية أو حاجة أخروية.
كما حكاه -تعالى- عن المشركين في قوله: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 1 لكن (كان) الكفار الأولون يتشفعون بهم في قضاء الحاجات الدنيوية.
وأما المعاد فكانوا مكذبين به جاحدين له. وأما المشركون اليوم فيطلبون من غير الله حوائج الدنيا والآخرة، ويتقربون بذلك إلى الله، ويستدلون عليه بالأدلة الباطلة، و {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} 2.
وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن، فقيدها -سبحانه- بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأذن للشفعاء أن يشفعوا إلا لمن رضي قوله وعمله، وهو -سبحانه- لا يرضى إلا التوحيد، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن أسعد الناس بشفاعته أهل التوحيد والإخلاص. فمن طلبها منه اليوم حرمها يوم القيامة، والله -سبحانه- قد أخبر أن المشركين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وإنما تنفع من جرد توحيده لله بحيث أن يكون الله - وحده- هو إلهه ومعبوده، وهو -سبحانه- لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا كما قال -تعالى-: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 3.
فإذا تأملت الآيات، تبين لك أن الشفاعة المنفية هي التي يظنها المشركون، ويطلبونها اليوم من غير الله.
(وأما الشفاعة المثبتة) فهي التي لأهل التوحيد والإخلاص، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن شفاعته نائلة من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
__________
1 سورة يونس آية: 18.
2 سورة الشورى آية: 16.
3 سورة الزمر آية: 3.
(2/ 3/66)

رسالة حادية عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال بخط منصور أبا حسين 1، والجواب بخط المجيب حمد بن ناصر -رحمه الله-.
من منصور أبا حسين 2 إلى الأخ حمد بن ناصر - حفظه الله بما حفظ به عباده الصالحين، وجعله من أئمة المتقين، ومن أصحاب اليمين، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(أما بعد): أفدني أثابك الله الجنة، ما صفة الواجب وحده والمسنون وحده؟ وما يترتب عليهما من الثواب والعقاب؟ كذلك ما صفة المكروه وحده، وصفة المحرم وحده؟ كذلك إذا دخل الرجل المسجد، هل يعمل على حديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وهو داخل في وقت النهي، أو يعمل على حديث "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس"3 ... إلخ؟ كذلك بيع الدين بالدين، وبيعتين في بيعة، مثّلهما لي، ولا تخلني من صالح دعاك، واستودعك الله وأنت سالم، والسلام.

(تعريف الواجب والمسنون والمكروه والمحرم)
الحمد لله رب العالمين، الواجب في الشرع ما ذم تاركه إذا تركه قصدا، وأثيب فاعله، وهو يرادف الفرض عند الحنابلة والشافعية وأكثر الفقهاء. وعن أحمد رواية أن الفرض آكد من الواجب، وهو قول أبي حنيفة.
__________
1 يظهر أن لغتهم بنجد إعراب لفظ أب المضاف بالألف مطلقا.
2 يظهر أن لغتهم بنجد إعراب لفظ أب المضاف بالألف مطلقا.
3 البخاري: الجمعة (1167) , ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (714) , والترمذي: الصلاة (316) , والنسائي: المساجد (730) , وأبو داود: الصلاة (467) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1013) , وأحمد (5/ 295,5/ 303,5/ 305,5/ 311) , والدارمي: الصلاة (1393).
(2/ 3/67)

وأما المسنون فهو ما أثيب فاعله، ولم يذم تاركه، والسنة في اللغة الطريقة والسيرة. وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز.
وأما المكروه فهو ضد المندوب، وهو لغة ضد المحبوب، وشرعا ما مدح تاركه، ولم يعاقب فاعله. ومنه ما نهى عنه الشارع لرجحان تركه على فعله كالصوم في السفر إذا وجدت المشقة في الصوم، ونحو ذلك.
وأما المكروه فهو في عرف المتأخرين ما نهي عنه نهي تنزيه. ويطلق على الحرام أيضا، وهو كثير في كلام المتقدمين كالإمام أحمد، وغيره كقول الإمام أحمد أكره المتعة والصلاة في المقابر، وهما محرمان، وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} 1.
وأما الحرام، فهو ضد الحلال، وهو ما حرمه الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من ترك الواجبات وفعل المحرمات. وأصل التحريم في اللغة المنع، ومنه قوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} 2. وحده شرعا ما ذم فاعله، ولو قولا كالغيبة والنميمة، ونحوهما مما يحرم التلفظ به، أو عمل القلب كالنفاق والحقد ونحوهما.

(تحية المسجد وقت الكراهية)
وأما قوله إذا دخل الرجل المسجد وقت النهي هل يترك التحية على أحاديث النهي ... إلخ؟ فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وفيها عن أحمد روايتان: إحداهما أنه لا يصلي التحية وقت النهي، وهو المذهب الذي عليه أكثر الأصحاب، وهو قول أصحاب الرأي لعموم النهي. والثانية يجوز
__________
1 سورة الإسراء آية: 38.
2 سورة القصص آية: 12.
(2/ 3/68)

وهو قول الشافعي، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لأنه قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"1 وهو حديث صحيح، وهو يخص أحاديث العموم. وأهل هذا القول حملوا أحاديث النهي على ما لا سبب له، وأما ذوات الأسباب كركعتي الطواف، وتحية المسجد، وإعادة الصلاة إذا صلاها في رحله، وإعادة صلاة الفجر إذا صلاها في رحله ثم حضر الجماعة وهم يصلون، ونحو ذلك، فهذا يفعل في أوقات النهي لأدلة دلت على ذلك، وهي تخص عموم النهي، وكما أن الصلاة وقت الخطبة منهي عنها باتفاق العلماء، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أمر من دخل المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، وليتجوز فيهما.
وهذا نظير قوله في أبي قتادة: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فقد نهى عن الجلوس قبل الصلاة، وذلك أمر بالصلاة إذ لم يقل أحد أنه إذا دخل عقيب صلاة العصر يقوم قائما إلى غروب الشمس. ومما يبين رجحان هذا القول أن المانعين من فعل التحية وقت النهي أجازوا ما هو مثلها، فإن مذهب الإمام أحمد أن ركعتي الطواف تفعل في أوقات النهي، وكذلك المعادة مع إمام الحي إذا أقيمت، وهو في المسجد يصليها معهم في وقت النهي.
وكذلك قضاء الفوائت تفعل في وقت النهي، وكذلك صلاة الجنازة تفعل في الوقتين الطويلين من أوقات النهي، هذا مذهب أحمد في هذه المسائل فما كان جوابهم ودليلهم على جوازه، فهو دليل من أجاز تحية المسجد في هذه الأوقات، فإن قوله: صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"2 أمر عام لجميع الأوقات فإذا قال منازعوهم: أحاديث النهي تخص
__________
1 البخاري: الجمعة (1167) , ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (714) , والترمذي: الصلاة (316) , والنسائي: المساجد (730) , وأبو داود: الصلاة (467) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1013) , وأحمد (5/ 295,5/ 303,5/ 305,5/ 311) , والدارمي: الصلاة (1393).
2 البخاري: الجمعة (1167) , ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها (714) , والترمذي: الصلاة (316) , والنسائي: المساجد (730) , وأبو داود: الصلاة (467) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1013) , وأحمد (5/ 295,5/ 303,5/ 305,5/ 311) , والدارمي: الصلاة (1393).
(2/ 3/69)

هذا العموم قالوا لهم: أنتم جوزتم الصلاة وقت الخطبة، وركعتي الطواف وإعادة الجماعة، وقضاء الفوائت وصلاة الجنازة، فلم تعملوا بأحاديث النهي على ظاهرها بل خالفتم ظاهرها في صور معلومة.

[بيع الدين بالدين]
وأما بيع الدين بالدين، فله صور: منها ما هو منهي عنه بالاتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه. وهو ينقسم إلى بيع واجب بواجب، وساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط. فالذي لا شك في بطلانه بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع ما في الذمة مؤخرا بشيء في الذمة مؤخرا، فإن الكالئ هو المؤخر فإذا أسلم شيئا في ذمته في شيء في ذمة الآخر، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز باتفاق العلماء. ومثال الساقط بالساقط صورة المقاصة، فإن اتفق الدينان جنسا وأجلا فلا بأس بها، وإن اختلف الجنس كما لو كان لكل واحد من اثنين دين على صاحبه من غير جنسه كالذهب والفضة وتساقطا، ولم يحضرا شيئا فهذا فيه خلاف المنصوص عن أحمد أنه لا يجوز إذا كانا نقدين من جنسين، واختار الشيخ تقي الدين الجواز.
وأما الساقط بالواجب فكما لو باعه دينا في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع، ووجب عوضه، وهو بيع الدين الحال ممن هو في ذمته بدين لم يقبض.
وأما بيع الواجب بالساقط، فكما لو كان لرجل دراهم في ذمة رجل آخر فجعل الدراهم سلما في طعام في ذمته، فقد وجب له عليه دين، وسقط عنه دين غيره؛ وقد حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا يجوز، وليس في ذلك إجماع، بل قد أجازه بعض العلماء، لكن القول بالمنع هو قول الجمهور، والله أعلم.
(2/ 3/70)

[البيعتان في بيعة]
وأما البيعتان في بيعة: فالمشهور عن أحمد أنه اشتراط أحد المتعاقدين على صاحبه عقدًا آخر كبيع أو إجارة أو صرف الثمن أو قرض، ونحو ذلك، وعنه البيعتان في بيعة إذا باعه بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة، وقال في العمدة: البيعتان في بيعة أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة، أو يقول بعتك هذا على أن تبيعني هذا. انتهى.
فجمع بين الروايتين، وجعل كلا الصورتين داخلا في معنى بيعتين في بيعة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

الرسالة الثانية عشرة
في مسائل مختلفة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[صلاة المسبوق]
(أما بعد): المسألة الأولى: مسبوق دخل مع الإمام، ولم يعلم هل هو في أول الصلاة فيستفتح، ويقرأ سورة أم في آخرها فيسكت.
(الجواب): إن أهل العلم اختلفوا في ذلك على قولين هما روايتان عن أحمد: (إحداهما): أن ما يدركه مع الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها، قال في الشرح الكبير: هذا هو المشهور في المذهب يروى ذلك عن ابن عمر
(2/ 3/71)

ومجاهد وابن سيرين ومالك والثوري، وحكي عن الشافعي، وأبي حنيفة وأبي يوسف، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وما فاتكم فاقضوا"1 متفق عليه. فالمقضي هو الفائت، فعلى هذا ينبغي أن يستفتح، ويستعيذ، ويقرأ السورة.
(القول الثاني): أن ما يدركه مع الإمام أول صلاته، والمقضي آخرها، وهو الرواية الثانية عن أحمد قال في الشرح: وبه قال سعيد بن المسيب والحسن، وهو ابن عبد العزيز وإسحاق، وهو قول الشافعي، ورواية عن مالك، واختاره ابن المنذر، لقوله - عليه السلام-: "وما فاتكم فأتموا" 2. فعلى هذه الرواية لا يستفتح. فأما الاستعاذة، فإن قلنا تسن في كل ركعة استعاذ، وإلا فلا. وأما السورة بعد الفاتحة، فيقرؤها على كل حال، قال شيخنا: لا أعلم خلافا بين الأئمة الأربعة في قراءة الفاتحة وسورة، وهذا مما يقوي الرواية الأولى. انتهى.
وقال في الفروع: وقيل يقرأ السورة مطلقا، ذكر الشيخ أنه لا يعلم فيه خلافا بين الأئمة الأربعة، وذكر ابن أبي موسى المنصوص عليه، وذكره الآجري عن أحمد، وبنى قراءتها على الخلاف، ذكره ابن هبيرة وفاقا، وجزم به جماعة، واختاره صاحب المحرر، وذكر أن أصول الأئمة تقتضي ذلك.
وصرح به منهم جماعة، وأنه ظاهر رواية الأثرم، ويخرج على الروايتين الجهر والقنوت وتكبير العيد وصلاة الجنازة، وعلى الأولى، يعني الرواية الأولى المشهورة أن ما يدركه المسبوق مع الإمام آخر صلاته إن أدرك من رباعية أو مغرب ركعة تشهد عقب قضاء أخرى، وفاقا لأبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين له كالرواية الثانية انتهى.
وفي القواعد الفقهية لما ذكر ما ينبني على الروايتين من الفوائد:
الفائدة الرابعة: مقدار القراءة، وللأصحاب في ذلك طريقان: أحدهما
__________
1 البخاري: الأذان (636) والجمعة (908) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (602) , والترمذي: الصلاة (327) , والنسائي: الإمامة (861) , وأبو داود: الصلاة (572) , وابن ماجه: المساجد والجماعات (775) , وأحمد (2/ 237,2/ 238,2/ 239,2/ 270,2/ 318) , ومالك: النداء للصلاة (152) , والدارمي: الصلاة (1282).
2 البخاري: الأذان (635) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (603) , وأحمد (5/ 306) , والدارمي: الصلاة (1283).
(2/ 3/72)

أنه إذا أدرك ركعتين من الرباعية، فإنه يقرأ في المقضيتين بالحمد وسورة معها على كلا الروايتين، قال ابن أبي موسى: لا يختلف قوله في ذلك، والطريق الثاني بناؤه على الروايتين، فإن قلنا: ما يقضيه أول صلاته فكذلك، وإلا اقتصر فيه على الفاتحة، وهي طريقة القاضي ومن بعده، وذكره ابن أبي موسى تخريجا، ونص عليه أحمد في رواية الأثرم، وأومأ إليه في رواية حرب. وأنكر صاحب المحرر الرواية الأولى، وقال: لا يتوجه إلا على رأي من يرى قراءة السورة في كل ركعة أو على رأي من يرى قراءة السورة في الأخريين إذا نسيها في الأوليين. انتهى ملخصا، والله أعلم.
والذي يترجح عندنا أن ما أدركه المسبوق أول صلاته، لأن رواية من روى (فأتموا) أكثر، وأصح عند كثير من أهل الحديث مع أن رواية فاقضوا لا تخالف رواية (فأتموا)؛ لأن القضاء يرد في اللغة بمعنى التمام كما قال -تعالى-: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} 1، وقال: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} 2، قال في "الفتح": قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وما فاتكم فأتموا"3 أي: أكملوا، هذا هو الصحيح في رواية الزهري، ورواية ابن عيينة بلفظ: (فاقضوا)، وحكم مسلم عليه بالوهم في هذه اللفظة مع أنه خرج إسناده في صحيحه لكنه لم يسق لفظه قال، والحاصل أن أكثر الروايات، ورد بلفظ فأتموا، وأقلها بلفظ فاقضوا، وإنما تظهر فائدة ذلك إن جعلنا بين القضاء والإتمام مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا، واختلف في لفظة منه، وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد، كان أولى.
وهنا كذلك، لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا، لكنه يطلق على الأداء أيضا، ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} 4 ... الآية، ويرد لمعان أخر، فيحمل قوله هنا: "فاقضوا" على معنى الأداء أو الفراغ، فلا
__________
1 سورة الجمعة آية: 10.
2 سورة البقرة آية: 200.
3 البخاري: الأذان (635) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (603) , وأحمد (5/ 306) , والدارمي: الصلاة (1283).
4 سورة الجمعة آية: 10.
(2/ 3/73)

يغاير قوله: فأتموا، فلا حجة فيه لمن تمسك برواية: "فاقضوا" على أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو آخر صلاته حتى استحب له الجهر في الركعتين الأخريين وقراءة السورة وترك القنوت، بل هو أولها، وإن كان آخر صلاة إمامه، لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدم. وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرا له؛ لما احتاج إلى إعادة التشهد. انتهى ملخصا.
فظهر لك أن هذا القول هو الراجح، والله -سبحانه وتعالى- أعلم.
[تأخير الصلاة للمسافر عند فقد الماء]
(المسألة الثانية): رجل في سفر، ودخل عليه وقت الزوال، وهو عادم الماء، فأخر صلاة الظهر ناويا التأخير إلى العصر، فوجد الماء في وقت الظهر، ولم يستعمله؛ فلما جاء وقت العصر إذا هو عادم للماء؟
(فالجواب وبالله التوفيق): أن المشهور عند الحنابلة أن مثل هذا لا إعادة عليه، لأنه يجوز له تأخير صلاة الظهر إلى وقت العصر، إذا كان ناويا للجمع. قال في الشرح الكبير: وإذا كان معه ماء فأراقه قبل الوقت، أو مر بماء قبل الوقت فتجاوزه، وعدم الماء في الوقت، صلى بالتيمم من غير إعادة، وهو قول الشافعي. وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت كقولنا، وإلا صلى بالتيمم، وعليه الإعادة، لأنه مفرط، ولنا أنه لم يجب عليه استعماله، أشبه ما لو ظن أنه يدرك الماء في الوقت. وفي شرح منصور على "المنتهى": من في الوقت أراقه، أي: الماء، أو مر به وأمكنه الوضوء منه، ولم يفعل وهو يعلم أنه لا يجد غيره، أو باعه، أو وهبه في الوقت لغير من يلزمه بذله له، حرم عليه ذلك، ولم يصح العقد من بيع أو هبة لتعلق حق الله -تعالى-بالمعقود عليه، فلم يصح نقل الملك فيه كأضحية معينة. ثم إن تيمم لعدم غيره،
(2/ 3/74)

ولم يقدر على رد المبيع أو الموهوب، وصلى، لم يعد، لأنه عادم للماء حال التيمم، أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت. انتهى.
فإذا كان لا يعيد إذا مر به في الوقت، ولم ينو الجمع، فكيف إذا كان ناويا للجمع؟ والله -سبحانه وتعالى- أعلم.
[البينة على من ادعى واليمين على من أنكر]
(المسألة الثالثة): رجل قضى رجلا مثلا جديدة 1 والذي عندهم أنها زينة، وأخذت أياما عنده يعبرها وترد عليه، وأخرجها من يده، وربما رفعها عند أهله، ولما لم تعبر جاء بها للذي قضاه، فأنكرها أن تكون جديدته التي دفعها إليه، ولم تكن بينة، فاليمين على من تكون.
(الجواب): أن الذي يظهر من كلامهم في هذه الصورة أن القول قول الدافع بيمينه، أنها ليست جديدته التي دفعها إذا كانت قد خرجت من يده. وأما إذا لم تخرج من يده ففيها قولان في المذهب: أحدهما وهو المشهور في المذهب: أن القول قول المشتري مع يمينه. قال في الإنصاف: لو باع سلعة بنقد أو غيره معين حال العقد، وقبضه ثم أحضره، وبه عيب وادعى أنه الذي دفعه إليه المشتري، وأنكر المشتري كونه الذي اشتراه به، ولا بينة لواحد منهما، فالقول قول المشتري مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته، وعدم وقوع العقد على هذا المعين، ولو كان الثمن في الذمة، ثم نقده المشتري أو قبضه من قرض أو سلم أو غير ذلك مما هو في ذمته، ثم اختلفا كذلك ولا بينة، فالقول قول البائع، وهو القابض مع يمينه على الصحيح، لأن القول في الدعاوي قول م