Advertisement

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية 003


{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]

[3]
مجموعة
رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

تأليف
محمد بن جميل زينو
المدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة

دار الصميعي
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حقوق الطبع غير محفوظة ولكل مسلم حق الطبع

سمحت بطبعه مديرية المطبوعات

إذا أردت أن يكون لك الأجر في حياتك وبعد موتك، فاطبع هذا الكتاب، أو ساهم في طبعه، واتصل بالمؤلف ليساعدك على الطبع بأرخص سعر ممكن ويرسل لك نسخة مزيدة ومنقحة

ص. ب: 601 مكة
هاتف البيت: 5561827 مكة

دار الصميعي للنشر والتوزيع
هاتف وفاكس: 4262945 - 4251459
الرياض - السويدي - شارع السويدي العام
ص. ب: 4967 - الرمز البريدي: 11412
المملكة العربية السعودية
(3/2)

مقدمة المجلد الثالث
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومَنِ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإني أقدم للقراء الكرام المجلد الثالث من:
مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع.
1 - شهادة الإِسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله:
هذا الكتاب يساعد القراء على معرفة أركان الإِسلام والإِيمان، وعلى معرفة معنى: لا إله الإِ الله، ومكانتها، وفضلها، وحقيقتها، وفوائدها، وشروطها، ونواقضها، ومعنى محمد رسول الله.
2 - كيف نفهم التوسل؟
ذكرت فيه التوسل المشروع والممنوع والأحاديث الشائعة في التوسل، وشبهات حول التوسل، وأنواع التوسل بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن التوسل والدعاء يطلب من الأحياء لا من الأموات.
3 - أخطاء شائعة يجب تصحيحها على ضوء الكتاب والسنة:
يتحدث هذا الكتاب عن أخطاء من الكفر، والشرك الأكبر، والشرك الأصغر،
وأخطاء تتعلق في حق الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأخطاء في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخطاء في حق المسلم وغيره. وأخطاء في أحوال المسلمين عامة.
4 - كيف اهتديت إلى التوحيد والصراط المستقيم:
تحدثت فيه عن سيري مع جماعة الإِخوان، والصوفية، وجماعة التبليغ، وكيف انتقلت إلى الجماعة السلفية التي تهتم بالتوحيد الذي دعت إليه جميع الرسل، وعلى رأسهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنها تقوم على الدليل من الكتاب والسنة.
(3/3)

5 - دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بين المعارضين والمؤيدين:
ذكرت فيه نبذة عن حياته، ودعوته للتوحيد، ومحاربته للشرك والبدع، وأنه لم يبتدع مذهبًا خامسًا، بل كان مذهبه حنبليًا، يُقدم الدليل من الكتاب والسنة.
وذكرت أقوال المعارضين لدعوته، والمؤيدين المنصفين، من علماء الشرق والغرب.
6 - نداء إلى المربين والمربيان لتوجيه البنين والبنات:
يتحدث المؤلف عن مهمة المربي الناجح وشروطه، ووظيفة المعلم وواجباته، وعن وصايا لقمان الحكيم لابنه، وذكرت آداب المعلم والمعلمة، وآداب الطالب والطالبة، وعلاقة المعلم بالطلاب، والمعلمة بالطالبات.
7 - تكريم المرأة في الإِسلام:
هذا الكتاب يتحدث عن إهانة المرأة عند العرب قبل الإِسلام، ومكانتها المرموقة في الإِسلام، حتى بلغ من تكريمه لها أن خصص لها سورة، سماها "سورة النساء" وبالغ في تكريمها حينما أوجب عليها الحجاب.
8 - تحفة الأبرار في الأدعية والآداب، والأذكار:
ذكرتُ فيه فضل الدعاء، وآدابه، وفوائده، وشروطه، ونماذج من الأدعية المأثورة، ثم تكلمت عن آداب الأكل والشرب، والسفر والسلام، وغيرها من الآداب.
وتحدثت عن فضل الذكر وفوائده، وأنواعه، والذكر المسنون والمبتدع.
9 - فضائل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام - صلى الله عليه وسلم -:
ذكرت في هذا الكتاب فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعناها، وصفتها، وفوائدها، ومواضعها، وعدم الجهر بها، ولا سيما بعد الأذان.
ثم تكلمت عن أنواع من الصلوات المبتدعة المخالفة لهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ومن أراد التفصيل فليقرأ الكتب السابقة، أو محتوياتها آخر الكتاب.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
1/ 8/ 1417 ه
محمد بن جميل زينو
(3/4)

محتويات مجموعة رسائل التوجيهات الاسلامية
1 - شهادة الإِسلام لا إله إلا الله.
2 - كيف نفهم التوسل على ضوء الكتاب والسنة(.
3 - أخطاء شائعة يجب تصحيحها على ضوء الكتاب والسنة.
4 - كيف اهتديت إلى التوحيد والصراط المستقيم.
5 - دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بين المعارضيين والمؤيدين.
6 - نداء إل المربين والمربيات لتوجيه البنين والبنات.
7 - تكريم المرأة في الإِسلام على ضوء الكتاب والسنة.
8 - تحفة الأبرار في الأدعية والآداب والأذكار.
9 - فضائل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام - صلى الله عليه وسلم -.
(3/5)

(1)
شهادة الإِسلام لا إله إلا الله محمد رسولُ الله
(3/6)

موجز شهادة الإِسلام
* أركان الإِسلام والإيمان.
* مكانة لا إله إلا الله وفضلها.
* معنى لا إله إلا الله.
* تحقيق الشهادتين.
* الأنبياء دينهم واحد.
* متى تنفع لا إله إلا الله.
* أفضل شعب الإِيمان.
* شروط لا إله إلا الله.
* حقيقة لا إله إلا الله.
* معني محمد رسول الله.
* أهمية التوحيد وفضله.
* نواقض لا إله إلا الله.
(3/7)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا. من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن التوحيد الذي جاءت به الرسل جميعًا، وعلى رأسهم محمد - صلى الله عليه وسلم - يتمثل في شهادة: "لا إله إلا الله" التي تكررت في القرآن والسنة، حيث اعتبرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - الركن
الأول للإِسلام، ومن أجل هذه الشهادة قامت المعارك، حتى دخل الكفار الإِسلام.
وقد تكلمت عنها إجمالًا في بعض كتبي، وأحببت أن أُفردها في رسالة خاصة، بعد أن توسعت في شرحها ولا سيما وقد قال البخاري في صحيحه:
[باب العلم قبل القول والعمل] لقول الله تعالى:
{فَاعلَم أَنَّهُ لا إله إلا الله}. "سورة محمد: 19"
فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء. "فتح الباري 1/ 159"
وسأشرح لكم: مكانتها، وفضلها، وحقيقتها، ونفعها، ومعناها، وشروطها،
ونواقضها، وغيرها من الأمور المهمة والله أسال أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لله تعالى
محمد بن جميل زينو
(3/8)

أركان الإِسلام
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بُنيَ الإِسلام على خمس:
1 - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
(لا معبود بحق إلا الله، ومحمد تجب طاعته في الدين).
2 - وإقام الصلاة: (أداؤها بأركانها وواجباتها والخشوِع فيها).
3 - وإيتاء الزكاة: (تجب الزكاة إذا ملك 87 غرامًا ذهبًا أو ما يعادلها من النقود بدفع 5 و 2 في المائة منها بعد سنة، وغير النقود لكل منها مقدار معين).
4 - وحج البيت: (مَن استطاع إليه سبيلا).
5 - وصوم رمضان: (الإمتناع عن الطعام والشراب. وجميع المفطرات مِن الفجر حتى الغروب مع النية) "متفق عليه"

أركان الإِيمان
1 - أن تؤمن بالله: (بوجوده ووحدانيته في الصفات والعبادة).
2 - وملائكته: (مخلوقات من نور لا نراهم لتنفيذ أوامر الله).
3 - وكتبه: (التوراة والإِنجيل والقرآن وهو أفضلها).
4 - ورُسُله: (أولهم نوح وآخرهم محمد).
5 - واليوم الآخر: (يوم الحساب لمحاسبة الناس على أعمالهم).
6 - وتؤمن بالقدَر خيره وشره: "رواه مسلم"
(الرضا بالقدر خيره وشره، مع الأخذ بالأسباب).
(3/9)

مكانة لا إله إلا الله
1 - قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. "آل عمران آية 18"
2 - {وما أرسَلنَا من قَبلِكَ من رسُولٍ إلا نُوحي إِليه أَنه لا إله إلا أنا فاعبُدُون}. [الأنبياء آية 25]
3 - وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَدُ من دون الله حَرُم ماله ودمه وحسابه على الله). "رواه مسلم"
وهذه الكلمة هي التي يدخل بها الكافر الإِسلام، فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن لم يقلها لم يعصم دمه وماله.
4 - وهذه الكلمة الطيبة أول ما يدعو إليها المسلم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له:
(إنك تأتي قومًا مِن أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله). "متفق عليه"
5 - قال ابن القيم في زاد المعاد عن مكانة لا إله إلا الله:
إنها كلمة يعلنها المسلمون في أذانهم واقامتهم وخطبتهم وخُلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله الرسل، وبها انقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكافرين، ولأجلها جُرِّدت سيوف الجهاد، وهي حق الله على العباد فهي كلمة الإِسلام ومفتاح دار السلام، وعنها يُسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يُسأل عن مسألتين:
(ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتمُ المرسلين؟).
وجواب الأولى: بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقرارًا وعملًا.
وجواب الثانية: بتحقيق أن محمدًا رسول الله معرفة وانقيادًا وطاعة.
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (المسلم إذا سُئِل في القبر: شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)."رواه مسلم"
فذلك قول الله تعالى:
{يثبتُ الله الذين آمنوا بِالقولِ الثابِتِ في الحياة الدُنيا وفي الآخِرة}. "سورة إبراهيم آيه 27"
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (بُني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله). الحديث "متفق عليه"
(3/10)

8 - وقال ابن عُيينة: ما أنعم الله على العباد نعمة أعظم من أن عرَّفهم: لا إله إلا الله.
9 - وقال ابن رجب في كتابه "كلمة الإِخلاص":
إن لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا.
10 - وقال ابن عباس في قوله تعالى: {مثلًا كَلِمةً طَيِّبةً}:
شهادة أن لا إله إلا الله. "تفسير ابن كثير ج 2/ 530"

11 - الخلاصة: إن لهذه الكلمة مكانة في الدين، وأهمية في الحياة، وأنها أول واجب على العباد، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه جميع الأعمال، فهي كلمة الإِخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ولأجلها خلق الله الخلق: قال تعالى: {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ والِإنس إلا لِيَعبُدُون}. "سورة الذاريات"
(3/11)

فضل لا إله إلا الله
- قال الله تعالى: {فَاعلَم أنهُ لا إله إلا الله}. "سوره محمد 19"
وقد استدل البخاري -رحمه الله- تعالى من هذه الآية على تقديم العلم فقال:
[باب العلم قبل القول والعمل]
2 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الإِيمان بِضْعٌ وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) [البضع: من ثلاثة إلى تسعة] "رواه مسلم"
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن تعارَّ (أي استيقظ) مِن الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلت صلاته). "رواه البخاري"
- كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند الكرب:
(لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورَب العرش الكريم). "رواه مسلم"
5 - سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يقول:
(اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحدُ الصمدُ الذي لم يلِد ولم يولَد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئِل به أعطى). "صحيح رواه أحمد"
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يَدْعُ بهارجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له). "صحيح رواه أحمد"
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال حين يسمع المؤذن (1) وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإِسلام دينًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه). "رواه مسلم"
8 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال حين يصبح أو حين يمسي: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما
__________
(1) حين يقول المؤذن: أشهد ألا إله إلا الله.
(3/12)

صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فمات من يومه أو ليلته دخل الجنة). [أبوء: أعترف] "صحيح رواه أحمد"
9 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون مِن قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له). "حسن رواه مالك"
10 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عَدل عَشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيَت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرزًا مِن الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر مِن ذلك). "متفق عليه"
11 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن توضأ فأحسن الوضوء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فُتحَت له أبواب الجنة، يدخل مِن أيِّها شاء). "صحيح رواه النسائي وغيره"
12 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة). "أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح"

الخلاصة: إن فضائل هذه الكلمة كثيرة، وحقائقها، وموقعها من الدين فوق ما يصفه الواصفون، ويعرفه العارفون فهي رأس الإِسلام مطلقًا وهي حقيقة الأمر كله.
(3/13)

لا معبود بحق إلا الله
هذا هو التفسير الصحيح لشهادة (لا إله إلا الله) وبعبارة أوضح:
(لا أحدَ يستحق العبادة في الوجود إلا الله).
والعبادة اسم جامع لما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة كالصلاة، والذبح، والنذر ولاسيما الدعاء لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]
والدليل على تفسير "لا معبود حق إلا الله" قول الله تعالى:
1 - {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}. [الحج: 62]
2 - وقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14].
أ - قال علي -رضي الله عنه-: (له دعوة الحق): قال: التوحيد.
ب - وقال ابن عباس وغيره: (له دعوة الحق): لا إله إلا الله.
ج - وقال غيره: ومعنى الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضًا وإما متناولًا له من بُعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلًا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهًا آخر غيره لا ينتفعون بهم أبدًا في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: {مَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلَالٍ} "ابن كثير 2/ 507"
أقول: لقد حكم الله على الذين يدعون غير الله بالكفر والضلال كما صرحت الآية.
1 - وأهَم هذه المفاهيم التي يحتاج إلى تصحيحها، بل ذلك ضرورة: مفهوم "لا إله إلا الله"، وهذه الكلمة التي هي رأس الإِسلام مطلقًا كما قال الإِمام ابن تيمية في الرسالة التدمرية.
2 - ويقول شارح العقيدة الطحاوية وهو من الأحناف:
قوله: (ولا إله غيره): هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمه باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الِإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال، ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}
قال بعده: {لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}. [البقرة: 163]
(3/14)

فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب إن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: {لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}. "انظر الطحاوية 109"

لا إله في الوجود إلا الله
هذا التفسير غير صحيح للأسباب الأتية:
1 - أن الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة:
أ - الهندوس في الهند يعبدون البقر، وهىِ بمنزلة الآلهة عندهم.
ب - النصارى يعبدون عيسى، وهو بمنزلة الإِله عندهم.
ج- بعض المسلمين يعبدون الأموات، ولا سيما الأنبياء والأولياء، حيث يدعونهم مِن دون الله، ويسغيثون بهم، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
د - والدليل على تعدد الألهة الموجودة قوله تعالى:
1 - {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [هود: 101]
ب - {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} [الأحقاف: 28]
ج - {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138]
فهذه الآيات تفيد وجود آلهة متعددة، ولكنها باطلة، والمعبود بحق هو الله وحده، والدليل قول الله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62]
فشمل ذلَك جميع الآلهة المعبودة من دون الله من البشر والملائكة والجن وسائر المخلوقات وتفيد آية الأعراف السابقة أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر، وهو لا يدري، فنُبه على ذلك فإنه لا يكفر كما فعل بنو اسرائيل، والصحابة الذين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(3/15)

لا خالق إلا الله
اختلف الناس في معنى "لا إله إلا الله" إلى طوائف:
الطائفة الأولى تقول: إن معناها: لا خالق ولا رازق إلا الله، فإذا اعتقد المسلم أن الله وحده هو الخالق والرازق أصبح مؤمنًا، فإذا دعا غير الله، وقال: يا رسول الله أغثني، يا جيلاني اشفني، أو نذر له، أو توجه إلى قبره وطاف به لا يضر بزعمهم، ما دام يعتقد أن الله هو الخالق والرازق، والرب وحده.
وهذا خطأ ظاهر، لأن المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعتقدون أن الله وحده الرب والخالق والرازق والمدبر للأمور قال الله تعالى عن المشركين:
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} "يونس آية 31"
وبعض المنتسبين للإِسلام يعتقدون أن هناك أقطابًا أربعة يُدَبِّرُون الكون! وهذا شرك بالله يجب أن يتوبوا منه، لأن المدبر للأُمور هو الله وحده، وغيره عاجز عن تدبير نفسه فضلًا عِن غيره.
فإن قيل: إذا كانوا يعتقدون أن الله وحده هو الرب والخالق والرازق والمدَبّرُ للكون، فكيف عبد هؤلاء المشركون غير الله؟
فالجواب: عبدوا غير الله ابتغاء التقرب إلى الله، وليكونوا شفعاءهم عند الله.
قال تعالى عنهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}. "سورة الزمر آية 3"
وقال تعالى عن المشركين: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. "سورة يونس آية 18"
فزعموا أنهم لا يعبدون غير الله إعراضًا عنه، بل يعبدونهم ويدعونهم للإقبال على الله، فإن هؤلاء شفعاء عند الله بزعمهم يتقربون بهم إلى الله.
وبعض المسلمين -هداهم الله- لا يرون بأسًا في دعاء الأولياء الأموات، فقد سمعناهم يقولون: لا ندعوا الأولياء على اعتقاد أنهم قادرون على قضاء حوائجنا، وإنما ندعوهم على أنهم يشفعون لنا عند الله، ولهم منزلة عند الله، وزعموا أن هذا لا يناقض التوحيد، وهذا خطأ لأن الله تعالى يقول:
(3/16)

{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [أي المشركين] "سورة يونس آية 106"
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
فكما أن الصلاة عبادة لا تجوز لغير الله، فكذلك الدعاء عبادة لا يجوز لغير الله.

لا مطاع إلا الله
الطائفة الثانية تقول: إن معنى "لا إله إلا الله":
لا مطاع بحق إلا الله، أو لا أحد يستحق الطاعة إلا الله، فمن أطاع غير الله فقد كفر بزعمهم، ولهذه الطائفة قصة يحسن ذكرها: وذلك أنه لما كان جميع أهالي الهند متفقين على مطالبة الحرية والإستقلال، وطرد الإِنجليز من الهند، ولم يختلف في ذلك حزب من الأحزاب، ولا ملة من الملل، واستعدوا للتضحية بكل ما يملكون في هذا السبيل، قامت طائفة من المسلمين بمشاركة الناس في هذا الجهاد، محتجين بحجة هي أقوى عندهم من جميع الحجج، وذلك زعمهم أن الناس بسبب خضوعهم لقوانين الحكومة البريطانية أصبحوا مشركين لأن إطاعة القوانين عندهم عبادة بلا شك، وزعموا أنه مفهوم لا إله إلا الله زاعمين أن معناه: لا مطاع إلا الله ولهم في هذا مؤلفات كثيرة.
وعلى هذا الأساس حكموا بالكفر على المسلمين الذين أكرمهم الله بالإِيمان، وأعلن في مُحكَم كتابه أنه تقبل منهم ذلك حيث يقول الله تعالى:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. "سورة التحريم"
ولا شك أن امرأة فرعون عاشت مطيعة لأوامر زوجها (فرعون) وقوانين حكومته، ومع ذلك جعلها الله مثلًا للمؤمنين، فالله الحمد على هذا التيسير والتخفيف.
ومعروف للجميع ما ذكر الله لنا عن يوسف -عليه السلام- من قبوله الوظيفة تحت الملك الكافر كما يعرف الجميع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث جماعة من الصحابة إلى الحبشة يطلبون الأمن، ولم يعملوا هناك انقلابًا ثوريًا ضد النجاشي، بل عاشوا مطمئنين هادئين.
وعلى هذا الأساس حرفوا معاني الآيات التي جاء فيها الأمر بعبادة الله، والنهي عن عبادة غيره، كما فسروا الطاغوت بإطاعة قوانين الحكومة غير المسلمة، رغم ما اتفق عليه المفسرون من أن المراد من عبادة الطاغوت عبادة اللآلهة الباطلة.
(3/17)

وهذه المزاعم كلها غلُو منهم، ودين الله براء منه، وهذه الطائفة صنم جماعة التكفير والهجرة التي ظهرت في مصر وغيرها من البلاد. [صنو جماعة التكفير: أي أُختها ومثيلتها] "انظر رسالة الخلاف الأساسي للشيخ عمر مليباري"

تفسير سيد قطب
ومن الخطأ ما فسر به "سيد قطب" قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
1 - {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ}. "سورة القصص آية 70"
[أي فلا شريك له في الخلق والإختيار] "في ظلال القرآن 5/ 2707"
أقول: هذا معنى من معاني الربوبية التي اعترف بها المشركون كما تقدم، ضيَّع به المعنى الحقيقي لكلمة "لا إله إلا الله" كما سبق تفسيرها الصحيح: لا معبود بحق إلا الله، لأن الإِله: معناه المعبود، وليس معناه الخالق.
2 - وقريب منه قوله في تفسير قوله تعالى: {إِلَهِ النَّاسِ}. "سورة الناس"
[والإِله: هو المستعلي المستولي المتسلط] "الظلال 6/ 4010"
أقول: إن الإستعلاء والسلطان والحكم والملك والسيادة من صفات الرب ومثلها الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة والتدبير التي اعترف بها المشركون، كما تقدم في سورة يونس.
والعرب كانوا يعرفون معنى الإِله: هو المعبود، ولذلك رفضوها لأنها تدعوهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة آلهتهم، كما قال الله عنهم:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} "سورة الصافات 35 - 36"
وقال الله تعالى يَحكي قول المشركين {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} "سورة ص آية 5"
قال ابن كثير: [أي أزَعَمَ أن المعبود واحد لا إله إلا هو] فقد فسر ابن كثير: الإِله: المعبود.
(3/18)

تفسير ابن تيمية
قال ابن تيمية -رحمه الله-: الإِله هو المستحق للعبادة، فأما من اعتقد في الله أنه رب كل شيء وخالقه، وهو مع هذا يعبد غيره، فإنه مشرك بربه، مُتخذ من دونه إلهًا آخر فليست الإِلهية هي الخلق، أو القدرة على الخلق، أو القدم كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام، إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربه، فلو كان هذا هو الإِلهية لكانوا قائلين: إنه لا إله إلا الله.
فهذا موضع عظيم جدًا ينبغي معرفته لما قد لُبِّسَ على طوائف من الناس أصل
الإِسلام، حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإِسلام لا يحسبونها شركًا وأدخلوا في التوحيد والإِسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإِسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي، واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإِرادة واعتقاد ذلك.
بل التوحيد الذي لا بُد منه لا يكون إلا بتوحيد الإِرادة والقصد، وهو توحيد العبادة، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله: أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه، وهذا هو الإِسلام، فإن الإِسلام يتضمن أصلين:
إحداهما: الاستسلام لله.
والثاني: أن يكون ذلك له سالمًا، فلا يشرك به أحد في الإِسلام له وهذا هو
الإستسلام لله دون سواه. "الفتاوي الكبرى 5/ 250"
(3/19)

لا حاكم إلا الله
وقريب من هذا التفسير: لا مطاع بحق إلا الله، وقد تبين خطأ هذا التفسير كما تقدم ما ذكره "سيد قطب في كتابه معالم في الطريق" حين قال: وأخيرًا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات تزعم لنفسها أنها مسلمة! وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإِطار، لا لأنها تعتقد بألوهية غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضًا (1) ولكنها تدخل في هذا الإِطار لأنها تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها، فهي- وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله - تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها، وقيمها وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها (2) ... وكل مقومات حياتها تقريباً!!
والله سبحانه وتعالى يقول عن الحاكمين:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. "سورة المائدة 44"
كما أنه سبحانه قد وصف اليهود والنصارى من قبل بالشرك والكفر والحيدة عن عبادة الله وحده، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دونه لمجرد أن جعلوا للأحبار والرهبان ما يجعله الذين يقولون عن أنفسهم أنهم مسلمون اعتبر الله سبحانه ذلك من اليهود والنصارى شركًا، كاتخاذهم عيسى ابن مريم ربًا يؤلهِّونه، ويعبدون سواه، فهذه كتلك: خروج من العبودية لله وحده، فهي خروج من دين الله، ومن شهادة أن لا إله إلا الله (3) إلى أن يقول: وإذا تعين هذا فإن موقف الإِسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره.
__________
(1) يعلق الشيخ ربيع بن هادي قائلًا: بل كثير في هذه المجتمعات يُضفون على أناس صفات الإله، كاعتقادهم أنهم يعلمون الغيب، يتصرفون في الكون، ويُفَرِّجُونَ الكروب، ويتقدمون لهم بالشعائر التعبدية من الإستغاثة في الشدائد، والدعاء والخوف، والرجاء والتوكل والطواف بقبورهم، وتعظيم هذه القبور، وإقامة الأعياد والاحتفالات والموالد لهذه الأضرحة، وشد الرحال إليها وتقديم الذبائح والنذور بالأموال الطائلة لها، كل هذه الأمور وغيرها من أنواع الشرك لا يعدها "سيد قطب" من أنواع الشرك الناقضة للتوحيد المنافية لمعنى: "لا إله إلا الله"، ونحن لا نكفر إلا من قامت عليه الحجة.
(2) ومن تقاليدها لباس البدلة الأفرنجية والكرافت وحلق اللحية.
(3) وهذا واضح في تكفير المجتمعات الإسلامية.
(3/20)

ملاحظات على كلام سيد قطب
1 - تكفيره للمجتمع الإِسلامي: وذلك حين قال في "معالم في الطريق" "وأخيرًا يدخل في المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة"!
أقول: لا يجوز تكفير المجتمعات الإِسلامية، بعد أن أكرمها الله تعالى بالِإسلام، وإلحاقها بالمجتمع الجاهلي الذي لم يدخل الإِسلام.
أ - قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزال طائفة مِن أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صَلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمير، تكرمة لهذه الأُمة). "رواه مسلم"
ب - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا قال الرجل هلك الناسُ فهو أهلَكهم). "رواه مسلم"
قال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهمِ ويقول: فسد
الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي أسوأ حالًا منهم بما يلحقه من الإِثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم. "4/ 224"
وقد بوب الإِمام مسلم في كتابه فقال:
(باب النهي من قول: هلك الناس)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أيما رجل مسلم أكفرَ رجلاً مسلمًا، فإن كان كافرًا، وإلا كان هو الكافر). "رواه البخاري"
وقال الله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. "سورة الحجرات"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إياكم والظن فإن الظن أكذبُ الحديث). "متفق عليه"
2 - وقال (سيد قطب) في كتابه "معالم في الطريق":
وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإِطار، لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضًا!
أقول: إن هذا الكلام يدل على أنه لا يهتم بالشرك الموجود في أكثر البلاد وهو دعاء الأولياء من دون الله كقولهم: المدد يا سيدي الحسين! والطواف حول قبر الحسين وزينب والنذر للقبور، واعتقاد أن الأولياء يعلمون الغيب، ويتصرفون في الكون وهم الأبدال والأقطاب والأغواث وغيرها من أنواع العبادة التي لا تجوز إلا لله وحده، والتي
(3/21)

يعتبرها الإِسلام من الشرك الأكبر التي يُخلَّد صاحبها في النار، فكان الواجب عليه أن يحذر منها، لأن الرسل جميعًا حذروا منها، والقرآن الكريم يهتم بالتوحيد، ويحذر من الشرك المنتشر الآن، ولا سيما الدعاء الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
وقال الله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [الظالمين: المشركين]. "سورة يونس: 106"
3 - ثم يقول "سيد قطب" في كتابه "معالم في الطريق":
ولكنها (أي المجتمعات الإِسلامية) تدخل في هذا الِإطار (أي المجتمع الجاهلي) لأنها تدين بحاكمية غير الله ... والله تعالى يقول:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. "المائدة آية44"
أقول: ليت قائل هذا الكلام الذي فيه تكفير للمجتمعات الإِسلامية رجع إلى تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية حيث فصَّل وأجاد وأفاد حين قال:
أ - قال السدي: ومن لم يحكم بما أنزل الله فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين.
وقال ابن عباس: مَن جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق رواه ابن جرير، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو مَن جَحد حُكمَ المنزل في الكتاب.
ب - قال ابن طاووس: وليس كمَن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
ج- وقال الثوري عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. "رواه ابن جرير"
د - وقال وكيع: (ومَن لم يحكم بما أنزل الله) الآية: قال: ليس بكفر ينقل عن المِلة.
ه - وقال طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. "سوره المائدة"
قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. "ابن كثير ج 2/ 61"
أقول: من هذه الأقوال عن الصحابة والتابعين يتبين خطأ تفسير سيد قطب للآية وتكفيره للمجتمع الإِسلامي، وهذه بادرة خطيرة انتشرت بين بعض الجماعات الإِسلامية مع الأسف الشديد، أسأل الله لنا ولهم الهداية.
(3/22)

تفسير محمد قطب
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. "سورة المائدة"
يقول "محمد قطب" في كتابه "لا إله إلا الله":
1 - لما قال الناس لابن عباس -رضي الله عنه- إن هؤلاء يقصدون الأمويين- يحكمون بغير ما أنزل الله، فما القول فيهم؟ قال قولته الشهيرة:
إنه كفرٌ دون كفر، إنه ليس الكفر الذي تعلمون، كفرٌ لا يُخرج مِن الملة إلخ.
أ - أقول: فتحت للأخ محمد قطب هاتفًا، وسألته عن صحة هذا النقل عن الأمويين، فلم يذكر المرجع وقلت له: لم يذكر الطبري ولا ابن كثير هذا التخصيص.
ب - ثم رجعت إلى تفيسر الطبري فرأيته يرجح تخصيص الآية بأهل الكتاب حيث قال: وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال:
نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات، ففيهم نزلت، وهم المَعنِيون بها. "ج 10/ 358 تحقيق محمود شاكر"
ثم قال: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بم أنزل الله جاحدًا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي.
"ج 10/ 358 تحقيق محمود شاكر"
أقول: يستفاد من تفسير الطبري هذا ما يلي:
1 - أن الآية نزلت في أهل الكتاب، وتعُم مَن جحد حكم الله وهو عالم كما قال ابن عباس، ومفهومه أن مَن حكم بغير ما أنزل، غير جاحد، أو غير عالم بالحكم لا يكفر، والدليل قوله تعالى في سورة المائدة:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}."المائدة: 45"
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. "سورة المائدة"
2 - لم يذكر الأخ "محمد قطب" أيضًا "وحدة الوجود عند الصوفية" في نواقض لا إله إلا الله، واكتفى بذكر فكرة "الفناء" التي قال عنها في بحث آخر:
"في الصوفية الهندية يسعى الإِنسان لتحقيق الخلود، ولا يتم هذا إلا بالفناء في
(3/23)

"الروح الأعظم" والإتحاد معه وهذا لا يتم إلا بتعذيب الجسد وإهانته لتنطلق الروح من أوهاقه، وترفرف في عالم النور .. " "ص 134"
أقول: إن فكرة الفناء التي عرفها الأخ "محمد قطب" تختلف عن وحدة الوجود التي ذكرها أخوه "سيد قطب" في تفسيره كما سبق.
فكان عليه أن يذكرها في نواقض الشهادة، ويذكر نصها، ومن أخذ بها كابن عربي وغيره حيث قال:
الربُّ عبد، والعبدُ رَب ... ياليت شِعري مَنِ المُكَلف؟
وقال غيره:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا ... وما الله إلاراهبٌ في الكنيسة
3 - لم يُفصِّل في ذكر النواقض حينما عدها كما فصّل في الحكم بغير ما أنزل الله، علمًا بأن دعاء غير الله، والإستعانة والنذر والذبح لغير الله وقع فيه علماء أهل البدع والعوام.
4 - لم يذكر الطواف حول القبور بنية العبادة والتقرب كالطواف حول قبر الحسين وغيره.
5 - لم يذكر في النواقض عقيدة بعض الصوفية المعتقدين بأن هناك أقطابًا أربعة يُدَبرون أمور الكون! مع أن المشركين السابقين يسندون التدبير لله.
6 - قال إن التفلت من التكاليف طبعِ بشري صاحب الإِنسان منذ نشأته:
{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}."سورة طه آية 115"
أقول: لا يجوز لأي مسلم كان إطلاق هذا التعبير لعدم صحته، ولما فيه من المس بكرامة النبي آدم الذي نسيَ أمرَ ربه ولم يتفلت؛ ولو أنه قال: إن الخطأ والنسيان مِن طبيعة الإِنسان لكان صوابًا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(كلُّ بني آدمَ خطاء وخيرُ الخطائين التوابون) "حسن رواه أحمد"
وقال العلماء: ما سُمِّيَ الإِنسان إنسانًا إلا لِنِسيَانه.
(3/24)

من لم يستطع الحكم بالقرآن
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي:
وكذلك الكفار: مَن بلغه دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أُنزل عليه، واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإِسلام ولا التزام جميع شرائع الإِسلام، لكونه ممنوعًا من الهجرة وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده مَن يعلمه جميع شرائع الإِسلام: فهذا مؤمن مِن أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون وكما كانت امرِأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارًا ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإِسلام، فإنه دعاهم إلى التوحيد والإِيمان فلم يجيبوه:
قال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون:
{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا}. "سورة غافر آية 34"
وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإِسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه، فصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفًا وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات وقال:
(إن أخًا لكم صالحًا مِن أهل الحبشة مات) وكثير من شرائع الإِسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يُصَل الصلوات الخمس ولم يَصُم شهر رمضان، ولم يُؤد الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بالقرآن، والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم
بينهم إلا بما أنزل إليه؛ وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه.
وهذا مِثل الحكم في الزنا للمحصَن بحد الرجم، وفي الديات بالعدل؛ والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، والنفس بالنفس والعين بالعين، وغير ذلك.
والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا
(3/25)

ما يتولى بين المسلمين والتتار قاضيًا بل وإمامًا، وفي نفس أمور العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعهِا، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: أنه سُمَّ على ذلك.
فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن لم يلتزموا من شرائع الإِسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها.
ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب، قال الله تعالى:
{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. "آل عمران: 199"
وهذه الآية قد قال طائفة من السلف: إنها نزلت في النجاشي، ويُروى هذا عن جابر وابن عباس وأنس، ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه، كما قال الحسن وقتادة.
وهذا مراد الصحابة ولكن هو المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع لم يرد واحد. "انظر مجموع الفتاوي ج 19/ 217"
(3/26)

تحقيق الشهادتين (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)
قال الإِمام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: قال الله تعالى:
{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}. "الكهف: 110"
هذان الأصلان (1) هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإِسلام:
شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله.
1 - فإن الشهادة لله بأنه لا إله الا هو: تتضمن إخلاص الألوهية له، فلا يجوز أن يتألَّه القلب غيره: لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكبار، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لا بُد أن يكون الدين كله لله .. فإنْ كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسبه.
2 - والشهادة بأن محمدًا رسول الله: تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه. كما يجب على الخلق أن ثبتوا ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به، وينتهوا عما نهى عنه، ويُحلوا ما أحله ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله، ولكونهم شرعوا دينًا لم يأذن به الله .. وقد قال تعالى لنبيه:
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} "الأحزاب: 46"
فأخبره بأنه أرسله داعيًا إليه بإذنه:
فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومَن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يَؤول إلى الشرك.
ولم يوجد مبتدع إلا مر فيه نوع من الشرك كما قال تعالى:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. "التوبة آية: 31"
وكان مِن شركهم: أنهم أحَلّوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال
__________
(1) العمل الصالح، وعدم الشرك بالعبادة حسب فهم الآية.
(3/27)

فأطاعوهم: قال تعالى:
{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. "التوبة: 29"
ففرق بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر: أنهم لا يُحرِّمون ما حَرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، والمؤمنون صدَّقوا الرسول فيما أخبر به عن الله واليوم الآخر: فآمنوا بالله واليوم الآخر وأطاعوه فيما أمر ونهى، وحَلل وحَرم، فحَّرموا ما حَرم الله ورسوله، ودانوا دين الحق.
فإن الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويُحرم عليهم الخبائث، فأمرهم بكل معروف، ونهاهم عن كل منكر، وأحل لهم كُل طيب، وحرَّم عليهم كل خبيث. "انظر كتاب الصرط المستقيم لابن تيمية"
(3/28)

الأنبياء دينهم واحد
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم:
ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإِسلام واحدًا وإن تنوعت شرائعه: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح:
(إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، فليس بيني ويينه نبي). "معنى الحديث متفق عليه"
فدينهم واحد: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يُعْبَد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت: وهو دين الإِسلام في ذلك الوقت فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ (1) لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد النسخ لم يكن مسلمًا.
ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البته:
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}. "الشورى آية 13"

متى تنفع لا إله إلا الله
إن المسلم ينتفع بهذه الكلمة إذا عرف معناها، وعمل بمقتضاها ولما كانت هناك أحاديث يُتوَهم منها أن مجرد التلفظ بها يكفي، وقد تعلق بهذا الوهم بعض المسلمين، فكان لابُد مِن إزالة هذا الوهم:
1 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله حرَّم على النار مَن قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجهَه). "رواه البخاري"
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما مِن عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا حَرمَه الله على النار). "رواه مسلم"
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك، فيُحجَب عن الجنة). "رواه مسلم ج 1/ 244/ شرح النووي"
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال لا إله إلا الله مخلِصًا دخل الجنة). "صحيح رواه أحمد"
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة). "صحيح رواه أحمد انظر صحيح الجامع"
__________
(1) إشارة إلى أن الإِسلام نسخ شريعة موسى.
(3/29)

وأحسن ما قيل في معناها ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية وغيره:
إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها، كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا مِن قلبه، مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين، فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة فيمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا مِن قلبه لأن الإِخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى، بأن يتوب مِن الذنوب توبة نصوحًا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج مِن النار مَن قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة.
وتواترت بأن كثيرًا مِمن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار، ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثرَ السجود مِن ابن آدم، فهؤلاء كانوا يُصَلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار مَن قال لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جاءت مقيده بالقيود الثقال؛ وأكثر مَن يقولها لا يعرف الإِخلاص ولا اليقين، ومَن لا يعرف ذلك يخشى أن يُفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها.
وأكثر من يقولها يقولها تقليدًا وعادة لم يخالط الإِيمان بشاشة قلبه، وغالب مَن يُفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث:
(سمعت الناسَ يقولون شيئًا فقلته). "رواه الترمذي وحسنه الألباني"
وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}. "سورة الزخرف آية 23"
وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه مِن كل شيء، فإذًا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإِيمان وهذه التوبة، وهذا الإِخلاص وهذه المحبة، وهذا اليقين لا تترك له ذنبًا إلا يُمحى كما يُمحى الليل بالنهار. "انظر تيسير العزيز الحميد بشرح كتاب التوحيد" انتهى كلامه -رحمه الله-
(3/30)

الرد علي بعض الشبهات
بعض الناس يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على أُسامة قتل مَن قال: "لا إله إلا الله" وقال: (أقَتلتَه بعد أن قال لا إله إلا الله) "رواه البخاري"
وأحاديث أُخرى في الكفِّ عَمن قالها، والجواب:
1 - إن أسامة قتل رجلاً ادعى الإِسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه من النطق بالشهادة هو خوف على دمه وماله، فأنكر عليه الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الظن، لأنه قتل رجلاً أظهر الإِسلام، ومن أظهر الإِسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك والدليل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا}. [أي فتثبتوا] "سورة النساء: 94"
فالآية تدل على أنه يجب الكف عن قتله حتى يظهر منه ما يخالف الإِسلام، وكل من أظهر الإِسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يناقض الإِسلام.
2 - الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي أنكر على أُسامة قتل مَن قال: لا إله إلا الله: هو الذي قال:
(أُمِرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله). "رواه البخاري"
3 - قاتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - اليهود، وهم يقولون: لا إله إلا الله.
4 - قاتل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بني حنيفة وهم يشهدون: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ويُصَلون ويدعون الإِسلام.
5 - وكذلك الذين حرقهم (1) علي بن أبي طالب كانوا يقولون لا إله إلا الله؛ أما الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب فقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم: (قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون مِن الدين مروق السهم مِن الرمية يقتلون أهل الإِسلام، ويَدَعون أهل الأوثان، لَئن أنا أدركتهم لأقتلَنهم قتلَ عاد). "رواه البخاري"
هؤلاء الخوارج كانوا أكثر الناس تهليلًا، فلم تنفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإِسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة ومن أخطائهم تكفير المسلم المرتكب للكبيرة والخروج على الحاكم المسلم.
فليحذر المسلمون التشبه بهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن تشبه بقوم فهو مِنهم) "صحيح رواه أبو داود"
__________
(1) اعترض على التحريق ابن عباس والدليل معه.
(3/31)

رد الحافظ ابن رجب
قال الحافظ ابن رجب في رسالته (كلمة الإِخلاص) على قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أمِرت أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله). "رواه مسلم" قال: فهِمَ عمر وجماعة مِن الصحابة: أن مَن أتى بالشهادتين امتنع مِن عقوبة الدنيا بمجرد ذلك، فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة، وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحَقها وحسابهم على الله) "رواه مسلم" وقال: (والزكاة حق المال) وهذا الذي فهمه الصديق قد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صريحًا غير واحد من الصحابة منهم ابن عمر وأنس وغيرهما وأنه قال:
(أُمِرت أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) "رواه مسلم"
وقد دل على ذلك قوله تعالى:
{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}. "سوره التوبة آية 5"
كما دل قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}. "سورة التوبة آية 11"
على أن الأُخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد فإن التوبة مِن الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد، فلما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابًا فإذا عُلِم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا، بل ويعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإِسلام فكذلك عقوبة الآخرة، وقال أيضًا: وقالت طائفة من العلماء:
المراد من هذه الأحاديث أن التلفظ بلا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة مِن النار، ومقتضى لذلك.
ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع -وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو الأظهر- ثم ذكر عن الحسن البصري أنه قال للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، قال الحسن نِعمَ العُدة، لكن. لا إله إلا الله شروط فإياك وقذف المحصنات، وقيل للحسن إن ناسًا يقولون مَن قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: مَن قال لا إله إلا الله فأدّى حقها وفرْضها دخل الجنة.
(3/32)

وقال وهب بن مُنَبه لِمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك .. اه "ص 13 - 14 كلمة الإخلاص"
وأظن أن في القدر الذي نقلته من كلام أهل العلم كفاية في رَد هذه الشبهة التي تعلق بها مَن ظن أومن قال لا إله إلا الله لا يكفر، ولو فعل ما فعل من أنواع الشرك الأكبر التي تمارس اليوم عند الأضرحة وقبور الصالحين مما يناقض كلمة لا إله إلا الله تمام المناقضة ويُضادها تمام المضادة، وهذه طريقة أهل الزيغ الذين يأخذون من النصوص ما يظنون أنه حجة لهم من النصوص المجملة، ويتركون ما تبينه وتوضحه النصوص المفصلة كحال الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض وقد قال الله في هذا النوع من الناس:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}. "سوره آل عمران: 7 - 9"
اللهم أَرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه وصل اللهم على محمد وآله وصحبه أجمعين. "انظر كتاب (حقيقة لا إله إلا الله) من كلام صالح الفوزان"
(3/33)

أفضل شعب الإِيمان
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الإِيمان بضعٌ وسِتون شُعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). "رواه مسلم"
وقد لخص الحافظ في الفتح ما أورده العلماء بقوله:
إن هذه الشعب تتفرع من أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن:
1 - فأعمال القلب: المعتقدات والنيات، وهي أربع وعشرون خصلة: الإِيمان بالله، ويدخُل فيه الإِيمان بذاته، وصفاته وتوحيده بأنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. "سورة الشورى: 11"
واعتقاد حدوث ما دونه، والإِيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره،
والإِيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه السؤال في القبر (ونعيمه وعذابه)، والبعث
والنشور، والحساب والميزان والصراط، والجنة والنار، ومحبة الله، والحبُّ والبغضُ فيه، ومحبةُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، واعتقاد تعظيمه: ويدخُل فيه الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - واتباع سنته، والإِخلاص: ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق، والتوبة والخوف، والرجاء والشكر والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء والقدر والتوكل والرحمة، والتواضع:
ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكِبر والعُجْب، وترك الحسد،
والحقد، وترك الغضب.
2 - وأعمال اللسان: وتشمل على سبع خصال:
التلفظ بالتوحيد (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء، والذكر: ويدخل فيه الإستغفار، (والتسبيح) واجتناب اللغو.
3 - وأعمال البدن: وتشمل على ثمان وثلاثين خصلة:
أ - منها ما يتعلق بالأعيان، وهي خمسَ عشرة خصلة:
التطهُر حِسًا وحكمًا: ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود: ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضًا ونفلًا، والإعتكاف، والتماس ليلة القدر، والحج والعمرة، والطواف كذلك، والفرار بالدِّين: ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك إلى دار الإِيمان والوفاء بالنذر والتحرى في الأيمان:
(3/34)

(بأن يكون الحلف عند الحاجة)، وأداء الكفارات:
(مثل كفارة اليمين وكفارة الجماع في نهار رمضان).
ب - ومنها ما يتعلق بالأتباع وهي ست خصال:
التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين ويدخل فيه: اجتناب
العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة (فى غير معصية الله)،
والرفق بالعبيد.
ج - ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة:
القيام بالِإمارة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي (1) الأمر، والإِصلاح بين الناس: ويدخل فيه قتال الخوارج (2) والبغاة، والمعاونة على البر والتقوى: ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد. ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخُمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة: ويدخل فيه جمع المال من حِلّه، وإنفاقه في حقه، ويدخل فيه: ترك التبذير والِإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذى عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه 69 خصلة، ويمكن عدها 79 خصلة باعتبار أفراد ما ضُم بعضه إلى بعض مما ذكر والله أعلم. "انظر فتح الباري ج 1/ 52"
أقول: هذا الحديث المتقدم، يدل على أن التوحيد هو كلمة لا إله إلا الله أعلى مراتب الإِيمان وأفضلها.
فعلى الدعاة أن يبدأوا بالأعلى ثم الأدنى، وبالأساس قبل البناء، وبالأهم فالمهم، لأن التوحيد هو الذي جمع الأمة العربية والأعجمية على الإِسلام، وكوّن منهم الدولة المسلمة دولة التوحيد.
__________
(1) المراد بأُولي الأمر: الحكام المسلمين إذا لم يأمروا بمعصية.
(2) الخوارج هم الذين يُكفرون المسلم بارتكاب الكبائر.
(3/35)

شروط "لا إله إلا الله"
س 1 - ما هي شروط "لا إله إلا الله" وما معناها؟
ج 1 - اعلم يا أخي المسلم -هدانا الله وإياك- أن "لا إله إلا الله" مفتاح الجنة، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.
وأسنان هذا المفتاح هي شروط "لا إله إلا الله" الآتية:
1 - العلم بمعناها: وهو نفي المعبود بحق عن غير الله، وإثباته لله وحده.
قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ}. "سورة محمد آية 19"
(أي لا معبود في السموات والأرض بحق إلا الله).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة). "رواه مسلم"
2 - اليقين المنافي للشك: وذلك أن يكون القبب مستيقنًا بها بلا شك. قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}. "سورة الحجرات آية 15" (لم يرتابوا: أي لم يَشُكُّوا)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى اللّة بهما عبدٌ غيرُ شَاكٍّ، فيُحجبُ عن الجنة). "رواه مسلم"
3 - القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه:
قال الله تعالى حكاية عن المشركين:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}. "سورة الصافات آية 35، 36"
(أي يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون). "ذكره ابن كثير"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أُمِرتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمَن قال لا إله إلا الله فقد عصَم مني ماله ونفسه إلا بحق الإِسلام وحسابه على الله -عَزَّ وَجَلَّ-). "متفق عليه"
4 - الإنقياد والإستسلام لما دلت عليه: قال تعالى:
{وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}. "سورة الزمر آية 54"
(أي ارجعوا إلى ربكم واستسلموا له). "ذكره ابن كثير"
5 - الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقًا من قلبه.
(3/36)

قال الله تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.
"سورة العنكبوت آية 1 - 3"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما مِن أحَد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله صِدقًا مِن قلبه إلا حَرمَه الله على النار). "متفق عليه"
6 - الإِخلاص: وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. "سورة البينة آية 5"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أسعَد الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن قال لا إله إلا الله خالصًا مِن قلبه، أو نفسه). "رواه البخاري"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله حَرمَ على النار مَن قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله -عَزَّ وَجَلَّ-). "رواه مسلم ج 1/ 456"
7 - المحبة لهذه الكلمة الطيبة، ولما اقتضَت ودلَّت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين بشروطها، وبُغض ما ناقض ذلك. قال الله تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}. (أندادًا: شركاء). "سورة البقرة: آية 116"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ بهِن حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سِواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذفَ في النار). "متفق عليه"
(بتصرف من كتاب الولاء والبراء للشيخ محمد بن سعيد القحطاني).
8 - أن يكفر بالطاغوت: وهو الشيطان وما يدعو إليه من عبادة غير الله، ويؤمن بالله ربًا ومعبودًا بحق. قال الله تعالى:
{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا}. "سورة البقرة آية 256"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال لا إله إلا الله، وكفرَ بما يُعبَد مِن دون الله حَرُم ماله ودمه). "رواه مسلم"
9 - ومن شروطها أن تقال كاملة، فلا يجوز الفصل بين النفي والإثبات: فلا يقال: (لا إله) عدة مرات ويقال بعد ذلك (إلا الله) عدة مرات كما يفعل الصوفية لأن ذلك من البدع المحدثة، ولأن فيها نفي الألوهية عن الله، وذلك صريح الكفر ثم
(3/37)

الِإثبات بعد ذلك بمدة لا يفيد شيئًا وهو من التلاعب في ذكر الله، ولو مات القائل بعد النفي كيف يكون حاله؟
10 - والذكر بالاسم المفرد لم يرد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقولهم: (الله) ويكررونها آلاف المرات، محتج الصوفية على ذلك بقوله تعالى: (قل الله) ولو قرأوا أول الآية لعرفوا خطأ استدلالهم: وأولها:
{قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ. . . . قُلِ اللَّهُ} الآية. (أي قل الله أنزله) "سورة الأنعام 91"
11 - لا يجوز استبدال كلمة (الله) بكلمة (هو) كما يفعل الصوفية حينما يقولون (ياهو) لأن (هو) ليست من أسماء الله، بل هو ضمير منفصل مثل قوله تعالى:
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ}. "سورة البقرة"
فكلمة (هو) ضمير يعود على الإِله.
(3/38)

حقيقة لا إله إلا الله
وفيها نفي الإِلهية عن غير الله، وإثباتها لله وحده.
1 - قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ}. "سورة محمد"
فالعلم بمعناها واجب ومقدم على سائر أركان الإِسلام.
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال لا إله إلا الله مخلِصًا دخل الجنة). "صحيح رواه أحمد"
والمخلص هو الذي يفهمها، ويعمل بها، ويدعو إليها قبل غيرها، لأن فيها التوحيد الذي خلق الله العالم لأجله.
3 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه أبي طالب حين حضره الموت ياعَم قل: (لا إله إلا الله، كلمة أُحاج لك بها عند الله، وأبى أن يقول لا إله إلا الله)."رواه البخاري ومسلم"
4 - بقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة ثلاثة عشر عامًا، يدعو العرب قائلًا:
قولوا لا إله إلا الله، فقالوا إلها واحدًا ما سمعنا بهذا؟ لأن العرب فهموا معناها، وأن مَن قالها لا يدعو غير الله، فتركوها ولم يقولوها، قال الله تعالى عنهم في سورة الصافات: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ}. "سورة الصافات"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال لا إله إلا الله، وكفرَ بما يُعبَدُ مِنْ دون الله، حَرم مالُه ودمهُ). "رواه مسلم"
ومعنى الحديث أن التلفظ بالشهادة يستلزم أن يكفر وُينكر كل عبادة لغير الله، كدعاء الأموات وغيره.
والغريب أن بعض المسلمين يقولونها بالسنتهم، ويخالفون معناها بأفعالهم ودعائهم لغير الله!!
5 - "لا إله إلا الله" أساس التوحيد والِإسلام، ومنهج كامل للحياة، يتحقق بتوجيه كل أنواع العبادة لله، وذلك إذا خضع السلم لله، ودعاه وحده، واحتكم لشرعه دون غيره.
6 - قال ابن رجب: "الِإله" هو الذي يطاع ولا يعصى هَيبة له وإجلالًا، ومحَبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاء له، ولا يصلح هذا كله إلا لله -عَزَّ وَجَلَّ- فمَن أشرك مخلوقًا في شيء مِن هذه الأمور التىِ هي من خصائص الإِله، كان ذلك
(3/39)

قدحًا في إخلاصه في قوله: "لا إله إلا الله"، وكان فيه مِن عبودية المخلوق،
بحسب ما فيه من ذلك.
7 - إن كلمة "لا إله إلا الله" تنفع قائلها إذا لم ينقضها بشرك، فهي شبيهة بالوضوء الذي ينقضه الحدث.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". "حسن رواه الحاكم"

معنى محمد رسول الله
الإِيمان بأنه مرسل من عند الله، فنصدقه فيما أخبر، ونطيعه فيما أمر، ونترك ما نهى عنه وزجر، ونعبد الله بما شرع.
1 - يقول الشيخ أبو الحسن الندوي في كتاب النبوة ما نصه: الأنبياء -عليهم السلام- كان أول دعوتهم، وأكبر هدفهم في كل زمان وفي كل بيئة، هو تصحيح العقيدة في الله تعالى وتصحيح الصلة بين العبد وربه، والدعوة إلى إخلاص الدين لله، وإفراد العبادة لله وحده، وأنه النافع والضار المستحق للعبادة والدعاء والإلتجاء والنسك (الذبح) وحده، وكانت حملتهم مركزة موجهة إلى الوثنية في عصورهم، المُمَثلة بصورة واضحة فى عبادة الأوثان والأصنام، والصالحين المقدسين من الأحياء والأموات.
2 - وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول له ربه:
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
"سورة الأعراف: 188"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُطروني كما أطرَتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله". "رواه البخاري"
والإِطراء: هو الزيادة والمبالغة في المدح فلا ندعوه من دون الله كما فعلت النصارى في عيسى ابن مريم، فوقعوا في الشرك، وعلمنا أن نقول:
"محمدٌ عبدُ الله ورسوله".
3 - إن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تقتضي طاعته في دعاء الله وحده، وعدم دعاء غيره، ولو كان رسولًا أو وليًا مقربًا:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(3/40)

(إذا سألتَ فسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل به هَمٌّ أو غَمٌّ قال:
"يا حيُّ يا قيُّوم برحمتك أستغيث". "حسن رواه الترمذي"
ورحم الله الشاعر حين قال:
اللهَ أسأل أن يُفرِّج كربَنا ... فالكربُ لا يمحوه إلا الله

أهمية التوحيد
1 - لقد خلق الله الثقلين لعبادته، وأرسل الرسل ليدعوا الناس إلى توحيده، وهذا القرآن الكريم يهتم بعقيدة التوحيد في أكثر من سوره، ويبين ضرر الشرك على الفرد والجماعة وهو سبب الهلاك في الدنيا، والخلود في نار الآخرة.
2 - إن الرسل جميعًا بدأوا دعوتهم إلى التوحيد الذي أمرهم الله بتبليغه للناس، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}. "سورة الأنبياء: 25"
وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقي ثلاثة عشر عامًا في مكة، وهو يدعو قومه إلى توحيد الله ودعائه وحده دون سواه، وكان فيما أنزل الله عليه:
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا}. "سورة الجن: 20"
ويربي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أتباعه على التوحيد منذ الصغر:
فيقول لابن عمه عبد الله بن عباس:
(إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله) "رواه الترمذي وقال حسن صحيح" وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإِسلام الذي بُني عليه، والذي لا يقبل الله من أحد سواه.
3 - لقد علَّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يبدأوا دعوتهم للناس بالتوحيد، فقال لمعاذ حينما أرسله إلى اليمن:
"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وفي رواية إلى أن يُوحِّدوا الله". "متفق عليه"
4 - إن التوحيد يتمثل في شهادة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ومعناها لا معبود بحق إلا الله، ولا عبادة إلا ما جاء به رسول الله، وهي التي يدخل بها الكفار الإِسلام، لأنها مفتاح الجنة، وتُدخل صاحبها الجنة إذا لم ينقضها بعمله.
(3/41)

5 - لقد عرض كفار قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المُلك والمال والزواج وغيرها مِن مُتَع الحياة مُقابل أن يترك دعوة التوحيد، ومهاجمة الأصنام، فلم يرض منهم ذلك، بل استمر في دعوته يتحمل الأذى مع صحابته إلى أن انتصرت دعوة التوحيد بعد ثلاثة عشر عامًا، وفتحت مكة بعد ذلك، وكسِرت الأصنام، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}. "الإسراء: 81"
6 - التوحيد وظيفة المسلم في الحياة فيبدأ حياته بالتوحيد وُيودِّعها بالتوحيد، ووظيفته في الحياة إقامة التوحيد، والدعوة إلى التوحيد، لأن التوحيد يُوَحد المؤمنين، ويجمعهم على كلمة التوحيد. فنسأل الله أن يجعل التوحيد آخر كلامنا.

من فضل التوحيد
1 - قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}. "سورة الأنعام"
عن عبد الله بن مسعود قال لَما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين، وقالوا أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"ليسِ ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه:
{يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. "متفق عليه"
فهذه الآية تبشر المؤمنين الموحدين الذين لم يلبسوا إيمانهم بشرك، فابتعدوا عنه، أن لهم الأمن التام من عذاب الله في الآخرة، وأولئك هم المهتدون في الدنيا.
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الإِيمان بضعٌ وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". "رواه مسلم"
3 - جاء في كتاب (دليل المسلم في الإعتقاد والتطهير).
لفضيلة الشيخ عبد الله خياط ما يلي:
التوحيد يسبب السعادة ويُكفِّر الذنوب
المرء بحكم بشريته وعدم عصمته قد تَنزلِق قدمه، ويقع في معصية الله، فإذا كان من أهل التوحيد الخالص من شوائب الشرك، فإن توحيده لله، وإخلاصه في قول لا إله إلا الله، يكون أكبر عامل في سعادته وتكفير ذنوبه ومحو سيئاته، كما جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(3/42)

"مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلِمَتهُ ألقاها إلى مريم ورُوح منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، أدخلَه الله الجنة على ما كان مِن العمل". "رواه البخاري ومسلم"
أي إن جملة هذه الشهادات التي يشهدها المسلم بهذه الأصول تستوجب دخوله الجنة دار النعيم، وإن كان في بعض أعماله مآخذ وتقصيرات، كما جاء في الحديث القدسي: قال الله تعالى:
"يا ابن آدم إنك لو أتيتَني بقُرابِ الأرض خطايا ثم لقيتَني لا تشركُ بي شيئًا لأتيتُك بِقُرَابها مغفرة". "حسن رواه الترمذي"

نواقض لا إله إلا الله
على المسلم أن يتعلم هذه النواقض حتى لا يقع فيها، فيخرج من الإِسلام الذي أكرمه الله به، فيموت كافرًا.
وأهم هذه النواقض:
1 - دعاء غير الله: كدعاء الأنبياء أو الأولياء الأموات أو الأحياء الغائبين لقول الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. (أي المشركين) "سورة يونس: 106"
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن مات وهو يدعو مِن دون الله نِدًا دخل النار) "رواه البخاري" (النِد: المثِيل والشريك)
2 - اشمِئزاز القلب مِن توحيد الله، ونفوره من دعائه والإستعانة به وحده، وانشراح القلب عند دعاء الرسل أو الأولياء الأموات أو الأحياء الغائبين، وطلب المعونة منهم لقوله تعالى عن المشركين: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}. "سورة الزمر: 45"
(وتنطبق الآية على الذين يحاربون من يستعين بالله وحده ويقولون عنه وهابي، إذا علموا أن الوهابية تدعو للتوحيد).
3 - الذبح لرسول الله أو ولي لقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}. "سورة الكوثر" (أي اذبح لربك)
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله مَن ذبح لغير الله). "رواه مسلم"
4 - النذر لمخلوق على سبيل التقرب والعبادة له، وهي لله وحده.
(3/43)

قالت امراة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا}.
"سورة آل عمران آية 35"
5 - الطواف حول القبر بنية التقرب والعبادة له، وهو خاص بالكعبة، لقول الله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}. "سورة الحج: 29"
6 - الإعتماد والتوكل على غير الله، لقول الله تعالى: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}. "سورة يونس: 84"
7 - الركوع أو السجود بنية العبادة للملوك أو العظماء الأحياء أو الأموات إلا أن يكون جاهلًا لأن الركوع والسجود عبادة لله وحده.
8 - إنكار ركن من أركان الإِسلام المعروفة كالصلاة والزكاة والصوم والحج، أو إنكار ركن من أركان الإِيمان: وهي الإِيمان بالله وملائكته ورُسِله واليوم الآخر، وبالقدَرِ خيره وشره، وغير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
9 - كراهية الإِسلام، أو كراهية شيء من تعاليمه في العبادات أو المعاملات، أو الإقتصاد، أو الأخلاق لقوله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}. "سورة محمد: 9"
10 - الإستهزاء بشيء من القرآن، أو الحديث الصحيح، أو بحكم من أحكام الإِسلام، لقوله تعالى:
{قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.
"سورة التوبة"
11 - إنكار شيء من القرآن الكريم، أو الأحاديث الصحيحة مما يوجب الرّدة عن الدين إذا تعمد ذلك عن علم.
12 - شتمُ الربِّ أو لعنُ الدين أو سَبّ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو الإستهزاء بحاله، أو نقد ما جاء به مما يوجب الكفر.
13 - إنكار شيء من أسماء الله، أو صفاته، أو أفعاله الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة من غير جهل ولا تأويل.
14 - عدم الإِيمان بجميع الرسل الذين أرسلهم الله لهداية الناس، أو انتقاص أحدهم لقوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}. "سورة البقرة"
15 - الحكم بغير ما أنزل الله إذا اعتقد عدم صلاحية حكم الإِسلام أو أجاز الحكم بغيره
(3/44)

لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. "المائدة 44"
16 - التحاكم لغير الإِسلام، وعدم الرضا بحكم الإِسلام أو يرى في نفسه ضيقًا وحرَجًا في حكمه لقوله تعالى:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. "سورة النساء: 65"
17 - إعطاء غير الله حق التشريع كالدكتاتورية، أو الديمقراطية، أو غيرها ممن يسمحون بالتشريع المخالف لشرع الله لقوله تعالى:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}. "سورة الشورى آية 21"
18 - تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، كتحليل بعض العلماء الربا غير متأول، لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. "سورة البقرة آية 275"
19 - الإِيمان بالمبادىء الهدامة: كالشيوعية الملحدة، أو الماسونية اليهودية، أو الإشتراكية الماركسية، أو العلمانية الخالية من الدين، أو القومية التي تفضل غير المسلم العربي على المسلم الأعجمي لقوله تعالى:
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
"سورة آل عمران: 85"
20 - تبديل الدين والإنتقال من الإِسلام لغيره لقوله تعالى:
{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}. "سورة البقرة"
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن بدل دينَه فاقتلوه). "رواه البخاري"
21 - مناصرة اليهود والنصارى والشيوعيين ومعاونتهم على المسلمين لقوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}. "سوره آل عمران"
22 - عدم تكفير الشيوعيين المنكرين لوجود الله، أو اليهود والنصارى الذين لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، لأن الله كفرهم فقال:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}. "سورة البينة: 6"
(3/45)

23 - قول بعض الصوفيين بوحدة الوجود: وهو: ما في الكون إلا الله، حتى قال زعيمهم:
وما الكلبُ والخنزيرُ إلا إلهنا ... وما الله إلاراهبٌ في كنسيةٍ
وقال زعيمهم الحلاج: (أنا هو، وهو أنا) فحكم العلماء عليه بالقتل فأعدِم.
24 - القول بانفصال الدين عن الدولة، وأنه ليس في الإِسلام سياسة لأنه تكذيب للقرآن والحديث والسيرة النبوية.
25 - قول بعض الصوفية: إن الله سلّم مقاليد الأمور لبعض الأولياء من الأقطاب وهذا شرك في أفعال الرب سبحانه يخالف قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. "سورة الزمر آية 63"
إن هذه المبطلات أشبه بنواقض الوضوء، فإذا فعل المسلم واحدًا منها، فليُجَدد إسلامه، ولْيترُك المبطل ولْيَتُب إلى الله قبل أن يموت فيحبط عمله، ويُخلَّد في نار جهنم: قال الله تعالى:
{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. "سورة الزمر"
وعلمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقول:
"اللهم إنا نعوذ بك مِنْ أن نُشركَ بك شيئًا نعلَمه، ونستغفرك لما لا نعلم"
"رواه أحمد بسند جيد"

وحدة الوجود في الظلال
1 - كنت مولعًا في ظلال القرآن لمؤلفه "سيد قطب" ولما قرأته وجدت وحدة الوجود في تفسير أول سورة الحديد وسورة الإِخلاص، وغيرها من الأخطاء التي تتنافى مع عقيدة الإِسلام كقوله عن تفسير الإستواء الوارد في عدة آيات: كناية عن السيطرة والهيمنة؛ وهذا مخالف للتفسير الوارد في البخاري عن مجاهد وأبي العالية: في قوله تعالى:
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ}. "سورة البقرة آية: 29"
قال مجاهد وأبو العالية: علا وارتفع. "انظر كتاب التوحيد ج 8"
2 - ذكرت ذلك لأخيه "محمد قطب" وقلت له: علِّقْ على كلام أخيك في الظلال، فقال لي: أخي يتحمل مسؤولية كلامه.
وبعد سنين طلبت مني "إحدى دور النشر" نشر كتابي الجديد:
(شهادة الإِسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله).
فذكرت فيه من نواقض الشهادتين: وحدة الوجود عند الصوفية وقرأت في كتاب (لا إله
(3/46)

إلا الله عقيدة وشريعة ومنهج حياة) لمؤلفه "محمد قطب" ذكر فيه نواقض لا إله إلا الله، ولم يذكر وحدة الوجود، فاتصلت به هاتفيًا من مكة.
قلت له: أنت مشرف على طبعة الشروق "في ظلال القرآن" أنا أطالبك بالتعليق في الحاشية امتثالًا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - القائل: "مَن رأى منكم منكرًا فلْيُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإِيمان". "رواه مسلم"
وأنت تستطيع أن تُغيره بلسانك وقلمك، فقال لي: شكر الله سعيك، فشكرته على ذلك، وطلبت منه نسخة فيها تعليقه على وحدة الوجود فسكت، وأسأل الله أن يوفقه لذلك.
3 - قمت بزيارة لأحد العلماء البارزين وعنده أحد مدرسي العقيدة الإِسلامية، وذكرت له وحدة الوجود في الظلال، فاستغرب ذلك، وأحضر كتاب الظلال من مكتبته وبدأ يقرأ فيه من أول تفسير سورة الحديد، حتى وصل إلى قوله: ولقد أخذ المتصوفة بهذه الحقيقة الأساسية الكبرى وهاموا فيها وبها، وسلكوا إليها مسالك شتى، بعضهم قال: إنه يرى الله في كل شيء في الوجود، وبعضهم قال: إنه رأى الله من وراء كل شيء في الوجود، وبعضهم قال إنه رأى الله فلم ير غيره في الوجود، وكلها أقوال تشير إلى الحقيقة إذا تجاوزنا عن ظاهر الألفاظ القاصرة في هذا المجال، إلا أن ما يؤخذ عليهم على وجه الِإجمال هو أنهم أهملوا الحياة بهذا التصور، والإِسلام في توازنه المطلق يريد من القلب البشري أن يدرك هذه الحقيقة، ويعيش بها ولها".
"انظر الظلال ج 6/ 3479 - 3480"
فأنكر العلماء الموجودون هذه الوحدة، ووافقوا على أن يُعَلق "محمد قطب" عليها.
4 - ولسيد قطب -يرحمه الله- كلام في كتبه يخالف وحدة الوجود، لكنه لم يُصرح بالرجوع عنها، وله كتابات جيدة، ولكنه ليس بمعصوم لأنه بشر يخطىء، فالواجب بيان هذه الأخطاء نصيحة للقراء وفي الحديث:
(الدين النصيحة). "رواه مسلم"
5 - وهناك أخطاء كثيرة في ظلال القرآن جمعها الشيخ عبد الله الدويش في كتابه:
"المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال" وكتاب "أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وأفكاره" للشيخ ربيع بن هادي، فليُرجع إليهما. وليت الشيخ محمد قطب أخذ بهذه الأخطاء وعلق عليها في طبعة الشروق لأنه مشرف عليها فهو مسؤول أمام الله عنها وأسأل الله أن يوفقه لذلك.
(3/47)

لا تصدق الدجالين
قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أتى عرَّافًا أوكاهِنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفرَ بما أُنزِلَ على محمد". "صحيح رواه أحمد"
يحرم تصديق المنجِّم والكاهِن والعراف والساحر والرمَّال والمندِّل وغيرهم ممن يدعي العلم بما في النفس، أو بالماضي والمستقبل، لأن ذلك من اختصاص الله وحده كما قال: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}."سورة الحديد: 6"
{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}. "سورة النمل: 65"
وما يقع من الدجالين إنما هو التخمين والمصادفة، وأكثره كذب من الشيطان لا يغتر به إلا ناقص العقل، ولو كانوا يعلمون الغيب لاستخرجوا الكنوز من الأرض، ولما أصبحوا فقراء يحتالون على الناس لأكل مالهم بالباطل، وإن كانوا صادقين فليُخبرونا عن أسرار اليهود لإِحباطها.

رُكنا لا إله إلا الله
لها ركنان: الركن الأول النفي - والركن الثاني الإِثبات؛ والمراد بالنفي نفيُ الإلهية عما سوى الله تعالى مِن سائر المخلوقات.
والمراد بالإِثبات إثبات الإِلهية لله سبحانه فهو الإِله الحق وما سواه من الآلهة التي اتخذها المشركون فكلها باطلة:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}.
"سورة الحج آية 62"
قال الإِمام ابن القيم: فدلالة لا إله إلا الله على إثبات إلهيته أعظمُ مِن دلالة قوله: الله إله، وهذا لأن قول (الله إله) لا ينفي إلهية ما سواه بخلاف قول: لا إله إلا الله فإنه يقتضي حصر الألوهية ونفيها عما سواه، وقد غلط غلطًا فاحشًا كذلك مَن فسرَ الإله بأنه القادر على الإختراع فقط.
(3/48)

من فوائد لا إله إلا الله
لهذه الكلمة إذا قيلت بصدق وإخلاص وعمل بمقتضاها ظاهراً وباطنًا فوائد حميدة على الفرد والجماعة مِن أهَمها:
1 - اجتماع الكلمة التي ينتج عنها حصول القوة للمسلمين والإنتصار على عدوهم لأنهم يدينون بدين واحد وعقيدة واحدة كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}. "سورة آل عمران آية 103"
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. "الأنفال آية 62 - 63"
والإختلاف والتناحر في العقيدة يسبب التفرق والنزاعِ والتناحر كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. "سورة الأنعام آية 159"
وقال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.
"سورة المؤمنون: 53"
فلا يجمع الناس سوى عقيدة الإِيمان والتوحيد التي هي مدلول لا إله إلا الله، واعتبرْ ذلك بحالة العرب قبل الإِسلام وبعده: (كان العرب في الجاهلية متفرقون فجمعهم الإِسلام).
2 - توفر الأمن والطمأنينة في المجتمع الموَحد الذي يدين بمقتضى لا إله إلا الله لأن كُلَّا من أفراده يأخذ ما أحل ويترك ما حرم عليه تفاعلًا مع عقيدته التي تُملي عليه ذلك، فيَنكَف عن الاعتداء والظلم والعدوان ويَحل محل ذلك التعاون والمَحبة والموالاة في الله عملاً بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}. "سورة الحجرات آية 10"
يظهر هذا جليًا في حالة العرب قبل أن يدينوا بهذه الكلمة وبعد ما دانوا بها، فقد كانوا مِن قبل أعداء متناحريبن يفتخرون بالقتل والنهب والسلب، فلما دانوا بها أصبحوا إخوة متحابين كما قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}. "الفتح آية 29"
وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}.
"آل عمران آية 103"
3 - حصول السيادة والإستخلاف في الأرض وصفاء الدين والثبوت أمام تيارات الأفكار والمبادىء المختلفة كما قال تعالى:
(3/49)

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}. "النور آية 55"
فربط سبحانه حصول هذه المطالب العلية بعبادته وحده لا شريك له الذي هو معنى ومقتضى لا إله إلا الله.
4 - حصول الطمأنينة النفسية والإستقرار الذهني لمن قال لا إله إلا الله وعمل بمقتضاها لأنه يعبد ربًا واحدًا يعرف مراده وما يُرضيه فيفعله ويعرف ما يُسخطه فيجتنبه بخلاف مَن يعبد آلهة مُتعددة كل واحد منها له مراد غير مراد الآخر كما قال تعالى:
{أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}. "سورة يوسف: 39"
وقال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا}. "الزمر آية 29"
قال الإِمام ابن القيم -رحمه الله-: هذا مثل ضربه الله سبحانه للمُشرك والموَحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون؛ والرجل المتشاكس: السيء الخلق.
فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شُبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لِرَجل واحد قد سَلِم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو فى راحة مِن تشاحن الخلَطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه مع رأفة مالكه ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه فهل يستويان هذان العبدان. "إعلام الموقعين 1/ 187"
5 - حصول السمو والرفعة لأهل لا إله إلا الله في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}. "الحج: 31"
فدلتَ الآية على أن التوحيد عُلوٌ وارتفاع وأن الشرك هبوط وسُفول وسقوط.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: شبه الإِيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرَفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعَد منها، وشبه تارك الإِيمان والتوحيد بالساقط مِنْ السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير التي تخطف أعضاءه وتُمزقه كل مُمَزق بالشياطين التي يرسلها الله
(3/50)

تعالى وتؤزه وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه، والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده عن السماء. "إعلام الموقعين 180"
6 - عصمة الدم والمال والعرض، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أُمِرتُ أن أُقاتلَ الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها). "رواه البخاري"
وقوله (بحقها): معناه: أنهم إذا قالوها وامتنعوا من القيام بحقها وهو أداء ما تقتضيه من التوحيد والإبتعاد عن الشرك والقيام بأركان الإِسلام أنها لا تعصِم أموالهم ولا دماءَهم بل يُقتلون وتؤخذ أموالهم غنيمة للمسلمين كما فعل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاءه.
هذا - ولهذه الكلمة آثار عظيمة على الفرد والجماعة في العبادات والمعاملات والآداب والأخلاق ...
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
"من كلام الشيخ صالح الفوزان"

دعاء الليل المستجاب
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن تعارَّ من الليل فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن قام فتوضأ ثم صلى قُبلت صلاته). "رواه البخاري وغيره"
قرأت هذا الدعاء من أجل شفائي من الأمراض التي أصابتني فشفاني الله، وقرأته من أجل تيسر بعض الأعمال المتعبة، فسهل الله لي وأراحني من معاناتها. بفضل الله ثم بقراءة هذا الدعاء.
إني أنصح كل مسلم إذا وقع في أي مشكلة، لا سيما إخواننا في الكويت، وفلسطين، وأفغانستان، وغيرها من البلاد الإِسلامية أن يلجأوا إلى الله وحده، ويقرأوا هذا الدعاء مع الأخذ بالأسباب التي أمر الإِسلام بها كالاستعداد للجهاد، وأخذ الدواء للمريض لا سيما الأدوية الواردة في الطب النبوي كالعسل، والحبة السوداء، وماء زمزم، وغيرها من العلاجات المفيدة.
(3/51)

(2)
كيف نفهم التوسل على ضوء الكتاب والسنة
(3/52)

موجز كيف نفهم التوسل؟
* - التوسل المشروع والممنوع
* - ولله الأسماء الحسنى فاعوه بها
* - معنى لا إله إلا الله
* - إياك نعبد وإياك نستعين
* - استعن بالله وحده
* - الدعاء لا يحتاج إلى واسطة
* - الدعاء هو العبادة
* - أحاديث ضعيفة في التوسل
* - شبهات حول التوسل
* - التوسل بالأحياء لا بالأموات
* - خلاصة البحث
* - دفع توهم
(3/53)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسله.
أما بعد فإن موضوع التوسل مُهمٌّ جدًا، أخطأ فيه كثير من المسلمين، لعدم معرفة حقيقته التي جاءت في الكتاب والسنة ظاهرة جلية، وقد بينت في هذه الرسالة التوسل المشروع، والتوسل الممنوع، مع الأدلة من القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى يكون المسلم على عِلم وبصيرة بما يقول ويدعو، فيكون توسله ودعاؤه مستجابًا، وحتى لا يقع في الشرك الذي يُحبط العمل، نتيجة الجهل، كما هو حال بعض المسلمين اليوم هداهم الله.
والله أسال أن ينفع بها المسلمين، ويجعلها خالصة لله تعالى.
محمد بن جميل زينو
(3/54)

التوسل المشروع وأنواعه
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.
"سورة المائدة: آية 35"
[قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه].
والتوسل المشروع هو الذي أمر به القرآن، وعلمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمل به الصحابة، وله أنواع عديدة أهمها:
1 - التوسل بالإِيمان: قال تعالى يقص توسل عباده بإيمانهم:
{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}. "سورة آل عمران: آية 193"
2 - التوسل بتوحيد الله: كدعاء يونس -عليه السلام- حين ابتلعه الحوت:
قال الله تعالى عن يونس:
{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}. "سورة الأنبياء 87 - 88"
3 - التوسل بأسماء الله قال الله تعالى:
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. "سورة الأعراف: آية 180"
ومن دعاء الرسول بأسمائه قوله:
"أسألك بكل اسم هوَ لك .. ". "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
4 - التوسل بصفات الله: كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"يا حَيّ يا قيوم برَحمَتكِ أستغيث". "حسن رواه الترمذي"
5 - التوسل بالأعمال الصالحة: كالصلاة، وبر الوالدين، وحفظ الحقوق، والأمانة والصدق، والذكر، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحبنا له ولأصحابه، وغيرها من الأعمال الصالحة، وهذه قصة أصحاب الغار الذين حُبسوا، فتوسلوا إلى الله ببر الوالدين، وإعطاء حق الأجير، وترك الزنا، وهي من الأعمال الصالحة، ففرج الله عنهم: عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدَّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالِكم.
(3/55)

قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق [أُقدِّمُ، قبلهما أهلًا ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر [أبعدتُ] يومًا فلم أرِحْ [فلم أرجع] عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما [حصتَهما] فوجدتهما نائمَين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق فبلهما أهلًا أَو مالاً؛ فلبثت -والقدح على يدي- أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي [يصيحون] فاستيقظا فشربا غبوقهما [شربا حصتهما من اللبن].
اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه مِن هذه الصخرة، "فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منها".
وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحَب الناس إليَّ، فأرَدْتها على نفسها فامتنعَت مني، حتى ألمتْ بها سنة مِن السنين [أصابها جوع] فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تُخلي بيني وبين نفسها، ففعلَتْ، حتى إذا قدرت عليها، قالت:
إتقِ الله ولا تُفض الخاتم إلا بحقه.
[لا تقرَبني إلا بنكاح شرعي]، فتحَرَّجْتُ من الوقوع عليها، فانصرفتُ عنها وهي أحب الناس إليَّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها!!
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
"فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها".
وقال الثالث: اللهم استأجرت أُجراء، وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمَّرْت [كثَّرْتُ] أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت: كل ما ترى مِن أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال يا عبد الله لا تستهزىء بي فقلت: إني لا أستهزىء بك، فأخذه كله فاستاقه ولم يترك منه شيئا!!
اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
(فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون). "القصة في البخاري ومسلم"
وبعض المسلمين -هداهم الله- تركوا التوسل بالأعمال الصالحة، ولجأوا إلى الأموات يتوسلون بهم، أو بأعمال الموتى، مخالفين بذلك هدي
(3/56)

نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي علّمهم التوسل إلى الله بإيمانهم بالله، وبحبهم لنبيهم، وحبهم لأصحابه، والصالحين من الأولياء، لأن حبهم من العمل الصالح.
يقول الشيخ أحمد الرفاعي: اطلبوا حوائجكم من الله بمحبته لأوليائه.
فهلا أخذ الصوفية بهذا التوسل المشروع، لأن محبة الله لأوليائه من صفاته -عَزَّ وَجَلَّ-.
- التوسل بدعاء الأحياء الصالحين كما فعل عمر -رضي الله عنه-:
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - صلى الله عليه وسلم - فتسقنا وإنا نتوسل إليك بعَمِّ نبينا - صلى الله عليه وسلم - فاسقنا، قال فيُسقَون. "رواه البخاري"
هذا الحديث دليل على أن المسلمين كانوا يتوسلون بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في حال حياته يطلبون الدعاء منه لنزول المطر، فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى، لم يطلبوا منه الدعاء، بل طلبوا من العباس عمِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حي، فقام العباس يدعو لهم.
(3/57)

التوسل الممنوع
التوسل الممنوع: هو الذي لا أصل له في الدين وهو على أنواع:
1 - التوسل بالأموات، وطلب الحاجات منهم، والاستعانة بهم، كما هو واقع اليوم، ويسمونه توسلًا، وليس كذلك، لأن التوسل هو الطلب من الله بواسطة مشروعة كالإِيمان والعمل الصالح وأسماء الله الحسنى، أما دعاء الأموات فهو إعراض عن الله، وهو من الشرك الأكبر، لقول الله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [الظالمين: المشركين] "سورة يونس: آيه 106"
2 - أما التوسل بجاه الرسول كقولك: (يارب بجاه محمد اشفني) ففيه نظر، لأن الصحابة لم يفعلوه، ولأن عمر الخليفة، توسل بالعباس حيًا بدعائه، ولم يتوسل بالرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد موته عندما طلب نزول المطر، وأما حديث: (توسلوا بجاهي) لا أصل له، كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية، وهذا التوسل البدعي ليس بشرك وقد يؤدي للشرك، وذلك إذا اعتقد أن الله محتاج لواسطة، كالأمير والحاكم، لأنه شبه الخالق بالمخلوق.
وقال ابو حنيفة: (أكره أن أسأل الله بغير الله). "كما في الدر المختار"
3 - وأما طلب الدعاء من الرسول بعد موته، كقولك: (يا رسول الله ادع لي) فغير جائز، لأن الصحابة لم يفعلوه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا مِن ثلاث: صدقة جارية، أو عِلم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له). "رواه مسلم"
(3/58)

{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}
1 - يأمرنا الله تعالى في هذه الآية أن ندعوه بأسمائه الحسنى، فإن أول واجب على العبد هو معرفة ربه ومولاه، وذلك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه في كتابه أو وصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سنته من غير تحريف ولا تأويل، وكذلك من غير إدخال للعقل في تصور الكيفية أو محاولة التشبيه والتمثيل بالمخلوقات، فهو كما وصف نفسه:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. "سورة الشورى: آية 11"
2 - القيام بحقوق كل اسم وصفة لله سبحانه بالتعبد له بهذه الأسماء والصفات، ودعائه بها وتأثر القلب بها، فأسماء الله العظيم المجيد المتكبر المتعال الأعلى ذو الجلال والإِكرام وأنه فوق عباده على العرش استوى، تملأ القلب تعظيمًا له وإجلالًا وخوفًا منه ورهبة، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه، وأسماء الخبير السميع البصير العليم الشهيد تملأ القلب مراقبة لله في الحركات والسكنات، ومن أسمائه الرحمن الرحيمِ البَرُّ الكريم الجواد الرزاق تملأ القلب محبة له وشوقًا إليه وطمعًا في رزقه ورحمته وحمدًا له وشكرا.
وكلما ازداد الإِنسان معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد عبودية لله قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا مَن أحصاها دخل الجنة). "رواه البخاري" [أحصاها: حفظها وقام بحقوقها]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أصاب عبدًا هَمٌّ ولا حزن فقال: "اللهم إني عبدُك، وابن عبدِك، وابن أَمَتِكَ، ناصِيَتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، اسألك بكل اسم هُوَ لك، سَمَّيتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمته أحدًا مِن خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي، ونورَ بصري، وجلاء حُزني، وذهاب هَمي" إلا أذهب الله هَمَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا". "صحيح رواه أحمد"
(3/59)

معنى لا إله إلا الله
(لا معبود بحق إلا الله)

فيها نفي الإِلهية عن غير الله، وإثباتها لله وحده.
1 - قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ}. "سورة محمد: آية 19"
فالعلم بمعناها والعمل بمقتضاها واجب ومقدم على سائر أركان الإِسلام.
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من قال لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة". "صحيح رواه أحمد"
والمخلص هو الذي يفهمها، ويعمل بها، ويدعو إليها قبل غيرها، لأن فيها التوحيد الذي خلق الله العالم لأجله.
3 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه أبي طالب حين حضره الموت، يا عَمُّ قل: "لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله، وأبى أن يقول لا إله إلا الله". "رواه البخاري ومسلم"
4 - بقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة ثلاثة عشر عامًا، يدعو العرب قائلا: قولوا لا إله إلا الله، فقالوا إلهًا واحدًا ما سمعنا بهذا؟ لأن العرب فهموا معناها، وأن من قالها لا يدعو غير الله فتركوها ولم يقولوها، قال الله تعالى عنهم:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} "سورة الصافات: آية 35 - 37"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَد مِن دون الله حَرُمَ ماله ودمه). "رواه مسلم"
ومعنى الحديث: أن التلفظ بالشهادة يستلزم أن يكفر وينكر كل عبادة لغير الله، كدعاء الأموات وغيرهم.
والغريب أن بعض المسلمين يقولونها بألسنتهم، ويخالفون معناها بأفعالهم ودعائهم لغير الله!!
5 - (لا إله إلا الله) أساس التوحيد والإِسلام، ومنهج كامل للحياة، يتحقق بتوجيه كل أنواع العبادة لله، وذلك إذا خضع المسلم لله، ودعاه وحده، واحتكم لشرعه دون غيره.
6 - قال ابن رجب: (الإِله) هو الذي يطاع ولا يُعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يصلح هذا كله إلا لله -عَزَّ وَجَلَّ-، فمَن أشرك مخلوقًا في شيء مِن هذه الأمور التي هي من خصائص الإله، كان ذلك
(3/60)

قدحًا في إخلاصه في قوله: (لا إله إلا الله)، وكان فيه من عبودية المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك.
7 - إن كلمة (لا إله إلا الله) تنفع قائلها إذا لم ينقضها بشرك فهي شبيهة بالوضوء الذي ينقضه الحدث.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة). "حسن رواه الحاكم"
8 - إن كلمة التوحيد "لا إله إلا الله) يكون الدعاء بعدها مستجاب.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن تعارَّ مِن الليل [أي استيقظ] فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فإن دعا استُجيب له، وإن توضأ وصلَّى قُبلت صلاته". "رواه البخاري وغيره"
(3/61)

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
(نخصك بالعبادة والدعاء والإستعانة وحدك)

1 - ذكر علماء العربية أن الله تعالى قدم المفعول به (إياك) على الفعل (نعبد ونستعين) ليخص العبادة والإِستعانة به وحده، ويحصرهما فيه دون سواه.
2 - إن هذه الآية التي يكررها المسلم عشرات المرات في الصلاة وخارجها، هي خلاصة سورة الفاتحة، وهي خلاصة القرآن كله
3 - إن العبادة في هذه الآية تعم العبادات كلها مثل الصلاة والنذر والذبح ولا سيما الدعاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
فكما أن الصلاة عبادة لا تجوز لرسول ولا لولي فكذلك الدعاء عبادة، فهو لله وحده قال تعالى لرسوله:
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا}. "سورة الجن: آية 20"
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -:
"دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنتَ سبحانك إني كنت مِن الظالمين لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له". "صححه الحاكم ووافقه الذهبي"
وذو النون هو الرسول يونس -عليه السلام- الذي قص الله علينا خبره في القرآن الكريم حين قال:
أ - {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}. "سورة الأنبياء: آية 87، 88"
[نقدر عليه: نُضيِّق عليه في بطن الحوت، أو نقضي عليه]
ب - وقال الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم -:
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}. [مكظوم: مغموم] [سورة القلم: آية 48 - 50]
(3/62)

استعن بالله وحده
قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
1 - يقول الإِمام النووي في تفسير هذا الحديث ما خلاصته: إذا طلبت الإِعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة فاستعن بالله، ولا سيما في الأمور التي لا يقدر عليها غير الله، كشفاء المرض وطلب الرزق والهداية، فهيَ مما اختص الله بها وحده قال الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ} "سورة الأنعام: آية 17"
2 - من أراد حجة فالقرآن يكفيه، ومن أراد مغيثًا فالله يكفيه، ومن أراد واعظًا فالموت يكفيه، ومن لم يكفه شيء من ذلك، فإن النار تكفيه، قال الله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ}. "سورة الزمر: آيه 36"
قال ابن كثير: يعني أنه تعالى يكفي مَن عَبَدَهُ وتوكل عليه. "انظر التفسير 4/ 54"
3 - يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني:
"سلوا الله ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، ويحك بأي وجه تلقاه غدًا، وأنت تنازعه في الدنيا، مُعرض عنه، مُقبل على خلقه، مُشرك به، تُنزل حوائجك بهم، وتتكل بالمهمات عليهم، ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله فإن وقوفكم معها هَوَسْ، لا ملك ولا سلطان، ولا غنى، ولا عز إلا للحق -عَزَّ وَجَلَّ-، كن مع الحق، بلا خلق. [أي كن مع الله بدعائه وحده بلا واسطة من خلقه].
4 - الإستعانة المشروعة؛ أن تستعين بالله على حل مشاكلك، وأن تأخذ بالتوسل المشروع الذي مرَّ ذكره.
والإستعانة الشركية: أن تستعين بغير الله كالأنبياء والأولياء الأموات، أو الأحياء الغائبين، فهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، ولا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا ما استجابوا لنا، قال الله تعالى:
{إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ}. سوره فاطر: آية 14"
أما الاستعانة بالأحياء الحاضرين فيما يقدرون عليه من بناء مسجد أو أخذ مساعدة مالية، وغير ذلك، فهي جائزة لقول الله تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}. "سورة المائدة: آية 2"
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". "رواه مسلم"
(3/63)

الدعاء لا يحتاج إلى واسطة
لو تتبع المسلم الآيات الموجودة في القرآن عن السؤال والجواب، لوجد أن الناس كانوا يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أمور، فيأتيه الوحي من السماء ليجيب عنها، ويبلغهم حكمها عن الله.
من هذه الآيات -وما أكثرها- قول الله تعالى:
1 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ؟ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}. "سورة الأنفال: 1"
2 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ؟ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} "البقرة: 219"
3 - {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ؟ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} "البقرة 222"
4 - {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى؟ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ}. "البقرة: 220"
5 - {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ؟ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}. "المائدة: 4"
فهذه الآيات تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان واسطة بين الله وعباده في تبليغ الأحكام، أما الدعاء الذي ورد عنه السؤال للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلم يسبق الجواب عنه ب (قل)، بل كان عنه الجواب مباشرة من الله -عَزَّ وَجَلَّ-، قال الله تعالى:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي؟ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. "البقرة: 186"
فلم يسبق الجواب كلمة (فقل) إني قريب.
فدلت هذه الآية على أن الدعاء لا يحتاج إلى واسطة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الرسل والأولياء لأن الله تعالى قريب يسمع دعاء عبده فيجيبه.
(3/64)

الدعاء هو العبادة
هذا الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي، يدل على أن الدعاء من أهم أنواع
العبادة، فكما أن الصلاة لا تجوز أن تكون لرسول أو ولي، فكذلك لا يُدعى الرسول أو الولي من دون الله.
1 - إن المسلم الذي يقول: يا رسول الله أو يا رجال الغيب غوثًا ومددًا، هو دعاء وعبادة لغير الله، ولو كانت نيته أن الله هو المغيث، ومثله مثل رجل أشرك بالله -عَزَّ وَجَلَّ- وقال: أنا في نيتي أن الإِله واحد، فلا يُقبل منه هذا، لأن كلامه دل على خلاف نيته، فلا بُدَّ من مطابقة القول للنية والمعتقد، وإلا كان شركًا أو كفرًا لا يغفره الله إلا بتوبة.
2 - فإن قال هذا المسلم أنا في نيتي أن أتخذهم واسطة إلى الله، كالأمير الذي لا أستطيع أن أدخل عليه إلا بواسطة:
أقول: هذا تشبيه الخالق بالمخلوق الظالم الذي لا يدخل عليه أحد إلا بواسطة، وهذا التشبيه من الكفريات.
قال الله تعالى منزهًا ذاته وصفاته وأفعاله:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. "سورة الشورى: آية 11"
فتشبيه الله بمخلوق عادل كفر وشرك، فكيف إذا شبهه بإنسان ظالم؟ تعالى الله عما يقوله الظالمون علوًا كبيرًا.
والأمير العادل لا يحتاج لواسطة، فكيف بأعدل الحاكمين؟
3 - لقد كان المشركون في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتقدون أن الله هو الخالق والرازق، ولكنهم يدعون الأولياء الممثلين في الأصنام واسطة تقربهم إلى الله، فلم يرض الله منهم هذه الواسطة، بل كَفَّرهم وقال لهم:
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}. "سورة الزمر: آية 3"
والله تعالى سميع قريب لا يحتاج إلى واسطة.
قال الله تعالى:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}. "سورة البقرة: آية 186"
4 - إن هؤلاء المشركين كانوا يدعون الله وحده عند المصائب والشدائد:
(3/65)

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}. "سورة يونس: آية 22"
ولكن المشركين كانوا يدعون أولياءهم الممثلة في الأصنام وقت الرخاء، فكفرهم القرآن ولم يرضَ منهم دعاءهم لله وحده وقت الشدائد، فما بال بعض المسلمين يدعون غير الله من الرسل والصالحين، ويستغيثون بهم، ويطلبون المعونة منهم وقت الشدائد والمحن ووقت الرخاء!! ألم يقرأوا قول الله تعالى:
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}. "سورة الأحقاف: آية 5 - 6"
5 - يظن الكثير من الناس أن المشركين الذين ورد ذكرهم في القرآن كانوا يدعون أصنامًا من الحجارة وهذا خطأ، لأن الأصنام الذين ورد ذكرهم في القرآن كانوا في الأصل رجالًا صالحين:
ذكر البخاري عنِ ابن عباس -رضي الله عنه- في قوله تعالى في سورة نوح:
{وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}.
"سورة نوح: آية 23"
قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلك أولئك أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائه، ففعلوا ولم تُعبَد، حتى إذا هلك أولئك ونُسيَ العلم عُبدت. (أي الأصنام).
6 - قال الله تعالى منكرًا على الذين يدعون الأنبياء والأولياء والجن:
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}."سورة الإسراء: آية 56 - 57"
عن ابن مسعود قال: كان نفرٌ من الإِنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن، فاستمسك الآخرون بعبادتهم فنزلت:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ}. "متفق عليه"
قال الحافظ ابن حجر: استمر الإنس الذين كانوا يعبدون نفرًا من الجن على عبادة الجن،
(3/66)

والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة. وروى الطبري من وجه آخر عن ابن مسعود فزاد فيه: والإِنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم وهذا هو المعتمد في تفسير الآية. "انظر فتح الباري ج 8/ 397"
والوسيلة: هي القربة، كما قال قتادة، ولهذا قال:
{أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}. "انظر تفسير ابن كثير"
أقول: في هذه الآية رد على الذين يدعون غير ربهم من الأنبياء والأولياء ويتوسلون بهم، ولو توسلوا بإيمانهم بهم، وحبهم لهم -وهو من العمل الصالح- لكان حسنا، لأنه من التوسل المشروع.
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية ما خلاصته:
نزلت هذه الآية في جماعة من الإِنس كانوا يعبدون الجن ويدعونهم من دون الله: فأسلم الجن وقيل نزلت في جماعة من الإِنس كانوا يدعون المسيح والملائكة.
فهذه الآية تنكر على من يدعو غير الله ولو كان نبيًا أو وليا.
7 - يزعم البعض أن الاستغاثة بغير الله جائزة ويقولون: المغيث على الحقيقة هو الله، والإستغاثة بالرسول والأولياء تكون مجازًا كما تقول شفاني الدواء والطبيب، وهذا مردود عليهم في قول ابراهيم -عليه السلام-:
{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}. "سورة الشعراء: آية 80"
أكد بالضمير (هو) في كل آية ليدل على أن الهادي والرازق والشافي هو الله وحده لا غيره، وأن الدواء قد يسبب الشفاء وليس شافيًا.
8 - الكثير من الناس لا يفرق بين الاستغاثة بحي أو بميت والله تعالى يقول:
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ}. "سوره فاطر: آية 22"
أما قوله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}.
"سورة القصص: آية 15"
فهي حكاية عن رجل استغاث بموسى حيًا ليحميه من عدوه، وقد فعل ذلك.
{فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}. "سوره القصص: آية 15"
وأما الميت فلا يستطيع الِإجابة لعدم قدرته على ذلك، قال تعالى:
{إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} "سورة فاطر: آية 14"
(3/67)

(وهذا نص صريح أن دعاء الأموات شرك).
وقال الله تعالى:
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}. "سورة النحل: آية 20 - 21"
9 - ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الناس يوم القيامة يأتون الأنبياء فيستشفعون بهم، حتى يأتوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فيستشفعوا به أن يُفرِّج عنهم، فيقول: أنا لها، ثم يسجد تحت العرش ويطلب من الله الفرج وتعجيل الحساب، وهذه الشفاعة طلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو حي يكلمه الناس ويكلمونه، أن يشفع لهم عند الله ويدعو لهم بالفَرَج، وهذا ما سيفعله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي.
10 - وأكبر دليل على الفرق بين الطلب من الحي والميت هو ما فعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حينما نزل بهم القحط، فطلب من العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لهم، ولم يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد انتقاله للرفيق الأعلى.
11 - يظن بعض أهل العلم أن التوسل كالإستغاثة مع أن الفرق بينهما كبير، فالتوسل هو الطلب من الله بواسطة فتقول مثلاَ:
(اللهم بحبك وحبنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحبنا لأوليائك فرِّج عنا) فهذا جائز.
أما الاستغاثة البدعية فهي الطلب من غير الله فتقول:
(يا رسول الله فَرِّج عنا) وهذا غير جائز وهو شرك أكبر لقوله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. (أي المشركين) "سورة يونس: آية 106"
وقال تعالى آمرًا نبيه أن يقول للناس:
{قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}. "سورة الجن: آية 21"
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا}. "سورة الجن: آية 20"
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
وقال الشاعر:
الله أسأل أن يُفرج كربنا ... فالكرب لا يمحوه إلا الله
(3/68)

أحاديث ضعيفة في التوسل
1 - (توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم). "لا أصل له في شيء من كتب الحديث"
مع أن جاهه - صلى الله عليه وسلم - أعظم من جاه جميع الأنبياء، ولكنه لم يأمرنا بالتوسل بجاهه، بل علمنا أن نتوسل بحب الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهو من صفات الله وأن نتوسل بحبه - صلى الله عليه وسلم -،
لأن حبه من العمل الصالح، فنقول: (اللهم بحبك لرسولك، وحبنا له فرج عنا)
2 - من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: (اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشَرًا ولا بَطرًا ... أقبل الله عليه بوجهه). "رواه أحمد وإسناده ضَعيف لأنه من رواية عطية العوفي، وهو ضعيف كما قال النووي والذهبي"
3 - قصة خلاصتها: أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، فشكا الرجل إلى عثمان بن حنيف، فعلمه دعاء الأعمى الذي علمه الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -. . .) "القصة ضعيفة والحديث صحيح وسيأتي" فقرأه، ثم ذهب إلى عثمان فقضى حاجته، بعد أن رده أول مرة ... إلى آخر القصة. وهذه القصة ضعيفة منكرة لأمور ثلاثة:
1 - ضعف حفظ المتفرد بها.
2 - والإختلاف عليه فيها.
3 - ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث، وأمرٌ واحد كاف لإسقاط هذه القصة فكيف بها مجتمعة؛ هذا وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة وجدها من الأدلة على نكارة القصة وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان -رضي الله عنه- كان لا ينظر في حاجة الرجل ولا يلتفت إليه، فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الملائكة تستحي مِن عثمان، ومع ما عرف به من رفقه بالناس، وبِره بهم، ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه، لأنه ظلم يتنافى مع شمائله -رضي الله عنه- وأرضاه. "انظر كتاب التوسل للشيخ الألباني ص 88، 91"
4 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفتح بصعاليك المهاجرين. "مرسل ضعيف عند المحدثين"
5 - (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب بحق محمد إلا غفرت لي، فقال يا آدم: وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعتُ
(3/69)

رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال:
(غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك). "قال الذهبى حديث موضوع"
وهذا الحديث الموضوع يخالف القرآن في موضعين:
أ - ذكر الله سبحانه وتعالى أنه قبل توبة آدم وحواء بسبب قولهما:
{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} "الأعراف 23"
ب - أن الله تعالى قال عن سبب خلق آدم وغيره من الإِنس والجن:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}. "سوره الذاريات 56"
(3/70)

شبهات حول التوسل
الشبهة الأولى
يحتجون على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث أنس:
(أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال فيُسقَون). "رواه البخاري"
فيفهمون مِن هذا الحديث أن توسل عمر -رضي الله عنه- إنما كان بجاه العباس -رضي الله عنه-، ومكانه عند الله سبحانه، وأن توسله كان مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطَلَبٍ منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدعون.
وأما سبب عدول عمر -رضي الله عنه- عن التوسل بالرسول - صلى الله عليه وسلم - بزعمهم- وتوسله بالعباس، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول، مع وجود الفاضل لا غير، وفهمهم هذا خاطىء، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة أهمها:
1 - أن عمر -رضي الله عنه- صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس، ومما لا شك فيه أن التوسلين من نوع واحد: توسلهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتوسلهم بالعباس، وإذ تبين للقارىء أن توسلهم به - صلى الله عليه وسلم - إنما كان توسلًا بدعائه - صلى الله عليه وسلم -، فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه أيضًا، بضرورة أن التوسلين من نوع واحد.
2 - أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه - صلى الله عليه وسلم -، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - ليس غير.
ويرشد إلى ذلك قوله تبارك وتعالى:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}. "سورة النساء: آية 64"
3 - فهذه الاحاديث وأمثالها مما وقع في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمن أصحابه الكرام رضوان الله عليهم تُبين بما لا يقبل الجدال أو المماراة أن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أو بالصالحين الذي كان عليه السلف الصالح هو مجيء المتوسِّل إلى المتوسَّل به وعرضه حاله له، وطلبه منه أن يدعوا له الله سبحانه، ليحقق طلبه، فيستجيب هذا له، ويستجيب من ثم الله
(3/71)

سبحانه وتعالى دعاءه.
4 - لو كان توسل عمر -رضي الله عنه- إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى، لما ترك التوسل به - صلى الله عليه وسلم - بهذا المعنى، لأن هذا ممكن لو كان مشروعًا، فعدول عمر عن هذا إلى التوسل بدعاء العباس -رضي الله عنه- أكبر دليل أن عمر والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته - صلى الله عليه وسلم -، وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم، كما جرى في توسل معاوية بن أبي سفيان، والضحاك بن قيس، ويزيد بن الأسود الجرشي، وفيهما بيان دعائه بصراحة وجلاء.

الشبهة الثانية
بحديث عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أُدعُ الله أن يعافيني. قال: "إن شئتَ دعوتُ لك، وإن شئتَ أخرتُ ذاك، فهو خير.
"وفي رواية: وإن شئت صبرت فهو خيرٌ لك"، فقال: ادعه. فأمره أن يتوضأ، فيُحسِن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء.
اللهم إني أسألك، وأتوجَّه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقْضى لي، اللهم فشَفعه فيَّ [وشَفعني فيه]). قال ففعل الرجل فبرأ.
"أخرجه في المسند (4/ 138)، ورواه الترمذي انظر التوسل وأنواعه وأحكامه ص 75" "وهو حديث صحيح"
يرى المخالفون أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -علَّم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا. والجواب:
1 - أن الأعمى إنما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدعو له، وذلك قوله: أُدعُ الله أن يعافيني، فهو قد توسل إلى الله بدعائه - صلى الله عليه وسلم -، لأنه يعلم أن دعاءه - صلى الله عليه وسلم - أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو قصد الأعمى التوسل بذات النبي - صلى الله عليه وسلم -، أوجاهه أوحقه لما كان ثمة حاجة إلى أن يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلًا:
"اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني، وتجعلني بصيرًا) ولكنه لم يفعل لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، ويذكر فيه اسم المتوسَّل به، بل لا بد أن يشتمل على المجيء إلى مَن يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة وطلب الدعاء منه.
(3/72)

2 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعده بالدعاء مع نصحه ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن شئتَ دعوتُ، وإن شئت صبرتَ فهو خيرٌ لك".
وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -أي عينيه- فصبر عوضته منهما الجنة". "رواه البخاري"
3 - إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (اُدعه) فهذا يقتضي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا له، لأنه - صلى الله عليه وسلم - خيرٌ مَن وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء، وأصرَّ عليه، فإذن لابُدَّ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا له فثبت المراد.
4 - وقد وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمى إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يدعو لنفسه.
5 - أن في الدعاء الذي علمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: (اللهم فشفِّعْه فيَّ) وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته، أوجاهه، إذ المعنى: اللهم اقبل شفاعته - صلى الله عليه وسلم - فيَّ، أي اقبل دعاءه في أن ترد بصري عليَّ. والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاَعة الثابتة له - صلى الله عليه وسلم - ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص منِ الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره.
فثبت بهذا الوجه أن توسل الأعمى، إنما كان بدعائه - صلى الله عليه وسلم - لا بذاته.
6 - إن مما علَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمى أن يقوله: (وشفِّعني فيه) (1) أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته - صلى الله عليه وسلم - أي دعاءه في أن تَرُدَّ عليَّ بصري. هذا لا يمكن أن يُفهم سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها، ولا يتعرضون لها من قريب ولا من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، ذلك أن شفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول - صلى الله عليه وسلم - كيف تكون؟
__________
(1) هذه الجملة صحت في الحديث، أخرجها أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وهي وحدها حجة قاطعة على أن حمل الحديث على التوسل بالذات باطل، كما ذهب إليه بعض المؤلفين حديثًا، والظاهر أنهم علموا ذلك، ولهذا لم يوردوا هذه الجملة مطلقًا، الأمر الذي يدل على مبلغ أمانتهم في النقل، وقريب من هذا أنهم أوردوا الجملة. التي قبلها: (اللهم فشفعه في) من الأدلة على التوسل بالذات، وأما توضيح دلالتها فمما لم يتفضلوا به على القراء، ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
(3/73)

لا جواب ذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدًا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلًا:
اللهم شفِّع فيَّ نبيك، وشَفِّعني فيه.
7 - إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإِبراء من العاهات، فإنه بدعائه - صلى الله عليه وسلم - لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على
أن السرَّ في شفاء الأعمى إنما هو في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ويؤيده أنَّه ليس كل من دعا به من العميان قد عُوفي، بل على الأقل لعوفي واحد منهم، هذا ما لم يكن، ولعله لا يكون أبدًا.
كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقدره، وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه - صلى الله عليه وسلم -، بل ويضمون إليه أحيانًا جاه جميع الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين. "انظر كتاب (التوسل) للشيخ الألباني"
(3/74)

التوسل بالأحياء لا بالأموات
1 - هناك أحاديث ضعيفة في التوسل يستشهد بها الذين يجيزون التوسل بكل أنواعه، ويتركون الأحاديث الصحيحة في التوسل بأسماء الله وصفاته، والتوسل بأعمال الإنسان الصالحة، والتوسل بطلب الدعاء من الأحياء الصالحين، أو يتأولونها على غير وجهها والمراد منها، كما يتأولون طلب عمر بن الخطاب من العباس أن يدعو لهم بنزول المطر، ولم يطلب من الرسول بعد وفاته، فقالوا: هذا يدل على جواز الطلب من المفضول مع وجود الفاضل، وهذا خطأ كبير.
2 - ولو كان طلب الدعاء من الميت جائزًا لفعله الصحابة ولو مرة واحدة، ولا سيما مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أفضل الخلق، ولكنهم لم يفعلوا، لأنهم عرفوا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع طلبهم، حتى السلام عليه - صلى الله عليه وسلم - لا يسمعه إلا بواسطة الملائكة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن لله ملائكة سيَّاحين في الأرض يُبلغوني عن أُمتي السلام" "صححه الحاكم ووافقه الذهبي" وعرف الصحابة رضوان الله عليهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع أن يدعو لهم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا مِن ثلاث: صدقة جارية، أو عِلم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له". "رواه مسلم"
والرسول - صلى الله عليه وسلم - داخل في هذا الحديث لأن الله تعالى يقول: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. "سورة الزمر: 30"
3 - ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأنبياء تبقى أجسامهم لا تبلى كغيرهم من الأموات، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حَرَّمَ على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" "صحيح رواه أبو داود"
وحياته - صلى الله عليه وسلم - في قبره حياة برزخية، تُرَدُّ إليه روحه حين تُبلغه الملائكة السلام.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما مِن أحد يُسلم عليَّ إلا رَدَّ الله علي روحي حتى أرُدُّ -عليه السلام-".
"رواه أبو داود وحسن إسناده الشيخ الألباني في المشكاة"
مفهوم الحديث: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع السلام عليه، ولا يَرُدُّ عليه، إلا بعد رَدِّ روحه عليه، وهي خاصة به - صلى الله عليه وسلم -.
وحياته - صلى الله عليه وسلم - في قبره، ليست كحياتنا، ولو كان كذلك لما ترك الصحابة الصلاة خلفه، ولرجعوا إليه فيما اختلفوا فيه، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل رجعوا إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
(3/75)

خلاصة البحث
1 - إذا تبين للقارىء الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه - صلى الله عليه وسلم - وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه:
- (اللهم إني أسالك وأتوجَّه إليك بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -) إنما المراد به أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة كقول الله تعالى:
{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا}. "سورة يوسف آية 82"
[أي أهل القرية وأصحاب العير، ونحن ومخالفونا متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر -رضي الله عنه- توسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير:
إِني أتوجه إليك ب[جاه] نبيك، يا محمد إني توجهت ب[ذاتك] أو [مكانتك] إلى ربي كما يزعمون.
وإما أن يكون التقدير إني أتوجه إليك ب[دعاء] نبيك، يا محمد إني توجهت [بدعائك] إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح أحد التقديرين من دليل يدل عليه:
فأما تقديرهم [بجاه] فليس لهم عليه دليل لا من هذا الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام، ولا سياقه تصريح، أو إشارة لذكر الجاه، أو ما يدل عليه إطلاقًا، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو السنة أو فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فبقي تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الإعتبار والحمد لله.
أما تقديرنا فيقوم عليه أدلة كثيرة تقدمت في الوجوه السابقة.
"انظر كتاب التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني"
(3/76)

التوسل بالرسول ثلاثة أقسام
القسم الأول: أن يتوسل بالإِيمان به، واتباعه، وهذا جائز في حياته وبعد مماته.
القسم الثاني: أن يتوسل بدعائه، أي بأن يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو له، فهذا جائز في حياته لا بعد مماته لأنه بعد مماته متعذر.
القسم الثالث: أن يتوسل بجاهه ومنزلته عند الله، فهذا لا يجوز في حياته ولا بعد مماته لأنه ليس وسيلة إذ أنه لا يوصل الإِنسان إلى مقصوده لأنه ليس من عمله.
فإذا قال قائل: جئت إلى الرسول- عليه الصلاة والسلام- عند قبره، وسألته أن يستغفر لي، أو أن يشفع لي عند الله فهل يجوز ذلك أم لا؟
قلنا لا يجوز، فإذا قال: أليس الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}؟. "سورة النساء الآية 64"
قلنا له: بلى، إن الله يقول ذلك، ولكن يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا}. وإذ هذه
ظرف لما مضى وليست ظرفًا للمستقبل لم يقل الله {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا}. بل قال: {إِذْ ظَلَمُوا} فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستغفار الرسول- صلى الله عليه وسلم -. بعد مماته أمر متعذر لأنه إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم - "صدقة جارية، أو عَلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". "رواه مسلم"
فلا يمكن لإِنسان بعد موته أن يستغفر لأحد، بل ولا يستغفر لنفسه أيضًا لأن العمل قد انقطع. فتاوى الشيخ ابن عثيمين 1/ 89
(3/77)

دفع توهم
هذا ولا بد من بيان ناحية هامة تتعلق بهذا الموضوع، وهي أننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم، ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم، كما افترى علينا الدكتور البوطي في كتابه.
(فقه السيرة ص 354) فقال ما نصه: "فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته .. ".
كلا ثم كلا، فنحن ولله الحمد من أشد الناس تقديرًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأكثرهم حُبًا له، واعترافًا بفضله - صلى الله عليه وسلم -، وإن دلَّ هذا الكلام على شيء فإنما يدل على الحقد الأعمى الذي يملأ قلوب أعداء الدعوة السلفية على هذه الدعوة وعلى أصحابها، حتى يحملهم على أن يركبوا هذا المركب الخطر الصعب، ويقترفوا هذه الجريمة البشعة النكراء، ويأكلوا لحوم إخوانهم المسلمين، ويكفرونهم دونما دليل، اللهم إلا الظن الذي هو أكذب الحديث، كما قال النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم -: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث). "متفق عليه"
ولا أدري كيف سمح هذا المؤلف الظالم لنفسه أن يصدر مثل هذا الحكم الذي لا يستطيع إصداره إلا الله -عَزَّ وَجَلَّ-، المطلع وحده على خفايا القلوب ومكنونات الصدور، ولا تخفى عليه خافية.
أتراه لا يعلم جزاء من يفعل ذلك، أم أنه يعلم، ولكنه أعماه الحقد الأسود والتحامل الدفين على دعاة السنة؟ أي الأمرين كان فإننا نذكره بهذين الحديثين الشريفين لعله ينزجر عن غَيِّه، ويفيق من غفلته، ويتوب من فعلته.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أيما رجل أكفرَ رجلاً مسلمًا فإن كان كافر وإلا كان هو الكافر". "متفق عليه"
وقال - عليه أفضل الصلاة والسلام -:
(إن من أربى الربى الإستطالة في عرض المسلم بغير حق) "رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح" كما نقول له أخيرًا: ترى هل دريت يا هذا بأنك حينما تقول ذاك الكلام فإنك ترد على سلف هذه الأُمة الصالح، وتُكفر أئمتها المجتهدين ممن لا يجيز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره بعد وفاتهم كالإِمام أبي حنيفة وأصحابه -رحمهم الله تعالى-، وقد قال أبو حنيفة:
(3/78)

"أكره أن يُتوسل إلى الله إلا بالله" كما تقدم.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ونعود لنقول: إن كل مخلص منصف ليعلم علم اليقين بأننا والحمد لله من أشد الناس حُبًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أعرفهم بقدره وحقه وفضله - صلى الله عليه وسلم -، وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم، وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أُمته خير أُمة أخرجت للناس. إلى آخر ما هنالك من فضائله - صلى الله عليه وسلم - ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أقول: إننا -والحمد لله- من أول الناس اعترافًا بذلك كله، وإن منزلته - صلى الله عليه وسلم - عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الِإتباع له - صلى الله عليه وسلم -، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال سبحانه وتعالى:
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} "سورة آل عمران: آية 31"
ونحن بفضل من الله من أحرص الناس على طاعة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، واتباع نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة بخلاف الغلو في التعظيم، والإِفراط في الوصف اللذين نهى الله عنهما، فقال سبحانه:
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ}. "سورة النساء: آية 17"
كما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهما فقال: (لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله). "رواه البخاري، والترمذي في الشمائل"
ومن الجدير بالذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل من الغلُو في الدين أن يختار الحاج إذا أراد رمي الجمرات بمنى الحصوات الكبيرة وأمر أن تكون مثل حصى الخذف.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة العقبة:
"هاتِ ألْقط لي. قال فلقطت له نحو حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: مثل هؤلاء -ثلاث مرات- وإياكم والغلُو في الدين، فإنما هلك مَن كان قبلكم بالغلُو في الدين" "صحيح رواه أحمد وغيره"
ذلك لأنه يعدُّ مسألة رمي الجمار مسألة رمزية الغرض منها نبذ الشيطان ومحاربته، وليس
(3/79)

حقيقة يراد بها قتله وإماتته، فعلى المسلم تحقيق الأمر، ومنابذة الشيطان عدو الإِنسان اللدود بالعداء ليس غير، ومع هذا التحذير الشديد من الغلو في الدين، وقع المسلمون فيه مع الأسف، واتبعوا سنن أهل الكتاب، فقال قائلهم:
دَعْ ما ادعَتْه النصارى في نبيهمِ ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكِم
فهذا الشاعر الذي يعظمه كثير من المسلمين، ويترنمون بقصيدته هذه المشهورة بالبردة. ويتبركون بها، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم، ويعُدون ذلك قربة إلى الله تبارك وتعالى، ودليلًا على محبتهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
أقول: هذا الشاعر قد ظن أن النهي الوارد في (حديث الإِطراء) منصبًا فقط على الإدعاء بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ابن الله، فنهى عن هذه القولة، ودعا إلى القول بأي شيء آخر مهما كان.
وهذا غلط بالغ وضلال مبين، وذلك لأن للإِطراء المنهي عنه في الحديث معنيين اثنين أولهما مطلق المدح، وثانيهما المدح المجاوز للحد. وعلى هذا فيمكن أن يكون المراد من الحديث النهي عن مدحه - صلى الله عليه وسلم - مطلقًا، من باب سد الذريعة، والإكتفاء باصطفاء الله تعالى له نبيًا ورسولًا، وحبيبًا وخليلًا، وبما أثنى سبحانه عليه في قوله:
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. "سورة القلم آية 4"
إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله تبارك وتعالى هذا؟ وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه؟ وإن أعظم مدح له - صلى الله عليه وسلم - أن نقول فيه ما قال لربنا عز وجل: إنه عبدُ له ورسول، فتلك أكبر تزكية له - صلى الله عليه وسلم -، وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلُو ولا تقصير، وقد وصفه ربنا سبحانه وهو في أعلى درجاته، وأرفع تكريم من الله تعالى له، وذلك حينما أسرى وعرج به إلى السموات العُلى، حيث أراه من آيات ربه الكبرى، وصفه حينذاك بالعبودية فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}. "سورة الإسراء آية 1" ويمكن أن يكون المراد: لا تبالغوا في مدحي، فتصفوني بأكثر مما استحقه، وتصبغوا عليَّ بعض خصائص الله تبارك وتعالى.
ولعل الأرجح في الحديث المعنى الأول لأمرين اثنين: أولهما تمام الحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فقولوا عبد الله ورسوله) أي اكتفوا بما وصفني به الله -عَزَّ وَجَلَّ- من اختياري عبدًا له ورسولًا، وثانيهما ما عقد بعض أئمة الحديث له من الترجمة، فأورده الإِمام الترمذي
(3/80)

مثلًا تحت عنوان: "باب تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - "، فحملُ الحديث على النهي عن المدح المطلق هو الذي ينسجم مع معنى التواضع ويأتلف معه.
"انظر كتاب التوسل أنواعه وأحكامه لفضيلة الشيخ الألباني"
أقول: لعل الذي رجحه فضيلة الشيخ ناصر من عدم مدحه - صلى الله عليه وسلم - مطلقًا هو المرجوح لأسباب، منها:
1 - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سمع من أصحابه، كحسان شاعر النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره مدحًا فأقره، ولم ينكر المديح من أصحابه.
2 - أن فضيلة الشيخ ذكر في كتابه "التوسل" أوصافًا كثيرة فيها مدح للرسول - صلى الله عليه وسلم -كما في الصفحة 86 من الكتاب المذكور، وكذلك في الصفحة 88، وقد مرت قبل قليل حيث قال فيها:
" .. إلى آخر ما هنالك من فضائله - صلى الله عليه وسلم -، ومناقبه، وجاهه المنيف ... "
3 - أن المراد بالإِطراء الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم".
أي لا تبالغوا في مدحي، كما بالغت النصارى في مدح عيسى -عليه السلام- حينما قالوا: هو ابن الله!، بل قولوا: عبد الله ورسوله.
(3/81)

لا تدعوا مع الله أحدا
قولوا لمن يدعو سوى الرحمنِ ... مُتخشعًا في ذلة العبدان
يا داعيًا غير الِإله ألا اتئِد ... إن الدعاء عبادة الرحمن
أنسيت أنك عبده وفقيره ... ودعاؤه قد جاء في القرآن
الله أقرَب مَن دعوتَ لِكُربة ... وهو المجيب بلا توسط ثان
هل جاء دعوة غيره في سنة؟ ... أم أنت فيه تابع الشيطان؟
إن كنت فيما تدعيه على هدى ... فلتأتنا بسواطع البرهان
والله ما دعت الصحابة غيره ... يتقربون به كذِي الأوثان
لكن هذا الفعل كان لديهمو ... شركًا، وفروا منه للإِيمان
ليس التوسل والتقرب بالهوى ... بل بالتُّقى والبر والإِحسان
هذا كتاب الله يفصل بيننا ... هل جاء فيه توسلوا بفلان؟
إن التوسل في الكتاب لواضح ... وإذا فطنت فإنه نوعان (1)
الشيخ عبد الظاهر أبو السمح -رحمه الله-
مدير دار الحديث بمكة المكرمة

إلَهي أنت المغيث وحدك
يا مَن يرى ما في الضمير ويَسمَع ... أنت المعَدُّ لِكل ما يُتوقع
يا مَن يُرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
مالي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالإفتقار إليك فقري أدفع
مالي سوى قرعي لبابك حِيلة ... فلئِن رُدِدتُّ فأيَّ باب أقرع
ومَن الذي أدعو وأهتِف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يُمنع
حاشا لجودك أن تُقَنِّطَ عاصيًا ... الفضل أجزل والمواهب أوسع
ثم الصلاة على النبي وآله ... (مَن جاء بالقرآن نورًا يسطع)
__________
(1) توسل المؤمنين بطاعة الله وأسمائه والعمل الصالح. وتوسل المشركين بدعائهم لأوليائهم الممثلة في الأصنام.
(3/82)

(3)
أخطاء شائعة يجب تصحيحها على ضوء الكتاب والسنة
(3/84)

موجز أخطاء شائعة
* أخطاء من الشرك والكفر.
* أخطاء من الكفر.
* أخطاء من الشرك الأصغر.
* أخطاء في حق الله تعالى.
*أخطاء تتعلق بعلم الغيب.
* أخطاء في حق الإِسلام.
* أخطاء في معنى الإله.
* أخطاء في حق العبادات.
* أخطاء في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -.
* أخطاء في التحليل والتحريم.
* أخطاء في حق المسلم.
* أخطاء في حق غير المسلم.
* أخطاء في أحوال المسلمين عامة.
* أخطاء في عادات الناس.
(3/85)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فقد انتشرت بين الناس أمراض خطيرة، أشد خطرًا من أمراض الأوبئة
والأجسام، ألا وهي الأخطاء الشائعة التي فشت بين الناس، بسبب الجهل، وحسبها كثير من الأُمة هيِّنة، وهي عند الله عظيمة، لأنها تحتوي على الشرك الأكبر والأصغر، والكفر، وغيرها من الأمور المهمة التي سببت للمسلمين الذل في الدنيا، وسببت لبعضهم الخسران في الآخرة.
قال الله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}. "سورة النور 15"
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ العبد ليتكلَّمُ بالكلمة ما يتبيَّنُ فيها، يَزلُّ بها في النار أبعد ما بين المشرِقِ والمغرب). "متفق عليه"
وعملًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن رأى منكم منكرًا فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم"
فإني أعرض لإخواني المسلمين بعض هذه الأخطاء وطريقة إصلاحها، ليرجع عنها من وقع فيها، ويتوبوا إلى ربهم، ليتحقق لهم النصر في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
محمد بن جميل زينو
(3/86)

أخطاء مِن الشرك الأكبر
1 - الخطأ: (يا رسول الله، يا جاه النبي، يا بدوي، أغثني، اشفني، المدد يا حسين، يا جيلاني). وغيرها من الأدعية الشركية.
فهذا دعاء لغير الله تعالى، وهو من الشرك الأكبر الذي نهى الله عنه بقوله:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [الظالمين: المشركين] "يونس 106"
وذلك لأن هؤلاء المدعوين لا يملكون النفع ولا الضر لا لأنفسهم ولا لغيرهم، لا في الرخاء، ولا في الشدة؛ بل هم عن دعاء هؤلاء غافلون كما قال الله تعالى:
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}. "الأحقاف 5، 6"
وقال الله تعالى على لسان ابراهيم: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}. "النمل 62"
وقال الله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}. "سورة الشعراء 80"
الصواب: (يا حَيُّ يا قَيُوم برحمتك أستغيثُ، اشفني).
وغير ذلك من الأدعية الخالصة لله تعالى، لأن الشافي والمغيث هو الله وحده.
ومن دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
أ - "اللهِم رَب الناس أذهب البأس اشِفِ أنتَ الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يُغادِرُ سَقمًا" "متفق عليه"
ب - وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "دعوة ذى النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت:
{لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" "صحيح رواه أحمد وغيره"
2 - الخطأ: (لا حول لله) فيها نفي القدرة عن الله تعالى وهو من الكفر.
الصواب: (لا حول إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله) فيها إثبات القدرة والقوة لله تعالى وحده.
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة). "صحيح رواه أحمد"
(3/87)

3 - الخطأ: (الله موجود في كل مكان، الله في قلبي).
هذا القول يوجب تعدد ذات الله (أو حلوله) ووجوده في أماكن نجسة وقذرة كالحمامات وغيرها، وهي مكان.
الصواب: (الله على السماء وفوق العرش، والله معنا في كل مكان بعلمه يسمع
ويرى).
كما قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ}. "البقرة: 29"
أي علا وارتفع كما جاء في البخاري "كتاب التوحيد ج 18/ 175"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء". "متفق عليه"
[مَن في السماء: أي على السماء أراد به الله تعالى].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق:
إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش). "رواه البخاري"
4 - الخطأ: (خلق الله الدنيا لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم -) وهذا مخالف لصريح القرآن. فقد خلق الدنيا قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - وخلقها (ومحمدًا) لعبادته وحده لا شريك له. ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بشر كسائر الناس إلا أنه يوحى إليه.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الآية.
"الكهف 110"
الصواب: (خلق الله الدنيا وما فيها لعبادته).
قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}. "الذاريات 56"
5 - الخطأ: (خلق الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مِن نور، ومن نوره خلقت الأشياء) وهذا كذب وافتراء على الوحي، فقد جاء الكتاب والسنة والواقع بخلاف ذلك.
أما الكتاب فقوله تعالى:
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}. الآية. "الكهف 110"
فقوله مثلكم: أي مثل سائر الناس في الخلق من طين والمرض والهرم والأكل والشرب والفرح والحزن وغير ذلك.
وأما السنة فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا بَشرٌ أنسى كما تَنسَون). "حديث صحيح أخرجه أحمد"
وأما الواقع: فقد اتصف - صلى الله عليه وسلم - بسائر صفات البشر بغير ميزة عنهم في طبائعهم وأفعالهم الفطرية إلا ما اختصه الله تعالى بالوحي وبالمعجزات المؤيدة لدعوته.
(3/88)

وهل يقول عاقل: إن الله خلق الحية والعقرب وغيرهما التي أمرنا الإِسلام بقتلها - من نور محمد؟
الصواب: (محمد - صلى الله عليه وسلم - بشرٌ ولدَ من أبوين أكرمه الله بالوحي، ولم تُخلق مِن نوره الأشياء).
6 - الخطأ: (مُطِرْنا بنوء كذا وكذا) وهو كفرٌ أكبر إذا اعتقد أن المطر ينزل بواسطة النجوم والكواكب، ففي الحديث القدسي: (أصبح مِن عبادي مؤمن وكافر؛ فأما مَن قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما مَن قال مُطِرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب) "متفق عليه"
الصواب: (مُطِرنا بفضل الله، ورحمته) وذلك لأن الله تعالى هو الذي خلق المطر وأنزله بقدرته.
7 - الخطأ: (هذا الشيء خلقته الطبيعه، هذا مِن صنع الطبيعة، شاءت الطبيعة، وهبته الطبيعة، سُنَّةُ الطبيعة) وهذا من الشرك فليست الطبيعة خالقة ولا لها سنة ولا صنع وهي مخلوقة وليست خالقة.
قال الله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}. الآية. "الأنعام 102"
وقال تعالى: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}. الآية "فاطر 43"
الصواب: (هذا الشيء خلقه الله تعالى، هذه سُنة الله في الطبيعة، هذه سُنة الله في الكون).
8 - الخطأ: (إن لله عبادًا يقولون للشيء كن فيكون) وهذا من الشرك والكذب؛ فهو مخالف للكتاب والسنة والواقع أما الكتاب، فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. "يس 82"
ولو كان الأمر كذلك لكان النبى - صلى الله عليه وسلم -أولى بهذه المنزلة.
وقد قال تعالى: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا}. "الجن 21: 22"
وأما السنة فقد قال - صلى الله عليه وسلم - حين أنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قال: "يا معشرَ قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا
أنفسكم لا أُغني عنكم مِن الله شيئًا. يا بني عبد مناف لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أُغني عنكَ مِن الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أُغني عنكِ مِن الله شيئًا؛ يا فاطمة بنت محمد سَليني ما شئت مِن مالي لا أُغني عنكِ من الله شيئًا". "رواه البخاري"
(3/89)

ومن الشرك أن يقال: كما جاء في كتاب: (الكافي في الرد على الوهابي):
إن لله عبادًا يقولون للشيء كن فيكون، وهذا كذب يخالف القرآن والأحاديث، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وأما الواقع فيشهد بخلاف ذلك صراحة. وإذا كان الأمر كذلك فهل من أولياء يخرجون المسلمين من مصائبهم ومحنهم ومذلتهم التي وصلوا إليها؟
الصواب: (كل شيء بأمر الله وقدرة الله ومشيئته).
قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} "سورة يس 82"
9 - الخطأ: (الأولياء يعلمون الغيب) وهذا كذب صريح على الله تعالى حيث يقول: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}. "النمل 65"
وكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: (لا يعلم الغيب إلا الله) "حسن رواه الطبراني"
ومخالف للواقع وهو من كلام الصوفية المردود.
الصواب: (لا يعلم الغيب إلا الله) "كما تقدم في الحديث" وقد يُطلع الله تعالى بعضَ رسله بأمور غيبية لِإظهار دلالات نبوتهم ومعجزاتهم قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}. "سورة الجن 29"
10 - الخطأ: (لماذا يارب، ماذا عملت لكي تفعل بي هكذا)
وهذا اعتراض على الله تعالى في تقديره، وهو من الكفر، والله تعالىِ يقول:
{وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. [البقرة 216"
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الإِيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". "أخرجه مسلم"
الصواب: (قدَّر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه راجعون).
وعلى المصاب أن يحمد الله على ما أصابه، فلو كسرت يده مثلًا فليحمد الله على أن رجله أو ظهره لم ينكسر، وقد قال الله تعالى بشأن الصابرين:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} "البقرة 155 - 157"
(3/90)

وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تقل لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان). "رواه مسلم"
11 - الخطأ: (ما صدقت على الله أن يتم الأمر الفلاني)
وفي هذا نسبة العجز لله تعالى وهو كفر، والله قادر على كل شيء. وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. "يس 82"
إلا أن قصد بها أنه يَستبعد وقوع ذلك بعد حصوله له بعد معاناة وتعب فلا بأس، وهو خلاف الأَولَى.
الصواب: (ما توقعت أن ينقضى الأمر الفلاني).
12 - الخطأ: (يا خيبة الدهر، هذا زمن أقشر، الزمن غدار، يا خيبة الزمن الذي رأيتك فيه).
وهذا سَبٌّ للدهر وهو حرام، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي:
"يؤذيني ابنُ آدم يَسبُ الدهرَ، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلِّب الليل والنهار".
"متفق عليه"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر" "أخرجه البخاري"
الصواب: (يقول المصاب الحمد لله، قدر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه
راجعون) قال الله تعالى:
{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. "البقره 156"
13 - الخطأ: تسمية المولود (عبد النبي، عبد الرسول، عبد الصادق) وغيرها وذلك لأن فيها نسبة العبودية لغير الله. قال الله تعالى:
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}. "مريم 93"
الصواب: (عبدُ رَب النبي، عبد رَب الصادق، عبد الله، عبد رب الرسول) وأمثالها.
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن" "أخرجه مسلم"
14 - الخطأ: بعض الناس يقولون: (لولا النبي ما كان شمس ولا قمر):
وهي أُغنية لعبد الرحمن الأبنودي. وهو مصري (قصة أبي زيد الهلالي) وهذا كذب على الله ورسوله، لأن الشمس والقمر موجودان قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال - صلى الله عليه وسلم -:
(لا تُطروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله). "أخرجه مسلم"
(3/91)

الصواب: (لولا النبي - صلى الله عليه وسلم - لكانت العرب في جاهلية).
15 - الخطأ: (تسمية بعض الناس ب: مَلِك الملوك)
الصواب: (مَلك السعودية، مَلكِ المغرب، مَلِك الأردن وغير ذلك مِن الأسماء المباحة) قال - صلى الله عليه وسلم -:
(أخنع الأسماء عند الله رجل تَسمَّى بملِك الملوك). "أخرجه البخاري"
قال سفيان: يقول غيره تفسيره: شاهان شاه.
16 - الخطأ: (أنا نصراني، أنا يهودي، لو فعلت كذا): وهذا خطأ فاحش يقوله بعض الناس من باب اليمين وحكمه حكم اليمين لأن القائلين بذلك يظنون أن هذه العبارة أوكد من الحلف بالله تعالى فيريدون أن يؤكدوا ما يقولون بمثل هذه العبارة.
أما إذا اعتقد تعظيم ذلك، أو أراد أن يكون متصفًا بذلك كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر.
الصواب: (والله، ورَب الكعبة، وما أشبهها مِن الحلف بالله).
قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كان حالفًا فلْيحلِف بالله أو لِيصْمُت). "متفق عليه"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف بمِلَّةٍ غير الإِسلام كاذبًا فهو كما قال). "متفق عليه"
قال النووي -رحمه الله-: فيه بيان غلظ تحريم اليمين الفاجرة، والحلف بملة غير الإِسلام كقوله: هو يهودي أو نصراني إن كان كذا وكذا.
أقول: على المسلم أن يبتعد عن هذه الكلمات التي تكون سببًا في خروجه من الإِسلام
17 - الخطأ: (قول البعض عند بداية حديثه):
(باسم العروبة، وكذلك باسم الوطن، باسم الشعب).
الصواب: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحمدِ الله والثناء عليه).
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم اصحابه البداءة بخطبة الحاجة كما كان يعلمهم السورة من القرآن.
قال الشيخ (محمد الحامد السوري عالم حماه) ما نصه:
شاع في استفتاح الاحتفالات أن يقول عريف الحفل: باسم الله العلي القدير، باسم العروبة، باسم الوطن، نفتتح هذا الحفل ..... الخ.
الإفتتاح باسم العلي القدير، حميد جدًا، ولا ملام عليه، بل فيه أجر مهما صحبته نية صالحة، ولم يداخل الحفل مخالفة شرعية، لكنه باسم العروبة وباسم الوطن غير
(3/92)

جائز شرعًا لإخلاله بالتوحيد وهو آكد حق الله على العبيد.
ولو أن شركًا لفظيًا نحو هذا صحب ذكر الله على الذبيحة لحرم أكلها واعتبرت كالميتة ولو كان المذكور مع اسم الله رسولًا أو مَلَكًا أو كائنًا غير اسم الله -عَزَّ وَجَلَّ-.
إننا مع تقديرنا للعروبة والوطن اللذين تكتنفها تشريعات الله تعالى وتعليماته السامية -مع تمجيدنا لها، ودعوتنا لنصرهما- لا نرى بالتسمية بهما سائغة، لما فيها من خدش التوحيد، وجرحه، والتوحيد ركن الله الشديد، وعماده الأقوى، وهو أعظم مطلوب ابتعث الله عليه كل نبي مرسل."انتهى من كتاب ردود على أباطيل"
أقول: وجدت في الكتاب المذكور أخطاء شركية تعارض التوحيد، وذلك حينما سُئل: هل هناك أقطاب وأبدال وأغواث؟
فقال: نعم هناك أقطاب وأبدال وأغواث، ولكن لا يسمى الغوث غوثًا إلا حينما يُلتجأ إليه .. وهناك شرك أكبر وقع فيه كثير من الصوفية، فالأبدال والأغواث يلتجئون إليهم عند الشدائد، ويستغيثون بهم عند المصائب، والله تعالى يرد عليهم حينما قال عن الصحابة:
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} "الأنفال 9"
{وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ} "التوبة 118"
فالمغيث والملجأ هو الله وحده وقد طلبت من ولده عبد الرحمن أن يعلق على الكتاب فرفض وقال: أبي يتحمل المسئولية.
18 - الخطأ: (الرجل الفلاني لا يستحق الخير أو الشر)
هذا اعتراض على الله تعالى بأنه غير عادل وحكيم ينزل الشر على من لا يستحق، أو يعطي الخير لمن لا يستحق، وربما يؤدي هذا الإعتراض إلى الكفر الذي يخرجه من الإِسلام، لأن الشر والخير قد يكون ابتلاء من الله كما قال الله تعالى:
{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} "سورة الأنبياء 35"
الصواب: (الرجل الفلاني ابتلاه الله ليَختبره): قال الله تعالى:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} "سورة البقرة 155 - 157"
(3/93)

19 - الخطأ: قول بعض الناس (معبودة الجماهير، معبود الجماهير، أُحبه لدرجة العبادة) وهذا شرك أكبر لأن العبادة لا تجوز إلا لله وحده، وقد خلق الله الخلق لذلك قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}. "الذاريات 56"
الصواب: (محبوب الجماهير، أحبه حبًا كثيرًا).
ولا يقول (محبوبة الجماهير) لأن المرأة لا يجوز أن يحبها غير زوجها ومحارمها من أبيها وأخيها وغير ذلك، ولا يجوز لها أن تكون محبوبة للأجانب.
وقد أطلق هذا اللقب الفاحش على مغنية مصرية مشهورة واسمها (شادية) وقد تابت في الآونة الأخيرة بفضل من الله تعالى، وارتدت الحجاب وتبرأت من هذا الفيلم الماجن الذي يثير الغريزة الجنسية عند النساء والرجال ويدعوهم إلى الفاحشة.
(3/94)

أخطاء من الكفر
1 - الخطأ: (سَب الرب، وشتمه أو لعنه، أو سَب الدين أو لعنه).
كل هذه العبارات التي يقولها بعض المسلمين صغارًا وكبارًا تسبب الخروج من
الإِسلام، وهي من الشيطان الذي يريد للمسلم الكفر، والهلاك، والخسران في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى:
{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}. "الحشر 16 - 17"
الصواب: (سب الشيطان ولعنه).
لأن الشيطان هو الذي كان السبب في الشجار، وهو الذي وسوس للإنسان بالكفر، ولذلك نلعنه، وقد لعنه الله في القرآن، ولعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وعلينا أن ننصح مَن يسب الربَّ والدين بأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم
ويتوب، ويستغفر الله من كلامه. ومن الخطأ أن تقول للغضبان:
صَلِّ على النبي فإنه قد يَسُبُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكون السبب.
2 - الخطأ: (سَب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو شتمه، أو تحقيره، أو الإستهزاء به).
لأن الإِيمان بأن محمدًا رسول الله من أركان الإِيمان لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وحُكم مَن سَب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُقتل، كما ذكر شيخ الإِسلام في كتاب: (الصارم المسلول في حكم شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -) فليرجع إليه.
الصواب: (سَب الشيطان ولعنه).
لأن الشيطان سبَب في هذا الكفر فنلعنه، ونستعين بالله عليه وعلينا أن نقول
للغضبان: (استعِذ بالله مِن الشيطان الرجيم، ولا نقول له: صَلِّ على النبي).
3 - الخطأ: ومن الكفر ما قال ابن هانيء الأندلسي للحاكم:
(ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار).
وهذا الكلام كان من أسباب سقوط الأندلس الإسلامية في أيدي النصارى.
الصواب: (الواحد القهار: هو الله وحده لا غيره):
قال الله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} "إبراهيم: 14"
(3/95)

أخطاء من الشرك الأصغر
1 - الخطأ: (ما شاء الله وشئت، هذا مِن الله ومنك، ومثله: لولا الله وفلان، الله لي في السماء وأنت لي في الأرض، هذا مِن فضل الله وفضلك، أنا في حب الله وحبك، أنا بالله وبك)، وغيرها من الألفاظ.
ولا بُد مِن كلمة (ثم)؛ وهذا مِن الشرك الخفي لأنه يخفى على كثير من الناس:
فقدجاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:
"ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله نِدًا؟. قل ما شاء الله وحده".
"صحيح أخرجه أحمد وغيره"
الصواب: (ماشاء الله ثم شاء فلان)
قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ماشاء الله ثم شاء فلان" "صحيح رواه أحمد وأبو داود".
2 - الخطأ: (والنبي، بالشرف، بالذمة، بالكعبة، بالأمانة، وحياة سيدي فلان،
وحياة أولادي)، وغيرها.
وهي مِن الشرك الأصغر، وقد تكون مِن الشرك الأكبر إذا اعتقد الحالف أن المحلوف به -وهو الولي أو غيره- يضر وينفع، أو يخاف إن حلف به كاذبًا.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف بغير الله فقد أشرك) "صحيح رواه أحمد وغيره"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف بالأمانة فليس مِنا) "صحيح رواه أبو داود"
الصواب: (ورَبّ النبي، ورَب الكعبة، والله)، (وأمثالها)
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائِكم فإذا حلفَ أحدكم فليحيف بالله أو لِيَصمُت) "متفق عليه"
قال عمر: فما حلفت بعدها ذاكرًا ولا آثرًا.
3 - الخطأ: (شاءت الظروف أن يحصل كذا، شاءت الأقدار أن يحصل كذا وكذا)
وهذا لفظ منكر، لأن الظروف جمع ظرف، والظرف هو الزمان، والأقدار جمع قدر، والزمان والقدر لا مشيئة لهما، والمشيئة لله وحده. قال الله تعالى:
{وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} "الإنسان 30".
الصواب: (اقتضى قدَر الله كذا وكذا، قدَّر الله وما شاء فعل)
(3/96)

4 - الخطأ: قول بعض الناس لمنع الحسد (خمسة وخميسة)
ويأتون بكفٍّ مصنوع أو نعل أو حذوة حصان لدفع الضرر والعين ويُعلقونه على باب البيت أو السيارة وغيرهما:
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مَن علَّق تميمة فقد أشرك). "صحيح رواه أحمد" [التميمة: النعل أو الخرزة أو الودعة أو غيرها].
الصواب:
أ - قراءة المعوذتين: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ).
ب - قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. قال الله تعالى:
{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ} "سورة الكهف 39".
ج - قراءة التسمية الواردة في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"مَن قال حين يُمسي: بسم الله الذي لا يَضرُ معِ اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم "ثلاث مرات" لم يُصبه فُجْأةً بلاءٌ حتى يُصبح، ومَن قالها حين يُصبح ثلاث لم يصبه فُجْأةً بلاءٌ حتى يُمسي" "صحيح رواه أبو داود".
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز مِن كنوز الجنة" "صحيح رواه أحمد"
5 - الخطأ: كتابة لفظ (الله - محمد) في مستوى واحد على الجدران، أو الكتب أو المصاحف، أو غيرها
لأن ذلك يوهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نِدًّا لله ومساوِيًا له في المنزلة وهذا لا يجوز، فالله تعالى خالق، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - مخلوق
الصواب: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) لأن هذه الجملة وردت في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
(الإِسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) "رواه مسلم"
ولأن هذه الجملة تثبت أن الإِله هو الله، وأن محمدًا رسول الله.
(3/97)

أخطاء في حق الله تعالى
1 - الخطأ: (فلان ربنا افتكره) وهي كلمة تطلق على من توفاه الله وهي كفر، لأن فيها نسبة الغفلة والنسيان إلى الله تعالى. وهذا تَنقُّص لرب العالمين.
قال الله تعالى: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى؟ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} "سوره طه 51 - 52"
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} "سورة مريم 64"
الصواب: (فلان توفاه الله) أو نحو ذلك.
2 - الخطأ: قول بعض الناس للآخر: (الله يسأل عن حالك).
الصواب: (أسأل الله أن يحتفي بك) أو (يلطف بك) وما أشبهها وذلك لأن
(الله يسأل عن حالك) توهم أن الله تعالى يجهل الأمر فيحتاج إلى السؤال عنه:
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
تفيد هذه الآية أن الله معنا بعلمه، لأن الله بدأ الآية بالعلم "سورة المجادلة 7"
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ. . . . . .} وختمها بالعلم {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فهو معنا يعلم أحوالنا، وليس معنا بذاته.
3 - الخطأ: (فلان له المثل الأعلى) وهي لا تجوز على سبيل الإِطلاق، لأن مَن له المثل الأعلى مطلقًا هو الله وحده. قال الله تعالى:
{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} "الروم 27".
فلا تجوز إلا مقيدة.
الصواب: (فلان كان له المثل الأعلى في كذا وكذا).
4 - الخطأ: (العصمة لله وحده) وذلك تعبير خاطىء لأن العصمة لا بد لها مِن عاصم، والله تعالى هو الخالق وحده وما عداه مخلوق، وليس له عاصم.
الصواب: قول: (الصواب في كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - والعصمة لرسله وأنبيائه)
5 - الخطأ: قول: (بسم الشعب، بسم الوطن، بسم العروبة) وهي نوع من الشرك إن قصد التبرك والإستعانة، وقد يكون شركًا أكبر بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به.
(3/98)

الصواب: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يكتبها في رسائله للملوك "انظر ص 15"
6 - الخطأ: (ليس في الإمكان أبدع مما كان)
الصواب: (في الإمكان أبدع مما كان)، لأنَ الجزم بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان من التكهن بالغيب؛ وأمور الغيب لا يعلمها إلا الله، قال تعالى:
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ}. "الأنعام 59"
والله تعالى فعَّال لما يريدَ.
قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} "القصص 68"

أخطاء تتعلق بعلم الغيب
1 - الخطأ: (هذا ولد شقي)
الصواب: (هذا ولدٌ مهمل، كثير اللعب أصلحه الله) فهذا دعاء نافع لإِصلاح الولد.
لأن القطع بأن فلانًا شقي ليس إلا لله وحده لأنه من علم الغيب قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} "النمل 65"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يعلمُ الغيبَ إلا الله" "حسن رواه الطبراني"
والشقاء هو سوء الحال والمنقلَب.
قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} "هود 105 - 106"
2 - الخطأ: (المغفور له، المرحوم، الشهيد).
الصواب: (فلان نرجو له المغفرة، نرجو له الرحمة.)
لأن القطع بأن فلانًا شهيد، أو مرحوم من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} "النمل 65"
قال البخاري: باب لا يقال فلان شهيد:
عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"الله أعلم بمَن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمَن يُكلَم في سبيله" "أخرجه البخاري" [يُكلَم: يُجرَح].
(3/99)

أخطاء في أسماء الله
1 - الخطأ: (يا هو، يا موجود) وهذا لا يجوز لأن "هو" أو"موجود" ليست من أسماء الله تعالى وهي توقيفية وليس على ذلك دليل من كتاب ولا سنة، ولأن غير الله موجود أيضًا كالشمس والقمر وغيرهما.
قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. "الأعراف 180"
الصواب: (يا الله، يا رحمن، يا رحيم) وغيرها من الأسماء الواردة في الكتاب
والسنة.
2 - الخطأ: (يا ستار، عبد الستار) لأن اسم الستار ليس من أسماء الله تعالى.
الصواب: (يا ستير، عبد الستير) فقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حَيِيٌّ سِتِّير يحب الحياء والسِّتر، فإذا اغتسل أحدكم فليَستَتر". "صحيح رواه أبو داود والنسائي"
3 - الخطأ: (بعض الناس يدعو الله بأسماء غير أسمائه مثل) (يا خفِي الألطاف) أو تسمية (المهندس الأعظم) قال ذلك د/ مصطفى حسين في أحد كتبه؛ وهذا خطأ لأن أسماء الله تعالى توقيفية ولا يجوز وضع اسم له تعالى بغير إذن منه من كتاب وسنة.
وقد قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. "الأعراف 180"
فالله أعلم بأسمائه وصفاته وما أخبرنا به وجب الإِيمان به ودعاؤه به، وما استأثر بعلمه منها فهو غيب لا يجوز التكهن به.
الصواب: (يا رحمن، يا رحيم، يا غفور) وغيرها مما ورد في الكتاب والسنة.
4 - الخطأ: (هل أنت صائم أم فاطر؟)
الصواب: (هل أنت صائم أم مفطر؟) وذلك لأن الفاطر بمعنى الخالق: فالفاطر هو الله تعالى وحده:
قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. "سورة فاطر آية 1"
5 - الخطأ: فلان (المتوفِّي) بكسر الفاء.
الصواب: فلان (المتوفَّى) بفتح الفاء.
لأن (المتوفِّي) بكسر الفاء، اسم فاعل وهو الله تعالى.
(3/100)

قال الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}. "الزمر 42"
و (المتوفَّى) بفتح الفاء اسم مفعول (الميت) وهو الذىِ وقعت عليه الوفاة.

أخطاء في حق الإِسلام
1 - الخطأ: كلمة (حرية الفكر) أو (حرية الاعتقاد) وهي كلمة كثيرًا ما تسمع وتقرأ، وهي دعوة إلى حرية الاعتقاد أي لكل أحد أن يعتقد ما شاء، وهذا كفر بالِإجماع، ومن اعتقد ذلك فهو كافر، لأنه لا يسوغ لأحد أن يعتقد أنه يجوز له أن يتديَّن بغير دين محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} "آل عمران 19"
وأما قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} "سورة الكهف 29"
فليس الأمر هنا للتخيير، بمعنى أن العبد له أن يختار الإِيمان أو الكفر، كما زعم الشعراوي في الإذاعة، وإنما الأمر هنا للوعيد والتهديد بدليل قوله تعالى بعدها مباشرة: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} "سورة الكهف آية 29"
الصواب: (حرية العمل للخير أو الشر)
قال الله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} البلد 10"
أي دلَّه الله على الطريق، فهو الذي يختار الحق فيكون شاكرًا، أو يختار الباطل فيكون كافرًا كما قال تعالى:
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} "سوره الإنسان 3"
2 - الخطأ: إطلاق بعض الكتاب والمؤلفين لفظ:
(إشتراكية الإِسلام) وكذلك إطلاق (ديمقراطية الإِسلام).
الصواب: (أحكام الإِسلام، سماحة الإِسلام، عدالة الإِسلام) ونحوها من الأوصاف الإسلامية.
فالإشتراكية (هي الشيوعية في الحقيقة) مذهب هدام يقضي في الظاهر باشتراك سائر طوائف الشعب في الطعام، والملبس، والمسكن بقدرٍ متساوٍ، تقوم بتوزيعه حكومة الدولة، ولا يملكون أموالًا ولا غيرها من العقارات، والأراضي، بل كلها ملك للدولة بزعمهم وهي تستخلفها فيها ولكنها (الإشتراكية) في الحقيقة حكم قهري على الشعب يحقق المصلحة للطبقة الحاكمة فقط وغايتها أن تجعل من الأغنياء فقراء
(3/101)

بالإستيلاء على أموالهم باسم الإشتراكية، والواقع يشهد بذلك حكمت روسيا الشيوعية سبعين عامًا ذاق فيها الروس ألوانًا من الذُّلِّ والظلم والمهانة والقهر والجوع، وفي ذات الوقت حقق الحزب الحاكم فيها حينئذ ثراءً فاحشًا، وأموالًا طائلة على حساب الشعب، ثم لم تلبث الشيوعية أن انهارت أمام رفض المحكومين لها ومقاومتهم لها بكل ما يملكون. وقد تكلم الشيخ "محمد قطب"عنها في كتاب:
"واقعنا المعاصر" وكتاب: "مذاهب فكرية معاصرة" فليرجع إليها، وبعدها يتبين
أنه لا اشتراكية في الإِسلام وأنه لا علاقة بينهما.
وقد انخدع بها كثير من الناس حتى بعض المؤلفين منهم الشيخ "مصطفى السباعي" كتابًا سماه "اشتراكية الإِسلام" وقد تعقبه الشيخ "محمد الحامد" -رحمه الله- ببعض ما فيه في كتاب سماه "نظرات في كتاب" "اشتراكية الإِسلام" ومما انتقده عليه هذه التسمية فقال: [هذا وإني آخذ على فضيلة الدكتور السباعي قبل كل شيء تسميته كتابه باسم "اشتراكية الإِسلام" وإن كان قد مهَّد لها تمهيدًا وبَرَّرَ لها بما يسلك في نفس قارئه لكنه- وفقه الله - لو فطن إلى أن العناصر اليسارية التي يدافعها أهل العلم الديني وقاية لدين الله وحماية له من تهديماتها، وبين الفريقين، معركة فكرية مُستعرَة الأوار، وقد طارت هذه العناصر، فرحًا بهذه التسمية، تستغل بها عقول الدهماء التي لا تدرك هدفه من اختياره لهذا الاسم- أقول لو فَطِنَ لهذا لكان له نظر في هذه التسمية ولا اختار لكتابه اسمًا آخر يحقق له مراده في احتراز من استغلال المضللين.
الإِسلام هو الإِسلام وكفى، هو هو بعقائده، وأحكامه العادلة الرحيمة، فالدعوة إليه باسمه المحض أجدى وأولى من حيث أنه قسم يرأسه، وهو شرع الله الحكيم" "نظرات في كتاب اشتراكية الإسلام صفحة 7".
يقول (محمد بن جميل زينو) إن الشيخ محمد الحامد عليه مؤاخذات خطيرة في كتابه:
(ردود على أباطيل) مرت قبل ذلك في نفس الكتاب.
وأما السباعي فله أخطاء أُخرى فهو يقول:
يحق لغير المسلم أن يتولى أعلى مقعد في الدولة!!!
"انظر مجلة الحضارة الإسلامية التي نشرت هذا الكلام عنه".
وهذا خطأ كبير لأن غير المسلم يشمل الكافر، والمجوسي، واليهودي، والنصراني، وغيرهم، فهل يحق لهؤلاء أن يكونوا ولاة على المسلمين ورؤساء يحكمونهم؟
(3/102)

الله تعالى يقول:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} "النساء 144"
وأما الديمقراطية فهي حكم الشعب بالشعب للشعب والله تعالى لا يرضى إلا أن يكون حكم الشعب بشريعة الله رب العالمين.
قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} "سوره الأنعام 162"
وقال تعالى على لسان يوسف:
{إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} "سورة يوسف 40"
كما أن الديمقراطية تقضي بحرية العقيدة وأن لكل أحدٍ أن يعتقد ما يشاء والله تعالى يقول: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} "سورة آل عمران 85"
فليس بين الإِسلام والديمقراطية نقاط التقاء، بل هي مضادة له ومعارضة، والأقرب أن نقول: الإِسلام والديمقراطية متغايران. وليراجع في ذلك المرجع السابق (مذاهب فكرية معاصرة)، (واقعنا المعاصر) للداعيه محمد قطب.
3 - الخطأ: قول البعض: (الدين أفيون الشعوب).
وهذه المقولة المنكودة هي (لكارل ماركس) من دعاة الشيوعية الأوائل، ويقصد بها أن الدين يحدث بالشعوب أثرًا كأثر الأفيون (وهو نوع من المخدرات) على الأفراد بمعنى أنه يجعلها في حالة هلامية غير متزنة أو كالأحلام، وفي هذا من القدح في الإِسلام بمكان.
على أن العكس من ذلك هو الصحيح، وهو أن الإِسلام أيقظ الشعوب المظلومة، وحقق لها العدالة والمساواة وسجل التاريخ في ذلك سجلًا حافلًا. بالبطولات والأمجاد التي على أثرها هُدِّمت كافة الأمبراطوريات الباطلة في الدنيا بأصها، وقامت بدلاً منها خلافة راشدة أخذت بنواصي سائر الشعوب إلى ما يصلحها من العدل والإخاء والرحمة ونصرة الحق والأمان بعد أن كان مفقودًا في عصور الجاهلية.
الصواب: (الدين صلاح الشعوب واستقامتها).
(3/103)

4 - الخطأ: قول البعض: (فلاسفة الإِسلام) على بعض من اتصفوا بالعلم وكتبوا كتبًا إسلامية.
الصواب: (علماء الإِسلام) "فليس للإسلام فلاسفة وليس في ألفاظهم فصاحة ولا بلاغة" انتهى من مجموع الفتاوى للشيخ ابن تيمية -رحمه الله- 19/ 186.
أقول: علم الفلسفة من العلوم الذميمة التي أنكرها وقال بحرمتها أكثر العلماء، وتبرأ منها أكثر من أعتنقها في حياته كالغزالي وغيره، وذلك لأن الفلسفة تخرب العقول، وتشكك في أصل التوحيد، وغير مُستقاة من الشريعة المطهرة.
وممن انخدع بالفلسفة حتى جَرته إلى الكفر والإلحاد في نهاية المطاف ابن سيناء، والفارابي، وابن عربي حيث قال ابن سيناء:
أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم، فكلانا من القرامطة (الباطنية) الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد ولا رب ولا خالق ولا رسول مبعوث.
"انتهى من كلام ابن القيم رحمة الله من كتاب إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 2/ 262"
ومن الخطأ تسمية بعض المدارس والمستشفيات باسمه.
- وأما الفارابي فكان متابعًا للفكر الإغريقي، وكان يؤمن بالدين اليوناني القديم، وفرَّ مع مجموعة معه إلى فارس من مدينة (جند يسابور) بعد تنصير الملوك، وأنشأوا مدينة فاصلة -بزعمهم- احتذاها نظريًا (الفارابي) وطبقها عمليًا (حمدان قرمط) الصابىء الحراني ونفذها أناس في مدينة (هجر)، وهم الذين سرقوا الحجر الأسود، وانتهكوا حرمة المسلمين وقتلوا الحجيج.
- وأما ابن عربي، فقد تأثر بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة، بالعناصر التي أدخلها (إخوان الصفا) من إغريقية ونصرانية، وفارسية الأصل. حتى قال بوحدة الوجود الذي يقضي برفض الإِسلام أساسًا، ومفهومه أن الله والعالم شيء واحد وأن الله هو صورة هذا العالم المخلوق وأن الله جلَّ وعلا لم يخلق الخلق مباشرة ومن عدم، ولكن خلق عقلًا، والعقل هو الذي ناب عنه سبحانه في خلق الكون، كما أنكر العذاب المؤبد، ومن المؤسف أن أفكار هؤلاء تدرس لأبنائنا في المدارس الثانوية، وتسمى مدارس ومستشفيات بأسمائهم.
(3/104)

أخطاء في معنى الإله
1 - الخطأ: (معنى لا إله إلا الله: لا خالق، ولا رَب إلا الله)
لأن الِإله ليس معناه الخالق والرازق؛ وهو ما يسمى توحيد الربوبية الذي يعتمده الصوفية، والأشاعرة، والفلاسفة، واعترف به المشركون. قال الله تعالى:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} "الزخرف 87"
ولم يرض منهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا التوحيد وحاربهم لأنهم لم يعترفوا بتوحيد الألوهية قال تعالى عن المشركين:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ}. "الصافات 35 - 37"
الصواب: معنى (لا إله إلا الله): (لا معبود بحق إلا الله)
لأن معنى الإله: المعبود. ولما كانت المعبودات كثيرة -فمن الناس من يعبد البقر كالهندوس في الهند، ومنهم مَن يعبد الأولياء ويدعونهم مِن دون الله كالصوفية وغيرهم- كان لازمًا أن نضيف في التعريف كلمة (بحق) حتى نخرج جميع المعبودات الباطلة، والدليل قول الله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} "الحج 62"
فالمعبود: المدعو بحق هو الله وحده، وكل مَن دعا غير الله حتى ولو كان المدعو نبيًا، أو وليًا مُقَربًا؛ فعمله باطل، لأن الدعاء هو العبادة:
كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة" "صحيح رواه أحمد"
وصرف العبادة لغير الله تعالى مِن الشرك الأكبر الذي يحبط العمل، لقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الظالمين: المشركين] "يونس 106"
وقال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} "الأنعام 88"
(3/105)

أخطاء في العبادات
الخطأ: (قول بعض المصلين بعد الصلاة): (حَرَمًا) ويقول الآخر: (جَمعًا) أو
(تقبل الله) فيقول الآخر: (منا ومنكم) لأن فيها انشغالًا عن أذكار الصلاة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يقولوا ذلك، وثبت السلام في حديث المسيء في صلاته حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"السلام عليك يا رسول الله، فقال وعليك السلام ارجع فصَلِ فإنك لم تُصَلِّ"
"متفق عليه"
الصواب: (لا يقال شيء وينشغل بأذكار الصلاة أو السلام عليكم عند ذهابه من المسجد أو دخوله على المصلين، فيرد المصلي بيده، وغير المصلي بلسانه).
2 - الخطأ: (عند الوضوء يقولون للمتوضيء: (زمزم) أي تتوضأ من زمزم).
لأنه لم يرد فضل الوضوء بماء زمزم، والوارد هو:
(ماء زمزم لما شُرِبَ له) "صحيح رواه أحمد"
الصواب: (السلام عليكم) على المتوضىء، ويستحب للمتوضىء أن يقول:
(اللهم اغفر لي ذنبي وَوَسع لي في داري، وبارك لي في رزقي) "صحيح رواه النسائي"
ويقول المتوضىء بعد الوضوء: (أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) "رواه مسلم"
3 - الخطأ: (صدق الله العظيم) عند الفراغ من قراءة القرآن.
الصواب: (لا تقال لأنها لم ترد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا السلف الصالح رضوان الله عليهم وهو أمرٌ محدث).
فالله تعالى يقول: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} "النساء 87"
ومع ذلك لم يقلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا صحابته الكرام وهذه البدعة أماتت سنة وهي الدعاء بعد التلاوة: لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قرأ القرآن فليسألِ الله به" "حسن رواه الترمذي"
فنقول: اللهم إنا نتوسل إليك بما قرأنا مِن القرآن أن تنصر المسلمين.
4 - الخطأ: (عند إرادة الصلاة يقولون: (نويت أصلي الظهر -مثلًا-) لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ذلك).
ولكن يقال في الحج: (لبيك اللهم حجة أو عمرة) لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(3/106)

الصواب: (على المسلم أن يستحضر بقلبه أنه سيصلي الظهر -مثلًا- ولا يقل ذلك بلسانه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنما الأعمال بالنيات". "أخرجه البخاري"
والنية محلها القلب كما قال العلماء.
5 - الخطأ: (قول المأموم إذا قال الإمام في الصلاة:)
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يقول: (استعنت بالله)
الصواب: (الإنصات أو قراءة الفاتحة في سكتات الإِمام). قال الله تعالى:
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. "الأعراف 204"
عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إنما جُعِلَ الإمام لِيؤتَم به، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصِتوا". "رواه مسلم"
6 - الخطأ: (قول المأموم إذا بلغ الإِمام "وَلَا الضَّالِّينَ"
- "رب اغفر لي وارحمني" - ليكون التأمين عليها).
الصواب: (الإنصات لما سبق، ولأن الفاتحة تشتمل على أكمل الثناء والمحامد والدعاء لله تعالى مما يستحق التأمين).
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "قال -عَزَّ وَجَلَّ-: [قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفَين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمِدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجَّدني عبدي، وقال مَرَّة: فَوَّضَ إليَّ عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صِراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل]. "رواه مسلم"
7 - الخطأ: (الإشارة باليد اليمنى عند السلام في الصلاة - والإِشارة باليد اليسرى عند السلام في آخر الصلاة).
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأذناب خيل شُمْسٌ". "رواه مسلم"
الصواب: (الإلتفات بالرقبة نحو اليمين، ثم الشمال آخر الصلاة للتسليم).
(كان - صلى الله عليه وسلم - يُسلم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرى بياضُ خده). "رواه مسلم"
وعن وائل بن حجر قال: (صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يُسلِّم عن يمينه:
(3/107)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
"قال ابن حجر في بلوغ المرام: "رواه أبو داود بإسناد صحيح"
8 - الخطأ: (إحياء ليلة النصف من شعبان).
لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، والتابعين، والأئمة المجتهدين لم يفعلوا ذلك.
الصواب: (ذكر الله تعالى في الثلث الأخير مِن الليل عامة).
قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو رَد). "رواه مسلم"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول:
هل مِن سائل فأُعطيه، هل مِن تائب فأتوب عليه، حتى يطلع الفجر".
"أخرجه مسلم"
9 - الخطأ: (تخصيص شهر رجب أو غيره بالصيام كاملًا)
الصواب: قال - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصوم صوم أخي داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفرُّ إذا لاقى". "صحيح رواه الترمذي والنسائي"
10 - الخطأ: (الوسوسة بالوضوء بزيادة عدد الغسلات على ثلاث والتشكيك بالوضوء أو الإِسراف في الماء).
الصواب: (غسل الأعضاء ثلاث مرات على الأكثر فقد توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً ثلاثًا
ثم قال: (هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم). "صحيح أخرجه أبو داود"
وعلى المؤمن أن يقتصد في ماء الوضوء وعدم الإسراف فيه أيضًا لما سبق.
11 - الخطأ: (قراءة القرآن في الركوع أو السجود).
وقد ذكر ذلك كتاب (الدعاء المستجاب من الكتاب والسنة) وفيه أخطاء كثيرة.
الصواب: قول: (سبحانك اللهم رَبنا وبحمدك اللهم اغفر لي ثلاثًا).
كما في الحديث المتفق عليه عن عائشة.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا أما الركوع فعظموا فيه الربَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن يستجاب لكم). "رواه مسلم"
12 - الخطأ: (رفع البصر إلى السماء في الصلاة).
الصواب: (النظر موضع السجود؛ فإن ذلك أقرب إلى الخشوع).
(3/108)

قال - صلى الله عليه وسلم -: (لَيَنتَهِيَن أقوامٌ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم أبصارهم) "رواه مسلم"
13 - الخطأ: قول (لا قدَّر الله)
لأن فيها نفي التقدير عن الله الذي قدَّر جميع الأشياء بعلمه.
الصواب: (قدَّر الله وما شاء فعل) "رواه مسلم"
وذلك لأن الله تعالى قد قدَّركل شيء وأنهى تقديره قبل خلقه السموات والأرض.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (الإِيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورُسله واليوم الآخِر وتؤمن بالقدَر خيرِه وشَره) "رواه مسلم"
14 - الخطأ: (الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الأذان والإقامة والجهر بها بعد الأذان).
الصواب: (لا تقال قبل الأذان والِإقامة وتقال سِرًا بعد الأذان لأنها قبل الأذان لم تثبت)، وأما بعده فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صَلُّوا عليَّ) "رواه مسلم "
ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا صحابته الجهر بها.
والصلاة الإبراهيمية هي الواردة كما في حديث أبي مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال جوابًا على أصحابه في ذلك:
(اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد) "رواه مسلم"
أقول: الجهر بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - يشوِّش على المصلين الذين يصلون السنة - وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن) "صحيح رواه أحمد"
15 - الخطأ: قول الداعي بعد الدعاء (إنك على ما تشاء قدير)
ومعناها على غير ما تشاء عاجز غير قادر، وهذا كفر لأن فيه نسبة العجز لله تعالى الصواب: {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} "سورة آل عمران 26"
(3/109)

أخطاء في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -
1 - الخطأ: (زرت قبرَ الرسول - صلى الله عليه وسلم -)
لأن زيارة القبر تتنافى مع الأدب، وليس عليها دليل شرعي من كتاب أو سنة وكرهها الإمام مالك.
الصواب: (زرت مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -)
قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تُشَد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) "متفق عليه"
2 - الخطأ: (بعض الناس يدعون الله فيقولون):
(يارب أكرمنا بجاه النبي) وهذا بدعة لم يرد عليها دليل من كتاب أو سنة، ولم يفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون وأما حديث:
(توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) فهو حديث موضوع
الصواب: (يا رب أكرمنا بحبنا وإيماننا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -)
لأن الحب والإيمان من العمل الصالح.

أخطاء في التحليل والتحريم
1 - الخطأ: (عَليَّ الحرام، عليَّ الطلاق، تحرُم عَليَّ عيشتي، عَليَّ الحرام مِن ديني) على سبيل القسم.
وهذا من فواحش القول إذ يُحَرِّمُ بها الإِنسان على نفسه ما لم يُحرمه الله -عَزَّ وَجَلَّ- عليه: قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ. . .} "التحريم 1"
وأما التشريع بالتحليل والتحريم فقد قال تعالى ذامًّا مشركي قريش حين أحلُّوا ما حَرَّم الله تعالى مِن الأشهر الحُرم:
{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ. فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ. وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} "التوبة 37"
(3/110)

وقال تعالى عن اليهود الذين قالوا عن الميتة: (إنها ذبيحة الله):
{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ. وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ. وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} "الأنعام 121"
فهي بمنزلة الحلف بغير الله تعالى مع ما فيها من المضادَّةِ للشرع معنىً.
وإن أراد بقوله (عَلَي الطلاق والحرام) لزوجته، فقد وقع الطلاق والفراق.
الصواب: الحلف بالله وحده (والله، ورب الكعبة)
قال - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا حلف أحدكم فليحلف بالله أو ليصمت" "متفق عليه"
2 - الخطأ: (أفكار وهابية).
كنت أقرأ على الشيخ الذي درست عليه حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-:
وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله". "صحيح رواه الترمذي"
فأعجبني شرح النووي حين قال: "ثم إن كان الحاجة التي يسألها، لم تجر العادة (1) بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم ... وشفاء المرض وحصول العافية سأل ربه ذلك، وأما سؤال الخلق والإعتماد عليهم فمذموم" فقلت للشيخ هذا الحديث وشرحه يفيد عدم جواز الاستعانة بغير الله، فقال لي: بل تجوز!! قلت وما دليلك؟ فغضب الشيخ وصاح قائلًا: إن عمتي تقول يا شيخ سعد (وهو مدفون في مسجده تستعين به)، فأقول لها يا عمتي وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول: أدعوه فيتدخل على الله فيشفيني إ!
قلت له: إنك رجل عالم قضيت عمرك في قراءة الكتب، ثُم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة! فقال لي عندك أفكار وهابية أنت تذهب للعمرة وتأتي بكتب وهابية!!!
وكنت لا أعرف شيئًا عن الوهابية إلا ما أسمعه من المشايح:
فيقولون عنهم: الوهابيون مخالفون للناس لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم، ولا يحبون الرسول، وغيرها من الاتهامات الكاذبة فقلت في نفسي إن كانت الوهابية تؤمن بالإستعانة بالله وحده، وأن الشافي هو الله وحده، فيجب أن أتعرف عليها، سألت
__________
(1) لفظ العادة لم يرد في حق الله، الوارد {سُنَّةَ اللَّهِ} الآية من سورة الأحزاب.
(3/111)

عن جماعتها فقالوا لهم مكان يجتمعون فيه مساء الخميس، لإلقاء دروس في التفسير والحديث والفقه، فذهبت إليهم مع أولادي وبعض الشباب المثقف، فدخلنا غرفة كبيرة، ننتظر الدرس، وبعد فترة دخل علينا شيخ كبير السن، فسلَّم علينا وصافحنا جميعًا مبتدئًا بيمينه، ثم جلس على مقعد، ولم يقم له أحد، فقلت في نفسي هذا شيخ متواضع لا يحب القيام.
بدأ الشيخ الدرس بقوله: (إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره) إلى آخر الخطبة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفتتح بها خطبه ودروسه، ثم بدأ يتكلم باللغة العربية، ويورد الأحاديث ويبين صحتها وراويها، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكر اسمه؛ وأخيرًا وُجِّهت له الأسئلة المكتوبة على الأوراق، فكان يجيب عليها بالدليل من القرآن والسنة، ويناقشه بعض الحاضرين فلا يرد سائلًا، وقد قال في آخر درسه: الحمد لله على أننا مسلمون وسلفيون (1)، وبعض الناس يقولون إننا وهابيون، فهذا تنابز بالألقاب، وقد نهانا الله عن هذا بقوله: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} "سورة الحجرات 11"
وقديمًا اتهموا الإمام الشافعي بالرَّفض فردَّ عليهم قائلًا:
إنْ كان رَفضًا حُبُّ آل محمدٍ ... فليشهد الثقلان أني رافضي
ونحن نردُّ على مَن يتهمنا بالوهابية بقول أحد الشعراء:
إنْ كان تابعُ أحمدٍ (2) مُتوهِّبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وهَّابي
ولما انتهى خرجنا مع بعض الشباب معجبين بعلمه وتواضعه وسمعت أحدهم يقول: هذا هو الشيخ الحقيقي!!!
الصواب: (دعوة سلفية)
بمعنى أنها تعمل بالكتاب والسنة حسب فهم السلف الصالح وهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتابعون والأئمة المجتهدون.
فالسلفيه: تدعو إلى التوحيد وإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو ما أثبته له رسوله من الأسماء والصفات من غير تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل.
ويسعون من أجل تحكيم شريعة الله بالتي هي أحسن من غير تكفير ولا إرهاب، ولا تدمير.
__________
(1) السلفيون: الذين يتبعون طريقة السلف الصالح (الرسول وصحابته).
(2) المراد بأحمد النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد اسمه في القرآن.
(3/112)

أخطاء في حق المسلم
1 - الخطأ: (فلان بعيد عن الهداية، أو عن الجنة، أو عن مغفرة الله)
يقولها بعض الناس إذا شاهد من أسرف على نفسه بالذنوب.
الصواب: (فلان نرجو له الهداية، نرجو له المغفرة)
لأن القطع بأنه بعيد عن الهداية مِن التألي على الله بغير علم وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.} "الإسراء 36"
وقال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} "سورة الزمر 53"
وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حُدِّثَ أن رجلاً قال: "والله لا يغفر الله لفلان". وأن الله تعالى قال: "مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفرَ لفلان، فإني قد غفرتُ لفلان، وأحبطت عمَلك" "أخرجه مسلم"
فمآل أحوال الناس من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله وحده.
2 - الخطأ: كلمة (أنا) (لي) (عندي).
الصواب: (فلان بن فلان) فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن استخدام كلمة (أنا) إذا دلَّت على المجهول، أو دلَّت على التعال والتكبُّرِ عن جابر بن عبد الله قال:
(أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في دَين كان على أبي، فدفعت الباب، فقال: مَن ذا؟ فقلت (أنا)، قال: أنا ..... أنا كأنه كرهها) "متفق عليه"
قال ابن القيم في زاد المعاد: وليحذر كل الحذر مِن طغيان (أنا) و (لي) و (عندي)، فإن هذه الألفاظ الثلاثه ابتُليَ بها (إبليس) و (فرعون) و (قارون).
ف {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} لإبليس، {ولِي مُلْكُ مِصْرَ} لفرعون، {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} لقارون. إ. ه باختصار.
3 - الخطأ: (فلان كافر) وهي من أشنع الكلمات في حق المسلم، يقولها بعض المسلمين لكل من لا يرضون عنه ..
وفي الحديث: (أيما امرِىءٍ قال لأخيه يا كافر، فقد باءَ بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه) "أخرجه مسلم"
(3/113)

الصواب: (فلان عاصي) لمن عصى أمر الله، أو أمر أبويه.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) "حسن رواه أحمد"
4 - الخطأ: (قبح الله وجهه)
الصواب: (هداه الله، أصلح الله حاله)
قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تقولوا قبح الله وجهه) "صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد"
وذلك لما فيه من الجرأة على الله تعالى والتقول عليه بغير عِلم.
5 - الخطأ: (يا حمار، يا تيس، يا كلب) عن المسيب قال:
"لا تقل لصاحبك يا حمار، يا كلب، يا خنزير فيقول يوم القيامة: أتراني خُلِقْتُ
كلبًا، أو حمارًا، أو خنزيرًا" "رواه ابن أبي شيبة. وفيه عن مجاهد وغيره" (1)
قال النووي: (فصل: ومن الألفاظ المذمومة المستعملة في العادة قوله لمن يخاصمه (يا حمار، يا تيس، ياكلب) ونحو ذلك فهذا قبيح من وجهين:
أ - أحدهما أنه كذب (أي لم يخلقه الله حمارًا، أو تيسًا، أو كلبًا).
ب - (والآخر أنه إيذاء (لأن الإنسان يتأذى بهذه الكلمات التي تهينه). وهذا يخالف قوله: يا ظالم، ونحوه فإن ذلك يسامح به لضرورة المخاصمة، مع أنه يصدق غالبًا، فقلَّ إنسان إلا وهو ظالم لنفسه ولغيرها) انتهى كلام النووي (2).
أقول: إن هذه الكلمات القاسية التي يقولها المسلم لأخيه تتنافى مع ما جاء في القرآن وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. "سورة الإِسراء70"
وآدم خلقه الله مِن طين، ونفخ فيه من روحه كما أخبر عن ذلك في القرآن الكريم. والبشر جميعًا من أولاد آدم -عليه السلام-.
فقول الرجل لأخيه (يا حمار، يا كلب) كذب وافتراء على القرآن، ولا سيما قوله (ابن كلب). فيه شتم لآدم -عليه السلام- الذي هو أبوه، وهو الأب للبشر جميعًا. وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه". "متفق عليه"
فكما أن المسلم لا يحب أن يقال له (كلب، حمار، تيس) وغيرها من الكلمات البذيئة فلا يجوز له أن يقولها لأخيه المسلم. ولو نظر المسلم بعين البصيرة لرأى أن هذه الكلمات النابية موجهة إليه بالذات، لأنه يوجهها إلى أخيه المسلم، وهو أخوه، شاء
__________
(1) انظر معجم المناهي اللفظية ص 351
(2) المصدر نفسه.
(3/114)

أم أبى، لأن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}. "الحجرات 10"
لذلك يحسن بالمسلم العاقل أن يقول لمن يقول له هذه الافتراءات (خنزير، بغل، كلب) حتى (ظالم، فاسق، فاجر، كافر) وغيرها من الكلمات القاسية، عليه أن يقول له (أنا أخوك) أي إذا كُنتُ خنزيرًا أو كلبًا أو فاسقًا أو كافرًا، فأنت مثلي لأنني أخوك. ولا يجوز له أن يقابل الكلمات النابية بمثلها عملاً بقول الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. "سوره فصلت 34"
وقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. "سورة النحل125"
ومن الغريب والمؤسف أن يقول الوالد لابنه (ابن كلب) فكأنه يقول:
إن والدك كلب وأنت ولده.
الصواب: (أصلحك الله وهداك).
فالدعاء للولد والعاصي وغيرهما أنفع، لعل الله يجيب الدعاء.
6 - الخطأ: (ابن حرام، ابن زنا): للمحتال والنصاب والمفسد.
ومعناه أن والدته زنت وجاءت به في الحرام، وهذا رمي لامرأة مسلمة بالزنا، فإما أن يقيم على ذلك أربعة شهود - وهيهات- وإما أن يُجلد ثمانين جَلدة لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. "سورة النور 4، 5"
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}. "النور 23 - 25"
أقول: إذا كان بعض الأشخاص أساؤوا في معاملاتهم، فلا يجوز اتهام أمهاتهم ولا سيما في الزنا:
قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. "سورة فاطر 18"
الصواب: (أن يقال لهذا الشخص المخطىء):
عملك عمل المحتالين والنصابين والمفسدين.
(3/115)

7 - الخطأ: كلمة (الأصوليين) وهي كلمة يصف الغرب بها المسلمين للدلالة على الجمود الفكري، ومعاداة التحرر والإنشقاق الديني) ووقع في ذلك بعض الِإعلاميين الإِسلاميين حيث أخذوا ينقلون تلك الأخبار المعادية للإِسلام وأصبحوا يتداولونها عن جهل بمقاصد أصحابها، أو غرض في نفوس بعضهم، فكانوا بفعلهم هذا أعوانًا للأعداء على الإِسلام والمسلمين.
الصواب: نقول: (الأصوليون) في الإِسلام هم العلماء المتمسكون بأصول الدين مع القدرة على استنباط الأحكام).
8 - الخطأ: (وجهك يقطع الرزق) (لا أتفاءل بوجهك).
الواجب: تركها لأن ادعاء شيء كهذا هو ضرب من ادعاء معرفة الغيب وهو لله تعالى وحده قال تعالى:
{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}. [النمل: 65]
وهذا مع ما فيه من التشاؤم قال - صلى الله عليه وسلم -:
(الطِيَرَة شرك) "صحيح رواه أحمد"
وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب التفاؤل ويكره التشاؤم. وبما أن المسلم لا يريد أن تقال له هذه الجملة فلا يقولها لغيره.
الصواب: (وجهك يُبشر بالخير) (أتفاءل بوجهك).
9 - الخطأ: (فلان لعنه الله، أو يقول لأخيه الله يلعنك).
وذلك لأن اللعن معناه الطرد من رحمة الله، فكأنه يدعو على أخيه بالطرد من رحمة الله، وهذا حرام لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (لعنُ المؤمن كقتله). "رواه البخاري ومسلم"
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
(ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء). "رواه مسلم"
الصواب: (فلان أصلحه الله، الله يهديك).
وغير ذلك من العبارات اللطيفة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه). "أخرجه البخاري"
(3/116)

أخطاء في حق غير المسلم
1 - الخطأ: قول (أخي) لغير المسلم، أو الضحك إليه لطلب المودة.
الصواب: (فلان أو ابن فلان).
لأنه ليست هناك أُخوة إلا أُخوة النسب أو الرضاع، وتبقى بعدها أُخوة الدين،
والكافر ليس أخًا في الدين والله تعالى يقول على لسان نوح:
{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. [هود: 45، 46]
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}. "سورة الحجرات: 10"
2 - الخطأ: قول الرجل (مسيحي) على النصراني.
الصواب: (نصراني) لأن الله سماهم (نصارى).
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. . .}. الآية. "سورة المائدة"

أخطاء في أحوال المسلمين عامة
1 - الخطأ: (تولي بعض النساء أمورَ المسلمين).
وقد انتشرت هذه الظاهرة في كثير من بلدان المسلمين، حتى إن المرأة وصلت إلى أعلى منصب في الدولة، في بعض الدول الإِسلامية.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (لن يُفلحَ قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة). "رواه البخاري"
- وكذا فإن سليمان -عليه السلام- حين علم أن هناك مَن يسجد للشمس مِن دون الله -وكان أمرهم إلى الملِكة بلقيس- أتى بهم صاغرين حتى أرغمهم على النزول على حكمه، وترك عبادة الشمس، وأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، فتركت الملكة مملكتها المزعومة ونزلت على حكم سليمان -عليه السلام-.
الصواب: (تولية أمور المسلمين للرجال المسلمين الأتقياء) ليأخذوا بنواصي العباد إلى ما فيه الخير والصلاح؛ لأنهم أقوى على تحمل الصعاب مِن النساء واللواتي يتعرضن للحمل والولادة وتربية الأولاد، وتنظيم البيت والأسرة. قال الله تعالى:
(3/117)

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 34]
فإذا تولت المرأة عملاً فسوف يتعرض بيتها للدمار: فهذه مديرة تقول:
"ذهبت لعملي صباحًا وولدي الصغير مريض يبكي، ولما عدت وجدته ميتًا، فندمت حيث لا ينفع الندم".
2 - الخطأ: (ترك الحكم بشريعة الإِسلام في البلدان الإسلامية).
الصواب: (يجب على الحكومات التمسك بالحكم بشريعة الله وحده ونبذ كل تشريع يخالف شريعة الإِسلام حتى ينصرهم الله).
قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. . . الظَّالِمُونَ. . . الْفَاسِقُونَ. . .} الآيات "سورة المائدة 44 - 45 - 47"
وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. [النساء: 65]
وقال تعالى مخاطبًا نبيه:
{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. . .} الآية. [المائدة: 49]
فإن حكم الحاكم بغير شريعة الإِسلام معتقدًا عدم صلاحيتها، أو أن غيرها أفضل منها، أو مساوية لها، فهو كافر خارج من الإِسلام بإجماع المسلمين.
وأما إن حكم بغير الإِسلام معترفًا بأفضليته، وتقصيره في عدم حكمه بالإسلام، واعترافه بخطئه وأنه مذنب، فهو ظالم لنفسه، ويكون واقعًا في كبائر الذنوب، وعليه أن يتوب، ويرجع إلى الله تعالى.
ويوم ترك المسلمون حكم الله، أصابهم الذل والهوان والتفرق ولا عزَّ لهم إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -: قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. [محمد: 7]
(3/118)

أخطاء في عادات الناس
1 - الخطأ: (قول بعض الناس لمن خرج من الحمام (شُفيتم) ويقول الآخر (الخارج) شفاك الله).
الصواب: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
ويقول الخارج من الحمام: (غفرانك) "صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد"
لأن كلمة (شفيتم) لم يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه والخروج عن منهج السلف خروج في الحقيقة عن الطريقة السَّوِيَّة.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها). "أخرجه مسلم.
2 - الخطأ: (قول بعض الناس عند النوم): (تصبح على خير).
ويقول الآخر: (وأنت من أهل الخير).
وعند الصباح يقولون: (صباح الخير). ويقول الآخر: (صباح النور).
وعند المساء يقولون: (مساء الخير). ويقول الآخر: (مساء النور).
لأن ذلك من تقليد اليهود والنصارى في عاداتهم.
الصواب: (القول في الصباح والمساء في كل الأوقات):
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:) لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) "رواه مسلم"
ويمكن القول بعد السلام (مرحبًا بالقوم، صبحكم الله بالخير، الله يُمسيكم بالخير) يخالف تحية غير المسلمين.
وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم). "صحيح رواه أبو داود"
3 - الخطأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) عند الطعام.
لأنها شرعت في كتابة الرسائل، وفي أوائل سور القرآن.
الصواب: (بسم الله) (فقط) وقد أنكر عبد الله بن عمر أن تقال كاملة كما في
المستدرك 1/ 11 للحاكم، وذكر السيوطي في (الحاوي) أنها بدعة مذمومة:
قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أكل أحدكم طعامًا فليذكر اسم الله فإن نسي أن يذكر الله في أوله، فليقل بسم الله على أوَّلِه وآخره) "صحيح رواه أبو داود والترمذي"
والتسمية الكاملة تقال عند قراءة أول سورة القرآن، وعند كتابة الرسائل.
(3/119)

4 - الخطأ: (البقية في حياتك) وتقال عند التعزية.
لأن قول (البقية في حياتك) خطأ إن قصد بها أن باقي حياة المتوفَّى في حياة ابنه، أو أخيه، أو قريبه، والميت قد استوفى أجله ولم يبق له منه شيء. قال الله تعالى:
{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} الآية. [الأعراف: 34]
الصواب: (إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مُسَمَّى فلتصبر
ولتحتسب) "رواه البخاري"
5 - الخطأ: (تشبه الرجال بغير المسلمين بحلق اللحى وإطالة الشارب وعدم صبغ الشيب)
الصواب: الواجب (إعفاء اللحية وقص الشارب، وصبغ الشعر الأبيض).
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أعفو اللحَى وجُزّوا الشوارب وغَيِّروا شَيبكم ولا تَشبَّهوا باليهود والنصارى) "صحيح رواه أحمد"
6 - الخطأ: (الأكل والشرب بالشمال)
الصواب: الأكل والشرب باليمين وذكر اسم الله أولًا وهو: (بسم الله) (وإذا نسي فليقل بسم الله أوله وآخره).
قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) "رواه مسلم"
7 - الخطأ: (أنا عندي طبع لا أستطيع تغييره).
وهي كلمة كثيرًا ما تقال: على سبيل الإعتداد بالرأي، والثبات على موقف الخطأ في الخصومة، وغيره.
الصواب: (إن فيَّ طبعًا أسأل الله تعالى منه العفو والعافية والإصلاح، والإستسلام لله تعالى وأوامره).
قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]
قال ابن القيم -رحمه الله-: والإسلام هو الإستسلام لله بالتوحيد والإنقياد له بالطاعة: قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ. . .} الآية. انتهى. "سورة البقرة"
(3/120)

8 - الخطأ: (لم يُخلَق مَن يَرُد لي كلمة)
وهي كلمة كثيرًا ما تقال في البلدان العربية على سبيل التحدي مِن الخصوم، وفيها من الكِبْر والغرور، والأمن مِن مَكرِ الله تعالى. فادعاء العلم بأن الذي يستطيع فعل أمرٍ لم يُخلق بعدُ هو في حقيقة الأمر، ادعاء علم الغيب، والله تعالى يقول:
{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}. [النمل: 65]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يعلم الغيبَ إلا الله) "حسن رواه الطبراني"
وليس لأحدٍ كائنًا مَن كان سبيل إلى الحصر في ذلك أو القطع بأمر كهذا، وهو من التقوُّل على الله تعالى بغير علم.
والله تعالى يقول: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]
الصواب: (لم أرَ إلى الآن مَن يَردُّ كلمتي) والأولى تركها أيضًا لقول مالك -رضي الله عنه-: كل واحدٍ يؤخذ من قوله ويُرَد إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
9 - الخطأ: (قول بعض الناس: (الفاتحة على روح فلان) عند إخبارهم بوفاته (أو حين دخول المقبرة). فهي بدعة لم يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الخلفاء الراشدين ولا مَن بعدهم مِن السلف الصالح.
الصواب: (الدعاء لفلان بالمغفرة والرحمة والقبول).
فقد قال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بعد دفن الميت:
(استغفروا لأخيكم وسَلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل) "صحيح رواه الحاكم وغيره"
10 - الخطأ: (قول بعض الناس: (نَسيتُ آية كذا).
الصواب: (نُسِّيتُ آية كذا وكذا) بتشديد السين وكسرها.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (بئس ما لِأَحَدِكمٍ أن يقول نَسيت آية كَيتَ وكَيت، بل نُسِّيَ. واستذكروا القرآن فإنه أشد تَفَصِّيًا مِن صدور الرجال مِن النَّعَم). "متفق عليه"
11 - الخطأ: (قول بعض الناس للآخر يوم العيد (العفو لله ورسوله).
وهي منتشرة عند أهل السودان خاصة وبعض البلدان الأُخرى وهي نوع من إطراء النبي - صلى الله عليه وسلم - والمبالغة في مدحه وإعطائه أنواعًا من الدرجات التي لم تكن له، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:
(لا تطروني كما أطرَتِ النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)
[تطروني: تبالغوا في مدحي] "أخرجه البخاري"
(3/121)

فهو لا يملك المغفرة لأحد بعد موته:
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ}. [آل عمران: 135]
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25]
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
(يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت مِن مالي لا أُغني عنكِ مِن الله شيئًا) "رواه البخاري"
فلو كان يملك العفو لها لكفاها مؤنة العمل في الدنيا والحساب في الآخرة.
الصواب: (تقبل الله منا ومنكم).
12 - الخطأ: (كل عام وأنتم بخير) في أيام العيد وغيره. . . .
لأنه لم يرد عن السلف، ولأن هذه الجملة عطلت سُنَّة شرعية، وقول:
(كل عام وأنتم بخير) تركٌ لما جاءت به الآثار الصحيحة عن الصحابة -رضوان الله عليهم-، والخير في اتباع السلف الصالح لا اتباع غيرهم:
الصواب: (تقبل الله منَّا ومنكم)
لأن ما قبل العيد الصوم، أو الحج ويحتاج إلى دعاء القبول.
13 - الخطأ: (إقامة الأعياد المختلفة كعيد الميلاد وعيد رأس السنة وعيد الأُم ونحو ذلك)
الصواب: (إحياء الأعياد المشروعة فقط وهي عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك).
عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَد) "متفق عليه"
14 - الخطأ: (لو لم أدخل المسجد لما سُرقت محفظتي)
فهذا فيه اعتراض على أقدار الله تعالى بعد وقوعها، وقد قدر الله كل ما يصيب الإنسان من خير وشر قبل أن يخلقه، بل قبل أن يخلق الدنيا كلها.
قال الله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]
وقال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]
الصواب: (قدَّرَ الله وما شاء فعل)
قال - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدَّرَ الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان) "أخرجه مسلم"
(3/122)

15 - الخطأ: (عُباد الشمس = اسم نبات) وهذا لا يجوز لأن الأشجار لا تعبد الشمس كما قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18]
فالمعبود بحق هو الله تعالى وحده.
الصواب: (دوار الشمس) لأنه يدور مع الشمس
16 - الخطأ: (أنا عبدك ومخدومك) وهذا خطأ كبير فالناس كلهم عبيد الله وحده، وليسوا عبيدًا لأحد. قال الله تعالى:
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93]
فلا يجوز إلا لمن كان مملوكًا فعلًا لغيره كما قال تعالى:
{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]
الصواب: (أنا عبد لله وخادمك) لأن المخدوم هو الذي يخدمه غيره، والمتكلم أراد أنه خادمه.
17 - الخطأ: (لعنة الله على المرض هو الذي أعاقني)
وهذا من أعظم القبائح لأنه لعن لما قدره الله تعالى وهو المرض وذلك بمنزلة سبِّ الله تعالى، ولا يجوز لمسلم أن يكثر اللعن والطعن:
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان) "رواه مسلم"
الصوب: (قدَّر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه راجعون).
قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]
18 - الخطأ: (خسرتُ في الحج كذا وكذا، خسرت في العمرة كذا وكذا، خسرت في الجهاد كذا وكذا)
وهذه غير صحيحة؛ لأن ما بذل في طاعة الله تعالى ليس بخسارة وإنما هو الربح الحقيقي. . قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] الصواب: (صرفت في الحج كذا وكذا).
(3/123)

19 - الخطأ: (علي محمد إبراهيم) بدون وضع كلمة (ابن).
الصواب: (علي بن محمد بن إبراهيم)
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول عن نفسه:
(أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب).
وكان السلف من الصحابة والتابعين يذكرون أسماءهم كذلك مثل أبي بكر، واسمه عبد الله بن أبي قحافة، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب 20 - الخطأ: (تعِس الشيطان) إذا عثرت دابته أو سيارته.
الصواب: (بسم الله)
عن أبي المليح عن رجل قال: كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - فعثرَت دابته فقلتُ: تعِسَ الشيطان، فقال: (لا تقل تعِسَ الشيطان، فإنك إذا قلت ذلك، تعاظم حتى يكون مثل البيت ويقول بقوتي، ولكن قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب) "صحيح رواه أبو داود والنسائي"

أخطاء في حق الناس
1 - الخطأ: (السيد)، (السيد فلان).
الصواب: (سيد بني فلان) ولا تُعَرَّفْ (بأل) وذلك لأن (السيد) لا تجوز لكافر ولا فاسق، أو منافق.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تقولوا للمنافق سيدَنا فإنه إن يكُ سيدكم فقد أسخطتم ربكم) "صحيح أخرجه دواد عن بريدة"
فلا تجوز إلا مقيدة (مضافة) إلى قومه أو إلى قبيلته فيقال سيد بني فلان ولا تعرف (بأل). وأما (السيد) المطلق. ومن لم يكن ذو سيادة، فلا تجوز.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للأنصاري حينما جيء (بسَعد) جريحًا راكبًا على الحمار: (قوموا إلى سيدكم) "رواه البخاري"
وفي روايه غير البخاري (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)
ولا حجة في هذا الحديث للقيام إلى القادم؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخاطب الأنصار أن يقوموا إلى سيدهم فينزلوه من فوق الحمار، ولم يقم الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين إلى سعد -رضي الله عنه-.
(3/124)

أخطاء في التسمية
1 - الخطأ: (تسمية الأشياء بغير مسمياتها):
كتسمية (ربا البنوك): (فوائد البنوك).
وتسمية (الخمر): (مشروبات روحية).
وتسمية (الزنا): (علاقات جنسية).
الصواب: (التسمية بما سَمَّى الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وفي ذلك من الفوائد الكثيرة كمعرفة الناس، لما حرمه الله سبحانه وتعالى اسمًا، ووصفًا، لينفروا منه بعد معرفة ضرره، وعقوبته، وحتى لا يصغر قبح الحرام في نفسنا، بعد تغير الإسم المذموم):
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية "البقرة: 278، 279"
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} "المائدة: 90، 91"
وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} "الإسراء: 32"
2 - الخطأ: (الكرْم) وإطلاقها على العِنب.
الصواب: (العنب)
فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تسمية العنب ب (الكرْم) وقال:
(لا تقولوا الكرمَ، ولكن قولوا العِنب والحبلَةَ). "رواه مسلم"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ويقولون الكَرمُ، إنما الكرمُ قلب المؤمن) "أخرجه مسلم"
وهذا لأن هذه اللفظة تدل على كثرة الخير، والمنافع في المسمى بها، وقلب المؤمن هو المستحق لذلك.
3 - الخطأ: (التكني بكنية (أبي الحكم)
لأن الحكم هو الله، فلا يجوز التكني به.
الصواب: (التكني بالكُنى المستحبة (كأبي عبد الله وعبد الرحمن). "رواه مسلم"
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) "رواه مسلم"
وفي حديث المقدام بن شريح بن هانىء لما وفد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قدومه سمعهم
(3/125)

يكنُّونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
(إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكم، فلِمَ تُكنى أبا الحكم؟
فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أحسن هذا فما لكَ مِن الولد؟ قال شريح، ومسلم، وعبد الله قال: فما أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح) "صحيح رواه أبو داود"
4 - الخطأ: (التسمي بأسماء فيها تزكية مثل):
(بَرَّهَ، خليفة الله، وكيل الله، وغيرها).
الصواب: (التسمي بالأسماء المشروعة):
(كزينب، أسماء، عبد الله، عبد الرحمن، وغيرها)
نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسمي بَرَّهَ، وقال:
(لا تُزَكوا أنفسَكم، الله أعلم بأهل البِر منكم) "صحيح رواه أبو داود"
وكذا (جويرية) بنت الحارث الخزاعية كان اسمها (بَرَّهَ) فغيَّره إلى (جويرية) كما في صحيح مسلم وغيره.
وكذا لا يصح التسمي ب (وكيل الله) أو (خليفة الله) لأن الوكيل مَن يتصرف عن
موكله بطريقة النيابة، والله -عَزَّ وَجَلَّ- لا نائب له ولا يخلفه أحد، بل هو الذي يخلف عبده، كما قال - صلى الله عليه وسلم -:
(اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) "رواه مسلم"
5 - الخطأ: (التسمي بأسماء قبيحة).
(كحَرب، صَعب، حزن، عُصَيَّة، عاصية، مُرَّة، وما أشبهها)
الصواب: (التسمي بأسماء حسنة (كحسن، حسين، وغيرهما)
فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الاسم الحسن، ويتفاءل به، ومن تأمل السُّنة وجد معان في الأسماء مرتبطة بها، حتى كان معانيها مأخوذه منها، وكان الأسماء مشتقة من معانيها، فتأمل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
("أسلَمَ: سالمها الله" "وغِفار: غفرَ الله لها" "وعُصَيَّة عصَتِ الله ورسوله").
"رواه البخاري ومسلم"
وإذا أردت أن تعبرف تأثير الأسماء في مسمياتها فتأمل حديث: سعد بن المسيب عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:
(3/126)

(ما اسمك؟ قلت، (حزن)، فقال: أنت (سهل) قال: قلت: لا أُغيِّر اسمًا
سمانيهِ أبي، قال ابن المسيب، فما زالت تلك الحزونة فينا بعد) "رواه البخاري"
[الحزونة: الغلظة] ومنه أرض حزنة، وأرض سهلة،
"انتهى مختصرًا من "تحفة المودود" ص 120 - 125"
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غَيِّر اسم (عاصية)، وقال: أنت (جميلة) "رواه ومسلم"
ولما ولد الحسلى لعلي -رضي الله عنه- سماه (حربًا)
فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أروني ابني ما سميتموه؟ قلنا: (حربًا) قال: بل هو (حسن).
"صححه الحافظ في الإصابة)
6 - الخطأ: قول البعض (التطرف الديني) على مَن تمسك بالإسلام.
الصواب: (الغلو الديني) كما في الحديث:
(إياكم والغُلو في الدين) "صحيح رواه أحمد وغيره"
وهذا إذا كان مَن يطلق عليه ذلك قد خرج عن أحكام الدين بالمبالغة فيها.
وقد لهج المتحدثون بهذا الاصطلاح (التطرف الديني) في مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وقد حصل فيه رجوع عامة الشباب المسلمين إلى الله تعالى، والتزامهم بأحكام الإِسلام، وآدابه، والدعوة إليه، فكان قبلُ يُنبذ مَن هذا سبيله بالرجعية والتعصب والجمود ونحوها.
ودين الله بين الغالي والجافي، وعلماء الإِسلام في كل عصر يقررون النهي عن الغُلو في الدين ويحثون على التوبة في نفس الوقت فقُلبت الموازين في هذه الأزمان، فصار التائب المنيب إلى ربه يُنبَذ بأنه متطرف للتنفير منه، وشَلّ حركة الدعوة إلى الله تعالى.
7 - الخطأ: (أم المؤمنين) ويطلقها بعض الأزواج على زوجاتهم، وقول بعضهم عن زوجته (مدام) كلمة فرنسية وفيها تشبُّه بالأجانب.
وقولهم (أم المؤمنين) حرام لأن مقتضاه أن يكون هو نبيّ لأن الذي يوصف بأمهات المؤمنين هُنَّ زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الصواب: (أم عبد الله، أو أم فلان) يذكر اسم ولده، أو يقول:
(زوجتي، أو أهلي) بدل (مدام).
(3/127)

(4)
كيف اهتديت إلى التوحيد والصراط المستقيم
(3/128)

موجز كيف اهتديت
* كنت نقشبنديًا
* كيف انتقلت إلى الطريقة الشاذلية.
* مجلس الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
* الضرب بالشيش (بسيخ حديد).
* درس عجيب من شيخ صوفي.
* كيف اهتديت إلى التوحيد.
* مناقشة مع شيخ صوفي.
* موقف المشايخ من التوحيد.
* الخروج مع التبليغ للدعوة.
* الجماعة الصوفية.
* جماعة الدعوة والتبليغ.
* جماعة الإخوان المسلمين.
* السلفيون وأنصار السنة المحمدية.
* حزب التحرير.
* جماعة الجهاد وغيرهم.
(3/129)

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، مَن يهده الله فلا فضل له، ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فقد تلقيت رسالة من طالب تركي من بلدة (قونية) هذا نصها:
إلى محمد بن جميل زينو المدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أستاذنا الكريم: أنا طالب في كلية الشريعة (في قونية)، وأخذت كتابكم "العقيدة الإِسلامية" "أطروحة" وترجمت كتابكم إلى اللغة التركية ولكن أحتاج إلى ترجمة حياتكم للطبع، وأنا أريد من فضلكم أن ترسل هذه المعلومات إلى العنوان الآتي شكرًا لفضيلتكم من الآن والسلام على من اتبع الهدى (1). "بلال بارومجي"
وقد طلب مني بعض إخواني من طلبة العلم أن اكتب قصة حياتي والمراحل التي مررت بها منذ الصغر إلى أن بلغت من العمر قريبًا من 70 سنة وكيف اهتديت إلى العقيدة الإسلامية الصحيحة عقيدة السلف الصالح التي تستند على الدليل من القرآن الكريم والحديث الصحيح، وهذه نعمة كبيرة لا يعرفها إلا من ذاقها:
وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين قال:
(ذاقَ طعمَ الإِيمان مَن رضيَ بالله رَبًا، وبالإِسلام دينًا، وبمُحمد رسولًا). "رواه مسلم"
ولعل القارئَ يجد في هذه القصة عبرًا ودروسًا نافعة لمعرفة الحق من الباطل.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
محمد بن جميل زينو
1/ 1/ 1415 ه
__________
. . . . . . . . . . . . .
(1) هذا السلام بهذه الصيغة لا يجوز إلقاؤه على المسلم، بل هو لغير المسلم الذي لم يتبع الهدى، أما السلام على المسلم فيكون بلفظ: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
(3/130)

الولادة والنشأة
1 - ولدت في مدينة حلب في سورية عام 1925 م (1) حسب الجواز، الموافق 1344 هجري، وعمري الآن سبعون سنة تقريبًا، ولما بلغت من العمر عشر سنين تقريبًا دخلت في مدرسة خاصة وتعلمت القراءة والكتابة.
2 - انتسبت إلى مدرسة (دار الحفاظ) وبقيت فيها خمس سنوات حفظت خلالها القرآن غيبًا مع التجويد.
3 - دخلت مدرسة في حلب كانت تسمى (الكلية الشرعية التجهيزية) وهي الآن الثانوية الشرعية، وهي تابعة للأوقاف الإِسلامية، وكانت المدرسة تدرس العلوم الشرعية والعصرية: فقد درست فيها التفسير، والفقه الحنفي، والنحو، والصرف، والتاريخ والحديث وعلومه، وغيرها من العلوم الشرعية.
ومن العلوم العصرية درست فيها الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، واللغة الفرنسية، وغيرها من العلوم التي برع فيها المسلمون قديمًا كعلم الجبر مثلًا.
أ - وأذكر أني درست علم التوحيد في كتاب اسمه (الحصون الحميدية) وهو يركز على توحيد الرب، وإثبات أن لهذا العالم خالقًا وربًا، وقد تبين لي فيما بعد أنه خطأ وقع فيه كثير من المسلمين والمؤلفين، والجامعات، والمدارس التي تدرس العلوم الشرعية؛ لأن المشركين الذين حاربهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعترفون بأن الله خالقهم: قال تعالى:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}. [الزخرف: 87]
بل الشيطان الذي -لعنه الله- كان يعترف بأن الله ربه: قال تعالى يخبر عن قوله: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}. [الحجر: 39]
ب - أما توحيد الِإله الذي هو الأساس الذي ينجو به المسلم، فلم أدرسه وكنت لا أعلم شيئًا عنه، شأن بقية المدارس والجامعات الذين لا يدرسونه، ولا يعلم عنه الطلاب شيئًا.
والله تعالى أمر الرسل جميعا أن يدعوا إليه، وقد دعا إليه خاتم الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم - قومه، فامتنعوا واستكبروا كما أخبر الله عنهم:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}. [الصافات: 35]
__________
(1) من المؤسف أن يكون التاريخ الميلادي هو المنتشر حتى في البلاد الإِسلامية إلا البلاد السعودية فإنها تعتمد التاريخ الهجري وهو الواجب لأنه تاريخ إسلامي، يرمز إلى الهجرة التي أعز الله بها الإِسلام.
(3/131)

لأن العرب المشركين كانوا يعرفون معناها، وأن من قالها لا يجوز له أن يدعو غير الله، وبعض المسلمين يقولونها بألسنتهم، ويدعون غير الله، فينقضونها.
ج - أما توحيد الصفات فكانت المدرسة تتأول آيات الصفات كبقية المدارس في أكثر بلاد المسلمين مع الأسف الشديد، وأذكر أن المدرس كان يفسر قول الله تعالى:
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. [طه: 5]
(استوى: بمعني استولى) ويستشهد بقول الشاعر:
قد استوى بِشرٌ على العراق ... مِن غير سيف ودمٍ مهراق
قال ابن الجوزي: هذا الشعر لا يُعلم قائله، وقال آخرون: نصراني، وكلمة
(استوى) ورد تفسيرها في البخاري عند قول الله تعالى:
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]
قال: مجاهد وأبو العالية: (استوى: علا وارتفع). "البخاري كتاب التوحيد ج 8/ 175"
فهل يجوز لمسلم أن يترك قول التابعين في البخاري، ويأخذ بقول شاعر مجهول؟
وهذا التأويل الفاسد الذي ينكر عُلُوَّ الله على عرشه يخالف عقيدة الإِمام أبي حنيفة، ومالك وغيرهما، فقد قال الإِمام أبو حنيفة الذي يدرسون مذهبه:
(مَن قال لا أعرف رَبي في السماء أم في الأرض فقد كفر)؛ لأن الله يقول:
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} "سورة طه: 5"
(وعرشه فوق سبع سماوات). "انظر شرح العقيدة الطحاوية 322"
4 - وقد حصلت على شهادة المدرسة عام 1948، ونلت الشهادة الثانوية العامة، ونجحت في مسابقة بعثة للأزهر، لكنني لم أذهب لأسباب صحية، ودخلت دار المعلمين في حلب، وعملت مدرسًا لمدة 29 سنة تقريبًا، ثم تركت التدريس.
5 - بعد استقالتي من التدريس جئت بعمرة إلى مكة عام 1399 ه، وتعرفت على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وعرف أن عقيدتي سلفية، فاعتمدني مدرسًا في الحرم المكي وقت الحج، ولما انتهى موسم الحج أرسلني إلى الأردن للدعوة إلى الله، فذهبت، ومكثت في مدينة "الرمثا" في جامع صلاح الدين، فكنت إمامًا وخطيبًا ومدرسًا للقرآن، وكنت أزور المدارس الإِعدادية وأُوجه الطلاب إلى عقيدة التوحيد، فكانوا يتقبلونها بقبول حسن.
(3/132)

6 - وفي شهر رمضان من عام 1400 ه جئت بعمرة إلى مكة، وبقيت إلى بعد الحج، وتعرفت على طالب من طلاب دار الحديث الخيرية بمكة، وطلب مني أن أكون مدرسًا عندهم لأنهم في حاجة إلى مدرسين، ولاسيما في مصطلح علم الحديث، فاتصلت بمديرها فأبدى استعداده، وطلب مني تعميدًا من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، فكتب إلى المدير يطلب منه أن أكون مدرسًا عندهم، فدخلت المدرسة، ودرست الطلاب التفسير، والتوحيد، والقرآن الكريم، وغيرها من الدروس.
7 - ومن فضل الله بدأت بإصدار رسائل صغيرة مختصرة، ومبسطة، فكان لها قبول في جميع بلاد العالم، وقد ترجم بعضها إلى الإِنجليزي، والفرنسي، والبنغالي، والأندنوسي، والتركي، والأوردو، وغيرها من اللغات، وسميتها:
(سلسلة التوجيهات الإِسلامية) وصلت إلى أكثر من عشرين رسالة طبع منها مئات الآلاف، وأكثرها مجانية، يجدها القارىء على ظهر غلاف الرسالة بأسمائها وأرقامها.
والله أسال أن ينفع بها المسلمين، ويجعلها خالصة لوجه الله تعالى.
(3/133)

كنت نقشبنديًا
كنت منذ الصغر أحضر الدروس في المساجد والحلقات للذكر، وقد شاهدني شيخ الطريقة النقشبندية، فأخذني إلى زاوية المسجد، وبدأ يعطيني أوراد الطريقة النقشبندية، ولكن لصغر سني لم أستطع أن أقوم بما أمرني به من الأوراد إلا أنني أحضر مجالسهم مع أقاربي في الزوايا، وأسمع ما يقولون من القصائد والأناشيد، وحينما يأتي ذكر اسم الشيخ كانوا يصيحون بصوت مرتفع، فيزعجني هذا الصوت المفاجىء في الليل، ويسبب لي الرعب والمرض، وعندما تقدمت في السن بدأ قريب لي يأخذني إلى مسجد الحي لأحضر معه ما يسمونه (الختم) فكنا نجلس على شكل حلقة، وأحد الشيوخ يوزع علينا الحصى ويقول: "الفاتحة الشريفة، الإِخلاص الشريف" فنقرأ بعدد الحصى سورتي الفاتحة والإِخلاص، والاستغفار، والصلاة على النبي بالصيغة التي يحفظونها، وأذكر منها (اللهم صل على محمد عدد الدّواب) يقولونها جهرًا آخر الذكر وبعدها يقول الشيخ الموكل بالختم: (الرابطة الشريفة) ويقصدون بها أن يتصوروا شيخهم في حال ذكرهم لأن الشيخ يربطهم بالله في زعمهم، فكانوا يهمهمون، ويصيحون، ويعتريهم الخشوع حتى إن أحدهم شاهدته يقفز فوق رءوس الحاضرين من مكان مرتفع من شدة وَجْدِه، كأنه البهلوان فاستغرب هذا التصرف والصياح عند ذكر شيخ الطريقة، ودخلت مرة على بيت قريبي هذا، فسمعت نشيدًا من جماعة الطريقة النقشبندية يقولون فيه:
دلوني بالله دلوني ... على شيخ النصر دلوني
اللي يبري العليل ... ويشفي المجنونا
وقفت على باب البيت، ولم أدخل، وقلت لصاحب البيت: هل الشيخ يُبرىء العليل، ويشفي المجنون؟ قال: نعم، قلت له: الرسول عيسى بن مريم -عليه السلام- الذي أعطاه الله معجزة إحياء الموتى وشفاء الأكمه والأبرص يقول: بإذن الله، فقال لي: وشيخنا يفعل بإذن الله! قلت له: ولماذا لا تقولون بإذن الله؟!
علمًا بأن الشافي هو الله وحده، كما قال إبراهيم -عليه السلام-:
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}. [الشعراء: 80]
(3/134)

ملاحظات على الطريقة النقشبندية
1 - تمتاز هذه الطريقة بأورادها السّرية الخفية، فليس فيها رقص ولا تصفيق مما عند غيرهم من الطرق المشهورة.
2 - هذا الاجتماع على الذكر، وتوزيع الحصى على كل واحد، والموكل بالختم يأمرهم أن يقولوا كذا، ووضعهم الحصى في كأس ماء ليشربوا منه، ويستشفوا به، هذا كله من البدع التي أنكرها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود حينما دخل المسجد، فرأى جماعة يتحلقون، وبأيديهم الحصى، يقول أحدهم: سبّحوا كذا، افعلوا كذا عدد الحصى التي بأيديهم، فقال لهم موبخًا: "ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح قال: فعدُّوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم؟ هؤلاء صحابة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - متوافرون وهذه ثيابه لم تُبلَ وآنيته لم تُكسَر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى مِلَّة أهدى مِن ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة؟ "حسن رواه الدارمي والطبراني"
وهذه قضية منطقية سليمة، فهؤلاء إما أن يكونوا أهدى من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنهم وُفِّقُوا إلى عمل لم يصل إليهِ علم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإما أن يكونوا في ضلالة، والفَرَض الأول منتف حتمًا؛ لأنه لا أحد أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يبق إلا الفَرَض الآخر.
3 - الرابطة الشريفة: ويعنون بها أن يتصوروا صورة الشيخ أمامهم في الذكر ينظر إليهم، ويراقبهم لذلك تراهم يخشعون ويصيحون بأصوات منكرة غير واضحة، وهذه مرتبة الإِحسان التي وردت في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). "رواه مسلم"
ففي هذا الحديث يرشدنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن نعبد الله كأننا نراه، وإذا كنا لا نراه، فإنه يرانا، هذه مرتبة الإِحسان التي هي لله وحده، قد أعطوها لشيخهم وهذا من الشرك الذي نهى الله عنه بقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}. [النساء: 36]
فالذكر عبادة لله لا يجوز أن نشرك به أحدًا، ولو كان من الملائكة أو الرسل والمشايخ دون رتبتهم، فلا يجوز إشراكهم من باب أولى! والحقيقة أن تصور الشيخ في الذكر موجود أيضًا في الطريقة الشاذلية، وغيرها من الطرق الصوفية كما سيأتي.
(3/135)

4 - هذا الصياح الشديد الذي يعتريهم عند ذكر الشيخ، أو طلب المدد من غير الله كأهل البيت، ورجال الله، هو من المنكرات بل هو من الشرك المنهي عنه، فإذا كان الصياح عند ذكر الله منكرًا؛ لأنه يتنافى مع قول الله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}. "سورة الأنفال: 2"
وفي قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(أيها الناسِ إرْبعوا على أنفسِكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون
سميعًا قريبًا وهو معكم). "متفق عليه"
فإن الصياح والخشوع والبكاء عند ذكر الأولياء أشد إنكارًا لأن هذا يدل على الإستبشار الذي حكاه الله عن المشركين حين قال:
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}. [الزمر: 45]
5 - الغلو في شيخ الطريقة واعتقادهم أنه يشفي المرضى، مع أن الله تعالى ذكر قول إبراهيم -عليه السلام- في القرآن الكريم.
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}. [الشعراء: 80]
(وقصة الغلام المؤمن الذي كان يدعو للمرضى، فيشفيهم الله، حين قال له جليس الملك: لك هذا المال إن أنت شفيتني! فقال له الغلام: (أنا لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله إن أنتَ آمنتَ بالله دعوت الله فشفاك). "القصة رواها مسلم في صحيحه"
6 - الذكر عندهم باللفظ المفرد وهو (الله) آلاف المرات هي وِردهم، مع أن هذا الذكر بلفظ (الله) لم يرد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن صحابته ولا التابعين، ولا عن الأئمة المجتهدين، بل هو من بدع الصوفية؛ لأن لفظ (الله) مبتدأ، ولم يأت بعده خبره، فأصبح الكلام ناقصًا، ولو أن إنسانًا نادى اسم (عمر) عدة مرات، فنقول له: ماذا تريد من عمر؟ فلم يرد علينا إلا باسم (عمر، عمر) لقلنا إنه معتوه، لا يدري ماذا يقول؟ ويستشهد الصوفية على الذكر المفرد بقول الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ} ولو أنهم قرأوا الكلام الذي قبله لعرفوا أن المراد: قل الله أنزل الكتاب، ونص الآية: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. . . قُلِ اللَّهُ} "سورة الأنعام: 91"
[أي قل الله أنزل الكتاب].
(3/136)

كيف انتقلت إلى الطريقة الشاذلية
تعرفت على شيخ من الطريقة الشاذلية حسن الصورة والأخلاق وزارني في بيتي، وزرنه في بيته، فأعجبني لين كلامه، وحديثه، وتواضعه، وكرمه، فطلبت منه أن يعطيني ورد الطريقة الشاذلية، فأعطاني أورادها الخاصة بها وكانت عنده زاوية يأوي إليها بعض الشباب، ويقيمون فيها الذكر بعد صلاة الجمعة.
زرته مرة في بيته، فرأيت صورة شيوخ كثيرين للطريقة الشاذلية، مُعلّقة على الجدار، فذكَّرته بالنهي الوارد عن تعليق الصور، فلم يستجب، مع أن الحديث واضح ولا يخفى عليه وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن البيت الذي فيه الصُوَر لا تدخله الملائكة). "متفق عليه"
(نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصور في البيت ونهى الرجل أن يصنع ذلك). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
وبعد سنة تقريبًا أحببت زيارة الشيخ، وأنا في طريقي إلى أداء العمرة، فدعاني مع ولدي ورفيقي إلى طعام العشاء وبعد الإنتهاء قال لي: هل تسمع شيئًا من الأناشيد الدينية من هؤلاء الشباب؟ فقلت: نعم، فأمر الشباب الذين حوله -وكانت اللحى الجميلة تعلو وجوههم- أن ينشدوا فبدأوا ينشدون بصوت واحد نشيدًا خلاصته:
(من كان يعبد الله طمعًا في جنته، أو خوفًا من ناره، فقد عبد الوثن).
فقلت لهم: ذكر الله آية في القرآن يمدح فيها الأنبياء قائلًا:
{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]
فقال لي الشيخ: هذه القصيدة التي ينشدونها هي: (لسيدي عبد الغني النابلسي) فقلت له: وهل كلام الشيخ مُقدم على كلام الله، وهو معارض له؟! فقال لي أحد المنشدين: سيدنا علي -رضي الله عنه- يقول: "الذي يعبد الله طمعًا في جنته، عبادة التجار" فقلت له: في أي كتاب وجدت هذا القول لسيدنا علي، وهل هو صحيح؟ فسكت، فقلت له: هل يعقل أن يخالف علي -رضي الله عنه- القرآن وهو من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن المبشرين بالجنة؟ ثم التفت رفيقي قائلًا لهم:
ذكر الله تعالى عن وصف المؤمنين يمدحهم قائلًا:
{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16]
فلم يقتنعوا، وتركت الجدال معهم، وانصرفت الى المسجد للصلاة فلحقني منهم
(3/137)

شاب، وقال لي: نحن معكم، والحق معكم، ولكن لا نستطيع أن نتكلم، وأن نرُدَّ على الشيخ! قلت له: لماذا لا تتكلمون الحق؟ قال: سوف يخرجنا من السكن إن تكلمنا: وهذا مبدأ صوفي عام فإن شيوخ التصوف أوصوا تلاميذهم ألا يعترضوا على الشيخ مهما غلط وقالوا لهم عبارتهم المشهورة: "ما أفلح مريد قال لشيخهِ لِمَ؟ " متجاهلين قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(كُل بني آدم خطاء وخيرُ الخطائين التوابون). "حسن أخرجه أحمد والترمذي"
وقول مالك -رضي الله عنه-: "كُل واحد يؤخذ مِن قوله ويُرَد إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم -".

مجلس الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -
ذهبت مع بعض المشايخ إلى أحد المساجد لحضور هذا المجلس فدخلنا حلقة الذكر، وهم يرقصون، ويمسكون بأيدي بعضهم، ويتمايلون، ويرتفعون، وينخفضون، ويقولون: الله، الله. . . وكل واحد من الحلقة يخرج إلى الوسط، ويشير بيديه إلى الحاضرين لينشطوا في الحركة والتمايل. . . . . حتى وصل الدور إليّ لأخرج، وأشار إليّ رئيسهم بالخروج، لأزيد من حركتهم ورقصهم، فاعتذر أحد المشايخ الذين معي وقال له: اتركه إنه ضعيف؛ لأنه يعرف أني لا أحب مثل هذا العمل، ورآني ساكنًا لا أتحرك، فتركني رئيسهم وأعفاني من الخروج إلى وسط الحلقة، وكنت أسمع قصائد من أصوات جميلة، لكنها لا تخلو من طلب المدد والعون من غير الله! ولاحظت أن النساء يجلسن على مكان مرتفع ويتفرجن على الرجال وكانت فتاة منهن متبرجة قد ظهر شعرها وساقها، ويداها ورقبتها، فأنكرت ذلك في قلبي، وقلت لرئيس المجلس في آخر الجلسة: إن فتاة فوقنا سافرة، لو أنك ذكرتها مع النساء بالحجاب في المسجد لكان عملاً طيبًا فقال لي: نحن لا نذكر النساء، ولا نقول لهن شيئًا! قلت له: لماذا؟ قال لي: إذا نصحناهن فسيمتنعن عن الحضور للذكر! فقلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما هذا الذكر الذي تظهر فيه النساء، ولا ينصحهن أحد؟ وهل يرضى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا وهو القائل:
(مَن رأى منكم منكرًا فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم"
(3/138)

الطريقة القادرية
دعاني أحد شيوخ الطريقة مع شيخي الذي درست عليه النحو والتفسير، فذهبنا إليه في بيته، وبعد تناول طعام العشاء وقف الحاضرون يذكرون ويقفزون، ويتمايلون، ويقولون الله، الله، وكنت واقفًا معهم لا أتحرك، ثم جلست على المقعد حتى انتهى الشوط الأول، ورأيت العرَق يسيل منهم، فجاءوا بمنشفة ليمسحوا العرَق عنهم، وبما أن الوقت قارب نصف الليل، فتركتهم وذهبت إلى بيتي، وفي اليوم الثاني قابلت أحد الجالسين معهم، وكان مدرسًا معي، وقلت له: إلى متى بقيتم على حالكم؟ فقال لي: إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل وذهبنا إلى بيوتنا للنوم! قلت له: وصلاة الصبح متى صليتموها؟ فقال لي: لم نصلها في وقتها، وفاتتنا.
قلت في نفسي ما شاء الله على هذا الذكر الذي يُضيع صلاة الفجر، وتذكرت قول عائشة تصف الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (كان ينام أول الليل، ويُحيي آخره). "متفق عليه"
وهؤلاء الصوفيون بالعكس يُحيون أول الليل بالبدع والرقص، وينامون آخره ليضيعوا صلاة الفجر، وقد قال الله تعالى:
{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5]
[أي يؤخرونها عن وقتها].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (رَكعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها).
"رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع"
(3/139)

التصفيق في الذكر
كنت في مسجد، قد أقيمت فيه حلقة ذكر بعد صلاة الجمعة فجلست أنظر إليهم، ولكي يشتد بهم الوجْدُ والطرب جعل أحدهم يُصفق بيديه، فأشرت إليه أن هذا حرام لا يجوز، فلم يترك التصفيق، ولما انتهى نصحته فلم يقبل، وقابلته بعد مدة لأذكره بأن هذا التصفيق من عمل المشركين حين قال الله عنهم:
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35]
[المكاء: الصفير، التصدية: التصفيق].
فقال لي ولكن الشيخ الفلاني أباحه! فقلت في نفسي: هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ}. [التوبة: 31]
ولما سمع عدي بن حاتم الطائي -رضي الله عنه- الآية، وكان نصرانيًا قبل أن يسلم، فقال يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم! فقال له - صلى الله عليه وسلم -:
(أليسَ يُحلون لكم ما حرم الله فتُحلونه، ويُحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فتلك عبادتهم). "حسن أخرجه الترمذي والبيهقي"
وحضرت ذكرًا آخر في مسجد كان المنشد يصفق أثناء الذكر، فقلت له بعد الإنتهاء: إن صوتك جميل ولكن هذا التصفيق حرام، فقال لي: نغم الغناء لا يتم إلا بالتصفيق وقد رآني شيخ أكبر منك فلم ينكر عليّ! ويلاحظ مَن حضر ذكرهم أنهم يُلحدون في أسماء الله، فيقولون: (الله - أه - هي - هو - ياهو) وهذا التبديل والتحريف حرام يحاسبون عليه يوم القيامة.
(3/140)

الضرب بالشيش (بسيخ الحديد)
هناك زاوية للصوفية قريبة من بيتنا، ذهبت إليها لأطلع على ذكرهم، وبعد العشاء حضر المنشدون، وكانوا يحلقون اللحى، وجعلوا يقولون بصوت واحد:
هاتِ كاس الراح ... واسقِنا الأقداح
يرددون هذا البيت، ويتمايلون، ويعيد البيت رئيسهم بمفرده ثم يتبعه الآخرون أشبه بجماعة المغنين والمطربين! ولا يخجلون من ذكر الخمر في المسجد الذي جُعل للصلاة والقرآن، لأن الراح معناها هنا الخمر، والخمر حرمها الله في كتابه، والرسول في أحاديثه.
ثم بدأت الدفوف تضرب بشدة، وتقدم أحدهم وكان كبير السن فخلع قميصه، وصاح بأعلى صوته: يا جداه! ويقصد به الإستغاثة بأحد أجداده الأموات من أبناء الطريقة الرفاعية؛ لأنهم مشهورون بهذا العمل! ثم أخذ سيخًا من حديد، وأدخله في جلد خاصرته، وهو يصيح يا جداه، ثم جاء رجل يرتدي اللباس العسكري، حليق اللحية، فأخذ كأسًا من الزجاج وجعل يقضمه بأسنانه! فقلت في نفسي: إن كان هذا الجندي صادقًا فلماذا لم يذهب إلى اليهود ويحاربهم بدلاً من أن يكسر الكأس بأسنانه، وكان ذلك عام 1967 م حينما احتل اليهود جزءًا كبيرًا من الأرض العربية واندحرت الجيوش العربية، وخسرت الحرب، وكان هذا الجندي من بينهم لم يفعل شيئًا مع أنه كان
حليق اللحية.
1 - إن بعض الناس يظنون أن هذا العمل كرامة، ولم يعلموا أن هذا العمل من الشياطين المجتمعين حولهم يساعدونهم على ضلالهم؛ لأنهم أعرضوا عن ذكر الله وأشركوا بالله حين استغاثوا بأجدادهم، مصداقًا لقوله تعالى:
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 36، 37]
والله تعالى يُسخر لهم الشياطين ليزيدوهم ضلالًا، لقول الله تعالى:
{قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا}. [مريم: 75]
2 - ولا غرابة من مساعدة الشياطين لهم وقدرتهم على ذلك، كما هو المشاهد.
والذين ذهبوا إلى الهند كالرحالة ابن بطوطة وغيره شاهدوا من المجوس أكثر من هذا!
3 - فالمسألة ليست مسألة كرامة ولا ولاية، بل ضرب الشيش وغيره من عمل الشياطين المجتمعين حول الغناء والمعازف التي هي من مزامير الشيطان، وأغلب الذين يقومون
(3/141)

بهده الأعمال يرتكبون المعاصي، بل يشركون بالله جهرًا فكيف يكونون من الأولياء وأصحاب الكرامات؟ والله تعالى يقول:
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. [يونس: 62، 63]
فالولي هو المؤمن التقي الذي يبتعد عن الشرك والمعاصي، ويستعين بالله وحده عند الشدائد والرخاء، وقد تأتيه الكرامة عفوًا وبدون طلب وشهرة أمام الناس.
4 - وقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية عن أفعال أمثال هؤلاء وغيرهم فقال: ولا تحصل لهم هذه الأفعال عند قراءة القرآن والصلاة؛ لأن هذه عبادات شرعية إيمانية، محمدية، تطرد الشياطين. . . وتلك عبادات بدعية شركية، شيطانية، فلسفية، تستجلب الشياطين.
5 - والغريب أن واحدًا ممن تأثروا بالفكر الصوفي هو (سعيد حوى) قد انطلت عليه هذه الأباطيل، فراح يكتب عنها، ويدعو إلى دراسة الطريقة الرفاعية، ويروي حادثة سمع بها يقول عنها: حدثني رجل نصراني أن رجلاً ضربه في بطنه، فخرج السيخ من ظهره. .!! ثم يقول: وقد يكون صاحب هذه الكرامة فاسقًا، فتكون لجده!! "انظر كتاب تربيتنا الروحية 74"
فالكاتب يأخذ الحادثة عن رجل نصراني، وقد يكون كاذبًا، وهل تكون الكرامة لفاسق؟ ومتى كانت بالوراثة؟ الكرامة تكون للأولياء المتقين، ولا تكون بالوراثة، ولا تكون لفاسق، وإذا حصل شيء خارق للعادة لفاسق، فلا يُسمى كرامة، كما زعم "سعيد حوى" بل يكون استدراجًا لهم، ليزيدهم في الضلال، وسبق أن ذكرت أن المجوسِ يقومون بأعمال أشد من ضرب السيخ!
6 - ثم إن رجلاً سلفيًا كلف أحد هؤلاء المشعوذين الذين يضربون أنفسهم بالشيش، أن يدخل دبوسًا في عينه، فامتنع وخاف، مما يدل على أنه يدخل الشيش في جلده بسيخ خاص، والذين كانوا يتعاطون مثل هذه الأعمال ثم تابوا تحدثوا عن الدم الذي كان يسيل منهم، ويغسلونه بعد ذلك.
7 - وحدثني مسلم صادق رأى بعينه جنديًا يضرب نفسه بسيخ حديد له شكل خاص، ورأى الدم يسيل من مكان السيخ، ولما أخذوه إلى قائده العسكري قال له: نحن نضربك على رجليك بالبارودة فإن كنت صادقًا فاصبر وتحمل، ولما نُفذَ الضرب به بدأ يبكي ويصيح ويولول، ويستغيث، ولم يتحمل الضربات، وبدأ الجنود يضحكون.
(3/142)

الخلاصة
أن الضرب بالشيش لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه، ولا التابعون، ولا الأئمة المجتهدون ولو كان فيه خيرًا لسبقونا إليه، ولكنه من فعل المبتدعين المتأخرين المستعينين بالشياطين، المشركين برب العالمين وقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذه البدع فقال:
(إياكم ومحدَثاتِ الأمور، فإن كل محدَثة بدعة، وَكل بدعة ضلالة، وَكل
ضلالة في النار). "صحيح رواه النسائي"
وعمل هؤلاء المبتدعة مردود عليهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن عَمِل عمَلًا ليسَ عليه أمرنا فهو رَدّ). [أي مردود عليه]. "رواه مسلم"
وهؤلاء المبتدعة يستعينون بالأموات والشياطين، وهو من الشرك الذي حذر الله منه بقوله:
{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}. [المائدة: 72]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن مات وهو يدعو مِن دون الله نِدًّا دخل النار). "رواه البخاري"
[الند: المثل والشريك].
وكل من اعتقد بهم أو ناصرهم، فهو منهم.
(3/143)

الطريقة المولوية
كانت لهم زاوية خاصة في بلدي تسمى (المولوية) وهي مسجد كبير تقام فيه
الصلوات، وفيه عدد كبير من الأموات، لها سياج، قد بُني فوق القبور من الأحجار المزخرفة المرتفعة، والتي كتب عليها آيات من القرآن، واسم صاحب القبر، وأبيات الشعر، كان هؤلاء الجماعة يُقيمون "حضرة" كل جمعة أو في المناسبات ويلبسون على رءوسهم (الكلاخ) طربوش طويل من صوف رمادي ويستعملون الناي، وبعض الآلات الموسيقية عند الذكر يُسمع من بعيد، وشاهدت أحدهم يقف وسط الحلقة، وهو يدور حول نفسه مرارًا، ولا يتحرك من مكانه، ويحنون رءوسهم عند طلب المدد من شيخهم جلال الدين الرومي وغيره.
1 - والغريب أن المساجد في كثير من بلاد المسلمين، وهذا المسجد منها يدفنون الأموات فيها متشبهين باليهود والنصارى:
حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد يُحذر ما صنعوا). "رواه البخاري"
والصلاة إلى القبور منهي عنها لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها). "رواه مسلم وأحمد"
أما البناء على القبور كالشواهد، والقباب والجدران، والكتابة عليها، وتدهينها
فاسمع نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك:
(نهى أن يُجصَّص القبرُ، وأن يُبنى عليه). "أخرجه مسلم"
وفي رواية: (نهى أن يكتب على القبر شيء). "رواه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي" [يُحصص: يُطلى بالجص والدهان].
2 - أما استعمال المعازف في المساجد والذكر فهو من بدع الصوفية المتأخرين، وقد حرم الرسول - صلى الله عليه وسلم - الموسيقا بقوله:
(لَيكونَن مِن أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمرَ والمعازف).
[الحِرَ: الزنا]. "رواه البخاري تعليقًا وأبو داود وصححه الألباني وغيره"
ويستثنى من المعازف الدف يوم العيد والنكاح للنساء.
(3/144)

3 - وكان هؤلاء يتنقلون في المساجد لإقامة ما يسمى (النوبة) وهي الذكر مع المعازف، وكانوا يسهرون في الليل ويسمع أهل الحي أصوات المعازف المنكرة!
4 - كنت أعرف واحدًا منهم كان يُلبس ولده (البزنيطة) التي يلبسها الكفار، فأخذتها سرًا ومزقتها، فانزعج هذا الصوفي من تمزيق البرنيطة وعاتبني غاضبًا، فقلت له: أخذتني الغيرة على ولدك الذي يتزيا بزي الكفار واعتذرت له، وكان يعلق لوحة في مكتبه كتب عليها: (يا حضرة مولانا جلال الدين).
فقلت له: كيف تنادي هذا الشيخ الذي لا يسمع ولا يستجيب؟ فسكت.
هذه خلاصة عن الطريقة المولوية.
(3/145)

درسٌ عجيب مِن شيخ صوفي
ذهبت مرة مع أحد الشيوخ الى درس في أحد المساجد، وقد اجتمع إليه عدد من المدرسين والمشايخ، وكانوا يقرأون في كتاب اسمه: (الحِكم لابن عجيبة) وكان الدرس عن تربية النفس عند الصوفية، وقرأ أحدهم في الكتاب المذكور هذه القصة العجيبة:
1 - دخل رجل صوفي الحمام للإغتسال، ولما خرج من الحمام سرق المنشفة التي يعطيها صاحب الحمام للمغتسل، وأبقى طرفها مكشوفًا حتى يراه الناس ويوبخونه ويسبونه، لأجل أن يذل نفسه ويربيها على الطريقة الصوفية، وبالفعل فقد خرج الصوفي من الحمام فلحقه صاحب الحمام، ورأى طرف المنشفة تحت ثوبه، فوبخه، وأساء إليه، والناس يستمعون إليه ويرون هذا الشيخ الصوفي الذي سرق المنشفة من الحمام، وقد انهالوا عليه بالسب والشتم وغير ذلك مما يفعله الناس مع السارق، وقد أخذوا صورة
سيئة عن هذا الرجل الصوفي!!
2 - رجل صوفي آخر أراد أن يربي نفسه ويذلها، فحمل كيسًا في رقبته وملأه جوزًا، وخرج إلى السوق، وكان كلما مرّ صبي قال له: أُبصق على وجهي حتي أَعطيك جوزة: (فاكهة يحبها الأطفال) فيبصق الصبي علي وجه الشيخ فيعطيه جوزة، وهكذا كان البصاق مِن أولاد الشوارع يتوارد على وجه الشيخ طمعًا في أخذ الجوزة، والشيخ الصوفي مسرور، وعند سماعي لهاتين القصتين كدت أتميز غيظًا، وضاق صدري من هذه التربية الفاسدة التي يتبرأ منها الإِسلام الذي كرم الإنسان بقوله تعالى:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. . .}. [الإسراء: 70]
فقلت للشيخ الذي معي بعد خروجنا: هذه هي الطريقة الصوفية في تربية النفس!
وهل تكون تربيتها في السرقة المحرَّمة التي حكم الشرع بقطع يد السارق؟ أم هل تكون بالمهانة والصغار وارتكاب أخس الأعمال؟ إن الإِسلام يأبى هذا العمل، ويأباه العقل السليم الذي كرم الله به الإِنسان، وهل هذه من الحِكم التي سمى الشيخ كتابه (الحِكَم لابن عجيبة)!!
ومن الجدير بالذكر أن هذا الشيخ الذي يترأس الدرس له أتباع وتلاميذ كثيرون، فمرة أعلن الشيخ أنه يريد الحج فذهب التلاميذ للإكتتاب عنده وتسجيل أسمائهم ليرافقوه إلى الحج، حتى النساء بدأن الإكتتاب وربما احتجن إلى بيع الحلي من أجل ذلك،
(3/146)

حتى بلغ عدد الراغبين كثيرًا، واجتمعت الأموال لديه كثيرة جدًا، ثم أعلن عدم
استطاعته الحج، ولم يرد الأموال لأصحابها، بل أكلها بالحرام، وصدق عليه قول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. . .}. [التوبة: 34]
وسمعت أحد أتباعه وهو من الأغنياء الذين عاملوا الشيخ يقول عن الشيخ:
أكبر دجال وأكبر محتال!!
(3/147)

الذكر في المساجد عند الصوفية
1 - حضرت مرة ذكرًا للصوفية في مسجد الحي الذي أسكن فيه وجاء رجل منهم حسن الصوت لينشد لهم الأناشيد والقصائد أثناء الذكر في حلقة اجتمع فيها أهل الحي، وكان مما سمعته من هذا الصوفي قصيدة أذكر منها قوله: يا رجال الغيب ساعدونا أنقذونا انصرونا. . . إلى آخر هذه الإستغاثات، وطلب الحاجات من الأموات الذين لا يسمعون، ولو سمعوا ما استجابوا لهم، ولا يملكون النفع لأنفسهم فضلًا عن غيرهم، وقد أشار القرآن إلى هؤلاء فقال:
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}. [فاطر: 13، 14]
وبعد الخروج من الذكر وانتهائه قلت للشيخ إمام المسجد الذي شارك فيه: إن هذا الذكر لا يستحق أن يسمى ذكرًا؛ لأنني لم أسمع فيه ذكر الله، ولا طلبًا من الله، ولا دعاء، وإنما سمعت نداء ودعاء لرجال الغيب، ومن هم رجال الغيب الذين يستطيعون نصرنا وإنقاذنا ومساعدتنا. فسكت الشيخ، وأكبر رد على هؤلاء قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}. [الأعراف: 197]
2 - ذهبت مرة أُخرى إلى مسجد آخر فيه عدد كبير من المصلين وفي المسجد شيخ صوفي له أتباع، وبعد الصلاة قاموا إلى الذكر فبدأوا يقفزون ويرقصون في الذكر وهم يصيحون الله -آه- هي، واقترب المنشد من الشيخ، وبدأ يرقص أمامه ويتمايل كأنه مغنية أو راقصة، وهو يتغزل بشيخه، والشيخ ينظر إليه مبتسمًا راضيًا وكنت أزور هذا الشيخ أحيانًا مع شيخي وهو من الصوفية أيضًا، ومرة ذهبنا إليه بعد رجوعه من الحج، وجلسنا نستمع إليه، فبدأ يتحدث عن ركوبه في سيارة مريحة عريضة من نوع (أمريكي) وذلك حين تنقله من مكة إلى المدينة، فقلت في نفسي: ما الفائدة من هذا الكلام، وكان الأَولى أن يتحدث عن فوائد الحج الإجتماعية والروحية وغيرها تحقيقًا لقول الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}. [الحج: 28]
(3/148)

كيف يعامل الصوفية الناس
1 - اشتريت من أحد تلاميذ الشيخ الصوفي المذكور حانوتًا وشرطت عليه أن يكفل المستأجر إذا تأخر عن دفع الِإيجار فرضي بذلك، وبعد فترة امتنع المستأجر عن الدفع، فراجعت المالك السابق الذي اشتريت منه، فرفض أن يدفع شيئًا بحجة أنه ليس لديه ما يدفعه، وبعد أيام قليلة يذهب هذا الصوفي مع شيخه إلى الحج، فعجبت له، وعرفت أنه كاذب. ثم شكوت أمري لبعض تلامذة الشيخ المقربين ما فعل هذا الرجل الذي غشني وباعني الحانوت من مستأجر لا يدفع الِإيجار فلم يفعل شيئًا وقال لي: ماذا نفعل معه؟ ولو كان منصفًا لاستدعاه وطلب منه أن يؤدي حق الناس.
وكنت أتردد على مكان هذا الكفيل، وعنده معمل للنسيج، فرآني أحد تلامذة الشيخ الذي كان ينشد القصائد ويتمايل أمام الشيخ راقصًا، فعرف أني أريد زميله، وطلبت منه أن يدلني عليه، وذكرت له عمله، فبدلًا من أن ينصفني انهال علَيَّ بالكلام الفاحش والبذيء، فتركته فقلت في نفسي: هذه أخلاق الصوفية وقد حذر منها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (أربعٌ مَن كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة مِن النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصَم فجرَ). "متفق عليه"
(3/149)

كيف اهتديت إلى التوحيد؟
كنت أقرأ على الشيخ الذي درست عليه حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله). "رواه الترمذي وقال: حسن صحيح"
فأعجبني شرح النووي حين قال: "ثم إن كانت الحاجة التي يسألها، لم تجر
العادة بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم. . وشفاء المرضى وحصول العافية سأل ربه ذلك، وأما سؤال الخلق والإعتماد عليهم فمذموم".
فقلت للشيخ هذا الحديث وشرحه يفيد عدم جواز الإستعانة بغير الله، فقال لي: بل تجوز!! قلت وما دليلك؟ فغضب الشيخ وصاح قائلًا: إن عمتي تقول يا شيخ سعد (وهو مدفون في مسجد تستعين به) فأقول لها يا عمتي وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول: أدعوه فيتدخل على الله فيشفيني!!
قلت له: إنك رجل عالم قضيت عمرك في قراءة الكتب، ثم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة! فقال لي عندك أفكار وهابية، أنت تذهب للعمرة وتأتي بكتب وهابية!!!!
وكنت لا أعرف شيئًا عن الوهابية إلا ما أسمعه من المشايخ: فيقولون عنهم: الوهابيون مخالفون للناس لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم، ولا يحبون الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وغيرها من الإتهامات الكاذبة! فقلت في نفسي إن كانت الوهابية تؤمن بالإستعانة بالله وحده، وأن الشافي هو الله وحده، فيجب أن أتعرف عليها، سألت عن جماعتها فقالوا: لهم مكان يجتمعون فيه مساء الخميس، لإِلقاء دروس في التفسير والحديث والفقه، فذهبت إليهم مع أولادي وبعض الشباب المثقف، فدخلنا غرفة كبيرة، وجلسنا ننتظر الدرس، وبعد فترة دخل علينا شيخ كبير السن، فسلم علينا وصافحنا جميعًا مبتدئًا بيمينه، ثم جلس على مقعد، ولم يقم له أحد، فقلت في نفسي هذا الشيخ متواضع لا يحب القيام.
بدأ الشيخ الدرس بقوله: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره) إلى آخر الخطبة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفتتح بها خطبه ودروسه، ويتكلم باللغة العربية الفصحى، ويورد الأحاديث، ويبين صحتها وراويها، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكر اسمه، وأخيرًا وُجِّهت له الأسئلة المكتوبة على الأوراق، فكان يجيب عليها بالدليل من القرآن والسنة، ويناقشه بعض الحاضرين فلا يرد سائلًا، وقد قال في آخر درسه: الحمد لله على أننا مسلمون وسلفيون (هم الذين يتبعون السلف الصالح: الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته)،
(3/150)

وبعض الناس يقولون إننا وهابيون، فهذا تنابز بالألقاب، وقد نهانا الله عن هذا بقوله: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}. [الحجرات: 11]
وقديمًا اتهموا الإِمام الشافعي بالرَّفض فردَّ عليهم قائلًا:
إن كان رَفضًا حُبُّ آل محمدٍ ... فليشهدِ الثقلانِ أني رافضي
ونحن نردُّ على مَن يتهمنا بالوهابية بقول أحد الشعراء:
إن كان تابعُ أحمدٍ مُتوهِّبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وهَّابي
ولما انتهى خرجنا مع بعض الشباب معجبين بعلمه وتواضعه وسمعت أحدهم يقول: هذا هو الشيخ الحقيقي!!!

معنى وهابي
أطلق أعداء التوحيد على الموحد كلمة (وهابي) نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب، ولو صدقوا لقالوا: (محمدي) نسبة إلى اسمه (محمد)، وشاء الله أن تكون (وهابي) نسبة إلى (الوهاب) وهو اسم من أسماء الله الحسنى. فإذا كان الصوفي ينتسب إلى جماعة يلبسون الصوف، فإن الوهابي ينتسب إلى الوهاب، وهو الله الذي وهب له التوحيد، ومكنه من الدعوة إليه بتوفيق الله.
(3/151)

مناقشة مع الشيخ الصوفي
1 - لما علم الشيخ الذي كنت أدرس عليه أنني ذهبت إلى السلفيين واستمعت إلى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني غضب غضبًا شديدًا لأنه يخشى أن أتركه وأتحول عنه، وبعد فترة من الزمن جاءنا شخص من جيران المسجد ليحضر الدرس معنا في المسجد بعد المغرب، وبدأ يقص علينا أنه سمع من درس أحد المشايخ الصوفية يقول: إن تلميذًا له تعسَّر على زوجته المخاض والولادة، فاستغاث بشيخ صغير (ويقصد نفسه) فولدت، وذهب العسر عنها، فقال له الشيخ الذي ندرس عليه: وماذا فيها؟ فقال له: هذا شرك فقال له الشيخ اسكت، أنت لا تعرف الشرك أنت رجل حداد، ونحن المشايخ عندنا علم، ونعرف أكثر منك، ثم نهض الشيخ إلى غرفته، وجاء بكتاب "الأذكار للنووي" وبدأ يقرأ قصة ابن عمر أنه كان إذا خدرت رجله قال: يا محمد!! فهل أشرك؟ فقال له الرجل: هذا ضعيف "أي غير صحيح"
فصاح الشيخ به غاضبًا: أنت لا تعرف الصحيح من الضعيف، ونحن العلماء نعرف ذلك، ثم التفت إليَّ وقال لي: إذا حضر هذا الرجل مرة أخرى سأقتله! وخرجنا من المسجد، وطلب الرجل مني أن أرسل ولدي معه ليأتي بكتاب (الأذكار) بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، فجاء به وأعطاني إياه، وإذا بالقصة يقول عنها المحقق (ضعيفة) وفي اليوم الثاني أعطاه ولدي الكتاب فوجد أن القصة غير صحيحة، فلم يعترف بخطئه وقال: هذه من فضائل الأعمال يؤخذ فيها بالحديث الضعيف!! أقول: إن هذه ليست من فضائل الأعمال كما يزعم الشيخ، بل هي من العقيدة التي لا يجوز الأخذ فيها بالحديث الضعيف علمًا بأن الإِمام مسلم وغيره يرون عدم الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، والقائلين من المتأخرين بجواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بشروط عديدة قَلّ أن تتوفر، وهذه القصة ليست حديثًا، وليست من فضائل الأعمال بل هي من أساس العقيدة كما أسلفت، وفي اليوم الثاني جئنا إلى الدرس، وبعد تسليم الشيخ من الصلاة، خرج من المسجد، ولم يجلس كعادته إلى الدرس.
2 - حاول الشيخ أن يقنعني بأن الإستعانة بغير الله جائزة كالتوسل، فبدأ يعطيني بعض الكتب، ومنها كتاب: "محق التقول في مسألة التوسل" لمؤلفه "زاهد الكوثري".
(3/152)

فقرأت فيه، فإذا به يجيز الإستعانة بغير الله، ويأتي إلى حديث:
(إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
فقال عنه الكوثري: طرقه واهية (أي ضعيف) لذلك لم يأخذ به علمًا بأن الحديث ذكره الإِمام النووي في كتابه الأربعين النووية، ورقمه التاسع عشر، وقد روى الحديث الإِمام الترمذي وقال عنه حسن صحيح واعتمده النووي وغيره من العلماء، فعجبت من الكوثري كيف رَدَّ الحديث؛ لأنه خالف عقيدته، فازددت بغضًا فيه وفي عقيدته، وازددت حبًا في محبة السلفيين وعقيدتهم التي تمنع الإستعانة بغير اللهص للحديث المتقدم ولقول الله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [الظالمين: المشركين]. [يونس: 106]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
3 - وعندما رآني شيخي لم أقتنع بالكتب التي أعطاها لي، هجرني وأشاع عني (وهابي احذروه) فقلت في نفسي لقد قالوا عن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -: (ساحر أو مجنون) وقالوا
عن الإِمام الشافعي رافضي فرد عليهم قائلًا:
إن كان رَفضًا حُب آلِ محمدٍ ... فليشهَدِ الثقلان أني رافضي
واتهموا أحد الموحدين بالتوهب فرد عليهم قائلًا:
إن كان تابعُ أحمدٍ مُتَوَهبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وَهابي
أنفي الشريك عن الِإله فليسَ لي ... رَبٌ سوى المتفَرّدِ الوهاب
لا قبة تُرجى، ولا وَثنٌ ولا ... قبرٌ له سَبَبٌ من الأسباب
وإنني أحمد الله الذي هداني للتوحيد وعقيدة السلف الصالح، وبدأت أدعو إلى التوحيد وأنشره بين الناس أُسوة بسيد البشر الذي بدأ دعوته في مكة بالتوحيد ثلاثة عشر عامًا، وتحمل مع أصحابه الأذى فصبر، حتى انتشر التوحيد، وتأسست دولة التوحيد بفضل الله.
(3/153)

موقف المشايخ من التوحيد
1 - أصدرت نشرة مكونة من أربع صفحات عنوانها: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إياك نعبد وإياك نستعين، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) وشرحت معناها، واستشهدت بقول النووي في شرح الحديث، وقول غيره من العلماء الداعين إلى التوحيد، ولئلّا يقول المشايخ عن النشرة: إنها وهابية ذكرت قول الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه "الفتح الرباني":
"سَلوا الله، ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، وَيحكَ بأيِّ وَجهٍ تلقاه غدًا، وأنت تنازعه في الدنيا، مُعرضٌ عنه، مُقبلٌ على خَلقه مُشرِك به، تُنزل حوائجَك بهم، وَتتكِل بالمهمات عليهم! ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله، فإن وقوفكم معها هَوَس، لا مُلك ولا سلطان، ولا غِنى، ولا عِز إلا للحَق عَز وجل، كن مَعَ الحق، بلا خلق".
[أي كن مع الحق بدعائه بلا واسطة من خلقه].
هذه خلاصة النشرة المكونة من أربع صفحات صغيرة، وقد سمحت بطبعها وزارة الِإعلام، وطبعت منها ثلاثين ألف نسخة، وقد وزع ولدي منها نسخًا قليلة، وسمع أحد المشايخ يقول: هذه نشرة وهابية، ووصَلتْ إلى شيخ كبير في البلد، فأنكرها، وطلب مقابلتي فذهبت إلى بيته وكان هذا الشيخ قد درس معي في مدرسة الخسروية بحلب، وهي الآن الثانوية الشرعية، ولما قرعت الجرس خرجت بنت فقلت لها: "محمد زينو"، فدخلت ثم رجعت، فقالت لي: سيأتي للمدرسة بعد قليل، فانتظره هناك، فجلست عند دكان الحلاق المجاور لبيته حتى خرج، فلحقته، وقلت له: ماذا تريد مني؟ فقال لي: لا أريد هذه النشرة! قلت له: لماذا؟ فقال: لا نريدها، فقلت له وقد وصلنا إلى باب المدرسة: سأدخل معك إلى المدرسة، وأقرأ الرسالة، فقال: لا يوجد عندي وقت! قلت له: طبعت منها ثلاثين ألف نسخة، وكلَّفتنا مالاً وجهدًا، فماذا نفعل بها، هل نحرقها؟ فقال لي: نعم احرقها!! قلت في نفسي سأذهب إلى الشيخ محمد السلقيني أستاذي في الفقه الحنفي، فذهبت إليه، وقلت له: عندي رسالة صغيرة فقال لي أحد المشايخ: احرقها، فقال لي: اقرأها عليَّ، فقرأتها عليه، فقال لي: هذه الرسالة فيها القرآن كلام الله، وفيها أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف نحرقها؟ فقلت له: جزاك الله خيرًا، سوف أوزعها، ولن أحرقها،
(3/154)

وبعد فترة وزعتها، ووجدَت قبولًا عند الشباب المثقف، حتى إنني وجدت مَن طبعها ووزعها في مكتبة الوتار بالمسكية في مدينة دمشق، فحمدت الله على أن هيأ لهذه الرسالة مَن يطبعها ويوزعها مجانًا ليعم نفعها، وتذكرت قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}. [التوبة: 32، 33]
ثم طبعتُ هذه الرسالة في كتابي (منهاج الفرقة الناجية) فالذي يريد الاطلاع عليها يقرأ الكتاب المذكور، فسيجدها بنفس العناوين المذكورة آنفًا.
2 - أهدى إليَّ أحد المشايخ كتابًا فيه قصة ثعلبة المشهورة ولما أراد تجديد طبع الكتاب نصحته أن يرجع إلى أقوال العلماء، ولا سيما في كتاب: الإِصابة في أسماء الصحابة لابن حجر، فقد نبَّه هو وغيره على عدم صحتها، فلم يقبل النصيحة، وقال لي: أنت نشيط اُتركْ هذه المسائل! قلت: إذا تركتها فسوف أدعو إلى التوحيد الذي علمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لابن عمه عبد الله بن عباس وهو غلام، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(يا غلام إني أعلمك كلمات. . . . إذا سألت فاسأل الله، واذا استعنت فاستعن بالله. . .) إلى آخر الحديث الذي ذكره النووي وقال عنه الترمذي: (حسن صحيح) فقال لي: نحن نسأل غير الله!!! رد الحديث بكل وقاحة وسوء أدب، مخالفًا قول الله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [أي المشركين]. [يونس: 106]
ثم مضت سنوات قليلة وإذا بهذا الشيخ الذي يسأل غير الله يُقتل ولده، ويوضع ولداه في السجن، ويترك داره ويهاجر إلى بلد آخر، فلا يلوي على شيء، وقدَّر الله أن ألتقي بهذا الشيخ في الحرم المكي الشريف، والأمل على أنه عاد إلى رشده، ورجع إلى الله يسأله الستر والحماية والنصر فسلمت عليه، وقلت له: إن شاء الله سنعود إلى بلادنا، ويُفرج الله عنا، فيجب علينا أن نتوجه إلى الله ونسأله العون والتأييد، فهو القادر وحده، فما رأيك؟ فقال لي: المسألة فيها خلاف! قلت له: وأي خلاف؟ أنت إمام مسجد وتقرأ في صلاتك كل ركعة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ويكررها المسلم في يومه عشرات المرات، ولا سيما في صلاته، فلم يتراجع هذا الشيخ الصوفي
(3/155)

النقشبندي عن خطئه، بل أصر، وبدأ يجادل، ويعتبر المسألة خلافية ليبرر موقفه الخاطىء! إن المشركين الذين حاربهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يدعون أولياءهم في وقت الرخاء، ولكن إذا وقعوا في شدة أو كرب سألوا الله وحده، كما قال الله تعالى عنهم:
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}. [يونس: 22]
وقال عن المشركين: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}. [النحل: 53]
3 - دخلت مرة على شيخ كبير له طلاب وأتباع، وهو خطيب وإمام مسجد كبير، وبدأت أتكلم معه عن الدعاء وأنه عبادة لا يجوز إلا لله وحده، وأتيت له بدليل من القرآن وهو قوله تعالى:
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}. [الإسراء: 56، 57]
فما المراد من قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ. .}؟ فقال لي: الأصنام، قلت له:
المراد: الأولياء والصالحون. . فقال لي نرجع إلى تفسير ابن كثير، فمدَّ يده إلى مكتبته، وأخرج تفسير ابن كثير فوجد المفسر يقول أقوالًا كثيرة أصحها رواية البخاري التى تقول: "قال ناس مِن الجن كانوا يُعبدون فأسلَموا، وفي رواية: كان ناسٌ مِن الإِنس يعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن وتمسّك هؤلاء بدينهم". "ج 3/ 46"
فقال لي الشيخ: الحق معك، ففرحت بهذا الإعتراف الذي قاله الشيخ، وبدأت أتردَّدُ عليه وأجلس في غرفته، وفوجئت مرة كنت عنده فقال للحاضرين: إن الوهابية نصف كفار؛ لأنهم لا يؤمنون بالأرواح، فقلت في نفسي لقد بدل الشيخ رأيه وخاف على منصبه فافترى على الوهابية، والإِيمان بالأرواح لا ينكره الوهابية؛ لأنها ثابتة في القرآن والحديث، ولكنهم ينكرون أن تكون للروح تصرفات كإغاثة الملهوف، وعون الأحياء، ونفعهم وضرهم؛ لأن هذا مِن الشرك الأكبر الذي ذكره القرآن عن الأموات بقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}. [فاطر: 13، 14]
(3/156)

فهذه الآية صريحة في أن الأموات لا يملكون شيئًا، وأنهم لا يسمعون دعاء غيرهم، وعلى فرض سماعهم لا يستطيعون الإِجابة، ويوم القيامة يكفرون بهذا الشرك الذي صرحت به الآية: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}. [فاطر: 14]
(3/157)

لا يعلم الغيب إلا الله
1 - كنت مع بعض المشايخ في مسجد الحي نتدارس القرآن بعد الفجر، وكلهم مِن حفظة القرآن الكريم. وقد مرَّ معنا حين تلاوة القرآن قوله تعالى:
{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}. [النمل: 65]
فقلت لهم: إن هذه الآية دليل واضح على أنه لا يعلم الغيب أحد إلا الله، فقاموا عليَّ وقالوا: الأولياء يعلمون الغيب!! فقلت لهم: ما هو دليلكم؟ فبدأ كل واحد يقص قصة سمعها من بعض الناس، وأن الولي الفلاني يُخبر بأمور غيبية! قلت لهم: هذه القصص قد تكون كاذبة وليست دليلًا، ولا سيما وأنها تعارض القرآن، فكيف تأخذون بها، وتتركون القرآن؟!! ولكنهم لم يقتنعوا وبدأ بعضهم يصيح وأخذه الغضب، ولم أجد واحدًا منهم أخذ بالآية، بل اتفقوا جميعًا على الباطل ودليلهم قصص خرافية تناقلوها ليس لها أصل، وخرجت من المسجد ولم أحضر معهم في اليوم الثاني، بل جلست مع أطفال أقرأ معهم القرآن، فهو خير لي من الجلوس مع حفظة للقرآن يخالفون عقيدته ولا يُطبقون أحكامه، والواجب على المسلم إذا رأى أمثال هؤلاء أن لا يجالسهم امتثالًا لقوله تعالى:
{وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. [الأنعام: 68]
وهؤلاء ظالمون أشركوا مع الله عبادًا يعلمون الأمور الغيبية في زعمهم، والله يخاطب رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويأمره أن يقول للناس:
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. [الأعراف: 188]
وهؤلاء الحفظة لكتاب الله سيكون القرآن حجة عليهم لا لهم كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (والقرآن حُجةٌ لك أو عليك). "رواه مسلم"
وقد ضرب الله مثلًا للذين لا يعملون بالكتب المنزلة مِثل التوراة فقال:
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. [الجمعة: 5]
فهذه الآية وإن كانت في حق اليهود الذين علموا التوراة ولم يعملوا بها فهي تنطبق على كل من يعلم القرآن ولا يعمل به، وقد استعاذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذا العلم الذي لا
(3/158)

ينفع فقال: (اللهم إني أعوذ بك مِن عِلم لا ينفع). "رواه مسلم"
[أي لا أعمل به، ولا أُبلِّغه غيري ولا يبدل مِن أخلاقي السيئة].
وفي الحديث: (اقرأوا القرآن واعملوا به ولا تأكلوا به). "صحيح. أخرجه أحمد وغيره"
2 - كنت أُصلي في مسجد قريب من داري، وكان إمامه يعرفني، ووجد مني الدعوة إلى توحيد الله وعدم دعاء غيره، فأعطاني كتابًا اسمه "الكافي في الرد على الوهابي" وأظن أنه "لزيني دحلان" الذي كان مفتيًا في مكة قبل الحكم السعودي، وإذ به يقول فيه: إن هناك رجالًا يقولون للشيء كن فيكون! فعجبت مِن هذا القول الكاذب؛ لأن هذا مِن صفاتِ الله وحده، والبشر عاجزون عن خلق الذباب، بل عاجزون أن يستردوا ما أخذه الذباب من طعامهم، وقد ضرب الله تعالى مثلًا للناس يُبين ضعف المخلوقات فقال:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}. [الحج: 73]
فحملت الكتاب إلى صاحبه وقد حفظ القرآن معي في دار الحفاظ وقلت له: هذا الشيخ يدعي أن رجالًا يقولون للشيء كن فيكون؟ فهل هذا صحيح؟ فقال لي نعم، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كن ثعلبة" فكان ثعلبة! قلت له: هل كان ثعلبة معدومًا فأوجده الرسول من العدم، أم كان غائبًا، وكان بانتظاره وقد تأخر، ولما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شبحًا من بعيد تفاءل وقال: "كن ثعلبة" كأنه يقول أدعو الله أن يكون القادم هو ثعلبة، حتى يسير الجيش ولا يتأخر، فاستجاب الله دعاءه، وكان القادم
ثعلبة، فسكت الرجل، وعرف بطلان كلام الشيخ المؤلف، والكتاب مازال موجودًا عند صاحبه.
(3/159)

جولة مع جماعة التبليغ
1 - جماعة التبليغ لها نشاط واسع في البلاد العربية والإِسلامية، حتى في البلاد الأجنبية كفرنسا وغيرها من البلاد.
وتمتاز هذه الجماعة بالتواضع في رحلاتها، والإِخلاص في دعوتها، والنظام في سفرها، ومأكلها، وخروجها، ومقر عملها المساجد التى تنزل فيها، وتذهب إلى المقاهي وغيرها لتأتي بأهلها إلى المساجد لأداء الصلاة، وُيلقي أحد أفرادها بيانًا على المجتمعين في المسجد، وهذا عمل طيب.
2 - للجماعة أمير عام هو الشيخ إنعام الحسن، ومقره في باكستان، ولهم اجتماع عام، وغالبًا ما يكون في باكستان، وفي كل بلد لهم أمير يأخذون برأيه عند المشورة.
ولهم كتاب يسمى (تبليغ نصاب) باللغة الأوردية، وترجم إلى العربية وللعلماء عليه مآخذ، من حيث العقيدة، وفي أفكار الصوفية وغيرها، وأكثر ما يعتمدون عليه من الكتب:
أ - رياض الصالحين: وهو كتاب جيد، ولا سيما النسخة المحققة التي تُبين الحديث الصحيح من الضعيف، وهذا مُهِم جدًا عند أهل العلم.
ب - حياة الصحابة: كتاب جيد، ولكن فيه أحاديث ضعيفة وموضوعة، يحتاج إلى تحقيق وتخريج، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله.
ولهم صفات ستة يتمسكون بها، ويعلمونها لأفراد جماعتهم، وسيأتي مناقشتها فيما بعد، وهذه الشروط كما يلي:
1 - تحقيق كلمة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".
2 - إقامة الصلاة بالخشوع والخضوع.
3 - العِلم مع الذكر.
4 - إكرام المسلمين.
5 - إخلاص النية لله تعالى.
6 - الدعوة إلى الله تعالى.
(3/160)

الخروج مع التبليغ للدعوة
لقد تأثرت بادىء الأمر بدعوتهم، وخرجت معهم في عدد من البلدان:
1 - خرجت معهم في مدينة حلب التي أسكنها، وتجولنا في المساجد، ولا سيما يوم الجمعة، فخرجنا جماعة إلى خي مِن أحياء حلب يُسمى (قرلق) فيه مسجد كبير، ودخلت المسجد قبل صلاة الجمعة، وخرجت مع ابن عمتي -بناء على توجيه الأمير- إلى السوق، ودخلنا "مقهى كبير" فيه ناس يلعبون بالنرد والطاولة، والأوراق التي فيها تصاوير للصبي، وللبنت والرجل الكبير وكانت مهمتنا تنحصر في دعوة الناس إلى الصلاة، فدعوناهم واستجابوا إلا القليل منهم وعد بأن يكمل اللعب ثم يأتي المسجد.
ولما انتهينا من الجولة في الأسواق، ذهبنا الى المسجد، وكان الأمير ينتظرنا، ولما وصلنا أعطاني كتاب "رياض الصالحين" وطلب مني أن أقرأ "من آداب المسجد" فقرأت فيه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن أكل ثومًا أو بصلًا فليَعتَزِلنا، وليعتَزل مسجدَنا ولْيقعد في بيته) "متفق عليه"
فشرحت للحاضرين في المسجد الحديث، وبينت لهم أن رائحة الدخان أشد من رائحة الثوم والبصل، فعلى المسلم أن يجتنبه لأنه يضر جسمه، ويؤذي جاره، ويتلف ماله، ولا فائدة من التدخين. .
وإذ بالأمير ينظر إلى الكتاب الذي أقرأه، وهو "رياض الصالحين" كأنه يقول لي: هذا الكلام عن التدخين غير موجود في الكتاب، فلا تقُله! وهذا خطأ؛ لأن التدخين منتشر بين المسلمين، حتى بين المصلين، فلا بُدَّ من التحذير منه، ولا سيما عند التحذير من أكل الثوم والبصل عند دخول المسجد.
ولاحظت عند الأحباب (جماعة التبليغ) بعض الأحاديث الضعيفة، فذكرتهم بذلك فقالوا لي: تعال معنا إلى الأمير العام في الأردن، فكلِّمه بذلك.
2 - ذهبت مع الجماعة إلى مدينة (حماه) فكنا ندق الأبواب، فيخرج صاحب البيت، ويدعوه الأمير إلى الحضور إلى المسجد ليجتمع بهم ويسمع الدرس والبيان، دخلت على أميرهم في مسجدهم، فقال للوفود الحاضرين: نحن سجدنا لله، فأسجد الله لنا العالم!!
(3/161)

وهذا خطأ كبير، فالسجود عبادة لا يجوز لغير الله.
قال الله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا}. [النجم: 62]
وسمعت رجلاً يناقش الأمير قائلًا: لماذا تفصلون الدين عن السياسة؟ وتقولون: لا سياسة في الدين، مع أن الدين فيه سياسة، فسكت الأمير ولم يعط الجواب كما هي عادتهم ورأيت شابًا يدخن على باب المسجد وله لحية جميلة، فنصحته أن يترك التدخين، وأعطيته قلنسوة هدية، فوضعها على رأسه، وألقى السيجارة على الأرض، فعلم الأمير بذلك واستدعاني، وأنكر عليَّ ذلك وقال لي: اتركه يدخن في الغرفة المجاورة للمسجد حتى يتركه بنفسه!
أقول: هذا خطأ فادح، يتركه يدخن حتى في الغرفة التي بجانب المسجد، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يَستطع فبلسانه، فإن لم يَستطع فبقلبه، وذلك أضَعف الإِيمان). "رواه مسلم"
ومررنا في سوق بلدة (حماه) فقال أحد المرافقين: لا أريد أن أمُرَّ بهذا السوق؛ لأن والدي سوف يراني ويغضب؛ لأنني تركته في الدكان وحده، وتركت زوجتي وحدها في البيت، وهي على أهبة الولادة فقلت له: هذا لا يجوز شرعًا اذهب إلى والدك واعتذر منه، أو اكتب له رسالة، واذهب إلى زوجتك واسأل عنها، فقد تكون مريضة أو بحاجة إلى من يرعاها هي وأولادها، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيعَ مَن يعول). "حسن رواه أحمد وغيره"
3 - ثم ذهبنا إلى دمشق، ودخلنا مسجد "كفر سوسة" فألقى بعد الصلاة شاب بيانًا ذكر فيه حديثًا قال فيه: (الدنيا قرار من لا قرار له) وبعد أن انتهى من كلمته قلت له: هل هذا حديث صحيح؟ فقال لي: سمعته من الأحباب، قلت له: هذا لا يكفي، فالتفت إلى رجل عالم بجانبه وسأله عن الحديث؟ فقال له: هذا ليس بحديث، ثم نصحته برفق أن يتحرى الأحاديث الصحيحة ويبتعد عني الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولما رآني أميرهم جاءني وقال لي لا تعلمه، الله يعلِّمه!! عِلمًا بأنه يخصص لهم دروسًا في الفقه وغيره.
ومضت أعوام، وجئت إلى مكة، فرأيت الرجل يذهب إلى الحرم قبل صلاة الجمعة، فلحقت به، وسلمت عليه، وقلت له: أنت أبو شاكر، فقال لي نعم: قلت له:
(3/162)

أنت الذي كنت في دمشق وقلت لي: لا تعلم هذا الشاب، الله يعلمه، فقال نعم: قلت: كيف تقول ذلك؟ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(إنما العلم بالتعلم). "حسن انظر صحيح الجامع"
فقال لي: إنني أخطات؛ ونصحته ألا يرفض العلم والنصيحة، علمًا بأنه مدرس في الطائف، ولا بد أنه متعلم حتى أصبح معلمًا.
وذهبت في جولة معهم وكنا ثلاثة، فدخلنا غرفة فيها شباب يلعبون بالورق،
ويسمونه (الشدة) وفيها تصاوير وأرقام وأعداد، فتكلمت مع الشباب برفق، وقلت لهم: هذا حرام يضيع أوقاتكم، ويجر إلى لعب الميسر، ويورث العدواة بين اللاعبين، فاقتنعوا وبدأوا يمزقون الورق الذي كانوا يلعبون به، وأعطوني بعضها حتى أشاركهم في تمزيقها، فمزقت بعض الأوراق مشاركة لهم وكسبًا للأجر، ثم ذهبوا معنا إلى الصلاة في المسجد.
ولما علم بذلك أميرهم استدعاني، وأنكر عليَّ تمزيق الورق الذي كانوا يلعبون به، قلت له: لقد طلبوا منى مشاركتي لهم في التمزيق ففعلت، وهم الذين بدأوا بتمزيق الورق قبلي، فلم يقبل ذلك!
قلت في نفسي: هؤلاء يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (مَن رأى منكم منكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم"
4 - ثم ذهبت معهم إلى الأردن، ولهم مسجد كبير في (عمان) يجتمعون فيه، فنزلنا في المسجد، وصلينا فيه، ثم ألقى أحد المسؤولين بيانًا ذكر فيه أشياء غريبة، قال يخاطب الحاضرين:
أ - يا أحبابنا لا تأكلوا كثيرًا، حتى لا تتغوطوا كثيرًا، فالِإمام الغزالي ذهب إلى الحج مدة شهر ولم يتغوط (أي لم يذهب للحمام) فقال له أحد الجالسين: مِن أين أتيت بهذه القصة؟ فأنكرها عليه؛ لأنه لا يمكن للإِنسان البقاء مدة شهر دون قضاء حاجته، ثم قام الرجل من المسجد، وترك الإجتماع.
ب - ثم قال في بيانه وهو يقرأ من كتاب: (حياة الصحابة): لما رجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الطائف التقى بخادم اسمه (عداس) فسأله الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن بلده؟ فقال من بلد (نينوى) قال له: من بلدة (يونس -عليه السلام-) ذاك أخي في النبوة، فسجد
(3/163)

عداس للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
لقد استغربت هذا الكلام: كيف يرضى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد له (عداس) والسجود لا يجوز إلا لله.
وهذه القصة غير صحيحة، والصحيح: أن (عداس) أكبَّ على قدمي الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقبلهما، وهذا التقبيل يختلف عن السجود تمامًا، فالكتاب (حياة الصحابة) يحتاج إلى تحقيق لمعرفة الصحيح من الضعيف والموضوع، وقد نصحت الأخ (محمد علي دولة) وطلبت منه أن يحقق الكتاب لأنه هو الذي تولى طبعه ونشره، فقال لي: الكتاب كله في الفضائل، وليس فيه أحكام، قلت له: هذا غير صحيح، وأتيت له بحديث أورده مؤلف (حياة الصحابة) وهو:
(أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).
قال عنه المحدثون: إنه موضوع، فسكت الأخ "محمد علي دولة".
وقد التقيت بالشيخ نايف العباسي -رحمه الله- تعالى في دمشق وقلت له: لقد قرأت في كتاب "حياة الصحابة" الذي حققته ما يلي:
لما رجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الطائف، وقد دعاهم للإِسلام، فردوا عليه دعوته، وآذوه، فجلس يقول:
(اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى مَن
تكِلُني؟ إلى عَدُو يتجهمني، أم إلى قريب ملَّكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي. . إلى آخر الدعاء). "ضعفه الألباني"
كيف يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - معاتبًا ربه: إلى من تكلني؟! [أي تتركني]
والله تعالى يقول له: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}. [الضحى: 3]
[أي ما تركك ربك وما أبغضك]. "انظر تفسير ابن كثير"
فقال لي الشيخ نايف العباسي: والله كلامك صحيح، رسول الله لا يقول هذا
الكلام، ولكني حققت الكتاب من الناحية التاريخية واللغوية، وهذا الكتاب يحتاج إلى مثل الشيخ ناصر الدين الألباني ليخرِّج أحاديثه. قلت له: إن الشيخ ناصر حفظه الله ضعَّف الحديث، وقال: في متنه نكارة، ولعله يشير إلى قوله:
(إلى مَن تكلني؟) التي تخالف القرآن والواقع.
5 - حضرت اجتماعًا لهم خطب فيه أميرهم (سعيد الأحمد) فقال:
(3/164)

مَرَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على بناء فقال لأصحابه لمن هذا؟ قالوا لفلان، ولما مرَّ صاحب البناء على الرسول - صلى الله عليه وسلم - سلّم عليه فلم يرد -عليه السلام-، وأخبره الصحابة السبب، فذهب الصحابي وهدم البناء حتى يرد -عليه السلام-.
أقول: هذا الحديث غير صحيح؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:
(نِعمَ المال الصالح للرجل الصالح). "صحيح رواه أحمد"
(3/165)

مناقشة شروط الجماعة
1 - تحقيق كلمة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
إن التحقيق يعني الفهم والتطبيق، فهل فهم معنى هذه الكلمة الطيبة -التي هي الركن الأول من أركان الإِسلام الوارد في حديث جبريل الذي رواه مسلم- هؤلاء الجماعة؟
وهل دعوا إلى تطبيقها والعمل بها؟
الواقع أنهم لا يعلمون معناها الحقيقي، وهو:
(لا معبود بحق إلا الله ومحمد مبلغ دين الله الذي ارتضاه).
والدليل على هذا التعريف قول الله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}. [الحج: 62]
ولو عرفوا معناها لدعَوا إليها قبل غيرها؛ لأنها تدعو إلى توحيد الله ودعائه وحده دون سواه لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
فكما أن الصلاة عبادة لله، لا تجوز لرسول ولا لولي، فكذلك الدعاء عبادة لا يجوز طلبه من الرسول ولا من الأولياء.
ولم أسمع من جماعة التبليغ الدعوة إلى فهمها والعمل بها، وأن الذي يدعو غير الله وقع في الشرك الذي يُحبط العمل لقول الله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [أي المشركين] [يونس: 106]
2 - إقامة الصلاة بالخشوع والخضوع:
وإقام الصلاة: يعني معرفة شروطها، وواجباتها، وأركانها، وما يتعلق بها من
أحكام: كسجود السهو مثلًا، طبقًا لما جاء في الحديث:
(صَلّوا كما رأيتُموني أصلِّي). "رواه البخاري"
فهل قام جماعة التبليغ بتعليم هذه الأمور لجماعتهم، وهل بيَّنوا لجماعتهم أن الخشوع في الصلاة يعني حصر الفكر في القراءة والتسبيح وعدم إكثار الحركة في الصلاة وغيرها من الأعمال المهمة؟
(3/166)

3 - العِلم مع الذكر:
هذا الشرط كبقية الشروط لم يحققه جماعة التبليغٍ، وسبق أن ذكرت أنني نصحت أحد الشباب الذي ألقى بيانًا ذكر فيه حديثًا موضوعًا، فقال لي أميرهم، أُتركه لا تُعلمه، الله يُعلمه! مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(إنما العِلم بالتعلم). "حسن انظر صحيح الجامع"
وزارني وفد منهم من الأردن، وبينت لهم عقيدة التوحيد، ومنها الإعتقاد أن الله في السماء كما أخبر عن نفسه في قول الله تعالى:
{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ}. [الملك: 16]
قال ابن العباس: هو الله تعالى.
وذكرت لهم حديث الجارية التي سألها الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (أين الله؟ قالت في السماء، قال: مَن أنا؟ قالت أنت رسول الله، فقال لصاحبها: أعتِقها فإنها مؤمنة). "رواه مسلم"
فأُعجب الحاضرون بهذه المعلومات، وطلبوا مني بعض الرسائل للعلم، علمًا بأن كثيرًا منهم، لا يريدون قراءة كتب العلم، وقد أهديت لاثنين منهم بعض الرسائل ليأخذوها معهم، ويقرأوها مع جماعتهم، فلم يأخذوها، وكان مِن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقبل الهدية. وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"تَهادوا تحابوا". "حديث حسن انظر صحيح الجامع"
4 - إكرام المسلمين:
الواقع أنهم يكرمون ضيوفهم، ولا سيما عند الطعام، ويتحدثون عن إكرام العلماء، وليتهم أخذوا بنصيحتهم، وقبلوا توجيهاتهم، وقد خرجت معهم في عدد من البلدان، فلم يسمحوا لي مرة بالتحدث إليهم، بل يسمحون لواحد من جماعتهم ولو كان جاهلًا أن يتحدث للناس، وهذا يضر أكثر مما ينفع، فيأتي بأحاديث مكذوبة كما مَر قبل قليل، ويأتون بحديث لم يثبت عند الطعام ويقولون:
(تحدثوا عند الطعام ولو بثمن أسلحتكم). "لم أجده في كتب الحديث"
5 - إخلاص النية لله تعالى:
وهو شرط مهم، وقد يتحقق عند بعضهم، فيذهب بنية الدعوة، وينفق من ماله، والإِخلاص محله القلب، لا يعلمه إلا الله، وكثيرًا ما يتحدث أفرادهم، ولا سيما
(3/167)

الأمراء منهم عن دعوتهم، وأنهم فعلوا كذا، وكان عددهم كذا، واستجاب لهم كثير من الأفراد، وأسأل الله أن يكونوا مخلصين في عملهم، ولكن الإخلاص لا بد له مِن العلم، حتى ينفع صاحبه، وتنتفع به الأُمة، فقد ذكر البخاري -رحمه الله- تعالى في كتابه (باب العلم قبل القول والعمل).
واستدل بقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ}. [محمد: 19]
وسبق أن ذكرت أن الأحباب -هداهم الله- لا يهتمون بالعلم.
6 - الدعوة إلى الله:
هذا مبدأ طيب، يجب على كل مسلم أن يهتم به كل حسب مقدرته، ولكن الدعوة إلى الله لها شرط مُهم بيَّنه الله تعالى بقوله:
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. [يوسف: 108]
يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى الثقلين الجن والإِنس آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، وطريقته، ومَسلكه، وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل مَن اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي.
(وسبحان الله) أي وأُنزه الله، وأُجله، وأُعظمه، وأُقدسه عن أن يكون له شريك، أو نظير، أو عديل، أو نديد، أو ولد، أو والد، أو صاحبة، أو وَزير، أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه عن ذلك كله علوًا كبيرا). "انظر تفسير ابن كثير ج 2/ 495"
(3/168)

الخلاصة
إن هذه الشروط وإن كانت غير منسجمة، لكن الجماعة ينقصهم تطبيق هذه الشروط عمليًا، ولا سيما العلم، وتحقيق كلمة التوحيد والدعوة إليها قبل غيرها أُسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بقي في مكة ثلالة عشر عامًا يدعو الناس إليها، وتحمل في سبيلها الأذى، ولكنه صبر حتى نصره الله، والعرب تعرف معنى التوحيد في كلمة (لا إله إلا الله) ولذلك لم
يقبلوها؛ لأنها تدعوهم إلى عبادة الله ودعائه وحده، وترك دعاء غيره ولو كانوا من الأولياء والصالحين: قال الله تعالى عن المشركين:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ}. [الصافات: 35 - 37]

الدين النصيحة
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". "رواه مسلم"
وعملًا بقول هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فإني أوجه نصيحتي لجميع الجماعات الإِسلامية أن يتقيدوا بما جاء في القرآن، والأحاديث الصحيحة، حسب فهم السلف الصالح -رضوان الله عليهم-: كالصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، ومن سار على طريقتهم.
(3/169)

الجماعة الصوفية
1 - نصيحتي للصوفية أن يُفردوا الله بالدعاء والإستعانة عملاً بقول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. [الفاتحة: 5]
وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
وعليهم أن يعتقدوا أن الله في السماء لقول الله تعالى:
{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ}. [الملك: 16]
قال ابن عباس: هو الله. "ذكره ابن الجوزي في تفسيره"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ألا تأمنوني، وأنا أمين مَن في السماء). "متفق عليه" [ومعنى في السماء: أي على السماء].
2 - عليهم أن يتقيدوا بذكرهم بما ورد في الكتاب والسنة، وعمل الصحابة.
3 - ألا يُقدّموا قول مشايخهم على قول الله ورسوله، عملاً بقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. [الحجرات: 1]
[أي لا تقدموا قولاً أو فعلًا على قوِل الله ورسوله]. "ذكره ابن كثير"
4 - عليهم أن يعبدوا الله، ويدعوه خوفًا من ناره، وطمعًا في جنته، عملاً بقوله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}. [الأعراف: 56]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار). "رواه أبو دواود بسند صحيح"
5 - على الصوفية أن يعتقدوا أن أول المخلوقات من البشر آدم -عليه السلام- وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من نسل آدم، وجميع الناس من ذريته خلقهم الله من تراب، قال الله تعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ}. [غافر: 67]
وليس هناك دليل على أن الله خلق محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من نوره، والمعروف أنه وُلد من أبوين.
(3/170)

جماعة الدعوة والتبليغ:
1 - نصيحتي لهم أن يتقيدوا في دعوتهم بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يتعلموا القرآن والتفسير والحديث حتى تكون دعوتهم على علم لقول الله تعالى:
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ}. [يوسف: 108]
وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (إنما العلم بالتعلم). "حسن انظر صحيح الجامع"
2 - أن يتقيدوا بالأحاديث الصحيحة، ويجتنبوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة لئلا يدخلوا تحت قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع). "رواه مسلم"
3 - على الأحباب أن لا يفصلوا الأمر بالمعروف عن النهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في كثير من الآيات مثل قول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. [آل عمران: 104]
وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهتم، ويأمر المسلمين بتغيير المنكر فيقول: (مَن رأى منكم منكرًا فلْيُغَيرهُ بيده، فإنْ لم يَستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم"
4 - أن يهتموا بالدعوة إلى التوحيد، وتقديمها على غيرها عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله). "متفق عليه"
وفي رواية: (إلى أن يوحدوا الله). "رواه البخاري"
وتوحيد الله يعني إفراده بالعبادات ولا سيما الدعاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
(3/171)

جماعة الإخوان المسلمين:
1 - نصيحتي لهم أن يُعَلَّمُوا أفراد جماعتهم التوحيد بأنواعه: توحيد الرب، وتوحيد الإِله، وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنها مهمة جدًا يتوقف عليها سعادة الفرد والجماعات.
بدلاً من الإِغراق في السياسة والواقع المزعوم، وليس معناه جهل أحوال البلاد والعباد ولكن لا إفراط ولا تفريط.
2 - أن يبتعدوا عن أفكار الصوفية المخالفة لعقيدة الإِسلام، فقد رأينا كثيرًا منهم يذكر في كتبه عقائد صوفية باطلة:
أ - فهذا رئيسهم في ممر عمر التلمساني له كتاب (شهيد المحراب) فيه عقائد صوفية خطيرة بالإِضافة إلى تعلم الموسيقا.
ب - وهذا "سيد قطب" يذكر في كتابه (الظلال) وحدة الوجود عند الصوفية، ذكرها في أول سورة الحديد، وغيرها من التأويلات الباطلة وقد كلمت أخاه "محمد قطب" أن يُعلق على الأخطاء العقدية باعتباره مُشرفًا على طبعة "الشروق" فرفض وقال: أخي يتحمل المسؤولية، وقد شجعني على مراجعته الشيخ عبد اللطيف بدر المشرف على مجلة التوعية بمكة.
ج - وهذا "سعيد حوى" يذكر في كتابه "تربيتنا الروحية" عقائد الصوفية، وقد مر ذكرها في أول الكتاب.
د - وهذا "الشيخ محمد حامد" من سورية أهداني كتابًا اسمه: "ردود على أباطيل" فيه مواضيع جيدة كتحريم التدخين وغيرها، إلا أنه ذكر فيه: أن هناك أبدالًا وأقطابًا وأغواثًا، ولكن لا يسمى الغوث غوثًا إلا حينما يُلتجأ إليه!!!
والإلتجاء إلى الأغواث والأقطاب من الشرك الذي يحبط العمل وهي أفكار صوفية باطلة ينكرها الإِسلام.
وقد طلبت من ولده عبد الرحمن أن يُعلق على كلام والده فرفض ذلك.
3 - ألَّا يحقدوا على إخوانهم السلفيين الذين يدعون إلى التوحيد ومحاربة البدع والتحاكم إلى الكتاب والسنة، فهم إخوانهم:
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}. [الحجرات: 10]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). "متفق عليه"
(3/172)

السلفيون، وأنصار السنة المحمدية:
1 - وصيتي لهم أن يستمروا في دعوتهم إلى التوحيد والحكم بما أنزل الله، وغيرها من الأمور المهمة.
2 - أن يرفقوا في دعوتهم، ويستعملوا اللين من القول مهما كان الخصم عملاً بقول الله تعالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. [النحل: 125]
وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام:
{اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. [طه: 43، 44]
وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخيرَ كله). "رواه مسلم"
3 - أن يصبروا على ما يصيبهم من أذى، فإن الله معهم بنصره وتأييده: قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}. [النحل: 127، 128]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل مِن المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم). "صحيح رواه أحمد وغيره"
4 - ألا ينظر السلفيون إلى قول مَن خالفهم بأن عددهم قليل؛ لأن الله تعالى يقول: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}. [سبأ: 13]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (طوبى للغرباء، قيل مَن هم يا رسول الله؟ قال: أنُاسٌ صالحون قليل في أناس سوء كثير، مَن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم). "صحيح رواه أحمد وابن المبارك"
(3/173)

حزب التحرير
1 - وصيتي لهم أن يطبقوا تعاليم الاسلام على أنفسهم قبل أن يطالبوا غيرهم بتطبيقه، فقد زارني في سورية منذ عشرين سنة تقريبًا شابان منهم، وقد حلقوا لحاهم، وظهرت رائحة الدخان منهم، وطلبوا مني المناقشة لأنضم إليهم، فقلت لهم: أنتم تحلقون اللحى، وتشربون الدخان، وهما محرمان شرعًا، ثم تبيحون لأنفسكم مصافحة النساء، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لأن يُطعن في رأس أحدكم بمِخيط مِن حديد خيرٌ له مِن أن يمَس امرأةً لا تحل له). "صحيح رواه الطبراني"
فقالا لي: ورد في البخاري أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصافح النساء عند البيعة!! فقلت لهما: غدًا ستأتياني بالحديث، فذهبا ولم يعودا، فعرفت كذبهما، وأن البخاري لم يذكر ذلك أبدًا، وإنما ذكر البيعة للنساء بدون مصافحة.
والغريب أن يبيح المصافحة للنساء بعض الِإخوان المسلمين، أمثال الشيخ محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، بناء على مناقشة جرت بيني وبينه، استدل بحديث الجارية التي كانت تأخذ بيد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليقضي حاجتها. "رواه البخاري"
أقول: إن استدلاله غير صحيح، علمًا بأن الجارية حينما أخذت بيده لم تمسه، بل لمست كُم القميص الذي على يده؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- قالت:
(لا والله ما مسَّت يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك) "رواه البخاري"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إني لا أصافح النساء). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
2 - سمعت خطبة من شيخ ينتمي إلى حزب التحرير في الأردن يحمل على الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ولما جئت إلى بيته شكا إلىَّ والد زوجته، وقال، إن الشيخ ضرب زوجته على عينها فتأثرت! فقلت له: أنت تطالب الحكام بتطبيق الشرع، وأنت لم تطبق الشرع في بيتك، هل صحيح أنك ضربت زوجتك على عينها، فقال: نعم، ولكنها ضربة خفيفة بكأس الشاي!
قلت له: طبق الإِسلام على نفسك أولًا، ثم طالب غيرك بتطبيقه، فالرسول - صلى الله عليه وسلم -: (سُئل ما حَقُّ زوج أحدنا عليه؟ قال أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضربَ الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت). "صحيح أخرجه الأربعة"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا ضرَبَ أحدكم خادمَه، فليتقِ الوجه). "حسن رواه أبو دواد"
(3/174)

جماعة الجهاد وغيرهم
1 - نصيحتي لهم أن يرفقوا في دعوتهم وجهادهم، ولا سيما بالحكام عملاً بقول الله تعالى لموسى حينما أرسله إلى فرعون الكافر:
{اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى}. [النازعات: 17، 18]
وقوله تعالى: {اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. [طه: 43، 44]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخيرَ كُله). (رواه مسلم)
2 - النصيحة لأئمة المسلمين والحكام: تكون بمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به، ونهيهم، وتذكيرهم برفق، وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حَيف أو سوء عشرة. "انظر قول الخطابي في شرح الأربعين حديثًا"
قال صاحب العقيدة الطحاوية: (أبو جعفر الطحاوي):
ولا نرى الخروج على أئمتنا، وولاة أُمورنا وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله -عَزَّ وَجَلَّ- فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.
1 - قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}. [النساء: 59]
2 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن يطع الأمير فقد أطاعني، ومَن يعص الأمير فقد عصاني). "رواه البخاري ومسلم"
3 - وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال:
(إن خليلي أوصاني أن أسمَع وأُطيع، وإن كان عبدًا حبشيًا مُجدّع الأطراف). "رواه مسلم"
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). "متفق عليه"
5 - وعن حذيفة بن اليمان قال: (كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير مِن شر؟ قال: نعَم فقلت: هل بعد ذلك الشر مِن خير؟ قال نعم وفيِه دَخَنْ، قال: قلت: وما دخَنه؟ قال: قوم يَستنون
(3/175)

بغير سُنتي، ويهدون بغير هَديي، تعرف منهم وتُنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير مِن شر؟ قال: نعم: دعاة على أبواب جهنم. مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت يا رسول الله، صِفهم لنا؟ قال: نعم قومُ من جلدتنا يتكلمون بألسنَتِنا، قلت: يا رسول الله، فما ترى إذا أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعَض على أصل شجَرة، حتى يُدركَكَ الموت، وأنت على ذلك). "متفق عليه"
6 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن رأى مِن أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه مَن فارق الجماعة شبرًا فمات، فمِيتته جاهلية). "متفق عليه"
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (خيار أئمتِكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، وتُصَلون عليهم، ويُصلون عليكم، وشِرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم، فقلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك، قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَن وُلَّي عليه وال، فرآه يأتي شيئًا مِن معصية الله، فليكره ما يأتي مِن معصية الله، ولا ينزِعَن يدًا مِن طاعته). "رواه مسلم"
8 - وقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قول الله تعالى:
{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]
كيف قال: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}، ولم يقل: وأطيعوا أولى الأمر منكم؛ لأن أولى
الأمر، لا يُفرّدون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأن مَن يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله.
وأما طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم مِن المفاسد أضعاف ما يحصل مِن جَورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات، ومضاعفة الأجور، فإن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء مِن جنس العمل، فعلينا بالاستغفار والتوبة وإصلاح العمل، قال الله تعالى:
{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}. [الشورى: 30]
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. [الأنعام: 129]
(3/176)

فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم.
"انظر شرح العقيدة الطحاوية 380 - 381"
9 - جهاد حكام المسلمين: ويكون بتقديم النصيحة لهم ولأعوانهم لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). "رواه مسلم"
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). "حديث حسن رواه أبو داود والترمذي"
وبيان طريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسِنتنا هو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، ويُصححوا عقيدتهم، وُيرَبّوا أنفسهم وأهليهم على الإِسلام الصحيح، تحقيقًا لقول الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. [الرعد: 11]
وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله:
(أقيموا دولة الإِسلام في صدوركم تقم لكم على أرضكم).
وكذلك لا بُد مِن إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها ألا وهو المجتمع:
قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. [النور: 55]
"اختصارًا من كتاب تعليقات على شرح الطحاوية للشيخ الألباني"
(3/177)

نصيحتي إلى جميع الجماعات
لقد بلغت من الكِبَر عتيًا، وعمري الآن يقرب من السبعين عامًا، وإني أحِبُّ الخير إلى جميع الجماعات، وعملًا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (الدين النصيحة). "رواه مسلم"
فإني أقدم النصائح الآتية:
1 - أن يتمسكوا بالقرآن، والسنة النبوية، عملاً بقول الله تعالى:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}. [آل عمران: 103]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (تركت فيكم أمرين لن تضِلوا ما تمسكتم بها: كتابَ الله، وسنة رسوله).
"رواه مالك وصححه الألباني في صحيح الجامع"
2 - إذا اختلفت الجماعات، فعليهم أن يرجعوا إلى القرآن والحديث وعمل الصحابة عملاً بقول الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]
وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها). "صحيح رواه أحمد"
3 - أن يهتموا بعقيدة التوحيد التي ركز عليها القرآن، وقد بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوته إِليها، وأمر أصحابه أن يبدأوا بها.
4 - لقد عاشرت الجماعات الإِسلامية، فرأيت أن الدعوة السلفية تلتزم الكتاب والسنة حسب فهم السلف الصالح: الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتابعين، وقد أشار إلى هذه الجماعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (ألا إن مَن قبلكم مِن أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة). "رواه أحمد وحسنه الحافظ"
وفي رواية: (كلهم في النار إلا واحدة: ما أنا عليه وأصحابي) "رواه الترمذي وحسنه الألباني"
يخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن اليهود والنصاري تفرقوا كثيرًا، وأن المسلمين سيفترقون أكثر منهم، وأن هذه الفرق ستكون عرضة لدخول النار، لانحرافها، وبعدها عن كتاب ربها وسنة نبيها، وأن فرقة واحدة، تنجو من النار، وتدخل الجنة، وهي الجماعة المتمسكة بالكتاب والسنة وعمل الصحابة.
(3/178)

وتمتاز الدعوة السلفية بالدعوة إلى التوحيد، ومحاربة الشرك، ومعرفة الأحاديث الصحيحة، والتحذير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة ومعرفة الأحكام الشرعية بأدلتها وهذا مهم جدًا لكل مسلم.
واني أنصح إخواني المسلمين أن يلتزموا بالدعوة السلفية؛ لأنها هي الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة التي قال فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(لا تزال طائفة مِن أُمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله) "رواه مسلم"
اللهم اجعلنا من الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.

الخلاصة
1 - على الجماعات الإسلامية أن يبتعدوا عن التحزب الممقوت الذي يؤدي إلى الفُرقة وأن يتعاونوا فيما بينهم فيما ينفع المسلمين ويعود عليهم بالخير والنفع لقول الله تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. [المائدة: 2]
وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (كونوا عباد الله إخوانا: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، وأشار إلى صدره، بحسب امرىء مِن الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دَمه وماله وعِرضه). "رواه مسلم"
2 - على الجماعات الإسلامية ألا يتحاسدوا، ولا يتباغضوا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تحاسَدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابرَوا. . .). "رواه مسلم"
3 - على كل جماعة من الجماعات الإسلامية أن يقبلوا النصيحة إذا كانت موافقة للقرآن والحديث الصحيح، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الدين النصيحة). "رواه مسلم"
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). "حسن رواه أحمد وغيره"
4 - وأختم كلمتي بالدعاء الآتي:
اللهم أصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سِلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(3/179)

تنبيهات على ملاحظات
لقد مَنَّ الله تعالى عليَّ، وبدأت أدعو إلى توحيد الله تعالى وأصدرت أكثر من عشرين مؤلفًا طبع كل منها مرات متعددة بكميات كبيرة، وترجم بعضها إلى اللغة الإنجليزية، والفرنسية، والأندونيسية، والأوردية، والبنغالية، والتركية، وغيرها، وأكثر هذه الكتب كانت تطبع بمساعدة المحسنين، وتوزع مجانًا، وبعضها يباع في المكتبات التي يطبعونها على حسابهم، وقد كتبت على كل كتاب العبارة الآتية: لكل مسلم حق الطبع والترجمة، ومن له ملاحظة على الكتب، فليخبر المؤلف مشكورًا.
1 - لقد وصلني كتاب من الأمارات العربية عنوانه:
(عقيدة الإمام الحافظ ابن كثير) لمؤلفه: (محمد عادل عزيزة) فلما قرأته وجدته لم يلتزم الأمانة العلمية حتى في الأحاديث النبوية حيث بتر الحديث الذي ذكره ابن كثير عند تفسير قول الله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}. [القلم: 42]
وهو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة. . ".
إلى آخر الحديث الذي رواه البخاري ومسلم.
وقال في كتابه: لقد تخبط محمد جميل زينو في كتابه (منهاج الفرقة الناجية) تخبطًا كثيرًا في صفحة 16 وغيرها، ويعلم الله أنني فرحت، وقلت: لعلي أخطأت، فأصلح خطئي، ولما نظرت في كتابي المذكور وجدت ما يلي:
(قال الإِمام أحمد، قال الإمام الشافعي، قال الخطيب البغدادي) فهتفت للمؤلف وقلت له: ما هو التخبط الذي ذكرته في كتابي؟ فقال لي: الكتاب ليس عندي، فقلت له: لماذا حذفت الحديث الذي يفسر الآية من تفسير ابن كثير؟ فقال لي: الحديث مِن المتشابهات!! فقلت له: ولماذا بترت قول ابن كثير في تفسير:
{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ} حيث اختار الوقف المفسر الطبري، ليثبت أن الله في السماء؟ فقال لي: حتى انظر، ولم يعترف بخطئه، وقد رددت على هذا المؤلف في كتاب اسمه: (بيان وتحذير من كتاب عقيدة الإِمام الحافظ ابن كثير).
(3/180)

2 - وقد قرأت في كتاب عنوانه (في مدرسة النبوة) للأخ أحمد محمد جمال قال فيه:
ولقد عجبت للأخ (محمد جميل زينو) حين كتب في جريدة الندوة يوم 26/ 4/ 1411 ه يستنكر صيغة الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - اعتاد بعض المسلمين ترديدها، وهي قولهم (اللهم صَلِّ على محمد طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها) وقال: إن الشافي والمعافي للأبدان والقلوب والعيون هو الله وحده، والرسول لا يملك النفع لنفسه ولا لغيره- إلخ.
وأوَد للأخ محمد زينو أن يعلم أن لهذه الصيغة مفهومين صحيحين:
أ - إن طب القلوب وعافية الأبدان، ونور الأبصار صفة، أو ثمرة للصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد عرفنا من الأحاديث السابقة فضل الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبركاتها وأنها صادرة من الله -عَزَّ وَجَلَّ-. . .
وصلاة الله على العباد هي الرحمة والبركة والعافية والشفاء.
ب - إن طب القلوب، وعافية الأبدان، ونور الأبصار صفة للرسول نفسه. . وهذه أيضًا لا نكران عليها، ولا غرابة فيها فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ذاته -كما وصفه القرآن الكريم- رحمة في قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. [الأنبياء: 107]
وهو كذلك نور وضياء، كما وصفه القرآن في قوله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. [الأحزاب: 45، 46]
وفي روايات متعددة يصف الرسول نفسه بأنه رحمة مُهداة إلى الإنسانية ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويشفي قلوبها وأبصارها، وأبدانها مِن الأسقام الحسية والمعنوية معًا، يقول - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أنا رحمة مُهداة). "أخرجه ابن عساكر"
(إني رحمة بعثني الله). "رواه الطبراني"
(إني لم أُبعَث طعانًا، وإنما بُعِثت رحمة). "رواه مسلم"
1 - أقول: إن الصيغة السابقة التي قال عنها المؤلف اعتاد الناس ترديدها. لا تجوز لأن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عبادة، والعبادة مبناها على التوقف حتى يأتي الدليل، ولا دليل على هذه الصيغة، ولا سيما أنها تخالف جميع الروايات التي وردت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، والسلف الصالح، بالِإضافة إلى أن فيها غلُوًا وإطراء لا يرضاه الله والرسول - صلى الله عليه وسلم -. فهل يجوز لمسلم أن يترك الصيغة التى علمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه،
(3/181)

ويأخذ بصيغة من أقوال الناس، والتي تخالف الصيغ المشروعة؟
2 - لقد بتر الكاتب من كلامي شيئًا مهما، وهو استشهادي بقول الله تعالى:
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ}. [الأعراف: 188]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تُطروني كما أطرَتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) "رواه البخاري"
3 - وأما قول الكاتب: وصلاة الله على العباد هو الرحمة والبركة والعافية والشفاء:- قال ابن كثير: الصلاة من الله تعالى على عبده ثناؤه عند الملائكة.
وقال غيره: الصلاة من الله -عَزَّ وَجَلَّ- الرحمة. "تفسير ابن كثير ج 3/ 495"
هذا التفسير الصحيح يبطل تفسير المؤلف (أحمد محمد جمال) الذي لا دليل عليه.
4 - وأما استشهاده بقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. [الأنبياء: 107]
فإني أنقل للقارىء ما قاله العلامة محمد أمين الشنقيطي في تفسيرها: وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية: مِن أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم، وهذا المعنى جاء موَضحًا في مواضع مِن كتاب الله:
أ - كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. [العنكبوت: 51]
ب - وقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}. [القصص: 86]
ج - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: (إنى لم أبعَث لعانًا، وإنما بُعثت رحمة). "رواه مسلم"
"انظر أضواء البيان للشنقيطي 4/ 694"
وأما الطبري فقال ما خلاصته: أرسل الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رحمة لجميع العالم مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخله -بالإِيمان به وبما جاء مِن عند الله - الجنة، وأما كافرهم فقد دفع عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالآمم المكذبة لِرسلها مِن قبله.
5 - وأما قول الكاتب: وهو (أي الرسول) نور وضياء كما وصفه القرآن في قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. [الأحزاب: 45، 46]
(3/182)

وإني أنقل للقارىء ما قاله المفسرون:
أ - قال ابن كثير في تفسيره:
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا على أُمتك، ومَبشرًا بالجنة ونذيرًا مِن النار، وداعيًا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه وسراجًا منيرًا بالقرآن.
فقوله تعالى: {شَاهِدًا} أي لله بالواحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}. [النساء: 41]
وقوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} أي بشيرًا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرًا للكافرين من ويل العقاب.
وقوله جلت عظمته: {وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} أي داعيًا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك.
وقوله تعالى: {وَسِرَاجًا مُنِيرًا}:
أي وأمْرُكَ ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند. "انظر تفسير ابن كثير ج 3/ 497"
ب - وقال ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير: {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} أي أنت لمن اتبعك (سراجًا) أي: كالسراج المضيء في الظلمة يُهتدى به. "ج 6/ 400"
ج - وقال الطبري في تفسيره: {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} ضياء لخلقه بالنور الذي أتيتهم به من عند الله وإنما يعني بذلك أنه يهدي به مَن اتبعه مِن أُمته. "نقلاً عن الطبري باختصار"
6 - وقال المؤلف في كتابه (في مدرسة النبوة):
وفي روايات متعددة يصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه بأنه: "رحمة مهداة" إلى الِإنسانية ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويشفي قلوبها، وأبصارها من الأسقام الحسية والمعنوية معًا: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أنا رحمة مهداة) "صحيح: انظر صحيح الجامع"
(إني رحمة بعثني الله). "هذا الحديث يشهد له ما قبله"
(إني لم أُبعث لعانًا، وإنما بُعثتُ رحمة). "رواه مسلم"
أقول: إن كلام المؤلف (أحمد محمد جمال) عليه ملاحظات:
أ - لم يذكر المؤلف دليلًا على كلامه سوى ما أورده من حديث:
(إنما أنا رحمة مهداة) وقد تقدم تفسير الرحمة في الآية للعلامة الشنقيطي، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم.
(3/183)

ب - وأما قول المؤلف: (ليُخرج الإنسانية من الظلمات إلى النور). . .
فليته رجع إلى تفسير ابن كثير حيث قال فيها:
{لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ}. [إبراهيم: 1]
أي إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتخرج الناس مما هم فيه مِن الضلال والغي إلى الهدي والرشد، قال الله تعالى:
{هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ}. [الحديد: 9]
فالآيات صريحة بأنه أخرج الناس مِن الظلمات إلى النور بالقرآن المنزل عليه.
ج - وأما قول المؤلف: (ويشفي قلوبها وأبصارها من الأسقام الحسية والمعنوية معًا) ويقصد النبي - صلى الله عليه وسلم -!
فلم يأت بدليل صريح على ذلك، علمًا بأن الشافي للأمراض هو الله وحده:
قال تعالى على لسان إبراهيم -عليه السلام-: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]
أكَّد بالضمير المنفصل، ليؤكد على أن الشافي هو الله وحده وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(اللهم رَبَّ الناس أذهب الباسَ اشفِ أنت الشافي، لا شِفاءَ إلا شفاؤك شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَما) "أخرجه البخاري"
وقصة الغلام والأعمى التي وردت في الحديث تدل على أن الشافي هو الله وحده: فورد فيها أن الأعمى أتى الغلام بهدايا كثيرة وقال له سأهبها لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله فإن أنت آمنت بالله دعوتُ الله فشفاك.
(فآمن بالله فدعا له فشفاه الله). "القصة رواها مسلم 4/ 3005"
فالآية السابقة والأحاديث المتقدمة تدل على أن الشافي هو الله وحده، ولم يذكر المؤلف (أحمد محمد جمال) مثالًا واحدًا على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصف نفسه بأنه (يشفي) كما زعم، وهذا أمر خطير جدًا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن قال عليَّ ما لم أقل، فليتبوَّأ مقعده من النار). "حسن رواه أحمد"
وقد سألت سماحة الشيخ ابن باز مفتي السعودية عن كلام (أحمد محمد جمال) فقال: إنه شرك.
(3/184)

الخلاصة
إن كلام المؤلف (أحمد محمد جمال) ليس عليه دليل، وفيه غلُو وإطراء نهى عنهما الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلًا:
1 - (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك مَن كان قبلكم بالغلُو في الدين).
"صحيح رواه أحمد"
2 - (لا تطروني كما أطرت النصاري ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله) "رواه البخاري"
ولا سيما حينما ادعى المؤلف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصف نفسه، بأنه يشفي القلوب والأبصار من الأسقام الحسية والمعنوية معًا! وكلمة (يشفي) فعل مضارع يفيد الحال والمستقبل، وهذا لا يمكن أبدًا، ولم يحدث هذا الشفاء في الوقت الحاضر والمستقبل.
3 - وما ذكرته من التنبيهات على كتاب (في مدرسة النبوة) هو من باب النصيحة للمسلمين عامة، ولقراء الكتاب المذكور خاصة.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصًا لله تعالى.
(3/185)

تنبيه هام
1 - أقول: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - له معجزات كثيرة، ولكنها كانت في حياته، وهذه نماذج منها.
أ - عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله في سفر فقَلَّ الماء، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: اطلبوا لي فضلة من ماء.
الصحابة يجيئون بإناء فيه ماء قليل، فيدخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يده في الِإناء.
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (حي على الطهور المبارَك، والبركة مِن الله).
قال ابن مسعود: لقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. "رواه البخاري"
يلفت الرسول - صلى الله عليه وسلم - نظر أصحابه إلى أن الماء المبارك الذي ينبع من بين أصابعه إنما بركته من الله وحده الذي خلق هذه المعجزة، وهذا حرص من الرسول على توجيه أُمته إلى التوحيد، ولذا قال لهم: (والبركة من الله).
ب - وهذا علي -رضي الله عنه- يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويشتكي عينيه، فبصق الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عينيه، ودعا له، فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع. "رواه البخاري"
أقول: إن هذه المعجزات كانت في حياته، وإن عليًا دعا له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن بصق في عينيه فبرأ؛ لأن دعاء النبي مستجاب، أما بعد موته - صلى الله عليه وسلم - فقد توقف طلب الدعاء منه وانقطعت المعجزات لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا مِن ثلاث: صدقة جارية، أو عِلم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له). "رواه مسلم"
وهذا أبو طالب عَم الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يدافع عنه، لما حضرته الوفاة دعاه الرسول إلى الإِيمان فأبى، ومات مشركًا، ونزلت فيه:
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}. [القصص: 56] "رواه البخاري"
(3/186)

(5)
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بين المعارضين والمؤيدين
(3/188)

موجز دعوة محمد بن عبد الوهاب
* ما معنى وهابي
* محمد بن عبد الوهاب
* معركة التوحيد والشرك
* الدعوة المحمدية
* أسماء الله توقيفية
* هل يكفي توحيد الربوبية؟
* الدعوة لا تقوم على العنف والتكفير
* الإفتراء على الدعوة
* اتهامات مردودة
* مناقشة حول الوهابية
* ردود على أباطيل
* محمد بن عبد الوهاب
في مرآة العلماء
(3/189)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونسنغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإن الناس اختلفوا فِي مفهوم هذه الدعوة:
1 - يرى البعض أنها مذهب خامس خارج على المذاهب الأربعة!
2 - وفريق آخر يرى أنهم لا يُحبون الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأولياء.
3 - ويرى آخرون أن الوهابيين متشددون يكفرون المسلمين.
4 - وذهب كثير من العلماء إلى أن هذه الدعوة سلفية ترجع إلى الكتاب والسنة في عقيدتها وجميع أمورها، وتنكر البدع في الدين.
وسأُبين في هذه الرسالة الصحيح من الأقوال بالدليل والبرهان وأقوال العلماء
المنصفين، وأن المسلم العاقل إذا أراد أن يعرف حقيقتها وجب عليه الرجوع إلى كتبها لا إلى أقوال أعدائها ليكون عادلًا في حكمه، عملاً بقول الله تعالى:
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّثَ بكل ما سمع". "رواه مسلم في مقدمته"
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
(3/190)

ما معنى وهابي؟
اعتاد الناس أن يُطلقوا كلمة وهابي على كل من يخالف عاداتهم ومعتقداتهم وبدعهم، ولو كانت هذه المعتقدات فاسدة، تخالف القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، ولا سيما الدعوة إلى التوحيد ودعاء الله وحده دون سواه.
كنت أقرأ على شيخٍ حديث ابن عباس في الأربعين النووية، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله". "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
فأعجبني شرح النووي حين قال:
"ثم إن كانت الحاجة التي يسألها، لم تجر العادة (1) بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم. . وشفاء المرض وحصول العافية سأل ربه ذلك، وأما سؤال الخلق والإعتماد عليهم فمذموم".
فقلت للشيخ هذا الحديث وشرحه يفيدان عدم جواز الإستعانة بغير الله، فقال لي: بل تجوز!! قلت وما دليلك؟ فغضب الشيخ وصاح قائلًا: إن عَمتي تقول يا شيخ سعد (وهو مدفون في مسجده تستعين به)، فأقول لها يا عمتي وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول: أدعوه فيتدخل على الله فيشفيني!!
قلت له: إنك رجل عالم قضيت عمرك في قراءة الكتب، ثُم تأخذ عقيدتك من عمتك الجاهلة! فقال لي عندك أفكار وهابية أنت تذهب للعمرة وتأتي بكتب وهابية!!!
وكنت لا أعرف شيئًا عن الوهابية إلا ما أسمعه من المشايخ: فيقولون عنهم:
الوهابيون مخالفون للناس لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم، ولا يحبون الرسول، وغيرها من الإتهامات الكاذبة! فقلت في نفسي إذا كانت الوهابية تؤمن بالإستعانة بالله وحده، وأن الشافي هو الله وحده، فيجب أن أتعرف عليها.
سألت عن جماعتها فقالوا لهم مكان يجتمعون فيه مساء الخميس، لِإلقاء دروس في التفسير والحديث والفقه، فذهبت إليهم مع أولادي وبعض الشباب المثقف، فدخلنا غرفة كبيرة، وجلسنا ننتظر الدرس، وبعد فترة دخل علينا شيخ كبير السن، فسلَّم علينا وصافحنا جميعًا مبتدئًا بيمينه، ثم جلس على مقعد، ولم يقم له أحد، فقلت في نفسي: هذا شيخ متواضع لا يحب القيام.
__________
(1) لو قال النووي -رحمه الله-: لم تجر (سنة الله) بدل العادة لكان صوابًا لقوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ}. [الأحزاب: 62]
(3/191)

بدأ الشيخ الدرس بقوله: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. إلى آخر الخطبة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفتتح بها خطبه ودروسه، ويتكلم باللغة العربية الفصحى، ويورد الأحاديث، ويبين صحتها وراويها، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكر اسمه، وأخيرًا وُجّهت له الأسئلة المكتوبة على الأوراق، فكان يجيب عليها بالدليل من القرآن والسنة، ويناقشه بعض الحاضرين فلا يرد سائلًا، وقد قال في آخر درسه: الحمد لله على أننا مسلمون وسلفيون، وبعض الناس: يقولون: إننا وهابيون، فهذا تنابز بالألقاب، وقد نهانا الله عن هذا بقوله: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}. "سورة الحجرات"
وقديمًا اتهموا الإمامٍ الشافعي بالرَّفض فردَّ عليهم قائلًا:
إنْ كان رَفضًا حُبُّ آلِ محمدٍ ... فليشهد الثقلانِ أني رافضي
ونحن نردُّ على مَن يتهمنا بالوهابية بقول أحد الشعراء:
إنْ كان تابعُ أحمدٍ مُتوهِّبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وهَّابي
ولما انتهى خرجنا مع بعض الشباب معجبين بعلمه وتواضعه وسمعت أحدهم يقول: هذا هو الشيخ الحقيقي!!!
(3/192)

محمد بن عبد الوهاب
ولد في بلدة (العُيَيْنة) في نجد سنة 1115 ه حفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة، وتعلم على والده الفقه الحنبلي، وقرأ الحديث والتفسير على شيوخ من مختلف البلاد، ولا سيما في المدينة المنورة وفهم التوحيد من الكتاب والسنة، وراعه ما رأى في بلده (نجد) والبلاد التي زارها من الشرك والخرافات والبدع، وتقديس القبور التي تتنافى مع الإِسلام الصحيح، فقد سمع النساء في بلده يتوسلن إلى فحل النخل ويَقُلْنَ: (يا فحل الفحول أريد زوجًا قبل الحول)! ورأى في الحجاز من تقديس الصحابة، وأهل البيت والرسول ما لا يسوغ إلا الله، فقد سمع في المدينة استغاثات بالرسول ودعائه من دون الله، مما يخالف القرآن الكريم وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [أي المشركين] [يونس: 106]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لابن عمه عبد الله بن عباس:
"إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله" "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
قام الشيخ يدعو قومه للتوحيد ودعاء الله وحده؛ لأنه هو القادر والخالق، وغيره عاجز عن دفع الضر عن نفسه وغيره، وأن محبة الصالحين تكون باتباعهم لا باتخاذهم وسائط بينهم وبين الله، ودعائهم من دون الله!!
1 - وقوف المبطلين ضده: وقف المبتدعون ضد دعوة التوحيد التي تبناها الشيخ، ولا غرابة فقد وقف أعداء التوحيد في زمن الرسول وقالوا مستغربين:
{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}. [ص: 5]
وبدأ أعداء الشيخ يحاربونه، ويشيعون عنه الأكاذيب، ويتآمرون على قتله،
والخلاص من دعوته، ولكن الله حفظه، وهيأ له من يساعده حتى انتشرت دعوة التوحيد في الحجاز والبلاد الإِسلامية، وما زال بعض الناس إلى يومنا هذا يشيعون الأكاذيب، يقولون إنه ابتدع مذهبًا خامسًا، مع أن مذهبهُ حنبلي، ويقولون: الوهابيون لا يحبون الرسول، ولا يصلون عليه! مع أن الشيخ -رحمه الله- له كتاب (مختصر سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -) وهذا دليل على حبه للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد افتروا عليه الأكاذيب التي سيحاسبون عليها يوم القيامة، ولو درسوا كتبه بإنصاف لوجدوا فيها
(3/193)

القرآن والحديث وأقوال الصحابة؛ حدثني رجل صادق: أن أحد العلماء كان يحذر في دروسه من الوهابية، فأعطاه أحد الحاضرين كتابًا بعد أن نزع اسم المؤلف محمد بن عبد الوهاب، فقرأه وأعجبه ولما علم بمؤلفه بدأ يمدحه.
2 - ورد في الحديث: قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمَنِنا، قالوا وفي نَجْدِنا، قال: مِن هنا يَطلع قَرْنُ الشيطان" "رواه البخاري"
يظن بعض الناس أن النجد الوارد في الحديث هو نجد الحجاز وهذا خطأ؛ لأن النجد الوارد في الحديث هو نجد العراق للأدلة الآتية:
أ - عن سالم بن عبد الله بن عمر قال:
يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم الكبيرة سمعت أبي يقول:
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"إن الفتنة تجيء مِن ها هنا، وأومأ بيده نحوَ المشرق، مِن حيثُ يطلع قرنُ الشيطان" "رواه مسلم"
ب - وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان في المدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة.
وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغَور، فإنه ما انخفض منها،
وتُهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة. "انظر فتح الباري ج 3/ 46 - 47"
أقول: إن الحديث الذي في مسلم يشرح كلمة (نجد) الواردة في صحيح البخاري، والمراد منها العراق.
وكذلك قول الخطابي يؤيد هذا القول، وأورد هذا ابن حجر، فدل على تأييده على أن المراد هو نجد العراق، وليس نجد الحجاز.
أقول: لقد ظهرت الفتن في العراق حيث قتل الحسين بن علي -رضي الله عنه-، خلافًا لما يظنه بعض الناس أن الراد نجد الحجاز حيث لم يظهر فيها شيء من الفتن التي ظهرت في العراق، بل ظهر من نجد الحجاز التوحيد الذي خلق الله العالم لأجله، والذي من أجله أرسل الله الرسل.
3 - ذكر بعض العلماء المنصفين أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو من مجددي القرن الثاني عشر الهجري، وقد ألفوا كتبًا عنه، ومن هؤلاء المؤلفين الشيخ علي الطنطاوي أخرج سلسلة عن أعلام التاريخ، ذكر منهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأحمد بن عرفان،
(3/194)

ذكر فيه أن عقيدة التوحيد وصلت إلى الهند وغيرها بواسطة الحجاج المسلمين الذين تأثروا بها في مكة، فقام الإنكليز وأعداء الإِسلام يحاربونها؛ لأنها تُوَحدّ المسلمين ضدهم، وأوعزوا إلى المرتزقة أن يُشوهوا سُمعتها، فأطلقوا على كل موحد يدعو للتوحيد كلمة (وهابي)، وأرادوا به المبتاع، لِيصرفوا المسلمين عن عقيدة التوحيد التي تدعو إلى دعاء الله وحده، ولم يعلم هؤلاء الجهلة أن كلمة (وهابي) نسبة إلى (الوهاب) وهو اسم من أسماء الله الذي وهب له التوحيد، ووعده الجنة.
(3/195)

معركة التوحيد والشرك
1 - إن معركة التوحيد مع الشرك قديمة منذ زمن الرسول نوح -عليه السلام- حينما دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، وبقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا. وهو يدعوهمِ إلى التوحيد، فكان ردهم كما ذكر القرآن:
{وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا}. "سورة نوح"
روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية قال: هذه أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلك أولئك أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموهم بأسمائهم ففعلوا ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسيَ العِلمُ عُبدَتْ:
(أي الأحجار والأنصاب التي هي التماثيل).
2 - ثم جاء الرسل من بعد نوح يدعون قومهم إلى عبادة الله وحده، وترك ما يعبدون من دونه من الآلهة التي لا تستحق العبادة، فاسمع إلى القرآن وهو يحدثك عنهم فيقول: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ}. "سورة الأعراف"
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}. "سورة الزخرف"
وكان رَدُّ المشركين على جميع الأنبياء بالمعارضة والإستنكار لما جاءوا به، ومحاربتهم بكل ما يستطيعون من قوة.
3 - وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي كان معروفًا عند العرب قبل البعثة بالصادق الأمين، لما دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده، وترك ما كان يعبد آباؤهم نسوا صدقه وأمانته، وقالوا: (ساحِرٌ كذَّاب) وهذا القرآن يحكي ردهم فيقول:
{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}. "سورة ص"
{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}. "سورة الذاريات"
(3/196)

هذا موقف الرسل جميعًا من الدعوة إلى التوحيد، وهذا هو موقف أقوامهم المكذبين المفترين.
4 - وفي عصرنا الحاضر حينما يدعو المسلم إخوانه إلى الاخلاق والصدق والأمانة لا تجد معارضًا له، فإذا قام يدعو إلى التوحيد الذي دعت إليه الرسل وهو دعاء الله وحده، وعدم سؤال من سواه من الأنبياء والأولياء الذين هم عباد الله قام الناس يعارضونه ويتهمونه بتهم كاذبة، ويقولون عنه (وهابي)! ليصدوا الناس عن دعوته، وإذا جاءهم بآية فيها توحيد قال قائلهم: (هذه آية وهابية)!!
وإذا جاءهم بحديث: ". . وإذا استعنت فاستعِن بالله" "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
قال بعضهم: (هذا حديث وهابي)!
وإذا وضع المصلي يديه على صدره، أو حرَّك أصبعه في التشهد، كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال الناس عنه وهابي!!
فأصبح الوهابي رمزًا للموحد الذي يدعو ربه وحده، ويتبع سنة نبيه، والوهابي
منسوب للوهَّاب. وهو اسم من أسماء الله الذي وهب له التوحيد، وهو أكبر نعمة من الله على الموحدين.
5 - على دعاة التوحيد أن يصبروا، ويتأسوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال له ربه:
{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}. "سورة المزمل"
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا}. "سورة الإنسان"
6 - على المسلمين أن يقبلوا دعوة التوحيد، ويحبوا دعاته؛ لأن التوحيد دعوة الرسل عامة، ودعوة رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فمن أحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب دعوة التوحيد، ومن أبغض التوحيد فقد أبغض الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(3/197)

موقف المشايخ من التوحيد
1 - أصدرت نشرة مكونة من أربع صفحات عنوانها:
(لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إياك نعبد وإياك نستعين، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
وشرحت معناها، واستشهدت بقول النووي في شرح الحديث، وقول غيره من العلماء الداعين إلى التوحيد، ولئلا يقول المشايخ عن النشرة: إنها وهابية ذكرت قول الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه: "الفتح الرباني":
"سَلوا الله، ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، ويحك بأي وَجهٍ تلقاه غدًا، وأنت تنازعه في الدنيا، مُعرِض عنه، مُقبل على خلقه مُشرك به، تُنزل حوائجَك بهم، وتتكِلُ بالمهمات عليهم! ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله، فإن وقوفكم معها هَوَس، لا ملك ولا سلطان، ولا غنىً، ولا عز إلا للحق -عَزَّ وَجَلَّ-، كن مع الحق، بلا خلق".
(أي كن مع الحق بدعائه بلا واسطة من خلقه).
هذه خلاصة النشرة المكونة من أربع صفحات صغيرة، وقد سمحت بطبعها وزارة الإِعلام، وطبعت منها ثلاثين ألف نسخة، وقد وزع ولدي منها نسخًا قليلة، وسمع أحد المشايخ يقول: هذه نشرة وهابية، ووصَلتْ إلى شيخ كبير في البلد، فأنكرها، وطلب مقابلتي فذهبت إلى بيته وكان هذا الشيخ قد درس معي في مدرسة الخسروية بحلب، وهي الآن الثانوية الشرعية، ولما قرعت الجرس خرجت بنت فقلت لها: "محمد زينو"، فدخلت ثم رجعت، فقالت لي: سيأتي للمدرسة بعد قليل، فانتظره هناك، فجلست عند دكان الحلاق المجاور لبيته حتى خرج، فلحقته، وقلت له: ماذا تريد مني؟ فقال لي: لا أريد هذه النشرة! قلت له لماذا؟ فقال: لا نريدها، فقلت له وقد وصلنا إلى باب المدرسة: سأدخل معك إلى المدرسة، وأقرأ الرسالة، فقال لا يوجد عندي وقت! قلت له طبعتُ منها ثلاثين ألف نسخة، وكلَّفتنا مالاً وجُهدًا، فماذا نفعل بها، هل نحرقها؟ فقال لي نعم احرقها!! قلت في نفسي سأذهب إلى الشيخ محمد السلقيني أستاذي في الفقه الحنفي، فذهبت إليه،
(3/198)

وقلت له عندي رسالة صغيرة فقال لي أحد المشايخ: احرقها، فقال لي اِقرأها عليَّ، فقرأتها عليه، فقال لي: هذه الرسالة فيها القرآن كلام الله، وفيها أحاديث رسول الله عون كيف نحرِقها؟ فقلت له: جزاك الله خيرًا، سوف أوزعها، ولن أحرقها، وبعد فترة وزعتها، ووجدَت قبولًا عند الشباب المثقف، حتى إنني وجدت مَن طبعها ووزعها في مكتبة الوتار بالمسكية في مدينة دمشق، فحمدت الله على أن هيأ لهذه الرسالة من يطبعها ويوزعها مجانًا ليعم نفعها، وتذكرت قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}. [التوبة: 32، 33]
ثم طبعت هذه الرسالة في كتابي (منهاج الفرقة الناجية) فالذي يريد الاطلاع عليها يقرأ الكتاب المذكور، فسيجدها بنفس العناوين المذكورة آنفًا.
2 - أهدى إليّ أحد المشايخ كتابًا في قصة ثعلبة المشهورة ولما أراد تجديد طبع الكتاب نصحته أن يرجع إلى أقوال العلماء، ولا سيما في كتاب الِإصابة في أسماء الصحابة لابن حجر، وقد نبه هو وغيره على عدم صحتها، فلم يقبل النصيحة، وقال لي: أنت نشيط اتركْ هذه المسائل! قلت إذا تركتها فسوف أدعو إلى التوحيد الذي علمه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: لابن عمه عبد الله بن عباس وهو غلام، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"يا غلام إني أعلمك كلمات. . . إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن
بالله. . ." إلى آخر الحديث الذي ذكره النووي وقال عنه الترمذي: (حسن
صحيح) فقال لي: نحن نسأل غير الله!!! رد الحديث بكل وقاحة وسوء أدب مخالفًا قول الله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [أي المشركين]،. [يونس: 106]
ثم مضت سنوات قليلة وإذا بهذا الشيخ الذي يسأل غير الله يُقتل ولده، ويوضع ولداه في السجن، ويترك داره ويهاجر إلى بلد آخر، فلا يلوي على شيء، وقدَّر الله أن التقي بهذا الشيخ في الحرم المكي الشريف، والأمل على أنه عاد إلى رشده، ورجع إلى الله يسأله الستر والحماية والنصر فسلمت عليه، وقلت له: إن شاء الله سنعود إلى بلادنا، وُيفرّجَ الله عنا، فيجب علينا أن نتوجه إلى الله ونسأله العون والتأييد، فهو
(3/199)

القادر وحده، فما رأيك؟ فقال لي المسألة فيها خلاف! قلت له وأي خلاف؟ أنت إمام مسجد وتقرأ في صلاتك كل ركعة:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ويكررها المسلم في يومه عشرات المرات، ولا سيما في صلاته، فلم يتراجع هذا الشيخ الصوفي النقشبندي عن خطئه، بل أصرَّ، وبدأ يجادل، ويعتبر المسألة خلافية لِيُبرر موقفه الخاطئ! إن المشركين الذين حاربهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يدعون أولياءهم في وقت الرخاء، ولكن إذا وقعوا في شدة أو كرب سألوا الله وحده، كما قال الله تعالى عنهم:
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}. [يونس: 22]
وقال عن المشركين: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}. [النحل: 53]
3 - دخلت مرة على شيخ كبير له طلاب وأتباع، وهو خطيب وإمام مسجد كبير، وبدأت أتكلم معه عن الدعاء وأنه عبادة لا يجوز إلا لله وحده، وأتيت له بدليل من القرآن وهو قوله تعالى:
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}. [الإسراء: 56، 57]
فما المراد من قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ. . .}؟ فقال لي: الأصنام، قلت له: المراد الأولياء الصالحون. . فقال لي نرجع إلى تفسير ابن كثير، فمدَّ يده إلى مكتبته، وأخرج تفسير ابن كثير فوجد المفسر يقول أقوالًا كثيرة أصحها رواية البخاري التي تقول: "قال ناس من الجن كانوا يُعبدون، وفي رواية كان ناس من الإِنس يَعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن وتمسّك هؤلاء بدينهم". "ج 3/ 46"
فقال لي الشيخ: الحق معك، ففرحت بهذا الإعتراف الذي قاله الشيخ، وبدأتُ أتردُّدُ عليه وأجلس في غرفته، وفوجئت مرة كنت عنده فقال للحاضرين: إن الوهابية نصف كفار؛ لأنهم لا يؤمنون بالأرواح، فقلت في نفسي لقد بدل الشيخ رأيه وخاف على منصبه فافترى على الوهابية، والإِيمان بالأرواح لا يُنكره الوهابية؛ لأنها ثابتة في القرآن
(3/200)

والحديث، ولكنهم ينكرون أن تكون للروح تصرفات كإغاثة الملهوف، وعون الأحياء، ونفعهم وضرهم؛ لأن من هذا الشرك الأكبر الذي ذكره القرآن عن الأموات بقوله:
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}. [فاطر: 13، 14]
فهذه الآية صريحة في أن الأموات لا يملكون شيئًا، وأنهم لا يسمعون دعاء غيرهم، وعلى فرض سماعهم لا يستطيعون الإِجابة، ويوم القيامة يكفرون بهذا الشرك الذي صرحت به الآية: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}. "سورة فاطر"
(3/201)

التعقيب على كتاب الخطيب
قال الشيخ صالح الفوزان:
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده: وبعد:
فقد اطلعت على كتاب عنوانه "الدعوة الوهابية؟ محمد بن عبد الوهاب العقل الحر والقلب السليم" للأستاذ عبد الكريم الخطيب.
والكتاب في جملله يتضمَّن دراسة تحليليَّة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من حيث الأسس التي قامت عليها، وطريقتها، وثمرتها، والحاجة إليها، وما قُوبِلت به من خصومها.
وهو كتاب جيد في بعض مواضيعه، وسَيّئٌ في مواضيع أُخرى منه، فقد أدركت عليه ملاحظات مهمَّة وخطيرة لا يسعني المرور بها دون تعليق عليها، بيانًا للحق، ونصحًا للخلق، وإنصافًا لهذه الدعوة المباركة، برد ما يُلْصِقُه بها أعداؤها من تُهم، وما يقذفونها به من شبهات، شأنها في ذلك شأن كل دعوة إصلاح.
ناهيك بما حصل لدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على يد خصومها من ذلك.
ولعل الأستاذ الخطيب قد وقع في تلك الأخطاء تأثُّرًا بما يسمع أو يقرأ مما يمليه أو يلقيه خصوم هذه الدعوة، دون تنبُّه لأهدافهم وأغراضهم، وإن كان الأستاذ قد أزاح عن هذه الدعوة المباركة كثيرًا مما لفَّقه أعداؤها من شُبهات، لكنه أبقى على بعضها مما لولاه لكان كتابه جيَدًا مئة في المئة.
وكان الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم وفَّقه الله قد لاحظ على الأستاذ كثيرًا من تلك الأخطاء بملاحظات مختصرة طُبِعَت مع كتابه في طبعته الأخيرة دون أن يغيِّر من واقع تلك الأخطاء شيئًا، مما يدلُّ على إصراره عليها.
وهذا مما يؤكّد عليَّ تقديمِ ملاحظاتي هذه بدافع النصح وتجلية الحقيقة، لعل الأستاذ يعيد النظر في كتابه، فيُنَحِّي عنه تلك الهفوات ليَسْلَمَ من تَبِعتِها، ويُجنِّب القراء - خصوصًا الذين لا يعرفون هذه الدعوة معرفة جيِّدة عن الوقيعة فيها، فالرجوع إلى الحق خير من التَّمادي في الباطل.
وهذه الملاحظات بعضها جاء عرضًا في غير صميم الموضوع، وإليك بيانها بالتفصيل.
(3/202)

الدعوة المحمدية
1 - تسميته لدعوة الشيخ بالدعوة الوهَّابية، وتسميته لأتباعه أيضًا بالوهَّابية.
- ولعل الأستاذ فعل ذلك مجاراة لخصوم الدعوة الذين ينبزونها بهذا اللقب لمقصد خبيث لم يتنَبّه له، فهذه التسمية - خطأ من ناحية اللفظ ومن ناحية المعنى:
أ - أما الخطأ من ناحية اللفظ، فلأن الدعوة لم تُنْسب في هذا اللقب إلى مَن قام بها -وهو الشيخ محمد-، وإنما نُسبت إلى عبد الوهاب -الذي ليس له أي مجهود فيها-، فهي نسبة على غير القياس العربي، إذ النسبة الصحيحة أن يقال:
(الدعوة المحمَّدية).
لكن الخصوم أدركوا أن هذه النسبة حسنة لا تُنَفِّر عنها، فاستبدلوها بتلك النسبة المزيَّفة.
ب - وأما الخطأ من ناحية المعنى، فلأن هذه الدعوة لم تخرج عن نهج مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، فكان الواجب أن يقال: (الدعوة السلفية).
لأن القائم بها لم يبتدع فيها ما يُنْسَب إليه، كما ابتدعِ دعاة النِّحَل الضالَّة من الِإسماعيلية والقرمطيَّة، إذ هذه النِّحَل الضَّالَّة لو سُمِّيَت سلفية، لأبى الناس والتاريخ هذه التسمية؛ لأنها خارجة عن مذهب السلف، ابتدعها من قام بها.
فالنسبة الصحيحة لفظًا ومعنى لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يُقال: الدعوة المحمَّدية، أو الدعوة السلفية.
لكن لما كانت هذه النسبة تغيظ الأعداء؛ حرَّفوها، ولذلك لم تكن الوهابية معروفة عند أتباع الشيخ، وإنما ينبزهم بها خصومهم، بل ينبزون بها كل مَن دان بمذهب السلف، حتى ولو كان في الهند أو مصر وإفريقية وغيرها، والخصوم يريدون بهذا اللقب عزل الدعوة عن المنهج السليم، فقد أخرجوها منٍ المذاهب الأربعة، وعدُّوها مذهبًا خامسًا: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}. [البقرة: 109]
(3/203)

الخلاف بين الصحابة
2 - قال الأستاذ في (ص 12):
"فالحرب التي دارت بين علي ومعاوية قد اختلط فيها الرأي بالهوى، والدين
بالسياسة".
- هكذا قال سامحه الله، مع أن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعدم الخوض فيما شجَرَ بينَهم؛ لأنهم في ذلك معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:
"ثم القدر الذي ينكر مِن بعضهم قليل نَزْرٌ مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإِيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومَن نظر في سيرة القوم -بعلم وبصيرة- وما مَنَّ الله عليهم به من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء".
(3/204)

أسماء الله توقيفية
3 - وفي (ص 20) لما تحدَّث عن الكائنات، قال:
"لا بدَّ من قوة وراء هذه الظواهر جميعها، لا بد من موجد لها، قائم عليها، منظِّم لوجودها، ممسك ببقائها، سمِّ هذه القوة ما شئت من أسماء، وبأية لغة، وعلى أي لسان، إنها (الله)، خالق الكون، ومدبِّر الوجود، وهذا ما يسمَّى بالتوحيد، أي: الإِيمان بالقوة الواحدة المُوجدَة لكل شيء، والمتصرفة في كل شيء" اه.
ولنا على هذه الجملة ملاحظتان:
الأولى: أنه جوَّز أن يسمَّى الله قوَّة وهذا خطأ؛ لأن أسماء الله توقيفية، فلا يسمَّى إلا بما سمَّى به نفسه، أو سماه به رسوله، وقد سمَّى نفسه بالقوي، كما قال تعالى:
{يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}. [الشورى: 19]
وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}. [هود: 66]
والقوة صفته، كما قال سبحانه:
{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}. [الذاريات: 58]
فالقويُّ: اسمه، والقوَّة صفته سبحانه، وهناك فرقٌ بين الإسم والصفة.
ثم إنه لا يجوز لنا أن نسمي الله بما شئنا من أسماء؛ لأن أسماءَه توقيفية، فلا نسمّيه إلا بما سمَّى به نفسه.
(3/205)

هل يكفي توحيد الربوبية
الملاحظة الثانية: أنه فسَّر التوحيد بأنه الإقرار بأن الله هو مدبِّر الوجود وموجده، فإن أراد أن هذا هو توحيد الرُّبوبية، فهذا صحيح، لكن هذا التوحيد لا يكفي ولا ينجي من عذاب الله، ولا يدخل صاحبه في الإِسلام، ولا يعصم دمه وماله؛ لأن الكفار يقرُّون بهذا وهم الكفار.
قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}. [الزخرف: 87]
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}. [العنكبوت: 61]
وإن أراد أن هذا هو التوحيد المطلق المطلوب من الخلق، فهذا خطأ واضح، لما ذكرنا من أن الكفار أقرُّوا به ولم ينفعهم في الدنيا، ولا ينفعهم في الآخرة، وسمَّاهم الله كفارًا لمَّا لم يُقِرُّوا بتوحيد الإِلهيِّة الذي هو عبادته وحده لا شريك له.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقَترِنْ به إقرارً بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحدٌ إلا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر".
وقال أيضًا: "وقد أخبر الله سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بيَّنَه في كتابه فقال:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ}. [الزمر: 38]
وذكر آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال:
وبهذا وغيره يُعْرَف ما وقع من الغلط في مسمَّى التوحيد، فإن عامة المتكلِّمين الذين يُقَرِّرُون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد. . . ويظنُّون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو
(3/206)

معنى قولنا: (لا إله إلا الله)، حتى يجعلوا معنى الإِلهيَّة القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعِثَ إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولًا لم يكونوا يخالِفونه في هذا، بل كانوا يُقِرُّون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانو يُقِرُّون بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون" اه.
(3/207)

التناقض في كتاب الخطيب
4 - وفي (ص 74 - 75) يقول الأستاذ:
"بدأت الدعوة (يعني: دعوة الشيخ) حادة عنيفة مطبوعة بطابع التطرف والمغالاة، فكان طبيعيًا أن يلقاها الناس بعناد وتطرُّف، ومثل هذا لا يجعل للسلم مجالًا بين الطرفين المتقابلين. . .". إلى أن قال:
"بدأت (يعني: الدعوة) بإنكار المجتمع الإِسلامي كله، فالمسلمون جميعًا في نظر الوهابيِّين قد انسلخوا عن الإِسلام بما أدخلوا على دينهم من بدع ومحدثات، كالتوسل بغير الله، ورفع القباب على قبور الموتى ممن يعتقد فيهم الصلاح، وهذا لون من الشرك بالله، وفي هذا بعض الحق، ولكنْ فيه كثيرٌ من المبالغة والغلو. . .". إلى أن قال:
"كان لا بدَّ أن يحدث هذا (يعني: شدة الخلاف بينهم وبين غيرهم) بعد أن وضع الوهَّابيون دعوتهم في هذا الإِطار الذي يحصر الإِسلام في دعوتهم، ويجعل كل مَن انحرف عنها منحرفًا عن الإِسلام، داخلًا في مداخل الكفر والِإلحاد، ونجد هذا واضحًا في الكتب التي ألَّفها علماء الوهَّابيين" اه.
- والجواب أن نقول: هكذا يصف الأستاذ دعوة الشيخ بهذه الأوصاف:
أ - الغلو والتطرف والعنف.
ب - تكفير جميع المسلمين، وحصر الإِسلام في تلك الدعوة، وتكفير من انحرف عنها.
ج - أن كتب علماء الوهَّابية تشتمل على تكفير المسلمين.
وجوابنا على ذلك أن نقول:
أولًا: قد تناقض الأستاذ في كتابه هذا تناقضًا واضحًا في موضوع دعوة الشيخ، فبينما هو يصفها بهذه الصفات المنفِّرة التي ربما يكون قد قرأها من كتب خصومها، أو سمعها من أفواههم، {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}، بينما هو يُسَطِّرُ هذه الصفات هنا، إذا هو في آخر كتابه يقول في (ص 111 - 112):
"ودعوة محمد بن عبد الوهاب من الكلم الطيب، إنها تستند إلى الحق، وتدعو له، وتعمل في سبيله، ولهذا كانت دعوة مباركة، وفيرة الثمر، كثيرة الخير، لقد قام
(3/208)

صاحبها يدعو إلى الله لا يبتغي بهذا جاهًا، ولا يطلب سلطانًا، وإنما يضيء للناس معالم الطريق، ويكشف لهم المعاثر والمزالق التي أقامها الشيطان على جوانبه.
ولقد اصطدمت هذه الدعوة وهي وليدة في مهدها بقوة عاتية، لو لم تكن تستند إلى أصول ثابتة من الحق، وتقوم على دعائم قوية من الإِيمان، لقضي عليها من أول صدمة، وَلَماَ واصلت سيرها في الحياة، ولما بقي منها في قلوب الناس أثر يُنْتَفَع
إلى أن قال: "لقد وقف أتباع هذه الدعوة وقفة لا يمكن أن توصف بأقل من مواقف الشهداء من أتباع الأنبياء وحوارييهم. . .".
إلى أن قال بعدما ذكر موقفهم من حملة إبراهيم باشا:
"وهكذا الدعوات الخالصة والمبادىء السليمة أشبه بالمعادن الكريمة، تزيدها النار وهجًا وبريقًا، وكالنبت الطيب يزيده الحريق أريجًا وطيبًا، فلقد كانت هذه الدماء الزكية التي أُريقت في سبيل الدعوة أكرم على الله من أن تذهب هدرًا، أو تضيع هباء، ولقد كانت غذاء طيبًا لتلك الشجرة المباركة، فزكت وأينعت وأطلعت أطيب الثمرات. . .".
هذا ما قاله الأستاذ في ثنائه على دعوة الشيخ وتزكيتها.
فهل تراه نسي ما كتبه قبل ذلك من وصفها بتلك الصفات المنفِّرة: الغلو، والتطرف، وتكفير جميع المسلمين؟!
كيف نجمع بين طرفي كلامه وهما نقيضان، والجمع بين النقيضين، مستحيل، فكيف يجتمع في دعوة الشيخ هذا وذاك؟!
ثانيًا: إذا كانت دعوة الشيخ هي الحق، كما شهد به الأستاذ وغيره، وكما هو الواقع الذي لا شك فيه، فما خالفها، فهو الباطل قطعًا، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلَالُ}. [يونس: 32]
وليست هذه المخالفة في مسألة اجتهادية فرعية، بل في صميم العقيدة.
فهل يرى الأستاذ جهاد المخالف الذي أصر على مخالفته وعاند؛ هل يرى جهاده في سبيل العقيدة غُلُوًّا وعُنفًا وتَطَرفًا؟.
إذًا، فأين موضوع الجهاد في سبيل الله؟.
وهل الشيخ وأتباعه جاهدوا إلا لأجل تصحيح العقيدة والقضاء على الشرك؟ وهل جاهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من قبل إلا لأجل هذا؟!
(3/209)

الدعوة لا تكفر المسلمين
ثالثًا: وأما دعواه أن مِن سِماتِ الدعوة تكفير المسلمين، فلنترك الجواب عنها للشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه.
قال -رحمه الله- في رسالته إلى السويدي -عالم من أهل العراق كان قد أرسل إليه كتابًا، وسأله عما يقول الناس فيه- فأجاب بهذه الرسالة، ومنها:
"وأخبرك أني ولله الحمد مُتَّبع، ولستُ بمُبتَدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكنِّي بيَّنتُ للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء (الغائبين) والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعْبَد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرَّب ولا نبيُ مرسل، وهو الذي دَعَتْ إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. . .".
إلى أن قال -رحمه الله-: "ومنها ما ذكرتُم أنِّي أكفِّر جميع الناس إلا من اتَّبعني، وأزعم أن أنكِحَتَهم غير صحيحة، ويا عَجَبًا! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! هل يقول هذا مسلم؟! إني أَبرأْ إلى الله من هذا القول الذي ما يصدر إلا عن مُختلِّ العقل".
ثم قال: "وأما التكفير، فأنا أكفَر مَن عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبَّه، ونهى عنه، وعادى مَن فعله، فهذا هو الذي أُكفِّره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك" وقال -رحمه الله- في رسالة له: "وأما ما ذُكِرَ لكم عني، فإني لم آته بجهالة، بل أقول - ولله الحمد والمنة، وبه القوة:
ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أُعظمهم، مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أوصى بها أول أُمته وآخِرَهم، وأرجو أني لا أردُّ الحق إذا أتاني، بل أَشْهِدُ الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم من الحق، لأقبلنَّه على الرأس والعين، ولأَضرِبَنَّ الجدار بكل ما خالفه من أقوال أئمتي حاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لا يقول إلا الحق" اه.
(3/210)

التثبت واجب
إنه يجب عليك أيها الأستاذ أن تحاسِبَ نفسك على ما تقول وتكتب، ولا ترسل القول جزافًا، وأن تتثبَّت قبل أن تصدر الحكم؛ عملاً بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. [الحجرات: 6]
رابعًا: وأما دعواه أن كتب علماء الوهَّابية تشتمل على تكفير المسلمين إلا مَن كان يدين بدعوتهم، فنحن نطالبه أن يُبرز لنا كتابًا واحدًا من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو من كتب أبنائه وأحفاده وكتب تلاميذهم. . . إلى يومنا هذا يُصَدِّق ما نسبه إليهم من تكفيرهم للمسلمين.
وبالجملة؛ فالأستاذ وصف دعوة الشيخ بصفات مذهب الخوارج: الغلُو، والتطرف، والعنف، وتكفير المسلمين، وحصر الإِسلام فيهم.
من أين استقى هذه المعلومات الخاطئة عن الدعوة؟!
لا بد أنه استقاها من كتب خصومها، وما هذا شأن الباحث المنصف، فضلًا عن العالم المسلم الذي يعلم أنه سيحاسَب بين يدي الله عن كل كلمة يقولها أو يكتبها.
{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. [ق: 18]
5 - ويقول الأستاذ في (ص 82): "وإذن؛ فنستطيع أن نقول: إن هذه الدعوة مهما كان اتصالها بالسياسة، فقد بقي اللون الغالب عليها هو الدين، وظل صاحب الدعوة هو صاحب الكلمة في المجتمع الذي استجاب له بما فيه من حكام ومحكومين. . . إلخ".
- ونقول له: هل الدين منفصل عن السياسة؟!
إن الدين فيه السياسة الصحيحة، والشريعة الإِسلامية دين ودولة، فالسياسة الصحيحة لا تقوم إلا على الدين.
(3/211)

هدم معالم الشرك
6 - في (ص 93) يتكلَّم الأستاذ في موضوع هدم القباب المقامة على القبور، فيقول: "وقد بدأ هذا العمل صاحبُ الدعوة محمد بن عبد الوهاب، فهدم القبة المقامة على قبر زيد بن الخطاب، ثم تلا ذلك هدم كثير من قباب الصحابة والتابعين، ثم تجاوز هذا إلى قبر الرسول الكريم وإلى الكعبة الشريفة، فحالوا بين الناس ويين التمسُّح بهما والتماس البركة منهما، وكان ذلك هو الذي أثار ثائرة المسلمين في كل مكان، وعدُّوا من أجله الوهَّابيين حربًا على الإِسلام؛ لأنهم لا يقدسون مقدساته، ولا يوقرون حرماته".
- والجواب على ذلك أن نقول: إن هدم القباب المقامة على القبور هو واجب جميع المسلمين، تنفيذًا لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال: "لا تَدَعْ قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّيته". "رواه مسلم"
وأما التمسُّح بالكعبة، فالوارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو استلام الحجر الأسود، وتقبيله، واستلام الركن اليماني دون بقية الأركان.
ولهذا أنكر ابن عباس -رضي الله عنهما- على معاوية -رضي الله عنه- لما كان يستلم أركان الكعبة كلها، ويقول: ليس من البيت شيء مهجور، وذكر له ابن عباس فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتلا عليه هذه الآية الكريمة:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. [الأحزاب: 21]
فتراجع معاوية -رضي الله عنه- عن رأيه اتِّباعًا للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقال صدقت.
وهذا شأن المسلم: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}. [الأحزاب: 36]
فادعاء الأستاذ أن علماء الدعوة يمنعون التمسح بالكعبة مطلقًا ادعاء خاطئ، وأما التمسح بقبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهو حرام، ووسيلة من وسائل الشرك، وكذا التمسح بقبر غيره من باب أولى، والمنع من ذلك واجب، وهو من محاسن الدعوة لا مِن مثالبها.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى".
"وأما سائر جوانب البيت والركنان الشاميان ومقام إبراهيم، فلا يُقَبَّل، ولا يُتَمَسَّح به باتفاق المسلمين المتبَّعين للسنة المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا لم يكن التمسُّح بذلك وتقبيله مستحبًّا، فأولى أن لا يُقَبَّل ولا يتمسح بما هو دون ذلك.
(3/212)

واتفق العلماء على أنه لا يستحبُّ لمن سلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قبره أن يُقَبل الحجرة، ولا يتمسَّح بها، لئلا يضاهي بيت المخلوق بيت الخالق، ولأنه قال - صلى الله عليه وسلم -:
"اللهُمَّ لا تجعل قَبْري وَثَنًا يُعْبَد". "صحيح رواه أحمد"
وقال: "لا تَتَّخِذوا قبري عيدًا". "حسن رواه أحمد"
وقال: "إن مَن كان قبلكم كانوا يتَّخِذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". "رواه مسلم"
فإذا كان هذا دين المسلمين في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو سيد ولد آدم، فقبر غيره أولى أن لا يُقَبَّل ولا يُسْتَلَم). "ج 27/ 126"
وقال أيضًا: "ولا يُستَلَم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما استلمهما خاصة؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران هما في داخل البيت، فالركن الأسود يُستلم ويُقبَّل، واليماني يُستلم ولا يُقبَّل، والآخران لا يُستلمان ولا يُقبلان، والاستلام هو مسح باليد، وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها ومقابر الأنبياء والصالحين وصخرة بيت المقدس، فلا تستلم، ولا تُقبَّل باتفاق الأئمة" اه. "ج 26/ 121"
فالتبرك بالبقاع والقبور والآثار إذا كان القصد منه التعلُّق على غير الله في حصول البركة وطلبها من غيره فهذا شركٌ، فماذا على علماء الدعوة إذا حالوا بين الناس وبين الشرك ووسائله نصحًا للخلق وغَيرة للحق؟!
(3/213)

الدين ينكر البدع
ثم يعدُّ الأستاذ منع التمسح بقبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعريضًا لمقامه وقبره للأذى. "انظر صفحة 94 من كتابه"
ويا سبحان الله! إن الذي يؤذي الرسول حقيقة هو الذي يجعل قبره وثنًا يُعبد، ويرتكب ما نهى عنه، أو يدافع بلسانه وقلمه عمَّن يفعل ذلك.
وقوله: "وكان ذلك هو الذي أثار ثائرة المسلمين في كل مكان. . ." إلخ، قولٌ فيه مجازفة وتقوُّل على المسلمين، فالمسلمون بالمعنى الصحيح يؤيدون علماء الدعوة في ذلك، ولا ينكره إلا الجهال الذين لا يعرفون من الإِسلام إلا اسمه، أو المعاندون من عُبّاد القبور، وهؤلاء وأولئك لا اعتبار لإِنكارهم في ميزان الحق ومجال النقد.
ثم الدَّاعية إلى الحق لا بدَّ أن يُعادَى وتُحاكُ ضدُّه التُّهم، ولنا بما جرى لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جرى لإِخوانه النبيِّين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وما جرى على أتباعهم، لنا في ذلك أكبر أسوة وأعظم عبرة.
ثم إن الأستاذ أراد أن يلطِّف الموضوع، ويغطِّي ما مر في كلامه من شطحات،
فقال:
"إن هذه الأمور (يعني: الأمور التي أنكرها الشيخ) بمنزلة ورم خبيث يحتاج إلى يد نطاسي بارع للقضاء عليه"؟!
7 - ثم يقول: "ولو أن الوهَّابية قد أخذت الأمر مأخذًا هيِّنًا، ودعت أول ما دعت إلى ترك البدع الصارخة، كالزار والتمائم وغير ذلك مما كان يعيش عليه كثير من المسلمين في ذلك الحين، ولو أن الوهابيِّين فعلوا هذا، لكان تمهيدًا طيّبًا ومقدمة ناجحة لما تنطوي عليه دعوتهم من تحرير العقل الإِسلامي وتحرير العقيدة الإِسلامية مما غشيها من جهل وضلال".
هكذا يرى الأستاذ طريقة الدعوة الناجحة أن يترقَّى بها من الأدنى إلى الأعلى، بحيث يبدأ بإنكار البدع أولًا،. ثم بإنكار الشرك. ولنا على ذلك ملاحظتان:
(3/214)

الأولى: عده التمائم من البدع، مع أنها قد تكون شركًا إذا اعتقد معلقها أنها تدفع الشر بذاتها، وكذا إذا كان فيها ألفاظ شركية، قال - صلى الله عليه وسلم -:
"إن الرُّقى والتمائم والتِّوَلة شِرْكٌ" "صحيح رواه أحمد وغيره"
الثانية: إن هذه الطريقة التي وصفها للدعوة مخالفة لطريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فالرسول أول ما بدأ بإنكار الشرك، فلبث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد وإنكار الشرك قبل أن يأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، والنهي عن البدع إنما يكون بعد صلاح العقيدة، بحيث يبدأَ بالأهم فالأهم، بل هذه طريقة جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كل نَبِيٍّ أول ما يبدأ قومه بقوله:
{يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}. [الأعراف: 59]
8 - يتكلَّم الأستاذ عن الإستعانة بالمخلوق، فيقول:
"إن الإنسان الذي يؤمن بالله ويضمُّ قلبه على توحيده لا يخلو أبدًا في حالات مختلفة من أن ينظر من غير قصد إلى غير الله فيما يطرقُه من أحداث ذلك في الوقت الذي لا يخلى فيه قلبه من ذكر الله والإِيمان بتفرده بالألوهية، ونحن نرى أن مثل هذه الإلتفاتات العارضة لا يمكن أن تقطع الطريق على المسلم، وأن تعزله عن ربه، وتسلكه في عداد الكافرين الملحدين، كما تقول بذلك الدعوة الوهابية، فأي إنسان لا تخف نفسه من غير قصد إلى التماس العون من ذوي الجاه وأصحاب السلطان؟. . .".
إلى أن قال: "فهل لو أُلقي مسلمٍ اليوم في النار، ثم جاءه أحدٌ يَمُدُّ إليه يد الخلاص، أيكون هذا المسلم كافرًا أو ملحدًا إذا قبل العون؟!
إن التوحيد الخالص على الوجه الذي تُصَوِّرُهُ الدعوة الوهَّابية يُحتِّم على مثل هذا الإِنسان ألا يستعين بغير الله.
فكيف الأمر إذن وصاحب الدعوة نفسه قد مدَّ يده إلى أمير العُيينة أولًا، ثم إلى الأمير محمد بن سعود ثانيًا؟!
فهل في هذا ما ينقص التوحيد أو يفسد العقيدة؟! فإن الأخذ بالأسباب أمر يدعو إليه العقل، ويزكيه الدين، وغاية ما في الأمر أن يَضِلَّ بعض الناس عن جهل عن الإتجاه إلى الأسباب السليمة المتَّصلة بالمسببات، وذلك ما يمكن أن نفسر به تعلُّق بعض الجهلة بالأضرحة ونحوها، أنهم ضَلُّوا الطريق، فلم يتعرَّفوا على الأسباب الصحيحة، ومثل هذا يوصف بالجهل، ولا يتَّهم صاحبه بالكفر والخروج عن الدين" اه "ص 101"
(3/215)

وقد كرَّر الأستاذ كلمة: "من غير قصد" فهل مراده أن هذه الأشياء التي ذكرها تصدر من نائم أو ناس أو مجنون أو غير مميّز أو مكره؟! فكل من هؤلاء مرفوع عنه القلم بنصوص الأحاديث، فلا داعي إلى هذا التطويل.
وماذا يقصد بالإلتفاتة العارضة إلى غير الله التي نسب إلى الدعوة الوهابية تكفير مَنْ فعلها؟! إن كان قصده الالتفات بطلب الحاجات وتفريج الكربات إلى الأموات والغائبين؛ فهذا كفر بإجماع المسلمين، ليس في الدّعوة الوهابية فحسب؛ لأنه دعاء لغير الله: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117]
والآيات في هذا كثيرة.
(3/216)

الإستعانة الجائزة
وإن قصد بهذا الالتفات الإستعانة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه كما يظهر من قوله: "فأي إنسان لم تخف نفسه من غير قصد إلى التماس العون من ذوي الجاه والسلطان"؛ فهذا مباحٌ، وقد تجنى الأستاذ على دعوة الشيخ في قوله:
إنها تكفِّر مَنْ فعل ذلك وتعدُّه ملحدًا.
وهو يردّ على نفسه ويتناقض في قوله حين يقول: "وصاحب الدعوة قد مد يده إلى أمير العُيينة أولًا، ثم إلى الأمير محمد بن سعود ثانيًا".
فقد ردَّ على نفسه فيما نسبه إلى هذه الدعوة، ونحن نزيده بيانًا في هذه المسألةُ من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث يقول -رحمه الله- في كشف الشبهات ما نصه:
"فإن الإستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها؛ كما قال الله تعالى في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}
وكما يستغيث الإِنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم، في الأشياء التي لا يقدر عليها إِلا الله" اه.
وأما قوله عن تعلُّق بعض الجهلة بالأضرحة: "إنهم ضلوا الطريق، فلم يتعرَّفوا على الأسباب الصحيحة، ومثل هذا يوصف بالجهل، ولا يُتَّهم صاحِبه بالكفر والخروج عن الدين"
فنقول له: من تعلق على الأضرحة عن جهل؛ بُيِّن له الحق، ودُعِي إلى التوحيد، فإن أصر على التعلّق بالأضرحة بعد ذلك؛ يستغيث بها، ويطلب الحاجات منها؛ فهو كافر خارج عن الدين؛ كشأن المشركين الأوَّلين الذين دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى التوحيد، فأبوا، وقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا}؛ لأن الجهل يَزُولُ بالبيان، ولا يبقى على الضَّلَالِ بعد البيان إِلا معاندٌ للحق.
(3/217)

رد الإتهام بالتكفير
9 - وفي الصفحات (103 و 104 و 105) يكتب الأستاذ كلامًا معناه أن الوهابية تسارع إلى تكفير الناس بتعليقهم التمائم، وتمسُّحهم بالأضرحة، مع كثرة من يفعل ذلك، وخطورة التكفير وقسوته، وكون من يفعل هذه المخالفات فعلها عن جهل، ومِنْ أنه يُمكن العلّاج عن طريق النصح والإِرشاد .. إلخ.
ونحن نجيب الأستاذ عن ذلك بما سبق أن شرحناه بأن علماء الدعوة لا يُكفِّرون الناس بمجرد تعليق التمائم، والتمسح بالأضرحة مطلقًا، بل في ذلك تفصيل:
فمَن علَّق التميمة أو تمسَّح بالضريح يعتقد في ذلك جلب النفع ودفع الضر من دون الله؛ فهذا شرك.
ومن فعله يعتقده سببًا من الأسباب فقط مع اعتقاده أن جلب النفع ودفع الضر من الله؛ فهو محرم، ووسيلة من وسائل الشرك.
ومن فعل ذلك جاهلًا؛ بُيَن له، وأرشد، فإن استمر بعد ذلك، مُنع منه بالقوة.
وكثرة من يفعله ليست حجة: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} "الأنعامَ آية 116"
وأما كون التكفير فيه قسوة وخطورة؛ فذلك لا يمنع من إطلاقه على مَنْ اتَّصف به، وعلماء الدعوة -والحمد لله- لا يكفِّرون إِلا مَنْ كفَّره الله ورسوله.
وأما قول الأستاذ: "إنه بعد أن انتشر العلم في المجتمع الإِسلامي، وخلصت العقول من تصورات الجهل؛ ذهبت أو كادت تذهب كل هذه الصور التي كانت تعيش في المجتمع الإِسلامي؛ من تعظيم القبور، والتمسح بالأضرحة"؛ فهذا كلام ينقضُه الواقع، وما قبر أحمد البدوي، ومشهد الحسين، وغيرهما ... وما يُفعل عند هذه الأضرحة الآن من الشرك الأكبر بخافٍ على الأستاذ، ولا بعيد عن بلده.
(3/218)

الدعوة لا تقوم على العنف
10 - قد أكثر الأستاذ من وصف الدعوة بالحدة والعنف والمبالغة والغلو والتعصب والخطأ في أسلوبها، وهذه صفات ذميمة قد برَّأ الله الدعوة منها، فهي ولله الحمد دعوة حكيمة صافية مبنيَّة على العلم النافع والجهاد الصادق والصبر؛ أسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وترسُّمًا لخطاه.
وسأنقل فقرات مما كتبه الأستاذ في صفحات متعددة ما كان ينبغي له أن يكتبها: ففي (ص 74) يقول:
"بدأت الدعوة حادة عنيفة مطبوعة بطابع التطرف والمغالاة ... فلقد بدأت الدعوة بما كان يجب أن تنتهي إليه، بل بأكثر مما كان يجب أن تنتهى إليه، بدأت بإنكار المجتمع كله".
ويقول في (ص 76):
"كان ينبغي أن تسلك الدعوة مسلكًا أسلم عاقبة من هذا، لو أنها بدأت أقل عنفًا مما كانت عليه".
ويقول في (ص 81):
"ولكن تعَصَّبَ الوهابيِّين (كذا! والصواب: الوهَّابيون) لرأيهم فبالغوا فيه، وتعصَّب عليهم المجتمع الاسلامي في جملته، فأنكر دعوتهم".
وفي (ص 93) يقول:
"وفي الحق أن الدعوة الوهابية في بَدْئِهَا قد. أخطات خطأ بيِّنًا في أخذ الناس بهذا الأسلوب الحاد العنيف؛ دون أن تُدْخِل في حسابها الأثر النفسي الذي يطغى على شعور المسلمين".
وفي (ص 95) يقول:
"فموضوع الدعوة سليم غاية السلام، ولكن في أسلوبها بعدٌ كثيرٌ عن أساليب التربية" وفي (ص 103) يقول:
"ونقول: إن هذه المبالغة وهذا الغلو في تنقية العقيدة الإِسلامية من رواسب الشرك قد وسَّعَت هُوَّة الخلاف بين جمهور المسلمين والوهابيِّين" اه.
- والجواب أن نقول للأستاذ: من أي مرجع اسْتَقَيْتَ هذه المعلومات وعرفت هذه الصفات عن الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه؟ "
(3/219)

هل وجدت في كتب أصحابها ما يسوِّغ قولك" فها هي - ولله الحمد - موجودة وميسورة، دُلَّنا على وأحد منها يُصدِّق ما تقول.
أم تَلَقيْتَ ذلك من كتب خصومها؟ فما كان يجوز لك أن تحكم على الخصم اعتمادًا على كلام خصمه.
ثم قوله: "إن المجتمع الإِسلامي بأسره أو معظمه قام في وجه هذه الدعوة ورفضها" قول مردود، فهذه كتب علماء المسلمين بالعشرات والمئات تُثْني على هذه الدعوة وتناصرها وتدافع عنها؛ من علماء الهند، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، وغيرهم مما لا أحصيه الآن مما تضمُّه المكتبة الإِسلامية من الكتب التي تنافح عن هذه الدعوة، إنما قام في وجهها فئات من علماء الضَّلالة الذين قال فيهم وفي أمثالهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما أخافُ على أُمَّتي الأئمةَ المضلِّين" "صحيح رواه الترمذي"
إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء تترسَّم خُطا دعوة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، فقد بدأ دعوته بتبصير الناس طريق الحق، وتصحيح العقيدة بالبيان والتعليم، فلما اجتمع حوله تلاميذ وأنصار اقتنعوا بدعوته؛ طلب من الأمراء مَنْ يحميه ويناصره حتى يُبلِّغ هذه الدعوة إلى ما حوله من البلاد؛ كما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِض نفسه على القبائل؛ يطلُبُ من يؤيِّده حتى يبلغ دعوة ربه، فلما وجد الشيخ من الأمراء مَنْ يساعده؛ جهر بالدعوة، وكتب إلى العلماء والوُلاة في البلدان المجاورة يدعو إلى الله سبحانه، ويطلب منهم المناصرة، فاستجاب له من استجاب، وعاند مَنْ عاند، فكان لا بد من الجهاد في سبيل الله؛ لإِعلاء كلمة الله، وتطهير البلاد من الشرك أُسوةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما هاجر إلى المدينة، ووجد له أنصارًا فيها.
وليس في هذا عنفٌ أو غلوٍّ أو تعصُّب؛ كما زعمت أيها الأستاذ، بل هو سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جهاد مَنْ عاند الحق، وأصَرَّ على الطغيان بعد البيان والإِنذار.
وختامًا؛ نقول: يجب على الأستاذ أن يعيد النظر في كتابه، فيُصفيه من هذه التناقضات التي شوَّهت جماله، وطمست معالمه، ويَستقي معلوماته من المراجع الصحيحة عن الدعوة المباركة، وعلى الأخص كتب الشيخ ورسائله، ككتاب التوحيد، وكتب أحفاده وتلاميذهم وغيرهم من العلماء؛ مثل "تيسير العزيز الحميد"، و "فتح المجيد" و "الدرر السَّنِيَّة في الأجوبة النجدية"، و "غاية الأماني
(3/220)

في الرد على النبهاني" لعلّامة العراق محمود شكري الألوسي، و "صيانة الإِنسان عن وسوسة الشيخ دحلان" لعلامة الهند محمد بشير السهسواني ... وغيرها مما يوضح أهداف هذه الدعوة المباركة، ويرد شبهات خصومها.
هذا ما نرجوه من الأستاذ الكريم.
ونسأل الله لنا وله التوفيق فيما نقول ونعمل، هو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

الرد على أبي زهرة
قال الشيخ صالح الفوزان:
1 - عدَّ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوِهاب نِحلة ومذهبًا محدَثًا مستقلًا أطلق عليه لفظ الوهَّابية وعدَّه من جملة المذاهب الضَّالَّة التي أدرجها تحت عنوان: (مذاهب حديثة): وهي الوهابية، والبهائية، والقاديانية. "تاريخ المذاهب الإسلامية 207".
- ومن المعلوم وواقع دعوة الشيخ أنه ليس صاحب مذهب جديد، وإنما هو في العقيدة على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، ولم يستقلَّ ولا بمسألة واحدة عن هؤلاء.
فكيف يعدُّه أبو زهرة صاحب مذهب جديد، ويدرجه ضمن المذاهب الضالة والنِّحَل الفاسدة؟ قاتل الله الجهل والهوى والتقليد الأعمى.
وإذا كان هو يعيب على الوهابية ما توهَّمه من تكفيرهم للناس، فكيف يُبيح لنفسه هذا الذي عابه على غيره؟!
2 - ثم قال: "ومُنشى الوهابية هو محمد بن عبد الوهاب، وقد درس مؤلَّفات ابن تيمية، فراقت في نظره، وتعمَّق فيها، وأخرجها من حَيِّز النظر إلى حيِّز العمل".
- هكذا قال عن مرتبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية: إنه لم يدرس إِلا مؤلَّفات ابن تيمية!! وكأنه لم يقرأ ترجمة الشيخ وسيرته، ولم يعرف شيئًا عن تحصيله العلمي، أو أنه عرف ذلك وكتمه بقصد التقليل من شأنه، والتغرير بمن لم يعرف شيئًا عن الشيخ. ولكن هذا لا يستر الحقيقة، ولا يحجب الشّمس في رابعة النهار، فقد كتب المنصفون عن الشيخ -رحمه الله- مؤلَّفات كثيرة انتشرت في الأقطار، وعرفها الخاص والعام، وأنه -رحمه الله- تعمَّق في دراسة الفقه والتفسير والحديث والأصول وكتب
(3/221)

العقيدة التي من جملتها مؤلَّفات شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقد تخرَّج على أيدي علماء أفذاذ وأئمة كبار في مختلف الفنون في بلاد نجد والحجاز والإِحساء والبصرة، وقد أجازوه في مرويَّاتهم وعلومهم، وقد ناظر ودرَّس وأفتى وألَّف في الفقه والحديث والعقيدة حتى نال إعجاب من اجتمع به أو استمع إلى دروسه ومناظراته، أو قرأ شيئًا من مؤلَّفاته، ومؤلَّفاته تدلُّ على سعة أُفُقه وإدراكه في علوم الشريعة، وسعة اطلاعه وفهمه، ولم يقتصر فيما ذكر في تلك المؤلِّفات على كتب ابن تيمية -كما يظن الجاهل أو المتجاهل - بل كان ينقل آراء الأئمة الكبار في الفقه والتفسير والحديث؛ ممَّا يدل على تبحُّره في العلوم، وعمق فهمه، ونافذ بصيرته، وها هي كتبه المطبوعة المتداولة شاهدة بذلك والحمد لله، ولم يكن -رحمه الله- يأخذ من آراء شيخ الإِسلام ابن تيمية ولا من آراء غيره إِلا ما ترجَّح لديه بالدليل، بل لقد خالف شيخ الإِسلام في بعض الآراء الفقهية.
(3/222)

الإفتراء على الدعوة
3 - ثم قال عمَّن أسماهم بالوهابيَّة: "وإنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئًا عما جاء به ابن تيمية ولكنَّهم شدَّدوا فيه أكثر مما شدَّد، ورتَّبوا أمورًا علمية لم يكن قد تعرَّض لها ابن تيمية؛ لأنها لم تشتهر في عهده، ويتلخَّص ذلك فيما يأتي:
أ - لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإِسلام في القرآن والسنة، وكما ذكر ابن تيمية، بل أرادوا أن تكون العادات أيضًا غير خارجة على نطاق الإِسلام، فليلتزم المسلمون ما التزم، ولذا حرَّموا الدخان، وشدَّدوا في التّحريم، حتى إن العامة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك، فكانوا يشبهون الخوارج الذين يكفِّرون مرتكب الذنب.
ب - وكانوا في أول أمرهم يحرمون على أنفسهم القهوة وما يماثلها، ولكن يظهر أنهم تساهلوا فيها فيما بعد.
ج - أن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة، بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة الخالفين لهم، باعتبار أنهم يحاربون البدع، وهي منكر تجب محاربته، ويجب الأخذ بالأمر بالعروف والنهي عن النكر.
د - أنها كانت كلما مُكِّن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة هدمًا وتخريبًا.
ه - أنهم تعلَّقوا بأمور صغيرة ليس فيها وثنية ولا ما يؤدِّي إلى وثنية، وأعلنوا استنكارها؛ مثل التصوير الفوتغرافي، ولذلك وجدنا ذلك في فتاواهم ورسائلهم التي كتبها علماؤهم.
و- أنهم توسَّعوا في معنى البدعة توسُّعًا غريبًا، حيث إنهم ليزعمون أن وضع الستائر على الروضة الشريفة أمر بدعيٌّ، ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها ... ". إلى أن قال: "وإننا لنجد فوق ذلك منهم مَن يعدُّ قول المسلم:
(سيدنا محمد) بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلوًا شديدًا".
إلى أن قال: "وإنه يلاحظ أن علماء الوهابيِّين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ وفي آراء غيرهم الخطأ الذي لا يقبل التصويب، بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريبًا من الوثنية". انتهى ما قاله في حق مَن سماهم الوهابية، ويظهر أنه امتلأ صدره غِلًا وحقدًا وغيظًا عليهم، فتنفس الصعداء بإفراغ بعض ما عنده، والله سبحانه مطلعٌ على كل قائل وقلبه:
(3/223)

{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]
وجوابنا عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قوله: "إنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئًا عما جاء به ابن تيمية"؛ معناه أن ابن تيمية في نظره جاء بعقائد ابتدعها من عنده، وأن الوهابية عدُّوه مُشَرِّعًا.
وقد سبق الجواب عن هذه الفرية، وبيَّنَّا أن شيخ الإِسلام ابن تيمية لم يبتدع شيئًا من عنده، بل كان على عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، لم يستحدث شيئًا من عنده. وإننا نتحدَّى كل من يقول مثل هذه المقالة الظالمة أن يبرز لنا مسألة واحدة خالف فيها شيخ الإِسلام ابن تيمية مَن سبقه من سلف الأمة. غاية ما في الأمر أنه جدَّد عقيدة السلف، ونشرها، وأحياها بعدما اندرست ونسيها الكثيرون.
ونقول أيضًا: إن شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة الدعوة لم يقتصروا على كتب شِيخ الإِسلام ابن تيمية، بل استفادوا منها ومن غيرها من الكتب السليمة المفيدة المتمشِّية على منهج السلف؛ يعرف هذا مَن طالع كتبهم.
الوجه الثاني: أن قوله: "لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإِسلام في القرآن والسنة" فرية عظيمة واتهام خطير لعلّماء دعوة التوحيد في نجد بأنهم ابتدعوا عبادات لم يشرعها الله ورسوله.
ولكن الله فضحه وبيَّن كذبه، حيث لم يجد مثالًا لما قال إِلا تحريم الدخان، وهذا مما يدل على جهله؛ فإن تحريم الدخان ليس من قسم العبادات والعقائد، وإنما هو من قسم الأطعمة والحلال والحرام والفروع. وأيضًا فإن تحريم الدخان لم يختصَّ به علماء الدعوة في نجد، بل حرَّمه غيرهم من علماء الأمة؛ لخبثه وضرره، وها هي الآن تقام أنشطة مكثفَّة للتحذير من شرب الدخان وتوعية الناس بأضراره من قبل المنظمات الصحية العالمية.
وقوله: "حتى إن العامَّة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك".
هذه فرية أخرى، ولو صح أن أحدًا من العامة حصل منه ذلك، فالعاميُّ ليس بحجة يُعاب به أهل العلم، ولكن عوامَّ أهل نجد - والحمد لله - يعرفون من الحق أكثر مما يعرفه علماء الضَّلالة، يعرفون ما هو الشرك وما هو المحرَّم الذي لا يعُدُّ شركًا بما يقرؤون وما يسمعون من دورس التوحيد وكتب العقائد.
(3/224)

الوجه الثالث: قوله: "كانوا في أول أمرهم يحرِّمون القهوة وما يماثلها".
نقول: هذا كذب ظاهر، ولم يأت بما يُثبِت ما يقول، وما زال علماء نجد وعامتهم يشربون القهوة في مختلف العصور، وهذه كتبهم وفتاواهم ليس فيها شيء يؤيد ما يقوله، بل فيها ما يكذبه؛ فإن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرّحمن -رحمه الله- أنكر على مَن قال بتحريم القهوة من الجهال، وردَّ عليه، وله في ذلك رسالة مطبوعة مشهورة.
الوجه الرابع: قوله: "إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة، بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم باعتبار أنهم يحاربون البدع".
أقول: أولاً: قوله: "إن الوهابية لم تقتصِر على الدعوة المجردة" يدل على جهله، فإن الدعوة المجرَّدة لا تكفي مع القدرة على مجاهدة أعداء الإِسلام؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء بالدعوة والجهاد في سبيل الله.
ثانيًا: قوله: "إنهم حملوا السيف لمحاربة من خالفهم".
هذا كذب عليهم؛ فإنهم لم يحاربوا خصومهم لمجرد مخالفتهم، بل حاربوهم لأحد أمرين: إما للدفاع عن أنفسهم إذا اعتدى عليهم أحد، وإما لإزالة الشرك إذا احتاجت إزالته إلى قتال، وتاريخ غزواتهم شاهذ بذلك، وهو مطبوعٌ متداوَل في أكثر من كتاب.
(3/225)

من فضائل الدعوة
الوجه الخامس: قوله: "إنها كانت كلَّما مُكِّنَ لها من قرية أو مدينة؛ أتت على الأضرحة هدمًا وتخريبًا".
أقول: هذا من فضائلهم، وإن عدَّه هو وأضرابه من معايبهم؛ لأنهم ينفِّذون بذلك وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله لعلّي -رضي الله عنه-: "لا تَدَعْ قبًرا مشرفًا إِلا سوَّيته". [رواه مسلم]
فأي عيب في ذلك إذا أزالوا مظاهر الوثنية، وعملوا بالسنة النبوية؟ ولكن أهل الجهل والضلال لا يعلمون، فيعتقدون الحسن قبيحًا، والقبح حسنًا، والمنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، وقد تكاثرت الأدلة على تحريم البناء على القبور لأن ذلك من وسائل الشرك، فلا بدَّ من هدم الأضرحة وإزالة مظاهر الوثنية، وإن غضب أبو زهرة وأضرابه ممَّن يَرَون بقاء الأضرحة التي هي منابت الوثنية وأوكارها.
الوجه السادس: قوله: "إنهم تعلَّقوا بأمور صغيرة"، ثم مثَّل لذلك بتحريم التصوير الفوتغرافي. والجواب عن ذلك:
أوَّلًا: إن التصوير ليس من الأمور الصغيرة، بل هو من كبائر الذنوب؛ للأحاديث الصحيحة في النّهي عنه، والتحذير منه، ولعن المصورين، والإِخبار بأنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة؛ من غير تفريق بين التصوير الفوتغرافي وغيره، ومَن فرَّق؛ فعليه الدّليل، والمحذور في التصوير والتعليل الذي حُرمَ من أجله متحقَّقان في جميع أنواع الصور الفوتغرافية وغيرها.
وثانيًا: قوله: "إن التصوير لا يؤدِّي إلى وثنية" قول مردود؛ لأن التصوير من أعظم الوسائل التي تؤدِّي إلى الوثنية، كما حصل لقوم نوح لما صوَّروا الصالحين، وعلّقوا صورهم على مجالسهم، وآل بهم الأمر إلى أن عبدوا تلك الصور، كما ورد ذلك في "صحيح البخاري" وغيره عند تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}
"نوح آية 23"
الوجه السابع: قوله: "إنهم توسَّعوا في معنى البدعة توسُّعًا غريبًا، حتى إنهم ليزعمون أن وضع ستائر على الروضة الشريفة أمرٌ بدعيٌّ، ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها".
(3/226)

والجواب عن ذلك أن نقول:
أوَّلًا: هو لا يدري ما هي الروضة الشريفة، فيظن أنها الحجرة النبوية، وليس الأمر كذلك: فالروضة في المسجد، وهي ما بين منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيته لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". [متفق عليه]
والحجرة النبوية خارج الروضة، وكانت خارج المسجد قبل التوسعة التي أجراها الوليد بن عبد الملك.
ثانيًا: الروضة لا يمكن وضع ستائر عليها، ولا يُتَصَوَّر، وإنما يقصد الحجرة النبوية؛ يريد أن تجعل مثل الأضرحة القبورية، فتجعل عليها الستور كما على الأضرحة، وهذا لا يجوز لأمرين:
1 - لأنه لم يكن من عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، فلم يكن عليها ستائر في وقتهم.
2 - لأنه وسيلة إلى الشرك، بل ستر سائر الحيطان عمومًا إسراف لا ينبغي فعله. قال في "المغني" (7/ 9):
"فأما ستر الحيطان بستور غير مصوَّرة؛ فإن كان لحاجة من وقاية حَر أو بَرد فلا بأس لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب وما يلبسه على بدنه، وإن كان لغير حاجة؛ فهو مكروهٌ وعذرٌ في الرجوع عن الدعوة (يعني: إلى الوليمة).
(3/227)

اتهامات مردودة
الوجه الثامن: قوله: "وإنا لنجد فوق ذلك منهم من يعدُّ قول سيدنا محمد بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلوًا شديدًا".
والجواب عن ذلك نقول: هذا كذب من القول، فعلماء الدعوة يثبتون ما ثبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الصفات الكريمة، ومنها أنهم يعتقدون أنه سيد ولد آدم، وأفضل الخلق على الإِطلاق، لكنهم يمنعون الغلوِّ في حقه - صلى الله عليه وسلم -؛ عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا تُطْروني كما أطرت النصارى ابن مريم". "رواه البخاري"
ويمنعون الابتداع، ومن ذلك أن يقال: (سيدنا) في المواطن التي لم يرد قول ذلك فيها؛ كالأذان والإِقامة، والتشهد في الصلاة، وكذا رفع الأصوات قبل الأذان؛ يقول: اللهم صل وسلم على سيدنا رسول الله، أو بعد أداء الصلوات؛ كما يفعله المبتدعة بأصوات جماعية. وهذا هو الذي أظنه يقصده في كلامه، حيث يراه يُفعل عندهم، فظنَّه مشروعًا وهذا هو الذي ينكره علماء الدعوة في المملكة العربيّة السعودية، وينكره غيرهم من أهل التحقيق والعمل بالسنة وترك البدعة في كل مكان؛ لأنه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وغلو في حقه - صلى الله عليه وسلم -، والغلو ممنوع.
أما قول سيدنا رسول الله في غير مواطن البدعة؛ فعلماؤنا لا ينكرونه، بل يعتقدونه، ويقولون: هو سيدنا وإمامنا - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه التاسع: قوله: "وفي سبيل دعوتهم يُغلِظون في القول، حتى إن أكثر الناس، لينفرون منهم أشد النفور".
والجواب عن ذلك أن نقول:
أولًا: هذا الكلام من جملة الإتهامات التي لا حقيقة لها، وهذه كتب علمائنا ورسائلهم والحمد لله ليس فيها تغليظ؛ إِلا فيما يُشرع فيه التغليظ، وليس فيها تنفير، وإنما فيها الدعوة إلى الله بالبصيرة والحكمة والموعظة الحسنة، وكتبهم في ذلك مطبوعة ومتداولة ومنتشرة، وكل من اتصل بهم؛ فإنه يُثني عليهم، وقد كتب المنصفون عنهم الشيء الكثير في تاريخهم الماضي والحاضر، من حسن السياسة، وصدق المعاملة، والوفاء بالعهود، والرفق بالمسلمين، وأكبر شاهد على ذلك من يفد إلى مكة المشرَّفة للحج والعمرة كل عام، وما يشاهدونه من العناية بخدمة الحجيج، وبذل المجهود في توفير
(3/228)

راحتهم، مما أطلق الألسنة والأقلام بالثناء عليهم وعلى حكومتهم، وكذلك من يفدون إلى المملكة للعمل فيها يشهد أكثرهم بذلك.
ثانيًا: وأما قوله: "حتى إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور" فهو من أعظم الكذب وخلاف الواقع؛ فإن الدعوة التي قاموا بها في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- إلى هذا العهد -وهي الدعوة إلى الإِسلام، وإخلاص التوحيد، والنهي عن الشرك والبدع والخرافات- قد لاقت قبولًا في أرجاء العالم، وانتشرت انتشارًا واسعًا في كثير من الأقطار، وما هو على صعيد الواقع الآن أكبر شاهد وأعظم دليل على ما ذكرنا.
ويتمثَّل ذلك فيما تبذله الحكومة السعودية التي هي حكومة الدعوة -أدام الله بقاءها وسدَّد خطاها- بتوجيه من علمائها ورغبة من حكامها بفتح الجامعات الإِسلامية التي تخرج الأفواج الكثيرة من أبناء العالم الإِسلامي على حسابها.
ويتمثَّل ذلك أيضًا في إرسال الدعاة إلى الله في مختلف أرجاء العالم، وفي توزيع الكتب المفيدة، وبذل المعونات السخية للمؤسسات الإِسلامية، ومد يد العون للمعوزين في العالم الإِسلامي، وإقامة المؤتمرات والندوات، وبناء المساجد والمراكز الإِسلامية؛ لتبصير المسلمين بدينهم، مما كان له أعظم الأثر والقبول الحسن - والحمد لله -.
وهذا واقع مشاهد، وهو يبطل قول ذلك الحاقد:
"إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور".
لكن كما قال الشاعر:
لي حِيْلَةٌ فيمَن يَنُ ... مُّ ومالي في الكَذَّاب حِيلَهْ
مَن كَانَ يَخْلُقُ مَا يَقُو ... لُ فَحِيلَتي فيهِ قَليلَهْ
الوجه العاشر: قوله: "وإنه يُلاحظ أن علماء الوهابيين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ، وفي رأي غيرهم الخطأ الذي لا يقبل التصويب".
والجواب عنه أن نقول: هذا من جنس ما قبله من التهجُّم الكاذب الذي لا حقيقة له، فهذه كتب علمائنا ومناقشاتهم لخصومهم ليس فيها شيء مما ذكره، بل فيها ما يكذِّبه به من بيان الحق وتشجيع أهله، ورد الباطل بالحجة والبرهان، ودعوة أهله إلى الرجوع إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يدَّعوا لأنفسهم العصمة من الخطأ، ويرفضوا ما عند غيرهم من الصواب؛ كما وصمهم بذلك.
وهذا إمامهم وكبيرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- يقول في إحدى رسائله التي
(3/229)

وجهها لخصومه:
"وأرجو أني لا أردُّ الحق إذا أتاني، بل أُشهِدُ الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق؛ لأقبلنَّها على الرّأس والعين، ولأضربنَّ الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لا يقول إِلا الحق" انتهى. وكلهم والحمد لله على هذا المنهج الذي قاله الشيخ.
(3/230)

الجهل بالوثنية
الوجه الحادي عشر: قوله: "بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريبًا من الوثنية".
والجواب عنه أن نقول: كلامه هذا يدل على جهله بمعنى الوثنيَّة، فلم يدر أنها تتمثل في تعظيم القبور بالبناء عليها والطواف حولها وطلب الحوائج من أصحابها والاستغاثة بهم، فلذلك استغرب استنكار ذلك واعتباره من الوثنية!!
وكأنه لم يقرأ ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من استنكار الاستشفاع بالموتى، واتخاذهم أولياء، لِيُقربوا إلى الله زلفى، ولم يقرأ نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن البناء على القبور، واتخاذها مساجد، ولعن من فعل ذلك!! وإذا لم تكن إقامة الأضرحة والطواف حولها وثنية فما هي الوثنية؟
لكن كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:
"تُنْقَض عُرى الإِسلام عروة عروة إذا نشأ في الإِسلام مَن لا يعرف الجاهلية".
ألم يكن شرك قوم نوحٍ متمثِّلًا في دعاء الأموات؟
ألم تكن اللَّات ضريحًا لرجل صالح كان يَلُتُّ السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره، وطافوا حوله؟!
ولو كان هذا الكلام صادرًا عن عاميٍّ لا يعرف الحكم؛ لهان الأمر، لأن العامي جاهل، وتأثيره على الناس محدود، لكن الذي يؤسفنا أن يكون صادرًا عمَّن يدعي العلم، وقد صدرت عنه مؤلفات كثيرة؛ فهذا قد يكون تأثيره على الناس - خصوصًا محدودي الثقافة - شديدًا؛ نظرًا لكثرة مؤلفاته، وسمعته الواسعة، وإحسان الظن به. ولكن الحق سينتصر بإذن الله:
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}
"سورة الرعد: 17"
والعلّم لا يقاس بكثرة الإِصدارات، وإنما يُقاس بمدى معرفة الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والعمل بذلك.
وإلا فكيف يُتصوَّر من مسلم -فضلًا عمن ينتسب إلى العلم- أن يتفوَّه بأن الطواف بالأضرحة ليس من الوثنية؟!
(3/231)

أليس الطواف عبادة، وصرف العبادة لغير الله وثنية وشرك؟!
فالطائف بالأضرحة إن كان قصده التقرب إليها بذلك؛ فلا شك أن هذا شرك أكبر؛ لأنه تقرَّب بالعبادة إلى غير الله، وإن كان قصده بالطواف حول الضريح التقرُّب إلى الله وحده فهذه بدعة ووسيلة إلى الشرك لأن الله لم يشرع الطواف إِلا حول الكعبة المشرفة ولا يُطاف بغيرها على وجه الأرض.
هذا وإننا ندعو كل مَن بلغه شيء من تشويه دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب أو قرأ شيئًا من الكتب التي تُروِّج هذا التشويه؛ أمثال كتب الشيخ محمد أبي زهرة؛ فعليه أن يتثبَّت وأن يراجِع كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب العلماء الذين جاءوا من بعده وحملوا دعوته؛ ليرى فيها تكذيب تلك الشائُعات، وقد قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} "الحجَرات آية 6"
وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب علماء الدعوة من بعده ميسورة والحمد لله، وهي توزَّع على أوسع نطاق، عن طريق الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإِفتاء والدعوة والإِرشاد ومكاتبها في الداخل والخارج، وفي موسم الحج كل سنة، وهي لا تدعو إلى مذهب معين أو نحلة محدثة، وإنما تدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله ومذهب أهل السنة والجماعة، ونبذ البدع والخرافات، والاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسلف الأمة، والقرون المفضلة.
وصلّى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(3/232)

مناقشة حول الوهابية
قال الدكتور عبد العزيز عبد اللطيف:
وأذكر أنني كنت في زيارة إلى ماليزيا للمشاركة في ندوة .. فقال لي مرة أحد القضاة هناك: أنتم تدرسون في بلادكم العقيدة الوهابية، قلت له: المذهب الفقهي السائد في المملكة هو المذهب الحنبلي، والمرجع الرئيس في كليات الشريعة وأصول الدين، وهي الكليات التخصصية، والمتخرجون منها يتولون تدريس "الإعتقاد" في المراحل الإِعدادية والثانوية.
المرجع الرئيسي هو العقيدة الطحاوية للإِمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي .. وشرحه للإِمام علي بن علي بن أبي العز الحنفي .. فأنت ترى أن صاحب المتن والشرح هم من علماء الحنفية، ولا ضير في ذلك، لأنه ليس للإمام أبي حنيفة مذهب يختلف عما عند أخيه الإِمام أحمد كما ليس للإِمام مالك والشّافعيّ وسائر الأئمة مذهب يختلف عن مذهب أبي حنيفة وأحمد، والجميع أسرة واحدة وأصحاب اعتقاد واحد .. لأن موردهم واحد، ومشربهم واحد .. وكذا الحال بالنسبة لمعتقد الإِمام محمد بن عبد الوهاب.
ولو جاء واحد من هؤلاء -وحاشاه- بقول مبتدع من عنده يخالف قول الله أو قول رسوله أو إجماع السلف لضربنا بقوله عُرض الحائط .. وأخذنا بقول الله ورسوله .. وإلا تعرضنا لسخط الله ومقته.
ولو رجع هؤلاء إلى كتب الأئمة ذاتها لتجلى لهم الأمر ولتبين لهم أنها الدسائس المغرضة التي شوهت الحقيقة عندهم، والتلبيس الذي أرخى بسدوله المظلمة على وجه الحق البين.
وأذكر أنني دخلت مرة على الأستاذ "عبد الجليل شلبي" مدير تحرير مجلة الأزهر إبان تحضيري لأطروحة علمية عن التقريب بين السنة والشيعة عام 1399 ه وجرى حديث عن موضوع الشيعة والسنة، فقال لي: وصيتي إليك ألا تأخذ مذهب طائفة إِلا من كتبها ومصادرها المعتمدة عندها، فلقد أتى عليَّ حين من الدهر كنت أظن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الظنون، بل كنت أعدها من فئات الخوارج، فلما رجعت إلى مصادرهم تجلت لي الحقيقة، وأسفر الليل عن صبحه .. فإذا بي واهم وأن هذه الدعوة هي دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له. ودعاوى وتقولات المبتدعة على بعض الأئمة أو مذاهبهم كثيرة وما أسهل الدعوى، ولكن العبرة بصدق الأقوال باقترانها بالبرهان الذي يشهد بصحتها (1) "
__________
(1) راجح: كتاب [دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب] للدكتور عبد العزيز بن عبد اللطيف.
(3/233)

معتقد السلفية
1 - كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب حنبلي المذهب في دراسته لكنه لم يكن يلتزم ذلك في فتاواه إذا ترجح لديه الدليل فيما يخالفه، وعليه فإن فكرت دعوة الشيخ سلفية في أصولها حنبلية في فروعها (1).
2 - دعت إلى فتح باب الاجتهاد بعد أن ظَلَّ مُغلقًا منذ سقوط بغداد سنة 656 ه.
3 - أكدت على ضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنة، وعدم قبول أي أمر في العقيدة ما لم يستند إلى دليل مباشر وواضح منهما.
4 - اعتمدت منهج أهل السنة والجماعة في فهم الدليل والبناء عليه.
5 - دعت إلى تنقية مفهوم التوحيد مطالبة المسلمين بالرجوع به إلى ما كان عليه المسلمون في الصدر الأول للإِسلام.
6 - توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات الأسماء والصفات التي أثبتها الله لنفسه وما أثبتها رسوله - صلى الله عليه وسلم - له من غير تمثيل ولا تكييف ولا تأويل.
7 - التركيز على مفهوم توحيد العبودية.
{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]
8 - إحياء فريضة الجهاد، فقد كان الشيخ صورة للمجاهد الذي يمضي في فتح البلاد، ينشر الدعوة ويزيل مظاهر الشرك التي انحدر إليها الناس.
9 - القضاء على البدع والخرافات التي كانت منشرة آنذاك بسبب الجهل والتخلف من مثل:
أ - زيارة قبر يزعمون أنه قبر الصحابي ضرار بن الأزور وسؤاله قضاء الحاجات.
ب - زيارة قبة يقولون إنها لزيد بن الخطاب.
ج - التردد على شجرة يقولون إنها شجرة أبي دجانة وأخرى تسمى الطرفية.
ه - زيارة مغارة تسمى مغارة بنت الأمير.
- تقسيم التوسل إلى نوعين:
أ - توسل مرغوب فيه وهو ما كان بأسماء الله الحسنى، أو بالعمل الصالح.
__________
(1) إن الدعوة السلفية تقوم على الدليل حتى في الفروع عملاً بقول الأئمة المجتهدين: إذا صح الحديث فهو مذهبي).
(3/234)

ب - توسل مبتدع منهي عنه وهو ما كان بالذوات الصالحة "بجاه الرسول، بحرمة الشيخ فلان ... "
10 - منع بناء القبور وكسوتها وإسراجها وما إلى ذلك من البدع التي تصاحبها.
11 - التصدي لشطحات الطرق الصوفية ولما أدخلوه على الدين من أشياء لم تكن فيه من قبل.
12 - تحريم القول على الله بلا علم.
{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]
13 - إن كل شىء سكت عنه الشارع فهو عفو لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} "المائدة: آية 101"
14 - إن ترك الدليل الواضح والإستدلال بلفظ متشابه هو طريق أهل الزيغ كالرافضة والخوارج. {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} "آل عمران: 7"
15 - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور متشابهات فمن لم يفطن لهذه القاعدةُ وأراد أن يتكلم عن كل مسألة بكلام فاصل فقد ضل وأضل.
16 - ذكر الشيخ في بيانه لأنواع الشرك ومراتبه أنه:
أ - شرك أكبر: وهو شرك العبابة والقصد والطاعة والمحبة.
ب - شرك أصغر: وهو الرياء لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث رواه الحاكم: "يسير الرياء شرك".
ج - شرك خفي: قد يقع فيه المؤمن وهو لا يعلم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" الشرك في هذه الأمة أخفى مِن دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة اللّيل".
17 - لقد عملت هذه الدعوة على إيقاظ الأمة الإِسلامية فكريًا بعد أن رانت عليها سجف من التخلف والخمول والتقليد الأعمى.
18 - العناية بتعليم العامة وتثقيفهم، وتفتيح أذهان المثقفين منهم ولفت أنظارهم إلى البحث عن الدليل ودعوتهم إلى التنقيب في بطون أمهات الكتب والمراجع قبل قبول أَيَّةِ فكرة فضلًا عن تطبيقها.
19 - للشيخ مصنفات كثيرة أهمها (كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد) و (كتاب الإِيمان) و (كشف الشبهات) و (آداب المشي إلى الصلاة) و (مسائل الجاهلية) و (مختصر السيرة النبوية) وعدد من المختصرات والرسائل التي تدور حول أمور فقهية وأصولية أكثرها في التوحيد. "انتهى كلام الفوزان".
(3/235)

ردود على أباطيل
1 - التقيت برجلِ في سورية يقول عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- إنه مبتدع مذهبًا خامسًا ويقصد المذاهب الأربعة.
قلت له: إن الشيخ مذهبه حنبلي معروف في كتبه، فكيف تقول ذلك؛ وهذا من الكذب والافتراء.
التقيت في مكة بدكتور يدرس في إحدى الجامعات فقال لي:
سمعنا عنك يا شيخ محمد زينو أنك وهابي! فقلت له: وماذا تعرف عن الوهابية؟ قال لي: إنهم يقولون: العصا أفضل من محمد! فقلت له أين وجدت هذا الكلام؟ قال لي: سمعته من الناس! قلت له: أنت رجل تُدرس في الجامعة ثم تأخذ بأقوال الناس! مثلك لا يفعل ذلك، هذا لا يفعله إِلا العوام، فسكت ولم يعط جوابًا.
أقول: هذا من الافتراء على الوهابية الذي سيحاسبون عليه يوم القيامة، وكلام
الدكتور لا يقوله إِلا حاقد، أو جاهل، وما أكثرهم في هذا الزمان؟
كنت أتردد على بعض المشايخ في سورية، فرأيت منه استجابة لدعوة التوحيد بعد أن أقمت عليه الحجة في قول الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} "سورة الإسراء: آيات 56 - 57"
وأن الآية نزلت في حق ناس من الجن كانوا يُعبَدون.
وفي رواية: كان ناس من الآية يعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم. "رواه البخاري وانظر تفسير ابن كثير"
وبعد فترة قال لأتباعه: الوهابية نصف كفار! لأنهم لا يؤمنون بالأرواح!
أقول: لقد خاف الشيخ على منصبه فافترى على الوهابية بأنهم لا يؤمنون بالأرواح، والصحيح أنهم يؤمنون بالأرواح، ولكن ينكرون أن يكون لها تصرفات تنفع غيرها أو تضر، لأن هذا لله وحده، وفي الحديث:
"إذا مات الانسان انقطع عمله إِلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلم ينتفع به،
أو ولد صالح يدعو له". "رواه مسلم"
(3/236)

4 - كان أحد العلماء يطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب في درسه، فقدّم اليه أحد طلابه كتابًا للشيخ المذكور بعد أن نزع غلافه، فقرأه الشيخ وأعجب به، فقال له الطالب: هذا الكتاب للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فندم على عمله وبدأ يمدح الشيخ حينما رأى كلامه موافقا للكتاب والسنة.

من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب
1 - كتاب "أصول الإِيمان".
2 - الأصول الثّلاثة وأدلتها: ضمن مجموعة:
ثلاثة الأصول وأدلتها، ويليها شروط الصلاة وأركانها وواجباتها، وأربع قواعد.
3 - التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
4 - ثلاث مسائل في طلب العلم.
5 - خُطب شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب.
6 - الرد على الرافضة.
7 - مختصر زاد المعاد.
8 - مختصر السيرة النبوية.
9 - مسائل الجاهلية.
10 - كشف الشبهات.
11 - معنى الطاغوت.
12 - الجامع لعبادة الله وحده.
13 - تفسير كلمة التوحيد.
14 - تلقين أصول العقيدة العامة.
15 - المسائل الأربع.
(3/237)

الجذور الفكرية والعقائدية:
- لقد تَرَسَّمَ الشيخ في دعوته أعلامًا ثلاثة استَنَّ طريقتهم وهم:
1 - الإِمام أحمد بن حنبل (164 - 241 ه).
2 - ابن تيمية (661 - 728 ه).
3 - محمد بن قيم الجوزية (691 - 751 ه).
- فكانت دعوته صدى لأفكارهم وترجمة لأهدافهم في واقع عملي:

الإنتشار ومواقع النفوذ:
1 - انتشرت العقيدة السلفية مع الحكم السعودي في بلدان نجد، وقد دخلت الرياض سنة 1187 ه كما واصلت انتشارها في أرجاء الجزيرة العربية ودخلت مع الحكم السعودي مكة المكرمة عام 1219 ه والمدينة المنورة التي بايع أهلها عام 1220 ه.
2 - انتقلت الدعوة مع وفود الحجاج إلى خارج الجزيرة العربيّة.
3 - لقد تركت هذه الدعوة بصماتها وآثارها على حركات الإِصلاح التي قامت في العالم الإِسلامي بعد ذلك.
4 - من أراد المزيد من المعلومات فليقرأ كتاب:
آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب تأليف د/ أحمد محمد الطيب.
(3/238)

الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب
1 - محمد رشيد رضا:
قال في التعريف بكتاب: (صيانة الإِنسان):
لم يخل قرن من القرون التي أكثر فيها البدع من علماء ربَّانيِّين عدول يُجددون لهذه الأُمة أمر دينها ...
ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، وترك البدع والمعاصي.
2 - طَه حسين:
قال في محاضرات الأدبية في جزيرة العرب:
" ... هذه الحركة الإِصلاحية التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب شيخ من شيوخ نجد ... دعوة قوية إلى الإِسلام الخالص النقي المطهَّر من شوائب الشرك والوثنية".
3 - محمد بن إسماعيل الصنعاني:
"صاحب: سبل السلام" بعد أن بلغته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أثنى عليه بقصيدة رائعة جاء فيها:
سلامي على نجدٍ ومَن حَل في نجدِ ... وإن كان تسليمي على البُعد لا يُجدي
وقد صدرت مِن سفح صنعا سقى الحيا ... ربَاهَا وحَياها بقهقهة الرعدِ
قفي واسألي عن عالم حل سُوحها ... به يهتدى مَن ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لِسُنَّة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرَتْ كل الطَّوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولاورد
وماكل قول بالقبول مقابل ... وما كل قول واجب الرد والطرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جَل ياذا عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقد
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يُعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرًا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه، فوافق ما عندي
(3/239)

4 - قال محمد حامد الفقي:
الوهابية نسبة إلى الإِمام المصلح شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر، وهي نسبة على غير القياس العربي والصحيح أن يقال المحمدية، لأن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو محمد، لا عبد الوهاب. ثم قال بعد كلام:
وإن الحنابلة متعصبون لمذهب الإِمام أحمد في فروعه ككل أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يَدَّعون، لا بالقول، ولا بالكتابة أن الشيخ ابن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علمًا غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان عمله وجهده إحياء العمل بالدين الصحيح وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الأُلوهية والعبادة لله وحده ذلًا، وخضوعًا، ودعاء، ونذرًا، وحَلِفًا، وتوكلًا. وطاعة شرائُعه. وفي توحيد الأسماء والصفات، فيؤمن بآياتها كما وردت، لا يحرف ولا يؤول، ولا يُشبِّه، ولا يُمثل، على ما ورد في لفظ القرآن العربي المبين، وما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وما كان عليه الصحابة وتابعوهم والأئمة المهتدون، من السلف والخلف -رضوان الله عليهم-. في كل ذلك وأن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يتم على وجهه الصحيح إلا بهذا.
5 - قال د/ محمد تقي الدين الهلالي: في كتاب:
"محمد بن عبد الوهاب مصلِح مَظلوم ومفترى عليه":
لا يخفى أن الإِمام الرباني الأواب محمد بن عبد الوهاب قام بدعوة حنيفية جددت عهد الرسول الكريم والأصحاب وأسس دولة ذكرت الناس بدولة الخلفاء الراشدين.
6 - قال خير الدين الزركلي: في كتابه "الأعلام":
محمد بن عبد الوهاب: زعيم النهضة الدينية الإِصلاحية الحديثة في جزيرة
العرب ... انتهج منهج السلف الصالح ودعا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع
وتحطيم ما علّق بالإسلام من الأوهام.
7 - قال محمد خليل هراس: في رسالته "الحركة الوهابية":
إن صيانة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكتب الإِمام ابن تيمية وإحياءه لها تعتبر مفخرة من مفاخر هذا الشيخ ستظل تذكر له بالعرفان والتقدير، فإن كتب شيخ الإِسلام ورسائله كانت مطمورة تحت ركام الإِهمال والنسيان، لا يسمح لها أهل البدع والإلحاد أن ترى النور، ولا أن تقوم بدورها الخطير في توجيه العالم الإسلامي نحو الطريق الصحيح.
(3/240)

بل كثيرًا ما كانوا يحذرون من قراءتها ويقرنونها بكتب الفلاسفة في جواز الإستنجاء بها.
فلما قامت حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب المباركة أخذت تنقب عن تلك الثروة العظيمة التي خلَّفها شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية -رحمهما الله تعالى-.
وجدَّ المسؤولون عن هذه الدعوة في إبراز هذه الكنوز بالطبع والنشر.
8 - محمد عبده: أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب فوصفه بالمصلح العظيم، ويُلقي تبعة وقف دعوته على الأتراك ...
9 - قال محمد أبو زهرة: في كتاب المذاهب الإسلامية:
ظهرت الوهابية في الصحراء العربية نتيجة للإفراط في تقديس الأشخاص والتبرك بهم وطلب القربى من الله بزيارتهم ونتيجة لكثرة البدع التي ليست من الدين وقد سادت هذه البدع في المواسم الدينية والأعمال الدنيوية؛ فجاءت الوهابية لمقاومة كل ذا وأحيت مذهب ابن تيمية.
10 - عبد العزيز بن باز
قال هذا الشيخ الجليل في كتاب "الشيخ محمد بن عبد الوهاب": "الحمد لله الذي مَنَ على عباده في كل زمان فترة بإيجاد أئمة هدى يدعون الناس إلى الصراط المستقيم، ويرشدونهم إلى الطريق القويم ويبصرون بكتاب الله أهل العمى. ويصبرون منهم على الأذى ينفون عن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين، يشرحون لهم حقيقة الدين، ويكشفون لهم الشبه بواضحات البراهين، وكان من جملة هؤلاء الأئمة المهتدين والمصلحين الإِمام العلامة والحبر الفهامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب طيب الله ثراه وأكرم في الجنة مثواه ... استمر
في الدعوة ودرس العلوم الشرعية وشجع على الجهاد بأنواعه وألف المؤلِّفات النافعة والرسائل المفيدة في بيان العقيدة الصحيحة ورد ما يخالفها بأنواع الأدلة والبراهين حتى ظهر دين الله وانتصر حزب الرحمن وذل حزب الشيطان، وانتصرت العقيدة السلفية في الجزيرة العربيّة وما حولها.
11 - قال يمدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب أبو السمح عبد الظاهر المصري: "إمام المسجد الحرام سابقًا"
(3/241)

أسفي على الشيخ الإِمام محمد ... حَبر الأنام العالم الرباني
علَم الهدى بَحر الندى مُفني العدا ... مَن شن غارتَه على الأوثان
مَن قام في نجدٍ مقام نبوةٍ ... يدعو إلى الإِسلام والإِيمان
حتى غدت نجدٌ كرَوض مُزهر ... فنالَ في ظلل مِن العرفان
أحيا لنا الدين الحنيف كما ... أتى وأقامه بالسيف والبرهان
برهانه القرآن والسنن التي ... تُروى لنا عن سَيد الأكوان
كَم حاربَ الشرك الخبيث ... وأهله وأذاقهم في الحرب كل هوان
وأبان توحيدَ العبادة بعدما ... دُرسَت معالمه من الأذهان
12 - قال عباس محمود العقاد في كتابه: "الإِسلام في القرن العشرين":
"وظاهرة من سيرة محمد بن عبد الوهاب أنه لقي في رسالته عنتًا فاشتد كما يشتد من يدعو غير سميع؛ ومن العنت إطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضر ولا ينفع ... وقد عبر على البادية زمان يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين ويدعون السعي من وجوهه توسلًا بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الإستسقاء ودفع الوباء، فكان حقًا على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابية أما صرفتهم عن ألوان البدع والخرافات.
13 - قال علي الطنطاوي في كتابه: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب":
" ... نشأ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فرأى شمس الله له الخير فقدر له أن يكون أحد الذين أخبر الرسول أنهم يُبعَثون لِيجَددوا لهذه الأمة دينها، بل لقد كان أحق بهذا الوصف مِن كل مَن وصف به في تاريخنا، فقد حقق على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح، والدين الحق ... ".
14 - قال د/ وهبة الزحيلي:
"جهر ابن عبد الوهاب بدعوته سنة 1143 ه /1730 م فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت دعوته الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإِسلامي كله. وقد وجه اهتمامه لمسألة التوحيد التي هي عماد الإِسلام والتي دخلها الفساد لدى كثير من الناس".
(3/242)

15 - قال مناع خليل القطان:
بعد أن ذكر سوء الحالة الدينية والسياسية في نجد قال:
"ومض في الأفق بريق الأمل، وأراد الله أن يزيح الغمة ويعيد للأمة صفاء عقيدتها، ويخلصها من أوضار الشرك والجهالة، ويبدد غيوم اليأس والقنوط فارتفع صوت يردد كلمة التوحيد التي بعث بها الرسل "لا إله إلا الله" ... يحيى في النفوس العقيدة الخالصة ... ويدعوها إِلى نبذ البدع والخرافات، ويستقي لها من نبع الإِسلام الصافي ومورده العذب القرآن والسنة، وما كان عليه السلف.
كان هذا الصوت صوت الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي تجاوبت أصداؤه في ربوع نجد وفي ديار الإِسلام".
16 - محمد ناصر الدين الألباني:
قال هذا المحدث الكبير ردًا على المحتجين بالحديث التالي على دم الإِمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجر ثم أقبل على القوم فقال: "اللهم بارك لنا في مدينتا، وبارك لنا في مُدِّنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرَمنا، وبارك لنا في شامنا" فقال رجل: وفي العراق؟ فسكت، ثم أعاد، فقال: الرجل وفي عراقنا فسكت. ثم قال: "اللهم بارك لنا في مدينتا ... "
ثم ذكر الحديث وقال: حديث صحيح ثم قال: ومما سبق ندرك مبلغ الحقد الدفين والبغض الحقير والإفتراء الأثيم الذي يكنه جماعة السوء لهذا الإِمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -يرحمه الله تعالى- وأجزل ثوابه الذي أخرج الناس من ظلمات الشرك إِلى نور التوحيد الخالص وقد اعتبروا ذلك من الفتن، ونسجوا حوله الأكاذيب والإِشاعات المغرضة، ليصرفوا الناس عن هذه الدعوة.
وفي كلام بعض العلماء ما يبين حال كثير من هذه الأُمة قبل الدعوة من الشرك القبيح فمن ذلك قول عالم صنعاء محمد بن إسماعيل الصنعاني في قصيدة: (ذُكر منها سابقًا).
(3/243)

أقوال المستشرقين
1 - دائرة المعارف البريطانية:
الوهابية اسم لحركة التطهير في الإِسلام. والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده (القرآن والسنة) ويُهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإِسلام الصحيح.
2 - قال كبير المستشرقين "جولدسيهر":
"إذا أردنا البحث في علاقة الإِسلام السُّني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقة الآتية:
يجب على مَن ينصب نفسه للحكم على الحوادث الإِسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصارًا للديانة الإِسلامية على الصورة التي وضعها النبي فغاية الوهابية هي إعادة الإِسلام كما كان".
3 - وقال الكاتب الإِنكليزي "برانجس":
"لقد أشاع أعداء هذا الرجل العظيم وأتباعه بأنهم كفار، إلا أن الحقيقة أنهم متبعون تمامًا للكتاب والسنة وحركتهم حركة تطهير خالصة في الإِسلام. كما أشاع هؤلاء الأعداء أنهم نَهوا الناس عن زيارة المدينة، وهذا ليس بصحيح فإنهم نهوهم فقط عن ارتكاب الأعمال الشركية عند الروضة المطهرة، كما نَهوا عنها عند قبور الأولياء الآخرين".
4 - قال المستشرق الفرنسي "هنري لاوست":
"إن السلفية لقبٌ على الحركة الوهابية لأنها أرادت إعادة الإِسلام إلى صَفائه الأول في عهد السلف الصالح. إن هذه الحركة السلفية تتميز عن غيرها بأن نظرياتها أدنى إلى العقل وأنها تفتح باب الإجتهاد وتكافح الخرافات والغُلو في الدين وتجتهد في التوفيق بين الدين وبين مطالب العصر".
(3/244)

عقيدة المسلم
إن كان تابعُ أحمدٍ (1) متَوهِّبًا ... فأنا المقِرُّ بأنني وهَّابي
أنفي الشريكَ عن الإِله فليسَ لي ... رَبٌّ سِوى المتفردِ الوَهاب
لا قبةٌ تُرجى ولا وثَنٌ ولا ... قبرٌ له سَبَبٌ من الأسباب
كلا ولا حَجَرٌ، ولا شجرٌ ولا ... عين (2) ولا نُصُبٌ مِن الأنصاب
أيضًا ولست مُعلِّقًا لِتميمَة (3) ... أو حَلْقة، أو وَدعَة أو ناب
لِرَجاء نفع، أو لِدفع بلِيةٍ ... الله ينفَعني، ويدفَعُ ما بي
والإبتداع وكُل أمرٍ مُحْدَثٍ ... في الدين يُنكره أولو الألباب
أرجو بأني لا أُقاربُه ولا ... أرضاه دِينًا، وهو غيرُ صواب
وأعوذ مِن جهمية (4) عنها عَتتْ ... بخلافِ كل مُوَّوِّل مُرتاب
والإستواء (5) فإن حسبيَ قدوةً ... فيه مَقالُ السادةِ الأنجاب
الشافعي ومالكِ وأبي حنيفةَ ... وابن حنبل التقي الأواب
وبعصرنا مَن جاء معتَقِدًا به ... صاحوا عليه مُجَسّمٌ وهَّابي
جاء الحديث بغُربة الإِسلام ... فَلْيَبكِ المحِب لِغُربة الأحباب
فالله يَحمينا، ويَحفَظ دينَنا ... مِن شَرِّ كل مُعانِدٍ سَبَّاب
ويُؤيِّد الدينَ الحنيف بعصبَة ... مُتمَسِّكينَ بسُنة وكتاب
لا يأخذون برأيهم وقياسِهم ... ولهم إلى الوحْيَين خيرُ مآب
قد أخبرَ المختار عنهم أنهم ... غُرَباءُ بين الأهلِ والأصحاب
سَلكوا طريق السالكين إلى الهُدى ... ومَشَوْا على مِنهاجهم بصَوَاب
مِن أجلِ ذا أهلُ الغلُوِّ تنافروا ... عنهم فقلنا ليسَ ذا بعُجاب
نفرَ الذين دعاهم خيرُ الورى ... إذ لَقَّبوه بساحِرٍ كذاب
معَ عِلمِهم بأمانةٍ وديانةٍ ... فيه ومَكرُمة، وصِدق جواب
صلّى عليه الله ما هبَّ الصَّبا ... وعلى جميع الآلِ والأصحاب
الشيخ مُلا عُمران
__________
(1) المراد بأحمد هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(2) عين ما يغتسلون بها للتبرك والشفاء.
(3) التميمة: الخرزة ونحوها وتوضع للحماية من العين.
(4) الجهمية: فرقة ضالة تنكر أن الله في السماء، وتقول إن الله في كل مكان.
(5) الإستواء: هو العلُو والإرتفاع كما فسّره التابعي مجاهد في البخاري.
(3/245)

(6)
نداء إلى المربين والمربيات لتوجيه البنين والبنات
(3/246)

موجز نداء إلى المربين والمربيات
* مهمة المربي الناجح.
* شروط المربي الناجح.
* وظيفة المعلم.
* واجبات المعلم.
* وصايا نبوية مهمة للأولاد.
* كيف قامت الدولة الإسلامية.
* الطرق التربوية الناجحة.
* المكافآت والعقوبات.
* العقوبات التربوية المفيدة.
* إلى المعلمات والمدرسات.
(3/247)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إِلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن مهمة المربي عظيمة جدًا، وعمله من أشرف الأعمال إذا أتقنه، وأخلص لله تعالى فيه، ورَبَّى الطلاب التربية الإِسلامية الصحيحة.
والمربي والمربية يشمل المدرس والمدرسة، والمعلم والمعلمة، ويشمل الأب والأُم، وكل من يرعى الأولاد.
فالمدرس مربي الأجيال، وعليه يتوقف صلاح المجتمع وفساده، فإذا قام بواجبه في التعليم، فأخلص في عمله، ووجه طلابه نحو الدين والأخلاق، والتربية الحسنة سعد الطلاب وسعد المعلم في الدنيا والآخرة، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لابن عمه علي رضي الله عنه: (فوالله لأن يهدى الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حُمر (1) النَّعَم). "متفق عليه"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مُعلّم الخير يَستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر) "صحيح رواه الطبراني"
وإذا أهمل المعلم واجبه، ووجه طلابه نحو الإنحراف، والمبادىء الهدامة، والسلوك السيء، شقي الطلاب، وشقي المعلم، وكان الوزر في عنقه، وهو مسئول أمام الله تعالى لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -يلى: (كُلُّكُم رَاعٍ وكُلُّكُم مسئولٌ عن رَعيته). "متفق عليه"
والمعلم راع في مدرسته، وهو مسؤول عن طلابه.
فليكن إصلاحك لنفسك أيها المربي والمعلم قبل كل شيء، فالحسن عند الأولاد ما فعلت، والقبيح عند الطلاب ما تركت؛ وإن حُسن سلوك المربي والمعلم والمعلمة والأب أفضل تربية لهم.
وقد كتبت هذه الرسالة إلى إخواني المعلمين وأخواتي المعلمات ليستفيدوا منها في عملهم بعد خبرة في التعليم استمرت أربعين عامًا، ليعرفوا كيف يكونوا معلمين ناجحين. والله أسأل أن ينفع بها المسلمين، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
__________
(1) حُمر النعم: الإبل الجيدة، وفي زماننا السيارات الفاخرة.
(3/248)

شروط المربي الناجح
1 - أن يكون ماهرًا في مهنته، مبتكرًا في أساليب تعليمه، محبًا لوظيفته وطلابه، يبذل جهده لتربيتهم التربية الحسنة، يزودهم بالمعلومات النافعة، ويعلمهم الأخلاق الفاضلة، ويعمل على إبعادهم عن العادات السيئة فهو يُربي ويُعلم في آن واحد.
2 - أن يكون قدوة حسنة لغيره، في قوله وعمله، وسلوكه. مِن حيث قيامه بواجبه نحو ربه، وأُمته وطلابه، يحب لهم من الخير ما يحبه لنفسه وأولاده، يعفو ويصفح، فإن عاقب كان رحيمًا:
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه) "متفق عليه"
2 - مِن شروط المعلم الناجح أن يعمل بما يأمر به الطلاب من الآداب والأخلاق وغيرها من العلوم، وليحذر مخالفة قوله لفعله، وليسمع قول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]
وهذا إنكار على من قال قولاً ولم يعمل به.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم إني أعوذ بك مِن عِلم لا ينفع). "رواه مسلم" [أي لا أعمل به، ولا أُبلغه غيري، ولا يُهذب مِن أخلاقي].
وقول الشاعر:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هَلَّا لنفسك كان ذا التعليم
4 - على المعلم أن يعلم أن وظيفته تشبه وظيفة الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى لهداية البشر وتعليمهم، وتعريفهم بربهم وخالقهم، وكذلك هو في منزلة الوالد في عطفه على طلابه، ومحبته لهم، وأنه مسئول عن هؤلاء الطلاب: عن حضورهم، واهتمامهم بدروسهم، بل يحسن به أن يساعدهم في حَل مشاكلهم وغير ذلك مما يُعَدّ من مسئولياته، قال - صلى الله عليه وسلم -: (كُلُّكم رَاعٍ وكُلُّكُم مسئولٌ عن رَعيته). "متفق عليه"
وليعلم أنه مسئول أمام الله عن طلابه ماذا علّمهم؟ وهل أخلص في البحث عن السبُل الميَسرة لإِرشادهم، وتوجيههم التوجيه السليم؟.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله سائلٌ كُل راعٍ عما استرعاه، أحفِظَ ذلك أم ضيَّعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته). "حسن رواه النسائي عن أنس".
(3/249)

ثم إن عليه أن يخاطبهم بها يفهمون كل على قدر فهمه:
قال علي -رضي الله عنه-: حَدَّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟ "أخرجه البخاري في العلم: باب من خص قومًا دون قوم في العلم"
5 - إن المعلم بحكم مِهنته يعيش بين طلاب تتفاوت درجات أخلاقهم وتربيتهم وذكائهم، لذلك فإن عليه أن يسعهم جميعًا بأخلاقه، فيكون لهم بمنزلة الوالد مع أولاده، عملاً بقول المربي الكبير نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -:
(إنما أنا لكم بمَنزلة الوالد أُعَلِّمكم). "صحيح رواه أحمد وأبو داود"
6 - على المعلم الناجح أن يتعاون مع زملائه، وينصحهم ويتشاور معهم لمصلحة الطلبة، ليكونوا قدوة حسنة لطلابهم، وعليهم جميعًا أن يتقيدوا برسول الله - رضى الله عنه-، حيث خاطب الله تعالى المسلمين بقوله:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]
7 - التواضع العلمي:
الإعتراف بالحق فضيلة، والرجوع إليه خير من التمادي في الخطأ، فعلى المعلم أن يتأسَّى بالسلف الصالح في طلبهم للحق والإِذعان له إذا تبين لهم أن الحق بخلاف ما يُفتون أو يعتقدون.
والدليل على ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في كتابه (مقدمة الجرح والتعديل) حين ذكر قصة مالك -رضي الله عنه- ورجوعه عن فتواه حينما سمع الحديث؛ وذكرها بعنوان: [باب ما ذكر من اتباع مالكٍ لآثارِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزوعه عن فتواه عندما حُدِّث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه]
قال ابن وهب: سمعت مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي: قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدلُّك بخنصره ما بين أصابع رجليه، فقال: إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إِلا الساعة؛ ثم سمعته بعد ذلك يُسأل فيأمر بتخليل الأصابع. "انظر مقدمة الجرح والتعديل ص 30 "
(3/250)

ولو أردنا استقصاء الأمثلة من حياة السلف لما كفتنا هذه الورقات، لذا يجب على المعلم الذي يريد النجاح في مهنته، أن يذُعن للحق ويتراجع عن خطئه إذا أخطأ، ويعلِّم طلابه هذا الخلق العظيم، ويبين لهم فضل التواضع والرجوع إلى الحق، وأن يطبق ذلك عمليًا في الفصل، فإذا رأى إجابات بعض الطلبة أفضل من إجابته، فَلْيُعِلن ذلك وليعترف بأفضلية إجابة هذا الطالب، فذلك أدعى لكسب ثقة طلابه ومحبتهم له.
لقد عشت قرابة أربعين عامًا معلمًا ومربيًا، وإن أنس، لا أنسى ذلك المعلم الذي أخطأ في قراءة حديث، فلما رده بعض الطلاب أصرَّ على خطئه، وجعل يجادل بالباطل، فسقط هذا المعلم في نظر طلابه، ولم يعد موضع ثقتهم.
ولا أزال أذكر بعض المعلمين الصادقين الذين كانوا يعترفون بخطئهم، ويتراجعون عنه، لقد أحبهم الطلاب، وازدادت ثقتهم بهم، وأصبحوا موضع إجلال وإكبار.
فحبذا لو سار المعلمون جميعًا سير هؤلاء ونهجوا نهجهم في الرجوع إلى الحق.
8 - الصدق والوفاء بالوعد:
على المعلم أن يلتزم الصدق في كلامه، فإن الصدق كله خير، ولا يربي تلاميذه على الكذب، ولو كان في ذلك مصلحة تظهر له:
حدث أن سأل أحد الطلاب معلمه مستنكرًا تدخين أحد المعلمين، فأجابه المعلم مدافعًا عن زميله، بأن سبب تدخينه هو نصيحة الطبيب له، وحين خرج التلميذ من الصف قال: إن المعلم يكذب علينا.
وحبذا لو صدق المعلم في إجابته، وبين خطأ زميله، بأن التدخين حرام، لأنه مضر بالجسم، مؤذ للجار، متلف للمال، فلو فعل ذلك لكسب ثقة الطلاب وحبهم، ويستطيع أن يقول هذا المعلم إلى طلابه: إن المعلم فرد من الناس تجري عليه الأعراض البشرية، فهو يصيب ويخطىء، وهذا نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يقرر ذلك في حديثه قائلًا: (كل بني آدم خطاء، وخيرُ الخطائين التوابون). "حسن رواه أحمد"
لقد كان بإمكان المعلم المسئول أن يجعل سؤال الطالب عن تدخين معلمه درسًا لجميع الطلبة، فيفهمهم أضرار التدخين، وحكمه الشرعي، وأقوال العلماء فيه، وأدلتهم، فيكون بذلك قد استفاد من سؤال الطالب واستعمله في التربية والتوجيه. قال - صلى الله عليه وسلم -:
(3/251)

(وما يزال الرجل يصدق ويتحزَى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا، وما يزال الرجل يكذب ويتحرِّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا). "متفق عليه"
فالصدق خلق عظيم ينبغي على المعلم أن يزرعه في طلابه، ويحببهم إليه، ويعودهم عليه، وليكن مطبقًا له في أقواله وأفعاله، حتى في مزاحه معهم عليه أن يكون صادقًا، فقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يمزح ولا يقول إِلا حقًا. وليحذر المعلم أن يكذب على طلابه ولو مازحًا أو متأولًا، وإذا وعدهم بشيء فعليه أن يفي بوعده، حتى يتعلمون منه الصدق، والوفاء قولاً وعملًا، لأن الطلاب يعرفون الكذب ويدركونه، وإن لم يستطيعوا مجابهة المعلم به حياءً منه، وقد رأينا في قصة المعلم الذي دافع عن زميله المدخن، كيف أدرك الطلاب كذبه.
9 - الصبر:
على المعلم أن يتحلَّى بالصبر على مشاكل الطلاب والتعليم، فإن الصبر أكبر عون في عمله الشريف. قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} "البقرة: 45" وقال - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمن الذي يُخالط الناسَ ويصبر على أذاهم خيرٌ مِن المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). "صحيح رواه أحمد"

وظيفة المعلم
إن وظيفة المعلم لا تقف عند حشو أدمغة الطلاب بالمعلومات فحسب، بل يتجاوزها إلى تربية شاملة تقوم على تصفية العقائد والسلوك، مما ينافي الدين القويم، فعلى المعلم الناجح أن يجعل كلام طلابه وسلوكهم في الفصل مستمدًا من الهدي النبوي الصحيح، قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]
وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تدل على أنه كان مربيًا حكيمًا، ومعلمًا، ومرشدًا، وناصحًا، ورؤوفًا، ومحبوبًا، ومخلصًا.
فعلى المعلم أن يتصف بهذه الأوصاف، ولا سيما الإِخلاص، فعليه أن يخلص عمله لله، ولا ينظر إلى المال، فإن أعطي ولو قليلًا شكر، وإن لم يُعط صبرَ، وسيرزقه الله تعالى في الدنيا، ويكتب له الأجر في الآخرة.
(3/252)

من واجبات المعلم
1 - إلقاء السلام: على المعلم إذا دخل الفصل أن يسلم فيقول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وليعلم أن هذا السلوك الإِسلامي العظيم يقوي أواصر المحبة والثقة بين الطلاب بعضهم مع بعض، وبين المعلم والطلاب، ذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (أوَلا أدُلكم على شيء إذا فعلتموه تحابَبتم، أفشوا السلام بينكم). "رواه مسلم"
ولا يغني عن السلام كلمة: صباح الخير أو مساء الخير، ولا بأس بها بعد السلام مع تغيير لها كأن يقول: صبحك الله بالخير، فتحمل معنى الدعاء، ولا بد هنا من التنبيه على شيء مُهم قد وقع فيه كثير من المعلمين -سامحهم الله- تأثرًا بالعادات والتقاليد، وهو تمثل الطلبة قيامًا لمعلمهم زاعمين أن هذا من الأدب المطلوب، وأنه رمز لتوقير المعلم وتبجيله، وقد أخطأوا، فما يسمى خلاف الشرع أدبًا إِلا في قاموس المعرضين عن شرع الله، ذلك أن أنس بن مالك -رضي لله عنه- قال:
(ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون مِن كراهيته لذلك). "صحيح رواه الترمذي"
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: يحذر الناس من عادة القيام:
(مَن أحب أن يَتمثَّل له الناس قيامًا، فليتبَوَّأ مقعده مِن النار). "صيحيح رواه أحمد" ويجوز لصاحب البيت أن يقوم إلى استقبال ضيوفه، أو يقوم إلى معانقة قادم من سفر، لأن الصحابة -رضوان الله عليهم- فعلوه، وهو من إكرام الضيف، والترحيب بالقادم ولا عبرة بقول الشاعر:
قُم للمعلم وَفِّهِ التبجيلا:
لمخالفته قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كره القيام له، وهدَّد من أحبه بدخول النار، عِلمًا بأن الاحترام لا يكون بالقيام، بل يكون بالطاعة، وامتثال الأمر، وإلقاء السلام والمصافحة، وغيرها من الآداب.
2 - من واجب المعلم أن يعلم طلابه الإستعانة بالله، ويعلمهم حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعن بالله). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
(3/253)

3 - أن يحذر المعلم طلابه من الشرك: وهو صرف العبادة لغير الله: كدعاء الأنبياء والصالحين وغيرهم، عملاً بوصية لقمان لولده التي قال فيها:
{يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]
4 - على المعلم أن يعلم طلابه الصلاة في المدرسة، ويأخذهم إلى المسجد ليصلوا مع الجماعة، ويشرف عليهم بنفسه ليتعلموا آداب المسجد، فيدخلوه بنظام وهدوء، ويبدأ بتعليم الطلاب الوضؤ والصلاة منذ السابعة للبنت والصبي على السواء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعًا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا، وفرَّقوا بينهم في المضاجع). "صحيح رواه البزار وانظر صحيح الجامع"
5 - وعلى المربي أن يعلم طلابه التوكل على الله كما قال موسى لقومه:
{فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} "يونس: 84"
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أنكمِ توكلون على الله تعالى حقِّ توكله لرزقكم كما يرزقَ الطير تغدو خِماصًا، وتروح بطانًا). "صحيح رواه أحمد والترمذي"
وأن الأخذ بالأسباب واجب، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لصاحب الناقة:
(إعقِلْها وتوكل). "حسن رواه الترمذي "
6 - على المدرس كذلك أن يغرس روح التضحية والجهاد في سبيل الله ضد أعداء الإِسلام من الكفرة، واليهود، والملحدين، وأن يربط أذهان الطلاب بأمجاد سلفهم، وغزوات نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويشحذ هِمَمهم على التأسي بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إيمانهم وأخلاقهم.
7 - ثم إن عليه أن يقنع طلبته أن العرب قوم أعزهم الله بالإِسلام، فمهما ابتغوا العزة في غيره أذلهم الله كما قال عمر -رضي الله عنه-.
فلا نصر على الكفار إِلا بالرجوع إلى تحكيم كتاب الله، وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - في حياتنا وأمورنا كلها، مع إعداد القوة من الأسلحة الحديثة، والشباب المسلم المدَرب، الذي يكون قد ترَبى على الرجولة وتشبع بالإِيمان، والتزم النهج الصحيح، والعقيدة السليمة.
وعليه فيمكننا القول بأن المعلم في استطاعته إذا أخلص في عمله والتزم المنهج الإِسلامي في تربيته وتعليمه أن يبني جيلًا قويًا يمكنه دفع عدوان المعتدين، وأن يحمل راية التوحيد ليدك حصون الكفر والشرك، ويُحرر الإِنسانية الحائرة، فيُرشدها إلى ربها
(3/254)

ويُعرفها بخالقها، ويخلصها مِن الظلم الذي تعيش فيه، لذلك خاطب الله تعالى رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - المعلم الأول والمربي الكبير - بقوله:
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} "إبراهيم: آية 1"
ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه: (إنما أنا رحمة مُهداة) "صحيح: انظر صحيح الجامع رقم 2245"
فعلى المربي والمعلم أن يجعل قدوته، وقدوة طلابه رسول رب العالمين إلى الناس أجمعين لأن الله وصفه بقوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]
8 - على المعلم أن يحذر طلابه من المبادىء الهدامة: كالشيوعية الملحدة، والماسونية اليهودية، والإشتراكية الماركسية، والعلمانية الخالية مِن الدين، والقومية التي تُفضل غيرَ المسلم العربي على المسلم الأعجمي لقول الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} "آل عمران: 85"
ويحذرهم من الدكتاتورية والديمقراطية التي تحكم بغير شرع الله.
تحذير الطلبة من عقوق الوالدين، ووجوب طاعتهما في غير معصية الله:
لقول الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 - 24]
(3/255)

وصايا لقمان الحكيم لابنه
قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ} [لقمان: 13]
هذه وصايا نافعة حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم:
1 - {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]
احذر الشرك في عبادة الله، كدعاء الأموات أو الغائبين، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي حسن صحيح"
ولما نزل قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]
شَقَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يَظلم نفسه؟. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. "متفق عليه"
2 - {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]
قال ابن كثير: ثم قرن وصيته إياه بعبادة الله وحده البِرَّ بالوالدين لعظم حقهما، فالأُم حملت ولدها بمشقة، والأب تكفل بالإِنفاق، فاستحقا من الولد الشكر.
3 - {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15]
قال ابن كثير: أي إن حرصا عليك كل الحرص أن تتبعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنع ذلك مِن أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا أي محسنًا إليهما، واتَّبعْ سبيل المؤمنين.
أقول: يؤيد هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
(لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطّاعة في المعروف). "متفق عليه"
4 - {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16]
قال ابن كثير: أي إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل أحضرها الله تعالى
(3/256)

يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
5 - {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ}: أي أدَّها بأركانها وواجباتها وسنَنِها بخشوع.
6 - {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ}: بلطف ولين بدون شدة حسب طاقتك وجُهدك.
7 - {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}. عَلِمَ أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سيناله أذى فأمره بالصبر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
(المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل مِن المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). "صحيح رواه أحمد وغيره"
{إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}. أي إن الصبر على الناس لِمَن عزم الأمور.
8 - {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}. قال ابن كثير: لا تُعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولكن ألِن جانبك وابسُط وجهك إليهم:
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تبسُّمُك في وجهِ أخيك لكَ صَدقة). "صحيح رواه الترمذي وغيره "
9 - {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} أي خيلاء متكبرًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله، ولهذا قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}.
أي مختال معجب في نفسه، فخور على غيره. "ذكره ابن كثير"
10 - {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}: أي امش مشيًا مقتصدًا، ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بَين. "ذكره ابن كثير"
11 - {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال: {إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19]
قال مجاهد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير: أي غاية مَن رفع صوته أنه يُشبَّه بالحمير في علُوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله، وهذا التشبيه بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
(ليسَ مِنا مَثلُ السوء، العائد في هِبّتِه كالكلب يعود في قَيئه). "رواه البخاري"
(إذا سمعتم أصواتَ الديَكة فسلوا الله مِن فضله، فإنها رأت ملَكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا).
"متفق عليه، انظر تفسير ابن كثير ج 3/ 446 "
(3/257)

من هداية الآيات
1 - مشروعية وصية الوالد لابنه بما ينفعه في الدنيا والآخرة.
2 - البدء بالتوحيد والتحذير من الشرك لأنه ظلم يحبط الأعمال.
3 - وجوب الشكر لله، وللوالدين، ووجوب برهما وصلتهما.
4 - لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إنما الطاعة في المعروف.
5 - وجوب اتباع سبيل المؤمنين الموحدين، وتحريم اتباع المبتدعين.
6 - مراقبة الله تعالى في السر والعلن، وعدم الاستخفاف بالحسنة والسيئة مهما قلَّت أو صغرت.
7 - وجوب إقام الصلاة بأركانها وواجباتها والإطمئنان فيها.
8 - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللطف حسب استطاعته.
قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن رأى منكم منكرًا فليغَيره بيده، فإن لم يَستَطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم"
9 - الصبر على ما يلحق الأمر والناهي مِن أذى، وأنه مِن عزم الأمور.
10 - تحريم التكبر والإختيال في المشي.
11 - الإعتدال في المشي مطلوب، فلا يُسرع ولا يُبطىء.
12 - عدم رفع الصوت زيادة عن الحاجة، لأنه مِن عادة الحمير.
(3/258)

وصايا نبوية مهمة للأولاد
على المربي والمربية سواء كان مدرسًا أو مُدرسة، أو معلمًا أو معلمة، أو أبًا أو أُمًا أن يعلم الأولاد هذه الوصايا النافعة لهم، ويكتبها لهم على اللوح، ليكتبوها في دفاترهم ليحفظوها، ثم يشرحها لهم، وقد وردت في حديث صحيح هذا نصه: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:
كنت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا فقال لي: يا غلام إني أعلمك كلمات:
1 - (احفظ الله يحفظك):
أي امتثل أوامر الله، واجتنب نواهيه يحفظك في دنياك وآخرتك.
2 - (احفظ الله تجده تجاهك).
أي أمامك، فاحفظ حدود الله، وراع حقوقه تجد الله يوفقك، وينصرك.
3 - (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
أي إذا طلبت الإِعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة، فاستعن بالله، ولا سيما في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله وحده كشفاء مرض، أو طلب رزق فهي مما اختص الله بها وحده. "انظر شرح الحديث للنووي في الأربعين النووية"
4 - (واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إِلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إِلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفت الصُحف). "رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح"
(على المسلم أن يؤمن بالقدر الذي كتبه الله عليه خيره وشره)

من فوائد الحديث
1 - حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأولاد، وإركاب ابن عباس خلفه.، ومناداته يا غلام.
2 - أمر الأطفال بطاعة الله، والإبتعاد عن معاصيه ليسعدوا في الدنيا والآخرة.
3 - الله ينجي المؤمن عند الشدائد إذا أدى حق الله، وحق الناس عند الرخاء والصحة والغنى.
4 - غرس عقيدة التوحيد في نفوس الأطفال: بسؤال الله تعالى والإستعانة به.
5 - تثبيت عقيدة الإِيمان بالقدر خيره وشره فهي من أركان الإِيمان.
6 - تربية الطفل على التفاؤل، ليستقبل الحياة بشجاعة وأمل، وليكون فردًا نافعًا في أُمته.
(3/259)

من آداب الإِسلام
اعلم يا أخي المسلم - هدانا الله وإياك - أن الإِسلام جاء بآداب وأخلاق تكفل للمسلم والمجتمع السعادة في الدنيا والأخرة، ومن هذه الأداب:
1 - النظافة:
كن نظيفًا في بيتك، وعملك، وملبسك، وجسمك، ولا سيماعند ذهابك
للمسجد لأداء الصلوات، وخاصة صلاة الجمعة، فاغتسل وتطيب والبس أحسن الثِّياب. ولا تذهب بثياب وسخة، أو ذوات رائحة كريهة، ولا تطأ بساط المسجد بجورب وسخ فيه رائحة الأقدام المؤذية، فذلك يؤذي المصلّين، حيث يضع أحدهم جبهته وأنفه على البساط، فيتأذى من الرائحة التي علقت بالبساط من رائحة الجورب، وقد ينفر من الصلاة وعليك باستعمال السواك، ولا سيما عند الوضوء والصلاة، فقد حث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمته عليه في أحاديث كثيرة، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -:
(السواك مَطهرة لِلفَم، مَرضاة للرب). "صحيح روه أحمد"
واحذر أكل الثوم أو البصل قبل ذهابك للمسجد والعمل، لئلا تؤذي المصلين
والجلساء برائحته، فقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن أكل ثومًا أو بصلًا، فلْيَعتزِلنا، وليْعتزِلْ مسجدَنا، وليقعُد في بيته) "متفق عليه"
علمًا أن رائحة الدخان التي تفوح من بعض المصلّين أشد كرهًا من الثوم والبصل، وقد حرم العلماء التدخين لضرره على الجسم والمال والجيران، وهو من الخبائث التى حذر الله تعالى منها فقال: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (لا ضَرر ولا ضِرار). "صحيح رواه أحمد"
والدخان يضر الجسم، ويؤذي الجار، ويتلف المال، فاحذر شربه فهو من
كبائر الذنوب.
2 - المعاملة مع الناس:
(أ) أحِب للناس ما تحب لنفسك مِن الخير فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(3/260)

(لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه). "متفق عليه"
(ب) كن سمحًا في البيع والشراء فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(رَحِم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سَمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا
اقتضى). "رواه البخاري"
(ج) خالط الناس وانصحهم واصبر على أذاهم، حتى تكون ممن قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل مِن المسلم الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم). "رواه الترمذي وإسناده صحيح"
3 - الإِنصات وقبول الحق:
اقبل الحق مِن قائله، ولو كان صغيرًا أو خصمًا، واحذر رَدَّ الحق من الناس
واحتقارهم، فقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذا العمل فقال:
(لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مِثقال ذَرةٍ مِن كِبر، قيل: إن الرجل يحب أن
يكون ثوبه حَسَنًا، ونعله حسَنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبر بطَر
الحق، وغَمْطُ الناس). "رواه مسلم"
[بطَر الحق: رَدُّ الحق، غمطُ الناس: احتقارهم].
4 - الإعتراف بالخطأ:
إذا أخطاءت فاعترف بخطئك، واعتذر منه، فإن الإعتراف بالخطأ خير من التمادي في الباطل، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(كل بني آدم خطاء، وخَيرُ الخطائين التوابون). "رواه الترمذي وحسنه محقق جامع الأصول"
والتوابون: هم الذين يعترفون بأخطائهم، ويرجعون عنها، ويتوبون إلى الله.
5 - العدل وقول الحق:
(أ) كن عادلًا ولو بين أعدائك، ولا تحملك العداوة لقوم على ظلمهم، فالله تعالى يقول: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]
(ب) قل الحق ولو على نفسك، أو أقاربك، أو أصدقائك، فقد أمر الله تعالى بذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]
(3/261)

6 - الإستسلام لأوامر الدين:

استسلم لأحكام الدين وأوامره، فإن الإِسلام مشتق من الإستسلام، ولا تقس
أحكام الدين برأيك وعقلك، فإن العقل له حدٌّ ينتهي إليه، وكثيرًا ما يخطئ
العقل، ويعجز عن تفسير جميع أمور الدين، لذلك قال علي -رضي الله عنه-: (لو كان الدين بالرأي لكان المسح على أسفلِ الخفّ أولى مِن المسح على أعلاه). "رواه أبو داود. وصححه محقق جامع الأصول"
إن المسلم الحقيقي هو الذي ينفذ أوامر الشرع دون معرفة الأسباب التي خفيت عليه فهو كالجندي يطيع أمر قائده دون مناقشة، لأنه يعلم أن قائده أعلم منه؛ وعندما حرم الإِسلام لحم الخنزير امتثل المسلمون للأمر، ولم يسألوا عن السبب وبعد مضي أربعة عشر قرنًا كشف الطب الحديث عن ضرره، وعرفنا أن الله لم يحرم شيئًا إِلا لضرره.
7 - العدل في الوصية:
لا تحرم أحدًا من الورثة حقه، بل ارض بما فرض الله وقسم، ولا تتأثر بالهوى
والحب والميل لأحد الورثة، فتخصه بشيء دون الباقين:
عن النعمان بن بشير قال: (تصَدق عَليَّ أبي ببعضِ مالِه، فقالت أمي [عَمرة بنت رواحه]: لا أرضى حتى تُشهد رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فانطلق أبي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لِيشهِدَه على صدقتي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفعلتَ هذا بولدك كلهم؟ قال: لا،
قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). "متفق عليه"
وفي رواية قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تُشهدني إذن، فإني لا أشهَد على جَور). "أخرجه مسلم والنسائي"
وكم أخطأ أشخاص كتبوا أموالهم لبعض ورثتهم، فأصبح الحقد والبغض والحسد بين الورثة، وذهبوا للمحاكم، وأضاعوا أموالهم للمحامين، بسبب هذا الخطأ.
8 - حقوق الجار:
احذر أذى الجار قولاً وفعلًا، فقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أذاه فقال:
(والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن: الذي لا يأمَن جارُه بوائقه)
"رواه البخاري"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كَان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره). "رواه البخاري"
لا ترم الأوساخ في طريق الناس، ولا سيما أمام جيرانك كقشر الموز، أو البطيخ
(3/262)

وغيرهما التي تؤذي المارة، وأعرف رجلاً كسرت رجله بسبب قشرة الموز، وبقي ستة أشهر في الفراش.
حاول أن تزيل الأذى عن طريق الناس ولا سيما الجيران لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (وتُميط الأذى عن الطريق صَدقة). "متفق عليه"
إذا أصيب جارك بمصيبة فراع شعوره، وواسه في مصيبته، وساعده لتخفيف
حزنه، ولا ترفع صوت المذياع عاليًا، ولا تسمح لأهلك وضيوفك برفع أصواتهم تأمينًا لراحة الجيران، ولا سيما إذا كان منهم المريض، والمتعب الذي يحتاج كل منهما إلى النوم والراحة.
9 - الوفاء بالوعد:
إذا وعدت إنسانًا ولو طفلًا فأوف بوعدك في وقته المحدد، ويتم البيع والشراء بمجرد الاتفاق والوعد، ولا حاجة للعربون، وهو دفع شيء من المال ضمانًا للوفاء بالبيع، فالمؤمن إذا قال صدق، وإذا وعد وفَّى، وكل من أخلف بوعده، فقد اتصف بصفة المنافقين لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذبَ، وإذا وَعدَ أخلف، وإذا اؤتمِن خان). "متفق عليه"
10 - آداب عيادة المريض:
لقد رغب الإِسلام في عيادة المريض، ولا سيما إذا كان المريض قريبًا أو جارًا، فعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مَرضتُ فلم تَعدني، قال: يارب كيف أعودك وأنت رَب العالمين؟ قال: أما علمتَ أن عبدي فلانًا مَرض فلم تَعده، أما علمتَ أنك لو عُدته لوجَدتني عنده). "رواه مسلم"
ومن آداب عيادة المريض:
(أ) أن تكون الزيارة قصيرة، حتى لا تزعج المريض، فربما كان في حاجة إلى راحة أو نوم أو قضاء حاجة إِلا إذا كان يأنس بك.
(ب) أن لا تكثر الكلام عنده، وأن لا تطلب منه قصة مرضه.
(ج) أن تُدخل إلى قلب المريض الفرح والسرور، وتزيد في أمله بالشفاء
(د) أن تقول للمريض: لا بأس عليك طهور، وأن تدعو له بالشفاء، فقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مَن عاد مريضًا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسال الله العظيمَ رَبَّ العرشِ العظيم أن يشفيك، إِلا عافاه الله). "صحيحه الحاكم ووافقه الذهبي"
(3/263)

11 - آداب النظر:
إذا رأيت امرأة سافرة، فغُضَّ بصرك عنها، فإن العين تزني، وزنا العينين النظر إلى ما حرم الله وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(يا عَلي لا تُتبع النظرةَ النظرة، فإن لكَ الأُولى، ولَيست لك الآخرة).
"رواه أحمد وغيره وحسنه الألباني في صحيح الجامع"
واعلم أن هذه النظرة لن تفيدك إِلا حسرة وندامة: فإذا كنت متزوجًا، ونظرت على امرأة أجمل من زوجتك، فإن نفسك تتغير مع زوجتك، ويصيبك الهم والنزاع مع زوجتك وقد كنت قبل النظر مسرورًا راضيًا بزوجتك.
وإذا كنت قبلُ أعزبًا، فإن نظرك إلى المرأة الأجنبية قد يحرك في نفسك الشهوة، وربما ساقك الشيطان إلى ارتكاب الفاحشة، لذلك أمر الله تعالى المؤمنين فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (ما تركتُ فِتنة بَعْدي أضَرَّ على الرجال مِن النِّساء) "رواه مسلم"
12 - آداب النصيحة:
لقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النصيحة فقال:
(الدين النصيحة: قيل لِمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولِأَئِمة المسلمين وعامتهم). "رواه مسلم"
ولكن النصيحة لها آداب يجب مراعاتها، نأخذها من المربي الكبير سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -:
(أ) فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال:
بينما نحن في المسجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَهْ مَهْ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(لا تُزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله دعاه فقال له:
إن هذه المساجد لا تصلح لشيء مِن هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة وقراءة القرآن، قال: وأمرَ رجلاً مِن القوم فجاء بدلوٍ مِن ماء، فسَنَّه عليه).
[أي: صَبَّه عليه]. [لا تزرموه: لا تقطعوا بوله فتضروه]. "رواه مسلم"
(ب) روى مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال:
بينما أنا أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ عطسَ رجلٌ مِن القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني
(3/264)

القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُماه ما شأنكم تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يضربون
بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكنني سكت، فلما صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما نهرَني ولا ضرَبني ولا شتمَني، ثم قال:
(إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء مِن كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). "رواه مسلم"
(3/265)

مِن آداب الزيارة والإستئذان
1 - قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 27 - 29]
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: الإستئناس: الإستئذان. "ذكره ابن كثير"
2 - هذه آداب شرعية أدّب الله بها عباده المؤمنين وذلك في الإستئذان أمرَهم أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا أي يستأذنوا قبل الدخول ويُسَلِّموا بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات فإن اذن له وإلا انصرف كما ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين أستأذنَ على عمر ثلاثًا فلم يؤذَن له انصرف ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا ولم يُؤذن لي، وإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا استاذن أحدكم ثلاثًا ولم يؤذن له فلْينَصَرف). "متفق عليه"
فقال عمر: لَتأتِني على هذا ببَيِّنة وإلا أوجعتك ضربًا، فذهب إلى ملأ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر، فقالوَا: لا يشهد لك إِلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
"انظر تفسير ابن كثير 3/ 278 "
(3/266)

مِن فوائد الآيات والحديث
1 - على الزائر أن لا يدخل البيت قبل أن يستأذن من أهله، ويجد قبولًا ورغبة في دخوله.
2 - على الزائر أن يبدأ من يزورهم بالتحية قائلًا:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقول الله تعالى:
{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}. [النور: 61]
3 - قال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل:
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. "انظر نفسير ابن كثير 3/ 305"
ولا فرق في لفظ السلام بين الرجال والنساء، فالمرأة المسلمة تسلم على النساء وعلى أقاربها من الرجال المحرمين عليها كإخوتها وأولادهم، والرجل يُسلم على النساء المحرمات عليه.
4 - لا يجوز للمرأة الدخول إلى دار أحد دون إذن كما هي عادة بعض النساء، فربما كان الرجل وحده في البيت، فتقع الخلوة المحرمة، وربما كان عريانًا أو نائمًا مع أهله.
5 - احذر أن تعودِّ أهلك وأولادك الكذب فتوصيهم مثلًا أن يقولوا إذا دق الباب: (غير موجود) وأنت في الدَّار، والأجدر أن تعتذر عن الخروج إذا كنت مشغولًا، فذلك خيرٌ في الدنيا والآخرة، وعلى الزائر أن يقبل العذر لقول الله تعالى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى} [النور: 28]
6 - لا يجوز للزائر أن يحد بصره إلى داخل الدار حين الإستئذان، لأن الإِذن جُعل من أجل النظر: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن اطَّلعَ في بيتٍ قوم بغير إذنهم، فقد حَل لهم أن يفقؤوا عينه). "رواه مسلم"
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب مِن تلقاء وجهه، ولكنه مِن ركنه الأيمن أو الأيسر، وبقول: (السلام عليكم. السلام عليكم). "صحيح رواه أحمد"
(3/267)

7 - لا تدخل بيتًا لا يوجد فيه صاحبه، أو أحد أولاده الراشدين من الذكور لقول الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} [النور: 28]
ولا عبرة بإذَن المرأة الأجنبية كأخت الزوجة وابنة العم والخال والخالة، وزوجة الأخ.
8 - يجب الإستئذان قبل الدخول عند زيارة الأقارب كبيت عمك، وأخيك، وخالك، حتى من السنة أن تستأذن على أخواتك:
قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس قال: ثلاث آيات جحدهن الناس، قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]
قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتًا، والأدب كله قد جحده الناس: قال: قلت أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبى، فقال: أتحب أن تراها عُريانة؟ قلت لا، قال فاستأذن. أما زوجة الأخ والعم والخال وأخت الزوجة، فلا تجوز الخلوة مع إحداهن في بيت واحد، ولا رؤيتها مكشوفة، أو متزينة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(إياكم والدخول على النساء، فقال رجل مِن الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت
الحمُو؟ قال الحمُو: الموت) [الحموُ: أخو الزوج وقريبه]. "رواه البخاري"
9 - إذا دخلت بيتك، فسلِّم على أهلك، وأعلمهم بصوتك قبل دخولك لقول جابر بن عبد الله:
(إذَا دَخَلْتَ على أهلِكَ فَسَلمْ عَليهمْ تحيةً مِن عِنْدِ اللهِ مُبَاركةً طَيبة). "ذكره ابن كثير"
قالت زينب زوجة عبد الله بن مسعود: كان عبد الله بن مسعود إذا جاء مِن حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه.
"ذكره ابن كثير في تفسيره وقال: إسناده صحيح"
10 - عوّد أولادك منذ الصغر أن يستأذنوا عند دخولهم إلى دُور غيرهم ولو كانوا من أقاربهم.
11 - يحسن أن تكون زيارتك قصيرة، فربما كان صاحب المنزل على موعد أو كان مشغولًا: قال الله تعالى يخاطب المؤمنين:
{فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53]
(3/268)

12 - على الزائر الأعمى أن يستأذن كغيره حتى يحتجب النساء منه، والخلوة به محرمة.
13 - لا يجوز النظر إلى كتاب أخيك أو رسالته دون إذن منه، فربما كان فيه سِرٌّ.
متى يباح الدخول بدون استئذان؟
1 - إذا عرض أمر مفاجىء شديد في دار كإنقاذ أطفال وغيرهم، أو مال من حريق، فادخل بدون استئذان.
2 - يجوز الدخول بدون إذن إلى الأماكن الآتية:
الفنادق، والخانات التي ينزل فيها المسافرون، والبيوت المعَدة للضيافة، ودوائر الحكومة، والدكاكين، والمساجد، وغيرها من الأماكن العامة، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} [النور: 29]
(3/269)

الطريق الصحيح للإستئذان المشروع
1 - إذا أردت زيارة أحد، فعليك بدق الباب بلطف، واصبر واقفًا على يمين الباب حتىِ لا ترى داخل البيتِ حين فتح الباب، فقد تخرج امرأة يحرم النظر إليها، فإن لم يرُدَّ أحد، فَدُق الباب مرة ثانية، وتمهل، ثم مرة ثالثة يكون بعدها الإذن:
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (إذا استأذَنَ أحدُكم ثَلاثًا فلم يُؤذَن له، فَلْيرَجِعْ) "متفق عليه"
2 - يفضل الانتظار بين الدقة الأولى والثانية بمقدار ما ينتهي صاحب الدار مِن صلاته إن كان يصلي، وأن لا تكون الدقات قوية متتابعة تسبب الخوف والإنزعاج.
3 - وإذا قيل لك منَ هذا؟ فقل: "فلان" واذكر اسمك الصريح وكنيتك حتى تعرف، ولا تقل "أنا" فلا تُعرف بها مَن أنت:
عن جابر -رضي الله عنه- قال:
أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدققت الباب، فقال:
(مَن ذا؟ فقلتُ: أنا، فقال - صلى الله عليه وسلم - أنا، أنا، كَأَنَّهُ كرِهَهَا). "متفق عليه"
قال ابن كثير: وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يُعرف حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل واحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل بها المقصود من الإستئذان، وهو الإستئناس المأمور به في الآية. "التفسير ج 3/ 279 "
4 - لا تسمح لزوجتك وبناتك أن يفتحوا الباب، أو يجيبوا الهاتف إذا كنت في البيت أو أحد صبيانك، فإن لم يكن هناك أحد، فلا بأس أن يرد النساء من وراء الباب لئلا يراهن الأجنبي، والرد يكون بكلمة (مَن؟) وأن يكون الصوت خشنًا عاديًا ليس فيه ليونة وخضوع، لئلا يثير إعجاب السامع، وَيفتَتِن بالصوت لقول الله تعالى:
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]
ولا يجوز للمرأة أنِ تفتح الباب لترى مَن يدقَ الباب، لأن الله تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53]
(3/270)

استئذان الأولاد والخدم والأقارب
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 58]
قال ابن كثير: هذه الآيات اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض:
فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم، وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم في ثلاثة أحوال:
1 - مِن قبل صلاة الغداة (الفجر) لأن الناس إذ ذاك يكونون نيامًا في فراشهم.
2 - وقت القيلولة (مِن الظهيرة) لأن الإِنسان قد يضع ثيابه مع أهله في تلك الحالة.
3 - ومن بعد صلاة العشاء، لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم الصغار والأطفال ألا يدخلوا على أهل البيت في هذه الأحوال، لما يخشى أن يكون الرجل على أهله، أو نحو ذلك من الأحوال.
وإذا دخلوا في غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم، ولا عليهم إن رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال.
4 - إذا بلغ الأطفال الحُلم (البلوغ) وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال.
"انظر تفسير ابن كثير ج 3/ 302"
أقول: على المربي والمربية أن يُعلموا الأطفال والبالغين والخدمِ هذه الآداب الإجتماعية التي جاء بها الإِسلام عند دخولهم لبيوت آبائهم وذلك حفاظًا على أخلاقهم، حتى لا يرَوا مِن أهلهم ما لا يجوز لهم رؤيته، وحبذا لو قام المسؤولون في الإِعلام في البلاد الإِسلامية بتعليم الأولاد هذه الآداب في التلفاز والمجلات، فيحفظوا عليهم أخلاقهم؛ ومن المؤسف أن نجد الولد يرى في التلفاز هذه المغريات، والإختلاط والرقص والغناء، وغير ذلك من المسَلسَلات الجنسية التي تفسد الأخلاق، وتزيد في الإنحراف، وعلى الآباء والأمهات أن يشجعوا البنين والبنات على الزواج، فلا يغالوا في المهور والتكاليف، والحفلات، والذبائح، وغيرها من المصاريف التي تُثقل عاتق الشباب،
(3/271)

فيرغبون عن الزواج الشرعي، وربما طلبوا البغاء السري.
وعلى الأبناء مِن بنين وبنات أن يطالبوا الأباء بالزواج وتيسير المهور تشجيعًا للزواج الشرعي الذي يصرفهم عن المفاسد والمغريات ويحفظ لهم صحتهم ودينهم وشرفهم.
5 - لا يجوز للزائر أن يحد بصره إلى داخل الدار حِينَ الإستِئذان، لأن الإذن جُعِل مِن أجل النظر: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حَل لهم أن يفقَؤوا عينه). "رواه مسلم"
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب مِن تلقاء وجهه، ولكنه من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: (السلام عليكم. السلام عليكم). "صحيح رواه أحمد"
(3/272)

مِن آداب المعلم والمعلمة
يحسن بالمعلم والمعلمة أن يراعوا في الدرس ما يلي:
1 - إلقاء السلام على الطلاب حين دخوله بلفظ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا يجوز غيرها مثل: صباح الخير، لعدم ورودها في الشرع، وبعد تحية الإِسلام يجوز أن يقال هذا وغيره، وعلى المعلم أن يوجه نظر الطلاب إلى رد السلام بلفظ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وأن لا يسمح المعلم والمعلمة بقيام الطلاب والطالبات عند دخول المدرس للنهي المتقدم في رسالة المعلم وواجبه.
2 - إقبال المعلم والمعلمة على الطلبة بوجه مبتسم لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(تبَسمك في وجه أخيك صدقة) "صحيح رواه الترمذي وغيره"
3 - بدء الدرس بخطبة الحاجة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفتتح بها كلامه ونصها:
(إنَّ الحمدَ لله نحمَدُه ونستعينُه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا وسَيئاتِ أعمالِنا مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهد ألا إله إِلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ....
أما بعد: فإن أصدقَ الحدِيث كلام اللهِ تعالى، وخيرَ الهدي هديُ محمد - صلى الله عليه وسلم -. إلى آخِر الخطبة).
4 - استعمال الكلام الطيب مع الطلاب: فيقول للطالب المحسن: أحسنت، بارك الله فيك، ويقول للطالب المخطىء أصلحك الله وهداك، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (والكلمة الطيبة صدقة). "متفق عليه"
5 - اجتناب الكلام الذي فيه تجريح أو استهزاء، لأن الطلاب يتعلمون من المعلم الكلام الطيب، والكلام السَّيء.
6 - تنبيه الطلبة النائمين أو المتشاغلين بغير دروسهم، أو الذين يتكلمون في الدرس مع بعضهم، وغير ذلك.
7 - تنظيم الأسئلة في الدرس، فلا يسمح للطالب بالسؤال قبل طلب الإِذن، ولا يجاب عن سؤاله.
(3/273)

8 - مراعاة المعلمين والمعلمات والآداب الإِسلامية ليتعلمها الطلاب والطالبات، فإذا عطس المعلم فليحمد الله وليقل له مَن بجانبه: يرحمك الله، فيجيب العاطس: يهديكم الله ويُصلح بالكم، وإذا تثاءب المعلم فليضع يده اليسرى على فمه، ولا يقل: (ها، ها) فقد نَهَى الرسول عيه عن ذلك فقال:
(إذا تثاءب أحدكم فليضع يَدَه على فمه، فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب).
"متفق عليه"
9 - على المعلمين والمعلمات أن يراعوا النظافة في لباسهم، وأن يظهروا أمام الطلاب بمظهر جميل بدون تكبر عملاً بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثقال ذرة مِن كِبر، قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حَسنًا، ونعله حسنة، قال إن الله جميل يحب الجمال، الكِبرُ: بطرُ الحق وغمط الناس) [أي احتقارهم] "رواه مسلم"
10 - على المدرسين والمدرسات إذا كانوا في مدرسة مختلطة، فيها الذكور والإِناث من المعلمين والطلبة - وهو مخالف لتعاليم الإِسلام كما هو معلوم - عليهم أن يضعوا الطلاب أمامهم، ومن ورائهم الطالبات، تجنبًا لحدوث المشاكل، وعلى المدرسين أن ينبهوا الطلاب إلى عدم الإختلاط بالطالبات، فلا يجوز الكلام معهن إِلا بقصد النصيحة وبدون خلوة ومن وراء حجاب، وعلى المدرسات ألا يختلطن بالمدرسين، وأن يجلسن في مكان منعزل حفاظًا على شرفهن وعفافهن من الإختلاط، وكان من واجب وزارة التربية أن تفصل مدارس البنين والبنات عملاً بتعاليم الإِسلام، وقد طبقت السعودية الفصل فنجحت، وأنشات رئاسة تعليم البنات للإشراف على تعليم الطالبات في جميع المراحل، فحفظت الطالبات مِن مشاكل الطلاب بالفصل بينهما. وما مثل المدارس المختلطة إِلا كما قيل:
ألقاه في اليَم مكتوفًا ثم قال له ... إياك إياك أن تبتَل بالماء
(3/274)

مِن آداب الطلاب والطالبات
على الطلاب والطالبات مراعاة الأداب الآتية في الدرس:
1 - احترام المعلم والمعلمة، لأنهما يُعلمان الطلبة ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وهما أكبر سنًا، وقد أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتوقيرهما واحترامهما فقال:
(ليس منا مَن لم يُجل كبيرنا، ويَرحم صغيرنا، ويعرف لعاِلمنا حَقه). "حسن رواه أحمد"
2 - الإِنصات إلى ما يلقيه المعلم والمعلمة، والمدرس والمدرسة للإستفادة من الدرس.
3 - عدم التكلم في الدرس إِلا بإذن، حتى يبقى الدرس هادئًا، ليس فيه فوضى.
4 - الإستئذان في الأسئلة، وعدم الإِكثار منها، حفاظًا على وقت الدرس، وعدم ضياعه.
5 - امتثال أمر المعلم والمعلمة، وقبول التوجيه والنصيحة منهما، ما لم يأمرا بمعصية الله.
6 - عدم الاشتغال بغير مادة الدرس للإستفادة منه.
7 - الإنتباه التام لما يلقيه المدرس، وعدم النوم في الدرس.
8 - تسجيل النقاط الهامة في الدرس على دفتر خاص لمراجعتها وحفظها.
9 - إذا دخل طالب متأخر الدرس فعليه أن يستأذن قبل دخوله، ثم يُسلم على إخوانه.
10 - على الطلاب والطالبات إذا كانوا في مدرسة مختلطة، فيها المدرسون والمدرسات؛ وهذا مخالف للفطرة ولتعاليم الإِسلام الذي يحفظ شرف البنات من الإختلاط بالبنين، وهذا من المؤسف أمر واقع في كثير من بلاد المسلمين:
أقول: على الطلاب أن لا يختلطوا بالطالبات، ولا يخرجوا معهن، ولا يُسمعوهن الكلام البذيء، وليبتعدوا عهن، ولو سألنا طالبًا هل تحب أن ينظر الطلاب إلى أختك، ويمزحوا معها، أو يكلموها كلاماً مشبوهًا لرفض ذلك وقال: لا أرضى أن يقولوا لها، وكذلك لا يحبه الطلاب لأخواتهن، وعلى الطالبات أن يلتزمن الحجاب الشرعي والوقار، ويبتعدن عن الطلاب لئلا يسمعن من الطلاب ما يسيء إلى شرفهن وسمعتهن، ويؤثر ذلك على الفتاة حين تخطب للزواج.
11 - كذلك على الطالبات أن يحتجبن من الطلاب، فلا يجوز أن تكشف شعرها أو صدرها أو وجهها، ولا سيما في المرحلة المتوسطة والثانوية والجامعة، ولا يجوز لها وضع الأصباغ والزينة والكحل والعطر وغيرها، وهذا يكون للزوج وفي البيت، وأما العطر
(3/275)

فهو يحرم على النساء جميعًا عند خروجهن من البيت لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية). "حسن رواه أحمد"
كذلك لا يجوز للطالبات مصافحة الطلاب والرجال الأجانب ليحافظن على سمعتهن وشرفهن، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يُطعَن في رأس أحدِكم بمِخيط مِن حديد خير له من أنْ يمَس امرأة لا تحل له).
"صحيح رواه الطبراني وغيره"
(3/276)

المعلم المسلم داعية
على المعلم المسلم أن يكون داعية بين إخوانه المعلمين، فينصحهم ويرشدهم ويدعوهم إلى التمسك بالإِسلام والعمل والأخلاق الحميدة، والقدوة الحسنة بأسلوب حكيم، عملاً بقول الله تعالى:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]
وقوله تعالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]
والجدال في هذه الآية يشمل المسلمين وغير المسلمين.
وإذا وجد في المدرسين بعض المعلمين والطلاب من غير المسلمين، فلنعاملهم بالحسنى وندعوهم إلى الإِسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال الحسن عملاً بقول الله تعالى:
{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]
وتطبيقًا لهذه المبادىء القرآنية السلمية فإليك هذه القصص الواقعية:
1 - كنت قديمًا في سورية معلمًا، وكان في المدرسة معلم نصراني اسمه (جودت) فناقشته بلطف وقلت له: هل توافق معي في أن الأنبياء كلهم إخوة؟ فقال نعم، قلت له: إن المسلم يؤمن بعيسى -عليه السلام-، وأُمّه مريم لها سورة باسمها في القرآن الكريم، فأنا أشهد أن لا إله إِلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقال: وأنا أشهد أن لا إله إِلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقلت له: الآن أصبحت أخًا لنا في الإِسلام، وقد زاد إيمانك بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بالإِضافة إلى إيمانك بعيسى -عليه السلام-.
2 - كنت أُعلِّم في مدرسة بها طالب نصراني، فكنت أذكر له بعض القصص، عن عيسى -عليه السلام- وأُمه مريم التي جاءت في القرآن الكريم، فأحبني وبدأ يداوم على الحضور في درس الديانة، وله الحق في الخروج من الدرس لأنه غير مسلم، فكان
(3/277)

يحفظ درس القرآن الكريم قبل طلاب المسلمين، وكنت أشجعه على ذلك، حتى شعر به أبوه فمنعه من حضور درس التربية الإِسلامية تعصبًا منه وظلمًا.
3 - كان طالب نصراني يدرس مع طلاب مسلمين، وكنت أدرسهم التربية الإِسلامية، وكان يلازم الدرس ويحبه لما يسمعه من قصص عيسى ومريم واحترام المسلمين لهم. ويسألني أسئلة متعددة.
4 - إن واجب كل مسلم إذا وجد معه من غير المسلمين أن يحسن معاملته معهم ليريهم محاسن الإِسلام، ثم يدعوهم إلى الإِسلام، وقد رأيت عاملًا من الدروز في الفندق، فدعوته للصلاة فاعتذر لجهله، فعلمته الوضوء والصلاة، فبدأ يداوم عليها في المسجد، ويسمع الدروس في المسجد، وكان يقرع عليَّ باب الغرفة لصلاة الجماعة.
5 - على المربي أن يكون عالمًا بسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليعلمها طلابه، لأن أهميتها عظيمة لهم.
(3/278)

كيف قامت الدولة الإسلامية في عهد النبوة
1 - البدء بالدعوة: بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوته في مكة، فآمن به نفر قليل، ثم ازداد عددهم.
2 - تكوين الجماعة: لقد استطاع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكوِّن جماعة في مكة، وقد ربى هذه الجماعة على التوحيد، الذي يتمثل في كلمة (لا إله إِلا الله)، ومعناها:
(لا معبود بحق إِلا الله) لأن المعبودات الباطلة كثيرة، والمعبود بحق هو الله سبحانه وتعالى، والدليل قوله عَز من قائل:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62]
وأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - نوع مهم مِن أنواع العبادة فقال:
(الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
وقد تحمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنواع البلاء مع جماعته مما لقيه من المشركين في مكة، وأمرهم بالصبر حتى النصر.
3 - توسيع الجماعة: بعد أن كوَّن الجماعة المسلمة في مكة، بدأ يبحث عن جماعة أُخرى في المدينة، فاتصل بهم أيام الحج، ودعاهم إلى الإِسلام، وبايعوه في بيعة العقبة الأولى والثانية.
4 - الإهتمام بالتوحيد: وكان اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد ظاهرًا حينما أرسل معاذًا إلى اليمن وقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إِلا الله، وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله). "متفق عليه"
وكل من أراد إقامة الدولة الإِسلامية، فعليه أن يبدأ بعقيدة التوحيد أُسوة بالرسول القائد - صلى الله عليه وسلم -؛ ومَن خالف هذه الطريقة، فسيكون مصيره الفشل، لأنه خالف الطريقة النبوية في إقامة الدولة الإِسلامية ولا بُدَّ من إقامة الدولة في القلوب -وأساسها العقيدة- حتى تقوم على الأرض.
وقد قال أحد الدعاة المعاصرين:
أقيموا دولة الإِسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم.
وعلينا أن نطبق تعاليم الإِسلام -وأهمها التوحيد- على أنفسنا وأهلينا وجماعتنا حتى يُكتب لنا النصر.
(3/279)

س - البعض يقول إن الإِسلام سيعود مِن قبل الحاكمية، والبعض الآخر يقول سيعود عن طريق تصحيح العقيدة، والتربية الجماعية، فأيهما أصح؟
ج - أجاب الداعية المعروف محمد قطب على هذا في محاضرة ألقاها في دار الحديث المكية بمكة المكرمة فقال:
مِن أين تأتي حاكمية هذا الدين في الأرض إن لم يكن دعاة يصححون العقيدة، ويؤمنون إيمانًا صحيحًا، ويُبتُلون في دينهم فيصبرون، ويجاهدون في سبيل الله، فيحكم دين الله في الأرض.
قضية واضحة جدًا، ما يأتي الحاكم من السماء ما ينزل من السماء، وكل شيء يأتي مِن السماء، لكن بجهد مِن البشر فرضه الله على البشر، قال الله تعالى:
{وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض} [محمد: 4]
5 - المجتمع الصالح: لقد هيأ النبي - صلى الله عليه وسلم - البيئة الصالحة في المدينة قبل الهجرة، ولما هاجر إليها تكوَّن المجتمع المسلم من المهاجرين والأنصار على أساس التوحيد والمحبة، ونشأت الدولة الإِسلامية التي يحكمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن والسنة. ثم جاء الخلفاء الراشدون فساروا على طريقه، وفتحوا البلاد، وأوصلوا لنا الدين كاملًا، وكان النصر حليفهم.
(3/280)

منهاج الدعوة السلفية
1 - هنالك جماعات إسلامية كثيرة تدعوا إلى الإِسلام والحكم بشريعة الله والسعي لإِقامة الدولة الإِسلامية كما كانت في عهد الخلفاء الراشدين ومَن بعدهم ليعيدوا للمسلمين عزهم ومجدهم وقوتهم.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا المسلمين وأمرهم أن يتمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وقام صحابته من بعده وهم السلف الصالح من هذه الأمة، فنفذوا كلام قائدهم، وفتحوا البلاد حتى أوصلوا لنا هذا الدين كاملًا، ونصرهم الله نصرًا مؤزرًا.
2 - الواجب على المسلمين أن يسيروا على طريق السلف الصالح:
الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، حتى ينصرهم الله، وكل جماعة تدعوا إلى التمسك بكتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قولاً وعملًا، فهي الطائفة المنصورة، والجماعة السلفية، وهم أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية.
3 - الجماعة السلفية: هي. الجماعة الوحيدة ذات المنهج الصحيح تدعو إلى تطبيق القرآن والسنة، والإهتمام بعقيدة التوحيد التى اهتم بها القرآن، وركز عليها، وأمر المسلمين أن يكرروها في جميع ركعات صلاتهم.
وهي قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
السلفيون يتمسكون بالسنة، ويميزون بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، فيأمرون بالأخذ بالأحاديث الصحيحة، وترك الأحاديث الضعيفة والموضوعة عملاً بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن قال علَيَّ ما لم أقل فليتَبوأ مقعدَه مِن النار). "حسن رواه أحمد"
والسلفيون: ينتسبون إلى السلف الصالح، وهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته من بعده، ولا ينتسبون لغيرهم. ومن أصول دعوتهم:
فهم الكتاب والسنة حسب فهم السلف الصالح:
(الرسول والصحابة والتابعين).
(ب) إذا صح النقل شهد العقل، ولا عكس.
(ج) سمعنا وأطعنا. حب النبي - صلى الله عليه وسلم - قولاً، واتباعه عملاً.
(3/281)

(د) ديننا دين اتباع لا دين ابتداع.
(ه) الأصل في العقيدة والعبادة التوقف حتى يأتي الدليل، وفي المعاملات والمأكولات الإِباحة حتى يأتي التّحريم.
5 - كل من سار على منهج الكتاب والسنة والصحابة كان سلفيًا - نسبة للسلف الصالح وهم الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون -رضوان الله عليهم- أجمعين - وهم أهل السنة والجماعة.
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن الفرقة الناجية فقال:
هم السلفيون، وكل من سار على منهج السلف الصالح من أي جماعة كانت.
[سمعت السؤال والجواب في الحرم المكي]
(3/282)

نصيحة عامة
1 - على المسلمين جميعًا، والمرَبين والدعاة والجماعات الإِسلامية أن يقتدوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيبدأوا بالدعوة إلى التوحيد لتكثير الجماعة الإِسلامية، ثم ليجدوا البيئة الصالحة، حتى يتقوى المجتمع المسلم الصالح، فإذا توفرت الشروط خرج الحاكم المسلم العادل الذي يحكم بكتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويتحقق للمسلمين
عزهم ونصرهم.
2 - الواجب على المسلمين عامة، والدعاة منهم خاصة أن يطبقوا حكم الإِسلام على أنفسهم وأهليهم قبل أن يطالبوا الحكام بتطبيقه، حتى يكتب لهم النجاح، فقد رأينا بعض الجماعات الإِسلامية لا يطبقون الإِسلام في معاملاتهم مع الناس بل لا يقبل بالحكم إذا حُكِم عليه، وهذا ما حصل من بعض الأفراد.
3 - إن السعي للحكم بما أنزل الله واجب كل مسلم، ويكون بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة عملاً بقول الله تعالى:
{ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]
4 - لا يجوز استعمال العنف والمظاهرات للمطالبة بحكم الشريعة الإِسلامية، لأنها ليست إسلامية، ولا تحقق المطلوب، بل قد يحصل معها أضرار جسيمة على الفرد والمجتمع، والجماعات الإِسلامية، وهذا ما حصل في بعض البلاد العربية والإِسلامية، ومن الغريب جدًا، بل من المؤسف أن تخرج مظاهرة نسائية في بلد عربي مسلم يطالبن بتطبيق القرآن والحجاب الشرعي، وما دَرَين أنهن خالفن القرآن الذي يأمرهن بعدم الخروج، قال الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]
[أي إلزمن بيوتكن ولا تخرجن]
5 - والآية التي يستدل بها بعضهم على تكفير المسلمين:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]
قال ابن عباس: مَن أقَرَّ به فهو ظالم فاسق، واختاره ابن جرير.
(3/283)

وقال عطاء: كفر دون كفر [أي كفر أصغر غير مخرج من الإِسلام]
(أ) فالحاكم إذا حكم بغير ما أنزل الله وهو معترف به فهو ظالم فاسق يجب نصحه برفق، والدعاء له بالصلاح.
(ب) وأما الحاكم الذي جحد حكم الله، أو استبدل به قانونًا وضعيًا يعتقد أنه أصلح، فهو كافر مرتد عن الإِسلام، وهذا أيضًا يجب نصحه برفق عملاً بقول الله تعالى لموسى وهارون أن ينصحا فرعون الكافر الذي ادعى الربوبية:
{اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]
على الدعاة أن يتريثوا في إقامة الحكم الإِسلامي، ويصبروا على ما يصيبهم مِن أذى أُسوة بالرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - وأن يستمروا في الدعوة إلى توحيد الله في العبادة والدعاء والحكم، والجهاد في سبيل الله، والتربية الإِسلامية، لإِيجاد المجتمع الصالح الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله في جميع شئون الحياة.
(3/284)

النشاط المدرسي
النشاط المدرسي له فوائد عظيمة للطلاب، وله أنواع عديدة:
1 - الكلمة الطيبة:
يفضل اجتماع الطلاب صباحًا قبل دخولهم للدرس، فيلقي عليهم المدرس أو أحد الطلبة شيئًا من آيات القرآن والحديث النبوي، وتفسير مبسط للقرآن والحديث.
2 - القصة:
إن الطلاب يحبون القصص فعلى المعلم والمعلمة الإِكثار منها في حديث الصباح، وأثناء الدرس، وفي الرحلات المدرسية، وغيرها، ولا سيما القصة التي تبث العقيدة السليمة في نفوس الطلاب، وسأذكر بعض القصص النافعة التي وردت في السنة المطهرة:
عن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- قال:
(... وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبلَ أُحدُ والجوانية، فاطلعتُ ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، ولكني صَكَكتها صَكة (ضرَبتها ولَطَمتها) فأتيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعظَّم ذلك عَليَّ، قلت يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال:
(ائتني بها، فقال لها: أين الله؛ قالت في السماء، قال مَن أنا؟ قالت أنتَ رسول الله، قال: أعتِقها فإنها مؤمنة). "رواه مسلم"
(3/285)

من فوائد القصة
1 - كان الصحابة يرجعون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل مشكلة ليعلموا حكم الله ورسوله فيها.
2 - الرضا بحكم الله ورسوله لقول الله تعالى:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]
3 - إنكار الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الصحابي معاوية ضربه للجارية وتعظيمه لذلك الأمر (فلينتبه المربون).
4 - وجوب السؤال عن التوحيد، ومنه علُو الله على خلقه، وأنه واجب.
5 - مشروعية السؤال بأين الله. حيث سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الجارية: أين الله؟
6 - مشروعية الجواب بأن الله في السماء (أي على السماء) لإِقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - جواب الجارية.
7 - اعتقاد أن الله في السماء دليل على صحة الإِيمان، وهو واجب على كل مسلم، وقد ذكره الله تعالى في كتابه فقال:
{أَأَمِنْتُمْ مَن فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 16]
قال ابن عباس: هو الله.
8 - صحة الإِيمان بالشهادة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بأنه رسول الله.
9 - خطأ من يقول: إن الله في كل مكان بذاته، والصواب أن الله في السماء، ومعنا بعلمه يسمعنا ويرانا.
10 - طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للإختبار دليل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم الغيب، كما تزعم الصوفية.
11 - العتق يكون لمؤمن لا لكافر، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اختبرها، ولما علِم بإيمانها أمر بإعتاقها.
3 - مجلة الحائط:
ومن النشاط المدرسي المفيد وجود مجلة الحائط في مكان بارز في المدرسة تُسجل فيها بعض الحِكَم، والأمثال، والأخبار والمسابقات، وأوقات الاختبار وغير ذلك.
(3/286)

ويشترك في إعداد هذه المجلة الطلاب بإشراف المدرس، وينتقي بعض الطلبة الذين يجيدون الخط، ليكتب حكمة اليوم أو الأسبوع: آية من القرآن، أو حديثًا نبويًا، أو بيتًا من الشعر يحتوي على خلق عظيم، أو فائدة تربوية كقول الشاعر:
والأُم مدرسة إذا أعدَدتها ... أعددتَ شَعبًا طيبَ الأعراق
وقول الشاعر:
اللهَ أسأل أن يُفرِّج كَربَنا ... فالكربُ لا يمحوه إِلا الله
4 - المسابقات الدينية والترفيهية:
المسابقات لها دور كبير في نشاط أذهان الطلاب، وذلك حينما يوجه المدرس أسئلة للطلاب في مواضيع متنوعة، ويحاول كل طالب أن يجيب عليها.
ويحسن بالمعلم أن يقدم المكافآت المعنوية والمادية للمتسابقين لتشجيعهم.
5 - الرحلات المدرسية والزيارات:
على المدرسة أن تنظم زيارات للطلاب يزورون فيها المساجد، والمزارع، والمقابر والمصانع والمدارس المجاورة ليتم التعارف بين المدرسين والطلاب. وتقوم المدرسة برحلات للقرى المجاورة، أو الذهاب إلى مكان فيه فهر أو بحر ليتعلم الطلاب السباحة، وهي مهمة جدًا.
6 - زيارة الآباء والأمهات:
على المدرسة أن تدعو الآباء والأمهات لزيارة المدرسة للتعاون على تربية الأولاد، كذلك تدعو الأمهات لزيارة مدرسة البنات للتعرف على حل المشاكل التي قد تحدث. ومن المهم جدًا أن يتحد موقف الآباء والأمهات والمدرسين والمدرسات نحو الطلاب والطالبات، فلا يكون تعارضًا في موقف البيت والمدرسة، وكل هذا يؤثر في حياة الأولاد وسلوكهم، فعلى الآباء والأمهات إذا رأوا تصرفًا من المدرس أو المدرسة لم يعجبهم، فلا يظهروا ذلك أمام أولادهم، ولهم أن يراجعوا المدرسة بدون حضور أولادهم، حتى يبقى للمدرسين والمدرسات احترام في نظر الطلاب والطالبات.
(3/287)

المسابقات في المدرسة
يحسن بالمدرسين والمدرسات إيجاد مسابقات علمية للطلاب والطالبات فإن المسابقات تزيد في قدرتهم على التفكير والحفظ، فتتفتق أذهانهم بالمعلومات ويشعرون بالسرور والفرح.
وللمسابقات أنواع كثيرة، فعلى المدرس أن يقدم الأهم على المهم:
1 - حفظ القرآن الكريم:
يستطيع المعلم والمعلمة أن يُكلِّفوا الطلاب والطالبات بحفظ سورة من القرآن، أو جزء منه، ثم تجرى مسابقة بين كل طالبين أو أكثر، وتعطى العلامة الجيدة أو الجائزة للفائز من المتسابقين، ويمكن توسيع المسابقة بين فصلين أو مدرستين، أو بين بلاد متنوعة كما تفعل المملكة العربية السعودية في وسائل الإِعلام:
(أ) برنامج إذاعي عنوانه (ناشيء في رحاب القرآن) يُعرض في التلفاز طفل يحفظ شيئًا من كتاب الله، وهذا يشجع الأطفال على حفظ القرآن بالإِضافة إلى المكافآت التي تُقدم لهم.
(ب) مسابقة عالمية تقوم بها وزارة الحج والأوقاف لحفظ كتاب الله وتفسيره وتجويده سنويًا، وتشجيعهم بالمكافآت المادية والمعنوية، وبيان الأجر العظيم الذي ينالونه من حفظ القرآن.
(ج) برنامج باسم (أبناء الإِسلام) وهو برنامج إسلامي ناجح تقوم به رابطة العالم الإِسلامي.
2 - حفظ الحديث الشريف:
على المعلم والمعلمة إجراء مسابقات في حفظ الأحاديث النبوية، لأنها مهمة جدًا فهي المصدر الثاني في التشريع بعد القرآن الكريم وتفيد الطلاب في الدين والدنيا.
3 - اللغة العربية:
على المربي والمربية أن يتكلموا مع طلابهم باللغة العربية ويشجعوهم على ذلك ويجُروا لهم مسابقات في التحدث باللغة العربية مع زملائهم ومعلميهم، وتشجيع الفائز الذي يجيد الكلام بالعربي، ولا يتكلم بالعامي، كما يفعل العوام.
(3/288)

4 - حفظ الشعر:
علينا أن نشجع الطلاب والطالبات على حفظ أبيات من الشعر ذات المعاني الجميلة التي تدعو إلى التوحيد والجهاد، فقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحفر الخندق مع صحابته، ويتمثل بقول ابن رواحة:
والله لولا الله ما اهتَدَينا ... ولا تصَدَّقنا ولا صَلينا
فأنزلَن سَكينة علينا ... وثبِّت الأقدام إن لا قينا
والمشركون قد بغَوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
(يرفع بها صوته أبينا أبينا). "متفق عليه"
(3/289)

كيف ندرس القرآن الكريم
1 - يكتب المدرس السورة أو الآيات المراد حفظها على السبورة أو على ورقة يعلقها على الجدار بخط واضح مع التشكيل أو في المصحف.
2 - يقرأ المدرس النص القرآني بصوت واضح مع الترتيل وتحسين الصوت، ويقطع القراءة، لحديث أم سلمة لما سئلت عن قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
فقالت: كان - صلى الله عليه وسلم - يُقطِّعُ قراءته آية آية:
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. "صحيح رواه الترمذي"
3 - لا بأس أن يردد الطلاب مع المدرس الآية إذا كانوا صغارًا ليتعودوا النطق الصحيح، وإن كانوا كبارًا فلا يحتاجون لذلك.
4 - يعطى الطلاب مهلة لحفظ النص وقراءته سرًا لئلا يشوش الطلاب بعضهم على بعض لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن ذلك فقال:
(لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن). "رواه البخاري"
5 - لا يجوز السرعة في قراءة القرآن لقول ابن مسعود -رضي الله عنه-:
(لا تنثروه نثرَ الرمل، ولا تَهذوه هَذَّ الشِعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدِكم آخِرَ السورة). "رواه البغوى"
[الهذ: الإِسراع في القراءة].
6 - ألا يسمح المدرس للطلاب بقول: (صدق الله العظيم) لعدم وجود دليل شرعي عليها، ولأن القرآن عبادة لا يجوز إدخال شيء زائد عليها، ولئلا يظنها الطلاب أنها من القرآن.
(3/290)

الرياضة البدنية
تهتم المدارس بالرياضة البدنية اهتمامًا كبيرًا، وتخصص للرياضة مدرسًا ومعلمًا
خاصًا، وعلى المدرب الرياضي أن يبين لطلابه، وكذلك المدربة الرياضية أن تبين للطالبات أن الإِسلام كما يهتم بالتربية الدينية، فيهتم أيضًا بالتربية البدنية ليجعل المسلم قويًا في دينه وبدنه عملاً بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير، احرِص على ما ينفعك واستعِن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت ... كان كذا وكذا، ولكن قل قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان). "رواه مسلم"
ولأن المؤمن القوي في جسمه أقوى وأنشط على أداء العبادات البدنية كالصلاة والصيام والحج والجهاد وغيرها، لذلك يحسن بالمدرب الرياضي الناجح أن يبين للطلاب فوائد العبادات البدنية وربطها بتقوية الجسم:
1 - الصلاة:
هي عبادة، ولكنها لا تخلو من فوائد للبدن، فالقيام والركوع والسجود رياضة مقوية للجسم.
2 - الصِّيام:
عبادة قد أثبت الأطباء فوائد له، فهو يقوي المعدة وجهاز الهضم وينشط الكبد وغيرها من الفوائد العظيمة.
3 - الحج:
عبادة، وفيه أنواع الرياضة المفيدة:
(أ) الغسل قبل الإِحرام بالحج: وفيه نشاط للدورة الدموية، ونظافة للجسم تشمل نظافة الجلد والشعر، كما أنه أوجب الغسل للجنابة ويوم الجمعة، وأوجب الوضوء للصلاة، وكلها أعمال رياضية مفيدة للجسم.
(ب) الطواف: عبادة وفيه السير والرَّمَل: وهو الإِسراع بخطى قصيرة، وقد أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليرى المشركون قوة المسلمين.
(3/291)

(ج) السعي: عبادة وفيه السير مسافة طويلة، مع الهرولة بين الميلين، والصعود إلى جبل الصفا والمروة، وفيه رياضة.
(د) الإنتقال من المشاعر من منى إلى عرفات، والرجوع إلى مزدلفة، والمبيت في منى لرمي الجمرات في عدة أيام.
(ه) رمي الجمار: عبادة، وفيه فوائد عظيمة للجسم، وفوائد عسكرية لتعليم الرمي، فإن الله تعالى أمر بالمؤمنين به فقال:
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]
وقد فسر الرسول - صلى الله عليه وسلم - القوة بالرمي فقال:
(ألا إن القُوَّة الرمي، ألا إن القُوَّة الرمي). "رواه مسلم"
وقد حثَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تعلم الرمي فقال:
(مَن تعلم الرميَ ثم نسيَه فليس منا أو قد عصى). "رواه مسلم"
ولا يزال الرمي إلى يومنا هذا له مكانته، فالطيارة والصاروخ والمدافع تحتاج إلى معرفة الرمي.
4 - الخيل:
كانت في زمن الإِسلام من لوازم الجهاد، وما زالت بعض الدول تجري سباقًا بالخيل، وتشجع على الفروسية لما لها من فوائد رياضية للجسم، حتى بعض الدول الأجنبية تعتني بالفروسية.
5 - السباق:
هذا نوع جميل من الرياضة يفيد الجسم، وقد سابق الرسول - صلى الله عليه وسلم - عائشة، فسبقته ثم سبقها.

الخلاصة: على المدرس الناجح ولا سيما المختص بالرياضة أن يبين للطلاب أنواع الرياضة التي جاء بها الإِسلام وألا يضيعوا أكثر الأوقات في لعب الكرة، ولا سيما إذا سببت إضاعة الصلاة، وأورثت العداوة والشحناء، وقد رأيت في مستشفى النور بمكة شابًا مصابًا في ساقه بمرض عضال، ولما سألته عن السبب أجاب أن أحد اللاعبين حينما رآه انتصر عليه رمى بنفسه على ساقه فكسرت وحُمل إلى المستشفى، وتعذر برؤها.
(3/292)

الطرق التربوية الناجحة
على المعلم والمعلمة أن يسلكوا طرق التربية الناجحة التىِ جاء بها القرآن الكريم وجاءت بها السنة المطهرة لتربية جيل مسلم مهذب شجاع يدافع عن دينه وأمته:
1 - الخوف والرجاء.
على المدرسين والمدرسات أن يغرسوا فِى نفوس طلابهم الخوف من الله تعالى، لأنه شديد العقاب على العاصين لأمره، التاركين لفرائضه، فقد توعد العصاة بالنار المحرقة يوم القيامة، وهي أشد حرارة من نار الدنيا بكثير، وبالمقابل فإن الله تعالى وعد المؤمنين والطائعين المؤدين حقوق الله بالجنة الواسعة التي فيها الانهار والأشجار والثمار والحور العين وغيرها من أنواع النعيم المقيم، والدليل على طريقة الجمع بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة آيات وأحاديث:
(أ) - قال الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50]
وقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56]
ففي هذه الآية يأمر الله تعالى عباده أن يدعو، والدعاء من العبادة خوفًا من ناره، وطمعًا في جنته، ليكون المسلم بين الخوف والرجاء، فيستقيم سلوك الطالب ويصلح حاله.
(ب) - وفي الحديث: (اللهم إني أسأَلُكَ الجنة، وأعوذ بك من النار).
"صحيح رواه أبو داود"
وهذه الآيات، وهذا الحديث رد على الصوفية القائلين بأنهم يعبدون الله لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره، وكأنهم لم يسمعوا القرآن والحديث الذي تقدم ذكرهما.
2 - القِصَّة الهادفة:
القصة لها تأثير على النفس، فعلى المربين والمربيات أن يكثروا من القصص النافعة، وهي كثيرة في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة:
(أ) قصة أصحاب الكهف: تهدف إلى إنشاء جيل مؤمن بالله، يحب التوحيد، ويكره الشرك.
(3/293)

(ب) - قصة عيسى عليه السلام: وتهدف إلى اعترافه بأنه عبد الله، وليس هو ابن الله كما زعمت النصاري.
(ج) - قصة يوسف عليه السلام: ومن أهدافها التحذير من اختلاط الرجال والنساء لما له من عواقب وخيمة.
(د) - قصة يونس عليه السلام: وتهدف إلى الإستعانة بالله وحده، ولا سيما حين نزول المصائب.
(ه) - قصة أصحاب الغار: قصها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه ليعلمهم التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة كرضاء الوالدين، وأداء الحقوق لأصحابها، وترك الزنى خوفًا من الله.
والسنة مليئة بالقصص النافعة.

الخلاصة: على المربين جميعًا أن يكثروا من القِصَصِ النافعة لطلابهم، فهي خير عون لهم على تربية الأجيال، وليحذروا القِصص السيئة التي تشجع على اقتراف السرقات والفواحش والإنحراف في السلوك.
أقول: صدرت لي كتب مفيدة للشباب عنوانها:
1 - من بدائع القصص النبوي الصحيح.
2 - معجزة الإِسراء والمعراج نشر دار المنار في الخرج.
3 - قطوف من الشمائل المحمدية والأخلاق النبوية والآداب الإِسلامية (مطبوع سابقًا) وغيرها من الكتب المفيدة.
4 - الصوفية في ميزان الكتاب والسنة.
5 - معلومات مهمة من الدين لا يعلمها كثير من المسلمين.
6 - أركان الإِسلام والإِيمان.
7 - العقيدة الإِسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة.
8 - دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بين المعارضين والمؤيدين.
9 - شهادة الإِسلام لا إله إِلا الله.
10 - تحفة الأبرار في الأدعية والآداب الأذكار.
11 - التحذير الجديد من مختصرات الصابوني في التفسير.
12 - فضائل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام.
(3/294)

المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد
إن صلاة الجماعة في المسجد واجبة على الرجال، وعلى المدرس والأب أن يشجعا الطلاب والأولاد على الصلاة في المسجد ليعتادوها عند الكبر، ويسهل عليهم الذهاب إلى المسجد ومن هذا التشجيع المجرب المفيد أن يرسم الجدول الآتي على السبورة ليكتبه الطلاب في دفاترهم. ويذهبون إلى صلاة الجماعة في المسجد، ويكتب الإِمام أو المؤذن اسمه ويوقع (1)، ثم يأتي الطالب بالجدول يوميًا إلى المدرس ليوقع عليه في المكان المخصص له ليضع العلامة الجيدة للطالب المثالي في السلوك والتربية الإِسلامية ويقدم له الهدايا والجوائز.
اسم الطالب .................................................
اسم المسجد الذي يصلي فيه ................................
ثم يضع جدولاً به أيام الإسبوع والصلوات الخمس ثم أمام كل صلاة الإمام الذي يؤمهم ثم أخيراً توقيع الدرس أمام كل يوم.
الأيام ... الصبح ... الظهر ... العصر ... المغرب ... العشاء ... توقيع المدرس
السبت ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ...
الأحد ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ...
الأثنين ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ...
الثلاثاء ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ...
الأربعاء ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ...
الخميس ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ...
الجمعة ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ... الإمام ...
__________
(1) الطالبة تصلي في البيت، ويوقع وليها بدلاً من الإمام وتقدمها لمدرستها.
(3/295)

التحذير من الأمور الضارة
1 - العادات السيئة:
على المعلم الناجح في التربية والتعليم أن يصرف طلابه عن العادات السيئة كالكتابة باليسار، والإنحناء وقت الكتابة، وإلقاء الأوراق على الأرض، وقلع الورق من الدفاتر وتلويثها بالحبر، والكتابة بخط رديء، والكلام البذيء، والسَّب واللعن ... وغير ذلك من العادات السيئة، وأخطر عادة هي عادة التدخين التي تفشت بين الطلاب بشكل ينذر بالخطر، وعلى المربين والمعلمين أن يحذروا طلابهم بشتى الأساليب والطرق، ويجدر بالمعلم أن يشرح لهم أضرار التدخين حتى يُكرِّهم فيه، فيبين لهم أن الدخان يجلب الرائحة الكريهة، ويسبب اصفرار أسنان المدخن، وأصابعه، وتراكم مادتي النيكوتين والقطران التي يحتوي عليهما في الرئتين حيث يسبب ذلك الموت العاجل، وأن هذا قتل للنفس التي حرم الله، ولا بأس أن ينقل لطلابه ما أذاعته لجنة الأطباء العالمية من أن الدخان يورث سرطان الرئة والدم والبلعوم وغيرها من الأمراض الخطيرة.
وأما من ابتلي من المعلمين بهذا السم وتعاطيه فعليه أن لا يدخن أمام تلامذته ولا أمام الناس عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(كل أُمتي معافى إِلا المجاهرين). "متفق عليه"
والواجب أن ينقطع عن التدخين مطلقًا.
وللمعلم أن يبين لطلبته كذلك أن المدخن يؤذي جليسه من البشر، وكذلك يؤذي الملَكين الذين وكلهما الله تعالى بكتابة حسناته وسيئاته، والأذى في ديننا حرام. فإذا استطاع المعلم أن يقنع طلبته بكلامه ثم رأوا أفعاله مطابقة لكلامه، فيعلم أنه سلك الطريق السليم والصراط القويم.
2 - السينما والتلفزيون:
لقد نتج عن غزو الكفار لديار المسلمين أن تهدمت أخلاق المجتمعات الإسلامية وعمها الإنحلال الأخلاقي باسم الحرية والديمقراطية وغير ذلك من الأسماء الطنانة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ولقد صاحب استعمار الكفار لديار المسلمين
(3/296)

هذا الغزو الفكري الذي نراه في كثير من البلاد العربية والإِسلامية، ومن هذا الغزو دور السينما التي تمثل خطرًا عظيمًا على الشباب المسلم.
أما خطورته فكونه سببًا لشيوع الرذيلة وغيرها، وأما الهدف فهو توجيه الشباب إلى ما يضره ولا يفيده، حتى لا يستفيد من طاقاته ولا يوظفها لمصلحة دينه وبلده، وهذا هو تخطيط اليهودية العالمية، ومن العجب أن لا يتنبه المسئولون لهذه الأخطار ولا يعملون على إزالتها، وعندما تكون الأفلام علمية، أو أخلاقية، أو دينية، فلا بأس بها، كافلام تعلم الطلاب الوضوء والصلاة، واحترام المعلم، وطاعة الوالدين وغيرها مما ينفع الطلاب.
فعلى المعلم الناجح أن يفهم طلابه مضار السينما والتلفاز والفيديو، ويبين لهم خطر الأفلام الخليعة التي تقتل الفضيلة والرجولة في نفوس الطلاب وتعلمهم السّرقة والاجرام، وكم من سارق أو مجرم اعترف بأنه تعلم أسلوب الإِجرام مما يعرض في السينما أو الفيديو من الأفلام، والقصص الواقعية تشهد على ذلك، أضف إلى ذلك ما تسبب من تعب للعيون لأنها تحدق في الظلام، وتسبب كذلك الاختناق بسبب الهواء الفاسد، وخسارة المال في غير ما طائل.
فعلى المعلم أن يشرح هذه الأمور للطلبة، ويبين لهم أن الطالب لو اشترى كتابًا علميًا أو قصة مفيدة لكان أفضل بكثير، وقد حفظ الله البلاد السعودية من السينما وما يجري فيها من الإختلاط.
3 - الميسِر واليانصيب:
على المعلم الناجح في التربية والتعليم أن يراقب طلابه دائمًا ويلفت نظرهم إلى أن اللعب على الشوكلاته والحلوى وغيرها هو من القمار الذي يجعل صاحبه مُعرضًا لغضب الرب وإفلاس الجيب، وُينبههم إلى أن الذي يتعود على اللعب على هذه الأمور البسيطة سَيُجَر بعدها إلى أن يلعب بالمال، وربما بالعرض، وقد حدث ذلك حينما خسر أحدهم ماله ولم يبق معه شيء، فباع بنته، ثم خسر فباع لترًا من دمه فخسر، ووُجِد بعد ذلك ميتًا في أحد فنادق بيروت.
ولو كان في الميسِر خير لما نهانا الله عنه، قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي
(3/297)

الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90، 91]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن لَعِبَ بالنردَشير فكأنما غمسَ يدَه في لحَم خنزيرٍ ودمه). "رواه مسلم"
ومن هذا نخلص إلى أنه لا يجوز اللعب بالورق والنرد ولو كان للتسلية، لأنه يؤدِّي إلى القمار كما يورث الشجار بين اللاعبين، وحدث أنه حصل خلاف بين صديقين يلعبان بالنرد للتسلية فتصايحا، واتهم واحد صديقه بتحريك القطعة الخشبية، وحلف أحدهما بالطلاق على عدم تحريكها فلم يُصدقه ودخلت العداوة بينهما فلم يكلم أحدهما الآخر وهما جيران.
4 - السب والتشاجر:
لقد تفشى منذ عهد غير بعيد ظاهرة سيئة للغاية هي تشاجر الطلبة وسب بعضهم بعضًا، وربما بلغ ببعضهم أن يسب الدين، فعلى الأولياء العناية بأولادهم والأخذ على أيديهم وعدم التسامح في هذا أبدًا، فما عرف سلفنا هذه العادة السيئة أبدًا، وينبغي أن يتعاون المعلم مع ولي أمر الطالب حتى تُقتلع هذه العادة من جذورها وتعالج بالحكمة والموعظة الحسنة، ولقد حصل منذ زمن أن رأيت طالبًا يسب زميله بدينه فاقتربت منه وقلت له: ما اسمك يا بني؟ وفي أي صف؟ ومن أي مدرسة؟ ثم قلت له: مَن الذي خلقك؟ قال: الله، وقلت: مَن أعطاك السمع والبصر، وأطعمك الفواكه والخضر؟ قال: الله، قلت فما هو واجبك نحو من أعطاك هذه النِعم؟ قال: الشكر، قلت له: وماذا كنت تقول قبل قليل؟ فخجل، وقال إن زميلي هو الذي اعتدى عَلَيَّ، فقلت: إن الله لا يقبل الإعتداء وقد نَهَى عنه فقال سبحانه: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]
ولكن مَن الذي وسوس لرفيقك حتى ضربك؟ فقال: الشيطان، قلت: إذن عليك أن تسب شيطانه (1) فقال لرفيقه: يلعن شيطانك، ثم قلت له: عليك أن تتوب إلى
__________
(1) الأولى للمسلم أن يستعيذ بالله فيقول عند الغصب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى:
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - للغضبان:
"إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" "متفق عليه"
(3/298)

الله وتستغفره، لأن سبك للدين كفر فقال: استغفر الله العظيم وأشهد أن لا إله إِلا الله وأن محمدًا رسول الله، فشكرته وطلبت منه أن لا يعود، وأن ينصح زملاءه إذا رأى أحدهم سب الدين.
أما الشجار والمشاجرة فعلى المعلم أن يُفهم الطلاب أنهم إخوة ولا يجوز للأخ أن يُقاتل أو يسب أخاه وقد نهانا المربي الأكبر سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال:
(سِباب المؤمن فسوق وقتاله كفر) "متفق عليه"
فينبغي أن يسود بين الطلبة جو الإِخاء والمحبة، وعلى المعلم أن يرشدهم إلى ما يزيد مِن أخوتهم ومحبتهم قال - صلى الله عليه وسلم -:
(أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) "رواه مسلم"
(3/299)

المكافآت والعقوبات
المعلم الناجح لا يلجا إلى العقوبات المادية إِلا قليلًا، وبقدر ما تقتضيه الضرورة، فهو دائمًا يقدم المكافآت على العقوبات، لأنها تشجع الطالب على التعلم، وطلب المزيد من التريية والتعليم، بعكس العقوبات فإنها تترك أثرًا سيئًا في نفس الطالب، مما يحول بينه وبين الفهم والعلّم ويقتل في نفسه روح المثابرة والتقدم، وكثيرًا من الطلاب يتركون المدرسة من أجل ما يرونه من بعض المعلمين من أنواع القسوة والظلم، ولقد اعتاد الطلاب أن ينعتوا المعلم القاسي بالظالم.
ولنبدأ بالمكافآت وأنواعها قبل العقوبات لأنها الأصل، هي المقدمة دائمًا:
1 - الثناء الجميل:
على المعلم الناجح أن يثني على الطالب إذا رأى منه أي بادرة حسنة في سلوكه، أو في اجتهاده، فيقول للطالب الذي أحسن الجواب: أحسنت، بارك الله فيك أو نعم الطالب فلان، فمثل هذه الكلمات اللطيفة تشجع الطالب وتقوي روحه المعنوية، وتترك في نفسه أحسن الأثر، مما يجعله يحب معلمه ومدرسته، ويتفتح ذهنه للتدريس، ويكون في نفس الوقت مشجعًا لرفاقه أن يقتدوا به في أدبه وسلوكه واجتهاده لينالوا الثناء والتشجيع من معلمهم فذلك خير لهم من العقوبات المادية التي يتعرضون لها.
2 - المكافآت المادية:
إن الولد بطبيعته يحب المكافاة المادية، ويحرص على اقتنائها، ولذلك فعلى المعلم أن يستجيب لهذه المحبة، ويقدمها للطالب في المناسبات. فالتلميذ المجتهد أو الخلوق أو الذي يقوم بواجبه نحو ربه من صلاة وغيرها من الأعمال الخيرية والمدرسية، ثم يأخذ مكافأة مادية من معلمه سوف يجد نفسه مسرورًا أمام رفاقه قد أشبع في نفسه غريزة حب التملك، ويستحسن للمعلم أن يضع للطالب علامة جيدة في سلوكه والمادة التي أجاد فيها.
(3/300)

3 - الدعاء:
على المعلم أن يشجع الطالب المجتهد أو الأديب أو المصلي بالدعاء له قائلًا: وفقك الله أرجو لك مستقبلًا باهرًا، وللطالب المقصر أو المسيء: أصلحك الله وهداك.
4 - لوحة الشرف:
من المفيد جدًا أن تكون في المدرسة لوحة شرف كبيرة توضع في مكان بارز ويسجل عليها أسماء الطلبة حسب تميزهم على غيرهم في السلوك، أو الإجتهاد، أو النظافة، وغير ذلك، فيكون هذا الإِعلان تشجيعًا للطلاب على الاقتداء بهم، حتى تسجل أسماؤهم على اللوحة.
5 - الإستحسان:
عند صعود أحد الطلاب الصف لشرح درس أو إلقاء محفوظة، أو حل مسألة، أو تسميعٍ سورة من القرآن، فعلى المعلم أن يربت على كتف الطالب إذا أحسن تشجيعًا له قائلا بارك الله فيك.
6 - الإِعداد:
أن يَعدَّ المعلم نفسه واحدًا من طلابه المجيدين، وأن ينتسب إليهم وهذه مكافأة عظيمة، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:
(لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار). "متفق عليه"
7 - التوصية:
وذلك بأن يوصي المعلم الطلاب والمعلمين بالطالب الجيد خيرًا تشجيعًا له، ولرفاقه الذين سيقتدون به في اجتهاده وأخلاقه.
8 - المصاحبة:
يستطيع المعلم أن يصحب ويرافق الطلاب الذين يريد مكافأتهم في ذهابه معهم إلى المسجد، أو إلى الرحلات المدرسية، فالطلاب يعتزون بمرافقتهم لمعلمهم ويفرحون بذلك.
9 - توصية أهل الطالب:
يستطيع المعلم أن يكتب رسالة ويرسلها مع الطالب يذكر فيها محاسن الطالب ويثني عليه، وفي ذلك تشجيع لأسرة الطالب ليعاملوا ولدهم بالتي هي أحسن، وهذا
(3/301)

يشجع الطالب على التقدم والسلوك الحسن، وعلى المعلم أن يسأل عن أخلاق الطلاب وسلوكهم في البيت، ومحافظتهم على الصلاة في المسجد، ويكلف الطلاب أن يأتوا بأوراق من أولياء أمورهم وإمام مسجده، يثبتون فيها حسن سيرتهم وأدائهم للصلوات مع الجماعة.
10 - مساعدة الفقراء:
على المعلم أن يقوم بانتقاء عدد من الطلاب لجمع التبرعات للفقراء، وأن يساهم معهم في ذلك بشيء من المال ليقتدي الطلاب به، ويتم توزيع المال بإشراف المعلم والطلاب على إخوانهم المحتاجين إلى الكساء أو الطعام، أو الكتب، أو الأدوات المدرسية، وعلى المعلم أن يشكر الطلاب المتبرعين أمام رفاقهم تشجيعًا لهم ولبقية الطلبة لكي يتبرعوا وينالوا الأجر العظيم عند الله، وأن الله سيخلف عليهم المال الذي أنفقوه، ويذكر المعلم للطلاب قول الله تعالى:
{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39]
ويمكن للمعلم أو المدير أن يُقدِّم من هذا الصندوق بعض المال، لشراء بعض الهدايا لإِعطائها للطالب المجتهد، أو المطيع لأوامر المعلم والوالدين، أو النظيف في ملبسه، أو سلوكه الحسن.
(3/302)

العقوبات وأضرارها
على المعلم الناجح أن يجتنب العقوبات المادية، وذلك لأنها خطر على الطالب وعلى المعلم كذلك، وإضاعة لوقته، حيث أن الطالب قد يتضرر من ضرب المعلم له، مما يسبب الوحشة بينه وبين معلمه، وقد يتطور الحال إلى تعرض المعلم للمسئولية أمام المفتش والمحاكم الجزائية، وولي الطالب المضروب، مما يسيء إلى سمعته ومكانته ودوره في خدمة أمته، ويندم المعلم عندئذ حين لا ينفعه الندم، فيضطر إلى وضع الوسطاء لحل مشكلته، وقد لا تحل إِلا بالمحاكم الجزائية، فينال جزاء ما اقترفت يداه، وكل هذا سببه استعمال العقوبات المادية، ولذلك فقد قرر المسئولون منع هذه العقوبات، فوجب الإنتهاء عنها وتحاشي الوصول لاستخدامها، إِلا في حالة الضّرورة القصوى كتأديب بعض الطلاب المنحرفين الذين لا ينفع معهم غير ذلك، أو لحفظ هيبة الدرس ونظامه بعد أن يكون المعلم قد قدم النصائح والتوجيهات لهؤلاء الطلاب فلم يرتدعوا، لذلك كما يقول المثل العربي: "آخر الدواء الكي".

أضرار العقوبات المادية
1 - عرقلة سير الدرس وتأخيره على الطلاب جميعًا.
2 - إنفعال المعلم والطالب أثناء العقوبات وتأثير ذلك عليهما معًا.
3 - احتمال وقوع الضرر للطالب المضروب في وجهه أو عينه أو أذنه أو غير ذلك من الجوارح والأعضاء.
4 - قطع فهم الدرس على الطالب المعاقب.
5 - قطع سلسلة أفكار المعلم حين العقوبة.
6 - تعرض المعلم للمسئولية أمام المحاكم والأهالي والمفتش.
7 - ضياع الوقت على الطلاب وتأثرهم بما يجري في الدرس.
8 - فقد التبجيل والإحترام المتبادل بين الطالب ومعلمه.
(3/303)

العقوبات الممنوعة
إذا احتاج المعلم إلى العقوبات أحيانًا فعليه أن يجتنب ما يلي:
1 - الضرب على الوجه:
وذلك شائع بين المعلمين، حيث يضربون الطالب على وجهه، وربما أصاب أحدهم عينه أو أذنه، وتعرض للمسئولية والمحاكمة ودفع الغرامة، وكان سببًا في تعطيل أحد حواسه، ولذلك فقد نَهَى الرسول عليه الصلاة والسلام عن ضرب الوجه فقال: (إذا ضرب أحدكم خادمه فليتق الوجه).
"حديث حسن: انظر صحيح الجامع 187"
2 - القسوة الشديدة:
المعلم القاسي في ضربه يطلق عليه الطلاب اسمًا قاسيًا ويقولون عنه:
"فلان معلم ظالم"، وكفى بهذا الاسم شرًا، فليس بعد الظلم والقسوة إِلا الندم، فكم رأينا بعض الأساتذة يعتذرون لأولياء الطلاب والمسئولين بعد إنزال العقوبة القاسية على طلابهم.
فالله الله معاشر المعلمين في فلذات الأكباد، ارفقوا بهم فإن الرفق كله خير.
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخيرَ كله). "رواه مسلم"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما كان الرفق في شيء إِلا زانه، ولا نُزع مِن شيء إِلا شانه) "رواه مسلم"
3 - الكلام السيء:
على المعلم أن يجتنب ما يسيء إلى الطالب من ألفاظ نابية قد تسبب له نفورًا وانحرافًا، وربما كانت سببًا في انحرافه وميله للإِجرام في المستقبل، فالمعلم الذي يقول للطالب: خبيث، ملعون، مجرم ... وغيرها من الكلمات القاسية التي تجرح شعور الطالب، وتحلمها بدوره ليقولها لرفيقه في المدرسة أو لأخيه في البيت، وتكون المسئولية على ذلك المربي الذي سن لطلابه أن يتعلموا مثل هذا الكلام الذي لا يليق بمعلم أن يتفوه به، وفي الحديث الصحيح: (... ومَن سَنَّ في الإِسلام سُنة سَيئة فعليه وِزرُها وَوِزرُ مَن عمل بها مِن بعده مِن غير أن ينقص مِن أوزارهم شيء). "رواه مسلم وغيره"
(3/304)

4 - الضرب عند الغضب:
قال أبو مسعود:
كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا مِن خلفي: (اعلم أبا مسعود) فلم أفهم الصوت مِن الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا هو يقول (اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود) قال: فألقيت السوط مِن يدي. فقال: (اعلم أبا مسعود أن الله أقدَر عليك منك على هذا الغلام، فقلت لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا). "رواه مسلم"
5 - الرفس بالرجل:
وقد رأيت بعض المعلمين يرفسون بأرجلهم ونعالهم، وربما أصاب ذلك الرفس محلًا خطيرًا أودى بحياة الطالب، وتقع المسئولية، ويندم حيث لا ينفع الندم، مع العلم أن الرفس ليس من شيمة الإنسان.
6 - الغضب الشديد:
على المعلم الناجح في درسه أن يملك أعصابه، ويدرك مزايا الطفولة ليعذر الأطفال في تصرفاتهم، وليتذكر عمله حين كان طالبًا في المدرسة، فربما كان أشد سُوءً في تصرفاته، فإذا تذكر المعلم خفَّ غضبه، وملك نفسه وكان شجاعًا حقًا:
فقد قال المربي الكبير محمد - صلى الله عليه وسلم -:
(ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يَملك نفسَه عندَ الغضب). "متفق عليه"
وليحذر المربي سواء كان معلمًا أو أبًا أن يعاقب عند الغضب، لئلا يؤذي مَن يعاقبه، تكون العاقبة السيئة، وعلى المعلم أن يسجل أسماء المخالفين ليعاقبهم آخر الدرس، وإني أعرف معلمًا لحق بولده ليعاقبه في حالة الغضب فخاف الولد وهرب، وقد عثر في هروبه فصُدعت رجله، وحُمل إلى المجبر ليداويه، وندم الأب على عمله.
وقام بعض المدرسين بمعاقبة أحد طلابه في حالة غضبه، فجعل يسب ويشتم ويكفر والطلاب ينظرون إليه باحتقار، وإذا تكرر غضب المربي أمام طلابه، وعلا صياحه، وكثر هياجه، أثر في نفوس طلابه وغُرِست فيهم تلك العادة السيئة واقتدوا بمعَلمِهم في سلوكهم وأعمالهم، فأصبحوا يغضبون، ويشتمون وو ..
(3/305)

علاج الغضب:
إذا اعترى المربي الغضب فليسارع إلى الدواء الشَّافي الذي وصفه له الطبيب الخبير محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:
(أ) (إذا غضب أحدكم فقال: أعوذ بالله، سكن غضبه).
"صحيح: انظر صحيح الجامع 1708"
(ب) (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا
فليضطجع). "صحيح: انظر صحيح الجامع 707"
ومعلوم أن الغضب من الشيطان، وعلى الإنسان أن يستعيذ بالله منه لينصرف عنه وفي تغيير وضع الغضبان من القيام إلى الجلوس فائدة عظيمة لصرف غضبه، ولا سيما الوضوء ففيه الأدوية المفيدة.

العقوبات التربوية المفيدة
هناك عقوبات تربوية ناجحة يجدر بالمعلم استعمالها نحو المخالفين لأداب الدرس ومكانة الأستاذ، وهي عقوبات تربوية مأمونة العواقب، مضمونة النجاح بمشيئة الله وهي على أنواع:
1 - النصح والإِرشاد:
وهي طريقة أساسية في التربية والتعليم لا يستغني عنها، وقد سلكها المربي الكبير مع الأطفال والكبار:
(1) أما مع الأطفال، فقد رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - غلامًا تطيش يده في الطعام فقال له يعلمه الأكل: (يا غلام سَمِّ الله تعالى وكُلْ بيمينك وكُلْ مما يليك). "متفق عليه"
ولا يقولن أحد إن هذه الطريقة قليلة التأثير مع الصغار، فقد جربتها بنفسي عدة مرات فكان لها أطيب الأثر، وقد تقدم في موضوع التحذير من الأمور الضارة قصة الولد الذي كان يَسب الدين كيف نصحته وقبل النصح.
وحدث مرة حينما كنت سائرًا في الشارع مع أحد المعلمين فرأينا طفلًا يبول في وسط الشارع فصاح به المعلم: ويلك ويلك .. لا تفعل، فَذُعِرَ الصبي وقطع بوله وهرب، فقلت لذلك المعلم: لقد أضعت علينا النصح لذلك الولد، فقال لي:
(3/306)

وهل يجوز أن أترك الولد يبول في الشارع أمام الناس، قلت له: لا، فقال المعلم: وماذا تريد أن تفعل غير ذلك؟! قلت له: أترك الطفل حتى ينتهي من بوله، ثم أدعوه إليَّ، وأتعرف عليه، ثم أقول له: يا بُنَي إن هذه الشوارع طريق للمارة، لا يجوز فيها البول، وقريبًا منك مكان (دورة مياه) فاحذر أن تعود لمثل هذا فأنت ولد مهذب، أرجو لك الهداية والتوفيق. فقال لي: هذه طريقة حكيمة ومفيدة، قلت له: هذه طريقة مربي الإِنسانية محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، وحدثته بقصة الأعرابي المشهورة التي تأتي الآن:
(ب) أما النصح والإرشاد مع البالغين فأكبر مثال على تأثيرها قصة الأعرابي الآتية: (عن أنس -رضي الله عنه- قال:
بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد).
أصحابه - صلى الله عليه وسلم -: (يصيحون به) مَهْ مَهْ (أي اترك).
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا تُزْرموه دعوه (لا تقطعوا بوله).
(يترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله ثم يدعو الرسول الأعرابي).
الرسول (للأعرابي): (إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر إنما هي لِذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن).
الرسول (لأصحابه): (إنما بُعِثتم مُيسِّرين، ولم تُبعثوا مُعَسِّرين صُبوا عليه دَلوًا مِن الماء)
الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لقد تحجَّرتَ واسعًا) (أي ضيقت واسعًا). "متفق عليه"
2 - التعبيس:
يستطيع المعلم أن يعبس في وجه طلابه أحيانًا إذا رأى منهم فوضى ليحافظ على نظام الدرس وهيبته، فذلك خير من التساهل معهم أولا، حتى إذا ما اشتطوا عاقبهم.
3 - الزجر:
كثيرًا ما يلجأ المربي إلى زجر أحد الطلاب الذين يكثرون الأسئلة لضياع الدرس، أو يستخفون بالمعلم، أو غير ذلك من الأخطاء التي يرتكبها الطالب، فإذا ما زجره وصاح به المعلم سكت وجلس بأدب، وهذه الطريقة استعملها الرسول المربي صلوات الله وسلامه عليه حين رأي رجلاً يسوق بدنَه: الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (اركبها).
(3/307)

الرجل: أنها بدنة.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (اركبها).
(يركب الرجل البدنة يساير النبي - صلى الله عليه وسلم - والنعل في عنقها). "رواه البخاري"
4 - الكف عن العمل:
حينما يرى المعلم الطلاب يتكلمون في الدرس فيطلب منهم الكف عن الكلام بصوت قوي، فقد طلب الرسول عليه الصلاة والسلام من الشخص الذي تجشأ في حضرته وقال له: (كُفَّ عنا جُشاءك). "حسن انظر صحيح الجامع 4367"
5 - الإِعراض:
بإمكان المربي أن يُعرض عن ولده أو تلميذه إذا رأى منه كذبًا أو إلحاحًا في أسئلة غير مناسبة، أو غيرها من الأعمال الخاطئة، فيشعر المتعلم بإعراض معلمه أو أبيه عنه، فيرجع عن خطئه.
6 - الهجر:
على المربي أن يهجر ولده أو تلميذه إذا ترك الصلاة أو ذهب إلى السينما أو قام بعمل مناف لآداب الدرس، وأكثر الهجر ثلاثة أيام لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل لِمسلم أن يَهجرَ أخاه فوق ثلاثٍ لَيال) "متفق عليه"
فإن في الهجر تأديبًا للابن وللطالب معًا، قال الشاعر:
يا قلب صَبرًا على هَجرِ الأحِبة لا ... تجزَع لِذاك فبَعض الهجرِ تأديب
7 - التوبيخ:
للمربي أن يوبخ ولده أو طالبه إذا اقترف ذنبًا كبيرًا، ولم يؤثر فيه النصح والإِرشاد.
8 - جلوس القرفصاء:
إذا ضاق المعلم بأحد الطلاب ذرعًا لكسله، أو وقاحته أو غير ذلك فليخرجه من مكانه وليجلسه أمامه جلوس القرفصاء على قدميه، ويرفع يديه إلى الأعلى، وهذا ما يتعب التلميذ ويكون ذلك عقوبة له، وذلك أفضل بكثير من معاقبته باليد أو العصا.
9 - معاقبة الأب:
إذا تكرر الخطأ من الطالب فليرسل المعلم إلى وليه، ويكلفه معاقبته بعد أن ينصحه، وبذلك يتم التعاون بين المدرسة والبيت على تربية الطالب.
(3/308)

10 - تعليق العصا:
يستحب للمعلم والمربي والأب أن يعلق السوط الذي يضرب به على الجدار ليراه الأولاد فيخافوا من العقاب لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (عَلِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت فإنه أدب لهم). "حسنه الألباني في صحيح الجامع"
قوله: (يراه أهل البيت) فيرتدعون عن ملابسة الرذائل، خوفًا لأن ينالهم منه نائل. قال ابن الأنباري: لم يُرِدْ به الضرب، لأنه لم يأمر بذلك أحدً، وإنما أراد لا ترفع أدبك عنهم.
وقوله: (فإنه أدب لهم) أي هو باعث لهم على التأديب، والتخلق بالأخلاق
الفاضلة، والمزايا الكاملة. "ذكره المناوي في فيض القدير ج 4/ 322 "
11 - الضرب الخفيف:
يجوز للمربي والأب أن يضرب ضربًا خفيفًا، إذا لم تنفع الوسائل المتقدمة، ولا سيما لأداء الصلاة لمن كان عمره عشر سنين لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (عَلِّموا أولادكم الصَّلاة إذا بلغوا سبعًا، واضربوهم عليها إذا بَلغوا عَشرًا، وفرِّقوا بَينهم في المضاجِع). "صحيح رواه البزار وغيره"
والتفريق في المضاجع بين الأولاد عند النوم أمرٌ مُهم، ولا سيما البنت والصبي، حتى يحفظ الأب أولاده من الإنحراف، ولا سيما ما يراه الأطفال من المسلسلات الجنسية والأفلام الخلاعية في السينما والتلفاز والفيديو، مما يزيد في انحرافهم، فلينتبه الأباء والأمهات، وإذا لم يتمكنوا فعليهم أن يباعدوا بينهم، ويضعوا لكل واحد غطاءً مستقلًا، وليراقبوهم.
(3/309)

أخطاء بعض المعلمين والموظفين
هناك أخطاء منتشرة بين كثير من الناس، ولا سيما بين المدرسين والموظفين والعمال وغيرهم ممن يقومون بمصالح الشعب، لذلك يجب تصحيح أوضاعهم وسلوكهم، لأنهم مسئولون عن أعمالهم أمام الله تعالى، فقد قال -عَزَّ وَجَلَّ-:
{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(إن الله سائلٌ كل راع عما استرعاه: أحفِظَ ذلك أم ضَيَّعه)؟ "حسن رواه النسائي"
اِعلم يا أخي المسلم -هدانا الله وإياك- أن بعض الموظفين والمدرسين مقصرون يحتاجون إلى نصح:
1 - لا تتأخر عن الدوام المحدد، فتضر الناس، وتؤخر أعمالهم فالمعلم والموظف الذي لا يأتي إِلا متأخرًا يكون مهملًا لواجبه يأخذ راتبه حرامًا على قدر تأخره، ومن المؤسف أنه لا يوجد في الدوائر من يراقب دوام الموظف الذي يتأخر عن عمله، أو يذهب بعد دوامه ليقضي مصالحه، ويترك أعماله ومراجعيه؛ وإن وجد المراقب وهو الرئيس والمسئول، فلا يقوم بواجبه أحيانًا.
2 - لا تضيع أوقاتك في قراءة الجرائد والمجلات، واستقبال الأصدقاء، وغير ذلك مما يسبب تأخير العمل، ولا سيما إذا كان هناك مراجعون ينتظرون معاملاتهم، أو كان هناك طلاب ينتظرون مدرسهم، وكثيرًا ما يأتي الموظف زائر مِن أصدقائه، فيستقبله ويتحدث إليه ويقدم له الضيافة، ويترك أعماله، وحدث هذا في إحدى الدوائر حينما جاء ضيف لهذا الموظف، فأدخله الغرفة، وأغلق الباب لئلا يدخل عليه المراجعون، ولم يفتح الباب إِلا بعد مدة طويلة، والناس يقفون على أرجلهم يقاسون شدة الحر والازدحام ينتظرون الموظف، وكثيرًا ما يأخذ الآذن الرشوة من المراجعين ليأخذ منهم الأوراق، والموظف غافل عن هذه الرشوة، لا يبالي بما يعانيه المراجعون من عناء وتعب وعندما يراجعه أحد الواقفين يصيح به الموظف ويخرجه، لينتظر دوره، وقد غفل عن اللوحة التي بجانبه، وقد كتب عليها، الزيارات الخاصة ممنوعة.
هذه المآسي المسئول عنها هم بعض الرؤساء الذين يتساهلون معهم، فإن عثمان -رضي
(3/310)

الله عنه- قال: إن الله ليزَع بالسلطان ما لا يزَع بالقرآن.
3 - راقب الله سبحانه وتعالى في عملك سواء كنت حاكمًا أو مدرسًا أو موظفًا، واعطف على إخوانك المراجعين، وعاملهم بمثل ما تحب أن يعاملوك، وأنجز لهم أعمالهم، وقدم لهم النصيحة فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الدين النصيحة، قلنا لِمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئِمة المسلمين وعامتهم). "رواه مسلم"
وليست النصيحة من واجب العالم الذي يعظ الناس في المسجد فحسب، بل هي واجبة على كل مسلم ولا سيما المدرسين، وكم من موظف لم ينصح المراجع، حتى كلفه ذلك عناء ومشقة ومالًا.
4 - لا تتكبر على المراجعين فأنت من الشعب وهم إخوانك، وأنت تأخذ الراتب لتخدمهم وتقضي مصالحهم وتذكر وصية لقمان الحكيم لولده التي ذكرها الله تعالى حين قال: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18]
واجب العامل وصاحب العمل:
1 - اعمل بإخلاص، ولا تضيع وقتك بدون عمل، حتى تأخذ الأجر حلالًا.
2 - انصح صاحب العمل، واحذر غشه ولو كان غير مسلم لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مَن غش فليسَ منا). "صحيح رواه الترمذي"
3 - عليك بإتقان العمل لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(إن الله يحب إذا عَمِلَ أحدكم عملاً أن يُتقنه). "حسن رواه البيهقي"
4 - احرص على الوفاء بوعدك، ولا تخلف به، لتكسب ثقة الناس، ولئلا تقع
في ذنب كبير: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا وَعدَ أخلفَ، وإذا اؤتِمن خان). "متفق عليه"
5 - على صاحب العمل أن يعطي العامل بالقدر الذي يستحقه، ولا سيما إذا كان بينهما اتفاق، وأن لا يتأخر عن دفع حقه لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (مَطلُ الغَني ظْلم). "متفق عليه"
(3/311)

التقليد الأعمى ضار:
إن من العيوب المنتشرة بين المسلمين، والأخطاء التي يجب تركها هو التقليد الأعمى، فبعض المسلمين - أصلحهم الله - كالببغاء يُردد عن الغرب أو الشرق كل كلمة أو فعل من غير أن يفهم ما يقول أو يفعل، أو ليقال عنه متمدن، أو متطور، وهذا خطأ كبير.
1 - احذر يا أخي المسلم أن تقلد غيرك تقليدًا أعمى حتى تسأل عنه، وتعرضه على الإِسلام، فقد يكون محرمًا كلبس خاتم الخطبة الذي تقدمه الزوجة للزوج زعمًا منها أن هذا الخاتم يمنعه من الإختلاط بالفتيات، ونسيت أن الزوج بإمكانه أن يخلعه عندما يريد الإختلاط، وهذه العادة مأخوذة عن النصارى، ولا سيما إذا كان الخاتم من الذهب المحرم على الرجال، وقد نَهَى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن التشبه بالكفرة فقال: (مَن تشبه بقوم فهو منهم). "صحيح رواه أبو داود"
2 - ومن التقليد المذموم، الذي جلب للمسلمين الذلة والصغار الحكم بقوانين الغرب المخالفة للإسلام، وترك الحكم بشريعة الله -عَزَّ وَجَلَّ- التي أعزت المسلمين في عصر النبوة والصحابة ومَن بعدهم.
3 - احذر لبس الذهب فهو محرم على الرجال حلال للنساء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: (يعمَد أحدكم إلى جمَرة مِن نار، فيجعلها في يده! فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذ خاتمك انتفِع به، قال: لا والله لا آخذه أبدًا وقد طرَحه رسول الله). "رواه مسلم"
(3/312)

من فوائد الحديث
1 - كل من رأى منكرًا كلبس الذهب فعليه تغييره بيده إن استطاع، كما بين ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله:
(مَن رأى منكم منكرًا فليُغَيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان). "رواه مسلم"
2 - تشبيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذهب بالجمرة من النار يدل على أنه من الكبائر.
3 - يجوز الإنتفاع بالخاتم وبيعه، لقول الصحابة في نص الحديث:
(خذ خاتمك انتفع به).
4 - استجابة الصحابي لفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعدم أخذه بعد طرح الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدل على إيمان قوي، وتضحية بالمال.

الخلاصة: على الشباب المسلم أن يلبسوا خاتم الفضة، فهو أجمل من الذهب في شكله الجميل الفضي اللامع، وسعره أرخص من الذهب بكثير، وقد أحله الإِسلام للرجال والنساء، وقد نصحت أحد إخواني اللابسين لخاتم الذهب، وذكرت له حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فما كان منه إِلا أن استجاب، وخلعه من يده وأعطاني إياه، فبعته، واشتريت له خاتمًا من فضه، ورددت له بقية المال، ففرح كثيرًا، وتبعه بقية المعلمين في ذلك، وحق عليه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مَن سَنَّ في الإِسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر مَن عَمِل بها مِن غير أن ينْقصَ مِن أجورهم شيء).
"رواه مسلم"
5 - علينا أن نقلد الغرب في الإختراعات الحديثة كالطائرات، والدبابات والغواصات وغيرها من الأسلحة المتطورة، حتى لا نحتاج إليهم، وندافع بها عن ديننا وأرضنا لا أن نقلدهم في التبرج والرقص والميوعة، وغيرها من الأمور الضارة: وصدق قول الشاعر حين قال:
قلَّدوا الغربي، لكن بالفجور ... وعن اللب استعاروا بالقشور
6 - نهانا الإِسلام أن يقلد بعضنا بعضًا في الأمور السيئة حيث قال ابن مسعود:
"لا يكن أحدكم إمَّعة، يقول: إن أحسنَ الناسُ أحسَنت، وإن أساءَ الناس
(3/313)

أسأت، ولكن وَطَنوا أنفسكم على أن تحسنوا إذا أحسن الناس، وألا تظلموا إذا أساء الناس".
ومن المؤسف أننا إذا نصحنا بعض الناس ألا يغشوا ولا يكذبوا، وألا تسفر نساؤهم تراهم يتعللون قائلين: الناس كلهم يكذبون، ويغشون، وتسفر نساؤهم، كأنهم يريدون الإقتداء بهم، فاحذر يا أخي المسلم السير مع التيارات الفاسدة، والتقاليد الضارة.
لا تتشبه بلباس الأجانب كلباس البنطال الضيق الذي يجسم العورة، ولا سيما في شعار الرأس، فلا تقلد الإِفرنج، وتلبس البرنيطة، فهي شعار الكفرة واليهود والنصارى، وفي الحديث:
(مَن تشَّبه بقوم فهو مِنهم). "صحيح رواه أبو داود"
وعليك بالتشبه بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، والصالحين من الرجال، ولا تنظر إلى غير المتمَسكين بالإِسلام.
(3/314)

إلى المعلمات والمدرسات
إن التوجيه المتقدم للمربين والمعلمين ينطبق على المربيات والمعلمات من حيث الصفات التي يتحلى بها المدرسون، وواجباتهم وغير ذلك من الأمور المهمة اليَ تقدمت، ويزيد عليها أمور مهمة تتعلّق بالمعلمات والمدرسات:
الحجاب:
على المعلمة والمدرسة أن تدخل المدرسة والفصل بحجاب كامل ويفضل الأسود منه على غيره من الألوان لأنه أبعد عن الفتنة، ولأن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 28]
خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية
سوداء يلبسنها. "انظر تفسير ابن كثير ج 3/ 1518"
والمعلمة أو المدرسة إذا دخلت المدرسة والفصل بحجاب وحشمة وَوَقار بعيدة عن الزينة المصطنعة على وجهها كانت مثالًا عمليًا للطالبات أن تقتدين بها في لباسها الإِسلامي الساتر، بعكس المعلمة التي تدخل المدرسة والدرس وهي سافرة تضع الأصباغ على وجهها، وليس عليها مظهر الحشمة والوقار فسوف تكون أسوة سيئة للطالبات، وعليها وزرها وَوِزر طالباتها.
1 - على المعلمة والمدرسة أن تحث الطالبات على الحجاب الشرعي وأنه شعار المرأة المسلمة، وتبين لهن شروط الحجاب الذي هو في صالح المرأة، وتكريم لها، لكي يحفظ شرفها.
2 - استيعاب الحجاب لجميع البدن حتى الوجه ولونه أسود، ولا يجوز إظهار اللباس الذي تحت الحجاب.
3 - ألا يشبه الحجاب ملابس الرجال للنهي الوارد عنه في الحديث:
(لعن الله المتشبهات مِن النساء بالرجال). "رواه البخاري"
4 - ألا يكون لون الحجاب زاهيًا أو ملونًا، بحيث يلفت النظر.
5 - وهذا الحجاب يجب أيضًا على النساء اليهوديات والنصرانيات إذا تزوجهن المسلم لقول
(3/315)

الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}.
6 - على المعلمة المسلمة أن تأمر الطالبات بغطاء الرأس عندما تكون في سن السابعة من عمرها لتتعود على الحجاب عند البلوغ، وأسوة بتعليم الصلاة في هذا السن لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سِنين، وفرَّقوا بينهم في المضاجِع). "حسن رواه أحمد وغيره"
والضرب المراد بالحديث ضربًا غير مُبرح بعيدًا عن الوجه.
(3/316)

خلاصة الرسالة
على المربي أن يكون حكيمًا في تربيته وتعليمه، وأن يحب مهنته وعمله، وأن يكون محبوبًا من زملائه وطلابه، ينصحهم ويرشدهم بحكمة ولطف عملاً بقول الرب جل وعلا: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]
وليعلم المعلم أن عمله من أشرف الأعمال وأنبلها، وأن مستقبل الأُمة والدين والوطن يتوقف على توجيهه لطلابه، وتربيتهم، وتعليمهم ماينفعهم، وما يجعل منهم شبابًا مؤمنين محبين لدينهم وأُمتهم، معتزين بأجدادهم الذين فتحوا لنا البلاد، ومن يدري؟ فلعله يخرج مِن طلابه مَن يكون رئس دولة، أو قائد جيش، أو غيرها من الأمور المهمة التي يتوقف عليها مستقبل الأمة، ولا سيما ونحن على أبواب معركة حاسمة مع الصهيونية، نحتاج فيها إلى إعداد جيل مؤمن قوي شجاع لا يهاب الموت، يعتبر الشهادة في سبيل الله، وتحرير الأرض المحتلة أسمى أمانيه.
وعلى المعلم أن يمثل الشخصية الإِسلامية المحبوبة أمام زملائه وطلابه، ليكون لهم القدوة الحسنة في التضحية والِإيثار، والقيام بالواجب، والكرم وحسن الخلق والمعاشرة، لتنطبع هذه الصفات الحسنة في نفوس طلابه وزملائه، واضعًا نصب عينيه قول الله تعالى:
{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93]
وقول الله تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]
وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (كُلُّكُم رَاع وكُلُّكُم مسئولٌ عن رَعيته). "متفق عليه"
والمعلم راع في مدرسته وهو مسئول عن طلابه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(فوالله لأن يهديَ الله بك رَجلًا واحدًا خير لك مِن حُمرِ النعم). (متفق عليه) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مات الإِنسان انقطع عمَله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له). "رواه مسلم"
والمدرس يستفيد من تعليم طلابه العلم النافع بعد موته.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا عِلما وصلى الله على مُحمد وعلى آله وسلم.
(3/317)

(7)
تكريم المرأة في الإِسلام على ضوء الكتاب والسنة المطهرة
(3/318)

موجز تكريم المرأة في الإِسلام
* قوامة الرجل للتنظيم لا للاستبداد.
* الرجال قوامون على النساء.
* علاج المرأة العاصية.
* تكريم الإِسلام للأم.
* حق الزوجة وحق الزوج.
* الحِكمة في خلق الرجل والمرأة.
* سَبب اختلاف الرجل عن المرأة.
* حِجاب المرأة المسلمة.
* تعدد الزوجات تكريم للمرأة.
* المرأة سِلاح ذو حدين.
* فساد المرأة والرجل.
(3/319)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
لقد كرم الإِسلام المرأة بأن جعلها مربية الأجيال، وربط صلاح المجتمع بصلاحها، وفساده بفسادها، لأنها تقوم بعمل عظيم في بيتها، ألا وهو تربية الأولاد الذين يتكوَّن منهم المجتمع، ومن المجتمع تتكون الدولة المسلمة.
وبلغ من تكريم الإِسلام للمرأة أن خصص لها سورة من القرآن سماها "سورة النساء" ولم يخصص للرجال سورة لهم، فدل ذلك على اهتمام الإِسلام بالمرأة، ولا سيما الأم، فقد أوصى الله تعالى بها بعد عبادته فقال -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]
وقد حملها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمانة تربية الأولاد فقال مكرمًا لها:
(.. والمرأة راعية في بيت زَوجها وهي مَسؤولة عن رَعيتها). "متفق عليه"
ومن أراد الزيادة عن تكريم الإِسلام للمرأة، فليقرأ الكتاب.
والله أسال أن ينفع به القراء، ويجعله خالصًا لله تعالى.
(3/320)

المرأة عند العرب في الجاهلية
1 - لم يكن للمرأة حق الإِرث، وكانوا يقولون في ذلك:
لا يرثنا إلا من يحمل السيف، ويحمي البيضة.
2 - لم يكن للمرأة على زوجها أي حق، وليس للطلاق عدد محدود، وليس لتعدد الزوجات عدد معين، وكانوا إذا مات الرجل، وله زوجة وأولاد من غيرها، كان الولد الأكبر أحق بزوجة أبيه من غيره، فهو يعتبرها إرثًا كبقية أموال أبيه!
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان الرجل إذا مات أبوه، أو حموه، فهو أحق بامرأته إن شاء أمسكها، أو يحبسها حتى تفتدي بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها". [الصدَاق: المهر].
3 - وقد كانت العدة في الجاهلية حولًا كاملًا، وكانت المرأة تحد على زوجها شرّ حِداد وأقبحه، فتلبس شر ملابسها، وتسكن شر الغرف، وتترك الزينة والتطيب والطهارة، فلا تمس ماء، ولا تقلم ظفرًا، ولا تزيل شعرًا، ولا تبدو للناس في مجتمعهم، فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر، وأنتن رائحة.
4 - كان العرب في الجاهلية يُكرهون إماءهم على الزنا، ويأخذون أجورهم: حتى نزل قول الله تعالى: {ولَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور: 33]
5 - وكان عند العرب في الجاهلية أنواع من الزواج الفاسد الذي يوجد عند كثير من الشعوب، ولا يزال بعضه إلى اليوم في البلاد الهمجية:
أ - منها اشتراك الرهط من الرجال في الدخول على امرأة واحدة، وإعطائها حق الولد تلحقه بمن شاءت منهم.
ب - ومنها نكاح الإستبضاع: وهو أن يأذن الرجل لزوجه أن تمكن من نفسها رجلاً معينًا من الرؤساء المتصفين بالشجاعة، ليكون لها ولد مثله!
ج - ومنها نكاح المتعة: وهو المؤقت، وقد استقر أمر الشريعة على تحريمه، ويبيحه فِرَق الشيعة الإِمامية.
د - ومنها نكاح الشغار: وهو أن يزوج الرجل امرأة: بنته، أو أخته، أو من هي تحت ولايته على أن يُزوجه أخرى بغير مهر، صداقُ كل واحدة بُضعُ الأُخرى. وهذان النوعان مبنيان على قاعدة اعتبار المرأة ملكًا للرجل يتصرف فيها كما يتصرف في أمواله وبهائمه.
(3/321)

ولا يزالان موجودين عند بعض الشعوب الهمجية كالغجر!!
وأما المرتقون من العرب كقريش، فكان نكاحهم هو الذي عليه المسلمون اليوم من الخطبة، والمهر، والعقد، وهو الذي أقره الإِسلام، مع إبطال بعض العادات الظالمة للنساء فيه من استبداد في تزويجهن كرها، أو عَضلهن -أي منعهن من الزواج- أو أكل مهورهن، إلى غير ذلك.
يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:
"كنا في الجاهلية لا نعُد النساء شيئًا، فلما جاء الإِسلام، وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقًّا". "رواه البخاريِ"
"انظر كتاب المرأة بين تكريم الإِسلام وإهانة الجاهلية"

وأد البنات في الجاهلية
كان العرب في الجاهلية يكرهون البنات، ويدفنونهن في التراب أحياء خشية العار، وقد أنكر الإِسلام هذه العادة، وصورها القرآن في أبشع صورة، فقال عن العرب في الجاهلية:
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ؟! أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58، 59]
وقد بالغ الله سبحانه وتعالى في الإنكار عليهم في دفن البنات، فقال:
{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8، 9]
(3/322)

تكريم المرأة في الإِسلام
1 - لم يعتبر الإِسلام المرأة مكروهة، أو مهانة، كما كانت في الجاهلية، ولكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها: وهي أن المرأة قسيمة الرجل لها ما له من الحقوق، وعليها أيضًا من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وعلى الرجل بما اختص به من الرجولة، وقوة الجلد، وبسطة اليد، واتساع الحيلة، والصبر على التعب والمكاره، أن يلي رياستها، فهو بذلك وليها يحوطها، ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده.
2 - ومن مظاهر تكريم المرأة في الإِسلام أن سواها بالرجل في أهلية الوجوب والأداء، وأثبت لها حقها في التصرف، ومباشرة جميع الحقوق كحق البيع، وحق الشراء، وحق الدائن، وحق التملك، وغيرها.
3 - وقد كرم الإِسلام المرأة، وذلك حينما أخبر الله تعالى في القرآن بأن الله خلقنا من ذكر وأنثى، وجعل ميزان التفاضل العمل الصالح والتقوى فقال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]
4 - ومن مظاهر تكريم المرأة في الإِسلام الإهتمام بتعليمها:
عن أبي سعيد الخدري: قالت النساء للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (غَلبَنَا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك، فوعدهن يومًا لقيهن فيه، فوعظهن، وأمرهن، فكان مما قال لهن: ما مِنكن امرأة تُقدِّم ثلاثًا مِن وَلدها إلا كان لها حِجابًا مِن النار، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: واثنين"
[معنى تقدم: تحتسب وترضى بموت أولادها] "رواه البخاري"
5 - ومن مظاهر تكريم الله للمرأة أن ذكرها بجانب الرجل قال الله تعالى:
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]
(3/323)

سورة النساء تكريم للمرأة
لم يذكر الله تعالى في كتابه سورة الرجال، بل ذكر سورة النساء، وهذا دليل على تكريم المرأة، وقد تحدثت السورة عن أمور هامة تتعلق بالمرأة والأسرة والدولة والمجتمع، وأن معظم السورة تتحدث عن حقوق النساء، فلذلك سميت سورة النساء، والمتأمل لهذه السورة الكريمة يرى فيها تكريمًا للمرأة.
1 - خلق الله المرأة من ضلع الرجل، وبث منهما الرجال والنساء:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} "النساء: 1"
وهذه الآية جزء من خطبة الحاجة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبدأ بها خطبه، وهي مهمة جدًّا، ولا سيما للمتحدثين، والدعاة والوعاظ.
2 - المحافظة على حقوق اليتامى من النساء:
قال الله تعالى:
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]
عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى:
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3]
قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حِجر وليها تُشركه في ماله، وُيعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يُقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ماطاب لهم من النساء سواهن.
قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} قالت عائشة: وقول الله في الآية الأُخرى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} رغبة أحدِكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا مَن رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. "رواه البخاري"
3 - الإقتصار على زوجة واحدة إذا خاف عدم العدل: لقول الله تعالى:
(3/324)

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]
أي إن خفتم تعدد النساء أن لا تعدلوا، فاقتصروا على واحدة، وهذا تكريم للمرأة.
4 - النساء لهن نصيب من الإِرث:
قال الله تعالى: {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]
وكان الميراث في الجاهلية للذكور دون الإِناث.
5 - التفاوت في الميراث بين الرجل والمرأة:
قال الله تعالى .. {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]
أي يأمركم الله في أولادكم للذكر مثل حصة البنتين، وذلك لأن الرجل هو الذي يُنفق على عياله، وهو الذي يدفع المهر للمرأة.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السُدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. "رواه البخاري"
6 - المهر يدفعه الزوج للزوجة حسب الِاتفاق:
قال الله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]
عن ابن عباس: النحلة: المهر، وقيل فريضة مسماة، ولا ينبغي تسمية المهر كذبًا بغير حق، وعلى الرجل أن يدفع المهر عن طيب نفس، فإن طابت نفسها عن شيء منه بعد تسميته، فليأكله حلالا طيبًا.
7 - الأمر للأزواج أن يعاشِروا زوجاتهم بالمعروف:
قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]
أي طيِّبوا أقوالكم وحسّنوا أفعالكم وهيئاتكم حسب قدرتكم لزوجاتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى:
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(خيُركم خيركم لأهلِه، وأنا خيركم لأهلي). "رواه الترمذي وصححه الألباني"
(3/325)

8 - على الزوج أن يحسن إلى زوجته، حتى في حالة كُرهِها: قال الله تعالى:
{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]
أي فعسى إن صبرتم على إمساكهن مع الكراهة لهن أن يكون في ذلك خير كثير لكم في الدنيا والآخرة.
قال ابن عباس: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدًا، ويكون فيه خير كثير.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كَرِهَ منها خُلقًا رضي منها خُلُقًا آخر).
[أي لا يبغضها بغضا يؤدي إلى تركها]. "رواه مسلم"
9 - لا يجوز استرداد المهر بعد المفارقة:
قال الله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20]
أي إذا أراد أحدكم مفارقة زوجته، والزواج من غيرها، فما له أن يسترد من مهرها شيئًا، ولو كان قنطارًا من المال. وقوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]
روي عن ابن عباس: أن المراد بذلك العقد "بين الزوج والزوجة".
وعن ابن عباس أيضًا قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وقال - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجة الوداع:
(استوصوا بالنساء خَيرًا، فإنكم أخَذتموهن بامانة الله، واستَحلَلتم فروجَهن بكلمةِ الله) "رواه مسلم"
10 - ومن مظاهر تكريم المرأة تحريم المحارم من النسب، وما تبعه من الرضاع: قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 23]
فتحريم هؤلاء على الرجال له حِكَم عظيمة، وأهداف سامية، تقتضيها الفطرة،
فتحريم نكاح الأُختين لئلا يورث العداوة بين الأخوات.
(3/326)

قوامة الرجل للتنظيم لا للإستبداد
قال - صلى الله عليه وسلم -: (كل نفسٍ مِن بَني آدم سَيد، فالرجل سَيد (1) أهلِه، والمرأة سَيدة بيتها). "صححه الألباني في صحيح الجامع"
1 - إن قوامة الرجل على المرأة قاعدة تنظيمية تستلزمها هندسة المجتمع، واستقرار الأوضاع في الحياة الدنيا، فهي تشبه قوامة الرؤساء وأولي الأمر، فإنها ضرورة يستلزمها المجتمع الإِسلامي والبشري، ويأثم المسلم بالخروج عليها مهما يكن من فضله على الخليفة المسلم في العلم، أو في الدين، إلا أن طبيعة الرجل تؤهله لأن يكون هو القيم، فالرجل أقوى من المرأة وأجلد منها في معركة الحياة، وتحمل مسؤولياتها، فالمشاريع الكبيرة يديرها الرجال، والمعارك الحربية يقودها الرجال، ورئاسة الدولة العليا يضطلع بها الرجال، وهكذا ترى الأمور الهامة يوفق فيها الرجال غالبًا، ويندر أن تفلح امرأة إلا أن يكون من ورائها رجل يساعدها.
2 - إن النطاق الذي تشمله قوامة الرجال، لا يمس كيان المرأة ولا كرامتها، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: "الرجال سادة على النساء" وإنما اختار هذا اللفظ الدقيق {الرجال قوامون على النساء} ليفيد بأنهم يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن؛ وشأن القوامين أنهم يصلحون ويعدلون، لا أنهم يستبدون ويتَسلطون.
"انظر المراة بين تكريم الإِسلام وإهانة الجاهلية ص 130"
__________
(1) المراد بالسيد هنا الزوج كما في قصة يوسف: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}
(3/327)

الرجال قوامون على النساء
قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]
قال ابن كثير في تفسير الآية: الرجل رئيس المرأة وكبيرها والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجت، لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لن يُفلِح قومٌ وَلَّوا أمرُهم امرأة). "رواه البخاري"
وكذا منصب القضاء (1) وغير ذلك.
2 - وقوله تعالى: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أي من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولما كان الرجل أفضل من المرأة ناسب أن يكون قيّمًا عليها، كما قال تعالى:
{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]
وعليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنة لأهله، حافظة لماله.
فالصالحات من النساء قانتات مطيعات لأزواجهن، تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله.
__________
(1) لأن هذه المناصب تتنافى مع فطرتها وعملها الأساسي: وهو الحمل والإنجاب، ورعاية البيت، وتربية الأولاد، وإعداد الجيل المسلم المدافع عن دينه ووطنه.
(3/328)

علاج المرأة العاصية لزوجها
1 - قال الله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} [النساء: 34]
أي والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن، والمرأة الناشزة: المترفعة على زوجها، الناكرة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز، فليعظها، وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته، لا له عليها من الفضل والإِفضال، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). "صحيح رواه الترمذي"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبَت عليه، لعَنتها الملائكة حتى تصبح). "رواه البخاري"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا باتت المرأة هاجرة (1) فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح). "رواه مسلم"
2 - وقوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ}:
قال ابن عباس: الهجر: هو ألا يجامعها ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره، ولا يكلمها مع ذلك.
وعن ابن عباس: يعظها، فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها
من غير أن يرد نكاحها، وذلك عليها شديد.
وقوله تعالى: {وَاضْرِبُوهُنَّ}:
أي إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مُبرِّح
قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر.
قال الفقهاء: هو ألا يكسر فيها عضوًا، ولا يؤثر فيها شيئًا.
أقول والقائل "محمد بن جميل زينو": على الرجل إذا ضرب زوجته أن يجتنب الوجه لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
أ - (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).
"رواه أحمد وصححه الألباني في الصحيحة"
__________
(1) عصيان المرأة لزوجها، ولا سيما إذا طلبها للجماع خطر على المرأة، لأن ذلك قد يؤدي لوقوع زوجها في الزنا، أو بتركها والزواج من غيرها.
(3/329)

ب - (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه). "رواه مسلم"
ج - (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا تقل قبح الله وجهَك، ووجهَ مَن أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته). "حسن رواه أحمد"
4 - وقوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}:
إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يُريده منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها.
5 - وقوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا (1) كَبِيرًا}:
تهديد للرجال إذا بغَوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وَليُّهن، وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.
6 - التحكيم في الصلح أو الفراق: قال الله تعالى:
{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35]
بعد أَن ذكر حال نفور الزوجة شرع بذكر حال نفور الزوجين، وطلب حكمًا ثقة من أهل المرأة، وحَكمًا ثقة من أهل الرجل، ليجتمعا، فينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق، أو التوفيق.
وتشوف الشارع إلى التوفيق بين الزوجين فقال:
{إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} "سورة النساء"
فينظر الحكمان، فإن كان الرجل هو المسيء، حجبوا عنه امرأته، وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها نفقة.
"انظر تفسير ابن كثير"
هذه بعض مظاهر تكريم المرأة في سورة النساء.
* * *
__________
(1) هذا دليل على علو الله فوق عرشه كما دلت عليه الآيات، والأحاديث الصحيحة.
(3/330)

تكريم الإِسلام للأم
1 - قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]
قال ابن عباس: يريد البر، برهما مع اللطف، ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في
الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما كالعبد بين يدي السيد تذللًا لهما.
2 - وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24]
لقد أمر الله تعالى بعبادته وحده في الآيتين، وقرن بعبادته البر بالوالدين، وهذا يدل على أهمية إكرام الأم والأب، ونهى الأولاد أن يقولوا للوالدين قولاً سيئًا، حتى ولا التأفُف الذي هو أدنى مراتب القول السيء، ولا يجوز للأولاد أن ينهروهما، ويصدر منهم كلام قبيح، بل على الأولاد أن يخاطبوا الوالدين بالرفق واللين، والقول الحسن، ولاسيما الأُم.
(جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أُمك" قال ثم مَن؟ قال: "أُمك" قال: ثم مَن؟ قال: "أُمك" قال: ثم مَن؟ قال: "أبوك "). "متفق عليه"
فأنت ترى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أوصى بالأم ثلاث مرات، وهذا تكريم للمرأة المسلمة.
(3/331)

حق الزوجة وحق الزوج
1 - لقد كرم الإِسلام الزوجة، وجعل لها حقوق، ولزوجها عليها حقوق، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلن ذلك في أكبر اجتماع، وذلك حينما خطب الناس في حجة الوداع، وفي عرفات، فكان مما قاله في خطبته:
2 - (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستَحلَلتم فروجَهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطِئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضَربًا غيرَ مُبرِّح (شديد)، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وقد تركت فيكم ما -لن تضلوا بعده- إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد بأنك قد بلغت وأدِّيت ونصحت.
فقال: بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، ويَنكتها (يميلها) إلى الناس:
(اللهم اشهد) (ثلاث مرات). "أخرج الخطبة مسلم عن جابر"
(3/332)

من فوائد الخطبة العظيمة
1 - فيها الحث على مراعاة حق النساء، والوصية بهن، ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة تبين حقوق النساء، وتحذر من التقصير في ذلك.
2 - استحلال فروج النساء بالزواج الشرعي، كقول الله تعالى:
{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]
3 - لا يجوز للزوجة إدخال أحد يكرهه الزوج في بيته، سواء كان رجلاً أجنبيًا، أو امرأة، أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك كما ذكره النووي.
4 - يجوز للرجل أن يضرب زوجته -إذا خالفته كما تقدم- ضربًا ليس بشديد، ولا سيما الإبتعاد عن ضرب الوجه، أو تقبيحه، فإنه من خلق الله، ولأن فيه السمع والبصر، وقد يتضرر بالضرب.
5 - شهادة الصحابة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة.
6 - فيها الدليل الواضح على عُلو الله على عرشه، حيث رفع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إصبعه إلى السماء ليُشهد الله على أنه بلغ الرسالة.
وهناك آيات كثيرة، وأحاديث صحيحة تثبت أن الله على السماء، وهو قول الأئمة الأربعة وغيرهم، ومن الخطأ قول بعض الناس: إن الله في كل مكان! لأن هناك أماكن نجسة، وقذرة يستحيل أن يكون الله فيها، كالحمامات وغيرها. واذا قلنا: إن الله معنا في كل مكان بعلمه يسمعنا ويرانا، فهذا صحيح، لأن الله تعالى يقول لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]
(3/333)

الحكمة في خلق الرجل والمرأة
1 - خلق الله الخلائق على اختلافها من الإنس والجن لهدف عظيم، وهو العبادة، ولتحقيق العبودية لله تعالى وحده دون غيره من المخلوقات: قال الله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]
2 - وقد خلق الله الناس مِن ذكر وأنثى، وميَّز كلًا منهما بخصائص تختلف عن غيره في طبيعته، وطاقته، وقدرة تحمله؛ ومن ثم فالمهام الملقاة على أحدهما تختلف عن الآخر بشكل متناسب، ومتناسق، فلم يكن ذلك اعتباطًا؛ وإنما على علم ودراية، ذلك هو الخالق سبحانه وتعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]
فكان مِن مهمة الرجل طلب العيش والرزق، والبحث عنه، والإنفاق على الزوجة والأسرة، وهذا ما لا تستطيعه المرأة على الوجه الأكمل وكان من مهمة المرأة أن تستقبل ذلك الزوج المتعَب من طلب الرزق، فتذهب عنه العناء، وتمسح عنه التعب، وتكون له راحة وتشجيعًا: قال الله تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]
والمرأة وسيلة لإنجاب الأولاد، وتربيتهم التربية الصالحة، في حين يكون الرجل خارج البيت.
4 - ومن هذه المهام ما لا يستطيع الرجل أن يقوم بها على الوجه الأكمل كالغسيل والطبيخ، ومنها ما لا يستطيع القيام بها أبدًا كالحمل والإرضاع؛ فمثل الرجل والمرأة كمثل الليل والنهار، لكل واحد منهما دوره ومهمته، فالنهار للإبصار والتحرك والعمل والنشاط، فيكون فيه طلب الرزق والكسب من أجل الإنفاق، وهذا ينطبق على الرجل.
وأما الليل فهو للسكن، والهدوء، والنوم، والإستقرار، وهذا ينطبق على المرأة، وقد ذكرت قبل قليل الآية التي تشير إلى هذا العمل.
إذن فالرجل والمرأة لكل واحد منهما دوره في الحياة، فلا يحاول أحد منهما أن يقوم بمهام الآخر، فإن ذلك لن يكون، وإذا حصل فتكون النتائج عكسية وسلبية، إما عليهما، أو على أولادهما، أو على المجتمع، ذلك لأنها تجري على عكس ما فُطرت وجُبلت عليه المرأة، والرجل كذلك، قال الله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} "الروم"
"انظر كتاب المرأة في الإِسلام للشيخ الفاضل فيصل المولوي"
(3/334)

سبب اختلاف الرجل عن المرأة
ومن اختلاف وظيفة الرجل ومهامّه عن وظيفة المرأة ومهامها ترتب اختلاف في الأحكام الشرعية:
1 - الشهادة: اشترط الإِسلام لهذه المسألة رجلين، فإن لم يكن فرجل وامرأتان كما قال الله تعالى: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]
ليس امتهانًا، أو احتقارًا للمرأة، وإنما بحكم فطرتها، قليلة الاهتمام بأمور الجرائم، أو البيع أو الشراء والمداينات وما سواها؛ فقد لا تنتبه، أو تنسى بحكم اشتغالها في تربية الأولاد، وتدبير المنزل، وغير ذلك من الأمور المهمة، أضف إليها ما تقوم به من الرضاع وما ينتابها من الحيض والنفاس، وغيرها.
فإن كانت معها واحدة أُخرى تذكرها فيكون ذلك أثبت للحق، وأدفع للظلم،
فذلك قوله تعالى:
{أنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]
فشهادة المرأة قبلها الإِسلام، ولم يرفضها، على أن يصحبها شهادة امرأة ثانية تذكرها إن نسيت، أو لم تنتبه إحقاقًا للحق، ودفعًا للظلم.
2 - الميراث: فقوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]
ليس هدرًا لحقوق المرأة، وحاشاه، بل حفاظًا عليه، ذلك أن المرأة أخذت حقها من الميراث، وأخذ الرجل ضعف ما أخذت، لأنه مكلف بالإنفاق عليها، ودفع المهر لها، ودفع النفقة للمعتدة، وهي غير مكلفة بذلك؛ فاختلاف نصيبها في الميراث عن نصيب الرجل إنما هو نتيجة لاختلاف وظيفتها عن وظيفة الرجل، وليس انتقاصًا لحقها، أو كرامتها.
3 - الدية: في القتل غير العمد، فإن من الحكمة أن يفرض الإِسلام دية الرجلِ، ضعف دية المرأة، لأن المقتول حينما يكون رجلاً، فقد خسرت عائلته رجلاً كان ينفق عليها، فتأخذ عائلته الدية ضعف ما إذا خسرت امرأة غير مكلفة بالإنفاق، بل هي يُنفَقُ عليها، فكان اختلاف الدية باختلاف الوظيفة بين الرجل والمرأة.
4 - رئاسة الدولة والإمارة: إن من خصائص رئيس الدولة، أو الأمير في الإِسلام أن يكون إمامًا في الصلاة، وقائدًا عسكريًا في الحرب، والمرأة لا تستطيع، ولا يمكنها أن تقوم بمثل هذه المهام لفطرتها التي تغلب عليها العاطفة، ولضعف جسمها، ومرورها في فترات حمل، وطمث وغير ذلك من الظروف التي تمر بها المرأة دون
(3/335)

الرجل، فضلًا عن عدم جواز الإمامة في الصلاة لها (لما فيه من الفتنة).
"انظر كتاب المرأة في الإِسلام للشيخ فيصل مولوي"
5 - الطلاق: فالزوج الرجل هو الذي يُنفق المال في دفع المهر للزوجة، وهو الذي يدفع النفقة في مدة العدة، وهو بمقتضى رجاحة عقله، ومزاجه، يكون أصبر من المرأة على ما يكره، فلا يسارع إلى الطلاق لأدنى غضب يحصل له؛ ولو كان الطلاق من حق الرجل والمرأة سواء لكثر الطلاق إلى أضعاف، كما حصل في بلاد الإفرنج. لذلك ومن أجل الأسباب المتقدمة جعل الإِسلام الطلاق من الرجل وحده .. "انظر كتاب فقه السنة للسيد سابق"
يقول محمد بن جميل زينو: الطلاق في الحقيقة إنما هو نعمة وتكريم للمرأة المسلمة، حيث يخلصها من حياة نكدة، أو من زوج ظالم، أو لا يعدل، أو لا يقيم أركان الإِسلام، أو لدوام شقاق بين الزوجين، رغم تدخل الأقرباء من الطرفين، أو لعدم وجود الحب بين الزوجين، أو غير ذلك من الأسباب التي يتعذر الحياة معها، ولا يكون إلا بالفراق والطلاق وقد جعل الإِسلام الطلاق على مراحل، قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]
ففي الطلقة الأولى يحق للزوج أن يراجع زوجته، وتعود إليه، وفي المرة الثانية أيضًا، أما الطلقة الثالثة فتحرم عليه، حتى تتزوج، ثم يطلقها زوجها، فيحق للزوج الأول أن يجدد الزواج بعقد جديد.
(3/336)

حجاب المرأة المسلمة
1 - قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59]
2 - وتحدث القرآن عن غطاء الرأس للمرأة، فقال بصيغة الأمر:
{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31]
3 - وقد نهى عن التبرح بشتى صوره، فقال الله تعالى:
{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]
إن نساء الجاهلية كن يلبسن غطاء الرأس ويضربنه على ظهورهن فتظهر أعناقهن، ونحورهن، وآذانهن بالحلي والأقراط، فنهى الله تعالى عن ذلك وأمر المؤمنات بسترها:
وهذه شروط الحجاب:
(1) استيعاب الحجاب جميع بدن المرأة حتى الوجه.
(2) ألا يكون الحجاب ضيقًا بحيث يصف ما تحته من سِمَن وظهور ثدي وغيره.
(3) ألا يكون رقيقًا فيصِف، أو يشف ما تحته.
(4) ألا يشبه لباس الكافرات لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن تشبه بقوم فهو منهم). "أخرجه أبو داود وصححه الألباني"
(5) ألا يشبه ملابس الرجال للنهي الوارد عن ذلك في الأحاديث.
(6) ألا يكون زاهيًا، أو ملونًا يجذب الأنظار، وأفضله الأسود.
(3/337)

لباس الرجل والمرأة
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (مَن جرَّ ثوبه خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أُم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يُرخين شبرًا، قالت: إذن تنكشِف أقدامُهن، قال: يُرخين ذراعًا، ثم لا يزدن). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"

يستفاد من الحديث
1 - أن لباس المرأة يجب أن يكون عريضً وطويلًا يغطي القدمين، بعكس الرجال الذين أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقصروا الثياب إلى نصف الساق، ولا يزيدون على الكعبين لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما أسفل من الكعبين مِن الإزار ففي النار). "رواه البخاري"
وفي عصرنا انعكس الأمر، فأصبح الرجال يطيلون ثيابهم أسفل الكعبين، ويتعرضون لدخول النار، وأصبح النساء يقصرن فوق الكعبين، ويتعرضن بهذا
العمل وغيره لحرمانهن من دخول الجنة كما أخبر بذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
(ونساءٌ كاسياتٌ عاريات، مُميلات مائلات، رؤوسهن كأسنِمَة البُخت المائلة، لا يَدخلنَ الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجَد من مسافة كذا وكذا).
"رواه مسلم"
والمعنى أن المرأة التي تكشف ساقها، أو شيئًا من جسمها، أو تلبس الثياب الشفافة، أو تتمايل في مشيتها وشعرها مرتفع كأنه سَنم جمل لا تدخل الجنة حتى تلقى جزاءها.
2 - إذا كان قدَم المرأة لا يجوز كشفه، فوجهها بالأولى، لأنها تعرف به، وفيه الفتنة أكثر، وسفور المسلمة تقليد للكفار والأجانب، وتشبه بهم: وفي الحديث:
(مَن تشبه بقوم فهو منهم). "صحيح رواه أبوداود"
وليت المسلمين قلدوا الكفار في المخترعات النافعة كصنع الدبابات والطائرات وغيرها مما يفيد الأمة ولكن كما قال الشاعر:
قلدوا الغربيَّ، لكن بالفجور ... وعن اللب استعاروا بالقشور
3 - وتغطية وجه المرأة مستفاد أيضًا من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(لا تنتقب المرأة المحرِمة، ولا تلبَس القفازين). "رواه البخاري"
النقاب: هو غطاء الوجه الذي تشده المرأة على وجهها.
القفازين: ما تغطي المرأة بهما كفيها ويسمى بالكفوف.
ومفهوم الحديث: أن المرأة غير المحرِمَة تضع النقاب على وجهها وتلبسَ القفازين.
(3/338)

الحجاب تكريم وحفظ للمرأة
1 - لقد كرم الإِسلام المرأة، وفرض عليها الحجاب ليحفظها من الأشرار وأعين الناس، ويحفظ المجتمع من سفورها.
الحجاب يبقي المودة بين الزوجين، فالرجل عندما يرى امرأةً أجمل من امرأته تسوء العلاقات بينهما، وربما يؤدي ذلك إلى الفراق والطلاق، بسبب هذه المرأة السافرة التي فتنت الزوج، فلم تَعُد تعجبه زوجته.
المرأة المسلمة في نظر الإِسلام أشبه بالجوهرة النفيسة التي يسعى صاحبها لإخفائها وسترها عن أعين الناس.
تقول المستشرقة (فرانسواز ساجان): أيتها المرأة الشرقية، إن الذين ينادون باسمك، ويدعون إلى خلع حجابك، ومساواتك بالرجل، إنهم يضحكون عليك، فقد ضحكوا علينا من قبلك.
ويقول (فون هرمر): الحجاب هو وسيلة الإحتفاظ بما يجب للمرأة من الإحترام والمكانة الشيء الذي تغبط عليه.
(3/339)

تعدد الزوجات تكريم للمرأة
1 - إن الإِسلام الحكيم الذي أباح تعدد الزوجات، هو في مصلحة النساء قبل الرجال، حتى يكفل للبنات والأرامل العيش السعيد في بيوت أزواجهن. بدلاً من أن يكن عالة في بيوت من يعولهن كالأخ والولد، وغيرهما.
2 - إن الدعوة إلى عدم تعدد الزوجات يسبب قلة النسل الذي يسعى إليه أعداء الإِسلام لتقليل عددهم، والسيطرة عليهم، كما أنه يسبب كثرة العوانس في البيوت مما يعرضهن للفتنة والفساد والزنا، لأن النساء أكثر عددًا من الرجال حسب الِإحصاء، ولا سيما حينما يتعرض الرجال للقتل في المعارك والحروب، ولذلك قامت مظاهرة نسائية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى تطالب بتعدد الزوجات.
3 - إن تعدد الزوجات يوافق هذا الزمن، لأن الأمم ينظر إليها بعدد نفوسها، وكلما ازداد عددهم قويت شوكتهم، وبما أن الحروب في فلسطين، والعراق، والبوسنة والهرسك، وكشمير، وأفغانستان وغيرها من البلاد الإِسلامية سببت قلة الرجال، وكثرة الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن، فإن الإِسلام يريد من المسلمين ألا يتركوا هؤلاء للجوع والفتنة والفساد فسمح بتعدد الزوجات.
4 - تقول الزعيمة العالمية (أني بيزانت): متى وزنا الأمور بقسطاس العدل المستقيم ظهر لنا أن تعدد الزوجات الإِسلامي أرجح وزنًا من البغاء الغربي الذي يسمح أن يتخذ الرجل امرأة لمحض إشباع شهوته، ثم يقذف بها إلى الشارع متى قضى منها أوطاره.
أقول: هذه شهادة امرأة كافرة على حسن تعدد الزوجات، والفضل ما شهدت به الأعداء.
(3/340)

المرأة سلاح ذو حدين
1 - لقد حاول أعداء الإِسلام في كل عصر من العصور إبعاد المسلمين عن دينهم بوسائل متعدد لا تحصى، وكانت إحدى أهم هذه الوسائل المستهدفة هي المرأة المسلمة، لأنها نصف المجتمع، ووليدة النصف الثاني (من الذكور) ومربيته، فبصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد المجتمع وينحل، فلذلك نرى أنهم وضعوا كل جهودهم وأفكارهم الشيطانية مستخدمين وسائل الإعلام كالتلفاز، والفيديو، والدش وغيرها من الوسائل التي وضعوا فيها أفلامًا خليعة تفسد المرأة المسلمة.
2 - وقد استطاع شياطين الغرب بمساعدة شياطين الشرق إفساد المرأة المسلمة، فسلخوها من حجابها وعفتها وكرامتها، وأدخلوها جميع ميادين العمل، وجعلوا منها دعايات لتصريف منتجاتهم، فأصبحت المرأة المسلمة بعيدة عن دينها وحجابها، ففسدت الأسرة وفسد المجتمع بفسادها، فانحجب نصر الله عن هذه الأمة، ونزل بها سخطه وغضبه، وأصبحنا أذل أمة بعد أن كنا أعز أمة وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين قال:
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ولو ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
3 - وكذلك لا ننسى أن انحراف المرأة، والإنحراف بالمرأة كان السبب الأول في أن حضارات قديمة إنهارت وتمزقت كل ممزق ونزل بها العقاب الإِلهي كالأوجاع والأمراض الفتاكة وغيرها كما وقع لليونان، والرومان والفرس والهنود، وبابل وغيرها من الممالك. "انظر كتاب الحجاب للمؤودي"
4 - أما في عصرنا الحاضر، فلا زلنا نسمع عن البراكين التي هددت سكان إحدى المدن الِإيطالية المشهورة بالفساد والدعارة، ونوادي المرأة، وإذا انتقلنا إلى البلاد الإِسلامية لرأينا كيف أن غضب الله -عَزَّ وَجَلَّ- وسخطه قد نزل في هذه البلاد بسبب الفساد والإنحلال، وانتشار الزنا والفاحشة؛ فكثرت بسبب ذلك الزلازل والفتن وغيرها من أنواع العذاب والهلاك والحروب المدمرة، ولن يرفع الله عنا العذاب إلا بالتوبة والرجوع إلى الله.
5 - إن المرأة تملك مجموعة من المواهب العظيمة الجديرة بأن تبنى أُمة، لو قامت بواجبها في تربية الأولاد الذين يتكون منهم المجتمع، كما أنها تستطيع أن تهدم أُمة إذا فسدت أخلاقها، وتركت الواجبات الملقاة على عاتقها، لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(3/341)

(إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا
الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني اسرائيل كانت في النساء). "رواه مسلم"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما تركت فتنة بعدي في الناس أضرَّ على الرجال من النساء). "رواه البخاري"
6 - إن المرأة هي نصف الأمة، ثم هي التي تلد لنا النصف الآخر، فهي أُمة بأسرها.

فساد المرأة والرجل
لقد تفنن أعداء الإِسلام في إفساد المرأة المسلمة بوسائل وأساليب عديدة لا يمكن حصرها، وجميعها مخططة ومدروسة لإِفساد المرأة المسلمة وسلخها من دينها وأخلاقها وعفتها، فكانت الأزياء والموديلات المكشوفة إحدى هذه الوسائل الفتاكة، إنهم يعلمون جيدًا ميول المرأة إلى اقتناء الفساتين المكشوفة، والكوافيرات، وأدوات الزينة المتنوعة، لفتنة الرجال في المعامل والمصانع والمتاجر التي دخلتها المرأة باسم العمل والتقدم والرقي والحضارة الزائفة.
فالمرأة حينما تذهب إلى وظيفتها، فلا بُد لها -حسب العادة- من أنواع الألبسة الجذابة، والموديلات المتعددة، والتسريحات المختلفة، وغيرها من أنواع الزينة التي تتغير وتتبدل، وهذا ما يدفعها لصرف مرتبها الشهري لتظهر بمظهر أنيق وجذاب، علما بأن أكثر الملابس وأنواع الزينة مستوردة من البلاد الأجنبية الموالية للصهيونية لتمدها بالمال للقضاء على المسلمين، فوقع المسلمون في الخسارة المادية، والخسارة الأخلاقية، والتشبه بالكفرة، وصدق فيهم قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(لتركَبن سنَن مَن كان قبلكم شِبرًا بشِبر، وذراعًا بذراع، حتى لو أن أحدَهم دخل جُحرَ ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدَهم جامعَ امرأته بالطريق لفعلتموه). "صححه الألباني في الصحيحة وصحيح الجامع"
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما تركت فتنة بعدي أضَر على الرجالِ مِن النساء)."متفق عليه"
(3/342)

مسؤولية المرأة المسلمة
لقد كرم الإِسلام المرأة، وألزمها بعمل عظيم في بيتها، وهو تربية أولادها التربية الصالحة، فمن يدري؟ فلعل هذا الطفل الذي تربيه يكون له مستقبل عظيم، فقد يكون رئيس دولة، أو قائد جيش، أو أي عمل كبير يتوقف عليه صلاح المجتمع باكمله، ولهذا قال أحد الحكماء:
إن المرأة التي تهز السرير لطفلها بيمينها، تهز العالم بأسره.
وصدق الشاعر حين قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبًا طيب الأعراق
فعمل المرأة في بيتها مهم جدًّا إذا قامت بتربية أولادها التربية الصالحة وهو عمل فطري عند المرأة تميل إليه، وتحب القيام به.
تدبير المنزل: المرأة هي سيدة بيتها، فهي مسؤولة عنه، تسعى لتحسينه، وتهيئة جميع الوسائل لجعله مأوى يأوي إليه الزوج فينسى أتعابه، وقد قدم لزوجته ما يحتاج إليه البيت من نفقات متعددة، وأراحها من عناء طلب الرزق الذي لا تستطيعه المرأة.
فالرجل عليه مسؤولية، والمرأة عليها مسؤولية، كل حسب اختصاصه وفطرته
وميوله، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال:
(كُلكُم راع وكلكم مَسؤول عن رَعيته، فالِإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها) "متفق عليه"
(3/343)

نتائج عمل المرأة خارج البيت
لقد كان لعمل المرأة خارج البيت نتائج سيئة على نفسها وأسرتها والمجتمع ومنها:
1 - مزاحمة الرجال يوميًا في الحافلات والعمل، وقد تتعرض للإِرهاق والتعب، والخطورة أحيانًا بسبب الِإزدحام والعمل، فيفقدها بعض أنوثتها وجمالها.
2 - إن عمل المرأة خارج البيت يشغلها عن واجباتها المنزلية، وتربية أولادها، وقد يستاء الرجل من إهمالها، فيضطر إلى طلاقها وفراقها، أو الزواج من غيرها.
3 - قد يسبب العمل طلاقها، وهدم أسرتها، وتشتيت أولادها بسبب علاقتها مع رجل في العمل، لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
4 - إن عمل المرأة يسبب فراقها لأولادها مما يقفدهم عاطفتها وتربيتها لهم، وقد يسبب انحرافهم وشذوذهم مما يدفعهم إلى الجرائم، كما أوضحت تلك النتائج في المجتمعات الغربية.
5 - ومن النتائج السيئة أن الوظيفة قد تقضي على الطفل:
فهذه موظفة حان وقت دوامها، وولدها مريض، وهو ينادي أُمه: إلى من تتركيني وحدي في البيت؟ ولكن الأم كانت مضطرة للإلتحاق بعملها فتركته وهو يقول: أمي، أمي، بصوت خافت؟
وحينما عادت الأم إلى البيت وجدت ولدها جثة هامدة قد فارق الحياة، وحزنت وبكت على طفلها، وندمت على فعلها حيث لا ينفع الندم، وقالت في نفسها: ما هي الفائدة من هذه الوظيفة، بل ما الفائدة من المال الذي يكون سببًا في موت طفلي، وهو أعز ما يملكه الإِنسان.
(3/344)

المرأة سبب البطالة في المجتمعات الغربية
1 - لقد دخلت المرأة جميع ميادين العمل في المجتمعات الغربية، فكثرت البطالة في تلك المجتمعات بشكل متفاقم، مما تعسر على علماء الإقتصاد إيجاد حلول لتخفيف حدة البطالة، أو توقيف زيادتها على الأقل، وكان السبب الرئيسي والمباشر للبطالة في تلك المجتمعات هو دخول المرأة جميع ميادين العمل دون استثناء: مزاحمة الرجال في الدوائر الحكومية والشركات، والمصانع، وغيرها من الوظائف.
2 - أن الأزمات الاقتصادية التي أصابت المجتمعات الغربية جعلها تسرح عددًا كبيرًا من الموظفين والعمال، وأول ما وقع عليه التسريح هم الرجال، لأن أصحاب الشركات والمصانع والمحلات التجارية وغيرها يفضلون الإحتفاظ بالمرأة على الرجل لما للمرأة من جاذبية وأنوثة وإغراء لجلب الزبائن والحلفاء.
3 - ومن المؤسف أن تحذوَ البلاد العربية والِإسلامية حذوَ المجتمعات الغربية فتدخل المرأة ميادين العمل في دوائر الحكومة، حتى المحاماة، وكثيرًا ما تدخل الشركات، والمؤسسات الخاصة والعامة، وحتى المعامل، مما سبب البطالة للرجال الذين عليهم مسؤولية الإِنفاق على أسرتهم، وتدهورت الأخلاق، وانتشرت الفاحشة في تلك الأماكن التي اختلط فيها الرجال والنساء، وساءت العلاقة بين الزوج وزوجته نتيجة هذا الإختلاط.
(3/345)

خطر الإختلاط في المدارس
إن اختلاط الرجال والنساء ولا سيما في المدارس له خطر عظيم على الرجل والمرأة، وعلى الطلاب والطالبات.
1 - كانت إحدى كليات الزراعة في بلد عربي إسلامي تجري تجارب لطلابها وطالباتها في المزرعة، فكان أحد الطلاب يذهب بطالبة إلى أماكن الحمامات، ليختلي بها في الحمام بعد أن ترك التجارب الزراعية، وقد رآه حارس المزرعة يدخل الحمام مع زميلته، وهذه السمعة السيئة تؤثر على الطالبة أكثر من الطالب.
2 - كثيرًا ما يجتمع المدرسون والمدرسات في غرفة واحدة، ويحصل المزاح، وتتبادل الضحكات، فيكون الفساد، وتتغير نفسية الزوج على زوجته، فلم تعد تعجبه، لأنه رأى أجمل منها، وكانت المشاكل بين الزوجين التي تؤدي إلى الطلاق، والسبب في هذا الفراق هذه المدِّرسة السافرة التي جلست مع المدرس فأفسدته.
3 - حتى الأطفال الصغار الذين كانوا يتعلمون عند المعلمة، ثم انتقلوا إلى الصف الذي يعلمهم فيه معلم كانوا يتحدثون لمعلمهم عن مشاكلهم مع المعلمة؛ وأن أحد الطلبة كان ينظر إلى فخذ المعلمة عندما تنحني نحو الأرض.
4 - لقد حمى الله البلاد السعودية من هذا الإختلاط الضار في جميع مراحل التعليم، فكانت الطالبة السعودية أكثر التزامًا بالحجاب والأخلاق من غيرها.
(3/346)

شروط عمل المرأة المسلمة
إن الإِسلام الذي كرم المرأة أحسن تكريمٍ، وسمح لها بالعمل النبيل ضمن أسرتها ومجتمعها، حتى تكون عنصرًا أساسيا وفعالًا في بناء الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، والدول المسلمة، فالإِسلام لا يمنع المرأة منعًا باتًا، بل حدد لها نوعية العمل، مع ما يتناسب وطبيعتها التي فطرها الله عليها، ووضع لعملها شروطًا تحفظ لها كرامتها:
1 - ألا تختلط المرأة بالرجال في عملها، فهذا الإختلاط يضر بالمرأة والرجال.
2 - أن يكون العمل بموافقة الزوج أو الأب، أو الأخ، أو مَن هو مسؤول عنها.
3 - أن يتناسب العمل مع طبيعتها بعيدًا عن الِإرهاق والتعب الشديد الشاق.
4 - يجب على المرأة أن تعمل في المجالات التي تعود على المجتمع بالنفع والفائدة:
(أ) في مجال التربية والتعليم: لتستطيع أن تعلم البنات بدلاً من تعليم الرجال لهن.
(ب) في مجال الطب، والتمريض النسائي حتى تداوي النساء بدلاً من الأطباء.
(ج) الخياطة النسائية: لكي تخيط لبنات جنسها فلا يذهبن إلى الخياطين من الرجال.
5 - ألا يأخذ عملها جُل وقتها، وأن تعطي شيئًا من وقتها لأداء واجباتها المنزلية، وتلبية رغبات زوجها، والحرص على تربية أولادها.
6 - ألا تتزين عند خروجها، ولا تضع المساحيق على وجهها، ولا تتعطر، بل تلبسَ الجلباب الأسود الطويل العريض، وتغطي الوجه عند ملاقاة الرجال.
(3/347)

كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها؟
1 - لا تنظري إلى المال والجاه والجمال، واختاري صاحب الدين لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا أتاكم مَن ترضون خُلُقه ودينَه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فِتنة في الأرض وفساد عريض). "حسن رواه الترمذي وغيره"
2 - إذا أحبك الزوج صاحب الدين فسيكون لك عونًا على أمور دينك ودنياك.
3 - إذا لم يحبك فهو على الأقل لا يكرهك، ولا يظلمك ويحتقرك، فهو يعمل بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(لا يَفرك مؤمن مؤمنة، إن كَرِهَ منها خلقًا، رضيَ منها غيره). "رواه مسلم"
4 - الزوج المتدين يكون لك عونًا على تربية أولادك التربية الإِسلامية الصحيحة.
5 - سيكون الإِسلام هو المرجع الأساسي لحياتكما ترضيان الحكم به، فيحقق لكما سعادة الدنيا والآخرة.
6 - الزوج المتدين ينصحك إذا أخطأت، ويبين لكِ الصواب، فاقبلي منه.
7 - على الزوج المسلم أن يختار الزوجة الصالحة المتمسكة بالدين، المحجبة التي تحفظ بيتها وأسرتها من الفساد، وتراعي حق الزوج عليها امتثالًا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسَبها، ولجمالها، ولدِينها، فاظفَر بذاتِ الدين ترِبَتْ يداك). "متفق عليه"
والهدي النبوي يبين للزوجين أن العبرة للعمل لا للشكل: قال: - صلى الله عليه وسلم -:
(إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامِكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) "مسلم"
(3/348)

حرية المرأة في اختيار زوجها
لقد كرم الإِسلام المرأة، وحفظ لها حقها في اختيار الزوج، واحترم إرادتها وهذا الموقف من أدق المواقف في حياتها، وأمسها بمستقبلها ويتجلى هذا التكريم وهذه الحرية للمرأة فيما يلي:
إذن البنت في الزواج: لقد أعطى الإِسلام حق المرأة البكر في اختيار الزوج. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجارية يُنكحها أهلها، أتُستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (نغم تُستأمَر) فقالت: فقلت له: إنها تستحي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (فذلك إذنها، إذا هي سكتت).
"أخرجه البخاري في النكاح"
1 - البكر الصغيرة: يجوز للأب أن يزوج بنته الصغيرة بدون إذنها، قال الحافظ ابن حجر إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإِذن؟ ومن يستوي سخطها وسكوتها. "فتح الباري 9/ 193"
والدليل من القرآن قول الله تعالى:
{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]
والأيِّم: الأنثى التي ليس لها زوج صغيرة كانت أو كبيرة.
والدليل من السنة أن أبا بكر زوج عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين. "متفق عليه"
2 - المرأة البالغة الثيب: وهي التي تزوجت ثم فارقت زوجها فلا يجوز تزويجها بغير إِذنها ورضاها، وإذنها كلامها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تُنكَح الأيِّم: حتى تُستأمَر). "رواه البخاري"
قال الحافظ ابن حجر: وظاهر الحديث أن الأيِّم: هي الثيِّب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل.
والمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، وتأمر بذلك. "فتح الباري"
قال البغوي: فإن زوجها وليها بغير إذنها فالنكاح مردود.
وعن خنساء بنت خدام الأنصارية -رضي الله عنها-:
"أن أباها زوجها وهي ثيِّب، فَكرهَت ذلك، فأتَت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فردَّ نكاحها". "أخرجه البخاري"
(3/349)

3 - البكر البالغة: لا يجوز لوليها أن يزوجها حتى يأخذ رأيها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تُنكَح البكر حتى تُستأذن، ولا الثيب حتى تُستَأمر، فقيل له: إن البكر تستحي، فقال: إذنها صماتها وفي رواية البِكر يَستأذنها أبوها). "رواه البخاري"
وهذا الإستئذان يشمل الأب وغيره، ممن هو ولي عليها. وأيضًا فإن الأب ليس له في أن يتصرف في مالها إذا كانت بالغة إلا بإذنها، قال ابن القيم -رحمه الله-: ومعلوم أن إخراج مالها كله بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها. "انظر زاد المعاد ج 5/ 99"
"انظر هذا البحث في كتاب: (المرأة بين تكريم الإِسلام وإهانة الجاهلية) للأخ محمد إسماعيل المقدم"
(3/350)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكرم البنات
لقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الآباء والمربين بحسن صحبة البنات، والعناية بهن، ورغب في الإِحسان إليهن، ورحمتهن:
1 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن عال (1) جاريتين حتى تبلُغا (2) جاء يوم القيامة أنا وهو -وضم أصابعه- أي معًا). "رواه مسلم"
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من عال جاريتين حتى يُدركا، دخلتُ أنا وهو الجنة كهاتين). "رواه مسلم"
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كان له ثلاث بنات فصبرَ عليهن، وأطعمَهن، وسقاهن وكساهن مِن جدَته - (يعني ماله) - كُن له حِجابًا من النار) "صححه الألباني في صحيح الجامع"
4 - (منَ ابتُليَ مِن هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كُن له سِترًا من النار) "متفق عليه"
قوله - صلى الله عليه وسلم -: (بشيء) يصدق على البنت الواحدة.
5 - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (جاءت مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعَمتها ثلاثَ تمرات، فأعطت كل واحدة تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لِتأكلها فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صَنعَت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن الله قد أوجبَ لها بها الجنة، أو أعتقها من النار". "متفق عليه"
6 - وقال محمد بن سليمان: البنون نِعَم، والبنات حسنات، والله -عَزَّ وَجَلَّ- يحاسب على النِعم، ويجازي على الحسنات.
__________
(1) عال: قام بمؤونة بنتين، وأتفق عليهما.
(2) حتى تبلغا: أي تتزوجا، قال القرطبي: أي إلى أن تستقرا بأنفسهما، وذلك أن يُدخَل بهن، ولا يعني بلوغ المحيض، إذ قد تتزوج قبل ذلك، وقد تبلغ غير مستقلة بنفسها، ولو تُركت لضاعت، ولذا لا تسقط نفقتها عن الأب بالبلوغ، بل بالدخول بها.
(3/351)

القرآن يكرم الإناث
جاء الإِسلام يكرم الِإناث، وينهى عن كراهية البنات والحزن لولادتهن، وأن هذا التشاؤم من عمل الجاهلية.
1 - قال الله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 59]
إن هذا العمل مِن ضعف الإِيمان وزعزعة اليقين، لكونهم لم يرضوا بما قسم الله لهم من الِإناث، ومن الغريب أن بعض المسلمين والمسلمات يكرهون ولادة البنات، ويحبون ولادة البنين، كانهم لم يسمعوا قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49، 50]
وما سماه الله هبة فهو أولى بالشكر، وبحسن القبول أحرى، قال واثلة بن الأسقع:
إن مِن يُمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أن تعالى يقول:
{يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ}. فبدأ بالِإناث.
"انظر: الجامع لأحكام القرآن"
أقول: والأُم تستفيد مِن بنتها في مساعدتها أكثر من البنين ولا سيما في البيت.
3 - وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أن رجلاً كان عنده، وله بنات، فتمنى موتهن، فغضب ابن عمر، فقال "أنت ترزقهن؟ ".
"رواه البخاري في الأدب المفرد"
4 - قال الإِمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله-:
فقسم سبحانه وتعالى حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدره بينهما من، الولد، فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تعرضًا لمقته أن يتسخط ما وهبه (الله تعالى) وبدأ سبحانه وتعالى بذكر الإِناث، فقيل: جبرًا لهن لاستثقال الوالدين لمكانهن، وقيل- وهو أحسن- إنما قدمهن للسياق لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاء الأبوان, فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبًا، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر النصف الذي يشاء، ولا يريده الأبوان.
وعندي وجه آخر: وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات، حتى كانوا يئدوهن، أي هذا النوع المؤخر عندكم مقدم عندي على الذكر، وتأمل
(3/352)

كيف نكر سبحانه الِإناث، وعرَّف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم وجبر نقص التأخير بالتعريف. "انظر: تحفة المؤود بأحكام المولود ص 20 - 21"
5 - وقال ابن القيم: وقد قال الله تعالى في حق النساء:
{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]
وهكذا البنات أيضًا قد يكون للعبد فيهن خيرًا في الدنيا والآخرة، ويكفي في قبح كراهتهن أن يكره ما رضيه الله، واعطاه عبده. (انظر تحفة المودود ص 126"
ولعله من أجل هذا نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تهنئة المتزوج بعبارة: (بالرفاء والبنين)، لأن فيها الدعاء له بالبنين دون البنات، فعن الحسن أن عقيل بن أبي طالب تزوج امرأة من جُشم، فدخل عليه القوم، فقالوا: بالرفاء والبنين، فقال: لا تفعلوا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك، قالوا: فما نقول يا أبا زيد؟.
قال: قولوا: بارك الله لكم، وبارك عليكم، إنا كذلك كنا نؤمر.
"رواه أحمد وغيره، وهو قوي بمجموع طرقه"
"انظر آداب الزفاف للشيخ الألباني ص 176"
(3/353)

كرامة المرأة المسلمة
لقد بلغ من كرامة المرأة المسلمة أنها كانت تجير الخائف، وتفك الأسير، وهذا يدل على احترام المرأة المسلمة غاية الإحترام:
1 - فقد أجازت أم هانىء بنت أبي طالب رجلين مِن أحمائها (1) كُتب عليهما القتل قالت -رضي الله عنها-: ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فسلّمتُ عليه، فقال: "مَن هذه؟ " فقلت: "أنا أُم هانىء بنت أبي طالب" فقال: "مرحبًا بأم هانىء" فلما فرغ مِن غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: "يا رسول الله، زعم ابن أمي علي: أنه قاتلٌ رجلاً قد أجرتُه (2) فلان بن هبيرة .. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(قد أجَرنا من أجرتِ يا أم هانىء) قالت أم هانىء: وذلك ضُحى. "رواه البخاري"
2 - ولما أسر المسلمون أبا العاص بن الربيع، وغنموا ماله فيما أسروا وغنموا وكان زوج زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن الإِسلام فرَّق بينهما، استجار أبو العاص بزينب -رضي الله عنها-، فوعدته خيرًا وانتظرت حتى صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجر بالمسلمين، ثم وقفت على بابها -في المسجد- فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع .. ، فمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟) قالوا: نعم. قال: (فو الذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعتم الذي سمعتم: المؤمنون يدٌ على مَن سِواهم، يُجير عليهم أدناهم، وقد أجَرنا من أجارت).
"جاء معنى هذا الحديث في البخاري"
فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أُخذ منه، ففعل. وقد عاد أبو العاص بعد ذلك إلى مكة، فأدى الحقوق إلى أهلها، ثم آب إلى المدينة مسلمًا، فرد عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - زوجه زينب).
"انظر سير أعلام النبلاء 1/ 332، والإصابة 7/ 48"
__________
(1) أحمائها: جمع حمَو، والمراد أبو الزوج ومن كان قِبلَه.
(2) أجرته: منعت مَن يريده بسوء وآمنته شره وأذاه.
(3/354)

تحريم قتل النساء في الحرب
لقد بلغ من تكريم الإِسلام للمرأة أنه حرم قتلها، وقتل الأطفال والشيوخ في الجهاد إلا أن يقاتلوا، فيدفعوا بالقتل:
1 - فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعث جيشًا قال: "انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلُّوا، وضُموا غنائمكم، وأصلِحوا وأحسِنوا إن الله يحب المحسنين". "حسنه محقق جامع الأصول بشواهده"
2 - وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: وُجدَت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان، وفي رواية: (فأنكر). "متفق عليه"
3 - وعن رباح بن الربيع -رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: اُنظر علامَ اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: "ما كانت هذه لِتقاتِل" قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، قال: فبعث رجلاً، فقال: "قل لخالد: لا تقتلَن امرأة ولا عسيفًا".
(العسيف: الأجير). "حسنه الألباني في الإرواء ج 5/ 35"
4 - وصدق المستشرق الفرنسي حين قال:
ما عرف التاريخ فاتحًا أرحمَ مِن العرب.
(3/355)

محافظة الإِسلام على سمعة المرأة
1 - لقد بلغ من محافظة الله تعالى على سمعة المرأة المسلمة أنه أنزل في هذا المعنى قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، يحذر فيه من إشاعة السوء عن المرأة المسلمة، فقال -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]
فجعل الله سبحانه في هذه الآية عقوبة القاذف المتهم للمرأة المسلمة بالزنا جلد ثمانين جلدة، إذا لم يأت بأربعة شهداء، ثم دعَّم هذه العقوبة بعدم قبول شهادته أبدًا، ثم وصفه بالفسق الذي يستحقه.
2 - لم يكتف سبحانه وتعالى بهذا العقوبات، بل هددهم بما هو أشد، فقال -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 23 - 25]
3 - وفي حديث الِإفك بالنسبة لعائشة أُم المؤمنين أنزل الله تبرأتها في قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11]
(3/356)

الوحي ينتصر للمرأة
كان الوحي ينتصر للمرأة إنصافًا لها، وانتصارًا لحقها، بل أنزل سورة خاصة بها تدعى سورة المجادلة:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علَيَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقول: (يا رسول الله، أكلَ مالي، وأفنى شبابي، ونثَرت له بَطني، حتى إذا كبِرتْ سِني، وانقطع ولدي ظاهر مني (1)!!! "اللهم إني أشكو إليك".
قالت: فما برَحتْ حتى جاء جبريل بهذه الآية: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} "المجادلة: آية 1" "رواه البخاري تعليقا، وغيره"
لقد نزل الوحي مؤيدًا لهذه المرأة الصالحة التي شكت أمرها إلى الله وجادلت النبي - صلى الله عليه وسلم - في زوجها، وما جرى معها، فاستجاب الله شكواها حالًا؛ وهذه عادة المرأة المسلمة إذا أصابها شيء شكت أمرها إلى الله، ودعت الله وحده، ولم تدعُ غيره، ولم تذهب إلى الكهنة والعرافين، كما يفعل بعض النساء في عصرنا الحاضر، إذا أصابها شيِء لجأت إلى الأولياء تدعوهم، مع أنهم أموات لا يسمعون، ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا، فهم بحاجة إلى الدعاء. قال الله تعالى:
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20، 21]
ودعاء غير الله من الأموات أو الغائبين من الشرك الذي يحبط العمل: قال الله تعالى:
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 20]
وقوله تعالى
{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]
وبعض النساء يذهبن إلى السحرة والكهنة والعرافين الذين قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم:
(من أتى كاهنًا أو عَرافًا فصدَّقه فيما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد).
"رواه أحمد وصححه الألباني"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أتى عرافًا، فسأله عن شيء لم تُقبَل له صلاة أربعين ليلة). "رواه مسلم"
__________
(1) أي قال لها: أنت علَي كظهرِ أُمي يريد تحريمها عليه.
(3/357)

العمل بمشورة النساء الصالحات
1 - جاء الملك جبريل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء فقال:
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، وأخبرها الخبر:
(لقد خشيتُ على نفسي) (1) فقالت خديجة: كلا والله ما يُخزيك الله أبدًا، إنك لَتصِل الرحم، وتحمِل الكَلَّ (2)، وتكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وُتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل (3) فقالت له خديجة يا ابن عم: اسمع مِن ابن أخيك، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبرَ ما رأى، فقال له ورقة:
هذا الناموس (4) الذي نزَل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذعًا ليتني أكون حَيًا إذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوَ مخرجِيَّ هم؟ " قال: نعمٍ، لم يأتِ رَجل قط بمِثل ما جئتَ إلا عوديَ، وإن يُدركني يومك أنصرك نَصرًا مؤزرًا).
"رواه البخاري في كتاب بدء الوحي"
فأنت ترى أن خديجة شجعت الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الإستمرار في الدعوة، وأن الله لا يتخلَّى عنه لما تعلم من الصفات الحسنة التي كان يتصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثل مساعدة الضعيف، والفقير وإكرام الضيف، ومعاونة أصحاب النوازل والمصائب.
قال ابن حجر: وفي هذه القصة من الفوائد:
أ - استحباب تأنيس مَن نزل به أمر بذكر تيَسيره عليه، وتَهوينه لَدَيه.
ب - أن مَن نزل به أمرٌ استحب له أن يُطلِع عليه مَن يثق بنصيحته، وصِحة رأيه. "فتح الباري 1/ 125 "
أقول: حتى ولو كانت امرأة كخديجة، هذا من تكريم الإِسلام للمرأة.
2 - الشروط في عمرة القضاء: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه:
(قوموا فانحروا، ثم احلِقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث، مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سَلمَة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر
__________
(1) خشيت على نفسي من المرض والموت.
(2) الكَل: الضعيف الذي لا يستقل بأمره.
(3) ورقة بن نوفل: كان على دين المسيح قبل أن يُبدل.
(4) الناموس: صاحب السر وهو جبريل -عليه السلام-.
(3/358)

بُدْنك، وتدعوا حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك:
نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا غمًا. "رواه البخاري"
أ - والقصة دليل على أن المرأة الصالحة تُستشار في شؤون الأمة، ويُعمل برأيها في القضايا المهمة، وتدل على وفور عقل أم المؤمنين أم سلمة وصواب رأيها، حيث نفذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - اقتراحها، وانتهت المشكلة.
ب - والقصتان السابقتان: خديجة وأم سلمة، ومشورة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهما في أمور حصلت له يدل على احترام الإِسلام للمرأة، ويُبطل القول المنسوب إلى الخليفة عمر: "شاوروهن وخالفوهن" ومعاذ الله أن يخالف عمر عمَلَ رسول - صلى الله عليه وسلم -، ويخالف القرآن القائل: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]

موقف المرأة المسلمة من الدين
1 - إن المسلم رجلاً كان أو امرأة، حينما أعلن كل واحد منهما ولاءه لله -عَزَّ وَجَلَّ- ورضي بالله ربًا، وبالاسلام دينًا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا ورسولًا كان على كل واحد منهما أن يعطى الثقة التامة والكاملة للتعاليم الإسلامية، لأنها ربانية جاءت لسعادة الرجل والمرأة في الدنيا والآخرة:
قال الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]
2 - فلا بُدَّ للمرأة المسلمة أن تذعن لتعاليم الإِسلام وأحكامه التي جاءت لعزتها وكرامتها، وإنصافها في جميع حقوقها مع الرجل وما يتناسب مع فطرتها، وطبيعتها التي فطرها الله عليها، وهو أعلم بخلقها:
{أَلَا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]
وقد أشار القرآن من موقف المرأة المسلمة من الدين فقال:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]
وقد توعد الله تعالى من خالف أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]
(3/359)

وصية امرأة لابنتها في زفافها
قالت امرأة تزف ابنتها إلى الملك الحارث بن عمرو الكندي:
أي بُنية إن الوصية لو كانت تترك لفضل أدب أو مكرمة نسب لتركت ذلك معك، ولكنها تذكرة للعاقل، ومُنبهة للغافل.
أي بُنية: لو استغنت ابنة عن زوج لِغنى أبويها، لكنتِ أغنى الناس عنه، لكنا خُلقنا للرجال، كما خُلق الرجال لنا.
أي بُنية: إنك فارقت الوطن الذي منه خرجت، والعش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، أصبح بملكه إياكِ مَلِكًا عليك، فكوني له أمةً يكن لك عبدًا واحفظي له عشر خصال يَكُنَّ لك ذُخرًا.
1 - الصحبة بالقناعة: فإن في القناعة راحة القلب.
2 - المعاشرة بحسن السمع والطاعة: فإن فيهما رضا الرب.
3 - التعهد لموضع عينيه والتفقد لموضع أنفه: فلا تقع عينيه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا أطيب ريح.
4 - الكحل والماء: واعلمي أن الكحل أحسن الموجود، وأن الماء أطيب المفقود.
5 - التعهد لوقت طعامه: فإن حرارة الجوع ملهبة.
6 - الهدوء عند منامه: فإن تنغيص النوم مغضبة.
7 - الإحتفاظ ببيته وماله: فإن حفظ المال من حسن التقدير.
8 - الرعاية لحشمه وعياله: فإن الرعاية على الحشم والعيال من حسن التدبير.
9 - ألا تفشي له سرًا: فإن أفشيت له سرًا لم تأمني غدره.
10 - ألا تعصي له أمرًا: فإن عصيت أمره أوغرت صدره.
وأشد ما تكونين له إعظامًا أشد ما يكون لك إكرامًا، وأكثر ما تكونين له موافقة أحسن ما يكون لك مرافقة؛ واعلمي أنك لا تقدرين على ذلك حتى تؤثري هواه على هواك ورضاه على رضاك فيما أحببت أو كرهت.
(3/360)

شرط الولي لنكاح المرأة
لقد اشترط الإِسلام موافقة ولي أمر المرأة على نكاحها تكريمًا لها وحفاظًا على مستقبلها، وهو أدرى بها من نفسها.
1 - قال الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]
2 - قال تعالى حكاية عن قول والد المرأتين اللتين وجدهما موسى على البئر: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: 27]
فالخطاب في الآيتين للرجال، ولو كان للنساء لذكر ذلك، وهذا مستفاد من قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]
3 - وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(لا نكاح إلا بولي، والسلطان وَلي مَن لا وَلي له)."صحيح رواه أحمد"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا نكاح إلا بولي، وشاهدَي عدل). "صححه الألباني في الإرواء"
قال الصنعاني: والحديث دل على أنه لا يصح النكاح إلا بولي، لأن الأصل في النفي نفي الصحة لا الكمال. "انظر: سبل السلام 3/ 117"
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أيما امرأة نُكحِت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فإن السلطان وَلي مَن لا ولي له).
"صححه الحاكم ووافقه الذهبي"
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تُزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تُزوج المرأةُ نفسَها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها).
"قال الحافظ في بلوغ المرام: رجاله ثقات، وصحح الألباني الجملة الأولى. وصحح وقف الجملة الأخيرة على أبي هريرة"
إن الشرع الحكيم لما اشترط للزواج موافقة الولي، كان له أهداف عظيمة،
وفوائد كثيرة، وهي في مصلحة المرأة:
1 - قال الشيخ ولي الله الدهلوي -رحمه الله- في حجة الله البالغة:
وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم، واستبداد النساء بالنكاج وقاحة منهن، منشؤه قلة الحياء، والتعدي على الأولياء، وعدم الإكتراث بهم.
2 - يجب أن يُميز النكاح من السفاح بالتشهير، وأحق التشهير أن يحضر أولياؤها.
3 - أقول: ويشهد لهذا المعنى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(3/361)

"فصلُ ما بين الحلال والحرام ضرب الدف، والصوت في النكاح".
"صحيح رواه أحمد"
فهذا الحديث يدل على أن الفرق بين الحلال وهو الزواج الشرعي، وبين الزنا وهو الحرام ضرب الدف للبنات لِإعلانه، وكذلك الغناء النزيه للبنات أيضًا.
4 - كما أن المرأة لقلة تجربتها في المجتمع، وعدم معرفتها شؤون الرجال وخفايا أمورهم غير مأمونة حين تستبد لسرعة انخداعها، وسهولة اغزارها بالمظاهر البراقة دون تفكير في العواقب وقد اشترط إذن الولي مراعاة لمصالحها، لأنه أبعد نظرًا، وأوسع خبرة، وحكمه موضوعي لا دخل فيه للعاطفة أو الهوى، بل يبنيه على اختيار من يكون أحسن عشرة.
5 - وكيف لا يكون لوليها في زواجها إذن، وهو الذي سيكون شاءت أم أبت بل شاء أو أبي المرجع في حالة الاختلاف، وفي حالة فشل الزواج يبوء هو بآثار هذا الفشل.
"انظر: كتاب المرأة بين تكريم الإِسلام وإهانة الجاهلية"
(3/362)

واجب ولي المرأة
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أتاكم من ترضون خُلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض) "حسن رواه الترمذي"
1 - يجب على الولي أن يتقي الله فيمن يزوجها به، وأن يراعي خصال الزوج الصالح، فلا يزوجها ممن ساء خلقه، أو ضعف دينه.
قال بعض السلف: من زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها.
وقال رجل للحسن: قد خطب ابنتي جماعة، فَمِمَّن أزوجها؟
قال: ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أِبغضها لم يظلمها.
2 - قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وإذا رضيتْ رجلاً، وكان كفؤًا لها، وجب على وليها كالأب، ثم الأخ، ثم العم أن يزوجها به، فإن عضلها أو امتنع عن تزويجها زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤًا لها باتفاق العلماء. وإنما يعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض، لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك، أو يخجلونها حتى تفعل ذلك ويعضلونها عن نكاح من يكون كفؤًا لها لعداوة أو غرض، وهو ممن حرمه الله ورسوله، واتفق المسلمون على تحريمه.
وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحة المرأة لا في أهوائهم، فإن هذا من الأمانة التي قال الله تعالى فيها: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]
"انظر: مجموع الفتاوى 32/ 39 - 52"
3 - ويجوز للرجل أن يعرض بنته أو أخته على من يرى فيه الصلاح فقد عرض عمر بن الخطاب حفصة على عثمان، ثم على أبي بكر، ثم خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكحه إياها.
(3/363)

الخنساء قبل الإِسلام وبعده
1 - لقد أصيبت الخنساء بفقد أخيها واسمه (صخر) فجزعت عليه، وحزنت حزنًا شديدًا وقالت فيه الشعر، وذلك قبل الإِسلام.
أما بعد الإِسلام، فرزقها الله أربعة أولاد خرجوا إلى معركة القادسية فكان مما أوصتهم به قولها: يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنوا رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجَّنت حسبكم، وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية:
اصبروا، وصابروا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمَّرت عن
ساقها، وجلَّلت نارًا على أوراقها، فيمِّموا وطيسها (1) وجالدوا رسيسها (2) تظفروا بالغنيمة والكرامة في دار الخلد والمقامة.
فلما كشرت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم حتى قتلوا واحدًا بعد واحد.
ولما وافتها النعاة بخبرهم، لم تزد على أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله يجمعني بهم في مستقر الرحمة.
"انظر: الإصابة والإستيعاب"
فما أعظم الفرق في سلوك الخنساء قبل الإِسلام وبعده، وهذا من فضل الإِسلام وتكريمه.
__________
(1) الوطيس: المعركة، أو الضرب فيها.
(2) أصلها.
(3/364)

إهانة المرأة في بلاد الكفر
إن وضع المرأة في البلاد التي يزعمون أنها متقدمة في الحضارة وضعٌ حرج، فيه الإِذلال والمهانة، والمجَون والخلاعة، والقسوة والإستغلال في أقسى صورها، وأبشع مظاهرها، لا يقبلها إلا ممسوخ الفطرة، منتكس السريرة، خبيث الطوية:
1 - إن القانون الإِنكليزي حتى عام 1805 م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته.
2 - جاء في مجلة حضارة الإِسلام، السنة الثانية (ص 1078): حدث في العام الماضي أن باع إيطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط قتله الزوج البائع.
3 - وقال الأستاذ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: من الغرائب التي نقلت عن بعض صحف إنكلترا في هذه الأيام أنه لا يزال يوجد في بلاد الأرياف الإِنكليزية رجال يبيعون نساءهم بثمن بخس جدًّا كثلاثين شلنًا، وقد ذكرت - أي الصحف الإنكليزية- أسماء بعضهم.
4 - أما في أمريكا التي تتربع على قمة العالم الغربي، فإن المرأة وصلت إلى انحطاط أخلاقي، وانهيار اجتماعي، وتفكك في الأسرة: يقول الدكتور مصطفى السباعي: وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعي الذي لا يرحم إلى أن أصبحت تُطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة لكي تبدأ في الكدح لنيل لقمة العيش، وإذا ما أجبرتها الظروف في البقاء في المنزل مع أسرتها بعد هذه السن، فإنها تدفع لوالديها إيجار غرفتها، وثمن طعامها، وغسيل ملابسها، بل تدفع رسمًا معينًا لقاء اتصالاتها الهاتفية.
"انظر: المرأة بين الفقه والقانون ص 300"
أقول: هذه المعاملة للبنت موجودة حتى الآن في جميع بلاد الكفر، وحدثني ولدي الذي يقيم في فرنسا أن هذا موجود.
5 - أما عن قلة الزواج، وشيوع البغاء، وانتشار الزنا واللواط، وكثرة اللقطاء، وارتفاع نسبة الطلاق، وتغلغل الأمراض التناسلية الفتاكة، ولا سيما مرض الإِيدز المنتشر، والذي لم يُعرف له دواء فحدث عنه ولا حرج، بل لقد وصلت المرأة الغربية إلى درجة من الإنحلال والمهانة ما لا يتصوره عاقل.
يقول الدكتور "نور الدين عتر": حدثني صديق أنهى تخصصه العالي في أمريكا حديثًا: أن في الأمريكيين أقوامًا يتبادلون زوجاتهم لمدة معلومة ثم يسترجع كل واحد
(3/365)

زوجته المعارة، تمامًا كما يعير القروي دابته، أو الحضري شيئًا من متاع بيته.
"انظر: كتابه ماذا عن المرأة ص 15 - 16"
وكان أحد القادمين من فرنسا يحدث عن إعارة الزوجة هناك أَيضًا.
6 - فعلى المرأة المسلمة أن تعرف أنها مكرمة، وألا تنخدع في الحضارة الزائفة، حضارة مساواة الرجل بالمرأة، وإنما هي حضارة الإنسان بمساواة الحيوان.

فتاة أمريكية تعتنق الإِسلام
الإِسلام هو السبيل الوحيد لِإنقاذ وخلاص البشرية.
1 - "هاجر" الاسم الجديد "لياميلا" فتاة أمريكية في الثامنة والعشرين من عمرها، طالبة في قسم علم الإجتماع في جامعة ميزوري -كولومبيا-.
2 - بدأت قبل سنتين بدراسة الإِسلام دراسة جادة متعمقة بحثًا عن الحقيقة التي كانت شغلها الشاغل، والتي لم تجدها كما تقول في الثقافة المادية الأمريكية، وبعد سنتين من الدراسة والبحث والتأمل أعلنت "ياميلا" الإِسلام، وغيرت اسمها إلى "هاجر" حيث تقول: إن اسم "هاجر" مُحبَّب إلى نفسي لكونه مرتبطًا بالإِسلام.
3 - تتحدث هاجر عن تجربتها قائلة: منذ مدة طويلة كانت تدور في ذهني تساؤلات عن الكون، والوجود والحياة، وقد أضناني البحث والتفكير عن أجوبة لهذه التساؤلات الفلسفية، ولكن عبثًا لم أجد لها تفسيرًا مقنعًا من خلال دراستي في الثقافة الأمريكية المادية، وكنت أسمع بالإِسلام، ولكن صورته غامضة في ذهني بل مُشوهة، فهو دين يفرق بين الرجل والمرأة، وقائم على العنف والقسوة، وبقيت جاهلة بحقيقة الإِسلام، حتى بدأت أدرك نقاء الإِسلام وتحديه للقوى المادية، فبدأت من حينها أدرس وأبحث عن الإِسلام، وكان البحث في البداية شاقًا جدًا، فليس هناك كتب أمينة عن الإِسلام في اللغة الإنكليزية، ولكني منذ البداية شعرت بحب للإسلام، فهو دين عدل وإنصاف، يعطي الفرد حريته، ويحمله مسؤولية أعماله وأفعاله، وهكذا وبمرور الوقت ازددت وعيًا وفهمًا بالإِسلام، وكان أن هداني الله لاعتناق الإِسلام.
(3/366)

هاجر تدعو للإسلام
1 - ومنذ أن أعلنت "هاجر" إسلامها، وهي تعمل بجد ونشاط لنشر الإِسلام، فهي ترى أن رسالتها الآن أن تجاهد في سبيل الإِسلام، وإبلاع دعوته للأمريكيين الذين يجهلون حقيقة الإِسلام بفعل الصورة المشوهة التي صُور الإِسلام بها من خلال أعدائه الحاقدين عليه.
2 - لقد غير الإِسلام هاجر تغييرًا شاملًا، فبعد أن كانت تعيش كأية فتاة أمريكية حياة لاهية أصبحت الآن ملتزمة بقواعد ومبادىء الإِسلام كما تقول: إن هدفي الأسمى أن أجاهد في سبيل الإِسلام، وأن أحارب الرأسمالية، والطغيان والشر، فبعد تجربتي وجدت أن الإِسلام هو الطريق الوحيد لخلاص الِإنسانية من خطر الحروب والمجاعة والفناء.
3 - وعندما سئلت "هاجر" ولماذا الإِسلام بالذات هو السبيل إلى خلاص البشرية؟ أجابت قائلة: إن الإِسلام هو الدين الوحيد الذي يُقدم حلولًا لقضايانا الإجتماعية، والسياسية المعاصرة، إنه نظام حياة شامل يوازن بين مطالب الروح، وحاجات الجسد دونما إخلال، لقد وجدت فيه أجوبة شافية على تساؤلات فلسفية كانت تقلقني وتقض مضجعي.
4 - وحين تتحدث هاجر عن الإِسلام تشعر بالصدق في كلامها، فهي تعي ما تقول، وأحيانًا تنطق بالعبارات الإِسلامية باللغة العربية ولكنها في كل الحالات تفهم جيدًا أن الإِسلام نظام شامل للحياة وليس دين عبادات فقط.
الجهاد في نظرها أهم ما في الإِسلام، أو أهم ما يحتاج إليه المسلمون في الوقت الحاضر.
5 - ومنذ إسلام هاجر، غيَّرت أسلوب حياتها، فارتدت اللباس الشرعي، وبدأت تصلي الصلوات الخمس في أوقاتها، وبذلت جهدًا كبيرًا في حفظ الآيات من القرآن، لتستطيع تأدية الصلوات.
6 - وطبيعي أن تواجه صعوبات كبيرة من زميلاتها وعائلتها, ولكن "هاجر" المسلمة كما تقول: أستطيب المصاعب في سبيل عقيدتي، وهذا جدير بالنسبة للمسلمين والمسلمات، ولقد سبق أن عُذب الكثير منهم، لكنهم لم يتحولوا، وأنا لن أبالي إلا بالإِسلام.
7 - ولا يقتصر نشاط "هاجر" على الجانب الديني، فهي نشطة سياسيًا، ومؤمنة بالحقوق
(3/367)

العادلة للشعب الفلسطيني المسلم، لذلك فهي تحاضر وتتحدث عن الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني.
إنها حقًا ظاهرة فريدة: فتاة أمريكية بيضاء تتجول إلى داعية إسلامية تذب وتدافع عن قضايا الشعب الإِسلامي في مجتمع لا يُصغي، ولكنها لا تمل ولا تتعب.
ورسالتها إلى الشعوب الإِسلامية عامة والعربية خاصة:
أنتم الذين أنرتم الدرب للبشرية، فلا تضعفوا أمام غزاة أرضكم المقدسة أمام
إسرائيل وحلفائها.

الخليفة ينقذ المرأة الضعيفة
1 - لما خرج ملك الروم وفعل في بلاد الإِسلام ما فعل فقتل مَن بها من الرجال، وسبى الذرية والنساء، ومثَّل بمن صار في يده من المسلمين. وسمل أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم، وبلغ المعتصم أن امرأة هاشمية صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم "وامعتصماه" فأجابها وهو جالس على سرير لبيكِ، لبيكِ، ونهض من ساعته، وصاح في قصره النفير، النفير، ثم ركب دابته، ومعه حقيبة فيها زاده، وجمع العساكر، وأحضر قاضي بغداد، وهو عبد الرحمن بن إسحق، وشعبة بن سهل ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضِياع: فجعل ثلثًا لولده، وثلثًا لله تعالى، وثلثًا لمواليه، ثم سار فعسكر في غربي "دجلة" ومعه جماعة من القواد، حتى انتصر على الروم، بعد قتالهم مدة طويلة.
"انظر: الكامل لابن الأثير 5/ 247"
2 - أقول لقد بلغ من تكريم الإِسلام للمرأة أن سار الخليفة "المعتصم" بجيشه، حينما سمع من امرأة أسيرة في بلاد الروم تنادي لينقذها من الكقار، فلبى نداءها، وسار بنفسه مع جنده حتى يقاتل الكفرة، وينصر المرأة الضعيفة، وهذا يدل على عزة المسلمين، والدفاع عن النساء.
3 - لقد أكبر المسلمون هذا العمل من الخليفة "المعتصم" ولا سيما بعد فتحه "عمورية" وقال فيه الشعراء قصائد تشيد بذلك العمل الطيب والإنتصار الباهر.
(3/368)

أهمية تربية النساء
1 - مَن لي بتربية النساء فإنها ... في الشرق علَّة ذلك الإِخفاق (1)
2 - الأم مدرسة إذا أعددَتها ... أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراق (2)
3 - الأم رَوض إن تعهده الحيا (3) ... بالرِي أورَق أيَّما إيراق!
4 - الأم أستاذ الأساتذة الأولى ... شغلتْ مآثرهم مدى الآفاق
5 - أنا لا أقول دعوا النساء سوافرًا (4) ... بين الرجال يَجلن في الأسواق
6 - يدرجن (5) حيث أردن لا مِن وازع ... يحذرن رقبته ولا مِن واقي
7 - يفعلن أفعال الرجال لواهيًا ... عن واجبات نواعس الأحداق
8 - في دورهن شؤونهن كثيرة ... كشؤون رَب السيف والمزراق (6)
9 - كلا ولا أدعوكم أن تُسرِفوا ... في الحجب والتضييق والإِرهاق (7)
10 - ليست نساؤكم أثاثًا يُقتنى ... في الدين بين مخادع وطباق
11 - تتشكل الأزمان في أدوارها ... دوَلًا وفن على الجمود بواقى
12 - فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا ... فالشّر في التقييد والإِطلاق
13 - رَبوا البنات على الفضيلة إنها ... في الموقفَين لهن خيرُ وَثاق
14 - وعليكم أن تستبين بناتكم ... نورَ الهدى وعلى الحياء الباقي
"للشاعر حافظ إبراهيم"
__________
(1) الإخفاق: عدم الظفر بالمطلوب.
(2) الأعراق: الأصول.
(3) الحيا: المطر.
(4) السوافر: المنكشفات الوجوه.
(5) يدرجن: بمشين والوازع: الزاجر، والرقبة: المراقب.
(6) المزراق: الرمح؛ يريد أن شأن المرأة في بيها لا يقل عن شأن القائد في الحرب.
(7) الإرهاق: الظلم.
(3/369)

(8)
تحفة الأبرار في الأدعية والآداب والأذكار
(3/370)

موجز تحفة الأبرار
* - الأمر بالدعاء
* - من فوائد الدعاء
* - أوقات إجابة الدعاء
* - الذين يستجاب دعاؤهم
* - المحرم مِن الدعاء
* - آداب الأكل والشرب
* - آداب السفر
* - دعاء الركوب والسفر
* - آداب السلام
* - فضيلة الذكر
* - مِن فوائد الذكر
* - الذكر في الصباح والمساء
* - الذكر عند النوم والإستيقاظ
* - الذكر عند الأذان
* - الذكر عند الغضب
(3/371)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضللْ فلا هادِيَ له.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإن الدعاء مهم جدًا، ولا سيما في هذه الأيام التي يرى فيها المسلم إخوانًا له يُذبحون، وئقتلون ويُشردون، فالواجب على كل مسلم أن يدعو لإخوانه المشردين بالنصر والتأييد، وأن يستعين المسلم بدعاء ربه إذا وقع في مصيبة، أو كرْب، أو أي مشكلة، فالدعاء له منزلة عظيمة في الإِسلام، حيث ورد الأمر به في القرآن:
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} "غافر: 60"
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (الدعاءُ هو العبادة).
صحيح رواه الترمذي"
وقد جمعت في هذا الكتاب بعض الأذكار والأدعية والآداب من الكتاب والسنة، ولا سيما الأدعية التي ورد فيها نص عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنها مستجابة وقد استعملتها فوجدت فيها الإجابة.
والله أسألُ أن ينفع به المسلمين. ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.
محمد بن جيل زينو
(3/372)

أسباب نشر الأدعية
1 - استيقظت مرة في منتصف الليل، فرأيت النور مضاءً، فعرفت أن ولدي المريض قد اشتد مرضه، ثم دخلت الغرفة فإذا بوالدته تبكي على ولدها الذي غاب عن وعيه، وحين رأتني ذهبَت إلى غرفة أخرى لِتَستريح، عند ذلك توضأتُ، وصليتُ ركعتين بخشوع، وبعد الإنتهاء قرأت "دعاء الحاجة" وغيره وجعلتُ أقول:
يا رَبُّ يا رَبُّ اِرحمْ هذا الطفل المريض حيث لم ينفعه الدواء والأطباء، ومازلت أُلحُّ في الدعاء وأبكي حتى شعرت بحركة مِن خلفي، وإذا بولدي المريض الذي لا يستطيع الحركة ينهض بنفسه قائلَا: أريد ماءً، فأعطيته الشراب ثم قلت في نفسي: لقد استجيب الدعاء، ونزل الشفاء.
وعند الصباح خرج الولد بنفسه إلى السوق سليمًا مُعافى.
يَا ألله! لقد مضى على مرض ولدي أكثر من سنة وهو ينتقل من طبيب لآخر، ويشرب الأدوية دون فائدة، وحينما قرأت هذه الأدعية نزل الشفاء بسرعة، ليتني قرأت الدعاء منذ زمن بعيد.
2 - دخلت مرة إلى عيادة طبيب، فرأيت رجلًا يضع يده على ظهره متألِّمًا، فأعطيته "دعاء الشفاء" فأخذه وجعل يقرؤه واضعًا يده مكان الألم، وبعد دقائق همس الرجل في أذني قائلًا: لقد ذهب الألم ولا حاجة لطبيب.
3 - قرأت "دعاء الليل المستجاب" الذي سيأتي ذكره في الكتاب، فتحقق طلبي بفضل الله، وقرأه ولدي من أَجل أمر عظيم، فسهَّل الله أمره، وقرأه كثير من الناس فاستفادوا منه في جميع حاجاتهم على اختلاف أنواعها.
وأنصح كل مسلم أن يعود إلى هذه الأدعية التي سيأتي ذكرها في كل أموره لفائدتها العظيمة.
(3/373)

الأخذ بالأسباب المشروعة
على المسلم أن يجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب المشروعة:
1 - قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} "سورة الأنفال"
وقد فسر الرسول - صلى الله عليه وسلم - القوة بقوله:
(ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي). "رواه مسلم"
- وقال - صلى الله عليه وسلم -: (يا عبادَ الله تداوُوا، فإن الله لم يضع داء إلا وضعَ له دواء غير داء واحد: الهرَم
[الهرَم: كِبر السِّن والعجز] "صحيح رواه أحمد"
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم - لصاحب الناقة: (اعقلها وتوكل).
"حسن رواه الترمذي"
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لو أنكمِ تتوكلون على الله حَق توكُّله، لززقكم كما هي زق الطير، تغدو جماصًا، وتروح بطانا). "صحيح رواه أحمد"
[فأثبت النبي الذهاب والإِياب للطير، وهي من الأسباب المشروعة].
5 - يحرم تصديق المنجم، والكاهن، والعراف، والساحر، والرمَّال وغيرهم: لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(مَن أتى عَرافًا أو كلاهنًا، فصدَّقه بما يقول، فقد كفرَ بما أنزل على محمد).
"صحيح رواه أحمد"
وما يقع من الدجالين إنما هو التخمين والمصادفة، وأكثره كذب من الشيطان لا يغتر به إلا ناقص عقل ودين، ومن صدقه فقد كفر بالإِسلام؟ ولو كانوا صادقين لاستخرجوا كنوز الأرض، وأخبرونا عن أسرار اليهود لإحباطها, ولما أصبحوا فقراء يحتالون على الناس لأكل أموالهم بالباطل.
(3/374)

الأمر بالدعاء
1 - قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} "غافر: 60 "
2 - وقال تعالى:
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} "الأعراف: 55، 56"
3 - يأمرنا الله تعالى في هذه الآيات أن ندعوه ليستجيب لنا وطلب أن يكون الدعاء سرًّا في حالة التذللِ له فإن الله لا يحب المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت، وأمرنا أن ندعوه خوفًا من عقابه وطمعًا في رحمته.
"انظر تفسير الجلالين"
قلت: هذه الآيات صريحة في الرد على فريقين:
أ - الفريق القائل: بأن إبراهيم -عليه السلام- حينما أُلقيَ في النار، فقال له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسَلْ ربك، فقال إبراهيم: (حسبي مِن سؤالي عِلْمُه بحالي) (1).
هذا الأثر يخالف القرآن الذي أثبت الدعاء لجميع الأنبياء، ومنهم إبراهيم عليه السلام، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(الدعاءُ هو العِبَادَة). "صحيح رواه الترمذى وغيره"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن لَمْ يَدْعُ الله يَعضَبْ عليه)
"صححه الحاكم وواففه الذهبي، وحسنه الألباني"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (سَلُوا الله كُلَّ شيء حتى الشَّسْعَ، فإن الله تعالى إنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَتَيسَّر). "حسنه الألباني بشواهده"
ب. الفريق الثاني: الصوفية التي تقول: إنهم يعبدون الله لا خوفًا مِن ناره، ولا طمَعًا في جنته، فالقرآن يرد عليهم بأن الله يأمركم أن تدعوه خوفًا من ناره وطمَعًا في جنته، كما فعلت الأنبياء.
__________
(1) ذكره المفسر إسماعيل حقي وأقره الصابوني حيما ذكر هذا الأثر وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة وقال: قال ابن تيمية: موضوع. (1/ 250).
(3/375)

من فضائل الدعاء
1 - قال الله تعالى:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} "سورة البقرة، الآية: 186"
2 - وقال تعالى:
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} "غافر: 60".
3 - وقال الله تعالى:
{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}
"سورة الفرقان: 77".
4 - وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(الدعاءُ هو العِبَادَة). ثم قرأ:
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. "صحيح رواه أبو داود"
5 - وقال الرسِول - صلى الله عليه وسلم -:
(لَيْسَ شَيءٌ أكرمَ على الله مِن الدُّعاءِ). "حسن رواه الترمذي"
6 - وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(أفضلُ العبادةِ الدعاءُ). "صحيح رواه الحاكم"
(3/376)

من آداب الدعاء
1 - الإِخلاص: من أهم الآداب، قال الله تعالى:
{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. "سورة غافر: الآية: 14"
2 - أن يدعو الله وهو طاهر:
وفي الصحيحين: عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: (قال أبو عامر: قل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لي، فدعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بماء فتوضأ ورفع يديه ... الحديث).
3 - عدم العجلة في الإستجابة والسؤال ببطون الأكف:
أ - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يُستجاب لأحَدِكم ما لم يَعْجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي). "متفق عليه"
ب - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا سألتم الله تعالى فاسْألُوهُ ببُطُونِ أكُفِّكُمْ ولا تسْألُوهُ بظُهُورهَا).
"صحيح رواه أبو داود"
أقول: رفع اليدين إلى السماء دليل على أن الله تعالى فوق العرش على السماء السابعة.
4 - استقبال القبلة عند الدعاء: لقد استقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع القبلة، واستقبل القِبلة في المواطن الآتية:
(على الصفا والمروة، وفي وقوف عرفة، وعند المَشعَر الحرام، وبعد رَمي الجَمرة الصغرى والوسطى). "رواه البخاري ومسلم"
5 - البدء بالدعاء لنفسه: (كانَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذَا ذَكَرَ أحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بنَفْسِهِ). "صححه الألباني في الجامع 4720"
لكن لا يخص نفسه إذا كان إمامًا وذلك في القنوت، والمصَلون يؤمّنون خلفه، ويجوز أن يخص نفسه في السجود وأول الصلاة لثبوت ذلك بالأحاديث الصحيحة.
6 - السؤال بعزم ورغبة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا دعا أحدكم فلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إنْ شِئْتَ، وَلْيَعْزم المَسْألَةَ، ولْيُعَظِّمِ الرّغْبَةَ، فإنً الله تعالى لا يَعْظُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أعْطاهُ). "رواه مسلم"
7 - تكرار الدعاء ثلاثًا: (كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وإذا سألَ سألَ ثَلاثًا). "متفق عليه"
(3/377)

8 - السؤال بأسماء الله الحسنى: قال الله تعالى:
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. "الأعراف: 180"
9 - البدء بالحمد أو الثناء: (إذ دخلَ رخل فَصلَّى فقال: اللهُمَّ اغفر لي وارحمني، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عجلت أيها المصلي إذا صليت فقعدت فاحْمدِ الله بما هو أهله، وصَلَّ علَيَّ ثم ادعُه).
"رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح"
10 - الدعاء بالعافية، والإستكثار مِن السؤال:
أ - قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(يَا عباس يَا عَمَّ رسول الله: أكثِر الدعاء بالعَافية).
"صححه الألباني في الصحيحة 1523"
ب - وقال - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا سأل أحدُكُم فليُكْثِر، فإنما يَسْألُ رَبّه). "صحيح على شرط الشيخين"
11 - الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الدعاء: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"كلَّ دُعاءٍ مَحجُوبٌ حَتَّى يُصلَّى على النبي - صلى الله عليه وسلم -). "حسن رواه البيهقي"

مِن فوائد الدعاء
أ - الدعاء يرد القضاء: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا يَردُّ القضاء إلا الدعاء ولا يزِيد في العمر إلَّا البرّ)
"رواه الترمذي وحسنه الألباني بشواهده"
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الدعاء ينفع مما نزَلَ ومما لم يَنْزلْ، فعليكم عبَادَ الله بالدعاءِ).
"رواه أحمد والترَمذي وحسنَه الألباني في المشكاة"
معنى الحديث الأول: الدعاء مِن قدر الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فقد يقضي بشيء على عبده قضاء مُقيدًا، فإن دعاه اندفع عنه ما قضاه عليه، وفيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قضاه على عبده، وإن البر وصلة الأرحام تزيد في العمر.

3 - ومن فوائد الدعاء أَيضًا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(ما مِن مسلم يدعو بدَعْوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجِّلَ له دَعْوَتَهُ، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يَصْرف عنه مِن السُّوء مِثْلَهَا، قالوا: إذن نكْثِر. قال الله أكثَرُ).
"صحيح رواه أحمد. انظر المشكاة ج 2/ رقم 2259"
(3/378)

أوقات إجابة الدعاء
1 - في الليل والثلث الأخير منه:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنّ في الليل ساعة لا يُوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرًا مِن أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كلَّ ليلة). "رواه مسلم ج 2/ 175"
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (يَنزل ربُّنا كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثُلث الليل الآخر، فيقولُ مَن يدعُوني فأسْتَجيبَ لَهُ؟ مَن يَسْأَلُني فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِرَ لَه؟). "رواه البخاري ومسلم"
[ينزل ربنا: نزولًا يليق بجلاله ليس كمثله شيء، وهو دليل على عُلُو الله تعالى].
2 - الدعاء عند نزول الكرب والمصائب:
قال - صلى الله عليه وسلم -:
(دَعوةُ ذي النُّون إذْ دَعَا بها وهو في بَطْنَ الحُوت:
"لا إله إلا أنت سُبحانك إني كنتُ من الظالمين".
لم يَدع بها رَجلٌ مسلم في شيء قطُّ إلَّا استجاب الله له).
"صحيح رواه أحمد"
3 - الدعاء بين الأذان والإِقامة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(الدَّعوة لا تُرَدُّ بين الأذان والإقامة) "رواه أحمد وإسناده صحيح"
4 - الدعاء عند الأذان وجهاد الأعداء:
قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: (اثْنَتَانِ لا تُردِّان: -أو قلَّما تُردِّانِ- عند النِّداءِ، وعند البَأْسِ حينَ يَلْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا). "رواه أبو داود، وقال الحافظ: حسن صحيح"
5 - الدعاء في السجود في الصلاة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أقرَبُ ما يكون العبدُ مِن ربه -عَزَّ وَجَلَّ- وهُوَ ساجِد، فأكثرُوا الدعاء). "رواه مسلم رقم 482"
6 - تحري الدعاء يوم الجمعة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن في الجمعة لساعة (1) لا يُوَافقُها مسلِم يسْألُ الله فيها خيرًا إلا أعْطَاهُ الله إيَّاه).
[(1) رجح الحافظ في الفتح أنها بعد العصر للآثار الواردة فيها]
"متفق عليه"
(3/379)

7 - الدعاء عند صياح الدِّيَكةِ:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سَمِعتم صياحَ الدِّيَكة فاسْألوا الله مِن فَضْلهِ فإنها رأتْ مَلَكًا، وإذا سمعتم نَهيقَ الحِمَار فَتَعَوّذوا بالله مِن الشَّيطان فإنه رأى شيطانًا). "رواه البخاري ومسلم"
8 - الدعاء عند نزول المطر:
كان - صلى الله عليه وسلم - رأى المطر قال: (اللهم صَيِّبًا نافعًا).
[صَيبًا: مطرًا]. "رواه البخاري"

الذين يستجاب دعاؤهم
1 - دعاء المضطر:
قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}. "النمل: 62"
2 - دعاء المظَلوم مطلقًا ولو كان كافرًا أو فاجرًا:
أ - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمَل على الغَمَامِ، يقول الله تعالى: وعِزَّتي وجَلالي لأنصُرنَّكِ ولو بعد حين). "صحيح كما في الصحيحة 868"
ب - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تَصْعدُ إلى السماء كأنّها شَرَارَة). "صحيح كما في الصحيحة 871"
ج - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها، حجاب). "حسن رواه أحمد"
د - وقال - صلى الله عليه وسلم -:
(دعوة المظلوم مُستجابة، وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه).
"حسنه الألباني في الجامع"
3 - دعوة الصائم والمسافر والوالد:
أ - قال - صلى الله عليه وسلم -: (ثِلاثُ دعَوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر). "صحيح انظر الصحيحة 1797"
ب - وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاث دعوات مستجابات لا شَك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم).
"حسنه الألباني في الصحيحة 596"
(3/380)

4 - دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (دعاء المرِءِ المسلم مُستجابٌ لأخيه بِظَهْر الغيب، عند رأسه مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّما دَعَا لأخيه بخيْرِ قال الملَكُ: آمين ولك بمِثل ذلك). "رواه مسلم"
5 - الدعاء وقت الرخاء:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن سَرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكَرْب، فليُكْثِر الدُّعاء في الرخاء).
"صححه الحاكم ووافقه الذهبي"
6 - دعاء الذاكر الله كثيرًا والإِمام العادل:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاثة لا يَردُّ الله دعاءَهم: الذاكرُ الله كثيرًا، والمظلوم والإِمامُ المُقسِطُ). "حسن رواه البيهقي"
[المقسِط: العادل].
دعاء المسلم على الكافر:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يُستجاب لنا فيهم ولا يُستجاب لهم فينا). "متفق عليه"
(3/381)

المحَرم مِن الدعاء
1 - دعاء غير الله من الأنبياء أو الأولياء وغيرهم:
قال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. "سورة يونس: الآية: 106"
[الظالمين: المشركين].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(الدعاءُ هو العبادةُ). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
فالدعاء عبادة كالصلاة يحرم صرفه لغير الله من الأموات أو الغائبين وغيرهم، وهو من الشرك الأكبر المحيط للأعمال.
2 - الدعاء على نفسه بالموت أو الشر:
أ - قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا يَتَمَنَّينَّ أَحدُكُمٍ الموتَ لِضُرٍ نَزَلَ بهِ، فإن كان لا بُدَّ مُتَمَنيًا فليقل: اللهم أحْيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وَتَوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي). "متفق عليه"
ب - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُونَ على ما تقولون). "رواه مسلم وغيره"
3 - الدعاء على الأولاد والخدم والأموال بالشر:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تدعوا على أنفسِكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خَدَمِكُم، ولا تدعوا على أموالِكم، لا توافقوا مِن الله ساعة يُسأل فيها عطاءٌ فيُستجاب لكم). "رواه مسلم"
4 - تمني الحرب ولقاء العدُوِّ:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يَا أيها الناس لا تَتَمَنَّوا لقاء العدُو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف). "رواه مسلم"
(3/382)

5 - الدعاء بالإِثم والمعصية:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما مِن مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجِّل له دعوته، وإما أن يدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يَصرف عنه مِن السُّوء مثلها. قالوا. إذًا نُكثِر. قال: الله أكثر). "صحيح رواه أحمد"
6 - الإعتداء في الدعاء:
قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}
"الأعراف: 55"
قال ابن القيم -رحمه الله-:
أ - قيل: المراد أنه لا يحب المعتدين في الدعاء. كالذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك، وقد روى أبو داود في سننه من حديث حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول:
اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال يا بُني، سَلِ الله الجنة وتعَوذ من النار، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(إنه سيكون في هذه الأمة قوم يَعْتَدُون في الطُّهُور والدُّعاء.
"صحيح رواه أبو داود وأحمد"
وعلى هذا فالإعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإِعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل أن يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدًا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء. فكل سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أويتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله.
ب - وفُسِّر الإعتداء برفع الصوت أَيضًا في الدعاء.
قال ابن جُرَيج: مِن الإعتداء رفيع الصوت في الدعاء، والنداء في الدعاء والصياح. "انظر بدائع التفسير 2/ 232"
(3/383)

شروط الدعاء
1 - أن لا يكون له فيما سأل غرض فاسد؛ كسؤال المال والجاه والولد والعافية، وطول العمر للتفاخر والتكاثر، والإستعانة بها على الشهوات والمعاصي.
2 - أن لا يكون الدعاء على وجه الإختبار لربه تعالى، بل يكون سؤالًا محضًا خالصًا لله، إذ العَبد ليس له أن يختبر ربه.
3 - أن لا يشغله الدعاء عن فريضة حاضرة كصلاة الجماعة فيفوتها فيكون عاصيًا.
4 - أن يسأل الله تعالى حاجته صغيرة كانت أو كبيرة، ولا يستعظمها على الله: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا سألتم الله فاسألوه الفِردوسَ فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش
الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجنة). "رواه البخاري".
[أوسطُ الجنة: أي في وسَطِها].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لِيَسأل أحدُكم رَبه حاجتَه كلها، حتى يسأله شِسْع نعلِه إذا انقطع).
[الشِّسْعُ: سَير النعل وشراكه]. "حسنه الترمذي وهو كما قال"
5 - أن لا يسأل الله بألفاظ لا يُفهم معناها: كأن يقول:
(اللهم إني أسألك بمعاقد العِزِّ مِن عرشك).
لأنه لا يَعرف معناها كل أحد.
6 - أن لا يُسيء الأدب في الدعاء مع الله تعالى.
7 - أن يدعوا الله بأسمائه الحسنى، ولا يدعوه بما لا يتضمن ثناء وإن كان حقًا: قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. "الأعراف: 180"
فلا يقال: يا ضار ويا خالق العقَارب والحيات؛ لأنها مؤذية.
8 - أن يدعوه مع إظهار الفقر والمسكنة والتضرع والخشوع: قال الله تعالى:
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}. "الأعراف: 55"
(3/384)

9 - أن يتجنب الحرام في المأكل والمشرب والملْبس، وفي الحديث:
(ثم ذكرَ الرجلَ يُطيل السفرَ أشْعَث أي، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا ربُّ يا ربُّ،
ومطعَمه حرام، ومَشربه حرام، وغُذِيَ بالحرام فأنَّى يُستجاب له) "رواه مسلم"
10 - أن يدعو الله بقلبٍ خاشع موقن بالإِجابة لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً مِن قلب غافل لاهٍ). "حسن رواه الطبراني"
11 - أن يدعوا الله خوفًا من عذابه، وطمعًا في رحمته:
قال الله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}.
"الأعراف: 56"
(3/385)

الخوف والرجاء
قال الله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} "الأعراف: 56"
يأمر الله سبحانه وتعالى عبادة أن يدعوا خالقهم ومعبودهم خوفًا من ناره وعذابه، وطمعًا في جنته ونعيمه.
قال الله تعالى:
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}.
"الحجر: 49 - 50"
لأن الخوف من الله يحمل العبد على الإِبتعاد عن معاصي الله ونواهيه، والطمع في جنته ورحمته يحفزه على العمل الصالح، وكل ما يُرضي ربه.
ما تهدي إليه هذه الآيات:
1 - أن يدعوَ العبد ربه الذي خلقه، وهو الذي يسمع دعاءه، ويجيبه.
2 - عدم دعاء غير الله، ولو كان نبيًا أو وليًا أو ملكًا؛ لأن الدعاء عبادة كالصلاة لا تجوز إلا لله.
3 - أن يدعوَ العبد ربه خائفًا من ناره، راغبًا في جنته.
4 - في الآية رَد على الصوفيين القائلين: بأنهم لا يعبدون الله خوفًا منه، أورغبة فيما عنده؛ لأن الخوف والرغبة من أنواعِ العبادة وقد امتدح الله الأنبياء وهم صفوة البشر فقال: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}. "الأنبياء:90"
5 - في الآية ردٌّ على النووي في كتابه "الأربعين النووية" عندما شرح حديث:
(إنما الأعمال بالنيات) حيث قال:
وإذا وُجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال:
الأول: أن يفعل ذلك خوفًا من الله تعالى: وهذه عبادة العبيد.
الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب، وهذه عبادة التجار.
الثالث: أن يفعل ذلك حياءً من الله وتأدية لحق العبودية وتأدية للشكر .. وهذه عبادة الأحرار.
(3/386)

وقد علق الشيخ محمد رشيد رضا على هذا الكلام في "مجموعة الحديث النجدية" فقال: هذا التقسيم أشبه بكلام الصوفية منه بكلام فقهاء الحديث.
والتحقيق أن الكمال الجمع بين الخوف الذي سماه عبادة العبيد، وكلنا عبيد الله، والرجاء في ثواب الله وفضله الذي سماه عبادة التجار.
أقول: والشيخ متولي الشعراوي يتبنى عقيدة الصوفية في كتبه، حيث ذكر هذا
التقسيم السابق، بل زاد في شططه حينما فسر في التلفاز (الرائي): قوله تعالى: {وَلَا يُشرِك بعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدَا}. "الكهف: 110"
فقال: والجنة أحد.
(كأنه يعني: عبادة الله تعالى طلبًا لجنته شرك).
قال الشعراوي في كتابه "المختار من تفسير القرآن العظيم":
النوع الثالث: أنه يعبده لأنه يستحق أن يُعبد واستدل بحديث قدسي
(لو لم أخلُق جنة أو نارًا أما كنتُ أهلًا لأن أُعبد). "ج 2/ 25"
"لم أجده في كتب الحديث"
وهذا الحديث لم يذكر درجته والظاهر عليه الكذب؛ لأنه يخالف القرآن، وهذا الكلام الذي ذكره في كتابه يؤيد ما قاله في الرائي عندما فسرَ الآية بقوله: (والجنة أحد). فإن قال قائل: أراد الشعرواي أن مَن عبد الجنة فقد أشرك نقول له: لا يوجد في الدنيا فن يقول: إنه يعبد الجنة، ولكن هذا التفسير من الشعرواي تدليس وإخفاء لعقيدة الصوفية التي يتبناها في كتبه.
والصوفية تقول: إنما يعبدون الله لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره! ويستدلون بقول رابعة العدوية: إن كنتُ أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني فيها.
(3/387)

الدعاء لا يحتاج إلى واسطة
لو تتبع المسلم الآيات الموجودة في القرآن عن السؤال والجواب، لوجد أن الناس كانوا يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أمور، فيأتيه الوحي من السماء ليجيب عنها، ويبلغهم حكمها عن الله.
من هذه الآيات -وما أكثرها- قول الله تعالى:
1 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}. "الأنفال: 1"
2 - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}. "البقرة: 219"
3 - {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} "البقرة: 222"
4 - {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} "البقرة: 220"
5 - {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}. "المائدة: 4"
فهذه الآيات تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان واسطة بين الله وعبادة في الأحكام والتبليغ، أما الدعاء الذي ورد عنه السؤال للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكن الجواب عنه ب (قل)، بل كان عنه الجواب مباشرة من الله -عَزَّ وَجَلَّ-، قال الله تعالى:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} "البقرة: 186"
فدلت هذه الآية على أن الدعاء لا يحتاج إلى واسطة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الرسل والأولياء؛ لأن الله تعالى قريب يسمع دعاء عبده فيجيبه.
(3/388)

(الدعاء هو العبادة)
هذا الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي، يدل على أن الدعاء من أهم أنواع
العبادة، فكما أن الصلاة لا تجوز أن تكون لرسول أو ولي، فكذلك لا يُدعى الرسول أو الولي من دون الله.
1 - إن المسلم الذي يقول: يا رسول الله أو يا رجال الغيب غوثًا ومددًا، هو دعاء وعبادة لغير الله، ولو كانت نيته أن الله هو المغيث، ومثله مثل رجل أشرك بالله -عَزَّ وَجَلَّ- وقال: أنا في نيتي أن الإِله واحد، فلا يُقبل منه هذا؛ لأن كلامه دل على خلاف نيته، فلابُدَّ من مطابقة القول للنية والمعتقد، وإلا كان شركًا أو كفرًا لا يغفره الله إلا بتوبة.
2 - فإن قال هذا المسلم أنا في نيتي أن أتخذهما واسطة إلى الله، كالأمير الذي لا أستطيع أن أدخل عليه إلا بواسطة.
أقول: هذا تشبيه الخالق بالمخلوق الظالم الذي لا يدخل عليه أحد إلا بواسطة، وهذا التشبيه من الكفريات.
قال تعالى منزهًا ذاته وصفاته وأفعاله:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} "الشوري: 11"
فتشبيه الله بمخلوق عادل كفر وشرك، فكيف إذا شبهه بإنسان ظالم؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
3 - لقد كان المشركون في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتقدون أن الله هو الخالق والرازق، ولكنهم يدعون الأولياء المُمَثلين في الأصنام واسطة تقربهم إلى الله، قلم يرض منهم هذه الواسطة، بل كفرهم وقال لهم:
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}. "الزمر: 3"
والله تعالى قريب سميع لا يحتاج إلى واسطة، قال تعالى:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}. "البقرة: 186"
4 - إن هؤلاء المشركين كانوا يدعون الله وحده عند المصائب والشدائد: قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} "يونس: 22"
(3/389)

ولكن المشركين كانوا يدعون أولياءهم المُمَثلة في الأصنام وقت الرخاء، فكفرهم القرآن، ولم يرض منهم دعاءهم لله وحده وقت الشدائد؟ فما بال بعض المسلمين يدعون غير الله من الرسل والصالحين، وشحتغيثون بهم، ويطلبون المعونة منهم وقت الشدائد والمحن ووقت الرخاء؟!!
ألم يقرأوا قول الله تعالى:
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَن لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}. "الأحقاف: 6،5"
5 - يظن الكثير من الناس أن المشركين الذين ورد ذكرهم في القرآن كانوا يدعون أصنامًا من الحجارة وهذا خطأ؛ لأن الأصنام الذين ورد ذكرهم في القرآن كانوا في الأصل رجالًا صالحين:
ذكر البخاري عنِ ابن عباس -رضي الله عنه- في قوله تعالى في سورة نوح:
{وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}
"نوح: 23".
قال هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلك أولئك أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت.
[أي الأصنام].
6 - قال تَعالى منكرًا على الذين يدعون الأنبياء والأولياء والجن:
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}. "الإسراء: 56، 57"
عن ابن مسعود قال: كان نفرٌ من الإِنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن، فاستمسك الآخرون بعبادتهم فنزلت: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}."ذكره ابن كثير وأصله في البخاري"
قال الحافظ: استمر الإنس الذين كانوا يعبدون نفرًا من الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة.
(3/390)

وروى الطبري من وجه آخر عن ابن مسعود فزاد فيه: والإِنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية.
"انظر فتح الباري ج 8/ 397"
والوسيلة: هي القربة، كما قال قتادة، ولهذا قال:
{أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}. "انظر ابن كثير ج 3/ 47"
أقول: في هذه الآية رد على الذين يدعون غير ربهم من الأنبياء والأولياء ويتوسلون بهم، ولو توسلوا بإيمانهم بهم، وحُبهم لهم -وهو من العمل الصالح- لكان حسنًا، لأنه من التوسل المشروع.
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية ما خلاصته:
نزلت هذه الآية في جماعة من الإنس كانوا يعبدون الجن ويدعونهم من دون الله، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم.
وقيل نزلت في جماعة من الإنس كانوا يدعون المسيح والملائكة.
فهذه الآية تنكر على من يدعون غير الله ولو كان نبيًا أو وليًا.
7 - يزعم البعض أن الإستعانة بغير الله جائزة ويقولون:
المغيث على الحقيقة هوالله، والإستعانة بالرسول والأولياء تكون مجازًا كما تقول شفاني الدواء والطبيب.
وهذا مردود عليهِم في قول إبراهيم -عليه السلام-:
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} "الشعراء: 80"
أكد بالضمير (هو) في كل آية ليدل على أن الهادي والرازق والشافي هوالله لا غيره، وأن الدواء سبب الشفاء وليس شافيًا.
8 - الكثير من الناس لا يفرق بين الاستغاثة بحي أو بميت والله تعالى يقول:
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} "فاطر: 22"
أما قوله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}.
"القصص: 15"
فهيِ حكايته عن رجلِ استغاث بموسى حيًا فيما يقدر عليه، وقد فعل ذلك:
{فوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضى عَلَيهِ} "القصص: 15"
وأما الميت فلا يستطيع الإجابة لعدم قدرته، قال تعالى:
{إن تَدعُوهُم لَا يَسمَوُا دُعَاءَكُم وَلَو سمِعُوا مَا استَجَابُوا لَكُم وَيَومَ القِيامَةِ يَكفُرُونَ بِشِرككُم وَلَا يُنَبئُكَ مِثلُ خَبِيرٍ}. "فاطر: 14"
(3/391)

(وهذا نص صريِح في أن دعاء الأموات شرك). وقال تعالى:
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} "النحل: 21"
9 - ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الناس يوم القيامة يأتون الأنبياء فيستشفعون بهم، حتى يأتوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فيستشفعوا به أن يُفرّج عنهم فيقول: أنا لها، ثم يسجد تحت العرش ويطلب من الله الفرج وتعجيل الحساب، وهذه الشفاعة طلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو حَيٌّ يكلمه الناس ويكلمهم، أن يشفع لهم عند الله ويدعو لهم بالفرج،
وهذا ما فعله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي.
10 - وأكبر دليل على الفرق بين الطلب من الحي والميت هو ما فعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حينما نزل بهم القحط، فطلب من العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله لهم، ولم يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد انتقاله إِلى الرفيق الأعلى.
11 - يظن بعض أهل العلم أن التوسل كالإستغاثة مع أن الفرق بينهما كبير، فالتوسل. هو الطلب من الله بواسطة فتقول مثلًا:
(اللهم بحُبك وحُبنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحُبنا لأوليائك فرِّج عنا) فهذا جائز.
أما الإستغاثة البدعية فهي الطلب من غير الله فتقول: (يا رسول الله فرِّج عنا) وهذا غير جائز وهو شرك أكبر لقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} "يونس: 106"
[أي المشركين]
وقال تعالى آمرًا نبيه أن يقول للناس:
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}. "الجن: 21،20"
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سألتَ فأسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله) (1) "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
اللهَ أسألُ أن يُفرجَ كربَنا ... فالكَربُ لا يمحوه إلا الله
__________
(1) لقد قال المبتدع "زاهد الكوثري" هذا الحديث طرقه واهيه. وذلك في كتابه "محق التقول في التوسل": لأن الحديث يخالف عقيدته كما أن المبتدع عبد الله الحبشي ذكر في أحد كتبه أن هذا الحديث لا يقول:
لا تسألوا غير الله ولا تستعينوا إلا بالله، وهذا كذب.
(3/392)

دعاء من القرآن الكريم
{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} "الكهف: 10"
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
"البقرة: 201"
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} "آل عمران: 8"
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]
{رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} "الممتحنة: 4"
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} "البقرة: 286"
{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}
"الأعراف: 85 - 86"
{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} "يونس: 85"
{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} "الدخان: 12"
{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}. "الأعراف: 126"
{رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} "آل عمران: 16"
{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
"البقرة: 250"
{رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}
"آل عمران: 192"
{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} "آل عمران: 193"
{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} "آل عمران: 194".
{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا
مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}. "النساء: 75"
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} "آل عمران: 147"
(3/393)

مِن دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - (اللهم احفَظني بالإِسلام قائمًا، واحفَظني بالإِسلام قاعدًا، واحفظني بالإِسلام رَاقدًا ولا تُشْمِتْ ب عدوًا ولا حاسدًا، اللهم إني أسألك مِن كل خيرٍ خزائنه بيدك، وأعوذ بك مِن كل شر خزائه بيدك)."حسن رواه الحاكم"
2 - (اللهم احْيني مِسكينًا وأمِتني مسكينًا، واحشُرني في زمرة المساكين).
"صحيح رواه ابن ماجه والطبراني وغيرهما"
3 - (اللهم استُر عَوْراتي وآمِنْ رَوْعَاتي، واقضِ عَنَي دَيْني)
"حسن رواه الطبراني"
4 - (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عِصمَة أمري، وأصلح لي دنيايَ التي فيها مَعاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، واجعل الموتَ راحةً لي مِن كل شر). "رواه مسلم"
5 - (اللهم اغفِر لي خطيئتي وجَهلي، وإسرافي في أمري، وما أنتَ أعلم به مني.
اللهم اغفِر لي خَطَئي وعَمدي، وهَزلي وجدِّي، وَكُل ذلك عندي.
اللهم اغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخّرتُ، ومًا أسرَرتُ وما أعلَنت، أنتَ المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، وأنتَ على كُل شيء قدير). "متفق عليه"
6 - (اللهم اغفِر لي ذنبي، ووَسِّع لي في داري، وبارك لي في رِزقي)
"حسن رواه الترمذي"
7 - (اللهم اغفِر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم أنعِشْني واجبُرْني، واهدني لِصالِح الأعمال والأخلاق فإنه لا يهدي لصالِحها ولا يصرف سَيئها إلا أَنْتَ). "حسن رواه الطبراني"
8 - (اللهم اقسِم لنا مِن خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومِن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومِن اليقين ما يُهوّن علينا مُصيبات الدنيا، ومَتِّعنا بأسماعِنا وأبصارنا وقُوَّتنا ما أحيَيتنا، واجعَلْه الوارثَ منا، واجعَل ثأرَنا على مَن ظلمَنا، وانصُرنا على مَن عادانا، ولا تجعل مُصِيبتَنا في ديننا، ولا تجعَل الدنيا أكبَر همنا، ولا مَبلغَ عِلمِنا، ولا تُسَلط علينا مَن لا يرحمنا).
"حسن رواه الترمذي والحاكم"
9 - (اللهم أمْتِعني بسمعي وبصَري حتى تجعَلْهما الوارِثَ مِني، وعافنِي في ديني وفي جسدي، وانصرني مِمن ظلمَني حتى تُريَني فيه ثأري
(3/394)

اللهم إني أسلمتُ نفسي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجاتُ ظهري إليك، وَخلّيتُ وجهي إليك، لا مَلْجأ ولا مَنجى منك إلا إليك، آمنتُ برسولك الذي أرسلتَ، وبكتابك الذي أنزلت). "صحيح رواه الحاكم"
10 - (اللهم أنتَ خلقتَ نفسي، وأنتَ توفّاها، لك مَمَاتها ومحْيَاها، إن أحيَيْتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية).
"رواه مسلم"
11 - (اللهم بارك لِأُمتي في بكورها) "صحيح رواه ابن حبان والطبراني وغيرهما"
- (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوقي إذا علمتَ الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الإِخلاص في الربها والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد وأسألك قُرة عين لا تنقطع، وأسألك الربها بالقضاء، وأسألك برْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظرِ إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضرَّاء مضرة، ولا فتنة مُضِلَّة، اللهم زَيِّنَّا بزينة الإِيمان، واجعلنا هداة مهتدين).
"صحيح رواه النسائي والحاكم"
13 - (اللهم كما حسَّنت خَلْقي فحسِّن خُلُقي). "صحيح رواه أحمد"
14 - (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبْتُ، وبك
خاصمتُ، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلَّا أَنْتَ، أن تُضِلَني، أَنْتَ الحيُّ الذي لا يموت والجن والإِنس يموتون). "رواه مسلم"
15 - (اللهم مَتعني بسَمعِي وبَصَري، واجعَلهُما الوارثَ مِني وانصُرني على مَن ظلمَني، وَخذ منه بثأري). "حسن رواه الترمذي والحاكم"
16 - (اللهم مَن آمن بك، وشهد أني رسولك، فحبِّب إليه لقاءَك، وسَهِّل عليه قضَاءك، وأقلِل له مِن الدنيا، ومَن لم يؤمن بك، ويشهد أني رسولك فلا تُحَبِّب إليه لقاءَك، ولا تُسَهل عليه قضاءَك، وكَثّر له مِن الدنيا).
"صحيح رواه الطبراني"
17 - (اللهم مَن وَليَ مِن أمر أُمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقُقْ عليه، وَمَن وَلي مِن أمر أُمتي شيئًا فَرَفق بهم فارْفُقْ بهِ). "رواه مسلم"
(3/395)

مِن سؤال الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - (اللهم إني أسألك العِفَّة والعافية في دنياي وديني وأهلي ومالي، اللهم استر عَوْرَتي، وآمن رَوْعَتي، واحْفَظني من بين يدَيَّ ومن خلْفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك أن اغتال مِن تحتي). "صحيح رواه البزار"
2 - (اللهم إني أسألك الهُدى والتُّقى والعفاف والغنى). " رواه مسلم"
3 - (اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمتُ منه وما لم أعلم.
اللهم إني أسألك مِن خير ما سألك به عبدُك ونبيك، وأعوذ بك مِن شر ما عاذ به عبدك ونبيك.
اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب إليها مِن قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها مِن قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاءٍ قضيْتَه لي خيرًا). "صحيح رواه ابن ماجة"
4 - (اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم) "صحيح رواه الطبراني"
5 - (اللهم إني أسألك مِن فضلك ورحمتك، فإنه لا يمْلِكُها إلا أنت).
"صحيح رواه الطبراني"
(3/396)

مِن استعاذة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك مِن عُقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك). "رواه مسلم"
2 - (اللهم إني أعوذ بك مِن الَبرص والجُنون والجُذام، ومن سيءَ الأسقام).
"صحيح رواه أبو داو والنسائي وغيرهما"
3 - (اللهم إني أعوذ بك مِن التَّردِّي والهَدْم والغَرَق والحَرْق، وأعوذ بك أن يَتَخَبَّطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدْبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا). "رواه النسائي والحاكم وهو صحيح"
4 - (اللهم إني أعوذ بك مِن العَجز والكسَل، والجُبْن والبخل والهرَم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك مِن عذاب النار، وأعوذ بك مِن فتنة المَحْيا والمَمَات). "متفق عليه"
5 - (اللهم إني أعوذ بك من العَجْز والكَسَل، والجُبْن والبُخْل والهَرَم، والقسوة، والغفلة، والعَيلة، والذِّله، والمسكَنة، وأعوذ بك مِن الفقر والكفَر، والفسوق والشقاق والنفاق، والسُّمعة والرياء، وأعوذ بك مِن الصمَم، والبُكْم، والجنون، والجُذام، والبرَص وَسيّءَ الأسقام "صحيح رواه الحاكم والبيهقي"
6 - (اللهم إني أعوذ بك مِن العجز والكسل، والجُبْن والبُخْل والهرَم وعذاب القبر، وفتنة الدجال، اللهم آتِ نفسي تقواها، وَزكها أنتَ خير مَن زكَاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك مِن علمٍ لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبعَ، ومن دعوةٍ لا يستجابُ لها) "رواه مسلم"
7 - (اللهم إني أعوذ بك مِن الفقر والقِلَّة والذِّلة وأعوذ بك مِن أن أظلِمَ أو أُظلَم). "صحيح رواه أبو دواد والنسائي وغيرهما"
8 - (اللهم إني أعوذ بك مِن الكسل والهرَمِ والمأْثم والمغرَم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك مِن فتنة الفقر، وأعوذ بك مِن فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل عني خطاياي بالماء والثلج والبرَد، وَنقِّ قلبي مِن الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وباعِد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب). "متفق عليه"
(3/397)

9 - (اللهم إني أعوذ بك مِن الهَمِّ والحَزَن، والعَجز والكسل، والبُخل والجُبن، وضِلَع الدَّين، وغَلَبة الرجال). "متفق عليه"
10 - (اللهم إني أعوذ بك مِن جار السُوء في دار المُقامة، فإن جارَ البادية يتحول). "حسن رواه الحاكم"
11 - (اللهم إني أعوذ بك مِن زوالِ نعمتك، وتَحوّلِ عافيتك وفُجأةِ نقمتك، وجميع سَخَطِك). "رواه مسلم"
12 - (اللهم إني أعوذ بك مِن شرِّ ما عملت، ومن شرِّ ما لم أعمل).
"رواه مسلم"
13 - (اللهم إني أعوذ بك مِن عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المَحْيا والمَمَات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدَّجَّال). "رواه البخاري"
14 - اللهم إني أعوذ بك من غَلَبَة الدَّيْن، وغلبة العدوّ، وشماتةِ الأعْدَاء).
"صحيح رواه النسائي والحاكم"
15 - (اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاءٍ لا يُسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن عِلْم لا ينفع، وأعوَذ بك من هؤلاء الأربع).
"صحيح رواه الترمذي والنسائي وغيرهما"
16 - (اللهم إني أعوذ بك مِن يوم السُّوء، ومن ليلة السُّوء، ومن ساعة السُّوء، ومن صاحب السُّوء، ومن جار السُّوء في دار المقامة).
"حسن رواه الطبراني"
17 - (اللهم رَبَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، نعوذ بك مِن النار). "حسن رواه الطبراني والحاكم"
18 - اللهم إني أعوذُ بك مِن شَرِّ سَمعي، ومِن شَرِّ بصَري، ومِن شرِّ لساني، ومِن شَرِّ قلبي، ومِن شَرّ مَنِيَّتي). "صحيح رواه أبو داود"
19 - (اللهم إني أعوذ بك مِن عِلم لا ينفع). "رواه مسلم"
[أي عِلم لا أعمل به، ولا أُعلِّمه، ولا يُبذل أخلاقي وأقوالي وأفعالي، أو عِلم لا يُحتاج إليه في الدين ولا في تعلمه إذن شرعي]
"ذكره المظهري وانظر فيض القدير"
(3/398)

دعاء الإستخارة
عن جابرِ -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمنا الإستخارة في الأمور كلها، كما يُعلِّمنا السورة مِن القرآن، يقول:
(إذا هَمَّ أحدُكم بالأمر فليَركَع ركعتَين مِن غير الفريضة ثم ليَقل:
اللهم إني استخيرُك بعِلمِك وأستقدِرُك بقُدرَتك، وأسألك مِن فَضلِك العظيم،
فإنكَ تقدِرُ ولا أقْدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلَم، وأنتَ عَلَّام الغيوب.
اللهم إن كنتَ تعلَم أن هذا الأمرَ (1) خيرٌ لي في ديني ومَعايثي وعاقبة أمري، -أو قال في عاجل أمري وآجله- فاقدُرهُ لي ويَسِّرْهُ لي، ثم باركْ لي فيه، وإن كنتَ تعلمُ أن هذا الأمرَ شرُّ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري، -أو قال في عاجل أمري وآجله- فاصرفهُ عني واصرفني عنه، واقدُرْ ليَ الخيرَ حيث كان، ثم رَضِّني به) (2) (قال ويُسمي حاجته). "رواه البخاري"
وهذه الصلاة والدعاء يفعلهما الإنسان لنفسه كما يشرب الدواء بنفسه مُوقنًا أن ربه الذي استخاره سَيوجِّههُ للخير، وعلامة الخير تَيسُّرُ أسبابه، واحذر الإستخارة المبتد