Advertisement

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية 002


{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]

[2]
مجموعة
رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

تأليف
محمد بن جميل زينو
المدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة

دار الصميعي
(/)

مقدمة المجلد الثاني
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن
سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإني أقدم للقراء الكرام المجلّد الثاني من:
"مجموعة رسائل التوجيهات الإِسلامية لِإصلاح الفرد والمجتمع".
وتضم عدة كتب يمتاز كل واحد منها بميزات لا توجد في الآخر:
1 - "كيف نفهم القرآن؟ بيان أنواع التفسير، وتوجيه وبيان لفهم بعض آي القرآن".
هذا الكتاب يساعد القارىء على فهم كتاب الله تعالى الذي أمرنا الله تعالى أن
نعمل به بعد فهمه فقال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}. [ص: 29]
فقد ذكرت فيه بعض أنواع التفسير المعتمدة التي يعتمد عليها المسلم في تفسيره للقرآن، وذكرت أيضًا تفسير بعض الآيات، وما يستفاد منها.
2 - "معلومات مهمة من الدين لا يعلمها كثير من المسلمين".
هذا الكتاب يعالج أمورًا مهمة واقعة في الجتمع قد اعتادها الناس في حياتهم،
وهي في الواقع بعيدة عن الدين، كما أنني ذكرت فيه الأخطاء في قصيدة البوصيري، وكتاب دلائل الخيرات.
3 - "توجيه المسلمين إلى طريق النصر والتمكين".
هذا الكتاب صدر إبان أزمة الخليج، واحتلال العراق لدولة الكويت، وذكرت
في الكتاب أسباب اضطهاد المسلمين في العالم، والعلاج الناجع لهم لينتصروا على أعدائهم.
وقد اشترك معي زميلي محمد سيد أحمد، في إعداد بعض المواضيع المهمة للكتاب.
(2/1)

4 - "صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -".
كتاب مختصر في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - الواردة في صحيح مسلم وغيره، ثم بينت خلاصة أعمال العمرة والحج، والفوائد التي يحصل عليها الحاج في الدنيا والآخرة.
5 - "من بدائع القصص النبوي الصحيح".
كتاب يحوىِ بعض القصص الواردة في السنة المطهرة، والقصص جاءت على
شكل حوار ومشهد، كأنك ترى القصة أمامك، وهذا أسلوب سهل محبب
للنفوس جدًا.
6 - "معجزة الِإسراء والمعراج".
هذه الرسالة تتحدث عن معجزة الِإسراء والمعراج التي وردت في القرآن والسنة، وهي مهمة جدًا، وقد ذكرت فيها أحاديث صحيحة، وما يستفاد من هذه المعجزة، وذكرت فيها بدع الِإسراء والمعراج.
7 - كيف نربي أولادنا؟ وما هو واجب الآباء والأبناء؟
يتحدث هذا الكتاب عن أهمية تربية الأولاد ما هو واجب الآباء نحو أولادهم؟ وما هو واجب الأبناء نحو آبائهم؟ حتى يسعد الآباء والأبناء، وذلك بعد أن يقوم كل منهم بواجبه.
ومن أراد التفصيل فليقرأ الكتب السابقة، أو محتويات الكتاب آخر الكتاب.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
1/ 1415/1 ه
محمد بن جميل زينو
(2/2)

محتويات مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية
1 - كيف نفهم القرآن؟
2 - معلومات مهمة من الدين.
3 - توجيه المسلمين الى طريق النصر والتمكين.
4 - صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
5 - من بدائع القصص النبوي الصحيح.
6 - معجزة الإسراء والمعراج.
7 - كيف نربي أولادنا، وما هو واجب الآباء والأبناء.
(2/3)

(1)
كيف نفهم القرآن أنواع التفسير وشرح بعض آي القرآن
(2/5)

موجز كيف نفهم القرآن
1 - التفسير وتوابعه.
2 - تفسير القرآن بالقرآن.
3 - تفسير القرآن بالحديث الصحيح.
4 - تفسير القرآن بأقوال الصحابة.
5 - تفسير القرآن بأقوال التابعين.
6 - تفسير القرآن باللغة العربية.
7 - معرفة الاستنباط وأسباب النزول.
8 - معرفة الناسخ والمنسوخ.
9 - القرآن المكي والمدني.
10 - خصائص القرآن المكي والمدني.
11 - فوائد العلم بالمكي والمدني.
12 - متى نعمل بالقرآن المكي والمدني.
13 - نزول القرآن مفرقا والحكمة منه.
14 - الأمثلة على نزول القرآن بالتدريج.
(2/7)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإن الله تعالى أنزل القرآن الكريم للناس، ليفهموه، ويتدبروه، ويعملوا
به: قال الله تعالى:
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}. [ص: 29]
وقد يسر الله فهمه لمن أراد الانتفاع به، قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. [القمر: 17]
وقد أنزله الله باللغة العربية ليعقله العرب، ويؤمنوا به، ويبلغوه إلى بقية الأمم،
قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. [يوسف: 2]
وفهم القرآن يحتاج للاطلاع على تفسيره أحيانًا، ولا سيما بعض الآيات التي تحتاج إلى تفسير وتوضيح.
وإني أذكر للقارىء بعض أنواع التفسير التي تساعد على فهم القرآن وتفسيره، ثم أذكر له تفسير بعض الأيات المجملة التي تتطلب التفسير والبيان متوخيًا ذكر الراجح من أقوال المفسرين مع ذكر الدليل أحيانًا.
والله أسأل أن ينفع به المسلمين، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.
محمد بن جميل زينو
(2/9)

تفسير القرآن بالقرآن
إن تفسير القرآن بالقرآن هو أعلى أنواع التفسير، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا.
مثال ذلك قوله تعالى:
{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 1 - 3] [فالنجم الثاقب] تفسير لكلمة [الطارق].
2 - ومثال آخر: وهو قول الله تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}. [البقرة: 219]
فقد جاء في آية أخرى تحريم الإِثم الوارد في الخمر وهي قوله تعالى:
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}. [الأعراف: 33]
والِإثم يتناول كل معصية يتسبب عنها الِإثم، وقيل هو الخمر خاصة، ومنه قول الشاعر:
شربت الِإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الِإثم تذهب بالعقول
وليس في إطلاق الِإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به. فهو أحد المعاصي التي يصدق عليها.
وقال في الصحاح: وقد يُسمى الخمر إثمًا. [انظر فتح القدير للشوكاني ج 2/ 200]
3 - ومثال آخر قول الله تعالى:
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. [يونس: 62]
فقد فسر الأولياء بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. [يونس: 63]
أقول: وفي هذا التفسير رد على القائلين:
بأن الولي: هو الذي يعلم الغيب أو تكون له كرامات، أو له قبة على قبره أو غير ذلك من الإعتقادات الباطلة.
(2/10)

فكل مؤمن بالله يطيع أوامره، ويتقي محارمه فهو من أولياء الله، والكرامة ليست شرطًا فقد تظهر، وقد تختفي.
وقد تظهر بعض الأمور الغريبة على يد بعض الصوفية والمبتدعة وهذا من السحر الذي قال الله عنه:
{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]
وقد ظهرت مثل هذه الأمور على يد المجوس في الهند وغيرها.
(2/11)

تفسير القرآن بالحديث الصحيح
إن تفسير القرآن بالحديث الصحيح مُهمٌّ جدًا لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعلم بمراد الله من غيره من الناس جميعًا. فهو كما قال الله تعالى عنه:
{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. [النجم: 3]
وقد أنزله الله عليه ليُبينه للناس، قال تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وإني أُوتيتُ القرآن ومثله معه". [صحيح رواه أبو داود]
1 - مثال ذلك قول الله تعالى:
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}. [الأنفال: 60]
فتفسير [القوة] ورد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن القوة الرمي (ثلاثًا) ". [رواه مسلم]
قال القرطبي: إنما فسر القوة بالرمي وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو، وأسهل مؤنة, لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيهاب فينهزم مَن خلفه. [ذكره الحافظ في الفتح]
أقول: حتى الآن فإن آلات الحرب الحديثة يتوقف مفعولها على الرمي، لذلك
حث الِإسلام على تعلمه ولا سيما للشباب. وليتهم تعلموه مع السباحة بدلاً من تعلمهم بقية الألعاب التي شغلتهم عنه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"من علم الرمي ثم نسيه فليس منا أو قد عصى". [رواه مسلم]
ومرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا، أرموا وأنا مع بني فلان، قال فأمسك
أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما لكم لا ترمون؟ قالوا كيف نرمي وأنت معهم؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أُرموا وأنا معكم كلكم". [رواه البخاري]
(2/12)

2 - ومثال آخر قوله تعالى:
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}. [يونس: 26]
فقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى حينما قال:
"فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا هذه
الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} " [رواه مسلم]
3 - ومثال آخر في قول الله تعالى:
{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}. [القلم: 42]
فقد ذكر البخاري في كتاب التفسير عند تفسير هذه الآية الحديث الآتي:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَن كان يسجد في الدنيا رياءً وسُمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا". [باب يوم يكشف عن ساق ج 6/ 72]
ولا يلزم منه تشبيه ولا تجسيم {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فأهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبت الله لنفسه كاليدين والوجه والسمع والبصر، وما أثبته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالساق والأصابع والقدم على ما يليق بجلاله ولا نعلم كيفيتها.
4 - ومثال آخر: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال:
لما نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]
شق ذلك على المسلمين، قالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس ذلك، إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه:
{يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]
قال الحافظ في الفتح: (لم يلبسوا: أي لم يخلطوا).
ومن فوائد الآية والحديث: أن درجات الظلم تتفاوت، وأن المعاصي لا تسمى
شركًا، وأن من لم يشرك بالله شيئًا فله الأمن وهو مُهتد. [ذكره الحافظ في الفتح]
أقول: هناك أمثلة كثيرة لتفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - للقرآن سوف أجمعها إن شاء الله في كتاب بعنوان (التفسير النبوي للقرآن الكريم) أو (تفسير القرآن بالحديث النبوي الصحيح).
(2/13)

تفسير القرآن بأقوال الصحابة
إن تفسير الصحابة رضي الله عنهم. كابن عباس وابن مسعود وغيرهما مُهِم؛ لأنهم صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلموا منه.
1 - مثال ذلك قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]
قال الحافظ في الفتح ما يلي: ونقل مُحي السنة البغوي في تفسيره عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن معناه [ارتفع].
ثم نقل قول أم سلمة وربيعة ومالك وغيرهم:
الإستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإِقرار به إيمان، والجحود به كفر. [ج 406/ 13]
2 - مثال آخر في قول الله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]
فقد نقل ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس قال: الجماع.
وقال ابن عباس أيضًا: اللمس والمسُ والمباشرة: الجماع، ولكن الله يُكني بما يشاء.
وقال ابن كثير: وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك.
ثم ذكر قول ابن مسعود قوله: اللمس: ما دون الجماع.
ثم ذكر ابن كثير قول ابن جرير:
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال عنى الله بقوله:
{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قبَّل بعض نسائه ثم صَلى ولم يتوضأ. [ابن كثير ج 1/ 502]
ملحوظة: إذا تعارض تفسير الحديث لآية مع تفسير صحابي أو تابعي، فعلينا أن نوفق بين التفسيرين، وإن لم يمكن فالواجب أن نقدم تفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - على تفسير غيره مهما كان؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعلم بمراد الله من غيره، فهو الذي لا
(2/14)

ينطق عن الهوى، ولأن الله تعالى يقول:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. [الحجرات: 1]
(أي لا تُقدِّموا قولاً أو فعلًا). [ذكره ابن كثير]
مثال ذلك قول الله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [سورة القلم: 42]
فقد فسرها البخاري بالحديث:
"يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة .. ". [متفق عليه]
وجاء في رواية عن ابن عباس في تفسير الآية قال:
هو يوم كرب وشدة (1). [ذكره ابن جرير]
فإن صح النقل عنه فلا يتعارض مع الحديث الذي فسر الآية بالساق لله تعالى من غير تشبيه، فيكشف ربنا عن ساقه يوم القيامة، وهو يوم كرب وشدة.
ويمكن أن يقال: إن ابن عباس لم يبلغه حديث أبي سعيد الخدري الذي فسر
الآية، كما ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا فلم يؤذن له انصرف ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا ولم يُؤذَن لي، وإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يُؤذن له فلْينصرف".
فقال عمر: لتأتيني على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا، فذهب إلى ملأ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال:
ألهاني عنه الصفق بالأسواق. [متفق عليه]
__________
(1) ضعف قول ابن عباس (سليم الهلالي) في كتابه (المنهل الرقراق) لاضطرابه.
(2/15)

تفسير القرآن بأقوال التابعين
إن تفسير القرآن بأقوال التابعين رحمهم الله مُهِم أيضًا لأنهم أخذوا عن الصحابة الذين أخذوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
1 - مثال ذلك ما ذكره البخاري في كتاب التوحيد: [ج 8/ 175]
قال أبو العالية: {اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]
(أي ارتفع).
وقال مجاهد: استوى: (علا على العرش). [ج 8/ 175]
وقد فسرها الطبري بالعلو بعد أن ذكر أقوالًا كثيرة حيث قال:
وأولى المعاني في قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ}:
علا تبارك وتعالى عليهن فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات.
ونقل الطبري عن الربيع بن أنس:
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ} يقول (ارتفع إلى السماء). [تفسير الطبري ج 8/ 175]
(2/16)

تفسير القرآن باللغة العربية
التفسير باللغة العربية مهم لقول الله تعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. [يوسف: 2]
1 - مثال ذلك ما نقله الحافظ في الفتح عن ابن بطال قال:
اختلف في الإستواء المذكور هنا أي في آية: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] فقالت المعتزلة: معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة، واحتجوا بقول الشاعر: قد استوى بشرٌ على العراقِ ... من غير سيف ودم مهراق
ثم رد هذا القول حيث قال: فأما قول المعتزلة فإنه فاسد لأنه لم يزل قاهرًا غالبًا مستوليًا سبحانه وتعالى، وذكر أقوالًا عديدة ثم قال:
وأما تفسير استوى: علا فهو صحيح وهو المذهب الحق وقول أهل السنة؛ لأن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالعلي. (أي الأعلى).
وقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهي صفة من صفات الذات.
[فتح الباري ج 13/ 406]
أقول: الصواب أن يقال: الإستواء من صفات الله الفعلية المتعلقة بذات الله.
والله أعلم. [انظر شرح العقيدة الواسطية للهراس ص 91]
ثم ذكر الحافظ في الفتح قائلًا: وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب الفاروق بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال: كنا عند عبد الله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل:
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فقال: هو على العرش كما أخبر قال يا أبا عبد الله إنما معناه استولى، فقال اسكت، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد. وقال غيه: لو كان بمعنى استولى لم يختص بالعرش لأنه غالب على جميع المخلوقات. [ج 13/ 406]
(2/17)

والعجيب أن الأشاعرة أخذوا عن المعتزلة تفسير استوى بمعنى استولى، وفشى هذا في بعض كتب التفسير والتوحيد وأقوال الناس، فأنكروا العلو لله -عَزَّ وَجَلَّ- كما دلت عليه الآيات والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، حتى خالفوا اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
ورحم الله ابن القيم حين قال: لقد أمر الله اليهود أن يقولوا [حطة] فقالوا حنطة تحريفًا وأخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه {اسْتَوَى} على العرش فقال المتأولون: استولى، فانظر ما أشبه لامهم التي زادوها بنون اليهود التي زادوها.
(وهذا معنى ما ذكره نظمًا) [انظر القصيدة النونية لابن القيم]
2 - ومن التفسير باللغة العربية ما حكاه الله عني إبراهيم عليه السلام:
{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}. [الأنبياء: 52]
ومعنى التماثيل: الأصنام، كما في تفسير فتح القدير للشوكاني.
حيث قال: والتماثيل: الأصنام، وأصل التمثال الشيء المصنوع مشابهًا لشيء من مخلوقات الله سبحانه، يقال مثَّلت الشيء بالشيء إذا جعلته مشابهًا له، واسم ذلك الممثَّل تمثال. [12/ 411]
والأصنام التي كان المشركون يعبدونها تمثل الأولياء، والدليل:
أ - ذكر البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى:
{وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}. [نوح: 23]
قال: صارت الأوثان التي تعبد في قوم نوح في العرب. . . . وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسخ العلم عُبدت (أي الأصنام).
ومعنى: (نُسخ العلم) أي عِلم تلك الصور بخصوصها. [ج 6/ 73]
ب - وذكر البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى:
{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم: 19]
قال كان (اللات) رجلاً يلت سويق الحاج. [ج 6/ 51]
أقول: ولذلك سماهم الله تعالى بالأولياء في كثير من الآيات، منها:
قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الشورى: 9]
(2/18)

ومن هذا التفسير المتقدم تعلم خطأ كثير من المسلمين الذين يزعمون أن المشركين الذين ورد ذكرهم في القرآن كانوا يدعون أصنامًا من الحجارة وليسوا بأولياء، وهذا خطأ لأن الأوثان والأصنام كانت تمثل رجالًا صالحين كما تقدم.
3 - ومن التفسير باللغة العربية قول الله تعالى:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ}. [محمد: 19]
فالإله: معناه العبود، فيكون معناها: لا معبود إلا الله، ولما كانت العبودات
من دون الله كثيرة: فالهندوس في الهند يعبدون البقر، والنصارى تعبد المسيح، وبعض المسلمين -مع الأسف الشديد- يعبدون الأولياء ويدعونهم من دون الله، والحديث يقول: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
لذلك كان لابد من إضافة كلمة (حق) على التفسير، فيصبح معناها: لا معبود
حق إلا الله، وبذلك خرجت جميع العبودات الباطلة كلها. والدليل على هذا
التفسير قوله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} [لقمان: 30]
ومن هذا التفسير لمعنى الإِله يتبين خطأ كثير من المسلمين الذين ينكرون عُلُوَّا لله -عَزَّ وَجَلَّ- فوق عرشه، ويستدلون بقوله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]
ولو عرفوا معنى الإِله لما استدلوا بالآية؛ لأن الإِله معناه العبود كما تقدم، فيكون معناها: وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود.
علمًا بِأن آيات كثيرة تثبت عُلُو الله على عرشه منه قوله تعالى:
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]
[أي علا وارتفع].
ومن الخطأ أيضًا ما يقوله كثير من المسلمين من أن معنى:
(لا إِله إلا الله) لا خالق ولا رازق إلا الله؛ لأن المشركين كانوا يعترفون بذلك،
ولكنهم يعلمون أن الإِله معناه العبود، لذلك استكبروا عن قول: لا إله إلا الله كما قال الله تعالى عنهم:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}. [الصافات: 35، 36]
(2/19)

4 - ومما يساعد على التفسير معرفة قواعد اللغة العربية مما حقه التقديم والتأخير: مثال ذلك قول الله تعالى:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
فقدَّم المفعول (إياك) مرة على الفعل (نعبد) ومرة على الفعل (نستعين) للحصر
والاختصاص، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك يا الله، ونخصك
بالعبادة والاستعانة وحدك.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
قال ابن القيم في مدارج السالكين:
وسر الخلق والأمر، والكتب والشرائع، والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين
الكلمتين: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وعليهما مدار العبودية والتوحيد، حتى
قيل:
أنزل الله مائة كتاب وأربعة: جمع معانيها في التوراة والإِنجيل والقرآن، وجمع
معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن. . . وجمع معاني القرآن في الفاتحة في:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
[انظر مدارج السالكين لابن القيم باختصار]

من فوائد الآية
1 - إفراد الله بالعبادة: كالصلاة والطواف والحكم ودعاء الله لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(الدعاء هو العبادة). [حديث حسن صحيح]
2 - سؤال الله، والاستعانة به، ولا سيما فيما لا يقدر عليه غيره: كشفاء المرض، وطلب الرزق والهداية وغيرها، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله). [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
(2/20)

معرفة الإستنباط
الاستنباط: هو الفهم الدقيق المستنبط من معنى الآية:
1 - مثال ذلك قول الله تعالى:
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1، 2]
فقد نقل البخاري عن ابن عباسبى قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لِمَ تُدخل معنا هذا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رؤيتُ أنه دعاني إلا ليريهم. قال ما تقولون في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}؟.
فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له: قال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}، وذلك علامة أجلك.
{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}.
فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. [البخاري ج 6/ 94]
2 - ومثال آخر ما نقله ابن كثير عن الشافعي في قول الله تعالى:
{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 38، 39]
أي كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الِإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُمته، ولا حثَّهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء.
(2/21)

فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا مات الِإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به".
فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث:
"إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه".
[رواه الترمذي وأبو داود وصححه محقق جامع الأصول]
والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من عمله ووقفه، وقد قال تعالى:
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12]
والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح:
"من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء". [انظر تفسير ابن كثير ج 4/ 258]
(2/22)

معرفة أسباب النزول
إن معرفة أسباب النزول مما يساعد على فهم القرآن الكريم:
1 - مثال ذلك قول الله تعالى:
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}. [الإسراء: 56، 57]
عن ابن مسعود قال: "كان نفرٌ من الِإنس يعبدون نفرًا من الجن فأسلم النفر من الجن فاستمسك الآخرون بعبادتهم فنزلت:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [متفق عليه]
قال الحافظ: استمر الِإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة.
وروى الطبري من وجه آخر عن ابن مسعود فزاد فيه (والِإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم) وهذا هو المعتمد في تفسير الآية. [فتح الباري ج 8/ 397]
{يَدْعُونَ} يتضرعون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم.
{يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} يتقربون إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.
{أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} أيهم أقرب إلى الله بالأعمال الصالحة.
{وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء.
{إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} ينبغي أن يحذره العباد ويخافوه.
أقول: في هذه الآية ردٌّ على الذين يدعون غير الله من الأنبياء والأولياء، ويتوسلون بذاتهم ولو توسلوا بإيمانهم بهم وحبهم لهم لجاز.
2 - مثال آخر: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}. [الأنعام: 82]
(2/23)

قال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأينا لم يظلم؟ فنزلت:
{لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. [لقمان: 13] [رواه البخاري]
قال الحافظ في الفتح: [لم يلبسوا: لم يخلطوا].
3 - ومثال آخر: ما ذكره البخاري عن عروة قال:
خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شريج من الحرة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلوّن وجهه ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدر، ثم أرسل الماء إلى جارك" واستوعى النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة.
في شريج: مسيل الماء وينزل من الجبل إلى مكان اسمه (الحرة).
قال الزبير فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. [البخاري ج 5/ 180]
4 - ومثال آخر: عن حذيفة:
{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ}. [البقرة: 195]
قال: نزلت في النفقة "أي في تركها". [أخرجه البخاري]
وفي رواية أبي داود قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة
عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة فحمل
رجل على العدو، فقال الناس: مَه مَه.
لا إله إلا الله، يُلقى بيديه إلى التهلُكة!
فقال أبو أيوب الأنصاري: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه، وأظهر الِإسلام قلنا: هلُم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ}.
فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد.
قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية. [رواه أبو داود بسند صحيح] [انظر جامع الأصول ج 2/ 32]
(2/24)

معرفة الناسخ والمنسوخ
مما يساعد على فهم القرآن الكريم أيضًا، ودليله قوله تعالى:
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. [البقرة: 106]
النسخ: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.
فالحكم المرفوع يسمى (المنسوخ) والدليل الرافع يسمى (الناسخ) ويسمى الرفع (النسخ).
ويطلق الناسخ (1) على الله تعالى كهذه الآية. ويطلق على الآية فيقال: هذه الآية ناسخة لآية كذا، وُيطلق على الحكم النّاسخ لحكم آخر.
1 - مثال ذلك: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال:
لما نزلت هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. [البقرة: 184] كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وفي رواية حتى نزلت الآية:
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. [البقرة: 185] [متفق عليه]
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قرأ:
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]
قال هي منسوخة. [أخرجه البخاري]
وذهب ابن عباس الى أنها مُحكمة غير منسوخة.
روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ:
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، قال ابن عباس: "ليست منسوخة
هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيُطعمان كل يوم مسكينًا". وليس معنى (يُطيقونه) على هذا يستطيعونه. وإنما معناه يتحملونه بمشقة وكلفة.
__________
(1) إطلاق الناسخ علي الله فيه نظر لأن أسماء الله توقيفية.
(2/25)

2 - ومثال آخر قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}. [البقرة: 284]
نسخت بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا}. [البقرة: 286]
3 - قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا}. [النساء: 15، 16]
نسختا بآية الجَلْد للبكر في سورة النور:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. [النور: 2]
بالجَلْد للبكر، وبالرجم للثيّب الوارد في السنة:
". . البكر بالبِكر جَلد مائة، ونفيُ سَنَة، والثيّب بالثيّب جَلْد مائة والرجم".
[رواه مسلم]
4 - قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65] نسخت بقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 66]

الحكمة في النسخ
1 - مراعاة مصالح العباد.
2 - تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة، وتطور حال الناس.
3 - إبتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه.
4 - إرادة الخير للأمة والتيسير عليها؛ لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة الثواب وإن كان إلى أخف ففيه سهولة التيسير. [انظر مباحث في علوم القرآن للقطان]
(2/26)

القرآن المكي والمدني
إن مما يساعد على فهم القرآن وتفسيره معرفة القرآن المكي والمدني، لذلك اهتم به الصحابة ومن بعدهم حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه:
"والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الِإبل لركبت إليه". [رواه البخاري]
والصحابة رضي الله عنهم كانوا يعملون بما تعلموه من القرآن، ولذلك قال ابن
مسعود: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن" [صحح إسناده أحمد شاكر]
وهذا العمل تطبيق لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القائل:
"اقرأوا القرآن واعملوا به، ولا تأكلوا به. .". [صحيح رواه أحمد]
وبسبب هذا العمل بالقرآن الكريم نصر الله رسوله وصحابته من بعده، ولما ترك المسلمون اليوم العمل بالقرآن الكريم تأخر النصر عنهم حتى يعودوا إلى تعلم كتاب ربهم والعمل به، فيعود النصر إليهم.
معرفة المكي والمدني:
اعتمد العلماء في معرفة المكي والمدني على منهجين أساسيين:
1 - المنهج السماعي النقلي: ويستند إلى الرواية الصحيحة عن الصحابة الذين عاصروا الوحي، وشاهدوا نزوله، أو عن التابعين الذين تلقوا عن الصحابة وسمعوا منهم كيفية النزول ومواقعه وأحداثه، ومعظم ما ورد في المكي والمدني من هذا القبيل، إذ لم يرد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قول؛ لأنه لم يؤمر به.
مثال ذلك ما يجده القارىء في أول السورة: (سورة مكية) أو (سورة مدنية).
2 - المنهج القياسي الاجتهادي: ويستند إلى خصائص المكي والمدني، فإذا ورد في
(2/27)

السورة المكية آية تحمل طابع التنزيل المدني، أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مدنية، وإذا ورد في السورة المدنية آية تحمل طابع التنزيل المكي، أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مكية، وإذا وجد في السورة خصائص المكي قالوا إنها مكية، وإذا وجد في السورة خصائص المدني قالوا إنها مدنية.
مثال ذلك قالوا: كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية فهي مكية، وكل
سورة فيها فريضة أو حَدٌّ فهي مدنية. [انظر علوم القرآن للقطان]

تعريف القرآن المكي والمدني
1 - القرآن المكي: هو الذي نزل به الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة وإن كان بغير مكة.
2 - القرآن المدني: هو الذي نزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة، وإن كان بمكة، كالذي نزل في حجة الوداع.
مثال ذلك قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. [المائدة: 3]
"جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: فأي آية؟ تال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عرفة يوم جمعة. [رواه البخاري]
أقول: في هذه الآية رد على القائلين بالبدعة الحسنة في الإِسلام وقد قال الإِمام مالك من ابتدع في الإِسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية.
فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا.
(2/28)

خصائص القرآن المكي
الغالب في القرآن المكي من حيث الموضوع الاهتمام بما يلي:
1 - الدعوة إلى توحيد الإله الذي أنكره المشركون كما قال الله تعالى عنهم:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}. [الصافات: 35، 36]
لأن العربي كان يفهم معنى (لا إله إلا الله) وأن من قالها ترك عبادة غير الله، أما بعض المسلمين اليوم فلا يفهمون معناها وهو (لا معبود بحق إلا الله) ولذلك يقولونها بألسنتهم، وينقضونها بأفعالهم، وذلك حينما يدعون غير الله، أو يتحاكمون إلى غير شرع الله، أو ينذرون لغير الله، وغير ذلك من الأعمال
الشركية.
2 - التحذير من الشرك كدعاء غير الله، قال الله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [أي المشركين] [يونس: 106]
3 - إبطال عبادة الأولياء بدعوى تقربهم بها إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله، حيث قال الله لهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. [يونس: 18]
فحكم بالكفر والشرك على كل مَن صرف شيئًا مِن العبادة لغير الله كالدعاء، ولو كان قصده التقرب إلى الله وطلب الشفاعة منهم عند الله، وسرت هذه الفكرة إلى كثير من المسلمين اليوم، مع الأسف الشديد! فإذا سألت مسلمًا: لماذا تدعو هؤلاء الأولياء؟
(2/29)

قال لك: أريد التقرب بهم إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله!
4 - الدعوة إلى الإِيمان باليوم الآخر، وبعث الناس من قبورهم للحساب، حيث أنكر ذلك المشركون في مكة، وقد رد الله عليهم بقوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}. [التغابن: 7]
5 - التحدي للعرب -رغم فصاحتهم- أن يأتوا بسورة مثل هذا القرآن، وقد تحداهم الله تعالى بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. . .}. [يونس: 38]
6 - إيراد قصص المكذبين الغابرين: كقوم نوح، وهود، وقوم صالح، وشعيب، وموسى، وغيرهم، قال الله تعالى مهددًا مشركي مكة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}. [الفجر: 6 - 14]
7 - الحث على الصبر: كقوله تعالى:
{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}. [المزمل: 10]
8 - جهاد المشركين بالقرآن، وجدالهم بالحسُنى: كقوله تعالى:
{وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}. [الفرقان: 52]
{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. [النحل: 125]
9 - إقامة الأدلة الكونية والعقلية على توحيد الربوبية الذي يستلزم منه توحيد الألوهية مثال ذلك قول الله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}؟. [الغاشية: 17 - 20]
10 - يمتاز القرآن المكي غالبًا في أسلوبه بوجود ألفاظ شديدة القرع على المسامع تقذف حروفها الوعيد والعذاب:
مثال ذلك قول الله تعالى: {الْقَارِعَةُ}. [القارعة: 1]
{فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ}. [عبس: 33]
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. [الغاشية: 1]
{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}. [الواقعة: 1]
{كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ}. [العلق: 15]
فحرف [كلا] للردع والزجر. [انظر علوم القرآن للقطان]
(2/30)

خصائص القرآن المدني
الغالب في القرآن المدني من حيث الموضوع الاهتمام بما يلي:
1 - الدعوة إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله: لأن المسلمين هاجروا إلى المدينة وأقاموا دولة الإِسلام فيها فهم بحاجة للدفاع عن دينهم ودولتهم، لذلك نرى القرآن المدني يشجعهم على القتال قائلًا:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ. .}. [التوبة: 111]
2 - بيان أحكام الإِسلام: مثل حكم الربا الذي أعلن الله الحرب على فاعليه حيث قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}. [البقرة: 278، 279]
3 - الحكم في الحدود: كحد الزنا والسرقة وغيرها من الحدود التي تضمن الأمن والاستقرار في المجتمع،. كقول الله تعالى في حد فاعل الزنى:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. [النور: 2]
وقوله في حد السرقة:
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. [المائدة: 38]
4 - فضح المنافقين وكشف دخيلتهم وذكر أوصافهم: كقول الله تعالى في كشف نفاقهم:
{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. [المنافقون: 1]
(2/31)

5 - إسكات أفواه أهل الكتاب من اليهود وغيرهم ومجادلتهم لإِقامة الحجة عليهم: كقوله تعالى:
{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}. [العنكبوت: 46]
6 - تحقيق النصر للمؤمنين في غزواتهم مع أعدائهم: كقول الله تعالى:
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}. [آل عمران: 123] [انظر مباحث علوم القرآن لمناع القطان]

فوائد العلم بالمكي والمدني
1 - الاستعانة في تفسير القرآن: فإن معرفة مواقع النزول تساعد على فهم الآية وتفسيرها صحيحًا، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويستطيع المفسر في ضوء ذلك عند تعارض المعنى في آيتين أن يميز بين الناسخ والمنسوخ، فإن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم.
2 - تذوق أساليب القرآن والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله، فإن لكل مقام مقالًا، ومراعاة مقتضى الحال من أخص معاني البلاغة، وخصائص أسلوب المكي في القرآن والمدني منه تعطي الدارس منهجًا لطرائق الخطاب في الدعوة إلى الله، بما يلائم نفسية المخاطب، ولكل مرحلة من مراحل الدعوة موضوعاتها وأساليبها، ويبدو هذا واضحًا جليًا قي أساليب القرآن المختلفة في مخاطبة المؤمنين أو المشركين والمنافقين وأهل الكتاب.
3 - الوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية، فالقرآن هو المرجع الأصيل لهذه السيرة. [انظر مباحث في علوم القرآن]
4 - عدد السور المكية: 82 سورة، والسور المدنية: 20 سورة، وعدد المختلف فيها: 12 سورة، ومجموعها: 114 سورة، وعدد آيات القرآن: 6236 آية.
(2/32)

الآيات المكية والمدنية المتداخلة
الآيات المكية في السور المدنية: لا يقصد بوصف السورة بأنها مكية أو مدنية أنها بأجمعها كذلك فقد يكون في المكية بعض آيات مدنية، وفي المدنية بعض آيات مكية، ولكنه وصف أغلبي حسب أكثر آياتها، ولذا يأتي في التسمية: سورة كذا مكية إلا آية كذا فإنها مدنية، وسورة كذا مدنية إلا آية كذا فإنها مكية، كما نجد ذلك في المصاحف -ومن أمثلة الآيات المكية في السور المدنية "سورة الأنفال مدنية" واستثنى منها كثير من العلماء قوله تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}. [الأنفال: 30]
قال مقاتل: هذه الآية نزلت بمكة وظاهرها كذلك؛ لأنها تضمنت ما كان من
المشركين في دار الندوة عند تآمرهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة. [انظر علوم القرآن]
(2/33)

متى نعمل بالقرآن المكي والمدني؟
يرى شيخ الإِسلام ابن تيمية أن القرآن المكي الذي يدعو إلى الصبر على الأذى، وعدم مجابهة الكفار يطبق في حالة ضعف المسلمين، والقرآن المدني الذي يدعو إلى الجهاد والقوة يطبق في حالة قوة المسلمين، وذلك حين قال:
"وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآيات ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عُمْرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى يوم قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام. فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون". [الصارم المسلول 221]
أقول: يؤيد كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية قوله تعالى:
{قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. [الجاثية: 14]
يأمر الله رسوله أن يقول للمؤمنين أيام ضعف المسلمين في مكة قبل الهجرة اصفحوا وتجاوزوا عمن يؤذيكم من الكفار، ولا تردوا الأذى بمثله، وهذا يدل على مشروعية التسامح مع الكفرة في حال ضعف المسلمين.
(2/34)

واجبنا نحن المسلمين
1 - ليت الجماعات الإِسلامية طبقوا ما جاء في القرآن المكي الذي يدعو إلى الصبر والعفو حتى يأتي الله بالنصر.
2 - أن نطبق الأحكام الشرعية على أنفسنا، إذ رأينا البعض يدعو إلى الجهاد وحكم الإِسلام، وهو لا يطبقه على نفسه.
3 - أن ندعو حكام المسلمين وأعوانهم إلى تطبيق حكم الإِسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والقول اللين كما فعل موسى وهارون مع فرعون.
4 - أن يكون جهادنا في حالة الضعف بالمال واللسان عملَاَ بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". [صحيح رواه أبو داود]
5 - أن ندعو الأُمة أفرادًا وجماعات إلى تطبيق حكم الإِسلام على أنفسهم، حتى ينشأوا على حبه وإقامته على أرضهم.
وقد قال أحد الدعاة المعاصرين:
"أقيموا دولة الإِسلام في صدوركم تقم لكم في أرضكم".
6 - العقيدة أولًا أم الحاكمية؟ أجاب الداعية الكبير محمد قطب على هذا في محاضرة ألقاها في دار الحديث المكية، وهذا نصه:
س- البعض يقول: إن الإِسلام سيعود من قبل الحاكمية، والبعض الآخر يقول: سيعود الإِسلام عن طريق تصحيح العقيدة والتربية الجماعية، فأيهما أصح؟
ج- من أين تأتي حاكمية هذا الدين في الأرض إن لم يكن دعاة يصححون العقيدة، ويؤمنون إيمانًا صحيحًا، وُيبتلون في دينهم فيصبرون. ويجاهدون في سبيل الله، فيحكم دين الله في الأرض، قضية واضحة جدًا، ما يأتي الحكم من السماء، ما يتنزل من السماء، وكل شيء يأتي من السماء، لكن بجهد من البشر فرضه الله على البشر:
{وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}. [محمد: 4]
لابد أن نبدأ بتصحيح العقيدة، وتربية جيل على العقيدة الصحيحة، جيل يُبتلى
فيصبر على البلاء، كما صبر الجيل الأول.
(2/35)

نزول القرآن مفرقًا والحكمة منه
لقد نزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متفرقًا حسب الوقائع والمناسبات وفي ذلك حِكَم بالغة:
1 - تثبيت قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -: وهذه الحكمة هي التي رد الله بها على اعتراض الكفار في نزول القرآن متفرقًا بقوله تعالي:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}. [الفرقان: 32]
قال العلامة أبو شامة: "فإن قيل ما السر في نزوله مُنجمًا؟ وهلا أُنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه، فقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} يعنون: كما أُنزل على مَن قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: {كَذَلِكَ} أي أنزلناه مُفرَّقًا {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي لنقوّي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل". [انظر الإتقان للسيوطي ج 1/ 42]
2 - التحدي والإِعجاز: لقد اعترض الكفار على نزول القرآن مُفرَّقًا، كما قال القرآن عنهم، وبما أنهم قد عجبوا مِن نزوله مُفرقًا، فإن الله تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، وإن تحديهم به مُفرَّقًا أقوى في الِإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة واحدة فمن يعجز عن أن يأتي بسورة مثله مُفرقًا يعجز بالأولى من الِإتيان بمثله جملة واحدة.
ويشير إلى هذه الحكمة ما جاء في بعض الروايات في حديث ابن عباس عن نزول
(2/36)

القرآن: "فكان المشركون إذا أحدثوا شيئًا أحدث الله لهم جوابًا". [أخرجه ابن أبي حاتم]
3 - تيسير حفظ القرآن وفهمه: إن نزول القرآن مُفَرَّقًا يسهل للناس حفظه وفهمه، ولا سيما إذا كانوا أُميين كالعرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فكان نزوله مُفرقًا خير عون لهم على حفظه في صدورهم، وفهمهم لآياته، كلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة، وتدبروا معانيها، وعملوا بها، لذلك قال عمر -رضي الله عنه-: "تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسًا خمسًا". [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وسنده صحيح]
4 - تنشيط نفوس المؤمنين لقبول ما نزل من القرآن والعمل به:
حيث يتشوق المسلمون إلى نزول الآية، ولا سيما عند الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان.
5 - مسايرة الحوادث والتدرج في التشريع:
كان القرآن الكريم يتدرج في نزوله، ويبدأ بالأهم فالمهم:
أ- لقد اهتم القرآن الكريم أولًا بأصول الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجنة ونار، وُيقيم الأدلة على ذلك ليستأصل العقائد الفاسدة من نفوس المشركين، ويغرس فيها عقيدة الإِسلام.
ب- ثم بدأ يأمر بمحاسن الأخلاق، وينهى عن الفحشاء والمنكر ليقتلع جذور الفساد والشر، ويبين قواعد الحلال والحرام في المطاعم والمشارب والأموال والأعراض والدماء وغير ذلك.
ج- كان القرآن ينزل وفق الحوادث التي تمر بالمسلمين في جهادهم الطويل لِإعلاء كلمة الله، وتشجيعهم على ذلك. [انظر مباحث في علوم القرآن]
(2/37)

الأمثلة على نزوله بالتدريج
1 - نزلت سورة الأنعام -وهي مكية- تبين أصول الإِيمان، وأدلة التوحيد، وتحذر من الشرك، وتوضح ما يحل وما يحرم: قال الله تعالى:
{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. [الأنعام: 151]
ثم نزل بعد ذلك تفصيل هذه الأحكام في المدينة، كآية المداينة، وتحريم الربا، وأصل الزنى حُرم بمكة: يقول الله تعالى:
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}. [الإسراء: 32]
والعقوبات المترتبة عليه نزلت بالمدينة.
2 - وأوضح مثال لذلك التدرج في التشريع تحريم الخمر، فقد نزل قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}. [النحل: 67]
فإنه وصف الرزق بالحسن دون السَّكَر إشارة إلى ذم الخمر، ثم نزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}. [البقرة: 219]
فقارنت الآية بين منافع الخمر الوقتية، وبين مضارها في إثم تعاطيها وما ينشأ عنه من ضرر الجسمِ، وفساد العقل، وضياع المال، وإثارة لبواعث الفجور
والعصيان، ثم نفَّرت الآية من الخمر بترجيح المضار على المنافع. ثم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}. [النساء: 43]
فعرفوا تحريمه وقت الصلوات ثم نزل قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. [المائدة: 90]
3 - ويوضح هذه الحكمة ما قالته عائشة -رضي الله عنها-:
"إنما نزل أول ما نزل سورة مِن المفَصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب
الناس إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء "لا تشربوا الخمر" لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل "لا تزنوا" لقالوا: لا ندَع الزنا أبدًا". [أخرجه البخاري]
(2/38)

من خصائص القرآن الكريم
1 - القرآن كلام الله المنزل على رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس.
2 - التعبد بتلاوته في الصلاة وغيرها وأخذ الثواب على قراءته - صلى الله عليه وسلم - لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: [ألم] حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". [صحيح رواه الترمذي] وقد ورد في قراءة سوره أحاديث صحيحة كسورة (البقرة وآل عمران والملك، والكهف، والمعوذات) وغيرها.
3 - الصلاة لا تصح إلا بقراءة القرآن لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". [متفق عليه]
4 - القرآن سلِمِ من التحريف والتبديل لقوله تعالى:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]
أما بقية الكتب السماوية كالتوراة والإِنجيل فقد حرفها (اليهود والنصارى)
5 - القرآن سليبم من التناقض لقوله تعالى:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]
6 - تيسير حفظه عن ظهر قلب، لقوله تعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 40]
7 - القرآن معجز لا يستطيع أحد أن يأتي بسورة مثله، وقد تحدى الله العرب فعجزوا: قال الله تعالى:
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38]
8 - تنزل السكينة والرحمة على قارىء القرآن - صلى الله عليه وسلم -:
"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا
(2/39)

نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن
عنده". [رواه مسلم وغيره]
9 - القرآن للأحياء لا للأموات: قال الله تعالى عن القرآن: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا}
وقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39]
وقد استنبط الإمام الشافعي من هذه الآية أن القراءة لا يصل ثواب إهدائها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم.
وأما قراءة الولد لأبويه فيصل ثواب القراءة لأن الولد من سعي أبيه كما ورد في
الحديث " .. وإن. ولده من كسبه". [صححه محقق جامع الأصول]
10 - القرآن شفاء القلوب من أمراض الشرك والنفاق وغيرها، وفيه بعض الآيات والسور لشفاء الأبدان: كسورة الفاتحة والمعوذات، وغيرها مما ثبت في السنة الصحيحة. قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]
{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]
11 - القرآن يشفع لصاحبه لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه". [رواه مسلم]
12 - القرآن مهيمن على الكتب التي قبله، قال الله تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48].
قال ابن كثير بعد أن ذكر أقوالًا في تفسير المهيمِن:
"وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، هذا الكتاب العظيم الذي أُنزل آخر الكتب وخاتمها، وأشملها عظماً، وأكملها، حيث جمِع فيه محاسنِ ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها، وتكفل الله بحفظه". [تفسير ابن كثير 2/ 65]
(2/40)

13 - القرآن الكريم صادق في أخباره، عدل في أحكامه. قال الله تعالى:
{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115]
قال قتادة: صدقاً فيما قال، وعدلاً فيما حكم، يقول صدقاً في الأخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به حق لا مِرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة كما قال تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]
[انظر تفسير ابن كثير ج 2/ 167]
14 - القصة في القرآن حقيقة لا خيال: فقصة موسى مع فرعون واقعة قال تعالى: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ} [القصص: 3]
ومثلها قصة أصحاب الكهف، فهي حقيقة، قال تعالى:
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} [الكهف: 13]
وجميع ما قص الله في القرآن حق، قال تعالى:
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62]
15 - القرآن يجمع بين مطلب الدنيا والآخرة، قال تعالى:
{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]
16 - القرآن فيه كل ما يحتاجه البشر من عقائد وعبادات وأحكام ومعاملات وأخلاق وسياسة واقتصاد وغير ذلك من أمور الحياة اللازمة للمجتمع، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]
وقال تعالى: {وَنَزلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِكل شيَءٍ، وَهدىً وَرَحمَة وَبُشرَى للمُسلِمِينَ}. [النحل 89]
1 - قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى:
{ما فرَّطنا في الكتاب من شيء} أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث، وقيل: أي في القرآن: ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتلقى بيانها من الرسول - صلى الله عليه وسلم -،
(2/41)

أو من الِإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب. [ج 6/ 420]
ثم قال: فصدَقَ خبرُ الله بأنه ما فرَّط في الكتاب من شيء إما تفصيلاً أو تأصيلاً.
ب - وقال الطبري في تفسير قوله تعالى:
{ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} يقول:
نزل عليك يا محمد هذا القرآن تبياناً لكل ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب {وهدى} من الضلالة {ورحمة} لمن صدق به، وعمل بما فيه من حدود الله، وأمره ونهيه، فأحل حلاله، وحرم حرامه.
{وبشرى للمسلمين} يقول: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد،
وأذعن له بالطاعة يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته. [ج 14/ 61]
17 - القرآن الكريم له تأثير قوي على النفوس من الإِنس والجن.
أ - أما الإِنس فقد تأثر به كثير من المشركين في أول الإِسلام، ودخلوا به، وفي العصر الحاضر التقيت بشاب نصراني دخل في الإِسلام، وذكر في أنه تأثر بسماعه القرآن من الأشرطة.
ب - وأما الجن فقد قال نفر منهم:
{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}. {الجن 1 - 2]
ج - وأما المشركون فكثير منهم تأثر بالقرآن عند سماعه، حتى قال الوليد بن المغيرة: (فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون؛ وإن قوله من كلام الله، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه [انظر ابن كثبرج 4/ 443]
18 - الذي يتعلم القرآن ويعلمه للناس هو خيرهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خَيْركُم مَن تعلّم القرآن وعَلَّمه". [رواه البخاري]
19 - "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررَة، والذي يقرؤه ويُتعتعُ فيه وهو عليه شاق له أجران". [متفق عليه]
(السفرة: الملائكة) [يُتعتع: يتردد فيه].
20 - القرآن جعله الله هادياً ومبشراً فقال:
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9]
(2/42)

21 - القرآن يسكن القلوب، ويثبت اليقين، والمؤمنون يعلمون أنه أعظم آية تطمئن لها قلوبهم ببرد اليقين. قال الله تعالى:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]
فإذا أصاب المسلم هَمٌ أوحزن أومرض فعليه أن يسمع القرآن الكريم من مقرىء حسن الصوت كالمنشاوى وغيره، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسناً". [صحيح، وانظر صحيح الجامع للألباني]
22 - القرآن الكريم يدعو في أكثر سوره إلى التوحيد، ولا سيما توحيد الِإله في العبادة والدعاء والاستعانة: ففي أوله في سورة الفاتحة تجد قوله تعالى:
{إياك نعبد وإياك نستعين}، (أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك).
وفي آخره في سورة الِإخلاص، والفلق، والناس، تجد التوحيد ظاهراً في قوله:
{قل هو الله أحد}، {قل أعوذ برب الفلق}، {قل أعوذ برب الناس}،
وفي سورِة الجن تقرأ قوله تعالى:
{قُل إِنَمَا أدعُوا رَبي وَلَا أشرِكُ بهِ أحَدا}. [الجن 20]
{وَأنً المَسَاجدَ لله فَلَا تَدعُوا مَعً الله أحداً}. [الجن 18]
وفي بقية سورَ القرآن كثير من آيات التوحيد.
والعجيب أن أحد المشايخ وجد هذه الآية مكتوبة على باب المسجد، فقال: هذه آية وهابية، لأنها تنهى عن دعاء غير الله!!
وقال لي دكتور صوفي: إن آية {إياك نعبد وإياك نستعين} وهابية، لأنها تدعو
إلى الاستعانة بالله وحده!!
23 - القرآن الكريم مصدر الشريعة الإِسلامية الأول أنزله الله على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليخرج الناس من ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإِيمان والتوحيد والعلم قال الله تعالى:
{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]
(2/43)

24 - القرآنَ الكريم يخبر عن الحوادث المستقبلة التي لا تُعلَم إلا بالوحي كقوله تعالى: {سَيُهزَمُ الجَمعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}. [القمر: 45]
وقد هُزم المشركون يوم بدر وهربوا من المعركة.
وأخبر القرآن عن أمور كثيرة قد تحققت فيما بعد كتغَلُّب الروم على الفرس.
25 - الاستعاذة عند تلاوة القرآن لقول الله تعالى:
{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}. [النحل: 98]
26 - وجوب الاستماع والإِنصات إليه لمن كان مُؤتما في الصلاة وخطبة الجمعة. لقول الله تعالى:
{وإذا قُرىء القرآن فاستمعوا له، وأنصِتوا لعلكم تُرحمون} [الأعراف 204]
فإذا قُرِىء عليكم القرآن فاستمعوا له، لتفهموا آياته وأنصتوا إليه لتعقلوه،
ليرحمكم ربكم. [انظر تفسير الطبري]

الخلاصة
إن خصائص القرآن كثيرة، وقد وصفه الله تعالى بقوله:
{وإنه لكتابٌ عزيزٌ، لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه، تنزيلٌ من حكيم
حميد}. [فصلت 41 - 42]
وقال عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (تركت فيكم شيئين، لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرَّقا حتى يرِدا عليَّ الحوض). [صحيح رواه الحاكم]
وقال جلادستون -رئيس وزراء بريطانيا سابقاً-: ما دام هذا القرآن موجوداً فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق الإِسلامي.
(2/44)

القرآن كتاب جامع شامل
القرآن الكريم تطرق لموضوعات شتى هامة كالأمر والنهي، والوعد والوعيد،
والحكم والأمثال، والوعظ والقصص، وذكر المغيبات، والعلوم الكونية، ومظاهر الخلق، ودلائل البعث والنشور، وغير ذلك من الأمور المهمة.
وحين نتدبر القرآن في كل هذه المواضيع والأغراض نجدها في منتهى البلاغة
والبراعة وغاية الانسجام والتوافق والالتئام، أوله يشبه آخره، ويشبه بعضه بعضاً في الحسن، ولا يمل قارؤه، ولا يسأم مجوده، ولا يشك متدبره، يزيد المتقين هدى، والمؤمنين إيماناً، وذلك أنه في غاية الترابط والتلاحم، أوله يصدق آخره.
إن نظم القرآن وترتيبه على الوجه المعهود، المباين والمخالف لأنظمة الكتب المؤلفة، وهو مع ذلك متناسب الآي والسور في المعاني والمباني والموضوعات، كأنه وحدة واحدة متكاملة - دليل مادي على أنه ليس بكتاب وضعي بشرِي، يجلس إليه واضعه من الناس، فيجعل لكل طائفة من معلوماته المتناسبة فصلًا، ولكل مجموعة من فصوله المتتابعة باباً، بل هو مجموعة هدايات من الوحي الِإلهي اقتضتها الحكمة، ودعت إليها المصلحة، لا تجد فيها خللًا ولا تناقضاً، بل تأخذ برقاب بعضها كأنها موضوع واحد. [انظر رسالة موهم الاختلاف والتناقض في القرآن الكريم للشيخ ياسر أحمد علي الشمالي]
يقول الشيخ الزرقاني: إن هذا المزيج الطريف الذي نجده في كل سورة، أو طائفة منه، له أثر بالغ في التذاذ قارئه، وتشويق سامعه، واستفادة المستفيد بأنواع متنوعة منه، فما أشبه كل مجموعة من القرآن بروضة يانعة، يتنقل الِإنسان بين أفيائها، متمتعاً بكل الثمرات، أو بمائدة حافلة بشتى الأطعمة، يُشبع الجائع حاجته بما فيها من جميع الألوان. [انظر مناهل العرفان ج 1/ 80]
ويقول الدكتور محمد عبد الله دراز: إنك لتقرأ السورة الطويلة المنسجمة، يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني حشيت حشواً، وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً، فإذا هي
(2/45)

لو تدبرت بُنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أُسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد، قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضام والإلتحام.
ومن وراء ذلك كله يسرى في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضاً خاصاً، كما يأخذ الجسم قواماً واحداً، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد مع اختلاف وظائفه العضوية. [انظر كاب النبأ العظيم 155]
(2/46)

القرآن سليم من الإختلاف
قال الله تعالى:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]،
1 - قال الطبري في تفسيرها: يعني جل ثناؤه بقوله:
{أفلا يتدبرون القرآن} أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد: كتاب الله، فيعلمون حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وإن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضاً بالتصديق، وشهادة بعضه بعضاً بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض.
وأسند ابن جرير عن قتادة:
(أي قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف).
وأسند عن ابن زيد: (إن القرآن لا يُكذِّب بعضه بعضاً، ما جهل الناس من أمر
فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم، وقرأ:
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]
قال فحق على المؤمن أن يقول: (كل من عند الله) ويؤمن بالمتشابه ولا يضرب بعضه ببعض، وإذا جهل أمراً ولم يعرفه أن يقول: (الذي قال الله حق، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولاً وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من الله). [انظر تفسير الطبرى ج 8/ 567]
2 - وقال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: يقول تعالى آمراً لهم بتدبر القرآن، وناهياً لهم عن الِإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة، وألفاظه البليغة، ومخبراً لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض، لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو
(2/47)

حق من حق، ولهذا قال تعالى:
{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالُها}. [سورة محمد 24]
ثم قال: {ولو كان من عند غير الله} أي لوكان مفتعلًا مختلقاً كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافاً أي اضطراباً وتضاداً كثيراً، أي وهذا سالم من الاختلاف فهو من عند الله، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم حيث قالوا: {آمنا به كل من عند ربنا} أي مُحكَمِه (1) ومتشابهه (2) حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح الله تعالى الراسخين، وذم الزائغين. [انظر ابن كثير ج 1/ 529]
3 - وقال الشاطبي وإذا ثبت أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه، صح أن يكون حكماً بين جميع المختلفين، لأنه إنما يقرر معنى هو الحق، والحق لا يختلف في نفسه، فكل اختلاف صدر من المكلفين فالقرآن هو المهيمن عليه، قال الله تعالى:
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]
فهذا دليل على أن الحق فيه واضح، وأن البيان فيه شاف، ولا شيء بعده يقوم
مقامه، وهكذا فعل الصحابة. [انظر الاعتصام ج 2/ 309]
__________
(1) المحكم: أن يكون معنى الآية ظاهراً كقوله تعالى.
{وأحل الله البيع} [البقرة 275]
(2) المتشابه نوعان: حقيقى: وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر كحقيقة صفات الله، وكيفيتها، لكن معناها معلوم
كقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} فالاستراء معلوم كما قال الإمام مالك، وقد ورد تفسيره في البخاري
عن الابعين بالعلو والارتفاع، وكيفية الاشراء غير معقولة.
النوع الثاني. في: وهو ما يكون متبهاً على بعضر الاسر دون بعض كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}
فأهل التعطيل فهموا منها نفي الصفات عن الله، وادعوا أن ثبوتها بستلزم المشابهة، وأعرضوا عن الآيات التي
تثبت الصفات لته، علماً بأن إثات المعنى لا يستلزم المشابهة.
(2/48)

أسماء القرآن وأوصافه
1 - لقد سمى الله القرآن بأسماء كثيرة منها:
القرآن، والفرقان، والكتاب، والتنزيل، ولها أدلة من القرآن.
2 - ووصف الله القرآن بأوصاف في آياته منها أنه: نور، وهُدى، وموعظة، وشفاء، ورحمة، ومبا رك، ومبين، وبشرى، وعزيز، ومجيد، وبشير، ونذير، وكريم، وأحسن الحديث.
قال تعالى يصف كتابه العزيز:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} [الزمر: 23]
(أحسن الحديث: أبلغه وأصدقه وأوفاه القرآن).
(كتاباً متشابهاً: في إعجاره وهدايته وخصائصه، يشبه بعضه بعضاً في الحسن).
(مثاني: مكرراً فيه الأحكام والمواعظ والقصص والآداب).
(تقشَعرُّ منه: تضطرب وترتعد من قوارعه).
(تلين جلودهم: تسكن وتطمئن لينة غير منقبضة). [انظر كلمات القرآن لحسنين محمد مخلوف]
3 - وقد ورد وصفه في أحاديث فيها ضعف إلا أن معناها صحيح:
فروي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
أ - "إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا مأدبته ما استطعتم، كان هذا القرآن هو حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من تبعه، لا يُعوَج فيُقَوَّم، ولا يزيغ فيُستعتَب، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلَق عن كثرة الرد، أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول
(2/49)

ب (ألم)، ولكن بألفٍ عشراً، وباللام عشراً، وبالميم عشراً". [صححه الحاكم، وضعفه الذهبي]
ب - "ألا إنها ستكون فتن، قلت وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم تَنتهِ الجن إذ سمعته أن قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1]
هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدَل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا
إليه هديَ إلى صراط مستقيم". [رواه الترمذي وقال محقق جامع الأصول في سنده مجهول] [ورجح الشيخ الألباني وقفه على علي بن أبي طالب]
(2/50)

معنى التأويل وأنواعه في القرآن
قال الله تعالى: {هُوَ الًذِي أنزلَ عَلَيكَ الكِتَاب مِنهُ ءايَاتٌ مُحكَمَات هُن اُمُّ
الكِتَاب وَأُخَرُ مُتَشَابهاتٌ؛ فَأمًا الذين في قُلُويهم زَيغ فَيَتَبعُونَ مَا تَشَابَة مِنه
ابتغَاءَ اَلفِتنِةَ وابتِغَاَءَ تَأويِلِه، وَمَا يَعلمُ تَأويلَه إِلا الله. وَالراسخونَ في العِلمِ
يَقَولُون ءامَنَّا بهِ كُلٌ مِن عِندِ رَبنَا، وَمَا يَذَّكرُ إلَأ أولُوا الَألبَاب} [آل عمران 7]
الأول: التأويل: بمَعنى التفسير، فهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم
معناه، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كابن جرير الطبري
وأمثاله من المفسرين.
الثاني: التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فتأويل ما أخبر الله به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة وما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر.
1 - فالذين يقولون بالوقف على قوله تعالى: {فأما الذين في قلويهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله} ويجعلون {والراسخون في العلم} استئنافاً، إنما عَنَوا بذلك التأويل بالمعنى الثاني، أي الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فحقيقة ذات الله وكنهها، وكيفية أسمائه وصفاته، وحقيقة الميعاد لا يعلمها إلا الله.
2 - والذين يقولون بالوقف على قوله:
{وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} على أن الواو للعطف، وليست
للاستئناف، إنما عَنَوا بذلك التأويل بالمعنى الأول وهو التفسير، فإذا ذكر عن مجاهد أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به أنه يعرف تفسيره.
وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين القولين في النهاية، وإنما الأمر يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل. [علوم القرآن للقطان]
(2/51)

3 - وقال ابن عباس رضي الله عنهما: التفسير على أربعة أنواع:
1 - فتفسير لا يعذر أحد في فهمه (كمعرفة الحلال والحرام).
2 - وتفسير تعرفه العرب من لغاتها (كمعنى الإله: وهو المعبود).
3 - وتفسير يعلمه الراسخون في العلم (كمعنى الإستواء: العلو).
4 - وتفسير لا يعلمه إلا الله (كمعرفة كيفية الذات والصفات). [ذكره ابن كثير]

التأويل المذموم
الثالث: التأويل المذموم: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وهو الذي عناه أكثر المتأخرين في تأويل نصوص الصفات، وإنما لجأوا إليه مبالغة منهم في تنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين في زعمهم؛ وهذا زعم باطل أوقعهم في مثل ما هربوا منه أوأشد، فهم حين يؤولون اليد بالقدرة مثلًا إنما قصدوا الفرار من أن يثبتوا للخالق يداً، لأن للمخلوقين يداً فاشتبه عليهم لفظ اليد فأولوها بالقدرة، وذلك تناقض منهم، لأنهم يلزمهم في المعنى الذي أثبتوه نظير ما زعموا أنه يلزم في المعنى الذي نفوه، لأن العباد لهم قدرة أيضاً. فإن كان ما أثبتوه من القدرة حقاً ممكناً كان إثبات اليد لله حقاً ممكناً أيضاً. وإن كان إثبات اليد باطلاً ممتنعاً لما يلزمه من التشبيه في زعمهم كان إثبات القدرة باطلاً ممتنعاً كذلك، فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ مُؤوَّل بمعنى أنه مصروف عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح. وما جاء عن أئمة السلف وغيرهم من ذم للمتأولين إنما هولمثل هؤلاء الذين تأولوا ما يشتبه عليهم معناه على غير تأويله وإن كان لا يشتبه على غيرهم. [انظر علوم القرآن للقطان]
(2/52)

موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه
إن موقف الرالسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: {فأما الذين في قلويهم زَيغٌ فيتَّبعون ما تشابة منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويلِه}. [آل عمران 7]
وقال في الراسخين في العلم:
{والراسخون في العلم يقولون آمنا به كُل من عند رَبنا} [آل عمران 7]
فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المشتبهات وسيلة للطعن في كتاب الله وفتنة الناس عنه وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به فيَضِلون وُيضلون.
وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حق وليس فيه اختلاف ولا تناقض لأنه من عند الله.
{ولو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}. [النساء: 82]
وما جاء مشتبهاً ردوه إلى المحكم ليكون الجميع مُحكَماً.
1 - ويقولون في المثال الأول: إن لله تعالى يدين حقيقتين على ما يليق بجلاله وعظمته لا تماثلان أيدي المخلوقين كما أن له ذاتاً لا تماثل ذوات الخلوقين لأن الله تعالى يقول: {لَيسَ كمِثله شيء وَهُوَ السَميِعُ البَصير}. [الشورى 11]
وكعُلُو الله على عرشه على ما يليق بجلاله لا يشبه مخلوقاته:
قال الله تعالى: {الرحمَن عَلَى العَرش استَوَى}. [طه 5]
2 - ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنةَ والسيئة كلتاهما بتقدير الله -عَزَّ وَجَلَّ- لكن الحسنة سببها التفضل من الله تعالى على عباده. أما السيئة فسببها فعل العبد كما قال الله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}. [الشورى 30]
فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه لا من إضافته إلى مُقَدِّره، أما
(2/53)

إضافة الحسنة والسيئة إلى الله تعالى فمن باب إضافة الشيء إلى مُقَدِّره، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين لانفكاك الجهة.
3 - ويقولون في المثال الثالث: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقع منه شك فيما أُنزل إليه بل هو أعلم به وأقواهم يقيناً كما قال الله تعالى {قل يا أيها الناس إن كنتم في شَكٍ مِن ديني فلا أعبدُ الذين تعبدون مِن دون الله} الآية. [سورة يونس104]
المعنى إن كنتم في شك منه فأنا على يقين منه ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله بل أكفر بهم وأعبد الله.
ولا يلزم من قوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} أن يكون الشك جائزاً
على الرسول - صلى الله عليه وسلم - واقعاً منه، ألا ترى قوله تعالى:
{قل إنْ كان للرحمن ولَدٌ فأنا أولُ العابدين}. [الزخرف 81]
هل يلزم منه أن يكون الولد جائزاً على الله تعالى أو حاصلاً؟
كلا، فهِذا لم يكن حاصلاً ولا جائزاً على الله تعالى، قال الله تعالى:
{وَمَا يَنبغِيِ لِلرَّحمن أن يَتَّخِذَ وَلَداً، إِنْ كُلُّ مَن في السَّمَوَاتِ وَالأرضِ إِلاءَاتِى
الرَّحَمنِ عَبداَ}. [سوره مريم 92 - 93]
ولا يلزم من قوله تعالى: {فلا تكونَن من الممترين} أن يكون الامتراء واقعاً من
الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن النهي عن اليء قد يوجه إلى من لم يقع منه، ألا ترى قوله تعالى: {ولا يصدُنَّك عن آياتِ الله بعد إذ أنزلَتْ إليك وادعُ إلى ربك ولا تكونن من المشركين}. [القصص 87]
المعلوم أنهم لم يصدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن آيات الله وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقع منه شرك؛ والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه التنديد بمن وقع منهم والتحذير من منهاجهم، وبهذا يزول الاشتباه وظن ما لا يليق بالرسول - صلى الله عليه وسلم -. [انظر كتاب أصول في علم التفسير للشيخ محمد صالح العثيمين]
(2/54)

أنواع التشابه في القرآن
التشابه الواقع في القرآن نوعان:
أحدهما: حقيقى وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر كحقائق صفات الله -عَزَّ وَجَلَّ- فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات لكننا لا ندرك حقائقها وكيفيتها لقوله تعالى: {ولا يُحيطون به علماً}. [طه 110]
وقوله تعالى:
{لا تُدركه الأبصار وهو يُدرِك الأبصارَ وهو اللطيف الخبير}. [الأنعام 103]
ولهذا لما سئل الإِمام مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى:
{الرحمن على العرش استوى} كيف استوى قال: الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والِإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
وهذا النوع لا يُسأل عن استكشافه لتعذر الوصول إليه.
يفهم من قول مالك أن كيفية الإستواء مجهولة لنا، ومعنى الإستواء معلوم وهو العلو.
النوع الثاني: نسبي وهو ما يكون مشتبهاً على بعض الناس دون بعض فيكون معلوماً للراسخين في العلم دون غيرهم. وهذا النوع يسأل عن استكشافه وبيانه لِإمكان الوصول إليه إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس قال الله تعالى:
{هذا بيانٌ للناس وهُدىً وموعظة للمتقين}. [آل عمران 138]
وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء}. [النحل 89]
وقال: {فإذا قرأناه فاتَّبِع قرآنه ثم إن علينا بيانه} [القيامة 17 - 18]
وقال: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً}.
[النساء174]
وأمثلة هذا النوع كثيرة منها قوله تعالى: {ليس كمِثلِه شيء} حيث اشتبه على أهل التعطيل ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى وادَّعَوا أن ثبوتها يستلزم المماثلة
(2/55)

وأعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات له وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم المماثلة.
مثال ذلك قوله تعالى: {ومَن يقتل مؤمناً مُتعَمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدً له عذاباً عظيماً}. [النساء93]
حيث اشتبه على الوعيد ية ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمداً مخلد في النار واطَّردوا ذلك في جميع أصحاب الكبائر وأعرضوا عن الأيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله تعالى.
ومنها قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} حيث اشتبه على الجبرية ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله وادعوا أنه ليس له إرادة ولا قدرة عليه، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة وأن فعل العبد نوعان اختياري وغير اختياري.
والراسخون في العلم أصحاب العقول يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى فيبقى القرآن محكماً كله لا متشابه فيه. [انظر كتاب أصول علم التفسير للشيخ محمد صالح العثيمين]
(2/56)

الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه
لو كان القرآن كله محكماً لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقاً وعملًا لظهور معناه وعدم المجال لتحريفه والتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. ولو كان كله متشابهاً لفات كونه بياناً وهُدىً للناس، ولما أمكن العمل به وبناء العقيدة السليمة عليه، ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات يُرجع إليهن عند التشابه وأُخر متشابهات امتحاناً للعباد ليتبين صادق الإِيمان ممن في قلبه زيغ فإن صادق الإِيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله تعالى وما كان من عند الله فهو حق ولا يمكن أن يكون فيه باطل أو تناقض لقوله تعالى:
{لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خَلفِه تنزيل من حكيمٍ حميد}. [فصلت42]
وقوله: {وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَير الله لَوَجَدُوا فية اختِلاَفاً كَثيرا}. [النساء82]
وأما مَن في قلبه زيغ فيتخذ من المتشابه سبيلاً إلى تحريفَ المحكم واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار والاستكبار عن الأحكام ولهذا تجد كثيراً من المنحرفين في العقائد والأعمال يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة. [انظر كتاب أصول في التفسير للشيخ محمد بن صالح العثيمين بزيادة أمثله]
وعن عائشة قالت: {تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا رأيت الذين يتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذرهم}. [متفق عليه]
(2/57)

كيف تنتفع بالقرآن الكريم؟
قال الله تعالى: {إِنَ في ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَن كانَ لَهُ قَلبٌ أو ألقَى السمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}. [سورة ق 37]
إذا أردت الإنتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته، وألق سمعك، واحضر
حضور من يخاطبه به، فإنه خطاب منه سبحانه لك على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مُقتضٍ، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه: تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدله على المراد.
فقوله: {إن في ذلك لذكرى} إشارة إلى ما تقدم من أول سورة ق إلى ههنا، وهذا هو المؤثر.
وقوله: {لِمَن كان له قلب} فهذا هو المحل القابل، والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى:
{إنْ هُوَ إِلا ذِكرٌ وَقرءَانٌ مُبينٌ، لِيُنذرَ مَن كَانَ حَيّاً}. [سورة ص 69 - 70]
(أي حي القلب).
وقوله: {أو ألقى السمع} أي وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له وهذا هو شرط التأثير بالكلام.
وقوله: {وهو شهيد} أي شاهد القلب حاضر، غير غائب.
قال ابن قتيبة: استمع لكتاب الله، وأنت شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساهٍ. وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير: وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل، وهو القلب الحي، ووجد الشرط، وهو الِإصغاء، وانتفى المانع، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه إلى شيء آخر: حصل الأثر، وهو الإنتفاع بالقرآن والتذكر. [انظر الفوائد لابن القيم ص 3 - 5]
(2/58)

كيف تقرأ القرآن؟
قال الله تعالى: {ورَتَل القرآن ترتيلاً}. [المزمل 4]
اقرأه على تمهُّل، فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره:
سُئلت، أم سلمة عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت:
كان - صلى الله عليه وسلم - يقطع قراءته آية آية: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [صحيح رواه الترمذي]
ويستحب الترتيل وتحسين الصوت وعدم السرعة في القراءة.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "حَسّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسناً". [صحيح رواه أبو داود وغيره]
وقال ابن مسعود: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذَّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة. [رواه البخاري]
لا يجوز أن تقول بعد النهاية من قراءة القرآن (صدق الله العظيم)، لأن قراءة القرآن عبادة لا تجوز الزيادة فيها إلا إذا ورد نص من الشارع، ولم يرد فيها شيء:
سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن من ابن مسعود، فلما وصل إلى قول الله تعالى:
{وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (حسبك) [رواه البخاري]
ولم يقل ابن مسعود (صدق الله العظيم) ولم يأمره بها.
إن هذه البدعة أماتت سنة، وهي الدعاء لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ القرآن فليسأل الله به". [حسن رواه الترمذي]
فعلى القارىء أن يدعو الله بما شاء بعد القراءة، ويتوسل إلى الله بما قرأه، فهو من العمل الصالح المسبب لقبول الدعاء.
(2/59)

"القرآن حجة لك أو عليك"
هذا الحديث الصحيح رواه مسلم يقسم القراء إلى قسمين:
1 - القارىء الذي يقرأ القرآن ويكون حجة له يوم القيامة هو الذي يعمل بأوامره، ويبتعد عن نواهيه فيحل حلاله، ويحرم حرامه، ويحكم به، ويتحاكم إليه، ويرضى بحكمه، ويتدبر معانيه عملاً بقوله تعالى:
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب} [ص: 29]
ويكثر من تلاوته وحِفظه وسماعه من غيره، ولا سيما محطة الإذاعة للقرآن الكريم في السعودية وغيرها، ومن الأشرطة المسجلة لمشاهير القُراء كالمنشاوي والحصري وغيرهما، فيستفيد مع عائلته مِن تلاوته وتفسيره: فإذا قرأ أو سمع قوله تعالى {وأوفوا بِالعهد إن العهد كان مسئولًا}. [الإسراء 34]
بادر إلى الوفاء بالعهد والوعد مع ربه وإخوانه.
2 - القارىء الذي يَقرأ القرآن ويكون حجة عليه هو الذي لا يعمل بأوامره، ولا يبتعد عن نواهيه، ولا يحل حلاله ولا يُحرم حرامه، ولا يحكم به، ولا يتحاكم إليه، ولا يرِضى بحُكمه، ولا يهمه فهمه وتدبره وتطبيقه .. فإذا قرأ أو سمع قوله تعالى:
{ثُمَ نَبتَهِل فَنَجعل لًعنَتَ الله عَلىَ الكَاذِبِين}. [آل عمران 61]
فترى هذا القارىء يكذب على الناس في حديثه، ووعده، ومُعاملاته، وعقوده ومن المؤسف أن ترى مِن الكفار من يلتزم الصدق في مُعاملته وعقوده ووعوده، وحدثني ولدي أنه رأى في باريس حديقة الحيوانات، ورأى فيها حيواناً له يدان، فإذا ألقى إليه إنسان شيئاً أمسَكه بيده، وبما أن أحد المشاهدين لم يجد شيئاً معه، فأشار بيده إلى الحيوان دون أن يلقي إليه شيئاً، فرآه الفرنسي حارس الحديقة، وتقدم إلى هذا المسلم يوبخه على كذِبه على الحيوان!!
(2/60)

وهذه القصة تذكرنا بقصة جرت مع الإمام البخاري رحمه الله حينما رحل إلى بلد بعيد لِيأخذ الحديث عن رجل سمع به، فلما وصل إليه بعد سَفر طويل ومشقة وجدَه يُنادي حيواناً بيده وذيله دون أن يكون معه شيء، فرجع البخاري ولم يأخذ عَنه الحديث، لأن الذي يكذب على الحيوان قد يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ونرى كثيراً من الناس يكذب بحجة المزح، أو يكذب على ولده، ولا يدري أن
هذا مسجل عليه في أعماله وفي الحديث:
"أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً". [حسنه الألباني]
فعليك يا أخي المسلم أن تعمل بما تقرأ وتسمع حتى يكون القرآن حجة لك لا عليك، ولا سيما حفظة القرآن والمشتغلين بعلومه وتفسيره، فكثيراً من حفظة القرآن ومفسريه لا يتقيدون بتعاليمه وآدابه.
وهناك من الرجال من يحفظ القرآن، ويشتغل بتفسيره مدة طويلة ولكنه لا يتورع عن الكذب ورمي إخوانه باقبح الخصال، والفحش من الكلام، دون سبب موجب، حتى لقد حكم على رجل مُحدِّث عالم جليل سلفي العقيدة بأنه يحترق في نارجهنم!! وهاجم أحد إخوانه في الحرم المكي وقال له:
يا جاهل يا ضال أنت ترد عليَّ!!! علما بأن أخاه نصحه وبيَّن أخطاءه بلطف،
ولكن أخذته العزة بالِإثم، فخاصم وفجر في بيت الله الحرام، مع أن المشرك قبل الإِسلام كان يحترم الحرم، فإذا وجد قاتل أبيه أعرض عنه احتراماً لبيت الله الحرام؛ فماذا استفاد هذا الرجل من حفظه للقرآن وتفسيره؟ لا شك أنه سيكون حجة عليه كما ورد عن الصادق المصدوق: "والقرآن حجة لك أو عليك". [رواه مسلم]
وأعرف من حفظة القرآن مَن يتخذه مهنة ليقرأه على الأموات ويأخذ الأموال ويأكل الطعام على الموائد، وقد حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُمته فقال:
1 - اقرأوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا
تستكثروا به". [صحيح رواه الإمام أحمد وغيره]
2 - "اقرأوا القرآن وسلوا الله به، قبل أن يأتي أقوام يقرؤون القرآن فيسألون به الناس". [صحيح رواه الإِمام أحمد وغيره]
(2/61)

التحذير من هجر القرآن
قال الله تعالى:
{وقال الرسولُ يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}. [الفرقان 30]
يقول الله تعالى مخبراً عن رسوله ونبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
{يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}.
وذلك أن المشركين كانوا لا يُصغون للقرآن ولا يستمعونه كما قال تعالى:
{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلكم تغلبون}. [فصلت 26]
فكانوا إذا تليَ عليهم القرآن أكثروا اللغَط والكلام في غيره حتى لا يسمعونه: فهذا مِن هجرانه، وترك الإِيمان به وترك تصديقه: مِن هجرانه، وترك تَدبُّرهِ وتفهمه: مِن هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره: مِن هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام، أو طريقة مأخوذة من غيره: مِن هجرانه.
فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يُخلصنا مما يُسخطه ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه إنه كريم وهاب. [انظر تفسير ابن كثير]
(2/62)

توجيه وبيان لفهم معاني بعض آي القرآن
* - التحذير من البدع في الدين.
* - علاقة الشرك بالإفساد في الأرض.
* - محبة غير الله كحب الله شرك.
* - الله فوق العرش على السماء.
* - الخوف والرجاء.
* - طريق الحق واحد وطرق الضلال كثيرة.
* - المفهوم الصحيح لآية الهداية.
* - أنواع الهداية في القرآن.
* - القرآن يأمر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
* - الذكر الكثير وأنواعه.
* - حكم تعدد الزوجات في الإسلام.
* - خطر اختلاط الرجال بالنساء.
* - عيسى عليه السلام حي في السماء.
* - الآيات الدالة على عدم قتل عيسى.
* - الأحاديث التي تثبت نزول عيسى.
* - الكافي هو الله وحده.
* - ترك الحكم بكتاب الله يسبب البلاء.
* - تنزيه القرآن عن دسائس الشيطان.
* - الفسق وأثره في هلاك الأمة.
* - كيفية الدعوة إلى الله.
* - استجيبوا لله وللرسول.
* - الخسارة للكافرين والفوز للمؤمنين.
(2/63)

التحذير من البدع في الدين
قال الله تعالى في حق عيسى عليه السلامِ:
{وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ..} [الحديد: 27]
{رهبانية} منصوب بابتدعوها أي وابتدعوا رهبانية، فالوقف التام على قوله:
{ورحمة} ثم يبتدىء {ورهبانية ابتدعوها} أي لم نشرعها لهم، ولم نكتبها
عليهم، بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم. [وهم الرهبان من النصارى].
وفي نصب قوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} ثلاثة أوجه:
فالصواب: أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع، أي: لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلا لطلب رضوان الله ودل على هذا قوله: {ابتدعوها} ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية، وأنه طلب رضوان الله؛ ثم ذمهم بترك رعايتها. [انظر مدارج السالكين ج 3/ 32]
وعلق الشيخ حامد الفقي على هذا الكلام بقوله:
والظاهر من سياق الآية مع ما قبلها وما بعدها: أن الله سبحانه وتعالى يقصد إلى ذم الابتداع في الدين، ويبين أنه مناف للفطرة، وأن كل من ابتدع بدعة فإن مقتضى الفطرة أن يهن ويضعف عن القيام بها، لأنها مخالفة ومجافية للفطرة والعقل السليم. فأما الدين الذي شرعه الله الرب العليم الحكيم لِإتمام النعمة على عباده، فإنه لِإصلاح الإِنسانية وأخذها إلى الصراط المستقيم بفطرة الله التي فطر الناس عليها.
والرهبانية: وهي حرمان الطبيعة البشرية من حقوقها الفطرية في النساء والطعام
واللباس والراحة والنوم ونحوها منافية للفطرة، فمحال أن يقدر الإِنسان على الوفاء بها ورعايتها حق الرعاية.
ولذلك غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد الغضب على منِ حاول ذلك، وقال الله تعالى: {قُل مَن حَرمَ زِينَةَ الله ائَتي أخَرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَيبَاتِ مِنَ الرزق}. [الأعراف 32]
وذكر في كثير من الآيات أنها من وحي الشيطان إلى أوليائه والله أعلم.
[انظر هذا التعليق في كتاب التفسير القيم لابن القيم ص 486]
أقول: لقد تشبه بعض الصوفية بالرهبان، فلبسوا الصوف، وحرموا أنفسهم من
الطيبات، مخالفين القرآن وهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(2/64)

التحذير من مخالطة المبتدعة
قال الله تعالى:
{وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]
والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير موضعها. [تفسير ابن كثير ج 2]
أقول: وكلمة الظالمين: تشمل المشركين، والمحرفين، والمبتدعين في الدين.
وقد حذر ابن القيم منهم فقال:
القسم الرابع: مَن مخالطته الهُلْك كله، ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لآكله ترياق، وإلا فأحسن الله فيه العزاء. وما أكثر هذا الضرب في الناس- لا كثَرهم الله - وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة الله ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الداعون إلى خلافها، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، فيجعلون البدعة سنة، والسنة بدعة، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً.
1 - إن جرَّدت التوحيد بينهم قالوا: تنقصت جناب الأولياء الصالحين!
2 - وإن جرَّدت المتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين!
3 - وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله من غير غُلُوِّ ولا تقصير قالوا: أنت من المشبهين!
4 - وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف، ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر قالوا: أنت من المفتنين!
5 - وإن اتبعت السنة وتركت ما يخالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين!
6 - وإن انقطعت إلى الله تعالى، وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنت من الملَبسين!
(2/65)

7 - وإن تركت ما أنت عليه، واتبعت أهواءهم، فانت عند الله من الخاسرين،
وعندهم من المنافقين!
فالحزم كل الحزم: التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغل
بأعتابهم، ولا باستعتابهم، ولا تبال بذمهم، ولا بغضهم، فإنه عَينُ كمالك،
فإنه كما قيل:
وإذا أتتك مَذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
[انظر تفسير القيم لابن القيم ص 630]
أقول: لابد من دعوة مثل هؤلاء إلى الحق بالتي هي أحسن لِإقامة الحجة عليهم امتثالًا لأمر الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم -:
{وَجَادِلهم بالتي هِي أَحسَن}. [النحل 125]
{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 127، 128]
(2/66)

علاقة الشرك بالإفساد في الأرض
قال الله تعالى:
{وَلَا تُفسِدُوا في الأرض بَعدَ إِصلَاحها}. [الأعراف 56]
قال أكثر الفسرين: لاَ تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة اللة بعد إصلاح الله إياها ببعث الىسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيىه والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك به ومخالفة أمره: قال تعالى:
{ظهر الفسادُ في البَر والبحر بما كسبت أيدي الناس} [الروم 41]
وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله، وإقامة معبود غيىه، ومُطاعِ مُتَّبَع غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيىه إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به، وبمخالفة رسوله.
ومَن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم، وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو, وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. [انظر تفسير القيم لابن القيم ص 255]
(2/67)

محبة غير الله كحب الله شرك
قال الله تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]
[الأنداد: جمع نِد: وهو المثيل والنظير].
قال ابن القيم: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئاً كما يحب الله تعالى، فهوِ ممن اتخذ من دون الله أنداداً، فهذا نِد في المحبة، لا في الخَلق والربوبية، فإن أحداً من أهل الأرض لم يُثبت هذا النِد، بخلاف نِد المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أنداداً في الحب والتعظيم.
وقوله: {يُحبونهم كحُب الله} أي يُحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة يشركون فيها معِ الله أنداداً.
ثم قال: {والذين آمنوا أشد حباً لله}.
أي والذين آمنوا أشد حباً لله من أصحاب الأنداد لأندادهم، وآلهتهم التي يحبونها، ويعظمونها من دون الله.
ورجح شيخ الإسلام اين تيمية هذا التفسير حين قال:
إنما ذموا بأن اشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله، كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى: مخبراً عنهم وهم في النار: أنهم يقولون لآلهتهِم وأندادهم، وهي محضرة معهم في العذاب:
{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97، 98]
ومعلوم أنهم لم يُسووهم برب العالمين في الخلقَ والربوبية، وإنما سوَّوهم به في المحبة والتعظيم. [انظر مدارج السالكين لابن القيم ج 3/ 13 - 14]
أقول: إن بعض المسلمين من الصوفية يحبون مشايخهم ويعظمونهم كما يحبون الله، متشبهين بالمشركين الذي ذمهم الله في الآية الأولى، والبعض من المسلمين - مع
(2/68)

الأسف الشديد- يدعون أولياءهم كما يدعون الله، فقد ساووا بينهم وبين الله في الدعاء وهو من العبادة التي لا تجوز إلا لله، فتنطبق عليهم الآية الأخيرة، وفي الحديث: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
ومن الصوفية من يسوي بين الله ومخلوقاته كابن عربي المدفون بدمشق حيث يقول:
الرب عبد، والعبد رَب ... ياليت شعري مَن المكلف؟
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
(2/69)

الله فوق العرش على السماء
قال الله تعالى:
{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3]
كثيراً ما تسأل مسلماً: أين الله؟ فيجيبك: في كل مكان ويستشهد بهذه الآية،
أو بغيرها، ولو عرف تفسير الآيات لما استشهد بها على جوابه الخطأ.
قال ابن كثير: اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية (فرقة ضالة) الأول القائلين -تعالى عن قولهم علواً كبيراً- بأنه في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك.
1 - فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده، ويقر بالِإلهية مَن في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغباً ورهباً إلا من كفر من الجن والانس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]
أي هو إله مَن في السماء وإله مَنِ في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله:
{يعلم سِركم وجَهركم} خبراً أو حالًا.
2 - والقول الثاني أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض مِن سِر وجهر، فيكون قوله: {يعلم} متعلقاً بقوله: {في السموات وفي الأرض} تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض، ويعلم ما تكسبون.
3 - الثالث: أن قوله: {وهو الله في السموات} وقف تام، ثم استأنف الخبر
فقال: {وفي الأرض يعلم سِركم وجهركم}، وهذا اختيار ابن جرير.
وقوله: {ويعلم ما تكسبون} أي جميع أعمالكم خيرها وشرها.
[انظر تفسير ابن كثير ج 2/ 123]
4 - وأما قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} فقد فسرها ابن كثير بما يلي:
(أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم من بَرٍّ أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم). [ج 4/ 304]
(2/70)

5 - إن القائلين بأن الله في كل مكان أي معنا يسمعنا ويرانا فهذا صحيح، وإن أرادوا ذاته في كل مكان فهذا خطأ كبير، لأن هناك أماكن نجسة وقذرة كالحمامات والمزابل، فلا يقول عاقل مسلم بأن الله فيها، تعالى الله عن ذلك.
وبعض المسلمين يقول: إن الله في قلب عبده المؤمن، ويستندون إلى حديث لا أصل له: "ما وسعني سمائي ولا أرضي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن". فمن قال إن الله يحل في قلوب الناس فهو أكفر من النصارى الذين خصوا ذلك بالمسيح وحده.
والصحيح أن الله تعالى على السماء وفوق العرش، والدليل ما يلي:
أ - قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء}. [البقرة 29]
حسب تفسير مجاهد وأبي العالية في البخاري: (أي علا وارتفع).
ب - قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للجارية: "أين الله؟ " فأجابت: (في السماء) قال لها: "من أنا؟ " قالت: (محمد رسول الله)، فقال لصاحبها: "أعتقها فإنها مؤمنة". [رواه مسلم]
يفهم من الحديث: أن من لم يعتقد أن الله في السماء فليس بمؤمن.
(ومعنى في السماء: أي على السماء).
والإعتقاد بأن الله في السماء هو قول الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ومن سار على نهجهم.
(2/71)

الخوف والرجاء
قال الله تعالى: {وَادعُوهُ خَوفاً وَطَمَعاً}. [الأعراف 56]
يأمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يدعوا خالقهم ومعبودهم خوفاً من ناره وعذابه، وطمعاً في جنته ونعيمه، كما قال في سورة الحجر:
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50]
لأن الخوف من الله يحمل العبد على الابتعاد عن معاصي الله ونواهيه، والطمع في جنته ورحمته يحفزه على العمل الصالح، وكل ما يُرضي ربه.

ما تهدي إليه هذه الآية
1 - أن يدعو العبد ربه الذي خلقه، وهو الذي يسمع دعاءه، ويجيبه.
2 - عدم دعاء غير الله، ولو كان نبياً أو ولياً أو ملكاً، لأن الدعاء عبادة كالصلاة لا تجوز إلا لله.
3 - أن يدعو العبد ربه خائفاً من ناره، راغباً في جنته.
4 - في الآية رد على الصوفيين القائلين: بأنهم لا يعبدون الله خوفاً منه، أو رغبة فيما عنده؛ لأن الخوف والرغبة من أنواع العبادة، وقد امتدح الله الأنبياء وهم صفوة البشر فقال:
{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]
5 - في الآية ردٌّ على كتاب (الأربعين النووية) عندما شرح النووي حديث:
"إنما الأعمال بالنيات" حيث قال:
وإذا وجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال:
(2/72)

الأول: أن يفعل ذلك خوفاً من الله تعالى: وهذه عبادة العبيد.
الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب، وهذه عبادة التجار.
الثالث: أن يفعل ذلك حياء من الله وتأدية لحق العبودية وتأدية للشكر .. وهذه عبادة الأحرار.
وقد علق الشيخ محمد رشيد رضا على هذا الكلام في (مجموعة الحديث النجدية) فقال:
هذا التقسيم أشبه بكلام الصوفية منه بكلام فقهاء الحديث.
والتحقيق أن الكمال الجمع بين الخوف الذي سماه عبادة العبيد، وكلنا
عَبيد الله، والرجاء في ثواب الله وفضله الذي سماه عبادة التجار.
أقول: والشيخ متولي الشعراوي يتبنى عقيدة الصوفية في كتبه، حيث ذكر
هذا التقسيم السابق، بل زاد في شططه حينما فسر -بالرائى- قوله تعالى: {وَلا يُشرك بعِبادَة ربه أحَدَاً}. [الكهف 110]
فقال: والجنةَ أحد.
(كأنه يعني: عبادة الله تعالى طلباً لجنته شرك).
قال الشعراوي في كتابه (المختار من تفسير القرآن العظيم):
النوع الثالث: أنه يعبده لأنه يستحق أن يُعبد واستدل بحديث قدسي:
"لو لم أخلق جنة أو ناراً أما كنت أهلاً لأن أُعبد". [ج 2/ 25]
وهذا الحديث لم يذكر درجته والظاهر عليه الكذب لأنه يخالف القرآن وهذا
الكلام الذي ذكره في كتابه يؤيد ما قاله في الرائي عندما فسر الآية بقوله:
(والجنة أحد).
فإن قال قائل: أراد الشعراوي أن من عبد الجنة فقد أشرك بالله.
نقول له: لا يوجد في الدنيا من يقول: إنه يعبد الجنة، ولكن هذا التفسير من الشعراوي تدليس وإخفاء لعقيدة الصوفية التي يتبناها في كتبه.
والصوفية تقول: إنما يعبدون الله لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره!
(2/73)

الله نور السمواتِ والأرض
قال الله تعالى:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]
وقد فسر ابن القيم قوله تعالى: {الله نَور السموات والأرض}:
بكونه مُنوراً السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى
أهل السموات والأرض، وهذا إنما هو فعله وإلا فالنور هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى.
[إعلام الموقعين لابن القيم ج 1/ 185]
وضرب الله -عَزَّ وَجَلَّ- لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلاً بالمشكاة، وهي الكوة في الحائط، فهي مِثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفي الزجاج، حتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه. وهي مِثل القلب، وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافاً هي في قلب المؤمن، وهي الصفاء والرقة والصلابة، فيرى الحق والهدى بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى ويَغلظ عليهم، ويَشتد في الحق، ويصلب فيه بصلابته، ولا تُبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها، بل تساعدها وتعاضدها كما قال الله تعالى في وصفهم:
{أشِداء على الكفار، رحماء بينهم}. [الفتح 29]
وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته، ولذلك النور مادة، وهو قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت، وأبعده عن الكدر، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح.
(2/74)

وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن: هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها عن الإنحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء. فهذه مادة مصباح الإِيمان في قلب الؤمن.
ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه، حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار، فاشتدت بها إضاءته، وقويت مادة ضوء النارية فيه كان ذلك نوراً على نور.
وهكذا المؤمن: قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه، فازداد نوراً بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة.
فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة، فقد ذكر
سبحانه وتعالى نورَه في السموات والأرض، ونوره في قلب عباده المؤمنين: النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهور بالأبصار التي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي، فهما نوران عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر.
وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره، لأن الحيوان إنما يكون حيث النور، ومواضع الظلمة لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يكون البتة.
فكذلك أمة فُقد فيها نورُ الوحي والِإيمان ميتة ولا بُد، وقلبٌ ضد منه هذا النور: ميت ولا بُد، لا حياة البتة، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه.
[انظر تفسير القيم لابن الميم 374/ والوابل الصيب 736]
وفسر الطبري قوله تعالى: {يهدي الله لنوره مَن يشاء}.
يوفق الله لاتباع نوره، وهو هذا القرآن مَن يشاء مِن عباده.
وقوله تعالى: {ويضربُ الله الأمثالَ للناس} يقول:
ويمثل الله الأمثال والأشباه للناس كما مثل لهم مَثل هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة وسائر ما في هذه الآية من الأمثال.
{والله بكل شيء عليم} والله يضرب الأمثال وغيرها من الأشياء كلها، ذو علم. [انظر تفسير الطبري 18/ 143]
(2/75)

ما يستفاد من الآية
1 - أن الله جعل للمؤمن نوراً يهتدي به.
2 - أن الله يهدي من يشاء من عباده إلى الإِيمان.
3 - أن هذه الهداية هي هداية التوفيق.
4 - أن هداية التوفيق بيد الله لا يقدر عليها أحد.
5 - استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان والفهم.
6 - أن اسم النور من أسماء الله تعالى.
7 - النور نوعان: نور محسوس كضوء الشمس لا يستغني عنه إنسان ولا حيوان ولا نبات. ونور معنوي: وهو القرآن الذي سماه الله نوراً لا يستغني عنه إنسان يريد الحياة الطيبة.
8 - إذا ظهر نور الشمس المحسوس الذي خلقه الله تعالى، لم يكن للمصابيح والشموع نور يُذكر؛ وكذلك إذا ظهر نور الإِسلام الذي أنزله الله لعباده -وهو نور معنوي- يجب أن تزول المبادىء المخالفة له: كالعلمانية، والماسونية، والرأسمالية، والشيوعية، وغيرها مما يضعه البشر، وقد زالت الشيوعية، وستزول بقية الأنظمة المخالفة للإِسلام، بإذن الله تعالى. وصدق الشاعر حين قال:
الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تُذكَر الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفىء القنديلا
(2/76)

المحو والإثبات في الأجل
قال الله تعالى:
{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]
قال الطبري: وأولىَ الأقوال التي ذكرت فَي ذلك بتأويل الآية وأشبهها بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكره توعد المشركين الذين سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآيات بالعقوبة، وتهددهم بها، وقال لهم:
{وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]
يعلمهم بذلك أن لقضَائه فيهم أجَلًا مثبتاً في كتاب، هم مؤخرون إلى وقتَ مجيء ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بما شاء ممن دنا أجله وانقطع رزقه، أو حان هلاكه أو اتضاعه من رفعة أو هلاك مال، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك محوه، ويثبت ما شاء ممن بقي أجله ورزقه وأكله:
[أي حظه من الدنيا من البقاء والرزق، فيتركه على ما هو عليه فلا يمحوه.
[انظر تفسير الطبري ج 16/ 490/ تحقيق محمود شاكر]
وقال الطبري في تفسير {وعنده أم الكتاب}:
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: (وعنده أصل الكتاب وجملته).
وذلك أنه تعالى ذكره أخبرأنه يمحوما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: (وعنده أم الكتاب)، فكان بيناً أن معناه: وعنده أصل المثبت منه، والممحو، وجملته في كتاب لديه. [تفسير الطبري ج 16/ 498 تحقبق شاكر]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير الآية:
إن العلماء قالوا: إن المحو والإِثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف، ولا يبدوله ما لم يكن عالماً به، فلا محو فيه ولا إثبات.
وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات؟ على قولين، والله سبحانه وتعالى أعلم. [انظر الفتاوي مجلد 14/ 492]
أقول هذا التفسير من العلماء يرد على المبتدعين الذين يقرؤون هذه الآية في ليلة النصف من شعبان، زاعمين أن الله يمحو في هذه الليلة ما يشاء ويثبت.
(2/77)

الزيادة والنقصان في العمر
قال الله تعالى:
{وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11]
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: فقد قيل: إن المراد الجنس: أي ما يُعمر من عمر إنسان، ولا ينقص من عمر إنسان، ثم التعمير والتقصير يراد به شيئان:
1 - أحدهما أن هذا يطول عمره، وهذا يقصر من عمره، فيكون تقصيره نقصاً له بالنسبة إلى غيره، كما أن المعمر يطول عمره، وهذا يقصر عمره فيكون تقصيره نقصاً له بالنسبة إلى غيره، كما أن التعمير زيادة بالنسبة إلى آخر.
2 - وقد يراد بالنقص من العمر المكتوب، كما يراد بالزيادة الزيادة في العمر المكتوب. وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"مَن سره أن يُبسَط له في رِزقه، ويُنسأ له في أثَره فليصِل رحمه".
وقد قال بعض الناس: إن المراد به البركة في العمر، بأن يعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا في الكثير، قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان. فيقال لهؤلاء: تلك البركة والزيادة في العمل، والنفع أيضاً مقدرة مكتوبة، وتتناول لجميع الأشياء.
والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلاً في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب، ونظير هذا في الترمذي وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إن آدم لما طلب من الله أن يُريه صورة الأنبياء من ذريتهْ، فأراه إياهم، فرأى
فيهم رجلاً له بصيص، فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود، قال: فكم
عمره؟ قال: أربعون سنة. قال: وكلم عمري، قال: ألف سنة. قال: فقد
وهبتُ له من عمري ستين سنة، فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة،
فلما حضرته الوفاة قال قد بقي من عمري ستون سنة. قالوا وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فنسِى آدم فنسِيَت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح مع اختلاف الألفاظ] [انظر الفتاوى ج 14/ 490]
(2/78)

طريق الحق واحد وطرق الضلال كثيرة
1 - قال الله تعالى:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]
2 - وقال ابن مسعود: "خَط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطاً بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى:
{وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} الآية". [صحيح رواه أحمد والنسائي]
فوحّد لفظ الصراط وسبيله، وجمع السبل المخالفة له، لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق. ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطريق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله قال الله تعالى:
{هذَا صرَاط علَيً مُستَقِيمٌ} (أي صراط موصِل إليَّ). [الحجر 41]
وقال مجاهد: (الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرج على شيء) وهو من أصح ما قيل في الآية.
وقيل: (عليَّ) فيه للوجوب، أي عليَّ بيانه وتعريفه والدلالة عليه.
والقولان نظير القولين في آية النحل وهي:
{وَعَلَى الله قَصدُ السّبيلِ}. [النحل 9]
والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر: أن السبيل القاصد -وهو المستقيم
المعتدل- يرجع إلى الله، ويوصل إليه. [انظر التفسير القيم لابن القيم 14 - 15]
3 - أقول: من هذه الآية الكريمة، ومن هذا الحديث الشريف يتبين للمسلم طريق الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه، والصراط: هو
(2/79)

الإسلام المتمثل في الكتاب والسُنة الصحيحة، من تمسك بهما فقد هُدي إلى صراط الله المستقيم.
وتفيد الآية والحديث أن طرق الضلال كثيرة:. وهي التي ابتعدت عن الكتاب
والسنة، وابتدعت لنفسها بدعاً ينكرها الإِسلام فمشت في الظلمات، وتركوا
صراط الله الذي فيه النور والهداية، لذلك قال الله تعالى:
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]
ففي هذه الآية وحَّد طريق النور، وجمع طرق الظلمات، كما جاء في الآية الأولى والحديث المتقدم، وهذا يدل على أن طريق الحق واحد، وطرق الضلال كثيرة.
(2/80)

المفهوم الصحيح لآية الهداية
قال الله تعالى:
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]
إذا أردت أن تنصح إنساناً وتدعوه إلى الهُدى، فسرعان ما يقول لك بعضهم: دعه فإنك لا تهدي من أحببت!
ولو عرف هذا المعترض معنى هذه الآية، ومعنى الهداية في الآية، وسبب نزولها، لم يقل هذا الكلام.
1 - ذكر العلامة القاسمي في تفسير هذه الآية ما نصه:
{إنك لا تهدي من أحببت} أي لا تقدر أن تُدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم، {ولكن الله يهدي من يشاء}:
أي أن يهديه فيدخله في الإسلام بعنايته.
{وهو أعلم بالمهتدين} أي: القابلين للهداية لاطلاعه على استعدادهم، وكونهم غير مطبوع على قلوبهم. [محاسن التأويل 13/ 115]
2 - أما سبب نزولها فقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره ما نصه:
وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حباً شديداً طبعياً لا شرعياً، فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإِيمان والدخول في الإِسلام، فسبق القدر فيه، واختطفه من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة البالغة.
[3/ 394]
3 - وذكر سبب النزول الإمام مسلم في كتاب الإِيمان:
باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع، وهو
الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك فهو في أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل
(2/81)

ثم ذكر السبب بطوله وخلاصته: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله"، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك". فأنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]
وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
{إِنَكَ لَا تَهدِي مَن أحببَت}. [القصص]
قوله: "لما حضرت أبا طالب الوفاة" المراد قربت وفاته وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإِيمان.
[انظر صحيح مسلم ج 1/ 54]
أقول: في هذه الآية، وهذا الحديث يثبت أن أبا طالب مات كافراً، وفيه رد صريح على القائلين بنجاة أبي طالب.
ولا سيما ما رواه العباس بن عبدالمطلب أنه قال: يا رسول الله هل نفعتَ أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم. هو في ضحضاح من نار. ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". [رواه مسلم]
وفي رواية: "فيُجعل في ضَخضاح من نار، يبلغ كعبيه، يَغلي منها دماغه".
[رواه مسلم]
4 - ومعنى الهداية الواردة في الآية: {إنك لا تهدي من أحببت} هي هداية التوفيق الخاصة بالله، أما الهداية بمعنى دعوة الناس إلى الإِسلام فهي عامة في حق الله والرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكل داع، وقد قام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدعاء أبي طالب لهدايته وإسلامه، فأبى الإِسلام ومات كافراً، فنزلت الآية. ونحن نقوم بدعوة الناس إلى هدايتهم، فإذا أعرضوا ندعوا لهم بهداية التوفيق، ولا يجوز أن نترك دعوتهم، ونحتج بهذه الآية إلا في حادثة شبيهة بحادثة أبي طالب، كأن ندعوَ كافراً إلى الإِسلام فيأبى ويموت كافراً.
(2/82)

أنواع الهداية في القرآن الكريم
وهداية الله تعالى للِإنسان على أربعة أوجه ذكرها الراغب الأصفهاني:
1 - الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية التي أعم منها، كل شيء بقدر فيه حسب احتماله، كما قال تعالى:
{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]
2 - الهداية التي جعل الناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن، ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى:
{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73]
3 - هداية التوفيق الذي يختصَ به من اهتدى، وهو المعنى بقوله:
{وَالًذِينَ اهتَدَوا زَادَهُم هُدىً وَءَاتَاهُم تَقوَاهُم}. [محمد 17]
{وَمَن يؤمِن بالله يَهدِ قَلبه}. [التغابن 11]
{إِن الذِينَءَامنُوا وَعَملوا الِصَالِحَاتِ يَهدِيهِم رَبهم بإِيمَانِهِم}. [يونس]
{وَالًذِينَ جَاهدوا فِينَا لَنَهدِينَهُم سبُلَنَا}. [العنكبوت 69]
{وَيَزيدُ الله الًذِينَ اهتَدَوا هدى}. [مريم 76]
{فهدَى الله الذِينَءَامَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِ بإِذنِهِ والله يَهدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ}. [البقرة 213]
4 - الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله:
{سَيَهديهِم وَيُصلح بَالَهُم}. [محمد 5]
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}. [الأعراف 43]
وهذه الهدايات الأربع مترتبة:
أ - فإن لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه.
ب - ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة.
(2/83)

ج - ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها.
د - ومن حصل له الثالث، فقد حصل له اللذان قبله.
ه - ثم ينعكس، فقد تحصل الأولى، ولا يحصل له الثاني، ولا يحصل له الثالث.
والِإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات.
1 - وإلى الثانية (التي هي الدعاء وتعريف الطرق) أشار بقوله تعالى:
{وَإنَّكَ لَتَهدِي إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيم}. [الشورى 52]
وقوله: {وَلِكُلِ قَوم هادٍ} (أي داع). [الرعد 7]
2 - وإلىِ سائر الهدايات أشار بقوله تعالى:
{إِنَكَ لَا تَهدِي مَن أحبَبتَ ولكن الله يهدي من يشاء}. [القصص 56]
3 - وكل هداية ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التوفيق الذي يختص به المهتدون.
4 - والرابعة التي هي الثواب في الآخرة وإدخال الجنة نحو قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]
وكقوله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 107]
5 - وكل هداية نفاها الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن البشر وذلك أنهم غير قادرين عليها - فهي ما عدا المختص من الدعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق وإدخال الجنة كقوله عز ذكره:
{لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم وَلَكِنً الله يَهدِي مَن يَشَاءُ}. [البقرة 272]
{وَلَو شَاءَ الله لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى}. [الأنعام 35]
{وَمَا أنتَ بهادِ العُمى عن ضَلاَلَتِهِم}. [الروم 53]
{إنْ تَحرص عَلَى هُدَاهُم فَإِن الله لَا يَهدِي مَن يُضِل}. [النحل 37]
{وَمَن يُضلِل الله فَما لَهُ مِن هادٍ}. [غافر 33]
(2/84)

{وَمَن يَهدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍ}. [الزمر 37]
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}. [القصص: 56]
وإِلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى:
{أفَأنتَ تُكرِهُ النًاس حَتى يَكُونُوا مُؤمِنِين}. [يونس 99]
{مَن يَهدِ الله فَهُوَ المُهتَدِ ومن يُضلل فلن تجدَ له ولياً مُرشداً}. [الكهف 17]
أي طالب الهدى ومُتحريه هو الذي يوفقه الله، ويهديه إلى طريق الجنة، لا من
أضله فيتحرى طريق الضلال والكفر كقوله تعالى: {وَالله لَا يَهدي القَومَ الكَافِرَيَن}. [البقرة 264]
{إِن الله لَا يَهدِي منَ هُوَ كَاذبٌ كفًارٌ}. [سوره الزمر 3]
الكاذب الكفار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإن ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعاً لذلك، ومن لم يقبل هدايته لم يهده، كقولك: من لم يقبل هديتي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيتي لم أعطه، ومن رغب عني لم أرغب فيه. [انظر كتاب المفردات في غريب القرآن للأصفهاني 539]
(2/85)

المحافظة على أرواح المؤمنين
قال الله تعالى:
{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25]

يستفاد من الآية ما يلي:
1 - أن المشركين من أهل مكة منعوا المسلمين من دخول مكة لأداء العمرة ومعهم الهدي محبوساً لم يبلغ مكانه المخصص له ليذبح.
2 - لا يجوز قتال الكفار المعتدين، والمؤمنون مختلطون بينهم، خشية أن تقع الخسارة بالمؤمنين والمؤمنات بغير قصد، فيقع الإِثم والعار على المؤمنين المقاتلين وهذا يبين مدى حرص الإسلام على حياة المؤمنين والمؤمنات، ولو كانوا قلة، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره: أن عدد المؤمنين والمؤمنات الموجودين في مكة تسعة نفر سبعة رجال، وامرأتان، وهذا ما يفيده قوله تعالى:
{ولولا رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم، فتُصيبكم منهم
مَعَرًة بغير عِلم}.
3 - تأخير عقوبة المشركين، حتى يُدخل الله منهم من شاء في الإِسلام، وهذا ما حصل فعلاً، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره عن حبيب بن سباع قال:
(قاتلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مؤمناً). وإلى هذا يشير قوله تعالى: {ليُدخل الله في رحمته من يشاء}.
4 - جواز قتال الكافرين إذا كان بينهم مؤمنون متميزون عنهم، لا يختلطون فيما بينهم وهذا معنى قوله تعالى: {لو تزيّلوا لعذبنا الذين كفروا منه عذاباً أليم}.
5 - أقول: ليت المسلمين عامة، والمجاهدين منهم خاصة أخذوا بتطبيق هذه الآية،
(2/86)

وراعَوا وجود إخوان لهم من المسلمين والمسلمات مختلطين بين الذين يريدون قتالهم، ولو أنهم أخروا قتالهم -كما آخر المسلمون الأولون قتالهم عندما منعهم المشركون دخول مكة- لحقنوا دماء إخوانهم المؤمنين والمؤمنات، ولم يقدموا رقابهم للمجرمين، وأعراضهم للفتك بها.
(2/87)

القرآن يأمر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -
قال الله تعالى:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. [الحشر 7]
قال ابن كثير: أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنَمصات والمتفلجات للحسن المغَيرات خلق الله -عَزَّ وَجَلَّ-". قال فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه، فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت. قال ما لي لا ألعن من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي كتاب الله تعالى، فقالت: إني لأقرأ بين لوحيه فما وجدته، فقال: "إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه. أما قرأت: {وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا"، قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري، فذهبَتْ فلم ترَ من حاجتها شيئاً، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئاً. قال: لو كان كذا لم تجامعنا". [متفق عليه] [4/ 336]
وفي رواية "ما جامَعَتنا". [كما في البخاري نفسير سورة الحشر]
(المراد: الإجتماع أي لم تجتمع بنا). [فتح الباري ج 8/ 631]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه". [متفق عليه]
أقول: هذه الآية تنطبق على كل ما أمر به الرسول على من صدق وأمانة، ووفاء ووَعدٍ وإعفاء لحية، وغير ذلك من الأوامر، فقد كنت منذ سنين طويلة أدرس في الحرم المكي، وأنصح الحجاج أن يعفوا لحاهم، ويقصوا شواربهم كما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقام رجل من الحاضرين وطلب مني الدليل من القرآن الكريم على وجوبها، فقلت له: اقرأ قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. [الحشر 7]
وقد أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإعفاء اللحية، فقال: لي صدقت، وبعد أيام أعفى لحيته.
(2/88)

الذكر الكثير وأنواعه
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41]
إن دوام الذكر لما كان سببًا لدوام المحبة، وكان الله سبحانه أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والِإجلال كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد، فالذكر للقلب كالماء للزرع بل كالماء للسمك لا حياة له إلا به: وهو أنواع:
1 - ذكره بأسمائه وصفاته، والثناء عليه بها.
2 - تسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله، وتمجيده، وهو الغالب من استعمال لفظ الذكر عند المتأخرين.
3 - ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه: وهو ذكر أهل العلم. بل الأنواع الثلاثة هي ذكرهم لريهم.
4 - ذكره بكلامه، وهو القرآن، ويعتبر من أفضل الذكر:
قال تعالى:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]
فذكره هنا هو كلامه الذي أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال تعالى:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]
5 - ذكره بدعائه، واستغفاره، والتضرع إليه.
وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبع لذكره فهذه خمسة أنواع من الذكر. [انظر جلاء الأفهام لابن القيم ص 307]
أقول: وذكر الله يكون بما شرعه الله، وعلمه رسوله لأمته، لا بالإبتداع كما يفعل الصوفية من الأذكار المختلفة المخترعة المبتدعة مثل قولهم، هو، هو، ويعتبرونه من أسماء الله، وهو غير صحيح، وكذلك الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تكون إلا بما ورد في السنة كالصلوات الإِبراهيمية وغيرها مما يوافق السنة.
(2/89)

ما هي فتنة داود -عليه السلام-؟
قال الله تعالى:
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 21 - 26]

اختلف المفسرون في هذه الآيات إلى أقوال
1 - قال الطبري: هذا مثَل ضربه الخصم المتَسَوِّرون على داود محرابه، وذلك أن داود كانت له فيما قيل تسع وتسعون امرأة. وكان للرجل الذي أغزاه- حتى قتل- امرأة واحدة. فلما قتل نكح فيما ذكر داود امرأته. ثم لما قضى للخصمين بما قضى علم أنه ابتُلي، فسأل غفران ذنبه، وخر ساجدًا لله وأناب إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته. [انظر تفسير الطبري 23/ 143]
ثم أسند الطبري قصته مطولة، ويشبه سياق بعضها ما ذكر في التوراة المتداولة الآن. [انظر تفسير القاسمي ج 14/ 156]
2 - قال السيوطي في الإِكليل: القصة التي يحكونها في شأن المرأة، وأنها أعجبته (داود) وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل، أخرجها ابن أبي حاتم من حديث أنس مرفوعًا، وفي إسناده ابن لهيعة، وحاله معروف، عن أبي يزيد الرقاشي، وهو ضعيف، وأخرجها من حديث ابن عباس موقوفًا. انتهى.
(2/90)

أقول: والعجيب أن يقول هذا القول الطبري وغيره من المفسرين مع ضعف أدلته النقلية والعقلية.
3 - وقال ابن حزم في (الفصل): ما حكاه تعالى عن داود -عليه السلام- قول صادق صحيح، لا يدل على شيء مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولَّدها اليهود. وإنما كان ذلك الخصم قومًا من بني آدم بلا شك مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم. بغى أحدهما على الآخر (على نص الآية).
ومن قال إنهم كانوا ملائكة مُعَرِّضين بأمر النساء، فقد كذب على الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وقوَّله ما لم يقل، وزاد في القرآن ما ليس فيه. .
تالله إن كل امرىء منا ليصون نفسه وجاره المستور عن أن يتعشق امرأة جاره، ثم يعرض زوجها للقتل عمدًا ليتزوجها.
4 - وقال البقاعي في تفسيره: وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود. وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود -عليه السلام-، لأن عيسى -عليه السلام- من ذريته، ليجدوا سبيلًا إلى الطعن فيه، انتهى.
ثم قال: وقوله تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} أي الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم إلى أحد بدون سماع لكلامه. وهذه الدعوى تدريب لداود -عليه السلام- في الأحكام. وذكرها للنبي - صلى الله عليه وسلم - تدريب له في الأناة في جميع أموره على الدوام. ولما ذكر هذا ربما أوهم شيئًا في مقامه - صلى الله عليه وسلم - فدفعه بقوله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} فالقصة لم يجر ذكرها إلا للترقية في رتب الكمال. وأول دليل على ما ذكرته،
أن هذه الفتنة إنما هي تدريبًا في الحكم، لا بامرأة ولا غيرها، وأن ما ذكره من
قصة المرأة باطل وإن اشتهر، فكم من باطل مشهور ومذكور، وهو عين الزور.
انتهى. [انظر تفسير القاسمي ج 14 - 159]
(2/91)

النبي سليمان يمسح الخيل حبًا لها
قال الله تعالى:
{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 30 - 33]
ذكر كثير من المفسرين أن سليمان -عليه السلام- شغلته الخيل عن صلاة العصر، حتى غابت الشمس فأمر بقطع سوقها وذبحها تقربًا إلى الله، وقد اختلفت عباراتهم، وكلها تدور على هذا المعنى، وهذا التفسير عليه ملاحظات:
1 - قوله: {عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} أي: صلاة العصر، لا دليل عليه، لأن كلمة (عن)
تأتي بمعنى (لأن) كما نقل الشوكاني في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى {عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} يقول: مِن ذكر ربي. [ج4/ 432]
فالخيل هي من ذكر الله، لأن فيها الإِعانة على الجهاد، ولذلك أمر الله تعالى برباطها فقال عز من قائل:
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ} [الأنفال: 60]
وقد حل مكانها الآن الدبابات، والطائرات والمصفحات، والصواريخ، وغيرها من المخترعات.
فإعداد الخيل للجهاد من العبادات المطلوبة، بل هو من أفضلها، لذلك جاء مدحها في كثير من الأحاديث الصحيحة.
2 - قول المفسرين {حَتَّى تَوَارَتْ} أي الشمس: لا دليل عليه أيضًا لأن الشمس ليس لها ذكر من قريب أو بعيد، والأقرب هو ذكر الخيل، فيكون المعنى: حتى توارت الخيل واختفت عن نظر سليمان -عليه السلام-.
(2/92)

3 - والأهم من ذلك قول المفسرين: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} قطع سوقها وأعناقها حيث فسروا المسح بالقطع: وهذا لا دليل عليه، ولا سيما أن فيه تعذيبًا للحيوان وإتلافًا للمال.
والأولى أن نحمل الآية على ظاهرها، فقد نقل الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ}:
يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًا لها.
وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويُهلك مالاً من ماله بغير سبب.
(العرقبة: قطع أرجل الخيل). [انظر تفسير الطبري ج 23/ 156]
4 - أقول: هذا التفسير لابن عباس هو الصحيح، ويمكن القول بأن سليمان عليه السلام كان يُجري استعراضًا عسكريًا للخيل لمحبته لها فلما مرت أمامه، وغابت عن نظره أمر بإعادتها وردها، فجعل يمسح التراب والعرَق عن سوقِها وأعناقها مِن أثر الغبار الذي لحقها، كما يفعل الآن من عنده الخيل.
5 - وقال ابن حزم: تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذ اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة مكذوبة سخيفة باردة. قد جمعت أفانين من القول، لأن فيها معاقبة خيل لا ذَنب لها، والتمثيل بها، وإتلاف مال منتفع به بلا معنى؛ ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل، ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها!!
وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حُب الخير من أجل ذكر ربه حتى توارت
الشمس، أو تلك الصافنات بحجابها، ثم أمر بردها فطفق مسحًا بسوقها
وأعناقها بيده برًا بها وإكرامًا لها، وهذا هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل غيره، وليس فيها إشارة أصلًا إلى ما ذكره من قتل الخيل وتعطيل الصلاة، وكل هذا قد قاله ثقات المسلمين. فكيف ولا حجة في قول أحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
6 - وقال الفخر الرازي في الآية: إن رباط الخيل كان مندوبًا إليه في دينهم، كما أنه كذلك في دين الإِسلام. ثم إن سليمان -عليه السلام- احتاج إلى الغزو، فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله:
(2/93)

{عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} ثم أنه -عليه السلام- أمر بإعادتها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل، فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها.
والغرض من ذلك المسح أمور:
1 - تشريفًا لها وإبانة لعزتها، لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو.
2 - أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك وأنه يباشر أكثر الأمور بنفسه.
3 - أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض.
(2/94)

التفسير الصحيح لفتنة سليمان -عليه السلام-
قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34]
هذه الآية الكريمة يفسرها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قال سليمان -عليه السلام-: لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلِد كلُ امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملَك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسي، فطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان".
وفي رواية: "فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشِق رَجل".
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو قال: "إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته"، وفي رواية: "ولو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله". [متفق عليه]
[معنى: بشِق رجَل: أي نصفه].
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان:
فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بيَّن معنى قوله تعالى:
{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا}.
وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله (إن شاء الله) وأنه لم يلد من تلك النساء إلا واحدة نصف إنسان وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي أُلقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى:
{وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} الآية.
فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} الآية.
من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان من ملكه، حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له مَن كان يعمل عنده بأجر مطرودًا عن ملكه، إلى آخر القصة!! لا يخفى أنه باطل لا أصل له، وأنه لا يليق بمقام النبوة، فهو من الإِسرائيليات التي لا يخفى أنها باطلة، والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجملة، واختاره بعض المحققين والعلم عند الله تعالى. [ج4/ 77]
(2/95)

السحر من عمل الشياطين
قال الله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 101 - 103]
لما جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - مصدقًا للتوراة التي مع اليهود كذبوه، ونبذوا القرآن والتوراة وراء ظهورهم ولم بعملوا بهما، واتبع اليهود ما تفتري الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان، حيث أخرجت الشياطين السحر، وزعموا أن سليمان -عليه السلام- كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم، فكذبهم الله تعالى وبرأ النبي سليمان من السحر
الذي فيه الكفر والضرر، وأسند السحر والكفر إلى الشياطين الذين علموه لليهود، وأن هذا السحر لم ينزله الله على الملَكَين هاروت وماروت.
1 - قال الألوسي في تفسير قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} عطف على السحر، وفائدة العطف التنصيص بأنهم يعلمون ما هو جامع ما بين كونه سحرًا وبين كونه مُنزَّلاً للإبتلاء، فيفيد ذمهم بارتكابهم النبي بوجهين، فكأنه قيل اتبعوا السحر المدوَّن في الكتب وغيره، وهذان الملَكان أُنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من اللهِ تعالى للنَّاس؛ فمن تعلَّم وعمل به كفر ومن تعلَّم وتوقَّى عملَه ثبت على الإيمان؛ ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وتمييزًا بين السحر وبين المُعجزة، حيث إنَّه كثُر في ذلك الزمان وأظهر السحرةُ أمورًا غريبة وقع الشك بها في النبوة، فبعث الله تعالى الملَكين لتعليم أبواب السحر
(2/96)

حتى يزيلا الشُبه، ويميطا الأذى عن الطريق. (ج 1/ 306) روح المعاني للألوسي.
2 - قال الطبري: ". . . معنى "ما" التي في قوله {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} بمعنى "الذي" وأن هاروت وماروت، مُترجَم، بهما عن الملكين، فإن التبس ما قلنا، فقال: وكيف يجوز لملائكة الله أن تُعلِّم الناس التفريق بين المرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلى الله إنزال ذلك على الملائكة؟ قيل له: إن الله عرَّف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه، فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علَّمهُ الملَكين اللذين سماهما وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه، وعن السحر، فيُمحِّصَ المؤمن بتركه التعلم منهما ويُخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما". [الطبري باختصار ج 2/ 426 تحقيق محمود شاكر]
أقول: تفسير الطبري هو المعتمد، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن (1)

ما يستفاد من الآية
1 - الإِعراض عن الكتاب والسنة يوقع الشر والفساد والظلم والسحر.
2 - كفر الساحر، وتحريم تعلم السحر، وتحريم استعماله.
3 - السحر له ضرر، ويُدفع بقراءة المعوذتين ودعاء الله وحده.
4 - يحرم تصديق الكاهن والعراف والساحر لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
أ - "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد". [صحيح رواه أحمد]
ب - "مَن أتى عَرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا". [رواه مسلم] [العراف والكاهن: اللذان يدعيان علم الغيب كذبًا].
5 - باب التوبة مفتوح للساحر وغيره ولو كان كافرًا.
6 - ابتلاء الله لعباده بالشر والخير ليعلم العاصي من المطيع قال تعالى:
{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35].
__________
(1) وتفسير الألوسي قريبٌ منه تفسير الإمام الطبري.
(2/97)

حكم تعدد الزوجات في الإسلام
قال الله تعالى:
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]
يفهم بعض الناس من هذه الآية أنها تبيح تعدد الزوجات للرجل في الحالات
الضيقة ومشروط بمرض أو عقم ولو رجع هؤلاء إلى تفسير العلماء لهذه الآية لزال عنهم هذا الفهم الخاطىء.
1 - قال ابن الجوزي في تفسيره: اختلفوا في تنزيلها وتأويلها.
أ - أن القوم كانوا يتزوجون عددًا كثيرًا من النساء في الجاهلية لا يتحرجون من ترك العدل بينهن وكانوا يتحرجون في شأن اليتامى، فقيل لهم في هذه الآية: احذروا من ترك العدل بين النساء كما تحذرون من تركه في اليتامى.
وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، ومقاتل.
ب - أن معناها وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في صدقات اليتامى (أي المهور) إذا نكحتموهن، فانكحوا سِواهن من الغرائب اللواتي أحل الله لكم، وهذا المعنى مروي عن عائشة رضي الله عنها:
روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى:
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى}.
فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه
مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا عن ذلك إلا أن يُقسطوا لهن، ويبلغوا أعلى سنتهن في
(2/98)

الصداق، فأُمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.
[انظر زاد المسير ج 2/ 6]
2 - قال القرطبي: واتفق كل من يعاني علوم القرآن على أن قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا} الآية. ليس له مفهوم، (يخالفه) إذ قد أجمع المسلمون على أنه من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، كمَن خاف. [ج5/ 13]
فدل على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم من ذلك.
3 - أما معنى قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} الآية.
فقال الشوكاني في تفسيرها:
والمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القَسْم ونحوه، فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك.
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يجوز للرجل نكاح ما ملكت يمينه بدون تحديد.
{ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} والمعنى: وإن خفتم عدم العدل بين الزوجات فهذه
التي أُمرتم بها أقرب إلى عدم الجور. (أي الظلم). [انظر فتح القدير ج1/ 421]
ومفهوم العدل في القرآن هو العدل في النفقة والمبيت، بحيث ينفق على كل واحدة مثل ما ينفق على الأخرى، وأن يعدل في المبيت بحيث يبيت عند كل واحدة ليلة أو أكثر حسب الاتفاق. أما الحب القلبي، والجماع فلا يملكه الإِنسان، لذلك قال الله تعالى:
{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 129]
قال الإِمام الشوكاني في تفسير هذه الآية: أخبرنا سبحانه بنفي استطاعة الرجال للعدل بين النساء، على الوجه الذي لا ميل فيه البتة لما جبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة، ونقصان هذه، وذلك بحكم الخِلقة، بحيث لا يملكون قلوبهم، ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا قالت عائشة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمني فيما تملك ولا أملك".
(2/99)

(يعنى القلب) وإسناده صحيح [أقول: لكن ضعفه الألباني في الإِرواء].
ولما كانوا لا يستطيعون ذلك ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه نهاهم الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يميلوا كل الميل، لأن ترك ذلك وتجنب الجَور كل الجَور في وُسعهم وداخل تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا عن إحداهن إلى الأخرى كل الميل، حتى يذروا الأخرى كالمعلقة التي ليست ذات زوج ولا مطلقة تشبيهًا بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء، {وَإِنْ تُصْلِحُوا} أي ما أفسدتم من الأمور التي تركتم ما يجب عليكم فيها عِشرة النساء والعدل بينهن {وَتَتَّقُوا} كل الميل الذي نُهيتم عنه {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} لا يؤاخذكم بما فرط منكم. [انظر فتح القدير ج1/ 521]
4 - وقال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القَسْم الصوري ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع،.
5 - تقول الزعيمة العالمية (أني بيزانت): (متى وزنا الأمور بقسطاس العدل المستقيم ظهر لنا تعدد الزوجات الإِسلامي الذي يحفظ ويغذي ويكسو النساء أرجح وزنًا من البغاء الغربي الذي يسمح بأن يتخذ الرجل امرأة لمحضِ إشباع شهواته، ثم يقذف بها إلى الشارع متى قضى منها أوطاره).
أقول: هذه شهادة امرأة كافرة، والفضل ما شهدت به الأعداء.
(2/100)

الخلاصة
1 - إن الإسلام الحكيم الذي أباح تعدد الزوجات، فهو في مصلحة النساء قبل الرجال، حتى يكفل للبنات والأرامل العيش العزيز في بيوت أزواجهن بدلاً من أن يكن عالة في بيوت من يعولهن.
2 - إن الدعوة إلى عدم تعدد الزوجات تسبب قلة النسل الذي يسعى إليه أعداء الإسلام لتقليل عددهم وإذلالهم، كما أنه يسبب كثرة العوانس من البنات والأرامل في البيوت مما يُعرضهن للفتنة والفساد لأن النساء أكثر عددًا من الرجال حسب الإحصاء ولا سيما حينما يتعرض الرجال للقتل في الحروب والمعارك، وقد قامت مظاهرة نسائية في ألمانيا بعد الحرب العالمية يطالبن بتعدد الزوجات!
3 - إن تعدد الزوجات يوافق هذا الزمن لأن الأمم يُنظر إليها بعدد نفوسها، وكلما ازداد عددهم قويت شوكتهم، وبما أن الحروب في أفغانستان وإيران، وفلسطين، ولبنان، والعراق وغيرها من البلاد الإسلامية سببت قلة الرجال، وكثرة النساء الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن، فإن الإسلام يريد من المسلمين ألا يتركوا هؤلاء الأرامل للجوع والفتنة والفساد.
(2/101)

خطر اختلاط الرجال بالنساء
قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]
اختلف المفسرون في هَمِّ يوسف بها على أقوال:
الأول: أنه كان من جنس همها، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل.
الثاني: أنها همَّت به أن يفترشها، وهمَّ بها، أي: تمناها أن تكون له زوجة.
الثالث: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا: ولقد همَّت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها فلما رأى البرهان لم يقع منه الهم، فقدم جواب (لولا) عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين، لولا أن فلانًا خلَّصك.
الرابع: أنه هَمَّ أن يضربها ويدفعها عن نفسه، فكان البرهان الذي رآه من ربه أن الله أوقع في نفسه أنه إن ضربها كان ضربه إياها حجة عليه، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني. (ذكره ابن الأنباري). [انظر زاد المسير لابن الجوزي ج 4/ 203]
أقول: اختار هذا القول الأخير الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار، واختاره أبو بكر الجزائري حين قال:
(ولقد همَّت به. وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه) أي همَّت بضربه لامتناعه عن إجابتها لطلبها بعد مراودات طالت مدتها، وهمَّ هو بضربها دفعًا لها عن نفسه، إلا أنه أراه الله برهانًا في نفسه، فلم يضربها (1)، وآثر الفرار إلى خارج البيت، ولحقته تجرى وراءه لترده. [انظر أيسر التفاسير ج 2/ 391]
أقول 1 - : هذا القول هو الذي دل عليه السياق وهو الآية التي قبلها، قوله: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23]
__________
(1) أقول: لذلك وجب الوقف على قوله {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} ثم يبتدىء بقوله: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ليفهم القارىء أن الهم لم يقع من يوسف.
(2/102)

فالمراودة: وهي طلب المرأة من يوسف أن يواقعها بعد تغليق الأبواب قد حصلت، وقد قالت له: أقبل إليَّ فإني أُحب مضاجعتك! فكان جواب يوسف: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]
فكان هذا الرد الحاسم من يوسف صفعًا لها، ومخيبًا لآمالها، ومخالفًا لأمرها، ولا سيما وأنها السيدة امرأة العزيز، ويوسف فتى عندها وخادم لها، فلذلك همَّت به أن تضربه تأديبًا له، لعله يستجيب بهذا الضرب إلى طلبها، بعد أن امتنع عن طلبها بالقول اللين، والعبارات المغرية.
2 - أما اللحاق: وهي الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى:
{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} [يوسف: 24]
فالله قد صرف عنه السوء وهو الضرب الذي لو فعله للحق به ما يُسيء إليه، وهو إلصاق التهمة به، وقد صرف الله عنه الفحشاء: وهو الزنى بامرأة العزيز،
وعلل ذلك قوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]
فيوسف -عليه السلام- من عباد الله الذين استخلصهم، واصطفاهم لرسالته،
وعصمهم من السوء والفحشاء، فلا يمكن أن يقع يوسف في السوء والفحشاء، لأن الله صرف عنه ذلك، فلذلك جاء التعبير بقوله: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} ولم يقل لنصرفه عن السوء والفحشاء، وهذا يرد على القائلين بأن يوسف وقع منه همٌّ بامرأة العزيز.
3 - ودليل آخر على تفسير الهمِّ بالضرب: هو همُّ يوسف بالهرب منها تخلصًا منها حينما حاولت ضربه، وقد لحقته لتمسك به وتأخذه بقوة، وأمسكت بقميصه من الخلف فشقته، وذلك قوله تعالى:
{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف: 25]
(2/103)

ما يستفاد من هذه القصة
1 - التحذير من اختلاط الخدم والسواقين وغيرهم من الرجال بالنساء، وعدم الدخول عليهن، والخلوة معهن، لئلا يقع من النساء ما وقع لامرأة العزيز، ولا سيما عند غياب صاحب البيت، ومنع النساء من الاختلاط بالأجانب وخاصة العمال في البيوت والسواقين. . الخ.
2 - السواقون والخدم والمدرسون لا يقاسون بيوسف الذي عصمه الله، فقد يقعون بالفاحشة إلا من رحم ربك.
3 - تحذير النساء مما وقعت فيه امرأة العزيز من الخيانة الزوجية، وقد وصل خبرها إلى النساء، ورأوها في ضلال مبين.
4 - الاقتداء بيوسف -عليه السلام-، والإبتعاد عن الزنا ومقدماته، ولا سيما للمسلم الذي يحرم عليه دينه ذلك.
(2/104)

عيسى -عليه السلام- حي في السماء
قال الله تعالى بشأن عيسى -عليه السلام-:
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55]
قد يتوهم بعض الناس من ظاهر هذه الآية الكريمة وفاة عيسى وموته، ولو رجعوا إلى أقوال المفسرين المعتمدين لهذه الآية لزال عنهم الوهم.
وقد اختلف المفسرون فيها على أقوال:
1 - إن التوهم جاء من كلمة (مُتَوفيك) على أن التوفي بمعنى الإماتة، وأنه قد حصل قبل الرفع، والجواب على هذا ما يلي:
أن قوله تعالى: {مُتَوَفِّيكَ} لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل على أن التوفي
قد مضى، والله تعالى متوفيه يومًا ما، ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه {وَرَافِعُكَ} على قوله: {مُتَوَفِّيكَ} فلا دليل فيه، لأن الجمهور من علماء اللغة يرون أن الواو لا تفيد الترتيب ولا الجمع، وإنما تفيد مطلق التشريك، والدليل قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [الجاثية: 24]
فدلت الآية على أن الواو لا تفيد الترتيب، لأن المعطوف وهو الحياة سابق في الوجود على المعطوف عليه، وهو الموت.
وعليه فيكون معنى الآية: (إني رافعك إِليَّ ومُتوفيك) وقد ثبت بالأدلة على أن
عيسى حي في السماء، وأنه سينزل ويقتل الدجال ويكسر الصليب، وغير ذلك كما سيأتي، ثم يتوفاه الله بعد ذلك. [انظر أضواء البيان، وزاد المسير وغيرهما]
2 - التفسير الثاني: أنها وفاة نوم للرفع إلى السماء فيكون معنى الآية:
(إني مُنيمك، ورافعك إليَّ).
وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60]
(2/105)

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42]
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من النوم يقول:
"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". [رواه البخاري]
فقد ثبت في الكتاب والسنة صحة إطلاق الوفاة على النوم، ويكون رفع عيسى -عليه السلام- وهو نائم رفقًا به كما قال الحسن البصري.
3 - التفسير الثالث: أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: هذا من المقدم والمؤخر: أي رافعك ومتوفيك بعد ذلك في الأرض بعد أن تعود إليها قبل يوم القيامة، لتكون علمًا من أعلام الساعة.
وهذا قول الفراء والزجاج، وتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعه إلى السماء لا يمنع من موته.
4 - الوجه الرابع: أن {مُتَوَفِّيكَ} اسم فاعل من توفاه إذا قبضه وحازه إليه، ومنه قولهم: (توفى فلان دينه) إذا قبضه. قال ابن قتيبة في غريب القرآن:
{مُتَوَفِّيكَ}: قابضك من الأرض من غير موت (1)
قال الإِمام ابن جرير الطبري: ومعلوم أنه لوكان أماته الله -عَزَّ وَجَلَّ- لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين ..
فتأويل الآية: يا عيسى إني قابضك من الأرض، ورافعك إليَّ ومُطهرك من الذين كفروا فجحدوا نبوتك. [انظر تفسير الطبري تحقيق محمود شاكر 6/ 460]
أقول: كل التفاسير التي مرت يصح تفسير الآية بها، إلا أن الراجح هو التفسير الرابع: وهو أن المراد من قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} أي متوفي شخصك حيًا من الأرض من غير موت ولا نوم، وأن قوله: {رَافِعُكَ إِلَيَّ} هو تعيين لنوع التوفي، وهو اختيار الطبري وابن قتيبة كما تقدم، وهو الرواية الصحيحة عن ابن عباس كما قال الألوسي في روح المعاني.
وعلى هذا فلا يمكن تفسير قوله تعالى: {مُتَوَفِّيكَ} مميتك، ومن قوله تعالى {رَافِعُكَ} رافع روحك كما زعم البعض وذلك لما تقدم من أوجه التفسير في معنى التوفي. والله أعلم.
__________
(1) انظر موهم الاختلاف بين آيات القرآن للأخ ياسر أحمد الشمالي
(2/106)

الآيات الدالة على عدم قتل عيسى
1 - قال الله تعالى:
{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 - 158]
فقوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}، بل رفعه الله إليه رَدٌّ وإنكار لقتله، وإثبات لرفعه -عليه السلام-.
وهذا النص قطعي الدلالة في رفع المسيح -عليه السلام- حَيًا إلى السماء، ولا يحتمل التأويل، لأن كلمة (بل) بعد النفي يجب أن يكون ما بعدها إثباتًا للنفي المتقدم. ولو حمل الرفع على رفع الروح فقط، فهذا لا يضاد القتل والصلب المنفيين قبل، لاجتماع القتل مع رفع الروح، كما أنه يلغي النفي السابق.
ولهذا فإن الآية صريحة في رفع عيسى -عليه السلام- حيًا إلى السماء بروحه وجسده. 2 - قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159]
فقوله: (قبل موته) أي موت عيسى -عليه السلام- في آخر الزمان، كما هو مروي عن ابن عباس وعبدالرحمن بن زيد وأبي هريرة، والحسن وقتادة، واختاره ابن جرير الطبري، وقال ابن كثير:
وهذا القول هو الحق، وأفاد بأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى -عليه السلام- وصلبه، وتسليم من سَلَّم لهم ذلك من النصارى الجهلة.
فالمراد تقرير وجود عيسى -عليه السلام-، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة. [ج 1/ 577]
3 - قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61]
(2/107)

عن ابن عباس مرفوعًا في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ}.
قال: نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة. [أخرجه الإمام أحمد والحاكم وصححه ووفقه الذهبي]
قال ابن كثير: ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى:
{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} أي أمارة ودليل على وقوع الساعة.
وقال مجاهد: وإنه لعَلَم للساعة أي آية للساعة خروج عيسى بن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة.
أقول: فهذه الآيات تدل على بقاء عيسى -عليه السلام- حيًا، وأنه علَم من أعلام الساعة، وأن أهل الكتاب سوف يؤمنون به، على أنه عبد الله ورسوله، ويدخلون في شرع الإسلام.
(2/108)

الأحاديث التي تثبت نزول عيسى
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لَيوشِكن أن ينزل فيكم ابن مريم حَكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها، ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} ". [رواه البخاري]
فهذا الحديث يدل على أن عيسى -عليه السلام- حي في السماء، وأنه ينزل آخر الزمان، ويحكم بشريعة الإِسلام عند نزوله:
قال - صلى الله عليه وسلم -: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم". [رواه البخاري/ كتاب الأنبياء/ باب نزول عيسى 4/ 142]
(2/109)

الكافي هو الله وحده
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] ذكر ابن القيم رحمه الله في تفسيرها أقوال:
1 - أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد.
2 - إن {حَسْبُكَ} في معنى كافيك، أي: الله يكفيك، ويكفي من اتبعك كما
تقول العرب: "حسبك وزيدًا درهم" وهذا أصح التقديرين:
أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله.
3 - المعنى: حسبك الله وأتباعك، وهذا إن قاله بعض الناس فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل، والتقوى، والعبادة.
قال الله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62]
ففرَّق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب لله وحده، وجعل التأييد له بنصره، وبعباده. وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفرده، بالحسب، فقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]
ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله.
فإذا كان قولهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله
وأتباعك حسبك؟ وأفراده قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل.
ونظير هذا قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]
والحسب هو الكافي، فأخبره سبحانه وتعالى أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟
والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل أكثر من أن نذكرها هنا.
[ويقصد المعنى الثالث]. [انظر زاد المعاد لابن القيم ج 1/ 3]
(2/110)

ترك الحكم بكتاب الله يسبب البلاء
قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65]
لما نزلت هذه الآية: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ}.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعوذ بوجهك".
{أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: "أعوذ بوجهك".
{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هاتان أهون أو أيسر". [رواه البخاري وغيره]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أُمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأُعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يُهلكها بسنة عامَّة، وأن لا يُسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتَهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يُرَد، وإني أعطيتك لأُمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أُسلّط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها أو قال: مَن بين أقطارها حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويُسبي بعضهم بعضًا". [رواه مسلم وغيره]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني من واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أُمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أُمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".
[بسنة عامة: بجدب وشدة] [يستبيح بيضتهم: يأخذهم أسرًا وقتلًا]. [رواه مسلم]
هذا البأس الذي يحل بالمسلمين مقيد بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم". [صححه الحاكم ووافقه الذهبي]
(2/111)

وزاد أبو داود في الحديث الثاني: "وإنما أخاف على أُمتي الأئمة المضلين، وإذا وُضِعَ السيف في أُمتي لم يُرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبدَ قبائلُ من أُمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أُمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". [زوى: جمع] [الكنزين الأحمر والأبيض: الذهب والفضة].
قال الطبري: وأما الذين تأولوا (فسروا) أنه عنى بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة فإني أراهم تأولوا -فسروا- أن في هذه الأمة مَن سيأتي من معاصي الله وركوب ما يسخط الله، نحو الذي ركب مَن قبلهم مِن الأمم السالفة، مِن خلافه والكفر به، فيحل بهم مثل الذي حل بمن قبلهم من المثُلات والنقمات. [انظر تفسير الطبرى تحقيق محمو شاكر ج 11/ 431]

من فوائد الآية والحديث
1 - قدرة الله تعالى على إرسال العذاب على الأمم من فوقهم أو من تحت أرجلهم فيبيدهم ويهلكهم، وقد استعاذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بوجه ربه أن ينزل بأمته مثل هذا العذاب كالغرق وغيره.
2 - وفي الحديث إثبات الوجه لله تعالى على ما يليق به من غير تشبيه:
قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]
3 - قدرة الله تعالى أن يجعل الأُمة تتفرق شيعًا وأحزابًا، ويُسلط بعضها على بعض حينما يتركون الحكم بشريعة الله، ويأخذون بالقوانين المخالفة لها، كما هو واقع الآن، مع الأسف الشديد.
4 - قدرة الله تعالى أن يجمع الأرض لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، ليرى مشارقها ومغاربها، وأن أُمته سيبلغ ملكها مقدار ما جُمع له فيها.
5 - رحمة الله بالأمة الإِسلامية، وعدم إرسال عذاب عام يستأصلها، فإن وقع عليهم القحط لم يكن عامًا، بل يكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإِسلام. [ذكره النووي في شرح مسلم]
(2/112)

6 - رحمه الله بالأمة الإِسلامية، وأنه لم يسلط عليهم عدوًا خارجيًا يقضي عليهم، بل سلط بعضهم على بعض، وهذا أسهل مما قبله.
7 - خوف الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أُمته من الأئمة المضلين الذين لا يأخذون بالكتاب والسنة، والتحذير منهم.
8 - إذا وُضع السيف في هذه الأُمة، فلن يُرفع عنها إلى يوم القيامة، كما هو واقع الآن.
9 - وجود الشرك في هذه الأمة: وهو صرف العبادة لغير الله: كالدعاء، والحكم بغير ما أنزل الله، وغيرهما.
10 - الإخبار عن وجود من يدعي أنه نبي وهو كذاب: كمسيلمة الكذاب في العصور الأولى، وغلام ميرزا أحمد في العصر الحاضر، مع أنه لا نبي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
11 - لا تزال طائفة من هذه الأمة متمسكين بالحق والإِسلام والتوحيد إلى يوم القيامة.
(2/113)

تنزيه القرآن عن دسائس الشيطان
قال الله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 52 - 54]
1 - ذكر بعض المفسرين، ومنهم (المحلي) في الجلالين تفسيرًا باطلًا فقال: (ألقى الشيطان في أُمنيته) قراءته ما ليس من القرآن مما يرضاه المرسَل إليهم، وقد قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في سورة النجم بمجلس من قريش بعد:
{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} بإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه - صلى الله عليه وسلم -: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" ففرحوا بذلك؛ ثم أخبره جبريل بما ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك، فحزن، فسُلِّيَ بهذه الآية.
2 - إن كلامه هذا باطل، فلقد اتفق العلماء على أن قصة الغرانيق التي ذكرها باطلة متنًا وسندًا، وهي من وضع الزنادقة، وردها القاضي عياض في الشفاء، وأبو بكر ابن العربي وابن كثير، وغيرهم فيجب التحذير منها، لأن أعداء الإِسلام والمستشرقين يتخذونها مطعنًا في القرآن، وأن الشيطان يستطيع أن يُدخل في القرآن ما ليس منه، وقد ألف المحدث الألباني رسالة قيمة لردها سماها: "نصب المنجنيق لنسف قصة الغرانيق" وهي مطبوعة.
(2/114)

التفسير الصحيح للآية
إن أحسن ما قيل في تفسيرها هو ما اختصره الدكتور أبو شهبة في كتابه:
(الموضوعات والإِسرائيليات في التفسير) حيث قال في تفسير الآية:
وللِإجابة عن ذلك أذكر خلاصة ما ذكره الأستاذ الإِمام (محمد عبده) في
تفسيرها، وفي تفسيرها وجهان:
الأول: أن التمني بمعنى القراءة إلا أن الإِلقاء لا بالمعنى الذي ذكره المبطلون. بل بمعنى إلقاء الأباطيل والشبه مما يحتمله الكلام، ولا يكون مرادًا للمتكلم، أو لا يحتمله، ولكن يدعى أن ذلك يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين، الذين دأبهم محاربة الحق، يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة، ونسبة الإِلقاء إلى الشيطان حينئذ لأنه مثير الشبهات بوساوسه، ويكون المعنى:
وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدَّث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل الله فيه هداية لهم، قام في وجهه مشاغبون يتقوَّلون عليه ما لم يقله، ويُحرفون الكلم عن مواضعه، وينشرون ذلك بين الناس، ولا يزال الأنبياء يجادلونهم ويجاهدون في سبيل الحق، حتى ينتصر، فينسخ الله ما يُلقي الشيطان مِن شُبَه، وُيثبت الحق، وقد وضع الله هذه السُنة في الخلق ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن ضعفاء الإِيمان الذين في قلويهم مرض، ثم يتمحص الحق عند أهله، وهم الذين أوتوا العلم، فيعلمون أنه الحق من ربهم، وتخبت له قلوبهم.
الثاني: أن التمني: المراد به: تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما كان ويكون، والأمنية من هذا المعنى: وما أرسل الله من رسول، ولا نبي ليدعو قومه إلى هُدى جديد، أو شرح سابق إلا وغاية مقصوده، وَجُلَّ أمانيه، أن يؤمن قومه، وكان نبينا من ذلك في المقام الأعلى: قال الله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]
(2/115)

{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]
ويكون المعنى: وَما أرسلنا من رسول ولا نبي، إِلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات ووسوس في صدور الناس، فثاروا في وجهه، وجادلوه بالسلاح حينًا وبالقول حينًا آخر، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها. ونالوا منه وهو قليل الأتباع، ظنوا أن الحق في جانبهم، وقد يستدرجهم الله جريًا على سنته، يجعل الحرب بينهم وبين المؤمنين سِجالاً، فينخدع بذلك الذين في قلوبهم شك ونفاق، ولكن سرعان ما يمحق الله ما ألقاه الشيطان من الشبهات، وينشىء من ضعف أنصار الحق قوة، ومِن ذُلهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى ليعلم الذين أوتوا العلم أن ما جاء به الرسل هو الحق، فتُخبت له قلويهم، وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. هذا هو الحق: وما عدا ذلك فهو باطل.

تفسير رائع للعلامة الشنقيطي
لقد فسر العلامة محمد الأمين الشنقيطي الآية تفسيرًا رائعًا فقد ذكر في تفسيره: ونحن وإن ذكرنا أن قوله: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [الحج: 52] يُستأنس به لقول من قال: إن مفعول الإلقاء المحذوف تقديره: ألقى الشيطان في قراءته ما ليس منها، لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه الِإبطال والِإزالة من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر، وهذا كأنه يدل على أن الله ينسخ شيئًا ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي، فالذي يظهر لنا أنه الصواب وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة، وإن لم ينتبه له من تكلم على الآية من المفسرين: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر، أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده.
والدليل على هذا المعنى: أن الله بين أن الحكمة في الإِلقاء المذكور امتحان الخلق، لأنه قال: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الحج: 53]
(2/116)

ثم قال: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} فقوله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ} الآية:
يدل على أن الشيطان يُلقي عليهم: أنه الذي يقرؤه النبي ليس بحق فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه.
فهذا الامتحان لا يناسب شيئًا زاده الشيطان من نفسه في القراءة، والعلم عند الله تعالى. وعلى هذا القول، فمعنى نَسخُ ما يلقي الشيطان: إزلته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أوتوا العلم.
ومعنى يُحكم آياته: يُتقنها بالإحكام، فيُظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صدَّ النَاس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقي في قراءة الرسول والنبي، فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من كافرهم. بذلك الامتحان، جاء موضحًا في آيات كثيرة قدمناها مرارًا كقوله:
{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [المدثر: 31]
وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143]
وقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [الإسراء: 60] أي لأنها فتنة، كما قال:
{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} الآية [الصافات: 62 - 63 - 64]
لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن الشجر لا ينبت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه مرارًا، والعلم عند الله تعالى.
واللام في قوله: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} الآية.
(2/117)

الأظهر أنها متعلقة بألقى أي ألقى الشيطان في أمنيَّة الرسل والأنبياء، ليجعل الله ذلك الِإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض، خلافًا للحوفي القائل: إنها متعلقة ب (يُحكِم)، وابن عطيه القائل: إنها متعلقة ب (ينسخ).
ومعنى كونه: فتنة لهم أنه سبب لتماديهم في الضلال والكفر.
وقوله: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الحج: 53]
أي كفر وشك. [انظر أضواء البيان ج 5/ 732]

من فوائد الآية
1 - إلقاء الشيطان في قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه على الكفرة أنها سحر أو شعر أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله، كما ذكر القرآن ذلك كله، ورَدَّ هذه الشبهات كلها.
2 - الأنبياء عليهم السلام كلهم يتمنون إيمان قومهم، ولكن الشياطين تضع العراقيل والعقبات والوساوس في صدور الناس، وهذه الوساوس جعلها الله اختبارًا للذين في قلوبهم مرض وشك، فيجازيهم على أعمالهم، وليعلم الله في هذا الاختبار المؤمنين بالحق، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
3 - بيان سنة الله في إلقاء الشيطان في قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو النبي للفتنة.
4 - بيان أن الفتنة يهلك فيها مرضى القلوب وقساتها، ويخرج منها المؤمنون أكثر يقينًا وأعظم هدىً.
5 - بيان حكم الله تعالى بين عباده يوم القيامة بإكرام أهل الإِيمان والتقوى وإهانة أهل الشرك والمعاصي. [الفوائد الأخيرة مأخوذة من كتاب أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ج 3/ 171]
(2/118)

الفسق وأثره في هلاك الأمة
قال الله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]
1 - {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} بطاعة الله وتوحيده وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به.
{فَفَسَقُوا} أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم وعصوه وكذبوا رسله:
{فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} أي وجب عليها الوعيد.
{فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} أي أهلكناهم إهلاكًا مستأصلًا.
وهذا القول الذي هو الحق تشهد له آيات كثيرة كقوله تعالى:
{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ..} الآية [الأعراف: 28]
فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله:
{أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} أي أمرناهم بالطاعة فعصوا.
وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا، لأن الله لا يأمر بالفحشاء.
وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف من قولهم: أمرته فعصاني: أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى أمرته بالعصيان كما لا يخفى.
2 - {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}: أي أكثرنا جبابرتها وأُمراءها، قاله الكسائي.
[انظر أضواء البيان للشنقيطي 3/ 441]
3 - {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} يقول: سلطنا أشرارها فعصَوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو كقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} [الأنعام: 123]
قاله علي بن طلحة عن ابن عباس، وهو قول أبي العالية ومجاهد والربيع بن أنس.
4 - {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أكثرنا عددهم.
قاله العوفي عن ابن عباس. [انظر تفسير ابن كثير ج 3/ 33]
(2/119)

من فوائد الآية
1 - أن غير المترفين تبع لهم، فهلكوا معهم.
2 - أن الهلاك يعم الجميع: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]
ولما سئل الرسول عنه: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبَث).
[الخبث: المعاصي والفسق والفجور]. [رواه البخاري]
أما إذا كان في البلد مصلحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فلن يهلكوا. قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]. [لأن المصلحين يريدون إصلاح الناس بخلاف الصالحين].
3 - عدالة الله في إهلاك الأمم، وأنها لا تهلك إلا بعد الإِنذار بالرسل لقول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]
4 - التحذير من الترف، فإنه يؤدي إلى الفسق بترك الطاعة، ثم يؤدي إلى الهلاك والدمار.
5 - تقرير عقيدة الإِيمان بالقضاء والقدر والعدالة الإِلهية.
(2/120)

معنى قوله تعالى {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى}
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطى في دفع إيهام الإضطراب:
هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ضالاً قبل الوحي، مع أن قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]
يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - فُطرَ على هَذا الدين الحنيف، ومعلوم أنه لم يهوده أبواه، ولم ينصراه، ولم يمجساه؛ بل لم يزل باقيًا على الفطرة حتى بعثه الله رسولاً، ويدل على ذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي عليه كان وهو يتعبد في غار حراء، فذلك التعبد قبل نزول الوحي دليل على البقاء على الفطرة.
والجواب: أن معنى قوله {ضَالًّا فَهَدَى} أي غافلاً عما تعلمه الآن من الشرائع
وأسرار علوم الدين التي لا تُعلم بالفطرة ولا بالعقل، وإنما تُعلم بالوحي، فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك، فمعنى الضلال على هذا القول: الذهاب عن العلم. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]
وقوله: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52]
وقوله: {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: 95]
ويدل لهذا قوله تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52] لأن المراد بالإِيمان شرائع دين الإِسلام.
وقوله: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3]
وقوله: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113]
وقوله: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 86]
وقيل: المراد بقوله: ضالًا: ذهابه وهو صغير في شعاب مكة، وقيل ذهابه في سفره إلى الشام، والقول الأول هو الصحيح، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إلى الله أسلم. انتهى [أضواء البيان ج9/ 334]
(2/121)

النهي عن التشبه بالكفار
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104]
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:
نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما- يقصدونه من التنقيص- عليهم لعائن الله -. فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولوا راعنا، وُيوَرّون بالرعونة كما قال تعالى:
{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا} [النساء: 46]
وكذلك جاءت الأحاديث بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلَّموا إنما يقولون:
(السامُ عليكم)، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا الله أن نرد عليهم ب (وعليكم)، وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكفار قولاً وفعلًا، فقال:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وذكر بسند صحيح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"بُعثتُ بين يدَيِ الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظِل رمحي، وجُعل الذل والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم". [صحيح رواه أحمد وغيره]
ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تُشرَع لنا، ولا نُقَرُّ عليها.
(2/122)

ثم ذكر بسند أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهدْ إليَّ، فقال: إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأوعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
وقال ابن جرير: والصواب عندنا أن الله تعالى نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - (راعنا)، لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه - صلى الله عليه وسلم - نظير الذي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا الحبَلَة، ولا تقولوا عبدي، ولكن
قولوا فتاي". [أول الجزء من الحديث رواه مسلم، والثاني رواه أحمد وهو صحيح ج 1/ 148] [الحبَلة: أصل شجرة العنب، وقضيبها].

من فوائد الآية
1 - النهي عن التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم، وعاداتهم، وأعيادهم، وعبادتهم، ويجوز، بل يجب العمل على مجاراتهم في الإختراعات الحديثة كالطائرات والدبابات والغواصات، وغيرها مما يساعد على تقوية المسلمين لقول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]
2 - الأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعدم مخاطبته بكلمات لا تناسب قدره، كقول اليهود للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {رَاعِنَا} ويريدون بها التنقيص.
3 - هناك ألفاظ ورد النهي عنها: كقولك للعنب: الكرْم، بل قل: الحَبَلَة، ولا تقل: عبدي، بل قل: فتاي.
(2/123)

صفات عباد الرحمن
1 - قال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] من صفاتهم أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضعٍ، لا يضربون بأقدامهم تكبرًا، فقد قال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]
قال ابن كثير: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا}:
أي متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين، فلن تقطع الأرض بمشيك.
وقوله: {وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك؛ بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده. [والمتكبرون. يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر].
2 - {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]
أي إذا خاطبهم السفهاء بالقول السيّء لم يقابلوهم بمثله، بل قالوا كلامًا فيه سلام من الإِيذاء والإِثم، سواء كان بصيغة السلام كقولهم: (سلام عليكم) أو غيرها مما فيه لطف في القول، أو عفو أو صفح، وكظم للغيظ، دفعًا بالتي هي أحسن. [أنظر تفسير القاسمي]
3 - {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64]
يكون لهم في الليل صلاة وقيام ودعاء كما قال تعالى في وصفهم:
{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن تعارَّ من الليل فقال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استُجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلت صلاته". [رواه البخاري وغيره]
(2/124)

(تعارَّ: استيقظ وقال بصوت) وقد قرأت هذا الدعاء فكانت الإِجابة.
4 - {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 65 - 66]
ومن صفاتهم أنهم يدعون ربهم أن يصرف عنهم عذاب النار، لأن عذابها هلاك دائم، وبئس المقام والمستَقَر فيها، وفي الآية ردٌ على الصوفية القائلين بأنهم لا يعبدون الله خوفًا من ناره.
5 - {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] وصفهم الله بالقصد، فهم لا يُسرفون في الإِنفاق، ولم يُضيقوا على أنفسهم وأهليهم بالبخل، بل كانوا متوسطين:
وقال الطبري في تفسير الآية:
"الإِسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه.
والِإقتار: ما قصرَّ عما أمر الله به. والقَوام بين ذلك".
أقول: ويوضح معنى هذه الآية قوله تعالى:
{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]
يقول تعالى: آمرًا بالاقتصاد ذامًا للبخل ناهيًا عن السرف، لا تكن بخيلاً مَنوعًا لا تعطي أحدًا شيئًا، ولا تسرف في الإِنفاق، فتعطي فوق طاقتك، وتُخرج أكثر من دخلك، فتقعد إن بخلت ملومًا يلومك الناس ويذمونك، ويستغنون عنك، ومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فتكون كالحسير، وهو كالدابة التي عجزت عن السير فوقفت ضعفًا وعجزًا فإنها تسمى الحسير، هكذا فسَّر هذه الآية بأن المراد هنا البخل والسرَف: ابن عباس والحسن. . [انظر تفسير ابن كثير ج 3/ 37]
6 - {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان: 68]
هذه صفة مهمة جدًا، وهي أنهم يوحدون الله، ولا يشركون به أحدًا في جميع عباداتهم، ولا سيما الدعاء لأنه من العبادة، ولأن دعاء غير الله من الأموات - ولو كانوا أنبياء أو أولياء- هو من الشرك الذي يحبط العمل، "ولما سُئل رسول الله
(2/125)

- صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تدعو لله نِدًّا وهو خلقك". [متفق عليه]
(النِدُّ: المثيل، ومعناه) ن تدعو غير الله، وتجعله مماثلًا له].
7 - {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68]
ومن صفاتهم أنهم لا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها، ومنها الوأد وغيره، إلا
بالحق المزيل لحرمتها: كالردة، والقاتل لغيره، والساعي في الأرض فسادًا،
فيُقتلون بحق.
- {وَلَا يَزْنُونَ} فعباد الرحمن لا يقربون الزنا، لأنه فاحشة وساء سبيلًا، وفيه
ضرر على الفرد والجماعة، حيث يورث الأمراض، ويضيع الأنساب، ويُدمر
الأسرة وغير ذلك من المخاطر.
{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68 - 69]
ومن يفعل ما تقدم من الكبائر كدعاء غير الله، وقتل النفس، والزنا، فإنه يلقى جزاءً يوم القيامة بأن يكرر عليه العذاب، ويخلد فيه ذليلًا حقيرًا.
{إِلا مَنْ تَابَ} إلى الله في الدنيا من جميع ما فعل، فإن الله يتوب عليه إذا قام بشروط التوبة.
9 - {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72]
قال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال:
والذين لا يشهدون شيئًا من الباطل، لا شِركًا، ولا غِناء، ولا كذبًا، ولا غيره، وكل ما لزمه اسم الزور، لأن الله عَمَّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو فعل، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ثلاثًا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئًا فجلس فقال: "ألا وقول الزور؛ ألا وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. [متفق عليه]
10 - {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]
جاوزوه علماء معرضين عنه. قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبرنا عن هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مروا
(2/126)

باللغو مروا كرامًا، واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يُستقبح، فسَبُّ الإِنسانِ الإِنسانَ بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو، وذِكر النكاح بصريح اسمه مما يستقبح في بعض الأماكن، فهو من اللغو، وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه، وسماع الغناء هو مما يستقبح في أهل الدين، فكل ذلك يدخل في معنى اللغو، فلا وجه- إذا كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو- أن يقال: عنى به بعض ذلك دون بعض، إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل.
11 - {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73]
قال ابن كثير: وهذه أيضًا من صفات المؤمنين:
{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]
بخلافِ الكافر فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يتغير عما كان عليه. بل يبقى مستمرًا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله.
فقوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}.
سئل الشعبي عن الرجل يرى القوم سجودًا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال فتلا هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا. . .}.
يعني أنه لا يسجد معهم، لأنه لم يتدبر أمر السجود، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمَّعة، بل يكون على بصيرة من أمره، ويقين واضح بين.
وقال قتادة في تفسير قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}.
يقول: لم يَصُمّوا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم والله قوم عقلوا عن الحق، وانتفعوا بما سمعوا من كتابه. [ج 3/ 329]
12 - {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74]
قال ابن كثير: يعني الذين يسألون الله أن يُخرج من أصلابهم ومن ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له.
1 - قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله فتَقرُّ به أعينهم في الدنيا والآخرة.
2 - قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالًا ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين.
(2/127)

3 - وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال: أن يُريَ الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله. لا والله لا شيء أقَرُّ لعين المسلم من أن يرى ولدًا أو ولدَ ولدٍ أو أخًا أو حميمًا مطيعًا لله -عَزَّ وَجَلَّ-.
13 - {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} اجعلنا أئمة يُهتدى بنا.
قال ابن كثير: قال ابن عباس والحسن والسدي:
اجعلنا أئمة يُقتدى بنا إلى الخير.
وقال غيرهم: اجعلنا هداة مهتدين دعاة إلى الخير.
{أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 75 - 76]
قال ابن كثير: لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة، والأقوال والأفعال الجميلة، قال بعد ذلك (أولئك) المتصفون بهذه (يُجزِون) يوم القيامة (الغرفة) وهي الجنة (بما صبروا) أي على القيام بذلك (ويُلَقَّون فيها) أي في الجنة (تحية وسلامًا) أي يُبتدرون فيها بالتحية والإِكرام، ويلقون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون
عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
وقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا}
(أي مقيمين ولا يحولون، ولا يموتون ولا يزالون عنها)
وقوله تعالى: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}.
أي حسنت منظرًا، وطابت مقيلًا ومنزلًا. [ج 3/ 330]
(2/128)

من فوائد الآيات
1 - فضيلة التواضع والسكينة في المشي، وتحريم التكبر.
2 - فضيلة رَدّ السيئة بالحسنة.
3 - فضل قيام الليل والدعاء.
4 - فضيلة الاعتدال في النفقة.
5 - تحريم الشرك والقتل والزنى.
6 - التوبة تمحو الذنوب بشروطها.
7 - تحريم شهود الزور وشهادته.
8 - فضيلة الإعراض عن اللغو.
9 - فضل تدبر القرآن والعمل به.
10 - من اتصف بصفات عباد الوحمن فله الجنة والتكريم.
(2/129)

كيفية الدعوة إلى الله
قال الله تعالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]
1 - قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
يقول الله تعالى آمرًا رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة.
قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة، والموعظة الحسنة: أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.
وقوله: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال،
فليكن بالوجه الحسن برفق ولين، وحسن خطاب، كقوله تعالى:
{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46]
فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون بقوله:
{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]. [ج 2/ 591]
2 - وقال ابن القيم في تفسير الآية السابقة:
جعل الله سبحانه وتعالى مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق:
أ - فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يُدعى بطريق الحكمة.
ب - والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
ج - والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.
هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية، لا ما يزعم أسير منطق اليونان: أن الحكمة: قياس البرهان، وهي دعوة الخواص، والموعظة الحسنة: قياس
(2/130)

الخطابة، وهي دعوة العوام، وبالمجادلة بالتي هي أحسن: القياس الجدلي، وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلَّم المقدمات. وهذا باطل، وهو مبني على أصول الفلسفة، وهو مناف لأصول المسلمين، وقواعد الدين من وجوه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. [مفتاح دار السعادة ج 1/ 193]

من فوائد الآية
1 - وجوب الدعوة إلى الإِسلام والبدأ بالتوحيد، وهو واجب كفائي إذا قام به البعض أجزأ ذلك عنهم.
2 - بيان أسلوب الدعوة: وهو أن يكون بالكتاب والسنة.
3 - دعوة الناس تكون بالرفق واللين، والإبتعاد عن الغلظة والشدة:
قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. . .} [آل عمران: 159]
(2/131)

الدعوة تقوم على العلم
قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]
قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية:
يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى الثقلين الجن والإِنس آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، يدعو الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي.
وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} أي وأُنزِّه الله وأُجله وأُعظمه وأُقدسه عن أن يكون له شريك، أو نظير أو عديل، أو نديد، أو ولد، أو والدة، أو صاحبة، أو وزير، أو مشير تبارك وتقدس وتنزه عن ذلك كله عُلوًا كبيرًا. [ج 2/ 495]
2 - وقال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: قل يا محمد: هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والإنتهاء إلى طاعته، وترك معصيته (سبيلي) وطريقتي ودعوتي أدعو إلى الله وحده لا شريك له.
(على بصيرة) بذلك ويقين وعلم مني به أنا، ويدعو إليه على بصيرة أيضًا من اتبعني وصدقني وآمن بي.
(وسبحان الله) يقول تعالى ذكره: وقل تنزيهًا لله، وتعظيمًا له من أن يكون له
شريك في ملكه، أو معبود سواه في سلطانه.
(وما أنا من المشركين) يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم، ولا
هم مني. [تفسير الطبري تحقيق محمود شاكر ج 16/ 290]
(2/132)

من فوائد الآية وتفسيرها
1 - الأمر بالدعوة إلى توحيد الله، وتقديمه على غيره.
2 - التوحيد يتمثل في كلمة لا إله إلا الله: (لا معبود بحق إلا الله).
3 - الداعية يجب أن يدعو على علم وبصيرة في أمور دينه، فينفع الناس، والجاهل يضر أكثر مما ينفع.
4 - تنزيه الله تعالى عن الشريك في الذات والصفات.
5 - البراءة من الشرك: وهو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله: كدعاء الأموات، أو الغائبين، أو الحكم بغير الإسلام. .
6 - العلم قبل القول والعمل، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمد: 19] وقال البخاري في كتابه: (باب العلم قبل القول والعمل).
قلت: إن المسلم لا يستطيع أن يقول ويعمل عملاً صحيحًا مقبولًا قبل أن يعلم.
(2/133)

استجيبوا لله وللرسول
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]
1 - قال البخاري: {اسْتَجِيبُوا} أجيبوا {لِمَا يُحْيِيكُمْ} لما يصلحكم.
2 - وقال مجاهد: في قوله: {يُحْيِيكُمْ} قال للحق.
3 - وقال قتادة: قال هذا هو القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة.
4 - وقال السدي: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} ففي الإِسلام أحياؤهم بعد موتهم بالكفر.
5 - وقال عروة بن الزبير: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم. [انظر ابن كثير 2/ 297]
وإنما سمي الجهاد حياة، لأن في وهن عدوهم بسببه حياة لهم وقوة، أو لأنه سبب الشهادة الموجبة للحياة الدائمة، أو سبب المثوبة الأخروية التي هي مَعدِن للحياة كما قال تعالى:
{وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64]
(أي الحياة الدائمة). [ذكره القاسمي في محاسن التأويل ج 8/ 34]
6 - وقال الفراء: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} إحياء أمورهم.
فيُخرَّج في إحيائهم خمسة أقوال:
الأول: أنه إصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة.
الثاني: بقاء الذكر الجميل لهم في الدنيا، وحياة الأبد في الآخرة.
الثالث: أنه دوام نعيمهم في الأخرة.
الرابع: أنه كونهم مؤمنين، لأن الكافر كالميت.
الخامس: أنه يحييهم بعد موتهم، وهو على قول من قال: هو الجهاد، لأن الشهداء
(2/134)

أحياء، ولأن الجهاد يُعزهم بعد ذلهم: فكأنما صاروا به أحياء. [انظر زاد المسير ج 3/ 339]
قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}
أولًا: قال القاسمي: يحتمل وجوهًا من المعاني:
أحدهما: أنه تعالى يملك على المرء قلبه، فيصرفه كيف يشاء فيحول بينه وبين الكفر إن أراد هدايته، وبينه وبين الإِيمان إن أراد ضلالته.
وهذا المعنى رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس وصححه.
ويؤيده ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر أن يقول:
"يا مُقلِّب القلوب ثبتْ قلبي على دينك". [رواه أحمد والترمذي وحسنه]
"إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفها كيف يشاء، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"اللهم مُصرِّف القلوب، صرّف قلوبنا إلى طاعتك". [رواه مسلم]
ثانيهما: أنه حث على المبادرة إلى الطاعة قبل حلول المنية.
فمعنى {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب، ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليمًا كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوها لطاعة الله ورسوله، فشبه الموت بالحيلولة بين المرء وقلبه الذي به يعقل في عدم التمكن من علم ما ينفعه علمه. [انظر تفسير القاسمي محاسن التأويل 8/ 35]
أقول: وفي الحديث دلالة على إثبات الأصابع للرحمن على ما يليق به تعالى من غير تشبيه ولا تمثيل، ومثلها اليدان، والساق، والقدم، والوجه، وغيرها من الصفات الثابتة في الكتاب والسنة.
1 - {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر والإِيمان. [مروي عن ابن عباس]
2 - يحول بين المؤمن وبين معصيته، وبين الكافر وبين طاعته. [رواه العرفي عن ابن عباس]
3 - يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل. [قاله مجاهد]
قال ابن الأنباري: المعنى: يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال، فإنكم لا
تأمنون زوال العقول، فتحصلون على ما قدمتم.
(2/135)

4 - أن المعنى: هو قريب من المرء لا يخفى عليه شيء من سره. [قاله قتادة]
5 - يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع إيمانًا ولا كفرًا إلا بإذنه. [قاله السدي]
6 - يحول بين المرء وقلبه: يحول بين المرء وبين هواه [ذكره ابن قتيبة]
7 - يحول بين المرء وبين ما يتمنى بقلبه من طول العمر والنصر وغيره.
8 - يحول بين المرء وقلبه بالموت، فبادروا بالأعمال قبل وقوعه.
9 - يحول بين المرء وقلبه بعلمه، فلا يضمر العبد شيئًا في مفسدة إلا والله عالم به لا يقدر على تغيبه عنه.
10 - يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن، فيأمن بعد خوفه، ويخاف بعد أمنه. [زاد المسير 3/ 339]
ثانيًا: وقال الطبري بعد أن ذكر أقوالًا شبيهة بما تقدم:
إن الله عمً بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} هو الخبر عن أنه
يحول بين العبد وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء،
والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب
التسليم له.

من فوائد الآية
1 - وجوب الاستجابة لنداء الله تعالى، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، بفعل المأمور به، وترك المنهي عنه، لما فيه حياة الفرد المسلم، وحياة المجتمع.
2 - ومما يساعد على الحياة السعيدة للفرد والمجتمع الجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد يعزهم فكأنما صاروا به أحياء.
3 - على المسلم العاقل أن يبادر إلى العمل الصالح قبل مرضه أو موته.
(2/136)

ضعف الخلق وقوة الخالق
قال الله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33]
1 - "أي لا تستطيعون هربًا من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أُحيط بكم، وهذا في مقام الحشر: الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب.
{إِلا بِسُلْطَانٍ}: أي إلا بأمر الله:
{يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [القيامة: 10 - 12] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27]
ولهذا قال تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ} [الرحمن: 35]
والمعنى على كل قول: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لِترجعوا، ولهذا قال:
{فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. [انظر تفسير ابن كثير ج 4/ 274]
2 - وقال القاسمي في تفسير الآية:
{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
أي تجوزوا أطراف السموات والأرض فتُعجزوا ربكم، أي بخروجكم عن قهره، ومحل سلطانه ومملكته، حتى لا يقدر عليكم.
(فانفذوا) أي فجُوزوا واخرجوا.
(2/137)

{لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ}: أي بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك؟
ونحوه: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [العنكبوت: 22]
3 - ويقال معنى الآية: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، يعني البينة من الله تعالى.
والأول أظهر، لأنه لما ذكر في الآية الأولى أنه لا محالة مجازٍ للعباد عَقَّبه بقوله: {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ. . .} إلخ لبيان أنهم لا يقدرون على الخلاص من جزائه وعقابه إذا أراده.
{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13]
1 - قال ابن جرير: أي من التسوية بين جميعكم، بأن جميعكم لا يقدرون على خلاف أمر أراده بكم.
2 - وقال القاضي: فإن التهديد لطف، والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والإنتقام من الكفار من عِداد الآلاء (النِعم). [تفسير القاسمي ج 15/ 292 - 295]

من فوائد الآية
1 - بيان جلال الله وقدرته وسلطانه.
2 - بيان عجز الخلق أمام خالقه -عَزَّ وَجَلَّ- في الدنيا والآخرة.
3 - جميع الخلق لا يقدرون على خلاف أمر أراده الله بهم.
4 - تقرير عقيدة الإِيمان بالبعث والجزاء.
(2/138)

معاني فواتح السور
قال الله تعالى: {الم} {الر} {المص} {حم} {عسق} {ن}.
اختلف المفسرون في معنى هذه الحروف، فمنهم من قال:
1 - هي مما استأثر الله بعلمه ولم يفسرها.
2 - هي أسماء للسور، واستدلوا على ذلك بالحديث:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة {الم} السجدة و {هل أتى على الإِنسان}. [متفق عليه]
وقال مجاهد: {الم} {حم} {المص} {ص}:
فواتح افتتح الله بها القرآن (أي أسماء سوره).
3 - وقال آخرون: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور بياناً لإِعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
وحكى هذا القول جمع من المحققين منهم: الرازي، والقرطبي، وإليه ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية، والحافظ المزي.
قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن؛ وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن، وجاء منها على حرف واحد كقوله: {ص} {ن} {ق} وحرفين
مثل: {حم}، وثلاثة مثل: {الم}، وأربعة مثل: {المر} {المص}، وخمسة مثل: {كهيعص} {حم عسق} لأن أساليبهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة، لا أكثر من ذلك. [انظر تفسير ابن كثير ج 1/ 36]
قال ابن كثير: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلابد أن يذكر فيها الإنتصار
(2/139)

للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالإستقراء، وهو الواقع في تسع
وعشرين سورة.
ولهذا يقول تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1]
{تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [سورة فصلت: 2]
{المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} [أول سورة الأعراف]
4 - وأما من زعم أنها دالة على معرفة المُدَدَ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات. الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره.
5 - لا شك أن الله لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثاً ولا سُدى؛ ومن قال من الجهلة أن في القرآن ما هوتعبد لا معنى له، فقد أخطا خطاً كبيراً، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا عن المعصوم لشيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران]
ولم يُجمع العلماء فيها على شيء معين، وإنما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام. [تفسير ابن كثير ج/361]
(2/140)

كيف نلفظ هذه الحروف
يجب أن نلفظ الحروف التي في أوائل السورة مقطعة حرفاً حرفاً .. لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". [صحيح رواه الترمذي وغيره]
1 - قوله تعالى: {الم} ألف، لام، ميم. [أول سورة البقرة]
2 - قوله تعالى: {المر} ألف، لام، ميم، را. [سورة الرعد]
3 - قوله تعالى: {المص} ألف، لام، ميم، صاد. [الأعراف]
4 - قوله تعالى:- {الر} ألف، لام، را. [سورة يوسف]
5 - قوله تعالى: {حم} {طس} حا، ميم، طا، سين. [غافر والنمل]
6 - قوله تعالى: {ن} {ق} {ص} نون، قاف، صاد. [أسماؤها]
7 - قوله تعالى: {كهيعص} كاف، ها، يا، عين، صاد. [مريم]
8 - قوله تعالى: {حم. عسق} حا، ميم، عين، سين، قاف. [الشورى]
9 - بعض هذه الحروف تمد حركتين مثل: حا، ها، يا، را.
10 - وبعض الحروف تُمد أكثر مثل: نون، قاف، صاد، ميم، عين.
11 - يُعرف التلفظ بالحروف بالسماع من القراء والمشايخ.
(2/141)

الخسارة للكافرين والفوز للمؤمنين
قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر]
العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر.
وقال مالك عن زيد بن أسلم هو العصر، والمشهور الأول.
فأقسم تعالى بذلك على أن الإِنسان لفي خسر أي في خسارة وهلاك.
{إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا} فاستثنى من جنس الإِنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم.
{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} وهو أداء الطاعات وترك المحرمات.
{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} أي على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهون عن المنكر. [انظر تفسير ابن كثير ج 4/ 547]
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم.
وذلك لما فيها من المراتب العالية التي باستكمالها يحصل للمسلم غاية كماله:
الأولى: معرفة الحق، والثانية: عمله به، والثالثة: تعليمه من لا يحسنه،
والرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه.
(2/142)

من فوائد السورة
1 - فضل سورة العصر لاشتمالها على طريق النجاة.
2 - لله أن يقسم بما شاء لأنه الخالق له.
3 - لا يجوز الحلف بغير الله للعباد لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
أ - "من حلف بغير الله فقد أشرك". [صحيح رواه أحمد]
ب - "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فلْيَصدق، ومن خلِف له فلْيرضَ، ومن لم يرض بالله فليس من الله". [صحيح رواه ابن ماجه]
ج - وقال عبد الله بن مسعود:
"لأن أحلف بالله كاذباً خير من أن أحلف بغيره صادقاً". [أخرحه الطبراني وصححه الألباني في الإرواء ج 8]
4 - بيان مصير الإِنسان الكافر، وأنه في خسران.
5 - بيان فوز أهل إلإِيمان والعمل الصالح الموافق للشرع.
6 - الإيمان: قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.
7 - وجوب التواصي بالحق، والتواصي بالصبر بين المسلمين.
8 - وجوب الصلاة مع الجماعة، ولا سيما صلاة العصر، لقول الله تعالى:
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]
[والصلاة الوسطى: هي صلاة العصر].
9 - الزمن له قيمة عند المسلم، فيقضيه بطاعة الله.
(2/143)

(2)
معلومات مهمة من الدين لا يعلمها كثير من المسلمين
(2/145)

موجز معلومات مهمة من الدين رقم (2)
* - ما هو الشرك وأنواعه؟
* - الولاء والبراء والحكم.
* - كيف نؤمن بالقدر خيره وشره؟
* - أسباب الإنحراف عن المسيرة الإسلامية.
* - أسباب وقوع العذاب والبلاء في الدنيا.
* - حجاب المرأة المسلمة وشروطه.
* - عادات وتقاليد يجب تركها.
* - بدع المواسم والأعياد.
* - منكرات البيوت والأزياء والزواج.
* - الصوفية في ميزان الكتاب والسنة.
* - أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
* - ماذا تعرف عن قصيدة البردة ودلائل الخيرات.
(2/147)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضِل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فهذه معلومات مهمة من الدين تهم جميع المسلمين، ولا يعلمها كثيرمن المسلمات والمسلمين، قمت بجمعها من بعض الكتب والمجلات والنثرات الإسلامية لمؤلفين معروفين بعقيدتهم السليمة، ومنهجهم القويم، وكتاباتهم المستقيمة، وقد رقمت الآيات وخرجت الأحاديث الواردة فيها إذا لم يكن هناك ترقيم أو تخريج، وعزوت كل مقال لصاحبه إذا عُرف.
وهناك بحوث هامة كتبتها بقلمي، وسجلتها باسمي، ورتبت مواضيع الكتاب كلها حسب الأهم، وهي تعالج أموراً هامة واقعة في المجتمع، قد اعتادها الناس في حياتهم، وهي في الواقع بعيدة عن الدين.
وأملي كبير في أن يتنبه المسلمون لها، ويرجعوا عنها، حتى يحققوا تعاليم الإِسلام، ولعل الله ينصرهم، ويمكن لهم في الأرض.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
محمد بن جميل زينو
(2/149)

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}
هل فكرت يا أخي في معنى حياتنا على هذه الأرض: من أين جئنا؟ ومَن جاء بنا؟ ولماذا جاء بنا؟ وأين يُذهَب بنا بعد هذه الحياة؟
هذه الأسئلة لا بُدَّ وأن تكون قد خطرت ببالك، بل وعلى بال كل إنسان، وأكثر الناس لم يُتعبوا أنفسهم في البحث عن الجواب فصار همهم في الحياة الطعام والشراب والشهوات، وكثير منهم ضل في بحثه عن الإِجابة حيث لم يتجه الِإتجاه الصحيح إلى من يملك الِإجابة، وكلا الفريقين أموات يتحركون على الأرض كما وصفهم خالقهم-:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]
فلنحاول إذاً معاً في هذه السطور أن نخرج من هذه الغفلة لنسير في حياتنا على هُدى ونور على صراط مستقيم بَيَّنه لنا خالق السموات والأرض وهو دينه الذي لا يقبل من أحدٍ من خلقه ديناً سواه وهو وحده الذي يعطيك الجواب الشافي على هذه الأسئلة لأنه وحده الدين الخالص من عند الله: قال الله تعالى:
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [سورة الطور، آية 35]
{رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [سورة طه، آية 50]
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ}
[يونس، آية 31]
بهذا الوضوح أجاب القرآن عن السؤال الأول من أين جئنا؟ ومَن جاء بنا؟.
حقيقة لا يمكن لِإنسان أن يهرب منها أقر بها المشركون لعجزهم عن الفرار، ولكن هل الإِقرار وحده يكفي؛.
(2/150)

قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات، آية 56] إذا علمت أن الله وحده هو المنفرد بالخلق والتدبير والإِحياء والإِماتة والملك التام لكل ما في هذا الكون، فلا بُدَّ أن يثمر ذلك في قلبك إفراده بحق العبادة لا شريك له في شيء منها، ومن أجل هذا قامت السموات والأرض، ومن أجل هذا خُلقنا في هذا العالم وجئنا إليه، ومن أجل هذا بُعثت الرسل وأُنزلت الكتب، وعلى هذا يكون الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار.
فهل معنى هذا أن نقضي حياتنا كلها في المسجد راكعين ساجدين. ونترك الحياة تسير كما شاء أهلها أن يسيروها؟.

المفهوم الصحيح للعبادة:
ليس هذا هو المفهوم الصحيح للعبادة، ولكن العبادة هي فعل كل ما يحبه الله
ويرضاه، وترك ما ينهى عنه ويأباه، وهي أن تكون في دراستك وعملك وبيتك
وطريقك ومسجدك وعلاقتك مع الناس تبتغي وجه الله، وتتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبهذين الشرطين تصبح كل حياتك عبادة لله، فالعبادة طاعة وخضوع واستسلام لأوامر الله، وهي صلاة وصوم وحج وزكاة، وهي حُب وخوف ورجاء وإخلاص لله وحده، وهىِ شكر وصبر ورضى وشوق لله وحده، وهي دعاء وتضرع وتذلل وخشوع لله وحده، وهي أكل حلال وترك حرام، وهي بر لوالدين، وحسن خلق، واحترام للكبير، ورحمة للصغير والمسكين، وتبسم في وجه أخيك المسلم، وهي صدق في الحديث ووفاء بالعهد والوعد وأداء للأمانة وترك للغش واجتناب للربا والرشوة وسائر المحرمات، وهي غض بصر وحفظ فرج وحجاب وعفة، وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ودعوة إلى الله وجهاد في سبيل الله:
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأنعام، الآية 162]
[نسكي: ذبحي للحيوانات قربة لله].
(2/151)

{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}
[سورة البقرة، الآية 256].
ولا تتحقق هذه العبادة إلا بالكفر بالطاغوت كما أخبر الله وبهذا بعث الله كل
الرسل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}
[سورة النحل، الآية 36]
والطاغوت هو كل من جاوز حَد العبودية، ونسب لنفسه حقاً أو صفة لا تجوز إلا لله؛ فالشيطان رأس الطواغيت حيث دعا الناس إلى عبادة غير الله وطاعته قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [سورة يس، آية 60]
وعبادة الشيطان طاعته فيما يأمر به من الكفر بالله.
والطاغوت أيضاً كل متبوع أو مطاع أو حاكم على غير بصيرة من الله وشرع الله، وكذا كل من ادعى معرفة الغيب كالعرافين والمنجمين والكهان: قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} [سورة النمل، آية 65]
وكذلك كل من زعم معه الضر والنفع من دون الله.
ومعنى الكفر بالطاغوت أن تعتقد بقلبك بطلان عبادة هؤلاء الطواغيت وبطلان ما نازعوا فيه ربهم من حقوق الِإلهية وتُفْرِد ربك وحده بها، ثم تسعى لإزالة عبادتهم مِن على ظهر الأرض بكل طريق.
(2/152)

ما هو الشرك وأنواعه؟
{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}: وهو ذنب لا يغفره الله، فما هو الشرك؟
الشرك أن يصرف الإِنسان أيَّ عبادة من العبادات لغير الله كائناً مَن كان ملَكاً مُقَرباً أو نبياً مرسلاً، أو ولياً صالحاً، أو عالماً أو عابداً أو زعيماً أو حجراً أو شجراً أو شمساً أو قمراً أو درهماً أوديناراً أو هوىً مُتَّبَعاً، فكل هذه الأشياء يشرك كثير من الناس بريهم بسببها، فمن دعا غير الله واستغاث به -وهو غائب أوْ مَيْت- وطلب منه المدد واعتقدَ أنهُ ينفع ويضر ويشفي المريض ويرد الغائب وينتصر لِلمظلوم فقد أشرك بالله العظيم. قال الله تعالى:
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا
فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سورة سبأ، الآية 22]
ولا ينفع هذا أن يُسمّى ما يفعله شفاعة أو توسلًا، فهذه حجة المشركين حيث
قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى} [سورة الزمر، آية 3]
وقال سبحانه وتعالى عنهم:
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ
اللَّهِ} [سورة يونس، آية 18]
ومن الشرك ما يفعله كثير من الناس منِ النذر لغير الله والذبح لهم كما يُفعل عند قبور الصالحين وغيرهم قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [سورة الكوثر، آية 2]
فكما أن من صلى وسجد لغير الله فقد أشرك، فكذلك من نحر وذبح لغير النّه فقد أشرك، ومن هنا حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته من اتخاذ القبور مساجد حتى لا يقع الناس في الشرك بسبب الغلو في الصالحين.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا لا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك". [رواه مسلم]
(2/153)

ومن الشرك الأصغر الحلف بغير الله قال - صلى الله عليه وسلم -:
"مَن حلف بغير الله فقد أشرك". [صحيح رواه الإمام أحمد]
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال:
"لأن أحلف بالله كاذباً أحَبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً".
فلا تحلف يا أخي بحياة الأب أو بالشرف أو النبي أو الكعبة؛ بل لا تحلف إلا بالله.
ومن الشرك الأصغر الرياء: هو أن يطلب الإِنسان مدح الناس بعمله فيتعلم ليقال عالم، وينفق ليقال كريم.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء". [صحيح رواه أحمد]
ومن الشرك ما ينتشر بين كثير من الناس من تعليق الأحجبة والتمائم لدفع العين والحسد وجلب الحظ.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من علَّق تميمة فقد أشرك" (1) [صحيح رواه أحمد]
وأعلم يا أخي أن العلم بهذه الأشياء وحرمتها واجب على كل مسلم حتى يتجنب الوقوع في الشرك الأكبر والأصغر، فالشرك الأكبر هو الذي يُخلد صاحبه في النار. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [سورة النساء، آية 116]
والشرك الأصغر هو الذريعة والوسيلة التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وهو أكبر من الكبائر الأخرى.
__________
(1) التميمة: هي الخرزة أو الودعة أو غيرها تُعلق على الولد أو على البنت أو على السيارة من العين وغيرها.
(2/154)

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
* منزلة الصلاة في الإسلام:
للصلاة في الإِسلام منزلة لا تعدلها منزلة أي عبادة أُخرى فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به: قال - صلى الله عليه وسلم -:
"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله".
[رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وتولى إيجابها بمخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا واسطة ليلة المعراج، قال أنس: "فُرضَتْ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به خمسين، ثم نقصَت حتى جُعلِتْ خمساً، ثم نودي يا محمد: إنه لا يُبَدَّلُ القول لديّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين". [رواه البخاري]
وهي أول ما يحاسب عليه العبد.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "أولُ ما يحاسَبُ عليه العبدُ يوم القيامة الصلاة، فإن صلَحتْ صلح سائر عمله، وإن فسدَتْ فسد سائر عمله". [صحيح رواه الطبراني]
وهي آخر وصية وصى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُمته عند مفارقة الدنيا، جعل يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم". [صحيح رواه أحمد]
وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "لتُنقضَنَّ عُرى الإِسلام عُروة عُروة؛ فكلما انتقضت عُروة تشبث الناس بالتي تليها فأوَّلهن نقضاً الحُكم، وآخرهن الصلاة". [صحيح رواه أحمد]
وقد ذكرها الله تعالى من الأشراط الأساسية للهداية والتقوى فقال تعالى:
{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. [سورة البقرة، الآيات 1 - 3]
وقد استثنى تبارك وتعالى المحافظين على الصلوات مِن أصحاب الأخلاقِ الذميمة فقال: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}. [المعارج: 19 - 23]
(2/155)

وقال وهو يحكي عن أهل النار:
{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [سورة المدثر، الآيات 42 - 43]

* دوام التكليف بالصلاة:
وهي فريضة دائمة مطلقة على كل عبد وحر، غني وفقير، صحيح ومريض، مقيم ومسافر، رجل وامرأة، لا تسقط عمن بلغ الحلم في حال من الأحوال، حتى أمر بها في ساحة القتال وشرعت صلاة الخوف. قال الله تعالى:
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}
[سورة البقرة، الآيات 238، 239]
ولا تسقط هذه الفريضة عن نبى مرسل فضلاً عن صالح أو عارف، أو مجاهد، قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. [سورة الحجر، آية 99]
(اليقين: الموت).
فمن ترك الصلاة واستغنى عنها، اعتماداً على وصوله إلى الغايات، والنتائج التي يعتقد أن الصلاة شرعت لها، أو بسبب شدة اشتغاله بعمل مثمر، يعود على الأُمة بالفائدة والخير الكثير شأن كثير من العاملين في حقل الإجتماع والسياسة والتعليم وغير ذلك فإنهم يستهينون بأمر الصلاة ومواقيتها؛ ويعتذرون بأنهم في شغل شاغل في خدمة الأمة، وفي جهاد مُتصل لا يترك لهم وقتاً لأداء الصلوات المكررة في اليوم والليلة، فهؤلاء قد عرضوا أنفسهم للهلاك، وأعمالهم للحبوط، وإيمانهم للضياع:
قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [سورة النساء، آية 103] (أي مفروضاً ووقتاً مُحدداً).

* حكم حكم تارك الصلاة:
ترك الصلاة جحوداً بها وإنكاراً لها كفر وخروج عن ملة الإِسلام، بإجماع المسلمين. أما من تركها مع إيمانه بها واعتقاده بفرضيتها، ولكن تركها تكاسلاً أو تشاغلًا عنها:
(2/156)

فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". [رواه مسلم]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله تعالى". [متفق عليه]

* الجماعة وأهميتها وفضلها:
وقد أوجب الله الصلاة المفروضة في الجماعة وهي طبيعة الصلاة المفروضة المشروعة في الإِسلام، ووضعها الصحيح.
قال تعالى: {وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}. [سوره البقرة، آية 43]
ولذلك داوم عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مداومة شديدة، حتى كأنها جزء من الصلاة ولم يتركها في السلم ولا في الحرب ولا في مرضه الذي مات فيه، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - شديد الإِنكار على من يتغيب عن الجماعة ولا يشهد الصلاة مع المسلمين.
فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالف إلى رجال يتخلفون عن الجماعة فآمر بهم فيحرقون عليهم رحالهم بحزم من الحطب" [رواه مسلم]
كما أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (الفرد) أضعافاً مضاعفة: قال - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". [متفق عليه]
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "مَن أحبَّ أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن (في المساجد)، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سُنن الهدى، ولو أنكم صلّيتم في رحالكم (بيوتكم) كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سُنة نبيكم، ولو تركتم سُنة نبيكم لضللتم، وإنه كان يُؤتى بالرجل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". (يُهادى: يتكىء). [رواه مسلم]
(2/157)

الولاء والبراء والحكم
أخي المسلم في هذه السلسلة نستكمل معرفة أصول التوحيد الذي من أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وبه قامت السماوات والأرض وهو غاية وجودنا في هذه الحياة وعلمنا في اللقاء الأول أن الله خلقنا لعبادته وعلمنا معنى العبادة الشامل لحياة الإِنسان وعرفنا معنى الطاغوت وضرورة الكفر به واتضح لنا معنى الشرك وبعض مظاهره؛ ونتابع هنا بإذن الله أركان التوحيد أول حقوق الله على العبيد.

الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإِيمان
الولاء والبراء ركن ركين من أركان التوحيد، هل يُتَصَوَّر مؤمن يحب الله وفي نفس الوقت يحب أعداءه ومن يكذبه ويكذب رسله ولا يتبرأ منهم؟ هل يُتَصَوَّر مؤمن يحب الله ويعبده وفي نفس الوقت يكرهُ المؤمنين بالله ولا يحبهم ولا يَنصرهم؟ لا يتصور هذا إلا من لا يعرف حقيقة الإِيمان:
قال الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [سورة المجادلة، آية 22]
وقال سُبحانهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة المائدة، آية 51]
وقال تبارك وتعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}. [سورة الممتحنة، آية 4]
ومعنى الوَلاء: الحب وَالنصرة والطاعة والمتابعة والنصح والصداقة وتولي الأمور بالإِصلاح ويستلزم ذلك إظهار المودة والتشبه بمن تواليهم واستئمانهم على الأسرار ونحو ذلك، والبراء عكس ذلك، فكل هذه الأمور يجب أن تكون للمؤمنين، ولا يجوز أن تكون للكافرين.
(2/158)

واعلم يا أخي أن الله لم يرض لعباده أن يجتمعوا على راية إلا راية العقيدة والدين، فالناس إما مؤمن تقي وإما كافر شقي، لا فرق بين عربي وعجمي، أبيض وأسود، إلا بالتقوى وأما كل الدعاوي الأُخرى التي يتعصب لها الناس كانتمائهم إلى قبيلة واحدة، أو إلى وطن واحد، أو إلى قومية واحدة، بحيث يصير الإِنسان يحب ويبغض ويوالي ويعادي بناء عليها، فإنها من دعوى الجاهلية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تشاجر بعض المهاجرين والأنصار، فقال المهاجرون: يا للمهاجرين، وقال الأنصار: يا للأنصار، قال - صلى الله عليه وسلم -:
"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها مُنتنة". (متفق عليه)
فإذا كان هذا في أشرف الأسماء، فكيف إذا كان التحزب على ما ليس فيه شرف، بل على تقليد شخص معين، فكيف إذا كان الإِجتماع على مبادىء تناقض الإِسلام كالعلمانية والشيوعية والماسونية وسائر المبادىء الوضعية يميناً ويساراً شرقاً وغرباً؟ قال تعالى:
{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [سورة القلم، الآيات 35 - 36]
فراجع يا أخي حبك وبغضك وانتماءك ومودتك وصداقتك في نور كتاب ربك.
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}. [سورة المائدة، الآيات 55 - 56]
(2/159)

إن الحكم إلا لله
ومن أصول عقيدة التوحيد إفراد الله بالحكم والتشريع، فليس هذا الحق لفرد أو طائفة أو شعب. قال تعالى عن اليهود والنصارى:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا
لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا}. [سورة التوبة، آية 31]
وفسرها النبي - صلى الله عليه وسلم -فقال: "ألم يُحلوا لكم الحرام ويُحرموا عليكم الحلال فاتبعتموهم -قيل: بلى- قال: "فتلك عبادتهم". [حسنه الألباني بشواهده]
وقال تعالى:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [سورة الشورى، آية 21]
فمن استجاز أن يُحكَم البشر في دمائهم وأموالهَم وأعراضهم وسائر معاملاتهم بغير حكم الله فقد أشرك بالله العظيم:
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [سورة المائدة، آية 50]
والواجب على كل مسلم أن لا يتحاكم إلى القوانين الوضعية المخالفة للشريعة وأن يقبل حكم الله في كل نزاعِ بينه وبين غيره فِي الناس، وأن يدعو الناس إلى ذلك. قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة النساء، آية 65]
(2/160)

ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها
أول واجب على العبد معرفة ربه ومولاه، وذلك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه في كتابه أووصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سنته من غير تحريف ولا تأويل، وكذلك من غير إدخال للعقل في تصور الكيفية أو محاولة التشبيه والتمثيل بالمخلوقات فهو كما وصف نفسه:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سورة الشورى، آية 11]
{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص، الآيات 3 - 4]
ثم القيام بحقوق كل اسم وصفه لله سبحانه بالتعبد له بهذه الأسماء والصفات ودعائه بها وتأثر القلب بها، فأسماء الله العظيم المجيد المتكبر المتعال ذو الجلال والإِكرام وأنه فوق عباده على العرش استوى تملأ القلب تعظيماً له وإجلالًا وخوفاً منه ورهبة، وأنه لا ملجا منه إلا إليه وأسماء الخبير السميع البصير العليم الشهيد تملأ القلب مراقبة لله في الحركات والسكنات وأسماء الرحمغ الرحيم البرَّ الكريم الجواد الرزاق تملأ القلب محبة له وشوقاً إليه وطمعاً في رزقه ورحمته وحمداً له وشكراً.
وكلما ازداد الإِنسان معرفة باسماء الله وصفاته إزداد عبودية لله.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة". [رواه البخاري]
[أحصاها: حفظها وقام بحقوقها].
فهلا قمت أخي المسلم ففتحت هذا الباب العظيم فهو من أعظم أسباب سعادة الإنسان ولعلك لم تسمع به من قبل!!
(2/161)

كيف نؤمن بالقدر خيره وشره
في هذه السطور لقاؤنا مع أصول الإِيمان والتوحيد نتعلم فيه أصلين عظيمين
من أصول الإِيمان لا تقبل عبادة من العبادات إلا ممن أتى بهما: القضاء
والقدر، واليوم الآخر:
س1: كيف نؤمن بالقدر؟
ج 1: أن تعلم أن ما أصابك لمِ يكن ليُخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن توقن أن الخلق جميعاً لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفَت الصحف، وأن تؤمن بأن ما شاء الله كان وما لم يثا لم يكن، وأن كل ما فى الكون من حركة وسكون وحياة وموت وخير وشر وطاعة ومعصية إنما هو بتقدير الله ومشيئته وعلمه وحكمته لم يكن شيء من ذلك قهراً عليه سبحانه وتعالى عن ذلك ولا عبثاً منه -عَزَّ وَجَلَّ-.
س2 ما معنى قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [سورة محمد، آية 31]
ألم يكنَ الله يعلم ذلك قبل وجوده؟
ج 2: بلَى فالله بكل شيء عليم، علِمَ ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ كما قال:
{وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [سورة الطلاق، آية 12]
وقال: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا
تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ
إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [سورة الأنعام، آية 59]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة". [رواه البخاري]
ولكن من عدله سبحانه وحكمته لا يظلم العباد فهو لا يحاسبهم إلا على ما صدر منهم من أعمال عملوها هم بإرادتهم التي خلقها الله لهم، فلا
(2/162)

يحاسبهم إلا بعلمه بما صدر منهم لا على مجرد العلم السابق والكتابة في اللوح الحفوظ، فمعنى الآية: أن الله يبتلي عباده -أي يختبرهم ليعلم المجاهدين الصابرين من المنافقين- علماً يحاسبهم عليه وإن كان قد علمه قبل ذلك.
س 3: هل الإِنسان مُسيّر أم مخيّر؟
ج 3: هذا السؤال خطأ من أصله فالِإنسان في أفعاله الاختيارية -كالطاعة والخير، والمعصية والشر- له قدرة واختيار لا ينكره إلا معاند، لأن كل إنسان يشعر بذلك في نفسه، وأثبت الله ذلك في القرآن فقال:
{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. [سورة الكهف، آية 29]
ولكن هذه المشيئة ليست مطلقةً بلا حدود، بل هي مقيدة بمشيئة الله لأن الله
هو الذي خلق الإنسان وخلق له القدرة والإِرادة كما قال سبحانه:
{وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}. [سورة الإنسان، آية 30]
وهذا التقييد لا يعني إلغاء إرادته وأنه مُسَير أو مجبور بلا اختيار، بل لا يحاسب الله أحداً فقد إرادته كالمكره والمجنون والنائم، ولكن مشيئة الله تجري على العباد من خلال ما يعلمونه هم بأنفسهم وقدرتهم، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم وأفعالهِم، أما الأفعال غير الاختيارية كنبض القلب والانجذاب إلى الأرض مثلًا فلا خلاف أن العبد لا قدرة له عليها ولا اختيار. س 4: إذا كان الله هو الذي شاء وجود الخير والشر وهو الذي خلقهما فهل يرضى عن الشر ويُحب أن يُعْصَى؟.
ج 4: الله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، بل رضي لهم الإِسلام ديناً، وهو يحب المؤمنين والمتقين والمحسنين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، فالمحبة والرضى تابعة لتنفيذ أمر الله الشرعي المنزل على رسله -لا لمجرد المشيئة في وجود الشيء،- فالله خلق إبليس ولا يحبه، وكذلك هو الذي خلق الشر ولا يرضى عنه، ولا يأمر عباده به، ولكنه خلقه لِحكَم يعلمها فهو العليم الحكيم: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}. [سورة الأنبياء، آية 23]
لأن العباد يعجزون عن الإِحاطة بعلم الله وحكمته.
(2/163)

س 5: إذا كان كل شيء مُقدَّراً ومكتوباً فما فائدة العمل؟ وكيف يعذب الله العصاة على أمر هو الذي كتبه وخلقه؟
ج 5: (اعملوا فكل مُيَسَّر لما خُلِق له) فالشقاوة والسعادة خلقها الله مرتبطة بأسبابها من المعصية والطاعة، ولم يخلقها مجردة عن الأسباب، فلا يصير أحد إلى النار إلا بعمل أهل النار، ويدخل المؤمنون الجنة جزاءً بما كانوا يعملون، وكما سبق فالعمل وإن كان بمشيئة الله وقدرته فهو مقدور للإِنسان، وهو سبب سعادته أو شقائه وهو يكون بمشيئة العبد:
{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة فصلت، آية 40]
والله يعذب من يستحق العذاب من عباده على عملهم هم وإن كان هو كتبه فهو لم يأمرهم به:
{قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [سورة الأعراف، آية 28]
كما أن الكتابة في اللوح اَلمحفوظ لا يعلمها العباد وإنما يعلمون شرع الله:
الأمر والنهي والحلال والحرام وعندهم العقل والاختيار، ولذا رد الله على
المشركين القائلين:
{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا}. [سورة الأنعام، آية 148]
بقوله: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ} [سورة الأنعام، آية 148]
والسؤال يوم القيامة يكون عن ماذا أجبتم المرسلين؟؟. و (ماذا كنتم تعملون؟؟) لا عن ماذا كتب عليكم في اللوح المحفوظ.
س 6: ما حكم من يفعل المحرمات ويترك الواجبات ويقول: "لو أراد الله أن يهديني لهداني".
ج6: هذا من أتباع إبليس الذي قال لربه: {رب بما أغويتني} فأول من احتج
بالقدر إبليس فلم تنفعه هذه الحجة، وأما آدم وحواء فقالا:
{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
[سورة الأعراف، آية 23]
فاختر لنفسك مع مَن تريد أن تكون فإن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس
أنفسهم يظلمون.
(2/164)

س 7 ما حكم من لم يؤمن بالقدر؟
ج 7: لو أنفق مثل أحُد ذهباً ما تُقبل منه حتى يؤمن بالقَدر، ولو مات على غير ذلك لكان من أهل النار. هكذا روى أُبيّ وحذيفة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال تعالى:
{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. [سورة القمر، آية 48]
س 8: أين نقرأ في هذا الموضوع؟
ج: في كتاب القضاء والقدر لأبي بكر الجزائري، ومعارج القبول لأحمد حكمي، وشفاء العليل لابن القيم، والعقيدة الواسطية لابن تيمية، وأركان الإِسلام والإِيمان للمؤلف.
(2/165)

فريق في الجنة وفريق في السعير
هذه نهاية المطاف وآخر الأجوبة على الأسئلة الثلاثة: {وأن إلى ربك المنتهى} فهذا اليوم العظيم يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة لا يعلم وقته إلا الله، لكن تسبقه علامات كبرى كظهور المسيح الدجال، ونزول المسيح ابن مريم عليه السلام ليقتله ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وخروج يأجوج ومأجوج كما ذكر الله في القرآن، فبعد هذه العلامات الكبرى يقوم الناس من قبورهم بعد عذاب أو نعيم فيها، ويحشر الله الخلق جميعاً في حَرِّ شمس دانية من الرؤوس قدر ميل فيعرق الناس عرقاً شديداً حسب أعمالهم في أهوال عظيمة أخرى، فيحاسب الله عباده على الصغيرة والكبيرة بميزان عدل لا يضيع مثقال ذرة، ويمر الناس على صراط على ظهر جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف، عليه خطاطيف تأخذ الناس بأعمالهم، فناج مسلم، ومخدوش، ثم ينجو، ومكدوس في نار جهنم، ويتميز الناس إلى فريقين في حياة أبدية لا تنتهي: فريق في الجنة وفريق في السعير. فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واتبعهبم فهم السعداء أهل الجنة:
{أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ}. [سورة الصافات، الآيات 41 - 49]
لباسهم فيها حرير وحليهم فيها الذهب والفضة وغاية نعيمهم النظر إلى وجه الله الكريم.
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة، الآيات 22، 23]
والفريق الآخر من أعرض عن ذكر الله وأشرك به وكفر برسله وارتكب ما حرم الله عليه - فهم الأشقياء أهل النار خالدين فيها أبدأ طعامهم نار، وشرابهم حميم، وفرشهم وغطاؤهم من جهنم:
{قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ}. [سورة الحج, الآيات21،20،19]
(2/166)

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ
عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}. [سورة فاطر، الآيتين 36 - 37]
{وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}. [سورة الزخرف، آية 77]
{وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}. [سورة الكهف، آية 29]
فهذه يا أخي النهاية فاختر لنفسك أحد الطريقين تكن في إحدى الدارين، قد بينا لك في هذه السلسلة مفتاح دار السعادة. التوحيد حق الله على العبيد، فراجع كل مسألة فيها، وزن نفسك بالكتاب والسنة، هل أديت حق الله عليك بالتمسك بالعروة الوثقى لا إله إلا الله فهي كلمة النجاة وهي منهاج الحياة، ألا هل بلغنا اللهم اشهد. [إعداد لفيف من العلماء]
(2/167)

أسباب الإنحراف عن المسيرة الإسلامية
وبعد فإنه على الرغم من قوة تيار الكفر والضلال الذي يحاول أن يسوق أمتنا بعصاه، ويلقي بها في مهاوي الضياع والفناء، وعلى الرغم من محاولة أنصار الجاهلية الحديثة جهدهم وتجميعهم جندهم ليقطعوا هذه الأمة الإِسلامية العريقة عن عقيدتها، ويجتثوا إسلامها من حياتها فإن هناك بصيصاً من النور، ورفيفاً من الأمل يلمحه المراقب للأحداث متمثلاً في ذاك التيار الوليد الذي يحبو ويحاول الحركة، ويتلمس الطريق كي يصدَّ ذاك التيار الأهوج المدمر، ويرده على أعقابه وينقذ البلاد والعباد من آثاره وأخطاره. وما ذاك التيار الحبيب إلا هذه البراعم الندية، والزهرات المتفتحة هنا وهناك من الشباب المسلم المؤمن الذي فتح عينيه على الحياة، واستيقظ على صيحات بعض الدعاة والمصلحين الذين حركوا فيه الغيرة والحمية وأثاروا فيه العاطفة الدينية والنفس الأبية، ويحاول هؤلاء الشباب أن ينهضوا بالأمة بعد طول تأخر، وينقذوها من الأعداء والأخطار، فيسعون جادين مخلصين، ويدأبون غير هيابين ولا وجلين، لكنهم سرعان ما يُفاجاون بأنهم ما يزالون في مكانهم، وأنهم قد رجعوا بعد طول سير وشدة نصَب إلى موضعهم الذي كانوا قد انطلقوا منه وغادروه، فيأسفون لذلك ويحزنون، وييأس بعضهم فيقعد، ويعيد الكرة ويسعى من جديد آخرون ويجرب هؤلاء ويعملون.

* إن نجاح المسيرة الإسلامية يتحقق بأمرين:
الأول: الهداية إلى الصراط المستقيم، وذلك بالتعرف عليه ومعرفة حدوده
وأبعاده. وقد شرع الله لنا أن ندعوه دائماً كي يهدينا إلى الصراط المستقيم، فنحن دائماً نردد في صلاتنا وفي خارج صلاتنا.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [سورة الفاتحة، آية 6، 7]
(2/168)

وكان المعصوم - صلى الله عليه وسلم - عندما يقوم من الليل يسأل ربه الهداية قائلاً: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه مِن الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". [رواه مسلم من حديث عائشة]
الثاني: إتباع هذا الصراط المستقيم وعدم الميل عنه يميناً أو شمالًا.
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}
[سورة الأنعام، آية 153]
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كلل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}. [رواه أحمد والحاكم وصححه وأقرَّة الذهبي]
ووضح هذا بمثال فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ضرب الله تعالى مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتعرجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط المستقيم كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم".
[رواه أحمد والحاكم بسند صحيح من حديث النواس بن سمعان]
والإستقامة على الطريق أمر في غاية المشقة والصعوبة، ذلك أن النفس البشرية أمارة بالسوء، والدنيا مليئة بالمغريات وشياطين الإِنس والجن، كل ذلك يحاول أن يحرف المسيرة ويحرف العاملين بها عن الدرب القويم.
لذلك كانت أشق آية أنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يقول ابن عباس: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [سورة هود، آية 112]
(2/169)

فانحراف المسيرة يأتي من أحد هذين الأصلين، إما من جهل الصراط وعدم العلم به وهذا هو الضلال، ومن هنا أتى النصارى الذين سماهم الله ب (الضالين) إذ عبدوا الله على جهل، وإما أن يأتي من عدم الاستقامة عليه واتباعه مع العلم به، وهذا حال اليهود الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه؛ ولذلك سماهم الله (المغضوب عليهم)
وأما حال الذين أنعم الله عليهم فهو معرفة الحق واتباعه:
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [سورة الفاتحة، الآيتين 6، 7]
عن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قل اللهم اهدني وسدِّدْني واذكر (1) بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم". [رواه مسلم]
أيها الأخوة: إن من نعمة الله علينا أن الصراط المستقيم الذي ينبغي لنا أن نسلكه واضحة معالمه معروفة حدوده محفوظ في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يرِدا عليَّ الحوض". [رواه الحاكم بسند صحيح]
وهذا الدرب لم ولن يخلو من السالكين مصداقاً لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". [رواه مسلم والترمذي]
فالصراط المستقيم محفوظة تعاليمه في الكتب وفي الصدور، فإذا طلبنا في هذا الطريق القويم فإننا سنهتدي بحول الله وقوته وسنصل إلى الهدف المنشود إن شاء الله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [سورة العنكبوت، آية 69]

* فمن أسباب الإنحراف:
أ - اعتماد أصول غير إسلامية
فمن ذلك اعتماد كثير من الكتاب ورجال الدعوة والفكر على الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
__________
(1) تذكر ذلك يا علي في حالة دعائك هذا المعنى.
(2/170)

وقد أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتثبت فيما نروي فقال: "مَن حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". [رواه مسلم]
"كفى بالمرء إثماً أن يُحدَّث بكل ما سمع". [رواه أبو داود والحاكم بسند صحيح من حديث أبي هريرة]
وعليه: كفى بالمرء إثماً أن يعمل بكل ما سمع.
فالحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح بلا خلاف بين العلماء.
وإذا كان كذلك فكيف يقال يجوز العمل به والله -عَزَّ وَجَلَّ- قد ذمه في غير ما آية من كتابه:
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [سورة النجم، آية 28]
"إياكم وَالظن فإن الظن أكذب الحديث". [متفق عليه من حديث أبي هريرة]

ب - اعتماد المنهج الفلسفي الكلامي في إرساء العقيدة
وعمدة المنهج الفلسفي الكلامي نظريات عقلية وأصول فلسفية.
وهذا المنهج يختلف مع المنهج الرباني القرآني في طريقة الإستدلال.
فالإستدلال القرآني أساسه الوحي والإِيمان بالرسالة، والغاية التي يدعو إليها المنهج القرآني عبادة الله، وعبادته متضمنة لمعرفته وتوحيده، أما عمدة المنهج الفلسفي فهي تلك النظريات والأقيسة التي جعلوها أصولًا للعقائد، وهذه الأدلة سبيلها وعر لا يسهل الإرتقاء إليه وقد ينقطع السالك قبل الوصول إلى مراده.
قد اقتضت الأقيسة الباطلة رفض الكتاب والسُّنَّة فردّوا كثيراً من الأسماء والصفات. وأكثر الكتب التي الفت بعد القرون الثلاثة كلها تسير على هذا المنهج الكلامي والفلسفي، ولا تزال هذه الكتب تُدرَّس إلى يومنا هذا ويتخرج عليها رجال في الجامعات فتؤثر فيهم أثراً كبيراً.

ج - الإشتغال بالبدع:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وكُل بدعة ضَلالة وكل ضلالة في النار". [رواه مسلم]
"مَن أحدث في أمرنا هذا ما لَيس منه فهو رَد". [متفق عليه من حديث عائشة]
(2/171)

قال بعض السلف: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله فلا تتعبدوها. وقال حسان بن عطية المحاربي: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة". [رواه الدارمي بسند صحيح]
وقال ابن مسعود: "كم من مريد للخير لم يبلغه". [رواه الدارمى بسند صحيح]
فهذا معناه أن النية وحدها لا تكفي لتصحيح الفعل، بل لابد أن يضاف إلى ذلك التقيد بالمشروع.
وقد يقول قائل: هل معرفة البدع التي أُدخلت في الدين أمر هام؟
والجواب:
نعم لأنه لا يتم للمسلم التقرب إلى الله إلا باجتنابها، ولا يمكن ذلك إلا بمعرفتها وإلا وقع في البدع وهو لا يشعر.
ومثل ذلك معرفة الشرك وأنواعه، فإن من لا يعرف ذلك وقع فيه كما هو مثاهد من كثير من المسلمين الذين يتقربون إلى الله بما هو شرك: كالنذر للأولياء والصالحين والحلف بهم والطواف بقبورهم وبناء المساجد عليها وغير ذلك مما هو معلوم شركه عند أهل العلم.
لذلك فلا يكفي في التعبد الاقتصار على معرفة السنة فقط بل لابد من معرفة ما يناقضها من البدع، كما لا يكفي في الإِيمان التوحيد، دون معرفة ما يناقضه من الشركيات، وإلى هذه الحقيقة أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"مَن قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد مِن دون الله، حرُم ماله ودمه وحسابه على الله". [رواه مسلم]
فلم يكتف -عليه السلام- بالتوحيد، بل ضم إليه الكفر بما سواه، وذلك يستلزم معرفة الكفر، وإلا وقع فيه وهو لا يشعر، وكذلك القول في السنة والبدعة ولا فرق، ذلك لأن الإِسلام قام على أصلين عظيمين:
1 - أن لا نعبد إلا الله.
2 - وأن لا نعبده إلا بما شرع.
فثبت مما تقدم أن معرفة البدع أمر لابد منه، لتسلم عبادة المؤمن من البدع التي تنافي التعبد الخالص لله تعالى، فالبدع من الشر الذي يجب معرفته لا لِإتيانه، بل
(2/172)

لاجتنابه على حد قول الشاعر:
عرفت الشر لا للشر ... ولكن لِتوَقيه
ومن لا يعرف الشر ... من الخير يقع فيه
وهذا المعنى مستقى من السنة:
فقد قال حذيفة بن اليمان: "كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؛ قال: نعم. قلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها". [متفق عليه]
[دخن: فساد واختلاف] [إعداد لفيف من العلماء]
(2/173)

أسباب وقوع العذاب والبلاء في الدنيا
1 - الفتنة والامتحان:
قال الله تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. [سورة العنكبوت، الآيات 1 - 3]
ويأتي هذا الِإمتحان في شدته على قدر الإِيمان.
عن سعد -رضي الله عنه- قال: قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أشد بلاء؟ قال: "أشدُ الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة".
[رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي والطحاوي وابن حبان والحاكم وأحمد بسند صحيح]
عن عبد الله بن يزيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جعل الله عذاب هذه الأمة في دنياها". [رواه الطبراني بسند صحيح]
2 - تكفير الذنوب ورفع الدرجات:
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"ما يُصيب المسلم من نصَب، ولا وصَب، ولا هَم، ولا حزن، ولا أذى، ولا
غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه ". أمتفق عليه،
[النصَب: التعب]. [الوَصَب: المرض].
وكذلك فقد تصيب المؤمن المصيبة فترفع درجته في الآخرة إذا صبر واحتسب.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل ليكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يُبلغه إياها". [رواه ابن حبان والحاكم بسند صحيح]
(2/174)

ومن هذا الباب المرض فقد يكفر الله ذنوب عبد بمرض يصيبه.
عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا اشتكى المؤمن أخلصه من الذنوب كما يُخلص الكير خبث الحديد".
[رواه البخاري في الأدب وابن حبان والطبراني في الأوسط بسند صحيح]
لذلك علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ندعو بالطهور للمريض تيَمناً أن يُطهره الله من ذنوبه. إذن فتعجيل العقوبة في الدنيا للعبد الصالح إنما هو من باب الخير لذلك العبد فعليه ألا يقنط أو ينحرف عن الطريق لأن عذاب الآخرة أشد وأبقى بينما عذاب الدنيا مهما كانت شدته إلا أن أكثره يزول بعد فترة.
عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". [رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح]
(2/175)

أمثلة ونماذج من عذاب الدنيا
1 - المعاصي تورث الهزائم العسكرية:
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ
وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. [سورة آل عمران، الآيات 152 - 153]
هكذا تصف الآيات كيف كانت رحى المعركة تدور لصالح المؤمنين حتى تنازعوا وعصوا الرسول لأن منهم من كان يريد الدنيا أي الغنائم فكانت النتيجة أنهم مُنوا بالهزيمة كجزاء لهذه المعصية.
وفي غزوة حُنين أصاب الغرور بعض المسلمين لما أعجبتهم كثرتهم وهذه معصية اخرى فلحقت بهم الهزيمة أيضاً ويقول تعالى في وصف هذه الغزوة: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ
عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}.
[سورة التوبة، آية 25]
يتبين لنا مما سبق بأن نصر الله للمسلمين قد يستبدله سبحانه وتعالى بالهزيمة إذا عصَوا وخالفوا أمره، ومما هو جدير بالملاحظة في القصص السابقة أن صفوف المسلمين في ذلك الوقت كانت تضم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخير الأنام على وجه الأرض إلا أن هذا لم يمنع عقاب الله وما فيه من تحذير وتقويم أن يقع، فكيف بصفوف المسلمين اليوم وقد كثر الخبث وأخذ الربا وترك الجهاد وظهرت ألوان لا حصر لها عن الفساد.
(2/176)

التحذير من التمادي في المعصية:
تأتي مصائب الدنيا بمثابة إشارات وتنبيهات من الله تعالى للعبد إلى أنه غارق في معصية ويجب عليه الرجوع قبلِ فوات الأوان كما قال تعالى:
{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
[سورة السجدة، آية 21]
عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- في قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} [السجدة: 21]. قال: "مصائب الدنيا". [رواه مسلم]
وأخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن بعض الذنوب أجدر بوقوع عذاب الدنيا فقال: "ما من ذنب أجدر أن يُعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يَدخره له في الآخرة، مِن قطيعة الرحم، والخيانة، والكذب، وإن أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا". [رواه الطبراني بسند صحيح من حديث أبي بكرة]
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". [رواه أبو داود بسند صحيح]
(العِينة: أن يبيع الرجل شيثاً من غيره بثمن مؤجل، ويُسلمه للمشتري، ثم يشتريه منه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر يدفعه نقداً).

3 - المعاصي تذهب الخيرات وتزيل النعم:
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
[سورة الرعد، آية 11]
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. [سورة الأنفال، آية 53]
فَالله تعالى لا يزيل نعمته عن قوم ولا يسلبهم إياها إلا إذا بدلوا أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة، وهذه سنن الله الإِجتماعية أنه تعالى لا يبدل ما بقوم من عافية ونعمة، وأمن وعزة إلا إذا ارتكبوا المعاصي كما حدث في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف.
(2/177)

ولابد من الإِشارة إلى أن النجاة من عقوبة الدنيا رغم المعاصي لا تعني رضى الله وغفرانه، كما جاء في الحديث: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يُحب فإنما هو استدراج ثمِ تلا:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا
أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}.
[سورة الأنعام، آية 44] [رواه أحمد والطبراني بسند صحيح من حديث عقبة بن عامر]
وقال بعض السلف: "رُب مستدرَج بنعم الله وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورُب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم".
وبناء على فهم السلف لهذه القواعد كان بعضهم يقول: "إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلُق دابتي وامرأتي".

4 - الختم على القلوب.
قال بعض السلف: "جزاء الحسنة الحسنة بعدها وجزاء السيئة السيئة بعدها".
وقولهم هذا يعد قاعدة عظيمة يجدر بكل مسلم أن يقف عندها ويتدبرها، ولا شك أن من أعظم الآثار الدنيوية المترتبة على المعاصي هي أن تتعود نفس المخطىء على اجتراحِ السيئات الواحدة تلو الأخرى حتى يصبح لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتَت في قلبه "نكتة سوداء، فإن هو نزع واستقر وتاب صُقِل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو علىِ قلبه، وهو الرّان الذي ذكره الله تعالى:
{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة المطففين، آية 14]
[رَواَه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي بسند حسن]
وقال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-:
رأيت الذنوب تُميت القلوب .... وقد يورث الذُل إدمانُها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخَير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سوء ورُهبانها
(2/178)

وهذا مثال لأحد الذنوب يضربه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيقول: "لَينتَهِيَن أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليَختِمَن الله على قلوبهم، ثم ليكونُّن مِن الغافلين". [رواه أحمد ومسلم]
(ودعهم الجمعات: تركها)

5 - رد الدعاء:
يحصل العبد المطيع على نعمة عظيمة وهي استجابة الله سبحانه لدعائه إذا سأله أمراً من أمور الدنيا أو الآخرة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حَيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردها صفراً خائبتين". [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم بسند صحيح من حديث سلمان]
وهي نعمة أخرى يُحرمها العاصي فلا يُستجاب لرجائه مهما طال دعاؤه وذلك لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه". [رواه الترمذي والحاكم بسند من حديث أيى هريرة]
وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسىِ بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهَوُن عن المنكر أو ليَوشِكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتَدعُنه فلا يستجيب لكم". [رواه أحمد والترمذي بسند حسن]

6 - الفضيحة:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشِر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإِيمان في قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تُعيَروهم، ولا تتَبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". [رواه الترمذي بسند صحيح]

7 - الأمراض والأوبئة:
عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما اختلج عِرق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر". [رواه الطبراني في الأوسط والضياء المقدسي بسند صحيح]
(أي لو عاقب الله المذنب بالمرض لما بقي أحد مُعافى ولكنه سبحانه يدفع ويغفر الكثير).
(2/179)

8 - إتيان الجدل:
عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ضَل قوم بعد هُدىً كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل". [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم بسند حسن]

9 - الخلاف:
عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما توادَّ اثنان في الله فيُفرَّق بينهما إلا بذنب يُحدثه أحدهما". [رواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح]
وقد يظن بعض الناس أن بعض الجزئيات من العبادة أو السنة الواجبة أو
الشكليات كما يسمونها لا تستوجب مثل هذه العقوبة، ولكن تعالوا نتأمل
الأحاديث التالية:
أ - عن أنس رضي الله عنه قال: "أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم مِن وراء ظهري. قال: وكان أحدنا يُلزق، منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه". [رواه البخاري وأحمد]
وهي عند المخلص بلفظ:
"قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يُلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، فلو
ذهبت تفعل هذا اليوم لنفر أحدكم كأنه بغل شموس".
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب إلزاق المنكب، والقدم بالقدم في الصف".
ب - وعن النعمان بن بشير-رضي الله عنه- قال: "أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم ثلاثاً، والله لتَقيمُن صفوفكم أو لَيُخالِفن الله بين قلوبكم. قال فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه". [رواه أبو داود وابن حبان وأحمد بسند صحيح]
فهذه عقوبة شديدة يحذرنا الرسول الكريم منها نتيجة لعدم إقامة الصف في الصلاة.

10 - الخسف والدمار:
عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "في هذه الأُمة خَسفٌ، ومسخ، وقذف، إذا ظهرت القيان والمعازف، وشُربت الخمور". [رواه الترمذي بسند صحيح]
(2/180)

1 - الذكر السيء:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من عبد إلا له صيت في السماء، فإن كان صيته في السماء حسناً، وُضِع في الأرض، وإن كان صيته في السماء سيئاً وُضع في الأرض". [رواه البزار بسند صحيح]
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أحب الله عبداً نادي جبريل إني أحببت فلاناً فأحبه، فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في الأرض، فذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [سورة مريم، آية 96]
وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل إني أبغضت فلاناً، فينادي في السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض". [رواه الترمذي بسند صحيح]

12 - خسران الدنيا والآخرة:
عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومَن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له". [رواه الترمذي بسند صحيح]
وهكذا يلهث العاصي وراء سراب لا حقيقة له، وتحيط به وحشة المعصية وظلمة القلب ويبتعد عنه أهل الخير وتوسوس له الشياطين.
قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}. [سورة الزخرف، آية 36 - 37]
تتشعب بالعصَاة همَوم الدنيا ويتخلى الله عنهم كما قال - صلى الله عليه وسلم -:
"من جعل الهموم هماً واحداً، هَمُّ المعاد كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك".
[رواه ابن ماجه بسند حسن من حديث ابن مسعود]
وهؤلاء العصاة يكلهم سبحانه وتعالى إلى الناس كما جاء في الحديث:
"من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس". [رواه الترمذي بسند صحيح من حديث عائشة] [وكله: تركه].
(2/181)

13 - فقدان بركة الأموال والأعمال:
هناك أمثلة كثيرة من أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - التي تدل على إعانة الله للعبد المطيع ومباركته لأعماله وتخليه سبحانه عن العصاة ومحق البركة من أعمالهم.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلَفاً". [متفق عليه]
وعن أسماء -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا توكىء فيوكأ عليك". [رواه البخاري]
(والوكاء هنا هو الإِغلاق وهو كناية عن الشح وعدم الإِنفاق أي لا ينفق الله على البخيل).
وعن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا المال خَضِر حلو، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارَك له فيه، وكان كالذي جمل ولا يشبع؛ واليد العليا خير من اليد السفلى". [رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي]

14 - حديث جامع:
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تُدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها إلَا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطرَوا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً مِن غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخَيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم". [رواه ابن ماجه والحاكم بسند صحيح]
ولكن هل يصيب عذاب الدنيا العاصي فقط دون غيره من الناس؟
(2/182)

15 - العذاب يعم إذا كثر الخبث:
قالت عائشة -رضي الله عنها-: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث". [رواه مسلم]
(الخبث: أي الفسق والفجور).
وفي الختام نوصيكم بتقوى الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}. [سورة النساء، آية 131]
ونحذركم من المعاصى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إياك والمعصية، فإن بالمعصية حلّ سخط الله". [رواه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث معاذ]
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عائشة إياك ومُحقرات الذنوب فإن لها من الله طالباً". [رواه الدارمي وابن ماجه وابن حبان وأحمد بسند صحيح]
عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنا مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطنَ وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تُهلِكه". [رواه أحمد والطبراني بسند صحيح]
وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ارحموا، واغفروا يُغفر لكم، وويل لأقماع القول، وويل للمصِرين الذين يُصرون على ما فعلوا وهم يعلمون". [رواه البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد بسند صحيح]
وإن في الأحاديث السابقة دعوة صريحة للعاملين للإِسلام إلى تنقية صفوفهم من المعصية إذا أرادوا التوفيق والنصر إلا أن الكثير منهم غابت عنهم هذه الحقيقة فتفشت فيهم المعاصي مثل: التوسل بالقبور ودعائها، وتأويل صفات الرب جل وعلا، ورد الأحاديث الصحيحة بحجة التقليد، أو عدم قبول حديث الآحاد، والكثير من البدع التي تعسكر في بلاد المسلمين اليوم وتحول بينهم وبين ما يريدون من العزة والنصر وتطبيق شرع الله تعالى على أرضه.
وفي نهاية المطاف لا تنسنا يا أخي من دعائك بظهر الغيب: "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملَك مُوَكل به، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك: آمين ولك بمثل ذلك". [رواه أحمد ومسلم وابن ماجه من حديث أبي الدرداء]
[إعداد لفيف من العلماء]
(2/183)

وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون
* وجوب التوبة وفضلها:
التوبة واجبة على الدوام فإن الإِنسان لا يخلو في معصية ولا يسلم من نقص، وإنما الخلق يتفاوتون في المقادير، وقد أمر الله بالتوبة فقال:
{وَتُوبُوا إِلى اللَّهِ جَمِيعًا}. [سورة النور، آية 31]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة". [رواه مسلم]
فهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي أكرمه الله يقول له:
{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}. [سورة الفتح، آية 2]
يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة فكيف يكون حال غيره؟

شروط التوبة:
1 - الندم:
التوبة عبارة عن ندم يورث عزماً وقصداً وعلماً بأن المعاصي حائل بين الإِنسان وربه وعلامته طول الحزن، فإن من أخبر بأن عقوبة أو مصيبة ستنزل بولده أو من يعز عليه طال حزنه واشتدت مصيبته، وأي عزيز أعز عليه من نفسه؟ وأي عقوبة ومصيبة أشد من النار؟، وأي سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصي؟ وأي مخبر أصدق من الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
2 - العزم:
على أن لا يعود في المستقبل إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها، وهذا العزم لابد أن يكون مؤكداً في الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة بعد ذلك، لكن لا يكون تائباً حتى يتأكد عزمه في الحال.
(2/184)

3 - الإقلاع عن المعصية:
فإن المستغفر بلسانه وهو مصر على معصيته كالمستهزىء بدينه، واستغفاره يحتاج إِلى استغفار، فاحذر يا أخي أن تغفل عن معاصيك وأنت تستغفر الله منها، خاصة تلك التي يقع فيها أكثر الناس وهم لا يشعرون: وأخطرها الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره حتى وإن كان فيه ما تقول، والنميمة، والكذب، والشتم، واللعن، وبذاءة اللسان، وإيذاء المسلم بقول أو فعل، وسوء الظن، والحسد، والتباغض، والتحاسد، والتقاطع، والتجسس، واحتقار الناس، والِإفتخار عليهم، والمن بما يعطي، والرياء، وأكل الربا (مثل الفوائد الربوية) والرشوة (أخذاً أو عطاء) والغش في البيوع وغيرها، والخداع، والغدر، والزنا بالعين والأذن واللسان واليد والرجل والفرج، والخلوة بالأجنبية، والتبرج، وسماع الموسيقى، والغناء المحرم، وحلق اللحية، وتغيير خلق الله، وشرب الخمر، والدخان، ونحوه مما يضر، ولبس الذهب والحرير للرجال، وتصوير ما فيه روح سواء برسم أم نحت ونحو ذلك، والتحاكم إلى غير شرع الله ولمن يحكم بالقوانين الوضعية الباطلة، والتشاؤم، وإتيان العرافين وتصديقهم ولو مزاحاً.
فراجع نفسك يا أخي في هذه الأمور وزن نفسك بميزان الإِسلام.
4 - رد المظالم إلى أهلها إن كان الذنب متعلقاً بمخلوق:
وينبغي للتائب أن يأتي بحسنات تمحو ما عمل من السيئات وتكفرها مثل: حب الله ورسوله وحب المؤمنين ومعاداة من عاداهم، والخوف من الله، والبكاء من خشيته، ورجاء رحمته، والتوكل عليه، والإفتقار والتذلل إليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والشكر على نعمته، والانقياد لحكمه، والحرص على سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، والحذر من البدع، والزهد في الدنيا، والقناعة منها بالقليل، والتنافس في أمور الآخرة، ومجاهدة النفس على الطاعة مع دوام المراقبة لله سبحانه، وترك الشبهات، والورع، والتواضع، والحلم، والعفو، والإِعراض عن الجاهلين، والغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، والمحافظة على الصلوات الخمس في جماعة في المسجد في أول الوقت خاصة الفجو والعشاء مع الحرص على
(2/185)

الخشوع فيها، وذكر الله في الصباح والمساء وفي كل وقت، وقراءة القرآن وحفظه، والاستغفار، وقيام الليل، وحضور مجالس العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وزيارة القبور، وغض البصر، والحذر من لمس المرأة الأجنبية والحديث معها فيما لا حاجة فيه، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتفكر في خلق السموات والأرض، وقلة الكلام إلا في الخير، وكثرة الصدقة والصوم، واعتزال قرناء السوء، وقراءة كتب العلم الشرعي، والمشاركة في أعمال البر والتقوى.
فحاسب نفسك يا أخي على هذه الطاعات وَلُمْها إذا تركتها.
5 - المبادرة إلى العمل والحذر من التأخير:
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ". [صحيح رواه أحمد]
- أي لا يغتنمهما ولا يعرف قدرهما إلا بعد زوالهما، وسبب التسويف حب الدنيا والجهل، فالِإنسان إذا أَنِسَ بالدنيا ولذاتها وما يحتاجه فيها من مال وأهل ومسكن صار قلبه عاكفاً على ذلك، فينسى ذكر الموت، ويسوِّف التوبة إذا خطرت له وقال: الأيام بين يديك طويلة إلى أن تكبر، ثم تتوب إلى أن تصير شيخاً، فلا يزال يُسوِّف ويؤخر ويشتغل بشغل بعد شغل إلى أن تخطفه المنية في وقت لا يحتسبه ولا يظنه لأن الموت يأتي فجأة ليس له وقت مخصوص من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار، ولا مقيد بسن مخصوص بل قد يكون في الشباب أكثر، فتطول عند الموت حسرته وتعظم مصيبته ويندم حين لا ينفع الندم.
فالمبادرة إلى التوية والاستغفار فإنما هي الأنفاس لو حبست عنكم لانقطعت عنكم الأعمال التي تتقربون بها إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}. [سورة الزمر، آيتين 17 - 18]
(2/186)

{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]
هذه رسالة إلى كل أخت مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر.
إلى كل من رضيت بالله رباً وبالِإسلام ديناً وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً ورسولًا.
إلى كل من استرعاه الله أُماً أو أختاً أو زوجة أو بنتاً وهو سائله عن رعيته يوم القيامة. إلى كل من وعى قول الله تعالى:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [سورة الأحزاب، آية 36]
فالمسلم والمسلمة لا يرون لأنفسهم رأياً ولا حريةَ ولا اختياراً بعد حكم الله ورسوله لأنه لا يثبت للِإنسان الإِسلام إلا مع القبول والإِذعان، وهذا في كل أمور الحياة وليس فيما يسمى بالشعائر فحسب، بل دين الله سبحانه إنما جاء لينظم للناس كل شئونهم في كل زمان ومكان وإليك أختي المسلمة بعض نعم الله عليك حيث خصك بالخطاب في كتابه الكريم وأنزل على نبيه آيات بينات ليحفظك بما فيها من تشريعات ويطهرك من أرجاس الجاهلية التي تردت إليها المرأة والتي يسعى اليوم أعداؤها بل أعداء الِإنسانية جمعاء أن يركسوها فيها مرة أخرى تحت ستار المدنية والعصرية والحرية، وقد غاب عنهم أن المسلمة لا تقبل التحرر من عبوديتها لريها لتقع فريسة لعبودية جنود
إبليس، ولا تغتر بمدنية صارت فيها المرأة سلعة تباع لمن يريد، فاحذري أختي
المسلمة أن تبدلي نعمة الله عليك كفراً: قال تعالى:
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [سورة الأحزاب، آية 32، 33]
(2/187)

ينهى الله المؤمنات في هذه الآية الكريمة عن مخاطبة الرجال الأجانب بترقيق الصوت والليونة في القول فيطمع فيها الذي في قلبه مرض الشهوة المحرمة، وذلك سداً لذريعة الفساد، كما قالوا: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء .. ، ثم يبين تعالى وجوب أن يكون موضوع الحديث الكلام الحسن المعروف الذي فيه مصلحة شرعية دون لغوِ الكلام الذي لا فائدة فيه فضلا عما فيه إثارة للشهوة وإيقاظ للفتنة- ومن المنكرات الظاهرة أن نجد الشبان والفتيات وقد وقفوا يتبادلون أطراف الحديث، ويتصافحون ويتلاعبون بدعوى الصداقة البريئة أو الزمالة، أو أنهم مثل الإِخوة، ونحو هذا مما ينافي نص القرآن وروح الشريعة التي سعت دائماً للفصل بين الرجال والنساء حتى في الصلاة حين يقفون بين يدي ربهم أبعد ما يكونون عن الشهوة - وذلك لما للإختلاط من أعظم المفاسد على الجنسين جميعاً فالرجل يميل بطبعه إلى المرأة، والمرأة تميل بفطرتها إلى الرجل، ويحدث عند التقائهما ما لا يقدرون على منعه. وادعاء البراءة والأخوة في هذه الحالة إنما هي من مكر الشيطان ليتدرج بها إلى الفاحشة، ومعظم النار من مستصغر الشرر، وكم من علاقة محرمة نشأت بسبب الحديث والنظر، ولقد بين الله سبحانه وهو العليم بما فطر عليه عباده حرمة نظر الرجل إلى المرأة وبالعكس، فقال:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}. [سورة النور، آية 31]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الإستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش". [رواه مسلم]
وقال - صلى الله عليه وسلم - لمن سأل عن نظر الفجأة: "اصرف بصرك". [رواه مسلم]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لأنْ يُطعَن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له". [صحيح رواه الطبراني]
وهذا يدل على حرمة لمس المرأة الأجنبية ومصافحتها، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمن الفتنة على صحابي جليل هو ابن عمه الفضل بن العباس -رضي الله عنهما- وعلى صحابية جليلة هي المرأة الخثعمية التي سألته عن الحج عن أبيها ولوى عنق الفضل حتى لا ينظر إليها وقال: "رأيت شاباً وشابة فلم آمن عليهما الفتنة". [كما في البخاري]
(2/188)

فهل تأمنون أنتم يا شباب على أنفسكم من هذه الفتنة؟ فاتقوا الله ولا تخدعوا أنفسكم.
واعلمي أختي المسلمة أن التبرج الذي نهاك الله عنه في القرآن هو إبداء المرأة زينتها لغير زوجها ومحارمها المنصوص عليهم في القرآن وهم الأب والابن وأبو الزوج وابنه وابن الأخ وابن الأخت وكذا العم والخال والنساء المؤمنات لا الكافرات والرجال الذين لا رغبة لهم في النساء لكبر السن مثلًا؟ والأطفال الذين لا يميزون عورات النساء - وقد كانت المرأة في الجاهلية لا تشد خمارها (غطاء رأسها) فيبدو بعض شعرها وأذنها وعنقها فحذر الله المؤمنات من ذلك فقال:
{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب, آية 33]
فكيف حالنا اليوم وقد تردت كثير من النساء إلى أجهل من الجاهلية الأولى. وقد اتفق العلماء في كل عصر على أنه لا يجوز للمرأة المسلمة البالغة أن تكشف ما زاد على الوجه والكفين بل المشروع سترهم - خاصة عند كثرة الفساق وخوف الفتنة وِذلك امتثالًا لأمره تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}. [الأحزاب: 59]
والجلباب هو ما يغطي البدن كله. واقتداءً بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين حيث كن يغطين وجوههن بالإجماع.
وتنبهي أختي المسلمة إلى أن غطاء الرأس لابد أن يكون سابغًا على الصدر والعنق لقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]
ولا يجوز أن تلبس المرأةَ الثياب الضيقة ولا الشفافة (كالجوارب الشفافة). لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صنفان من أهل النار لم أرهما" الحديث، وفيه "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت (الِإبل) لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها". [رواه مسلم]
والكاسية العارية هي التي تستر بعض جسمها وتعري البعض، أو تستره بما لا يستر كالملابس الضيقة والشفافة، وهذا الحديث من معجزات النبوة حيث وقع كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز أيضًا أن تتشبه المسلمة بالكافرات كمن تتبع (الموضة) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن تشبه بقوم فهو منهم". [صحيح رواه أبو داود]
(2/189)

ويحرم أن تخرج المرأة متعطرة، قال - صلى الله عليه وسلم -:
"المرأة إذا استعطرت فمرت بقوم ليَجدوا ريحها فهي زانية". [حسن رواه أبو داود]
ولا يجوز أن يكون الثوب زينة في نفسه ولا ثوب شهرة يلفت الأنظار لمنافاة ذلك لقصود التستر - ويجب علينا أن ننبه هنا على حُرمة خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية من غير ذي محرم معها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يخلُون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم". [رواه البخاري]
وكذا حرمة سفر المرأة بلا محرم لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم". [متفق عليه]
وفقنا الله لما يحبه ويرضاه. [إعداد لفيف من العلماء]
انتهت المواضيع التي وجدتها على أوراق كتب عليها: [إعداد لفيف من العلماء]
(2/190)

حجاب المرأة المسلمة
أ - يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}. [الأحزاب: 59]
ب - وتحدث القرآن عن غطاء رأس المرأة بصيغة الأمر فقال:
{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}. [النور: 31]
وقد نهى عن التبرج بشتى صوره فقال:
{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]
وذلك أن نساء الجاهلية كن يلبسن غطاء الرأس ويضربنه على ظهورهن، فتظهر أعناقهن ونحورهن وآذانهن بالحلي والأقراط، فنهى الله جل جلاله عن ذلك، وأمر المؤمنات بسترها.
من هذه الآيات ومن غيرها يتبين حجاب المرأة المسلمة ويتحقق بما يلي:
1 - استيعاب الحجاب لجميع البدن حتى الوجه.
2 - أن لا يكون الحجاب ضيقًا بحيث يصف ما تحته، من سِمن، وظهور ثدي.
3 - أن لا يشِفَّ أو يصف ما تحته؛ لأنه رقيق أو شفاف.
4 - أن لا يشبه ملابس الرجال للنهي الوارد في الحديث.
5 - أن لا يكون زاهيًا أو مشجرًا أو ملونًا، أو بشكل يجذب الأنظار ويجلب الانتباه أو للشهرة.
6 - أن لا يشبه ملابس الكافرات فمن تشبه بقوم فهو منهم.
(2/191)

عادات وتقاليد يجب تركها
لقد أصبح كثير من المسلمين يقلدون الكفرة في أزيائهم وعاداتهم باعتبارها على حد زعمهم حضارة وتقدمًا، وظنوا أنهم مثلهم في القوة إذا تشبهوا بهم في أزيائهم.
ولو رجع المسلمون إلى دينهم، وطبقوا تعاليمه لوجدوا فيه الحضارة والتقدم والقوة والسعادة في الدنيا والآخرة.
ويوم ترك المسلمون تعاليم الإِسلام وآدابه، وتشبهوا بالكفرة أصابهم الله بالذل والتفرق جزاء وفاقًا.
ولو أن المسلمين قاموا بالاختراعات المفيدة وقلدوا الكفرة فيها لكان خيرًا من التشبه بهم في العادات التي تضرهم ولا تنفعهم.
فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى المسلمين عن التشبه بالكفرة قائلًا: "من تشبه بقوم فهو منهم". [صحيح رواه أبو داود]
وفي غزوة الخندق يستشير أصحابه في مواجهة الأحزاب المهاجمين على المدينة، فيشير عليه الصحابي الجليل (سلمان الفارسي) أن يحفر الخندق ليمنع المشركين من دخول المدينة -كما كان يفعله الفرس- فيأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - برأيه، ويشارك أصحابه في حفر الخندق؛ لأنه يفيد المسلمين في حمايتهم من عدوهم.
أما التشبه بالكفرة في عاداتهم وتقاليدهم الضارة، فتعود على المسلمين بالخسارة المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية.
(2/192)

بدع المواسم والأعياد
لقد ظهرت احتفالات في المواسم، وأطلقوا عليها أعيادًا، ولم تكن موجودة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وصحابته، والتابعين، والسلف الصالح، وهي من البدع المحدثة في الدين؛ لأنها ليس لها أصل في الكتاب والسنة، وأهمها:
1 - بدعة الإحتفال بعيد المولد النبوي: فلم يثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته هذا الإحتفال السنوي، ولا سيما ما ابتدع فيه من إقامة السرادقات، ونحر الذبائح، واختلاط الرجال بالنساء، وغير ذلك من الاستغاثات بغير الله، مما يتبرأ منه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والمطلوب من المسلم الإتباع لا الإبتداع، فمحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكون بطاعته والصلاة عليه، وصيام الإثنين لأنه يوم مولده، فقد سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الإثنين؟ فقال: "ذاك يوم وُلدتُ فيه". [رواه مسلم]
2 - الإحتفال بليلة النصف من شعبان، وليلة الإِسراء والمعراج، وعيد رأس السنة الهجرية والميلادية، وعيد ميلاد المسيح، وغيرها من الأعياد التي ينكرها الإِسلام.
3 - ذكر الدكتور (ناصر بن عبد الكريم العقل) في مقدمة تحقيق كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ما نصه: "فقد تبين أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين إلا عيدين: هما عيد الأضحى وعيد الفطر، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اتخاذ الأعياد سواء كانت أعيادًا جديدة أو أعيادًا قديمة تحيا.
كما بين أن مسألة الأعياد من المسائل الشرعية التعبدية التي لا يجوز الإبتداع فيها، ولا الزيادة ولا النقص، فلا يجوز إحداث أعياد غير ما شرعه الله ورسوله. إذا فعل المسلمون القليل من الأعياد المبتدعة، فسيؤدي إلى فعل المكثير؛ لأن هذا أمر لا ضابط له إلا الشرع، ومن ثم تكثر الأعياد وتشغل المسلمين عن عبادتهم وأمور معاشهم ومصالحهم، وهذا ما حدث فعلًا الآن، فكل بلد من بلاد المسلمين له أعياد واحتفالات: فعيد لميلاد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وآخر لميلاد الرئيس، وثالث للوطن، ورابع للإستقلال، وخامس للإعتلاء، وسادس للمرأة، وسابع
(2/193)

للطفل، وثامن للأم، وتاسع للربيع، وعاشر للنصر. . الخ مما لا يحصى من الأعياد التي أولها قطر وآخرها طوفان.
ويضاف إلى ذلك ما تستنزفه هذه الأعياد من الأموال والجهود والطاقات والأوقات التي تضيع هدرًا على المسلمين في سبيل الشيطان، وتشغلهم عن ذكر الله والصلاة وعن كثير من الفروض والواجبات، كما أنها مفتاح اللهو والعبث والمجون والإنحلال في حياة الفرد والمجتمع".
(2/194)

منكرات منتشرة في البيوت
1 - سائق السيارة في البيوت: اعتادت الزوجة والبنات التساهل في الحجاب أمام السائق، وهو أجنبي طبعًا مسلمًا كان أو غير مسلم؛ لأنه أصبح في نظر البعض أن السائق وهو رجل، ليس كالرجال الآخرين حسب رأي بعض الرجال أو النساء، فهو يدخل البيت بلا إذن، والنساء أمامه بلا حجاب ويركبن السيارة معه للجامعة أو للنزهة أو غيرها، ولا تسأل عما يجري بين السائق والنساء من مزاح وضحك قد يؤدي إلى الفاحشة والعياذ بالله.
ومثل السائق الخدم من الرجال والنساء، فليحذر المسلم العاقبة الوخيمة، وهو مسؤول أمام الله عن سائقه وخادمه وخادمته وليحذر دخولها على الرجال.
2 - الفديو، والتلفزيون، والمسجل، والراديو: سلاح ذو حدين فإن كان ما نسمعه ونراه فيه فائدة لتعليم الدين والأخلاق والعلم النافع فلا بأس، وإن كان الذي نسمعه أو نراه فيه الموسيقى، والرقص، والخلاعة، والغناء الفاسد، و. . . .، فهذا رأس البلاء، وقَلَّ من يتحكم في الفديو والتلفزيون وغيرهما، لذا كان الخير في اجتنابهما.
وإني أنصح كل مسلم أن يفتح إذاعة القرآن الكريم السعودية، فإن فيها القرآن الكريم وتفسيره، والأحاديث النبوية والمحاضرات القيمة والأخبار. . وكذا المسجل فاستمع منه إلى أشرطة القرآن ودروس الدين.
3 - الإختلاط: إن بعض المسلمين يتساهلون في الجلوس مع أقاربهم رجالًا ونساءً بلا حجاب، بحجة أنهم أقارب، ولم يعلموا أن ابن العم والعمة وابن الخال والخالة حتى الأخ لا يحل له الجلوس والنظر إلى زوجة أخيه، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والدخول على النساء، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ فقال: الحمو: الموت". [متفق عيه] [الحمو: قريب الزوج]
(2/195)

4 - الصور: بعض المسلمين يضعون في بيوتهم صورة له، أو لزوجته وأولاده وبناته، فإذا كانت الصورة للرجل لا يجوز تعليقها وصنعها، فكيف بالنساء؟
والتماثيل أشد حرمة من التصاوير، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:
"إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل أو صورة". [صحيح رواه أحمد]
5 - عيد الميلاد: اعتاد بعض المسلمين أن يقيموا حفلة عيد الميلاد لهم ولأزواجهم وأولادهم، ويعملون الحلاوة، ويشعلون الشمع، ثم يطفئون الشمع على عدد سنين العمر، وهذا العمل تشبه بالنصارى حذر منه ومن غيره الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين قال: "لتتبعُن سُنن من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضَبِ لتبعتموهم" قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمَن؟ ". [أي هم اليهود والنصارى]. [متفق عليه]
6 - السفر: بعض الناس يسافر بعائلاتهم في إجازة الصيف إلى أوربا، وسويسرا، وفرنسا وغيرها لمجرد النزهة، وربما دخلوا بعائلاتهم وبناتهم إلى أماكن اللهو والفساد، ويكون الرجل سببًا في وقوعهم في الفساد الأخلاقي أو غير ذلك.
(2/196)

منكرات الأزياء والزينة
1 - الأزياء: تذهب المرأة إلى الخياط لتفصيل (الفستان) فيأخذ طولها وعرضها، وعدة مواقع من جسمها، ويطلع على المفاتن التي لا تحل إلا لزوجها، ولماذا لا تذهب إلى الخياطة المسلمة لتفصيل الفستان؟ إن المسؤول الأول زوجها وأبوها وأخوها. لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته". [متفق عليه]
2 - الكوفيرا: صالون التجميل كما يسمى الآن، وفي هذا يدخل تحويل الشعر إلى أنواع: تسريحة فرنسية، وأمريكية، أو هوليود، إلى أنواع متنوعة. وقد أخبر الرسول: عن هؤلاء فقال: "صنفان من أهل النار لم أرهما. . . . ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت لا يجدن ريح الجنة. .". [رواه مسلم]
(البخت: الإبل).
3 - المناكير: ما يوضع من ألوان مختلفة على الأظافر تمنع وصول الماء إلى ما تحتها ولا يصح الوضوء بعد استعمالها، والذين يستعملون المناكير يطيلون أظافرهم فتدخل فيها الأوساخ، بالِإضافة إلى سوء منظرها، ومخالفتها للفطرة التي قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر. . . الحديث". [متفق عليه]
ولم يخرج البخاري إلا حديث خمس من الفطرة.
4 - نتف الحواجب والخدود: اعتادت النساء أن ينتفن الحواجب أو الوجه لتظهر رقيقة، وفي هذا تشويه لخلق الله بالِإضافة إلى منظرها البشع، وقد قال فيهن - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله". [متفق عليه]
(الوشم: خرز الجلد بحديدة لوضع مادة فيه للتجميل، وهو معروف عند العرب).
(2/197)

(النامصة: التي تأخذ شعر الوجه أو الحاجب بالمنقاش).
(المتفلجات: يأخذن من أطراف الأسنان).
فإذا كان هذا التغيير لخلق الله حرام للنساء، فالرجال من باب أولى.
(2/198)

بدع الخطبة والزواج
1 - الشبكة للعروسة: ما يسمى بالملكة، وبدخل الزوج قبل العقد ليلبسها الخاتم، وهي مأخوذة عن النصارى والكفرة الذين لا يجدون حرَجًا في مس المرأة والدخول على النساء، والِإسلام لا يقر هذا.
2 - الدبلة للعريس: ما يلبسه الرجل في أصابع اليد اليسرى، وهي بدعة أيضًا فيها تقليد للنصارى والكفرة، وأما إذا كان الخاتم للرجل من ذهب فهو حرام من الكبائر.
رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، فقال:
"يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده؟! "، فقيلِ للرجل بعدما ذهب الرسول: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [رواه مسلم]
3 - حفلات الزواج تقام في الفنادق: ويطوف موظفو الفندق من الرجال على النساء بالعصير والضيافة، وقد يتم تصوير اجتماع النساء بكاميرات الفديو للزفاف وحفلة النساء والزفة بواسطة الرجال، وربما أخذوا هذه الأفلام وعرضوها في البيوت، ويطلع عليها كثير من الأجانب ليشاهدوا النساء والزفاف والعروسة، وقد يصورون العروسة مع زوجها ليضعوها في البيوت ويشاهدها الضيوف، وهذا كله منكر لا يرضاه الإِسلام، وفيه تقليد لغير المسلمين.
والطعام الذي يقدم في الأعراس يبقى منه الكثير، ويُلقى في الزبالة، وهو من نعم الله، وكان الواجب أن يوزع على الفقراء والجائعين.
وبعد الإنتهاء من العرس في قصر الأفراح، تخرج النساء والبنات فلا يجدن المحرم من الرجال، فيذهبن مع الشباب الأجانب، وهُن في زينتهن، وهذه فتنة كبيرة، وفي الحديث: "ما تركتُ بعدي فتنة أضرَّ على الرجال من النساء". [متفق عليه]
4 - شهر العسل: وهو سفر الزوجين لبعض البلاد، وقد يكون لبلد الكفر كفرنسا وغيرها وهناك الفتن وقلة الحياء، وبهذه الفتنة تبدأ الحياة الزوجية، وقد تنتهي بالطلاق.
(2/199)

بدع البناء في البيوت والمساجد
1 - إن كثيرًا من المسلمين يبنون القصور والمساكن، وُيسرفون في بنائها، ويوسعونها زيادة على حاجتهم، كما أنهم يسرفون في الحدائق وعمل المسابح بالِإضافة إلى الإِسراف في الفرش بأغلى التكاليف، ولا سيما الستائر للجدران لأن هذا منهي عنه في الحديث.
ولو اتبع المسلم طريق الهدى والإعتدال في مسكنه ومأكله وحياته، ولم يُسرف؛ لأن الله لا يحب المسرفين، لكان هذا خيرًا له في دنياه وآخرته. فلو اقتصر على اللازم في حدود المعقول، ووجَّه بقية المبلغ في أوجه الخير والِإحسان، وصرفه على الفقراء والمحتاجين من الشعوب التي تعاني الجوع والمرض والجهل وقلة السكن كما حدث في أفريقيا كالصومال والحبشة والسودان وغيرها من بلاد المسلمين، وهناك المجاهدون الأفغان لهم الحق على الأغنياء أن يقدموا لهم المساعدة ليتخلصوا من الكفرة الشيوعيين.
2 - نرى كثيرًا من المسلمين يبنون المساجد، ويصرفون عليها مصاريف ليست ضرورية كالزخرفة والديكور من الداخل والخارج وتعداد المآذن وغيرها من البدع التي ينكرها الإِسلام، وفيها تشبه بالكنائس، وحدثني زميل لي وهو مدرس بأنه دخل مسجدًا فخمًا فيه زخرفة ونقوش متنوعة، فلم يشعر أنه في مسجد، ولم يخشع في صلاته.
علمًا بأن الإسلام ينهى عن الإِسراف، ولا سيما إذا كان فيه تشبه بغير المسلمين، والواجب على الذين يبنون المساجد أن يقتصدوا في بناء المسجد على الشيء الضروري، ويصرفون المبلغ الزائد على بناء مدرسة لتعليم القرآن وغيره أو بناء مساجد في بعض الدول الإِسلامية الفقيرة، أو بناء سكن للفقراء، وغيرها من أعمال الخير والإحسان.
3 - على المسلمين أن يتذكروا دائمًا قول الله تعالى:
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]
{وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 26، 27]
(2/200)

منكرات التشبه بغير المسلمين
1 - بعض المسلمين لا يلتزمُ بالتحية الإِسلامية وهي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ويقول بدلاً منها: صباح الخير، مساء الخير، مرحبًا، عالعافية، وغيرها من الكلمات التي يستعملها غير المسلمين، فيتشبهون بهم، ويحرمون أنفسهم من أجر وثواب السلام الشرعي، وهو ثلاثون حسنة كما ورد في الحديث الصحيح.
2 - إن بعض المسلمين إذا قلت له: السلام عليكم ورحمة الله، أجابك قائلًا: مرحبًا، هلا، أهلًا، وغير ذلك من الأجوبة المخالفة لقول الله تعالى:
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}. [النساء: 86]
3 - إذا فتحت هاتفًا لأحد، فسرعان ما يجيبك (ألو) ومعناها في الإِنجليزي (مرحبًا) فهذه الكلمة فيها خطئان: خطأ تقليد الكفرة، وخطأ ترك السلام واستبداله بمرحبًا، وكثير من الناس يقولون (تليفون) أو يكتبون اختصارًا (ت) واللفظ العربي (هاتف) أو (ها) اختصارًا.
4 - بعض المسلمين يُعلمون أولادهم أن يقولوا عند الوداع: (باي، باي) وهي كلمات أجنبية لينشأ الولد على حب تقليد الكفرة، وكان الواجب على الآباء أن يعلموهم لفظ التحية الوارد في القرآن والسنة وهو: السلام عليكم. . .
5 - بعض المسلمين يُعلمون بناتهم أن يصافحوا الرجال، حتى إذا كبرت تعودتها، وهي عادة الكفرة، وهي محرمة في الإِسلام؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إني لا أصافح النساء". [صحيح رواه الترمذي]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يَمَسَّ امرأة لا تحل له". [صحيح رواه الطبراني]
والمحرم: هو مصافحة المرأة لمن يحل له زواجها من الرجال كابن العم والخال والخالة وغيرهم.
6 - بعض المسلمين يقول: سأفعل كذا وكذا، ولا يقول إن شاء الله، ألم يسمعوا قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}. [الكهف: 23، 24]
(2/201)

7 - يقول بعض الناس: سأزورك غدًا يا صديقي، فيقول له: وعد إنكليزي، فيرُد عليه (أوكي) يعني وعدًا مؤكدًا.
هذا التعبير فيه أخطاء:
أ - لقد استهان المسلمون بوعودهم ولم يفوا بها، مخالفين تعاليم دينهم: فالله يأمرهم بالوفاء بالوعد قائلًا: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}. [الإسراء: 34]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان". [متفق عليه]
ولذلك لم يقولوا (وعد مسلم) لأنه تعود خلف الوعد، فعدلوا عنه إلى (وعد إنكليزي) يُعني لا يتخلف، وكلمة (أوكي) زيادة في التأكيد، أليس هذا عارًا على المسلمين الذين يسيئون بخلف وعدهم إلى أنفسهم ودينهم حتى أصبحوا مضرب المثل، ولذلك قال أحد الدعاة الذين عاشروا المسلمين في بلادهم، والكفرة في وطنهم: يوجد في بلاد المسلمين مسلمون بلا إسلام، وفي بلاد الكفر توجد أخلاق الإِسلام، ولا يوجد مسلمون! بمعنى أن الكفار يطبقون شيئًا أمر به الإِسلام وهو الوفاء بالوعد، والمسلمون لا يطبقون تعاليم دينهم فيخلفون الوعد.
ب - إستعمال كلمة (وعد انكليزي، أوكي) ينبغي استبدالها بكلمات عربية فتقول: (وعد مسلم لا يخلف وعده، وعد مؤكد)، وأن نطبق الفعل، والقول.
8 - بعض المسلمين يقول لك: أزورك بعد العصر، فتنتظره طويلًا ولا يأتي إلا قبل المغرب، ويلحق الضرر بأخيه الذي فوَّت عليه مصالحه بانتظاره طويلًا. إن بعض التجار يريدون الدعاية والترويج لبضائعهم، فيكتب على متجره أسماء أجنبية مثل: هولدن، أو أزياء باريس، أو سيدتي الجميلة، سيدتي الأنيقة، ولا يرضى اسمًا عربيًا من الأسماء التي لها دلالة على تاريخنا الإِسلامي مثل: تبوك، اليرموك وغيرها. .
وبعض التجار يريد إغراء المشتري فيقول له: حاجة مودرن، أو آخر ما أنتجته أمريكا وأوربا، أو آخر صيحة في عالم الأزياء، أو عالم كذا وكذا، وقد يكذب.
(2/202)

9 - إن بعض المسلمين إذا رزق بصبي أو بنت راح يبحث عن اسم غريب مثل: سوسن، وسوزان، وسوسو، عبير، هويدا، كيتي، ناهد، ولو نصحته أن يختار اسمًا لولده مثل: محمد، أحمد، عمر، عبد الله، عبد الرحمن، أو لبنته مثل: حسانة، سمية، خديجة، عائشة، حليمة، لقال لك إنها أسماء قديمة أنا أرغب في أسماء مودرن (جديدة).
ولم يعلم هذا الأب المسلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"خير أسمائكم عبد الله وعبد الرحمن، والحارث".
[صحيح رواه الطبراني صحيح الجامع 3269]
وأن اسم (سمية) أول شهيدة في الإِسلام، واسم (رُفيدة) كانت تضمد الجرحى. أليس من العار أن نترك أسماء الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والصحابيات، ثم نسمي بأسماء المغنيات والفنانات، وهن الفاسقات؟ ثم لا ترى من اليهود والنصارى والكفرة من يُسمي بأسماء الصحابة والصحابيات أو المسلمات!!
10 - كثير من الناس يقولون عن الجسر وهو اسم عربي، يقولون: كوبري (غير عربي)، نحن مسلمون وقرآننا عربي، فعلينا أن نتكلم العربية ونفخر بها، لا أن نقلد الأعاجم.
11 - اعتاد كثير من المسلمين حتى في البلاد العربية أن يكتبوا التاريخ بالميلادي بدلاً من التاريخ الهجري في السنة والأشهر، وهذا خطأ كبير، فإن الكفرة والنصارى يؤرخون بميلاد عيسى، ثم تبعهم المسلمون، وتركوا تاريخ هجرة نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - التي ترمز لعزهم ونصرهم، فعلى المسلمين أن يؤرخوا بالهجري وإذا احتاجوا إلى الميلادي، فليجعلوه بعد الهجري.
12 - ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم فقال: الوجه الثاني: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي يتميزون بها [1/ 463].
(2/203)

مشروعية التكني وعدم التشبه بالأعاجم
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: "اكتني أنت أم عبد الله".
[صحيح رواه أحمد انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة]
1 - سبب الحديث: أن عائشة قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله كل نسائك لها كُنية غيري، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فذكره.
قال: "فكان يقال لها أم عبد الله حتى ماتت ولم تلد قط".
2 - يستفاد من الحديث: مشروعية التكني ولو لم يكن له ولد، (والصبي والبنت سواء)، وهذا أدب إسلامي ليس له نظير عند الأمم الأخرى فيما أعلم.
فعلى المسلمين جميعًا أن يتمسكوا به رجالًا ونساءً، ويتركوا ما تسرب إليهم من عادات الأعاجم مثل: (البيك) و (الأفندي) و (الباشا) ونحو ذلك (المسيو) أو (السيد) و (السيدة) و (الآنسة) إذ كل ذلك دخيل على الإِسلام، وقد نص فقهاء الحنفية على كراهة (الأفندي) لما فيه من التزكية كما في حاشية ابن عابدين.
أقول: ومثله: (الشنته) فهي تركية، ولفظها العربي: (محفظة) أو (حقيبة). أما السيد فإنما يطلق على من كان له نوع ولاية ورياسة، وفي ذلك جاء في الحديث: "قوموا إلى سيدكم". [رواه البخاري]
ولا يطلق على كل أحد؛ لأنه من باب تزكية النفس:
وفي الحديث: "لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم -عَزَّ وَجَلَّ-". [صحيح رواه أحمد]
[انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني]
(2/204)

(من تشبه بقوم فهو منهم)
يحذرنا الرسول الكريم في هذا الحديث الصحيح من التشبه بالكفار فيما يخالف تعاليم الإِسلام، حتى لا نكون منهم، ولا نحشر معهم يوم القيامة، ويَحضنا هذا الحديث على التشبه بالمؤمنين والصالحين في أخلاقهم وزيهم وعقيدتهم، حتى نكون منهم، ونُحشر معهم، قال الله تعالى:
{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}. [النساء: 69]
إن المسلمين اليوم تركوا أمور دينهم، وتركوا الزيَّ الإِسلامي المخصص لهم والذي يميزهم عن غيرهم من اليهود والنصارى، وراحوا يتشبهون بأعدائهم فيما يضرهم، ويفسد أخلاقهم، وتركوا تقليد الأجانب فيما ينفعهم من الإختراعات الحديثة كالطائرات والمدافع، وغيرها مما يفيدهم في الدفاع عن دينهم ومقدساتهم، وحق عليهم قول الشاعر:
قلَّدوا الغربي، لكن بالفجور ... وعن اللُّب استعاروا بالقشور
أهم التقاليد الأجنبية التي عمت الرجال والنساء:
1 - السفور: لقد تركت المرأة المسلمة الحجاب الذي فرضه الله عليها، ليحفظ شرفها، وراحت تتشبه بالمرأة اليهودية والنصرانية، فأفسدت أخلاق الشباب، عندما كشفت وجهها ونحرها وذراعها، وشعرها، وأصبحت رخيصة في الأسواق.
2 - لباس البنطال: الكثير من شباب المسلمين اليوم يلبسون البنطال الضيق الذي يُجسم عورتهم الأمامية والخلفية، ويحكي حجم أفخاذهم، مقلِّدين الكفار، ولا أدل على ذلك من تسميته بأسماء أجنبية (شلستو، كوبوي) وقد لبسه النساء أيضًا، ليُسهلوا عملية الاختلاط بالرجال في خطة يهودية خبيثة، فكثيرًا ما يصعب عليك أن تفرق بين الرجل والمرأة، وقد سئل رجل عالم عن لبس البنطال الضيق فقال: يحرم لبسه في الصلاة وخارجها، وإذا أردت أن تعرف تجسيم البنطال
(2/205)

للعورة، فانظر إلى رجل يلبس البنطال، كيف يبدو حجم عورته من الأمام، وانظر إلى تجسيم مقعده وخاصة عند السجود، وهو من أبشع المناظر المخزية، ويمكن للمضطرين لباس البنطال العريض جدًا عند العمل، ولبس الثوب في غير وقته، ولا سيما عند الصلاة.
3 - كثير من المسلمين يلبسون الثوب، ولكنهم يطيلونه إلى أسفل الكعبين مخالفين قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إرفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإِزار، فإنها من المخيلة". (أي الكبر والاختيال). [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ما أسفل الكعبين من الإِزار ففي النار". [رواه البخاري]
ويُفهم من هذه الأحاديث تحريم تطويل الثياب أسفل الكعبين لأنه من التكبر.
4 - لباس البرنيطة: يحرم لباسها لأنها شعار الكفرة، يضعونها على رؤوسهم، وتسمى (كاسك) ومن سيئاتها تمنع المسلم من السجود، والقلنسوة (الطاقية) العربية أو فوقها العمامة، هو شعار الإِسلام، وهو يقي حر الشمس، والبرد، ولا يمنع المسلم من السجود، وبه يتميز المسلم عن غيره.
5 - لباس خاتم الذهب والأساور في اليد والرقبة للرجال: كما يحرم حلق اللحية لأنه تشبه بالكفار والنساء، قال - صلى الله عليه وسلم -:
"لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء".
[صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي انظر صحيح الجامع رقم 4976]
(2/206)

منكرات المآتم والقبور
1 - الِإعلان في المآذن عن موت شخص، ولا سيما إذا كان في الإِعلان أذان وتمطيط لألفاظه.
2 - تقديم الأكاليل والزهور لوضعها على الميت؛ لأن فيها تشبهًا بالنصارى، وضياعًا للأموال.
3 - رفع الصوت بالبكاء على الميت، أو النياحة، أو لطم الخدود، أو شق الثياب، أو لبس السواد.
4 - ذهاب النساء مع الرجال إلى المقبرة لدفن الميت، أو عزف موسيقى حزينة في المقبرة.
5 - رثاء الميت عند القبر، ومدحه بالنثر والشعر؛ لأن هذا مَنْهي عنه، والوارد هو إلقاء كلمة فيها موعظة للحاضرين كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
6 - قراءة القرآن عند القبر، أو الذكر أو المولد لعدم فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لذلك، بل الثابت عنه أنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال:
"استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل". [صحيح رواه الحاكم]
7 - تقديم الطعام من أهل الميت للمجتمعين لقول جرير -رضي الله عنه-:
"كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه لغيرهم من النياحة". (النياحة محرمة في الإِسلام). [صحيح رواه أحمد]
8 - الاجتماع إلى أهل الميت في مكان معين للتعزية، إذ يمكن تعزيتهم في كل وقت، ولا سيما إذا كان الاجتماع فيه قراءة القرآن لعدم فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته ذلك.
9 - يحرم البناء على القبر، والأحجار العالية، وتدهينه والكتابة عليه، ففي الحديث: "نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يُجَصَّصَ القبر، وأن يُبنى عليه". [رواه مسلم]
"ونهى أن يُكتب على القبر شيء". [رواه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي]
لأن في البناء والكتابة ضياعًا للأموال، ولو صرفت على الفقراء لاستفاد الميت.
10 - القيام بعمل حفلة الأربعين والحول للميت، وتوزيع المأكولات.
(2/207)

11 - زيارة القبور في يوم مخصوص: كيوم الجمعة، أو العيد، أو نصف شعبان؛ لأن زيارة القبور تكون للموعظة وللدعاء للأموات، وليس لها وقت معين.
12 - يقول أحد الدعاة: أعطوني ما تنفقونه من الأموال التي تبلغ بضعة ملايين يوميًا على المآتم وتشييد القبور. . وأنا كفيل لكم بأن أُغيّر لكم وجه العالم الإِسلامي، فيصبح من دول الدنيا الكبيرة.
13 - المشروع والمطلوب من المسلمين أن يصنعوا الطعام لأهل الميت لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم". [حسن رواه أبو داود والترمذي]
(2/208)

الصوفية في ميزان الكتاب والسنة
لقد انتشرت الصوفية في بلاد العالم الإِسلامي، وانقسم الناس فيها إلى فريقين: مؤيد ومعارض، فكيف يعرف المسلم الحق؟ هل هو مع المؤيدين للصوفية، فيسير معهم؟ أم هو من المعارضين للصوفية فيجتنبهم؟
لابدّ من الرجوع إلى الكتاب والسنة الصحيحة لمعرفة ذلك عملاً بقوله تعالى:
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}. [النساء: 59]
لم يعرف الِإسلام اسم الصوفية في زمن الرسول وصحابته والتابعين، ثم جاء جماعة من الزهاد لبسوا الصوف، فأطلقوا هذا الأسم عليهم، وقيل مأخوذ من كلمة (صوفيا) ومعناها الحكمة، حينما ترجمت كتب الفلسفة اليونانية، وليست مأخوذة من الصفاء كما يدعي بعضهم لأن النسبة إلى الصفاء (صفائي) وليست (صوفي)
يقول أبو الحسن الندوي في كتابه (ربانية لا رهبانية): ليتهم ما قالوا صوفية، بل سموها تزكية، كما قال الله تعالى:
{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}. [البقرة: 129]
فظهور هذا الاسم الجديد فرَّق المسلمين.
وقد تختلف الصوفية الأوائل عن الصوفية المتأخرة التي انتشرت فيها البدع أكثر من سالفتها، وقد حذر منها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"إياكم ومُحدثات الأمور، فإن كل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
[رواه الترمذي وقال حسن صحيح]

ومن الإنصاف أن نضع تعاليم الصوفية في ميزان الإسلام لنرى قربها أو بعدها
عنه:
1 - الصوفية لها طرق متعددة كالتيجانية، والقادرية، والنقشبندية، والشاذلية، والرفاعية وغيرها من الطرق التي يدعي كل منها أنه على حق، وغيرها على باطل، والإِسلام ينهي عن التفرق ويقول الله تعالى في كتابه المجيد:
{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. [الروم: 31، 32]
(2/209)

2 - الصوفية تدعو غير الله من الأنبياء والأولياء الأحياء والأموات، فهم يقولون: (يا جيلاني ويا رفاعي ويا رسول الله غوثًا ومددًا ويا رسول الله عليك المعتمد). والله ينهى عن دعاء غيره، ويعتبره شركًا إذ يقول:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [يونس: 106]
(الظالمين: أي المشركين).
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].
فالدعاء عبادة كالصلاة لا يجوز لغير الله ولو كان رسولًا أو وليًا، وهو من الشرك الأكبر الذي يحبط العمل، ويخلد صاحبه في النار.
3 - الصوفية تعتقد أن هناك أبدالًا وأقطابًا وأولياء سلَّم الله لهم تصريف الأمور وتدبيرها والله يحكي جواب المشركين حين يسألهم:
{وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [يونس: 31]
والصوفية يلجأون لغير الله عند نزول المصائب والله يقول:
{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [الأنعام: 17]
والله يحكي عن المشركين في الجاهلية حين تنزل بهم المصائب:
{ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53]
4 - بعض الصوفية يعتقد بوحدة الوجود، فليس عندهم خالق ومخلوق، فالكل خلق، والكل إله، وزعيمهم ابن عربي المدفون بدمشق يقول:
العبد رَب، والربُّ عبد ... يا ليت شعري مَن المكلف؟
إن قلت عبد فذاك حَق ... أو قلت رب أنَّى يُكلَّف؟
[الفتوحات المكية لابن عربي]
5 - الصوفية تدعو إلى الزهد في الحياة، وترك الأسباب والجهاد والله تعالى يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}. [القصص: 77]
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}. [الأنفال: 60]
(2/210)

6 - الصوفية تعطي مرتبة الإِحسان إلى شيوخهم وتطلب منهم أن يتصوروا شيخهم عندما يذكرون الله، حتى في صلاتهم، وكان لي قريب رأيته يضع صورة شيخه أمامه في الصلاة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"الِإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". [رواه مسلم]
7 - الصوفية تدعي أن عبادة الله لا تكون خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته، ويستشهدون بقول رابعة العدوية: [اللهم إن كنت أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني فيها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها].
ولقد سمعتهم ينشدون قول عبد الغني النابلسي: من كان يعبد الله خوفًا من ناره فقد عبد النار، ومن عبد الله طلبًا للجنة فقد عبد الوثن.
والله -عَزَّ وَجَلَّ- يمدح الأنبياء الذين يدعونه طلبًا لجنته وخوفًا من عذابه فيقول: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا}. [الأنبياء: 90] أي (راغبين في جنته، خائفين من عذابه).
والله يخاطب رسوله الكريم قائلًا:
{قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. [الأنعام: 15]
8 - الصِوفية تُبيح الرقص والدف ورفع الصوت بالذكر والله تعالى يقول:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}. [الأنفال: 2]
ثم تراهم يذكرون بلفظ (الله) حتى يصلوا إلى التلفظ بكلمة (أه، آه) والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أفضل الذكر: لا إله إلا الله". [حديث حسن رواه الترمذي]
ورفع الصوت في الذكر والدعاء منهي عنه بقول الله تعالى:
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. [الأعراف: 55]
(لا يُحب المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت). [ذكره تفسير الجلالين]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يسمع أصحابه يرفعون أصواتهم فيقول لهم:
"أيها الناس اربَعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون
سميعًا قريبًا، وهو معكم". (وهو معكم: بسمعه وعلمه). [رواه مسلم]
9 - الصوفية تذكر اسم الخمر والسكر، فيقول شاعرهم وهو ابن الفارض:
شربنا على ذكر الحبيب مُدامة ... سكرنا بها من قبل أن يُخلَق الكَرْم
(2/211)

وسمعتهم ينشدون في المسجد:
هات كاس الراح ... واسقنا الأقداح
(والمدامة والراح: من أسماء الخمر).
أقول: لا يستحي الصوفية من ذكر أسماء الخمر في بيت الله الذي أُنشىء لذكر الله لا لذكر أسماء الخمر المحرمة، والله تعالى يقول:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. [المائدة: 90]
10 - الصوفية تتغزل باسم النساء والصبيان في مجالس الذكر، فيرددون اسم الحب، والعشق والهوى، وليلى، وسعاد، وغيرها، وكأنهم في مجلس طرب، فيه الرقص، وذكر الخمر، مع التصفيق والصياح، والتصفيق من عادة المشركين وعبادتهم، قال الله تعالى:
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}. [الأنفال: 35]
(المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق).
11 - الصوفية تستعمل الدف المسمى (بالمزهر) في ذكرها، وهو مزمار الشيطان، فقد دخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها جاريتين تضربان بالدف، فقال أبو بكر:
مِزمار الشيطان (مرتين)، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"دعهما يا أبا بكر، فإنهما في يوم عيد". [رواه البخاري بألفاظ مختلفة]
فقد أقر الرسول أبا بكر على قوله، ولكنه أخبره أنه في يوم عيد مسموح به للبنات، ولم يثبت عن الصحابة والتابعين أنهم استعملوا الدف عند ذكرهم بل هو من بدع الصوفية التي حذر منها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ". [رواه مسلم]
(رد: غير مقبول).
12 - بعض الصوفية يضرب نفسه بسيخ حديد قائلًا: (يا جداه) فتأتيه الشياطين ليساعدوه على فعله؛ لأنه استغاث بغير الله، والدليل قول الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}. (يَعشُ: يُعرض). [الزخرف: 36]
(2/212)

وبعض الجهال يظن أن هذا العمل من الكرامات، مع أن الفاعل لها قد يكون فاسقًا وتاركًا للصلاة، وكيف نعتبره كرامة، وصاحبه استغاث بغير الله عندما قال: (يا جداه) بل هذا من الشرك والضلال الذي قال الله فيه:
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ}. [الأحقاف: 5]
وهو استدراج في طريق الضلال لفاعله بعد أن اختار الطريق لنفسه، قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا}. [مريم: 75]
13 - الصوفية لها طرق كثيرة كالتيجانية، والشاذلية، والنقشبندية، وغيرها، والِإسلام له طريق واحد فقط، والدليل حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- حين قال: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا"، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذه السُّبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ قوله تعالى:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. [الأنعام: 153] [صحيح رواه أحمد والنسائي]
14 - الصوفية تدعي الكشف وعلم الغيب، والقرآن يكذبهم قائلًا:
{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}. [النمل: 65]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يعلم الغيب إلا الله". [حسن رواه الطبراني]
15 - الصوفية تزعم أن الله خلق محمدًا من نوره، وخلق من نوره جميع الأشياء، والقرآن يكذبهم قائلًا:
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ. . .}. [الكهف: 110]
وقوله تعالى عن خلق آدم:
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ}. [ص: 71]
وأما حديث: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر". [فهو موضوع وباطل]
16 - الصوفية تزعم أن الله خلق الدنيا لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن يكذبهم قائلًا:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}. [الذاريات: 56]
وخاطب القرآن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. (اليقين: الموت). [سورة الحجر: 99]
(2/213)

17 - الصوفية تزعم رؤية الله في الدنيا، والقرآن يكذبهم حين قال على لسان موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي}. [الأعراف: 143]
وقد ذكر الغزالي في كتابة إحياء علوم الدين (باب حكاية المحبين ومكاشفاتهم)، هذه القصة: قال أبو تراب يومًا: لو رأيت أبا يزيد!، فقال له صديقه: إني عنه مشغول، قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد، قال أبو تراب: ويلك تغتر بالله -عَزَّ وَجَلَّ- لو رأيت أبا يزيد (البسطامي) مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة.
ثم قال الغزالي: فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن.
أقول للغزالي: بل يجب على المؤمن أن ينكرها لأنها كذب وكفر تخالف القرآن والحديث والعقل.
18 - الصوفية تدعي وتزعم رؤية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا يقظة، والقرآن يكذبهم قائلًا:
{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. [المؤمنون: 100]
(أي من أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا إلى يوم القيامة). [ذكره الطبري]
ولم ينقل إلينا أن أحدًا من الصحابة رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقظة، فهل هم أفضل من الصحابة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
19 - الصوفية تزعم أنها تأخذ العلم من الله مباشرة بدون واسطة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: (حدثني قلبي عن ربي)، قال ابن عربي المدفون بدمشق في كتابه الفصوص: (فمنا الخليفة عن الرسول الذي يأخذ الحكم عنه- صلى الله عليه وسلم - أو بالاجتهاد الذي أصَّلَه أيضًا، وفينا من يأخذه عن الله فيكون خليفة الله!).
أقول: هذا الكلام باطل يخالف القرآن الذي ينص على أن الله أرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ليبلغ الناس أوامر الله، قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}. [المائدة: 67]
ولا يمكن لأحد أن يأخذ عن الله مباشرة، وهو كذب وافتراء، ثم إن الإِنسان لا يكون خليفة عن الله؛ لأن الله لم يغب عنا حتى يخلفه الإِنسان، فالله هو الذي يخلفنا حينما نغيب ونسافر، لذلك جاء في الحديث:
"اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل". [رواه مسلم]
(2/214)

20 - الصوفية تقيم المولد والاجتماع باسم مجلس الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم يخالفون تعاليمه، ولذلك حينما يرفعون أصواتهم في الذكر والأناشيد والقصائد التي فيها الشرك الصريح، فسمعتهم يقولون مخاطبين الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
المدد يا عريض الجاه المدَد ... ويا مفيض النور على الوجود المدد
يا رسول الله فرِّج كربنا ... ما رآك الكرب إلا وشرَد
أقول: الإِسلام يوجب علينا الاعتقاد بأن مفيض النور على الوجود، والمفرج
للكروب هو الله وحده.
21 - الصوفية تشد الرحال إلى القبور للتبرك بأهلها أو الطواف حولها، أو الذبح عندها مخالفين قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا،
والمسجد الأقصى". [متفق عليه]
22 - الصوفية تتعصب لشيوخها، ولو خالفت قول الله ورسوله، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. [الحجرات: 1]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف". [متفق عليه]
23 - الصوفية تستعمل الطلاسم والحروف والأرقام لعمل الإستخارة، والتمائم والحجب، وغير ذلك.
أقول: لماذا يلجأون إلى الخرافات من حساب اسم الزوجين في الإستخارة،
وغيرها من البدع والمنكرات، ويتركون دعاء الإستخارة الوارد في صحيح البخاري الذي كان يُعلِّمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه كالسورة من القرآن يقول:
"إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدِرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدِر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. . الخ". [رواه البخاري]
2 - الصوفية لا تتقيد بالصلوات الواردة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل يبتدعون صلوات فيها الشرك الصريح الذي لا يرضاه الذي يُصلون عليه، فقد قرأت في كتاب (أفضل الصلوات) لشيخ لبناني صوفي يقول فيه:
(اللهم صلى على محمد حتى تجعل منه الأحدية القيومية).
(2/215)

أقول: الأحدية، والقيومية: من صفات الله وأسمائه.
وفي كتاب (دلائل الخيرات) صلوات مبتدعة لا يرضاها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
لقد رأيت يا أخي المسلم أن الصوفية بعيدة عن الإسلام جدًا بعد أن رأيت اعتقادها وأعمالها في ميزان الإسلام، وأن العقل السليم يرفض هذه البدع والضلالات والمنكرات التي توقع في الشرك والكفر.
اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.
(2/216)

من أقوال الصوفية
إن كثيرًا من الناس يظن أن الصوفية من الإِسلام، وأن فيهم الأولياء، وأريد
لكل أخ مسلم أن يطلع على أقوالهم ليرى بعدهم عن الإسلام وتعاليم القرآن:
1 - يقول الشيخ مُحيي الدين بن عربي الدفون بدمشق وهو كبير الصوفية في كتابه الفتوحات المكية: "ورُب حديث يكون صحيحًا عن طريق رواته حصل لهذا المكاشف الذي عاين هذا المظهر، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الحديث فأنكره وقال له: "لم أقله ولا حكمت به فيعلم ضعفه، فيترك العمل به، على بينة من ربه، وإن كان عمل به أهل النقل لصحة طريقه، وهو في نفس الأمر ليس كذلك" وهذا الكلام موجود في مقدمة كتاب الأحاديث المشتهرة للعجلوني.
هذا الكلام خطير وضَربٌ للحديث النبوي، وطعن في علماء الحديث كالبخاري ومسلم وغيره.
2 - ويقول ابن عربي عن وحدة الأديان كاليهودية والنصرانية والوثنية والإِسلام:
وقد كنتُ قبل اليوم أُنكر صاحبي ... إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
فأصبح قلبي قابلًا كل حالة ... فمرعىً لِغزلان، وَدَير لرُهبان
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةِ طائف ... وألواح توراةٍ ومُصحف قرآن
والقرآن يَرد كلامَ ابن عربي ويقول:
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [آل عمران: 85]
3 - وابن عربي يعتقد أن الله هو المخلوق، والمخلوق هو الله، وكل منهما يعبد الآخر، ويُعبِّر عن ذلك بقوله:
فَيحمدُني وأحمَدُه ... ويَعبدنُي وأعبدُه؟
4 - ويقول ابن عربي في كتابه الفصوص:
"إن الرجل حينما يضاجع زوجته، إنما يضاجع الحق"!.
5 - ويشرح النابلسي ذلك بقوله: "إنما ينكح الحق".
(2/217)

6 - ويقول أبو يزيد البسطامي يخاطب الله: فزيِّني بوحدانيتك، وألبِسْني رَبَّانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقُك قالوا رأيناك ويقول عن نفسه: سبحاني سبحاني، ما أعظم شأني، الجنة لعبة صبيان!!
7 - ويقول جلال الدين الرومي: مسلم أنا ولكني نصراني، وبرهامي، وزرادشتي، ليس لي سوى معبد واحد. . . مسجد، أو كنيسة، أو بيت أصنام!!
8 - يقول ابن الفارض: إن الله تجلَّى لقيس بصورة ليلى، وتجلى لكُثير بصورة عَزة، وتجلّى لجميل بصورة بُثينة في قصيدته التائيّة المعروفة، فهو يعتبر أن هذا من تجليات الحق.
9 - سُئلت رابعة العدوية: هل تكرهين الشيطان؟ فقالت: "إن حبي لله لم يترك في قلبي كراهية لأحد"، وتقول مخاطبة لله تعالى: "إن كنتُ أعبدُك خوفًا مِن نارك فأحرقني بها!! " والله يُحذرنا من النار فيقول:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا. . .}. [التحريم: 6]
وقالوا عن رابعة: إنها كانت مُغنِّية أو راقصة، فكيف يجوز الأخذ بقولها، وهي
تخالف القرآن؟
10 - ألَّف الشيخ عثمان (1) البرهاني وهو صوفي معاصر من السودان كتابًا سماه: (انتصار أولياء الرحمن على أولياء الشيطان): (ويقصد الوهابيين والإِخوان المسلمين).
__________
(1) حكمت عليه الحكومة السودانية بالإعدام فقتل.
(2/218)

كرامات الصوفية
تزعم الصوفية أن لها رجالًا من الأولياء لهم كرامات وسأذكر للقارىء الكريم شيئًا من كراماتهم الصادرة عن أوليائهم ليرى أنها خرافات وضلالات وكفريات. يقول الشعراني في كتابه "الطبقات الكبرى" يُعدد كرامات أولياء الصوفية:
1 - وكان -رضي الله عنه- يلبس الشاش المخطط كعمامة النصارى، وكان دكانه مُنتنًا قذرًا لأن كل كلب وجده ميتًا أو خروفًا يأتي به فيضعه داخل الدكان، فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده، وأنه توجه إلى المسجد فوجد في الطريق مسقاة كلاب فتطهر فيها، ثم وقع في مشخة حمير.
2 - وكان -رضي الله عنه- إذا رأى امرأة أو أمردًا (شابًا بلا لحية) راوده عن نفسه، وحسَّس على مِقعدته، سواء كان ابن أمير أو ابن وزير، ولو كان بحضرة والده أو غيره، ولا يلتفت إلى الناس! ..
3 - ويتحدث الشعراني عن سيده (علي وحيش) فيقول: وكان إذا رأى شيخ بلد أو غيره، يُنزله من على الحمارة ويقول له إمسك رأسها حتى أفعل بها، فإن أبى شيخ البلد، تسمَّر في الأرض لا يستطيع أن يمشي خطوة.
4 - يقول الشعراني عن سيده محمد الخضري: "أخبرني الشيخ أبو الفضل السرسي، أنه جاءهم يوم الجمعة، فسألوه الخطبة، فطلع على المنبر، وحمد الله وأثنى عليه وحده ثم قال: "وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام"، فقال الناس: كفر، فسل السيف ونزل وهرب الناس كلهم من الجامع، فجلس على المنبر إلى أذان العصر، وما تجرأ أحد أن يدخل الجامع، ثم جاء بعض أهالي البلاد المجاورة، فأخبر أهل كل بلدة أنه خطب عندهم وصلى فيهم، فعددنا له ذلك اليوم ثلاثين خطبة، هذا ونحن نراه جالسًا عندنا في الخطبة".
(2/219)

الجهاد عند الصوفية
الجهاد الصحيح عند الصوفية قليل جدًا فهم مشغولون بجهاد أنفسهم على زعمهم ويروون حديثًا كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"رجعنا من الجهاد الأصفر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس".
فهذا لم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل الواضح من القرآن والسنة أن جهاد الكفار من أعظم القربات إلى الله تعالى، وهذه أقوال الصوفية في الجهاد:
1 - يقول الشعراني: لقد أُخذ علينا العهد بأن نأمر إخواننا أن يدوروا مع الزمان وأهله كيفما دار، ولا يزدرون قط من رفعه الله عليهم، ولو كان في أمور الدنيا وولايتها.
2 - ويقول ابن عربي: إن الله إذا سلَّط ظالمًا على قوم: فلا يجب أن يقاوموه؛ لأنه عقاب لهم من الله.
3 - وابن عربي وابن الفارض الزعيمان الصوفيان الكبيران عاشا في عهد الحروب الصليبية، فلم نسمع أن واحدًا منهما شارك في قتال، أو دعا إلى قتال، أو سجل في شعره أو نثره آهة على الفواجع التي نزلت بالمسلمين، لقد كانا يقرران للناس: أن الله هو عين كل شيء، فليدع المسلمون الصليبيين، فما هم إلا الذات الآلهية مُتجسدة بتلك الصور.
4 - ويذكر الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) عند بحث طريقة التصوف، أنه كان خلال الحروب الصليبية مشغولًا في خلوته تارة في مغارة دمشق، وتارة في صخرة بيت المقدس، يغلق بابهما عليه في مدة تزيد على السنتين.
ولما سقط بيت المقدس في يد الصليبيين عام 492 ه لم يُحرِّك الغزالي ساكنًا، ولا دعا للجهاد لإِعادته، مع أنه عاش (12) سنة بعد سقوطه.
وكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، لم يذكر فيه شيئًا عن الجهاد أبدًا، بل ذكر فيه كثيرًا من الكرامات التي هي خرافات وكفريات، وهي في الجزء الرابع صحيفة 456.
5 - ويذكر صاحب كتاب (تاريخ العرب الحديث والمعاصر) أن أصحاب الطرق
(2/220)

الصوفية أشاعوا الخرافات والبدع، وبثُّوا روح الإنهزامية والسلبية في النضال،
فاستخدمهم، الإستعمار كجواسيس.
6 - ومن كتاب "في التصوف" لمحمد فهر شقفه السوري ص 217 يقول:
(نرى من واجبنا خدمة للحقيقة والتاريخ أن نذكر أن الحكومة الفرنسية في زمن الإنتداب على سورية حاولت نشر هذه الطريقة (التيجانية) واستأجرت بعض الشيوخ لهذه المهمة، فقدمت لهم المال والمكان لتنشئة جيل يميل إلى فرنسا، لكن مجاهدي المغرب لفتوا انتباه المخلصين من أهل البلاد إلى خطر الطريقة التيجانية، وأنها فرنسية استعمارية تتستر بالدين، فهبت دمشق عن بكرة أبيها في مظاهرات صاخبة).
(2/221)

مفهوم الولي عند الناس
إن مفهوم الولي عند كثير من الناس هو الذي يكون على قبره قبة كبيرة أو الذي دفن في المسجد، وينسب السَّدنة لهذا الولي بعض الكرامات، وقد تكون غير صحيحة، لكي يأخذوا من الناس أموالهم ويأكلوها بالباطل.
وفكرة القباب، والمشاهد بدعة اخترعها الدروز وسَمُّوا أنفسهم بالفاطميين ليصرفوا الناس عن المساجد، وأكثرها مفتعلة لا أصل لها، حتى قبر الحسين -رضي الله عنه- ليس في مصر، وقد استشهد في العراق.
والدفن في المسجد من عمل اليهود والنصارى حذر منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". [متفق عليه]
ويظن بعض الناس أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دفن في مسجده، وهذا خطأ كبير؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دفن في بيته، ثم بقي على حاله حتى جاء الأمويوق بعد (80) عامًا ووسَّعوا المسجد، وأدخلوا القبر إليه.
إن كثيرًا من المسلمين يدفنون الموتى في المساجد ولا سيما إذا كان شيخًا، وبعد مدة يبنون عليه القُبة ويطوفون حوله، ويسألونه من دون الله، ويقعون في الشرك، والله تعالى يقول: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. [الجن: 18]
فالمساجد في الإسلام ليست مقابر لدفن الموتى، بل، هي للصلاة ولعبادة الله وحده، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تُصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها". [رواه مسلم]
"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم، وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك". [رواه مسلم]
(2/222)

أولياء الرحمن
1 - قال الله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. [يونس: 62]
2 - وقال تعالى: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ}. [الأنفال: 34]
3 - الولي في القرآن هو المسلم الذي يتقي الله ولا يعصيه ويدعوه ولا يشرك به وهو الذي حذر الله من إيذائه ومعاداته وأكل ماله، فقال الله في الحديث القدسي:
"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب. . .". [رواه البخاري]
وقد تظهر لهذا الولي المسلم الموحد الطائع كرامة يكرمه الله بها عند الحاجة، فالولاية ثابتة والكرامة ثابتة في القرآن الكريم، والدليل على ذلك قصة مريم عليها السلام حينما كانت تجد الرزق والطعام في بيتها، حيث قال الله في حقها:
{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. [آل عمران: 37] فالولاية ثابتة، والكرامة ثابتة ولكن لا تكون إلا لمؤمن طائع موحد، ولا يُمكن أن تكون لرجل فاسق يترك الصلاة أو يُصر على الذنوب، ولا يشترط ظهور الكرامة على يديه حتى يكون وليًا، فالقرآن الكريم لم يشترطها، بل اشترط الإِيمان والتقوى فقط.
(2/223)

أولياء الشيطان
ولا يمكن أن تظهر الكرامة على يد فاسق يجاهر بالمعاصي أو يستغيث بغير الله وهو من عمل المشركين، فكيف يكون من الأولياء المكرمين؟.
كما أن الكرامة لا تكون بالوراثة عن الأجداد، بل تكون بالإِيمان والعمل الصالح، وما يظهر على يد بعض المبتدعين من ضرب السيف لأنفسهم، أو أكل النار، فهو من عمل الشياطين والمجوس، وهو استدراج لهم ليسيروا في ضلالهم، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}. [الزخرف: 36]
ومثل هذا العمل لا يُقرُّه الإِسلام؛ لأنه لم يعملهُ رسول الله وصحابته من بعده،
وهو من البدع المحدثة التي قال عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكُل بدعة ضلالة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
والكفار في الهند يفعلون أكثر من ذلك، كما نقل ذلك ابن بطوطة في رحلته وحكى عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، فهل نقول عنهم أولياء لهم كرامات؟!!
بل هذا من عمل الشياطين وهو استدراج لصاحبه ليزيد في الضلالة كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا}. [سورة مريم: 75]
(2/224)

الخوف والرجاء
قال الله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}. [الأعراف: 56]
يأمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يدعوا خالقهم ومعبودهم خوفًا من ناره وعذابه، وطمعًا في جنته ونعيمه، كما قال تعالى في سورة الحجر:
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}. [الحجر: 49، 50]
لأن الخوف من الله يحمل العبد على الابتعاد عن معاصي الله ونواهيه، والطمع في جنته ورحمته يحفزه على العمل الصالح، وكل ما يُرضي ربه.

ما تهدي إليه هذه الآيات:
1 - أن يدعو العبد ربه الذي خلقه، وهو الذي يسمع دعاءه، ويجيبه.
2 - عدم دعاء غير الله، ولو كان نبيًا أو وليًا أو ملكًا؛ لأن الدعاء عبادة كالصلاة لا يجوز إلا لله.
3 - أن يدعو العبد ربه خائفًا من ناره، راغبًا فى جنته.
4 - في الآية ردُّ على الصوفيين القائلين: بأنهم لا يعبدون الله خوفًا منه، أو رغبة فيما عنده؛ لأن الخوف والرغبة من أنواع العبادة، وقد امتدح الله الأنبياء وهم صفوة البشر فقال:
{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}. [الأنبياء: 90]
5 - في الآية رَدٌّ على كتاب (الأربعين النووية) عندما شرح النووي حديث:
"إنما الأعمال بالنيات"، حيث قال:
وإذا وجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال:
الأول: أن يفعل ذلك خوفًا من الله تعالى، وهذه عبادة العبيد.
الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب، وهذه عبادة التجار.
الثالث: أن يفعل ذلك حياء من الله وتأدية لحق العبودية، وتأدية للشكر. . وهذه عبادة الأحرار.
(2/225)

وقد علَّق السيد محمد رشيد رضا على هذا الكلام في (مجموعة الحديث النجدية) فقال:
هذا التقسيم أشبه بكلام الصوفية منه بكلام فقهاء الحديث. والتحقيق أن الكمال الجمع بين الخوف الذي سماه عبادة العبيد، وكلنا عبيد الله، والرجاء في ثواب الله وفضله الذي سماه عبادة التجار.
أقول: والشيخ متولي الشعراوي يتبنى هذه العقيدة في كتبه، بل زاد في شططه، وفسر بالتلفزيون قوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}. [الكهف: 110] فقال: والجنة أحد. (يعني عبادة الله للجنة شرك).
(2/226)

ماذا تعرف عن: قصيدة البردة
هذه القصيدة للشاعر البوصيري مشهورة بين الناس ولا سيما بين الصوفيين، ولو تدبرنا معناها لرأينا فيها مخالفات للقرآن وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو يقول في قصيدته:
1 - يا أكرم الخلق مالي مَن ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العَمِم
يستغيث الشاعر بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ويقول له: لا أجد من ألتجىء إليه عند نزول الشدائد العامة إلا أنت، وهذا من الشرك الأكبر الذي يُخلِّد صاحبه في النار إن لم يتب منه، لقوله تعالى:
{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [يونس: 106]
(أي المشركين) لأن الشرك ظلم عظيم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو من دون الله نِدًا دَخَلَ النَّار". [رواه البخاري]
(الند: المثيل).
2 - فإن مِن جودك الدنيا وضرَتَها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا مخالف لقول الله تعالى: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى}. [الليل: 13]
فالدنيا والآخرة هي من الله ومن خَلْقِه، وليست من جود الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلقه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم ما في اللوح المحفوظ، إذ لا يعلم ما فيه إلا الله وحده، وهذا إطراء ومبالغة في مدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول وأنه يعلم الغيب الذي في اللوح المحفوظ بل إن ما في اللوح من علمه وقد نهانا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الإِطراء فقال: "لا تُطْرُوني كَما أَطْرَتْ النَّصارى ابْن مَرْيم، فَإِنَّمَا أنا عَبْدٌ، فقُولوا عَبْد الله وَرَسُولُهُ". [رواه البخاري]
3 - ما سامني الدهر ضيمًا واستجرت به ... إلا ونلت جوارًا منه لم يُضَم
يقول: ما أصابني مرض أو همٌّ وطلبت منه الشفاء أو تفريج الهم إلا شفاني وفرَّج همي.
(2/227)

والقرآن يحكي عنِ إبراهيم -عليه السلام- قوله عن الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}. [الشعراء: 80]
والله تعالى يقول:
{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ}. [الأنعام: 17]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إِذا سألْتَ فَاسألِ الله وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاستَعِنْ بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
4 - فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدًا ... وهو أوفى الخلق بالذمم
يقول الشاعر: إن لي عهدًا عند الرسول أن يدخلني الجنة؛ لأن اسمي محمدًا، ومن أين له هذا العهد، ونحن نعلم أن كثيرًا من الفاسقين والشيوعيين من المسلمين اسمه محمد؟ فهل التسمية بمحمد مُبرر لدخولهم الجنة؟
والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لبنته فاطمة -رضي الله عنها-:
"سليني من مالي ما شِئْتِ، لا أُغني عَنْكِ مِنَ الله شيئًا". . [رواه البخاري]
5 - لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
وهذا غير صحيح، فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ولأنه يخالف قول الله تعالى:
{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}. [الأعراف: 56]
ومعنى ذلك أن رحمة الله بعيدة عن العاصين.
والله تعالى يقول:
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}. [الأعراف: 156]
6 - وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
الشاعر يقول: لولا محمد - صلى الله عليه وسلم - لما خُلقت الدنيا، والله يكذبه ويقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}. [الذاريات: 56]
وإن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خلق للعبادة وللدعوة إليها يقول الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. [الحجر: 99]
(اليقين: الموت).
(2/228)

7 - أقسمت بالقمر المنشق إن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم
الشاعر يقسم ويحلف بالقمر، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"مَنْ حَلَفَ بَغَيْر الله فَقَدْ أشْرَك". [حديث صحيح رواه أحمد]
ثم يقول الشاعر يخاطب الرسول قائلًا:
8 - لو ناسبت قدرَه آياتُه عِظَمًا ... أحيا اسمُه حين يُدعى دَارِسَ الرِمَمِ
ومعناه: لو ناسبتْ معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدره في العِظَم، لكان الميت الذي أصبح باليًا يحيا وينهض بذكر اسم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبما أنه لم يحدث هذا فالته لم يُعط الرسول - صلى الله عليه وسلم - حقه من المعجزات، فكانه اعتراض على الله حيث لم يعط الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقه!! وهذا كذب وافتراء على الله، فالته تعالى أعطى كل نبي المعجزات المناسبة له، فمثلًا أعطى عيسى -عليه السلام- معجزة إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموتى، وأعطى لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - معجزة القرآن الكريم، وتكثير الماء والطعام وانشِقاق القمر وغيرها.
ومن العجيب أن بعض الناس يقولون: إن هذه القصيدة تسمى بالبردة وبالبُرأة؛
لأن صاحبها كما يزعمون مرض فرأى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأعطاه جبته فلبسها فبرىء من مرضه! -وهذا كذب وافتراء- حتى يرفعوا من شأن هذه القصيدة، إذ كيف يرضى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا الكلام المخالف للقرآن ولهديه - صلى الله عليه وسلم - وفيه شرك صريح.
علمًا بأن رجلاً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: مَا شَاءَ الله وشِئت، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أجَعَلْتني لله ندًّا؟ قُلْ مَا شَاءَ الله وَحْده". [رواه النسائي بسند حسن]
(الند: المثل والشريك).
فاحذر يا أخي المسلم قراءة هذه القصيدة وأمثالها المخالفة للقرآن، وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام. والعجيب أن في بعض بلاد المسلمين من يُشَيِّع بها موتاهم إلى القبور، فيضمون إلى هذه الضلالات بدعة أخرى حيث أمر بالصمت عند تشييع الجنائز ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(2/229)

ماذا تعرف عن كتاب دلائل الخيرات؟
أما بعد فإن كتاب (دلائل الخيرات) لمؤلفه محمد بن سليمان الجزولي منتشر في العالم الإِسلامي، ولا سيما في المساجد، يقرؤه المسلمون كثيرًا، بل ربما قدمو على قراءة القرآن، ولا سيما يوم الجمعة، وتتسابق المطابع في طبعه طمعًا في الربح المادي والدنيوي دون النظر إلى الخسارة الأخروية التي تلحق أصحاب المطابع، والنسخة التي بين يدي مكتوب على ظهرها:
(الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع سنغافورة جدة).
ولو تصفح المسلم العاقل المطلع على أحكام دينه الكتاب لوجد فيه مخالفات شرعية كبيرة، وأهم هذه المخالفات:
1 - يقول مؤلفه في المقدمة (ص 12) (مستمدًا من حضرته العالية).
ويقصد به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
أقول هذا الكلام يخالف القرآن الذي لا يجيز طلب المدد إلا من الله قال تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}. [سورة آل عمران: 125]
وكلام (دلائل الخيرات) يخالف قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
2 - ثم يقول قي (حزب النصر لأبي الحسن الشاذلي) المكتوب على الهامش ص 7: (يا هو، يا هو، يا هو، يا من بفضله لفضله نسألك العجل).
أقول: إن كلمه (هو) ليست من أسماء الله الحسنى، بل هي ضمير يعود على
الكلمة التي قبلها، ولذلك لا يجوز إدخال (يا) عليها كما يفعل الصوفية، وهي
من بدعهم يزيدون في أسماء الله ما ليس منها.
3 - ثم يذكر المؤلف أسماء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعددها، ويصفها بأسماء وصفات لا تليق إلا بالله -عَزَّ وَجَلَّ-، علمًا بأن أسماء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وردت في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا
(2/230)

الحاشر الذي يُحشر الناس على قَدَمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد وقد سماه الله رءوفًا رحيمًا". [رواه مسلم]
وعن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسمي لنا نفسه أسماء، فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة". [رواه مسلم]
4 - وأسماء الرسول التي ذكرها كتاب (دلائل الخيرات) هي بدءًا من ص 37 - 47.
(مُحيي، منج، ناصر، غوث، غياث، صاحب الفرج، كاشف الكرب، شاف). [ص 38، 40، 43، 47]
أقول هذه الأسماء والصفات لا تليق إلا بالله، فالمحيي، والمنجي، والناصر،
والمغيث، والشافي، وكاشف الكرب، وصاحب الفرج هو الله سبحانه وتعالى، وقد أشار القرآن إلى ذلك فقال إبراهيم -عليه السلام-:
{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}. [الشعراء: 78 - 81]
وقد أمر الله تعالى رسوله أن يقول للناس:
{قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}. [الجن: 21]
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}. [الكهف: 110]
أقول: إن صاحب (دلائل الخيرات) خالف القرآن، وسوّى بين الله ورسوله في
أسمائه وصفاته، وهذا مما يتبرأ منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولو سمعه لحكم على قائله بالشرك الأكبر. جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "ما شاء الله وشئت"، فقال: "أجعَلتَني لله ندًّا، قل ما شاء الله وحده". [رواه النسائى بسند حسن]
(الند: المثيل والشريك).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُطروني كما أطرَت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله". [رواه البخاري]
(الإِطراء: المبالغة والزيادة في المدح، ويجوز مدحه بما ورد في الكتاب والسنة).
5 - ثم ذكر بعض أسماء الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "مُهيمن، جبار، روح القدس". [ص 41، 42]
والقرآن ينفي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه الصفات فيقول له في القرآن:
(2/231)

{لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}. [الغاشية: 22]
{وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}. [ق: 45]
وروح القدس هو جبريل -عليه السلام- لقوله تعالى:
{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ}. [النحل: 102]
6 - ثم ذكر صاحب الكتاب صفات لا تليق بمسلم فضلًا عن رسول هو من أفضل البشر فيقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (أحيد، أجير، جرثومة). [ص 37، 115]
وفي أول الكتاب رفع المؤلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى درجة الِإله حينما قال: (مُحي، ناصر، شاف، مُنج. . .) إلى آخر الأوصاف التي مرت، وهنا يُنزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى درجة (جرثومة، أجير) وهذا ما تقشعر له الأبدان، وتشمئز منه النفوس، فهي في عرف الناس الشيء الضار الذي يكافح كجرثومة السِّل مثلًا، وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك، وهو الذي نفع الأمة، وبلَّغ الرسالة، وأنقذ بتعاليمه الناس من الظلم
والشرك والتفرقة إلى العدل والتوحيد وإن أراد بالجرثومة الأصل والسبب فهو غير صحيح أيضًا.
7 - ثم بعد هذا الكلام الباطل يعود ليصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأوصاف كاذبة فيها الشرك الذي يحبط العمل كقوله في [صفحة 90]:
(اللهم صلّ على مَن تفتقت من نوره الأزهار، واخضرت من بقية ماء وضوئه
الأشجار).
فالله الذي خلق الأشجار وهو الذي فتق أزهارها، وأعطاها لون الخضرة.
8 - ثم يقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -[ص 100]: (والسبب في كل موجود).
إن كان قصده أن الموجودات خلقها الله لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم - فهذا كذب وضلال. لأن الله تعالى يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}. [الذاريات: 56]
9 - ثم يقول المؤلف ص 198: (اللهم صل على محمد ما سجعت الحمائم، وحمت الحوائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم).
وهذا الكلام يخالف كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي نهى عن التمائم فقال:
"مَن علَّق تميمة فقد أشرك". [صحيح رواه أحمد]
(والتميمة: هي الخرزة أو الودعة أو غيرها تُعلَّق على الولد، أو السيارة، أو البيت
(2/232)

لرد العين) وهي من الشرك: وكلام المؤلف يخالف القرآن الذي يعتبر النفع والضر منِ الله فيقول: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [سورة الأنعام: 17]
10 - ثم يقول الجزولي: (اللهم صلّ على محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء، وارحم محمدًا حتى لا يبقى من الرحمة شيء، وبارك على محمد حتى لا يبقى من البركة شيء، وسلم على محمد حتى لا يبقى من السلام شيء). [ص 64]
هذا كلام باطل يخالف القرآن فإن صلاة الله، ورحمته، وبركته، وسلامه دائمة
لا تنفد ولا تفنى، قال الله تعالى:
{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}. [الكهف: 109]
11 - ثم يذكر في آخر الكتاب (الصلاة المشيشية)، التي على الهامش، وهذا نصها: [ص 259، 260]
(اللهم صلِّ على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق. . ولا شيء إلا وهو به منوط. إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط). أقول: هذا كلام باطل. في أوله، وسخيف معقد في آخره يخالف الشرع والعقل. ثم يقول في تتمة هذا الدعاء [ص 26]:
(وزُجَّ بي في بحار الأحدية، وانشلني مغ أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحر
الوحدة، حتى لا أرى، ولا أسمع، ولا أُحِس إلا بها).
لاحظ أخي المسلم أن في هذا الدعاء أمرين:
أ - قوله: (وانشلني من أوحال التوحيد).
والأوحال هي الطين والأوساخ، فهل للتوحيد أوساخ؟! ..
إن توحيد الله في العبادة والدعاء نظيف ليس فيه أوحال وأوساخ كما يزعم ابن مشيش، وإنما الأوحال والأوساخ في دعاء غير الله من الأنبياء أو الأولياء، وهو من الشرك الأكبر الذي يُحبط العمل، ويُخلد صاحبه في النار.
ب - قوله: (وزُجّ بي في بحار الأحدية، وأغرقني في عين بحر الوحدة).
أقول: هذه وحدة الوجود عند بعض الصوفية التي عبر عنها زعيمهم ابن عربي
المدفون بدمشق حيث قال في الفتوحات المكية:
(2/233)

العبد رب، والرب عبد ... يا ليت شعري من المكلف؟
إن قلت عبد فذاك حق ... وإن قلت رَبٌ فأنى يكلف؟
فانظر كيف جعل العبد ربًا، والرب عبدًا، فهما مستويان عند ابن عربي وابن مشيش الذي ذكر كلامه (دلائل الخيرات).
12 - ثم ذكر المؤلف [ص 83]:
(اللهم صل على كاشف الغُمة، ومُجلي الظلمة، ومُولي النعمة، ومُؤتي الرحمة).
أقول: هذا إطراء لا يرضاه الإِسلام وقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه.
13 - ثم يقول علي بن سلطان محمد القاري في ورده الذي سماه:
(الحزب الأعظم) المطبوع على هامش (دلائل الخيرات):
(اللهم صل على سيدنا محمد السابق للخلق نوره). [ص 138]
أقول: هذا كلام باطل يكذبه الحديث القائل: "إن أول ما خلق الله القلم".
[رواه أحمد وصححه الألباني]
أما حديث: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر".
فهو عند أهل الحديث مكذوب وموضوع وباطل.
14 - جاء في بعض النسخ من كتاب (دلائل الخيرات) وفي آخر قصيدة جاء فيها:
بأبي خليل شيخنا وملاذنا ... قطبُ الزمان هو المسمى محمد
يقول: إن شيخه محمد يلوذ به ويلتجىء إليه عند المصائب، وهذا شرك؛ لأن
المسلم لا يلوذ إلا بالله، ولا يلتجىء إلا إليه لأنه حي قادر، وشيخه ميت عاجز لا ينفع ولا يضر.
ويعتقد أن شيخه قطب الزمان، وهذا اعتقاد الصوفية القائلة: إن في الكون
أقطابًا يتصرفون في أمور الكون، حيث جعلوهم شركاء لله في تدبير الأمور، مع أن المشركين السابقين يعتقدون أن المدبر للكون هو الله وحده، قال الله تعالى:
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ}. [يونس: 31]
(2/234)

15 - لقد ورد في كتاب (دلائل الخيرات) أدعية صحيحة، ولكن هذه الطامات الكبرى السابقة الموجودة فيه أفسدت عقيدة القارىء للكتاب إذا اعتقد بها، فلم تعد تنفع الأدعية الصحيحة.
وفي الكتاب أخطاء كثيرة، ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب (كتب ليست من الإِسلام) لمؤلفه الأستاذ محمود مهدي استانبولي حيث تكلم عنه، وعن قصيدة البردة، ومولد العروس، وطبقات الأولياء للشعراني، وتائية ابن الفارض،
والأنوار القدسية، والتنوير في إسقاط التدبير، ومعراج ابن عباس، والحِكم لابن عطاء الله الإِسكندري، وغيرها من الكتب التي طالب المؤلف بإحراقها لما فيها من الضرر على عقيدة المسلمين.
16 - احذر يا أخي المسلم قراءة هذه الكتب، وعليك بقراءة كتاب (فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -) للشيخ إسماعيل القاضي تحقيق المحدث الألباني، كما أن هناك كتابًا جيدًا اسمه (دليل الخيرات) لمؤلفه (خير الدين وانلي) جمع فيه صلوات وأدعية صحيحة يغنيك عن (دلائل الخيرات) الذي يوقعك في الشرك والآثام.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وكرهنا فيه، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.
[انتهت المواضيع التي كتبها محمد بن جميل زينو].
(2/235)

علامات حسن الخاتمة
ثم إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة
-كتبها الله لنا بفضله ومَنه- فأيما امرىء مات بإحداها كانت بشارة له، ويالها
من بشارة!
الأولى: نطقهُ بالشهادة عند الموت وفيه أحاديث.
1 - "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
[أخرجه الحاكم وغيره بسند حسن عن معاذ]
2 - عن طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- قال: "رأى عمر طلحة بن عبيد
الله ثقيلًا، فقال: ما لك يا أبا فلان؟ لعلك ساءتك امرأة عمك يا أبا فلان؟ قال: لا، [وأثنى على أبي بكر] إلا أني سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثًا ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات، سمعته يقول: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونفَّس الله عنه كربته، قال: فقال عمر إني لأعلم ما هي! قال: وما هي؟ قال: تعلم كلمة أعظم من كلمة أمرَ بها عمَّه عند الموت: (لا إله إلا الله) قال طلحة: صدقت، هي والله هي". [أخرجه الإمام أحمد وغيره وإسناده صحيح]
الثانية: الموت برشح الجبين:
لحديث بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه-: "أنه كان بخراسان، فعاد أخًا له
وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"موت المؤمن بعرق الجبين". [أخرجه النسائي وغيره وهو صحيح على شرط البخاري]
الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر".
[أخرجه أحمد (6582 - 6646) من طريقين عن عبد الله بن عمرو، والترمذي من أحد الوجهين، وله شواهد عن أنس وجابر بن عبد الله وغيرهما]
(2/236)

الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال.
قال الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}. [آل عمران: 169 - 171]
وفي ذلك أحاديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
1 - "للشهيد عند الله ست خصال: يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويُحلَّى حلية الإِيمان، ويُزوَّج من الحور العين، ويُشفَّع في سبعين إنسانًا من أقاربه".
[أخرجه الترمذي وصححه، وابن ماجه وأحمد وإسناده صحيح]
2 - عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
"أن رجلاً قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة". [رواه النسائي وسنده صحيح]
(تنبيه): ترجى هذه الشهادة لمن سألها نحلصًا من قلبه ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:
"من سأل الله الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".
[أخرجه مسلم]
الخامسة: الموت غازيًا في سبيل الله. وفيه حديثان:
1 - "ما تعدُّون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله مَن قُتل في سبيل الله فهو
شهيد، قال: إن شهداء أُمتي إذا لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟
قال: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن (1) فهو شهيد، والغريق شهد". [أخرجه مسلم وأحمد عن أبي هريرة]
2 - "مَن فصَل (أي خرج) في سبيل الله فات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامّة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهد وإن الجنة". [حسن أخرجه أبو داود]
__________
(1) أي بداء البطن وهو الاستسقاء وانتفاخ البطن وقيل هو الإِسهال وقيل الذي يشتكي بطنه
(2/237)

السادسة: الموت بالطاعون. وفيه أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
1 - عن حفصة بنت سيرين: قال لي أنس بن مالك: بم مات يحيى بن أبي
عمرة؟ قلت: بالطاعون، فقال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الطاعون شهادة لكل مسلم". [أخرجه البخاري]
2 - عن عائشة أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطاعون؟ فأخبرها نبي الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس
من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب
الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد". [أخرجه البخاري]
3 - "يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن
شهداء، فيقال انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا ريح
المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك". [رواه أحمد وغيره وحسنه الحافظ]
السابعة: الموت بداء البطن. وفيه حديثان:
1 - ". . ومن مات في البطن فهو شهيد" [رواه مسدم وغيره، وتقدم بتمامه في "الخامسة"]
2 - عن عبد الله بن يسار قال: "كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن
عرفطة، فذكروا أن رجلاً توفي، مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا
شهداء جنازته فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن يقتله بطنه فلن يُعذب في قبره؟ ". فقال الآخر: بلى وفي رواية: "صدقت". [أخرجه النسائي وغيره وسنده صحيح]
الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم:
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله". [متفق عليه]
العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها:
لحديث عبادة بن الصامت: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد عبد الله بن رواحة قال: فما تحوَّز (1) له عن فراشه، فقال: أتدري من شهداء أُمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: "إن شهداء أُمتي إذًا لقليل! قتل المسلم شهادة،
__________
(1) تحوَّز: أي تنحنى.
(2/238)

والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء (1) شهادة،
(يجرهما ولدهما بسرره (2) إلى الجنة) ". [أخرجه أحمد وغيره وسنده صحيح]
الحادية عشر والثانية عشر: الموت بالحرق، وذات الجنب:
وفيه أحاديث، أشهرها عن جابر بن عتيك مرفوعاً:
"الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذى يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بُجُمع (3) شهيدة".
[رواه أحمد وغيره والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي]
الثالثه عشر: الموت بداء السل.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة، والحرق شهادة، والغرق شهادة، والسِّل شهادة، والبطن شهادة". [رواه أحمد وغيره وحسنه المنذري]
الرابعة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه. وفيه أحاديث:
1 - "مَن قتل دون ماله، (وفي رواية: مَن أريد ماله بغير حق فقاتل، فقُتل)
فهو شهيد". [متفق عليه بالرواية الأولى]
الخامسة عشر والسادسة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس:
وفيه حديثان:
1 - "مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قتل دون أهله فهو شهيد، ومَن قتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِل. دون دمه فهو شهيد".
[صحيح رواه أبو داود وغيره]
2 - "مَن قُتل دون مظلمته فهو شهيد". [رواه أحمد وسنده صحيح]
(والمظلمة: تشمل الأنواع الأربعة المذكورة في الحديث الأول).
السابعة عشر: الموت مرابطاً في سبيل الله. ونذكر فيه حديثين:
1 - "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجريَ عليه رزقه، وأمِنَ الفَتان". [رواه مسلم وغيره]
__________
(1) هي التي تموت وفي بطنها ولد.
(2) السرر: ما تقطعه القابلة من السرة.
(3) معنى جُمُع: المرأة التى تموت وفي بطنها ولد، أو تموت من الولادة
(2/239)

2 - "كل ميت يُختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله، فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر".
[أخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين وصححه الترمذي]
الثامنة عشر: الموت على عمل صالح:
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتِم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله خُتِم له بها دخل الجنة".
[رواه الامام أحمد وغيره وإسناده صحيح]
[انظر أحكام الجنائز للمحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ص 34 مع اختصار في التخريج وبعض الأحاديث]
(2/240)

باب لا يقال فلان شهيد
هذا ما ذكره البخاري في صحيحه في (كتاب الجهاد والسير).
1 - قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله".
2 - ثم شرح ابن حجر في كتابه فتح الباري [ج 6/ 90]:
قوله: (باب لا يقال فلان شهيد) أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: "تقولون في مغازيكم فلان شهيد، ومات فلان شهيداً، ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:.
"من مات في سبيل الله، أو قُتل فهو شهيد". [حديث حسن أخرجه أحمد وغيره]
ثم قال ابن حجر: وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد، بل يجوز أن يقال ذلك على وجه الإجمال.
3 - ثم شرح ابن حجر الحديث الأول فقاك: يُكلَم: يُجرَح، وهذا طرف من حديث تقدم .. ووجه أخذ الترجمة منه يظهر من حديث:
"مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". [متفق عليه]
ولا يطلع على ذلك إلا بالوحي، فمن ثبت أنه في سبيل الله أعطي حكم الشهادة. فقوله: "والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله": أي فلا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله، فلا ينبغي إطلاق كل مقتول في الجهاد أنه في سبيل الله.
4 - ثم ذكر المصنف حديث سهل بن سعد في قصة الذي بالغ في القتال حتى قال المسلمون:
ما أجزأ أحد، ما أجزأ، ثم كان آخر أمره أنه قتل نفسه، ووجه أخذ الترجمة أنهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشهادة، وقد ظهر منه أنه لم يقاتل لله، وإنما قاتل غضباً لقومه، فلا يطلق على كل مقتول
(2/241)

في الجهاد أنه شهيد لاحتمال أن يكون مثل هذا، وإن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة.
ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأُحد وغيرهما شهداء، والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب والله أعلم. [انتهى].

5 - الخلاصة: مما تقدم من الأحاديث وقول الصحابة والعلماء يدل على أنه لا يجوز إطلاق كلمة (شهيد) على كل من قتل، لأن هذه من الأمور الغيبية لا تثبت إلا بالوحي، وعلينا أن نقول كما علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"مَن قاتل في سبيل الله أو قتل فهو شهيد" وقد تقدم.
ومن أراد التفصيل فعليه بقراءة كتاب: (القول السديد في أنه لا يقال فلان شهيد).
(2/242)

موعظة الرسول عند دفن الميت
ويجوز الجلوس عنده أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده، لحديث البراء بن عازب قال:
"خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلحَد، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[مستقبلاً القبلة] وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، [فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثاً]، فقال:
استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين، أو ثلاثاً.
[ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر] [ثلاثاً]، ثم قال:
إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كان وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحَنوط (1) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملَك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، أُخرجُي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة مِن فِيِّ السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلَّى عليه كل مَلك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يُعرَج بروحه من قِبَلِهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}. [سورة الأنعام، آيه 61]
ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون -يعني- بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأحسن اسمائه التي كانوا يُسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى
__________
(1) الحنوط: ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة.
(2/243)

السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيُشيِّعه مِن كل سماء مُقرَّبوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: اكتبوا كتاب عبدي في عليين:
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}.
[سورة المطففين 19 - 21]
فيكتب كتابه في عِليين ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني، [وعدتهم أنّي] منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أُخرى، قال: ف[يُرِدُّ إلى الأرض] وتعاد روحه في جسده، [قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا وَلَّوا عنه] [مدبرين]، فيأتيه مَلكان [شديدا الانتهار] ف[ينتهرانه]، ويُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدَّقت، [فينتهره فيقول: مَن ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تُعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. [سورة إبراهيم آية 27]
فيقول ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيِّي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فينادي منادٍ في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويُفسح له في قبره مدَّ بصره، قال: ويأتية (وفي رواية: يُمثل له) رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، [أبشر برضوان من الله، وجنات فيه نعيم مقيم]، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: [وأنت فبشرك الله بخير] مَن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح [فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في إطاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً]، ثم يُفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجِّل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكن]، قال:
(2/244)

وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]، سود الوجوه، معهم المسوح (1) [من النار]، فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أُخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتُفرق في جسده فيتزعها كما ينتزع السُّفود [الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب]، [فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه مِن قِبَلِهم]، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يُسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيُستفتح له، فلا يُفتَح له، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} (2).
فيقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، [ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارة أخرى] فتُطرَح روحه [من السماء] طرحاً [حتى تقع في جسده] ثم قرأ:
{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ، فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}. [سورة الحج 31]
فتعاد روحه في جسده.
[قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابة إذا ولَّوا عنه].
ويأتيه ملَكان [شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويُجلسانه]، فيقولان له: مَن ربك؟
__________
(1) المسوح: جمع مسح، وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفاً وقهراً للبدن.
(2) سم الخياط: ثقب الإبرة.
(2/245)

[فيقول: هاه هاه (1) لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري]، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول: هاه هاه لا أدري [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت]، [ولا تلوت]، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تخلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويُمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت مشرك الله بالشر] مَن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، [فوالله ما علمتك إلاكنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله] [فجزاك الله شراً، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مِرْزَبة! لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه ضربة حتى يصير بها تراباً ثم يُعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أُخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار]، فيقول: رب لا تُقم الساعة".
[رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني وغيره انظر صحيح الجامع رقم 1672]، [وانظر أحكام الجنائز للألباني ص 156]
__________
(1) هاه: كلمة تقال للتوجع.
(2/246)

ما يستفاد من هذا الحديث
1 - مشروعية الموعظة عند دفن الميت للحاضرين للعبرة، وعدم مشروعية الرثاء والمدح عند قبر الميت للنهي الوارد بهذا في غير هذا الحديث.
2 - الاستعاذة من عذاب القبر.

كيف تخرج روح المؤمن:
1 - نزول ملائكة من السماء بيض الوجوه، ومعهم كفن من أكفان الجنة معطرة يجلسون أمام الميت.
2 - جلوس ملك الموت عند رأس الميت قائلاً: أيتها النفس المطمئنة ..
3 - خروج روح المؤمن بسهولة عند الموت.
4 - صلاة الملائكة على المؤمن بعد خروج روحه.
5 - فتح السماء لاستقبال روح المؤمن.
6 - الملائكة تأخذ روح المؤمن، وتجعلها في كفن مُطيب.
7 - خروج الرائحة الطيبة من روح المؤمن بعد موته.
8 - صعود الملائكة بروح المؤمن إلى السماء، وندائه بأحسن أسمائه.
9 - تشييع الملائكة لروح المؤمن في السموات.
10 - أمر الله للملائكة أن يكتبوا اسمه في عليين.
11 - أمر الله للروح بالعودة إلى الأرض لتعاد إلى جسده.
12 - سؤال الملكين للميت بعد أن يجلساه: مَن ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟.
13 - ينادي مناد في السماء (وهو الله): صدق عبدي فأفرشوه في الجنة، وافتحوا له باباً فيها.
14 - عمل المؤمن يصور له بشكل رجل حسن الوجه، ويبشره بما يسره.
15 - يفتح للمؤمن باب من النار، ويقال له: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا (أي الجنة).
16 - المؤمن يقول عندما يرى الجنة: رب عَجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي.
(2/247)

كيف تخرج روح الكافر أو الفاجر؟
1 - نزول ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه لقبض روح الكافر أو الفاجر.
2 - جلوس ملك الموت عند رأسه قائلًا: أيتها النفس الخبيثة.
3 - لعن الملائكة له، وإغلاق أبواب السماء، وخروج رائحة كريهة منتنة.
4 - يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: اكتبو كتابه في سجين في الأرض السفلى.
5 - تُطرح روحه من السماء طرحاً حتى تقع في جسده.
6 - هذا جزاء المشرك بالله، واستشهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى:
{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ}. [سورة الحج، آية 31]
المشرك: هو الذي يصرف العبادة لغير الله، كأن يدعو غير الله، أو يحتكم لغير شرع الله، أو يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً جواز ذلك، أو غير ذلك من
العبادة.
7 - ملائكة العذاب تنهر المشرك وتسأله عن ربه ودينه ونبيه، فيجيب بكلمة التوجع: هاه هاه.
8 - يفتح له باب من النار في قبره، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره.
9 - تصوير عمله برجل قبيح المنظر، منتن الرائحة قائلًا له: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد.
10 - يأتيه ملك أعمى أصم أبكم يضربه بمِرزَبّة لو ضُربَ جبل كان تراباً.
11 - يفتح للمشرك باب من النار، فيقول: رب لا تُقم الساعة.
اللهم اجعلنا من المؤمنين، وارزقنا جنات النعيم ولا تجعلنا من الكافرين أو
الفاجرين، وجنبنا نار الجحيم. وصلى الله على عبدك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم -. [كتب هذه الإستفادة من الحديث محمد بن جميل زينو]
**
(2/248)

(3)
توجيه المسلمين إلى طريق النصر والتمكين
(2/249)

موجز توجيه المسلمين رقم (3)
* - نواقض الإسلام.
* - الكفر وأنواعه.
* - الحكم بغير ما أنزل الله.
* - كيف تعظم الذنوب.
* - أسباب الوقوع فى الذنوب.
* - الإبتلاء في القرآن والسنة.
* - أحاديث نبوية في الفتن.
* - كيف يخرج المسلمون في الفتن.
* - الجهاد في سبيل الله.
* - من أسباب النصر.
* - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* - التوبة في القرآن والسنة.
* - تحريم الظلم بأنواعه.
* - الأمر بالدعاء وفوائده وآدابه.
* - من دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(2/251)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..... أما بعد:
فإن ما حلَّ بالمسلمين اليوم من المصائب والفتن في جميع بلاد العالم الإِسلامي، كاحتلال اليهود لأرض فلسطين والقدس، والشيوعية لأفغانستان، والحروب الطائفية في لبنان، والغزو العراقي للكويت، وما أحدثه من تصدع واختلاف بين العرب والمسلمين، بل هز العالم بأسره، وما تعانيه الأقليات المسلمة من ظلم واضطهاد وغيرها من البلاد الإِسلامية التي تعاني الذل والهوان.
1 - ما أسباب هذه المصائب والمحن؟
2 - ما سبب اختلاف المسلمين وتسلط بعضهم على بعض؟
3 - كيف يتخلص المسلمون من هذه المصائب على اختلاف أنواعها؟
4 - ما هي طرق الوقاية الشاملة من خطر الذنوب والمعاصي؟
5 - ما هو طريق النصر الذي يعيد العزة للمسلمين؟
6 - ما هو طريق النجاة من النار والفوز بالجنة؟
هذه الأسئلة سيجد القارىء أجوبة لها مع غيرها من البحوث المهمة في هذه الرسالة.
والله نسأل أن ينفع بها المسلمين وأن يعيد لهم مجدهم إنه سميع قريب. محمد بن جميل زينو
(2/253)

الإيمان بالقدَر خيره وشره
هذا هو الركن السادس من أركان الإيمان، ومعناه كما قال الإِمام النووي في شرحه لهذا الركن في كتاب (الأربعين النووية):
إن الله سبحانه وتعالى قدَّر الأشياء في القِدَم، وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وفي أمكنة معلومة، وهي تقع على حسب ما قدَّره الله سبحانه وتعالى.
الأيمان بالقدَر على أنواع:
1 - التقدير في العلم: "وهو الإيمان بأن الله تعالى قد سبق في عِلمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومَن هو منهم مِن أهل الجنة، ومَن هو منهم من أهل النار، وأعدَّ لهم الثواب والعِقاب جزاءٌ لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه". (نقلاً من كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص 24)
2 - التقدير في اللوح المحفوظ: ذكر ابن كثير في تفسيره نقلاً عن عبدالرحمن بن سلمان قوله: "ما من شيء قضى الله: القرآن فماقبله وما بعده إلا هو في اللوح المحفوظ". (ج 4/ 497)
3 - التقدير في الرحم: وقد ورد في الحديث:
" ... ثم يُرسَل إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ... ". (رواه البخاري ومسلم)
4 - التقدير في المواقيت: "وهو سوق المقادير إلى المواقيت، والله تعالى خلق الخير والشر، وقدَّر مجيئه إلى العبد في أوقات معلومة". (نقلاً من صرح الأربعين حديث للنووي)
(2/254)

من فوائد الإيمان بالقدر
1 - الرضا واليقين: قال الله تعالى:
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ}. [سورة التغابن 11]
قال ابن عباس: (بأمر الله، يعني عن قدَره وقضائه).
وقوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}. [سورة التغابن 11]
قال ابن كثير في تفسيرها: (أي ومن أصابته مُصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوَّضه عما فاته من الدنيا هُدىً في قلبه، ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أُخذ منه أو خيراً منه. وقال ابن عباس: يَهدِ قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه.
وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله. فيرضى ويسلم
2 - تكفير الذنوب: قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما يصيب المؤمن من وصَب، ولا نصَب، ولا سَقم، ولا حزَنٍ، حتى الهمّ يَهُمُّهُ إلا كفَّر الله به سيئاته". (متفق عليه)
3 - إعطاء الأجر الكبير: قال الله تعالى:
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [سورة البقرة 155 - 157]
4 - غنى النفس: قال - صلى الله عليه وسلم -: (... وارض بما قسمه الله لك تَكن أغنى الناس". (رواه أحمد والترمذي وحسنه محقق جامع الأصول)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس الغِنى عن كثرة العَرض، ولكن الغِنى غنى النفس" (متفق عليه) والمشاهد أن كثيراً ممن يملكون الأموال الطائلة، ولا يرضون بها، فيكونون فقراء النفوس، والذي يملك مالاً قليلاً، وهو راض بما قسمه الله بعد الأخذ بالأسباب، فيكون غنياً بنفسه.
5 - عدم الفرح والحزن: قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (سوره الحديد 22)
(2/255)

(نبرأها: نخلقها، تأسوا: تحزنوا) (مختال فخور: متكبر في نفسه فخور على غيره) قال ابن كثير: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم، فلا تتخذوا نِعم الله أشراً وبطراً.
وقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً.
6 - الشجاعة والإقدام: إن الذي يؤمن بالقدر يكون شجاعاً لا يهاب إلا الله، لأنه يعلم أن الأجل مُقدر، وأن ما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وما أصابه لم يكن لِيُخطئه، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرَج مع الكرب، وأن مع العُسر يُسرا.
7 - عدم الخوف من ضرر البشر: قال - صلى الله عليه وسلم -: " ... واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشىءٍ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفّت الصُحف".
(رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)
8 - عدم الخوف من الموت: وقد نسب إلى علي -رضي الله عنه- قوله:
أيّ يَومَيَّ مِن الموت أفِر ... يوم لم يُقدَر، أم يوم قُدِرْ
يوم لم يُقدَر لا أرهَبُهُ ... ومن المكتوب لا ينجو الحذِر
9 - عدم الندم على ما فات: قال - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعِن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُل قدَّر الله وما شاء فعل، فإنّ لَوْ تفتح عمل الشيطان". (متفق عليه)
10 - الخير فيما اختاره الله: إذا أصيب المسلم بجرح في يده مثلًا فليحمد الله أنها لم تكسَر، وإذا كُسرت فليحمد الله أنها لم تُقطع، أو لم يكسر ظهره مما هو أخطر، وحدث أن رجلاً تاجراً كان ينتظر طائرة لعقد صفقة تجارية فأذّن المؤذن للصلاة، فدخل ليصلي، ولما خرج وجد الطائرة قدَ أقلعت، فجلس حزيناً على ما فاته، وبعد قليل علم أن الطائرة احترقت في الجو، فسجد شكراً لله على سلامته وتأخره بسبب الصلاة، وتذكر قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1). (سورة البقرة 216)
__________
(1) من كتاب أركان الإسلام والإيمان للمؤلف محمد جميل زينو.
(2/256)

الإحتجاج بالقدر
س 1: هل يجوز الاحتجاج بالقدَر؟
ج 1: يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، لأنها واقعة بقضاء الله وقدره،
قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ}. (سورة التغابن: 11)
قال ابن عباس: بأمر الله، يعني عن قدره وقضائه.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُل قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لَوْ تفتح عمل الشيطان". (رواه مسلم)
وأما الاحتجاج بالقدر على المعاصي فهو من خصال المشركين الذين قال الله
فيهم: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ
شَيْءٍ ..}. (سورة الأنعام: 148)
والمحتج بالقدر إما جاهل مُقلِّد أو مُلحد معاند، وهو متناقض في دعواه لا يقبل أن يعتدي عليه أحد، ثم يقول: هذا قضاء الله وقدره!
لقد أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتب ليُبينوا للناس طريق السعادة والشقاء،
وتكرَّم على الإنسان بالعقل والتفكير، وعرَّفه الضلال والهدى. قال الله تعالى:
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. (سورة الإنسان: 3)
وقال تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}. (سورة الشمس 8 - 10)
فإذا ترك الإنسان الصلاة، أو شرب الخمر استحق العقوبة لمخالفته أمر الله ورسوله وعندها يحتاجِ إلى التوبة، ولا ينفعه احتجاجه بالقدر.
س 2: هل نترك العمل ونتَّكل على القدر؟
ج 2: لا نترك العمل لقول الله تعالى:
{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (سورة الليل 5 - 7)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اعملوا فكلٌ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له". (رواه البخاري ومسلم)
(2/257)

يستفاد من الحديث
إن المؤمن الذي يحبه الله هو المؤمن القوي الذي يعمل ويحرص على نفعه،
ويستعين بالله وحده، ويأخذ بالأسباب؛ فإن أصابه بعد ذلك أمر يكرهه، فلا
يندم، بل يرضى بما قدَّره الله: متذكراً قول الله تعالى:
{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. (سورة البقرة 216)
س 3: ما هي الحكمة من نزول المصائب والكروب؟
ج 3: إن الإنسان عندما يَحس بالقوة يطغى ويستكبر، فيعتقد أنه لن يهزم أمام شيء، فإذا رأى قوته تتضاءل حتى يدركها العجز ورأى الكرب يشتد حتى لم تعد له قوة، وعندها يرى نفسه على حقيقتها ويزول الكبر والطغيان والتجبر، ويلجأ إلى الله موقناً أنه وحده الذي ينقذه، وكل ما عداه هباء. قال الله تعالى:
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ
عَرِيضٍ}. (سورة فصلت 51) "الأجوبة المفيدة للدوسري"
(2/258)

نواقض الإسلام
إن للإسلام نواقض إذا فعل المسلم واحداً منها فقد فعل الشرك الذي يحبط
العمل، ويُخلِّد في النار، ولا يغفره الله إلا بتوية.
1 - دعاء غير الله: كدعاء الأنبياء أو الأولياء الأموات أو الأحياء الغائبين لقول الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. (سورة يونس 106)
(أي المشركين)
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا دخل النار". (رواه البخاري) (النِد: المثيل والشريك).
2 - اشمِئزاز القلب من توحيد الله، ونفوره من دعائه والاستغاثة به وحده، وانشراح القلب عند دعاء الرسل أو الأولياء الأموات أو الأحياء الغائبين، وطلب المعونة منهم لقوله تعالى عن المشركين: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}. (سورة الزمر 45)
وتنطبق الآية على الذين يحاربون من يستعين بالله وحده، ويقولون عنه وهابي، إذا علموا أن الوهابية تدعو للتوحيد.
3 - الذبح لرسول الله أو ولي لقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (سورة الكوثر) (أي صَل لربك واذبح له).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَعن الله من ذبح لغير الله". (رواه مسلم)
4 - النذر لمخلوق على سبيل التقرب والعبادة له، وهي لله وحده.
قال تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا}. (سورة آل عمران 35)
5 - الطواف حول القبر بنية التقرب والعبادة له، وهو خاص بالكعبة.
لقول الله تعال: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}. (سورة الحج 29)
(2/259)

6 - الاعتماد والتوكل على غير الله، لقول الله تعالى:
{فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}. (سورة يونس 84)
7 - الركوعٍ أو السجود بنية العبادة للملوك أو العظماء الأحياء أو الأموات إلا أن يكون جاهلاً لأن الركوع والسجود عبادة لله وحده.
8 - إنكار ركن من أركان الإِسلام المعروفة كالصلاة والزكاة والصوم والحج، أو إنكار ركن من أركان الإيمان: وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورُسله واليوم الآخر وبالقدَر خيره وشره، وغير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
9 - كراهية الإسلام، أو كراهية شيء مجمع عليه في العبادات أو المعاملات، أو الاقتصاد، أو الأخلاق لقوله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}. (سورة محمد 9)
10 - الاستهزاء بشيء من القرآن، أو الحديث الصحيح المتفق على صحته وأدلته، أو بحكم مجمع عليه من أحكام الإسلام. لقوله تعالى:
{قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. (سورة التوبة 65 - 66)
11 - إنكار شيء من القرآن الكريم، أو الأحاديث الصحيحة مما يوجب الرّدة عن الدين إذا تعمد ذلك عن علم.
12 - شتمُ الربِّ أو لعنُ الدين أو سَبّ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو الإستهزاء بحاله، أو نقدِ ما جاء به مما يوجب الكفر.
13 - إنكار شيء من أسماء الله، أو صفاته، أو أفعاله الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة من غير جهل ولا تأويل.
14 - عدم الإيمان بجميع الرسل الذين أرسلهم الله لهداية الناس، أو انتقاص أحدهم لقوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}. (سورة البقرة 285)
15 - الحكم بغير ما أنزل الله إذا اعتقد عدم صلاحيةِ حكم الإسلام أو أجاز الحكم بغيره لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (سورة المائدة 44)
16 - التحاكم لغير الاسلام، وعدم الرضا بحكم الإِسلام، أو يرى في نفسه ضيقاً
(2/260)

وحرَجاً من حكمه لقوله تعالى:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. (سورة النساء 65)
17 - إعطاء غير الله حق التشريع كالديكتاتورية، أو الديمقراطية، أو غيرها ممن يسمحون بالتشريع المخالف لشرع الله. لقوله تعالى:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}. (سورة الشورى 21)
18 - تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، كتحليل الزنى أو الخمر أو الربا غير مُتأول، لقوله تعالى:
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. (سورة البقرة 275)
19 - الإِيمان بالمبادىء الهدامة: كالشيوعية الملحدة، أو الماسونية اليهودية، أو الإشتراكية الماركسية، أو العلمانية الخالية من الدين، أو القومية التي تفضل غير المسلم العربي على المسلم الأعجمي لقوله تعالى:
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
(سورة آل عمران 85)
20 - تبديل الدين والانتقال من الإِسلام لغيره لقوله تعالى:
{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ...}. (سورة البقرة 217)
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بَدَّل دينه فاقتلوه". (رواه البخاري)
21 - مناصرة اليهود والنصارى والشيوعيين ومعاونتهم على المسلمين لقوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}. (سورة آل عمران 28)
22 - عدم تكفير الشيوعيين المنكرين لوجود الله، أو اليهود والنصارى الذين لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، لأن الله كفرهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}. (سورة البينة 6)
23 - قول بعض الصوفيين بوحدة الوجود: وهو ما في الكون إلا الله، حتى قال زعيمهم:
وما الكَلبُ والخنزيرُ إلا إلهنا ... وما الله إلاراهب في كنيسةِ
وقال زعيمهم الحلاج: (أنا هو، وهو أنا) فحكم العلماء عليه بالقتل فأُعدِم.
(2/261)

24 - القول بانفصال الدين عن الدولة، وأنه ليس في الإسلام سياسة حكم لأنه تكذيب للقرآن والحديث والسيرة النبوية.
25 - قول بعض الصوفية: إن الله سلَّم مقالد الأمور لبعض الأولياء من الأقطاب وهذا شرك في أفعال الرب سبحانه، يخالف قوله تعالى:
{لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. (الزمر 63)
إن هذه المبطلات أشبه بنواقض الوضوء، فإذا فعل المُسلم واحداً منها، فليجدد إسلامه، وليترك المبطل وليتب إلى الله قبل أن يموت فيحبط عمله، ويُخلَّد في نار جهنم. قال الله تعالى:
{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. (سورة الزمر 65)
وعلمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقول: "اللهم إنا نعوذُ بك مِن أن نُشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم". (رواه أحمد بسند حسن)
(2/262)

الذنوب
تعريف الذنوب:
هي ترك المأمورات، وفعل المحذورات، أو ترك ما أوجب الله وفرض من كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وارتكاب ما نهى الله عنه، أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا
وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}. (النساء 14)
أقسام الذنوب:
الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف:
قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}. (النساء 31)
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ}. (النجم 32)
وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". (رواه مسلم)
والصغائر كما عرّفها العلماء: ما خرج عن حَد أقل الكبائر أو هو ما دون الحدَّين (حد الدنيا، ووعيد الآخرة) ولم يقترن بالنهي عنه وعيد، أو لعن، أو غضب، أو عقوبة، أو نفي الإِيمان عن فاعله.
(2/263)

اجتنبوا الكبائر
1 - قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}. (سورة النساء 31)
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أكبر الكبائر: الإِشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور". (متفق عليه)
3 - الكبيرة: هي كل معصية فيها عقوبة حَدِّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة من عذاب أو غضب، أو لعن من الله أو رسوله.
4 - عدد الكبائر: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:
هي إلى السبعمائة أقربُ منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإِصرار، والكبائر متفاوته في درجاتها. (انظر تفسير ابن كثير)

أنواع الكبائر
1 - الكبائر في العقيدة: الشرك بالله وهو العبادة أو الدعاء لغير الله، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)
والتعليم الشرعي للدنيا فقط، وكتمان العلم، والخيانة، وتصديق الكاهن أو الساحر أو المنجم، والذبح، والنذر لغير الله، وتعليم السحر وتعاطيه، والحلف بغير الله، (كالشرف، والولد والنبي والكعبة وغيرها) ولعن المسلم، أو تكفيره بلا دليل. وعدم تكفير الكافرين، والكذب على الله ورسوله (كالأحاديث الوضوعة لمن يعرف أنها موضوعة)، والأمن من عذاب الله، واللطم والنياحة على الميت، والتكذيب بالقدَر وتعليق التميمة
(كالخرز أو النضوة، أو الكف على الولد أو السيارة أو الدار تُعلَّق من العين).
(2/264)

2 - الكبائر في النفس والعقل: قتل النفس بغير حق، وإحراق الإِنسان أو الحيوان بالنار، والاستطالة على الضعيف أو الزوجة، أو التلميذ، أو الخادم، أو الدابة، والغيبة، والنميمة (نقل الكلام السيء للفتنة) والمشروبات المسكرة بأنواعها: (كالخمر والنبيذ والوسكي والبيرة وغيرها) وتناول السموم، وأكل لحم الخنزير والميتة بلا ضرورة، والأشربة الضارة: (كالحشيش والدخان لضررهما)، وقتل الإِنسان نفسه ولو ببطء كالتدخين، والجدال بالباطل، وظلم الناس والاعتداء عليهم، ورد الحق، أو الغضب منه، والسخرية، ولعن المسلم، أو سب أحد الصحابة، والتكبر والعُجب، والتجسُّسُ (التسمع على الناس بما يخفون)، والوشاية عند الحاكم للإِيذاء، والكذب في غالب أقواله، والتماثيل والتصوير لذات الروح من غير ضرورة، كالهوية أو الرخصة أو جواز السفر.
3 - الكبائر في المال: أكل مال اليتيم، والقمار، واليانصيب، والسرقة، وقطع الطريق، وأخذ المال غصباً، والرشوة، ونقص الكيل والميزان، واليمين الغموس (الحلف بالله كذباً لأخذ المال)، والخديعة في البيع والشراء، وعدم الوفاء بالعهد، وشهادة الزور، والغش، والتبذير، والإِضرار بالوصية، (أن يوصي بدين ليس عليه ليمنع الورثة من حقهم)، وكتمان الشهادة، وعدم الرضا بما قسمه الله، ولبس الذهب للرجال، وإطالة الثوب أو البنطال تحت الكعبين.
4 - الكبائر في العبادات: ترك الصلاة، أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، ومنع الزكاة، والإِفطار في رمضان بلا عذر، وترك الحج مع القدرة عليه، والفرار من الجهاد في سبيل الله، وترك الجهاد بالنفس أو المال أو اللسان على من وجب عليه، وترك صلاة الجمعة أو الجماعة من غير عذر، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المستطيع، وعدم التنزه من البول (عدم التطهر من البول بالورق أو الحجر أو الماء)، وعدم العمل بالعلم.
5 - الكبائر في الأسرة والنسب: الزنا، واللواط (إتيان الذكور)، وقذف المحصنات المؤمنات (الطعن في أعراضهن)، وتبرج المرأة، وإظهار شعرها، وتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء، (كحلق اللحية)، وعقوق الوالدين (عدم إطاعتهما في غير معصية)، وهجر الأقارب من غير سبب مشروع، وعصيان المرأة زوجها في
(2/265)

الفراش بلا عذر كالحيض والنفاس، وما يعمله المحلِّل والمحلَّل له من حيل (المحلِّل: هو الذي ينكح زوجة مطلقة ليردها لزوجها الأول وهو المحلَّلُ له). وإنكار المرأة إحسان زوجها، والإنتساب إلى غير الأب مع العلم به، والراضى لأهله بالزنا، وأذى الجار، ونتف الشعر من الوجه أو الحاجب للمرأة أو الرجل. (انظر توجيهات إسلامية لمحمد زينو)

الكفر وأنواعه
الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
فالكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار.
والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اثنتان في أُمتي، هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت". (رواه مسلم)
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض". (رواه البخاري ومسلم)
وأما الكفر الأكبر فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق.
1 - فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة، وأزال به المعذرة، قال الله تعالى عن فرعون وقومه:
{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}. (سورة النمل الآية 14)
وقال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}. (سورة الأنعام الآية 33)
وإن سُمي هذا كفر تكذيب أيضاً فصحيح: إذ هو تكذيب باللسان.
2 - وأما كفر الإِباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس - فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإِنكار. وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار.
(2/266)

ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول. وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءً واستكباراً وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، كما قال الله تعالى عن فرعون وقومه: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ}. (سوره المؤمنون الآيه 47)
وقول الأمم لرسلهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا}. (سورة إبراهيم الآية 10)
وقول الله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}. (سوره الشمس الآية 11)
وهو كفرُ اليهود كما قال تعالى عنهم:
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}. (سورة البقرة الآية 89)
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}. (سوره البقرة الآية 146)
وهو كفر أبي طالب أيضاً. فإنه صدقه ولم يشك في صدقه، ولكن أخذته الحمية، وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم، ويشهد عليهم بالكفر.
3 - وأما كفر الإعراض: كأن يُعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يُصدقه ولا
يكذبه. ولا يواليه ولا يعاديه. ولا يُصغي إلى ما جاء به البتة.
(وهو كفر الملحدين اليوم من المتسمَّين بأسماء مختلفة: بالعلمانية، والشيوعية، والماسونية، المقلدين للأفرنج من اليهود والنصارى، المنحلين في كل خلق وفضيلة، زاعمين بجاهليتهم وسفههم: أن هذا هو سبيل الرقي والمدنية).
4 - وأما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه، بل يشك في أمره. وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإِعراض عن النظر في آيات صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - جملة. فلا يسمعها ولا يلتفت إليها. وأما مع التفاته إليها، ونظره فيها: فإنه لا يبقى معه شك، لأنها مستلزمة للصدق، ولا سيما بمجموعها فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار.
5 - وأما كفر النفاق: فهو أن يظهر بلسانه الإِيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب. فهذا هو النفاق الأكبر. فنعوذ بالله منه.
(2/267)

الحكم بغير ما أنزل الله كفر
قال ابن القيم -رحمه الله-: الصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم. فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة. فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مُخيَّر فيه. مع تيقنه أنه حكم الله. فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطىء، له حكم المخطئين.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- في رسالته القيمة (تحكيم القوانين):
"من الممتنع أن يُسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً، بل هو كافر مطلقاً: إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة 44) ومن رواية طاووس وغيره يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة، أما الأول، وهو كفر الأعتقاد فهو أنواع:
أحدها: أن يجحد الحاكم -بغير ما أنزل الله- أحَقيَّةَ حكم الله ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلًا من أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - قطعياً، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة.
الثاني: أن لايجحد الحاكم -بغير ما أنزل الله- كون حكم الله ورسوله حقاً، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث، التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضاً لا ريب أنه كفر، لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصرف حثالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد.
(2/268)

وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان وتطور الأحوال وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، نصاً وظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، عَلم ذلك من عَلمه وجَهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من تَغَيُّر الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه مَن قَلَّ نصيبهم أو عُدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية وتصوراتهم، الخاطئة الوبيئة، ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها منقادة إليها، مهما أمكنهم، فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه، وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مراد العلماء منه: ما كان مستصحبه فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد الله تعالى، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وأنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتهم، كائنة ما كانت، والواقع أصدق شاهد.
الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله، وفي كونه كافراً الكفر الناقل عن الملة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ونحوها من الآيات الكريمة الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين، في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله. فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه. لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه: لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه.
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، وتشكيلًا وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فلهذه المحاكم مراجع هي: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة،
(2/269)

كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة.
وذكرُ أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومه معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع، فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء أُولى النهى! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم، ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله، نصاً أو استنباطاً، تدَعونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم، وأعراضكم وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دونه حكم المخلوق، الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات، فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهمٍ، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط، والأخطاء، فضلاً عن كونه كفراً بنص قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. (المائدة 44)
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها "سلومهم"، يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به ويحضون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
(2/270)

وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- لقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله -رضي الله عنه- في الآية: (كفر دون كفر) وقوله أيضاً: (ليس بالكفر الذي تذهبون اليه) إ ه. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية، بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق مع اعترافه على نفسه بالخطأ.
وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه: كفراً، أعظم من معصية لم يسمها كفراً، نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم الى كتابه، انقياداً ورضاءً، إنه ولي ذلك والقادر عليه" (انظر تحكيم القوانين)

كيف تعظم الذنوب
اعلم أن الذنوب تكبر بأسباب:
1 - منها الإصرار والمواظبة: ولذلك قيل لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.
2 - ومنها أن يستصغر الذنب: فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه، وكراهيته له. وذلك النفور يمنع من شدة أثره به واستصغاره يصدر عن الأُلف به، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات، وقد جاء في الأثر"المؤمن يرى ذنبهُ كالجبل فوقه يخاف أن يقعَ عليه، والمنافق يرى ذنبه كَذُبابٍ مرَّ على أنفه فأطاره" (رواه البخاري)
3 - ومنها السرور بالذنب والفرح والتبجح (1): واعتداد التمكن من ذلك نعمة، والغفلة عن كونه سبب الشقاوة، فكلما غلبت حلاوة الذنوب عند العبد كبرت المعاصي وعظم أثرها في تسويد قلبه، حتى إن من المذنبين من يمتدح بذنبه ويتبجح به، لشدة فرحه بمقارفته (2) إياه، كما يقول: أما رأيتني كيف مزقتُ
__________
(1) التبجح: الفخر.
(2) مقارفته الذنوب: مباشرتها وإرتكابها.
(2/271)

عرضه؟ وكيف ذكرتُ مساويه حتى أخجلتهُ؟ وكيف استخففت به؟ وكيف لبَّست عليه؟ ويقول المعامل في التجارة: أما رأيت كيف روّجت عليه الزائف؟ وكيف خدعته؟ وكيف غبنته في ماله؟ وكيف استحمقته؟ فهذا وأمثاله تكبر به الذنوب، فإن الذنوب مهلكات، وإذا دُفع العبد إليها، وظفر الشيطان به في الحمل عليها، فينبغي أن يكون في مصيبة وتأسف بسبب غلبة العدو عليه، وبسبب بعده من الله تعالى. فالمريض الذي يفرح بأن ينكسر إناؤه الذي فيه دواؤه حتى يتخلص من ألم شربه، لا يُرجى شفاؤه.
4 - ومنها أن يتهاون بستر الله عليه: وحلمه عنه، وإمهاله إياه، ولا يدرى أنه إنما يُمهل مقتاً ليزداد بالإِمهال إثماً. فيظن أن تمكنه من المعاصي عناية من الله تعالى به. فيكون ذلك لأمنه من مكر الله، وجهله بمكامن الغرور بالله:
كما قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. (المجادلة 8)
5 - ومنها أن يأتى الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه: أو يأتيه في مشهد غيره، فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه، أو أشهده فعله. فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته، فغلظت به، فإن أضيف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه، وتهيئة الأسباب له، صارت جناية رابعة، وتفاحش الأمر. وفي الحديث: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين". (متفق عليه)
المسلم إذا أذنب ذنباً ولم يجهر به ستره الله عليه وأمره إلى الله تعالى، وهذا لأن من صفات الله ونعمه أنه يظهر الجميل ويستر القبيح، ولا يهتك الستر، فالإِظهار كفران لهذه النعمة.
وقال بعضهم: لا تذنب، فإن كان ولا بد فلا تُرغّب غيرك فيه فتذنب ذنبين: ولذلك قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ}. (التوبة 61)
وقال بعض السلف: ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصية، ثم يُهونها عليه.
6 - ومنها أن يكون المذنب عالماً يُقتدى به: فإذا فعله بحيث يُرى ذلك منه كبر ذنبه،
(2/272)

كإطلاق اللسان في الأعراض وتعديه باللسان في المناظرة، وقصده الاستخفاف، واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه، كعلم الجدل والمناظرة. فهذه ذنوب يُتَّبَعُ العالم عليها، فيموت العالم ويبقى شرُّه مستطيراً في العالم آماداً متطاولة. فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه.
قال تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}. (سورة يس12)
والآثار ما يلحق من الأعمال بعد انقضاء العمل والعامل.
(انظر إحياء علوم الدين للغزالي) "بتصرف بسيط"

تنبيه مهم
أقول: إن ما ذكره الغزالي صحيح، ولكن هل وقع الغزالي في كتابه فيما حذرمنه؟ الجواب: نعم، فقد قال في كتابه كلاماً خطيراً سيتحمل وزره؛ من ذلك ما ذكره تحت عنوان: (باب حكاية المحبين ومكاشفاتهم) حيث ذكر هذه القصة: قال أبو تراب يوماً: لو رأيت أبا يزيد: فقال له صديقه: إني عنه مشغول، قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد! قال أبو تراب: ويلك تغتر بالله -عَزَّ وَجَلَّ-! لو رأيت أبا يزيد (البسطامي) مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة!!
ثم قال الغزالي: فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن.
"انظر إحياء علوم الدين ج 4/ 365"
أقول للغزالي: بل يجب على المؤمن أن ينكرها لأنها كذب، وكفر، فالله تعالى لم يره أحد في الدنيا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(إنكم لن تروا ربكم -عَزَّ وَجَلَّ- حتى تموتوا) "رواه مسلم"
والقول: بأن رؤية أبا يزيد البسطامي أنفع من رؤية الله زندقة وكفر؛ فكيف يجوز للغزالي أن يذكر هذه الخرافات، وكيف يجوز أن يلقب الغزالي بحجة الإِسلام، والإِسلام بريء من أقواله السابقة، وقد أمر الخليفة ابن تشفين بإِحراق كتاب إحياء علوم الدين لوجود أباطيل كثيرة فيه، فليحذر القارىء هذا الكتاب، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الكتاب والسنة.
(2/273)

الإبتلاء في القرآن الكريم
1 - قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.
(سورة الملك 2)
خلق الله الموت، وخلق الحياة وما فيها من ابتلاء ومصائب ليختبرنا أينا أحسن عملاً من غيره
2 - وقال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}. (البلد 4)
(تعب ومشقة وبلاء ومشاكل).
3 - وقال تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. (العنكبوت 1 - 3)
فالفتنة: هي اختبار الله للمؤمنين ليعلم الله الصادقين ويعلم الكاذبين عند الشدائد.
4 - قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}. (البقرة 214)
لا تحسبوا دخول الجنة سهلاً بدون جهاد؛ فقد أصاب من قبلكم الحرب والمرض .. وزُلزلوا حتى قال الرسول والذين معه حين تأخر النصر عنهم: (متى نصر الله؟ ... ألا إن نصر الله قريب).
5 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدنيا سجن المؤمن وجَنة الكافر".
"صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق (18/ 93) شرح النووى"
فالمؤمن الصادق يصبر على ما يصيبه في الدنيا ليكون له النعيم المقيم، والكافر منعم في الدنيا كأنها جنته، ويكون له العذاب المقيم يوم الجزاء.
(2/274)

الإبتلاء في السنة المطهرة
وكما تحدث القرآن الكريم عن الإبتلاء. تحدثت السنة المطهرة عنه، فقال - صلى الله عليه وسلم - عندما سُئل عن أي الناس أشدُّ بلاءاً، قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة". (رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة". (أخرجه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح)
وعن عبدالرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قال: "ابتُلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالضراء فصبرنا، ثم ابتُلِينا بالسرَّاء بعده فلم نصبر". (رواه الترمذي وقال حديث حسن)
وتعوذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفتن فقال: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمتَ الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمتَ الوفاة خيراً لي. اللهم وأسالك خشيتك في الغيب والشهادة وأسالك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسالك نعيماً لا ينفدُ. وأسالك قرَّة عين لا تنقطع. وأسألك الرضاء بعد القضاء. وأسالك بَردَ العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مُضلّة. اللهم زيِّنا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين". (صحيح سنن النسائي 1237)
(2/275)

أنواع الإبتلاء والصبر عليه
1 - الخوف والجوع والقتل: قال الله تعالى:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}. (البقرة 155)
2 - الحرب والجهاد: قال تعالى:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ}. (محمد 31)
فالإبتلاء بالحرب ليعلم الله المجاهدين والصابرين.
3 - المرض: قد يكون الإبتلاء بالمرض ليختبر الله صبر الإِنسان ويسمع دعاءه، قال الله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. (الأنبياء 83)
4 - السجن: نوع من الاختبار ليعلم الله الصابر من غيره كما حصل ليوسف عليه السلام حيث بقي في السجن ثمان سنوات بتهمة تمس شرفه، وقد خرج بريئاً مكرماً وصار وزيراً.
5 - فتنة المال والولد: قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}. (التغابن 15)
المال والأولاد اختبار من الله لعبده ليعلم قدرته على تربية أولاده، وأداء زكاة ماله، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم المال الصالح للمرء الصالح". (رواه أحمد وهو صحيح)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له". (رواه مسلم) شرح النووى (11/ 85)
6 - الإيذاء من الناس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". (رواه ابن ماجه والترمذي وهو صحيح)
فالأنبياء جميعاً آذاهم قومهم وجادلوهم، وكذبوهم، وحاولوا قتلهم، وأخرجوهم من وطنهم، ولكنهم صبروا فكان النصر حليفهم، قال الله تعالى:
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ}. (سورة يوسف 110)
وقال عن لقمان الحكيم وهو يوصي ولده: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}. (لقمان 17)
(2/276)

أسباب الوقوع في الذنوب
1 - الإبتلاء بالخير والشر
قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}. (الانبياء35)
وقال سبحانه: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. (العنكبوت 1 - 3)
وقال سبحانه: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. (الأعراف 168)
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: لا بُد من الإبتلاء بما يؤذى الإِنسان، فلا خلاص لأحد مما يؤذيه البتة. ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع من كتابه أنه لا بد أن يُبتلى الناس. والإبتلاء يكون بالسّراءِ والضرّاء، ولا بد أن يُبتلى الإِنسان بما يسّره وما يسوؤه. فهو محتاج إلى أن يكون صابراً شكوراً.
سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله، أيما أفضل للرجل، أن يُمَكن أويُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكّن حتى يُبتلى، فإن الله ابتلى نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فلما صبروا مكّنهم فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة. (مدارج السالكين لابن القيم 2/ 283)
2 - ضعف الإيمان واليقين بالله وعدم الخوف منه سبحانه
إن ضعف إيمان العبد بخالقه ورازقه ومدبر أمره، الذي لا يخفى عليه من خلقه خافية، أمر عظيم خطير، حيث أن عدم الخوف من الله تعالى وعدم خشيته ومراقبته تجعل الانسان يستخف بوعد الله ووعيده. فأما وعد الله في الدنيا فبالنصر والسعادة والسيادة. وأما في الآخرة فجنته التي عرضها السموات والأرض. أعدها الله لمن
(2/277)

اتقاه. وأما وعيده في الدنيا فبالشقاء والذل والمهانة وعدم الطمأنينة وأما في الآخرة فبالأنكال والأغلال والسلاسل يُسحبون إلى النار وبئس القرار.
لهذا كان لزاماً على كل عبد مؤمن موفق أن يتقي الله ويخشاه حق خشيته فيأتمر بأمره وينتهي عن نواهيه.
ولقد كان أخوف الناس وأشدهم خشية لله تعالى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال: "والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له". (رواه مسلم)
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أصحابه شيء فخطب فقال: "عُرضت عليّ الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر. ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قال: فما أتى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أشدّ منه. قال: غَطوا رؤوسهم ولهم خنين".
(الخنين: صوت البكاء).
وعن أبي ذر -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع الا وملَك واضع جبهته لله ساجداً، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وماتلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله" قال أبو ذر: لَوَدِدتُ أني كنتُ شجرة تُعضَد.
(رواه الترمذي وابن ماجه وعنده حسن)
وكذلك كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أشد الناس خشية لله وأخوفهم منه.
قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (لو نادى مناد من السماء أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحداً لخفت، أن أكون أنا هو).
وروى عنه أنه لما طُعن قال: (لو أن لي طِلاعَ الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: ضع رأسي. قال: فوضعته على الأرض، فقال: ويلي وَوَيل أمي إن لم يرحمني ربي). (شرح السنة للبغوى 14/ 373)
(2/278)

3 - الجهل بالله تعالى
لقد ذمَّ الله تعالى الجهل وأهله وبين قبح أثره ووخيم عاقبته.
فقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. (المائدة 50)
وقال سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. (الأعراف 199)
وصف سبحانه عباد الرحمن بقوله تعالى:
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}. (الفرقان 63)
وتتحدث السنة المطهرة عن الجهل، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير عِلم فضلّوا وأضلوا". (رواه البخاري)
قال العلامه ابن القيم -رحمه الله-:
والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان
نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب فذاك العالم الرباني
ولما كان الجهل داءاً دويًّا، ومرضاً مستحكماً قوياً كان دواؤه الذي هو العلم أصعب شيء على النفس وأشقه، وكلما كانت الغاية غالية، اقتضت همة عالية ونفس سامية، لذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن حماية الأمة من الضلال والإِضلال إنما هو بالعلم، وقد امتدح الله سبحانه وتعالى العلم وأهله العاملين به وأثنى عليهم بقوله:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. (فاطر 28)
وقوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. (آل عمران 18)
فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله سبحانه وتعالى ويخشاه في أي مكان وفي أي زمان كما أن عليه أن يخرج من عداد الجاهلين بالله وبأسمائه وصفاته إلى عِداد العالمين به، وبما يجب له سبحانه من إخلاص العبادة. وما يجوز وما يستحيل في حقه سبحانه، وهذا هو التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
(2/279)

4 - حب الدنيا والركون إلى الشهوات
قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}. (آل عمران 14)
عدّد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية جملة من الشهوات التي يرغبها ويحبها البشر ويطمأنون إليها، ثم بيَّن سبحانه أن ذلك كله متاع زائل عاجل، وعند الله أفضل المرجع والمنقلب والثواب، فالواجب على الإنسان أن يكون على حذر من الدنيا، وأن يتذكر ما ذهب من عُمرِه، هل كان في طاعة الله أم في معصيته، وأن يتذكر ما جاء في القرآن الكريم من عِبر وعظات وآيات محكمات تزهِّد في الدنيا. وتُرغِّب في طلب الآخرة. قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. (يونس 24)
وقال سبحانه: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ}. (آل عمران 185)
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}. (لقمان 33)
وقال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. (العنكبوت 64)
ولقد حذَّر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الإفتتان بالدنيا والركون إلى شهواتها فقال - صلى الله عليه وسلم -: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككلم كما أهلكتهم". (رواه البخاري ومسلم)
وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله دُلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: "ازهد في الدنيا يحبك
(2/280)

الله، وازهد فيما عند الناس يُحبك الناس". (حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره)
وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يوشك الأُمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومِن قِلَّة نحن يومئذ؟
قال: "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليَنزِعَن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليَقذِفَن في قلوبكم الوهن" فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت". (رواه أبو داود، وذكره الألباني في الصحيحة 958)
5 - الغفلة وعدم الاعتبار
لقد غرَّت الأماني أكثر خلق الله فتركوا سبيل الهدى وأعرضوا عن دار التهاني والقرار، فوقعوا في شرَكِ الردى، وظنوا أن يتركوا سدى، وغفلوا عن قوله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}. (القلم 45)
وقوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (الحجر 3)
وقوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ}. (المؤمنون 55 - 56)
إن الواجب على الإنسان أن لا يغفل عن هذه الآيات البينات وأن يعتبر ويتعظ مما آل إليه حال كثير من الشعوب والبلاد.
قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ}. (سوره ق 36)
(نقبوا: ساروا).
قال الشاعر:
ياغافلاً عمَّا خُلقت له انتبه ... جَدَّ الرحيلُ ولستَ باليقظان
سار الرفاقُ وخلَّفُوكَ مع الأوُلى ... قَنِعُوا بذا الحظِّ الخسيس الفانِ
ورأيت أكثرَ مَن تَرى مُتخلِّفاً ... فتبعتَهُم ورضيتَ بالحَرمانِ
منَّتك نفسُك باللحاق مع القعودِ ... عن المسير وراحةِ الأبدانِ
ولسوفَ تعلمُ حينَ يَنكشِفُ الغِطا ... ماذا صَنعْتَ وكُنتَ ذا أمكَانِ
(2/281)

أحاديث نبوية في الفتن
1 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تسشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليَعُذ به". (رواه البخاري ومسلم)
[من تشرف لها تستشوفه: أي من تعرض لها أتته ووقعٍ فيها].
2 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشرِبَها نُكِتَ فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة، ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مُربادَّاً كالكوز مُجخِّياً لا يعرف معروفاً ولا يُنكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه". (رواه مسلم في الإيمان)
[مرباداً: مُغبراً، مُجخِّياً: مائلًا].
3 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "بادروا بالأعمال: فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويسمي كافراً، ويسمى مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا". (رواه مسلم)
4 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة". (رواه أحمد وغيره وحسنه الحافظ)
زاد قي رواية: "وإنه سيخرج من أُمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى
الكلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخلَه". (رواه أحمد وغيره وإسناده صحيح)
[يتجارى الكلَب: هو الوقوع في الأهواء الفاسدة، والكلَب: داء معروف يعرض للكلب إذا عض حيواناً].
5 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم، لا يدري
(2/282)

القاتل فيم قَتل، ولا المقتول فيم قُتل؟ فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهَرجُ القاتل والمقتول في النار". (رواه مسلم)
[الَهرج: القتل]

كيف يخرج المسلمون من الفتن؟
اذا أراد المسلمون الخلاص من الفتن على اختلافها، فعليهم أن يرجعوا الى كتاب ربهم، ويعملوا به، ويطبقوا حدوده، ويحكموا به، كما فعل أسلافهم، وقد رُوي حديث مرفوع وموقوف على علي -رضي الله عنه-، وفي سنده ضعف، إلا أن معناه صحيح، وهو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"ألا إنها ستكون فتن، قلتُ وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي مَن تركه مِن جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهُدى بغيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخلَق عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم بنته الجن إذ سمعته أن قالوا:
{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} (سوره الجن 1)
هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي الى صراط مستقيم".
أقول: هذا هو الدواء الناجع الذي وصفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للخلاص من الفتن، فما على العرب والمسلمين إلا أن يأخذوا هذا الدواء المفيد والمجرب، ليتخلصوا من هذه الفتن التي يعيشون فيها، وأورثت العداوة والبغضاء بينهم، وطمع العدو فيهم ولا عز للعرب والمسلمين إلا بالرجوع إلى الإسلام الذي فيه عزهم ونصرهم، وقد قال الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كلمة خالدة تكتب وترفع على الرؤوس للعمل بها، وهي قوله: (إننا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله). (صححه الحاكم ووافقه الذهبي)
فهذا الذل والهوان الذي أصاب المسلمين هو محاولتهم طلب العزة من غير الإسلام كالإشتراكية، والرأسمالية، والقومية العربية، والعلمانية، وغيرها من المبادىء الهدامة
(2/283)

المخالفة لتعاليم الإسلام، والتي هي من وضع البشر، وقد فشلت كل هذه المبادىء، ولم يبق إلا تطبيق كتاب رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد وهو أعلم بمصالح عباده الذين خلقهم.
اللهم وفق المسلمين للعمل بكتاب ربهم، ليعود لهم عزهم ونصرهم، فقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر فقال: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. (سورة الروم 47)
* * *

آثار المعاصي والذنوب
1 - حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تُطفىء ذلك النور. قال الشافعي:
شَكوتُ إلى وكيع سوء حفظى ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاصي
2 - حرمان الرزق، فكما أن التقوى مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر. وما أستُجلب رزق بمثل ترك المعاصي.
3 - حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن الطاعة لكانت كافية.
4 - إن المعاصي تُوهن القلب والبدن، أما وهنها للقلب فأمر ظاهر. بل لا تزال تُضعفه حتى تزيل حياته بالكلية.
5 - إن المعاصي تُقصِّر العمر، وتمحق البركة، فإن البرَّ كما يزيدُ من العمر فالفجور يُقصّر العمر.
6 - إن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها.
7 - إن الذنوب تضعف القلب عن إرادته، فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ من القلب إرادة التوبة بالكلية.
8 - إن كل معصية من المعاصي هي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فاللوطية ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم
(2/284)

شعيب، والعلو في الأرض بالفساد ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود، فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء الله.
9 - إن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، قال الحسن البصري -رحمه الله-: هانوا عليه فعصوه، ولو عَزُّوا عليه لعصمهم، قال الله تعالى:
{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ}. (الحج 28)
10 - إن غير المذنب من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنب المذنب فيحترق هو وغيره، بشؤم الذنوب والظلم.
11 - إن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه وذلك علامة الهلاك. فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عَظُم عند الله، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب ودع على أنفه فقال به هكذا، فطار". (رواه البخاري)
12 - إن المعصية تورث الذل، فإن العز كل العز في طاعة الله.
قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-:
رأيت الذنوب تُميت القلوب ... وقد يوث الذُّل إدمانُها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها
13 - إن المعاصي تُفسد العقل، فإن للعقل نوراً، والمعصية تطفىء نور العقل، وإذا طُفىء نوره ضعف ونقص.
14 - إن الذنوب إذا تكاثرت طُبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. (المطففين 14)
15 - إن الذنوب تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. (الروم 41)
16 - إن الذنوب تذهب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير وذهابه ذهاب الخير أجمعه، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحياء خير كله". (رواه البخاري ومسلم)
(2/285)

قال الشاعر:
فما والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
17 - إن الذنوب تُضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد شاء أم أبَى ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه.
18 - إن الذنوب تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهناك الهلاك الذي لا يُرجى معه نجاة.
19 - إن الذنوب تخرج العبد من دائرة الإِحسان وتمنعه ثواب المحسنين، فإن الإِحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي.
20 - إن الذنوب تزيل النعم وتحُل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب، قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:
(ما نزل بلاء إلا بذنب وما دُفع إلا بتوبة).
قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.
(الشورى 30)
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ}. (الأنفال 53)
ولقد أحسن القائل:
إذاكنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم
وحُطها بطاعة ربِّ العباد ... فرب العباد سريع النقم
وإياك والظلم مهما استطعت ... فظلم العباد شديد الوخم
وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم ... شهود عليهم، ولا تتهم
وما كان شيء عليهم أَضر ... من الظلم وهو الذي قد قصم
فكم تركوا من جنان ومن ... قصور، وأُخرى عليهم أَطم
صَلُوا بالجحيم وفات النعيم ... وكان الذي نالهم كالحلم
[نظر: الجواب الكافي لابن القيم [ص 60: 110] بتصرف
(2/286)

الجهاد في سبيل الله
الجهاد واجب على كل مسلم، ويكون بالمال وهو الإِنفاق، ويكون بالنفس وهو القتال، ويكون باللسان والقلم وهو الدعوة إليه، والدفاع عنه، والجهاد على أنواع:
1 - فرض عين: وهو ضد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين؛ فالمسلمون المستطيعون آثمون حتى يخرجوا اليهود منها بالمال أو النفس.
2 - فرض كفاية: إذا قام به البعض سقط عن الباقي، وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإِسلامية إلى سائر البلاد، حتى يحكمها الإِسلام، فمن استسلم من أهلها فبها، ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا، فهذا الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة فضلاً عن الأول.
وحين ترك المسلمون الجهاد وغَرَّتْهم الدنيا والزراعة والتجارة أصابهم الذل، وصدق فيهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا تبايعتم بالعِينة (1)، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعهُ عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم". (صحيح رواه أحمد)
3 - جهاد حكام المسلمين: ويكون بتقديم النصيحة لهم ولأعوانهم:
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الدِّين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". (رواه مسلم)
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (حسن رواه أبو داود والترمذي)
وبيان طريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا هو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، وُيصححوا عقيدتهم، ويُربُّوا أنفسهم وأهليهم
__________
(1) أن يبيع الرجل شيئاً من غيره بثمن مؤجل، ويسلمه للمشتري، ثم يشتريه منه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر يدفعه نقداً.
(2/287)

على الإسلام الصحيح، تحقيقاً لقوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. (سورة الرعد 11)
وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله:
أقيموا دولة الإِسلام في قلوبكم، تُقَم لكم على أرضكم.
وكذلك فلا بد من إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها، ألا وهو المجتمع:
قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (1). (سورة النور 55)
4 - جهاد الكفار والشيوعيين والمحاربين من أهل الكتاب: ويكون بالمال والنفس واللسان حسب الاستطاعة:
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". (صحيح رواه أحمد)
5 - جهاد الفساق وأهل المعاصي: ويكون باليد، واللسان، والقلب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكراً فلْيُغيِّره بيده، فإن لمْ يستطع فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان. (رواه مسلم)
6 - جهاد الشيطان: ويكون بَمخالفته وعدمٍ اتباع وساوسه. قال الله تعالى:
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}. (سوره فاطر 6)
7 - جهاد النفس: ويكون بمخالفتها، وحملها على طاعة الله، واجتناب معاصيه. قال تعالى على لسان امرأة العزيز التي اعترفت بمراودتها ليوسف:
{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}. (سورة يوسف 53)
وقال الشاعر:
وخالِف النفسَ والشيطانَ واعصهما ... وإنْ هما محَّضاك النُصح فاتهم
اللهم وفقنا لأن نكون من المجاهدين العاملين المخلصين
__________
(1) اختصاراً من كتاب (تعيقات على شرح الطحاوية للألباني).
(2/288)

واجب الإصلاح بين المتقاتلين
قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10].
يقول الله تعالى آمرًا عباده بالإِصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض، فسماهم مؤمنين مع الاقتتال وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإِيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقول الخوارج ومَن تابعهم من المعتزلة ونحوهم.
وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن بن علي -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى ويقول:
"إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". (رواه البخاري)
فكان كما قال - صلى الله عليه وسلم - أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة.
وقوله تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ}: أي حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قلت: يا رسول الله هذا نصرتُه مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه". (رواه البخاري ومسلم)
وقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. [الحجرات: 9].
أي اعدلوا بينهما فيما كان أصاب بعضهم لبعض بالقسط وهو العدل.
(2/289)

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المقسطين عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا". (رواه مسلم)
وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}: أي الجميع إخوة في الدين كما قال - صلى الله عليه وسلم -:
"المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلمه". (رواه مسلم)
وفي الصحيح: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (انظر تفسير ابن كثير ج 4/ 211)

شروط تحقيق النصر
إن القارىء لسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجهاده يرى المراحل التالية:
1 - مرحلة التوحيد: بقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عامًا في مكة المكرمة، وهو يدعو قومه إلى توحيد الله في العبادة والدعاء والحكم ومحاربة الشرك، حتى ثبتتْ هذه العقيدة في نفوس أصحابه وأصبحوا شجعانًا لا يخافون إلا الله.
فيجب على الدعاة أن يبدأوا بالتوحيد، ويُحذروا من الشرك ليكونوا برسول الله من المقتدين.
2 - مرحلة الأخوة: لقد هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة لِيكوِّن المجتمع المسلم القائم على التحابب، فأول ما بدأ به هو بناء مسجد يجتمع فيه المسلمون لعبادة ربهم، ويتاح لهم الإجتماع كل يوم خمس مرات، لينظموا حياتهم، وقد بادر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المؤاخاة بين الأنصار سكان المدينة، وبين المهاجرين من مكة الذين تركوا أموالهم، فعرض الأنصار أموالهم للمهاجرين وقدَّموا لهم كل ما يحتاجون إليه.
ولقد وجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - سكان المدينة، وهم من الأوس والخزرج بينهم عداوة قديمة، فأصلح بينهم، وأزال الحقد والعداوة من صدورهم، وجعلهم إخوة متحابين في الإِيمان والتوحيد كما جاء في الحديث: "المسلم أخو المسلم" [رواه مسلم]
3 - الإستعداد: لقد أمر القرآن الكريم بالإستعداد للأعداء فقال:
{وأعِدوا لهم ما أستطَعْتُم مِن قُوَّة}. [سورة الأنفال: 60]
(2/290)

وفسرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "ألا إن القوة الرمي". (رواه مسلم)
والرمي تعليمه واجب على المسلمين حسب استطاعتهم، فالمدفع والدبابة والطائرة وغيرها من الأسلحة تحتاج إلى تعليم الرمي عند استعمالها، وليت طلاب المدارس تعلموا الرماية، وأجروا المباريات والمسابقات لاستفادوا في الدفاع عن دينهم ومقدساتهم؛ ولكن الأولاد يضيعون أوقاتهم في لعب الكرة، وإجراء المباريات، فيكشفون الأفخاذ التي أمرنا الإِسلام بسترها ويضيعون الصلوات التي أمرنا الله بالمحافظة عليها.
4 - وعندما نعود إلى عقيدة التوحيد، ونكون إخوانًا متحابين، ونستعد للأعداء بالسلاح سيتحقق النصر إن شاء الله للمسلمين كما تحقق النصر للرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته من بعده ..
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنْ تنصروا الله ينصُركم ويُثبتْ أقدامكم}.
{سورة محمد: 7]
5 - ليس هذا معناه أن هذه المراحل منفصلة، بمعنى أن مرحلة الأخوة لا تكون مع مرحلة التوحيد، فهذه المراحل يمكن أن تتداخل (1).

{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}
هذه الآية الكريمة تبين أن الله تعهد للمؤمنين بالنصر على أعدائهم، وهو وعد لا يُخلَف، فقد نصر الله رسوله في غزوة بدر والأحزاب وغيرهما من الغزوات، ونصر أصحاب رسول الله بعده على أعدائهم، وانتشر الإِسلام وفتحت البلاد، وانتصر المسلمون، رغم الأحداث والمصائب، وكانت العاقبة للمؤمنين الذين صدقوا الله في إيمانهم وتوحيدهم وعبادتهم ودعائهم لربهم في وقت الشدة والرخاء، وهذا القرآن يحكي حال المؤمنين في غزوة بدر، وهم قليل في العدد والعدة، فيدعون ربهم: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}. [سورة الأنفال: 9]
__________
(1) من كتاب الفرقة الناجية للمؤلف محمد بن جميل زينو.
(2/291)

فاستجاب الله دعاءهم، وأمدهم بالملائكة يقاتلون معهم فيضربون أعناق
الكفار، ويضربون أطرافهم، وذلك حين قال:
{فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}. [الأنفال: 12].
وتم النصر للمؤمنين الموحدين، قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. [آل عمران: 123].
واستقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - القبلة ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه (داعيًا مستغيثًا):
"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني به، اللهم إن تُهلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". (رواه مسلم)
ونرى المسلمين اليوم يخوضون المعارك ضد أعدائهم في أكثر البلاد ولا ينتصرون فما هو سبب ذلك؟ هل يختلف وعد الله بالنسبة للمؤمنين؟ لا أبدًا لا يختلف ولكن أين المؤمنون حتى يأتيهم النصر المذكور في الآية؟ نسأل المجاهدين:
1 - هل استعدوا بالإِيمان والتوحيد اللذين بدأ بهما الرسول دعوته في مكة قبل القتال؟
2 - هل أخذوا بالسبب الذي أمرهم به ربهم بقوله:
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]
وقد فسرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرمي.
3 - هل دعوا ربهم وأفردوه بالدعاء عند القتال، أم أشركوا معه غيره فراحوا يسألون النصر من غيره ممن يعتقدون فيهم الولاية، وهم عبيد الله، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولماذا لا يقتدون بالرسول في دعائه لربه وحده؟ قال تعالى: {أليسَ الله بكافٍ عبده} [سورة الزمر: 36]
4 - وأخيرًا هل هُم مجتمعون ومتحابون فيما بينهم شعارهم قول ربهم:
{ولا تنازعوا فتفشلوا وتَذهبَ ريحكُم} [سورة الأنفال 46]
إذا حققتم الإِيمان المطلوب، فسيأتيكم النصر الموعود قال الله تعالى:
{وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين} [سورة الروم 47]
(2/292)

من أسباب النصر
أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جيشًا بقيادة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- لفتح بلاد فارس وكتب إليه عهدًا هذا نصه:
1 - (تقوى الله): أما بعد فإني آمرك ومَن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العُدة على العدُو، وأقوى المكيدة في الحرب.
2 - (ترك المعاصي): وآمرك ومَن معك أن تكونوا أشدَّ احتراسًا من المعاصي مِنكم مِن عدوكم، فإن ذنوبَ الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، وعُدتنا ليست كَعُدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم علينا الفضل في القوة، وإنْ لم نُنصَرْ عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.
واعلموا أنَّ عليكم في سَيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شرٌّ منا فلن يُسلط علينا وإنْ أسأنا، فَرُبِّ قوم سُلِّطَ عليهم مَن هو شرٌّ منهم كما سُلِّط علي بني إسرائيل كفار المجوس لما عملوا بالمعاصي، (وكما سلطت اليهود على العرب المسلمين).
3 - (الإستعانة بالله): وسَلوا الله النصرَ على أنفسكم كما تسألونه النصرَ على عدوكم، وأسألُ الله ذلك لنا ولكم. (ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية)
(2/293)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هما الدعامتان الأساسيتان اللتان يقوم عليهما صلاح المجتمع، وهما من خصائص هذه الأمة الإِسلامية، قال الله تعالى:
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران: 110]
وحين تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسد المجتمع، وانحطت الأخلاق، وساءت المعاملة، و ...
ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفرد دون آخر، بل هو واجب على كل مسلم رجلاً أو امرأة، عالمًا أو عاميًّا كل حسب قدرته وعمله قال - صلى الله عليه وسلم -:
"مَن رأى منكم مُنكرًا فلْيُغَيِّره بيده. فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعفُ الإِيمان". (رواه مسلم)
[والمنكر: ما أنكره الشرع].
وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
1 - الخطبة: يوم الجمعة والعيدين، يُبين فيها أنواع المنكرات.
2 - المحاضرة أو المقالة: في مجلة أو صحيفة لبيان أمراض المجتمع وإعطاء العلاج الشافي.
3 - الكتاب: يعرض المؤلف ما يريد بيانه للناس من أفكار لإِصلاح الناس.
4 - الموعظة: تكون في مجلس فيتكلم أحد الحاضرين مثلًا عن أضرار الدخان الجسمية والمالية.
5 - النصيحة: تكون بين الأخ وأخيه سِرًّا لترك خاتم الذهب، أو تحذيره من ترك الصلاة، أو تحذيره من دعاء غير الله.
6 - الرسالة: من أفيد الوسائل، فكل إنسان يستطيع أن يقرأ صفحات قليلة عن الصلاة أو الجهاد، أو الزكاة، أو عن الكبائر. كدعاء الأموات وطلب المدد منهم وغير ذلك.
7 - الشريط الإِسلامي: مفيد جدًّا، ولا سيما لمن لا يقرأ.
(2/294)

شروط الآمر
1 - أن يكون أمرهُ ونهيه برفق حتى تقبله النفوس قال تعالى مخاطبًا موسى وهارون: {اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44].
فإذا رأيت إنسانًا يشتم ويكفر، فانصحه برفق، واطلب منه أن يستعيذ بالله من
الشيطان الرجيم الذي كان سببًا في هذا الشتم، وأن الله الذي خلقنا وأنعم علينا بنعم كثيرة يستحق الشكر، وأن هذا الكفر لا يُجدي نفعًا، بل يكون سببًا في شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، ثم تأمره بالتوبة والاستغفار.
2 - أن يعرف الحلال والحرام فيما يأمر به، حتى ينفع ولا يضر بجهله.
3 - يحسن بالآمر أن يكون مُطبِّقًا لما يأمر به، ومبتعدًا عما ينهى عنه، حتى تكون الفائدة أتم وأنفع، قال تعالى مخاطبًا من يأمر ولا يعمل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].
وعلى المبتلى أن يُحذر مما هو واقع فيه معترفًا بخطئه.
4 - أن نخلص في العمل، وندعو للمخالفين بالهداية، ويكون لنا العذر عند الله، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164].
5 - أن يكون الآمِر شجاعًا لا يخاف في الله لومة لائم، ويصبر على ما قد يُصيبه.
عملاً بوصية لقمان لولده حين قال له:
{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]
(2/295)

أنواع المنكرات
1 - من منكرات المساجد: زخرفتها وتلوينها، وتعداد مآذنها، ووضع اللوحات المكتوبة أمام المصلي، إذ فيها إشغاله عن الخشوع وخاصة القصائد الشعرية التي فيها استغاثات بغير الله، والمرور أمام المصلي، وتخطي الرقاب بين الجالسين، ورفع الصوت بالدعاء أو القرآن أو الكلام، أو الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيشوشون على المصلين إذ الإِسرار بها هو الوارد، قال - صلى الله عليه وسلم -:
"لا يَجهَرْ بعضُكم على بعض في القرآن". (صحيح رواه أبو داود)
والبَصْق والسُعال بصوتٍ مرتفع، وإيراد بعض الواعظين والخطباء الأحاديث
الموضوعة والضعيفة وعدم ذكر درجتها، رغم وجود الأحاديث الصحيحة وكثرتها التي تغني عنها، وطلب المدد والعون من غير الله تعالى في المساجد والمآذن، وعند إنشاد القصائد بمناسبة الإحتفال، وظهور رائحة الدخان من بعض المصلين، والصلاة بثوب وسخ له رائحة كريهة، ورفع الصوت بشدة، والرقص والتصفيق أثناء الذكر، والبيع والشراء، وإنشادُ الضائع، وعدم إلصاق الكتف بالكتف والقدم بالقدم عند صلاة الجماعة.
2 - من منكرات الشوارع: خروج النساء سافرات أو متكشفات، أو يتكلمن
ويضحكن بصوت مرتفع، وإمساك الرجل بيد المرأة ومحادثتها بلا خجل، وبيع أوراق اليانصيب، وبيع الخمر في الحانات، وصور الرجال أو النساء بأوضاع مخزية تفسد الأخلاق، وطرح الأوساخ في الشوارع، ووقوف بعض الشبان للتفرج على النساء، ومزاحمة النساء للرجال في الشوارع والأسواق والسيارات.
3 - من منكرات الأسواق: الحلف بغير الله كالشرف والذمة وغيره، والغش،
والكذب في الربح والمشترى، ووضع البسطات في الطريق، والكفر والشتم،
ونقص الكيل والميزان، والمناداة بصوت مرتفع.
4 - من المنكرات العامة: الاستماع إلى الموسيقا أو الأغاني الخليعة، واختلاط الرجال
(2/296)

بالنساء من غير المحارم، ولو من الأقارب كابن العم والخالة وأخي الزوج وغيره، وتعليق الصور أو التماثيل ذات الأرواح على الجدران، أو جعلها على المناضد، ولو لنفسه أو أبيه، والإِسراف في الطعام والشراب واللباس والأثاث، وتقديم الدخان لضرره للجسم والمال والجار، واللعب بالنرْد، وعقوق الوالدين، واقتناء المجلات الخليعة، وتعليق التمائم للأطفال أو على أبواب الدور، أو في السيارات كالخرز الأزرق، والكف، ونضوة الفرس، واعتقاد أنها ترد العين، وتدفع البلاء، وانتقاص أحد الصحابة.
ومن الكفر الإستهزاء بطاعة الله كالصلاة والحجاب واللحية وغيرها مما جاء به الإِسلام (1).

الصبر وأنواعه
الصبر: هو حبس النفس على ما تكره، وهو أنواع:
1 - الصبر على طاعة الله: كأداء مناسك الحج والعمرة -من إحرام، ومبيت بمنى، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي، وذبح، وحلق، وطواف، وسعي،
وتحلل- على الوجه المشروع والمطلوب، وغير ذلك من العبادات.
2 - الصبر عن معاصي الله: باجتناب الرفَث، والفسوق، والجدال بالباطل، وغيرها من المعاصي، قال الله تعالى:
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
[الرفث: الجماع والتقبيل]، [الفسوق: المعاصي].
3 - الصبر على مفارقة الأهل، والأحباب، والأوطان: وذلك بذكر الله وشكره، وطلب الأجر من الله، قال الله تعالى:
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. [البقرة: 200]
4 - الصبر على تكاليف الحج والصدقات وغيرها: فأجر النفقة لا يضيع عند الكريم، بل يضاعفه له، ويخلفه عليه، ويزيده من فضله، قال الله تعالى:
__________
(1) من كتاب توجيهات إسلامية للمؤلف.
(2/297)

{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. [سبأ: 39]
قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة -رضي الله عنها- في عمرتها:
"إن لكِ من الأجر على قدر نصبَك ونفقَتك". (صحيح رواه الحاكم)
[النصب: التعب].
5 - الصبر على المتاعب البدنية: في الحل والترحال: والإنتقال من بلد إلى بلد.
6 - الصبر على ضياع مال أو أصحاب: وعلى المسلم أن يدعو الله بما ورد ويأخذ بالأسباب وبالتفتيش عن ضالته:
سئل ابن عمر -رضي الله عنهما- عن الضالة، فقال:
يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول:
"اللهم رادَّ الضالة، هادي الضَّلالة، تهدي من الضَّلال، رُدَّ عليَّ ضالَّتي
بقدرتك وسلطانك، فإنها من فضلك وعطائك". (قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن)
7 - الصبر على جميع المشاكل التي تصيب المسلم: وذلك بالإلتجاء إلى الله، ودعائه وحده، ولا سيما في الليل قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن تعارَّ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلت صلاته". (رواه البخاري وغيره)
8 - استعن بالصبر والصلاة على مصائب الدنيا: قال الله تعالى:
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ}. [البقرة: 45]
9 - واعلم أن ما يصيبك من مرض، أو تعب، أو أذى، أو غير ذلك، فهو تكفير عن سيئاتك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"ما يُصيب المسلم من نصَب، ولا وَصَب، ولا هَمّ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا
غَمّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا غفر الله بها من خطاياه". (متفق عليه)
[النصب: التعب]، [الوَصَب: المرض].
10 - عليك بالصبر: حتى تكون ممن قال الله تعالى فيهم:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. [البقرة: 155 - 157]
(2/298)

طرق الوقاية من الذنوب
أولًا: تقوى الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
على الإِنسان أن يتقي الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فإن التقوى هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}. [النساء: 131]
فما مِن خير عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن، إلا وتقوى الله سبيلٌ موصلٌ إليه ووسيلة مبلِّغة له، وما من شرٍّ عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن، إلا وتقوى الله عز وجل حِرز متين وحصين للسلامة منه والنجاة من ضرره.
وقد علَّق الله العظيم في كتابه الكريم على التقوى من خيرات عظيمة من ذلك:
1 - المعية الخاصة: والمقتضية للحفظ والعناية والتأييد:
قال الله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين}. [البقرة: 194]
2 - المحبة لمن اتقى الله، قال تعالى:
{فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين}. [التوبة: 7]
3 - التوفيق للعلم، قال سبحانه:
{واتقوا الله ويعلمكم الله}. [البقرة: 282]
4 - نفي الخوف والحزن عن المتقي المصلح، قال سبحانه:
{فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. [الأعراف: 35]
وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"اتقِ الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحُها وخالقِ الناسَ بخلُق حسَن".
(حديث صحيح)
والتقوى: هي أن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله، وأن
يترك معصية الله، على نور من الله، يخشى عقاب الله.
وقال ابن رجب الحنبلي: تقوى العبد لربه، أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه
(2/299)

من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
لذا كان على المسلم أن يلتزم بها فيعمل بطاعة ربه ويبتعد عن سخطه في كل مكان وعلى أي حال:
قال الشاعر:
خلِّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى
واصنع كماشٍ فوق أرضِ ... الشوك يحذر ما يرى
لا تحقِرَن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
قيل لأبي الدرداء: يقولون الشعر وأنت ما حُفظ عنك شيء؟ فقال:
يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أولى ما استفادا
وقال ابن السماك الواعظ:
يا مُدمن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثانيكا
أغرّك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا
ثانيًا: التوبة:
تعريف التوبة: هي العلم بعظم الذنب، والندم عليه، والقصد المتعلق بالترك
في الحال والاستقبال.

منزلة التوبة:
إن التوبة هي حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخل في مسمى التوبة، وبهذا
استحق التائب أن يكون حبيب الله. فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. وإنما يحب الله مَن فَعَل ما أمر به وتَرَكَ ما نهى عنه.
والتوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا. ويدخل في مسماها الإسلام، والإيمان، والإحسان، وتتناول جميع المقامات. ولهذا كانت غاية كل مؤمن. وبداية الأمر وخاتمته.
وأكثر الناس لا يعرفون قدر التوبة ولا حقيقتها، فضلًا عن القيام بها علمًا وعملًا وحالًا. ولم يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواص الخلق لديه.
(2/300)

ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإِسلام، وحقائق الإِيمان لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم، فجميع ما تكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيل التوبة وآثارها. (مدارج السالكين لابن القيم 1/ 178)
حقيقة التوبة:
إن حقيقة التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى بالتزام فِعل ما يحب، وترك ما يَكره.
فهي رجوع من مكروه إلى محبوب. فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها. والرجوع عن المكروه الجزء الآخر. ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها. فقال: {وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعَلكم تفلحون}. [النور: 31]
فكل تائب مفلح. ولا يكون مفلحًا إلا من فعل ما أُمر به وتَرَكَ ما نُهي عنه.
وقال الله تعالى: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}. [الحجرات: 11]
وتارك المأمور ظالم، كما أن فاعل المحظور ظالم، وزوال اسم "الظلم" عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين.
فالناس قسمان: تائب، وظالم، ليس إلا.
فالتائبون هم: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}. [التوبة: 112]
فحفظ حدود الله: جزء التوبة، والتوبة هي مجموع هذه الأمور. وإنما سُمي تائبًا لرجوعه إلى أمر الله من نهيه، وإلى طاعته من معصيته. (مدارج السالكين 1/ 181)
حكم التوبة:
قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإذا تاب من بعضها صحَّت عما تاب منه.

التوبة في القرآن الكريم
ورد ذكر التوبة في القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها:
1 - قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. [البقرة: 128]
2 - وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}. [البقرة: 222]
(2/301)

3 - وقوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}. [النساء: 17، 18]
4 - وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. [الأنعام: 54]
5 - وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}. [طه: 82]
6 - وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلى اللَّهِ مَتَابًا}. [الفرقان: 68 - 71]

التوبة في السنة المطهرة
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". (رواه مسلم)
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو يقول:
"ربِّ أعِنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصُر عليَّ وامكُر لي ولا تمكُر علَيَّ، واهدني ويَسِّر الهدى لي، وانصُرني على مَن بغى عليَّ، ربِّ اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رهّابًا، لك مِطواعًا، لك مُخبِتًا، إليك أوّاهًا منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسَدّد لساني، واهدِ قلبي، واسلُل سخيمة صدري".
(رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح)
(2/302)

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا. فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله. فكمَّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عالم. فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة. انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملَك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة". (رواه البخاري ومسلم)
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلًا وبه مهلَكُه ومعه راحلته عليها طعامه
وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحرّ والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده". (رواه البخاري ومسلم)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لو أخطأتم حتى تبلغ خطايكم السماء ثم تبتم لتاب عليكم" (رواه ابن ماجه وإسناده حسن)
وعن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (رواه مسلم)
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان يُعدّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مئة مرة من قبل أن يقوم: "رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)
شروط التوبة:
1 - الإِقلاع عن الذنب.
2 - الندم على فعله.
(2/303)

3 - العزم على أن لا يعود إليه أبدًا.
فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تصح توبته ويزاد شرط رابع: إذا كان الذنب يتعلق بحق آدمي، فعليه إذًا أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كان مالاً أو نحوه ردَّه إليه، وإن كان حدَّ قذف مكّنه منه أو طلب عفوه، وإن كان غيبة استحلّه منها.
وزاد ابن المبارك على ما سبق من الشروط للتوبة فقال:
الندم، والعزم على عدم العود، ورد المظلمة، وأداء ما ضيع من الفرائض، وأن
يعمد إلى البدن الذي ربّاه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطاعة كما أذاقها لذة المعصية. (الفتح 11/ 103)
التوبة النصوح:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. [التحريم: 8]
قال عمر بن الخطاب وأبي بن كعب -رضي الله عنهما-:
التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
وقال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادمًا على ما مضى، مجمعًا على أن لا يعود فيه.
وقال ابن القيم -رحمه الله-: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلا تناولته.
الثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوُّم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرًا بها.
الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده. لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته، ومنصبه ورياسته ولحفظ حاله، أو لحفظ قوته وماله، أو استدعاء حَمدِ الناس، أو الهرب من ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإِفلاسه وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله -عَزَّ وَجَلَّ-. (مدارج السالكين 1/ 178)
(2/304)

علامات قبول التوبة:
قال ابن القيم -رحمه الله-: للتوبة المقبولة علامات منها:
1 - أن يكون بعد التوبة خيرًا مما قبلها.
2 - ومنها أنه لا يزال الخوف مصاحبًا له لا يأمن مكر الله طرفة عين.
3 - ومنها انخلاع القلب ندمًا وخوفًا.
4 - ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضًا كسرة خاصة تحصل للقلب لا يُشبهها شيء تُكَسِّر القلب بين يدى الربّ كَسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته وألقته بين يدى ربه طريحًا ذليلًا خاشعًا.
وقال -رحمه الله-: إذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له أبواب التوبة والندم والإنكسار والذل والافتقار والاستعانة به. وصدق الإلتجاء إليه، ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه.
ثمرة التوبة:
للتوبة ثمرتان: إحداهما: تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له.
والثانية: نيل الدّرجات حتى يصير حبيبًا.
وللتكفير أيضًا درجات: فبعضه محو لأصل الذنب بالكلية، وبعضه تخفيف له، ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة.
قال ابن القيم -رحمه الله-: لأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا، فإن لم تفِ بطهرهم طُهِّروا في نهر الجحيم يوم القيامة:
1 - نهر التوبة النصوح.
2 - ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها.
3 - ونهر المصائب العظيمة المكفرة.
فإذا أراد الله بعبده خيرًا أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة. فورد القيامة طيبًا طاهرًا، فلم يحتج إلى التطهير الرابع. (مدارج السالكين 1/ 178)
تأخير التوبة ذنب تجب التوبة منه:
إن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير. فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى. وهي توبة تأخير التوبة،
(2/305)

وقلَّ أن تخطر هذه ببال التائب. بل عنده: أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة. ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة، مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم، فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه. (مدارج السالكين لابن القيم ص 1/ 178)
ثالثًا: الاستغفار:
حقيقة الاستغفار: تغطية الذنب بالعفو عنه.
والاستغفار نوعان: مفرد، ومقرون بالتوبة.
فالمفرد: كقول نوح -عليه السلام- لقومه:
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا}. [نوح: 10، 11]
وكقول صالح -عليه السلام- لقومه:
{لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. [النمل: 46]
وكقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. [البقرة: 199]
وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. [الأنفال: 33]
والمقرون: كقوله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى}. [هود: 3]
فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها مع تضمنه طلب المغفرة من الله وهو محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شرّه.
والغفّار: اسم من أسماء الله تعالى، وهو الذي أظهر الجميل وستر القبيح،
والذنوب من جملة القبائح التي سترها الله بإسبال ستره عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة. (المقصد الأسنى ص 80)
وقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على الاستغفار بقوله: "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك، إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك". (رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه)
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(2/306)

"من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومِن كل هَمٍ فرَجًا، ورزقه
من حيث لا يحتسب". (رواه أحمد في المسند وقال الشيخ أحمد شاكر إسناده صحيح وأبو داود وابن ماجه)
سيد الإستغفار:
عن شداد بن أوس -رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سيد الاستغفار أن يقول: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك علَيَّ، وأبوء لك بذنبي اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يُصبح فهو من أهل الجنة". (رواه البخاري)
رابعًا: ذكر الله تعالى:
لقد أمر الله تعالى بالإِكثار من ذكره، وذلك لسهولته وأهميته، لذلك كان أفضل الذكر "لا إله إلا الله"، ومعناها: (لا معبود بحق إلا الله).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه". (متفق عليه)
ومن قال: "سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حُطَّت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر". (رواه البخاري ومسلم)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"من سبَّح الله في دبُر كُلِ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر". (رواه مسلم)
(2/307)

خامسًا: الأعمال الصالحة:
1 - أداء الفرائض والنوافل:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن الله قال: مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردُّدِي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته". (رواه البخاري)
وأفضل صلاة النافلة صلاة الليل، قال تعالى:
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}. [الإسراء: 79]
2 - صدقة التطوع:
وهي من أفضل القربات وخير الطاعات وهي كفارة للذنوب والخطايا، وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- عندما سأل عمر: مَن يحفظ حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا سمعته، يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، تُكفرها الصلاة والصيام والصدقة". (رواه البخاري ومسلم) وفي حديث معاذ الطويل: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنة، والصدقة تُطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار". (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)
3 - صوم النفل:
إن الصوم جُنّة ووقاية لصاحبه عن الآثام والمعاصي فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من صام يومًا في سبيل الله بَعّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفًا". (رواه البخاري ومسلم)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، في النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه". (رواه البخاري ومسلم)
4 - الحج والعمرة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"مَن حج فلم يرفُث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أُمه". (رواه البخاري ومسلم)
(2/308)

وعن أبي هريرة أيضًا، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
(رواه البخاري ومسلم)
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"عمرة في رمضان تعدل حجة". (رواه البخاري ومسلم)
5 - الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -:
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. [الأحزاب: 56]
وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا". (رواه مسلم)

تحريم الظلم بأنواعه
قال الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم: 42، 43]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فيما روى عن ربه تبارك وتعالى:
"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا .. ". (حديث قدسي رواه مسلم)
ظلم العبد لربه:
1 - مِن ظلم العبد لربه دعاؤه غيره، وهو من الشرك: وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [الظالمين: المشركين]. [يونس: 106]
2 - ومن الظلم الإِلحاد في أسماء الله: قال الله تعالى:
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. [الأعراف: 180]
(2/309)

أ - عن ابن عباس في قوله: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه}.
قال: إلحاد الملحدين أن دعَوا الَّلات في أسماء الله.
ب - وقال قتادة: يلحدون: يشركون في أسمائه. (ذكره ابن كثير في تفسيره)
ج - أقول: ومن الإِلحاد زيادة بعض الصوفية اسم "هو" ويعتبرونه من أسماء الله، ولا دليل عليه.
3 - ومن الظلم تحريف صفات الله وعدم إثباتها كقولهم: استوى: بمعنى استولى! وقد ورد في البخاري عن مجاهد وأبي العالية معنى استوى: علا وارتفع. (كتاب التوحيد 8/ 175)
ظلم العبد لغيره:
1 - أن يقتل أخاه، أو يضر به، أو يشتمه، أو يأكل ماله بغير حق.
2 - أن يغتاب المسلم أخاه، أو ينقل الكلام السيء للآخرين، وهو ما يسمى
بالنميمة.
3 - أن يؤخر المسلم دينه الذي عليه وهو قادر على وفائه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم". (صحيح رواه أحمد وغيره)
4 - أن يغتصب المسلم أرض غيره. لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من ظلم قِيدَ شِبر من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين". (متفق عليه)
وفي رواية البخاري: "خسف به إلى سبع أرضين".
وقد وقع الاغتصاب من قبل العراق على أرض الكويت، فشرَّدوا أهلها، وسيتحملون أوزارهم كما وقع الإغتصاب من اليهود على أرض فلسطين، وشردوا أهلها، واحتلوا المسجد الأقصى والمسؤولية تقع على المسلمين القادرين على الجهاد لإِخراج الظالمين من الأراضي المغتصبة، ورفع الظلم عن المظلوم، والأخذ على يد الظالم عملاً بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قلت: يا رسول الله أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه". (متفق علمه)
5 - ومن الظلم أن يحتقر المسلم أخاه، أو يكذب عليه، أو يغشه، أو يسلمه لأعدائه لإِلحاق الضرر به:
(2/310)

وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله". (رواه البخاري ومسلم)
ظلم العبد لنفسه:
قال الله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. [الطلاق: 1]
أي شرائعه ومحارمه، ومن يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها فقد ظلم نفسه بفعل ذلك. (انظر تفسير ابن كثير)
ظلم العبد للحيوان:
1 - من ظلم العبد للحيوان تعذيبه وقت الذبح:
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، ولْيُحِدَّ أحدكم شفرته، ولْيرح ذبيحته". (رواه مسلم)
2 - من ظلم العبد للحيوان منعه من الطعام:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت". (رواه مسلم)
[الخشاش: الحشرات].
(2/311)

الأمر بالدعاء
1 - قال الله تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}. (غافر 60)
2 - وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}. [الأعراف: 55، 56]
يأمرنا الله تعالى في هذه الآيات أن ندعوه ليستجيب لنا، وطلب أن يكون الدعاء سرًّا في حالة التذلل له فإن الله لا يحب المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت، وأمرنا أن ندعوه خوفًا من عقابه وطمعًا في رحمته. (انظر تفسير الجلالين)
قلت: هذه الآيات صريحة في الرد على فريقين:
1 - الفريق القائل: بأن إبراهيم -عليه السلام- حينما أُلقي في النار، فقال له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسَلْ ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
(ذكره المفسر إسماعيل حقي وأقره الصابوني حينما حقق هذا الأثر وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشيعة الموضوعة وقال: (1/ 250)، قال ابن تيمية موضوع) انتهى.
هذا الأثر يخالف القرآن الذي أثبت الدعاء لجميع الأنبياء، ومنهم إبراهيم -عليه السلام-، الذي ورد دعاؤه في القرآن.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". (صحيح رواه الترمذي وغيره)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن لا يدع الله يغضب عليه". (صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "سلوا الله كل شيء حتى الشِّسع، فإن الله تعالى إن لم يُيَسِّره لم يَتَيسَّر". (حسنه الألباني بشواهده في الضعيفة 1/ 29)
2 - الفريق الثاني: الصوفية التي تقول: إنهم لا يعبدون الله خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته، فالقرآن يرد عليهم بأن الله يأمركم أن تدعوه خوفًا من ناره وطمعًا في جنته، كما فعلت الأنبياء: قال الله تعالى:
{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}. [الأنبياء: 90]
(2/312)

من فوائد الدعاء
1 - الدعاء يرد القضاء: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا يَرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر".
(رواه الترمذي وحسنه بشواهده كما في السلسلة الصحيحة رقم 154)
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء".
(رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني في المشكاة)
معنى الحديث الأول: الدعاء من قدر الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فقد يقضي بشيء على عبده قضاء مقيدًا، فإن دعاه اندفع عنه ما قضاه عليه، وفيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قضاه على عبده. وإن البر وصلة الأرحام تزيد في العمر.
قوله: (القضاء): أراد به الأمر المقدَّر لولا دعاؤه. وقوله: (ولا يزيد في العمر): يعني في العمر الذي كان يقصر لولا بِرُّه.
3 - الدعاء له فوائد ثلاثة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذن نكثر. قال: الله أكثر". (صحيح رواه أحمد انظر المشكاة ج 2/ رقم 2259)

من شروط الدعاء وآدابه
1 - الإِخلاص: من أهم الشروط، قال الله تعالى:
{فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون}. (غافر: 14)
2 - تجنب الحرام في الأكل والمشرب والملبس: وفي الحديث قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبرَ يمدُ يديه إلى السماء يا رب، يا رب،
ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له؟ ". (رواه مسلم)
3 - عدم العجلة في الإستجابة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي". (متفق عليه)
4 - السؤال بعزم ورغبة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، وليعزم المسألة، وليُعَظِّم الرغبة، فإن الله تعالى لا يعظمُ عليه شيء أعطاه". (رواه مسلم)
(2/313)

5 - رفع اليدين عند الدعاء للسماء: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى حَييٌّ كريم، يحب إذا رفع الرجل إليه يديه أن لا يردهما صِفرًا خائبتين". (رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع 1757)
6 - استقبال القبلة عند الدعاء: لقد استقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع القبلة في المواطن الآتية:
"على الصفا والمروة، وفي وقوف عرفة، وعند المشعَر الحرام، وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى". (رواه البخاري ومسلم)
7 - البدء بالدعاء لنفسه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ذكر أحدًا، فدعا له بدأ بنفسه". (صححه الألباني في الجامع 4720)
8 - تكرار الدعاء ثلاثًا: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا" (متفق عليه)
9 - السؤال بأسماء الله الحسنى:
قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}. [الأعراف: 180]
10 - الدعاء بالعافية، والاستكثار من السؤال:
أ - قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "يا عباس يا عم رسول الله أكثر الدعاء بالعافية". (صححه الألباني في الصحيحة 1523)
ب - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سأل أحدكم فليُكثر، فإنما يسأل ربه". (صحيح على شرط الشيخين)
11 - الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الدعاء: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"كل دعاء محجوب حتى يُصلَّى على النبي - صلى الله عليه وسلم -". (حسن رواه البيهقي)

أوقات إجابة الدعاء
1 - في الليل والثلث الأخير منه:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة". (رواه مسلم ج 2/ 175)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ". (رواه البخاري ومسلم)
(2/314)

[ينزل ربنا: نزولًا يليق بجلاله ليس كمثله شيء، وهو دليل على أن الله فوق
العرش على السماء].
2 - الدعاء عند نزول الكرب والمصائب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت:
"لا إله إلا أنت سُبحانك إني كنت من الظالمين".
لمْ يَدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له. (صحيح رواه أحمد)
3 - الدعاء بين الأذان والإِقامة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعوة لا تُرَد بين الأذان والإِقامة". (رواه أحمد وإسناده صحيح)
4 - الدعاء عند الأذان وجهاد الأعداء:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اثنتان لا تُردَّان -أو قلَّما تُردَّان- عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا". (رواه أبو داود، وقال الحافظ حسن صحيح)
5 - الدعاء عند السجود في الصلاة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أقرب ما يكون العبد من ربه -عَزَّ وَجَلَّ-، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء". (رواه مسلم رقم 482)
6 - تحري الدعاء يوم الجمعة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه الله إياه". (متفق عليه)

الذين يستجاب دعاؤهم
1 - دعاء المضطر:
قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62]
2 - دعاء المظلوم مطلقا ولو كان كافرًا أو فاجرًا:
أ - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمل على الغمام، يقول الله تعالى: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين". (صحيح كما في الصحيحة 868)
ب - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة". (صحيح كما في الصحيحة 871)
(2/315)

ج - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب". (حسن رواه أحمد)
د - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه". (حسنه الألباني في الجامع)
3 - دعوة الصائم والمسافر والوالد:
أ - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر". (صحيح انظر الصحيحة 1797)
ب - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث دعوات مستجابات ولا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم". (حسنه الألباني في الصحيحة 596)
4 - دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك مُوكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك: آمين ولك بمثل ذلك". (رواه مسلم)
5 - الدعاء وقت الرخاء:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن سَرّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فلْيُكثِر الدعاء في الرخاء". (صححه الحاكم ووافقه الذهبي)

المحرم من الدعاء
1 - دعاء غير الله من الأنبياء أو الأولياء الأموات:
قال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [الظالمين: المشركين]. [يونس: 106]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)
فالدعاء عبادة كالصلاة يحرم صرفه لغير الله من الأموات أو الغائبين، وهو من
الشرك الأكبر المحبط للأعمال.
2 - الدعاء على النفس بالموت أو الشر:
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتمنين أحدكم الموت لِضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بُدَّ متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". (متفق عليه)
(2/316)

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على مما تقولون". (رواه مسلم وغيره)
3 - الدعاء على الأولاد والخدم والأموال بالشر:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاءٌ، فيستجاب لكم". (صحيح رواه أبو داود)
4 - تمني الحرب ولقاء العدو:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". (رواه مسلم)

الدعاء المستجاب
إذا أردت النجاح في اختبار أو أي عمل فاقرأ الدعاء الآتي:
1 - سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهدُ أنكَ أنتَ الله لا إله إلا أنتَ الأحدُ الصمَدُ الذي لم يَلِد ولم يولَد ولم يَكن - له كُفُوًا أحد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئِلَ به أعطى". (صحيح رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما)
2 - دعوة في النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت:
"لا اله إلا أنت سُبحانك إني كُنت من الظالمين".
لمْ يَدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجابَ الله له. (صحيح رواه أحمد)
3 - يجب أن تأخذ بأسباب النجاح وهو العمل والاجتهاد مع الدعاء.

دعاء الضائع
سُئل ابنُ عمر -رضي الله عنهما- عن الضَّالةِ فقال:
يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول:
"اللهم رادَّ الضَّالَّة، هادِيَ الضَّلالة، تهدي من الضَّلال، رُدَّ عليَّ ضالَّتي بِقُدْرتِك وسُلطانِك، فإنها من فضلِك وعطائك". (قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن)
(2/317)

دعاء الليل مستجاب
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن تعارَّ من الليل فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله كبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن قام فتوضأ ثم صلَّى قُبلت صلاته". (رواه البخاري وغيره)
[تعارَّ: استيقظ].

نصائح وتوجيهات
1 - قرأت الدعاء المستجاب من أجل شفائي من الأمراض التي أصابتني فشفاني الله، وقرأته من أجل تيسر بعض الأعمال المتعبة، فسهل الله لي وأراحني من معاناتها. بفضل الله، ثم بقراءة هذا الدعاء.
2 - إنى أنصح كل مسلم إذا وقع في أي مشكلة، لا سيما إخواننا في الكويت، وفلسطين، وأفغانستان، وغيرها من البلاد الإِسلامية أن يلجأوا إلى الله وحده، ويقرأوا هذا الدعاء مع الأخذ بالأسباب التي أمر الإِسلام بها كالاستعداد للجهاد، وأخذ الدواء للمريض ولا سيما الأدوية الواردة في الطب النبوي كالعسل، والحبة السوداء، وماء زمزم، وغيرها من العلاجات المفيدة.
3 - إني أنصح إخواني المسلمين في جميع بلاد العالم أن يدعوا لإِخوانهم بالنصر والتأييد، وأن يعيد الله المهاجرين إلى بلادهم، والفلسطينيين إلى أوطانهم، وغيرهم من المسلمين المشردين، لأن دعاء المسلم لأخيه في ظهر الغيب مستجاب، ولا سيما هذا الدعاء المبارك الذي استفاد منه الكثيرون لحل مشاكلهم، مهما كانت هذه المشاكل.
(2/318)

دعاء من القرآن الكريم
{رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}. [الكهف: 10]
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. [البقرة: 201]
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}. [آل عمران: 8]
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}. [الحشر: 10]
{رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. [البقرة: 286]
{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}. [الأعراف: 89]
{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. [يونس: 85، 86]
{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}. [الدخان: 12]
{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}. [الأعراف: 126]

من دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -
- " اللهم احفظني بالإِسلام قائمًا، واحفظني بالإِسلام قاعدًا، واحفظني بالإِسلام راقدًا، ولا تُشمت بي عدوًا ولا حاسدًا، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك". (حسن رواه الحاكم)
- "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا، ومَتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصرنا
(2/319)

على مَن عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا مَن لا يرحمنا". (حسن رواه الترمذي)
3 - "اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى". (رواه مسلم)
4 - "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك". (رواه مسلم)
5 - "اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرَق والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لَديغًا". (صحيح روه النسائي)
6 - "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجأة نِقمتك، وجميع سخطك". (رواه مسلم)
7 - "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء". (صحيح رواه النسائي والحاكم)
8 - "اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من ظلمني، وخذ منه بثأري". (حسن روه الترمذي)
9 - "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحُب المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون". (رواه مسلم)
10 - "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرَم، والقسوة، والغفلة، والعيلة والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر، والكفر، والفسوق والشقاق والنفاق، والسمعة والرياء، وأعوذ بك من الصُّم، والبُكم، والجنون، والجذام، والبرَص، وسَيِّء الأسقام". (روه مسلم)
11 - "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم". (رواه مسلم)
(2/320)

إلهي أنت المغيثُ وحدَك
يا مَن يرى ما في الضمير ويَسمعُ ... أنت المعَدُّ لكل ما يتوقَعُ
يا من يُرجَّى لِلشدائد كُلِها ... يا من إليه المشتكى والمفزَعُ
يا من خزائِنُ رِزقهِ في قول كن ... امنُن فإن الخيرَ عندك أجمعُ
ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالإفتقار إليك فقري أدفعُ
ما لي سوى قَرعي لبابك حيلةٌ ... فلئِن رُدِدتُ فأيُّ باب أقرَعُ
وَمن الذي أدعو وأهتِفُ باسمِه ... إن كانَ فضلُك عن فقيرك يُمنَعُ
حاشا لجودِك أن تُقنِّطَ عاصيًا ... الفضل أجزلُ وَالمواهبُ أوسعُ
ثم الصلاةُ على النبي وآله ... (مَن جاء بالقرآن نورًا يسطَعُ)
- صلى الله عليه وسلم -
(2/321)

(4)
صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - مسائل مهمة عن العمرة والحج
(2/323)

موجز لمحتويات كتاب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -
رقم (4)
* - صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة.
* - الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب في عرفات.
* - خلاصة أعمال العمرة والحج.
* - بدأ أعمال الحج والمنافع العظيمة فيه.
* - منافع الحج الدنيا والآخرة.
* - أنواع الصبر في الحج.
* - شروط الإحتفاظ بمنافع الحج.
* - وصايا مهمة للحجاج.
* - من آداب المسجد النبوي.
* - مشهد الحجيج (شعر ابن القيم).
* - مناجاة وتوجع (شعر).
(2/325)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن
سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فهذه رسالة في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخطبة حجة الوداع، وأعمال العمرة والحج، والمنافع العظيمة في الحج، لمعرفة أداء مناسك الحج على الوجه المطلوب بأسلوب سهل، مع بعض الوصايا المهمة للحاج والمعتمر، وبحث مهم من آداب زيارة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
محمد بن جميل زينو
(2/327)

صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال جابر -رضي الله عنه-: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن (1) في الناس في العاشرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجٌّ [هذا العام]، فقدم المدينة بَشَرٌ كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة (2)، فولدت أسماء بنت عُميس محمد بن أبي بكر -رضي الله عنه-، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري (3) بثوب وأحرمي"؛ فصلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد [وهو صامت] (4).

الإحرام: (5)
ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء [أهل بالحج] (6)
قال جابر: فنظرتُ إلى مَد بصري من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا
__________
(1) معناه: أعلمهم بذلك ليتأهبوا للحج ويتعلموا المناسك.
(2) اسم مكان قريب من المدينة صلى فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ركعتين.
(3) ضعي خرقة محل الدم.
(4) يعني: لم يُلَبِّ، وإنما لبَّى على الناقة.
(5) وطيبته عائشة قبل إحرامه كما في الصحيح.
(6) رفع صوته بالتلبية، وفي حديث أنس في الصحيحين: أهلَّ بالحج والسرة معًا وهو الصحيح كما بينه ابن القيم.
(2/328)

وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويلَه، وما عمل به من شيء عملنا به (1) فأهلَّ بالتوحيد:
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهلّون به، فلم يَرُدَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلبيته.
قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج.

دخول مكة والطواف: (للعمرة)
حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن (وفي رواية: الحجر الأسود) (2).
فرمل (3) ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم -عليه السلام- فقرأ:
{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]
فجعل المقام بينه ويين البيت [فصلى ركعتين].
فكان يقرأ في الركعتين: {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}.
[ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، ثم رجع إلى الركن فاستلمه.
__________
(1) فيه إشارة إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يبين لأصحابه ما نزل عليه من القرآن، وهو النبي يعرف تأويله (تفسيره) وفيه رَدٌّ على فريقين من الناس:
أ - الصوفية الذين يستغني أحدهم عن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يزعمونه من العلم اللدني الذي يرمز إليه أحدهم بقوله: "حدثني قلبي عن ربي" بل زعم الشعراني في "الطبقات الكبرى"أن أحد شيوخه (المجذولين) والذين يترضى هو عنهم! كان يقرأ قرآنًا غير قرآننا، ويُهدي ثواب تلاوته لأموات المسلمين!!
ب - طائفة يسمون أنفسهم ب "القرآنيين" والقرآن مهم بريء، يزعمون أن لا حاجة بهم لفهم القرآن إلى السنة.
(ذكره الشيخ الألباني في حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -).
(2) أي مسحه بيده، وقبَّله. واستلم الركن اليماني ولم يقبله، كما في حديث ابن عمر، وورد التسمية والتكبير عند الحجر الأسود فقط.
(3) الرمَل: إسراع المشي مع تقارب الخُطى.
(2/329)

الوقوف على الصفا والمروة:
ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ:
{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (1) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبره وقال:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت (2) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدَتا (3) مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا.
الأمر بفسخ الحج إلى العمرة:
حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال:
"لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهَديَ وجعلتها عمرة، فمَن كان منكم ليس معه هَدي فليَحل وليجعلها عمرة".
وفي رواية: فقال: "أحِلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة،
وقصِّروا، وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلّوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة". (متفق عليه)
فقام سراقة بن مالك بن جعشُم فقال: يا رسول الله [أرأيت عُمرتنا (وفي لفظ:
مُتْعتنا)، ألِعامنا هذا أم لأبدٍ؟ فشبك رسول الله أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلتِ العمرة في الحج "مرتين" [إلى يوم القيامة]، لا بل لأبدٍ أبَد. __________
(1) البقرة 158.
(2) انصبت قدماه: انحدرت.
(3) ارتفعت قدماه عن بطن الوادي.
(2/330)

خطبته - صلى الله عليه وسلم - بتأكيد الفسخ:
فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال:
"أبالله تعلموني أيها الناس!؟ قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم اِفعلوا ما آمركم به فإني لولا هَديي لحلَلت كما تَحِلون، ولكن لا يَحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محِله، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لم أسُقِ الهَدي".
فحلَّ الناس كلهم وقصَّروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه هَدي، وليس مع أحدٍ منهم هَدي إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلحة.

قدوم علي من اليمن:
وقدم علي ببُدن (1) النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوجد فاطمة -رضي الله عنها- ممن حَلَّ، ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا.
قال: فكان علي بالعراق يقول: فذهبتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُحرِّشا (2) على فاطمة للذي صنعَت مُستفتيًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكرَتْ عنه، فأخبرته أني أنكرتُ ذلك عليها، فقال: "صدَقتْ، صدَقتْ"، ماذا قلتَ حين فرضتَ الحج؟ (أي نويت).
قال علي: قلتُ: اللهم إني أُهِلُّ بما أهَلَّ به رسولك.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "فإن معي الهدي فلا تَحِلُّ".
قال جابر: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة [بدنة].
قال جابر: فَحَلَّ الناس كلهم وقصَّروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه هَدي.
__________
(1) ببُدن: جمع بدنة، وهي الإبل.
(2) مُحرِّشًا: يذكر له ما يقتضي عتابها.
(2/331)

التوجه إلى منى محرمين:
فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهَلّوا بالحج.
[قال: ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة -رضي الله عنها- فوجدها تبكي فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني قد حِضتُ، وقد حَلَّ الناس، ولم أَحلِل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال:
"إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلِّي بالحج، ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلِّي" [ففعلَت].
"عزا الشيخ الألباني هذه الرواية إلى الإمام أحمد وغيره في كتابه حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -"
وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلَّى بها (يعني منى) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقُبةٍ مِن شعر تُضرَب له بنمرة.

التوجه إلى عرفات:
فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلت له (2).
__________
(1) جاوز المزدلفة ولم يقف بها.
(2) فرُحلت له: جُعل عليها الرحل.
(2/332)

الرسول يخطب في حجة الوداع
خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عرفات وقال:
"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في
بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمَيَّ هاتين موضوع، ودماء
الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث -كان مسترضعًا في بني سعد فقتلَته هُذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانِ الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطِئن فُرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبرِّح، ولهن عليكم رزقهن، وكِسوتهن بالمعروف.
وإني قد تركت فيكم ما -لن تضلوا بعد - إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت وأدَّيت ونصحت.
فقال: بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، ويُنكتُها إلى الناس:
اللهم اشهد اللهم اشهد (ثلاث مرات) (ينكتها: يميلها).
وقال - صلى الله عليه وسلم - عند الرمي يوم النحر:
لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه.
وقال أيضًا: ويحكم أو قال ويلكم -لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" [أخرج الخطبة مسلم عن جابر]
(2/333)

يستفاد من خطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - تحريم سفك الدماء البريئة، وأخذ الأموال بغير حق، وهذا تأكيد لصيانة
النفوس، والملكية الفردية، والقضاء على الإشتراكية الفاشلة، وهي فرع من
الشيوعية الملحدة، وقد عرف الناس بطلانها فثاروا عليها ليتخلصوا منها.
2 - تحريم أخذ الربا، وهو الزائد على رأس المال قَلَّ أو كَثُر.
قال تعالى: {وإن تُبتم فلكم رؤوسُ أموالِكم}. [البقرة: 279]
3 - فيها الحث على مراعاة حق النساء، والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بالنساء، وبيان حقوقهن، والتحذير من التقصير في ذلك.
4 - استحلال فروج النساء بالزواج الشرعي، كقوله تعالى:
{فانكحوا ما طاب لكم من النساء}. [النساء: 3]
5 - لا يجوز للزوجة إدخال أحد يكرهه الزوج في بيته، سواء كان رجلاً أجنبيًّا، أو امرأة، أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك كما ذكره النووي.
6 - يجوز للرجل أن يضرب زوجته -إذا خالفته فيما تقدم- ضربًا ليس بشديد ولا شاق، ولا سيما الإبتعاد عن ضرب الوجه، أو تقبيحه، فإنه من المحرمات، وقد ورد النهي عن ذلك؛ وهذا من قوامة الرجال على النساء كما قال الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}. [سورة النساء: 34]
7 - فيها الحث على التمسك بكتاب الله الذي فيه عز المسلمين ونصرهم، والتمسك بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - المبينة للقرآن، وأن سبب ضعف المسلمين اليوم هو تركهم الحكم بكتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا نصر لهم إلا بالرجوع إليهما.
8 - فيها الدليل الواضح على علُو الله على عرشه، حيث رفع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصبعه إلى
(2/334)

السماء ليُشهد الله على أنه بلَّغ الرسالة.
9 - فيها الأمر بأخذ مناسك الحج، وغيرها عنه- صلى الله عليه وسلم - من أقواله وأفعاله، وتقريره، وفيها إشارة إلى وداعه لأصحابه.
التحذير من القتال بين المسلمين، وهو من الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الإِسلام، وهو كقوله في:
"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". (متفق عليه)

الجمع بين الصلاتين في عرفة:
ثم أذَّن بلال، ثم أقام فصلَّى الظُّهر ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا، ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (1).
وجعل حبل المشاة (2) بين يديه، واستقبل القبلة (3)، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه.

الإفاضة من عرفات:
ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (وفي رواية أفاض وعليه السكينة)، وقد شنق للقصواء الزمام (4)، حتى إن رأسها ليُصيب مَورك (5) رحله ويقول بيده اليمنى:
"أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى حبلًا من الحبال (6) أرخى لها قليلًا حتى تصعد.
__________
(1) صخرات مفترشاة في أسفل جبل الرحمة، قال النووي: وهو الموقف المستحب، وما اشتهر من صحو الجبل فغلط.
(2) مجتمعهم.
(3) وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه وقف يدعو رافعًا يديه.
(4) ضمّ وضيق.
(5) الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه.
(6) الحبل المستطيل من الرمل.
(2/335)

المبيت في المزدلفة:
حتى اذا أتى المزدلفة فصلَّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبِّح (1) بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة.

الوقوف على المشعر الحرام:
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (2) فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلَّله ووحده؛ فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا وقال:
"وقفتُ ههنا، والمزدلفة كلها موقف". (رواه مسلم وغيره)

الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة:
فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيمًا، فلما دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرت به ظُعن (3) يجرين، فطفق الفضل ينظر اليهن، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه التي الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر (4) ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرك قليلًا.

رمي الجمرة الكبرى:
ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي
__________
(1) لم يصل نفلًا.
(2) قال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة (نووي).
(3) نساء.
(4) فيه دليل على وجوب غض البصر عن النساء.
(2/336)

عند الشجرة، فرماها [بسبع حصيات] يُكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى
الخذف (1).
رمى من بطن الوادي يقول:
"لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".

النحر والحلق:
ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين [بدنة] بيده؛ ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر [ما بقي] وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعلت في قِدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها.
وفي رواية: نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فحلق] وجلس [بمنى يوم النحر] للناس، فما سئل عن شيء [قُدِّم قبل شيء] إلا قال: "لا حَرج لا حَرج" (2).

الإفاضة لطواف الإفاضة:
ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت أفطافوا، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يَسقُون على زمزم فقال:
"انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس لنزعتُ معكم" (3) فناولوه دلوًا فشرب منه. (رواه مسلم وغيره عن جابر انظر حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمحدث الألباني)
__________
(1) حصى الخذف: بقدر حبة الحمص الكبيرة. ومن الخطأ ما يفعله بعض الجهلة بالرمي بالأحذية وغيرها مخالفين هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتعليمه وذلك حين قال: "لتأخذوا عني مناسككم".
(2) معناه: افعل ما بقي عليك، وقد أجزأك ما فعلته ولا حرج عليكم في التقديم والتأخير.
واعلم أن أفعال يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة، والسنة ترتيبها، فلو خالف وقدم بعضها على بعض جاز ولا فدية عليه لهذا الحديث وغيره (قاله النووي).
(3) معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحموا عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الإستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الإستقاء "ذكره الإمام النووي".
(2/337)

خلاصة أعمال العمرة
1 - الإِحرام في إزار ورداء، ولبسهما على طهارة.
2 - الإِحرام من الميقات بحج أو عمرة، أو بهما، ورفع الصوت بالتلبية.
3 - فسخ الحج ممن نواه مُفردًا، أو قرن إليه عمرة ولم يَسقْ الهدي (الذبيحة).
4 - طواف القدوم سبعة أشواط، والإضطباع فيها، والرمَل في الثلاثة الأُوَل منه (الرمَل: الإسراع، الإضطباع: كشف الكتف الإِيمن).
5 - التكبير عند الحجر، وتقبيله، أو الإشارة إليه، ومسح الركن اليماني فقط.
6 - صلاة ركعتين بعد الطواف خلف المقام إن تيسر له أو في أي مكان من المسجد يقرأ فيهما ب: {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}.
7 - الشرب من ماء زمزم، والصبّ منها على الرأس، والعود إلى استلام الحجر الأسود أو الإِشارة إليه.
8 - الوقوف على الصفا مستقبل القبلة يقول:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
ويقول مثل هذا ثلاث مرات، ثم يدعو بين ذلك رافعًا كفيه إلى السماء.
9 - المشي بين الصفا والمروة سبعا، والهرولة بين الميلين الأخضرين للرجال القادرين على الهرولة دون النساء، يحسب الذهاب مرة، والرجوع مرة، وينتهي عند المروة.
10 - الوقوف على المروة، والذكر والدعاء عليها كما فعل على الصفا.
11 - ختم السعي على المروة، وتحلل المتمتع بقص الشعر لا الحلق إذا كان وقت الحج قريبًا وإلا فليحلق رأسه وليحذر حلق اللحية فهو حرام.
(2/338)

خلاصة أعمال الحج
(1) الِإحرام بالحج يوم الثامن من ذي الحجة، من منزله لمن كان دون الميقات، والخارج عن الميقات يحرم من الميقات.
(2) الذهاب إلى منى يوم الثامن والمبيت فيها، وأداء الصلوات في أوقاتها مع قصر الرباعية.
(3) التوجه يوم التاسع إلى عرفات، والوقوف بها نهارًا أو ليلًا، والجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم مع القصر.
(4) الوقوف بعرفة مفطرا؛ وَاستقبال القبلة رافعًا يديه يدعو.
(5) الإِفاضة من عرفة بعد الغروب إلى المزدلفة، وعليه السكينة مُلبيًا.
(6) الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة، مع قصر العشاء، بأذان واحد، وإقامتين بدون صلاة السنة.
(7) المبيت بمزدلفة بدون إحياء الليل، وعليه صلاة الفجر في وقتها.
(8) الوقوف عند المشعر الحرام -والمزدلفة كلها مَشْعَر- مستقبل القبلة داعيًا حامدًا مكبرًا مهللًا حتى ظهور نور الصباح.
(9) التوجه من المزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس.
(10) الذهاب إلى الجمرة الكبرى ضحى، ورميها يوم النحر بسبع حصيات (قدر الحمصة) والتكبير مع كل حصاة ويمتد وقت الرمي إلى الليل.
(11) بعد رمي الجمرة الكبرى، والحلق أو التقصير يكون التحلل الأصغر.
(12) رمي الجمرات الثلاث في كل يوم منها بعد الظهر. ويجوز التوكيل بالرمي عن الضعفاء.
(13) الذبح للقارن (1) والمتمتع (2)، فمن لم يجد من المتمتعين فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لأهله.
__________
(1) القارن: من أحرم بعمرة وحج معًا يكفيه سعي واحد.
(2) المتمتع: من أتى بعمرة في أشهر الحج، ثم تحلل، ثم أتى بالحج. وهو الذي أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(2/339)

14 - ذبح شاة عن واحد؛ أو جمل أو بقرة عن سبعة في مكة أو منى، والأكل منها؛ ومدة الذبح إلى رابع أيام العيد.
15 - طواف الإِفاضة بدون رمَل (إسراع)، ومن بقي في لباس الِإحرام فلا يكشف كتفه والإحلال بعده الحل كله.
16 - السعي للمتمتع، ولمن لم يسعَ من القارنين.
17 - الرجوع إلى منى، والمكث فيها أيام العيد الثلاثة الأخيرة.
18 - الطواف للوداع واجب، وفي تركه ذبح شاة.
(2/340)

المنافع العظيمة في الحج
قال الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}. (سورة الحج 27)
1 - قال ابن عباس: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} قال: منافع الدنيا والآخرة:
أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البُدن والذبائح والتجارات.
2 - وكذا قال مجاهد وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله تعالى:
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}. (البقرة 198)
وقوله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (انظر تفسير ابن كثير ج 3/ 216)
3 - وقال العلامة محمد الأمين في تفسيره أضواء البيان:
قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ}: هي لام التعليل: وهي متعلقة بقوله تعالى:
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر}. (سورة الحج 27)
أي إن تؤذِّن فيهم يأتوك مشاة وركبانًا، لأجل أن يشهدوا: أي يحضروا منافع
لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم.
وقوله: {مَنَافِعَ} جمع منفعة، ولم يبين هنا هذه المنافع ما هي؟ وقدجاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أُخروي:
أما الدنيوي فكأرباح التجارة إذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنَّه يحصل له الربح غالبًا، وذلك نفع دنيوي.
وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى:
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (سورة البقرة 198)
(2/341)

أنه ليس على الجاج إثم ولا حرج إذا ابتغى ربحًا بتجارة في أيام الحج، إِن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه.
وإيضاح المعنى: وأذِّن في الناس بالحج يأتوك مشاة وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يتقربوا إليه بإراقة دماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام مع ذكرهم اسم الله عليها عند النحر والذبح. (انظر أضواء اليان 5/ 489)
(2/342)

منافع الحج في الدنيا
الحج له منافع دنيوية كثيرة أهمها:
1 - التعارف بين المسلمين الوافدين من بلادهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم يتم في الحج، حيث تأتي الشعوب والقبائل من كل فج عميق، ومن بلاد مختلفة، وتجتمع في مكان واحد، فيتم التعارف بسهولة.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. (الحجرات 13)
وعن طريق التعارف في العمرة والحج يتم التآلف:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الأرواح جنود مُجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". (متفق عليه)
فعلى الوافدين إلى الحج أن يتعارفوا، ويُسلّموا على بعضهم حتى يحصل التحابب بينهم:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". (رواه مسلم)
2 - الوحدة الإِسلامية: يقول الشيخ محمد الأمين:
ومن تلك المنافع ... : تيسر اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أوقات معينة في أماكن معينة ليشعروا بالوحدة الإِسلامية، ولتمكن استفادة بعضهم من بعض فيما يهم الجميع من أمور الدنيا والدين، وبدون فريضة الحغ، لا يمكن أن يتسنى لهم ذلك، فهو تشريع عظيم من حكيم خبير، والعلم عند الله تعالى. (أضواء البيان)
3 - التعاون بين المسلمين:
الحج مؤتمر عظيم للمسلمين، ليتعارفوا ويتحابوا، ويتعاونوا على حل مشاكلهم
(2/343)

الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، وغيرها من المشاكل التي يعانيها المسلمون في بلادهم، ولا سيما الأقليات المسلمة، وما تعانية من الإضطهاد، والتمييز العنصري في جنوب أفريقيا، والحرب الطائفية في لبنان وما تعانيه من التفرقة والإختلاف، والجهاد الأفغاني ضد الإستعمار الشيوعي الماكر، واليهود الذين احتلوا فلسطين والمسجد الأقصى، ومحاولتهم القضاء على الشعب الفلسطيني وإخراجه من أرضه بالقوة. كل ما تقدم من المشاكل التي يعانيها العالم الإِسلامي يمكن بحثها في الحج، عملَا بقوله تعالى:
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}. (الحج 28)
وقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}. (المائدة 2)
وعملَا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل: كيف أنصره ظالمًا؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره". (رواه البخاري)
4 - الذبائح واللحوم:
ومن المنافع الدنيوية ما يستفيد المسلمون من البُدن والذبائح التي ينحرونها ويأكلون منها، ولا سيما الفقراء الذين ينتظرون هذا اليوم العظيم، وقد أمكن الإستفادة من اللحوم عن طريق الثلاجات، ثم ترسل إلى فقراء المسلمين في البلاد النائية، عملاً بقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}. (الحج 28)
وقوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى}. (الحج 32)
5 - التجارة في الحلال:
يمكن الإِستفادة من موسم الحج في تبادل السلع والمنتجات ولا سيما الإِسلامية، وبيعها للحجاج لتشجيع الاقتصاد في العالم العربي والِإسلامي، وقد اقترح بعض الدعاة إقامة معرض دولي تعرض فيه المنتوجات الصناعية والزراعية في موسم الحج للإستفادة منها وتشجيعها.
إن الإِسلام يحيى للوافدين إلى الحج التجارة فيما أحله الله كالأطعمة والألبسة وغيرها من المباحات، ويُحرم التجارة في الأمور المحرمة كالمخدرات على اختلاف أنواعها مما يضر بعقول المسلمين وأجسامهم، فليتق الله هؤلاء الذين يتاجرون بالمخدرات، ويأخذون المال الحرام، وسيعاقبون على هذا يوم القيامة.
(2/344)

وقد توعدت الحكومة السعودية بإنزال أقصى العقوبات لمثل هؤلاء المجرمين، فجزاها الله خيرًا.
وقد أفتى العلماء في السعودية وغيرها بتحريم الدخان، والتجارة فيه؛ لأنه يضر الجسم، ويؤذي الجالس، ويتلف المال. فعلى المسلم ألا يشربه، ولا يتاجر فيه، ولا يقدمه لضيوفه، ولا يأخذ منه لأصدقائه، عملاً بقوله. تعالى:
{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. (المائدة 2)
6 - يحسن بالوافدين أن يأخذوا السواك إلى بلادهم، فيبيعوه إلى إخوافهم أو يقدموه هدية لهم، فإن فيه منافع عظيمة أقرها الطِّيب الحديث، فهي خير من الفرشاة الاصطناعية والمعجون، فإن السواك فيه رائحة عطرية، تفيد الأسنان، وتعطي الفم رائحة طيبة، تفيد أكثر من المعجون، وقد استعمله بعض المدخنين، ومضغوا قشره فأغناهم عن الدخان وتركوه.
وقد ورد في فضل السواك أحاديث، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -:
أ - "لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". (صحيح رواه مالك والشافعي)
ب - "لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". (متفق عليه)
ج - السواك مطهرة للفم مَرضاة للرب. (صحيح رواه أَحْمد وغيره)
د - السواك يُطيب الفم، وُيرضي الرب. (صحيح رواه الطبراني)
يجب قطع رأس السواك بعد استعماله مدة لتوسخه، وليخرج قسم نظيف من
السواك.
7 - التمر: هو خير ما يتاجر به الحاج ويأخذ منه للهدايا.
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "مَن تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سُم ولا سحر". (متفق عليه)
(2/345)

منافع الحج. والعمرة في الآخرة
العمرة والحج لهما فوائد عظيمة في الآخرة، منها:
1 - غفران الذنوب:
قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203]
ذكر الطبري في تفسير الآية أقوالًا لأهل العلم ثم قال:
وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: فمن تعجل من أيام مني الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه يحط الله عنه ذنوبه، إن كان قد اتقى في حجه، فاجتنب فيه ما أمر الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمر الله بفعله، وأطاعه بادائه على ما كلفه من حدوده، ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن، فلا إثم عليه لتكفير الله ما سلف من آثامه وإجرامه إن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده، وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته، لتظاهر الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
أ - "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". (متفق عليه)
ب - "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة جزاء إلا الجنة". (صحيح رواه أحمد)
وقد نقل العلامة الشنقيطي في (أضواء البيان) قول الطبري ورجحه.
(ذكرنا قول الطبري مختصرًا)
2 - فضل الصلوات في مكة بمائة ألف، وفي مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بألف صلاة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أَلْف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة". (رواه مسلم)
(2/346)

وقال رسول الله يك: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة". (صحيح رواه أَحْمد)
3 - مباهاة الله بأهل عرفة الملائكة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول فم: انظروا إلى عبادي جاؤوني شُعثًا غُبرا" (صحيح رواه البيهقي وغيره)
4 - فضل الدعاء في يوم عرفة:
قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (حسن رواه مالك)
ومعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله.
فعلى المسلم أن يكثر من قول هذه الكلمة الطيبة، وأن يكثر من الدعاء في يوم عرفة؛ وليحذر دعاء غير الله من الأموات والغائبين؛ لأنه من الشرك الذي يبطل الحج والأعمال كلها.
5 - يستحب للحاج رفع الصوت بالتلبية، وإراقة دم الذبائح لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"أفضل الحج العَجُّ والثجُّ". (حسن رواه الترمذي)
[العَج: رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ: الذبائح].
(2/347)

أنواع الصبر في الحج
من منافع الحج الصبر: وهو حبس النفس على ما تكره، وهو أنواع:
1 - الصبر على طاعة الله: بأداء مناسك الحج والعمرة - من إحرام، ومبيت بمنى، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي، وذبح، وحلق، وطواف، وسعي،
وتحلل - على الوجه المشروع والمطلوب.
2 - الصبر عن معاصي الله: باجتناب الرفَث، والفسوق، والجدال بالباطل، وغيرها من المعاصي:
قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (البقرة 197)
(الرفث: الجماع والتقبيل) (الفسوق: المعاصي).
3 - الصبر على مفارقة الأهل، والأحباب، والأوطان وذلك بذكر الله وشكره، وطلب الأجر من الله.
قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
ذِكْرًا}. (البقرة 200)
4 - الصبر على تكاليف العمرة والحج، فأجر النفقة لا يضيع عند الكريم، بل يضاعفه له، ويخلفه عليه، ويزيده من فضله: قال تعالى:
{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. (سبأ 39)
قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة -رضي الله عنها- في عمرتها:
"إن لك من الأجر على قدر نصَبك ونفقتك". (صحيح رواه الحاكم)
(النصَب: التعب).
5 - الصبر على المتاعب البدنية في الحل والزحال، والإنتقال من بلد إلى بلد، ومن
(2/348)

مشعر إلى مشعر، ومن مكان لآخر. وليعلم الحاج أن هذا من الجهاد الذي يؤجر عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم -
"الحج جهاد كل ضعيف". (حسن رواه ابن ماجه)
6 - الصبر على ضياع مال أو أصحاب، وعلى المسلم أن يدعو الله بما ورد ويأخذ بالأسباب بالتفتيش عن ضالته:
سُئل ابن عمر -رضي الله عنهما- عن الضالة، فقال:
"يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول:
"اللهمَّ رادَّ الضالة، هادي الضلالة، تهدي من الضلال، رُدَّ عليَّ ضالتي
بقدرتك وسلطانك، فإنَّها من فضلك وعطائك". (قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن)
7 - الصبر على جميع المشاكل التي تصيب الحاج، وذلك بالإلتجاء إلى الله، ودعائه وحده، ولا سيما في الليل: قال - صلى الله عليه وسلم -:
"مَن تعارّ من الليل، فقال: لا إله إلا إله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهمَّ اغفر لي أو دعا استُجيب له، فإن توضأ وصلى قبلتْ صلاته". (رواه البخاري وغيره)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم". (حسن رواه البزار)
8 - استعن بالصبر والصلاة على مصائب الدنيا:
قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45)
9 - واعلم أن ما يصيبك من مرض، أو تعب، أو أذى، أو غير ذلك، فهو تكفير عن سيئاتك:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما يُصيب المسلم من نصَب، ولا وَصب، ولا هَمّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غَمّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه". (متفق عليه)
[النصب: التعب، الوَصَب: المرض]
(2/349)

10 - عليك بالصبر حتى تكون ممن قال الله تعالى فيهم:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة: 155 - 157)
(2/350)

شروط الإحتفاظ بمنافع الحج
إذا أردت الإحتفاظ بمنافع الحج المتقدمة فاجتنب مايلي:
1 - الإِلحاد في الحرم: قال الله تعالى:
{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. (الحج 25)
أ - قال ابن كثير: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ}:
أي يَهُم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار.
ب - وقوله: (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول كما قال ابن جريج عن ابن عباس: هو التعمد.
ج - وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بظلم: بشرك.
د - وقال مجاهد: أن يُعبَد فيه غير الله، وكذا قال قتادة وغير واحد.
ه - وقال العوفي عن ابن عباس: (بظلم) هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة، أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم.
و- وقال مجاهد: (بظلم) يعمل فيه عملاً سيئًا، وهذا من خصوصيات الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر إذا كان عازمًا عليه وإن لم يوقعه. (انظر نفسير ابن كثير ج 3/ 214)
أقول: ومن الإِلحاد في الحرم ما يفعله المجرمون مِن قتل الأبرياء، وترويع الآمنين، وينطبق عليهم قول الله تعالى:
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ
خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. (المائدة 33)
علمًا بأن المشرك كان يلقى قاتل أَبيه، فيُعرض عنه احترامًا للحرم، والمسلم أحق باحترام البيت وتعظيمه من المشرك، والله تعالى يقول:
(2/351)

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}. (البقرة 125)
والحكومة السعودية -وفقها الله- قامت بواجبها بإنزال العقوبة العادلة على هؤلاء المجرمين الذين يسعون في الأرض فسادًا ويلحدون في الحرم، وقد توعدهم الله يوم القيامة بالعذاب.
2 - الشرك بالله: وهو صرف العبادة لغير الله كدعاء الأموات والغائبين لقول الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. (يونس 106)
[الظالمين: المشركين]
وإذا وقع المسلم في الشِّرك بَطَل حَجه وعمله لقول الله تعالى:
{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (سورة الزمر 65)
3 - الرياء: وهو العمل الذي يراد به السمعة، فيحج ليقول عنه الناس: الحاج، علمًا بأن كلمة (الحاج) التي يطلقونها على من حج البيت لم يعرفها السلف الصالح، فلم نسمع عن واحد منهم قال في أخيه: (الحاج عمر) مثلًا؛ لأنها من بدع المتأخرين. فأخلص حجك لله يَا أخي المسلم وقل كما قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -:
"اللهمَّ حَجة لا رياء فيها ولا سُمعة" (صحيح رواه ابن ماجه)
(2/352)

وصايا مهمة للحاج
إذا أردت المزيد من فوائد الحج فاعمل بهذه الوصايا:
1 - رافق أهل الصلاح والعلم واستفد منهم.
2 - تحمّل أذى جيرانك، ولا تؤذ أحدًا من إخوانك، وادفع بالتي هي أحسن.
3 - استعمل السواك، وخذ هدايا منه مع زمزم والتمر لأهلك، فقيد وردت أحاديث في فضلها.
4 - احذر لمس النساء والنظر إليهن، واحجب نساءك عن الرجال.
5 - تلطف بمن حولك أثناء الطواف وتقبيل الحجر والسعي، والرمي، فهو من الرفق المطلوب، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير كله". (روه مسلم)
6 - احذر الرفث والفسوق والمخاصمة، حتى يكون حجك مقبولًا.
7 - احذر شرب الدخان، وسوء الأخلاق، والشتم والسباب، وحلق اللحية، فهي محرمة، ولا سيما أثناء أداء مناسك العمرة والحج.
8 - كن سمحًا في بيعك وشرائك حتى يرحمك الله، وحسِّن أخلاقك ولا تواجه أحدًا بما يكره، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى". (رواه البخاري)
9 - لا تضيع أوقاتك في الأسواق، والبيع والشراء والقيل والقال.
10 - أكثر من قراءة القرآن، والطواف بالكعبة، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
11 - لا ترفع صوتك بالدعاء عند الطواف ففيه تشويش على الطائفين، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "اربَعوا على أنفسكم فإنكم ليس تدعون أصَمَّ، ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". (رواه مسلم) [اربَعوا: ارفقوا بأنفسكم، ولا ترفعوا أصواتكم فالله يسمعكم]
(2/353)

من آداب المسجد النبوي
1 - زيارة مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مستحبة لمن استطاع، ولا يتوقف عليها صحة الحج، وليس لها وقت مُحدد.
2 - احرص على صلاة الجماعة، ولا سيما في المسجد الحرام، ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة.
3 - إذا دخلت المسجد، فقدم رجلك اليمنى وقيل: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ثم صل ركعتين تحية المسجد، ثم سلم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: السلام عليك يَا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، وإن أردت الدعاء فاستقبل القبلة، وأسأل الله بمحبتك لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
4 - اذهب إلى مسجد قباء وصل فيه لقوله - صلى الله عليه وسلم -
"من تطهير في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة كان له أجر عمرة تامة". (صحيح رواه أَحْمد)
5 - تستحب زيارة البقيع، وشهداء أُحد، دون المساجد السبعة في المدينة المنورة لعدم وجود دليل عليها.
6 - احذر لمس أو تقبيل الشباك أو الجدار وغيرهما.
7 - الرجوع إلى الوراء عند مغادرة المسجد بدعة لا دليل عليه.
8 - السفر إلى المدينة يكون بنية زيارة المسجد النبوي، ثم السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الدخول، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا،
والمسجد الأقصى) "متفق عليه"
(2/354)

ذكريات مفيدة
1 - اقرأ كتابًا عن مناسك الحج، لتتعلم أحكامه، وأسأل العلماء، واسمع
المحاضرات.
2 - لا تنس أن تأخذ لأهلك بعض الهدايا النافعة كالكتب المفيدة، ومجلة التوعية الإِسلامية التي توزعها مجانًا مراكز التوعية الإِسلامية في مكة والمدينة وغيرهما.
3 - تذكر وأنت في مكة أو المدينة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقي في مكة 13 عامًا يدعو إلى كلمة التوحيد، فاقتد به، وذكر الناس بكلمة "لا إله إلا الله" ومعناها:
لا معبود بحق إلا الله، وذكرهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله". (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)
ومن التوحيد أن تسال أهلك وإخوانك: أين الله؟ وتعطيهم الجواب: في السماء، فقد سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - جارية:
"أين الله؟ قالت في السماء، قال لها من أنا؟ قالت رسول الله، فقال لصاحبها: أعتقها فإنها مؤمنة". (رواه مسلم)

الخلاصة
الحج ركن من أركان الإِسلام له منافعِ دنيوية وأخروية، فبادر إليه عند الإستطاعة قبل أن تمرض أو تفتقر، أو تموت عاصيًا؛ واحذر الإِشراك باللهِ، والرياء، والإِلحاد في الحرم، والرفث والفسق والجدال الباطل في الحج ...
ومن علامة الحج المقبول أن تكون أحسن حالًا في عقيدتك وعبادتك ومعاملاتك وأخلاقك، و ...
وعليك بالدعاء قائلًا:
{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
(2/355)

مشهد الحجيج
1 - أما والذي حج المحبون بيته ... ولَبّوا له عند المهَلِّ وأحرموا
2 - وقد كشفوا تلك الرءوسَ تواضعًا ... لِعزة مَن تعنو الوجوه وتُسلِمُ
3 - يُهلون بالبيداء لبيك ربَّنا ... لك الملك والحمد الذي أَنْتَ تعلمُ
4 - دعاهم فلَبَّوه رضًا ومحبَّة ... فلما دعوه كان أقربَ منهمُ
5 - وراحوا إلى التعريف يرجون رحمة ... ومغفرة ممن يجود ويُكِرمُ
6 - فلله ذاك الموقف الأعظم الذي ... كموقف يومِ العَرض بل ذاك أعظمُ
7 - ويدنو به الجبار جلّ جلاله ... يُباهي بهم أملاكه لهو أكرمُ
8 - يقول عبادي قد أتوني محبّة ... وإني بهم بَرٌّ أجُودُ وأرحمُ
9 - فأشهدكم أني غفرت ذنوبهم ... وأعطيتهم ما أمَّلوه وأُنعِمُ
العلامة ابن قيم الجوزية
(2/356)

مناجاة وتوجع
1 - إليك إلهي قد أتيت مُلبيا ... فبارك إلهي حجتي ودعائيا
2 - قصدتك مضطرًا وجئتك باكيًا ... وحاشاك ربي أن ترد بكائيا
3 - كفاني فخرًا أنني لك عابد ... فيا فرحتي إذا صرتُ عبدًا مواليا
4 - إلهي فأنت الله لا شيء مثله ... فأفعم فؤادي حكمة ومعانيا
5 - أتيتُ بلا زاد، وجودُك مطمعي ... وما خاب من يهفو لجودك ساعيًا
6 - إليك إلهي قد حضرتُ مُؤمِّلًا ... خلاصَ فؤادي من ذنوبي مُلَبِّيا
7 - وكيف يرى الإنسان في الأرض مُتعة ... وقد أصبح القدسُ الشريف ملاهيا
8 - يجوس به الأنذال مِن كل جانب ... وقد كان للأطهار قدسًا وناديا
9 - معالم إسراء، ومهبطُ حكمة ... وروضة قرآن تعطر واديا
(2/357)

(5)
من بدائع القصص النبوي الصحيح
(2/359)

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإن النفوس تحب القصص، وتتأثر بها, لذلك تجد في القرآن أنواعًا من القصص النافع، وهو من أحسن القصص.
وكان من حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن اقتدى بكتاب ربه، فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه العِبَر، باللفظ الفصيح، والبيان العذب البليغ، ويمتاز بأنه واقعى وليس بخيالي. {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى , إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}. "النجم 3 - 4"
وإن بعض شبابنا قد مالوا إلى القصص الأجنبي الضار، إذ أكثره جنسي مائع أو بوليسي مجرم، يوقعهم في الفاحشة والإنحراف كما يريده أعداء الإِسلام.
لذلك كان واجبًا على الكاتب الإِسلامي أن يقدم نماذج من القصص الديني
الصحيح، فإن فيها تهذيب الأخلاق، وتقريب الشباب من الدين.
وإني أقدم نموذجًا من بدائع القصص النبوي، وهي مختارة من الأحاديث
الصحيحة، وجعلتها على شكل حِوار، ومشاهد، حتى كأنك ترى وقائع القصة
أمامك، وجعلت لكل قصة عبرة في آخرها للاستفادة منها، فالله تعالى يقول:
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}. "يوسف آية 111"
وأحب أن أنبه إلى أمور مهمة:
1 - شرحت بعض الكلمات التي تساعد القارئ على فهم القصة.
مثل: (فلقيه)، فقنت: (فلقي ضماد محمدًا - صلى الله عليه وسلم -).
2 - نقلت الفعل الماضي إلى الفعل المضارع ليرى القارئ القصة وكأنها أمامه
3 - حذفت كلمة (قال) من النص استغناء عنها بذكر القائل أول السطر.
4 - الكلام الذي بين المعقوفين [] وهو وصف لحالة القائل وهو من كلام المؤلِّف.
5 - لا يفهم من هذا الحِوار وَالمشاهد جواز عملية التمثيل ولا سيما تمثيل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، وهو حرام. والله أسال أن ينفع بها المسلمين، ويجعلها خالصة لله تعالى.
(2/361)

الغلام المؤمن والساحر
* الملِك والساحر.
*الراهب والغلام.
* الغلام والأفعى.
* الغلام والأعمى.
* تعذيب من آمن.
* الغلام يُعذب.
* الغلام يُضحِّي بنفسه.
* احتراق الكفار.
* من عبرة القصة وفوائدها.
(2/363)

الغلام المؤمن والساحر
عن صهيب -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
(كان مَلِك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر؛ فلما كبر الساحرُ، قال للملِك: إني قد كبِرتُ فابعث إليَّ غلامًا أُعلِّمه السحر؛ فبعث إليه غلَامًا يُعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهبٌ، فقعد إليه وسمع كلامَه فأعجبه؛ فكان إذا أتى الساحر مَرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيتَ الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر).

الغلام والأفعى
"بينما الغلام سائر إذ رأى دابة عظيمة (أفعى) قد حبست الناس".
الغلام [يخاطب نفسه]: اليوم أعلم، الساحر أفضل أم الراهب؟
الغلام [يأخذ حجرًا]: اللهمَّ إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس.
"يرمي الغلام الدابة فيقتلها ويمضي الناس".
الراهب [متعجبًا]: "يأتي الغلام الراهب فيُخبره".
أي بُني أنتَ اليوم أفضل مني، قد بلغ مِن أمرِك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليتَ فلا تدل عليَّ. "الغلام يُبرىء الأكمه (الأعمى) والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء (الأمراض) ".
(2/364)

الغلام والأعمى
"يسمع جليس للملك كان قد عمي، فيُقدِّم للغلام هدايا كثير".
الأعمى [راجيًا]: كل هذه الهدايا لك إن أَنْتَ شفيتني!
الغلام [مرشدًا]: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالى، فإن أنت آمنت بالله دعوتُ الله فشفاك.
"يؤمن الأعمى فيشفيه الله تعالى".
"يأتي الجليس الملِك، فيجلس إليه كما كان يجلس".
الملك [متعجبًا]: من رَدَّ عليك بصركَ؟!!
الجليس [في فرح]: ربي!
الملك [منكرًا] أوَ لك رَبٌّ غيري؟!!
الجليس [في شجاعة وإيمان]: ربي وربك الله.
"يأخذه الملك فلم يزل يعذبه حتى يَدُل على الغلام فيُؤتى بالغلام".
الملك [مهددًا]: أيْ بُنيَّ قد بلَغ مِن سحرك ما تُبرىء الأكْمَهَ والأبرص، وتفعل وتفعل!!
الغلام: إني لا أشفي أحدًا، إنما يَشفي الله تعالى.

تعذيب من آمن
"يأخذ الملك الغلام، فلا يزال يُعذبه حتى دَل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فيأبى، فيدعو الملِك بالمنشار، فيضع المنشار في مفرق رأسه فيشقه به حتى يقع شقاه على الأرض!! ". "ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فيأبى، فيضع المنشار في مفرق رأسه، فيشقه به حتى وقع شقاه".
(2/365)

الغلام يُعذب
"يؤتى بالغلام، فيقال له: ارجع عن دينك، فيأبى، فيدفعه الملك إلى نفر من أصحابه".
الملك [غاضبًا]:اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذِروْته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه.
"يذهبون بالغلام، ويصعدون به الجبل".
الغلام [داعيًا عليهم]: اللهم اكفِنيهم بما شئت.
"يَرْجف بهم الجبل فيسقطون ويجيء الغلام يمشي إلى الملك".
الملك [في حيرة ودهشة]: ما فعل أصحابك؟!
الغلام [في شجاعة وإيمان]: كفانيهم الله تعالى.
"يدفعه الملك إلى نفر من أصحابه".
الملك: اذهبوا فاحملوه في قُرقُور (زَوْرَق) وتوسّطوا به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلا فاقذفوه.
"يذهبون بالغلام".
الغلام [داعيًا]:اللهم اكفنيهم بما شئت.
"تنكفىء بهم السفينة فيغرقون!! ويجيء الغلام إلى الملك يمشي!! ".
الملك [في قهر وخذلان]: ما فعل أصحابك؟
الغلام [في طمأنينة وثبات]:كفانيهم الله تعالى.
(2/366)

الغلام يضحي بنفسه
الغلام [للملك]: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به!!!
الملك [في عجز ويأس]: ما هو؟
الغلام [آمرًا]: تجمعُ الناسَ في صعيد واحد، وتصلبني على جذْع، ثم خذ سهمًا مِن كِنانتي، ثم ضع السهم في كَبِد القوس، ثم قل: (بسم الله رب الغلام)!!
ثم ارمني، فإنك إذا فعلتَ ذلك تقتلني.
"يَجمعُ النَّاسَ في صعيد واحد، ويَصلبُ الغلامَ على حذع، ثم يأخذ الملك سهمًا من كنانة الغلام، ثم يَضع السهم في كبد القوس ثم يقول: (بسم الله رب الغلام) ثم يرميه، فيقع السهم في صُدْغه، فيضع يده في صدغه في موضع السهم ويموت".
الناس [يهتفون]: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام.
"يجيء الجند إلى الملك".
الجند [في أسف]: أرأيتَ ما كنتَ تحذر، قد والله نزل بكَ حَذَرُك، قد آمن الناس.
الملك [فِي غيظ]: احفِروا الأخدود (الخنادق) بأفواه السكك واضْرِموا فيها النيران، ومَن لم يرجع عن دينه فاقحِموه فيها (اطرحوه).
"الجند على أطراف الأخدود، يَعْرضون الشعب المؤمن على النَّار، ويَعْرضون عليهم أن يرجعوا عن دينهم، فمن لم يرجِع أوقْعوه في النَّار".
"على حافَّة النَّار امرأة معها رضيع تخشى عليه فتترد، وتتقاعس أن تقع في النَّار".
الرضيع [يقول]: يَا أُمَّهْ اصبري فإنك على حق.
"ذكر قصة أصحاب الأخد والإِمام مسلم 4/ رقم 3005"
(2/367)

احتراق الكفار
قال الله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} "البروج 10"
1 - قال ابن جرير بعد ذكره قصة أصحاب الأخدود:
وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالصواب للذي ذكرنا عن الربيع في العلة: وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم؛ ولو لم يكونوا أُحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله: {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} معنى مفهوم مع أخباره أن لهم عذاب جهنم؛ لأن عذاب جهنم من عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابها في الآخرة. "ج 30 ص 135"
2 - قال القرطبي في تفسيره قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}.
أي حرَّقوهم بالنار، فلهم عذاب جهنم لكفرهم، ولهم الحريق في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار.
وقيل: {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} أي ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب
كفرهم بما أحرقوا المؤمنين.
3 - ذكر المفسر الألوسي نقلاً عن ابن جرير وغيره:
أن الله بعث على المُؤْمنين ريحًا تقبض أرواحهم قبل الوصول إلى النار، وأن النار خرجت فأحرقت هؤلاء الكفار الذين كانوا على حافتي الأخدود.
ويدل عل هذا قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ}.
وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}.
(2/368)

من فوائد القصة
1 - كل مولود يولد على الفطرة، فاقتضت الفطرة السليمة أن تكون مع الحق والخير دائمًا وترفض الشر، فوجَّهتِ الغلام نحو الخير حين سمع الحق من الراهب ونبذت الشر المتمثل في الساحر الكافر.
2 - لا بأس بالكذب للنجاة من كيد الكافرين عند الضرورة.
3 - علم الغلامُ بفطرته أن الحق مع الراهب ولكن أراد أن يقيم الحجة (مثل إبراهيم -عليه السلام-) حين أقام الحجة على قومه.
4 - الدعاء إلى الله أن يظهر له الحق وُيبين له وجه الصواب ويقطع الشك باليقين، وهذا شأن المؤمن يلجأ إلى الله دائمًا لحل مشكلاته.
5 - إماطة الأذى عن الطريق وتخليص الناس مِن كرب وقعوا فيه، مشروع ومطلوب يؤجَر المسلم عليه، كما صرحت بذلك الأحاديث.
6 - المؤمن الصادق هو الذي ينسِبُ فعل الكرامة إلى الله وليس إلى نفسه.
7 - الاعتراف بالفضل ولو إلى غلام صغير: (أي بُني أنت اليوم أفضل مني).
8 - كل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصدع بالحق لا بُدَّ من أن يُبْتَلى، فعليه بالصبر، وله الأجر الكبير عند الله.
قال الله تعالى على لسان لقمان يوصي ولده:
{يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ
إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} "لقمان 17"
9 - كل من أخطأ في تعبيره لا يُترك في خطئه، بل يُبين كله وجه الصواب، لا سيما في عقيدة التوحيد، فالغلام يقول للوزير: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالى. وهذا مطابق لقول الله تعالى عن إبراهيم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80].
10 - إن لله رجالًا أقوياء بإيمانهم، فمهما عُذِّبوا لا يرجعون عن دينهم، ولا يُرضون الطغاة بكلمة فيها ضعف أو كفر، ولو حُرِّقوا، أو نُشِروا أو أُغرقوا وهو الأفضل
(2/369)

وقد أشار إليهم الله سبحانه بقوله:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا
ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} "آل عمران: 146"
وقد سمح الله للمؤمن أن ينطق بالكفر إذا أُكره عليه فقال سبحانه:
{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. "النحل 106"
11 - لا بُدَّ لكلمة الحق أن تنتصر، فالملك يعجز عن قتل الغلام، ولا يتم له ذلك إلا بطريقة يرسمها الغلام للملك، يعقبها إيمان الشعب واندحارُ الملك، ويتحقق قول الله تعالى:
{وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
"التوبة 40"
12 - الغلام المؤمن يُضحِّي بنفسه ليؤمن الناس، وهذا شأن المؤمنين المخلصين يسعون لإنقاذ أُمتهم، ولو أدَّى ذلك إلى استشهادهم، فهم إلى الجنة ذاهبون:
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. "آل عمران 169"
13 - يُثبت الله المؤمنين بالحُجَج البيَّنات، وُيؤيد دينهم بالكرامات، فهذا هو الرضيع ينطق: (يَا أُمَّه اصبري فإنك على الحق).
والأم تستجيب لهذا الأمر، وتُلقي بنفسها مع طفلها صابرة محتسبة.
14 - مصير المؤمنين إلى الجنة بعد موتهم، ومصير الكفار الحرق في الدنيا، وعذاب جهنم في الآخرة.
(2/370)

أبرص وأقرع وأعمى
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع النبي- صلى الله عليه وسلم - يقول:
(إن ثلاثة في بني إسرائيل: (أبرص وَأقرع وأعمى) أراد الله أن يبتليهم (يختبرهم)، فبعث إليهم ملَكًا:) "يأتي الملَك الرجل الأبرص".
الملك: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟
الأبرص: لَون حسن، وجلْد حَسَن، ويذهبُ عني الذي قد قذرني الناس!
"يمسحه الملَك، فيذهب عنه قذرُه، ويُعْطَى لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا! ".
الملك: فأيُّ المالِ أحبُّ إليك؟
الأبرص: الإِبل.
"يُعطَى ناقة عُشرَاء (حاملًا) ".
الملك: بارك الله لك فيها.
"يأتي الملَك الرجل الأقرع".
الملك: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟
الأقرع: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذِرني الناس.
"يمسحه الملَك فيذهب عنه داؤه ويعطى شعرًا حسنًا".
الملك: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟
الأقرع: البقَرَ.
"يُعطى بقرة حاملًا".
الملك: بارك الله لك فيها.
"يأتي الملَكُ الرجلَ الأعمى".
الملك: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟
(2/371)

الأعمى: أن يَرد الله إليَّ بصَري، فأُبصِر به الناس.
"يمسحه الملَك، فيردَّ الله إليه بصره".
الملَك: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟
الأعمى: الغنم.
"يُعطى شاة والدًا (حاملًا) ".
"كان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم".
"يأتي الملَك الرجلَ الأبرص في صورة الأبرص"
الملَك: رجلٌ مسكين قد انقطعتْ بي الحِبالُ في سفري، فلا بَلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلَّغ عليه في سفري (أصل به إلى أهلي).
الأبرص [في ضيق]: الحقوق كثيرة!!
الملَك [في استغراب]: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ يقْذَرُكَ الناس؟ فقيرًا فأعطاك الله؟!
الأبرص [في إنكار]: إنما ورِثْتُ هذا المال كابِرًا عن كابِر! (أبًا عن جَد)!!
الملَك: إن كنتَ كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت.
"ثم يأتي الملَكُ الرجلَ الأقرع في صُورة الأقرع".
الملَك: رجلٌ مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك الشعر الحسن والمنظر الحسن والمال، بقرةً أتَبَلّغ بها في سفري.
الأقرع [في ضجر]: الحقوق كثيرة!!!
الملَك [متعجبًا]:كأني أعرفك، ألم تكن أقرع يَقْذَرُك الناس؟! فقيرًا فأعطاك الله؟!
الأقرع [في استكبار]: إنما ورثْتُ هذا المال كابِراً عن كابر! (أبًا عن جَد).
(2/372)

الملَك: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت.
"يأتي المَلك الرجلَ الأعمى في صورة الأعمى".
الملَك: رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رَدَّ عليك بصرك- شاة أتبلّغ بها في سفري.
الأعمى [شاكرًا معترفًا]: قد كنتُ أعمى فرَّد الله إليَّ بصري، فخُذْ ما شئتَ ودَعْ ما شئت؛ فوالله لا أجْهدك اليومَ (لا أعارضك) بشيء أخذته لله عَزَّ وَجَلَّ.
الملك: أمْسِكْ مالك، فإنما ابتُليتم (اختُبرتم)، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك. "البخاري 4/ 146، مسلم رقم 2964"
(2/373)

من عبرة القصة وفوائدها
1 - اختبار الله لعبادة، سنة الله في أرضه، كما أخبر الله به في كتابه.
2 - الإبتلاء يكون في الجسم والمال والأولاد وغيرها.
3 - الملائكة تتصور أحيانًا على هيئة البشر، وتتكلم، وتمسح على المريض فيبرأ بإذن الله.
4 - لا شيء أحب لِلمُبتَلى بالمرض من ذهاب مرضه ومعافاته.
5 - الله هو الذي يُعطي ويمنع، وُيغني ويُفقر، بتقديره وحكمته.
6 - من التوحيد والأدب أن تنسب الشفاء والغنى إلى الله وحده: "قد كنت أعمى فردَّ الله بصري".
7 - الإِنسان الجاهل يبخل وقت الغنى، والعاقل يعطي بسخاء متذكرًا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا ملَكان ينزلان، فيقول أحدهما:
(اللهم أعطِ مُنفِقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسِكًا تلَفًا) ". "متفق عليه"
8 - بعض الأغنياء ينسون ماضيهم ويغضبون ممن يذكرهم به.
9 - مَن شكر النعمة، وأعطَى الفقراء زاده الله غنى، وبارك له؛ ومَن بخل فقد عرَّض نفسه لزوال النعمة وسخط الرب القائل:
{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. "إبراهيم 7"
10 - إنكار النعمة يجلب النقمة، ويُسبب الشقاء.
11 - الكرم يجلب النعمة ويذهب بالنقمة، ويُرضى الرب، والبخل يجلب السوء ويسخط الرب.
12 - المؤمن يفي بما وعد ولا يبخل، والمنافق يعاهد. ويعد، ولكن لا يفي بعهده ووعده، كما قال الله تعالى عن المنافقين:
{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}. "التوبة 75"
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). "متفق عليه"
(2/374)

أصحاب الغار والصخرة
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
(انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكَم، حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدَرتْ صخرة من الجبل، فسدَّت عليهم الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجْيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالحِ أعمالكم).
قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغْبِق [أُقدّم] قبلهَما أهلًا ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يومًا [أبعدْتُ] فلم أُرِحْ عليهما [فلم أرجع] حتى ناما، فحلبتُ لهما غبَوقهما [حِصتهما] فوجدتُهما نائمين، فكرهت أن أوقظَهما وأن أغْبق قبلهما أهلًا أو مالًا؟ فلبثتُ - والقدحُ على يدي- أنتظرُ استيقاظهما حتى برَق الفجرُ، والصبية يتضاغون عند قدمَي [يصيحون] فاستيقظا فشربا غبوقهما [شربا اللبن]
اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة.
"فانفرَجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منها".
وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عَمٍّ كانت أحبَّ الناس إليَّ، فأردتها على نفسها، فامتنعَتْ مني، حتى ألَمّتْ بها سَنة من السنين [أصابها جوع] فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تُخليَ بيني وبين نفسها، ففعلَتْ، حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، [لا تقربني إلا بنكاح شرعي] , فتحرجت من الوقوع عليها.
(2/375)

فانصرفت عنها وهي أحبُّ الناس إليَّ؛ وتركتُ الذهب الذي أعطيتها!!
اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاءَ وجهك فافرُجْ عنا ما نحن فيه.
"فانفرجَت الصخرةُ غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها".
وقال الثالث: اللهم استأجرت أجَراء، وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فَثمَّرْت [كثرتُ] أجره حتى كَثُرتْ منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يَا عبدَ الله أدِّ إليَّ أجري, فقلتُ: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يَا عبد الله لا تستهزىء بي. فقلت: إني لا أستهزىء بك؛ فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا!!!
اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
"فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون".
"والقصة في البخاري 4/ 369 ومسلم 2743".
(2/376)

من فوائد القصة
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ} "المائدة 35"
[قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه].
1 - الأعمال الصالحة وقت الرخاء يستفيد منها الإِنسان وقت الشدة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (احفظ الله يَحفظك، احفظ الله تجده تجاهك [أمامك] تعرَّف إلى الله في الرخاء، يَعرِفك في الشدة). "صحيح رواه أحمد والترمذي"
2 - يجب على المسلم أن يلجأ إلى الله وحده دائمًا بالدعاء وخاصة حين نزول الشدائد، ومن الشرك الأكبر دعاء الأموات الغائبين:
قال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. "يونس 106"
[الظالمين: المشركين].
3 - مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة, وهي نافعة ومفيدة، ولا سيما عند الشدة، وعدم مشروعية التوسل بالذوات والجاه.
4 - حب الله مُقدَّم على حب ما تهوى النفوس من الشهوات.
5 - مَن ترك الزنى والفجور خوفًا من المولى نجاه الله من البلوى.
6 - من حفظ حقوق العمال حفظه الله وقت الشدة، ونجاه من المحنة.
7 - الدعاء إلى الله مع التوسل بالعمل الصالح يُفتِّت الصخور، ويُفرِّج الكروب.
8 - بر الوالدين وإكرامهما مقدم على الزوجة والأولاد.
9 - حق الأجير يُحفَظ له، ولا يجوز تأخيره، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أعطوا الأجير أجرَه قبل أن يجفّ عرقه). "صحيح رواه ابن ماجة"
10 - استحباب تنمية مال الأجير الذي ترك حقه، وهو عمل جليل، وهو من حق الأجير.
(2/377)

11 - شَرْع مَن قبلنا هو شرعٌ لنا إذا أخبر الله تعالى أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - به على طريق المدح، ولم يثبت نسخه، وهذه القصة قصَّها علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مدح هؤلاء النفر الثلاثة لنقتدي بهم في عملهم.
12 - طلب الِإخلاص في العمل حيث قال كل واحد:
(اللهم إنْ كنْت فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرجْ عنا ما نحن فيه).
13 - إثبات الوجه لله سبحانه من غير تشبيه:
قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. "الشورى 11"
(2/378)

وليمة جابر المباركة
عن جابر -رضي الله عنه- قال:
إنَّا كنا يوم الخندق نَحْفر، فعرضتْ كُدْيةٌ شديدة [صخرة] فجاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هذه كُدية عرضَتْ في الخندق.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أنا نازل.
"يقوم الرسول وبطنه معصوبة بحجر".
قال جابر: ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَوقًا.
"يأخذ النبي- صلى الله عليه وسلم - المعْول، فيضرب؛ فيعود كثيبًا أهْيَل [ترابًا ناعمًا] ".
جابر: يَا رسول الله اِئذن لي إلى البيت.
جابر لامرأته [متأثرًا]: رأيت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا [جوعًا] ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟
المرأة: عندي شعير وعَنَاق [الأنثى من ولد الماعز].
"يذبح جابر العنَاق، وتطحن امرأته الشعير، ثم يجيء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ".
جابر [سرًا]: طُعَيِّمٌ لي [طعام قليل] فقم أَنْتَ يَا رسول الله ورجل أو رجلان.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: كم هو؟
جابر: سخلة وقليل من شعير.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: كثير طيب، قل لها لا تنزع القدِر ولا الخبز من التنور حتى آتي.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -[لصحبه]: قوموا.
"يقوم المهاجرون والأنصار".
(2/379)

جابر لامرأته [في حيرة]: ويْحكِ قد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرون والأنصار ومن معهم!!!
المرأة [في دهشة]: هل سألك!!!
جابر: نعم.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ادخلوا ولا تَضاغَطُوا [تزاحموا].
"يكسر الرسول الخبز ويجعل عليه اللحم، ويُغطي القِدرَ والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزِع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا وبقي منه".
الرسول للمرأة: كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة.
"أصل القصة في البخاري 5/ 46، ومسلم".
(2/380)

من فوائد القصة
1 - مشاركة الرسول القائد جنده في حفر الخندق، وعدم تميزه عليهم.
2 - شكوى الصحابة لقائدهم من صخرة عجزوا عنها لما يعلمون من قوته، فاستجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم، وفتَّتَ الصخرة مع شدة جوعه.
3 - حب الصحابة لقائدهم، وسعيهم لإطعامه وسَدِّ جوعه.
4 - محافظة الصحابة على النظام، وعدم الذهاب بدون إذن من القائد.
5 - نساء الصحابة يتصفن بالإيثار والكرم والحب للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
6 - القائد المخلص لا يشبع وحده، بل يدعو أصحابه معه.
7 - الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بالنظام: (أُدخلوا ولا تضاغطوا).
8 - إكرام الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالمعجزة، بتكثير الطعام حتى شبعوا جميعًا ومن حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يغطي القِدر والتنور إظهارًا للبركة لا للإيجاد والخلق وهما من الله وحده، محافظة على عقيدة التوحيد.
9 - القائد العظيم في جنده أشبه بالأب في أسرته؛ يغرف لهم الطعام بيده، ويُقدمه بنفسه.
10 - اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأفراد أمته كاهتمامه بجنده:
(كلي هذا واهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة).
(2/381)

جوع الصحابة والرسول - صلى الله عليه وسلم -
" يخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، ويأتيه أبو بكر".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ما جاء بك يا أبا بكر؟
أبو بكر: خرجت أَلْقَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانظر في وجهه، والتسليم عليه.
"فلم يلبث أن جاء عمر -رضي الله عنه-".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ما جاء بك يا عمر؟!
عمر: الجوع يا رسول الله.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: وأنا قد وجدت بعضَ ذلك!!
"ينطلقون إلى منزل أبي الهيثم بن التَّيِهان الأنصاري، وكان رجلاً كثير النخل والشاء [الغنم] ولم يكن له خَدَم فلم يجدوه".
الجماعة [لامرأته]: أين صاحبُك؟
المرأة: انطَلقَ يَسْتَعْذِب لنا الماء.
"فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة ماء عذب فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُفدّيه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقِنو [عنقود البلح] فوضعه".
النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفلا تَنقَيْتَ لنا من رُطبه؟.
أبو الهيثم: يَا رسول الله إني أردت أن تختاروا من رُطَبه وبُسره [حلوه ومُرَّة].
"الرسول وصاحباه يأكلون منه ويشربون".
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه
(2/382)

يوم القيامة!! ظِلٌّ بارد، ورُطبٌ طيّب، وماءٌ بارد.
"ينطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعامًا".
النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تذبحنَّ لنا ذات دَرٍّ [حليب].
"يذبح لهم عناقًا أو جَديًا ويأتيهم بها فيأكلون".
[الجدي: ولد المعز]
النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل لك خادم؟.
أبو الهيثم: لا.
النبي - صلى الله عليه وسلم -: فإذا أتانا سَبْيٌّ [أسْرىَ] فأتِنا.
"يأتي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -[خادمان] ليس معهما ثالث، فيأتيه أبو الهيثم".
النبي - صلى الله عليه وسلم -: اخترْ منهما.
أبو الهيثم: يَا رسول الله اختَر لي.
النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن المستشار مؤتمن، خذْ هذا فإنِّي رأيته يصلي واستَوصِ به معروفًا.
"ينطلق أبو الهيثم فيخبر زوجته بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
المرأة: ما أَنْتَ ببالغٍ حَقٍّ ما قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بأن تُعتقه.
أبو الهيثم: فهو عتيق [حُر]!!
النبي - صلى الله عليه وسلم -[وقد بلغه الخبر]: إن الله لم يبعَث نبيًا ولا خليفة إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تَألُوه خَبالًا [لا تُقَصِّرُ في إفساده] ومن يُوقَ بطانةَ السوء فقد وُقِيَ: [أي حُفظ].
[البطانة: خاصة الرجل الذين يبطنون أمره]
"انظر القصة في شمائل الترمذي صحيحة، وانظر مختصر الشمائل للألباني 79".
(2/383)

من فوائد القصة
1 - الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه يعانون الجوع، ويسعون لسده بطريقة مشروعة.
2 - يجوز للرجل أن يذهب إلى بيت صاحبه لتناول الطعام بدون دعوة إن كان يعلم سعة حالة؟ وطيب نفسه: فالصحابي الجليل أبو الهيثم دخل السرورُ إلى قلبه حينما وجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - صاحبيه في بستانه.
3 - التنبيه على فضل النعمة مهما كانت، والحذ على شكر خالقها، وعدم الإنشغال بها عن المنعم، قال الله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} "سورة إبراهيم 7"
4 - إذا رأى الضيف إكرامًا زائدًا من صاحب البيت، فخشي وقوعه في خطأ نصحه برفق كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تذبحن لنا ذات دَرٍّ) [أي ذات لبن].
5 - المكافأة على المعروف مطلوبة، فرسول الكرم يكافىء صاحب البيت ويَعِده بخادم.
6 - لا يحتاج أبو الهيثم إلى وساطة لطلب الخادم، فعندما يلتقي الرسول به وقد جاءه خادمان، فسرعان ما يقول له: "اختر منهما".
وإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتسليمُ
7 - العاقل يستشير مَن هو أتم نظرًا: (يَا رسول الله اخْتَرْ لي).
8 - الصلاة علامة التقوى: (خذ هذا فإني رأيته يصلي).
9 - وصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخدم لا سيما المصلين: (استوصِ به معروفًا).
10 - حب الصحابة لتحرير الأرقاء، وموافقته لزوجته الصالحة على إعتاقه.
11 - على المسلم العاقل أن ينتقي أصحابه من أهل الصلاح ليذكروه بالخير، ويشجعوه عليه، وأن يبتعد عن قرناء السوء كيلا يذكروه بالشر ويحسِّنوه إليه، وكذلك شأن الزوجة الصالحة والشريرة لها تأثير على الزوج.
12 - جواز المعانقة لغير القادم من سفر.
(2/384)

جرة الذهب
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
(اشترى رجل من رجل عقارًا له [أرضًا] فوجد الرجلُ الذي اشترى العقار في عقاره جرةً فيها ذهب!!)
المشترى [للبائع] خذ ذهبك مني، إنما اشتريتُ منك الأرض، ولم أشتر منك الذهب!!!
البائع [ممتنعًا] إنما بعتك الأرض وما فيها.
"يَحتكمان إلى رجل".
الحكم: ألكُما ولد؟
أحدهما: لي غلام.
الآخر: لي جارية.
الحكَم: أنكحوا [زوجوا] الغلام للجارية وأنفقوا على أنفسكما منه، وتصدقا.
"انظر القصة في البخاري 6/ 375، رقم الحديث 1721 في مسلم".
(2/385)

من فوائد القصة
1 - أداء الأمانة مطلوب لقول الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا}. [النساء 58]
2 - القناعة كنز لا يفنى تعود بالخير والبركة على صاحبها.
3 - مشروعية الاحتكام إلى عالم بالكتاب والسنة، دون الذهاب إلى المحاكم المدنية التي تضيع الأموال والأوقات عملاً بقول الله تعالى:
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُول}. "النساء 59"
4 - من رضي بما أعطاه الله كان من أغنى الناس لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
أ - (وارض بما قسمه الله لكَ تكن أغنى الناس). "صحيح رواه أحمد"
ب - (ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس). "متفق عليه"
5 - الرزق مقسوم، لا بد أن يصل إليك في وقته ومقداره. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت).
"صححه ابن حبان وحسنه الألباني في الصحيحة"
6 - على المسلم أن يقنع بالحلال، ويترك الحرام والطمع فيما ليس له، ويأخذ بالأسباب المشروعة للرزق، وأن العمل الصالح يكفل له السعادة في الدنيا والآخرة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اتقوا الله وأجملوا في الطلب). "صححه الألباني في صحيح الجامع"
(أي خذوا الحلال، واتركوا الحرام).
7 - الحُكم العادل يُرضي المحتكمين.
8 - عدم الطمع فيما ليس للإِنسان.
(2/386)

الأمانة في الخشبة العجيبة
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(أنه ذَكَرَ رجلَا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أنْ يُسْلِفه [يُقْرضه] أَلْف دينار.)
المقرض: ايتني بالشهداء أُشْهِدُهم.
المقترض: كفى بالله شهيدًا!
المقرض: فائتني بالكفيل.
كفى باللهِ كفيلًا!
المقرِض: صدقت!
"يدفع الرجل للمقترض الألف دينار إلى أجَلٍ مُسمًى، فيخرج بها في البحر، فإذا قضى حاجته، التمس مركبًا يركبها يَقْدمُ عليه للأجل الذي أجّلَه، فلم يجد مركبًا، فيأخذ خشبة فينقُرها، فيُدْخِل فيها أَلْف دينار!! وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم يُزَجِّج موضعها [يَسُدَّه] ثم يأتي بها إلى البحر".
المقترض [آسفًا]: اللهم إنك تعْلم أني كنت تسلَّفتُ فلانًا [اقترضتُ منه] أَلْف دينار، فسألني كفيلًا، فقلتُ: كفى باللهِ كفيلًا، فرضي بك، وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جَهَدْتُ [بذلت جهدي] أن أجد مركبًا أبعثُ إليه الذي له، فلم أقدر، وإني أسْتَودِعُكهَا؟ [أضعها أمانة عندك].
"يَرْمي المقترضُ بالخشبة في البحر حتى تلج فيه [تجري] ثم ينصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فيَخرُج الرجل الذي كان أسلفه ينظر، لعل مركبًا قد
(2/387)

جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال!!!
فيأخذها لأهله حَطَبًا!! فلما نشرها وجد المال والصحيفة!!! ثم يَقْدمُ الذي كان أسلفه، فيأتي بالألف دينار من جديد".
المقترض: والله ما زلتُ جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدتُ مركبًا قبل الذي أتيتُ فيه.
المقرِض: هل كنتَ بعثتَ إليَّ بشيء؟
المقترض: أخبرك أني لم أجدْ مركبًا قبل الذي جئتُ فيه.
المقرِض: فإن الله قد أدَّى عنك الذي بعثتَ في الخشبة.
"فانصرف بالألف الدينار راشدًا".
"انظر القصة في البخاري 3/ 56".
(2/388)

من فوائد القصة
1 - القرضُ الحسن مشروع والمقرض له أجر عظيم.
2 - مشروعية كتابة الدَّين، ووقت أدائه، والإشهاد عليه حفظًا للحقوق.
3 - للمقرض أن يأخذ رهنًا، أو كفيلًا من المستقرض ليحفظ حقه من الضياع.
4 - لصاحب الدَّين أن يرَضى ممن عليه الدَّين بشهادة الله وكفالته، إذا لم يجد شهداء، أو كفيلًا.
5 - على المسلم أن يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اعقلها وتوكل). "حسن رواه الترمذي"
فالمقترض ينقر الخشبة، ويضع الدنانير فيها، ويسدها، ثم يدعو الله متوكلًا عليه.
6 - مَن رضي باللَه شهيدًا، أوكفيلًا كفاه، وحفظ له حقه. فالمقترض حينما رضي بالله شهيدًا وكفيلًا رَدَّ عليه ماله.
7 - على المسلم العاقل ألا يكتفي بالأسباب الغيبية وحدها، بل يأخذ بالأسباب الحسية، فالمقترض لم يكتف بما أرسله للمقرض في الخشبة، بل أتى بالدنانير من جديد حينما وجد سفينة تحمله إلى صاحب الدين، ولكن المقرض أخبره بأن الله أدَّى عنه بما أرسله في الخشبة.
8 - على المقترض أن يبذل جهده ويسلك كل السبل لوفاء دينه في وقته المحدد.
9 - إذا أحسن المسلم النية وفقه الله لأداء دينه.
10 - أداء الحقوق، ووفاء الدين واجب، لا يجوز تأخيره، إذا لم يوفه في الدنيا، فسوف يدفعه يوم القيامة من حسناته، وربما كان سببًا في دخوله النار.
(2/389)

صوت في سحابة
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال:
"بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: (اسقِ حديقة فلان) فتنحَّى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حَرّة [أرض ذات حجارة سوداء] فإذا شَرْجة [ساقية] مِن تلك الشِراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبَّعَ الماءَ، فإذا رجل قائم في حديقته يُحوّل الماء بمسْحاته) [مجرفته].
الرجل [لصاحب الحديقة]: يا عبد الله، ما اسمك؟
صحب الحديقة: اسمي فلان، للاسم الذي سمع في السحابة.
فقال له: يا عبد الله لِم تسألني عن اسمي؟
الرجل: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه! يقول: اِسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟
صاحب الحديقة: أما إذ قلتَ هذا، فإني انظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرُدّ فيها ثلثه.
وفي رواية: أجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل.
"القصة في صحيح مسلم 2984".
(2/390)

من فوائد القصة
1 - تسخير الله الملائكة والمطر لعباده المتصدقين الذين يؤدون حقوق الفقراء من أموالهم.
2 - التصدق على الفقراء يؤدي إلى زيادة الرزق، قال الله تعالى:
{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}. "سورة ابراهيم 7"
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". "روى الترمذي أوله وقال حديث حسن صحيح"
3 - المؤمن العاقل يحفظ حق الفقراء، وحق عياله، وحق حديقته.
(2/391)

إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-
* إبراهيم يأتي بإسماعيل إلى مكة.
* أم إسماعيل تخاف على ولدها.
* أم إسماعيل تبحث عن ماء.
* ماء زمزم ينبع.
* إبراهيم والمرأة الأولى.
* إبراهيم والمرأة الثانية.
* الخليل يلتقي بإسماعيل.
* بنيان البيت العتيق.
* من عبر القصة وفوائدها.
(2/392)

هاجر وولدها إسماعيل
لما كان بين ابراهيم وبين أهله ما كان [من أمر الغيرة بين زوجته الحُرة سارة العقيم وبين هاجر أم ولده إسماعيل]، وأمر الله إبراهيم أن يسكن هاجر وابنها أرض الحجاز، جاء إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بأم إسماعيل [هاجر] وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت تحت دَوْحَةٍ [شجرة] فوق زمزم من أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء ووضع عندهما جِرابًا [كيسًا] فيه تمر وسقاء [قربة] فيه ماء.
"يرجع إبراهيم منطلقًا، فتتبعه أم إسماعيل".
هاجر: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟!
"جعلت هاجر تقول ذلك لِإبراهيم مرارًا وهو لا يلتفت إليها!! ".
هاجر: آلله أمرك بهذا؟
إبراهيم: نعم.
هاجر: إذًا لا يضيعنا [الله]!!!
"ترجع هاجر وينطلق إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -، حتى إذا كان عند الثّنِيّة [مكان بمكة] حيث لا يرونه يستقبل بوجهه البيت".
إبراهيم [داعيا]: " {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} "سورة إبراهيم 37"
(2/393)

أم إسماعيل تبحث عن الماء:
"جعلت أم إسماعيل تُرضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ولدها، وجعلت تنظر إليه يتَلوَّى، فتنطلق كراهية أن تنظر إلى طفلها وهو يكاد يموت عطشًا. فتجد الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فتقوم عليه، ثم تستقبل الوادي، تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها [ثوبها] ثم تسعى سعي الإِنسان المجهود [المُتعَب] حتى تجاوزت الوادي، ثم تأتي المَروة فتقوم عليها علَّها ترى أحدًا؟ فلا ترى أحدًا؛ وفعلت ذلك سبع مرات".
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"فذلك سعيُ الناس بينهما".
ماء زمزم ينبع:
"تُشرف هاجر آخر مرَّة على المروة فتَسْمع صوتًا، فتقول: صَهٍ!! [تريد نفسها] ثم تسمّعت فسمعت أيضًا".
هاجر [لنفسها]: قد أسمعتَ إن كان عندك غُواث [إغاثةَ فأغِثْ] فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، يبحث بعقبه [بجناحه] حتى ظهر الماء؛ فجعلت تُحوِّضُه [تجعله حوضًا]، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، [فتشرب وتُرضْع ولدها].
(2/394)

قال ابن عباس -رضي الله عنهما- قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت زمزم عينًا معينًا"
[تجري على وجه الأرض].
الملَك: لا تخافوا ضَيعةً [هلاكًا]، فإن ههنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يُضيع أهله.
"وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله".

نزول جُرْهُم قرب الماء:
"تبقى هاجر وحدها حتى تَمرَّ بها رِفقة مِن جُرْهُم ينزلون أسفل مكة فيرون طائرًا عائقًا [يحوم]، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَريًّا [رائدًا] فإذا هم بالماء؟ فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء.
جُرْهُم: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟
هاجر: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم بالماء.
جُرْهُم: نعم.
"تنزل جُرْهُم عند هاجر ويرسلون إلى أهليهم فينزلون معهم".
قال ابن عباس -رضي الله عنه- قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"فألفى [وجد] ذلك الحيُّ أمَّ إسماعيل تحب الأنس).
(2/395)

إبراهيم وامرأة إسماعيل الأولى:
"بعد نزول جرهم عند هاجر، شبَّ اساعيل بينهم، وتعلم العربية منهم وأنفَسَهُمْ [سبقهم]، وأعجبهم حين شبَّ، فلما بلغ أشُده زوَّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل".
"يجيء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته [يتفقد أسرته] فلا يجد إسماعيل في البيت بل يجد زوجته".
إبراهيم: أين إسماعيل؟
المرأة: خرج يبتغي لنا [يطلب الرزق].
إبراهيم: كيف عيشكم وحالكم؟
المرأة [في اشمئزاز]: نحن بِشرٍّ!!! نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه!!
إبراهيم: إذا جَاء زوجك فاقرئي -عليه السلام-، وقولي له: يُغيِّر عتبة بابه (1) [زوجته].
"يأتي إسماعيل كأنه آنس شيئًا".
إسماعيل [مستغربًا]: هل جاءكم أحد؟
زوجته [في احتقار]: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألَنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنَّا في جَهد، وشدة!
إسماعيل: فهل أوصاك بشيء؟
زوجته: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام،
ويقول: غَيّرْ عتبة بابك!
إسماعيل: ذاك أبي، وقد أمرني أن أُفارقكِ، الحقي بأهلكِ؛ وطلقها.
__________
(1) كناية عن طلاقها، لأن دخول الزوج إلى بيته من طريق عتبته فكنى بها عن تغيير الزوجة، وأن يدخل بزوجة غيرها.
(2/396)

إبراهيم والمرأة الثانية:
"يتزوج إسماعيل من جُرْهُمْ امرأة أُخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بَعْدُ فلم يجده، فيدخل على امرأته فيسأل عنه".
إبراهيم: أين إسماعيل؟
المرأة: ذهب يبتغي لنا [الطعام من صيد وغيره].
إبراهيم: كيف عيشكم؟
المرأة: نحن بخير وسعة.
إبراهيم: وما طعامكم وشرابكم؟
المرأة: طعامنا اللحم وشرابنا الماء.
إبراهيم: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، فإذا جاء زوجك فاقرئي -عليه السلام- ومُريه [يُثَبِت عتبة بابه].
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بركة بدعوة إبراهيم صلى الله عليهما وسلم.
"يجيء إسماعيل"
إسماعيل [مستغربًا]: هل أتاكم من أحد؟
الزوجة [في فرح]: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير.
إسماعيل: فأوصاكِ بشيء؟
الزوجة: نعم: يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثبّتَ عتبة بابك.
إسماعيل: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أُمسِكَكِ.
(2/397)

الخليل يلتقي بإسماعيل:
"يلبث إبراهيم عنهم ما شاء الله، ثم يجيء بعد ذلك وإسماعيل يَبري نبلًا له تحت دوحة [شجرة] قريبة من زمزم يراه إسماعيل فيقوم إليه ويتعانقان".

بنيان البيت
إبراهيم: يا إسماعيل إن الله يأمرني بأمر.
إسماعيل: فاصنع ما أمرك الله.
إبراهيم: وتعينني؟
إسماعيل: وأعينك.
إبراهيم: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا، وأشار إلى أكمَة [تَلَّة] مرتفعة على ما حولها.
"عند ذلك رفعا القواعد من البيت وجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر [المقام] فوضعه له، فقام وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة".
إبراهيم واسماعيل: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
"انظر القصة في صحيح البخاري 4/ 113".
(2/398)

من فوائد القصة
1 - المؤمن يستسلم لأوامر الله، وُيؤثر طاعتَه ومحبتَه على كل شيء، ولو كان الزوجة الصالحة أو الولد الوحيد:
فإبراهيم يُنفذ أمر الله تعالى حينما أمره أن يحمل زوجته [هاجر] وولدها الرضيع [إسماعيل] إلى واد غير ذي زرع، ولا ماء ولا أنيس.
2 - المرأة الصالحة تستجيب لأمر الله، وطاعة زوجها مع الصبر والإِيمان بالله قائله: (إذن لا يضيعنا الله).
3 - إبراهيم يترك زوجته الوفية، وولده الصغير في الوادي بعد أن زودهم بكيس من التمر، وسقاء فيه ماء، ثم دعا لهم:
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}. "إبراهيم 36"
وبذلك يعلمنا إبراهيم -عليه السلام- أن نجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب.
4 - أم إسماعيل تبحث عن الماء عندما نفد من عندها، وتأخذ بالأسباب وتسعى بين الصفا والمروة عدة مرات حتى وجدت الماء [زمزم].
5 - يجوز للإِنسان إذا سمع صوتًا أن يطلب الغوث والعون كما فعلت أم إسماعيل وهذا من مقدور المخلوق أن يفعل ذلك، بخلاف الميت والغائب.
6 - إن الله اصطفى آل إبراهيم، وجعل من ذريته الأنبياء والمرسلين، فكيف يَرضى إبراهيم لولده إسماعيل بزوجة لا تحيا بروحها، بل تعيش لجسدها، ولا يهمها إلا الطعام والشراب، فتزدري ضيفها أبا زوجها، فتجحد نعمة ربها، وتشكو سوء معيشتها، لذلك أشار ابراهيم على ولده إسماعيل بفراقها، والتخلص منها.
7 - الزوجة الثانية لإسماعيل صالحة، تحترم ضيفها، وتشكر نعمة ربها، فلذلك يشير إبراهيم على ولده إسماعيل بإمساكها ورعايتها.
8 - الطاعة والصبر عاقبة محمودة، وذكرى خالدة، فالمكان الموحش الذي نزلت فيه هاجر أم إسماعيل، وهو مجدب يصبح فيما بعد حرمًا آمنًا، وبلدًا مسكونًا، فيه ماء مبارك [زمزم] تهوي إليه أفئدة الناس، وتأتيه الثمرات، وتقصده الوفود للحج من كل فج عميق، ليستفيدوا في حل مشاكلهم، ويشهدوا المنافع الدنيوية والأخروية.
(2/399)

أرض التوبة
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال
"كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على راهب، فأتاه).
القاتل [نادمًا]: إني قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فهل لي من توبة؟
الراهب [في غباوة وجهل]: لا.
"الرجل يقتل الراهب فيكمل به المائة".
"ثم يسأل عن أعلم أهل الأرض، فيدلونه على رجل عالم".
القاتل: إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟
العلم [في ثقة]: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم؛ ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوءْ.
"ينطلق الرجل حتى إذا نَصَفَ الطريق [وصل نصفه] أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب".
ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إِلى الله تعالى.
ملائة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط.
"يأتيهم ملَك في صورة آدمي فجعلوه بينهم".
المَلك [يحكم]: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. "الملائكة تقيس ما بين الأرضين فتجد التائب أقرب إلى الأرض التي أراد بشبر، فتقبضه ملائكة الرحمة".
"انظر القصة في البخاري 4/ 149، ومسلم رقم 2766".
(2/400)

من فوائد القصة
قال الله تعالى:
{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. "الزمر 53"
1 - المذنب لا ييأس من رحمة الله، ولو ملأ الأرض ذنوبًا، بل يجب عليه أن يتوب إلى ربه حالًا، قال الله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. (الشورى 25]
2 - لا بد للجاهل من سؤال عالم بالكتاب والسنة حتى يحل مشكلاته.
3 - لا يجوز للعابد أن يفتي الناس إذا كان جاهلًا، ولو تزيا بزي العلماء، فإن ضرره أكثر من نفعه، وقد يعود الوبال عليه كما في هذه القصة؛ ولو كان هذا الراهب عالمًا لما سد باب التوبة على من سأله، ولما عرَّض نفسه للقتل.
4 - العالم: هو الذي يفتح للناس باب التوبة، ويُغلق باب القنوط من الرحمة، فهو كالطبيب يأخذ بيد المريض نحو الشفاء، ويفتح له باب الرجاء.
5 - على المذنب اذا أراد توبة صادقة أن يهجر أصحابه الذين اشترك معهم في الذنب، وأن يهجر الأماكن التي يرتادها للمعصية.
6 - على التائب أن يرافق الصالحين ليعتاد فعل الطاعات وترك السيئات قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يُخالل". "حسن رواه أبو داود والترمذي"
7 - التحاكم إلى عالم بالكتاب والسنة مشروع عند الإختصام.
8 - لا تحتقر مذنبًا مهما فعل، لأنك لا تدري بم يُختم له: ففي الحديث:
"إن الرجل ليعمل عمل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة". "متفق عليه"
زاد البخاري: (وإنما الأعمال بخواتيمها).
(2/401)

أهمية خطبة الحاجة وتأثيرها على النفوس
" يقدم رجل من (أزد شَنوءه) يُدعى (ضِماد بن ثعلبة الأزدي) وكان يرقي من هذه الريح [مَس الجن] فسمع إشاعة".
سفهاء مكة [يشيعون]: إن محمدًا مجنون!
ضماد [في نفسه]: لو أني أتيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يديَّ.
"يلقى ضماد محمدًا - صلى الله عليه وسلم -".
ضِماد [ناصحًا]: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح [الجنون]، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ [أي هل لك رغبة في رقيتي؟].
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
ضِماد [متأثرًا]: أعِد عليَّ كلماتك هؤلاء.
"يعيد الرسول - صلى الله عليه وسلم - خطبته ثلاث مرات".
ضماد: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلَغْنَ قاموس البحر! [وسطه، ولُجَّتهَ] هاتِ يدَك أبايعك على الإِسلام.
"يبايع ضِماد الرسول - صلى الله عليه وسلم - "
الرسول - صلى الله عليه وسلم -[مستفهمًا]: وعلى قومك؟
ضِماد: وعلى قومي (أبايعك على قومي).
"يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيمرون على قومه".
(2/402)

صاحب السرية [للجيش]: هل أصبتم من هؤلاءشيئًا؟
رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة [وعاء للوضوء].
صاحب السرية: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضِماد.
"رواه مسلم رقم 868".
(2/403)

من فوائد الحديث والقصة
1 - العرب قبل الإِسلام كانت تعتقد بمس الجن، ويسمونه [الريح]، وجاء
الإِسلام، فأقره، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. "البقرة 275"
2 - من العرب مَن كان يرقي من مَس الجن، وربما استعانوا بالجن، فأبطل الإِسلام هذه الاستعانة، وقال الله تعالى عنهم:
{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] [زاد الكفار خوفًا وإثمًا وطغيانًا].
وبعض المسلمين يستعينون بالجن لمداواة المرضى، أو لِفَكّ السحر، وهذا من الشرك الأكبر الذي يحبط العمل، ويزيدهم طغيانًا وكفرًا، وعلى المسلم أن يتداوى بقراءة المعوذتين.
أ - كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من أعين الجان، وأعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. "رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح"
ب - وعن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات وأمسح بيده عليه رجاء بركتها. "رواه البخاري وغيره"
3 - من الجرب في الجاهلية مَن يعتقد أن الشافي هو الله وحده، وبعض المسلمين- مع الأسف الشديد - يعتقدون أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغيره يشفي من الأمراض المختلفة:
فقد قال الأخ (أحمد محمد جمال) في جريدة المدينة:
وفي روايات متعددة يصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه بأنه "رحمة مهداة" إلى الإِنسانية، ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويشفي قلوبها وأبصارها وأبدانها من الأسقام الحسية والمعنوية معًا، والدليل على رَد كلامه ما جاء في القرآن والحديث:
أ - قال الله تعالى على لسان إبراهيم:
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}. "الشعراء 80"
(2/404)

ب - وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم رب الناس أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك ... شفاء لا يغادر سَقمًا". "متفق عليه"
4 - خطبة الحاجة يسمعها (ضماد) فيتأثر بها ويطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إعادتها، ويبايعه على الإِسلام مع قومه، لأنها تحتوي على حمد الله، والإستعانة به، وأن المعبود بحق هو الله وحده.
(2/405)

النص الكامل لخطبة الحاجة
إن الحمد لله، نحمَده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} "آل عمران 102"
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}. "النساء 1"
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}. "الأحزاب 70، 71"
أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. "رواه مسلم والنسائي وغيرهما"
(2/406)

من فوائد هذه الخطبة العظيمة
1 - هذه الخطبة وردت من حديث لجابر -رضي الله عنه- قال فيه:
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك إذا خطب، كما رواها مسلم والنسائي وغيرهما، وذلك يشمل الخطيب كلها، وبصورة خاصة خطبة الجمعة، فقد جاء التنصيص عليها عند مسلم في رواية له؛ فعلى الخطباء أن يُحيوا هذه السنة. "ذكره الألباني"
2 - يستفاد من الخطبة عدم الاستعاذة عند قراءة الآيات أثناء الخطبة، أو الكلامٍ، أو المحاضرات، أو غيرها لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يستعذ عند قراءتها، والإستعاذة شرعت عند قراءة القرآن فقط.
3 - قول الله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ} فيه دليل على جواز السؤال بالله تعالى، وأما حديث: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" فضعيف، وعلى فرض صحته، فهو محمول على سؤال الأمور الحقيرة. "ذكره الألباني في السلسلة الضعيفة 1/ 5 "
4 - يجوز الاقتصار على جزء من أول الخطبة كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أول القصة التي أسلم فيها الصحابي (ضماد).
هذه هي خطبة الحاجة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه أن يقولوها بين يدي كلامهم في أمور دينهم سواء كانت خطبة نكاح، أو جمعة، أو محاضرة، وللشيخ الألباني رسالة مطبوعة اسمها: (خطبة الحاجة).
(2/407)

معجزة نبوية مباركة
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع!! وإنْ كنتُ لأشدُّ الحجرَ على بطني من الجوع!! ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه.
فمرَّ أَبو بكر، فسألته عن آية في كتاب الله، ما سألته إلا لِيُشبعني، فمرَّ ولم يفعل.
ثم مَرَّ بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا لِيُشبعني، فمرَّ ولم يفعل.
ثم مرَّ بي النبي - صلى الله عليه وسلم - فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبا هرّ [لقب الصحابي أَبو هريرة].
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إِلحق.
"يمضى الرسول إلى بيته فيتبعه أبو هريرة، يدخل الرسول فيستأذن له فيجد لبنًا في قَدَح".
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أين هذا اللبن؟
أهل البيت: أهداه لك فلان، أو فلانه ..
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبا هِرّ.
أبو هريرة: لبيك يا رسول الله.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إِلحَقْ إلى أهل الصُّفَّة فادعهم لي.
وأهل الصفة أضياف الإِسلام؛ لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، وكان إذا أتته صدقة بعث الرسول بها إليهم ولم
(2/408)

يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل اليهم وأصاب منها وأشركهم فيها.
"يسْتاء أَبو هريرة من ذلك".
أبو هريرة [يخاطب نفسه]: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟! كنت أحقّ أن
أُصيبَ مِن هذا اللبن شَربة أتقوَّى بها، فإذا جاء، وأمرني [رسول الله] فكنتُ أنا أعطيهم!!!
وما عسى أن يبلُغني مِن هذا اللبن؟! ولم يكن من طاعِة الله وطاعةِ رسوله بُدٌّ.
"يدعوهم أَبو هريرة فيُقبلون ويستأذنون فأذن لهم ويأخذون مجالسهم من البيت".
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا هِرّ!.
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذْ فأعطهم!
"يأخذ القدحَ أَبو هريرة، فيُعطيه الرجلَ فيشربُ حتى يَروى، ثم يُعطيه الآخر فشرب حتى يَروى، حتى ينتهي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد رَوِيَ القومُ كلهم!! فيأخذ الرسول القدحَ فيضعُه على يده وهو ينظر إلى أبي هريرة ويبتسم!! ".
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبا هِر.
أبو هريرة: لَبيك يا رسول الله.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بقيتُ أنا وأنت.
أبو هريرة: صدقتَ يا رسول الله.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقعُدْ فاشرب.
"يقعد أبو هريرة ويشرب".
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اشرب.
"يشرب ثانيًا أَبو هريرة والرسول لا يزال يقول اشرب اشرب".
(2/409)

أَبو هريرة: لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مَسلَكًا.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأرِني!.
"يناوله أَبو هريرة القدح، فيحمد الله ويسمي ويشرب الفضلة".
"انظر القصة في صحيح البخاري 7/ 179".
(2/410)

من فوائد القصة
قال الله تعالى:
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. "سورة الحشر 9"
1 - الصحابة الذين تعودوا الجوع، ولم يذوقوا حلاوة الرفاهية، مكتفين بحلاوة الإِيمان، هم الذين فتحوا القلوب بالقرآن والأخلاق قبل أن يفتحوا البلاد بالسنان.
2 - صدق فراسة النبي، وذكاؤه فيما يراه في وجوه أصحابه، وتعهده إياهم:
(فتبسم حين رآني، وعرف ما بي).
3 - تكريم الرسول للفقراء، ودعوتهم إلى بيته، دليل على اهتمامه بهم.
4 - الرسول المربي الحكيم يُربي أبا هريرة على الكرم والإِيثار، وينتزع من نفسه حب الذات: (اِلحقْ بأهل الصفة فادعُهم لي).
وُيعلمه أن يبدأ بغيره قبل نفسه: (خذ فأعطهم).
5 - ملاطفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة الذي ساءه كثرة الشاربين مع قلة اللبن تتجلَّى في مناداته مرارًا: (أبا هر - أبا هِر).
6 - الرسول المربي كما علَّم الإِبهار لأبي هريرة على غيره يُحققه بذاته، بل يقدم أبا هريرة على نفسه قائلًا: (اِشرَب اِشرَب) وما زال أَبو هريرة يَشرب، حتى امتلأ لبنًا، بعد أن امتلأ قناعة وايثارًا، والطبيب الناجح يكرر الدواء لمريضه حتى يحصل له الشفاء بإذن الله.
7 - من السنة أن يشرب المسلم قاعدًا كما علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا هريرة: (اقعد فاشرب).
- ومن السنة التسمية عند الشرب والحمد على نعم الله، وصاحب البيت آخر القوم شرابًا.
(2/411)

المتخلفون عن الجهاد
* تخلُّف كَعب.
* كعب يتردَّد في الجهاد.
*الرسول يتفقد الغزاة.
* الرسول يعود مِن تبوك.
* كعب يعترف بالذنب.
* الهَجر جزاء المتخلّفين.
* كعب يتسوَّر على ابن عمه البستان.
* ملِك غسان يطمع في كعب.
* أمر المتخلفين باعتزال النساء.
* البشارة بالتوبة.
* كعب يهتزّ للبشرى.
* الرسول يبرق وجهه بالسرور.
* كعب يتصدق بماله.
* كعب يعاهد الرسول على الصدق.
* من عبرة القصة وفوائدها.
(2/412)

المتخلفون عن الجهاد
" كعب بن مالك يتحدث عن تخلفه في غزوة تبوك":
لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلَّفت في بدر ولم يعاتِب أحدًا تخلَّف عنها، إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش [قافلتهم] حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
ولقد شهدتُ مع رسول الله ليلة العقبة (1) حين تواثقنا (2) على الإِسلام، وما أُحِبُّ أنَ لي بها مَشهدَ بدر، وإنْ كانت بَدرٌ أذكْرَ في الناس منها [أكثر شهوة، وأعظم ذكرًا].

تخلف كعب:
وكان من خبري حين تخلفتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- في غزوة
تبوك أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أَيسر مني [أغنى] حين تخلفتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُريد غزوة إلا ورّى [أوهم غيرها] بغيرها.
حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا [فلاة لا ماء فيها]
__________
(1) هي التي بايع فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأنصار على الإسلام والنصرة قبل الهجرة، والعقبة: هي التي في طرف منى من ناحية مكة، تضاف إليها جمرة العقبة.
(2) تعاقدنا وتعاهدنا.
(2/413)

واستقبل عدوًا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم [وضَّح] ليتأهبوا أهبة غزوهم [ليستعدوا] فأخبرهم بوجهه الذي يريد [بمقصده]، والمسلمون مع رسول الله كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ: يريد الديوان [سجل الجندية].
قال كعب: فقلَّ رجل يُريد أن يتغيّب إلا ظنَّ أن ذلك سيخفى (لكثرة الجيش) ما لم ينزل فيه وحي الله.
وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصْعَرُ [أميلُ].

كعب يتردد في الجهاد:
فتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه، وطَفقتُ أغدو لكي أتجهَّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسني: أنا قادر على ذلك إذا أردت؛ فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد [سافروا]، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، ثم غَدوتُ فرجعت ولم أقض شيئًا.
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارطَ الغزوُ [سبقوا] فهممت أن أرتحل فأُدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يُقَدَّرْ لي ذلك.
فطفقتُ إذا خرجتُ في الناسِ بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَحْزُنني أني لا أرى لي أُسْوَةَ إلا رجلاً مغموصًا عليه [مطعونًا] في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء.
(2/414)

الرسول يتفقد الغزاة:
"ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك".
رسول الله [وهو جالس في القوم]: ما فعل كعب؟
رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرداهُ والنظر في عِطْفيه!
[إعجابه بشبابه وثيابه].
معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مُبيِّضًا [لابس البياض] يزول به السراب [يتحرك]، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كُنْ أبا خيثمة [اللهم اجعله أبا خيثمة]، فإذا هو أَبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون [عابوه].

رجوع الرسول من تبوك:
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلًا [راجعًا] من تبوك، حضرني هَمّي فطفقتُ أتذكر الكذب وأقول: بمَ أخرج مِن سخطه غدًا؟ واستعنتُ على ذلك بكل ذي رَأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظلَّ قادمًا [دنا قدومه]؛ زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب، فأجمعت [عزمت] صِدقَه.
وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم ووكَلَ سرائرهم إلى الله تعالى.
(2/415)

كعب يعترف بالذنب:
قال كعب: حتى جئتُ [رسول الله] فلما سلَّمتُ تبسم تَبسُّمَ المُغْضَب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[في عتب وغضب]: ما خلَّفكَ؟ الم تكلن قد ابتعتَ ظهرك؟
[اشتريت ركابك]؟
كعب [في صدق واعتراف]: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني ساخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعْطيتُ جَدَلًا لكنني والله لقد علمتُ لئن حدثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني لَيوشِكنَّ الله أن يُسْخِطك علَيّ.
ولئن حدثتُك حديثَ صدقٍ تجدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفوَ الله، والله ما كان لي عذر!
واللُه ماكنتُ قط أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفتُ عنك!!
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما هذا فقد صدق؛ فقُمْ حتى يقضي الله فيك.
"يَثبُ رجال من بني سلمة يتبعون كعبًا".
قوم كعب: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفارُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك.
كعب: فوالله ما زالوا يؤنّبونني [يلوموني] حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأُكذِّب نفسي.
كعب لقومه: هل لقي هذا معي من أحد؟
قوم كعب: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك.
(2/416)

كعب: من هُما؟
قومه: مرارة بن الربيع العَمْري، وهلال بن أُمية الواقفي.
قال كعب: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أُسوة، فمضيتُ حين ذكروهما لي.

الهجر جزاء المتخافين:
قال كعب: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة مِن بين مَنْ تخلف عنه، فاجتنبَنا الناسُ وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض [تغيرت] فما هي بالأرض التي أعرف.
ولبثنا على ذلك خمسين ليلة.
فأما صاحباي فاستكانا [ضعُفَا] وقعدا في بيوتهما يبكيان!، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدَهم [أقواهم]؛ أخرجُ فأشهدُ الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يُكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي:
هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟!
ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني (1).
__________
(1) يا قلب صبرًا على هجر الأحبة لا ... تجزع لذاك، فبعضُ الهجر تأديبُ
(2/417)

كعب يتسور على ابن عمه:
قال كعب: حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدار حائط أبي قتادة [بستانه] وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلمتُ عليه فوالله ما رَدَّ عليَّ السلام.
فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تَعْلَمُنى أحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؟ فسكت، فعدتُ فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليتُ حتى تسورتُ الجدار.

ملك غسان يطمع في كعب:
قال كعب: فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي [فلاح] من نبَط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: مَن يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يُشيرون له إليَّ!!! حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان
[وكان نصرانيًا] وكنت كاتبًا فقرأته، فإذا فيه:
"أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مَضيعة فالحقْ بنا نُواسِكْ"!!
فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممتُ [فقصدت] بها التنور فسجَرتها بها [حرقت الكتاب].
(2/418)

أمر المتخلفين باعتزال النساء:
قال كعب: حتى إذا مضت أربعون -ليلة- من الخمسين، واستلبت [أبطأ] الوحي إذا رسولُ رسولِ الله يأتيني.
رسول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك!
كعب: أُطلقها أم ماذا أفعل؟
رسول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا بل اعتزلها ولا تقربها.
كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في الأمر
"يُرسل النبي إلى (هلال ومرارة) بإعتزال نسائهما، فتجيء امرأة هلال بن أمية رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ".
امرأة هلال: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا، ولكن لا يقربك!
امرأة هلال: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
أهل كعب: لو استأذنتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أُمية أن تخدمه.
كعب: لا أستأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما يدريني ماذا يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استأذنتُه فيها وأنا رجل شاب؟
"يلبث كعب بذلك عشر ليال، فيكمل له الخمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا".
(2/419)

البشارة بالتوبة:
قال كعب: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله: قد ضاقت علَي نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحُبَت، سَمعْتُ صوت صارخ أو فى [صعد] على سلع [جبل] يقول بأعلى صوته: يا كعبُ بن مالك أبشرْ، فخررتُ ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فَرَجٌ، وآذن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جميع الناس بتوبة الله -عَزَّ وَجَلَّ- علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يُبشروننا: فذهب قِبلَ صاحبَيَّ، مُبشرون وركض إليَّ رجل فرسًا [استحثه للِإسراع]، وسعى ساع من "أسلم" قِبَلَي وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس.

كعب يتصدق للبشرى:
قال كعب: فلما جاءني الذي سمعتُ صوته يبشرني نزعت له ثَوبيَّ فكسوتهم إياه ببشارته -والله ما أملك غيرَهما يومئذٍ- واستعرتُ ثوبين ولبستهما؛ وانطلقتُ أتأمم [أقصد] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يُهنئوني بالتوبة ويقولون: لِتَهنِكَ توبة الله عليك، حتى إذا دخلت المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره إ! فكان كَعب لا ينساها لطلحة.
(2/420)

الرسول ييرق وجهه من السرور:
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال وهو يبرقُ وجهه من السرور:
(أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك مُذ ولدتك أمك).
كعب: أمِن عندك يا رسول الله أم مِن عند الله؟
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا بل من عند الله.
"وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سُرَّ استنار وجهه الشريف حتى كأنَّ وجهه قطعةُ قمر، وكنا نعرف ذلك منه".

كعب يتصدق بماله كله:
"كعب يجلس بين يدي الرسول".
كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.
كعب: إني أُمسك سهمي الذي بخيبر.

كعب يعاهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الصدق:
قال كعب: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أُحدِّث إلا صدقًا ما بقيت.
فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى [وفقه] في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله تعالى [وفقني].
والله ما تعمدتُ كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي.
(2/421)

وأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.
"التوبة 117 - 119"
قال كعب: والله ما أنعم الله علَيَّ من نعمةٍ قَط، بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكون كذبته، فأهلَك كما هلك الذين كذبوا.
إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد:
{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} "التوبة 95 - 96"
قال كعب: وكنا تخلَّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-:
{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة 118"
وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا [تخلفنا] عن الغزو وإنما هو تخليفُه إيانا، وإرجاؤه أمرَنا [أي تأخيره] عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه.
"انظر القصة في البخاري 5/ ص 130 ومسلم 4/ رقم 2769".
(2/422)

من فوائد القصة
قال الله تعالى:
{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ}.
"التوبة 120"
1 - يجوز للمسلم أن يتحدث بذنبه بعد توبته -كما فعل كعب- ليشجع على التوبة من الذنب، لا سيما إذا كان ذنبه مكشوفًا معروفًا للناس.
أما الذنب السري الذي ارتكبه المسلم، أو الذنب الجهري الذي لم يتب منه، فلا يجوز له أن يتحدث عنه لئلا يشجع غيره عليه، ويكون فيه المجاهرة التي حذر منها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"كل أُمتي معافًى إلا المجاهرين". "متفق عليه"
ومَثل كعب -رضي الله عنه- مثل رجل أُصيب بعلَّة خطيرة فأجرى له الطبيب عملية جراحية ناجحة، وحرم عليه بعض الأطعمة، فاستجاب، وصبر، وقاسى من حرمانه ما قاسى، حتى تم شفاؤه، فهل في حديث هذا المريض -إذا حدث- إغراء بالعلة، أم وصية بالصبر والطاعة؟!
2 - قد يتوفر للإِنسان المال والأسباب لقيامه بواجب الجهاد، ومع هذا كله يرتكب الذنب الكبير، والخذلان، والتقصير لو استجاب لدواعي الكسل والتسويف، وحب اللذة العاجلة كما حصل لكعب، وقد لا تتوفر للإِنسان الأسباب للقيام بواجب الجهاد، ومع هذا تراه يحب الجهاد ويحرص عليه، كما جرى للفقراء الذين جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طالبين أن يحملهم، فلم يجد ما يحملهم عليه للذهاب للجهاد، فتولَّوا وهم يبكون، ولكن لنيتهم الطيبة يسَّرَ الله لهم مطايا، فحملهم عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
3 - إن المؤمن يتألم فيما لو أهمل واجبه، يقول كعب:
(يُحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا منافقًا، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء).
4 - المؤمن لا يخذل أخاه، بل يدافع عنه، فمعاذ بن جبل يقول للرجل:
(بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا).
(2/423)

5 - المقاطعة والهجر هو علاج ناجح لرد المخطئين إلى جادة الصواب، وما ورد من النهي عن الهجر فمحمول على التقاطع من أجل الدنيا، والتشفي.
6 - الصحابة كلهم يُطيعون قائدهم، ويُنفذون وصيته، فابن عم كعب لا يَرد عليه السلام، ولما جاءت بطاقة من ملك غسان، وجاء حاملها يسأل عن كعب، لم يجبه أحد باللسان، بل بالإشارة وإن كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يراهم.
7 - المؤمن الكامل لا يبيع دينه ولو بملك الدنيا، فلما جاء كتاب الملك النصراني يعرض على (كعب) اللحاق به عدَّ هذا من البلاء، وحرق كتابه.
8 - العلاج بالهجر لا يقتصر تنفيذه على الناس، بل يشمل البيت، فيؤمر المتخلَّفون بإعتزال نسائهم، فربما كان من المثبطات عن الجهاد حب البقاء بجانب الزوجة والشهوات.
9 - السجود لله، والشكر له حين مجيء الفرح، وهذا ما فعله كعب -رضي الله عنه-: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(إذا جاء أمر يُسَرُّ به، خرَّ ساجدًا، شكرًا لله تعالى). "صحيح رواه أحمد"
(2/424)

قصة إسلام سيد أهل اليمامة
" بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيلًا قِبَل نجدٍ، فجاءت برجل من
بني حنيفة يقال له: (ثُمامة بن أُثال) سيد أهل اليمامة، فر بطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ماذا عندك يا ثمامة؟ [ما تظن أني فاعل بك]؟
ثمامة: عندي خير يا محمد إن تقتلْ تقتلْ ذا دَمٍ:
[تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه، فَلا عتب عليك في قتله]،
وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت.
"فتركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا كان يوم الغد".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ما عندك يا ثمامة؟
ثمامة: عندي خير يا محمد ...
"فتركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا كان يوم الغد".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ماذا عندك يا ثمامة؟
ثمامة: عندي ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أطلقوا ثمامة.
"يطلق الصحابة ثمامة، فينطلق إلى نخل قريب من المسجد فيغتسل، ثم يدخل المسجد.
ثمامة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهُكَ أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما
(2/425)

كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فقد أصبح دينُك أحبَّ الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فقد أصبح بلدُك أحبَّ البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟
"يبشره الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويأمره أن يعتمر".
"يقدم ثمامة إلى مكة".
المشركون [لثمامة]: أصَبأت؟ [أتركت دين آبائك]؟
ثمامة: لا
[ما خرجت من الدين، لأن عبادة الأوثان ليست بدين حق]، ولكن أسلمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
"هذا لفظ مسلم رقم 1764 في الجهاد، وأورده البخاري مختصرًا".
(2/426)

من فوائد هذا الحديث والقصة
1 - ربط الكافر في المسجد ليطلع على عبادة المسلمين وأخلاقهم.
2 - المنَّ على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو على المسيء: لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًا في ساعة واحدة لما أسداه النبي - صلى الله عليه وسلم - من العفو والمن بغير مقابل.
3 - مشروعية الاغتسال عند الإِسلام.
4 - تستحب الملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه (مثل ثامة فهو زعيم قومه).
5 - مشروعية بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر مَن وُجد منهم، والتخيير بعد ذلك في قتله أو الإِبقاء عليه. "انظر فتح الباري ج 8/ 88"
6 - كان المشركون يقولون لمن أسلم منهم (صابىء) أي تارك دينه، ودين آبائه الذين يدعون الأولياء من دون الله، ليصرفوا الناس عنه ويذموه.
وفي عصرنا من دعا إلى التوحيد، وأمر بدعاء الله وحده، وحذر من دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء وغيرهم قال عنه بعض الناس المنحرفين (وهابي) ليصرفوا الناس عن دعوته، وهي في الحقيقة دعوة الأنبياء جميعًا، وعلى رأسهم خاتم الأنبياء سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
7 - إن عبادة الأوثان لا تسمى دينًا حقًا، لأنها من وسوسة الشياطين، تخالف الفطرة والدين والعقل.
(2/427)

صحابي جليل يتحدث عن إسلامه
عمرو بن عبَسة السلمي
يقول: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل في مكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفيًا حِراءٌ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة.
[حراء: غضاب مغمومون من دعوته].
عمرو [يسأل الرسول]:ما أنت؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أنا نبي.
عَمرو بن عبسة: وما نبي؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أرسلني الله.
عَمرو: فبأي شيء [أرسلك]؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أرسلني بصلة الرحم، وكسر الأوثان، وأن يُوحَّدَ الله ولا يُشرَك به شيء.
عَمرو: فمنَ معك على هذا؟ [أي على الدين؟].
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: حُرٌ وعَبدٌ، [أبو بكر وبلال].
عَمرو: إني مُتَّبِعك. [مؤمن بك وبدينك].
الرسول - صلى الله عليه وسلم -:إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني.
"يذهب عمرو إلى أهله، ويقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وكان عمرو في أهله، فجعل يتخبر الأخبار ويسأل الناس حتى قدم عليه نفر من أهل المدينة".
(2/428)

عمرو: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟
النفر من أهل المدينة: الناس إليه سِرَاعٌ، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك. [سِراع: يسارعون في دخول دينه].
"يقدم عَمرو المدينة، ويدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
عَمرو: يا رسول الله أتعرفني؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة.
عَمرو: يا رسول الله أخبرني عما علُّمك الله، وأجهلُه، أخبرني عن الصلاة؟ الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قَرْنَي شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ، فإن الصلاة مشهودة [تشهدها الملائكة] محضورة حتى يستقل الظل [كناية عن وقت صلاة الظهر] بالرمح، ثم أقصر
عن الصلاة، فإنه حينئذ تُسْجَر [توقد] جهنم، فإذا فاء [رجع من الغرب إلى الشرق] الفيء فَصَلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تُصلِّيَ العصر، ثم أقصر عنِ الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قَرْنيَ شيطان [كناية عن جنبي رأسه] وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صَلِّ ما بدا لك).
عَمرو: يا نبيَّ الله فالوضوء حدثني عنه.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ما منكم من رجل يُقرِّب وضوءه، فيُمضمض ويستنشق ويستنثر إلا خرَّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه مع الماء، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله تعالى إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرَّت خطايا
(2/429)

رأسه من أطراف شعره ومن أُذنيه مع الماء، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين إلا خرَّت خطايا رجليه مع الماء، فإن هو قام فصلَّى، فحمد الله وأثنى عليه ومجَّده بالذي هُوَ له أهل، وفرَّغ قلبه لله في صلاته، إلا انصرت من خطيئته كهيئته يوم وَلدَته أُمه".
"أخرجه مسلم في صلاة المسافرين رقم 832".
(2/430)

من فوائد هذا الحديث والقصة
1 - من العرب قبل الإِسلام من كان ينكر عبادة الأوثان، لأنها تخالف العقل والفطرة.
2 - بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوته سرًا، ومع ذلك كان قومه يتسلطون عليه، وهو صابر، وفي هذا درس مفيد للدعاة أن يصبروا على الأذى.
3 - الإِسلام يأمر بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وعبادة الله وحده، وعدم الإشراك به.
4 - الدعوة كانت ضعيفة في بادىء الأمر، فلم يؤمن به من الأحرار إلا أبا بكر، ومن العبيد إلا بلال.
5 - وثوق الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ظهور دعوته، ونصيحته لعَمرو أن يأتيه عند ذلك.
6 - إسراع الناس إلى الدخول في الإِسلام رغم التهديدات، ودخول عمرو على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ليتعرف عليه، ويذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلقياه في مكة.
7 - أهمية العلم والتعليم والسؤال عما يجهله الإِنسان، ولا سيما في الأمور المهمة من الدين كالوضوء والصلاة، وغيرها، وذلك بعد معرفة توحيد الله، وعدم الإِشراك به.
8 - فضل الوضوء والصلاة الخاشعة، وأنها سبب في خروج المصلي من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه.
9 - تعليم الرسول - صلى الله عليه وسلم - للصحابي أوقات الصلاة الخمس، والأوقات التي تمنع فيها الصلاة.
(2/431)

(6)
معجزة الإسراء والمعراج
(2/433)

موجز لمحتويات كتاب معجزة الإسراء والمعراج رقم (6)
* - المعجزات النبوية المحمدية.
* - ما هو الإسراء والمعراج؟
* - متى كان الإسراء والمعراج؟
* - حديث الإسراء والمعراج الصحيح.
* - خلاصة معجزة الإسراء والمعراج.
* - من عبرة الإسراء والمعراج.
* - هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه ليلة المعراج؟
* - عقوبة العصاة كما رآها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
* - من فضائل الإسراء والمعراج.
* - الآيات الكبرى التي رآها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
* - من بدع الإسراء والمعراج.
(2/435)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الله تعالى أيَّد نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بمعجزات كثيرة ومتنوعة:
أ - المعجزة الدائمة: لقد كانت معجزات الأنبياء السابقين حسية تنقضي في زمانها، وهي لمن شاهدها، أما معجزة نبينا الكبرى وهي القرآن الكريم فهي معنوية دائمة تحدى فيها الناس جميعًا إلى يومنا هذا.
ب - المعجزات المؤقتة: وقد أعطى الله لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - معجزات حسية كثيرة: كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنها ما وقع التحدي به، ومنها ما وقع دالًا على صدقه من غير سبق تحد.
وكان هذه المعجزات المؤقتة: الإِسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم العروج به إلى السموات العلى حتى انتهى إلى سدرة المنتهى.
وقد سميت الرسالة:
"معجزة الإِسراء والمعراج"
وأحب أن أنبه إلى أمور مهمة:
1 - استغنيت عن كلمة (قال) من النص بذكر اسم القائل أول السطر.
2 - الكلام الذي بين المعقوفتين []، هو وصف لحالة القائل من كلام المؤلف.
3 - لقد جعلت الأحاديث على شكل حوار ومشهد: كأنك ترى الحادث أمامك.
4 - لا يجوز تمثيل الأحاديث، لا سيما الملائكة والرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
(2/437)

معجزة الإسراء والمعراج
1 - المعجزة:
هي أمر خارق للعادة قد يكون مقرونًا بالتحدي صراحة أو ضمنًا، يجري الله هذا الأمر على يد أنبيائه. والمعجزة دالة على صدق النبي، فمتى ظهرت المعجزة على يد إنسان وقارن ظهورها دعوى النبوة علمنا بالضرورة صدقه، لأنه من المستحيل أن يؤيده الله وهو كاذب.
2 - المعجزات ليست من صنع الأنبياء:
المعجزات التي يجريها الله على يد أنبيائه هي من صنع الله وتأييده لهذا النبي، وليس من صنعه، والدليل أن موسى -عليه السلام- لما أراه الله معجزته الكبرى، وهي العصا ليأنس بها، فانقلبت حية ولَّى خائفًا، ولو كانت من صنع موسى لما خاف منها.
3 - المعجزة ليست من المستحيلات:
المعجزة ليست من قبيل المتسحيل العقلي، فإن مخالفة السنن الكونية المعروفة داخلة في نطاق الممكنات العقلية، وإذا كان سبحانه ربط الأسباب بالمسببات، فليس من المحال أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات يعرفها هو سبحانه، غير أننا لا نعرفها، ولكننا نرى أثرها على يد من اختصه الله بفضل منه ورحمة، وإذا اعتقدنا أن الله قادر مختار لا يعجزه شيء سهل علينا الإِيمان بأنه لا يمتنع عليه أن يحدث الحادث على أي هيئة.
أقول: إن الله الذي خلق الأسباب والمسببات قادر على تغييرها:
أ - خلق الله آدم بدون أم ولا أب، لأنه خلقه من تراب.
ب - خلق الله عيسى من أم بدون أب كما قال عنه:
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
"آل عمران 59"
(2/438)

يقول جل وعلا: (إن مثل عيسى عند الله) في قدرة الله حيث خلقه من غير أب (كمثل آدم) حيث خلقه من غير أب، ولا أم، بل:
(خلقه من تراب، ثم قال له كُن فيكون). "ذكره ابن كثير ج 1/ 367"
الفرق بين المعجزة والمخترعات:
إن المعجزة ليست معروفة السبب من الخلق، بخلاف المخترعات فهي معروفة السبب ولا تدخل في نطاق المعجزات ولا تقاربها، إذ هي مبنية على تجارب ونظريات داخلة تحت طاقة الإِنسان وعمله وقدرته وهي جارية على السنن الكونية المعروفة، وليست خارجة عنها، وما سمعنا بمخترع يدعي النبوة. "انظر كتاب الإسراء والمعراج للشيخ محمد أبو شهبه ص 11"
الفرق بين المعجزة والسحر:
إن المعجزة غير معروفة السبب العادي لنا، بخلاف السحر، فهو وإن خفي في الظاهر على كثير من الناس مما يعلمه بعضهم، وله قواعد وأسباب يتوصل بها إليه، وكثير مما نظن أنه سحر لا يعدو أن يكون خيالًا وخفة يد، وشعوذة، فكن على بيّنة من ذلك، ولا يشكل عليك الأمر فيلتبس الباطل بالحق المبين، فشتان ما بين صنع الله رب العالمين، وأعمال الدجالين المشعوذين.
"المصدر نفسه السابق".
الفرق بين المعجزة والكرامة:
الأمر الخارق للعادة إن ظهر على يد رجل أوتي النبوة فهو المعجزة، وإن ظهر على يد رجل صالح، فهو الكرامة، وهي ثابتة للأولياء المؤمنين المتقين. وأما ما يظهر على يد الفساق من الغرائب، فهو من الدَجل والشعوذة.
(2/439)

المعجزات النبوية المحمدية
1 - المعجزة الدائمة:
لقد كانت معجزات الأنبياء حسية تنقضي في وقتها، وهي لمن شاهدها، أما
معجزة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهي دائمة كبرى، لأن رسالته عامة لكل الناس، ومستمرة إلى يوم القيامة، وصالحة لكل زمان ومكان:
قال الله تعالى:
(وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً). "سبأ 28"
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
(وكان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة). "متفق عليه"
إن المعجزة الكبرى الدائمة لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هي القرآن الكريم الباقي إلى يوم القيامة.
2 - المعجزات الحسية:
لقد أعطى الله نيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - معجزات حسية كثيرة فاقت الأنبياء قبله:
نقل عن الإِمام الشافعي أنه كان يقول:
ما أعطى الله نبياً إلا وأعطى محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى عيسى بن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ، لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الموتى؛ ولو قيل: كان لموسى فَلْقُ البحر عارضناه بفلْقِ القمر، وذلك أعجب، لأنه آية سماوية؛ وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه و - صلى الله عليه وسلم -، لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أما خروجه من اللحم والدم فأعجب؛ ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عارضناه بالمعراج. "انظر مناقب الإمام الشافعي ص 38"
3 - المنكرون للمعجزات الحسية:
قد يقول بعض المنكرين للمعجزات الحسية: إن القرآن وحده يكفي معجزة دالة
(2/440)

على صدق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا حاجة لهذه المعجزات الحسية التي يستبعدها العقل!
فنقول لهم: إن تحكيم العقل في الغيبيات، وخوارق العادات ليس من الحكمة، لأن العقل له منطقة لا يتجاوزها، وقد قال الإِمام الشافعي -رضي الله عنه-:
كما أن للبصر مجالاً لا يعدوه، فكذلك للعقل مجال لا يتجاوزه، ولو أن كل شيء لا يقع تحت الحس، أو لا يستسيغه العقل، أو يخالف المألوف والعادة ننكره لوقعنا في متاهات من الضلال والغي والجحود والإِنكار.

الخلاصة: إن كل شيء أخبر الشارع بوقوعه، فهو في دائرة الإِمكان، ومن يدَّع
الإستحالة فعليه البيان. "انظر كتاب الإسراء والمعراج للدكتور محمد أبو شهبة"
(2/441)

ما هو الإسراء والمعراج؟
الإِسراء: هو ذهاب الله بنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - راكباً على البراق من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى في القدس في جزء من الليل، ثم رجوعه من ليلته.
المعراج: هو صعود الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الأقصى في تلك الليلة بعد إسرائه إلى السموات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم رجوعه إلى بيت المقدس من تلك الليلة.
أ - ثبوت الإِسراء والمعراج:
الإِسراء ثابت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة الكثيرة:
أما القرآن ففي قول الله تعالى:
{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لِنرِيَه من آياتنا إنه هو السميع البصير" "الإِسراء 1"
يستفاد من هذه الآية فوائد ومعان سامية:
1 - بدأ الآية بلفظ {سبحان} لأن من قدر على هذا، فهو مستحق للتنزيه والتقديس، وفيها معنى التعجب، وما أجدر الإِسراء أن يُتعجب منه!
2 - وفي ذكر العبد في هذا المقام تشريف، وتحذير أن يُتَّخذَ الإِسراء وسيلة لرفع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مقام العبودية إلى مقام الألوهية.
3 - وذكر لفظ وليلاً هو مع أن الإِسراء لا يكون إلا ليلًا، للِإشارة إلى أنه في جزء من الليل.
4 - والمسجد الحرام بمكة: وسمي حراماً لحرمته، والمسجد الأقصى: وسمي بالأقصى لبعده من المسجد الحرام.
5 - والمراد بقوله: {باركنا حوله} البركات الدينية، والدنيوية:
أ - أما بركاته الدينية، فلكونه مقر الأنبياء، ومهاجر الكثير منهم، وقبلتهم، ومهبط الملائكة، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشَد إليها الرحال: مسجد مكة،
(2/442)

ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، والتي يضاعف فيها ثواب الصلاة.
ب - وأما الدنيوية فلما يحيط بها من الأنهار الجارية، والزروع والبساتين النفرة.
6 - (لنُريه من آياتنا) المراد بها ما أراه الله لنبيه في هذه الليلة من مخلوقات الله وآلائه، وجلاله، وعجائب صنعه، والتعبير ب (مِن) هنا غاية البلاغة، لأن الله أرى نبيه بعض آياته لا كلها، إذ آيات الله لا تنتهي، ولا يتسع لها قلب بشر.
7 - وما أبلغ أن يختم الآية بقوله: (إنه هو السميع البصير) فهو وعد للمؤمنين بالِإسراء بالجميل، والثواب الجزيل، ووعيد للمكذبين المرجفين للصدر السابق نفسه"
وأما أحاديث الإِسراء فستأتي فيما بعد إن شاء الله.
وأما المعراج: فهو ثابت في الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم
وغيرهما.
ب - الإِسراء والمعراج بالروح والجسد:
جمهور السلف والخلف من العلماء على أن الإِسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة، وبروح الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجسده، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى في أول سورة الإِسراء (بعبده) ولا يكون إلا بالروح والجسد.
وهناك أحاديث صحيحة تشير إلى أن الإِسراء والمعراج كانا بالروح والجسد: منها أنه شُق صدره الشريف، وركب البراق، وعُرج به إلى السماء، ولاقى الأنبياء، وفُرضت عليه الصلوات الخمس، وأن الله كلمه، وأنه كان يرجع بين موسى -عليه السلام- وبين ربه -عَزَّ وَجَلَّ-.
(2/443)

الإسراء ووحدة الوجود
لقد وقع بعض الكتاب المعاصرين في وحدة الوجود حين كتبوا عن الإسراء،
فقال الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه: (حياة محمد - صلى الله عليه وسلم -):
فهذا الروح القوي قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها، .. تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد، واجتمع الكون كله في روحه فوعاه منذ أزله إلى أبده، وصوره في تطور وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل.
بطلان فكرة وحدة الوجود:
وفكرة وحدة الوجود فكرة خاطئة وافدة إلى الإِسلام فيما وفد إليه من آراء فاسدة، وهي من مخلفات الفلسفات القديمة، وقد انتصر وتشيع لها بعض المتصوفة الذين ينتسبون إلى الإِسلام، وكتب فيها، فكان عاقبتهم الإلحاد في الله وصفاته.
وقد أبان بطلانها كثير من علماء الأمة الراسخين في العلم المتثبتين في العقيدة؛ والقول بها يؤدي إلى القول بالطبيعة، وقدم العالم، وإنكار الألوهية، وهدم الشرائع السماوية، التي قامت على أساس التفرقة بين الخالق والمخلوق، وبين وجود الرب، ووجود العبد، ومقتضى هذا المذهب أن الوجود واحد، فليس هناك خالق ومخلوق، ولا عابد ومعبود، ولا قديم وحادث، وعابدوا الأصنام والكواكب، والحيوانات حين عبدوها إنما عبدوا الحق، لأن وجودها وجود الحق، إلى آخر خرافاتهم التي ضلوا بسببها، وأضلوا غيرهم، والتي أضرت بالمسلمين، وجعلتهم شيعاً وأحزاباً.
ولقد بلغ من بعضهم أنه قال: إن النصارى ضلوا لأنهم اقتصروا على عبادة ثلاثة، ولو أنهم عبدوا الوجود كله لكانوا راشدين.
وتفسير الإِسراء والمعراج بهذه الفكرة يقتضي إنكارهما على حسب ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة المشهورة، فليس هناك إسراء حقيقة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بذات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس هناك عروج بالنبي من بيت المقدس إلى السماوات السبع .. ، وما الداعي إلى ذلك ما دام الكون كله قد اجتمع في روح النبي كما قال
(2/444)

صاحب هذا الرأي، فالمسجد الحرام، والمسجد الأقصى في روحه، والسموات وما فيهن في روحه، ثم ما الداعي إلى كل هذا التكلف والإغراب من الدكتور هيكل -يرحمه الله- في فهم نصوص صريحة جاءت بلسان عربي مبين؟!
"انظر الإسراء والمعراج للشيخ محمد أبو شهبة ص 32 - 34"
(2/445)

متى كان الإسراء والمعراج؟
1 - يكاد يجمع المحققون من العلماء على أن الإِسراء والمعراج كانا بعد البعثة المحمدية، وأنهما كانا في اليقظة والمنام: [كما سيأتي في بحث عقوبة العصاة].
2 - وقد اختلف العلماء في أي سنة كان؟ وفي أي شهر؟
أ - قال البعض: إنهما كانا قبل الهجرة بسنة، وإلى هذا ذهب الزهري، وعروة بن الزبير، وابن سعد وادعى ابن حزم الِإجماع على هذا.
ب - والذي عليه أكثر المحققين أنهما كانا في شهر ربيع الأول، وقيل في شهر ربيع الآخر، وقيل في شهر رجب وهو المشهور بين الناس.
ج - والذي ترجح عند العلماء أن الإِسراء والمعراج كانا في ليلة الثانية عشر من شهر ربيع الأول فقد ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" أثراً عن جابر وابن عباس يشهد لذلك:
قال جابر وابن عباس: (وُلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرِج به إلى السماء، وفيه هاجر).
أقول: يشهد لبعض هذا الأثر الحديث الآتي:
"سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الإثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدتُ فيه، وفيه بُعثت، وفيه أنزل عليَّ" (أي القرآن). "رواه مسلم"
3 - الإِسراء والمعراج والعلم الحديث:
الإِسراء والمعراج حق أخبر بهما القرآن والسنة، فوجب التصديق بهما، وأنهما من المعجزات، وهما أمران ممكنان للعقل، ومن ادعى استحالتهما فعليه البيان.
إن العلم الحديث يطالعنا الآن باكتشافات جديدة: فالطائرة النفاثة تسبق سرعة الصوت، وأمكن الصعود إلى القمر، إلى غير ذلك من المخترعات؛ فإذا كان الإِنسان مع ضعفه قد استطاع أن يقوم بمثل هذه الاختراعات التي جعلت من المسافات البعيدة قريبة ضمن قوانين دقيقة، أفلا يقدر خالق هذا الإِنسان والكون أن ينقل رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى حيث أراد بقدرة فائقة وسرعة عجيبة؟ إنه على كل شيء قدير.
(2/446)

الحوادث التي سبقت الإسراء
إن القارىء لسيرة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يرى أن حادثة الإِسراء والمعراج قد سبقتها أحوال قاسية، وحوادث أليمة، أحاطت بالرسول من كل جانب واعترضت سبيل دعوته وسببت له مشاكل كثيرة، لو حصلت لغيره من الدعاة والمصلحين لأوهنت قواهم وأعاقتهم عن دعوتهم، ولكن ما في الرسول - صلى الله عليه وسلم - من شجاعة وصبر، وإيمان بصدق دعوته جعله يستهين بكل ما يحصل له ويعترض طريقه، ولعل في هذا درساً عملياً مفيداً للدعاة والمصلحين من حملة رسالته ليقتدوا به، ويستهينوا بالصعاب التي تعترض سبيلهم.
وأهم هذه الحوادث الأليمة التي سبقت إسراءه - صلى الله عليه وسلم - ثلاث:
1 - موت عمه أبي طالب:
لا شك أن أبا طالب كان نصيراً لابن أخيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وحامياً له، حيث لم يجرؤ أحد أن يُلحِق بالنبي أذىً شديداً إلا بعد موت عمه، إذ وجد الكفار فرصة سانحة للإستخفاف بشأنه والإِمعان في إيذائه - صلى الله عليه وسلم -.
2 - خروجه إلى الطائف:
لقد ضاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمشركين في مكة ذَرْعاً بعد كل هذا التكذيب والإِيذاء الذي صدر منهم له، فكان لا بد له من الإِنتقال إلى بلد آخر لنشر الدعوة فيه.
وخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف أقرب بلد إلى مكة، وله فيها أقارب وأرحام لعله يستعين بهم على المشركين في بلده، وعسى أن يجد منهم عطفاً عليه؛ وتصديقاً لدعوته، وتسلية لمصابه، وإكراماً لضيافته؛ ولكن الأمر كان على العكس تماماً؛ إذ ما كاد يعرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم دعوته حتى خفّوا لتكذيبه وإخراجه من بلدهم، ولم يكتفوا بذلك حتى سلَّطوا عليه عبيدهم وسفهاءهم يقذفونه بالحجارة مما أدمى قدميه، ولم يعد يستطيع متابعة السير عليهما، فجلس قرب بستان لأحد أعدائه؛ وقد أسند ظهره إلى حائط، يمسح الدم بيده بعد أن أنهكه التعب والجوع والجراح؛ وإذا بملَك الجبال يهبط من السماء وَيعْرِض عليه أن يطبق عليهم
(2/447)

الجبلين فيهلكهم، فلا يكون جواب الرسول الكريم الرحيم إلا أن يقول:
(بَلْ أرْجُوا أنْ يُخْرجَ الله مِنْ أصلابهم مَنْ يَعْبُد اللهَ وحدَه؛ لا يشرِك به شيئاً).
"متفق عليه"
جلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفكر كيف يستطيع أن يدخل مكة بعد هذا كله، فأرسل إلى الأخنس بن شريق أن يدخل مكة في حمايته وجواره، فأبى، ثم أرسل إلى المطعم بن عدي بطلبه هذا، فرضي، وكان يذكرها له.
3 - موت خديجة:
لقد زاد في مرارة هاتين الحادثتين (موت عمه وخروجه إلى الطائف) موت زوجته الوفية "خديجة" -رضي الله عنها- التي كانت تخفف آلامه، وتشجعه في دعوته، وتمده بأموالها؛ فخلا الميدان من العم الشفيق الناصر، وانطفأ سراج البيت بموت الزوج الحبيب المؤنس، فسمى بعضهم ذاك العام "عام الحزن".
بعد كل هذه الحوادث الأليمة، والهزات النفسية التي زادت من هموم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتعابه، أراد الله أن يكرمه بِالِإسراء والمعراج ليريه من آياته وليلتقي بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- الذين وجدوا في دعوتهم من الصعاب مثل ما وجده في دعوته ها هم الأنبياء يقتدون به في بيت المقدس، وها هي الملائكة ترحب به في السماوات، وكأنه قيل له:
يا محمد لئن كان يؤذيك شتم السفهاء في الأرض أما يُرضيك ترحيب الملائكة والمرسلين بك في السماوات؛
لئن اصطف حولك الجاهلون المجرمون يرشقونك بالحجارة، فهاهم الأنبياء
يصطفون خلفك لتؤمهم في صلاتهم.
(2/448)

حديث الإسراء والمعراج
1 - الإسراء:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(أتيتُ بالبراق - وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل -عليه السلام- بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل -عليه السلام-: اخترت الفطرة). "رواه مسلم: انظر جامع الأصول ج 11/ 300"
2 - المعراج: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(فُرِجَ عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففَرج صدري (شقه)، ثم غسله
بماء زمزم، ثم جاء بِطَست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا) "رواه البخاري ج 1 - 91"
: "نطلق جبريل -عليه السلام- (بالرسول - صلى الله عليه وسلم -) حتى أتى السماء الدنيا".
جبريل [خازن السماء]: افتح.
الخازن: مَنْ هذا؟
جبريل: جبريل.
الخازن: هل معك أحد؟
جبريل: نعم معي محمد - صلى الله عليه وسلم -.
الخازن: وقد أرسل إليه؟ (هل دعاه مولاه)؟
جبريل: نعم.
الملائكة: مرحباً به نعم المجيء جاء.
"فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد، على يمينه أسْوِدة (أرواح كثيرة) وعلى يساره أسْوِدة، إذا نظر قِبَل يمينه ضحك، وإذا نظر قِبل يساره بكى".
(2/449)

الرجل [في فرح]: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح.
محمد - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ هذا؟
جبريل: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه (أرواحهم) فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى.
"ثم صعد جبريل بي إلى السماء الثانية".
جبريل [للخازن]: افتح.
الخازن: مَنْ هذا؟
جبريل: جبريل.
الخازن: هل معك أحد؟
جبريل: نعم معي محمد - صلى الله عليه وسلم -.
الخازن: وقد أرسل إليه؟
جبريل: نعم.
الملائكة: مرحباً به، فنعم المجيء جاء.
"ففتح فلما خلصت (دخَلت)، فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة".
جبريل: [للرسول - صلى الله عليه وسلم -]: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فسلمت عليهما، فردا (السلام).
يحيى وعيسى: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
"ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح ففتح".
[وقالت الملائكة للرسول مثل ما قالوا له في السماء الثانية].
"فلما خلَصتُ فإذا يوسف -عليه السلام- فسلَّمت عليه، فرَدَّ (السلام) ".
ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح
[فقالت الملائكة للرسول مثل ما تقدم]
(2/450)

فلما خلصتُ فإذا إدريس فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ (السلام) ".
"ثم صعد بي (جبريل) حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، [فقالوا له مثل ما سبق].
فلما خلصتُ (دخلت) فإذا هارون، فسلمت عليه فرَدَّ (السلام) ".
* * *
"ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح
[فقالوا مثل ما سبق].
فلما خلصتُ فإذا موسى، فسلمتُ عليه، فردَّ (السلام) ".
"ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح جبريل".
الخازن: مَن هذا؟
جبريل: جبريل.
الخازن: ومَن معك؟
جبريل: محمد - صلى الله عليه وسلم -.
الخازن: وقد بُعث إليه؟
جبريل: نعم.
الملائكة [فى فرح]: مرحباً به، فنعم المجيء جاء.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فلما خلصتُ (دخلت).
جبريل: هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فسلمتُ عليه، فردَّ السلام وقد أسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون إليه.
إبراهيم: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
"ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها كآذان الفيلة
(2/451)

وثمرها كالقلال (الجرار الكبيرة)، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيَّرت، فما أحد يستطيع أن ينعتها لحسنها فأوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى".
موسى: ما فرض ربك على أُمتك؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: خمسين صلاة.
موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بَلَوتُ بني إسرائيل وخبرتهم.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب خفف عن أمتي، فحطَّ عني خمساً.
"فرجعت إلى موسى فقلت: حَطَّ عني خمساً".
موسى: إنَّ أُمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
"فلم أزل أرجع بين رب تبارك وتعالى وبين موسى -عليه السلام-، حتى قال:
الربُّ تعالى: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاةً، ومَن همَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت عشراً، ومَن همَّ بسيئة ولم يعملها لم تُكتب شيئاً، فإن عملها كُتبت سيئةً واحدةً.
"قال: فنزلتُ فانتهيتُ إلى موسى فأخبرته".
موسى: ارجع إلى ربَّك فاسأله التخفيف.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه،
(ولكن أرضى وأُسلِّم).
"قال: ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان، لا أدري ما هي؟ قال: ثم أُدخلتُ الجنة فإذا فيها جنابذ (قصور) اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك".
"القصة في البخاري ومسلم انظر جامع الأصول ج 11/ 292"
(2/452)

من فوائد حديث المعراج
1 - أن للسماء أبواباً حقيقية، وحفَظَة موكلين بها.
2 - وفيه إثبات الإستئذان، وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول أنا فلان، ولا يقتصر على (أنا) لأنه ينافي مطلوب الإستفهام.
3 - أن المار يسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل من القاعد.
4 - وفيه استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء.
5 - جواز مدح الإِنسان المأمون عليه الإفتتان في وجهه.
6 - جواز الإستناد إلى القبلة بالظهر وغيره مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة.
7 - وفيه جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل (تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس).
8 - فضل السير بالليل على السير بالنهار، لما وقع أن الإِسراء وقع بالليل، ولذلك كانت عبادته - صلى الله عليه وسلم - بالليل، وكان أكثر سفره بالليل، وقال - صلى الله عليه وسلم -:
(عليكم بالدُلجة، فإن الأرضَ تُطوى بالليل). "صحيح رواه أبو داود"
9 - وفيه أن التجربة أقوى من تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة: يستفاد ذلك من قول موسى -عليه السلام- للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عالج الناس قبله وجربهم.
10 - ويستفاد من تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبداناً من هذه الأمة، وقد قال موسى: إنه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه.
11 - وفيه أن الجنة والنار قد خُلقتا، لقوله في بعض طرقه التي بينتها:
(عُرضتْ علَيَّ الجنة والنار).
12 - فيه استحباب الِإكثار من سؤال الله تعالى، وتكثير الشفاعة عنده، لما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - في إجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف.
13 - وفي فضيلة الاستحياء، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشير الناصح في ذلك. "انظر فتح الباري ج 7/ 217"
(2/453)

14 - الرضا والتسليم بعد المراجعة من الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
15 - تخفيف الصلوات من خمسين إلى خمس صلوات، وهي التي فرضها الله على عباده، والأجر خمسون صلاة، وهذا فضل من الله على عباده بشفاعة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
16 - الَهمُّ بالحسنة بدون عمل تكتب حسنة، بعكس السيئة فلا تكتب.
17 - مضاعفة العمل بالحسنة إلى عشر حسنات، والعمل بالسيئة لا يضاعف، بل تكتب واحدة.
(2/454)

خلاصة معجزة الإسراء والمعراج
لقد لخص الحافظ ابن كثير حادثة الإِسراء والمعراج فقال:
1 - والحق أنه -عليه السلام- أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البُراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلَّى في قبلته تحية المسجد ركعتين.
2 - ثم أُتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيه، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما - صلى الله عليه وسلم - وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام (أي أقلام القدر بما هو كائن).
3 - ورأى سدرة المنتهى (1)، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة، من فَراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفاً (2) أخضر قد سد الأفق.
[سدرة المنتهى: شجرة ذات ثمر كبير وأوراق طويلة تغشاها الملائكة وفَراش
الطير].
4 - ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
5 - ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات الخمسين، ثم خففها إلى خمس رَحمة منه ولطفاً بعباده، وفِى هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها.
6 - ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم لما حانت الصلاة، ويحتمل الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمَّهم في السماء، والذي
__________
(1) سميت بذلك لأنها ينتهي إليها علم الرسل والملائكة، ولم يجاوزها أحد إلا نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
(2) حلة جبريل وثيابه.
(2/455)

تظاهرت به الروايات أنه بيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مَرَّ بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً، وهو يخبر بهم، وهذا هو اللائق لأنه كان أولًا مطلوباً إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل -عليه السلام- في ذلك.
7 - ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس والله أعلم.
8 - وأما عرض الآنية من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء أو الجميع، فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ومحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا لأنه كالضيافة والله أعلم. "تفسير ابن كثير 3/ 22"
(2/456)

من عبرة الإسراء والمعراج
1 - شق الصدر: من أراده الله لأمر عظيم أعده إعداداً قوياً، فموسى -عليه السلام- حينما أرسله الله إلى الطاغية فرعون جعل له آية العصا، وأجرى له تجربة عملية، حتى لا يخاف حينما تنقلب حية تسعى؛ كذلك الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - شق جبريل صدره، وملأه حكمة وإيماناً، ليتأهب لما يراه في الإِسراء والمعراج، والقلب إذا طاب بالإِيمان طاب الجسد كله كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
(ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب) "متفق عليه"
2 - البراق: لقد زاد الله في تكريمه لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأرسل إليه مركوباً يحمله، ودليلاً يؤنسه، فأرسل إليه جبريل بالبراق يحمله إليه، علماً بأن أهل الجنة يذهبون إليها راكبين مُكرمين كما قال عنهم ربهم: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} وهكذا يفعل العظماء إذا دَعَوا إلى ضيافتهم عزيزاً عليهم. [سورة مريم 85]
3 - ربط البراق بالحلقة: لقد علمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن نأخذ بالأسباب، فربط البراق بالحلقة، وهو لا ينافي التوكل، وقد قال النبي و - صلى الله عليه وسلم - وللأعرابي الذي كانت معه ناقته: (إعقلها وتوكل). "حسن رواه الترمذي"
4 - المسجد الأقصى: إن مرور الرسول - صلى الله عليه وسلم - به، وصلاته بالمسجد، ولقاءه بالأنبياء فيها فوائد وعبر:
أ - لعل من الحكمة أن يفهم الناس أن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عامة لكل بلد، بل تسير مسرى الشمس والقمر.
ب - إن اقتداء النبيين بالرسول - صلى الله عليه وسلم - دليل على أن شرعه ناسخ، وأن الاقتداء به واجب على الأنبياء وغيرهم.
ج - وفي مسراه إشارة إلى وحدة الأنبياء في دعوتهم إلى الإِيمان والتوحيد، وربط بين الأماكن المقدسة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى.
د - زيارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمسجد الأقصى تلويح وإشارة للمسلمين أن يشدوا الرحال إليه، ويطهروه من الوثنية واليهودية المجرمة، وبشارة لهم بفتح بيت المقدس.
(2/457)

5 - سنة التعارف: لقد قام جبريل بسنة التعريف بالأنبياء في السماء، وأن التعارف من سنن الإِسلام، لأنه سبيل المحبة والتعاون بين المسلمين، فعلى المسلم أن يتعرف على أخيه، ويسأله عن اسمه.
6 - شعور الأب نحو أولاده: فقد رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - آدم في السماء يضحك فرحاً حينما يرى أولاده السعداء، ويبكي ألماً حينما يرى أولاده الأشقياء، وهذا شعور كل والد نحو ولده، فليت الأولاد يقدرون هذا ويسلكون طريق السعادة والخير ليدخلوا الفرح على أبيهم، ويبتعدوا عن الشقاء لئلا يحزنوه.
7 - الجرأة في الحق: لقد صارح الرسول - صلى الله عليه وسلم - قومه بما رأى في إسرائه، ولم يحسب حساباً لتصديقهم أو تكذيبهم، وفي هذه الجرأة قدوة للمصلحين أن يجهروا بالحق، قال الله تعالى:
{الذين يُبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله}. [الأحزاب 39]
8 - فرض الصلاة: كل العبادات نزل بها الوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو في الأرض، أما الصلاة فقد رفع الله رسوله إلى فوق السموات، حتى فرضها عليه وعلى أمته، أليس هذا دليلاً على أهمية الصلاة، وأنها معراج أرواح المؤمنين إلى رب العالمين؟ ومن فضل الله العظيم أن الصلاة فُرضت خمسين في الأصل، ثم خففت إلى خمس بشفاعة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وبقي الأجر في الأصل خمسين.
9 - إثبات العلو لله تعالى: إن عروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى السموات العلى، وإلى سدرة المنتهى حتى كلمه ربه تعالى دليل واضح على عفو الله تعالى فوق سمواته، علماً بأن هناك أدلة صريحة من القرآن، والأحاديث على ذلك:
أ - قال الله تعالى:
{ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات}. [البقرة 29]
قال مجاهد وأبو العالية: [استوى، علا وارتفع]. "رواه البخاري في كتاب التوحيد ج 8/ 175]
ب - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش). "رواه البخاري"
1 - لقد عرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - السموات العلى، حتى بلغ سدرة المنتهى، فكان هذا المعراج رمزاً للارتفاع عن حياة مليئة بالمشكلات والمظالم، إلى عالم تسوده الرحمة والطمأنينة.
(2/458)

لئن صعد الإِنسان في هذا العصر المادي إلى الفضاء، وحاول الوصول إلى القمر، ليسيطر بظلمه على عالم آخر، فلقد رفعك الله يا رسول الرحمة فوق سماواته إلى مكان لم يصله غيرك، لتنقذ العالَم وتحرر هذا الإِنسان من العبودية لغير الله وتخلصه من ظلم أخيه الإنسان، ثم نزلتَ إلى الأرض لتنشر بتعاليمك السمحة العدل والرحمة للناس كافة.
ألا ما أحوج الإِنسان اليوم إلى هذه التعاليم، ليرتفع من حضيض المادة ويتطلع نحو السماء، فيعيش بروحه وأخلاقه، وتنجو الإِنسانية المهددة بالحروب من ظلمه وجشعه.
(2/459)

هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه ليلة المعراج
اختلف العلماء في الرؤية على قولين؟
1 - قال فريق منهم: إن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه.
2 - وقال آخرون: إنه لم ير ربه.
أقول: الصحيح من هذه الأقوال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير ربه، والدليل على ذلك ما يلي:
أ - لقد صح عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت:
"من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفِرية على الله". "متفق عليه"
ب - وفي رواية ثانية للبخاري أنها قالت:
"مَن حدَّثك أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه فقد كذب، وهو يقول: {لا تُدركه الأبصار} ". "الأنعام 103"
وللعلماء أدلة أخرى أنقلها للقارئ ليكون على بينة من أمره:
1 - تحقيق شيخ الإِسلام:
قال ابن تيمية في الفتاوى ما نصه: (وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصريحة في نفيه أولى، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل رأيت ربك؟ قال: (نورٌ أنَّى أراه)؟ ..
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله تعالى:
(وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس والشجرة الملعونة في القرآن) "الإسراء 60"
قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أُسريَ به، وهذه (رؤيا الآيات) لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم، وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه، وليس في شيءٍ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره، كما ذكر ما دونه وقد ثبت بالنصوص الصحيحة، واتفاق سلف الأمة أنه لا يرى الله أحدٌ في الدنيا بعينه،
(2/460)

إلا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عياناً كما يرون الشمس والقمع. "انظر الفتاوى ج 6/ 509"
2 - ورجح العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه أضواء البيان عدم الرؤية فليراجع التفسير. "ج 3/ 363"
ومثله ابن حجر في الفتح. "ج 8/ 608"
(2/461)

الرسول يفاجىء المشركين بالإسراء
لما رجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مسراه إلى بيت عمه أبي طالب وأخبر بنت عمه (أم هانيء) أنه يريد أن يخرج إلى القوم ويخبرهم بما رأى في مسراه من عجيب قدرة الله، تعلقت بردائه.
أم هانئ [في رجاء]: أنشدك الله يا ابن عمي ألا تحدث بهذا قريشاً؛ فيكذبك مَن كان صدّقك.
"الرسول يضرب بيده على ردائه، فينزعه منها ثم يخرج مسرعًا".
أم هانئ [لجاريتها]: اتبعيه وانظري ماذا يقول.
الجارية [بعد عودتها]: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى إلى نفر من قريش في الحطيم فقعد حزيناً حيث عرف أن الناس تكذبه، وما أحبَّ أن يكتم ما أكرمه الله به.
أبو جهل [كالمستهزئ]: هل كان من شيء؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: نعم أُسري بي الليلة.
أبو جهل: إلى أين؟!!
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: إلى بيت المقدس.
أبو جهل [في دهشة]: ثم أصبحت بين ظهرانَيْنا؟!!
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم.
أبو جهل [متحديًا]: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟
الرسول [في شجاعة وتصميم]: نعم.
أبو جهل [صائحًا]: يا معشر بني كعب.
"قريش تَنفضُّ من مجالسها وتسرع نحو الصوت".
أبو جهل [لمحمد]: حدّث قومك بما حدثتني.
(2/462)

الرسول [يتحدث إليهم]: إني أُسري بي.
قريش: إلى أين؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: إلى بيت المقدس.
"قريش في ضجة وصفير وتصفيق".
المُطْعِم [مكذبًا]: أنا أشهد أنك كاذب؛ نحن نضرب أكباد الإِبل إلى بيت المقدس ذهاباً في شهر، تزعم أنك أتيته في ليلة واحدة؟! واللات والعزى لا نصدقك.
"رجال يسعَون إلى أبي بكر بالخبر".
أبو بكر: إن قال ذلك فقد صدق!!
قريش: أتصدقه على ذلك؟!
أبو بكر: إني لأصدقه فيما هو أبعدُ من ذلك: أصدقه على خبر السماء يأتيه في لحظة.
الرسول [لأبي بكر]: إن الله قد سماك "الصديق".
"انظر السيرة النبوية لابن هشام بتصرف 1/ 402"
"وانظر البداية والنهاية لابن كثير بتصرف: 3/ 141"
(2/463)

آيات صدقه في الإسراء
1 - وصفه بيت المقدس:
"لما رجع محمد - صلى الله عليه وسلم - وحدث قريشًا عن إسرائه، وأنه أتى
بيت المقدس -وكان فيهم من سافر إليه مرات في تجارته- عجبوا وكذبوا".
المطعم بن عدي: كل أمرك كان قبل اليوم أمَماً (يسيراً) غير قولك اليومِ أنا أشهد أنك كاذب؛ نحن نضرب أكباد الإبل مُصْعَدًا شهراً، ومُنْحَدَرًا شهرًا، تزعم أنك أتيته في ليلة!! واللات والعزى لا أصدقك.
أبو بكر [في أسف]: يا مطعم بئسما قلت لابن أخيك جَبَهْتَه وكذَّبتَه، أنا أشهد أنه صادق.
قريش [في استغراب]: صف لنا بيت القدس: كيف بناؤه وهيئته وقربه من الجبل؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بناؤه كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا ...
"وما زال الرسول ينعت لهم حتى التبس عليه النبت، فكرب كرباً ما كرب مثله، فجيء بالمسجد وهو ينظر إليه، حتى وضع دون دار عقيل".
قريش: كم للمسجد من باب؟
"ينظر الرسول جهة المسجد، ويعدها باباً باباً، وكأنه بناها بيده".
يا واصف الأقصى أتيت بوصفه ... وكأنك الرسَّام والبنَّاء
أبو بكر [في فرح]: صدقت؛ أشهد أنك رسول الله.
قريش [لأبي بكر]: أفتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟
(2/464)

أبو بكر [في إيمان]: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك: أصدقة بخبر
السماء بغُدوةٍ ورَوْحَةٍ.
2 - إخباره عن العير:
قريش [في امتحان]: أخبرنا عن عيرنا؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أتيت على عير بني فلان (قافلتهم) بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم فليس بها منهم أحد، وإذا قَدَحُ ماءٍ فشربت منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان فيها جمل عليه غِرارتان (عِدلان) غِرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذيتُ العير نفرت، وضرِع ذلك البعير وانكسر.
قريش [للرسول]: متى تَقْدُم عيرنا؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: تقدم يوم الأربعاء مع طلوع الشمس من الثنيَّة وفيها فلان وفلان، يَقدُمها جمل أورق (أسمر).
قريش: هذه والله آية.
"تخرج قريش يشتدّون ويركضون مبكرين صباح ذلك اليوم نحو الثنية التي وصف ينتظرون بفارغ الصبر حتى تطلع الشمس ليكذبوه".
أحدهم [في شماتة]: هذه الشمس قد طلعت!!
الآخر [في حسرة وخزي]: وهذه العير قدْ أقبلت يقدمُها جمل أورق فيها فلان وفلان كما قال محمد.
قريش [في عناد]: هذا سحر مبين.
"انظر السيرة النبوية لابن هشام بتصرف ج 1/ 402"
"وانظر البداية والنهاية بتصرف ج 3/ 111"
(2/465)

زيارة المسجد الأقصى
إن المسجد الأقصى يعتبره المسلمون أولى قبلتيهم، ومسرى رسولهم الكريم، وإن ما حوله من بلاد باركها الله وجعلها موطن النبوات سابقاً، أصبحت اليوم مهددة باليهود اللئام.
وإن في زيارة المسلمين للمسجد الأقصى وما حوله حافزاً قوياً يثير في النفوس الهمم للدفاع عن بيت المقدس واسترداد ما اغتصبه اليهود.
لهذا حض الإِسلام على زيارة المسجد الأقصى، ونوَّه بفضله ومضاعفة الثواب لمن يصلى فيه، فقال - صلى الله عليه وسلم -:
1 - (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا،
والمسجد الأقصى). "رواه البخاري ومسلم"
2 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جواباً لمن سأله عن الصلاة في بيت المقدس أفضل أو في مسجده؟:
(صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولَنِعمَ المُصلَّى ..)
"أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا"
[أي إن الصلاة في مسجد الأقصى تعادل 250 صلاة]
(2/466)

عقوبة العصاة كما رآها الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عن سمرة بن جندب: "كان رسول - صلى الله عليه وسلم - مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ فيقص عليه ما شاء الله أن يقص".
الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان (جبريل وميكائيل)، وإنهما ابتعثاني (نبهاني من النوم)
جبريل وميكائيل [للرسول - صلى الله عليه وسلم -]: انطلق ...
"وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيُثلَغ رأسه (يُكسر) فَيَتَدَهْدَه (يتدحرج) الحجر هاهنا: فيتبع الحجرَ فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله، ما هذان؟!
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحدَ شِقَّي وجهه، فيُشرشِر (يقطع) شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، قال: فما يفرغ من ذلك الجانب، حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله! ما هذان؟
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ..
(2/467)

"فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهَب من أسفلَ منه، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوْضَوْا" (أخرجوا أصواتاً).
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ما هؤلاء؟!
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شطر النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه، فيُلقمه حجراً، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فَغَر (فتح) فاه، فألقمه حجراً".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ما هذان؟
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة (المنظر) وإذا عنده نار يَحشها (يوقدها)، ويسعى حولها".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ما هذا؟
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا، فأتينا على روضة مُعْتَمَّة (طويلة النبات) مُعشِبة، فيها من كل نور (زهر) الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولًا في
السماء، وإذا حول الرجل أكثر من ولدان رأيتهم قط".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ما هذا، ما هؤلاء؟
جبريل وميكائيل: انطلق، انطلق ...
"فانطلقنا، فأتينا على روضة عظيمة لم أر قط أعظم منها ولا أحسن".
(2/468)

جبريل وميكائيل: ارْق (اصعدَ).
"فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلَبن ذهب، ولَبِن فضة فأتينا باب المدينة. فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ وشطر منهم كأقبح ما أنت راءٍ".
الملائكة [لهؤلاء الرجال]: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر.
"وإذا نهر معترض يجري كان ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا، وقد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة".
الملائكة [للرسول - صلى الله عليه وسلم -]: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك.
"فسما بصري صعُداً (مرتفعاً)، فإذا قصر مثل الرَّبابة البيضاء (السحابة البيضاء) ".
جبريل وميكائيل: هذاك منزلك.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بارك الله فيكما، ذراني فأدخلَه.
الملائكة: أما الآن فلا، وأنت داخلُه.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فإني رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟!
جبريل وميكائيل: أما إنا سنخبرك.
عقوبة تارك القرآن والصلاة: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يُثْلغ (يُكسر) رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.
عقوبة الرجل الكذاب: وأما الرجل الذي أتيت عل