Advertisement

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية 001



الكتاب: مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع
المؤلف: محمد بن جميل زينو
الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: التاسعة، 1417 ه - 1997م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]

[1]
مجموعة
رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

تأليف
محمد بن جميل زينو
المدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة

دار الصميعي
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حقوق الطبع غير محفوظة ولكل مسلم حق الطبع

الطبعة التاسعة
1417 ه - 1997 م

سمحت بطبعه مديرية المطبوعات

إذا أردت أن يكون لك الأجر في حياتك وبعد موتك، فاطبع هذا الكتاب، أو ساهم في طبعه، واتصل بالمؤلف ليساعدك على الطبع بأرخص سعر ممكن ويرسل لك نسخة مزيدة ومنقحة

ص. ب: 601 مكة
هاتف البيت: 5561827 مكة

دار الصميعي للنشر والتوزيع
هاتف وفاكس: 4262945 - 4251459
الرياض - السويدي - شارع السويدي العام
ص. ب: 4967 - الرمز البريدي: 11412
المملكة العربية السعودية
(1/2)

المقَدِّمَة
إِن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فقد طلبت مني بعض المكتبات في السعودية السماح بطبع مجموعة رسائل التوجيهات الإِسلامية وكتابة مقدمة لها، نظرًا لإِقبال القراء عليها, لسهولة أسلوبها، وأهمية بحوثها المتنوعة لكل مسلم ومسلمة، ولأن هذه السلسلة قد لا توجد في مكتبة واحدة، مما يسبب للقارئ التعب في الحصول عليها.
لذا كان طبعها في كتاب واحد يسهل للراغب اقتناؤها كاملة، والاستفادة منها جميعًا، علماً بأن السلسلة سيبقى طبعها متفرقة على شكل أجزاء يسهل حملها، وشراؤها بثمن مناسب.
إن سلسلة التوجيهات الإِسلامية يمتاز كل عدد منها بميزات لا توجد في الآخر:
1 - كتاب (توجيهات إِسلامية لإِصلاح الفرد والمجتمع).
يمتاز بمواضيعه الهامة، وبحوثه المتنوعة، فهو يبحث في العقيدة والعبادات، والمحرمات التي اشتبهت على بعض الناس كالغناء والموسيقى، والتصوير، والتماثيل، والتدخين، وغيرها من البحوث الهامة المفيدة بأسلوب سهل.
2 - كتاب (أركان الإِسلام والإِيمان من الكتاب والسنة الصحيحة).
هو شرح موجز لأركان الإِسلام والإِيمان الواردة في الحديث، وفيه بحث هام عن
(1/3)

نواقض الإِسلام والإِيمان والاعتقادات الباطلة التي تؤدي إِلى الكفر.
3 - كتاب (منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة).
يبحث في التوحيد وأنواعه وفضله من القرآن والحديث، ومَن هي الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة؟ كما أنه يبحث في الشرك وأنواعه ومشاهده، وأنه سبب شقاء العالم الإِسلامي، وما يلاقيه من المصائب والفتن والحروب، مع إِعطاء العلاج الناجع لهذه الأمراض الخطيرة.
4 - كتاب (العقيدة من الكتاب والسنة الصحيحة).
جاء على شكل أسئلة وأجوبة متنوعة تتعلق بعقيدة التوحيد وأنواع الشرك، وأنواع الجهاد، والحكم بغير ما أنزل الله، وفيه بحث هام عن أفكار خطيرة. بثها أعداء الإِسلام، ليفتنوا المسلمين عن دينهم ويفسدوا عقائدهم، وأكثر الأجوبة تعتمد على الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة.
5 - كتاب (قطوف من الشمائل المحمدية، والأخلاق النبوية، والآداب الإِسلامية).
إن اسمه دال عليه، وهو مأخوذ من القرآن الكريم، وأكثر كتب الحديث المعتمدة، وانتقاء الصحيح منها، وجاء بعض بحوث الكتاب على شكل حوار محبب للنفس كبحث الأخلاق والمعجزات والرفق والصبر والسيرة، وقد جاء في آخره خلاصة عن واجبنا نحو الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتحلي بأخلاقه, لأنه القدوة الحسنة.
6 - كتاب (حكم الدخان والتدخين على ضوء الطب والدين).
وضحت فيه أضرار التدخين الصحية والمادية، والاجتماعية، والأخلاقية، ثم بينت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمه بأسلوب سهل، وبيان واضح.
وإني أسمح لكل مطبعة، أو مكتبة، أو دار نشر بطبع هذه السلسلة، على أن تخبرني لأرسل لها نسخة مزيدة ومنقحة ليخرج الكتاب سليماً من الأخطاء والملاحظات.
وبما أنني تنازلت عن حقوق التأليف، فإِنه يحسن لدور النشر أن تبيعه بسعر
(1/4)

مناسب يشجع القراء على اقتنائه، وأن ترسل لي منه بعض النسخ للاستفادة منها ولتوزيعها كدعاية للكتاب المطبوع.
والله أسأل أن ينفع بهذه المجموعة المسلمين، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
...
المؤلف
محمَّد بن جميل زينو
المدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
1/ 2 / 1408
(1/5)

رأي العلماء في سلسلة التوجيهات
1 - رأي فضيلة مدير الإدارة العامة لشؤون المصاحف، ومراقبة المطبوعات: كتب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إِلى مدير مراقبة الكتب يأخذ رأيه في سلسلة التوجيهات فأجاب:
سماحة الرئيس العام الشيخ عبد العزيز بن باز سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإِجابة لشرح سماحتكم رقم 433/ 1 / ك في 9/ 3/ 1404 ه والمرفق به الكتب التالية:
1 - كتاب خذ عقيدتك من الكتاب والسنة الصحيحة الطبعة الأولى.
2 - كتاب منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
3 - كتاب توجيهات إِسلامية، وجميعها من تأليف محمد زينو. ونفيدكم أنه تمت دراستها واتضح ما يلي:
أولًا: كتاب خذ عقيدتك من الكتاب والسنة الصحيحة: وهو عبارة عن أسئلة وأجوبة في العقيدة وما يتعلق بها مع ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة بأسلوب مختصر ومفيد - إِن شاء الله.
ثانيًا: كتاب الفرقة الناجية والطائفة المنصورة: اتضح أنه ملخص لمنهج السلف أصولًا وفروعًا وهو نافع ومفيد وصالح للتداول دينياً.
ثالثًا: كتاب توجيهات إِسلامية: وهو عبارة عن أبحاث متنوعة ومختصرة في
(1/6)

مبادئ الإِسلام وتعاليمه موضحا ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة بطريقة مختصرة ومفيدة، ومما تقدم يتضح لسماحتكم أن الكتابين الأول والثاني سليمان وصالحان للتداول والنشر وكذلك الكتاب الثالث وفيما ترونه الخير والبركة - إِن شاء الله، وأسأل الله أن يمد في عمركم لخدمة شرعه المطهر إِنه سميع قريب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

مدير الإِدارة العامة
لشؤون المصاحف ومراقبة المطبوعات
عبد الله بن ردن البداح
12/ 1/ 1405
2 - وكتب فضيلة الشيخ عبد الله خياط عضو هيئة كبار العلماء وخطيب المسجد الحرام بمكة سابقاً حول السلسلة فقال: كم لنا من الركائز الإِسلامية ما يفتح الأنظار على أمور قد تكون من خير ما يعتد به المسلم في دينه وخلقه، وتنبه فيه الوعي للإِفادة منها، والسير على ما ترسمه من مناهج الخير. أضرب لذلك مثلًا بسلسلة التوجيهات الإِسلامية التي ألفها فضيلة الشيخ محمد بن جميل زينو المدرس في مدرسة دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، والذي وقفت له على مشاركات كثيرة في التأليف ذات هدف رفيع توحي بأفق واسع ودراية.
هذه السلسلة الأولى منها (توجيهات إِسلامية لإِصلاح الفرد والمجتمع) تحدث فيها المؤلف عن دروب الإِصلاح الديني والاجتماعي.
والثانية تحت عنوان (أركان الإِسلام والإيمان من الكتاب والسنة الصحيحة) تحدث فيها المؤلف عن أصل الإِسلام وعموده، ألا وهو توحيد الله -جل جلاله- وتنزيهه عن الشريك في كل ما هو من خصائصه، وتصحيح المعتقد ومدلول رسالة الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -، وفي طليعة ذلك الإِيمان به وبما جاء عنه، وأنه رسول وعبد لله لا يجوز الارتفاع
(1/7)

به عن المقام الذي وضعه الله فيه.
والرسالة الثالثة تحت عنوان. (منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة على ضوء الكتاب والسنة).
تحدث فيها المؤلف عن منهاج هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة البارزة القائمة إِلى قيام الساعة لا يضرها من خالفها إِلى قيام الساعة.
والرسالة الرابعة تحت عنوان (العقيدة الإِسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة).
تحدث فيها المؤلف عن واقع العقيدة السلفية، ومن موضوعاتها أنواع التوحيد وفوائده، والتوسل والشفاعة والسنة والبدعة إِلى غير ذلك من الموضوعات التي لها صلة بتصحيح العقيدة.
أما الرسالة الخامسة فتحت عنوان: (قطوف من الشمائل المحمدية والأخلاق النبوية) الكريمة العظيمة التي يجب التأسي بها وأخذ القدوة منها، وإنا لنشد على يد المؤلف للمزيد من أمثال هذه الركائز الإِسلامية الصغيرة في حجمها، الكبيرة فىٍ مفهومها، ومدلولها، فهي ملائمة للقراء في هذا الزمن للإفادة منها، فالكثير من الناس لا يسمح له وقته بقراءة المطولات، فأمثال هذه الرسائل تغنيه، وتشفيه، وتهديه بهداية الله إِلى صراط الله، وفق الله المؤلف وكتب له أجر المحسنين بمنه وكرمه.
عبد الله عبد الغني خياط
عضو هيئة كبار العلماء
3 - وكتب مدير الجامعة الأثرية ببشاور في باكستان فقال:
فضيلة الأستاذ الشيخ محمد جميل زينو -حفظه الله- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فإِن إدارة الجامعة الأثرية ببشاور تقدم شكرها وتقديرها لكم على ما تبذلونه من الجهود في نشر العقيدة الصحيحة الشافعية على ضوء الكتاب والسنة بصورة
(1/8)

الكتيبات النافعة القيمة ونشرات صغيرة، ولا شك أنها صغيرة في الحجم وكبيرة في العلم والنفع جزاكم الله عنا وعن سائر المسلمين ونفع بكم المسلمين آمين يا رب العالمين، ثم إِننا نبشركم بأن إِدارة الجامعة الأثرية قد قامت بترجمة كتابكم الكريم (العقيدة الإِسلامية) إِلى ثلاث لغات: الأردية - والفارسية - والأفغانية (بشتو) وتم بحمد الله طباعة اللغتين الأخريين في العدد الأول عشرين نسخة من كل لغة، وسوف تنتهي طباعة اللغة الثالثة في أقرب وقت ممكن - إِن شاء الله تعالى، والحمد لله- قد عم نفع هاتين الرسالتين في مخيمات المهاجرين ومراكز المجاهدين والمدارس الابتدائية الأهلية في باكستان حتى جعل بعضها في المناهج الدراسية كي يركز الطالب المبتدئ على عقيدة صحيحة ولله الحمد. والسلام عليكم ورحمة الله.
أخوكم في الله أبو عمر عبد العزيز النورستاني
مدير الجامعة الأثرية بشاور باكستان
(1/9)

(1)
مجموعة رسائل التوجيهات الإِسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع
1 - توجيهات إِسلامية لإِصلاح الفرد والمجتمع.
2 - أركان الإِسلام والإيمان من الكتاب والسنة الصحيحة.
3 - منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
4 - العقيدة الإِسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة.
5 - قطوف من الشمائل المحمدية والأخلاق النبوية والآداب الإسلامية.
6 - حكم التدخين على ضوء الطب والدين.
(1/10)

(1)
توجيهات إسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع
(1/11)

موجز لمحتويات الكتاب (1)
توجيهات إسلامية
* الخصائص الرئيسة في الإسلام
* الإسلام نظام كامل للحياة
* الدعاء هو العبادة
* أين الله؟ الله فوق العرش
* مبطلات الإِسلام
* من أخلاق الرسول وأدبه ودعوته وجهاده - صلى الله عليه وسلم -
* كيف نربي أولادنا؟
* حقوق الوالدين
* اجتنبوا الكبائر واتّبعوا ولا تبتدعوا
* الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
* الجهاد في سبيل الله
* الوصية الشرعية لكل مسلم
* إِعفاء اللحية واجب
* حكم الغناء
* حكم التصوير والتماثيل
* دعاء الشفاء والسفر والضائع
(1/12)

الخصائص الرئيسة في الإِسلام
1 - الإِسلام دين التوحيد: فالإِيمان بوجود خالق واحد للعالم حقيقة تقتنع بها كل العقول المفكرة، وهذا الخالق هو الإله المستحق للعبادة وحده: كالذبح والنذر، ولا سيما الدعاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة" [حسن صحيح رواه الترمذي]
فلا يجوز صرف شيء منها لغير الله.
2 - الإِسلام يُجمِّع ولا يُفرِّق: فهو يؤمن بجميع الرسل الذين أرسلهم الله لهداية البشر، وتنظيم حياتهم، والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتمهم، وشريعته نسخت ما قبلها بأمر من الله - تعالى، أرسله الله إِلى الناس جميعًا لينقذهم من جور الأديان المحرفة إِلى عدل الإِسلام المحفوظ.
3 - إِن تعاليم الاِسلام سهلة واضحة مفهومة، فهو لا يقر الخرافات، ولا المعتقدات الفاسدة، والفلسفات المعقدة، وهو صالح للتطبيق في كل زمان ومكان.
4 - إِن الإِسلام لا يفصل بين المادة والروح فصلاً كاملًا، بل ينظر إِلى الحياة على أنها واحدة تشملهما معًا، فلا يأخذ إِحداهما ويهمل الأخرى.
5 - أكد الإِسلام روح التساوي والأخوة بين المسلمين، فهو ينكر الفوارق الإِقليمية والعصبية، ففي كتابه الكريم: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]
6 - ليس في الإِسلام سلطة كهنوتية تحتكر الدين، ولا أفكار مجردة يصعب تصديقها، ويستطيع كل إِنسان أن يقرأ كتاب الله -تعالى- وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسب فهم السلف الصالح ثم يصوغ حياته طبقًا لهما.

(انظر كتاب الخصائص الرئيسة في الإسلام) للدكتور يوسف القرضاوى
(1/13)

الإِسلام نظام كامل للحياة
1 - إِن الإِسلام ينظم الحياة البشرية في مختلف ميادينها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، كما يرسم لها الطريق الصحيح لحل مشاكلها.
2 - الإِسلام يسعى إِلى تنظيم الحياة للإِنسان، والعنصر الرئيسي هو تنظيم الوقت، والإِسلام وحده أقوى عامل لنجاح المسلم في الدنيا والآخرة.
3 - إِن الإِسلام عقيدة قبل أن يكون شريعة فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ركز جهده في مكة على التوحيد، ثم بعد ذلك طبق الشريعة عندما انتقل إِلى المدينة لإِقامة الدولة الإِسلامية فيها.
4 - الإِسلام يدعو إِلى العلم ويشجع على التطور العلمي النافع، فلقد كان المسلمون، في القرون الوسطى جهابذة في العلوم العصرية، مثل (ابن الهيثم) و (البيروني) وغيرهم.
5 - الإِسلام يبيح المال المكتسب من الحلال الذي لا استغلال فيه ولا غش، ويرغب في المال الحلال للرجل الصالح الذي يدفع منه للفقراء والجهاد، وبهذا تتحقق العدالة الإجتماعية في الأمة المسلمة التي تأخذ تشريعها من خالقها، وفي الحديث: "نِعْمَ المالُ الصالح للمرء الصالح". [صحيح رواه أحمد]
وأما قولهم: (ما جُمِع مالٌ من حلال) فهو مكذوب لا أصل له.
6 - الإِسلام دين الجهاد والحياة: فهو يفرض على كل مسلم (1) أن يبذل ماله وروحه في سبيل نصرة الإسلام، وهو دين الحياة يريد من المسلم أن يعيش حياة هنيئة في ظل الإِسلام، وأن يُؤْثِر أُخراه على دنياه.
7 - إِحياء الفكر الإِسلامي الحر في حدود القواعد الإِسلامية، وإزالة الجمود الفكري، والأفكار الدخيلة التي شوهت جمال الإِسلام الصافي، وحالت دون تقدم المسلمين كالبدع والخرافات والأحاديث الموضوعة وغير ذلك [المصدر السابق]
__________
(1) ليس الجهاد فرض عين مطلقًا، ولا يصح التعبير بالفكر الإسلامي كما قال القرضاوي.
(1/14)

الدعاء هو العبادة
هذا الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي، يدل على أن الدعاء من أهم أنواع العبادة، فكما أن الصلاة لا تجوز أن تكون لرسول أو ولي، فكذلك لا يُدعى الرسول أو الولي من دون الله.
1 - إِن المسلم الذي يقول: يا رسول الله أو يا رجال الغيب غوثًا ومدداً، هو دعاء وعبادة لغير الله، ولو كانت نيته أن الله هو المغيث، مثله مثل رجل أشرك بالله -عَزَّ وَجَلَّ- وقال: أنا في نيتي أن الإِله واحد فلا يقبل منه هذا, لأن كلامه دل على خلاف نيته، فلابد من مطابقة القول للنية والمعتقد، وإلا كان شركاً أو كفراً لا يغفره الله إِلا بتوبة.
2 - فإن قال هذا المسلم: أنا في نيتي أن أتخذهم واسطة إِلى الله، كالأمير الذي لا أستطيع أن أدخل عليه إلا بواسطة، فهذا تشبيه الخالق بالخلوق الظالم الذي لا يدخل عليه أحد إِلا بواسطة، وهذا التشبيه من الكفر.
قال تعالى منزهاً ذاته وصفاته وأفعاله:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]
فتشبيه الله بمخلوق عادل كفر وشرك، فكيف إِذا شبهته بإِنسان ظالم؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرًا.
3 - لقد كان المشركون في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعتقدون أن الله هو الخالق والرازق، ولكنهم يدعون الأولياء الممثلين في الأصنام واسطة تقربهم إِلى الله، فلم يرض منهم هذه الواسطة، بل كفَّرَهم وقال فيهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]
والله -تعالى- قريب سميع لا يحتاج إِلى واسطة، قال الله - تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]
(1/15)

4 - إِن هؤلاء المشركين كانوا يدعون الله وحده عند الشدائد قال تعالى: {وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22]
وكانوا يدعون أولياءهم الممثلة في الأصنام وقت الرخاء، فكفَّرَهم القرآن.
فما بال بعض المسلمين يدعون غير الله من الرسل والصالحين، ويستغيثون بهم، ويطلبون المعونة منهم وقت الشدائد والمحن ووقت الرخاء؟!!
ألم يقرؤوا قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5، 6]
(بعبادتهم أي بدعائهم)
5 - يظن الكثير من الناس أن المشركين الذين ورد ذكرهم في القرآن كانوا يدعون أصناماً من الحجارة، وهذا خطأ؛ لأن الأصنام الذين ورد ذكرهم في القرآن كانوا رجالاً صالحين.
ذكر البخاري، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى- في سورة نوح: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلك أولئك أوحى الشيطان إِلى قومهم: أن انصبوا إِلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إِذا هلك أولئك ونُسِي العلم بها عُبدت (أي الأصنام).
6 - قال الله -تعالى- منكرًا على الذين يدعون الأنبياء والأولياء: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56، 57]
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية ما خلاصته:
(1/16)

نزلت هذه الآية في جماعة من الإِنس كانوا يعبدون الجن ويدعونهم من دون الله، فأسلم الجن.
وقيل نزلت في جماعة من الإنس كانوا يدعون المسيح والملائكة.
فهذه الآية تنكر على من يدعو غير الله ولو كان نبيًا أو ولياً.
7 - يزعم البعض أن الاستغاثة بغير الله جائزة ويقولون: المغيث على الحقيقة هو الله، والاستغاثة بالرسول والأولياء تكون مجازًا كما تقول: شفاني الدواء والطبيب، وهذا مردود عليهم بقول إِبراهيم -عليه السلام-: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 78 - 80]
أكد بالضمير (هو) في كل آية ليدل على أن الهادي والرازق والشافي هو الله لا غيرهُ، وأن الدواء سبب للشفاء وليس شافياً.
- الكثير من الناس لا يفرق بين الاستغاثة بحي أو بميت والله -تعالى- يقول: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 22]
وقوله -تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] وهي حكايته عن رجل استغاث بموسى ليحميه من عدوه، وقد فعل ذلك، {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15]
أما الميت فلا تجوز الاستغاثة به؛ لأنه لا يسمع الدعاء، ولو سمع لا يستطيع الإِجابة لعدم قدرته، قال تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} [فاطر: 14]
(هذا نص صريح في أن دعاء الأموات شرك).
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20، 21]
9 - ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الناس يوم القيامة يأتون الأنبياء فيستشفعون بهم، حتى يأتوا محمدًا فيستشفعوا به أن يفرج عنهم، فيقول: أنا لها، ثم يسجد تحت
(1/17)

العرش ويطلب من الله الفرج وتعجيل الحساب، وهذه الشفاعة طلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو حي يكلمه الناس ويكلمونه، أن يشفع لهم عند الله ويدعو لهم بالفرج، وهذا ما سيفعله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي.
10 - وأكبر دليل على الفرق بين الطلب من الحي والميت هو ما فعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حينما نزل بهم القحط، فطلب من العباس عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد انتقاله للرفيق الأعلى.
11 - يظن بعض أهل العلم أن التوسل كالاستغاثة مع أن الفرق بينهما كبير، فالتوسل هو الطلب من الله بواسطة فتقول مثلا: (اللهم بحبك وحبنا لرسول الله فرج عنا) فهذا جائز، أما الإستغاثة فهي الطلب من غير الله فتقول: (يا رسول الله فرِّج عنا) وهذا غير جائز وهو شرك أكبر لقوله - تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} (أي المشركين) [يونس: 106]
والله -تعالى- يأمر رسوله محمدًا صدى الله عليه وسلم - أن يقول للناس:
{قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} [الجن: 21]
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 20]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وقال الشاعر:
الله أسالُ أنْ يُفرجَ كربَنا ... فالكربُ لا يَمحوهُ إِلا اللهُ

أين الله؟
الله الذي خلقنا، أوجب علينا أن نعرف أين هو؟ حتى نتجه إِليه بقلوبنا ودعائنا وصلاتنا، ومن لا يعرف ربه أين هو؟ يبقى ضائعاً لا يعرف وجهة معبوده، ولا يقوم بحق عبادته.
(1/18)

إِن صفة العُلُو لله على خلقه هي كبقية الصفات الواردة في القرآن والأحاديث الصحيحة, كالسمع والبصر والكلام والنزول وغير ذلك من صفات الله. فإِن عقيدة السلف الصالح، والفرقة الناجية أهل السنة والجماعة الإِيمان بما أخبر الله به في كتابه أو رسوله في أحاديثه من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه، لقوله - تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]
ولما كانت هذه الصفات، ومنها صفة عُلُو الله على خلقه متابعة لذاته، فإِن الإيمان بها واجب، كالإِيمان بالذات العلية، ولذلك قال الإِمام مالك -رضي الله عنه- لما سئل عن معنى قوله - تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فقال: الاستواء معلوم (أي العلو) والكيف مجهول، والإِيمان به واجب.
فانظر يا أخي المسلم إِلى قول مالك -رحمه الله- حيث جعل الإِيمان بالاستواء معرفته واجبة على كل مسلم، وهو العلو، ولكن كيفيته مجهولة لا يعلمها إِلا الله.
إِن كل منكر لصفة من صفات الله الثابتة في القرآن والحديث ومنها العُلُوُّ المطلق وأنه على السماء، يكون منكرًا للآيات والأحاديث الدالة، على إِثباتها، وأن هذه صفات كمال ورفعة وعلُو لا يجوز نفيها عن الله، وإن محاولة بعض المتأخرين تأويل الآيات والصفات -متأثرين بالفلسفة التي أفسدت عقائد كثير من المسلمين- جعلهم يعطلون هذه الصفات الكمالية لله، وخالفوا طريقة السلف وهي أسلم وأعلم وأحكم، وما أحسن من قال:
وكل خير في اتباع مَن سَلف ... وكل شر في ابتداع من خلف

الخلاصة
إِن الإيمان بجميع الصفات الواردة في القرآن والأحاديث الصحيحة واجب، ولا يجوز أن نفرق بين الصفات فنؤمن ببعضها، على ظاهرها، ونتأول بعضها الآخر، فالذي يؤمن بأن الله سميع بصير لا يشبهه بأحد في سمعه وبصره، عليه أن يؤمن بأن
(1/19)

الله في السماء (أي علا السماء علُواً بجلاله لا يُشبهُه أحد) لأنها كلها صفات كمال لله، أثبتها الله لنفسه في كتابه، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - تؤيدها الفطرة السليمة، ويصدقها العقل السليم.
قال نعيم بن حماد شيخ البخاري:
"من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه". [ذكره في شرح العقيدة الطحاوية]

الله فوق العرش
القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة والعقل السليم. والفطرة السليمة تؤيد ذلك.
1 - قال الله - تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]
(أي علا وارتفع) كما جاء في البخاري عن بعض التابعين.
2 - وقال تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 16] قال ابن عباس: (هو الله) كما في تفسير ابن الجوزي.
3 - وقال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]
4 - وقال تعالى عن عيسى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] (أي رفعه الله إِلى السماء)
5 - وقال تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ} [الأنعام: 3] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
"اتفق المفسرون على أننا لا نقول كما تقول الجهمية (فرقة ضالة) إِن الله في كل مكان! تعالى الله عما يقولون علُوًّا كبيرا!! "
(ومعنى في السموات: على السموات).
(1/20)

وأما قوله - تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]
(فمعناه: أن الله معنا بعلمه يسمعنا ويرانا أين كنا، وحيث كنا، وما قبل الآية وبعدها يبين ذلك) انظر تفسير ابن كثير.
6 - وعرج - صلى الله عليه وسلم - إِلى السماء السابعة حتى كلمه ربه، وفرض عليه خمس صلوات [كما رواه البخاريُّ ومسلم]
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء" [رواه البخاري ومسلم]
8 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ارحموا مَن في الأرض يَرحمكم مَن في السماء" (أي هو الله) [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
9 - سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - جارية، فقال لها، أين الله؟ فقالت: في السماء، قال: مَن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة. [رواه مسلم]
10 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "والعرش فوق الماء، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه" [حسن رواه أبو داود]
11 - قال أبو بكر -رضي الله عنه: "ومَن كان يَعبد الله، فإن الله في السماء حيٌّ لا يموت" [رواه الدرامي في الرد على الجهمية بإسناد صحيح]
12 - وسُئل عبدُ الله بن المبارك -رضي الله عنه-: كيف نعرفُ ربنا؟ قال: إِنه فوق السماء على العرش بائنٌ مِن خَلقِهِ. ومعناه: إِن الله فوق العرش بذاته، منفصل مِن خَلقِهِ.
13 - إِن الأئمة الأربعة اتفقوا على عُلو الله فوق عرشه، لا يشبهه أحدٌ من مخلوقاته.
14 - المصلي يقول في سجوده (سبحان ربي الأعلى)، ويرفع يديه إِلى السماء عند الدعاء.
(1/21)

15 - الأطفال حين تسالهم: أين الله؟ فيجيبون بفطرتهم السليمة: هو في السماء (أي على السماء).
16 - العقل الصحيح يؤيد أن الله في السماء، ولو كان في كل مكان لأخبر به الرسول وعلمه أصحابه، علماً بأنه توجد أماكن نجسة وقَذرة! تعالى الله عما يقولون علُواً كبيرًا.
17 - والقول بأن الله معنا في كل مكان بذاته يؤدي إِلى تعدد الذات؛ لأن الأمكنة كثيرة ومتعددة.
ولما كانت ذات الإِلهُ واحدة لا يمكن أن تتعدد بطل القول بأن الله في كل مكان بذاته، وثبت أن الله على السماء فوق عرشه وهو معنا في كل مكان بعلمه يسمعنا ويرانا أينما كنا.

نواقض الإِسلام
إن للإِسلام نواقض إِذا فعل المسلم واحدًا منها فقد فعل الشرك الذي يحبط العمل، ويخلد في النار، ولا يغفره الله إِلا بتوبة وهذه النواقض:
1 - دعاء غير الله: كدعاء الأنبياء أو الأولياء الأموات أو الأحياء الغائبين لقول الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} (أي المشركين) [يونس: 106]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن مات وهو يدعو مِن دون الله نِداً دخل النار" (الند: المثيل والشريك) [رواه البخاري]
2 - اشمئزازُ القلب من توحيد الله، ونفوره من دعائه والاستغاثة به وحده، وانشراح القلب عند دعاء الرسل أو الأولياء الأموات أو الأحياء الغائبين، وطلب المعونة منهم لقوله -تعالى- عن المشركين:
(1/22)

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45]
(وتنطبق الآية على الذين يحاربون من يستعين بالله وحده، ويقولون عنه وهابي، إذا علموا أن الوهابية تدعو للتوحيد).
3 - الذبح لرسول أو ولي لقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] (أي صَلِّ لربك واذبح له)
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله من ذبح لغير الله" [رواه مسلم]
4 - النذر لمخلوق على سبيل التقريب والعبادة له، وهي لله وحده. قال الله تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران: 35]
5 - الطواف حول القبر بنية التقرب والعبادة له، وهو خاص بالكعبة، لقول الله - تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]
6 - الاعتماد والتوكل على غير الله، لقول الله تعالى: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84]
7 - الركوع أو السجود بنية العبادة للملوك أو العظماء الأحياء أو الأموات إِلا أن يكون جاهلًا لأن الركوع والسجود عبادة لله وحده.
8 - إنكار ركن من أركان الإِسلام المعروفة كالصلاة والزكاة والصوم والحج أو إنكار ركن من أركان الإِيمان: وهي الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
9 - كراهية الإِسلام، أو كراهية شيء أجمع العلماء عليه في العبادات أو المعاملات، هو الاقتصاد، أو الأخلاق لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9]
10 - الاستهزاء بشيء من القرآن، أو الحديث المتفق على صحته ودلالته، أو بحكم مجمع عليه من أحكام الإِسلام، لقوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ
(1/23)

تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66]
11 - إِنكار شيء من القرآن الكريم، أو الأحاديث المتفق على صحتها يوجب الردة عن الدين إِذا تعمد ذلك عن علم.
12 - شتمُ الرب أو لعنُ الدين أو سَبّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو الاستهزاء بحاله، أو نقد ما جاء به كل ذلك مما يوجب الكفر.
13 - إِنكار شيء من أسماء الله، أو صفاته، أو أفعاله الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة من غير جهل ولا تأويل
14 - عدم الإِيمان بجميع الرسل الذين أرسلهم الله لهداية الناس، أو انتقاص أحدهم لقوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285]
15 - الحكم بغير ما أنزل الله إِذا اعتقد عدم صلاحية حكم الإِسلام أو أجاز الحكم بغيره لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]
16 - التحاكم لغير الإِسلام، وعدم الرضا بحكم الإِسلام، أو يرى في نفسه ضيقاً وحرجاً في حكمه لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]
17 - إِعطاء غير الله حق التشريع كالديكتاتورية، أو الديمقراطية، أو غيرها ممن تسمح بالتشريع المخالف لشرع الله. لقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]
18 - تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله كتحليل الزنى أو الربا غير متأول، لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]
19 - الإِيمان بالمبادئ الهدامة، كالشيوعية الملحدة، أو الماسونية اليهودية، أو الاشتراكية الماركسية، أو العلمانية الخالية من الدين، أو القومية التي تفضل غير المسلم
(1/24)

العربي على المسلم الأعجمي لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]
20 - تبديل الدين والانتقال من الإِسلام لغيره لقوله - تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 217] ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بَدَّل دينه فاقتلوه" [رواه البخاري]
21 - مناصره اليهود والنصارى والشيوعين ومعاونتهم على المسلمين لقوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]
22 - عدم تكفير الشيوعين المنكرين لوجود الله، أو اليهود والنصارى الذين لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - , لأن الله كفرهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]
23 - قول بعض الصوفيين بوحدة الوجود: وهو ما في الكون إِلا الله، حتى قال زعيمهم:
وما الكلب والخنزير إِلا إِلهنا ... وما الله إِلا راهبٌ في كنيسة
وقال زعيمهم الحلاج: (أنا هو، وهو أنا) فحكم العلماء عليه بالقتل فأُعدِم.
24 - القول بانفصال الدين عن الدولة، وأنه ليس في الإِسلام سياسة حكم لأنه تكذيب للقرآن والحديث والسيرة النبوية.
25 - قول بعض الصوفية: إِن الله سلم مقاليد الأمور لبعض الأولياء من الأقطاب وهذا شرك في أفعال الرب -سبحانه- يخالف قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر: 63]
26 - إِن هذه المبطلات أشبه بنواقض الوضوء، فإِذا فعل المسلم واحدًا منها، فليجدد إسلامه، وليترك المبطل، وليَتُب إِلى الله قبل أن يموت فيحبط عمله، ويُخلَّد
(1/25)

في نار جهنم قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]
وعلّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقول: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم". [رواه أحمد بسند حسن]

لا تُصدق الدجَّالين
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" [صحيح رواه أحمد]
يحرم تصديق المنجم والكاهن والعراف والساحر والرمال والمندِّل وغيرهم ممن يَدعي العلم بما في النفس، هو بالماضي أو المستقبل, لأن ذلك من اختصاص الله قال تعالى: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد: 6] {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" [رواه مسلم]
وما يقع من الدجالين إِنما هو التخمين والمصادفة والظن، وأكثره كذب من الشيطان لا يغتر به إِلا ناقص العقل، ولو كانوا يعلمون الغيب لاستخرجوا الكنوز من الأرض، ولما أصبحوا فقراء يحتالون على الناس لأكل أموالهم بالباطل، وإن كانوا صادقين فليخبرونا عن أسرار اليهود لإِحباطها.

لا تحلف بغير الله
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحلفوا بآبائكم، مَن حلف بالله فليصدُق، ومَن حُلِف له بالله فليرضَ، ومَن لم يَرض بالله فليس من الله". [صحيح رواه ابن ماجه، انظر صحيح الجامع 7124]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله،
(1/26)

ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون". [صحيح رواه أبو داود، انظر صحيح الجامع 7126]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف بغير الله فقد أشرك" [صحيح رواه أحمد وغيره]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين صبر (1) يقطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر (2)، لقي الله وهو عليه غضبان". [متفق عليه]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه". [رواه مسلم]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف فاستثنى (3)، فإن شاء مضى، وإن شاء ترك غير حنِث" (لا تلزمه كفارة اليمين) [صحيح رواه النسائي انظر صحيح الجامع 6082]
7 - وقال عبد الله بن مسعود: "لأن احلف بالله كاذبًا خيرٌ من أحلف بغيره صادقاً".
8 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعُزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق بشيء". [متفق عليه]
9 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف بمِلة غير الإِسلام كاذبًا، فهو كما قال". [متفق عليه]
معناه: إِذا قال المسلم: إن كان فعل ذلك فهو يهودي أو نصراني فإِن اعتقد تعظيم ذلك كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فيُنظر، فإِن كان أراد أن يكون متصفاً بذلك كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر [انظر فتح الباري ج11/ 536]

يستفاد من هذه الأحاديث
1 - يحرم الحلف بالنبي والكعبة والأمانة والذمة والولد والأبوين والشرف والأولياء وغيرها من المخلوقات، وهو من الشرك الأصغر, لأنه أشرك مع الله غيره في تعظيمه حينما حلف به، وهو من كبائر الذنوب، يجب النهي عنه، وتركه، والتوبة منه،
__________
(1) صبر: تلزمه من الحاكم.
(2) فاجر: كاذب.
(3) قال: إِن شاء الله.
(1/27)

وقد يكون الحلف بغير الله من الشرك الأكبر، وذلك إِذا اعتقد الحالف بالولي أن له سر التصرف ينتقم منه إِذا حلف به كاذباً؛ لأنه أشرك مع الله هذا الولي في التصرف والانتقام والضرر.
2 - الحلف بغير الله ليس بيمين شرعي لا يلزم الحالف فعله، ولا كفارة عليه.
3 - من حلف أن يقطع رحمه، أو يفعل معصية، فلا يفعل، وليكفر عن يمينه، وكفارة اليمين وردت في قول الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]

من أخلاق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -
كان خلقه القرآن، يسخط لسخطه ويرضى لرضاه، لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها إِلا أن تُنتَهك حرمات الله فيغضبُ لله.
وكان - صلى الله عليه وسلم - أصدقَ الناس لَهجةً، وأوفاهم ذِمّة، وألينهم عريكة وأكرمهم عِشرة، وأشدَّ حياء من العذراء في خدرِها، خافض الطرف أكثرُ نظره التفكير، ولم يكن فاحشًا ولا لعانًا، ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، من مسألة حاجة لم يَرده إِلا بها أو بميسور من القول، ليس بفظّ ولا غليظ، لا يقطع على أحد حديثه حتى يتعدَّى الحق فيقطعه بنهي أو قيام.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يحفظُ جاره ويكرمُ ضيفه، لا يمضي له وقت في غير عمل لله، أو فيما لا بد منه، يُحب التفاؤل ويكره التشاؤم، وما خُير بين أمرين إِلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، يحب إِغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم.
(1/28)

وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب أصحابه ويشاورهم ويتفقدهم: فمن مرض عاده، ومن غاب دعاه، ومن مات دعا له، يقبل معذرة المعتذر إليه، والقويُّ والضعيف عنده في الحق سواء، وكان يُحدِّثُ حديثاً لوعدَّه العادُّ لأحصاه (لفصاحته وتمهُّلهِ) وكان - صلى الله عليه وسلم - يمزح ولا يقول إلا حقًا (صدقاً) - صلى الله عليه وسلم -.

من أدب الرسول وتواضعه - صلى الله عليه وسلم -
كان أرحم الناس وأشدهم إِكراماً لأصحابه، يوسع عليهم إِذا ضاق المكان، يبدأ من لقيه بالسلام، وإذا صافح رجلًا لا يَنزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده.
كان - صلى الله عليه وسلم - أكثر الناس تواضعاً، وإذا انتهى إِلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبهم ولا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، وإذا جلس إِليه أحدهم لم يقم حتى يقوم الذي جلس إِليه إلا أن يستعجله أمر فيستأذنه.
كان - صلى الله عليه وسلم - يَكره القيام له (1): عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهيته لذلك) [صحيح رواه أحمد والترمذي]
وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يواجه أحدًا بما يكره، يعود المريض ويحب المساكين، ولِجالسهم ويشهد جنائزهم، ولا يحقرُ فقيرًا لفقره، ولا يَهاب مَلِكاً لمُلكه، يُعظم النعمة وإن قلت: فما عابَ طعاماً قط إِن اشتهاه أكله وإلا تركه، يأكل ويشرب بيمينه بعد أن يسمّي الله في أوله ويحمده في آخره.
__________
(1) يجوز لصاحب البيت القيام إلى الضيف لاستقباله, لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعله ويجوز القيام إلى قادم من سفر لمعانقته, لأن الصحابة -رضي الله عنهم- فعلوه.
(1/29)

يحب الطيب، ويكره الخبائث كالبصل والثوم وأمثالها لرائحتها.
ولما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللهم هذه حجة لا رياءَ فيها ولا سمعة" [صحيح رواه المقدسي]
وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يتميز على أصحابه في ملبس أو مجلس، يدخل الأعرابي فيقول: أيكم محمد؟ أحب اللباس إِليه القميص (ثوب طويل لنصف ساقيه) لا يُسرف في مأكل أو ملبس، يلبس القلنسوة والعمامة وخاتماً من فضة في خنصره الأيمن وله لحية كبيرة.

دعوة الرسول وجهاده - صلى الله عليه وسلم -
أرسل الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، فدعا العرب والناس أجميعاً إِلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
وأول ما دعا إِليه توحيد عبادة الله: ومنها الدعاء لله وحده لقوله - تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 20]
ولقد عارض المشركون هذه الدعوة لمخالفتها عقيدتهم الوثنية وتقليدهم الأعمى لآبائهم، واتهموا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالسحر والجنون بعد أن كانوا يسمونه الصادق الأمين.
لقد صبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أذى قومه، ممتثلاً أمر ربه القائل: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24]
وبقي ثلاثة عشر عامًا في مكة يدعو إِلى التوحيد ويتحمل مع أتباعه العذاب، ثم هاجر مع أصحابه إِلى المدينة ليقيم المجتمع الإِسلامي الجديد على العدل والمحبة والمساواة، قد أيده الله بمعجزات أهمها القرآن الكريم الداعي إِلى التوحيد والعلم والجهاد ومكارم الأخلاق ....
كاتَب - صلى الله عليه وسلم - ملوك الأرض، فكتب إِلى هرقل عظيم الروم:
(1/30)

"اسلِم تسلَم يؤتك الله أجرَك مرتين".
و {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64]
(لا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل)
حارب الرسول - صلى الله عليه وسلم - المشركين واليهود وانتصر عليهم، وغزا بنفسه عشرين غزوة تقريباً، وأرسل عشرات السرايا من أصحابه للجهاد والدعوة للإِسلام وتحرير الشعوب من الظلم والاستعباد، وكان يعلمهم أن يبدأوا بالتوحيد.

حب الرسول واتّباعه - صلى الله عليه وسلم -
قال الله-تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين". [رواه البخاري ومسلم]
لَقد اجتمع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكارم الأخلاق والشجاعة والكرم فمن رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، ولقد بلغ الرسول الرسالة، ونصح الأمة، وجمع الكلمة، وفتح مع صحابته القلوب بتوحيدهم، كما فتحوا البلاد بجهادهم لِيُخبرجوا الناسَ من عبادة العباد، إلى عبادة ربِّ العباد.
وقد أوصلوا إِلينا هذا الدين، كاملا خاليًا من البدع والخرافات لا يحتاج إِلى زيادة أو نقصان قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بعثت لِأُتمم صالحَ الأخلاق" [صححه الحاكم ووافقه الذهبي]
هذه أخلاق رسولكم، فتمسكوا بها لتكونوا محبين صادقين:
(1/31)

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]
واعلموا أن الحب الصادق لله ورسوله يتطلبُ العمل بكتاب الله، وأحاديث رسوله الصحيحة, والاحتكام إِليهما ومحبة التوحيد الذي دعا إِليه، وتطبيقه وعدم تقديم حكم أو قول أحد عليهما.
قال الله-تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]
ومن علامات حبه - صلى الله عليه وسلم - حب التوحيد الذي دعا إِليه وتطبيقه وحب مَن يدعو إليه من الدعاة، وعدم نبزهم بالألقاب المنفرة.
اللهم ارزقنا حُبه واتباعه وشفاعته والتخلق بأخلاقه - صلى الله عليه وسلم -.

من وصايا الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - " إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلُّوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه" [رواه الحاكم وصححه الألباني]
2 - "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدِيين تمسكوا بها" [صحيح رواه أحمد]
3 - "يا فاطمة بنت محمد سليني مِن مالي ما شئتِ لا أغني عنكِ مِن الله شيئًا" [رواه البخاري]
4 - "مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله" [رواه البخاري]
5 - "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله". [رواه البخاري]
(لا تطروني: لا تزيدوا في مدحي)
6 - "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" [رواه البخاري]
7 - "مَن تقوَّل علَيَّ ما لم أقُل فليَتَبوَّأ مقعدَه مِن النار". [صحيح رواه أحمد]
(1/32)

8 - "إني لا أصافح النساء" [صحيح رواه الترمذي]
(اللاتي يجوز الزواج منهن).
9 - "من رغب عن سُنتي فليس مِني" [متفق عليه]
10 - "اللهم إني أعوذ بك مِن علم لا ينفع" [رواه مسلم]
(أي لا أعمل به، ولا أُعلمه، ولا يُبَدل أخلاقي السيئة).
11 - "من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ" [رواه مسلم]
(رَد: أي مردود عليه غير مقبول).

كيف نربي أولادنا؟
قال الله-تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] الأم والأب والمعلم والمجتمع مسؤولون أمام الله عن تربية هذا الجيل، فإِن أحسنوا تربيته سعد وسعدوا في الدنيا والآخرة، وإن أهملوا تربيته شقي، وكان الوزر في أعناقهم. ولهذا جاء في الحديث:
"كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتهِ". [متفق عليه]
فبشرى لك أيها المعلم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فوالله لأن يهديَ الله بك رجلا واحداً خيرٌ لك مِن حُمرِ النَّعم". [رواه البخاري]
(حُمر النعم: الإِبل الحمراء وكل مركوب جيد).
وبشرى لكما أيها الأبوان بهذا الحديث الصحيح:
"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له" [رواه مسلم]
فليكن إِصلاحك لنفسك أيها المربي قبل كل شيء، فالحسن عند الأولاد ما فعلت، والقبيح ما تركت، وإن حُسْن سلوك المعلم والأبوين أمام الأولاد أفضل تربية لهم،
(1/33)

وعلينا أن نهتم بما يلي:
1 - تعليم الطفل النطق ب "لا إِله إِلا الله، محمد رسول الله" وإفهامه معناها عندما يكبر. (لا معبود بحق إِلا الله، ومحمد مبلغ عن الله).
2 - غرس محبة الله والإِيمان به في قلب الولد؛ لأن الله خالقنا ورازقنا ومغيثنا وحده لا شريك له، وهو المعبود بحق.
3 - ترغيب الأولاد في الجنة، وأنها لمن صلى وأطاع والديه، وعمل بما يرضي الله، وتحذيرهم من النار وأنها لمن ترك الصلاة وعن والديه، وأسخط الله واحتكم لغير شرعه، وأكل أموال الناس بالغش والكذب والربا وغيرها.
4 - تعليم الأولاد أن يسألوا الله ويستعينوا به وحده لقوله - صلى الله عليه وسلم - لابن عمه: "إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"
[رواه الترمذي وقال حسن صحيح]

تعليم الصلاة للأولاد
1 - يجب تعليم الصبي والبنت الصلاة في الصغر ليلتزماها عند الكبر لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "علِّموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرقوا بينهم في المضاجع" [صحيح انظر صحيح الجامع للألباني]
والتعليم يكون بالوضوء والصلاة أمامهم، والذهاب بهم إِلى المساجد وترغيبهم بكتاب فيه كيفية الصلاة لتتعلم الأسرة كلها أحكام الصلاة. وهذا مطلوب من المعلم والأبوين، وكل تقصير سيسألهم الله عنه.
2 - تعليم الأولاد القرآن الكريم، فنبدأ بسورة الفاتحة والسور القصيرة وحفظ (التحيات لله) لأجل الصلاة، وأن نخصص لهم معلماً للتجويد وحفظ القرآن والحديث .....
(1/34)

3 - تشجيع الأولاد على صلاة الجمعة والجماعة في المسجد وراء الرجال، والتلطف في نصحنا لهم إِن أخطؤوا، فلا نزعجهم ولا نصرخ بهم، لئلا يتركوا الصلاة ونأثم بسبب ذلك، وإذا تذكرنا طفولتنا ولعبنا فسوف نعذرهم.

التحذير من المحرمات
1 - تحذير الأولاد من الكفر والسب واللعن والكلام البذيء وإفهامهم بلطف أن الكفر حرام يسبب الخسران ودخول النار، وعلينا أن نحفظ ألسنتنا أمامهم لنكون قدوة حسنة لهم.
2 - تحذير الأولاد من الميسر بأنواعه كاليانصيب، والطاولة. وغيرها. ولو كان للتسلية؛ لأنها تجر إِلى القمار، وتورث العداوة، وأنها خسارة لهم ولمالهم ولوقتهم، وضياع لصلواتهم.
3 - منع الأولاد من قراءة المجلات الخليعة، والصور المكشوفة، والقصص البوليسية، ومنعهم من مثل هذه الأفلام في السينما والتلفزيون والفيديو لضررها على أخلاقهم ومستقبلهم.
4 - تحذير الولد من التدخين وإفهامه أن الأطباء أجمعوا على أنه يضر الجسم ويورث السرطان وينخر الأسنان، كريه الرائحة. معطل للصدر ليست له فائدة فيحرم شربه وبيعه. وينصح بأكل الفواكه والموالح عوضًا عنه.
5 - تعويد الأولاد الصدق قولًا وعملاً، بأن لا نكذب عليهم ولو مازحين، وإذا وعدناهم فلنوف بوعدنا، وفي الحديث الصحيح: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّثَ كَذب، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا اؤتُمِنَ خان". [متفق عليه]
6 - أن لا نطعم أولادنا المال الحرام كالرشوة والربا والسرقة ومنها الغش وهو سبب لشقائهم وتمردهم وعصيانهم.
(1/35)

7 - عدم الدعاء على الأولاد بالهلاك والغضب لأن الدعاء قد يستجاب بالخير والشر، وربما يزيدهم ضلالاً، والأفضل أن نقول للولد: أصلحك الله.
8 - التحذير من الشرك بالله: وهو دعاء غير الله من الأموات، وطلب المعونة منهم، فهم عباد لا يملكون خيرا ولا نفعاً، قال الله - تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106] (أي المشركين)

الستر والحجاب
1 - ترغيب البنت في الستر منذ الصغر لتلتزمه في الكبر، فلا نلبسها القصير من الثياب، ولا البنطال والقميص بمفردهما لأنه تشبه بالرجال والكفار، وسبب لفتنة الشباب والإِغراء، وعلينا أن نأمرها بوضع غطاء على رأسها (لستر شعرها) منذ السابعة من عمرها، وبتغطية وجهها عند البلوغ، وباللباس الأسود الساتر الطويل الفضفاض الذي يحفظ شرفها، وهذا القرآن الكريم ينادي المؤمنات جميعًا بالحجاب فيقول: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]
وينهى الله -تعالى- المؤمنات عن التبرج والسفور فيقول: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]
2 - توصية الأولاد أن يلتزم كل جنس بلبالسه الخاص ليتميز عن الجنس الآخر، وأن يبتعدوا عن لباس الأجانب وأزيائهم كالبنطال الضيق، وغير ذلك من العادات الضارة، ففي الحديث الصحيح: "لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، ولعن المخنثين مِن الرجال، والمترَجلات مِن النساء". [رواه البخاري]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ومَن تشَبهَ بقوم فهوَ منهم". [صحيح رواه أبو داود]
(1/36)

الأخلاق والآداب
1 - نُعوّد الطفل استعمال اليد اليمنى في الأخذ والعطاء والأكل والشرب، والكتابة والضيافة، وتعليمه التسمية أول كل عمل، خصوصاً الطعام والشراب وأن يكون قاعدًا، وأن يقول الحمد لله عند الانتهاء.
2 - تعويد الولد النظافة، فيقص أظافره، ويغسل يديه قبل الطعام وبعده، وتعليمه الاستنجاء وأخذ الورق بعد البول ليمسحه أو الغسل بالماء لتصح صلاته، ولا ينجس لباسه.
3 - أن نتلطف في نصحنا لهم سراً، وأن لا نفضحهم إِن أخطؤوا، فإِن أصروا على العناد تركنا الكلام معهم ثلاثة أيام ولا نزيد.
4 - أمر الأولاد بالسكوت عند الأذان، وإجابة المؤذن بمثل ما يقول، ثم الصلاة على النبي ودعاء الوسيلة: "اللهم رَب هذهِ الدعوةِ التامة، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلةَ والفضيلة، وابعثة مقاماً محموداً الذي وعدته" [رواه البخاري]
5 - أن نجعل لكل ولد فراشاً مستقلاً إِذا أمكن، وإلا فلحافاً مستقلاً، والأفضل تخصيص غرفة للبنات، وغرفة للبنين، وذلك حفظاً لأخلاقهم وصحتهم.
6 - تعويده ألا يرمي الأوساخ في الطريق، وأن يرفع ما يؤذي عنه.
7 - التحذير من رفقاء السوء ومراقبتهم من الوقوف في الشوارع.
8 - التسليم على الأولاد في البيت والشارع والصف بلفظ: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
9 - توصية الولد بالإِحسان إِلى الجيران وعدم إيذائهم.
10 - تعويد الولد إِكرام الضيف واحترامه وتقديم الضيافة له.
(1/37)

الجهاد والشجاعة
1 - يفضل تخصيص جلسة للاسرة، وللتلاميذ يقرأ فيها المعلم كتاباً في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أصحابه، ليعلموا أنه القائد الشجاع، وأن صحابته كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية فتحوا بلادنا، وكانوا سببًا في هدايتنا، وانتصروا بسبب إِيمانهم وقتالهم وعملهم بالقرآن والسنة، وأخلاقهم العالية.
2 - تربية الأولاد على الشجاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا يخافوا إِلا الله، ولا يجوز تخويفهم بالأكاذيب والأوهام والظلام.
3 - أن نغرس في الأولاد حب الانتقام من اليهود والظالمين، وأن شبابنا سيحررون فلسطين والقدس حينما يرجعون إِلى تعاليم الإِسلام والجهاد في سبيل الله وسينتصرون بإذن الله.
4 - شراء قصص تربوية نافعة إِسلامية مثل: سلسلة قصص القرآن الكريم والسيرة النبوية وأبطال الصحابة والشجعان من المسلمين مثل كتاب:
1 - الشمائل المحمدية، والأخلاق النبوية، والآداب الإِسلامية.
2 - العقيدة الإِسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة.
3 - أركان الإِسلام والإِيمان.
4 - منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
5 - حكم الإِسلام في التدخين.
6 - توجيهات إِسلامية لإِصلاح الفرد والمجتمع.
7 - معلومات مهمة من الدين.
8 - توجيه المسلمين إِلى طريق النصر والتمكين.
9 - معجزة الإسراء والمعراج.
10 - من بدائع القصص النبوي الصحيح.
(1/38)

حقوق الوالدين على الولد
إِذا أردت النجاح في الدنيا والآخرة فأعمل بالوصايا الآتية:
1 - خاطب والدلِك بأدب: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.
2 - أطع والديك دائمًا في غير معصية، فلا طاعة لخلوق في معصية الخالق.
3 - تلطف بوالديك ولا تعبس بوجههما, ولا تُحدق النظر إِليهما غاضبًا.
4 - حافظ على سمعة والديك وشرفهما ومالهما ولا تأخذ شيئًا بدون إِذنهما.
5 - اعمل ما يسرهما ولو من غير أمرهما كالخدمة وشراء اللوازم، والاجتهاد في طلب العلم.
6 - شاورهما في أعمالك كلها واعتذر لهما إِذا اضطررت للمخالفة.
7 - أحب نداءهما مسرعًا بوجه مبتسم قائلا: نعم يا أمي ويا أبي، ولا تقل يا بابا وماما، فهي كلمات أجنبية. (تركية).
8 - أكرم صديقهما وأقرباءهما في حياتهما، وبعد موتهما.
9 - لا تجادلهما ولا تخطِّئهما وحاول بأدب أن تبين لهما الصواب.
10 - لا تعاندهما, ولا ترفع صوتك عليهما، وأنصت لحديثهما. وتأدب معهما, ولا تزعج أحد إِخوانك إِكراماً لوالديك.
11 - انهض إِلى والديك إِذا دخلا عليك، وقبّل رأسهما.
12 - ساعد أمك في البيت، ولا تتأخر عن مساعدة أبيك في عمله.
13 - لا تسافر إِذا لم يأذنا لك ولو لأمر هام، فإِن اضطررت فاعتذر لهما, ولا تقطع رسائلك عنهما.
(1/39)

14 - لا تدخل عليهما بدون إِذن ولا سيما وقت نومهما وراحتهما.
15 - إِذا كنت مبتلىً بالتدخين فلا تدخن أمامهما.
16 - لا تتناول طعاماً قبلهما، وأكرمهما في الطعام والشراب،
17 - لا تكذب عليهما, ولا تلمهما إِذا عملا عملًا لا يُعجبك.
18 - لا تفضل زوجتك، أو ولدك عليهما، واطلب رضاءهما قبل كل شيء فرضاء الله في رضاء الوالدين وسخطه في سخطهما.
19 - لا تجلس في مكان أعلى منهما, ولا تمد رجليك في حضرتهما متكبراً.
20 - لا تتكبر في الانتساب اِلى أبيك ولو كنت موظفاً كبيرًا، واحذر أن تنكر معروفهما أو تؤذيهما ولو بكلمة.
21 - لا تبخل بالنفقة على والديك حتى يشكواك، فهذا عار عليك، وسترى ذلك من أولادك، فكما تدين تُدان.
22 - أكثر من زيارة والديك وتقديم الهدايا لهما، واشكرهما على تربيتك وتعبهما عليك، واعتبر بأولادك وما تقاسيه معهم.
23 - أحق الناس بالإكرام أمك ثم أبوك واعلم أن الجنة تحت أقدام الأمهات.
24 - احذر عقوق الوالدين وغضبهما فتشقى في الدنيا والآخرة. وسيعاملك أولادك بمثل ما تعامل به والديك.
25 - إِذا طلبت شيئًا من والديك فتلطف بهما واشكرهما إِن أعطياك، واعذرهما اِن منعاك، ولا تكثر طلباتك لئلا تزعجهما.
26 - إِذا أصبحت قادرًا على كسب الرزق فأعمل، وساعد والديك.
27 - إِن لوالديك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، وحاول التوفيق بينهما إِن اختلفا وقدم الهدايا للجانبين سراً.
28 - إِذا اختصم أبواك مع زوجتك فكن حكيمًا وأفهم زوجتك أنك معها إِن كان الحق بجانبها وأنك مضطر لترضيتهما.
(1/40)

29 - إذا اختلفت مع أبويك في الزواج والطلاق فاحتكموا إِلى الشرع فهو خير عون لكم.
30 - دعاء الوالدين مستجاب بالخير والشر، فاحذر دعاءهما عليك بالشر.
31 - تأدب مع الناس فمن سب الناس سبوه، قال - صلى الله عليه وسلم -: "من الكبائر شتم الرجل والديه: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه، فيسب أمه". [متفق عليه]
32 - زر والديك في حياتهما وبعد موتهما، وتصدق عنهما، وأكثر من الدعاء لهما قائلا: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} {رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.

اجتنبوا الكبائر
1 - قال الله-تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]
2 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس وعقوق الوالدين، وشهادة الزور" [متفق عليه]
3 - الكبيرة: هي كل معصية فيها عقوبة حَد في الدنيا أو وعيد في الآخرة.
4 - عدد الكبائر: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: هي إِلى السبعمائة أقربُ منها إِلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإِصرار. والكبائر متفاوتة في درجاتها.
(1/41)

أنواع الكبائر
1 - الكبائر في العقيدة: الشرك بالله وهو العبادة أو الدعاء لغير الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
والتعليم الشرعي للدنيا فقط، وكتمان العلم، والخيانة، وتصديق الكاهن أو الساحر، أو المنجم، والذبح، والنذر لغير الله، وتعلم السحر وتعاطيه، والحلف بغير الله، (كالشرف والولد والنبي والكعبة وغيرها) ولعن المسلم أو تكفيره بلا دليل، وعدم تكفير الكافرين، والكذب على الله ورسوله (كالأحاديث الموضوعة لمن يعرف أنها موضوعة) والأمن من عذاب الله، واللطم والنياحة على الميت، والتكذيب بالقدر، وتعليق التميمة: (كالخرز أو النضوة، أو الكف على الولد أو السيارة أو الدار تُعلَّق من العين).
2 - الكبائر في النفس والعقل: قتل النفس بغير حق، وإحراق الإنسان أو الحيوان بالنار، والاستطالة على الضعيف أو الزوجة، أو التمليذ، أو الخادم، أو الدابة، والغيبة، والنميمة (نقل الكلام السيئ للفتنة) والمشروبات المسكرة بأنواعها: (كالخمر والنبيذ والوسكي والبيرة وغيرها) وتناول السموم، وأكل لحم الخنزير والميتة بلا ضرورة، والأشربة الضارة: (كالحشيش والدخان لضررهما)، وقتل الإِنسان نفسه ولو ببطء كالتدخين، والجدال بالباطل، وظلم الناس والاعتداء عليهم، ورد الحق، أو الغضب منه، والسخرية، ولعن المسلم، أو سب أحد الصحابة، والتكبر، والعُجب والتجسس (التسمع على الناس بما يخفون)، والوشاية عند الحاكم للإِيذاء، والكذب في غالب أقواله، والتماثيل والتصوير لذات الروح من غير ضرورة، كالهوية أو الرخصة أو جواز السفر.
3 - الكبائر في المال: أكل مال اليتيم، والقمار، واليانصيب، والسرقة، وقطع الطريق، وأخذ المال غصباً، والرشوة، ونقص الكيل والميزان واليمين الغموس (الحلف بالله كذباً
(1/42)

لأخذ المال) والخديعة في البيع والشراء، وعدم الوفاء بالعهد، وشهادة الزور، والغش، والتبذير، والإضرار بالوصية (أن يوصي بدين ليس عليه ليمنع الورثة من حقهم)، وكتمان الشهادة، وعدم الرضا بما قسمة الله، ولبس الذهب للرجال، وإِطالة الثوب أو البنطال تحت الكعبين تكبراً.
4 - الكبائر في العبادات: ترك الصلاة، أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر، ومنع الزكاة، والإِفطار في رمضان بلا عذر، وترك الحج مع القدرة عليه، والفرار من الجهاد في سبيل الله وترك الجهاد بالنفس أو المال أو اللسان على من وجب عليه وترك صلاة الجمعة أو الجماعة من غير عذر، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المستطيع، وعدم التنزه من البول (عدم التطهر من البول بالورق أو الحجر أو الماء)، وعدم العمل بالعلم.
5 - الكبائر في الأُسرَة والنسب: الزنا، واللواط (إِتيان الذكور)، وقذف المحصنات المؤمنات (الطعن في أعراضهن)، وتبرج المرأة، وإظهار شعرها، وتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء (كحلق اللحية)، وعقوق الوالدين (عدم إِطاعتهما في غير معصية)، وهجر الأقارب من غير سبب مشروع، وعصيان المرأة زوجها في الفراش بلا عذر كالحيض والنفاس، وما يعمله المحلل والمحلَّل له من حيل (المحلِّل: هو الذي ينكح زوجة مطلقة ليردها لزوجها الأول وهو المحلَّل له) وإِنكار المرأة إِحسان زوجها، والانتساب إِلى غير الأب مع العلم به، والراضي لأهله بالزنا، وأذى الجار، ونتف الشعر من الوجه أو الحاجب للمرأة أو الرجل.
6 - التوبة من الكبائر: أخي المسلم: إِذا وقعت في كبيرة فاتركها حالًا، وتب واستغفر الله، ولا تَعُد، لقوله - تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ....} [النساء: 17، 18]
(1/43)

اتَّبعوا ولا تبتدعوا
1 - إِذا أردت أن تحذر من البدع في الدين، وتحكم عليها بالضلال يقول لك بعض الناس: نظارتك الزجاجية بدعة! والجواب أن هذه ليست من الدين، بل هي من المخترعات الدنيوية التي قال عنها - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" [رواه مسلم]
وهذه المخترعات سلاح ذو حدين: فالراديو مثلًا إِذا أحسنا استعماله فسمعنا القرآن، والأحاديث الدينية كان حلالًا ومطلوباً، وإذا استمعنا منه إِلى الأغاني الخليعة والموسيقا كان حرامًا، لأنه بذلك يفسد الأخلاق، ويضر المجتمع.
2 - البدعة الدينية: هي ما لم يقم عليها دليل من الكتاب والسنة الصحيحة, وتكون هذه البدعة في العبادات والدين، وهذا النوع من البدع هو الذي أنكره الإِسلام، وحكم عليه بالضلال:
1 - قال تعالى منكرًا على المشركين ابتداعهم: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدَّ، [رواه مسلم] (رَدٌّ: أي مردود)
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم ومحدَثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يَدعها"
(أي يتركها) [صحيح رواه الطبراني وغيره]
5 - وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس أنها حسنة.
6 - قال مالك -رحمه الله-: من ابتدع في الإِسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأن الله -تعالى- يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]
فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينا.
(1/44)

7 - وقال الشافعي -رحمه الله-: من استحسن فقد شرع، ولو جاز الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل الإِيمان. ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب، وأن يُخرج كل إِنسان لنفسه شرعًا جديداً.
8 - وقال غضيف: لا تظهر بدعة إِلا تُرك مثلها سنة.
9 - وقال الحسن البصري: لا تجالِس صاحب بدعة فيمرضَ قلبك.
10 - وقال حذيفة: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد فلا تَعَبَّدوها.

أنواع البدع كثيرة منها:
1 - الاحتفال بالمولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان.
2 - الرقص والتصفيهق، وضرب الدف بالذكر، وكذا وقع الصوت، وتغيير أسماء الله مثل (أه، إِه آه، هو، هي).
3 - إِقامة المآتم، وجلب المشايخ للقراءة بعد الموت وغير ذلك.

صدق الله العظيم
1 - اعتاد القراء أن يقولوها بعد الانتهاء من القراءة، مع أنها لم ترد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتابعين.
2 - إِن قراءة القرآن عبادة، لا تجوز الزيادة فيها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". (أي مردود) [متفق عليه]
3 - إِن الذي يفعله القراء لا دليل عليه من كتاب الله، وسنة رسوله، وعمل صحابته، وإنما هي من بدع المتأخرين.
4 - سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن من ابن مسعود، فلما وصل إِلى قوله - تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} فقال: "حَسبُك" [رواه البخاري]
(1/45)

قلتُ: ولم يقل: صدق الله العظيم، ولم يأمره بها"
5 - يظن الجهال والصغار أنها آية من القرآن، فيقرأونها في الصلاة وخارجها، وهذا غير جائز؛ لأنها ليست من القرآن، ولا سيما وأنها تكتب أحياناً آخر السورة بخط المصحف.
6 - صرّح الشيخ عبد العزيز بن باز بأنها بدعة، عندما سئل عنها.
7 - أما قوله - تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} فهو رد على اليهود الكاذبين بدليل الآية التي قبلها {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} وقد علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية، ومع ذلك لم يقلها بعد تلاوة القرآن، وكذلك صحابته والسلف الصالح.
8 - إِن هذه البدعة أماتت سنة، وهي الدعاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ القرآن فليسألِ الله به" [حسن رواه الترمذي]
9 - على القارئ أن يدعو الله بما شاء بعد القراءة، ويتوسل إِلى الله بما قرأه فهو من العمل الصالح السبب لقبول الدعاء، ومن المناسب قراءة هذا الدعاء:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أصاب عبدًا هَمٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إنِّي عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أَمَتِكَ، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عَدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمّيت به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو استأثرت به في عِلم الغيب عِندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونورَ بصري، وجَلاءَ حُزني، وذهابَ همِّي إلا أذهبَ الله هَمَّه وحُزنه، وأبدلَه مكانَه فرحاً" [صحيح رواه أحمد]
(1/46)

الأمر بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر
هما الدعامتان الأساسيتان اللتان يقوم عليها صلاح المجتمع، وهما من خصائص هذه الأمة الإِسلامية، قال الله - تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]

وحين تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسد المجتمع، وانحطت الأخلاق، وساءت المعاملة، و ....
ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفرد دون آخر، بل هو واجب على كل مسلم رجلًا أو امرأة، عالمًا أو عامياً كل حسب مقدرته وعلمه.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم مُنكرًا فليغيرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان" [رواه مسلم]
(والمنكر ما أنكره الشرع).

وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
1 - الخطبة يوم الجمعة والعيدين، يحذر الخطيب من أنواع المنكرات.
2 - المحاضرة أو المقالة في مجلة أو صحيفة لبيان أمراض المجتمع بإعطاء العلاج الشافي.
3 - الكتاب: يعرض المؤلف ما يريد بيانه للناس من أفكار لإصلاح الناس.
4 - الموعظة: تكون في مجلس فيتكلم أحد الحاضرين مثلًا عن أضرار الدخان الجسمية والمالية.
5 - النصيحة: تكون بين الأخ وأخيه سراً لترك خاتم الذهب، أو تحذيره من ترك الصلاة، أو تحذيره من دعاء غير الله.
6 - الرسالة: من أفيد الوسائل، فكل إِنسان يستطيع أن يقرأ صفحات قليلة عن الصلاة أو الجهاد، أو الزكاة، أو عن الكبائر: كدعاء الأموات وطلب المدد منهم.
(1/47)

شروط الآمِر
1 - أن يكون أمره ونهيه برفق ولين، حتى تقبله النفوس قال تعالى مخاطباً موسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]
فإِذا رأيت إِنساناً يشتم ويكفر، فانصحه برفق، واطلب منه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم الذي كان سببًا في هذا الشتم، وأن الله الذي خلقنا وأنعم علينا بنعم كثيرة يستحق الشكر، وأن هذا الكفر لا يجدي نفعاً، بل يكون سببًا في شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، ثم تأمره بالتوبة والاستغفار.
2 - أن يعرف الحلال والحرام فيما يأمره به، حتى ينفع ولا يضر بجهله.
3 - يحسن بالآمر أن يكون مطبقاً لما يأمر به، ومبتعداً عما ينهى عنه، حتى تكون الفائدة أتم وأنفع، قال تعالى مخاطباً من يأمر ولا يعمل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].
وعلى المبتلى أن يحذر مما هو واقع فيه معترفاً بخطئه.
4 - أن نخلص في العمل، وندعو للمخالفين بالهداية، ويكون لنا العذر عند الله، قال الله - تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164]
5 - أن يكون الآمر شجاعاً لا يخاف في الله لومة لائم ويصبر على ما قد يصيبه.

أنواع المنكرات
1 - من منكرات المساجد: زخرفتها وتلوينها، وتعداد مآذنها، ووضع اللوحات المكتوبة أمام المصلي، إذ فيها إِشغاله عن الخشوع وخاصة القصائد الشعرية التي فيها استغاثات بغير الله، والمرور أمام المصلي، وتخطي الرقاب بين الجالسين، ورفع الصوت بالأوراد أو
(1/48)

القرآن أو الكلام، أو الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيشوشون على المصلين، إِذ الإِسرار بها هو الوارد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". [صحيح رواه أبو داود]
والبصق والسعال بصوت مرتفع، وإيراد بعض الواعظين والخطباء الأحاديث الموضوعة والضعيفة، وعدم ذكر درجتها، رغم وجود الأحاديث الصحيحة وكثرتها التي تغني عنها، وطلب المدد والعون من غير الله -تعالى- قبل الأذان في المآذن، وعند إِنشاد القصائد بمناسبة الاحتفال، وظهور رائحة الدخان من بعض المصلين، والصلاة بثوب وسخ له رائحة كريهة، ورفع الصوت بشدة، والرقص والتصفيق اثناء الذكر، والبيع والشراء، وإنشادُ الضائع، وعدم إِلصاق الكتف بالكتف والقدم بالقدم عند صلاة الجماعة.
2 - من منكرات الشوارع: خروج النساء سافرات أو متكشفات، أو يتكلمن ويضحكن بصوت مرتفع، وإمساك الرجل بيد المرأة ومحادثتها بلا خجل، وبيع أوراق اليانصيب، وبيع الخمر في الحانات، وصور الرجال أو النساء بأوضاع مخزية تفسد الأخلاق، وطرح الأوساخ في الشارع، ووقوف بعض الشبان للتفرج على النساء، ومزاحمة النساء للرجال في الشوارع والأسواق والسيارات.
3 - مِن منكرات الأسواق: الحلف بغير الله كالشرف والذ من وغيره، والغش، والكذب في الربح والمشترى ووضع البسطات في الطريق، والكفر والشتم ونقص الكيل والميزان, والمناداة بصوت مرتفع.
4 - مِن المنكرات العامة: الاستماع إِلى الموسيقا أو الأغاني الخليعة، واختلاط الرجال بالنساء من غير محرم، ولو من الأقارب: كابن العم وابن الخالة وأخي الزوج وغيره وتعليق الصوَر أو التماثيل ذات الأرواح على الجدران، أو جعلها على المناضد، ولو لنفسه أو أبيه، والإِسراف في الطعام والشراب واللباس والأثاث وإلقاء الزائد منها فوق الأوساخ والقمامة إِذ الواجب توزيعها على الفقراء ليستفيدوا منها، وتقديم الدخان لضرره على الجسم والمال والجار، واللعب بالنرد، وعقوق الوالدين واقتناء المجلات الخليعة، وتعليق
(1/49)

التمائم على الأطفال أو على أبواب الدور، أو في السيارات كالخرز الأزرق والكف ونضوة الفرس، واعتقاد أنها ترد العين، وتدفع البلاء، وانتقاص أحد الصحابة، ومن الكفر الاستهزاء بطاعة الله كالصلاة والحجاب واللحية وغيرها مما جاء به الإِسلام.

دعاء السوق
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيي ويُميت وهو حَي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألفَ ألفِ حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئةٍ، ورفع له ألف ألف درجةٍ، وبنى له بيتاً في الجنة". [رواه أحمد وغيره، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 6107]

الجهاد في سبيل الله
الجهاد واجب على كل مسلم، ويكون بالمال، وهو الإِنفاق، ويكون بالنفس وهو القتال، ويكون باللسان والقلم وهو الدعوة إِليه، والدفاع عنه.
والجهاد على أنواع:
1 - فرض عين: وهو ضد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين. فالمسلمون المستطيعون آثمون حتى يخرجوا اليهود منها بالمال والنفس.
2 - فرض كفاية: إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإِسلامية إِلى سائر البلاد، حتى يحكمها الإِسلام، فمن استسلم من أهلها تُرك، ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا. فهذا الجهاد ماض إِلى يوم القيامة فضلاً عن الأول.
رحين ترك المسلمون الجهاد وغرتهم الدنيا والزراعة والتجارة أصابهم الذل، وصدق فيهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم
(1/50)

الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم". [صحيح رواه أحمد]
3 - جهاد حكام المسلمين: ويكون بتقديم النصيحة لهم ولأعوانهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" [رواه مسلم]
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" [حسن رواه أبو داود والترمذي]
وبيان طريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا هو أن يتوب المسلمون إِلى ربهم، ويُصححوا عقيدتهم، ويُربُّوا أنفسهم وأهليهم على الإِسلام الصحيح، تحقيقاً لقوله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]
وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله: "أقيموا دولة الإِسلام في قلوبكم، تقُم لكم على أرضكم" وكذلك فلابد من إِصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها، ألا وهو المجتمع قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (1) [النور: 55]
4 - جهاد الكفار والشيوعين والمحاربين من أهل الكتاب: ويكون بالمال والنفس واللسان حسب الاستطاعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" [صحيح رواه أبو داود]
__________
(1) اختصاراً من كتاب (تعليقات على شرح العقيدة الطحاوية للألباني).
(1/51)

5 - جهاد الفساق وأهل المعاصي: ويكون باليد، واللسان والقلب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرًا فليُغيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان] [رواه مسلم]
6 - جهاد الشيطان: ويكون بمخالفته وعدم أتباع وساوسه.
قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]
7 - جهاد النفس: ويكون بمخالفتها، وحملها على طاعة الله، واجتناب معاصيه.
قال تعالى على لسان امرأة العزيز التي اعترفت بمراودتها ليوسفَ: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف: 53]
وقال الشاعر:
وخالف النفس والشيطان واعصهما ... إن هما محَّضاك النصح فاتَّهم
اللهم وفقنا لأن نكون من المجاهدين العاملين المخلصين.

من أسباب النصر
أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جيشاً بقيادة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- لفتح بلاد فارس وكتب إِليه عهداً هذا نصه:
1 - تقوى الله:
"أما بعد فإِني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإِن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب".
2 - ترك المعاصي:
"وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإِن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصَر المسلمون بمعصية عدوهم لله،
(1/52)

ولولا ذلك لم تكن بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليست كعدتهم فإِن استوينا في المعصية كان لهم علينا الفضل في القوة، وإن لم نُنصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا".
"واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إِن عدونا شر منا فلن يُسلَّط علينا وإن أسأنا، فَرُبَّ قومٍ سُلِّط عليهم من هو شر منهم كما سلِّط على بني إِسرائيل كفارُ المجوسِ - لما عملوا بالمعاصي".
قلت (وكما سُلِّطت اليهودُ على العربِ المسلمين الآن).
3 - الاستعانة بالله:
"وسلوا الله النصر على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، وأسال الله ذلك لنا ولكم" [ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية]

الوصية الشرعية لكل مسلم
قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما حَقُّ امرئٍ مسلم يَبيتُ ليلَتين وله شيءٌ يُريد أن يُوصي فيه، إلَّا ووصيتُه مكتوبة تحت رأسه". [متفق عليه]
قال ابن عمر: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك، إِلا وعِندي وصيتي.
1 - أوصي بمبلغ (.....) يُنفق على الأقارب والجيران الفقراء والكتب الإِسلامية، (لا تزيد على الثلث، ولا تكون لوارث).
2 - أن يحضرني في أثناء مرض الموت بعض الصالحين، ليذكروني بحسن الظن بالله".
3 - تلقيني كلمة التوحيد قبل الموت لا بعده، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(1/53)

"لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله" [رواه مسلم]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". [حسن رواه الحاكم]
4 - أن يدعو لي الحاضرون بعد الموت: اللهم اغفر له، وارفع درجته وارحمه ... وهكذا من الدعوات المباركات الورادة.
5 - إرسال أشخاص ليخبروا الأقارب وغيرهم بالوفاة ولو هاتفياً ولإِمام المسجد أن يخبر المصلين، ليستغفروا للميت.
6 - الإِسراع بوفاء الدين لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نفسُ المؤمن مُعلَّقةٌ بدَينه حتى يُقضى عنه" [صحيح رواه أحمد]
وعلي المسلم العاقل أن يوفي دَينه في حياته خوفاً من الضياع والإِهمال.
7 - السكوت حال سير الجنازة، وإِكثار عدد المصلين وإخلاص الدعاء للميت.
8 - الإعاء بالمغفرة بعد الدفن كان - صلى الله عليه وسلم - إِذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له الثبات فإنه الآن يُسأل". [صحيح رواه الحاكم]
9 - التعزية للمصاب بما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم -: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب" [رواه البخاري]
وليس لها وقت ومكان محدد ويقول المصاب: إِنا لله وإنا إِليه راجعون، اللهم أجُرْني في مُصيبتي وأخلف لي خيراً منها.
ويجب على أقارب الميت الصبر والرضا بقدر الله.
10 - على الأقارب والجيران والأصدقاء تهيئة الطعام لأهل الميت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم" [حسن رواه أبو داود والترمذي]
(1/54)

الأمور الممنوعة شرعًا
1 - تخصيص أحد الورثة بشيء من المال لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصية لوارث" [رواه الدارقطني، وصححه الألباني في صحيح الجامع]
2 - رفع الصوت بالبكاء، والنياحة، ولطم الخدود، وشق الثياب، لبس السواد، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الميت يُعذب في قبره بما نيح عليه". (إِذا أوصاهم) [رواه البخاري ومسلم]
3 - الإعلان في المآذن والأوراق، أو تقديم الأكاليل لأنها من البدع وفيها ضياع للمال وتشبه بغير المسلمين.
وفي الحديث الصحيح: "مَن تشبه بقوم فهو منهم" [صحيح رواه أبو داود]
4 - حضور المشايخ لقراءة القرآن في البيت قوله - صلى الله عليه وسلم -: " اقرؤوا القرآن واعملوا به ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به" [صحيح رواه أحمد]
(تستكثروا به من متاع الدنيا)
ويحرم على المعطي والآخذ، ولو أعطى المبلغ للفقراء لوصل ثوابه للميت وانتفع به.
5 - يكره الطعام والاجتماع للتعزية في البيت والمسجد وغيره، لقول جرير -رضي الله عنه-: "كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه لغيرهم من النياحة" (أي المحرمة) [صحيح رواه أحمد]
نص على كراهية الاجتماع الإِمام الشافعي والنووي في كتابه الأذكار (باب التعزية) ونص ابن عابدين الحنفي على كراهة الضيافة من أهل الميت، لأنها شرعت في السرور لا في الشرور، وفي البزازية (حنفي)؛ ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث، وبعد الأسبوع، ونقل الطعام إِلى القبر في الموسم، واتخاذ الدعوة لقراءة القرآن، وجمع الصلحاء والقراء للختم.
6 - لا تجوز قراءة القرآن والمولد والذكر على القبر لعدم فعل الرسول وصحابته ذلك.
7 - يحرم وضع الأحجار العالية وفرشة الحجر وغيرها على القبر، وكذلك تدهينه
(1/55)

والكتابة عليه: "نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يُجصَّص القبر، وأن يُبنى عليه" [رواه مسلم]
وفي رواية: "نهى أن يُكتب على القبر شيء". [رواه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي]
ويُكتفى بوضع حجر بارتفاع شبر ليعرف القبر "كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما وضع حجراً على قبر عثمان بن مظعون وقال: "أتعلِّم على قبر أخي" [رواه أبو داود بسند حسن]
شاهد أول. شاهد ثاني. اسم منفذ الوصية. اسم الموصي أي (الميت).

إعفاء اللحية واجب
1 - قال الله -تعالى- في حق الشيطان: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}. [النساء: 119]
(وحلق اللحية تغيير لخلق الله، وطاعة للشيطان)
2 - وقال الله- تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]
(وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإِعفائها، ونهى عن حلقها).
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "جُزُّوا الشَّوارب وأرخوا اللِّحى خالفوا المجوس". [رواه مسلم]
(أي قصُّوا ما طال عن الشفة من الشارب، واعفوا اللحية مخالفة للكفار).
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر ... إلخ" [رواه مسلم]
(وإعفاء اللحية من فطرة الله يحرم حلقها).
5 - "لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء". [رواه البخاري]
(وحلق اللحية تشبه بالنساء، معرض للطرد من رحمة الله)
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: " .. لكني أمرني ربي -عز وجل- أن أعفي لحيتي وأن أقص شاربي" [حسن رواه ابن جرير]
(1/56)

(وإعفاء اللحية أمر من الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو واجب لمحافظة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته عليها وللنهي الوارد في الأحاديث عن حلقها)
7 - لا يجوز حلق شعر الخدين، أو نتفهما؛ لأن شعر الوجنتين من اللحية كما في القاموس.
8 - أثبت الطب أن اللحية تقي اللوزتين من ضربة الشمس وحلقها يضر بالجلد.
9 - اللحية زينة للرجل خلقها الله له ولبعض الطيور كالديك، ليتميز عن الأنثى، ولذلك لما دخل رجل على زوجته ليلة العرس، وقد حلق لحيته التي رأته بها سابقاً، فأعرضت عنه، ولم يعجبها منظره. وسألت بعض النساء امرأة لماذا اختارت زوجاً ذا لحية؟ فأجابت: إِني تزوجت رجلًا، ولم أتزوج امرأة.
10 - حلق اللحية من المنكرات، يجب النهي عنه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ونلك أضعف الإيمان" [رواه مسلم]
11 - سألت رجلًا يحلق لحيته: هل تحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: نعم كثيرًا، فقلت له: الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اعفوا اللحى" فالذى يحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يطيعه أم يخالفه؟ فقال يطيعه، ووعد بإعفائها.
12 - إذا عارضتك زوجتك في إِعفاء اللحية، فقل لها: إِني رجل مسلم أخاف إِن عصيت ربي، وقدم لها هدية، واذكر لها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" [صحيح رواه أحمد]
(1/57)

حكم الإسلام في الغناء والموسيقا
1 - قال الله - تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان: 6]
أكثر الفسرين على أن المراد (بلهو الحديث) هو الغناء.
وقال ابن مسعود: هو الغناء
وقال الحسن البصري: نزلت في الغناء والمزامير.
2 - وقال تعالى يُخاطب الشيطان: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64]
(الغناء والمزامير) "قاله مجاهد: انظر زاد المسير لابن الجوزي".

أضرار الغناء والموسيقا
لم يُحرم الإِسلام شيئًا إِلا لضرره، وللغناء والموسيقا أضرار كثيرة، ذكرها شيخ الإِسلام ابن تيمية:
1 - المعازف هي خمر النفوس تفعل أعظم مما تفعله الكؤوس، فإِذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك، ومالوا إِلى الفواحش وإلى الظلم، فيشركون، ويقتلون النفس التي حرم الله، ويزنون، وهذه الثلاثة موجودة كثيرًا في أهل سماع المعازف سماع الصفير والتصفيق ..
2 - أما الشرك فغالب عليهم بأن يحبوا شيخهم (أو مطربهم) مثل ما يحبون الله، ويتواجدون على حبه.
3 - وأما الفواحش فالغناء رقية الزنا (طريقه) وهو من أعظم الأسباب للوقوع في الفواحش، ويكون الرجل والصبي والمرأة في غاية العفة والحرية، حتى يحضر (الغناء والموسيقا) فتنحل نفسه، وتسهل عليه الفاحشة، كشاربي الخمر أو أكثر.
(1/58)

4 - وأما القتل فإنَّ قتل بعضهم بعضاً في السماع كثير، يقولون: قتله بحاله، ويَعدّون ذلك من قوته، وذلك أن معهم شياطين تحضرهم، فأيهم كان شيطانه أقوى قتل الآخر.
5 - إِن سماع الغناء والموسيقا لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إِلا وفي ضمن ذلك من الضلال والمفسدة ما هو أعظم منه، فهو للروح كالخمر للجسد، ولهذا يورث أصحابه سكراً أعظم من سكر الخمر، فيجدون لذة كما يجد شارب الخمر، بل أكثر وأكبر ...
6 - وإن الشياطين لتتلبس بهم، وتدخل بهم النار ويأخذ أحدهم الحديد المحمي فيضعه على بدنه (أو لسانه)، وأنواع من هذا الجنس، ولا تحصل لهم هذه الأفعال عند الصلاة، قراءة القرآن، لأن هذه عبادات شرعية وإيمانية، محمدية تطرد الشيطان.
وتلك عبادات بدعية شركية شيطانية فلسفية، تستجلب الشياطين.

حقيقة الضرب بالشيش (1)
إِن الضرب بالشيش لم يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته من بعده. ولو كان فيه خيراً لسبقونا إِليه، وإنما هو من فعل الصوفية وأصحاب البدع، وقد شاهدتهم قد اجتمعوا في مسجد ومعهم الدفوف يضربونها، ويغنون قائلين:
هات كاس الراح ... واسقنا الأقداح
ولا يخجلون من ذكر الخمر والأقداح المحرمة في بيت الله، ثم جعلوا يضربون الدفوف بشدة، ويستغيثون بغير الله صارخين: يا جَداه! حتى غرَّتهم الشياطين، فخلع أحدهم قميصه، وأخذ سيخاً وأمسك جلد خاصرته وأدخله فيه، ثم قام أحد الجنود فأخذ زجاجة وكسرها، وقضمها بأسنانه، فقلت في نفسي: إِن كان صحيحًا ما يفعل
__________
(1) سيخ حديد رفيع تستعمله الصوفية.
(1/59)

فليقاتل اليهود الذين احتلوا أرضنا وقتلوا أولادنا، ومثل هذا العمل تساعدهم به الشياطين المجتمعين حولهم، لأنهم أعرضوا عن ذكر الله، وأشركوا بالله حين استغاثوا بأجدادهم، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 36 , 37]
والله -تعالى- يُسخر لهم الشياطين ليزدهم ضلالا، قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75]
ولا غرابة من مساعدة الشياطين لهم، فقد طلب سليمان -عليه السلام- من الجن أن يأتوه بعرش الملكة بلقيس، كما حكى القرآن: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]
والذين ذهبوا إِلى الهند كالرحالة ابن بطوطة وغيره، شاهدوا من المجوس أكثر من الضرب بالشيش، مع أنهم كفار!!
فالمسألة ليست كرامة ولا ولاية، بل هذا من أعمال الشياطين المجتمعين حول الغناء والمعازف، لأن أغلب الذين يقومون بضرب الشيش يرتكبون المعاصي، بل يشركون بالله جهراً، حينما يستغيثون بأجدادهم الأموات!! فكيف يكونون من الأولياء وأصحاب الكرامات؟ والله يقول: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس:62، 63]
فالولي هو المؤمن المستعين بالله وحده، التقي الذي يبتعد عن المعاصي والشرك بالله، وقد تأتيه الكرامة عفواً، بدون طلب وشهرة أمام الناس.
(1/60)

الغناء في الوقت الحاضر
أغلب الغناء الآن في الأعراس والحفلات، وفي الإِذاعات يتحدث عن الحب
والهوى، والقبلة واللقاء، ووصف الخدود والقدود، وغيرها من الأمور الجنسية التي تثير الشهوة عند الشباب، وتشجعهم على الفاحشة والزنا وتقضي على الأخلاق.
وإذا اجتمع الغناء والموسيقا من المغنين والمغنيات - الذين سرقوا أموال الشعب باسم الفن والمسرح، وذهبوا بأموالهم إِلى أوربا واشتروا الأبنية والسيارات - أفسدوا أخلاق الشعب بأغانيهم المائعة، وأفلامهم الجنسية، وافتتن الكثير من الشباب وأحبوهم من دون الله، حتى كان المذيع وقت حرب اليهود 1967، يقول للجنود: سيروا للأمام فإِن معكم المطرب فلان وفلانة ... حتى كانت الهزيمة المنكرة أمام اليهود المجرمين، وكان المفروض أن يقول لهم سيروا فالله معكم بمعونته، وأعلنت إحدى المطربات .. أنها ستقيم حفلتها الشهرية التي تقام في القاهرة ستقيمها في تل أبيب قبل حرب اليهود 1967، إِذا انتصرنا بينما وقف اليهود بعد الحرب على حائط المبكى في القدس يشكرون الله على نصرهم!!!
حتى الأغاني الدينية لا تخلو من المنكرات، فاسمعها تقول:
وقيل كلُّ نبي عند رتبته ... ويا محمدُ هذا العرش فاستلم
وهذا الكلام الأخير كذب على الله ورسوله يخالف الحقيقة، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يستلم العرش، ولم يقل له ربه هذا الكلام.

فتنة النساء بالصوت الحسن
عن أنس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له "أنجشة" يحدو، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير". [رواه مسلم]
(1/61)

[القوارير: النساء] [رويدك: ارفق في صوتك بالغناء خوفاً على النساء من الصوت الحسن، وخوفاً على النساء من السقوط عن الإِبل لأنها تطرب عند سماع الغناء فتسرع].
إِذا كان الرسول قد خشي الفتنة على النساء من سماع الحِداء، ونحوه من النشيد بالصوت الحسن، فكيف لو سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يذاع في زماننا من الفاجرات والمستهترات، وأمثالهن من المطربين المجاهرين بالفسق والمجون والخلاعة، بأشعار الغزل المتضمن لوصف الخدود والقدود، والثغور والنهود وما في معنى ذلك من إِثارة الوجد والهوى، وإِزعاج القلوب المريضة إِلى طلب الصبا، وخلع جلباب الحياء، ولا سيما إِذا قرنت هذه الأغاني بأصوات المعازف التي تستفز العقول، وتفعل في نفس من أصغى إِليها نحو ما تفعل الخمور ...

الغناء ينبت النفاق
1 - قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل، والذكر ينبت الإِيمان في القلب، كما ينبت الماء الزرع.
2 - قال ابن القيم: ما اعتاد أحد الغناء إِلا ونافق قلبه وهو لا يشعر، ولو عرف حقيقة النفاق لأبصره في قلبه، فإِنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن، إِلا طردت إحداهما الأخرى، وقد شاهدنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه، وتبرمهم به وعدم انتفاعهم بما يقرؤه القارىء، فلا تتحرك، ولا تهيج منهم القلوب، فإذا جاء الغناء تخشع منهم الأصوات، ويقع الوجد، وطيب السهر، ولذا تجدهم يفضلون سماع الأغاني والموسيقا على سماع القرآن الكريم .. وقَلَّ أن يوجد مفتون بسماع الغناء والموسيقا إِلا وهو أكسل الناس عن الصلاة ولا سيما صلاة الجماعة في المسجد!!!
(1/62)

3 - قال ابن عقيل من أكابر علماء الحنابلة: إِن كان المغني امرأة أجنبية (يحل زواجها) فإِنه يحرم الاستماع إِليها، بلا خلاف بين الحنابلة.
4 - وصرح ابن حزم: بأنه يحرم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة المرأة الأجنبية (مثل صباح وأم كلثوم وغيرهما).

علاج الغناء والموسيقا
1 - الابتعاد عن سماعها من الراديو والتلفزيون والفيديو وغيرها، ولا سيما الأغاني الخليعة، والمصحوبة بالموسيقا.
2 - وأعظم مضاد للغناء والموسيقا ذكر الله وتلاوة القرآن، ولا سيما قراءة سورة البقرة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطان ينفر من البيت الذي يُقرأ فيه البقرة". [رواه مسلم]
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]
3 - قراءة السيرة النبوية والشمائل المحمدية، وأخبار الصحابة.

الغناء المسموح به
1 - الغناء يوم العيد ودليله حديث عائشة: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها، وعندها جاريتان تضربان بدُفَّينِ (وفي رواية عندي جاريتان تغنيان) فانتهرهما أبو بكر، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "دَعهُن، فإن لكل قوم عيداً، وإن عيدنا هذا اليوم". [رواه البخاري]
(الجارية: البنت الصغيرة التي لم تبلغ الحلم)
2 - الغناء مع الدف وقت النكاح لإِعلانه وتشجيعه، ودليله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فصل ما بين الحلال والحرام، ضربُ الدف، والصوت في النكاح".
[الغناء والدف في الزواج للبنات] [صحيح رواه أحمد]
(1/63)

3 - النشيد الإِسلامي وقت العمل مما يساعد على النشاط ولا سيما إِذا كان فيه الدعاء، فقد كان الرسول يتمثل يقول ابن رواحة، ويشجع العاملين في حفر الخندق قائلًا:
اللهم لا عيش إِلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
فيجيب الأنصار والمهاجرون:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا
وكان - صلى الله عليه وسلم - يحفر الخندق مع صحابته يتمثل بقول ابن رواحة:
واللهِ لولا الله ما اهتدينا ... ولا صُمنا ولا صَلينا
فانزلَن سَكينةً علينا ... وثَبتِ الأقدامَ إن لاقينا
والمشركون قد بَغَوا علينا ... إِذا أرادوا فتنةً أبينا
يرفع بها صوته أبينا .. أبينا [متفق عليه]
4 - الشعر الذي فيه توحيد الله، أو محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر شمائله، أو فيه حث على الجهاد والثبات وتقوية الأخلاق، أو الدعوة إِلى المحبة والتعاون بين المسلمين، أو فيه محاسن الإِسلام ومبادئه وغير ذلك مما يفيد المجتمع في دينه وأخلاقه.
5 - يسمح من المعازف الدُّف فقط في وقت العيد والنكاح للبنات، ولا يجوز استعماله في الذكر أبدًا، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يستعمله، وكذا صحابته من بعده -رضي الله عنهم- وقد أباحه الصوفيون لأنفسهم وجعلوا الدف في الذكر سنة، وهو بدعة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"إياكم ومُحدثات الأمور، فإن كل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
(1/64)

حكم الإسلام في التصوير والتماثيل
قام الإِسلام ليدعو الناس جميعًا إِلى عبادة الله وحده، وترك عبادة غير الله من الأولياء والصالحين، المتمثلة في الأصنام والتماثيل والتصاوير ..
وهذه الدعوة قديمة منذ أرسل الله الرسل لهداية الناس، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]
(الطاغوت: كل ما عبد من دون الله برضاه)
وقد ورد ذكر هذه التماثيل في سورة نوح -عليه السلام- وأكبر دليل على أن هذه كانت تمثل رجالاً صالحين هو ما ذكره البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح:23 - 24]
قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلك أولئك أوحى الشيطان إِلى قومهم، أن انصِبوا إِلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً (تماثيل) وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تُعبَد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبِدَت". ولأبي ذر (ونسخ العلم) أي علم تلك الصور بخصوصها". [فتح الباري 6/ 73]
فهذه القصة تفيد أن سبب عبادة غير الله هي التماثيل الممثلة للزعماء.
يظن الكثير من الناس أن هذه التماثيل، ولا سيما التصاوير أصبحت حلالًا، لعدم وجود من يعبد الصور والتماثيل في هذا العصر، وهذا مردود من عدة وجوه:
1 - إِن عبادة الصور والتماثيل لا تزال تُعبدُ في هذا العصر، فصورة عيسى وأمه مريم، تُعبدُ مِن دون الله في الكنائس، حتى الصليب يركعون له!!
وهناك لوحات فنية لعيسى ومريم تباع بأغلى الأثمان. تعلق في البيوت لعبادتها وتعظيمها.
2 - وهذه تماثيل الزعماء في البلاد المتقدمة مادياً والمتأخرة روحياً تُكشف لها
(1/65)

الرؤوس، وتُحنى لها الظهور عند المرور على تمثال منها، كتمثال جورج واشنطن في أمريكا، ونابليون في فرنسا، وتمثال لينين وستالين في روسا، وغيرها من التماثيل الموضوعة في الشوارع، يركع المارون لها، وسرت فكرة التماثيل إِلى بعض البلاد العربية، فقلدوا الكفار، وأقاموا التماثيل في شوارعهم، ولا تزال تُنصب التماثيل في بقية الدول العربية والإِسلامية، ويجب صرف هذه الأموال في بناء مساجد ومدارس ومشافٍ وجمعيات خيرية فيكون نفعها أجدى وأنفع، ولا بأس بتسميتها بأسمائهم.
3 - إِن هذه التماثيل بعد مرور زمن طويل سوف تُحنى لها الرؤوس وتُعظم وتُعبد، كما حصل في أوربا وتركيا وغيرها من البلاد، وسبقهم في ذلك قوم نوح -عليه السلام- حيث نصبوا تماثيل زعمائهم، ثم عظموهم وعبدوهم.
4 - لقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليّ بن أبي طالب قائلًا:
"لا تدَعْ تمثالاً إلا طمسْتَه، ولا قبراً مُشرفاً إلا سوَّيْتَه"
(مشرفاً: مرتفعاً، سويته: جعلته قريبًا من الأرض) [رواه مسلم]
وفي رواية: "ولا صورة إلا لطختها" [صحيح رواه أحمد]

أضرار الصور والتماثيل
لم يُحرم الإِسلام شيئًا إِلا لضرره في الدين، أو الأخلاق، أو المال، أو غير ذلك، والمسلم الحقيقي: هو الذي يستسلم لأمر الله ورسوله، ولو لم يعرف السبب والعلة.
وأضرار الصور والتماثيل كثيرة أهمها:
1 - في الدين والعقيدة: لقد رأينا أن الصور والتماثيل أفسدت عقائد كثير من الناس، فالنصارى عبدوا صورة عيسى ومريم والصليب، وأوربا وروسيا عبدوا تماثيل زعمائهم، وحنوا لها الرؤوس إِجلالاً وتعظيماً، ولحق بهم بعض الدول الإِسلامية والعربية فنصبوا تماثيل زعمائهم، ثم قام بعض أهل الطرق من الصوفيين. وجعلوا صور شيوخهم
(1/66)

أمامهم في الصلاة يستمدون منهم الخشوع، ويتصورون شيوخهم وهم يذكرون الله بدلًا من مراقبة الله ورؤيته لهم، أو يعلقون صور شيوخهم تعظيماً لهم، وتبركاً بهم.
وهناك صور المغنين والمطربين يحبهم أتباعهم ويقتنون صورهم ويعلقونها تعظيماً وتقديساً، وهذا ما جعل أحد المذيعين العرب يخاطب الجنود يوم حرب 1967 - مع اليهود- قائلًا: أيها الجنود: سيروا للأمام فإِن معكم المطرب فلان وفلانة وسماهم بأسمائهم، وذلك بدلًا من قوله لهم: سيروا فالله معكم بنصره وتأييده ومعونته.
وكانت النتيجة في الحرب الهزيمة لأن الله تخلى عنهم، ولم ينفعهم المطربون ولا المطربات، بل كانوا هم السبب للهزيمة، وليت العرب يأخذون دروساً من الهزيمة فيرجعوا إِلى الله لينصرهم.
2 - وأما ضرر الصور والتماثيل في إِفساد أخلاق الشباب والشابات فحدِّث عنها ولا حرج، فتري الشوارع والبيوت مليئة بصور المطربين والمطربات، السافرات العاريات، التي تجعل الشباب يعشقونها، فيرتكبون الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فتنحل أخلاقهم وتفسد طبائعهم، فلم يعودوا يفكرون .. في دين ولا أرض محتلة، ولا قدس ولا شرف ولا جهاد.
وقد انتشرت الصور انتشاراً هائلاً، ولا سيما صور النساء الفاتنات، حتى على علب الأحذية، وفي المجلات والجرائد والكتب والتلفزيون ولا سيما المسلسلات الجنسية والبوليسية، وهناك الصور الكاريكاتورية، وفيها تشويه لخلق الله، فالله لم يخلق أنفًا طويلاً، وأذناً كبيرة أو عيوناً جاحظة كما يصورونها بل خلق الله الإِنسان في أحسن تقويم.
3 - وأما ضرر الصور والتماثيل المادي فظاهر لا يحتاج إِلى دليل: فالتماثيل ينفق عليها الآلاف والملايين في سبيل الشيطان، كثير من الناس يشترون تمثال حصان أو جمل أو فيل ويضعونه في بيوتهم، أو يعلقون صورة الأسرة أو الأب المتوَفيَّ ويصرفون عليها المصاريف التي لو أنفقت للفقراء صدقة على روح الميت لاستفاد منها، والأبشع
(1/67)

من ذلك أن يتصور الرجل مع زوجته ليلة العرس فيعلقها في بيته ليراها الناس وكأن زوجته ليست له فقط بل لكل الناس.

هل الصور كالتماثيل؟
يزعم البعض أن التحريم منصب على التماثيل التي كانت شائعة في عصر الجاهلية. ولا يشمل التحريم للصور وهذا غريب جداً وكأنهم لم يقرؤوا النصوص الصريحة التي تحرم الصور، وإليك نصها:
1 - عن عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الباب فدم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية، فقالت يا رسول الله أتوب إِلى الله ورسوله، فما أذنبت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بال هذه النمرقة؟ فقالت اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة: ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، ثم قال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة". [متفق عليه]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" "الرسام والمصور يشابهون بخلق الله" [متفق عليه]
3 - إِن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى مُحِيت". [رواه البخاري]
4 - "نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الصور في البيت ونهى الرجل أن يصنع ذلك" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]

الصور والتماثيل المسموح بها
1 - يسمح بصورة وتمثال الشجر والنجوم والشمس والقمر والجبال والحجر والبحر والنهر والمناظر الجميلة والأماكن المقدسة كصور الكعبة والمدينة والمسجد الأقصى وباقية
(1/68)

المساجد إِن خلت من صور إِنسان أو حيوان.
ودليله قول ابن عباس-رضي الله عنهما: "إن كنتَ لابُدَّ فاعِلاً، فاصنَع الشجر وما لا نفس له". [رواه البخاري]
2 - الصور الموضوعة على الهوية والجواز للسفر ورخصة السيارة، وغيرها من الأمور الضرورية فمسموح بها للضرورة.
3 - تصوير المجرمين من القتلة والسارقين وغيرهم لإِلقاء القبض عليهم للقصاص منهم، وكذا ما تحتاجه العلوم كالطب مثلًا على قول بعض العلماء.
4 - يسمح للبنات باللعب المصنوعة في البيت من الخرق، على شكل طفلة صغيرة تلبسها الثياب، وتنظفها وتنيمها، وذلك لتتعلم تربية الأولاد عندما تكون أُمّاً ودليله قول عائشة: "كنت ألعب بالبنات عند النبي - صلى الله عليه وسلم - " [رواه البخاري]
ولا يجوز شراء اللعب الأجنبية للأطفال، ولا سيما البنات السافرات المتكشفات فتتعلم منها وتقلدها وتفسد المجتمع بذلك، بالإِضافة إِلى صرف الأموال للبلاد الأجنبية واليهودية.
5 - يسمح بالصورة إِذا قطع رأسها لأن الصورة هي الرأس فإِذا قطع لا يبقى روح، وتصبح كالجماد وقد قال جبريل للرسول - صلى الله عليه وسلم -: "مُر برأس التمثال يُقطع فيصير على هيئة الشجرة ومُر بالستر فليُقطع فليُجعل منه وسادتين توطآن. [صحيح رواه أبو داود وغيره]
(الستر: حيث كان عليه تصاوير)

اعملوا بأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - " لا تقومُ الساعة حتى يُقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون" [رواه مسلم]
2 - "من قاتل لتكونَ كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". [رواه البخاري]
(1/69)

3 - "مَن أرضى الناسَ بسخط الله وَكَلَهُ الله إلى الناس" [حسن رواه الترمذي]
(وكله: تركه)
4 - "من مات وهو يدعو مين دوني الله ندًّا دخل النار" [رواه البخاري]
(الند: المثيل)
5 - "من كتم عِلماً ألجمه الله بِلجامٍ من نار". [صحيح رواه أحمد]
6 - "من لعب بالنردِشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه". [رواه مسلم]
(النردشير: لعبة الطاولة التي فيها النرد)
7 - "بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء" [رواه مسلم]
وفي رواية: "فطوبى للغرباء: الذين يَصلحون إذا فسد الناس"
[رواه أبو عمرو الداني بسند صحيح]
8 - "طوبى للغرباء: أناس صالحون، في أنُاس سوءٍ كثير, من يعصيهم أكثرُ ممن يُطيعهم" [صحيح رواه أحمد]
9 - "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف". [رواه البخاري]

وما آتاكم الرسول فخذوه
1 - " لعن الله النامصَات والمتنمَصات المغيِّرات لخلق الله" [متفق عليه]
(كنتف شعر الحواجب والوجه)
2 - "ونساء كاسيات عاريات مُميلات مائلات رؤوسهن كأسنمَة البُخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها" [رواه مسلم]
3 - "اتقوا الله واجملوا في الطلب" [صحيح رواه الحاكم]
(أي خذوا الحلال، واتركوا الحرام).
4 - "اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا". [رواه مسلم]
5 - "أشدُّ النَّاسِ بلاءً الأنبياء ثم الصالحون". [صحيح رواه ابن ماجه]
(1/70)

6 - "صِل مَن قطعك، وأحسِن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك". [صحيح رواه ابن النجار]
7 - "تعس عبد الدينارِ والدرهم والقطيفة إن أعطي رضي، وإن لم يُعط لم يَرض" (القطيفة: الثوب) [رواه البخاري]
8 - "أولا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". [رواه مسلم]
9 - "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابرُ سبيل" [رواه البخاري]
10 - "لا يقيم الرجلُ الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا] [رواه مسلم]
11 - "لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم" [رواه أحمد وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 228]
12 - "ما أسكر كثيره فقليله حرام" [صحيح رواه أبو داود وغيره]

كونوا عبادَ الله إخوانا

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تحسَّسوا (1)، ولا تنافسوا (2) ولا تجسَّسُوا (3)، ولا تناجشوا (4) ولا تهاجروا (5) ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم: المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله (6) ولا يحقرهُ التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، ويُشير إلى صدره بحسب امرئ من الشر أن يحقِرَ أخاهُ المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دَمُه، وعرضُه، ومالُه".
"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".
"إن الله لا ينظرُ إلى صُوركم وأموالِكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالِكم". [رواه مسلم وروى البخاري أكثره]
__________
(1) لا تستمعوا لقوم يتكلمون سرًّا.
(2) لا تنفردوا بشيء ترغبون به دون غيركم.
(3) لا تبحثوا عن عيوب الناس.
(4) لا تزيدوا في ثمن شراء سِلعةٍ لا تريدون شراءها.
(5) لا يهجر بعضكم بعضاً.
(6) لا يترك نصرته.
(1/71)

الذين يستحقون اللعن
1 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها" [صحيح رواه أبو داود]
2 - "لعن الله زوّارات القبور" [صحيح رواه أحمد وغيره]
3 - "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه، وكاتبه هم فيه سواء". [رواه مسلم]
4 - "لعن الله من آوى محدثاً". [رواه مسلم]

أحاديث حول المسلم
1 - " المسلم من سلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده" [متفق عليه]
2 - "سبابُ المسلم فُسوقٌ وقتاله كفر" [رواه البخاري]
3 - "غطِّ فخِذَك، فإن فخذ الرجل مِن عَورته". [صحيح رواه أحمد]
4 - "ليس المؤمنُ بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحِش ولا البذيء". [رواه مسلم]
5 - "مَن حملَ علينا السلاح فليس منا] [رواه مسلم]
"ومن غش فليس منا" [صحيح رواه الترمذي]
6 - "مَن يُحرَم الرِّفقَ يُحرم الخير". [رواه مسلم]
7 - "من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مُؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس" [صحيح رواه الترمذي]
8 - "لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي". [حسن رواه الترمذي]
9 - "ما أسفل من الكعبين من الأزار ففي النار". [رواه البخاري]
10 - "إذا قال الرجل لأخيهِ يا كافر فقد باء بها أحدهما". [رواه البخاري]
11 - "لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يَكُ سيدكم فقد أسخطتم ربكم. عز وجل". [صحيح رواه أحمد]
(1/72)

12 - "الغلام مُرتهَن بعقيقته، تُذبح عنه يوم السابع ويُسمَّى، ويُحلَق رأسه".
[صحيح رواه أبو داود]

تكريم المرأة في الإسلام
لقد كرم الإِسلام المرأة بأن جعلها مربية للأجيال، وربط صلاح المجتمع بصلاحها، وفرض عليها الحجاب ليحفظها من الأشرار، ويحفظ المجتمع من سفورها، والحجاب يبقي المودة والرحمة بين الزوجين، فالرجل عندما يرى امرأة أجمل من زوجته تسوء العلاقة بينهما، وربما يؤدي ذلك إِلى الفراق، وقد ورد ذكر الحجاب في القرآن، قال الله - تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]
1 - تقول الزعيمة العالمية (أني بيزانت) كثيرًا ما يرد على فكرى أن المرأة في ظل الإسلام أكثر حرية من غيره، فالإِسلام يحمي حقوق المرأة أكثر من الأديان الأخرى التي تحظر تعدد الزوجات، وتعاليم الإسلام بالنسبة للمرأة أكثر عدالة، وأضمن لحريتها، فبينما لم تنل المرأة حق الملكية في إِنجلترا إِلا منذ عشرين سنة فقط، فإِننا نجد أن الإِسلام قد أثبت لها هذا الحق منذ اللحظة الأولى، وإن من الافتراء أن يقال إِن الإِسلام يعتبر النساء مجردات من الروح.
2 - وتقول أيضًا: متى وزنّا الأمور بقسطاس العدل المستقيم ظهر لنا أن تعدد الزوجات الإِسلامي الذي يحفظ ويحمي ويغذى ويكسو النساء أرجح وزناً من البغاء الغربي الذي يسمح بأن يتخذ الرجل امرأة لمحض إِشباع شهواته، ثم يقذف بها إِلى الشارع متى قضى منها أوطاره.
3 - وتقول المستشرقة (فرانسواز ساجان): أيتها المرأة الشرقية إِن الذين ينادون باسمك ويدعون إِلى مساواتك بالرجل إِنهم يضحكون عليك، فقد ضحكوا علينا من قبلك.
(1/73)

4 - ويقل الأستاذ (فون هرمر) الحجاب هو وسيلة الاحتفاظ بما يجب للمرأة من الاحترام والمكانة الشيء الذي تُغبط عليه.

من أقوال المستشرقين في الإسلام
1 - يقول الفيلسوف (برنادشو) إِني أكِنُّ كل تقدير لدين محمد لحيويته، فهو الدين الوحيد الذي يبدو لي أن له طاقة هائلة لملاءمته أوجه الحياة المتغيرة، وصالحاً لكل العصور، لقد درست حياة هذا الرجل العجيب، وفي رأيي أنه يجب أن يُسمَّى "منقذ البشرية" دون أن يكون في ذلك عداء للمسيح، وإني لأعتقد أنه لو أتيح لرجل مثله أن يتولى حكم هذا العالم الحديث منفردًا لحالفه التوفيق في حل جميع مشاكله بأسلوب يُؤدي إِلى السعادة، والسلام اللذين يفتقر العالم إِليهما كثيرًا.
إِني أتنبأ بأن الناس سيقبلون على دين محمد في أوربا في المستقبل، وقد بدأ يلقى القبول في أوربا اليوم.

أمريكي يتحدث عن إسلامه
هناك الكثير من الناس في الولايات المتحدة الأمريكية، ممن يبحثون عن سبل جديدة، إما عن طريق الإِسلام، أو عن طريق الديانة المسيحية، أو عن طريق البوذية، أو الهندوسية، ويدرك الكثير من الأمريكيين أنهم بحاجة إِلى إِله، ولكن هناك القليل من المسلمين في أمريكا ممن يصرحون بأن الإِسلام هو الطريق إِلى الله، الطريق الذي اختاره الله لنا.
1 - لقد كان اهتمامي في البداية مكرساً للديانة البوذية، ولسنوات مضت أردت أن أصبح راهباً بوذياً، ولكن بعد دراستي للأديان المقارنة في الجامعة اتجهت نحو الدين الإِسلامي، وبعد تخريجي من الجامعة سافرت إِلى أوربا، ودرست في هولندا بصحبة
(1/74)

صديقين، كان أحدهما طالب وهو أردني، وكان الآخر رجلًا كبيرًا في السن ذو مكانة مرموقة، لقد كان في ألبانيا وأمضى في هولندا مدة ثلاثين أو أربعين عامًا مكرساً حياته لله، وبتأثير هذين الشخصين دخلت دين الإِسلام غير مهتم بجمال هذا الدين، أو نقائه، أو فاعليته، بل مقتنعاً بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان في الحقيقة رسول الله، وإذا أعرضت جانباً عن رسالة الله ورسوله فيعرض الله عني.
2 - لقد أمضيت السنين الخمسة الأخيرة قسماً منها في أمريكا. وقسماً آخر في العالم العربي، وتوصلت إِلى نتيجة بأن أُحب الإِسلام وأقدره، وآخذ بعين الاعتبار كيف أن هذا الدين يصور حياة الإِنسان ويجعلها مقدسة مباركة.
وإنها لمأساة بأن أرى المجتمعات الإِسلامية وقد فقدت ثقتها بالإِسلام، حيث إِن شعوب تلك المجتمعات وحكومتها تحاول أن تقلد أمريكا والعالم الغربي في الوقت الذي يصبح فيه الأمريكيون والعالم الغربي خائبي الأمل بتقاليدهم، ومعتقداتهم ونظمهم.
إِن الملايين من البشر في العالم يتطلعون إِلى أمريكا من أجل الرشاد والهدى في حين أن ملايين من الشعب الأمريكي مقتنعون بأن دولتهم أمريكا تزداد سوءاً يومًا بعد يوم، ويتوقع الكثيرون منهم دمار هذه الدولة في القريب العاجل.
3 - أما مسلمو أمريكا، منهم يؤمنون بالإِسلام إِيماناً كبيرًا، وخاصة المتحولون (المهتدون) منهم، ولكننا بحاجة إِلى المعرفة، وبجهلنا للمعرفة غالبًا ما نقوم بأعمال طائشة، وخطيرة أحياناً، وذلك باسم الإِسلام، وهناك القليل من الشعب الأمريكي ممن يعرفون كيف يرشدون إِخوانهم، وفئة قليلة من المسلمين في المجتمعات التي تطبق الإسلام تذهب إِلى أمريكا لتنشر الدين الإِسلامي في العالم، في الحقيقة لا يُعمل كما يجب، وكثير من المرشدين المسلمين لا يذهبون إِلى أمريكا لدعم قضية الله ودينه.
4 - أخيراً: آمل وأتوقع في السنين العشر القادمة، أو نحوها أن يصبح الطلاب الأمريكيون على اطلاع كبير بالمراكز التقليدية للثقافة الإِسلامية، وآمل أن يجدوا هناك ولاءً قوياً، وطاعة لله ليعيشوا على هديهما، والحمد لله رب العالمين.
(1/75)

فتاة أمريكية تعتنق الإسلام
الإِسلام هو السبيل الوحيد لإنقاذ وخلاص البشرية:
"هاجر" الاسم الجديد ل "ياميلا" فتاة أمريكية في الثامنة والعشرين من عمرها، طالبة في قسم الاجتماع في جامعة ميزورى -كولومبيا- بدأت قبل سنتين بدراسة الإسلام دراسة جادة متعمقة بحثًا عن الحقيقة التي كانت شغلها الشاغل والتي لم تجد كما تقول في الثقافة المادية الأمريكية، وبعد سنتين من الدراسة والبحث والتأمل أعلنت" ياميلا" الإسلام وغيَّرت اسمها إِلى "هاجر" حيث تقول إِن اسم (هاجر) محبب إِلى نفسي لكونه مرتبطاً بالإسلام.
تتحدث هاجر عن تجربتها قائلة: منذ مدة طويلة كانت تدور في ذهني تساؤلات عن الكون، والوجود، والحياة، وقد أضناني البحث، والتفكير عن أجوبة هذه التساؤلات الفلسفية، ولكن عبثاً لم أجدلها تفسير مقنعاً من خلال دراستي في الثقافة الأمريكية المادية، وكنت أسمع بالإسلام، ولكن صورته غامضة في ذهني، بل مشوهة، فهو دين يفرق بين الرجل والمرأة، وقائم على العنف، للقوى المادية، فبدأت من حينها أدرس وأبحث عن الإسلام، وكان البحث في البداية منذ شعرت بحب الإسلام، فهو دين عدل وإنصاف، ويعطي الفرد حريته، ويحمله مسؤولية أعماله وأفعاله. وهكذا بمرور الوقت ازددت وعياً وفهماً بالإِسلام، وكان أن هداني الله لاعتناق الإسلام.

هاجر تدعو للإسلام
ومنذ أن أعلنت هاجر إِسلامها وهي تعمل بجد ونشاط لنشر الإِسلام، فهي ترى أن رسالتها الآن أن تجاهد في سبيل الإسلام وإبلاغ دعوته إِلى الأمريكيين الذين يجهلون حقيقة الاِسلام، وذلك بفعل الصورة المشوهة التى صُوِّرَ الاِسلام بها من خلال أعدائه الحاقدين عليه.
(1/76)

لقد غير الإِسلام "هاجر" تغييراً شاملاً: فبعد أن كانت تعيش كأية فتاة أمريكية -حياة لاهية- أصبحت الآن ملتزمة بقواعد ومبادئ الإسلام، وكما تقول: إن هدفي الأسمى أن أجاهد في سبيل الإِسلام. وأن أحارب الرأسمالية، والطغيان والشر، فبعد تجربتي وجدت أن الإِسلام هو الطريق الوحيد لخلاص الإنسانية من خطر الحروب والمجاعات والعناء.
وعندما سئلت هاجر ولماذا الإِسلام بالذات هو السبيل إِلى خلاص البشرية؟ أجابت قائلة: إن الإِسلام هو الدين الوحيد الذي يقدم حلولاً لقضايانا الإجتماعية، والسياسية المعاصرة، إِنه نظام حياة شامل يوازن بين مطالب الروح وحاجات الجسد دونما إِخلال، لقد وجدت فيه أجوبة شافية على تساؤلات فلسفية كانت تقلقني وتقضُّ مضجعي.
وحين تتحدث هاجر عن الإِسلام تشعر بالصدق في كلامها فهي تعي ما تقول، وأحيانا تنطق بالعبارات الإسلامية باللغة العربية، ولكنها في كل الحالات تفهم جيداً أن الإِسلام نظام شامل، وليس دين عبادات فقط.
الجهاد في نظرها أهم ما في الإسلام، أو أهم ما يحتاج إِليه المسلمون في الوقت الحاضر .....
ومنذ إِسلامها غيرت هاجر أسلوب حياتها، فارتَدَتِ اللباس الشرعي، وبدأت تؤدي الصلاوات الخمس في مواقيتها، وبذلت جهداً كبيرًا في حفظ آيات من القرآن، لتستطيع تأدية الصلوات، وطبيعي أن تواجه صعوبات كبيرة من زميلاتها وعائلتها، ولكن هاجر المسلمة كما تقوله أستطيب المصاعب في سبيل عقيدتي، وهذا جدير بالنسبة للمسلمين والمسلمات، لقد سبق أن عُذّب الكثير منهم ولكنهم لَم يتحولوا، وأنا لن أبالي إِلا بالإِسلام.
ولا يقتصر نشاط هاجر على الجانب الديني فهي أيضًا نشيطة سياسياً، ومؤمنة بالحقوق العادلة للشعب الفلسطيني المسلم، لذلك فهي دائماً تحاضر وتتحدث عن الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني.
(1/77)

إِنها حقًا ظاهرة فريدة، فتاة أمريكية بيضاء تتحول إِلى داعية إِسلامية تذب وتدافع عن قضايا الشعب الإِسلامي في مجتمع لا يصغي، ولكنها لا تملُّ ولا تتعب.
ورسالتها إِلى الشعوب الإِسلامية عامة، والعربية خاصة، وأنتم الذين أنرتم الدرب للبشرية، فلا تضعفوا أمام غزاة أرضكم المقدسة أمام إِسرائيل وحلفائها.

تصريحات مطرب عالمي بعد إسلامه
نشرت جريدة المدينة المنورة بتاريخ 5 رمضان 1400 ه تقريراً عن قضية إِسلام المطرب العالمي (كات ستيفنز) الذي سمى نفسه بعد إِسلامه (يوسف إِسلام)، وفي هذا التقرير تصريحات هامة، وعبر نافعة نذكر من أهم ما جاء فيها:
1 - صُدم الغرب عندما توقفتُ عن الغناء منذ أن أسلمت، وبدؤوا يتساءلون كيف تغيرت؟ وصمتت وسائل الإِعلام كلها، وتجاهلوني كلياً، ولم تعد تلهث خلفي كما كانت، لأن أجهزة الإِعلام في الغرب يهود، وهم يملكون جميع المفاتيح.
2 - سبب إِسلامي زيارة أخي للمسجد الأقصى، وتقديم هدية لي نسختين من القرآن: عربي، إِنجليزي؛ لمعرفته مدى اهتمامي بالأديان السماوية، فكنت أقرأ القرآن لوحدي، حتى أتممت دراسته دراسة كاملة، ثم درست حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتأثرت بشخصيته تأثراً عظيمًا، وبعد عام ونصف من الدراسات العلمية اقتنعت بعظمة الإِسلام، وأنه الدين الصحيح، وحمدت الله على أنني اعتنقت الإِسلام قبل أن أجتمع بأحد من المسلمين، وقبل أن أتعرف على خلافاتهم.
3 - ذهبت إِلى القدس، وفرح بي المسلمون في المسجد الأقصى، وبكيت وصليت هناك، والقدس هي قلب العالم الإِسلامي، فإِذا كان القلب عليلاً، فالعالم الإِسلامي كله مريض، وفي شفائه شفاء للجسم كله، وعلينا أن نحرر هذا القلب باسم الإِسلام.
4 - الشعب الفلسطيني يجب أن يتمسك بإِسلامه ودينه، ويحافظ على صلاته،
(1/78)

وأنا واثق أن الله سينصره.
5 - قالوا لي بعد إِسلامي: التدخين حرام فامتنعت عنه، وتركت الخمر، ومعاشرة النساء، وتوقفت عن الغناء والموسيقا.
6 - اخترت زوجة مسلمة محجبة، لأن الجمال في المرأة ليس أهم شيء، إنما الإِسلام هو الإيمان والفضيلة.
7 - أقوم الآن بتعلم اللغة العربية؛ لأقرأ القرآن، وأتذوق حلاوته ومعانيه، سأضع كتبًا عن عظمة الإسلام، مستغلاً شهرتي في الدعوة للإسلام.
8 - أعتقد أن الصلاة في أوقاتها أهم ركن من أركان الإِسلام، (بعد الشهادتين) والمحافظة عليها في مواعيدها هو أكبر حصن للإِنسان وإسلامه، وأشعر براحة وطمأنينة غير عادية بعد كل صلاة.
9 - سمعت أن (يوسف إِسلام) يقيم في إِنجلترا، ويقوم بالدعوة للإِسلام، وله مسجد خاص، يلتف حوله المسلمون ويؤيدونه، فقد سبق المسلمين في تمسكه بإسلامه وحبه له، أسأل الله له التوفيق والثبات.
بارك الله فيه وفي أمثاله من المسلمين العاملين.

دعاء الشفاء
1 - ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: "أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" [رواه مسلم]
وفي رواية: "ارفع يدك، ثم أعد ذلك وِتراً" (أي ثلاث مرات)
[رواه الترمذي وحسنه وهو كما قال]
2 - "اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما" [متفق عليه]
(1/79)

3 - "أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة ومن كل عين لامَّة". [رواه البخاري]
4 - من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: "أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله". [صححه الحاكم ووافقه الذهبي]
5 - مَن رأى مُبتلى فقال: "الحمد لله الذي عافاني مِما ابتلاك به وفضَّلني على كثير مِمن خلق تفضيلاً، لم يُصِبه ذلك البلاء". [حسن رواه الترمذى]
6 - إِن جبريل أتَى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نعم"، فقال جبريل: "باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل نفس وعين، باسم الله أرقيك، والله يشفيك" [رواه مسلم]
7 - على المسلم أن يستعمل العسل والحبة السوداء، ويشرب من ماء زمزم فهي علاج ناجع، وشفاء من جميع الأمراض الحسية والمعنوية.

دعاء الركوب والسفر
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أراد أن يُسافر فليقل لمن يخلِف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه". [حسن رواه أحمد]
2 - ويقال للمسافر: "زوَّدك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثما كنت" [رواه الترمذي وحسنه وهو كما قال]
1 - دعاء الركوب: إِذا ركبت سيارة أو طائرة أو غيرهما فقل: بسم الله الحمد لله سُبحان الذي سَخرَ لنا هذا وما كُنا له مقرنين (1)، وإنا إلى ربنا لَمُنقلبون (2) الحمد لله الحمد لله الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سُبحانك إنِّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي، فإنه لا يَغفِرُ الذنوبَ إلا أنت". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
__________
(1) مطيقين.
(2) لراجعون.
(1/80)

2 - دعاء السفر: وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا استوى على بعيره خارجاً إلى السفر كبَّر ثلاثًا، ثم قال: "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كُنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون" "اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا. واطو عنا بُعدَه. اللهم أنت الصاحِبُ في السفر, والخليفةُ في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعثاءِ السفر وكآبة المنظر وسُوء المنقلب في المالِ والأهل". [رواه مسلم]
3 - وإذا رجع المسافر قالهن وزاد عليهن: "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" [رواه مسلم]

الدعاء المستجاب
إذا أردت النجاح في اختبار أو أى عمل فاقرأ الدعاء الآتي:
سمع الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - رجلًا يقول:
1 - اللهم إِني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إِلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى". [صحيح رواه أحمد, وأبو داود وغيرهما]
2 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزنٌ فقال: "اللهم إني عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حُكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا مِن خلقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي - إلا أذهبَ الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً". [صحيح رواه أحمد]
3 - دعوة ذي النون إِذ دعا بها وهو في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت مِن الظالمين" لم يَدعُ بها رجل مسلم في شيء إِلا استجاب الله له. [صحيح رواه أحمد وغيره]
(1/81)

4 - كان - صلى الله عليه وسلم - إِذا نزل به هم أو غم قال: "يا حيُّ يا قيُّوم برحمتك استغيث" [حسن رواه الترمذي]
5 - يجب أن تأخذ بأسباب النجاح، وهو العمل والاجتهاد مع الدعاء.

دعاء الضائع
سُئِل ابن عمر -رضي الله عنه- عن الضالة فقال: يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول: اللهم رادّ الضالة، هادي الضلالة، تهدي من الضَّلال، رُدَّ عَليّ ضالَّتي بقدرتك وسلطانك، فإِنها من فضلك وعطائك. [قال البيهقي هذا موقوف وهو حسن]

دعاء من القرآن الكريم
{رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10]
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]
{رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]
{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]
{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [يونس:85 - 86]
(1/82)

{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان: 12]
{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 126]

إلهي أنت المغيث وحدك
يا مَن يرى ما في الضمير ويَسمع ... أنت المَعدُّ لكلّ ما يُتوقع
يا من يُرجَّى لِلشدائد كُلِّها ... يا من إِليه المشتكى والمفزَعُ
يا من خزائنُ رِزقهِ في قول كن ... أمنُن فإِن الخيرَ عندك أجمعُ
مالي سوى فقري إِليك وسيلة ... فبالافتقار إِليك فقري أدفعُ
مالي سوى قرعي لبابِك حِيلةٌ ... فلئن رُدِدتُ فأيَّ بابٍ أقرع؟
ومَنِ الذي أدعو وأهتِفُ باسمِه ... إن كانَ فضلُك عن فقيرك يُمنعُ
حاشا لجودِك أن تُقنِّط عاصياً ... الفضل أجزلُ والمواهبُ أَوسعُ
ثم الصلاةُ على النبي وآلهِ ... (من جاء بالقرآن نوراً يسطع)
(1/83)

(2)
أركان الإسلام والإيمان من الكتاب والسنة الصحيحة
(1/84)

موجز لمحتويات الكتاب (2)
أركان الإسلام والإيمان
* معنى الإسلام والإيمان ومعنى لا إِله إِلا الله محمد رسول الله.
* أين الله؟ الله في السماء.
* فضل الصلوات والتحذير من تركها، ووجوب تعلمها.
* الزكاة وأهميتها ومصارفها.
* الصيام وفوائده وواجبك في رمضان.
* الحج وفضله وكيفيته.
* الإِيمان بالقدر خيره وشره.
* نواقض الإيمان والإِسلام.
* اعتقادات باطلة تؤدي إِلى الكفر.
* إِلهي أنت عوني.
* محتويات الكتاب ص: 412.
(1/85)

أركان الإسلام
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بُنِيَ الإسلامُ على خمس":
1 - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله:
(لا معبود بحق إِلا الله، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - تجب طاعته فيما يبلِّغ عن الله)
2. وإقام الصلاة: (أداؤها بأركانها وواجباتها والخشوع فيها)
3 - وإيتاء الزكاة: تجب الزكاة إِذا ملك المسلم 85 غراماً ذهبًا أو ما يعادلها من النقود يدفع 2.5 في المئة منها بعد سنة، وغير النقُود لكل منها مقدار مُعَين.
4 - وحج البيت: (مَن استطاع إِليه سبيلاً).
5 - وصوم رمضان:. (الامتناع عن الطعام والشراب. وجميع المفطرات من الفجر حتى الغروب مع النية). [متفق عليه]

أركان الإيمان
1 - أن تؤمن بالله: (بوحدانيته في العبادة والصفات والتشريع).
2 - وملائكته: (مخلوقات من النور لتنفيذ أوامر الله).
3 - وكتبه: (التوراة والإِنجيل والزبور والقرآن وهو أفضلها).
4 - ورسله: (أولهم نوح وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم -).
5 - واليوم الآخر: (يوم الحساب لمحاسبة الناس على أعمالهم).
6 - وتؤمن بالقدر خيره وشره: (مع الأخذ بالأسباب، والرضاء بالقدر خيره وشره، لأنه بتقدير الله). [كما في الحديث الذي رواه مسلم]
(1/86)

معنى الإسلام والإيمان والإحسان
عن عمر -رضي الله عنه- قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديدٌ بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتيه إِلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال. يا محمد أخبرني عن الإِسلام؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" قال صدقت - فعجبنا له يسأله ويُصدقه.
قال: أخبرني عن الإِيمان. قال: "أن تؤمن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإِحسان. قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل".
قال: فأخبرني عن أماراتها (1). قال: "أن تلِد الأمة ربَّتَها (2) وأن ترى الحفاة العُراةَ العالة رِعاءَ الشاء يتطاولون في البنيان".
ثم انطلق فلبث مليّاً (3) ثم قال (4) لي: "يا عمر أتدري من السائل"؟ قلتُ: الله ررسوله أعلم
قال: "فإنه جبريل أتاكم يُعلمكم دينكم". [رواه مسلم]
* * *
__________
(1) أي علاماتها.
(2) سيدتها.
(3) وقتاً طويلاً.
(4) أي النبي - صلى الله عليه وسلم -
(1/87)

معنى لا إله إلا الله (لا معبود بحق إلا الله)
فيها نفي الإِلهية عن غير الله، وإثباتها لله وحده.
1 - قال الله - تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من قال لا إله إلا الله مُخلِصاً دخل الجنة". [رواه البزار وصححه الألباني في صحيح الجامع]
والمخلص: هو الذي يفهمها، ويعمل بها، ويدعو إليها قبل غيرها، لأن فيها التوحيد الذي خلق الله الجن والإِنس لأجله.
3 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه أبي طالب حين حضره الموت: "يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله" وأبى أن يقول لا اله إِلا الله. [رواه البخاري ومسلم]
4 - بقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة ثلاثة عشر عامًا، يدعو المشركين قائلًا: قولوا لا إِله إِلا الله، فكان. جوابهم كما حكى القرآن عنهم: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [سورة ص: 4 - 7]
لأن العرب فهموا معناها، وأن من قالها لا يدعو غير الله، فتركوها ولم يقولوها، قال الله -تعالى- عنهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 35، 36، 37]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من قال لا إنَّه إلا الله، وكفر بما يُعبدُ مِنْ دون الله، حَرُم مالُه ودمهُ وحسابه على الله - عز وجل". [رواه مسلم]
ومعنى الحديث: أن التلفظ بالشهادة يستلزم أن يَكفر ويُنكر كل عبادة لغير الله،
(1/88)

كدعاء الأموات وغيره.
والغريب أن بعض المسلمين يقولونها بألسنتهم، ويخالفون معناها بأفعالهم ودعائهم لغير الله.
5 - "لا إِله إِلا الله" أساس التوحيد والإسلام، ومنهج كامل للحياة يتحقق بتوجيه كل أنواع العبادة لِله، وذلك إذا خضع المسلم لله، ودعاه وحده واحتكم لشرعه دون غيره.
6 - قال ابن رجب: "الإِله هو الذي يُطاع ولا يُعصى هيبةً له وإجلالاً، ومحبةً وخوفاً ورجاءً، وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاءً له، ولا يصلح هذا كله إِلا لله - عز وجل- فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإله، كان ذلك قدحاً في إِخلاصه في قوله: "لا إِلة إِلا الله" وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذل - صلى الله عليه وسلم -.
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم - "لَقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه مَن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يومًا مِن الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه". [رواه ابن حبان في صحيحه وصححه الألباني في صحيح الجامع]
وليس التلقين ذكر الشهادة عند الميت، بل هو أمره بأن يقولها خلافًا لما يظن البعض، والدليل حديث أنس بن مالك:
"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد رجلًا من الأنصار، فقال: "يا خال! قل: لا إله إلا الله"، فقال: أخالٌ أم عَمٌ؟ فقال: "بل خال" فقال: فخَيرٌ لي أن أقول: لا إله إلا الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "نعم". [أخرجه الإمام أحمد (3/ 152) بإسناد صحيح على شرط مسلم]
(نقلًا من أحكام الجنائز للألباني ص 11).
8 - إِن كلمة "لا إله إلا الله، تنفع قائلها إِذا طبق معناها في حياته ولم ينقضها بشِرك، كدعاء الأموات أو الأحياء الغائبين، فهي شبيهة بالوضوء الذي ينقضه الحدَث.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قال لا إله إلا الله أنجَته يومًا مِن دهره يُصيبه قبل ذلك ما أصابه". [رواه البيهقي، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة رقم 1932].
(1/89)

معنى محمد رسول الله
الإِيمان بأنه مرسل من عند الله، فنصدقه فيما أخبر، ونطيعه فيما أمر، ونترك ما نهى عنه وزجر، ونعبد الله بما شرع.
1 - يقول الشيخ أبو الحسن الندوي في كتاب النبوة ما نصه:
"الأنبياء -عليهم السلام- كان أول دعوتهم، وأكبر هدفهم في كل زمان وفي كل بيئة، هو تصحيح العقيدة في الله -تعالى- وتصحيح الصلة بين العبد وربه، والدعوة إِلى إِخلاص الدين لله، وإِفراد العبادة لله وحده وأنه النافع والضار، المستحق للعبادة والدعاء والالتجاء والنسك (الذبح) وحده، وكانت حملتهم مركزة موجهة إِلى الوثنية في عصورهم، الممثلة بصورة واضحة في عبادة الأوثان والأصنام، والصالحين المقدسين من الأحياء والأموات".
2 - وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول له ربه:
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]
وقال - صلى الله عليه وسلم - "لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبْدٌ فقولوا عبد الله ورسوله". [رواه البخاري]
والإطراء هو الزيادة والمبالغة في المدح، ولا ندعوه من دون الله كما فعلت النصارى في عيسى ابن مريم، فوقعوا في الشرك وعلّمنا أن نقول: "محمد عبد الله ورسوله".
3 - إن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكون بطاعته في دعاء الله وحده، وعدم دعاء غيره، ولو كان رسولاً أو ولياً مقرباً.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إِذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعِن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وكان - صلى الله عليه وسلم - إِذا نزل به همٌّ أو غمُّ قال:
"يا حَيُّ يا قيُّوم برحمتك أستغيث" [حسن رواه الترمذي]
(1/90)

ورحم الله الشاعر حين قال في صدق المحبة:
لوكان حبك صادقاً لأطعته ... إِن المحب لمن يُحب مطيع
ومن علامة المحبة الصادقة أن تحب دعوة التوحيد التي بدأ بها دعوته، وتحب دعاة التوحيد، وتكره الشرك والداعين إِليه.

أين الله؟ الله في السماء
عن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- قال: " .. وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَل (أُحد والجوانية)، فاطلعت ذات يوم، فإِذا بالذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفُون، لكني صككتُها صكَّة، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعظَم ذلك عليّ، قلت يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها"، فقال لها: "أين الله"؟ قالت في السماء، قال: "مَن أنا"؟ قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". (صككتها: صُربتها ولطمتها) [رواه مسلم وأبو داود]

من فوائد الحديث
1 - كان الصحابة يرجعون عند أي مشكلة ولو كانت صغيرة إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلموا حكم الله فيها.
2 - التحاكم إِلى الله والرسول- عملًا يقول الله - تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. [النساء: 65]
3 - إِنكار الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الصحابي ضربه للجارية وتعظيمه لذلك الأمر.
4 - العتق يكون للمؤمن لا للكافر، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اختبرها، ولمَّا علم بإِيمانها أمر بإِعتاقها، ولو كانت كافرة لما أمر بعتقها.
(1/91)

5 - وجوب السؤال عن التوحيد، ومنه علُوُّ الله عدى عرشه ومعرفة ذلك واجب.
6 - مشروعية السؤال بأين الله؟ وأنه سنة حيث مسألة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
7 - مشروعية الجواب. بأن الله في السماء (أبي على السماء) لإِقراره - عليه الصلاة والسلام - جواب الجارية ولموافقة الجواب للقرآن الذي يقول: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ}. [الملك: 16]
(قال ابن عباس: هو الله). (وفي السماء بمعنى: على السماء).
8 - صحة الإِيمان تكون بالشهادة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة.
9 - اعتقاد أن الله في السماء دليل على صحة الإيمان، وهو واجب على كل مؤمن.
10 - الرد على خطأ من يقول إِن الله في كل مكان بذاته، والحق أن الله معنا بعلمه لا بذاته.
11 - طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للجارية ليختبرها دليل على أنه لا يعلم الغيب وهو إيمان الجارية وهو ردّ على الصوفية القائلين بأنه يعلم الغيب.

فضل الصلوات والتحذير من تركها
1 - قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج:34 - 35]
2 - وقال الله - تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]
3 - وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}
(غافلون عنها يؤخرونها عن وقتها بدون عذر) [الماعون: 4 - 5]
4 - وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2]
5 - وقال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ
(1/92)

فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (خسراناً) [مريم: 59]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم - "أرأيتم لو أنَّ نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرنه شيء؟ قالوا لا يبقى من دَرنه شيء، قال فكذلك مَثلُ الصلواتِ الخمس يَمحو الله بهن الخطايا". [متفق عليه]
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". [صحيح رواه أحمد وغيره]
8 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "بينَ الرجلُ وبين الشِّرك والكفر تركُ الصلاة". [رواه مسلم]

تعلم الوضوء والتيمم والصلاة
الوضوء: شمَّر عن يديك إِلى المرفقين، وقل {بِسْمِ اللَّهِ}.
1 - اغسل كفيك وتمضمض، واستنشق الماء "ثلاث مرات".
2 - اغسل وجهكَ، ويديك إِلى المرفقينِ، اليمنى فاليسرى "ثلاثًا".
3 - امسَح رأسكَ كُلَّهُ مع الأذنين.
4 - اغسل رِجليك إِلى الكعبين (اليمنى فاليسرى) "ثلاثًا".
5 - إِذا تعذر عليك الماء فامسح وجهك وكفيك بالتراب.
6 - يجب طهارة الماء والتراب والمكان والثياب.

صلاة الصبح
الصلاة: "فرض الصبح ركعتان" (النية محلها القلب).
1 - استقبل القبلة، وارفع يديك إِلى أذنيك، وقل: "الله أكبر".
2 - فرع يَدَكَ اليُمنى على اليُسرى على صَدرِك، واقرأ:
"سبحانك اللهم وَبِحمدك، وتبارك اسمُكَ وتعالى جدُّك، ولا إِله غيرُك". (ويجوز قراءة غيره مما ورد في السنة).
(1/93)

الركعة الأولى
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (سِراً). {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} آمين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}. (أو اقرأ غيرها مما تيسر حفظه من القرآن).
1 - ارفَع يَدَيك وَكَبِّر وَاركَع، وَضَع يَدَيكَ عَلَى ركبَتَيكَ وقُل:
"سبحان ربي العظيم" ثلاثًا.
2 - ارفع رأسك ويديك وقل:
"سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد".
3 - كَبر واسجد وضع كفيك وركبتيك، وَجَبهتك، وأنفَك وأصابعَ رجليك على الأرض تجاه القبلة وارفع مرفقيك وقل: "سبحان ربي الأعلى" ثلاثًا.
4 - ارفع رأسك من السجود، وَكَبِّر وضع يديك على ركبتيك وقل:
"رب اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني".
5 - اسجد على الأرض ثانية وكبِّر وقل: "سبحان ربي الأعلى" ثلاثًا.
6 - ارفع رأسك من السجود الثاني واجلس على رجلك اليسرى وانصب أصابع رجلك اليمنى (وهذه تسمى جلسة الاستراحة).
(1/94)

الركعة الثانية
1 - انهض إِلى الركعة الثانية، وتعوّذَ وسَمِّ واقرأ سورة الفاتحة وسورة قصيرة أو ما تيسر من القرآن.
2 - اركع واسجُد كما تعلمت، واجلس بعد السجود الثاني واقبض أصابع كفك اليمنى وارفع السبابة اليُمنى وحركها واقرأ: "التحيات لله، والصلوات والطَيِّباتُ * السَّلام عليكَ أيها النبي ورحمةُ الله وبركاته، السلامُ علينا وعلي عباد الله الصالحين * أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله* اللهم صل على محمد وعلي آلِ محمد كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلي آل إبراهيم إنكَ حميد مجيد * اللهم بَارِك على محمدٍ وعلي آل محمد، كما بَاركت على إبراهيم وآل إبراهيم * إنكَ حَميد مجيد * ".
1 - اللهم إِني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال.
3 - التفت يمينًا وقل: "السلام عليكم ورحمة الله" ثم يساراً مثل ذلك.

جدول عدد ركعات الصلاة
الصلوات ... السنة القبلية ... الفرض ... السنة البعدية
الصبح 2 - 2 - 0
الظهر 2 و 2 - 4 - 2 و 2
العصر 2 و 2 - 4 - 0
المغرب 2 - 3 - 2
العشاء 2 - 4 - 2، 3 وتر
الجمعة 2 تحية للمسجد - 2 - 2 في البيت أو 2 و 2 في المسجد
(1/95)

من أحكام الصَّلاة
1 - السُّنة القبلية: تُصلَّى قبل الفرض، والسنة البعدية بعده.
2 - تمهل وانظر مكان سجودك ولا تلتفت.
3 - أنصت إذا سمعت قراءة الإِمام واقرأ إِذا لم تسمع.
4 - فرض الجمعة ركعتان ولا تجوز إِلا في المسجد بعد الخطبة.
5 - فَرضُ المغرب ثلاث: صَلِّ ركعتين كما صليت في الصبح، وعند الانتهاء من قراءة التحيات كلها لا تُسلِّم وقم إِلى الركعة الثالثة رافعاً يديك إِلى كتفيك مكبراً، واقرأ الفاتحة فقط، وتمم صَلاتَكَ ثم سلَّم يمينًا ويساراً.
6 - فرض الظهر والعصر والعشاء أربع، افعل ما فعلته في صلاة الصبح وبعد أن تقرأ التحيات لله لا تسلم وقم إلى الركعة الثالثة ثم الرابعة واقرأ الفاتحة فقط وتمم صلاتك ثم سلِّم يمينًا ويساراً.
7 - الوتر ثلاثُ: صَلِّ ركعتين وسَلَّم، ثم صَلِّ ركعة منفردة وسَلَّم، والأفضل أن تدعو بما ورد قبل الركوع أو بعده:
"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارِكْ لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضَى عليك، وإنه لا يَذِل مَن واليت، ولا يعِزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت". [رواه أبو داود بسند صحيح]
8 - قف وكبر إذا اقتديت مع الإمام، ولو كان راكعاً، ثم الحق به وتحسب لك ركعة إِن لحقته في الركوع قبل أن يرفع وإلا فلا تحسب.
9 - إِذا فاتتك ركعة أو أكثر من الإِمام فتابعه حتى آخر الصلاة ولا تسلم مع الإِمام، وَقم إِلى صلاة الركعات الباقية.
10 - احذر السرعة في الصلاة فإِنها مبطلة لها، فقد رأى الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يسرع في صلاته فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تُصل، فقال له في الثالثة: عَلِّمني يا رسول الله فقال: " .. اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن
(1/96)

ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ... ". [متفق عليه]
11 - إذا فاتك واجب من واجبات الصلاة، فتركت القعود الأول مثلاً، أو شككت في عدد الركعات، فخذ بالأقل واسجد سجدتين في آخر الصلاة وسلم، وهذا يُسمَّى سجود السهو.
12 - لا تكثر الحركة في الصلاة فهي منافية للخشوع، وربما سببت فساد الصلاة إِذا كانت كثيرة وغير ضرورية.
13 - وقتُ صلاة العشاء ينتهي عند منتصف الليل الساعة 12 زوالي، أما صلاة الوتر فوقتها إِلى طلوع الفجر، ولا تؤخر صلاة العشاء إِلا لضرورة.
* * *

وجوب صلاة الجمعة والجماعة
صلاة الجمعة والجماعة واجبة على الرجال للأدلة الآتية:
1 - قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك ثلاث جُمع تهاوناً بها، طبع الله على قلبه" [صحيح رواه أحمد]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقد هممت أن آمُرَ بالصلاة فتُقام، ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة فأُحرِّقَ عليهم". [رواه البخاري رقم 2420]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن سمع النداء، فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر" (الخوف أو المرض) [صحيح رواه ابن ماجه]
5 - "أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد
(1/97)

يقودني إِلى المسجد، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُرخّص له، فرخّص له، فلما ولَّى دعاه فقال: "هل تسمع النداء" (الآذان)؟ قال: نعم، قال "فأجب". [رواه مسلم]
6 - وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: من سَرَّه أن يلقى الله غَداً مسلمًا، فليحافظ على هذه الصلوات الخمس، حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيّكم سُنَنَ الهدى، وإنهن من سُنن الهدى ولو أنكم صَلَّيتم في بيوتكم كما يُصلِّي المُتخلِّف في بيته لتركتم سُنة نبيكم ولو تركتم سُنَّة نبيكم لضلَلتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقامَ في الصف. [رواه مسلم]
(يهادىَ بين الرجلين: يتكئ عليهما).

أحاديث الصلاة
1 - " صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي".
(وتُسمَّى تحية المسجد) [رواه البخاري]
2 - "إذا دخل أحدكم المسجد فلْيركع ركعتين قبل أن يجلس". [رواه البخاري]
3 - "لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلُّوا إليها". [رواه مسلم]
4 - "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". [رواه مسلم]
5 - "أُمِرتُ أن لا أكُفّ ثوباً". [رواه مسلم]
(النهي عن الصلاة وكُمُّهُ مُشَمَّر أو ثوبه) [ذكره النووي]
6 - "أقيموا صفوفكم وتراصُّوا"، قال أنس: وكان أحدُنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه". [رواه البخاري]
7 - "إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعَون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا". [متفق عليه]
8 - "اركع تطمئنّ راكعاً، كم ارْفع حتى تعتدلَ قائمًا، كم اسجد حتى تطمئنّ ساجداً". [رواه البخاري]
(1/98)

6 - "إذا سجدتَ فضع كفيك، وارفع مِرْفقيك". [رواه مسلم]
10 - "إني إمامكُم فلا تسبقوني بالركوع والسجود". [رواه مسلم]
11 - "أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله". [صحيح رواه الطبراني]
12 - "مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع". [رواه أحمد وغيره وحسنه الألباني في صحيح الجامع]

فضل صلاة الجمعة والجماعة
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام، ومَن مسَّ الحصى فقد لَغا". [رواه مسلم]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرَّب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرَّب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". [رواه مسلم]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن صلَّى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومَن صلَّى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله". [رواه مسلم]
4 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الرجل في جماعة، تزيد على صلاته في بيته وصلاته. في سوقه بضعاً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يَنهَزُه إلا الصلاة. لا يريد إلا الصلاة، فلم يَخْطُ خَطوة إلا رُفِع له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يُصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللهم ارحمه. اللهم
(1/99)

اغفر له. اللهم تُبْ عليه ما لم يؤذ فيه، ما لم يُحدث فيه". [رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم]

كيف أُصلى الجمعة مع آدابها
1 - أغتسل يوم الجمعة، وأُقلمُ أظفاري، وأتطيبُ وألبس ثياباً نظيفة، بعد الوضوء.
2 - لا آكل ثوماً أو بصلاً نيئاً، ولا أشربُ دخاناً، وأُنظف فمي بالسواك أو المعجون.
3 - أصلي ركعتين عند الدخول إِلى المسجد، ولو كان الخطيب على المنبر امتثالاً لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما، (أي يُخففهما) (ينويها المصلي تحية المسجد). [متفق عليه]
4 - أجلس لسماع الخطبة من الإِمام ولا أتكلم.
5 - أصلِّي مع الإِمام ركعتين فرض الجمعة مقتدياً (النية بالقلب).
6 - أُصلي أربع ركعات سنة الجمعة البعدية، أو ركعتين في البيت، وهو الأفضل.
7 - الإِكثار من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا اليوم زيادة عن بقية الأيام.
8 - تحرِّي الدعاء يوم الجمعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه" [متفق عليه]
9 - يستحب للمسلم أن يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ سورة (الكهف) في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين" [رواه الحاكم والبيهقي وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 6346]
10 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ سورة (الكهف) يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق (الكعبة) ". [صحيح رواه البيهقي انظر صحيح الجامع الصغير رقم 6471].
(1/100)

وجوب صلاة المريض
احذر يا أخي المسلم ترك الصلاة ولو في حالة المرض، لأنها واجبة عليك، وقد أوجبها الله على المجاهدين وقت الحرب.
وأعلم أن الصلاة فيها راحة نفسية للمريض تساعد على شفائه ... قال الله - تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها" [رواه أبو داود وحسن إسناده الألباني]
وخير للمريض إِذا دنا أجله أن يموت مُصَلِّياً، ولا يموت عاصياً بتركه الصلاة، وقد خفف الله عن المريض فسمح له بالتيمم إِذا عجز عن استعمال الماء للوضوء والجنابة لئلا يترك الصلاة.
قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]
(لامستم: جامعتم) ذكره ابن عباس.

كيف يتطهر المريض؟
1 - يجب على المريض أن يتطهر بالماء فيتوضأ من الحدث الأصغر ويغتسل من الحدث الأكبر.
2 - فإِن كان لا يستطيع الطهارة بالماء لعجزه أو خوف زيادة المرض أو تأخر برئه فإِنه يتيمم.
3 - كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيديه ضربة واحدة يمسح بهما جميع وجهه ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض.
4 - فإن لم يستطع أن يتطهر بنفسه فإِنه يوضئه أو يُيَمِّمُه شخص آخر.
(1/101)

5 - إِذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح فإِنه يغسله بالماء، فإِن كان الغسل بالماء يؤثر عليه مسحه مسحاً فيَبُلَّ يده بالماء ويمرها عليه. فإِن كان المسح يؤثر عليه أيضاً فإِنه يتيمم عنه.
6 - إِذا كان في بعض أعضائه كسر مشدود عليه خرقة (1) أو جبس فإِنه يمسح عليه بالماء بدلًا من غسله ولا يحتاج للتيمم لأن المسح بدل عن الغسل.
7 - يجوز أن يتيمم على الجدار أو على شيء آخر طاهر له غبار فإِن كان الجدار ممسوحاً بشيء من غير جنس الأرض كالدهان فلا يتيمم عليه إِلا أن يكون له غبار.
8 - إِذا لم يكن التيمم على الأرض أو الجدار أو شيء آخر له غبار فلا بأس أن يوضع تراب في إِناء أو منديل ويتيمم منه.
9 - إِذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته إِلى وقت الصلاة الأخرى فإِنه يصليها بالتيمم الأول ولا يعيد التيمم للصلاة الثانية لأنه لم يزل على طهارته ولم يوجد ما يبطلها.
10 - يجب على المريض أن يُطهر بدنه من النجاسات، فإن كان لا يستطيع صلّى على حاله وصلاته صحيحة ولا إِعادة عليه.
11 - يجب على المريض أن يصلي بثياب طاهرة، فإِن تنجست ثيابه وجب غسلها أو إِبدالها بثياب طاهرة فإِن لم يمكن صلى على حاله وصلاته صحيحة ولا إِعادة عليه.
12 - يجب على المريض أن يصلِّي على شيء طاهر، فإِن تنجس مكانه وجب غسله أو إِبداله بشيء طاهر، أو يفرش عليه شيئًا طاهراً فإِن لم يمكن صلى على حاله وصلاته صحيحة ولا إِعادة عليه.
13 - لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة بل يتطهر بقدر ما يمكنه ويصلي الصلاة في وقتها ولو كان على بدنه أو ثوبه أو مكانه نجاسة يعجز عنها. [انظر مقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين].
__________
(1) قال البيهقي: وصح عن ابن عمر المسح على العصابة موقوفًا عليه، وهو قول جماعة من التابعين. اه. وقال في المغني: ولأنه قول ابن عمر، ولم يعرف له في الصحابة مخالف [ج 1/ 278].
(1/102)

كيف يُصلي المريض؟
1 - يجب على المريض أن يُصلي الفريضة قائمًا ولو منحنياً أو معتمداً على جدار أو عصاً يحتاج إِلى الاعتماد عليه.
2 - فإن كان لا يستطيع القيام صلى جالساً والأفضل أن يكون متربعاً في موضع القيام والركوع.
3 - فإِذا كان لا يستطيع الصلاة جالساً صلَّى على جنبه متوجهاً إِلى القبلة والجنب الأيمن أفضل، فإِذا لم يتمكن من التوجه إِلى القبلة صلَّى حيث كان اتجاهه، وصلاته صحيحة، ولا إِعادة عليه.
4 - فإِذا كان لا يستطيع الصلاة على جنبه صلَّى مستلقياً، رجلاه إِلى القبلة
والأفضل أن يرفع رأسه قليلاً ليتجه إِلى القبلة فإِن لم يستطع أن تكون رجلاه إِلى القبلة صلَّى حيث كان ولا إِعادة عليه.
5 - يجب على المريض أن يركع ويسجد في صلاته فإِن لم يستطع أومأ بهما برأسه ويجعل السجود أخفض من الركوع فإِن استطاع الركوع دون السجود ركع حال الركوع وأومأ بالسجود. وإن استطاع السجود دون الركوع سجد حال السجود وأومأ بالركوع، ولا يحتاج إلى وسادة يسجد عليها.
6 - فإِن كان لا يستطيع الإِيماء برأسه في الركوع والسجود أشار بعينيه فيغمض قليلاً للركوعَ ويغمض تغميضاً أكثر للسجود. وأما الإِشارة بالإِصبع كما يفعله بعض المرضى فليس بصحيح ولا أعلم له أصلًا من الكتاب والسنة ولا من أقوال أهل العلم.
7 - فإِن كان لا يستطيع الإِيماء بالرأس ولا الإِشارة بالعين صلَّى بقلبه فيكبر ويقرأ وينوي الركوع والسجود والقيام والقعود بقلبه ولكل امرىءٍ ما نوى.
8 - يجب على المريض أن يصلِّي كل صلاة في وقتها ويفعل كل ما يقدر عليه مما يجب فيها، فإِن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر وبين
(1/103)

المغرب والعشاء إِما جمع تقديم بحيث يقدم العصر إِلى الظهر والعشاء إِلى المغرب وإما جمع تأخير بحيث يؤخر الظهر إِلى العصر والمغرب إِلى العشاء حسبما يكون أيسر له. أما صلاة الفجر فلا تجمع لما قبلها ولا بعدها.
9 - إِذا كان المريض مسافراً يعالج في غير بلده فإِنه يقصر الصلاة الرباعية فيصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين حتى يرجع إِلى بلده سواء طالت مدة السفر أم قصرت. [نقلاً من مقالة للشيخ محمد صالح العثيمين]

من أدعية أول الصلاة
1 - اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدَّنس. اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد. (وكان يقوله في الفرض) [متفق عليه]
2 - اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر إلذنوب إلا أنت.
اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سَيِّئها فإنه لا يصرف سَيِّئها إلا أنت. [رواه مسلم]
(وكان يقوله في الفرض والنفل أول الصلاة بعد تكبيرة الإِحرام)

أدعية آخر الصلاة
1 - اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات، ومن شَّر فتنة المسيح الدجَّال. [رواه مسلم] (وكان يدعو به في آخر تشهده)
2 - اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما عَملِت، ومن شَرِّ ما لم أعمل. [رواه النسائي بسند صحيح]
(1/104)

كيف تُصلِّي على الميت؟
ينويها المصلي في قلبه، ويكبر أربع تكبيرات.
1 - بعد التكبيرة الأولى يتعوذ، ويُسمي ويقرأ الفاتحة.
2 - بعد التكبيرة الثانية يقرأ الصلوات الإبراهيمية: (اللهم صلِّ على محمد وعلي آل محمد كما صليت على إبراهيم ....) إِلى آخرها.
3 - بعد التكبيرة الثالثة يدعو بالدعاء الوارد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو: اللهم اغفر لِحيِّنا ومَيتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم منَ أحْيَيْته منَّا فأحيهِ على الإسلام، ومن تَوَفيتَه منَّا فَتوفَّه على الإيمان. [رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح]
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنَّا بعده.
4 - بعد التكبيرة الرابعة يدعو بما شاء، ويُسلم يمينًا.

عظة الموت
قال الله - تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
[آل عمران: 185]
وقال الشاعر:
تزوَّد للذي لابُدَّ مِنهُ ... فإِنَّ الموتَ ميقاتُ العبادِ
وتُب مما جَنيت وأنتَ حَيُّ ... وكُن متنبهًا قبل الرُّقَادِ
ستَندَم إِن رحلتَ بغير زاد ... وتَشقَى إِذ يناديكَ المنادي
أترضى أن تكون رفيقَ قوم ... لهم زادٌ، وأنت بغير زادِ؟
(1/105)

صلاة العيدين في المصلَّى
1 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلَّى، فأول شيء يبدأ به الصلاة [رواه البخاري]
2 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "التكبير في الفطر: سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما". [حسن رواه أبو داود]
3 - أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نُخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحُيَّض، وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيَعتزِلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها. [متفق عليه]

يستفاد من الأحاديث
1 - صلاة العيدين مشروعة وهي ركعتان: يُكَبر فيها المصلِّي سبع تكبيرات أول الركعة الأولى، وخمس تكبيرات في أول الركعة الثانية، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن.
2 - صلاة العيد تكون في المصلَّى، وهو مكان قريب من المدينة، كان يخرج إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العيدين، ويخرج معه الصبيان والنساء الشابات، حتى النساء المعذورات بالحيض.
قال الحافظ في الفتح: وفيه الخروج إِلى المصلَّى، ولا يكون في المسجد إِلا عن ضرورة.

تأكيد الأضحية في العيد
1 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن أوَّلَ ما نبدأ به في يومنا هذا: أن نُصلِّي، ثم نرجع
(1/106)

فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة، فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النُسك في شيء". [متفق عليه]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيها الناس: إن على كل بيت أُضحية". [رواه أحمد والأربعة، وقواه الحافظ في الفتح]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من وجد سَعَة لأن يُضَحِّ، فلم يُضحِّ، فلا يَقربن مُصلانا". [رواه أحمد وغيره وحسنه محقق جامع الأصول]

صلاة الاستسقاء
1 - خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلَّى يستسقي، فدعا واستسقى، كم استقبل القبْلة، فصلى ركعتين، وقلب رداءه وجعل اليمين على الشمال.
(يجوز تقديم الصلاة على الدعاء لوجود حديث آخر) [رواه البخاري]
2 - وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك - صلى الله عليه وسلم - فاسقنا فيُسقون. [رواه البخاري]
هذا الحديث دليل على أن المسلمين كانوا يتوسلون بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في حال حياته يطلبون الدعاء منه لنزول المطر، فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى، لم يطلبوا منه الدعاء، بل طلبوا من العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حي، فقام العباس يدعو الله لهم.

صلاة الخسوف والكسوف
1 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "خسفَت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث منادياً (الصلاة جامعة) فقام فصلَّى أربع ركوعات في ركعتين وأربع سجدات" [رواه البخاري]
(1/107)

2 - وعن عائشة قالت: كُسِفَتِ الشمس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصلى بالناس، فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه، فأطال القراءة -وهي دون قراءته الأولى- ثم ركع فأطال الركوع دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه، فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، فسلَّم وقد تجلَّت الشمس، فخطب الناس فقال:
"إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يُريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة .. وادعوا الله وصلُّوا وتصدقوا .. "
"يا أمة محمد ما مِن أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلموا ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، ألا هل بلَّغت؟ "
[هذه رواية البخاري ومسلم باختصار]

صلاة الاستخارة
عن جابر -رضي الله عنه- قال:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إِذا همَّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل:
"اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدِرُ ولا أقَدرُ. وتعلمُ ولا أعلم، وأنتَ علَّام الغيوب.
اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر (1) خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، (أو قال في عاجل أمري وأجله) فاقدُره لي، ويَسِّرهُ لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلَمُ أن هذا الأمر (2) شرُّ لي في ديني ومعاشي وَعاقبةِ أمري، (أو قال في عاجل أمري وأجله) فاصرفهُ عني واصرفني عنه، واقدُر لي الخيرَ حيث كان، ثم رضِّني به" (3) (قال ويَسمي حاجته). [رواه البخاري]
__________
(1) و (2) ويسمى حاجته من زواج أو شركة أو غيرهما مما يريد.
(3) يقرأ دعاء الاستخارة بعد الصلاة.
(1/108)

وهذه الصلاة والدعاء يفعلهما الإِنسان لنفسه كما يشرب الدواء بنفسه مُوقناً أن ربه الذي استخاره سَيوُجِّههُ للخير، وعلامة الخير تيسُّرُ أسبابه، واحذر الاستخارة المبتَدَعَة التي تعتمد على المنامات وحساب اسم الزوجين وغيرهما مما لا أصل له في الدين.

احذر المرور أمام المصلِّي
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعدم المارُّ بين يدَي المصلِّي ماذا عليه دون أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه".
قال أبو النضر: لا أدري قال أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة. [رواه البخاري في باب إثم المار بين يدي المصلي الجزء الأول]
وجاء في رواية المتن خزيمة: "أربعين خريفاً" وصححها ابن حجر.
هذا الحديث يدل على أن المرور بين يدى المصلِّي في محل سجوده، فيه إثم ووعيد، ولو عرف هذا المارّ ما عليه من الإثم لوقف أربعين سنة، ولو مر بعيداً من مكان سجوده لا شيء عليه حسب مفهوم الحديث الذي ينص على مكان وضع يدي المصلي عند سجوده.
وعلي المصلِّي أن يضع سترة أمامه، حتى ينتبه المار فيحذر المرور أمامه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فإذا أراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحوه، فإن أبي فليقاتله، فإنما هو شيطان". [متفق عليه]
وهذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، والذى يحذر المرور بين يدى المصلي يشمل المسجد الحرام ومسجد الرسول لعمومه، ولأن الرسول حين قال هذا الحديث قاله في مكة أو المدينة، والدليل على ذلك ما يلي:
1 - ذكر البخاري في ج 1/ 582 - من فتح الباري:
(1/109)

(باب يرد المصلي من مَرَّ بين يديه):
"وَردَّ ابن عمر المارّ بين يديه في التشهد وفي الكعبة وقال: إِن أبي إلا أن تقاتله فقاتِلَه". قال الحافظ في الفتح: وتخصيص الكعبة بالذكر لئلا يُتخيل أنه يُغتفر فيها المرور لكونها محمل المزاحمة وقد وصل الأثر المذكور (وهو رد ابن عمر للمار) بذكر الكعبة فيه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له.
2 - وأما الحديث الذي رواه أبو داود في سننه فغير صحيح لوجود مجهول فيه، وهذا نصه:
حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا سفيان بن عيينة، حدثني كثير بن كثير بن المطلب ابن أبي رداعة عن بعض أهله عن جده أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة، قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة، قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أخبرنا كثير عن أبيه، قال فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي. قال الحافظ في الفتح: معلول [1/ 576].
3 - وجاء في البخاري (باب السترة بمكة وغيرها): عن أبي جحيفة قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة فصلى بالبطحاء (بمكة) الظهر والعصر ركعتين ونصب بين يديه عَنَزة. (عصا على رأسها حديدة).
والخلاصة: أن المرور في مكان سجود المصلي حرام، فيه إِثم ووعيد إِذا وضع أمامه سترة، سواء كان في الحرم، أو في غيره، لما تقدم من الأحاديث الصحيحة، وقد يجوز للمضطر عند الزحام الشديد.
4 - ويستحب أن تؤخر السنة إِذا كان الزحام شديدًا، دفعًا للحرج والإِثم.
(1/110)

قراءة الرسول وصلاته - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل]
2 - كان - صلى الله عليه وسلم - لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة (أيام). [صحيح رواه ابن سعد]
3 - كان - صلى الله عليه وسلم - يُقطِّع قراءته آية آية: (الحمد لله رب العالمين)، ثم يقف (الرحمن الرحيم)، ثم يقف. [صحيح رواه الترمذي]
4 - كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: "زَيِّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن، يزيد القرآن حُسنًا". [صحيح رواه أبو داود]
5 - "كان يمدُّ صوته بالقرآن مَدًا". [صحيح رواه أحمد]
6 - "كان يقوم إذا سمع الصارخ" (الديك) [متفق عليه]
7 - "كان يُصلِّي في نعليه" (أحياناً) [متفق عليه]
8 - "كان يعقد التسبيح (بيمينه) [صحيح رواه الترمذي وأبو داود]
9 - "كان إذا حَزَبَه أمر صلى" [حسن رواه أحمد وأبو داود]
(حزبه: كربه)
10 - "كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها". [رواه مسلم في سنة الجلوس في الصلاة 5/ 80]
11 - "كان - صلى الله عليه وسلم - يُحرِّك أصبعه اليمنى يدعو بها". [صحيح رواه النسائي]
(السبابة عند الجلوس في الصلاة)
ويقول - صلى الله عليه وسلم -: "لهي أشدُّ على الشيطان من الحديد". [حسن رواه أحمد]
12 - "كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره". (في الصلاة)
[رواه ابن خزيمة وغيره وحسنه الترمذي] (ذكره النووي في شرح مسلم، وضعف حديث وضع اليد تحت السرة)
13 - إِن الأئمة الأربعة أجمعت على قول: "إِذا صح الحديث فهو مذهبي" فيكون
(1/111)

التحريك، ووضع اليد على الصدر في الصلاة من مذهبهم، وهو من سنن الصلاة.
14 - لقد أخذ بسنة تحريك الأصبع (السبابة) في الصلاة الإِمام مالك وغيره. وبعض الشافعية -رحمهم الله- كما في شرح المهذب للنووي 3/ 454 وذكر ذلك محقق جامع الأصول 5/ 404.
وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحكمة من تحريكها في الحديث المذكور أعلاه، لأن تحريك الأصبع يُشير إلى توحيد الله، وهذا التحريك أشد على الشيطان من ضرب الحديد لأنه يكره التوحيد.
فعلى المسلم أن يتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينكر سنته فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّى". [رواه البخاريُّ]

عبادة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله - تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:1، 2]
2 - قالت عائشة: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان، ولا في غيره، على إحدى عشرة ركعة، يصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلي ثلاثاً، فقلت: أتنام قبل أن توتر؟ فقال يا عائشة: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". [متفق عليه]
3 - عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة -رضي الله عنها- عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل فقالت: "كان ينام أول الليل، ثم يقوم، فإذا كان من السَّحَر أوتر، ثم أتى فراشه، فإذا كان جُنُباً أفاض عليه من الماء (اغتسل)، وإلا توضأ، وخرج إلى الصلاة" [رواه البخاري ومسلم وغيرهما]
4 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوم حتى تنتفخ قدماه، فيقال له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غَفَر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:
(1/112)

أفلا أكون عبداً شكوراً] [متفق عليه]
5 - قال رسول الله: "حُبِّب إليَّ من دُنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة". [صحيح رواه أحمد]

الزكاة وأهميتها في الإسلام
هي حق واجب في مال بشروط لطائفة مُعينة، وفي وقت معلوم.
والزكاة هي أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله - عز وجل.
وقد أجمع المسلمون على فرضيتها إِجماعاً قطعياً، فمن أنكر وجوبها مع علمه بها فهو كافر خارج عن مِلة الإسلام. ومَن بخل بها أو انتقص منها شيئًا فهو من الظالمين المتعرضين للعقوبة والنكال.
ومن أدلة ذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. [البقرة: 110]
وقال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}. [البينة: 5]
وفي الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بُني الإسلام على خمس فذكر منها إيتاء الزكاة"
وفي البخاوي في قصة بَعث معاذ إِلى اليمن وفيه قال: "فإن هم أطاعوا لذلك
فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ مِن أغنيائهم فتُرَّدُّ على فقرائهم".
وفي كفر تارك أدائها قال الله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]
حيث يُفهم من الآية أن الذي لا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة ليس من إِخواننا في الدين، بل هو من الكافرين، ولذلك قاتل أبو بكر الصِّديق -رضي الله عنه- مَن فرَّق
(1/113)

بين الصِلاة والزكاة ومنعها فأقام الصلاة ومنع الزكاة ووافقه الصحابة على ذلك فكان إِجماعاً

حكمة تشريع الزكاة
لتشريع الزكاة حِكم كثيرة ومقاصد عظيمة ومصالح تظهر من خلال التأمل انصوص الكتاب والسنة التي تأمر بأداء فريضة الزكاة: مثل آية مصارف الزكاة في سورة التوبة، وغيرها من الآيات والأحاديث التي تحث على الصدقة والإِنفاق في وجوه الخير بشكل عام. ومن هذه الحكم:
1 - تزكية نفس المؤمن من أوضار الذنوب والآثام وآثارهما السيئة على القلوب، وتطهير روحه من رذيلة البخل والشُّح وما يترتب عليهما من آثار سيئة. قال الله - تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}. [التوبة: 103]
2 - كفاية الفقير المسلم وسَدُّ حاجته ومواساته وإكرامه عن ذل السؤال لغير الله.
3 - التخفيف مِن هَمِّ المدِين المسلم بسَداد دَينه وقضاء ما وجب عليه من ديون الغرماء.
4 - جمع القلوب المشتَّتة على الإِيمان والإِسلام والانتقال بها من الشكوك
والاضطرابات النفسية لعدم رسوخ الإيمان فيها، إِلى الإِيمان الراسخ واليقين التام.
5 - تجهيز المقاتلين في سبيل الله، وإعداد العُدد والعَتاد الحربي لنشر الإِسلام، ودَحر الكفر والفساد، ورفع راية العدل بين الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
6 - مساعدة المسلم المسافر إِذا انقطع في طريقه ولم يجد ما يكفيه مُؤنة سفره، فيُعطى مِن الزكاة ما يَسُد حاجته حتى يعود إِلى داره.
7 - تطهير المال وتنميته والمحافظة عليه ووقايته من الآفات ببركة طاعة الله وتعظيم أمره والإِحسان إِلى خَلقه.
(1/114)

هذه جملة من الحكم السامية والأهداف النبيلة التي شُرعت لها صدقة الزكاة، وغيرها كثير إِذ لا يحيط بأسرار الشرع وحِكَمه إِلا الله - عز وجل.

الأموال التي تجب فيها الزكاة
تجب الزكاة في أربعة أشياء:
الأول: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ}. [البقرة: 267]
وقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. [الأنعام: 141]
وأعظم حقوق المال الزكاة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت السماء أو كان عُثريا العُشر وفيما سُقي بالنضح نصف العُشر". [رواه البخاري]
(العُثري: هو من النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفرة).
[ذكره ابن الأثير]
الثاني: الأثمان كالذهب والفضة والأوراق النقدية لقول الله - تعالى: {وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. [التوبة: 34]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يُؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحميَ عليها في نار جهنم فَيُكوى بها جَنبه وجَبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد".
والمراد بحقها الزكاة لأنه ورد في رواية أخرى: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته". [رواه مسلم]
الثالث: عروض التجارة: وهي كل ما أُعِدَّ للتكسب والتجارة من عقار وحيوان
(1/115)

وطعام وشراب وسيارات وغيرها من أصناف المال، فيقوِّمها صاحبها بما تساوي عند رأس الحول، ويُخرج رُبع عشر قيمتها سواء كانت قيمتها بقدر ثمنها الذي اشتراها به أقل أم أكثر، ويجب على أصحاب المحلات التجارية أهل البقالات والسيارات وقطع الغيار أن يُحصوا ما في محلاتهم من البضائع إِحصاء دقيقاً شاملاً للصغير والكبير، ويُخرجوا زكاتها فإِن شق عليهم ذلك احتاطوا وأخرجوا ما يكون به براءة ذممهم.
الرابع: بهيمة الأنعام: وهي الإِبل والغنم من ضأن أو ماعز بشرط أن تكون سائمة وأُعِدَّت للدَّرِّ والنسل، وبلغت نصاباً، والسائمة هي التي ترعى العشب كل السنة أو أكثرها فإِن لم تكن سائمة فلا زكاة فيها إِلا أن تكون للتجارة، وإن أُعِدَّت للتكسب بالبيع والشراء فيها فهي عروض تجارة تُزكَّى زكاة العروض سواء كانت سائمة أو معلوفة إِذا بلغت نصاب التجارة بنفسها أو بضمها إلى تجارته.

مقادير الأنصبة
1 - الحبوب والثمار:
النصاب: خمسة أوسق وتساوى 612 كيلو جراماً بالبُرِّ الجيد مقدار الواجب فيه: العشر فيما سقت السماء أو العيون، ونصف العشر فيما سقي بكلفة.
2 - النقدي أو الأثمان:
(أ) الذهب: عشرون دينارًا وتساوى 85 جراماً وفيه ربع العشر (2.5 لكل مائة)
(ب) الفضة: خمس أوراق وتساوي 595 جراماً، وفيها ربع العشر (2.5 لكل مائة).
(ج) الأوراق النقدية: ما يعادل قيمة أحد النصابين الذهب أو الفضة، وفيها ربع العشر (5، 2 لكل مائة)
(1/116)

3 - عروض التجارة:
تقدر قيمتها بنصاب الذهب أو الفضة ويخرج ربع عشرها (2.5 لكل مائة)
4 - بهيمة الأنعام:
(أ) الإبل: أقلُّ النصاب فيها خمس، وفيها شاة.
(ب) البقر: أقل النصاب ثلاثون، وفيها تبيع.
(ج) الغنم: أقل النصاب أربعون، وفيها شاة.
ومحل تفصيل ذلك كتب الحديث والفقه فلتراجع إِن أردت التوسع.
(التْبيع: ما له سنة).
وتجب الزكاة فيها إذا كانت ترعى من البرية أكثر السنة

شروط وجوب الزكاة
1 - الإِسلام: فلا تجب على كافر أو مُرتَد.
2 - الملك التام للمال المزكَّى بحيث يكون في يده وتحت تصرفه أو قادر على تحصيله.
3 - بلوغ النصاب: أى أن يبلغ المال النصاب الذي حدده الشارع وهو يختلف باختلاف الأموال كما سبق وهو تقريبيٌّ في الأثمان ومحدد في غيرها.
4 - مضيُّ الحول: وهو مُضي السنة من يوم ملك النصاب، إِلا في الخارج من الأرض، فزكاته عند استوائه، وإلا نِتاج السائمة وربح التجارة فحولهما حول أصلهما من حين كمل نصاباً.
5 - الحرية: فلا تجب الزكاة على عبد لأنه لا يملك بل هو ما تحت يده إِلى بدء العمل يذلك ملك لسيده.
6 - لا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام إِذا كان يعلفها صاحبها من ماله.
(1/117)

مصارف الزكاة
الأصل في مصارف الزكاة قول الله - تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. [التوبة: 60]
(والمراد بالصدقات في الآية الزكاة المفروضة).
وقد بين الله - سبحانه- ثمانية أصناف كل منهم يستحق الزكاة وهم:
1 - الفقير:
هو المحتاج الذي لا يملك حاجته أو أقل وهو أشد حاجة من المسكين.
2 - المسكين:
وهو المحتاج لكنه أحسن حالا من الفقير، كمن حاجته عشرة وعنده سبعة أو ثمانية، وكون الفقير أشد حاجة من المسكين دل عليه قوله - تعالى:
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ}. [الكهف: 79]
فوصفهم بأنهم مساكين رغم امتلاكهم للسفينة.
وُيَعطى الفقير والمسكين من الزكاة كفاية سنة، لأن وجوب الزكاة يتكرر كل سنة فينبغي أن يأخذ ما يكفيه لمثلها.
والكفاية المعتبرة: هي أن يكون المطعم والملبس والمسكن وسائر ما لابُدَّ منه على مايليق بحاله بغير إِسراف ولا إِقتار لنفس الشخص، ولمن تلزمه مُؤنته، وهو يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأشخاص، فما كان هنا كفاية لرجل لا يكون كفاية له هناك، وكذا ما يكون كفاية منذ عشر سنوات لا يكون كفاية اليوم، وكذلك ما يكون كفاية لهذا قد لا يكون كفاية لذاك لكثرة عيال ونفقة ونحو ذلك.
وأفتى أهل العلم بأنه من تمام الكفاية أيضًا علاج المرضى وتزويج الأعزب، وكتب العلم المحتاج إليها.
(1/118)

ويشترط في آخذها من الفقراء والمساكين أن يكون مسلمًا وأن لا يكون من بني هاشم ومواليهم وألا يكون ممن تلزم المزكي نفقته كالوالدين والأولاد والزوجات، وأن لا يكون لقوي مكتسب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مُكتسِب". [رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه محقق جامع الأصول]
3 - العاملون عليها:
وهم الذين يوليهم الإِمام أو نائبه عملًا من أعمال الزكاة من جمع أو حفظ أو تفريق كالسعاة الذين يجمعونها والخزنة والكتاب والحاسبين والحراس والقائمين على نقلها وتوزيعها ونحو ذلك.
ويُعطى العامل على الزكاة قدر عمالته وأجر مثله، حتى لو كان غنيًا ما دام مسلمًا بالغاً أميناً كافياً لعمله، ولا تُصرف الزكاة له إِن كان من بني هاشم لما رواه مسلم من حديث المطلب بن ربيعة مرفوعًا: "إن الصدقه لا تنبغي لآل محمد".
4 - المؤلَّفة قلوبهم:
وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه، أو قوة إِيمانه أو إِسلام نظيره، أو الدفع عن المسلمين أو كفّ شره.
وسهمهم باقٍ لم ينسخ وأنهم يُعطَون من الزكاة ما يحصل به تأليفهم على الإِسلام ونصرته والدفاع عنه، ويعطى هذا السهم للكافر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى صفوان بن أميَّة من غنائم حنين .. [رواه مسلم]
ويُعطى كذلك للمسلم، فقد أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب، وأعطى كذلك الأقرع بن حابس، وعُيينة بن حصن لكل واحد منهم مائة من الإِبل. [رواه مسلم]
5 - وفي الرقاب:
يشمل عتق العبيد ومساعدة المكاتَبين، وفك الأسرى من أسر العدو يدخل فيها لأنه أشبه ما يدفعه إِلى الغارم لفك رقبته من الدَّين بل وأولى لأنه يخاف عليه القتل أو الردة.
(1/119)

6 - والغارمون:
وهم الله من تحمَّلوا الدُّيون وتَعيَّن أداؤها، والديون قسمان:
1 - إِما أن يكون الرجل غرم لمصلحة نفسه في مباح، كأن يستدين في نفقة، أو كسوة أو زواج أو علاج، أو بناء مسكن أو شراء أثاث لا بُدَّ منه، أو أتلف شيئًا على غيره خطأ أو سَهواً، فيُعطى ما يَقضي به دينه إِن كان في حاجة لفقره، وقد استدان في طاعة أو أمر مباح.
ويشترط أن يكون مسلمًا، وأن لا يكون غنيًا قادرًا على السداد، وأن لا يكون دَينه في معصية، وأن لا يكون دَينه مُؤجلاً لا يحل تلك السنة، وأن يكون الدَّين لآدمي يُحبَس فيه، فلا يكون من الكفارات والزكاوات.
2 - الغارم لمصلحة غيره: لإِصلاح ذات البين، ويأخذ من الزكاة لحديث قبيصة الهلالي قال: تحمَّلت حمالة فأتيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله فيها فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالةً فحلَّت له المسألة حتى يُصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فَحلت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش أو قال: سِداداً من عيش. ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة مِن ذوي الحجا (أي العقل) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلَّت له المسألة حتى يُصيب قواماً من عيش، أو قال سِداداً من عيش، فما سواهن من المسألة، يا قبيصة سُحتا يأكلها صاحبها سُحتاً". [رواه أحمد ومسلم]
ويجوز قضاء دين الميت من الزكاة لأن الغارم لا يُشترط تمليكه، وعلي هذا يجوز الوفاء عنه، لأن الله جعل الزكاة فيهم، ولم يجعلها لهم.
7 - وفي سبيل الله:
أي المتطوعون الذين لا يتقاضون راتباً من الحكومة، ويدخل في هذا الفقير والغني، والرباط على الثغور كالغزو، ولا يدخل فيها المصالح الخيرية، وإلا لما كان لذكر باقي الأصناف في الآية فائدة، إِذ الكل داخل في المصالح الخيرية.
(1/120)

ويدخل في سبيل الله مفهوم الجهاد الواسع: بمعنى أنه يدخل فيه التعبئة الشاملة الفكرية، وصَدُّ هجمات المغرِضين، ودرء شبهات المنحرفين، والمذاهب الهدامة، ونحو نشر الكتاب الإِسلامي المفيد، وتفريغ أمَناء مخلصين في العمل في مقاومة التبشير والإلحاد ونحو ذلك لحديث: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". [رواه أبو داود بإسناد صحيح]
8 - وابن السبيل:
وهو المسافر الذي يجتاز من بلد إِلى بلد فيُعطى ما يرجع به إِلى بلده بشرط أن يكون محتاجاً إلى ما يوصله إِلى بلده وأن يكون سفره في غير معصية بأن يكون واجبًا أو مستحباً ولو مباحًا. ويشترط أن لا يجد من يُقرضه في ذلك. ويعطى ابن السبيل وإن طال مقامه إِذا كان مقيماً لحاجة يتوقع انجازها.
ولا يجب استيعاب الأصناف الثمانية في الصرف إِليها .. ولكنه مستحب بحسب الحاجة والمصلحة" وبحسب ما يراه الإمام أو نائبه أو المزكي.

من لا يُصرف لهم الزكاة
1 - الأغنياء والأقوياء المكتسبون.
2 - أصول المزكي وفروعه وزوجته.
3 - غير المسلمين.
4 - آل النبي - صلى الله عليه وسلم -
ويجوز دفع الزكاة إِلى سائر الأقارب سوى الأصول والفروع، ويجوز دفعها لبني هاشم إذا مُنعوا الخمس وكان معروفاً لأنه محل حاجة وضرورة.
(1/121)

من فوائد أداء الزكاة
1 - امتثال أمر الله ورسوله وتقديم ما يحبه الله ورسوله على ما تحبه النفس من المال.
2 - مضاعفة ثواب العمل: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ}. [البقرة: 261]
3 - الصدقة برهان على الإِيمان وعلامة دالة عليه كما في الحديث: "والصدقة بُرهان". [رواه مسلم]
4 - الطهارة من دنس الذنوب والأخلاق الرذيلة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}. [التوبة: 103]
5 - نماء المال وبركته وحفظه والسلامة من شره لما في الحديث: "ما ينقص مال من صدقة". [رواه مسلم]
وقول الله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
[سبأ: 39]
6 - المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إِلا ظله: " .... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه". [متفق عليه]
7 - سبب لرحمة الله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}. [الأعراف: 156]

ما جاء في وعيد مانع الزكاة
1 - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة:34، 35]
(1/122)

2 - وروى أحمد ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أُحمي عليه في نار جهنم فيُجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار".
3 - وروى البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مَن آتاه الله مالاً فلم يُؤدِّ زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يُطوقه يوم القيامة، كم يأخذ بلهزمتيه (يعني شدقيه)، ثم يقول أنا مالك؛ أنا كنزك، ثم تلا: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}. [آل عمران: 180]
4 - وروى مسلم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها كلما نفِدت عليه أُخراها عادت إليه أولاها حتى يُقضى بين الناس".

تنبيهات هامة
الأول: يصح دفع الزكاة لأحد الأصناف الثمانية ولا يجب توزيعها عليهم حال
وجودهم.
الثاني: يجوز إِعطاء الغارم ما يُسدِّد كل دينه أو بعضه.
الثالث: لا تعطى الزكاة لكافر أصلي أو مُرتَد، ولا تارك الصلاة للقول بكفره وهو الراجح، إِلا إِذا اشترطنا عليه الصلاة فيعطى تشجيعاً له.
الرابع: لا يجوز إِعطاء الزكاة لغني لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". [رواه أبو داود وإسناده صحيح]
الخامس: لا يصح إِعطاء الزكاة لمن تجب النفقة عليهم كالوالدين والولد والزوجة.
السادس: يجوز للمرأة أن تعطي زكاتها لزوجها إِذا كان فقيرًا لقصة إِعطاء امرأة
(1/123)

عبد الله بن مسعود الصدقة لزوجها عبد الله، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
السابع: لا تنقل الزكاة من بلد إِلى بلد آخر إِلا لضرورة تستدعي ذلك، كشجاعة، أو عدم وجود فقير في بلد المال، أو إمداد المجاهدين، أو ينقلها الإِمام للمصلحة العامة.
الثامن: من استفاد مالاً في غير بلده ووجبت عليه الزكاة أخرج الزكاة في بلد المال ولا ينقلها لبلده إِلا لضرورة تستدعي ذلك كما سبق.
التاسع: يجوز إِعطاء الفقير من الزكاة ما يكفيه لعدة أشهر أو لسنة كاملة.
العاشر: تحب الزكاة في الذهب والفضة سواء كانت نقدًا أو سبائك أو حُليًّا يُلبس أو يُعار أو غير ذلك لعموم الأدلة على وجوب الزكاة فيها بدون تفصيل. ومن أهل العلم من قال: إِن الحُليَّ الذي أُعِدَّ للبس والإِعارة لا زكاة فيه. والأول أرجح أدلة والأخذ به أحوط.
الحادي عشر: لا زكاة فيما أعده الإنسان لحاجته من طعام وشراب وفرش ومسكن وحيوانات وسيارة ولباس ودليل ذلك كله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". [متفق عليه]
ويُستثنى من ذلك حلي الذهب والفضة على ما سبق.
الثاني عشر: ما أُعِد للأجرة من عقارات وسيارات ونحوها فزكاتها في أُجرتها إِذا كانت نقوداً وحال عليها الحول، وبلغت قيمتها نصاباً بنفسها أو بضمها إلى ما عنده من جنسها. [بحث الزكاة هذا مأخوذ من رسالة (بتصرف بسيط) بقلم عبد الله بن صالح قصير]

الصيام وفوائده
قال الله - تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. [البقرة: 183]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصيام جُنَّة". (وقاية من النار). [متفق عليه]
(1/124)

قال - صلى الله عليه وسلم -:
1 - مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. [متفق عليه]
2 - مَن صام رمضان، وأتبعَه سِتاً من شوال كان كصوم الدهر. [رواه مسلم]
3 - من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه (والمراد صلاة التراويح) [متفق عليه]
أعلم با أخي المسلم أن الصوم عبادة وله فوائد عديدة منها:
1 - الصوم يُريح جهاز الهضم والمعدة من عناء عملها المتواصل، ويذيب الفضلات، ويقوى الجسم وهو مفيد أيضًا لأمراض كثيرة. ويريح الصيامُ المدخنين من تعاطي الدخان ويساعدهم على تركه.
2 - الصوم تهذيب للنفس. وتعويد لها على الخير والنظام، والطاعة والصبر والإِخلاص.
3 - يشعر الصائم بالمساواة بين إِخوانه الصائمين، فيصوم معهم ويفطر معهم، ويحس بوحدة إِسلامية عامة، ويحس بالجوع فيواسي إِخوانه الجائعين والمحتاجين.

واجبك في رمضان
أعلم يا أخي المسلم أن الله فرض علينا الصوم لنتعبد الله به، ولكي يكون صومك مقبولاً ومفيداً فاعمل ما يلي:
1 - حافظ على الصلاة، فكثير من الصائمين يهملون الصلاة، وهى عماد الدين، وتركها من الكفر.
2 - كن حسن الأخلاق، واحذر الكفر وسب الدين، وسوء المعاملة مع الناس، محتجاً بصيامك، فالصوم يهذب النفوس، ولا يسيء الأخلاق، والكفر يُخرج المسلم من الدين.
(1/125)

3 - لا تتكلم الكلام البذيء ولو مازحاً فيَضيع صومُك، واسمع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كانَ يومُ صوم أحدكُم فلا يَرْفُثْ يومئذٍ ولا يَصخَب: فإن شاتَمهُ أحَدٌ أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم". [متفق عليه]
(لا يرفث: لا يفحش قولا)
4 - استفد من الصوم في ترك الدخان المسبب للسرطان والقرحة، وحاول أن تكون قوي الإرادة، وتتركه مساءً كما تركته نهارًا، فتوفر صحتك ومالك.
5 - لا تسرف في الطعام حين الإِفطار فتُضيع فائدة الصوم، وتسيء إِلى صحتك.
6 - لا تشاهد السينما والتلفزيون لئلا تشاهد ما يفسد الأخلاق ويتنافى مع الصوم.
7 - لا تسهر كثيرًا فتُضيع السحور وصلاة الفجر، وعليك بالعمل في الصباح الباكر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم بارك لأُمتي في بُكورها" [صحيح رواه أحمد والترمذي]
8 - أكثر من الصدقات على الأقارب والمحتاجين، وزُر الأرحام، وصالح الخصوم.
9 - أكثرْ من ذكر الله، وتلاوة القرآن وسماعه، وتَدبَّر معناه، واعمل به واذهب إِلى المساجد لتسمع الدروس النافعة.
والاعتكاف في المسجد في آخر رمضان سُنّة.
10 - اقرأ رسالة (عن الصيام) وغيرها لتعلم أحكامه، فتعرف أن الأكل والشرب ناسياً لا يُفطِّر، وأن الجنابة ليلاً لا تمنع الصوم وإن كان الواجب رفعها للطهارة والصلاة.
11 - حافظ على صوم رمضان، وعوِّد أولادك متى أطاقوه، واحذر الإفطار فيه دون عذر، فمن أفطر يومًا واحدًا عمدًا فعليه القضاء والتوبة.
ومن جامع زوجته أثناء رمضان نهاراً فعليه الكفارة بالترتيب (1).
12 - احذر يا أخي المسلم الإِفطار في رمضان، واحذر الجهر به أمام الناس، فالفطر
__________
(1) الكفارة: هي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يجد فإطعام ستين مسكيناً.
(1/126)

جرأة على الله، واستخفاف بالإسلام، ووقاحة بين الناس، وأعلم أن من لا صوم له لا عيد له، فالعيد فرحة كبرى بإِتمام الصوم وقبول العبادة.

أحاديث في الصوم
فضائل رمضان: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
1 - "إذا دخل رمضان فُتحت أبوابُ السماء، وأغلِقتْ أبوابُ جهنم، وسُلْسِلتِ الشياطين.
وفي رواية: إِذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة. وفي رواية أخرى فُتحت أبوابُ الرحمن". [أخرجه البخاري ومسلم]
2 - وفي رواية الترمذي: "وينادي مناد يا باغي الخير هلُمَّ وأقبلْ، ويا باغي الشرِّ أقصِرْ، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة حتى ينقضي رمضان". [حسنه الألباني، في المشكاة]
3 - "كلُّ عمل ابن آدم يُضاعفُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله - عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدَع شهوته وطعامه مِن أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله مِن ريح المسك". (والخلوف: تغير رائحة الفم) [متفق عليه]
حفظ اللسان: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
1 - "مَن لم يَدَع قول الزور والعمل به، فليسَ لله حاجة في أن يَدَعَ طعامه وشرابه .. ". (يَدَع: يترك) [رواه البخاري]
الإفطار والدعاء والسحور: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
1 - "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء فإنه طهور". [أخرجه الترمذي وقال محقق جامع الأصول إِسناده صحيح]
2 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أفطر قال: "اللهم لك صُمت وعلي رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتَلّتِ العُروق، وثبتَ الأجر إن شاء الله". [رواه أبو داود وحسنه محقق جامع الأصول والألباني في المشكاة رقم 1994]
(1/127)

3 - وقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزال الناس بخير ما عجِّلوا الفطر". [متفق عليه]
4 - "تسحَّروا فإن في السحور بركة". [متفق عليه]

صوم النبي - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثٌ من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة (1) احتسِبُ على الله أن يكَّفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام (يوم) عاشوراء (2) احتسِبُ على الله أن يكفّر السنة التي قبله". [رواه مسلم]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لَئِن بقيتُ إلى قابل لأصومَنَّ التاسع" (3). [رواه مسلم]
3 - سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الإِثنين ويوم الخميس؟ قال: "يومان تُعرض فيهما الأعمالُ على ربِّ العالمين، فأحِبُّ أن يُعرَض عملي وأنا صائم". [رواه النسائي وحسَّنه المنذري]
4 - "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الفطر والأضحى". [متفق عليه]
5 - "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيامَ شهر قط إلا شهر رمضان" [رواه البخاري ومسلم عن عائشة]
6 - لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم شهرًا أكثر من شعبان". [رواه البخاري]

فضائل الحج والعمرة
1 - قال الله - تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. [آل عمران: 97]
__________
(1) الواقف بعرفة لا يصومه.
(2) العاشر من محرم.
(3) التاسع من محرم.
(1/128)

2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "العُمرةُ إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحجُ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". [متفق عليه]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ حجَّ فلم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ رجع مِن ذنوبه كيوم ولدته أُمه". (لم يرفث: لم يفحش في القول). [متفق عليه]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني مناسِكَكُم". [رواه مسلم]
5 - أخي المسلم: عجل بفريضة الحج عندما يُصبح لديك مالٌ يكفيك ذهاباً وإياباً، ولا عبرة للمصاريف بعد الحج كالهدايا والحلوى وغيرها، حيث لا يقبل الله بها عذرًا، فبادر إِلى الحج قبل أن تمرض، أو تفتقر، أو تموت عاصياً، لأن الحج ركن من أركان الإسلام له فوائد عظيمة.
6 - يجب أن يكون مال العمرة والحج مالاً حلالًا حتى يقبلهما الله.
7 - يَحرمُ سفر المرأة إِلى الحج وغيره إِلا مع ذي مَحرَم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تسافر المرأة، إلا ومعها ذو مَحرم". [متفق عليه
8 - صالح خصومك، وأوفِ دينَك، وأوص أهلك ألا يُسرفوا في الزينة والسيارات والحلوى والذبيحة وغيرها، لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}. [الأعراف: 31]
9 - الحج مؤتمر عظيم للمسلمين، ليتعارفوا ويتحابوا، ويتعاونوا على حل مشاكلهم، وليشهدوا منافع لهم في الدين والدنيا.
10 - والمهم جداً أن تتغلَّب على حَلِّ مشاكلك بالاستعانة بالله وحده، ودعائه دون سواه، لقوله - تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا}. [الجن: 20]
11 - تجوز العمرة في أي وقت، لكنها في شهر رمضان أفضلُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عمرة في رمضان تَعدِل حجة". [متفق عليه]
12 - الصلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة في غيره. لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". [متفق عليه]
(1/129)

ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاةٍ في مسجدي هذا بمائة صلاة". [صحيح رواه أحمد]
1000 × 100 = 100.000 مائة ألف صلاة.
13 - عليك بحج التمتع، وهو العمرة والتحلل منها ثم الحج لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا آل محمد، من حجَّ منكم فلْيُهِلّ بعمرة في حجة". [رواه ابن حبان وصححه الألباني]

أعمال العمرة
الإحرام، الطواف، السعي، الحلق، التحلل
1 - الإحرام:
البس لباس الإِحرام عند الميقات (1) وقل:
(لبيك اللهم بعمرة)، وارفع صوتك بالتلبية "لبيك اللهم لبيك".
2 - الطواف: إذا وصلت مكة، فاذهب إِلى الحرم، وطف حول الكعبة سبعاً، مبتدئاً بالحجر الأسود قائلًا: "بسم الله والله أكبر" وقَبِّلْهُ إِن استطعت، أو أشر إِليه باليمين، وامسح الركن اليماني بيمينك كل مرة إِن استطعت بلا تقبيل ولا إِشارة، وقل بين الركنين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، ثم صلِّ ركعتين خلف مقام إِبراهيم بعد الانتهاء من الطواف، واقرأ سورة (الكافرون) في الركعة الأولى، (والإِخلاص) في الركعة الثانية.
3 - السعي: اصعد إِلى الصفا، واستقبل القبلة رافعاً يديك إِلى السماء قائلًا: "إن الصفا والمروة من شعائر الله" أبدأ بما بدأ الله به، وكبر ثلاثًا بلا إِشارة وقل: "لا إِله إِلا
__________
(1) ميقات أهل الشام الجحفة (رابغ)، وأهل نجد (قرن المنازل)، وأهل اليمن (يلملم)، و "هل المدينة (ذو الحليفة)، وتسمى (أبيار علي) وأهل العراق (ذات عرق) ومَن مَرَّ عليها. "لباس الإحرام هو ما لم يكن مخيطاً للرجال".
(1/130)

الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إِله إِلا الله وحده، أنجز وعدَه، وصدق عبدَه، وهزم الأحزاب وحده" ثلاثًا، ثم ادعُ الله بما شئت.
كرره عند الصفا والمروة في كل شرط من الدعاء.
امِشِ بين الصفا والمروة مُسرعاً بين الميلين الأخضرين.
السعي سبع مرات، يُحسب الذهاب مرة، والرجوع مرة.
4 - احلق شعرك كله، أو قصره، والمرأة تقص من شعرها قليلاً.
5 - وبهذا تكون قد أنهيت أعمال العمره وتحللت من إِحرامك.

أعمال الحج (1)
الإحرام، المبيت بمنى، الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة، الرمي، الذبح، الحلق، الطواف، السعي، التحلل.
1 - البس ثياب الإِحرام يوم الثامن من ذى الحجة بمكة وقل: {لَبَّيك اللهم بحجة} واذهب إِلى منى وبِتْ فيها، وصلّ خمس صلوات قصراً، فتصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين في وقتها.
2 - اِذهب إِلى عرفة يوم التاسع بعد الشروق، وصَلِّ الظهر والعصر جَمعَ تقديم بأذان وإقامتين بدون سُنَّة، وتأكد أنك في عرفة داخل حدودها مُفطراً مُلبِّياً داعياً الله وحده، لأن الوقوف في عرفة ركن أساسي، ومسجد نمرة معظمه ليس من عرفة.
3 - انزل من عرفة بعد الغروب بهدوء (لمزدلفة) وصَلِّ المغرب والعشاء جمع تأخير، وَبِت فيها لتصليَ الفجر وتذكر الله عند المشعر الحرام، ويُسمح للضعفاء بعدم المبيت.
__________
(1) حج التمتع: هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج والتحلّل منه، ثم الإِحرام بالحج في الثامن من ذي الحجة، وهو الأسهل والأفضل، وهو الذي أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بقوله: "فمن كان منكم ليس معه
هَديٌ، فليُحِل وليجعلها عُمرة". [رواه مسلم]
(1/131)

4 - اخرج من مزدلفة قبل الشروق إِلى (منى) يوم العيد وصل صلاة العيد إِن
استطعت، وارْمِ الجمرة الكبرى بسبع حصيات صغيرة مُكبراً مع كل واحدة بعد الشروق ولو إِلى الليل.
5 - اذبح ذبيحةً واسلخها بمنى أو مكة؛ أيام العيد، وكُل وأطعِم الفقراء، فإِن لم تملك ثمنها فصُم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجعت لأهلك، والمرأة كالرجل تجب عليها الذبيحة أو الصوم، وهذا للمتمتع وجوبًا وللقارن.
6 - احلق شعرك أو قصِّره كله، والحلق أفضل، ثم البس ثيابك، ويحل لك كل شيء إِلا النساء. وهذا يسمى التحلل الأصغر.
7 - ارجع إِلى مكة فطُف سبعاً واسعَ بين الصفا والمروة سبعاً (ذهابًا مرة، ورجوعاً مرة)، وبعد الطواف والسعي تحل لك زوجتك بعد أن كانت حرامًا. ويجوز تأخير الطواف إِلى آخر شهر ذى الحجة.
8 - ارجع إِلى منى أيام العيد، وَبِتْ فيها وجوبًا، وارم الجمرات الثلاث مبتدئاً بالصغرى كل يوم بعد الظهر، ولو إِلى الليل، بسبع حصيات لكل جمرة، مكبراً عند كل حصاة، عالمًا بوقوعها في المرمى، فإِذا لم تقع في المرمى فأعدها، ويُسَن الوقوف بعد رمي الصغرى والوسطى للدعاء مع رفع اليدين.
ويجوز التوكيل بالرمي عن النساء والمرضى والصغار والضعفاء، ويجوز تأخير الرمي إِلى اليوم الثاني والثالث عند الضرورة.
9 - طواف الوداع واجب، ويكون السفر بعد الطواف مباشرة.

من آداب الحج والعمرة
1 - أخلِص حجَّك لله قائلاً: اللهم هذه حجّة لا رِياء فيها ولا سُمعة.
2 - رافق أهل الصلاح واخدمهم، وتحمل أذى جيرانك.
(1/132)

3 - احذر شرب الدخان وشراءه، فهو حرام يضر الجسم والجار والمال، وفيه معصية لله - تعالى.
4 - استعمل السواك عند الصلاة، وخذ منه هدايا مع زمزم والتمر، فقد وردت
أحاديث صحيحة بفضلها.
5 - احذر لمس النساء، والنظر إِليهن، واحجُب نساءك عن الرجال.
6 - لا تَتخَطَّ رقاب المصلين فتؤذيهم، واجلس في أقرب مكان.
7 - احذر المرور بين يدى المصلي حتى في الحرمين، فهو من عمل الشيطان (انظر الدليل في أول الكتاب تحت هذا العنوان)
8 - تمهَّل في صلاتك. وصَلِّ إِلى سترة (كجدار، أو ظهر رجل أو محفظة)، ويكفي المقتدين سترة إِمامِهم.
9 - تَلطف بمن حولك أثناء الطواف والسعي، والرمي، وتقبيل الحجر الأسود، فهو من الرفق المطلوب.
10 - احذر دعاء غير الله من الأموات فهو من الشركِ الذي يُبطل الحج والعمل قال تعالى: {ئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [الزمر: 65]

من آداب المسجد النبوي
1 - إذا دخلت المسجد فقدم رجلك اليمنى وقل: "بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك".
2 - صَلِّ ركعتين تحية المسجد، وسَلَّم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، ثم استقبل القبلة عند الدعاء، وتذكر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
(1/133)

3 - زيارة مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والسلام عليه مستحبة، ولا يتوقف عليها صحة الحج، وليس لها وقت محدد.
4 - احذر لمس أو تقبيل الشباك أو الجدار وغيرهما فهو بدعة.
5 - الرُّجوع إِلى الوراء عند مغادرة المسجد، بدعة لا دليل عليه.
6 - أكثِرْ من الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقوله - صلى الله عليه وسلم - "مَن صلى عليّ صلاة واحدة، صلَّى الله عليه بها عشراً". [رواه مسلم]
7 - تستحب زيارة البقيع وشهداء أُحُد. دون المساجد السبعة.
8 - السفر إِلى المدينة يكون بنية زيارة المسجد النبوي ثم السلام عليه - صلى الله عليه وسلم - بعد الوصول، لأن الصلاة في مسجده أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا". [متفق عليه]
9 - توضأ واذهب إِلى مسجد قباء، وصل ركعتين لتكتب لك أجر عمرة.

تَمسُّك المجتهدين بالحديث
الأئمة الأربعة -رضي الله عنهم- وجزاهم الله عنا كل خير، اجتهد كل واحد منهم بحسب ما وصل إِليه من الأحاديث، وقد اختلفوا في كثير من الأمور لاطلاع أحدهم على أحاديث لم يطلع عليها غيره، لأن الأحاديث لم تكن منتشرة، وكان حفاظ الحديث قد تفرقوا في الحجاز والشام والعراق ومصر وغيرها من البلاد الإِسلامية، في عصر كانت المواصلات فيه صعبة وشاقة، لذلك نرى الإِمام الشافعي -رضي الله عنه- ترك مذهبه القديم في العراق حينما ذهب إِلى مصر، واطلع على أحاديث جديدة.
(1/134)

وحينما نرى الشافعي يرى نقض الوضوء بلمس المرأة، فإِن أبا حنيفة لا يرى نقضه، عندئذ وجب الرجوع إِلى الكتاب والسنة الصحيحة لقوله - تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}. [النساء: 59]
لأن الحق لا يمكن أن يتعدد، فيكون اللمس ناقضاً وغير ناقض.
ونحن لم نؤمر إِلا باتباع القرآن المنزل من عند الله، وقد شرحه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأحاديثه الصحيحة لقوله - تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}. [الأعراف: 3]
فلا يجوز لمسلم سمع حديثاً صحيحًا أن يرده لأنه مخالف لمذهبه، فقد أجمع الأئمة على الأخذ بالحديث الصحيح، وترك كل قول يخالفه.

أقوال الأئمة في الحديث
هذه بعض أقوال الأئمة -رحمهم الله- ترفع الملام عنهم وتُبين الحق لأتباعهم. الإِمام أبو حنيفة -رحمه الله- وكلُّ الناس عِيال على فقهه يقول:
1 - لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه.
2 - حرام على من لم يعرف دليلي أن يُفتي بكلامي، فإِننا بشر نقول القول اليوم، ونرجع عنه غدًا.
3 - إِذا قلتُ قولًا يخالف كتاب الله، وخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فاتركوا قولي.
4 - يقول ابن عابدين في كتابه: إِذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب، عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مُقلده عن كونه حنفياً بالعمل به، فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال: "إِذا صح الحديث فهو مذهبي".
الإِمام مالك -رحمه الله- إِمام المدينة المنورة يقول:
(1/135)

1 - إِنما أنا بشر أُخطئ وأُصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
2 - ليس أحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ويؤخذ من قوله ويُترك إِلا النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الإِمام الشافعي -رحمه الله- وهو من آل البيت يقول:
1 - ما من أحد إِلا وتذهب عليه سنة من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتغيب عنه، فمهما قلتُ مِن قول، أو أصَّلتُ من أصل ورد فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلت، فالقول ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قولي.
2 - أجمع المسلمون على أنه من استَبان له سُنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لم يحل لأحد أن يدعها لقول أحد.
3 - إِذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولوا بقول رسول الله، وهو قولي.
4 - إِذا صح الحديث فهو مذهبي.
5 - قال يخاطب الأِمام أحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإِذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني به حتى أذهب إِليه.
6 - كُل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند أهل النقل بخلاف ما قلت. فأنا راجع عنه في حياتي وبعد موتي.
الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- وهو إِمام أهل السنة يقول:
1 - لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا (لمن فهم وعلم).
2 - من رَدَّ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو على شفا هَلكة.
(1/136)

الإيمان بالقدر خيره وشره
هذا هو الركن السادس من أركان الإيمان، ومعناه كما قال الإِمام النووي في شرحه لهذا الركن في كتاب (الأربعين النووية):
إِن الله -سبحانه وتعالى- قدَّر الأشياء في القِدَم، وعلم -سبحانه وتعالى- أنها ستقع في أوقات معلومة عنده -سبحانه وتعالى- وفي أمكنة معلومة، وهي تقع على حسب ما قدره الله - سبحانه وتعالى.
والإيمان بالقدر على أنواع:
1 - التقدير في العلم: "وهو الإيمان بأن الله -تعالى- قد سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومَن هو منهم مِن أهل الجنة، ومَن هو منهم من أهل النار، وأعدَّ لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجرى على ما سبق في علمه وكتابه". (نقلاً من كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص 24)
2 - التقدير في اللوح المحفوظ: ذكر ابن كثير في تفسيره نقلاً عن عبد الرحمن بن سلمان قوله: "ما من شيء قضى الله: القرآن فما قبله وما بعده إِلا هو في اللوح المحفوظ" (أي هو في الملأ الأعلى). (ج 4/ 497).
3 - التقدير في الرحم: وقد ورد في الحديث: " ... ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويُؤمَر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ... ". [رواه البخاري ومسلم].
4 - التقدير في المواقيت: "وهو سوق المقادير إِلى المواقيت، والله -تعالى- خلق الخير والشر، وقدر مجيئه إِلى العبد في أوقات معلومة". [نقلاً من شرح الأربعين حديث للنووي]
(1/137)

من فوائد الإيمان بالقدر
1 - الرضا واليقين والعوض: قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}. [التغابن: 11]
قال ابن عباس: (بأمر الله، يعني عن قدره وقضائه)
وقول تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}. [التغابن: 11]
قال ابن كثير في تفسيرها: (أي ومن أصابته مُصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوَّضه عما فاته من الدنيا هدىً في قلبه، ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أُخذ منه أو خيراً منه، وقال ابن عباس: يَهدِ قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله).
2 - تكفير الذنوب: قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما يصيب المؤمن من وصَب ولا نصَب، ولا سَقم، ولا حزَن حتى الهمِّ يهُمُّهُ إلا كفر الله به سيئاته". [متفق عليه]
3 - إِعطاء الأجر الكبير: قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]
4 - غنى النفس: قال - صلى الله عليه وسلم - " .. وارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس". [رواه أحمد والترمذي وحسنه محقق جامع الأصول]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس الغنى عن كثرة العَرض ولكن الغنى غنى النفس". [متفق عليه]
والمشاهد أن كثيرًا ممن يملكون الأموال الطائلة، ولا يرضون بها فيكونون فقراء النفوس، والذى يملك مالاً قليلاً، وهو راضٍ بما قسمه الله بعد الأخذ بالأسباب، فيكون غنياً بنفسه.
5 - عدم الفرح والحزن: قال الله - تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا
(1/138)

فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}. [الحديد:22 - 23]
(نبرأها: نخلقها، تأسوا: تحزنوا، مختال فخور: متكبر في نفسه فخور على غيره).
قال ابن كثير: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإِن ذلك ليس بسعيكم وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم فلا تتخذوا نعم الله أشَراً وبطراً، وقال عكرمة: ليس أحد إِلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبراً. [انظر ابن كثير ج 4/ 314]
6 - الشجاعة والإِقدام: إِن الذي يؤمن بالقدر يكون شجاعاً لا يهاب إِلا الله، لأنه يعلم أن الأجل مقدر، وأن ما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وأن مع العسر يُسراً.
7 - عدم الخوف من ضرر البشر: قال - صلى الله عليه وسلم -: " ... وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفَّت الصحف". [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح].
8 - عدم الخوف من الموت: وقد نُسب إِلى عليّ -رضي الله عنه- قوله:
أيَّ يومَيَّ من الموت أفّر ... يوم لم يُقدَر، أم يوم قُدِر
يوم لم يُقدَر لا أرهَبُهُ ... ومِن المكتوب لا ينجو الحذِر
9 - عدم الندم على ما فات: قال - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير احرص على ما ينفعك واستعِن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان". [رواه مسلم]
10 - الخير فيما اختاره الله: إِذا أُصيب المسلم بجرح في يده مثلًا فليحمد الله أنها
(1/139)

لم تكسر، وإذا كسرت فليحمد الله أنها لم تقطع، أو لم يكسر ظهره مما هو أخطر، وحدث أن رجلًا تاجراً كان ينتظر طائرة لعقد صفقة تجارية فأذن المؤذن للصلاة، فدخل ليصلي، ولما خرج وجد الطائرة قد أقلعت، فجلس حزيناً على ما فاته، وبعد قليل علم أن الطائرة احترقت في الجو، فسجد شكرًا لله على صلاته وتأخرِّه بسبب الصلاة، وتذكر قوله -تعالى-: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 216]

لا تَحتَجَّ بالقدر
يجب على كل مسلم الاعتقاد بأن الخير والشر بتقدير الله وعلمه وإرادته، ولكن فعل الخير والشر من العبد باختياره، ومراعاة الأمر والنهي واجب على العبد، فلا يجوز له أن يعصي الله ويقول "هكذا قدر الله ذلك"! الله أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب لِيُبيِّنوا طريق السعادة والشقاء، وتكرَّم على الإِنسان بالعقل والتفكير وعرَّفه الضلال والرشاد، قال الله - تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. [الإنسان: 3]
فإذا ترك الإِنسان الصلاة أو شرب الخمر استحق العقوبة لمخالفة أمر الله ونهيه، وعندها يحتاج إِلى التوبة والندم ولا يرفع عنه ذلك احتجاجه بالقدر ..
وإنما يحتج بالقدر عند نزول المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى بقضاء الله وقدره. قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}. [الحديد: 22]
(1/140)

نواقض الإيمان والإسلام
إِن للإِيمان نواقض، كما أن للوضوء نواقض إذا فعل المتوضِّئ واحدة منها بطل وضوؤه، ووجب عليه تجديده، ومثله الإِيمان.
ونواقض الإِيمان ترجع إِلى أقسام أربعة:
القسم الأول: يتضمن إِنكار وجود الرب أو الطعن فيه.
القسم الثاني: يتضمن انكار الإله المعبود أو الإِشراك معه.
القسم الثالث: يتضمن إِنكار أَسماء الله وصفاته الثابتة أو الطعن فيها.
القسم الرابع: يتضمن إِنكار رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو الطعن فيها.
القسم الأول: الذي يتضمن إِنكار وجود الرب أو الطعن فيه، وفيه أنواع:
1 - إنكار وجود الرب كالشيوعيين المنكرين له حيث ينكرون وجود الخالق، ويقولون: "لا إِله والحياة مادة" ويُسندون الخلق والأفعال للصدفة والطبيعة وينسون خالق الطبيعة والصدفة، إِذ يقول الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}. [الزمر: 62]
وهؤلاء أكفر من مشركي العرب قبل الإِسلام ومن الشيطان، إِذ كانوا يعترفون بوجود خالق لهم، وقد حكى القرآن عنهم ذلك فقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}. [الزخرف: 87]
ويحكى القرآن عن الشيطان: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}. [ص: 76]
ومن الكفر أن يَقول المسلم هذا الشيء خلقته الطبيعة أو أوجدته الصدفة كما يقول الشيوعيون وغيرهم.
2 - أن يدعي شخص أنه رب كفرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}. [النازعات: 24]
(1/141)

3 - الإدعاء بأن هناك أقطاباً من الأولياء يُدبِّرون أمور الكون مع اعترافهم بوجود الرب، وهؤلاء أسوأ حالاً من المشركين قبل الإِسلام في هذا الاعتقاد لأنهم كانوا يعترفون بأن المدبر لأمور الكون هو الله وحده بدليل قول الله - تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}. [يونس: 31]
4 - قول بعض الصوفية: أن الله حل في مخلوقاته حتى قال ابن عربي الصُّوفي المدفون بدمشق:
الربّ عبدٌ، والعبدُ ربٌّ ... ياليتَ شعري من المكلّفِ؟
وقال طاغوتهم:
وما الكلب والخنزير إِلا إِلهنا ... وما الله إِلا راهب في كنيسة
وقال الحلاج: (أنا هو، وهو أنا) فحكم عليه العلماء بالقتل فأُعدم تعالى الله عما يقولون عُلوًّا كبيرًا.

من نواقض الإيمان الشرك بالعبادة
القسم الثاني: يتضمن إِنكار الإلهُ المعبود أو الإِشراك معه. وفيه أنواع:
1 - الذين يعبدون الشمس والقمر والنجوم والأشجار والشيطان وغيرها من
المخلوقات ويتركون عبادة الإِله الذي خلق هذه الأشياء التي لا تضر ولا تنفع قال الله - تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. [فصلت: 37]
2 - الذين يعبدون الله، ويشركون في عبادته بعض المخلوقات كالأولياء الممثلة في الأصنام، والقبور وغيرها، وهؤلاء هم المشركون من العرب قبل الإِسلام، حيث كانوا
(1/142)

يعبدون الله، ويدعونه وحده حين الشدة، ويدعون غيره حين الرخاء وذهاب الشدة وقد حكى القرآن عليهم فقال: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}. [العنكبوت: 65]
وقد وصفهم بالشرك، مع أنهم كانوا يدعون الله وحده حين خشية الغرق في السفن، لأنهم لم يستمروا على ذلك، بل دعَوا غيره حين أنجاهم.
3 - إِذا كان الله -تعالى- لم يرض عن حالة العرب قبل الإِسلام، بل كفرهم وأمر نبيه أن يقاتلهم لأنهم دعَوا غير الله حين الرخاء، ولم يقبل منهم إِخلاصهم في دعاء الله وحده وقت الشدة، وسماهم مشركين، فما بال بعض المسلمين اليوم يلجؤون إِلى الأولياء الأموات في حالة الشدَّة والرخاء أيضًا، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إِلا الله وحده كشفاء المرض وطلب الرزق والهداية وغيرها؛ وينسون الخالق للأولياء وهو الشافي والرازق والهادي وحده؟ وهؤلاء الأموات لا يملكون شيئًا، ولا يسمعون نداء غيرهم لهم، كما قال الله - تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:13 - 14]
وهذه الآية صريحة في عدم سماع الأموات لمن يُناديهم، وصريحة في أن دعاءهم من الشرك الأكبر ....
قد يقول قائل: نحن لا نعتقد أن هؤلاء الأولياء والصالحين ينفعون أو يضرون، بل نتخذهم واسطة وشفعاء نتقرب بهم إِلى الله، وجوابنا لهم: إن المشركين قبل الإِسلام كانوا يعتقدون مثل هذا الاعتقاد، كما قال القرآن عنهم بقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. [يونس: 18]
وهذه الآية صريحة في أن من يعبد ويدعو غير الله وهو من المشركين، وإن كان
(1/143)

اعتقاده عدم ضررهم ونفعهم، بل لشفاعتهم.
وقال الله -تعالى- في حق المشركين: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}. [الزمر: 3]
وهذه الآية صريحة في كفر من يدعو غير الله بنية التقريب لله وفي الحديث:
"الدعاء هو العبادة" [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
4 - ومن نواقض الإِيمان الحكم بغير ما أنزل الله إِذا اعتقد عدم صلاحيته، أو أجاز غيره من القوانين المخالفة له، لأن الحكم من العبادة لقول الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}. [يوسف: 40]
ولقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. [المائدة: 44]
أما إذا حكم بغير ما أنزل الله، وهو يرى صلاحيته للحكم، ولكنه فعل ذلك لهوىً أو مضطراً فهو ظالم وفاسق، وليس بكافر لقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم وفاسق" واختاره ابن جرير وقال عطاء: "كفر دون كفر".
وأما من وقع شرع الله وأحل مكانه قوانين وضعية مخالفة له، معتقداً صلاحيتها فهذا كفر مخرج من الملَّة باتفاق.
5 - ومن نواقض الإِيمان عدم الرضا بحكم الله، أو يرى في حكمه ضيقاً وحرَجاً في نفسه لحكم الإِسلام لقول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. [النساء: 65]
(1/144)

أو يكره الحكم الذي أنزله الله، لقول الله - تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}. [محمد: 8، 9]

من نواقض الإيمان الشرك في الصفات
القسم الثالث: يتضمن إِنكار صفات الله أو أسمائه أو الطعن فيها.
1 - إِن من نواقض الإِيمان أن ينكر المؤمن أسماء الله، أو صفاته الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة، كان ينفي علم الله الكامل، وقدرته، أو حياته أو سمحه، أو بصره، أو كلامه، أو رحمته، أو استواءه على عرضه وعلوه عليه أو نزوله إِلى سماء الدنيا، أو أن له يداً، أو عينًا، أو ساقاً، وغيرها من الصفات الثابتة التي تليق بجلاله ولا يشبه مخلوقاته لقول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. [الشورى: 11]
فقد نفى الله في هذه الآية مشابهته لمخلوقاته، وأثبت لنفسه السمع والبصر، وبقية الصفات مثلها.
2 - ومن الخطأ والضلال تأويل بعض الصفات الثابتة، وصرفها عن ظاهرها، كتأويل الاستواء بالاستيلاء، لأن الاستواء معناه العلوُ والارتفاع كما فسره البخاري في صحيحه نقلاً عن مجاهد وأبي العالية، وهما من السلف الصالح لأنهما من التابعين. وتأويل الصفات يؤدى إِلى تعطيلها، فتأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء، عطل صفة من صفات الله، وهي علُوُّ الله على على عرشه الثابت في القرآن والسنة قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
(أي علا وارتفع) [طه: 5]
(1/145)

وقوله - تعالى {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ}. (في السماء بمعنى على السماء) [الملك: 16]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب كتاباً .. فهو عنده فوق العرش" [متفق عليه]
وتأويل الصفات هو تحريف كما قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب كتاب (أضواء البيان) في كتابه: (منهج ودراسات في الأسماء والصفات) ص 26 ما نصه:
"ونريد اُن نختم المقالة بنقطتين: إِحداهما أنه ينبغي للمؤولين أن ينظروا في قوله - تعالى لليهود: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. [البقرة: 58]
فإِنهم زادوا في هذا اللفظ نوناً، فقالوا: (حِنطة) فسمى الله هذه الزيادة تبديلاً فقال في سورة البقرة: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. [البقرة: 59]
وكذلك المؤولون للصفات قيل لهم: (استوى) فزادوا لاماً فقالوا (استولى) فانظر ما أشبه لامهم هذه التي زادوها بنون اليهود التي زادوها". [ذكر هذا ابن القيم]
3 - لقد اختص الله بصفات خاصة به لا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته كعلم الغيب مثلًا، لقد قال الله -تعالى- في كتابه: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}. [الأنعام: 59]
وقد يُطلع الله رسله على بعض مغيباته بطريق الوحي حينما يريد لقول الله - تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ...} [الجن:26 - 27]
ومن الكفر والضلال قول البوصيري في قصيدة البردة في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
فإِن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علمُ اللوح والقلم
(1/146)

فإِن الدنيا والآخرة من خلق الله وجوده، لا من جود الرسول وخلقه، كما قال الشاعر.
قال الله تعالى: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى}. [الليل: 13]
إِن الرسول لا يعلم ما في اللوح المحفوظ وما خطأ به القلم كما قاله الشاعر، لأن هذا من الغيب المطلق الذي لا يعلمه إِلا الله، كما ذكر القرآن ذلك بقوله: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ...}. [النمل: 65]
والأولياء من باب أولى لا يعلمون الغيب المطلق، ولا الغيب الذي قد يطلع الله رسوله عليه بطريق الوحي، لأن الوحي لا ينزل على الأولياء، وهو خاص بالأنبياء والرسل -عليهم السلام- فكل من ادَّعى علمَ الغيب من الناس، ومن صدَّقه من الناس فقد نقضوا إِيمانهم وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى كاهناً أو عرَّافاً فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد" (الكاهن: الذي يدعي علم الغيب) [صحيح رواه أحمد]
وما يقع من الكهنة والدجالين من أخبار إِنما هو الظن والمصادفة ووسوسة الشيطان، ولو كانوا صادقين لأخبرونا بأسرار اليهود، واستخرجوا كنوز الأرض، ولما أصبحوا عبادة على الناس يأخذون أموالهم بالباطل.

من نواقض الإيمان الطعن في الرسل
القسم الرابع: من نواقض الإيمان إِنكار واحد من الرسل أو الطعن فيه وهو أنواع:
1 - أن ينكر رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأن شهادة أن محمدًا رسول الله من أركان الإسلام.
2 - أن يطعن في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو في صدقه، أو أمانته، أو عفته، أو يسب الرسول، أو يستهزئ به، أو يستخف به، أو يطعن في تصرفاته الثابتة.
(1/147)

3 - أن يطعن في أحاديثه الصحيحة ويكذبها، أو ينفي الأخبار الثابتة التي أخبر عنها. كظهور الدجال، أو نزول عيسى -عليه السلام- للحكم بشريعته، وغير ذلك مما ثبت في القرآن، أو السنة الصحيحة بعد إِقراره بصحة نسبتها.
4 - أن يجحد أحد الرسل الذين أرسلهم الله قبل محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو ينكر قصصهم مع أقوامهم مما أخبر به القرآن، أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثه الصحيحة.
5 - الذي يدعي النبوة بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -، كالمدعو غلام أحمد من القاديانية يدعي أنه نبي والقرآن يكذبه قائلًا: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}. [الأحزاب: 40]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي ... " [متفق عليه]
ومنْ صدَّق أن هناك نبيًا بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - سواء كان من القاديانية أو غيرها فقد كفر ونقض إيمانه.
6 - الذين يصفون رسول الله بما لا يوسف به إلا الله، كعلم الغيب المطلق، كما تقول الصوفية، حتى قال شاعرهم:
يا علَّام الغيوب ... يا شفاء القلوب
قد لجأنا إِليك ... الصلاة عليك
7 - الذين يطلبون كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما لا يقدر عليه إِلا الله كطلب النصر، والمدد، والشفاء وغيرها كما هو واقع اليوم بين المسلمين، ولا سيما الصوفية حتى قال شاعرهم البوصيري:
ومن تكن برسول الله نصرتُه ... إِن تلقهُ الأسدُ في آجامها تهِمِ
ما سامني الدهر ضيمًا واستجرتُ به ... إِلا ونلتُ جوارًا منه لم يُضم
(1/148)

إذا كان هذا القول في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - شركاً مخالفًا لما أعلنه القرآن بقوله: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. [الأنفال: 10]
ومخالفا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
فكيف بمن يصف الأولياء بأنهم يعلمون الغيب، أو ينذرون لهم، أو يذبحون لهم، أو يطلبون منهم ما لا يُطلب إِلا من الله كطلب الرزق؛ أو الشفاء، أو النصر وغير ذلك؟!! لا شك أن هذا من الشرك الأكبر.
8 - نحن لا ننكر المعجزات للرسل -عليهم السلام- ولا ننكر الكرامات للأولياء، ولكن الذي ننكره أن نجعلهم شركاء لله ندعوهم كما ندعو الله، ونذبح لهم، وننذر لهم النذور، حتى أصبحت قبور بعض من يسمونهم بالأولياء مليئة بالأموال التي يتقاسمها السدنة والخدمة ويأكلونها بالباطل، وهناك الفقراء الذين لا يجدون قوتَ يومهم، حتى قال الشاعر:
أحياؤنا لا يُرزقون بدرهم ... وبألف ألفٍ تُرزق الأموات
إن كثيرًا من المشاهد والمزارات والقبور ليس لها أساس من الصحة، بل هي من فعل الدجالين، والمحتالين لأخذ الأموال التي تقيهم من النزور، والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: حدثني زميل لي في التدريس أن شيخاً من الصوفية جاء إِلى بيت والدته، وطلب منها التبرع لوضع علَم أخضر، للإِشارة إِلى وجود ولي في شارع معين، فأعطته شيئًا من المال، واشترى قماشاً أخضر، ووضعه على الجدار، وبدأ يقول الناس هذا ولي من أولياء الله، رأيته في المنام، وبدأ يجمع الأموال، وعندما أرادت الحكومة توسعة الشارع وإزالة القبر، بدأ الرجل الذي أنشأه كذباً يشيع أن الآلة التي أرادت هدمه قد تكسرت، وصدقه بعض الناس، وانتشرت هذه الإِشاعة، مما اضطر الحكومة إلى
(1/149)

الحذر، فقد حدثني مفتي هذا البلد أن الحكومة استدعته في نصف الليل إلى مكان قبر الولي المراد إِزالته فذهب إِلى المكان، فوجد أن الجنود أحاطوا بالمكان، ثم جاءت الآلة والحفارة فأزالت القبر، ونظر المفتي إِلى داخل القبر، فلم يجد شيئًا، فعلم أن هذا كذب وافتراء.
ثانيًا: سمعت من مدرس في الحرم هذه القصة: التقى رجل فقير بآخر مثله، وشكى كل واحد الفقر، ونظر إِلى قبر الولي فوجداه مليئاً بالمال، فقال أحدهم: تعال نحضر قبراً ونضع فيه ولياً فتأتينا الأموال فوافقه زميله على ذلك ومشيا في الطريق، فوجدا حمارًا ينهق، فذبحاه ووضعاه في حفرة، وبنيا عليه قبراً وقبة، وبدأ كل واحد منهما يتمرغ في القبر للتبرك به، فمر الناس عليهما فسألوهما، فقالا: هذا قبر الولي (حبيش بن طبيش) له من الكرامات ما يفوق الوصف، فاغتر بهذا الكلام الناس، وبدؤوا يضعون الأموال عند قبره من النذور والصدقات وغيرها، حتى اجتمع لديهما المال الكثير، وجلس الرجلان الفقيران يقتسمان المال، واختلفا في القسمة، وتصايحا واجتمع عليهما الناس، فقال أحدهم: أحلف لك بهذا الولي أنني لم آخذ منك! فقال له زميله: تحلف بهذا الولي وأنا وأنت تعرف أن في القبر حماراً دفناه سوية، فعجب الناس منهما وندموا على النذور التي قدموها، واستردوها منهما بعد أن
لاموهما ووبخوهما.

اعتقادات باطلة تؤدي إلى الكفر
1 - القول بأن الله خلق الدنيا لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم - ويستندون إِلى حديث قدسي مكذوب وهو: (ولولاك ما خُلقت الدنيا). [قال ابن الجوزي حديث موضوع]
وقد كذب البوصيري حين قال:
وكيف تدعو إِلى الدنيا ضرورة مَن ... لولاه لم تُخلَق الدنيا من العدم
(1/150)

لأن هذا الاعتقاد يخالف قول الله تعالى:
{وما خلقتُ الجن والإِنس إِلا ليعبدون} [الذاريات: 56]
حتى إِن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خلقه الله لعبادته، حيث قال ربه: {واعبُدْ رَبك حتى يأتيك اليقين}. [الحجر: 99]
والرسل جميعًا خلقهم الله للدعوة إِلى عبادته: {ولقد بعثنا في كل أُمَّة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}. (الطاغوت: كل ما عبد من دون الله برضاه)
فكيف يسوغ لمسلم أن يعتقد شيئًا يخالف القرآن الكريم، وهدي سيد المرسلين؟!!
2 - القول بأن الله خلق نور النبي - صلى الله عليه وسلم - أولًا، ومن نوره خُلِقت الأشياء. وهذا اعتقاد باطل لا دليل عليه، والعجيب أن يقول مثل هذا الكلام رجل عالم مصري مشهور هو الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابه: (أنت تسأل والإِسلام يجيب) حيث ذكر فيه تحت عنوان: (النور المحمدي وبداية الخليقة):
س: ورد في الحديث: أن جابر بن عبد الله سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أوَّلُ ما خلق الله؟ فقال: "نور نبيك يا جابر" فكيف يتفق هذا الحديث مع أن أول المخلوقين آدم وهو من طين؟.
ج: من الكمال المطلق ومن الطبيعي أن يكون البدء بخلق الأعلى، ثم نأخذ منه الأدنى، وليس من المعقول أن تُخلق المادة الطينية أولا، ثم يُخلق منها محمد، لأن أعلى شيء في الإِنسان الرسل، وأعلى شيء في الرسل محمد بن عبد الله، إِذن لا يصح أن تخلق المادة، ثم يُخلق منها محمد. لابُد أن يكون النور المحمدي هو الذي وُجِد أولًا .. ومن النور المحمدي نشأت الأشياء .. ويكون حديث جابر صادقًا.
وها هو العلم يؤكد تلك المعاني. فالنور هو البداية، ثم عملت منه الماديات ..
(1/151)

(ص 38) انتهى.
أولًا: إِن كلام الشعراوي يخالف النقل وهو قول الله -تعالى- عن خلق آدم - عليه السلام- أول البشر: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص: 71]
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ...} [غافر: 67]
قال ابن جرير الطبري (خلق أباكم آدم من تراب، ثم خلقكم من نطفة) [ج 24/ 82]
وكلام الشعراوي لِخالف الحديث وهو قول - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب". [رواه البزار وصححه الألباني في صحيح الجامع 4444]
ثانيًا: إن الشعراوي يقول: (ومن الطبيعي أن يكون البدء بخلق الأعلى، ثم نأخذ منه الأدنى) وقد رَدَّ القرآن هذه الفلسفة حين امتنع إِبليس عن السجود لآدم {قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ}. [ص 76]
قال ابن كثير: (ادعى أنه خير من آدم فإِنه مخلوق من نار، وآدم خُلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه) [4/ 43]
وقال ابن جرير الطبري: (قال إِبليس لربه: لم أسجد لآدم لأني أشرف منه!! لأنك خلقتني من نار، وخلقتَ آدم من طين، والنار تأكل الطين وتحرقه فالنار خير منه، وأنا خير منه) انتهى.
والمعقول أن تُخلق المادة الطينية أولًا، ثم يخلق منها محمد - صلى الله عليه وسلم - بعدها، وأن المادة خُلِقت أولًا وهي الطين الذي خُلق منه آدم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - هو من نسل آدم وولده كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - بذلك حين قال: "أنا سيد ولد آدم ... " [رواه مسلم]
ثالثًا: يقول الشعراوى:
(لابد أن يكون النور المحمدى هو الذى وُجد أولًا)!
هذا الكلام لا دليل عليه، بل ثبت في القرآن أن أول البشر آدم كما تقدم، ومن
(1/152)

المخلوقات بعد العرش القلم حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن أول ما خلق الله القلم" [رواه الترمذى وصححه الألباني]
والنور المحمدي ليس له وجود في النقل والعقل: فالقرآن يأمر رسوله أن يقول للناس: {قل إِنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ ...} [الكهف: 110]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: {إِنما أنا بشر مثلكم ...} [رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 2337]
والمعروف أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خُلق من أبوين هما: عبد الله وآمنة بنت وهب. ووُلد كما يولد البشر، ورباه جده، ثم عمه أبو طالب.
فقد ثبت أن أول الخلوقات من البشر آدم -عليه السلام- ومن الأشياء القلم، وبهذا يكون ردًا صريحًا على من يقول إِن محمدًا هو أول خلق الله، لأنه يعارض القرآن والحديث الصحيح السابق، لكن ورد حديث يبين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكتوب عند الله خاتم النبيين قبل آدم، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لَمُنجَدِلٌ في طينته" (لَمنجَدلُ: لَمُلقى على الأرض) [صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني]
فالحديث يقول: (مكتوب) ولم يقل: (مخلوق)
ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد"
[رواه أحمد في السنة وصححه الألباني]
وأما حديث: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث .. " [فضعفه ابن كثير والمناوي والألباني]
وهو يخالف القرآن والأحاديث الصحيحة السابقة، ويخالف المعقول والمحسوس لأنه لم يولد قبل آدم أحد من البشر.
رابعًا: يقوك الشعراوي: (ومن النور المحمدي خلقت الأشياء) والأشياء
(1/153)

تشمل: آدم والشيطان والإِنس والجن والحيوانات والحشرات والجراثيم وغيرها، وهذا مخالف لما جاء في القرآن الكريم، فآدم خلق من طين، والشيطان خلق من نار، والإِنسان من نطفة .. وكلام الشعراوي مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصف لكم". [رواه مسلم]
ويخالف المعقول والمحسوس والواقع، لأن الإِنسان والحيوان خُلقا عن طريق التناسل والتوالد، وإذا كانت الجراثيم الضارة والحشرات المؤذية هي أشياء خلقت من نور محمد - صلى الله عليه وسلم - فلماذا نقتلها، بل أُمرنا بقتلها كالحية والثعبان والذباب والبعوض والوَزغ لضررها.
خامسًا: يقول الشعراوي: ويكون حديث جابر صادقًا وهو: "أول ما خلق الله نور نببيك يا جابر"
هذا الحديث مكذوب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليس صادقًا كما يقول الشعراوي، لأنه يخالف القرآن الكريم الذى ينص على أن أول البشر آدم، ومن الأشياء القلم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - من ولد آدم لم يخلق من النور، بل هو بشر مثلنا بنص القرآن خصه الله بالوحي والنبوة، والناس لم يروه نورًا، بل رأوه إِنسانًا.
والحديث الذي صدقه الشعراوي هو عند أهل الحديث مكذوب وموضوع وباطل.
3 - إن من الاعتقادات الباطلة القول بأن الله خلق الأشياء من نوره، قاله بعض الصوفية، وصرح به الشعراوي في كتابه: (أنت تسأل والإسلام يجيب) فقال: (فإِذا عرفنا بأن الله خلق الأشياء من نوره فهذا صحيح .. ثم قال: فعندما يكون الحق -سبحانه وتعالى- خلق الأشياء من نوره. فمعنى هذا أن شعاع نوره خلقت منه الماديات ص 40)
أقول هذا الكلام لا دليل عليه من الكتاب والسنة والعقل، وقد تقدم أن الله خلق آدم من طين، وخلق الشيطان من نار، وخلق البشر من نطفة. وهذا يرد كلام
(1/154)

الشعراوي ويبطله ثم إِن كلام الشعراوي متناقض، فقد سبق أن قال: إِن النور المحمدي خُلقت منه الأشياء، وقال هنا: إِن الله خلق الأشياء من نوره! والفرق كبير بين النور المحمدي ونور الله. والأشياء التي خلقت من نور الله تشمل القردة والخنازير والحية والعقرب والجراثيم وغيرها من المؤذيات حسب زعمه فلماذا نقتلها؟!

الدين النصيحة
احذر يا أخي المسلم هدانا الله وإياك مثل هذه المعتقدات الباطلة التي يذكرها
الصوفية فهي مخالفة للقرآن الكريم وأحاديث سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -، وتخالف المعقول والمحسوس، وتؤدي إِلى الكفر.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وحبِّبه إِلينا، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وكرِّهه إِلينا، وارزقنا اتباع هدي رسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم -.

إلَهي أنت عوني
إِلَهي ليس لي إِلَّاك عونٌ ... فكُن عوني على هذا الزمانِ
إِلهي ليس لي إِلَّاك ذُخرٌ ... فكن ذُخري إِذا خلَتِ اليدانِ
إِلَهي ليس لي إِلَّاك حِصنٌ ... فكن حِصني إِذا رامٍ رماني
إِلَهي ليس لي إلَّاك جاهٌ ... فكن جاهي إِذا هاجٍ هجاني
إلَهي أنتَ تعلم ما بنفسي ... وتعلم ما يَجيشُ به جَناني
فهب لي يا رحيم رضًا وحلمًا ... إِذ ما زلَّ قلبي أو لساني
إِلَهي ليس لي إلَّاك عِزٌ ... كن عِزي وكن حصنَ الأماني
(1/155)

(3)
منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة
(1/156)

موجز لمحتويات الكتاب (3)
منهاج الفرقة الناجية
* الفرقة الناجية، ومنهاجها، وعلامتها
* من هي الطائفة المنصورة الواردة في الحديث؟
* التوحيد وأنواعه وأدلته، وأهميته، وفضله.
* معنى لا إِله إِلا الله، محمد رسول الله
* أعداء التوحيد وموقف العلماء من التوحيد
* معركة التوحيد والشرك
* العقيدة أولا أم الحاكمية؟
* الشرك الأكبر والأصغر وأنواعهما
* من مظاهر الشرك المشاهد والمزارات
* التوسل الممنوع والتوسل المطلوب
* الكفر الأكبر والأصغر وأنواعهما
* النفاق الأكبر والأصغر وأنواعهما
* أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان
* الإحتفال بعيد المولد النبوي
* فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -
* القرآن للأحياء لا للأموات
* عقيدة المسلم (شعرًا)
(1/157)

الفرقة الناجية
1 - قال الله تعالى: {واعتصموا بحبلِ الله جميعًا ولا تفرَّقوا} [آل عمران: 103]
2 - وقال تعالى: {ولا تكونوا مِن المشركين (31) مِن الذين فرَّقوا دينَهم وكانوا شِيعًا كلُّ حِزب بما لدَيهِم فرِحون}. [الروم: 31، 32]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أُوصيكم بتقوى الله - عَز وجل - والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبدٌ حبشيٌّ؛ فإنه من يَعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنُتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدِيين تمَسكوا بها وغضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأُمور، فإن كل محدّثة بدعة، وكل بِدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" [رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وإنَّ مَن قبلَكم مِن أهل الكتاب افترقوا على ثِنتين وسبعين مِلَة (1)، وإن هذه المِلّة (2) ستفترق على ثلاثٍ وسبعين: ثِنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" [رواه أحمد وغيره وحسنه الحافظ]
وفي رواية "كلهم في النار إلا مِلّة واحدة ما أنا عليه وأصحابي". [رواه الترمذي وحسنه الألبانى في صحيح الجامع 5219]
__________
(1) وفي رواية "اثنتين وسبعين فرقة".
(2) وفي رواية "وتفترق أمتي".
(1/158)

5 - وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا بيده ثم قال: هذا سبيلُ الله مستقيمًا. وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ". [الأنعام: 153] [صحيح رواه أحمد والنسائي]
6 - وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه "الغُنية": أما الفرقة الناجية فهي أهل السنة والجماعة، وأهل السنة لا اسم لهم إِلا اسم واحد وهو أصحاب الحديث.
7 - يأمرنا الله -سبحانه وتعالى- أن نعتصم جميعًا بالقرآن الكريم، وأن لا نكون من المشركين المتفرقين في دينهم شيعًا وأحزابًا، ويخبرنا الرسول الكريم أن اليهود والنصارى تفرَّقوا فرقًا كثيرة، وأن المسلمين سيفترقون أكثر منهم، وأن هذه الفرق ستكون عرضة لدخول النار، لانحرافها، وبعدها عن كتاب ربها وسنة نبيها، وأن فرقة واحدة ناجية منها ستدخل الجنة، وهي الجماعة المتمسكة بالكتاب والسنة الثابتة، وعمل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
اللهم اجعلنا من الفرقة الناجية، ووفق المسلمين لأن يكونوا منها.

منهاج الفرقة الناجية
1 - الفرقة الناجية: هي التي تلتزم منهاج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته، ومنهاج أصحابه من بعده، وهو القرآن الكريم الذى أنزله الله على رسوله، وبيَّنَهُ لصحابته في أحاديثه الثابتة عنه، وأمر المسلمين بالتمسك بهما فقال: "تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما: كتاب الله وسُنتي، ولن يَتفرقا حتى يَرِدا عَلَيَّ الحوض" [صححه الألباني في الجامع]
(1/159)

2 - الفرقة الناجية تعود إلى كلام الله ورسوله حين التنازع والاختلاف عملاً بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]
وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. [النساء: 65]
3 - الفرقة الناجية لا تُقدم كلام أحد على كلام الله ورسوله، عملاً بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]
وقال ابن عباس: أُراهم سيهلكون، أقول: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- ويقولون: قال أبو بكر وعُمر. [رواه أحمد وابن عبد البر]
4 - الفرقة الناجية تعتبر التوحيد، وهو إِفراد الله بالعبادة والاستعانة والدعاء وقت الشدة والرخاء، والذبح والنذر، والتوكل، والحكم بما أنزل الله، وغير ذلك من أنواع العبادة هو الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الإِسلامية الصحيحة؛ ولا بد من إبعاد الشرك ومظاهره الموجودة في أكثر البلاد الإسلامية، لأنه من مقتضيات التوحيد، ولا يمكن النصر لأى جماعة تُهمل التوحيد، ولا تكافح الشرك بأنواعه، أسوة بالرسل جميعًا وبرسولنا الكريم- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
5 - الفرقة الناجية: يُحيون سُنن الرسول في عبادتهم وسلوكهم وحياتهم فأصبحوا غرباء بين قومهم، كما أخبر عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطُوبى للغرباء" [رواه مسلم]
وفي رواية: "فطُوبى للغرباء: الذين يَصلحون إذا فسد الناس". قال الألباني: [رواه أبو عمرو الداني بسند صحيح]
6 - الفرقة الناجية: لا تتمسك إِلا بكلام الله وكلام رسوله المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى؛ أما غيره من البشر مهما علَت رتبته، فقد يُخطئ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(1/160)

"كلُّ بني آدم خَطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوابون" [حسن رواه أحمد]
وقال الإِمام مالك: ليس أحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إِلا يؤخذ من قوله ويُترك إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -
7 - الفرقة الناجية: هم أهل الحديث الذين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم:
"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله".
وقال الشاعر:
أهلُ الحديثِ همُ أهلُ النبيِّ وإن ... لم يَصحَبوا نفسَه، أنفاسَه صَحِبوا
8 - الفرقة الناجية: تحترم الأئمة المجتهدين، ولا تتعصب لواحد منهم، بل تأخذ الفقه من القرآن والأحاديث الصحيحة، ومن أقوالهم جميعًا إِذا وافقت الحديث الصحيح، وهذا موافق لكلامهم، حيث أوصوا أتباعهم أن يأخذوا بالحديث الصحيح، ويتركوا كل قول يخالفه.
9 - الفرقة الناجية تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، فهي تنكر الطُّرق المبتدعة والأحزاب الهدامة التي فرقت الأمة، وابتدعت في الدين وابتعدت عن سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
10 - الفرقة الناجية تدعو المسلمين أن يكونوا من المتمسكين بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى يكتب لهم النصر، وحتى يدخلوا الجنة بفضل الله وشفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد إذن الله -تعالى- له.
11 - الفرقة الناجية: تنكر القوانين الوضعية التي هي من وَضع البشر، لمخالفتها حكم الإِسلام، وتدعو إلى تحكيم كتاب الله الذي أنزله الله لسعادة البشر في الدنيا والآخرة، وهو أعلم - سبحانه وتعالى بما يصلح لهم، وهو ثابت لا تتبدل أحكامه على مدى الأيام، ويصلح لأهل كل زمان، وإن سبب شقاء العالم عامة والعالم الإِسلامي خاصة وما يلاقيه من متاعب وذل وهوان، هو تركه الحكم بكتاب الله وسنة رسوله
(1/161)

- صلى الله عليه وسلم -، ولا عِزَّ للمسلمين إِلا بالرجوع إِلى تعاليم الإسلام أفرادًا وجماعات، وحكومات، عملاً بقوله تعالى: {إِن الله لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11]
12 - الفرقة الناجية: تدعو المسلمين جميعًا إِلى الجهاد في سبيل الله وهو واجب على كل مسلم حسب طاقته واستطاعته، ويكون الجهاد بما يلي:
1 - الجهاد باللسان والقلم: بدعوة المسلمين وغيرهم إِلى التمسك بالإِسلام الصحيح، والتوحيد الخالي من الشرك الذي انتشر في كثير من البلاد الإِسلامية، والذي آخبر عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيقع بين المسلمين فقال: "لا تقوم الساعة حتى تلحَقَ قبائل مِن أُمتي بالمشركين، وحتى تعبُدَ قبائل مِن أُمتي الأوثان". [صحيح رواه أبو داود ومعناه في مسلم]
2 - الجهاد بالمال: ويكون بالإِنفاق على نشر الإِسلام، وطبع الكتب الداعية إِليه على الوجه الصحيح، ويكون بتوزيع المال على المؤلفة قلوبهم من ضعفاء المسلمين لتثبيتهم، ويكون بتصنيع وشراء الأسلحة، والمعدات للمجاهدين، وما يلزمهم من طعام وكساء وغير ذلك.
3 - الجهاد بالنفس: ويكون بالقتال والاشتراك في المعارك لنصرة الإِسلام، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هِيَ السفلى وقد أشار الرسول الكريم إِلى هذه الأنواع فقال:
"جاهدوا المشركين بأموالِكم وأنفسِكم وألسِنَتكم" [صحيح رواه أبو داود]
وحكم الجهاد في سبيل الله على أنواع:
1 - فرض عين: ويكون ضد العدُو المهاجم لبعض بلاد المسلمين كفلسطين التي اغتصبها اليهود المجرمون، فالمسلمون المستطيعون آثمون حتى يُخرجوا اليهود منها، ويُعيدوا المسجد الأقصى للمسلمين بما يستطيعون من المال أو النفس.
2 - فرض كفاية: إذا قام بعض المسلمين سقط عن الباقين، ويكون في تبليغ ونقل
(1/162)

الدعوة الإِسلامية إِلى سائر البلاد حتى يحكمها الإِسلام. ومَن وقف في طريقها قوتل حتى تسير الدعوة في طريقها.

علامة الفرقة الناجية
1 - الفرقة الناجية: هم قِلَّة بين الناس، دعا لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "طوبى للغرباء: أناس صالحون، في أُناسِ سُوء كثير، مَن يَعصيهم أكثرُ مِمن يُطيعهم". [صحيح رواه أحمد]
ولقد أخبر عنهم القرآن الكريم فقال مادحًا لهم: {وقليلٌ من عباديَ الشكور}
[سبأ: 13]
2 - الفرقة الناجية يُعاديهم الكثير من الناس، ويَفترون عليهم، ويُنابزونهم بالألقاب، ولهم أسوة بالأنبياء الذين قال الله عنهم: {وكذلك جعلنا لِكُل نبي عَدُوًّا شياطينَ الإِنس والجِنِّ يُوحي بعضهُم إِلى بعضٍ زُخْرُفَ القولِ غُرورًا ...}. [الأنعام: 122]
وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عنه قومه: (ساحرٌ كذاب) حينما دعاهم إِلى التوحيد، وكانوا قبل ذلك يُسمونه الصادق الأمين.
3 - سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز عن الفرقة الناجية فقال: هم السلفيون، وكل من مشى على طريقة السلف الصالح (الرسول وصحابته وكل من سار على منهاجهم).
هذه بعض مناهج وعلامة الفرقة الناجية، وسأتكلم في الفصول القادمة من هذا الكتاب عن عقيدة الفرقة الناجية، التي هي الطائفة المنصورة، لنكون على عقيدتها - إِن شاء الله.
(1/163)

مَن هي الطائفة المنصورة؟
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحق لا يَضرُهم من خذلهم حتى يأتيَ أمرُ الله" [رواه مسلم]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا فسد أهلُ الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفةٌ مِن أمتي منصورون، لا يَضرُّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة". [صحيح رواه أحمد]
3 - قال ابن المبارك: هم عندي أصحاب الحديث.
4 - وقال البخاري: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث.
5 - وقال أحمد بن حنبل: إِن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري مَن هم؟.
6 - يقول الإِمام الشافعي يُخاطب الإِمام أحمد: "أنتم أعلم بالحديث مني، فإِذا جاءكم الحديث صحيحًا فأعلموني به حتى أذهب إِليه سواء كان حجازيًا، أم كوفيًا أو بصريًا".
7 - إِن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة وما يتعلق بها أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وهديه وأخلاقه وغزواته وما يتصل بها.
فأهل الحديث حشرنا الله معهم لا يتعصبون لقول شخص معين مهما علا وسما، حاشا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف غيرهم ممن لا ينتمي إِلى أهل الحديث والعمل به فإِنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم -وقد نهوهم عن ذلك- كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، فلا عجب أن يكون أهل الحديث هم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية.
8 - يقول الخطيب البغدادي في كتابه "شرف أصحاب الحديث": "ولو أن صاحب الرأي شُغل بما ينفعه من العلوم، وطلب سنن رسول رب العالمين لوجد ما يُغنيه عن سواه، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين، والإِخبار عن صفة الجنة والنار، وما أعد الله فيها
(1/164)

للمتقين والفجار، وما خلق الله في الأرضين والسموات ... وفي الحديث قصص الأنبياء وأخبار الزهاد والأولياء ومواعظ البلغاء وكلام الفقهاء، وخطب الرسول ومعجزاته، وفيه تفسير القرآن العظيم، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم، وأقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم، وقد جعل الله أهله "أي الحديث" أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله في خليقته، والواسطة بين النبي وأُمته، والمجتهدون في حفظ متنه، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وكل فئة تتحيز إِلى هوى ترجع إِليه، وتستحسن رأيًا تعكف عليه سوى أصحاب الحديث، الكتاب عُدتهم، والسنة حُجتهم، والرسول فِئتهم، وإليه نسبتهم، لا يلتفتون إِلى الآراء، مَن كابدهم قصمه الله، ومن عاداهم خذله الله" اه
اللهم اجعلنا من أهل الحديث، وارزقنا العمل به، ومحبة أهله، ومناصرة العاملين به.

التوحيد وأنواعه
التوحيد هو إِفراد الله بالعبادة التي خلق الله العالم لأجلها. قال الله - تعالى:
{وما خلقتُ الجِن والإِنسَ إِلا لِيعبدون} (1) [الذاريات:56]
(أي يُوحدوني في العبادة ويُفردوني في الدعاء)
وأنواع التوحيد الآتية مأخوذة من القرآن الكريم:
1 - توحيد الرب: هو الاعتراف بأن الله هو الربُّ والخالق؛ وقد اعترف بهذا الكفار، ولم يُدخلهم ذلك في الإِسلام، قال تعالى: {ولَئِنْ سألتَهم مَن خلقَهم ليَقولُن الله} [الزخرف:87]
وقد أنكر الشيوعيون وجود الرب، فكانوا أشدَّ كفرًا من كفار الجاهلية.
__________
(1) الآية رَدّ على من يزعم أن العالم خُلِق لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم -.
(1/165)

2 - توحيد الإله: هو توحيد الله بأنواع العبادات المشروعة، كالدعاء والاستعانة والطواف والذبح والنذر وغيرها، وهذا النوع الذي جحده الكفار، وكانت فيه الخصومة بين الأمم ورسلهم منذ نوح -عليه السلام- إِلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد حَثَّ القرآن الكريم في أكثر سُوَره عليه، وعلى دعاء الله وحده، ففي سورة الفاتحة نقرأ: {إِياك نعبدُ وإِياك نستعين} ومعناه نخصُّك بالعبادة، فندعوك وحدك، ولا نستعين بغيرك؛ وتوحيد الإِله يشمل إِفراده في دعائه، والحكم بقرآنه، والاحتكام إِلى شرعه، وكله داخل في قوله تعالى: {إِنَّني أنا الله لا إِله إِلا أنا فاعبُدْني}. [طه:14]
3 - توحيد الأسماء والصفات: هو الإِيمان بكل ما ورد في القرآن الكريم والحديث الصحيح، من صفات الله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - على الحقيقة من غير تحريف ولا تكييف ولا تفويض، كالاستواء والنزول، واليد والمجيء، وغيرها من الصفات، نفسرها بما ورد عن السلف، فالاستواء مثلًا ورد تفسيره عن التابعين في صحيح البخاري بأنه العلُو والارتفاع اللذان يليقان بجلاله قال الله تعالى: {ليس كمِثلِه شَيْء وهو السميعُ البصير}. [الشورى: 11]
1 - التحريف: هو صرف ظاهر الآيات والأحاديث الصحيحة إِلى معنى آخر باطل مثل استوى بمعنى استولى.
2 - التعطيل: هو جحد صفات الله ونفيها عنه كعُلُوّ الله على السماء فقد زعمت الفرق الضالَّة أن الله في كل مكان.
3 - التكييف: هو تكييف صفات الله، وأن كيفيتها كذا فَعُلوُّ الله على العرش لا يشبه مخلوقاته ولا يعلم كيفيته أحد إِلا الله.
4 - التمثيل: هو تمثيل صفات خلقه، فلا يقال: ينزل الله إِلى السماء كنزولنا، وحديث النزول رواه مسلم.
ومن الكذب نسبة هذا التشبيه إِلى شيخ الإِسلام ابن تيمية، إِذ لم نجده في كتبه بل وجدنا نفيه للتمثيل والتشبيه.
(1/166)

5 - التفويض: عند السلف في الكيف، لا في العنى، فالاستواء مثلًا معناه
العُلوُّ الذي لا يعلم كيفيته إِلا الله.
6 - أما التفويض عند المفوضة في المعنى والكيف معًا وهذا خلاف ما ورد عن السلف كأم سلمة -رضي الله عنها- وربيعة شيخ الإِمام مالك -رحمه الله والإمام مالك -رحمه الله- حيث اتفقت أقوالهم على أن الإستواء معلوم والكيف مجهول والإِيمان به واجب والسؤال عنه بدعة (أي عن كيفيته)، لأن الإِمام مالك قال للسائل: الإستواء معلوم فكيف يقول: السؤال عن الإستواء بدعة!! هذا لا يمكن أبدًا.

إياكَ نَعبد وإياكَ نستعين
(نخصك بالعبادة والدعاء والاستعانة وحدك)
1 - ذكر علماء العربية أن الله -تعالى- قدم المفعول به (إِياك) على الفعل (نعبد ونستعين) ليخص العبادة والإِستعانة به وحده، ويحصرهما له دون سواه.
2 - إِن هذه الآية التي يكررها المسلم عشرات المرات في الصلاة وخارجها، هي خلاصة سورة الفاتحة، وهي خلاصة القرآن كله.
3 - إِن العبادة في هذه الآية تعُم العبادات كلها مثل الصلاة والنذر والذبح ولا سيما الدعاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
فكما أن الصلاة عبادة لا تجوز لرسول ولا لولي فكذلك الدعاء عبادة، بل هو لله وحده: {قل إنما أدعوا ربي ولا أُشركُ به أحدًا} [الجن:20]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم - "دعوةُ ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إنه إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين، لم يَدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له". [صححه الحاكم ووافقه الذهبي]
(1/167)

استعِن بالله وحده
قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعِن بالله" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
1 - يقول الإِمام النووي والهيتمي في تفسير هذا الحديث ما خلاصته: إِذا طلبت الإِعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة فاستعن بالله، لا سيما في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كشفاء المرض وطلب الرزق والهداية، فهي مما اختص الله بها وحده قال تعالى: {وإِنْ يمسَسْكَ الله بضر فلا كاشِفَ له إِلا هو} [الأنعام: 17]
2 - مَن أراد حُجة فالقرآن يكفيه، ومن أراد مُغيثًا فالله يكفيه، ومن أراد واعظًا فالموت يكفيه، ومن لم يكفه شيء من ذلك، فإِن النار تكفيه، قال تعالى: {أليسَ الله بكافٍ عبدَه} [الزمر: 36]
3 - يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني:
"سَلوا الله ولا تسألوا غيره، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره، ويحك بأيِّ
وجهٍ تلقاه، وأنت تُنازعه في الدنيا، فعرِض عنه، مُقَبل على خلقه، مُشرك به،
تُنزل حوائجك بهم. وتتكل بالمهمات عليهم. ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله فإِن وقوفكم معها هَوَس، لا مُلك ولا سلطان، ولا غنى، ولا عِزَّ إلا للحق -عز وجل- كن مع الحق، بلا خَلق". (أى كن مع الله بدعائه بلا واسطة من خلفه) 4 - الاستعانة المشروعة: أن تستعين بالله على حل مشاكلك، والاستعانة الشركية: أن تستعين بغير الله كالأنبياء والأولياء الأموات، أو الأحياء الغائبين، فهم لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، ولا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا ما استجابوا لنا، كما حكى القرآن عنهم ذلك.
أما الاستعانة بالأحياء الحاضرين فيما يقدرون عليه من بناء مسجد، أو قضاء
(1/168)

حاجة، وغير ذلك، فهي جائزة لقول الله تعالى: {وتعاونوا على البرِّ والتقوي} [المائدة: 2]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والله في عون العبد، ما دام العبد في عون خيه". [رواه مسلم]
ومن أمثلة الاستعانة الجائزة من الأحياء قول الله- تعالى: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي مِن عَدُوه} [القصص: 15]
وقول الله -تعالى- في طلب ذي القرنين: {فأعينوني بقُوة} [الكهف: 95]

الرحمن على العرش استوى
لقد وردت آيات وأحاديث وأقوال السلف تثبت العلُوَّ لله:
1 - قال الله تعالى: {إِليه يصعَدُ الكَلمُ الطيبُ والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10]
2 - وقال الله تعالى: {ذي المعارج (3) تعرُج الملائكة والروح إِليه} [المعارج: 3، 4]
3 - وقال الله تعالى: {سبح اسمَ ربك الأعلى} [الأعلى: 1]
4 - وقال الله تعالى: {الرحمنُ على العرش استوى} (1) [طه: 5] (أي علا وارتفع كما جاء في تفسير الطبري)
5 - نقل البخاري في كتاب التوحيد عن أبي العالية ومجاهد في تفسير {استوى} (أي علا وارتفع)
6 - خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة في حجة الوداع قائلًا:
"ألا. هل بلغت؟ " قالوا نعم، يرفع أصبعه إِلى السماء ويُنكِّبها (2) إِليهم ويقول: "اللهم اشهد" [رواه مسلم]
__________
(1) لقد تكرر في القرآن الإستواء على العرش سبع مرات، مما يدل على أهميته.
(2) ينكبها: يميلها إلى الناس.
(1/169)

7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش" [رواه البخاري]
8 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء؟ يأتيني خبرُ السماء صَباحًا ومساءً" [متفق عليه]
9 - وقال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون نقول:
إِن الله -جل ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. [رواه البيهقي بإسناد صحيح] [فتح الباري]
10 - وقال الشافعي: إِن الله -تعالى- على عرشه في سمائه يقرب من خلقه
كيف شاء، وأن الله ينزل إِلى السماء الدنيا كيف شاء.
11 - وقال أبو حنيفة: من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، لأن الله يقول: {الرحمنُ على العرش استوى} وعرشه فوق سبع سموات، فإِن قال إِنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر، لأن الله أعلى عليين، وهو يُدعى مِن أعلى لا مِن أسفل. [شرح العقيدة الطحاوية 322]
15 - سئل الإِمام مالك عن كيفية استواء الله على عرشه فقال:
"الإستواء معلوم، والكَيف مجهول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (أي عن كيفيته) أخرجوا هذا المبتدع.
16 - لا يجوز تفسير استوى بمعنى استولى، لعدم ورود ذلك عن السلف فطريقتهم أسلم وأعلم وأحكم.
قال ابن قيم الجوزية: لقد أمر الله اليهود أن يقولوا (حِطَّة) فقالوا (حنطة) تحريفًا، وأخبرنا الله أنه (استوى على العرش). فقالوا المتأولون: (استولى)
(1/170)

فانظر ما أشبه لامهم التي زادوها، بنون اليهود التي زادوها. [نقله محمد الأمين الشنقيطي عن ابن القيم الجوزية]
ومع ما في قولهم استولى، من تحريف فهو يوهم أن الله -تعالى- استولى على العرش من منازع له. وأن العرش لم يكن من ملكه ثم استولى عليه.

أهمية التوحيد
1 - لقد خلق الله العالَم لعبادته، وأرسل الرسل ليدعو الناس إِلى توحيده، وهذا القرآن الكريم يهتم بعقيدة التوحيد في أكثر سُوَره، ويُبين ضرر الشرك على الفرد والجماعة، وهو سبب الهلاك في الدنيا، والخلود في نار الآخرة.
2 - إِن الرسل جميعًا بدؤوا دعوتهم إِلى التوحيد الذي أمرهم الله بتبليغه للناس، قال تعالى: {وما أرسلنا مِن قبلك مِن رسول إِلا نوحي إِليه أنه لا إِله إِلا أنا فاعبدون}. [الأنبياء: 25]
وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقي ثلاثة عشر عامًا في مكة، وهو يدعو قومه إِلى توحيد الله ودعائه وحده دون سواه، وكان فيما أنزل الله عليه: {قل إِنما أدعو ربي ولا أُشرِكُ به أحدا} [الجن: 20]
ويُربي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أتباعه على التوحيد من الصغر، فيقول لابن عمه عبد الله ابن عباس:
"إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح] وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإِسلام الذي بُني عليه، والذي لا يقبل الله مِن أحد سواه.
3 - لقد علَّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يبدؤوا دعوتهم للناس بالتوحيد، فقال لمعاذ حينما أرسله إِلى اليمن:
(1/171)

"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ان لا إله إلا الله. وفي رواية - إلى أن يُوَحِّدوا الله". [متفق عليه]
4 - إِن التوحيد يتمثل في شهادة أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ومعناها لا معبود بحق إلا الله، ولا عبادة إِلا ما جاء بها رسول الله، والشهادة يدخل بها الكافر الإِسلام، لأنها مفتاح الجنة، وتُدخل صاحبها الجنة إِذا لم ينقضها بناقض كالشرك أو كلمة الكفر.
5 - لقد عرض كفار قريش على رسول الله الملك والمال والزواج وغيرها من مُتع الحياة مقابل أن يترك دعوة التوحيد، ومهاجمة الأصنام، فلم يرض منهم ذلك، بل استمر في دعوته يتحمل الأذى مع صحابته إِلى أن انتصرت دعوة التوحيد بعد ثلاثة عشر عامًا، وفُتحت مكة بعد ذلك، وكُسرت الأصنام، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: {جاء الحق وزَهَقَ الباطلُ إِن الباطِلَ كان زَهوقًا}. [الإسراء: 81]
6 - التوحيد وظيفة المسلم فى الحياة فيبدأ حياته بالتوحيد، ويُودِّعها بالتوحيد، ووظيفته في الحياة إِقامة التوحيد، والدعوة إِلى التوحيد، لأن التوحيد يُوحد المؤمنين، ويجمعهم على كلمة التوحيد، فنسأل الله أن يجعل كلمة التوحيد آخر كلامنا من الدنيا، ويجمع المسلمين على كلمة التوحيد.

مِن فضل التوحيد
1 - قال الله - تعالى: {الذين آمنوا ولَم يَلبِسوا إيمانهم بظلمٍ أولئكَ لهم الأمنُ وهم مُهتدون}. [الأنعام: 82]
عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: {يا بُنَي لا تُشرِكْ باللهِ
(1/172)

إِن الشِّرك لَظُلمٌ عظيمٌ} [لقمان: 13] [متفق عليه]
فهذه الآية تبشر المؤمنين الوحدين الذين لم يَلبسوا إِيمانهم بشرك، فابتعدوا عنه، أن لهم الأمن التام من عذاب الله في الآخرة، وأولئك هم المهتدون في الدنيا.
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" [رواه مسلم]

التوحيد يُسبب السعادة ويُكفِّر الذنوب
3 - جاء فى كتاب (دليل المسلم في الاعتقاد والتطهير) لفضيلة الشيخ عبد
الله خياط ما يلي:
المرء بحكم بشريّته وعدم عصمته قد تَنزلِق قدمه، ويقع في معصية الله، فإِذا كان من أهل التوحيد الخالص من شوائب الشرك، فإِن توحيده لله، وإخلاصه في قول لا إِله إِلا الله، يكون أكبر عامر في سعادته وتكفير ذنوبه ومحو سيئاته، كما جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"مَن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". [رواه البخاري ومسلم]
أي إِن جملةَ هذه الشهادات التي يشهدها المسلم بهذه الأصول تستوجب دخوله الجنة دار النعيم، وإن كان في بعض أعماله مآخذ وتقصيرات، كما جاء في الحديث القدسي:
قال الله تعالى: "يابن آدم لو أتيتَني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تشركُ بي شيئًا لأتيتك بِقرابها مَغفرة" [حسن رواه الترمذي والضياء]
(1/173)

المعنى لو أتيتني بما يقارب ملءَ الأرض ذنوبًا ومعاصي، غير أنك مت على التوحيد لغفرتُ لك ذنوبك.
وجاء في حديث آخر:
"مَن مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَن مات يُشركُ بالله شيئًا دخل النار" [رواه مسلم]
وكُل هذه الأحاديث يتضح منها فضل التوحيد، وأنه عامل لسعادة العبد، وأعظم وسيلة لتكفير ذنوبه، ومحو خطاياه. انتهى.

مِن فوائد التوحيد
إِن التوحيد الخالص إِذا تحقق في حياة فرد أو جماعة، حقق أطيب الثمرات، ومن ثمراته.
1 - تحرير الإِنسان من العبودية، والخضوع لغير الله من أشياء، ومخلوقات لا يَخلقون شيئًا، وهم يُخلَقُون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فالتوحيد تحرير للإِنسان من كل عبودية إِلا لربه الذي خلقه فسوَّاه، تحرير لعقله من الخرافات والأوهام، تحرير لضميره من الخضوع والذل والإستسلام، وتحرير لحياته من تسلط الفراعنة والأرباب والكهنة والمتألِّهين على عبادة الله، ولهذا قاوم زعماء الشرك وطغاة الجاهلية دعوات الأنبياء عامة، ودعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - خاصة، لأنهم كانوا يعلمون معنى "لا إِله إِلا الله" إِعلان عام لتحرير البشر، وإسقاط للجبابرة عن عروشهم الكاذبة، وإعلاء لجباه المؤمنين التي لا تسجد إِلا لله رب العالين.
2 - تكوين الشخصية المتزنة: فالتوحيد يساعد على تكوين الشخصية المتزنة التي تميزت في الحياة وِجربتها, وتوحدت غايتها، فليس لها إِلا إِله واحد تتجه إِليه
(1/174)

في الخلوة والجلوة، وتدعوه في السراء والضراء، بخلاف المشرك الذي تقسمت قلبه الآلِهة والمعبوداتُ، فمرة يتجه إِلى الأحياء ومرة يتجه إِلى الأموات، ومن هنا قال يوسف -عليه السلام-: {ياصاحِبَي السجن أأرباب مُتفرِّقون خيرٌ أمِ الله الواحدُ القهار} [يوسف: 39]
فالمؤمن يعبد إِلهًا واحدًا، عرف ما يرضيه وما يُسخطه، فوقف عندما يُرضيه، واستراح قلبه؛ والمشرك يعبد آلهة عديدة، هذا يأخذه إِلى اليمين، وآخر إِلى اليسار، وهو بينهم مُشتت لا قرار له.
3 - التوحيد مصدر لأمن الناس: لأنه يملأ نفس صاحبه أمنًا وطمأنينة، فلا يخاف غير الله، وقد سَدَّ منَافذ الخوف على الرزق والنفس والأهل، والخوف من الإِنس والجن والموت وغيرها من الخاوف، والمؤمن الموحد لا يخاف أحدًا إِلا الله، ولهذا تراه آمنًا إِذا خاف الناس، مطمئنًا إِذا قلق الناس؛ ولهذا المعنى أشار القرآن الكريم بقوله: {الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إِيمانهم بِظلم أولئك لهم الأمنُ وهم مُهتدون}. [الأنعام: 82]
وهذا الأمن ينبع من داخل النفس، لا مِن حراسة الشرطة وهذا أمن الدنيا، وأما أَمنُ الآخرة فهو أعظم وأبقى، لأنهم أخلصوا لله ولم يخلطوا توحيدهم بشرك، لأن الشرك ظلم عظيم.
4 - التوحيد مصدر لقوة النفس لأنه يمنح صاحبه قوةً نفسية هائلة لِما تمتلئ به نفسه من الرجاء في الله، والثقة به والتوكل عليه، والرضا بقضائه والصبر على بلائه، والاستغناء عن خلقه؛ فهو راسخ كالجبل، فإِذا نزلت به مصيبة سأل ربه كشفها، ولم يسأل الأموات ذلك، شعاره قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وقوله تعالى: {وِإن يمسَسْكَ الله بضرٍّ فلا كاشفَ له إِلا هو}. [الأنعام: 17]
(1/175)

5 - التوحيد أساس الإِخاء والمساواة. لأنه لا يسمح لأتباعه أن يتَّخِذَ بعضهُم بعضًا أربابًا من دون الله، فالأُلوهية لله وحده، والعبادة من الناس جميعًا وعلى رأسهم محمد رسوله ومصطفاه - صلى الله عليه وسلم - (1).

أعداء التوحيد
قال الله تعالى: {وكذلك جعلنا لِكل نبى عَدُوًّا شياطينَ الأِنسِ والجِن يُوحي بعضهُم إِلى بعضٍ زُخرُفَ القولِ غُرورًا} [الأنعام: 112]
اقتضت حكمة الله أن يجعل للأنبياء، ودعاة التوحيد أعداءً من شياطين الجن يوسوسون لشياطين الإِنس بالضلال والشر والأباطيل، ليضلوهم، ويصدوهم عن التوحيد الذي دعت إِليه الأنبياء أقوامهم إِليه أولًا، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه الدعوة الإِسلامية؛ والغريب أن بعض الناس يعتبرون الدعوة إلى التوحيد تفريق للامة، بينما هو توحيد لها، فإِن اسمه دال عليه.
أما المشركون الذين اعترفوا بتوحيد الربوبية، وأن الله خالقهم، قد أنكروا توحيد الألوهية في دعاء الله وحده، ولم يتركوا دعاء أوليائهم، وقالوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي دعاهم إلى توحيد الله في العبادة والدعاء: {أجعلَ الآلهة إِلهًا واحدًا إِن هذا لَشئٌ عُجاب}. [ص: 5]
وقال تعالى عن الأم السابقة: {كذلك ما أتى الذين مِن قَبلهم مِن رسول إِلا
قالوا ساحِرٌ أو مجنون (52) أتواصَوْا به بل هم قوم طاغون}. [الذاريات: 52 - 53]
وصفات المشركين أنهم إِذا سمعوا دعاء الله وحده، اشمأزت قلوبهم ونفرت، فكفروا وأنكروا، وإذا سمعوا الشرك ودعاء غير الله فرحوا واستبشروا، وقد وصف
__________
(1) من كتاب (حقيقة التوحيد) للدكتور يوسف القرضاوي بتصرف.
(1/176)

الله هؤلاء المشركين بقوله: {وِإذا ذُكرَ الله وحدَه اشمأزت قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة وإِذا ذُكرَ الذينَ من دونه إِذا هُم يَستَبْشِرون}. [الزمر: 45]
وقال تعالى يصف المشركين الذين ينكرون التوحيد: {ذلكم بأنه إِذا دُعِيَ الله وحده كفرتم وِإنْ يُشرَكْ به تُؤمنوا فالحكمُ لله العَلِيِّ الكبير}. [غافر: 12]
وهذه الآيات وإن كانت في حق الكفار، فإِنها تنطبق على كل من اتصف بصفاتهم ممن يدَّعون الإِسلام، ويحاربون دعاة التوحيد، ويفترون عليهم، ويلقبونهم بالأسماء المنفِّرة، ليصدوا الناس عنهم، ويُنفِّروهم من التوحيد الذي بعث الله الرسل من أجله، ومن هؤلاء من يسمع طلب الدعاء من الله فلا يخشع، وإذا سمع الدعاء من غير الله، كطلب المدد من الرسول أو الأولياء خشع واستبشر!! فبئس ما يفعلون.

موقف العلماء من التوحيد
إِن العلماء ورثة الأنبياء وأول ما دعى إِليه الأنبياء هو التوحيد الذي ذكره الله بقوله: {ولقد بعثنا في كُل أمةٍ رَسولًا أنِ اعبدوا الله واجتَنبوا الطاغوت} [النحل: 36]
(والطاغوت: هو كل ما عُبد مِن دون الله برضاه)
ولذلك يجب على العلماء أن يبدؤوا بما بدأت به الرسل، فيدعوا الناس إِلى
توحيد الله في جميع أنواع العبادة، ولا سيما الدعاء الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". رواه الترمذي وفال حسن صحيح]
وأكثر المسلمين اليوم وقعوا في الشرك ودعاء غير الله، وهو سبب شقائهم، وشقاء الأمم السابقة الذين أهلكهم الله بسبب دعائهم لأوليائهم من دون الله.
إِن موقف العلماء من التوحيد ومحاربة الشرك على أقسام:
(1/177)

1 - القسم الأول فهموا التوحيد وأهميته وأنواعه، وعرفوا الشرك وأقسامه، فقاموا بواجبهم، وبينوا للناس التوحيد والشرك-، وحجتهم القرآن الكريم والسنة الثابتة، وقد تعرض هؤلاء العلماء -كما تعرض الأنبياء- إِلى اتهامات كاذبة، فصبروا ولم يتراجعوا، وشعارهم قوله تعالى: {واصبر على ما يقولون واهجُرهم هَجرًا جميلًا}. [المزمل: 10]
وقديمًا أوصى لقمان الحكيم ولده قائلًا: {يا بُنيَّ أقمِ الصلاة وأمُر بالمعروف وانه عن المنكر واصبِرْ على ما أصابك إِنَّ ذلك مِن عَزْمِ الأمور}. [لقمان: 17]
2 - والقسم الثاني من العلماء أهملوا الدعوة إِلى التوحيد الذي هو أساس الإِسلام، فراحوا يدعون الناس إِلى الصلاة والحكم والجهاد دون أن يصححوا عقائد المسلمين، وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: {ولو أشركوا لَحبطَ عنهم ما كانوا يعملون}. [الأنعام: 88]
ولو قدموا التوحيد قبل غيره كما فعلت الرسل لنجحت دعوتهم، ونصرهم الله، كما نصر الرسل والأنبياء، قال تعالى: {وعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنهم في الأرض كما استخلف الذينَ مِن قبلِهم ولَيُمَكِّنَنَّ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بعد خوفهم أمْنًا يعبدونني لا يُشركون بي شيئًا ومَن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}. [النور: 55]
فالشرط الأساسي للنصر هو التوحيد، وعدم الإِشراك بالله.
3 - والقسم الثالث من العلماء والدعاة تركوا الدعوة إِلى التوحيد، ومحاربة الشرك خوفًا من مهاجمة الناس لهم، أو خوفًا على وظائفهم ومراكزهم، فكتموا العلم الذي أمرهم الله بتبليغه للناس، وحق عليهم قوله تعالى: {إِن الذين يَكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}. [البقرة: 159]
(1/178)

وقال تعالى في حق الدعاة: {الذين يبلِّغون رسالاتِ اللهِ ويخشونه ولا يخشون أحدًا إِلا الله}. [الأحزاب: 39]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن كتم عِلمًا ألجمَه الله بلِجام من نار". [صحيح رواه أحمد]
4 - القسم الرابع من العلماء والمشايخ مَن يعارض الدعوة إِلى توحيد الله في دعائه وحده، وعدم دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء والأموات لأنهم يُجيزون ذلك، ويصرفون الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله، في حق المشركين، وإِنه لا يوجد أحد من السلمين داخلًا في الشرك، وكأنهم لم يسمعوا قوله - تعالى: {الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إِيمانهم بظُلم أولئك لهم الأمن وهم مُهتدون} [الأنعام: 82]
والظلم معناه هنا الشرك، بدليل قوله تعالى: {إِن الشِركَ لَظُلْمٌ عظيم} [لقمان:13]
فالشرك حسب الآية قد يقع فيه المسلم والمؤمن كما هو واقع الآن في كثير من البلاد الإِسلامية، وهؤلاء الذين يبيحون للناس دعاء غير الله، والدفن في المساجد، والطواف حول القبور، والنذور للأولياء، وغيرها من البدع والمنكرات، قد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم فقال: "إنما أخاف على أمَّتي الأئمة المضلين" [صحيح رواه الترمذي]
وأجاب أحد مشايخ الأزهر السابقين على سؤال حول جواز الصلاة إِلى القبر فقال: لماذا لا تجوز إِلى القبر، وهذا رسول الله في المسجد، والناس يُصلون إِلى قبره! انتهى.
بينما الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدفن في مسجده، بل دفن في بيت عائشة، وقد نهى عن الصلاة إِلى القبور؛ ومن دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"اللهم إني اعوذ بك مِن عِلم لا ينفع" [رواه مسلم]
(1/179)

(أي لا أُعلّمه غيري، ولا أعمل به ولا يُبدل مِن أخلاقي السيئة) [فسره المناوى]
5 - الناس الذين أخذوا بكلام مشايخهم وأطاعوهم في معصية الله خالفوا قول رسولهم - صلى الله عليه وسلم -: "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف". [رواه البخاري]
وسوف يندمون يوم القيامة على طاعتهم، حيث لا ينفعهم الندم. قال تعالى يصف عذاب الكافرين ومَن سار على طريقتهم: {يوم تُقلَّبُ وُجُوهُهُم في النار يقولون يا ليتَنا أطعنا الله وأطعْنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إِنا أطعنا سادَتنا وكَبُراءَنا
فأضلونا السبيلا (67) ربنا آتِهم ضعفَينِ من العذابِ والْعَنْهم لَعْنًا كبيرًا}. [الأحزاب: 66 - 68]
قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي اتبعنا الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل، واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء، فإِذا هم ليسوا على شيء)

ما معنى وهّابي؟
اعتاد الناس أن يُطلقوا كلمة وهابي على كل من يخالف عاداتهم ومعتقداتهم وبدعهم، ولو كانت هذه المعتقدات فاسدة، تخالف القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، ولا سيما الدعوة إِلى التوحيد ودعاء الله وحده دون سواه:
كنت أقرأ على شيخ حديث ابن عباس في الأربعين النووية، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألتَ فاسأل الله وإذا استعنتَ فاستعن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
فأعجبني شَرح النووي حين قال: "ثم إِن كانت الحاجة التي يسألها، لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم .. وشفاء المرض وحصول العافية سأل ربه ذلك؛ وأما سؤال الخلق والاعتماد عليهم فمذموم" فقلت للشيخ هذا الحديث وشرحه يفيد عدم جواز الاستعانة بغير الله، فقال لي: بل تجوز!! قلت
(1/180)

وما دليلك؟ فغضب الشيخ وصاح قائلًا: إِن عمتي تقول يا شيخ سعد (وهو مدفون في مسجده تستعين به)، فأقول لها يا عمتي وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول: أدعوه فيتدخل على الله فيشفيني!! مع أنه ميت!!
قلت له: إِنك رجل عالم قضيت عمرك في قراءة الكتب، ثم تأخذ عقيدتك
من عمتك الجاهلة! فقال لي عندك أفكار وهابية، أنت تذهب للعمرة وتأتي بكتب وهابية!!!
وكنت لا أعرف شيئًا عن الوهابية إِلا ما أسمعه من المشايخ:
فيقولون عنهم: الوهابيون مخالفون للناس لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم، ولا
يحبون الرسول، وغيرها من الاتهامات الكاذبة! فقلت في نفسي: إِن كانت
الوهابية تؤمن بالاستعانة بالله وحده، وأن الشافي هو الله وحده، فيجب أن أتعرف عليها، سألت عن جماعتها فقالوا لهم مكان يجتمعون فيه مساء الخميس، لإِلقاء دروس في التفسير والحديث والفقه، فذهبت إِليهم مع أولادي وبعض الشباب المثقف، فدخلنا غرفة كبيرة، وجلسنا ننتظر الدرس، وبعد فترة دخل علينا شيخ كبير السن، فسلَّم علينا وصافحنا جميعًا مبتدئًا بيمينه، ثم جلس على مقعد، ولم يقم له أحد، فقلت في نفسي هذا شيخ متواضع لا يحب القيام.
بدأ الشيخ الدرس بقوله: إِن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. إِلى آخر الخطبة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفتتح بها خطبه ودروسه، ثم بدأ يتكلم باللغة العربية، ويورد الأحاديث، ويبين صحتها وراويها، ويصلي علي النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكر اسمه؛ وأخيرًا وجهت له الأسئلة المكتوبة على الأوراق، فكان يجيب عليها بالدليل من القرآن والسنة، ويناقشه بعض الحاضرين فلا يرد سائلًا، وقد قال في آخر درسه: الحمد لله على أننا مسلمون وسلفيون (1)، وبعض الناس يقولون إننا
__________
(1) السلفيون: الذين يتبعون طريقة السلف الصالح.
(1/181)

وهابيون، فهذا تنابز بالألقاب، وقد نهانا الله عن هذا بقوله: {ولا تنابزوا بالألقاب}. [الحجرات: 11]
وقديمًا اتهموا الإِمام الشافعي بالرَّفض فردَّ عليهم قائلًا:
إِن كان رَفضًا حُبُّ آل محمدٍ ... فليشهد الثقلان أني رافضيِ
ونحن نردُّ على مَن يتهمنا بالوهابية بقول أحد الشعراء:
إِن كان تابعُ أحمدٍ مُتوهبًا ... فأنا المِقرُّ بأنني وهَّابي
ولما انتهى خرجنا مع بعض الشباب معجبين بعلمه وتواضعه، وسمعت. أحدهم يقول: هذا هو الشيخ الحقيقي!!!

معنى وهابي

أطلق أعداء التوحيد على الموحد كلمة (وهابي) نسبة إِلى محمد بن عبد الوهاب، ولو صدقوا لقالوا (محمدي) نسبة إِلى اسمه (محمد)، وشاء الله أن تكون (وهابي) نسبة إِلى (الوهاب) وهو اسم من أسماء الله الحسنى.
فإِذا كان الصوفي ينتسب إِلى جماعة يلبسون الصوف، فإِن الوهابي ينتسب إِلى الوهاب، وهو الله الذي وهب له التوحيد، ومكنه من الدعوة إِليه.

محمد بن عبد الوهاب
ولد في بلدة (العُيَينة) في نجد سنة 1115 ه حفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة، وتعلم على والده الفقه الحنبلي، وقرأ الحديث والتفسير على شيوخ من مختلف البلاد، ولا سيما في المدينة المنورة، وفهم التوحيد من الكتاب والسنة، وراعه ما رأى في بلده (نجد) والبلاد التي زارها من الشرك والخرافات والبدع، وتقديس القبور التي تتنافى مع الإِسلام الصحيح؛ فقد سمع النساء في بلده يتوسلن بفحل
(1/182)

النخل ويقلن (يا فحل الفحول أريد زوجًا قبل الحول)! ورأى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة، وأهل البيت والرسول ما لا يسوغ إِلا لله فقد سمع في المدينة استغاثات بالرسول ودعائه من دون الله، مما يخالف القرآن وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فالقرآن يقول: {ولا تدعُ مِن دونِ الله ما لا يَنفعُك ولا يَضرك فإِنْ فعلتَ فإِنك إِذًا من الظالمين} [أي المشركين] [يونس: 106]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لابن عمه عبد الله بن عباس: "إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعِن بالله". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
قام الشيخ يدعو قومه للتوحيد ودعاء الله وحده، لأنه هو القادر والخالق، وغيره عاجز عن دفع الضر عن نفسه وغيره، وأن محبة الصالحين تكون باتباعهم لا باتخاذهم وسائط بينهم وبين الله، ودعائهم من دون الله!!
1 - وقوف المبطلين ضده: وقف المبتدعون ضد دعوة التوحيد التي تبناها الشيخ، ولا غرابة فقد وقف أعداء التوحيد في زمن الرسول وقالوا مستغربين: {أجعلَ الآلهة إِلهًا واحدًا إِن هذا لشيءٌ عُجاب}. [ص: 5]
وبدأ أعداء الشيخ يحاربونه، ويشيعون عنه الأكاذيب، ويتآمرون على قتله، والخلاص من دعوته؛ ولكن الله حفظه، وهيَّأَ من يساعده حتى انتشرت دعوة التوحيد في الحجاز والبلاد الإِسلامية، وما زال بعض الناس إِلى يومنا هذا يشيعون الأكاذيب، ويقولون إِن إِنه ابتدع مذهبًا خامسًا، مع أن مذهبهُ حنبلي؛ ويقولون: الوهابيون لا يُحبون الرسول، ولا يُصلون عليه! مع أن الشيخ -رحمه الله- له كتاب (مختصر سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -) وهذا دليل على حبه للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد افترَوا عليه الأكاذيب التي سيحاسبون عليها يوم القيامة؛ ولو درسوا كتبه بإِنصاف لوجدوا فيها القرآن والحديث وأقوال الصحابة؛ حدثني رجل صادق أن أحد العلماء كان يُحذر في دروسه من الوهابية، فأعطاه أحد الحاضرين كتابًا بعد أن نزع اسم المؤلف
(1/183)

محمد بن عبد الوهاب، فقرأه وأعجبه ولما علم بمؤلفه بدأ يمدحه.
2 - ورد في الحديث: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، قالوا وفي نجدنا، قال: هنالك الزلازل والفِتَن وبها يطلعُ قرن الشيطان" [رواه البخاري ومسلم]
(ذكر ابن حجر العسقلاني وغيره من العلماء أن نجد الواردة في الحديث هي
نجد العراق) فقد ظهرت الفتن هناك حيث قتل الحسين بن علي -رضي الله عنه- خلافًا لما يظنه بعض الناس أن المراد نجد الحجاز، حيث لم يظهر فيها شيء من الفتن التي ظهرت في العراق، بل ظهر من نجد الحجاز التوحيد الذي خلق الله العالم لأجله، والذي من أجل أرسل الله الرسل.
3 - ذكر بعض العلماء المنصفين أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو من
مُجددي القرن الثاني عشر الهجري، ولقد ألفوا كتبًا عنه، ومن هؤلاء المؤلفين
الشيخ علي الطنطاوي أخرج سلسلة من أعلام التاريخ، ذكر منهم الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، وأحمد بن عرفان، ذكر فيه أن عقيدة التوحيد وصلت إِلى الهند وغيرها بواسطة الحجاج المسلمين الذين تأثروا بها في مكة، فقام (الإنكليز) وأعداء الإسلام يحاربونها لأنها توحد المسلمين ضدهم وأوعزوا إِلى المرتزقة أن يُشوِّهوا سُمعتها، فأطلقوا على كل موحد يدعو للتوحيد كلمة (وهابي)، وأرادو به المبتدع، لِيصرفوا المسلمين عن عقيدة التوحيد التي تدعو إِلى دعاء الله وحده، ولم يعلم هؤلاء الجهلة أن كلمة (وهابي) نسبة إِلى (الوهاب) وهو اسم من أسماء الله الذي وهب له التوحيد، ووعده بالجنة.

معركة التوحيد والشرك
1 - إِن معركة التوحيد مع الشرك قديمة منذ زمن الرسول نوح -عليه السلام- حينما دعا قومه إِلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، وبقي فيهم ألف سنة
(1/184)

إِلا خمسين عامًا، وهو يدعوهم إِلى التوحيد، فكان ردهم كما ذكر القرآن،
(وقالوا لا تَذَرُنَّ آلهتَكم ولا تَذرُنَّ ودًّا ولا سواعًا ولا يغوثَ ويَعوقَ ونَسْرًا (23) وقد أضَلّوا كثيرًا} [نوح:23، 24]
روى البخاري عن ابن عباس-رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية قال:
1 - هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إِلى
قومهم أن انصِبوا إِلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أنصابًا وسموها باسمائهم
ففعلوا فلم تعبد حتى إِذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبِدَت. (أي الأحجار
والأنصاب التي هي التماثيل)
2 - ثم جاء الرسل بعد نوح يدعون قومهم إِلى عبادة الله وحده، وترك ما
يعبدون من دونه من الآلهة التي لا تستحق العبادة، فاسمع إِلى القرآن وهو يُحدثك عنهم فيقول: {وِإلى عادٍ أخاهم هُودًا قال يا قوم اعبُدوا الله ما لكم مِن إِله غَيره أفلا تتقون}. [الأعراف: 65]
{وإِلى ثمودَ أخاهم صالحًا فال يا قوم اعبدوا الله ما لكم مِن إِله غيره}
[هود: 61]
{وإِلى مَدين أخاهم شُعيبًا قال يا قَوم اعبدوا الله ما لكم من إِله غيره}
[هود: 84]
{وإِذ قال إِبراهيم لأبيه وقومَه إِنني بَراءٌ مما تَعبدون (26) إِلا الذي فطرَني فإِنه سيهدين} [الزخرف:27،26]
وكان رَدُّ المشركين على جميع الأنبياء بالمعارضة والاستنكار لما جاءوا به، ومحاربتهم بكل ما يستطيعون من قوة.
3 - وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي كان معروفًا عند العرب قبل البعثة بالصادق الأمين، لما دعاهم الى عبادة الله وتوحيده، وترك ما كان يعبد آباؤهم نسوا صدقه
(1/185)

وأمانته، وقالوا: {ساحر كذاب} وهذا القرآن يحكي ردهم فيقول: {وعجبوا أنْ جاءَهم مُنذِرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحِرٌ كذَّاب (4) أجعل الآلهة إِلهًا واحد إِن هذا لشيءٌ عجاب} [ص: 4، 5]
{كذلك ما أتى الذين مِن قَبلهم مِن رسول إِلا قالوا ساحِرٌ أو مجنون (52) أتواصَوا به بل هم قومٌ طاغون} [الذاريات: 52 - 53]
هذا موقف الرسل جميعًا من الدعوة إِلى التوحيد، وهذا هو موقف أقوامهم
المكذبين المفترين.
4 - وفي عصرنا الحاضر حينما يدعو المسلم إِخوانه إِلى الأخلاق والصدق والأمانة لا تجد معارضًا له، فإِذا قام يدعو إِلى التوحيد الذي دعت إِليه الرسل وهو دعاء الله وحده، وعدم دعاء من سواه من الأنبياء والأولياء الذين هم عباد الله - قام الناس يعارضونه ويتهمونه بتهم كاذبة، ويقولون عنه (وهابي)! ليصدوا الناس عن دعوته، وإِذا جاءهم بآية فيها توحيد قال قائلهم: (هذه آية وهابية)!!
وإِذا جاءهم بحديث: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنتَ فاستعِن بالله" قال بعضهم: (هذا حديث وهابي)!.
وإِذا وضع المصلي يديه على صدره، أو حرَّك إِصبعه في التشهد، كما فعل
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال الناس عنه وهابي!! فأصبح الوهابي رمزًا للموحد الذي يدعو ربه وحده، ويتبع سنة نبيه، والوهابي منسوب للوهَّاب، وهو اسم من أسماء الله - الذي وهب له التوحيد، وهو أكبر نعمة من الله على الموحدين.
5 - على دعاة التوحيد أن يصبروا، ويتأسوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال له ربه:
(واصبِر على ما يقولون واهجُرهم هَجرًا جميلًا} [المزمل: 10]
{فاصبر لحكم ربك ولا تُطِعْ منهم آثِمًا أو كَفورًا} [الإِنسان:24]
على المسلمين أن يقبلوا دعوة التوحيد، ويحبوا دعاته، لأن التوحيد دعوة
(1/186)

الرسل عامة، ودعوة رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فمن أحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب دعوة التوحيد، ومن أبغض التوحيد فقد أبغض الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

إنِ الحكم إلا لله
خلق الله العالم لعبادته وحده، وأرسل لهم الرسل لتعليمهم وأنزل مع الرسل
الكتب، ليحكم بالحق والعدل بينهم، وهذا الحكم يتمثل في كلام الله، وكلام
رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويشمل الحكم في العبادات، والمعاملات، والعقائد، والتشريع، والسياسة، وغيرها من أمور البشر.
1 - الحكم في العقيدة: أول ما بدأ به الرسل دعوتهم هو تصحيح العقائد،
ودعوة الناس إِلى التوحيد، فهذا يوسف -عليه السلام- في السجن يدعو صاحبيه إِلى التوحيد عندما سألاه تعبير الرؤيا، وقبل أن يجيبهما قال لهما: {يا صاحِبَي السجن أَأربابٌ مُتَفَرِّقون خير أم الله الواحدُ القهار (39) ما تعبدون مِن دونه إِلا أسماءً سمَّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها مِن سلطان إِنِ الحكمُ إِلا لِلّه أمرَ ألا تعبدوا إِلا إِياه ذلك الدين القيِّم ولكن أكثرَ الناس لا يعلمون}. [يوسف: 39 - 40]
2 - الحكم في العبادات: يجب أن تأخذ أحكام العبادة من صلاة وزكاة وحج وغير ذلك من القرآن والحديث الصحيح عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صَلّوا كما رأيتموني أصلي" [متفق عليه]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني مناسككُم" [رواه مسلم]
وعملًا بقول الأئمة المجتهدين: إِذا صح الحديث فهو مذهبي.
فإِذا اختلف الأئمة في أمر من الأمور، فلا نتعصب لقول أحد، إِلا لمن كان معه الدليل الصحيح الذي له أصل من الكتاب والسنة.
3 - الحكم في المعاملات من بيع وشراء وقرض وإجارة وغيرها يكون الحكم فيها
(1/187)

لله ولرسوله، لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]
وقد ذكر المفسِّرون سبب نزولها، وهو أن رجلين اختلفا في السقاية، فحكم
الرسول - صلى الله عليه وسلم - للزبير أن يسقي، فقال رجل حكمتَ له لأنه ابن عمتك! فنزلت الآية. [رواه البخارى]
4 - الحكم في الحدود والقصاص لقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} إِلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]
5 - الحكم لله في التشريع لقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الشورى: 13]
وقد أنكر الله على المشركين إِعطاء حق التشريع لغير الله فقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]

الخلاصة
يجب على المسلمين أن يحكموا بالكتاب والسنة الثابتة، ويتحاكموا إِليهما في كل شيء، عملاً بقول الله - تعالى: {وأن احكمْ بينهم بما أنزل الله} [المائدة:49] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وما لم تحكُم أئِمتُهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسَهم بينهم" [حسن رواه ابن ماجه وغيره]
وعلى المسلمين أن يُلغوا القوانين الأجنبية من بلادهم كالقوانين الفرنسية والإِنجليزية وغيرها مما يخالف حكم الإِسلام وأن لا يلجؤوا إِلى المحاكم التي تحكم بقوانين تخالف الإِسلام وأن يحتكموا إِلى الإِسلام عند مَن يثقون به من أهل العلم، فذلك خير لهم، لأن الإِسلام ينصفهم، ويعدل بينهم، ويوفر عليهم المال والوقت
(1/188)

الذي يضيع في المحاكم المدنية بلا فائدة تُذكر، إِضافة إِلى العذاب الأكبر يوم القيامة، لأنه أعرض عن حكم الله العادل، ولجأ إِلى حكم المخلوق الظالم.

العقيدة أولًا أم الحاكمية؟
أجاب الداعية الكبير محمد قطب على هذا في محاضرة ألقاها في دار الحديث بمكة المكرمة، وهذا نص السؤال:
س- البعض يقول إِن الإِسلام سيعود من قِبَل الحاكمية، والبعض الآخر يقول: سيعود الإِسلام عن طريق تصحيح العقيدة، والتربية الجماعية، فأيهما أصح؟
ج- من أين تأتي حاكمية هذا الدين في الأرض، إِن لم يكن دعاة يصححون
العقيدة ويؤمنون إِيمانًا صحيحًا ويُبتَلون في دينهم فيصبرون، ويجاهدون في سبيل الله، فَيُحكَّم دِين الله في الأرض، قضية واضحة جدًا، ما يأتي الحكم من السماء، ما يتنزل من السماء؟ وكل شيء يأتي من السماء، لكن بجهد من البشر، فرضه الله على البشر: {ولو يشاء الله لانتصرَ منهم ولكن لِيَبلُوَ بعضكم ببعض} [محمد: 4]
لابد أن نبدأ بتصحيح العقيدة، وتربية جيل على العقيدة الصحيحة، جيل يُبتلى فيصبر على البلاء، كما صبر الجيل الأول. انتهى.

الشرك الأكبر وأنواعه
الشرك الأكبر أن تجعل لله نِدًا (شريكًا) تدعوه كما تدعو الله، أو تصرف له نوعًا من أنواع العبادة، كالاستغاثة أو الذبح أو النذر أو غيرها، وفي الصحيحين عن ابن مسعود سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أيُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعلَ لله نِدًا وهو خلقك". [رواه البخاري ومسلم]
(1/189)

أنواع الشرك الأكبر
1 - شرِك الدعاء: وهو دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء لطلب الرزق أو شفاء المرض، لقول الله - تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [أي المشركين بالله] [يونس: 106]
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن ماتَ وهو يدعو من دون الله نِدًا دخل النار" [رواه البخاري]
والدليل على أن دعاء غير الله من الأموات أو الغائبين شرك قول الله - تعالى:
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}. [فاطر: 13، 14]
2 - الشرك في صفات الله: كالاعتقاد بأن الأنبياء أو الأولياء يعلمون الغيب قال الله - تعالى: {وعنده مفاتح الغيبِ لا يَعلَمُها إِلا هو} [الأنعام: 59]
3 - شرِك المحبة: وهو محبة أحد الأولياء أو غيرهم كمحبة الله لقوله - تعالى: {ومِنَ الناسِ مَن يتخذُ مِن دون الله أندادًا يحبونهم كحُبّ الله والذين آمنوا أشَدُّ حُبًا لله}. [البقرة: 165]
4 - شِرك الطاعة: وهو طاعة العلماء والمشايخ في المعصية مع اعتقادهم جواز ذلك لقوله تعالى: {اِتخَذوا أحبارَهم ورُهبانهم أربابًا مِن دونِ الله} [التوبة: 31]
وقد فسرت العبادة بطاعتهم في المعصية بتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل
الله.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". [صحيح رواه أحمد]
5 - شِرك الحُلول: وهو الإعتقاد بأن الله حل في مخلوقاته، وهذه عقيدة ابن عربي الصوفي المدفون بدمشق حتى قال:
الربُّ عبدٌ، والعبد رَبٌّ ... يا ليتَ شِعري مَن المكلفُ؟
(1/190)

وقال شاعر آخر صوفي يعتقد الحلول:
وما الكلب والخنزير إِلا إِلهنا ... وما الله إِلا راهبٌ في كنيسةٍ
6 - شرِك التصرف: وهو اعتقاد أن بعض الأولياء لهم تصرفات في الكون يُدبرون أموره، يُسمونهم الأقطاب مع أن الله -تعالى- يسأل المشركين الأقدمين قائلًا: {ومَن يُدبِّرُ الأمرَ فسيقولون الله} [يونس: 31]
7 - شِرك الخوف: وهو الاعتقاد بأن لبعض الأولياء الأموات أو الغائبين تصرفًا وضررًا يسبب الخوف منهم لذلك تجد بعض الناس يحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بالولي كاذبًا خوفًا منه وهذا اعتقاد المشركين الذي حذر منه القرآن بقوله: {ألَيسَ الله بكافٍ عبده ويُخوفونك بالذين مِن دونه}. [الزمر: 36]
أما الخوف من الحيوان المفترس، والظالم الحي فجائز، وليس بشرك.
8 - شِرك الحاكمية: وهو الذي يصدر القوانين المخالفة للإِسلام ويجيزها، أو يرى عدم صلاحية حكم الاسلام، ويشمل الحاكم والمحكوم، وذلك إِذا اعتقدها المحكوم ورضيَ بها.
9 - الشرك الأكبر يحبط العمل: لقوله - تعالى: {ولقد أوحيَ إِليكَ وإِلى الذينَ مِن قبلِكَ لئن أشركتَ ليَحبطَنَّ عملُكَ ولتَكوننَّ مِن الخاسرين}. [الزمر: 65]
10 - الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة: وترك الشرك كله: قال تعالى: {إِن الله لا يغفرُ أن يُشرَكَ به ويَغفرُ ما دون ذلك لِمَن يشاء ومَن يُشرِكْ بالله فقد ضَلَّ ضَلالًا بعيدًا}. [النساء: 116]
11 - وللشرك أنواع كثيرة: منها الأكبر والأصغر .. يجب الحذر منها، وقد علمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن نقول: "اللهم إنا نعوذُ بك مِن أن نُشرِك بك شيئًا نعلَمه، ونستغفرك لما لا نعلمه". [رواه أحمد بسند حسن]
(1/191)

مَثل مَن يدعو غير الله
1 - قال الله تعالى: {يا أيها الناس ضُرِبَ مَثلٌ فاستمِعوا له ان الذين تدعون
مِن دون الله لن يَخلُقوا ذُبابًا ولو اجتمعوا له وِإن يَسلُبْهم الذبابُ شيئًا لا
يَستنقِذوه منه ضَعُفَ الطالبُ والمطلوب}. [الحج: 73]
يخاطب الله الناس جميعًا أن يستمعوا لهذا المثل العظيم قائلًا لهم: إن هؤلاء
الأولياء والصالحين وغيرهم الذين تدعونهم عند الشدائد ليساعدوكم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، بل هم عاجزون أن يخلقوا شيئًا من المخلوقات، كالذباب، وإذا ما أخذه منهم، وهذا دليل على ضعفهم، وضعف الذباب، فكيف تدعوهم من دون الله؟! وهذا المثل فيه إنكار شديد على مَن يدعو غير الله من الأنبياء والأولياء!!
2 - قال الله تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون مِن دونه لا يَستَجيبون
لهم بشيء إلا كباسطِ كفَّيهِ إِلى الماء لِيبلُغَ فاهُ وما هو ببالغه وما دعاءُ الكافرين إِلا في ضلال} [الرعد: 14]
تفيد هذه الآية أن الدعاء الذى هو العبادة يجب أن يكون لله وحده، وهؤلاء الذين يدعون غير الله لا ينتفعون منهم، ولا يستجيبون لهم بشيء مَثلُهم هي ذلك مثل الذي يقف على طرف البئر ليتناول الماء منه بيده، فلا يستطيع.
قال مجاهد: "يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدًا". [ذكره ابن كثير]
ثم حكم الله على الذين يدعون غير الله بالكفر، وأن دعاءهم ضلال في قوله - تعالى: {وما دعاءُ الكافرينَ إِلا في ضلال}. [الرعد: 14]
فاحذر يا أخي المسلم أن تدعو غير الله فتكفر وتضل، وادع الله وحده القادر، حتى تكون من المؤمنين الموحدين.
(1/192)

كيف ننفي الشرك بالله؟
إِن نفي الشرك بالله تعالى لا يتم إِلا بنفي ثلاثة أنواع من الشرك:
1 - الشرك في أفعال الرب: وذلك بأن يعتقد أن مع الله خالقًا أو مدبرًا آخر،
كاعتقاد بعض الصوفية بأن الله سلَّم بعض مقاليد الأمور إِلى بعض أوليائه من الأقطاب لتدبيرها! وهذا الاعتقاد لم يقله المشركون قبل الإِسلام حين سألهم القرآن: {ومَن يُدبرُ الأمرَ فسيقولون الله} [يونس: 31]
قرأت في كتاب (الكافي في الرد على الوهابي) ومؤلفه صوفي قال فيه:
"إِن لله عبادًا يقولون للشيء كن فيكون" والقرآن يكذبه قائلًا: {إنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له كنْ فيكون}. [يس: 82]
وقال الله تعالى: {ألا لَه الخلقُ والأمر}. [الأعراف: 54]
2 - الشرك في العبادة والدعاء: وهو أن يعبد ويدعو مع الله غيره من الأنبياء
والصالحين كالاستغاثة بهم ودعائهم عند الشدائد أو الرخاء، وهذا مع الأسف كثير في هذه الأمة، ويحمل وزره الأكبر بعض المشايخ الذين يؤيدون هذا النوع من الشرك باسم التوسل، يُسمونه بغير اسمه، لأن التوسل طلب من الله بواسطة مشروعة. وهذا الذي يفعلونه طلب من غير الله كقولهم: (المدد يا رسول الله، يا جيلاني يا بدوي ... إلخ) وهذا الطلب عبادة لغير الله، لأنه دعاء، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الدعاء هو العبادة". [حديث رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
والمدد لا يطلب إِلا من الله لقوله تعالى: {ويُمدِدكم بأموال وبنين} [نوح:12]
ومن الشرك في العبادة شرك الحاكمية إِذا اعتقد الحاكم أو المحكوم عدم صلاحية حكم الله، أو أجاز الحكم بغيره.
3 - الشرك في الصفات: وذلك بأن يصف بعض خلقه من الأنبياء والأولياء وغيرهم
(1/193)

ببعض الصفات الخاصة بالله -عز وجل- كعلم الغيب مثلًا، وهذا النوع منتشر بين الصوفية، ومن تأثر بهم، كقول البوصيرى يمدح النبي - صلى الله عليه وسلم -:
فإِن من جودك الدنيا وضَرَّتها ... ومِن علومك عِلمُ اللوح والقلم
ومن هنا جاء ضلال بعض الدجالين الذين يزعمون رؤية الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقظة، ويسألونه عما خفي عليهم من بواطن نفوس مَن يخالطونهم، ويُريدون تأميرهم في بعض شؤونهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان ليعلم مثل ذلك في حال حياته كما حكى القرآن عنه بقوله: {ولو كنتُ أعلَمُ الغيبَ لا ستكثرتُ مِن الخير وما مسَّنيَ السوء} [الأعراف: 188]
فكيف يعلم ذلك الغيب بعد وفاته وانتقاله إِلى الرفيق الأعلى؟
وحين سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إِحدى الجواري تقول: "وفينا نبي يعلم ما في غد" قال لها: "دعي هذا وقولي بالذي كنتِ تقولين" [رواه البخاري]
والرسل قد يطلعهم الله على بعض المغيبات، لقول الله - تعالى: {عالِمُ الغيبِ
فلا يُظهِرُ على غيبه أحدًا إِلا مَن ارتضى مِن رسول} [الجن: 27،26]

مَن هو المُوحِّد؟
هذه الأنواع الثلاثة من الشرك مَن نفاها عن الله، فوحَّده في ذاته وفي عبادته
ودعائه، وفي صفاته، فهو الموحِّد الذي تشمله كل الفضائل الخاصة بالموحدين، ومن أثبت نوعًا منها فلا يكون مُوحِّدًا، بل ينطبق عليه قوله تعالى: {ولو أشركوا لَحبِط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام: 88]
{لَئن أشركتَ لَيحْبَطن عملُك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65]
وإذا تاب ونفى الشريك عن الله فيكون من الموحِّدين.
اللهم اجعلنا من الموحِّدين، ولا تجعلنا من المشركين.
(1/194)

الشرك الأصغر وأنواعه
كل وسيلة يمكن أن تؤدي إِلى الشرك الأكبر، ولم تبلغ رتبة العبادة، ولا يخرج فاعله من الإِسلام، ولكنه من الكبائر:
1 - الرياء اليسير: والتصنُّع للمخلوق، كالمسلم الذي يعمل لله، ويُصلي لله
ولكنه يحسن صلاته وعمله لِيمدَحَه الناس، قال تعالى: {فمَن كان يرجوا لِقاء
رَبه فليعْملْ عملاً صالحًا ولا يُشْرِك بعبادة ربه أحدًا}. [الكهف: 110]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ ". [صحيح رواه أحمد]
2 - الحلف بغير الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن حَلفَ بغير الله فقد أشرك" [صحيح رواه أحمد]
وقد يكون الحلف بغير الله من الشرك الأكبر، وذلك إِذا اعتقد الحالف أن الولي له تصرفات يضره إِذا حلف به كاذبًا.
3 - الشرك الخفِي: وفسره ابن عباس بقول الرجل لصاحبه: (ما شاء الله وشئت ........)
ومثله: لولا الله وفلان، ويجوز أن نقول: (لولا الله ثم فلان)
قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقولوا ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان" [صحيح رواه أحمد وغيره]

مِن مظاهر الشرك
إِن مظاهر الشرك المنتشرة في العالم الإِسلامي هي السبب الرئيسي في مصائب المسلمين، وما يلاقونه من الفتن والزلازل والحروب، وغيرها من أنواع العذاب الذي
(1/195)

صبَّه الله على المسلمين، بسبب إِعراضهم عن التوحيد، وظهور الشرك في عقيدتهم وسلوكهم، والدليل على ذلك ما نراه في أكثر بلاد المسلمين من مظاهر الشرك المتنوعة التي حسبها الكثير من المسلمين أنها من الإِسلام، ولذلك لم ينكروها، علمًا بأن الإِسلام جاء ليحطم مظاهر الشرك، أو المظاهر التي تؤدي إِليه، وأهم هذه المظاهر:
1 - دعاء غير الله: ويظهر ذلك في الأناشيد والقصائد التي تقال بمناسبة الإحتفال بالمولد أو بذكرى تاريخية، فقد سمعتهم ينشدون:
يا إِمام الرسل يا سنَدي ... أنتَ بابُ الله ومُعتمدي
وفي دنياي وآخرتي ... يا رسول الله خُذ بيدي
ما يُبدِلُني عسر يُسرا ... إِلَّاكَ يا تاج الحضره
ولو سمع الرسول مثل هذا لتبرأ منه، إِذ لا يبدل العسر باليسر إِلا الله وحده،
ومثلها قصائد الشعر التي تكتب في الجرائد والمجلات والكتب، وفيها طلب المدد والعون والنصر من الرسول والأولياء والصالحين العاجزين عن تحقيقها ..
2 - دفن الأولياء والصالحين في المساجد: فترى في أكثر بلاد المسلمين القبور في بعض المساجد، وقد بُنيت عليها القباب، وبعض الناس يسألونها من دون الله، وقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بقوله: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". [متفق عليه]
فإِذا كان دفن الأنبياء في المساجد ليس مشروعًا، فكيف يجوز دفن المشايخ
والعلماء؟ عِلمًا بأن هذا المدفون قد يُدعى مِن دون الله، فيكون سببًا لحصول الشرك، والإسلام يُحرم الشرك، ويُحرم وسائله المؤدية إِليه.
3 - النذر للأولياء: بعض الناس ينذرون ذبيحة أو مالًا أو غير ذلك للولي الفلاني، وهذا النذر شرك يجب عدم تنفيذه، لأن النذر عبادة وهي لله وحده. قالت امرأة
(1/196)

عمران: {رب إني نذرتُ لكَ ما في بطني مُحرَّرًا}. [آل عمران:35]
4 - الذبح عند قبور الأنبياء والأولياء: ولو كانَتِ النية أن الذبيحة لله، فهو من عمل المشركين الذين كانو يذبحون عند تماثيل أصنامهم الممثلَة لأوليائهم لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله مَن ذبح لغير الله". [رواه مسلم]
5 - الطواف حول قبور الأنبياء والأولياء: كالجيلاني والرفاعي والبدوي والحسين وغيرهم، لأن الطواف عبادة لا يجوز إِلا حول الكعبة لقوله تعالى: {ولْيطَّوَّفُوا بالبيتِ العتيقِ} [الحج: 29]
6 - الصلاة إلى القبور: وهي غير جائزة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها". [رواه مسلم]
7 - شد الرحال إلى القبور: للتبرك بها، أو للصلاة عندها لا يجوز، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُشَدُّ الرِحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" [متفق عليه]
وإذا أردنا الذهاب إِلى المدينة المنورة فنقول: ذهبنا لزيارة المسجد النبوي ثم
السلام على صاحبه - صلى الله عليه وسلم -.
8 - الحكم بغير ما أنزل الله: كالحكم بالقوانين الوضعية المخالفة للقرآن الكريم، والسنة الصحيحة إِذا اعتقد جواز العمل بتلك القوانين، ومثلها الفتاوى التي تصدر عن بعض المشايخ، وهي تتعارض مع النصوص الإِسلامية، كتحليل الربا (1) الذي أعلن الله الحرب على فاعله.
9 - طاعة الحكام، أو العلماء والمشايخ: في أمر يخالف نص القرآن أو السنة الثابتة، وهذا يُسمى شرك الطاعة (2)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" [صحيح رواه أحمد]
__________
(1) متعمدًا غير متأول.
(2) إذا اعتقد المطيع جواز طاعتهم في المعصية.
(1/197)

وقوله تعالى: {اتخذوا أحبارَهم ورُهبانهم أربابًا مِن دون الله والمسيحَ ابنَ
مريم وما أُمِروا إِلا ليَعبدوا إِلهًا واحدًا لا إِله إِلا هو سبحانه عما يُشركون}
[التوبة: 31]
وقد فسر حذيفة العبادة بالطاعة فيما أحل لهم علماء اليهود وحرَّموا.

المشاهد والمزارات
إِن المشاهد التي نراها في البلاد الإِسلامية، كبلاد الشام والعراق ومصر وغيرها من البلاد لا توافق تعاليم الإِسلام، فقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن البناء على القبور، ففي الحديث الصحيح: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُجصَّصَ القبر وان يُقعَد عليه، وأن يُبنى عليه". [رواه مسلم]
والتجصيص: (يشمل الدهان بالكلس وغيره)
وفي رواية صحيحة للترمذي: "وأن يُكتب عليه" (القرآن والشعر وغيره).
1 - إِن هذه المزارات أكثرها غير صحيح: فالحسين بن علي-رضي الله عنه- استشهد في العراق، ولم يصل إِلى مصر فقبره في مصر غير صحيح، وأكبر دليل على ذلك أن له قبرًا في العراق ومصر والشام؛ ودليل آخر، وهو أن الصحابة لا يدفنون الموتى في المسجد لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". [منفق عليه]
والحكمة في ذلك حتى تبقى المساجد خالية من الشرك، قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا} [الجن: 18]
والثابت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دُفن في بيته، ولم يدفن في مسجده، وقد وسع الأمويون المسجد فأدخلوه فيه، وليتهم لم يفعلوا؛ وقبر الحسين الآن في المسجد يطوف بعض الناس حوله، ويطلبون حاجاتهم التي لا تطلب إِلا من الله، كشفاء
(1/198)

المرضى، وتفريج الكربات وديننا يأمرنا أن نطلبها من الله وحده، وأن لا نطوف إِلا حول الكعبة، وقال تعالى: {وليَطوَّفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29]
2 - إِن مشهد السيدة زينب بنت علي، في مصر ودمشق غير صحيح، لأنها لم تمت في مصر، ولا في الشام، والدليل على ذلك وجود مشهد لها في كل منهما!!
3 - إِن الإِسلام ينكر بناء القباب على القبور، وجَعلَها في المساجد ولو كانت حقيقة، كقبر الحسين في العراق، وعبد القادر الجيلاني في بغداد والإمام الشافعي في مصر وغيرهم، للنهي العام الوارد المتقدم؛ وحَدثني شيخ صادق أنه رأى رجلًا يصلي إلى قبر الجيلاني، ويترك القبلة، وقدم النصيحة له فرفضها، وقال له: أنت وهابي!! وكأنه لم يسمع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجلسوا على القبور ولا تُصَلّوا إليها". [رواه مسلم]
4 - إِن أكثر المشاهد في مصر بنتها ما تسمى بالدولة الفاطمية (1)، وقد ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) ج 11 / ص 346 قائلًا عنهم:
(كفار، فساق، فجار، مُلحدون، زنادقة، مُعطلون، للإِسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية مُعتقدون).
هؤلاء الكفار، راعهم لما رأوا المساجد تمتلئ بالمصلين، وهم لا يُصلون ولا يَحجون ويحقدون على المسلمين، ففكروا في صرف الناس عن المساجد، فأنشؤوا القباب والمزارات الكاذبة، وزعموا أن فيها الحسين بن علي، وزينب بنت علي، وأقاموا احتفالات ليجذبوا الناس إِليها، وسَمُّوا أنفسهم بالفاطميين تَسَتُّرًا ليميل الناس إِليهم، ثم أخذ المسلمون عنهم هذه البدع التي أوقعتهم في الشرك، وصرفوا لها الأموال الطائلة، وهم في أمس الحاجة إِليها لشراء الأسلحة للدفاع عن دينهم وكرامتهم.
5 - إِن المسلمين الذين صرفوا الأموال على بناء القباب والمزارات والجدران والشواهد
__________
(1) اسمهم الحقيقي (العُبَيْديون) نسبة إِلى عبيد بن سعد ذكر اسمه ابن كثير فى البداية والنهاية ج 11/ 346.
(1/199)

على القبور، لا تفيد الميت شيئًا، ولو أعطوا هذه الأموال للفقراء لنفعت الأحياء والأموات؛ علمًا بأن الإسلام يُحرم البناء على القبور كما تقدم.
وقال - صلى الله عليه وسلم - لعلي -رضي الله عنه-: "لا تَدَعْ تمثالًا إلا طمستَه، ولا قبرًا مُشرِفًا إلا سوَّيته" [رواه مسلم]
(أي لا تترك قبرًا مرتفعًا إِلا كسرته، وجعلته قريبًا من الأرض).
وقد سمح الإِسلام أن يرفع القبر قدر شبر حتى يُعرف.
6 - وهذه النذور التي تُقدم للأموات، هي من الشرك الأكبر، يأخذها الخدام
بالحرام،. وقد يصرفونها في المعاصي والشهوات فيكون صاحب النذر والمعطَى شريكه في ذلك.
ولو أُعطي هذا المال باسم الصدقة للفقراء لاستفاد الأحياء والأموات وتحقق للمتصدق ما يحتاجه في قضاء حوائجه.
اللهم أرِنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وحببنا فيه وأرِنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه وكَرهنا فيه.

مفاسد الشرك وأضراره
إِن للشرك مفاسدَ وأضرارًا كثيرة في حياة الفرد والمجتمع أهمها:
1 - الشرك مهانة للإنسانية: إِنه إِهانة لكرامة الإِنسان، وانحطاط لقَدره، ومنزلته، فقد استخلفه الله في الأرض وكرَّمه وعلَّمه الأسماء كلها, وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وجعل له السيادة على كل ما في هذا الكون، ولكنه جهل قدر نفسه، وجعل بعض عناصر هذا الكون إِلهًا معبودًا يخضع له ويذل؛ وأي إِهانة للإِنسان أكثر من أن يرى -إِلى يومنا هذا- مئات الملايين من البشر في الهند يعبدون البقر التي خلقها الله للإِنسان، لتخدمه وهي صحيحة، ويأكلها وهي ذبيحة، ثم ترى
(1/200)

بعض المسلمين يعكفون على قبور الموتى، ويسألونهم حاجتهم، وهم عبيد مثلهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فالحسين -رضي الله عنه- لم يستطع أن يمنع عن نفسه القتل، فكيف يدفع عن غيره البلاء، ويجلب النفع؟ والأموات يحتاجون إلى دعاء الأحياء، فنحن ندعو لهم، ولا ندعوهم من دون الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20 - 21].
وقال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31].
2 - الشرك وَكرُ الخرافات والأباطيل: لأن الذي يعتقد بوجود مُؤَثر غير الله في الكون من الكواكب أو الجن أو الأشباح أو الأرواح، يصبح عقله مستعدًا لكل خرافة، وتصديق كل دجال، وبهذا يروج في المجتمع المشرك بضاعة الكهنة والعرافين والسحرة والمنجمين وأشباههم ممن يدعون علم الغيب الذي لا يعلمه إِلا الله، كما يشيع في مثل هذا المجتمع إِهمال الأسباب والسنن الكونية.
3 - الشرك ظلم عظيم: ظلم للحقيقة، لأن أعظم الحقائق أن لا إِله إِلا الله، ولا رَبَّ غيره، ولا حَكَمَ سواه، ولكن المشرك اتخذ غير الله إِلهًا، وابتغى غيره حَكَمًا، والشرك ظلم للنفس، لأن المشرك جعل نفسه عبدًا لخلوق مثله، أو دونه، وقد خلقه الله حُرًا، والشرك ظلم للغير، لأن من أشرك بالله غيره فقد ظلمه حيث أعطاه من الحق ما ليس له.
4 - الشرك مصدر المخاوف والأوهام: فإِن الذي يقبل عقله الخرافات، ويُصدق الأباطيل يصبح خائفًا من جهات شتى، لأنه اعتمد على عِدة آلهة، وكلها عاجزة عن جلب النفع، ودفع الضر عن نفسها، ولهذا ينتشر في جو الشرك التشاؤم والرعب من غير سبب ظاهر، كما قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا
(1/201)

أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151].
5 - الشرك يعطل العمل النافع: لأنه يُعلِّم أتباعه الاعتماد على الوسطاء والشفعاء، فيتركون العمل الصالح، ويرتكبون الذنوب، معتقدين أن هؤلاء سيشفعون لهم عند الله، وهذا اعتقاد العَرب قبل الإسلام الذين قال الله فيهم: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]
وهؤلاء النصارى الذين يعملون المنكرات معتقدين أن المسيح قد كفَّر عنهم
الخطايا حين صُلِبَ بزعمهم، وبعض المسلمين يتركون الواجبات، ويفعلون المحرمات، ويعتمدون على شفاعة رسولهم لدخولهم الجنَّة، مع أن رسولهم الكريم يقول لبنته فاطمة: "يافاطمةُ بنت محمّد، سَليني مِن مالي ما شئتِ لا أُغني عنكِ مِن الله شيئًا" [رواه البخاري]
6 - الشرك سبب الخلود في النار: والشرك سبب للضياع في الدنيا والعذاب المؤبد في الآخرَة، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وهو يدعو مِن دون الله نِدًا دخل النّار" (النِّدُّ: المثيل والشريك) [رواه البخاري]
7 - الشرك يُفرق الأُمة: قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (1) [الروم: 31، 32].
__________
(1) اختصارًا من كتاب حقيقة التّوحيد للدكتور يوسف القرضاوى بتصرُّف.
(1/202)

الخلاصة
الخلاصة: إن كل الفصول المتقدمة توضح وضوحًا تامًا أن الشرك أعظم أمر يجب الاحتراز منه، والترفع عنه، والخوف من التورط فيه لأنه أعظم الذنوب، ولأنه يحبط كل ما يعمله العبد من أعمال صالحة قد يكون منها نفع للأمة، وخدمة للإنسانية، كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] (نقلاً من كتاب دليل المسلم في الاعتقاد) للشيخ عبد الله عبد الغني خياط.

التوسل المشروع
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] (قال قتادة تقربوا إِليه بطاعته والعمل بما يرضيه)
والتوسل المشروع هو الذي أمر به القرآن، وحكاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمل به الصّحابة، وله أنواع عديدة أهمها:
1 - التوسل بالإيمان: قال تعالى يحكي توسل عباده بإِيمانهم: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193].
2 - التوسل بتوحيد الله: كدعاء يونس - عليه السّلام- حين ابتلعه الحوت: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88].
3 - التوسل بأسماء الله؛ قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]
ومن دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأسمائه قوله: - "أسألك بكل اسم هُوَ لك ... " [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
(1/203)

4 - التوسل بصفات الله: كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا حَيٌّ يا قيوم برَحمَتِكَ أستَغيث" [حسن رواه الترمذي]
5 - التوسل بالأعمال الصالحة: كَالصلاة، وبر الوالدين، وحفظ الحقوق والأمانة والصدقة، والذكر، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحُبنا له ولأصحابه، وغيرها من الأعمال الصالحة، فقد ثبت في صحيح مسلم قصة أصحاب الغار الذين حُبسوا فيه، فتوسلوا إِلى الله بحفظ حَق الأجير، والإِحسان للوالدين، ومخافة الله فَفَرَّجَ الله عنهم.
6 - التوسل إلى الله بترك المعاصي: كالخمر والزنا وغيرها من المحرمات، وقد توسل أحد أصحاب الغار الذين حُبسوا فيه بتركه الزِّنا فَفَرَّجَ الله عنه.
7 - والمسلمون اليوم تركوا العمل الصالح والتوسل به: ولجؤوا إِلى التوسل بأعمال غيرهم من الأموات، مخالفين هَديَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته.
8 - التوسل بطلب الدُّعاء مِن الأنبياء والصالحين الأحياء: فقد ورد أن رجلًا ضريرَ البَصرِ آتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ادعُ الله أن يُعافيني. قال: إن شئتَ دعوتُ لك، وإن شئتَ صبرتَ فهو خَيرٌ لك، فقال: ادعُه: فأمره أن يتوضأ، فيُحسِن وضوئه فيصَلي ركعتين يدعو بهذا الدُّعاء: اللهم إني أسالك، وأتوجَّهُ إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمدُ إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، لِتُقضى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ، وشفِّعني فيه. قال: ففعل الرجل
فبرئ [صحيح رواه أحمد]
يفيد هذا الحديث: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا للأعمى وهو حَي، فاستجاب الله دعاءه وأمره يدعو لنفسه، ويتوجه إِلى الله يسَأله أن يقبل فيه شفاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقبل الله منه، وهذا الدُّعاء خاص في حياته - صلى الله عليه وسلم -، ولا يمكن الدعاء به بعد الوفاة، لأن الصحابة لم يفعلوه، ولم يستفد منه العميان بعد هذه الحادثة.
(1/204)

التوسل الممنوع
التوسل الممنوع هو الذي لا أصل له في الدين، وهو أنواع:
1 - التوسل بالأموات، وطلب الحاجات منهم، والاستعانة بهم، كما هو واقع
اليوم، ويُسمونه توسلًا، وليس كذلك، لأن التوسل هو الطلب من الله بواسطة
مشروعة كالإِيمان والعمل الصالح وأسماء الله الحسنى؛ ودعاء الأموات إِعراض عن الله، وهو من الشرك الأكبر، لقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106]. (الظالمين: المشركين).
2 - أما التوسل بجاه الرسول كقولك: (يارَب بجاه محمّد اشفني) فهو بدعة،
لأن الصّحابة لم يفعلوه، ولأن عمر الخليفة، توسل بالعباس حَيًّا بدعائه، ولم يتوسل بالرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد موته عندما طلب نزول المطر، وحديث "توسَّلوا بجاهي" لا أصل له، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهذا التوسل البدعي قد يؤدي للشرك، وذلك إِذا اعتقد أن الله محتاج لواسطة، كالأمير والحاكم، لأنه شبه الخالق بانحلوق.
وقاك أبو حنيفة: "أكره أن أسأل الله بغير الله" كما في الدر الختار
3 - وأما طلب الدعاء من الرسول بعد موته، كقولك: (يا رسول الله ادع لي)
فغير جائز، لأن الصحابة لم يفعلوه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إِلا مِن ثلاث: صَدقةٍ جاريةٍ أَوْ عِلم يُنتَفَع به، أَوْ ولدٍ صالح يدعو له". [رواه مسلم]

شروط تحقيق النصر
إِن القاريء لسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجهاده يرى المراحل التالية:
1 - مرحلة التوحيد: بقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عامًا في مكة المكرمة، وهو
(1/205)

يدعو قومه إِلى توحيد الله في العبادة والدعاء والحكم ومحاربة الشرك، حتى ثبتت هذه العقيدة في نفوس أصحابه وأصبحوا شجعانًا لا يخافون إِلا الله.
فيجب على الدعاة أن يبدؤوا بالتوحيد، ويُحذروا من الشرك ليكونوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المقتدين.
2 - مرحلة الأُخُوة: لقد هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مِن مكة إِلى المدينة ليكوَّن المجتمع المسلم القائم على التحابب، فأول ما بدأ به هو بناء مسجد يجتمع فيه المسلمون لعبادة ربهم، ويُتاح لهم الاجتماع كل يوم خصكمرات، ليُنظموا حياتهم، وقد بادر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إِلى المؤاخاة بين الأنصار سكان المدينة، وبين المهاجرين من مكة الذين
تركوا أموالهم، فعرض الأنصار أموالهم للمهاجرين وقدَّموا لهم كل ما يحتاجون إِليه.
ولقد وجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - سكان المدينة، وهم من الأوس والخزرج بينهم عداوة قديمة، فأصلح بينهم، وأزال الله الحقد والعداوة من صدورهم، وجعلهم إِخوة متحابين في الإِيمان والتوحيد. وكما جاء في الحديث: المسلم أخو المسلم .. إِلخ.
3 - الاستعداد: لقد أمر القرآن الكريم بالاستعداد للأعداء فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]
وفسرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "ألَّا إن القوة الرمي". [رواه مسلم]
والرمي وتعليمه واجب على كل المسلمين حسب استطاعتهم، فالمدفع والدبابة والطائرة وغيرها من الأسلحة تحتاج إِلى تعلم الرمي عند استعمالها، وليت طلاب المدارس تعلموا الرماية، وأجرَوا المباريات والمسابقات ليتأهلوا للدفاع عن دينهم ومقدساتهم؛ ولكن الأولاد يضيعون أوقاتهم في لعب الكرة، وإجراء المباريات، فيكشفون الأفخاذ التي أمرنا الإسلام بسترها ويضيعون الصلوات التي أمرنا الله بالمحافظة عليها.
4 - وعندما نعود إِلى عقيدة التوحيد، ونكون إِخوانًا متحابين، ونستعد للاعداء بالسلاح سيتحقق -إِن شاء الله- النصر للمسلمين كما تحقق النصر للرسول - صلى الله عليه وسلم -
(1/206)

وصحابته من بعده .. قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]
5 - ليس هذا معناه أن هذه المراحل منفصلة، بمعنى أن مرحلة الأخُوة لا تكون مع مرحلة التّوحيد، فهذه المراحل يمكن أن تتداخل.

{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}
هذه الآية الكريمة تُبين أن الله تعهد للمؤمنين بالنصر على أعدائهم، وهو وعد لا يُخلَف، فقد نصر الله رسوله في غزوة بدر، والأحزاب وغيرهما من الغزوات، ونصر أصحاب رسول الله بعده على أعدائهم، وانتشر الإسلام وفُتحت البلاد، وانتصر المسلمون، رغم الأحداث والمصائب، وكانت العاقبة للمؤمنين الله مِن صدقوا الله في إِيمانهم وتوحيدهم وعبادتهم ودعائهم لربهم في وقت الشدة والرخاء وهذا القرآن يحكي حال المؤمنين في غزوة بدر، وهم قليلون في العَدد والعُدة، فيدعون ربهم: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]
فاستجاب الله دعاءهم، وأمدّهم بالملائكة يقاتلون معهم فيضربون أعناق الكفار، ويضربون أطرافهم، وذلك حين قال: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]
وتم النصر للمؤمنين الموحدين، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].
وكان مِن دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - في معركة بدر: "اللَّهُمَّ آتني ما وعدتني به، اللَّهُمَّ إن تَهلِك هذه العِصابة من أهل الإسلام لا تُعبدُ في الأرض" [رواه مسلم]
ونرى المسلمين اليوم يخوضون المعارك ضد أعدائهم في أكثر البلاد ولا ينتصرون فما هو سبب ذلك؟ هل يتخلف وعد الله بالنسبة للمؤمنين؟ لا أبدًا لا يتخلف ولكن أين المؤمنين حتى يأتيهم النصر المذكور في الآية؟ نسأل المجاهدين:
(1/207)

1 - هل استعدوا بالإِيمان والتوحيد اللَّذيْن بدأ بهما الرسول دعوته في مكة قبل القتال؟
2 - هل أخذوا بالسبب الذي أمرهم به ربهم بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}؟ [الأنفال: 60]
وقد فسرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرمي.
3 - هل دعَوا ربهم وأفردوه بالدعاء عند القتال؟ أم أشركوا معه غيره فراحوا يسألون النصر من غيره ممّن يعتقدون فيهم الولاية، وهم عبيد لله لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا؟ ولماذا لا يقتدون بالرسول في دعائه لربه وحده؟ {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟} [الزمر: 46]
4 - وأيضًا هل هُم مجتمعون ومتحابون فيما بينهم شعارهم قول ربهم: {وَلَا
تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]
5 - وأخيرًا. لما ترك المسلمون عقيدتهم وأوامر دينهم التي تأمر بالتقدم العلّمي والحضاري تخلفوا عن سائر الأمم وحين يعودون لدينهم يعود لهم تقدمهم وعزتهم.
إذا حققتم الإِيمان المطلوب، فسيأتيكم النصر الموعود: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]

الكفر الأكبر وأنواعه
الكفر الأكبر يُخرج صاحبه من الإسلام وهو الكفر الاعتقادي وأنواعه كثيرة منها:
1 - كفر التكذيب: وهو تكذيب القرآن أو الحديث، أو بعض ما جاء فيهما، والدليل قوله - تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68]
(1/208)

وقوله - تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85]
2 - كفر الإباء والاستكبار مع التصديق: وهو عدم الانقياد للحق مع الإِقرار به كَكُفر إِبليس، والدليل قو تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}
3 - كفر الظن والشك بيوم القيامة: والغيبيات أو إِنكارها وعدم التصديق بها قال تعالى: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 36، 37].
4 - كفر الإعراض: وهو الإِعراض عن مطاب الإسلام غير مؤمن بها، والدليل قوله - تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3]
5 - كفر النفاق: وهو إِظهار الإسلام باللسان، ومخالفته في القلب والأعمال، لقوله - تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3]
وقوله - تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]
6 - كفر الجحود: وهو الذى ينكر شيئًا معلومًا من الدين مثل أركان الإسلام أو الإِيمان، كالذي يترك الصّلاة غير معتقد وجوبها، فهو كافر مُرتَد عن الإسلام.
وكذلك الحاكم إِذا جحد حكم الله، لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]
قال ابن عباس: مَنْ جحد ما أنزل الله فقد كفر.
(1/209)

الكفر الأصغر وأنواعه
الكفر الأصغر: هو الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام مثل:
1 - كفر النعمة: والدليل قوله - تعالى - يخاطب المؤمنين مِن قوم موسى - عليه السّلام - {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]
2 - الكفر العملي: وهو كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر، مع بقاء اسم الإِيمان على فاعله، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "سِبابُ المسلم فسوق، وقتالُه كفر". [رواه البخاري]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". [رواه مسلم]
فهذا كفر لا يخرج صاحبه من الإسلام، لكنه من كبائر الذنوب.
3 الحاكم بغير ما أنزل الله: وهو مُعترِف بحكم الله قال ابن عباس: من أقرَّ به فهو ظالم فاسق واختاره ابن جرير.
وقال عطاء: كفر دون كفر.

احذروا الطواغيت
الطاغوت: هو كل ما عُبد من دون الله، ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله.
ولقد أرسل الله الرسل ليأمروا أقوامهم بعبادة الله، واجتناب الطاغوت.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]
والطواغيت كثيرة: ورؤوسهم خمسة:
1 - الشيطان الداعي إِلى عبادة غير الله والدليل قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا
(1/210)

بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60]
2 - الحاكم الظالم المغيرِّ لأحكام الله -تعالى- كواضع الدستور الذي يخالف الإسلام، والدليل قوله -تعالى- منكرًا على المشركين المشرّعين بما لم يرض به الله:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]
3 - الحاكم بغير ما أنزل الله، إِذا اعتقد عدم صلاحية ما أنزل الله، أو أجاز الحكم بغيره، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]
4 - الذي يدعي علم الغيب من دون الله لقوله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]
5 - الذي يعبده الناس ويدعونه من دون الله، وهو راض بذلك والدليل قوله - تعالى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي
الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29]
واعلم أنه يجب على المؤمن أن يكفر بالطاغوت حتى يكون مؤمنًا مستقيمًا، والدليل قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]
وهذه الآية دليل على أن عبادة الله لا تنفع إِلا باجتناب عبادة ما سواه، وورد في هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قال لا إله إِلَّا الله، وكفر بما يُعبَد مِن دون الله حَرُمَ مالُه ودمه". [رواه مسلم]

النفاق الأكبر
النفاق الأكبر هو إِظهار الإسلام باللسان واعتقاد الكفر في القلب والجنان وهو على أنواع:
(1/211)

1 - تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو تكذيب بعض ما جاء به.
2 - بُغض الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو بُغضُ بعضِ ماجاء به.
3 - الفرح بهزيمة الإسلام، أو كراهية انتصار دينه.
وصاحب النفاق عذابه أشد من الكفار وخطره أعظم لقوله تعالى:
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]
ولهذا وصف الله الكافرين بآيتين، ووصف المنافقين بثلاث عشرة آية في أول سورة البقرة.
ونرى الصوفية مسلمين يُصلون ويصومون ولكن خطرهم عظيم حيث يفسدون عقائد المسلمين، فُيبيحون دعاء غير الله الذي هو من الشرك الأكبر، ويعتقدون أن الله في كل مكان، وينفون علُوَّ الله على عرشه مخالفين القرآن والحديث.

النفاق الأصغر
هو النفاق العملي كالمسلم المتصف بصفة المنافقبن التي أخبر عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كَذب، واذا وعَدَ أخلَفَ، واذا اؤتُمِن خان". [متفق عليه]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أربَعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعدَ أخلَف، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصم فجَر". [متفق عليه]
وهذا النفاق لا يخرج صاحبه من الإسلام، إِلا أنه من الكبائر. قال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم: نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -. [نقلاً من جامع الأصول - ج 11/ 569]
هذه الفصول الأربعة المتقدمة مأخوذة من كتاب (مقرر التوحيد) بتصرُّف.
(1/212)

أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
قال الله - تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63]
تفيد هذه الآية أن الولي هو المؤمن التقي الذي يجتنب المعاصي، ويدعو ربه ولا يُشرك به أحدًا؛ وقد تظهر له كرامة عند الحاجة مثل كرامة مريم حينما كانت تجد رزقًا في بيتها.
فالولاية ثابتة، ولا تكون إِلا لمؤمن طامُع مْوَحِّد، ولا يشترط ظهور الكرامة للولي حتى يكون وليًا، لأن القرآن لم يشترطها.
ولا يمكن أن تظهر الولاية على يَدِ فاسق أو مشرك يدعو غير الله، لأن ذلك من عمل الشركين، فكيف يكون الأولياء المكرمين؟ والولاية لا تكون بالوراثة من الأجداد، بل تكون بالإِيمان والعمل الصالح، وما يظهر على بعض المبتدعين من ضرب الحديد في بطونهم، أو أكل النار، فهو من عمل الشّياطين وهو استدراج لهم ليسيروا في ضلالهم. قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75]
والذين ذهبوا إِلى الهند شاهدوا من المجوس أكثر من هذا كضرب السيف لبعضهم البعض وغير ذلك رغم كفرهم! والإِسلام لا يُقِر هذه الأعمال التي لم يعملها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته. ولو كان فيها خير لسبقونا إِليها.
إن الولي عند كثير من الناس هو الذي يعلم الغيب، وهذا ممّا اختص به الله وحده، وقد يُطلع بعض رسله عندما يُريد لقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ...} [الجن: 26]
فالآية خصصت الرسول، ولم تذكر غيره.
وبعض الناس يرى قبرًا بُني عليه قبة فيظن أنه ولي، وقد يكون هذا القبر لفاسق أو
(1/213)

ليس فيه أحد، والبناء على القبور قد حَرمه الإسلام ففي الحديث: "نهي - صلى الله عليه وسلم - أن يُجصَّصَ القبر وأن يُبنى عليه". [رواه مسلم]
فليس الولي مَنْ دُفِن في مسجد، أو أقيم له ضريح، أو نُصبت له قبة، فهذا
مخالف لتعاليم الإسلام، كما أن رؤيا الميت في المنام لا تعتبر دليلًا شرعيًّا على ولايته، فقد تكون أضغاث أحلام من الشيطان.

خرافات وليست كرامات
نشرت مجلة التوحيد تحت عنوان: "خرافات حول الدسوقي".
جاء في حاشية الصاوي: أنه كان يتكلم بجميع اللغات: عجمي، وسرياني،
ولغات الوحش والطير، وأنه صام في المهد، ورأى اللوحَ المحفوظ، وأن قدَمه لم تسعها الدنيا، وأنه ينقل اسمَ مُريده مِن الشقاوة إِلى السعادة، وأن الدنيا جعِلَت في يده كالخاتم، وأنه جاوز سدرة المنتهى.
وهذا كلام باطل لا يصدقه إِلا غبي جاهل، بل هو كفر صراح، فكيف اطلع على اللوح المحفوظ الذي لم يطلع عليه سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -؟
وكيف ينقل دراويشه من الشقاوة إِلى السعادة؟ .. كل هذه خرافات يحكيها المتصوفة فخورين، وما دَرَوا أنهم في ضلال مبين.
احذر قراءة الكتب التي تحوي مثل هذه الخرافات: منها الطبقات الكبرى للشعراني، وخزينة الأسرار، ونزهة المجالس، والروض الفائق، ومكاشفة القلوب للغزالي، والعرائس للثعالبي، فكلها كتب يحرم طبعها وبيعها.
(1/214)

أنواعُ شُعَب الإيمان
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمانُ بِضعٌ وسِتون شعبة فأفضلُها قولُ لا إله إِلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" [رواه مسلم]
وقد لخَّص الحافظ في الفتح ما أورده ابن حبّان يقوله:
إِن هذه الشُعب تتفرع من أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن:
1 - فأعمال القلب: المعتقدات والنيات، وهي أربع وعشرون خصلة: الإِيمان بالله: ويدخُل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]
واعتقاد حدوث ما دونه، والإِيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبالقدَر خيره وشره،
والإيمان باليوم الآخر: ويدخل فيه السؤال في القبر ونعيمه وعذابه، والبعث والنشور، والحساب والميزان والصراط والجنة والنار؛ ومحبةُ الله، والحبُ والبغضُ فيه، ومحبةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - واعتقاد تعظيمه: ويدخل فيه الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - واتباع سنته؛ والإِخلاص: ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق؛ والتوبة والخوف، والرجاء والشكر والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء والقدر، والتوكل والرّحمة والتواضع: ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكِبر والعُجب، وترك الحسد، والحقد، والغضب.
2 - وأعمال اللسان: وتشتمل على سبع خصال:
التلفظ بالتوحيد (شهادة أن لا إِله إِلا الله وأن محمدًا رسول الله) وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، والتسبيح ... واجتناب اللغو.
3 - وأعمال البدن: وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة:
(أ) منها ما يتعلق بالأعيان، وهي خص عشرة خصلة: التطهر حِسًّا وحُكمًا: ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا والزكاة كذلك،
(1/215)

وفك الرقاب، والجود: ويدخل فيه إِطعام الطّعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضًا ونفلًا، وا لاعتكاف، والتماسُ ليلة القدر، والحج والعمرة، والطواف كذلك؛ والفِرار بالدين: ويدخل فيه الهِجرة مِن دار الشرك إِلى دار الإِيمان، والوفاء بالنذر، والتحري في الإيمان (بأن يكون الحلف بالله صادقًا عند الحاجة) وأداء الكفارات: (مثل كفارة اليمين، وكفارة الجماع في نهار رمضان).
(ب) ومنها ما يتعلق بالأتباع: وهي ستُ خِصال: التعفف بالنكاح والقيام
بحقوف العيال، وَبِر الوالدين: ويدخل فيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرّحم، وطاعة السادة (في غير معصية الله)، والرفق بالعبيد.
(ج) ومنها ما يتعلّق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة: القيام بالإِمرة مع العدل،
ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي (1) الأمر، والإِصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج (2) والبغاة، والمعاونة على البِر والتقوى: ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وِإقامة الحدود، والجهاد: ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخُمس، والقرض مع وفائه، وِإكرام الجار، وحسن المعاملة، ويدخل فيه جمع المال من حِلّه، وإنفاقه في حقه، ويدخل فيه ترك التبذير والإِسراف، ورد السّلام، وتشميتُ العاطس، وَكَفُّ الضرر عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق.
وهذا الحديث المتقدم يدل على أن التوحيد هو كلمة لا إِله إِلا الله أعلى مراتب الإِيمان وأفضلها. فعلى الدعاة أن يبدؤوا بالأعلى ثم الأدنى، وبالأساس قبل البناء، ويالأهم فالمهم، لأن التوحيد هو الذي جمع الأمة العربية والأعجمية على الإسلام، وكوَّن منهم الدولة المسلمة دولة التوحيد.
__________
(1) المراد بأولي الأمر: الحكام المسلمون إِذا لم يأمروا بمعصية.
(2) الخوارج هم الذين يكفرون المسلم بارتكاب الكبائر.
(1/216)

أسباب حدوث المصائب وإزالتها
ذكر القرآن الكريم أسباب نزول المصائب، وكيف يرفعها الله عن عباده، منها قوله تعالى:
1 - {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53]
2 - {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]
3 - {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]
4 - {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].
إِن هذه الآيات الكريمة تُفيدنا أن الله -تعالى- عادل وحكيم، وأنه لم يُنزل البلاء على قومٍ إِلا بسبب عصيانهم لله، ومخالفة أوامره، ولا سيما الإبتعاد عن التوحيد وانتشار مظاهر الشرك في أكثر البلاد الإِسلامية التي تعاني بسببه الفِتن والمحن، ولن تزول إِلا بالرجوع إِلى توحيد الله، وتحكيم شريعته في النفس والمجتمع.
5 - ذَكر القرآن حال الشركين ودعاءهم لله وحده حين نزول المصائب، وحلول الشدة، فلما نجاهم ممّا هم فيه عادوا إِلى الشرك، ودعاء غير الله في وقت الرخاء.
قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]
6 - إِن كثيرًا من المسلمين اليوم إِذا وقعوا في مصيبة دعَوا غير الله، وصاحوا: (يا رسول الله يا جيلاني، يا رفاعي يا مرغني، يا بدري يا شيخ العرب ...) فهم يشركون في الشدة وفي الرخاء، يخالفون كلام ربهم، وكلام رسولهم - صلى الله عليه وسلم -!.
(1/217)

7 - إِن المسلمين في غزوة أحد حينما هُزِموا بسبب مخالفة بعض الرماة لقائدهم تعجبوا من ذلك، فقال لهم القرآن: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]
وفي غزوة حنين حينما قال بعض المسلمين: "لن نُغلَب مِن قلّة" فكانت الهزيمة، وكان العتاب من الله في قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25]
8 - كتب عمر بن الخطاب لقائده سعد في العراق: "ولا تقولوا إِن عدوَّنا شرّ منا فلَن يُسلَّط علينا، فربما سُلِّط على قوم مَنْ هو شَرّ منهم، كما سُلط على بني اسرائيل - كفارُ المجوس لما عملوا بالمعاصي، وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه العون على عدوِّكم".

الإحتفال بالمولد النبوي
إِن الذي يجري في أكثر الموالد لا يخلو من منكر وبدع ومخالفات، والاحتفال لم يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة والتابعون، ولا الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل القرون المفضلة، ولا دليل شرعي عليه:
1 - كثيرًا ما يقع أهل المولد في الشرك، وذلك حينما يقولون:
يا رسول الله غوثًا ومَدَد ... يا رسول الله عليك المعتمَد
يا رسول الله فرِّج كربَنا ... ما رآك الكربُ إِلا وشرَدَ
لو سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام لحكم عليه بالشرك الأكبر، لأن الغَوث والمعتمدَ والمفرِّجَ للكُروب هو الله وحده. قال الله - تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}؟ [النمل: 62]
ويأمر الله رسولَه - صلى الله عليه وسلم - يقول للناس: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} [الجن: 21]
(1/218)

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألتَ فاسأل الله واذا استعنتَ فاستعنِ بالله" [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
2 - أكثر الموالد فيها إِطراء ومبالغة، وزيادة في مدحه - صلى الله عليه وسلم -، وقد نَهَى عن ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُطروني كما أطرتِ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسوله" [رواه البخاري]
3 - يذكر مولد العروس وغيره أن الله خلق محمدًا مِن نوره، وخلَق من نوره الأشياء كلها، والقرآن يكذبهم قائلًا: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]
والمعروف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خُلِق من أبوين، وهو من البشر الذي يمتاز بالوحي من الله؛ ويقولون في المولد: إِن الله خلق العالَم من أجل محمّد، والقرآن يُكذِّبهم بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]
4 - إِن النصارى يحتفلون بعيد ميلاد المسيح، وميلاد أفراد أسرتهم، وعنهم أخذ المسلمون هذه البدعة، فاحتفلوا بمولد نبيهم ومولد أفراد أسرتهم، ورسُولُهم يحذرهُم قائلًا "مَنْ تشبَّه بقومِ فهو منهم". [صحيح رواه أبو داود]
5 - كثيرًا ما يختلط الرجال والنساء في حفلة المولد، وهو مما يحرمه الإسلام.
6 - إِن الذي يُصرف من الأموال في الزينة يوم المولد من الورق الملون والقناديل وغير ذلك يبلغ الملايين، وهي تلقى على الأرض دون فائدة سوى فائدة الكفار الذين يقبضون ثمن الزينة المستوردة من بلادهم، وقد نَهَى الرسول عن إِضاعة المال.
7 - إِن الوقت الذي يُضيعه الناس في نصب الزينة يعرضهم لترك الصلاة أحيانًا كما رأيت ذلك.
8 - جَرَت العادة أن يَقُوم الناس وقوفًا في آخر المولد، لاعتقاد بعضهم حضور الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو كذب واضح، لأن الله -تعالى- يقول: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى
(1/219)

يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100].
(برزخ: حاجز ما بين الدنيا والآخرة)
وقال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "ما كان شخصٌ أحبُّ إليهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا إذا رأوه (الصحابة) لم يقوموا له لما يَعلمون من كراهيته لذلك". [صحيح رواه أحمد والترمذي]
9 - يقول بعضهم: نحن نقرأ في المولد سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والواقع أنهم يأتون بأشياء تخالف كلامه وسيرته، والمحب هو الذي يقرأ سيرته كل يوم لا كل سنة، هذا مع أن شهر ربيع الأول الذي ولد فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد مات فيه فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.
10 - كثيرًا ما يسهر أهل المولد إِلى نصف الليل، فيُضيِّعون صلاة الصُّبح مع الجماعة على الأقل، أو تفوتهم الصلاة.
11 - لا عبرة بما يفعله الكثير من الناس في الإحتفال بالمولد، لأن الله -تعالى- يقول: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]
ويقوك حذيفة: كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس أنها حسنة.
12 - وقال الحسن البصري: إِن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الترف في إِترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سُنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك فكونوا.
13 - إِن أول من أحدث المولد الملك المظفر في بلاد الشام في مطلع القرن السابع للهجرة، وأول من أحدثه في مصر الفاطميون وهم كما قال ابن كثير: (كفار فساق). انظر بحث المشاهد والمزارات من هذا الكتاب ص 198.
(1/220)

كيف نُحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؟
1 - قال الله - تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والدِه، وولدِه، والناس أجمعين". [رواه البخاري]
3 - تفيد هذه الآية أن محبة الله، تكون باتباع ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطاعته فيما أمر به، وترك ما نَهَى عنه مما جاء في أحاديثه الصحيحة التي بينها للناس، ولا تكون المحبة بالتشدق بالكلام وعدم العمل بهديه وأوامره وسنته.
4 - ويفيدنا هذا الحديث الصحيح أن إِيمان المسلم لا يكتمل حتى يحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - محبة تزيد على محبة الولد والوالد والناس كلهم وحتى تزيد على محبة المسلم لنفسه، كما ورد ذلك في حديث آخر، ويظهر أثر المحبة عندما تتعارض أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونواهيه مع شهوات النفس، ورغبة الزوجة والأولاد والناس الذين حوله، فإِن كان مُحبًا صادقًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدَّم أوامره، وخالف نفسه وأهله وشهواته، ومَن حوله، وإن كان كاذبًا عصى الله ورسوله، ووافق شيطانه وهواه.
5 - إذا سألت مسلمًا، هل تحب رسولك؟ فيقول لك نعم فداه روحي ومالي، فإِذا سألته لماذا تحلق لحيتك وتخالف أمره في كذا .. وكذا .. ولا تتشبه به في مظهره وأخلاقه وتوحيده؟ أجابك بقوله:
المحبة في القلب وقلبي طيب والحمد لله!! نقول له: لو كان قلبك طيبًا لظهر على جسدك، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسدَ الجسدُ كله، إلا وهي القلب". [رواه البخاري ومسلم]
6 - دخلت عيادة طبيب مسلم فرأيت صور الرجال والنساء معلقات على الجدار، فذكرته بنهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن تعليق الصور، فرفض قائلًا هؤلاء زملائي وزميلاتي في
(1/221)

الجامعة! عِلمًا بأن الأكثرية منهم كفار، ولا سيما النساء الَّلاتي يُظهرن شعورهن وزينتهن في الصورة، وهم من بلاد الشيوعية، وكان هذا الطبيب يحلق لحيته، فنصحته فأخذته العزة بالإِثم، وقال: سيموت وهو حالق لحيته، والعجيب أن هذا الطبيب المخالف لتعاليم الرسول يدعي حبه الكاذب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقول لي: قل يا رسول الله أنا في حماك! قلت في نفسي أنت تعصي أمره، ثم تدخل في حماه، وهل يرضى الرسول بذلك الشرك؟ فنحن والرسول في حمى الله وحده.
7 - إِن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تكون في الاحتفالات ونصب الزينة، وِإنشاد الأناشيد التي لا تخلو من منكر، وغير ذلك من البدع التي لا أصل لها في الدين بل تكون المحبة باتباع هديه، والتمسك بسنته، وتطبيق تعاليمه، وما أحسن قول الشاعر:
لوكان حُبك صادقًا لأطعته ... إِن المحب لمن يُحب مطيع

فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال الله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]
(قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله -تعالى- ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء).
وقال ابن عباس: (يّصَلون: يُبرِّكون): (أي يباركون)
والمقصود من هذه الآية، كما ذكر ابن كثير في تفسيره:
(إِن الله -سبحانه وتعالى - أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه وحبيبه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يّثني عليه عند الملائكة، وإن الملائكة تُصلّي عليه، ثم أمر تعالى أهل العَالَم السُّفلي بالصلاة عليه، ليجتمع الثّناء عليه من أهل العالَميْن).
(1/222)

1 - في هذه الآية يأمرنا الله أن ندعو للرسول - صلى الله عليه وسلم - ونصلي عليه، لا أن ندعوه من دون الله، أو نقرأ له الفاتحة، كما يفعل بعض الناس.
2 - أفضل صيغة للصلاة على رسول الله هي ما علَّمها لأصحابه حين قال لهم: "قولوا اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد، وعلى ال محمد، كما صلَّيت على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيمَ إنك حميد مجيد" [رواه البخاري ومسلم]
3 - هذه الصلاة وغيرها من الصلوات الواردة في كتب الحديث وكتب الفقه المعتمدة لم تذكر فيها كلمة "سيدنا" التي يزيدها الكثير من الناس، عِلمًا بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيدنا، ولكن التقيد بكلام الرسول واجب، والعبادة مبنية على النقل لا على العقل.
4 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صَلَّوا عَليَّ، فإنه مَنْ صلَّى على صلاة صلى الله عليه بها عَشرًا، كم سَلوا الله ليَ الوسيلةَ، فإنها مَنزلةٌ في الجنَّة، لا تنبغي إِلا لعبدٍ من عبادِ الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل ليَ الوسيلَة حلَّت له الشفاعة" [رواه مسلم]
ودعاء الوسيلة الوارد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد الأذان وبعد الصلاة على النبي (الصلاة الإِبراهيمية) سِرًا هو: "اللَّهُمَّ ربِّ هذه الدعوة التامة، والصلاةِ القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته". [رواه البخاري]
5 - والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلوبة عند الدعاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل دعاء محجوب حتى يُصلّى على النبي - صلى الله عليه وسلم -: [حسن رواه البيهقي]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن لله ملائكة سيَّاحين في الأرض، يُبلِّغوني عن أُمتي السلام" [صحيح رواه أحمد]
والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلوبة ولا سيما يوم الجمعة، وهي من أفضل القُرُبات،
(1/223)

والتوسل بها مشروع عند الدعاء لأنها من العمل الصالح، فنقول: اللهم بصلاتي على نبيك فرّج عني كربتي .. وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.

الصلوات المبتدعة
نسمع كثيرًا من صيغ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مبتدعة، لم ترِد في كلام الرسول وصحابته، والتابعين والأئمة المجتهد مِن، بل هي من وضع بعض المشايخ المتأخرين، وقد راجت هذه الصيغ بين العوام وأهل العلم، فأخذوا يقرؤونها أكثر مما يقرؤون الصلوات الواردة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وربما تركوا الوارد الصحيح، ونشروا الصلوات المنسوبة لمشايخهم، ولو أمعنا النظر في هذه الصلوات لرأينا فيها مخالفة لهدى الرسول الذي نصلي عليه ومن هذه الصلوات المبتدعة وقولهم:
1 - (اللهم صَل على محمد طِبِّ القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائِها، ونور الأبصار وضِيائها، وعلى آله وسلم).
إِن الشافي والمعافي للأبدان والقلوب والعيون هو الله وحده، والرسول لا يملك النفع لنفسه ولا لغيره، فهذه الصيغة تخالف قول الله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188]
وتخالف قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُطرُوني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسوله" [رواه البخاري]
ومعنى الإِطراء: هو مجاوزة الحد أو الزيادة في المدح.
2 - رأيت كتابًا في فضل الصلوات، لشيخ لبناني صوفي كبير فيه هذه الصيغة: (اللهم صَل على محمد حتى تجعلَ منه الأحدِيَّة القيُّومِيَّة) فالأحدية والقيومية من صفات الله الواردة في القرآن قد جعلها هذا الشيخ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
3 - ورأيت في كتاب (أدعية الصباح والمساء) لشيخ سوري كبير قوله: (اللهم صَلِّ على محمد الذي خَلقتَ من نوره كل شيء) والشيء يشمل آدم وإيليس، والقردة
(1/224)

والخنازير. والذباب، والبعوض وغيرها
فهل يقول عاقل بأنهم خُلِقوا من نُور محمد؟!
لقد عرف الشيطان خَلقَه وخَلق آدم حين قال في القرآن: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص: 76]
فهذه الآية تكذب كلام الشيخ وتبطله.
4 - ومن هذه الصيغة المبتدعة قولهم:
"الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، ضاقت حيلتي فأدرِكني يا حبيب الله". الجزء الأوّل من هذه الصلاة مقبول، ولكن الخطر والشرك في الجزء الثاني، من قوله " أدركني يا حبيب الله" وهذا مخالف لقول الله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}؟ [النمل: 62]
وقوله: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ} [الأنعام: 17]
وكان الرسول إِذا أصابه هَمٌّ أو غمٌّ قال: "يا حيُّ يا قيُّوم برحمتك أستغيث".
[حسن رواه الترمذي]
فكيف يجوز لنا أن نقول له أدركنا ونجنا؟!! وهذه الصيغة مخالفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألتَ فاسأل الله، واذا استعنت فاستعِن بالله، [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
5 - صلاة الفاتح: وصيغتها: "اللهم صَل على محمد الفاتح لما أُغلِق .... " وقائلها يزعم أن من يقرؤها أفضل له من قراءة القرآن بستة آلاف مرة ونقل ذلك من الشيخ أحمد التيجاني رئيس الطريقة التيجانية.
إنها لسفاهة أن يعتقد العاقل فضلًا عن المسلم أن قراءة هذه الصيغة المبتدعة، أفضل من قراءة كلام الله مرة واحدة، فضلًا عن ستة آلاف مرة، وهذا ما لا يقوله مسلم! وأما وصف الرسول بالفاتح لما أُغلِق على إِطلاقه دون تقييده بمشيئة الله فهو خطأ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يفتح مكة إِلا بمشيئة الله، ولم يستطع فتح قلب عمه للإيمان بالله،
(1/225)

بل مات على الشرك، والقرآن يخاطب الرسول قائلًا: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]
وقال: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1]
6 - يقول صاحب دلائل الخيرات في الحزب السابع.
"اللهم صَلّ على محمد ما سجَعتِ الحمائم، ونفعت التمائم"
والتميمة هي الخرزة والخيط ونحوها التي تُعلَّق على الأولاد وغيرهم للحماية من العين، ولا ينفع مُعَلِّقها ولا من عُلِّقت له، بل هي أعمال المشركين.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ علَّق تميمة فقد أشرك". [صحيح رواه أحمد]
فهذه الصيغة تخالف الحديث، وتجعل الشرك والتميمة قربة إِلى الله.
7 - جاء في كتاب دلائل الخيرات هذه الصيغة:
(اللهم صَلّ على محمد، حتى لا يبقى مِن الصلاة شَيء، وارحم محمدًا حتى لا يبقى مِن الرحمة شيء).
هذه الصيغة جعلت الصلاة والرّحمة، وهي صفات أفعال الله تنتهي وتنفذ، والله
يردّ عليهم قائلًا: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]
8 - الصلاة البشيشية: يقول ابن بشيش فيها:
(اللهم انشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في بحر الوحدة، وزُجَّ بي في الأحدية حتى لا أرى ولا أسمع ولا أُحس إِلا بها).
هذا مذهب القائلين بوحدة الخالق والمخلوق، وأن التوحيد فيه أوحال وأوساخ يدعو أن ينشله منها، ويغرقه في بحر وحدة الوجود ليرى إلهه في كل شيء، حتى قال زعيمهم:
وما الكلب والخنزير إِلا إِلهنا ... وما الله إِلا راهبٌ في كنيسة
فالنصارى أشركوا حينما قالوا عيسى ابن الله، وهؤلاء جعلوا المخلوقات كلها
(1/226)

شركاء لله!! تعالى الله عما يقول المشركون.
احذر يا أخي المسلم هذه الصيغ البدعية، التي توقعك في الشرك، وتقيد بما ورد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، الذي لا ينطق عن الهوى، ولا تخالف هديه: قال - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ". [رواه مسلم]

الصلاة النارية
الصلاة النارية معروفة عند كثير من الناس وأن من قرأها 4444 مرة بنية تفريج
كرب، أو قضاء حاجة تُقضى له، وهذا زعم باطل لا دليل عليه، ولا سيما إِذا عرفت نصها ورأيت الشرك ظاهرًا فيها وهذه صيغتها:
(اللهم صَلِّ صلاة كاملة، وسلم سلامًا تامًا على سيدنا محمد، الذي تنحلُّ به
العُقَد، وتنفرج به الكرب، وتُقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب، وحسن الخواتيم ويُستسقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه عدد كل معلوم لك).
1 - إِن عقيدة التوحيد التي دعا إِليها القرآن الكريم وعلَّمنا إِياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تُحتم على كل مسلم أن يعتقد أن الله وحده هو الذي يحل العقد ويُفرَج الكرب، ويقضي الحوائج ويعطي ما يطلبه الإِنسان حين يدعوه، ولا يجوز لمسلم أن يدعو غير الله لتفريج همه أو شفاء مرضه، ولو كان المدعو مَلكًا مُرسَلًا، أو نبيًا مُقَرّبًا، وهذا القرآن ينكر دعاء غير الله، من المرسلين والأولياء فيقول: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56، 57]
قال المفسرون، نزلت في جماعة كانوا يدعون المسيح، أو الملائكة، أو الصالحين من الجن.
(1/227)

2 - كيف يرضى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يُقال عنه يحل العُقَد، ويُفرِّج الكرب، والقرآن يأمره ويقول له: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]
وجاء رجل إِلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله نِدًّا؟ قل ما شاء الله وحده، (النِدُّ: المثيل والشريك). [رواه النسائي بسند حسن]
علمًا بأن في آخر الصيغة تحديد لعدد معلومات الله، وهذا خطأ كبير.
3 - ولو حذفنا كلمة (به) ووضعنا بدلًا عنها كلمة (بها) لكان معنى الصيغة صحيح، وتكون كالآتي:
(اللهم صل صلاة كاملة، وسلم سلامًا تامًا على محمد، التي تُحَلُّ بها العقد)
(أي بالصلاة) لأن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عبادة يُتوسل بها لتفريج الهم والكرب.
4 - لماذا نقرأ هذه الصلوات البدعية من كلام المخلوق، ونترك الصلاة الإِبراهيمية وهي من كلام المعصوم - صلى الله عليه وسلم -؟.

القرآن للأحياء لا للأموات
قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]
لقد تسابق الصحابة للعمل بأوامر القرآن وترك نواهيه، فأصبحوا سعداء الدنيا
والآخرة، وحين ترك المسلمون تعاليم القرآن، واتخذوه للموتى يقرؤونه على القبور، أيّام التعزية أصابهم الذل والتفرق وحق عليهم قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]
لقد أنزل الله القرآن للأحياء ليعملوا به في حياتهم، فالقرآن ليس للموتى، وقد
انقطع عملهم، فلم يستطيعوا قراءته والعمل به، ولا يصل ثواب قراءته لهم إِلا مِنَ الولد
(1/228)

لأنه من سعي أبيه، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إِلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [رواه مسلم]
ذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39]
فقال: (أى كما لا يُحمَل عليه وِزرُ غيره كذلك لا يحصل من الأجر إِلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الإمام الشافعي -رحمه الله - أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها للموتى، لأنه ليس مِن عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إِليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُمته، ولا حثُّهم عليه، ولا أرشدهم إِليه بنص ولا إِيماء، ولم يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان خيرًا لسبقونا إِليه، وباب القُريِات يُقتصرَ فيه على النصوص، ولا يُتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء؛ فأما الدعاء والصدقة فذلك مجمع
على وصولها ومنصوص من الشارع عليهما).
1 - لقد راجت فكرة قراءة القرآن للموتى، حتى أصبحت قراءته علامة على الموت، فما تكاد تسمع القرآن من الإِذاعات بشكل مستمر، حتى تعلم أن رئيسًا قد مات، وإذا سمعته من بيت فتعلم أن فيه عزاءً ومأتمًا، وقد سَمِعَت أمٌّ من أحد الزائرين يقرأ القرآن على ولدها المريض فصاحت: إن ابني لم يمت حتى تقرأ عليه القرآن!! ..
وسمعت امرأة سورة الفاتحة من الإِذاعة فقالت: أنا لا أحبها لأنها تذكرني بأخي الميت وقد قُرئت عليه! (لأن الإِنسان يكره الموت وما يلوذ به).
2 - إِن الميت الذى ترك الصلاة في حياته ماذا يستفيد من القرآن بعد موته، وهو يبشره بالويل والعذاب؟.
{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5]
(هذا إِذا أخرها عن وقتها ولم يتركها)
3 - أما حديث: "اقرؤوا على موتاكم يَس" فقد أعلَّه ابن القطان بالاضطراب والوقف والجهالة، وقال الدارقطني: هذا حديث مضطرب الإِسناد ومجهول المتن ولا يصح" انتهى
(1/229)

ولم يثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته أنهم قرؤوها على ميّتٍ، سواء كانت سورة يَس، أو الفاتحة، أو غيرها من القرآن، بل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لأصحابه عند فراغه من الدفن للميت: "استغفروا لأخيكم وسَلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل". [صحيح رواه أبو داود وغيره]
4 - يقول أحد الدعاة: ويحك يا مسلم تركت القرآن في حياتك ولم تعمل به، حتى إِذا اقتربت من الموت، قرؤوا عليك سورة "يس" لتموت بسهولة! فهل أنزل القرآن لتحيا، أم لتموت؟!.
5 - لم يُعلِّم صحابته أن يقرؤوا الفاتحة عند دخول المقبرة، بل علمهم أن يقولوا: "السّلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية، (مِن العذاب) [رواه مسلم وغيره]
فهذا الحديث يُعلمنا أن ندعو للأموات، لا أن ندعوهم ونستعين بهم.
6 - أنزل الله القرآن، لِيُقرَأ على مَنْ يمكنهم العمل من الأحياء، قال تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70]
أما الأموات فلا يسمعونه، ولا يمكنهم العمل به.
اللهم ارزقنا العمل بالقرآن الكريم، على طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

القيام الممنوع
قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أحبَّ أن يتمثَل الناسُ له قيامًا فليتَبوَّأ مقعده من النار". [صحيح رواه أحمد]
وقال أنس -رضي الله عنه-: "ما كان شخص أحبَّ إليهم مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لِما يعلَمون مِن كراهيته لذلك". [صحيح رواه الترمذي]
1 - يُفهم من هذين الحديثين أن المسلم الذي يُحب أن يَقوم له الناس عند دخوله
(1/230)

مجلسًا يتعرض لدخول النار، وأن الصحابة -رضي الله عنهم - يُحبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبًا شديدًا، ومع ذلك كانوا إِذا رأوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - داخلًا عليهم لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهية الرسول - صلى الله عليه وسلم - للقيام له.
2 - اعتاد الناس أن يقوموا لبعضهم، وخاصة إِذا دخل الشيخ لإعطاء الدرس، أو لزيارة مكان من الأمكنة، وكذا المدرس إِذا دخل على الطلاب فسرعان ما يقف الطلاب احترامًا له، والذي يمتنع عن القيام يُلام ويُوبخ على سوء أدبه، وعدم احترامه لأستاذه.
إِن سكوت الشيخ أو المعلم على القيام له، أو لوم الطالب المتخلف عن القيام يدلُّ على با الشيخ والمدرس القيام، ويُعرضان نفسيهما لدخول النار؛ ولو كانا لا يحبان القيام لهما، أو يكرهانه، لأعلم كلُّ منهما طلابه، وطلب منهم عدم القيام بعد ذلك، وشرح لهم الأحاديث الناهية عن القيام.
إن تكرار القيام للعالم أو الداخل يولد في نفس كل منهما حب القيام، بحيث إِذا لم يقم أحد له شعر بانزعاج، كان هؤلاء القائمين كانوا عونًا للشيطان في حب القيام للقادم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تكونوا عون الشيطان على أخيكم" [رواه البخاري]
3 - كثير من الناس يقولون: نحن نقوم للمدرس، أو الشيخ احترامًا لعلمه فنقول لهم: هل تَشُكُّون في علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأدب صحابته معه، ومع ذلك لم يقوموا له، والإِسلام لا يعتبر الاحترام بالقيام، بل يكون بالطاعة وامتثال الأمر، وإلقاء السلام والمصافحة، ولا عبرة بقول الشاعر شوقي:
قُم للمُلم وفِّه التبجيلا:
لمخالفته قول رسول الله المعصوم - صلى الله عليه وسلم - الذي كره القيام، وهدَّد من أحبه بدخول النار.
4 - كثيرًا ما نكون في مجلس، فيدخل الغني، فيقوم له الناس، ويدخل الفقير فلا يقوم له أحد، فيجد في نفسه حِقدًا على الغني والجالسين لهذه المعاملة، وتكون الشحناء بين المسلمين التي نَهَى الإسلام عنها وكان سببها القيام؛ وقد يكون هذا الفقير
(1/231)

الذى لا يقوم الناس له أفضل عند الله من ذلك الغني المُقامِ له، لقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]
5 - قد يقول قائل: إِذا لم نقم للرجل فربما وجد في نفسه شيئًا على الجالسين، فنقول له: نحن نشرح لهذا القادم أن محبته في قلوبنا، وأننا نقتدي برسول الله الذي يكره القيام له، وبصحابته الذين لم يقوموا له، ونحن نكره للقادم دخول النار.
6 - قد تسمع من بعض المشايخ يقولون إِن حسان شاعر الرسول يقول: (قيام العزيز عليَّ فرض) فهذا غير صحيح.
وما أحسن قول تلميذ ابن بطة الحنبلي:
وإذا صَحَّت الضمائر منا ... اكتفينا أن نُتعب الأجساما
لا تُكلّف أخاك أن يتلَقا ... ك بما يستحِلُّ فيك الحراما
كلناواثق بوُدِّ مُصافيه ... ففيم انزعاجنا وعلامَ؟

القيام المطلوب والمشروع
لقد وردت أحاديث صحيحة،. وأعمال من الصحابة تدل على جواز القيام إِلى
القادم، تعالوا معنا لنفهم هذه الأحاديث:
1 - كان - صلى الله عليه وسلم - يقوم إِلى ابنته فاطمة إِذا دخلت عليه، وتقوم إِليه إِذا دخل عليها، وهذا جائز ومطلوب، لأنه قيام إِلى الضيف لملاقاته وإكرامه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضَيفه". [متفق عليه]
والقيام يكون من صاحب البيت فقط.
2 - "قوموا إلى سَيِّدكم" [متفق عليه] وفي رواية "فأنزلوه" [حسن]
سبب ورود هذا الحديث أن سعدًا -رضي الله عنه- كان جريحًا، وطلبه الرسول
(1/232)

الله ليحكم في اليهود، فركب حمارًا، فلما وصل قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقاموا إِليه فأنزلوه، وهذا القيام مطلوب لمساعدة سعد سيد الأنصار -رضي الله عنه- وهو جريح على ظهر الحمار لئلا يقع، ولم يقم الرسول وبقية الصحابة.
3 - ورد أن الصحابي كعب بن مالك، حينما دخل المسجد، والصحابة جالسون، فقام إِليه طلحة وحده مُهرولًا ليبشره بقبول توبته بعد أن تخلف عن الجهاد، وهذا القيام لإدخال السرور على رجل حزين: وبشارته بالتوبة عليه من الله - تعالى.
4 - القيام إِلى القادم من سفر لمعانقته.
5 - نلاحظ أن هذه الأحاديث كلها جاءت بلفظ:
(إِلى سيدكم، إِلى طلحة، إِلى فاطمة) وهي تدل على جواز القيام بعكس
الأحاديث المانعة من القيام، فقد جاءت بلفظ: (له). والفرق كبير بين قام إِليه (أي أسرخ إلى مساعدته أو إِكرامه) وبين قام له: (أي قام واقفًا في مكانه للتعظيم).

الأحاديث الضعيفة والموضوعة
الأحاديث المنسوبة للرسول - صلى الله عليه وسلم - منها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، ولكل ذكر الإمام مسلم في مقدمة كتابه ما فيه تحذير من الضعيف: "باب النهي عن الحديث بكل ما سمع" مستدلًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع" [رواه مسلم] وذكر الإمام النووي في شرحه لمسلم:
"باب النّهي عن الرواية عن الضعفاء" مستدلًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سيكون في آخر الزمان ناسٌ مِن أُمتي يُحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا أباؤكم، فإياكم وإياهم" [رواه مسلم]
قال الإمام ابن حبان في صحيحه: "فصل ذكر إِيجاب دخول النار لمن نسب شيئًا إِلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهو غير عالم بصحته" ثم ساق بسنده قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ قال علَيَّ ما لم أقل، فلْيَتَبَوَّأ مقعدَه مِن النار" [حسن رواه أحمد]
(1/233)

وقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث الموضوعة فقال:
"مَنْ كذب علَيَّ متعمدًا، فليتَبوَّأ مقعده من النار". [متفق عليه]
ومن الأسف نسمع كثيرًا من المشايخ يُحدث بها تأييدًا لمذهبه ومعتقده. من هذه الأحاديث قوله: "اختلاف أُمتي رحمة" .. قال العلامة ابن حزم: ليس بحديث، بل هو باطل مكذوب، لأنه لو كان الاختلاف رحمة، لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم.
ومن الأحاديث المكذوبة (تعلموا السحر ولا تعملوا به) وقولهم (لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه) وغيرها من الأحاديث الموضوعة.
وأما الحدّ يث المنتشر الآتي: "جَنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم".
قال ابن حجر: ضعيف، وقال ابن الجوزي لا يصح، وقال عبد الحق لا أصل له.
لقد ثبت في الحديث الصحيح وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "علِّموا أولادَكم الصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليهَا وهم أبناء عشر". [صحيح رواه أحمد]
والتعليم يكون في المسجد كما علَّم الرسول أصحابَه الصلاة وهو على المنبر، والصبيان كانوا في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى غير المميزين:
1 - لا يكفي أن نقول في آخر الحديث: [رواه الترمذي أو غيره، لأنه يروي أحيانًا أحاديث غير صحيحة، فلا بد من ذكر درجة الحديث: [صحيح، حسن، ضعيف]
أما قولنا "رواه البخاري أو مسلم" فيكفي لأن أحاديثهما صحيحة.
2 - إن الحديث الضعيف لم تثبت نسبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - لوجود علة في سنده أو متنه، وِإن أحدنا لو نزل للسوق ورأى لحمًا سمينًا وضعيفًا فيأخذ السمين في الأضحية، ونترك الضعيف، وقد أمرنا الإسلام أن نأخذ الذبيحة السمينة في الأضحية، ونترك الضعيفة الهزيلة، فكيف يجوز الأخذ بالحديث الضعيف في الدين، ولا سيما عند وجود الحديث الصحيح؟ ونص علماء الحديث على أن الحديث الضعيف لا يقال فيه قال رسول الله التي هي للصحيح، بل يقال روي بصيغة المجهول للتفريق بينهما.
(1/234)

3 - يرى بعض العلماء المتأخرين جواز الأخذ بالحديث الضعيف بشروط:
1 - أن يكون في فضائل الأعمال.
2 - أن يندرج تحت أصل صحيح من السنة.
3 - أن لا يشتد ضعفه.
4 - أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته.
والناس اليوم لا يتقيدون بهذه الشروط إِلا ما ندر.

نماذج من الأحاديث الموضوعة
1 - إِن الله قبض قبضة من نوره فقال لها كوني محمدًا [موضوع]
2 - أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر [موضوع]
3 - توسلوا بجاهي [لا أصل له]
4 - مَنْ حج فلم يزرني فقد جفاني [قال بوضعه الحافظ الذهبي]
5 - الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. [قال الحافظ العراقي: لا أصل له]
6 - حب الوطن من الإِيمان. [موضوع كما قال الأصفهاني]
7 - عليكم بدين العجائز. [موضوع، لا أصل له]
9 - كنتُ كنزًا مخفيًا. [لا أصل له]
10 - لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسالك بحق محمد لما غفرت لي. [موضوع]
11 - الناس كلهم موتى إِلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إِلا العاملون، والعاملون غرقى إِلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم. [موضوع]
12 - أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. [موضوع انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم 58]
(1/235)

13 - إِذا صعد الخطيب المنبر فلا صلاة ولا كلام. [باطل انظر السلسلة الضعيفة 87]
14 - اطلبوا العلم ولو بالصين. [باطل أورده ابن الجوزي في الموضوعات]

كيف نزور القبور زيارة شرعية؟
قال - صلى الله عليه وسلم -: "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها لِتذكركم زيارتها خيرًا". [صحيح رواه أحمد]
1 - يُسَن السلام على الأموات والدعاء لهم عند الدخول، فقد عَلم الرسول أصحابه أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لَلاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية" (أي من العذاب) [رواه مسلم]
2 - عدم الجلوس على القبر، وعدم وطئه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُصلُّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها" [رواه مسلم]
3 - عدم الطواف حول القبر بنية التقرب. لقوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الكعبة) [الحج: 29]
4 - عدم قراءة شيء من القرآن في المقبرة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفِر من البيت الذي تُقرَأ فيه سورة البقرة" [رواه مسلم]
وهذا إِشارة إلى أن القبور ليست محلاً للقرآن، بعكس البيت، والأحاديث الواردة في القراءة على القبور غير صحيحة
5 - أما طلب المدد والعون من الميت، ولو كان نبيًا أو وليًا، فهو من الشرك الأكبر، لقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} (أي المشركين) [يونس: 106].
6 - عدم وضع أكاليل الزهور وحملها لوضعها على قبر الميت لأنه تشبه بالنصارى، وإضاعة للمال فيما لا فائدة فيه. ولو أعطي المبلغ للفقراء صدقة على الميت لاستفاد الميت والفقراء.
(1/236)

التقليد الأعمى
قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104].
1 - يخبرنا الله عن حال المشركين، حينما قال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -: تعالوا إِلى القرآن وتوحيد الله ودعائه وحده، فقالوا يكفينا عقيدة الآباء، فرد عليهم القرآن قائلًا: إِن آباءكم جهال لا يعلمون شيئًا، ولم يهتدوا إِلى طريق الحق.
2 - إِن كثيرًا من المسلمين وقعوا في هذا التقليد الأعمى، فقد سمعت أحد الدعاة يخطب في محاضرة قائلًا: هل كان آباؤكم يعلمون أن الله له يد؟ يحتج بآبائه على الإِنكار! مع أن القرآن أثبت ذلك في قوله -تعالى- عن خلق آدم: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]
ولا تشبه يدُ مخلوتاته يدَه. لقول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]
3 - وهناك نوع أخر من التقليد الضار، هو تقليد الكفار في الفجور والسفور واللباس الضيةه، وليتنا قلدناهم في الخترعات النافعة كصنع الطائرات وغيرها مما يفيدنا.
4 - كثير من الناس تقول له: قال الله، قال رسوله، فيقول قال الشيخ!! ألم يسمعوا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] (أى لا تقدموا قول أحد على قول الله ورسوله)
وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!!
وقال الشاعر ينكر على المحتجين بكلام شيوخهم:
أقول لك قال الله، قال رسوله ... فتجيب شيخي إِنه قد قال
(1/237)

لا ترُدُّوا الحق
1 - لقد أرسل الله الرسل للناس، وأمرهم بالدعوة إِلى عبادة الله وتوحيده، ولكن أكثر الأمم كذبوا الرسل، وردوا الحق الذي دُعوا إِليه، وهو التوحيد فكان عاقبتهم الدمار.
2 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرة من كِبر".
ثم قال: "الكِبرُ بطَرُ الحق، وغَمطُ الناس". [رواه مسلم]
(بَطر الحق: رَدُّ الحق. غمطُ الناس: احتقارهم)
فعلى هذا لا يجوز للمؤمن أن يَرُدَّ الحق والنصيحة، حتى لا يتشبه بالكفار، وحتى لا يقع في الكبر الذي يمنع صاحبه دخول الجنة، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها.
3 - ولهذا يجب قبول الحق من أى إِنسان كان، حتى من الشيطان، فقد ورد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وضع أبا هريرة حارسًا على بيت المال، فجاءه سارق ليسرق فقبض عليه أبو هريرة، فجعل السارق يرجوه ويشكو ضعفه، فتركه، ثم عاد مرة ثانية، وثالثة، فقبض عليه وقال له: لأرفعنك إِلى رسول الله، فقال: دعني، فإِني أعلمك آية من القرآن إِذا قرأتها لا يقربك شيطان قال: ما هي؟ قال آية الكرسي، فتركه، وقص أبو هريرة على الرسول ما رأى، فقال له الرسول: "أتدري مَن تكلم؟ إنه شيطان، صدقك وهو كذوب". [رواه البخاري]
(1/238)

عقيدة المسلم
إن كان تابعُ أحمد متوهِّبا ... فأنا المقِرُّ بأنني وهَّابي
أنفي الشريك عن الإِله فليسَ لي ... ربٌّ سوى المتفرّدِ الوهّاب
لا قبةٌ تُرجى ولا وثَنٌ ولا ... قبرٌ له سببٌ من الأسباب
كلا ولا حجرٌ، ولا شجرٌ ولا ... عينٌ (1)، ولا نُصُبٌ من الأنصاب
أيضًا ولست مُعلِّقًا لتميمةٍ (2) ... أو حلقةٍ، أو وَدعةٍ أو ناب
لِرجاء نفعٍ، أو لِدفع بليةٍ ... الله ينفعني، ويدفعُ ما بي
والابتداعُ وكلّ أَمرٍ مُحدثٍ ... في الدين ينكره أولوا الألباب
أرجو بأني لا أُقارِبه ولا ... أرضاه دينًا، وهو غير صواب
وأعوذ من جهميةٍ (3) عنها عتت ... بخلاف كل مُؤوِّلٍ مرتاب
والإستواء (4) فإِن حسبي قدوةً ... فيه مَقال السادة الأنجاب
الشافعي ومالكٍ وأبي حنيفةَ ... وابن حنبل التقَي الأوَّاب
وبعصرنَا من جاء معتقدًا به ... صاحوا عليه مُجسِّمٌ وهَّابي
جاء الحديث بغربة الإسلام فَلب ... يكِ المحبُّ لِغُربة الأحباب
فالله يحيمنا، ويَحفظ ديننا ... من شَرِّ كلّ مُعاندٍ سَبَّاب
ويُؤيِّد الدينَ الحنيف بعصبةٍ ... مُتمسكينَ بسنةٍ وكتاب
لا يأخذون برأيهم وقياسهم ... ولهم إِلى الوحيينِ خير مآب
قد أخبر المختار عنهم أنهم ... غُرباءُ بين الأهلِ والأصحاب
سلكوا طريق السالكين إِلى الهُدى ... ومشوا على مِنهاجهم بصواب
من أجل ذا أهلُ الغُلُوِّ تنافروا ... عنهم فقلنا ليس ذا بعجاب
نفرَ الذين دعاهم خيرُ الورى ... إِذ لَقبوه بساحرٍ كذاب
معَ علمهم بأمانةِ وديانةٍ ... فيه ومكرمة، وصدق جواب
صلّى عليه الله ما هبَّ الصبا ... وعلى جميع الآل والأصحاب
الشيخ مُلا عُمران
__________
(1) عين ماء يغتسلون بها للتبرك والشفاء
(2) التميمة: الخرزة ونحوها توضع للحماية من العين.
(3) الجهمية: فرقة ضالة تنكر أن الله في السَّماء، وتقول بأن الله في كل مكان.
(4) الإستواء: هو العلو والارتفاع.
(1/239)

(4)
العقيدة الإسلامية من الكتاب والسنة الصحيحة
(1/240)

موجز لمحتويات الكتاب (4)
العقيدة الإسلامية
* معنى لا إِله إِلا الله وشروطها
* الاهتمام بالعقيدة والتوحيد
* شروط المسلم، وشروط قبول العمل
* الولاء والبراء في الإِسلام
* أفكار خطيرة منتشرة
* فائدة الإشتغال بالدعوة والكتب
* التكافؤ الاجتماعي يقضي على المذاهب الهدامة
* الجهاد والولاء والحكم
* العمل بالقرآن والحديث
* الإِيمان بالقدر خيره وشره
* السنة والبدعة
* التعليم الشرعي والمخترعات المفيدة
* الدعوة إِلى الله وواجب العرب.
* لا تدعوا مع الله أحدًا.
(1/241)

معنى الإسلام والإيمان
س 1 - ما هو الإسلام؟
ج 1 - الإسلام هو الإستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة والابتعاد عن الشر، قال الله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]
وقال - صلى الله عليه وسلم - "الإسلام أن تشهد أن لا إله إِلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزَّكاة، وتصوم رمضان، وتَحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا". [رواه مسلم]
س 2 - ما هو الإيمان؟
ج 2 - الإِيمان: هو الاعتقاد بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح والأركان، قال الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان: أن تؤمن باللهِ، وملائكتِه وكتبه، ورسلِه، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر خيره وشره" [رواه مسلم]
وقال الحسن البصري: ليس الإِيمان بالتمني، ولا بالتحلِّي، ولكن هو ما وقر في القلب، وصدَّقه العمل.
س 3 - مَنْ ربُّك؟
ج 3 - ربي الله الذي خلقني ورَبَّاني وربَّى جميع الخلوقات بنعمته، وهو معبودي، ليس لي معبود سواه، قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]
(1/242)

س 4 - ما دِينك؟
ج 4 - ديني الإسلام، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة من عبادته وطاعته. قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}. [آل عمران: 19]
س 5 - مَنْ هو نبيك؟
ج 5 - نبيّي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، ولد في مكة وأُمه آمنة بنت وهب، وهو نبي ورسول إِلى الناس كافة، قال الله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]
وهو خاتم النبيين، وليس بعده نبي ولا رسول قال الله - تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]
أصبح نبيًا عندما نزل عليه قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]
وأصبح رسولًا عندما نزل عليه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1، 2]
نزل عليه الوحي وعمره أربعون سنة، وهاجر بعد ثلاثة عشر عامًا من بعثته إِلى
المدينة، وبقي فيها عشر سنين، ومات وعمره ثلاث وستون سنة في المدينة. وأول ما دعا إِليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - التوحيد، وهو قول: "لا إله إِلا الله، [أي لا معبود بحق إِلا الله"]، وأمره ربه أن يدعو الله وحده، ولا يُشرك به أحدًا في دعائه كما يفعل المشركون في زمانه، فقال له ربه: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 20]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
فالواجب على المسلمين أن يدعوا الله وحده، ولا يدعوا غيره، ولو كان نبيًا أو
وليًا، لأن الله وحده هو القادر، وغيره من الأموات عاجزون عن دفع الضر عنهم. قال الله - تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20، 21]
(1/243)

س 6 - ما هي عقيدتك البعث؟ وما حكم إنكاره؟
ج 6 - عقيدتي في البعث: الإِيمان به واجب، وأنه جزء لا يتجزأ من الإِيمان بالله، وأن الذي خلق الخلق من العدم قادر على اِعادة الخلق مرة أخرى. وحكم إِنكاره: كفر ومخلَّد صاحبه في النار، والدليل قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78، 79]
س 7 - ما هي علامات حسن الخاتمة للميت؟
ج 7 - علامات. حسن الخاتمة كثيرة، فأيما مسلم مات بإِحداها كانت بشارة له، ويا لها مِن بشارة:
(1) النطق بالشهادتين عند الموت. [لوجود حديث شاهد]
(2) الموت ليلة الجمعة، أو نهارها. [لوجود حديث شاهد]
(3) الموت برشح الجبين (بعَرقه). [لوجود حديث شاهد]
(4) الاستشهاد بساحة القتال. [لوجود حديث شاهد]
(5) الموت غازيًا في سبيل الله، ويشتمل من قتل ومات في سبيل الله، ومن مات في الطّاعون، وأمراض البطن كالاستسقاء، وانتفاخ البطن، أو الإسهال، وكل من يشتكي من بطنه. [لوجود حديث يدل على ذلك]
(6) من مات بالغرق أو الحرق. [لوجود حديث شاهد]
(7) موت المرأة في النفاس. [لوجود حديث يدل عليه]
(9) الموت بداء السلِّ. [لوجود حديث يدل عليه]
(10) الموت في سبيل الدفاع عن دينه أو نفسه أو ماله.
(11) الموت مرابطًا في سبيل الله (والرباط: هو الحراسة).
(12) الموت على عمل صالح: كالشهادتين، والصوم، والصدقة.
[انظر هذا البحث بأدلته في كتاب أحكام الجنائز للمحدث الألباني ص 34]
(1/244)

حقُّ الله على العباد
س 1 - لماذا خلقنا الله؟
ج 1 - خلقنا الله لنعبده ولا نُشركَ به شيئًا. والدليل قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "حق الله على العباد أن يَعبدوه، ولا يُشركوا به شيئًا" [متفق عليه]
س 2 - ما هي العبادة؟
ج 2 - العبادة: اسمُ جامعٌ لما يُحبه الله من الأقوال، والأفعال: كالدعاء والصلاة والخشوع وغيرها. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
(نُسكي: ذبحي للحيوانات قُربة لله) [الأنعام: 162].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: قال الله تعالى: "وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه" [حديث قدسي رواه البخاري]
س 3 - ما هِيَ أنواع العبادة؟
ج 3 - أنواع العبادة كثيرة منها: الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والذبح والنذر والركوع والسجود والطواف والحلف والحكم، وغير ذلك من أنواع العبادات المشروعة.
س 4 - كيف نعبد الله؟
ج 4 - كما أمرنا الله ورسوله، مع الاتباع قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ عمل عمَلًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ" (أي غير مقبول) [رواه مسلم]
(1/245)

س 5 - هل نعبدُ الله خوفًا وطمعًا؟
ج 5 - نعم نعبدهُ كذلك، قال الله - تعالى- آمرًا عباده: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أسألُ الله الجنَّة، وأعوذُ به مِنَ النار". [رواه أبو داود بسند صحيح]
س 6 - ما هو الإحسان في الدِّين؟
ج 6 - الإِحسان هو مراقبة الله -تعالى- وحده الذي يرانا. قال الله - تعالى:
{الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 218، 219]
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"الإحسان أنْ تَعبُدَ الله كأَنَّك تراهُ، فإنْ لم تَكنْ تراهُ فإنه يراكَ" [رواه مسلم]
س 7 - ما هو أعظم حَقٍّ بعد حَقِّ اللهِ ورسولِه؟
ج 7 - حَق الوالدين، قال الله - تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]
وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله مَنْ أَحَقْ الناسِ بحُسن صحابتي؟ قال: "أُمك" قال: ثم مَن؟ قال: "أُمك" قال: ثم مَن؟ قال: "أُمك" قال: ثم مَن؟ قال: "أبوك". [متفق عليه]

أنواع التوحيد وفوائده
س 1 - لماذا أرسل الله الرسل؟
ج 1 - أرسلهم للدعوة إِلى عبادته، ونَفي الشرك به قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]
(الطاغوت الذي يعبدهُ الناس، ويَدعونه مِن دون الله، وهو راض بذلك).
(1/246)

وقال - صلى الله عليه وسلم -: " .. والأنبياء إخوة .. ودينهم واحد"
(أي كل الرسل دَعَوا إِلى توحيد الله). [الحديث متفق عيه]
س 2 - ما هو توحيد الرب؟
ج 2 - هو إِفراده بأفعاله كالخلق والتدبير وغيرهما .. قال الله - تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]
قال - صلى الله عليه وسلم -: " .. أنتَ ربُّ السموات والأرض .. " [متفق عليه]
س 3 - ما هو توحيد الإله؟
ج 3 - هو إِفراده بالعبادة كالدعاء والذبح والنذر والحكم والصلاة والرجاء والخوف والاستعانة والتوكل وغيرها. قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "فَلْيَكُن أولُ ما تدعوهم إليه، شهادةَ أن لا إله إِلا الله". [متفق عليه]
وفي رواية البخاري: "إلى أن يُوَحِّدوا الله".
س 4 - ما هي الغاية من توحيد الرب والإله؟
ج 4 - الغاية من توحيد الرب والإله أن يعرف الناس عظمة ربهم ومعبودهم فيفردوه في عبادتهم، ويطيعوه في سلوكهم، ويستقر الإِيمان في قلوبهم، ويتحول إلى عمل في واقع الأرض، فيقيموا دولة الإسلام.
س 5 - ما هو توحيد صفات اللهِ وأسمائه؟
ج 5 - هو إِثبات ما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه رسوله في أحاديثه
الصحيحة على الحقيقة، بلا تأويل، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تكييف، كالاستواء والنزول واليد وغيرها، مما يليق بكمال الله. قال الله - تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ينزلُ الله في كُلِّ ليلة إلى السماء الدنيا". [رواه مسلم] (ينزل نزولًا يليق بجلاله، ولا يُشبهه أحد من مخلوقاته).
(1/247)

س 6 - أين الله؟
ج 6 - الله فوق العرش على السَّماء. قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. [طه: 5]
(أي علا وارتفع [كما جاء في البخاري عن التابعين]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتبَ كتابًا .. فهو عندَه فوق العرش" [متفق عليه]
ومن أنكر أن الله فوق العرش فقد كذّب الله، وتكذيب الله كفر.
س 7 - هَل الله معنا؟
ج 7 - الله معنا بعلمه يسمع ويرى: لقول الله - تعالى: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]
وقال - صلى الله عليه وسلم - "إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم، (أي بعلمه). [رواه مسلم]
س 8 - ما هي فائدة التوحيد؟
ج 8 - فائدة التوحيد هي الأمن في الآخرَة من العذاب المؤبد، والهداية في الدنيا، وتكفير الذنوب، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "حَقُّ العباد على الله أن لا يُعذِّبَ مَنْ لا يُشركُ به شيئًا" [متفق عليه]

معنى "لا إله إِلا الله" وشروطها
س 1 - ما هي شروط "لا إله إِلا الله" ومعناها؟
ج 1 - اعلم يا أخي المسلم -هدانا الله وِإياك- أن "لا إِله إِلا الله" مفتاح الجنة، ولكن ما من مفتاح إِلا وله أسنان، فإِن جئتَ بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.
وأسنان هذا المفتاح هي شروط "لا إِله إِلا الله" الآتية:
(1/248)

(1) العلم بمعناها: وهو نفي المعبود بحق عن غير الله، وإثباته لله وحده.
قال الله - تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمد: 19]
(أي لا معبود في السموات والأرض بحق إِلا الله).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مات وهو يعلم أنه لا إله إِلا الله دخل الجنة" [رواه مسلم]
(2) اليقين المنافي للشك: وذلك أن يكون القلب مستيقنًا بها بلا شك.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ...}
(لم يرتابوا: أي لم يَشُكُّوا). [الحجرات: 15]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: أشهد ان لا إله إِلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍّ فيُحجَب عن الجنة" [رواه مسلم]
(3) القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه. قال الله -تعالى- حكاية عن المشركين: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35]
(أي يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون) [ذكره ابن كثير]
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إِلا الله، فمن قال لا إله إِلا الله فقد عصم مني مالَه ونفسه إِلا بحق الإسلام وحسابه على الله -عَزَّ وَجَلَّ-" [متفق عليه]
(4) الإنقياد والإستسلام لما دلت عليه. قال الله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 54]
(أي ارجعوا إلى ربكم واستسلموا له) [ذكره ابن كثير]
(5) الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقًا من قلبه.
قال الله تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
(1/249)

الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أحَد يشهد أن لا إله إِلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إِلا حرَّمه الله على النار" [متفق عليه]
(6) الإِخلاص: وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال
الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إِلا الله خالصًا من قلبه، أو نفسه" [رواه البخاري ج 1/ 193]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حرَّم على النار من قال: لا إله إِلا الله يبتغي بذلك وجهَ الله -عَزَّ وَجَلَّ-". {رواه مسلم ج 1/ 456]
(7) - المحبة لهذه الكلمة الطيبة، ولما اقتضَت ودلَّت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين بشروطها، وبغض ما ناقض ذلك. قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} (أَنْدَادًا: شُركاء). [البقرة: 165]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يُحب المرء لا يحُبه إِلا الله، وأن يكرَه أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار" [متفق عليه] (بتصرف من كتاب الولاء والبراء للدكتور محمد سعيد القحطاني)
8 - أن يكفر بالطواغيت وهي المعبودات من دون الله، ويؤمن بالله ربًا ومعبودًا بحق. قال الله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ قال لا إله إِلا الله، وكفر بما يُعبد مِن دون الله حَرُم ماله ودمه" [رواه مسلم]
(1/250)

الإهتمام بالعقيدة والتوحيد
س 1 - لماذا نهتم بالتوحيد أكثر من غيره؟
ج 1 - نهتم بالتوحيد لأسباب كثيرة منها:
(1) التوحيد: (ضد الشرك) هو الركن الأساسي الذي يُبنى عليه الإسلام، ويتمثل في الشهادتين: "لا إِله إِلا الله، محمد رسول الله".
(2) التوحيد المذكور هو الذي يدخل به الكافر الإِسلام فلا يُقتل.
(3) التوحيد: دعوة جميع المرسلين إِلى أممهم قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}. [النحل 36]
(4) التوحيد هو الذي خلق الله العالَم لأَجله قال الله - تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}. [الذاريات: 56] (ليعبدون: ليوحدوني ويفردوني في العبادة)
(5) التوحيد: يشمل توحيد الرب والإِله والحكم والأسماء والصفات وجميع
أنواع العبادات.
(6) التوحيد: في الأسماء والصفات مُهم جدًا، فقد التقيتُ بشاب مسلم
يقول: "إن الله في كل مكان" فقلت له إِن أردتَ به ذاته فهذا خطأ كبير، لأن الله تعالى - يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. [طه: 5]
(أي علا وارتفع كما جاء في البخاري) وإني أردت أن الله معنا بسمعه وبصره
وعلمه فهذا صحيح، فرضي بهذا الشرح.
(7) التوحيد: هو الذي تتوقف عليه سعادة الإِنسان وشقاؤه في الدارين.
(8) التوحيد: هو الذي أخرج العرب من الشرك والظلم والجهل والتفرق إِلى
العدل والعزة والعلم والوحدة والمساواة والتوحيد.
(9) التوحيد: هو الذي فتح به المسلمون البلاد وأنقذوا العباد من عبادة الطغاة إِلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان المحرَّفة إِلى عدل الإِسلام المحفوظ.
(1/251)

(10) التوحيد: هو الذي يدفع بالمسلم إِلى الجهاد والتضحية والفداء.
(11) التوحيد: هو الذي يُوحد العرب والعجم ويجعلهم أمة واحدة، ولذلك
لمَا وصلت دعوة التوحيد التي قام بها المجدد محمد بن عبد الوهاب إِلى بلاد الهند عن طريق الحجاج خاف الإنجليز منها، لأنها توحد المسلمين جميعاً في أقطار العالم فتخرجهم من البلاد التي سيطروا عليها، لذا راح الإِنجليز مع أتباعهم يقاومون دعوة التوحيد، ويطلقون عليها (الدعوة الوهابية) لِيُبعدوا الناس عنها، كما ذكر ذلك الشيخ علي الطنطاوي في كتابه: (الشهيد أحمد عرفان) و (محمد بن عبد الوهاب).
(12) التوحيد: هو الذي يُقرر مصير المجاهد، فإِن كان من الموحّدين فله الجنة، وإن كان من المشركين فيكون من أهل النار.
(13) التوحيد: هو الذي قامت المعارك من أجله، واستُشهد المسلمون في
سبيله، ثم انتصروا بسببه، ولا يزال المسلمون يحاربون من أجله، ولا عِزَّ لهم ولا نصر إِلا بتحقيقه. فكما أنه استطاع في الماضي أن يوحدهم ويُقيم لهم دولة كبيرة، فهو الآن قادر -بإِذن الله- أن يُعيد لهم مجدهم وعزهم ودولتهم إِذا عادوا إِليه. قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. [محمد: 7].
س 2 - ما هو لزوم الدين والعقيدة للإنسان؟
ج 2 - الإِنسان محدود بطبيعته، ومحدود بوظيفته لرب العالمين، وظيفة العبادة في الأرض لتحقيق جميع معاني العبادة لله، وهو بفطرته لا يرضى أن يبقى كذرة ضائعة تائهة، فلذلك لا بد من عقيدة ربانية تُفسر له ما حوله، وتُحدد له مكانه، وتضبط وظيفته، وترسم له الطريق المستقيم الموصل للسعادة الدنيوية والأخروية. وهذه العقيدة هي النور الصافي بما يتفرع عنها من أحكام وتشريع لتضبط سلوك الإِنسان، وتوصله إِلى الأمن والاستقرار، فيها الهدى والنور، والفوز والنجاح. قال الله - تعالى:
(1/252)

{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}. [البقرة: 138]
(من كتاب الأجوبة المفيدة بتصرف)
س 3 - ما هو واجب الدعاة والجماعات الإسلامية؟
ج 3 - الواجب على الدعاة والجماعات الإسلامية أن يسيروا على منهاج الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يبدؤوا بما بدأ به جميع الرسل -عليهم السلام- وعلى رأسهم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد بدأ دعوته بالتوحيد الذي يتمثل في شهادة لا إِله إِلا الله، ومعناها: لا معبود حق إِلا الله، وبقي ثلاثة عشر عامًا في مكة يدعو إِليها، حتى استقر في نفوس أصحابه أن العبادة، ومنها الدعاء لا يطلب إِلا من الله، لأنه وحده القادر، وغيره عاجز، وأن التشريع والحكم لا يجوز إِلا لله، لأنه الخالق وهو أعلم
بمصالح عباده، ثم بعد أن هاجر إِلى المدينة كوَّن الدولة الإِسلامية ودعا إِلى الجهاد والقتال لتكون كلمة الله العليا.

شروط المسلم
س 1 - ما هي شروط المسلم؟
ج 1 - إِن الرجل لا يكون مسلمًا حقًّا إِلا بالشروط الآتية:
(1) أن يعرف توحيد الله في العبادة، ويعمل بموجبه.
(2) تصديق الرسول فيما جاء به، وطاعته فيما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.
(3) معاداة المشركين والكافرين: فكم من مسلم لا يقع منه الشرك، ولكنه لا
يعادي أهله، فلا يكون مسلمًا حقًا بذلك، إِذ ترك مبدأ جميع المرسلين، فإِبراهيم يقول لقومه: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}. [الممتحنة: 4]
فقوله وبدا (أي ظهر وبان) وتأمَّل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإِن المسلم قد يبغض المشركين ولا يعاديهم، فلا يكون آتيًا بالواجب
(1/253)

عليه، حتى تحصل منه العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين، وأما إِذا وجدت الموالاة والمواصلة فإِن ذلك يدل على عدم البغضاء.
(4) القيام بواجب النصيحة: فمن قال لا أتعرَّض للمسلمين ولو فعلوا الشرك
والكفر والمعاصي، لا يكون مسلمًا حقًا بل يجب. عليه أن ينصحهم ويبين لهم خطر الشرك والكفر والمعاصي وغيرها من الأعمال المنكرة، بأسلوب لَيِّن، عملاً بقوله - تعالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. [النحل: 125]

شروط قبول العمل
س 1 - ما هي شروط قبول العمل؟
ج 1 - شروط قبول العمل عند الله أربعة:
(1) الإِيمان بالله وتوحيده، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا}. [الكهف: 107]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "قل آمنت بالله، ثم استقِمْ" [رواه مسلم]
(2) الإِخلاص: وهو العمل لله من غير رِياء ولا سُمعة. قال الله تعالى:
{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}. [الزمر: 2]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن قال لا إله إلا الله مُخلِصًا دخل الجنة" [صحيح رواه البزار وغيره] (الرياء والسمعة: أن تعمل عملاً ليسمع بك الناس)
(3) الموافقة لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. [الحشر: 7]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن عمِل عمَلًا ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ". [رواه مسلم]
(4) أن لا ينقض صاحب العمل إِيمانه بكفر أو شرك، بأن يصرف شيئًا من
العبادة لغير الله كدعاء الأنبياء والأولياء والأموات والاستعانة بهم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:
(1/254)

"الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
قال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. [يونس: 106] (الظالمين: أي المشركين)
وقال الله - تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [الزمر: 65]
س 2 - ما هو معنى النية؟
ج 2 - النية: هي القصد، محلها القلب، ولا يجوز التلفظ بها لأن الرسول
والصحابة لم يتلفظوا. قال الله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. [الملك: 13]
وقال - صلى الله عليه وسلم - "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". [متفق عليه]
ومعناه: إِنما صحة الأعمال أو قبول الأعمال أو كمال الأعمال بالنيات
(انظر شرح الحديث في الأربعين النووية).
س 3 - ما معنى قول الناس: الدين في القلب؟
ج 3 - هذه الكلمة يقولها بعض الذين يريدون التهرب من التكاليف الشرعية؛ والدين يشمل العقائد والعبادات والمعاملات ....
(1) إن العقائد تكون بالقلب كأركان الإيمان التي أخبر عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدَر خيره وشره". [رواه مسلم]
(2) إِن العبادات تكون بالجوارح مع نية القلب، كأركان الإِسلام التي أخبر عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"بُني الإسلام على خمس: على أن يُعبد الله، ويُكفرَ بما دونه، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان". [رواه مسلم]
(1/255)

ولابد من تطبيق هذه الأركان اعتقادًا بالقلب وعملًا بالجوارح.
(3) كثيرًا ما نذكَّر المسلم بالصلاة وإعفاء اللحية مثلًا فيقول متهربًا: الدين في القلب!!
نحن نحكم على المسلم بأعماله الظاهرة، والقلوب لا يعلم ما فيها إلا الله، ولو كان قلب هذا الرجل صالحًا لظهر على بدنه الصلاة والزكاة وغيرها من الفروض، ولظهرت اللحية في وجهه، وقد أشار الرسول الكريم إِلى ذلك بقوله: "ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"
وقال الحسن البصرى: ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكنه شيء وقر في القلب، وصدقه العمل
وقال الشافعي: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.
وقال السلف: الإيمان هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان.
[انظر فتح الباري ج1/ 46]
وقال البخاري: باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال [ج 1/ 11]
س 4 - ما هي شروط قبول التوبة؟
ج 4 - شروط قبول التوبة هي:
1 - الإِخلاص: أن تكون توبة المذنب خالصة لله، لا لشيء آخر.
2 - الندم: أن يندم المذنب على ما فعل من الذنوب.
3 - الإِقلاع: أن يترك المذنب المعصية التي فعلها.
4 - عدم العودة: أن يعزم المسلم على ألا يعود إِلى ذنبه.
5 - الاستغفار: أن يستغفر الله من الذنب الذي فعله في حق الله.
6 - أداء الحقوق: أن يؤدى حقوق الناس أو يسامحوه.
7 - وقت القبول: أن تكون توبة المذنب في حياته وقبل حضور موته.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يقبل توبة عبده ما لم يُغرغِر". [حسن رواه الترمذي]
(1/256)

الولاء والبراء في الإسلام
س 1 - ما هو الولاء والبراء؟
ج 1 - الولاء: هو حب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم.
والبراء:- هو بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين من
الكافرين والمشركين والمبتدعين الذين يطلبون من غير الله الشفاء والرزق والهداية. إِن كل مؤمن موحِّد مُلتزم للأوامر والنواهي الشرعية تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل مَن كان خلاف ذلك وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان والقلب بحسب القدرة والإِمكان، ولا سيما الذين يستعينون بغير الله. كلٌّ يُبغَض حسب معصيته.
(1) قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]
(2) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" [حسَّنه الألباني بمجموع طرقه]
(3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان" [صحيح رواه أَبو داود وغيره]
(4) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يَغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله تعالى، قالوا: يا رسول الله تُخبرنا مَن هم؟ قال: "هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لَنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" وقرأ هذه الآية: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]
(تحابوا بروح الله: أي بالقرآن). [رواه أبو داود وحسنه محقق جامع الأصول]
(1/257)

(5) وجاء عن السلف: "مَن أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله،
وعادى في الله، فإنما تُنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثُرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يُجدي على أهله شيئًا".
(6) احرص على حُبِّ المؤمنين المستعينين بالله، ولو نابزهم الناس بالألقاب
المنفرة، وابتَعِد عن كل مَن يدعو غير الله، ويُنكر علُو الله على عرشه، فهو من
المبتدعين.

أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
س 1 - مَن هم أولياء الرحمن؟
ج 1 - أولياء الرحمن هم المؤمنون المتقون المتمسكون بالكتاب والسنة. قال الله - تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما وَلِيِّيَ اللهُ، وصالحُ المؤمنين" [متفق عليه]
س 2 - مَن هم أولياء الشيطان؟
ج 2 - هم المخالفون للرحمن، لا يلتزمون بالكتاب والسنة أصحاب البدع والأهواء، يدعون غير الله، وينكرون عُلُوَّ الله على عرشه، يضربون أنفسهم بالحديد، ويأكلون النار، وغيرهما من أعمال المجوس والشيطان، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}. (يَعشُ: يُعرِض) [الزخرف: 36،37]
س 3 - هل بين الحق والباطل طريقًا وسطًا يطلبه الناس؟
ج 3 - ليس هناك طريقٌ وسطٌ بين الحق والباطل يختاره الناس، لأن الله -تعالى-
(1/258)

حصر الضلال والباطل فيما سوى الحق، فليس فيما سواه طريقٌ صالحٌ، ولا أنصاف حلول أبدًا. قال الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلَالُ}. [يونس:32]

الشرك الأكبر وأنواعه
س 1 - ماهو الشرك الأكبر؟
ج 1 - الشرك الأكبر هو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله كالدعاء والذبح وغير ذلك، والدليل قول الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. (أي المشركين) [يونس:106]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور". [رواه مسلم]
س 2 - ما هو أعظم الذنوب عند الله؟
ج 2 - أعظم الذنوب عند الله الشرك الأكبر، والدليل قول الله - تعالى: {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. [لقمان: 12]
ولما سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نِدًا وهو خلقَك". [متفق عليه] (الند: المثيل والشريك)
س 3 - هل الشرك موجود في هذه الأمة؟
ج 3 - نعم موجود، والدليل قول الله - تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}. [يوسف: 106]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقومُ الساعةُ حتى تَلحق قبائلُ مِن أُمتي بالمشركين وحتى تعبدَ الأوثان". [صحيح رواه الترمذي]
س 4 - ما حكم دعاء غير الله كالأولياء؟
ج 4 - دعاؤهم من الشرك الأكبر الذي يدخل النار. قال الله - تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ
(1/259)

لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}. [فاطر: 41]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وهو يدعو مِن دونِ الله نِدًّا دخل النار" (النِّد: الشريك) [رواه البخاري]
س 5 - هل الدعاء عبادة؟
ج 5 - نعم الدعاء عبادة. قال الله - تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}. [غافر: 60] (عبادتي: دعائي. داخرين: صاغرين)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
س 6 - هل يسمع الأموات الدعاء؟
ج 6 - لا يسمعون. قال الله - تعالى:
(1) {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}. [فاطر:22]
(2) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36] (يعني بذلك الكفار، لأنهم موتى القلوب، فشبههم الله بأموات الأجساد). [ذكره ابن كثير]
(3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن لِلهِ ملائكة سَياحين في الأرض يُبلِّغوني عن أمتي السلام" [صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع]
فإِذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع السلام عليه إِلا بتبليغ الملائكة له، فغيره من باب أولى لا يسمع.
(4) وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - على قليب بدر (مكان قتلى المشركين) فقال: "هل وجدتم وعد ربكم حقًا؟ " ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقول" فذُكِر لعائشة فقالت: "إنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إِنهم الآن ليَعلَمون، أن ما
(1/260)

كنتُ أقول لهم هو الحق" ثم قرأت: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى}. [النمل:80]
وقال قتادة راوي حديث أبي طلحة الذي في معناه: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا، ونقمة وحسرة وندامة". [رواه البخاري في كتاب المغازي باب 8]

يستفاد من الحديث
(1) إِن سماع قتلى المشركين مؤقَّت بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنهم الآن يسمعون" ومفهومه بعد الآن لا يسمعون، لأنه كما قال قتادة راوي الحديث: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندامة.
(2) إِنكار عائشة لرواية ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل "يسمعون" بل قال: "إنهم الآن ليَعلمون" مستدلة بالآية: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى}. [النمل:8]
(3) ويمكن التوفيق بين رواية ابن عمر وعائشة بما يلي:
إِن الأصل هو عدم سماع الموتى، كما صرح به القرآن، ولكن الله أحيا قتلى
المشركين معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى سمعوا كما صرح بذلك قتادة راوي الحديث والله أعلم.
* * *

إقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفهم الصحابة
إِن في حديث القليب دلالة على أن الموتى لا يسمعون وذلك يتضح من مبادرة الصحابة، وفي مقدمتهم عُمر إِلى قولهم: ما تُكلِّم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فهو يدل على رسوخ هذه الفكرة عندهم، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لسؤالهم هو تأكيد لها أيضًا، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - نبههم للخصوصية لأهل القليب.
ويزيد الأمر وضوحًا ما رواه أحمد بلفظ؛ "فسمع عمر صوته" فقال: يا رسول
الله: أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ
(1/261)

الْمَوْتَى}، فقال: "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمَع لمِا أقول منهم ولكنهم لا
يستطيعون أن يُجيبوا". [قال الألباني: سنده صحيح على شرط مسلم]
ووجه الدلالة منه استشهاد عمر بالآية، ولو كان معناها غير ما فهمه وتكلم به
لأنكره النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن أن الآية لا تنفي مطلقًا سماع الموتى، فلمَّا لم ينكره، دل ذلك على صحة استدلال عمر بها والله أعلم.

أنواع الشرك الأكبر
س 1 - هل نستغيث بالأموات أو الغائبين؟
ج 1 - لا نستغيث بهم، بل نستغيث بالله. قال الله - تعالى:
(1) {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}. [النحل: 20]
(2) {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}. [الأنفال: 9]
(3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يا حَيُّ يا قيُّوم، برحمتكِ أستغيث". [حسن رواه الترمذي]
س 2 - هل نستغيث بالأحياء؟
ج 2 - نعم فيما يقدرون عليه من مساعدات ممكنة. قال الله تعالى- عن موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15]
س3 - هل تجوز الاستعانة بغير الله؟
ج 3 - لا تجوز في أمور لا يقدر عليها إِلا الله، والدليل قول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. [الفاتحة: 5]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
(1/262)

س 4 - هل نستعين بالأحياء؟
ج 4 - نعم فيما يقدرون عليه من قرض أو نصرة. قال الله - تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "والله في عونِ العبدِ، ما كان العبدُ في عونِ أخيه". [رواه مسلم]
أما طلب الشفاء والرزق والهداية وأمثالها فلا تطلب إِلا من الله، لأن الأحياء
عاجزون عنها فضلًا عن الأموات.
قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 78 - 80]
س 5 - هل يجوز النذر لغير الله؟
ج 5 - لا يجوز النذر إِلا لله، لقول الله -تعالى- حكاية عن امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران: 35]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن نَذرَ أن يُطيعَ الله فليُطِعهُ، ومَن نذرَ أن يعصِيهُ، فلا يَعصِهِ" [رواه البخاري]
س 6 - هل يجوز الذبحُ لغير الله؟
ج 6 - لا يجوز، والدليل قول الله - تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}.
(انحر: اذبح لله). [الكوثر: 2]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لعنَ الله مَن ذبح لِغير الله" [رواه مسلم]
ولا يجوز الذبح عند القبور والمشاهد ولو كان باسم الله، لأنه من عمل المشركين.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن تشبَّه بقوم فهو منهم" [صحيح رواه أبو داود]
س 7 - هل نطوف بالقبور للتقرب بها إلى الله؟
ج 7 - لا نطوف إِلا بالكعبة لأن الله أمرنا به. قال الله - تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن طاف بالبيتِ سبعًا وصَلَّى ركعتين، كان كعتق رقبة" [صحيح رواه ابن ماجه]
(1/263)

س 8 - ما حكم السِّحْر؟
ج 8 - السحر من الكبائر، وقد يكون من الكفر. قال الله تعالى. {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}. [البقرة: 102]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اجتنبوا السبعَ الموبقات: الشركُ بالله، والسحر .. " (الموبقات: المهلكات). [الحديث رواه مسلم]
وقد يكون الساحر مشركًا أو كافرًا أو مفسدًا يجب قتله قصاصًا أو حَدًّا أو تعزيرًا حسب نشاطه في الفتك أو الشعوذة أو الفتنة عن الدين، أو تسهيل الفساد لطالبه، أو تغطية الجرائم، أو التفريق بين المرء وزوجه، أو عمل ما يفتك بالحياة، أو يزيل العقل إلى غير ذلك من سوء نتائجه.
س 9 - هل نُصدِّق العرَّاف والكاهِنَ في علِم الغيب؟
ج 9 - لا نُصدِّقُهما، لقول الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} [النمل: 65]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى عَرَّافًا، أو كاهنًا، فصدَّقه بما يقولُ فقد كفرَ بما أنزلَ على محمد" [صحيح رواه أحمد]
س 10. هل يَعلمُ الغيب أحد؟
ج 10 - لا يعلَمُ الغيبَ أحدٌ إِلا الله. قال الله - تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ} [الأنعام: 59]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يعلمُ الغيب إلا الله". [حسن رواه الطبراني]
س 11 - ما حكم العمل بالقوانين المخالفة للإسلام؟
ج 11 - العمل بالقوانين الخالفة للإِسلام كفر مخرج من الإِسلام إِذا أجازها، أو اعتقد صلاحيتها، أو اعتقد عدم صلاحية الإسلام.
قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]
(1/264)

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "وما لم تحكم أئِمتُهم بكتاب الله، ويتخيَّروا مما أنزل الله، إلا جعلَ الله بأسَهم بينهم". [حسن رواه ابن ماجه وغيره]
س 12 - ما هو الإلحاد؟ وما حكم الملحد؟
ج 12 - الإِلحاد: هو الميل عن الحق والانحراف عنه بشتى الاعتقادات والتأويل، فالمنحرف عن صراط الله والمعاكس لحكمه بالتأويل الفاسد، وِإبداء التشكيك يُسمَّى مُلحدًا، ويدخل فيه من ينكر وجود الرب، أو من يعدل بربه غيره فيتألَّهُه بالعبادة والدعاء والحب والتعظيم، أو قبول مبادئه وتشريعاته المخالفة لشرع الله. ومَن أخضع نصوص التنزيل من الآيات والأحاديث للعقل والهوى بالتأويل فقد ألحد في الأسماء والصفات والآيات والأحاديث. قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180]
(قال قتادة: يُلحدون: يُشركون في أسمائه).
(وعن ابن عباس: الإِلحاد: التكذيب). وقال الله - تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}. [فصلت: 40]
(قال ابن عباس: الإِلحاد: وضع الكلام على غير موضعه.
وقال قتادة وغيره: هو الكفر والعناد) [انظر ابن كثير ج 4/ 102]
وكذلك من زعم أن الشرع لا يفيد اليقين الموجب للعمل حتى يستسيغه عقله
الفاسد، فإِنه يُلحد لجعله العقل نِدًا للدين الإِسلامي.
وحكم الملحد يختلف حسب إِلحاده:
1 - فالملحد الذي ينكر وجود الرب أو ينكر شيئًا من أسمائه وصفاته الثابتة هو كافر.
2 - والملحد الذي يدعو غير الله، ويستعين بالأموات واقع في الشرك المحبط للعمل.
(1/265)

3 - والملحد الذي يُؤوِّل الأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة هو في ضلال مبين.
اللهم إِنا نعوذ بك من الإلحاد بجميع أنواعه. [نقلاً من كتاب (الأجوبة المفيدة) للدوسري بتصرف]
س 13 - من خلق الله؟
ج 13 - إِذا وسوس الشيطان لأحدكم بهذا السؤال فليستعذ بالله.
قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. [فصلت:36]
وعلَّمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن نَرُدَّ كيد الشيطان ونقول:
"آمنت بالله ورُسله، الله أحد، الله الصمدُ لم يَلِد، ولم يُولَد، ولم يكُن له كفُوًا أحد. كم ليَتفُل عن يساره ثلاثًا، وليَستَعِذ من الشيطان، وليَنتهِ، فإن ذلك يذهب عنه" [هذه خلاصة الأحاديث الصحيحة الواردة في البخاري ومسلم، وأحمد وأبي داود]
يجب القول: بأن الله خالق وليس بمخلوق، ولتقريب ذلك من الأذهان نقول
مثلًا:
إن العدد اثنان قبله واحد، والواحد لا شيء قبله؛ فالله واحد لا شيء قبله.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم أنت الأولُ فلا شيء قبلك" [رواه مسلم]
س 14 - ما هي عقيدة المشركين قبل الإسلام؟
ج 14 - كانوا يدعون الأولياء للتقرب وطلب الشفاعة.
(1) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]
(2) {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18]
وبعض المسلمين يفعلون ذلك متشبهين بالمشركين.
(1/266)

س 15 - ما هو الخوف؟ وما هي أنواعه؟
ج 15 - الخوف: جبن في القلب، وهو نوعان: اعتقادي، وطبيعي.
(1) الخوف الاعتقادي: هو الخوف من الأموات، وهو من الشرك الأكبر، ومن عمل الشيطان. قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]
(أي يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذَوُو بأس، وذوو شِدة، فإِذا سوِّل لكم
وأوهمكم فتوكلوا عليِّ، والجؤوا إِليَّ فإِني كافيكم وناصركم عليهم) [ذكره ابن كثير]
والخوف من الأموات من عمل المشركين واعتقادهم، قال الله - تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: 36]
(يعني المشركين يخوفون الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويتوعدون بأصنامهم وآلهتهم الأموات التي يدعونها من دون الله جهلًا منهم وضلالًا). [ذكره ابن كثير]
وكما قال قوم هود لنبيهم هود -عليه السلام-: {إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}. [هود: 54]
يقولون ما نظن إِلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبَل في عقلك بسبب
نهيك عن عبادتها وعيبك لها فأجابهم هود: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ}. [هود: 54، 55] [ذكره ابن كثير]
أقول: وهذا دليل على أن الخوف من الأموات شرك، وقد وقع فيه بعض المسلمين فخافوا من الأموات، مع أنهم عاجزون عن دفع الضر عنهم، فضلًا عن إِنزال الضر بغيرهم، فالميت إِذا أصابه حريق لا يستطيع الهرب فيحترق.
(2) الخوف الطبيعي: وهو خوف الإِنسان من الظالم أو الوحش وغيرهما فهذا ليس بشرك، قال الله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}. [طه:67]
(1/267)

{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ}. [الشعراء: 14]
س 16 - ما حكم دفن الميت في المسجد؟
ج 16 - المسجد بيت الله يحرم الدفن فيه. قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. [الجن: 18]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" [متفق عليه]
س 17 - هل تجوز الصلاة في القبور؟
ج 17 - لا تجوز لقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}. [البقرة: 144]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُصَلّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها". [رواه مسلم]

نفي الشرك بالله
س 1 - كيف تنفي الشرك بالله؟
ج 1 - لا يتم نفي الشرك بالله إِلا بنفي ما يلي:
(1) الشرك في أفعال الرب، كالاعتقاد بأن هناك أقطابًا يُدبِّرون الكون، مع أن الله يسأل المشركين: {وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ}. [يونس: 31]
(2) الشرك في العبادهَ: كدعاء الأنبياء والأولياء لقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا}. [الجن: 20]
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
(3) الشرك في صفات الله: كالاعتقاد بأن الرسل والأولياء يعلمون الغيب. قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} [النمل: 65]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يعلم الغيبَ إلا الله". [حسن رواه الطبراني]
(4) الشرك في التشبيه: كأن يقول: لا بُدَّ لي من واسطة بَشر حين أدعو الله،
كالأمير الذي لا أستطيع الدخول عليه اِلا بواسطة، فهذا شبَّه الخالق بالمخلوق، وهو من
(1/268)

الشرك لقوله - تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]
س 2 - هل شرك الجاهلية موجود الآن أم لا؟
ج 2 - الشرك الذي كان في عهد الجاهلية موجود الآن:
(1) لقد كان المشركون السابقون يعتقدون أن الله هو الخالق والرازق، ولكنهم
يدعون الأولياء الممثَّلين في الأصنام واسطة تُقرِّبهم إِلى الله، فلم يَرضَ الله منهم هذه الواسطة، بل كفَّرهم وقال لهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}. [الزمر:3]
والله -تعالى- سميع قريب لا يحتاج إِلى واسطة مخلوق، قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]
وترى كثيرًا من المسلمين اليوم يدعون الأولياء الممثّلين في القبور تقربًا بهم إِلى الله، والأصنام تُمثل أولياء أمواتًا في نظر المشركين، والقبور تُمثِّل أولياء أمواتًا في نظر المسلمين أيضًا علمًا بأن الفتنة في القبر أشد من الصنم!
(2) إِن المشركين السابقين كانوا يدعون الله وحده عند الشدائد ويُشركون به
وقت الرخاء، قال الله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]
فكيف يجوز لمسلم أن يدعو غير الله وقت الشدائد أو الرخاء؟
(1/269)

أضرار الشرك الأكبر
س 1 - ما هو ضرر الشرك الأكبر؟
ج 1 - الشرك الأكبر يسبب الخلود في النار. قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار" [رواه مسلم]
س 2 - هل ينفعُ العمل مع الشرك؟
ج 2 - لا ينفع العمل مع الشرك، لقول الله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام: 88]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: قال الله - تعالى: "إنا أغنى الشركاء عن الشرك مَن عَمِلَ عمَلًا أشركَ معي فيه غيري تركتُه وشِركَهُ". [حديث قدسي رواه مسلم]

أفكار خطيرة منتشرة
س 1 - هل الحكم للشعب والمال للشعب؟
ج 1 - هذه كلمات مخترعة ومخترعوها كاذبون في زعمهم لا يطبقون ذلك على أنفسهم فيتنازلوا للشعب ولا عن رأي واحد من آرائهم، بل هي نغمة تغرير لإِلهاء الشعوب التي تحب التنفس من حكمها الأول لتنخدع بالحكم الثاني الذي هو أشقى وأضل سبيلًا، والحق أن الشعوب البشرية يجب أن تكون مصمونة الكرامة نائلة للعدل والحرية الصحيحة لا تساق كالأنعام، ولكن لا يجوز إِطلاق هذه الكلمات على عواتقها، فالحكم لله الذي يجب أن يكون توجيه الشعب على نور وحيه، وحكمه وفق شريعته، لا أن يقول "الحكم للشعب" مَن يوجه الشعوب نحو رغباته هو من أصحاب المذاهب المادية والمبادئ الوثنية المخالفة لما أنزل الله ويفرض سلطته عليها قهرًا
(1/270)

تحت شعارات دجلية ماكرة، وكذلك "مال الله" يجب صرفه في المصالح العامة، وحفظ ثغور المسلمين، والدفاع عن جميع قضاياهم في مشارق الأرض ومغاربها فوق كل شيء، والقيام بالدعوة إِلى الله والإستعداد بكل قوة لقمع المفتري، أو المعتدي على بعض المسلمين وسد حاجة ذوي الحاجات، ويُقدم في صَرفه ما تدعو الحاجة الضرورية إِليه من ذلك، هكذا يُعمل بمال الله لا يجوز أن ينتهبه ذو الأنانية ولا أن يُصرف في البذخ والميوعة والتبذير فضلًا عن الفسق والفجور والمسارح والبلاجات الخليعة، ولا يجوز قطعًا أن يُقال "مال الشعب"، لأنه إِذا سُلِّم هذا كان لهم أن يفعلوا ذلك وأن يبددوا قسمًا كبيرًا منه على حفظ سلطانهم والتجسُّس وشراء الضمائر وغير ذلك من الأمور الضارة. [نقلاً من كتاب (الأجوبة المفيدة) للدوسري]
س 2 - ما هي الأسُس التي تقوم عليها الشيوعية؟
ج 2 - الأسس التي تقوم عليها الشيوعية كثيرة منها:
(1) إِنكار الإِله وإنكار الأديان والرسل والرسالات شعارهم:
"لا إِله والحياة مادة".
(2) هدم القيم والأخلاق والفضائل.
(3) إِيجاد الأحقاد والضغائن بين الأغنياء والفقراء.
(4) إِلغاء الملكية الفردية إِلا على رؤسائهم وهي من غريزة الإِنسان.

س3 - ما هي وسائل الشيوعية لهدم الإسلام؟
ج 3 - الوسائل كثيرة منها:
(1) أن يكون الداعية للشيوعية على علم بالدين الإِسلامي والشبَه المثارة حوله وبعادات وتقاليد المجتمع الذي يدعو فيه.
(2) استخدام النساء في الدعوة إِلى هذا المذهب الهدام في أوساط النساء
المسلمات، لأن الإسلام يمنع اختلاط الرجال الأجانب بالنساء.
(3) استخدام كبار السن في الدعوة لمذهبهم إِما لاحترام هؤلاء الكبار في تلك
(1/271)

المجتمعات، أو لمكانتهم في نفوس الناس.
(4) استخدام الأطباء في الدعوة إِلى الشيوعية باستخدام عجز المريض وضعفه وحاجته إِلى الدواء.
(5) غزو الشعوب من الأعلى عن طريق الاستيلاء على الحكم ومن ثم نشر
الشيوعية بين أفراد الشعب.
س 4 - هل دول الكفر متحدة في عدائها للإسلام؟
ج 4 - من المعلوم أن دول الكفر وإن اختلفت في نظرتها للإِسلام، فهي متفقة على عدائها له، وذلك مختلف باختلاف أساليب العداوة، فالشيوعية تجاهر بعدائها للإِسلام من اضطهاد المسلمين وتدمير للإِسلام، والصليبية تتستر خلف المذاهب الهدامة للإِسلام،- وتقوم بحركة التنصير بين المسلمين ليبدلوا دينهم، ولا ننسى اليهودية التي تقف وراء الجميع وخلف كل مذهب هدام ومُدمر للاخلاق والقيم كالماسونية والصهيونية العالمية والبابية.
س 5 - ما هو التنصير؟ وما أخطاره؟ وكيف نكافحه؟
ج 5 - التنصير مذهب من المذاهب الهدامة التي تسعى في حرب الإِسلام والقضاء عليه ومن مبادئهم التشكيك في الإِسلام وترغيب المسلمين في النصرانية وادعائهم أن عيسى ابن الله، وبث سمومهم في جميع المجالات واستغلال الشعوب الفقيرة والمريضة.
وطرق مكافحته: الاعتصمام بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولزوم جماعة المسلمين والإطلاع على تعاليم الإِسلام ومعرفة أن دين النصارى محرف، ومساعدة الأغنياء بأموالهم للفقراء.

س 6 - هل في الإسلام طرق صوفية وأحزاب؟
ج 6 - ليس في الإِسلام طرق صوفية أو أحزاب. قال الله تعالى:
(1/272)

(1) {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]
(2) {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]
(3) {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32]
(4) عن ابن مسعود قال: "خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُبُل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله - تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. (السبل: الطرق) [سورة الأنعام: 153] [رواه أحمد والنسائي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي]
(5) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ضرب الله - تعالى: مثلًا صِراطًا مستقيمًا، وعلى جنبَي الصِراطِ سُوران فيهما أبوابٌ مُفتحة، وعلى الأبواب سُتور مُرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعًا ولا تفرَّقوا، وداع يدعو مِن فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا مِن تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تَلِجه. فالصراط: الإسلام، والسُّوران: حدود الله - تعالى، والأبواب المفتحة: محارم
الله -تعالى- وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي مِن فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم".
(سُوران: السور هو البناء المرتفع). [رواه أحمد والحاكم بسند صحيح]
س 7 - هل الدين لله والوطن للجميع؟
ج 7 - هذه خطة شركية ابتدعها أهل (أوروبا) للهروب من حكم الكنيسة الظالم المحارب للعلم؛ ثم أرادوا بها إِبعاد أهل الإِسلام عن دينهم، فكأنهم قالوا: (الدين لله يُطرح ظهريًا، ليس له حق في شؤوننا الوطنية من سياسة وعلم واقتصاد وغيره) فالمستعمرون قصدوا بهذه الكلمة المزوَّقة البدعية إِفكًا وتضليلًا ليبعدوا حكم الله ويفصلوه عن جميع القضايا والشؤون بحجة الوطن الذي جعلوه نِدًّا لله، وفصلوا
(1/273)

بسببه الدين عن الدولة، وقد أمرنا القرآن بعدم طاعتهم في مثل هذا قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [سورة آل عمران: 149]
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}. [آل عمران: 100]
إن هذه الدعوة فتحت الأبواب للدعاية النصرانية وبثِّ الإِلحاد على حساب
المسلمين وفي عُقر بيوتهم، وأخَّرت دعوة الإسلام وأوقفت زحفه إِرضاءً لأقليَّة نصرانية انتحلوا هذه النحلة فإِذا ما رفضها المسلم قالوا: "فتنة طائفية"!!! [نقلاً عن كتاب (الأجوبة المفيدة) بتصرف]

س 8 - هل الدين يُسبب الطائفية والشقاق؟
ج 8 - الدين الإِسلامي الصحيح مصدر الوحدة الصحيحة، وتحقيقه يُسبب العِز والتمكين والتضامن والتراحم والبذل والإِيثار، وحماية غير المسلمين. وأي طائفية في دين يقول لأهله: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. [آل عمران:84]
س 9 - هل يقال: إن إرادة الشعب من إرادة الله؟
ج 9 - إِن هذا الافتراء الذي تجرأ به على الله بعض فلاسفة المذاهب لم يجرؤ عليه أَبو جهل، ومن على شاكلته مع خبثه وعناده، فغاية ما قص الله عنهم التعلق بالمشيئة: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ}. [النحل:33]
فكذبهم الله؛ وهؤلاء جعلوا للشعب الموهوم (إِرادة الأمر) فعلى قولهم الفاسد
يكون للشعب أن يفعل ما شاء، ويتصرف في حياته تصرف من ليس مُقيَّدا بشريعة وكتاب، بل على وفق ما يهواه وعلى أساس المادة والشهوة والقوة!
(1/274)

إِن هذا القول هو تأليه للشعب يجعله نِدًّا من دون الله وأهواءه أندادًا لشريعته
وحكمه بدلًا من أن يكون محتكمًا إِلى الله ملتزمًا لحدوده متكيفًا بشريعته مُنفِّذًا لها. [نقلاً من كتاب (الأجوبة المفيدة) للدوسري بتصرف]
س 10 - ما مقالة من يقول: "الدين أفيون الشعوب".
ج 10 - هذه مقالة اليهودي (كارل ماركس) الذي نبش الشيوعية المزدكية
اليهودية بعدما قبرها الإِسلام، فاخترع هذه المقالة يزعم أن الدين مُخدِّر ومُبَلِّد للشعوب، وهذا قد يصدق على الأديان الباطلة المزعومة مِن لاهوتية وثنية لتقيد أهلها بالخرافات؛ أما الدين الصحيح الحنيف ملَّة إِبراهيم الذي أمر الله بإِقامته، دين يلهب القلوب والمشاعر، محرك لجميع الأحاسيس والقوى، دافع بها إِلى الأمام لا يقبل من أهله الذل والاستكانة والخضوع للظلم، بل يوجب عليهم الجهاد بشتى صوره وأشكاله لإِعلاء كلمة الله وقمع المفتري عليه والبراءة ممن جانب وتنكر لحكم شريعته. [المصدر السابق]

س 11 - ما حكم الإشتراكية في الإسلام؟
ج 11 - قبل الحكم على الإشتراكية يجب أن ينظر المسلم إِلى مراجعها لدى التطبيق، ولا يغتر بتسميتها عربية، بل ينظر: هل لهم مراجع في تطبيقها غير ما كتبه طغاتها اليهود (ماركس ولينين) وأتباعهما ممن اجتهدوا في تفسير أقوالهما؟ أم لهم مرجع وحيد يستقي من كتاب الله وسنة رسوله حتى يتقبلها المسلم؟
فإِذا كان الأمر على الأول (ماركس ولينين) فلا يجوز لمسلم بتاتًا قبولها، بل
بجب رفضها من الأساس، ولا يشك عاقل في مراجعهم كلها من تلك الطواغيت، وحينئذ يكون رفضها من مستلزمات الشهادتين: (لا إِله إِلا الله، محمد رسول الله) اللتين لا يصح إِيمان المسلم بدون السير والعمل على مدلولهما. [من كتاب الأجوبة السابق]
أقول: إِن في الإِسلام العادل المنزَّل مِن لَدُن حكيم خبير ما يغني عن الإشتراكية
(1/275)

والرأسمالية وغيرهما من أنظمة البشر المعرضة للخطأ، ولا سيما إِذا خالفت الإسلام الذي يكفل لأتباعه العدالة والمساواة والحرية والسعادة الدنيوية والأخروية. {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}. [البقرة: 138]

س 12 - ما هي الماسونية؟
ج 12 - الماسونية: جمعية سرية يهودية يُسمونها (بالقوة الخفية) أسسوها بادئ الأمر ضد النصارى لتعمل على تحريف أناجيلهم، وإفساد عقائدهم وأفكارهم، وتشَتُّتِ أمرهم بأنواع الخلاف والشقاق، فلما جاء الإِسلام وسعوا دائرتها ليحيطوه بأشراكها.
واليهودية العالمية تمد الجمعيات الماسونية برجال الفكر والدهاء والمكر، ويلبسون لكل عصر لبوسه الملائم، بل يلبسون لكل أمة وشعب وبلد لبوسها الملائم، بل يدخلون إِلى كل رجل من مداخله وأذواقه الخاصة، حتى يستطيعوا فتنته.
وقد حصلت اعترافات كثيرة في أوقات متفرقة علمًا بأن الماسونية أُوجدت لخدمة أهداف اليهود الشريرة، وتسهيل عملية استيلائهم على عقول القادة، وتحطيم نفوسهم وتحويلهم إِلى عبيد يُؤمنون بالماسونية وذلك لقوة انطلاء المكر الماسوني وشدة تأثيره على القلوب، بحيث كسبت أعظم وأكثر القادة من الشرق والغرب، وتغلغت الماسونية في الأسَر المالكة والطبقات الحاكمة في أوربا، ومن دار في فلكها الثقافي في البلاد العربية. ولهم طرق خداع الشعوب إِذا لمسوا فيهم الإِحساس بخطر الماسونية، أو الامتعاض من حكمها المتهمين بها، فإِنهم يوعزون إِليهم بإِغلاق أي مؤسسة افتضحت بالماسونية ليقيموا على أنقاضها مؤسسة تحمل اسمًا آخر، وهي في الباطن عين الماسونية، ليبرئ المسؤول نفسه من وَصمتها، ويكسب سُمعة جديدة لخدمة اليهود. وقد جاء في قرار المؤتمر الماسوني المنعقد عام 1900 م في باريس: أن غاية الماسونية تأسيس جمهوريات علمانية تتخذ الوصولية والنفعية أساسًا للإتحاد الماسوني؛ ومن نتائجها القديمة:
(1/276)

(أ) تحريف الكتب المقدسة، والعبث بتفريق الأديان والجماعات، وإضرام نيران الحروب والعداوة بين الأمم.
ومن نتائجها في أول عهد الإِسلام.
1 - عمل المؤامرة لقتل الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب)
2 - اختلاق الأكاذيب على الخليفة الثالث (عثمان بن عفان) وعماله.
3 - تزوير المكاتيب، وقلب الحقائق حتى جرى ما جرى: (قتل عثمان).
4 - العبث بعقول الأحزاب حتى أنشؤوا فيهم الخوارج والنواصب.
5 - نشر التجهم بفروعه المختلفة من جَهمية، ومُعتزلة، وقدرية، وغيرهم. هذا إِلى جانب القرامطة والباطنية في نواح أُخرى.
6 - أكاذيبهم على الأمويين، والتعاون مع الأعاجم على الإِطاحة بهم حتى تسنى لهم تروت هذه المذاهب، وما عملوه في زمنهم من إِبراز المختار الكذاب ونحوه، كما ضبطه صاحب كتاب: (تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في الإِسلام) الذي ينبغي اقتناؤه.
7 - العمل على إِضرام نيران الحروب المفترية والصليبية، وإبراز مَن يخدمها، وتمهد للغزاة سبيل الفتك كالنصير الطوسي، وابن العلقمي، وغيرهما على نصارى الشرق، وإثارة النعرة فيهم ليتعاونوا مع إِخوانهم الغزاة ضد المسلمين، ويتجسَّسوا لهم ويدلوهم على كل طريق، كما قرره قادهَ الغزو في ثنائهم على نصارى العرب، عكس ما يزعمه أتباع (جورج حبش) ونحوه من القوميين عن جهل وتضليل. [نقلاً من كتاب (الأجوبة المفيدة) للشيخ عبد الرحمن الدوسري]
س 13 - ما هو حكم الإسلام في الصوفية؟
ج 13 - لم تكن الصوفية في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتابعين، ولكنها ظهرت فيما بعد عندما ترجمت كتب اليونان إِلى العربية، وهي مأخوذة من (صوفيا) ومعناها في لغتهم (الحكمة) وقال بعضهم: مأخوذة من الصوف الذي يلبسونه،
(1/277)

وقال بعضهم: مأخوذة من الصفاء؛ وهو قول باطل، لأن النسبة تكون (صفائي
وليست (صوفي).
والصوفية تخالف الإِسلام في أمور كثيرة منها:
(1) دعاء غير الله: فأكثر الصوفيين يدعون غير الله من الأموات، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وصرف العبادة ومنها الدعاء لغير الله من الشرك الأكبر الذي يحبط العمل، قال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. (أي المشركين) [يونس: 106]
وقال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[الزمر: 65]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن مات وهو يدعو مِن دون الله نِدًا دخل النار". [رواه البخاري] (الند: المثيل والشريك، يدعونه كما يدعون الله)
(2) أكثر الصوفية يعتقدون أن الله في كل مكان بذاته، مخالفين للقرآن القائل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. [طه: 5]
(أي علا وارتفع كما جاء في البخاري)
ومخالفين الحديث القائل: "إن الله كتب كتابًا ... فهو عنده فوق العرش"
[متفق عليه]
وأما قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]
(أي بعلمه يسمع ويرى حسب ما فسره المفسرون)
(3) بعض الصوفية يعتقدون أن الله حل في مخلوقاته، حتى قال ابن عربي المدفون بدمشق:
الربُّ عبد، والعبدُّ ... ليت شِعري مَن المكلف؟
وقال طاغوتهم:
(1/278)

وما الكلب والخنزير إِلا إِلهنا ... وما الله إِلا راهبٌ في كنيسة
(4) أكثر الصوفية يعتقدون أن الله خلق الدنيا لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا يخالف القرآن القائل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]
{وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} [الليل: 13]
(5) أغلب الصوفية يعتقدون أن الله خلق محمدًا من نوره، وأنه خلق الأشياء
من نوره، وأن محمدًا أول خلق الله، وهذا كله مخالف للقرآن القائل: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ}. [ص: 71]
فآدم عليه السلام- هو أول المخلوقات من البشر خلقه من طين، ومن غير البشر القلم بعد العرش والماء، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أولَ ما خلق الله القلم" [رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح]
وأما حديث: "أول ما خلق الله نوُر نبيك يا جابر". فقال عنه علماء الحديث: لا سند له، وهو موضوع وباطل.
6 - ومن المخالفات عند الصوفية النذور للأولياء، والطواف حول قبورهم، وبناء الأضرحة على القبور، والأذكار على صفات وهيئات لم يشرعها الله ورسوله، والرقص عند الذكر، وضرب الحديد، وأكل النار، والتمائم والسحر، والشعوذة وأكلهم أموال الناس بالباطل، والاحتيال عليهم، وغيرها كثير.
س 14 - ما حكم مَن يرمي الإسلام بالرجعية؟
ج 14 - هذا الإِتهام أطلقه أعداء الإِسلام ليصدوا أتباعه عنه فإِن قصدوا بهذه الكلمة أن الإِسلام دين رجعي متأخر عن ركب الحضارة فهذا كذب وافتراء، لأن الإِسلام يأمر بالتقدم والرقي، ويدعو إِلى النهضة الحديثة في المخترعات والأمور النافعة.
قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}. [الأنفال: 60]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم أعلم بأمرِ دنياكم". [رواه مسلم]
إِن الإسلام يأمر بالرجوع إِلى كتاب الله وسنة رسوله وعمل صحابته الذين فتحوا
(1/279)

البلاد بإِيمانهم وعقيدتهم وأخلاقهم وجهادهم، فأخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان المحرفة إِلى عدل الإِسلام ولا عز للمسلمين إِلا بالرجوع إِلى دينهم.

س 15 - هل يجدر بنا أن نعرف المبادىء العصرية، والطرق الصوفية؟
ج 15 - نعم يجدر بنا أن نعرفها لنتجنبها، والدليل قول حذيفة بن اليمان: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله إِنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم" قلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دَخن" (1) قلت: وما دَخَنه؟ قال: "قوم يَستَنُّون بغير سُنتي، ويهتدون بغير هَديي (2)، تعرف منهم وتُنكِر" فقلت هل بعد ذلك الخير من شر؟
قال: "نعم دُعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" فقلت: يا رسول الله صِفهم لنا. قال: "قوم مِن جِلدتنا، ويتكلمون بألسِنَتنا" قلتُ: يا رسول الله، فما ترى إِن أدرَكني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" فقلت: فإِن لم تكن لهم جماعة ولا إِمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفِرَق كلها، ولو أن تعَض على أصل شجرة، حتى يُدرِكَكَ الموت وأنت على ذلك" [رواه مسلم]

ما يستفاد من الحديث
يفيد هذا الحديث أن دعاة الشر هم الذين لا يسيرون على سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطريقته في حياتهم، ومنهاجهم، وحكمهم، ولا يسيرون على هيئته وأدبه في لباسهم وعاداتهم وتقاليدهم، وعلى المسلم أن يحذرهم.
__________
(1) الدخن: الفساد والاختلاف. [ذكره ابن الأثير في النهاية]
(2) هديي: هيئتي، وسيرتي، وطريقتي.
(1/280)

فائدة الإشتغال بالدعوة والكتب
س 16 - ما الفائدة من الاشتغال بالدعوة ونشر الكتب، والمسلمون يُذبَحون؟
ج 16 - إِن كل مسلم على ثغرة مِن ثُغر الإِسلام، فمن المسلمين من يُتقن فن الجهاد والقتال، ومنهم من يتقنه باللسان، ومنهم من يدفع المال، وقد أشار الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الأنواع فقال:
"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" [صحيح رواه أبو داود]
ولذلك كان حسان -رضي الله عنه- يدافع عن الإسلام بلسانه وشعره.
ولا يشك مسلم عاقل بوجوب الجهاد بالسيف والسنان على المسلمين على حسب استطاعتهم، وإن تشجيع المسلمين على الجهاد بالكتب والمقالات هو من لوازم الجهاد.
ثم إِن نشر الكتب المبنية على الكتاب والسنة هي من عوامل تنقية هذا الدين مما أُلحق به مِن بدع وضلالات سواء في العقيدة أو العبادات أو المعاملات أو غيرها، وهي هامة جداً.
وإن نشر الكتب في عصرنا أصبح من وسائل الإِعلام المطلوبة للتصفية كما تقدم، ولتربية شباب يؤمنون بهذا الإِسلام العظيم عقيدة، وعبادة وحكمًا وجهادًا وتضحية، وسلوكًا وتربية، ودولة، و ..........
س 17 - لماذا جعل الله {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}؟
ج 17 - بما أن حياة الإنسان الطيبة هي بصحة دينه وحسن أخلاقه وسلامة عقله وعقيدته من الشرك، فإِن القيام بفتنته عن دينه وإفساد أخلاقه وعقيدته بالشرك يُعتبر قتلًا معنويًا لروحه، وجناية على عقله، وقتل الروح أعظم من قتل الجسم؛ فلذا قال الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}. (الفتنة: الشرك) [البقرة: 191]
{وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217]
س 18 - هل يجوز مدح المنحرفين عن الإسلام؟
(1/281)

ج 18 - لا يجوز مدحهم، لأن الله حصر السفاهة فيمن ابتعد عن ملَّة إِبراهيم، وشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130]
وشبه الله مَن لم ينتفع بالكتب السماوية بالحمار فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. [الجمعة: 5]
وشبَّه الله من انسلخ من آيات الله بالكلب فقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]
فمن مدح من ذم الله طريقتهم فهو متعد لحدود الله، فكل منحرف عن تعاليم
الإسلام أو معطل لحدوده، أو محتكم إِلى غير شريعة الله لا يجوز وصفه بأي لقب من ألقاب المدح أو الشرف مهما كان، قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم" [صحيح رواه أحمد وأبو داود. انظر صحيح الجامع رقم 6282]
[من كتاب الأجوبة المفيدة بتصرف]

التكافل الاجتماعي يقضى على المذاهب الهدامة
س 1 - ما هي الوسائل التي أتى بها الإسلام للتكافل الاجتماعي؟
ج 1 - الوسائل كثيرة منها:
(1) إِصلاح أحوال المسلمين كإِعطاء الزكاة للفقراء.
(2) تقدم حياتهم الاجتماعية كتقديم الصدقات والهبات للمستحقين.
(3) تضامنهم فيما بينهم.
(1/282)

(4) تلاقي قلوبهم على أساس متين من الإِيمان والتعاون والتناصح والمحبة.
س 2 - ما هو الهدف من التكافل الاجتماعي في الإسلام؟
ج 2 - هدفه: تكوين مجتمع صالح قابل للرقي والنمو؛ والإِسلام أول شريعة
حققت الضمان الاجتماعي لمن هو في حاجة إِليه، ولقد اهتم الإِسلام والمسلمون العاملون بالتكافل الاجتماعي على مختلف صوره:
(1) وجهوا الناس ونصحوهم.
(2) فرضوا المال لكل عاجز ومحتاج.
(3) أتاحوا العمل لكل قادر عليه.
(4) جهزوا البيوت للمرضى والعجزة والمسافرين.
(5) قاموا بكفالة اليتامى والمساكين.
(6) أخذوا الزكاة والصدقات، ووزعوها على المستحقين.
[من كتاب الأجوبة المفيدة للدوسري بتصرف]

الشرك الأصغر وأنواعه
س 1 - ما هو الشرك الأصغر؟
ج 1 - الشرك الأصغر هو الرياء، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}. [الكهف: 110]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن أخوفَ ما اخافُ عليكم الشرك الأصغر: الرياء" (الرياء: أن تعمل عملاً ليراك الناس). [صحيح رواه أحمد]
ومن الشرك الأصغر قول الرجل: "لولا الله وفلان، ما شاء الله وشئت، ولولا
الكلب لأتانا اللص". قال - صلى الله عليه وسلم -:
"لا تقولوا ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان" [صحيح رواه أحمد]
(1/283)

س 2 - هل يجوز الحلف بغير الله؟
ج 2 - لا يجوز الحلف بغير الله قال الله تعالى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن حلف بغير الله فقد أشرك" [صحيح رواه أحمد]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من كان حالِفًا، فلْيحلفْ بالله، أو لِيَصْمُت". [متفق عليه]
وقد يكون الحلف بالأنبياء أو الأولياء من الشرك الأكبر، إِذا اعتقد الحالف أن للولي تصرفًا يضره، كان يخاف أن يحلف بالولي كاذبًا.
س 3 - هل نلبس الخيط والحلقة للشفاء؟
ج 3 - لا نلبسهُما، لقول الله تعالى:
(1) {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ}. [الأنعام: 17]
(2) عن حذيفة أنه رأى رجلًا في يده خَيط من الحُمَّى فقطعه، وتلا قول الله -
تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [صحيح رواه ابن أبي حاتم]
س 4 - هل نعلِّق التميمَة كالخرزَة والودعة ونحوهما من العين؟
ج 4 - لا نُعلِّقهما من العين، لقول الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ} [الأنعام: 17]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن علَّق تميمة فقد أشرك". [صحيح رواه أحمد] (التميمة: الخرزة أو الودعة تُعلَّق من العين)
س 5 - هل يمكن أن يكون الشرك الأصغر شركًا أكبر؟
ج 5 - نعم، وذلك إِذا اعتقد المسلم أن التميمة، ولبس الخيط والحلقة تنفع
بنفسها، وأن يخاف أن يحلف بالولي كاذبًا خوفًا من أن يضره لاعتقاده بأن للولي تصرفًا.
س 6 - ما هو حكم الشرك الأصغر؟
ج 6 - حكمه مِن كبائر الذنوب، يجب التوبة منه، ولكن صاحبه لا يخلد في
(1/284)

النار، ولا يحبط عمله كالشرك الأكبر.
س 7 - كيف يتخلص المسلم من الشرك الأكبر والأصغر؟
ج 7 - يجب على المسلم أن يبتعد عن الشرك الأكبر والأصغر وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ منهما ونقول:
"اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم".
[رواه أحمد بسند حسن]

التوسل وطلب الشفاعة
س 1 - بماذا نتوسل إلى الله؟.
ج 1 - التوسل منه جائز، وممنوع:
(1) - التوسل الجائز والمطلوب هو التوسل بأسماء الله وصفاته، والعمل الصالح، وطلب الدعاء من الأحياء الصالحين. قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. [الأعراف: 180]
وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.
(أي تقرّبوا إليه بطاعته، والعمل بما يُرضيه). [المائدة: 35] [ذكره ابن كثير نقلاً عن قتادة]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أسألكَ بِكُلِّ اسمٍ هو لكَ سمَّيتَ به نفسَك". [صحيح رواه أحمد] وقوله - صلى الله عليه وسلم - للصحابي الذي سأله مرافقته في الجنة:
"أعِني على نفسِكَ بِكَثرَةِ السجود". [رواه مسلم] (أي الصلاة وهى من العمل الصالح)
وكقصة أصحاب الغار الذين توسلوا بأعمالهم الصالحة ففرَّج الله عنهم.
ويجوز التوسل بحب الله. وحبنا للرسول - صلى الله عليه وسلم - والأولياء، لأن حُبنا لهم من العمل الصالح.
(1/285)

فنقول مثلًا: (اللهم بحبك لرسولك وأوليائك انصرنا وبحبنا لرسولك وأوليائك اشفنا).
(2) التوسل الممنوع: وهو دعاء الأموات، وطلب الحاجات منهم، كما هو واقع اليوم، وهو شرك أكبر، لقول الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. (أي المشركين) [يونس: 106]
(3) أما التوسل بجاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقولك: "يا رب بجاه محمد اشفني" فهذا بدعة، لأن الصحابة لم يفعلوه، ولأن عمر توسل بالعباس حيًا بدعائه، ولم يتوسل بالرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد موته.
وهذا التوسل قد يؤدي للشرك، وذلك إِذا اعتقد أن الله محتاج لواسطة بَشر كالأمير والحاكم، لأنه شبه الخالق بالمخلوق.
قال أَبو حنيفة: "أكره أن أسأل الله بغير الله". [ذكره صاحب الدر المختار]
س 2 - هل يحتاج الدعاء لواسطة مخلوق؟
ج 2 - لا يحتاج الدعاء لواسطة مخلوق لقول الله - تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معَكم". (أي بعلمه) [رواه مسلم]
س3 - هل يجوز طلب الدعاء من الأحياء؟
ج 3 - نعم يجوز طلب الدعاء من الأحياء لا الأموات.
قال الله -تعالى- يخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو حي: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي: "أن رجلًا ضرير البصر أتى النبيَ
- صلى الله عليه وسلم -، فقال: ادعُ الله أن يعافِيَني قال: إن شئتَ دعوتُ لك، وإن شئت صبرتَ فهو خيرٌ لك .. "
(1/286)

س 4 - ما هي واسطة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
ج 4 - واسطة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي التبليغ، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}. [المائدة: 67]
وقال - صلى الله عليه وسلم - "اللهم اشهَدْ" جوابًا لقول الصحابة: "نشهد أنك قد بلَّغت" [رواه مسلم]
س 5 - ممن نطلب شفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
ج 5 - نطلب شفاعة الرسول مِن الله، قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}. [الزمر: 47] وعلَّم - صلى الله عليه وسلم - الصحابي أن يقول: "اللهم شفِّعْهُ فِيَّ" (أي شفِّع الرسول فِيَّ) [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إني اختبأتُ دَعوتي شفاعةً لِأُمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله: مَن ماتَ مِن أُمتي لا يُشركُ بالله شيئًا". [رواه مسلم]
س 6 - هل نطلب الشفاعة من الأحياء؟
ج 6 - نطلب الشفاعة من الأحياء في أمور الدنيا، قال الله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا}. (أي نصيب من وزرها) [النساء: 85]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اشفعُوا تُؤجروا" [صحيح رواه أبو داود]
س 7 - هل نبالغ ونزيد في مدح الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
ج 7 - لا نبالغ ولا نزيد في مدحه - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسولُه". [رواه البخاري]
(الإطراء: هو المبالغة والزيادة في المدح)
أما المدح الوارد في الكتاب والسنة فهو مطلوب في حقه - صلى الله عليه وسلم -.
(1/287)

س 8 - مَن هو أول المخلوقات؟
ج 8 - أول المخلوقات من البشر آدم، ومن الأشياءِ العرش ثم القلم، قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ}. [ص: 71]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "كُلكم بنو آدم، وآدم خُلِق من تراب"، [رواه البزار وصححه الألباني]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن أول ما خلق الله القلم". (أي بعد الماء والعرش) [رواه أَبو داود والترمذي وقال حسن صحيح]
وأما حديث "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر" فهو موضوع ومكذوب يخالف القرآن والسنة والعقل والنقل.
قال السيوطي: لا سند له، وقال الغماري: موضوع، وقال الألباني: باطل.
ومن قال: إِن الله خلق الأشياء من نوره أو من نور محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد كذَّبه القرآن الذي ينص على أن الله خلق آدم من طين، وخلق الشيطان من نار.
س 9 - هل خلق الله محمدًا من نور أم من نطفة؟
ج 9 - خلق الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من نطفة كسائر البشر
قال الله - تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ}. [سورة غافر]
وقد أمر الله -تعالى- نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يقول للناس: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}. [الكهف: 110]
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - بشر مثلنا بنص القرآن، ويمتاز بالوحي الذي أكرمه الله به، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه:"إنما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم ...}
[رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 2337]
والمعروف من السيرة أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خلقه الله بواسطة أبوين ووُلد كما يولد البشر، وأصابه المرض، والجوع، والعطش، والتعب، وجرح في غزوة أحد، وغير ذلك مما يتعرض له البشر، وقد أمرنا الله -تعالى- بالاقتداء به في قوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
(1/288)

فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. [الأحزاب 21]

الجهاد والولاء والحكم
س 1 - ما هو الجهاد؟ وما هي أنواعه وغايته؟
ج 1 - الجهاد هو ذروة سنام الدين، ووجوبه مُحتَّم على القادرين، والناكص عنه مع القدرة على خطر من دينه.
وقد ذكر العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية أن الأمر يختلف بحسب الاستطاعة، فيُصار إلى الآيات المكية من الموادعة والصفح في القتال حالة ضعف المسلمين، يعني حسب التفصيل بالتدرج الذي لا يتحطم به كيانهم. وقد أمر الله رسوله بالجهاد في مكة والمدينة فأمرهُ في مكة بقوله تعالى: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] (يعني بالقرآن)
وقال سبحانه: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: 41]
وعليه يمكن بيان أن الجهاد أربعة أنواع:
(1) جهاد الشيطان.
(2) جهاد النفس.
(3) جهاد الكفار.
(4) جهاد المنافقين. [من كتاب الأجوبة المفيدة]
س 2 - لماذا شرع الله الجهاد؟
ج 2 - شرع الله الجهاد لعدة أمور منها:
(1) مقاومة الشرك والمشركين لأن الله لا يقبل الشرك أبدًا.
(2) إِزالة العقبات التي تعترض سبيل الدعوة إِلى الله.
(1/289)

(3) حماية العقيدة من من كل الأخطار التي تهددها.
(4) الدفاع عن المسلمين وعن أوطانهم. [المصدر السابق]
س3 - ما حكم الجهاد في سبيل الله؟
ج 3 - الجهاد واجب بالمال والنفس واللسان حسب الاستطاعة. قال الله - تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. [التوبة: 41]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "جاهدوا المشركين بأموالِكم وأنفسِكم وألسِنتكم" (بقدر الاستطاعة) [صحيح رواه أبو دواد]
س 4 - ما هو الولَاء للمؤمنين؟
ج 4 - الوَلاء هو الحبُّ والنُصرة للمؤمنين الموحدين. قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضهُ بعضًا" [رواه مسلم]
س5 - هل تجوز موالاة الكفار ونُصرتهم:
ج 5 - لا يجوز موالاة الكفار ونصرتهم. قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}. [المائدة:51]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن آل أبي فلان لَيسوا لي بأولياء". [متفق عليه]
س 6 - بماذا يحكم المسلمون؟
ج 6 - يحكم المسلمون بالقرآن والحديث الصحيح. قال الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. [المائدة: 49]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما بعد، ألا أيها الناس: فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلَين: أوَّلُهما كتابُ الله، فيه، الهدى والنور، فخذوا كتابَ الله واستمسِكوا به" فحث على كتاب الله. ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي" [رواه مسلم]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "تركتُ فيكم أمرين لن تَضِلُّوا ما تمَسكتم بهما: كتابَ الله، وسنة رسوله". [رواه مالك، وصححه الألباني ومحقق جامع الأصول بشواهده]
(1/290)

العمل بالقرآن والحديث
س 1 - لماذا أنزل الله القرآن؟
ج 1 - أنزل الله القرآن للعمل به، قال الله - تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}. [الأعراف: 3]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إقرؤوا القرآن، واعمَلوا به ولا تأكلوا به .. ". [صحيح رواه أحمد]
س 2 - ما أهَم ما تولى القرآن بيانه للناس؟
ج 2 - أهمّ ما تولى القرآن بيانه للناس معرفة الخالق المنعم الذي يستحق العبادة وحده دون سواه، وردَّه على المشركين الذين كانوا يدعون أولياءهم الذين نحتوا لهم أحجارًا على صورهم، وأمر الله رسوله أن يقول: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا}. [الجن: 20]
س3 - لماذا نقرأ القرآن الكريم؟
لفهمه وتدبره والعمل به. قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}. [ص: 29]
ورُوي عن عليًّ مرفوعًا وموقوفًا بسند ضعيف، لكن معناه صحيح، وهو قوله:
"ألا إِنها ستكون فتن، قلتُ وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله: فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل. من تركه مِن جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن إِذ سمعته أن قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}. [الجن: 1]
هو الذى من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إِليه هُدي إِلى صراط مستقيم".
(1/291)

س 4 - هل القرآن للأحياء أم للأموات؟
ج 4 - لقد أنزل الله القرآن للاحياء ليعملوا به في حياتهم، وليس للأموات، وقد انقطع عملهم، فلم يستطيعوا قراءته والعمل به، ولا يصل ثواب قراءته لهم إِلا من الولد لأنه من سعي أبيه، قال الله -تعالى- في حقِّ القرآن: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}. [يس: 70]
وقال الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39]
وقد استنبط الإِمام الشافعي من هذه الآية: أن القراءة لا يصل إِهداء ثوابها للموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم. [انظر تفسير ابن كثير 4/ 258]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلْم يُنتفَع به، أو ولد صالح يدعو له". [رواه مسلم]
فأما الدعاء والصدقة عن الميت، فذاك منصوص من الشارع بالآيات والأحاديث على وصولهما. [انظر تفسير ابن كثير 4/ 258]
س 5 - ما حكم العمل بالحديث الصحيح؟
ج 5 - العمل بالحديث الصحيح واجب، لقول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. [الحشر: 7]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسُنتي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهدِييِّن، تمسَّكوا بها". [صحيح رواه أحمد]
س 6 - هل نستغني بالقرآن عن الحديث؟
ج 6 - لا نستغني بالقرآن عن الحديث، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. [النحل: 44]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وإني أُوتيتُ القرآن ومثله معه". [صحيح رواه أبو داود]
س 7 - هل نقدم قولاً على قول الله ورسوله؟
(1/292)

ج 7 - لا نقدم قولاً على قول الله ورسوله، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. [الحجرات: 1]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". [صحيح رواه أحمد]
وقول ابن عباس: "أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقولون: قال: أَبو بكر وعمر!! ". [رواه أحمد وابن عبد البر]
س 8 - ما حكم تحكيم الكتاب والسنة في الحياة؟
ج 8 - حكمه واجب لقول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. [النساء: 65]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيَّروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم". [حسن رواه ابن ماجه وغيره]
س 9 - ماذا نفعل إذا اختلفنا في شيء؟
ج 9 - نعود إِلى الكتاب والسنة الصحيحة، قال الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}. [النساء: 59]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتابَ الله وسنة رسوله". [رواه مالك وصححه الألباني في صحيح الجامع]
س 10 - ما حكم مَن يرى أن أوامر الشريعة ونواهيها غير مُلزمة له؟
ج 10 - حكمه: كافر ومرتد وخارج عن ملة الإِسلام. لأن العبودية لله وحده.
وهي مفهوم الإِقرار بالشهادتين لا تتحقق في عالم الواقع حتى يعبد الله عبادة شاملة، تشمل أصول الاعتقاد، وشعائر التعبد والتحاكم إِلى شريعة الله وتطبيق منهج الله في كل مجال من مجالات الحياة. وأن التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله لون من الشرك لا يختلف عن شرك العبادة بحال من الأحوال. [من كتاب الأجوبة المفيدة للدوسرى]
(1/293)

س 11 - كيف نحب الله ورسوله؟
ج 11 - نحبهما بطاعتهما، واتباع أوامرهما، قال- الله تعالى:- {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]
وقال - صلى الله عليه وسلم - "لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين" [متفق عليه]
س 12 - ما هي شروط المحبة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -؟
ج 12 - شروط المحبة كثيرة منها:
(1) موافقة المحبوب فيما يحبه ويرضاه.
(2) رفض ما يكره المحبوب ويسخطه.
(3) محبة أحبابه، وبغض أعدائه.
(4) موالاة من والاه، ومعاداة من عاداه.
(5) القيام بنصرته، والسير على طريقته.
فمن عكس هذه الأمور فهو كاذب في محبته يصدق عليه قول الشاعر:
لو كان حُبك صادقًا لأطعته ... إِن المحب لمن يحب مطيع
[نقلاً من كتاب (الأجوبة المفيدة)]
س13 - لمن يكون الحب المقتضي للذل والخشوع؟
ج 13 - الحب المقتضي للذل والخشوع لا يكون إِلا لله. قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]
(1/294)

الإيمان بالقدر خيره وشره
س 1 - هل يجوز الاحتجاج بالقدَر؟
ج 1 - يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، لأنها واقعة بقضاء الله وقدره.
قال الله - تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ}. [التغابن: 11]
(قال ابن عباس: بأمر الله، يعني عن قدره وقضائه). [انظر ابن كثير 4/ 475]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اِحرِص على ما ينفعك، واستعِن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان". [رواه مسلم]
وأما الاحتجاج بالقدر على المعاصي فهو من خصال المشركين الذين قال الله
فيهم: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148]
والمحتج بالقدر إِما جاهل مُقلِّد أو ملحد معاند، وهو متناقض في دعواه لا يقبل أن يعتدي عليه أحد، ثم يقول: هذا قضاء الله وقدره! لقد أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتب ليُبيِّنوا للناس طريق السعادة والشقاء، وتكرَّم على الإِنسان بالعقل والتفكير، وعرَّفه الضلال والهدى. قال الله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان 3]
وقال تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس 8 - 10]
فإِذا ترك الإِنسان الصلاة أو شرب الخمر استحق العقوبة لمخالفة أمر الله ورسوله وعندها يحتاج إِلى التوبة، ولا ينفعه احتجاجه بالقدر.
س 2 - هل نتركُ العملَ ونتَّكلُ على القدر؟
ج 2 - لا نترك العمل لقول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ
(1/295)

بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}. [الليل: 5 - 7]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له". [رواه البخاري ومسلم]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، اِحرص على ما ينفعك واستعِن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لَو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قلْ: قدَّر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان" [رواه مسلم]

يُستفاد من الحديث
إن المؤمن الذي يحبه الله هو المؤمن القوى الذى يعمل ويحرص على نفعه،
ويستعين بالله وحده، ويأخذ بالأسباب؛ فإِن أصابه بعد ذلك أمر يكرهه، فلا يندم، بل يرضى بما قدَّره الله: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 216]
س3 - ما هي الحكمة مِن نزول المصائب والكروب؟
ج 3 - إِن الإِنسان عندما يُحس بالقوة ويستكبر، فيعتقد أنه لن ينهزم أمام شيء، فإِذا رأى قوته تتضاءل حتى يدركها العجز ورأى الكرب يشتد حتى لم تعد له قوة. عندها يرى نفسه على حقيقتها ويزول الكبر والطغيان والتجبر، ويلجأ إِلى الله موقنًا أنه وحده الذي ينقذه، وكل ما عداه هباء. قال الله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] "انظر الأجوبة المفيدة للدوسرى"

السنة والبدعة
س 1 - هل في الدين بدعة حسنة؟
ج 1 - ليس في الدين بدعة حسنة، والدليل قول الله - تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
(1/296)

{لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. [المائدة: 3]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كلَّ محدَثة بدِعة، وكلَّ بِدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار". [رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح]
س 2 - ما هي البدعة في الدين؟
ج 2 - البدعة في الدين كل ما لم يقم عليه دليل شرعي. قال الله -تعالى- منكرًا على المشركين بدعهم: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"، (ردّ: غير مقبول) [متفق عليه]
س3 - ما هي أنواع البدع؟
ج 3 - أنواع البدع كثيرة منها:
(1) البدعة المكفرة: كدعاء الأموات أو الغائبين والاستعانة بهم.
كقولهم: "المدد يا سيدى فلان".
(2) البدعة المحرمة: كالتوسل إِلى الله بالأموات، والصلاة إِلى القبور، والنذر
لها، والبناء عليها كان ينذر لأحد الأولياء بقرة إِن شفاه الله.
(3) البدعة المكروهة: كصلاة الظهر بعد الجمعة، ورفع الصوت بالصلاة والتسليم بعد الأذان، إِذ المطلوب هو الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - سِرًّا.
س 4 - هل في الإسلام سنة حسنة؟
ج 4 - نعم كالباديء بفعل خير كصدقة ليقتدي الناس به:
قال الله تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 75] (أي قدوة في الخير]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن سنَّ في الإسلام سُنةً حسنة فله أجرُها، وأجرُ من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أُجُورهم شيء .. " [رواه مسلم]
س 5 - ما حقيقة الزهد؟
(1/297)

ج 5 - هي أن لا يجعل المسلم الدنيا غاية قصده أو يؤثرها على الآخرة ويفضل السعي للتفاخر والتكاثر بها، بل تكون غايته من العمل نصرة دين الله والسعي للآخرة الذي يحقق بها جميع معاني الجهاد في سبيل الله وحسن المعاملة معه ومع خلقه.
وليس الزهد الانصراف عن الأعمال والتخلي عن شؤون الحياة والعيش عيشة
الدروشة التي هي من رواسب الوثنية فإِنها لا يجوز أن تسمى زهدًا فهي جبن وضعف نفس وتعطيل للمواهب والطاقات البشرية. وهي من مبتدعات الصوفية السيئة التأثير المسببة لتأخر المسلمين عن السبق الصحيح والزحف بدينهم ورسالتهم إِلى الإِمام حتى غزاهم أهل الباطل في عقر دارهم ومزقهم شر تمزيق. [من كتاب (الأجوبة المفيدة) بتصرف]
س 6 - ما حكم التقليد؟
ج 6 - التقليد في أصول الدين والتوحيد لا يجوز بل يجب فهم الدين كما جاءت به الرسل على وجهه الصحيح من الكتاب والسنة الصحيحة، والرجوع إِلى فهم السلف الصالح لأخذ العقيدة عنهم، أما في فروع الدين فيجوز تقليد أي مذهب من المذاهب السنية ولو لم يلتزم مذهبًا معيناً بشرط أن لا يتتبَّع الرُّخص؛ وعلى العالم البحث عن الدليل والحرص على التمسك بما كان أقرب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من غيره في تفريعات المذاهب (1). [المصدر السابق]

حكم التعليم الشرعي، والمخترعات المفيدة
س7 - ما حكم تعلّم العلم الشرعي، وعلوم الصنائع والمخترعات؟
ج 7 - العلم الشرعي نوعان: علم لا تصح العقيدة والعبادات إِلا به، فهو فرض عين على كل مسلم.
__________
(1) عملاً بقول الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي).
(1/298)

وعلم يبحث في التفصيلات والدقائق، كعلم الفرائض، ودقائق الأحكام،
وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، فهذا فرض كفاية إذا قام به بعض العلماء سقط عن الباقين.
وأما تعلم الصنائع والمخترعات الضرورية، فهو فرض كفاية، وإذا تعين على أحد من المسلمين وجب عليه، ولولي الأمر جبرُ فئة من الناس عليها، ومنع من يتَخلَّى من أهل الصنائع عن حرفته، وإجباره على العمل، وتشجيعه من مال الله الذي هو بيت المال. وعلى كل عامل من المسلمين بذل الجهد في الإِبداع والاختراع، وتسليح وتسخير كل مادة، نصحًا لله ولرسوله، بنية إعزاز الدين ورفعة شأن المسلمين وإعلاء كلمة الله في الأرض وقمع المعتدى [من كتاب الدوسري بتصرف]

الفرقة الناجية والطائفة المنصورة
س 1 - مَن هي الفرقة الناجية؟
ج 1 - الفرقة الناجية: هي المتمسكة بمنهاج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته وهو الكتاب والسنة، قال الله - تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: " .. وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين مِئة، وتفترق أُمَّتي على ثلاث وسبعين ملَّة، كلهم في النار إلا ملَّة واحدة: ما أنا عليه وأصحابي" [رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 5219]
س 2 - ما هي علامة الفرقة الناجية؟
ج 2 - الفرقة الناجية هم قلَّة يعاديهم كثير من الناس وقد مدحهم الله بقوله:
{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]
(1/299)

وقد مدحهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وذكر أوصافهم بقوله: "طوبى للغرباء: أناس صالحون، في أناسِ سوء كثير، مَن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم". [صحيح رواه أحمد]
س 3 - متى ينتصر المسلمون؟
ج 3 - ينتصر المسلمون إِذا رجعوا إِلى تطبيق كتاب ربهم، وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وأخذوا بنشر التوحيد، وحذروا من الشرك على اختلاف مظاهره، وأعَدُّوا لأعدائهم ما استطاعوا من قوة.
(1) قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]
(2) وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. [النور: 55]
(3) وقال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]
(4) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن القوة الرمي". [رواه مسلم]

زيارة القبور، ونعيمها وعذابها
س 1 - كيف نزور القبور؟ ولماذا نزورها؟
ج 1 - زيارة القبور مستحبة في كل وقت، ولها فوائد وآداب:
(1) فيها ذكرى وموعظة ليعلم الأحياء أنهم سيموتون فيستعدون للعمل.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". [رواه مسلم]
وفي رواية: "فإنها تذكركم بالآخرة". [صحيح رواه أحمد]
(2) أن ندعوا للأموات بالمغفرة، لا أن ندعوهم من دون الله أو نطلب منهم الدعاء
(1/300)

فقد علم للرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يقولوا عند دخول المقابر: "السلام عليكم أهل الديار مبن المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لَلاحقون. أسأل الله لنا ولكم العافية" (العافية من العذاب). [رواه مسلم]
(3) عدم الجلوس على القبور، وعدم الصلاة إِليها.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصَلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها" [رواه مسلم]
(4) عدم قراءة شيء من القرآن ولو الفاتحة: قال - صلى الله عليه وسلم -:
"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه البقرة"
[رواه مسلم]
والحديث يشير إِلى أن المقابر ليست محلاً للقرآن بعكس البيوت، ولم يثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته أنهم قرؤوا القرآن للأموات، بل دَعَوْا للأموات: كان - صلى الله عليه وسلم - إِذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم وسَلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل". [صحيح رواه الحاكم]
(5) عدم وضع الزهور على القبر، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته لم يفعلوه، وفيه تشبه بالنصارى، ولو أعطينا ثمن الزهور للفقراء لاستفاد الميت والفقراء.
(6) عدم طلائها بالجص والدهان وعدم البناء عليها، ففي الحديث: "نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يُجصصَ القبر، وأن يُبنى عليه" [رواه مسلم]
س 2 - ما دليل نعيم القبر وعذابه؟
ج 2 - قال الله تعالى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 45، 46]
وقال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن أحدكم إذا مات عرِض عليه مقعدُه بالغداة والغشي إنْ كان مِن أهل
(1/301)

الجنة فمِن اهل الجنة، وإنْ كان مِن أهل النار فمِن أهلِ النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة" [متفق عليه]
س 3 - ما هي الأسئلة التي توجه للإنسان في قبره؟
ج 3 - لقد ورد في الحديث أن المؤمن يأتيه ملكان فيُجلِسانه فيقولان له:
(1) مَن ربك؟ فيقول: ربي الله.
(2) ما دينك: فيقول: ديني الإسلام.
(3) ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله.
(4) وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدَّقت.
فينادي مُنادٍ من السماء أنْ صدق عبدى فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إِلى الجنة، فيأتيه مِن روحها وطيبها، ويُفسح له في قبره مَدّ بصره. وأما الكافر فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له:
1 - مَن ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري!
2 - ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري!
3 - ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؛ فيقول: هاه هاه، لا أدري!
(هاه: كلمة تُقَال للضحك: وهنا بمعنى التوجع)
فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدى، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إِلى النار، فيأتيه مِن حرِّها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. [رواه أحمد وأبو داود وغيره، وصححه الألباني. انظر صحيح الجامع رقم 1672]
س 4 - ما هي غاية المؤمن، وغاية الكافر؟
ج 4 - غاية المؤمن في الحياة إرضاء خالقه ومعبوده والتقرب إِليه؛ ووسيلته هي الأعمال الصالحة، وهي الطاعة لأوامر الله. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)} [المائدة: 35]. (قال قتادة: تقربوا إِليه بطاعته والعمل بما يرضيه) [انظر ابن كثير ج 2/ 52]
(1/302)

وأما الكافر فيعيش لإرضاء ملذاته القريبة، غافلاً عن النهاية التي تنتظره في آخر الطريق، فهو كالبهيمة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد: 12]
س 5 - هل يجوز شد الرحال إلى القبور؟
ج - لا يجوز شد الرحال إِلى القبور، ولا سيما للتبرك بها أو لطلب الدعاء منها، ولو كان القبر لرسول هو لولي. قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" [متفق عليه]
وعملاً بهذا الحديث فإِن الذهاب إِلى المدينة يكون بنية زيارة المسجد النبوي لا زيارة القبر، لأن الصلاة في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أفضل من غيره بألف صلاة، وعند دخول المسجد تسَلم على الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

الدعوة إلى الله وواجب العرب
س 1 - ما حكم الدعوة إلى الله والعمل للإسلام؟
ج 1 - هي وظيفة كل مسلم أورثه الله الكتاب والسنة من نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وكل مسلم يشمله عموم الأمر بالدعوة إِدى الله ودوازمها من قول الله تعالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]
وقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]
فكل مسلم عليه أن يشارك في الجهاد بجميع أنواعه بحيث لا يترك من المستطاع منه شيئاً، ولا سيما في الأزمنة التي أصبح المسلمون بحاجة إِلى العمل للإِسلام، والدعوة إِلى الله، والجهاد في سبيله؛ فإِن ذلك أصبح متحتماً في عنق كل مسلم فيعتبر
(1/303)

عاصياً مفرطاً في جنب الله إِن قصَّر في ذلك أو تخلَّى عنه. [من كتاب الأجوبة المفيدة للدوسري]
س 2 - هل يكتفي الإنسان بإصلاح نفسه؟
ج 2 - لا بُدَّ في إِصلاح النفس أولاً، ثم البدء بإِصلاح غيره عملاً يقول الله - تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]
وقال - صلى الله عليه وسلم - "مَن رأى منكم منكراً فلْيُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" [رواه مسلم]
س3 - ما هو واجب الأُمة العربية؟
ج 3 - الأمة العربية هي التي حملت رسالة الإسلام، فالقرآن نزل بلغتها، وهي خير أُمة أُخرِجت للناس إِذا طبقت الإسلام، ومن واجب العرب جميعاً:
(1) أن يتمسكوا بالإِسلام عقيدة وعبادة وتشريعاً وحكماً، ويدعوا غيرهم من
الأُمم.
(2) أن لا تنحاز إِلى العلمانية اللادينية أو الرأسمالية الظالمة أو الإشتراكية
الماركسية أو الشيوعية الملحدة أو الماسونية اليهودية أو غيرها من المبادئ الهدامة الخالفة للإسلام، أو تطبيق شيئاً من الأفكار الدخيلة بحجة ما، أو تجعل الوطن والمادة هما الغاية في كل شيء والدين (صفر على الشمال) لأنها إِن ربحت على سبيل الفرض أقلية في جوف بلادها فهو أولاً تحصيل حاصل، وثانياً هو خسارة عظيمة لقاء طرحها رسالات ربها وتخلِّيها عن قيادة الأمم وهداية أهل الأرض، كما تخسر أيضاً مودة جميع المسلمين وارتباطهم الروحي بها في المشارق والمغارب، وتجعل الدول هذا حجة على المسلمين الذين يتعلقون بالعرب النابذين لدينهم والمعرضين عن قضاياهم فيخسرون المكانة الروحية التي احتلوها بسبب الدين بين جميع الأمم الإِسلامية كما يخسرون التضامن الروحي ويفقدون مئات الملايين ثم لا يربحون من الأقلية التي يزعمونها كما يربحونها لو
(1/304)

طبقوا الإسلام [المصدر السابق]
س 4 - ما هو السَيرُ المجدي في الحياة؟
ج 4 - هو السير على الصراط المستقيم الذي أوجبه الله وسار عليه الرسول وأصحابه وأن نتبنى الإسلام تبنياً صادقاً صحيحاً بروحه وتعاليمه، ونكون به مثالاً يحتذى، ولا نوالي مَن حَاد عنه بحجة عصبية، أو وطنية أو هدف مادي مما قذفت به علينا الثقافة الاستعمارية، وأن لا نخرج عن تعاليم الإسلام قيد شعرة، ونوالي في الله ونعادي فيه، لا نوالي أحداً أو نعاديه لغاية أُخرى على حساب الإسلام، بل نقف مع إِخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وقفة المناصر المدافع كالبنيان المرصوص ونعادي من يمتهنهم أو يؤذيهم أو يضيق عليهم سبل المعايش، فتتعالى عليه صيحاتنا حتى نكشفه ونخزيه. ونعمل بجد وإخلاص على سد ثغور الشقاق بتخليص الدين من شوائب البدع والطرق التي أُنشئت ونشأت لأغراض سياسية، ولا ننخدع بطلب الوحدة أو رجائها في غير الدين، فإِن ما يزعمه تلاميذ الإِفرنج الخارجون عن حكم الله إلى غيره من مقاومة الإنتهازية والرجعية إِفك صراح، وزعم خيالي، لا يمكن تحقيقه، لأن خطتهم هي الجالبة للإنتهازية المشبعة بها، وهي عين الرجعية التي رجعوا بها إِلى الوثنية المادية بألوان جديدة، وأعادوا بها كل خلق ذميم، ولا يمكن زوال الانتهازية وقتل الأنانية إِلا بتحقيق الدين الحنيف: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138]
تالله إِنه لا يليق بالشعوب الإِسلامية والعرب خاصة أن تتبنى هذه الأفكار الغربية التي اضطرت إِليها شعوب (أوربا) المادية فهي لا تليق بكرامة المسلمين ولا تتفق مع رسالتهم التي أوجب الله عليهم حملها، بل تنزل بهم من مقام الأساتذة الربانيين في الأرض المتكيفين بهدي الله والمسيِّرين للدنيا بجميع نظمها على ضوئه إِلى مقام التلاميذ الضعفاء الصعاليك المتلقفين لما عندهم بدون إِحساس، وهي أيضاً إِذابة لشخصيتهم بين الأمم وإعدام لميزتها التي ميز الله بها، حيث تندمج بتلك الأفكار ضمن
(1/305)

الدول والأمم العلمانية اللادينية فتخرج من الخيرية التي هيأها الله لها وأناط سؤددها وشرفها بها؛ ومن ثَم نهانا الله عن التشبه بأي قوم في شعائرهم وشعاراتهم وأزيائهم كي لا تنحدر هذه الأمة عن مستواها في قليل ولا كثير. [نفس المصدر السابق]

الجاهلية القديمة والحديثة
س 1 - هل الجاهلية مقصورة على قرون مضت أو تتجدد في الناس؟
ج 1 - ليست مقصورة على قرون، بل تزيد الجاهلية في فرن على ما قبله من القرون، إذ لها طوابع خاصة يتصف بها كل فرد، وكل أُمة عتت عن أمر ربها ورسله، وتَبعت أهواءها في كل شيء، حتى أن جاهلية اليوم تُعتبر أفظع مِن كل جاهلية سبقتها، لأن فيها من الإغراء على كفر النعم، وإنكار الخالق، أو التنكر لدينه وشريعته، والتهجم على حكمته والاستهانة بعزته، وتحسين الخلاعَة والرذيلة والفجور، وذهاب الغَيرة والحياء ما لم يكن في محيط أبي جهل وأبي لهب وما قبله من كل جاهلية، وقد لا ينتهي الأمر عند هذا الحد ما دامت الإِنسانية خارجة عن حدودها متَمَردة على نظام الله، وستبقى عرضة لعقوباته حتى ترجع إِلى أمره، وتحكيم شرعه. [المصدر السابق]
(1/306)

لا تدعوا مع الله أحداً
قولوا لمن يدعو سوى الرحمن ... مُتَخَشِّعاً في ذِلَّة العُبدان
يا داعياً غير الإِله ألا اتَّئِد ... إن الدعاءَ عبادةُ الرحمن
أنسيتَ أنكَ عبدهُ وفقيره ... ودعاؤه قد جاء في القرآنِ
الله أقرب مَن دعوتَ لِكربة ... وهو المجيب بلا توسط ثان
هل جاء دعوةُ غيره في سُنة؟ ... أم أنتَ فيه تابع الشيطان؟
إن كنت فيما تدَّعيه على هُدًى ... فَلْتَأتِنا بسواطع البرهان
واللهِ ما دعت الصحابةُ غيرَه ... يتقربون به كذي الأوثان
لكنَّ هذا الفعل كان لديهمو ... شِركاً، وفرُّوا منه للإيمان
ليس التوسلُ والتقربُ بالهوى ... بل بالتقى والبِر والإِحسان
هذا كتاب اللهِ يفصل بيننا ... هل جاء فيه: توسلوا بفلان؟
إِن التوسل في الكتاب لواضِح ... وإذا فَطِنْتَ فإِنه نوعان (1)

الشيخ عبد الظاهر أبو السمح -رحمه الله -
مدير دار الحديث بمكة المكرمة
__________
(1) توسل المؤمنين بطاعة الله وأسمائه وصفاته والعمل الصالح. كما توسل المشركين فيكون بدعائهم لأوليائهم الممثلة في الأصنام.
(1/307)

(5)
قطوف من الشمائل المحمدية والأخلاق النبوية والآداب الإسلامية
(1/308)

موجز لمحتويات الكتاب (5)
قطوف من الشمائل المحمدية
* مولد الرسول وأسماؤه ونسبه - صلى الله عليه وسلم -
* الرسول المبارك، ووصف أُم معبد للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
* مِن فضائل الرسول وقراءته وصلاته، وزهده - صلى الله عليه وسلم -.
* مِن أخلاق الرسول وتواضعه وحلمه - صلى الله عليه وسلم -.
* مِن معجزات الرسول وصبره ورفقه - صلى الله عليه وسلم -.
* مِن شجاعة الرسول ورحمته وعدله - صلى الله عليه وسلم -.
* مِن كرم النبي وحياته وآدابه - صلى الله عليه وسلم -.
* مِن هدي الرسول ومزاحه - صلى الله عليه وسلم -.
*حسان يمدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - (شِعراً).
* لباس الرجل والمرأة.
* الزينة في اللباس والصلاة
* مِن آداب الإسلام.
* واجبنا نحو الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
* مكارم أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - (شعراً).
* حسان يدافع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - (شعراً).
(1/309)

من الشمائل المحمدية
إِنْ فاتكم أنْ تروة بالعيون فَما ... يفوتُكم وصفُه هذى شمائِلُه
مُكمَّل الذاتِ في خَلق وفي خُلُق ... وفي صفاتٍ فلا تحصى فضائلُه - صلى الله عليه وسلم -
(1/310)

مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله - تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]
2 - وقال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]
3 - وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الإثنين؟ قال: "ذاك يوم ولدتُ فيه، وفيه بُعثتُ، وفيه أُنزِل عليّ (القرآن) " [رواه مسلم]
4 - لقد ولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم الإثنين من شهر ربيع الأول في مكة المكرمة في دار معروفة بدار المولد، عام الفيل عام 571 م من أبوين معروفين: أبوه عبد الله بن عبد المطلب، وأمه آمنة بنت وهب، سماه جده محمداً - صلى الله عليه وسلم - وقد مات أبوه قبل ولادته.
5 - إِن من واجب المسلمين أن يعرفوا قدر هذا الرسول الكريم، فيحكموا بالقرآن الذى أُنزل عليه، ويتخلقوا بأخلاقه، ويهتموا بالدعوة إِلى التوحيد التي بدأ بها رسالته مُتَمثلة في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 20]

اسمُ ونسب الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {محمد رسولُ الله}. [الفتح:29]
2 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لي خمسةُ أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ بي الكفر، وأنا الحاشرُ الذي يُحشَر الناس على قدمي، وأنا العاقب: الذي ليس بعده نبي". وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً. [متفق عليه]
3 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسمي لنا نفسه أسماء فقال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا المقفَّي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة" (المقفَّي: آخر الأنبياء) [رواه مسلم]
(1/311)

4 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتمَ قريش، ولعنهم؟ يشتمون مذمَّماً، ويلعنون مُذمَّماً، وأنا محمد" [رواه البخاري]
5 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً مِن كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" [رواه مسلم]
6 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "تسمَّوا باسمي ولا تكتنوا بكُنيتي، فإنما أنا قاسم أقسم بينكم". [رواه مسلم]

الرسول كأنك تراه - صلى الله عليه وسلم -
1 - " كان وسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسنَ الناس وجهاً، وأحسنهم خَلْقاً، ليس بالطويل البائن ولا القصير". [متفق عليه]
2 - "كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبيض مَليح الوجه" [رواه مسلم]
3 - "كان وسول الله - صلى الله عليه وسلم - مربوعاً (1)، عريض ما بين المنكبين، كث اللحية، تعلوه حُمرة، جُمتُه إلى شحمة أُذنيه، لقد رأيته في حُلّةٍ حمراء، ما رأيت أحسن منه". (كث اللحية: كثير الشعر) (جُمته: شعره) [رواه البخاري]
4 - "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضخمَ الرأس واليدين والقدمين، حسن الوجه، لم أرَ قبله ولا بعده مثلَه". [رواه البخاري]،
5 - "كان وجهُه مثل الشمس والقمر وكان مستديراً" [رواه مسلم]
6 - "كان رسول - صلى الله عليه وسلم - إذا سُرَّ استنار وجهُه، حتى كان وجهه قطعةُ قمر، وكنا نعرف ذلك". [متفق عليه]
7 - "كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يضحك إلا تبسما، وكنتَ إذا نظرتَ إليه قلت أكحلَ العينين وليس بأكحل". [حسن رواه الترمذي]
__________
(1) مربرعاً: ليس بالطويل ولا بالقصير.
(1/312)

8 - "وعن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستجمِعاً قط ضاحكاً، حتى أرى منه لهواته، إنما كان ضحكه التبسم" (لهواته: أقصى حلقه) [رواه البخاري]
9 - وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة إضْحيان، فجعلتُ أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى القمر، وعليه حُلَّة حمراء، فإذا هو عندي أحسنُ مِن القمر". (إضحيان: مضيئة مقمرةٍ) [أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي].
10 - وما أحسن من قال في وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه ... ثمالُ اليتامي عصمةٌ للأرامل
هذا شعر من كلام أبي طالب أنشده ابن عمر، لما أصاب المسلمين قحط، فدعا لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اسقنا" فنزل المطر [رواه البخاري]
(وثمالُ: مطعم، عصمة: مانع من ظلمهم).
11 - والمعنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنعوت بالبياض يسأله الناس أن يتوجه إِلى الله بوجهه الكريم ودعائه أن ينزل عليهم المطر، وذلك في حالة حياته - صلى الله عليه وسلم -.
أما بعد مماته فقد توسل الخليفة عمر بالعباس أن يدعو لهم بنزول المطر ولم يتوسل بالرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وأنشد رجل من كنانة فقال:
لك الحمد، والحمد ممن شكر ... سُقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة ... إِليه وأشخص منه البصر
فلم يك إِلا كإِلقا الردا ... ء وأسرع حتى رأينا الدرر
وكان كما قال له عمه ... أبو طالب أبيضُ ذو غُرر
به الله يسقي صوب الغمام ... وهذا العيان لذاك الخبر
فمَن يشكرالله يلق المزيد ... ومن يكفرالله يلقَ الغِيَر
(نقلا من كتاب منال الطالب لابن الأثير ص 106)
(1/313)

الرسول المبارك - صلى الله عليه وسلم -
" الرسول وأبو بكر ومولاه، ودليلهما يخرجون من مكة ويمرون في طريقهم إِلى
المدينة على خيمتي امرأة عجوز تُسمى (أُم معبد) كانت تجلس قرب الخيمة تَسقي وتُطعم، فيسألونها لحماً وتمراً ليشتروا منها، فلم يجدوا عندها شيئاً، ينظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاة في جانب الخيمة، بعد أن نَفِدَ زادهم وجاعوا .... ".
الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما هذه الشاة يا أُم معبد؟
أم معبد: شاة خلَّفها الجَهد (1) عن الغنم.
الرسول - صلى الله عليه وسلم - هل بها من لبن؟
أم معبد: هي أجهد من ذلك (أضعف من ذلك).
الرسول - صلى الله عليه وسلم - أتأذنين لي أن أحلُبها؟
أم معبد: بأبي وأمي إِن رأيت بها حلبا فاحلُبها.
الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو الشاة، فيمسح بيده ضرعها، ويُسمي الله -جل ثناؤه- ويدعو لأم معبد في شاتها، حتى فتحت الشاة رجليها، ودرَّت للحلب، فدعا بإناء كبير، فحلب فيه حتى امتلا، ثم سقى المرأة حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رُوُوا (أي شبعوا)، ثم شرب آخرهم، ثم حلب في الإناء مرة ثانية حتى ملأ الإناء ثم تركه عندها وبايعها وارتحلوا عنها ..
"وبعد قليل أتى زوج المرأة (أبو معبد) يسوق أعنزاً عِجافا يتمايلن من الضعف، فيرى أبو معبد اللبن!! ".
أبو معبد (متعجباً): من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاء عازب (2) حيال ولا حلوب في البيت؟ ...
أم معبد: لا والله إِنه مرّ بنا رجل مبارَك من حاله كذا وكذا.
أبو معبد: صفيه لي يا أمَّ معبد.
__________
(1) الجهد: الضعف.
(2) عازب: الغنم بعيدة. ولم تحمل.
(1/314)

أم مَعبد تصف الرسول - صلى الله عليه وسلم -
رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج (1) الوجهِ لم تَعبه نُحلةٌ (2)، ولم تُزرِ به صُقلَة (3)، وسيم قسيم (4) في عينيه دعَج (5) وفي أشفاره وَطَف (6)، وفي صوته صهل (7) وفي عنقه سطَع (8) وفي لحيته كثاثة (9)، أزجُّ أقرَن (10)، إِن صمت، فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجملُ الناس وأبهاهم من بعيد، وأجلاهم وأحسنهم من قريب، حلوُ المنطق، فصلٌ لا نزرٌ ولا هذَر (11)، كأنَّ منطقه خرزات نظم يتحدرنَ، رَبعة لا يأس من طول، ولا تقتحمه عين من قِصَر (12)، غُصن بين غصنينْ فهو أنضَر الثلاثة منظراً، وأحسنهُم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال: أنصَتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محشود محفود (13)، لا عابس ولا مفنَّد (14)، قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا مِن أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنَّ إِن وجدت إِلى ذَلك سبيلا.
وأصبح صوتٌ بمكة عالياً يسمعون الصوت، ولا يدرون مَن صاحبه وهو يقول:
جزى الله ربُّ الناسِ خيرَ جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمِّ مَعبد
هما نَزلاها بالهدى، واهتدت به ... فقد فاز مَن أمسى رفيق محمد
[حديث حسن قوي أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي انظر منال الطالب ص 132]
قال ابن كثير: "قصة أم معبد مشهورة مروية مِن طرق يشد بعضها بعضاً"
__________
(1) مشرِق الوجه، مضيئه.
(2) نحول الجسم.
(3) تريد أنه ليس بناحل، ولا منتفخ.
(4) حسَن وضيء.
(5) سواد.
(6) طويل شعر العبن.
(7) بُحة وحُسن.
(8) طول.
(9) كثرة الشعر.
(10) حاجباه طويلان ومقوسان ومتكسلان.
(11) كلامه بين وسط ليس بالقليل ولا بالكثير.
(12) ربعة ليس بالطويل البائن، ولا القصير.
(13) عنده جماعة من أصحابه يطيعونه.
(14) غير عابس الوجه، وكلامه خال من الخرافة.
(1/315)

مِن فضائل الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 45 - 47]
2 - قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]
3 - وقال الله تعالى: {وما أرسلناك إِلا رحمة للعالمين}. [الأنبياء: 107]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أوَّلُ مَن يقرعُ باب الجنة" [رواه مسلم]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم - "أنا أول شفيع في الجنة، لم يُصدِّق نبي مِن الأنبياء ما صُدِّقتُ، وإن نبياً مِن الأنبياء ما صدقه من أمَّتِه إلا رجل واحد". [رواه مسلم]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم - سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني ثنتين، ومنعتي واحدة: سألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالسنةِ (1) فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُهلك أُمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". [رواه مسلم]
وفي رواية: "فسألته أن لا يُسلَّط عليهم عدوًا مِن غيرهم فأعطانيها" [رواه الترمذي والنسائي وصحح الألباني سنده]
7 - وقال أنس بن مالك في حديث الإِسراء وفيه: "والنبي - صلى الله عليه وسلم - نائمة عيناه، ولا ينام قلبه" [رواه البخاري]
8 - وقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "أنا سيدُ ولدِ أدم يوم القيامة، وأول كان تنشَقُّ عنه الأرض، وأولُ شافع ومُشفَّع" [رواه مسلم]
__________
(1) أي القحط.
(1/316)

9 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فُضِّلت على الأنبياء بستٍّ: أعطيتُ جوامع الكلِم، وُنصرتُ بالرعب، وأحِلَّت في الغنائم، وجُعلت في الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلتُ إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النبيون" [رواه مسلم]
10 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بُعثتُ مِن خير قرون بني أدم قرناً فقرناً، حتى كنتُ من القرن الذي كنت منه" [أخرجه البخاري]
11 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن مثلي ومَثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بُنياناً فأحسنَه وأجمله، إلا موضع لَبِنة مِن زاوية مِن زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضِعت هذه اللَّبنة؟ قال: فانا اللَّبِنة، وأنا خاتم النبيين". [أخرجه البخاري ومسلم]
12 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وان أدم لَمُنْجدِلٌ في طينته، وسأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أُمي التي رأت حين وضعتني، وقد خرج لها نور أضاءت منه قصور الشام" [صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في المشكاة] (لمنجدلٌ: مُلقى على الأرض)
13 - جاء الملَك جبريل إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق ...} فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يُخزيك الله
أبداً، إنك لَتصِل الوحِم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقَت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، فقالت له خديجة: يا ابن عم: اسمع مِن ابن أخيك .. فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَل الله على موسى، ياليتني فيها جَذعاً، ليتني أكون حَياً إذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوَ مُخرجي هم؟ قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يُدركني يومُك أنصرك نصراً مُوزراً .. ". [الناموس: صاحب السر جبريل] [رواه البخاري في كتاب بدء الوحى]
(1/317)

خاتم نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - عن جابر بن سمرة قال: "رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غُدة حمراء مِثلَ بيضة الحمامة يُشبه جسده". [رواه مسلم]
2 - عن عبد الله بن سرجس قال: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخلت عليه وأكلت من طعامه وشربت من شرابه، ورأيت خاتم النبوة في نُغض كتفه اليسرى، كأنه جمعُ خيلان سود، كأنها ثآليل" [رواه مسلم]
3 - عن الجعد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: "ذهبت بي خالتي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وَجِع فمسحَ رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت مِن وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زِرٍّ الحجَلة" [متفق عليه]
(زر الحَجَلة: بيضة حجل الطير) (الوضوء: الماء الذي توضأ به).

طِيبُ رائحة النبي - صلى الله عليه وسلم -
1 - عن أنس -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أزهرَ اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفَّا، وما مسَسَتُ ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شَمَمت مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة النبي الله - صلى الله عليه وسلم -". [متفق عليه]
2 - عن أنس قال: "دخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عندنا فعرق، فجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا أمَّ سليم! ما هذا الذي تصنعين؟ قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو مِن أطيب الطيب" [رواه مسلم]
(قال: أي نام)
3 - "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعرف بريح الطيب إذا أقبل"
[رواه ابن سعد عن إبراهيم مرسلاً، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 4864]
(1/318)

4 - وعن أنس "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لايردّ الطيب". [رواه البخاري]

صفة نوم الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - " كان ينام أول الليل، ويُحيي آخره" [متفق عليه]
2 - "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إِذا أوى إِلى فراشه قال: "باسمك اللهم أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور" [رواه مسلم]
3 - "كان - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ مضجعه، وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن وقال: "رب قِني عذابَك يوم تبعث عِبادك" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
4 - "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما: قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يصنع ذلك كلاث مرات" [متفق عليه]
5 - "كانت وسادته التي ينام عليها بالليل من أدَم (جلد) حشوها من لِيف". [صحيح رواه أحمد]
6 - "كان فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي ينام عليه من أدَم (أي جلد) حشوه ليف". [رواه مسلم]
7 - "قالت عائشة: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة: إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي" [متفق عليه]

قراءة الرسول وصلاته - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {ورَتِّل القرآن ترتيلا}. [سورة المزمل:4]
2 - كان لا يقرأ القرأن في أقل من ثلاثة (أيام). [صحيح رواه ابن سعد]
(1/319)

3 - "كان يُقطَع قراءته آية آية: (الحمد لله رب العالمين)، ثم يقف (الرحمن الرحيم) ثم يقف .... " [صحيح رواه الترمذي]
4 - كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: "زَيِّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن، يزيد القرآن حُسناً" [صحيح رواه أبو داود]
5 - كان يمد صوته بالقرآن مدًا" [صحيح رواه أحمد]
6 - " كان يقوم إذا سمع الصارخ". (الديك) [متفق عليه]
7 - "كان يصلِّي في نعليه" [متفق عليه]
8 - "كان يعقد التسبيح "بيمينه" [صحيح رواه الترمذي وأبو داود]
9 - "كان إذا حزبه أمر صلى" [حسن رواه أحمد وأبو داود]
10 - "كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها" [رواه مسلم في صفة الجلوس في الصلاة 5/ 80]
11 - "كان يُحرِّك أصبعه اليمني يدعو بها" [صحيح رواه النسائي]
(السبابة عند الجلوس في الصلاة)
ويقول: "لهي أشدُّ على الشيطان من الحديد". (يعنى السبابة) [حسن رواه أحمد]
12 - "كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره" (في الصلاة) [رواه ابن خزيمة وغيره وحسنه الترمذي] (ذكره النووى في شرح مسلم، وضعَّف حديث وضع اليد تحت السرة)
13 - إن الأئمة الأربعة أجمعت على قول "إِذا صح الحديث فهو مذهبي" فيكون التحريك ووضع اليد على الصدر في الصلاة من مذهبهم وهو من سنن الصلاة.
14 - لقد أخذ بسنة تحريك الأصبع (السبابة) في الصلاة الإمام مالك وغيره ... وبعض الشافعية -رحمهم الله - كما في شرح المهذب للنووي 3/ 454.
وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحكمة من تحريكها في الحديث المذكور أعلاه، لأن تحريك الإِصبع يشير إِلى توحيد الله، وهذا التحريك أشد على الشيطان من ضرب
(1/320)

الحديد، لأنه يكره التوحيد.
فعلى المسلم أن يتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا ينكر سنته فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي". [رواه البخاري]

صوم النبي - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال - صلى الله عليه وسلم - "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه" [متفق عليه]
2 - وقال الله - صلى الله عليه وسلم - "من صام رمضان وأتبعه ستاً مِن شوال كان كصوم الدهر" [رواه مسلم]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة (1) أحتسبُ على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء (2) أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" [رواه مسلم]
4 - وقال الله - صلى الله عليه وسلم - لئن بقيت إلى قابل لأصومَنَّ التاسع (3) ". [رواه مسلم]
5 - سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الإثنين ويوم الخميس؟
قال: "يومان تُعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحبُّ أن يعرَض عملي وأنا صائم" [رواه النسائي وحسَّنه المنذري]
6 - "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الفطر والأضحى" [متفق عليه]
7 - ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيامَ شهر قط إلا شهر رمضان [رواه البخاري ومسلم عن عائشة]
__________
(1) الواقف بعرفة لا يصومه.
(2) العاشر من محرم.
(3) التاسع من محرم.
(1/321)

عبادة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله - تعالى: {يا أيها المزَّمِّل قُمِ الليل إِلا قليلا} [الزمل: 1، 2]
2 - قالت عائشة: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان، ولافي غيره، على إحدى عشرة ركعة، يُصلي أربعاً، فلا تسأل عن حُسنِهن وطولهن، ثم يُصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً فقلت: أتنام قبل أن توتر؟ فقال يا عائشة: إن عينَي تنامان، ولا ينام قلبي". [متفق عليه]
3 - عن الأسود بن يزيد قال: "سألت عائشة -رضي الله عنها- عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل فقالت: "كان ينام أول الليل، ثم يقوم فإذا كان من السحَر أوتر، ثم أتى فراشه، فإذا كان له حاجة ... ألَمَّ بأهله فإذا سمع الأذان وَثَب، فإذا كان جنباً أفاض عليه من الماء وإلا توضأ وخرج إلى الصلاة" [رواه البخاري ومسلم وغيرهما]
4 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم حتى تنتفخ قدماه، فيقال له: يا رسول الله. تفعل هذا وقد غفرَ الله لكً ما تقدم مِن ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟! " [متفق عليه]
5 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حُبِّب إليَّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعلَت قُرَّةُ عيني في الصلاة" [صحيح رواه أحمد]

صفة كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:1 - 4]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو: "اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا الحق" [حسن رواه أبو داود]
3 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نُصرتُ بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجُعلت لي الأرض
(1/322)

مسجداً وطهوراً وبينما أنا نائم أتيت بمفاتح الأرض فَثُلَّت في يدي" [رواه البخاري] (جوامع الكلم: الكلام القليل ذو المعنى الكثير) (أتيت بمفاخّ خزائن الأرض: قال أبو هريرة: ذهب رسول الله وأنتم تستخرجونها) (ثُلت في يدي: أي أُلقيت في يدي).
4 - عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسردُ كسَردِكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بيِّن فصل يحفظه مَن جلس إليه". (فصل: ظاهر) [رواه مسلم]
5 - "كان يُحدَّث حديثاً لو عدَّه العادُّ لأحصاه". [متفق عليه]
6 - "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طويل الصمت" [رواه أحمد بإسناد حسن]
7 - "كان - صلى الله عليه وسلم - يعيد الكلمة ثلاثا لِتُعقَل عنه". [رواه البخاري]
وفي رواية (حتى تُفهم عنه). (المراد: الكلمة المهمة التي تحتاج للإعادة)
8 - "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب الجوامع مِن الدعاء، ويدَع ما بين ذلك" [صحيح رواه أحمد]
9 - "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم" [رواه مسلم]

صفة حوض النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكِيزانه كنجوم السماء، مَن شرب منه، فلا يظمأ أبداً" [رواه البخاري] (كيزان: جمع كوز: وهو إِناء كالإبريق لكنه أصغر منه)

من زهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [سورة طه: 131]
(1/323)

2 - "عن عمر بن الخطاب في حديث إيلاء (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن أزواجه، ألا يدخل عليهن شهراً، واعتزل عنهن في علية، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية، فإذا ليس فيها سوى صُبرة (2) من قرظ (3)، وأهبة معلقة، وصبرة مِن شعير، وإذا هو مضطجع على رُمال حصير، قد أثر في جنبه، فهملت عينا عمر، فقال: مالك؟ فقلت يا رسول الله أنت صفوة الله مِن خلقه، وكسرى وقيصر فيما فيه، فجلس محمَراً وجهه، فقال: أوَ في شك يا ابن الخطاب؟ كم قال: أولئك قوم عُخئت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا". [متفق عليه]
وفي رواية مسلم: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فاحمد الله -عَزَّ وَجَلَّ-".
3 - وعن علقمة عن ابن مسعود قال: "اضطجع رسول الله على حصير، فأثر
الحصير بجلده، فجعلت امسحه وأقول: بأبي أنت وأمي؛ إلا آذنتنا فنبسط لك شيئاً يقيك منه تنام عليه؟ قال: مالي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
4 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أن في مثل أُحُد ذهباً، ما سرني أن تأتي عليٌّ ثلاثٌ ليال، وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لديني" [رواه البخاري]
5 - وعن عمرو بن الحارث -رضي الله عنهما- قال: "ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته ديناراً ولا درهماً، ولا عبداً ولا أمَة، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة" [رواه البخاري]

جوع الصحابة والرسول - صلى الله عليه وسلم -
" يخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة، فإِذا هو بأبي بكر قاعد وعمر معه خارج بيوتهما".
__________
(1) الإملاء: الحلف.
(2) الصُّبرة: ما جمع من طعام أو غيره.
(3) ورق السلم يدبغ به
(1/324)

الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ما أخرجكما مِن بيوتكما هذه الساعة؟!.
أبو بكر وعمر: الجوع يا رسول الله!!
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما!.
"يأمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقوموا فقاموا معه، فذهبوا إِلى بيت رجل من الأنصار اسمه: (أبو الهيثم بن التيهان) فلم يجدوه في بيته".
المرأة: (تخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم -): مرحباً وأهلاً ...
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أين فلان؟ (يعني أبا الهيثم)
المرأة: ذهب يستعذب لنا الماء (يأتي بالماء الحلو) ..
"يأتي أبو الهيثم فينظر إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه، ويلتزم النبي ويفدّيه بأبيه وأمه"
أبو الهيثم: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني!
"ينطلق أبو الهيثم فيأتي بغصن نخيل فيه بسرُ وتمر ورطب."
(أنواع التمر حين نضجه).
أبو الهيثم: كلوا مِن هذه ....
"ينطلق أبو الهيثم ومعه السكين ليذبح لهم شاة"
الرسول - صلى الله عليه وسلم - إِياك والحلوب (احذر الشاة ذات اللبن)
"الرسول وصاحباه يأكلون التمر واللحم ويشربون الماء العذب، حتى شبعوا ورَوَوا".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لأبي بكر وعمر) والذي نفسي بيده لتُسألُن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم مِن بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم! [الحديث رواه مسلم ومالك والترمذي]
(1/325)

يُستفاد من الحديث
1 - كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته يشتد بهم الجوع، فيخرجون مِن بيوتهم، لعلهم يجدون طعاماً.
2 - لا بأس أن يذهب الرجل إِلى تناول الطعام في بيت أحد أصحابه.
3 - التنبيه على فضل النعمة، وشكر خالقها، وعدم الإشتغال بها عن المنعم.
4 - يجوز سؤال الرجل للمرأة من وراء حجاب.
6 - صبر الرسول وصحابته على الجوع.
7 - إكرام الضيف وتقديم ما عند الإِنسان من طعام وماء وغيرهما.
8 - الخروج من البيوت عند الجوع طلباً للقوت والأخذ بالأسباب.
9 - استحباب الإبتعاد عما يدر الخير كالغنم الحلوب وغيرها إِذا وجد ما يُستغنى به عنها.

عيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله - تعالى: {وَوَجدك عائلاً فأغنى} [سورة الضحى: 8]
(أي كنت فقيراً ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه) [تفسير ابن كثير]
2 - وعن عائشة أنها قالت: "إن كنا آل محمد، لَيَمر بنا الهلال، ما نوقد ناراً، إنما هما الأسودان: التمر والماء، إلا أنه كان حولنا أهل دور مِن الأنصار، يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم (1)، فيشرب ويسقينا مِن ذلك اللبن" [متفق عليه]
3 - وعن أنس قال: "ما أعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفاً مُرققاً، حتى لحق بالله، ولا شاة سميطاً (2) بعينه قط" [رواه البخاري]
__________
(1) النوق أو الأغنام.
(2) سميطاً: مشوية.
(1/326)

4 - وقال عمر بن الخطاب: "لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلتوي مِن الجوع، ما يجد ما يملأ مِن الدقل بطنه" [رواه مسلم] (الدقل: رديء التمر)
5 - وعن أنس أنه مشى إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبز شعير وإِهالة سنخة (1)، ولقد رهن درعه عند يهودي، فأخذ لأهله شعيراً، ولقد سمعته ذات يوم يقول؛
"ما أمسى عند آل محمد صالح تمر ولا صاع حَب". [رواه البخاري]
6 - "وكان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله، ولا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم الشعير" [حسن رواه أحمد وغيره]
7 - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت:، ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ قدموا المدينة - أيام تباعاً- مِن خبز بُرٍّ، حتى مضى لسبيله". (أي مات) [متفق عليه]
8 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً". (أي ما يسد الجوع) [متفق عليه]

بكاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -
الحديث الأول: "الرسول جالس مع عبد الله بن مسعود"
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: اقرأ عليَّ ...
ابن مسعود: أقرأُ عليك، وعليك أُنزل؟!
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أحب أن أسمعه مِن غيري ..
عبد الله بن مسعود يقرأ من سورة النساء حتى أتى هذه الآية:
{فكيف إِذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنابك على هؤلاء شهيداً}. [النساء: 41] الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "حسبك الآن".
"يلتفت ابن مسعود إِلى الرسول فإِذا عيناه تذرفان" (أي تدمعان) [الحديث متفق عليه]
__________
(1) دهن متغير الرائحة يؤتدم به.
(1/327)

يُستفاد من الحديث
1 - أن الخشوع عند سماع القرآن يكون بالبكاء لا بالصياح.
2 - قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للقارئ:
"حسبك الآن" ولم يقل صدق الله العظيم.
3 - كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحب سماع القرآن مِن غيره.
الحديث الثاني: "يدخل الصحابة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ولده إبراهيم وهو عند مرضعته، فيأخذه ويقبله ويشمه. ثم يدخل الصحابة عليه بعد ذلك فيجدون إبراهيم يجود بنفسه (أي يموت) فجعلت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان (تدمعان) ".
عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله! (تبكي)؟ الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنها رحمة .. إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". [متفق عليه]

يُستفاد من الحديث
1 - جواز البكاء على الميت بدون صراخ ولا نواح.
2 - جواز الحزن على الميت، مع الرضا بالقدر وتجنب الكلام الذي يدل على السخط.

رؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "من رأني في المنام، فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي" [رواه البخاري]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من رأني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتزيا بي". [متفق عليه]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي" [متفق عليه]
(1/328)

يستفاد من هذه الأحاديث
1 - أن رؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ممكنة، على الوجه الذي ورد في شمائله - صلى الله عليه وسلم - من طوله، ولونه، وهيئته، ولحيته، وغير ذلك.
2 - لقد ذكر المناوي في تفسير هذه الأحاديث أن الرؤيا الصحيحة: أن يراه بصورته الثابتة بالنقل الصحيح، فإن رآه بغيرها كطويل أو قصير، أو شديد السمرة. لم يكن رآه.
3 - وذكر المناوي أن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فسيراني في اليقظة" رؤية خاصة بصفة القرب والشفاعة (يوم القيامة).
4 - يدعي بعض الصوفية أنهم يرون الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا يقظة إستناداً للحديث الثالث، ورد عليهم ابن حجر بقوله: "يلزم عليه أن هؤلاء صحابة، وبقاء الصحبة إِلى يوم القيامة "! (وهذا لا يقوله مسلم).
5 - قرأت في أحد كتب الصوفية قوله: قال أبو المواهب الشاذلي قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ... إِلى آخر الحديث المكذوب" ولما سألت المؤلف عن هذا الشخص، هل هو صحابي؟ قال: لا، بل بينه وبين أبي الحسن الشاذلي خمسة مشايخ وقد رأى الرسول يقظة!! قلت له: الصحابة لم يروا الرسول يقظة بعد موته، فلم يقتنع، فقلت في نفسي: هذا من الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي حذر منه بقوله:
"مَن كذب عليَّ متعمدأ فليتبَوأ مقعدَه من النار" [متفق عليه]
6 - سئل شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن رجل زعم أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمره بشيء، فقال: يُكره، بل يحرم. ونص العلماء على أن الرؤيا لا يؤخذ منها أحكام.
7 - إِن أكبر رد على من يدعي رؤية الرسول يقظة بعد موته قوله تعالى:
{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100]
(1/329)

وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله - تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- إذا أراد رحمة أُمةٍ من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرَطاً وسلَفاً بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة، عذبها ونبيها حَيُّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه، وعصَوا أمره" [رواه مسلم]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله خيرٌ عبداً بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ذلك العبد ما عند الله" فبكى أبو بكر [رواه البخاري]
4 - وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "أخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كشف الستارة (1) يوم الاثنين فنظرت إلى وجهه كأنه ووقة مصحف- والناس خلف أبي بكر فكاد الناس أن يضطربوا، فأشار إلى الناس أن اثبتوا، وأبو بكر يؤمهم، وألقى السَّجفُ (الستر) وتُوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن آخر ذلك اليوم". [رواه البخاري ومسلم بنحوه]
5 - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "قبضه الله، كان رأسه لبَين نحري
وسَحري". (أرادت أنه مات في حِضنها) [رواه البخاري]
6 - وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "لما وَجَدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كَرب الموت ما وجد، قالت فاطمة -رضي الله عنها-: واكرباه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا كربَ على أبيك بعد اليوم إنه قد حضر مِن أبيك ما ليس بتارك منه أحداً (2) الموافاة يوم القيامة (3).
[رواه البخاري]
7 - وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: مكث النبي ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشراً، وتوفيَ وهو ابن ثلاث وستين [رواه البخاري]
__________
(1) المراد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بكشف الستارة المعلقة على بيته.
(2) أي نزل بأبيك الموت، فإنه أمر عام لكل واحد، والمصيبة إِذا عمت هانت.
(3) أي الملاقاة حاصلة يوم القيامة.
(1/330)

8 - وعن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات وأبو بكر بالسنح (تعني بالعالية بالمدينة) فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله!! فجاء أبو بكر، فكشف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقَبلَه وقال: بابي أنت، طِبتَ حياً وميتاً، والذي نفسي بيده، لا يُذيقنك الله الموتتين أبداً (1)، ثم خرج أبو بكر فقال: أيها الحالف على رسلِك "أي لا تعجل يا عمر" فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا مَن كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومَن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، وقال: {إِنك ميت، وإِنهم ميتون} [سورة الزمر: 144]
وقال: {وما محمد إِلا رسول قد خلت مِن قبله الرسل أفإن مات أو قُتلَ انقلبتم على أعقابكم ومَن ينقلِب على عقبَيه فلن يَضرَّ الله شيئاً وسيَجزي الله الشاكرين} [سورة آل عمران: 144]
قال فنشج الناس يبكون [رواه البخاري]
9 - وعن عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو صحيح: "إنه لم يُقبَض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُخير بين الدنيا والآخرة" قالت عائشة: فلما نزل به" ورأسه على فخذي" غُشيَ عليه كم أفاق فاشخص بصرَه إلى السقف، ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى" قلت: إذاً لا يختارنا قالت: وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح". [متفق عليه]
10 - والمعروف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - توفي يوم الإثنين سنة 11 ه بعد أن بلَّغ رسالته، وأكمل الله به الدين.
* * *
__________
(1) أشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا وفي النهاية سيموت.
(1/331)

من الأخلاق النبوية
بنيتَ لهم من الأخلاق رُكناً ... فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان جنابُهم فيها مَهيباً ... وللأخلاقُ أجدرُ أن تُهابا
(1/332)

من أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]
2 - وقال الله تعالى: {وإِنك لَعلى خُلُقٍ عظيم} [القلم: 4]
3 - "كان - صلى الله عليه وسلم - خلُقه القرآن" [رواه مسلم]
4 - "كان أبغضَ الخلُق إليه الكذب" [صحيح رواه البيهقي]
5 - لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: "إن مِن خياركم أحسَنِكم أخلاقاً". [متفق عليه]
6 - وعن أنس قال: "لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً، وكان يقول عند المعتبة: (المعاتبة) ماله تربت يمينه، وفي رواية ترِب جبينه" [رواه البخاري]
7 - "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً" [رواه البخاري]
8 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "قيل يا رسول الله ادعُ على المشركين، قال: "إني لم أبعَث لَعاناً، وإنما بُعثتُ رحمة" [رواه مسلم]
9 - "كان يتفاعل ولا يتطير (لا يتشاءم) ويُعجبه الإسم الحسَن" [صحيح رواه أحمد]
10 - عن عمرو بن العاص قال: "كان رسول الله يُقبِلُ بوجهه على أمر القوم يتألفهم بذلك، فكان يُقبِلُ بوجهه وحديثه عَلَيَّ، حتى ظننت أني خير القوم".
عمرو بن العاص: يا رسول الله، أنا خير أم أبو بكر؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر!
(1/333)

عمرو بن العاص: يا رسول الله، أنا خير، أم عمر؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: عُمَر!
عمرو بن العاص: يا رسول الله أنا خير، أم عثمان؟
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: عثمان!
عمرو بن العاص: فلما سألت رسول الله فصَدَقني، فلوَدِدت أني لم أكن سألته". [حسن رواه الترمذي]
11 - وعن عطاء بن يسار قال: "لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فقلت: أخبِرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة، فقال: "أجل، والله إِنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} وحِرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سَميتك المتوَكل، ليس بفَظٍّ ولا غليظ ولا سَخاب في الأسواق". (لا يرفع صوته ولا يصيح).
ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله حتى يُقيم به المِلَّة العوجاء، بأن يقولوا:"لا إله إلا الله" ويفتح به أعيناً عُمياً، وآذانا صُماً، وقلوباً غُلفا". [رواه البخاري]
12 - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما خُيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتهك حُرمة الله، فينتقم لله بها" [متفق عليه]
13 - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيء مِن محارم الله فينتقم لله". [رواه مسلم]
14 - وكان - صلى الله عليه وسلم - إِذا أتاه السائل، أو صاحب الحاجة فال؛ "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" [متفق عليه]
(1/334)

15 - وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلَني يوماً لحاجة، فقلت: واللهِ لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله - صلى الله عليه وسلم -. فخرجت حتى أَمُر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا برسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قد قبض بِقفاي مِن ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: يا أُنَيْس ذهبت حيث أمرتك؟
أنس -رضي الله عنه-: أنا أذهب يا رسول الله!
قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمتُه قال لشيء صنعتُه: لِمَ فعلت كذا وكذا؟ ولا عابَ عَلَيَّ شيئاً قط والله ما قال لي أُفٍّ قط [رواه مسلم]
16 - أسَر الصحابة سيداً اسمه "ثُمامة" وربطوه بسارية المسجد، فخرج إِليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"ماذا عندك يا ثُمامة؟ " فقال عندي يا محمد خير، إن تَقتُل تَقتل ذا دم، وإن تُنعم تُنعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسَل تُعطَ منه ما شئت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَطلِقوا ثمامة".
فانطلق ثُمامة فاغتسل كم دخل المسجد فقال:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ مِن وجهك فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ، وما كان من دينٍ أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان مِن بلد أبغض إليَّ مِن بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها إليَّ، ولما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ قال: لا ولكني أسلمت. [متفق عليه واللفظ لمسلم باختصار]

أحاديث في الأخلاق
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً". [متفق عليه]
2 - "إن من أحبكم إليَّ أحسنَكم أخلاقاً". [رواه البخاري]
(1/335)

3 - "أكمل المؤمنين إيماناً، أحسنُهم خُلقاً، وخيارُكم: خيارُكم لنسائهم خلُقاً". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
4 - "إن لكل دين خلقاً، وإن خلُق الإسلام الحياء". [حسن رواه ابن ماجه]
5 - "إن المؤمن ليُدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" [صحيح رواه أبو داود]
6 - "إن مِن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً، وألطفهم بأهله" [رواه الترمذي وحسنه]
7 - "ما مِن شيء [أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة مِن خلُق حسن، وإن الله يُبغض الفاحش البذيء" رواه أبو داود والترمذي، وقال حسن صحيح]
8 - "إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة، الثرثارون، والمتشدَّقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله ما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون". [رواه الترمذي وحسنه محقق جامع الأصول بشواهده]
(الثرثارون: المكثرون من الكلام تكلفاً) (المتشدقون: المتكلمون تفاصحاً وتعظيماً لنطقهم)
9 - "البرُّ حسنُ الخلق" [رواه مسلم]
10 - "اتِق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة تمحُها، وخالق الناس بخلُق حَسن".
[رواه الترمذي وحسنه]
11 - "إنما بُعثت لِأُتمم صالح الأخلاق" [صححه الحاكم ووافقه الذهبي]
12 - "ألا أخبركم بمَن يَحرم على النار، أو بمَن تحرم عليه النار؟ على كل قريب سهل ليّن" [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني بشواهده]
13 - "أحَب عباد الله إلى الله، أحسنهُم خلُقا" [رواه الحاكم وصححه الألباني]
14 - " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلُقا، الموَطَّؤون أكنافاً، الذين يألفون، ويؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" [رواه الطبراني وحسنه الألباني]
15 - "سئل - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخُلق" [رواه الترمذي وهو صحيح بشواهده عند محقق جامع الأصول]
(1/336)

16 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن غِز كَرِيم، والفاجر خَب لئيم". [رواه أحمد وغيره وحسنه الألبانى]
17 - "المؤمنون هيِّنون ليِّنون كالجمل الأنِف، إن قيد انقادَ، وإن أُنيخ على صخرة، استناخ". (الأنِف: الذلول) [حسنه الألباني بشواهده]
18 - "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير مِن المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" [رواه أحمد، وحسنه الحافظ في الفتح]
19 - "ألا أُنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى، قال: "خياركم أطولكم أعماراً وأحسنكم أخلاقاً". [رواه أحمد، وقال الألباني حسن لغيره]
20 - "أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا، صِدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحُسن الخلق، وعفة مطعم" [رواه أحمد وغيره وصححه الألباني في السلسلة]
21 - "إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا مُتعنِّتاً، ولكن بعثني مُعَلماً ومُيسِّراً". [رواه مسلم]
22 - " أنا زعيمُ بيتٍ في ربَض الجنة لمن تَرك المِراءَ وان كان مُحِقاً، وبيت في وسط الجنة لِمن ترك الكذب وإن كان مازحاً. وبيت في أعلى الجنة لمن حسُن خلُقه". (ربَض: أسفل، المراء: الجدال) [رواه أبو داود وحسنه الألباني في السلسلة وهو في رياض الصالحين]

من دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأخلاق
1 - " اللهم اهدني لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يِهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيِّئ الأعمال، وسيِّئ الأخلاق، لا يقي سَيِّئها إلا أنت" [أخرجه النسائي، وصححه الأرناؤوط في جامع الأصول]
2 - "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء"
[رواه الترمذي وصححه الألباني]
(1/337)

3 - "اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذاتَ بيننا". [رواه البخاري]
4 - "اللهم إنما أنا بَشرٌ، فأيُّ المسلمين سببتُه أو لعنته، فاجعلها له زكاة وأجرا". [رواه مسلم]
5 - "اللهم مَن ولِيَ مِن أمرِ أمتي شيئاً فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومَن ولي مِن أمر أُمتي شيئاً، فرفق بهم، فارفق به" [رواه مسلم]
6 - "اللهم إني أعوذ بك مِن علم لا ينفع". [رواه مسلم] (لا أعمل به، ولا أبلِّغه غيري، ولا يُبدِّل من أخلاقي السيئة)
7 - "اللهم كما حسَّنت خَلقي، فأحسِن خُلقي" [رواه أحمد، وصححه الألباني في المشكاة رقم 5099]

العفو عند الخصام
1 - " عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلاً شتم أبا بكر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس يتعجب ويبتسم، فلما أكثر رَدَّ عليه بعضَ قوله، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام، فلحقه أبو بكر.
أبو بكر: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس، فلما ردَدتُ عليه بعضَ قوله غضبتَ وقُمتَ!!
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: كان معك مَلَكُ يَرُدُّ عليه، فلما رددتَ عليه وقع الشيطان (أي حضر)، يا أبا بكر: ثلاث كلُّهُن حَق: ما مِن عبد ظُلِم بمظلمةٍ فيُغضي (1) عنها لله -عَزَّ وَجَلَّ- إلا أعز الله بها نصرَه، وما فتح رجل بابَ عطية (2) يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة (3) يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قِلة" [رواه أحمد، وحسنه الألباني في المشكاة رقم 5102]
__________
(1) يعفو عنها.
(2) أي باب صدقة يعطيها لغيره.
(3) أي يسأل الناس المال.
(1/338)

2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المستَبَّان ما قالا، فعلى البادئ مالَم يَعتدِ المظلوم". [رواه مسلم]
دل الحديث على جواز مجازاة من ابتدأ الإِنسان بالأذية أو السبَّ بمثله، وأن إِثم ذلك عائد على البادئ، لأنه المتسبب لكل ما قاله المجيب، إِلا أن يعتدي المجيب في أذيته بالكلام، فيختص به إِثم عدوانه لأنه إِنما أُذن له في مثل ما عوقب به. قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40]
وعدم المكافأة والصبر والاحتمال أفضل، كما في حديث أبي بكر الأول.
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصِم" [متفق عليه]
ومعناه "أن الله يبغض مَن كان شديد المراء الذي يحج صاحبه، وحقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لإظهار خلَل فيه، لغير غرض سوى تحقير قائله وإِظهار مزيتك عليه" هذا شرح الصنعاني.

من تواضع الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]
2 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلُقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير وهو فطيم - كان إذا جاءنا، قال: يا أبا عمير، ما فعل النغَيْر؟ لِنُغَرٍ كانْ يلعب به". (أي عصفور) [رواه البخاري ومسلم]
3 - وعن الأسود بن يزيد النخعي -رحمه الله- قال: سألت عائشة -رضي الله عنها- "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع في بيته؟ قالت: يكون في مهنة (1) أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ، ويخرج إلى الصلاة" [رواه البخاري]
4 - وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "إن كانت الأمَة (2) لَتأخذ بيد رسول
__________
(1) حوائج أهله.
(2) الجارية يذهب معها الرسول ليحل لها مشاكلها.
(1/339)

الله - صلى الله عليه وسلم -، فتنطلق به حيث شاءت" [رواه البخاري]
5 - وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "ما كان شخص أحب إليهم مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا إذا راوه لم يقوموا له، لما يعلمون مِن كراهيته لذلك". [رواه أحمد والترمذي بسند صحيح]
6 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُطروني كما أطرتِ النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله، ورسوله. (الإطراء: الزيادة في المدح) [رواه البخاري]
7 - "كان يزور الأنصار، ويسلِّم على صبيانهم. ويمسح رؤوسَهم" [صحيح رواه النسائي]
8 - "كان لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه، أو سكت". [صحيح رواه الحاكم]
9 - "كان يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم". [صحيح رواه أبو يعلى]
10 - "كان يتخلف في المسير، فيُزجي الضعيف، ويردف، ويدعو لهم"
(يُزجي: يسوق الضعيف ليلحق بأهله) [صحيح رواه أبو داود]
11 - "كان يُكثر الذكر، ويُقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته" [صحيح رواه النسائي]
12 - كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبر الشعير" [صحيح رواه الطبراني]
13 - "كان لا يُدفع عنه الناس ولا يُضرَبوا عنه" [صحيح رواه الطبراني]
14 - "كان لا يَرُدُّ الطيب" [رواه البخاري]
15 - "كان يُلاعب زينب بنت أم سلمة، ويقول: يا زُوينب، يا زوينب مِراراً".
[صحيح رواه الضياء]
16 - عن جابر -رضي الله عنه- قال: "أتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يمشيان". [رواه البخاري]
(1/340)

17 - "وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على صبيان يلعبون فسلَّم عليهم" [رواه مسلم]
18 - وعن عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته، كما يعمل أحدكم في بيته. وقالت: كان بشراً مِن البشر يُفلِّي ثوبه، ويَحلب شاته ويخدم نفسه" [رواه الترمذي وصححه الألباني]
19 - وعن أنس قال: "خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء قط أُتيَ فيه، (أي أهلك وأُتلف) فإن لامني لائم مِن أهله قال: دعوه، فإنه لو قُضي شيء كان" [رواه البيهقي وصححه الألباني]

أحاديث في التواضع
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد ولا يبغي أحد على أحد". [رواه مسلم]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما نقصت صدقة مِن مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عِزًا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه". [رواه مسلم]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لو دُعيتُ إلى كُراعٍ, أو ذراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلتُ" [رواه البخاري]
4 - وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كانت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (العضباء) لا تُسبق، أو لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابي على قعود له (جمل) فسبقها، فشقَّ ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - "حقٌّ على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" [رواه البخاري]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، قال أصحابه: وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" [رواه البخاري]
6 - وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إِذا أكل طعاماً لعق أصابعه
(1/341)

الثلاث قال: وقال (الرسول - صلى الله عليه وسلم -):
"إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدَعها للشيطان" وأمر أن تُسلَت القصعة قال: "فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة". [رواه مسلم]
أقول: إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن لا نترك اللقمة الساقطة، فكيف بمن يلقي الطعام الباقي في أماكن القمامة، ولا يوزعه على الفقراء المحتاجين إِليه؟

عاقبة المتكبرين
1 - قال الله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [سورة الإسراء]
2 - وقال تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 18، 19]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: "العزّ إزاري، والكِبرياء ردائي، فمن نازعني شيئاً منهما عذبته". [رواه مسلم]
(إزاري وردائي): شبه العزَّ والكبرياء بالإِزار والرداء، لأن المتصف بهما يشملانه، كما يشمل الإِنسان الإِزار والرداء وأنه لا يشاركه في إِزاره وردائه، فلا ينبغي أن يشركه فيهما أحد، فضربه مثلاً لذلك، ولله المثل الأعلى [ذكره ابن الأثير في جامع الأصول]
4 - وقال: - صلى الله عليه وسلم - "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يُحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنةً، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بَطَرُ الحق، وغمطُ الناس" [رواه مسلم]
وفي رواية: "لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل مِن إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل مِن كِبر". [رواه مسلم]
(1/342)

معنى الحديث
1 - (بطرُ الحق: رَدُّ الحق، غَمطُ الناس: احتقارهم)
2 - ذكر الإمام النووي في شرح صحيح مسلم هذا الحديث:
"لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة مِن كبر"
(أي لا يدخلها مع المتقين أولاً، حتى ينظر الله فيه، فإما أن يجازيه، وإما أن يعفو عنه)
3 - وقوله: "لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان"
(يعني به دخول تخليد وتأبيد) [ذكره ابن الأثير في جامع الأصول]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يُحشرُ المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صوَر الرجال يغشاهم الذُّل مِن كل مكان، يساقون إلى سجن جهنم يُقال له: (بُولَس) تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصارة أهل النار طينة الخبال". (طينة الخبال: صديد أهل النار) [رواه الترمذي وحسنه، ووافقه محقق جامع الأصول]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "قد أذهب الله عنكم عِبِّيَّة الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلِق مِن تراب"
(عبَيًة الجاهلية: كبرها) [رواه الترمذي وحسنه، ووافقه محقق جامع الأصول]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "بينما رجل يمشي في حُلَّة تُعجبه نفسهُ، مُرَجَل رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" [متفق عليه] (مُرجَّل: أي مُسرح. يتجلجل: يسوخ في الأرض)

من حلم النبي - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]
2 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه بُردٌ
(1/343)

نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جَبذة شديدة، حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثَّرت بها حاشية البُردِ مِن شدة جبذتِه، قال: يا محمد، مُرْ لِي مِن مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ضحك، كم أمرَ له بعطاء". [متفق عليه]
3 - وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأشج عبد القيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" [رواه مسلم]
4 - نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة فعلَّق بها سيفه، ثم نام، فاستيفظ وعنده رجل وهو لا يشعر به فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"إن هذا اخترط سيفي، فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فشام السيف، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه" [متفق عليه واللفظ للبخاري مختصراً]
(اخترط سيفي: سَلَه بن غْمده. فشام السيف: أعاده لغمده)

الغضب وعلاجه
1 - قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]
2 - وقال الله - تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]
3 - وعن عائشة قالت: "وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تُنتهكَ حرمة الله، فينتقم لله بها" [متفق عليه]
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن كظم غيظاً وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يُخيِّره في أي الحور شاء" [رواه الترمذي وأبو داود وقال الألباني في المشكاة حسن]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم - "ليس الشديدٌ مَن غلَب الناس ولكن الشديد مَن غلب نفسه" [صحيح رواه ابن حبان وصححه]
(1/344)

5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" [متفق عليه]
6 - جاء رجل إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أوصني ولا تكثر عَليَّ، لَعلِّي أحفظ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تغضب" [رواه البخاري]
7 - وعن سلمان بن صُرد، قال: استبَ رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مُغضَباً، قد احمرَّ وجهه.
النبي - صلى الله عليه وسلم -: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"
الصحابة للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
الرجل الغاضب: إِني لست بمجنون [متفق عليه]
8 - وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]
قال: (الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله، وخضع لهم عدَّوهم كأنه وَلِيٌّ حميم) [رواه البخاري تعليقا]
9 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الغضب مِن الشيطان، وإن الشيطان خُلِق مِن النار، وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليَتوضأ".
[أخرجه أبو داود وحسنه شعيب الأرناؤوط في شرح السنة]
10 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إِذا غضب أحدكم وهو قائم، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع". [رواه أبو داود وحسَن إِسناده شعيب الأرناؤوط في شرح السنة]
ذكر الخطابي في هذا الحديث فقال ما نصه:
القاثم متَهيِّئ للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى والمضطجع ممنوع منهما.
فيشبه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا تبدر منه في حال
(1/345)

قيامه وقعوده بادرة يندم عليها فيما بعد - والله أعلم.
[نقلا من سنن أبي داود وشرح معالم السنن للخطابي ج 7/ 116]

من معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نعُد الآيات بَركةً وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى سفر فقلَّ الماء.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "اطلبوا لي فضلة مِن ماء".
"الصحابة يجيؤون بإِناء فيه ماء قليل، فيُدخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يده في الإِناء".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -:"حَي على الطهور المبارك، والبركة مِن الله".
ابن مسعود: لقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع الرسول - صلى الله عليه وسلم -ولقد كنا نسمع تسبيح الطعاء وهو يؤكل (الآيات: المعجزات) [رواه البخاري]
2 - وعن عمران بن حصين قال: سرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر هو وأصحابه، فأصابهم عطش شديد، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين من أصحابه: أحسبه علياً والزبير، أو غيرهما ...
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا، معها بعير عليه مُزادتان، فأتياني بها"
"الصحابيان يأتيان المرأة، فيجدانها قد ركبت بين مُزادتين على البعير"
(مزادتين: قربتان من جلد).
الصحابيان (للمرأة) أجيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرأة تسأل ومن هو رسول الله؟ هذا الصابئ .. (أي التارك لدين آبائه)
الصحابيان: هو الذي تعنين هو رسول الله حقاً.
"تأتي المرأة إِلى رسول الله، فيأمر أن يُؤخذ من مُزادتيها، ويوضع في الإِناء، ثم
(1/346)

يقول في الماء ما شاء الله أن يقول، ثم أعاد الماء في المزادتين، ثم أمر بفتح المزادتين فَفُتحتا، ثم أمر الناس فملؤوا آنيتهم، وأسقيتهم، فلم يدَعوا (يتركوا) إِناء ولا سِقاء إِلا ملؤوه"
قال عمران: حتى كان يُخيلُ إِلي أنها لم تزدَد إِلا امتلاءً.
"يأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يُبسط ثوب المرأة، ثم أمر أصحابه أن يُحضروا شيئاً من زادهم، حتى ملأ لها ثوبها".
الرسول - صلى الله عليه وسلم - (للمرأة): "اذهبي فإنا لم نأخذ مِن مائك شيئاً، ولكن الله سقانا" "تأخذ المرأة الزاد والمزادتين وتأتي أهلها"
المرأة لأهلها: جئتكم مِن عند أسحر الناس، أو إِنه لرسول الله حقاً.
"يأتي أهل ذلك الحِواء (الحي) إِلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيُسلموا كلهم" [متفق عليه]

يستفاد من هذه المعجزة
1 - يلفت الرسول - صلى الله عليه وسلم - نظر أصحابه إِلى الماء المبارك الذي ينبع من بين أصابعه - إِنما بركته من الله وحده الذي خلق هذه المعجزة، وهذا حرص من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على توجيه أمته إِلى التوحيد، وتعلُّقهم بالله ولذا قال: "والبركه من الله"
2 - قد يُطلعُ الله رسولَه على بعض المغيبات عندما يريد، وعند اللزوم، ولذلك أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عن مكان المرأة التي تحمل الماء.
3 - كان المشركون يقولون لمن أسلم (صابئ) (أي تارك دين آبائه الذين لِدعون الأولياء من دون الله) ليصرفوا الناس عنه ويذمونه، وفي عصرنا من دعا إِلى التوحيد، وأمر بدعاء الله وحده، وحذر من دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء، حسب أمر الله ورسوله- قال الناس عنه (وهابي) ليصرفوا الناس عن دعوته، لأنه في نظرهم كالصابئ في نظر المشركين، وشاء الله أن تكون كلمة (وهابي) نسبة إِلى (الوهَّاب) وهو اسم من
(1/347)

أسماء الله الذي وهب له التوحيد.
4 - المكافأة على الإحسان: أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكافئ المرأة التي أعطتهم قليلاً من الماء، فملأ ثوبها زاداً بعد أن أعاد لها الماء، ولم ينقص منه شيء وقال لها: "ولكن الله سقانا".
5 - لقد تأثرت المرأة بهذه الأخلاق والمعاملة الطيبة التي لقيتها من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، فعادت إِلى قومها تقول لهم: إِنه لرسول الله حقاً، وتكون النتيجة أن يُسلم أهلها ومن معهم جميعاً.
6 - بهذا الحرص على التوحيد، وبهذه الأخلاق الحسنة، نصر الله المسلمين، وانتشر الإسلام في المعمورة، ويوم ترك المسلمون التوحيد والأخلاق الفاضلة أصابهم الذل والهوان، ولا عزَّ لهم إِلا بالرجوع إِلى التوحيد والأخلاق. {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز} [الحج: 40]

مِن صَبر النبي - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 127، 128]

الحديث الأول:
عائشة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هل أتى عليك يوم كان أشدَّ مِن يوم أحُد؟ الرسول - صلى الله عليه وسلم -: لقد لقيتُ مِن قومِك، وكان أشدّ مالقيتُ منهم يومُ العقبة، إذ عَرضتُ نفسي على ابن عبدِ ياليل بن عبد كلال، فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا
وأنا بقرنِ الثعالب (1)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت، فإذا فيها جبريل.
__________
(1) جبل بين الطائف ومكة.
(1/348)

جبريل (ينادي): إن الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث إليك ملَكَ الجبال لِتأمر بما شئت فيهم.
ملَك الجبال: (يُسلِّم على الرسول ويقول): يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أُطبق علمهم الأخشبَين" (جبلان بمكة).
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بل أرجو أن يُخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً. [متفق عليه]

الحديث الثاني:
"وعن ابن مسعود قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسْماً"
رجل يقول: ما أُريد بهذا وجه الله ..
"ابن مسعود يذكر كلام الرجل للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيتمعَّرُ وجهه" (أي يتغير)
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: يرحم الله موسى قد أوذيَ بما هو أشد مِن هذا فصبر". [متفق عليه]

الحديث الثالث:
"الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد تُكسرُ رباعيته، ويشُجُّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: كيِف يُفلح قوم شجُّوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟ ".
القرآن ينزل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]

الحديث الرابع:
عن خَبَّاب قال: شكونا إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مُتوسِّد بردهْ له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تدعو الله لنا؟ إِلا تستنصر لنا؟ فجلس محمَرًّا لونه أو وجهه، فقال لنا: "لقد كان مَن قبلكم يؤخذ الرجل، فيُحفَر له في الأرض، ثم يجاء بالمنشار، فيُجعَل فوق رأسه، ثم يُجعُل بفرقتين ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه مِن عظم
(1/349)

وعصَب ما يصرفه عن دينه، ولَيُتِمَنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، ولكنكم تستعجلون" [رواه البخاري]

مِن رفق الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]
الحديث الأول: عن أنس -رضي الله عنه- قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد.
أصحاب الرسول: (يصيحون به) مَه مَه (أي أترك)
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: لا تُزرموه دعوه (لا تقطعوا بوله)
"يترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله ثم يدعو الرسول الأعرابي"
الرسول (للأعرابي): "إن المساجد لا تصلح لشيء مِن هذا البول والقذر، إنما هي بذكر والصلاة، وقراءة القرآن"
الرسول لأصحابه: "إنما بُعثتم مُبَشِّرين، ولم تُبعثوا مُعَسّرين، صُبُّوا عليه دَلواً من الماء"
الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لقد تحجَّرتَ واسعاً". أي ضيقت واسعاً. [متفق عليه]
الحديث الثاني: وعن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- قال: بينا أنا
أُصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذ عطس رجل من القوم (أي المصلين).
معاوية للعاطس: يرحمك الله:
"المصلون ينظرون لي منكرين"
معاوية يخاطبهم: وا ثُكل أُماه. ما شأنكم تنظرون إِليَّ؟
(1/350)

"المصَلون يضربون بأيديهم على أفخاذهم لِيَسكت، فسكت عندما رأهم يُصمّتونه حتى انتهت الصلاة".
معاوية يمدح الرسول: بأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسنَ تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني, ولا شتمني (كهرني: قهرني)
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن ... " معاوية: يا رسول الله إِني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإِسلام، وإن منا رجالا يأتون الكهان (الذين يدعون علم الغيب).
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " فلا تأتهم".
معاوية: ومنا رجال يتطيرون (يتشَاءمون).
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يَصدَّنهم". (أي لا يمنعهم ذلك عن وجهتهم، فإن ذلك لا يؤثر نفعًا ولا ضرًا). [الحديث رواه مسلم]

الحديث الثالث:
وعن عائشة قالت: إِن اليهود أتَوا النبي - صلى الله عليه وسلم -
اليهود: السَّام عليك (الموت عليك)
الرسول: وعليكم.
عائشة: السام عليكم. ولعنكم الله وغضب عليكم.
الرسول: "مهلاً يا عائشة عليكِ بالرفق، وإياكِ والعُنف والفُحش".
عائشة: أو لم تسمع ما قالوا؟
الرسول: "أو لم تسمعي ما قلت: رددتُ عليهم، فيستجاب لي، ولا يستجاب لهم فِيَّ" [رواه البخاري]
وفي رواية لمسلم: "لا تكوني فاحشة، فإن الله لا يحب الفُحشَ والتفحشَ".
(1/351)

أحاديث في الرفق
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق مالا يُعطي على العُنف، وما لا يُعطي على سواه" [رواه مسلم]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: " عليكِ بالرفق، وإياكِ والعُنف والفحش، إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزَع مِن شيء إلا شانه". (أي عابه) [رواه مسلم]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يا عائشة ارفقي، فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق" [صحيح رواه أحمد]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن يُحرَم الرفق، يُحرَم الخير كله". [رواه مسلم]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أعطي حظَّه مِن الرفق، فقد أعطي حظَّه مِن الخير، ومَن حُرِم حظَّه مِن الرفق، فقد حُرِمَ حظَّه مِن الخير". [رواه أحمد والترمذي وحسنه الأرناؤوط]
6 - "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا بعث أحدًا مِن أصحابه في بعض أمره قال: بَشروا ولا تُنفِّروا ولا تُعسِّروا". [متفق عليه]
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها فاسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي مما أعلم من شدة وَجدِ أُمه مِن بكائه". [متفق عليه] (أتجوَّز: لا أُطيل، وَجدُ أُمه: حُزن أمه)

مِن شجاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ
الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 84]
2 - "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسنَ الناس وَجهًا، وكان أجودَ الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناسٌ مِن قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت، -وفي رواية-: وقد استبرأ الخبر - وهو على فرس
(1/352)

عُرْي لأبي طلحة، في عنقه السيف، وهو يقول: لن تُراعوا، قال: وجدناه بحرًا، أو إنه لبحر، قال: وكان فرسًا يبُطَّأ". [متفق عليه] (وجدناه بحرًا: وجدنا الفرس سريعًا)
3 - "جاء رجل إلى البراء، فقال: أكنتم وليتم يوم حُنَين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهدُ على نبي اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما ولَّى، ولكنه انطلق أخِفَّاءُ مِن الناس، وحُسْرٌ إلى هذا الحَي مِن هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل، كأنها رِجلُ من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول:
" أنا النبي لا كذب أنا ابنُ عبدِ المطلب "
"اللهم أنزل نصرَك". [متفق عليه]
" قال البراء كُنا والله إِذا احمرَّ البأس نتقي به وإن الشجاع منا الذي يحاذي به" (يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -). [رواه البخاري ومسلم]
4 - وعن علي -رضي الله عنه- قال: " لقد رأيتُني يوم بدر. ونحن نلوذ (أي نحتمي) بالنبي -عليه السلام- وهو أقربنا إلى العدوِّ، وكان مِن أشدِّ الناس يومئذ بأسًا" [حسن سنده محقق شرح السنة]
5 - وعن جابر -رضي الله عنه- قال: إِنا كنا نحفر، فعرضت كُدية شديدة (صخرة قوية) فجاؤوا إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم -: هذه كُدية عرضت لنا.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أنا نازل"
"يقوم الرسول وبطنه معصوب بحجر مِن الجوع فيأخذ المعوَل فيضرب الصخرة، فتعود كثيبًا أهيَل (ترابًا ناعمًا). [أصل القصة في البخاري ومسلم]
(1/353)

الرحمة عند الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "بُعثتُ بالرحمة". [رواه مسلم]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا رحمة مُهداة". [رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يرحم الله من لا يرحم الناس". [متفق عليه]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنزَع الرحمة إلا مِن شقي". [رواه الترمذي وغيره وحسنه الأرناؤوط]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الراحمون يرحمهم الرحمن -تبارك وتعالى- ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء". (أي على السماء وهو الله). [رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني والأرناؤوط]
7 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:"قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال مَن لا يَرحَم لا يُرحَم". [متفق عليه]
8 - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنكم تُقبِّلون الصبيان، ولا نُقبِّلهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أوَ أملكُ لك أن نزع الله الرحمة من قلبك". [متفق عليه]
9 - "كان - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا، لا يأتيه أحدٌ إلا وعده وأنجز له إن كان عنده" (أي كان لا يرد سائلًا). [حسن رواه البخاري في الأدب المفرد]
10 - وعن أنس بن مالك قال: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[رواه مسلم]

رحمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحيوان
1 - وعن سهيل بن الحنظلية قال: "مَرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمَة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة". (المعجمة التي لا تنطق) [أخرجه أبو داود وحسن إسناده الأرناؤوط]
(1/354)

2 - وعن عبد الله، عن أبيه قال: "كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا (حُمّرة) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة، فجعلت تُعرِّشُ، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مَن فجع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: مَن أحرق هذه؟ قلنا: نحن قال: لا ينبغي أن يُعذِّب بالنار إلا رب النار". [رواه أحمد وغيره وصحح إسناده الأرناؤوط] (الحمَّرة: طائر يشبه العصفور) (تُعرِّش: ترفرف)
3 - "كان - صلى الله عليه وسلم - يُصغي للهرة الإناء، فتشرب ثم يتوضأ، بفضلها" (يُصغي: يميل) [صحيح رواه الطبراني]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِبحة، ولْيُحِدَّ أحدكم شفرته، ولْيُرح ذبيحته". [رواه مسلم]
5 - وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "مَرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يُحِدُّ شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: أتريد أن تُميتها مَوتتين؟! هلا حدَدتَ شفرتك قبل أن تضجعها؟ "
(تلحظ: تنظر). [رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "عُذَبت امرأة في هِرة سجَنتها حتى ماتت ... ، فدخلت فيها النار, لا هي أطعمَتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل مِن خشاش الأرض" [رواه البخاري] (خشاش الأرض: حشراتها)

مِن عدل الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ...} [النحل: 90]
2 - وقال تعالى آمراً نبيه: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15]
3 - وعن عائشة قالت: "إن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا مَن يُكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالوا ومُن يجترئ عليه إلا أُسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله
(1/355)

- صلى الله عليه وسلم -؟ فكلمه أُسامة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتشفعُ في حَدٍّ مِن حدود الله؟ ثم قام فاختطب، ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، فإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحَد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها.
ثم أمر بتلك المرأة التي سَرقت فقطِعت يدها، قالت عائشة: فحسُنت توبتها بعدُ وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك فارفعُ حاجتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[متفق عليه]

مِن كرم النبي - صلى الله عليه وسلم -
1 - " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حتى ينسلخ فيأتيه جبريل، فيعرض عليه القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير مِن الريح المرسَلَة". [رواه البخاري]
2 - وعن أنس -رضي الله عنه-: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين مِن شاء الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلِموا فإن محمدًا يُعطي عطاء مَن لا يخشى الفاقة" (بشاء: أي بغَنم). [رواه مسلم]
3 - وعن أنس، "إن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاه غنمًا بين جبلين، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء ما يخاف الفاقة، فإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه , وأعز عليه مِن الدنيا وما فيها". [رواه مسلم]
4 - وعن ابن شهاب قال: "غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة الفتح: فتح مكة، ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه مِن المسلمين، فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ صفوان بن أميَّة مائة مِن النَّعم، ثم مائة، ثم مائة، قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله ما
(1/356)

أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ" [رواه مسلم]
وفي رواية: "فاقتتلوا والكفار بحنين"
5 - "لما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن غزوة حُنين، تبعه الأعراب يسألونه , فألجؤوه إلى شجرة ,فخطِفْت رداءه، وهو على راحلته, فقال: "رُدُّوا عليَّ ردائي، أتخشون عليَّ البخل؟ فوالله لو كان لي عدد هذه العضاه نعَمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا". [رواه البخاري]
6 - "بايع الرسول - صلى الله عليه وسلم - جابر بن عبد الله في جمل له كان قد كل في السفر، فباعه إياه بكذا درهمًا، ولما جاء يتقاضاه الثمن أعطاه الكمن والجمل معًا". [متفق عليه]

الحياء عند الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ...} [الأحزاب: 53]
2 - "كان - صلى الله عليه وسلم - أشد حياء مِن العذراء في خِدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه" [متفق عليه]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الحياء مِن الإيمان" و "الحياء خير كله". [متفق عليه]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الحياء مِن الإيمان، والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار" [رواه الترمذي وغيره، وقال حسن صحيح]. (البذاء: الفحش)
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم - "الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا، فإذا رُفِعَ أحدهما رُفع الآخر". [رواه الحاكم والبيهقي وصححه الألباني]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الحياء لا يأتي إلا بالخير". [متفق عليه]
(1/357)

7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الحياء والعِيُّ شعبتان مِن الإيمان. والبذاء والبيان شعبتان من النفاق". [رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع]
(العِيُّ: الابتعاد عن الكلام المهلِك، البذاء: الكلام الفاحش، البيان: التعمق في الكلام نفاقًا)
(والمعنى أن الحياء وقلة الكلام مِن شعب الإِيمان، والفحش والتشدق في الكلام مِن شعب النفاق).
8 - وعن يعلى بن أُمية قال: إِن رسول الله رأى رجلًا يغتسل بالبَراز (أي بالفضاء) فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله حَييُّ سِتِّيرُ، يُحب الحياء والتَّستُّر، فإذا اغتسل أحدُكم فليستتر". [رواه أحمد، وغيره، وحسن سنده الألباني في المشكاة]
9 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن لكل دين خُلقا، وإن خلُق الإسلام الحياء". [حسن رواه ابن ماجه]
10 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن مما أدرك الناس مِن كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئتَ". [رواه البخاري]
11 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضعٌ وسبعون شُعبة أو بِضعٌ وستون شُعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة مِن الإيمان". [رواه مسلم]
12 - وعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: "مَرَّ رسول الله برجل، وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنه ليَستحي يعني كأنه يقول: قد أضرَّ بك الحياء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "دَعه فإن الحياء مِن الإيمان". [متفق عليه]
13 - وعن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما كان الفحش في شيء إلا شأنه ولا كان الحياء في شيء إلا زانه".
(شانه: أي عابه). [رواه الترمذي وغيره، وقال محقق شرح السنة: إسناده صحيح]
(1/358)

من الآداب الإسلامية
دينٌ يُشَيَّدُ آيةً في آية ... لَبِناتُه السُّوراتُ والأضواء
الحقُّ فيه هو الأساسُ وكيف لا ... (والله مُنزلُه هُدىً وضياء)
أما حديثُك للعقول فمَشرَع ... والعِلمُ والحِكَمُ الغوالي الماء
(1/359)

من آداب الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - كان إِذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن مِن ركنه الأيمن أو الأ يسر، ويقول: "السلام عليكم، السلام عليكم" [صحيح رواه أحمد]
2 - كان إِذا بعث أحدًا مِن أصحابه في بعض أمره قال: "بشِّروا ولا تُنفِّروا، وَيسِّروا ولا تُعسِّروا". [صحيح رواه أبو داود]
3 - "كان يقبل الهدية ويُثيب عليها". [رواه البخاري]
4 - "كان يُغيِّر الإسمَ القبيح". [صحيح رواه الترمذي]
5 - كان إِذا دخل على مريض يعوده قال: "لا بأس طهور إن شاء الله". [رواه البخاري]
6 - كان إِذا شرب تنفس ثلاثًا، ويقول "هو أهنأ وأمرَأ وأبرأ". [صحيح رواه ابن ماجه]
7 - "كان إذا مشى مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة". [صحيح رواه ابن ماجه]
8 - "كان لا يصافح النساء في البيعة" (ولا غيرها). [حسن رواه أحمد]
9 - "كان يجعل يمينه لأكِله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه. وشماله لما سوى ذلك". [صحيح رواه أحمد]
10 - "كان إذا اطلع على أحد مِن بيته كذبَ كِذبة، لم يزل مُعرضِاً عنه، حتى يُحدِث توبة". [صحيح رواه أحمد]
11 - وعن عائشة قالت: "استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال:" ائذنوا له، فبئسَ ابن العشيرة - أو بئس أخو العشيرة" فلما دخل ألان له الكلام، فقلتُ له يا رسول قلتَ ما قلتَ ثم ألنتَ له في القول!! فقال: "إن شر الناسِ مَنزلة عند الله مَن تركه أو ودَعه الناسُ اتقاء فُحشه". [رواه البخاري في كتاب الأدب]
(وقد اعتبر العلماء قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه وهو غائب، وإلانته له القول وهو حاضر، من باب المداراة والتأليف ليُسلم قومه)
(1/360)

مِن هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - كان إِذا أتاه الأمر يَسُره قال "الحمد لله الذي بنِعمَته تَتِم الصالحات" وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: "الحمد لله على كل حال". [صحيح رواه الحاكم]
2 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنتُ اقرأ عليه وأمسح بيده رَجاء برَكتها". [متفق عليه]
3 - "كان إذا جاءه أمر يُسَرُّ به، خرَّ ساجدًا، شكرًا لِله - تعالى". [صحيح رواه أبو داود]
4 - كان إِذا خاف قومًا: قال "اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك مِن شرورهم" [صحيح رواه أحمد]
5 - كان إِذا راعه شيء قال: "الله ربي، الله ربي، لا شريك له". [صحيح رواه النسائي]
6 - كان إِذا كربه أمر قال: "يا حي يا قيوم، برَحمتِك أستغيث". [حسن رواه الترمذي]
7 - كان يتعوذ مِن الجان، وعين الإنسان، حتى نزلت "المعوذتان" فلما نزلت أخذ بهما وترك ما سواهما. [صحيح رواه الترمذي]
8 - كان يتعوذ مِن جهد البلاء، ودَرْكِ الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء" [متفق عليه]
9 - "كان يخطب ب (قاف) يوم الجمعة (أي يقرأ سورة ق) ". [رواه أبو داود بسند صحيح]
10 - كان إِذا غزا قال: "اللهم أنت عضُدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أُقاتل" [صحيح رواه أحمد]
11 - كان لا يقوم مِن مجلس إِلا قال: "سبحانك اللهم ربي وبحمدك، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" وقال: "لا يقولهن أحد حيث يقوم مِن مجلسه إلا غُفِر له ما كان منه في ذلك المجلس". [صحيح رواه الحاكم]
12 - "كان ينهانا عن كثير من الإرفاه" (أي التدهن وتسريح الشعر يوميًا).
"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نحتفِيَ أحيانًا". (نحتفي: نمشي حفاة) [رواه أبو داود، وصححه الألباني في المشكاة]
(1/361)

كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". [رواه مسلم]

مِن مِزاح الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - عن أنس قال: إِن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليُخاطبنا، حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عُمَير ما فعل النُّغَيْر" كان له نُغَير يلعب به فمات. [متفق عليه]
(النُّغير: طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار)
2 - وعن أبي هريرة قال: يا رسول الله إِنك تداعبنا. قال:
"إني لا أقول إلا حقًا".
(صدقًا). [حسن رواه الترمذي]
3 - وعن أنس أن رجلاً استحمل رسول الله فقال: "إني حاملك على ولد ناقة" فقال: وما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " وهل تلد الإبل إلا النوق؟ ". (استحمل: أي طلب منه أن يحمله على دابة)
[رواه أبو داود والترمذي بإِسناد صحيح]
4 - وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "ياذا الأُذنين". [رواه الترمذي وحسنه الألباني]
5 - وعن أنس، أن رجلًا من أهل البادية كان اسمُه زاهر بن حرام، وكان يهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - بن البادية، فيُجهَّزه رسول الله إِذا أراد أن يخرج، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه" وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحبه، وكان دميمًا، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه مِن خلفه لا يُبصره.
زاهر بن حرام: أرسلني، مَن هذا؟
"يلتفت زاهر فيرى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجعل يلزق ظهرهُ بصدر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عرفه"
الرسول - صلى الله عليه وسلم - (للناس) مَن يشتري العبد؟.
(1/362)

زاهر بن حرام للرسول: إذًا والله تجدني كاسدًا!!
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: لكن عند الله أنت غال". [رواه أحمد والترمذي، وصححه الحافظ في الإصابة]
المزاح - بكسر الميم: الانبساط مع الغير من غير تنقيص أو تحقير له، والمزاح المنهي عنه هو الذي فيه كذب أو إِفراط، ويداوم عليه، فإِنه يورث كثرة الضحك وقسوة القلب، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار. [ذكره الزغبي محقق الشمائل المحمدية]

الشعر الذي تمثل به الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]
2 - عن شريح قال: قلت لعائشة: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتمثل بشيءٍ من الشعر؟ قالت: كان يتمثل من شعر ابن رواحة. قالت: وربما قال: "ويأتيك بالأخبار مَن لم تُزوِّدِ". (هذا الشعر لطرفة من معلقته). [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح]
3 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: "ألا كلُّ شيء ما خلا اللهَ باطلُ" وكاد أُمية بن أبي الصلت أن يُسلِم. (قال ذلك الرسول عندما سمع شعره). [متفق عليه]
4 - وعن جندب بن سفيان البجلي قال: أصاب حجرٌ إِصبعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدميت فقال:
هل أنتِ إلا إصبعٌ دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيت
(هذا الشعر لابن رواحة)
5 - عن البراء بن عازب قال: "له رجل أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أبا عمارة؟ فقال: لا والله ما وَلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ولَّى سرعان الناس، تلقتهم هوزان بالنبل، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها ورسول الله
(1/363)

- صلى الله عليه وسلم - يقول: أنا النبي لا كذِب ... أنا ابنُ عبد المطلب
[متفق عليه]
6 - وعن البراء، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبرَّ بطنه يقول:
واللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا، ولا صَلَّينا
فأنزِلَنّ سكينةً علينا ... وثَبِّت الأقدام إِنْ لاقينا
والمشركون قد بغَوا علينا ... إِذا أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته: "أبينا أبينا". [متفق عليه]
7 - وعن أنس، قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق، وينقلون التراب وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يُجيبهم:
اللهم لا عيش إِلا عيش الآخره ... فاغفِر للأنصار والمهاجره
[متفق عليه]
(1/364)

حسان يمدح الرسول - صلى الله عليه وسلم -
أغرُّ (1) عليه للنبوهَ خاتم ... مِن الله مشهود يلوح ويشهدُ
وضمَّ الإِله اسمَ النبي إِلى اسمه ... إِذ قال في خمس المؤذن أشهدُ
وشقَّ له مِن اسمه لِيُجلَّه ... فذو العرش محمودٌ، وهذا محمدُ
نبيٌ أتانا بعد يأس وفترة ... مِن الرسل، والأوثان في الأرض تُعبدُ
فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا ... يلوح كما لاح الصقيلُ المهَندُ
وأنذرنا نارًا، وبشَّرَ جَنة ... وعلمَنا الإسلام، فاللهَ نحمدُ
وأنتَ إِله الخلق ربي وخالقي ... لذلك ما عَمَّرتُ في الناس أشهدُ
تعاليتَ رَبَّ الناس عن قول مَن ... دعا، سواك إِلهًا أنت أعلى وأمجدُ
لك الخلقُ والنَّعماء والأمرُ كله ... فإياك نستهدي، وإياك نعبدُ
* * *
بطيبة رسمٌ للرسول ومَعهد ... مُنير، وقد تعفو الرسوم وتهمَدُ
عرفتُ بها رسمَ الرسولِ وعهدَه ... وقبرًا به واراه التراب ومُلحِدُ
* * *
أعني الرسول فإِن الله فضله ... على البرية بالتقوى وبالجودِ
فينا الرسول وفينا الحق نتبعُه ... حتى المماتِ ونصرٌ غيرُ محدودِ
(من ديوان حسان بن ثابت -رضي الله عنه-)

لباس الرجل المسلم
1 - قال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} .. [المدثر: 4]
(اغسلها بالماء، وطَهر نفسك وأصلِح عمَلك) [ذكره ابن كثير]
__________
(1) أغر: أبيض.
(1/365)

2 - عن أُم سلَمة قالت: "كان أحبُّ الثياب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القميص". [صحيح رواه أبو داود وغيره انظر صحيح الجامع 4501] (القميص: ثوب طويل إِلى نصف الساق)
3 - وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى مَن جَرَّ ثوبه خيلاء". [متفق عليه]
(الخيلاء: الكبر والعُجب)
4 - وعن أبي هريرة قال:
"ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار" [رواه البخاري]
5 - وعن ابن عمر قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتَم سدل عمامته بين كتفيه" [رواه الترمذي وحسنه]
6 - وعن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، مَن جر منها شيئًا خُيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة" [رواه أبو داود والنسائي، وصحح إِسناده الألباني]
7 - وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله يقول: "إزار المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، قال ذلك ثلاث مرات ولا ينظر الله يوم القيامة إلى مَن جَرَّ إزاره بَطرًا"
(أي تكبرًا) [رواه أبو داود وابن ماجه، وصحح إِسناده الألباني]
8 - وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "مررت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي إزاري استرخاء فقال: يا عبد الله ارفع إزارك، فرفعته، ثم قال: زِد، فزدتُ، فما زلت أتحراها بعد، فقال بعض القوم: إلى أين؟ قال: إلى أنصاف الساقين". [رواه مسلم]
9 - وعن سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البسوا الثياب البيض، فإنها أطهرُ وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم". [رواه أحمد وغيره وإسناده صحيح]
10 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن لبس ثوب شُهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مَذلَّة يوم القيامة" [رواه أحمد وحسنه الألباني]
(1/366)

11 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتكَ اثنتان: سرَف ومخيلة" (أي اجتنب الإسراف والتكبر في الأكل واللبس). [رواه البخاري]

الخلاصة
1 - ذكر الإِمام النووي بعد ذكره أحاديث اللبس ما خلاصته:
أن الإِسبال يكون في الإِزار والقميص والعمامة والثوب، وأنه لا يجوز إِسباله تحت الكعبين إِن كان للخيلاء، فإِن كان لغيرها فهو مكروه، فالمستحب إِلى نصف الساقين، والجائز بلا كراهة إِلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع.
2 - وقد ذكر ابن حجر في الفتح رأيه، وهو عدم الجواز في اللباس تحت الكعبين فقال:
"وقد نقل القاضي عياض الإِجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء
(أي تطويل اللباس تحت الكعبين).
ثم قال ابن حجر: والحاصل أنّ للرجال حالين: حال استحباب، وهو أن يقتصر بالإزارعلى نصف الساق، وحال جواز وهو إِلى الكعبين".
ومفهوم كلامه أن إِطالة الإِزار، ومثله الثوب والسروال والبنطال تحت الكعبين غير جائز.
3 - وعن عبد الله بن عَمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى عليه ثوبين مُعَصفَرَين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما". [رواه مسلم]

يستفاد من الحديث
1 - لا يجوز للمسلم أن يلبس ثياب الكفار، أو أن يتزيَّا بزيهم لقوله - صلى الله عليه وسلم - "مَن تشبه بقوم فهو منهم". [صحيح رواه أبو داود]
(1/367)

لقد انتشر في كثير من البلاد الإِسلامية التشبه بالكفار كلباس البنطال الضيق الذي يسمونه (كوبوي، أو شارلستون وغيرهما)، وسمعت أحد العلماء يجيب شابًا عن سؤاله على لباس البنطال الضيق، فقال: حرام، لأنه يجسم العورة، وفيه تشبه بالكفار.
2 - أما لباس الرأس فهو شعار الأمم (1)، وقد تشبه بعض المسلمين فلبسوا البرنيطة، وتسمى القبعة، وقد فرضت على الجنود فألبسوهم القبعة التي يلبسها الكفار، ويلبسها بعض الأغنياء وبعض العمال بحجة ستر الرأس من الشمس، ولو ستروا الرأس بقلنسوة أو عمامة، أو منديل لكان أصحَّ لرؤوسهم، وأبعد عن مخالفة شرعية، فإِنا لله وإنا إِليه راجعون، فكيف نحارب الكفار، ونحن نتشبه بهم في لباسهم وعاداتهم؟ وكان الواجب أن نقلدهم في الأمور النافعة كصنع الطائرة، والدبابة والمدفع وغير ذلك مما يساعد على الدفاع عن ديننا وأرضنا ..

لباس المرأة المسلمة
1 - قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من جَر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أُم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟
قال: يرخين شبرًا، قالت إذن تنكشف أقدامُهن، قال فيُرخين ذراعًا لا يَزِدن عليه". [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
__________
(1) أي لكل أُمة شعار تُعرف به: فالعمائم مثلًا شعار العرب والمسلمين.
(1/368)

يستفاد من الآية والحديث
1 - أن لباس المرأة يجب أن يكون عريضًا وطويلًا يغطي القدمين، بعكس الرجال الذين أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقصروا الثياب إِلى نصف الساق، ولا يزيدوا عن الكعبين، وفي عصرنا انعكس الأمر، فأصبح الرجال يُطيلون ثيابهم أسفل الكعبين، ويتعرضون لدخول النار، وأصبح النساء يُقصرن إلى الركبة، أو ما فوقها، ويتعرضن بهذا العمل إِلى حرمانهن من دخول الجنة، كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " ونساء كاسياتٌ عاريات، مُميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لَيوجَد مِن مسيرة كذا وكذا". [رواه مسلم]
(والمعنى أن المرأة التي تكشف ساقها أو شيئًا من جسمها، وتتمايل في مشيتها ورأسُها مرتفع بشعرها كأنه سنام جمل، لا تدخل الجنة حتى تلقى جزاءها).
2 - إذا كان قدم المرأة لا يجوز كشفها فوجهها بالأولى، لأنها تعرف به، وفيه الفتنة أكثر، وسفور المرأة تقليد للكفار والأجانب وتشبه بهم، وفي الحديث: "مَن تشبه بقوم فهو منهم" [صحيح رواه أبو داود]
وليتبها قلدناهم في المخترعات النافعة كصنع الغواصات وغيرها مما يفيدنا، ولكن كما قال الشاعر:
قلَّدوا الغربي لكن بالفجور ... وعن الُّلبِّ استعاضوا بالقشور
3 - المسؤول هو الأب والزوج والأخ، وكل راع يقوم على النساء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم راع، وكُلكم مسؤول عن رعيته". [متفق عليه]

لبس الذهب والخاتم
1 - عن أنس -رضي الله عنه- قال: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتما من فضة، ونقش فيه محمد رسول الله". [رواه البخاري ومسلم]
(1/369)

2 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن خاتم الذهب" [متفق عليه]
3 - وعن عبد الله بن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى خاتمًا مِن ذهب في يد رجل، فنزعه وطرحه، وقال: "يعمد أحدُكم إلى جمرة مِن نار فيطرحها في يده" فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبدًا وقد طرحه
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [رواه مسلم]
4 - وعن علي بن أبي طالب قال: "نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ألبس خاتمي في هذه، أو في هذه أو في التي تليها، وأشار إلى الوسطى والتي تليها". [رواه مسلم]
وفي رواية النسائي: "نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخاتم في السبابة والوسطى"
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم - "مَن كان يُؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس حريرًا ولا ذهبًا" [أخرجه الحاكم وصححه , ووافقه الذهبي]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم - عن الذهب والحرير: "هذان حرام على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثها". [رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني بشواهده]
(المراد الحرير الأصلي المستخرج من دودة القز، لا الحرير الإصطناعي الموجود الآن)
7 - وعن عبد الله بن عمر: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى على بعض أصحابه خاتمًا من ذهب، فأعرض عنه، واتخذ خاتمًا مِن حديد، فقال هذا شر، هذا حلية أهل النار، فألقاها، فاتخذ خاتمًا من وَرِق (فضة) فسكت عنه" [رواه أحمد وصححه الألباني بشواهده في كتاب آداب الزفاف]
8 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من لبس الذهب مِن أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه ذهب الجنة". [رواه أحمد بسند صحيح]
(1/370)

يستفاد من الأحاديث
1 - أن الذهب محرم على الرجال، حلال للنساء، والمسلم هو الذي يستسلم لأوامر الله ورسوله.
2 - إذا لبس الرجل خاتم الذهب للزواج المسمَّى خاتم الخطبة، فهو حرام من الكبائر لأنه خالف أوامر دينه، وقلَّد الكفار والنصارى الذين ابتدعوا خاتم الخطبة، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم وفي لبس خاتم الذهب تشبه بالنساء، وفي الحديث:
" لعن النبي المتشبهين مِن الرجال بالنساء". [رواه البخاري]
3 - يباح للرجال خاتم الفضة، مالم يكن للخطبة، تجنبًا لمشابهة الكفرة.

الزينة في اللباس
1 - قال الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]
(ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية ما خلاصته: اغسلها، وطهر نفسك من
الذنوب والمعاصي وغيرهما).
2 - وقال الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] (ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية: عن ابن عباس قال:
كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس وهو ما
يواري السوأة وما سوى ذلك من جَيد البَزِّ والمتاع، فأُمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد) ثم قال ابن كثير بعد ذلك:
(ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يُستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس البياض)
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "البسوا الثياب البيض. فإنها أطهر وأطيب. وكفَّنوا فيها موتاكم".
(1/371)

[رواه أحمد وغيره وإسناده صحيح عند المحدثين]
4 - وعن البراء بن عازب قال: "كان رسول الله مربوعاً، وقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئًا قط أحسن منه". [متفق عليه]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال حبة مِن كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبر بَطَر الحق، وغَمط الناس". (رَدُّ الحق واحتقار الناس) [رواه مسلم]
6 - وعن أبي الأحوص عن أبيه -رضي الله عنه- قال: "أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وعَليَّ ثوبٌ دُونٌ (أي رديء) الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ألك مال؟ الرجل: نعم الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "مِن أي المال"؟ الرجل: مِن الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق. الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا أتاك الله مالًا، فلْيُرَ أثرُ نعمةِ اللهِ عليك وكرامته". [رواه أحمد وإسناده صحيح كما جاء في حاشية جامع الأصول]
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أنعم الله عليه نِعمة، فإن الله يُحب أن يرى أثر نِعمتِه على عبده". [رواه أحمد، وصححه الألباني في المشكاة]

الزينة للصلاة والناس
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما على أحدكم إن وجَد - أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مهنته". [رواه أبو داود وقال محقق جامع الأصول إِسناده صحيح]
2 - وعن جابر -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني أنمار، قال: فبينما أنا تحت شجرة، إذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
جابر: يا رسول الله، هَلُمَّ إلى الظِلّ.
"الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأتي ويُسلِّم وينزل، فيأتي جابر بصغار القثاء، ويُقربه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: مِن أين لكم هذا؟
(1/372)

جابر: خرجنا به من المدينة.
"يخرج راع لجابر، وعليه بردان قد أخلَقا (بَليا وتَلِفا) فنظر إِليه رسول الله".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أما له ثوبان غير هذين؟
جابر: بلى، له ثوبان في العيبة كسوته إِياهما.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فادعُه فليَلبَسهما.
"يأتي الراعي، ويلبس الثوبين ويذهب".
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ماله؟ ضرب الله عنقه - أليس هذا خيرًا؟
"الراعي يسمع كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -".
الراعي يتفاءل: في سبيل الله يا رسول الله.
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: في سبيل الله.
"الرجل يُقتَل في سبيل الله".
[رواه الإمام مالك والحاكم وقال محقق جامع الأصول إسناده حسن]

النظافة من الإيمان
1 - عن جابر بن عبد الله قال: "أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (زائرًا في منزلنا) فرأى رجلاً شعثًا قد تفرق شَعره فقال: أما كان يجد هذا ما يُسكِّنُ به شَعره؟ ورأى رجلاً أخر وعليه ثياب وسخة فقال: أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه".؟ [رواه أحمد وغيره، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له شَعر فليُكرِمه". [رواه أبو داود وحسنه الحافظ في الفتح]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "عشر مِن الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم (عقد الأصابع) ونتف الإبط وحلق العانة، وانتقاصُ الماء (يعني الاستنجاء) والمضمضة" [رواه مسلم]
(1/373)

4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خمس مِن الفطرة: الختان، والاستحداد (حلق العانة) وتقليم الأظافر، ونتف الإبط وقص الشارب". [متفق عليه]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن أشُق على أمتي -أو على الناس- لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" [متفق عليه]
6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "السواك مطهرة للفَم، مَرضاة للرب".
[رواه النسائي وغيره، وصححه النووي وغيره]

من آداب السلام
1 - قال الله - تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أولى الناس بالله مَن بدأهم بالسلام".
[رواه أبو داود وأحمد وسنده صحيح]
3 - وعن عبد الله بن عمرو: أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الإِسلام خير؟ قال "تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت، ومَن لم تعرف". [متفق عليه]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تَحابوا، أولا أدُلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". [رواه مسلم]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يُسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير". [متفق عليه]
6 - وعن أنس، قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم" [متفق عليه]
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سلّم عليكم أهلُ الكتاب، فقولوا: وعليكم" [متفق عليه]
8 - وعن عمران بن حصين: "أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: السلام عليكم، فرد عليه، ثم جلس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عَشر" كم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد
(1/374)

عليه، فجلس، فقال: "عشِرون" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردّ عليه، فجلس، فقال: ثلاثون". (أي حسنة). [رواه الترمذي وأبو داود وحسنه الألباني وغيره]
9 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخلتم بيتًا، فسلموا على أهله، وإذا خرجتم فأودعوا أهله بسلام" [رواه البيهقي وحسنه الألباني في المشكاة]
10 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يا بُني إذا دخلت على أهلك، فسلم يكون بركة عليك وعلى أهلك". [رواه الترمذي وقال الألباني في المشكاة حسن بطرقه]
11 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه". [رواه في الحلية وحسنه الألباني في السلسلة]
12 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة، أو جدار أو حجر ثم لقيه، فليسلم عليه" [رواه أبو داود وقال الألباني إِسناده صحيح]
13 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يُجزئ عن الجماعة إذا مَرُّوا أن يُسَلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يَرُدَّ أحدهم". [رواه أبو داود وقال الألباني إسناده حسن]
14 - وعن جابر أنه قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يسير (قال قتيبة يُصلي) فسَلَّمت عليه، فأشار إليَّ، فلما فرغ دعاني فقال: "إنك سلمت أنفاً وأنا أصلي" وهو مُوَجِّه حينئذ قبل المشرق. (أني موجِّه راحلته نحو الشرق) [رواه مسلم]
15 - وعن ابن عمر قال: قلتُ لبلال كيف رأيتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم حين يُسّلمون عليه وهو يُصلي؟ قال: يقول هكذا وبسط كفه" [أخرجه أبو داود والترمذي وصححه]
والحديث دليل على أنه إِذا سلم أحد على المصلي رد عليه السلام بإِشارة دون النطق.
والسلام على القارئ والذاكر والمدرس جائز من باب أولى.
(1/375)

المصافحة لا التقبيل
1 - عن أبي الخطاب قتادة قال: قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. [رواه البخاري]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما مِن مُسلمَين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفِر لهما قبل أن يَتفرقا"[رواه أبو داود وغيره، وهو حديث حسن بشواهد كما قال محقق رياض الصالحين]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يقدم عليكم غداً أقوام هم أرقَّ قلوباً للإسلام منكم". (يعني أهل اليمن) فقدم الأشعريون، فيهم أبو موسى الأشعري، فلما دنوا من المدينة، جعلوا يرتجزون ويقولون:
غدًا نلقى الأحِبة ... محمدًا وصحبه
فلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا هم أول من أحدث المصافحة.
[أخرجه أحمد، وقال المنذري: إِسناده صحيح على شرط مسلم]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسَلم عليه، وأخذ بيده، فصافحه تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر". [ذكره المنذرى في الترغيب، وقال لا أعلم في رواته مجروحاً]
5 - وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحنى له، قال: "لا" قال: أفيلتزمه ويُقبله؟ قال: "لا" قال: فيأخذ بيده ويصافحه وقال: "نعم". [رواه الترمذي وقال حديث حسن، ووافقه محقق رياض الصالحين]
6 - وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعانقون إذا قدموا من سفر.
7 - وأما تقبيل اليد في الباب أحاديث وآثار كثيرة يدل مجموعها على ثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا لم يَمدَّ يده متكبراً، ولا يكون على سبيل التبرك ولا يُتخذ التقبيل عادة، ولا يُعطل المصافحة ولا توضع على الجبهة. [نقلا من سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني باختصار]
(1/376)

لا أصافح النساء
1 - قال - صلى الله عليه وسلم -: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]
2 - وقالت عائشة: "لا والله ما مست يده - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهُن إلا بقوله: قد بايعتُكِ على ذلك" [رواه البخاري]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يُطعَنَ في رأس أحدكم بمِخيط مِن حديد، خيرٌ له من أن يَمسَّ امرأة لا تحل له" [رواه الطبراني، وصححه الألباني في السلسلة]

آداب العطاس والتثاؤب
1 - قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "إِن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقًا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان. فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان" [رواه البخاري]
وفي رواية لمسلم: "فإن أحدكم إذا قال: ها ضَحِكَ الشيطان منه".
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلِح بالكم" [رواه البخاري]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه (1)، وإن لم يحمد الله فلا تُشمتوه" [رواه مسلم]
4 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك يده على فيه، فإن الشيطان يدخل". [رواه مسلم]
5 - "وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا عطس غطَّى وجهه بيده أو ثوبه، وغض بها صوته". [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
(1/377)

6 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "شمَّت العاطس ثلاثًا فإن زاد فشمته، وإن شئت فلا". [رواه أبو داود والترمذي وقال الألباني حديث حسن لغيره]
7 - "وعن نافع أن رجلاً عطس إلى جنب ابن عمر، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا، علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقول: الحمد لله على كل حال" [رواه الترمذي وقال الألباني حديث حسن]
يفيد هذا الحديث أن التقيد بتعاليم الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجب.

غَيِّروا الشيب، واجتنبوا السواد
1 - قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [سورة الحشر: 7]
2 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "جُزُّوا الشوارب، واعفوا اللحى، خالفوا المجوس". [رواه مسلم]
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم". [رواه البخاري]
4 - وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "أُتِيَ بأبي قحافة يوم الفتح، ولحيته ورأسه كالثغامة بياضاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: غَيِّروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد". [رواه مسلم]
5 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد، كحواصل الحمام، لا يجدون ريح الجنة".
(أي مع السابقين) [رواه أبو داود والنسائي، وقال الألباني في المشكاة صحيح]
6 - وعن ابن عمر "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس النعال السبتية (1)، ويُصَفرُ لحيته بالورس (2) والزعفران، وكان ابن عمر يفعل ذلك". [رواه النسائي وصححه الألباني في المشكاة]
__________
(1) السبتية: نعال من جلد.
(2) الورس: نبت أصفر.
(1/378)

7 - وعن ابن عباس قال: "مَرَّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل قد خضب بالحناء فقال: "ما أحسن هذا"، قال: فمرَّ آخر قد خضَّب بالحناء والكتَم، فقال: "هذا أحسن مِن هذا" ثم مَرَّ آخر قد خضب بالصفرة، فقال: "هذا أحسن مِن هذا كله". [رواه أبو داود، وقال الألباني في المشكاة: إِسناده جيد]
8 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "غيِّروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود".
[أخرجه النسائي وقال محقق جامع الأصول صحيح بشواهده]
9 - وعن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "دخلت على أم سلمة، فأخرجت إلينا شعرًا من شعر النبي مخضوباً، وفي رواية أخرى: أن أُم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أرته شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحمر". [رواه البخاري]
10 - خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مشيخة مِن الأنصار بيض لحاهم فقال: "يا معشر الأنصار حَمِّروا أو صَفِّروا، وخالفوا أهل الكتاب". [رواه أحمد وحسنه الحافظ في الفتح]
11 - وقد نقل عن الإِمام أحمد -رحمه الله - أنه يجب، وعنه يجب ولو مرة، وعنه لا أحب لأحد ترك الخضب، ويتشبه بأهل الكتاب، وفي السواد عنه كالشافعية روايتان: المشهورة: يكره، وقيل يحرم، ويتأكد المنع لمن دَلَّس به (أي غش) [ذكره فتح الباري ج 10/ 355]

واجبنا نحو الرسول - صلى الله عليه وسلم -
إن للرسول - صلى الله عليه وسلم - حقوقاً وواجبات إِذا أداها المسلم نفعه الله به، وأسعده بشفاعته، وأكرمه بورود حوضه، وسقاه من ماء كوثره:
1 - محبته - صلى الله عليه وسلم - أكثر من محبة النفس والأهل والمال والولد.
2 - طاعته في كل ما أمر به بن دعاء الله وحده، والاستعانة به، والصدق والأمانة، وحسن الخلُق، وغير ذلك مما جاء في القرآن وأحاديثه الصحيحة.
(1/379)

3 - التحذير من الشرك الذي حذّر منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو صرف العبادة لغير الله، كدعاء الأنبياء والأولياء وطلب المدد والعون منهم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن مات وهو يدعو من دون الله نِداً دخل النار" [رواه البخاري] (النِد: المِثل والشريك)
4 - أن نؤمن بما أخبر به القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - مِن الصفات كعُلو الله على عرشه، تحقيقًا لقوله - تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سورة الأعلى: 1]
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب كتابًا .. فهو عنده فوق العرش". [متفق عليه]
وأن الله مع عباده بعلمه يسمعهم ويراهم، لقوله تعالى: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [سورة طه: 46]
5 - إن من واجب المسلمين أن يشكروا الله على بعثة ومولد الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فيتمسكوا بسنته، ومنها صيام يوم الإثنين الذي "سئل عن صومه، فقال: ذاك يوم وُلدتُ فيه، وفيه بُعِثت وعلَي أُنزل". (أي القرآن) [رواه مسلم]
6 - أما الإحتفال يوم مولده - صلى الله عليه وسلم - الذي أحدثه المتأخرون، فلم يعرفه الرسول والصحابة والتابعون ولو كان في الإحتفال خير لسبقونا إِليه، وأرشدنا إِليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما أرشدنا في الحديث السابق إِلى صوم يوم الإثنين الذي وُلد فيه علماً بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مات يوم الإثنين، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن على موته - صلى الله عليه وسلم -.
7 - إِن الأموال التي تنفق في الاحتفالات، لو أنفقت في بيان شمائل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرته وأخلاقه، وأدبه وتواضعه ومعجزاته. وأحاديثه، ودعوته للتوحيد التي بدأ بها رسالته وغيرها مِن الأمور النافعة، ولو فعل ذلك المسلمون لنصرهم الله كما نصر رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
8 - إن المحب الصادق للرسول - صلى الله عليه وسلم - يهمه اتباع أوامره والعمل بسنته، والحكم بالقرآن والإِكثار من الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -.
(1/380)

التحلِّى بأخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم -
إِذا كنت محباً صادقاً لرسول - صلى الله عليه وسلم - فتخلَّق بأخلاقه:
1 - اترك الفحش، وهو كل ما قبح وساء مِن قول أو فعل.
2 - اخفض صوتك، واغضض منه إِذا نطقت، وخاصة في المجمعات العامة، كالأسواق والمساجد والحفلات وغيرها، ما لم تكن خطيبًا أو واعظاً.
3 - ادفع السيئة التي قد تصيبك من أحد بالحسنة، بأن تعفو عن المسيء، فلا تؤاخذه، وتصفح عنه بأن لا تعاقبه ولا تهجره.
4 - ترك التأنيب والتعنيف لخادمك، أو زميلك أو ولدك، أو تلميذك أو زوجتك إِذا قصَّر في خدمتك.
5 - لا تُقصِّر في واجبك، ولا تبخس حقَّ غيرك، حتى لا تضطره إِلى أن يقول لك: لِمَ فعلت كذا .. ؟ أو لِمَ لا تفعل كذا؟ لائماً عليك، أو عاتباً لك.
6 - اترك الضحك إِلا قليلًا، وليكن جُلُّ ضحكك التبسم.
7 - لا تتأخر عن قضاء حاجة الضعيف والمسكين والمرأة والمشي معهم في غير تكبّر ولا استنكاف.
8 - مساعدة أهل البيت على شؤون البيت، ولو كان حلب شاة أو طهي طعام أو غيره.
9 - البس أحسن الثياب التي عندك لا سيما وقت الصلاة والأعياد والحفلات.
10 - لا تتكبّر عن الأكل على الأرض، وأكل ما وُجدَ من الطعام، والإكتفاء بقليل الطعام.
11 - العمل ومشاركة العاملين، ولو بحفر الأرض. ونقل التراب، والسرور بذلك إِظهاراً لعدم التكبر.
12 - عدم الرضا بالمدح الزائد، والإِطراء المبالغ فيه، والإكتفاء بما هو ثابت للعبد، وبما
(1/381)

قام به من صفات الكمال والفضل والخير.
13 - لا تنطق ببذاء ولا جفاء ولا كلام فاحش ولو مازحاً.
14 - لا تقل سوءًا ولا تفعله.
15 - لا تواجه أحدًا من إِخوانك بمكروه.
16 - لازم سلامة النطق، وحلو الكلام (1).
17 - لا تكثر المزاح ولا تقل إِلا الصدق.
18 - ارحم الإِنسان والحيوان حتى يرحمك الله.
19 - اِحذر البخل، فهو مكروه من الله والناس.
20 - نم باكراً، واستيقظ باكراً للعبادة والإجتهاد والعمل.
21 - لا تتأخر عن صلاة الجماعة في المسجد.
22 - احذر الغضب وما ينتج عنه، وإذا غضبت فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
23 - الزم الصمت، ولا تكثر الكلام فهو مسجل عليك.
24 - اقرأ القرآن بفهم وتدبُّر واسمعه من غيرك.
25 - لا ترُدَّ الطيب، واستعمله دائمًا لا سيما عند الصلاة.
26 - استعمل السواك فهو مفيد جدًا، لا سيما عند الصلاة.
27 - كن شجاعاً وقل الحق ولو على نفسك.
28 - اقبل النصيحة من كل إِنسان، واحذر رَدَّها.
26 - اعدل بين زوجاتك وأولادك وفي كل أعمالك.
30 - اصبر على أذى الناس وسامحهم حتى يسامحك الله.
31 - أحب للناس ما تحب لنفسك.
32 - أكثر من السلام عند الدخول والخروج واللقاء وفي الأسواق.
__________
(1) هذه الفقرات مأخوذة بتصرف من كتاب العلم والعلماء للشيخ أبو بكر الجزائري المدرس في المدينة المنورة.
(1/382)

33 - تقيد بلفظ السلام الوارد في السنة وهو: "السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته". ولا يُغني عنه كلمة (صباح الخير، ومساء الخير) أو (أهلاً أو مرحباً) ويمكن قولها بعد السلام.
34 - كن نظيفا في مظهرك ولباسك.
35 - غَيِّر شيبك بالأصفر أو الأحمر واحذر السواد امتثالاً لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
36 - تمسَّك بسنن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى تدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن مِن ورائكم أيامَ الصبر، للمتمسك فيهنّ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم" [أخرجه ابن نصر في السنة وصححه الألباني بشواهده]
37 - اللهم ارزقنا العمل بكتابك. وسنة نبيك، وارزقنا حبه واتباعه وشفاعته.
(1/383)

حسان يدافع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
1 - عَدِمنا خَيلنا إن لم تَرَوها ... تُثيُر النَّقعَ مَوعِدُها كَدَاءُ (1)
2 - يُبَارينَ الأسِنَّةَ مُصعدات ... على أكتافها الأسَلُ الظِّماء (2)
3 - تَظلُّ جيادُنا مُتمطِّراتٍ (3) ... تُلطِّمهُن بالخُمُرِ النِّساءُ
4 - فإِما تُعرِضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح (4) وانكشَفَ الِغطاءُ
5 - وإِلا فاصبروا لجلاد (5) يوم ... يُعِز الله فيِه مَن يَشاءُ
6 - وجبريلُ أمينُ الله فينا ... وروحُ القدس (6) ليسَ لهُ كِفاءُ
7 - وقالَ الله قد أرسلتُ عبدًا ... يقولُ الحقَّ إِن نفعَ البلاءُ (7)
8 - شهدتُ به فقوموا صدِّقوه ... فقلتم لا نقومُ ولا نشاء
9 - ألا أبلِغ أبا سفيان عني .... فأنتَ مُجوَّفٌ نخِبٌ هَواءُ (8)
10 - بأنَّ سُيوفنا تركتك عبدًا ... وعبدُ الدار (9) سَادتُها الإِماءُ
11 - هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجزاءُ
12 - أتهجوه ولستَ لهُ بكُفءٍ؟ ... فَشَركُما لخيرِكُما الفِداءُ
13 - فَمَن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصرهُ سواءُ
14 - فإِن أبي ووالدهُ وعِرضي ... لعِرضِ محمد منكم فِداءُ
15 - لساني صارمٌ لا عيبَ فيه ... وبحري لا تُكدِّرُه الدِّلاءُ
__________
(1) النقع: غبار الحرب، كداء: موضع بأعلى مكة.
(2) مصعدات: مسرعات فى الصعود، الأسل: الرماح الجيدة.
(3) متمطرات: مُتحفزات.
(4) الفتح: فتح مكة
(5) الجلاد: المصابرة في القتال.
(6) روح القدس: جبريل
(7) نفع البلاء: نفع الاختبار، ونفعت الذكرى.
(8) مجوف:: فارغ. نَخب: جبان، هواء: فارغ.
(9) عبد الدار أخو عبد مناف. وحسان يهجو بني عبد الدار لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بني عبد مناف.
(1/384)

مكارم أخلاق - صلى الله عليه وسلم -
يا مَن له الأخلاق ما تهوى العُلا ... منها وما يتعشَّق الكُبَراء
لو لم تُقِم دينًا لقامت وحدها ... دينًا يضيء بنوره الاَناء
زانتك في الخلُق العظيم شمائلٌ ... يُغرَى بهن ويُولعُ الكرماء
وإذا سخوت بلغتَ بالجود المدى ... وفعلتَ ما لا تفعل الكرماء
وإذا عفوت فقادرًا ومقدرًا ... لا يستهين بعفوك الجُهلاء
وإِذا رحمت فأنت أمٌّ أو أبٌ .... هذانِ في الدنيا هُما الرُّحَماء
وإِذا غضبتَ فإِنما هي غَضبة ... في الحق لا ضِغنٌ ولا بغضاء
وإِذا رضيتَ ففي مرضاته .... ورضى الكثير تَحلُّمٌ ورياء
وإذا خطبتَ فلِلمَنابر هِزةٌ ... تَعرو النَّدِيَّ وللقلوب بُكَاء
وإذا قضيتَ فلا ارتيابَ كأنما ... جاء الخصومَ مِن السماء قضاءُ
وإِذا أخذت العهد أو أعطيته .... فجميُع عهدِكَ ذِمَّة ووفاء
بك يا بنَ عبدِ الله قامت سمحة ... بالحق مِن مِلل الهُدى غرَّاء
بُنِيَت على التوحيدِ وهيَ حقيقة ... نادى بها (الحكماء والعقلاء)
الله فوق الخلقِ فيها وحده ... والناسُ تحت لِوائها أكفاء
والدين يُسرٌ والخلافة بَيعة ... والأمُر شورى والحقوقُ قضاءُ
أنصفت أهل الفقر مِن أهل الغنى ... فالكلُّ في حقِّ الحياة سواء
ظلموا شريعتك التي نِلنا بها ... ما لم يَنل في رُومة الفقهاء
صلى عليك الله ما صَحِبَ الدُّجى ... حادٍ وحَنَّتْ بالفلا وَجناء

من ديوان الشاعر أحمد شوقي
(1/385)

(6)
حُكم الدخان والتدخين على ضوء الطبّ وَالدين
(1/386)

حكم التدخين في ضوء الطب والدين (6)
* ضرر الدخان الصحي والاجتماعي والمادي والأخلاقي
* قصة مدخن
* هل الدخان حرام؟
* حكم الفقهاء على الدخان
* تحريم العلماء للتدخين
" رَدَّ شبه المدخنين
* الغضب وعلاجه عند المدخنين
* دعاء لدفع الهم والحزن
* كيف تتخلص من التدخين؟
* هجاء التدخين (شعرًا)
*يا شارب التنباك (شعرًا)
* نصيحتي لك أيها المدخن
(1/387)

الإهداء
إِلى إِخواني الله ين ابتلوا بالتدخين ويريدون أن يتخلصوا منه ويعرفوا حكم الإِسلام فيه هل هو حرام أو حلال أومكروه؟
إِلى إِخواني الذين لم يبدؤوا بالتدخين، ولم يتعودوا هذه العادة الخبيثة،
ويُخشى عليهم في المستقبل أن يغويهم شياطين الإِنس والجن فيكونوا من المدخنين.
إِلى الشباب المثقف، والشباب الرياضي الذي يعرف عن الدخان أضراره وسمومه أكثر بن غيرهم، ويريدون أن يتمتعوا بالصحة الجسمية والنفسية.
إِلى هؤلاء أُقدم لهم هذه الرسالة التي حوت معلومات هامة عن الدخان راجياً
المولى -عَزَّ وَجَلَّ- أن ينفع بها الناس ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.

فوائد السواك
للسواك فوائد عظيمة أثبتها الطب الحديث فهو يحتوي على مادة مطهرة للأسنان والفم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:
1 - لولا أن أشُقَّ على أُمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء.
[صحيح رواه مالك والشافعي]
2 - لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. [متفق عليه]
(1/388)

السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب [صحيح رواه أحمد]
فعليك به يا أخي المسلم، وضعه في فمك بدلاً من السيجارة الخبيثة الضارة.

سبب نشر الرسالة
منذ زمن طويل والأمل معقود على إِصدار رسالة صغيرة تبين حكم الإِسلام في
التدخين، وحدث أن عُقدت ندوات طبية عالمية أجمع فيها الأطباء رأيهم على أن الدخان خطر على الصحة، وسبب هام في سرطان الحنجرة والرئة وغيرها من الأمراض الخطيرة. وهالني ما رأيته مِن انتشار التدخين بين طبقات الشعب، حتى الأولاد الذين يعزُ علينا أن يكونوا فريسة هذه العادة الخبيثة، التي تقضي على صحتهم وأخلاقهم ومستقبلهم.
وقد استشرت الأطباء والعلماء، فشجعوني على ذلك، وزادني تشجيعا ما
لمسته من استجابة كثيرِ مِن المدخنين لِتركه حينما نصحتهم وبينت لهم ضرره
وٍ تحريمه، فكان لابُد مِن تعصيم هذه النصيحة على جميع الناس، ليعلموا أن هذا الإسلام الحكيم جاء ليكفل لهم الصحة والسعادة في الدنيا والآخرة.

أطفئ سيجارتك فوراً
* مادة النيكوتين الموجودة في التبغ لها تأثير قابض على الأوعية الدموية فتسبب ضيقها.
*غاز أول أكسيد الكربون الذي ينبعث من التبغ عند احتراقه غاز سام ويقلل
من قابلية كريات الدم الحمراء لنقل الأوكسجين فيسبب نقص الأوكسجين في
الأنسجة.
لذلك فالتدخين:
(1/389)

* يتلف أنسجة عضلة القلب.
* يسبب مرض القصور في الشريان التاجي.
* يسبب الذبحة الصدرية.
* أخي الكريم:
إِن كنت من المدخنين توقف عن التدخين فورًا محافظة على قلبك.

ضرر الدخان الصحي
أعلم أخي المسلم هدانا الله وإياك، أن الإِسلام حريص على صحتك
وسعادتك، فهو يُحِلُّ لك كل الطيبات النافعة كالفواكه والمرطبات وغيرها .. ،
وَيحَرِّم عليك كل خبيث ضار كالخمر والحشيش وغيرها من المخدرات , فهل الدخان مِن الخبائث الضارة؟ وما هي أضراره؟
1 - عُقدت ندوة طبية في المركز الثقافي في حلب وأُلقيت محاضرة في نقابة الأطباء أجمع الأطباء فيها رأيهم على أن الدخان خطر على الصحة، وهو سبب هام في سرطان الحنجرة والرئة، والسكتة القلبية والسل، وقرحة المعدة وغيرها، لاحتوائه على سموم عديدة، أهمها سم النكوتين والقطران وغيرهما من السموم الضارة.
2 - صرح الدكتور كنعان الجابي أستاذ كلية الطب بعد المحاضرة قائلًا: (لقد
مضى على معالجتي للسرطان 25 عامًا فلم يأتني مصاب بسرطان الحنجرة إِلا
مدخن، وإنَّ شرب القليل من الدخان ضار، ولكن نسبة السرطان تخف إِذا خفف، وتزيد إِذا أكثر).
3 - وصرح دكتور آخر أخصائي في الأمراض الصدرية في المحاضرة، بأن شرب 10 سجائر يوميًا خطر على الصحة، ثم قال: إن 90 % من المصابين بالسرطان هم
(1/390)

من المدخنين.
4 - إِن الدخان يضر الطلاب والرياضيين حيث وُجد أن الطلبة المتأخرين أكثرهم من المدخنين.
5 - إن مجاري المدفأة تحتاج إِلى تنظيفها كل عام، فكيف تنظف صدر هذا
المدخن المسكين؟
6 - عرض التلفزيون السوري أضرار التدخنِن بواسطة جراح عالمي زار سورية.
7 - أخذت دول العالم تكافحه، وتكتب على علبته (احذر الدخان فإِنه مضر).
8 - حدثني رجل صادق أنه شاهد طبيبًا يشرح جُثة مدخن ميت، فلما كشف
عن رئتيه طلب من الناس الذين حوله أن يشاهدوا رئة هذا المدخن التي علاها
طبقة سوداء من القطران، وأخذ يسلت بيده الرئة ويعصرها، فيسيل منها القطران، حتى وصل إِلى داخل الرئة فوجدها مسدودة الثقوب التي يتنفس بها الإنسان الهواء، والتي سببت موت هذا المدخن الأحمق الذي قتل نفسه بدخانه.
وقد طلب هذا الطبيب من أحد الحاضرين أن يشعل سيجارة وينفخ على
شاشة بيضاء حتى اصفرت، وما زال الطبيب يطلب من المدخن تكرار النفخ حتى سُدّت ثقوبُ الشاشة ثم التفت الطبيب إِلى الحاضرين قائلاً:
إذا كانت هذه السيجارة استطاعت أن تسد ثقوب الشاشة بدخانها، فكيف بدخان مئات السجاير التي تدخل صدر المدخن ورئتيه؟!!
9 - إِن العلم الحديث أثبت أن في الدخان سمًّا يُدعى (النيكوتين) وقد استدلوا على ذلك بالتجربة الآتية: أخذوا أرنبًا حيًا، وحقنوه بمادة (النيكوتين)، فتخدر الأرنب، ثم مات.
10 - صرح طبيب ألماني بأن الإِنسان المدخن إِذا أخذ عدة مجَات متتالية من
(1/391)

السيجارة يملأ بها صدره، فإِنه يحدث له سكرًا قريبًا مِن الخمر. وحدثني مدخن بأنه جرب هذه العملية فسكر منها.
11 - إِذا أردت أن تعرف بعض ضرر الدخان وما يترسب في صدرك من
الأوساخ، فانظر إِلى الأنبوب الذي يوضع فيه السيجارة، والغليون الذي يوضع فيه التبغ والتنباك، وما يترسب فيهما من سواد وقطران.
12 - حدثني مهندس زراعي أن شجرة التبغ لا يقربها حيوان ولا طائر لأنهم
بغريزتهم يعرفون ضررها.
13 - إِن التنباك والقات لها أضرار على الصحة والجسم والمال والجار لا تقل عن الدخان.

قصة مدخن
كنت جالسًا عند الحلاق على كرسي الحلاقة، وكان بجانبي مدخن ينفخ
الدخان، فيزعجني بدخانه المتصاعد الذي يملأ الغرفة وهي مغلقة لأننا في فصل الشتاء والجو بارد، فتنهدت قليلاً وترددت في أن أكلمه فاستجمعت قواي وقلت له ياعم: لو أنك أخرت سيجارتك خارج هذا المكان المغلق حيث الهواء الطلق، فانزعج المدخن ولم يَردَّ جوابا! ثم رأيته مرة أخرى في الشارع، فقلت له: سامحني ياعم، فقال لي: لكني سأشرب الدخان ولا أتركه، فقلت له ياعم: ما أردت إِلا نصحك فتركته وانصرفت حزينًا عليه.
ومضت الأيام والتقيت بهذا الرجل المسكين الذي أصَر على التدخين وإذ به يفَاجئني بوجه مبتسم قائلًا:
لقد تركت التدخنِن، فسألته مدهوشًا وما سبب ذلك؟! فبدأ يسرد عليَّ قصته مع الدخان وعن السبب الذي أدَّى به إِلى تركه، فقال لي: اسمع لقد كنت
(1/392)

شديد الولع بالتدخين حيث إِنني لم أتركه دقيقة واحدة برغم ما كنت أُعاني من أضراره وآلامه بحيث كنتُ أذهب إلى المستشفى للإِسعاف ليلًا لأنني كنت أُصاب بنوبات تنفسيَّة حادة أكادُ أختنق فيها واستمر الحال على هذا الوضع عدة شهور فازدادت النوبة التنفسية فأصبحت أشعر بشيء يضايقني في حنجرتي حين آكل وأشرب، فذهبت إِلى الأطباء وتعدد العلاج، لكن دونه فائدة، رغم تغييري للأطباء، وساقتني الأقدار إلى طبيب مختص فأخذ صورة لصدرى، وبعد أن نظر إِلى الصور المتعددة سألني الطبيب: كم سيجارة تدخن كل يوم؟
المدخن: باكيت ونصف.
الطبيب: لو أنك أخذت تدخن سيجارة وتنفست بها على شاشة بيضاء لاصفرَّت، ثم اسودَّت، وانسدت ثقوبها، فكيف بثلاثين سيجارة ينبعث دخانها كل يوم إِلى صدرك ورئتيك؟!
المدخن: فما هو الدواء يا دكتور؟
الطبيب: ليس لك دواء عندي، بل عليك أن تذهب إلى بيروت فهناك يعالجونك من مرضك ويُعطونك الدواء اللازم.
المدخن وهو في حالة عصبية شرسة: أرجوك يا دكتور أن تخبرني عن مرضي.
الطبيب: عندك بداية سرطان!
المدخن: وقد بدأ على وجهه الرعب والإصفرار، وهو يقول مرتجفا: سرطان - سرطان - سر - سر.
الطبيب: لا بد من ترك الدخان حتى تُشفى.
المدخن يخرج بالباكيت من جيبه ويمزقه، ويطرحه في الأرض قائلًا: سوف أقتلك قبل أن تقتلني!
الطبيب: اذهب الآن إِلى بيروت لمعالجة السرطان بالأشعة.
(1/393)

يذهب المدخن إِلى بيروت، ويدخل المستشفى الخاص بالسرطان، وبعد أخذ الصورة الشعاعية للحنجرة، وبعد تحاليل الدم والفحوص الطبية الأخرى.
الطبيب للمدخن: لا نعالجك إلا إِذا تركت الدخان.
المدخن: لقد تركته إِلى الأبد يا دكتور.
الطبيب: يجب أن تأتي كل يوم لمعالجة السرطان بالأشعة
يذهب المدخن كل يوم للمستشفى لمعالجة السرطان بالأشعة الكهربائية،
ويبقى مدة شهر ويدفع الأموال الكثيرة، والنفقات الباهظة ويتحسن وضعه فيعود إِلى بلده، وبعد فترة من الزمن يصاب بتصلب الشرايين بسبب الدخان الذي شربه أربعين سنة فلم يتركه على قيد الحياة بل قتله بسمومه.

ضرر الدخان الاجتماعي
1 - الدخان يفسد الهواء، لا سيما إِذا كان في الغرف والسيارات، فيؤذي برائحته الكريهة الجلساء والأولاد والزوجة.
وقد قرر الأطباء ضرر استنشاق الدخان لاحتوائه على مادة النيكوتين السامة
والقطران وغيرها.
وصرح الطبيب (كلفورد) بأن استنشاق الدخان يُضعف القلب إِذا كان لدى الشخص حساسية.
وصرح الدكتور ناظم النسيمي نقيب أطباء حلب بأن الجلوس أربع ساعات في غرفة المدخنين المغلقة تعادل شرب عشر سجاير.
2 - قد يُعدي المدخن المصاب بالسل والزكام وغيره، لا سيما عند سعالة.
3 - الماء والهواء عنصران هامان للحياة فكما أن الماء يُمنع تلويثه، فإِن الهواء أولى بالمنع من تلويثه بالدخان.
(1/394)

4 - ورد في الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، وأما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة؛ ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" [متفق عليه] (يحذيك: يعطيك. تبتاع: تشتري. الكير مجمرة الحداد)

مغزى الحديث
يرشدنا هذا الحديث أن الجلساء على نوعين:
(أ) الجليس الصالح الذي يستفاد منه، وهو شبيه بحامل الطيب الذي يعطيك منه، أو تشتري منه، أو تشم رائحة طيبة.
(ب) الجليس السوء ومثله مثل موقد الحداد، وهو شبيه بالمدخن، إِما أن يحرق ثيابك بسيجارته، أو تجد منه رائحة الدخان الخبيثة.
د- لو أن إِنسانًا غير مدخن وقف ينفخ في وجهك لخاصمته، أو قلت مجنون، فما بالك بمن ينفخ في وجهك دخانًا كريه الرائحة فيه سموم مضرة؟!
6 - الدخان يؤذي الجيران والملائكة وفي الحديث الشريف:
"من أكل ثومًا أو بصَلًا فليعتزِلنا وليَعتَزل مسجدنا وليقعد في بيته، [متفق عليه] والدخان أشد إِزعاجًا من الثوم والبصل.
7 - والعجب أن أكثر المدخنين يفقدون الإِحساس الاجتماعي، فلا يشعرون بضرره على مَن حولهم، حتى ولو كانوا مرضى، ولا يبالون بما كتب من لوحات "ممنوع التدخين" فترى المدخن يدخن داخل السيارة، وفي الغرف المغلقة، وحين الاجتماع، وفي المستشفى، ويدخل المدخن إِلى المسجد ورائحته الكريهة تؤذي المصلين والملائكة، مع أن الإِسلام يطلب من المسلم استعمال السواك لا سيما عند الصلاة واستعمال الطيب لتكون رائحته طيبة.
(1/395)

ضرر الدخان المادي
الدخان فيه تبذير للمال بدون فائدة، وكثير من الفقراء يحرمون عيالهم من
الطعام والشراب والكساء من أجل الدخان، ولو وفَّر المدخن مصروفه كل يوم من الدخان لاستعان به في شراء مسكن أو زواج أو حج ...
إِن الواحد منا لو اعتاد أن يرمي كل يوم من ماله ليرة في البحر مُلتذا بوقها لعدَّهُ الناس مجنونا يجب علاجه كي لا يرمي من ماله أكثر فأكثر، فكيف بمن يحرق كل يوم عدة ليرات لِيَضرّ جسمه وجليسه ويتلف ماله؟
إِذا أردت أن تعرف الخسارة من الدخان فانظر إِلى ما يلي:
1 - إِن عدد سكان سوريا مثلًا ثمانية ملايين، فلو فرضنا أن مليوناً منهم يدخن ويصرف المدخن ليرة واحدة يومياً لكانت الخسارة مليون ليرة يومياً و 360 مليون ل. س سنوياً بالإِضافة إِلى ثمن القداحات الغالية المستعملة للتدخين، أو الكبريت اللازم له.
فما بالك بعدد العالم الإِسلامي، وعدده ألف مليون مسلم تقريباً، يشرب
الدخان كثير منهم، وكم يصرفون على الدخان، ليضروا أجسامهم، ويؤذوا
جيرانهم؟!
2 - أضف إِلى هذا المبلغ ما يُصرف على التداوي مما يحدثه الدخان من سعال وسرطان وو ....
3 - الدخان كثيرًا ما يكون سببًا في إِحراق الثياب والمتاجر، ومراكز البنزين، والمطابع وغيرها ....
4 - ثبت عند الإِطفائية أن 70 % من حرائق البيوت والمعامل والبيادر والسيارات يرجع إِلى السيجارة الملعونة، ومعظم النار من مستصغر الشرر.
5 - لو عرفنا أن كثيرًا من الدخان يأتي من بلاد أجنبية معادية، لأدركنا أن
(1/396)

الخسارة فادحة جدًا، لا سيما ونحن في عصر نحتاج فيه إِلى المال للدفاع عن ديننا ومقدساتنا، ولمساعدة المجاهدين والفقراء من المسلمين.
6 - صرح الدكتور وزير الصحة السعودي بأن إِيردات الجمارك على السجاير
تصرف الحكومة أضعافها على علاج أمراض التدخين ثم قال:
إِن ما تحصل عليه بعض الدول من جمارك على الدخان: يُصرف كله، بل وأكثر منه في علاج الأمراض الناتجة عن التدخين!!

ضرر الدخان الأخلاقي
1 - الشباب المدخن قد يسرق من أبيه وجاره ليشتري الدخان ولاحظت. المحاكم أن 95 % من المجرمين مدخنون.
2 - الدخان تقليد أعمى للاجانب، ومن مستلزمات المدينة الزائفة، فترى
الدخان يُشرب في الخمارات والمراقص والسينما والمقاهي، وعند اللعب بالميسر والدنيا عندهم سيكارة وكأس!!
3 - يقول الدكتور (جونستون): إِن الدخان يثير الأعصاب، ولذلك ترى
المدخن عصبياً يغضب ويخاصم ويشتم ويضرب، وتسُوء معاملته مع الناس ومع أسرته، ولا سيما إِذا فقد الدخان، وقد يضرب أو يكفر أو يطلِّق أحيانًا.
4 - يضطر المدخن أن يسأل سيجارة أحيانًا، فيذل نفسه من أجلها. ولو جاع، فلا يسأل الرغيف، ولا يذل نفسه.
5 - الدخان يجعل بعض المسلمين يدخنون جهراً في رمضان، مخالفين الشرع والقانون لأنهم فقدوا الشعور الديني والاجتماعي (إِذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا).
6 - إِن تدخين بعض الأولاد والطلاب يدل على سُوء أدبهم وأخلاقهم. وليست
(1/397)

السيكارة علامة الرجولة.
7 - إِن تدخين بعض النساء يُسيء إِلى جمال المرأة وينتن فمها، ويضرها مع أولادها، وهو تقليد أعمى، وفي حديث البخاري:
"لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - المتشبهات من النساء بالرجال والمترجلات من النساء".

هل الدخان حرام؟.
لم يكن الدخان موجودًا في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولقد جاء الإِسلام بنصوص عامة تحرم كل ضار بالجسم، أو مؤذٍ للجار، أو متلف للمال.
1 - قال الله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}. [سورة الأعراف: 157]
(والدخان من الخبائث الضارة كريه الرائحة).
2 - وقال الله تعالىَ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ}. [سورة البقرة: 195]
(والدخان يوقع في الأمراض المهلكة كالسرطان والسل).
3 - وقال الله تعالى: {ولا تَقتلوا أنفسَكم}. [سورة النساء: 29]
(والدخان قتل بطيء للنفس).
4 - وقال الله تعالى عن ضرر الخمر والميسر: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [سورة البقرة: 219]
(والدخان ضرره أكبر من نفعه، بل كله ضرر).
5 - وقال الله تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (27) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}. [سورة الإسراء: 27]
(والدخان تبذير وِإسراف لماله وصاحبه).
6 - وقال الله تعالى عن طعام أهل النار: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا
(1/398)

يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}. [سورة الغاشية: 6، 7]
(والدخان لا يُسمن ولا يغني من جوع كطعام أهل النار).
7 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار" [صحيح رواه أحمد]
(والدخان يضر صاحبه، ويؤذي جاره، ويتلف ماله).
8 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال" [متفق عليه]
(والدخان ضياع لمال شاربه).
9 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين". [متفق عليه]
(أي كل المسلمين. يُعفى عن ذنوبهم إِذا شاء الله، لكن المجاهرين بالمعاصي
كالمدخنين لا يعفى عنهم، لأنهم يشربونه علانية، ولا يراقبون الله ويشجعون غيرهم على فعل هذا المنكر).
10 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره". [رواه البخاري]
(والدخان يؤذي برائحته زوجته وأولاده وجيرانه، لا سيما الملائكة والمصلين).
11 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزول قدما عبد حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن عمله ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه".
[رواه الترمذي وصححه الألباني في الجامع والسلسلة]
(والمدخن أنفق ماله في الدخان المحرم الذي أضر بجسمه وآذى جاره).
12 - وقال - صلى الله عليه وسلم - "ما أسكر كثيره فقليله حرام" [صحيح رواه أحمد وغيره]
(والدخان كثيره مسكر خاصة لمن لم يتعود شربه، أو إِذا أخذ الدخن عدة مجَّات كبيرة فيسكر قليلًا (صرح بهذا طبيب ألماني، وأحد المدخنين الذين جربوا ذلك).
13 - بعض الناس لا يقتنعون بتحريم الدخان، رغم الأدلة الكثيرة المتقدمة على تحريمه، ولا سيما المدخنين الذين يدافعون عن أنفسهم، فنقول لهم: إِذا لم يكن
(1/399)

الدخان محرمًا فلماذا لا يُشرب في المساجد، والأماكن المقدسة؟ بل تشربونه في الحمامات وأماكن اللهو والمحرمات؟
14 - والبعض يقول: إِنه مكروه، فنقول لهم:
إِذا كان مكروهًا فلماذا تشربونه، والمكروه أقرب للحرام منه للحلال، واسمعوا
هذا الحديث الله. يقول فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الحلال بيِّن والحرام بَيِّن، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لِدِينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه" الحديث [متفق عليه]
15 - لقد دعا الإسلام إِلى حفظ خمسة أشياء:
وهي النفس والعقل والمال والدين والعِرض، والآن وقد اتفق الأطباء والعلماء
على أضرار التدخين والتي تمس على الأقل الأربع نقاط الأولى أعني التي دعا
الإسلام لحفظها، فإِن الفقهاء لا يجدون حرجًا في تحريم التدخين معتمدين على الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

حكم الفقهاء على الدخان
1 - الحنفية: قال في تنقيح الحامدية لابن عابدين: "إِن ثبت في هذا الدخان أضرارٌ صرفٌ خالٍ عن المنافع، فيجوز الإفتاء بتحريمه".
(وقد ثبت الآن ضرره في الصحة والمال والأخلاق والمجتمع)
وقال في الدر المختار من الجزء الخامس من كتاب الأشربة: والتتن يدَّعي شاربه أنه لا يُسْكِر، وإن سُلِّم له، فإِنه مُفتّر، وهو حرام. لحديث الإِمام أحمد عن أم سلمة: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل مُسكر ومُفتِّر" (1).
__________
(1) ضعف الشيخ الألباني كلمة (ومفتّر).
(1/400)

(والدخان مفتر باعتراف المدخنين والأطباء، ولدى التجارب).
2 - وعند الشافعية قال في بغية المسترشدين:
"يحرم بيع التنباك ممن يشربه أو يسقيه غيره" والتنباك معروف من أقبح الخِلال، إذ فيه ذهاب الحال والمال، ولا يختار استعماله ذو مروءة من الرجال.
وقد فطن الشيخ القليوبي لأضرار الدخان فحرمه وكان عالمًا وطبيبًا.
ويقول الباجوري في حاشيته على ابن قاسم:
"وقد تعتريه الحرمة إِن تيقن ضرره".
(وقد تحقق ضرره الآن بإجماع الأطباء).
3 - الحنابلة: منهم الشيخ عبد الله بن آل الشيخ حين قال:
"وبما ذكرنا من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلام أهل العلم يتبين لك تحريم التتن الذي كثر في هذا الزمن استعماله"
وممن حرمه من علماء مصر الشيخ أحمد السنهوري الحنبلي.
4 - المالكية: وأجاب الشيخ خالد بن أحمد من فقهاء المالكية بقوله:
"لا يجوز إِمامة من يشرب التنباك، ولا الإتجار به، ولا بما يُسكر".
وممن حرم الدخان من علماء المالكية الشيخ إِبراهيم اللقاني وغيره.
5 - والذي قال من الفقهاء بحله، أو أنه تعتريه الأحكام الفقهية الخمس فذلك قبل اكتشاف ضرر في الطب الحديث وقد ثبت الآن ضرره، فلا اختلاف في تحريمه، ولو وُجدوا في زماننا واطلعوا على أضراره لحرموه.

تحريم العلماء للتدخين
لقد حرم كثير من العلماء القدامى والمحدِّثين الدخان ونذكر منهم:
1 - الشيخ بدر الدين الحسيني الدمشقي، وهو عالم كبير زار المحافظات السورية
(1/401)

مع الشيخ هاشها الخطيب والشيخ على الدقر، واستجاب الناس وتركوه لحرمته.
2 - الشيخ أحمد كردي مفتي حلب السابق وقد حرمه بعد ما لمس ضرره.
3 - الشيخ أسعد عبجي مفتي الشافعية في حلب وكان يفتي بتحريمه.
4 - وأما الشيخ محمد الحامد مدرس حماة، فقال في كتابه "ردود على
أباطيل": "وبعد فالذي ينبغي أن يُعتمد للإِفتاء بإِناطة الأمر بالضرر وعدمه،
فمتى ثبت ضرره حرم تناوله، وأراني أميل إلى تحريمه لما ورد من الآيات
والأحاديث، وقد التزمت خطة، هي أنني لا أقدمه لضيفي، وأعتذر بأنه سُم، ولا أحب أن أسم ضيفي، ويستأذنني بعضهم فأنكر عليهم، وفُشوِّه بين الناس لا يخفف من حكمه، ألا ترى أن عموم الربا في المعاملات لا يُحله، وقد كشف الطب الحديث ضرره، وبذلك قطعت جهيزة قول كل خطيب، ولو أن الفقهاء أفتو بتحريمه، وفطموا أنفسهم عنه، ونهوا الناس لكانوا أسوة حسنة ولأفلح الناس".
5 - وقد حرمه الشيخ مصطفى الحمامي من مصر في كتابه "النهضة الإصلاحية" ص 489 / فقال:
"أما بعض العلماء قال بتحريمه فهو مما لا شك فيه، وخصوصًا في الأماكن
المحترمة كمجالس القرآن، والمساجد، ومجالس الذكر، وإني لا أتردد في الحكم على تناوله بالتحريم على من يَضرهم في أبدانهم فإِن المحافظة على الصحة فريضة".
6 - أصدر مشايخ الحجاز فتوى بحريم الدخان والتنباك وممن حرمه سماحة
الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن إِبراهيم، والشيخ عبد الرحمن بن
ناصر السعدي والشيخ عبد الله بن علي الفضية، والشيخ عبد الرازق العفيفي،
والشيخ أبو بكر الجزائري الدرس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وقد ألف بعضهم كتبًا في تحريم الدخان.
(1/402)

رَد شُبَه المدخنين
1 - يزعم بعض المدخنين أنه صاحب الدخان سنين طويلة، ولا يترك صحبته.
أقول لهؤلاء: لو سرق صاحبك منك ليرة واحدة لهجرته وحذرت منه فما بالك بالدخان الذي يسرق منك كل يوَم عدة ليرات ليَضُرَّ جسمَك، ويؤذي جيرانك، وقد يحرقك في الدنيا والآخرة، فبئس هذا الصاحب، وبئس القرين.
2 - قد يقول قائل: إِن الدخان لم يكن موجودًا في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى يحرمه نقول لهم: إِن الإِسلام يحرم كل ضار بالجسم أو الجار أو المال، فكيف بالدخان الذي يجمع كل هذه الأضرار الثلاث؟ وقد تقدم الكلام على تحريمه بالتفصيل.
3 - يزعم البعض أن بعض المدخنين عاشوا طويلًا ولم يضرهم. نقول لهم: إِذا لم يعمر الدخان أجسامهم فقد أضر بمالهم وأخلاقهم وجيرانهم، وقد لا يظهر ضرره إِلا بعد حين، ويكفي نتن رائحة فم المدخن وسواد أسنانه، وإفساده للهواء الذي منحه الله صافيًا للناس.
والذين لا يظهر عليهم أضرار الدخان قليلون، والأكثرية يتضررون به، وللأكثر
حكم الكل، مع أن الطب الحديث أعلن ضرره لكل الناس، كل حسب جسمه، وشربه.
4 - يدعي بعض المدخنين أنهم لا يستطيعون ترك الدخان.
نقول لهؤلاء: إِن الإِنسان يستطيع الإمتناع عن الطعام والشراب أيامًا، فكيف لا يستطيع الامتناع عن الدخان، وهو لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، وهل يرضون أن يكونوا عبيدًا لدخانهم وشهواتهم حتى يُقضى عليهما فيموتوا، كما قال الشاعر:
صاحب الشهوة عبد فإِذا ... ملك الشهوة أضحى ملِكًا
(1/403)

د- يزعم كثير من الناس أن الدخان لم يرد ذكره في القرآن الكريم غافلين أن الله -تعالى- يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}. [الأنعام: 38]
وذلك لا يتأتى إِدراكه إِلا إِذا علمنا أنه يذكر الأشياء إِما بأسمائها، أو
بصفاتها، فلو ذكر كل شيء باسمه لما كان بهذا الحجم، ولما كان مُيَسَّرًا للذكر، فقوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]
يغني عن تعدادها، ويدخل تحتها الدخان والتنباك والجراك وغيرها من الخبائث.
6 - يحتج بعض المدخنين بشرب الدخان من بعض الأطباء والمشايخ، وهذا لا يُحله, لأنهم غير معصومين من الخطأ، ولا نقلدهم في خطئهم، وفي الحديث: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". [رواه أحمد والترمذي بإِسناد حسن]
ولا قدوة لنا إِلا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. [الأحزاب: 21]

الغضب وعِلاجُه عند المدخنين
يدعي الكثيرون أنهم يدخنون لتخفيف غضبهم وحزنهم، وجهلوا أن الدخان
داء، وليس بدواء، وهو الذي يجعل المدخن يثور ويغضب، ولا سيما إِذا فقد
الدخان! علمًا بأن هناك علاجًا مفيدًا لغضبهم وذهاب حزنهم أفضل بكثير من
الدخان المحرم:
1 - جاء رجل إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أوصني، ولا تكثر عَلي، لَعلي أحفظ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تغضب". [رواه البخاري]
2 - وعن سليمان بن صُرد، قال: استبَّ رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونحن عنده
(1/404)

جلوس، وأحدهما يسبُّ صاحبه مُغضَبًا، قد احمرَّ وجهُه.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
فقال الصحابة للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
الرجل الغاضب: إِني لست بمجنون.
3 - وعن ابن عباس -رضي الله عنهما في قوله - تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]
قال: "الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله، وخضع لهم عدَّوهم كأنه وَليٌّ حميم". [رواه البخاري تعليقًا]
4 - إِذا أصابتك مصيبة فارض بقضاء الله وقدره، وكن من الذين قال الله فيهم: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. [البقرة: 155 - 157]

دعاء لدفع الحزن
عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أصاب عبدًا هَمٌّ ولا حزن فقال: اللهمَّ إني عبدُك وابن عبدِك وابنُ أمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فِيَّ حكمك، عَدلٌ فِيَّ قضاؤك، أسالك بكل اسم هو لك، سمَّيتَ به نفسَك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا مِن خلقك، أو استأثَرت به في عِلم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي. إلا أذهب الله هفه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا". [صحيح رواه أحمد]
فعليك يا أخي المدخن أن تقرأ هذا الدعاء عندما تصاب بحزن ومصيبة، فتجد أن الله أبدل همك وحزنك فرحًا، والدخان لا يُذهبُ الحزن، بل يزيدك مرضًا ويورث عندك سوء الخلق وغضب شديد، بالإِضافة إِلى خسارة المال، وأذى الجار.
(1/405)

كيف تتخلص من التدخين؟
لقد تبين لك يا أخي القارئ أن الدخان محرم, لأنه مضر بالصحة، متلف للمال، مؤذٍ للجار، لا سيما في السيارات العامة والأماكن المزدحمة.
أخي المدخن: هل من الذوق والأدب والدين أن تزعج الناس بدخانك وتنفخه شي وجوههم، وتُلَوِّث هواءهم؟ واعلم أن تلويث الهواء بالدخان أشد ضررًا من تلويث الماء، فاترك التدخين، ولا تكن من المجادلين.
إن الواحد منا لو أحرق ليرة واحدة لقال الناس عنه: (مجنون، حرام عليه)!!
فكيف بمن يشتري بمئات الليرات والدنانير والريالات دخانًا، فيحرق ماله، ويضر جسمه وجاره؟
1 - عاهد ربك أمام صحبك على ترك الدخان، وقل: {يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 38]
2 - تسلَّ عن الدخان بالفواكه والموالح والحلوى وغيرها من الطيبات.
3 - لا تقدم الدخان في الأعياد والأفراح والزيارات فتؤذي ضيوفك، وتتلف مالك، وتخالف دينك.
4 - خير علاج للتدخين ألا تبدأ به، واعتذِرْ عن قبوله.
5 - فتش عن دواء (لوبيدان) أربع حبات يوميًا لترك الدخان.
6 - إِذا غضبت فاستعذ بالله، وتوضأ فالغضب نار يُطفأ بالماء لا بالدخان والنار.
7 - لا يجوز للحجاج جلب الدخان، فالتمر والسواك وماء زمزم خير هدية لضيوفهم، وضع السواك النافع في فمك بدلاً من السيجارة المضرة.
8 - الصيام في رمضان وغيره خير مساعد على ترك الدخان.
9 - استعن بالله عدى ترك الدخان، فمن ترك شيئًا لله أعانه الله عليه.
10 - ادع الله قائلًا: اللهمَّ أرنا الدخان باطلاً، وارزقنا اجتنابه، وكرهنا له.
11 - ابتعد عن المدخنين ورائحة الدخان وحذر منه.
(1/406)

12 - استعمل سواكًا أو علكًا إِذا وجدت ميلًا للتدخين.
13 - قلل من شرب القهوة والشاي، وأكثر من الفواكه.
14 - تناول بعد الإِفطار كأسًا من عصير العنب أو الليمون أو البرتقال.
15 - التدخين عادة، والعادة يمكن تركها، وتركها سهل، واحذر العودة إِليه بعد تركه. وهناك في بعض المستشفيات مراكز لمداواة المدخنين.
16 - على المدخن أن يقرأ الدعاء الآتي للتخلص من التدخين: قال الرسول
- صلى الله عليه وسلم -: "مَن تعارَّ من الليل، فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله اللهم اغفر لي، او دعا استجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلَت صلاته" [رواه البخاري وغيره]
وقل: اللهم اصرف الدخان عني وكرهني فيه.

علاج جديد للتدخين
اكتشف علماء (أوزبيكستان) في الاتحاد السوفيتي دواء جديدًا يقضي على عادة التدخين في مدة لا تتجاوز مائة يوم اسمه (سلفات الأناباسين) وقد سبق استخدام هذا الدواء في معالجة بعض حالات ضيق التنفس.
وقد ذكر أن من يتعاطى الأناباسين يشعر بمذاق اللفافة (السيجارة) في فمه
وكأنه يدخن فعلًا، كما أن جهاز دورانه الدموي يسترخي كما لو أن دمه يحتوي
على كمية كبيرة من النيكوتين، أي هذا الدواء يولد كافة الآثار التي يحرِّضها
التدخين بالجسم، يضاف إِلى ذلك أن الدواء عديم الإِضرار تمامًا.
وقد أفاد كثيرون ممن استخدموا هذا الدواء، أنهم فقدوا فعلًا أي ميل أو رغبة
في التدخين بعد مرور حوالي مائة يوم على بدء العلاج. [نقلاً عن بعض المجلات والجرائد]
(1/407)

هجاء الدخان
1 - أتكرمني بسيجار الدخان؟ ... وما في شربها إِلا هواني
2 - أُصاحبها فيتركني شبابي ... يُفارقني، ويجعل ما أُعاني
3 - أيُشعِل عاقل بيديه نارًا ... ليحرق نفسه في كل آنِ؟
4 - سأهجوها بأشعاري وأُبدي ... لها كُرهًا ويشتمها لساني
5 - أَأُدخلها إِلى صدري فأعيا؟ ... ويحني الداءُ عود الخيزران
6 - أَأَشربُها وتشربني سريعًا؟ ... أَأُطمعُهَا وتأكلُ مِن زماني؟
7 - حرام أن تضيع العمر فيها ... وتعلم أنها كالأفعوان
8 - نُطيعُ نفوسنا فيها ونعصي ... نداء الله، والسبع المثاني
9 - وكم قال الطبيب لنا دعوها ... وسوأتها تبدَّت للعَيان
10 - وما زلنا نُبيح لها حمانا ... لتطعن في الضلوع بلا سِنان
11 - هي الخزيُ العظيم فلا تذقْها ... وأبعِدها إِلى أقصى مكان
الشاعر: مصطفى الحدري

أضرار التدخين وحكمه
1 - يا من يرومُ التقى من كل مَأثُمَة ... اسلُك سبيل الهدى وامش على السنن
2 - ولا تحد أبدًا عن ذي الطريق تَفُز ... وخالِفِ النفسِ واقهرْها على المِحَنِ
3 - إِياك من مِحنة تُلقيكَ في عطبٍ ... لا سيما ما فَشَا في الناس مِن تُتُنِ
4 - مُخدَّرُ الجسم لا نفعٌ به أبدًا ... بل مورث الضُرِّ والأسقام في البدنِ
5 - وحيثُ قد ثبتت هذي الصفات له ... فاجزم بتحريمه إِن كنت ذا فطنِ
6 - وإِن تُرِد صِدقًا فيما أقول فسَل ... به الخبير تنل من علمه الحسنِ
(1/408)

معايب الدخان
1 - كم في الدخان معائب ومكاره ... دلَّت رذائله على إِنكاره
2 - سأريك بعضًا من معائب شُربه ... يا صاحبي أحببتني أم كارِهِ
3 - يؤذي الكرام الكاتبين بنتنِهِ ... وأمام وجهك شُعلةٌ مِن نارِهِ
4 - كم من نقود يا فتى وملابس ... أنفقتَها بشرائه، وشراره
5 - وبه الثنايا اللؤلؤية أُفسدت ... بقبيح لون سواده وصفاره
6 - كانت كمثل الدُر حُسنًا شانها ... مِن نفخها الشدقين في مزماره
7 - وترى الصفار على شواربه بدا ... مِن جذبه الدخان من منخاره
8 - وترى الذي في شربه مُتولِّها ... يلتذ في الصهروج في استكثاره
9 - وترى الهوام إِذا أحسّ بريحه ... ترك المكان وفرَّ من أوكاره
10 - والنحل لا تلوي إِليه لخبثه ... أبدًا، ولا تدنو إِلى أزهاره
11 - ولِنتنه ولِقبحه في طعمه ... لم تدنُ سائمةٌ إِلى أشجاره
12 - إِن خالط المأكول منه دُريهمٌ ... غلبت خبائثُه على قِنطاره
13 - فإِن انتهيت، وما أظنك تنتهي ... ورغبت عنه نجوتَ من أوعاره
14 - وأرحتَ نفسك من عَنا تحصيله ... وحفظتَ مالَكَ من مُصاب خساره

يا شارب التنباك
1 - يا شارب التنباك ما أجراكا ... من ذا الذي في شربهْ أفتاكا؟
2 - أتظنُّ أن شرابه مستعذبٌ؟ ... أم هل تظنُّ بأن فيه غِذَاكا؟
3 - هل فيه نفع ظاهر يا فتى؟ ... كلا، فلا فيه سوى إِيذاكا
4 - مَضَرةٌ تبدو، وخبثُ روائح ... مكروهة، تؤذي بها جُلَسَاكا
5 - وفتُورُ جسمٍ، وارتخاءُ مفاصل ... مع ضيق أنفاس وضعف قواكا
(1/409)

6 - وتلافُ مالٍ لا تجد عوضًا له ... إِلا دخانًا، قد حشى أحشاكا
7 - ورضيت فيه بأن تكون مُبذّرًا ... وأخو المبذِّر لم يكن يخفاكا
8 - فإِذا حضرت بمجلسٍ، واستنشقوا ... من فيك ريحًا، يكرهون لقاكا
9 - يكفيك ذمًا فيه أن جميع مَن ... قد كان يشربه، يود فِكَاكا
10 - فارفِق بنفسك، واتَبِع آثار مَن ... أهداك، لا مَن فيه قد أغواك
11 - إِن كنت شهمًا فاجتنبه ولا تكن ... في شربه مستتبعًا لهواكا
12 - إني نصحتك، فاستمع لنصيحتي ... ونُهيتَ، فاتبع قولَ مَن ينهاكا
13 - وبذلت قولي ناصحًا لك يا فتى ... فعساك تقبل ما أقول عساكا
* * *

نصيحتي لك أيها المدخن
* إِن حياتك وصحتك ومالك وديعة من الله -تعالى- عندك ولا يحل لك
التفريط فيها.
* ارجع إِلى الله وهو -سبحانه وتعالى- قادر على مساعد تك للنجاة من مخاطر التدخين إِذا ما خلصت نيتك.
* واعلم أن الرغبة في التدخين ما هي إِلا مجرد عادة وليست إدمانًا، ويمكن
الإستغناء عنها في أول أسبوعين بشغل الفم واليد بشيء آخر مثل السواك
والمسبحة.
* تجنب المدخنين في الفترة الأولى للإِقلاع فإِن ذلك يساعدك على نسيان تلك العادة.
* إِن ما قد تلاحظه من أعراض طفيفة عند بداية إِقلاعك عن التدخين ما هي إِلا
(1/410)

سحابة عابرة نتيجة لعوامل نفسية بحتة.
* إِن إِقلاعك عن التدخين فيه انتصار على الشعور بالعجز أمام عادة سيئة، وهو كفيل بأن يبدل هذا الشعور إِلى الإِحساس بالمتعة وصفاء النفس بإِرضاء الله تعالى.
[نقلا عن رسالة (أخطار التدخين) أصدرتها كلية الطب والعلوم الطبية بجدة] تمنياتنا لك بالتوفيق.
(1/411)