Advertisement

الطبقات الكبرى للشعراني لوافح الأنوار في طبقات الأخيار 002


ومنهم الشيخ عبد الله المنوفي المالكي
رضي الله تعالى عنه
الصالح العابد الزاهد الأوحد ذو الكرامات الكثيرة، والتلامذة الأئمة. مات سابع رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ودفن تجاه قبر السلطان، قايتباي الآن بالصحراء، وكان الناس في ذلك النهار بالصحراء للدعاء برفع الوباء عنهم فحضر جنازته نحو من ثلاثين ألف رجل، وقد أفرده بالترجمة تلميذه الشيخ خليل رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ حسين الجاكي
رضي الله عنه
إمام جامع الجاكي، وخطيبه، وكان واعظاً صالحا يذكر الناس، وينتفع الناس بكلامه وعقدوا. له مجلساً عند السلطان ليمنعوه من الوعظ وقالوا: إنه يلحن فرسم السلطان بمنعه فشكا ذلك لشيخه الشيخ أيوب الكناس فبينما السلطان في بيت الخلاء إذ خرج له الشيخ أيوب من الحائط، والمكنسة على كتفه في صورة أسد عظيم، وفتح فمه يريد أن يبلع السلطان فارتعد السلطان، ووقع مغشياً عليه فلما أفاق قال له: أرسل للشيخ حسين يعظ، وإلا أهلكتك ثم دخل من الحائط فنزل السلطان إلى الشيخ حسين، وأراد الاجتماع بالشيخ أيوب فلم يأذن له. مات الشيخ حسين سنة ثلاثين وسبعمائة، ودفن خارج باب النصر في زاوية شيخه أيوب، وقبره ظاهر يزار بها كل ليلة أربعاء وصبيحتها. رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الشيخ خضر الكردي
رضي الله تعالى عنه
شيخ الملك الظاهر بيبرس أبي الفتوحات رحمه الله، كان به الإلمام الكثير، والتصوف، والكشف، والهمة، والمدد وكان السلطان ينزل كثيراً لزيارته، ويحادث بأسراره، ويستصحبه في أسفاره فرمى أولاد الحلال بينه وبينه فنقم عليه، وحبسه فطلع للسلطان جمرة رعت ظهره فأرسل يتعطف بالشيخ، وأطلقه فقال أجلي قريب من أجل السلطان فماتا قريباً من بعضهما، والشيخ خضر قبله بأيام في سنة خمس وسبعين وستمائة، وكان حبس الشيخ أربع سنين، ومع ذلك كان يرسل له الأطعمة الفاخرة إلى الحبس.
وكان يقول: إذا عزم أحدكم على مخاصمة أحد فلا يهيء له كلاماً فإن كل كلام مهيأ مفسود. دفن رضي الله عنه بزاويته تجاه جامع الملك الظاهر علي الخليج الحاكمي بمصر، وقبره ظاهر يزار رضي الله عنه.
(2/2)

ومنهم الشيخ شرف الدين الكردي
رضي الله عنه
المدفون بظاهر القاهرة بالحسينية وله مقام عظيم، وكرامات كثيرة، وله وقت كل ليل أربعاء، وهو أخو الشيخ خضر في الطريق، وكان من أصحاب سيدي الشيخ أبي السعود بن أبي العشائر السابق ترجمته، ومناقبهما مشهورة. ماتا سنة سبع وستين وستمائة رضي الله عنهما.

ومنهم الشيخ محمد بن هارون
رضي الله تعالى عنه ورحمه
من أهل مدينة سنهور بالبحر الغربي، وهو الذي كان يقوم لوالد سيدي إبراهيم الدسوقي إذا مر عليه، ويقول: في ظهره ولي يبلغ صبته المشرق، والمغرب، وكان سبب خراب بلده سنهور المدينة أنه كشف له عن صاعقة تنزل عليها من السماء تحرقها بأهلها فأمر بذبح ثلاثين بقرة، وطبخها، ومدها في زاويته، وقال للنقباء لا تمنعوا أحدا يكل أو يحمل فأكل الناس، وحملوا جهدهم فجاء فقير مكشوف العورة أشعث أغبر فقال أطعموني فأطعموه حتى عجزوا فلم يقدروا عليه يشبع فدفعوه، وأخرجوه فنزلت الصاعقة على البلد فخرج الشيخ بأهله، ومن تبعه، وهلك الناس في أسواقهم، وبيوتهم أجمعين. فقال الشيخ للنقيب يا ولدي ما هذا الذي فعلته شخص يريد أن يتحمل البلاء عن بلدنا بأكلة تمنعه فهي إلى الآن خراب، وعمروا خلافها، وكانت مدينة عظيمة رأوا سقوفها مرصصة فوق الظهور بالحرير بدل الحصر والأنخاخ. وحكى لي شيخنا سيدي على الخواص رضي الله تعالى عنه أن سيدي محمد بن هارون سلبه حاله مرة صبي القراد، وذلك أنه كان إذا خرج من صلاة الجمعة تبعه أهل المدينة يشيعونه إلى داره فمر بصبي القراد، وهو جالس تحت حائطه يفلي خلقته من القمل، وهو ماد رجليه فخطر في سر الشيخ أن هذا قليل الأدب يمد رجليه، ومثلي مار عليه فسلب لوقته وفرت الناس عنه فرجع فلم يجد الصبي فدار عليه في البلاد إلى أن وجده في رميلة فلما نظر القراد الكبير إليه، وهو واقف وقد فرغوا قال له تعال يا سيدي الشيخ مثلك يخطر في خاطره أن له مقاماً أو قدراً هذا الصبي سلبك حالك فله أن يمد رجله بحضرتك لكونه أقرب إلى الله منك فقال التوبة فأرسله إلى سنهور المدينة إلى الحائط التي كان يفلي ثوبه عندها، وقال له ناد السحلية التي هناك في الشق وقل لها إن قزمان طاب خاطره علي فردى علي حالي فخرجت ونفخت في وجهه فرد الله عليه حاله رضي الله عنه..

ومنهم الشيخ يحيى الصنافيري
رضي الله تعالى عنه
صاحب المكاشفات الجمة كان عالماً صالحاً تقصده الناس بالزيارات من سائر الأقطار. مات سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة ودفن بتربة الشيخ أبي العباس البصير بالقرافة، وكانت جنازته مشهورة. ولما جاء سيدي يوسف العجمي رضي الله عنه من بلاد العجم إلى مصر استأذن الشيخ يحيى في الدخول فأذن له وكان لا يدخل أحد من الأولياء مصر إلا بإذنه، وأنشده سيدي يحيى رضي الله عنه:
ألم تعلم بأني صيرفي ... أحك الأولياء على محكى
فمنهم بهرج لا خير فيه ... ومنهم من أجوزه بسبكى
وأنت الخالص الذهب المصفى ... بتزكيتي، ومثلي من يزكى

ومنهم الشيخ أبو العباس البصير
رضي الله عنه
كان من أصحاب الكشف التام والقبول العام، وكان من معاصري الشيخ أبي السعود بن أبي العشائر، وكان سيدي أبو السعود في زاويته بباب القنطرة يراسله بالأوراق في أيام خليج النيل الحاكمي إلى باب الخرق بزاوية الشيخ أبي العباس فكانت ورقة أبي السعود تقلع، وورق أبي العباس تحدر إلى أن ترسي على سلم البحر، ولا تبتل رضي الله عنهما. قال سيدي حاتم خدمت سيدي الشيخ أبا السعود عشرين سنة وأنا أسأله أن يأخذ علي العهد فيقول لست من أولادي أنت من أولاد أخي أبي العباس البصير سيأتي من أرض المغرب فلما قدم إلى مصر أرسل سيدي أبو السعود إلى سيدي حاتم، وقال له شيخك قدم الليلة فاذهب لملاقاته في بولاق فأول من اجتمع به من أهل مصر سيدي حاتم فلما وضع يده في يده قال أهلاً بولدي حاتم جزى الله أخي أبا السعود خيراً في حفظك إلى إن قدمنا، وحكي أن امرأة سيدي أبي السعود دعيت إلى الحضور في عرس ببيت أمير كبير، وكان لها مرقعة فشاورت الشيخ فأذن لها فقالت بمرقعتي فقال: نعم فذهبت فقلب الله تعالى عينها حريراً مزركشاً مفصصاً فصوصاً من المعادن لا توجد في ذخائر الملوك فكانت الخوندات يتعجبن منها، ويقلن كيف يكون مثل هذا لامرأة فقير
(2/3)

فطلبت واحدة منهن فصاً بألف دينار فأبت امرأة الشيخ، وقالت ما معي إذن فلما رجعت إلى الشيخ، وأخبرته تبسم وقال إن الله يستر من يشاء من عباده، وقدم شخص من مريدي الشيخ أبي العباس على سيدي عبد الرحيم القناوي بعد وفاة الشيخ أبي العباس وكان الشيخ يأخذ العهد على جماعة من الحاضرين فمد يده ليد فقير سيدي أبي العباس وهو في المحراب فخرجت يد أبي العباس من الحائط فمنعت يد الشيخ عبد الرحيم فقال رحم الله أخي أبا العباس يغير على أولاده حياً، وميتاً رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ حسن شيخ المسلمية
رضي الله تعالى عنه
كان سيداً كبيراً. مات رضي الله عنه سنة أربع وستين وسبعمائة بجامع القبلة بالرصد، ودفن بالقرافة الكبرى بمصر قريباً من قبر الشيخ أبي الخير الأقطع بالقرب من الديلمية رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الشيخ علي السدار
رضي الله تعالى عنه
المدفون بزاويته بحارة الروم بالقرب من باب زويلة كان يبيع السدر ثم انقطع في بيته يزار إلى أن مات رضي الله عنه سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وجاءه شخص مرة يطلب حناء فأعطاه سدراً فرده إليه، وقال: هذا سدر ونحن ما حاجتنا إلا بالحناء للعريس فقال آخر النهار تحتاجون إلى السدر، ولا حاجة لكم بالحناء فمات العريس آخر الليل فغسلوه به رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو الحسن الشاذلي
رضي الله تعالى عنه
هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي بالشين والذال المعجمتين. وشاذلة قرية من أفريقية، الضرير الزاهد نزيل الإسكندرية وشيخ الطائفة الشاذلية، وكان كبير المقدار عالي المنار له عبارات فيها رموز، فوق ابن تيمية سهمه إليه فرده عليه، وصحب الشيخ نجم الدين الأصفهاني، وابن مشيش، وغيرهما، وحج مرات، ومات بصحراء عيذاب قاصداً الحج فدفن هناك في ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة، وقد أفرده سيدي الشيخ تاج الدين بن عطاء الله هو وتلميذه أبو العباس بالترجمة. وها أن أذكر لك ملخص ما ذكره فيها فأقول وبالله التوفيق: قد ترجم رضي الله عنه في كتاب لطائف المنن سيدي الشيخ أبا الحسن رضي الله عنه بأنه قطب الزمان، والحامل في وقته لواء أهل العيان حجة الصوفية علم المهتدين زين العارفين أستاذ الأكابر زمزم الأسرار، ومعدن الأنوار القطب الغوث الجامع أبو الحسن علي الشاذلي رضي الله عنه لم يدخل طريق القوم حتى كان يعد للمناظرة في العلوم الظاهرة، وشهد له الشيخ أبو عبد الله بن النعمان بالقطبانية جاء رضي الله عنه في هذه الطريق بالعجب العجاب، وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رضي الله عنه يقول ما رأيت أعرف بالله من الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه.
من كلامه رضي الله عنه: عليك بالاستغفار وإن لم يكن هناك ذنب، واعتبر باستغفار النبي صلى الله عليه وسلم بعد البشارة واليقين بمغفرة ما تقدم من ذنبه، وما تأخر هذا في معصوم لم يقترف ذنباً قط وتقدس عن ذلك فما ظنك بمن لا يخلو عن العيب، والذنب في وقت من الأوقات، وكان رضي الله عنه يقول إذا عارض كشفك الكتاب، والسنة فتمسك بالكتاب، والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك إن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب، والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف ولا الإلهام، ولا المشاهدة مع أنهم أجمعوا على أنه لا ينبغي العمل بالكشف، ولا الإلهام، ولا المشاهدة إلا بعد عرضه على الكتاب والسنة، وكان رضي الله عنه يقول: لقيت الخضر عليه السلام في صحراء عيذاب فقال لي: يا أبا الحسن أصحبك الله اللطف الجميل، وكان لك صاحباً في المقام والرحيل، وكان رضي الله عنه يقول إذا جاذبتك هواتف الحق فإياك أن تستشهد بالمحسوسات على الحقائق الغيبيات وتردها فتكون من الجاهلين، واحذر أن تدخل في شيء من ذلك بالعقل، وكان رضي الله عنه يقول: إذا عرض عارض يصدك عن الله فاثبت قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم نفلحون " " الأنفال: 45 " وكان يقول: كل علم يسبق إليك فيه الخواطر، وتميل إليه النفس، وتلذ به الطبيعة فارم به وإن كان حقاً وخذ بعلم الله الذي أنزله على رسوله، واقتد به، وبالخلفاء، والصحابة، والتابعين من بعده وبالأئمة الهداة المبرئين عن الهوى، ومتابعته تسلم من الشكوك، والظنون، والأوهام، والدعاوي الكاذبة المضلة عن الهدى وحقائقه، وماذا عليك أن تكون عبد الله، ولا علم، ولا عمل، وحسبك من العلم العلم بالوحدانية، من
(2/4)

العمل محبة الله، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة الصحابة، واعتقاد الحق للجماعة قال رجل: " متى الساعة يا رسول الله؟ قال: ما أعددت لها قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله فقال: المرء مع من أحب "، وكان يقول: إذا كثر عليك الخواطر، والوساوس فقل سبحان الملك الخلاق " إن يشأ يذهبكم، ويأتي بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز " وكان يقول لا تجد الروح، والمدد ويصح لك مقام الرجال حتى لا يبقى في قلبك تعلق بعلمك، ولا جدك، ولا اجتهادك، وتيأس من الكل دون الله تعالى وكان رضي الله عنه يقول من أحصن الحصون من وقوع البلاء على المعاصي والاستغفار قال الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " " الأنفال: 33 "، وكان يقول: إذا ثقل الذكر على لسانك، وكثر اللغو في مقالك، وانبسطت الجوارح في شهواتك، وانسد باب الفكرة في مصالحك فاعلم أن ذلك من عظيم أوزارك أو لكون إرادة النفق في قلبك، وليس لك طريق إلا الطريق، والإصلاح، والاعتصام بالله والإخلاص في دين الله تعالى ألم تسمع إلى قوله تعالى: " إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم الله فأولئك مع المؤمنين " ولم يقل من المؤمنين، فتأمل هذا الأمر إن كنت فقيهاً، وكان رضي الله عنه يقول ارجع عن منازعة ربك تكن موحداً، واعمل بأركان الشرع تكن سنياً، واجمع بينهما تكن محققاً، وكان يقول قيل لي يا علي ما علي وجه الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وما على وجه الأرض مجلس في علم الحديث أبهى من مجلس الشيخ عبد العظيم المنذري وما على وجه الأرض مجلس في علم الحديث أبهى من مجلس الشيخ عبد العظيم المنذري وما على وجه الأرض مجلس في علم الحقائق أبهى من مجلسك وكان يقول من أحب أن لا يعصي الله تعالى في مملكته فقد أحب أن لا تظهر مغفرته، ورحمته وأن لا يكون لنبيه صلى الله عليه وسلم شفاعة، وكان يقول لا تشم رائحة الولاية، وأنت غير زاهد في الدنيا وأهلها وكان رضي الله عنه يقول أسباب القبض ثلاثة ذنب أحدثته أو دنيا ذهبت عنك أو شخص يؤذيك في نفسك أو عرضك فإن كنت أذنبت فاستغفر، وإن كنت ذهبت عنك الدنيا فارجع إلى ربك، وإن كنت ظلمت فاصبر، واحتمل هذا دواؤك، وإن لم يطلعك الله تعالى على سبب القبض فاسكن تحت جريان الأقدار فأنها سحابة سائرة، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ما حقيقة المتابعة؟ فقال رؤية المتبوع عند كل شيء، ومع كل شيء وفي كل شيء، وكان يقول الشيخ من ذلك على الراحة لا من
ذلك على التعب، وكان يقول: من دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعي، وكان يقول: من آداب المجالس للأكابر التخلي عن الأضداد، والميل، والمحبة، والتخصيص لهم، وترك التجسس على عقائدهم. وكان يقول: إذا جالست العلماء فلا تحدثهم إلا بالعلوم المنقولة، والروايات الصحيحة إما أن تفيدهم، وإما أن تستفيد منهم، وذلك غاية الربح منهم. ذلك على التعب، وكان يقول: من دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعي، وكان يقول: من آداب المجالس للأكابر التخلي عن الأضداد، والميل، والمحبة، والتخصيص لهم، وترك التجسس على عقائدهم. وكان يقول: إذا جالست العلماء فلا تحدثهم إلا بالعلوم المنقولة، والروايات الصحيحة إما أن تفيدهم، وإما أن تستفيد منهم، وذلك غاية الربح منهم.
وإذا جالست العباد، والزهاد فاجلس معهم على بساط الزهد، والعبادة، وحل لهم ما استمرءوه، وسهل عليهم ما استوعروه، وذوقهم من المعرفة ما لم يذوقوه، وإذا جالست الصديقين ففارق ما تعلم تظفر بالعلم المسكون، وكان يقول إذا انتصر الفقير لنفسه، وأجاب عنها فهو، والتراب سواء، وكان يقول إذا لم يواظب الفقير على حضور الصلوات الخمس في الجماعة فلا تعبأن به، وكان يقول من غلب عليه شهود الإرادة تفسخت عزائمه لسرعة المراد، وكثرته، واختلاف أنواعه، وأي وقفة تسعه حتى يحل أو يعقد أو يعزم أو ينوي شيئاً من أموره مع تعداد إرادته، واضمحلال صفاته أين أنت من نور من نظر، واتسع نظره بنور ربه، ولم يشغله المنظور إليه عمن نظر به فقال: ما من شيء كان، ويكون، وإلا وقد رأيته الحديث، وكان رضي الله عنه يقول: إذا استحسنت شيئاً من أحوالك الباطنة أو الظاهرة، وخفت زواله فقل ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وكان يقول، ورد المحققين إسقاط الهوى ومحبة المولى أبت المحبة أن تستعمل محباً لغير محبوبه.
وفي رواية أخرى، ورد المحققين رد النفس بالحق عن الباطن في عموم الأوقات، وكان يقول لا يتم للعالم سلوك طريق القوم إلا بصحبة أخ صالح أو شيخ ناصح، وكان يقول لا تؤخر طاعات وقت لوقت آخر فتعاقب بفواتها أو بفوات غيرها أو مثلها جزاء لما ضيع عن ذلك الوقت فإن لكل، وقت سهماً فحق العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية، وأما تأخير عمر
(2/5)

رضي الله عنه الوتر إلى آخر الليل فتلك عادة جارية، وسنة ثابتة ألزمه الله تعالى إياها مع المحافظة عليها، وأني لك بها مع الميل إلى الراحات، والركون مع الشهوات، والغفلة عن المشاهدات هيهات هيهات هيهات، وكان رضي الله عنه يقول من أراد عز الدارين فليدخل في مذهبنا يومين ققال: له القائل كيف لي بذلك قال: فرق الأصنام عن قلبك، وأرح من الدنيا بدنك ثم كن كيف شئت فإن الله تعالى لا يعذب العبد على مد رجليه مع استصحاب التواضع للاستراحة من التعب، وإنما يعذبه على تعب يصحبه التكبر، وكان يقول ليس هذا الطريق بالرهبانية، ولا بأكل الشعير، والنخالة، وإنما هو بالصبر على الأوامر واليقين في الهداية قال تعالى: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون " وكان يقول من لم يزدد بعلمه عمله افتقاراً لربه، وتواضعاً لخلقه فهو هالك، وكان يقول سبحان من قطع كثيراً من أهل الصلاح عن مصلحتهم كما قطع المفسدين عن موجدهم، وكان يقول الزم جماعة المؤمنين، وإن كانوا عصاة فاسقين، وأقم عليهم الحدود، واهجرهم لهم رحمة بهم لا تعززا عليهم، وتقريعاً لهم، وكان يقول كل من طعام فسقة المسلمين، ولا تأكل من طعام رهبان المشركين، وانظر إلى الحجر الأسود فإنه ما اسود إلا من مس أيدي المشركين دون المسلمين وكان رضي الله عنه يقول سمعت هاتفاً يقول كم تدندن مع من يدندن، وأنا السميع القريب، وتعريفي يغنيك عن علم الأولين، والآخرين ما عدا علم الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلم النبيين عليهم الصلاة، والسلام، وقيل له مرة من شيخك فقال كنت أنتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، وأنا الآن لا أنتسب إلى أحد بل أعوم في عشرة أبحر محمد وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وجبريل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل، والروح الأكبر. قال الشيخ أبو العباس المرسي، ومات الشيخ عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه مقتولا، قتله ابن أبي الطواجن ببلاد المغرب. وكان يقول: من علم اليقين بالله تعالى، وبما لك عند الله تعالى أن تتعاطى من الخلق ما لا تصغر به عند الحق تعالى مما تكرهه النفوس الغوية كحمل متاعك من السوق، وجمع الحطب للطعام، وجعله على رأسك، والمشي مع زوجتك إلى السوق في حاجة من حوائجها، وركوبك خلفها على الحمار، وغيره، وأما ما تصغر به في أعين الخلق مما للشرع عليه اعتراض فليس من علم اليقين فلا ينبغي لك ارتكابه، وكان يقول إن كنت مؤمناً موقناً فاتخذ الكل عدواً كما قال إبراهيم عليه الصلاة، والسلام: " فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ".
وكان يقول الصادق الموقن لو كذبه أهل الأرض لم يزدد بذلك إلا تمكيناً، وكان يقول لا تعطي الكرامات من طلبها، وحدث بها نفسه، ولا من استعمل نفسه في طلبها، وإنما يعطاها من لا يرى نفسه، ولا عمله، وهو مشغول بمحاب الله تعالى ناظر لفضل الله آيس من نفسه، وعمله، وقد تظهر الكرامة على من استقام في ظاهره، وإن كانت هنات افض في باطنه كما وقع للعابد الذي عبد الله في الجزيرة خمسمائة عام فقيل له أدخل الجنة برحمتي فقال بل بعملي، وكان يقول: مأثم كرامة أعظم من كرامة الإيمان، ومتابعة السنة فمن أعطيهما، وجعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفتر كذاب أو ذو خطأ في العلم بالصواب كمن أكرم بشهود الملك فاشتاق إلى سياسة الدواب، وكان يقول كل كرامة لا يصحبها الرضا من الله، وعن الله، والمحبة لله، ومن الله فصاحبها مستدرج مغرور أو ناقص هالك مثبور. وكان رضي الله عنه يقول: للقطب خمس عشرة كرامة فمن ادعاها أو شيئاً منها فليبرز أن يمد بمدد الرحمة والعصمة، والخلافة، والنيابة، ومدد حملة العرش العظيم ويكشف له عن حقيقة الذات، وإحاطة الصفات، ويكرم بكرامة الحكم، والفصل بين الوجودين، وانفصال الأول عن الأول، وما اتصل عنه إلى منتهاه، وما ثبت فيه، وحكم ما قبل، وحكم ما يعدو حكم من لا قبل له، ولا بعد، وعلم البدء، وهو العلم المحيط بكل علم، وبكل معلوم بدا من السر الأول إلى منتهاه ثم يعود إليه، وان يقول سمعت هاتفاً يقول إن أردت كرامتي فعليك بطاعتي، وبالإعراض عن معصيتي وكان يقول كأني، واقف بين يدي الله عز وجل فقال لا تأمن مكري في شيء، وإن أمنتك فإن علمي لا يحيط به محيط، وهكذا درجوا.
وكان يقول لا تركن إلى علم، ولا مدد، وكن بالله، واحذر أن تنشر علمك ليصدقك الناس، وانشر علمك ليصدقك الله تعالى، وكان يقول: العلوم على القلوب كالدراهم والدنانير في الأيدي إن شاء الله تعالى نفعك
(2/6)

بها: وإن شاء ضرك: وكان يقول قرأت ليلة قوله تعالى: " ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً " فنمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أنا ممن يعلم، ولا أغنى عنك من الله شيئاً، وكان رضي الله عنه يقول من أقبل على الخلق الإقبال الكلي قبل بلوغ درجات الكمال سقط من عين الله تعالى فاحذروا هذا الداء العظيم فقد تعلق به خلق كثير، وقنعوا بالشهرة، وتقبيل اليد فاعتصموا بالله يهدكم الله إلى الطريق المستقيم، وكان يقول من الشهوة الخفية للولي إرادته النصرة على من ظلمه، وقال تعالى للمعصوم الأكبر: " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " " الأحقاف: 35 " أي فإن الله تعالى قد لا يشاء إهلاكهم، وكان يقول إذا أردت الوصول إلى الطريق التي لا لون فيها فليكن الفرق في لسانك موجوداً، والجمع في سرك مشهوداً، وكان يقول كل اسم تستدعى به نعمة أو تستكفي به نقمة فهو حجاب عن الذات، وعن التوحيد بالصفات، وهذا لأهل المراتب، والمقامات، وأما عوام المؤمنين فهم عن ذلك معزولون، وإلى حدودهم يرجعون ومن أجورهم من الله لا يبخسون وكان رضي الله عنه يقول لو علم نوح عليه الصلاة والسلام أن في أصلاب قومه من يأتي يوحد الله عز وجل ما دعا عليهم، ولكان قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل منهما على علم وبينة من الله تعالى، وكان يقول لا أجر لمن أخذ الأجر، والرشا على الصلاة، والصيام وتنعم بمطامح تلك الأبصار عند إطراق الرءوس، والاشتغال بالأذكار، وجناية هؤلاء بالإضافات، ورؤية الطاعات أكثر من جناياتهم بالمعاصي، وكثرة المخالفات وحسبهم ما يظهر من الطاعات، وإجابة الدعوات، والمسارعة إلى الخيرات، ومن أبغض الخلق إلى الله تعالى من تملق إليه في الأسحار بالطاعات ليطلب مسرته بذلك قال تعالى: " فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص " وكان يقول: العارف بالله تعالى لا تنغصه حظوظ النفس لأنه بالله تعالى فيما يأخذ وفيما يترك إلا إن كانت الحظوظ معاصي، وكان يقول: إذا أهان الله عبداً كشف له حظوظ نفسه وستر عنه عيوب دينه فهو يتقلب في شهواته حتى يهلك، ولا يشعر، وكان يقول: إذا ترك العارف الذكر على وجه الغفلة نفساً أو نفسين قيض الله تعالى له شيطاناً فهو له قرين، وأما غير العارف فيسامح بمثل ذلك، ولا يؤاخذ إلا في مثل درجة أو درجتين أو زمان أو زمنين أو ساعة أو ساعتين على حسب المراتب، وكان يقول من الأولياء من يسكر من شهود الكأس، ولم يذق بعد شيئاً فما ظنك بعد ذوق الشراب وبعد الري؟ واعلم أن الري قل من يفهم المراد به فإنه مزج الأوصاف بالأوصاف والأخلاق بالأخلاق والأنوار بالأنوار والأسماء بالأسماء، والنعوت بالنعوت، والأفعال بالأفعال، وأما الشرب فهو سقيا القلب والأوصال، والعروق من هذا الشراب حتى يسكر، وأما الكأس فهو معرفاً الحق التي يعرف بها من ذلك الشراب الطهور المخلص الصافي لمن شاء من عباده المخصوصين فتارة يشهد الشارب تلك الكأس صورة، وتارة يشهدها معنوية، وتارة يشهدها علمية فالصورة حظ الأبدان، والأنفس، والمعنوية حظ القلوب، والعقول والعلمية حظ الأرواح، والأسرار فيا له من شراب ما أعذبه فطوبى لمن شرب منه ودام وأطال في معنى ذلك، وكان يقول: إياك والوقوع في المعصية المرة بعد المرة فإن من تعدى حدود الله فهم الظالم، والظالم لا يكون إماماً، ومن ترك المعاصي، وصبر على ما ابتلاه الله وأيقن بوعد الله، ووعيده فهو الإمام، وإن قلت أتباعه، وكان رضي الله عنه يقول: مريد واحد يصلح أن يكون محلا لوضع أسرارك خير من ألف مريد لا يكونون محلا لوضع أسرارك.
وكان يقول: إننا لننظر إلى الله تعالى ببصائر الإيمان، والإيقان فأغنانا بذلك عن الدليل، والبرهان، وصرنا نستدل به تعالى على الخلق هل في الوجود شيء سوى الملك المعبود الحق فلا نراه، وإن كان، ولا بد من رؤيتهم فتراهم كالهباء في الهواء إن مسستهم لم تجد شيئاً، وكان يقول إذ امتلأ القلب بأنوار الله تعالى عميت بصيرته عن المناقص والمذام المقيدة في عباده المؤمنين، وكان يقول ذهب العمى، وجاء البصر بمعنى فانظر إلى لله تعالى فهو لك مأوى فإن تنظر فيه أو تسمع فمنه، وإن تنطق فعنه وإن تكن فعنده، وإن لم تكن فلا شيء غيره وكان يقول البصيرة كالبصر أدنى شيء يقع فيها يعطل النظر، وإن لم ينته الأمر إلى العمى فالخطرة من صفات الشرتشوش نظر البصيرة، وتكدر الفكر، والإرادة، وتذهب
(2/7)

بالخير رأساً، والعمل به يذهب بصاحبه عن سهم من الإسلام فإن استمر على الشر تفلت منه الإسلام سهماً سهماً فإذا انتهى لي الوثيقة في العلماء والصالحين، وموالاة الظالمين حباً للجاه، والمنزلة عندهم فقد تفلت منه الإسلام كله، ولا يغرنك ما توسم به ظاهراً فإنه لا روح له فإن روح الإسلام حب الله ورسوله، وحب الآخرة، والصالحين من عباده، وكان يقول نظر الله عز وجل لا يمتد منه شيء إلا خلقه، ولا يقف في نظره، ولا ينعطف عن منظوره جل نظر ربنا عن القصور، والنفوذ والتجاوز والحدود، وكان رضي الله عنه يقول: أركز الأشياء في الصفات ركزها قبل وجودها ثم انظر هل ترى للعين أينا أو ترى للكون كانا أو ترى للأمر شأنا، وكذلك بعد وجودها.
وكان يقول: من ادعى فتح عين قلبه وهو يتصنع بطاعة الله تعالى أو يطمع فيما في أيدي خلق الله تعالى فهو كاذب، وكان يقول التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية، وكان يقول الصوفي يرى وجوده كالهباء في الهواء غير موجود ولا معدوم حسب ما هو عليه في علم الله وسئل رضي الله عنه الحقائق فقال الحقائق هي المعاني القائمة في القلوب، وما اتضح لها، وانكشف من الغيوب وهي منح من الله تعالى، وكرامات، وبها وصلوا إلى البر، والطاعات ودليلها قوله لحارثة كيف أصبحت؟ قال أصبحت مؤمناً حقاً الحديث، وكان رضي الله عنه يقول من تحقق الوجود فني عن كل موجود، ومن كان بالوجود ثبت له كل موجود، وكان يقول: أثبت أفعال العباد بإثبات الله تعالى، ولا يضرك ذلك، وإنما يضرك الإثبات بهم، ومنهم، وكان يقول أبي المحققون أن يشهدوا غير الله تعالى لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية، وكان يقول حقيقة زوال الهوى من القلب حب لقاء الله تعالى في كل نفس من غير اختبار حالة يكون المرء عليها وكان يقول حقيقة القرب الغيبة بالقرب عن القرب لعظم القربة، وكان يقول لن يصل العبد إلى الله وبقي معه شهوة من شهواته، ولا مشيئة من مشيئاته، وكان يقول: الأولياء يغنون عن كل شيء بالله تعالى وليس لهم معه تدبير، ولا اختيار: والعلماء يدبرون، ويختارون، وينظرون، ويقتبسون، وهم مع عقولهم، وأوصالهم دائمون، والصالحون، وإن كانت أجسادهم معرسة ففي أسرارهم الكزازة، والمنازعة ولا يصلح شرح أحوالهم إلا لولي في نهايته فحسبك ما ظهر من صلاحهم، واكتف به عن شرح ما بطن من أحوالهم، وكان رضي الله عنه يقول لا تختر من الأمر شيئاً، واختر أن لا تختار، وفر من ذلك المختار فرارك من كل شيء إلى الله تعالى: " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " وكل مختارات الشرع وترتيباته فهي مختار الله ليس لك منه شيء، وبد لك منه، واسمع، وأطع، وهذا موضع الفقه الرباني والعلم الإلهي وهي أرض لعلم الحقيقة المأخوذة عن الله تعالى لمن استوى فافهم، وكان يقول كل ورع لا يثمر لك العلم، والنور فلا تعد له أجراً وكل سيئة يعقبها الخوف، والهرب إلى الله تعالى فلا تعد لها وزراً، وكان يقول لا ترقي قبل أن يرقي بك فتزل قدمك، وكان يقول: أشقي الناس من يعترض على مولاه وأكرس في تدبير دنياه، ونسي المبدأ، والمنتهى والعمل لأخراه، وكان يقول: مراكز النفس أربعة مركز للشهوة في المخالفات، مركز للشهوة في الطاعات، ومركز في الميل إلى الراحات، ومركز في العجز عن أداء المفروضات " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد " " التوبة: 5 " الآية، وكان يقول إن من أعظم القربات عند الله تعالى مفارقة النفس بقطع إرادتها، وطلب الخلاص منها بترك ما يهوي لما يرجي من حياتها، وكان رضي الله عنه يقول إن من أشقي الناس من يحب أن يعامله الناس بكل ما يريد، وهو لا يجد من نفسه بعض ما يريد، وطالب نفسك بإكرامك لهم، ولا تطالبهم بإكرامهم لك لا تكلف إلا نفسك، وكان يقول: قد يئست من منفعة نفسي لنفسي فكيف لا أيأس من منفعة غيري لنفسي، ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي، وكان يقول: إن أردت أن لا يصدأ لك قلب، ولا يلحقك هم، ولا كرب، ولا يبقي عليك ذنب فأكثر من قول سبحان الله، وبحمده سبحان الله العظيم لا إله إلا هو اللهم ثبت علمها في قلبي واغفر لي ذنبي، وكان يقول: لا كبيرة عندنا أكبر من اثنتين حب الدنيا بالإيثار، والمقام على الجهل بالرضا لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، والمقام على الجهل أصل كل معصية، وكان يقول: إن أردت أن تصح على يديك الكيمياء فأسقط الخلق من قلبك، واقطع الطمع من ربك أن يعطيك
(2/8)

غير ما سبق لك ثم أمسك ما شئت يكون كما تريد، وكان يقول إن أردت أن تكون مرتبطاً بالحق فتبرأ من نفسك، واخرج عن حولك وقوتك: وكان يقول إن أردت الصدق في القول فأكثر من قراءة " إنا أنزلناه في ليلة القدر " وإن أردت الإخلاص في جميع أحوالك فكثر من قراءة " قل هو الله أحد " وإن أردت تيسير الرزق فأكثر من قراءة " قل أعوذ برب الفلق " وإن أردت السلامة من الشر فأكثر من قراءة " قل أعوذ برب الناس ". قلت: قال بعضهم وأقل الإكثار سبعون مرة كل يوم إلى سبعمائة، وكان يقول أربع لا ينفع معهم علم حب الدنيا، ونسيان الآخرة، وخوف الفقر
وخوف الناس، وكان يقول أصدق الأقوال عند الله تعالى قول لا إله إلا الله على النظافة، وأدل الأعمال على محبته تعالى لك بغض الدنيا، واليأس من أهلها على الموافقة وكان يقول لا تسرف بترك الدنيا فيغشاك ظلمتها، وتنحل أعضاؤك لها فترجع لمعانقتها بعد الخروج منها بالهمة أو بالفكرة أو بالإرادة أو بالحركة، وكان رضي الله عنه يقول: لا تقوى لمحب الدنيا إنما التقوى لمن أعرض عنها. وكان يقول إذا توجهت لشيء من عمل الدنيا، والآخرة فقل: يا قوي يا عزيز يا عليم يا قدير يا سميع يا بصير، وكان يقول إذا ورد عليك مزيد من الدنيا والآخرة فقل " حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله، ورسوله إنا إلى الله راغبون "، وكان يقول خصلة واحدة إذا فعلها العبد صار إمام الناس من أهل عصره، وهي الإعراض عن الدنيا، واحتمال الأذى من أهلها، وكان يقول: إذا تداين أحدكم فليتوجه بقلبه إلى الله تعالى، ويتداين على الله تعالى فإن كل ما تداينه العبد على الله تعالى فعلى الله أداؤه، وكان يقول إن عارضك عارض من معلوم هو لك فاهرب إلى الله منه هروبك من النار، وهذه من غرائب علوم المعرفة في علوم المعاملة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا تداين اللهم عليك تداينت وعليك توكلت، وإليك أمري فوضت، وكان يقول: خصلة واحدة تحبط الأعمال، ولا يتنبه لها كثير من الناس وهي سخط العبد على قضاء الله تعالى قال تعالى: " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " " محمد: 9 "، وكان يقول لا يترك منازعة الناس في الدنيا إلا المؤمن بالقسمة، وكان يقول رأيت في النوم صائحاً يصيح في جو السماء إنما تساق لرزقك أو لأجلك أو لما يقضي الله به عليك أو بك أو لك، وهي خمسة لا سادس لها، وكان يقول: كل حسنة لا تثمر نوراً أو علماً في الوقت فلا تعد لها أجراً، وكل سيئة أثمرت خوفاً من الله تعالى، ورجوعاً إليه فلا تعد لها وزراً، وكان يقول حسنتان لا يضر معهما كثرة السيئات الرضا بقضاء الله، والصفح عن عباد الله، وكان يقول: إياك أن تقف مع الخلق بل أنف المضار، والمنافع عنهم لأنها ليست منهم، واشهدها من الله فيهم، وفر إلى الله منهم بشهود القدر الجازي عليك، وعليهم أو لك، ولهم ولا تخف خوفاً تغفل به عن الله تعالى، وترد القدر إليهم تهلك، وكان يقول رضي الله عنه من فارق المعاصي في ظاهره، ونبذ حب الدنيا من باطنه، ولزم حفظ جوارحه، ومراعاة سره أتته الزوائد من ربه، وكل به حارساً يحرسه من عنده، وأخذ الله بيده خفضاً، ورفعاً في جميع أموره، والزوائد هي زوائد العلم واليقين، والمعرفة، وكان رضي الله عنه يقول: لا يوصف العبد بأنه قد هجر المعاصي إلا إن كانت لم تخطر له على بال فإن حقيقة الهجر نسيان المهجور هذا في حق الكاملين فإن لم يكن كذلك فليهجر على المكابدة، والمجاهدة، وكان يقول: لا يتزحزح العبد عن النار إلا إن كف جوارحه عن معصية الله، وتزين بحفظ أمانة الله، وفتح قلبه لمشاهدة الله، ولسانه، وسره لمناجاة الله، ورفع الحجاب بينه، وبين صفات الله وأشهده الله تعالى أرواح كلماته، وكان يقول الغل هو ربط القلب على الخيانة، والمكر، والخديعة، والحقد هو شدة ربط القلب على الخيانة المذكورة، وكان يقول: اتق الله في الفاحشة جملة وتفصيلا وفي الميل إلى الدنيا صورة وتمثيلا وكان يقول عقوبة ارتكاب المحرمات بالعذاب، وعقوبة أهل الطاعات بالحجاب لما يقع لهم فيها من سوء الأدب، وعقوبة المراكنات ترك المزيد وعقوبة القلق، والاستعجال هلاك السر وكان يقول: من اعترض على أحوال الرجال فلا بد أن يموت قبل أجله ثلاث موتات أخر موت بالذل، وموت بالفقر، وموت بالحاجة إلى الناس ثم لا يجد من يرحمه منهم، وكان الشيخ مكين الدين الأسمر رضي الله عنه يقول: الناس يدعون إلى باب الله تعالى وأبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يدخلهم على الله، وكان الشاذلي رضي الله عنه يقول: من النفاق التظاهر يفعل السنة، والله يعلم منه غير ذلك، ومن الشرك بالله اتخاذ الأولياء، والشفعاء دون الله قال الله تعالى: " مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ". ف الناس، وكان يقول أصدق الأقوال عند الله تعالى قول لا إله إلا الله على النظافة، وأدل الأعمال على محبته تعالى لك بغض الدنيا، واليأس من أهلها على الموافقة وكان يقول لا تسرف بترك الدنيا فيغشاك ظلمتها، وتنحل أعضاؤك لها فترجع لمعانقتها بعد الخروج منها بالهمة أو بالفكرة أو بالإرادة أو بالحركة، وكان رضي الله عنه يقول: لا تقوى لمحب الدنيا إنما التقوى لمن أعرض عنها. وكان يقول إذا توجهت لشيء من عمل الدنيا، والآخرة فقل: يا قوي يا عزيز يا عليم يا قدير يا سميع يا بصير، وكان يقول إذا ورد عليك مزيد من الدنيا والآخرة فقل " حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله، ورسوله إنا إلى الله راغبون "، وكان يقول خصلة واحدة إذا فعلها العبد صار إمام الناس من أهل عصره، وهي الإعراض عن الدنيا، واحتمال الأذى من أهلها، وكان يقول: إذا تداين أحدكم فليتوجه بقلبه إلى الله تعالى، ويتداين على الله تعالى فإن كل ما تداينه العبد على الله تعالى فعلى الله أداؤه، وكان يقول إن عارضك عارض من معلوم هو لك فاهرب إلى الله منه هروبك من النار، وهذه من غرائب علوم المعرفة في علوم المعاملة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا تداين اللهم عليك تداينت وعليك توكلت، وإليك أمري فوضت، وكان يقول: خصلة واحدة تحبط الأعمال، ولا يتنبه لها كثير من الناس وهي سخط العبد على قضاء الله تعالى قال تعالى: " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " " محمد: 9 "، وكان يقول لا يترك منازعة الناس في الدنيا إلا المؤمن بالقسمة، وكان يقول رأيت في النوم صائحاً يصيح في جو السماء إنما تساق لرزقك أو لأجلك أو لما يقضي الله به عليك أو بك أو لك، وهي خمسة لا سادس لها، وكان يقول: كل حسنة لا تثمر نوراً أو علماً في الوقت فلا تعد لها أجراً، وكل سيئة أثمرت خوفاً من الله تعالى، ورجوعاً إليه فلا تعد لها وزراً، وكان يقول حسنتان لا يضر معهما كثرة السيئات الرضا بقضاء الله، والصفح عن عباد الله، وكان يقول: إياك أن تقف مع الخلق بل أنف المضار، والمنافع عنهم لأنها ليست منهم، واشهدها من الله فيهم، وفر إلى الله منهم بشهود القدر الجازي عليك، وعليهم أو لك، ولهم ولا تخف خوفاً تغفل به عن الله تعالى، وترد القدر إليهم تهلك، وكان يقول رضي الله عنه من فارق المعاصي في ظاهره، ونبذ حب الدنيا من باطنه، ولزم حفظ جوارحه، ومراعاة سره أتته الزوائد من ربه، وكل به حارساً يحرسه من عنده، وأخذ الله بيده خفضاً، ورفعاً في جميع أموره، والزوائد هي زوائد العلم واليقين، والمعرفة، وكان رضي الله عنه يقول: لا يوصف العبد بأنه قد هجر المعاصي إلا إن كانت لم تخطر له على بال فإن حقيقة الهجر نسيان المهجور هذا في حق الكاملين فإن لم يكن كذلك فليهجر على المكابدة، والمجاهدة، وكان يقول: لا يتزحزح العبد عن النار إلا إن كف جوارحه عن معصية الله، وتزين بحفظ أمانة الله، وفتح قلبه لمشاهدة الله، ولسانه، وسره لمناجاة الله، ورفع الحجاب بينه، وبين صفات الله وأشهده الله تعالى أرواح كلماته، وكان يقول الغل هو ربط القلب على الخيانة، والمكر، والخديعة، والحقد هو شدة ربط القلب على الخيانة المذكورة، وكان يقول: اتق الله في الفاحشة جملة وتفصيلا وفي الميل إلى الدنيا صورة وتمثيلا وكان يقول عقوبة ارتكاب المحرمات بالعذاب، وعقوبة أهل الطاعات بالحجاب لما يقع لهم فيها من سوء الأدب، وعقوبة المراكنات ترك المزيد وعقوبة القلق، والاستعجال هلاك السر وكان يقول: من اعترض على أحوال الرجال فلا بد أن يموت قبل أجله ثلاث موتات أخر موت بالذل، وموت بالفقر، وموت بالحاجة إلى الناس ثم لا يجد من يرحمه منهم، وكان الشيخ مكين الدين الأسمر رضي الله عنه يقول: الناس يدعون إلى باب الله تعالى وأبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يدخلهم على الله، وكان الشاذلي رضي الله عنه
(2/9)

يقول: من النفاق التظاهر يفعل السنة، والله يعلم منه غير ذلك، ومن الشرك بالله اتخاذ الأولياء، والشفعاء دون الله قال الله تعالى: " مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ".
وكان يقول من شفع طلباً للجاه والمنزلة أو لعرض الدنيا عذبه الله على ذلك، ويتوب الله على من يشاء، وكان يقول: من سوء الظن بالله أن يستنصر بغير الله من الخلق قال تعالى: " من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا، والآخرة " الآية، وكان يقول أوصاني أستاذي رحمه الله تعالى فقال: جدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء، وعند كل شيء ومع كل شيء وفوق كل شيء، وقريباً من كل شيء، ومحيطاً بكل شيء بقرب هو، وصفه، وبإحاطة هي نعته، وعد عن الظرفية، والحدود، وعن الأماكن، والجهات، وعن الصحبة، والقرب بالمسافات، وعن الدور بالمخلوقات وامحق الكل بوصفه الأول، والآخر، والظاهر والباطن كان الله ولا شيء معه، وكان رضي الله عنه يقول: من غفل قلبه اتخذ دينه هزواً، ومن اشتغل بالخلق اتخذ دينه لعباً، وكان يقول: إذا كان من يعمل على الوفاق لا يسلم من النفاق فكيف بغيره، وكان رضي الله عنه يقول: الكاملون حاملون لأوصاف الحق وحاملون لأوصاف الخلق فإن رأيتهم من حيث الخلق رأيت أوصاف البشر، وإن رأيتهم من حيث الحق رأيت أوصاف الحق التي زينهم بها فظاهرهم الفقر وباطنهم الغنم تخلقاً وبأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " ووجدك عائلا فأغنى " أفتراه أغناه بالمال كلا، وقد شد الحجر على بطنه من شدة الجوع وأطعم الجيش كله من صاع، وخرج من مكة على قدميه ليس معه شيء يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال، وكان يقول ضيق اليد شرف لكل الناس أو لقطب أو خليفة أو أمين لا يخون الله تعالى: برؤية نفسه على من ينفق عليه من العيال، والفقراء طرفة عين.
وكان يقول: العلوم التي وقع الثناء على أهلها وإن جلت فهي ظلمة في علوم ذوي التحقيق، وهم الذين غرقوا في تيار بحر الذات، وغموض الصفات فكانوا هناك بلا هم وهم الخاصة العليا الدين شاركوا الأنبياء، والرسل عليهم الصلاة والسلام في أحوالهم فلهم فيها نصيب على قدر إرثهم من مورثهم قال: النبي صلى الله عليه وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام " أي يقومون مقامهم على سبيل العلم، والحكمة لا على سبيل التحقيق بالمقام، والحال فإن مقامات الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام قد جلت أن يلمح حقائقها غيرهم، وكأن يقول: كل وارث في المنزلة الموروثة لا يكون إلا بقدر مورثه فقط قال تعالى: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض " كما فضل بعضهم على بعض كذلك فضل، ورثتهم على بعض إذ الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام أعين للحق، وكل عين يشهد منها على قدرها، وكل ولي له مادة مخصوصة وكان يقول الأولياء على ضربين صالحون، وصديقون فالصالحون أبدال الأنبياء، والصديقون أبدال الرسل. فبين الصالحين، والصديقين في التفضيل كما بين الأنبياء، والمرسلين منهم طائفة انفردوا بالمادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشهدونها عين يقين، وهم قليلون وفي التحقيق كثيرون، ومادة كل نبي، وكل ولي بالأصالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن من الأولياء من يشهد عينه، ومنهم من تخفى عليه عينه، ومادته فيفنى فيما يرد عليه، ولا يشتغل بطلب مادته بل هو مستغرق بحاله لا يرى غير وقته ومنهم طائفة أيضاً مدوا بالنور الإلهي فنظروا به حتى عرفوا من هم على التحقيق.
وذلك كرامة لهم لا ينكرها إلا من ينكر كرامات الأولياء فنعوذ بالله من النكران بعد العرفان، وكان يقول: أول منزل يطؤه المحب للترقي منه إلى العلا النفس فإذا اشتغل بسياستها، ورياضتها إلى أن انتهى إلى معرفتها وتحققها أشرق عليه أنوار المنزل الثاني، وهو القلب فإذا اشتغل بسياسته حتى عرفه، ولم يبق منه عليه شيء أشرق عليه أنوار المنزل الثالث، وهو الروح فإذا اشتغل بسياسته، وتمت له المعرفة هبت عليه أنوار اليقين شيئاً فشيئاً إلى تمام نهاياته، وهذه طريق العامة، وأما طريق الخاصة فهي طريق ملوك تضمحل العقول في أقل القليل من شرحها، وكان يقول: ومن أمده الله تعالى بنور العقل الأصلي شهد موجوداً لا حد له، ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد واضمحلت جميع الكائنات فيه فتارة يشهدها فيه كما يشهد البناء بيتاً في الهواء بواسطة نور الشمس، وتارة لا يشهدها لانحراف نور الشمس عن الكوة، فالشمس التي يبصر بها هو العقل الضروري بعد المادة بنور اليقين،
(2/10)

وإذا اضمحل هذا النور ذهبت الكائنات كلها، وبقي هذا الموجود فتارة يفنى، وتارة يبقى حتى إذا أريد به الكمال نودي فيها نداء خفياً لا صوت له فيمد بالفهم عنه إلا أن الذي يشهده غير الله تعالى: ليس من الله في شيء فهناك ينتبه من سكراته فيقول: يا رب أثبتني، وإلا أنا هالك فيعلم يقيناً أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله عز وجل فحينئذ يقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول ما خلق الله العقل " فأعطى هذا العبد الذل، والانقياد لنور هذا الموجود إذ لا يقدر على حده، وغايته فإذا أمد الله هذا العبد بنور أسمائه قطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله تعالى: " برفع درجات من نشاء " ثم أمده الله تعالى: بنور الروح الرباني فعرف هذا الموجود فرقي إلى ميدان الروح الرباني فذهب بجميع ما تحلى به هذا العبد، وما تخلى عنه بالضرورة، وبقي كلا موجود ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني فلما استنشق من مبادئ صفاته كان يقول: هو الله فإذا لحقته العناية الأزلية نادته إلا أن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحد أن يصفه بصفة، ولا أن يعبر عنه بشيء من صفاته لغير أهله لكن بنور غيره يعرفه فإذا أمده الله بنور سر الروح وجد نفسه جالساً على باب ميدان السر فرفع همته ليعرف هذا الموجود الذي هو السر فعمى عن إدراكه فتلاشت جميع أوصافه كأنه ليس بشيء فإذا أمده الله تعالى بنور ذاته أحياه حياة باقية لا غاية لها فينظر جميع المعلومات بنور هذه الحياة، ووجد نور الحق شائعاً في كل شيء لا يشهد غيره فنودي من قريب لا تغتر بالله فإن المحجوب من حجب عن الله بالله إذ محال أن يحجبه غيره، وهناك يحيا حياة استودعها الله تعالى فيه ثم قال يا رب أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك، وهذا هو سبيل الترقي إلى حضرة العلي الأعلى، وهو طريق المحبين الذين هم أبدال الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام، وما يعطيه الله تعالى لأحدهم من بعد هذا المنزل لا يقدر أحد أن يصف منه ذرة، والحمد لله على نعمائه، وأما طريق المحبوبين الخاصة بهم فإنه ترق منه إليه به إذ محال أن يتوصل إليه بغيره فأول قدم لهم بلا قدم إذ ألقى عليهم من نور ذاته فغيبهم بين عباده، وحبب إليهم الخلوات، وصغرت لديهم الأعمال الصالحات وعظم عندهم رب الأرضين، والسموات فبينما هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العدم فنظروا فإذا هم لا هم ثم أردف عليهم ظلمة غيبتهم عن نظرهم فصار نظرهم عدماً لا علة له فانطمست جميع العلل، وزال كل حادث فلا حادث، ولا وجود بل ليس إلا العدم الذي لا علة له فلا معرفة تتعلق به اضمحلت المعلومات وزالت المرسومات زوالا لا علة فيه، وبقي من أشير إليه لا، وصف له ولا صفة، ولا ذات، واضمحلت النعوت، والأسماء، والصفات كذلك فلا اسم له ولا صفة، ولا ذات فهنالك ظهر من لم يزل ظهوراً لا علة فيه بل ظهر يسره لذاته في ذاته ظهوراً لا أولية له بل نظر من ذاته لذاته في ذاته وهناك يحيا العبد بظهوره حياة لا علة لها وصار أولا في ظهوره لا ظاهراً قبله فوجدت الأشياء بأوصافه، وظهرت بنوره في نوره سبحانه، وتعالى ثم يغطس بعد ذلك في بحر بعد بحر إلى أن يصل إلى بحر السر فإذا دخل بحر السر غرق غرقاً لا خروج له منه أبد الآباد فإن شاء الله تعالى بعثه
نائباً عن النبي صلى الله عليه وسلم، يحيى به عباده، وإن شاء ستره يفعل في ملكه ما يشاء فهذا عنبرة من طريقي الخصوص، والعموم فتنبه. انتهى. اً عن النبي صلى الله عليه وسلم، يحيى به عباده، وإن شاء ستره يفعل في ملكه ما يشاء فهذا عنبرة من طريقي الخصوص، والعموم فتنبه. انتهى.
قلت: وإنما سطرنا لك يا أخي هذه الأمور الخاصة بالمكملين من أهل الله تعالى تشويقاً لك إلى مقاماتهم، وفتحاً لباب التصديق لهم إذا سمعتهم يذكرون مثل ذلك كما أشرنا إليه في خطبة هذا الكتاب وهذا الكلام لم أجده لغيره من الأولياء إلى وقتي هذا، فسبحان المنعم على من يشاء بما يشاء. والله أعلم.

ومنهم الشيخ سيدي الإمام أحمد أبو العباس المرسي
رضي الله عنه
كان من أكابر العارفين، وكان يقال إنه لم يرث علم الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه غيره، وهو أجل من أخذ عنه الطريق رضي الله عنه، ولم يضع رضي الله عنه شيئاً من الكتب.
وكان رضي الله عنه يقول علوم هذه الطائفة علوم تحقيق، وعلوم التحقيق لا تحملها عقول عموم الخلق، وكذلك شيخه أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه لم يضع شيئاً، وكان يقول كتبي أصحابي. مات رضي الله عنه سنة ست وثمانين وستمائة. ومن كلامه رضي الله عنه جميع الأنبياء
(2/11)

عليهم الصلاة والسلام خلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم، هو عين الرحمة، وكان رضى الله عنه يقول الفقيه هو من انفقأ الحجاب عن عيني قلبه، وكان رضي الله عنه يقول رجال الليل هم الرجال، وكلما أظلم الوقت قوى نور الولي ضرورة، وكان رضي الله عنه يقول: ولى الله مع الله كولد اللبوة في حجرها أتراها تاركة، ولدها لمن أراد اغتياله لا والله، وكان رضي الله عنه يقول إن الله تعالى عباداً محق أفعالهم بأفعاله، وأوصافهم بأوصافه، وذاتهم بذاته، وحملهم من أسراره ما يعجز عامة الأولياء عن سماعه، وكان يقول في معنى حديث من عرف نفسه عرف ربه معناه من عرف نفسه بذلها، وعجزها عرف الله بعزه، وقدرته. قلت: وهذا أسلم الأجوبة، والله أعلم، وكان يقول سمعت الشيخ أبا
(2/12)

الحسن رضي الله عنه يقول لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض فما ظنك بنور المؤمن المطيع وكان يقول لو كشف عن حقيقه، ولي لعبد لأن أوصافه من أوصافه، ونعوته من نعوته. قلت: ومعنى لعبد: أي لأطيع قال تعالى: " لا تعبدوا الشيطان " أي لا تطيعوه فيما يأمركم به، والله أعلم. قال بعضهم صليت خلف الشيخ أبي العباس فشهدت الأنوار ملأت بدنه، وانبثت من وجوده حتى إني لم أستطع النظر إليه وكان رضي الله عنه يقول قال ملك من الملوك لبعض العارفين تمن علي فقال له ذلك العارف تقول ذلك لي ولي عبدان قل ملكتهما، وملكاك، وقهرتهما، وقهراك، وهما الشهوة، والحرص فأنت عبد عدي فكيف أتمنى عليك، وأنت عبد عبدي.
وكان يقول سمعت الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه يقول من ثبتت، ولايته من الله تعالى لا يكره الموت، وهذا ميزان للمريدين ليزنوا به على نفوسهم إذا ادعوا، ولاية الله فإن من شأن النفوس، وجود الدعوى للمراتب العالية من غير أن يسلك السبيل الموصل إليها قال تعالى: " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " " البقرة: 94 " وكان رضي الله عنه يقول قد يكون الولي مشحوناً بالعلوم، والمعارف، والحقائق لديه مشهورة حتى إذا أعطى العبارة كان كالإذن من الله تعالى في الكلام، ويجب أن تفهم أن من أذن له في التعبير جلت في مسامع الخلق إشاراته، وكان يقول كلام المأذون له يخرج، وعليه كسوة، وطلاوة، وكلام الذي لم يأذن له يخرج مكسوف الأنوار، وكان يقول: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن كان عبد الله فسواء عليه أظهره أو أخفاه، وكان رضي الله عنه يقول: الطيء طيان على أصغر، وطي أكبر فالطي الأصغر لعامة هذه الطائفة أن تطوي لهم الأرض من مشرقها إلى مغربها في نفس واحد والطي الأكبر طي أوصاف النفوس، وكان يقول دخل رجل على عثمان رضي الله عنه، وقد كان نظر إلى محاسن امرأة في الطريق فقال يدخل أحدكم، وآثار الزنا بادية في وجهه، وكان يقول قد يطلع الله الولي على غيبه إذا ارتضاه بحكم التبع للرسل عليهم الصلاة، والسلام، ومن هنا نطقوا بالمغيبات، وأصابوا الحق فيها وكان يقول طريقنا هذه لا تنسب للمشارقة، ولا للمغاربة بل واحد عن واحد إلى الحسن بن علي أبي طالب رضي الله عنه، وهو أول الأقطاب، وكان يقول: إنما يلزم الإنسان تعيين المشايخ الذين استند إليهم إذا كان طريقه لبس الخرقة لأنها رواية والرواية يتعين رجال سندها، وطريقنا هذه هداية، وقد يجذب الله تعالى العبد إليه فلا يجعل عليه منة لأستاذ وقد يجمع شمله برسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون آخذاً عنه وكفي بهذا منة، وكان يقول كثيراً، قال الشيخ قال الشيخ، كلما ينقل كلاماً فقال له إنسان لا نراك قط تسند لنفسك كلاماً فقال رضي الله عنه لو أردت عدد الأنفاس أن أقول قال الله قال الله لقلت، ولو أردت عدد الأنفاس أن أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلت، ولو شئت أن أقول على عدد الأنفاس قلت أنا لقلت، ولكن أقول قال الشيخ، وأترك ذكر نفسي أدباً، وكان يقول: لم يزل الولي في كل عصر لا يلقي أكثر الناس إليه بإلا حتى إذا مات قالوا: كان فلان، وكان يقول الله ما سار الأولياء والأبدال من ق إلى ق إلا حتى يلتقوا مع واحد مثلنا، وكان شيخه أبو الحسن رضي الله عنه يقول: للناس عليكم بالشيخ أبي العباس فوالله إنه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه فلا يمشي وإلا وقد أوصله إلى الله تعالى، ووالله ما من ولي لله كان أو هو كائن إلا وقد أظهره الله عليه، وعلى اسمه ونسبه، وحسبه، وحظه من الله تعالى عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: سمعت الشيخ أبا الحسن رضي الله عنه يقول: لن تهلك طائفة فيها أربعة: إمام، وولي، وصديق، وشيخ. وقال أبو الحسن في ذلك المجلس فالإمام هو أبو العباس.
وكان رضي الله عنه يقول الولي إذا أراد عين، وكان يقول: قال لي الشيخ أبو الحسن يا أبا العباس ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا وأنا أنت، وكان رضي الله عنه يقول لي أربعون سنة ما حجبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو حجبت طرفة عين ما عددت نفسي من جملة المسلمين.
وكذلك كان يقول في حق الجنة وفي حق الوقوف بعرفة كل سنة وكان يقول لو كان الحق سبحانه، وتعالى يرضيه خلاف السنة لكان التوجه في الصلاة إلى القطب الغوث أولي من التوجه إلى الكعبة، وكان رضي الله عنه يقول، والله ما كان اثنان من أصحاب هذا العلم في زمن واحد قط إلا واحداً بعد واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان يقول: لا أعلم أحداً اليوم يتكلم في هذا العلم غيري على وجه الأرض، وقدم إليه بعضهم طعاماً فيه شبهة يمتحنه فامتنع الشيخ من أكله، وقال إنه كان للشيخ المحاسبي عرق في إصبعه يضرب إذا مد يده إلى شبهة فأنا في يدي ستون عرقاً تضرب فاستغرب الرجل، وتاب على يديه، وكان يقول من منذ دخلت على الشيخ أبي الحسن في القاهرة وهو يقرأ عليه كتاب المواقف للمنقري، وقال لي تكلم يا بني بارك الله تعالى فيك أعطيت لساناً من ذلك الوقت، وكان رضي الله عنه يقول: والله لو علمت علماء العراق، والشام ما تحت هذه الشعرات، وأمسك على لحيته لأتوها، ولحبوا على وجوههم، وكان يقول: والله ما نطالع كلام أهل الطريق إلا لنرى فضل الله تعالى علينا.
وكان رضي الله عنه يقول إذا كمل الرجل نطق بجميع اللغات، وعرف جميع الألسن إلهاماً من الله عز وجل، وكان يقول من صحب المشايخ على الصدق وهو عالم بالظاهر ازداد علمه ظهوراً، وكان رضي الله عنه يقول: لا تطالبوا الشيخ بأن تكونوا في خاطره بل طالبوا أنفسكم أن يكون الشيخ في خاطركم فعلى مقدار ما يكون عندكم تكونون عنده. وكان ساكناً في خط المقسم بالقاهرة فكان كل ليلة يأتي الإسكندرية فيسمع ميعاد الشيخ أبي الحسن ثم يرجع إلى القاهرة، وكان يقرأ عليه كتاب ختم الأولياء للحكيم الترمذي، وكان هو وشيخه أبو الحسن يجلانه ويعظمانه رضي الله عنه، وكان رجل ينكر عليه، ويقول: ليس إلا أهل العلم الظاهر، وهؤلاء القوم يدعون أموراً عظمى ظاهر الشرع يأباها فحضروا يوماً مجلس الشيخ فانبهر عقله ورجع عن إنكاره، وقال هذا الرجل إنما يغرف من فيض بحر إلهي، ومدد رباني ثم صار من أخص أصحابه، وكان يقول شاركنا الفقهاء فيما هم فيه، ولم يشاركونا فيما نحن فيه، وعمل رضي الله عنه عصيدة في يوم حار فقالوا له: العصيدة لا تعمل إلا في أيام الشتاء فقال: هذه عصيدة ولدنا ياقوت ولد اليوم ببلاد الحبشة فلم يزل ياقوت يباع من سيد إلى سيد حتى جاء إلى سيدي أبي العباس وحسبوا عمره فوجدوا عمره كما قال: وكان رضي الله عنه أكثر ما يتكلم في مجالسه في العقل الأكبر، والاسم الأعظم، وشعبه الأربع، والأسماء والحروف، ودوائر الأولياء، ومقامات الموقنين، والأملاك المقربين عند العرش، وعلوم الأسرار، وأمداد الأذكار، ويوم المقادير، وشأن التدبير، وعلم البدء، وعلم المشيئة وشأن القبضة، ورجال القبضة، وعلم الأفراد، وما سيكون يوم القيامة من أفعال الله تعالى مع عباده من حلمه، وإنعامه، وجوده، وانتقامه، وكان رضي الله عنه يقول: لولا ضعف العقول لأخبرت بما يكون من رحمة الله تعالى قال ابن عطاء الله رضي الله عنه: وكان الشيخ أبو العباس رضي الله تعالى عنه لا يتنزل إلى علوم المعاملة إلا في قليل من الأيام لحاجة بعض الناس إلى ذلك قال، ولذلك يقل اتباع من تكون علومه العلوم السابقة فإن المشترين للمرجان قد يكثرون، وقل أن يجتمع على شراء الياقوت اثنان ولم يزل اتباع أهل الحق قليلين.
كما قال الله تعالى في أهل الكهف: " ما يعلمهم إلا قليل " وأهل الله كهف لأمور الناس، ولكن قليل من يعرفهم، وكان سيدي أبو العباس رضي الله عنه يقول معرفة الولي أصعب من معرفة الله عز وجل فإن الله تعالى معروف بكماله، وجماله وحتى متى تعرف مخلوقاً مثلك يأكل كما تأكل، ويشرب كما تشرب، وطلب نائب الإسكندرية أن يجتمع به ويأخذ بيده فيكون شيخه فقال، للقاصد لست ممن يلعب به، ولم
(2/13)

يجتمع به حتى مات وكان إذا نام في بلد في السفر، وعرف أن كبيرها يريد الاجتماع به يسافر منها ليلا قبل الفجر.
وكان يقول: علامة حب الدنيا خوف المذمة، وحب الثناء فلو زهد لما خاف، وأحب، وكان رضي الله عنه يقول الورع من ورعه الله، وكان يقول من لم يصلح للدنيا، وللآخرة يصلح لله، وكان يقول: ودع المنقطعين نشأ من سوء الظن، وغلبة الوهم وورع الأبدال، والصديقين على البينة الواضحة، والبصيرة الفائقة، وكان يقول والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق، ولقد رأيت يوماً كلباً ومعي شيء من الخبز فوضعته بين يديه فلم يلتفت له فقربته من فيه فلم يلتفت إليه فإذا علي يقال أف لمن يكون الكلب أزهد منه، وكان رضي الله عنه يقول للناس أسباب، وسببنا نحن الإيمان والتقوى قال الله تعالى: " أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض " " الأعراف: 96 ".
وكان يقول: ما سمعتموه مني ففهمتموه فاستودعوه الله يرده عليكم وقت الحاجة، وما لم تفهموه فكلوه إلى الله يتولى الله ببابه، واسعوا في جلاء مرآة قلوبكم يتضح لكم كل شيء وكان يقول: إذا ضاف الولي هلك من يؤذيه في الوقت، وإذا اتسعت معرفته احتمل أذى الثقلين، ولم يحصل لأحد منهم ضرر بسببه، وكان يقول: لحوم الأولياء مسمومة، ولو يؤاخذوك فإياك ثم إياك، وكان رضي الله عنه به اثنا عشر باسوراً، وكان به الحصى وبرد الكلي، ومع ذلك فكان يجلس للناس، ولا يتأوه في جلوسه، ولا يعلم جليسه بما هو فيه، وكان يقول: لا تنظروا إلى حمرة وجهي فإنها من حمرة قلبي، وكان رضي الله عنه يقول: والله ما جلست بالناس حتى هددت بالسلب وقيل لي لئن لم تجلس لسلبتك ما وهبناك، وكان لا يكاتب الولاة في شيء بل كان يقول: للسائل أنا أطلب لك ذلك من الله تعالى، وكان يكره للأشياخ إذا جاءهم مريد أن يقولوا له قف ساعة، ويقول إن المريد يأتي إلى الشيخ بهمته المتوقدة فإذا قيل له قف ساعة طفيء ما جاء به وكان يقول عن شيخه اصحبوني، ولا أمنعكم أن تصحبوا غيري فإن وجدتم منهلا أعذب من هذا المنهل فردوا وكان إذا رأى مريداً دخل في أوراد بنفسه، وهواه أخرجه منها، وكان إذا مدح بقصيدة يجيز المادح بإقباله عليه، ويعطيه العطايا، وكان يقول لأصحابه إذا جاءنا رئيس قوم فأخبروني به أخرج إليه فإذا فارقه مشى معه خطوات ثم رجع، ويقول إن هؤلاء كلفوا نفوسهم إلى زيارتنا، ونحن لم نزرهم، وكان لا يأكل من طعام عني له، ولا من طعام أعلم به قبل أن يأتيه، وكان لا يدعو للمحسن حتى يخرج من مجلسه فيدعو له بظهر الغيب، وكان إذا أهدي إليه شيء يسير تلقاه ببشاشة، وقبول وإذا أهدى له شيء كثير يتلقاه بعز النفس، وإظهار الغني عنه، وكان لا يثني على مريد بين إخوانه خشية الحسد، وكانت صلاته موجزة في تمام، ويقول هي صلاة الأبدال وكان رضي الله عنه يقول إذا قرأت القرآن فكأنما أقرؤه على الله عز وجل، وكان إذا سمع أحداً ينطق باسم الله تعالى أو اسم النبي صلى الله عليه وسلم، يقرب فمه منه حتى يلتقط ذلك الاسم إجلالا أن يبرز في الهواء وكان إذا سمع أحداً يقول: هذه ليلة القدر يقول نحن بحمد الله أوقاتنا كلها ليلة قدر، وكان يكرم الناس على نحو رتبهم عند الله حتى إنه ربما يدخل عليه المطيع فلا يلتفت إليه لكونه يرى عبادته، ويدخل عليه العاصي فيقوم له لأنه دخل بذل نفس، وانكسار، ومدحوا عنده شخصاً بالعلم، وكان كثير الوسوسة في الوضوء، والصلاة فقال الشيخ أين علمكم الذي تمدحون به هذا الرجل العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض، والسواد في الأسود، وقال: لرجل من الحجاج كيف كان حجكم فقال كان كثير الرخاء كثير الماء سعر كذا، وكذا فأعرض عنه الشيخ فقال أسألهم عن حجهم، وما وجدوا فيه من الله تعالى من العلم، والفوز، والفتح فيجيبون برخاء الأسعار وكثرة المياه، وكان يقول: ينبغي للمشايخ تفقد حال المريدين، ويجوز للمريدين إخبار الأستاذ بما في بواطنهم إذ الاستاذ كالطبيب، وحال المريد كالعورة، والعورة قد تبدو للطبيب لضرورة التداوي، وفي الحقيقة كل مريد رأى له عورة مع شيخه فهو أجنبي عنه لم يتحد به، وكان يقول للشيخ أن يطالب المريد ما دام قاصراً عن حقيقة دعواه فإذا بلغ مبلغ الرجال لم يطالبه على دعواه ببرهان لخروجه عن مقام التلبيس، وكان يقول لمن رأى أنه زهد في الدنيا لقد عظمت يا أخي الدنيا حين رأيت لها وجوداً حتى زهدت
(2/14)

فيها فقدرها أصغر من ذلك.
وكان رضي الله عنه يفسر مشكلات القوم كثيراً فقال: في كلام سهل بن عبد الله لا تكونوا من أبناء الدهر، وكونوا من أبناء الأزل معناه لاحظوا ما سبق في علم الله ولا تتكلوا على علمكم، ولا على عملكم مدة عمركم، وقال في قول بشر الحافي رضي الله عنه إني لأشتهي الشواء منذ أربعين سنة ما صفا لي ثمنه أي لم يأذن لي الحق في أكله فلو أذن لي صفا لي ثمنه وإلا فمن أين يأكل في الأربعين سنة، وقال في قول الجنيد رضي الله تعالى عنه أدركت سبعين عارفاً كلهم كانوا يعبدون الله تعالى على ظن، ووهم حتى أخي أبا يزيد لو أدرك صبياً من صبياننا لأسم على يديه معناه أنهم يقولون ما بعد المقام الذي، وصلناه مقام فهذا، وهم، وظن فإن كل مقام فوقه مقام إلى ما لا يتناهى وليس معناه الظن، والوهم في معرفتهم بالله تعانى ومعنى لأسلم على يديه أي لانقاد له لأن الإسلام هو الانقياد، وقال في قول: أبي يزيد رضي الله تعالى عنه خضت بحراً، وقف الأنبياء بساحله معناه أن أبا يزيد رضي الله تعالى عنه يشكو ضعفه وعجزه عن اللحوق بالأنبياء عليهم الصلاة، والسلام وذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام خاضوا بحر التوحيد، ووقفوا على الجانب الآخر على ساحل الفرق يدعون الخلق إلى الخوض أي فلو كنت كاملا لوقفت حيث وقفوا قال ابن عطاء الله رضي الله عنه وهذا الذي فسر به الشيخ كلام أبي يزيد رضي الله عنه هو اللائق بمقام أبي يزيد.
وقد كان يقول جميع ما أخذ الأولياء بالنسبة لما أخذ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كزق مليء عس ثم رشحت منه رشاحة فما في باطن الزق للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتلك الرشاحة للأولياء رضي الله عنه. والمشهور عن أبي يزيد رضي الله عنه التعظيم لمراسم الشريعة، والقيام بكمال الأدب فالحق تأويل أحوال الأكابر من أهل الاستقامة دون المبادرة إلى الإنكار، وقال في حكاية الحارث بن أسد من أنه كان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك عليه إصبعه كيف هذا.
وقد قدم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه لبن فأكل منه ثم، وجد كدورته في قلبه فقال: من أين لكم هذا اللبن. فقال غلام له كنت تكهنت لقوم في الجاهلية فأعطوني ثمن كهانتي فتقايأه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلم يكن للصديق عرق يتحرك عليه إذا أكل طعاماً فيه شبهة مع كونه أفضل من الحارث بالإجماع. الجواب أن أبا بكر رضي الله عنه كان خليفة مشرعاً للعباد حتى يقتدى به من أكل طعاماً فيه شبهة، ولم يعلم فيتكلف طرحه بعد أكله فيثيبه الله تعالى على ذلك، والحارث رضي الله عنه لم يكن إذ ذاك مشرعاً ولا قدوة إنما يعمل بقصد نفع نفسه فقط، ومعلوم أن القدوة من شأنه التنزل في المقام للتعليم. وكان رضي الله عنه يقول: إنما بدأ القشيري في رسالته بالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم لأنهما كانا قد تقدم لهما زمن قطيعة فلما أقبلا أقبل الله عليهما فبدأ بذكرهما بسطاً لرجاء المريدين الذين كانت تقدمت منهم الزلات، والمخالفات، وليعلم أن فضل الله ليس بمعلل بعمل، ولو أنه بدأ بالجنيد، وسهل بن عبد الله وعتبة الغلام، وأمثالهم ممن نشأ في طريق الله لربما قال: قائل من يدرك هؤلاء لم يسبق لهم زلات، ولا مخالفات، وقال في قول سمنون المحب:
وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني
فابتلى بحصر البول فصاح، وصار يقول: ادعوا لعمكم الكذاب لو كان سمنون قال عوض ما قال فكيفما شئت فاختبرني فاعف عني لكان أول من طلب الاختبار. قلت: وإنما وقع الامتحان لسمنون لغفلته عن التبري من الدعوى فلو قال: مدني بالقوة ثم اختبرني بما شئت لم يمتحن، وكان شيخنا رضي الله عنه يقول: إذا قيل لك أتخاف الله تعالى فقل نعم لكن بقدر ما خلقه في من الخوف، وكذلك القول في أتحب الله تعالى فمن سلك ذلك لا يقع له امتحان لتعويله على الله تعالى لا على قوة نفسه هو وقد قالوا: كل مدع ممتحن، وهذا ميزانه، والله أعلم.
وقال في قول السري رضي الله عنه في حد التوبة التوبة أن لا تنسى ذنبك. هو أولى عن قول الجنيد رضي الله عنه، وغيره التوبة أن تنسى ذنبك لأن كلام السري رضي الله عنه يدل على مبادي المقامات، وكان السري مكلفاً الكلام على مقامات العباد لكماله، والجنيد، وغيره لم يكن إذ ذاك قدوة للناس فافهم، وقال في قول
(2/15)

بعضهم لا يكون الصوفي صوفياً حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال ذنباً عشرين سنة ليس معنى ذلك أن لا يقع منه ذنب عشرين سنة وإنما معناه عدم الإصرار، وكلما أذنب تاب، واستغفر على الفور، وكان يقول: إذا رفعك إلى محل المحاضرة، والشهود المسلوب عن العلل فذاك مقام التعريف، والإيمان الحقيقي، وميدان تنزل أسرار الأزل، وإذا أنزلك إلى محل المجاهدة، والمكابدة فذاك مقام التكليف المقيد بالعلل، وهو الإسلام الحق وميدان تجلى حقائق الأبدية، والمحقق لا يبالي بأي صفة يكون، وقال في قوله تعالى: " قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني " " يوسف: 108 " أي على معاينة تعاين لكل صنف طريقهم فيحملهم عليها، وعلى النيابة، وكان رضي الله عنه يقول: العارف لا دنيا له لأن دنياه لآخرته، وآخرته لربه وكان يقول الزاهد غريب في الدنيا لأن الآخر، وطنه، والعارف غريب في الآخرة فإنه عند الله تعالى، ومعنى غربته في الدنيا قلة من يعينه على القيام بالحق، وقلة من يشاكله في القيام، وأما غربة العارف في الآخرة فإن سيره مع الله تعالى بلا أين، والمدار على محل يكون فيه القلب لا على محل يكون فيه الجسم كما أن الزاهد كذلك موطن قلبه في الدنيا إنما هو الآخرة فهي معشش روحه، ولولا ذلك لما صح له الزهد في الدنيا، وكان رضي الله عنه يقول العامة: إذا خوفوا خافوا، وإذا روحوا راحوا، والخاصة متى خوفوا راحوا ومتى روحوا خافوا، وكان رضي الله عنه يقول: كان الإنسان بعد أن لم يكن، وسيفني بعد أن كان، ومن كلا طرفيه عدم فهو عدم. قال ابن عطاء رضي الله عنه: أي أن الكائنات لا تثبت لها رتبة الوجود المطلق لأن الوجود الحق إنما هو لله، وله الأحذية، وأما العالم فالوجود له من عدمه، ومن كان كذلك فالعدم وصفه في نفسه، وكان من طريقته، وطريقة شيخه أبي الحسن الإعراض عن لبس الزي، والمرقعات لأن هذا اللباس ينادى على صاحبه أنا الفقير فأعطوني شيئاً، وينادي على سر الفقير بالإفشاء فمن لبس الزي فقد ادعى. قلت: وليس مراد الشيخ أن يعيب على الفقراء لبس الزي، وإنما مراده أنه لا يلزم كل من كان له نصيب مما للقوم أن يلبس ملابس الفقراء فلا حرج على اللابس للخشن، ولا على اللابس للناعم إذا كان من المحسنين، والأعمال بالنيات، وكان يقول اختلف الناس في اشتقاق الصوفي، وأحسن ما قيل فيه إنه منسوب لفعل الله تعالى به أي صافاه الله تعالى فصوفي فسموه صوفياً، وكان يقول في قول عيسى عليه السلام: يا بني إسرائيل بحق أقول لكم لا يلج ملكوت السموات، والأرض من لم يولد مرتين أنا والله ممن ولد مرتين الإيلاد الأول إيلاد الطبيعة، والإيلاد الثاني إيلاد الروح في سماء المعارف، وكان يقول: لن يصل الولي إلى الله تعالى حتى ينقطع عنه شهوة الوصول إلى الله تعالى أي انقطاع أدب لا انقطاع ملل لغلبة التفويض على قلبه.
وكان رضي الله عنه يقول: إن الله تعالى جعل الآدمي ثلاثة أجزاء فلسانه جزء، وجوارحه جزء، وقلبه جزء، وطلب من كل جزء وفاء، فوفاء القلب أن لا يشتغل بهم رزق، ولا مكر، ولا خديعة، ولا حسد، ووفاء اللسان أن لا يغتاب، ولا يكذب ولا يتكلم فيما لا يعنيه ووفاء الجوارح أن لا يسارع بها قط إلى معصية، ولا يؤذي بها أحداً من المسلمين فمن وقع من قلبه فهو منافق، ومن وقع من لسانه فهو كافر، ومن وقع من جوارحه فهو غاص، وكان يقول: من اشترى من زيات زيتاً فزاده البياع خيطاً فدينه أرق من ذلك الخيط، ومن اشترى من فحام فحماً فلما فرغ قال: زدني فحمة فقلبه أسود من تلك الفحمة، وكان رضي الله عنه يقول لا يدخل على الله تعالى إلا من بابين من باب الغني الأكبر، وهو الموت الطبيعي، ومن باب الغني الذي تعنيه هذه الطائفة، وكان يقول: الكائنات على أربعة أقسام جسم كثيف، وهو بمجرده جماد، وجسم لطيف، وهو بمجرده جان وروح شفاف، وهو بمجرده ملك، وسره غريب، وهو المعنى المسجود له فالآدمي صوره بظاهرها جماد وبوجود نفسه، وتحنيها وتشكلها جيان، وبوجود روحه ملك، وبإعطائه السر الغريب استحق أن يكون خليفة، وكان يقول: ليس العجب ممن تاه في نصف ميل أربعين سنة إنما العجب ممن تاه في مقدار شبر الستين والسبعين والثمانين سنة، وهي البطن، وكان يقول: للأولياء الإشراف على مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما لهم الإحاطة بمقاماتهم، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحيطون بمقامات الأولياء، وكان يقول
(2/16)

جميع أسماء الله تعالى جاءت للتخلق إلا الاسم الله فإنه للتعلق فقط إذ مضمونه الإلهية والإلهية لا يتخلق بها أصلا، وكان رضي الله عنه يقول السماء عندنا كالسقف، والأرض كالبيت، وليس الرجل عندنا من يحصره هذا البيت.
وكان يقول نحن في الدنيا بأبداننا مع وجود أرواحنا، وسنكون في الآخرة مع وجو أبداننا. قلت: وفي هذا رد لمن قال يكون الناس في الجنة بأرواحهم لا بأجسامهم وعليه جماعة من أهل الكشف الناقص، وسبب غلطهم شهودهم أهل الجنة يتحولون في أي صورة شاءوا، وهذا شأن الأرواح لا الأجسام، وغاب عنهم أن الأجسام هناك منطوية في الأرواح لا معدومة كما أن الأرواح ني هذه الدار منطوية في الأجسام، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول الفرق بين معصية المؤمن، ومعصية الفاجر من ثلاثة أوجه المؤمن لا يعزم عليها قبل فعلها، ولا يفرح بها وقت الفعل، ولا يصر عليها، والفاجر ليس كذلك، وكان يحث أصحابه على ذكر اسم الله، وهو يقول: هذا الاسم سلطان الأسماء، وله بساط وثمرة فبساطه العلم، وثمرته النور، وإن حصل النور، وقع الكشف والعيان، وكان يقول ليست الفتوة بالماء، والملح، وإنما الفتوة الإيمان، والهداية، وكان يقول: ما سمي: إبراهيم الخليل فتى إلا لكونه كسر الأصنام الحسية التي وجدها، وأنت يا ولدي لك أصنام خمسة معنوية فإن كسرتها فأنت فتى: النفس، والهوى، والشيطان، والشهوة، والدنيا. وأفهم هاهنا لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، وكان يقول: الكامل من يملك حاله، وله سوحة في العلم كما قيل لبعضهم مالك لا تتحرك في السماع أمس فقال: إنه كان في الجمع كبير فاحتشمت منه، ولو أني خلوت وحدي لأرسلت وجدي وتواجدت فانظر كيف كان زمام حاله معه يمسكه إذا شاء، ويطلقه إذا شاء، وإذا اتسع القلب بمعرفة الله تعالى غرقت في الواردات، ولهذا جهلت أحوال الأكابر أرباب المقامات، واشتهر أهل الأحوال لظهور آثار المواهب عليهم لضعفهم عن كتمها، ولضيقهم عن وسعها، وربما كان صاحب الحال أحظى عند الله، وعند الخلق بإقبالهم عليه من صاحب المقام مع أن بينه وبينه كما بين السماء، والأرض، ولذلك قال ابن عطاء الله: كلما تمكن الرجل في العلوم الإلهية، والمعارف الربانية استغرب في هذا العالم فيقل من يعرفه، ويفقد من يحيط به فيصفه، وكان يقول: كل سوء أدب يثمر لك أدباً فهو أدب. وكان رضي الله عنه يقول: كان الجنيد رضي الله عنه قطباً في العلم.
وكان سهل التستري رضي الله عنه قطباً في المقام، وكان أبو يزيد رضي الله عنه قطباً في الحال، وكان رضي الله عنه يقول: اللطف حجاب من اللطيف إذا وقف معه العبد، والحق لا يحب أن يأنس عبده إلى غيره. وقد أوحي الله تعالى إلى موسى عليه السلام نعم العبد بلخ لولا أن يسكن إلى نسيم الأسحار، ولو أنه عرفني ما سكن إلى غيري، وكان يقول في قول: أبي عبد الرحمن السلمى انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة، معناه أنه لا حيرة إلا عند المؤمنين وأما المحققون فلا حيرة عندهم فيما فيه الحيرة عند المؤمنين، وكان يقول: قليل العمل مع شهود المنة من الله تعالى خير من كثير العمل مع شهود التقصير من النفس، وكان يقول: عن شيخه خرج الزهاد والعباد من هذه الدار، وقلوبهم مغلقة عن الله عز وجل، وكان يقول هو عن شيخه من لم يتغلغل في هذه العلوم مات مصراً على الكبائر، وهو لا يعلم، وكان يقول عن شيخه: كل شيء نهانا الله عنه فهو في معنى شجرة آدم عليه السلام لكنا افترقنا فإن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة نزل إلى أرض الخلافة، وأنت إذا أكلت من شجرة النهي نزلت إلى أرض القطيعة فإياك ثم إياك، وكان يقول شخص من الأولياء يتكلم على الناس بأرض المغرب، وهو بادن فدخل عليه شخص مكشوف الرأس كبيرها فقال هذا يزهد في الدنيا، وهو كاذب فكوشف به الشيخ فقال من فوق المنبر يا أبا رويس ما سمعني إلا حبه، وكان رضي الله عنه يقول: لأصحابه إذا أكلتم طعام إنسان فاشربوا عنده ينال كمال الأجر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سقي مؤمناً شرب ماء مع وجود الماء كان كمن أعتق سبعين من ولد إسماعيل عليه السلام ". وكان يقول: لا ينبغي للفقير أن يأخذ من أحد شيئاً يقصد نفع نفسه إنما يأخذ ليثيب من يعطيه ويعوضه عليه فمن تطهرت نفسه، وتقدست فليقبل، وإلا فلا، وقال رضي الله عنه لبعض أصحابه لم انقطعت عن مجلسنا فقال: يا سيدي قد استغنيت بك فقال الشيخ ما استغنى أحد بأحد ما استغنى أبو بكر
(2/17)

رضي الله عنه، ومع ذلك لم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً واحد، وكان يقول لما خلق الله تعالى الأرض اضطربت فأرساها بالجبال.
وكذلك النفس لما خلقها الله تعالى اضطربت فأرساها بجبال العقل، وكان يقول الأكوان كلها عبيد مسخرة، وأنت عبد حضرته وكان يقول لأصحابه إذا وصلتم إلى مكة فليكن همكم رب البيت لا البيت، ولا تكونوا ممن يعبد الأصنام، والأوثان، وكان يقول من عرف الله لم يسكن إليه لأن في السكون إلى الله ضرباً من الأمن " ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " وكان يقول الولي في حال فنائه لا بد أن تبقى معه لطيفة علمية عليها يترتب التكليف، وذلك كما يكون الإنسان في البيت المظلم فهو عالم بوجوده، وإن كان غير مشاهد له، وكان رضي الله عنه يقول: والله ما جلست حتى جعلت جميع الكرامات تحت سجادتي قال ابن عطاء الله رضي الله عنه قرأت على الشيخ أبي العباس كتاب الرعاية للمحاسبي فقال: جميع ما في هذا الكتاب يغني عنه كلمتان أعبد الله بشرط العلم، ولا ترض عن نفسك أبداً ثم لم يأذن لي في قراءته بعد، وكان يقول من اشتاق إلى لقاء ظالم فهو ظالم، وكان يقول: القبض الذي لا يعرف سببه لا يكون إلا لأهل التخصيص، وكان يقول: لو علم الشيطان أن ثم طريقاً توصل إلى الله تعالى أفضل من الشكر لوقف عليها ألا تراه كيف قال: " ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين " ولم يقل صابرين، ولا خائفين، ولا راجعين، وكان يقول أبو بكر، وعمر خلفاء الرسالة، وعثمان، وعلي خلفاء النبوة، وكان يقول العامة إن رأوا إنساناً ينسب إلى الولاية جاء من البراري والقفار أقبلوا عليه بالتعظيم، والتكريم وكم من بدل وولي بين أظهرهم فلا يلقون إليه بإلا مع أنه هو الذي يحمل أثقالهم، ويدافع الأغيار عنهم فمثلهم في ذلك كمثل حمار الوحش يدخل به البلد فيطوف به الناس متعجبين لتخاطيط جلده، وحسن صورته، والحمر التي بين أظهرهم تحمل آثقالهم إلى موضع أغراضهم وتنقل ترابهم وآلات بنائهم، ولا يلتفتون إليها، وكان رضي الله عنه يقول الهالك بهذه الطائفة أكثر من الناجي بها رضي الله عنه.

ومنهم سيدي ياقوت العرشي
رضي الله تعالى عنه
كان إماماً في المعارف عابداً زاهداً وهو من أجل من أخذ عن الشيخ أبي العباس المرسي رضي الله عنه، وأخبر به سيدي أبو العباس رضي الله عنه يوم ولد ببلاد الحبشة، وصنع له عصيدة أيام الصيف بالإسكندرية فقيل له إن العصيدة لا تكون إلا في أيام الشتاء فقال هذه عصيدة أخيكم ياقوت ولد ببلاد الحبشة وسوف يأتيكم فكان الأمر كما قال وهو الذي شفع في الشيخ شمس الدين بن اللبان لما أنكر على سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه وسلب علمه، وحاله بعد أن توسل بجميع الأولياء، ولم يقبل يدي أحمد شفاعتهم فيه فسار من الإسكندرية إلى سيدي أحمد وسأله أن يطيب خاطره عليه، وأن يرد عليه حاله فأجابه ثم إن سيدي ياقوت زوج ابن اللبان ابنته، ولما مات أوصى أن يدفن تحت رجليها إعظاماً لوالدها الشيخ ياقوت وإنما سمي العرشي لأن قلبه كان لم يزل تحت العرش، وما في الأرض إلا جسمه، وقيل لأنه كان يسمع أذان حملة العرش، وكان رضي الله عنه يشفع حتى في الحيوانات، وجاءته مرة يمامة فجلست على كتفه، وهو جالس في حلقة الفقراء، وأسرت إليه شيئاً في أذنه فقال باسم الله، ونرسل معك أحداً من الفقراء فقالت ما يكفيني إلا أنت فركب بغلته من الإسكندرية، وسافر إلى مصر العتيقة حتى دخل إلى جامع عمرو فقال اجمعوني على فلان المؤذن فأرسلوا، وراءه فجاء فقال له هذه اليمامة أخبرتني بالإسكندرية أنك تذبح فراخها كلما تفرخ في المنارة فقال: صدقت قد ذبحتهم مراراً فقال لا تعد فقال: تبت إلى الله تعالى ورجع الشيخ إلى الإسكندرية رضي الله تعالى عنه. ومناقبه رضي الله تعالى عنه كثيرة مشهورة بين الطائفة الشاذلية بمصر، وغيرها. توفي رضي الله عنه بالإسكندرية سنة سبع وسبعمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري
رضي الله تعالى عنه
الزاهد المذكر الكبير القدر تلميذ الشيخ ياقوت رضي الله عنه، وقبله تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي كان ينفع الناس بإشاراته، ولكلامه حلاوة في النفوس، وجلالة. مات هكذا سنة سبع وسبعمائة وقبره بالقرافة يزار. وله من المؤلفات
(2/18)

كتاب التنوير في إسقاط التدبير، وكتاب الحكم، وكتاب لطائف المنن، وغير ذلك رضي الله تعالى عنه.

ومنهم جدي الخامس الشيخ موسى المكنى بأبي عمران
رحمه الله تعالى
في بلاد البهنسا بصعيد مصر الأدنى وهو من أجل أصحاب سيدي الشيخ أبي مدين التلمساني شيخ المغرب، وكان من أولاد السلطان مولاي أبي عبد الله الزغلي بضم الزاي، وإسكان الغين المعجمة، نسبة إلى قبيلة من عرب المغرب يقال لهم بنو زغلة، وكان سلطان تلمسان، وما والاها فلما تزعزع سيدي موسى اختار طريق الله تعالى على الملك فتشوش، والده لذلك فلما غلب الأمر عليه أطلق له الأمر فاجتمع سيدي موسى على الشيخ أبي مدين رضي الله تعالى عنه فلما قدم عليه قال له إلى من تنسب قال إلى السلطان مولاي أبي عبد الله قال: وما ينتهي نسبك قال: إلى السيد محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال الشيخ رضي الله عنه طريق فقر، وملك، وشرف لا يجتمعن فقال: يا سيدي أشهدك أني قد خلعت نسبتي إلى غيرك فأخذ عليه العهد، ووقع على يديه الكرامات، وكلمته البهائم، والحيوانات، وهابته الأسود فلما أرسل سيدي أبو مدين رضي الله عنه عدة من أصحابه إلى مصر أرسله من جملتهم، وقال له إذا وصلت إلى مصر فاقصد ناحية هور بصعيدها الأدنى فإن فيها قبرك، وكان كذلك، وتفرقت أولاده في البلاد فجماعة ماتوا بمنشية الأمراء، وجماعة ببلنسورة، وساح أولاده إلى بلاد الرجراج، وكان إذا ناداه مريده أجابه من مسيرة سنة، وأكثر، وأخبر أصحابه بأحوال جلي الأدنى الشيخ علي رضي الله عنه الآتي ذكر مناقبه في أهل القرن التاسع إن شاء الله تعالى. مات سنة سبع وسبعمائة على ما قيل رضي الله تعالى عنه.

ومنهم العارف بالله سيدي محمد وفا
رضي الله عنه
كان من أكابر العارفين، وأخبر ولده سيدي علي رضي الله عنه أنه هو خاتم الأولياء صاحب الرتبة العلية، وكان أميناً وله لسان غريب في علوم القوم، ومؤلفاته كثيرة ألفها في صباه، وهو ابن سبع سنين أو عشر فضلا عن كونه كهلا، وله رموز في منظوماته، ومنثوراته مطلسمة إلى وقتنا هذا لم يفك أحد فيما نعلم معناها، ولما دنت وفاته خلع منطقته على الأبزاري صاحب الموشحات، وقال هي وديعة عندك حتى تخلعها على ولدي علي فعمل أيام كانت المنطقة عنده الموشحات الظريفة إلى أن كبر سيدي علي فخلعها عليه ثم رجع لا يعرف يعمل موشحاً كما أخبرني عن نفسه رضي الله تعالى عنه وسمي وفا لأن بحر النيل توقف فلم يزد إلى أوان الوفاء فعزم أهل مصر على الرحيل فجاء إلى البحر، وقال اطلع بإذن الله تعالى فطلع ذلك اليوم سبعة عشر ذراعاً وأوفى فسموه وفا. وسئل ولده سيدي علي رضي الله عنه مع علو مقامه، وفرقانه أن يشرح شيئاً من تائية والده فقال رضي الله عنه لا أعرف مراده لأنه لسان أعجمي على أمثالنا انتهى. ومن كلامه رضي الله عنه في كتاب فصول الحقائق أعوذ بالله من شياطين الخلق، والكون، وأبالسة العلم، والجهل، وأغيار المعرفة والنكرة اللهم إني أعوذ بك، ويسبق قدمك من سر حدودك، وبظلمة ذاتك من نور صفاتك وبقوة سلوبك من ضعف إيجادك وبظلمة عدمك مز نور تأثيراتك، وأعذني اللهم بك منك في كل ذلك بكل ذلك كذلك من وجه العلم، ولا كيف كذلك من حيث العقل، ولا بذلك من جهة قصد النفس، ولا كذلك من حيث تصور الوهم أعوذ بك من كل ذلك كذلك من حيث إنه كذلك لا من حيث إنك ولي ذلك اللهم أغنني بديموميتك عن بقاء آلائك بإحاطة، وجودك عن تصور الواحد والأحد وبقيومية قيامك عن استقامة تقويم المدد وغيبني في ظلمة ذاتك التي تحجز فيها الأبصار، والبصائر ويستحيل فيها معارف العقول الإلهية ذات الأسرار، والسرائر، وأستغفرك بلسان الحق لا بلسان الوقاية والنظر بعين التلاشي لا بعين الرعاية، والجذب بسر العدم لا بقوة الهداية، والتلاشي ينفي الرسم لا برسوم الولاية سبحانك من وجه ما أنت لا من وجه ما أنا سبحانك من وجه الوجه المتنزه عن وسم الأسماء والكنى سبحانك في الحيث الذي لا يلتحق به البقاء، ولا الفناء أحاشيك عن العلم، والقول، وأنزهك عن القوة، والحول، وأشاكل لا في المنة، والطول، وأمد لك يد التأييد لا يد الوسيلة، وأسألك بسبح التفضل لا فضل الفضيلة، وأعوذ بك من تحليل التحويل، ومحاولات الحيلة اللهم أرني، وجهك لا من حيث كل شيء هالك،
(2/19)

وأسألك بي لا سبيل المهالك، والهالك اللهم إني أسألك بذات عدمك، وبذات وجودك، وبالذات المجردة، وبالذات المتصفة بذات التكوين، والتلوين، وبالذات الفاعلة، وبالذات المنفعلة اللهم اجعلني عيناً لذات الذوات، ومشرقاً لأنوارها المشرقات، ومستودعاً لأسرارها المكتتمة في غيوبها المبهمات اللهم إني أنزهك لا لتنزيه الحسن لك عن أوصاف الجسم، والنفس عن شهوات الطبع والعقل، وأخلاق النفس، والقلب، وأنزهك عن كل ذلك، ونده، ومثله، وخلافه، وغيره تنزيهاً معجوزاً عن تصوره، وتوهمه، وكان رضى الله عنه يقول قال
لي الحق أيها المخصوص لك عند كل شيء مقدار، ولا مقدار لك عندي فإنه لا يسعني غيرك، وليس مثلك شيء أنت عين حقيقتي، وكل شيء مجازك، وأنا موجود في الحقيقة معدوم في المجاز يا عين مطلعي أنت الحد الجامع المانع لمصنوعاتي إليك يرجع الأمر كله، وإلى مرجعك لأنك منتهى كل شيء، ولا تنتهي إلى شيء طويت لك الأرضين السبع في سبع من الحب، والنوى المتنوعة بالفعل إلى أصناف من نبات شتى فإذا شئت على نشرها فيها جواهر السماء اهتزت وربت، وأنبت من كل زوج بهيج " إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير " " فصلت: 39 " فإذا تكامل خلقها، وتكون، وتزين كونها سعت على أقدام الإقدام لمسجدك الأقصى بحكم الاستقصا فتخر ساجدة سجود العبودية لأرباب حواسك الكلية، والجزئية تسبحك بألسنة التقديس، وتقدسك بأفواه التنزيه، وتعظمك تعظيم مخلوق لخلاف فأملاكها تسبح، وتحمد، وأفلاكها تقوم، وتسجد، وأنت جالس في مجلس سلطانك مستو على عرش ناطقة إنسانك قد تلا لسان الإحسان بمحضر الأكوان " وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً " " طه: 108 " وأطال في ذلك بما لا تسعه العقول فراجعه، وله كتاب العروس، وكتاب الشعائر وديوان عظيم ومؤلفات أخر، وقد ذكرنا مناقبه في كتاب مستقل رضي الله عنه.

ومنهم الأستاذ سيدي علي، ولده
رضي الله عنه، ورحمه
كان في غاية الظرف، والجمال لم ير في مصر أجمل منه وجهاً، ولا ثياباً وله نظم شائع، وموشحات ظريفة سبك فيها أسرار أهل الطريق وسكرة الخلاع رضي الله عنه، وله عدة مؤلفات شريفة، وأعطى لسان الفرق، والتفصيل زيادة على الجمع، وقليل من الأولياء من أعطى ذلك، وله كلام عال في الأدب، ووصايا نفيسة نحو مجلدات، وردت عليه فأملاها في ثلاثة أيام رضي الله عنه فأحببت أن ألخصها لك في هذه الأوراق بذكر عيوبها الواضحة، وحذف الأشياء العميقة عن غير أهل الكشف لأن الكتاب يقع في يد أهله، وغير أهله فأقول، وبالله التوفيق.
كان رضي الله عنه يقول مولدي سحر ليلة الأحد حادي عشر محرم سنة إحدى وستين وسبعمائة كما رأيته بخطه، وتوفي عام أحد، وثمانمائة كما قيل، وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: " والله متم نوره ولو كره الكافرون " " الصف: 8 " فيا صاحب الحق لا تهتم بإظهار شأنك اهتماماً يحملك على الاستعانة بالخلق فإنك إن كنت على نور حق فهو يظهر بالله " وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً " " النساء: 45 " وإن كنت على ظلمة باطل فلا تتسبب في إظهار ذلك، وإشاعته فإنك لا تتمتع بذلك إن متعت به إلا قليلا ثم الله أشد بأساً، وأشد تنكيلا " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع - فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه " فافهم، وكان يقول في حديث ليلة الإسراء فدخلت فإذا أنا بآدم أي فإذا أنا في صورة حقيقة آدم وناطق بناطقته، وكذلك القول في جميع ما رآه من الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام تلك الليلة فصرح بأنه ظهر بصور حقائق الكل، وجميع نواطقهم، وزاد عليهم بما زاد ونحن الوارثون لرقائقهم وكان رضي الله عنه يقول أولو العزم من الرسل سبعة، وهم آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان وعيسى عليهم الصلاة، والسلام، وأطال في السر في ذلك، وكان يقول زمن خاتم الأنبياء يكون عدد أولياء زمانه بعدد أولياء الأزمنة كلها لكن ظهورهم معه كظهور الكواكب مع الشمس، وكان رضي الله عنه يقول: إنما كانت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لا تقبل النسخ لأنه جاء فيها بكل ما جاء به من تقدمه، وزيادة خاصة، ونزلت شريعته من الفلك الثامن المكوكب فلك الكرسي، وهو فلك ثابت فلذلك قبلت شرائع الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام النسخ دون شريعته، وأطال في ذلك، وكان رضي الله عنه يقول لا يصح لأحد أن يقول
(2/20)

في استفتاحه: " وما أنا من المشركين " " الأنعام: 79 " إلا حتى لا يرى غيره ولا المصلى، ولا القبلة، ولا المناجي فاجعل ربك مشهودك دون غيره، وكان يقول من أعجب الأمور قول الحق تعالى لسيدنا موسى عليه السلام " لن تراني " أي مع كونك تراني على الدوام فافهم، وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " " العنكبوت: 45 " كل شيء، وجدته حاجزاً لك عن الفحشاء، والمنكر يوجد العدل، والإحسان فهو الصلاة في كل مقام بحسبه " وجعلت قرة عيني في الصلاة " فهو السر الفعال في كل مرتبة صلاتية، والصلاة صلة بين العبد وربه " ولذكر الله أكبر " وهو شهود ذاته، وحده لا شريك له لم يكن شيء غيره فافهم، وكان يقول في قول الجنيد رضي الله عنه لون الماء لون إنائه حين سئل عن المعرفة، والعارف هو على قسمين أحدهما أن الماء على لون، وإناؤه لا لون له كالأواني الشفافة الساذجة من الصبغ فيكون الإناء مشهوداً على لون مائه، والثاني عكسه فيكون الماء مشهوداً على لون إنائه، وفي الأول المشهود هو لون الماء، والوهم في تشبهه في الإناء، والثاني عكسه فليس التحقيق إلا في الأفراد كل حقيقة بنفسها في كل مقام بحسبه فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله: " ألا إنه بكل شيء محيط " " فصلت: 54 " أي كإحاطة ماء البحر بأمواجه معنى، وصورة فهو حقيقة كل شيء وهو ذات كل شيء وكل شيء عينه، وصفته فافهم، وكان يقول العارفون يظهرون مواجيدهم للناظرين في مرايا الأدلة المقبولة عندهم، والنظار يأخذون مواجيدهم من تلك الأدلة المقبولة فافهم، وكان يقول: من وجد ثم بحث كان بحثه عيباً في كل مقام بحسبه فافهم.
وكان يقول: متى جردت الحقائق عن اللواحق، والنسب، وأفردت عما به تتمايز الرتب لم تكن إلا دأباً فقط فإن ذقت حقيقة التحقيق فمن ثم فخذها بقوة فافهم.
وكان يقول التغاير أم الحجب، والتكاثر فافهم، من لم يشهد إلا واحداً فليس عنده زائد، ومن لم يشهد إلا حقاً فاعل في خلق قابل ليس عنده باطل، ومن لم يشهد إلا أمر الرحمن ليس عنده أمر الشيطان، وقس على هذا فلكل مقام مقال فافهم، وكان يقول من علم أن لا إله إلا الله لم يبق لأحد عنده ذنب سيما لمن يعترف بذلك " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " " محمد: 19 " أي بلا إله إلا الله، وكان يقول في حديث " أنا عند طن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني " أي مهما تصورني به من الصور كنت ممده من أفق تلك الصورة بحكمها فافهم، وكان يقول ما عبد عابد معبوداً إلا من حيث رأى له، وجهاً إلهياً ولكن الكامن يدعو ناطقة النواطق إلا الانطلاق من قيد وجه إلهي محبوب بمرتبة مألوهه سيما، وألوهيته منكورة في النظر الآدمي، وأطال في بيان ذلك، وكان يقول: انظر إلى مراتب التعابد كيف كل منها محتاج في ظهوره إلى الآخر الذي يقابله فلولا الواجب ما ظهر الممكن ممكناً، ولولا الممكن ما ظهر الواجب، واجباً فلكل، واحد أثر في الآخر كالعلة، والمعلول، والفعل، والمفعول والعالم والمعلوم. وسئل رضي الله عنه عن قول فرعون " وما رب العالمين " هل هو سؤال عن ماهية الله تعالى كما يقال: وهل عدول موسى عليه السلام عن الجواب المطابق كما زعموا تنبيهاً على غلط السائل في سؤاله عن المجرد الحقيقي بما التي تطلب حقيقة ماله جنس، وفصل يجاب بهما عنها. فأجاب رضي الله عنه هذا سؤال عن ماهية صفة من صفات الله لا عن ماهية الله، والجواب مطابق رسمي لأنه أجاب بالخاصة المعلوفة عند السائل، ويمكن أن يكون جعل الجواب تفسيراً للفظ تنبيهاً على أن المسمى معروف بوضوح أدلته معرفة ضرورية لكل عاقل فلا يسأل عنه إلا متعنت أو من لا يعقل، ولذلك قال في الثالثة " إن كنتم تعلقون " فقيل هل في ذلك سر؟ فقال رضي الله عنه فيها أسرار: منها أن رب العالمين هو القائم على كل كائن بتربيته حتى يقوى ذلك الكائن، ويقول من توجهت قواه لتربيته فهو وجود الكل، والأمر له جميعاً، ومن ثم توجه قول فرعون: " لئن اتخذت إلهاً غيري " " الشعراء: 29 " الآية، وحفظ له موسى حرمة مشهده فلم يجبه بأكثر من قوله: " أولو جئتك بشيء مبين " فجاءه بعصا ظهرت ثعباناً، وهو وجودها المتعين بها فما جاء بمجيئها إلا هو فهو متصرف بذاته في حجب تعيناته، ومظاهر تجلياته فجاء بالحق المبين حيث جاء " لقد جاءت رسل ربنا بالحق " فكان فرعون شاهداً بلا أدب، وموسى شاهد حي وأين قول فرعون له: " إني لأظنك يا موسى مسحوراً " " الإسراء: 101 " من قوله: " لقد علمت " أي المسحور، والمجنون المستور المحجب، ولا يعلم ذلك إلا مشاهد عارف بأن مشهوده مستور عن سواه، وهكذا حين قال:
(2/21)

السحرة " آمنا برب العالمين رب موسى وهرون " فآمنوا على ستر تغطية استعداداتهم في كل مقام بحسبه فكانوا سحرة، وطلبوا المغفرة ف " قال " لهم فرعون " آمنتم به " فانظر كشفه، وتحقيقه هنا لو سلم من الميل إلى التلبس الذي هو شأن مرتبة الإبليسية فأضله الله على علم: " ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب، وأبي - واستيقنتها أنفسهم - لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات، والأرض بصائر " أي وجود الحق المبين ولكل مقام مقال، ولكل مجال رجال فانجهم، وكان رضي الله عنه يقول لا يسود أحد قط في قوم إلا إن آثرهم، ولم يشاركهم فيما يستأثرون به في كل مقام بحسبه فافهم وكان يقول كنية الشيطان أبو مرة تدري من هي المرة الذي هذا أبوها هي النفس الجسمانية ذات الشؤون المنكرة شهوة بهيمية فلا هي حرة، وغضب كلبي سبعي فلا هي برة، تدري لم سميت مرة لأنها ما دخلت في شيء إلا أفسدته كما يفسد الحنظل اللبن فافهم.
وكان يقول: في حديث " فإذا أحببته كنت سمعه " وفي رواية " كنته " ليس المراد به معنى الحدوث في نفس الأمر لأنه كذلك بالذات، وإنما ذلك ليكون الشهود مرتباً على ذلك الشرط الذي هو المحبة فمن حيث الترتيب الشهودي جاء الحدوث لا من حيث التغرير الوجودي فافهم، وكان يقول لا تهجر ذات أخيك، ولكن اهجر ما تلبس من المذمومات فإذا تاب من ذلك فهو أخوك فافهم، وكان يقول: لا تعب أخاك بما أصابه من معايب دنياك فإنه في ذلك إما مظلوم " لينصرنه الله " أو مذنب عوقب فطهره الله أو مبتلى قد وقع أجره على الله فافهم، وكان يقول من الرعونة أن تفتخر بما لا تأمن سلبه أو تعير أحداً بما لا يستحيل في حقك، وأنت تعلم أن ما جاز على غيرك جاز عليك، وعكسه فافهم.
وكان يقول في حديث " إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " لما كان ظاهر هذا هو الموت الطبيعي استصعبه الغافلون، واستهونه المشتاقون فخفف عن الطائفتين بتوجيهه إلى الموت المعنوي فقال: " موتوا قبل أن تموتوا " أي جردوا نفوسكم من الصفات المذمومة تقيلوهما، ويؤيده قول عمر رضي الله عنه في البصل فإن كنتم لا بد آكليها فأميتوها طبخاً يعني اطبخوها حتى يذهب خبثها فافهم، وكان يقول الشيطان نار، وحضرة الرب نور، والنور يطفيء النار فلا تجاهل بأن تبعد معه عن حضرة ربك الحق، ولكن جاهده بأن تواجهه بنور ربك فإن كان له نصيب في السعادة انطفأت ناريته، وعاد نوراً مسلماً لا يأمرك إلا بخير، وإلا أطفأه نور ربك وأحرقته شهبه فعاد رماداً فافهم، وكان يقول في حديث ابن عمر إنه عليه السلام قال له " عد نفسك من الموتى " يعني كن بحيث ييأس منك كل كفور كما ييأس الكفار من أصحاب القبور لأن الميت لا براح له من المثول بين يدي الله تعالى لا يتصرف لنفسه في شهوة، ولا غضب، ولا يرى سوى ربه كيفما انقلب فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: سبيل الله طريقه من مات فيها فهو شهيد فالمؤمنون كلهم شهداء في سبيل الله " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء " الآية فافهم، وكان يقول: قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه المحبة قطب، والخيرات كلها دائرة عليها فافهم، وكان يقول في معنى حديث: " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " أي هو عند الله مرضى رضا يعبر عنه بأنه أطيب من ريح المسك لو لطخ المكلف به فمه تقرباً وتطيباً للعبادة فافهم، وكان يقول لا يظهر إمام هدى لمأموميه من الأفعال إلا ما فيه كما لهم، وأما الخصوصيات فإن أظهرها ففائدتها إعلام المأمومين أن لإمامهم خصوصيات باطنة ليس لغيره في وقته مثلها فيقوى به إيمانهم، ويعلمون أنهم ليس لهم منه بدل فافهم، وكان يقول: إذا، وجدت من يدعو إلى الله فأجبه، ولا يصدنك كونه من الطائفة التي انتميت إلى غيرها فبمثل ذلك صد الأشقياء قبلك فقال اليهود لو جاء محمد منا لاتبعناه لكن جاء من العرب فلا نتبعه، وندع أمر بني إسرائيل فكان الجن أعقل رابطة منهم، وأفقه حيث قالوا: " يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به " " الأحقاف: 31 " الآيات، واعلم أن الحقيقة الداعية إلى الله تعالى في كل دور هو صاحب وقته " قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة " " يوسف: 108 " وكل الدعاة في زمنه إنما هم رقائقه، وألسنة " أنا ومن اتبعني " وعلامته اندراج بياناتهم، وكشوفاتهم في كشفه، وبيانه، واختصاصه عنهم بما لا سبيل لهم إليه إلا بإمداده، وفيضه فافهم، وكان يقول: ألق حبلك، وأسبابك، وما اعتمدت عليه من معلوماتك ومعمولاتك بين يدي الداعي إلى الله تعالى حتى يلتقمها حكمه، وحكمته فلا يبقى لك عمدة إلا على حقه، ولا توصل إلا بصدقه
(2/22)

ليسري بك إلى ربك في حالة محو نفسك ليلا، ويخرجك من مواطن تحكم العدو إلى مقامات حكم المولى فهناك لا تزلزلك الزلازل، وإن اشتدت هو لا كما قال: أصحاب موسى: " إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين " فكان من حكمة ربه لقومه الذين أسرى بهم ما كان فافهم كما خرج موسى من مدينة فرعون خائفاً يترقب مستغرقاً في ربه فأفضى أمره إلى مقام المناجاة جرت تلك السنة على اتباعه فأسرى بعباد الله من أرض فرعون خائفين يترقبون مستغرقين في نور إيمانهم فأفضى أمرهم به إلى مقام النجاة فافهم.
وكان رضي الله عنه يقول: إنما خرق الخضر عليه السلام السفينة بركابها لحكم منها أن يبين لهم أن السفينة لو كانت حاملة بألواحها، ودسرها لغرقوا عند خرقها ولن مكرمهم هو حاملهم في البر، والبحر فسواء، وجودها، وعدمها عند صاحب اليقين الكامل ولهذا مشى على الماء من كان هذا يقينه، ولو أراد المشي على الهواء أيضاً، وكان يقول: إذا رأيت أن الخضر عليه السلام قسمت له الحياة إلى إدراك الزمن المحمدي فما طلب موسى بفتاه السبيل إليه إلا من باب معنى قول القائل: لعلي أراهم أو أرى من يراهم فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: إنما لقي موسى عليه السلام الخضر بفتاه ليجمع لفتاه بين بحر الرسالة من نبوته، وبحر الولاية من خصوصية الخضر عليه السلام، والسر في ذلك أن حكم الولي مع حكم الرسول الذي يلزمه شريعته كحكم النجم مع حكم الشمس، وذلك كما أن النص إذا وجد اندرجت أحكام الاجتهاد كلها تحته، وكان الحكم حكم النص، وإذا غاب النص رجع كل مجتهد إلى حكمه فكما أن حكم كل مجتهد في حياة النبي مندرج في حكمه إن أثبته ثبت، وإن نفاه انتفى كذلك حكم ولى مع رسول، وأما في زمن أبي بكر، ومن بعده من الخلفاء فلكل مجتهد حكمه لا يلزمه اجتهاد غيره فهكذا كان أولياء بني إسرائيل في حياة موسى مندرجي الحكم في حكمه فلما دنث، وفاته، وتوارى شمس رسالته بحجاب خليفته الذي يستخلفه بعده، وكان ذلك الخليفة هو فتاه الذي قصد به الخضر عليه السلام علم أن أحكام أهل الولاية ستظهر في زمان ذلك الفتى فأراه كيف يكون معاملته لهم إذا ظهر في زمن خلافته، وجمع له بين أمري الرسالة، والولاية فقال لفتاه " لا أبرح " أي لا أموت " حتى أبلغ مجمع البحرين " أي فيك " أو أمضي حقباً " أو أعيش إلى أن يحصل ذلك، ولو عشت حقباً " فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما " " الكهف: 61 " ثم كان من الأمر ما قص الله علينا في الكتاب فعلمه أن يسلم للأولياء باطناً، وإن اقتضى الشرع إنكار شيء من أمرهم أنكره ظاهراً على جهة الاستعلام كي لا يتشبه بأحكامهم من ليس في مقامهم، وإلا فما لموسى كف عن الخضر بتلك المعاني التي أبداها الخضر فإن مثلها لا تسقط به المطالبة في ظاهر الشرع فمن خرق سفينة قوم بغير إذنهم، وقال خرقتها لئلا تغضب لم تسقط المطالبة بذلك ظاهراً، ومن قتل صبياً، وقال خشيت أن يرهق أبويه طغياناً، وكفراً لم تسقط عنه المطالبة بذلك في ظاهر الشرع، وقول الولي ما فعلته عن أمري ليس مسوغا لمثل هذه الأعمال في الحكم الظاهر، وإن تحققت، ولايته فما كان الإنكار من موسى أولا إلا حفظاً لنظام الشرع الظاهر ثم كف آخراً حفظاً لرعاية أمر الله في أوليائه وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع، وهو شهيد، وكان رضي الله عنه يقول: في قصة موسى، والخضر يعني أن للحق عباداً أقامهم لبيان المكتسبات، وعباداً أقامهم لبيان الموهوبات ليس لأحدهما أن يعترض عل الآخر، ولا يشاركه فيما أقيم فيه وإن كان أحدهما نبياً، والآخر ولياً فافهم، وكان يقول: الجبال أمثال الرجال فكما أن الجبال لا يزيلها عن مقيلها من الأرض ما عام العالم إلا الشرك فكذلك الولي ما يزيل همته عن قلب من آوى إليه إلا شرك خالص موضع المحبة من قبله بغير ولاء ربه " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " " إبراهيم: 46 " فلا يفلت الولي قلب مريده سوى الشرك لا تقصير، ولا غيره فافهم.
وكان يقول: لفظة " ما " في قول الخضر لموسى؟ " ما فعلته عن أمري " موصولة، وأمره شأنه لأن تلك الأفعال كانت من أحكام روح الإلهام الولائي فافهم، وكان يقول: الخضر عليه السلام مظهر عرفاني رأى فيه موسى عليه السلام حين وجوده ما سأل في مقامه العرفاني أن يراه في شهوده، وذلك المظهر كان منه، وإليه فافهم، وكان يقول: ما من كامل في رتبة إلا وهو جامع لكمالات ما دونها، وفقير لكمالات ما فوقها فافهم إلى أن ينتهي الأمر إلى من له المنتهى، وليس، وراءه مرمى
(2/23)

والله أعلم.
وكان يقول النفس ما له الإدراك والروح ما به الإدراك في كل مقام بحسبه، ومن هنا سمي القرآن روحاً، وعيسى روحاً، وجبرائيل روح الوحي النبوي المرسل في المعاني الجلالية، وميكائيل روح هذا الوحي في المراتب الجمالية، ولذلك كانت آية إلياس النار تسير معه حيثما سار، وأما الخضر فإنه جليس على الأرض اليابسة فاخضرت حيث جمع لموسى بين النار، والشجرة في تجليه، وتم له ذلك ظهر له عين الأمرين في إلياس قومه، وخضرهم، ولذلك كان إلياس للأولياء كجبريل للأنبياء وكان أكثر من يراه أصحاب المجاهدات والخضر لهم كميكائل، وأكثر من يراه أصحاب المشاهدات، ولا يظهر أن لأحد إلا متمثلين من غيبه إلى شهادته، ويراهما كل أحد بحسب حاله، ومقامه، ويراهما في الآن الواحد جماعات متفرقون في أماكن متباعدة على هيئات مختلفة ولا يظهران معاً إلا لمن له روح كمال ذات جلال، وجمال فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف إشارة إلى أن المتبوع في المعنى قد يكون تابعاً في الصورة كغاية الشيء له فلا يلزم من الإتباع الظاهر فضيلة المتبوع على التابع في الباطن، وقد أوحى إلى نبينا صلى الله عليه وسلم: " أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً " " النحل: 123 " مع أنه القائل " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة " حتى إبراهيم يقول: في ذلك اليوم اجعلني من أمتك فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: الحظوظ الدنيوية زبالة فمن أظهر للناس ما عنده من الخصوصيات الربانية ليتوصل بذلك إلى تحصيل حظوظه الدنيوية منهم فقد برطل بالمملكة كلها على أن يصير زبالا، وقد وقف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بأصحابه على مزبلة حتى أضجرهم فقالوا: مالك حبستنا هنا فقال هذه دنياكم التي تتنافسون عليها، وكان يقول: كل ما أرضى العارف بالله أرضى معروفه، وكل ما أغضبه أغضب معروفه كما جاء في الحيث " إن الله يرضى لرضا عمر، ويغضب لغضبه " وجاء مثل ذلك في حق فاطمة، وبلال، وعلي، وسلمان، وخبيب؛ فاعملوا أيها المريدون على أن يمضي عنكم العارفون وينبسطوا إن أردتم رضا ربكم، وبسط نعمه عليكم، واحذروا فإن العكس في العكس من ذلك، واسألوا الله توفيقكم لذلك، وكان يقول: التكليف، والاختبار من الحق قرين الاختيار، ودعوى الاقتدار من الخلق فمن عجز، وسلم لم يكلف، ولم يختبر. قلت، وقوله لم يكلف أي لم يجد مشقة في التكليف فافهم وكان يقول: صلاة تنتج الدعوى رعونة، ونوم ينتج التقوى معونة فافهم، وكان يقول: لسان الكسب يقول: " ما عندكم ينفد، وما عند الله باق "، ولسان الوجود يقرأ " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها "، فافهم، وكان يقول: من استضعف لإيمانه فعاقبته التمكين، وعلو الشأن " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " " القصص: 5 " الآية، ومن كبر بإجرامه رد أمره إلى صغار " سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد " " الأنعام: 124 " الآية، وكان يقول: جميع ما أفاده المفيد للمستفيد إنما هو في الحقيقة لنفسه أن العبد من مولاه عبد القوم من أنفسهم، وما من الله إلا، وإليه فافهم، وليس يفهم عني غير إنائي، وكان يقول: في حديث " لا تقوم الساعة، وعلى وجه الأرض من يقول: الله الله " أي عارف بالله حقاً فوجود العارف بالحق بين الخلق أمان لهم من قيام القيامة ذات الأهوال عليهم فافهم وكان يقول: ما عبد الله أحد إلا على الغيب لكن فتح لك الشرع الذوقي في الذوق الشرعي المحمدي باباً إلى الجمع بأن تشهد كل شيء من معبودك حتى عبوديتك فتراه هو الذي يجري تلك الأحكام عليك ويقيمها فيك بقيوميته فتصير عند شهودك هذا تعبده كأنك تراه لأنك لو رأيته رأيته، وجودك القائم بجميع صفاتك، وسمي اللسان المحمدي هذا الشهود مقام الإحسان، وليس بعده إلا مقام الإيقان، وهو العيان فافهم، وكان يقول: لا يحل لأحد أن يمكن الخلق من تقبيل يده، ورجله إلا إذا صحبه من الحق ما صحب الحجر الأسود من حفظ عهد الحق تعالى في الخلق، وقصد الله، وحده، والتطهر من لوث تحكم الوهم البهيمي، وعدم الشهوة المغفلة، والحظوظ المشغلة، والرعونات المضلة، وتحمل خطايا الخلق ولا يبالي أن يسود، ويذكرهم بربهم فيبيض قلوبهم فمن جمع هذه الصفات فهو يمين الرحمن لهم في الأرض " إن الذين يبايعونك إنما يبيايعون الله " فافهم، وكان يقول: لكل زمان
واحد لا مثل له في علمه، وحكمته من أهل زمانه، ولا ممن هو في زمان سابق على زمانه لأنه سبقه زمان آخر، ولسان هذا الواحد
(2/24)

في زمانه يقول: لتلامذته " كنتم خير أمة أخرجت للناس " " آل عمران: 110 " لأنهم أخذوا عن إمام لم يتقدمه مثله، ولم يعاصره نظير، وإن للمأموم حكم إمامه فإن قال: لهم ذلك بلسانه فذلك منه حق، وصدق وإن قال ذلك، وليس هو من أهل ذلك المقام كذبه الحال فيما قال: " والحق أحق أن يتبع " فافهم، وكان يقول: لا يرى الحق تعالى في الآخرة بلا حجاب إلا أهل التنزيه المطلق، وهو تجريد التوحيد عن شريك يقابله أو يشوبه لشهودهم الأحد أحداً لا شريك له مطلقاً، وهذا هو سر العيان الذي يستحيل معه الحجاب فافهم، وأما أهل التنزيه المقيد فلا بد لهم من حجاب كما أشار إليه حديث " وما بين أهل الجنة، وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " وهؤلاء هم الذين ينكرون الحق يوم القيامة إذا تجلى لهم في غير معتقداتهم، وسئل رضي الله عنه عن مريد ادعى أنه شهد كمال أستاذه ثم أراد السفر عن حضرته لزيارة مكة أو المدينة أو بيت المقدس، واستدل على ذلك بسفر عمر رضي الله عنه من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لوفاء نفره فقال: رضي الله عنه المريد الصادق أول ما يشهد في شيخه الكمال يجده في حضرة الحق التي بها أرواح أئمة الهدى أجمعين بالنسبة إليه فكيف مع هذا يفارق تلك الحضرة لمواضع آثار الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام التي هي دون الحضرة التي شهد أستاذه فيها وكيف يشتغل عن بيت وضعه الحق لنفسه ببيت وضعه للناس أو عن مجالسة مظهر أرواح الأنبياء، والتلقي عنها مواجهة مشافهة بآثار أبدانهم، وأفعالهم، وأما سفر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنما كان امتثالا لأمر الله عموماً حيث قال: " يوفون بالنذر " ثم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً حيث قال: " يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام قال أوف بنذرك " وحسبك إشارة أن عمر رضي الله عنه لو كان يعرف مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نذر ذلك لم ينذره، وقدم مجالسته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على كل شيء " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه " إلى قوله " واستغفر لهم الله " فانظر مع الاستئذان، والإذن في ذهابهم لبعض شأنهم الذي احتاجوا إليه كيف احتاجوا إلى الاستغفار لهم، ولم يكف فيه استغفارهم لأنفسهم فليس لمزيد صادق أن يفارق إمام حضرة هدايته أبداً. قلت، ويتعين استثناء الحج المفروض من كلام الشيخ رحمه الله تعالى، وكان يقول. في قوله تعالى: " إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " جمع الله تعالى له بين الكلمة العلمية، والروح الإرادية، وقال: " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً " فالروح هو الذي غلب بحكمه العلمي على النسمة الكائنة من مريم فكان بها متمثلا، ولذلك قال: " وما قتلوه " لأن الغالب عيه صورة الحياة فالقتل عليه محال، وإن وقع على النسمة المتمثل بها حكم من الأحكام اللائق بها فلذلك لا يؤثر في المتمثل بها أصلا لأن ما بالذات لا يزول بالعرض حقيقة، وإن توارى بحكم آخر يخالفه فذلك بالنسبة إلى من لم يدرك منه إلا ذلك الحكم الذي توارى به، وربما يقول: هذا فكيف صح أن موسى عليه السلام فقأ عين ملك الموت فرجع إلى ربه فردها عليه فالجواب أن هذا الملك روح طبيعي تمثل في صورة طبيعية فلم يبعد عنه ذلك لأنه من عالمه، ولو لم يكن طبيعياً لكان الفقء لم يقع إلا في المثال فقط ثم تمثل بمثال آخر، وأبدل مكان العين المفقوءة عيناً سليمة، وأطال في ذلك وكان رضي الله عنه يقول: في معنى قول بعض الصوفية إن الحق ذات كل شيء، والمحدثات أسماؤه انتهى. معنى الأول أن كل شيء لا يقيمه، ويوجده، ويحققه إلا الحق لأن الذات هي المقومة المحققة للعرض، ولما كان الحق من المحدثات بهذه المنزلة هو قيومها الذي لا قيام لها دونه أطلقوا عليه ذاتها، وأما كونها أسماءه فلأنها دالة عليه دلالة لازمة ذاتية لها كما هو دلالة المفعول على فاعله، والاسم ما دل بذاته على ما وضع له فمن ثم سموا المحدثات أسماء لقيومها الذي أوجدها فافهم، وكان يقول: من أراد أن ينقاد له العالم انقياداً ذاتياً فلا يطلب إلا الله تعالى وذلك أن
الإنسان المخلوق على صورة الكمال يطل بجميع المخلوقات كما يطلبون الرحمن لأنه نائبه في الكون فافهم، وكان يقول: من شأن الذات الإطلاق لذاتها، وتساوى النسب لصفاتها، ومن ثم لا يشعر موجود بإطلاق إلا كان بذاته أحن إليه من التقييد وأطال في ذلك. سان المخلوق على صورة الكمال يطل بجميع المخلوقات كما يطلبون الرحمن لأنه نائبه في الكون فافهم، وكان يقول: من شأن الذات الإطلاق لذاتها، وتساوى النسب لصفاتها، ومن ثم لا يشعر موجود بإطلاق إلا كان بذاته أحن إليه من التقييد وأطال في ذلك.
وكان يقول: إذا صفت الأرواح صارت تهم أن تنفذ من أقطار السموات والأرض لتفارق حكم عالم الكثافة والغير إلى حكم
(2/25)

عالم اللطافة ومحض الخير ويمانعها حكم كونها الترابي الجسمي فيحصل الرفض، والتردد، وربما صحب صاحبها حسرة على عدم خلوه عن العوائق عن ذلك فيثور هنالك عويل، ولطم، وبكاء، وعنف في الحركة، وتمزيق في الثياب، والجلد، وربما قوى حال النفس عليها ففارقت بدنها المعارف، وحصل الموت وأطال في ذلك.
وكان يقول: كلما كان حادي القوم مناسباً لهم في عشقهم، وحالهم كان أكثر تأثيراً فيهم، وكان يقول: من شأن الإمام الهادي أن لا يغفل عن تطهير قلوب المريدين الطائفين على مظاهر الحق " أن طهرا بيتي للطائفين والقائمين " أي بالقسط " والركع السجود " بالاقتراب الإيماني الحسي، وأطال في ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: أهل كل، ولي من جاءه بقلب سليم من الحظوظ، والشهوات البهيمة ألا ترى أن أهل العروس ليس إلا الذين لا ينظرون إليها بشهوة بهيمية إما والد أو أخ أو عم، وأما الزوج فإنما ينظر إليها بإرادة أمرية لا بشهوة بهيمية وقد نهيت النساء من إظهار، وجوههن، وظهورهن، وما يخفين من زينتهن إلا لقرابة أو غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، وهم أمثال الضعفاء العقول المقلدين بالتصميم لأهل النظر القاصر عن إدراك الحقائق فهكذا حال كل مريد جاء إلى حضرة أستاذ بالصدق كان من أهله وعليه تنكشف عورته وتتجلى أسراره، ومن لا فلا فافهم، وكان يقول: اطلب من نفسك الصدق في معرفة خصوصية أهل التخصيص ومحبتك لهم تنل منهم ما تريد، ولا تطلب منهم أن يشغلوا قلوبهم بك، وتهمل أنت أمر نفسك فإن ذلك قليل الجدوى، وكان يقول: الأسباب للأمور الناشئة عن الكسب كالماء للزرع متى انقطع عنه الماء مات، وكذلك المتفكرون متى تركوا التفكر عطلت معتقداتهم النظرية، وكذلك المتقشفون متى تركوا تقشفاتهم بطلت تأثيراتهم الكونية، ومكاشفاتهم الصورية فافهم، وما كان وهباً من الله تعالى فهو باق، وكان رضي الله عنه يقول: من كتم سره ملك أمره، ولم يكتم شيئاً من أظهر من الأحوال ما يدل عليه فلا تظهر لقومك إلا ما تعرف منهم قبوله منك " لا تقصص رؤياك على أخوتك " " يوسف: 5 " الآية وكان يقول: حقيقة الشكر الكامل أن يشهد العبد شكره لله تعالى من الله، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه فافهم، ولا يشكر الله حقيقة إلا الله، والعبد عاجز عن ذلك، وكان رضي عنه يقول: إذا علمت من أستاذك الإطلاع على جميع أحوالك فقد عرضت عليه صحيفتك فقرأها فإما يشكرك، وإما يستغفر لك ربك فاسمع لهذا، وأطع، وإن أعطاك الله تعالى أنت بصيرة علمت بها ذلك فقد أوتيت كتابك تقرؤه فإن علمت بما فيه من الصالحات فقد أوتيت كتابك بيمينك، وإن خالفت ما فيه فقد أوتيت كتابك بشمالك، وإن أغفلت النظر فيه فقد أوتيته، وراء ظهرك، وحيث جاءك هذا البيان فاقرأ كتابك، وحرر حسابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيباً فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: أئمة الهدى في أمان الله عز وجل، وإنما يبكون، ويتضرعون لأجل اتباعهم إما ليعلموهم كيف يعملون، وإما أنها شفاعة غيبية فافهم، ولا شك أن التعليم أيضاً شفاعة فمن تعلم، وعمل فقد قبلت فيه الشفاعة فانتفع، ومن لا فلا " فما تنفعهم شفاعة الشافعين فما لهم عن التذكرة معرضين ".
وكان يقول: الكشف من ربك العليم، والغطاء من وهمك البهيم فلا تستعن على الكشف بوهمك فإنه لا يزيدك إلا غطاء ولا تخش من ربك منعاً عند صدق توجهك لجوده فإنه لا يوجدك إلا إعطاء فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: لما كانت حواء مظهر صورة شهوة آدم الباطنة كانت المرأة لا ترى قط إلا شهوة جسمية لا تدري ما فوق ذلك، ولا تتوجه همتها إلى أعلى منه، ولا تنظر قط في العواقب، وإنما تسرع إلى ما حرك الوهم البهيم شهواتها إليه، وكان يقول: كم شيء كمال في الخلق نقص في الحق كالأزواج، والذرية فإن قيل لولا الزواج ما حصل النتاج فقل لهم بل كان يحصل من حيث حصل في آدم عليه السلام ولكن محض التعريض للأسباب هو أكلة النهي الموجبة لتسليط ما في الضرورات من العقاب فافهم وكان يقول في قوله تعالى: " خذوا زينتكم عند كل مسجد " " الأعراف: 31 " المراد بالزينة هنا المكارم، والمحامد، والفضائل فهذه هي الزينة للنفوس الآدمية، وضد ذلك من زينة البهائم، والمراد بكل مسجد هو كل هاد للخلق بنوره، ومرشدهم إلى حسن العبودية فافهم قال الله تعالى: " ولباس التقوى ذلك خير " " الأعراف: 26 " الآية، وكان يقول: الحق مفطور على صورة الحق فهي حياته وشبابه فإذا
(2/26)

أهرمته عوارض الحجب، والغفلات صار سمندل نار إذا ألقي به فيها رجع شبابه فافهم، ولا تصح صفة المحبة لعبد، وهو بخيل أو عاص أو عنده عجلة بلا حلم، وكان يقول: ما سمي القلب قلباً إلا لأنه في العلم الأزلي حق بطن في قوته خلقه فانقلب في العلم الأبدي فصار خلقاً بطن فيه حقه فهذا الحق في الأزل بيت عبده، وهذا الخلق في الأبد بيت عبده، وكما ظهر الخلق بالحق أزلاً كذلك ظهر الحق بخلقه أبداً، وأطال في ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كان للحق بعبده عناية جعل سبب شقاء الأشقياء من أسباب سعادته يذنب فينكسر، ويستحي ويتذلل ويذوق طعم الحجاب والعبد فيعرف قدر الوصل فيزداد شكراً فتزداد فضلاً والمعكوس منكوس " إن الله يحكم ما يريد " " المائدة: 11 " فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آيتنا فأعرض عنهم " " الأنعام: 68 " الآية فيه إشعاراً بالإعراض عمن يخوض في حق الأولياء المكملين فهم من آيات الله تعالى الدالين عليه قال تعالى: " ولنجعلك آية للناس " فافهم، وكان يقول: لما كانت الوكالة مشعرة بعجز الموكل عما فوضه إلى، وكيله، وقدرة الوكيل عليه، ولو بوجه ما إذ لا بد من مانع له من مباشرة ما، وكل فيه سمي الرب، وكيلاً لعبده، ولم يسم العبد، وكيلاً لربه فافهم، وسئل هل لمريد الحق أن يتعاطى ما يشغله عن مراده فقال: لا فقيل فما الحكمة في إذن الشارع صلى الله عليه وسلم لأمته في التزويج، وفيه من الشغل ما لا يخفى فقال لأنه لما رأى النفوس البشرية مجبولة على المغلوبية لعوارضها المزاجية أذن لها فيما يفك عنها غلبة تلك العوارض عليها لئلا تشغلها عنه، وشرط عليها مساس الحاجة قبل التعامل ليكون الشغل في ذلك به لا عنه ألا ترى قوله: " ذلك أدنى أن لا تعولوا " " الأنعام: 6 " والعول الزيادة أي أعنى أن لا تميلوا عن مولاكم إلى ما دونه فمن تزوج بنية صالحة كان عابد الله تعالى بتزوجه مع أن في ضمنه عصمة له من الزنا الذي هو أعظم الحجب عن الله تعالى فافهم، وأما من تزوج لمحض الشهوة فقط فذلك الذي يشغله الزواج عن ربه، وكان يقول: مبدأ حقيقتك الروحانية أحق بك من مبدأ حقيقتك الجسمانية فإذا علمت هذا فقدم أمر ربك الذي هو مبدؤك وقال عنك " فنفخت فيه من روحي "، فهو تعالى أحق بك وأرحم وأفرح بك من أمك، وأبيك، ومن كل شيء دونه صاحب الشيء أحق بشيئه فافهم، وكان يقول: من كان خليفته مرشدك، ومربيك فهو بحقيقته ربك، وهاديك فاعرف يا مريد من هو مرادك، ويا تلميذ من هو أستاذك والزم تغنم فافهم، وكان يقول: علماء السوء أضر على الناس من إبليس لأن إبلس إذا، وسوس للمؤمن عرف المؤمن أنه عدو مضل مبين فإذا أطاع، وسواسه عرف أنه قد عصى فأخذ في التوبة من ذنبه، والاستغفار لربه، وعلماء السوء يلبسون الحق بالباطل، ويزيدون الإحكام على وفق الأغراض، والأهواء بزيغهم، وجدالهم فمن أطاعهم ضل سعيه، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً فاستعذ بالله منهم، واجتنبهم وكن مع العلماء الصادقين وكان يقول من المتفقهين تستفيد دعوى العلم بأحكام الدين ومن العلماء العاملين تتفيد العمل بأحكام الدين فانظر أي
الفائدتين أقرب قربى عند رب العالمين فاستمسك بها، وإذا قال: لك المتفقهون ماذا استفدت من الصوفية الصادقين فقل لهم استفدت منهم حسن العمل بما استفدت منكم من أقوال أحكام الدين، وكان يقول: نية القربات تصير العادات، والمباحات عبادات حتى إنك ترى الجبة الصوف على أهل الله تعالى أحسن من الحرير على غيرهم، وذلك لأنهم قصدوا بذلك وجه الله تعالى قال: تعالى: " ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا " " الشورى: 23 " فافهم، وكان يقول: بينك، وبين أن لا تدرك أن تولى حب الدنيا ظهرك فافهم، كان يقول: خاتم الأولياء على قلب خاتم الأنبياء، ومن علامته أن يتحقق مواجيد الأولياء كلهم، ويختص عنهم بوجده كما حقق خاتم الأنبياء مواجيد الأنبياء كلهم، واختص عنهم بخصوصيته فافهم، وكان يقول: ربما كان الواحد صديقاً قطباً من جهتين باعتبارين، ولا شك أن الصديقية في ضمن نظام القطبانية لأنها من مراتب دائرتها فافهم، وكان يقول: القطب مظهر نور الحق على الكمال الممكن لنوع الإنسان بحسب زمانه، ودائرته، والصديق مظهر نور القطب على الكمال الممكن لمثله، والنور ما به الكشف، والبيان، وتحقيق المعاني في الأعيان فافهم، وكان يقول مجالس الأولياء العارفين محاضرات روحانية لا يعبئون فيها إلا بفصاحة اللسان
(2/27)

الروحاني وهو تحقيق المعاني ذوقاً، وحسن تلقيها حقاً، وصدقاً فإذا صحت لهم هذه الفصاحة فلا عليهم إن فصحت ألسنتهم الجسمانية أوكلت أو لحنت أو أعربت " إن الله لا ينظر إلى صوركم " الحديث. وسئل عن المراد بقول الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزب النور، وأعوذ بك من السبعين والثمانية فقال المراد بالسبعين السلسلة التي فرعها سبعون ذراعاً، وهي مظهر الفرق والهالكة، والثمانية هي إشارة إلى سبع ليال، وثمانية أيام حسوماً، وهذه السبعة هي مظهر أبواب جهنم، وكان يقول لكل ولي خضر هو تمثل روح، ولايته كما لكل نبي صورة جبريل هي تمثل روح نبوته يظهر لحسه من فوق نفسه فافهم. وقال رضي الله عنه في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمر رضي الله عنه: " والذي نفسي بيده ما سلكت فجاً قط إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك " المراد بذلك صورته الروحانية التي هو بها ذلك المخاطب حين خوطب فلا يقال كيف غواه الشيطان في الجاهلية فافهم، وكان يقول سيدي ووالدي صاحب الختم الأعظم فالشاذلي، وجميع الأولياء من جنود مملكته فهو يحكم، ولا يحكم عليه من سائر الدوائر فلا يقال لنا لم لا تقرؤون حزب الشاذلي لأنكم من أتباعهم فافهم. قلت: قد ادعي مقام الختمية جماعة من الصادقين في الأحوال، والذي يظهر أن لكل زمان ختماً بقرينة قوله فيما سبق لكل ولي خضر، والله أعلم. وكان يقول في قوله تعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة " " آل عمران: 96 " الآية المراد به قلب آدم عليه السلام لأنه أول بيت وضع للرب في البشر، وهو أيضاً بجسده مدفون تحت عتبة هذا البيت كما أعطاه الكشف، وأما بنية الكعبة فهو مثال مضروب للقاصرين ليتذكروا به المعنى عند رؤية مثاله فافهم، وكان يقول الغذاء شبيه بالمغتذى في كل مقام بحسبه فالجسم غذاء الجسم، والروح غذاء الروح، والنفس غذاء النفس، والعقل غذاء العقل، والعلم غذاء العلم، والحق للحق، والخلق للخلق فافهم فإن أستاذك علم مكنون فلا يغتنى به إلا عالمك، ولا غذاء لعالمك إلا به، ولا بقاء لحي إلا بغذائه فافهم، وكان رضي الله عنه يقول الخلق في اللغة التضييق، والخانق الطريق الضيق، ومنه سميت الزاوية التي يسكنها صوفية الرسوم الخانقاه لتضييقهم على أنفسهم بالشروط التي يلتزمونها في ملازمتها، ويقولون فيها أيضاً من غاب عن الحضور غاب نصيبه إلا أهل الخوانق، وهي مضايق، وكان يقول لا تخرق حرمة من يحب أن يحترم إلا وفيك بقية من حكم مغايرتك للحق تحكم عليك بأنك قليل الأدب لأنه ما أحب أن يحترم في ذلك المظهر إلا الحق بالحقيقة، وأما إذا لم يكن فيك شهود بقية من حكم الغير فالأمر منك إنما هو من الحق لنفسه فانظر ماذا ترى " بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره " " القيامة: 14 و15 " فافهم، وكان يقول: الولد متى قدر على الكسب، وصلح له سقطت مؤنته عن أبيه، والعبد أمره لا يخرج عن سيده بسبب فألزم العبودية لمن كان هو عبده فغنم، وكان يقول: إذا رأى العارف أنه عين معروفه فلا عليه بأس في تعظيم العباد له. قلت:
ومعنى كونه عين معروفه أن يتخلق بصفاته التي أمره بالتخلق بها، وهذا مبني على أن الصفات عين لا غير فافهم، وكان يقول كيف تتحقق بمن لا شيء معه ولم يكن شيء غيره وأنت عندك شيء غيره كائن معه فإن وجود الأول مشروط بفقد الثاني أو ملازمه فافهم، وكان رضي الله عنه يقول في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ارقبوا محمداً في عترته أي اشهدوه بهم فإن وجدتم منهم ما يشق عليكم فسلموا، وارضوا كما لو جاءكم ذلك منه مواجهة لكم ثم لا تجدوا في أنفسكم حرجاً مما قضوا، وسلمواً تسليماً، وإن وجدتم منهم ما يعجبكم فاشهدوه منه فيهم كي لا تحجبوا عنه بهم، وتحبونهم دونه، وتنسونه بذكرهم فما هم في الحقيقة منه إلا كالبشري السوي من الروح المتمثل به، وهل الفرع في الحقيقة غير صله، وهل ثمراته إلا منه فافهم، وكان يقول في معنى حديث " كنت كنزاً لا أعرف " يعني مرتبة التجرد " فأحببت أن أعرف فخلقت خلاقاً، أي قدرت أعياناً تقديرية، وتعرفت إليهم ودللتهم على كل منها بكل منها في عرفوني أي لأني أنا الكل هذا حقيقة هذا الكلام في التحقيق، وله في الفرقان معان أخر، وكل من عند الله فافهم، وكان رضي الله عنه يقول في كل صورة آدمية آدم، والملائكة له ساجدون، وهكذا حقائق الأئمة كل منها كلي أمم بالنسبة إلى أتباعه فمن تبعني فإنه مني فهم هو مجملاً، وهو هم فصلاً، وكان يقول. أنت أيها المريد غصن، ونور أستاذك شمس تحييك، وقمر يربيك؟ وكان يقول متى فتحت سدد مداركك أدركت بكل منها ما يدركه كل منها فلا تسمع شيئاً إلا رأيته وقس على هذا في كل مقام بحسبه، وكان يقول إذا سلمت النفس بحكم القلب لم يبق لها نزاء لربها، ووليها وإلا فلها من النزاع بقدر ما فيها من الشرك، وكان يقول: سكوت العالم حيث تعين الكلام عليه ككلام الجاهل. نى كونه عين معروفه أن يتخلق بصفاته التي أمره بالتخلق بها، وهذا مبني على أن الصفات عين لا غير فافهم، وكان يقول كيف تتحقق بمن لا شيء معه ولم يكن شيء غيره وأنت عندك شيء غيره كائن معه فإن وجود الأول مشروط بفقد الثاني أو ملازمه فافهم، وكان رضي الله عنه يقول في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ارقبوا محمداً في عترته أي اشهدوه بهم فإن وجدتم منهم ما يشق عليكم فسلموا، وارضوا كما لو جاءكم ذلك منه مواجهة لكم ثم لا تجدوا في أنفسكم حرجاً مما قضوا، وسلمواً تسليماً، وإن وجدتم منهم ما يعجبكم فاشهدوه منه فيهم كي لا تحجبوا عنه بهم، وتحبونهم دونه، وتنسونه بذكرهم فما هم في الحقيقة منه إلا كالبشري السوي من الروح المتمثل به، وهل الفرع في الحقيقة غير صله، وهل ثمراته إلا منه فافهم، وكان يقول في معنى حديث " كنت كنزاً لا أعرف " يعني مرتبة التجرد " فأحببت أن أعرف فخلقت خلاقاً، أي قدرت أعياناً تقديرية، وتعرفت إليهم ودللتهم على كل منها بكل منها في عرفوني أي لأني أنا الكل هذا حقيقة هذا الكلام في التحقيق، وله في الفرقان معان أخر، وكل من عند الله فافهم، وكان رضي الله عنه يقول في كل صورة آدمية آدم، والملائكة له ساجدون، وهكذا حقائق الأئمة كل منها كلي أمم بالنسبة إلى أتباعه فمن تبعني فإنه مني فهم هو مجملاً، وهو هم فصلاً، وكان يقول. أنت أيها المريد
(2/28)

غصن، ونور أستاذك شمس تحييك، وقمر يربيك؟ وكان يقول متى فتحت سدد مداركك أدركت بكل منها ما يدركه كل منها فلا تسمع شيئاً إلا رأيته وقس على هذا في كل مقام بحسبه، وكان يقول إذا سلمت النفس بحكم القلب لم يبق لها نزاء لربها، ووليها وإلا فلها من النزاع بقدر ما فيها من الشرك، وكان يقول: سكوت العالم حيث تعين الكلام عليه ككلام الجاهل.
وكان يقول: في حديث: " من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين "، الذبح إزالة الفضلات الردية فهو ذبح معنوي لأنه بغير سكين فمن ولي القضاء مع إزالة رعوناته الوهمية فهو ولي أمر قاض بالحق، ومن لا فهو متغلب قاضي جور. قلت: ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام في جلد الميتة " دباغه ذكاته " فتأمل، وكان يقول: ما دام معلمك يولد عندك المعلومات فهو أبوك فإذا تحققت روحك بنوره صار علمه يتجلى فيك معلوماته أبهة، وذلك هو الوحي، وإنما يوحي إليك ربك فاعرف، واغنم، وكان يقول في قوله تعالى: " وأقم الصلاة لذكري " " طه: 14 " أي لا لأجري ولا لشيء غيري فهذه عبادة المحبين، وكان يقول: كل محق مصدق، ولا عكس فمن، وجد الحق بالحق فهو محق مصدق، ومن، وجد بأمر زائد فهر مصدق فقط، وكان يقول: من تعدى حده قيد، ومن لا غير له لا حد له فافهم، وكان يقول: لا يراك إلا أنت فمن لك بمن هو أنت حتى تتراءى له فيراك، وكان يقول: إنما كان أستاذك أعلم بك منك لأنه هو حقيقتك وأنت ظلمة فافهم، وكان يقول: معرفتك بحقيقتك على قدر معرفتك بأستاذك، وكان يقول: ما لم يرتفع حكم المغايرة لأستاذك عندك فأنت بالحقيقة لا شك ضائع فارجع إلى ربك فاسأله فافهم، وكان يقول: حيث جاء الخطاب الرباني بيا بني آدم فالمراد بهم أهل اليمين.
وكان يقول: متى تخلص حريرة الإيمان من شوك السعدان، والله مأثم إلا الله: ولكن الله يفعل ما يريد، وكان يقول: في حديث: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي " المراد بابن آدم من كان محجوباً فإن عمل المقربين كله لربهم، وكله صوم لتجردهم عن شهود نسبته إليهم إلا على، وجه المجاز " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء "، وكان يقول: صورة الأستاذ الناطق مرآة سر المريد الصادق إذا نظر فيها بيصيرته شهدها على صورة سريرته فأول مبادئ المريد أن تتحلى طويته بسمات أهل الفلاح، والولاية فإذا كشف لبصيرته عن أستاذه رأى صورة صلاحه، وولايته في صفاء صورة أستاذه فينطق أن أستاذه هو الصالح الولي فيستمد من بركات ملاحظته المتوالية، وهممه العالية، ولا يزال مطلبه من الأستاذ دعواته المنيفة، وخواطره الشريفة فيتودد إليه تودد المتأنس حتى ينفخ إسرافيل العناية في صور صورة قلبه روح التخصيص الآدمي فهناك يشهد أستاذه آدم الزمان، ومالك أزمة الأكوان فيعظمه تعظيم الشاب لأبيه المهاب إلى أن يسفر حجاب صورته الآدمية عن جمال ما خصه من الروح المحمدية فهناك يشهد أستاذه سيداً محمدياً، ويكون له عبداً، ولا يجعل له في سواه أرباً، ولا قصداً إلى أن يغشى سدرة سره الأنوار الروحانية، وينزغ من البصر نزغة الزيغ، وغطاء الطغيانية فينظر إلى أستاذه فلا يرى إلا الواحد يتجلى في كل مشهد على قدر وسع الشاهد فيصير عدماً بين يدي، وجود، ومحواً في حضرة شهود فأول أمره توفيق، وأوسه تصديق، وآخره تحقيق، وهذه النهاية هي بداية السعاية بقدم الصدق في مقعد صدق عند مليك مقتدراً وكان رضي الله عنه يقول: من، وضع العسل في قشر الحنظل التبس حال أصله على الجهلة إذا تمرر العسل لمرارة أصله ظنه الجاهل مراً من أصله " قل هو للذين آمنوا هدى، وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم، وقر، وهو عليهم عمى "، وكان رضي الله عنه يقول: امتهان العباد المكرمين بعد معرفتهم سم ساعة متى خالط القلب مات لوقته، وكان يقول: المخصوص بالله هو الذي نفذ من جميع الأقطار سره وجهره فلم يسعه غير الله، ولم يسع الله غيره، وغير المخصوص بالله بضد ذلك فهو مقيد في الأرض أو السماء أو البرزخ أو الجنة أو النار، وكان رضي الله عنه يقول: الواحد لا يظهر في كل إلا، واحداً وإن كانوا أكثر من واحد في الصورة فهم واحد في السريرة كعيسى، ويحيى، وموسى، وهارون مثلا فهما اثنان حساً وهماً في الحقيقة واحد: " فقولا، إنا رسول رب العالمين " " الشعراء: 16 "، كما إذا شئت أن تعبر عن اسم الذات الأقدس بالعربية تقول: الله جل جلاله، وبالعبرانية الوهيم، وبالفارسية خداي، وبالتركية تكرى وبالرومية ثيبوس، وبالقبطيه ليصا، في كل لغة بلفظ، وانظر إلى
(2/29)

جبريل حال تمثله في صورة البشر لم يخرج عن كونه جبريل ذا الأجنحة، والرءوس المتعددة بل هو عينه في كلتا الصورتين، واحد لم يتعدد وكان يقول: العقل حجاب الآنت، والنفس حجاب الآنا فمن رفع عن هذين ترقى من محضر طور سينا إلى مشهد " قاب قوسين أو أدنى " " النجم: 9 " وكان يقول: مخالفة المحبوب لأغراض المحبين ميزان صدق محبتهم، وكان يقول: القرب من القريب قرب بلا ريب، والبعد من البعيد بعد بلا ريب هكذا الأمر في الشهادة، والغيب، وكان يقول: العلم من غير حكيم شمس طلعت من مغربها، والعمل من غير أدب شهد وضع في موقشر الحنظل. وكان يقول: لأن تعتب، وتسلم خير من أن تشكر، وتندم، وكان يقول: من ليس له أستاذ ليس له مولى، ومن ليس له مولى فالشيطان به أولى، وكان يقول: المريد من تحقق بمراده في عين أستاذه، وكان يقول: رضي الله عنه من، وافق أستاذه في أفعاله طابقه فيما أخبر له من معارفه، ومر خالفه في أفعاله فقد المطابقة بتوهم معاني أقواله، وكان يقول: من كان مع أستاذه بلا إيا كان أستاذه معه بالله، وكان يقول: المبعود من توهم أستاذه مخبراً عن غيره، ومتكلماً بسواه، وكان يقول: المريد الصادق عرش لأستواء رحمانية أستاذه كتب الله على نفسه أن لا يدخل قلباً فيه سواه، ولا يظهر لعين رأت غيره في مرآه، وكان رضي الله عنه يقول، لا يرى وجه الحق من حصرته الجهة، ولا يفارق الجهة إلا من نفذ من أقطار السموات، والأرض، ولا ينفذ من أقطارها من حكمت عليه بقية جسمانية لأن جسم الإنسان هو سجنه فإذا فارقه فارق السجن، وكان يقول: من التفت إلى آدميته بالكلية سلبت
عنه الحقائق الإنسانية، ومن سلبت عنه فالحقائق الإنسانية جهل حقائق العلوم الإلهية، وكان يقول: لفلاج المريد مع أستاذه ثلاث علامات أن يحبه بالإيثار، ويتلقى منه كل ما سمعه منه بالقبول، ويكون معه في شئونه كلها بالموافقة، وكان يقول: من تقرب من أستاذه بالخدم تقرب الله إلى قلبه بواسطة الكرم، وكان يقول: من آثر أستاذه على نفسه كشف الله تعالى له عن حظيرة قدسه، ومن نزه حضرة أستاذه عن النقائص منحه الله تعالى بالخصائص، ومن احتجب أستاذه عنه طرفة عين أوثقه الله في موابق البين، وما بين المريد وبين مشاهدة أستاه إلا أن يجعل مراده بدلاً من مراده، ومن لم ينبهه أستاذه عن نقائصه لم يفرح بحضرة خصائصه، ومن لم يستحل مقارعة الأستاذ لم يحل أبداً عروس الوداد تباً لمريد جمح بطبعه عن الدليل لقد ضل سواء السبيل " ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " " النور: 45 "، وكان رضي الله عنه يقول: سبقت كلمة الله التي لا تتبدل، وسنته التي لا تتحول أن لا ينفخ روح علمه في مخصوص إلا انقسم الخلق له بين ملكي ساجد، وشيطاني حاسد فاحرص على أن تكون لأهل النعم العلمية محتاجاً خاضعاً لتسلم أو تعلم أو ترحم، وإياك أن تكون لهم مبغضاً أو حاسداً فتسلب أو ترجم أو تحرم، وكان يقول: قلب العارف حضرة الله، وحواسه أبوابها فمن تقرب إلى حواس العارف بالقرب الملائمة فتحت له أبواب الحضرة. وكان رضي الله عنه يقول: من ملك أخلاقه عبد خلاقه، ومن ملكته أخلاقه احتجب عن خلاقه، وكان يقول: العادة ما فيه حظ النفوس، والعبادة ما كان محضاً للملك القدوس من قرب وصيام، ونوم، وقيام، وكل طعام فكل ذلك عند العارف عبادة، وكان رضي الله عنه يقول: من ملكته عاداته فسدت عليه عباداته، ومن رفعت عنه العوائد فهو عارف أو مراد أو مشاهد، وكان يقول ما ذكر ربه بلسان الواحد المختار فقد أخلصه بخالصة ذكرى الدار، وكان يقول من قال عند ظهور براءته من البيت، وما أبرئ نفسي " وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي " " يوسف: 54 " عنه الحقائق الإنسانية، ومن سلبت عنه فالحقائق الإنسانية جهل حقائق العلوم الإلهية، وكان يقول: لفلاج المريد مع أستاذه ثلاث علامات أن يحبه بالإيثار، ويتلقى منه كل ما سمعه منه بالقبول، ويكون معه في شئونه كلها بالموافقة، وكان يقول: من تقرب من أستاذه بالخدم تقرب الله إلى قلبه بواسطة الكرم، وكان يقول: من آثر أستاذه على نفسه كشف الله تعالى له عن حظيرة قدسه، ومن نزه حضرة أستاذه عن النقائص منحه الله تعالى بالخصائص، ومن احتجب أستاذه عنه طرفة عين أوثقه الله في موابق البين، وما بين المريد وبين مشاهدة أستاه إلا أن يجعل مراده بدلاً من مراده، ومن لم ينبهه أستاذه عن نقائصه لم يفرح بحضرة خصائصه، ومن لم يستحل مقارعة الأستاذ لم يحل أبداً عروس الوداد تباً لمريد جمح بطبعه عن الدليل لقد ضل سواء السبيل " ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " " النور: 45 "، وكان رضي الله عنه يقول: سبقت كلمة الله التي لا تتبدل، وسنته التي لا تتحول أن لا ينفخ روح علمه في مخصوص إلا انقسم الخلق له بين ملكي ساجد، وشيطاني حاسد فاحرص على أن تكون لأهل النعم العلمية محتاجاً خاضعاً لتسلم أو تعلم أو ترحم، وإياك أن تكون لهم مبغضاً أو حاسداً فتسلب أو ترجم أو تحرم، وكان يقول: قلب العارف حضرة الله، وحواسه أبوابها فمن تقرب إلى حواس العارف بالقرب الملائمة فتحت له أبواب الحضرة. وكان رضي الله عنه يقول: من ملك أخلاقه عبد خلاقه، ومن ملكته أخلاقه احتجب عن خلاقه، وكان يقول: العادة ما فيه حظ النفوس، والعبادة ما كان محضاً للملك القدوس من قرب وصيام، ونوم، وقيام، وكل طعام فكل ذلك عند العارف عبادة، وكان رضي الله عنه يقول: من ملكته عاداته فسدت عليه عباداته، ومن رفعت عنه العوائد فهو عارف أو مراد أو مشاهد، وكان يقول ما ذكر ربه بلسان الواحد المختار فقد أخلصه بخالصة ذكرى الدار، وكان يقول من قال عند ظهور براءته من البيت، وما أبرئ نفسي " وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي " " يوسف: 54 "
وكان يقول: أنفع الأقلام ما قبل فيضه الإفهام، وكان يقول انظروا إلى المرآة تجردت عن جميع الصور، وأشهدت كل في صورة ما يراه من صورته، وما لا يرى، هكذا الرجل المجرد عن علائق جميع العوالم، وجهة الناطق مراة الحقائق ما قابلها ذو صورة إلا رأى وجه حقيقته فمن رأى خيراً ليحمد الله، ومن رأى غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وكان يقول العلقة التي حول حبة القلب هي الحية المطوقة حول العرش من الملكوتي والحية المطوقة بعين الحياة من الجبروتي، والحية المطوقة بقاف من الملكي، وكان رضي الله عنه يقول البطن الأوسط من الدماغ المسمى بالدودة هو الذي قوته تنشئ حرير أهل الجنان.
وكان يقول قال روح الله علمي، وأنا كالقائم لما كل من
(2/30)

عهدنا إليه نسي أين كان من تقربه فلا تنس. قلت: يا مولاي في حوصلة الروح الأمين فصوب لي ربي عندي ما ألهمني كما أشهدني وأوجدني وله الفضل، والمنة وكان يقول: خطر بفهمي، وأنا كنائم ما صورته يا على ما الطائر الذي ألزمناه عنق كل إنسان؟ قلت يا مولاي ناطقة قيل لي فما حوصلة هذا الطائر قلت يا مولاي قوة النطق الفعالة بآلة اللسان عبارة وبباقي الأعضاء كناية، واشارة قيل لي يا علي مهما لقطه هذا الطائر من ساحات الحس، والخيال والإدراك، والقلب، والفؤاد تحصل في حوصلته ثم سرى إلى سائر آلاته ثم رشح منها بالعبارة، والكناية والإشارة فإذا رجعت التراكيب الدنيوية إلى بسائطها الأخروية صارت الحوصلة كتاباً منشوراً يرى فيه كل طائر ما لقط فرحم الله من تكلم بخير أو سكت، وكان يقول: فضل العقول في ترك الفضول وهي كل ما فضل عن الكناية، وهي محسوس، ومعقول، وكل مقصود غير ضروري فهو من الفضول وكل وسيلة لا يحصل مقصودها الضروري بدونها فليس من الفضول في شيء، ويكفيك من الغذاء ما يقويك على ما أمرك الله به.
وكان يقول: يكفيك من الملبس ما لا يسفهك به العاقل، ولا يزدريك به الجاهل، ومن المركب ما حمل رحلك، وأراح رجلك، ولا يزدري بركوبه مثلك، ومن السكن ما واراك عمن لا تريد أن يراك، ومن الحلائل الودود الولود ومن الخدم الأمين المطيع، ومن الأصحاب من يعينك على كمالك في جميع أحوالك، ومن الأدب ما يقيك غضب الكريم، والعالم وجراءة اللئيم، والظالم ومن العلم ما طابق الذوق الصحيح، ومن الاعتقاد ما بعثك على طاعة المعتقد من غير إعراض، ومن معرفة الحق ما أسقط اختيارك لغيره، ومن معرفة الباطل ما يمنعك عن اختياره، ومن المحبة ما حققك بإيثار محبوبك على من سواء، ومن حسن الظن بالخلق ما لا يقبل منه سوء التأويل، ولا قول العائب بغير دليل، ومن الحذر ما يمنع من مراكنة تجر إلى مباينة، ومن الظن بالله ما لا يجرئ على معصيته ولا يؤيس من رحمته، ومن اليقين ما يعصم من صرف، وجه الطلب عن حيرة، ومن التوحيد ما لا يبقى معه أثر لغيره، ومن الفكر ما وصل إلى فهم مراده، ومن النظر في آلائه ما تتسع به روح، وداده، ومن الخواطر ما بعث على تعظيم ما عظم، وهضم ما هضم، وقد، وضحت لك الأنوار فإن شئت فاقتبس، وقد ثبت الأصول فافهم الجامع، وانف المانع ثم قس، وكان يقول: التلويح لأعين الأذهان أبلغ من التصريح لوعي الآذان، ومن قبل النصيحة أمن مر الفضيحة، وكان يقول: محل الشعر ظاهر الشخص لا باطنه، ولو ثبت في القلب شعرة واحدة لمات صاحبه لوقته فلا تشغل باطنك بشيء من ملاذك الدنيوية الجسمانية وفرغ قلبك من الشواغل الفانية التي بمنزلة الشعر فالقلب بيت الواحد الذي من أشرك معه شيئاً تركه وشريكه، ومن وحده بالمحبة سكن قلبه بنور رب لا شريك له في ملكه، فافهم كيف يدخل عبيد الله الجنة جرداً مرداً مكحلين متعاضدين على قلب واحد فاشهد الواحد إن كنت ذا بصيرة مكحولة بطلعته المنيرة، واغتنم هذه الذخيرة، وكان رضي الله عنه يقول: من ظفر بكنز جوهر الألباب مرفوع الموانع مفتوح الأبواب زهدت، والله نفسه في افتراش الزبالة، وسف التراب، وليست الزينة الدنيوية إلا تراباً آيلاً إلى الذهاب خلقت بمحنة يمتحن بها الصادق في حب الله من الكذاب فمن أحب الله تعالى لم تساو الدنيا عنده رجل ذبابة من الذباب بل صغرت عنده الأكوان كلها في جانب ذلك الجناب، ومن أحب صورة عبدها فمحب الله مخدوم لسائر الأحباب لا عبد شيء من هذه الأسباب ومن أحب صورة التلبس بها فلمحب الله تخضع الرقاب فكيف يخضع لزينة ترابية من له هذا العز المهاب، من كرم العلى الأعلى الوهاب " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلونهم أيهم أحسن عملاً وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً " " الكهف: 7 و 8 " الصعيد هو التراب، والجرز القاطع لما تعلق به تعلق، واطمئنان، وإكباب فكن من الزاهدين في الحظوظ الترابية الجروز فأنت عرفت أنك ظفرت بكنز الكنوز، وكان يقول: مخالطة أهل الحجاب، ورؤية الغافلين عن ذكر الله تعالى عقوبة إلا على الأئمة الذين هم أطباء القلوب القائمون في مخالطة ترضي النفوس لطبهم بروح أمر مولاهم، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة، والله يحيي، ويميت، والله على كل شيء قدير، وكان يقول:
(2/31)

النفس مطية المؤمن اسمع لا تسمح لنفسك في الشراسة، ولا تعودها بالنفار فتتعب بها عند رجوعك إلى الديار، وتندم على تفريطك فيها حين سلوكك في مفازة البرزخ بين الجنة، والنار، واعلم أن النفس مركوب الوافد عند مروره على الصراط المنصوب فإن تشارست أسقطته في الدرك المرهوب، وإن سهلت له نجا عليها إلى المنتهى المطلوب " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " " آل عمران: 185 " وكان يقول: الذي بنى البيت باقتداره على وفق اختياره ما وضع فيه مزبله، وبالوعة، وكنيفاً إلا لحكمة يرضاها فلا ييأس العبد المنجس من روح الرحمة، والرضوان، ولو كان كيفما كان، وكان يقول: لا تشغلنك الوسوسة في غسل بدنك، وثوبك عن تدقيق النظر في تطهير نفسك، وقلبك تضيع الوقت، وتكتسب المقت، وإنما الطهارة الحقيقية أن تقول: اللهم طهرنا بصلواتك الطيبات، وزكنا بتحياتك المباركة، وطيبنا للموت، وطيبه لنا، واجعل فيه راحة قلوبنا بروحك، وحياة أرواحنا بمعرفتك، ومشاهدتك فإنك أنت الفتاح العليم، وها أنت قد، وجدت البحر المحيط العذب الصافي فتطهر تطهر وقل الحمد لله رب العالمين، وكان رضي الله عنه
يقول: انظر كل من رضي شيئاً تنعم به، ولو شقي ظاهره، ومن سخط شيئاً تعذب به، وإن حسن ظاهره فالشيء الواحد عذاب على من سخطه، ونعيم على من رضيه فالرضا منشأ النعيم، والسخط منشأ الجحيم اللهم هب لنا منك الرضا المطلق بجميع أحكامك أبداً على مكاشفة، وجه، وحدانيتك إنك الغني الحميد فافهم، وكان يقول: إنما جعل لكم الأرض بساطاً ليعلمكم التواضع فتواضعوا تنبسطوا، وكان يقول: من ركن إلى ظالم مسته نار الفتنة إلا من رحم الله " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " " يونس: 113 " وكفى بالخدمة ركوناً، اسمع من ركن إلى ظالم وخلص منه سالماً من فتنة فتلك له كرامة إبراهيمية بحسبه. وكان يقول: من خاف، ورجا فقد مدح وهجا، ومن رضي وسلم فقد حمد، وعظم فانظر ماذا ترى إن رأيت الحق بلا مرا. وكان يقول: الضمير في قول الله تعالى: " ولو بسط الله الرزق لعباده " عائد على الرزق أي لو بسط الرزق لعباد الرزق لبغوا وهم الذين ليس لهم مكنة التصرف كالحكيم الرباني فتصرفاتهم مغلوبة بالشهوات، والحظوظ فأرباب المكنة عباد الله الرزاق لا عبيد الرزق فافهم الفرق بين عباد الأرزاق، وعباد الرزاق، هؤلاء الأرزاق محتاجة إليهم في كونها، وعبادها محتاجون إلى عينها بل إلى أثر كونها، وكان يقول: في معنى قوله في الحديث " فبي عرفوني " أي لأني، وجودهم، ووجود عقولهم، ووجود شواهد شهودها، وكان يقول: قال لي قائل ما بال الشاذلية يتجملون في لباسهم وهيئاتهم، وطريقهم إنما هي الاقتداء بالسلف الصالح، والسلف الصالح كما في علمهم ما كانوا إلا على التقشف بأكل الخشن، وبذاذة الهيئة، ورثاثة الملبس؛ فقلت: وبالله التوفيق إن الشاذلية لما نظروا إلى المعاني، والحكم رأوا السلف الصالح إنما فعلوا ذلك حين وجدوا أهل الغفلة انهمكوا على عنياهم، واشتغلوا بتحصيل الزينة الظاهرة تفاخراً بالدنيا، واطمئناناً إليها، وإشعاراً بأنهم من أهلها فخالفوهم بإظهار حقارة الدنيا التي عظمها أهل الغفلة، وأظهروا الغنى بالله عما اطمأن إليه الغافلون فكانت أطمارهم حينئذ تقول الحمد لله الذي أغنانا به عما افتقرت أنفسنا إليه من همته دنياه فلما طال الأمد، وقست القلوب بنسيان ذلك المعنى، واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار، وبذاذة الهيئة حيلة على تحصيل دنياهم انعكس الأمر فصار مخالفة هؤلاء نعمة لله هو فعل السلف، وطريقته، وقد أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه بقوله: لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتي هذه تقول: الحمد لله، وهذه هيئتك تقول: أعطوني شيئاً من دنياكم، والقوم أفعالهم دائرة مع الحكم الربانية مرادهم مرضاة ربهم، وإرادتهم، وجه في الجلال، والإكرام في كل حال " تعرفهم بسيماههم " فإن اتسمت بسيماهم، وهو التروض، والتضيق عرفتهم، وظهرت لك مقاصدهم التي بها ترى حسن أفعالهم فافهم. ل: انظر كل من رضي شيئاً تنعم به، ولو شقي ظاهره، ومن سخط شيئاً تعذب به، وإن حسن ظاهره فالشيء الواحد عذاب على من سخطه، ونعيم على من رضيه فالرضا منشأ النعيم، والسخط منشأ الجحيم اللهم هب لنا منك الرضا المطلق بجميع أحكامك أبداً على مكاشفة، وجه، وحدانيتك إنك الغني الحميد فافهم، وكان يقول: إنما جعل لكم الأرض بساطاً ليعلمكم التواضع فتواضعوا تنبسطوا، وكان يقول: من ركن إلى ظالم مسته نار الفتنة إلا من رحم الله " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " " يونس: 113 " وكفى بالخدمة ركوناً، اسمع من ركن إلى ظالم وخلص منه سالماً من فتنة فتلك له كرامة إبراهيمية بحسبه. وكان يقول: من خاف، ورجا فقد مدح وهجا، ومن رضي وسلم فقد حمد، وعظم فانظر ماذا ترى إن رأيت الحق بلا مرا. وكان يقول: الضمير في قول الله تعالى: " ولو بسط الله الرزق لعباده " عائد على الرزق أي لو بسط الرزق لعباد الرزق لبغوا وهم الذين ليس لهم مكنة التصرف كالحكيم الرباني فتصرفاتهم مغلوبة بالشهوات، والحظوظ فأرباب المكنة عباد الله الرزاق لا عبيد الرزق فافهم الفرق بين عباد الأرزاق، وعباد الرزاق، هؤلاء الأرزاق محتاجة إليهم في كونها، وعبادها محتاجون إلى عينها بل إلى أثر كونها، وكان يقول: في معنى قوله في الحديث " فبي عرفوني " أي لأني، وجودهم، ووجود عقولهم، ووجود شواهد شهودها، وكان يقول: قال لي قائل ما بال الشاذلية يتجملون في لباسهم وهيئاتهم، وطريقهم إنما هي الاقتداء بالسلف الصالح، والسلف الصالح كما في علمهم ما كانوا إلا على التقشف بأكل الخشن، وبذاذة الهيئة، ورثاثة الملبس؛ فقلت: وبالله التوفيق إن الشاذلية لما نظروا إلى المعاني، والحكم رأوا السلف الصالح إنما فعلوا ذلك حين وجدوا أهل الغفلة انهمكوا على عنياهم، واشتغلوا بتحصيل الزينة الظاهرة تفاخراً بالدنيا، واطمئناناً إليها، وإشعاراً بأنهم من أهلها فخالفوهم بإظهار حقارة الدنيا التي عظمها أهل الغفلة، وأظهروا الغنى بالله عما اطمأن إليه الغافلون فكانت أطمارهم حينئذ تقول الحمد لله الذي أغنانا به عما افتقرت أنفسنا إليه من همته دنياه فلما طال الأمد، وقست القلوب بنسيان ذلك المعنى، واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار، وبذاذة الهيئة حيلة على تحصيل دنياهم انعكس الأمر فصار مخالفة هؤلاء نعمة لله هو فعل السلف، وطريقته، وقد أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه بقوله: لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتي هذه تقول: الحمد لله، وهذه هيئتك تقول: أعطوني شيئاً من دنياكم، والقوم أفعالهم دائرة مع الحكم الربانية مرادهم مرضاة ربهم، وإرادتهم، وجه في الجلال، والإكرام في كل حال " تعرفهم بسيماههم " فإن اتسمت بسيماهم، وهو التروض، والتضيق عرفتهم، وظهرت لك مقاصدهم التي بها ترى حسن أفعالهم فافهم.
وكان رضي الله عنه يقول في قوله: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم " قال قائل لا مغفرة إلا حيث الذنب فالأمر بالمسارعة إليها أمر به.
قلت: هذا لا يقوله إمام هدى رباني إلا على معنى أنه أمر بأن يرى العبد نفسه مذنباً، وإن أطاع جهده ليحقق عجزه عن قيامه بتمام حق ربه في كل حال، وأما على أنه يأتي الذنب فلا لأن المأمور به لا يكون ذنباً
(2/32)

فافهم، وكان يقول: سمعت روح القدس يقول: في مجلس، وعظ العقول اعلموا أيها الأحلام الراضعة من ثدي الإلهام، المحرم عليها مراضع الأوهام أن كثرة المجالسة تولد في الفطرة صورة المجانسة فإياكم، ومجالسة الطباع إلا لضرورة حسن أحكمتها يد الأوضاع فإن، وقد أحد منكم في حماها حتى ولدت فيه قوة من قواها فليسلك سبيل خلاصه راكباً نجيب إخلاصه مستدلا على خضرة اختصاصه بمن حمل في ثمر الطباع على عرش تابوته حتى دخل إلى مدينة ناسوته على حين استغراق ملكوته في حضرات لاهوته " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها " " القصص: 15 " وقد وجد المشاعل والحراس حولها ليكشف بالنور المجرد جواسيس خالطت رعيته في شكلها فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما كريم طبعه الغريزي في طبيعة الموصل فيه من مكارم صفات سمات أصوله الكرام، وشيعته مصادر حقيقته، وموارد شريعته، والثاني صورة العوائد المتولدة من عدوه، وعدو الرحمن عشاق الرياسة، والعلو في الأكوان الملتقطين لصورة حسه الحائلين بينه وبين أبناء جنسه " فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه " " القصص: 15 "، وقد أعياه قتاله في رواحه فأغاثه القوي بملك نفسه الأمين على مشاهدة قدسه فوكز العدو بقدم صدقه فقضى على الفوائد التي أنكرتها محاسن عمل الشيطان " إنه عدو مضل مبين - فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " ربي إن ظلمت نفسي بتأخير تفقد أحوالها إلى الآن فاغفر لي ظلم الطباع بنور حقك العظيم فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت على من التأييد بروحك القوي الأمين فلن أكون ظهيراً للمجرمين فلما انجلت عن حواسه غياهب التكوين أصبح في المدينة خائفاً عوائل الدسائس، والبقايا يترقب ما في زوايا الحظوظ من الخبايا فإذا الذي استنصره بالأمر على العادة يستصرخه على الشهوة التي هي عدو الإرادة فلما حدق في هذا العدو يبصر اليقين قال له القوي إنك لغوي مبين فلما أن أراد أن يبطش به كما بطش بالأول يا ليته أمضى عزمه وتوكل وفعل ما كان عليه عول، ولكن الله أحكم وأعدل قال له إني جعلت في المدينة لبقاء النسل وحفظ صور التمكين أتريد أن تقتلني وتهلك أهل المدينة أجمعين كما قتلت نفساً بالأمر كانت تداري وتصانع عن المستضعفين إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض، وما تريد أن تكون من المحصلحين فأمسك القوي هنالك عن قتله حتى بلغ دمه إلى مجمع البحرين محله، ولو قتله يومئذ لقضى الأجلين، ووطئ القرنين، وداس بالنعلين، وخوطب من الجانبين ولم يسأل الرؤية المحدودة بإلى قبل تجريد العين من الأين، ولم تنقسم بعثته بين اثنين، ولم يستصحب الفتى بمجمع البحرين.
ولم يسأل الاطلاع في الحضرتين، ولم يقل له " لن " مرتين، ولم يتأخر إلى حين قتل القرين مقارفة البين، ولكن حفظ كنز اليتيمين اقتضى تأخير ذلك كله ولما أعرض القوي الأمين عن قتل هذا القرين جاءه النور الإلهي من أول المصادر يسعى شوارع الآفاق، ويقول له إن الملأ القوي البشرية يأتمرون بك ليقتلوك بالتغلب على صورتك البشرية فاخرج من مدينة التكوين إلى مدائن التمكين إني لك من الناصحين فخرج منها خائفاً من جذب العلائق يترقب به رق طلائع الحقائق قال بلسان صدق المراقبة عند رؤية قواطع الواصلين رب نجني من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين جعل قبلة أمامه منزل الدليل، وقال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، وما زال يقطع حزوناً ويسلك هو ولا يرتقي عقبة، ويهبط مسيلا وصدق الطلب يسهل عليه كل المشاق، وفرط الأدب يحلى له المر المذاق إلى أن قطع حدود مصر الشهوات، ووصل إلى مدين الرعاية، والخلوات ولما ورد ماء مدين الذوق، وقد أفرطت به حرارة الوجد، وجذوة الشوق وجد عليه أمة من الناس يسقون أفهامهم من ينابيع الحكمة، ووجد من دونهم الفكرة، والهمة ملتحفتين بالتحبير والرحمة قد أرسلهما الساقي لحفظ رعيته السائمة في سمات جمعيته.
فلما رآها عند حياض السماع يذودان قوابل خواص الأتباع إلى فضاء كشف القناع قالتا لا نسقي من مورد الفرق هذه الرعية حتى يصدر رعاء الأوقات، والأنفاس عين منهل المعية، وأبونا شيخ بمسالك الأزل، والأبد كبير قد ماتت شهوته، وتمت قوته فلما سمع أوصاف مرشد السالكين ورأى حسن رعايته لخواص التابعين تلهف لارتقاء أرفع المعارج وتلطف في الوصول إلى
(2/33)

مودة الرشد من أقرب المدارج فسقى لهما عن عين ذاته حتى أروى الشرب كله بعد أن رفع لهما جبل الجبلة كأنه ظلة ثم تولى إلى الظل لتلقي سر الربوبية فلما خلع عليه من ملابس العبودية قال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير فأغثني بنور رؤية نورك المنير في آفاق أخلاق المرشد الكبير عن فكرتي، وحياتي وقوتي، واحتيالي، وتجرد عن جميع مواجيد عبودية أدباً، وصرف بصره عن نفسه إلى الأستاذ صدقاً، وطلباً فجاءته في الوقت همة الإرشاد من بصيرة قلب الأستاذ تمشي في أعضائه على استحياء كما مشي الحكم في سيادة يحيى فلما، واجهت حجاب صورة بعد أن شف ورق رأت معه صورة القرين الذي أسلم عند الغرق ملتفتاً لإيجاد أجر ما تحمل من الحرق كما قال لصاحب المنزلة الأخرى لو شئت لاتخذت عليه أجراً قال هذا فراق بيني وبينك فهو فراق بين من يعمل بالله وبين من يعمل بأمر الله، ولما رأت طالب الأجر قد ستر حاله عن القوي البصير بأني لما أنزلت إلى من خير فقير قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ولينزل عملك من الأجر حيث أنزلتنا فلما جاءه وقص عليه القصص ورفع بحكمته جميع ما حوته القصص، وقع له بقلم التأمين لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت الفكرة عند ذلك يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أجعل إحدى ابنتي هاتين فرش فهمك وعرش علمك على أن تأجرني ثماني حجج تماماً، وتقوم في الخدمة مقاماً فترعى كلمات التعريف من عواري التحريف في واي الفهم عاماً، وترعى أوامري بالرضا، والائتمار من عواري الحرج والاختيار عاماً، وترعى أحكام الذات السرية من عوادي رؤية الضرورات البشرية عاماً وترعى أحكام سطوتي من عوادي النفور عن حضرتي عاماً، وترعى علومي ورسومي القاضية من عوادي معارضها بالأمور الماضية عاماً، وترعى إرادتي اللحظية والحفظية من عوادي المنازعة الحظية عاماً، وترعى محبتي في الهجر والوصلة من عوادي الفطور، والغفلة عاماً. قلت وبقي العام الثامن فليتأمل فهناك يأتيك مرادك من ابنتي عند ظهور صورتك من بطن ابنتي، وإنما جعلت الرعاية عاماً عاماً ليقوم بكل حال في كل يوم منك سلاماً فتجري كل سلام منك بما كسبت، وتقوم كل حضرة بشكر ما وهبت فان أتممت عشراً برعاية ذاتي في بصيرتك من عوادي الأينية، ورعاية إرادتي كلها من عوادي الأمنية فمن عندك تأتي حقيقتي إليك، وما أريد أن أشق عليك، وإذا رحلت إلى العين ثم رجعت إلى التعيين ستجدني بمجمع البحرين إن شاء الله من الصالحين قال ذلك بيني وبينك منك الأمر ومن القبول، وعلى السير، وعلى الوصول، ولولا أن ثبت البين لم يصح العمل، ولولا فارقه بمجمع البحرين لم يبلغ الأمل فما تفهم المعاني الكامنة في النفس حالة السكوت، وما كان لنفس أن ترى الله حتى تموت ولذلك قال للسيد المرشد الجليل أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل ثم أعطاه العطاء، والأهل قوة أحكام الحرث، والنسل فلما قضى القوي الأجل محمود الحركات الحيوانية واستحق حريمه حيث حل من الحضرة الروحانية، وسار بأهله من الصورة الإنسانية إلى النظرة الرحمانية آنس من جانب طور القلب ناراً توجب الذكر والتقريب.
ولو لم يكن معه إلا جبريل عليه السلام لغشي السدرة نور التنزيل، ولما فارق المقربين فاز بمشهد قاب قوسين، ورفع عنه حجاب النور والنار في ذلك المقام وابتدأ بالسلام قبل الكلام، ولم تحضره حدود الأسماء، والكنى، ولم يحتج لنفي إنكار بلن، ولا لإثبات تعريف بأنا، ولم يضع على العين حجاباً عن الأبصار، ولم يجعل مثلا مضروباً في الأستار بل يكون بالأعين إنساناً جامع الأنوار، والسلام عليه ستراً من جميع الأغيار، ولما ظهر النور المبيبن بحسب استعداد ذلك القرين، ولاح للقوم الأمين نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة وقام منها مقام الإمام لا بساحلة السلام تالياً بلسان حال المقام تبارك اسم ربك في الجلال والإكرام قال القوي الأمين لأهله امكثوا فإن حضرة الأحد لا يدخل إلى رحابها العدد إني آنست من حجاب الغير نار الراحة للسير لا يقابلها إلا نورانية الصور سآتيكم منها بخبر أو جذوة فلما أتاها، وقوة نموه مسعرة وقد تشكلت من النبات في صورة مخضرة توكأت عليها القوة المدكرة في حفظ مزاج بشريته المصورة وهشت بها القوة المفكرة على الأعضاء أعمالا مطهرة، وعلوماً محررة نودي من شاطئ الوادي
(2/34)

الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، ولولا لقاء العالم الخلقي لنودي من الجات الشرقي أيها القوي الأمين إني أنا الله رب العالمين أربي عبدي كما اختار، وأخرج مريدي من سجن الاختيار، وأقيمه بقدم الصدق على بساط الائتمار، وأجرده بمرادي عن سائر الأوطار، وأشهده، وجودي، وإيجادي في جميع الأطوار وأوحي إليه أن حل بحولي وقوتي عن حولك، وقواك، وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان، وعلم حقيقة العدو الثاني، ولي مدبراً عن تدبير نفسه بجسده، ولم يعقب على حسه في حضرة قدسه فنودي مشافهة عند إسقاط التدبير كما قال له في حجاب المرشد الكبير أقبل، ولا تخف إنك من الآمنين فقد حققت نجاتك من القوم الظالمين، وأمكنه من صورة عدوه الذي سلف وقال خذها، ولا تخف أسلك يدك في جيبك وتصرف بيدي في شهادتك، وغيبك فعندما تندرج يدك في نور يدي وتنوء تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب وانقلب إني إليك خير منقلب فها هنا مستقم سيرك، ومعشش طيرك وارجع إلى أنوار العادات لينفخ فيها أرواح العبادات قال رب إني قتلت منهم نفساً وأخرجتها عن التحلق بهم معنى، وحساً حتى أحييتها بروحك لطفاً وأنساً فأخاف إن رددتني عليهم أن يقتلوني بالتألف إليهم وأخي هارون هو أفصح مني لساناً وقد جعلت له حكمة التدبير في عالم الحكمة شأناً فأرسله معي ردءاً يصدقني فيصدقوني إني أخاف أن يكذبون ولولا أمره الله بأخذ عصاه بعد أن أعادها سدرة منتهاه ما سأل أن يرسل معه أخاه، وأن يشد به أزره وقواه ولكن لما رده الله بعد تجريده عن الوسائط إلى مراتب السبب قال: رب اجعل المدبر الحفيظ معيني في هذه الرتب قال: سنشد عضدك بأخيك ونصرف يدنا إليك يكفيك، ونجعل لكما من صفاتنا سلطاناً ومن أصفيائنا بيوتاً، وأوطاناً، ولما وجدت القواطع سبيلا إليك مسخناهم على مكانتهم فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما، ومن اتبعكما الغالبون فافهموا أيها السامعون واتبعوا الهادي أحق الاتباع تغلبوا شياطين الطباع، وإذا جاءكم الحق المبين قولوا آمنا بالله إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، وإذا أوتيتم أجوركم في العمل بالتوفيق، وفي العلم بالتحقيق فإياكم أن تضيفوا ذلك إلى الأسباب وتظنوا حصوله بالإكتساب فتعمى عليكم الأنباء عند كشف الساق، وتحجبوا به اكتسبتم إلى يوم التلاق وقوموا لله دائماً على قدم الافتقار فإن ربكم يخلق ما يشاء ويختار ومن فرح بالله وحده أمده الله بما عنده وأشهده سراً لا يبلغ الإدراك كنهه كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم، وإليه ترجعون وليومه المحمدي تهرع العوالم أجمعون صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وشرفهم، وكرم والله أعلم.
قلت وهذه القولة ما سمعت قط بمثلها في كلام أحد من الأولياء رضي الله تعالى عنهم، وهي دليل على علو حال هذا الأستاذ رضي الله تعالى عنه، وكان رضي الله عنه يقول لو أوريت زناد المحبة في حراك حسك لرأيك مقعدك من حضرة قدسك وحققت حقيقة مطلع شمس طمسك حين مزقت بأشعتها غواشي ظلم نفسك فانفتحت بالفتح عضل بصيرتك بعد الانقباض، ونادى روحك بشير قلبك بلسان السريرة قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، وأما الآن فظلام أطلال الأكوان قبض بصرك عن شهود شمس العرفان فإن غدوت عبداً للخيال الكاذب، ورحت مغلوباً مع الوهم الغالب فعميت عليك أنباء الحقائق وسقطت بركونك إلى العوائق، وقد ناداك لسان المحبوب الغيور تخيرت فتحيرت أيها المغرور، ودهمك، وهمك بأدهم ديجور " ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " " النورة: 40 " لو أنك قابلت من أفق المعارف شمس الأزل، وقد صقلت مرآة فطرتك من صدا الموانع، والعلل لظهرت منك أشعة اللطائف، وأذابت ما قابلها من الكثائف، وكان يقول في قول أبي يزيد رضي الله عنه: خضت بحراً وقف الأنبياء بساحله يريد أن الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام عبروا بحر التكيف إلى ساحل السلامة، ووقفوا على ساحله يتلقون من سلم وبهذا أمروا، ولهذا أرسلوا فإن السفينة انكسرت يوم أكل آدم عليه السلام من الشجرة، وكان يقول أمين روح الأمانة مجمع الخزائن السنية فمن نفخت فيه تنزلت منه أمور الخلق بقدر معلوم فلا تجوز منازعته في الأمر، وكان يقول أخلاق الخلق معان صفاتية في فطرهم الذاتية من استعملها بغلبة الهوى قبحت، ومن أقامها بأمر الهدى صلحت انظر إلى الخديعة كيف تصلح في الحرب لإعلاء
(2/35)

كلمة الحق وكذلك الكذب للإصلاح بين الخلق وغير ذلك من المصالح المأذون فيها شرعاً، ومتى لم تستعمل إلا لمحبوب طبعاً مكروه شرعاً كان ذلك هو اتباع الهوى بغير هدى، ومن أظلم ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، وكان رضي الله عنه يقول: ربما يظن الجاهل بنا إنما نتعاطى أخبار العباد لنستفيد، وغاب عنه أن العارف إنما وظيفته أن يعطي غيره، ويمنحه، ويفيد، وربما خطاب جلساء المكان المشرف ليسمع عقولا طارت من أقفاص أشباحها إلى رياض اختصاص رواحها جيعانة عطشانة هيمانة لهفانة حلفت بصدق هواها، وذلها لعزمناها أن لا تشرب إلا من عين خطابه شفاها، ولا تعتد إلا برؤية وجهه، وجاهاً فلما دخلت إلى حضرة مولاها، وشكت إليه ما بها أشكاها، وعطف عليها فأطعمها وأسقاها.
وكان يقول: العارف عين معروفه، والمحقق حقيقة ما حققه، وعلى قدر شهود الكمال، والتكميل يكون محبة الشاهد لمشهوده، وعلى قدر المحبة يكون تحقق المحب بمحبوبه، وعلى قدر التحقيق يكون ظهور المتحقق بحكم ما تحقق به عيناً، وأثراً والله بكل شيء عليم، وكان رضي الله عنه يقول: قيل لي: اسمع كل الموجودات موجوداتي فسمني بما شئت، وصفني بما أردت، وكل من سميته أو وصفته فإنما سميتني، ووصفتني مع تجردي عن كل ذاتك بذاتي، وقيوميتي، فيه معيناتي، اسمع لا يدعو عبد ربه إلا كنت الداعي، ولا يرى عبد قصر أخيه كما يرى سهيل في جنته إلا كان المرئي قصري، ولا حف ملائكة بعرش إلا كان المحفوف عرشي، ولا تكلمت بكلمة إلهية إلا والله متكلم بها، ولا أتيت بأمر إلا والله آت به " أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً " " النساء: 4 " كان يقول: ناطقي هذا لو قرى لناطق المحققين كالناطق المحمدي لنواطق النبيين فهو حقهم اليقين، ونورهم المبين، وكان يقول: من جذبه المحبوب فلا عائق، ومن دعاه داعي الغيوب فما على القلوب دروب، ومن شغل عن المطلوب، فآثم آه على المحبوب متى تنكشف الكروب والنفس غارقة في الذنوب أين من يتعانى، ويثوب لرب يفرح بعبد يتوب متى فرح بك المحبوب أنا لك منه فوق المرغوب، وكان يقول: الرب هو الموجود المصلح في كل مكان بحسبه، فلا رب إلا الله، وكان رضي الله عنه يشير لغلمانه إذا كتب أحد منهم لأخيه كتاباً أن يجعل صدر الكتاب دائماً بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا مولاي يا واحد يا مولاي يا دائم يا علي يا حكيم من عبد الله بن فلان إلى أخيه ابن فلان متعه الله بما من به عليه، وبلغه ما وجهه منه إليه أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وهو هو بما هو سيدي، وربي، وهو مولاي، وحسبي ليس إلا هو وصلى الله بذاته وسلم بأسمائه، وبارك بصفاته على أحمده، ومحمده إحاطه تنزلاته، وحيطة تجليلاته، وعلى آله وصحبه، ومحبيه عيون تعيناته، ومثل تمثلاته بمحامده، وسبحاته وكلمن عند الله، وإلى الله ترجع الأمور، وكان يقول: نفوس هي للمنقولات أقبل لا تأمن من انتقالها عما كانت معك عليه فإنها بالطبع منقولة، ونفوس هي للمنقولات أميل لا ترجو منها إطلاقاً، وإن أظهرت لك الميل إليه يجد فإنها بالأصل معقولة، واختر لنفسك ما عدله الله، وزكاه مما سواه فهو لا يعبد إلا إياه، وهو بكل شيء عليم، وكان يقول: في حديث من جاء منكم يوم الجمعة فليغتسل غسل الجسم بالماء، وغسل القوي بالمسارعة لامتثال الأمر والعمل به، وغسل النفس بالتوبة، وغسل الهمة بالإخلاص، وغسل القلب بالتوحيد، وكان يقول: لأصحابه، أوصيكم بتوحيد المحبو كما أمر، ولزوم ذكره فإنه تعالى جليس من ذكره، ولن يعدم جليس الملك من ظفر. لازموا ذكر محبوبكم فذكره لا يقابل صعباً إلا سهله، ولا يقارن طلباً إلا حصله حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وقوموا الله قانتين، واعلموا أنه لا رخصة في ترك وظيفة العشاء، والصبح في سفر، ولا حضر فتلك صدقة الله تعالى على صادقيه، فالبسوا حلل الإحسان بأمان من الرحمن وتناصحوا، ولا تفاضحوا وتسامحا ولا تشاححوا، ويسروا ولا تعسروا، ولا بشروا، ولا تنفروا وكونوا رحماء رحمانيين حكماء ربانيين.
وكان يقول: من سمع بأمرنا ذاق حقيقة الطاعة، ومن ذاق حقيقة الطاعة اتصل في ساعة، وكان يقول: المراقبة هي انصراف كليتك إلى وجه محبوبك، والتوجه من العبد
(2/36)

هو استعداد مرآة قلبه بصفاها ليظهر محبوبه فيها، والاستعداد هو الخلو من جميع المراد ليفعل ربك ما أراد فهذا مقام الاستعداد، وكان يقول: سر نور الموجوات في كل مقام بحسبه فجمع جميع الحقائق واحد، وإن تعدد فهو أحد من الواحد لأن الواحد يتعدد بالمظاهر، والأحد لا يتعدد لأنه خلاصة الواحد فجمع جميع الكل من الواحد، وإن كان الواحد افتتاح الأعداد فهو اختتامه فهو عين الدليل لأن الأحد مفرد، والواحد جامع للكل فيصير مفرداً جامعاً فالكل بالظاهر منه، وإليه والدليل عليه قولهم هو الواحد الأحد، فإذا تعدد الواحد فهو تنزيل لكمال الدائرة.
وإذا تكملت صارت حقيقة واحدية أحدية لجميع الدوائر فهذه هي خلاصة الحقائق فمن صدق الله وحده الله، وصار واحداً عارفاً بالله لله، وكان يقول: لا يباع ويشترى بالأعمال إلا ما استحسنته العقول النظرية من الصور في سوق الخيال في الحال أو في المال أما الحقائق فكل أمر مستتر باستتار أوهام النفوس فمن تجرد عن النفوس، وعالمها وأخرجه التحقيق من سجن وهم مؤلمها، وملائمها ظهر له محبوبه، وانجلت في عيونه عيوبه، واتحد طالبه، ومطلوبه، وتوحد محبه ومحبوبه، وصار يتحقق الجمع مرغوبه مرهوبه، وأما ما وراء ذلك فلا يسئل عما هنالك، وكان يقول: النور جسد لطيف بسيط، والضياء معنى قائم به قيام الروح بالجسد، أو قيام الحياة بالروح ألم تر إلى القمر الذي هو نور مضيء احتجبت عنه الشمس التي هي ضياء كيف يكون حاله مع كونه يرى نور الكون بغير ضياء فذلك موته أو نومه هكذا حال الشمس مع جميع الكواكب برقائقها، وأما القمر فيتمثل حقيقتها لذلك، ويميز ولما لم يكن للروح المحيطة مظهر في عالم الكون إلا آدم نزل فلك القمر ليعلم حال من يكون في هذه الصورة عند تجلي هذه الروح فيها، وحجابها عنه.
وكان يقول: النفس المذمومة روح حياتها النفس الشهوانية التي هي مظهر الروح الحيواني، وبها وقع الحجاب الكثيف جسماً متلاحماً فإذا زالت النفس المذمومة التي هي الدنيا ظهر حكم الآخرة في الشهوة بخلاف ما قارن الإزالة، ولذلك طاب الذكر باسم الله، وكان يقول: العارف ليس له أن يظن أنه مفتون بمعنى الضلالة " وظن داود أنما فتنة فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب " " فغفرنا له ذلك " " ص: 24 و25 " وكيف لا وهو عين معروفة فافهم، وكان يقول: أنت لا ترضي أن يدخل بينك، وبين ثوبك ذبابة، ولا نملة، ولا برغوث، ولا قملة، وتدفع ذلك ما استطعت فإن لم يندفع اخترت التجريد عنه على لبسه فكيف ترضي أن يدخل غير بينك، وبين حقيقتك فافهم فإن كل من له تعلق بغيرك فهو غيرك، ولو حسبته أنت فافهم، وكان يقول: إن وجدت أستاذك المحقق وجدت حقيقتك، وإذا وجدت حقيقتك، وجدت الله تعالى فوجدت كل شيء، فليس كل المراد إلا في وجد هذا الأستاذ فافهم، وكان يقول: المريد الصادق عين أستاذه بعد تجريده فافهم، وكان يقول: مرتبة السيادة لا تقبل الشركة، ولا تحتملها فهي تدفعها عن نفسها لغيرة من أصالته تركته كالرميم فافهم، وكان يقول: لا يدلك مظهر الحق على نفسه حتى لا يكون للحق عندك عين سواه، ومن لك بذلك ما دمت غيره فإذا خلصك من قيد المغايرة أراك نفسه بنوره، فتحققت عين اليقين أن لا عين له سواه، فهنالك يدعوك إلى الحق على بصيرة حيث يقول: لك أنا ربك أو من رآني، فقد رأى الحق ومن لا فلا فافهم، وكان يقول: ما دمت ترى لنفسك عيناً ترشدك إليه فأنت من المؤمنين بالغيب، وكان يقول: أنت على الصورة التي تشهد أستاذك عليها فاشهد ما شئت، وانظر ماذا ترى إن شهدته خلقاً فأنت خلق، وإن حقاً فأنت حق، وكان يقول: الفرقان نور، والجمع ظلمته فكيف بالوحدة، ورجال الليل هم الرجال حيث لا إزار ولا سر بال " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا " " الإسراء: 1 " أي ليراه بلا فرقان " ما كذب الفؤاد ما رأى " " النجم: 11 " وكان يقول: شرف العبد أن يستخدمه مولاه فإن ثوباً لا يلبسه صاحبه يلبس نفسه فتقطعه الأوساخ، ويمزقه الغسل فلذلك يعرض مولاه عن تطهيره، فاستخدم نفسك لربك فذلك شرفك واحذر أن تخدم نفسك ففي ذلك تلفك، وكان يقول: ما هو إلا أن تجد أستاذك، وقد وجدت مرادك فهنا الله فؤادك فافهم، وكان يقول: إنما هي موجوداتك تظهر بها في كل مقام بحسبه فالرفيع رفيعك، والوضيع وضيعك، وكان يقول: من يحصى ثناء على موجود لا يحاط به علماً، وكان يقول: حيث كانت المماثلة
(2/37)

والمقابلة فالمغايرة حاصلة فافهم، وكان يقول: من كفر بآية كان شخصه أكثف حجاب له عنه فقل: لي متى يراه، وهو كافره فيا سعادة أهل الإيمان فكيف بمن فوقهم، وفوق كل ذي علم عليم فافهم. وكان يقول: صاحب كل زمان هو آية الله الكبرى فيه فوجوده أكبر آية ظهر بها وجوده هناك فافهم. وكان يقول: علم العالم جهل الجاهل عرف العارف أنكر المنكر " قل كل يعمل على شاكلته " " الإسراء: 84 " كان يقول: ما دمت أيتها النفس مملوكة في يد صاحب الوقت فهو يدخل مدخل المقربين، ومتى ألقاك من يده في غير خدمته بدل أنسك، وحشة، وجمعك فرقاً فإذا تعطف عليك، ورجعت في يده عدت إلى سيرتك الأولى فافهم، وكان يقول: تجنب الإنكار فمن ملأ آذانه بحق أنكره جنانه صب في أفنيه الآنك يعني الرصاص المذاب، وكان يقول: الحكيم لا يطالب كل مرتبة إلا بلسانها، ولا يعاملها إلا بكيلها، وميزانها " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " " إبراهيم: 4 " الآية فافهم، وكان يقول: إن كنت متمكناً من صبغة جليسك، وهو مصدق بقلبه لما جئته به فأنت رحمة للعالمين " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " " البقرة: 138 " فافهم، وكان يقول: ربما أنكرت النفس لغرض ما عرفه القلب بلا مرض فأنكر معها بالعرض، ولئن صرفته عن ذلك يوماً ما لينقلبن بها إليه يوماً ما سمى القلب إلا من تقلبه فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله تعالى: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " الآية في هذه الآية دليل لمنع السالكين أن يتظاهروا للجمهور بما هو عندهم مما يدق عن مداركهم وما للسالك والهالك، وكان يقول: مهما شهدته فهو لديك، ومنك، وإليك فافهم، وقال: في قوله تعالى: " لقد خلقنا الآنس في أحسن تقويم " " التين: 4 " وهو أعلى عليين بإشارة " ثم رددناه
أسفل سافلين " " التين: 5 " وكان يقول حيثما جاء كشف سوء أو عذاب أو ضر، أو غطاء فالمراد به الحجاب إذ لا يكشف إلا الحجاب، والحجاب بلا شك مانع من اللقاء الحقيقي في كل مقام بحسبه، وكان يقول: احذر أن تدعوا على من ظلمك فإنك إذن تدعو على نفسك " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها إن لكم لما تحكمون " فمن شهد ظلماً فإنما هو منه، وإليه " ألا له الخلق والأمر " فأين الظلم وكان رضي الله عنه يقول: احذر أن تدعي قدرة، وأنت في قيود مرتبة الاضطرار، والاستغناء، وأنت في مرتبة قيود الافتقار، واعمل في كل مقام على شاكلته فإن التظاهر بالجهالة لا يليق بمثلك، وشأنك أحسن تقويم فافهم، وكان يقول: من هو بكل شيء محيط لا يسعه شيء هذا، ومعه شيء فكيف بمن هو كل شيء، ولم يكن شيء غيره، ويكفيك هذا فاصبر نفسك في جدك، أو أثبت التجريد فتلك الطامة الكبرى فافهم، وكان يقول: العبد لمولاه " فاعبدوا ما شئتم " " الزمر: 15 " فافهم وكان يقول: كل مرتبة فإنما عبد الحق فيها من شاءها إلا مرتبة الحقيقة المبينة فإنما يعبد الحق من شاءه فمن ثم قال: الحق بناطقه المحمدي " قل الله أعبد مخلصاً له الدين " " فاعبدوا ما شئتم من دونه " " الزمر: 14 و15 " أي وأما هو فما يعبدونه إلا بمجرد إشاءته " وما كان لنفس أن تؤمن " " يونس: 100 " أي بي " إلا بإذن الله " وكان يقول: سجنك قيودك البشرية، ووليك من تمكن من خلاصك منها فلا تجهلنه فتظنه من يؤكدها، ويخلدها فتطلب أن يوسع عليك عنياك، وأمور هواك، وأن يمنع عنك ما يزحزحك عنها فإن ذلك عكس ما يريده منه من عرفه فافهم، وكان يقول: لا يعرفهم بآبائهم إلا من تحقق بحقائقهم، ولا يعرفهم بسيماهم إلا من تحقق بحقائقهم، وكان يقول: جبلت القلوب على حب عالم الغيوب، ومن ثم حب الناس من كاشفهم بماوارته أجسامهم وحذرهم من وساوس، وأوهام وأعراض، وأجرام لأن ذلك من عزيز الغيب عندهم لقصور إدراكهم عنه، وآخرون أحبوا من كاشفهم بدقيق النظر في أمور دنياهم وآخرون أحبوا من كاشفهم بمعارف الحق، وحقائقه لأنهم لا غيب عندهم إلا الله، وكان يقول: الشيء في مرتبته الأصلية لا تعرف قيمته، وإنما يظهر عزته في غربته، واعتبر هذا في كل جوهر وشيء نفيس هكذا العارف المحقق هو عين معروفه، ومعروفه، حقيقته، ومتى ظهر بحكم حقيقته هذه حجبه التنزيه له من حيث أنه الحق عما تعين به من حيث أنه الخلق فامتهن ورد عليه قوله: أنا الحق فإذا تقرب إلى مرتبة العبودية، وأحكام الخليقة عرف في كنزه، وظهر بحكم تعظيمه، وعزه، وكان يقول: لا يأمرك الأستاذ الناطق بأمر يفعل، ويتعذر عليك فعله إلا لعدم كمال قبولك لذلك، ونقص استعدادك وكان يقول: إذا اعتنى الحق تعالى بعبده أماته عن كل حركة لا نفع فيها له، أو لأحد من الخلق، وقد وقع لي ذلك فلا أجد قوة إلا حال فعل خير أو قول خير، وفي غير ذلك أعجز عن عصر ليمونة فأنا ميت في صورة حي، وكان يقول: لا تطلب أن لا يكون لك حاسد، ولا أن لا يحسدك حاسد فإن الحكم الوجودي اقتضى مقابلة النعم بالحسد، فمن طلب أن لا يكون له حاسد فقد طلب أن لا يكون له نعمة، ومن طلب الوقاية من شر الحاسد المتحقق الحسد، فقد طلب ظهور النعمة عليه مع الأمان من التشويش فيها فافهم فلذلك قال تعالى: " قل أعوذ برب الفلق " " من شر ما خلق " " ومن شر حاسد إذا حسد " " الفلق: او 2 و 5 " أتى بإذا، ولم يقل إن حسد فافهم، وكان يقول: العليم الحكيم الهادي إذا تحول لأهل زمانه في صورة آدمية فظاهره إمام هدى لأهل زمانه، وباطنه الرباني رب لأهل زمانه أي سيد أتاهم في صورة يعرفونه بها، ولا يراه من هذه الحيثية إلا من مات الموتة المعنوية بأن تجردت نفسه عن أوهامها البهيمية كما أشار إليه حديث " إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ". ل سافلين " " التين: 5 " وكان يقول حيثما جاء كشف سوء أو عذاب أو ضر، أو غطاء فالمراد به الحجاب إذ لا يكشف إلا الحجاب، والحجاب بلا شك مانع من اللقاء الحقيقي في كل مقام بحسبه، وكان يقول: احذر أن تدعوا على من ظلمك فإنك إذن تدعو على نفسك " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها إن لكم لما تحكمون " فمن شهد ظلماً فإنما هو منه، وإليه " ألا له الخلق والأمر " فأين الظلم وكان رضي الله عنه يقول: احذر أن تدعي قدرة، وأنت في قيود مرتبة الاضطرار، والاستغناء، وأنت في مرتبة قيود الافتقار، واعمل في كل مقام على شاكلته فإن التظاهر بالجهالة لا يليق بمثلك، وشأنك أحسن تقويم فافهم، وكان يقول: من هو بكل شيء محيط لا يسعه شيء هذا، ومعه شيء فكيف بمن هو كل شيء، ولم يكن شيء غيره، ويكفيك هذا فاصبر نفسك في جدك، أو أثبت التجريد فتلك الطامة الكبرى فافهم، وكان يقول: العبد لمولاه " فاعبدوا ما شئتم " " الزمر: 15 " فافهم وكان يقول: كل مرتبة فإنما عبد الحق فيها من شاءها إلا مرتبة الحقيقة المبينة فإنما يعبد الحق من شاءه فمن ثم قال: الحق بناطقه المحمدي " قل الله أعبد مخلصاً له الدين " " فاعبدوا ما شئتم من دونه " " الزمر: 14 و15 " أي وأما هو فما يعبدونه إلا بمجرد إشاءته " وما كان لنفس أن تؤمن " " يونس: 100 " أي بي " إلا بإذن الله " وكان يقول: سجنك قيودك البشرية، ووليك من تمكن من خلاصك منها فلا تجهلنه فتظنه من يؤكدها، ويخلدها فتطلب أن يوسع عليك عنياك، وأمور هواك، وأن يمنع عنك ما يزحزحك عنها فإن ذلك عكس ما يريده منه من عرفه فافهم، وكان يقول: لا يعرفهم بآبائهم إلا من تحقق بحقائقهم، ولا يعرفهم بسيماهم إلا من تحقق بحقائقهم، وكان يقول: جبلت القلوب على حب عالم الغيوب، ومن ثم حب الناس من كاشفهم بماوارته أجسامهم وحذرهم من وساوس، وأوهام وأعراض، وأجرام لأن ذلك من عزيز الغيب عندهم لقصور إدراكهم عنه، وآخرون أحبوا من كاشفهم بدقيق النظر في أمور دنياهم وآخرون أحبوا من كاشفهم بمعارف الحق، وحقائقه لأنهم لا غيب عندهم إلا الله، وكان يقول: الشيء في مرتبته الأصلية لا تعرف قيمته، وإنما يظهر عزته في غربته، واعتبر هذا في كل جوهر وشيء نفيس هكذا العارف المحقق هو عين معروفه، ومعروفه، حقيقته، ومتى ظهر بحكم حقيقته هذه حجبه التنزيه له من حيث أنه الحق عما تعين به من حيث أنه الخلق فامتهن ورد عليه قوله: أنا الحق فإذا تقرب إلى مرتبة العبودية، وأحكام الخليقة عرف في كنزه، وظهر بحكم تعظيمه، وعزه، وكان يقول: لا يأمرك الأستاذ الناطق بأمر يفعل، ويتعذر عليك فعله إلا لعدم كمال قبولك لذلك، ونقص استعدادك وكان يقول: إذا
(2/38)

اعتنى الحق تعالى بعبده أماته عن كل حركة لا نفع فيها له، أو لأحد من الخلق، وقد وقع لي ذلك فلا أجد قوة إلا حال فعل خير أو قول خير، وفي غير ذلك أعجز عن عصر ليمونة فأنا ميت في صورة حي، وكان يقول: لا تطلب أن لا يكون لك حاسد، ولا أن لا يحسدك حاسد فإن الحكم الوجودي اقتضى مقابلة النعم بالحسد، فمن طلب أن لا يكون له حاسد فقد طلب أن لا يكون له نعمة، ومن طلب الوقاية من شر الحاسد المتحقق الحسد، فقد طلب ظهور النعمة عليه مع الأمان من التشويش فيها فافهم فلذلك قال تعالى: " قل أعوذ برب الفلق " " من شر ما خلق " " ومن شر حاسد إذا حسد " " الفلق: او 2 و 5 " أتى بإذا، ولم يقل إن حسد فافهم، وكان يقول: العليم الحكيم الهادي إذا تحول لأهل زمانه في صورة آدمية فظاهره إمام هدى لأهل زمانه، وباطنه الرباني رب لأهل زمانه أي سيد أتاهم في صورة يعرفونه بها، ولا يراه من هذه الحيثية إلا من مات الموتة المعنوية بأن تجردت نفسه عن أوهامها البهيمية كما أشار إليه حديث " إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ".
وكان يقول: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفع كما رفع عيسى عليه السلام، وسينزل كما ينزل عيسى عليه السلام.
قلت: وبذلك قال: سيدي على الخواص رضي الله عنه فسمعته يقول: إن نوحاً عليه السلام أبقى من السفينة لوحاً على اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرفع عليه إلى السماء فلم يزل محفوظاً في صيانة القدرة حتى رفع علي بن أبي طالب رضي الله عنه فالله أعلم بذلك، وكان يقول: العارف بالله إذا ذكر الله رأى الله تعالى يذكر نفسه وهو يسمعه، وهكذا من عرف هذا العارف حق اليقين فإنه عين معروفه فافهم.
وكان يقول: حقيقة المريد المخصوص من أستاذه بمنزلة ما يراه الناظر في المرآة من نفسه مطابقاً بواسطتها فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: العورة محل الخيانة فالمعصوم من ليس له فيه محل الخيانة فلا عورة له، ومن ستر الحق عورته أمن روعته إذ لا روعة إلا من خائن على ما أنت له صائن فافهم، وكان يقول: من شهد أن القدوس هو القائم بالأمور لم يشهد في الوجود إلا الكمال، ومن انعكس انتكس " إن لكم لما تحكمون فاعبدوا ما شئتم " فافهم، وكان يقول: الملك مقيد بالتنزيه، والشيطان مقيد بضده، وكلاهما في دائرة الفرقان مقيد، والمخلص من خلص من المقيدين بشهود الإحاطة الخفية في الكل فلم يبق لمقيد عليه سلطان فهو القائم و " هو الأول والآخر والطهر والباطن وهو بكل شيء عليم " " الحديد: 3 " وكان يقول: حضرات قدس الله هي مدارك العارفين به الهادين إليه فاتخذ لك في كل شيء منها مستقراً بحسن المودة، والخدمة، وصدق المحبة، والتعظيم فلا تعلق همتك بغير أهل الحق تندم واجعل همتك الحق حيثما توجهت تسلم، وتغنم والله أعلم، وكان يقول: ما تعلقت محبة الله تعالى حقيقة لمن أحبه إلا بأخلاقه تعالى التي تخلق ذلك العبد بها، ومن هنا قال: عليه الصلاة والسلام: " تخلقوا بأخلاق الله تعالى " وما كره الناس أحداً يحبه لأمر إلا لجهلهم به، وتصوره لهم على خلاف ما هم عليه من الأمر، ولذلك سموهم ضلالا وسحرة وكهنة، ولو أنهم رأوهم على ما هم عليه لأحبوهم فما كره الناس الأولياء إلا من حيث موهوم نفوسهم فيهم لا غير، وكان يقول: من شهد أن كل في نفع عين من أعيان الحق، وكل في ضر من أعيان الضار الحق، وقس على ذلك جميع الأعور حتى الصلاة والزكاة، والصوم، والخوف، والضحك وسائر الصفات فلم ير شيئاً منها بالحقيقة إلا لربه الحق، فحيثما ولي هذا " فثم وجه الله " " البقرة: 2 ". فلا تلمه إذا قال: حيث اتجهت رأيت وجه الحق ظاهر، وإذا لمته قال: له وجده " لا نطعه واسجد واقترب " " العلق: 19 " يعني لكل المظاهر فافهم، وكان يقول: انظر الحق قبل خلق الخلق، وانظر ماذا ترى فلن ترى غيره، وكان يقول: وجودك، وموجودك اثنان بالبيان واحد بالحقيقة فافهم، وكان يقول صلاة كل رباني صورة إسرائية، ومأثم أعلى من صورة الإسراء المحمدي، ولذلك لم يفرض في مشهد الإسراء سواها فافهم أن المصلى يناجي ربه، ومأثم سواه، والكليم كليمه، والسميع سميعه ما من الله إلا، وإليه فافهم فإذا أحببته كنت هو وما زلت هو فإن لم يكن كنت سمعه، ولسانه فأنا المتكلم السميع، وكان يقول: ما أغرب الحق في أهله فافهم، وكان يقول: لاسم عين المسمى في كل مقام بحسبه فافهم، وكان يقول: " وهو معكم أين ما " " الحديد: 14 " وإن كان عينكم إليه فمن أنتم يا دليل من ليس له دليل فهو هو فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: الضروريات
(2/39)

والبديهيات إنما هي أمور وجدانيات، وهي أصول النظريات، فالوجد أصل أصول هذا الباب، فافهم وإنما احتيج إلى الحجج، والأدلة، والتعاليم لتوقع المطالب من النفس موقع الوجدان، أو ما يقاربه، ومتى وجدت المطلوب لم تحتج إلى شيء من ذلك، ومن ثم لم تحتج الضروريات إلى دليل فافهم فيا واحد الحق تحقيقاً أو تصديقاً حسبك وجدك فإن قال: لك معترض ما دليلك على حقيقة هذا فقل وجدي فإن قال: لك وما يؤمنك أن أقول لك بل هو الباطل.
والدليل على ذلك وجدي فلا تجبه أيها المحقق وقل له من ينازعك في وجدك وهو لك كما وجدت وهو لي حق كما وجدت " قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء " " فصلت: 44 " الآية " أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح القدس " " المجادلة: 22 " فالأمر عندهم وجداني فافهم " الذي يجدونه مكتوباً عندهم " فهو عندهم بالوجدان فافهم، وكان يقول: الكلام عين المتكلم في الدائرة السمعية كما قالوا: " ولقد جئناهم بكتاب " الآية فهو المتكلم، وهو الكلام، والقرآن عينه العقلي والفرقان عينه الخيال بالمقروء، والمعبر عنه بضمير لتقرأ عينه الحسي، وتنزل الفرقان تنزل القرآن، والقرآن تنزل الكلام، والكلام عين المتكلم. والكل تعيناته التفصيلية من مجمل تجليه المعبر عنه بالكلام فافهم وكان رضي الله عنه يقول: الخلق هو التقدير فالذي هو عين بالتحقيق هو مثل أو غير بالتخليق ألم تسمع قول: الحق بلسانه المحمدي الجمعي " إنا كل شيء خلقناه بقدر " " القمر: 49 " برفع لفظة كل على أنها خبر إن فافهم، وكان يقول: حقيقة الواجب علم فعلى بطن فيه قائله، وحقيقة الممكن علم انفعالي بطن فيه فاعله وحقيقة الممتنع علم مجرد لم يحصل في صيغة التميز الإثباتي إلا في القول لأن هذا التعريف، وكل التعاريف صيغ تمييزية إثباتية فافهم، وكان يقول: من أحاط بك، ولم تحط به فلست مثله، ولا على صورته فافهم وكان يقول: ما دمت في دائرة الفرق فلا بد لك من شرك، وإشراك اللهم خلصنا واستخلصنا آمين وقد فعلت ذلك فافهم، وكان يقول: إذا كانت صفاتك بالأصالة له فوهمك علمه، وحسك علمه، وفكرك علمه وتعلمك علمه، وفعلك علمه، وقولك علمه، واختيارك علمه، وتخيلك علمه، وعلى هذا فقس: " إنه بكل شيء عليم " - أحاط بكل شيء علماً " فإن لم يكن كل ما هو شيء بأي اعتبار كان معلومه لم تتم هذه الإحاطة فافهم ومن لم يشهد ذلك كذلك لم يشهد حقيقة قوله: " إنه بكل شيء عليم - أحاط بكل شيء علماً " وإنما شهد ما أوله، وخص به هذا العموم، وقيد به هذا الإطلاق بل تقيد به هذا عن شهوده، ومن ثم يظهر معنى قوله: " الله يعلم وأنتم لا تعلون " " النحل: 74 " فافهم، وكان يقول: إذا كان هو الناظر إليك بكل عين، والعالم بك بكل إدراك، وعلم فما ثم من مرائيه إلا هو فلا يحجبك الرياء عن القيام بما يرضي، واحذر أن يراك رأي حي، ولا أنت حيث تظن أنه لا يرضي فإنه هو الذي يراك حين تقوم في كل مظهر يرى، ومتى صح لك هذا الشهود استغرقك في الله في كل جهاته " فأينما تولوا فثم وجه الله " فافهم، وكان يقول: الحقائق لا تنقلب فالمقيد لا يكون مطلقاً، والمطلق لا يكون مقيداً، وإنما تعاقبت صور المراتب المقبولة على قابلها فقط " لا تبديل لكلمات الله " فافهم، وكان يقول: وكل متميز بنفسه أو غيره ثابت حتى النفي " ذلك بأن الله هو الحق " وإن تباينت الأسماء فافهم، وكان يقول: حبك للشيء على قدر بغضك كذلك، ولضده العكس وزناً بوزن مثلا بمثل سواء بسواء، وهكذا أمور كل مقابل بالنسبة إلى مقابله فافهم، وكان يقول: لا تستعذ من شيء ولكن استعذ من شره، وكان يقول: التأثير ربوبية، والتأثر عبودية في كل مقام بحسبه فافهم، وكان يقول: الخلق هو التقدير، والتقدير هو التنزيل منزلة النقيض في المعاملة في كل مقام بحسبه، وإذا ظهر هذا فهو تعالى ذات كل موجود، وكل موجود صفته، وليس لها مبدأ أول إلا هو إذ ليس بعده إلا العدم، والعدم لا يكون مبدأ سيما لموجود، وإذ قد تبين لك أمر الوجود هذا فأنت تعلم أنك إذا نظرت إلى أي موجود نظرت إليه من حيث هو وجدته ذاتاً، وقد تبين أن لا ذات إلا الوجود، فظهر أن الوجود بالحقيقة هو الموجود، والموجود ليس إلا هو الوجود. فإن قلت: فمن أين جاء الفرق، وإلى أين؟ قلت: جاء من الوجود إلى نفسه.
فان قلت: كيف يتأتى هذا؟ قلت: يتأتى بأن يقدر نفسه مراتب على طريقة التجريد البياني المذكور في علم المعاني والبيان، وأنت تعلم أن لك أن تجرد من نفسك لنفسك في نفسك على كل صورة، وتكون تلك الصورة
(2/40)

كلها في خيالك، وتعامل نفسك من حيثية كل منها معاملة خاصة، وتصور نفسك ناسياً لأنك جردت نفسك، وناسياً أيضاً لذلك النسيان ومتحقفاً لتلك الكثرة، وتكون كذلك من تلك الحيثيات، وما هذا، ونحوه إلا عين فعل الوجود الذي أنت هو لا مثاله، وما تلك الأمور كلها بالحقيقة إلا أنت بلا زيادة فما ثم على كثرة الموجودات إلا الوجود بلا زائد حقيقة. فإن قلت: فما مبدأ هذا التقدير من الوجود؟ قلنا مبدؤه اقتضاؤه لذاته أن يقضي وما ثم إلا هو فيقضي بنفسه لنفسه، وعليها على طريق التجريد كما مر قضايا لا تتناهى للزوم القضايا للاقتضاء الذاتي، وتلك التقديرات تنزيلات الوجود منزلة ما ليس بموجود في المعاملة، وتسمى هذه موجودات، وبالضرورة يكون هذا التقدير أولا في الوجود إذ لا موجود ثم، وهذا هو الخلق الأول وتسمى هذه الموجودات مراتب قدم وأزل، وإيجاب، وصفات ومعاني، وحقائق كذلك.
وبعد هذا يكون تقدير هذه الأمور التي هي لا وجودات، وجودات، فبقدر ما تسمى ذوات، وماهيات، وتعينات، وأينيات ونحوه تقدر فيها مراتبها اللاحقة، وذلك هو الخلق الثاني كما جاء في قوله تعالى: " أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد " " ق: 15 " فالأول تنزيل الوجود منزلة ما ليس الوجود، والثاني منزلة ما ليس الوجود منزلة الوجود فانظر إلى هذا النمط ما أعجبه، وأغربه، وأطال في ذلك ثم قال: وقد فتحت لك باب التحقيق فإن كنت من أهله فتقدم، وإلا فلا فافهم. قلت: جميع ما في هذه القولة مبني على مذهب أهل الوحدة المطلقة وهي مرتبة نقص بالنظر لمراتب المحققين فكان الشيخ فيها كالمغلوب على إظهار ما شهد بقرينة كلامه في مواضع من هذه الوصايا والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: سمي العقل عقلا لموضع التقييد التحديدي الذي هو شأنه ويسمى لباً من حيث تنزله بذلك في لبس الخلق الجديد لأن اللب منخبئ بقشور. لا تلزمه، وهو مبدؤها فافهم وكان رضي الله عنه يقول: أينما توجد الفكر لا يأتي إلا بمغايرات الحق " وماذا بعد الحق إلا الضلال " فهو لا يأتي في الحقيقة إلا بالضلال أي عن الحقية التي هي الخير المحض فهو لا يأتي بخير محض قط فافهم، وكان يقول: الجعل والصنع والإبداع والتكوين، والتمييز، ونحو ذلك كله تقدير فهو خلق بمعنى التقدير، وإن لم يسم في بعض المراتب خلقاً فافهم، وكان يقول: إذا وجدت أيها الذائق أمراً، وسألك أحد عما وجدت سؤال تقييد كأن يقول: لك ماذا؟ تقول: في كذا قل له هل قال: أحد سواي في ذلك شيئاً فإن قال: لك لا أو لا أدري قل له فهو عندي كذا فإن اعترف به فذاك، وإلا كان لك مخلص من شره إن أنكره، وإن قال: لك نعم فقل: لا حاجة إذا بك لقولي في هذه فإن قال: لك بل لي حاجة فقل له أنا عندك أفضل من ذلك القائل، وأولى بالحق أم هو فإن قال: لك هو فقل له فأنت عن تصديقي أبعد منك عن تصديقه، فلا حاجة لي أن أقول: لك شيئاً وإن قال: أنت عندي أفضل منه فأجبه ولك الحجة عليه، وإن كان متفعلا فافهم، وكان يقول: في حديث " الأنصار شعار والناس دثار " لا يمس بشرتك ثوبان معاً إنما يمسك شعار واحد، وما بعده دثار، وإنما كان الأنصار شعاراً لرضاهم به عما دونه " يحبون من هاجر إليهم " " الحشر: 9 " الآية فحبهم لا لعلة سوى التحقق به، وإنما كان الناس دثاراً لتعلقهم بالعلل الخارجة عن التحقق به: " أما ترضون معاشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة، والبعير وتذهبون بي إلى رحالكم " قالوا: رضينا فاعرف يا أخي الأنصار بسيماهم فهذه آيتهم لمن توسم ولا تقيدهم بقبيلة ولا طائفة سوى من بهم هذه العلامة من كانوا، وأين كانوا فافهم، وكان يقول: في قوله " وثيابك فطهر " " المدثر: 4 " أي لتكون ثياب صلاة فافهم من لم يتجرد عما سوى أمر لم يباشره تحقيقاً، وكان يقول: في قوله: " لا يمسه إلا المطهرون " أي لا يتحقق به إلا المتجردون للصلة به عن موانعها المانعة إذ الطهارة التجرد عن موانع التلبس بحقيقة الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه فافهم، وكان يقول: قيامك بالأمر لأجل الأمر وحده إخلاص وميزان ذلك أن تفرض أنه نهاك عنه أو عن موضع أنه أمرك به أو عكسه، فإن وجدت نفسك تنبسط بأحدهما أكثر من الآخر، فاعلم أن قيامك به معلول، وأنه شهوة نفس، وإلا فلا فما أعز الإخلاص، وما أدق إدراكه فافهم، وكان يقول: الواحد أصل العدد، فما لا ينقسم أصل ما ينقسم في كل مقام بحسبه فافهم فإن سكنى ما لا ينقسم ليس كسكنى المنقسم في المنقسم، فلا تتخيل الحلول الظرفي في جانب الربوبية ما دمت في حكم
(2/41)

مراتب الخلق الجديد اللبسي، فافهم فالقلب بيت الرب ورب البيت يسكن باطنه وينزل إلى ظاهره فافهم، وكان يقول: ليست المستحيلات إلا أموراً في غيبك، وقوتك لم يتعين بها قوابل حاجبة بالنسبة إليك ألا ترى أنها قائمة في تخيلك، وتوهمك فافهم، وكان يقول: لا تطالب ربك بشيء ولو بقلبك فإن المطالبة تريب، وليس ذلك شأن العبيد، فافهم، وكان يقول: من أبعد المطالب عن الصواب مطالبة العبد ربه بعلة إمره أو نهيه، فإن الرب حقه يفعل ما يختار ويحكم ما يريد، وشأن العبد القبول من ربه ليس إلا فافهم وكان رضي الله عنه يقول: من حققك بالله لا تقدر على مكافأته بشيء قط، وكان يقول: الذات لا تدخل تحت إحاطة علم، ولا إدراك، وكان يقول: العارف المحقق يأبى الله أن يأتيه
بالأمور التي يختارها إلا من حيث لا يشغل همته بأسبابها العادية حتى إنك تراه يتسبب في أمر بالتوجه، والدعاء فيمسك عنه ذلك الأمر لذلك التسبب، وما ذلك إلا لأنه صار عين معروفه الذي لا ينبغي أن يظهر إلا بوجه السيادة، والعز فعالا لما يريد، فلما ظهر بوجه التسبب تنكر، فتوقف المراد وتعذر فلكل مجال رجال، فافهم، وقال: في قوله تعالى: " قد جاء الحق من ربكم " " يونس.: 108 " أي قد جاء ربكم بعينه الحق لا بمثال موهوم فافهم، وكان يقول: العقول حقائق أسماء الذات والأرواح حقائق أسماء الصفات والنفوس حقائق أسماء الأفعال ولكل اسم دائرة تأثير هو سلطانها، وتجلياته فيها أسباب مسبباتها فأسباب الخلق تجليات الخلاق، وأنسباب الرزق تجليات الرزاق، وقس على هذا، وكان يقول: صور أسباب الأرزاق أرباب للعوام القاصرين نظرهم على شهود الخلق وعبيد للخواص النافذين إلى التحقق بالحق ألا ترى كيف العوام يتولون الإنفاق على عبيدهم، وخواص الناس كالوزراء، والأمراء يولون الإنفاق بعض خدمهم، وقد كان بلال متولي نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله تعالى: " وكلمة الله هي العليا " " التوبة: 40 " كلمة الله هي النفس التي غلب عليها الحكم الإلهي بظهوره فيها تخلقاً، وتحققاً، وكشفاً، وبياناً هذا هو حقيقة معنى الآية، وفيها أيضاً أن كلمة الله أي اسم الله هي العليا لأنه الاسم الأعظم الجامع لحقائق جميع الأسماء، وكان رضي الله عنه يقول: من عرف الحق لم ير إلا الحق " فماذا بعد الحق إلا الضلال " فافهم، وكان يقول: مهما رآه المأمون في أئمتهم من كمال أو نقص فهو صورة بواطن المأموم أشهده إمامه إياها، وللإمام فوق ذلك مظهر آخر فإياك أن تظن نقصاً بأهل الكمال فتقول: " وعصى آدم ربه فغوى " " طه: 121 " بل أعرف أن ذلك إنما كان إظهاراً لك كيف تتداوى إذا ابتليت في صفاء تلك الحضرة، وقس على هذا فافهم، وكان يقول: الاستغفار استعداد الغفران وحقيقة التوجه بوجه الاستعداد إلى التحلي بالكمال بدل النقص، وبالإحسان بدل الإساءة، وغايته التحقيق بالمحبوب تحققاً ذاتياً يستحيل به عروض ضده، وذلك هو العصمة في كل مقام بحسبه، وإليه الإشارة بقوله: " يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " " الفتح: 2 " وغاية الغاية في هذا الباب أن يغفر الله منك بحلمه حكم ما دونه فلا ينكشف فيك إلا وجهه الحميد، فافهم فإن الغفران هو الوقاية مما يضر بما يسر، ومنه سميت البيضة مغفراً فلكل مقام مقال، وكان يقول: في كلام الأطباء إن برد الرحم سبب في عدم الحمل هكذا نفس التلميذ متى لم يجد لوعة الوجد، وحرقة الطلب من الشوق إلى المقصود لم يتولد فيها من فيض أستاذه صورة أمره فهو مثل الوقود البارد لا يؤثر فيه القبس إلا دخاناً كالدعاوي والرعونات الحاصلة للنفوس الداخلة بين القوم بغير حرقة شوق، وصدق وطلب، وجد، ومثلها أن يكون كورقة مبلولة لا يثبت عليها كتابة، ومثلها أيضاً كحراق بارد أي رطب لا يعلق فيه قبس، وكان رضي الله عنه يقول: من تحقق بمرتبة حصلت له خصائصها، وأمورها على قدر تحققه بها كالمتحقق بصورة محمدية بشرية، فيقول: اللهم صل على محمد وآته الوسيلة، والفضيلة إلى آخره، فإنما هو في الحقيقة يطلب ذلك لنفسه من حيث إنه متحقق به، ويقال لمن تحقق بصورة محمدية يا محمد، موسوية يا موسى أو عيسوية يا عيسى، وقس على هذا، وارق إلى حيث نفذ ذوقك، فد مجال رجال. لأمور التي يختارها إلا من حيث لا يشغل همته بأسبابها العادية حتى إنك تراه يتسبب في أمر بالتوجه، والدعاء فيمسك عنه ذلك الأمر لذلك التسبب، وما ذلك إلا لأنه صار عين معروفه الذي لا ينبغي أن يظهر إلا بوجه السيادة، والعز فعالا لما يريد، فلما ظهر بوجه التسبب تنكر، فتوقف المراد وتعذر فلكل مجال رجال، فافهم، وقال: في قوله تعالى: " قد جاء الحق من ربكم " " يونس.: 108 " أي قد جاء ربكم بعينه الحق لا بمثال موهوم فافهم، وكان يقول: العقول حقائق أسماء الذات والأرواح حقائق أسماء الصفات والنفوس حقائق أسماء الأفعال ولكل اسم دائرة تأثير هو سلطانها، وتجلياته فيها أسباب مسبباتها فأسباب الخلق تجليات الخلاق، وأنسباب الرزق تجليات الرزاق، وقس على هذا، وكان يقول: صور أسباب الأرزاق أرباب للعوام القاصرين نظرهم على شهود الخلق وعبيد للخواص النافذين إلى التحقق بالحق ألا ترى كيف العوام يتولون الإنفاق على عبيدهم، وخواص الناس كالوزراء، والأمراء يولون الإنفاق بعض خدمهم، وقد كان بلال متولي نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله تعالى: " وكلمة الله هي العليا " " التوبة: 40 " كلمة الله هي النفس التي غلب عليها الحكم الإلهي بظهوره فيها تخلقاً، وتحققاً، وكشفاً، وبياناً هذا هو حقيقة معنى الآية، وفيها أيضاً أن كلمة الله أي اسم الله هي العليا لأنه الاسم الأعظم الجامع لحقائق جميع الأسماء، وكان رضي الله عنه يقول: من عرف الحق لم ير إلا الحق " فماذا بعد الحق إلا الضلال " فافهم، وكان يقول: مهما رآه المأمون في أئمتهم من كمال أو نقص فهو صورة بواطن المأموم أشهده إمامه إياها، وللإمام فوق ذلك مظهر آخر فإياك أن تظن نقصاً بأهل الكمال فتقول: " وعصى آدم ربه فغوى " " طه: 121 " بل أعرف أن ذلك إنما كان إظهاراً لك كيف تتداوى إذا ابتليت في صفاء تلك الحضرة، وقس على هذا فافهم، وكان يقول: الاستغفار استعداد الغفران وحقيقة التوجه بوجه الاستعداد إلى التحلي بالكمال بدل النقص، وبالإحسان بدل الإساءة، وغايته التحقيق بالمحبوب تحققاً ذاتياً يستحيل به عروض ضده، وذلك هو العصمة في كل مقام بحسبه، وإليه الإشارة بقوله: " يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " " الفتح: 2 " وغاية الغاية في هذا الباب أن يغفر الله منك بحلمه حكم ما دونه فلا ينكشف فيك إلا وجهه الحميد، فافهم فإن الغفران هو الوقاية مما يضر بما يسر، ومنه سميت البيضة مغفراً فلكل مقام مقال، وكان يقول: في كلام الأطباء إن برد الرحم سبب في عدم الحمل هكذا نفس التلميذ متى لم يجد لوعة الوجد، وحرقة الطلب من الشوق إلى المقصود لم يتولد فيها من فيض أستاذه صورة أمره فهو مثل الوقود البارد لا يؤثر فيه القبس إلا دخاناً كالدعاوي والرعونات الحاصلة للنفوس الداخلة بين القوم بغير حرقة شوق، وصدق وطلب، وجد، ومثلها أن يكون كورقة مبلولة لا يثبت عليها كتابة، ومثلها أيضاً كحراق بارد أي رطب لا يعلق فيه قبس، وكان رضي الله عنه يقول: من تحقق بمرتبة حصلت له خصائصها، وأمورها على قدر تحققه بها كالمتحقق بصورة محمدية بشرية، فيقول: اللهم صل على محمد وآته الوسيلة، والفضيلة إلى آخره، فإنما هو في الحقيقة يطلب ذلك لنفسه من حيث إنه متحقق به، ويقال لمن تحقق بصورة محمدية يا محمد، موسوية يا موسى أو عيسوية يا عيسى، وقس على هذا، وارق إلى حيث نفذ ذوقك، فد مجال رجال.
وكان يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم: " إنا معاشر الأنبياء نبتت أجسادنا على أرواح أهل الجنة " فأرواحهم سماوية متمثلة في هياكل أرضية، وكل إلى بدنه راجع، فافهم وكان يقول: إنما أمر الحق، ونهى منك قلبك السامع الفاهم، ولا يؤدي عن
(2/42)

المكلف ما كلف به إلا هوف عمل جسمك عملا، وقلبك غافل عنه لم يحسب لك، ولم يؤد عنك " ولكن ما تعمد قلوبكم " وإنما سقط اللوم الظاهر بمباشرة الجسم للعمل لظن حضور القلب، وقصده ذلك فراقب علام الغيوب، فإنه الناظر إلى القلوب فافهم، وقال: في قوله تعالى: " فأجره حتى يسمع كلام الله " " التوبة: 6 " أي منك، ولا يتكلم بكلام الله إلا الله فإذا ناجاك هاديك حق فاسمع من الله وأطع تغنم، واعرف أن ربك قد تحول لك في صورة من صور المعار يتعرف إليك بها لتعرفه فتجيبه فتتحقق به فافهم وكان رضي الله عنه يقول: السر ما لا يشهده إلا واحده فمن شهدت سره فاعلم أنك أنت هو من حيث حصل لك هذا الشهود، وللمستفيد شيء إلا صورة مفيده فإذا كل ما من المستفيد إلى مفيد إنما هو في الحقيقة المفيد لنفسه أن العبد من مولاه عبد القوم من أنفسهم، وما من الله إلا، وإليه وليس يفهم عني غير إياي فافهم.
وكان يقول: في قوله: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " " يس: 60 " أي لا تطيعوه، وتنقادوا له راضين بأمره فمن كان هكذا لأحد فقد عبده " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله " " التوبة: 31 " وما أكثر ما يعبد المقلدون أئمة الضلال علماء السوء الذين يريدون بعلمهم ما ليس من الله في شيء فافهم، وكان يقول: إذا كان إبليس كفر بترك سجدة واحدة لآدم فكيف يرضي ابن آدم أن يكفر بتكرار السجود لإبليس ولكن الكفر درجات كما أن الإيمان بالحق درجات فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: احذر أن تزدري أصحاب الخلع الخفية من الشعثة رؤوسهم المغبرة، وجوههم فإن وجوههم ناضرة إلى ربها ناظرة، إنما أنت أعشى العين، وكان يقول: إياك أن تحسد من اصطفاه الله عليك فيمسخك الحق كما مسخ إبليس من الصورة الملكية إلى الصورة الشيطانية لما سجد آدم، وأبى وتكبر عليه، وفي هذا تحذير لك إذا رأيت إمام هدى إلى الحق أن تحسده، أو تكبر عن الخضوع له والائتمام به، فإن ذلك يسلبك ما فيك من الصور المرضية، ويدخلك في الصور الغضبية، وإذا خضعت له، وكنت بالعكس نقلك من الصورة الشيطانية إلى الملكية وكان يقول: في حديث صوم يوم عاشوراء " نحن أحق بموسى منهم " أي من اليهود إنما كانت هذه الأمة أولى بموسى عليه السلام من قومه لأنا نؤمن بموسى كإيمان من عاصره دلالة معجزة نبينا التي هي القرآن التي نعرف إعجازه بالمشاهدة لا بالخبر، وأما اليهود الذين لم يعاصروه، فإنما آمنوا به تقليداً للخبر، وأين من يؤمن تقليداً ممن يؤمن عياناً تحقيقاً في المعجزة القرآنية فنحن أحق بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام ممن لم يعاصرهم من أممهم، والسلام، وكان يقول: إنما كان يوم عرفة أفضل من يوم عاشوراء بفضيلته على عاشوراء بالحج المشروع فيه، وهو ركن من أركان الإسلام، وليس في عاشوراء ركن من أركان الإسلام يختص به كيوم عرفة فافهم.
وكان يقول: في قوله: " وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلا " " الأنعام: 115 " صدقاً هنا وضع موضع فضلا إذ قوبل به عدلا فافهم أي تفضل الله تعالى بصدقها على قلوب قوم حتى صدقوها وعدل الله بقلوب قوم حتى عدلوا عن تصديقها، وكان يقول: كل ما أتاك به إمام هدايتك، فهو ذكر من ربك ورحم بك محدث الإتيان إليك، والظهور عن ذلك الإمام من حيث كونه، فأما من حيث وجوده الحق المبين المتجلى في عينه الناطق بمرتبة الربوبية، والرحمانية، فلم يزل قديماً لأن الحق المذكور من المرتبة المذكورة لم يزل متكلماً إذ هي له ذاتية، وإنا الحدوث من جهة التعلق الظهوري من حيث الحكم بالحدوث، فافهم، وكان يقول: من أتى بما لم يسبق به فقد أبدع وأبداً ومن كرر مثالا، فقد أعاد، واخترع فافهم.
وكان يقول: لا يظهر سر السيادة الربانية في أحد إلا ويجعل له أتباعاً لأن السيد هو الرب المصلح المدبر فلا بد له من حضرة يحكم فيها " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية " " الرعد: 38 " أي معنوية فقد كان فيهم من ليس له زوجة صورية، ولا ولد صلبي كعيسى ويحيى ومن هنا يفهم المراد بقول زكريا " رب لا تذرني فرداً " " الأنبياء: 89 " فكأنه قال: كما قال: إخوانه " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً " وأحب الخلق إلى الله تعالى أنفعهم لعباده فكفي المصلح لشأنهم شرفاً أن يكون أحب إلى الحق ممن ليس همه إلا صلاحه وحده، وكان يقول: من كان خلقه القرآن يرضي لرضاه ويغضب لغضبه فهو نسخة الحق " والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم " " محمد: 2 " فافهم فمن اتخذه إمام هدى،
(2/43)

وجعله كتابه ينظر في أموره بعين الإيمان فيتبعها بإحسان فقد أوتي كتابه بيمينه، ومن اعتمد على الأساطير فإنما اعتمد على حكم وهمه أو حكمة فهمه " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم " " العنكبوت: 49 " أي معناه مبين في نواطق العلماء وكان يقول: إنما أحب الله عبده المسلم لأنه مخلوق على صورته، وهو تعالى أجل من أن يحب خلاف صورته التي هي الكمال المطلق الأقدس فافهم قلت: والمراد هنا بصورة الحق صورة آدم عليه السلام لأنها أشرف الصور، وليس المراد بها صورة الذات الإلهي، والله أعلم، وكان يقول: ما دمت أيها الآدمي صاحب صفات كريمة فأنت إنسان باق على أصلك لم تنسخ، ولم تمسخ، ومتى نسخت منك الكرائم بالذمائم فقد نسخت عنك الإنسانية بالصورة الشيطانية التي انمسخت بها، وإن خلطت لم تك إنساناً خالصاً، ولا شيطاناً محضاً وفي ذلك فليتفاوت المتفاوتون، والحكم للغالب فافهم، وكان يقول: إذا قال لك: قائل لم دون العارفون المعارف التي تضر بالقاصرين من العلماء فضلاً عن العوام؟ أما كان من الحكمة وحسن النظر، والرحمة ما يمنعهم من تدوينها فإن كان عندهم ذلك فمخالفته نقص، وإن لم يكن فكفاهم نقصاً أنهم غير حكماء فقال له: أليس الذي أطلع شمس الظهيرة، ونشر فاضح شعاعها صحوا مع إضرارها بالأبصار الضعيفة والأمزجة التي تتضرر بها عليماً حكيماً فإن قال: بلى ولكن عارض ذلك مصالح تربو على هذه المفاسد فقل له، وهكذا الجواب عن مسئلتك وحسبك جواباً أن من دون ذلك لم يدونه للجمهور، ولا أذن في ذلك، ولا سكت عنه بل نهى عن إظهاره لهم.
وشدد في النهي والتحذير إلى الغاية، وصرح بأنه لم يدون إلا بإذن من الله في تدوينه لأهله فقط فيكون في التدوين أمانة لهم ليظفروا من معانيه بما تنفتح به أبواب كمالاتهم الباعثة بسحائب الرحمة في قلوبهم، وعلى ألسنتهم فتشرق الأرض بنور رشدهم وتحب هدايتهم فتعدى أهل الغفلة، والحجاب حدود هؤلاء السادات، وأظهروا دواوينهم لغير أهلها كما تعدى الغافلون حدود ربهم، فسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، ومكنوا أعداء الله من قراءته بقلوب زائغة، وألسن معوجة فحرفوه، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وهل دون الأئمة المجتهدون ما دوناه عنهم من العلم ليستعان بها على هوى النفس وكسب الدنيا، وتوليد مسائل موافقة لهوى الظلمة، والأمراء لا والله ولكن كان أمر الله قدراً مقدورا وحيث ظهر أن فائدة تدوين هذه المعارف من أعظم الفوائد ظهر أن تدوينها من أحق الحقوق إذ فائدتها بقاء روح حق اليقين، وإشراقها في مظاهر الهادين بالحق كما في فائدة تدوين علم الظاهر بقاء روح الاجتهاد الظني الموجب للعمل، وظهوره في مظاهر المرشدين " والله يعلم المفسدين من المصلحين " " البقرة: 220 " فافهم.
وكان رضي الله عنه يقول: في حديث " القلب بيت الرب " وفي قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً " " آل عمران: 3 " فاعرف بيت الرب من بيت الناس، وتوجه إلى كل منهما بشرطه وقم له بحقه واستقبله، وقم وطف حوله وادخله بما يناسبه منك فالجسم، والقلب بالقلب، والروح بالروح ولكل مجال رجال فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا " النزل: إكرام الضيف أول ما يكرم، فإذا كان الفردوس أول ما يكرمون به إذا كانوا ضيوفاً فكيف بغاية إكرامهم بل كيف إكرام الأحباب الذين لا حجاب عليهم أبداً فافهم وكان يقول: عجباً لملاذ الدنيا كيف يذهب الملال حلاوتها إن دامت، وتعقبها الرغبة فيها، والحزن عليها إن زالت، فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه فافهم.
وكان يقول: انظر إلى النفس المدركة المفارقة التي تشير إليها منك بقولك: أنا كيف هي متعلقة بسائر أبعاض جسمك، وأعضاء جرمك، وكيف لها مع كل بعض وعضو معنى، وأثر خاص تارة يماثل ما هو لها مع غيره كاللمس بسائر سطح البدن، والإبصار بالعينين، والسمع بالأذنين، وما أشبه ذلك، وتارة يباين ما هو لها مع غيره كالتكلم باللسان وحده، والذوق باللثة وحدها وما أشبه ذلك.
فهكذا حكم النفس مع ما تعلقت به من الأعضاء والأبعاض وهي نفس الكل الموصوفة بسائر المعاني، ومن عرف نفسه عرف ربه فافهم، وكان يقول: الأستاذ مظهر سر الربوبية لمريده فعلى المريد أن يقف عند أمر أستاذه، وأن لا يلتفت عن أستاذه يميناً، ولا شمالا ألم تسمع إلى قول: أكبر ولد يعقوب " لن أبرح الأرض حتى
(2/44)

يأذن لي أبي " ثم قال: " أو يحكم الله لي " ثم قال لهم: " أرجعوا إلى أبيكم " " يوسف: 81 " نتبين أن المريد ماله وجه يتوجه إليه إلا أستاذه حتى إذا تحقق بحقيقة أستاذه، وسقط حكم المغايرة بين مرتبتيهما كان الله وجهه من حيث وجه ذلك الأستاذ الذي تحقق به ذلك المريد، وأطال في ذلك، وكان يقول: ينبني للعالم أن يرى القرآن هدى، ورشداً لأهل كل صراط مستقيم فلا ينكر على أحد لما فهمه منه من الهدى عند ذلك الفاهم، وإن كان مخالفاً لفهمه " والراسخون في العلم يقولون " آل عمران: 7 " أي عند كل تأويل فيه هداية لغيرهم " آمنا به كل من عند ربنا - ولكل قوم هاد، ولكل جعلنا منكم شرعة منهاجاً " فافهم، وكان يقول: في منكر ونكير إنهما يأتيان للميت في صورة إنكاره، وتنكيره فإن كان منكراً للمنكر متنكراً على أهله في اعتقاده الجازم عنده ببرهانه فبذلك يثبت على معتقده، زمن عكس انتكس وكان يقول: ملوك الدنيا محتاجون إلى ملوك الآخرة، وذلك ظاهر في الدنيا بزهد ملوك الآخرة في الدنيا، وعناية الحق بهم، وأما غنى ملوك الدنيا فلا يظهر للشرك صحته من بطلانه إلا بعد الموت حين يفوت الفوت، ومن قبل النصيحة أمن من الفضيحة، وكان رضي الله عنه يقول: من أرشدك إلى ما به تخلص من غضب الحق وتحصل به رضوانه فقد شفع فيك فإن أطعته، واتبعته، وقبلت منه، فقد قبلت فيك شفاعته فنفعتك، وإلا فنعوذ بالله من حالة قوم لا تنفعهم شفاعة الشافعين حيث كانوا عن التذكرة معرضين فافهم، وكان يقول: ثقل موازين الآخرة على قدر التعب، ومثال ذلك أن يقول: لك كريم من أتاني بشيء، وزنت له ثقله فضة فجهد رجل فأتى بصخرة فوزن له ثقلها، وأتاه رجل بريشة فوزن له ثقلها، وكان يقول: جلوسك في خص وأنت في عتق من أسر الشهوات خير لك من قصر مشيد وأنت مسجون في أسرها محجوب عن محجوبك فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " وأيدناه بروح القدس " " البقرة: 87 " الروح الأمين على ما يتلقاه من روح القدس هو الفكر الصادق وروح القدس هو العقل الناطق الحكيم الحاكم في النفس الحيوانية التي يطهرها من الرذائل، ويحليها بالفضائل في كل مقام بحسبه فافهم، وكان يقول: في قوله: " ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه " " يوسف: 111 " أن ينفخ بكشفه وبيانه في قلوب الحاضرين بين يديه حضوراً إيمانياً أرواح الصدق، فيصير من الصادقين، وأما تصديقه للكتب الماضية بمطابقة ما فيه لما فيها فشيء معروف فافهم، وكان يقول: الواجد مخبوء في لا، والوجد مخبوء في نعم فقابل كل حكم أتاك من الحق باختياره لك بنعم يجعله عليك نعمة من النعم فافهم، وكان يقول: على قدر المعرفة يكون الحب، وعلى قدر الحب يكون القرب، وكان يقول: في قوله: " يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار " " النور: 37 " أي يصير حكم القلوب ظاهراً على حكم القوالب فمن كان في قلبه خير ظهر عليه ظاهراً، وأما تقلب الأبصار فهو أن يظهر حكم البصائر في الأبصار فما لا يصح له في دنياه أن يراه إلا إيماناً يراه يوم القيامة عياناً، وكل من رأى الآن ما لا يراه الناس فما رأى ذلك حين رآه إلا، وهو في حال قيامه به فافهم.
وكان يقول: العاقل بخيل بعرضه جواد بجسمه، وضده بضد ذلك فافهم، وكان يقول: إنما كان أبو بكر رضي الله عنه أسبق رجال قريش إلى التصديق، والهدى لأنه كان أضعف قريش رابطة بما كانوا عليه مما يضاد الهدى فافهم، وكان يقول: الصوم في اللغة الثبوت على أمر واحد لقولهم صام النهار إذا وقفت الشمس في مستواها فنذرت للرحمن صوماً أي نذرت ثبوتاً للرحمن على إفراد مشاهدته فلا أشهد سواه، ونحو هذا، وما الصوم لعمرك إلا الثبوت للحق، وفيه فافهم، وكان يقول: من عرف الحق فكل أوقاته ليلة قدر، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله: " إن الله جميل يحب الجمال " فيه إشارة إلى أن الله يحب أن لا يرى أحد في عبيده نقصاً لا باطناً، ولا ظاهراً لأن العبد من مولاه، وأمره راجع إليه فافهم، وكان يقول: من أحب أن يكون في حفظ رب العالمين فليخدم أولياءه العارفين بصدق " ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها " " الأنبياء: 81 " إلى قوله: " وكنا لهم حافظين " فانظر كيف حفظ الله الشياطين لما كانوا في خدمة أوليائه العارفين، ومعنى حفظ رب العالمين أن يحفظ العبد من الوقوع في المخالفات، وكان يقول: في قوله: " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم فأوحينا إلى " " الشعراء: 62 و 63 " الآية فرتب هذا الوحي على هذا القول: بالفاء إشارة إلى أن كل من قال: هذا القول بصدق ألهمه ربه رشده
(2/45)

فيما يحاول، وكان يقول: كل من دخل مقام الإحسان فقد بلغ أشده واستوى، ولو كان صبياً قال: " ولما بلغ أشده، آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين " " يوسف: 22 " أي على إحسانهم، ومشاهدتهم لمعبودهم، وكان يقول: المحبة دائر معها التوحيد والإخلاص فكل من أحب شيئاً لا يريد أن يكون له فيه شريك حتى الرجل يحب امرأة فلا يحب أن يكون له فيها شريك وكذلك المرأة، فما أحب الله عبداً إلا ملأ قلبه استغراقاً في محبة مرضاته، ولا كره عبداً إلا ملأ قلبه محبة لمكروهاته، وكان يقول: روح المتعلم من روح المعلم، وعقل المستفيد من عقل المفيد فرع من أصل وأيما مريد أراد الكمال بغير أستاذه، وهاديه فقد أخطأ طريق المقصود لأن الثمرة لا تكمل إلا بوجود النواة التي هي أصلها فكذلك كل مريد لا يكمل إلا بوجود أستاذه متعيناً عنده بحقيقة نفسه وروحه، وقلبه وفؤاده فافهم، وكان يقول: لا يتبع إمام الضلال إلا أهل الغي لأنه صورة غيهم تشكلت لهم حتى رأوها فصبوا إليها " ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " " الزلزلة: 8 " مشكلا، ومن هنا يتبع الدجال كل من في قلبه كفر، ونفاق، وحكم إمام الهدى بالعكس لا يتبعه إلا أهل الهدى، وكان يقول: كيف يخاف الباطن من عرف الحق.
وكان يقول: لم يطلب كل طالب إلا الحق لكن تارة يظفر به حقاً فيعبده عن مكاشفة، وتارة يظفر به، وهما فيعبده على حجاب فما عبد عابد في الحقيقة إلا الله، قلت: والمراد بهذا العابد الموحد من أهل الإسلام العام فافهم، وإياك والغلط، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: من تعلق بغير مولاه ضره إما بأن يحبه، فيشغل عن مولاه ما منه فتنته أو يكرهه، فيشغله عن مولاه ما به حزنه فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه، ولا يلقي ربه، وفيه تعلق لغيره، فالخير كل الخير في مفارقة الغير فافهم، وكان يقول: جميع الأعمال إنما شرعت تذكرة بمشرعها كي لا ينسوه، ولا يصبوا إلى غيره " أقم الصلاة لذكري " فافهم.
وكان يقول: الخليفة في كل دائرة هو من أتم القيام فيها بحسن نظام العبودية معترفاً أنه العبد مع كمال القيام بنظام الربوبية معترفاً أن كل ما جاء به من ذلك فهو لربه ولربه الحمد فافهم، وكان يقول: إذا أردت ثبات الإخوان على محبتك القاصي منهم، والداني، وأن يثنوا عليك بكل لسان فقابلهم بالحلم، والغفران، وتأمل قوله تعالى: " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً " فاطر: 41 " فأخبرك أنه ليس بعد الحليم الغفور من يمسكهما فافهم، وكان يقول: متى شغل الإنسان قلبه بالأكوان عن ربه الرحمن ذل، وهان وذلك لأنه جعل نفسه عبد عبده.
ومن شغل قلبه بالرحمن عز لأنه رد نفسه إلى غايته، ومجده " خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما خلق لك عما خلقت من أجله " ألا ترى أن الرجل الكبير القدر من أمير، أو وزير متى شغل نفسه بحب امرأة ينكحها، أو بهيمة يخدمها امتهنته القلوب بعقولها، وإن عظموه في الظاهر رغباً أو رهباً، والرجل، ولو كان شحاتاً متى شغل قلبه بربه الحق عظمته القلوب بعقولها، وإن أعرضت عنه لهواً أو تكبراً فافهم، وكان يقول: إنما قال تعالى: " إني جاعل في الأرض خليفة " " البقرة: 30 " وعده بأن يجعله خليفة في الأرض للملأ الأدنى لأنه كان يومئذ خليفة في السماء للملأ الأعلى حيث خروا له ساجدين فافهم، وكان يقول: أكمل المظاهر في كل زمان هو الذي يظهر بكشفه، وبيانه لأهل زمانه ما لم يكونوا يحتسبون من الله وهو غيب الله الذي لا يطلع عليه إلا من ارتضي، وكان يقول: إذا اشتغل البدن بهم الرزق مع راحة القلب من الالتفات إليه كان ذلك تعباً فيما لا حاجة إليه، ومتى تفرغ البدن من همه مع شغل القلب به كان ذلك عذاباً بحب ما لا يحصل فكلاهما عذاب فافهم، وكان يقول: الكامل من يهضم نفسه حتى يزكيه ربه فاحذر أن تتبع من قال: بلسان خلق " أنا ربكم الأعلى " فيأخذك الله نكال الآخرة، والأولى " فمثله كمثل الكلب " واتبع من قال: " رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير - وأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى " فافهم قلت معنى حتى يزكيه ربه أي ينزل في قلوب عباده تعظيمة، ويطلق ألسنتهم بحسن محامده أولا فالحي قد انقطع، وما بقي إلا الإلهام الصحيح، وهو أعز من الكبريت الأحمر، والله أعلم، وكان يقول: من أراد أن يخلد الله عليه ما خلعه من المحامد فليضفها إلى ربه، ويحمده بها فإذا أنس من قلبه علماً قال: ربي هو العليم أو قدرة قال: ربي هو القدير، وهكذا كل
(2/46)

المعاني فافهم، وكان يقول: أيما فهم استخرج مما أغفله الناس، واتخذوه لهواً حكمة، وإرشاداً فقد غاص في بحر الظلمات فأخرج منه الجواهر المنيرة فهو في حقه بحر النور فافهم، وكان يقول: المعاني في جواهر أصداف قوالبها فجواهر قوم أصداف قوم آخرين فافهم " وفوق كل ذي علم عليم " " يوسف: 76 ".
وكان يقول: إذا ذكرت ذنوبك فلا تقل عليها لا حول، ولا قوة إلا بالله، ولكن قل رب إني ظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم فافهم، وكان يقول: من تجمل بصحبة المعرضين عن ربه فقد نادى على نفسه بأنه ممن أهانه الله " ومن يهن الله فما له من مكرم " " الحج: 18 " فافهم " فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا " " النجم: 29 " وأقبل بكليتك علينا تغنم، والله أعلم، وكان يقول: كل ما أغفل قلبك عن ربك فهو عدو لربك فمن أعرض عنه، وتبرأ إلى الله منه، وتوجه بقلبه وجسده لربه فهو الأواه الحليم فافهم فانظر حالك، فإن صديق العدو عدو، ولا تصحب غير من يحبه ربك، وهو من يذكرك بربك، وكان يقول: ليس أبوك حقيقة إلا من تولدت صورة نفسك عن كشفه وبيانه حتى صارت عقلا بالفعل، وأما أبو جسمك فهو أبوك مجازاً لأنك ما أنت هذا الجسم بك روحه فمتى أغفلك أبو جسمك عن أبي روحك، وجب عليك البراءة من أبي جسمك، ولا يحل لك أن تدعى غير أبيك الحقيقي فإن ذلك كفر بفاعله فافهم قال: الحق فيما وجد في قراءة ابن مسعود: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " وهو أب لهم بذلك بضمير الفصل، وتقديمه على أب أنهم لا أب لهم على الحقيقة إلا هو لموضع الدلالة على الاختصاص بذلك الضمير، وتخصيصه، وكذاك إن كنت متروحنا قد تجرد جوهر نفسك عن لبس الخلق الجديد قوله: " كل نسب منقطع إلا نسبي " والله أعلم وكان رضي الله عنه يقول: ما دام المريد تحت حكم أستاذه فترقيته دائمة فإن خرج عن حكمه اتكالا على ما حصل منه قولا وفعلا فهو كالحجر المرفوع إلى السماء ما دامت تلك القوة الرافعة مصاحبة له فهو متعال، ومتى فتر انحط إلى الأرض فكن تحت حكم أستاذك تغنم.
وكان يقول: مهما أضمرته فني نفسك وكتمته عن الخلق في خاطرك ظهر يوم تتقلب القلوب، وتبلى السرائر، فافهم، واعمل أن لا يكون في سريرتك إلا الحق تغنم فافهم، والله أعلم وكان يقول: في قوله: " وجادلهم بالتي هي أحسن " " النحل: 125 " التي هي أحسن عبارة عما يحصل به التسليم للحق، والإذعان لحكمه فإن حصل ذلك بالاستدلال، والبحث فهي التي هي أحسن، وإن لم يحصل إلا بالترغيب فالترغيب إذن التي هي أحسن، وإن لم يحصل إلا بالترهيب فالترهيب فإذن هو التي هي أحسن فافهم، وكان يقول: مرشدك الذي يهديك الله به لما هو الأولى بك عند ربك هو حضرة ربك به تقول: وبه تفعل، ومهما دعتك نفسك إليك فلا تعجل به قبل معرفة رضاه به ومهما دعاك إليه فبادر إليه ولا تتوان فيه حتى ترضي به نفسك فإن فوزك في امتثال أمره لا في شهوتك، وكان يقول: ذوات الذوات وراء كل معلوم قلت: والمراد بذوات الذوات الروح الكلي الذي تفرعت منه سائر الأرواح فافهم وكان رضي الله عنه يقول: ألهمت إلهاً عام تسع، وتسعين، وسبعمائة ما صورته يا علي إنا اخترناك لنشر الأرواح من إلحاد أجسادها فإذا أمرناك بأمر فاستمع " ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " إلى قوله تعالى: " والله ولي المتقين " وكان يقول: نواطق الأستاذين مطالع شموس حقائقهم، وقوابل علمائهم مرايا وجوه رقائقهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " أنلزمكموها وأنتم لها كارهون " " هود: 28 " الشأن السيادي لا يحصل لمن اشتهاه ولا يكره عليه من أباه فلازم الحب، والتمحيص، ومحبوبك، ولي الوهب، والتخصيص، وكان يقول: الرجال للمنن القدسية، والنساء للزين الحسية فأيما امرأة تعلقت همتها بالمنن صارت رجلا وأيما رجل تعلقت همته بالزين صار امرأة، وكان يقول: من صدق العلماء، والعارفين فهو الرجل، وإن كان أنثى، ومن كذبهم فهو من النساء وإن كان ذكراً، وذلك لأن العارفين بالله تعالى كلمة تامة صادقة، والعلماء بالله كتب جامعة فافهم، وكان يقول: لما كان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يواجه أحداً بما يكره جازاه بأن ذكر أمته، ووعظهم بتنبيههم على ما فيهم من المعايب بذكر عيوب غيرهم من الأمم السابقة التي قص الله عليهم في القرآن لينزجروا، ويعتبروا بغيرهم بحسن عبارة، وكان يقول: العاقل لا يمدح نفسه بقالة ولا يذمها بحالة إلا لحكمة تنفي النقص عن
(2/47)

كماله فافهم، وكان يقول: لا تأمن المعتقد فيك، ولو أظهر لك من نفسه غاية السكون، فإنها إنما سكنت حيث عقلهم عقلها النظري بعقال ظني شده من لحى عوارض الأحوال، والأعمال، والأقوال، والظنون تتناسخ، والأعراض لا تبقى فكأنك بالعقال، وقد انحل أو تمزق ورجع المعقول إلى توحشه، وإفساده، والمحب من النار في قرار البحار ما يريد إلا ما تريد شغله ذاتك وإن تلونت صفاتك، وكان يقول: المحب كإنسان العين صغير، وجوده كبير شهوده إلا أنه لا يتأثر لعارض، ولا تضعف شهوده العوارض فبهذا تميز عن الباصر، وعز عن الناظرة وكان رضي الله عنه يقول: المحبون قليلون، والمعتقدون كثيرون، وما قل، ونفع خير مما كثر وألهى، باللهو ضرراً، وكان يقول: من ظن أنه حصل على المراد بالاعتقاد فذلك الذي ضل بالله عن الله في كل واد " عاصم ومن يضلل الله فما له من " " غافر: 33 " ومن علم أنه ليس إلا بالله إلى الله يصل فهذا الذي هيهات أن يقف أو يصل " ومن يهد الله فما له من مضل " " الزمر: 37 ".
وكان يقول: إذا عرف الواجد للحق من حيث هو واحد للحق فهو وجه الحق الذي واجهك به فالزم طاعته، وكن من الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته، ويسبحونه، وله يسجدون، وكان رضي الله عنه يقول: إذا انصبغت عندك الأشياء كلها بالحكمة التي لم ترها إلا محامد وسبحات بحمد الكريم المنعم بها فالنفس الخارج من الحبر قائل سبحان المنعم بالفرج، والراحة، وأطال في ذلك، وكان يقول: ينبغي للملك التغافل عمن أتى ما يغضبه مستتراً عنه، وينبغي عقوبة من أتى ذلك مجاهرة له في حضرته حيث ينخرم النظام بإهماله فافهم.
واحذر مظاهرة الحق تخدم فعلم أن مخالفة الحق على المشاهدة توجب العقوبة في الوقت قال تعالى: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " وإلى ذلك الإشارة لعن إبليس على سجدة واحدة تركها بعد أمره بها في حضرة المعاينة، وكم ترك غيره صلوات كثيرة لكن على حجاب وجهل فأمهل، ولم يعاجل فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " إني ذاهب إلى ربي " " الصافات: 99 " أي إني عدم في وجود ربي لا حول لي، ولا قدرة إنما أمري كله لربي فافهم فما ثم إلا الله في الحقيقة فمتى ملأك به أوجدك كل شيء وكان رضي الله عنه يقول: لا يفاتح الرب عباده إلا بما خبأه عن عقولهم مداركهم فما فاتحه لهم ذكر " فذكر إنما أنت مذكر ".
وكان يقول: ما تعين الحق المبين بعينه المخصوص الناطقي الزماني في زمان قط إلا قال: ملائكة المدارك النظرية فيه " أتجعل فيها من " ولا يزالون كذلك إلى أن يتنزل برهبوته وبسط يد سلطان جبروته، ومكنه إدخال ممالكهم تحت ملوكته فهناك يقعوا له ساجدين، ويصير عدوه شيطان الوهم البهيم مستمراً على عدواته لأنه يحاول إخراج كل حاكم دونه عن حكمه، وقد ظهر لشعار ذلك ورقة فقال: " ما جاء أحد بما جاء به محمد إلا عودي ".
وقال آخر " وكذلك الأنبياء تبتلى وتكون لهم العاقبة فاصبروا واعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره " أي يظهر ويتجلى بأمره فافهم، وكان يقول: إن خالقك شخص بأخلاق البهائم فخالقه أنت بأخلاف الأركام فكل يعمل على شاكلته التي هي جزاؤه فافهم، وكان يقول: فضل مرشدك إلى الله على كل ما ترجوه من إمداده كفضل الله على عباده فافهم فإن مرشدك إلى الحق هو عين الحق التي ينظر بها إليك، ووجهه الذي يقبل به عليك، فاعرف، والزم وانظر ماذا ترى فافهم، وكان يقول: لا تطلب أن يحصر مرشدك إلى الحق في حدودك فإنك إن لم تعرف أنه محيط بك فإنك تعرف أنه أكبر منك قياماً، وأوسع منك مقاماً، وكيف ينحصر الأكبر الأوسع فيما دونه حسبك أن يغلب حكمه عليك عيناً، وأثراً بحسب استعدادك فافهم وكان يقول: لا يخلو مخلوق من محبة الحق لعلة، وصدق المحبة فوق العلل فافهم، فلذلك كان لا يجد صدق المحبة للحق الأحق، وإذا وجدها لا يفقدها أبداً لا تبديل لكلمات الله فافهم، وكان يقول: ألسنة المحبة أعجمية على غير أهلها، وهي لأهلها لسان عربي مبين فافهم، وكان يقول: لا يصح تجردك عن نفس خلقك ما بقي لك شغل شاغل بمحبة مخلوق عن حقك فافهم، وكان يقول: دع الدنيا للغافلين، والبرزخ للجائزين، والجحيم للشياطين، والجنة للجان، وقل يا عباد الديان " سلام قولا من رب رحيم " " يس: 58 " وكان يقول: من تنبه لنقصه لم يقنع بالقال عن الحال، وكان رضي الله عنه يقول: إن التفت يميناً حجبتك الأنوار وإن التفت شمالا حجبتك شعب النار، وإن لم تلتفت وجدت حبيبك بلا حجاب، وكل حجاب عن الحبيب عذاب " ربنا اكشف عنا العذاب " "
(2/48)

الدخان: 12 " فافهم، وكان يقول: ما دمت بين أضداد فأنت في غلبة فإذا خلصت لما لا ضد له استرحت من هذه الغلبة فافهم، وكان يقول: لا يظفر بأستاذ إلا مخصوص عند الله لأنه يوصلك إلى الله فسلم له إن وجدته تسلم، وتغنم، وكان يقول: أستاذك بالنسبة إليك هو فضل الله عليك، ورحمته بك فتحققك به خير من جميع ما استفدته " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " " يونس: 58 " فافهم، وكان يقول: القلب بيت الرب عمارته وجد ساكنه وساكنه روحه، ولا يملك الكعبة، ولا يملكها مخلوق، وأنها تتردد إليها الملائكة، ويدخلونها من حيث لا يشعر البشر مثلا من ذلك أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله: " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله يأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون " " التوبة: 20 " فلم يجبهم مال ولا نفس " أعظم درجة عند الله أولئك هم الفائزون " بربهم فافهم، وكان يقول: من رأيته على عظم مرتبته، وعلو قدره عندك يتواضع لعظمة الله، ويتصاغر من خشيته علماً، وحكمة فالزم قدمه فإنه الذي ينفخ الأنوار النورانية في صور صورك وسلام على إسرافيل، وما أدراك ما إسرافيل: " والسلام على من اتبع الهدى " " طه: 47 " فافهم، وكان يقول: أثبت تنبت فما نبتت شجرة قط قطعت زمانها في التنقل من مغرس إلى مغرس فافهم، وكان يقول: لولا تناهت
صورة ما لا يتناهى في الإدراك ما أحاط بها الفهم فافهم، وكان يقول: إن أردت التحقق بالأحد فتهيأ لفناء مراتبك الخارجية كلها، وإن من دون ذلك أهوالا " وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " " فصلت: 35 " وكان يقول كن في مرتبة تحقيق ما في مرتبة تصديق واحذر ما دونهما خير من طريق فافهم، وكان يقول: في حديث إن الله يقول: لقوم يوم قيامتهم أنا اليوم رسول نفسي إليكم فهو إلههم بالإلهية، وهو رسولهم برسليته ومن كشف عن ساق إدراكه حجاب، وهمه البشرى لم ير الأمر إلا كذلك في كل مقام بحسبه فافهم وكان يقول: الصلاة من أذانها إلى سلامها صورة حال المريد من دعائه عن حجبه إلى رجوعه بربه إلى حجبه فافهم، التكبير صورة الإخلاص.
وهو مفتاح حرم المناجي فافهم " ومن شكر فإنما يشكر لنفسه " " النمل: 40 " ومن ثم افتتحت الصلاة بحمد الرب نفسه على لسان عبده فإذا أحبه فكان لسانه سقطت الوسائط فافهم، ولما رجع حجاب المناجي رأى قيومية الرب بعبده فكبرها عن المماثلة بقيومية العبد، فركع تعظيماً فكان ركوعه مظهر عظمة القيوم ثم قام فجدد الفاتحة بالحمد وهو كليم وربه سميع فلم يلبث أن أدركته الغيرة فأفنت بقية حجابية قيامه فسجد مسبحاً لأعلوية من تفرد بالقيومية حيث لا يشهد سواه فكان سجوده مظهراً علوية ربه في أقربيته، وقام فتمكن متحققاً بربه، وأخذ يرجع به إلى حجبه فأثبت أنه مسلوب المغايرة في قيامه وسلامه فقال التحيات لله، وهي التسليمات التي يبدأ بها الداخل في حضراته التي رجع إليها ثم دخل حضرته النفسانية الجامعة لكل الصور فقال السلام عليك، ورحمة الله، وبركاته السلام علينا، وعلى عباد الله يعني لكل عبد صالح فمن هو إذن، ومن النبي في شهوده فانظر ماذا ترى، وكيف اختصر لك في الصلاة مشهد الإسراء فافهم فإن العارف عين معروفه، والمحقق حقيقة ما حققه " والله بكل شيء عليم " وكان يقول ما حققت دائرة الخلق إلا لتعرف الحق بتفصيل أسمائه، وصفاته في مظاهر آثاره " كنت كنزاً لا أعرفي فخلقت خلقاً وتعرفت إليهم فبي عرفوني " ومصداق ذلك " وما خلقت الجن والآنس إلا ليعبدون " أي ليعرفون فكل من كان أعرف بحال الآثار كان أعرف بمظاهر الأسماء، والصفات، وكل من كان أعرف بمظاهر المسمى الموصوف كان أعرف بحقائق تلك المظاهر على قدر معرفته بالحقائق الظاهرة وكان رضي الله عنه يقول: كل نفس كلمة بالنسبة إلى جسمها، وكل عقل كلمة بالنسب إلى ذاته وكل معنى كلمة بالنسبة إلى عينه: " وكلمة الله هي العليا " فلكل مقام مقال، ولكل مجال رجال فافهم وكان يقول: من قتل نفسه الردية بالتجرد عنها أبدل مكانها نفساً زكية فإن قتل نفسه الزكية بتجريدها عن الدعوى بل عن شهود التنويه في الأمر لها مع الله تعالى، فإذا تجرد عن ذلك فقد تقرب العبد حينئذ إلى الله بنافلته، فأحبه فكان له بروحه مكان آنيته التي تجرد عنها بشهود وحدة هويته، وتلك الروح خير من تلك النفس الزكية زكاة، وأقرب رحماً فافهم وكان رضي الله عنه يقول: مهما تحققه المحقق عندك، فاعلم أن ذلك تجل من تجلياته، وأن الذي تعين به من ذلك في إدراكك تمثل
(2/49)

من تمثلاته وذلك المحقق هو أجل أو من أجل حقائق وجودك الذي قام بها في شهودك فافهم فإن المريد عين من عيون أستاذه بالنسبة إلى أستاذه، والأستاذ حقيقة وجود المريد بالنسبة إلى المريد والوجود في الكل واحد محيط، ولذلك يتحقق المريد بأستاذه في معاني الكمال وجوداً، ويتحقق الأستاذ بمريده في مدارك المتعرفين شهوداً.
ومن ثم قال: السيد الكامل لمريده الكامل: أنت مني وأنا منك يا علي فافهم.
وكان يقول: من كان لا يرى من أستاذه إلا وجه البشرية فلا يزيده ما كشف له من الحق المبين إلا إعراضاً، وتكذيباً، ونفوراً، ومن ثم لا تجد محققاً يظهر لقوم إلا من حيث يشهدونه، وما دام في ظهور المماثلة لهم لا يكلمهم إلا بلسانهم، ولا يزنهم إلا بكيلهم وميزانهم ومن ثم قال: النبي لعموم أصحابه: " لا تفضلوني على موسى " ثم بعد مفارقته لبشريته قال: لسان خواص أصحابه إنه أفضل من جميع المرسلين، والملائكة المقربين فقبل ذلك منه ببشاشة، وتصديق خالص من لو قال: له ذلك وهو في بشريته لارتاب، وهكذا كل ولي في حال ظهوره بشراً لا يقبل منه أكثر كشفه الصادق، ويقبل ذلك منه إذا تجرد عن بشريته، وألقاه على لسان صديقه فيقبل من المحبين في محبوبهم ما لا يقبل من المحبوب عن نفسه عند أهل حجاب المماثلة فافهم، وكان يقول: إن قال: لك قائل ما الذات فقل له: الذات، والوجود بديهيان فلا يسئل عنهما بما، ولا يطلبان بالتحديد فإن قال: أريد التنبيه فقل له: الذات ما به قيام كل حاكم، وحكم، ومحكوم فمهما أدركته من هذا فهو مما قام بالذات لا الذات فقد نبهتك على عجزك فإن قال: بين لي ما هو البديهي فقل له: الذات بما هو الذات كما قد سمعت معجوز عنه.
وهو بديهي، وليس ذلك إلا من جهة لا من جهات لأنه المقتضى لذاته أن يقضي، وما ثم إلا هو فيقضي بنفسه لنفسه، وعليها قضايا لا تتناهى لوجوب قضائه له بذلك وذلك على الطريقة التي يسميها علماء البيان تجريداً بيانياً فأنت إذا تجردت نفسك من نفسك طالباً ومطلوباً، وطلباً وذاكراً لذلك لا يمكنك تشابه، وناسياً له لا يتأتى منك ذكره ألست يقوم عندك بهذه الأحكام صور متقابلة لا يشغلك شيء منها عن شي فأنت حقيقتها جميعاً، وليست هي زائدة عليك بالحقيقة، وهي أغيارك، ومتغايرك هي في نفسها حكماً، ومعاملة فهكذا فافهم هذا فالذات من هذه الحقيقة القضائية تسمى الذات الوجود، وتسمى القضايا موجودات، ومراتب الوجود ثم الموجود جهات جهة ما هو الوجود مطلقاً، وعلمه اللفظي العربي من هذه الحيثية هو وجهه، وما هو الوجود المجرد عن كل ما يحكم بزيادته عليه واسمه العلم هنا هو هو وجهه ما هو الوجود المحيط تعيناً بكل موجود فهو ذات كل موجود، وكل موجود صفته، وتعينه، واسمه العلم الجلالة الغير المشتقة من شيء أصلا " الله " وأطال في ذلك بما لا تسعه العقول السليمة فضلا عن غيرها، والله أعلم، وكان يقول: في قوله تعالى: " فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين " " المائدة: 13 " وإذا أحبهم فيكونهم في مدارك المدركين فإذا أحببته كنته وقس على هذا فافهم انظر كيف لا يعبدون قالا، إلا من قام لهم بما يشتهون حالا فافهم ما منك إلا إليك ولا إليك إلا، ومنك " إن لكم لما تحكمون " وكان يقول: الجود سعة العطاء، والهبة إثبات العطية، وإتمامها على من أعطيها، والسماحة سهولة العطاء، والسخاء إعطاء المحتاج لتفريج ما به من العطية فافهم، وكان يقول: لما كان الوجود في دائرة الدلالة يظهر بموجوده سمى الموجود مظهراً، والوجود ظاهراً به في كل مقام بحسبه من هذه الدائرة، وكان يقول: لا يظهر لك الوجود حيث ظهر، وكيف ظهر، ومهما ظهر إلا من حيث هو وجود، وأنت لا تدرك ذلك، ولا شيئاً منه إلا بأنه وجودك المدرك لذلك بإدراكه من حيث إنه وجودك المدرك ما ثم شيء خلاف هذا " ألا إنه بكل شيء محيط " فافهم، وكان يقول: لما كان الحق تعالى لا يغفر أن يشرك به فكذلك مظاهره لا يغفرون أن يشرك بهم لأنه حقيقتهم الظاهرة المتمثلة بهم فهوهم، وهو قواهم، وأمورهم كلها أموره فإذا رأيت أحداً منهم يكره ممن يتعين عليه حبه وتعظيمه أن يحب سواه، ويعظمه كحبه، وتعظيمه فاعلم أن ذلك شأن الله الذي لا يغفر أن يشرك به ظهر به مظهره فافهم، واعرف والزم وكان يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم: " من اعترف بذنباً ثم تاب تاب الله عليه " أي لأن إنكار الذنب، والاعتذار عنه بالكذب تزكية للنفس المذنبة وشهادة زور، وتجهيل للمنكر منه المتعذر
(2/50)

عنده " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم " " فصلت: 23 " انظر كيف كذبوا على أنفسهم.
وهذا شيء نجده من نفوسنا أن المذنب إذا اعترف، وخضع رقيت له، وكرهت عقوبته، وتوبيخه بعد ذلك " قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم " والعكس بالعكس فافهم، وكان يقول: من ادعى له ملكاً دون سيده في شيء من الأمور فقد خان وافترى، وكان عليه فتنة، ومن اعترف بأن ما في يده لسيده جعله عاملا فيه فلا يستكثر عليه ما يكثر إلا جاهل وإنما الإنكار موضع الفتنة، والاستدراج على من زعم أن ما في يده له.
وتأمل قوله: صلى الله عليه وسلم: " أعطيت مفاتيح خزائن الأرض " فكان يعلم أن العبد كلما كثر ما في يده كثر فضله واتسع على غيره، وكثر فضل الله عليه فافهم فإضافة الأموال إلى العبد كإضافة الإقليم إلى العامل عليه والله أعلم، وقال في قوله تعالى: " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم " أي لأنهم مع اعترافهم بأنه الله وصفوه بالنبوة لمريم، ولأنهم وصفوه بالله في الزمن القديم الذي ليس هو موصوفهم فيه فإن موصوفه بوصف الحق المبين من حيث وجهه المحمدي، ولا يسمى في كل زمن إلا موصوفه من الوجه الذي ظهر به منه سيما، وهذا الوجه المحيط بجميع الوجوه العينية الإلهية الفرقانية عيسى، وسواه ولأنهم وصفوه بالله، ولم يقوموا بمقتضى الإيمان بقوله: " ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " " الصف: 6 " وقوله: " اعبدوا الله ربي وربكم " يعني الظاهر بوجه المحمدي فافهم، وأطال في ذلك، وكان يقول: لما كان الروح الخضري مشوباً رحمانياً رحيماً من سريان سر الأحدية في دائرته، ومقامه بحسب مرتبته قال: لذي النسبة الربانية الإلهية في زمنه " إنك لن تستطيع معي صبراً " الكهف: 67 " كقوله: بلسان حقيقته " لن تراني " فإنه منه، لقاليه مأثم إلا هذا فافهم كيف يستطيع الصبر ذو مقام معلوم لا يعرف، ولا يألف سواه، وما ناسبه مع من لا مقام له فهو كل آن في شأن ألا ترى أن الذي لا يعهد له في النفس روعة فإذا ألف، واعتيد زالت فافهم، وكان يقول: ما دامت الملوك مطيعة للأولياء الذين هم العلماء بالحق، وأمرهم بينهم نافذ قائم فأمرهم فالح ونظامهم صالح، ونورهم واضح، ومتى انعكس الأمر انتكسوا لأن الأولياء هم ورثة الأنبياء على التحقيق، وأما حملة العلم المولدون للمسائل على وفق الأغراض، واتباع الأهواء فليسوا من هذا الأمر في شيء وإنما هم كما وصف الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، فالصواب الانتفاع بمحمولهم من غير تحكيم لهم، ولا رجوع لرأيهم، ولا تمكين لهم من تصرف إذ الحمار للحمل وللانتفاع لا لأن يحكم أو يسمع له، أو يطاع فافهم.
قلت: ولعل مراد الشيخ قوماً ينتصرون لأهوائهم بالباطل كالواضعين للحديث ترويجاً لبدعهم وليس المراد بهم هؤلاء العلماء الذين نصبهم الله تعالى لإقامة الشريعة والله أعلم، وكان يقول: أئمة الهدى في الحقيقة أرواح مقدسون يتحولون في بشرياتهم فمن نظر إلى ظاهرهم تحير، ومن نظر إلى نور بواطنهم تبصر، والله أعلم.
وكان يقول: ورثة النبي صلى الله عليه وسلم في كل زمان هم أنوار أزمنتهم سراجيتهم المقتبسة بالتخصيص لهم من سراجية المشار إليه بقوله: " وسراجاً منيراً " فما داموا ناطقين ظاهرين فالنور ظاهر شائع، والأبصار مدركة، والفرق واضح بين المفاسد، والمصالح، ومتى سكتوا عن بيان الحق تلفوا، وتحيروا واختلفوا فلا تقابل سراج زمانك بالأهواء، وارع له حقه تدم لك الأضواء فافهم، وكان يقول: من شرط إمام الهدى أن يهاجر بهمته عما تشتهي الأنفس البشرية ألا ترى إلى آدم عليه السلام ما أعطى الخلافة إلا لما هاجر من الجنة، وما فيها من شهوات النفوس إلى الأرض وهكذا كل من أريد لحق فإنه لا يقوم به حتى يخرج، ويهاجر بهمته عما يشغل عنه " فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله " " النساء: 89 " فافهم وكان يقول: إذا قال الجمهور عن عارف لم لا يظهر معارفه العزيز الإلهية إلا في مقام خاص بين قوم خاصين، ولم لا يظهرها للناس، ويتكلم بها على الجمهور إن كانت حقاً كما يزعم فقل لهم افهموا هذا المثال الدنيا غابة، والنفوس المحجوبة عن حقائق الحق المبين فيها سباع، ووحوش كواسر، وصاحب القلب السليم أو السميع الشهيد بينهم كإنسان دخل ليلا في تلك الغابة، وهو حسن الكلام، والقراءة، والصوت.
فلما أحس بما فيها من السباع، والوحوش آوى إلى شجرة يختفي فيها منهم، ولم يجهر بالقرآن يتغنى به هناك حذراً منهم فهل يدل اختفاؤه عنهم على أنه حكيم أو على أنه غير إنسان لا والله لأنه لو تراءى
(2/51)

لهم أو أسمعهم صوته، وقراءته لم يهتدوا به، ولم يفهموا عنه، وسارعوا إلى تمزيقه، وأكله وكان هو الملقى بيده إلى التهلكة فافهم هذا المثال، وقل للمعترض المذكور قد قال الله تعالى، لمحمد صلى الله عليه وسلم " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " فأمره أن لا يجهر بالقرآن بحيث يسمعه الجهلة المنكرون فيسبون بجهلهم، ولا يخفيه عمن يؤمن به فهل يدل إخفاء النبي صلى الله عليه وسلم قراءته عن الجاهلين المنكرين على بطلان قراءته أو يقدح في حقيقته ثم إذا تهيأ لهذا العارف أسباب إظهار أمره بما ينقهر له المنكرون، ويقرون له طوعاً أو كرهاً، فحينئذ يظهر عرفانه في الملأ اتباعاً، واقتداء بإظهار القرآن عند تهيؤ أسباب إظهاره بكثرة أنصاره، وتمكينه كما أن الإنسان لا ينبغي له مقابلة السباع، والظهور لهم حتى يتهأ له أسباب القهر لهم من قوة مكة، وأنصار فإن قال: المعترض فلم لا يترك هذا المعارف إظهار معارفه، ويدخل فيما فيه الجمهور حتى يتمكن، ويقوى فيكون أسلم له فقل له: إن ورثة النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالفون أمره لأن نوره إمام نفوسهم فحيث سلك سلكوا، فكما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معه من الحق، وكتمه عن الجهلة المنكرين حتى أتاه أمر الله تعالى بإظهار ما معه، فكذلك ورثته، وقل للمعترض أيضاً أرأيت لو أنكر المجانين على رجل عاقل مخالفته لأمرهم أينبغي له أن يوافقهم على جنونهم فيتجنن مثلهم، ويذهب نور عقله حتى يألفوه، وهو يمكنه الفرار منهم بعقله، وقل له: أيضاً أرأيت الإنسان الكائن بين الكلاب الضواري إذا لم يرضوه بينهم حتى يمشي مثلهم مكباً على وجهه ويعوي كعيهم أينبغي له أن يفعل ذلك ليقيم بينهم، ويألفوه، وهو يمكنه الفرار عنهم، والحذر منهم مع بقائه على طريقته الإنسانية لا، والله لا ينبغي للقادر على الخير أن ينسلخ منه ليرضى أهل الشر ويقيم معهم " والله ورسوكم أحق أن يرضوه " " التوبة: 62 " إن كانوا مؤمنين إلى آخر النسق، فنعوذ بالله أن نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، فافهموا أيها المريدون، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون، وإياكم أن يلبسوا عليكم دينكم بجدالهم في الحق بعد ما تبين، ومن عرف الحق فيلزم، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: أقل حال المريد مع أستاذه في حياته أن يكون لأستاذه كالأم لواحدها يؤثره بالراحات، ويحمل عنه المشقات، ويحبه على جميع أحواله، وهكذا يكون الأستاذ لمريده في معنوياته فافهم، فإن إمام هدايتك يهتم بأمرك عند ربك أكثر من اهتمامه بنفسه فهل يرحمك هكذا أب أو مألوف سواه، وتأمل في قول موسى عليه السلام عن عصاه " وأهش بها على غنمي " " طه: 18 " يقل أخبط بها حاجتي من الثمر، وإنما فكر أمر رعيته ذكر شكر في حضرة النعم، وما قال: " أتوكأ عليها " إلا إظهاراً للضعف، والعجز فافهم " هدى ورحمة للمحسنين " " لقمان: 3 " إنما أجمل ماله فيها من المآرب كي لا تحصرها مرتبة عددية فيكون إمدادها محصوراً، فهكذا إذا لم يعد ذلك أستاذك خدمك، فاعلم أنه أراد أن يجبرك من كسر نقص الحصر إلى كمال الإطلاق " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " " الزمر: 10 " فتأمل ذلك وكان يقول: الحق هو الوجود الثابت على مرتبته، والحقائق لا تنقلب فكلها حق حتى الباطل في أنه باطل هو حق " ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن " " لقمان: 30 " الآية فافهم، وكان يقول: المقصود الخلوص من حكم الحجاب لا من صورته ألا ترى الزجاجة، وسائر الأجسام الشفافة كيف هي صورة حجاب يمنعها وصول الأجسام إلى ما في باطنها وليس لها حكم الحجاب بالنسبة إلى ظهور الضوء المختزن فيها، ونفوذ البصر إلى ما في باطنها، وانظر إلى قوله عليه السلام " فرفع لي كل حجاب " أي خلصت من منع كل مانع وصورته إلا حجاب العزة التي تلي الرحمن، وهو مظهر حكم العبودية قال: في الحديث " فخرج ملك من الحجاب فقال الله أكبر الله أكبر فقال من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر " فانظر كيف حصل في صورة الحجاب، ورفع عنه حكمه حتى عرف المتكلم من وراء الحجاب فبحق قال: " وما صاحبكم بمجنون " أي ما هو بمجنون والله أعلم.
وكان يقول: في حديث خزائن الله في الكلام ليس في الكلام إلا المعاني التي يأخذ منها كل فهم بوسعه، ويلهم الحق منها كل مدرك ما يناسب استعداده، وانظر إلى صواحب زليخا كيف قالوا في يوسف " ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم "، وأما الأغيار، فلم يروه إلا فتى زليخا وأما زليخا، فما ظهر لها عند مشاهدته إلا الحق فقالت " العزيز الآن حصحص " " يوسف: 51 " أي ظهر، وتجلى لها عين معنى قول الملائكة لجده إبراهيم عن
(2/52)

جده إسحاق " بشرناك بالحق " بعد ما سموه غلاماً عليماً، والولد سر أبيه، وهذا هو المراد بإتمام النعمة عليه، وعلى آل يعقوب ثم إنه عرفه أن الربوبية له من دائرة العليم الحكيم فقال: " إن ربك عليم حكيم " فافهم، وكان يقول: يوم من أيام الأستاذ عند ربه كألف سنة مما يعد المريدون عند ربهم، وكان يقول: أنوار المريدين رقائق أنوار أستاذهم وأنوار الأستاذين حقائق أنوار مريديهم فكما أنه ليس في مرآة البحر إلا الشمس فيضيء الليل كله كذلك ليس في المريد الكامل إلا أستاذه، فيفيده المدد القبولي كله فافهم واعرف والزم تغنم، وكان يقول: أدنى التقوى الاحتجاب بالحسنات عن السيئات، وأعلاها الاحتجاب بالحق تعالى عن الخلق، وغايتها الوافية الاحتجاب بشهود الله الأحد عن رؤية سواه فافهم، وكان يقول: في حديث " إن الله خلق الأجسام في ظلمة ثم رش عليهم من نوره " معنى كون الأجسام في ظلمة أنها مراتب إيهام، وإبهام نشأ بها من حيث جرمها الوهم البهيم، والنور المرشوش عليها هو الروح، فمثال الأجسام على الأرواح المرشوشة فيها من نور الله كنقاب أسود مغبر على وجه مبهج أقمر فمن لم ير من ذلك الوجه إلا نقابه لم يبتهج، ولم يجد سروراً، وكذلك أولياء الله تعالى من رأى أجسامهم لم يبتهج بهم بل لم تزده تلك الرؤية إلا غفلة، واستغراقاً في سوء الظنون بهم، وقلة الأدب معهم، وما ذاك إلا أنه حجب برؤية الحجاب عن رؤية الأحباب، وأطال في ذلك، وكان يقول: إذا وجدت من كمالاتك في نظامه ووسائلها من حكمه، وأحكامه، فاعلم أنه مولاك، ومريبك بوجوده، وأستاذك، وإمامك، ووليك بموجوده فمن أي الجهتين شهدته فعامله على شاكلة شهودك، ولكل مقام مقال، وكان يقول، إذا تجلى سر الوجود بمخصوص في زمان فقام به نادى منادي تخصيصه في ملأ الأرواح، والمعاني: " إن لله تعالى قد بني لكم بيتاً فحجوه "، فتأتي وفود المعاني، والأرواح إلى ذلك الناطق من كل فج قريب، وعميق ليشهدوا منافع لهم بالتكميل بين يديه.
ويذكروا اسم الله الذي يلقيه إليهم زيادة إلهية على ما رزقهم قبل ذلك وأطال في ذلك، وكان يقول: جميع ما تراه من المحقق راجع إليك فمن رآه زنديقاً فذلك الرائي هو الذي سبق له في الغيب الأزلي أنه زنديق لأن المحقق مرآة الوجود، وإن رأى أنه صديقاً فهو الذي سبق له أنه صديق، وأما حقيقة ذلك المحقق فلا يراها إلا، وهو في كماله أو من هو محيط به فافهم واعرف الحق لأهله، واشهده في مظاهره، والزم القيام بحقه على قدر طاقتك تسلم، وتغنم والله تعالى أعلى، وأعلم وكان رضي الله عنه يقول: في قوله تعالى: " ما ودعك ربك وما قلى وللأخرة خير لك من الأولى " " الضحى: 3 و 4 " القلي البغض والتوديع البعد أي عدم قلاه لك خير لك من عدم توديعه لك فما ودعك ربك هي الأولى من هاتين الكلمتين، وما قلي هي الآخرى منهما.
وإنما كان كذلك لأن البعد مع المحبة، والرضا خير من القرب مع البغض، والغضب فافهم فمن جعل آخر أمره في كل حال خيراً له من أوله فهو محمدي له نصيب من كنز " وللآخرة خير لك من الأولى " " الضحى: 4 " وأطال في ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: الذات شيء واحد لا كثرة فيه، ولا تعدد بالحقيقة، وإنما تعدد الذات باعتبار تعينها بالصفات تعدداً اعتبارياً فقط، والتعدد الاعتباري لا يقدح في الوحدة الحقيقية كفروع الشجرة بالنظر لأصلها فافهم، وكان يقول: في حديث " من أغبرت قدماه في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين عاماً " يدخل فيه من مشى مع ولي لوجه الله تعالى، وابتغاء مرضاته فإن الله تعالى يبعد وجهه عن النار حقاً فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " منكم من يريد الدنيا ومنكم تن يريد الآخرة " " آل عمران: 152 " أي ومنكم من يريدنا لا يريد سوانا.
وفي الآية دليل على أن المؤمن قد يريد الدنيا، ولا يقدح ذلك في أصل إيمانه قال: وكل من كان طلبه النعيم الجثماني بعد الموت، فهو يريد الدنيا فأهل الله تعالى مجردون عن المقامين، فلم يريدوا الدنيا، ولا الآخرة لتعلق همتهم بلا أين، وما لا يقبل الشركة، والعين لا ينقسم إلى اثنين لأن الأحدية الفردية أمر ذاتي له لا قبله، ولا بعده، ولا معه عدد، وأطال في ذلك وكان رضي الله عنه يقول: كما أن للعبد من مولاه وجوداً فكذلك للمولى من عبده شهود " أنت مني وأنا منك " فافهم، واعرف، والزم والله أعلم، وكان يقول: المراد من العبد ذله الذي يظهر به عن ربه، ولذلك أمر بالتعبد، فافهم فإذا فعلت ما يريده منك ربك فعل لك ربك ما تريده منه فاجعل مرادك منه هو " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " " الحجر: 99 " فافهم، وكان يقول: إذا بعت نفسك لمظهر من
(2/53)

مظاهر الحق المبين الهادي، فلا تخف عنه شيئاً من عيوبك فإن البائع إذا بين، وصدق بورك له في بيعه، وإذا كذب، وكتم محقت بركة بيعه، والمشتري إذا اشترى بعد بيان العيب لم يبق له أن يرد السلعة، وإذا اشترى من غير بيان كان له الرد، ومن ثم جاء في الخبر الصحيح " من اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه " فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: متى رأيت مظهراً من مظاهر الحق المبين في وصف من الأوصاف، فتوجه إليه بقلبك بوجه صدق، ومحبة، واجعل نفسك له عبداً خالصاً لله، فإن لسان الحال منه ينادي على أسماء الأفهام في ذلك الوقت " قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " " المائدة: 119 " وحسب الذي صار عبد الله أن العبد من مولاه، وكفي من كان محباً لله أن المرء مع من أحب فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه " أنت مني وأنا منك " أي أنت مني وجوداً فإني أنا المتعين بك لنفسي، وأنا منك شهوداً لأنك الذي توجدني عرفاناً للمؤمنين المتعرفين، وبذلك حصلت بينهما الأخوة في إفادة كل منهما الآخر فقال له: " أنت أخي في الدنيا والآخرة " أي في زمن ختم النبوات، وفي زمن ختم الولايات، وكان يقول: عقل نفس المتعلم إنما هو تمثل عقل المعلم الفعال في تلك النفس عند ملاحظة مفيد، ومستفيد، وكان يقول: لسان حال كل أستاذ ناطق بالحق المبين يقول: لكل مريد صادق تقرب إلي حتى أحبك، فإذا أحببتك رأيتك أهلالي فظهرت فيك بما أنت مستعد له فافهم، وكان يقول: ما وجود المريد الصادق الذي هو به حق إلا عند أستاذه الناطق بالحق المبين، فإن تحقق المريد بأستاذه كان حقاً، وإلا فلا يزال خلقاً فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: وهو في عام أربع، وثمانمائة لم أجد إلى الآن مريداً صادقاً يتقرب إلى حقيقة حقه عندي بالنوافل حتى أحبه، ولو وجدته لوافيته بحقه فأحببته فكنت هو فكيف بمريدي على المطابقة والتمام.
وكان رضي الله عنه يقول: في حديث " أبو بكر مني بمنزلة السمع وعمر بمنزلة البصر " وبايع عن عثمان رضي الله عنه بيعة الرضوان بيده الكريمة، وقال: اللهم هذه يد عثمان فعثمان منه بمنزلة اليد، وقال: لا يبلغ عني إلا أنا أو علي فعلي لسانه، واللسان أخص المراتب بالناطق فلذلك قال: علي رضي الله عنه أنا الصديق الأكبر يعني للحق المحمدي الصادق عليه لا يقولها بعدي إلا كاذب، ولما كان اللسان باب مدينة روح الكشف.
والبيان جاء في الخبر: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وهذا الخبر وإن كان في سنده مقال فإن شاهد الحال يشهد به، وهو الثقة الأمين، فافهم، وقال: في قوله: " ونحفظ أخانا ونزداد " " يوسف: 65 " إذا وجدت أخاً في الحق فاحفظه تزدد به ممن آخيته من أجله، فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا جنت إلى أئمة الهدى، فلا تأتهم إلا لتهدي بهم، ولا يحصل ذلك إلا أن ترى نفسك على غواية، وأنت مضطر إلى كشف غمتها بنور روح الهداية " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " " النمل: 62 ".
وكان يقول: من قام به روح العليم الحكيم تمام القيام، فهو آدم عباد الله تعالى في زمانه فيجب عليه القيام بمصالحهم كما يجب للأولاد على أبيهم، ومن ثم لم يسع الأقطاب، وأئمة الهدى أن يعتزلوا الناس، ويقطعوا عنهم مدد رحمتهم ورشد حكمتهم، فحاشا مثلهم أن يضع من يقول: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " " البقرة: 233 " ولولا أوجبت لهم الرحمة ذلك، وإلا فلم صبروا على ما كذبوا، وأوذوا ولكن كتب ربكم على نفسه الرحمة فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: لو لم يصر صدر أبي بكر من رق، وهمه عتيق لم يسع ما صبه الصدر المحمدي فيه من التحقيق، وهذا أصل تسميته عتيق فافهم، وكان يقول: من أراد أن يظهر في هذا الوجود دون سيده، فجزاؤه الخفاء عكس ما قصدوا من طلب الخفاء ليظهر مجد سيده جوزي بالظهور وتفرد الكلمة فافهم، وقال: في قوله تعالى: " قل كل يعمل على شاكلته " " الإسراء: 84 " هي مرتبته الوجودية فلا يمكن كائناً أن يخرج عن حكم مرتبته الوجودية، وانظر كيف من شاكلته مرتبة جهل وحجاب كيف كلما توغل في الفنون العلمية، وتبحر في الكشوفات النظرية لا يزيده ذلك إلا شكاً في الحق، وبعداً عن الصواب، ومن شاكلته مرتبة علم، وكشف كلما اعترضته الشكوك، والأوهام انفتح له فيها أعين يبصر بها الحق، ويرى بها الصواب إما بإلهام أو بفهم عن تعليم، وانظر من شاكلته شاكلة صنعة كيف يتكبر فلا يزداد بتكبره في النفوس إلا ضعة، وهو مذموم موزور، وآخر مرتبة شاكلته عز فلا يزيده التواضع إلا عزاً، وهو ممدوح مأجور فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: وجه الحق
(2/54)

في لسانهم هو الوجه الذي شهدته من أستاذك، فهو الوجه الذي تعرف الحق به إليك فافهم وكان يقول: أول من وصف بالحسد بغياً، والغرور حقداً وسوء الظن بربه، والتحكم على أمر سيده ومعارضة علمه، واختياره بهواه، ووهمه هو إبليس، فمهما وقع ممن بعده شيء من ذلك فهو قرين إبليس فإن لم يعمل بقول: ذلك القرين فهو محفوظ منه، وإلا فهو مصروع معه، وكلما قلت: قرناء السوء كثرت القرناء الكريمة، فافهم، وكان يقول: المعاني أرواح الأعيان، فما أرواح الكلم إلا ما تبين فيها من الأحكام، والحكم، وعلى قدر علو هذه المعاني يكون حياة كمال هذه المعاني فمن منع العارفين بإنكاره العنيف أن يبينوا في الحديث الكلامي ما يأتون به من معنى لطيف، أو روح شريف فإنه عدو ذلك الكلام يجهله يريد أن يذره ميتاً دارساً.
وهو يحسب أنه يحفظه من اللغو والتحريف، فيا أيها العارف إذا رأيت من هذا شأنه، فأنزله إلى اللفظ الذي ليس عنده من الحق سواه وائت أنت بمواجيدك، وما أحوج العارفين إلى التعرض من إظهار معارفهم في مظاهر ظواهر النصوص التي ليس مبدأ المنكر من الحق سواها فإن نفوس غالب الناس كثيفة، ومشاهد الحق شريفة، ولا يؤذي الأستاذين بالإنكار إلا أصحاب النفوس الكثيفة، فافهم، وكان يقول: مدد أمر الأستاذ حبة وضعها في أرض قبول تلميذه وسقاها بتفهيمه، وتأييده فمهما ظهر من التلميذ أو عنه من ذلك فهو من ثمرات تلك الحبة، ونتائج الحبة، وثمراتها، وإن كثرت إنما هي ملك لغارس الحبة في أرض يستحقها، فكل ما للتلميذ من أمر رشد فإنما هو في الحقيقة حق لأستاذه، فلا يظن مريد أنه ظفر بشيء لم يظفر به أستاذه، ومن ظن ذلك فهو جاهل، وكان يقول: انظر إلى السحاب كيف يتفرق، وينحط لجهة التراب، فاجعل نفسك بالعبودية تراباً يخدمك من جعل نفسه بالرياسة سحاباً فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: التراب محل الراحة " ومن آياته أن خلقكم من تراب " " الروم: 20 " وانظر إلى الإشارة في تكنية علي بأبي تراب تجد العلو في التنزل من لم يطرح نفسه في التراب لم يسترح فافهم.
وكان يقول: في قوله: " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً " " الأعراف: 143 " لولا وجد التجلي ما اندك فإذا وجدت من خشع للحق جهراً، فاعلم أنه قد وجد الحق فلذلك خشع، وإن لم يشعر هو، واحفظ له حرمة ذلك الوجد تسلم، وتغنم، وكان يقول: من شهد أن الأمر كله لواحد ما ثم فعل غيره، وإيجاده مطابق معلومه، ومراده لم ير في العالم إلا صدقاً مطابقاً، فليس عنده في العالم إلا الصدق لا ضده فافهم، وكان يقول: من شهد أن الوجود لا يمكن أن يقوم به نقيضه، ولا واسطة بينهما لم يشهد في الوجود إلا حقاً، وأن يظن شيئاً بعد ظهوره لشيء أو ظهر له بعد بطونه عنه ومتى تم لهذا شهوده، وكمل لم يشهد إلا واحداً، وشاهده مشهوده فافهم، وكان يقول: من حدد عدد ومن جرد وحد، ومن تمكن من التصرف بالحكمة في أحكام الأمرين أطلق، وقيد، وذلك هو الحق المبين، وكان يقول: صور الخيرات ملكية، وصور الشر شيطانية، فأيما صورة شر عرض لها ما به تكون حسنة فإنها شيطان أعان الحق عليه فأسلم، فهو لا يأمر صاحبه إلا بخير مثال هذا صورة الكذب شيطانية فإذا كذب لإصلاح ذات البين أو لإقامة حق من حقوق الرب كحق دم أو نصرة مظلوم أو كف ظالم عن ظلمة، وما أشبه هذا، فتلك الصورة الشيطانية حينئذ مسلم لا يأمر إلا بخير، وقس على هذا فافهم، وكان يقول: إذا ظهر الوجود في موجود بوصف أحب أن يوافق، ومتى خولف فارق، فمن ثم لا تعيب على موجود أمره إلا كره منك ذلك، ولا يقبل منك إلا أن تسلم له " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه " فافهم، وكان يقول: الجنان درجات أعلاها الفردوس التي سقفها عرش الرحمن الرب الأعلى الذي يطعم، ولا يطعم، ومنه يأتي لأهل كل جنة ما لا عين منهم، ولا ممن دونهم رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من أولئك فالعرش عنده ما لا يعلمه إلا رحمانية الحق المجرد، والفردوس عنده من الرحمن ما جاءه بواسطة العرش، فلا يطلع عليه إلا العرش، وأهله، والجنة التي سقفها الفردوس عند أهلها من الرحمن بواسطة الفردوسيين ما لا علمه، ولا أدركه إلا أهل العرش، وأهل الفردوس، وهكذا إلى آخر الزمان، فأدناها أعناها عطاء، وأعلاها أعلاها علاء، وأهل كل جنة يرون سقفها عرش الرحمن لأنهم لا يرون ربهم الرحمن إلا في مظاهره وأطال في ذلك، وكان يقول: في قول
(2/55)

أبي يزيد رضي الله عنه حججت فرأيت البيت، ولم أر رب البيت ثم حججت ثانية، فرأيت البيت، ورأيت رب البيت ثم حججت ثالثة فرأيت رب البيت، ولم أر البيت انتهى لو أن أبا يزيد عرف الحقيقة حق معرفتها لأنزل كل شيء منزلته، ولم يغب عنه أن الكل واحد إذا رأى العدد، ولا غاب عنه العدد إذا رأى الواحد فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " ورب المشرق " " الصافات: 5 " أي حله في كل دائرة مشرق لا يعرفه أهل تلك الدائرة إلا من ذلك المشرق، ولا تسجد له إلا من تلك الجهة، فالفقهاء مشارق الربوبية للجحميين، والصوفية مشارق الربوبية للفقهاء، وأهل الذوق الباطن مشارق الربوبية للصوفية، وهكذا إلى أعلى المشارق، وهم نواطق التحقيق، فلا يحاول من عبد سجود الرب إلا إن أتاه من مشرق دائرته، وهو الصورة التي إذا أتاه فيما فوقها قال: له أعوذ بالله منك ما أنت ربي، فإذا تحول له فيها قال: أنت ربي، وخر له ساجداً لأنه تحول له في الصورة التي يعرف بها، وفيها فافهم.
وكان يقول: قال: بعضهم في حديث " ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وقد بينته لكم " إلى آخره، فعلى هذا كل شيء لا يوجد في الكتاب، ولا في السنة، فليس بخير، ويؤيده " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " قلت: هذا صحيح لو قام دليل على أن كل ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، ودل عليه نقل عنه، وبلغنا لكن الصحابة رضي الله عنهم قد اعترفوا بأنهم نسوا كثيراً وأخفوا كثيراً شيئاً رأوا المصلحة في إخفائه، مع هذا كيف يعرف أن مالا، وجدنا له ذكراً فيما بلغنا من السنة ليس مما بينه، ودل عليه الشرع، ولم يبلغنا، وإذا لم نعرف ذلك فكيف نحكم أنه ليس بخير لكن الحق أن ما وجدنا له أصلا، ولو على بعد، ولم نجد صريحاً يبطله، فهو خير، وما لا نجد له أصلا ولا مبطلا فهو موقوف موكول أمره إلى الله تعالى، وما وجدنا له مبطلا، فالأصل بطلانه لذلك حتى يأتي ما يصححه، ولعل من قال: بصحة العمل بالإلهام فيما يبطله بعض العمومات أو النصوص يخصص تلك المبطلات بقصة الخضر عليه السلام، وأمثالها، ولقد أنصف من قال: في أصحاب الأحوال إننا نسلم لهم أحوالهم، ولا نقتدي بهم حيث لم نجد ما يبطلها، ولا ما يصححها.
وكان يقول: من توهم في نفسه الكبرياء، والعظمة فلا فرق بينه، وبين من قال " إني إله من دونه " وكفي بذلك افتراء، وكان يقول: في حديث " أعوذ بك أن أغتال من تحتي " أي أعوذ بك أن يتغلب من مرتبته دون مرتبتي علي بتحكه حتى يخرجني من نفوذ حكمي بالدخول في قيود حدود مرتبته فهذا هو الاغتيال من تحتي، وهذا هو حقيقة قوله تعالى: " جعلنا عليها سافلها " " هود: 82 " فافهم، وكان يقول: المحقق المجرد المطلق يخاطب كل أهل مرتبة بلسانها وكل شيء عنده بمقدار، فيخاطب أهل الخبر بخبرهم، وأهل النظر بنظرهم، وأهل الذوق بذوقهم، وكان يقول: علامة الذكر بالحق أن يأتيك من الحق بما إذا بينته لك تجلى في قلبك ثابتاً كأنه لم يزل متحققاً عندك إلا أنك نسبته بعارض ثم لما بين لك بذلك البيان ذكرته، فذكر إنما أنت مذكر فافهم، وكان يقول: في قوله: " فإن أتبعتني فلا تسألني عن شيء " " الكهف: 70 " الآية أي لأن كمال التابع أن يتحقق بمتبوعه وطريق ذلك المحبة، والتعظيم، ومن توابعها مطابقة إرادة المحب لإرادة محبوبه، فلا يسبقه بقول: ولا فعل، وأيضاً، فإن التابع إذا سأل متبوعه عما لم يحدث له منه ذكراً، فقد يقتضي حكمه المتبوع أن لا يجيب التابع عن ذلك، فإن أجابه حصل الضرر بمخالفة الحكمة، وإن لم يجبه، فلا يؤمن من ثوران نفس التابع فيكدر عليه صفاء المودة، ويقطع عليه طريق المطلوب من متبوعه فافهم، وكان يقول: الذكر البيان: وهو إلهي ذكر من الله، ورحماني ذكر من الرحمن، ورباني ذكر من ربهم، ورحمة ذر رحمة ربك، ولم يوصف في لسان القرآن بالحدوث من هؤلاء إلا ما دون ذكر الله تعالى، فأيما فيكر وصف بالحدوث فهو من إحدى تلك الدوائر فافهم، وكان يقول: ليس لك من كلام العارف الحق إلا ما فهمت منه، وليس لك منه إلا ما شهدته فيه، فاعمل على أن تتحقق بأستاذك، فتقوم حقاً لا خلقاً فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى " " البقرة: 260 " الآية الكلام عليها من وجهين أحدهما ما يقتضيه ظاهر اللفظ، والثاني ما يقتضيه حقيقته، فأما الأول ففيه أسئلة: الأول ما الحكمة في كون إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع فضله على الذي مر على القرية، وهي خاوية سأل أن يريه ربه كيف يحيي الموتى وذلك
(2/56)

أرى ذلك بلا واسطة سؤال، فقيل له ابتداء " وانظر إلى العظام " " البقرة: 259 " الآية، والجواب أن الذي مر على القرية حصل منه سؤال من غير تعيين مسئول منه فقال: " أنى يحي هذه الله بعد موتها " " البقرة: 259 " وذلك إما لغفلته أو لجهله إن لم يكن نبياً أو لشغله بالتعجب إن كان نبياً أو غير غافل، ولا جاهل، وأراه الله ما أراه بياناً كشفاً من حيث يظهر أنه إجابة لسؤاله، وأراه ذلك بعد أن أماته مائة عام ثم بعثه، فلم ير ذلك إلا في حال بعث الموت.
وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فتوجه بسؤاله إلى الحق قصد الكمال حضوره وأعطى مسئوله إجابة لسؤاله على الفور كما دل عليه قوله " فخذ " فأتى بالفاء المقتضية للفور تنويهاً بالاعتناء بأمره، وإظهاراً لكرامته، ورأى قبل الموت، والبعث منه ما لا رآه ذلك إلا بعد البعث من الموت فظهر فضله بذلك على الذي مر على القرية. السؤال الثاني فيما وقع الاستدراك بقوله: " ولكن ليطمئن قلبي " " البقرة: 260 " وما المراد بالاطمئنان للقلب هنا.
والجواب أن الاستدراك، وقع من نفي كون السؤال لعدم الإيمان تقرير كونه لاطمئنان القلب فقط، والمراد بالاطمئنان السكون من قلق التشوف لحصول هذا المسئول عنا والتشوف لقضاء الوطر منه لا السكون من قلق تردد وشك فيه السؤال الثالث ما وجه تقريم يوجبه مقابلة سؤاله هذا بأن يقال له " أو لم تؤمن " وقد سبق الإخبار عنه بأنه المصطفى في الدنيا، وأنه في الآخرة لمن الصالحين، والجواب أن أرني تستعمل تارة في طلب مشاهدة كيفية المعلوم المتحقق بالبرهان ليتحقق مع ذلك بالعيان، ويستعمل أيضاً هذا في الإفحام، والتعجيز لعدم اعتقاد وجود صاحب ذلك الكيف أو إمكانه كما تقول: لضعيف ادعى حمل صخرة وحده كبيرة أرني كيف تحملها، وأنت تعتقد أنه لا يستطيع حملها، ولا يمكنه، وإبراهيم عليه السلام لم يرد هذا الثاني، ولا بطريق توهمه، وإنما اقتضت حكمة الرب بعباد أنه قال لإبراهيم " أولم تؤمن قال بلى " " البقرة: 260 " فحفظ عباده المؤمنين بذلك عند سماع هذه الآية من أن يخالطهم الوهم بذلك الظن السوء في حبيب من أحباب الله فيهلكوا ولا يشعرون، ويجوز أن يكون وقوع هذا السؤال قبل الإخبار بآية الاصطفاء والله أعلم. السؤال الرابع ما الحكمة في تعيين الأربعة دون غيرها من العدد وما الحكمة في تعيين جنس الطير دون غيره، والجواب أن عدد الأربعة أجمع للأعداد لأنه مجموع من الفرد البسيط، وهو الواحد، والفرد المركب، وهو الثلاثة، والزوج البسيط، وهو الاثنان، والزوج المركب، وهو الأربعة فكان فيه تذكير بقيام الخلق لربهم مثنى وفرادى. مثنى: اثنان بسيطان واثنان مركبان. وفرادى: فرد بسيط. وفرد مركب، وفيه تذكير بأصناف المبعوثين أيضاً فمنهم كافر، ومنهم مؤمن ظالم لنفسه أو مقتصد مخلط أو سابق بالخيرات، وإنما خص الطير لأن أشد الحيوانات نفوراً، وأقدرهم على الفرار، والتباعد عما ينفرون منه، فإذا دعا هذا الجنس، وأجابه، وأتاه يسعى كان ما دونه أولى، وكان ذلك أعظم آية من غيره، والطير أيضاً أفل رطوبة من باقي الحيوانات، وميتته أسرع جفافاً فيتيقن معه عدم الحياة المجسمانية منه باطناً، وظاهراً.
السؤال الخامس: ما الحكمة بتخصيص الجبال بهذا الجعل في قوله: " ثم اجعل على كل جبل " " البقرة: 260 " هل الظاهر إرادة جميع الجبال أو أربعة أجبل فقط أو غير ذلك وما وجه كل واحد من هذه إن كان هو الظاهر، والجواب المراد جبال بعدد الأجزاء التي يجزئها إليها إن كانت كثيرة فكثيرة أو قليلة فقليلة بدليل قوله: " اجعل عل كل جبل منهن جزءاً " " البقرة: 260 " ولم يأمر بتبينهن، فحمل الأمر على جميع الجبال متعذر عادة، والظاهر أن المراد أن يجعل على كل جبل جزءاً لا يعينه من كل واحد منهن لأن ذلك هو المناسب للقصة، وما فيها من رؤية ذلك الأمر العجيب. السؤال السادس: ما الحكمة في الإتيان بثم في قوله ثم ادعهن، وما الحكمة في تعليق إتيانهم إليه على دعائه إياهن ولم يحيين فيأتين من غير دعاء لهن منه وما الحكمة في إتيانهن ولم يكتف بطيرانهن حيث مشين أو إتيانهن غيره، وما الحكمة في إتيانهن ساعيات لا طائرات، ولا ماشيات على هون إن كان سعياً متعلقاً بهن، وإن كان متعلقاً به هو فما الحكمة في حصول ذلك منهن، وهو يسعى أو دعائه لهن، وهو يسعى.
والجواب أنه جيء بثم ليحصل بكونهن على الجبال مهلة، فلا يبقى في عدم الحياة منهن لطول المكث في محل الجفاف ريب ما، ولو لوحظ في جعلهن على الجبال التي لا حائل لها عن الشمس التي كانت النمروذية ينسبون الآثار إليها، وتركها هناك برهة حتى يعلم أن
(2/57)

الشمس لا تأثير لها حيث كن منها بمطلع، ولم يجئن، ولما دعاهن داعي الحق جئنه، وأتينه سعياً لكان قولا حسناً، وأما تعليق إتيانهن إليه على دعائه لهن ففيه إرشاد إلى أن إحياء الموتى يكون بدعائهم " ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون " " الروم: 25 " لكن الدعاء من الله تعالى بالكلام النفساني اللائق به تعالى يقوم مقام الكلام اللساني في إيصال المراد إلى المدعو، فجعل الكلام اللساني هنا من إبراهيم عليه السلام مظهراً للكلام النفساني من الحق تعالى في إحياء الموتى بالدعاء ليتمكن من رؤية الإحياء برؤية نفسه حين الكلام إذ كان مظهر اسمه المحيي، فلولا دعا بالقول لم يكن عنده من مظاهر الإحياء ما يحس فيحس الإحياء بإحساسه لأن في مظهره هذا مع ما في إحيائها بدعائه من البرهان الساطع على بطلان مذهب خصومه في الدين ما لا يخفى، ولو لم يكن ذلك مع قوله المسموع المتيقن بالحس لأمكنهم مكابرته في أن ذلك الإحياء في غير ما ينسبونه إليه، وأما إتيانهن، ففيه تذكير بما أخبر به محيي الموتى من قوله: " يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده " " الإسراء: 52 " أي تحشرون إليه، وأما سعى الطائر في تحدره من الجبل فهو أبلغ في قوته، وتمام حياته، وصحته من غير ذلك.
فكان سعيهن هذا دليلا على أنهن عدن إلى أتم ما كن عليه، وفيه تذكير بكما بدأكم تعودون، وبحشر المبعوثين من الأجداث سراعاً، وأطال في ذلك إلى خمسة وعشرين سؤالا، وجواباً والله أعلم، وكان رضي، الله عنه يقول: منا سياسة الداعي إلى الله أن يؤلف الناس عليه أولا بالإحسان، وطيب الكلام، وتخفيف المأمورات، فإذا رسخوا فله التحكم فيهم كيف شاء، وعليه يحمل أمر بعض العارفين لمريده أن يعتزل زوجته، وأولاده، وعشيرته إذا خاف عليه الفتنة، والشغل عن الله تعالى، ولهذا وجبت الهجرة من أرض الفتنة، وكان يقول: في قوله تعالى: " لله الواحد القهار " " إبراهيم: 48 " هذه الآية تدل على نفي الجهة عن الله تعالى وجه الدلالة أن قاعدة الترقي تقتضي أن يكون الإطلاع على ما في الأرض للأرض أقرب من الإطلاع على ما في السموات فلو كانت السماء جهة لله لم تؤخر في الآية إذ لا يحسن أن يقال لا يخفى على الملك شيء في البلاد القاصية ولا في بيته أو بلده، وإنما يحسن أن يقال لا يخفى عليه شيء في بلده، ولا في البلاد عن بلده فلو كانت للحق جهة لاقتضت هذه الآية جهته لكن نحن متوافقون على أن الحق تعالى منزه عن جهة الأرض، والآية تدل على أنه تعالى منزه عن جهة السماء، فما فوقها أولا جهة غيرها فلا جهة للحق أصلا فافهم، وكان يقول: من نسب إلى نفسه الإمكانية فقد نسبه إلى محل الزوال والفناء فهو عرضة الزوال، والمحو، ومن نسب الأمر إلى مولاه الحق الواجب، فقد نسبه إلى حضرة البقاء والدوام فهو في مراتب البقاء باقياً دائماً. فانسب لنفسك أيها العبد ما تحبه أن يزول، ويفنى وانسب لربك الحق ما تحب أن يدوم، ويبقى، وكان يقول: من شغله الحق به لم يشغله عنه بشيء أقامه فيه من الخلق لأنه في ذلك بظاهره، وأما باطنه فعند ربه يقول: الله عز وجل في العبد إذا نام في سجوده " انظروا إلى عبدي جسمه بين يدي وروحه بين يدي فيباهي به ملائكته حيث لم يشتغل بسجوده عن معبوده " فافهم وكان يقول: إذا دعوت ربك، ولم تجب فذلك لعدم صدق اضطرارك عند الدعاء كما وجب، وكان يقول: يجب على أئمة الهدى أن لا يقطعوا مددهم، وغذاء حكمتهم عن العباد، فإنهم عياله، والكريم لا يضيع عياله، وكان يقول: السر في المتكلم لا في كلامه فمتى انبسط المتكلم إلى السامع انشرح له كلامه، وإن قل ومتى انقبض المتكلم لم تنبسط للسامع معاني كلامه، وإن كثر، والكلام صفة المتكلم فمن وجد الموصوف وجد صفته، وإلا فلا إذ الصفة متى انفصلت عن موصوفها زالت مرتبتها، وغاب عنها فافهم، وكان يقول: قوة الاعتقاد موجبة لقبول النصح، وعدم الاعتقاد أو ضعفه موجب للرد، وكان رضي الله عنه يقول: لا بد لكل إمام حق أن يقابله إمام باطل، فآدم عليه السلام قابله إبليس، ونوح عليه السلام قابله يام وغيره، وإبراهيم قابله نمروذ، وموسى عليه السلام قابله فرعون، وداود عليه السلام قابله جالوت، وأضرا به وسليمان عليه السلام قابله صخر، وعيسى عليه السلام قابله في حياته الأولى بختنصر، وفي الثانية الدجال، وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن له مقابل حقيقة لإتيانه صلى الله عليه وسلم بالإحاطة الخفية كما قال " وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس - هو الأول، والآخر، والظاهر،
(2/58)

والباطن " فهو حق قذف به على الباطل، فإذا هو زاهق حتى قال: أبو جهل والله إني لأعلم أن محمداً صادق، فلم يعدوه مقابلا فافهم، وفي هذا القدر كفاية من كلامه رضي الله تعالى عنه.

ومنهم سيدي يوسف العجمي الكوراني
رضي الله تعالى عنه
وهو أول من أحيا طريقة الشيخ الجنيد رضي الله عنه بمصر بعد اندراسها، وكان ذا طريقة عجيبة في الانقطاع، والتسليك، وله التلامذة الكثيرة، وعدة زوايا. توفي في زاويته بالقراف الصغرى في يوم الأحد نصف جمادى الأولى سنة ثمان، وستين، وسبعمائة وصلى عليه خلق لا يحصون، وأخذ العهد، ولبس الخرقة عن الشيخ نجم الدين محمود الأصفهاني، وعن الشيخ بحر الدين حسن الشمشيري، وتلقن الذكر، وهو لا إله إلا الله عليهما رضي الله تعالى عنهما، وهي سلسلة الشيخ الجنيد رضي الله عنه، ولما ورد عليه، وارد الحق بالسفر من أرض العجم إلى مصر، فلم يلتفت إليه فورد ثانياً فلم يلتفت إليه فورد ثالثاً، فقال: اللهم إن كان هذا وارد صدق فاقلب لي عين هذا النهر لبناً حتى أشرب منه بقصعتي هذه، فانقلب النهر لبناً وشرب منه ثم ذهب إلى مصر.
وكان سيدي حسن التستري رضي الله عنه أقدم منه هجرة عند الشيخ، وكان يقاربه في الرتبة، وقيل إنه كان أرقي منه درجة فلحقه بأرض مصر فقال له سيدي يوسف يا أخي الطريق لا تكون إلا لواحد، فإما أن تبرز أنت للخلق، وأكون أنا خادمك، وإما أن أبرز أنا وتكون أنت خادمي قياماً لناموس الطريق، فقال له سيدي حسن رضي الله عنه: بل أبرز أنت وأكون أنا خادمك فبرز سيدي يوسف رضي الله عنه، وأبرز بمصر الكرامات، والخوارق، وكانت طريقته التجريد، وأن يخرج كل يوم فقيراً من الزاوية يسأل الناس إلى آخر النهار، فمهما أتى به هو يكون قوت الفقراء ذلك النهار كائناً ما كان، وكان يوم الفقراء يأتي أحدهم بالحمار محملا خبزاً، وبصلا وخياراً، وفجلا، ولحماً ويوم سيدي يوسف يأتي ببعض كسيرات يابسة يأكلها فقيراً واحداً فسألوه عن ذلك فقال أنتم بشريتكم باقية، وبينكم، وبين الناس ارتباط، فيعطونكم، وأنا بشريتي فنيت حتى لا تكاد ترى فليس بيني، وبين التجار والسوقة، وأبناء الدنيا كبير مجانسة، وكان صورة سؤاله أن يقف على الحانوت أو الباب، ويقول الله، ويمدها حتى يغيب، ويكاد يسقط إلى الأرض، فيقول من لا يعرفه هذا الأعجمي راح في الزقزية، وكان رضي الله عنه يغلق باب الزاوية طول النهار لا يفتح لأحد إلا للصلاة، وكان إذا دق داق الباب يقول: للنقيب اذهب فانظر من شقوق الباب، فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء، فافتح له، وإلا فهي زيارات، فشارات، فقال له: إنسان في ذلك فقال: أعز ما عند الفقير وقته، وأعز ما عند أبناء الدنيا ما لهم، فإن بذلوا لنا ما لهم بذلنا لهم وقتنا.
وكان رضي الله عنه إذا خرج من الخلوة يخرج وعيناه كأنهما قطعة جمر تتوقد فكل من وقع نظره عليه انقلبت عينه ذهباً خالصاً، ولقد وقع بصره يوماً على كلب فانقادت إليه جميع الكلاب إن وقف وقفوا، وإن مشى مشوا، فأعلموا الشيخ بذلك، فأرسل خلف الكلب، وقال: أخسأ فرجعت عليه الكلاب تعضه حتى هرب منها، ووقع له مرة أخرى أنه خرج من خلوة الأربعين، فوقع بصره على كلب، فانقادت إليه جميع الكلاب، وصار الناس يهرعون إليه في قضاء حوائجهم فلما مرض ذلك الكلب اجتمع حوله الكلاب يبكون، ويظهرون الحزن عليه، فلما مات أظهروا البكاء، والعويل، وألهم الله تعالى بعض الناس، فدفنوه فكانت الكلاب تزور قبره حتى ماتوا فهذه نظرة إلى كلب فعلت ما فعلت فكيف لو وقعت على إنسان، وهرب بعض مماليك السلطان عنده خوفاً من السلطان، فأرسل يقول: للسلطان اصفح عن هؤلاء، فقال: إن كنت فقيراً فلا تدخل في أمر السلطنة، فطلب السلطان منه مماليكه ليردهم، فلم يفعل، فقال: أنت تتلف مماليك السلطان فقال: إنما أنا أصلحهم، فنزل إليه السلطان، فأخرج إليه الشيخ مملوكاً منهم، وقال له: قل: لهذه الأسطوانة كوني ذهباً، فقال: لها ذلك، فصارت ذهباً يراه السلطان بعينه، فاستغفر، وقبل رجل الشيخ، وقال له: الشيخ هذا صلاح أو فساد فعرض على الشيخ أرزاقاً يوقفها على الفقراء، فأبي، وقال: لا أعود أصحابي على معلوم، وأنشد فيه الشيخ يحيى الصنافيري حين وقع بينه، وبينه ما وقع في معارضة الشيخ يوسف في دخول مصر:
ألم تعلم بأني صيرفي ... أحك الأولياء على محكى
فمنهم بهرج لا خير فيه ...
(2/59)

ومنهم من أجوزه بسبكي
وأنت الخالص الذهب المصفى ... بتزكيتي ومثلي من يزكي

ومنهم الشيخ حسن التستري
رضي الله تعالى عنه
تلميذ الشيخ يوسف العجمي وأخوه في الطريق جلس للمشيخه بعده في مصر، وقراها، وقصدته الناس من سائر الأقطار، وكان ذا سمت بهى، وكمال في العلم، والعمل، وانتهت إليه الرياسة في الطريق، وكان السلطان ينزل إلى زيارته فلم يزل الحاسدون من أرباب الدولة، وغيرهم بالسلطان حتى غيروا اعتقاده فيه، وهم بحبسه أو نفيه فأرسل الوزير إلى زاويته ليسد بابها، وكان الشيخ خارج مصر، في المطرية هو والفقراء فرجعوا فوجدوا الباب مسدواً فقال: الشيخ من سد هذا الباب، فقالوا: سده الوزير فلان بأمر السلطان فقال: ونحن نسد أبواب بدنه، وطيقانه فعمى الوزير، وطرش، وخرس، وانسد أنفه عن خروج النفس، وقبله ودبره عن البول والغائط، فمات الوزير في الحال فبلغ ذلك السلطان، فنزل إليه، وصالحه، وفتح له الباب وكان عسكر السلطان كله قد انقاد لسيدي حسن رضي الله عنه حتى خرجوا عن طاعة السلطان إلى طاعته رضي الله عنه؛ وجاءه مرة نصراني صائغ، فقال: إن السلطان أرسل لي فصاً من المعادن الغالية أصنعه له في خاتم خاتون، فطرقته فانكسر نصفين، وأنا خائف من القتل، وطاب خاطري بوزن ثمنه، ولو كان بعشرة آلاف دينار، وما أعرف يا سيدي رد السلطان عني إلا منك، فدخل الشيخ رضي الله عنه الخلوة فحول باطن السلطان إلى أن صار هو يطلب قسم الفص نصفين، وذلك أن سريته المحظية طلبت هذا الفص، فبذل لها جملة فصوص، فلم ترض فسألت أن يكون الفص بينهما نصفين فأرسل السلطان قاصده إلى الصائغ بذلك، فأخبره الجيران بما وقع للصائغ، وقالوا إنه عند الشيخ فذهب القاصد إلى الشيخ، فأخبر بذلك الصائغ، فأسلم، ودفن في زاوية الشيخ ولما أراد ابن أبي الفرج تربيع جنينته حكم التربيع على جعل زاوية الشيخ فيها فقال: للخادم انقل الشيخ إلى موضع آخر وأنا أبنيه لك فعزم الخادم على ذلك، فجاء إليه في المنام، وقال له: قل: لابن أبي الفرج لا تنقلنا ننقلك فأخبره الخادم بذلك، فقال: هذه أضغاث أحلام فشرع في نقله فلحقه شيء في جنبه فطلعت روحه في الحال. توفي رضي الله عنه سنة سبع وتسعين، وسبعمائة، ودفن في زاويته في قنطرة الموسكى على الخليج الحاكمي بمصر المحروسة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم سيدي الشيخ محمد أبو المواهب الشاذلي
رضي الله تعالى عنه
كان من الظرفاء الأجلاء الأخيار، والعلماء الراسخين، والأبرار أعطى رضي الله عنه ناطقة سيدي على أبي الوفاء، وعمل الموشحات الربانية، وألف الكتب الفائقة اللدنية، وكان مقيماً بالقرب من الجامع الأزهر، وكان له خلوة فوق سطحه موضع المنارة التي عملها السلطان الغوري، وكان يغلب عليه سكر الحال، فينزل يتمشى ويتمايل في الجامع الأزهر، فيتكلم الناس فيه بحسب ما في أوعيتهم حسناً، وقبحاً، وله كتاب القانون في علوم الطائفة، وهو كتاب بديع لم يؤلف مثله يشهد لصاحبه بالذوق الكامل في الطريق، وكان أولاد أبي الوفاء لا يقيمون له وزناً لأنه حاكى دواوينهم، وصار كلامه ينشد في الموالد، والاجتماعات والمساجد على رؤوس العلماء والصالحين، فيتمايلون طرباً من حلاوته، وما خلا جسد من حسد، وكان هو معهم في غاية الأدب، والرقة، والخدمة، وأمسكوه مرة، وهو داخل يزور السادات فضربوه حتى أدموا رأسه، وهو يتبسم، ويقول: أنتم أسيادي، وأنا عبدكم، ومن كلامه رضي الله عنه إذا أردت أن تهجر إخوان السوء، فاهجر قبل أن تهجرهم أخلاقك السوء فإن نفسك أقرب إليك، والأقربون أولى بالمعروف، وكان يقول: كل أبناء الدنيا يقبلون عليها، وهم راحلون عنها في كل نفس لأنهم عمي عن شهود ما إليه يصيرون، وكان رضي الله عنه يقول: تفاخر الغنى، والفقر، فقال: الغنى أنا وصف الرب الكريم فمن أنت يا غير فقال له: الفقر لولا وصفي ما تميز وصفك، ولولا تواضحي ما رفع قدرك، وأنا وصفي وسم بذل العبودية، وأنت وصفك نازع الربوبية، وكان يقول: الفقيه منا ترتضع بلبن حي الصدور دون قديد ميت السطور وكان يقول: من علامة المرائي إجابته عن نفسه إذا أضيف إليه نقص، وتنقيص الصالحين من أهل زمانه إذا ذكروا، وكان يقول: الفقراء يراءون بالأحوال والفقهاء يراءون بالأقوال وكان يقول من طلب
(2/60)

الشهرة بين الناس فمن لازمه أر يرضيهم بما يسخط الله تعالى، وأن يصحبهم لهواه لا لله، وكان يقول: العارف ينمو حال حال حياته، ولا يشتهر إلا بعد مماته، وكان يقول: العارف كلما علا به المقام صغر في أعين العوام كالنجم يرى صغيراً، وإنما العيب من العيون، وكان يقول: لو أن الحلاج رضي الله عنه كمل حقيقة الفناء لتخلص مما وقع فيه من الغلط بقوله: أنا هو، ومن قوله أدنيتني منك حتى ظننت أنك أنا، وكان يقول: ثم من يدخل في مقام البقاء قبل الفناء بحكم الإرث للأنبياء ولكنه قليل وقوعه في القوم، ولذلك أنكروه، وكان يقول: إذا أردت أن تفتح كنزاً، فإياك أن تلهو عن صرف العوائق أو تغفل عن العزيمة قبل حضور صاحب الكنز فإذا فتحت الكنز فإياك أن تشتغل بشيء من الأمتعة عن الملك بل اجعل قصدك الملك لا غير حتى يهبك الخاتم خادم الاستخدام إن شاء، فإن لم يعطك الملك سر الخاتم، فإنما ذلك لكونه يريد اتخاذك جليساً له، وذلك أعظم من سر الخاتم فإن جليس الملك لا يحتاج قط إلى استخدام، ولا تعب، وقال: في معنى قولهم إن للربوبية سراً لو ظهر لعطل نور الشريعة المراد به الفناء، وإعطاء سر التكوين، وأن العبد يفعل ما يشاء يعني لو أعطى العبد ذلك لتعطلت أفعال الشريعة كلها، وبطل القول بالكسب، واختل النظام، وقال رضي الله عنه في معنى قول بعضهم يصل الولي إلى حد يسقط عنه التكليف المراد به سقوط كلفة الأعمال ومشقتها من باب " أرحنا بها يا بلال " وقال: في معنى قول سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه: وكل بلا أيوب بعض بليتي أي لأن بلاء أيوب عليه السلام في الجسد دون الروح، وبلاء العارف فيهما معاً، وقال في معنى قول بعضهم:
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول، ودون الولي
يعني أن مقام النبوة يعطي للأخذ عن الله بواسطة، وحي الله، ومقام الرسالة يعطي تبليغ ما أمره الله به للعباد، ومقام الولاية الخاصة يعطي الأخذ عن الله بالله من الوجه الخاص. قال: وهذه الحقائق الثلاثة كلها موجودة فيمن كان رسولا فافهم، ولا تظن أن أحداً من أهل الله تعالى يعتقد تفضيل الولاية على النبوة والرسالة، وقال في معنى قول: الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه الله تعالى:
توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر ... وإلا تيمم بالصعيد، وبالصخر
وقدم إماماً كنت أنت إمامه ... وصل صلاة الفجر في أول العصر
فهذى صلاة العارفين بربهم ... فإن كنت منه فانضح البر بالبحر
المراد بالوضوء طهارة أعضاء الصفات القلبية من النجاسات المعنوية، وماء الغيب هو خلوص التوحيد فإن لم يخلص لك بالعيان فتطهر بصعيد البرهان، وقدم إماماً كان إمامك في يوم الخطاب ثم صرت أنت إمامه بعد سدل الحجاب وصل صلاة الفجر التي هي صلاة نهار كشف الشهود بعد حجاب ظلمة الوجود في أول العصر الذي هو أول زمان انفجار، فجرك، ولا تتأخر لآخر دورك لأن الحكم للوقت، والتأخير له مقت فهذه صلاة العارفين بربهم، وهم الذين لم يخرجوا عن متابعة الأحكام الشرعية في جميع مشاهدة الربوبية، فإن كنت منهم، فانضح يعني اغسل بماء بحر الحقيقة ما تدنس من بر الشريعة. وقال: في قولهم النبي مشرع للعموم، والولي مشرع للخصوص أي النبي مبين للعوام برسالته ومبين للخواص بولايته لا أن الولي يشرع الأحكام الشرعية، فإنه ليس له ذلك، وإنما له تبيين الحقائق الكشفية بطريق الولاء، والوراثة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
كما أن الأولياء رضي الله عنهم تبين ما أجمل في السنة، والنبي يبين ما أجلم في القرآن، وقال: في إنكار بعض المنكرين على قول: بعض العارفين إن الخضر مقام لا إنسان لا إنكار لأن الولي المحبوب يعطي من الكرامات كما كان للخضر من المعجزات وذلك عند الوراثة، والوراثة الخضرية قبل الوراثة الموسوية، والوراثة بلا شك مقام فافهم يا غلام.
وقال: في إنكار بعضهم على من قال: حدثني قلبي عن ربي لا إنكار لأن المراد أخبرني قلبي عن ربي من طريق الإلهام الذي هو وحي الأولياء، وهو دون وحي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا إنكار على من قال: كلمني الله تعالى كما كلم موسى، ففرق بين أخبر، وكلم يا من أنكر، وتوهم، وكان يقول: إثبات المسألة بدليلها تحقيق، وإثباتها بدليل آخر تدقيق، والتعبير عنها بفائق العبارة ترقيق، ومراعاة علم
(2/61)

المعاني والبيان في تركيبها تنميق، والسلامة من اعتراض الشرع فيها توفيق، وكان يقول: أقسم الحي القدوس ألا يدخل حضرته أحد من أصحاب النفوس، وكان يقول: احذر أن تخرق سور الشرع يا من لم يخرج عن عادة الطبع، واحذر أن تقول: أنا مطلق من الحدود لأنني دخلت حضرة الشهود فإن الذي دعاك هو الذي نهاك.
وكان يقول: أهل الخصوصية مزهود فيهم أيام حياتهم متأسف عليهم بعد مماتهم، وهناك يعرف الناس قدرهم حين لم يجدوا عند غيرهم ما كانوا يجدونه عندهم، وكان يقول: لأصحابه عليكم بالتسليم للفقراء فيما ادعوه من المقامات، والأحوال، وكان يقول: من تحقق بمعارف الحضرة الإلهية، وانمحق وصفه بوصفها خرج من الاعتماد على عمله، وعلمه، وعن كل شيء من بقايا كونه، وكينونته التي كان بها مع معية وجوده تدقيقاً، وتحقيقاً لا بباطل، وهمه في إثبات، وجوده فافهم وكان يقول: الاعتماد على العمل أول عائق يقع لأصحاب السلوك في بدايتهم، وذلك من غلبة الوهم على وجوههم، وتراكم الخيال على مزايا عقولهم، فلا يخرجون عن ذلك إلا بنور الكشف بأنه تعالى خالق لأعمالهم، وكان رضي الله عنه يقول: قد ادعى أقوام محو آثار البشرية، فأخطئوا الطريق فإن الأكابر من الصحابة، والتابعين وصلوا إلى محو الصفات البشرية، وما تركوا قط شيئاً من الواجبات الدينية علماً منهم أنها اختيار الرب لهم، ودعوته لهم حين أذن بها أن يأتوه بها، ومن كان بأمر سيده كان بغير أمر نفسه فافهم معنى الفناء يا من وقع في العناء " وما يعقلها إلا العالمون " " العنكبوت: 43 " وكان يقول: علامة الخروج عن الشيء تعسره، وعلامة الدخول في الشيء تيسره فمن صدق في خروجه عن الدنيا تعسرت أسبابها عليه فلا يتيسر له إلا ما كان على اسم غيره، وكان يقول: لا تطلب الأكوان، فإنها ما خلقت بالأصالة إلا لك، وأنت خلقت لربك، فإن طلبت ما خلق لك، وتركت ما أنت مطلوب له انعكس بك السير، وإن أقبلت على ربك طلبتك الأكوان بنفسها، وخدمك كل شيء، فافهم وقد قال: الحق لسيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله تعالى عنه في منامه ما تريد يا أحمد فقال: أريد ما تريده قال: تعالى لك المراد ولك مني كل يوم مائة حاجة مقضية.
وكان يقول: إذا فتح على السالك فتح التعرف لا يبالي قل: العمل أو كثر، وكان يقول: لما علم أهل الله تعالى أن كل نبات لا ينبت، ويثمر إلا بجعله تحت الأرض تعلوا الأرجل جعلوا نفوسهم للكل أرضاً ليعطيهم ما أعطى أصفياءه، وأولياءه.
وكان رضي الله تعالى عنه يقول: وقوع بعضهم في بعض المحرمات ليتستر بها عن أهل الزمان يقاس على من لم يجد ما يسبغ به اللقمة إلا الخمر قاله الغزالي قال: وإذا ساغ ذلك لأجل حياة دنيوية، فأولى ما يفوت به حياة أخروية لا يقال ارتكابهم فيه ما يوقع الناس في سوء الظنون بهم، وهو حرام لأنا نقول إن من أخلاقهم العفو والصفح، وعدم المؤاخذة بل هم رحمة بين أظهر العباد.
قلت: ولو سامح العبد فحق الله باق من حيث أنه تعدى حدود الله تعالى، فالإشكال باق والله أعلم، وكان يقول: قال: علماؤنا لا تصلح العزلة إلا لمن تفقه في دينه، وقد كان السلف يشتغلون أولا بالعلم إلى سن الأربعين ثم يعتزلون للاستعانة بالعزلة على العمل بما علموا فافهم، وكان رضي الله تعالى عنه يقول: دليلنا في القول بالخلوة ما صح أنه صلى الله عليه وسلم يختلي في غار حراء حتى، فجأة الوحي فدل على أن الخلوة حكم مرتب عليه الوحي وذريعة لمجيء الحق، وظهور نور الله تعالى، وكان يقول: من شرط الخلوة الطي، وله تأثير كبير، واختار القوم الأربعين لأن الأربعين فيها يكون نتاج النطفة علقة ثم مضغة ثم صورة، وهي مدة الدر في صدفه وعدد أيام توبة داود عليه الصلاة والسلام، وكان يقول: الفرق بين الكشف الحسي، والخيالي أنك إذا رأيت صورة شخص أو فعلا من أفعال الخلق فغمض عينيك فإن بقي لك الكشف فهو خيالي وإن غاب عنك فهو حسي، فإن الإدراك تعلق به في الموضع الذي رأيته.
وكان رضي الله عنه يقول: إذا ورد وارد الوقت فاقبله، ولا تتعشقه فإن تعشقته حجبت به عن الترقي، وكان يقول: إذا ورد عليك، وارد فاحفظه فإنك تحتاج إليه إذا ربيت، فإن أكثر الشيوخ إنما أتى عليهم في التربية لتفريطهم في حفظ ما ذكرناه وزهدهم فيه، وكان يقول: من المحال أن ينفتح باب الملكوت، والمعارف، وفي القلب شهوة كما أن من المحال أن ينفتح باب العلم بالله من حيث المشاهدة، وفي القلب لمحة
(2/62)

للعالم بأسره الملكي، والملكوتي، وكان يقول: إذا ورد الوارد بخفة، ولطافة، وأعقب علماً فهو من الملك، وإن ورد بثقل، وتعب في الأعضاء، فهو من الشيطان، فاعلم ذلك تفرق بينهما، وكان يقول: لما خلت المرآة المحسوسة من جميع الألوان انطبعت فيها صورة الأكوان، وكذلك القلب إذا تفرغ من انطباع الطباع، والأوهام أشرق فيه نور الشعاع فأحرق هشيم الشهوات، وتراءت لهم المغيبات، وأبصر ما مضى، وما هو آت، وكان يقول: ما يبدو لك من الإشراق إنما هو نور ذكرك يشرق في مرآة قلبك ثم ينشد:
مثل لنفسك بيتاً أنت ساكنه ... من المرائي، وأثبت قطب مركزكا
وقل له: يا أنا هل كنت قط أنا ... فلا يجيبك إلا أنت عنك بكا
وكان يقول: التطهر من الجنابة المعنوية مقدم على الحسية فإن الجنابة الحسية ربما رخص لصاحبها في بعض الأوقات، والمعنوية لا رخصة فيها البتة، ولهذا ترى كثيراً من الموسوسين ليس عنده نشقة من نسيم الحضرة القدسية لعمى بصيرة قلبه، فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: أهل الطبيعة هم الدهرية القائلون بأن لا صانع للعالم إلا وجود الطبيعة، وأهل العلة هم الفلاسفة القائلون بقدم العالم، وكلهم في ظلمات بعضها فوق بعض وكان يقول: كل ما دلك على الله فهو نور، وكل ما لم يدلك عليه فهو ظلمة فتأمل، وكان يقول: في معنى قول: بعضهم في كل شيء اسم من أسمائه تعالى أي أن وجود الأشياء كلها مضافة إلى أسمائه تعالى متعلقة بها غير خارجة عنها من خير، وشر، ونفع، وضر، وإعطاء، ومنع، وغير ذلك.
وكان يقول: يصل العارف إلى مقام، ويكون خطابه لغيره من باب خطاب الصفة لموصوفها، فافهم ما تحته، وكان يقول: ليس في الوجود إلا ما سبق به العلم، وأوجدته القدرة، وخصصته الإرادة، ورتبته الحكمة، فذرات الوجود ما خرجت عن حكم هذا الشهود فكيف يكون الغير حجاباً على الحمقى، والغير منفى بهذا الاعتبار، الله أكبر قد طلع النهار، وأضاءت الأنوار على رغم أنف الكفار:
إذا ما تجلى الحق من غيب ذاته ... تلاشى وجود الغير حقاً بلا شك
وطاح حجاب الكون في كل مشهد ... فنزه وجود الحق منك عن الشرك
وكان يقول: لما طلب موسى عليه السلام من الحق الرؤية زيادة على ما آتاه من الكلام لم يجبه، وقال: " فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين " " الأعراف: 144 " فدلت الآية على أنه لا ينبغي للعبد أن يطلب الزيادة على ما أعطاه الله تعالى إلا مع التفويض، وكان يقول: الفتح على المريد بالأمور قد يكون امتحاناً، وقد يكون تأنيساً، وقد يكون تثبتاً، وكان يقول؛ ينبغي للمريد أن يجتهد أن لا يخرج له نفس إلا بمحمود، ولا يدخل عليه نفس إلا بمحمود فإن تم له ذلك فهو المريد. قلت: هذا شيء لا يجيء بالتفعل إنما هي خلعة يخلعها الله تعالى على من يشاء والله أعلم، وكان يقول: إنما كان الأين في حقه تعالى محالا لأن الأين محتاج إلى أين فيتسلسل، وما يتسلسل، فلا يتحصل، ولا يلزم من إطلاق مجاز اللفظ أن يكون له حقيقة فافهم وإذا فهمت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ، وقد قال: الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: بالمعاني تعبدنا لا بالألفاظ، وكان يقول: كل ما سوى الله تعالى لهو ولعب، ولو أعطاك من الشهود ما أعطاك فلكل مقام مقال، ولما سمعت رابعة العدوية رضي الله تعالى عنها شخصاً يتلو قوله تعالى: " وفاكهة مما يتخيرون " " ولحم طير مما يشتهون " " الواقعة: 20 و 21 " قالت نحن إذن صغار حتى نفرح بالفاكهة والطير، فانظر رحمك الله تعالى كيف لم تفرح بغير الله تعالى وعلمت أن ما سواه من الموهبة، والعطاء كالخشخاشة التي يسكت بها الصغير وكان يقول: نظر الحق تعالى بالبصر جائز وقوعه في الدنيا عقلا لمن شاء الله تعالى صرح بذلك أبو الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنه، ولا يلزم على ذلك محال فإياك يا أخي أن تقع في ورطة الإنكار فإنه يستحيل على السيد موسى عليه الصلاة والسلام أن يسأل ما كان مستحيلا أو أن يعطل صفة من صفات ربه أو أن يجهلها، وكان يقول: إنما حجب الخفاش عن الأبصار لضوء النهار ما غلب عليه من تراكم الأنوار فافهم، وكان يقول: في معنى قول موسى عليه السلام " رب أرني أنظر إليك " " الأعراف: 143 " بلسان الإشارة أرني أي بالغيبة عني أنظر قدس ذاتك بتنزيه صفاتك إذ لا يراك سواك وامح عني الظلام ولا تحجبني
(2/63)

بوهم الخيال، وكان قول: شهود حضرة الحق بحسب الحاضر لا بحسب الحضرة لأن الحقائق الربانية لا تدركها الإنسانية من جميع وجوهها، فافهم تعلم أن تلون حقائق التجريد في مقامات التوحيد بحسب الرائي لا بحسب المرئي في جميع أطوار التجليات مما يقال، ومما لا يقال، وكان يقول: احذروا زخارف أهل الرضا عن النفس خصوصاً الذين اتخذوا العلم حرفة، وشبكة لصيد حرام الدنيا مع تكبرهم على الناس فإنهم قد حرموا خيري الدنيا والآخرة ولهم نعوت مصوتة، وأحوال مزريه لم تبق لهم بين الناس حرمة، ولا قبول شفاعة. اتخذوا حسن الزي شعاراً، وتكبروا بذلك استكباراً، وقد قال: الشيخ تاج الدين رحمه الله تعالى في الحكم لأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه فافهم، ومما جربناه فصح أنه من أراد قضاء حوائجه، ودفع مصائبه، فليرفع الأمر إلى الله تعالى قبل أن يعلم بها الناس هكذا عادة الله تعالى مع من يتعلق به أول مرة، فاعمل على ذلك فإنه الكبريت الأحمر، والفرج القريب، والمعين على ذلك الصبر.
وكان يقول: بلغنا أن يونس عليه السلام اجتمعت روحه بروح قارون لما التقمه الحوت فرأى قارون نازلا، فقال: ليونس عليه السلام تعلق بربك يا يونس في أول أمرك ينجيك، فقال: له يونس، وأنت قال تعلقت بابن الخالة موسى، فوكلني إليه ولهذا كما قيل عاتب الله موسى عليه السلام، وقال، وعزتي، وجلالي لو استغاث بي لأغثته، وكان يقول: أحسن الظن بربك من حيث محبة جماله، وجلاله، فإن ذلك. وصف له لا يتحول، ولا تحسن الظن بربك لأجل إحسانه إليك فربما قطع ذلك عنك فتسيء الظن به، فليحذر السالك من علة هذا المقام وكان يقول غاية رحلة السائرين بالأشباح السير إلى الله وبداية رحلة السائرين بالأرواح في الله أي في التنزه في عجائب قدرته فافهم، فالأولون ينتهي سيرهم، والآخرون لا ينتهي لهم سير، وقد قيل مرة للشيخ أبي الفتح الواسطي رضي الله عنه ما تقول: في جماعة من أئمة الزهاد، ومن صدور هذه الأمة فلان، وفلان وفلان، فقال أولئك قوم خرجوا عن شهواتهم الدنيوية لأجل شهواتهم الأخروية، فأين الفناء في الله والبقاء به.
ولما سمع الشبلي رضي الله عنه قوله: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة " صاح صيحة عظيمة، وقال فأين الذين يريدون الله تعالى. وكان يقول: في قوله تعالى: " كلوا واشربوا " " البقرة: 60 " وإن كان ظاهره إنعاماً فباطنه انتقام، وابتلاء، واختبار لينظر تعالى من هو معه، ومن هو مع حظ نفسه فافهم دقائق أحكام الباطن، ولا تغتر برخص الظاهر تكن من أهل الفهم عنه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا لم تجد أيها المريد صاحب الحال فعليك بصاحب القال: " فإن لم يصبها وابل فطل " " البقرة: 265 " وإياك، وصحبة من لا قال له ولا حال، وكان يقول: يجب على الفقير إذا آخى في الله تعالى أن يشاطر أخاه في ماله كما فعلت الأنصار مع المهاجرين حين قدموا عليهم المدينة، وهم فقراء فكل من ادعى الأخوة في الله فامتحنه بهذه الميزان، وكان يقول: أخوك حقيقة من وافقك في الذوق، ومدد الإفهام لا من شاركك في معنى صورة النطفة في الأرحام، وكان يقول: ما رقي أحد إلى مركز عال إلا قلت أشكاله المعنوية، وجلت نفائس دقائقه على غالب الإفهام، وهذا موجب قلة الأتباع، والأصحاب لكمل العارفين، وكان يقول: الأدب أن يقول: العبد فلان من أصحابي إلا إن كان دونه بدرجات، فإن كان مساويه أو فوقه فليقل أنا خادمه أو مريده هكذا درج السلف، وكان يقول: ينبغي لمن خدم كبيراً كاملا ثم فقده أن لا يخدم من دونه إلا إذا كان أكمل منه، وإلا جعل صحبته مع الله تعالى، وكان يقول: ما ثقل على الأشياخ خدمة أحد من الفقراء لهم إلا لعلة في قلب الخادم كتمها عنهم، وهذه علة لا يسلم منها إلا من أتى الله بقلب سليم، ولو أن الخادم كان أظهر لهم تلك العلة لربما وصفوا له دواءها أو شفعوا له فمحاها الله تعالى عنه من اللوح أو سألوا النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة فيه فيشفع إلا إذا كان قضاء مبرماً لا مرد له، وقد رأى السيد عبد القادر الجيلي لمريده أنه لا بد له أن يزني بامرأة سبعين مرة، فقال: يا رب اجعلها في النوم، فكان كذلك.
وكان رضي الله عنه يقول: مما اخترته من أدب المصاحبة، والمجالسة أنك إذا جالست أهل الدنيا، فحاضرهم برفع الهمة عما بأيديهم مع تعظيم الآخرة، وإذا جالست أهل الآخرة، فحاضرهم بوعظ الكتاب، وآداب السنة، وتعظيم دار البقاء، وإذا جالست الملوك، فحاضرهم بسيرة أهل العدل، وسياسة
(2/64)

العقلاء مع حفظ الأدب معهم، والعفاف عما بأيديهم، وإذا جالست العلماء، فحاضرهم بالروايات الصحيحة والأقوال المشهورة في المذاهب المعلومة بالحق دون الهوى مع الإنصاف لهم، في القول: والفهم المبتكر إذا وافق الصواب مع عدم الجدال، والمراء المظهر لحب العلوم عليهم، وإذا جالست الصوفية لحاضرهم بما يشهد لأحوالهم الحقانية، ويقيم لهم الحجة على المنكر عليهم مع آداب الباطن قبل الظاهر وإذا جالست العارفين فحاضرهم بما شئت، فإن لكل شيء عندهم وجهاً من وجوه المعرفة لكن بشرطين الكلام، وحفظ الحرمة، والأدب فإن حضرتهم صياغة، فالمعنى الذي تدخل عليهم به يخرج منهم يكسوك مشهدك فيهم، ويلبسك ما توجهت به إليهم إن خيراً، فخير، وإن شراً فشر، وكان يقول: عليك بتكثير سواد القوم فإن من كثر سواد قوم فهو منهم.
وكان يقول: سمعت شيخنا أبا عثمان المغربي رضي الله عنه يقول إذا زار إنسان قبر الولي فإن ذلك الولي يعرفه وإذا سلم عليه رد عليه السلام وإذا ذكر الله على قبره ذكر معه لا سيما إن ذكر لا إله إلا الله، فإنه يقوم، ويجلس متربعاً، ويذكر معه ثم قال الشيخ أبو المواهب رضي الله عنه، وحاشا قلوب العارفين أن تخبر بغير فهم، ومعلوم أن الأولياء إنما ينقلون من دار إلى دار، فحرمتهم أمواتاً كحرمتهم أحياء، والأدب معهم بعد موتهم كالأدب معهم حال حياتهم فلا يعرض عنه بقدميه، ولا يمشي على قبره برجليه، ولا تعاشر الأولياء إلا بالأدب في حال الحياة، وفي حال الموت قال: وإذا مات الولي صلى عليه جميع أرواح الأنبياء، والأولياء ثم قال: وعلى هذا الذي ذكره شيخنا قول صاحب الحقائق، والدقائق حاشا الصوفي أن يموت، وكان يقول: من الأولياء من ينفع مريده الصادق بعد موته أكثر ما ينفعه حال حياته، ومن العباد من تولى الله تربيته بنفسه بغير واسطة، ومنهم من تولاه بواسطة بعض أوليائه ولو ميتاً في قبره، فيربي مريده وهو في قبره، ويسمع مريده صوته من القبر ولله عباد يتولى تربيتهم النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه من غير واسطة بكثرة صلاتهم عليه صلى الله عليه وسلم.
وكان رضي الله عنه يقول: سمعت شيخنا أبا عثمان رضي الله عنه يقول: بالدرس على رءوس الأشهاد لعن الله من أنكر علي هذا الطريق، ومن كان يؤمن بالله، واليوم الآخر فليقل لعنة الله عليه، وكان يقول: من اعترض على هذا الطريق لا يفلح أبداً، وسمعت شيخنا أبا عثمان يقول: إنما جاءت " ألم نشرح " " الانشراح: 1 " عقب " وأما بنعمة ربك فحدث " " الضحى: 11 " إشارة إلى أن من حدث بالنعمة، فقد شرح الله تعالى صدره كأنه تعالى يقول: إذا حدثت بنعمتي، ونشرتها، فقد شرحت صدرك ثم قال رضي الله عنه اعقلوا على هذا الكلام، فإنه لا يسمع إلا من الربانيين، وكان رضي الله عنه كثير الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الناس يكذبونني في صحة رؤيتي لك، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعزة الله، وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها لا يموت إلا يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً هذا منقول من خط الشيخ أبي المواهب رضي الله تعالى عنه، وكان رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على سطح الجامع الأزهر عام خمسة وعشرين وثمانمائة فوضع يده على قلبي، وقال: يا ولدي الغيبة حرام ألم تسمع قول الله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضاً " " الحجرات: 12 " وكان قد جلس عندي جماعة فاغتابوا بعض الناس ثم قال صلى الله عليه وسلم، فإن كان، ولا بد من سماعك غيبة الناس، فاقرأ سورة الإخلاص، والمعوذتين، وأهد ثوابها للمغتاب، فإن الغيبة والثواب يتوارثان، ويتوافقان إن شاء الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لي هات يدك أبايعك، فقلت: يا رسول الله لا قدرة لي أخاف أن يقع مني معصية بعد المبايعة، فقال: هات يدك فبايعني، ولا تضرك الفلتة، والزلة إن وقعت، وتبت منها وكأنه يشير صلى الله عليه وسلم إلى أن العبد قد يصلح الله تعالى حاله ليسد عنه بها ثلمة تقع في دينه يعجب أو كبر، ونحوهما هذا منقول من خطه رضي الله تعالى عنه، وكان رضي الله تعالى عنه يقول: جاءني جماعة يأخذون عني الطريق فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: الجماعة غير مؤمنين بك إلا واحداً بعض الإيمان، فهو يراك بالعين العوراء، وسيختم الله له بخاتمة الخير، والموت على الإسلام.
وكان رضي الله عنه يقول: ألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة التصوف، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي:
(2/65)

قل: عند النوم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم خمساً بسم الله الرحمن الرحيم خمساً ثم قل: اللهم بحق محمد أرني وجه محمد حالا، ومآلا فإذا قلتها عند النوم، فإني آتي إليك، ولا أتخلف عنك أصلا ثم قال: وما أحسنها من رقية، ومن معنى لمن آمن به هذا منقول من لفظه رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله لا تدعني، فقال: لا ندعك حتى ترد علي الكوثر، وتشرب منه لأنك تقرأ سورة الكوثر، وتصلي علي أما ثواب الصلاة، فقد وهبته لك، وأما ثواب الكوثر فأبقه لك ثم قال: ولا تدع أن تقول أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه، وأسأله التوبة، والمغفرة إنه هو التواب الرحيم مهما رأيت عملك، أو وقع خلل في كلامك هذا منقول من لفظه رضي الله عنه. وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لي: أنت تشفع لمائة ألف قلت: له بم استوجبت ذلك يا رسول الله قال: بإعطائك لي ثواب الصلاة علي، وكان رضي الله عنه يقول: استعجلت مرة في صلاتي عليه صلى الله عليه وسلم، وسلم لأكمل وردي، وكان ألفاً، فقال لي: صلى الله عليه وسلم أما علمت أن العجلة من الشيطان ثم قال: قل: اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد بتمهل وترتيل إلا إذا ضاق الوقت، فما عليك إذا عجلت ثم قال: وهذا الذي ذكرته لك على جهة الأفضل وإلا فكيفما صليت، فهي صلاة، والأحسن أن تبتدئ بالصلاة التامة أول صلاتك، ولو مرة واحدة وكذلك في آخرها تختم بها قال لي: صلى الله عليه وسلم، والصلاة التامة هي اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، وبركاته هذا منقول من لفظه رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: إن شيخك أبا سعيد الصفوري يصلي علي الصلاة التامة، ويكثر منها، وقل له إذا ختم الصلاة أن يحمد الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا كان لك حاجة، وأردت قضاءها، فانذر لنفيسة الطاهرة، ولو فلساً فإن حاجتك تقضي، وكان رضي الله عنه يقول: خذوا من مال السلطان دون حواشيه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرني أن أطلع إلى السلطان جقمق، وأسأله من الدنيا شيئاً، فطلعت له فأعطاني مائة دينار، واعتذر إلي بأن ما عنده غيرها، وكان رضي الله عنه كثير البكاء، والحزن قريب الخشية قل من سمعه يبكي إلا، ويبكي معه، وكان يقول: رأيت امرأة بمصر تدور على الأبواب، وهي تغني في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: هي ولية كبيرة، ولكنها تتستر بذكر محبوبها ألا تراها لا تذكر في كلامها إلا جداً، وكان يقول: وقع بيني، وبين شخص من الجامع الأزهر مجادلة في قول: صاحب البردة رحمه الله تعالى:
فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم
وقال لي ليس له دليل على ذلك فقلت له: قد انعقد الإجماع على ذلك فلم يرجع، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر، وعمر جالساً عند منبر الجامع الأزهر، وقال لي: مرحباً بحبيبنا ثم قال: لأصحابه أتدرون ما حدث اليوم؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال: إن فلاناً التعيس يعتقد أن الملائكة أفضل مني، فقالوا بأجمعهم لا يا رسول الله ما على وجه الأرض أفضل منك، فقال لهم: فما بال فلان التعيس الذي لا يعيش، وإن عاش عاش ذليلا خمولا مضيقاً عليه خامل الذكر في الدنيا، والآخرة يعتقد أن الإجماع لم يقع على تفضيلي، أما علم أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة لا تقدح في الإجماع. قال رضي الله عنه ورأيته صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقلت: يا رسول الله قول الأبوصيري فمبلغ العلم فيه أنه بشر معناه منتهى العلم فيك عند من لا علم عنده بحقيقتك أنك بشر، وإلا فأنت وراء ذلك كله بالروح القدسي والقالب النبوي قال صلى الله عليه وسلم: لا صدقت، وفهمت مرادك ".
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: ما أحسن مجلسك قد غفر الله لكل من حضره بذكركم لله تعالى عقب فراغ القارئ، وكان يقول: رأيت مرة كأن حنشاً دخل بين ثيابي، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فقال: الحنش هو صاحبك فلان قد بدا له فيك ورجع يؤذيك ولولا
(2/66)

خوفه منك لعمل جهده في إيذائك، فكان الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم، كان رضي الله عنه يقول: كناني سيدي يحيى بن أبي الوفاء بأبي عابد، فرأيت سيدي علياً رضي الله عنه، وقال لي: هذه الكنية لا تصلح لك إنما تصلح لأرباب الأثقال، وإنما كنيتك أبو حامد قال: ثم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كنيتك عندنا أبو حامد، وكذلك في السماء، وقد دخلت، في دائرة بني الوفاء ومقامك كبير، وأنت ولي، وكان رضي الله عنه يقول: كنت أطلب من شيخي أبي سعيد الصفروي رضي الله عنه أن أقبل قدميه، فكان يوعدني بذلك، ويقول لي: حتى يجيء الوقت، فلما مات سنة إحدى وخمسين، وثمانمائة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: اطلب من شيخك وعدته، فأخذت قدميه رضي الله عنه بعد وفاته، وقبلتهما، وقلت له: يا سيدي هذا إنجاز وعدك، وحرمتك ميتاً كحرمتك حياً، وكان يقول: قلت: لسيدي، وشيخي أبي سعيد الصفروي رضي الله عنه هل أترك أصحابي وأعتزل عنهم خصوصاً الذين يؤذونني، فقال: لا تتركهم، وخالطهم بحسن الظاهر، وجاملهم وابق على ما أنت عليه ثم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألته عن قول شيخي، فقال: هو صحيح، وامش على طريق شيخك، وكان رضي الله عنه يقول: انقطعت عن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة، فحصل لي غم بذلك، فتوجهت بقلبي إلى شيخي يشفع في عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحضر عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ها أنا فنظرت فلم أره ففلت ما رأيته، فقال: عليه الصلاة والسلام سبحان الله غلبت عليه الظلمة، وكنت قد اشتغلت بقراءة جماعة في الفقه، ووقع بيني وبينهم جدال في إدحاض حجج بعض العلماء، فتركت الاشتغال بالفقه، فرأيته فقلت: يا رسول الله الفقه من شريعتك ضال: بلى ولكن يحتاج إلى أدب بين الأئمة، وكان رضي الله عنه يقول: تفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في فمي فقلت: يا رسول الله ما فائدة هذا التفل فقال: لا تتفل بعدها على مريض إلا ويبرأ، وكان رضي الله عنه يقول: امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رأيته، فقلت: يا رسول الله ما ذنبي، فقال: إنك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا، وقد كنت قد أخبرت شخصاً من إخواني بشيء من الرؤيا فتبت إلى الله تعالى فرأيته بعد ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا لا أجتمع بمن يجلس مجالس الغيبة مع الناس، ولا يقوم منها.
وكان يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا محمد ما هذه الغفلة، وما هذه الرقدة، وما هذا الإعراض مالك تركت تلاوة القرآن، وما هذه الوريدات في جانب تلاوة القرآن لا تفعل ذلك أصلاً بل اتل كل يوم، ولو حزبين لا أقل من ذلك كل يوم قال: بعض أصحاب الشيخ، فما ترك الشيخ تلاوة القرآن من ذلك اليوم وكان يردد بعض الآيات مراراً كثيرة يبكي، وتنحدر دموعه على خديه، ولحيته، ويتأوه حتى لا يقدر أحد أن يتكلم بحضرته لما يرى من وجده، وكثرة بكائه، وكان رضي الله عنه كثيراً ما يسجد بعد السلام من النافلة سجود الشكر بعد ما يدعو، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله قد وهبت لك ثواب صلاتي عليك، وثواب كذا، وكذا من أعمالي إن كان ذلك ما أردته بقولك للسائل الذي قال لك: " أفأجعل لك ثواب صلاتي كلها فقلت له إذا تكفي همك ويغفر لك ذنبك ".
فقال لي: رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ذلك أردت، ولكن أبق لنفسك ثواب الكذا والكذا، فإني غني عنه.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل فمي، وقال: أقبل هذا الفم الذي يصلي على ألفاً بالنهار، وألفاً بالليل ثم قال لي، وما أحسن " إنا أعطيناك الكوثر " " الكوثر: ا " لو كانت وردك بالليل ثم قال لي: ويكون دعاؤك اللهم فرج كرباتنا اللهم أقل عثراتنا اللهم اغفر زلاتنا، وتصلي علي وتقول، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وكان يقول: لا يأتي النصر قط إلا بعد حصول الذل قال تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله صلاة الله تعالى عشراً على من صلى عليك مرة واحدة هل ذلك لمن كان حاضر القلب؟ قال لا بل هو لكل مصل علي غافلاً، ويعطيه الله تعالى أمثال الجبال من الملائكة تدعو له، وتستغفر له، وأما إذا كان حاضر القلب فيها، فلا
(2/67)

يعلم ذلك إلا الله، وكان رضي الله عنه يقول: قلت: مرة في مجلس محمد بشر لا كالبشر بل هو ياقوت بين الحجر فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: قد غفر الله لك، ولكل من قالها معك، وكان رضي الله عنه لم يزل يقولها في كل مجلس إلى أن مات، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لي: كن أصحابك فلاناً كذا، وفلاناً كذا وكن فلاناً أبا الظهور لأنه يتبع ظهور النساء ببصره، ولا عليك منه، كان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله إني متطفل في علم التصوت، فقال: صلى الله عليه وسلم اقرأ كلام القوم، فإن المتطفل على هذا العلم هو الولي، وأما العالم به فهو النجم الذي لا يدرك هذا منقول من لفظه رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: عن نفسه لست بميت، وإنما موتي عبارة عن تستري عمن لا يفقه عن الله، وأما من يفقه عن الله فها أنا أراه، ويراني، وكان رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عن الحديث المشهور " اذكروا الله حتى يقولوا مجنون " وفي صحيح ابن حبان " أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون " فقال: صلى الله عليه وسلم صدق ابن حبان في روايته، وصدق راوي اذكروا الله، فإني قلتهما معاً مرة، قلت: هذا ومرة قلت هذا، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: لا تخف من الحساد، فإنهم إن كادوك، فإن الله عز وجل يكيديهم ألم تسمع قول الله عز وجل " إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً فهل الكافرين أمهلهم رويداً " " الطارق: 15 و 16 و 17 " ورأى بعض العارفين رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في مكان، فدخل عليه الشيخ أبو المواهب.
فقام له صلى الله عليه وسلم فقص ذلك على سيدي أبي المواهب، فقال له: يا فلان اكتم ما معك فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو روح الوجود، وما قام لأحد إلا قام له الوجود، وكان رضي الله عنه يقول: من أراد أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، فليكثر من ذكره ليلاً، ونهاراً مع محبته في الساعة الأولياء وإلا فباب الرؤيا عنه مسدود لأنهم سادات الناس، وربنا يغضب لغضبهم، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: إن أولياء الله يطلعون على أمور لم يطلع عليها العلماء، فلا يسع الخائف على دينه إلا الأدب والتسليم، وكان رضي الله عنه يقول: عليك بصحبة الفقراء لو لم يكن إلا أخذهم بيدك يوم القيامة مع ما يحملونه عن أصحابهم في دار الدنيا من المصائب، والهموم، والأحزان، وما يتلقون به القادم عليهم في البرزخ من الفرح والأكوان، وكان يقول: ينبغي للفقير أن يتعاهد مع أخيه أن كل من سبق لحضرة الله تعالى منهما يكون وسيلة له عند ربه، وكان رضي الله عنه يقول: انظر إلى المؤمن لما صحب الحق تعالى من حيث تخلقه باسمه المؤمن كيف لا تقدر عليه النار، وتقول له: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي، وكان يقول: بلغنا أنه يؤتى بمن اسمه محمد يوم القيامة، فيقول: الله له أما استحيت إذ عصيتني، وأنت سمي حبيبي لكن أنا أستحي أن أعذبك، وأنت سمي حبيبي اذهب، فادخل الجنة.
وكان يقول: صحبة المبتدي للمنتهي الذي لم يقف على مراسم الرسوم مضرة غير نافعة لا سيما إن كان المنتهي خضري المقام المباين لحكم عالم الملك والشهادة فهذا ليس به انتفاع لأصحاب البداية البتة قال: المحقق أبو عبد الله النفري أوقفني الحق تعالى في التيه ثم قال لي: من جملة كلامه أصحب المحجوب، وفارق الموصول، وذلك لأن صحبة المحجوب أنفع للمحجوب من صحبة المكاشف بالغيوب لأنه يفعل على شاكلة ما شهد في الملكوت، وربما يكون ذلك غير مطابق له في الملك لأن حكم الغيب غير حكم الشهادة واعتبر أيها المنكر بقصة موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام، ففي ذلك مقنع للعاقل فافهم.
وكان رضي الله عنه يقول: التسليم للقوم أسلم لكن الاعتقاد فيهم أغنم فكم استغنى بصحبتهم فقير وجبر كسير وارتفع وضيع، وستر شنيع، ومات غوي، وهلك ظالم ورفعت مظالم.
وفيهم ورد الحديث " بهم ترزقون وتمطرون وترحمون " وكان رضي الله عنه يقول: قد غلط أكثر الناس في وصف أهل الصلاح بالتحول والتقشف فقط وليس الأمر كما ظنوا ير فيهم السمين، والهزيل، والمترفه، والمتقشف، ودليل السمين قوله تعالى: " وزاده بسطة في العلم والجسم " " البقرة: 247 " وكان صلى الله عليه وسلم له عكن من السمن، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه بديناً عظيم البطن، وكذا ذكر شيخنا
(2/68)

الحافظ ابن حجر في صفة الأستاذ الكبير سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه أنه كان غليظ الساقين عظيم البطن، وأما دليل المترفه، والمتقشف، فكثير في السنة المحمدية، وكان رضي الله عنه يقول: احذر بعد صحبة القوم أن تفشي أسرارهم لغيرهم، ومن ليس له مشربهم، ولا فوقهم، فإن الله تعالى ربما مقتك، فخسرت الدنيا، والآخرة، فلا يخفى أن إظهار السر كإظهار العورة، وقد حرم كشفها، والنظر إليها والتحدث بها وورد " من ستر عورة أخيه ستر الله عورته "، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه " وهذا الأمر يقع فيه كثير ممن يدخل في صحبة الفقراء من غير صدق، ويفارقهم بغير جميل وأنشد:
تغير إخوان هذا الزمان ... فكل خليل عراه الخلل
وكانوا قديماً على صحة ... فقد داخلتهم حروف العلل
قضيت التعجب من أمرهم ... فصرت أطالع باب البدل
وكان رضي الله عنه يقول: إذا نقل إليك أحد كلاماً عن صاحب لك فق له: يا هذا أنا من صحبة أخي ووده على يقين، ومن كلامك على ظن، ولا يترك يقين لظن، وكان ينشد كثيراً:
شاور أخاك إذا نابتك نائبة ... يوماً، وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تلقى كفاحاً ما نأى ودنا ... ولا نرى نفسها إلا بمرآة
وكان رضي الله عنه يقول إياك، وعثرات اللسان عن بعض الأصدقاء فقد أصيب من هذا الباب خلق كثير لثقتهم بأصدقائهم، وما علموا أنهم جعلوا ذلك سلاحاً لوقت العداوة فإياك ثم إياك، وكان يقول من صحب ظالماً فهو ظالم لأن مشاهدة الظالم تورث الغفلة عن الله تعالى، والرضا عن النفس وتعقبه مجالسة الشيطان، وكان يقول إياكم، وصحبة الأحداث، والنساء، والأمراء، والسلطان، وأرباب الدنيا الذين لا خير فيهم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كثرت النيات كثر معنى العمل، وإن كان منفرد الصورة، وذلك كمن صلى صلاة واحدة ناوياً بها أداء الفرض، وإحياء سنة الجماعة، والاقتداء به في ذلك وإظهار بهجة الإسلام، وتكثير سواد المصلين مع زيادة الزهد في الثناء عليه بذلك، وعدم الالتفات إليه، ونحو ذلك فهذه حسنات كثيرة حفت عملاً واحداً، وكان رضي الله عنه يقول العبادة مع محبة الدنيا شغل قلب، وتعب جوارح فهي، وإن كثرت فهي قليلة، وإنما هي كثيرة في وهم صاحبها وهي صور بلا أرواح إنما هي أشباح خالية غير حالية، ولهذا ترى كثيراً من أرباب الدنيا يصومون كثيراً، ويصلون كثيراً، ويحجون كثيراً، وليس لهم نور الزهاد، ولا حلاوة العباد، وكان يقول إنما ضرب الله مثل الحياة الدنيا بالماء لأن الماء إذا أمسكته تغير ونتن، وصار بلية فكذلك الدنيا تصير بلية، وكان يقول أعلى الزهد زهد الرجل في المقامات العلية، والأحوال السنية.
وكان يقول إنما كان ذكر الله أكبر من الصلاة لأن الصلاة، وإن كانت أشرف العبادات
فقد لا تجوز في بعض الأوقات بخلاف الذكر فإنه مستدام في عموم الحالات، وكان يقول لا يجد أنس الذكر إلا من ذاق وحشة الغفلة، وكان يقول اختلفوا أيما أفضل الذكر سراً أو جهراً. والذي أقول أنا به أن الذكر جهراً أفضل لمن غلبت عليه القسوة من أهل البداية، والذكر سراً أنفع لمن غلبت عليه الجمعية، وكان يقول إنما اختار أهل التعريف ذكر الله الله الله فقط دون لا إله إلا الله لوحشتهم من توهم ثبوت الإلهية حتى ينفونها، والذي أقول به أن من غلب عليه الأهواء فذكر لا إله إلا الله أنفع له، ومن خلص من الأهواء فذكر الجلالة فقط أنفع له، وكان رضي الله عنه يقول: كل عمل اتصل به شهوده فهو غير متقبل لأنه تعالى يقول، والعمل الصالح يرفعه فمن شهد له عملاً، ودام ذلك فعمله عند نفسه لا عند ربه فافهم وكان يقول الطامع كلب المطموع فيه فإن لم يكن عنده طمع سلم من ذلك الكلاب. وكان يقول الله أكبر ما أخفى لطائف التعريف يشرد عبده عن حضرته فيرده إليها بالتعنيف مع أنه في ذلك رب لطيف، وكان يقول سألت ربي ليلة أن يلهمني حمداً أحمده به فأملى على لساني الوارد في الحال الحمد لله ولله الحمد بكل المحامد على كل المحامد بجميع المدائح المحمودة في جميع الحمد، والمدح بما يجب للحمد لك حمداً أزلياً لا أول لبداية حمده غير حمده بحمد لحمده في جميع المحامد الأزلية، والأبدية بلسان جمع الحمد، وفرقه في جمع
(2/69)

المحمود بذاته لذاته، وبصفاته لصفاته، وبفعله على فعله، وأطال في ذلك في شرح قوله في الحكم: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها فراجعه إن شئت، وكان يقول: احذر أن يكون شكرك لأجلك بل اجعل شكرك امتثالاً لأمر ربك لك بالشكر، ولهذا قال تعالى: " أن اشكر لي "، " لقمان: 14 " فافهم تعلم، وإن لم تعلم، واعرف قدر فوق أهل المعرفة، وكان رضي الله عنه يقول مقام الفقر من كل شيء لله أتم من طلب المزيد، وكان يقول ذكر أهل الحضرة الحمد لله وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وزدت أنا عليهم آية من كتاب الله تعالى لتكون حرزاً عليهم لأن كل أحد يحب دوام النعمة عليه، وهي قوله تعالى: " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " وهي كانت هجير الإمام مالك رضي الله عنه فكان لا يقوم، ولا يقعد إلا قالها حتى إنه كتبها على باب داره، وقال جنة الرجل داره، والله تعالى يقول: " ولولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله " أي لو قالها الرجل لسلمت جنته من الآفات، وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " أي بحقيقة الاستدراج، وذلك أن يغطي عليهم حقائق الحق، ويلقى في أوهامهم أنهم على صواب، وحق وأنهم غير مؤاخذين على أفعالهم نسأل الله اللطف، فمن أراد الوقاية من الاستدراج فليخف عند ورود النعم عليه أن يستعملها في غير ما وضعت له، وكان رضي الله عنه يقول ربما منع المريد من أجل قوله لشيخه لم فإنه ذنب عند أهل الطريق لا يشعر به كل أحد.
وكان يقول الطريق كلها أدب، وتأديب فهم يناقشون من جهة الحق مناقشة الجليس جليسه، والصاحب صاحبه لأنهم جلساء الحق، وصاحب الأدب لم يزل مستور العورة في الدنيا، والآخرة، والعكس بالعكس، وكان يقول: لا تجالسوا العارفين إلا بالأدب فربما مقت من أساء أدبه معهم، ومحي من ديوان القرب وكان يقول من لم تؤدبه الصوفية فليس بأديب، وكان يقول الواردات مختلفة من حيث المورودة عليه لا من حيث نفسها فإنها واحد فهي كالمطر على أرض فيها أنواع من البذر فالمطر واحد، والنبات مختلف " يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل " " الرعد: 4 ".
فافهم وكان يقول التعبد هو مفتاح باب الخير فمن فاتته الأوراد في بدايته فقد حرم الواردات في نهايته فللأعمال أنوار كما أن للمعارف أسراراً فعليك أيها السالك بالدوام على الأوراد، ولو بلغت المراد وكان يقول في معنى قول القوم فلان عنده استعداد أي صقل مرآة قلبه بأنواع المجاهدات التي سببها يكون الجلاء الموجب لتجلي صور الحقائق في القلب الصافي كما هو معلوم حساً هذا في المحبين، وأما في المحبوبين فقلوبهم منورة مصقولة اختصاصاً إلهيا، وكان يقول ما ورد عليك هو ما ظهر منك لك، وما جلى عليك هو منك إليك مثال ذلك النواة إذا زرعت فكل شيء ورد عليها من ورقها وثمرها كان فيها مودعاً بالقوة كذلك أنت أيها الإنسان لا يرد عليك قط خارج منك من غيرك بل الوارد عليك فيك غيباً ثم ظهر لك شهادة لتعرف مقدار ما أنعم الله عليك ووراء ما أشرت إليه رموز، ولغوز ضمنها كنوز سعد من لها يحوز، وبحرها يجوز.
وكان رضي الله عنه يقول: ثم من العلوم اللدنية ما لا يمكن الجواب عنها حقيقة، ولا شريعة مع أن التعبير عن كل ما يشهده الإنسان غير ممكن، وذلك أن من المشهود ما هو أو سمع أن يدخل في ضيق العبارة، وألطف من أن تكشفه الإشارة، وذكر كل معلوم يدل على قلة علم صاحبه لأن من العلوم ما لا يدخل تحت دائرة الحصر كالعلوم الملكوتية المفاضة من عوالم الغيوب مما لا يفهمه العقل، ولا يدركه الوهم، ولا يسعه الحفظ وهو في قلوب العارفين به يكون أولاً مجملاً ثم يفصل لهم بحسب الوقائع، والحاجة إليه ثم منه ما لا يكون إلا غيباً في غيب ومنه ما يكون غيباً في شهادة ومنه ما لا يؤذن في إفشائه لأحد البتة، ومنه ما يؤذن في إفشائه لقوم دون آخرين، وإذا كان ذلك كذلك فالجواب عن كل سؤال قال بعض من لاح له ما أشرنا إليه أكون حالة الأخذ عن البشرية في حضرة أشاهد فيها ملائكة يتكلمون بعلوم لدنية أفهمها هناك بفهم يناسب تلك الحالة الملكية فإذا عدت إلى بشريتي نسيت ما علمت، ولم أذكر شيئاً مما سمعت، وذلك لأن خرجت من وصف إلى وصف، ومن عالم إلى عالم، وكل علم له عالم بوصف ذلك العلم يدرك حقائقه العالم، ولهذا كانت العلوم الكشفية غير العلوم العقلية، والعقلية غير النقلية، وعلم العبارة غير علم الإشارة فمن أراد أن يأخذ علم
(2/70)

الإشارة من العبارة فقد طلب المحال، وأنكر على الرجال، وحرم تمام الكمال، وكان يقول: الدرجات في الدنيا دليل على الدرجات في الآخرة، والكرامات هنا دليل على الكرامات في الآخرة كما أن البعد هنا دليل على الطرد في الآخرة قال تعالى: " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى " " الإسراء: 72 " والمراد بهذا العمى هو عمى البصيرة بالضلال عن الرشد وطريق الحق نسأل الله العافية، وكان رضي الله عنه يقول: من كان عمله متعلقاً بالظواهر فله في الجنة منزلة تناسب الظواهر، ومن كان عمله متعلقاً بالبواطن فله منزلة تناسب البواطن، ومن كان علمه بدنيا فله منزلة في الآخرة تناسب أعماله العلمية، وكذلك القول فيمن كان علمه قلبياً أو روحياً أو سرياً فلكل حال مقام عند الله تعالى، وعلى قدر سلوك الطريق يكون التحقيق، وكان يقول احذروا من قولكم. ذهب الأكابر، والصادقون من الفقراء فإنهم ما ذهبوا حقيقة، وإنما هم ككنز صاحب الجدار، وقد يعطي الله تعالى من جاء في آخر الزمان ما حجبه عن أهل العصر الأول فإن الله تعالى قد أعطى سيدنا، وحبيبنا محمداً صلى الله عليه وسلم ما لم يعط الأنبياء قبله ثم قدمه صلى الله عليه وسلم في المدح عليهم، ويا لله العجب من كثير من المتفقهة ينكرون ما أجمع عليه الأولياء ويصدقون بما وصل إليهم على لسان فقيه واحد. وربما يكون استناده في ذلك القول إلى دليل قياسي ضعيف أو إلى شذوذ من القول ما ذاك والله إلا لغلبة الحرمان ثم مع إنكاره إذا أصابه هم أو مصيبة يأتي إلى قبورهم فيحملهم الحملة دون الفقيه الذي صدق قوله، وقدمه عليهم، وكان الأمر بالعكس فإياك يا أخي أن تحرم احترام أصحاب الوقت فتستوجب الطرد، والمقت فإن من أنكر على أهل زمانه حرم بركة أو أنه وكان يقول: من وقف مع عاداته، وعلومه، ولم يظن أن فوق علمه علوماً فهو محروم من جميع المواهب حتى من أهل مذهبه، ويسمى هذا بالجاهل المركب فإياك، والبحث مع مثل هذا أو الجدال ليرجع فإنه لا يرجع، ويتسع المجال بينكما، وربما صار يستفتي عليك، وينسبك إلى أمور أنت منها بريء حتى يتعب سرك فكف عنه ما دام يرى نفسه عليك فإن الجاهل لا ينصف المحق أبداً لعدم ذوقه لحاله إلا أن يداركه الله تعالى بالتسليم فيؤمن أن فوق كل في علم عليم، وكان يقول لا ينبغي للفقير أن يستكثر شيئاً من الدنيا في مقابلة عمل قليل أخروي يبقى، وقد أعطى الشيخ ابن أبي زيد القيرواني مؤدب ولده مائة دينار حين أقرأه حزبين من القرآن فقال المؤدب هذا كثير فأخرج ولده من عنده، وقال هذا يعظم الدنيا، وكان يقول: إذا رأيت نفسك محرضة عن مودة أهل الله تعالى فاعلم أنك مطرود عن باب الله، وكان يقول: إذا رأيت من رزق العلوم، وفتح له خزائن الفهوم فلا تحاججه بنقل الطروس ولا تجادله بعزة النفوس، وتقول هذا لم نجده في الأسفار عن أحد من الأخيار فإن المواهب تفوق المكاسب، وكان يقول من أنكر ما لم يجد حرم بركة ما وجد، ومن كان كثير الكير فهو فاقد التنوير وكان يقول تولوا
الجميل للرجل الجليل. ل للرجل الجليل.
وكان يقول من علامة من أذن له في الكلام قبول الناس له وان يقول: من ادعى أنه بر فلا يؤذي الذر، وكان يقول: في قول بعضهم ما فعلت كذا إلا بإذن من الله تعالى مراده بالإذن نور يقع في القلب ينشرح له الصدر وليس ذلك بحجة لفقد العصمة لا سيما إن كان على غير قانون الشرع فما كل واقع للفقير حق، وكان يقول هذا الكون كبيت يعمه الصدى ما قلته فيه رده عليك، ومرآة يتجلى فيها ما بدا منك إليك، وكان يقول العابد في وهم، وتقييد، والمقرب في فرح، وتأييد، وكان يقول: تنزهت أبناء الأزل عن الوقوف مع العمل بالعلل وكان يقول لا تكن ممن يعبد ليعد، ولا ممن يسود الجاه للجاه بل اعبد ربك لا لغرض، ولا لعرض، وكان يقول: علم اليقين يحصل عن قاطع البرهان، وعين اليقين يحصل بشهود العيان، وحق اليقين تحقيق صورة العيان مثال ذلك ما استفيد بالعلم المتواتر علم يقين، وفوقه عين يقين، والحلول به حق يقين، وكان يقول الوارد مثل العطاس لا يرد إذا ورد، ولا يستجلب بحيلة، ولو دفع كان عناء، وتعباً وعللاً، وكل وارد لا يوافق الشرع فهو الظلمة وكان يقول: أحسن بذر الفلاح ما بذره الفلاح ثم ستره بعد بذره حتى ينبت في بطن الأرض، وأقبحه ما نبت فوقها لأنه لا ثبات له، وكان يقول اتباع شهوات النفوس هي التي تنكس الرءوس، ومن أطلعه الله تعالى على دسائس نفسه أمن من
(2/71)

عكسه، ونكسه، وكان يقول علامة قبح القلوب أن لا يدخل فيه خلل، وعلامة قبح النفوس السامة منه، والملل، وكان رضي الله عنه يقول حقيقة الكشف أن تنظر الظلمة عين النور، وتشهد رفع الغطاء في الستور، وأعلى مراتب الكشف أن يطلعه الله على المقر المستودع، ودونه من أطلعه الله على البداية دون الغاية، وكان رضي الله عنه يقول من شهد بواطن الأواني. نال أسرار المعاني، وكان يقول: ظهور الأخيار من غير اختبار.
وكان يقول من علامة المعتني به في الأزل أن لا يسلب ما فتح، ولا يخلع، ومن رام مزاحمة أهل العناية، وقع في شرك العناء، والتعب ولا يقضي أرب، وكان يقول إن أردت الوصول بلا تعب فاستمسك بأهل الحسب، وكان يقول من كان له بالتعظيم بين العوام صورة لم يكن له بالتخصيص عند أهل التحقيق سورة، وذلك لأن محب الله مشهور، ومحبوب الله مستور، وكان يقول إساءة الأدب على أهل الرتب توجب العطب، وكان يقول الإسرار بالذكر من شأن الخواص لا المريدين لأن المريد يذكر ليستنير قلبه، والمراد من وجد النور قبل الذكر، ومن العجب ذكر الحاضر القريب فما بقي للذكر سلطان إلا على سبيل التعظيم أو حال غيبة الذاكر عن المذكور، وكان يقول في قولهم قيل لي ليلة البارحة كذا مثلاً مرادهم إما هاتف الحقيقة أو أنه سمع الملك من غير رؤية لشخصه أو رؤيته على غير صورته الأصلية أو مرادهم ما يسمعونه من قلوبهم ألم ما يفهم من حال الشيء بحسب مراتبهم في ذلك الوقت، والأخير خاص بالمريدين، وكان يقول من كان للخلق أرضاً فهو لربه أرضي، ومن على الخلق يتعالى لا يقال له تعال، وكان يقول إذا رأيت في منامك شيئاً من البشرى فلا ترض عن نفسك حتى تعلم رضا الله عنها، وكان يقول رب امريء مزار حمله الزائر الأوزار فتفقدوا نفوسكم عند قدوم الزائر.
وكان يقول من حمل الفقراء ما يرد عليه من النكد فكأنه لجال عيهم إذ ورد، وكان يقول كان الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المراكز العلية ليشهد الملائكة الملكوتية ما ليس فيهم، ولا في الملكوت من عزيز الخصائص وكمال النعوت فأراد الحق بالإسراء أن يرى محمداً صلى الله عليه وسلم قدر ما أنعم به عليه فكان ظاهره اجتباء وباطنه ابتلاء لعدم قيام العبد بشكر جميع النعم الربانية فافهم، وكان يقول لا تستقل بالعالم الفقير، ولا تنظر إليه بالتحقير فربما تقدم على أهل الزمان إذا جاء وقت الامتحان لهم وكان رضي الله عنه يقول شيخ الأمير طبل كبير، وشيخ السلطان أخو الشيطان، وكان يقول الأستاذ هو من كمل الدوائر، وانطوى فيه علم الأوائل، والأواخر ويسمى بالعالم المطلق فكل أستاذ شيخ، ولا عكس، وكان يقول: من شرط المريد أن لا يخرج عن التحديد، وكان كثيراً ما يتمثل بقول الشيخ محيي الدين رضي الله عنه حين يستغرب أحد قولاً:
تركنا البحار الزاخرات وراءنا ... فمن أين يدري الناس أين توجهنا
وكان رضي الله عنه يقول: كان سجود الملائكة عليهم السلام لآدم عليه السلام إشارة لتواضع الصغير للكبير، وإظهاراً للكرامة بظهور صورته بسمة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أن رأس آدم عليه السلام ميم، ويديه حاء وسرته ميم، ورجليه دال، وكذا كان يكتب في الخط القديم وإنما لم تظهر اليد الأخرى حتى يكون يميناً، وشمالا هكذا.
لأن الأول أعظم في المدح، لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينظر من خلفه كما ينظر من أمامه فيصير يسار الخلق يميناً لذلك الوجه المختص به صلى الله عليه وسلم، ومن هنا قال بعض العارفين لا يقال ليد النبي صلى الله عليه وسلم يسار، وإنما يقال اليمين الأول اليمين الثاني أو يمين وجهه، ويمين خلفه. وهنا دقيقة وهي خروج عدد المرسلين الثلاثمائة عشر من اسمه محمد فالميم الأول منه إذا نطقت بها كانت ثلاثة أحرف، والحاء حرفان حاء، وألف، والهمز ساقط، والميم المضعف كذلك بستة أحرف، والدال كذلك دال ألف لام فإن عددت حروف
(2/72)

اسمه كلها ظاهرها، وباطنها حصل لك من العدد ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد الرسل المتفرعين منه صلى الله عليه وسلم الجامعين للنبوة، ويبقى واحد من العدد هو لمقام الولاية المفرق على جميع الأولياء التابعين للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وله صلى الله عليه وسلم فافهم، وقد التقطت جميع ما نقلته عنه من شرحه للحكم، ومن كتاب القانون له رضي الله عنه والله أعلم.

ومنهم الشيخ حسين الآدمي
رضي الله تعالى عنه
أحد مشايخ سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه، وكان مقيماً بالحسينية بمصر قال سيدي أحمد الزاهد: وكان أصله من مراكش بأرض المغرب، وكان له هناك أرض يزرعها، ويرعى فيها غنمه فلما جاء إلى مصر كان كل يوم يرسل غنيماته مع النقيب يرعاها بمراكش، ويبيتها بمصر، قال سيدي أحمد رضي الله عنه، وكنت جالساً عنده يوماً فجاء يهودي، وقدم رجله وهي في النعل، وقال يا مسلم اقطع لي هذه الجلدة التي تؤذيني فقال بسم الله وأخذ الشفرة، وقال الله أكبر فصاح اليهودي أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقال يا أحمد إن عشت أفعل كذا رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أحمد بن سليمان الزاهد
رضي الله تعالى عنه
هو الشيخ الإمام العالم العامل الربائي شيخ الطريق، وفقيه أهلها. ربي الرجال، وأحيا طريق القوم بعد اندراسها، وكان يقال هو جنيد القوم.
وكان يتستر بالفقه لا تكاد تسمع منه كلمة واحدة من دقائق القوم، وصنف عدة رسائل في أمور الدين، وكان يعظ النساء في المساجد، ويخصهن دون الرجال، ويعلمهن أحكام دينهن، وما عليهن من حقوق الزوجية، والجيران، وعندي بخطه نحو ستين كراساً في المواعظ التي كان يعظها لهن، وكان رضي الله عنه يقول هؤلاء النساء لا يحضرن عروس العلماء، ولا أحد من أزواجهن يعلمهن، وكان يقول يينما أنا ذاهب إلى المكتب، وأنا صبي عارضني شخص من أولياء الله أشعث أغبر فطلب مني غدائي فأعطيته له، وعزمت على الجوع فأخذه مني وقال لي يا أحمد تبني لك جامعاً في خط المقسم، وتلقب بالزاهد، ويعارضك في عمارته جماعة، ويخذلهم الله عز وجل، وتصبر المشار إليه في مصر ويتربى على يديك رجال فكان الأمر كما قال، ولم أجتمع بذلك الرجل بعد ذلك اليوم. قلت: وقد عارضه من العلماء جماعة منهم شيخ الإسلام ابن حجر، وجمال الدين صاحب الجمالية التي بالقرب من خانقاه سعيد السعداء حتى أرسل إلى التراب، ومنعه أن ينقل تراب عمارة جامع الشيخ فقال الشيخ كل فقير لا يظهر له برهان لا يحترم له جناب ثم وضع رأسه في طوقه، وتوجه في تغيير خاطر السلطان على جمال الدين فأرسل ذلك الوقت وراءه وحبسه ولم يذكر له ذنباً، ولم يزل جمال الدين محبوساً حتى فرغ الشيخ من تعمير الجامع، وقال للتراب انقل، وقلبك قوي طيب لا نطلقه من الحبس حتى تفرغ، وأنكر عليه أيضاً قبل ذلك الشيخ سراج الدين البلقيني، وبالغ في إنكاره عليه فبلغ ذلك سيدي أحمد فقال ماذا ينكر علينا؟ فقال يقول إنك تأخذ طوب المساجد الخراب تبنى بها جامعك فقال كلها بيوت الله ثم إن الشيخ دخل الجامع الأزهر بقصد البلقيني، ونصب كرسياً في صحن الجامع وهو في حال حتى صارت عيناه كالجمر الأحمر ثم جلس على الكرسي وقال من يسألني عن كل علم نزل من السماء أجيبه عنه فبهت الناس كلهم، ولم يسأله أحد فلما سرى عنه قال من جاء بي إلى هنا فقالوا له وقع منك كذا، وكذا وقلت كذا وكذا فقال لهم هل سأل أحد فقالوا لا فقال الحمد لله لو خرج إلينا أحد لافترسناه ثم خرج من الجامع.
وكان رضي الله عنه إذا دعي إلى شفاعة عند من لا يعرفه يقول لصاحب الحاجة اذهب فخذ لك أحداً من وجوه الياس، واسبقني إلى بيت الرجل فإذا جئت فقوموا، وتقوني وعظموني حتى تمهدوا لي مكاناً للشفاعة فإني رجل مجهول الحال بين هؤلاء، وكان يقول ما دخل أحد إلى مسجدي هذا ثم صلى ركعتين إلا أخذت بيده في عرصات القيامة فإن الله شفعني في جميع أهل عصري، وكان يستر نفسه، ولا يذكر قط شيئاً من الكشف إلا على لسان بعضهم، وأخلى مرة مريداً فكشف للمريد أن الشيخ من أهل النار فتوجه إلى الله أن يمحو اسم شقاوته فدق الشيخ على المريد، وقال يا ولدي أنا لي منذ ثلاثين سنة أرى ذلك، ولا اعترضت، ولا سألت التغيير فأنت في ساعة واحدة تقلقات ثم توجه الفقير فوحد الشيخ قد حول اسمه في السعداء وكان رضي الله عنه يمتحن المريد قبل أن يأخذ عليه العهد سنة، وأكثر.
ولما جاء سيدي محمد الغمري ليأخذ عنه الطريق وافق الدخول بعد العشاء، وقد أغلق باب الجامع فقال افتحوا لنا فقال الشيخ نحن لا نفتح الجامع بعد العشاء فقال إن المساجد لله فقال الشيخ نفس فقيه يا فلان افتح له
(2/73)

ففتحوا له فدخل فقال أين الشيخ فقال له الشيخ ما تفعل به فقال أطلب الطريق إلى الله فقال ما أنت من أهلها فقال ببركة الشيخ أكون إن شاء الله أهلا لها فتعرف له الشيخ فعرفه، ولقنه الذكر، وجعله خادماً في الميضأة ثم نقله إلى البوابة ثم نقله إلى الوقادة فمكث عشر سنين فقام عن الوقود في الفجر فخرج الشيخ فقال يا محمد فقال نعم فقال أوقد الجامع فجال بيده، وحلق على الجامع فأوقدت مصابيحه كلها فقال له الشيخ اذهب إلى بلبيس أنفع الناس ما بقي لك إقامة هنا فذهب إلى بلبيس فلم يصح له فيها قدم فانتقل إلى محلة أبي الهيثم فلم يصح له فيها قدم فذهب إلى المحلة الكبرى فكان من أمره ما كان كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وكان سيدي أحمد رضي الله عنه لا يدخل إلى بيته من الجامع إلا بعد صلاة الجمعة فكان يصلي ويدخل فيمكث إلى العصر فدخل يوماً فرآهم يضحكون، وهم مبسوطون فقال مالكم. فقالوا شخص يسمى عبد الرحمن بن بكتمر أرسل إلينا لحماً وملوخية، وعسلا، وقال اطبخوا، وكلوا فقال الشيخ وجب حقه علينا فأرسل وراءه، وأخذ عليه العهد وكانت مجاهدته فوق الحد، وقد رأيت له حبلا مربوطاً في السقف في خلوته فوق ميضأة جامع سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه فكان لا يضع جنبه الأرض سنين حتى وقع له الفتح، وكان من أمره ما كان. وأما سيدي مدين فجاء إلى سيدي أحمد بعد أن كان اشتغل بالعلم زماناً فأخذ عليه العهد وأخلاه ففتح عليه ثالث يوم فكان سيدي أحمد رضي الله عنه يقول كل الناس جاءونا، وسراجهم مطفأ إلا مدين فإنه جاء، وسراجه موقد فقويناه له وسافر سيدي محمد الغمري إلى ناحية دمياط فاشترى لبيت الشيخ علبة حلاوة فتحرك الريح فجاء حبل الراجع فرماها في البحر فلما وصل سيدي محمد إلى القاهرة، ودخل وسلم على الشيخ قال له يا محمد أين هديتك قال يا سيدي رماها الراجع في البحر فقال للخادم: أدخل هذه الخلوة، وأعرض عليه الخبر فدخل فوجد العلبة على الرف وهي تقطر ماء فقال يا محمد وصلت هديتك، ولما حضرته الوفاة تطاول بعض الفقراء للإذن له بالجلوس في الجامع بعد الشيخ فجمعهم الشيخ، وقال أنا أقسم بينكم الميراث في حياتي لئلا تتنازعوا بعد فقال لسيدي محمد الغمري يا محمد إن خيرك في الطريق لذريتك ما لأصحابك منه شيء سوى الرشاش، وقال لسيدي مدين رضي الله عنه يا مدين أنت خيرك لأصحابك ما لذريتك منه شيء وقال لسيدي عبد الرحمن بن بكتمر يا عبد الرحمن أنت خيرك لنفسك ما لذريتك، ولا لأصحابك منه شيء، وكان يفوق الطريق بالمواهب، ولو كانت بالاختيار كان ولدي أحق بها، وكان يقول يا من يربي لنا ولدنا ونربي له ولده، وكان يخرج في السحر على باب الجامع يتبرك بمن دخل مصر من المسفرين، ويقول إنهم مر عليهم نسيم الأسحار، وكان إذا جاءه إنسان بولده الصغير ليدعو له يقول: اللهم لا تجعل لهذا الولد كلمة، ولا حرمة في هذه الدار، وكان يهجر الفقراء كثيراً وربما يأمر الفقير بالإقامة في الميضأة سنة كاملة فيفعل، وكان إذا جاءه شخص يريد المجاورة للاشتغال بالعلم يقول يا ولدي ما نحن معدين لذلك اذهب إلى الجامع الأزهر، وما كان يأذن للفقراء القاطنين عنده إلا في تعليم فرائض الشرع وواجباته المتعلقة بالعبادات، وكان يمنعهم من تعلم الأمور المتعلقة بفصل الأحكام في البيوع، والرهون والشركات، ونحو ذلك، ويقول ابدءوا بالأهم، ولا أهم من معرفة الله في هذه الدار، والفقهاء قد قاموا عنكم بفروع الشريعة فإن قتلوا، والعياذ بالله، وتعطلت الأحكام وجب عليكم تعلم هذه الفروع لئلا تندرس الشريعة رضي الله عنه قلت: وقد سألت سيدي الشيخ محمد الحريفش الدنوشري وكان قد رأى سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه عن سبب تسميته الزاهد، وإن كان كل ولي لا بد له من الزهد، ومع ذلك فلم يشتهر به في مصر إلا هو فقط فقال صنع مرة الكيمياء نحو خمسة قناطير ذهباً ثم نظر إليه، وقال أف للدنيا ثم أمر بطرحها في سرداب جامعه فأشهره الله تعالى من ذلك اليوم بالزاهد. مات رضي الله عنه سنة نيف وعشرين وثمانمائة، ودفن بجامعه، وقبره ظاهر يزار، ويتبرك الناس به رضي الله عنه.

ومنهم سيدي عمر الكردي
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه مقيماً ببركة ميدان خارج القاهرة وكان يغتسل لكل فريضة صيفاً كان أو شتاء، وكان الأمراء، والخوندات، والأكابر يأتون له بالأطعمة الفاخرة والحلاوات فيطعمها للحشاشين الذين يتفرجون، ويقول لهم يا إخواني ما لي أرى أعينكم حمراً لا يزيدهم على ذلك، وكان النقباء يلومونه على عدم إطعامهم من ذلك الطعام فقال يوماً للنقيب، املأ لك صحناً من هذه الحلاوة، وغطه، وقم بنا نأكله
(2/74)

في تلك الجزيرة التي في وسط البركة فمضى هو والنقيب، وقال اكشف، وكل فوجده النقيب كله خنفساً فقال كل فقال لهذا خنفس فقال أتلومني على عدم إطعامكم الخنفس كل يوم. قال الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رضي الله عنه ولما دفناه في تربة خشقدم كان من جملة الحاضرين سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه فقال: وعزة ربي ما رأيت أصبر منه نازلا في قطعة من جهنم، وما فيه من شعرة تتغير رضي الله تعالى عنه.

ومنهم سيدي إبراهيم المتبولي
رضي الله تعالى عنه
كان من أصحاب الدوائر الكبرى في الولاية، ولم يكن له شيخ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يبيع الحمص المسلوق بالقرب من جامع الأمير شرف الدين بالحسينية من القاهرة المحروسة، وكان يرى النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً في المنام فيخبر بذلك أمه فتقول: يا ولدي إنما الرجل من يجتمع به في اليقظة فلما صار يجتمع به في اليقظة، ويشاوره على أموره قالت له الآن قد شرعت في مقام الرجولية، وكان مما شاوره عليه عمارة الزاوية التي ببركة الحاج فقال يا إبراهيم عمر ها هنا، وإن شاء الله تعالى تكون مأوى للمنقطعين من الحاج، وغيرهم، وهي دافعة البلاء الآتي من الشرق عن مصر فما دامت عامرة فمصر عامرة، ولما شرع في غرس النخل بالقرب من البركة لم يصح له بئر فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: غداً إن شاء الله تعالى أرسل لك علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعلم لك على بئر نبي الله شعيب التي كان يسقي منه غنمه فأصبح فوجد العلامة مخطوطة فحفر فوجدها، وهي البئر العظيمة بغيطه إلى الآن.
وأخبرني الشيخ جمال الدين يوسف الكردي رضي الله عنه أن الغلاء وقع أيام السلطان قايتباي حتى اجتمع عند الشيخ في الزاوية نحو من خمسمائة نفس فكان كل يوم يعجن لهم ثلاثة أرادب، ويطعمها لهم من غير إدام فطلب الناس منه أدماً فقال للخادم اذهب إلى الخص الذي في النخل فارفع الحصير الخوص، وخذ حاجتك فذهب ورفع الحصير فوجد قناة تجري ذهباً، وفضة من علو نازلة في السفل فأخذ منها قبضة فاشترى بها ذلك اليوم أدماً فقال: النقيب يا سيدي إذا كان الأمر كذا دستورك نوسع على الناس فقال ما ثم إذن فذهب الخادم من وراء الشيخ فلم يجد القناة فحفر فلم يجد شيئاً، ولما سافر إلى القدس زار السيدة مريم عليها السلام بنت عمران فقرأ عندها ختماً تلك الليلة فرأى بعض القراء سيدنا عيسى عليه السلام، وهو يقول: سلم لنا على إبراهيم.
وقل له جزاك الله عنه وعن والدته خيراً، وأخبرني الشيخ جمال الدين يوسف أيضاً قال اشتقت إلى أهلي بحصن كيفا من بلاد الأكراد فشاورت الشيخ، وإن ذلك بعد العصر فقال إن شاء الله يكون فدخلت الخلوة أقرأ ورد العصر فرأيت نفسي داخل بلدي، والناس تسلم علي، وشالوا الأعلام قدامي فدخلت دارنا فسلمت على أمي وأبي، ومكثت عندهم أخطب في الجامع، وأقرئ أطفالا مدة تسعة شهور فقوي اشتياقي إلى الشيخ فشاورت، والدي، ووالدتي فأذنا لي فخرجت إلى موضع خارج البلد فأذنا لي في خلوتي ببركة الحاج فخرجت لأسلم على إخواني فلم يسلموا علي فأخبرتهم بسفري فقالوا: يوسف حصل له جنون فعلم الشيخ بذلك فقال: اكتم يا ولدي ما معك ثم بعد ثلاث سنين جاءت والدته بصحبة والده وقالا يا سيدي لولا خاطرك ما خلينا يوسف يجيء إلى سنة.
قلت، وهذه القصة من مسائل ذي النون المصري، وهي تشبه مسألة الجوهري الذي غطس في البحر فرأى نفسه ببغداد فتزوج، وجاء بالأولاد ثم رفع رأسه فإذا هو عند ثيابه بساحل الذيل بمصر فخرج في الحس ما كان في عالم الخيال، وكان هدا الشيخ يوسف من عباد الله الصالحين، وكان يذكر أنه يجتمع بالخضر عليه السلام كثيراً فكانت لوائح الصدق ظاهرة على وجهه، وكان يقرأ القرآن بالسبع، وحدثني بهذه القصة في كماله، وعقله رضي الله عنه، ولما اجتمع عنده بنو حرام في زاويته خوفاً من بني وائل أرسل الشيخ لبني وائل قاصداً يأمرهم بالصلح فقالوا: أيش للمتبولي في هذا يروح يقعد هو وصغاره في الجبل والله لا نرجع حتى نسقي خيلنا من حيضان المدينة فقال: الشيخ، وعزة ربي ما عادت تقوم لبني وائل رأس إلى يوم القيامة فهم إلى وقتنا هذا تحت حكم بني حرام.
وكان سيدي إبراهيم رضي الله عنه مبتلي بالإنكار عليه من كونه لم يتزوج، وكان رضي الله عنه يقول: ما في ظهري أولاد حتى أتزوج بقصدهم ومكث نحو الثمانين سنة حتى مات لم يغتسل قط من جنابة لأنه لم يحتلم قط، وكان إذا جاءه الشاب، وشهوته ثائرة عليه يقول: له تطلب لك مدة، إلا دائماً فإن قال أريد مدة حتى أقدر على مؤنة التزويج يقول له خذ هذا الخيط فشد به وسطك فما دام معك
(2/75)

لا يتحرك لك شهوة، وإن قال أريد عدم تحرك الشهوة طول عمري يمسح على ظهره فلا تتحرك له شهوة، ولا ينتشر إلى أن يموت، وكان يقول: لمن يبلغه عنه إنكار يا أولادي أنا سم ساعة فما للناس ولي، وكان يسأل الفقراء القاطنين عن أحوالهم ويباسطهم فرأى يوماً شخصاً منهم كثير العبادة، والأعمال الصالحة، والناس منكبون على اعتقاده فقال يا ولدي مالي أراك كثير العبادة ناقص الدرجة لعل والدك غير راض عنك فقال نعم فقال تعرف قبره فقال نعم فقال اذهب بنا إلى قبره لعله يرضى قال الشيخ يوسف الكردي فوالله لقد رأيت والده خرج من القبر ينفض التراب عن رأسه حين ناداه الشيخ فلما استوى قائماً قال الشيخ: الفقراء جاءوا، شافعين تطيب خاطرك على ولدك هذا فقال: أشهدكم أني قد رضيت عنه فقال ارجع مكانك فرجع، وقبره بالقرب من جامع شرف الدين برأس الحسينية قال: فلما رجعنا إلى البركة إذا امرأة تقول يا سيدي قف فوقف بالحمارة فقال ما حاجتك فقالت ابني أخذه الإفرنج، وأريد منك أن تدعو الله تعالى يرجع فقال: بسم الله فدعا ثم قال: ها هو ولدك فوقع بصرها عليه فلما اجتمعت بولدها ذهبنا فقال: اشهدوا بأن الله رجالا في هذا العصر يجيب سؤالهم في الحال.
وكان يقبض على لحيته، ويقول يا ما تقاسي مصر بعد هذه اللحية أنا أمان لها، وكان رضي الله عنه يقول وعزة ربي لتتوزع أحوالي بعدي على سبعين رجلا، ولا يحملون، وكان إذا ذهب إلى أحد من الأكابر لا يأخذ معه أحداً من الفقراء، ويقول ارجعوا فإني عازم على أكل السم، ولم تطيقوه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كان طعام الأمراء سماً فكيف بطعام الملوك وظلم ابن البقري رجلا وأخذ بقرته التي يشرب هو وأولاده لبنها فجاء إلى سيدي إبراهيم رضي الله عنه فركب حمارته، وتوجه إلى ابن البقري فوجد عنده شيخه ابن الرفاعي فتكلم سيدي إبراهيم رضي الله عنه كلاماً بعزة بحضرة شيخه فقال له شيخك هذا كان أبوه قراداً في بلاده فما قال الشيخ رضي الله عنه ذلك الكلام إلا والقرد، والدب، والحمار والكلب في وسط داره حتى شهدهم الحاضرون تصديقاً لكلام الشيخ ثم غابوا فاستغفر ابن البقري، وقضى الحاجة، ونام عنده جماعة من فقهاء الأزهر في بركة الحاج فوجدوا عند الشيخ مملوكين أمردين من أولاد الأمراء ينامان معه في الخلوة فأنكروا عليه ثم رفعوا أمره إلى الشرع بالصالحية فأرسل القاضي وراءه فحضر فدخل الصالحية فقال مالكم فقال القاضي هؤلاء يدعون عليك أنك تختلي بالشباب، وهذا حرام في الشرع فقال ما هو إلا هكذا وقبض على لحيته بأسنانه، وصاح فيهم فخرجوا صائحين فلم يعرف لهم خبر بعد ذلك الوقت ثم جاء الخبر أنهم أسروا، وتنصروا في بلاد الإفرنج فشفعوا فيهم عند الشيخ فلم يقبل شفاعة أحد ثم انقطع خبرهم. ورماه أهل بيت من متبول باللواط مع ولدهم فقال هتك الله ذراريهم فمن ذلك اليوم صار أولادهم مخانيث، وبناتهم زناة إلى يومنا هذا. ورماه واحد أيضاً بفاحشة فقال له سود الله نصف وجهك فصار له خد أسود، وكذلك ذريته إلى وقتنا هذا.
وكان يقول: وعزة ربي ما رأيت في الأولياء أكبر فتوة من سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه، ولذلك وأخي بيني، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان هناك من هو أكبر فتوة منه لآخى بيني وبينه، ودخل عليه مرة رجل، ومعه ولد صغير فقال للولد هز هذه البقة فهزها فوقع منها اثنتان وسبعون حبة فقال للولد كلها كلها فإنك تأخذ بعددها نساء فتزوج ذلك الولد اثنتين وسبعين زوجة، وكان رضي الله عنه يقول لا تكبروا خبزي على خبز أخي أحمد البدوي، وكان سماً نافعاً على الولاة فإذا تشوش من أمير أو وزير مات لوقته أو في ليلة وتعرض جماعة من الظلمة إلى جماعة غيطه، وأراد الوزير، وكان يسمى قاتم التاجر أن يحدث عليهم مظلمة وقال إن كان المتبولي شيخاً ينفخني فقال يا ولدي ما أنا أنفخ وإنما أفوق سهمي فلا يرد فدخل الوزير بيت الخلاء فانتظروه ليخرج فلم يخرج فدخلوا عليه فوجدوا لحيته، ووجهه في حلق الخلاء، وهو ملطخ بالعذرة، وهو ميت فرجع غالب الولاة عن معارضته في أمر من الأمور، وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه، إذا غير أحدكم منكراً فليتوجه بقلبه إلى الله تعالى في إزالته، ويقلب أصحاب المنكر فيزيلوا ذلك المنكر قال الشيخ يوسف رحمه الله تعالى، ولقد كنا يوماً في حصن مسلة فرعون بالمطرية فجاء جماعة من الجند بجرار خمر فجلسوا يشربون فقال سيدي إبراهيم رضي الله عنه من يزيل هذا المنكر فقال فقير أنا فوضع رأسه في طوقه فما كان بأسرع من أن وقع الجند في بعضهم بعضاً بالدبابيس، والنعال، وكسروا الجرار ثم جاءوا، واستغفروا، وتابوا على يد الشيخ، وقالوا كلهم يقول أستغفر
(2/76)

الله قال الشيخ محمد النامولي رحمه الله: وكنا إذا سافرنا معه إلى ناحية طندتا يقول لنا البيات عند الشيخ علي بن الصعيدي يعني جدي أنا لأجل حل طعامه.
وقد كان جدي رحمه الله قد دقق في الورع كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، وسمعت سيدي الشيخ عبد القادر الدشطوطي رحمه الله يقول ليس أحد من الأولياء له سماط يمد كل سنة فوق سد الإسكندر ذي القرنين غير سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه ولا يتخلف أحد من الأنبياء والأولياء عن حضوره فيجلس النبي صلى الله عليه وسلم صدر السماط، والأنبياء يميناً، وشمالا على تفاوت درجاتهم، وكذلك الأولياء، ونقباء ذلك السماط المقداد بن الأسود رضي الله عنه وأبو هريرة رضي الله عنه، وجماعة هكذا سمعته من سيدي عبد القادر قال، وقد حضرته سنين.
وكان جماعة من رعيان الغنم يرعون برسيمه في ناحية المطرية فأغلظ عليهم جماعة الشيخ فبينما الشيخ رضي الله عنه يوماً راكب، وهو راجع من مصر إلى البركة، ومعه جماعة من الفقراء إذ أرسلوا إليه عشرة كلاب شؤام بأطواق الحديد يعقرون الشيخ وجماعته فلما وصلوا إلى الشيخ بصبصوا بأذنابهم، ولاذوا بالشيخ تبركاً فجاء أصحابهم إليهم فرجعوا عليهم فعقروهم، ومضوا مع الشيخ رضي الله عنه في خدمته، وكان إذا حصل بين المجاورين نكد، وتشويش يدخل إلى المطبخ، ويضرب الدست بعصاه، ويقول أنت الذي جمعت عندي هؤلاء المخاميل فما يطلع النهار حتى يشتوا عن المكان بأنفسهم من غير أن يخرجهم أحد، وكان رضي الله تعالى عنه لا يراه أحد يصلي الظهر في مصر أبداً، وكان بعض الفقهاء ينكر عليه فسافر الشام فوجد سيدي إبراهيم في الجامع الأبيض برملة لد يصلي فسلم عليه.
وسأل قيم الجامع عنه فقال سيدي إبراهيم دائماً يصلي الظهر عندكم فقال نعم فرجع عن إنكاره، وكان رضي الله عنه يقول لا تكبر تعظم، وكان يقول طهر قلبك من محبة الدنيا يجر ماء الإيمان في قلبك جداول، ومن لم ينظف قلبه من ذلك لا يجري في قلبه ماء الإيمان، وكان رضي الله عنه يقول: لا أحب الفقير إلا إن كان له حرفة تكفه عن سؤال الناس، ولما وقع من البقاعي، وغيره الكلام في شأن سيدي عمر بن الفارض جاؤوا إليه، وقالوا: له مثل سلطان العشاق يتكلم فيه فقال لهم من سلطان العشاق. فقالوا سيدي عمر بن الفارض فقال سيدي إبراهيم هذا وأمثاله ممن ملأ الأرض عياطاً من أعطى أحدهم من سر الله عز وجل ما يغطي شارب ناموسة، وإن يحط على من يسلك برياضات البوني وغيره، ويقول: وعزة ربي إن عباد الأصنام أحسن من هؤلاء فإن لله عز وجل أخبر عنهم أنهم كانوا يقولون: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " " الزمر: 3 " هؤلاء اتخذوا أسماء الله المشرفة المعظمة لحصول أغراض خسيسة من مناصب الدنيا لو عرضت على عاقل بلا سؤال كان من الأدب ردها فكيف بمن يطلبها بمعصار التوجه، والجوع ليلا، ونهاراً حتى يخف دماغه، وبعضهم يحصل له الماليخوليا، والجنون، وكان رضي الله عنه يلبسن الصوف، ويتعمم به وكان له طليحية حمراء، ويقول أنا أحمدي، وكان رضي الله عنه يعمل في الغيط ويدير الماء، وينظف القناة من الحشيش، وكان إذا رأى إنساناً يعلم ما في نفسه، وما هو مرتكبه من الفواحش، وجاءته امرأة بولدها ليقرأ عنده في بركة الحاج فقال أنا ما أجمع عندي أحداً من الحرامية المقطوعين اليد فقالت أمه: بسم الله حوالي ولدي فخرجت به إلى الخانكاه فسرق فقطعت يده، وصدق الشيخ، وكان الشيخ إذا جاءه جبة أو جوخة مثمنة يتحزم عليها بحبل، ويعزق الغيط، وهو لابسها، ويقول: ليس لملابس الدنيا عندنا قيمة، وكان إذا فارقه إنسان من مريديه إلى أصحاب الخلوات، والرياضات يهجره، ويقول له: يا ولدي أنا أريد أن أجعلك رجلا، وأنت تريد أن تصير كالبومة العمياء لا تنفع أحداً، وأخباره مع الولاة وغيرهم مشهورة.
وكان رضي الله عنه يقول كل فقير لا يقتل بعدد شعر رأسه من الظلمة فليس بفقير وكان يعارض السلطان قايبتاي في الأمور حتى قال له: يوماً السلطان إما أنا في مصر أو أنت فخرج سيدي إبراهيم رضي الله عنه متوجهاً نحو القدس، فقالوا له: إلى أين فقال إلى موضع تقف فيه حمارتي فوقفت بأسدود تجاه قبر سيدي سليمان رضي الله عنه، فمات هناك سنة نيف وثمانين، وثمانمائة، وخلع عليه سيدي سليمان رضي الله عنه الشهرة فانطفأ اسمه من ذلك اليوم، وصار الاسم لسيدي إبراهيم:، المشهور بين الناس أنه خرج في غيظ من قايتباي، وذلك لا يليق بمقام الشيخ لأن الكمل لا يغضبون لأنفسهم، وإنما ينقلون من مكان إلى مكان لترابهم، أو بنية صالحة أو غير ذلك، والله أعلم. وعشق رجل أمرد فهرب الأمرد منه
(2/77)

إلى سيدي إبراهيم، فوضعه في خلوته فبلغ ذلك الرجل فغير هيئته في صفة فقير، وجاء إلى سيدي إبراهيم يطلب الطريق، فأدخله مع ذلك الأمرد، فأنكر بعض الناس على سيدي إبراهيم فلما كان الغد خرج الفقير، وقال: يا سيدي أنا تائب إلى الله تعالى فقال لماذا، فقال: يا سيدي وضعت يدي على الشاب، فأخذتني الحمى حتى لم أستطع أن أجلس إلى الصباح، وقد تبت إلى الله تعالى قال له: الشيخ حتى تأخذ حدها منك، فمكث بها نحو ستة شهور تخضه حتى خرجت شهواته من الدنيا وما فيها رضي الله تعالى عنه، والله أعلم.

ومنهم الشيخ حسين أبو علي
رضي الله عنه ورحمه
كان هذا الشيخ رضي الله عنه من كمل العارفين، وأصحاب الدوائر الكبرى، وكان كثير التطورات تدخل عليه بعد الأوقات تجده جندياً ثم تدخل فتجده سبعاً ثم تدخل فتجده فيلا ثم تدخل فتجده صبياً، وهكذا ومكث نحو أربعين سنة في خلوة مسدود بابها ليس لها غير طاقة يدخل منها الهواء، وكان يقبض من الأرض، ويناول الناس الذهب والفضة، وكان من لا يعرف أحوال الفقراء يقول: هذا كيماوي سيماوي، ولما شرع الخواجا ابن القنيش البرلسي في بناء زاويته قال: أعداؤه إن هذا المصروف العظيم إنما هو من كيمياء الشيخ حسين فبرطلوا عليه بعض العياق أن يقتلوه، فدخلوا على الشيخ فقطعوه بالسيوف، وأخذوه في تليس، ورموه على الكوم وأخذوا عل قتله ألف دينار ثم أصبحوا، فوجدوا الشيخ حسيناً رضي الله عنه جالساً، فقال: لهم غركم القمر، وكانت النموس تتبعه حيثما مشى في شوارع، وغيرها فسموا أصحابه بالنموسية، وكان رضي الله عنه بريئاً من جميع ما فعله أصحابه من الشطح الذي ضربت به رقابهم في الشريعة، وكان الشيخ عبيد أحد أصحابه الذي هو مدفون عنده الآن مثقوب اللسان لكثرة ما كان ينطق به من الكلمات التي لا تأويل لها، وأخبرني بعض الثقات أنه كان مع الشيخ عبيد في مركب، فوحلت فلم يستطع أحد أن يزحزحها فقال: الشيخ عبيد اربطوها في بيضي بحبل، وأنا أنزل أسحبها ففعلوا فسحبها ببيضه حتى تخلصت من الوحل إلى البحر. مات رضي الله عنه في سن نيف، وتسعين وثمانمائة، ودفن بزاويته بساحل الذيل بمصر المحروسة ببولاق رضي الله عنه.

ومنهم سيدي الشيخ محمد الغمري
رضي الله عنه
أحد أعيان أصحاب سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه، كان من العلماء العاملين، والفقراء الزاهدين المحققين، سار في الطريق سيرة صالحة وكانت جماعته في المحلة الكبرى، وغيرها يضرب بهم المثل في الأدب، والاجتهاد، ولما أذن له سيدي أحمد الزاهد أن يذهب إلى المحلة، وقال له: إن مقامك بها عارضه الشيخ أبو بكر الطريني، فرده إلى محلة أبي الهيثم مدة ثم رجع إلى مصر فقال: سيدي أحمد لسيدي مدين اذهب، وطن أخاك في المحلة فسافر معه سيدي مدين، ولم يجيء إلى أن طاب الوقت بينه، وبين الطرينية، وعملوا له مولداً، وصرفوا عليه من مالهم، وكان رضي الله عنه يقول: خدمت عند سيدي أحمد رضي الله عنه مدة في البوابة ومدة في الوقادة، ومدة في النقابة، وكان قد قسم الفقراء إلى ثلاثة أقسام كهول، وشباب، وأطفال، وجعل لكل قسم مكاناً يخصه، ولا يختلط بالآخر، وكانوا لا يجتمعون إلا يوماً واحداً في الجمعة فيتناقشون فيما وقع بينهم في بقية الجمعة لأنه كان أخذ عليهم العهد أن لا أحد يجيب عن نفسه قط بل يعفو عن الظالم أو يشكوه للشيخ يفعل فيه ما شاء من حيث أنهم كانوا يرون نفوسهم ملكاً للشيخ يفعل فيهم ما شاء، وهم أوصياء على أجسامهم فينتصرون لها من حيث إنها مضافة إلى الحق، وما كان أحد منهم يتكدر قط مما يفعله الشيخ معه من هجر أو إخراج أو ضرب أو جوع أو نحو ذلك بل كانوا يرون الفضل للشيخ، ولمن غمز عليهم في ذلك لمكان صدقهم في طلب الأدب، وكان رضي الله عنه يقول: كان سيدي أحمد رضي الله عنه لا يأذن قط لفقير أن يجلس على سجادة إلا إن ظهرت له كرامة، وكانت كرامتي أنني نمت عن الوقود، فأشرت إلى القناديل فاتقدت كلها، وأخبرني الأخ الصالح الشيخ شمس الدين الطنيخي أن الفقراء أرسلوه يوماً إلى البستان فأتى بشيء من الرطب للفقراء، فغلبته النفس فأكل ثلاث رطبات، فأول ما رآه النقيب قال: هذا أكل من الرطب من وراء الفقراء، فأخبرتهم أني أكلت ثلاث رطبات، فأمر الشيخ بهجري عن كل رطبة يوماً، وأخبرني رحمه الله أن الفقير كان يأتيه أبوه أو أخوه من البلاد، فيقع بصره عليه فلا يقدر يسلم عليه حتى يشاور النقيب، ودخل عليه سيدي محمد بن شعيب الخيسي يوماً الخلوة، فرآه جالساً في الهواء وله سبع عيون، فقال له: الكامل من الرجال
(2/78)

يسمى أبا العيون، ووقع الغلاء في سنة، فأخرج الشيخ جميع ما في المخزن من القمح فباعه للناس، وصار يشتري مثل الناس، وقال: إن الله يكره الرجل المتميز عن أخيه. ولما أراد عمارة جامعه بمصر بسويقة أمير الجيوش أرسل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في عمارته على يد شخص يرعى المعزى في مصر كان مشهوراً بالولاية بباب النصر، فقال له: أرد لك الجواب غداً، فلما كان الغد قال له: عمر أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يحب المشي إلى الشفاعات مع قدرته على قضاء الحاجة بقلبه، ويقول: إن الحديث ورد فيمن مشى في قضاء الحاجة لا فيمن يقضيها بقلبه، ولما أرسل السلطان جقمق تجريدة خلف بن عمر أمير الصعيد جاءوا به في الحديد فعثر حمار بياع، فجل من فقراء سيدي محمد في الصعيد، فقال: يا سيدي محمد يا غمري فسمعه ابن عمر فقال من هذا فقال: شيخي فقال، وأنا الآخر أقول: سيدي محمد يا غمري لاحظني فسمعه سيدي محمد، وهو في المحلة قال: الحاكي لي الشيخ شهاب الدين بن النخال فطلب رضي الله عنه ثلاث حمير وقال: اركبوا فركبنا مع الشيخ، وسافرنا إلى القاهرة، فجلس الشيخ تحت قبة السلطان حسن لحظة وإذا بابن عمر طالعون به الحديد إلى القلعة فقال لابن النخال اطلع خلف هذا الرجل فإذا رأيت السلطان أغلظ عليه، وأمر بإتلافه فضع إصبعك السبابة على الإبهام، وتحامل عليه فإن كل من في الموكب تضيق نفسه، ويخنق حتى السلطان فلما طلع ورآه أغلظ عليه السلطان فصنع ما أمره الشيخ فصاح السلطان أطلقوه واخلعوا عليه فتلطخ جماعة بالزعفران فنزل ابن النخال فأخبر الشيخ فقال اركبوا قضيت الحاجة، ولم يكن أحد يعلم ابن عمر بالواقعة، ولا بمجيء الشيخ ورجع إلى المحلة، وقال: المعاملة مع الله تعالى، وما مع أحد منكم دستور يتكلم بذلك حتى أموت قال لي: ابن النخال فما أخبرت بها أحداً قبلك. مات رضي الله عنه سنة نيف وخمس وثمانمائة، ودفن بجامع المحلة رضي الله عنه.

ومنهم سيدنا، ومولانا شمس الدين الحنفي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان رضي الله عنه من أجلاء مشايخ مصر، وسادات العارفين صاحب الكرامات الظاهرة، والأفعال الفاخرة، والأحوال الخارقة، والمقامات السنية، والهمم العلية صاحت الفتح المؤنق، والكشف المخرق، والتصدر في مواطن القدس، والرقي في معارج المعارف، والتعالي في مراقي الحقائق، كان له الباع الطويل في التصريف النافذ واليد البيضاء في أحكام الولاية، والقدم الراسخ في درجات النهاية، والطود السامي في الثبات، والتمكين وهو أحد من ملك أسراره، وقهر أحواله، وغلب على أمره، وهو أحد أركان هذه الطريق، وصدور أوتادها، وأكابر أئمتها، وأعيان علمائها علماً، وعملا، وحالا، وقالا: وزهداً وتحقيقاً، ومهابة، وهو أحد من أظهره الله تعالى إلى الوجود وصرفه في الكون، ومكنه في الأحوال، وأنطقه بالمغيبات، وخرق له العوائد وقلب له الأعيان، وأظهر على يديه العجائب، وأجرى على لسانه الفوائد، ونصبه قدوة للطالبين حتى تلمذ له جماعة من أهل الطريق، وانتمى إليه خلق من الصلحاء والأولياء، واعترفوا بفضله، وأقروا بمكانته وقصد بالزيارات من سائر الأقطار، وحل مشكلات أحوال القوم، وكان رضي الله عنه ظريفاً جميلا في بدنه، وثيابه، وكان الغالب عليه شهود الجمال رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه من ذرية أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. توفي رضي الله عنه سنة سبع وأربعين، وثمانمائة رضي الله عنه، وقد أفرد الناس ترجمته بالتأليف منهم الشيخ نور الدين علي بن عمر البتنوني رضي الله عنه، وهو مجلدان، والحق أنه لم يحط علماً بمقام الشيخ رضي الله عنه حتى يتكلم عليه إنما ذكر بعض أمور على طريقة أرباب التواريخ وأهل الطبقات بل لو رام الولي نفسه أن يتكلم على مقام نفسه لا يقدر كما هو مقرر في كلام أصحاب الدوائر الكبرى، والله أعلم، ولكن نذكر لك طرفاً صالحاً مما ذكره الإمام البتنوني لتحيط به علما فنقول: وبالله التوفيق: اعلم أنه رضي الله عنه ربي يتيماً من أمه وأبيه فربته خالته فكان زوجها يريد أن يعلمه الصنعة فمضى به إلى الغرابلي فهرب إلى الكتاب ثم مضى به إلى المناخلي، فهرب إلى الكتاب فكف عنه، فحفظ القرآن، وكان ابن حجر رفيقه في الكتاب قال: الشيخ أبو العباس السرسي، ولما خرج الشيخ محمد الحنفي من الكتاب جلس يبيع الكتب في سوقها، فمر عليه بعض الرجال، فقال: يا محمد ما للدنيا خلقت، فنزل من الدكان، وترك جميع ما فيه من الغلة والكتب، ولم يسأل عن ذلك بعد ثم حبب إليه الخلوة ثم اختلى سبع سنين لم يخرج في خلوة تحت الأرض ودخلها، وهو ابن أربع عشرة سنة وكان رضي الله عنه،
(2/79)

يقول: إياكم، وكرامات الأولياء أن تنكروها، فإنها ثابتة بالكتاب، والسنة، ونقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة، والجماعة، وقد دعا الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يوماً فنزلت عليه مائدة من السماء من حيث لا يعلم، قال: الشيخ أبو العباس، وكنت إذا جئته وهو في الخلوة أقف على بابها فإن قال لي: ادخل دخلت، وإن سكت رجعت فدخلت عليه يوماً بلا استئذان فوقع بصري على أسد عظيم، فغشي علي فلما أفقت خرجت، واستغفرت الله تعالى من الدخول عيه بلا إذن قال: الشيخ أبو العباس رضي الله عنه، ولم يخرج الشيخ رضي الله عنه من تلك الخلوة حتى سمع هاتفاً يقول: يا محمد أخرج أنفع الناس ثلاث مرات، وقال له: في الثالثة إن لم تخرج، وإلا هيه، فقال: الشيخ فما بعد هيه إلا القطيعة قال: الشيخ فقمت، وخرجت إلى الزاوية فرأيت على الفسقية جماعة يتوضئون فمنهم من على رأسه عمامة صفراء ومنهم زرقاء، ومنهم من وجهه وجه قرد ومنهم من وجهه وجه خنزير، ومنهم من وجهه كالقمر فعلمت أن الله أطلعني على عواقب أمور هؤلاء الناس، فرجعت إلى خلفي، وتوجهت إلى الله تعالى فستر عني ما كشف لي من أحوال الناس، وصرت كآحاد الناس، وكان في خلوة الشيخ توتة مزروعة قال: الشيخ رضي الله عنه فخطر لي أن أباسطها فقلت: يا توتة حدثيني حدوثة فقالت بصوت جهوري نعم إنهم لما زرعوني سقوني فلما سقوني أسست فرعت فلما فرعت أورقت، فلما أورقت أثمرت فلما أثمرت أطعمت قال: الشيخ رضي الله عنه فكان كلامها سلوكاً لي، وقد حصل لي بحمد الله ما قالت: التوتة وكان رضي الله عنه يجلس يعظ الناس على غير موعد فيجيء الناس حتى يملئوا زاويته بقدرة الله عز وجل، وكان الشيخ حسن الخباز المدفون بتربة
الشاذلية بالقرافة رضي الله عنه إذا رأى سيدي محمداً وهو صغير يقول: سيكون لهذا الولد شأن عظيم في مصر ثم يقول، وأخبرني بذلك أيضاً ابن اللبان عن ابن عطاء الله عن ياقوت العرشي عن أبي العباس المرسي عن أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه كان يقول: سيظهر بمصر رجل يعرف بمحمد الحنفي يكون فاتحاً لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن عظيم، وفي رواية أخرى عن الشاذلي رضي الله عنه يظهر بمصر شاب يعرف بالشاب التائب حنفي المذهب اسمه محمد بن حسن، وعلى خده الأيمن خال، وهو أبيض اللون مشرب بحمرة وفي عينيه حور ويربي يتيماً فقيراً، أخذ رضي الله عنه الطريق بعد أن خرج من الخلوة عن الشيخ ناصر الدين بن الميلق عن جده الشيخ شهاب الدين بن الميلق عن الشيخ ياقوت العرشي عن المرسي عن الشاذلي، فلذلك كان سيدي أبو الحسن يقول: الحنفي خامس خليفة من بعدي قال: أبو العباس رضي الله عنه، وكان سيدي محمد رضي الله عنه يأمر من يراه من أصحابه عنده شهامة نفس بالشحاتة من الأسواق وغيرها حتى تنكسر النفس، ويقول: رحم الله من ساعد شيخه على نفسه، وكان رضي الله عنه يقول: ظفرت في زماني كله بصاحبين، ونصف صاحب، فأما الصاحبان فهما أبو العباس السرسي، والشيخ شمس الدين ابن كتيلة المحلى، أما الأول فإنه أنفق على جميع ماله، وأما الثاني فإنه تمسك بطريقتي، واتبع سنتي، وأما نصف الصاحب فهو صهري سيدي عمر قال: أبو العباس رضي الله عنه قال لي: سيدي محمد يوماً أما ترضى أن تكون بدايتي نهايتك فقلت: نعم. ذلية بالقرافة رضي الله عنه إذا رأى سيدي محمداً وهو صغير يقول: سيكون لهذا الولد شأن عظيم في مصر ثم يقول، وأخبرني بذلك أيضاً ابن اللبان عن ابن عطاء الله عن ياقوت العرشي عن أبي العباس المرسي عن أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه كان يقول: سيظهر بمصر رجل يعرف بمحمد الحنفي يكون فاتحاً لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن عظيم، وفي رواية أخرى عن الشاذلي رضي الله عنه يظهر بمصر شاب يعرف بالشاب التائب حنفي المذهب اسمه محمد بن حسن، وعلى خده الأيمن خال، وهو أبيض اللون مشرب بحمرة وفي عينيه حور ويربي يتيماً فقيراً، أخذ رضي الله عنه الطريق بعد أن خرج من الخلوة عن الشيخ ناصر الدين بن الميلق عن جده الشيخ شهاب الدين بن الميلق عن الشيخ ياقوت العرشي عن المرسي عن الشاذلي، فلذلك كان سيدي أبو الحسن يقول: الحنفي خامس خليفة من بعدي قال: أبو العباس رضي الله عنه، وكان سيدي محمد رضي الله عنه يأمر من يراه من أصحابه عنده شهامة نفس بالشحاتة من الأسواق وغيرها حتى تنكسر النفس، ويقول: رحم الله من ساعد شيخه على نفسه، وكان رضي الله عنه يقول: ظفرت في زماني كله بصاحبين، ونصف صاحب، فأما الصاحبان فهما أبو العباس السرسي، والشيخ شمس الدين ابن كتيلة المحلى، أما الأول فإنه أنفق على جميع ماله، وأما الثاني فإنه تمسك بطريقتي، واتبع سنتي، وأما نصف الصاحب فهو صهري سيدي عمر قال: أبو العباس رضي الله عنه قال لي: سيدي محمد يوماً أما ترضى أن تكون بدايتي نهايتك فقلت: نعم.
وكان سيدي علي بن وفا رضي الله عنه يوماً في وليمة فقال الناس ما تتم الوليمة إلا بحضور سيدي محمد الحنفي، فجاء إليه صاحب الوليمة فدعاه فأتى فقال: من هنا من المشايخ. فقال سيدي علي بن وفا، وجماعته، فقال: ادخل، واستأذنه لي فإن من أدب الفقراء إذا كان هناك رجل كبير لا يدخل عليه حتى يستأذن له فإن أذن، وإلا رجعنا خوف السلب، فدخل صاحب الوليمة فاستأذن له فأذن له سيدي علي، وقام له، وأجلسه إلى جانبه فدار الكلام بينما، فقال: سيدي على ما تقول: في رجل رحى الوجود بيده يدورها كيف شاء فقال له: سيدي محمد رضي الله عنه فما تقول: فيمن يضع يده عليها فيمنعها أن تدور فقال له: سيدي علي والله كنا نتركها لك ونذهب عنها، فقال: سيدي محمد رضي الله عنه لجماعة سيدي علي، ودعوا صاحبكم فإنه ينتقل قريباً إلى الله تعالى فكان الأمر كما قال، وسمع سيدي محمد رضي الله عنه هاتفاً يقول: بالليل يا محمد، وليناك ما كان بيد علي بن وفا زيادة على ما بيدك فعلمت أن ذلك لا يكون إلا بعد موته، فأرسلت شخصاً من الفقراء يسأل عن بيت سيدي علي بحارة عبد الباسط فوجد الصائح أنه قد مات، ودخل فقير إلى القاهرة فأشكل حاله على الناس، وكان يمد يده في الهواء فيقبض من الدنانير، والمراهم فبلغ سيدي
(2/80)

محمداً فأحضره بين يديه، وقال: أكرمنا بما فتح الله به عليك فقبض قبضة من الهواء وأعطاها لسيدي محمد رضي الله عنه فوجدوها ثمانين ديناراً.
فطلب منه كذلك ثانياً، وثالثاً، وهو يعطيه لكن دون الأول فقال: زدني فقبض فلم يقع شيء بيده فقال: الشيخ إن خزائن الله لا تنفد ثم ضرب وأخرج وسلب حاله من ذلك اليوم، وكان الشريف النعماني رضي الله عنه أحد أصحاب سيدي محمد رضي الله عنه يقول: رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة عظيمة، والأولياء يجيئون فيسلمون عليه واحداً بعد واحد، وقائل يقول: هذا فلان هذا فلان، فيجلسون إلى جانبه صلى الله عليه وسلم حتى جاءت كبكبة عظيمة، وخلق كثير وقائل يقول هذا محمد الحنفي فلما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أجلسه بجانبه ثم التفت صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وعمر، وقال لهما: إني أحب هذا الرجل إلا عمامته الصماء أو قال الزعراء، وأشار إلى سيدي محمد، فقال له: أبو بكر رضي الله عنه أتأذن لي يا رسول الله أن أعممه فقال: نعم فأخذ أبو بكر رضي الله عنه عمامة نفسه، وجعلها على رأس سيدي محمد، وأرخى لعمامة سيدي محمد عذبة عن يساره وألبسها لسيدي محمد انتهى فلما قصها على سيدي محمد رضي الله عنه بكى، وبكى الناس، وقال: للشريف محمد إذا رأيت جدك صلى الله عليه وسلم فاسأله لي في أمارة يعلمها من أعمالي، فرآه صلى الله عليه وسلم بعد أيام، وسأله الأمارة فقال له: بأمارة الصلاة التي يصليها علي في الخلوة قبل غروب الشمس كل يوم وهي: اللهم صل على محمد النبي الأمي، وعلى آله، وصحبه وسلم عدد ما علمت وزنة ما علمت، وملء ما علمت فقال: سيدي محمد رضي الله عنه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ عمامته، وأرخى لها عذبة ونزع كل من في المجلس عمامته، وأرخى لها عذبة، وصار سيدي محمد رضي الله عنه إذا ركب يرخي العذبة، وترك الطيلسان الذي كان يركب به إلى أن مات رضي الله عنه ثم إن الشريف رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أيضاً، وقال له: إني أرسلت إلى محمد الحنفي أمارة مع رجل من رجال الصعيد، وأن يعمل لعمامته عذبة فوصل الرجل الصعيدي بعد مدة، وأخبر سيدي محمداً بالرؤيا رضي الله عنه، قال: الشيخ شمس الدين بن كتيلة رضي عنه، وأول شهرة اشتهر بها الشيخ محمد الحنفي رضي الله عنه أن السلطان، فرج بن برقوق كان يرمي الرمايا على الناس، وكان الشيخ يعارضه فأرسل وراء الشيخ وأغلظ عليه القول، وقال: المملكة لي أو لك فقال له: الشيخ رضي الله عنه لا لي، ولا لك المملكة لله الواحد القهار ثم قام الشيخ متغير الخاطر، فحصل للسلطان عقب ذلك، ورم في محاشمه كاد يهلك منه، فأرسل خلف الأطباء، فعجزوا فقال له بعض خواصه العقلاء هذا من تغير خاطر الشيخ محمد الحنفي، فقال: أرسلوا خلفه لأطيب خاطره، فنزل الأمراء إليه، فوجدوه خارج مصر نواحي المطرية فأخبروه بطلب السلطان له فلم يجب إلى الاجتماع به فلم يزالوا يترددون بينه، وبين السلطان حتى رق له وأرسل له رغيفاً مبسوساً بزيت طيب.
وقال لهم: قولوا له: كل هذا تبرأ، ولا تعد إلى قلة الأدب نملخ آذانك فمن ذلك اليوم اشتهر أمر الشيخ رضي الله عنه للناس، وصار الناس إذا لام بعضهم بعضاً على أمر لم يفعله يقول له: يعني ينغاظ الحنفي، وشاعت هذه الكلمة بين الناس إلى الآن، وكان الاستادار لما جاء إلى الشيخ يدعوه للسلطان أغلظ على الشيخ القول فدعا عليه الشيخ، فأعلموا السلطان بذلك فسجنه ثم ضرب عنقه، وأرسل رأسه للشيخ في طبق فولى بوجهه عنه، وقال: ارفعوها، وادفنوها مع جثته، وكان سيدي الشيخ إسماعيل نجل سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه يقول: إن الشيخ رضي الله عنه أقام في درجة القطبانية ستة وأربعين سنة، وثلاثة أشهر، وأياماً، وهو القطب الغوث الفرد الجامع هذه المدة، وكان رضي الله عنه يقول: من الفقراء من يسلك على يد رجل، وينفطم على يد غيره لموت الشيخ الأول أو غير ذلك، وكان شيخ شيخه الشيخ شهاب الدين بن الميلق رحمه الله تعالى يكتب بكل مدة قلم كراساً كاملا، فسمع بذلك الناس، فتعجبوا من ذلك، واستبعدوا، وقوعه فأمر الشيخ محمد الحنفي رضي الله عنه بعض مريديه أن يكتب بكل مدة كراسين فكتب، والناس ينظرون، وكان رضي الله عنه يقول: كان الشيخ ياقوت رضي الله عنه يقول: يا دهشتي يا حيرتي يا حرف لا يقرأ، وكان يقول وجدت مقام سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أعلى من مقام سيدي عبد القادر الكيلاني رضي الله عنه ثم قال: وسبب ذلك أن سيدي عبد القادر سئل يوماً عن شيخه، فقال: أما فيما مضى فكان شيخي حماداً الدباس.
وأما الآن، فإني أسقي من بين بحرين بحر النبوة، وبحر الفتوة يعني ببحر الفتوة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأما سيدي أبو الحسن رضي الله عنه
(2/81)

فقيل له من شيخك؟ فقال أما فيما مضى فكان شيخي سيدي عبد السلام بن مشيش، وأما الآن فإني أسقي من عشرة أبحر خمس سماوية، وخمسة أرضية كما تقدم في ترجمته، وكان رضي الله عنه إذا وعظ الناس في ترك الزنا يقول: إن الذي يشبك الكلب مع الكلبة قادر أن يشبك الزاني مع الزانية في حال زناه ثم يقول: هاه هاه فيصرخ الناس، ويكثر ضجيجهم، وكان رضي الله عنه يتكلم على خواطر القوم، ويخاطب كل واحد من الناس بشرح حاله، وقال له: رجل بلغنا عن الشيخ عبد القادر الكيلاني رضي الله عنه أنه عمل يوماً ميعاداً سكوتياً لأصحابه، ومرادنا أن تعملوا لنا ذلك، فقال: نفعل ذلك غداً إن شاء الله تعالى فجلس على الكرسي، وتكلم بغير صوت، ولا حرف سراً فأخذ كل من الحاضرين مشروبة وصار كل واحد يقول ألقي إلي في قلبي كذا، وكذا فيقول له: الشيخ صدقت، فحصل الاتعاظ لكل واحد، وكان ذلك من الكرامات، وكان إذ حضر أحد من المنكرين ميعاده يصير المنكر يضطرب، وينتفض، ويتقلب في الأرض، ويقول: والله ما هذا سدى ثم يصحبه، وجاءه شخص فقال: يا سيدي ادع الله أن يرزقني شيئاً من محبته فقال: رضي الله عنه لا أقول لك مثل ما قال: بعض العارفين رضي الله عنه لما سأله ذلك عني كتفك، ولكن أقول لك احضر الميعاد، فحضر يوماً فألقي الشيخ عليه بعض مسائل من دلائل محبة الله تعالى فغشي على الرجل، وحمل مغشياً عليه فمكث ثمانية أيام لا يعي شيئاً ثم مات فصلى عليه الشيخ رضي الله عنه، وقال: صلوا على شهيد المحبة، ودفنه في القرافة، وكان رضي الله عنه يلبس الملابس المثمنة الفاخرة فأنكر عليه بعض من لا معرفة عنده بأحوال الأولياء، وقال: بعيد أن يكون الأولياء يلبسون هذه الملابس التي لا تليق إلا بالملوك ثم قال: إن كان الشيخ، ولياً يعطيني هذا السلاوي أبيعه وأنفقه على عيالي فلما فرغ الشيخ رضي الله عنه من الميعاد نزعه ثم قال: أعطوه لفلان يبيعه، وينفق ثمنه على عياله فأخذه الرجل، وصار يقول: شيء لله المدد ثم جاء الميعاد الثاني فوجده على الشيخ اشتراه بعض المحبين، وقال: هذا لا يصلح إلا للشيخ محمد الحنفي فأهداه له، وكان رضي الله عنه لا ترد له شفاعة وكان يشفع عند من يعرفه، وعند من لا يعرف، وقد ذكر شيخ الإسلام العيني في تاريخه الكبير والله ما سمعنا، ولا رأينا فيما حويناه من كتبنا، وكتب غيرنا، ولا فيما اطلعنا عليه من أخبار الشيوخ، والعباد والأستاذين بعد الصحابة إلى يومنا هذا أن أحداً أعطى من العز والرفعة، والكلمة النافذة، والشفاعة المقبولة عند الملوك، والأمراء، وأرباب الدول، والوزراء عند من يعرفه، وعند من لا يعرفه مثل ما أعطى الشيخ سيدي شمس الدين الحنفي ثم قال: وأبلغ من ذلك أنه لو طلب السلطان أن ينزل إليه خاضعاً حتى يجلس بين يديه ويقبل يديه لكان ذلك اليوم أحب الأيام إليه، وفي مناقب الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه أن الخليفة قصد يوماً زيارته فلما قرب من زاويته قام سيدي عبد القادر من مجلسه ودخل خلوته، ووقف خلف الباب، فلما دخل الخليفة خرج إليه فسلم عليه، وجلس، وكان ذلك من سيدي عبد القادر رضي الله عنه تعظيماً للخرقة والطريق حتى أنه لا يقوم للخليفة، وكان سيدي الشيخ شمس الدين الحنفي لم يقم قط لأحد من الملوك، ولا من الأمراء، ولا من القضاة الأربع، ولا غيرهم، ولم يغير قط قعدته لدخول أحد منهم، وكان هؤلاء إذا دخل أحد منهم لا يستطيع أن يجلس إلى جانبه، ولا يتربع بين يديه بل يجلس جاثياً على ركبتيه متأدباً خاضعاً، ولا يلتفت يميناً، ولا شمالا وكان الملك الظاهر جقمق سيء الاعتقاد في طائفة الفقراء، وكان يكره سيدي محمداً، ومع ذلك كان يرسل له في الشفاعات فيقضيها، ويقول: لمن حوله كلما أقول: إني لا أقبل لهذا الرجل شفاعة لا أستطيع بل أقبل شفاعته، وأتعجب في نفسي من ذلك، ونزل إليه الملك المؤيد، فجاء إلى الزاوية فوجد الشيخ فوق سطح البيت، فطلع إليه سيدي أبو العباس، وأخبره فقال: قل له: قال: إنه ما يجتمع بأحد في هذا الوقت فوضع السلطان يده على رأسه، ورجع إلى القلعة، ولم يتغير من الشيخ إجلالا له رضي الله عنه. وأرسل إليه الأمير بيسق بشكارة فضة فوجده على
الكرسي فصار يقبض منها، ويرمي للناس حتى أفناها كلها بحضرة القاصد كأنه يريه أن الفقراء في غنية عن ذلك، وأنهم لو أحبوا الدنيا ما كان لهم هذا المقام بين الناس ثم إن الأمير بلغه ما وقع فجاء إلى الشيخ، فقبل يديه فقال له: الشيخ قم إلى هذا البئر فاملأ منه هذه الفسقية للوضوء فيصير ثواب ذلك في صحيفتك إلى يوم القيامة، فخلع الأمير ثيابه وملأ دلواً فوجده ثقيلا فعالجه حتى طلع به فوجده ذهباً، فقال: ذلك للشيخ فقال: صبه في البئر واملأ فملأه كذلك ثانياً وثالثاً فقال قل للبئر مالنا حاجة إلا بالماء، فاستحقر الأمير ما كان أرسله للشيخ، وطلب الفقراء بالوعة للميضأة فغرز الشيخ عكازه، وقال: هذه بالوعة فهي إلى الآن ينزل فيها ماء الوضوء: ولا يعرفون إلى أين يذهب، وكان أمير كبير يسمى بططر عند الملك المؤيد كلما يجيء يزور الشيخ يقوم يخلع ثيابه، ويملأ الفسقية للناس بنفسه، ويعود، ويلبس ثيابه، وتخفيفته، ولما تسلطن بعد الملك أحمد بن المؤيد كان ينزل إلى زيارة الشيخ كل يوم أو ثلاثة لا يستطيع أن يتخلف عنه فيقول له: الشيخ إنك صرت سلطاناً، فالزم القلعة، فيقول: لا أستطيع، وكان يقول: للشيخ لا تقطع شفاعتك عنا، ولو كان كل يوم ألف شفاعة قبلناها، ولما عزل شيخ الإسلام ابن حجر أرسل الشيخ جاريته بركة إلى السلطان ططر، وقال لها: قولي له: رد الشيخ شهاب الدين إلى ولايته فطلعت إليه بركة، وقالت له: ذلك فكتب لها في الحال مرسوماً بولاية شيخ الإسلام ابن حجر، وأرسل له خلعة فكان ابن حجر رحمه الله لا ينسى ذلك للشيخ، وطلع الشيخ رضي الله عنه مرة للسلطان ططر يعوده من مرض، فتسامع الناس أن الشيخ رضي الله عنه طلع للسلطان، فترادف عليه أصحاب الحوائج فأمر السلطان أن لا يرد ذلك اليوم قضية، وسأل الشيخ أن يعلم الناس على قضاياهم، فعلم على خمسة وثلاثين قضية فلما أراد الشيخ النزول أخرج السلطان له فرساً بسرج مغرق، وكنبوشاً، وأمر بالقبة والطير أن يكونوا على رأس الشيخ، وأمر الأمراء أن يركبوا معه إلى الزاوية، ففعلوا ذلك، وكانت القبة والطير مع أمير كبير يقال له: برسباي الدقماقي ثم تولى بعد ذلك المملكة فكان هو الملك الأشرف برسباي، وكان يراعي خاطر الشيخ، ويخاف منه مدة مملكته إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وجاء مرة قاض من المالكية يريد امتحان الشيخ. سي فصار يقبض منها، ويرمي للناس حتى أفناها كلها بحضرة القاصد كأنه يريه أن الفقراء في غنية عن ذلك، وأنهم لو أحبوا الدنيا ما كان لهم هذا المقام بين الناس ثم إن الأمير بلغه ما وقع فجاء إلى الشيخ، فقبل يديه فقال له: الشيخ قم إلى هذا البئر فاملأ منه هذه الفسقية للوضوء فيصير ثواب ذلك في صحيفتك إلى يوم القيامة، فخلع الأمير ثيابه وملأ دلواً فوجده ثقيلا فعالجه حتى طلع به فوجده ذهباً، فقال: ذلك للشيخ فقال: صبه في البئر واملأ فملأه كذلك ثانياً وثالثاً فقال قل للبئر
(2/82)

مالنا حاجة إلا بالماء، فاستحقر الأمير ما كان أرسله للشيخ، وطلب الفقراء بالوعة للميضأة فغرز الشيخ عكازه، وقال: هذه بالوعة فهي إلى الآن ينزل فيها ماء الوضوء: ولا يعرفون إلى أين يذهب، وكان أمير كبير يسمى بططر عند الملك المؤيد كلما يجيء يزور الشيخ يقوم يخلع ثيابه، ويملأ الفسقية للناس بنفسه، ويعود، ويلبس ثيابه، وتخفيفته، ولما تسلطن بعد الملك أحمد بن المؤيد كان ينزل إلى زيارة الشيخ كل يوم أو ثلاثة لا يستطيع أن يتخلف عنه فيقول له: الشيخ إنك صرت سلطاناً، فالزم القلعة، فيقول: لا أستطيع، وكان يقول: للشيخ لا تقطع شفاعتك عنا، ولو كان كل يوم ألف شفاعة قبلناها، ولما عزل شيخ الإسلام ابن حجر أرسل الشيخ جاريته بركة إلى السلطان ططر، وقال لها: قولي له: رد الشيخ شهاب الدين إلى ولايته فطلعت إليه بركة، وقالت له: ذلك فكتب لها في الحال مرسوماً بولاية شيخ الإسلام ابن حجر، وأرسل له خلعة فكان ابن حجر رحمه الله لا ينسى ذلك للشيخ، وطلع الشيخ رضي الله عنه مرة للسلطان ططر يعوده من مرض، فتسامع الناس أن الشيخ رضي الله عنه طلع للسلطان، فترادف عليه أصحاب الحوائج فأمر السلطان أن لا يرد ذلك اليوم قضية، وسأل الشيخ أن يعلم الناس على قضاياهم، فعلم على خمسة وثلاثين قضية فلما أراد الشيخ النزول أخرج السلطان له فرساً بسرج مغرق، وكنبوشاً، وأمر بالقبة والطير أن يكونوا على رأس الشيخ، وأمر الأمراء أن يركبوا معه إلى الزاوية، ففعلوا ذلك، وكانت القبة والطير مع أمير كبير يقال له: برسباي الدقماقي ثم تولى بعد ذلك المملكة فكان هو الملك الأشرف برسباي، وكان يراعي خاطر الشيخ، ويخاف منه مدة مملكته إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وجاء مرة قاض من المالكية يريد امتحان الشيخ.
فأعلموا الشيخ أنه جاء ممتحناً، فقال: الشيخ رضي الله عنه إن استطاع يسألني ما عدت أقعد على سجادة الفقراء فلما جاء القاضي يسأل قال: ما تقول: في وتوقف فقال له: الشيخ رضي الله عنه نعم فقال: ما تقول: في، وتوقف فقال له الشيخ رضي الله عنه نعم فقال ما تقول في وتوقف فقا لله الشيخ نعم حتى قال ذلك مراراً عديدة فلم يفتح عليه بشيء فقال القاضي كنت أريد أن أسأل عن سؤال وقد نسيته ثم كشف رأسه واستغفر وأخذ عليه العهد بعدم الإنكار على الفقراء والاعتراض عليهم وتكلم على الكرسي في جامع الطريني بالمحلة الكبرى يوماً في معنى قولهم يا فقيه فق فاقه يا صريم الناقة قلت له: قم صل قام جرى في الطاقة حتى أبكى الناس، وزعق بعضهم، وتخبط عقل بعضهم، وكان من جملة ما قال: معنى فق أي على أبناء جنسك فاقة أي ولو مرة، وقولهم يا صريم الناقة أي يا زمام الناقة التي هي مطية المؤمن التي بها يبلغ الخير وينجو من الشر، وقولهم قم صل قام جرى في الطاقة فمعناه أنه أمر بالصلاة فقط فزاد على ذلك طاقته من الأذكار، والصيام، والقيام وجد في الاجتهاد، والطاعات، ومعنى جرى في الطاقة أي أسرع وبادر، وفعل ما أمر به وزاد في الطاعة جهد الاستطاعة التي هي الطاقة، وليس المراد بها الكوة المثقوبة في الحائط، وكان سيدي أبو بكر الطريني رحمه الله أول ما يدخل القاهرة يبدأ بزيارة سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه لا يقدم عليه أحداً، وقدم سيدي أبو بكر طعاماً خبيزة للشيخ حين قدم المحلة فقال له: الشيخ يا أبا بكر هل أذن لك أصحاب الغيط أن تأخذ من خبيزتهم قال: لا فلم يأكلها الشيخ، وكذلك أبو بكر إلى أن مات، وكان رضي الله عنه إذا نادى مريداً له في أقصى بلاد الريف من القاهرة يجيبه فإن قال: مسرعاً تعال سافر إليه أو افعل كذا فعله، ونادى يوماً أبا طاقية من بلد قطور بالغربية فسمع نداء الشيخ، فجاء إلى القاهرة وكان هذا الشيخ من أرباب الإشارات فسمع بياع الحمص الأخضر يقول: يا ملانة بفليس يا ملانة بفليس فمضى خلفه، وصار يقول: في نفسه ملانة، وهي بفليس ثم صار يقول: للبياع يا ملانة بقلبين يا ملانة بقلبين، فقال: ما صيرها رخيصة إلا كونها بقلبين ثم رجع، وكان سبب تسميته أبا طاقية أن سيدي محمداً رضي الله عنه قال له: اخلع عمامتك، وخمر هذا الطين ففعل فقيل له لما فرغ لم لا تلبس عمامتك، فقال: لم يقل لي الشيخ فإذا فرغت فالبسها فلا ألبسها إلا إن قال لي: فلم يقل له: الشيخ فأقام بقية عمره بطاقية حتى مات. وركب مرة إلى الروضة على حمار مكار فأعطاه إنسان عشرين ديناراً فقال أعطها للمكاري، فأعطاها له، وكان إذا دخل الحمام، وحلق رأسه تقاتل الناس على شعره يتبركون به، ويجعلونه ذخيرة عندهم.
وكان رضي الله عنه يجمع الفقراء ويدخل بهم الحمام جبراً لخاطرهم، وإشارة لتنظيفهم الباطن، وكان للشيخ بلان فسافر إلى بلاد المغرب فعرف أنه كان بلاناً لسيدي محمد الحنفي، فصار الناس يأخذون
(2/83)

يده يقبلونها، ويقولون: هذه يد مست جسد الشيخ فبلغ ذلك مولاي أبا فارس سلطان تونس، فأرسل وراءه وقبل يده، ووضعها على مواضع من جسده يتبرك بها ثم أرسل، وكيله إلى مصر ليأخذ له العهد بطريق الوكالة، فأخذ عليه العهد وأمره أن يأخذ العهد على السلطان إذا رجع، وكان أهل المغرب يرسلون يأخذون من تراب زاويته ويجعلونه في ورق المصاحف، وكان أهل الروم يكتبون اسمه على أبواب دورهم يتبركون به، وكانت رجال الطيران في الهواء تأتي إليه فيعلمهم الأدب ثم يطيرون في الهواء والناس ينظرون إليهم حتى يغيبوا، وكان رضي الله عنه يزور سكان البحر.
فكان يدخل البحر بثيابه فيمكث ساعة طويلة ثم يخرج ولم تبتل ثيابه، ووقع لإمام زاويته أنه خرج للصلاة فرأى في طريقه امرأة جميلة، فنطر إليها فلما دخل الزاوية أمر الشيخ غيره أن يصلي، فلما جاء الوقت الثاني فعل كذلك إلى خمسة أوقات فلما وقع في قلبه أن الشيخ أطلعه الله على تلك النظرة استغفر، وتاب فقال: الشيخ ما كل مرة تسلم الجرة، ودخل مصر رجل من أولياء الله تعالى من غير استئذان سيدي محمد فسلب حاله، فاستغفر الله ثم جاء إلى الشيخ فرد عليه حاله، وذلك أنه كان معه قفة يضع يده فيها، فيخرج كل ما احتاج إليه فصار يضع يده فلا يجد شيئاً.
وكان رضي الله عنه يقول: والله لقد مرت بنا القطبية، ونحن شباب فلم نلتفت إليها دون الله عز وجل وكان يقول: إن القطب إذا تقطب يحمل هموم أهل الدنيا كلها كالسلطان الأعظم بل أعظم، وكان يتطور في بعض الأوقات حتى يملأ الخلوة بجميع أركانها ثم يصغر قليلا قليلا حتى يعود إلى حالته المعهودة، ولما علم الناس بذلك سد الطاق التي كانت تشرف على الخلوة رضي الله عنه، وكان إذا تغيظ من شخص يتمزق كل ممزق، ولو كان مستنداً لأكبر الأولياء لا يقدر يدفع عنه شيئاً من البلاء النازل به كما وقع لابن التمار، وغيره فإنه أغلظ على الشيخ في شفاعة وكان مستند الشيخ اسمه البسطامي من أكابر الأولياء، فقال سيدي محمد مزقنا ابن التمار كل ممزق، ولو كان معه ألف بسطامي ثم أرسل السلطان فهدم دار ابن التمار وهي خراب إلى الآن، وعزم بعض الأمراء على سيدي محمد، ووضع له طعاماً في إناء مسموم وقدمه للشيخ، وكان لا يتجرأ أحد يأكل معه في إناء فأكل منه الشيخ شيئاً ثم شعر بأنه مسموم فقام وركب إلى زاويته، فاختلطت الأواني، فجاء ولد الأمير الاثنان فلعقا من إناء الشيخ، فماتا، ولم يضر الشيخ شيء من السم، وكان يتوضأ يوماً فورد عليه وارد فأخذ فردة قبقابه فرمى بها، وهو داخل الخلوة فذهبت في الهواء، وليس في الخلوة طاق تخرج منها، وقال: لخادمه خذ هذه الفردة عندك حتى تأتيها أختها فبعد زمان جاء بها رجل من الشام مع جملة هدية، وقال: جزاك الله عني خيراً عني إن اللص لما جلس على صدري ليذبحني قلت: في نفسي يا سيدي محمد يا حنفي فجاءته في صدره، فانقلب مغمى عليه ونجاني الله عز وجل ببركتك، وشفع رضي الله عنه عند أمير يسمى المناطح كان كل من نطحه كسر رأسه، وكان ينطح المماليك بين يدي السلطان الملك الأشرف برسباي، فقال: للقاصد قل: لشيخك اقعد في زاويتك، وإلا جاء لك ينطحك، ويكسر رأسك فذكر القاصد ذلك للشيخ، فلم يرد عليه جواباً فلما دخل الليل كشف ذلك الأمير رأسه، وصار ينطح الحيطان إلى أن مات فبلغ الخبر السلطان، فقال: قتله الحنفي رضي الله عنه. وكان له جارية مباركة اسمها بركة أعتقها، وكتب لها، وقال: لها لا تخبري بذلك أحداً فلما أخبرت أهل البيت بذلك قال لها: روحي اقعدي في المكان الفلاني، ولم تعلم ما أراد الشيخ فجلست فيه ثم أرادت أن تقوم فما استطاعت، فسألت الشيخ أن يأذن لها في القيام فقامت لكن لم تستطع المشي، فقالت استأذنوا سيدي في المشي فقال: إنها لم تسأل إلا القيام، والسهم إذا خرج من القوس لا يرد فلم تزل مقعدة إلى أن ماتت، وكان رضي الله تعالى عنه يقرئ الجان على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه فاشتغل عنهم يوماً بأمر فأرسل صهره سيدي عمر، فأقرأهم في بيت الشيخ ذلك اليوم، وكان سيدي عمر هذا يقول طلبت مني جنية أن أتزوجها، فشاورت سيدي محمداً رضي الله عنه فقال هذا لا يجوز في مذهبنا فعرضت ذلك على ملكهم حين نزلت معها تحت الأرض فقال: الملك لا أعترض على سيدي محمد فيما قال: ثم قال: الملك للوزير صافح صهر الشيخ باليد التي صافحت بها النبي صلى الله عليه وسلم ليصافح بها سيدي محمداً رضي الله عنه فيكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في المصافحة رجلان فصافحني، وأخبرني أن بينه، وبين وقت مصافحة النبي صلى الله عليه وسلم ثمانمائة سنة
(2/84)

ثم قال: للجنية رديه إلى الموضع الذي جئت به منه ورآه كاتب السر ابن البارزي يوماً، وهو راكب ومعه جماعة من الأمراء فأنكر عليه، وقال: ما هذه طريقة الأولياء، فقال له: ناظر الخاص لا تعترض فإن للأولياء أحوالا فقال: لا بد أن أرسل أقول له: ذلك فلما دخل القاصد، وأخبر سيدي محمداً قال له قل لأستاذك أنت معزول عزلا مؤبداً، فأرسل له السلطان المؤيد، وقال له: الزم بيتك فما زال معزولا حتى قتله الملك المؤيد نعوذ بالله من النكران. وكانت أم سيدي محمود زوجة الشيخ رضي الله عنه تقول أهدت لنا امرأة أترجة صفراء، فوضعناها عندنا في طبق فانقطع الجان الذين كانوا يقرؤون على الشيخ فلما أكلناها جاءوا، فقال لهم: سيدي ما قطعكم عن المجيء إلينا، فقالوا: لا نقدر على رائحة الأترج ولا نقدر ندخل بيتاً هو فيه فكان سيدي محمد رضي الله عنه يأمر من نزل عنده الجان أن يضع في بيته الأترج، ويعمل من حبه سبحاً، ويحفظها عنده لمن عرض له عارض في غير أوان الأترج. ودخلت على الشيخ
يوماً امرأة أمير، فوجدت حوله نساء الخاص تكبسه، فأنكرت بقلبها عليه فلحظها الشيخ بعينه، وقال لها: انظري فنظرت فوجدت، وجوههن عظاماً تلوح، والصديد خارج من أفواههن ومناخرهن كأنهن خرجن من القبور فقال لها: والله ما أنظر دائماً إلى الأجانب إلا على هذه الحالة ثم قال للمنكرة إن فيك ثلاث علامات علامة تحت إبطك، وعلامة في فخذك، وعلامة في صدرك فقالت: صدقت والله إن زوجي لم يعرف هذه العلامات إلى الآن، واستغفرت، وتابت. يوماً امرأة أمير، فوجدت حوله نساء الخاص تكبسه، فأنكرت بقلبها عليه فلحظها الشيخ بعينه، وقال لها: انظري فنظرت فوجدت، وجوههن عظاماً تلوح، والصديد خارج من أفواههن ومناخرهن كأنهن خرجن من القبور فقال لها: والله ما أنظر دائماً إلى الأجانب إلا على هذه الحالة ثم قال للمنكرة إن فيك ثلاث علامات علامة تحت إبطك، وعلامة في فخذك، وعلامة في صدرك فقالت: صدقت والله إن زوجي لم يعرف هذه العلامات إلى الآن، واستغفرت، وتابت.
وأرسل ابن كتيلة مرة يشفع عند إنسان من كبراء المحلة فقال: إن كان ابن كتيلة فقيراً لا يعارض الولاة، وإن لم يسكت ابن كتيلة قطعت مصارينه في بطنه فتكدر ابن كتيلة من ذلك، وأرسل أعلم سيدي الشيخ محمداً الحنفي فقال: هو الذي تتقطع مصارينه في بطنه فأرسل له سيدي محمد جماعة من الفقراء، وأمرهم إذا طلعوا المحلة أن يمروا على بيت ذلك الظالم، ويرفعوا أصواتهم بالذكر ففعلوا فصار يتقايأ، ومصارينه تطلع قطعاً قطعاً إلى أن مات، وكان رضي الله عنه يأخذ القطعة من البطيخة، ويشق منها حتى يملأ كذا كذا طبقاً كل طبق له لب خلاف الآخر حتى إنه يشق من البطيخ الأخضر بطيخاً أصفر حتى يبهر عقول الحاضرين رضي الله عنه، وسرقت له نعجة من الحوش فمكثت ستة أشهر غائبة فقال: الشيخ رضي الله عنه يوماً لغلامه اذهب إلى الروضة فدق الباب الفلاني فإذا خرج لك صاحب الدار قل له هات النعجة التي لها عندك ستة أشهر فأخرجها له، فقال: الشيخ رضي الله عنه هذه بضاعتنا ردت إلينا. وجاءه مرة قاض فقال: يا سيدي أهل بلدي رفعوا في قضية إلى أستاذهم بأنني فلاح فقال قضيت حاجتك فركب الأمير ذلك اليوم فرساً حرناً فجرى به في خوخة ضيقة، فانكسر ظهر الأمير، ووقع على ظهر الأرض ميتاً، وتولى ذلك الإقطاع رجل من أصحاب سيدي محمد فجاء إلى الشيخ يزوره ثاني يوم فكلمه على ذلك القاضي فكتب له عتاقة هو وذريته.
وكان الشيخ إذا لم يجد شيئاً ينفقه يقترض من أصحابه ثم يوفيهم إذا فتح الله تعالى عليه بشيء، فاجتمع عليه ستون ألفاً فشق ذلك على الشيخ، فدخل رجل بكيس عظيم، وقال: من له على الشيخ دين فليحضر، فأوفي عن الشيخ رضي الله عنه جميع ما كان عليه ولم يعرف ذلك الرجل أحد من الحاضرين، فقالوا: للشيخ عنه فقال: هذا صيرفي القدرة أرسله الله تعالى يوفي عنا ديننا، وأنشدوا بين يديه شيئاً من كلام ابن الفارض رضي الله عنه فتمايل الشيخ العارف بالله تعالى سيدي الشيخ شمس الدين بن كتيلة المحلى فلحظه الشيخ فغاب عن إحساسه فرأى في منامه سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه واقفاً على باب الزاوية، وفي فمه قصبة غاب كأنه يشرب بها ماء من تحت عتبة باب الزاوية ثم أفاق، فقال له: الشيخ الذي رأيته صحيح رأيت بعينك يا شمس الدين، وكان يقول: كثيراً لو كان عمر بن الفارض في زماننا ما وسعه إلا الوقوف ببابنا. ومرضت زوجته فأشرفت على الموت، فكانت تقول: يا سيدي أحمد يا بدوي خاطرك معي فرأت سيدي أحمد رضي الله عنه في المنام، وهو ضارب لثامين، وعليه جبة واسعة الأكمام عريض الصدر أحمر الوجه، والعينين وقال لها كم تناديني، وتستغيثي، وأنت لا تعلمي أنك في حماية رجل من الكبار المتمكنين، ونحن لا نجيب من دعانا، وهو في موضع أحد من الرجال قولي يا سيدي محمد يا حنفي يعافيك الله تعالى فقالت ذلك فأصبحت كأن لم يكن بها مرض، وكان الشيخ طلحة رضي الله عنه المدفون بالمنشية الكبرى يقول قال لي: سيدي محمد الحنفي يا طلحة خرج من زاويتي هذه أربعمائة ولي، وفي رواية ثلاثمائة وستون على قدمي
(2/85)

كلهم داعون إلى الله تعالى، وأصحابنا بالمغرب كثير، وبالروم، والشام أكثر، وأكثر أصحابنا باليمن، وسكان البراري، والكهوف، والمغارات قال: الشيخ طلحة رضي الله عنه وكان ذلك آخر اجتماعي بالشيخ رحمه الله تعالى.
وقال: سيدي محمد رضي الله عنه في مرض موته من كانت له حاجة فليأت إلى قبري، ويطلب حاجته أقضها له فإن ما بيني، وبينكم غير ذراع من تراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب، فليس برجل، وكان رضي الله عنه يلقن الخائف من ظالم، ويقول: إذا دخلت عليه فقل بسم الله الخالق الأكبر حرز لكل خائف لا طاقة لمخلوق مع الله عز وجل فيرجع إليه المظلوم وعليه الخلعة، والوصول بالتعليق، وأنكرت عليه امرأة ما يقدمه للفقراء من الطعام القليل في الصحون الرملي فقالت: قلة هذا الطعام، ولا هو ثم ذهبت وعملت طعاماً بكثرة فيه فراخ وأوز، وحملته إلى الزاوية، فقال: سيدي محمد رضي الله عنه لسيدي يوسف القطوري رحمه الله كل طعامها كله وحدك فكل طعامها كله وحده، وشكا من الجوع، فأخذته إلى بيتها، وقدموا له نحو ذلك الطعام، وكثر، وهو يشكو الجوع لها فقال: الشيخ البركة في طعام الفقراء لا في أوانيهم فاستغفرت، وتابت، وكان إذا تذكر أحداً من أصحابه الغائبين عن السماط يأكل الشيخ عنه لقمة أو لقمتين فتنزل في بطونهم في أي مكان كانوا ثم يجيئون، ويعترفون بذلك وكان إذا سأله أحد من المبكرين عن مسألة أجابه، فإن سأله عن أخرى أجابه حتى يكون المنكر هو التارك للسؤال فيقول: الشيخ رضي الله عنه لذلك الشخص أما تسأل، فلو سألتني شيئاً لم يكن عندي أجبتك من اللوح المحفوظ وحضره الشيخ جلال الدين البلقيني رضي الله عنه يوماً في الميعاد، فسمع تفسير الشيخ رضي الله عنه للقرآن، فقال: والله لقد طالعت أربعين تفسيراً للقرآن ما رأيت فيها شيئاً من هذه الفوائد التي ذكرها سيدي الشيخ محمد، وكذلك كان يحضره شيخ الإسلام البلقيني، وشيخ الإسلام العيني الحنفي، وشيخ الإسلام البساطي المالكي، وغيرهم وقبله الشيخ سراج الدين البلقيني رحمه الله بين عينيه، وقال له: أنت تعيش زماناً طويلا لأن الله تعالى يقول: " وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " " الرعد: 17 " وكان إذا استغرق في الكلام، وخرج عن أفهام الناس يقول: وهاهنا كلام لو أبديناه لكم لخرجتم مجانين لكن نطويه عمن ليس من أهله، وكان له صاحب في مكة المشرفة فلما بلغه، وفاة الشيخ رضي الله عنه سافر إلى مصر لزيارة قبر الشيخ، ولم يكن له في مصر حاجة غير ذلك، وجاءه رجل، فقال: يا سيدي أنا ذو عيال فقير الحال فعلمني الكيمياء، فقال: الشيخ رضي الله عنه أقم عندنا سنة كاملة بشرط أنك كلما أحدثت توضأت وصليت ركعتين فأقام على ذلك فلما بقي من المدة يوم جاء إلى الشيخ فقال له غداً تقضي حاجتك فلما جاءه قال له: قم فاملأ من البئر ماء للوضوء فملأ دلواً من البئر فإذا هو مملوء ذهباً، فقال: يا سيدي ما بقي في الآن شعرة واحدة تشتهيه، فقال له: الشيخ صبه مكانه، واذهب إلى بلدك فإنك قد صرت كلك كيمياء.
فرجع إلى بلاده ودعا الناس إلى الله تعالى، وحصل به نفع كبير قال: الشيخ شمس الدين بن كتيلة رضي الله عنه، وكان سيدي محمد رضي الله عنه إذا صلى يصلي عن يمينه دائماً أربعة روحانية، وأربعة جسمانية لا يراهم إلا سيدي محمد أو خواص أصحابه، ووقعت له ابنة صغيرة من موضع عال فظهر شخص، وتلقاها عن الأرض فقلنا له من تكون؟ فقال من الجن من أصحاب الشيخ، وقد أخذ علينا العهد أفلا نضر أحداً من أولاده إلى سابع بطن فنحن لا نخالف عهده، وكان سكان بحر النيل يطلعون إلى زيارته، وهو في داره بالروضة، والحاضرون ينظرون، قالت: ابنته أم المحاسن رضي الله عنها، وزاروه مرة، وعليهم الطيالسة، والثياب النظيفة، وصلوا معه صلاة المغرب ثم نزلوا في البحر بثيابهم، فقلت: يا سيدي أما تبتل ثيابهم من الماء فتبسم رضي الله عنه، وقال: هؤلاء مسكنهم في البحر، وجاءه مرة رجل في جوف الليل فوقف على دور القاعة فقال له: الشيخ من فقال: حرامي فقال له: الشيخ ما تسرق، وتعمل شغلك فقال: يا سيدي تبت إلى الله، فإني سمرت فقال له الشيخ إنزل ما عليك بأس فتاب، وحسنت توبته، واستمر في زاوية الشيخ إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى، وأمر شخصاً من أصحابه يوماً ينادي في شوارع القاهرة، وأسواقها بأعلى صوته يا معشر المسلمين يقول لكم سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه حافظوا على الصلوات الخمس، والصلوات الوسطى حتى شاع ذلك في جميع البلاد أن الشيخ أمر بذلك، فاعترض بعض الشهود على منادي الشيخ، وقال: هذا ما هو للحنفي هذا لله عز وجل فرجع الفقير، وأخبر الشيخ رضي الله عنه بما وقع فسكت، فخرج يوم الثالث ينادي فمر على دكان الشهود فقال له: شاهد منهم شيء لله يا سيدي محمد يا حنفي
(2/86)

مات البارحة الرجل الذي قال: لك ما قال: فرجع إلى الشيخ رضي الله عنه فأخبره فقال: لا تعد تقول: لأحد ما قلت لك، وكان رضي الله عنه يقول: كنا نقرأ حزب سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه فكان بعض الناس يستطيله فألفت الحزب الذي بين أصحابي الآن، وأخفيته، ولم أظهره حتى جاء الإذن من سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أدباً معه، ولعن شخص إبليس في حضرته، فقال له: لا تعود لسانك إلا خيراً، ولو كان ذلك جائزاً، ولما تزوج الشيخ شمس الدين بن كتيلة رضي الله عنه بنت سيدي محمد رضي الله عنه جلسا يأكلان، فجاءت هرة فخطفت قطعة لحم فقال: الشيخ رضي الله عنه لعنك الله فقالت بنت الشيخ رحمه الله تذكر اللعنة على لسانك، وأنت رجل يقتدي بك، وتفتي المسلمين فقال: الشيخ رضي الله عنه لا أعود لمثلها، وتاب من كل لفظ قبيح، وظهر شخص بشعره، وفي وسطه مئزر يذكر الله في زاوية في حارة قناطر السباع فهرع الناس إليه من الأمراء، والتجار، وغيرهم فأرسل الشيخ رضي الله عنه وراءه، فحضر فاصفر لونه، وتغير، وقال: للقاصد خذ هذه الفضة، وأعتقني من مقابلته فقال له: القاصد لا بد فلم يزل به حتى جاء به إلى الشيخ فلما نظر إليه الشيخ قال له: يا ولدي قلة الأدب ما يثبت معها شيء، ونهره وقال: اخرج فخرج لا يدري أين يذهب، وانطفأ اسمه من ذلك اليوم فقال: الشيخ رضي الله عنه ما هي مائدة يقعد عليها طفيلي.
وكان رضي الله عنه يقول: أول ما تنزل لرحمة على حلق الذكر ثم تنشر على الجماعة فكان الفقراء يمدون أيديهم في الحلقة لعل أن يصيبهم شيء من الرحمة، وسمع رضي الله عنه يوماً امرأة تقول: ما أحسن السجود في السماء بين الملائكة فقال لها محبة الله خير من ذلك، وكان رضي الله عنه يأمر أصحابه برف الصوت بالذكر في الأسواق والشوارع، والمواضع الخربة المهجورة، ويقول: اذكروا الله تعالى في هذه الأماكن حتى تصير تشهد لكم يوم القيامة، ويحرقوا ناموس طبع النفس فإنكم في حجاب ما لم تحرقوه، وكان أصحابه إذا سألوه أن يمضي بهم إلى موضع التنزهات في حين يقول: حتى تحضر لنا نية صالحة، ودعاه ابن البارزي كاتب السر على أيام الملك المؤيد إلى وليمة، وقال إن الأئمة الأربعة قد طلبوكم فلان، وفلان فقال: الشيخ رضي الله عنه للقاصد قل له: حرر النية في حضور الفقراء، وهم يحضرون، ولا تطلب حضورهم لأجل أن تقول: حضر عندنا في الوليمة فلان، وفلان، وتجعلوا الفقراء حكاية ثم قال: رضي الله عنه ما وطئ حافر فرسي باب أحد على هذا الوجه إلا وخربت دياره فرجع القاصد، وأخبر بذلك، فسكت، ولم يزل ممقوتاً عند المؤيد حتى قتله كما تقدم، وسأله شخص يوماً عن الحلاج، فقال الحلاج تكلم في حال غلبة هذا فولى أنا لكن ثم من يقول: فيه خلاف قولنا كسراج الدين البلقيني، وغيره، وكان رضي الله عنه إذا عطش، وطلب كوز الماء للشرب يقوم كل من في المجلس من كبير أو أمير أو قاض فلم يزالوا واقفين حتى يفرغ فيستأذنوه في الجلوس فيأذن لهم، وكانت ملوك أقاليم الأرض ترسل له الهدايا فيقبلها فأرسل إليه ملك الروم دابة تمشي على ثلاث قوائم مؤخرها على رجلين، وصدرها على واحدة وكانت قدر الجدي الصغير فأقامت عنده ستة أشهر، وماتت، وأهدى له سلطان تونس الخضراء مشطاً لتسريح اللحية فإذا فردوه صار كرسياً لمصحف فأهداه الشيخ رضي الله عنه إلى الملك الأشرف برسباي ففرح به وأعجبه، وأهدى له ملك الهند ثوباً بعلبكياً في قصبة وشاشا في جوزة هند.
ودخل عليه مرة فقير فرأى عليه ثياباً لا تليق إلا بالملوك، فقال: سيدي طريقتكم هذه أخذتموها عمن فإن من شأن الأولياء التقشف، ولبس الخشن فقال ما مقصودك؟ قال: تنزع يا سيدي هذه الثياب التي عليك وتلبس هذه الجبة، ونذهب ماشيين إلى القرافة فأجابه الشيخ رضي الله عنه، وخرجا ماشيين فرأى بعض الأمراء الشيخ رضي الله عنه فعرفه، فنزل من على فرسه، وخلع على الشيخ السلار الذي كان عليه، وأقسم عليه بالله تعالى أن يقبله، ورجع هو ومماليكه مع الشيخ رضي الله عنه حتى شيعوه للزاوية فقال: الشيخ لذلك الفقير رأيت يا ولدي أيش كنا نحن والله لولا أنت من أولاد الفقراء ما حصل لك خير فتاب ذلك الفقير واستغفر، وكشف رأسه، ولم يزل يخدم الشيخ إلى أن مات رحمه الله تعالى، وكان رضي الله عنه لا يشتري قط ملبوساً إنما هو هدايا المحبين، وكان رضي الله عنه إذا ركب يذكر الله تعالى بين يديه جماعة كطريقة مشايخ العجم، ويقول هو شعارنا في الدنيا، ويوم القيامة، وكان يجعل من خلفه جماعة كذلك يذكرون الله تعالى بالتوبة فكان الناس إذا سمعوا حسهم من المساجد أو الدور يخرجون
(2/87)

ينظرون إليه فيدعو، لهم، وكان إذا كتم أحد شيئاً عنه من ماله يذهب ذلك المال الذي كتمه كله، ولا يبقى معه إلا المال الذي يعترف به.
ودخل الحمام يوماً مع الفقراء أخذ ماء من الحوض ورشه على أصحابه، وقال: النار التي يعذب الله بها العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا الماء في سخونته ففرح الفقراء بذلك، وكان رضي الله تعالى عنه إذا زار القرافة سلم على أصحاب القبور، فيردون السلام عليه بصوت يسمعه من معه، ولما طلع فقراء الصعيد، ومعهم الفرغل بن أحمد رضي الله عنه في شفاعة ابن عمر أمير الصعيد قال: سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه لا تقضي لهؤلاء حاجة لأنهم جاءوا بغير أدب، ولم يستأذنوا صاحب هذا البلد فكان الأمر كما قال: ولما دخلوا بالفرغل على السلطان أحمد جقمق قال له: أنت مشد هذا البلد فلم يجبه السلطان لكونه مجذوباً، وسمع رضي الله عنه بعض الفقراء في الزاوية يقول: لبعض قم يا فلان اكنس الزاوية قال له: قم أنت فما زالا يقولان ذلك ساعة فخرج الشيخ رضي الله عنه، وهو يقول: أنت وأنت اخرجا، واجلسا على باب الزاوية وامنعا الناس من الدخول، وأنا أكنسها ففعلا فخلع الشيخ ثيابه، وشد وسطه وطوى الحصر، ونفضها، وكنسها وافتتح القرآن يتلوه من الفاتحة إلى آخر سورة الأنعام حتى فرغ من الكنس رضي الله عنه.
وكان أميراً كبيراً، والمقدمون الألوف هم الذين يمدون سماطه في المولد الكبير، ودخل يوماً فرأى الأمراء يبنون في الكوانين فقال: لا إله إلا الله لو أمرنا الملوك أن يبنوا الكوانين لفعلوا، وكان شخص من التجار شديد الإنكار على سيدي محمد رضي الله عنه حتى كان يجيء إلى باب الزاوية أحياناً، ويرفع صوته بالألفاظ القبيحة في حق الشيخ فدار عليه الزمان، وانكسر، وركبته الديون، فجاء إلى الشيخ رضي الله عنه فتلقاه بالترحيب، وجمع له من أصحابه مالاً جزيلاً، ولم يزل يعتقد الشيخ إلى أن مات، ولم يعاتبه رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يتنزه عن سماع المعازف، وجميع آلات اللهو، فدخل يوماً يزور سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه فرأى المازروني عمالاً، والآلات تضرب فأمره بالسكوت حتى يزور فزار الشيخ رضي الله عنه، وعمل مجلس الذكر.
فلما خرج عاد المازررني إلى حاله، ولم يتعرض الشيخ لكسر آلاته، وسمع مرة مدرساً من الحنفية يقول: في درسه الحكم كذا خلافاً للشافعي رضي الله عنه فزجره، وقال: تقول خلافاً للشافعي بقلة أدب لم لا تقول: رضي الله عنه، وإلا رحمه الله فقال: المدرس تبت إلى الله تعالى يا سيدي، وكان إذا رأى رضي الله عنه في جبهة فقير أثر سجود يقول: يا ولدي أخاف عليك أن يكون هذا من الرياء، وذكروا يوماً عنده سيدي عبد القادر الجبلي رضي الله عنه فقال: لو حضر عندنا عبد القادر هنا لكان تأدب معنا، وكان رضي الله عنه يقول: نحن أسرار الوجود، وكان إذا وضع يده على الفرس الحرون لم يعد إلى حرونته، وكان رضي الله عنه يكره مشايخ القرى، والمدركين للبلاد، ويقول: أبا لا أقول بإسلامهم، وكان يقول: من اعتقد شيخاً، ولم يره كسيدي أحمد البدوي، وغيره لا يصير بذلك مريداً له إننا هو محب له فإن شيخ الإنسان هو الذي يأخذ عنه، ويقتدي به، وكان يكره للفقير لبس الطليحية، ويقول: الفقر في الباطن لا في الظاهر وكان رضي الله عنه إذا رأى من الفقراء، والمجاورين عورة سترها عليهم، ويصير يسارقهم بحيث لا يشعرون، ويرغبهم في ذلك الأمر الذي فيه صلاحهم، وكان رضي الله عنه يكره للفقير أن يكون عند شيخه، ولا يشاوره في أموره كلها، ويقول: والله ما عرف الكيلاني، وابن الرفاعي، وغيرهما الطريق إلى الله تعالى إلا على يد شيخ، وكم لعب الشيطان بعابد، وقطعه عن الله عز رجل، وكان إذا تشوش من فقير ظهر عليه المقت، وكان يقول: الفقراء ما عندهم عصا يضربون بها من أساء الأدب في حقهم، وما عندهم إلا تغير خواطرهم، وسألوه مرة ما تقول: الساقية في غنائها؟ قال: تقول لا يرى ملان إلا طالعاً ولا فارغ إلا نازلاً. ورأى مرة شابين أمردين ينامان في خلوة فلم يفش عليهما أمراً، وصار يحكي الحكايات المناسبة للتنفير عن مثل ذلك حتى قال: بلغنا عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه دخل يوماً خربة يقضي فيها حاجته فوجد فيها حمارة فراوده الشيطان عليها فلما أحس الشبلي رضي الله عنه بذلك رفع صوته، وصاح يا مسلمون يا مسلمون الحقوني، وأخرجوا عني هذه الحمارة فإني أعرف ضعف نفسي عن سلوك طريق الصيانة ثم قال: سيدي محمد رضي الله عنه فإذا كان هذا حال مثل الشبلي رضي الله عنه في حمارة، فكيف بالصور الجميلة ففطن لذلك الشابان فتفرقا عن الاجتماع حتى كأنهما لم يكونا عرفا بعضهما، وكانت الفضة لا تنقطع من
(2/88)

جيبه لأجل الفقراء فكان لا يقدم عليه فقير إلا وضع يده في جيبه، وأعطاء من غير عدد، وكان الذي يلاحظه يقول: والله عطايا الشيخ أكثر من عطايا السلطان كل يوم، وكان رضي الله تعالى عنه إذا ركب في شوارع مصر لا يلقاه أمير أو كاتب سر أو ناظر خاص إلا ورجع معه إلى أي مكان أراد وتلقاه رجل أعجمي فأنشده:
نهاري نسيم كله إن تبسمت ... أوائله منها برد تحيتي
فقال: الشيخ رضي الله عنه هذا الرجل كلما صلى الصبح وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم سمع رد السلام من النبي صلى الله عليه وسلم، فيستنير النور، ويقوى حتى يصير كأصيل النهار فكأنه يقول: حصيل لي اليوم الفتح، وكان الخضر عليه السلام يحضر مجلسه مراراً فيجلس على يمينه فإن قام الشيخ قام معه، وإن دخل الخلوة شيعه إلى باب الخلوة، وسئل يوماً عن الصالح فقال هو من صلح لحضرة الله عز وجل، ولا يصلح لحضرة الله عز وجل إلا من تخلى عن الكونين، وسئل عن الولي فقال هو من قال لا إله إلا الله، وقام بشروطها، وشروطها أن يوالي الله، ورسوله بمعنى أنه يواد الله بشهادته له بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا مات الولي انقطع تصرفه في الكون من الإمداد، وإن حصل مدد للزائر بعد الموت أو قضاء حاجة فهو من الله تعالى على يد القطب صاحب الوقت يعطي الزائر من المحد على قدر مقام المزور قال: بعضهم المزور في الحقيقة هو الصفات لا الذوات فإنها تبلى، وتفنى، والصفات باقية، وكان الشيخ رضي الله عنه يخرج إلى قبر رجل كان أباراً فقيل له: في ذلك فقال: إنه كان يخبر عن رأس ماله في كل إبرة يبيعها، وكان يقول: قوموا لأهل العلوم الربانية فإن قيامكم في الحقيقة إنما هو لصفة الله تعالى التي أنار بها قلوب أوليائه، وكان بالشيخ رضي الله عنه عدة أمراض كل مرض منها يهذ الجبال منها البلغم الحار، والبلغم البارد فاجتمع عنده الأطباء، وقالوا إن النصف الأعلى قد تحكم منه البلغم الحار، والنصف الأسفل قد تحكم منه البلغم البارد فإن داوينا الأعلى غلب عليه الأسفل، وإن داوينا الأسفل غلب عليه الأعلى فقال: لهم خلوا بيني وبين الله تعالى يفعل بي ما يريد، وأقام رضي الله عنه بذلك المرض سبع سنين ملاماً فرشه ما سمعه أحد يقول: آه إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وأربعين وثمانمائة، وكان مع وجود هذا البلاء العظيم يتوضأ للصلاة قبل دخول الوقت بخمس درج، والأذكار، والأحزاب تتلى حوله في كل صلاة، ولا يصلي إلا مع جماعة، ولما دنت وفاته بأيام كان لا يغفل عن البكاء ليلا، ولا نهاراً، وغلب عليه الذلة، والمسكنة، والخضوع حتى سأل الله تعالى قبل موته أن يبتليه بالقمل، والنوم مع الكلاب، والموت على قارعة الطريق، وحصل له ذلك قبل موته فتزايد عليه القمل حتى صار يمشي على فراشه، ودخل له كلب فنام معه على الفراش ليلتين وشيئاً، ومات على طرف حوشه، والناس يمرون عليه في الشوارع، وإنما تمنى ذلك ليكون له أسوة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين ماتوا بالجوع، والقمل، وكان السيد عيسى عليه الصلاة والسلام يقول والله إن النوم مع الكلاب لكثير على من يموت، ولما دنت وفاته قال لزوجته: لا تتزوجي بعدي فمن تزوج بك خربت دياره، وأنا لا أحب أن تكوني سبباً لخراب دار أحد رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ مدين بن أحمد الأشموني
رضي الله تعالى عنه
أحد أصحاب سيدي الشيخ أحمد الزاهد رضي الله عنه، كان من أكابر العارفين، وانتهت إليه تربية المريدين في مصر وقراها وتفرعت عنه السلسلة المتعلقة بطريقة أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه، قالوا، وكان رضاعه على يد سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه، وفطامه على يد سيدي الشيخ محمد الحنفي رضي الله عنه السابق ذكره، فإنه لما توفي سيدي أحمد الزاهد رضي الله عنه جاء إلى سيدي محمد رضي الله عنه، وصحبه وأقام عنده مدة في زاويته مختلياً في خلوة ثم إنه طلب من سيدي محمد إذناً بالسفر إلى زيارة الصالحين بالشام، وغيره فأعطاه الشيخ إذناً فقام مدة طويلة سائحاً في الأرض لزيارة الصالحين ثم رجع إلى مصر فأقام بها واشتهر، وشاع أمره، وانتشر، وقصده الناس، واعتقدوه، وأخذوا عليه العهود، وكثرت أصحابه في إقليم مصر، وغيرها، ولما بلغ أمره سيدي الشيخ أبا العباس السرسي خليفة سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه قال: لا إله إلا الله ظهر مدين بعد هذه المدة الطويلة، والله لقد أقام عندي سيدي في هذه الزاوية نحو الأربعين يوماً حتى كمل. قلت: هكذا رأيته في آخر مناقب سيدي محمد الحنفي عند ذكر أصحابه الذين أخذوا عنه، والمشهور بين جماعة سيدي مدين، والغمري، وغيرهم أن فطام سيدي مدين رضي الله
(2/89)

عنه كان على يد سيدي أحمد الزاهد فالله أعلم بما كان، وهو من ذرية سيدي أبي مدين المغربي الثلمساني رضي الله عنه، وجده الأدنى على المدفون بطبلية بالمنوفية ووالده مدفون في أشمون جريسان، وكلهم أولياء صالحون، وأول من جاء من بلاد المغرب جده الذي في طبلية فدخلها، وهو مغربي فقير لا يملك شيئاً، فجاع جوعاً شديداً فمر به إنسان يقود بقرة حلابة فقال له: احلب لي شيئاً من اللبن أشربه، فقال له: ثور فصارت في الحال ثوراً، ولم تزل ثوراً إلى أن ماتت، ووقع له كرامات كثيرة فلم يمكنوه أن يخرج من بلدهم طبلية حتى مات، وأما والد سيدي مدين رحمه الله تعالى، فانتقل إلى أشمون فولد له سيدي مدين فاشتغل بالعلم حتى صار يفتي الناس، واستسلم من أشمون عدة بيوت من النصارى منهم أولاد إسحاق، ومنهم الصديرية، والمقامعة، والمساعنة، وهم مشهورون في بلد أشمون ثم تحرك في خاطره طلب الطريق إلى الله تعالى، واقتفاء آثار القوم، فقالوا له: لا بد لك من شيخ فخرج إلى مصر فوافق سيدي محمد الغمري حين جاء إلى القاهرة يطلب الآخر ما يطلب سيدي مدين فسألوا عن أحد يأخذون عنه من مشايخ مصر فدلهما على سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه فهماً بين القصرين، وإذا بشخص من أرباب الأحوال قال لهما: ارجعا ليس لكما نصيب الآن عند الأبواب الكبار ارجعا إلى الزاهد، فرجعا إليه فلما دخلا تنكر عليهما زماناً ثم لقنهما، وأخلاهما ففتح على سيدي مدين رضي الله عنه في ثلاثة أيام، وأما سيدي محمد الغمري رضي الله عنه فأبطأ فتحه نحو خمس عشرة سنة، ومن كرامات سيدي مدين رضي الله عنه أن منارة زاويته الموجودة الآن لما فرغ منها البناء مالت إليه، وخاف أهل الحارة منها فأجمع المهندسون على هدمها، فخرج إليهم الشيخ على قبقابه فأسند ظهره إليها، وهزها والناس ينظرون فجلست على الاستقامة إلى وقتنا هذا، ومن كراماته المشهورة أن يوسف ناظر الخاص بمصر ظلم شخصاً من تجار الحجاز، وكان مستند الشيخ عبد الكريم الحضرمي رضي الله عنه فسأل الشيخ في التوجه إلى الله تعالى فيه فتوجه فيه تلك الليلة، فرأى يوسف في مقصورة من حديد مكتوب عليها من خارج مدين مدين فأصبح فأخبر التاجر، وقال من هو مدين هذا فقال شيخ في مصر يعتقده يوسف فقال ارجع إلى مكان شيخه لا طاقة لي به، وشاوره بعض الفقراء في السفر إلى بلاده ليقطع علائقه، ويجيء إلى الشيخ بالكلية، فأذن له فباع ذلك الفقير بقرته، وبعض أمتعته، وجعل ثمنها في صرة، ووضعها، في رأسه فلما جاء في المركب نفض الراجع عمامته فوقعت بالصرة في بحر النيل أيام زيادته فلما دخل الشيخ حكى له ما وقع فرفع سيدي مدين رضي الله عنه طرف السجادة وأخرج تلك الصرة تقطر ماء، وكان إذا رأى فقيراً لا يحضر مجلس الذكر يخرجه، ولا يدعه يقيم عنده فقال: لفقير يوماً ما منعك يا ولدي عن الحضور فقال: الحضور إنما هو مطلوب لمن عنده كسل ليتقوى لغيره، وأنا بحمد الله ليس عندي كسل فأخرجه الشيخ، وقال: مثل هذا يتلف الجماعة، ويصير كل واحد يدعي بدعواه فيختل نظام
الزاوية، وشعارها، وخرج فقير يوماً من الزاوية فرأى جرة خمر مع إنسان فكسرها فبلغ الشيخ رضي الله عنه ذلك فأخرجه من الزاوية، وقال: ما أخرجته لأجل إزالة المنكر وإنما هو لإطلاق بصره حتى رأى المنكر لأن الفقير لا يجاوز بصره موضع قدميه، ووقع أن ثور الساقية انطلق يوماً فأكل من طحين الفقراء فذبحه الشيخ، وقال: قد صار الماء الذي يملؤه لوضوء الناس فيه شبهة رضي الله عنه، وجاءته رضي الله عنه امرأة فقالت: هذه ثلاثون ديناراً، وتضمن لي على الله الجنة فقال لها: الشيخ رضي الله عنه مباسطاً لها ما يكفي، فقالت: لا أملك غيرها فضمن لها على الله دخول الجنة فماتت فبلغ ورثتها ذلك فجاءوا يطلبون الثلاثين ديناراً من الشيخ، وقالوا: هذا الضمان لا يصح فجاءتهم في المنام، وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ فإني دخلت الجنة، فرجعوا عن الشيخ وحكى أن الشيخ رضي الله عنه كان يوماً يتوضأ في البالوعة التي في رباط الزاوية فأخذ فردة القبقاب فضرب بها نحو بلاد المشرق ثم جاء رجل من تلك البلاد بعد سنة، وفردة القبقاب معه، وأخبر أن شخصاً من العياق عبث بابنته في البرية فقالت: يا شيخ أبي لاحظني لأنها لم تعرف أن اسمه مدين ذلك الوقت، وهي إلى الآن عند ذريته رضي الله عنه. وشعارها، وخرج فقير يوماً من الزاوية فرأى جرة خمر مع إنسان فكسرها فبلغ الشيخ رضي الله عنه ذلك فأخرجه من الزاوية، وقال: ما أخرجته لأجل إزالة المنكر وإنما هو لإطلاق بصره حتى رأى المنكر لأن الفقير لا يجاوز بصره موضع قدميه، ووقع أن ثور الساقية انطلق يوماً فأكل من طحين الفقراء فذبحه الشيخ، وقال: قد صار الماء الذي يملؤه لوضوء الناس فيه شبهة رضي الله عنه، وجاءته رضي الله عنه امرأة فقالت: هذه ثلاثون ديناراً، وتضمن لي على الله الجنة فقال لها: الشيخ رضي الله عنه مباسطاً لها ما يكفي، فقالت: لا أملك غيرها فضمن لها على الله دخول الجنة فماتت فبلغ ورثتها ذلك فجاءوا يطلبون الثلاثين ديناراً من الشيخ، وقالوا: هذا الضمان لا يصح فجاءتهم في المنام، وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ فإني دخلت الجنة، فرجعوا عن الشيخ وحكى أن الشيخ رضي الله عنه كان يوماً يتوضأ في البالوعة التي في رباط الزاوية فأخذ فردة القبقاب فضرب بها نحو بلاد المشرق ثم جاء رجل من تلك البلاد بعد سنة، وفردة القبقاب معه، وأخبر أن شخصاً من العياق عبث بابنته في البرية فقالت: يا شيخ أبي لاحظني لأنها لم تعرف أن اسمه مدين ذلك الوقت، وهي إلى الآن عند ذريته رضي الله عنه.
وكان الشيخ عبادة أحد أعيان السادة المالكية ينكر على سيدي مدين رضي الله عنه، ويقول: أيش هذه الطريق التي يزعم هؤلاء نحن لا نعرف إلا الشرع فلما انقلب بعض أصحاب الشيخ عبادة إلى سيدي مدين رضي الله عنه صحبوه، وتركوا حضور درسه ازداد إنكاراً، فأرسل سيدي مدين،
(2/90)

وراءه يدعوه إلى حضور مولده الكبير الذي يعمل له في كل سنة فحضر فقال: الشيخ رضي الله عنه لا أحد يتحرك له، ولا يقوم، ولا يفسح له فوقف الشيخ عبادة في صحن الزاوية حتى كاد يتمزق من الغيظ ساعة طويلة ثم رفع سيدي مدين رضي الله عنه رأسه، وقال: افسحوا للشيخ عبادة، فأجلسه بجانبه ثم قال له: سؤال حضر فقال: الشيخ عبادة رحمه الله تعالى سل فقال: هل يجوز عندكم القيام للمشركين مع عدم الخوف من شرهم فقال: لا فقال: سيدي مدين رضي الله عنه بالله عليك ما تكدرت حين لم يقم لك أحد فقال: نعم فقال: لو قال لك: إنسان لا أرضي عليك إلا إن كنت تعظمني كما تعظم ربك ماذا تقول: له قال: أقول له كفرت فدارت فيه الكلمة فانتصب قائماً على رءوس الأشهاد، وقال: ألا اشهدوا أنني قد أسلمت على يد سيدي مدين رضي الله عنه، وهذا أول دخولي في دين الإسلام، ولم يزل في خدمة سيدي مدين رضي الله عنه إلى أن مات رحمه الله تعالى، ودفن في تربة الفقراء، وحكى له الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد الحريفيش الدنوشري أحد أصحاب سيدي محمد الغمري رضي الله عنه قال: لما مات شيخنا رضي الله عنه لم يعجبنا أحد بعده نجتمع عليه فسألت بعض الفقراء فقال: عليك بسيدي مدين فسافرت إليه فقالوا لي: الشيخ يتوضأ في الرباط فدخلت عليه، فوجدته رجلا بعمامة كبيرة وجبة عظيمة، وإبريق وطشت وعبد حبشي واقف بالمنشفة، فقلت: لشخص أين سيدي مدين فأشار إلي أنه هذا فقلت: في نفسي لاذا بذاك، ولا عتب على الزمن بتحريك التاء المثناة من فوق لأن عهدي بسيدي محمد رضي الله عنه أن يلبس الجبة، والعمامة الغليظة، والتقشف الزائد، وليس لي علم بأحوال الرجال فقال لي: أصلح البيت قل لاذا بذاك، ولا عتب على الزمن بسكون الفوقية فقلت: الله أكبر فقال: على نفسك الخبيثة تسافر من البلاد إلى هنا تزن الفقراء بميزان نفسك التي لم تسلم إلى الآن فقلت تبت إلى الله تعالى، وأخذ العهد علي، وأنا في بركة سيدي مدين رضي الله عنه إلى الآن، وكنت أسمع هذه الحكاية من سيدي علي المرصفي يرويها عن شيخه سيدي محمد بن أخت سيدي مدين عن سيدي محمد الحريفيش هذا فلما اجتمعت بسيدي محمد الحريفيش سنة خمس عشرة، وتسعمائة بدنوشر حكاها لي على جهة المباسطة فلما رجعت إلى القاهرة أخبرت بها سيدي علياً رضي الله عنه، وأنا فرحان بذلك، فقال لي: على وجه المباسطة كنت بلا سند فصرت بسند، وضاقت النفقة على السلطان جقمق فأرسل يأخذ خاطر سيدي مدين رضي الله عنه بالمساعدة على نفقة العسكر، فأرسل للسلطان قاعدة عمود حجر فحملها العتالون إلى القلعة، فوجدها السلطان معدنا فباعها، وجعلها في بيت المال، واتسع الحال على السلطان، فقال: السلطان هؤلاء هم السلاطين.
وجاءه شخص قد طعن في السن، وقال: يا سيدي مقصودي أحفظ القرآن في مدة يسيرة فقال: ادخل هذه الخلوة فأصبح يحفظ القرآن كله، وكان الشيخ رضي الله عنه إذا سأله أحد عن مسألة في الفقه لا يجيبه، ويقول: اذهب إلى عيسى الضرير يجيبك عنها وكان عيسى هذا أمياً مقيماً عنده في الزاوية فجاءه جماعة متعنتون على وجه الامتحان، فقال: اذهبوا إلى عيسى الضرير يجيب عنها فقالوا: لا نطلب الجواب إلا منك فقال: الجواب في الكتاب الفلاني الذي عندكم على الرف في سابع سطر من عاشر ورقة، فوجدوا الأمر كما قال: فاستغفروا، وتابوا، ووقائع سيدي مدين رضي الله عنه كثيرة مشهورة بين مريديه، وغيرهم.

ومن أصحابه سيدي محمد الشويمي المدفون قبالة قبره
رضي الله عنه
وسيدي أحمد الحلفاوي رضي الله عنه المدفون في صحن الزاوية. فأما الشويمي رضي الله عنه، فكان من أرباب الأحوال العظيمة، وكان يعمل هلالات الموادن، والضيب، وكان يجلس بعيداً عن سيدي مدين رضي الله عنه فكل من مر على خاطره شيء قبيح يسحب العصا، وينزل عليه غنياً أو فقيراً كبيراً أو صغيراً أو أميراً لا يراعي في ذلك أحداً فكان من يعرف بحاله لا يتجرأ يجلس بين يدي سيدي مدين رضي الله عنه أبداً ومرض سيدي مدين رضي الله عنه مرة أشرف فيها على الموت فوهبه من عمره عشر سنين ثم مات في غيبة الشويمي رضي الله عنه فجاء، وهو على المغتسل فقال كيف مت، وعزة ربي لو كنت حاضرك ما خليتك تموت ثم شرب ماء غسله كله، وكان رضي الله عنه يقول: لأصحابه عليكم بذكر الله تعالى تقضي لكم جميع حوائجكم. وجاءه مرة شخص يحمل حملة امرأة يحبها، ويريد أن يتزوجها، وهي تأبى فقال له: ادخل هذه الخلوة، واشتغل باسمها
(2/91)

فدخل، واشتغل باسمها ليلا، ونهاراً.
فجاءته المرأة برجليها إلى الخلوة، وقالت له: افتح لي أنا فلانة فزهد فيها، وقال: إن كان الأمر كذلك فاشتغالي بالله أولى فاشتغل باسم الله تعالى ففتح عليه في خامس يوم رضي الله عنه.
وكان الشويمي رضي الله عنه يدخل بيت الشيخ يحسس بيده على النساء فكن يشكون لسيدي مدين رضي الله عنه فيقول: حصل لكم الخير فلا تشوشوا. واحتاج المطبخ يوماً، وهم في أشمون قلقاساً، فأعطوه خرجاً، وحمار، وقالوا: له اشترا لنا قلقاساً من الغيط فخرج إلى ناحية التربة فملخ لهم من الحلفاء قلقاساً حتى ملأ الخرج، ورجع بالفلوس فاعتقده النساء من ذلك اليوم، ولما مات سيدي مدين رضي الله عنه، وطلب ابن أخته سيدي محمد رضي الله عنه الشياخة في الزاوية بعد الشيخ خرج له بالعصا، وقال: إن لم ترجع يا محمد، وإلا استلفتك من ربك ثم دخل، فأخرج سيدي أبا السعود ابن سيدي مدين، وهو ابن خمس سنين فأجلسه على السجادة، وقال: اذكر بالجماعة، فرجع ابن أخت سيدي مدين، ولم يتجرأ أن يطلع الزاوية حتى مات الشويمي رضي الله عنه، وكان، وهو جمال في أشمون يحمل القمح أيام الحصاد، وكان لا يحمل الجمل إلا قنة واحدة فذكروا ذلك لشيخ العرب، فقال: دقوا قتتي، وحمل غيري فوجدوا قتته خمسة أرادب فقال الجمل يحمل أكثر من خمسة أرادب، وهو الذي زرع الخروبة التي هي قريب من التيه في طريق الحجاز حين توضأ سيدي مدين رضي الله عنه لما سافر إلى الحج، ووقائه كثيرة مشهورة عند جماعة سيدي مدين رضي الله عنه.

وأما الحلفاوي
رضي الله تعالى عنه
فكان رجلا صالحاً سليم الباطن، وكان يمشي بحلفايته بحضرة الشيخ في الزاوية، وكان الشويمي رضي الله عنه يتأثر من ذلك، ويقول له: أنت قليل الأدب فغضب يوماً منه فهجره فلما كان الغروب آخر اليوم الثالث جاء له الشويمي، وصالحه وقال رأيت الحق يغضب لغضبك يا أخي، ولم يفتح علي بشيء من مواهب الحق منذ هجرتك فبلغ ذلك سيدي مدين رضي الله عنه فقال: أنا رأيته يمشي بحلفايته هذه في الجنة رضي الله عنه توفي سيدي مدين رضي الله عنه سنة نيف، وخمسين، وثمانمائة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم سيدي الشيخ محمد بن أحمد الفرغلي
رضي الله تعالى عنه
المدفون في أبي تبج بالصعيد كان رضي الله عنه من الرجال المتمكنين أصحاب التصريف، ومن كراماته رضي الله عنه أن امرأة اشتهت الجوز الهندي فلم يجدوه في مصر فقال: للنقيب مخيمر يا مخيمر ادخل هذه الخلوة واقطع لها خمس جوزات من الشجرة التي تجدها في داخل الخلوة، فدخل فوجد شجرة جوز فقطع لها منها خمس جوزات ثم دخل بعد ذلك فلم يجد شجرة، ومر عليه شيخ الإسلام ابن حجر رضي الله عنه بمصر يوماً حين جاء في شفاعة الأولاد عمر، فقال: في سره ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه على وجه الإنكار عليه فقال له: قف يا قاضي فوقف فمسكه، وصار يضربه، ويصفعه على وجهه، ويقول: بل اتخذني، وعلمني، ودخل عليه بعض الرهبان فاشتهى عليه بطيخاً أصفر في غير أوانه فأتاه به، وقال، وعزة ربي لم أجده إلا خلف جبل قاف، وخطف التمساح بنت مخيمر النقيب فجاء وهو يبكي إلى الشيخ فقال له: اذهب إلى الموضع الذي خطفها منه، وناد بأعلى صوتك يا تمساح تعال كلم الفرغل فخرج التمساح من البحر، وطلع كالمركب، وهو ماش، والخلق بين يديه جارية يميناً وشمالا إلى أن وقف على باب الدار فأمر الشيخ رضي الله عنه الحداد بقلع جميع أسنانه، وأمره بلفظها من بطنه فلفظ البنت حية مدهوشة، وأخذ على التمساح العهد أن لا يعود يخطف أحداً من بلده ما دام يعيش، ورجع التمساح ودموعه تسيل حتى نزل البحر، وكان رضي الله عنه يقول: كثيراً كنت أمشي بين يدي الله تعالى تحت العرش.
وقال لي: كذا وقلت له: كذا فكذبه شخص من القضاة فدعا عليه بالخرس فخرس حتى مات، وكان آخر عمره مقعداً، ويتكلم على أخبار سائر الأقاليم من أطراف الأرض، ويبدلون له كل يوم، والثاني زربوناً جديداً، وسمعت سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول: زرت الفرغل بن أحمد رضي الله عنه، وأنا شاب فأخبر جماعته بخروجي من بلاد الشرقية، وقال: ها هو محمد بن حسن الأعرج خرج بقصد زيارتنا، وكانت له نصرانية تعتقده في بلاد الإفرنج فنذرت إن عافي الله تعالى ولدها أن تصنع للفرغل بساطاً فكان يقول: ها هم غزلوا صوف البساط ها هم دوروا الغزل على المواسير ها هم شرعوا في نسجه ها هم أرسلوه ها هم نزلوه المركب ها هم وصلوا إلى المحل الفلاني ثم الفلاني فقال: يوماً واحد يخرج يأخذ
(2/92)

البساط، فإنه قد وصل على الباب فخرجوا فوجدوا البساط على الباب كما قال الشيخ رحمه الله، وأرسل مع القاصد الذي جاء بالبساط بعضاً من الهدية وقال له: غمض عينك فغمض عينه فوجد نفسه في بلده طينات وسطى، وجعلوه حارس الجرن، وهو صغير في بني صميت فأخذ فريكاً أخضر، وطلع فوق جرن يحرقه فتسامع الناس إن هذا المجنون أحرق الجرن فطلعوا له، وضربوه فقال: أنا قلت: للنار لا تحرقي إلا فريكي بس، وانظروا أنتم فوجدوها لم تحرق إلا الفريك. وقال: لرجل زوجني ابنتك فقال: مهرها غال عليك فقال: كم تريد فقال: أربعمائة دينار فقال اذهب إلى الساقية، وقل لها قال: لك الفرغل املأ قادوس ذهب، وقادوس فضة فملأت له قادوسين فلم يزل هو وذريته مستورين ببركة الشيخ حتى ماتوا، وجاءه ابن الزرازيري فقبل رجله فقال له: وليتك من الخلصة للملصة فولاه السلطان كشف أربع أقاليم الصعيد، وأرسل قاصده إلى أمير في مصر يشفع عنده في فلاح فقال: قل لشيخك أنت دوكاري فرجع القاصد إلى الشيخ فأخبره فنقر بإصبعه في الأرض كهيئة الذي يحفر، فجاء الخبر أن السلطان غضب على ذلك الأمير، وأمر بهدم داره فهي خراب إلى الآن ناحية جامع طولون ثم ضرب عنقه بعد ذلك فقالوا له: ما سببه؟ قال لا أعرف له سبباً إلا أن الله تعالى حركني لذلك، وجلس عنده فقيه يقرأ القرآن فنط الفقيه فقال له: نطيت فقال له: من أعلمك يا سيدي، وأنت لا تحفظ القرآن؟ فقال: كنت أرى نوراً متصلا صاعداً إلى السماء فانقطع النور، ولم يتصل بما بعده فعلمت أنك نطيت، وكان رضي الله عنه يقول: أنا من المتصرفين في قبورهم فمن كانت له حاجة فليأت إلى قبالة وجهي، ويذكرها لي أقضيها له، ووقائعه رضي الله عنه لا تحصيها الدفاتر. توفي سنة نيف وخمسين وثمانمائة رضي الله تعالى عنه آمين.

ومنهم سيدي الشيخ أبو بكر الدقدوسي
رضي الله تعالى عنه
شيخ سيدي عثمان الخطاب رضي الله عنهما، كان رضي الله عنه من أصحاب التصريف النافذ، وكانت الأعيان تقلب له. حكى لي شيخ الإسلام الشيخ نور الدين الطرابلسي الحنفي رحمه الله تعالى قال: أخبرني سيدي عثمان الخطاب رحمه الله تعالى أنه حج مع سيدي أبي بكر رضي الله عنه سنة من السنين فكان الشيخ يقترض طول الطريق الألف دينار فما دونها على يدي فإذا طالبني الناس أجيء إليه فأخبره بذلك فيقول له: عد لك من هذا الحصا بقدر الدين فكنت أعد الألف حصاة، والخمسمائة، والمائة والأربعين والثلاثين، وأذهب بها إلى الرجل فيجدها دنانير قال: فلما دخلنا مكة كان الشيخ رضي الله عنه يضع كل يوم سماطاً صباحاً، ومساء في ساحة لا يمنع أحداً يدخل، ويأكل مدة مجاورته بمكة قال: وهذا أمر ما بلغنا فعله لأحد قبل سيدي أبي بكر.
وكان له صاحب يصنع الحشيش بباب اللوق فكان الشيخ رضي الله عنه يرسل إليه أصحاب الحوائج فيقضيها لهم قال: سيدي عثمان رضي الله عنه فسألته يوماً عن ذلك، وقلت المعصية تخالف طريق الولاية فقال: يا ولدي ليس هذا من أهل المعاصي إنما هو جالس يتوب الناس في صورة بيع الحشيش فكل من اشترى منه لا يعود يبلعها أبداً هكذا أخبرني سيدي نور الدين الطرابلسي عن سيدي عثمان رحمه الله تعالى.

ومنهم سيدي عثمان الخطاب
رضي الله تعالى عنه
أجل من أخذ عن سيدي أبي بكر الدوقدسي رضي الله عنه من الزهاد المتقشفين، كان له فروة يبسها شتاء وصيفاً، وهو محزم بمنقطة من جلد، وكان شجاعاً يلعب اللبخة فيخرج له عشرة من الشطار، ويهجمون عليه بالضرب فيمسك عصاه من وسطها، ويرد ضرب الجميع فلا يصيبه واحدة هكذا أخبر عن نفسه في صباه، وكان رضي الله عنه رحيماً بالأولاد الأيتام، ويقول: أنا قاسيت مرارة اليتم لموت أبي، وأنا صغير، وكان مطرقاً على الدوام لا يرفع قط رأسه إلى السماء إلا لحاجة أو مخاطبة أحد، وكان لم يزل في عمل مصالح فقراء الزاوية، وغيرهم إما في غربلة القمح، وإما في تنقيته، وإما في طحنه، وإما في جميع آلات الطعام وإما في خياطة ثياب الفقراء، وإما في تفليتها، وإما في الوقود تحت الدست، وإما في جميع الحطب من البساتين، وبلغ الفقراء، والأرامل عنده أكثر من مائة نفس، وليس له رزقة، ولا وقف إلا على ما يفتح الله به كل يوم، وكان كل من بار عنده شيء من الخضر يقول: خلوه للشيخ عثمان، وكان إذا ضاق عليه الحال يطلع للسلطان قايتباي يطلب منه فيرسم له بالقمح، والعدس، والفول، والأرز، ونحو ذلك فقال: له السلطان يوماً يا شيخ عثمان أيش بلاك بهذه الناس كلهم أطلقهم لحال سبيلهم، وأرح نفسك فقال: له، وأنت الآخر أطلق هذه المماليك، والعسكر واقعد، وحدك فقال
(2/93)

هؤلاء عسكر الإسلام فقال، وهؤلاء عسكر القرآن فتبسم السلطان، ولما شرع في بناء الإيوان الكبير عارضه هناك ربع فيه بنات الخطأ فطلع للسلطان فقال يا مولانا هذا الربع كان مسجداً، وهدموه، وجعلوه ربعاً فصدق قول الشيخ ورسم بهدم الربع، وتمكين الشيخ من جعله الزاوية، فأرشوا بعض القضاة فطلع إلى السلطان، وقال: يا مولانا يبقى عليكم اللوم من الناس ترسمون بهدم ربع بقول فقير مجذوب، فقال: السلطان ثبت عندي قول الشيخ فهدمه فظهر المحراب، والعمودان فأرسل الشيخ رضي الله عنه وراء السلطان فنزل فرآه بعينه، وطلب أن يصرف على العمارة.
فأبى الشيخ، فقال: أساعدك في كب التراب فقال: لا نحن نمهده فيها مهدا فهذا كان سبب علوه إلى الآن، وبقية الزاوية كانت زاوية شيخه الشيخ أبي بكر الدقدوسي رضي الله عنه، وأخبرني شيخ الإسلام الشيخ نور الدين الطرابلسي الحنفي، والسيد الشريف الخطابي المالكي النحوي رحمهما الله تعالى قالا سمعنا سيدي عثمان رضي الله عنه يقول: لما حججت مع سيدي أبي بكر سألته أن يجمعني على القطب، فقال: اجلس هاهنا، ومضى فغاب عني ساعة ثم حصل عندي ثقل في رأسي فلم أتمالك أحملها حتى لصقت لحيتي بعانتي فجلسا يتحدثان عندي بين زمزم، والمقام ساعة وكان من جملة ما سمعت من القطب يقول: آنستنا يا عثمان حلت علينا البركة ثم قال: لشيخي توص به فإنه يجيء منه ثم قرأ سورة الفاتحة، وسورة قريش ودعوا، وانصرفا ثم رجع سيدي أبو بكر رضي الله عنه فقال ارفع رأسك قلت لا أستطيع فصار يمرجني، ورقبتي تلين شيئاً فشيئاً حتى رجعت لما كانت عليه فقال يا عثمان هذا حالك، وأنت ما رأيته فكيف لو رأيته فمن ثم كان سيدي عثمان رضي الله عنه لا يريد الانصراف عن جليسه حتى يقرأ سورة الفاتحة، ولإيلاف قريش لا بد له من ذلك قال: الشيخ شمس الدين الطنبخي رحمه الله تعالى، وما رأيت سيدي أبا العباس الغمري رضي الله عنه يقوم لأحد من فقراء مصر غير الشيخ عثمان الخطاب كان يتلقاه من باب الجامع رضي الله عنهما، وكذلك كان سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يحبه، ويعظمه، وكان كل واحد منهما يجيء لزيارة الآخر، وكان إذا قال له: شخص يا سيدي عثمان المدد يقول: عثمان حطبة من حطب جهنم فماذا ينفعكم خاطره رضي الله عنه.
وأخبرني سيدي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه أنه جاور عنده مدة فخرج يتوضأ ليلا فوجد رجلا ملفوفاً في نخ في طريق الميضأة فقال له: قم ما هو محل نوم فكشف عن وجهه، وقال: يا أخي أنا عثمان أخرجتني أم الأولاد، وحلفت أنها ما تخليني أنام في البيت هذه الليلة، وكانت مسلطة عليه، وكذلك كانت امرأة صاحبه الشيخ عثمان الديمي، وكان عيال كل منهما تخرج على الآخر، وكان كل منهما ينادي الآخر بيا عثمان فقط من غير لفظ لقب، ولا كنية رضي الله عنهما.
خرج رضي الله تعالى عنه زائراً للقدس فتوفي هناك سنة نيف وثمانمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ محمد الحضري
رضي الله تعالى عنه
المدفون بناحية نهيا بالغربية، وضريحه يلوح من البعد من كذا، وكذا بلداً، كان من أصحاب جدي رضي الله عنهما، وكان يتكلم بالغرائب والعجائب من دقائق العلوم، والمعارف ما دام صاحياً، فإذ قوي عليه الحال تكلم بألفاظ لا يطيق أحد سماعها في حق الأنبياء، وغيرهم، وكان يرى في كذا كذا بلداً في وقت واحد، وأخبرني الشيخ أبو الفضل السرسي أنه جاءهم يوم الجمعة فسألوه الخطبة، فقال: بسم الله فطلع المنبر فحمد الله وأثنى عليه ومجده ثم قال: وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام فقال: الناس كفر فسل السيف ونزل فهرب الناس كلهم من الجامع.
فجلس عند المنبر إلى أذان العصر، وما تجرأ أحد أن يدخل الجامع ثم جاء بعض أهل البلاد المجاورة فأخبر أهل كل بلد أنه خطب عندهم وصلى بهم قال: فعددنا له ذلك اليوم ثلاثين خطبة هذا، ونحن نراه جالساً عندنا في بلدنا، وأخبرني الشيخ أحمد القلعي أن السلطان قايتباي كان إذا رآه قاصداً له تحول، ودخل البيت خوفاً أن يبطش به بحضرة الناس، كان إذا أمسك أحداً يمسكه من لحيته، ويصير يبصق على وجهه، ويصفعه حتى يبدو له إطلاقه، وكان لا يستطيع أكبر الناس، يذهب حتى يفرغ من ضربه، وكان يقول: لا يكمل الرجل حتى يكون مقامه تحت العرش على الدوام، وكان يقول: الأرض بين يدي كالإناء الذي آكل منه، وأجساد الخلائق كالفوارير أرى ما في بواطنهم. توفي رضي الله عنه سنة سبع وتسعين، وثمانمائة رضي الله عنه.

ومنهم سيدي عيسى بن نجم خفير البرلس
رضي الله تعالى عنه
(2/94)

كان من العلماء العاملين وله المجهدات العالية في الطريق، وسمعت سيدي علياً المرصفي رضي الله عنه يقول: مكث سيدي عيسى بن نجم رضي الله عنه بوضوء واحد سبع عشر سنة فقلت: يا سيدي كيف ذلك. فقال: توضأ يوماً قبل أذان العصر، واضطجع على سريره، وقال: للنقيب لا تمكن أحداً يوقظني حتى أستيقظ بنفسي فما تجرأ أحد يوقظه فانتظروه هذه المدة كلها فاستيقظ، وعيناه كالدم الأحمر فصلى بذلك الوضوء الذي كان قبل اضطجاعه، ولم يجدد وضوءاً وكان في وسطه منطقة فلما قام، وحلها تناثر من وسطه الدود رضي الله عنه. قلت: وهذه الحالة من أحوال الشهود فيمضي على صاحبها عمره كله كأنه لمحة بارق كما يعرفه من سلك أحوال القوم، وأخبرني الشيخ محمد البرلسي أن شخصاً نذر إن ولدت فرسي هذه حصاناً فهو لسيدي عيسى بن نجم فولدت له حصاناً.
فلما كبر أراد أن يبيعه، وقال أيش يعمل سيدي عيسى فبينما هو مار به ذات يوم، وقد صار تجاه سيدي عيسى رمح من صاحبه حتى دخل الزاوية فرمح صاحبه وراءه فدخل الحصان قبر الشيخ فلم يخرج رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ شهاب الدين المرحومي
رضي الله تعالى عنه
أحد أصحاب العارف بالله تعالى سيدي مدين رضي الله عنه، كان طريقه المجاهدة، والتقشف وكان يلبس الفروة صيفاً، وشتاء يلبسها على الوجهين، وكان لم يزل مطرقاً إلى الأرض، وكان يقرئ الأطفال بمصر العتيق بالقرب من سيدي محمد ساعي البحر، ومكث عند شيخه سيدي مدين رضي الله عنه إلى أن توفي لم يذق له طعاماً.
فقيل له في ذلك فقال: أنا لم آكل لشيخي طعاماً خوفاً أن أشرك في طلبي للشيخ شيئاً آخر رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول: ذهبت الطريق، وذهب عشاقها، وصار الكلام فيها معدوداً عند الناس من البدعة فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان الغالب عليه رضي الله عنه الخشوع، والبكاء لا تكاد تجده إلا باكياً قال: سيدي، وشيخي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه زرته مرة، وقلت: له يا سيدي مقصودي الطريق إلى الله عز وجل فقال: يا أخي والله ما ما أعد نفسي سلمت من النفاق طرفة عين، ولم تأخذ علي عهداً قال: فلما أردت الانصراف قلت: يا سيدي ادع لي فخر باكياً بوجهه إلى الأرض، وصار يفحص كالطير المذبوح، وقال: لنفسه عشتي يا شقية إلى زمان صار يطلب من مثلك الدعاء، ويوبخ نفسه رضي الله عنه، ومن أجل أصحابه سيدي الشيخ أبو السعود الجارحي، وسيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي سليمان الخضيري رحمهما الله تعالى، ورضي عنهما، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول: الشيخ سليمان الخضيري عندي أكمل من الشيخ أبي السعود رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى
سيدي محمد ابن أخت سيدي مدين
رحمه الله
أعاد الله تعالى علينا، وعلى المسلمين من بركاته، واشتهر بابن عبد الدائم المديني، كانت مجاهداته فوق الحد فظهر صدقه في تلامذته فخرج من تحت تربيته سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد أبو الحمائل السروري، والشيخ العارف بالله تعالى سيدي نور الدين الحسني بن عين الغزال، وسيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي نور الدين علي المرصفي، وخلائق كثيرة من العجم، والمغاربة، ومدار طريق القوم اليوم في مصر على تلامذته رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه ذا سمت بهى، ونظافة، وترافة أقبلت عليه الخلائق فطردهم بالقلب فلم يصر حوله فقير، وصار يخرج إلى السوق فيشتري حاجته بنفسه، ويحمل الخبز إلى الفرن بنفسه إلى أن مات، ودفن على باب تربة سيدي مدين رضي الله عنهما، وكان رضي الله عنه يقول: شبعنا كلاماً، وقال: وقيل: في هذه الدار، وما بقي إلا القدوم على الواحد الأحد وله رسالة عظيمة في علم السلوك يتداولها أهل طريقته في مصر، وغيرها. قلت: وسبب دفنه على باب التربة دون أن يدخلوه فيها مع جماعة سيدي مدين كما أخبرني به شيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري بمصر رضي الله عنه أن سيدي أبا السعود ابن سيدي مدين، وجماعته لم يمكنوه من الدخول للوقعة التي كانت بينهم وبينه حين جلس للمشيخة بعد سيدي مدين رضي الله عنه دون ولده، وأبي السعود وقالوا له: الطريق جاءتك من أين؟ الولد أحق، وهذا الداء لم يزل بين أولاد الأشياخ، وبين جماعة والدهم إلى عصرنا هذا إلا من حماه الله عز وجل من حمية الجاهلية، ولما منعوه من زاوية سيدي مدين انتقل إلى مدرسة أم خوند بخط بين السورين، فانقلب الفقراء معه فركب جماعة من زاوية سيدي مدين، ومضوا إلى أم خوند صاحبة المدرسة، وكانت ساذجة فقالوا: لها أنت عمرت المدرسة يحصل لك الأجر، وإلا التعب من غير أجر فقالت الأجر فقالوا: إن هذا الذي يسمي نفسه المديني أخذ الأجر كله له، والدعاء وما بقي يحصل
(2/95)

لك شيء فركبت بنفسها، وجاءت فأخرجته منها فانتقل إلى مدرسة ابن البقري بباب النصر وبها توفي رضي الله عنه، وأخبرني الشيخ شمس الدين الصعيدي المؤذن بمدرسة أم خوند قال: جاء مغربي إلى سيدي الشيخ محمد ابن أخت سيدي مدين، فقال: يا سيدي أنت رجل ذو عيال، وفقراء كثيرة، وليس لك رزقة، ولا معلوم، ومقصودي أعلمك صنعة الكيمياء تنفق منها على الفقراء، فقال له: جزاك الله عنا خيراً فقال يا سيدي فلوس آخذ بها الحوائج، فأعطاه فجاء بالحوائج فقال الشيخ كمل جميلك، وادخل هذه الخلوة، واعملها ثم أعرضها علينا فجاء بعدته، ودخل الخلوة، فقال: الشيخ رضي الله عنه للفقراء، وهذا الرجل ما يعرف من أحوال الفقراء شيئاً إنما كيمياء الفقراء أن يعطيهم الله تعالى قلب الأعيان بلفظ كن ثم قال لهم: هذا الوقت يخرج محروق الوجه، واللحية فبعد لحظة دق الباب، وقال افتحوا لي احترقت ففتحوا له فوجدوه محترق الوجه واللحية، وقال: انطلق في الكبريت فقال: الشيخ رضي الله عنه لا حاجة لنا بكيمياء فيها حرق الوجوه، واللحى اذهب لحال سبيلك قال: الشيخ شمس الدين الصعيدي رحمه الله تعالى، وإنما لم يرده الشيخ أولا من غير تجربة صيانة للخرقة ليعلمه أن الفقر في غنية عن ذلك وأن كنزهم القناعة في هذه الدار لا غير. والله أعلم.

ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي علي المحلي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان من رجال الله المعدودة، وكان رضي الله عنه يبيع السمك القديد مع البطيخ مع التمر حنا، والمرسين والياسمين، والورد وكان إذا أتاه فقير يستعين به في شيء من الدنيا يقول: له هات لي ما تقدر عليه من الرصاص فإذا جاء به يقول له: ذوبه بالنار فإذا أذابه يأخذ الشيخ بإصبعه شيئاً يسيراً من الترب ثم يقول: عليه باسم الله، ويحركه فإذا هو ذهب لوقته، وأنكر عليه مرة قاض في دمياط، وقال له: ما مذهبك فقال: حنشي ثم نفخ على القاضي فإذا هو ميت، وكان رضي الله عنه يمشي في البلد، ويقول: يا علماء البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد، وكراماته رضي الله عنه كثيرة، وأرسل مرة سيدي حسين أبو علي رضي الله عنه السلام له. فقال: سيدي على المحلي رضي الله عنه نعطيك هدية في نظير السلام ثم غرف له من البحر ملء القفة جواهر فقال: الفقير ليس لي، ولا لشيخي حاجة بالجواهر فردها في البحر. مات سنة نيف، وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ الإمام العارف بالله تعالى
سيدي علي بن شهاب جدي الأدنى
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه من المدققين في الورع، ويقول: الأصل في الطريق إلى الله تعالى طيب المطعم، وكان إذا طحن في طاحون يقلب الحجر، ويخرج ما تحته من دقيق الناس يعجنه للكلاب ثم يطحن، ويخلى للناس بعده الدقيق من قمحه، ولم يأكل فراخ الحمام الذي في أبراج الريف إلى أن مات، وكان والدي رحمه الله تعالى يأتيه بفتاوى العلماء بحله فيقول: يا ولدي كل من الخلق يفتي بقدر ما علمه الله عز وجل ثم يقول: يا ولدي إنها تأكل الحب أيام البذار، ويطيرونها بالمقلاع، ولذلك يعملون لها أشياء تجفلها في الجرون، ولو كان الفلاحون يسمحون بما يأكله الحمام ما فعلوا شيئاً مما ذكرناه ثم بالغ فتورع عن أكل العسل النحل، وقال: إني رأيت أهل الفواكه ببلادنا يطيرون النحل عن زهر الخوخ، والمشمش وغيرهم، ولا يسمحون بأكل أزهارهم، فقال له: والدي رحمه الله تعال أما قال: الله تعالى المالك الحقيقي " كلي من كل الثمرات " فقال: الثمرات المملوكة أم المباحة؟ فسكت والدي ثم قال له: والدي إن كل تفيد العموم فنحن على العموم فقال: الخاص مقدم على العام، وقد حرم الله عليك أن ترعى بقرتك في زرع الناس بغير رضاهم ثم تشرب لبنها فكشف والدي رحمه الله رأسه، واستغفر، وقال: مثلي لا يكون معلماً لك يا سيدي، وكان يقرئ الأطفال، ولا يدخل جوفه قط شيئاً من ناحيتهم، ولا من ناحية آبائهم حتى في أيام الغلاء كان يجوع، ويطعم ذلك لأرامل البلد، وأيتامها، وكان عنده موهبة معلقة في سقف الزاوية كل صغير فضل من خبزه شيء يضعه فيها قال: عمى الشيخ عبد الرحمن فكانت تملأ كل يوم، وكان الأطفال نحو مائة نفس، فيرسل العرفاء بقفف صغار بعد العشاء تفرقه على مساكين البلد، وأوقات هو بنفسه، وإذا كان الزمان زمان رخاء يترصد المراكب التي ترسي من قلة الريح بساحل بلده فيرسله لهم مع الجبن، والفول الحار، ومعهما مهما وجد، وكان لا يأكل قط من طعام فلاح، ولا شيخ بلد، ولا مباشر، ولا أحد من أعوان الظلمة من منذ وعى على نفسه، وقدم إليه مرة رجل قباني في بولاق طعاماً فلم يأكله فقال: يا سيدي هذا حلال هذا من عرقي فقال: لا آكل من
(2/96)

طعام من يمسك الميزان لعدم تحريرها في الغالب على وجه الخلاص.
وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه يقول: كان جدك من إخواني في الجامع الأزهر، وكان يضرب بي وبه المثل في شدة الاجتهاد، وصيام النهار، وقيام الليل بنصف القرآن كل ليلة، وكان يفوقني في الورع فإنه لم يأكل من طعام مصر قط، ويقول: سمعت أخي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: طعام مصر سم في الأبدان وكذلك كان لا يشرب من ماء محمول على يد غيره من البحر أبداً بل كان يأخذ له جرة، ويذهب إلى بحر النيل فيملؤها، ويشرب منها حتى تفرغ، وكنا نتعامل عليه، ونحن شباب فنشربها جميعاً في الليل ونقول: حتى ننظر أيش يعمل إذا عطش، فيجس الجرة بيده فيجد فارغة فيتبسم، ويضحك، ويسكت وكان كتابه المنهاج، والقاطبية، والمنحة، وحل الثلاث كتب، وصار يقرأ بالسبع، وغيره، وعمره نحو العشرين سنة وكنت لا أفارقه، ولا يفارقني فجاءته والدته بالكعيكات التي كان يتقوت منها على عادته فأخذت قميصه تغسله فوجدت فيه أثر احتلام، فقالت إني أخاف عليك من أهل هذا البلد فإن كنت في طاعة فسافر معي أزوجك في بلدي، وتقعد عندي فشاورني، فقلت استخر ربك فقال: لا أستخير في طاعة والدتي، وكان رحمه الله تعالى باراً بوالدته، وكانت امرأة لها قوة تحمل الأردب وحدها وتضعه على ظهر الحمارة قال: وكان جدك رضي الله عنه يقول: علمتني أمي، وأنا صغير انتهى ما سمعته من شيخي شيخ الإسلام رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه إذ غرقت مركب فيها شيء يؤكل كالرمان، والقلقاس والقصب لا يمكن أحداً من أهل بلده أن يمسك من ذلك شيئاً يقول: تشغلوا ذمتكم بشيء أنتم في غنية عنه، وغرق على رغم أنف صاحبه، ودعا الله أن لا يصح في دور ذريته برج حمام فبنوه مراراً وكتبوا له الجلب، ولم يفرخ شيئاً مع أن جيرانهم عندهم الأبراج، وهو فيها بكثرة، وكان رضي الله عنه يقول: مات أبي، وأنا صغير فما رباني إلا أمي فكنت أرعى للناس بهائمهم بالكرا، وأتقوت.. وحفظت القرآن، وأنا أرعى البهائم فكنت أكتب لوحي، وآخذه أحفظه في الغيط فمر علي بعض الفقراء السائحين فقال: يا ولدي اسمع مني، وشاور والدتك، وسافر إلى مصر تعلم بها العلم، فشاورت أمي فسمحت لي بذلك وزودتني زوادة آكلها في نحو أربعة شهور ثم صارت تتفقدني إلى أن رجعت إليها، وأخبرني جماعة ممن قرؤوا عليه أنهم لم يضبطوا عليه غيبة واحدة في أحد إلى أن مات، وكذلك لم يضبطوا عليه قط مدة صحبتهم ساعة فراغ فكان إن لم يكن في عمل أخروي كان في عمل ينفع الناس قالوا، وكانت طريقته أنه يقوم رحمه الله بعد رقدة من الليل فيتوضأ، ويصلي ما شاء الله أن يصلي ثم يثني ذيله في وسطه، ويتحزم عليه، وفي وسطه سراويل ثم يأخذ جراراً كباراً ويبتدئ بالقراءة فلا يزال يملأ إلى قريب الفجر، وربما قرأ نصف القرآن إلى الفراغ، فكان يملأ سبيل زاويته التي أنشأها بحري بلده.
ثم يملأ سبيل الجامع ثم يملأ سبيلا على طريق منف خارج جرن البلد، ولما زوي أولاده الثلاثة والدي، ومحمد، وعبد الرحمن أعمامي كان يملأ لهم سقايتهم حتى مسقاة الكلاب ولا يمكن أحداً منهم يملأ، ولا أحداً من عيالهم ثم يرجع إلى ميضأة زاور فيملؤها، ويملأ حيضان أخليتها، وينظفها ثم يصعد إلى سطح الزاوية، فيسبح الله وينزهه ثم يؤذن فينزل فيصلي الفجر، ويقرأ السبع هو، وعرفاء الأطفال ثم يصلي بالناس الصبح ثم يجلس يتلو القرآن إلى طلوع الشمس، فتجتمع الأولاد في المكتب فلا يزال يعلم هذا الخط وهذا رسم الخط، وهذا الإدغام وهذا الإقلاب، وهكذا، ويؤدب هذا، ويرشد هذا، ويسمع لهذا إلى أذان العصر فيملأ الميضأة أو يكملها ثم يفتح دكانه على باب زاويته فيها الزيت الطيب، والزيت الحار والعسل، والرب والأرز، والفلفل والمصطكي، وغير ذلك فلا يزال يبيع للناس إلى أن يقضي حوائجهم للطعام، والأكل قبل المغرب فيؤذن، ويصلي بالناس ويجلس للسبع إلى صلاة العشاء.
فإذا صلى العشاء بالناس لا يفرغ من وتره حتى لا يبقى أحد يمشي في الأزقة، ونيام الناس فيغفو لحظة ثم يقوم يتوضأ، ويصلي، ويأخذ الجرار، ويملأ الأسبلة كما تقدم هذا كان عمله على الدوام شتاء، وصيفاً، وكانت زوجته رحمها الله تعالى تقول له: يا سيدي أما تستريح لك ليلة واحدة فيقول ما دخلنا هذه الدار لذلك، وكان رضي الله عنه إذا قويت الشبهة في ثمن شيء يبيعه لا يأخذ من ذلك المشتري ثمناً بل يعطيه حاجته، ويقول سامحناك فكان يظن أن ذلك لمحبته له، وإنما ذلك لقوة الشبهة في ماله على حسب مقام الجد رضي الله عنه. قلت: وقد تحدثت بذلك للشيخ محمد النامولي أجد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله تعالى عنه فقال: صحيح كان
(2/97)

هذا دأبه مدة صحبتنا له ثم قال لي سمعت سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: ما في أصحابنا قط أكثر نفعاً من الشيخ علي الشعراوي ثم قال لي: الشيخ محمد رضي الله عنه، فإن شككت في قول: سيدي إبراهيم رضي الله عنه فأعرض هذه الأحوال المتقدمة على مشايخ مصر الآن لا نجد أحداً منهم يستطيع المداومة على هذه الأعمال جمعة واحدة ثم نظر إلي وحولي الفقراء، والمعتقدون، وقال: إن كنت تعمل فقيراً فاتبع جدك، وإلا فأنت سكة، وصورة، وشيء ما في المقصورة فقلت: أستغفر الله العظيم، وأخبرني أنه كان إذا نزل سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه من البركة للريف يقول: للفقراء الميعاد عند الشيخ علي الشعراوي هذه الليلة فتكون ليلة عظيمة قال: الشيخ محمد رحمه الله، فنزلنا أيام التين فاعترضنا أهل الصالحية وأهل برشوم، وقالوا: يا سيدي انزل هنا نطعم الفقراء التين فقال: لا نأكل التين إلا عند الشيخ علي الشعراوي في ذلك البر فقال: الفقراء تترك بلد التين، ونطلب التين في غير بلده قال: فأول ما خرج جدك وسلم على الشيخ، والفقراء أخرج لهم قفة كبيرة من أطيب التين فقال: الفقراء لسيدي إبراهيم رضي الله عنه استغفر الله لنا، وتابوا من اعتراضهم الباطل، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى أن سبب عمارة والدي بيوت الخلاء في زاويته مع كونها كانت خارجة عن البلد والفلاحون في الغالب لا يعتنون بدخول الأخلية أنه ورد عليه الشيخ سراج الدين التلواني، فخرج فرأى الأولاد يقولون تعالوا بنا نتفرج على هذا القاضي الذي يخرى، فحصل عند والدي خجل عظيم لأجل ضيفه، فطلب البناء، وبنى بيوت الأخلية ذلك اليوم، وكان رضي الله عنه إذا زرع مارساً من القمح يجعل بينه وبين الناس خطاً من الفول، وإذا زرع مع الناس الفول جعل بينه، وبينهم خطاً من القمح، وهكذا في سائر الحبوب، فإذ حصد ترك للناس خط الفول أو أخذه إذا شاء، فإنه فوله، وكان إذا سرح للحصاد يأخذ الإبريق معه للوضوء، فإذا جاء وقت الصبح ترك الحصاد، وصلى فكان شريكه يتكدر لأجل ذلك فيقول: كل طعام اكتسب بطريق حرام فهو حرام رضي الله عنه يقول: بلغني أن الأرض لا تأكل قط جسماً نبت من حلال، فكان بعض فقهاء بلاده ينكر ذلك عليه، ويقول: هذا خاص بالأنبياء عليهم الصلاة، والسلام، والشهداء فلما مات والدي أدخلوه عليه، فوجدوه طرياً كما وضعوه، وبين دفن والدي ودفنه إحدى وعشرون سنة، فأرسل الملحد للجد وراء الفقهاء الذين كانوا ينكرون على جدي ذلك، وقال: انظروا فاستغفروا الله، وتابوا.
وكان رضي الله عنه يكره من يقول له: يا نور الدين ويقول: نادوني باسمي علي كما سماني بذلك والدي، وبات سيدي الشيخ علي العياشي أحد أصحاب سيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه، وهو من أرباب القلوب ليلة في زاوية جدي فسمع جدي يقرأ القرآن في قبره، فابتدأ من سورة مريم إلى سورة الرحمن فطلع الفجر فسكت الصوت فأخبر أهل البلد بذلك، فقالوا هذا الشيخ علي رحمه الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: لا تجعل على قبري شاهداً، وادفنوني خلف جدار هذه القبة التي في الزاوية، ففعلوا فليس لقبره علامة إلى وقتنا هذا، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رضي الله عنه قال: لما حضرت والدي الوفاة دعا بكتاب سيدي عبد العزيز الدريني رضي الله عنه المسمى بطهارة القلوب فقال لوالدك اقرأ لي في أحوال القوم عند خروج أرواحهم فقرأ له فتنهد، وقال: سبقونا على خيول دهم، ونحن في أثرهم على حمير دبرة، وطلع النفاطات في لسانه حتى تزلع لسانه فكانت جدتي رحمها الله تعالى تقول: والله ما يستأهل هذا اللسان يا طول ما ختم القرآن في الليل، فيقول سكتوها عني لو علمت ما أعلم من مناقشة الحساب ما قالت ذلك، وأخبرني والدي في التربية سيدي خضر رحمه الله قال: إن جدك كان لا يجيء إلى القاهرة إلا ويأتي معه بالجراب الخبز، وإبريق يملؤه من النيل فيشرب، ويأكل من ذلك إلى أن يرجع ولم يذق لي طعاماً قط، وقال لي: تعرف سبب معرفتي بجدك قلت لا قال: نزلنا سنة من السنين مع سيدي محمد بن عبد الرحمن نائب جده، وبعض بني الجيعان نتفرج في بلدكم أيام الربيع فأقمنا مدة فطاب لسيدي محمد الوقت فشرع في زراعات، وبني حواصل، وصرف مصروفاً واسعاً فطلب شخصاً أميناً يكون وكيلا عنه في ذلك فقال: جميع الفلاحين ليس عندنا أحد أكثر أمانة من الشيخ علي رضي الله عنه فأرسلوا، وراءه فحضر، فقال: إني لا أصلح لذلك فقالوا: لا بد فأخذ مفاتيح الحواصل فلما طلع البطيخ خزنه، وصار كل بطيخة حصل فيها تلف ينادي عليها إلى أن تنتهي الرغبات فيها ثم يكتب ثمنها عليه ويعطيها لمساكين البلد
(2/98)

وصار يكتب تفاوت علف البهائم في اليوم الفلاني، والثور الفلاني مرض الليلة الفلانية، فلم يأكل عشاه تلك الليلة، ونقص من غذائه في الوقت الفلاني، وهكذا فلما حضر ابن عبد الرحمن ثاني مرة إلى البلد أرسل خلف جدك يطلب منه قائمة المصروف، فنظر فيها ثم خرج من الخيمة مكشوف الرأس خاراً على أقدام جدك يقبلها، ويبكي، ويقول: يا شيخ علي اجعلني في حل فإني والله ما علمت بمقامك ثم صار يقول: مثل هذا الرجل يكون وكيلا عني، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رحمه الله قال: أهدي لنا سيدي محمد عبد الرحمن ثلاثة أطباق على رءوس ثلاثة من العبيد في واحد أثواب صوف، وشاشان وثياب بعلبكية، وفي الآخر حلاوة، ومكبرات، وفي الآخر أنواع من الطيب فرد القماش وقبل الحلاوة، والطيب.
وفرق الطيب على صبايا البلد، والحلاوة على أيتام البلد، ولم يذق هو ولا أهل بيته شيئاً من ذلك، وأراد عمي عبد الرحمن أن يأخذ له إصبعاً من الحلاوة فمنعه وقال يا ولدي هذا سم في الجسد فإنه كان جده يقبض العشور انتهى قال: سيدي خضر، وقد عاشرت جدك، وأنا مباشر البلد إلى أن مات فما رأيته وضع يده في طعام الفلاحين، ولا أخذ على شهادته لهم في الخراج، والإجارات، وعقود الأنكحة، ولا خطابته لهم، ولا إمامته بهم درهما واحدا قال: وكان يفضل للفلاح على أستاذه الدرهم الواحد فيكتبه للفلاح لثاني سنة، ويقول لو أمكنني تخليصه لك هذه السنة لخلصته لك من أستاذك،. وكان إذا ضاق به الحال من حيث الكسب بالبيع يكتب المصاحف ويصنع الطواقي المضربة دالة في قلب دالة، وكل واحده يعطونه فيها الدينار الذهب.
ويقولون إن كل طعنة فيها مرقية بكلمة من القرآن لأنه كان إذا خاط يقرأ مع ذلك القرآن فكان يحسب رأس ماله فيها وأجرة مؤنته وخياطته، ويتصدق ببقية الدينار على الأرامل، والمساكين، وبلغني عنه أنه كان يقرأ القرآن، وهو ينسخ كتب العلم لا يشغله أحدهما عن الآخر، وتخرج كتابته سالمة من الغلط مع ذلك، وأخبرني جماعة ممن كانوا يقرءون عليه أنه كان يأكل اللبن، والطعام المائع مع المجذومين ويقول: إن هؤلاء خاطرهم مكسور، وكان الذين يقرءون عليه يقولون: ما رأيناه قط نائما في النهار في أيام الصيف، ولا غيره.
وكان رضي الله عنه يقول: إن النهار لم يجعل للنوم، ولما حج وتلقاه الناس وافق طلوعه للبلد أذان العصر فصعد سطح الزاوية، وأذن، ونزل وصلى بالناس ثم نزل فنظف بيوت الخلاء، وملأ الميضأة قبل دخول الدار ثم شرع من تلك الليلة في ملء الأسبلة المتقدم ذكرها على يديه على عاداته، ولم يسترح كما يقع للحجاج، وكان يقول: الوقت سيف، ولما جاء من الحج كثر بكاؤه، وحزنه زيادة على ما كان عليه قبل الحج، ولم ير ضاحكا قط حتى مات، وكان إذا لبس القميص أو العمامة لا ينزعها للغسل قط إلا إن نزعوها، وكانوا ينسونه بعض الأوقات فتصير كالوحل، ومع ذلك على ثيابه الفخر، والنور يخفق منها من نور الأعمال، وكانت عمامته من الصوف الأبيض، وكان أشبه الناس بجدي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه شيخ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجامع الأزهر، وغيره في وجهه، ولحيته وهمته، وجسمه حتى إن الجماعة الذين قرءوا على جدي كلهم مطبقون على ذلك، وكانوا يذهبون إلى الجامع الأزهر لرؤية الشيخ نور الدين لشبهه بجدي لا غير، ولما دفن سيلي نور الدين الشوني رضي الله عنه رأيته ثاني يوم فقال: لي جاءني جدك إلى هنا هذه الليلة، وقال: آنست مكانك، لماذا كان لك حاجة فنادني أحضر إليك في الحال ورأيت بينهما اتحادا عظيما، ولذلك جعلنا اسميهما مسبوكين معا في الدعاء لهما في قراءة الأسباع والكرسي، وغيرهما في الزاوية التي دفن فيها الشيخ نور الدين الشوني رحمه الله تعالى واحد يدعى له بقرينة تخصه فإن كلا منهما والدي رضي الله عنهما، وكان رضي الله عنه يقول: لا يعجبني كثرة العبادات من العبد.
وإنما يعجبني كثرة خوفه من الله عز وبئ، ومناقشته لنفسه، ورافقه مرة في سفره من القاهرة إلى بلده رجل عليه آثار الفقراء، فقال له: جدي ما حرفتك قال له: مؤذن في جزيرة الفيل فقال له: هل أقمت مقامك نائبا فقال الأمر سهل، فقال: هذا فراق بيني، وبينك، وساق وتركه، وكان رضي الله عنه لا يمكن أحدا من الفقراء البرهامية يفعل شيئا في بلده مما يفعلونه في غيرها من أكل النار، ودخولها، وجر السيف غلى اللسان، وعلى الكف، ويقول: إن كنتم برهامية فأتوا لنا بالبرهان على ذلك من الكتاب، والسنة أو من فعل سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه فانتصر جماعة من البلد للفقراء على جدي.
وقالوا لا بد أن يفعلوا هذه الليلة ذلك حتى تنفرج عليهم فأتاهم تلك الليلة
(2/99)

سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه، وقال لهم: أطيعوا الشيخ عليا رضي الله عنه، وأنا بريء من كل عمل يخالف هدى الخلفاء الراشدين، والأئمة المجتدين، فأصبحوا، واستغفروا، وتابوا ورجعوا عن ذلك الفعل، فقال لهم: أنا رجل برهامي، ولو كنت أعلم رضا سيدي إبراهيم بذلك لكنت أول فاعل له لأنه قدوتي وشيحي، وكذلك وقع له مع فقراء الأحمدية، وكان شيخهم الشيخ الصالح سيدي عبده الرحمن ابن الشيخ، وهيب السطوحي الأحمدي تلك الليلة فقال له: يا شيخ عبد الرحمن إن كنت تطلع بلدنا فاطلعها على الكتاب، والسنة، وإلا فأنت مهجور فدارت فيه الكلمه، ونالى بأعلى صوته يا فقراء تفرقوا عني، فإني رجعت إلى الله تعالى عن هذه الطريقة ثم عقد التوبة على يد جدي من تلك الليلة.
ثم جعل له خصا في الجزيرة التي هي الآن متعلقة بالفقراء تجاه فم بحر الفيض وصار يتعبد فيها، والبحر محيط به يزوره الناس في المراكب إلى أن مات، وكان يقول: كل هذا ببركة الشيخ علي بن شهاب فانه أنقذني من الضلالة، وظهرت الشيخ بعدالرحمن رضي الله عنه كرامات عظيمة: منها أنهم قطعوا مرة حطبا بغير إذنه من جزيرته، وسافروا به فانقلبت المركب بالقرب من بولاق وغرق من فيها، ولم تزل منحدرة إلى أن أرست على جزيرته، فقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا فقال صاحب المركب يا سيدي الشيخ تغرق المركب كلها في حزمتين حطب، فقال: هذا من سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه ما هو مني، وكان جدي رضي الله عنه إفا خرج من بيته للصلاة لا يستطيع تارك الصلاة يفارقه حتى يصلي هيبة منه رضي الله عنه، وكان إذا رأى جماعة الفلاحين في مجلس لغوهم يقول: يا أولادي اللعمر يضيق عن مثل ذلك عن قريب تندمون، وكان رضي الله عنه ينتهي نسبه إلى سلطان تلمسان أبي عبد الله في الجد الرابع، وبعده إلى السيد محمد بن الحنفية رضي الله عنه، وكان
لا يظهر ذلك، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التفاخر بالنسب ولا يقدس الإنسان حقيقة إلا عمله، ولو كان من أولاد أكابر الصحابة، وكان يقول: انظروا إلى الموالي الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كسلمان، وبلال كيف صار شأنهم بطاعة الله ورسوله، وأخبرني سيدي كمال الدين زوفاً من أولاد عمنا بنواحي البهنسا أن جدنا الخامس سيدي موسى المكنى بأبي عمران رضي الله عنه قال له: سيدي أبو مدين رضي الله عنه لمن تنتسب قال: لي مولاي أبي عبد الله سلطان تلمسان قال له: فقر وشرف لا يجتمعان، فقال: يا سيدي تركت الشرف، فقال: الآن نربيك. قلت: وتبعه على ذلك أعمامي ووالدي فلما خفت موت نسبتنا بالكلية ذكرتها في مؤلفاتي، وأخبرني الشيخ كمال الدين المتقدم أن نسبتنا القديمة، وجدوا عليها خطوط أولياء المغرب، وعلمائها، وقضاتها فوقع بين أولاد عمنا، وبين الخليفة سيدي يعقوب العباسي، فأرشى عليها من أخذها، وغيبها، وقال: ليس لنا أولاد عم أبداً خوف انقراض بيتهم أو ضعفه فيعطي أولاد عمنا الخلافة، ولعمري الشرفاء أحق بذلك، وهم كثير في أرض مصر فالله يكثر منهم، ويعرفنا بمقدارهم، والقيام بخدمتهم آمين.
مات جدي رضي الله عنه سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، وله من العمر سبع وخمسون سنة رضي الله عنه، وليكن ذلك آخر من ذكرناه من أهل القرن التاسع وتركنا جماعات كثيرة من أهل القرافتين، وغيرهما استغناء بكتب الزوار الموضوعة لذلك، فإن كتابنا هذا إنما وضعناه بالأصالة لبيان أهل الطريق، وأحوالهم، وأنهم كانوا على الكتاب والسنة فربما تكثر البدع من فقراء أهل هذا العصر زيادة على ما هي عليه الآن، فيعتقد العامة أن السلف الذين يزعم هؤلاء أنهم على قدمهم كانوا على هذه البدع، فلذلك لم نذكر في الغالب في هذا الكتاب من المشايخ إلا من له كلام في الطريق أو أفعال تنشط المريدين، هذه طريق التأسي بالأشياخ، وأما الكرامات ونتائج الأعمال، فليست هذه الدار محلا لها إنما محلها الدار الآخرة، فلذلك لم نذكر منها إلا بقدر تسكين القلب لذلك الولي ليؤخذ كلامه بالقبول، والاعتقاد، والله حسبي ونعم الوكيل.
ولنشرع في ذكر الخاتمة الموعود بذكرها في الخطبة، فنقول، وبالله التوفيق:

خاتمة في ذكر مشايخي الذين أدركتهم في القرن العاشر
رضي الله تعالى عنهم
وقد سبقني إلى نحو ذلك سيدي الشيخ عبد العزيز الدريني رضي الله عنه في منظومة له فقال: في أولها وهو لسان حالي أيضاً:
وأذكر الآن رجالا كانوا ... كأنجم يزهو بهم الزمان
مشايخاً صحبتهم زمانا ... أو زرتهم تبركاً أحيانا
مشايخي الأئمة الأبرار ... وأخوتي الأحبة الأخيار
(2/100)

أرجو بذكرهم بقاء الذكر ... لهم وفوزي بجزيل الأجر
فإنهم عاشوا بأنس الرب ... سرا، وذاقوا من شراب الحب
فهم جلوس في نعيم الحضره ... وجوههم في نضرة من نظره
وكل شيخ نلت منه علماً ... أو مأدباً فهو إمامي حتماً
وكل شيخ زرته للبركة ... فقد وجدت ريح تلك الحركة
إلى أن قال:
لم يبق في الستين، والستمائة ... في الناس من أشياخنا إلا فئه
وإنني لغفلتي أقلهم ... وقد تقضي منهم أجلهم
وقد عددت منهم جماعة ... اشتهروا بالفضل والبراعة
وما سكت عن سواهم صداً ... ولم أطق حصر الجميع عداً
وإنما ذكرت قوماً درجوا ... ومن مضيق سجنهم قد خرجوا
قد كان لي بأنسهم سلوان ... وما نسيت ذكرهم إذ بانوا
وقد بقيت بعدهم فريداً ... مخلفاً عن رفقتي وحيدا
أقطع الأوقات بالرجاء ... ليحضر الوفاة بالوفاء
وفي الزمان منهم بقيه ... قليلة صالحة مرضيه
فقل لهم إذا أقاموا بعدنا ... يدعو لنا فقد دعونا جهدنا
إذا علمت ذلك فأقول، وبالله التوفيق.

فمن مشايخي رضي الله عنهم سيدي محمد المغربي الشاذلي
رضي الله عنه، ورحمه
كان رضي الله عنه من الراسخين في العلم. أخذ الطريق عن سيدي الشيخ أبي العباس السرسي تلميذ سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه، وكان من أولاد الأتراك، وإنما اشتهر بالمغربي لكون أمه تزوجت مغربياً، وكان الغالب عليه الاستغراق رضي الله عنه، وكان بخيلا بالكلام في الطريق عزيز النطق بما يتعلق بها، وذلك من أعظم دليل على صدقه، وعلو شأنه فإن أهل الطريق رضي الله تعالى عنهم هكذا كان شأنهم، وقد بلغني أنهم سألوه أن يصنف لهم رسالة في الطريق، فقال: أصنف الطريق لمن؟ هاتوا لي راغباً صادقاً إذا قلت له: أخرج عن مالك، وعيالك خرج فسكتوا، وكان رضي الله عنه يقول: الطريق كلها ترجع إلى لفظتين سكتة، ولفتة وقد وصلت. قلت: معناه عدم الالتفات لغير الله تعالى، والإقبال على أوامر الله، وكان إذا جاءه أحد من الفقهاء يقول له: خذ علينا العهد، فيقول: يا أولادي روحوا واستكفوا البلاء فإن هذه طريق كلها بلاء أنتم في طريق تأكلون ما تشتهون، وتلبسون ما تشتهون والناس يخافونكم، ويطلبون منكم السكوت عنهم، وهذه طريق يقام عليكم الميزان فيها، ويطلق الناس ألسنتهم عليكم، ولا يجوز لكم فيها أن تردوا عن أنفسكم، وإن لبس أحدكم ثوباً مصقولا أو ظهراً من محررات الخام خرج الناس عليكم.
وقالوا هذا ما هو لباس الفقراء، فيرجعون عن طلب أخذ العهد عليكم فيقول: أعجبني صدقكم في دعوى الكذب، ولما جاءه سيدي إبراهيم المواهبي يطلب التربية قال له: تربية بيتية، وإلا سوقية قال يا سيدي ما معنى ذلك. قال: أما التربية السوقية، فأعلمك بها كلمات هذيانات ككلام الموسطين في الفناء، والبقاء، وأحوال القوم، وآذن لك بالجلوس على سجادة وتصير تأخذ كلاماً، وتعطي كلاماً.
وأما التربية البيتية، فتشارك جميع أهل البلاء في سائر أقطار الأرض في بلائهم، ويقال فيك ما قيل فيهم من البهتان، والزور، وتصبر كما صبر من سبقك من أولى العزم من الأولياء، ولا كلام، ولا سجدة، ولما أججوا النار على سيدي إبراهيم المواهبي رضي الله عنه في تقريره في قوله تعالى: " وهو معكم أينما كنتم " وعقدوا له مجلساً في الجامع الأزهر جاء سيدي محمد المغربي رضي الله عنه، وهم في أثناء الكلام فسكتوا كبهم فقال: تكلموا حتى أتكلم معكم، فلم يتجرأ أحد أن ينطق فقال: الشيخ نحن أحق بتنزيه الحق منكم أيها الفقهاء، ومن طلب إيضاح ذلك فليبرز إلى أتكلم معه فسكتوا فأخذ بيد إبراهيم رضي الله عنه، وقام معه فلم يتبعهما أحد، وكان الذي تولى جمع الناس وشن الغارة عليه العلائي الحنفي، وقال: هذا يتكلم في الماهية وذلك لا يجوز ثم إن الفقهاء لحقوا سيدي محمداً يترضون خاطره فقال لهم: الطريق ما هي كلام كطريقكم إنما هي طريق ذوق فمن أراد منكم الذوق فليأت أخليه، وأجوعه حتى أقطع قلبه، وأرقيه حتى يذوق، وإلا فليكف عن هذه الطائفة فإن لحومهم سم قاتل.
وكان رضي الله عنه يقول: السالكون ثلاثة: جلالي، وهو إلى الشريعة أميل، وحمالي وهو إلى الحقيقة أميل،
(2/101)

وكمالي جامع لهما على حد سواء، وهو منهما كمل، وأفضل، وكان رضي الله عنه يقول: حد الصفات مشتمل على النفي، والإثبات على حد كلمتي الشهادتين سواء، فإن نظرت إليها من حيث عدم الذات بها، وهو طرف النفي قلت: ليست هي هو كلا إله، وإن نظرت إليها من حيث تعلقها بالذات، وهو طرف الإثبات قلت: ولا غيره كإلا الله فلا يجوز الوقف عند قوله ليست هي هو كما لا يجوز الوقف عند قوله لا إله حذراً في الأول من إثبات الغيرية المحضة لصفات الله تعالى، وفي الثاني حذراً من النفي المحض لذات الله تعالي هذا حكم كل كلام متعدد اللفظ متحد المعنى، وذلك أن الكلمات المنطقية على معنى واحد مرتبط بعضها ببعض كقولهم ليست هي هو، ولا غيره فلا يجوز التكلم على بعض منها دون بعض لأن ذلك مما يخل بالمعنى الواحد من حيث إنه يتكلف لجزء الكلام معنى آخر وهذا مما يفسد نظام الكلام، ويحرفه عن سبيل الاستقامة، وكان يقول: إنما أوجد العالم أجساماً، وجواهر وأعراضاً نقيض ما هو موصوف به ليعلمنا بالفرق بيننا، وبينه، وقد استوى على العرش بقدمه، وبذاته وعلى جميع الكون بعلمه، وصفاته قلت: وفي قوله، وبذاته نظر فإن الذات لا يصح في حقها استواء كما أجمع علب المحققون، وإنما يقال استوى تعالى بصفة الرحمانية على العرش، فرحم بذلك الاستواء جميع من تحت العرش إما مطلقاً وإما رحمة مغياة بغاية كرحمة إمهال الكفار بالعقوبة في دار الدنيا والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول في معنى قول حجة الإسلام: ليس في الإمكان أبدع مما كان أي ليس في الإمكان أبدع حكمة من هذا العالم يحكم بها عقلنا بخلاف ما استأثر الله تعالى بعلمه، وبإدراكه وأبدعيته خاصة به، فهو أكمل، وأبدع حسناً من هذا العالم بالنسبة إليه تعالى وحده فلو كان هذا العالم يدخله نقص لنقص كمال الوجود، وهو كامل بإجماع لأنه لا يصدر عن الكامل إلا كامل قال تعالى: " والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون " " الذاريات: 47 و 48 " ومعلوم أن الامتداح لا يكون إلا فيما هو غاية ونهاية، وإلا فكيف يمتدح الحق تعالى بمفضول، وكان رضي الله عنه يقول: من واجب حسنات الأبرار شهود الأغيار لترتيب العبادة، والأحكام في هذه الدار، وإن كان ذلك من سيئات المقربين الذين استغرقهم الأنوار، واستهلك عندهم السوى كما استهلك الليل في النهار، وكان يقول: اطلب طريق ساداتك، وإن قلوا، وإياك، وطريق غيرهم، وإن جلوا.
وكفي شرفاً بعلم القوم قول موسى عليه الصلاة والسلام للخضر عليه السلام " هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً " قال: وهذا أعظم دليل على وجوب طلب علم الحقيقة كما يجب طلب علم الشريعة، وكان يقول: ابن الشريعة ناظر بعين الحكم الطاهر، ونسبة فعل الخلق إليهم لنوجه الخطاب، وترتب الأحكام عليهم " والله خلقكم وما تعملون " " الصافات: 96 " وابن الحقيقة ناظر بعين الحكمة الناطقة، ونسبة الفعل إلى الحق لأنه الفاعل المختار حقيقة " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون " " القصص: 68 " فإذا كان أدب الشريعة مبنياً على شهود الخلق في شهود الحق، وأدب الحقيقة مبنياً على فناء الخلق في شهود الحق وتباين الأمران تعين إظهار الأمر الظاهر، وتحتم إبطان الأمر الباطن خشية المعارضة، والتعطل هذا سبب عدم بناء الحكم في الظاهر على الحكمة الباطنة إذ لو ترتب عليها حكم لتعذر على غالب الناس الجمع بينهما وأفضى لنا الحرج، والتشديد إلى شقاق بعيد، وكان رضي الله عنه يقول: في قول سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه:
وألسنة الأكوان إن كنت واعياً ... شهود بتوحيد بحال فصيحة
يريد بقوله: شهود بتوحيد توحيد كل العالم أي التوحيد القهري الحالي المدخل للطائع والكافر والفاجر في حكم العبادة بالحال، وقوله: بحال فصيحة أخرج التوحيد بالقال فلم يتعرض له، ولا لأهله لأنه مخصوص بالمؤمنين دون الكافرين، وليس هو المقصود الأعظم في الآية المقتبس منها البيت وهي قوله تعالى: " وإن من شيء إلا يسبح بحمده " " الإسراء: 44 " فشيء نكرة، وهي في سياق النفي تعم كل شيء من موحد وجاهد، وحيوان وجماد فكأن الحق تعالى يقول: كل شيء يوحدني، ويعبدني بباطنه، وإن اختلف أمر باطنه قال: وقوله:
وإن عبد النار المجوس، وما انطفت ... كما جاء في الأخبار في كل حجة
فما عبدوا غيري، وما كان قصدهم ... سواي، وإن لم يضمروا عقد نيتي
فهذا هو التوحيد الحالي العام المشار إليه في الآية بقوله: " لا تفقهون تسبيحهم إنه " " الإسراء: 44 " أي هذا التوحيد الباطن
(2/102)

فتفطنوا له إن كنتم فقهاء فإنه محتاج إلى الفهم، وهو موضع العلم الباطن الرباني ولولا أن الله تعالى رحم أمة، ودفع عنهم الحرج لوجه عليه العذاب، والنقمة لعدم فهمهم هذا التوحيد: " كان حليماً غفورا " " الإسراء: 44 " ومن شواهد توحيد الحال هذه الظلال في قوله: " وظلالهم بالغدو والآصال " " الرعد: 15 " فكل الوجود وجد دليلا على موجده فلا يكون بعضه غير دليل حتى المخالف بدلالة وجوده، ومخالفته عابد راكع ساجد شاء أم أبى، فالقول: بأن كل جاحد في الظاهر موحد في الباطن جائز بين قوم يفهمون كلام الله، ومواضع إشاراته لا الذين يكذبون بما لم يحيطوا به علماً من أسراره وبيانه، ولكن هذا التوحيد لا ينفع الكفار بشاهد حديث القبضتين، وحديث الفراغ، وجفوف الأقلام فلو كان ينفعهم هذا التوحيد الحالي لما دخل أحد منهم النار فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: أيضاً في قول: سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهواً قضيت بردتي
مراده الردة النسبية لا الدينية لأن الرجوع، والنزول من مقام المقربين إلى حسنات الأبرار التي هي سيئات المقربين ردة عند القوم، وذلك أن من لازم حسنات الأبرار شهود الأغيار المعارض للفناء، ويسمى الشرك الأصغر، وكان رضي الله عنه يقول في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة المراد برأيه كذلك يقظة القلب لا يقظة الحواس الجسمانية لأن من بالغ في كمال الاستعداد، والتقرب صار محبو باللحق، وإذا أحبه كان نومه من كثرة اليقظة القلبية كحال اليقظة التي لغيره، وحينئذ لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بروحه المتشكلة بتشكل الأشباح من غير انتقال بانتقال ذاته الشريفة، ومجيئها من البرزخ إلى مكان هذا الرائي لكرامتها وتنزيهها عن كلفة المجيء، والرواح هذا هو الحق الصراح.
وكان رضي الله عنه يقول: إنما جعل قتل الكلب المعلم للصيد ذكاة لائتمارة بأمر سيده، وانتهائه، بزجره، فهو كالمدية بيد مولاه ولو كان مع نفسه، وهواه لحرم أكل صيده، والله أعلم هذا ما رأيته في الرسالة المنسوبة إليه بين أصحابه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد أن يسلب إيمان عبد عند الموت يسلطه علي، ولي يؤذيه، وكان رضي الله عنه ينفق نفقة الملوك من كيس صغير في عمامته، ويوفي منه الديون عن أصحابه عن المحتاجين، وكان رحمة بين العباد. مات رضي الله عنه سنة نيف، وعشر وتسعمائة، ودفن بالقرافة رضي الله عنه.
ومنهم الشيخ سيدي محمد عنان رضي الله تعالى عنه: كان رضي الله عنه من الزهاد العباد وما كنت أمثله، وأحواله إلا بطاوس اليماني أو سفيان الثوري، وما رأيت في عصرنا مثله، وكان مشايخ العصر إذا حضروا عنده صاروا كالأطفال في حجر مربيهم، وكان على قدم في العبادة، والصيام، وقيام الليل من حين البلوغ، وكان يضرب به المثل في قيام الليل، وفي العفة، والصيانة، ولما بلغ خبره إلى سيدي الشيخ كمال الدين إمام جامع الكاملية سافر إلى بلاد الشرقية بقصد رؤيته فقط.
فلما اجتمع به أعجبه عجباً شديداً فأخذ عليه العهد، وسافر به إلى سيدي أبي العباس الغمري بالمحلة فآخى بينه، وبينه، وكان رضي الله عنه له كرامات عظيمة: منها أنه أطعم نحو خمسمائة نفس من ستة أقداح دقيق حتى شبعوا، وذلك أن فقراء بلاده اجتمعوا هذا العدد، وطلعوا بلده على غفلة، وكان قد عجن طحينة على العادة أول ما خط عارضه، فقال: لوالدته خذي هذه الفوطة، وغطى هذه القصعة، وقرصي فقطعت منها الخبز حتى ملأت البيت، وحجيرة البيت، ونصف الدار فقال لها: اكشفي القصعة يكفي فكشفتها فلم تجد فيها شيئاً من العجين فقال: وعزة ربي لو شئت لملأت البلد كلها خبزاً من هذا العجين بعون الله تعالى ومنها أن شخصاً كان زمناً في جامع الإسكندرية، وكان كل من تشوش منه يقول: يا قمل اذهب إلى فلان فتمتلئ ثياب ذلك الشخص قملا حتى يكاد يهلك فبلغ سيدي محمداً رضي الله عنه ذلك، وهو في زيارة كوم الأفراح فقال: اجمعوني عليه فجمعوه عليه فقال: له أنت ما عرفت من طريق الله إلا القمل ثم أخذه بيده، ورماه في الهواء فغاب عن أعين الناس من ذلك اليوم، فلم يعرف أحد أين رماه الشيخ وحكى لي الشيخ علي الأتميدي فقيه الفقراء عنده أن سيدي محمداً رضي الله عنه أرسل النقيب من برهمتوش إلى سيدي أبا العباس الغمري في المحلة بعد العشاء، وقال: لا نخل الصبح يؤذن إلا، وأنت عندي فمضى أبو شبل، ورجع فقال له: الشيخ عديت من أي المعادي فقال: يا سيدي ما درت بالي للبحر، ولا علمت به فقال: الشيخ سر لأصحابه طوى البحر بهمته، وعزمه فلم يجده في طريقه، ومنها ما أخبرني به سيدي الشيخ العالم العامل المحدث الشيخ أمين الدين إمام الغمري قال: كنت في سفر مع سيدي أبي
(2/103)

العباس الغمري.
وسيدي محمد بن عنان فاشتد الحر علينا، ونزل الشيخان، وجلسا بين حمارتين، ونشرا عليهما بردة من الحر فعطش سيدي أبو العباس الغمري رضي الله عنه فلم يجد ماء فأخذ سيدي محمد بن عنان طاسة، وغرف بها ماء من الأرض، وقدمه لسيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه فلم يشربه، وقال: يا شيخ محمد الظهور يقطع الظهور، فقال: وعزة ربي لولا خوفي الظهور لتركنها عيناً يشرب الناس، والدواب منها إلى يوم القيامة، وكان ذلك ببلاد الشرقية بنواحي صنضبسط هذه حكاية الشيخ أمين الدين رضي الله عنه بلفظه، وكان من الصادقين.
وحكى لي الشيخ بدر الدين المشتولي رحمه الله قال: سمعت سيدي عبد القادر الدشطوطي رضي الله عنه يقول: إن الشيخ محمد بن عنان رضي الله تعالى عنه يعرف السماء طاقة طاقة، وأخبرني سيدي الشيخ شمس الدين الطنيخي رحمه الله تعالى صهر سيدي محمد بن عنان أن شخصاً أكولا نزل مع الشيخ محمد رضي الله عنه وهم في مركب مسافرين نحو دمياط فأخبروا سيدي محمداً رضي الله عنه أنه أكل تلك الليلة في المركب فرد سمك فسيخ، ونحو قفة تمر فدعاه سيدي محمد رضي الله عنه.
وقال له: اجلس، وقسم رغيفاً نصفين، وقال كل وقل بسم الله الرحمن الرحيم فشبع من نصف الرغيف، ولم تزل تلك أكلته لم يزد على نصف الرغيف حتى مات، فجاء أهله، وقالوا للشيخ جزاك الله عنا خيراً خففت عنا، وأخبرني سيدي الشيخ أمين الدين رحمه الله تعالى أمام الغمري أيضاً أن شخصاً في مقبرة برهمتوش كان يصيح في القبر كل ليلة من المغرب إلى الصباح، فأخبروا سيدي محمداً رضي الله عنه بخبره فمشى إلى المقبرة وقرأ سورة تبارك ودعا الله تعالى أن يغفر له فمن تلك الليلة ما سمع له أحد صياحاً فقال: الناس شفع فيه الشيخ.
وكان رضي الله عنه وقته مضبوطاً لا يتفرغ قط لكلام لغو، ولا لشيء من أخبار الناس ويقول كل نفس مقوم على بسنة، وكان يتهيأ لتوجه الليل من العصر لا يستطيع أحد أن يخاطبه إلى أن يصلي الوتر فإذا صلى قام للتهجد لا يستطيع أحد أن يكلمه حتى يضحى النهار، وكان هذا دأبه ليلا ونهاراً شتاء وصيفاً، وكنا ونحن شباب في ليالي الشتاء نحفظ ألواحنا، ونكتب في الليل، ونقرأ ماضينا، وهو واقف يصلي على سطح جامع الغمري ثم ننام، ونقوم فنجده قائماً يصلي، وهو متلفع بحرامه فنقول هذا الشيخ لا يكل، ولا يتعب هذا، والناس من شدة البرد تحت اللحف لا يستطيعون خروج شيء من أعضائهم، وسمعت سيدي محمداً السروي شيخ الشناوي يقول: ما رأت عيني أعبد من ابن عنان، وكان رضي الله عنه يحب الإقامة في الأسطحة، وكل جامع أقام فيه عمل له فوق سطوحه خصاً، وتارة خيمة، وأخبرني أنه أقام في بدء أمره ثلاث سنين في سطح جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان لا ينزل إلا وقت صلاة الجماعة أو وقت حضور عرس الشيخ العارف بالله تعالى سيدي يحيى المناوي فإنه كان من أهل علمي الظاهر، والباطن وكذلك كان يحضره جماعة من الأولياء كسيدي محمد السروي رضي الله عنه، وسيدي محمد ابن أخت سيدي مدين رضي الله عنه، وأضرا بهما، وسمعته رضي الله عنه يقول: سخر الله تعالى لي الدنيا مدة إقامتي في جامع عمرو، فكانت تأتيني كل ليلة بإناء فيه طعام ورغيفين، وما خاطبتها قط، ولا خاطبتني، ولكن كنت أعرف أنها الدنيا، وسمعته يقول: حفظت القرآن، وأنا رجل فحفظت أولا النصف الأول على الفقيه ناصر الدين الأخطابي ثم النصف الثاني على أخي الشيخ عبد القادر.
وكان رضي الله عنه إذا نزل في مكان فكأني الشمس حلت في ذلك المكان لا أكاد أشهد غير ذلك هذا، وأنا صغير لا أفصح عن مقامات الرجال، والله إنه ليقع لي في الليلة الباردة أنني أقوم، وأنا كسلان عن الوضوء، والصلاة فلا أجد أحداً في ذهني حاله ينشطني غيره، فإني أعرض هذا الحال، وأقول في نفسي لو قام الشيخ محمد رضي الله عنه في مثل هذه الليلة هل كان يرجع إلى النوم بغير وضوء، وصلاة فيزول عني الكسل بمجرد ذكر حاله رضي الله عنه، ولقد سمعته رضي الله عنه يقول: من منذ، وعيت على نفسي لا أقدر على جلوسي بلا طهارة قط، ولقد كانت تصيبني الجنابة في الليالي الباردة فلا أجد ماء للغسل إلا بركة كانت على باب دارنا في ليالي الشتاء، فكنت أنزل فيها، وعلى وجهها الثلج، فأفرقه يميناً، وشمالا ثم أغطس، فأجد الماء من الهمة كأنه مسخن بالنار، والله لقد رأيته بعيني يستنجي في الخلاء، فيطئ عليه الماء للوضوء فيضرب يده على الحائط ويتيمم حتى يجد الماء، ولا يجلس على غير طهارة لحظة، وكان يقول: مجالسة الأكابر تحتاج إلى دوام الطهارة، وأردت ليلة من الليالي أمد رجلي للنوم، فكل ناحية أردت
(2/104)


أن أمد رجلي فيها أجد فيها ولياً من أولياء الله تعالى، فأردت أن أمدحها إلى ناحية سيدي محمد رضي الله عنه بباب البحر فوجدتها تجاه قبره فنمت جالساً، فجاءني ومسك رجلي، ومدها ناحيته، وقال: مد رجلك ناحيتي البساط أحمدي فقمت، ونعومة يده في رجلي رضي الله عنه.
وكان يتكدر ممن يضع بين يديه شيئاً من الدنيا ليفرقه على الفقراء، ويقول ما وجدت أحداً يقرق، وسخك في البلد غيري، وأخبرني الشيخ عبد الدائم ولد أخيه قال: بعت مركب قلقاس من زرع عمي، وجئته من ثمنها بأربعين ديناراً، ووضعتها بين يديه بكرة النهار فصاح في وقال: الله لا يصبحك بخير تصبحنا فرفعتها من بين يديه، وأنا خجلان. وكان رضي الله عنه إذا دعاه من في طعامه شبهة يجيبه، ولكن يأخذ في كمه رغيفاً يأكله على سفرة ذلك الرجل مسارقة من غير أن يلحظ أحد به هكذا رأيته وكان حاضراً الشيخ أبو بكر الحديدي والشيخ محمد العدل رضي الله عنهما فأرادا أن يفعلا مثل فعله فقال: كلا أنتما لا حرج عليكما، ولما طلب الغوري الشريف بركات سلطان الحجاز، ورأى منه الغدر جاء إلى سيدي محمد رضي الله عنه بعد صلاة العصر، ونحن جلوس بين يديه فقام له الشيخ، واعتنقه، وقال له: الشريف أريد أهرب هذا الوقت، وخاطرك معي لا يلحق بي الغوري حتى أتخلص من هذه البلاد فإن النوق تنتظرني نواحي بركة الحاج فدخل سيدي محمد رضي الله عنه الخلوة فانتظره الشريف فلم يخرج، والوقت ضاق فقال: لي، وللشيخ حسن الحديدي خادمه استعجلا لي الشيخ ففتحنا باب الخلوة فلم نجد الشيخ فيها فرددنا الباب فبعد ساعة خرج، وعيناه كالدم الأحمر، فقال: اركب يا شريف لا أحد يلحقك فما شعر الخوري به إلا بعد يومين فتخلص إلى بلاد الحجاز، فأرسل في طلبه فلم يلحقوه، وسمعت سيدي علياً الخواص رضي الله عنه يقول: أنا ما عرفت الشيخ محمد بن عنان إلا من سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه كنت، وأنا عنده أبيع الجمير في غيطه في بركة الحاج أسمعه يقول؛ وعزة ربي لتتوزعن حملتي بعد موتي على سبعين رجلا، ويعجزون، فقال له: الشيخ يوسف الكردي رحمه الله تعالى يا سيدي من يأخذ خدامة الحجرة النبوية بعدكم؟ فقال: شخص يقال له: محمد بن عنان سيظهر في بلاد الشرقية، وكان رضي الله عنه يقول: الفقير ما رأس ماله في هذه الدار إلا قلبه، فليس له أن يدخل على قلبه من أمور الدنيا شيئاً يكدره، والله لقد رأيته، وهو في جامع المقسم بباب البحر أوائل مجيئه من بلاد الريف جاءه شخص وقال له: يا سيدي إن جماعة يقولون هذه الخلاوي التي فيها الفقراء لنا، وكان ذلك يوم الوقت فخرج، وأمر بنقل دسوت الطعام إلى الساحة التي بجوار سيدي محمد الجبروني رضي الله عنه، وكمل طبخ الطعام هناك، وقال: الفقير رأس ماله قلبه، وأخبرني الشيخ شمس الدين اللقاني الملكي رحمه الله تعالى قال: دخلت على سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يوماً، وأنا في ألم شديد من حيث الوسواس في الوضوء، والصلاة فشكوت ذلك إليه فقال: عهدنا بالمالكية لا يتوسوسون في الطهارة، ولا غيرها فلم يبق عندي بمجرد قوله ذلك شيء من الوسواس ببركته.
وكان رضي الله عنه لا يعجبه أحد يصلح للطريق في زمانه، ويقول: هؤلاء يستهزئون بطريق الله، ولم يلقن أحداً قط الذكر غير الشيخ أحمد النجدي جاءه بالمصحف، وقال: أقسمت عليك بصاحب هذا الكلام إلا ما لقنتني الذكر فغشي على الشيخ رضي الله عنه من قسمه عليه بالله عز وجل ثم لقنه: وقال: يا ولدي الطريق ما هي بهذا إنما هي باتباع الكتاب، والسنة، وجاءه مرة شخص لابس زي الفقراء، فقال: يا سيدي كم تنقسم الخواطر فقطب الشيخ وجهه، ولم يلتفت إليه فلما قام الرجل قال: الشيخ لا إله إلا الله ما كنت أظن أني أعيش إلى زمان تصير الطريق إلى الله عز وجل فيه كلاماً من غير عمل، وكان مدة إقامته في مصر لا يكاد يصلي الجمعة مرتين في مكان واحد بل تارة في جامع عمرو، وتارة في جامع محمود وتارة في جامع القراء بالقرافة، وحضرته صلاة الجمعة مرة بالقرب من الجامع الأزهر، فقال: هذا مجمع الناس، وأنا أستحي من دخولي فيه، وكان رضي الله عنه يزور الفقراء الصادقين أحياء، وأمواتاً لا يترك زيارتهم إلا من مرض، وكنت أنظره لم يزل يدير السبحة، وهو يقرأ القرآن.
وكان رضي الله عنه يكره للفقير أن يغتسل عرياناً، ولو في خلوة، ويشدد في ذلك، ويقول: طريق الله ما بنيت إلا على الأدب مع الله تعالى، وكل من ترخص فيها لا يصلح لها.
قال: سيدي أبو العباس الحريثي: ورآني مرة أغتسل، وفي: وسطي فوطة في الليل فعاب ذلك علي، وقال: بدن " الفقير كله عورة لم لا اغتسلت في قميص، وكان رضي الله عنه إذا حضر عند مريض قد أشرف على الموت من شدة الضعف
(2/105)

يحمل عنه فيقوم المريض وينام الشيخ رضي الله عنه مريضاً ما شاء الله، ولعلها المدة التي كانت بقيت على ذلك المريض، ووقع له ذلك مع سيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه، ومع سيدي علي البلبلي المغربي، وكنت أنا حاضراً قصة سيدي علي رضي الله عنه، وقام في الحال يتمشى إلى ميضأة الجامع الأزهر فتوضأ، وجاء فرقد رضي الله عنه فتعجب الناس من ذلك، ودعي مرة إلى وليمة فجاء إلى باب الدار، فقيل له: إن سيدي علياً المرصفي رضي الله عنه هنا فرجع، ولم يدخل فقال: بعض الناس إنه يكرهه، وقال: بعضهم الفقراء لهم أحوال فبلغ ذلك سيدي محمداً رضي الله عنه فقال: ليس بيني وبين الرجل شيء، وإنما كان بينه، وبين أخي الشيخ نور الدين الحسني، وقفة فحفظت حق صاحبي بعد موته لكونه متقدماً في الصحبة وكان لا يركب قط إلى مكان في زيارة أو غيرها إلا ويحمل معه الخبز، والدقة، ويقول نعم الرفيق إن الرجل إذا جاع، وليس معه خبز استشرفت نفسه للطعام، فإذا وجده أكله بعد استشراف النفس، وقد نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وسمعته رضي الله عنه يقول: كل فقير نام على طراحة فلا يجيء منه شيء في الطريق لأن من ينام على الطراحة ما قصده قيام الليل الذي هو مطية المؤمنين، وبراقهم ثم يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نام على عباءة مثنية طاقين فنام عن ورده تلك الليلة، فقال: لعائشة رضي الله عنها رديها إلى حالها الأول فإن لينها، ووطاءتها منعتني قيام ليلتي، وأخبرني سيدي الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رضي الله عنه قال: كان شخص من أرباب الأحوال بناحية شان شلمون بالشرقية جالساً في البرية، وقد حلق على نفسه بزرب شوك، وعنده داخل هذه الحيقة الحيات، والثعالب، والثعابين، والقطط والذئاب، والخرفان، والإوز، والدجاج فزاره الشيخ محمد رضي الله عنه مرة، فقال: أهلا بالجنيدي ثم زاره مرة أخرى فقال: أهلا بالجندي ثم زاره مرة أخرى فقال: مرحباً بالأمير ثم زاره مرة أخرى، فقال: أهلا بالسلطان ثم زاره مرة أخرى فقال: مرحباً براعي الصهب فكانت تلك آخر تحيته.
قلت: ومناقب الشيخ رضي الله عنه لا تحصر والله أعلم. ولما حضرته الوفاة، ومات نصفه الأسفل حضرت صلاة العصر، فأحرم جالساً خلف الإمام لا يستطيع السجود ثم اضطجع، والسبحة في يده يحركها فكانت آخر حركة يده آخر حركة لسانه فوجدناه ميتاً فجردته من ثيابه أنا، والشيخ حسن الحديدي، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة عن مائة وعشرين سنين، ودفن بجامع المقسم بباب البحر، وصلى عليه الأئمة، والسلطان طومان أي وصار يكشف رجل الشيخ ويمرغ خدوده عليها، وكان يوماً في مصر مشهوداً رضي الله عنه.

ومنهم سيدي الشيخ أبو العباس الغمري الواسطي
رضي الله تعالى عنه
كان جبلا راسياً وكنزاً مطلسماً ذا هيبة على الملوك فمن دونهم، وكان له كرامات كثيرة يحفظها جماعته: منها أنه وقع من جماعته صرة فيها فضة أيام عباب البحر، والمركب منحدرة نواحي سما نود فلم يشعروا بها إلا بعد أن انحدرت كذا كذا بلداً فأوقف الشيخ رضي الله عنه المركب، وقال روحوا إلى المكان الفلاني، وارموا الشبكة تجدوها ففعلوا فوجدوها. ومنها ما حكاه لي ولده سيدي أبو الحسن رضي الله عنه قال: كنت مع والدي، ومعنا عمود رخام على جملين فجئنا إلى قنطرة ضيقة لا تسع سوى جمل واحد فساق الشيخ رضي الله عنه الجمل الآخر فمشى على الهواء بالعمود، ومنها أنه أراد أن يعدي من ميت غمر إلى زفتي فلم يجد المعدية فركب على ظهر تمساح، وعدى عليه، ومنها ما أخبرني به الشيخ أمين الدين رضي الله عنه إمام جامعه بمصر أنهم لما أرادوا أن يقيموا عمد الجامع بيتوا على الناس يساعدونهم.
فقام الشيخ وحده فأقام صفين من العمد فأصبحوا، فرأهم واقفين، وأخبرني الشيخ حسن القرشي رحمه الله قال: نزل عندنا سيدي أبو العباس يقطع جميزة في ترعة أيام الملق، ومعه مركب أخرى تخفف الخشب فيها، وكانت المراكب امتنعت من دخول بحر المحلة من قلة مائة فمكث الشيخ رضي الله عنه إلى الفجر فبينما هو يصلي إذ دخلت لنا مركب وفيها شخص نائم فنبهه سيدي أبو العباس فقام، فقال: من جاء بي إلى هنا فإني كنت في ساحل ساقية أبي شعرة في البحر الشرقي فقالوا له جاء بك هذا السبع يعنون الشيخ رضي الله عنه فحملوا الخشب في المركبين.
وساروا رضي الله عنه، وكان سيدي الشيخ الصالح محمد العجمي رضي الله عنه كاتب الربعة العظيمة التي بجامعة بمصر يقول: والله لو أدرك الجنيد رضي الله عنه سيدي أبا العباس رضي الله عنه لأخذ عنه الطريق،
(2/106)

وكان رضي الله عنه لا يمكن أحداً صغيراً يمزح مع كبير، ورأى مرة صبياً يغمز رجلا كبيراً فأخرجهما من الجامع، ورمى حوائجهما، وكان لا يمكن أمرد يؤذن في جامعه أبداً حتى يلتحي، وعمر رضي الله عنه عدة جوامع بمصر وقراها، وكان السلطان قايتباي يتمنى لقاءه فلم يأذن له، وجاءه مرة ولده السلطان محمد الناصر على غفلة يزوره فلما، ولي قال: أخذنا على غفلة وأجواله كثيرة مشهورة في بلاد الريف، وغيرها، وقد رأيته مرة واحدة حين نزل إلى بلدنا ساقية أبي شعرة في حاجة، وعمري ثمان سنين. مات رضي الله عنه في صفر سنة خمس وتسعمائة ودفن بأخريات الجامع بمصر المحروسة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم سيدي الشيخ نور الدين الحسني المديني
رضي الله تعالى عنه
أحد أصحاب سيدي محمد ابن أخت سيدي مدين كان رضي الله عنه من العارفين بالله عز وجل، ورأيته، وأنا صغير وأخذ عنه الشيخ تاج الدين الذاكر بعد أن مات سيدي محمد ابن أخت سيدي مدين، وكلاهما كان أخذ عنه، وسمع يوماً شخصاً يبيع خشب الشيوخ التي تسرح بها النساء، الكتان، وهو يقول: يا قفة شيوخ بنصف فضة فأخذ منها معنى، وقال: قفة شيوخ بنصف فضة، وقال: قد رخصت الطريق فلم يلقن أحداً بعدها حتى مات رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه مرصداً لقضاء حوائج الناس عند الأمراء، والحكام، وكان بينه، وبين سيدي محمد بن عنان ود عظيم، ومؤاخاة رضي الله عنهما.

ومنهم شيخ الإسلام الشيخ زكريا الأنصاري الخزرجي
رحمه الله تعالى آمين
أحد أركان الطريقين الفقه، والتصوف، وقد خدمته عشرين سنة فما رأيته قط في غفلة ولا اشتغال بما لا يعني لا ليلا، ولا نهاراً، وكان رضي الله عنه مع كبر سنه يصلي سنن الفرائض قائماً، ويقول لا أعود نفسي الكسل، وكان إذا جاءه شخص، وطول في الكلام يقول: بالعجل ضيعت علينا الزمن، وكنت إذا أصلحت كلمة في الكتاب الذي أقرؤه عليه أسمعه يقول: بخفض صوته الله الله لا يفتر حتى أفرغ، وكنت أتغدى معه كل يوم، فكان لا يأكل إلا من خبز الخانقاه وقف سعيد السعداء، ويقول: واقفها كان من الملوك الصالحين، ووقف وقفها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم.
وصنف المصنفات الشائعة في أقطار الأرض، ولازمت الناس قراءة كتبه لحسن نيته، وإخلاصه، ولما قرأت شرحه على رسالة القشيري في علم التصوف أشار علي بحفظ الروض، وكنت حفظت المنهاج قبل ذلك فعرضته عليه، وقلت: إنه كتاب كبير فقال اشرع، وتوكل فإن لكل مجتهد نصيباً، فحفظت منه إلى باب القضاء، وحصل لي رمي الدم من الحصر في الحفظ فأشار علي بالوقوف، وقرأت شرحه على الروض إلى باب الجهاد، وقرأت عليه تفسير القرآن العظيم للبيضاوي مع حاشيته عليه، وحاشية الطيبي على الكشاف، وحاشية السيد، وحاشية الشيخ سعد الدين التفتازاني.
وحاشية الشيخ جلال الدين السيوطي إلى سورة الأنبياء، وقرأت عليه شرح آداب البحث له، وحاشيته على جمع الجوامع، وطالعت عليه حال تأليفه لشرح البخاري فتح الباري للحافظ ابن حجر، وشرح البخاري للكرماني، وشرحه للعيني الحنفي، وشرحه للشيخ شهاب الدين العسقلاني على قدر كتابتي له في شرحه، وخطى متميز فيه، وأظنه يقارب النصف، وكنت إذا جلست معه كأني جالست ملوك الأرض الصالحين العارفين، وكان أكبر المفتين بمصر يصير بين يديه كالطفل وكذلك الأمراء، والأكابر، وكان كثير الكشف لا يخطر عندي خاطر إلا، ويقول: قل: ما عندك، ويبطل التأليف حتى أفرغ، وكنت إذا حصل عندي صداع لحال المطالعة له يقول: انو الشفاء بالعلم فأنويه فيذهب الصداع لوقته، وقال لي: مرة من صغري وأنا أحب طرايق القوم، وكان أكثر اشتغالي بمطالعة كتبهم، والنظر في أحوالهم حتى كان الناس يقولون هذا لا يجيء منه شيء في علم الشرع، فلما ألفت كتاب شرح البهجة، وفرغت منه استبعد ذلك جماعة من الأقران، وكتبوا على نسخة منه كتاب الأعمى والبصير تنكيتاً علي لكون رفيقي في الاشتغال كان ضريراً، وكان تأليفي له إلى أن كان فروغه في يوم الاثنين، ويوم الخميس فقط فوق سطح الجامع الأزهر، وكان، وقتي رائقاً، وظاهري بحمد الله تعالى محفوظاً، وكنت مجاب الدعوة لا أدعو على أحد إلا، ويستجاب فيه الدعاء، فأشار على بعض الأولياء بالتستر بالفقه، وقال: استر الطريق فإن هذا ما هو زمانها فلم أكد أتظاهر بشيء من أحوال القوم إلى وقتي هذا، وحكي لي يوماً أمره من حين جاء إلى مصر إلى وقت تلك الحكاية، وقال: أحكي لك أمري من ابتدائه إلى انتهائه إلى وقتنا
(2/107)

هذا حتى تحيط به علماً كأنك عاشرتني من أول عمري فقلت: له نعم قال: جئت من البلاد، وأنا شاب فلم أعكف على أحد عن الخلق، ولم أعلق قلبي به وكنت أجوع في الجامع كثيراً فأخرج بالليل إلى قشر البطيخ الذي كان بجانب الميضأة، وغيرها فأغسله وآكله إلى أن قيض الله لي شخصاً كان يشتغل في الطواحين، فصار يتنقدني، ويشتري لي ما أحتاج إليه من الكتب، والكسوة، ويقول: يا زكرياء لا تسأل أحداً في شيء، ومهما تطلب جئتك به فلم يزل كذلك سنين عديدة فلما كان ليلة من الليالي والناس نيام جاءني، وقال لي: قم فقمت معه فوقف لي على سلم الوقد الطويل، وقال لي: اصعد هذا فصعدت فقال لي: اصعد فصعدت إلى آخره فقال لي: تعيش حتى يموت جميع أقرانك، وترتفع على كل من في مصر من العلماء، وتصير طلبتك شيوخ الإسلام في حياتك حين يكف بصرك فقلت: لا بد لي من العمى قال: ولا بد لك ثم انقطع عني فلم أره من ذلك الوقت ثم تزايد على الحال إلى أن عزم على السلطان بالقضاء فأبيت، وقال: إن أردت نزلت ماشياً بين يديك أقود بغلتك إلى أن أوصلك إلى بيتك فتوليت، وأعاني الله على القيام به.
ولكن أحسست من نفسي أني تأخرت عن مقام الرجال فشكوت إلى بعض الرجال فقال: ما ثم إلا تقديم إن شاء الله تعالى فإن العبد إذا رأى نفسه متقدماً فهو متأخر، وإن رأى نفسه متأخراً فهو متقدم فسكن روعي، وقال: رضي الله عنه ما كان أحد يحملني كما يحملني السلطان قايتباي كنت أحط عليه في الخطبة حتى أظن ما عاد قط يكلمني فأول ما أخرج من الصلاة يتلقاني، ويميل يدي ويقول: جزاك الله خيراً فلم تزل الحسدة بنا حتى أوقعوا بيننا الوقعة، وكان ماسكاً لي الأدب ما كلمني كلمة تسوءني قط ولقد طلعت له مرة، فأغلظت عليه القول فاصفر لونه فتقدمت إليه وقلت له والله يا مولانا إنما أفعل ذلك معك شفقة عليك، وسوف تشكرني عند ربك، وإني والله لا أحب أن يكون جسمك هذا فحمة من فحم النار، فصار ينتفض كالطير وكنت أقول له أيها الملك تنبه لنفسك فقد كنت عدماً فصرت وجوداً، وكنت رقيقاً فصرت حراً وكنت مأموراً، فصرت أميراً، وكنت أميرا فصرت ملكاً فلما صرت ملكاً تجبرت، ونسيت مبدأك ومنتهاك إلى آخره، وقال لي: كان أخي الشيخ علي النبتيتي يجتمع بالخضر عليه السلام، فباسطه يوماً في الكلام فقال: للخضر عليه السلام ما تقول في الشيخ يحيى المناوي فقال: لا بأس به فقال: ما تقول: في فلان ما تقول فلان ما تقول في الشيخ زكريا فقال: لا بأس به إلا أن عنده نفيسة.
فلما أرسل لي أخي الشيخ علي الضرير بذلك ضاقت على نفسي، وما عرفت الذي أشار إليه بالنفيسة، فأرسلت إلى سيدي علي البتيتي الضرير، فقلت له: إن اجتمعت بالخضر، فاسأله من فضلك على ما أشار إليه بالنفيسة فلم يجتمع به مدة تسع شهور فلما اجتمع به سأله، فقال له إذا أرسل تلميذه أو قاصده إلى أحد من الأمراء يقول له: قال: الشيخ زكريا كيت، وكيت فيلقب بالشيخ فلما أرسل لي الشيخ بذلك فكأنه حط عن ظهري جبلا، وصرت أقول للقاصد إذا أرسلته إلى أحد من الأمراء، والوزراء قل: للأمير أو الوزير يقول لك: زكريا خادم الفقراء كذا، وكذا، وقال لي مرة كنت متعكفاً في العشر الأخير من رمضان فوق سطح الجامع الأزهر، فجاءني رجل تاجر من الشام، وقال لي: إن بصري قد كف ودلني الناس عليك تدعو الله أن يرد علي بصري، وكان لي علامة في إجابة دعاني فسألت لله أن يرد عليه بصره فأجابني لكن بعد عشرة أيام فقلت له: الحاجة قضيت، ولكن تسافر من هذا البلد فقال: ما هي أيام نقول: فقلت له إن أردت أن يرد الله عليك بصرك تسافر، وذلك خوفاً أن يرد عليه بصره في مصر فهتكني بين الناس فسافر مع جمال فرد الله عليه بصره في غزة، وأرسل لي كتاباً بخطه فأرسلت أقول له متى رجعت إلى مصر كف بصرك فلم يزل بالقدس إلى أن مات بصيراً، وقد ألبسني الخرقة، ولقنني الذكر من طريق سيدي محمد الغمري، وذكر لي أنه سافر إلى المحلة الكبرى، فأخذ عنه لبس الخرقة، وتلقين الذكر، وقرأ عليه كتابه المسمى بقواعد الصوفية كاملا قال: وكان أصحابه يفرحون بحضوري عنده لأجل سؤالي له لمعاني الكلام فإنهم كانوا لا يتهجمون عليه بالسؤال من هيبته لأنه كان جليل القدر، وكان كثير الصدقة ما أظن أحداً كان في مصر أكثر صدقة منه كما شاهدته منه، ولكن كان يسرها بحيث لا يعلم أحداً من الجالسين، وجاءه مرة رجل أسمر، وكان شريفاً من تربة قايتباي، فقال له: يا سيدي خطفت عمامتي هذه الليلة وكان حاضراً الشيخ جمال الدين الصاني، والشيخ أبو بكر الظاهري جابي الحرمين فأعطاه الشيخ
(2/108)

جديداً فرماه في وجه الشيخ وخرج غضبان منه فأعلمت الشيخ بذلك، فقال: هو أعمى القلب الذي جاء بحضرة هؤلاء الجماعة، وكنت يوماً أطالع له في شرح البخاري فقال لي: قف اذكر لي ما رأيته في هذه الليلة، وقد كنت رأيت أنني معه في مركب قبعها حرير، وحبالها حرير، وفرشها سندس أخضر، وفيها أرائك، ومتكآت من حرير، والإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه جالس فيها، والشيخ زكريا عن يساره فقبلت يد الإمام الشافعي رضي الله عنه.
ولم تزل تلك المركب سائرة بنا حتى أرست على جزيرة من كبد البحر الحلو، وإذا فواكهها مدلاة في البحر فطلعت من المركب فوجدت بستاناً من الزعفران كل نوراة منه كالإسباطة العظيمة، وفيه نساء حسان يجنين منه فلما حكيت له ذلك قال: إن صح منامك يا فلان، فأنا أدفن بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه، فلما مات أرسلوا هيئوا له قبراً في باب النصر فصار الشيخ جمال الدين، والشيخ أبو بكر الظاهري يقولان ما صح منامك يا فلان فبينما نحن في ذلك، وإذ بقاصد الأمير خير بك نائب السلطنة بمصر يقول: إن ملك الأمراء ضعيف لا يستطيع الركوب إلى هاهنا، وأمر أن تركبوا الشيخ على تابوت، وتحملوه للأمير ليصلي عليه في سبيل المؤمنين بالرميلة، فحملوه، وصلوا عليه، فقال: ادفنوه بالقرافة فدفنوه عند الشيخ نجم الدين الخبوشتاتي تجاه وجه الإمام الشافعي رضي الله عنهما، وذلك في شهر الحجة سنة ست، وعشرين وتسعمائة.

ومنهم الشيخ علي النبتيتي الضرير
رحمه الله تعالىورضي الله عنه
كان من أكابر العلماء العاملين، والمشايخ المتكلمين، وكانت مشكلات المسائل ومعضلاتها ترسل إليه من الشام، والحجاز، واليمن وغيرها فيحل مشكلاتها بعبارة سهلة، وكانت العلماء كلهم تذعن له، وكان مقيماً ببلده نبتيت بنواحي الخانقاه السرياقوسية، والخلق تقصده من سائر الأقطار، وكان إذا جاء إلى مصر تندلق عليه الناس يتبركون به، وقد اجتمعت به مرات عند شيخنا شيخ الإسلام الشيخ زكريا في المدرسة الكاملية مرات، وحصل لي منه لحظ وجدت بركته في نفسي إلى وقتي هذا، وأسمعني حديث عائشة رضي الله عنها فيمن أرضي الله بسخط الناس إلى آخره، وقال لي: احفظ هذا الحديث فإنك سوف تبتلي بالناس وكان يجتمع بالخضر عليه السلام، وذلك أدل دليل على ولايته، فإن الخضر لا يجتمع إلا بمن حقت له قدم الولاية المحمدية، وسمعته يقول: وهو بالمدرسة الكاملية لا يجتمع الخضر عليه السلام بشخص إلا إن جمعت فيه ثلاث خصال فإن لم تجتمع فيه فلا يجتمع به قط، ولو كان على عبادة الملائكة: الخصلة الأولى أن يكون العبد على سننه في سائر أحواله، والثانية ألا لا يكون له حرص على الدنيا، والثالثة أن يكون سليم الصدر لأهل الإسلام لا غل، ولا غش ولا حسد، وحكى له عن الشيخ أبي عبد الله التستري أحد رجال رسالة القشيري أنه كان يجتمع بالخضر عليه السلام، ويقول: إن الخضر لا يجتمع بأحد إلا على وجه التعليم له فإنه غني عن علم العلماء لما معه من العلم اللدني، وقد بلغني أن الشيخ عبد الرازق الترابي أحد تلامذته جمع مناقبه نظماً، ونثراً فمن أراد الزيادة على ما ذكرناه فعليه بذلك الكتاب توفي في يوم عرفة سنة سبع عشرة، وتسعمائة، ودفن ببلده، وضريحه بها ظاهر يزار، وهذا من نظمه:
ومالي لا أنوح على خطائي ... وقد بارزت جبار السماء
قرأت كتابه، وعصيت سراً ... لعظم بليتي، ولشؤم رائي
بلائي لا يقاس به بلاء ... وآفاتي تدل على شقائي
فيا ذلي إذا ما قال: ربي ... إلى النيران سوقوا ذا المرائي
فهذا كان يعصيني مراراً ... ويزعم أنه من أوليائي
تصنع للعباد، ولم يردني ... وكان يريد بالمعنى سوائي
إلى أن قال في آخرها:
فيا ربي عبيد مستجير ... يروم العفو من رب السماء
حقير ثم مسكين فقير ... بنبتيت أقام على الرياء
علي باسمه في الناس يعرف ... وما يدري اسمه حال ابتداء
فآنسه إذا أمسى وحيداً ... رهين الرمس في لحد البلاء
رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ علي بن الجمال النبتيتي
رحمه الله تعالى
أحد أصحاب سيدي أبي العباس الغمري، وكان من الرجال المعدودة في الشدائد، وكان صاحب همة يكاد يقتل نفسه في قضاء حاجة الفقراء، وحج هو وسيدي أبو العباس الغمري، وسيدي محمد بن عنان، وسيدي محمد المنير وسيدي أبو بكر
(2/109)

الحديدي، وسيدي محمد العدل في سنة واحدة، فجلسوا يأكلون تمراً في الحرم النبوي فقال: سيدي أو بكر الحديدي لا أحد يأكل أكثر من رفيقه، وكانت ليلة لا قمر فيها فلما فرغوا عدوا النوى، فلم يزد واحد على آخر تمرة واحدة، وأخبرني الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري أن الشيخ أبو العباس الغمري رضي الله عنه أودع عنده قفص دجاج، وهو في الريف ليرسله له في القاهرة فتحزم، وتشمر، وشاله على رأسه من نبتيت إلى القاهرة، وكان يسافر كل سنة إلى مكة بالحبوب يبيعها على المحتاجين، وكان مشهوراً في مكة بالخواف في البيع لأنه كان يخر في الثمن بزيادة على الناس، ويقول: لا أبيع إلا بذلك الثمن بنفسه فكل من رضي بذلك الثمن يعلم أنه محتاج فيعطيه، ولا يأخذ له ثمناً، وكل من قال: هذا غال لا يبيعه ويعرف أنه غير محتاج، وكان يفرق كل سنة الثياب على أهل مكة، ويفرق عليهم السكر، وكذلك على أهل المدينة فكل من أخبر الناس بذلك يسترد منه ما أعطاه له، ويقول: يا أخي غلطت فيك هذا ما هو لك، وكان يخلط ماله على الذي يجيئه من الناس باسم الفقراء، ويفرقه ويقول: هذا من مال فلان وفلان، توفي سنة نيف وتسعمائة ودفن في نبتيت في زاويته، ولم أجتمع عليه غير مرة واحدة فدعا لي بأن الله يسترني بين يديه في القيامة، فنسأل الله أن يقبل ذلك رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الشيخ عبد القادر بن عنان أخو الشيخ محمد
رحمهما الله تعالى آمين
صحبته نحو سبع سنين على وجه الخدمة، وكان يتلو القرآن آناء الليل، وأطراف النهار إن كان يحصد أو يحرث أو يمشي لأن ورده كان قراءة القرآن فقط، وكان سيدي محمد بن عنان يقول الشيخ عبد القادر عمارة الدار والبلاد، وكان رضي الله عنه يغلب عليه الصفاء، والاستغراق تكون تتحدث أنت، وإياه فلا تجده معك، ووقائعه كثيرة مع الحكام، ومشايخ العرب لأنه كان كثير العطب لهم، وكان يقول: كل فقير لا يقتل من هؤلاء الظلمة عدد شعر رأسه فما هو فقير. مات سنة العشرين والتسعمائة ودفن ببرهمتوش ببلاد الشرقية، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ محمد العدل
رحمه الله تعالى آمين
صحبته نحو خمس سنين، فكان ذا سمت حسن، وقبول تام بين الخاص، والعام، وكان أصله من جماعة سيدي علي الدويب، وكان أخلاه سنة كاملة لا يحضر جمعة، ولا جماعة، فأرسل له الشيخ محمد بن عنان كتاباً يقول له: فيه إن لم تخرج للجمعة والجماعة، وإلا فأنت مهجور حتى تموت، فخرج من الخلوة، واجتمع بسيدي محمد بن داود، وسيدي أبي العباس الغمري، وهجر شيخه الدويب، وذلك أن شيخه كان من أرباب الأحوال الذين لا يقتدي بأحوالهم، وكان مقصد الجماعة لسيدي محمد العدل أن يكون من المقتدى بهم، وأصل تسميته العدل أن شخصاً رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له قل لمحمد العدل الطناجي يتبع سنتي وينفع الناس فاشتهر بالعدل من ذلك اليوم، ومات، ودفن بطناح، وقبره ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ ابن داود المنزلاوي
رحمه الله تعالى
اجتمعت به مرات، ودعا لي بالبركة في العمر، وذلك أن سيدي خضراً الذي كان كفلني، وأنا يتيم أخذني بيده، وجاء بي إلى سيدي محمد بن عنان، وكان عند الشيخ محمد العدل، والشيخ محمد بن داود، والشيخ أبو بكر الحديدي، وقال كل منكم يدعو لهذا الولد دعوة فدعا كل واحد منهم لي دعوة، فوجدت بركة دعائهم إلى وقتي هذا، وكان سيدي محمد بن داود يضرب به المثل في اتباع الكتاب، والسنة، وخدمة الفقراء، والمنقطعين وعدم تخصيص نفسه عنهم بشيء من المأكل، والمشرب، والملبس، وربما كانت زوجته تطبخ له الدجاجة فلا تظهره عليها حتى تنام الفقراء ليأكلها وحده فيأخذها، ويخرج إلى الزاوية، وينبه الفقراء ويفرقها عليهم، وأحواله مشهورة في المنزلة، وولده الشيخ شهاب الدين كان يضرب به المثل في اتباع الكتاب، والسنة، وما رأيت في عصري هذا أضبط منه للسنة، ولا من الشيخ يوسف الحريثي. مات بالسمية قرية في بلاد المنزلة، ودفن بزاويته، وقبره ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ محمد السروي
رحمه الله تعالى آمين
المشهور بأبي الحمائل أحد الرجال المشهورة في الهمة، والعبادة، وكان يغلب عليه الحال فيتكلم بالألسن العبرانيه، والسريانية، والعجمية وتارة يزغرت في الأفراح، والأعراس كما تزغرت النساء، وكان إذا قال: قولا ينفذه الله له، وشكا له أهل بلده من الفأر، وكثرته في مقثأة البطيخ فقال: لصاحب المقثأة رح، وناد في الغيط حسب ما رسم محمد أبو الحمائل إنكم ترحلون أجمعون، فنادى الرجل لهم
(2/110)

كما قال: الشيخ فلم ير بعد ذلك اليوم منهم، ولا فأراً واحداً فسمعت البلاد بذلك، فجاءوا إليه فقال: لهم يا أولادي الأصل الإذن من الله، ولم يرد عنهم الفأر وكان مبتلي بزوجته يخاف منها أشد الخوف حتى كان يخلي الفقير في الخلوة فتخرجه من الخلوة بلا إذن من الشيخ فلا يقدر يتكلم، وأخبرتني قبل موتها أنه كان كثيراً يكون جالساً عندها فتمر عليه الفقراء في الهواء فينادونه فيجيبهم، ويطير معهم فلا تنظره إلى الصباح، وكان لا يقرب أحداً قط إلا بعد تكرار امتحانه بما يناسبه، وجاءه الشيخ علي الحديدي يطلب منه الطريق، فرآه ملتفتاً لنظافة ثيابه، فقال: إن كنت تطلب الطريق، فاجعل، ثيابك ممسحة لأيدي الفقراء فكان كل من أكل سمكاً أو زفراً يمسح في ثوبه يده مدة سنة، وسبعة شهور حتى صارت ثيابه كثياب الزباتين أو السماكين وكان فقيهاً موسوساً فلما رأى ثيابه لقنه الذكر وجاء منه في الطريق، وأخذ عنه تلامذة كثيرة، وسمعته يحكي قال: بينما أنا ذات يوم في منارة جامع، فارسكور ليلة من الليالي إذ مر علي جماعة طيارة، فدعوني إلى مكة فطرت معهم، فحصل عندي عجب بحالي فسقطت في بحر دمياط، فلولا كنت قريباً من البر وإلا كنت غرقت، وساروا، وتركوني وكان إذا اشتد عليه الحال في مجلس الذكر ينهض قائماً ويأخذ الرجلين، ويضرب بهما الحائط، وأخبرني الشيخ يوسف الحريثي قال: رأيت الشيخ محمد السروري وقد حصل له حال في جامع فارسكور فحمل تامور الماء، وفيه نحو الثلاثة قناطير من الماء على يد واحدة وصار يجري به في الجامع، وأخبرني الشيخ علي بن ياقوت أنه سمعه يقول: لقنت نحو ثلاثين ألف رجل ما عرفني منهم أحد غير محمد الشناوي وقد اجتمعت به مراراً عديدة، وهو في الزاوية الحمراء خارج القاهرة، ولقنني الذكر، ولما دخل مصر سكن بنواحي جامع الغمري، فكنت أقبل يده فيدعو لي فأجد بركة دعوته في نفسي، وكان يكره للمريد قراءة حزب الشاذلية، وأحزاب غرهم، ويقول: ما رأينا قط أحداً وصل إلى الله بمجرد قراءة الأحزاب، والأوراد، وكان يقول: نحن ما نعرف إلا لا إله إلا الله بعزم وهمة، وكان يقول: مثال أرباب الأحزاب مثال شخص من أسافل الناس اشتغل بالدعاء ليلا، ونهاراً أن الله تعالى يزوجه بنت السلطان، وكان يقول: لجماعة الشيخ أبي المواهب على وجه التوبيخ بلسان حالهم اجعل لي، واعمل لي، واصطفني، ولا تخلي أحداً فوقي، وأحدكم نائم بطول الليل، ومهما وجده من الحرام والشبه يلف ما هكذا درج السلف، وقال: كنت يوماً أقرأ على الشيخ يحيى المناوي في جامع عمرو بن العاص في خلوة الكتب وقت القيلولة، فدخل علينا رجل في وسطه خيشة محزم عليها بحبل، وهو أسود كبير البطن، فقال: السلام عليكم فقلنا، وعليكم السلام، فقال: للشيخ أيش تعمل بهذه الكتب كلها فقال: أكشف عن المسائل فقال: أما تحفظها فقال له: الشيخ لا فقال أنا أحفظ جميع ما فيها فقلنا له كيف فقال: كل حرف فيها يقول: لك كن رجلا جيداً ثم خرج فلحقنا منه بهت، فخرجنا خلفه فلم نجد أحداً، وكان رضي الله عنه يغير على أصحابه أن يجتمعوا بأحد من أهل عصره، ويقول: الذي أبنيه تهدونه عند غيري، ولما حج رضي الله عنه اجتمع عليه الناس في مكة من تجار، وغيرهم، وقال: لخادمه نحن جئنا نتجر، وإلا نتجرد للعبادة في هذا البلد، ولا نشتغل بالناس، فإذا كان وقت المغرب امض إلى بيوت هؤلاء الجماعة الذين يأتون إلينا، وقل لهم الشيخ يمسي عليكم، ومحتاج إلى ألف دينار وقل: لكل واحد منهم بمفرده، وكل من لقيته قل له، هكذا فلم يأت أحد منهم من تلك الليلة وانقطعوا كلهم من ذلك اليوم، فقال الحمد لله رب العالمين، ووقائعه مشهورة بين أصحابه رضي الله عنه ومات رحمة الله عليه بمصر وصلى عليه بالجامع الأزهر، ودفن بزاويته بخط بين السورين في سنة اثنتين، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ علي نور الدين المرصفي
رحمه الله تعالى، ورضي عنه آمين
كان من الأئمة الراسخين في العلم، وله المؤلفات النافعة في الطريق، واختصر رسالة القشيري رضي الله عنه، وتكلم على مشكلاتها، وقرأتها عليه بعد قراءتها على الشيخ زكريا رحمه الله تعالى، فكنت أعرض عليه ما سمعته من شرح الشيخ لها فيقره، ويمدحه، ويقول: كان الشيخ زكريا من العارفين، ولكنه تستر بالفقه، وتلقنت عليه الذكر ثلاث مرات متفرقات أول مرة، وأنا شاب أمرد دخلت عليه بعد العصر، فقلت له: يا سيدي لقني الذكر بحال قوي فقال: بسم الله الرحمن الرحيم يا ولدي، وأطرق ساعة، وقال: قال: لا إله إلا الله فما استتمها الشيخ إلا وقد غبت عن إحساسي فما استفقت إلا المغرب، فلم أجد عندي أحداً، فمكثت خمسة عشر يوماً مطروداً لا أستطيع الاجتماع به لسوء أدبي معه في قولي
(2/111)

لقني بحال قوي الثانية لقنني فسمعت منه لا إله إلا الله ثلاث مرات فعبت كذلك، فرأيت في تلك الليلة كأن الشيخ بيده ثلاث مآثر فغرزها في جلدي إلى آخرها، فلما أفقت ذكرت له ذلك فقال: الحمد لله الذي أظهر أثرها الثالثة لقنني حين لقن الشيخ أبا العباس الحريثي رضي الله عنه لكونه كان أصفى قلباً مني، وأكبر سناً وأعرف بمقام الرجال ثم لا زلت أتردد بصحبته مدة حياة الشيخ رضي الله عنه، وذكر لي سيدي أبو العباس رحمه الله أنه قرأ بين المغرب والعشاء خمس ختمات، فقال: الشيخ الفقير، ووقع له أنه قرأ في يوم، وليلة ثلاثمائة وستين ألف ختمة كل درجة ألف ختمة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا وقع من المريد شيء مذموم عند شيخه، وهو محمود عند غيره، فالواجب عليه عند أهل الطريق رجوعه إلى كلام شيخه دون كلام غيره، وإن قال: للمريد إن كلام شيخه معارض لكلام العلماء أو دليلهم فعليه بالرجوع إلى كلام شيخه، وأولى إذا كان من الراسخين في العلم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا خرج المريد عن حكم شيخه، وقدح فيه فلا يجوز لأحد تصديقه لأنه في حالة تهمة لارتداده عن طريق شيخه وهذا الأمر قال: أن يسلم منه مريد طرده شيخه لأنه لضعفه يخاف من تجريحه فيه، وتنقضه عند الناس حين يرون أن شيخه طرده، وتضيق عليه الدنيا، فلا يجد منفساً إلا الحط في شيخه، والرد عن نفسه بنحو قوله لو رأينا فيه يعني الشيخ خيراً ما فارقناه، فيزكي نفسه، ويخرج في شيخه، وبذلك يستحكم المقت فيه لا سيما إن اجتمع بعد شيخه على من ينقص شيخه، ويزدريه ويظهر فيه المعايب فإنه يهلك مع الهالكين، ولكن إذا أراد الله بمريد خيراً جمعه عند غضب شيخه على من يحب شيخه، ويعظمه فإن المريد يندم على شيخه ضرورة، ويرجع إليه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا خرج المريد عن حكم شيخه وانقطع عن مجلسه فإن كان سبب ذلك الحياء من الشيخ أو من جماعته لزلة وقع فيها أو فترة حصلت منه فهو كالطلاق الرجعي، فللشيخ أن يقبله إذا رجع لأن حرمة الشيخ في نفس هذا المريد لم تزل لا سيما، والمريد أحوج ما يكون إلى الشيخ حال اعوجاجه فينبغي للشيخ التلطف بهذا المريد، وعدم الغلظة عليه، والهجر له إلا أن يكون وثق به لقوة العهد الذي بينه، وبينه.
وكان رضي الله عنه يقول: ليس للمريد أن يسأل شيخه عن سبب غيظه، وهجره له بل ذلك من سوء الأدب، وكان رضي الله عنه يقول: لا يجوز للمريد عند أهل الطريق أن يجيب عن نفسه أبداً إذا لطخه شيخه بذنب لأنه يرى ما لا يرى المريد فإنه طبيب، وكان يقول: ليس للشيخ أن يبين للمريد صورة الفتح الذي علم من طريق الكشف أنه يئول إليه أمر المريد بعد مجاهداته، وكمال سلوكه لأن المريد إذا حصل معنى صورة ذلك في نفسه، وتكرر شهوده له ربما ادعى الفتح، وباطنه معرى عن ذلك إذ النفس معرضة للخيالة، وعدم الصدق، وكثرة الدعوى، وربما فارق هذا شيخه، وادعى الكمال لعلمه بصورة النتج علماً لا حذقاً، ولا ذوقاً كما يظهر المنافق صورة المؤمن في العمل الظاهر، وباطنه معرى عن الموجب لذلك العمل، وكلامه رضي الله عنه غالبه سطرته في كتابة رسالة الأنوار القدسية، وغيرها من مؤلفاتي.
وكان رضي الله عنه في بداية أمره أمياً، واجتمع بسيدي مدين رضي الله عنه وهو ابن ثمان سنين، ولم يأخذ عنه كما سمعته منه فلما كبر اجتمع بابن أخته سيدي محمد رضي الله عنه، وأخذ عنه الطريق، واجتمعت عليه الفقراء في مصر، وصار هو المشار إليه فيها لانقراض جميع أقرانه، وكان رضي الله عنه من شأنه إذا كان يتكلم في دقائق الطريق، وحضر أحد من القضاء ينفل الكلام إلى مسائل الفقه إلى أن يقوم من كان حاضره ويقول: ذكر الكلام بين غير أهله عورة، ومن وصيته لي إياك أن تسكن في جامع أو زاوية لها وقف، ومستحقون، ولا تسكن إلا في المواضع المهجورة التي لا وقف لها لأن الفقراء لا ينبغي لهم أن يعاشروا إلا من كان من حرفتهم، وعشرة الضد تكدر نفوسهم.
مات رضي الله عنه، ورحمة سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته بقنطرة الأمير حسين بمصر، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ تاج الدين الذاكر
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه وجهه يضيء من نور قلبه ذا سمت حسن، وتجمل بالأخلاق الجميلة تكاد كل شعرة منه تنطق، وتقول: هذا ولي الله، وكان رضي الله عنه يفرش زاويته باللباد الأسود لئلا يسمع وقع أقدامهم إذا مشوا، ويقول: حضرة الفقراء من حضرة الحق لا ينبغي أن يكون فيها علو صوت، ولا حس قوي، وكان أصحابه في غاية الجمال، والكمال، وكان رضي الله عنه له التلامذة الكثيرة، والاعتقاد التام في قلوب الخاص، والعام وكان رضي الله عنه
(2/112)

كثير الشفاعات عند السلطان، والأمراء.
وكان رضي الله عنه يمكث السبعة أيام بوضوء واحد كما أخبرني بذلك خادمه الشيخ عبد الباسط الطحاوي. قال: وانتهى أمره أنه كان في آخر عمره يتوضأ كل أحد عشر يوماً وضوءاً واحداً قال: وعزم عليه جماعة في جامع طولون ليمتحنوه في ذلك فدعوه إلى ناحية الجيزة في الربيع، وصاروا يعملون له الخراف، والدجاج، واللبن بالرز، وغير ذلك وهو يأكل معهم من ذلك جمله ثم لا يرونه يتوضأ لا ليلا، ولا نهاراً مدة تسعة أيام فقيل للشيخ في ذلك يا سيدي إنك في امتحان مع هؤلاء فتشوش منهم، وجاء إلى البحر يعدى، فعدى في مركب، والجماعة الممتحنون في مركب فغرقت بهم فأخبروا الشيخ، فقال: لله الحمد ثم تدارك ذلك، وقال: ما وقعت مني قبل ذلك قط قال: الشيخ عبد الباسط خادمه رحمه الله تعالى فمرض الشيخ بسبب هذه الكلمة نحو سبعة وأربعين يوماً، وأخبرني أخي الشيخ الصالح شمس الدين المرصفي رضي الله عنه أنه قال لي: أربعون سنة أصلي الصبح بوضوء العشاء، وقد طويت سجادتي بعدي، ومكث رضي الله عنه خمساً وعشرين سنة لم يضع جنبه على الأرض، وكان رضي الله عنه يقول: ليس القناعة أن يأكل الفقير كل ما وجد من يسير الخبز والأدم إنما القناعة أن لا يأكل إلا بعد ثلاثة أيام لقيمات يقمن صلبه، وأكثرها خمس ولما حضرته الوفاة قالوا له: يا سيدي من هو الخليفة بعدكم لنعرفه، ونلزم والأدب معه، فقال قد أذنا لفلان، وفلان وعد عشرة من أصحابه أن كل من حضر منهم يفتتح الذكر بالجماعة، والطريق تعرف أهلها، ولو هربوا منها تبعتهم، وكان من العشرة سيدي شهاب الدين الوفائي، وسيدي الشيخ إبراهيم، وسيدي الشيخ عبد الباسط، وهم أجل من أخذ عنه، فنسأل الله أن يفسح في أجلهم للمسلمين، وكان رضي الله عنه يقول: لا تصح الصحبة لشخص مع شيخه إلا إن شرب من مشروبه، واتحد به اتحاد الدم في العروق مات رحمه الله تعالى سنة نيف وعشرين وتسعمائة، ودفن بزاويته بجوار حمام الدود خارج باب زويلة وكانت جنازته مشهورة رضي الله عنه آمين.

ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي أبو السعود الجارحي
رضي الله تعالى عنه
هو من أجل من أخذ عن الشيخ شهاب الدين المرحومي رضي الله عنه، وكانت له في مصر الكرامات الخارقة، والتلامذة الكثيرة، والقبول التام عند الخاص، والعام، والملوك، والوزراء، وكانوا يحضرون بين يديه خاضعين، وعملوا بأيديهم في عمارة زاويته في حمل الطوب، والطين، وكان كثير المجاهدات لم يبلغنا عن غيره ما بلغنا عنه في عصره من مجاهداته، وكان ينزل في سرب تحت الأرض من أول ليلة من رمضان فلا يخرج إلا بعد العيد بستة أيام، وذلك بوضوء واحد من غير أكل، وأما الماء، فكان يشرب منه كل ليلة قدر أوقية، وكان رضي الله عنه يقول: إني لا أبلغ إلي الآن مقام مريد ولكن الله تعالى يستر من يشاء، وكان رضي الله عنه إذا سمع كلاماً يسمعه بالسمع الباطن، وسمع قائلا يقول: يا سيدي فسدت المعاملة، ونودي على الفلوس بأنها بطالة فصاح، وسقط على وجهه، ونتف لحيته، ومكث يصيح يوماً كاملا، وجاءه مريد من بلبيس يريد أن يجتمع به فلم يأذن له فقال: جئتك من مكان بعيد فقال له: تمن علي بمجيئك من موضع بعيد اذهب لا تأتني لثلاث سنين، فلم يجتمع به إلا بعد ثلاث سنين ثم قال: الشيخ كان المريد يسافر ثلاث شهور في طلب مسألة في الطريق، ويرى تلك السفرة قليلة، وكان رضي الله عنه يعامل أصحابه بالامتحان، فلا يكاد يقرب منهم أحداً إلا بعد امتحانه سنة كاملة، وكان يلقي حاله على الفقير فيتمزق، وأخبرني الشيخ شمس الدين الأبوصيري رضي عنه أجل أصحابه قال: لم يزل الشيخ يمتحنني إلى أن مات، وأراني ضرب المقارع على أجنابه من الدعاوي التي كان يدعيها علي عند الحكام قال: وكنت أعترف عند الحكام إيثاراً لجناب الشيخ أن يرد قوله: فإذا قال: هذا زنى بجاريتي أقول نعم أو يقول: هذا أراد الليلة أن يقتلني أقول نعم أو يقول: هذا سرق مالي أقول: نعم.
وكان رضي الله عنه يتنكر علينا أوقاتاً فلا نكاد نعرفه، وهرب منا إلى مكة، ونحن في الحبس، فلم نشعر به إلى أن وصل إلى مكة، فخرجت أنا وأبو الفضل المالكي في غير أوان الحج فوصلنا مكة في خمسة عشر يوماً، فلما وصلنا إلى مكة استخفى منا وأشاع أنه سافر إلى اليمن، فسافر إليه خمسة شهور من مكة، فخرج إلينا شخص خارج زبيد، وقال: إن شيخكم في مكة في هذا اليوم فرجعنا فلما بقي بيننا، وبين مكة يوم، وليلة خرج إلينا، وقال: إن شيخكم باليمن فرجعنا إليه، وقال لنا: إن الذي قال: لكم إن شيخكم بمكة شيطان، فرجعنا إلى اليمن، فخرج إلينا، وقال: إن شيخكم بمكة، فلم نزل كذلك ثلاث سنين حتى ظهرلنا أنه بمكة، فأقمنا معه، فادعى علينا دعاوي،
(2/113)

وضربونا، وحبسونا، ولم نر منه يوماً واحداً كلمة طيبة، وكان رضي الله عنه يقول: ليس لي أصحاب. قلت: وقال لي: يوماً من حين عملت شيخاً في مصر لي سبع، وثلاثون سنة ما جاء لي قط أحد يطلب الطريق إلى الله، ولا يسأل عن حسرة، ولا عن فترة، ولا عن شيء. يقربه إلى الله، وإنما يقول؛ أستاذي ظلمني، وامرأتي تناكدني جاريتي هربت جاري يؤذيني شريكي خانني، وكلت نفسي من ذلك، وحننت إلى الوحدة، وما كان لي خيرة إلا فيها، فيا ليتني لم أعرف أحداً، ولم يعرفني أحد.
وكان رضي الله عنه إذا غلب عليه الحال نزع ثيابه، وصار عرياناً ليس في وسطه شيء، وجاءه مرة أمير بقفص موز، ورمان فرده عليه، فقال: هذا لله تعالى فقال: الشيخ إن كان لله فأطعمه للفقراء، فأخذه الأمير، ورجع به إلى بيته، فأرسل الشيخ فقيرين بصيراً، وضريراً، وقال: الحقاه، وقولا له يا أمير أعطنا شيئاً لله من هذا الموز، والرمان فتوجها مثل ما قال: لهما الشيخ، ولحقاه وقالا له يا أمير أعطنا شيئاً لله، فنهرهما، ولم يعطهما شيئاً فرجعا، وأخبرا الشيخ بما وقع لهما، فأرسل له الشيخ يقول: له تقول: هذا الله، وتكذب على الفقراء، وتنهر من يقول لك: أعطنا يا أمير شيئاً، فلا عدت تأتينا بعد ذلك اليوم أبداً، فحصل له العزل، ولحقته العاهات في بدنه، ومات على أسوأ حال، ولما حضرت الشيخ الوفاة أرسل خلف شيخ الإسلام الحنفي، وجماعة وقال: أشهدكم علي بأني ما أذنت لأحد من أصحابي في السلوك فما منهم أحد شم رائحة الطريق ثم قال: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد، وكان رضي الله عنه له شطحات عظيمة، وكان كثير العطب، فكان عطبه للناس بحمية.
مات رحمه الله سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويتة بالكوم الخارج بالقرب من جامع عمرو في السرداب الذي كان يعتكف فيه، وما رأيت أسرع كشفاً منه، وحصل لي منا دعوات وجدت بركتها، وكان رضي الله عنه يقول: لا تجعل لك قط مريداً، ولا مؤلفاً، ولا زاوية وفر من الناس فإن هذا زمان الفرار، وسمعته مرة يقول: لفقيه من الجامع الأزهر متى تصير هاء الفقيه راء، والحمد لله رب العالمين.

ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد المنير
رضي الله تعالى عنه
أحد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه، وهو الذي أمره بحفر البئر، والسقي منها على الطريق في المحل الذي هو فيه الآن قبل عمارة البلد، فأقام مدة يسقي عليها، وبني لزوجته خصاً ثم عمرت الناس حول الخص إلى أن صارت بلداً، وكان يحج كل سنة، ويقدس بعد أن يصل إلى مصر، ويقيم شهراً، وأخبرني رضي الله عنه قبل موته أنه حج سبعة، وستين حجة هذا لفظه لي بالجامع الأزهر، وهو معتكف أواخر رمضان، وكان رضي الله عنه يكره الكلام في الطريق من غير سلوك، ولا عمل ويقول: هذا بطالة، ومكث نحو ثلاثين سنة يقرأ في الليل ختمة، وفي النهار ختمة، وكانت عمامته صوفاً أبيض، وكان يلبس البشت المخطط بالأحمر، ويقول: أنا رجل أحمدي تبعاً لسيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه، وترددت إليه في حياته نحو العشرين سنة، وحججت معه الحجة الأولى سنة خمس عشرة وتسعمائة، وكان رضي الله عنه أكثر أوقاته يحج على التجريد ماشياً، وعلى كتفه ركوة يسقي الناس منها، وكان رحمه الله يطوي الأكل، والشرب في الطريق، وفي مدة إقامته بمكة، والمدينة خوف التغوط في تلك الأماكن، وكان عليه القبول، وكان له شعرة طويلة بيضاء، وكان يحلقها في كل سنة في الحج، وكان رحمه الله يحمل لأهل مكة، والمدينة ما يحتاجون إليه من الزاد، والسكر، والصابون والخيط، والإبر، والكحل لكل واحد عنده نصيب فكانوا يخرجون يتلقونه من مرحلة، وكان سيدي محمد بن عراق رضي الله عنه ينكر عليه، ويقول هذه الأشياء يحملها من الأمراء، وتجار مصر من الحرام، والشبهات فبلغه ذلك فمضى إليه حافياً مكشوف الرأس.
فلما وصل إلى خلوته بالحرم النبوي قبل العتبة، ووقف خاضعاً غاضاً طرفه، وقال: يا سيدي يدخل محمد المنير فلم يرد عليه سيدي محمد بن عراق شيئاً فكرر عليه القول فلم يرد عليه شيئاً فرجع منكسراً، فما حكيت هذه الحكاية لسيدي على الخواص حين قدم مع الحاج المصري قال: وعزة ربي قتله، وعزة ربي قتله، فإنه ما ذهب قط لفقير على هذه الحالة إلا وقتله فجاء الخبر بأنه مات بعد خروج الحاج من المدينة بعد عشرين يوماً.
قلت: ولما بلغني أنه حضرته الوفاة أخبرت أخي العباس الحريثي، وأخي أبا العباس الغمري، فقالوا: نسافر إليه نعوده، فتوافقنا أن كل من سبق رفيقه بعد الفجر ينتظره في باب النصر، فذهبت فقال لي: البواب إن جماعة وقفوا، وانتظروا هنا ساعة ثم ساروا نحو طريق الخانكة فظننت أنه الشيخ أبو العباس الغمري فرحلت خلفه فرافقني فقير هيئة أهل اليمن. وقال: أين قاصد؟ قلت: المنير فقال: وأنا كذلك وكان تحتي حمار
(2/114)

أعرج، وكان ذلك في أيام الشتاء، وكان أقصر الأيام فما ارتفعت الشمس إلا، ونحن داخلون المنير، فدخلت فوجدت الشيخ محتضراً له ثلاثة أيام لم ينطق فقال: من أنت؟ قلت: عبد الوهاب فقال يا أخي كلفت خاطرك من مصر فقلت ما حصل إلا الخير فدعا لي دعوات منها أسأل الله تعالى أن يسترك بستره الجميل في الدنيا، والآخرة ثم ودعته بعد الظهر، وأقمت بالخانكة إلى بعد العصر ثم دخل سيدي أبو العباس، فاعتقد أني ما رحت إلى الشيخ إلى الآن، فقال: اركب فقلت له: إني رحت إلى الشيخ، وسلمت عليه وبالأمارة تحت رأسه مخدة حمراء مصبوغة فهذه كرامة للشيخ، فإن المدة بعيدة من مصر لا يصل المسافر في العادة إليها أواخر النهار. مات رضي الله عنه سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو بكر الحديدي
رضي الله تعالى عنه
رفيق المنير في الحج كل سنة، وكان من أكرم الناس، وكان إذا دعا شخصاً إلى طعامه، ولم يرض يكشف رأسه ويصير يمشي خلفه حتى يجيبه وكان من أصحاب الشيخ أحمد بن مصلح المنزلاوي أبي الشيخ عبد الحليم، وكانت طريقته سؤال الناس للفقراء سفراً، وحضراً في طريق الحاج، وغيره، وكان رضي الله عنه يحمل لأهل مكة الدراهم، والخام وما يحتاجون إليه، وهو الذي أشار علي بلبس الصوف الجبب الحمر، والسود من حين كنت صغيراً بحضرة سيد محمد بن عنان، والشيخ محمد العدل رضي الله تعالى عنه، وعن الجميع، وكان رحمه الله بمرض عسر البول، فكان يصيح كلما يبول، ورأى الشيخ محمداً العدل رضي الله عنه يحسس على بطن امرأة أجنبية لمرض كان بها فصاح عليه واديناه، وامحمداه الله أكبر عليك يا عدل فقال: والله ما قصدتها بشهوة، فقال له: أنت معصوم نحن ما نعرف إلا ظاهر السنة وقال لي: مرة يا عبد الوهاب قم معي، فخرجت معه إلى سوق أمير الجيوش، فصار يأخذ من هذا نصفاً، ومن هذا عثمانياً، ومن هذا درهماً فما خرج من السوق إلا، ومعه نحو أربعين نصفاً، فلقي شخصاً معه طبق خبز، فأعطاه ثمنه وصار يفرق على الفقراء والمساكين، وهو ذاهب إلى نحو بين القصرين، وقال: نفعنا الفقراء من هؤلاء التجار على رغم أنفهم ثم صار يعطي هذا نصفاً، وهذا درهماً إلى أن فرغت، وكان معه مقص يقص كل شارب رآه، فإن لم يرض صاحبه يصيح، ويقول: واديناه، واإسلاماه، وامحمداه إلى يقصه غصباً، وكان رضي الله عنه الغالب عليه البسط، والإنشراح، وكان رضي الله عنه حصل للشيخ محمد بن عنان قبض لا يستطيع أحد أن يكلمه إلا إذا حضر الشيخ أبو بكر الحديدي رضي الله عنه فبمجرد ما يراه يتبسم، ولما حج هو، والشيخ أبو العباس الغمري والشيخ محمد بن عنان، والشيخ محمد المنير والشيخ علي بن الجمال نزلوا بباب المعلا، فبينا هم جلوس إذ جاءتهم امرأة من البغايا، فقال لها الشيخ ما تبغين، فقالت ما يفعله الرجال بالمرأة، فقال لها اذهبي إلى هذا الرجل يعني سيدي محمد بن عنان فجاءت إليه فقال لها: ما تبغين قالت: ما يفعله الرجل بالمرأة فأخذ العكاز، وقام لها فهربت، فضحك الجماعة فقال: من أرسل لي هذه؟ فقالوا: الشيخ أبو بكر فقال ما حملك على هذا؟ قال: حتى تنظر إليها نظرة بحال تكون سبباً لتوبتها عن مثل ذلك فلم تفعل فتبسم الشيخ محمد بن عنان وقال: لا آخذك الله بذلك. توفي بالمدينة النبوية سنة خمس، وعشرين وتسعمائة، ودفن بالبقيع، رحمه الله تعالى، ويرحمنا إذا عدنا إليه آمين.

ومنهم شيخي وقدوتي إلى الله تعالى
العارف بالله تعالى سيدي محمد الشناوي
رحمه الله تعالى
كان رضي الله عنه من الأولياء الراسخين في العلم أهل الإنصاف، والأدب في أولاد الفقراء، وفقد ذلك كله بعد الشناوي، وكان رضي الله عنه يقول ما دخلت على فقير إلا، وأنظر لنفسي دونه، وما امتحنت قط فقيراً، وكان رضي الله عنه يحكي عن الشيخ عبد الرحيم القناوي رضي الله عنه أنه رأى مرة في عنق كلب خرقة من صوف فقام له إجلالاً للخرقة الصوف، وكان رضي الله عنه أقامه الله في قضاء حوائج الناس ليلاً، ونهاراً، وربما يمكث نحو الشهر، وهو ينظر بلده، ولا يتمكن من الطلوع لها، وهو في حاجة الشخص، وكان أهل الغربية، وغيرها لا أحد يزوج، ولده، ولا يطاهره إلا بحضوره، وكان رضي الله عنه يلقن الرجال، والنساء، والأطفال، ويرتب لهم المجالس في البلاد، ويقول يا فلانة اذكري بأهل حارتك، ويا فلانة اذكري بإخوانك، فجميع مجالس الذكر التي في الغربية ترتيبه، وكان رضي الله عنه يقول: أشعلنا نار التوحيد في هذه الأقطار، فلا تنطفئ إلى يوم القيامة.
ومن مناقبه رضي الله عنه أنه أبطل الشعير الذي كان في بلاد ابن يوسف لأنه كان يموت فيه خلق كثير لأن ابن يوسف كان رجلاً عنيداً ظالماً، وكان ملتزماً بتلك البلاد وكان يستلزم
(2/115)

بطيق السلطنة، وجميع العساكر من هذا الشعير، وكان لا يقدر أحد يتجاهى عليه وكان يأخذ الناس غصباً من جميع البلاد حتى يموتوا من العطش، فتعرض له سيدي الشيخ محمد الشناوي شفقة على الفقراء، والمساكين فكان يجمع تلامذته، وأصحابه، ويقعد يملخ في الشعير، ويقول اعتق الفقراء لئلا يموتوا، فتحمل منه ابن يوسف في الباطن، وظن أنه يبطل عادته من البلاد، فأتى إليه بطعام فيه سم فقدمه للشيخ، وجماعته فلما جلسوا يأكلون صار دوداً ببركة الشيخ، فتغيظ منه الشيخ، وقال: لا بد أن أبطل هذا الشعير ببركة الله تعالى لئلا تهلك الخلق، فكان محبو الشيخ يتفقدونه بالماء والطعام، وهو يقطع في الشعير فكان حمادة الذي بمحلة ديبة لم يقطع الطعام عن الشيخ، وهو ملازم للإرسال له في كل يوم فدعا له الشيخ بالبركة في المال، والولد فهو إلى الآن في بركة دعاء الشيخ هو وأولاده، وعزم الشيخ على السفر لبلد السلطان ابن عثمان بسبب ذلك، فرآه السلطان سليمان في داره ليلاً وهو راكب حمارته السوداء، وقال له أبطل الشعير الذي ببلاد مصر في درك ابن يوسف، فقال: للوزراء ذلك عند الصباح.
فكاتبوا نائب مصر قاسم كزك، فأرسل لهم إن الخبر صحيح والذي رآه السلطان هو الشيخ محمد الشناوي، فأرسل السلطان بإبطال الشعير، فهو إلى الآن بطال ببركة الشيخ رحمه الله، وكانت بهائمه، وحبوبه على اسم المحاويج لا يختص منها بشيء، وكان لا يقبل هدايا العمال ولا المباشرين، ولا أرباب الدولة، وأهدى له نائب مصر قاسم كزك أصوافاً، وشاشات، وبعض مال فرده عليه، وقال: للقاصد الفقراء غير محتاجين إلى هذا وعزة ربي عندي جلة البهائم خير من هديتك، وقال: للقاصد لا تعد تأتينا بشيء، وكان رضي الله عنه لم يزد في مقاعده جبائر القطن ملفوفة من كثرة الركوب في حوائج الناس، وما رأيت في الفقراء أوسع خلقاً منه، وكان يقول: الطريق كلها أخلاق، وكان إذا جلس إليه أبعد الناس عنه لا يقوم من مجلسه حتى يعتقد أنه أعز أصحابه أو أقاربه من حسن إقباله عليه، وطلع مرة لابنة الخليفة قصرها، فلقنها الذكر، ولقن جواربها ووقعت عصائبهن من كثرة الاضطراب في الذكر.
فلما نزل قال: الحمد لله الذي ما كان هناك أحد من المنكرين على هذه الطائفة، وكان كثر تربيته بالنظر ينظر إلى قاطع الطريق، وهو مار عليه فيتبعه في الحال لا يستطيع رد نفسه عن الشيخ، ورأيت منهم جماعة صاروا من أعيان جماعته، وكان رضي الله عنه إذا افتتح المجلس بعد العشاء لا يختمه في الغالب إلا الفجر، فإذا صلى الفجر افتتح إلى ضحوة النهار، وأخبرني الشيخ محمد السنجيدي قال: كنا إذا زرنا الشيخ محمداً في ابتداء أمره في ناحية الحصة لا نرجع إلا ضعافاً من كثرة السهر لأننا كنا نمكث عنده اليومين، والثلاثة، والأربعة لا يمكننا النوم بحضرته لا ليلاً، ولا نهاراً فإن قراءة القرآن عنده دائماً، فإذ فرغ من القرآن افتتح الذكر فإذا فرغ من الذكر افتتح القرآن، وهذا كان دأبه إلى أن مات رحمه الله. وكان عنده جماعة سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه بمكان، وسمعته مرة يحدثه إلى القبر، وسيدي أحمد يجيبه، وهو الذي أبطل البدع التي كانت الناس تطلع بها في مولد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه من يهب له أمتعة الناس، وكل أموالهم بغير طيبة نفس، وتعلموا أنه حرام، وكانوا قبله يرون أن جميع ما يأخذونه من بلاد الغربية حلال ويقولون هذه بلاد سيدي أحمد، ونحن من فقرائه، وكان يطلعون بالدف، والمزمار، فأبطل ذلك وجعل عوضه مجلس الذكر، فيفتح الذكر من نواحي قحافة، ويجمع معه خلائق كثيراً يذكرون إلى أن يدخلوا مقام سيدي أحمد، ويحصل للناس بسط عظيم برؤيته، وخشوع، وبكاء ورقة، ومناقبه كثيرة مشهورة بين الناس، وأذن بتلقين الذكر لجماعة قبل، وفاته رضي الله عنه، وأنشد:
أهيم بليلي ما حييت، وإن أمت ... أو كل بليلي من يهيم بها بعدي
فمن الجماعة الشيخ شهاب الدين السبكي رضي الله عنه، ومنهم الشيخ عبد الرحيم المناوي، ومنهم الشيخ أبو العباس الحريثي رضي الله عنه ثم الفقير رحمه الله، وقال: وقد صار معكم الإذن إذا فتح الله عليكم، وأما الآن فتلقوا كلمة لا إله إلا الله تشبيهاً وتبركاً بطريق القوم، وكان ذلك في ربيع الأول سنة اثنتين، وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته بمحلة روح، وقبره بها ظاهر يزار معمور بالفقراء، والمجاورين بواسطة ولده الشيخ عبد القدوس، فسح الله في مدته للمسلمين، ولما ودعته بزاوية سيدي محمد بن أبي الحمائل رضي الله عنه قال: ليس هذا آخر الاجتماع لا بد من اجتماعنا مرة أخرى، ولما حضرته الوفاة ما علمت بذلك إلا من وارد ورد علي قال: اذهب إلى محلة روح، فلم أستطع
(2/116)

أرد نفسي عن ذلك الخاطر حتى سافرت إليه تصديقاً لقوله لا بد من الاجتماع مرة أخرى، فدخلت عليه فوجدته محتضراً ففتح عينيه، وقال: أسأل الله أن لا يخليك من نظره، ولا من رعايته طرفة عين، وأن يسترك بين يديه ثم توفي تلك الليلة، ودفن في غفلة من الناس، واقتتل الناس على النعش، وذهلت عقولهم من عظم المصيبة بهم فإنه كان معداً لتفريج كربهم ساعياً في إرشادهم لخير دنياهم، وخير أخراهم، رضي الله عنه ورحمه.

ومنهم الشيخ عبد الحليم بن مصلح المنزلاوي
رضي الله عنه
كان من الأخلاق النبوية على جانب عظيم، وكان كثير التواضع، والازدراء لنفسه، وجاءه مرة شخص يطلب الطريق فقال: يا أخي النجاسة لا تطهر غيرها، وجاءه رضي الله عنه شخص مرة بجبة صوف، وقال: يا سيدي: اقبل مني هذه الجبة لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الليلة، وقبلني على صدري، وأنا لابسها فأبى الشيخ، وقال شيء مسه النبي صلى الله عليه وسلم لا أقدر على لبسه خوف أن يقع مني معصية، وأنا لابسها، ولكن نتبرك بها فمسح بها على وجهه وردها على صاحبها، وكان رضي الله عنه يربي من كان عنده دعوى بالمسارقة فيقرأ عليه شيئاً من أحوال القوم ثم يصير يورد عليه الأسئلة، ويعطف عليه بالجواب بحيث يظن أن ذلك الفقير هو الشيخ، والشيخ هو المريد، وجاءه شخص من اليمن فقال أنا مأذون لي في تربية الفقراء من شيخي، فقال: الشيخ عبد الحليم الحمد لله الناس يسافرون في طلب الشيخ ونحن الشيخ جاء عندنا فتلقن على اليماني، ولم يكن بذاك، وكان الشيخ يعلمه في صورة المتعلم إلى أن كمله وزاد حاله ثم كساه عند الفسر، وزوده، وصار يقبل رجل اليماني، ويقول: صرنا محسوبين عليكم، ولقيه رجل من أرباب الأحوال، وكان مشهوراً بالكرامات، فقال: يا عبد الحليم أنت مسكين ما كنت أظن مع هذه الشهرة أنك عاجز هكذا ثم قبض هو دراهم من الهواء، وأعطى الشيخ عبد الحليم فأثر ذلك في سيدي الشيخ عبد الحليم ثم قال له: يا عبد الحليم اشتغل بالله تعالى حتى تصير الدنيا في طوعك هكذا، فانقطع الشيخ عبد الحليم في الخلوة تسعة شهور يقرأ في الليل ختماً، وفي النهار ختماً ثم خرج ينفق من الغيب إلى أن مات، وأقمت عنده في زاويته نحو سبعة، وخمسين يوماً رأيت الفقراء احتاجوا إلى شيء إلا ويخرج لهم من كيس صغير كعقدة الإبهام جميع ما يطلبونه ورأيته بعيني قبض منه ثمن خشب من دمياط نحو خمسين ديناراً، وكان رضي الله عنه لا يسأله فقير شيئاً إلا أعطاه حتى يخرج بعمامته وجبته فيرجع بالفوطة في وسطه، وعمر رضي الله عنه عدة جوامع في البحر الصغير، وله جامع بالمنزلة فيه فقراء، ومجاورون، وفيه سماط على الدوام، ومارستان للضعفاء من الفقراء، والغرباء والمستضعفين، وكراماته كثيرة مشهورة في بلاده رضي الله عنه. مات رحمه الله سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة، وكان رضي الله عنه لا يخصص نفسه بشيء من الهدايا الواصلة إليه بل أسوته بأسوة الفقراء في ذلك، واجتمع عنده في زاويته نحو المائة نفس، وهو يقوم بأكلهم، وكسوتهم من غير وقف إنما هم على ما يفتح الله عز وجل، ولما وقف الناس عليه الأوقاف أخبرني أن الحال ضاق على الفقراء، وقال: تعرف سببه؟ قلت: لا فقال: لركون الفقراء إلى المعلوم من طريق معينة، وكانوا قبل ذلك متوجهين بقلوبهم إلى الله تعالى، فكان يرزقهم من حيث لا يحتسبون، ومن مناقبه أني نصب عليه شخص مرة وأخذ منه أربعمائة دينار يبني بها بئر ساقية، ويجعل عليه سبيلاً في طريق غزة، وقال: إن الناس محتاجون إلى ذلك فأخذ الفلوس تزوج بها، وفتح له دكاناً بها فلما استبطأه الشيخ أرسل خلفه جماعة فأخرج لهم إبريق ماء حلو، وقال: لهم هذا من ماء البئر والناس يدعون للشيخ كثيراً فلما ورد على الشيخ جماعة مسافرون سألهم عن البئر فقالوا ليس هناك شيء، فأرسل يطلبه، فجاء فقال له: الشيخ ما فعلت بالفلوس، فقال: للشيخ الماء الذي أرسلته لك في الإبريق، وقلت إنه من البئر فإن هذا الكلام لا حقيقة له، وإني تزوجت بالفلوس، فأراد الفقراء حبسه، فمنعهم الشيخ، وقال: الدنيا كلها لا تساوي إرعاب مسلم، وخلي سبيله، وكان رضي عنه شديد المحبة لي حتى قال لي: مرة لا أحب أحداً في مصر مثلك أبداً، رضي الله عنه، وأرضاه، ورحمنا به آمين.

ومنهم الشيخ علي أبو خودة
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه من أرباب الأحوال، ومن الملامتية، وكان رضي الله عنه يتعاطى أسباب الإنكار عليه قصداً، فإذا أنكر عليه أحد عطبه، ورأيته خارج باب الشعرية، وهو يقول: الخادمة أيش قلت: من يخلي هذا الرجل هراره في رجليه يعني الشيخ عبد القادر الدشطوطي، فلما مر
(2/117)

عليه كركبت بطن الشيخ عبد القادر، وساح هرره على المسطبة التي كان قاعداً عليها، فقال الله يلقيك فعرف أنه أبو خودة رضي الله عنه، وكان الشيخ عبد القادر قد كف بصره، وكانت خودة سيدي على من الحديد، وكان زنتها قنطاراً، وثلثاً لم يزل حاملها ليلاً، ونهاراً، وكان شيخاً أسمر قصيراً، وكان معه عصا لها شعبتان كل من زاحمه ضربه بها وكان رضي الله عنه يهوى العبيد السود، والحبش لم يزل عنده نحو العشر يلبسون الخود لكل واحد منهم حمار يركبه فكانوا هم جماعته كل موضع ركب يركبون معه، وما رآه أحد يصلي مع الناس إلا وحده.
وكان رضى الله عنه إذا رأى امرأة أو أمرد راوده عن نفسه، وحسن على مقعدته سواء كان ابن أمير أو ابن وزير، ولو كان بحضرة والده أو غيره، ولا يلتفت إلى الناس، ولا عليه من أحد وكان إذا حضر السماع يحمل المنشد، ويجري به كالحصان، وأخبرني الشيخ يوسف الحريثي رضي الله عنه قال: كنت يوماً في دمياط، فأراد السفر في مركب قد انوسقت، ولم يبق فيها مكان لأحد فقالوا للريس إن أخذتت هذا غرقت المركب لأنه يفعل في العبيد الفاحشة، فأخرجه الريس من المركب فلما أخرجوه من المركب قال: يا مركب تسمري، فلم يقدر أحد يسيرها بريح، ولا بغيره، وطلع جميع من فيها، ولم تسر، وأخبرني أيضاً أنه نزل معه في مركب، فمرس عليها الريح فضربها بعكازه فلم تتزحزج فنزل هو وعبيده يمشون على الماء إلى أن وصلوا إلى شربين، والناس ينظرون ذلك.
وكان رضي الله عنه يخرج خلفه على قرقماش أمير كبير كان أيام الغوري، فيضربه بحضرة جنده فإذا آلمه الضرب يهرب منه فيتبعه، فإذا قفل عليه الباب خلعه فلا يستطيع أحد أن يرده حتى يرجع هو بنفسه، واجتمعت به مرات عديدة، وقال لي: مرة أحذر أن تنيكك أمك، فقلت: لعبد من عبيده ما معنى كلام الشيخ قال: يحذرك أن يدخل حب الدنيا في قلبك لأن الدنيا هي أمك. مات سنة نيف، وعشرين وتسمعمائة، ودفن بزاويته بالحسينية بالقرب من جامع الأمير شرف الدين الكردي رضي الله عنه، ورحمنا به والمسلمين.

ومنهم الشيخ محمد الشربيني
رحمه الله تعالى
شيخ طائفة الفقراء بالشرقية كان من أرباب الأحوال، والمكاشفات، وكان رضي الله عنه يتكلم على سائر أقطار الأرض كأنه تربى فيها، ورأيته مرة وهو لابس بشتاً من ليف، وعمامته ليف، ولما ضعف ولده أحمد، وأشرف على الموت، وحضر عزرائيل لقبض روحه قال له: الشيخ ارجع إلى ربك فراجعه، فإن الأمر نسخ فرجع عزرائيل، وشفي أحمد من تلك الضعفة، وعاش بعدها ثلاثين عاماً، وكان رضي الله عنه يقول: للعصا التي كانت معه كوني إنساناً فتكون إنساناً، ويرسلها تقضى الحوائج ثم تعود كما كانت، وكراماته كثيرة، وكان رضي الله عنه يخرج من بلده شربين كل ليلة من المغرب لا يرجع إلى الفجر لا يعلمون إلى أين يذهب، وكان الأمير قرقماش، وغيره من الأمراء يعتقدونه اعتقاداً زائداً، وعمر له زاوية عظيمه، ولم تكمل، وكان من طريقته أنه يأمر مريديه بالشحاتة على الأبواب دائماً في بلده، ويتعممون بشراميط البرد السود، والحمر والحبال وكان الشيخ محمد بن عنان، وغيره ينكرون عليه لعدم صلاته مع الجماعة، ويقول: نحن ما نعرف طريقاً تقرب إلى الله تعالى إلا ما درج عليه الصحابة، والتابعون، وكان يقبض من الهواء كل شيء يحتاجون إليه للبيت، وغيره ويعطيه لهم، وأخبر بدخول ابن عثمان السلطان سليم قبل دخوله بسنتين، وكان يقول: أتوكم محلقين اللحاء، فكان الناس يضحكون عليه لقوة التمكين الذي كانت الجراكسة عليه، فما كان أحد يظن انقراضهم في مدة يسيرة. مات رحمه الله تعالى قبل العشرين، والتسعمائة ودفن بزاويته سربين، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ علي الدويب
رحمه الله تعالى آمين
بنواحي البحر الصغير: كان رضي الله عنه من الملامتية الأكابر، وأرسل لي السلام مرات، ولم أجتمع به إلا في النوم، ذلك أني سمعت قائلا يقول لا إله إلا الله على الدويب قطب الشرقية، وما كنت سمعت اسمه فسأله جماعة الشيخ محمد بن عثمان فأخبروني به، وقالوا له: موجود، وهو شيخ لشيخ محمد العدل الطناحي، وكان يلبس عمامة الجمالين ونعلهم، وعمر أكثر من مائة سنة رضي الله عنه، وكان مقيماً في البرية لا يدخل بلده إلا ليلا، ويخرج قبل الفجر، وكان رضي الله عنه يمشي على الماء في البحر، وما رآه أحد قط نزل في مركب، وجاء إلى مصر أقام بها عشرين سنة، وكان لم يزل واقفاً تجاه المارستان بين القصرين من الفجر إلى صلاة العشاء، وهو متلثم وبيده عصا من شوم ثم تحول إلى الريف وظهرت له كرامات خارقة للعادة
(2/118)

وكان رضي الله عنه يقول: فلان مات في الهند أو في الشام أو في الحجاز فبعد مدة يأتي الخبر كما قال: الشيخ، ولما مات رأوا في داره نحو المائة ألف دينار، وما علموا أصل ذلك، فإنه كان متجرداً من الدنيا، فأخذها السلطان. مات رحمه الله بالقباب بالشرقية، ودفن في داره رحمه الله سنة سبع، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أحمد السطيحة
رحمه الله تعالى
كان من الرجال الراسخين صحبته عشرين سنة، وأقام عندي أياماً، وليالي، وأن رضي الله عنه يقول: ما أحببت أحداً في عمري قدرك، وكان رضي الله عنه على قدم الشيخ أحمد الفرغل رضي الله عنه في لبسه كل جمعة مركوباً جديداً يقطعه مع أنه سطيحة لا يتحرك، وكان رضي الله عنه يتكلم في الخواطر، ويقضي حوائج الناس عند الأمراء، وولاة الأمور، وطريقه مخلاة بلا معارض، ووقعت له كرامات كثيرة: منها أن أم زوجته تسللت عليه ليلة فرأته قد انتصب قائماً سليماً من الكساح كأحسن الشباب، فلما شعر بها زجرها، فخرست وتكسحت وعميت إلى أن ماتت، وكان رضي الله عنه لم يزل في عصمته أربع نساء، وكانت كفه ألين من العجين خفي الصوت لا يتكلم إلا همساً كثير المباسطة خفيف الذات، ولما وردت عليه من بلد سيدي أحمد البدوي قال: كم نفر معك فقلت: سبعة قال: قل: بيت الوالي ثم ضيفنا ضيافة كثيرة تلك الليلة، وكان على زاويته الوارد كثيراً يعشي، ويعلق على البهائم، وله زرع كثير، والناس تقصده بالهدايا من سائر البلاد، وكان يحضنه خادمه على الفرس كالطفل، وله طرطور جلد طويل، وله زناق من تحت ذقنه، ويلبس الجبب الحمر، وكانت آثار الولاية لائحة عليه إذا رآه الإنسان لا يكاد يفارقه، وحاكي إنسان به، وعمل له طرطوراً، وركب على فرس في حجر خادم، فانكسرت ركبته فصاح اذهبوا بي إلى الشيخ أحمد السطيحة قأتوه به فضحك الشيخ عليه، وقال: تزاحمني على الكساح تب إلى الله، ورقبتك تطيب فتاب واستغفر، فأخذ الشيخ زيتاً، وبصق فيه، وقال: ادهنوا به رقبته فدهنوها فطابت، وكانت، وارمة مثل الخلاية فصارت تنقص إلى أن زال الورم، وقلع الطرطور، وصار يخدم الشيخ إلى أن مات، وكان من بلد تسمى بطاً، وكان ببولاق فنزل في مركب ليسافر، وكان الريس لا يعرفه، فطلعه هو، وجماعته فلما أن طلع الشيخ انخرقت المركب، وغرقت بجانب البر، فأخذوا بخاطر الشيخ، فقال: الشيخ للريس سد خرق مركبك فإننا لم نعد ننزل معك، ومن مناقبه رضي الله عنه أن بعض الفلاحين سخر بطرطوره، وأكل شوك اللحلاح، فوقفت شوكة في حلقه فمات في الحال، وخطب مرة بنتاً بكراً فأبت، وقالت: أنا ضاقت علي الدنيا حتى أتزوج بسطيحة فلحقها الفالج فلم ينتفع بها أحد إلى أن ماتت، وطلبته بنت بنفسها فقال لها: البنات يا امرأة المكسح، وعايروها فدخل بها الشيخ، وأزال بكارتها، وساح الدم حتى ملأ ثيابها ووضعوا ثوبها بالدم على رمح في الدار لينظره الناس، ومن كراماته أنه شفع عند أمير من الأمراء كان نازلا بمنف فقبل شفاعته.
فلما خرج من عنده رجع، وحبس الرجل ثانياً، فطلعت في رقبته غدة فخنقته فمات في يومه، ومن كراماته أن امرأة تكسحت، وعجز الأطباء عن دوائها مدة أربع سنين فدخل الشيخ لها، وبصق في شيء من الزيت، وقال: ادهنوا بدنها فدهنوها في حضرة الشيخ فبرئت وحضر مجلس سماع في ناحية دسوق فطعنه فقير عجمي تحت بزه فقال: طعنني العجمي ثم قال يا رب خذ لي حقي فأصبح العجمي مشنوقاً على حائط لا يدرون من شنقه، ومن كراماته أنه وقف على باب زاويتي مرة، وهو في شفاعة عند الباشا فقال: يكون خاطركم معنا في هذه الشفاعة، فأخذتني حالة فرأيت نفسي واقفاً على باب الكعبة فقال: يا هو أبعدت عنا، وكان رضي الله عنه يعرف سريان القلوب وكان رضي الله عنه صائم الدهر، وتوفي سنة اثنتين، وأربعين وتسعمائة ودفن بزاويته بشبراً قبالة الغربية وقبره ظاهر يزار، وكان يدعو عليها بالخراب، وعلى أهلها الذين كانوا ينكرون عليه فوقع بينهم القتل وخربوا، وهي خراب إلى وقتنا هذا فقلت له: الفقير يعمر بلده، وإلا يخربها فقال: هؤلاء منافقون وفي حصادهم مصلحة للدين فنسأل الله أن يحفظنا من الشيطان، والحمد الله وحده.

ومنهم الشيخ بهاء الدين المجذوب
رضي الله عنه
المدفون بالقرب من باب الشعرية بزاويته، كان رضي الله عنه من أكابر العارفين، وكان كشفه لا يخطئ، وكان رضي الله عنه أولا خطيباً في جامع الميداني، وكان أحد شهود القاضي، فحضر يوماً عقد زواج فسمع قائلا يقول: هاتوا لنا رجال الشهود، فخرج هائماً على وجهه، فمكث ثلاثة أيام في الجبل المقطم لا يأكل، ولا يشرب ثم ثقل عليه
(2/119)

الحال فخرج بالكلية، وكان رضي الله عنه يحفظ البهجة فكان لا تزال تسمعه يقرأ فيها، وذلك أن كل حالة أخذ العبد عليها يستمر فيها، ولو خرج عنها يرجع إليها سريعاً حتى إن من المجاذيب من تراه مقبوضاً على الدوام لكونه جذب على حالة قبض، ومنهم من تراه مبسوطاً، وهكذا، وكان الشيخ فرج المجذوب رضي الله عنه لم يزل يقول: عندك رزقة فيها خراج ودجاج، وفلاحون لكونه جذب وقت اشتغاله بذلك، وزمن المجذوب من حين يجذب إلى أن يموت زمن فرد لا يدري بمرور زمان عليه، ورأيت ابن البجائي رضي الله عنه لم يزل يقول: الفاعل مرفوع، والمخفوض مجرور، وهكذا لأنه جذب، وهو يقرأ في النحو، ورأيت القاضي ابن عبد الكافي رضي الله عنه لما جذب لم يزل يقول: وهو في بيت الخلاء، وغيره، ولا حق، ولا استحقاق، ولا دعوى، ولا طلب، ولا غير ذلك، ومن وقائعه رضي الله عنه أننا حضرنا يوماً معه وليمة فنظر للفقهاء في الليل، وزعق فيهم، وقال: لهم: كفرتم بكلام الله ثم حذفهم بقلة من الماء كانت بجانبه فصعدت إلى نحو السقف ثم نزلت فقال: فقيه منهم كسر القلة فقال: له كذبت فوقعت على الأرض صحيحة كما كانت، فبعد خمس عشرة سنة رأى الفقيه فقال له: أهلا بشاهد الزور الذي يشهد أن القلة انكسرت، ومكاشفاته مشهورة بين الأكابر بمصر من المباشرين وعامة الناس. مات رحمه الله سنة نيف وعشرين وتسعمائة رضي الله عنه وأرضاه آمين.

ومنهم الشيخ عبد القادر الدشطوطي
رضي الله عنه ورحمه
كان من أكابر الأولياء رضي الله عنه صحبته، نحو عشرين سنة، وحصل لي منه نفحات وجدت بركتها وكان صاحياً، وهيئته هيئة المجاذيب رضي الله تعالى عنه، وكان مكشوف الرأس حافياً، ولما كف صار يتعمم بجبة حمراء، وعليه جبة أخرى فإذا اتسخت تعمم بالآخرى، واجتمعت به في أول يوم من رمضان سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وكنت دون البلوغ، فقال: اسمع من هذه الكلمات، واحفظها تجد بركتها إذا كبرت فقلت له: نعم فقال يقول: الله عز وجل يا عبدي لو سقت إليك ذخائر الكونين فملت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنا لابنا فحفظتها فهذه بركتها. وقال لي: أموراً أخر لم يأذن لي في إفشائها، وكان يسمى بين الأولياء صاحب مصر، وقالوا: إنه ما رؤى قط في معدية إنما كانوا يرونه في مصر، والجيزة، وحج رضي الله عنه ماشياً حافياً، وأخبرني الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رحمه الله أنه لما وصل إلى المدينة المشرفة وضع خده على عتبة باب السلام، ونام مدة الإقامة حتى رجع الحج، ولم يدخل الحرم، وعمر عدة جوامع في مصر، وقراها، وكان رضي الله عنه له القبول التام عند الخاص، والعام وكان السلطان قايبتاي يمبرغ وجهه على أقدامه.
ومن مناقبه أنهم زوروا عليه برجل كان يشبهه، فأجلسوه في تربة مهجورة في القرافة ليلا، وراحوا إلى السلطان، وقالوا له: إن سيدي عبد القادر الدشطوشي يطلبك في بالقرافة ليلا فنزل إليه، وصار يقبل أقدامه فقال: الرجل المزور عليه الفقراء محتاجون لعشرة آلاف دينار فقال: السلطان بسم الله فمضى ثم أرسلها له فبلغ السلطان أنهم زوروا عليه، فأرسل خلف المزور فضربه إلى أن مات، وكان من شأنه التطور، وحلف اثنان أن الشيخ نام عند كل منهما إلى الصباح في ليلة واحدة في مكانين، فأفتى شيخ الإسلام الشيخ جلال الدين السيوطي بعدم وقوع الطلاق، وأخبرني الأمير يوسف بن أبي أصبغ قال: لما أراد السلطان قايتباي أن يسافر إلى بحر الفرات استأذن الشيخ عبد القادر الدشطوطي في السفر، فأذن له قال: الأمير يوسف فكنا طول الطريق ننظره يمشي أمامنا، فإذا أراد السلطان ينزل إليه يختفي، فلما دخلنا حلب وجدنا الشيخ رضي الله عنه ضعيفاً بالبطن في زاوية بحلب مدة خمس شهور، فتحيرنا في أمره رضي الله عنه، ودخلت، وأنا شاب أعزب.
فقال لي: تزوج، واتكل على الله خذ بنت الشيخ محمد بن عنان فإنها صبية هائلة، فقلت ما معي شيء من الدنيا فقال: بلى قل: معي أشر في قل: اثنان قل: ثلاثة معي قل: أربعة قل: خمسة، وكان لي عند شخص بنواحي المنزلة ذلك القدر فحسبه الشيخ، وكنت أنا ناسيه ثم أذن الظهر فتغطى الشيخ بالملاية، وغاب ساعة ثم تحرك ثم قال: الناس معذورون يقولون عبد القادر ما يصلي والله ما أظن أني تركت الصلاة منذ جذبت، ولكن لنا أماكن نصلي فيها فقلت: للشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه فقال: صدق له أماكن إنه يصلي في الجامع الأبيض برملة لد، وسمعته مرة يقول كل من قال: السعادة بيد أحد غير الله كذب، وإني كنت جهدان في الدنيا يضرب بي المثل فحصل لي جاذب إلهي، وصرت أغيب اليومين، والثلاثة ثم أفيق أجد الناس حولي، وهم متعجبون من أمري ثم صرت أغيب العشرة
(2/120)

أيام، والشهر لا آكل، ولا أشرب فقلت: اللهم إن كان هذا وارد منك فاقطع علائقي من الدنيا فمات الأولاد، ووالدتهم، والبهائم، ولم يبق أحد دون أهل البلد، فخرجت سائحاً إلى وقتي هذا فهل كان ذلك في قدرة العبد. قلت له لا، وسمعته يقول: للشيخ جلال الدين البكري: يا جلال الدين وقفنا هذا كله للفقراء، والمساكين، والمتكشفين الركب، وكأني بك، وقد جاءوا إليك بسياق فلان، وفلان اجعل لهذا وظيفة فتخرب المكان، وكان رضي الله عنه عالماً بأحوال الزمان، وما الناس عليه، وكان رضي الله عنه أكثر ما ينام عند شخص نصراني في باب البحر فيلومه الناس، فيقول: هذا مسلم، ومن بركته أسلم النصراني على يديه، وحسن إسلامه، وسمعته يقول: وقد سأله الشيخ شمس الدين البهنسي عن جماعة في مصر من الفقراء الذين في عصره فقال: يا ولدي هؤلاء بعيدون عن الطريق والله ما يذوقون قشر الطريق فضلا عن لبها، ولما دنت وفاته أكثر من البكاء، والتضرع وكان يقول: للبناء الذي يبنى في القبة عجل في البناء، فان الوقت قد قرب فمات، وبقي منها يوم فكملت بعده، ودفن في قبره وأوصي أن لا يدفن عليه أحد، وأوصى أن يعمل فوقه، وجانبه مجاديل حجر حتى لا تسع أحداً يدفن معه. مات سنة نيف وثلاثين وتسعمائة وصلى عليه ملك الأمراء خير بك، وجميع الأمراء، وأكابر مصر، وكراماته مشهورة في مصر، والبلاد التي كان يمر فيها رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي حسن العراقي
رحمه الله تعالى
المدفون بالكوم خارج باب الشعرية رضي الله عنه بالقرب من بركة الرطلي، وجامع البشيري ترددت إليه مع سيدي أبي العباس الحريثي، وقال أريد أن أحكي لك حكايتي من مبتدأ أمري إلى وقتي هذا كأنك كنت رفيقي من الصغر، فقلت له: نعم فقال كنت شاباً من دمشق، وكنت صانعاً، وكنا نجتمع يوماً في الجمعة على اللهو واللعب، والخمر، فجاءني التنبيه من الله تعالى يوماً ألهذا خلقت؟ فتركت ما فيهم فيه، وهربت منهم فتبعوا ورائي فلم يدركوني، فدخلت جامع بني أمية، فوجدت شخصاً يتكلم على الكرسي في شأن المهدي عليه السلام، فاشتقت إلى لقائه فصرت لا أسجد سجدة إلا وسألت الله تعالى أن يجمعني عليه فبينما أنا ليلة بعد صلاة المغرب أصلي صلاة السنة، وإذا بشخص جلس خلفي، وحسس على كتفي، وقال لي: قد استجاب الله تعالى دعاءك يا ولدي مالك أنا المهدي فقلت تذهب معي إلى الدار، فقال نعم، فذهب معي، فقال: أخل لي مكاناً أنفرد فيه فأخليت له مكاناً فأقام عندي سبعة أيام بلياليها، ولقنني الذكر، وقال أعلمك ورعي تدوم عليه إن شاء الله تعالى تصوم يوماً، وتفطر يوماً، وتصلي كل ليلة خمسمائة ركعة، فقلت: نعم فكنت أصلي خلفه كل ليلة خمسمائة ركعة وكنت شاباً أمرد حسن الصورة فكان يقول: لا تجلس قط إلا ورائي فكنت أفعل، وكانت عمامته كعمامة العجم، وعليه جبة من وبر الجمال فلما انقضت السبعة أيام خرج، فودعته، وقال لي: يا حسن ما وقع لي قط مع أحد ما وقع معك فدم علي، ورعك حتى تعجز، فإنك ستعمر عمراً طويلا انتهى كلام المهدي.
قال: فعمري الآن مائة وسبعة وعشرون سنة قال: فلما فارقني المهدي عليه السلام خرجت سائحاً فرحت إلى أرض الهند، والسند والصين، ورجعت إلى بلاد العجم، والروم، والمغرب ثم رجعت إلى مصر بعد خمسين سنة سياحة فلما أردت الدخول إلى مصر منعوني من ذلك، وكان المشار إليه فيها سيدي مدين المتبولي رضي الله عنه فأرسل يقول لي: أقم في القرافة فأقمت في قبة مهجورة عشر سنين تخدمني الدنيا في صورة عجوز تأتيني كل يوم برغيفين وإناء فيه طعام فلا كلمتها، ولا كلمتني قط ثم سألت في الدخول فأذنوا لي أن أسكن في بركة القرع فأقمت فيها سنين عديدة في حارة.
ثم جاء الشيخ عبد القادر الدشطوطي رضي الله عنه يريد أن يبني له جامعاً هناك فصار يقاتلني، ويقول: اخرج من هذه الحارة فقلت له يوماً مالك، ولي أنا مالي أحد يعتقدني من الأمراء، ولا من غيرهم فما لك ولي فلم يزل بي حتى خرجت إلى هذا الكوم فيه سبع سنين فبينما أنا ذات يوم جالس هنا إذ طلع على الدشطوطي، فقال: انزل من هذا الكوم، فقلت: لا أنزل، فخرجت النفس مني، ومنه فدعا علي بالكساح، فتكسحت، ودعوت عليه بالعمى فعمي فهو كالطوبة الآن هناك، وأنا رمة في هذا الموضع وأنا أوصيك يا عبد الوهاب أنك لا تصادم أحداً قط بنفس، وإن صدمك فلا تصادمه، وإن قال لك: اخرج من زاويتك أو دارك، فاخرج، وأجرك على الله، وكان رضي الله عنه إذا جاءه شخص بجوخة أو ثوب صوف يأخذ السكين، ويشرحها سيوراً سيوراً ثم يخيطها بخيط دارج، ومسلة، ويقول: إن نفسي تميل إلى الأشياء الجديدة،
(2/121)

فإذا قطعتها لم يبق عندها ميل. توفي رضي الله عنه سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن في القبة التي في الكوم المتقدم ذكره رضي الله عنه.

ومنهم سيدي إبراهيم بن عصيفير
رضي الله تعالى عنه آمين
كان خطه الذي يمشي فيه من باب الشعرية إلى قنطرة الموسكي إلى جامع الغمري، وكان كثير الكشف، وله وقائع مشهورة، وكان أصله من البحر الصغير، وظهرت له الكرامات، وهو صغير: منها أنه كان ينام في الغيط، ويأتي البلد، وهو راكب الذئب أو الضبع، ومنها أنه كان يمشي على الماء لا يحتاج إلى مركب، وكان بوله كاللبن الحليب أبيض، وكان يغلب عليه الحال فيخاصم ذباب وجهه، وكان يتشوش من قول المؤذن الله أكبر فيرجمه، ويقول: عليك يا كلب نحن كفرنا يا مسلمين حتى تكبروا علينا وما ضبطت عليه قط كشفاً أخرم فيه، وليلة أحرقت منارة المدرسة التي هي مسكننا بين السورين أخذ من إنسان نصفين وأعطاهما للسقاء، وقال: كب هذه الراوية على هذا الحريق فصبه على الأرض تجاه المدرسة، فقال: الناس للسقاء اللهم إن هذا مجذوب ما عليه حرج تصب الماء على الأرض خسارة، فطلع الوقاد تلك الليلة، فأوقد المنارة، ورشق الجنيب في حائطها، وكانت خشباً، ونزل، ونسيه فاحترقت تلك الليلة، ووقعت الثلاثة أدوار كأن إنساناً نزعها، وحملها، ووضعها على الأرض ممدودة في الشارع لم تصب أحداً من الجيران، وكان رضي الله عنه يقول: جاكم ابن عثمان جاكم ابن عثمان فكان غز الغوري يسخرون به.
وكان رضي الله عنه كثير الشطح، وكان أكثر نومه في الكنيسة، ويقول النصارى لا يسرقون النعال في الكنيسة بخلاف المسلمين، وكان رضي الله عنه يقول: أنا ما عندي من يصوم حقيقة إلا من لا يأكل اللحم الضاني أيام الصوم كالنصارى، وأما المسلمون الذين يأكلون اللحم الضاني، والدجاج أيام الصوم فصومهم عندي باطل، وكان رضي الله عنه يقول: لخادمه أوصيك أن لا تفعل الخير في هذا الزمان فينقلب عليك بالشر، وجرب أنت نفسك، ولما سافر الأمير جانم إلى الروم شاوره، فقال: تروح وتجيء سالماً ففارقه، وراح للشيخ محيسن فقال له: إن رحت شنقوك، وإن قعدت قطعوا رقبتك فرجع إلى الشيخ ابن عصيفير فقال: تروح وتجيء سالماً، وكان الأمر كذلك فراح تلك السفرة، وجاء سالماً ثم ضرب عنقه بعد ذلك، فصدق الشيخان. ولما سافر ابن موسى المحتسب بلاد العصاة أرسل إلى عياله بقمقم ماء ورد، وقال: صبوه على كفنه، وهو على المغتسل فجاء الخبر بأنهم قتلوه، وأتوا به في سحلية فصبوه عليه كما قال: الشيخ، وكان شخص يؤذيه في الحارة فدعا عليه ببلاء لا يخرج من بدنه إلى أن يموت فتورمت رجلاه، ونتفخا وخرج منهما الصديد، وترك الصلاة حتى الجمعة، والجماعة وصار لا يستنجي قط، فإذا غسلوا ثوبه يجدوا فيه العذرة كثوب الأطفال وقال له: شخص مرة ادع لي يا سيدي فقال الله: يبليك بالعمى في حارة اليهود فعمي كما قال: في حارتهم، وقال له: شخص ومعه بنية حاملها ادع لينيتي هذه فقال: الله يعدمك حسها فماتت بعد يومين، وكان يفرش تحته في مخزنه التبن ليلا، ونهاراً، وقبل ذلك كان يفرش زبل الخيل، وكان إذا مرت عليه جنازة، وأهلها يبكو يمشي أمامها معهم، ويقول زلابية هريسة زلابية هريسة، وأحواله غريبة، وكان يحبني وكنت في بركته، وتحت نظره إلى أن مات سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة ودفن بزاويته بخط بين السورين تجاه زاوية الشيخ أبي الحمائل رضي الله عنه.

ومنهم سيدي الشيخ شهاب الدين الطويل النشيلي
رضي الله تعالى عنه
كان من أولاد سيدي خليل النشيلي أحد أصحاب سيدي أبي العباس المرسي رضي الله عنه، ورأيته، وهو في أوائل الجذب، والحروز معلقة على رأسه، وكان أهله يعتقدون أنه من الجان، ولم أزل أوده، ويودني إلى أن مات، وأول ما لقيته، وأنا شاب أمرد، وقال لي: أهلا يا ابن الشوني أيش حال أبوك، وكنت لا أعرف قط الشوني فبعد عشر سنين حصل لي الاجتماع بالشوني فأخبرته، بقول: الشيخ شهاب الدين فقال: صدق أنت ولدي، وإن شاء الله تعالى يحصل لك على يدينا خير، وكان رضي الله عنه يأتيني، وأنا في مدرسة أم خوند ساكن فيقول: أقل لي بيضاً قريصات، فأفعل له ذلك، فيأكل البيض أولا ثم الخبز ثانيا وحده، وكان رضي الله عنه إذا راق يتكلم بكلام حلو محشو أدباً، ومكث مولى من أصحاب النوبة بمصر سبع سنين ثم عزل، وكان يحب دخول الحمام لم يزل يدخلها حتى مات فيها، وكان ينادي خادمه، وهو في الصلاة فإن لم يجئه مشى إليه، وصكه ومشى به، وقال: كم أقول لك لا تعد تصلي هذه الصلاة المشئومة، فلا يستطيع أحد أن يخلصه منه، وكان يضرب الإنسان على وجهه، ولقيه مرة إنسان طالع من جامع
(2/122)

الغمري، وهو جنب فلطمه علم وجهه، وقال: ارجع اغتسل، وجاءه شخص فعل فاحشة في عبده يطلب منه الدعاء، فأخذ خشبة، وضربه بها نحو مائة ضربة، وقال: يا كلب تفعل في العبد الفاحشة فانفضح ذلك الشخص. مات رضي الله عنه، ودفن بزاويته بمصر العتيقة سنة نيف وأربعين وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم سيدي عبد الرحمن المجذوب
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه من الأولياء الأكابر، وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه يقول: ما رأيت قط أحداً من أرباب الأحوال دخل مصر إلا، ونقص حاله إلا الشيخ عبد الرحمن المجذوب، وكان مقطوع الذكر قطعة بنفسه أوائل جذبه، وكان جالساً على الرمل صيفاً، وشتاء، وإذا جاع أو عطش يقول أطعموه، وأسقوه، وكان ثلاثة أشهر يتكلم وثلاثة أشهر يسكت، وكان يتكلم بالسرياني، وأخبرني سيدي على الخواص رضي الله عنه قال: ما مثلت نفسي إذا دخلت عند الشيخ عبد الرحمن رضي الله عنه إلا كالقط تجاه السبع، وكان يرسل لي السلام، ويخبر خادمه بوقائعي بالليل واحدة واحدة، فيخبرني بها فأتعجب من قوة اطلاعه، وحصل لي مرة وارد طغت على فيه نار فنزعت ثيابي، ومررت عليه في زقاق سويقة اللبن قبيل العشاء فصار يقول: لخادمه اذهب بهذه البردة والحق بها عبد الوهاب غطه بها، فما أخبرني الخادم إلا بعد أيام، وقال: قال لنا: في الوقت الفلاني كذا وكذا فقلت: هذا مجذوب، واستبعدنا كونك تثعري رضي الله عنه، وكان مقعداً نحو نيف، وعشرين سنة أقعده الفقراء، وكان يخبر عن سائر الأقطار الأرض، وعن أقواتهم وأحوالهم رضي الله عنه. مات رضي الله عنه سنة أربع، وأربعين، وتسعمائة، ودفن بالقرب من جامع الملك الظاهر بالحسينية، وقبره ظاهر بالحسينية يزار في زاويته رضي الله عنه.

ومنهم سيدي محمد الرويجل العريان
رضي الله عنه
كان رضي الله تعالى عنه من أرباب الكشف التام رأيته مرة من بعيد نحو مائة قصبة فقال لي رفيقي هل يحس بأحد إذا ضربه فلما وصلنا إليه قال: لرفيقي تضربني على أيش، وكان يدخل ينام في كنون الطباخ، وأخبرني سيدي الشيخ شهاب الدين الرملي الشافعي رضي الله عنه قال: أصل ما حصل لي من العلم، والفتوى ببركة دعاء الشيخ محمد الرويجل. مات رضي الله عنه سنة ثلاث، وعشرين، وتسعمائة مقتولا قتله عسكر ابن عثمان حين دخل مصر، وأخبرني عن قطع رقبته يوم موته وصار يقول: أيش عمل الرويجل يقطعون رقبته ووقف على شباك سيدي محمد بن عنان، وصار يقول: يا سيدي أيش عمل الرويجل يقطعون رقبته رضي الله عنه.

ومنهم سيدي حبيب المجذوب
رضي الله تعالى عنه
كان سيدي على الخواص رضي الله عنه يقول: حبيب حية رقطاء خلقه الله تعالى أذى صرفاً، وكان إذا رآه يقول: اللهم اكفنا السوء وكان مبتلي بالإنكار عليه بمزح معه الصغار، وغيرهم ويعطيهم، وليس له كرامة إلا في أذى الناس فلا تحكي عنه شيئاً، وكان كلما نظر إلي إذا مررت عليه يحصل عندي قبض عظيم، ولم أزل ذلك النهار جميعه في تكدير فلما مات قال: سيدي على الخواص رضي الله عنه الحمد لله على ذلك، ودفن رحمه الله تعالى بالكوم بالقرب من بركة القرع خارج باب الشعرية رضي الله عنه.

ومنهم سيدي فرج المجذوب
رضي الله تعالى عنه
كان له الكرامات الظاهرة، ووقع لي معه كرامات، وكان يطلب الفلوس من الناس، فإذا اجتمعت أعطاها للمحاويج والأرامل، وكثيراً ما يدفنها في جوار حائط، ويذهب، ويخليها فيأخذها الناس، وأخبرني سيدي جمال الدين ابن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه قال: خرجت إلى الحمام فرآني الشيخ، فرج رضي الله عنه فقال: هات نصفاً فأعطيته فقال: هات آخر فأعطيته، فلم يزل كذلك إلى تسعة، وثلاثين نصفاً فقال: هات آخر فقلت له: بقي نصف للحمام فقال: كتبت لك وصولا على شموال اليهودي، وفارقته فلما رجعت من الحمام جاءني يهودي بتسعة وثلاثين ديناراً فقال: إن والدك أقرضني أربعين ديناراً، وما بيني، وبينه إلا الله ولكن ما قدرت إلا على تسعة وثلاثين فاقبضها إلي، ووقائعه كثيرة، وانقطع آخر عمره في المارستان حتى مات، ودفن عند الشيخ شهاب الدين المجذوب بباب الشعرية رضي الله عنه.

ومنهم سيدي إبراهيم المجذوب
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه كل فلوس حصلها يعطيها للمطبلين، ويقول: طبلوا لي زمروا لي، ولم يزل يقول: يا إبراهيم روح للنوبة قال سيدي: على الخواص رضي الله عنه إنه كان من أصحاب النوبة، وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه إذا حصل له ضرورة يرسل يعلمه بها فتقضي،
(2/123)

وكان كل قميص لبسه يخيطيه، ويحزقه على رقبته، فإن ضيقه جداً حتى ينخنق حصل للناس شد عظيمة، وإن وسعه حصل للناس الفرج، صحبته نحو سبع سنين وكان كلما رآني تبسم، وكان شهرته الشيخ إبراهيم النوبة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أحمد المجذوب المشهور بحب رمانتي
رحمه الله تعالى
كان رضي الله عنه لا يلبس إلا الحرير على بدنه وكان قمعه طول ذراع، ونصف، وكان رضي الله عنه يقف على الدكان ويصيح يا مالي، ومال السلطان عند صاحب هذا الدكان فلا يزال كذلك إلى أن يأخذ ما يطلبه منه ثم يدفنه تحت جدار، ويذهب، وكانت له كرامات كثيرة. مات رضي الله عنه سنة نيف، وعشرين وتسعمائة، ودفن بباب اللوق رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ إبراهيم العريان
رضي الله تعالى عنه، ورحمه
كان رضي الله عنه إذا دخل بلداً سلم على أهلها كباراً، وصغاراً بأسمائهم حتى كأنه تربى بينهم، وكان رضي الله عنه يطلع المنبر ويخطب عرياناً فيقول: السلطان، ودمياط باب اللوق بين القصرين، وجامع طيلون الحمد لله رب العالمين فيحصل للناس بسط عظيم، وكان رضي الله عنه إذا صحا يتكلم بكلام حلو حتى يكاد الإنسان لا يفارقه، طلع لنا مراراً عديدة في الزاوية وسلم علي باسمي، واسم أبي، وأمي ثم قال: للذي بجنبه أيش اسم هذا، وكان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان، ويحلف على ذلك، فيخجل ذلك الكبير منه مات رضي الله عنه سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ محيسن البرلسي
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه من أصحاب الكشف التام، وكان يربط عنده عنزاً وديكاً بحبل، والنار موقدة عنده في أغلب أوقاته صيفاً، وشتاء، وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه إذا شك في نزول بلاء على أهل مصر يقول: اذهبوا للشيخ محيسن فانظروا النار التي عنده هل هي موقودة أو مطفية فإن كانت مطفية حصل في مصر رخاء، ونعمة وكان الناس في غاية الراحة فأوقد الشيخ محيسن رضي الله عنه النار فقال: الشيخ الله لا يبشره بخير فأصبح الناس في شدة عظيمة في مسكنهم لبلاد الهند، وحصل لهم غاية الضيق، وكنت عنده مرة فجاء إنسان ومزح معه، وكان في رجله أكلة من أصحاب النوبة لم تزل تدود إلى أن مات فقال له: ذلك الإنسان الذي جعل في هذه الرجل الأكلة قادر أن يجعلها في الآخرى فقال: ما يستحق ذلك إلا الذي زنى بامرأة جاره فخجل ذلك الإنسان، فقلت له: مالك؟ فقال: هذا وقع لي، وأنا شاب في نواحي دمياط من منذ خمسين سنة فقتل: الذي يطلع على هذا تمزح معه؟ فقال: والله ما علم بهذه الواقعة أحد إلا الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يحبني ويرسل يخبرني بالوقائع التي تحصل لي في البيت واحدة واحدة، وكان رضي الله عنه إذا رأى صغيراً من الريف في بولاق يريد أبوه أن يعلمه القرآن يقول له: اذهب إلى زاوية عبد الوهاب، فأرسل لي كذا، وكذا ولداً وحصل لهم الخير، ووقع مني مرة سوء أدب فأرسل أعلمني به، وهو في الرميلة، وذلك أن الأمير جانم كان مطلوباً إلى استنبول فكتبت له كتاباً إلى أصحاب النوبة بنواحي العجم، والروم بالوصية به، وطواه ووضعه في رأسه، وخرج، فأرسل لي في الحال يقول: الناس في عينيك كالقش ما بقي أحد في البلد له شوارب إلا أنت تكاتب أصحاب النوبة بغير إذن من أصحاب البلد، فاستغفرت في نفسي فأرسل يقول لي: إذا سألت أحد في شيء يتعلق بالولاة بمصر شاور بقلبك أصحاب النوبة بها إعطاء لحقهم من الأدب معهم ثم افعل بعد ذلك ما تريد لا حرج لأنهم لا يحبون من يقل أدبه معهم. مات رضي الله عنه، ودفن بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه في تربة البارزي في سنة نيف، وأربعين وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو الخير الكليباتي
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه من الأولياء المعتقدين، وله المكاشفات العظيمة مع أهل مصر، وأهل عصره، وكانت الكلاب التي تسير معه من الجن، وكانوا يقضون حوائج الناس، ويأمر صاحب الحاجة أن يشتري للكلب منهم إذا ذهب معه لقضاء حاجته رطل لحم، وكان أغلب أوقاته واضعاً وجهه في حلق الخلاء في ميضأة جامع الحاكم، ويدخل الجامع بالكلاب، فأنكر عليه بعض القضاة، فقال: هؤلاء لا يحكمون باطلا، ولا يشهدون زوراً فرمى القاضي بالزور، وجرسوه على ثور بكرش على رأسه، ولم يزل ممقوتاً إلى أن مات، وكان رجلا قصيراً في يده عصا فيها حلق، وشخاشيخ، وكان يعرج دعا لي مرة بأن الله يصبرني على البلوى، وحصل لي ببركته بعض ذلك. مات رضي الله عنه سنة عشر وتسعمائة، ودفن بالقرب من جامع الحاكم في المكان الذي كان يجلس
(2/124)

فيه أوقاتاً رضي الله عنه.

ومنهم سيدي عمر البجائي المغربي
رضي الله تعالى عنه
دخل مصر في أيام السلطان الغوري، وكان له القبول التام عند الأكابر، وغيرهم، وكان رضي الله عنه بخبر بالوقائع الآتية في مستقبل الزمان للولاة فيقع كما أخبر لا يخطئ، وسكن في جامع آل ملك بالحسينية ثم انتقل إلى جامع محمود فنازعه أهل القرافة، فرجع إلى قبة المارستان بخط بين القصرين، فلم يزل بها إلى أن مات، وكان وجهه كأنه قنديل ينور، وهو رجل طويل ليس على رأسه عمامة إنما يتطرح بملاية على عرقية، وكان الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه يحبه محبة شديدة رضي الله عنه مات رضي الله عنه في سنة عشرين، وتسعمائة ودفن بالقرافة في حوش عبد الله بن وهب بالقرب من القاضي بكار وصلى عليه الملأ من الناس، وحصل لي منه دعوات مباركات وجدت أثرها رضي الله عنه.

ومنهم سيدي سعود المجذوب
رضي الله عنه
بسويقة العزى بالقرب من مدرسة السلطان حسن، كان رضي الله عنه من أهل الكشف التام، وكان له كلب قدر الحمام لم يزل واضعاً بوزه على كتفه، وكان يرسل لي السلام مرات، وترددت إليه كثيراً، فكنت كلما أزور القرافة أطلع له، وله وقائع مشهورة في أهل حارته. مات رضي الله عنه سنة إحدى، وأربعين وتسعمائة، ودفن بزاويته، وله قبة خضراء بناها له الباشا سليمان رحمه الله.

ومنهم سيدي سويدان المدفون بالخانكة
رضي الله تعالى عنه، ورحمه
أقام في مدرسة ابن الزين في رصيف بولاق سنين عديدة فلازمناه ملازمة طويلة، وكان مكشوف الرأس له شعر طويل ملبد، وكان له كل سنة جوخة حمراء بندقي على خوند امرأة السلطان يلبسونها له، ويأخذ النقباء العتيقة ووقع له، وقائع، وكرامات، وكان فمه لم يزل فيه نحو الخمسين حبة من الحمص ليلا ونهاراً يقال إنها حملات الناس، وكان لا يفهم عنه إلا الفقراء الصادقون فإن كلامه كله إشارات. مات رضي الله عنه سنة تسع عشرة، وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم سيدي بركات الخياط
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه من الملامتية، وهو شيخ أخي أفضل الدين، وشيخ الشيخ رمضان الصائغ الذي بنى له الزاوية، وكان رضي الله عنه يلبس الشاش المخطط كعمامة النصارى، فيقول له: الناس حشاك يا نصراني، وكان يخيط المضربات المثمنة، وكان رضي الله عنه يقول: لمن يخيط له هات معك فوطة، وإلا يتسخ قماشك من ثيابي، وكان دكانه منتناً قذراً لأن كل كلب وجده ميتاً أو قطاً أو خروفاً يأتي به، فيضعه داخل الدكان، فكان لا يستطيع أحد أن يجلس عنده، وكان سيدي الشيخ نور الدين المرصفي رضي الله عنه، وغيره يرسلون له الحملات. فيضعون له الحجر على حانوته فيعلم بالحاجة فيقضيها، ويقول: الاسم لطوبى، والفعايل لأمشير نحن نتعب، وهؤلاء يأخذون الهدايا منهم، وأخبرني الشيخ عبد الواحد رضي الله عنه أحد جماعة سيدي أبي السعود الجارحي رضي الله عنه قال: مدحته للشيخ جمال الدين الصائغ مفتي الجامع الأزهر، وجماعة فقالوا امضوا بنا نزوره، وكان يوم جمعة فسلم المؤذن على المنارة فقالوا له: نصلي الجعة فقال: مالي عادة بذلك فأنكروا عليه فقال: نصلي اليوم لأجلكم، فخرج إلى جامع المارداني فوجد في الطريق مسقاة الكلاب فتطهر منها ثم وقع في مشخة حمير ففارقوه، وصاروا يوبخون الشيخ عبد الواحد الذي جاء بهم إلى هذا الرجل، وصار الشيخ بركات يوبخ عبد الواحد، ويقول: أيش هؤلاء الحجارة الذين أتيت بهم لا يعود لك بالعادة أبداً والله يا ولدي مسقاة الكلاب إنما هي مثال مطعمهم، ومشربهم، وكذلك مشخة الحمير إنما هي صورة اعتقادهم النجس، وأخبرني سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى قال: فبينما نحن يوماً خارج باب زويلة بالقرب من بيت الوالي، وإذا هو بشخص تاجر مغربي راكب بغلة فمسكه الشيخ رضي الله عنه، وقال: هذا سرق بيتي فدخلوا به بيت الوالي فقال: للوالي يا سيدي اضربه مقارع وكسارات، وإن مات أنا أزن ديته فلما فرغ الوالي من عقابه نظر إلى وجه التاجر، وقال: للوالي أنا غلطت هذا ما هو الذي أخذ حوائجي، فضرب الوالي الشيخ بعصاه، فخرج، ورقد على بابه، وقال: والله يا زربون ما أفارق هذه العتبة حتى أعزلك، فقام فجاء الفاصد بعزله من السلطان في الحال، وكان رضي الله عنه إذا قدموا له لحم الضاني، واشتهى لحم حمام ينقلب في الحال حماماً وله وقائع مشهورة. مات رضي الله عنه سنة دخول ابن عثمان مصر سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ودفن بالقرب من حوض الصارم بالحسينية، رضي الله عنه.
(2/125)

ومنهم سيدي علي الشونوزي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
أجل أصحاب الشيخ شعبان البلقمطري بدمنهور البحيرة، كان رضي الله عنه ظريفاً نظيفاً لطيفاً، والغالب عليه الاستغراق، وكان أكثر أوقاته ماشياً في مصر، وبولاق، والقرافة، وغيرها، وعليه ثياب حسنة كلبس القاضي، وكانت له الموشحات النفيسة في التوحيد صحبته نحو عشر سنين، وقال لي: أنا كيلاني زماني، وكان يرى ذلك من باب التحدث بالنعم. مات رضي الله عنه، ودفن بالقرافة عند الشيخ محمد الغربي الشاذلي رضي الله عنه سنة نيف وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه. وأخبرتني زوجته قالت بينما نحن يوماً في جوف الليل وإذا بشخص نازل من الهواء فأشار إليه الشيخ رضي الله عنه بيده فلصق بالدور قاعة فقال فتوة ارجع، وتعال من الباب فقال باسم الله. ثم قال هذا الدشطوطي رضي الله عنه.

ومنهم سيدي أحمد الزواوي أخو الشونوزي في الطريق
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه على قدم عظيم وكان ورده في اليوم، والليلة عشرين ألف تسبيحة وأربعين ألف صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سافر الغوري لقتال ابن عثمان جاء إلى القاهرة، وقال: جئت لأرد ابن عثمان عن دخول مصر فعارضه الأولياء فلحقته البطن فأشرف على الموت فحملوه إلى بلده فمات في الطريق، وكانت له كرامات في الطريق اجتمعت به مرات عديدة، ودعا لي بدعوات، وأرشدني إلى ورد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. مات رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم سيدي أحمد البهلول
رضي الله تعالى عنه ورحمه
ثالث من قبله الطريق على الشيخ شعبان، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه كلما مر عليه يقف يقرأ الفاتحة، وكان يعظمه كثيراً، وهو الذي أشار علي بالزواج في أول أمري فقال: زوجتك زينب بنت الشيخ خليل القصبي وأقبضت عنك المهر ثلاثين ديناراً، وأعطيتك البيت، وأخدمتك أخوتها الثلاثة، ففارقته فجاءني والد الصبية، وخطبني بنفسه، ووجدت اسمها زينب، ولها ثلاثة أخوة، ووجدت البيت مقفلا على اسمها كما قال رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول لا تدفعوني إلا خارج باب القرافة في الشارع ولا تجعلوا لقبري شاهداً ودعوا البهائم، والبغال تمشي علي.
واحذروا أن تجعلوا على قبري تابوتاً أو ستراً يبقي كل من مر علني يدق تابوتي يمنعني أن أستريح في القبر فقالوا له قد عملنا لك قبراً في جامع بطيخة فقال إن قدرتم أن تحملوني ففعلوا فعجزوا أن يحركوا النعش إلى ناحية جامع بطيخة فلما حملوه لناحية القرافة خف عليهم رضي الله عنه مات رضي الله عنه سنة ثمان وعشرين وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم سيدي الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه من الراسخين في العلم، وانتهت إليه الرئاسة في علو السند بالكتب الستة وغيرها، وكان يقرأ السبع وله صوت بالمحراب لم يسمع السامعون في عصره مثله، ولما دخل السلطان ابن عثمان فريد أيام الغوري مصر طلبوا له إماماً يخطب به فأجمع رأي أهل مصر كاملا على الشيخ أمين الدين رضي الله عنه فصار يؤم به إلى أن سافر إلى الروم.
وكان رضي الله عنه ينزل من بيته يتوضأ، ويصلي ما شاء الله تعالى أن يصلي ثم يصعد الكرسي فيقرأ في المصحف قبل الفجر نحو سبعة عشر حزباً سراً فإذا أذن للصبح قرأ جهراً
قراءة تكاد تأخذ القلوب من أماكنها فمر نصراني من مباشري الديوان يوماً في السحر فرق قلبه فطلع، وأسلم على يد الشيخ رضي الله عنه، وهو يقرأ على الكرسي، وصار يبكي، وحسن إسلامه، ورأيته يصلي خلفه إلى أن مات، كان الناس يأتون إلى الصلاة خلفه من بولاق، ومن نواحي الجامع الأزهر في صلاة الصبح لحسن صوته، وخشوعه، وكثرة بكائه حتى يبكي غالب الناس خلفه، وكان سيدي أبو العباس الغمري رضي الله عنه يقول الجامع جثة، والشيخ أمين الدين رضي الله عنه روحها، ومصداق ذلك أن الناس كانوا يخرجون من الجامع في مثل خروج الحج فلم يبق في الجامع إلا هو فكأن الجامع لم يخرج منه أحد، وكان رضي الله عنه إذا سافر صار الجامع كأنه ما فيه أحد. ومما وقع لي معه أنني كنت أقابل معه في شرح البخاري في جزاء الصيد فذكر جزاء التيتل فقلت ما هو التيتل فقال هذا لوقت تنظره فخرج التيتل من المحراب فوقف على كتفي فرأيته دون الحمار، وفوق تيس المعز، وله لحية صغيرة فقال ها هو ثم دخل الحائط فقبلت رجله فقال اكتم حتى أموت، ورأيته بعد موته بسنتين فروى لي حديثاً سنده بالسرياني، ومتنه بالعربي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أدمن النوم بعد صلاة الصبح ابتلاه الله تعالى بوجع الجنب " وفي
(2/126)

رواية " ابتلاه الله في جنبه بالبعج "، ومكث رضي الله عنه سبعاً وخمسين سنة إماماً لم يدخل وقت واحد عليه، وهو على غير، وضوء، وليلة مات كان مريضاً فزحف إلى ميضأة الجامع فوقع بثيابه فيها فطلع، والناس يحاذونه فصلى بالناس المغرب وثيابه تخر ماء وبقي معه العزم إلى أن مات، وكان يلبس الثياب الزرق، والجبب السود، ويتعمم بالقطن غير المقصور، وكان رضي الله عنه يتفقد الأرامل، والمساكين، والعميان، ويتعب لهم في حوائجهم، ويجمع لهم الزكوات، ويفرقها عليهم، ولا يأخذ لنفسه شيئاً، وكان يعطي ذلك سراً، وما علم الناس بذلك إلا بعد موته. مات رضي الله عنه في سنة تسع وعشرين وتسعمائة، ودفن بتربته خارج باب النصر. لقرب من سيدي إبراهيم الجعبري رضي الله عنهما.

ومنهم سيدي أبو الحسن الغمري
رحمه الله تعالى
ابن سيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنهما: كان رضي الله عنه من الصفاء، والصلاح على جانب عظيم، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول فرعان فاقا أصلهما في الكرم، والحياء أبو الحسن، وعبد الحليم بن مصلح، وكان من أخلاقه رضي الله عنه أنه يخدم في البيت مع الخادم ويغسل الأواني، ويوقد تحت الدست، ويقرص العجين، ويكنس البيت، وكان رضي الله عنه لا يجالس أحداً إلا وقت الصلاة أو الذكر أو تلاوة القرآن أو لما لا بد منه من المصالح، وكان يستحي أن يركب في مصر حماراً أو غيره، وكان إذا ركب إلى بولاق أو مصر يركب في الغلس، ويقصد المواضع الخالية ذهاباً، وإيابا، ويقول لا أستطيع أن أركب فوق رءوس الناس أبداً، وكان رضي الله عنه إذا دعي إلى وليمة، وحضر يصير يعرق ويمسح العرق حياء من الناس، وكنا إذا سافرنا معه إلى ميت غمر أو إلى المحلة لا يأكل في المركب ولا يشرب حياء من الناس، ويقول لا يخرج لي بول، وأحد ينظر إلي، ولو على بعد، وكان لا ينام مع أحد في فراش، ولا بحضرة أحد لا في ليل ولا في نهار، ويقول أخاف أن يخرج مني ريح، وأنا نائم، صحبته نحو ثلاثين سنة إلى أن مات ما رأيته تغير علي يوماً واحد فلما انتقلت من جامعه صار يتردد إلي فأكاد أن أذوب من الخجل من مشيه إلي، ويقول أنا أشتاق إليك. مات رضي الله عنه سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، ودفن عند والده بالجامع بما المحروسة رضي الله عنهما.

ومنهم سيدي الشيخ عبيد البلقيني
رضي الله تعالى عنه
صحبته نحو عشر سنين، وكان رضي الله عنه من أرباب الأحوال، والكشف إذا أخبر عن شيء يأتي كفلق الصبح، وكان السلطان قايتباي ينزل لزيارته في بلقين فلما اتتقل إلى القاهرة كان يتردد إليه، وكذلك السلطان قانصوه الغوري، وكان رضي الله عنه إذا سمع كلام سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه أو غيره يقوم كالجمل الهائج لا يستطيع أحد أن يقعده حتى يقعد بنفسه، وكان جمالي المقام يلبس النفيس، ويأكل اللذيذ، وليس للدنيا عنده قدر فكان يخلع الجوجة، والصوف النفيس يعطيه للسائل، وحصل له جذب في أول عمره فمكث نحو الخمس عشرة سنة بلباس جلده مكشوف الرأس، والبدن لا يلتفت لتدبير بدنه حتى صار الدود يتساقط من تحت قلنسوته من محل الزيق، ولم يزل أثره ظاهراً في ناحية قفاه رضي الله تعالى عنه وعمر زماناً. ومات سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته التي أنشأها بالقرب من الجامع الأزهر المشهور بالحلاوية رضي الله عنه.

ومنهم سيدي الشيخ يوسف الحريثي
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه على قدم عظيم في اتباع السنة، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، وكان يميل إلى إخفاء العبادات جهده، وأخبرني رضي الله عنه قال: لما تزوجت أم أبي العباس مكثت أقرأ في حضنها كل ليلة ختماً مدة عشر سنين ما أظن أنها شعرت بي ليلة واحدة وأخبرني رضي الله عنه ليلة توفي فقال قد خرجت في الدنيا، وما عرفت أن أتوضأ فقلت كيف قال سألت عدة من العلماء والحفاظ عن كيفية تخليل اللحية في الوضوء فما منهم أحد عرف كيف كان صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته، وكان رضي الله عنه يقول أنا أحب في مصر ثلاثة عبد الرحمن الأجهوري المالكي، ويوسف البشلاوي وعبد الوهاب، وكان رضي الله عنه يكره لولده أبي العباس رضي الله عنه تلقينه للناس الذكر ويقول يا ولدي أيش بلانا بهذه الطريق، وكان على هضم النفس دائماً مات رضي الله عنه سنة أربع وعشرين وتسعمائة ودفن بجامع البشير رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ عبد الرزاق الترابي
رضي الله عنه ورحمه
أحد أصحاب سيدي علي النبتيتي الضرير رضي الله عنه كان رضي الله عنه على قدم عظيم من العبادة، والتقشف،
(2/127)

واعتقده الناس بعد موت سيدي علي رضي الله عنه ثم انتقل إلى ناحية الجيزة، وأقبل الناس عليه، وصنف رسائل في الطريق، وكان له النظم الرائق في أحوال القوم، وطلع رضي الله عنه لنائب مصر في شفاعة فأغلظ عليه فأقسم إنه لا ينزل من جامع القلعة إلا إن مات خير بك فطلعت فيه جمرة فمات في اليوم الثالث فنزل الشيخ. مات رضي الله عنه سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، ودفن بساقية مكة بالجيزة، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ مخلص
رضي الله تعالى عنه ورحمه
أحد أصحاب سيدي الشيخ أبي الخير بن نصر ببلاد الغربية، كان رحمه الله تعالى من الفقراء الصادقين، وكان سيدي الشيخ محمد الشناوي رضي الله عنه يعظمه، ويوقره اجتمعت به مرات عديدة، وحصل لي منه نفحات، وجدت بركتها، وكان على هدى الفقراء الأول من كثرة الصوم، وتلاوة القرآن، والإعراض عن الدنيا، وأهلها. مات رضي الله عنه سنة أربعين وتسعمائة، ودفن بابشيه الملق، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه آمين.

ومنهم الشيخ صدر الدين البكري
رضي الله تعالى عنه
أحد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه والشيخ أبي العباس الغمري رضي الله عنه، كان رضي الله عنه ذا سمت حسن قليل الكلام لا يكاد ينطق بكلمة إلا بعد تثبت، صحبته نحو عشر سنين، وحصل لي منه نفحة. وجدت بركتها. ولما حج رضي الله عنه، وزار النبي صلى الله عليه وسلم سمع رد السلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم. مات رضي الله عنه سنة ثمان عشرة، وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم سيدي الشيخ دمرداش المحمدي
رضي الله عنه
أحد جماعة سيدي عمر رويشين بمدينة توريز العجم رضي الله عنه، كان رحمه الله على قدم السلف الصالح من الأكل من عمل يده والتصدق بما فضل، وعمل الغيط المجاور لزاويته خارج مصر، والحسينية فأقام هو وزوجته في خص يغرسون فيه خمس سنين، وقال لي: ما أكلت منه، ولا واحدة لأنني زرعته على اسم الفقراء، والمساكين وابن السبيل، والسائلين، ونمت عنده ليالي فكنت لا أراه ينام من الليل إلا يسيراً ثم يقوم يتوضأ ويصلي ثم يتلو القرآن فربما يقرأ الختم كاملا قبل الفجر، وليس في مصر ثمرة أحلى من ثمرة غيطه وقسم وقفه ثلاثة أثلاث ثلث يرد على مصالح الغيط، وثلث للذرية، وثلث للفقراء القاطنين بزاويته ورتب عليهم كل يوم ختماً يتناوبونه، ويهدون ذلك في صحائف سيدي الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله عنه، وكان أمره كله جداً. مات رضي الله عنه سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ إبراهيم أخوه في الطريق
رضي الله تعالى عنه
كانت له المجاهدات فوق الحد اجتمعت به أنا وسيدي أبو العباس الحريثي رضي الله عنه مراراً كثيرة، ورأيناه على قدم عظيم إلا أنه أمي أغلف اللسان يكاد يفصح عن المقصود، وأعطى القبول التام في دولة ابن عثمان، وأقبل عليه العسكر إقبالا زائداً، وأرادوا نفيه لذلك فجمع نفسه، وعمر له قبة وزاوية خارج باب زويلة، ودفن فيها وجعل في الخلاوي المحيطة بقبته قبوراً بعدد أصحابها على طريقة مشايخ العجم، وكان يقبل علي إقبالا زائداً لكن يقول أنتم مشايخ الخير فكان لا يعجبه إلا المجاهدات من غير تخلل راحة. مات رحمه الله سنة أربعين، وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ مرشد
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه قادري الخرقة، وكان يطوي الأيام، والليالي، وأخبرني أنه مكث نحو أربعين سنة يأكل كل يوم زبيبة واحدة حتى لصق بطنه على ظهره رضي الله عنه، وكان يحبك الشدود، وغيرها، ويتقوت بذلك اجتمعت به كثيراً، وأخبرني بأمره من مبدئه إلى ذلك الوقت، ونبهني على أمور في الباطن كنت مخلابها، وحصل لي منه مدد واجتمع عليه آخر عمره طائفة السودان من الفقراء، واعتقدوه اعتقاداً زائداً مات رضي الله عنه سنة نيف وأربعين وتسعمائة، ودفن بباب الوزير بالقرب من قلعة الجبل، وله من العمر نحو المائة رحمه الله تعالى.

ومنهم الشيخ ناصر الدين أبو العمائم الزفتاوي
رضي الله تعالى عنه
أقام بالنجارية وبني بها زاوية، وبستاناً ومات بها، وكان عبداً صالحاً أحمدي الخرقة، وكان بينه، وبين سيدي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه ود، وإخاء، وكان رضي الله عنه يتعمم بنحو ثلاث برد صوف، وأكثر، وكان لسانه لهجاً بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن صحبته نحو خمس سنين، وحصل لي منه نفحات، ودعا لي بدعوات منها قوله اللهم اجعل أخي هذا من الذين لا يرضون بسواك. مات رحمه الله تعالى بالنجارية سنة تسع عشرة وتسعمائة رضي
(2/128)

الله عنه.

ومنهم الشيخ شرف الدين الصعيدي
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه صاحب كشف واجتهاد، وقيام، وصيام وطي، وكان يطوي الأربعين يوماً، وأكثر، وامتحنه السلطان الغوري، وحبسه في بيت أربعين يوماً مقفلا عليه الباب ثم فتحه فوجده قائماً يصلي. صحبته نحو ثلاث سنين آخر عمره ثم مات، ودفن بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه في تربة شرف الدين الصغير رضي الله عنه.

ومنهم سيدي الشيخ أبو القاسم المغربي الفاسي القصري
رضي الله عنه
قدم مصر سنة سبع عشرة، وتسعمائة حاجاً فصحبته إلى أن سافر ثم رجع من الحج فصحبته إلى أن سافر إلى المغرب فلما وصل إلى فاس أرسل لي كذا، وكذا كتاباً مشتملا على آداب، وإرشادات، وكان رضي الله عنه ذا خلق حسن، وكرم، وحلم لم يزل متبسماً منشرحاً، وجاء مصر في نحو خمسمائة مريد حج بهم، وكان دأبه الجهاد طول عمره إلى أن مات رحمه الله تعالى.

ومنهم سيدي علي البلبلي
رضي الله تعالى عنه
وبلبل قبيلة من عرب المغرب كان رضي الله عنه ذا سمت حسن، وخلق حسن لم يزل يسافر الحجاز، والقدس، واليمن إلى أن مات في الحجاز وكان يقيم إذا جاء مصر في الجامع الأزهر، وهو الذي قال لي جميع ما يقدم إليك من المأكل مائدة الله تعالى فكل منها بالتعظيم لمن قدمها، وميزان الشريعة بيدك من حيث الورع، ولا تتركها تهلك وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يحبه حباً شديداً.
وكذلك الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه، وغيرهما، وكان رحمه الله على قدم من الزهد، والورع، ودخل عليه مرة الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه فرآه مريضاً قد أشرف على التلف فرقد الشيخ محمد مكانه فقام سيدي علي نشطاً في الحال كأن لم يكن به مرض، ومكث سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه مريضاً نحو أربعين يوماً رحمه الله تعالى.

ومنهم الشيخ إبراهيم أبو لحاف المجذوب
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه من أوسع الناس خلقاً لا يكاد أحد قط يغضبه، ولو فعل معه ما فعل، وكان أولا مقيماً في برج من أبراج قلعة الجبل نحو عشرين سنة فلما قرب زوال دولة الجراكسة أرسل يقول للغوري تحول، وأعط مفاتيح القلعة لأصحابها فلم يلق إليه بالاً، وقال هذا مجذوب فنزل إلى مصر، وزالت دولة الجراكسة ولم يزل في مصر إلى أن مات، ودفن في قنطرة السد بالقرب من مصر العتيق في الحوش الذي هناك، وكان يقيم عندي الشهر، وأكثر فكنت أراه لا ينام شيئاً من الليل إلا قبيل الفجر، وكان رضي الله عنه يقول: طول ليله الله الله لله لا يفتر، وكان حافياً مكشوف الرأس ملتحقاً بملاءة حمراء، وبيده عصا غليظ لم تزل في حضنه، ويقول احتاج الزمان إلى هذا، ولما مددت للتسويط في أيام السلطان أحمد بسبب شخص من أكابر الدولة قيل إنه مخبأ عندي، وقف عند رأسي، وقال: لا تخف ما عليك باس غداً تقضي الحاجة أذان الظهر فلما كان الغد خرج السلطان أحمد هارباً من القتل أذان الظهر كما قال، وكنت لم أزل أسمعه يقول هذه الكلمات سبحان من خلق الخلق احتياط علم خبر فقط رحمة الله تعالى عليه.

ومنهم الشيخ محمد بن زرعة
رضي الله تعالى عنه
كان رضي، الله عنه مقيماً بمصر بقنطرة قديدار، وكان رضي الله عنه يتكلم ثلاثة أيام، ويسكت ثلاثة أيام زرته مرات، ودعا لي بدعوات منها الله يجعلك من رءوس حزب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: بعضهم، وكان سيدي عبد القادر الدشطوطي رضي الله تعالى عنه من سعاة محمد بن زرعة إذا جالت روحه في الأرض. مات رحمه الله سنة أربع عشرة، وتسعمائة، ودفن بالشباك الذي كان يقعد فيه في بيته رضي الله عنه.

ومنهم سيدي علي وحيش من مجاذيب النجارية
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال، وكان يأتي مصر، والمحلة، وغيرهما من البلاد، وله كرامات، وخوارق، واجتمعت به يوماً، في خط بين القصرين فقال لي، وديني للزلباني فوديته له فدعا لي، وقال الله يصبرك على ما بين يديك من البلوى، وأخبرني الشيخ محمد الطنيخي رحمه الله تعالى قال: كان الشيخ: وحيش رضي الله عنه يقيم عندنا في المحلة في خان بنات الخطا وكان كل من خرج يقول: له قف حتى أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج فيشفع فيه، وكان يحبس بعضهم اليوم، واليومين، ولا يمكنه أن يخرج حتى يجاب في شفاعته، وقال يوماً لبنات الخطا اخرجوا فإن الخان رائح يطبق عليكم فما سمع منهن إلا واحدة فخرجت ووقع على الباقي فمتن كلهن، وكان إذ رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة، ويقول له أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها فإن أبي شيخ البلد تسمر في
(2/129)

الأرض لا يستطيع يمشي خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم، والناس يمرون عليه، وكان له أحوال غريبة، وقد أخبرت عنه سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه فقال هؤلاء يحيلون للناس هذه الأفعال، وليس لها حقيقة. مات رحمه الله تعالى بالنجارية سنة سبع عشرة وتسعمائة رضي الله عنه.

ومنهم سيدي الشريف المجذوب
رضي الله تعالى عنه، ورحمه
كان رضي الله عنه ساكناً تجاه المجانين بالمارستان المنصوري، وكان له كشف، ومثاقلات للناس الذين ينكرون عليه، وكان رضي الله عنه يأكل في نهار رمضان، ويقول أنا معتوق أعتقني ربي، وكان كل من أنكر عليه يعطبه في الحال، وأرسل لي مرة رغيفاً مع إنسان، وقال قل له يأكل هذا الرغيف، وطوى فيه مرض سبعة، وخمسين يوماً فلم يأكله فأكله القاصد فمرض سبعة، وخمسين يوماً فقال للقاصد لا تخف إن شاء الله تعالى أصطاده في مرة أخرى فلم يقدر له ذلك، وكان رضي الله عنه يتظاهر يبلع الحشيش فوجدوها يوماً حلاوة، وكان قد أعطاه الله تعالى التمييز بين الأشقياء، والسعداء في هذه الدار، وكان أصله جمالا عند بعض الأمراء ثم حصل له الجذب، وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه جاءه الشريف ورد عنه الطعنة، وقال لم يجئني أحد في مصر غير الشريف فكان لا ينساها له ثم إنهم طعنوه مرة أخرى فأصابته، وذلك أن الشفاعات كثرت على سيدي علي الخواص رضي الله عنه أيام السلطان ابن عثمان وكان أصحاب النوبة بمصر عجماً فكانوا لم يزالوا يعارضونه، ويعارضهم فطعنوه بخنجر في مشعره ولم يزل به إلى أن مات بعد ثلاثين يوماً رضي الله عنه.

ومنهم سيدي علي الدميري المجذوب
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه جالساً ليلا، ونهاراً، على دكان يباع الرقاق تجاه حمام المارستان، وكان رضي الله عنه لا يتكلم إلا نادراً، وكان مكشوف الرأس ملفوفاً في بردة كلما تتقطع يبدلونها له بأخرى أقام على هذه الحالة نحو عشرين سنة وكان كلما رآني تبسم. مات رضي الله عنه سنة خمس، وعشرين وتسعمائة، ودفن بالمسجد الذي بقرب باب النصر اليشبكي، وقبره ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم شيخي، وأستاذي سيدي علي الخواص البرلسي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان رضي الله عنه أمياً لا يكتب، ولا يقرأ، وكان رضي الله عنه يتكلم على معاني القرآن العظيم، والسنة المشرفة كلاماً نفيساً تحير فيه العلماء، وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو، والإثبات فكان إذا قال قولا لا بد أن يقع على الصفة التي قال، وكنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم فما كان قط يحوجهم إلى كلام بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلم فيقول: طلق مثلا أو شارك أو فارق أو اصبر أو سافر أو لا تسافر فيتحير الشخص، ويقول من أعلم هذا بأمري، وكان له طب غريب يداوي به أهل الاستسقاء، والجذام، والفالج، والأمراض المزمنة فكل شيء أشار باستعماله يكون الشفاء فيه. وسمعت سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه يقول: الشيخ علي البرلسي أعطي التصريف في ثلاثة أرباع مصر، وقراها وسمعته يقول: مرة أخرى لا يقدر أحد من أرباب الأحوال أن يدخل مصر إلا بإذن الشيخ علي الخواص رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يعرف أصحاب النوبة في سائر أقطار الأرض، ويعرف من تولى منهم ساعة، ولايته ومن عزل ساعة عزله ولم أر هذا القدم لأحد غيره من مشايخ مصر إلى، وقتي هذا، وكان له اطلاع عظيم على قلوب الفقراء فكان يقول: فلان اليوم زاد فتوحه بهذا كذا دقيقة، وفلان نقص اليوم كذا كذا، وفلان فتح عليه بفتوح يدوم إلى آخر عمره، وفلان يدوم فتحه سنة أو شهراً أو جمعة فيكون الأمر كما قال. ومر عليه فقير فتح عليه بفتوح عظيم فنظر إليه، وقال هذا فتوجه يزول عن قريب فمر على ذلك الفقير شخص من أرباب الأحوال فازدراه، ونقصه بكلمات فراح ذلك الشخص إلى ذلك الفقير، ودار له نعله فسلبه ذلك الفتوح فقال: له الشيخ يا ولدي قلة الأدب لا يمكث معها فتوح، ولم يزل مسلوباً إلى أن مات، وكان رضي الله عنه يعظم أرباب الحرف النافعة في الدنيا كالسقاء، والزبال، والطباخ، والفيخراني ومقدم الوالي، ومقدم أمير الحاج، والمعداوي، والطوافين على رءوسهم بالبضائع، ويدعو لهم، ويكرمهم وكان رضي الله عنه يعظم العلماء، وأركان الدولة، ويقوم لهم، ويقبل أيديهم، ويقول: هذا أدبنا معهم في هذه الدار، وسيعلمنا الله تعالى الأدب معهم إذا، وصلنا إلى دار الآخرة، وكان إذا علم من أحد من أرباب الدولة أو غيرهم أنه قاصد السلام عليه يذهب إليه
(2/130)

قبل أن يأتي، ويقول كل خطوة يمشيها الناس إلى الفقير تنقصه من مقامه درجة فقيل له فكيف تذهب أنت إليهم فقال: أنا أذهب، وأسأل الله تعالى: لهم أن لا ينقص درجتهم فإن أجري على الله تعالى لا عليهم، وكان رضي الله عنه أولا طوافاً يبيع الصابون، والجميز، والعجوة، وكل ما وجد ثم فتح دكان زياتة سين عديدة ثم صار يضفر الخوص إلى أن مات، وكان لا يأكل شيئاً من طعام الظلمة، وأعوانهم، ولا يتصرف في شيء من دراهمهم في مصالح نفسه أو عياله إنما يضعه عنده للنساء الأرامل، والشيوخ، والعميان، والعاجزين عن الكسب، ومن ارتكبتهم الديون فيعطيهم من ذلك ما قسم، وورمت عيناه مرة، ورماً شديداً، وهو يضفر الخوص فأتاه شخص من أصحابنا بدراهم، وقال يا سيدي أنفقها، واسترح حتى تطيب عيناك فردها، وقال: والله أنا في هذا الحال، ولا تطيب نفسي بكسب نفسي فكيف بكسب غيري.
وكان رضي الله عنه يعامل الخلق على حسب ما في قلوبهم لا على حسب ما في، وجوههم.
ومر عليه مرة شخص من الفقراء، والنور يخفق من وجهه فنظر إليه الشيخ فقال: اللهم اكفنا السوء إن الله إذا أراد بعبد خيراً جعل نوره في قلبه وظاهر جسده كآحاد الناس، وإذا أراد به سوءاً أظهر ما في قلبه على وجهه وجعل قلبه مظلماً، وكان رضي الله عنه يكنس المساجد، وينظف بيوت الأخلية، ويحمل الكناسة تارة، ويخرجها إلى الكوم احتساباً لوجه الله تعالى كل يوم جمعة، وكان يكنس المقياس في كل سنة ثاني يوم نزول النقطة، وينفق على أصحابه ذلك اليوم نفقة عظيمة يقبض من عبه الدراهم، ويعطيها كل من رآه من المستحقين، ويزن عنهم كراء المعدية، وهم نحو مائة نفس ثم يفرق السكر، والخشكنان على أهل المقياس، وجيرانه ثم ينزل فيكشف رأسه، ويتوضأ من المقياس، ويصير يبكي، ويتضرع ويرتعد كالقصبة في الريح ثم يطلع يصلي ركعتين، ويأمر كل واحد من أصحابه أن ينزل ثم يكنس السلم بمشط من حديد، ويخرج الطين الذي فيه بنفسه لا يمكن أحداً يساعده فيه. وكان يقال إن خدمة النيل كانت عليه، وأمر طلوع النيل، ونزوله ورى البلاد، وختام الزرع كل ذلك كان بتوجهه فيه إلى الله تعالى، وكان أولياء عصره تقر له بذلك. ولما دخل ابن عثمان مصر أرسل له فقيراً ينظركم معه من أصحاب النوبة فذهب، ورجع فقال معه سبعة فقال، والله مغفر يرجع إلى بلاده سالماً، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه إذا جاءه أهل الحوائج الشديدة كشخص رسم السلطان بشنقه أو مسكه الوالي بزغل أو حرام أو نحو ذلك يرسل صاحب الحاجة للشيخ علي رضي الله عنه، ويقول نحن ما معنا تصريف في هذا البلد فتقضي الحاجة. وجاءته امرأة مرة، وأنا قاعد فقالت يا سيدي نزلوا بولدي يشنفونه على قنطرة الحاجب فقال اذهبوا بسرعة للشيخ علي البرلسي رضي الله عنه فذهبت إليه أمه فقال: روحي معه، وإن شاء الله تعالى يلحقه القاصد من السلطان قبل الشنق فهو طالع قنطرة الحاجب للشنق، وإذا بالشفاعة جاءت فأطلق، ورأى الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه ليلة بلاء عظيماً نازلا على مصر فأرسل للشيخ علي فقال الله لا يبشره بخير، ولكن توافى البركة فجاء جان بلاط المؤتمر محتسب مصر فأخذ الشيخ علياً من الدكان، وضربه مقارع، وخزمه في كتفه، وأنفه، ودار به مصر وبولاق فلما صلى الشيخ محمد رضي الله عنه الظهر، ورأى البلاء ارتفع قال روحوا انظروا أيش جرى للشيخ علي فراحوا فوجدوه على تلك الحال فردوا على الشيخ محمد رضي الله عنه الخبر فقال الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يتحمل عنها البلايا، والمحن ثم خر ساجداً لله عز وجل، وكان إذا وقع نوء أيام زهر الفواكه لا ينام تلك الليلة، وهو يتضرع، ويبكي، ويسأل الله تعالى في رفعه، وكان رضي الله عنه يملأ أوعية الكلاب دائماً في حاراته، وغيرها، وكان لا يراه أحد قط يصلي الظهر في جماعة، ولا غيرها بل كان يرد باب حانوته، وقت الأذان فيغيب ساعة ثم يخرج فصادفوه في الجامع الأبيض برملة لد في صلاة الظهر، وأخبر الخادم أنه دائماً يصلي الظهر عندهم، وكانت مدة صحبتي له عشر سنين فكأنها كانت ساعة، وله كلام نفيس رقمنا غالبه في كتابنا المسمى بالجواهر، والدرر كل جواب منه يعجز عنه فحول العلماء حتى تعجب من كتب عليه من العلماء كسيدي الشيخ شهاب الدين الفتوحي الحنبلي رضي الله عنه، وسيدي الشيخ شهاب الدين بن الشلبي الحنفي رضي الله عنه، وسيدي الشيخ ناصر الدين اللقاني المالكي رضي الله عنه، والشيخ شهاب الدين الرملي الشافعي رضي الله عنه، وغيرهم وقال الشيخ شهاب الدين الفتوحي رضي الله عنه لي سبعون سنة أخدم العلم فما أظن قط أنه خطر على بالي لا السؤال، ولا الجواب من هذا الكتاب
(2/131)

يعني الجواهر، والدرر، وكان له جبة، واحدة، وشاش صغير على زنط يغسل العمامة، والجبة في السنة مرة واحدة بالملح، ويقول: نوفر الصابون لغيرنا من الفقراء، وكان إذا اشتهت نفسه الدسم أخذ عظم الأذناب من قاعة العظام، وصلقها ثم قطف الدهن وكب ماءها ثم طبخ به القمح، والرز هذا كان لحمه، ويقول: الأذناب لا تصيبها العيون، ولا أحد ينظر إليها، وكان رضي الله عنه يقول: لا يسمى عالماً عندنا إلا من كان علمه غير مستفاد من نقل أو صدر بأن يكون خضري المقام، وأما غير هذا فإنما هو حاك لعلم غيره فقط فله أجر من حمل العلم حتى أداه لا أجر العالم، والله لا يضيع أجر المحسنين ثم قال من أراد أن يعرف
مرتبته في العلم يقيناً لا شك فيه فليرد كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه فما وجده معه فهو علمه، وأظن أن لا يبقى معه إلا شيء يسير لا يسمى به عالماً، وكان يقول: لا يصير الرجل عندنا مصموداً من أهل الطريق إلا إن كان عالماً بالشريعة المطهرة جملها، ومبينها ناسخها، ومنسوخها خاصها، وعامها، ومن جهل حكماً واحداً منها سقط عن درجة الرجال فقلت له إن غالب مسلكي هذا الزمان على هذا ساقطون عن درجة الرجال فقال نعم إن هؤلاء يرشدون الناس إلى بعض أمور دينهم، وأما المسلك فهو من لو انفرد في جميع الوجود لكفى الناس كلهم من العلم في سائر ما يطلبونه، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى قول الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه حين رأى رب العزة جل جلاله في منامه فقال: يا رب بم يتقرب إليك المتقربون؟ قال يا أحمد بتلاوة كلامي قال يا رب بفهم أم بغير فهم؟ قال يا أحمد بفهم، وبغير فهم المراد بفهم ما يتعلق بعلماء الشريعة، وبغير فهم ما يتعلق بعلماء الحقيقة فإن العلماء ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلا بالفكر والنظر وأما العارفون فطريقهم إلى فهمه الكشف، والتعريف الإلهي وذلك لا يحتاج إلى تفهم فقيل له فما تقول: فيمن يقرؤه من العوام من غير فهم فقال: قد صح أن له بكل حرف عشر حسنات، فتحت قوله، وبغير فهم مسألتان، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا حفت العناية الإلهية عبداً صار كل ذرة من عمره تقاوم ألف سنة من عمر غيره، وإذا تخلفت العناية عن عبد صار كل ألف ذرة من عمره لا تساوي ذرة من عمر غيره، وكان يقول: ونحن في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة جميع أبواب الأولياء قد تزحزحت للغلق، وما بقي الآن مفتوحاً إلا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلوا كل ضرورة حصلت لكم به صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: لا يكمل الفقير في باب الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصير مشهوداً له في كل عمل مشروع ويستأذنه في جميع أموره من أكل، ولبس، وجماع، ودخول، وخروج فمن فعل ذلك فقد شارك الصحابة في معنى الصحبة، وكان رضي الله عنه يقول: لو شهد المعتزل عن الناس أن الناس خير منه ما اعتزل عنهم بل كان يطلب الخلطة بهم، ويتعلم من أخلاقهم، وكان يقول: في قولهم بئس الفقير بباب الأمير هذا في حق من يأتي الأمير يسأله الدنيا فإن كان لشفاعة، ونحوها فنعم الفقير بباب الأمير وكان يقول: من أدب الزائر أن لا يشغل المزور عن الله تعالى بدخوله عليه إما لقوة حال المزور، وإما أن يكون، وقت فراغ. قلت، ويقاس على ذلك تعطيله عن الحرفة التي تكفه عن سؤال الناس، وكان رضي الله عنه يقول: أيضاً من أدب الزائر أن لا يزور أحداً إلا إن كان يعرف من نفسه القدرة على كتمان ما يرى في المزور من العيوب، وإلا فترك الزيارة أولى، وكان رضي الله عنه يقول: سمعت سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول شجرة الحنظل فكلما ازداد رياً ازداد مرارة، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى حديث " إن الله يكره الحبر السمين " أي لأن المراد بالحبر العالم، وسمنه يدل على قلة، ورعه، وعمله بعلمه. فلو تورع لم يجد شيئاً في عصره يسمن به، وكان رضي الله عنه يقول: الراسخ في العلم واقف، ولو لم يرسخ لدام ترقيه " وما يذكر إلا أولوا الألباب " " البقرة: 269 ". مرتبته في العلم يقيناً لا شك فيه فليرد كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه فما وجده معه فهو علمه، وأظن أن لا يبقى معه إلا شيء يسير لا يسمى به عالماً، وكان يقول: لا يصير الرجل عندنا مصموداً من أهل الطريق إلا إن كان عالماً بالشريعة المطهرة جملها، ومبينها ناسخها، ومنسوخها خاصها، وعامها، ومن جهل حكماً واحداً منها سقط عن درجة الرجال فقلت له إن غالب مسلكي هذا الزمان على هذا ساقطون عن درجة الرجال فقال نعم إن هؤلاء يرشدون الناس إلى بعض أمور دينهم، وأما المسلك فهو من لو انفرد في جميع الوجود لكفى الناس كلهم من العلم في سائر ما يطلبونه، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى قول الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه حين رأى رب العزة جل جلاله في منامه فقال: يا رب بم يتقرب إليك المتقربون؟ قال يا أحمد بتلاوة كلامي قال يا رب بفهم أم بغير فهم؟ قال يا أحمد بفهم، وبغير فهم المراد بفهم ما يتعلق بعلماء الشريعة، وبغير فهم ما يتعلق بعلماء الحقيقة فإن العلماء ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلا بالفكر والنظر وأما العارفون فطريقهم إلى فهمه الكشف، والتعريف الإلهي وذلك لا يحتاج إلى تفهم فقيل له فما تقول: فيمن يقرؤه من العوام من غير فهم فقال: قد صح أن له بكل حرف عشر حسنات، فتحت قوله، وبغير فهم مسألتان، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا حفت العناية الإلهية عبداً صار كل ذرة من عمره تقاوم ألف سنة من عمر غيره، وإذا تخلفت العناية عن عبد صار كل ألف ذرة من عمره لا تساوي ذرة من عمر غيره، وكان يقول: ونحن في سنة إحدى وأربعين وتسعمائة جميع أبواب الأولياء قد تزحزحت للغلق، وما بقي الآن مفتوحاً إلا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلوا كل ضرورة حصلت لكم به صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: لا يكمل الفقير في باب الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصير مشهوداً له في كل عمل مشروع ويستأذنه في جميع أموره من أكل، ولبس، وجماع، ودخول، وخروج فمن فعل ذلك فقد شارك الصحابة في معنى الصحبة، وكان رضي الله عنه يقول: لو شهد المعتزل عن الناس أن الناس خير منه ما اعتزل عنهم بل كان يطلب الخلطة بهم، ويتعلم من أخلاقهم، وكان يقول: في قولهم بئس الفقير بباب الأمير هذا في حق من يأتي الأمير يسأله الدنيا فإن كان لشفاعة، ونحوها فنعم الفقير بباب الأمير وكان يقول: من أدب الزائر أن لا يشغل المزور عن الله تعالى بدخوله عليه إما لقوة حال المزور، وإما أن يكون، وقت فراغ. قلت، ويقاس على ذلك تعطيله عن الحرفة التي تكفه عن سؤال الناس، وكان رضي الله عنه يقول: أيضاً من أدب الزائر أن لا يزور أحداً إلا إن كان يعرف من نفسه القدرة على كتمان ما يرى في المزور من العيوب، وإلا فترك الزيارة أولى، وكان رضي الله عنه يقول: سمعت سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه يقول: زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول شجرة الحنظل فكلما ازداد رياً ازداد مرارة، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى حديث " إن الله يكره الحبر السمين " أي لأن المراد بالحبر العالم، وسمنه يدل على قلة، ورعه، وعمله بعلمه. فلو تورع لم يجد شيئاً في عصره يسمن به، وكان رضي الله عنه يقول: الراسخ في العلم واقف، ولو لم يرسخ لدام ترقيه " وما يذكر إلا أولوا الألباب " " البقرة: 269 ".
وسئل رضي الله عنه عن المراد بالسر الذي، وقر في صدر أبي بكر رضي الله عنه فقال: هو عدم، وقوفه مع الوسائط فكان مع الله عز وجل، وكان يرى محمداً صلى الله عليه وسلم طريقاً يجري له الخير منها كحكم المريد مع شيخه إذا كمل المريد، وقد ظهر ذلك السر يوم موته صلى الله عليه وسلم فإنه ثبت، وخطب الناس وحضهم، ولم يظهر عليه تأثير كما وقع لعمر رضي الله عنه، ولغيره من الصحابة، وكان رضي الله عنه يقول: ليس لفقير أن يدخر قوت العام إلا إن كان على بصيرة بأن ذلك قوته، وحده، وليس لأحد فيه نصيب فإن لم يكن على بصيرة فليس له أن يدخر لأن سبب ذلك إنما هو شح في الطبيعة فإن أطلعه الله تعالى على أن هذا المدخر رزق قوم آخرين لا يصل إليهم
(2/132)

إلا على يديه فله الادخار لهذا الكشف. فإن علم أنه رزق قوم، ولكن لم يطلعه الله على أن ذلك يكون على يديه فلا ينبغي له إمساكه فإن أطلعه الله تعالى على أن ذلك لا يصل إليهم إلا على يديه لكن في زمان معين فهو بالخيار إن شاء أمسكه إلى ذلك الوقت، وإن شاء أخرجه عن يده فإنه ما هو حارس، ولا أمره الحق لإمساكه، وإذا، وصل إلى ذلك الوقت المعين فإن الحق تعالى يرده إلى يده حتى يوصله إلى صاحبه. قلت، وهذا أولى لأنه بين الزمانين يكون غير موصوف بالادخار لأنه خزانة الحق ما هو خازن الحق وكان رضي الله عنه يقول: لا تبدءوا أحداً بهدية إلا إن كان فقيراً محتاجاً أو لا يتكلف للمكافأة فإن من بدأ من يكافئه أساء في حقه لأنه عرضه لكلفة المكافآة، وكان يقول: لا تقوموا لأحد من الإخوان، وغيرهم إلا إذا علمتم منهم عدم الميل إلى القيام فإن من قام لمن يحب القيام كبر نفسه بغير حق، وأساء في حقه من حيث لا يشعر، وكان رضي الله عنه يقول: يكفي الفقير في هذه الأيام حجة الإسلام، ولا ينبغي له الزيادة على ذلك إلا إن كان خالياً من منة الناس عليه لا يطرق عليه قلبه تكدير من التجار الذين لم يحسنوا إليه إذ جاع أو عجز عن المشي، ونحو ذلك لأن الله تعالى شرط الاستطاعة في الحج نفله، وفرضه، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " يدخل فيه العالم أو المسلك إذا لم يعمل بعلمه في نفسه ولكن أفتى ودل الناس على طريق الله عز وجل، وكذلك يدخل فيه العالم، والعابد إذا لمس هذا في الدنيا طول عمرهما فلما قربت، وفاتهما مالا إلى الدنيا، وأحباها، وجمعا المال من غير حله فيموتان على ذلك فيحشران مع الفجار الخارجين عن هدى العلماء العاملين.
وكان رضي الله عنه يقول: إنما كان مشايخ القوم يجيبون تلامذتهم من قبورهم دون مشايخ الفقهاء في الفقه لصدق الفقراء في اعتقادهم في أشياخهم دون الفقهاء. فلو صدق الفقيه لأجابه الإمام الشافعي رضي الله عنه، وخاطبه مشافهة وكان رضي الله عنه يقول: جميع المنافع التي أوجدها الله تعالى في هذه الدار إنما أوجدها بالأصالة لتسبح بحمده، وأما انتفاع عباده بها فإنما هو بحكم التبعية، ومن قال بعكس ذلك فهو مكر، واستدراج وكان يقول: منع قوم التفكر للمبتدئ، وهو كلام من لا تحقيق عنده، والحق أنه ينفع المبتدئ لأن القلب أو النفس أو الروح أو السر أو غيرها من المعاني الباطنة يألفون صفاتهم الباطنة فإذا ألفوا التفكر ولد وهماً، والوهم، ولد خيالا، والخيال يولد علماً، والعلم يولد يقيناً.
فلا يزال العبد المتفكر يترقى بهمته، وفكره حتى يبلغ درجات الكمال فإذا كمل أخذ ما كان يدركه بالفكر من طريق كشفه، وتعريفه ولا يحتاج بعد ذلك إلى تفكر، ولو أنه أراد التفكر لم يجد ما يتكفر فيه مع أنه، في حال كماله يدرك في الزمن الفرد من العلوم، والمعارف ما لا يعلم، ولا يوصف، وكان يقول: ليس لفقير الدخول بنفسه في مواطن التهم بل من شأن الفقير أن يخاف على نفسه من مواطن التهم أكثر مما يخاف من وجود الألم لأن مواطن التهم توجب السقم على القلب. كما توجب الأغذية الفاسدة السقم على البدن لا سيما وأطباء القلوب قليل، ومواطن التهم كثيرة، وإن كنت برياً فإنها تحكم عليك كما تحكم الشمس بضيائها وحرها على الأمكنة، وهي برية من النور، والحر، وكان يقول: إنما أبر الحق تعالى بأنه أقرب جار لنا بشارة بإفاضة فضله، ورحمته علينا قبل كل أحد من الخلق فنحن أقرب إلى عفوه، ومغفرته، وفضله ومسامحته لأنه أولى من وفي بحق الجوار، وإن كنا نحن لم نوف به، وكان رضي الله عنه يقول: عداوتنا لأفعال من أمر الحق بعداوته عداوة شرعية، وعداوتنا لذاته عداوة طبيعية، والسعادة في الشرعية لا في الطبيعة، وكان رضي الله عنه يقول: كما لم يجب الحق تعالى عبده في كل مسألة كذلك العبد لم يطعه في كل ما أمره جزاء وفاقاً، وكان رضي الله عنه يقول: يجب على الفقير أن يذكر لشيخه أمراضه الباطنة وإن كانت قبيحة ليدله على طريق شفائه منها، وإن لم يفعل.
وترك ذلك حياء طبع فربما مات بدائه لأن حياء الطبع مذموم لكون الإفصاح عن المرض فيه زوال رياستها، وذمها، وقع للشيخ زون بهار المدفون بالقرافة بالقرب من سيدي يوسف العجمي رضي الله عنه أنه كان يصعق في حب الله تعالى فتضع الحوامل ما في بطنها من صعقته فحول الله تعالى ذلك إلى حب امرأة من البغايا فجاء إلى الصوفية ورمى لهم الخرقة، وقال لا أحب أن كذب في الطريق إن واردى تحول إلى حب فلانة ثم صار يحمل لها العود، ويركبها، ويمشي في خدمتها إلى أن تحول الوارد إلى محبة الحق بعد عشر شهور فجاء إلى الصوفية فقال ألبسوني
(2/133)

الخرقة فإن، واردى رجع عن محبة فلانة فبلغها ذلك فتابت، ولزمت خدمته إلى أن ماتت، وكان رضي الله عنه يقول: كل ما جاءك من الحق تعالى من أمور الدنيا، والآخرة من غير سؤال أو بسؤال عن إذن إلهي فهو منة من الله تعالى عليك، ولا حساب عليك بسببه إن شاء الله تعالى بخلاف ما جاء من غير هذين الطريقين، وكان يقول: ليس مما يصيب الأطفال، والبهائم من الأمراض كفارة لها لعدم معصيتها، وإنما هو في البهائم لكونها تطعم، وتسقى في غير وقته أو غير ما تشتهي أو لا تقتصر في الأكل على الحاجة بل تزيد ثم تستخدم مع ذلك فتتعب أبدانها لا سيما في شدة الحر، والبرد وأما في الأطفال فلأن الحوامل من النساء، والمرضعات يأكلن، ويشربن بشر، وحرص أكثر ما ينبغي من ألوان الطعام، والشراب فيتولد في أبدانها أخلاط غليظة مضادة للطباع فيؤثر ذلك في أبدان الأجنة التي في بطونهن، وفي أبدان أطفالهن من اللبن الذي هو فاسد، ويكون ذلك سبباً للأمراض، والأعلال، والأوجاع من الفالج، والزمانات، واضطراب البنية، وتشويه الخلقة، وسماجة الصورة ثم قال، ومن أراد السلامة من ذلك فلا يأكل، ولا يشرب إلا في وقت الحاجة بقدر ما ينبغي من لون واحد بقدر ما يسكن ألم الجوع ثم يستريح، وينام ويمتنع من الإفراط في الحركة، والسكون، وكان رضي الله عنه يقول: في حديث " إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي " إنما لم ينفعه بكاؤه، ولا توبته لأنه لا يمكنه أن يبكي إلا بوجه، واحد، وذلك أن له وجهين، وجه يمد به العصا فلا يمكنه التوبة من هذا الوجه طرفة عين لأن الوجود لا يخلو عن عاص فيكل لمحة ووجه يؤدي منه عبوديته لله عز وجل إذ هو متصرف بمشيئة الله عز وجل في أصحاب قبضة الشقاء، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله تعالى: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " " البقرة: 30 "، مقاولة الحق تعالى لعباده تخلف باختلاف العوالم التي يقع بها التقاول فإن كان واقعاً في العالم المثالي فهو شبيه بالمكالمة الجسمية، وذلك بأن يتجلى لهم الحق تعالى تجلياً مثالياً كتجليه في الآخرة بالصور المختلفة كما نطق به حديث التحول، وإن كان التقاول، واقعاً في عالم الأرواح من حيث تجردها فهو كالكلام النفسي فيكون قول الله للملائكة على هذا إلقاء في قلوبهم للمعنى المراد، وهو جعل آدم خليفة في الأرض دونهم، ويكون قولهم هو عدم رضاهم وإنكارهم الناشئين من احتجاجهم بروية نفوسهم، وتسبيحهم عن مرتبة من هو أكمل منهم باطلاعهم على نقائصه دون كماله. ثم قال، ومن أمعن النظر فيما ذكر تفطن لفهم كلام الله تعالى، وعلم مراتبه وأنه تعالى عين المتكلم في مرتبته، ومعنى قائم به في أخرى كالكلام النفسي فإنه يركب من الحروف ومعبر عنه بها في عالمي المثال، والحس.
وكان رضي الله عنه يقول: الممنوع من رؤية الجان إنما هو في صورتهم التي خلقهم الله تعالى عليها، وإذا أراد الحق تعالى أن يطلع أحداً من عبيده على رؤيتهم من غير إرادة منهم رفع سبحانه، وتعالى الحجاب عن عين الرائي فيراهم، وقد يأمر الله تعالى الجن بالظهور لنا فيتجسدون لنا فنراهم رأى العين. ثم إذا رأيناهم فتارة يكونون على صورهم في أنفسهم وتارة يكونون على صورة البشر أو غيرها فإن لهم التشكل في أي صورة شاءوا كالملائكة وقد أخذ الله تعالى بأبصارنا عنهم فلا نراهم إلا إذا كشف الحجاب لنا مع حضورهم في مجالسنا، وحيث كنا، قال، وأصواتهم لا تشبه أصواتنا من كل وجه بل هي مختلفة، وذلك لأن أجسامهم لطيفة فلا يقدرون على مخارج الحروف الكثيفة لأنها تطلب انطباقاً، وصلابة، وحصول العلم لنا من كلامهم إنما هو لنطقهم بمثال حروفنا لا بحقيقتها هذا حكم كلامهم ما داموا في صورهم الأصلية، وأما إذا دخلوا في غير صورهم فالحكم للآلة التي دخلوها من إنسان أو بهيمة أو غير ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: من تحقق بكتم الأسرار سمع كلام الموتى، ورأى ما هم فيه، وتأمل البهائم لما لم تكن من عالم التعبير كيف سمعت عذاب الموتى وكان يقول: صدقة السر ما جهلت معناه، ولم يعلم خاطرك ما هو، والسر يتنوع باختلاف مقامات العارفين فربما يكون سر إنسان جهراً بالنسبة لإنسان آخر، وكان يقول: إذا توجهت إلى الله تعالى في حصول أمر دنيوي أو أخروي فتوجه إليه، وأنت فقير ذليل فإن غناك، وعزتك يمعنانك الإجابة، وإن كان بالله عز وجل لأن الغنى والعز صفتان لا يصح للعبد الدخول بهما على الله تعالى أبداً لأن حضرة الحق تعالى لها العزة ذلتية فلا تقبل عزيزاً، ولا غنياً، وهذا أمر من ذاقه لا يمكنه أن ينكره من نفسه، وكان رضي الله عنه يقول: آفة العقل الحذر، وآفه الإيمان الإنكار، وآفة الإسلام العلل، وآفة العمل الملل، وآفة العلم النفس وآفة الحال الأمن وآفة العارف الظهور وآفة العقل الجور وآفة المحبة الشهوة
(2/134)

وآفة التواضع المذلة، وآفة الصبر الشكوى، وآفة التسليم التفريط، وآفة الغنى الطمع، وآفة العز البطر، وآفة الكرم السرف الزائد، وآفة البطالة الفقر، وآفة الكشف التكلم وآفة الاتباع التأويل، وآفة الأدب التفسير وآفة الصحبة المنازعة، وآفة الفهم الجداد، وآفة المريد التسلل على المقامات، وآفة الانتفاع التسلق، وآفة الفتح الالتفات وآفة الفقيه الكشف، وآفة المسلك الوهم، وآفة الدنيا شدة الطلب، وآفة الآخرة الإعراض، وآفة الكرامات الاستدراج، وآفة الداعي إلى الله تعالى الميل إلى الرياسة، وآفة الظلم الانتشار وآفة العدل الانتقام، وآفة التقيد الوسوسة، وآفة الإطلاق الخروج عن الحدود، وآفة الحديث النقص. وكان رضي الله عنه يقول: إنما سمي المجذوب مجذوباً لأن العبد لم يزل يتعشق حاله، ويألفه، ولا ينجذب عنه إلا بما هو أقوى منه وإذا أراد الله تعالى أن يخلص عبداً، ويستخلصه لنفسه جذبه عما كان، واقفا معه من أمر الدنيا، والآخرة فإذا تعشق بما جذبه الحق إليه ثانياً جذبه عنه ثالثاً، وإنما فعل الحق تعالى ذلك لعبده لينبه العبد على أن جميع حركاته معلولة، وربما زها العبد بالقوة الإلهية التي أعطاها الحق تعالى له فإذا زها العبد قال له الحق ما جذبتك عن ميل منك لي، وإنما هو لشدة تعشق نفسك لأحوالها الناقصة فلولا وجود الحلاوة، والالتذاذ في نفسك ما جذبتك فلنفسك سعيت لا لي، وكان رضي الله عنه يقول: إياك والفرار من حال أقامك الله فيه فإن الخيرة فيما اختاره الله تعالى لك، وتأمل السيد عيسى عليه السلام لما فر من بني إسرائيل حين عظموه، وأطروه كيف عبد من دون الله تعالى فوقع في حال أشد مما فر منه.
ثم قال وأصل اختيار العبد مع الحق إنما هو لظن العبد أنه مخلوق لنفسه، والحق تعالى ما خلق العبد إلا له تعالى فلا يعطي تعالى لعبده إلا ما يصلح أن يكون له تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة العلم الإلهي أن تمجه العقول، والأفكار، ولا تقبله إلا بالإيمان فقط، وذلك لأنه برز من حضرة الموت الأكبر الذي هو موت النفوس، والنفس تنفر من الموت لأنه يلحقها بالعدم، وكان رضي الله عنه يقول: من منذ خلق الله العالم ما يحلي قط في جلاله الصرف وإنما تجلى في جلال جماله وكان رضي الله عنه يقول الخلوة بالله وحده لا تكون إلا للقطب الغوث في كل زمان فإذا فارق هيكله المنور بالانتقال إلى الدار الآخرة انفرد الحق تعالى بشخص آخر مكانه لا ينفرد بشخصين قط في زمان، واحد. قال، وهذه الخلوة وردت في الكتاب، والسنة، ولكن لا يشعر بها إلا أهل الله تعالى خاصة. قلت، ورأيت هذا بعينه في كلام الشيخ محيي الدين رضي الله عنه أيضاً قال: وأما خلوة غير القطب فلا تكون بالله، وإنما هي لمزيد الاستعداد، والبعد عمن يشغله عن الطاعات من المخلوقين لا غير، وكان رضي الله عنه يقول: لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب، ويسري منه الإيمان في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أنفسهم، وأموالهم، وأهليهم من غير أن يتخلل ذلك الأمان تهمة.
وكان رضي الله عنه يقول: أكمل الإيمان ما كان عن تجل إلهي لأنه حينئذ على صورة إيمان الرسل عليهم الصلاة، والسلام، ودونه ما كان عن دليل فلما علم الصحابة رضي الله عنهم أن إيمان الرسل عليهم الصلاة، والسلام لا يكون عن دليل لم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة إيمانه وذلك لأن حقيقة الرسالة تقتضي أن لا دليل عليها. وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الحق في التوحيد العام كنحن معهم إذ هم مأمورون كما نحن مأمورون إذ هم مقلدون للحق ونحن مقلدون لهم، وكان رضي الله عنه يقول: من تحقق برتبة الإيمان علم أن جميع المراتب تصاحب رتبة الإيمان كمصاحبة الواحد لمراتب الأعداد الكلية، والجزئية إذ هو أصلها الذي بنيت عليه فروعها وثمارها، وكان رضي الله عنه يقول لا يوصف الملأ الأعلى، والأرواح العلا بأنهم أولياء، ولا أنبياء كصالحي الآنس، والجن لأنهم لو كانوا أنبياء، وأولياء ما جهلوا الأسماء، وكان رضي الله عنه يقول لا يصح التعبير عن حقيقة الإيمان لأنه شيء، وقر في الصدر لا يمكن التعبير عنه. قال: وأما ما ورد في السنة من الألفاظ التي تحكم لصاحبها بالإيمان فكلها راجعة إلى التصديق، والإذعان اللذين هما مفتاحان لباب العلم بالمعلوم المستقر في قلب العبد بالفطرة، ولذلك لم يسأل أحد من الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة هذه الألفاظ، ولا ناقشوا أصحابها بل أجروا حكمهم على الظاهر ووكلوا سرائرهم إلى الله تعالى هذا بالنظر للعوام، وإلا فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم حارثة رضي الله تعالى عنه عن حقيقة إيمانه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا سئل أحدكم عن شيخه فليقل كنت خادمه، ولا يقل كنت صاحبه فإن مقام الصحبة عزيز، وكان رضي الله عنه يقول إذا كمل توحيد العبد لا يصح
(2/135)

له أن يرأس على أحد من المخلوقين لأنه يرى الوجود لله، وكان رضي الله عنه يقول حقيقة القول بالكسب في مسألة خلق الأفعال أنه يعني بالكسب تعلق إرادة الممكن بفعل ما فيوجد الاقتدار الإلهي عند هذا التعلق فسموا ذلك كسباً للممكن بمعنى أنه كسب الانتفاع به بعد احتياجه إليه، ثم قال، ومن حقق النظر علم أنه لا أثر لمخلوق في فعل شيء من حيث التكوين، وإنما له الحكم فيه فقط فافهم فإن غالب الناس لا يفرق بين الحكم، والأثر.
وإيضاح ذلك أن الله تعالى إذا أراد إيجاد حركة أو معنى من الأمور التي لا يصح وجودها إلا في موادها لاستحالة أن تقوم بنفسها إذ لا بد من وجود محل يظهر فيه تكوين هذا الذي لا يقوم بنفسه فللمحل الذي هو العبد حكم في الإيجاد لهذا الممكن، وماله فيه ولولا هذا الحكم لكان نسبة الأفعال إلى الخلق مباهتة للحس وكان لا يوثق بالحس في شيء وسمعته مرة يقول ليس للممكن قدرة أصلا، وإنما له التمكن في قبول تعلق الأثر الإلهي به لأن النعت الأخص الذي انفردت به الألوهية كونها قادرة فإثبات القدرة للممكن دعوى بلا برهان. قلت: وهذا الكلام مع الأشاعرة المثبتين لها مع نفي الفعل عنها. وقلت مرة ذكر الإمام الغزالي رضي الله عنه أن مسألة الكسب لا يزول إشكالها أبداً فقال بل يزول إشكالها من طريق الكشف.
وذلك أن الله تعالى خالق وحده بإجماع أهل السنة، وإنما للعبد قبول إسناد العمل إليه لا غير، ثم قال: ومن أراد زوال اللبس باكلية فلينظر في المخلوق الأول الذي لم يتقدمه مادة أبداً، ويتأمل هل هناك أحد يسند إليه الفعل غير الله تعالى فيزول إشكاله، فإنه لا يصح، وجود كون هناك يسند إليه الفعل فيسقط قول من قال: لا يوجد لنا قط فعل الله تعالى، وحده لا بد من مشاركة الكون فتأمل. قلت: وذكر نحو ذلك سيدي الشيخ محيي الدين رضي الله عنه في الفتوحات، وكان رضي الله عنه يقول من كمال الرجل أن يحسن إلى أعدائه، وهم لا يشعرون تخلقاً بأخلاق الله عز وجل فإنه تعالى دائم الإحسان إلى من سماهم أعداءه وكان رضي الله عنه يقول: من صح توحيده لله عز وجل انتفى عنه الرياء، والإعجاب، وسائر الدعاوي المضلة عن طريق الهدى، وذلك لأنه يشهد جميع الأفعال والصفات ليست له.
وإنما هي لله وحده، ولا يعجب أحد قط بعمل غيره، ولا يتزين به، وكان رضي الله عنه يقول: لا يصحب كمال الإسلام اعتراض ولا يصحب كمال الإيمان تأويل ولا يصحب الإنسان سوء أدب، ولا يصحب المعرفة همة، ولا يصحب الإخلاص في العمل لذة، ولا يصحب العلم جهل. وكان رضي الله عنه يقول: من ملكته نفسه عذب بنار التدبير ومن ملكها الله تعالى عذب بنار الاختيار، ومن عجز عن العجز ذوقه الله تعالى حلاوة الأعمال، وكان رضي الله عنه يقول: من أدرك من نفسه التبديل، والتغيير في كل نفس فهو العالم بقوله: تعالى: " كل يوم هو في شأن "، وكان يقول: الطلب لا يتعلق إلا بمعدوم، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة فقد النفس في حق الفقير عدم شهوته لشيء من أمور الدنيا والآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: خص بالبلاء من عرفه الناس أو عرف الناس لكن الأول مبتلى بالله تعالى والثاني مبتلى بنفسه، وكان رضي الله عنه يقول: الإيمان محله الدنيا، والولاية محلها الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: لم تثبت السيادة إلا له، ولم تثبت العبودية إلا لك فالسيد لا يملك، والعبد لا يملك: وكان يقول: المكاتب قن ما بقي عليه شيء فان، وفي خرج من رق سيده، ودخل في رق نفسه، وإن لم يوف فحاله موقوف، وخاتمته مجهولة، وكان رضي الله عنه يقول: العبد يحمل إليه رزقه وهو في رق سيد واحد، والمكاتب يسعى في طلب رزقه، وهو في رق ثلاثة سيده، ونفسه، ودينه، وسمعته يقول: من طلب دليلا على الوحدانية كان الحمار أعرف منه بالله، وكان رضي الله عنه يقول: لا تنصح من لا يستشيرك، ولا يسألك إلا إن أعطاك الله تعالى أحد أمرين: إما الكشف التام الذي لا يدخله محو ولا إثبات، وإما الإلقاء في الروع لأن القصد من استشارة الفقراء إنما هو الكشف عن حقيقة الشيء الثابت لا غير، وكان رضي الله عنه يقول: الرزق في طلب المرزوق دائر والمرزوق في طلب رزقه حائر، وبسكون أحدهما يتحرك الآخر، وكان رضي الله عنه يقول: بقدر غفلتك عنه هنا يطول حضورك معه هناك إلا أنه حضور حساب لا حضور عتاب، وكان يقول: يحتاج العارف في هذا الزمان أن يحمي نفسه وأخوانه بالحال، ولو مرة فإن كان ذلك نقصاً في الأدب فهو كمال في العلم، وكان يقول: أخلاق الورثة امتثال الأوامر الإلهية، وأخلاق كمل المؤمنين اجتناب المناهي، وأخلاق الشياطين بالضد من ذلك، وأخلاق الحيوانات بالعكس من ذلك كله فمن لم يعلم حقيقة نفسه فليعلم حقيقة عمله فإن الثوب يدل على لابسه وكان رضي الله عنه يقول: العلوم
(2/136)

الإلهية لا تنزل إلا في الأوعية الفارغة ثم أنشد لبعضهم:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
وكان رضي الله عنه يقول: على قدر استعداد الجسد ينفخ فيه الروح، وليس الاستعداد إلا العمل ولا الروح إلا المعرفة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كثرت منافذ الدار قل أمنها، وكثر ضوءها، وكان رضي الله عنه يقول: القفل على الباب، ومفتاحه عند صاحب الدار، وصاحب الدار فيها فمن طلب المفتاح، وصل إلى صاحب الدار، وإلى المفتاح، ومن طلب صاحب الدار لم يصل إلى المفتاح، ولا إلى صاحب الدار، وسمعته يقول: الفرائض مفتاح، والسنن أسنان فما نقص من أسنان المفتاح ضر، وما زاد حكمه كذلك إلا أنه إن قلع لم يضر، وسمعته يقول: إذا جاء وقت غروب الشمس تأهب الناس إلى منازلهم بأزوادهم، وما يستضيئون به تذكرة لأولى الأبصار، وسمعته يقول: لا يعلم بأن الحق تعالى مع كل شيء إلا الإنسان خاصة، وكان رضي الله عنه يقول: إنما وقع الكفر في العالم مع كون الكفار كلهم كانوا موجودين عند أخذ الميثاق الأول لأن ظهورهم هناك كان على التدريج كظهورهم هنا لكن على غير هذه الصفة كونا، وزمناً، والوجود واحد فمن كان موجوداً عند أخذ الميثاق الأول آمن بجميع ما آمن به نبيه، ومن لم يكن موجوداً آمن ببعض، وكفر ببعض قال، وكان أخذ العهد على الموجودات حال كونها مجسدة روحانية، ولولا الروحانية ما حصل لها النطق، والإجابة ببلي فما أجاب منها حقيقة إلا الأرواح لا الأجسام لأن الموجودات، في الأولية عبارة عن أشباح تتعلق بها أرواح، ولكن الروح ظاهر على الشبح لا ظهور للشبح معه وسمعته رضي الله عنه يقول: مأثم في الفرق الإسلامية أسوأ حالا من المتكلمين في الذات بعقلهم القاصر فإن الله عز وجل قد تنزه في حمى عزته عن أن يدرك أو يعلم بأوصاف خلقه عقلا كان أو علماً روحاً كان أو سراً. وذلك لأن الله تعالى ما جعل الحواس الظاهرة، والباطنة طريقاً إلا إلى معرفة المحسوسات لا غير، والعقل بلا شك فلا يدرك الحق تعالى به لأن الحق ليس بمحسوس، ولا معلوم معقول وكان رضي الله عنه يقول الأفلاك تدور بدوران القلوب، والقلوب تدور بالأرواح، والأرواح، بالأشباح والأشباح بالأعمال، والأعمال بالقلوب فرجع الآخر للأول، وكان رضي الله عنه يقول إياكم، والوقوع في المعاصي ثم تقولون هذا من إبليس فإن إبليس يتبرأ منكم في مكان يصدق فيه الكذوب، وذلك حين يخطب في النار، ويقول في خطبته: " فلا تلوموني ولوموا أنفسك " " إبراهيم: 22 " يعني ما أغويتكم حتى ملتم بنفوسكم إلى الوقوع في المعاصي: " وما كان لنا عليكم من سلطان " " الصافات: 30 " يعني قبل أن تميلوا ثم قال ولولا أعيان العصاة طلبت وقوعها في المعاصي ما أقيمت عليهم الحجة فافهم. وكان رضي الله عنه يقول العارفون يعرفون بالأبصار ما تعرفه الناس بالبصائر، ويعرفون بالبصائر ما لا يدركه أحد غيرهم، ومن ذلك فهم لا يأمنون على نفوسهم من نفوسهم، وكان رضي الله عنه يقول ما في القلب يظهر على الوجه، وما في النفس يظهر على الملبوس وما في العقل يظهر في العين وما في السر يظهر في القول، وما في الروح يظهر في الأدب، وما في الصورة كلها يظهر في الحركة، وكان رضي الله عنه يقول إذا لم تقدر على العدل بين النساء مع نقصهن فكيف تقدر على العدل بين الرجال مع كمالهم، وكان رضي الله عنه يقول: أرباب الأحوال يعرفون بصفرة الوجوه مع سواد البشرة، وسعة العيون، وخفض الصوت، وقلة الفقه لما يقال لهم، وسمعته يقول مرة أخرى أرباب الأحوال كالسفن مسرعين سائرين بالهواء إن سكن سكنوا، وإن سار ساروا، والعارفون كالجبال، وسمعته رضي الله عنه يقول: ما دامت العلوم في معادنها فهي واسعة مطلقة لا تقبل تغييراً، ولا تبديلا فإذا ظهرت مقيدة بالحروف دخلها ما يدخل الكون من التغير، والتبديل، واختلاف العبارات، وكان يقول: شهود الكثرة في الوجود تزيد الجاهل جهلا، والعالم علماً.
وكان رضي الله عنه يقول لا تنازع أحداً في طبعه فإنه مملوك لنفسه، أو للكون وإن كان، ولا بد فاعرف مالكه ثم نازعه، وكان رضي الله عنه يقول العلم، والمعرفة، والإدراك، والفهم، والتمييز من أوصاف العقل، والسمع، والبصر، والحاسة، والذوق والشم، والشهوة، والغضب من أوصاف النفس، والتذكر، والمحبة، والتسليم، والانقياد، والصبر من أوصاف الروح، والفطرة، والإيمان، والسعادة، والنور، والهدى، واليقين من أوصاف السر، والعقل، والنفس، والروح، والسر المجموع أوصاف للمعنى المسمى بالإنسان، وهي حقيقة واحدة غير متميزة، وهذه الحقيقة وأوصافها روح هذا القالب المتحرك
(2/137)

المتميز، والجميع روح صورة هذا القالب، والمجموع من الجميع روح الجميع العالم. قلت: وهذا كلام ما سمعته قط من عارف، ولا رأيته مسطوراً في كتاب، وهو دليل على علو مقام شيخنا رضي الله عنه في المعرفة. وكان رضي الله عنه يقول العبادات كالحلواء المعجونة بالسم فكما لا ترضي النفس منها بالقليل فتسلم كذلك لا تصبر على فعل الكثير منها فتغنم وكان رضي الله عنه يقول أشد العذاب سلب الروح، وأكمل النعيم سلب النفس، وألذ العلوم معرفة الحق وأفضل الأعمال الأدب، وبداية الإسلام التسليم، وبداية الإيمان الرضا.
وكان يقول: الإيمان يتلون بحسب الجسد، والجسد بحسب المضغة، والمضغة بحسب إصلاح الطعمة، ومن قال بخلاف ذلك فليس عنده تحقيق، وكان رضي الله عنه يقول علامة الراسخ في العلم أن يزداد تمكيناً عند السلب لأنه مع الحق بما أحب لا مع نفسه بما تحب فمن وجد اللذة في حال علمه، وفقده عند سلبه فهو مع نفسه غيبة وحضوراً، وكان رضي الله عنه يقول من شرط المتواضع أن يغيب عند شهود التواضع، وكان يقول الطعمة تؤثر في القلب أكثر مما يؤثره السلب، ولكن إذا استمر توجه القلب إلى الحق في كل حركة وسكون من غير علة فباب الفتح موجود، ولا بد ما دام العبد متوجهاً فالمدد فياض، ويوشك أن يوصل صاحبه لمراتب الكمال. وكان رضي الله عنه يقول يقبح على العبد أن يميل بنفسه إلى خرق العوائد ويألف النعمة دون المنعم فإن الله تعالى ما أعطى عبده النعم إلا ليرجع إليه بها عبداً ذليلا ليكون له رباً كفيلا فانظر بأي شيء استبدلت ربك " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم " " البقرة: 61 " ثم قال: " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " " البقرة: 61 " أي لأجل اختيارهم مع الله تعالى ثم قال رضي الله عنه الميل إلى كل شيء دون الله تعالى مذموم إلا في حقوق الله تعالى، ومأموراته فقال له الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى يا سيدي إن كل شيء غير الحق مجهول معدوم إلا الحق فإنه معروف موجود فمن أين جاء للعبد أنه يألف أو يركن إلى الجهل، والعدم دون المعرفة، والوجود فقال رضي الله عنه الجهل، والعدم أصل لظهورنا، والمعرفة، والوجود أصل لظهور الحق، وما حصل بأيدي عباده من المعرفة والوجود ففضل منه ورحمة وما حصل بأيديهم من الجهل، والعدم فعدل منه، ونعمة " ولا يظلم ربك أحداً ثم إلى ربهم يحشرون ".
وسئل رضي الله عنه عن الأكل من الأطعمة المرسلة من بيوت الأصحاب الذين لا يتورعون فقال رضي الله عنه عند العبد لا ينبغي أن يكون له اختيار مع عدم المختار فكيف يكون له اختيار مع وجود المختار، ولكن إن كنت جائعاً صادقاً فكل بقدر حاجتك وادفع ما بقي بعد ذلك لمن شاء الله تعالى، ولا تدبر لنفسك حالا محموداً تخرج عن رتبة التحقيق، واسأله أن يسترك في الدنيا، وفي الآخرة بالجود، والكرم، وقال له بعض الإخوان دستور يا سيدي إذا مت أدفنك في المقام الفلاني، وأجعل لك تابوتاً، وستراً فقال رضي الله عنه نحن لا اختيار لنا مع الله في حال الحياة فكيف يكون لنا اختيار بعد الموت.
وكان رضي الله عنه يقول: إياكم، والجزع في مواطن الامتحان يمتحنكم الحق تعالى بأشد من ذلك فقال له الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى: الصبر لا يصح إلا عند حصول الاستعداد، ومن لا استعداد له فكيف يصبر فقال رضي الله عنه: لا تقيد على الحق فإن الطرق إليه أوسع من مظاهره، وشؤونه، وأسمائه، وصفاته، والاستعداد طريق واحد، وكان رضي الله عنه يقول لا يكمل الفقير حتى يحمل كله عن شيخه فإن من رمي أثقاله على شيخه فهو سيء الأدب مع أنه إذا تعود ذلك ألفت نفسه ذلك فينقص استعداده فإذا جاءته صدمة هدت جداره، وشيخه ليس بمقيم له وكان رضي الله عنه يقول إذا لازمت الأحوال صاحبها حتى غاب معها عن حسه فهو نقص، وكلما خف الحال، وأبطأ وجوده كان في حق صاحبه خيراً كثيراً، وأين الحاضر من الغائب، وأين الموجود من المعدوم، وقد حكى أن الشبلي رضي الله تعالى عنه قال، والحلاج مصلوب سكرت أنا، والحلاج من إناء واحد فبلغ ذلك الحلاج فقال: لو شرب كما شربت لسكر كما سكرت فقدم الأشياخ كلام الشبلي لصحوه على كلام الحلاج، وكان رضي الله عنه يقول: الميزان التي يوزن بها الرجال واحدة كميزان الحق تعالى، وإنما جمعت لتفاوت الموزونات، وكان رضي الله عنه يقول في تفسير قوله تعالى: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " " فصلت: 30 " الآية المراد بالذين قالوا ربنا الله كمل الأنبياء، والمراد بقوله ثم استقاموا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بمن تتنزل عليهم الملائكة عامة النبيين، وبالذين لا يخافون كمل الأولياء، وبالذين لا يحزنون عامة الأولياء، وبالذين يقال لهم: " وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " " فصلت: 30 " المؤمنون الذين عبدوا الله تعالى
(2/138)

طلباً لثوابه، وسئل رضي الله عنه عن القطب الغوث هل هو دائماً مقيم بمكة كما قيل فقال رضي الله عنه عنه قلب القطب دائماً طواف بالحق الذي وسعه كما يطوف الناس بالبيت فهو رضي الله عنه يرى وجه الحق تعالى في كل وجهة كما يستقبل الناس البيت، ويرونه من كل وجهة إذ مرتبته رضي الله عنه التلقي عن الحق تعالى جميع ما يفيضه على الخلق، وهو بجسده حيث شاء الله من الأرض.
ثم قال رضي الله عنه.
واعلم أن كمل البلاد البلد الحرام، وكمل البيوت البيت الحرام لقوله تعالى: " إليه ثمرات كل شيء رزقاً " " القصص: 57 "، وكمل الخلق في كل عصر القطب، فالبلد نظير جسده، والبيت نظير قلبه. وسئل رضي الله عنه عن نزول الناس من الدنيا إلى البرزخ الفاصل بين عالمي الحس، والبرزخ المطلق في حال اتصال الشاهد بهما فقال رضي الله عنه " والتفت الساق بالساق " كالتفاف لا ثم قال إيضاحه خذ من سعة إلى ضيق ثم خط في الأرض بمسلة كان يخيط بها القفاف صورة لا في الأرض، وقال انظروا إلى هذا الحرف فإنه دال بالتفافه على نفسه صورة، ومعنى كدلالة الخلق على الحق، وعكسه فافهم. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: " وجعلنا الليل والنهار آيتين " " الإسراء: 12 " فقال رضي الله عنه كمون، وستر، والحس أصدق شاهد فقال: سيدي أفضل الدين رحمه الله تم الجواب، وكان رضي الله عنه يقول ليس للمجاذيب في جنة الأعمال قدم، ولا مكان مخصوص يرجعون إليه، ولا قدم في مأكل، ولا ملبس، ولا نكاح، ولا غير ذلك ما عدا المشاهدة فقط للحق فإنهم يشتركون مع أهل الجنة فيها على خصوص، وصف في المشاهد.
ثم قال رضي الله عنه إن السوقة، وأهل الصنائع، والحرف أعظم درجة عند الله، وأنفع من المجاذيب لقيامهم في الأسباب، وكثرة خوفهم من الله تعالى، وأكل الفقراء، والظلمة من أموالهم مع احتقارهم نفوسهم، ولهم في كل جنة نعيم من الجنان الأربع التي هي جنة الفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، وجنة عدن، وهي المخصوصة بالمشاهدة، والزيادة.
وكان رضي الله عنه يقول: المجاذيب والأطفال في الحالة سواء إلا أن الأطفال يتميزون عن المجاذيب بسريانهم في الجنة كما ورد أنهم دعاميص الجنة أي غواصون فيها.
وكان رضي الله عنه يقول: نشأة أهل الجنة مخالفة لنشأة الدنيا التي نحن عليها الآن صورة، ومعنى كما أشار إليه حديث " إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " وإيضاح ذلك أن حجاب البشرية ما دام موجوداً في الشخص فلا يعلم أحوال الجنة لأن الجنة نشأة شهود، وإطلاق لا حجاب، وتقييد، ولذلك كان علم أحوال الجنة خاصاً بالعارفين ثم قال رضي الله عنه، واعلم يا أخي أن الحق تعالى جعل لنا السمع والبصر، والشم، والذوق، واللمس واللذة في النكاح، والإدراك حقائق متغايرة حكماً، ومحلا مع اتحادها في الباطن لأن الإدراك ليس إلا للنفس، وهي حقيقة واحدة بمنافذ مخصوصة، وإنما تنوعت الآثار في هذه الحقائق بتنوع محالها فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الصفات المتغايرة هنا حكماً، ومحلا يقع الاتحاد بينها في الآخرة حكماً، ومحلا فيسمع بما به يبصر بما به يتكلم بما به يذوق بما به يشم وكذلك الحكم في الضد من غير تضاد فيبصر بسائر جسده، ويسمع كذلك، ويأكل كذلك، وينكح كذلك، ويشم كذلك، وينطق كذلك، ويحرك كذلك، ثم قال رضي الله عنه، وهذا القدر النزر من أحوال أهل الجنة لا يصح، وجوده في العقل لأنه محال في عقل من يسمع ذلك فكيف بغير النزر مما هو أعظم من ذلك قال، ولم أر أحداً تكلم على ما ذكرته غير سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه في تائيته فراجعها.
وكان رضي الله عنه يقول: في معنى حديث " إن الجنة تشتاق إلى أربع عمار، وعلي، وسلمان، وبلال " إنما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأربع لأنهم أرواح الجنان، وأسماؤهم أشد مناسبة للجنة لأن عماراً رضي الله عنه من العمارة، وعلياً رضي الله عنه من العلو وسلمان من السلامة، وبلالا من البلل الذي هو الرحمة قال، وهؤلاء الأربعة هم الموكلون بالأنهار الأربعة المذكورة في القرآن فيغرفون منها بحسب حصة كل أحد، ومشربه من التوحيد، واستعداده.
وكان رضي الله عنه يقول: كان الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام علة مظهر الأفعال المقابلة لما عليه كمل الأنبياء الذين هم فوقه في الدرجة، وسئل رضي الله عنه عن طائفة المسلكين كسيدي أحمد الزاهد، وسيدي مدين وأضرابهما رضي الله تعالى عنهم هل كانوا أقطاباً فقال: رضي الله عنه لا، وإنما هم كالحجاب على الملك فلا يدخل عليه أحد من الناس إلا بإذنهم، وعلمهم فهم يعلمون الناس الآداب الشرعية، والحقيقية، وما يظهر عليهم من الكرامات، والأحوال إنما هو لصفاء نفوسهم، وإخلاصهم،
(2/139)

وكثرة مراقبتهم ومجاهدتهم، وأما القطابة فجل أن يلج مقامها الأحوط غير من اتصف بها قال، وقد الشيخ عبد القادر الجبيلي رضي الله عنه، وقال إن لها ستة عشر عالماً الدنيا والآخرة عالم واحد من هذه العوالم فقيل له فالتصريف الذي يظهر على أيدي هؤلاء المسلكين هل هو لهم أصالة كالقطب أم لا فقال: رضي الله عنه ليس هو لهم أصالة، وإنما هو بحكم الإفاضة عليهم من الدوائر التي هي فوقهم إلى القطب، وإيضاح ذلك أن الله تعالى إذا أراد إنزال بلاء شديد مثلا فأول ما يتلقى ذلك القطب فيتلقاه بالقبول، والخوف ثم ينتظر ما يظهره الله تعالى في لوح المحو والإثبات الخصيصين بالإطلاق، والسراح فإن ظهر له المحو، والتبديل نفذه، وأمضاه في العالم بواسطة أهل التسليك الذين هم سدنة ذلك فينفذون ذلك، وهم لا يعلمون أن الأمر مفاض عليهم، وإن ظهر له الثبوت دفعه إلى أقرب عدد، ونسبه منه، وهما الإمامان فيتحملان به ثم يدفعانه إن لم يرتفع إلى أقرب نسبة منهما كذلك حتى يتنازل إلى أصحاب دائرته جميعاً فإن لم يرتفع تفرقته الأفراد، وغيرهم من العارفين إلى عموم المؤمنين حتى يرفعه الله عز وجل بتحملهم.
ولو لم يحمل هؤلاء ذلك من العالم لتلاشي في طرفة عين قال تعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " وقال تعالى: " خلق السموات بغير عمد ترونها " إشارة إلى القطب الذي هو العمد المعنوي الممسك للسموات ففيه إشارة إلى خفائه في العالم، وسئل رضي الله عنه عن كلام بعض العارفين، وهو أنه ذكر في كتاب له أنه شهد جميع النبيين والمرسلين مجتمعين في محل واحد، وأنه لم يكلمه منهم إلا هود عليه السلام فإنه رحب به، وفرح به ما الحكمة في خصوصية كلام هو دله دون غيره، وفرحه بهذا العارف، فقال: رضي الله عنه أما خصوصية الكلام فلا يمكنني ذكرها، أما فرحه فلأن البرزخ قيد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالنسبة إلى إطلاق الآخرة، وما فيها من النعيم فهم، وإن شهدوا ذلك في البرزخ لا يشهدونه إلا من خلف حجاب بغير، واسطه جسمهم فإن أجسامهم مقيمة تحت الأرض، وكمال النعيم إنما هو بواسطة اجتماع الجسم، والروح معاً فكان فرحه عليه السلام بهذا العارف الذي هو من هذه الأمة المحمدية لاستبشاره بانقضاء مدة البرزخ لأن هذه الأمة. آخر من يدخل البرزخ من الأمم، وقد أخبر هذا العارف عن نفسه بأنه أحد الختمين اللذين يختم الله تعالى بأحدهما، ولاية الخصوص، وبالآخر، ولاية العموم، وفرح هود عليه السلام بهذا العارف مما يؤيد ختميته فإنه لما رأى أحد الختمين علم قرب انشقاق الفجر الآخروي وخلاصه من قيد البرزخ إلى إطلاق الآخرة. قلت: وهذا الذي أشار إليه السائل ببعض العارفين هو سيدي محيي الدين بن العربي رضي الله عنه.
وسئل عن الأحدية، وسريانها مع شدة ظهورها فقال: ألهاكم التكاثر فافهم، وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى فقال: هل أكتب ما أجد في نفسي من العلوم فقال: إن صحبك ذلك عند انفصام تنزله فاكتب، وإن عجزت عن التعبير عنه فلا تتكلف له عبارة، وكان رضي الله عنه يقول: لا يحتاج السالك إلى الواسطة إلا، وهو في الترقي فإذا وصل إلى معرفة الله عز وجل فلا يحتاج إلى واسطة، ثم قال رضي الله عنه، وإيضاح ذلك أن الداعي إلى الله عز وجل من بني أو ولي واسطة بين العبد، وبين الله تعالى في الدعوى إلى الله تعالى لا إلى نفسه فإذا وقع الإيمان الذي هو مراد الله تعالى من عباده ارتفعت واسطة الرسول، والولي عن القلب حينئذ، وصار الحق حينئذ أقرب إلى المدعو من نفسه، ومن رسوله، وما بقي للرسول إلا حكم الإفاضة على العبد من جانب التشريع، والاتباع، ثم قال، وانظر إلى غيرة الحق تعالى على عباده بقوله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " فأضاف عباده إليه، وأخبر أنه أقرب إلينا من أنفسنا، ومن رسولنا الذي جعله واسطة بيننا وبينه مع أنه مدحه حتى كاد أن يلحقه به لما هو عليه من الكمالات ثم إنه تعالى قال له " ليس لك من الأمر شيء " فأخرجه من الخلق، ونفاه منهم، وأثبته معهم فافهم وسئل رضي الله عنه هل يصح تعلق الذات بصفاتها فقال: لا فإن الصفات معدومة الظهور عندها لعدم من يتعلق بها من الخلق " كان الله لا شيء معه " فما ظهرت الصفات إلا بوجود الخلق فقيل له فهل يصح تعلق الذات بالعلم فقال: رضي الله عنه العلم من لازمهم، وهو لا يحيط إلا بالصفات إذ هو من جملتها.
وكان رضي الله عنه يقول: إذا بلغ العارف مقام الكمال فليس له الاستناد لغير ما يظهره الله فيه من العلوم فإن روحك أقرب إليك مما تنقل عنه، وهذا أمر لا يعرف إلا بالذوق، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة المتسلق على مقام العارفين أن يحصل له
(2/140)

الخشوع والشهود في حال ذكره ثم إذا فرغ يذهب ذلك مع الذكر، وحكم ذلك كالرطب المعمول يتغير بسرعة. وسأله سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن القساوة التي يجدها في قلبه فقال رضي الله عنه اشكر الله تعالى حيث ستر عنك حالك لتكون عبداً له صرفاً لا عبد خشوعك، وحضورك فقال: وأنا إن شاء الله تعالى عبد له صرفاً مع ذلك، ومع غيره فقال صحيح لكن الامتحان آفاته كثيرة، والمحبوب عند الله من ادخر له ما وعده به على أعماله إلى الدار الآخرة، وخرج من الدنيا برأس ماله كاملا من غير خسارة، ثم قال رضي الله عنه إياك، وكل شيء ألفته نفسك فإن السم فيه، ولا بد لنفوذ السم من معين، ولا معين له إلا النفس.
وانظر إلى قوله تعالى لآدم، وحواء: " ولا تقربا هذه الشجرة " " البقرة: 35 " مع علمه بها حال علمه بالأسماء فلما أراد الله تعالى نفوذ قدرله ألف بينه، وبين من كان سبباً في أكله، وليست إلا نفسه التي حواء مظهرها فما نزل به البلاء إلا منه، وبه، وكان رضي الله عنه يقول إذا نظرت الوجود فرد شيء فلا تعبر عن شيء لأن التعبير يفصل. وشكا إليه أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى مرة ما يقع له من كثرة النوم فقال رضي الله عنه لا تلتفت إلى شيء دون الله تعالى فإن من وقف مع الأسباب أشرك مع الحق وفي لمحة تقع الصلحة فقال: له أيضاً يقع لي كثيرة السهر والقلق في بعض الأوقات فقال له: إن كان في فكر في المصالح فمدد، وخير كبير، وإن كان السهر مع الغفلة فبلاء نزل يوزعه الله على المؤمنين حتى يرتفع.
وكان رضي الله عنه يقول: القمر آية شهود لدلالته على ظهور الأحدية، وسريانها، والشمس آية علم لدلالتها على ظهور الوحدانية، وإحاطتها بتكثرها، وكان رضي الله عنه يقول: إياكم، والطواف بالليل فقال: أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى: إن كثيراً من الناس يطوفون ليلا فقال هم معذورون ولكن " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " " الزمر: 9 " فقال: لا، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كنت مؤمناً وسمعت أنه تعالى يمدح المؤمنين فلا تبادر إلى كونك مؤمناً، وتأمل قبل ذلك هل أنت على ما وصف الله به المؤمنين من الصفات التي مدحهم عليها أم لا ثم، إن كنت على ما وصف فهل تموت على ذلك أم لا فإن علمت أنك تموت على ذلك فقد أمنت مكر الله " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " " الأعراف: 99 " وإن علمت أنك تموت على غير ذلك فقد أيست من رحمة الله و " لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون " " يوسف: 78 " فكن بين الخوف، والرجاء فإنه الصراط المستقيم، وسمعته مرة يقول: كل وصف ونعت محمود فباطنه ذم وتخويف، وكل وصف، ونعت مذموم فباطنه مدح، ورجاء لمن استبصر هكذا حكمة الله في كلامه فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم: " يحشر المرء على دين خليله " النفس أقرب خليل إليك فانظر كيف تكون فإن من هنا جاء البلاء، والخوف فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان رضي الله عنه يقول لا تأكل قط طعام أحد إلا إن كنت وليه في التربية أو من أهل آية " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " فإن كل لقمة نزلت في جوفك نقصت من عبوديتك بقدرها: واسترقتك لصحب تلك اللقمة، وكان رضي الله عنه يقول: الأفعال المحمودة إذا رجع نفعها إلى صاحبها فاض منه على الكون لكن أكثر النفع نفع للعامل والأفعال المذمومة إذ وقعت رجع جزاؤها عاماً، ولو أنه رجع خاصاً لأهلك العاصي لوقته، وساعته فلذلك، وزعه الله تعالى على المؤمنين، وفتح للعاصي باب التوبة ببقاء روحه، ثم قال: وقد يثقل الله تعالى البلاء على العاصي حتى يرجع عما هو عليه أو لتذهب به يد الشقاء حيث أراد الله عز وجل وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن نور البرزخ لم كان كثيفاً، ولم يكن شفافاً كهذه الأنوار فقال: إنما كان كثيفاً لأنه نور أعمال الجوارح في الدنيا، والجوارح، والدنيا كثيفان، وأيضاً فإن الأنوار تصير في محل الظلمة كثيفة لأن البرزخ، واحد بسيط، وليس فيه كثرة مباينة ليتميز بالنور الشفاف وكان رضي الله عنه يقول من قرب من أخلاق رسوله كان له الإطلاق، والسراح في البرزخ تبعاً لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيجتمع كلما شاء بمن شاء من أصدقائه، وغيرهم، وأما من بعد من أخلاق رسوله صلى الله عليه وسلم، بالأفعال الرديئة فإن شاء الله تعالى أطلقه، وإن شاء قيده فلا يصح له الاجتماع بمن يريد، وكان رضي الله عنه يقول الأفعال، والأحوال المحمودة هي المدبرة للفلك ثم إن الأمداد تنزل على الخلق بحسب رتبتهم، وكثرة نصحهم فمن كانت أعماله متقنة كاملة كان دوران الفلك في حقه أسرع ثم تضاعف له الحسنات بحسب كثرة النفع، ومن كان تاركاً للأسباب دار الفلك بنصيب غيره ولم يحصل له شيء من الأمداد لأنه لم يعمل، ومن لا عمل له
(2/141)

لا أجرة له ثم قال رضي الله عنه لكن لا يخفي أن الحق تعالى لا نسبة بيننا، وبينه في العطاء عنده لبراءته عن أن ينفصل عنه شيء لنا أو يتصل به شيء منا، وإنما الأمر راجع منا لنا بحسب أعمالنا، وهو الغني الحميد، ومن هنا كان عتب الخضر على موسى حين أقام الجدار من غير أجر لعلمه بهذا الأمر فأراد الخضر عليه السلام أن يفتح لموسى باب الاكتساب ليجمع له بين مرتبتي الكسب، والوهب فلهذا قال تعالى: " بلى عبدنا خضر أعلم منك " وسمعته رضي الله عنه يقول الفائدة في مصاحبة الكمل مجهولة لأن رتبة الكامل التي أقامه الحق فيها هي للحق لا للعبد، والعبد لا تعرض عنده على سيده في شيء فهو لا يشفع، ولا يدفع، ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن من الله تعالى مخصوص، وأني له بذلك، والرسالة قد انقطعت فإن أمر الكامل بالتنزل للتلامذة نفع، وشفع، وأعطى، ومنع وإلا فهو مع الله تعالى دائماً على قدم الخوف لنظره إلى عالمي المحو والإثبات، وخاتمة العبد المدعو مجهولة على العارف.
وإيضاح ما ذكرناه أن المصاحبة تقتضي الميل إلى الصاحب، والميل إما لإثبات أو نفي، وكلاهما ممتنع في حق العارف الكامل، وكان رضي الله عنه يقول لا يلزم من تربية العارف لتلميذه أن يرثه ذلك التلميذ لأن التربية حقيقة لله يورثها من يشاء من عباده، وكان يقول الألوهية مطلقة قابلة للجمع بين الضدين من غير ضد فإنها قبلت التسمى بالرحمن كما قبلت التسمى بالمنتقم وليست الألوهية أولى باسم المنتقم مثلا من غيره كما أن أمره تعالى ليس أولى من نهيه في النفوذ " إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ". وكذلك حكم العكس فهو يقول يا عبدي أفعل فإنك عبد مأمور مأجور، ولا تشهد الفعل لك فإن الفعل لي، وأنت محدث متردد بين العدم، والوجود، وأنا الفعال لما أريد بفعلك لي وفعلك لك لأني غني عنك، وعن فعلى فيك ولك وبك فإن شهدت الفعل لك فأنت مشرك، وإن تفعل فأنت كافر فاحذرني، وافعل كل ما أمرتك به ولا تنسب لنفسك قولا، ولا فعلا، وأنا الخلاق العليم، وسئل رضي الله عنه عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بالألفاظ المطلقة، والألفاظ المقيدة أيهما أولى في حقه صلى الله عليه وسلم، وهل الإطلاق الذي يعتمده المصلي في صلاته النبي صلى الله عليه وسلم، مطلق عند الله أم لا، وهل التقييد الذي يتبرأ منه المصلي هو مقيد عند الله أم مطلق فقال: رضي الله عنه للسائل لا تستعمل نفسك في شيء من حيث نظرك في إطلاقه أو تقييده فإن الإطلاق غايته التقييد كما أن التقييد غايته الإطلاق مع علمنا بأن الأحوال الموصوفة بالإطلاق أو التقييد غير مفتقرة إلى وصفنا لها مطلقاً لاستغنائها بصفاتها الذاتية التي جعلها الحق حداً لها تتميز به عن غيرها، ونحن لا اطلاع لنا على حقائق الذوات لنعرف ما تستحقه من الصفات المقتضية لذلك أو لغيره، وكيف يمكن لأحد إيجاد العدم، وقيامه بالوجود، وذلك خصيص بالجناب الإلهي أم كيف يحكم على الصفات التي هي أعراض ببقائها زمانين في عرض آخر فكيف بقيامها في جوهر واحد فإذا قال: المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم صل على سيدنا محمد عدد ما كان، وعدد ما يكون، وعدد ما هو كائن في علم الله فقد استغرق هذا اللفظ العدد، والمعدود حساً ومعنى، واستغرق أيضاً الزمن المطلق بأقسامه، واستغرق جميع المتخيلات المضافات إلى القدرة، والعلم وإذا كان المصلي لا يساوي رتبة هذا العموم، والشمول لضيقه، وحصره، وتقييده فكيف يظهر عنه إطلاق والأعمال كلها لا تكون إلا على صورة عاملها.
كما أشار إليه حديث " الولد سر أبيه " فمن علم ما ذكرناه، وتحققه علم أنه لا يظهر له عمل، ولا صدقة، ولا صلاة، ولا قراءة، ولا وصف من الأوصاف إلا بحسب استعداده في ذلك الوقت، وبحسب رتبتة في التوحيد إطلاقاً، وتقييداً سواء كان ذلك اللفظ مطلقاً أو مقيداً فلا تتعب نفسك يا أخي في شيء وصل عليه كما أمرك الله تعالى أن تصلي عليه لتكون عبداً محضاً أمرك ربك بشيء امتثلت أمره، وليكن هذا شأنك في جميع عبادتك البدنية، والقلبية، وكان رضي الله عنه يقول التفكر، والتدبر من صفات العقل الذي جعله الله تعالى آلة يقطع الإنسان بحدها كل شيء والقلب، وعاء الكل، وإصلاح الأطعمة أصل ذلك، وغيره فإن الإناء إذا كان شفافاً كزجاج، وبلور وياقوت ظهر ما فيه على صورة الإناء، ولونه من استدارة، وتربيع، وغير ذلك، وإذا كان الإناء غير شفاف كالخشب، والحديد، والفخار، وغيرها لم يظهر لما فيه صورة، ولا لون، ولا يعرف له حقيقة ثم إن هذه الآلة إذا طبع فيها الخير أو الشر مكث، ودام ما لم تتغير النشأة من أصلها، وطبعها وهذا غير ممكن لأن الحقائق لا تبدل، ولأن القدرة إنما تتعلق
(2/142)

بتغير الصور قبل كمال تكوينها قال وهذا سر من لم يشهده لم يعرفه فعلم أن القلب إذا كان متحققاً بصفة ما فما فيه كذلك لأن القلب دائماً له الحكم على الجسد، والروح، وصفاتهما كما أنه كذلك محكوم عليه بإصلاح الأطعمة.
ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " فتأمل كيف أتي بلفظ كل التي تقتضي العموم، والشمول تعرف ما ذكرناه. ومن كلام سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله عنه إذا صلح القلب كان بيت الله، ومهبط الوحي، والأنوار، وإذا فسد كان بيت الشيطان والهوى، والظلمة انتهى فالبيت لا يقبل إلا مشاكله فافهم، وكما أن الأحرف، وعاء للمعاني فكذلك القلب، وعاء للحق، والشرع، والنور كما أن الحرف إذا تغير بعض صورته أو نقطه فسد المعنى كذلك القلب إذا لغير بعض صورته، وصفته فسد ما فيه، وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى، وأنا حاضر عن لذة العلوم عند إيجادها في القلب قبل أن توجد في النفس هل هي مغيبة للإنسان عن حسه كما هو الأمر في النفس فقال رضي الله عنه إذا كان القلب يسع علم الحق كما ورد فكيف لا يسع علم غيره فقال له أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى عالم الغيب أوسع من عالم الشهادة فقال: هو أوسع عيناً وأما الشهادة فهي أوسع حكماً، والحكم لا يفترق العين كما لا يفترق لا إله إلا الله من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: له أخي المذكور فما الحكم في الإفاضة على النفس قال الشيخ رضي الله عنه هو بحكم استعدادها وقربها من عالمها الأول أو بحكم تقييدها، وعدم استعدادها، وبعدها عن عالمها فقال له أخي المذكور لا بد من الفرق قال الشيخ رضي الله عنه فرق بلا فرق كخطاب قلبك لنفسك، وأنت أنت، وهما عين أينيتك فافهم، وسئل رضي الله عنه عن العلوم المتولدة عن الفكر هل هي مستقيمة نفسها أم لا؟ لا فقال رضي الله عنه الحكم في ذلك للوقت فهو علم الوقت يذهب بذهابه، والذهاب عدم، والعدم لا حكم له، ولا عليه فقال له أخي أفضل الدين رضي الله عنه، وكان حاضراً هذا إذا كان الفكر بتفكره هو أما إذا كان الفكر عن وقع القلب في الوقت فذلك إلهام فعال بشرطه انتهى، ومعنى قوله بشرطه أن يخرج صاحب الإلهام عن مواطن التلبيس، والله أعلم، وسئل رضي الله عنه عن بقاء العلوم في لوح النفس، وعن إدراكها مع كثرة، واردات العلوم الفياضة على القلب فقال رضي الله عنه بقاء العلوم محفوظ في الصورة التي ظهرت عنها أعمالا كانت أو أقوالا أو أنفاساً، والإدراك لها يكون بالصفاء الذي هو نور القلب المطلق، وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى، وأنا حاضر عن قولهم العلم قد يكون حجاباً، والجهل قد يكون علماً فقال رضي الله عنه أما كون العلم حجاباً فلأن العلم صفة، وركونك إليه صفة والصفة مع أختها لا توجب نتيجة كحكم الأنثى إذا اجتمعت مع الأنثى، وأما كون الجهل علماً فهو كونك جاهلا بحقيقة نفسك متحيراً في حقيقتها فسمى جهلك بذلك علماً، ومن هنا قال الأشياخ سبحان من جعل عين المعرفة به عين الجهل به، وذلك لعدم الإحاطة، ولا يخرج العبد عن الجهل بالله إلا إن أحاط به. وسئل وأنا حاضر عن التفكر في القرآن هل هو كالتفكر في غيره فقال رضي الله عنه الأمر راجع إلى قوة الآلة في القطع، وصلابة المقطوع، ولينه.
وسئل رضي الله عنه عن قوله تعالى: " أولم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن " " القصص: 57 " هل هذا الرزق لكل من دخل مكة أو هو خاص بقوم دون آخرين فقال رضي الله عنه الرزق عام لكل من دخل مكة من المسلمين بحسب استعداده لكن لا يصح تنزل هذا الإمداد على قلب إلا بعد تجرده عن حسناته، وسيئاته.
كما أشار إليه خبر " من حج، ولم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم، ولدته أمه " فيولد الداخل هناك، ولادة ثانية، ومن تأمل بعين البصيرة هناك، وجد حسناته ذنوباً بالنسبة لذلك المحل الأكمل فقال له أخي أفضل الدين رضي الله عنه، وكان حاضراً التجرد عن السيئات قد عرفنا أن محله جبل عرفة فأين يكون التجرد عن الحسنات فقال رضي الله عنه هو بحسب المراتب، ولا أظنه إلا في باب المعلاة فقال: له أخي أفضل الدين الذكور رحمه الله إن غالب الحجاج لا يتجردون مما ذكر فقال رضي الله عنه يتجردون، ولكن لا يشعرون كما يشعر به العارفون فقال له أخي المذكور فمتى يكون اللباس فقال: رضي الله عنه عند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وذلك ليظهر الحق تعالى كرمه، وآثاره نعمته على أمته بحضرته حتى تقر بذلك عينه صلى الله عليه وسلم، فقال له أخي المذكور كثيراً ما يرجع بعض الحجاج عرياناً بلا كسوة فقال رضي الله عنه هذا لا يقع إلا لأصحاب الدعاوي الذين يظنون بأنفسهم الكمال، وأنهم أتوا
(2/143)

بالمناسك على وجه الكمال دون غيرهم فنسأل الله العافية، ومثل هذا هو المراد بقولهم إذا حج جارك حول باب دارك للمقت الذي حصل له هناك ثم قد يتفضل الحق تعالى عليه، ويرسل له الخلعة إلى بلاده بواسطة انكسار قلبه أو بواسطة دعاء والديه، وإخوانه، ونحو ذلك. وسئل رضي الله عنه عن قطب الغوث هل له فعل خرق العوائد من طي الأرض، ونحوها فقال رضي الله عنه قد تحكم عليه المرتبة بفعل ذلك وإذا حكمت المرتبة على كامل بشيء فلا تؤثر في كماله رضي الله عنه سواء كان قطباً أو غيره، وكان رضي الله عنه يقول المراقبة الصحيحة لله تعالى تنشأ من إصلاح الجسد بواسطة القلب، وإصلاح القلب يكون بإصلاح الطعمة وإصلاح الطعمة يكون بالكسب في الكون مع التوكل على الله عز وجل، والتوكل حقيقة هو المراقبة، وذلك يكون من الله تعالى ابتداء، ومن العبد في النهاية اكتساباً فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: " أفلا أكون عبداً شكوراً " ولم يقل شاكراً إذ هو بتحققه بالعلم يكون شاكراً، ولا يكون شكوراً إلا بتخلقه بالعمل وفرق كبير بينهما، وكان رضي الله عنه يقول التجريد عن رؤية الأسباب خاص بعالم الخيال، ولذلك كان العلم والتجريد عن الاكتساب خاصاً بعالم الشهادة لأنه أفاد العمل، وحقيقة الجمل ظهور صورة العلم لا غيره فقال له أخي أفضل الدين رضي الله عنه فإذا كان الأمر كذلك فما الفرق بينهما قال تعلمه كما علمت بالله كل شيء، وأنا، وأنت غير محتاجين إلى البيان، والقلوب لا تمسك مثل ذلك لأنه غير مألوف في الحديث " إن من البيان لسحراً، والله يحب من عباده الستيرين " فاحتفظ يحفظك الله وسمعته مرة يقول كما حكمت الذات على نفسها بالوجود المطلق فيجب على غيرها أن يحكم على نفسه بالعدم المطلق قال ومن هنا تعلم الفرق بين الألوهية، والربوبية وبين العبد، وعجزه، وبين الرب، وقدرته، وتعلم أيضاً الفرق بين الروح، والجسد، والفرق بين توحيد الأكابر من الرجال، وتوحيد غيرهم، وهو من أوضح الفروق وأجلاها. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله، وأنا حاضر فقال رأيت كأني ميت، وأنا أغسل جسدي حتى فرغت ثم حملت نصفي الأسفل، وأنت يا سيدي حملت نصفي الأعلى ثم سألت نفسي عوضاً عن الملكين فقال الشيخ رضي الله عنه أنت مقصر لم لا تحمل نفسك كلها فتكون كاملا تقاتل عن نفسك بالمدافعة، وشيخك يساعدك إن شاء الله تعالى، وتأمل في حديث " أعني على نفسك بكثرة السجود ".
وأما سؤالك نفسك عوضاً عن الملكين فهو صحيح فإن السؤال حقيقة إنما ثمرته، وفائدته للملكين لا لك لأنك لم تزدد بسؤالهما علما عما كنت عليه، وكان رضي الله عنه يقول لا يخرج أحد من الدنيا حتى يكشف له عن حقيقة ما هو عليه، ويتساوى مع أهل الكشف إنما هو تقديم، وتأخير ثم قال رضي الله عنه، وأما نحن فلا كشف لنا محسوس، ولا حس معقول، ولا عقل، ولا نقل، ولا وصف إلا العقل الملازم لنا في رتبة الإيمان العاري عن الدليل بالمدلول. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى، وأنا حاضر فقال؛ له إذا كان العبد على يقين من الأمان من سوء الخاتمة هل عليه ضرر فقال رضي الله عنه الخوف من لازم كل مقرب لأن غاية يقينه لا يتعدى نفسه، ولا يمكنه العلم بتعيين الحق تعالى فيما يحكم فيه فإذا ما علم إلا حال نفسه في ذلك الوقت فقط دون ما قبله، وما بعده وعلم الوقت ضرورة يذهب بذهابه، ولا تقييد على الحق تعالى فيما يفعل بل، ولو كلمك تعالى، وأقسم بنفسه على ذاته أنك سعيد فلا تأمنه فإنه واسع عليم " كل يوم هو في شأن " " الرحمن: 29 " ولولا الأدب لقلنا كل نفس له شئون إن كنت قلته فقد علمته وهو على كل شيء رقيب. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله مرة عن التوحيد فقال: الشيخ رضي الله عنه هو عدم فقال له أخي المذكور بل هو وجود فقال وجود فقال له فإذا العدم وجود، والوجود عدم فقال رضي الله عنه نعم فقال له أخي المذكور فانعدم العدم لأنه عدم، والعدم لا كلام فيه، ولم يبق إلا الوجود كما كان، وهو الآن على ما عليه كان فقال: رضي الله عنه نعم " إنا لله وإنا إليه راجعون " " البقرة: 156 " فهو تعالى الموحد نفسه بنفسه لنفسه حقيقة، والخلق لهم الإيمان، والتصديق لا غير. وسأله أيضاً، وأنا حاضر عن الاسم، والرسم هل هما حرفان أو حرف، ومعنى؟ فقال رضي الله عنه المعنى لا يقوم إلا بالحرف، والحرف قائم بنفسه فهو غني عن المعنى كما أشار إليه قوله تعالى: " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد " فاسم الله الأول هو المعنى، واسم الثاني هو الحرف لأنه قال فيه " وهو الغني الحميد " ثم قال رضي الله عنه، ولا أعلم الآن أحداً في مصر يعلم هذا العلم غير قائله فالحمد لله على كل حال، وسمعته رضي الله عنه يقول إذا صادمكم أحد من أرباب الأحوال من أصحاب النوبة فلا تستعينوا عليه إلا بالله
(2/144)

تعالى أو برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم يرجعون عنكم إجلالا لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والزموا الأدب معهم ظاهراً، وباطناً، ولا تخرجوا قط من سور بلدكم إلى حاجة حتى تستأذنوهم بقلوبكم فإنهم يحبون من يراعي الأدب معهم، وربما صدموا من خرج غافلا عن مراعاتهم فيحصل له الخراب في باطنه حتى يكاد أن يهلك لا يهتدي أحد من الأطباء إلى دوائه كما جربنا لك. وسمعته رضي الله عنه يقول لأخي أفضل الدين رحمه الله تعالى إياك أن ترق لمن أفقره الله تعالى من الدنيا بعد غناه فتعطيه أكثر من قوت يومه فإن الله تعالى ما أفقره إلا لحكمة بالغة، وربما عاقبك الحق تعالى بنظير ذلك كما نقلت بنفسك ما أراد الله تعالى لذلك العبد فتقلق فإنه لا يثبت مع الحق إذا نقله مما يحبه، ويرضاه إلى ما يحبه تعالى، ويرضاه إلا الكاملون المكملون ثم إنه تعالى إذا عفا عنك، ولم يعاقبك بنظير ما فعل بذلك العبد فلا تعلم أنه استدراج أم لا فإن كان استدراجاً هلكت مع الهالكين، والغالب أنه استدراج لأنه تعالى حذرك من ذلك، وما حذرك إلا من موجود تقع فيه " وما يعقلها إلا العاقلون " " العنكبوت: 43 ".
وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى مرة عن المسببات هل لها أسباب مخصوصة لا تقبل غيرها أم لا فقال له ما مذهبك أنت فقال مذهبي أن الأسباب كالمرائي المجلوة القابلة لظهور الصور، والمرآة الواحدة تعطي الصور حقها من الظهور، وتقبل كل ما ظهر فيها من لطيف، وكثيف والأعيان التي هي المسببات مرآة واحدة غير منقسمة، ولا متناهية، ولا متكثرة في الحقيقة وإنما هي انطباع أسماء المتجلي فيها، وصفاته فالتنوع من المتجلي لا من غيره قال تعالى: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " فقال الشيخ رضي الله عنه، وهو مذهبي. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى يوماً وأنا حاضر على باب حانوته عن تفسير " إذا الشمس كورت " فقال رضي الله عنه اللسان في هذا الوقت عاجز عن البيان باللسان المألوف فقال له أخي المذكور قل ما تيسر فقال رحمه الله أكتب في ورقة " إذا الشمس كورت " بطنت، وباسمه الباطن ظهرت، ولم تظهر، ولم تبطن " إنك لعلى خلق عظيم " وانقست بعد ما توحدت ثم تعددت، وانعدمت بظهور المعدود " والقمر إذا تلاها " ثم تنزلت بما عنه انفصلت لما به اتصلت، واتخذت " والنجم إذا هوى " ثم تنوعت بالأسماء، واتحدت بالمسمى، وظهرت من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، ثم رجعت إلى نحو ما تنزلت " ولولا دفع الله الناس بغضهم ببعض لفسدت الأرض " " البقرة: 251 " وبالجبال سكن ميدها، وميدها هو فسادها ثم اتصفت وبعدت بما وصفت عما به اتصفت، وما اتصفت إلا لما خلقت، وانحرفت فحشرت، وبأعمالها انحشرت، ولوحوشها اتحدت " كل ميسر لما خلق له " " قل كل يعمل على شاكلته " " الإسراء: 84 " ثم انعدم التقييد بوجود الإطلاق، وانخرق الحجاب، وتعطلت الأسباب فطلبت القلوب ظهور المحبوب ليكون معها كما كان يوم يأتيهم الله في ظلل من الغمام " وإذا النفوس زوجت " " التكوير: 7 " وبزوجها تعلقت ولجها تشوقت، وبحقيقتها اتصلت، وبمظاهرها تعددت، وبها تنعمت " والتفت الساق بالساق إلى ربك يؤمئذ المساق " " القيامة: 29 و 30 " " وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت " والروح لم تقتل لأنها حية، وإن قتلت فبه قتلت، وإن سئلت فيه سئلت فقاتلها هو محييها بقتلها ومماتها، والموت عدم العلم والعلم عند الله تعالى لأنه هو العالم بالقاتل، وما يستحقه فجزاؤه عليه، ورجوعه إليه " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم " " وإذا الصحف نشرت " الصحف هي الحاوية للأعمال، والأعمال علوم القلب المفاضة على الجوارح فالعمل صورتها كما أنه روحها، ومن لا روح لصورته فلا نشر لصحفه " وسيرى الله عملكم ورسوله " فرسوله يرى عملكم لأنه هو المعلم، والله يرى عملكم لأنه العامل حقيقة، وقد تنزه تعالى عن الرؤية بالأبصار، والقلوب المقيدة بغيره " يحشر المرء على دين خليله " " وإذا السماء كشطت " " التكوير: 11 " لا أطيق التعبير عن معناه " وإذا الجحيم سعرت " نار الخلاف اشتعلت، والأعمال المظلمة عذبت " أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم " " المائدة: 49 " فما عذبهم إلا بهم، وما رحمهم إلا به، والواحد ليس من العدد لأن الواحد موجود مستور، والعدد معدوم مشهور " وإذا الجنة أزلفت " الآيات لا أستطيع النطق بمعناها " إنه لقول رسول كريم " لأنه مستو بنبوته على عرش ولايته، وهم العيون الأربعة تسقى بماء واحد لأن الحكم في ذلك اليوم لله باسمه الله لا باسمه الرب لأن حكم الله يعم، وحكم الرب يخص " ثم إلى ربهم يرجعون "، ولا وجم لصفة مع ذاتها " في قوة عند ذي العرش مكين " المراد به العرش المطلق لذلك اليوم المطلق يتجلى المعبود المطلق على العابد المطلق الذي هو إطلاق المقيدات كما بدأنا أول خلق نعيده " مطاع ثم أمين " " التكوير: 21 " إلى آخر السورة صفات، ونعوت، وأسماء للموصوف
(2/145)

المنعوت بالأسماء انتهى. قلت وهذا لسان لا أعرف له معنى على مراد قائلة، وإنما ذكرته تبركاً، والله أعلم. وسمعته رضي الله عنه يقول الرجل كالشجرة، وأصحابه كأغصانها ونسبة الغصن الذي لا يثمر إلى الشجرة كنسبة الغصن الذي يثمر على حد سواء في اتصاله بها لا تقدر الشجرة تنفيه عنها. وسمعته رضي الله عنه يقول الرجل، ولو ارتفعت درجته في معرفة الطريق لا يقدر أن يجعل شجرة الشوك تفاحاً أبداً، ولو أخلي المريد مدى الدهر فإن الحقائق لا تتبدل. وسمعته مرة يقول البرزخ كله عالم خيال لا حقيقة له ثابتة إذ لو كانت له حقيقة ثابتة ما صح لأهله الانتقال عنه إلى الدار الآخرة، وهو
محل تجلى الصفات الإلهية كما أن الجنة محل لتجلي الذات الغنية عن العالمين " إنكم سترون ربكم " الحديث. وسمعته رضي الله عنه يقول لأخي أفضل الدين رحمه الله مظاهر العوالم ثلاثة أفراد آدم، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، فآدم عليه السلام خصيص الأسماء، وعيسى عليه السلام خصيص بالصفات، ومحمد عليه الصلاة، والسلام خصيص بالذات فآدم عليه السلام فاتق لرتق المسميات، والمقيدات بصورة الأسماء، وعيسى عليه السلام فاتق لرتق الصفات البرزخيات بصورة الصفات، ومحمد عليه الصلاة والسلام فاتق لرتق الذات، وراتق لسر الأسماء، والصفات إذ الخصيص بالظهر الآدمي الآثار الكونية. ل تجلى الصفات الإلهية كما أن الجنة محل لتجلي الذات الغنية عن العالمين " إنكم سترون ربكم " الحديث. وسمعته رضي الله عنه يقول لأخي أفضل الدين رحمه الله مظاهر العوالم ثلاثة أفراد آدم، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، فآدم عليه السلام خصيص الأسماء، وعيسى عليه السلام خصيص بالصفات، ومحمد عليه الصلاة، والسلام خصيص بالذات فآدم عليه السلام فاتق لرتق المسميات، والمقيدات بصورة الأسماء، وعيسى عليه السلام فاتق لرتق الصفات البرزخيات بصورة الصفات، ومحمد عليه الصلاة والسلام فاتق لرتق الذات، وراتق لسر الأسماء، والصفات إذ الخصيص بالظهر الآدمي الآثار الكونية.
ولذلك ظهرت عجائبه، وتنوعت حقائقه، ورقائقه، والخصيص بالمظهر العيسوي المعارف الإلهية والكشوفات البرزخية، والتنوعات الملكية، والفئات، الروحية والخصيص بالمظهر المحمدي سر الجمع، والوجود، والإطلاق في الصفات، والحدود لعدم انحصاره بحقيقة أو تلبسه بقيد فإن سره جامع، ومظهره لامع، وقد، ولج هؤلاء الأفراد الثلاثة كل واحد في عالمه المختص به في هيكله الذي هو عليه الآن، ولم يكن ذلك لغيرهم فإن آدم عليه السلام تحقق ببرزخيته أولاً قبل نزوله إلى هذا العالم، وعيسى كذلك، وإلى الآن في المحل الذي، ولجه آدم عليه السلام مع ما اختص به من الصفات، وأحاطتها من عوالم الأسماء.
ولذلك طال مكثه ضعفي ما مكثه آدم عليه السلام في جنته، وأما محمد عليه الصلاة، والسلام فقد، ولج العوالم الثلاثة إذ هو مظهر سر الجمع، والوجود حيث أسرى به من عالم الأسماء الذي أوله مركز الأرض، وآخره السماء الدنيا ثم، ولج البرزخ باستفتاحه السماء الدنيا إلى انتهاء السابعة ثم، ولج ما فوقها استفتاحه عالم العرش إلى ما لا يمكن التعبير عن نهايته، ولذلك ادخر صلى الله عليه وسلم دعواته، ومعجزاته الخصيصة به لذلك اليوم المطلق الذي لا يسعه غيره ثم أطال الكلام في ذلك بما لا تسعه العقول فتركته لدقته، وغموضه، وبنائه على الكشف الصحيح التام الخاص بالكمل، وفي هذا القدر كفاية على التنبيه على علو شأنه رضي الله عنه وجميع ما ذكرته عنه لا يوجد عند أحد من أصحابه غير أخي الكامل الراسخ الشيخ أفضل الدين رضي الله عنه فإنه كان كاتم سره، وهذا الأمر الذي ذكرته، وقع لي مع عدة مشايخ. فبمجرد ما أصحبهم على وجه الإقتداء، ومحو الرسوم يمنحونني أموراً، وأسراراً لا توجد عند أحد من أصحابهم، ولو طالت مدة صحبتهم حتى إن بعضهم ينكرها: ويقول هذا شيء ما سمعناه من شيخنا قط وهو صحيح فإنه لم يطلعهم بحمد رب العالمين.

ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي علي البحيري
رضي الله عنه
أحد الأولياء المكملين، كان رضي الله عنه على قدم السلف الصالح من الخوف، والورع، والتقوى، ورثاثة الثياب، وكان أحد من جمع بين الشريعة، والحقيقة في عصره، وكنت إذا رأيته تذكرت بأحواله أحوال سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي عبد العزيز الدريني رضي الله عنه المنقولة عنه، وكان رضي الله عنه مقيماً في قرى الريف يحرس للناس العلم، ويفتيهم، ويعلمهم الآداب، والأخلاق، وكنت إذا رأيته لا يهون عليك مفارقته، ولو طال الزمان لما هو عليه من حسن الأخلاق، وهضم النفس، وتذكر أحوال الآخرة حتى كأنها رأى عين. وأخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي شهاب الدين بن الإقطيع البرلسي رضي الله عنه ثم بعده عن سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي على النبتيتي الضرير، وهو أكبر مشايخه تخلقاً، وتحققاً، ولم يفارق شيخه إلى أن مات، وأخبرني بعض الفقراء الصادقين أنه سمع بعض الناس يقول إن سيدي علياً البحيري رضي الله عنه أحد الأربعين فأنكر ذلك فنام تحت دكة المؤذنين بالجامع الأزهر فرأى في منامه جماعة بعد جماعة يقولون بل هو إمام الأربعين وكان رضي الله عنه كثير البكاء فإذا عتبوه في ذلك يقول: وهل النار إلا لمثلي، وكانت فتاواه تأتي إلى مصر فيتعجب
(2/146)

العلماء من حلاوة لفظها، وكثرة ما فيها من التخويف للخصم حتى يرجع إلى الحق وكان رضي الله عنه يقول قد عشنا إلى زمان صار الخلق فيه في غمرة، ونسوا يوماً تشيب فيه الأطفال، وتسير فيه الجبال، وكان رضي الله كنه إذا مر على الأطفال يسلم عليهم، ويسألهم الدعاء، وكان رضي الله عنه يقول أدركنا جماعة يكون طول ليلهم، ويتضرعون في حق هذه الخليقة، ويقولون كل شيء نزل بهذه البلاد التي حولنا فهو بسوء أفعالنا، ولو خرجنا لخف عنهم البلاء رضي الله عنه. مات رضي الله عنه في شوال سنة ثلاث، وخمسين، وتسعمائة، ودفن بنواحي سيدي محمد المنير رضي الله تعالى عنهما.

ومنهم أخي العارف بالله تعالى سيدي الشيخ أبو العباس الحريثي
رضي الله عنه
صحبته نحو ثلاثين سنة فما رأيته قط انتصر لنفسه ساعة، ونشأ رحمه الله تعالى على العبادة، والاشتغال بالعلم، وقراءة القرآن بالسبع ثم خدم الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه، وزوجة ابنته وقربه أشد من جميع أصحابه ثم أخذ بعض الطريق عن سيدي الشيخ علي المرصفي رضي الله عنه وأذن له أن يتصدر بعده لطريق الله تعالى، وأن يلقن كلمة التوحيد قالوا ولم يقع من الشيخ رضي الله عنه الإذن لغيره رضي الله عنه لعزة مقامه، ومعرفته بشروط أهل الطريق، وبرع رضي الله عنه في الطريق، وانتفع الناس على يديه في طريق الله تعالى، ووقع له كرامات كثيرة لا تحصى بحضرتي فمنها ما أعلم أنه كان يحب كتمانه فكتمته، ومنها ما سكت عنه فذكرته. وقد طلع لي مرة بواسير حتى حصل لي منها ضرر شديد فشكوت ذلك له فقال غدا تزول إن شاء الله تعالى في صلاة العصر فصليت العصر ونظرت فلم أجد لها أثراً رضي الله عنه، وأعطى رضي الله عنه القبول التام عند الخاص، والعام حتى إذ بعضهم شرب ماء غسالة يديه من ذفر السمك، وعمر عدة مساجد في دمياط، والمحلة، وغيرهما، وكان رضي الله عنه كريم النفس ظريفاً حسن المعاشرة بطيء الغيط كثير التبسم زاهداً في الدنيا كثير الوحدة في الليل وطوى الأربعين يوماً: وكان حلو المنطق لا تكاد تسمع منه إلا ما تحب، وربما جلست معه بعد صلاة العشاء فيطلع الفجر، ونحن في مجلس، واحد، وكنت أقدر الليلة بنحو سبع درج، وكان رضي الله عنه كثير التحمل لهموم الخلق حتى صار كأنه شن بال جلد على عظم، وما سمعته قط بعد نفسه من أهل الطريق، وكثيراً ما كان يقول إذا سمع شيئاً من كلام أهل الطريق استراحت العرايا من شراء الصابون، وكان فتحه الكبير بعد وفاة شيخه رضي الله عنه فدخل الخلوة مراراً، وما خرج حتى سمع الهواتف تأمره بذلك فخرج، ودعا الناس إلى طريق الله تعالى، ولقن رضي الله عنه نحو الشعرة آلاف مريد، ولم يزل على طريقته الحسني لم يتغير حتى مات. وكان رضي الله عنه يحط كثيراً على فقراء المطاوعة ويقول لأنهم قطاع الطريق على فقراء الأرياف، وليس في طريقهم ترق لعدم الشيخ الذي يبين لهم الأخلاق. ولم يكن حطه عليهم نقضاً فيهم إنما هو لمصلحة المريدين الذين أخذوا عنه الطريق، ولم تعلق فيهم صنارة، وذلك لأن عضب الكامل على الإنسان إنما هو لمصلحة ذلك الإنسان لا حظاً للنفس فأفهم وسبق سيدي أبا العباس إلى ما ذكرناه سيدي محمد الغمري، وسيدي مدين، وغيرهما فكانوا كلهم ينهون جماعتهم عن الاجتماع بالمطاوعة لهذه العلة التي تقدمت، والله أعلم، ولما حضرته الوفاة قال لسيدي أحمد بن محيي الدين الغمري، وللحاضرين خرجنا من الدنيا، ولم يصح معنا صاحب في الطريق. قلت: وكذلك وقع لسيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه. فقيل له إن من أصحابك فلاناً وفلاناً فقال رضي الله عنه هؤلاء من معارفنا إنما صاحبك من شرب من بحرك. توفي رضي الله عنه بثغر دمياط في سنة خمس، وأربعين، وتسعمائة، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه، ولقد قصدته في حاجة، وأنا فوق سطوح مدرسة أم خوند بمصر فرأيته خرج من قبره يمشي من دمياط، وأنا أنظره إلى أن صار بيني وبينه نحو خمسة أذرع فقال عليك بالصبر، ثم اختفى رضي الله عنه.

ومنهم شيخي ووالدي وقدوتي الشيخ نور الدين الشوني
رضي الله تعالى عنه
وهو أطول أشياخي خدمة خدمته خمساً وثلاثين سنة لم يتغير علي يوماً واحداً، وشوني اسم بلدة بنواحي طندتا بلد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه ربي بها صغيراً ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه، وأنشأ فيه مجلس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شاب أمرد فاجتمع في ذلك المجلس خلق كثير، وكانوا يجلسون فيه من بعد صلاة المغرب ليلة الجمعة إلى أن يسلم على المنارة لصلاة الجمعة ثم إنه خرج يشيع جماعة مسافرين إلى مصر في بحر الفيض فخرجت
(2/147)

المركب به من غير قصد منه فلم يقدر أحد على رجوعها إلى البر فقال توكلنا على الله فجاء إلى مصر فأقام بها أولاً في تربة السلطان برقوق بالصحراء، وأنشأ في الجامع الأزهر مجلس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام سبع وتسعين وثمانمائة، وكان رضي الله عنه يقوم من التربة كل ليلة جمعة إلى الأزهر، ويرجع فلما عمر السلطان طومان، باي العادل تربته نقله إليهما، وأعطاه، وظيفة المزملات بها فكان يسقي الناس طول النهار فأقام بها سنين عديدة ثم دخل إلى مصر، وتزوج بها، وله من العمر تسعون سنة وكان لم تزوج قط ثم انتقل إلى مدرسة السيوفية التي وقع لسيدي عمر بن الفارض مع شيخه البقال فيها ما وقع فأقام بها إلى أن مات في سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن عندنا بالقبة لمجاورة لباب المدرسة القادرية بخط بين السورين، وقبره بها ظاهر يزار.
وأخبرني رضي الله عنه قال من حين كنت صغيراً أرعى البهائم في شوني وأنا أصب لصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أدفع غذائي إلى الصغار، وأقول لهم كلوه، وصلوا أنا وإياكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نقطع غالب النهار في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ولما دخلت مصر في سنة إحدى عشرة وتسعمائة لقيني الشيخ شهاب الدين الطويل المجذوب رضي الله عنه فقال لي أنت ابن الشوني أيش حال أبوك، وكنت لا أعرف قط من هو الشوني فما كان إلا نحو سنتين فأخبرني شخص أن رجلاً يسمى الشيخ نور الدين الشوني من الصالحين في تربة العادلية امض بنا نزوره فلما دخلنا عليه رحب بي أكثر من أصحابي وقال لي أيش قال لك الشيخ شهاب الدين فأخبرته، فقال هو صاحب اطلاع، وإن شاء الله تعالى يحصل لك من جهاتنا نصيب من الخير فكنت أحضر معه المجلس نحو سبع سنين فلما كانت سنة تسع عشرة قال لي مقصودي تجمع لك جماعة في الجامع الذي أنت فيه مقيم، وتحيي بهم ليلة الجمعة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ترتيب هذا المجلس فشرعت فيه في السنة المذكورة فلم ينقطع ببركته ليلة واحدة إلى، وقتنا هذا ثم إنه خطر لي ليلة من الليالي أن أقرأ بالجماعة " إنا أعطيناك الكوثر " نحو ألف مرة فقرأناها فرأى جماعة بكثرة تلك الليلة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرت الشيخ بذلك ففعلها بمجلسه بالجامع الأزهر ثم إني كررت ليلة قوله تعالى: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا " " البقرة: 286 " نحو خمسين درجة فحصل للجماعة بسط عظيم فأخبرته بذلك فصار يفعلها بمجلسه، وتوارثها عنه جماعته. ورأيت مرة في واقعة أنني أمشي خلفه في أرض بلور أبيض، وعليها سور شاهق يقرب من السماء، وحصل لي أنس عظيم في تلك الأرض كدت أن أسكر منه فبينما نحن نمشي إذ نزل من السماء سلسلة فضة بيضاء، وفيها قربة فيها ماء أبيض من اللبن، وأحلى من العسل فنزلت إلى أن صار الإنسان يصل إليها بفمه فشرب الشيخ رضي الله عنه منها، وأعطاني الفضلة فشربتها ثم تخلف الشيخ، ومشيت حتى غبت عن الشيخ فنزلت لي سلسلة ذهب، وفيها شيء مربع نحو الشبر في شبر، وفيها ثلاث عيون مكتوب على العليا منها مستمد هذه العين من الله، وعلى الوسطى مستمد هذه العين من الله، وعلى السفلى مستمد هذه العين من الكرسي فألهمني الله تعالى فشربت من الوسطى ثم رجعت إلى الشيخ رضي الله عنه فأخبرته بما شربته، وبأنه من العين التي تستمد من العرش فقال يا فلان تتخلق إن شاء الله تعالى بالرحمة على جميع العالم وسر بذلك سروراً عظيماً رضي الله عنه.
ثم قال لي صدق كلام الشيخ شهاب الدين المتقدم. وكان رضي الله عنه حسن العشرة جميل الخلق كريم النفس حسن السمت كثير التبسم. صافي القلب ممسوحاً كباطن الطفل سواء، وهذه الصفة من صفات الجلة، وكان إذا نزل بالمسلمين هم أو غم لا يقر له قرار حتى يرتفع، وكان لا يتفوه قط برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يقول رأي بعض الفقراء، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له كذا، وكذا مع أن مرتبته كانت تقتضي كثرة الرؤيا له صلى الله عليه وسلم.
ورأيته عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، في، وقائع لا أحصيها فكنت أذكر له ذلك فيقول: اشتبهت بي، ولا يعترف بذلك.
ورأيت مرة قائلاً يقول في شوارع مصر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه فمن أراد الاجتماع به فليذهب إلى مدرسه السيوفية فمضيت إليها فوجدت السيد أبا هريرة رضي الله عنه على بابها الأول فسلمت عليه، ثم وحدت المقداد بن الأسود على بابها الثاني فسلمت عليه ثم، وجدت شخصاً لا أعرفه على بابها الثالث فلما، وقفت على باب خلوة الشيخ وجدت الشيخ، ولم
(2/148)

أجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عنده فبهت في وجه الشيخ فأمعنت النظر فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء أبيض شفافاً يجري من جهته إلى أقدامه فغاب جسم الشيخ، وظهر جسم النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه ورحب بي وأوصاني بأمور وردت في سنته فأكد على ما فيها ثم استيقظت فلما أخبرت الشيخ رضي الله عنه بذلك قال، والله ما سررت في عمري كله كسروري بهذا، وصار يبكي حتى بل لحيته رضي الله عنه وروى في عرفات في الموقف مراراً لا تحصى حتى حلف شخص من أصحابه بالطلاق إنه رآه وسلم عليه فيه، وهو لم يعترف، ويقول أنا ما برحت من مصر موضعاً، وتفرعت عنه سائر مجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي على وجه الأرض الآن في الحجاز والشام، ومصر، والصعيد، والمحلة الكبرى وإسكندرية، وبلاد الغرب وبلاد التكرور. وذلك لم يعهد بأحد قبله إنما كان الناس لهم أوراد في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرادى في أنفسهم، وأما اجتماع الناس على هذه الهيئة فلم يبلغنا وقوعه من أحد من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصره رضي الله عنه، ولما توفي رضي الله عنه رأيته في قبره، وقد اتسع مد البصر، وهو مغطى بلحاف حرير أخضر مساحته قدر فدان ثم إني رأيته بعد سنتين، ونصف، وهو يقول لي غطني بالملاية فإني عريان فلم أعرف ما المراد بذلك فمات ولدي محمد تلك الليلة فنزلنا به ندفنه بجاتبه في الفسقية فرأيته عرياناً على الرمل لم يبق من كفنه، ولا خيط واحد ووجدته طرياً يخر ظهره دماً مثل ما دفناه سواء لم يتغير من جسده شيء فغطيته بالملاية، وقلت له: إذا قمت وكسوك، أرسل لي ملايتي. وهذا من أدل دليل على أنه من شهداء المحبة فإن الأرض لم تأكل من جسده شيئاً بعد سنتين، ونصف، ولا انتفخ، ولا نتن له لحم، وإنما وجدنا الدم يخر من ظهره طرياً لأنه لما مرض لم يستطع أحد أن يقلبه مدة سبع وخمسين يوماً فذاب لحم ظهره فضممناه بالقطن، وورق المون، ولم يتأوه قط، ولم يئن في ذلك المرض، ورأيته مرة أخرى فقلت يا سيدي أيش حالكم فقال جعلوني بواب البرزخ فلا يدخل البرزخ عمل حتى يعرض علي، وما رأيت أضوأ، ولا أنور من عمل أصحابنا يعني من قراءة " قل هو الله أحد " والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورأيت مرة الإمام الشافعي رضي الله عنه، وقال لي: أنا عاتب عليك وعلى نور الدين الطرابلسي ونور الدين الشوني، وكنت تلك الليلة نائماً في الروضة عند بني الوفاء فقلت للإمام نزوركم بكرة إن شاء الله فقال لا هذا الوقت فأخذ بيدي، ومشى من الروضة حتى طلع بي فوق قبته، وفرش لي حصيراً بقرب الهلال بحيث أني صرت أمسك المركب النحاس بيدي ومضى فأتى ببطيخ وجبن طري، وخبز لين، وقال: كل فقد ماتت ملوك الدنيا بحسرة الأكل في هذا الموضع فرجعت، وقصصت المنام على الشيخ نور الدين الطرابلسي فركب في الحال للزيارة دخلت للشيخ نور الدين الشوني فقلت له، وكان عنده عرعر صاحب الشريف بركات سلطان مكة فقال هذه أباطيل مثل الإمام الشافعي رضي الله عنه يعتب علي مثلكم في الزيارة الشريف عرعر تلك الليلة فرأى الإمام الشافعي رضي الله عنه، وقال له قول عبد الوهاب صحيح، وأنا عاتب على الثلاث فجاء الشيخ نور الدين، وأخبره الخبر.
ثم قال: وقال لي لولا الشوني في مصر لهوى بأهلها ما هوى ومناقبه رضي الله كثيرة، وإن شاء الله تعالى نفردها بالتأليف إن كان في الأجل فسحة، والله أعلم.

ومنهم أخي وصاحبي سيدي الشيخ أبو الفضل الأحمدي
رضي الله تعالى
صاحب الكشوفات الربانية، والاتفاقات السماوية، والمواهب اللدنية سمعت الهواتف تفول في الأسحار ما صحبت مثل الشيخ أبي الفضل، ولا تصحب مثله، كان رحمه الله تعالى أكابر أولياء الله، وما رأيت أعرف منه بطريق الله عز وجل، ولا بأحوال الدنيا، والآخر له نفوذ البصر في كل شيء لو أخذ يتكلم في أفراد الوجود لضاقت الدفاتر. صحبته رضي الله عنه نحو خمس عشرة سنة، ووقع بيني وبينه اتحاد لم يقع لي قط مع غيره، وهو أنه كان يرد على الكلام من الحكمة في الليل فأكتبه فإذا جاء عرضته عليه فيخرج لي ورقة من عمامته، ويقول وأنا الآخر، وقع لي ذلك فنف بل الكلام على الآخر فلا يزيد أحدهما على الآخر حرفاً، وربما يقول بعض الناس إن أحدنا كتب ذلك من الآخر، وكان رضي الله يحرك تطور الأعمال الليلية، والنهارية، ويرى معارجها، وهذا أمر ما رأيته لأحد قط الأشياخ الذين كتبت مناقبهم في هذه الطبقات، وقد سألني مرة الأمير محيي الدين بن أصبغ أسبغ الله عليه نعم الدارين أن أدعو له بالخلاص
(2/149)

من سجن السلطان فسألتا لله تعالى في الأسحار فجاءني سيدي الشيخ أبو الفضل، وقال لي ضحكت الليلة عليك في دعائك لابن أبي أصبغ بالخلاص من السجن، وقد بقي له من المدة خمسة شهور، وسبعة أيام كنت شاطر مصر لم تقدر على إخراجه حتى تنقضي هذه المدة. قال ورأيت دعاءك، وهو يصعد إلى السماء نحو قامة، ويرجع إليك وربما كان يأتيني فيخبرني بجميع ما وقع لي في الليل، وكان من شأنه تحمل هموم الناس حتى صار ليس عليه أوقية لحم، وكان رضي الله عنه يقول لي منذ سنين، وأنا أحس بلحمي كأنه في صحن نحاس على النار يطشطش، وكان من شأنه التقشف في المكل، والملبس، وخدمته جميع إخوانه، وكنا إذا خرجنا لمثل أهرام الجيزة أو غيرها من التنزهات يحمل نعال الجماعة كلهم في خرج على عنقه، ومن أبي أقسم عليه بالله تعالى حتى يمكنه من حمل نعله، وشكوت له مرة مرضاً نزل بي فقال: والله العظيم لي منذ عشر سنين، وأنا أحس أنني في صحن نحاس على النار من غير ماء يطشطش فيه فحط مرضك بجنب هذا تجده، ولاش.
وكان رضي الله عنه لا ينام من الليل إلا نحو عشر درج صيفاً، وشتاء، وكان رضي الله عنه من أعظم الناس تعظيماً للمساجد لم يتجرأ قط أن يدخل مسجداً إلا تبعا لغيره فكان يمكث واقفاً على باب المسجد حتى إذا دخل أحد دخل في ذراه، ويقول: مثلنا لا ينبغي له أن يدخل المساجد إلا تبعاً لعامة المسلمين لعجزنا عن القيام بآدابها، ورأيت مرة في ثوبه أثراً فقلت له دعني أغسله لك فقال: أنت ما تعرف حالي، والله إني لأستحي من لبس الثوب النظيف على ذاتي هذه القذرة، وكان رضي الله عنه يقول أعطاني الله تعالى أن لا أنظر قط إلى شيء من الحبوب نظرة واحدة، ويسوس أو يتلف أبداً، وجربنا ذلك في مخزن القمح الذي كان يسوس عندنا.
وكان رضي الله عنه يعرف أصحاب النوبة في سائر أقطار الأرض، ويعرف من تولى ذلك اليوم منهم، ومن عزل، وكان لونه أصفر نحيفاً لا تكاد تجد عليه أوقية لحم. وحج رضي الله عنه مرات على التجريد فلما كان آخر حجة كان ضعيفاً فقلت له في هذه الحالة تسافر فقال لترابي فإن نطفتي مرغوها في تربة الشهداء ببدر فكان كما قال فمرض مرضاً شديداً قبل بدر بيومين ثم توفي، ودفن ببدر كما قال، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة فلما حججت سنة سبع، وأربعين مضيت إلى قبره فقلت له أقسم عليك بالله إلا ما نطقت لي من القبر، وعرفتني بقبرك فناداني تعال فإني ها هنا فعرفت قبره بتعريفه لي رضي الله عنه، ومدحت له مرة بعض الفقراء فقال أجمعني عليه فدخلنا فوجدناه في الخلوة فقال له سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى يا هو بهمة فتخبط ذلك الفقير من صياحه عليه حتى كاد يذهل فقال سيدي أفضل الدين رضي الله عنه وعزة ربي لولا الشفقة عليه لشققت قلبه بالصوت ثم قال لي هذا يكل مهما وجد لا يتورع فهذا الذي تركه يتخبط كما قال الله تعالى: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " " البقرة: 275 "، فذاكره مذاكرة في حقائق اليقين ودقق عليه الكلام حتى قال له ذلك الفقير تنزل لنا في العبارة، والمقام ثم رأى عنده رجلاً مختلياً وصوته ضعيف في الذكر فقال له أخرج هذا الفقير، وأطعمه وإلا مات، ودخل النار فقال الفقير هذا من شرط الخلوة فقال له سيدي أفضل الدين رضي الله عنه: وماذا يطلب بالخلوة هذه فإن العبد إذا كان ولياً لله فلا يحتاج إلى هذا العلاج وإن كان غير ولي لله فلا يصير ولياً بالعلاج وشجرة السنط لا تكون تفاحاً بالعلاج فأخذ سيدي أبو الفضل رغيفاً. وقال اسمع مني واخرج، وما وعدك الله به يحصل إن شاء الله تعالى فلم يخرج فقال الله يبتليك بالموت فمات بعد يوم وليلة، وكان رضي الله عنه يقول بواطن هذه الخلائق كالبلور الصافي أرى ما في بواطنهم كما أرى ما ظواهرهم، وكان إذا انحرف من إنسان يذوب ذلك الإنسان، ولا يفلح في شيء من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة، وكان رضي الله عنه يعرف من أنف الإنسان جميع ما يفعله في داره ويقول هذا ما هو باختياري، وسألت الله تعالى الحجاب فلم يحجبني؛ والله تعالى في ذلك حكم، وأسرار وكان له كلام عال في الطريق، والمقامات، وأحوال الكمل، وكان يقول من وراثي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. ومن كلامه رضي الله عنه: اعلم يا أخي المراد من الإيجاد الإلهي الإنسان، والتكوين الطبيعي الناري ليس إلا معرفه الربوب وأوصافها، والعبودية، وأخلاقها فأما أوصاف الربوبية فكيفيك يا أخي منها ما وصل إليك علمه إلهاماً، وتقليداً بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير تشبيه، ولا تعطيل، وأما أخلاق العبودبة فهي مقابلة الأوصاف الربوبية على السواء فكل صفة استحقتها الألوهية طلبت العبودية حقها من مقابلة ذلك
(2/150)

الوصف، ومن هذا المقام كان استغفاره صلى الله عليه وسلم فكل عن مقامه يتكلم، وعما وصف به يترجم، وسمعته رضي الله عنه يقول من نظر إلى ثواب في أعماله عاجلاً أو آجلاً فقد خرج عن أوصاف العبودية التي لا ثواب لها إلا وجه الله تعالى.
وكان يقول عليك بحسن الظن في شأن ولاة أمور المسلمين، وإن جاروا فإن الله لا يسأل أحداً قط في الآخرة لم حسنت ظنك بالعباد، وكان يقول لا تسب أحداً من خلق تعالى على التعيين بسبب معصية، وإن عظمت فإنك لا تدري بم يختم لك، وله ولا تسبب من أحد إذا سببت إلا فعله لا عينه فإن عينك، وعينه واحد فلا تسب إلا الفعل الرديء المذموم لقوله صلى الله عليه وسلم في الثوم " إنها شجرة أكره ريحها "، فلم، يقل أكرهها وإنما أكره ريحها الذي هو بعض صفاتها، وكان رضي الله عنه يقول لا يخلو المنقص لأعراض الناس عن ثلاثة أحوال إما أن يرى نفسه أفضل منهم فهو حينئذ أسوأ حالاً منهم كما وقع لإبليس مع آدم عليه السلام، وإما أن يرى نفسه مثلهم فما أنكر إلا على حال نفسه حقيقة، وإما أن يرى نفسه دونهم فلا يليق به تنقيص من هو خير منه. سمعته مرة يقول هؤلاء المنقصون لأعراضنا فلاحون لنا يزنون لنا الخراج فقلت له كيف؟ فقال لأنهم ينقلون في صحائفنا جميع أعمالهم الصالحة الخالصة، وثم ذنوب لا يكفرها إلا كلام الناس في عرض الإنسان، وكان رضي الله عنه يقول عليكم بحسن الاعتقاد فإنه ربط القلب مع الله تعالى بواسطة المعتقد فيه، ولو كان غير أهل لذلك فإنكم لم تربطوا قلبكم إلا مع الله تعالى لا مع الواسطة، والله يستحي من طلب عبده له أن يفقده عندما طلبه، وكان رضي الله عنه يقول كونوا عبيد الله لا عبيد أنفسكم، ولا عبيد ديناركم، ودرهمكم فإن كل ما تعلق به خاطركم من محمود أو مذمم أخذ من عبوديتكم بقدر حبكم له، وأنتم له تخلقوا للسكون، ولا لأنفسكم بل خلقكم له فلا تهربوا منه فإنكم حرام على أنفسكم فكيف لا تحرموا على غيركم، وكان رضي الله عنه يقول كفوا غضبكم عمن يسيء إليكم لأنه مسلط عليكم بإرادة ربكم، وكان يقول افعلوا كل ما أمركم به الشرع إن استطعتم، ولكن من حيث مشروعيته والأمر به لا من حيث علة أخرى، واتركوا العلل كلها في جميع أحوالكم، وأعمالكم، واقطعوا الكل بقوله: " يمحو الله ما يشاء ويثبت "، " الرعد: 39، " وكان رضي الله عنه يقول لا تقطعوا بما علمتموه من الكتاب، والسنة ولو كان حقاً في نفسه، وكان يقول لا تركن إلى شيء، ولا تأمن نفسك في شيء، ولا تأمن مكر الله لشيء، ولا تختر لنفسك حالة تكون عليها فإنك لا تدري أتصل إلى ما اخترته أم لا ثم إن وصلت إليه فلا تعلم ألك فيه خير أم لا، وإن لم تصل إليه فاشكر الذي منعك فإنه لم يمنعك عن بخل، وكان رضي الله عنه يقول إذا خيرك الحق تعالى في شيء فاختر عدم الاختيار، ولا تقف مع شيء، ولا تر لنفسك شيئاً، ولا تحزن على شيء خرج عنك فإنه لو كان لك ما خرج عنك ولا تفرح قط بما حصل لك من أمور الدنيا، والآخرة دون الله تعالى فإن ما سوى الله عدم. وكان رضي الله عنه يقول إذا نقل إليكم أحد كلاماً في عرضكم من أحد فازجروه، ولو كان من أعز إخوانكم في العادة، وقولوا له إن كنت تعتقد هذا الأمر فينا فأنت، ومن نقلت عنه سواء بل أنت أسوأ حالاً لأنه لم يسمعنا ذلك، وأنت أسمعته لنا، وإن كنت تعتقد أن ذلك لأمر باطل في حقنا وبعيد منا أن نقع في مثله فما فائدة نقله لنا. وسمعته رضي الله عنه يقول لا تتكلموا قط مع من فتى في التوحيد فإنه مغلوب وكلوه لمشيئة الله تعالى، ولا تشتغلوا بإكثار من مطالعة كتب التوحيد فإنها توقفكم عما أنتم مخلوقون له فكل تكلم بحسب علمه، وذوقه، وكان رضي الله عنه يقول عليكم بحفظ لسانكم مع أهل الشرع فإنهم بوابون لحضرة الأسماء، والصفات، وعليكم بحفظ قلوبكم من الإنكار على أحد من الأولياء فإنهم بوابون لحضرة الذات، وإياكم، والانتقاد على عقائد الأولياء بما علمتموه من أقوال المتكلمين فإن عقائد الأولياء مطلقة متجردة في كل آن على حسب الشئون الإلهية، وكان رضي الله عنه يقول لا تقربوا من الأولياء إلا بالأدب، ولو باسطوكم فان قلوبهم مملوكة، ونفوسهم مفقودة، وعقولهم غير معقولة فيمقتون على أقل من القليل، وينفذ الله مرادهم فيكم، وكان رضي الله عنه يقول إذا صحبتم كاملاً فلا تؤولوا له كلاماً إلى غير مفهومه الظاهر فإن الكمل لا يسترون لهم كلاماً، ولا حالاً إذ التدبير من بقايا تدبير النفس، وحفظها، وكان رضي الله عنه يقول اسألوا الله العفو، والعافية وألحوا عليه، ولو كان أحدكم صبوراً، وكان رضي الله عنه يقول الحقيقة، والشريعة كفتا الميزان
وأنت قلبها فكل كفة حصل منك ميل إليها كنت لها. ت قلبها فكل كفة حصل منك ميل إليها كنت لها.
وكان رضي الله عنه يقول عليكم بتنظيف باطنكم من الحرص، والغل، والحقد ونحو ذلك فإن الملك
(2/151)

لا يرضى أن يسكن بجواركم، وأنتم على هذا الحال فكيف يسكن الله تعالى قلوبكم يا داود طهر لي بيتاً أسكنه. وكان رضي الله عنه يقول عليكم بإخراج كل علقت به نفوسكم ولم تسمح بإظهاره من علم أو حال أو غيرهما، ولا تتركوا النصح لإخوانكم، ولو ذموكم لأجل ذلك، وكان رضي الله عنه يقول عليكم بإصلاح الطعمة استطعتم فإنها أساسكم الذي يتم لكم به بناء دينكم، وجميع أعمالكم الصالحة فإن كنتم متجردين عن الأسباب فاقبلوا كل ما أرسله الحق تعالى إليكم من غير سؤال ما عدا الذهب والفضة، والثياب الفاخرة فإذا بلغ أحدكم مبلغ الرجال عرف كل لقمة من أين جاءت وعرف من يستحق أكلها كالبناء يعرف مكان كل طوبة يضعها، وكان رضي الله عنه يقول إذا غضب شيخك على أحد فعليك أن تجتنبه فإن علمت أن غضب شيخك لغير الله فأمسك عن الاجتناب كأحوال المشايخ القاصرين الآن.
وكان رضي الله عنه يقول إذا فاجأك في حال الذكر شيء من حال أو غيره فلا تدفعه عن نفسك، ولا تستجلب ذلك بجميع باطنك، وتفعلك فإن ذلك سوء أدب، وكان رضي الله عنه يقول لا تأنفوا من التعلم ممن خصه الله تعالى من فضله كائناً من كان لا سيما أهل الحرف النافعة فإن عندهم من الأدب ما لا يوجد عند خصوص الناس، وكان يقول إياكم أن تظهر، والكم حالاً أو وصفاً دون أن يتولى الله ذلك من غير اختياركم، وكان رضي الله عنه يقول احذروا من قربه تعالى لكم أن يفتنكم بالقرب مع أنه لا خصوصية، لكم فيه، وإذا علم أحدكم ما هو عليه من القرب فهو بعيد من القرب فإن حقيقة القرب الغيبية بالقرب عن القرب حتى لا تشهد حالك في القرب إلا بعد، ولا في العلم إلا جهلاً ولا في التواضع إلا كبر فإن شهود القرب يمنع العلم بالقرب " ونحن أقرب إليه منكم، ولكم لا تبصرون " وكان رضي الله عنه يقول: احذروا من الاغترار بصحبته لكم أن يستدرجكم بحبكم له فيشغلكم بكم عنه وإذا كشف لكم عن حقائقكم حسبتم أنكم هو، ومن هنا يفع الاستدراج، ولا خلاص لكم إلا إن شهدتموه به تعالى لا بكم. وسئل رضي الله عنه مرة عن قوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " " هود: 113 " الآية هل يدخل في ذلك الركون إلى النفس فقال رضي الله عنه نعم، ثم قال رضي الله عنه: وإيضاح ذلك أن هذه الآية أيضاً متضمنة لعدم اختيار العباد مع ربهم، ومتضمنة أيضاً لمعرفة أقرب الطرق إلى الحق وهو أصل جامع لجميع الطرق الظاهرة، والباطنة فإن في باطنها الحث على الآمر بالتخلق بالمقام الإبراهيمي الذي نحن مكلفون باتباعه، وذلك أن الأركان صفة من صفات النفس والظلم أيضاً من صفاتها، وهي موصوفة بالظلم والأركان في نفسها لاعتمادها على نفسها ودعواها بأنها أفضل وأعلم من غيرها، ولو لم تعلم هي ذلك من نفسها، ولولا أنها موصوفة بالظلم ما ظهر عنها قط فعل ولا أمر قبيح، وهذا أيضاً أقوى دليل على جهلها بمعرفة نفسها، وربما حيث لم تسند إلى ربها جميع أفعالها وأقوالها، وحركاتها، وسكناتها الظاهرة والباطنة، ومعلوم أن الظالم نفسه إنما هو معذب في هذه الدار بنار نفسه، وشهواته لا بالنار المحسوسة التي تقع له في الدار الآخرة. وانظر يا أخي إلى إبراهيم عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة، والسلام لما لم تؤثر فيه نار الشهوة لم تؤثر فيه نار الحس بل، وجدها برداً لأجل صفة البرد الذي في باطنه عليه الصلاة، والسلام من حر التدبير المفضي إلى الشرك الأكبر المشار إليه بقول لقمان لابنه " إن الشرك لظلم عظيم " فعلم أن الظالم لحق ربه معذب بنار البعد عنه، ومتقرب إلى هواه الذي جعله معبوده، ووجهته قال تعالى: " أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم " " الجاثية: 23 " وإنما وصفه هنا بالعلم لأنه لم يتخذ له إلهاً خارجاً عنه بعيداً منه، والإله من شأنه القرب، وما ثم أقرب إلى الإنسان من نفسه لنفسه لأن هواه المعبود عالم بما يظهر في سره، ونجراه بخلاف الإله المجعول في الظاهر فإنه غير عالم بمصالح تلك النفس، وأحوالها لبعده، وعدم علمه، ومن هنا قالوا ألطف الأوثان الهوى، وكثفها الحجارة، وأيضاً فإن النفس العابدة لهواها هي المعبودة لهذا فإن صفاتها عابدة لذاتها، ولذلك وقع علينا التوبيخ الإلهي في قوله تعالى: " وفى أنفسكم أفلا تبصرون " " الذاريات: 21 "، وفي حديث من " عرف نفسه عرف ربه " فإن المعرفة هنا تكررت وهي لم تقبل تكراراً، والنفس، والرب قبلا التكرار فاعلم ما تحته تصب التحقيق إن شاء الله تعالى، وصلى الله وسلم على معلم الخير، ومظهر التوحيد. وكان رضي الله عنه يقول ثم ثلاث مرات لثلاث رجال زاحم عليها متصوفة زمامنا بغير حق وهي تلقين الذكر للمريدين، سهم وإلباسهم الخرقة وإخاؤهم لهم العذبة، فأما تلقين الذكر فشرطه عندي أن يعطيه الله تعالى من القوة، والتمكين وكمال الحال ما يمنح المريد عند قوله قال لا إله إلا الله جميع
(2/152)

علوم الشرائع المنزلة إذ هي كلها أحكام لا إله إلا الله فلا يحتاج بعد ذلك المجلس إلى تعليم شيء من الشرائع كما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى كان يقول عندي من العلم الذي أسره إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عند جبريل ولا ميكائيل فيقول له ابن عباس كيف؟ فيقول إن جبريل عليه السلام تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة
الإسراء، وقال: " وما منا إلا له مقام معلوم " فلا يدري ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. هذا هو التلقين الحقيقي، ولا يكون إلا لمن اتحد بشيخه حتى صار كأنه هو. لإسراء، وقال: " وما منا إلا له مقام معلوم " فلا يدري ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. هذا هو التلقين الحقيقي، ولا يكون إلا لمن اتحد بشيخه حتى صار كأنه هو.
وأما إلباس الخرقة فشرطه عندي أيضاً أن يعطي الله ذلك الشيخ من القوة ما ينزع به عن المريد حال قوله له اخلع قميصك أو قلنسوتك مثلا جميع الأخلاق المذمومة فيتعطل عن استعمال شيء منها إلى أن يموت ذلك المريد ثم يخلع على المريد مع إلباسه تلك الخرقة جميع الأخل