Advertisement

الطبقات الكبرى للشعراني لوافح الأنوار في طبقات الأخيار 001


الكتاب: الطبقات الكبرى = لوافح الأنوار في طبقات الأخيار
المؤلف: عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحَنَفي، نسبه إلى محمد ابن الحنفية، الشَّعْراني، أبو محمد (المتوفى: 973هـ)
الناشر: مكتبة محمد المليجي الكتبي وأخيه، مصر
عام النشر: 1315 هـ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال سيدنا ومولانا وقدوتنا إلى الله تعالى، الشيخ الإمام العالم العامل، العارف بالله تعالى، إمام المحقفين، وقدوة العارفين، ومربي الفقراء والمريدين، بأقوى قواعد التمكين، فاتح أقفال غوامض معنويات إشارات المحققين، ومعبر رموز مجلات مشكلات العارفين، واسطة عقد السالكين، وريحانة وجود الواصلين الذي أقامته القدرة الإلهية ورتبته العناية الربانية واللطائف الرحمانية، وسلك الطريق الإلهية متبعاً للكتاب العزيز والسنة المحمدية، وتفقه حتى وصل إلى الغاية في مذهب السادة الشافعية وفتح الله عليه بالافتتاحات الربانية أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد بن علي بن الشعراوي الأنصاري طاب ثراه وجعل قبره روضة من رياض الجنة ونفعنا به وببركات علومه وأسراره ونفحاته في الدنيا والآخرة آمين.
الحمد لله الذي خلع على أوليائه خلع إنعامه فهم بذلك له حامدون، واختصهم بمحبته، وأقامهم في خدمته فهم على صلاتهم يحافظون، ودعاهم إلى حضرته وأظهر فيه مراتبهم فالسابقون السابقون أولئك المقربون، وفتح لهم أبواب حضرته، ورفع عن قلوبهم حجاب بعده فهم بين يديه متأدبون، ولاطفهم بوده وأمنهم من إعراضه وصده " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " يونس: 62، ونور بصارئرهم بفضله وطهر سرائرهم، وأطلعهم على السر المصون، وصانهم عن الأغيار، وسترهم عن أعين الفجار لأنهم عرائس ولا يرى العرائس المجرمون، فإذا مر عليهم ولي من أولياء الله ينسبونه إلى الزندقة والجنون، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون، فمنهم المنكر لكراماتهم، ومنهم المنقص لمقاماتهم، ومنهم الثالب لأعراضهم، ومنهم المعترضون يعترضون على أحوالهم، ويخوضون بجهلهم في مقالهم، وبهم يستهزئون، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، فسبحان من قرب أقواماً واصطفاهم لخدمته فهم على بابه لا يبرحون، وسبحان من جعلهم نجوماً في سماء الولاية، وجعل أهل الأرض بهم يهتدون، وسبحان من أباحهم حضرة قربه والمنكرون عليهم عنها مبعدون؛ فالأولياء في جنة القرب متنعمون، والمنكرون في نار الطرد والبعد معذبون " لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون " الأنبياء: 23. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة شهد
(/)

بها الموقنون، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله النور المخزون والسر المصون، اللهم فصل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم وصحبهم أجمعين، كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
وبعد: فهذا كتاب لخصت فيه طبقات جماعة من الأولياء الذي يقتدي بهم في طريق الله عز وجل من الصحابة والتابعين إلى آخر القرن التاسع وبعض العاشر، ومقصودي بتأليفه فقه طريق القوم في التصوف من آداب المقامات والأحوال لا غير، ولم أذكر من كلامهم إلا عيونه وجواهره دون ما شاركهم غيرهم فيه مما هو مسطور في كتب أئمة الشريعة، وكذلك لا أذكر من أحوالهم في بداياتهم إلا ما كان منشطاً للمريدين كشدة الجوع والسهر ومحبة الخمول وعدم الشهرة، ونحو ذلك أو كان يدل على تعظيم الشريعة دفعاً لمن يتوهم في القوم أنهم رفضوا شيئاً من الشريعة حين تصوفوا كما صرح به ابن الجوزي في الغزالي بل في حق الجنيد، والشبلي، فقال في حقهم: ولعمري لقد طوى هؤلاء بساط الشريعة طياً، فيا ليتهم لم يتصوفوا.
قلت: وكذلك قال لي جماعة من أهل عصري حين اجتمعت بالفقراء واشتغلت بطريقهم: وهذا الذي التزمته من ذكر عيون كلامهم فقط ما أظن أن أحداً ممن ألف في طبقاتهم التزمه إنما يذكرون عنهم كل ما يجدونه من كلامهم، وأحوالهم، ولا يفرقون بين ما قالوه: أو وقع منهم في حال البداية، ولا بين ما وقع منهم في حال التوسط والنهاية، ومن فوائد تخصيص عيون كلامهم بالذكر تقريب الطريق على من صح له الاعتقاد فيهم، وأخذ كلامهم بالقبول فإن المريد الصادق هو من إذا سمع من شيخه كلاماً فعمل به على وجه الجزم واليقين ساوى شيخه في المرتبة، وما بقي له على المريد زيادة إلا كونه هو المفيض عليه.
ومن هنا قالوا: بداية المريد نهاية شيخه فإن ما قاله الشيخ، أو فعله أواخر عمره هو زبدة جميع مجاهداته طول عمره وسلكت في هذه الطبقات نحو مسلك المحدثين، وهو أن ما كان من الحكايات والأقوال في الكتب المسندة كرسالة القشيري والحيلة لأبي نعيم، وصرح صاحبه بصحة سنده أذكره بصيغة الجزم، وكذلك ما ذكره بعض المشايخ المكملين في سياق الاستدلال على أحكام الطريق أذكره بصيغة الجزم لأن استدلاله به دليل على صحة سنده عنده، وما خلا عن هذين الطريقين، فأذكره بصيغة التمريض كيحكى ويروى، ثم لا يخفى أن حكم ما في كتب القوم كعوارف المعارف، ونحوه حكم صحيح السند، فأذكره بصيغة الجزم كما يقول العلماء: قال في شرح المهذب: كذا قال في شرح الروضة: كذا ونحو ذلك وختمت هذه الطبقات بذكر نبذة صالحة من أحوال مشايخي الذين أدركتهم في القرن العاشر، وخدمتهم زماناً، أو زرتهم تبركاً في مشايخ السلف وجميعهم من مشايخ مصر المحروسة وقراها رضي الله عنهم أجمعين.
ثم اعلم يا أخي أن كل من طالع في هذا الكتاب على وجه الاعتقاد وسمع ما فيه فكأنه عاصر جميع الأولياء المذكورين فيه وسمع كلامهم وذلك لأن عدم الاجتماع بالشيخ لا يقدح في محبته وصحبته، فإنا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وما رأيناهم ولا عاصرناهم، وقد انتفعنا بأقوالهم واقتدينا بأفعالهم كما هو مشاهد، فإن صورة المعتقدات إذا ظهرت وحصلت لا يحتاج إلى مشاهدة صورة الأشخاص، ثم إن من طالع مثل هذا الكتاب ولم يحصل عنده نهضة ولا شوق إلى طريق الله عز وجل فهو والأموات سواء والسلام.
وسميته بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار وصدرته بمقدمة نافعة تزيد الناظر فيه اعتقاداً في هذه الطائفة، إلى اعتقاده، وتشير من طرف خفي إلى أن الإنكار على هذه الطائفة لم يزل عليهم في كل عصر، وذلك لعلو ذوق مقامهم على غالب العقول، ولكنهم لكمالهم لا يغيرون كما لا يتغيرون كما لا يتغير الجبل من نفخة الناموسة، فأكرم به من كتاب جمع مع صغر حجمه غالب فقه أهل الطريق، فهو في جميع نصوص أهل الطريق، ومقلديهم، كالروضة في مذهب الشافعي رضي الله عنه جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، ونفع به مؤلفه وكاتبه وسامعه والناظر فيه إنه قريب مجيب. إذا علمت ذلك، فأقول وبالله التوفيق:
مقدمة
في بيان أن طريق القوم مشيدة بالكتاب، والسنة، وأنها مبنية على سلوك أخلاق الأنبياء
(1/3)

والأصفياء، وبيان أنها لا تكون مذمومة، إلا إن خالفت صريح القرآن أو السنة أو الإجماع لا غير، وأما إذا لم تخالف، فغاية الكلام أنه فهم أوتيه رجل مسلم فمن شاء فليعمل به، ومن شاء تركه ونظير الفهم في ذلك الأفعال وما بقي باب للإنكار، إلا سوء الظن بهم وحملهم على الرياء، وذلك لا يجوز شرعاً. ثم اعلم يا أخي رحمك الله أن علم التصوف، عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة فكل من علم بهما انقدح له من ذلك علوم، وأدب، وأشرار، وحقائق تعجز الألسن عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من الأحكام، حين عملوا بما عملوه من أحكامهم، فالتصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة، إذا خلا عمله من العلل وحظوظ النفس، كما أن علم المعاني والبيان زبدة علم النحو، فمن جعل علم التصوف علماً مستقلاً صدق، ومن جعله من عين أحكام الشريعة صدق، كما أن من جعل علم المعاني والبيان علماً مستقلاً، فقد صدق، ومن جعله من جملة علم النحو فقد صدق، لكنه لا يشرف على ذوق أن علم التصوف تفرع من عين الشريعة، لا من تبحر في علم الشريعة حتى بلغ إلى الغاية، ثم إن العبد إذا دخل طريق القوم، وتبحر فيها أعطاه الله هناك قوة الاستنباط نظير الأحكام الظاهرة على حد سواء، فيستنبط في الطريق واجبات، ومندوبات، وآداباً ومحرمات ومكروهات، وخلاف الأولى نظير ما فعله المجتهدون، وليس إيجاب مجتهد باجتهاده شيئاً لم تصرح الشريعة بوجوبه، أولى من إيجاب ولي الله تعالى حكماً في الطريق، لم تصرح الشريعة بوجوبه كما صرح بذلك اليافعي وغيره.
وإيضاح ذلك: أنهم كلهم عدول في الشرع، اختارهم الله عز وجل لدينه، فمن دقق النظر علم أنه لا يخرج شيء من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة، وكيف تخرج علومهم عن الشريعة والشريعة هي وصلتهم إلى الله عز وجل في كل لحظة، ولكن أصل استغراب من لا له إلمام بأهل الطريق أن علم التصوف من عين الشريعة، كونه لم يتبحر في علم الشريعة، ولذلك قال الجنيد رحمه الله تعالى: علمنا هذا مشيد بالكتاب، والسنة رداً على من توهم خروجه عنهما في ذلك الزمان، أو غيره، وقد أجمع القوم على أنه لا يصلح للتصدر في طريق الله عز وجل إلا من تبحر في علم الشريعة، وعلم منطوقها ومفهومها وخاصها وعامها وناسخها ومنسوخها.
وتبحر في لغة العرب حتى عرف مجازاتها واستعارتها، وغير ذلك فكل صوفي فقيه ولا عكس. وبالجلمة فما أنكر أحوال الصوفية إلا من جهل حالهم، وقال القشيري لم يكن عصر في مدة الإسلام، وفيه شيخ من هذه الطائفة إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء قد استسلموا لذلك الشيخ، وتواضعوا له، وتبركوا به ولولا مزية وخصوصية للقوم لكان الأمر بالعكس انتهى.
قلت: ويكفينا للقوم مدحاً إذعان الإمام الشافعي رضي الله عنه، لشيبان الراعي حين طلب الإمام أحمد بن حنبل أن يسأله عمن نسي صلاة لا يدري أي صلاة هي، وإذعان الإمام أحمد بن حنبل لشيبان كذلك حين قال شيبان: هذا رجل غفل عن الله عز وجل فجزاؤه أن يؤدب.
وكذلك يكفينا إذعان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لأبي حمزة البغدادي الصوفي رضي الله عنه، واعتقاده حين كان يرسل له دقائق المسائل ويقول: ما تقول في هذا يا صوفي كما سيأتي بيان ذلك في ترجمة أبي حمزة رضي الله عنه، فشيء يقف في فهمه الإمام أحمد ويعرفه أبو حمزة غاية المنقبة للقوم، كذلك يكفينا إذعان أبي العباس بن سريج للجنيد حين حضره وقال: لا أدري ما يقول ولكن لكلامه صولة ليست بصولة مبطل، وكذلك إذعان الإمام أبي عمران للشبلي حين امتحنه في مسائل من الحيض، وفاده سبع مقالات لم تكن عند أبي عمران، وحكى الشيخ قطيب الدين بن أيمن رضي الله عنه أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كان يحث ولده على الاجتماع بصوفية زمانه، ويقول: إنهم بلغوا في الإخلاص مقاماً لم تبلغه؛ وقد أشبع القول في مدح القوم، وطريقهم الإمام القشيري في رسالته والإمام عبد الله بن أسعد اليافعي في روض الرياحين، وغيرهما من أهل الطريق، وكتبهم كلها طافحة بذلك، وقد كان الإمام أبو تراب النخشبي أحد رجال الطريق رضي الله عنه يقول: إذا ألف العبد الإعراض عن الله تعالى صحبته الوقيعة في أولياء الله.
قلت: وسمعت شيخي ومولاي أبا يحيى زكريا الأنصاري شيخ الإسلام يقول: إذا لم يكن للفقيه علم بأحوال القوم، واصطلاحاتهم، فهو فقيه جاف وكنت أسمعه
(1/4)

يقول كثيراً، الاعتقاد صبغة، والانتقاد حرمان. انتهى.
وكان شيخنا الشيخ محمد المغربي الشاذلي رضي الله عنه يقول: اطلب طريق ساداتك من القوم وإن قلوا، وإياك وطريق الجاهلين بطريقهم وإن جلوا، وكفى شرفاً بعلم القوم قول موسى عليه السلام للخضر: " هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً " الكهف: 66، وهذا أعظم دليل على وجوب طلب علم الحقيقة، كما يجب طلب علم الشريعة وكل عن مقامه يتكلم.
انتهى.
قلت: وقد رأيت رسالة أرسلها الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله عنه للشيخ فخر الدين الرازي صاحب التفسير، يبين له فيها نقص درجته في العلم. هذا والشيخ فخر الدين الرازي مذكور في العلماء الذين انتهت إليهم الرياسة في الاطلاع على العلوم من جملتها: اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم، حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل، أو شيخ.
فإن من كان علمه مستفاداً من نقل، أو شيخ، فما برح عن الأخذ عن المحدثات، وذلك معلول عند أهل الله عز وجل، ومن قطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها، فاته حظه من ربه عز وجل، لأن العلوم المتعلقة بالمحدثات يفني الرجل عمره فيها، ولا يبلغ إلى حقيقها، ولو أنك يا أخي سلكت على يد شيخ من أهل الله عز وجل، لأوصلك إلى حضرة شهود الحق تعالى، فتأخذ عنه العلم بالأمور من طريق الإلهام الصحيح، من غير تعب ولا نصب، ولا سهر، كما أخذه الخضر عليه السلام، فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود، لا عن نظر، وفكر، وظن، وتخمين.
وكان الشيخ الكامل أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه يقول لعلماء عصره: أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.
وينبغي لك يا أخي ألا تطلب من العلوم إلا ما تكمل به ذاتك، وينتقل معك حيث انتقلت، وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى، من حيث الوهب والمشاهدة، فإن علمك بالطب مثلاً إنما يحتاج إليه في عالم الأسقام، والأمراض، فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه سقم، ولا مرض، فمن تداوى بذلك العلم.
فقد علمت يا أخي أنه لا ينبغي للعاقل أن يأخذ من العلوم إلا ما ينتقل معه إلى البرزخ، دون ما يفارقه عند انتقاله إلى عالم الآخرة، وليس المنتقل معه إلا علمان فقط، العلم بالله عز وجل، والعلم بمواطن الآخرة.
حتى لا ينكر التجليات الواقعة فيها، ولا يقول للحق إذا تجلى له نعوذ بالله منك كما ورد، فينبغي لك يا أخي الكشف عن هذين العلمين، في هذه الدار لتجني ثمرة ذلك في تلك الدار، ولا تحمل من علوم هذه الدار، إلا ما تمس الحاجة إليه في طريق سيرك إلى الله عز وجل على مصطلح أهل الله عز وجل، وليس طريق الكشف عن هذين العلمين، إلا بالخلوة، والرياضة، والمشاهدة، والجذب الإلهي، وكنت أريد أن أذكر لك يا أخي الخلوة وشروطها، وما يتجلى لك فيها على الترتيب شيئاً فشيئاً، لكن منعني من ذلك الوقت، وأعني بالوقت من لا غوص له في أسرار الشريعة، ممن دأبهم الجدال حتى أنكروا كل ما جهلوا، وقيدهم التعصب، وحب الظهور، والرياسة، وأكل الدنيا بالدين عن الإذعان لأهل الله تعالى، والتسليم لهم. انتهى.
وقد حكى الشيخ محيي الدين بن العربي في الفتوحات وغيرها: أن طريق الوصول إلى علم القوم الإيمان، والتقوى قال الله تعالى: " ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض " الأعراف: 96 أي أطلعناهم على العلوم المتعلقة بالعلويات والسفليات، وأسرار الجبروت، وأنوار الملك، والملكوت وقال تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " الطلاق: 3. والرزق نوعان روحاني وجسماني وقال تعالى: " واتقوا الله ويعلمكم الله " البقرة:282. أي يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية، ولذلك أضاف التعليم إلى اسم الله الذي هو دليل على الذات، وجامع للأسماء، والأفعال والصفات، ثم قال رضي الله عنه، فعليك يا أخي بالتصديق، والتسيلم لهذه الطائفة، ولا تتوهم فيما يفسرون به الكتاب، والسنة.
أن ذلك إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن لظاهر الآية والحديث مفهوم بحسب الناس، وتفاوتهم في الفهم، فيمن المفهوم ما جلب له الآية والحديث، ودلت عليه في عرف اللسان، وثم أفهام أخر باطنة تفهم عند الآية، أو الحديث لمن فتح الله تعالى عليه، إذ قد ورد في الحديث النبوي أن لكل آية ظاهراً، وباطناً وحداً، ومطلعاً إلى سبعة أبطن، وإلى سبعين، فالظاهر هو المعقول والمقبول من العلوم النافعة، التي تكون بها الأعمال الصالحة والباطن هو المعارف الإلهية، والمطلع هو معنى يتحد فيه الظاهر والباطن،
(1/5)

والحد، فيكون طريقاً إلى الشهود الكلي الذاتي، فافهم يا أخي ولا يصدنك عن تلقي هذه المعاني الغريبة عن فهوم العلوم من هذه الطائفة الشريفة، قول ذي جدل ومعارضة إن هذا إحالة لكلام الله تعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا لا معنى للآية الشريفة، أو الحديث إلا هذا الذي قلناه، وهم لم يقولوا ذلك بل يقرون الظواهر على ظواهرها مراداً بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالى في نفوسهم، ما يفهمهم بفضله ويفتحه على قلوبهم برحمته ومنته.
ومعنى الفتح في كلام هؤلاء القوم حيث أطلقوه كشف حجاب النفس، أو القلب، أو الروح، أو السر لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب العزيز، والأحاديث الشريفة.
إذ الوالي قط لا يأتي بشرع جديد، وإنما يأتي بالفهم الجديد في الكتاب، والسنة الذي لم يكن يعرف لأحد قبله، ولذلك يستغربه كل الاستغراب من لا إيمان له بأهل الطريق، ويقول: هذا لم يقله أحد، على وجه الذم، وكان الأولى أخذه منه على وجه الاعتقاد واستفادته من قائله، ومن كان شأنه الإنكار لا ينتفع بأحد من أولياء عصره، وكفى بذلك خسراناً مبيناً، وربما يفهم المعترض من اللفظ ضد ما قصده لافظه، كما وقع لشخص من علماء بغداد أنه خرج يوماً إلى الجامع فسمع شخصاً من شربة الخمر ينشد:
إذا العشرون من شعبان ولت ... قواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق عن الصغار
فخرج هائماً على وجهه للبراري إلى مكة، فلم يزل على ذلك الحال إلى أن مات، فما منع من سماع الأشعار، والتغزلات، إلا المحجوب الذي لم يفتح الله تعالى على عين فهم قلبه، إذ لو فتح الله تعالى على عين فهم قلبه، لنظر بصفاء الهمة، وسمع بثاقب الفهم، ونور المعرفة وأخذ الإشارة من معاني الغيب واتبع أحسن القول بحسب ما سبق إلى سره قال تعالى: " فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب " الزمر: 17، 18. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه، ولقد ابتلى الله هذه الطائفة الشريفة بالخلق خصوصاً أهل الجدال فقل أن تجد منهم أحداً شرح الله صرده للتصديق بولي معين، بل يقول لك: نعم نعلم أن لله تعالى أولياء وأصفياء موجودين، ولكن أين هم فلا تذكر لهم أحداً، إلا أخذ يدفعه، ويرد خصوصية الله تعالى له، ويطلق اللسان بالاحتجاج، على كونه غير ولي لله تعالى وغاب عنه أن الولي لا يعرف صفاته إلا الأولياء، فمن أين لغير الولي نفي الولاية عن إنسان.
ما ذاك إلا محض تعصب، كما نرى في زماننا هذا من إنكار ابن تيمية علينا، وعلى إخواننا من العارفين، فاحذر يا أخي ممن كان هذا وصفه وفر من مجالسته فرارك من السبع الضاري جعلنا الله وإياكم من المصدقين لأوليائه المؤمنين بكراماتهم بمنه وكرمه انتهى.
وحكى الموصلي في كتاب مناقب الأبرار عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه، أنه كان يقول: إياك ومجالسة القراء، فإنهم إن أحبوك وصفوك بما ليس فيك، فغطوا عليك عيوبك، وإن أبغضوك جرحوك بما ليس فيك، وقبله الناس متهم.
قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: وقد جرت سنة الله تعالى في أنبيائه وأصفيائه أن يسلط عليهم الخلق في مبدأ أمرهم، وفي حال نهايتهم، كلما مالت قلوبهم لغير الله تعالى، ثم تكون الدولة، والنصرة لهم في آخر الأمر، إذا أقبلوا على الله تعالى كل الإقبال. انتهى. قلت: وذلك لأن المريد السالك يتعذر عليه الخلوص والسر إلى حضرة الله عز وجل مع ميله إلى الخلق، وركونه إلى اعتقادهم فيه، فإذا آذاه الناس، وذموه، ونقصوه، ورموه بالبهتان، والزور نفرت نفسه منهم، ولم يصر عنده ركون إليهم البتة، وهناك يصفو له الوقت مع ربه، ويصح له الإقبال عليه لعدم التفاته إلى وراء، فافهم ثم إذا رجعوا بعد انتهاء سيرهم إلى إرشاد الخلق يرجعون، وعليهم خلعة الحلم، والعفو، والستر، فتحملوا أذى الخق، ورضوا عن الله تعالى في جميع ما يصرد عن عباده في حقهم فرفع الله بذلك قدرهم بين عباده، وكمل بذلك أنوارهم، وحقق بذلك ميراثهم للرسل في تحمل ما يرد عليهم من أذى الخلق، وظهر بذلك تفاوت مراتبهم، فإن الرجل يبتلي على حسب دينه قال الله تعالى: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما " السجدة: 24. وقال تعالى: " ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا
(1/6)

حتى أتاهم نصرنا " الأنعام: 34. وذلك لأن الكمل لا يخلو أحدهم عن هذين الشهودين، إما أن يشهد الحق تعالى بقلبه، فهو مع الحق لا التفات له إلى عباده، وإما أن يشهد الخلق فيجدهم عبيد الله تعالى، فيكرمهم لسيدهم، وإن كان مصطلماً فلا كلام لنا معه لزوال تكليفه حال اصطلامه، فعلم أنه لا بد لمن اقتفى آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الأولياء والعلماء أن يؤذي كما أوذوا ويقال فيه البهتان والزور كما قيل فيهم ليصبر كما صبروا، ويتخلق بالرحمة على الخلق رضي الله عنهم أجمعين.
وسمعت سيدي عليا الخواص رضي الله تعالى عنه يقول: لو أن كمال الدعاة إلى الله تعالى كان موقوفاً على إطباق الخلق على تصديقهم لكن الأولى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله، وقد صدقهم قوم، وهداهم الله بفضله، وحرم آخرون، فأشقاهم الله تعالى بعدله.
ولما كان الأولياء، والعلماء على أقدام الرسل عليهم الصلاة والسلام في مقام التأسي بهم، انقسم الناس فيهم فريقين، فريق معتقد مصدق، وفريق منتقد مكذب، كما وقع للرسل عليهم الصلاة والسلام ليحقق الله تعالى بذلك ميراثهم، فلا يصدقهم، ويعتقد صحة علومهم، وأسرارهم، إلا من أراد الله عز وجل أن يلحقه بهم ولو بعد حين، وأما المكذب لهم المنكر عليهم، فهو مطرود عن حضرتهم لا يزيده الله تعالى بذلك إلا بعداً، وإنما كان المعترف للأولياء، والعلماء بتخصيص الله تعالى لهم، وعنايته بهم، واصطفائه لهم قليلاً من الناس لغلبة الجهل بطريقهم، واستيلاء الغفلة، وكراهة غالب الناس أن يكون لأحد شرف بمنزلة، أو اختصاص حسداً من عند أنفسهم، وقد نطق الكتاب العزيز بذلك في قوم نوح عليه الصلاة والسلام فقال: " ومن أمن وما أمن معه إلا قليل " هود: 40 وقال تعالى: " ولكن أكثر الناس لا يؤمنون " هود: 17، " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " الأعراف: 187، يوسف: 21. وقال الله تعالى: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعم بل هم أضل سبيلاً " الفرقان: 44 وغير ذلك من الآيات، وكان الشيخ محيي الدين رضي الله عنه يقول: ومن أين لعامة الناس أن يعلموا أسرار الحق تعالى في خواص عباده من الأولياء، والعلماء، وشروق نوره في قلوبهم، ولذلك لم يجعلهم إلا مستورين عن غالب خلقه لجلالتهم عنده، ولو كانوا ظاهرين فيما بينهم، وآذاهم إنسان لكان قد بارز الله تعالى بالمحاربة، فأهلكه الله فكان سترهم عن الحق رحمة بالخلق، ومن ظهر من الأولياء للخلق، إنما يظهر لهم من حيث ظاهر علمه ووجود دلالته، وأما من حيث سر ولايته فهو باطن لم يزل، وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يقول لكل ولي ستر أو أستار نظير السبعين حجاباً التي وردت في حق الحق تعالى، حيث إنه تعالى لم يعرف إلا من ورائها فكذلك الولي، فمنهم من يكون ستره بالأسباب، ومنهم من يكون ستره بظهور العزة، والسطوة، والقهر على حسب ما يتجلى الحق تعالى لقلبه، فيقول الناس حاشا أن يكون هذا ولياً لله تعالى، وهو في هذه النفس، وذلك لأن الحق تعالى إذا تجلى على قلب العبد بصفة القهر كان قهاراً، أو بصفة الانتقام كان منتقماً، أو بصفة الرحمة، والشفقة كان مشفقاً رحيماً.
وهكذا ثم لا يصحب ذلك الولي الذي ظهر بمظهر العز، والسطوة، والانتقام من المريدين، إلا من محق الله تعالى نفسه، وهواه، ولم يزل في كل عصر، وأوان أولياء، وعلماء تذل لهم ملوك الزمان، ويعاملونه بالسمع، والطاعة، والإذعان، ومنهم من يكون ستره بالاشتغال بالعلم بالظاهر، والخمول على ظاهر النقول حتى لا تكاد تخرجه عن آحاد طلبة العلم القاصرين، ومنهم من يكون ستره بالمزاحمة على الدنيا، وتظاهره بحب الرياسة، والملابس الفاخرة، وهو على قدم عظيم في الباطن، ومنهم من يكون ستره كثرة التردد إلى الملوك، والأمراء، والأغنياء، وسؤالهم الدنيا، وطلبه الوظائف من تدريس، وخطابة، وغمامة، وعمالة، ونحو ذلك، فيقوم فيها بالعدل، ويتصرف في ذلك بالمعروف على الوجه الذي لا يهتدي إلى معرفته غيره من الأمراء والعمال، وآحاد الفقهاء، ثم لا يأكل هو من معلومها شيئاً، أو يأكل منه سد الرمق لا غير، فيقول القاصر في الفهم والإدراك، لو كان هذا ولياً لله عز وجل ما تردد إلى هؤلاء الأمراء، وللجلس في زاويته، أو بيته يشتغل بالعلم، وبعبادة ربه عز وجل ورحم الله تعالى الأولياء الذين كانوا، ونحو ذلك من ألفاظ الجور، ولو استبرأ هذا القائل لدينه، وعرضه لتوقف، وتبصر في أمر هؤلاء الأولياء، والعلماء قبل أن ينتقد عليهم فربما كان يتردد إليهم لكشف ضر، أو خلاص مظلوم من سجن،
(1/7)

أو قضاء حاجة لأحد من عباد الله العاجزين الذين لا يستطيعن توصيل حوائجهم إلى تلك الأمراء فيسألون في ذلك من يعتقد فيه من الأولياء، والعلماء فيجب عليهم الدخول لتلك المصالح، ويحرم عليهم التخلف عنهم لا سيما إن رأينا ذلك المتردد من الأولياء، والعلماء زاهداً فيما في أيديهم متعززاً بعز الإيمان وقت مجالستهم، آمراً لهم بالمعروف ناهياً لهم عن المنكر، لا يقبل هدية ممن شفع له عندهم، فإن هذا من المحسنين، ولا يجوز لأحد الاعتراض عليه بسبب ذلك.
وقد سمعت سيدي علياً الخواص رضي الله عنه يقول: إذا علم الفقير من أمراء الجور أنهم يقبلون نصحه لهم، وشفاعته عندهم، وجب عليه صحبتهم، والدخول إليهم، وصاحب النور يعرف ما يأتي، وما يذر انتهى.
قلت: ومن الأولياء من يكون ستره قبوله من الخلق ما يعطونه له من الهدايا، والصدقات، ثم يخلط عليه من ماله، ويعلم الناس بأن ذلك كله من صدقات الناس الأجانب، ويمدح الناس الذين أعطوه بالكرم، ويوهم الناس أنه انتقص من ذلك المال لنفسه، وعياله من وراء الفقراء أشياء بنحو قوله من يقدر في هذا الزمان أن يأخذ مالاً، ويفرقه على الفقراء، ولا يحدث نفسه بانتقاص شيء منه، ولا يسعنا كلنا إلا العفو، ويكون مأكولاً مذموماً، وهذا من أكبر أخلاق الرجال الذين أخلصوا في معاملة الله عز وجل، فإنه لا يهتدي أحد إلى كماله الذي هو عليه في باطن الحال مع ظهور احتقاره في أعين الناس، واستهانتهم به، فإن الرجل إذا قبل من الخلق صغر في أعينهم ضرورة، كما أن من رد عليهم كبر في أعينهم، ولعل ذلك الراد إنما رد رياء، وسمعة واستئلافاً لقلوب الناس عليه ليتوجهوا إليه بالتعظيم، والتبجيل، ويطلقوا ألسنتهم فيه بالثناء الحسن، وقد قال الفضيل بن عياض رحمه الله: من طلب الحمد من الناس بتركه الأخذ منهم، فإنما يعبد نفسه، وهواه، وليس من الله في شيء.
قلت ومعنى يعبد: يطيع، وكان يقول أيضاً: ينبغي لمن يخاف على نفسه من فتنة الرد أن يأخذ، ثم يعطيه سراً لمن يستحقه، ولا يأخذ هو لنفسه منه شيئاً، فإنه بذلك يأمن من الفتنة إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى: ومما يفتح باب قلة الاعتقاد في أولياء الله تعالى وقوع زلة ممن تزيا بزيهم، وانتسب إلى مثل طريقهم، والوقوف مع ذلك من أكبر القواطع عن الله عز وجل وقد قال تعالى: (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) . وقال: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) . فمن أين يلزم من إساءة واحد أن يكون جميع أهل حرفته كذلك؟ ما هذا إلا محض عناد وتعصب بباطل كما قال بعضهم في ذلك:
استنار الرجال في كل عصر ... تحت سوء الظنون قدر جليل
ما يضر الهلال في حندس اللي ... ل سواد السحاب وهو جميل
قلت: ومن أشد حجاب عن معرفة أولياء الله عز وجل شهود المماثلة، والمشاكلة، وهو حجاب عظيم، وقد حجب الله به أكثر الأولين، والآخرين كما قال تعالى حاكياً عن قوم: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً) . يعني لم نر أحداً يوافقه على ما يدعيه، ويأمرنا به، ونحو ذلك ولكن إذا أراد الله عز وجل أن يعرف عبداً من عبيده بولي من أوليائه، ليأخذ عنه الأدب، ويقتدي به في الأخلاق طوى عنه شهود بشريته، وأشهده وجه الخصوصية فيه، فيعتقده بلا شك، ويحبه أشد المحبة، وأكثر الناس الذين يصحبون الأولياء لا يشهدون منهم إلا وجهه البشرية، فلذلك قل نفعهم، وعاشوا عمرهم كله معهم، ولم ينتفعوا منهم بشيء، وقد اقتضت الحكمة الإلهية عدم اتفاق الخلق كلهم على الاعتقاد في واحد منهم، والإذعان له، وفي ذلك سر خفي لأنه لو كان الخلق كلهم مصدقين لذلك الولي لفاته أجر الصبر على تكذيب المكذبين له، ولو كانوا كلهم مكذبين له لفاته الشكر على تصديق المصدقين له، والمقتفين لآثاره، فأراد الحق تعالى بحسن اختياره لأوليائه أن يجعل الناس فيهم قسمين، كما تقدم معتقد مصدق ومنتقد مكذب ليعبدوا الله عز وجل فيمن صدقهم بالشكر، وفيمن كذبهم بالصبر إذ الإيمان نصفان نصف صبر، ونصف شكر.
وسمعت سيدي علياً الخواص رضي الله عنه يقول: النفس إذا مدحت اتسخت، وإذا ذمت نظفت، وكان رضي الله عنه يقول: إياك أن تصغي لقول منكر على
(1/8)

أحد من طائفة العلماء، أو الفقراء فتسقط من عين رعاية الله عز وجل، وتستوجب المقت من الله عز وجل.
وكان الجنيد رضي الله عنه يقول: من قعد مع هؤلاء القوم، وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله تعالى منه نور الإيمان، قلت: ومراده نور الإيمان بذلك الكلام الذي خالفهم فيه لا نور سائر أنواع الإيمان كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر فافهم.
ونظير ذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، أي بأن الله يراه حال الزنا وهكذا، وإنما نهى القوم عن المنازعة لأن علومهم مواجيد لا نقل فيها، ومن كان يخبر عما يعاين، ويشاهد لا يجوز للسامع منازعته فيما أتى به، بل يجب عليه التصديق به إن كان مريداً، والتسليم له إن كان أجنبياً، فإن علوم القوم لا تقبل المنازعة لأنها وراثة نبوية، وفي الحديث: (عند نبي لا ينبغي التنازع) ونهى صلى الله عليه وسلم عن الجدال وقال في المجادل: (فليتبوأ مقعده من النار) .
وكان الشيخ محيي الدين رضي الله عنه يقول: أصل منازعة الناس في المعارف الإلهية، والإشارات الربانية كونها خارجة عن طور العقول، ومجيئها بغتة من غير نقل، ونظر، ومن غير طريق العقل فتنكرت على الناس من حيث طريقها، فأنكروها وجهلوها، ومن أنكر طريقاً من الطرق عادى أهلها ضرورة لاعتقاده، فسادها، وفساد عقائد أهلها، وغاب عنه أن الإنكار من الوجود، والعاقل يجب عليه أن يغير منكراً أنكره ليخرج عن طور الجحود، فإن الأولياء، والعلماء العاملين، قد جلسوا مع الله عز وجل على حقيقة التصديق، والصدق والتسليم، والإخلاص، والوفاء بالعهود، وعلى مراقبة الأنفاس مع الله عز وجل حتى سلموا قيادهم إليه، وألقوا نفوسهم سلماً بين يديه، وتركوا الانتصار لنفوسهم في وقت من الأوقات حياء من ربوبية ربهم عز وجل، واكتفاء بقيوميته عليهم، فقام لهم بما يقومون لأنفسهم بل أعظم، وكان تعالى هو المحارب عنهم لمن حاربهم، والغالب لمن غالبهم.
قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: ولما علم الله عز وجل ما سيقال في هذه الطائفة على حسب ما سبق به العلم القديم، بدأ سبحانه وتعالى بنفسه، فقضى على قوم أعرض عنهم بالشقاء، فنسبوا إليه زوجة، وولداً، وفقراً، وجعلوه مغلول اليدين، فإذا ضاق ذرع الولي، أو الصديق لأجل كلام قيل فيه من كفر، وزندقة، وسحر، وجنون، وغير ذلك نادته هواتف الحق في سره: الذي قيل فيك هو وصفك الأصلي، لولا فضلي عليك أما ترى إخواتك من بني آدم كيف وقعوا في جنابي، ونسبوا إلي ما لا ينبغي لي، فإن لم ينشرح لما قيل فيه، بل انقبض نادته هواتف الحق أيضاً أمالك بي أسوة، فقد قيل في ما لا يليق بجلالي، وقيل في حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي إخوانه من الأنبياء، والرسل ما لا يليق بمرتبتهم من السحر، والجنون، وأنهم يا يريدون بدعائهم إلا الرياسة، والتفضيل عليهم، فانظر يا أخي مداواة الحق جل وعلا لمحمد صلى الله عليه وسلم حين ضاق صدره من قول الكفار قال الله تعالى: " فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " الحجر: 98، 99 فيجب عليك أيها الولي الاقتداء برسولك صلى الله عليه وسلم في ذلك، إذ هو طب إلهي، ودواء رباني، وهو مزيل لضيق الصدر الحاصل من أقوال الأغيار أهل الإنكار، والاغترار، وذلك لأن التسبيح هو تنزيه الله تعالى عما لا يليق بكماله بالثناء عليه تعالى بالأمور السلبية، ونفي النقائص عن الجناب الإلهي كالتشبيه، والتحديد، وأما التحميد فهو الثناء على الله تعالى بما يليق بحماله، وجلاله، وهما مزيلان لمرض ضيق الصدر الحاصل من قول المنكرين، والمستهزئين، وأما السجود فهو كناية عن طهارة العبد من طلب العلو، والرفعة لأن الساجد قد فني عن صفة العلو حال سجوده، ولذلك شرع للعبد أن يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى وبحمده) ، وأما العبودية المشار إليها بقوله: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) . فالمراد بها إظهار التذلل، والتباعد عن طلب العز، وهي إشارة إلى فناء العبد ذاتاً، ووصفاً وذلك موجب لخلع القرب، والاصطفاء، والعز، والدنو المشار إليه بقوله (واسجد واقترب) . وبحديث: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً) ، والنوافل عند أهل الطريق إشارة إلى فناء العبد في شهود نفسه عند شهود ربه عز وجل، وأما اليقين فهو من يقن الماء في الحوض إذا استقر، وذلك إشارة إلى حصول السكون، والاستقرار، والاطمئنان بزوال التردد، والشكو، والوهم، والظنون قال الشيخ محيي الدين رضي الله
(1/9)

عنه: وهذا السكون، والاستقرار، والاطمئنان إذا أضيف إلى العقل، والنفس يقال له علم اليقين، وإذا أضيف إلى الروح الروحاني يقال له عين اليقين، وإذا أضيف إلى القلب الحقيقي يقال له حق اليقين، وإذا أضيف إلى السر الوجودي يقال له حقيقة حق اليقين، ولا تجتمع هذه المراتب كلها إلا في الكامل من الرجال انتهى.
وكان الجنيد رحمه الله تعالى يقول: كثيراً للشبلي رحمه الله تعالى: لا تفش سر الله تعالى بين المحجوبين، وكان رضي الله عنه يقول: لا ينبغي للفقير قرأءة كتب التوحيد الخاص، غلا بين المصدقين لأهل الطريق، أو المسلمين لهم، وإلا يخاف حصول المقت لمن كذبهم، وقد تقدم عن أبي تراب النخشي رضي الله عنه أنه كان يقول في حق المحجوبين من أهل الإنكار: إذا ألف القلب الإعراض عن الله تعالى صحبته الوقيعة في أولياء الله قلت: وذلك لأنه لو كان من المقبلين بقلوبهم على حضرة الله تعالى لشم روائح أهل حضرة ربه، فتأدب معهم، ومدحهم، وأحبهم، وخدم نعالهم حتى يقربوه إلى حضرتهم، ويصير مثلهم، كما هو شأن من يريد التقرب إلى ملوك الدنيا. قلت: ومن هنا أخفي الكاملون من أهل طريق الكلام في مقامات التوحيد الخاص شفقة على عامة المسلمين، ورفقاً بالمجادل من المحجوبين، وأدباً مع أصحاب ذلك الكلام من أكابر العارفين.
وكان الجنيد رضي الله عنه لا يتكلم قط في علم التوحيد، إلا في قعر بيته بعد أن يغلق أبواب داره، ويأخذ مفاتيحها تحت وركه ويقول: أتحبون أن يكذب الناس أولياء الله تعالى، وخاصته، ويرمونهم بالزندقة، والكفر، وكان سبب فعله ذلك تكلمهم فيه كما سيأتي آخر هذه المقدمة، فكان بعد ذلك يستتر بالفقه إلى أن مات رضي الله عنه، وكان الشيخ محيي الين رضي الله عنه يقول: من لم يقم بقلبه التصديق لما يسمعه من كلام هذه الطائفة، فلا يجالسهم، فإن مجالستهم من غير تصديق سم قاتل.
وكان سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى يقول: كثير من كلام الصوفية لا يتمشى ظاهره إلا على قواعد المعتزلة، والفلاسفة، فالعاقل لا يبادر إلى الإنكار بمجرد عز وذلك الكلام إليهم، بل ينظر، ويتأمل في أدلتهم التي استندوا إليها فما كل ما قاله الفلاسفة، والمعتزلة في كتبهم يكون باطلاً، وإنما حذر بعضهم عن مطالعة كتبهم خوفاً من حصول شبهة تقع في قلب الناظر، لا سيما أهل الإنكار والدعاوى.
ورأيت في رسالة سيدي الشيخ محمد المغربي الشاذلي رضي الله عنه ما نصه: اعلم أن طريق القوم مبني على شهود الإثبات، وعلى ما يقرب من طريق المعتزلة في بعض الحالات، وهي حالة شهود غيبة الصفات في شهود وحدة جمال الذات، حتى كأن لا صفات، وهذه الحالة وإن كان غيرها أرفع منها فهي عزيزة المرام شديدة الإيهام موقعة في سوء الظن في السادة الكرام، لشبهها بمذهب المعتزلة، ولا شبهة في تلك الحالة فليتنبه السالك لذلك، وليحذر من الوقيعة في القوم فإنهم من أعظم المهالك، انتهى.
قلت: ومن الأولياء من سد باب الكلام في دقائق كلام القوم حتى مات، وأحال ذلك على السلوك، وقال: من سلك طريقهم اطلع على ما اطلعوا عليه، وذات كما ذاقوا، واستغنى عن كلام الناس وسياتي في ترجمة عبد الله القرشي رضي الله عنه أن أصحابه طلبوا منه أن يسمعهم شيئاً من علم الحقائق فقال لهم: كم أصحابي اليوم قالوا ستمائة رجل، فقال الشيخ: اختاروا لكم منه مائة، فاختاروا، فقال: اختاروا من المائة عشرين، فاختاروا فقال: اختاروا من العشرين أربعة، فاختاروا قلت: وكان هؤلاء الأربعة أصحاب كشوفات، ومعارف فقال الشيخ: لو تكلمت عليكم في علم الحقائق، والأسرار لكان أول من يفتي بكفري هؤلاء الأربعة اه؟.
قلت: ولا يجوز أن يعتقد في هؤلاء السادة أنهم زنادقة في الباطن، لكتمهم ما هو متحققون به في الباطن عن العلماء، والعوام، وإنما يجب علينا حملهم على المحامل الحسنة من كوننا جاهلين باصطلاحهم، فإن من لم يدخل حضرتهم لا يعرف حالهم، فما أغلقوا أبوابهم عليهم في حالة تقريرهم للعلم، إلا لكون غور بحر ذلك العلم عميقاً على غالب الناس من العماء فضلاً عن غيرهم، كما تقدم عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: أنه كان إذا أتاه سؤال متعلق بالقوم يرسل إلى أبي حمزة البغدادي رضي الله عنه ويقول ما تقول في هذا يا صوفي، ولا يسع العارف أن يتكلم بكلام واحد يعم سائر الناس على اختلاف درجاتهم، لأن ذلك من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم على نزاع في ذلك أيضاً فإنه كان يقول: " أمرت أن
(1/10)

أخاطب الناس على قدر عقولهم " فافهم، وتأمل فإن من لا علم له بالطريق إذا سمع الفقير يقول حقيقة التوبة هي التوبة كيف يقول منطوق هذا الكلام، وفحواه خطأ لأن التوبة من التوبة إصرار.
فإذا فسر له الفقير مراده على مصطلحه، وقال: مرادي عدم تزكية النفس، وعدم الاعتماد على التوبة دون رحمة الله عز وجل، لا الإصرار كيف يقول له هذا الكلام مليح الآن، وقد كان أنكره أولاً لأن من شأن القوم أن يشهدوا أعمالهم بغير الرياء، والدعاوي، ولا يشهدون لهم إخلاصاً، ومثل ذلك يصح تقرير قول بعضهم حقيقة التقوى هي ترك التقوى، ونظير ذلك أيضاً قول سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه:
وقلت لزهدي والتنسك والتقي ... تخلوا وما بيني وبين الهوى خلوا
وكذلك قوله:
تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا ... وخل سبيل الناسكين وإن جلوا
لأن من لا إلمام له بمصطلح أهل الطريق ينكر، مثل ذلك، ويقول: ترك الزهد، والعبادات، والتقوى مذموم بل بذلك يذهب دين العبد كله، فكيف يجوز اعتقاد صاحب هذا الكلام، ولو كان له إلمام بالطريق لعلم أن مراد الشيخ عدم الوقوف على الأعمال دون الله عز وجل، فإن المنقول عن الشيخ رضي الله عنه الزهد، والعبادات، والتقوى كما درج عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، وكذلك عن الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله عنه، وأضرابه، وما بلغنا قط عن أحد من القوم أنه نهى أحداً عن الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم أبداً، ولا تعرض لمعارضة شيء من الشرائع، وكيف يترك الولي ما كان سبباً لوصوله إلى حضرة ربه، إنما يحث الناس على الإكثار من أسباب الوصول، فما بقي وجه الإنكار إلا على مواجيدهم، وأفهامهم، وتلك أمور لا تعارض شيئاً من صريح السنة، والأمر في ذلك سهل، فمن شاء فليصدقهم، ويقتدي بهم كمقلدي المذاهب، ومن شاء فليسكت، ولا ينكر لأنهم مجتهدون في الطريق، والمجتهد لا يقدح إنكاره على مجتهد آخر.
ونقل القزويني في كتابه سراج العقول عن إمام الحرمين أنه كان يقول: حين يسئل عن كلام غلاة الصوفية، لو قيل لنا فصلوا ما يقتضي التكفير من كلامهم مما لا يقتضيه، لقلنا هذا طمع في غير مطمع، فإن كلامهم بعيد المدرك وعر المسلك يغترف من تيار بحر التوحيد، ومن لم يحط علماً بنهايات الحقائق لم يحصل من دلائل التكفير على وثائق كما أنشد بعضهم في هذا المعنى:
تركنا الحبار الزاخرات وراءنا ... فمن أين يدري الناس أين توجهنا
وسئل سيدنا ومولانا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى عن حكم تكفير غلاة المبتدعة، وأهل الأهواء، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدس فقال رضي الله عنه: اعلم أيها السائل أن كل من خاف من الله عز وجل استعظم القول بالتكفير لمن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ التكفير أمر هائل عظيم الخطر، لأن من كفر شخصاً بعينه، فكأنه أخبر أن عاقبته في الآخرة الخلود في النار أبد الآبدين، وأنه في الدنيا مباح الدم، والمال لا يمكن من نكاح مسلمة، ولا يجري عليه أحكام المسلمين لا في حياته، ولا بعد مماته، والخط في ترك ألف كفر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم، وفي الحديث: " لأن يخطئ الإمام في العفو أحب إلي من أن يخطئ في العقوبة " ثم إن تلك المسائل التي يفتي فيها بتكفير هؤلاء القوم في غاية الدقة، والغموض لكثرة شببها، واختلاف قرائنها، وتفاوت دواعيها، والاستقصاء في معرفة الخطأ من سائر صنوف وجوهه، والاطلاع على حقائق التأويل، وشرائطه في الأمكان، الألفاظ المحتملة للتأويل، وغير المحتملة، وذلك يستدعي معرفة جميع طرق أهل اللسان من سائر قبائل العرب في حقائقها، ومجازاتها، واستعارتها، ومعرفة دقائق التوحيد، وغوامضه إلى غير ذلك مما هو متعذر جداً على أكابر علماء عصرنا، فضلاً عن غيرهم، وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير معتقده في عبارة، فكيف يحرر اعتقاد غيره من عبارته، فمن بقي الحكم بالتكفير إلا لمن صرح بالكفر، واختاره ديناً، وجحد الشهادتين، وخرج عن دين الإسلام جملة، وهذا نادر وقوعه، فالأدب الوقوف عن تكفير أهل الأهواء، والبدع، والتسليم للقوم في كل شيء قالوه عما يخالف صريح النصوص. كلام السبكي.
قلت:
(1/11)

وقد أخبرني شيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري بمصر المحروسة: أن شخصاً وقع في عبارة موهمة للتكفير، فأفتى علماء مصر بتكفيره، فلما أرادوا قتله قال السلطان جقمق: هل بقي أحد من العلماء لم يحضر فقالوا: نعم الشيخ جلال الدين المحلي شارح المنهاج، فأرسل وراءه، فحضر، فوجد الرجل في الحديد بين السلطان فقال الشيخ: ما لهذا، فقالوا: كفر فقال: ما مستند من أفتى بتكفيره، فبادر الشيخ صالح البلقيني، وقال: قد أفتى والدي شيخ الإسلام الشيخ سراج الدين في مثل ذلك بالتكفير، فقال الشيخ جلال الدين رضي الله عنه: يا ولدي أتريد أن تقتل رجلاً مسلماً موحداً يحب الله ورسوله بفتوى أبيك خلوا عنه الحديد، فجردوه، وأخذه الشيخ جلال الدين بيده وخرج، والسلطان ينظر فما تجرأ أحد يتبعه رضي الله تعالى عنه، وكان الشيخ محيي الدين رضي الله عنه يقول: كثيراً ما يهب على قلوب العارفين نفحات إلهية، فإن نطقوا بها جهلهم كمل العارفين وردها عليهم أصحاب الأدلة من أهل الظاهر، وغاب عن هؤلاء أن الله تعالى كما عطى أولياءه الكرامات التي هي فرع المعجزات، فلا بد أن ينطق ألسنتهم بالعبارات التي تعجز العلماء عن فهمها.
قلت: ومن شك في هذا القول: فلينظر في كتاب المشاهد للشيخ محيي الدين؛ أو كتاب الشعائر لسيدي محمد، أو في كتاب خلع النعلين لابن قسي، أو كتاب عنقاء مغرب لابن العربي، فإن أكبر العلماء لا يكاد يفهم منه معنى مقصوداً لقائله أصلاً، بل خاص بمن دخل مع ذلك المتكلم حضرة القدس، فإنه لسان قدسي لا يعرفه إلا الملائكة، أو من تجرد عن هيكل البشرية، أو أصحاب الكشف الصحيح.
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رضي الله عنه يقول: بعد اجتماعه على الشيخ أبي الحسن الشاذلي وتسليمه للقوم: من أعظم الدليل على أن طائفة الصوفية قعدوا على أعظم أساس الدين ما يقع على أيديهم من الكرامات، والخوارق، ولا يقع شيء من ذلك قط لفقيه، إلا إن سلك مسلكهم كما هو مشاهد، وكان الشيخ عز الدين رضي الله عنه قبل ذلك ينكر على القوم، ويقول هل لنا طريق غير الكتاب، والسنة، فلما ذاق مذاقهم، وقطع السلسلة الحديد بكراسة الورق صار يمدحهم كل المدح، ولما اجتمع الأولياء، والعلماء في وقعة الإفرنج بالمنصورة قريباً من ثغر دمياط جلس الشيخ عز الدين، والشيخ مكين الدين الأسمر، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وأضرا بهم، وقرئت عليهم رسالة القشيري، وصار كل واحد يتكلم إذ جاء الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه فقالوا له: نريد أن تسمعنا شيئاً من معاني هذا الكلام، فقال: أنتم مشايخ الإسلام، وكبراء الزمان، وقد تكلمتم، فما بقي لكلام مثلي موضع فقالوا له: لا بل تكلم، فحمد الله، وأثنى عليه، وشرع يتكلم فصاح الشيخ عز الدين من داخل الخيمة، وخرج ينادي بأعلى صوته هلموا إلى هذا الكلام القريب المعهد من الله تعالى فاسمعوه.
قال اليافعي رضي الله عنه في كتابه روض الرياحين، والعجب كل العجب ممن ينكر كرامات الأولياء، وقد جاءت في الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحات، والآثار المشهورات والحكايات المستفيضات، حتى بلغت في الكثرة مبلغاً يخرج عن الحصر.
ثم قال رضي الله عنه والناس في إنكار الكرامات على أقسام: منهم من ينكرها مطلقاً، وهم أهل مذهب معروفون، وعن التقوى مصروفون قال بعضهم هم المجسمة، ومنهم من يصدق بكرامات من مضى، ويكذب بكرامات أهل زمانه، فهؤلاء كما قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه كبني إسرائيل صدقوا بموسى حين لم يروه، وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حين رأوه، مع أن محمداً صلى الله عليه وسلم أعظم من موسى، وإنما ذلك حسداً منهم، وعدواناً، وشقاء منهم، ومنهم من يصدق بأن الله تعالى أولياء من أهل زمانه، ولكن لا يصدق بأحد معين فهذه محرم من الإمدادات، لأن من لم يسلم لأحد معين لا ينتفع بأحد أبداً نسأل الله العافية قال: فإن قيل إن هذه الكرامات تشبه السحر فإن سماع الإنسان الهواتف في الهواء، وسماع النداء في بطنه وطي الأرض له، وقلب الأعيان، ونحو ذلك غير معهود في الحسن أنه صحيح، إنما يظهر ذلك من أهل السيمياء والنارنجات، فالجواب ما أجاب به المشايخ العارفون، والعلماء المحققون في الفرق بين الكرامة، والسحر أن السحر يظهر على أيدي الفساق، والزنادقة، والكفار الذين هم على غير شريعة.
وأما الأولياء رضي الله عنهم، فإنما وصولا إلى ذلك بكثرة اجتهادهم، واتباعهم للسنة حتى بلغوا فيها الدرجة العليا
(1/12)

فافترقا، قال رضي الله تعالى عنه ثم إن كثيراً من المنكرين لو رأوا أحداً من الأولياء، والصالحين يطير في الهواء، لقالوا هذا سحر واستخدامات للجن، والشياطين، ولا شك أن من حرم التوفيق كذب بالحق عياناً، وحساً، فكيف حال هذا في تصديقه بالمغيبات التي أمر الله تعالى بالإيمان بها، فربما زلت به القدم فخسر الدارين، لأنه إذا أنكر المحسوسات، فبالحقيق إنكاره المغيبات، وقد كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: الإنكار فرع من النفاق.
قلت: وذلك لن المنافقين لو لم ينكروا على محمد صلى الله عليه وسلم لآمنوا به ظاهراً، وباطناً ثم قال اليافعي رضي الله تعالى عنه: فوا عجباً كيف ينسب السحر، وفعل الشياطين إلى الأولياء المقربين، والأبرار الصالحين والمتطهري من الصفات المذمومة، المتحلين بالصفات المحمودة المعرضين عن كل شيء يشغلهم عن ربهم عز وجل.
فإياك يا أخي بعد اطلاعك على ما بينته لك في هذه المقدمة من علو شأن أهل الله عز وجل من أهل عصرك، وغيرهم أن يقوم بك داء الحسد، ولا تذعن للانقياد لهم، وتسمع من بعض المنكرين لعيهم ما يقولونه في حقهم، فيفوتك منهم خير كثير، كما فاتك الخير في عدم علمك بكلامهم الذي هو كله نصح لك حين وزنته بميزان عقلك الجائر، فإن الكلام لم يزل في هذه الطائفة من عصر ذي النون المصري وأبي يزيد البسطامي إلى وقتنا هذا، بل نقل سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه: أنهم تكلموا في جماعة من الصحابة، ونسبوهم إلى الرياء، والنفاق منهم الزبير رضي الله عنه كان كثير الخشوع في الصلاة، وكان بعضهم يقول: إنما هو مراء فبينما الزبير رضي الله عنه ساجداً، إذ صبوا على وجهه، ورأسه ماء حارً فكشط وجهه، وهو لا يشعر، فلما فرغ من صلاته، وصحا قال: ما هذا فأخبروه فقال رضي الله عنه: غفر الله تعالى لهم ما فعلوا، ومكث زماناً يتألم من وجهه.
قلت: ودليل هذا كله قوله تعالى: " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً " الفرقان: 20 وكل ولي له من تلك الفتنة الحظ الوافر، وذلك لأن الابتلاء لما كان شرفاً، جمع الله تعالى لخواص هذه الأمة من البلايا، والمحن جميع ما كان متفرقاً في الأمم السالفة لعلو درجتهم عنده، ونقل الثقات عن أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه أنهم نفوه من بلده سبع مرات، فإنه لما رجع إلى بسطام من سفرته، وتكلم بعلوم لا عهد لأهل بلده بها من مقامات الأنبياء، والأولياء أنكر ذلك الحسين بن عيسى البسطامي إمام ناحيته، والمدرس بها في علم الظاهر، وأمر أهل بلده أن يخرجوا أبا يزيد من بسطام، فأخرجوه، ولم يعد إليها إلا بعد موت حسين المذكور، ثم بعد ذلك ألفه الناس، وعظموه، وتبركوا به، ثم لم يزل يقول له قائم بعد قائم، وهو ينفي ثم استقر أمره على تعظيم الناس له، والتبرك به إلى وقتنا هذا، وكذلك وقع لذي النون المصري رضي الله عنه أنهم وشوا به إلى بعض الحكام، وحملوه من مصر إلى بغداد مغلولاً مقيداً، فكم الخليفة، فأعجبه فقال: إن كان هذا زنديقاً، فما على وجه الأرض مسلم كما يأتي في ترجمته، وكذلك وقع لسمنون المحب رضي الله عنه محنة عظيمة، وادعت عليه امرأة كانت تهواه، وهو يأبى نه يأتيها في الحرام هو وجماعة من الصوفية، وامتلأت المدينة بذلك، ثم إن الخليفة أمر بضرب عنق سمنون، وأصحابه فمنهم من هرب، ومنهم من توارى سنين حتى كف الله عنهم ذلك، وكذلك وقع أنهم رموا أبا سعيد الخراز، وأفتى العلاء بتكفيره بألفاظ وجدوها في كتبه، منها لو قلت من أين وإلى أين، لم يكن جوابي غير الله مع ألفاظ أخرى، وتعصب مرة فقهاء أخميم على ذي النون المصري رضي الله عنه، ونزلوا في زورق ليمضوا إلى السلطان بمصر ليشهدوا عليه بالكفر، فأعلموه بذلك فقال: اللهم إن كانوا كاذبين فغرقهم، فانقلب الزورق، والناس ينظرون فغرقوا حتى رئيس المركب فقيل له: ما بال الرئيس؟ فقال قد حمل الفساق، وأخرجوا سهل بن عبد الله رضي الله عنه من بلده إلى البصرة، ونسبوه إلى قبائح، وكفروه، ولم يزل بالبصرة إلى أن مات بها هذا مع علمه، ومعرفته، واجتهاده، وذلك أنه كان يقول: التوبة فرض على العبد في كل نفس فتعصب عليه الفقهاء في ذلك لا غير.
وقتل حسين الحلاج بدعوة عمرو بن عثمان المكي، وذلك أنه كان عنده جزء فيه علوم الخاصة من القوم فأخذه الحسين فقال عمرو من أخذ هذا الكتاب قطعت يداه، ورجلاه، فكان كذلك، وإنما كان القول بتكفيره تستراً على دعوة عمرو، كما سياتي عن ابن خلكان، وشهدوا على الجنيد رضي الله عنه، حين كان يقرر في علم التوحيد، ثم
(1/13)

إنه تستر بالفقه، واختفى مع علمه، وجلالته، وأخرجوا محمد بن الفضيل البلخي رضي الله عنه بسبب المذهب كما سيأتي في ترجمته، وذلك أن مذهبه كان مذهب أصحاب الحديث فقالوا له: لا يجوز لك أن تسكن في بلدنا فقال: لا أخرج حتى تجعلوا في عنقي حبلاً، وتمروا بي على أسواق المدينة، وتقولا هذا مبتدع نريد أن نخرجه، ففعلوا به كذلك، وأخرجوه، فالتفت إليهم، وقال: نزع الله تعالى من قلوبكم معرفته، فلم يخرج بعد دعائه قط من بلخ صوفي مع كونها كانت أكثر بلاد الله تعالى صوفية، وعقدوا للشيخ عبد الله بن أبي حمزة رضي الله عنه، مجالساً في الرد عليه حين قال: أنا أجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة، فلزم بيته فلم يخرج إلا للجمعة حتى مات.
وأخرجوا الحكيم الترمذي رضي الله عنه إلى بلخ حين صنف كتاب علل الشريعة، وكتاب ختم الأولياء، وأنكروا عليه بسبب هذين الكتابين وقالوا: فضلت الأولياء على الأنبياء، وأغلظوا عليه، فجمع كتبه كلها، وألقاها في البحر، فابتلعتها سمكة سنين، ثم لفظتها، وانتفع الناس بها، وأنكر زهاد الراز وصوفيتها على يوسف بن الحسين، وتكلموا فيه، ورموه بالعظائم إلى أن مات، لكنه لم يبال بهم لتمكنه رضي الله عنه، وأخرجوا أبا الحسن البوشنجي، وأنكروا عليه، وطردوه إلى نيسابور، فلم يزل بها إلى أن مات، وأخرجوا أبا عثمان المغربي من مكة مع مجاهداته، وتمام علمه، وحاله وطاف به العلوية على جمل في أسواق مكة بعد ضربه على رأسه، ومنكبيه، فأقام ببغداد، ولم يزل بها إلى أن مات، وشهدوا على السبكي بالكفر مراراً مع تمام علمه، وكثرة مجاهداته، واتبعاه للسنة إلى حين وفاته، حتى إن من كان يحبه شهد عليه بالجنون طريقاً لخلاصه، فأدخلوه البيمارستان، وقال فيه أبو الحسن الخوارزمي أحد مشايخ بغداد: إن لم يكن لله جهنم فإنه يخلق جهنما بسبب السبكي، أي يخلقها الله للذين آذوه، وأنكروا عليه، وكفروه بالباطل هذا معنى قول أبي الحسن بدليل قوله عقب ذلك وإن لم يدخل السبكي الجنة فمن يدخلها، وقال أهل المغرب على الإمام أبي بكر النابلسي مع فضله، وعلمه، وزهده، واستقامة طريقه، وتصدره للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فأخرجوه من المغرب مقيداً إلى مصر، وشهدوا عليه عند السلطان، ولم يرجع عن قوله، فأخذ وسلخ، وهو حي، وقيل إنه سلخ وهو منكوس، وهو يقرأ القرآن فكاد أن يفتتن به الناس، فرفع الأمر إلى السلطان، فقال اقتلوه، ثم اسلخوه، وأخرجوا الشيخ أبا مدين المغربي رضي الله عنه من بجاية، كما سيأتي في ترجمته، وأخرجوا أبا القاسم النصراباذي رضي الله عنه من البصرة، وأنكروا عليه كلامه، وأحواله، فلم يزل بالحرام إلى أن مات مع صلاحه، وزهده، وورعه، واتباعه للسنة.
وأخرجوا أبا عبد الله الشجري صاحب أبي حفص الحداد قام عليه أبو عثمان الجبري، وهجره، وأمر الناس بهجره حين رفع الناس قدره على أبي عثمان، وأقبلوا عليه، وشهدوا على أبي الحسن الحصري رضي الله عنه بالكفر، وحكوا عنه ألفاظاً كتبت في درج، وحمل إلى أبي الحسن قاضي القضاة، فاستحضره القاضي وناظره في ذلك، ومنعه من القعود في الجامع حتى مات، وتكلموا في ابن سمنون، وغيره بالكلام الفاحش حتى مات، فلم يحضروا له جنازة مع علمه، وجلالته، وتكلموا في الإمام أبي القاسم بن جميل بالعظائم إلى أن مات، ولم يتزلزل عما هو عليه من الاشتغال بالعلم، والحديث، وصيام الدهر، وقيام الليل، وزهده في الدنيا حتى لبس الحصير رضي الله عنه.
وكان أبو بكر التلمساني يقول: كان أبو دانيال يحط على الجنيد، وعلى رويم، وسمنون، وابن عطاء، ومشايخ العراق، وكان إذا سمع أحداً يذكرهم بخير تغيظ وتغير، وأما الحلاج فإنه كان من القوم، وهو الصحيح فلا يخفي محنته، وإن كان من غير القوم فلا كلام لنا فيه، وقد اختلف الناس فيه اختلافاً كثيراً قال ابن خلكان في تاريخه: وإنما سمي بالحلاج لأنه جلس على دكا حلاج، وبها مخزن قطن غير محلوج فذهب صاحب الدكان في حاجته، فرجع فوجد القطن كله محلوجاً فسمي حلاجاً، وكان رضي الله عنه يأتي بفاكهة الصيف في الشتاء، وعكسه، ويمد يده في يديه في الهواء فيردها مملوءة دراهم يسميها دراهم القدرة.
قال ابن خلكان: وأما سبب قتله فلم يكن عن أمر موجب للقتل، إنما عمل عليه الوزير حين أحضروه إلى مجلس الحكم مرات، ولم يظهر منه ما يخالف الشريعة، فقال لجماعة: هل له مصنفات؟ فقالوا: نعم، فذكروا أَنهم وجدوا له كتاباً فيه أَنْ الإنسان إذا عجز عن الحج، فليعمد إلى غرفة من بيته، فيطهرها، ويطيبها،
(1/14)

ويطوف بها، ويكون كمن حج البيت، والله أعلم إن كان هذا القول عنه صحيحاً فطلبه القاضي فقال هذا الكتاب تصنيفك، فقال: نعم، فقال له: أخذته عمن؟ فقال: عن الحسن البصري، ولا يعلم الحلاج ما دسوه عليه، فقال له القاضي: كذبت يا مراق الدم ليس في كتب الحسن البصري شيء من ذلك، فلما قال القاضي يا مراق الدم مسك الوزير هذه الكلمة على القاضي قال: هذا فرع عن حكمك بكفره، وقال للقاضي: اكتب خطك بالتكفير، فامتنع القاضي فألزمه الوزير بذلك، فكتب، فقامت العامة على الوزير، فخاف الوزير على نفسه، فكلم الخليفة بذلك، فأمر بالحلاج، وضرب ألف سوط، فلم يتأوه، وقطعت يداه، ورجلاه، وصلب، ثم أحرق بالنار، ووقع الاختلاف فيه بين الناس أهوى الذي صلب، أم رفع كما وقع في عيسى عليه الصلاة والسلام.
وأفتوا بتكفير الإمام الغزالي رضي الله عنه، وأحرقوا كتابه الإحياء، ثم نصره الله تعالى عليهم، وكتبوه بماء الذهب، وكان من جملة من أنكر على الغزالي، وأفتى بتحريق كتابه القاضي عياض، وابن رشد، فلما بلغ الغزالي ذلك دعا على القاضي، فمات فجأة في الحمام يوم الدعاء عليه، وقيل إن المهدي هو الذي أمر بقتله بعد أن ادعى عليه أهل بلده، بأنه يهودي لأنه كان لا يخرج يوم السبت، لكونه كان يصنف في كتاب الشفاء يوم السبت فقتله المهدي لأجل دعوة الغزالي، وأخرجوا أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه من بلاد المغرب بجماعته، ثم كاتبوا نائب الإسكندرية بأنه سيقدم عليكم مغربي زنديق، وقد أخرجناه من بلادنا، فالحذر من الاجتماع عليه فجاء الشيخ إلى الإسكندرية، فوجد أهلها كلهم يسبونه، ثم وشوا به إلى السلطان، ولم يزل في الأذى حتى حج بالناس في سنين كان الحج فيها قد قطع من كثرة القطع في طريقه، فاعتقده الناس.
ورموا الشيخ أحمد بن الرفاعي بالزندقة، والإلحاد، وتحليل المحرمات كما سيأتي في ترجمته.
وقتلوا الإمام أبا القاسم بن قسي، وابن برجان، والخولي، والمرجاني مع كونهم أئمة يقتدي بهم، وقال الحساد عليهم، فشهدوا عليهم بالكفر، فلم يقتلوا، فعملوا عليهم الحيلة، وقالوا للسلطان إن البلاد قد خطبت لابن برجان في نحو مائة بلدة، وثلاثين، فأرسل له من قتله، وقتل جماعته.
وأما الشيخ محيي الدين بن العربي وسيدي عمر بن الفارض رضي الله عنهما، فلم يزل المنكرون ينكرون عليهما إلى وقتنا هذا، وعقدوا للشيخ عز الدين بن عبد السلام مجلساً في كلمة قالها في العقائد، وحرضوا السلطان عليه، ثم حصل له اللطف، وحسدوا شيخ الإسلام تقي الدين ابن بنت الأعز، وزوروا عليه كلاماً للسلطان، فرسم بشنقه، ثم تداركه اللطف، وذلك أن الملك الظاهر بيبرس قد كان انقاد له انقياداً كلياً حتى كان لا يفعل شيئاً إلا بمشاورته، فمشى الحساد بينهما بالكلام، حتى زينوا للسلطان في مسألة يقول فيها الحنفية إنها صواب، وما عليه الشافعية خطأ، فعارضه الشيخ تقي الدين فانتصر بعض الحساد للسلطان، ونصروه على الشيخ، وكان لا يحكم في مصر في ذلك الزمان، إلا بقول الشافعي رضي الله عنه فقط فولى السلطان بيبرس القضاة الأربعة من تلك الوقعة، فلم يزالوا إلى عصرنا هذا.
وأنكروا على الشيخ عبد الحق بن سبعين، وأخرجوه من بلاد المغرب، وأرسلوا نجاباً بدرج مكتوب إمامه يحذرون أهل مصر منه، وكتبوا فيه أنه يقول: أنا هو وهو أنا.
ومحن الأئمة كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصرابهم مشهورة في كتب المناقب، فانظر يا أخي ما جرى لهؤلاء الأئمة من المتقدمين، والمتأخرين، وخذ لنفسك أسوة فيما تقع فيه من المحن والله أعلم.
ولنشرع الآن في مقصود الكتاب، فنقول وبالله التوفيق.

فأولهم أبو بكر الصديق
رضي الله تعالى عنه
واسمه عبد الله بن أبي قحافة عثمان ابن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب، ومناقبه أكثر من أن تحصى، وكان رضي الله عنه يقول أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وأصدق الصدق الأمانة، وكذب الكذب الخيانة، وكان رضي الله عنه إذا أكل طعاماً فيه شبهة، ثم علم به استقاءه من بطنه، ويقول: اللهم لا تؤاخذني بما شربته العروق وخالط الأمعاء، وكان رضي الله عنه يقول: إن هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله، ولا يحتمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه، وكان رضي الله عنه يقول: لمن يعظه: يا أخي إن أنت حفظت وصيتي، فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك، وكان يقول: إن العبد إذا داخله
(1/15)

العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة، وكان يقول: يا معاشر المسلمين استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعاً استحياء من ربي عز وجل، وكان يقول: ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل، وكان يأخذ بطرف لسانه، ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان إذا سقط خطام ناقته ينيخها ويأخذه فيقال له: هلا أمرتنا فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني ألا أسأل الناس شيئاً، وكان رضي الله عنه يقول للصحابة رضي الله عنهم: قد وليت أمركم، ولست بأخيركم فأعينوني فإذا رأيتموني استقمت، فاتبعوني، وإذا رأيتموني زغت فقوموني، وغلب عليه الحزن، والخوف حتى كان يشم من فمه رائحة الكبد المشوي، توفي رضي الله عنه بين المغرب والعشاء ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الإمام عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه ورحمه
ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب، واتفقوا على أنه أول من سمي أمير المؤمنين، وأجمعوا على كثرة علمه، ووفور عقله، وفهمه، وزهده، وتواضعه، ورفقه بالمسلمين، وإنصافه ووقوفه مع الحق، وتعظيمه آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشدة متابعته له، ومحاسنه رضي الله تعالى عنه أكثر من أن تحصى، وكان رضي الله عنه لا يجمع في سماطه بين إدامين، وقدمت إليه حفصة رضي الله عنها مرقاً بارداً وصبت عليه زيتاً فقال: إدامان في إناء واحد لا آكله حتى ألقى الله عز وجل، وكان في قميصه رضي الله عنه أربع رقاع بين كتفيه، وكان إزاره مرقوعاً بقطعة من جراب، وعدوا مرة في قميصه أربع عشرة رقعة، إحداها من أدم أحمر، وكان يقول: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم، واستأذن رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة، فأذن له وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك، وفي رواية أشركنا في دعائك، وكان رضي الله عنه إذا وقع بالمسلمين أمر يكاد يهلك اهتماماً بأمرهم.
وكان يأتي المجزرة ومعه الدرة فكل من رآه يشتري لحماً يومين متتابعين يضربه بالدرة، ويقول له: هلا طويت بطنك لجارك وابن عمك، وأبطأ يوماً عن الخروج لصلاة الجمعة، ثم خرج، فاعتذر إلى الناس، وقال: إنما حبسني عنكم ثوبي هذا كان يغسل وليس عندي غيره، وكان يقول: لولا خوف الحساب لأمرت بكبش يشوي لنا في التنور، وكان رضي الله عنه يشتهي الشهوة، وثمنها درهم فيؤخرها سنة كاملة، وكان يقول: من خاف من الله تعالى لم يشف غيظه، ومن يتق الله لم يضيع ما يريد، وصعد يوماً إلى المنبر فقال: الحمد صلى الله عليه وسلم الذي صيرني ليس فوقي أحد، فقيل له: ما حملك على ما تقول؟ فقال إظهاراً للشكر ثم نزل.
وحج رضي الله عنه من المدينة إلى مكة، فلم يضرب له فسطاط، ولا خباء حتى رجع، وكان إذا نزل يلقي له كساء، أو نطع على شجرة فيستظل بذلك، وكان رضي الله عنه أبيض يعلوه حمرة، وإنما صار في لونه سمرة في عام الرمادة، حين أكثر من أكل الزيت توسعة للناس أيام الغلاء، فترك لهم اللحم والسمن، واللبن، وكان قد حلف أن لا يأكل إداماً غير الزيت حتى يوسع الله على المسلمين، ومكث الغلاء تسعة أشهر، وكانت الأرض قد صارت سوداء مثل الرماد، وكان يخرج يطوف على البيوت ويقول: من كان محتاجاً فليأتنا، وكان رضي الله عنه يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد صلى الله عليه وسلم على يدي، وكان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء، وكان يمر بالآية في ورده فتخنقه العبرة، فيبكي حتى يسقط، ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضاً، وكان يسمع حنينه من وراء ثلاث صفوف، وكان رضي الله عنه يقول: ليتني كنت كبشاً أهلي سمنوني ما بدا لهم ثم ذبحوني، فأكلوني وأخرجوني عذرة، ولم أكن بشراً.
ولما مرض كانت رأسه في حجر ولده عبد الله فقال له: يا ولدي ضع رأسي على الأرض فقال له عبد الله: وما عليك إن كانت على فخذي، أم على الأرض؟ فقال: ضعها على الأرض فوضع عبد الله رأسه على الأرض فقال: ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي ثم قال رضي الله عنه: وددت أن أخرج من الدنيا، كما دخلت لا أجر لي، ولا وزر علي ثم قال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع، ولا مفرط، فلما مات رآه العباس رضي الله عنهما فقال له: كيف وجدت الأمير يا أمير المؤمنين؟ قال: كاد عرشي يهوي بي لولا أني وجدت رباً رحيماً، وكان
(1/16)

إذا مر على مزبلة يقف عندها، ويقول: هذه دنياكم التي تحرصون عليها، وكان يقول: أضروا بالفانية خير لكم من أن تضروا بالباقية يعني الآخرة.
وكان يأخذ التبنة من الأرض ويقول: يا ليتني كنت هذه التبنة ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أك شيئاً ليتني كنت نسياً منسيا، وكان رضي الله عنه يحب الصلاة في وسط الليل، وكان إذا حصل بالناس هم يخلع ثيابه، ويلبس ثوباً قصيراً لا يكاد يبلغ ركبتيه، ثم يرفع صوته بالبكاء، والاستغفار، وعيناه تذرفان حتى يغشى عليه، وكان يحمل جراب الدقيق على ظهره للأرامل والأيتام، فقال له بعضهم: دعني أحمل عنك فقال: ومن يحمل عني يوم القيامة ذنوبي، وأحواله كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الإمام عثمان بن عفان
رضي الله تعالى عنه ورحمه
ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف وسمي ذا النورين لجمعه بين بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم: رقية ثم أم كلثوم.
وحاصروه تسعة وأربعين يوماً، ثم قتلوه صبراً، والمصحف مفتوح بين يديه، وهو يقرأ، وكان رضي الله عنه شديد الحياء حتى إنه ليكون في البيت والباب مغلق عليه، فما يضع عنه الثوب عند الغسل ليفيض عليه، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه، وكان يصوم النهار، ويقوم الليل إلا هجعة من أوله، وكان يختم القرآن في كل ركعة كثيراً، وكان يخطب الناس وعليه إزار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة، وكان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته، فيأكل الخل والزيت، وكان يردف خلفه غلامه أيام خلافته، ولا يستعيب ذلك.
وكان إذا مر على المقبرة بكى حتى بل لحيته رضي الله عنه، ومناقبه كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الإمام علي بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه
ونسبه مشهور. وكان برضي الله عنه يقول الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئاً فليصبر على مخالطة الكلاب.
قلت: والمراد بالدنيا ما زاد على الحاجة الشرعية بخلاف ما دعت الضرورة إليه، وذلك أن فضول الدنيا شهوات، وأهل الشهوات كثير، ولذلك ما رؤي زاهد قط في محل مزاحمة على الدنيا، كما هو مشاهد، وإنما سمي طالب الفضول كلباً للدنيا لتعلق قلبه بها، لأن الكلب مأخوذ من التكلب، وكل من عسر عليه فراق شهوته فهو كلبها، فافهم فما توسع من توسع في مأكل، أو ملبس إلا لقلة ورعه، والشارع لم يأمرنا بالتوسع في الشبهات، والله أعلم.
قال أبو عبيدة رحمه الله: ارتحل الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه تسع كلمات، قطع الأطماع عن اللحاق بواحدة منهن، ثلاث في المناجاة، وثلاث في العلم، وثلاث في الأدب.
فأما التي في المناجاة فهي قوله: كفاني عزاً أن تكون لي رباً، وكفى بي فخراً أن أكون لك عبداً، أنت لي كما أحب فوفقني لما تحب، وأما التي في العلم فهي قوله المرء مخبوء تحت لسانه، فتكلموا تعرفوا، ما ضاع امرؤ عرف قدره، وأما التي في الأدب فهي قوله: أنعم على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.
وكان رضي الله عنه يقول: والله لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.
وكان آخر كلامه قبل موته لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكان رضي الله عنه يقول: موت الإنسان بعد أن كبر وعرف ربه خير من موته طفلا، ولو دخل الجنة بغير حساب.
قلت: لأن أقل ما هناك أن العبد يجالس ربه في الجنة بقدر ما عمل من العبادات والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: أعلم الناس بالله أشدهم حباً، وتعظيماً لأهل لا إله إلا الله.
وقيل له مرة: ألا نحرسك يا أمير المؤمنين فقال: حارس كل امرئ أجله، وكان رضي الله عنه يقول: كونوا لقبول أعمالكم أشد اهتماماً منكم بالعمل، فإنه لن يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل عمل متقبل، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كان يوم القيامة أتت الدنيا بأحسن زينتها، ثم قالت: يا رب هبني لبعض أوليائك فيقول الله عز وجل لها: اذهبي لا إلى شيء فلانت أهون من أن أهبك لبعض أوليائي، فتطوى كما يطوى الثوب الخلق فتلقى في النار، وكان رضي الله عنه يقول: لا يرجون العبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه، وكان يقول: لا يستحي جاهل أن يسأل عما لم يعلم، ولا، يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، وكان يقول: الفقيه كل الفقيه من لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من عذاب الله، ولا يرخص في معاصي الله، ولا
(1/17)

يدع القرآن رغبة منه إلى غيره، وكان يقول: لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم فيه، ولا خير في قراءة لا تحبر فيها، وكان رضي الله عنه يقول: كونوا ينابيع العلم، ومصابيح الليل خلقان الثياب جدد القلوب تعرفون به في ملكوت السماء، وتذكرون به في الأرض، وكان رضي الله عنه يقول: لو حننتم حنين الواله الثكلان، وجأرتم جؤار ميتلي الرهبان.
ثم خرجتم من أموالكم، وأولادكم في طلب القرب من الله تعالى، وابتغاء رضوانه، وارتفاع درجة عنده، أو غفران سيئة كان ذلك قليلا فيما تطلبونه، وكان رضي الله عنه يقول: القلوب أوعية وخيرها أوعاها، ثم يقول: هاه هاه إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - علماً لو أصبت له حملة وأتى رضي الله عنه بفالوذج فوضع قدامه فقال: إنك طيب الريح حسن اللون طيب الطعم لكني أكره أن أعود نفسي ما لم تعتد، ولم يأكله، ولم يأكل رضي الله عنه طعاماً منذ قتل عثمان، ونهبت الدار إلا مختوماً حذراً من الشبهة، وكان قوته وكسوته شيئاً يجيئه من المدينة، ولم يأكل من طعام العراق إلا قليلا، وكان رضي الله عنه يرقع قميصه ويقول: لمن لبس المرقع يخشع القلب، ويقتدي به المؤمن، وكان يقطم من كم قميصه ما زاد على رؤوس الأصابع.
وكذلك كان عمر رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يبرد في الشتاء حتى ترعد أعضاؤه عن البرد فقيل له: ألا تأخذ لك كساء من بيت المال، فإنه واسع فقال: لا أنقص المسلمين من بيت مالهم شيئاً لي.
وكان رضي الله عنه يقول: التقوى هي ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة، وكان رضي الله عنه يستوحش من الدنيا، وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وكان يحاسب نفسه على كل شيء، وكان يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان رضي الله عنه يعظم أهل الدين والمساكين، وكان يصلي ليله ولا يهجع إلا يسيراً، ويقبض على لحيته، ويتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين حتى يصبح، وكان رضي الله عنه يخاطب الدنيا ويقول: يا دنيا غري غيري قد طلقتك ثلاثاً عمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق. وكان رضي الله عنه يقول أشد الأعمال ثلاثة إعطاء الحق من نفسك، وذكرك الله تعالى على كل حال، ومواساة الأخ في المال، وكان يقول: ما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحاً وما فاتك منها، فلا تيأس عليه حزناً وليكن همك فيما بعد الموت.
وكان رضي الله عنه يقول: لم يرض الحق تعالى من أهل القرآن الادهان في دينه، والسكوت على معاصيه، وكان يقول إن مع كل إنساناً ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خلياً بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة، وكان ينشد ويقول:
حقيق بالتواضع من يموت ... ويكفي المرء من دنياه قوت
فما للمرء يصبح ذا هموم ... وحرص ليس ندركه النعوت
فيا هذا سترحل عن قريب ... إلى قوم كلامهم السكوت
قال القضاعي رضي الله عنه: وكان لعلي رضي الله عنه من الأولاد الذكور أربعة عشر ولداً ولم يكن النسل إلا لخمسة منهم فقط: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعمر والعباس رضي الله عنهم أجمعين، ومناقبه رضي الله عنه كثيرة مشهورة.

ومنهم الإمام طلحة بن عبيد الله
رضي الله تعالى عنه
ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة، وكان رضي الله عنه من الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ووقاه بيده ونفسه، فشلت يده وجرح يومئذ أربعاً وعشرين جراحة، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة الخير، وكانت نفقته كل يوماً ألفاً وتصدق يوماً بمائة ألف، وهو محتاج إلى ثوب يذهب به إلى المسجد فلم يشتر له قميصاً، وكان رضي الله عنه يقول: إن رجلا يبيت عنده الدنانير في بيته لا يدري ما يطرقه من الله تعالى لغرير بالله، فكان إذا بات عنده الدنانير لا ينام تلك الليلة حتى يصبح ويفرقها، قتل رضي الله عنه يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وقبره بالبصرة ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الإمام الزبير بن العوام
رضي الله عنه
ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وقاتل
(1/18)

يوم بدر قتالا شديداً حتى كان الرجل يدخل يده في الجراح من ظهره وعاتقه.
ولما حضرته الوفاة كان عليه دين كثير، وليس له مال فقالوا له: ما نفعل في دينك؟ فقال لأولاده: قولوا يا مولى الزبير اقض دينه فقضاه الله تعالى عنه جميعه، وكان قدره ألف ألف ومائتي ألف، وكان للزبير عم فكان يعلق الزبير في حصير، ويدخن عليه بالنار، ويقول له: ارجع إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبداً، وكان له ألف مملوك يؤدون الخراج إليه كل يوم، فكان يتصدق به في مجلسه، ولا يقوم منه بدرهم رضي الله عنه.

ومنهم الإمام سعد بن أبي وقاص
رضي الله عنه
ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأب الخامس.
ومرض رضي الله عنه فقال: يا رب إن لي بنين صغاراً، فأخر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه عشرين سنة، وكان بينه وبين خالد كلام، فذهب رجل يقع في خالد عنده فقال: مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا.
ولما وقعت فتنة عثمان رضي الله عنه اعتزل الناس، فلم يخرج من بيته، وقد رمى يوم أحد ألف سهم، وأوصى أن يكفن في جبته التي كان قد لقي المشركين فيها يوم بدر فكفنوه فيها رضي الله عنه.

ومنهم الإمام سعيد بن زيد
رضي الله تعالى عنه ورحمه
ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي، وكان مجاب الدعوة وقد ادعت عليه أروى بنت أنس عند مروان أنه أخذ لها شيئاً من أرضها، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت.
توفي بالعقيق، وحمل إلى المدينة، ودفن بها سنة خمس وخمسين رضي الله عنه.

ومنهم الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن عوف
رضي الله تعالى عنه ورحمه
ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة.
كان رضي الله عنه يتصدق بالسبعمائة راحلة، وأكثر للفقراء والمساكين بأحمالها، وأقتابها، وأحلاسها، ولم يزل خائفاً منذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً " ولما بلغه ذلك جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقرض الله قرضاً حسناً يطلق لك قدميك، ثم نزل جبريل، فقال مر ابن عوف فليضف الضيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل، فإذا فعل ذلك كان كفارة لما هو فيه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عممه بيده، وسدلها بين كتفيه، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، وقال: " إنه عبد صالح " وكان رضي الله عنه من شدة خوفه، وتواضعه لا يعرف من بين عبيده، توفي سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الإمام أبو عبيدة عامر بن الجراح
رضي الله تعالى عنه
ويجتمع نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأب السابع، ودفن بغور بيسان سنة ثمان عشرة عند قرية تسمى عماد، وكان رضي الله عنه يقول: ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه ألا رب مكرم لنفسه، وهو لها مهين، فبادروا رحمكم الله السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السماء، ثم عمل حسنة لعلت فوق سيئاته حتى تغيرهن، وكان رضي الله عنه يقول مثل المؤمن مثل العصفور يتقلب كل يوم كذا وكذا مرة رضي الله عنه.

ومنهم الإمام عبد الله بن مسعود
رضي الله تعالى عنه ورحمه
وكان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووساده وسواكه ونعليه وطهوره في السفر وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه وسمته وكان رضي الله عنه من أجود الناس ثوباً ومن أطيب الناس ريحاً تعظيماً لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حمله، وكان هو الذي يلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم نعليه ويمشي أمامه بالعصا حتى يدخل أمامه الحجرة فإذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعيه وأعطاه العصا.
وكان رضي الله عنه دقيق الساقين فكان بعض الصحابة يضحك من دقة ساقيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد "، وكان صلى الله عليه وسلم يستمع لقراءته في الليل ويقول: " من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأه على قراءة عبد الله بن مسعود " وكان رضي الله عنه قليل الصوم، كثير الصلاة، فقيل له في ذلك فقال إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة والصلاة عندي أهم، وسمع رجلا يقول: اللهم إني أحب أن أكون
(1/19)

من المقربين ولا أحب أن أكون من أصحاب اليمين، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: هاهنا رجل يود أنه إذا مات لا يبعث يعني نفسه، وكان رضي الله عنه يبكي، ويلاقي دموعه بكفيه، ثم يقول بدموعه هكذا يرش بها الأرض، وخرج مرة معه ناس يشيعونه فقال لهم: ألكم حاجة فقالوا لا فقال: ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع، وكان يقول لو تعلمون مني ما أعلمه من نفسي لحثيتم على رأس التراب، وكان يقول حبذا المكروهان الموت والفقر، وكان رضي الله عنه يقول ما أصبحت قط على حالة فتمنيت أن أكون على سواها، وكان يقول إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ولا دين معه لأنه تعرض أن يعصي الله تعالى إما بفعله وإما بسكوته وإما باعتقاده، وكان يقول لو أن رجلا قام بين الركن والمقام يعبد الله تعالى سبعين سنة وهو يحب ظالماً لبعثه الله تعالى يوم القيامة مع من يحب.
ولما مرض رضي الله عنه عاده عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال له: ما تشتكي قال ذنوبي قال فما تشتهي: قال: رحمة ربي قال له ألا آمر لك بطبيب قال: الطبيب أمرضني قال ألا آمر لك بعطاء قال لا حاجة لي فيه، قال يكون لبناتك قال أتخشى على بناتي الفقر وقد أمرتهن أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأ الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً ".
وكان من دعائه: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد ونعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ومرافقة نبيك صلى الله عليه وسلم في أعلى جنان الخلد، وكان رضي الله عنه يقول: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم بالخشية، وكان رضي الله عنه يقول ويل لمن لا يعلم ولا شاء الله لعلمه وويل لمن يعلم ثم لا يعمل سبع مرات، وكان يقول ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها، والموت اليوم تحفة لكل مسلم، وكان يقول: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، والذل أحب إليه من العز، وحتى يكون حامده وذامه عنده سواء، وفسر هذه الجملة أصحابه فقالوا حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، والتواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله وحتى يكون حامده وذامه عنده في الحق سواء لا يميل إلى من يحمده أكثر ممن يذمه، وكان يقول: لأن بعض أحدكم على جمرة حتى تطفأ خير له من أن يقول لأمر قضاه الله ليت هذا لم يكن وكان يقول: لأصحابه أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهاداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب منكم في الآخرة، وكان يقول إن الرجل لا يكون غائباً عن المنكر في بيوت الولاة، ويكون عليه مثل وزر من حضر وذلك لأنه يبلغه فيرضى به ويسكت عليه، والله أعلم.

ومنهم الإمام خباب بن الأرت
رضي الله تعالى عنه
وكان يعذب بالنار ليرجع عن دين الإسلام فلم يرجع، وكان رضي الله عنه يبكي ويقول إن إخواننا مضوا ولم يأخذوا من أجرهم شيئاً ولم تنقصهم الدنيا، وإنا بقينا بعدهم وأعطينا من المال ما لم نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. وقال عمر رضي الله عنه يا خباب ماذا لقيت من المشركين. فقال: أوقدوا لي ناراً فما أطفأها إلا ودك ظهري، رضي الله عنه.
توفي بالكوفة وصلى عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومنهم أبي بن كعب
رضي الله تعالى عنه
كان من القراء وقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب إلى آخرها بأمر الله عز وجل له في ذلك، وكان يقول عليكم بالسبيل، والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل، وسنة وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله تعالى فتمسه النار، وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، وكان يقول: ما من عبد ترك شيئاً لله إلا أبدله الله عز وجل ما هو خير منه من حيث لا يحتسب.

ومنهم سلمان الفارسي
رضي الله تعالى عنه
كان عطاؤه خمسة آلاف، وكان أميراً على زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين، وكان يخطب على الناس في عباءة يفرش بعضها ويلبس بعضها، فإذا خرج عطاؤه أمضاه، وكان يكل من شغل يديه ويستظل بالفيء حيثما دار ولم يكن له بيت، وكان يعجن عن الخادم حين يرسلها في حاجة، ويقول: لا نجمع عليها عملين، وكان يعمل الخوص ويقول أشتري خوصاً بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم
(1/20)

فأعيد درهماً فيه وأنفق درهماً على عيالي وأتصدق بدرهم، وكان لا يأكل من صدقات الناس، وكان الناس يسخرونه في حمل أمتعتهم لرثاثة حاله، فربما عرفوه فيريدون أن يحملوا عنه فيقول لا حتى أوصلكم إلى المنزل وهو إذ ذاك أمير على المدائن، وكان رضي الله عنه يقول: إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل مريض معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه، فإذا اشتهى ما يضره منعه، وقال: إن أكلته هلكت، وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة فيمنعه الله عز وجل منها حتى يموت فيدخل الجنة، وكان رضي الله عنه يقول عجباً لمؤمل الدنيا والموت يطلبه وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك ولا يدري أربه راض عنه أم ساخط، وكان رضي الله عنه يقول: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً فقال: " ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب ".
عاش رضي الله عنه مائتين وخمسين سنة، وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه.

ومنهم تميم الداري
رضي الله تعالى عنه
كان كثير التهجد قام ليلة حتى أصبح بآية واحدة من القرآن يركع، ويسجد ويبكي وهي قوله تعالى: " أم حسب الذين يعملون السيئات " الآية وكان له هيئة ولباس وحسن، وكان أول من قص على الناس بإذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان له حلة اشتراها بألف درهم فكان يلبسها في الليلة التي يرجي أنها ليلة القدر، والله أعلم.

ومنهم أبو الدرداء
عويمر بن زيد رضي الله تعالى عنه
كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما أمن أحد على إيمانه أن يسلب إلا سلب، وكان يقول إني لآمركم بالأمر لا أفعله ولكني أرجو به الأجر من قبلكم، وكان رضي الله عنه يقول: تفكر ساعة خير من قيام أربعين ليلة، وكان يقول مثقال ذرة من برمع تقوى ويقين أفضل وأعظم وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المقربين، وكان يقول: إن من فقه الرجل رفقه في معيشته، وكان يقول معاتبة الأخ خير من فقده.
وكان يقول إن ناقدت الناس ناقدوك وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك، فهبوا أعراضكم ليوم فقركم، وكان يقول لو تعلمون ما أنتم راءون بعد الموت ما أكلتم طعاماً وما شربتم ماء عن شهوة ووددت أني شجرة تعضد، ثم تؤكل وكان يقول: أدركت الناس ورقاً لا شوك فيه فأصبحوا شوكاً لا ورق فيه، وكان رضي الله عنه يقول: إن الذي ألسنتهم رطبة من ذكر الله عز وجل يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك.
قلت: والمراد بالرطبة عدم الغفلة فإن القلب إذا غفل يبس اللسان وخرج عن كونه رطباً، وكان يقول: لا تبغض من أخيك المسلم إذا عصى إلا عمله فإذا تركه فهو أخوك، وكان رضي الله عنه يقول نعم صومعة الرجل المسلم بيته يكف لسانه وفرجه وبصره.
وقالت أم الدرداء: له إن احتجت بعدك أفآكل الصدقة. قال لا، اعملي وكلي فإن ضعفت عن العمل فالتقطي السنبل ولا تأكلي الصدقة وخطبها معاوية فأبت وقالت: لا أغير على أبي الدرداء، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه لم يزل يدفع الدنيا بالراحتين ويقول: إليك عني، وكان يقول لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت نفسه في جانب الله أشد المقت، وكان يقول ما في المؤمن بضعة أحب إلى الله من لسانه، فليحفظه لئلا يدخله النار، وكان رضي الله عنه يقول: إنا لنضحك في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتلعنهم، وكان يقول إذا تغير أخوك واعوج فلا تتركه لأجل ذلك فإن الأخ يعوج مرة ويستقيم أخرى، وكان هذا مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنخعي وجماعة لا يهجرون عند الذنب، ويقولون لا تحدثوا بزلة العالم فإنه يزل الزلة، ثم يتركها وكانت زوجته أم الدرداء تقول: طلبت العبادة في كل شيء، فما وجدت شيئاً أشفى لصدري ولا أفضل من مجالس الذكر، فكانوا يحضرون عندها فيذكرون فتذكر معهم، وأرسلت إلى نوف البكالي وهو يعظ الناس تقول له اتق الله ولتكن موعظتك لنفسك، والله أعلم.

ومنهم عبد الله بن عمر
رضي الله تعالى عنهما
كان من عباد الصحابة وزهادهم لم يضع لبنة على لبنة، ولا غرس شجرة منذ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: يا بن آدم صاحب الدنيا ببدنك وفارقها بقلبك وهمتك، وكان رضي الله عنه يقول لا يكون الرجل من أهل العلم حتى لا يحسد من فوقه ولا يحقر من تحته ولا يبتغي بالعلم ثمناً والله أعلم.
(1/21)

ومنهم أبو ذر
رضي الله تعالى عنه
كان يظل نهاره أجمع يتفكر فيما هو صائر إليه، وكان يقول: لو أن صاحب المنزل يدعنا فيه لملأناه أمتعة، ولكنه يريد نقلتنا منه، وكان يرى تحريم إدخال ما زاد على نفقة اليوم، وكان الرجل يدخل عليه، فيقلب بصره في بيته فلا يجد فيه شيئاً من أمتعة الدنيا رضي الله عنه.

ومنهم حذيفة بن اليمان
رضي الله تعالى عنه
صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: أحب يوم أكون فيه حين يأتيني أهل بيتي فيقولون ما عندنا شيء نأكله لا قليل ولا كثير.
وبكى يوماً في صلاته ثم التفت فرأى وراءه رجلا فقال لا تعلمن بهذا أحداً، وكان رضي الله عنه يقول سيأتي على الناس زمان، يقال للرجل فيه ما أظرفه ما أعقله! وما في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وكان يقول ليس خيركم الذين يتركون الدنيا للآخرة ولكن خيركم الذين يتناولون من كل منهما.

ومنهم أبو هريرة
رضي الله تعالى عنه
كانت له هرة صغيرة فكني بها، وكان يقول لولا آية من كتاب الله عز وجل ما حدثتكم بشيء أبداً " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى "، وكان يخدم الناس قبل صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطنه، وكان لا يسأل الناس شيئاً، وكان رضي الله عنه يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، ويقول أسبح بقدر ذنبي، ورفع يوماً على جاريته سوطاً ثم قال: لولا خوف القصاص لأوجعتك، ولكن سأبيعك لمن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى، وكان هو وامرأته وجاريته يقسمون الليل أثلاثاً يصلي هذا ثم يوقظ هذا ويصلي هذا ثم يوقظ هذا.
وكان يقول ما وجع أحب إلى من الحمى لأنها تعطي كل مفصل قسطه من الأجر بسبب عموم الجسد والوجع.
وكان يقول المرض لا يدخله رياء ولا سمعة بل هو أجر محض. وقد قسم الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه على ثلاثة أقسام عقوبة وكفارة ورفع درجة، فالعقوبة ما صاحبه السخط والكفارة ما صاحبه الرضا، والصبر والدرجة ما صاحبه الرضا، وانشراح الصدر، وكان يحمل حزمة الحطب على رأسه وهو يومئذ خليفة لمروان ويقول أوسعوا الطريق لأميركم، ولما حضرته الوفاة بكى فقيل له في ذلك فقال: أبكي على بعد سفري وقلة زادي وأني أصبحت على مهبط جنة أو نار لا أدري أيهما يأخذ بي. توفي في المدينة في خلافة معاوية وله ثمان وسبعون سنة رضي الله عنه.

ومنهم عبد الله بن عباس
رضي الله تعالى عنهما
كان يقول يا صاحب الذنب لا تأمن شر عاقبته فإن ضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب وعدم اضطراب قلبك من نظر الله تعالى إليك وأنت على الذنب أعظم من الذنب. وكان مجرى الدموع في وجهه كأنه الشراك البالي، وكان رضي الله عنه يقول: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي، وكان يقول يأتي على الناس زمان يعرج فيه بعقول الناس حتى لا تجد فيه أحداً ذا عقل، وكان يجلس يوماً للفقه، ويوماً للمغازي، ويوماً للشعر، ويوماً لأيام العرب.
قلت: ومعنى الشعر أن يذكره استشهاداً للغة العرب، وكان يقول لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام، وكان يقول عيادة المريض سنة، فما زاد فهو نافلة، والله أعلم.

ومنهم عبد الله بن الزبير
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان من عباد الصحابة وكان إذا قام في الصلاة كأنه عمود من الخشوع، وكان يسجد ويطيل السجود حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جدار حائط، وكان يحيي الدهر كله ليلة قائماً حتى يصبح، وليلة يحييها راكعاً، حتى يصبح وليلة يحييها ساجداً، حتى يصبح وكان يسمى حمامة المسجد.
قتل سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وصلب على باب الكعبة وكان أطلس لا لحية له، وقتله الحجاج حين بويع له بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز هو واليمن، والعراق وخراسان وأقام في الخلافة تسع سنين ثم حاصره الحجاج بمكة.

ومنهم الحسن بن علي بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه
ولد في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذنه وسماه الحسن، وكان حليماً كريماً ورعاً دعاه ورعه وحلمه إلى أن ترك الدنيا، والخلافة لله عز وجل، وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان رضي الله عنه.
وولي الخلافة بعد قتل أبيه وبايعه أكثر من أربعين ألفاً، كانوا بايعوا أباه، وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك، ثم سار إليه معاوية من الشام وسار إلى معاوية فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين حتى يقتل أكثر الأخرى، فأرسل إلى معاوية يبذل له تسليم الأمر على أن تكون الخلافة له من بعده، وعلى أن لا يطالب أحداً من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه وغير ذلك، من القواعد، فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك وظهرت المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " وكان ذلك إحدى وأربعين وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القضاعي ولم يمت الحسن حتى قتل عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسمع رضي الله عنه رجلا يسأل الله عز وجل أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف الحسن وأرسل بها إليه، وكان يقول: إني لأستحيي من ربي عز وجل، أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى مكة من المدينة على رجليه، وكانت الجنائب تقاد معه، وخرج من ماله لله تعالى مرتين، وقاسم الله تعالى ثلاث مرات حتى إنه كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا، وكان رضي الله عنه يجيز الواحد بمائة ألف درهم وكان إذا اشترى من أحد حائطاً ثم افتقر البائع يرد عليه الحائط ويردفه بالثمن معه، وما قال قط لسائل لا، وكان لا يعطي لأحد عطية إلا شفعها بمثلها، وكان يقول لبنيه وبني أخيه تعلموا العلم فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوه في بيوتكم، ولما شرب السم تقطع كبده فقال: إني قد سقيت السم مراراً فلم أسق مثل هذه المرة، وقال له الحسين رضي الله عنه يا أخي من تتهم؟ قال لم؟ قال لنقتله قال إن يكن الذي أظنه فالله أشد بأساً وأشد تنكيلا، وإن لم يكن فما أحب أن يقتل بي بريء، فلما نزل به الموت قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فأخرج فقال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإني لم أصب بمثلها ثم قبض سنة خمسين ودفن بالبقيع رضي الله عنه.

ومنهم الحسين بن علي بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنهما
ولد في شعبان سنة أربع من الهجرة وكان له من الأولاد خمسة: علي الأكبر وعلي الأصغر وله العقب فإن الأشراف الآن منه وجعفر وفاطمة، وسكينة المدفونة بالمراغة بقرب السيدة نفيسة.
وحج رضي الله عنه خمساً وعشرين حجة ماشياً، وجنائبه تقاد بين يديه، وكان رضي الله عنه يقول: اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عز وجل عليكم فلا تملوا النعم فتعود نقماً، وكان يقول من جاد ساد ومن بخل ذل، ومن تعجل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غداً.
وقتل رضي الله عنه شهيداً يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين وهو ابن ست وخمسين سنة.
وقال أهل السير إن الله عز وجل قتل بسبب يحيى بن زكريا خمسة وتسعين ألفاً وذلك دية كل نبي. ويروى أن الله تعالى أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني قتلت بيحيى بن زكريا خمسة وتسعين ألفاً ولأقتلن بالحسين ابن بنتك قدر ذلك مرتين ". وروي أنه لما قتل الحسين رضي الله عنه احتزوا رأسه وقعدوا في أول مرحلة يشربون، فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب عليه سطراً:
أترجو أمة قتلت حسيناً ... شفاعة جده يوم الحساب
وأنشدت أخته زينب المدفونة بقناطر السباع من مصر المحروسة برفع صوت ورأسها خارج من الخباء:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أساري ومنهم ضمخوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وحملت رأسه إلى مصر ودفنت بالمشهد المشهور بها، ومشى الناس أمامها حفاة من مدينة غزة إلى مصر تعظيماً لها رضي الله عنه.
(/)

ومنهم رجال من سادات التابعين أولهم أويس القرني
رضي الله تعالى عنه
كان من أكابر الزهاد رث البيت قليل المتاع وكان أشهل ذا صهوبة بعيد ما بين المنكبين معتدل القامة، آدم شديد الأدمة ضارباً بذقنه إلى صدره، رامياً ببصره إلى موضع سجوده واضعاً يمينه على شماله، وكان له طمران من الثياب وكان يتزر بإزار من صوف خامل الذكر لا يؤبه له، وكان إذا أمسى يقول اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائع فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وكان رضي الله عنه يقول إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن من صديق فكلما أمرناهم بالمعروف شتموا أعراضنا ووجدوا على ذلك أعواناً من الفاسقين حتى والله لقد رموني بالعظائم.
قال بشر الحافي رضي الله عنه وبلغ من ورع أويس رضي الله عنه أنه جلس في قوصرة من العرى فهذا هو الزهد، وكان رضي الله عنه يقول: لا ينال الناس هذا الأمر حتى يكون الرجل كأنه قتل الناس أجمعين، وقال له رجل أوصني فقال فر إلى ربك قال فمن أين المعاشر؟ فقال إن القلوب يخالطها الشك أتفر إلى الله لدينك وتتهمه في رزقك، وكان رضي الله عنه مشغولا بخدمة والدته فلذلك لم يجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى أنه اجتمع به مرات وحضر معه وقعة أحد وقال: والله ما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم حتى كسرت رباعيتي، ولا شج وجهه حتى شج وجهي ولا وطئ ظهره حتى وطئ ظهري هكذا رأيت هذا الكلام في بعض المؤلفات والله أعلم بالحال، وكان قوته مما يلتقط من النوى. وكانوا لا يرونه إلا كل سنة أو سنتين مرة لأنه لما نسبوه إلى الجنون بنى له خصاً على باب داره، فكانوا لا يرونه يخرج منه إلا في النادر، وقال له رجل مرة أوصني فقال: وصيتي إليك كتاب الله تعالى، وسنة المرسلين وصالحوا المؤمنين وعليك بذكر الموت ولا يفارق قلبك ذكره طرفة عين، وافصح الأمة جميعاً، وإياك أن تفارق الجماعة، فتفارق دينك وأنت لا تعلم فتدخل النار، وقال: له رجل ادع لي فقال حفظك الله ما دمت حياً، ورضاك من الدنيا باليسير وجعلك لما أعطاه لك من الشاكرين.
وطلب شخص أن يجالسه فقال: يا أخي لا أراك بعد اليوم فإني أكره الشهرة والوحدة أحب إلى إني كثير الغم ما دمت مع الناس في هذه الدنيا، فلا تسألني ولا تطلبني بعد فراقك فإني لا أنساك يا أخي، وإن لم أرك وترني، وكان رضي الله عنه يتصدق إذا أمسى بكل ما في بيته، وبلغ من عريه أنه جلس في قوصرة، وكان يلتقط الكسر من المزابل، فيغسلها ويأكل بعضها ويتصدق ببعضها، وقال له هرم بن حيان أوصني فقال توسد الموت إذا نمت وأجعله نصب عينك إذا قمت، وكان يقول الدعاء بظهر الغيب أفضل من الزيارة واللقاء لأنهما قد يعرض فيهما التزين والرياء، ولما دفنوه في قبره رجعوا فلم يجدوا لقبره عيناً ولا أثراً رضي الله عنه.

ومنهم عامر بن عبد الله بن قيس
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان رضي الله عنه يقول لو أن الدنيا كانت لي بحذافيرها ثم أمرني الله تعالى بإخراجها كلها لأخرجتها بطيب نفس، وكان قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة وفي رواية ثمانمائة ركعة، فلا ينصرف منها إلا وقد انتفخت قدماه وساقاه ثم يقول لنفسه إنما خلقت للعبادة والله لأعملن بك عملا حتى لا يأخذ الفراش منك نصيباً، وكان يقول لا أبالي حين أحببت الله عز وجل على أي حال أمسيت وأصبحت، وكان رضي الله عنه يقول منذ عرفت الله تعالى لم أخف سواه، وكان إذا تشوش من إنسان ودعا عليه يقول اللهم أكثر ماله وأصح جسمه وأطل عمره، وكان رضي الله عنه يقول كم من شيء كنت أحسنه أود الآن أني لا أحسنه وما يغني في ما أحسن من الخير إذا لم أعمل به، وكان إذا سافر إن شاء صب من الركوة ماء للوضوء وإن شاء صب منها لبناً للشرب، وكان إذا دخل عليه شيء من الدراهم ينفق منها على المساكين ما شاء ولا ينقص منها شيء، وكان إذا أعطى السائل الرغيف يقول: إني لأستحي أن يكون في ميزاني أقل من رغيف، وقيل له مرة من هو خير منك فقال: من كان صمته تفكراً وكلامه ذكراً ومشيه تدبراً فهذا خير مني، وكان يقول: ذكر الله شفاء وذكر غيره داء، وكان يقول: من جهل العبد أن يخاف على الناس من ذنوبهم، ويأمن هو على ذنوب نفسه، وكان رضي الله عنه يقول: ما غيركم اليوم بخير ولكنه خير من أشر منه. وكان يطعم المجانين فيقول له الناس إنهم لا يدرون الأكل فيقول إن لم يكونوا يدرون فإن الله تعالى يدري، وكان
(1/24)

يقول في قوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً " " الطلاق: 2 " أي من كل شيء ضاق على الناس، وكان يقول إذا مت فلا تعلموا بي أحداً وسلوني إلى ربي سلا رضي الله عنه.

ومنهم مسروق بن عبد الرحيم
رضي الله تعالى عنه
سرق وهو صغير ثم وجد فسمي مسروقاً، وكان رضي الله عليه يقول بحسب المؤمن من العلم أن يخشى الله عز وجل، وكان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ من الله حذره، وكان رضي الله عنه يصلي حتى تورمت قدماه، وكان يرخي الستر بينه وبين أهله ثم يقبل على صلاته ويخليهم ودنياهم، وكان يقضي بين الناس ولا يأخذ على القضاء أجراً، وكان رضي الله عنه يقول ما من شيء اليوم للمؤمن خير له من الحذر رضي الله تعالى عنه.

ومنهم علقمة بن قيس
رضي الله تعالى عنه ورحمه
قيل له ألا تجلس للناس تعلمهم القرآن. فقال أكره أن يوطأ عقبي ويقال هذا علقمة، وقيل له ألا تدخل على السلطان فتشفع فقال لا أصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من ديني مثله، وكان رضي الله عنه يقول امشوا بنا نزداد إيماناً أي تفقهاً، وكان يتزوج بنات الفقراء يريد بذلك التواضع، ولم يخلف بعد موته إلا رداء وبرداً رثاً ومصحفاً رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الأسود بن يزيد النخعي
رضي الله تعالى عنه
كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى اخضر جسمه واصفر، وكان رضي الله عنه يقول إن الأمر جد إذا لاموه على تعذيب نفسه في العبادة وذهبت إحدى عينيه من البكاء، توفي بالكوفة سنة خمس وسبعين، والله أعلم.

ومنهم الربيع بن خيثم
رضي الله تعالى عنه
كان يقول رضي الله عنه: كن وصي نفسك يا أخي وإلا هلكت، وأصابه الفالج فقيل له لو تداويت فقال قد عرفت أن الدواء حق، ولكن عن قريب لا يبقى المداوي ولا المداوى، وكان عمله سراً لا يطلع عليه إلا أهل بيته، ودخل عليه رجل وهو يقرأ في المصحف فغطاه بكمه، وكان يقول كل ما لا يبتغي به وجه الله تعالى يضمحل، وكان إذا وجد كفلة من الناس يخرج إلى المقابر ويقول: يا أهل المقابر كنا وكنتم ثم يحيي الليل كله فإذا أصبح كأنه نشر من قبره، وكان رضي الله عنه يأتي مسجد الجماعة يهادي بين رجلين، فيقول له الناس: إن الله قد رخص لك فيقول فماذا أصنع في منادي ربي وهو يقول حي على الصلاة، وكان يقول أي لحيمة أي دمية كيف تصنعان إذا سيرت الجبال ودكت الأرض دكاً وكان يكنس البيت بنفسه ولا يمكن أهله من ذلك ويقول إني أحب أن آخذ لنفسي من المهنة، وكان رضي الله عنه يقول: لقد أدركنا أقواماً كنا نعد أنفسنا في جنبهم لصوصاً مات رضي الله عنه سنة سبع وستين، في أيام معاوية رضي الله عنه.

ومنهم هرم بن حيان
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان يقول صاحب الكلام: إما أن يعصي فيه فيخصم أو يغرق فيه فيأثم، وكان رضي الله عنه يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر زمان يتمرد فيه صغيرهم، ويؤمل فيه كبيرهم وتقرب فيه آجالهم، ويرون أعز إخوانهم على المعاصي فلا ينهونه رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو مسلم الخولاني
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه على جانب عظيم كبير من العبادة حتى لو قيل له إن جهنم لتسعر لما استطاع أن يزيد في عمله شيئاً، وكان رضي الله عنه يترك الأكل ويقول: الخيل إنما تجري وهي ضمر، وكان يقول: من شد رجليه في الصلاة ثبت الله رجليه على الصراط، والله أعلم.

ومنهم أبو سعيد الحسن البصري
رضي الله تعالى عنه
كان والده من أهل ميسان فسبى فهو مولى الأنصار، وكان قد غلب عليه الخوف، حتى كأن النار لم تخلق إلا له، وحده، وكان رضي الله عنه يقول: ذهبت المعارف، وبقيت المناكر، ومن بقي من المسلمين فهو مغموم، وكان يقول: ما من وسواس نبذ فهو من إبليس، وما كان فيه إلحاح فهو من النفس فيستعان عليه بالصوم والصلاة والرياضة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله بعبد خيراً في الدنيا لم يشغله بأهل ولا ولد وكان رضي الله عنه يقول: من شرط المتواضع أن يخرج عن بيته فلا يلقى أحداً إلا رأى له الفضل عليه، وكان يقول: إذا أذنب العبد ثم تاب لم يزدد بتوبته من الله تعالى إلا قرباً، وإذا أذنب ثانياً لم يزدد كذلك إلا قرباً، وقال له رجل: أشكو إليك قساوة قلبي فقال: ادن من مجالس الذكر، وكان يقول: شر الناس للميت أهله يبكون عليه، ولا يهون عليهم قضاء دينه، وكان يقول: أدركنا أقواماً كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم، فيما حرم عليكم، وكان يقول: لا تشتر مودة ألف رجل
(1/25)

بعداوة رجل واحد، وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله بعبد خيراً أمات عياله وخلاه للعبادة، وكان يقول: الطمع يشين العالم، وكان يقول: ذم الرجل نفسه في العلانية مدح لها.
وقيل له هل في البصرة منافق، فقال: لو خرج المنافقون منها لاستوحشت، وكان يقول: أكرم إخوانك يدم لك ودهم، وكان يقول: لو نظرت يا بن آدم إلى سير أجلك لأبغضت غرور أطك، وكان رضي الله عنه إذا جلس يجلس كالأمير، فإذا تكلم يتكلم كلام رجل قد أمر به إلى النار، وكان رضي الله عنه يقول: من لبس الصوف تواضعاً لله عز وجل زاده نوراً في بصره وقلبه، ومن لبسه للتكبر والخيلاء كور في جهنم مع المردة.
وكان ينشد ويقول:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
وكان يقول: وددت أن أكلت أكلة تصير في جوفي مثل الأجرة فإنه بلغنا أنها تبقى في الماء ثلاثمائة سنة، وقيل له مرة إن الفقهاء يقولون كذا وكذا فقال: وهل رأيتم فقيهاً قط بأعينكم إنما الفقيه الزاهد في الدنيا البصير بذنبه المداوم على عبادة ربه عز وجل، وكان يحلف بالله أنه ما أعز أحد الدراهم إلا أذله الله، وكان إذا استأذن عليه أحد من إخوانه، فمان كان عنده طعام أذن له وإلا خرج إليه ولا يتكلف فيما حضر، وكان يقول: كانوا يقولون لسان الحكيم من وراء قلبه إن أراد أن يقول يرجع إلى قلبه فإن كان له قال، وإلا أمسك، وإن الجاهل قلبه في طرف لسانه لا يرجع إلى قلبه ما أتى على لسانه تكلم به، وكان يقول: الناس ينظرون الله يوم القيامة كما شاء بلا إحاطة، وكان يقول الدنيا مطيتك إن ركبتها حملتك وإن ركبتك قتلتك، وكان يقول: ورع العلماء في الدنيا والأموال، وكان يقول: إذا رأيت في ولدك ما تكره فاعلم أنه شيء تراد به أنت فأحسن، وكان يقول: إذا أردت عداوة رجل فإن كان مطيعاً فإياك وإياه فإن الله تعالى لا يسلمه إليك، ولا يخلي بينك وبينه وإن كان عاصياً فقد كفيت مؤنته فلا تتعب نفسك بعداوته، وكان يقول: كل من اتبع طاعة الله لزمتك مودته، ومن أحب رجلا صالحاً فكأنما أحب الله، وكان يقول: ما رأينا أحداً طلب الدنيا فأدرك الآخرة بها أبداً، بخلاف العكس، وكان يقول: يبعث الله أقواماً يطلبون هذا العلم حسبة ليس لهم فيه نية فيتعبهم في طلبه كي لا يضيع العلم وتبقى عليهم تبعته، وكان يقول الإسلام أن تسلم قلبك لله فيسلم منك كل مسلم، وكان رضي الله عنه يقول: المحب سكران لا يفيق إلا عند مشاهدة محبوبه.

ومنهم سعيد بن المسيب
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول لنفسه: إذا دخل الليل قومي يا مأوي كل شيء والله لأدعنك تزحفين زحف البعير، فكان يصبح وقدماه منتفختان فيقول لنفسه: إذا أمرت ولذا خلقت، وكان رضي الله عنه يقول: لا خير فيمن لا بجمع الدنيا يصون بها دينه وجسمه ويصل بها رحمه، وكان يقول: ما فاتتني فريضة في جماعة منذ أربعين سنة، وما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد أو صلى رضي الله عنه الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة، وكان يقول: وقد أتت عليه أربع وثمانون سنة ما شيء أخوف عندي من النساء، وكان يقول: الناس كلهم تحت كنف الله يعملون أعمالهم، فإذا أراد الله عز وجل فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه، فبدت للناس عورته، وكان رضي الله عنه يقول: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة.
وضربه عبد الملك بن مروان وألبسه المسوح، وطاف به أسواق المدينة حين امتنع من بايعته، ومنع الناس من مجالسته فكان يقول: لا أحد يجالسني فإنهم قد جلدوني ومنعوا الناس من مجالستي فيرجع الناس عنه، وكان رضي الله عنه يقول: لا تقولوا مسيجداً، ولا مصيحفاً بالتصغير فتصغروا ما كان لله تعالى، فهو عظيم جليل، وكان يقول: من استغنى بالله افتقر الناس إليه، وكان الناس يستأذنون عليه من هيبته كما يستأذنون على الأمراء، وكان يقول: ليس من شريف ولا عالم ولا في فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله كثر من نقصه وهب نقصه لفضله رضي الله عنه.

ومنهم عروة بن الزبير بن العوام
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه يقول: إذا رأيتم من رجل حسنة فأحبوه عليها، واعلموا أن لها عنده أخوات، وكذلك إذا رأيتم منه سيئة فأبغضوه عليها، واعلموا أن لها عنده أخوات، وكان رضي الله عنه يقول: كان داود عليه السلام يصنع
(1/26)

القفة من الخوص، وهو على المنبر، ثم يرسل يبيعها ويكل منها، وكان يقول أزهد الناس في العالم أهله.
ولما اعتزل في قصره بالعقيق، وترك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: في ذلك فقال: رأيت مساجدهم لاهية وأسواقهم لاغية والفاحشة في فجاجهم عالية، فكان فيما هنالك عماهم فيه عافية، وكان رضي الله عنه يقول لأولاده: تعلموا العلم فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين، ما أقبح الجهل ولا سيما من شيخ، وخرج إلى الوليد بن عبد الملك فوقعت في رجله الأكلة فقطعوها، فكانوا يرون ذلك عقوبة لمشيه بها إلى الوليد، ثم قال الحمد لله الذي أبقيت لي أختها، وكان رضي الله عنه يسرد الصوم، فقطعوا رجله وهو صائم لم يمسكه أحد حين قطعت.
مات رضي الله عنه وهو صائم سنة أربع وتسعين، رضي الله عنه.

ومنهم محمد ابن الحنفية بن الإمام علي
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر، وكان رضي الله عنه يقول: ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له مخرجاً.
ولما كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان يتهدده، ويتوعده، ويحلف ليحملن إليه مائة ألف في البر ومائة ألف في البحر، أو يؤدي إليه الجزية كتب عبد الملك إلى الحجاج أن اكتب إلى محمد بن الحنفية تتهدده، وتتوعده، ثم أعلمني بما يرد عليك فكتب إليه فأرسل ابن الحنفية كتابه إلى الحجاج يقول: إن لله عز وجل ثلاثمائة وتسعين نظرة إلى خلقه، وأنا أرجو أن ينظر الله إلي نظرة يمنعني بها منك، فبعث الحجاج بذلك الكتاب إلى عبد الملك، فكتب مثل ذلك إلى ملك الروم فقال ملك الروم: ما خرج هذا منك، ولا كتبت أنت به ولا خرج إلا من بيت نبوة رضي الله عنه.

ومنهم علي زين العابدين
بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله
وهو علي الأصغر وأما الأكبر فقتل مع الحسين رضي الله عنهم أجمعين، وسيأتي في ترجمة محمد الباقر أن زين العابدين أو الحسينيين كلهم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا نصح العبد لله تعالى في سره، أطلعه الله تعالى على مساوئ عمله، فتشاغل بذنوبه عن معائب الناس.
وكان يقول: كانت المصاحف لا تباع إنما يأتي الرجل بورقه عند المنبر، فيقوم الرجل المحتسب، فيكتب له من أول البقرة ثم يجيء غيره حتى يتم المصحف.
قالوا: ولما قتل أخوه كان عمره ثلاث عشرة سنة إلا أنه كان مريضاً نائماً على فراش فلم يقتل، وكان إذا توضأ اصفر وجهه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ وكان إذا مشى لا تجاوز يده فخذه، ولا يخطر بيده، وكان إذا بلغه عن أحد أنه ينقصه، ويقع فيه يذهب إليه في منزله، ويتلطف به ويقول: يا هذا إن كان ما قلته في حقاً فيغفر الله لي وإن كان باطلاً، فغفر الله لك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وكان الرجل يقف على رأسه في المسجد، فما يترك شيئاً إلا ويقوله فيه، وهو ساكت لا يرد عليه رضي الله عنه، فلما ينصرف يقوم الرجل وراءه ويلزمه من خلفه، ويبكي فيقول: لا عدت تسمع مني شيئاً تكرهه قط، وكان ينشد:
وما شيء أحب إلى اللئيم ... إذا شتم الكريم من الجواب
وكان رضي الله عنه يقول: فقد الأحبة غربة، وكان يقول: عبادة الأحرار لا تكون إلا شكر الله لا خوفاً ولا رغبة، وكان يقول: كيف يكون صاحبكم من إذا فتحتم كيسه فأخذ، ثم منه حاجتكم لم ينشرح لذلك، وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه: أحبونا حب الإسلام لله عز وجل، فإنه ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً، إشارة إلى ما وقع له مع عبد الملك بن مروان حين حمله من المدينة إلى الشام مثقلاً بالحديد في يديه ورجليه وعنقه، فلما دخل الزهري على عبد الملك قال له: ليس علي بن الحسين حيث يظن من جهة فالخلافة إنما هو مشغول بنفسه، وبعبادة ربه عز وجل فقال: نعم ما شغل به نفسه وأطلقه.
وكان رضي الله عنه يحب ألا يعينه على طهوره أحد، وكان يستقي الماء لطهوره ويحضره قبل أن ينام، وكان لا يترك قيام الليل لا سفراً ولا حضراً، وكان يقول: إن الله يحب المؤمن المذنب التواب.
وكان رضي الله عنه يثني على أبي بكر وعمر وعثمان، ويترجم عليهم، وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، وكانت الريح تهيج فيخر مغشياً عليه، ولما حج قال: لبيك فوقع مغشياً عليه فتهشم،
(1/27)

واستطال عليه رجل فتطاول فتغافل عنه. فقال له الرجل: إياك أعني فقال له علي زين العابدين: وعنك إذن أغضي.
وخرج يوماً من المسجد، فلقيه رجل فسبه، وبالغ في سبه فبادرت إليه العبيد والموالي فكفهم عنه. وقال: مهلاً على الرجل، ثم أقبل عليه فقال: ما ستر عنك من أمرنا كثر ألك حاجة نعينك عليها، فاستحى الرجل فألقى إليه خميصته التي عليه، وأمر له بعطاء فوق ألف درهم. فقال الرجل: أشهد أنك من أولاد الرسول عليه الصلاة والسلام.
توفي رضي الله عنه بالبقيع سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وحمل رأسه إلى مصر، ودفنت بالقرب من مجراة الماء إلى القلعة بمصر العتيقة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو جعفر محمد الباقر
بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين
قال الثوري رحمه الله تعالى، سمي بالباقر لأنه؛ بقر العلم أي شقه، فعرف أصله وعرف خفيه.
وكان رضي الله عنه يقول: إن الصواعق تصيب المؤمن، وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر لله عز وجل.
وكان رضي الله عنه يقول: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله، مثل ما دخل من ذلك الكبر أو كثر، وكان يحب أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ويبالغ في مدحه ويقول: من لم يقل الصديق، فلا صدق الله له قولاً في الدنيا والآخرة، وبلغه عن جماعة من أهل العراق أنهم يبغضون أبا بكر وعمر، ويزعمون أنهم يحبون أهل البيت. فكتب إليهم إني بريء، ممن يبغض أبا بكر وعمر ولو أني وليت لتقربت إلى الله تعالى، بدماء من يكرههما. وكان رضي الله عنه يقول: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج. وكان إذا ضحك قال: اللهم لا تمقتني، وكان يقول: ليس في الدنيا شيء أعون من الإحسان إلى الإخوان، وكان لا يمل قط من مجالستهم، وكان رضي الله عنه يقول: بئس الأخ يرعاك غنياً، ويقطعك فقيراً. وكان رضي الله عنه يقول: اعرف المودة في قلب أخيك بما له من قلبك.
قال الأصمعي رضي الله عنه: ونسل الحسينيين كلهم من قبل زين العابدين فهو أبو الحسينيين كلهم، رضي الله تعالى عنه أجمعين، مات رضي الله عنه سنة سبع عشرة ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وأوصى رضي الله عنه، أن يكفن في قميصه الذي كان يصلي فيه، والله أعلم.

ومنهم أبو عبد الله جعفر الصادق
رضي الله عنه ابن محمد الباقر بن زين العابدين
ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين: كان رضي الله عنه يقول: أربع لا ينبغي لشريف، أن يأنف منها قيامه من مجلسه لأبيه وخدمته لضيفه، وقيامه على دابته، ولو أن له مائة عبد وخدمته لمن يتعلم منه، وكان رضي الله عنه يقول: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال أن تصغره إذا صنعته، وتستره وتعجله، وذلك لأنك إذا صغرته عظم، وإذا سترته أتممته، وإذا عجلته هنيته،. وكان رضي الله عنه يقول: إذا أقبلت الدنيا على إنسان أعطته محاسن غيره، لماذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، وكان يقول: إذا بلغك عن أخيك ما تكرهه، فاطلب له من عذر واحد إلى سبعين عذراً، فإن لم تجد له عذراً فقل: لعل له عذراً لا أعرفه.
ودخل عليه الثوري رضي الله عنه فرأى عليه جبة من خز، فقال له: إنكم من بيت نبوة تلبسون هذا؟ فقال: ما تدري أدخل يدك فماذا تحته مسح من شعر خشن، ثم قال: يا ثوري، أرني ما تحت جبتك، فوجد تحتها قميصاً أرق من بياض البيض، فخجل سفيان، ثم قال: يا ثوري لا تكثر الدخول علينا تضرنا ونضرك. ودخل عليه أبو حنيفة رضي الله عنه، فقال يا أبا حنيفة: بلغني أنك تقيس، لا تفعل فإن أول من قاس إبليس، وكان رضي الله عنه يقول: إذا سمعتم عن مسلمة كلمة، فاحملوها على أحسن ما تجدون، حتى لا تجدوا لها محملاً فلوموا أنفسكم، وكان رضي الله عنه يقول: لا تكلوا من يد جاعت ثم شبعت، وقال لرجل من قبيلة: من سيد هذه القبيلة فقال الرجل: أنا فقال: لو كنت سيدهم، ما قلت أنا. وكان يقول: إذا أذنبت فاستغفر فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال. قبل أن يخلقوا وإن الهلاك كل الهلاك الإصرار عليها، وكان رضي الله عنه، إذا احتاج إلى شيء قال: يا رباه أنا محتاج إلى كذا، فما يستتم دعاءه إلا وذلك الشيء بجنبه موضوعاً. توفي رضي الله عنه، بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان رضي الله عنه، يقول: من استبطأ رزقه؛ فليكثر من الإستغفار، وكان رضي الله عنه، يقول: من أعجب بشيء من أموالهم وأراد بقاءه، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وكان يلبس الجبة الغليظة القصيرة من
(1/28)

الصوف على جسده، والحلة من الخز على ظاهره، ويقول: نلبس الجبة لله، والخز لكم، فما كان لله أخفيناه. وما كان لكم أبديناه.
وكان رضي الله عنه يقول: أوحى الله إلى الدنيا أن اخدمي من خدمني وأتعبي من خدمك. وكان يقول: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يأتوا أبواب السلاطين. وكان يقول: اللهم ارزقني مواساة من قترت عليه رزقك، وكل ما أنا فيه من فضلك رضي الله تعالى عنه.
ومنهم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: وكانت الشياه والذئاب في زمانه ترعى سواء من عدله، وأتته الدنيا وهي راغمة فتركها وزهد فيها وكانت حجزة إزاره غائبة في عكنته، فلما ولي الخلافة، فلو شئت أن تعد أضلاعه عداً من غير مس لعددتها، وكانت غلته خمسين ألف دينار، فلما ولي الخلافة صار ينفقها كل حين، حتى ما يبقى له غير قميص واحد لا يخلعه، حتى يتسخ فإذا اتسخ غسله ومكث في البيت حتى يجف، وكانت زوجته فاطمة بنت عبد الملك كذلك؛ وضعت جميع مالها في بيت المال فصارت كآحاد الناس، قالت فاطمة رضي الله عنها، ومنذ ولي الخلافة ما اغتسل قط من جنابة إلى أن مات. فإنه لما ولي الخلافة خير جواريه، وقال: قد نزل بي أمر شغلني عنكن إلى يوم القيامة، وحتى يفرغ الناس من الحساب فمن أحبت منكن، إن أعتقها أعتقتها ومن أحبت أن أمسكها، على أن لا يكون مني إليها شيء أمسكتها، فبكين وارتفع بكاؤهن يأساً منه. وخير فاطمة رضي الله عنها بنت عبد الملك بين أن تقيم عنده، وبين أن تلحق بدار أبيها، فبكت وعلا نحيبها، حتى سمع ذلك الجيران.
قالت فاطمة: ولم أر أحداً من الرجال، أشد خوفاً من الله تعالى من عمر. كان إذا دخل عندي البيت ألقى نفسه في مسجده. فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم يسقط فيفعل مثل ذلك ليله أجمع، وكان يخطب الناس بقميص مرقوع الجيب، من بين يديه ومن خلفه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست، فنكس رأسه ساعة، ثم قال: أفضل القصد عند الجدة، وأفضل الحفو عند المقدرة.
وكانت بناته لم تزلن عراة، فدعا واحدة منهن فلم تجبه، فأرسل الخادم فأتى بها إليه فقال: ما منعك أن تجيبني. فقالت: إني عريانة فأمر لها بخيشة فألبسها إياها. وكان رضي الله عنه يبكي الدم، وكان يجتمع بالخضر عليه السلام وكان رضي الله عنه كل قليل، يرسل البريد بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ليس له حاجة إلا السلام. وكان رضي الله عنه له سرب ينزل فيه كل ليلة، فيضع الغل في عنقه فلا يزال يبكي ويتضرع إلى الصباح، وكان رضي الله عنه يقول: لا تدخل على أمير ولو نهيته عن المنكر وأمرته بالمعروف، وقد كان رضي الله عنه يقول: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس، وكان رضي الله عنه يقول: المتقي ملجم، وكان رضي الله عنه يقول: لو تعلمون مني ما أعلم من نفسي، ما نظرتم في وجهي، وكان رضي الله عنه يقول: إنما الزهد في الحلال وأما الحرام فنار تسعر؛ يرتع فيها الأموات، ولو كانوا أحياء لوجدوا ألم النار. وأخباره رضي الله عنه مشهورة في الحلية لأبي نعيم وغيرها. مات رضي الله عنه، في رجب سنة إحدى ومائة، وله من العمر. تسع وثلاثون سنة، ودفن بدير سمعان من أرض حمص. وكانت خلافته سنتين وأربعة عشر يوماً، ومات مسموماً، قالت فاطمة بنت عبد الملك رضي الله عنها: وكان جل مرضه، من كثرة الخوف من الله تعالى، فكان أقوى سبباً من السم، رضي الله تعالى عنه.
ومنهم مطرف بن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه: كان رضي الله عنه يقول: لو أتاني آت من ربي عز وجل فقال: أنت مخير بين الجنة والنار، أو تصير تراباً لاخترت أن أصير تراباً. ولما مات ابن له رضي الله عنه، سرح لحيته ولبس أحسن ثيابه. فقيل له: في ذلك قال: أتأمروني أن أستكين للمصيبة، والله لو أن الدنيا وما فيها كانت لي ثم وعدني الحق تعالى، على أخذها كلها بشربة ماء في الآخرة، لاخترت تلك الشربة، وكان رضي الله عنه يقول: لأبيت نائماً وأصبح نادماً، أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً، وكان رضي الله عنه يقول: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته. قال الله عز وجل هذا عبدي حقاً، وكان إذا خلا في بيته تسبح معه لبنة بيته، وظلمه رجل فقال: أماتك الله على عجل فمات في الحال فطلبوه إلى زيادة وهو على البصرة فقال: هل مسه قالوا: لا قال: فهل هي إلا دعوة رجل صالح، وافقت قدراً فأطلقوه، وكان رضي الله عنه يقول: اللهم إني أستغفرك من كل عمل، ادعيت أني مخلص فيه، وأني أردت به وجهك، وكان رضي الله عنه يقول: اللهم
(1/29)

ارض عنا، فإن لم ترض فاعف فإن المولى قد يعفو عن عبده، وهو غير راض عنه، وكان رضي الله عنه يقول: أجلوا الله أن تذكروه عند الحمار أو الكلب، فيقول: أحدكم لكلبه أخزاك الله أو فعل الله بك كذا، وكان رضي الله عنه يقول: المتقي عند ذكر خطايا الناس مشغول، وكان يقول: أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يجزع من الضرب فهو لئيم.
وكان يقول: لا تحمل قط كتاباً إلى أمير وأنت لا تعلم ما فيه، وكان رضي الله عنه يقول: ذهب العلم وبقيت عبارات في أوعية سوء، وكان يقول لا يحتكم ورع إلا على أهله. وسئل رضي الله عنه عن الرجل يتبع الجنازة حياء من أهلها فقط، هل له في ذلك أجر؟ فقال ذهب ابن سيرين إلى أن له أجرين أجر صلاته على أخيه وأجر مشيه للحي، وكان رضي الله عنه يقول: من ترك النساء والطعام فلا بد له من ظهور كرامة! وكانوا يرون السائح من ترك الطعام والشراب والنساء ولو كان مقيماً في بلده، وكان يقول: إذا أمرت غلامي بحاجة فقدم حاجة صديقي عليها ازددت في ذلك الغلام حباً، وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن يكون غيري أسعد مني بما علمته له، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت أني نزلت إلى الأموات فرأيتهم جالسين فسلمت عليهم، فلم يرد علي منهم أحد السلام فقلت لهم: في ذلك فقالوا: إن رد السلام حسنة وإنا لا نستطيع أن نزيد في الحسنات، وسمع رجلاً يقول: اللهم لا ترد هؤلاء القوم من أجلي فقال: هذا هو العارف بنفسه، وكان يقول: لا يقل أحدكم إن الله تعالى يقول، ولكن ليقل إن الله تعالى قال، وكان رضي الله عنه، يقول: من كذب صاحب وكان يقول: عليك بالشرف فإنك لا تزال كريماً على إخوانك ما لم تحتج إليهم، وكان رضي الله عنه يقول: يود أقوام من الناس يوم القيامة، أن أقلامهم كانت من نار حتى لا يكتبوا بها ما كتبوا. وكان رضي الله عنه يقول: ما بقي في زماننا قراءة إنما هم مترفون في الدنيا، وكان يقول: ليس بصاحبي من يغتاب عندي الناس، وكان يقول لولا الغفلة في قلوب الصديقين لماتوا من عظيم ما تجلى لقلوبهم، وكان يلبس المطارف والبرانس ويركب الخيول، ومع ذلك كان يقول: في دعائه اللهم لا ترد السائلين معي من أجلي. توفي رضي الله عنه بعد الطاعون الجارف، لما تولى الحجاج العراق سنة سبع ومائتين رضي الله تعالى عنه.
ومنهم العلاء بن الشخير أخوه رضي الله تعالى عنه ورحمه، كان يقول: العافية، مع الشكر أحب من البلاء مع الصبر، قال سفيان الثوري رضي الله عنه، وذلك لأن الله مدح سليمان، مع العافية بقوله: " نعم العبد إنه أواب " وقال في صفة أيوب مع البلاء الذي كان فيه، " نعم العبد إنه أواب " فاستوت الصفتان؛ وهذا معافى وهذا مبتلى، فوجدنا الشكر قد قام مقام الصبر فبما اعتدلا كانت العافية مع الشكر أحب من البلاء مع الصبر رضي الله عنه.
ومنهم صفوان بن محرز المازني رضي الله تعالى عنه: كان يقول: ما يغني عني ما أعلم من الخير، إذا لم أعمل به فيا ليتني لم أحسن شيئاً، وكان رضي الله عنه، يقول: إذا وجدت رغيفاً وكوز ماء بعد يوم فعلى الدنيا العفاء، وكان له رضي الله عنه سرب يبكي فيه، وكان له بيت فانكسر من سقفه جذع فقيل له ألا تصلحه فقال أنا أموت غداً ولو أن صاحب المنزل يدعني أن أقيم فيه لأصلحته، وكان رضي الله عنه لا يخرج من بيته قط إلا للصلاة، ثم يرجع بسرعة رضي الله عنه.
ومنهم أبو العالية رضي الله تعالى عنه: كان رضي الله عنه يقول: يوثق كل من كان الناس، يخافون شره بالحديد يوم القيامة، ثم يؤمر به إلى النار مع الجبارين والشياطين، وكان رضي الله عنه يكره للرجل أن يلبس زي الرهبان من الصوف، ويقول زينة المسلمين التجمل بلباسهم، وكان يحب الوحدة، وإذا جلس إليه أكثر من أربعة قام، وتركهم يخاف من اللغو، وكان يقول: ما مسست ذكري بيميني منذ خمسين سنة، وكان يقول: من لم يخشع في صلاته، فمتى يخشع وكان يقول: من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن، ثم ينام عنه ولا يتهجد به. توفي سنة تسعين رضي الله تعالى عنه.

ومنهم بكر بن عبد الله المزني
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله تعالى عنه يقول: أوثق أعمالي عندي حبي للرجل الصالح، ووقف بعرفات فقال: والله لولا أني فيهم لرجرت أن يغفر الله لهم أجمعين، وكان يقول: لا يكون الرجل متقياً حتى يكون بطيء الطمع بطيء الغضب، وكان رضي الله عنه يقول: كلما ازددت من اللباس،
(1/30)

وأمتعة الدار ازددت من الله تعالى، مقتاً وكلما ازددت مالاً عن إمساك ازددت من الله طرداً، وكان يقول إذا وجدت من إخوانك جفاء فذلك لذنب أحدثته فتب إلى الله تعالى. وإذا وجدت منهم زيادة محبة، فذلك لطاعة أحدثتها فاشكر الله تعالى، وكان يقول إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس، خبيراً بها فاعلموا أنه قد مكر به. مات سنة ثمان ومائة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم صلة بن أشيم العدوي
رضي الله تعالى عنه
كان يقول إذا مر بقوم يلعبون أخبروني عن قوم أرادوا سفراً فقطعوا النهار في اللعب شغلاً عن الطريق وناموا ليلاً متى يصلون مقصدهم. ومات أخ له في بلاد بعيدة، فسبق شخص فأخبره، فقال رضي الله عنه قد أخبرني الله تعالى بذلك، قال تعالى: " إنك ميت وإنهم ميتون " " الزمر: 30 " وكان رضي الله عنه يصلي حتى يزحف إلى فراشه رضي الله تعالى عنه.

ومنهم العلاء بن زياد
رضي الله تعالى عنه
كان قد ترك مجالسة الناس كلهم إلا في صلاة الجماعة وفعل الخير، وكان رضي الله تعالى عنه يقول: واحزناه على الخير وكان قد بكى حتى غشي بصره وربما بكى سبعة أيام متوالية لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً، توفي رضي الله تعالى عنه أيام ولاية الحجاج.
وكان رضي الله عنه يقول: لو علم الناس ما أمامهم لما اطمأنوا ساعة في هذه الدار ولا زرعوا ولا بنوا ولا كلوا ولا شربوا ولا ناموا رضي الله تعالى عنه وجاءه رجل فقال: إني رأيتك الليلة في الجنة فقال رضي الله عنه ويحك أما وجد الشيطان أحداً يسخر به غيري وغيرك، وكان رضي الله عنه يقول: إنكم في زمان أقلكم الذي ذهب عشر دينه وسيأتي عليكم زمان أقلكم الذي يسلم له عشر دينه رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو حازم
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: كل مودة يزيد فيها اللقاء لمدخوله، وكان يقول أدركت العلماء والأمراء والسلاطين يأتونهم فيقفون على أبوابهم كالعبيد حتى إذا كان اليوم رأينا الفقهاء والعلماء والعباد هم الذين يأتون الأمراء والأغنياء فلما رأوا ذلك منهم ازدروهم واحتقروهم وقالوا: لولا أن الذي بأيدينا خير مما بأيديهم ما فعلوا ذلك معنا، وكان يقول إذا كنت في زمان يرضى فيه بالقول عن الحمل فأنت في شر ناس وشر زمان.

ومنهم محمد بن سيرين
رضي الله تعالى عنه
كانوا إذا ذكروا أحداً عنده بسوء يذكره هو بالخير، وكان ذا خشوع وسمت، وكان لا يدع أحداً يمشي بصحبته إذا خرج إلى مكان ويقول: إن لم يكن لك حاجة فارجع، وكان إذا كلم أمه لا يكلمها بلسانه كله إجلالا لها، ولما حبس في دين قال له السجان إذا جاء الليل فاذهب إلى دارك وأت بكرة النهار، فقال: لا أعينك على خيانة أمانتك، وكان يقول سبب حبسي أنني غيرت رجلا بدين كان عليه فعوقبت بذلك، وكان رضي الله عنه يقول من الظلم البين لأخيك أن تذكر شر ما فيه وتكتم خير ما فيه عند غضبك، وكان يقول لو أن للذنوب ريحاً لما قدر أحد أن يدنو مني لكثرة ذنوبي، وكان إذا سئل عن الرؤيا يقول للسائل اتق الله في اليقظة فلا يضرك ما رأيت في النوم وقال له رجل: اجعلني في حل فإني قد اغتبتك، فقال: إني أكره أن أحل ما حرم الله عز وجل من أعراض المسلمين ولكن يغفر الله لك، وكان يقول إذا مدحوه في فتياه وقالوا ما كانت الصحابة تحسن أكثر من هذا والله لو أردنا فقههم لما أدركته عقولنا.

ومنهم ثابت بن أسد البناني
رضي الله عنه
كان إذا ذكر النار خرجت أعضاؤه من مفاصلها، وكان يقول: إن أهل الذكر يجلسون للذكر، وعليهم من الذنوب أمثال الجبال، فيقومون وليس عليهم ذنب واحد، وكان رضي الله عنه يقوم الليل خمسين سنة، فإذا كان السحر يقول: في دعائه اللهم إن كنت أعطيت أحداً من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها، فلما مات وسووا عليه اللبن وقعت عليه لبنة فإذا هو قائم يصلي في قبره، وكان يقول الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم الله تعالى شيئاً أفضل من الصلاة لما قال: " فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب " " آل عمران: 39 "، وكان رضي الله عنه يقول: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة، ولما مات كان الناس يسمعون من قبره تلاوة القرآن رضي الله تعالى عنه.

ومنهم يونس بن عبيد
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: ليس في هذه الأمة رياء خالص ولا كبر خالص فقيل له لماذا؟ فقال: لا كبر مع السجود ولا رياء مع التوحيد، والله
(1/31)

تعالى أعلم.

ومنهم فرقد السبخي
رضي الله تعالى عنه
كوفي تولى البصرة كان رضي الله عنه يقول: رأيت في المنام مناد ينادي يا أشباه اليهود كونوا على حياء من الله عز وجل، فإنكم لم تشكروا إذ أعطاكم ولم تصبروا حين ابتلاكم، وكان يقول: مر عابد من بني إسرائيل على كثيب رمل وقد أصابت بني إسرائيل مجاعة فتمنى أن يكون ذلك الرمل دقيقاً يشبع به بني إسرائيل، فأوحى الله تعالى لنبي لهم قل للعابد قد أوجبت لك من الأجر ما لو كان دقيقاً لتصدقت به رضي الله عنه.

ومنهم محمد بن واسع
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان رضي الله عنه يلبس الصوف فدخل يوماً على قتيبة بن مسلم فقال له قتيبة: ما دعاك إلى لبس الصوف؟ فسكت فقال له: كلمك فلا تجيبني. فقال أكره أن أقول زاهد فأزكي نفسي، أو فقير فأشكو ربي عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: من زهد في الدنيا فهو مالك الدنيا والآخرة، وكان يقول: من أقبل بقلبه على الله تعالى أقبل بقلوب العباد إليه، وكان يقول: أدركنا الناس وهم ينامون مع نسائهم على وسادة واحدة، ويبكون حتى تبتل الوسادة من دموعهم عشرين سنة، لا تشعر إمرأتهم بذلك رضي الله عنهم.

ومنهم سليمان التيمي
رضي الله عنه
صلى رضي الله عنه الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة، وكان يمشي حافياً وله هيبة على السوقة وغيرهم، وكان يدخل على الأمراء فيأمرهم، وينهاهم رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو يحيى مالك بن دينار
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: لولا أخشى أن تكون بدعة لأمرت أني إذا مت أن أغل فأدفع إلى ربي مغلولا كما يدفع العبد الآبق إلى مولاه، وكان رضي الله عنه يقول من علامة حب الدنيا أن يكون دائم البطنة قليل الفطنة، همته بطنه وفرجه يقول متى أصبح فألهو وألعب وآكل وأشرب متى أمسى فأنام جيفة بالليل بطال بالنهار، وسئل رضي الله عنه عن لبس الصوف فقال رضي الله عنه: أما أنا فلا أصلح له لأنه يطلب صفاء، وكان يقول: لم يبق من روح الدنيا إلا ثلاثة لقاء الإخوان والتهجد بالقرآن وبيت خال يذكر الله فيه، وكان إذا سأله سائل والسحابة مارة يقول اصبر حتى تمر هذه السحابة، فإني أخشى أن يكون فيها حجارة ترمينا بها، وكان رضي الله عنه يقول ما بقي لأحد رفيق يساعده على عمل الآخرة إنما هم يفسدن على المرء قلبه، وكان يقول إني أكره أن يأتيني أحد من إخواني إلى منزلي خوفاً أن لا أقوم بواجب حقه، وكان يقول في قوله تعالى: " وكان في المدنية تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " فكم اليوم في كل مدينة ممن يفسد ولا يصلح، يعني أن ما عدا التسعة كانوا كلهم يصلحون ولا يفسدون، وكان رضي الله عنه يقول: الناس يستبطئون المطر وأنا أستبطئ الحجر.
وربى معه كلباً فقيل له في ذلك فقال: هو خير من قرين السوء وكان رضي الله عنه يقول: أدركنا الصحابة وهم لا يعيب بعضهم على بعض في الملابس من أعلى وأدنى فكان صاحب الخز لا يعيب على صاحب الصوف، ولا صاحب الصوف يعيب على صاحب الخز، وكان يقول من الإخوان من يكون محباً لك وهو بعيد ويمنعه من لقائك الشغل الذي هو فيه، وكان يقول: قد اصطلحنا كلنا على حب الدنيا فلا صالح ولا عالم يعيب على آخر فيها، وكان إدامه في جميع سنته أن يشتري له بفلسين ملحاً، وكان لا يأكل اللحم إلا في أضحية لما ورد في الأكل منها، وكان يقول لأهله: من وافقني على التقلل فهو معي وإلا فالفراق، وكان يتقوت من عمل الخوص، وفي بعض الأوقات يكتب المصاحف، وكان بيته خالياً ليس فيه غير مصحف وإبريق وحصير ويقول: هلك أصحاب الأثقال، وكان يقول في دعائه: اللهم لا تدخل بيت مالك بن دينار من الدنيا شيئاً وكان رضي الله عنه يقول: لولا أن يقول الناس جن مالك للبست المسوح، ووضعت الرماد على رأسي بين الناس، وكان رضي الله عنه يقول: إذا تعلم العبد العلم ليعمل له كثر علمه وإذا تعلمه لغير العمل زاده فجوراً وتكبراً واحتقاراً للعامة، وقال له بعض الولاة: ادع لنا فقال كيف أدعو لكم وألف واحد يدعون عليكم، وكان رضي الله عنه يقول: منذ عرفت أن ذم الناس إفراط، ومدحهم إفراط كرهت مذمتهم.
مات رضي الله عنه سنة إحدى وثلاثين ومائة، والله أعلم.

ومنهم محمد بن المنكدر
رضي الله تعالى عنه
كان يقول: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت على آثار السلف، وكان يحج بالأطفال ويقول: تعرضهم
(1/32)

على الله تعالى لعله ينظر إليهم، وكان يقول: إن الفقيه يدخل بين الله وبين عباده فلينظر كيف يدخل، وكان رضي الله عنه يقول: إني أستحيي من الله عز وجل أن أعتقد أن رحمته، تعجز عن أحد من المسلمين ولو فعل ما فعل. توفي بالمدينة سنة ثلاثين ومائة.

ومنهم صفوان بن سليم
رضي الله تعالى عنه
كان يصلي بالليل حتى تورمت قدماه، وكان يتهجد بالشتاء فوق السطح، لئلا ينام ودخل سليمان بن عبد الملك المسجد، فرأى صفوان فأعجبه سمته فأرسل إليه ألف دينار فقال للغلام أنت غلطت ما هو أنا أذهب فاستثبت، فذهب الغلام فهرب صفوان فلم يرجع حتى خرج سليمان من المدينة. توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، والله أعلم.

ومنهم موسى الكاظم
رضي الله تعالى عنه
أحد الأئمة الاثني عشر وهو ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. كان رضي الله عنه يقول: إذا صحبت رجلا وكان موافقاً لك، ثم غاب عنك فلقيته فاضطرب تجلبك عليه، فارجع إلى نفسك فانظر فإن كنت اعوججت فتب، وإن كنت مستقيماً فاعلم أنه ترك الطريق وقف عند ذلك ولا تقطع منه حتى يستبين لك إن شاء الله تعالى وكان يكنى بالعبد الصالح لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه بالليل، وكان إذا بلغه عن أحد أنه يؤذيه يبعث إليه بمال.
ولد موسى بن جعفر رضي الله عنه سنة ثمان وعشرين ومائة، وأقدمه المهدي إلى العراق، ثم رده إلى المدينة، فأقام بها إلى أيام الرشيد، فلما قدم الرشيد المدينة حمله معه وحبسه ببغداد إلى أن توفي بها مسموماً رضي الله عنه، سنة ثلاث وستين ومائة وقبره بها مشهور رضي الله تعالى عنه.

ومنهم محمد بن كعب القرظي
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله بعبده خيراً جعل فيه ثلاث خصال، فقهاً في الدين وزهادة في الدنيا وتبصرة بعيوبه، وكان رضي الله عنه يقول: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: " آتيك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً " وسأله رجل فقال: أرأيت إن أعطيت الله عز وجل عهداً أو ميثاقاً أن لا أعصيه أبداً فقال له محمد: فمن حينئذ أعظم منك جرماً، وأنت تأتلي على الله أن لا ينفذ فيك أمره.
توفي رضي الله عنه سنة سبع عشرة ومائة، وكان يعظ الناس، فسقط عليهم المسجد فمات وماتوا كلهم رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول لا تنزل الحكمة في قلب فيه عزم على المعصية، وكان رضي الله عنه يقول: إياك وكثرة الأصحاب فإنك لا تقوم بواجب حقهم، والله إني لأعجز عن القيام بواجب حق صاحب واحد، وكان يقول: كان بين قول فرعون إما علمت لكم من إله غيري وبين قول: أنا ربكم الأعلى أربعون سنة وكان يقول إذا صحت الضمائر، غفرت الكبائر، وكان رضي الله عنه أعرج.
فكان يعاقب نفسه فيقول ينادي يوم القيامة يا أهل خطيئة كذا وكذا قوموا فتقوم معهم ثم يقول يا أهل خطيئة كذا وكذا قوموا فتقوم معهم فأراك يا أعيرج تقوم مع أهل كل خطيئة. توفي رضي الله عنه سنة أربعين ومائة رضي الله عنه.

ومنهم عبيدة بن عمير
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: من صدق الإيمان إسباغ الوضوء في المكاره بالليل، وأن تخلو بالمرأة الحسناء لا تلتفت إليها، وكان رضي الله عنه يقول: ما بقي في الدنيا شيء للمؤمن، يتلذذ به إلا سرب يدخل فيه إلى أن يموت، وكان يقول: طوبى لمن يرى الشهوات بعينه، ولم يشته الخطايا يقلبه، وكان يقول: علامة الإخلاص أن لا تطمع في الناس ولا تحب محمدتهم، وكان رضي الله عنه يقول: حق الضيف عليك ثلاث أن لا تتكلف له ولا تطعمه إلا من حلال وتحفظ عليه أوقات الصلاة، وكان يقول: علامة المتقلل من الدنيا أن يصل إلى حد لم يأخذه لائم، وكان يقول: لا يكون الرجل متعلماً حتى يترك الهوى، ولا يكون عالماً حتى يعلم الناس، ما يرجو لهم فيه النجاة، وكان رضي الله عنه يقول: والله ما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيما مضى رضي الله تعالى عنه.

ومنهم مجاهد بن حنين
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: إني لأرى الرجل يصنع شيئاً مما يكره فأستحي أن أنهاه عن ذلك أي مع نهي له، وكان رضي الله عنه يقول كل موجبة كبيرة، وكان يقول: لا يكون الرجل من الذاكرين الله كثيراً، حتى يذكر الله قائماً
(1/33)

وقاعداً ومضطجعاً، وكان يقول: إن النملة التي كلمت سليمان كانت مثل الذئب العظيم، وكان يقول ليس أحد إلا ويؤخذ من قوله، ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: يؤمر بالعبد إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا ظني بك وأنت أعلم. فيقول الله عز وجل وهو أعلم " ما كان ظنك بي " فيقول: أن تغفر لي فيقول تعالى: " خلوا سبيله " وكان يقول: ليكن آخر كلام أحدكم عند منامه لا إله إلا الله فإنها وفاة لا يدري لعلها تكون منية. توفي رضي الله عنه، وهو ساجد سنة اثنتين ومائة وله ثلاث وثمانون سنة رضي الله عنه.

ومنهم عطاء بن أبي رباح
رضي الله تعالى عنه آمين
كان رضي الله عنه إذا حدثه أحد بحديث وهو يعلمه يصغي إليه كأنه ما سمعه قط لئلا يخجل الرجل، وكان يقرأ في قيامه في صلاة الليل المائتي آية أو أكثر وكان إذا استأذن عليه أحد لا يفتح له، حتى يقول له: بأي نية جئت إلي فإذا قال لزيارتك يقول ما مثلي من يزار ثم يقول: قد خبث زمان يزار فيه مثلي، وكان يقول: من جلس مجلس ذكر كفر الله تعالى عنه بذلك المجلس عشرة مجالس من مجالس الباطل، وكان رضي الله عنه مولى لأبي ميسرة الفهري، نشأ بمكة.
وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: خزائن العلم لا يقسمها الله تعالى إلا لمن أحب ولو كان يخص بالعلم أحداً لكان أهل النسب أولى، وكان عطاء عبداً حبشياً، وكان يزيد بن أبي حبيب نوبياً، وكان الحسن البصري مولى، وكان ابن سيرين رضي الله عنه مولى للأنصار انتهى.
قلت: ومن الموالي أيضاً مكحول وطاوس والنخعي وميمون بن مهران والضحاك بن مزاحم قاله الزهري. وكان عطاء يعلم الأكابر العلم وجاءه سليمان بن عبد الملك فجلس بين يديه فعلمه مناسك الحج، ثم التفت إلى أولاده وقال: تعلموا العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود. وحج عطاء رضي الله عنه سبعين حجة، وعاش مائة سنة. وتوفي بمكة سنة خمس عشرة ومائة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم عكرمة مولى ابن عباس
رضي الله تعالى عنهم آمين
وكان يقول: في قوله تعالى: " للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب " " النساء: 17 " الدنيا كلها قريب وكلها جهالة، وكان رضي الله عنه يقول: من قرأ سورة يس في يوم لم يزل في سرور ذلك اليوم حتى يمسي، وكان رضي الله عنه يقول: سعة الشمس سعة الأرض وزيادة ثلاث مرات وسعة القمر سعة الأرض مرة.
وكان قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء ثلثاً ينام، وثلثاً يحدث، وثلثاً يصلي، والله أعلم.

ومنهم طاوس بن كيسان اليماني
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: قم للقرد في دولته، وكان يقول: يا ليتك تعلم العلم لنفسك فإن الناس قد ذهبت منهم الأمانة والعمل بالعلم، وكان يقول أفضل العبادة أخفاها، وكان رضي الله عنه يقول: لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا.
مات سنة خمس ومائة، وحج رضي الله عنه أربعين حجة، وكان إذا رأى النار يكاد يطيش عقله، ورأى مرة رأساً يخرج رأساً من التنور فغشي عليه، وكان لا يسقي دابته من بئر حفرها سلطان، وصلى الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة، وكان قوالا بالحق للولاة وغيرهم لا تأخذه في الله لومة لائم رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله وهب بن منبه
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول في التوراة علامة الرجل الصالح أن يخاصمه قومه الأقرب فالأقرب، وكان رضي الله عنه يقول: كان الناس ورقاً بلا شوك وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه، إن تركهم العبد وهرب تبعوه، وكان يكره النطق بالشعر ويقول: إني أكره أن يوجد في صحيفتي يوم القيامة شعر، وكان يكره القياس في الدين ويقول أخاف على العالم أن تزل قدمه بعد ثبوتها، وكان يقول: إذا قرأ الشريف تواضع وإذا قرأ الوضيع تكبر.
وكان يقول: من لم يسمح لعدوه بالمال لم يجد إلى غير قتاله سبيلا، وكان يقول: ما افتقر أحد إلا رق دينه وضعف عمله وذهبت مروءته واستخف به الناس، وكان رضي الله عنه يقول: اليد للمؤمن كالشكال للدابة، وكان يقول: إن للعلم طغياناً كطغيان المال، وكان يقول: اتخذوا عند الفقراء يداً، فإن لهم دولة يوم القيامة، وكان رضي الله عنه يقول: خلق ابن آدم أحمق ولولا حمقه ما هنأه العيش، وأتاه رجل فقال إني مررت على فلان، وهو يشتمك فغضب وذهب وقال ما وجد الشيطان غيرك رسولا، ثم إن ذلك الشاتم جاءه فأجلسه إلى جنبه، وكان رضى الله عنه يقول: قرأت نيفاً وتسعين كتاباً من كتب الله عز وجل فوجدت فيها
(1/34)

كلها أن كل من وكل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، وكان يقول: إن الله عز وجل يقول: في بعض الكتب المنزلة: " يا بن آدم كم لي عليك نعم ما قمت لي بما يجب عليك أذكرك وتنساني وأدعوك فتفر مني خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد " وكان يقول: قد أصبح علماؤنا يبذلون علمهم لأهل الدنيا لينالوها منهم فهانوا في أعينهم وزهدوا في علمهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان يقول: من كانت بطنه وادياً من الأودية كيف يصلح له الزهد في الدنيا، وكان يقول: قال موسى عليه السلام لربه: يا رب احبس عني كلام الناس فقال الله عز وجل: " لو فعلت هذا بأحد لجعلت ذلك لي " وكان رضي الله عنه يقول: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أن أسرع الناس مروراً على الصراط الذين يرضون بحكمي وألسنتهم رطبة من ذكري، وكان يقول: إن أعظم الذنوب بعد الشرك بالله السخرياء بالناس، وكان يقول إذا صام الإنسان زاغ بصره فإذا أفطر على حلاوة عاد بصره، وكان يقول: من تعبد ازداد قوة ومن كسل ازداد فترة، وكان رضى الله عنه يقول: قال عيسى للحواريين " بحق أقول لكم إن أكل خبز الشعير وشرب الماء القراح والنوم على مزابل الكلاب لكثير على من يموت "، وكان يقول الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء، وصلى رضي الله عنه الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة.
توفي بصنعاء سنة أربع عشرة ومائة رضي الله عنه.

ومنهم ميمون بن مهران
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان يقول كراهة الرجل لأن يعصي الله عز وجل خير له من كثرة الطاعات مع الميل إلى المعاصي، وزار الحسن البصري فدق الباب فخرجت إليه جارية سداسية فقالت من تكون قال ميمون بن مهران فقالت كاتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال: نعم فقالت له: فما بقاؤك يا شقي إلى هذا الزمان الخبيث، فبكى، وصار يفحص كالطير المذبوح فسمع الحسن بكاءه وصار يقول له لا بأس عليك يا أخي رضي الله عنهما، وقيل له إن هاهنا أقواماً يقولون نجلس في بيوتنا فترد عليناء أبوابنا حتى تأتينا أرزاقنا فقال رضي الله عنه: هؤلاء قوم حمق إن كان لهم يقين مثل يقين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فليفعلوا، وكان رضي الله عنه يقول: أولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وكان يقول: يا أصحاب القرآن لا تتخذوا القرآن بضاعة تلتمسون الربح في الدنيا، اطلبوا الدنيا بالدنيا والآخرة بالآخرة، وكان يقول لأصحابه قولوا لي ما أكره في وجهي لأن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره، وكان رضي الله عنه يقول: كان السلف رضي الله عنهم إذا رأوا رجلا ركباً وشخصاً يجري خلفه، قالوا قاتلك الله من جبار، وكان يقول إذا ثبتت المودة بين الأخوين فلا بأس ببعد الزمان في زيارتهما، وصبت جاريته على رأسه مرقاً فأحرقت رأسه فانذعرت فقال رضي الله عنه لا بأس عليك أنت حرة لوجه الله عز وجل. رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول لأصحابه: إني لأستحي أن أطوف حول الكعبة بقدمي، وقد مشتا إلى ما لا يحل، فكيف أمشي بهما في جوف الكعبة، أو الحجر، وسمع رجلا يقول فلان متق فقال ويحك وهل رأيت متقياً قط إن علامة المتقي أن تذهب روحه إذا سمع بذكر النار.
وكان رضي الله عنه إذا صلى بالليل يسمع الجيران تسبيحه في صلاته، وكان إذا سمع ذكر الله تعالى انتفض انتفاض الطير المذبوح، وكان يقول: إني أستحي من الله تعالى أن أخاف شيئاً دونه، وكان رضي الله عنه يقول: إن أهل بيت يضعون اليوم على مائدتهم رغيفاً من حلال لغرباء في هذا الزمان رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول: ما دام قلب الرجل يذكر الله تعالى، فهو في الصلاة، وإن كان في السوق وإن تحركت به شفتاه فهو أعظم، وكان يقول: كم بينكم وبين القوم أقبلت عليهم الدنيا، فهربوا منها، وأدبرت عنكم، فاتبعموها، وكان يقول لا يكن أحدكم ولياً لله تعالى في العلانية وعدواً له في السر رضي الله تعالى عنه.

ومنهم إبراهيم التيمي
رضي الله تعالى عنه
توفي في حبس الحجاج سنة اثنتين وتسعين، وكان سبب حبسه أن الحجاج طلب إبراهيم النخعي، فجاء الذي طلبه، فقال: أريد إبراهيم، فقال: أنا إبراهيم، فأخذه، وهو لا يعلم أنه إبراهيم التيمي، فأمر الحجاج بحبسه في الديماس، ولم يكن له ظل من الشمس، ولا كن من البرد وكان كل اثنين في سلسلة، فتغير إبراهيم حتى مات، فرأى
(1/35)

الحجاج في منامه قائلا يقول: مات الليلة في حبسك رجال من أهل الجنة، فقال: انظروا من مات فوجدوه إبراهيم، فقال: حلم من نزعات الشيطان فمر به، فألقى على المزبلة.
وكان يقول: كفى من العلم الخشية، وكفى من الجهل أن يعجب الرجل بعمله، وكان يقول: حملتنا المطامع على أسوأ الصنائع.
وقيل له: لو تكلمت على الناس عسى أن تؤجر، فقال رضي الله عنه: أما يرضى المتكلم أن ينجو كفافاً. وقال الأعمش رضي الله عنه: قلت لإبراهيم التيمي رضي الله عنه: بلغني أنك تمكث شهراً لا تأكل شيئاً، فقال: نعم وشهرين، وما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب ناولنيها أهلي فأكلتها، ثم لفظتها في الحال، وكان يقول: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى، فاغسل يديك منه، رضي الله عنه.

ومنهم إبراهيم بن يزيد النخعي
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه يقول: أدركنا الناس وهم يكرهون إذا اجتمعوا أن يحدث الرجل بأحسن ما عنده، وكان يقول لا بأس أن يقول المريض إذا سئل كيف تجدك: بخير، ثم يشكو ما به، وكان يقول ما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من الصبر على الأذى، وكان رضي الله عنه يخفي أعماله ويتوقى الشهرة حتى إنه كان لا يجلس قط إلى أسطوانة، وكان يقول: أدركنا الناس وهم يهابون أن يفسروا القرآن والآن قد صار كل من أراد أن يفسره جلس إليه، وكان رضي الله عنه يقول: وددت أني لم كن تكلمت بعلم وإن زماناً صرت فيه فقيهاً لزمان سوء، وكان رضي الله عنه يقول: لا بأس أن تسلم على النصراني إذا كانت لك إليه حاجة أو بينكما معروف.
قلت: والمراد بالسلام والله أعلم أن يقول للنصراني كيف حالك مثلا لا قوله السلام عليك لأنه لا يسلم إلا على من اتبع الهدى، ويحتمل أن يكون ذلك من باب إذا تعارض مفسدتان ارتكبنا الأخف منهما أو مصلحتان فعلنا أدونهما عند تعفر أعلاهما والله أعلم، وكان يقول: إن الرجل يتكلم بالكلمة من العلم ليصرف بها وجوه الناس إليه، يهوي بها في جهنم فكيف بمن كان ذلك نيته منا أول جلوسه إلى أن فرغ، وكان إذا استأجر دابة ليركبها إلى موضع فوقع سوطه يميناً أو شمالا ينزل عنها ويأخذها ولا يعرج بها ويقول إنما استأجرتها لأذهب بها هكذا لا هكذا، وكان رضي الله عنه يقول كفى بالمرء إثماً أن يشار عليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من حفظه الله تعالى، وكان يلبس الثوب المصبوغ بالزعفران أو العصفر، حتى لا يدري من رآه أهو من القراء أو الفتيان. توفي سنة خمس وتسعين رضي الله تعالى عنه.

ومنهم عون بن عبد الله بن عتبة
رضي الله تعالى عنه
كان يقول إن لكل رجل سيداً من عمله وإن سيد عملي ذكر الله تعالى، وكان يقول كفى بك كبراً أن ترى لك فضلا على من دونك، وكان يقول الكبر أول ذنب عصى الله تعالى به وخرج أصحابه يوماً إلى البرية، فرأوه نائماً في الحر والغمامة تظله فلما انتبه أخذ عليهم أن لا يخبروا بذلك أحداً حتى يموت، وكان يقول طريق الخلاص لمن يرى من الناس منكراً فلا يقدر على تغييره أن يعتزل عنهم، وهو أهون من الفرار من أرضهم، وكان رضي الله عنه يقول مجالس الذكر صقال للقلوب وشفاء لها.
وكان يلبس أحياناً الخز وأحياناً الصوف فقيل له في ذلك فقال: أليس الخز لئلا يستحي ذو الهيئة أن يجلس إلي وألبس الصوف لئلا تهابني المساكين أن يجلسوا إلي، وكان يقول من كان يتهم نفسه بالنفاق فليس عنده نفاق، وكان إذا خالفه عبده أو غلامه يقول ما أشبهك بمولاك مع مولاه، وكان رضي الله عنه يقول: من تمام التقوى أن لا يشبع العبد من زيادة العلم، وإنما ترك قوم طلب الزيادة من العلم لقلة انتفاعهم بما قد علموا، وكان يقول: لو رأيت الأجل ومسيره لأبغضت الأمل وغروره، وكان يقول: من ضبط بطنه فقد ضبط: الأعمال الصالحة كلها، رضي الله تعالى عنه.

ومنهم سعيد بن جبير
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يبكي حتى عمشت عيناه وكان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في رمضان وكان يختم القرآن في كل ركعة في جوف الكعبة وكان يقول: كل موجبة كبيرة وكان يقول: إني لأرى الرجل على المعصية فأستحي أن أنهاه لحقارة نفسي.
وكان له ديك يقوم على صياحه فلم يصح ليلة فنام سعيد عن ورده فدعا على الديك فمات لوقته فعزم ألا يدعو على شيء بعدها، وكان يقول: علامة الإجابة حلاوة الدعاء، ولما أخذه الحجاج قال: ما أراني إلا مقتولا ودخلت عليه ابنته فرأت القيد في رجليه فبكت فلما دعي ليقتل صاحت وقالت: ويلاه
(1/36)

يا أبي فقال يا بنيتي ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة وكان يقول: من أطاع الله تعالى فهو ذاكر ومن عصاه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن.
وقيل له: من أعبد الناس فقال: رجل اجترح من الذنوب ثم تاب فكلما ذكر ذنوبه احتقر عمله، وكان إذا طلع الفجر لا يتكلم إلا بذكر الله تعالى حتى يصلي الصبح، ولما قطع الحجاج رأسه قال: لا إله إلا الله مرتين ثم قال: الثالثة فلم يتمها، ولما وعدوه بالقتل غداً قال للحراس: دعوني أتأهب للموت وآتيكم غداً فتنازعوا في ذلك خوف الهرب ثم إنه غلب عليهم صدقة، فأطلقوه، ثم جاءهم من الغد فقدموه للقتل وبسط النطع وجاء السياف فذبحه على النطع، وكان قد قال: الفهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي فعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة ووقعت الأكلة في بطنه، وكان ينادي بقية حياته مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي. قتل سنة خمس وتسعين رضي الله تعالى عنه ورحمه.

ومنهم عامر بن شراحيل الشعبي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
مر رضي الله عنه برجل يغتابه فأنشد:
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
وكان يقول: إياكم والقياس في الدين فإن من قاس فقد زاد في الدين، وكان يقول: لأن أقيم في حمام أحب إلي من أن أقيم بمكة قال سفيان رضي الله عنه: إعظاماً لها وخوفاً من وقوع ذنب فيها، وكان يقول: اتقوا الفاجر من العلماء، والجاهل من المتعبدين، فإنهما فتنة لكل مفتون، وكان رضي الله عنه يقول: لم يحضر وقعة الجمل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة علي وعمار وطلحة والزبير فإن جاءوا بخامس فأنا كاذب وقيل له مرة يا فقيه فقال: لست بفقيه، ولا عالم إنما نحن قوم سمعنا حديثاً فنحن نحدثكم بما سمعنا، وإنما الفقيه من تورع عن محارم الله عز وجل، والعالم من خشي الله تعالى بالغيب، وكان رضي الله تعالى عنه يقول: تعايش الناس بالدين زمناً طويلا حتى ذهب الدين، ثم تعايشوا بالمروءة زمناً طويلا حتى ذهبت المروءة، ثم تعايشوا بالحياء زمناً طويلا حتى ذهب الحياء، ثم تعايشوا بالرغبة والرهبة، وسيأتي بعد ذلك ما هو أشد منه.
وكان يقول: ليتني لم أتعلم علماً وددت أن أخرج من الدنيا كفافاً لا علي ولا لي وكان رضي الله عنه يقول: ما بكينا من زمان إلا وبكينا عليه وكان رضي الله عنه يقول: أدركنا الناس وهم لا يعلمون العلم إلا لعاقل ناسك وصاروا اليوم يعلمونه لمن لا عقل له ولا نسك.
مات رضي الله عنه بالكوفة سنة أربع ومائة وهو ابن سبع وتسعين سنة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم ماهان بن قيس
رضي الله تعالى عنه
كان يقول: أما يستحي أحدكم أن تكون ذابته أكثر ذكراً لله منه وكان لا يفتر عن التكبير والتسبيح والنهليل. ولما صلبه الحجاج على بابه كان يسبح ويهلل ويكبر على الخشبة ويعقد بيده حتى بلغ تسعاً وعشرين، ثم طعنوه على تلك الحالة فمكث شهراً مصلوباً، وسئل عن أعمال القوم فقال: كانت أعمالهم قليلة وقلوبهم سليمة رضي الله عنه.

ومنهم ربيع بن خراش
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: لا تعودوا أنفسكم الراحة فتشقى غداً وكان يقول إن استطعت أن لا تعرف فافعل فقد فسدت الدنيا وليس فيها لغير العزلة متسع، وكان رضي الله عنه يقول: الجوع يصفي الفؤاد ويميت الهوى ويورث العلم وكان من أكثر الناس صياماً في الهواجر وكان قد آلى على نفسه أن لا يضحك قط حتى يعلم أيصير إلى جنة أم إلى نار، فأخبر غاسله أنه لم يزل متبسماً على سريره، ويقول: قدمت على رب كريم.
توفي رضي الله عنه سنة أربع ومائة، وكان له مال كثير فأنفقه كله على أصحابه قال بعضهم دخلت يوماً عليه وهو يعجن في جفنة ودموعه تسيل ويقول: لما قل مالي جفاني أحبابي والله أعلم.

ومنهم طلحة بن مصرف
رضي الله تعالى عنه
كان يقول: إن الشيطان ليجلب على المؤمن بكثر من ربيعة ومضر، وكان رضي الله عنه ورعاً زاهداً.
ودخلت في داره جارية تأخذ ناراً فقالت لها امرأته: مكانك حتى أشوي لطلحة قديده الذي يفطر عليه على سيخك الحديد، فلم يذقه، وقال حتى ترسلي إلى سيدتها تستأذنيها في حبسك إياها وشواء القديد على حديدها وكان إذا رفعوه على أحد من أقرانه يذهب ويقرأ عليه، ويجلس بين يديه ليدفع بذاك ما توهمه الناس فيه من أنه أعلم منه، وكانوا إذا ذكروا عنده الاختلاف يقول لا تقولوا الاختلاف ولكن قولوا السعة، وكان رضي الله عنه يقول: لقد أدركنا أقواماً
(1/37)

لو رأيتموهم لاحترقت أكبادكم، وكنا نرى نفوسنا في جهنم لصوصاً، وكان يقول العقاب مفتاح التقالي، والعتاب خير من الحقد، وكان رضي الله عنه يقول: أكرموا سفهاءكم، فإنهم يكفونكم العار والنار، وكان يقول: إذا اعتذر إليك أحد فتلقه بوجه طلق إلا أن تكون قطيعته قربة إلى الله تعالى.
توفي رضي الله عنه سنة اثنتي عشرة ومائة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم زيد القائي
رضي الله تعالى عنه
كان ورعاً زاهداً ذا هيبة يراه الرجل فيرجف فؤاده من هيبته، وكان قد قسم الليل أثلاثاً ثلثاً عليه، والثلثين على أخويه، فكان يقوم ثلثه ثم يجيء إلى أخيه فيركضه برجله فيجده كسلان لا يقوم، فيقول: له نم أنا أقوم عنك فيقوم ثم يأتي إلى أخيه الآخر فيقول له قم فيجده كسلان، فيقول له نم أنت الآخر أنا أقوم عنك، فكان يقوم الليل كله.
توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وعشرين ومائة.

ومنهم منصور بن المعتمر
رضي الله تعالى عنه
كان الثوري رضي الله عنه يقول: لو رأيت منصوراً وهو واقف يصلي لقلت إنه يموت الساعة، فكانت لحيته تلصق بصدره، وكان يقوم الليل على سطح داره، فلما مات قالت ابنة جاره لأبيها يا أبت أين ذلك العمود الذي كان فوق سطح جارنا وذلك لأنها كانت لا تصعد إلا ليلا، وصام ستين سنة، وقام ليلها، وكان يبكي حتى يرحمه أهله طول ليله، فإذا أصبح كحل عينيه وادهن، وخرج إلى الناس حتى كأنه بات نائماً يخفي عمله عن الناس وكان رضي الله عنه قد عمش من البكاء. وحبسوه شهراً ليتولى القضاء فلم يرض فقالوا لعامل الكوفة لو نشرت لحمه لم يل لك قضاء فخلى عنه وحل قيده، وكان منصور رضي الله عنه لا يراه أحد إلا ظن أنه قريب عهد بمصيبة منكسر الطرف منخفض الصوت رطب العينين إذا حركته جاءت عيناه بالدموع.
توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة رضي الله تعالى عنه، وكان رضي الله عنه يقول: أولم يكن لنا ذنب إلا محبتنا للدنيا لاستحقينا دخول النار، وكان يقول للعلماء إنما أنتم متلذذون يسمع أحدكم العلم ويحكيه وإنما يراد من العلم العمل ولو عملتم بعلمكم لهربتم من الدنيا، لأن العلم ليس فيه شيء يدل على حبها وكان يقول من أعظم الزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس وكان رضي الله عنه يقول اللهم لا ترزقني مالا ولا ولداً ولا داراً ولا خادماً وما أعطيت لي مما تكره فخذه مني.

ومنهم سليمان بن مهران الأعمش
رضي الله تعالى عنه
كان الأغنياء والسلاطين يكونون في مجلسه أحقر الحاضرين وهو مع ذلك محتاج إلى رغيف وكان يقول: نقض العهد وفاء بالعهد لمن ليس له عهد، وكان إذا قام من النوم فلم يصب ماء وضع يده على الجدار فتيمم حتى يجد الماء محافظة على الطهارة، وكان يقول أخاف أن أموت على غير وضوء فإن الموت يأتي على غير ميعاد.
ومكث قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، وكان يقول أما يخشى أحدكم إذا عصى الله تعالى أن يثور من تلك المعصية دخان يسود وجهه بين الناس، وكان رضي الله عنه يقول: إذا فسد الناس أمر عليهم سرارهم وكان يقول: إذا أنا مت فلا تعلموا بي أحداً واذهبوا بي إلى ربي فاطرحوني في اللحد فإني أحقر من أن يمشي أحد في جنازني، وكان رضي الله عنه يقول: والله لو كانت نفسي في يدي لطرحتها في الحش، رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أويس الخولاني
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: ليس بفقيه من يحدث بالحديث من غير عمل وكان رضي لله عنه يقول: لا يهتك الله ستر عبده وفي قلبه مثقال ذرة من خير وكان يقول إعراب اللسان يقيم جاهك عند الناس وإعراب القلب يقيم
جاهك عند الله تعالى. وكان يقول لي كذا وكذا سنة ما عملت عملا يستحي منه إلا الجماع ودخول الخلاء وكان يعلق سوطه في مسجده، ويقول: أنا أحق بالسوط من الدواب، وكان إذا أخذته فترة مشق ساقه بالسوط، وكان رضي الله عنه يمشي على الماء في دجلة بغداد رضي الله عنه.

ومنهم مكحول الدمشقي
رضى الله عنه
كان يقول: من أحيا ليلة في ذكر الله عز وجل أصبح كيوم ولدته أمه، وكان يقول: إذا كان الفضل في الجماعة فإن السلامة في الغزلة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كان في أمة خمسة عشر رجلا يستغفرون الله عز وجل كل يوم خمساً وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تعالى تلك الأمة بعذاب العامة، وكان يقول: من طاب ريحه زاد عقله، ومن نظف ثوبه قل همه والله أعلم.

ومنهم يزيد بن ميسرة
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه
(1/38)

يقول: إذا بلغك عن الرجل القول فأنكره فخذ بقوله، ودع ما بلغك، وكان يقول: كنا نضحك، ونلعب ونمزح فلما بلغنا المحل الذي يقتدي بنا فما بقي إلا الإمساك عن ذلك، وكان يقول: إذا تكلم الفقيه بالإعراب ذهب الخشوع من قلبه، وكان يقول: لا تكمل محبة الأخ في الله تعالى حتى يكون أحب من الأب والأم والأخ الشقيق، وكان يقول طول الكمد أحب إلي من إسبال الدمعة للخائفين، وكان يقول: إن العقل إذا طاش فقدت الحرفة، فإذا فقدت الحرفة قلصت الدمعة، وإذا ثبت العقل فهم صاحبه الموعظة فأحرقته، فحزن وبكى وكان رضي الله عنه يقول: ما أراك تعذبنا وتوحيدك في قلوبنا ولو فعلت ذلك لجمعت بيننا وبين قوم طالما عاديناهم فيك، وكان يقول: كانت العلماء إذا علموا عملوا، وإذا عملوا اشتغلوا بأنفسهم، فإذا اشتغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا، وكان رضي الله عنه يقول: لا تبذل قط علمك لمن لا يسأله، وكان يقول كان أشياخنا رضي الله عنهم يسمون الدنيا الدنية ولو وجدوا لها اسماً شراً منه لسموها به، وكان رضي الله عنه يقول: كانت أخبار بني إسرائيل الصغير منهم والكبير لا يمشون إلا بالعصا مخافة أن يختال أحدهم في مشيه إذا مشى.

ومنهم كعب الأحبار
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول ما استقر لعبد ثناء في الأرض حتى يستقر له في السماء وكان يقول: أنيروا بيوتكم بذكر الله كما تنيرون قلوبكم به وكان رضي الله عنه يقول: يأتي على الناس زمان تكثر فيه المسألة فمن سأل في تلك الزمان لم يبارك له فيه وكان يقول: ما من أحد يساق إلى النار إلا وهو مسود الوجه، وقد وضعت الأنكال في قدميه، والأغلال في عنقه، إلا من كان من هذه الأمة فإنهم يساقون إلى النار بألوانهم من غير تسويد وجوههم لأنهم كانوا يسجدون عليها في دار الدنيا، وكان رضي الله عنه يقول: إنما سمى الخليل أواهاً لأنه كان إذا سمع بذكر النار قال: أواه من النار وكان يقول: يوشك أن تروا جهال الناس يتباهون بالعلم ويتغايرون على التقدم به عند الأمراء كما يتغابر النساء على الرجال فذلك حظهم من علمهم.
وكان يقول صلاة بعد صلاة ليس بينهما لغو كتاب في عليين، وكان رضي الله عنه يقول: لا يذهب ألم الموت عن الميت ما دام في قبره. توفي رضي الله عنه في خلافة عثمان رضي الله عنهما.

ومنهم عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يكره صيد البر أيام فراخه رحمة بأمه وبه وكان يقول: تبارك من خلقك وجعلك تنظر بشحم وتسمع بعظم وتتكلم بلحم، وكان رضي الله عنه يقول: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوماً يوماً، وساعة ساعة، فالساعة التي لا يذكر الله تعالى فيها تتقطع نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت عليه ساعة مع ساعة ويوم مع يوم، وكان رضي الله عنه يقول: أدركنا الناس وهم أول ما يستيقظون ويصلون الصبح يتفكرون في أمر معادهم وما هم صائرون إليه، ثم يفيضون بعد ذلك في الفقه والقرآن. ولد رحمه الله سنة ثمان وثمانين، ومات سنة سبع وخمسين ومائة، وكان مولده ببعلبك، ومات في حمام بيروت دخل الحمام فذهب الحمامي في جماعة وأغلق عليه الباب ثم جاء فوجده ميتاً متوسداً بيمينه مستقبل القبلة.
ودخل عليه المنصور فقال. عظني فقال: ما أحد من الرعية إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه أو ظلامة سقتها إليه، وكان يقول لقاء الإخوان خير من لقاء الأهل والمال، وكان يقول الفاز من عياله كالآبق لا يقبل الله منه صوماً، ولا صلاة حتى يرجع إليهم، وكان رضي الله عنه، يقول: لو قبلنا من الناس كل ما يعرضون علينا لهنا في أعينهم رضي الله عنه.

ومنهم حسان بن عطية
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله تعالى عنه إذا صلى العصر تنحى في ناحية المسجد فيذكر الله تعالى حتى تغيب الشمس، وكان يقول: من أطال قيام الليل هون الله عليه طول القيام يوم القيامة، وكان يقول ما ازداد العبد في علمه وعمله إخلاصاً إلا ازداد الناس منه قرباً وكان يقول: بكى آدم عليه السلام على خروجه من الجنة سبعين عاماً، وبكى على خطيئته سبعين عاماً، وبكى على ابنه حين قتل أربعين عاماً، وأقام بمكة مائة عام والله أعلم.

ومنهم عبد الواحد بن زيد
رضي الله تعالى عنه
أدرك الحسن البصري وغيره وكان يقول: مثل المؤمن مثل الولد في الرحم لا يحب الخروج، فإذا خرج لم يحب أن يرجع، فكذلك المؤمن إذا
(1/39)

خرج من الدنيا.
وكان رضي الله عنه يقول عليكم بالخبز والملح، فإنه يذهب شحم الكلى ويزيد في اليقين، وكان رضي الله عنه يقول: أحسن أحوال العبد مع الله موافقته، فإن أبقاه في الدنيا لطاعته كان أحب إليه وإن أخذه كان أحب إليه، وكان يقول ما من عبد أعطي من الدنيا شيئاً فابتغى إليه شيئاً ثانياً إلا سلبه الله تعالى حب الخلوة معه وبدله بعد القرب بعداً وبعد الأنس وحشة.
وصلى الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة رحمه الله والله أعلم.

ومنهم أبو بشر صالح المري
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يبكي كبكاء الثكلى، ويجأر جؤار الرهبان حتى كأن مفاصله تتقطع، وكان يمكث مبهوتاً إذا رأى المقبرة اليومين والثلاثة لا يعقل ولا يتكلم ولا يأكل ولا يشرب، وكان يسمع كلام الموتى ويكلمهم ويكلمونه بالمواعظ رضي الله عنه.

ومنهم أبو المهاجر بن عمرو القيسي
رضي الله تعالى عنه
واسمه رباح وكان يقول لي: نيف وأربعون ذنباً قد استغفرت الله عز وجل عن كل ذنب مائة ألف مرة وما ثم إلا عفوه ومغفرته وكان يقول: لا تجعل لبطنك على عقلك سبيلا إنما الدنيا أيام قلائل، وكان لا يأكل دائما إلا سد الرمق، وكان يقول مثقال ذرة من لحم يقسي القلب أربعين صباحاً، وكان يقول: إزالة الجبال من مواضعها أهون من إزالة محبة الرياسة إذا استحكمت في النفس، وكان يقول رحم الله أقواماً زاروا إخوانهم في قبورهم وهم في محاريبهم، وكان يقول: إياك أن تقف على حوانيت الصيارفة فإنها مواضع الربا، وكان يقول: إذا قال الرفيق قصعتي فليس برفيق حتى يقول قصعتنا، وكان يقول لما التقى موسى بالخضر عليهما السلام قال لموسى: تعلم العلم لتعمل به لا لتعلمه لغيرك، فيكون عليك بوره ولغيرك نوره وكان يقول: كما لا تنظر الأبصار الضعيفة إلى شعاع الشمس، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة، وكان يقول لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين، حتى يترك زوجته كأنها أرملة أولاده كأنهم أيتام ويأوى إلى منازل الكلاب.
وكان رضي الله عنه لا يزيد في أكله وإدامه على الخبز والملح ويقول لنفسه أمامك الشواء والفرش في الدار الآخرة رضي الله عنه، وكان يقول: عليك بمجالس الذكر وحسن الظن بمولاك وكفى بهما خيراً رضي الله تعالى عنه.

ومنهم عطاء السلمي
رضي الله تعالى عنه
غلب عليه الحزن والخوف حتى مكث أربعين سنة على فراشه لا يقدر أن يقوم ولا يخرج من البيت، وكان يومئ بالصلاة على فراشه، ورأى مرة التنور وهو يسجر فغشي عليه، وكان رضي الله عنه يبكي الثلاثة أيام بلياليهن لا يرقأ له دمع، وكان إذا بكى رؤي حوله بلل يظن أنه من أثر الوضوء وإنما هي دموعه، وكان إذا خرج إلى جنازة يغشى عليه في الطريق مرات، ويخر من على الدابه لم يرجع. وكانت كل بلية نزلت بالناس يقول هذا كله من أجل عطاء لو مات استراح الناس منه رضي الله تعالى عنه.

ومنهم عتبة بن أبان الغلام
رضي الله تعالى عنه
وسمي بالغلام لأنه كان في العبادة كأنه غلام رهبان لا لصغر سنه وقال عتبة الغلام رضي الله عنه جاءني عبد الواحد بن زيد رضي الله عنه فقال: ما زال فلان يصف من قلبه منزلة لا أعرفها من قلبي فقلت لأنك تأكل مع خبزك تمراً فقال: فإذا تركت التمر وصلت إليها فقلت له نعم فجعل عبد الواحد يبكي، وكان عتبة يأوي إلى المقابر والصحارى ويخرج إلى السواحل فيقيم فيها، فإذا كان يوم الجمعة دخل البصرة فيشهد الجمعة ثم يأتي إخوانه فيسلم عليهم، وكان قد غلب عليه الحزن، وكانوا يشبهونه في الحزن بالحسن البصري رضي الله عنه.
مات رضي الله عنه شهيداً في قتال الروم وكان يهجع بعد العشاء شيئاً يسيراً، ثم يقوم إلى الصباح وكان يلبس الشعر تحت ثيابه إلا يوم الجمعة، وكان يلبس كساءين أغبرين يتزر بواحدة منهما ويرتدي بالآخرى، وكان له بيت مغلق لا يفتحه إلا ليلا فلما مات فتحوه فوجدوا فيه قبراً محفوراً وغلا من حديد رضي الله عنه.

ومنهم سفيان بن سعيد الثوري
رضي الله تعالى عنه
وكانوا يسمونه أمير المؤمنين في الحديث. ولد رضي الله عنه سنة سبع وتسعين وخرج من الكوفة إلى البصرة سنة خمس وخمسين ومائة وتوفي رضي الله عنه بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة وكان رضي الله عنه عالم الأمة وعابدها وزاهدها وكان رضي الله عنه يقول: لا ينبغي للرجل أن يطلب العلم والحديث حتى يعمل في الأدب عشرين سنة، وكان يقول إذا فسد العلماء فمن يصلحهم،
(1/40)

وفسادهم بميلهم إلى الدنيا، وإذا جر الطبيب الداء إلى نفسه، فكيف يداوي غيره، وكان رضي الله عنه يقول: إذا لم يكن تحت الحنك من العمامة شيء فهي عمامة إبليس، وكان يقول من تصدر للعلم قبل أن يحتاج إليه أورثه ذلك الذل، كان يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل حتى يضر به الجوع شغلا عنه بما هو فيه من العبادة.
وكتب إلى عابد من العباد اعلم يا أخي أنك في زمان كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذون أن يدركوه، ومعهم من العلم ما ليس معنا، ولهم من القدم ما ليس لنا، فكيف بنا حين أدركناه على قلة العلم وقلة الصبر وقلة الأعوان على الخير، وفساد من الزمان، فعليك بالأمر الأول والتمسك به، عليك بالخمور فإن هذا زمان خمول، وعليك بالعزلة وقلة مخالطة الناس، فقد كان الناس إذا التقوا ينتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذلك، فالنجاة الآن في تركهم فيما ترى وإياك يا أخي والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، ويقال لك تشفع أو تدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة، فإن ذلك من خديعة إبليس، إنما اتخذ ذلك القراء سلماً للقرب منهم، واصطياداً للدنيا بذلك وكان رضي الله عنه يقول: لو علمت من الناس أنهم يريدون بالعلم وجه الله تعالى لأتيت إلى بيوتهم، فعلمتهم ولكن إنما يريدون به مجاراة الناس وأن يقولوا حدثنا سفيان، وكانوا إذا قالوا له حدثنا ما أراكم أهلا للحديث، ولا أرى نفسي أهلا لأن أحدث، وما مثلي ومثلكم إلا كما قال القائل افتضحوا فاصطلحوا وكان رضي الله عنه يقول ما كفيت من المسألة والفتيا فلا تزاحم فيه، وكان يقول قد ظهر من الناس الآن أمور يشتهي الرجل أن يموت قبلها، وما كنا نظن أننا نعيش لها وكان يقول: ما كنت أظن أن أعيش إلى زمان إذا ذكرت الأحياء ماتت القلوب، وإذا ذكرت الأموات حييت القلوب، وكان رضي الله عنه يقول: إلهي البهائم يزجرها الراعي فتنزجر عن هواها وأراني لا يزجرني كتابك عما أهواه فيا سوأتاه.
وكان يقول: قال رجل لعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام أوصني قال انظر خبزك من أين هو وقيل له إن فلاناً يدخل على المهدي ويقول أنا في خلاص من تبعاته فقال كذب، والله أما أرى إسرافه في ملبسه ومأكله وملبس خدمه وخيله ورجله هل قال له قط يوماً إن هذا لا يليق بك هذا من بيت مال المسلمين وكان يقول رضا الملحين غاية لا تدرك.
وكان يقول: المال في زماننا هذا سلاح للمؤمن وكان يقول أحب لطالب العلم أن يكون في كفاية فإن الآفات وألسن الناس تسرع إليه إذا احتاج وذل وكان رضي الله عنه يقول: لا طاعة للوالدين في الشبهات وكان يقول: إنما يطلب العلم ليتقي به الله تعالى فمن ثم فضل على غيره، ولولا ذلك كان كسائر الأشياء، وكان يقول: شكوى المريض إلى أحد من إخوانه ليس من شكوى الله عز وجل، وكان يقول للمهدي في وجهه: احذر من هؤلاء الأعوان، والمترددين إليك من الفقراء، فإن هلاكك على أيديهم يأكلون طعامك، ويأخذون دراهمك، ويغشونك ويمدحونك بما ليس فيك، وكان رضي الله عنه يقول: أئمة العدل خمسة أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، من قال غير هذا فقد اعتدى وقوموا ثياب الثوري التي عليه حتى النعل فبلغ درهماً وأربعة دوانق، وكان رضي الله عنه لا يجلس في صدر مجلس قط إنما كان يقعد في جنب حائط يجمع بين ركبتيه، وكان يقول: لا يأمر السلطان بالمعروف إلا رجل عالم بما يأمر وينهي رفيق بما يأمر، وينهى عدل في ذلك وقال له رجل: ذهب الناس يا أبا عبد الله وبقينا على حمر دبرة.
فقال الثوري: ما أحسن حالها لو كانت على الطريق، وكان رضي الله عنه يقول: إذا بلغك عن قرية أن بها رخصاً، فارحل إليها فإنه أسلم لقلبك ودينك وأقل لهمك، وكان رضي الله عنه يقول: لا تجب أخاك إلى طعام إلا إن كنت ترى أن قلبك يصلح على طعامه.
ونصح يوماً إنساناً رآه في خدمة الولاة، فقال: فما أصنع بعيالي؟ فقال: ألا تسمعون لهذا يقول: إنه إذا عصى الله رزق عياله، وإذا أطاعه ضيعهم، ثم قال رضي الله عنه: لا تقتدوا قط بصاحب عيال، فإنه قل صاحب عيال أن يسلم من التخليط، وعذره دائماً في أكل الشبهات والحرام قوله: عيالي، وكان يقول: لو أن عبداً عبد الله تعالى بجميع المأمورات إلا أنه يحب الدنيا إلا نودي عليه يوم القيامة على رؤوس أهل الجمع ألا إن هذا فلان بن فلان قد أحب ما أبغض الله تعالى، فيكاد لحم وجهه يسقط من الخجل وكان رضي الله عنه يقول: لأن أخلف عشرة آلاف دينار أحاسب
(1/41)

عليها أحب من أن أحتاج إلى الناس، فإن المال كان فيما مضى يكره أما اليوم، فهو ترس للمؤمن يصونه عن سؤال الملوك والأغنياء وكان يقول لا بد لمن يحتاج إلى الناس أن يبذل لهم دينه فيما يحتاج فيمسك على ما بيده من المال، وكان يقول: لا تصحب في السفر من يتكرم عليك فإنك إن ساويته في النفقة أضربك، وإن تفضل عليك استعبدك.
وكان يقول: الحلال في زماننا هذا لا يحتمل السرف، وكان يقول: خرجت مرة في الليل فنظرت إلى السماء، ففدت فلبي فذكرت ذلك لأمي فقالت: إنك لم تنظر إليها نظر اعتبار وإنما نظرت إليها نظر قلة.
وكان يرد ما يعطاه ويقول: لو أني أعلم منهم أنهم لا يفتخرون علي بعطائهم لأخذته منهم ولذلك كان يجوع، ولا يقترض ويقول: إنهم لا يكتمون ذلك بل يروح أحدهم، ويقول: جاءني سفيان الثوري البارحة، واقترض مني، وكان يقول: الأذان بخراسان أفضل من المجاورة بمكة، وكان يقول: الزهد في الدنيا هو قصر الأمل ليس بكل الخشن ولا بلبس الغليظ والعباء، وكان يقول: ازهد في الدنيا ونم لا لك، ولا عليك وكان يقول: إذا رأيتم العالم يلوذ بباب السلطان، فاعلموا أنه لص، وإذا رأيتموه يلوذ بباب الأغنياء، فاعلموا أنه مراء، وكان يقول: إن الرجل ليكون عنده المال وهو زاهد في الدنيا وإن الرجل ليكون فقيراً، وهو راغب فيها، وكان يقول: إني أحب أن أكون في مكان لا أعرف فيه.
وكانوا إذا ذكروا عنده الموت يمكث أياماً لا ينتفع به أحد، وكان يقول: إذا عرفت نفسك لا يضرك ما قيل فيك، وكان يقول أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام، وكان يقول: إذا رأيت أخاك حريصاً على أن يؤم فأخره، وكان يقول: لأن أشتري من فتى يتغنى أحب إلي من أن أشتري من قارئ لأن القارئ يتأول عليك في دراهمك، والمغني يعطيك دراهمك كاملة مروءة، أو ديانة وكان يقول: ما خالفت قارئاً إلا خفت منه أن يشيط بدمي، وإذا كان لك إلى قارئ حاجة فلا تضرب له بقارئ مثله، يقف عن قضاء حاجتك.
وسئل عن الغوغاء فقال: الذين يطلبون بعلمهم الدنيا، وكان يقول: أول العلم طلبه، ثم العمل به، ثم الصمت ثم نظره، ولو أن أهل العلم أخلصوا فيه ما كان من عمل أفضل منه، وكان يأخذ بيده دنانير ويقول: لولا هذه لتمندلوا بنا، وكان يقول كثرة الأخلاء من رقه الدين، وكان يقول: ما أدري لو أصابني بلاء لعلي كنت أكفر، وكان يقول: عجبت لكون النساء أكثر أهل النار مع أن الرجال أعمالها أقبح من أعمالهن.
وكان قد جعل على نفسه ثلاثة أشياء أن لا يخدمه أحد، ولا يطوى له ثوب ولا يضع لبنة على لبنة، وكان رضي الله عنه يقول: هذا زمان عليك فيه بخويصة نفسك ودع العامة وكان يقول: من رأى نفسه على أخيه بالعلم والعمل حبط أجر عمله وعلمه، ولعل أخاه يكون أورع منه على حرم الله عز وجل، وكان إذا أخذ في الفكر صار كأنه مجنون لا يعي كلام أحد.
وبعث أبو جعفر أمير المؤمنين الخشابين قدامه حين خرج إلى مكة وقال: إذا رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه. فوصلوا مكة ونصبوا الخشب وجاءوا إليه فوجدوه نائماً رأسه في حجر الفضيل بن عياض ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة، فقالوا: يا أبا عبد الله اتق الله ولا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى أستار الكعبة فأخذها، وقال برئت منه إن دخلها أبو جعفر فمات قبل أن يدخل مكة، وكان رضي الله عنه يقول: لميت أبا حبيب البدوي فقال يا سفيان منع الله تعالى عطاء لك وذلك لأنه لا يمنعك من بخل ولا عدم، وإنما هو نظر إليك واختبار، وكان رضي الله عنه يقول إن الملكين ليجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب على ذلك فكما لا يؤذونك لا تؤذهم.
وسئل عن رجل يكتسب لعياله ولو صلى في الجماعة لفاته القيام عليهم ماذا يصنع؟ قال: يكتسب لهم قوتهم ويصلي وحده وكان يقول: كثرة النساء ليست من الدنيا لأن علياً رضي الله عنه كان من أزهد الصحابة، وكان له أربع نسوة وتسع عشرة سرية.
وكان رضي الله عنه يقول: هذا زمان لا يأمن فيه الخامل على نفسه فكيف المشهور فيه، وكان يقول إذا سمعتم ببدعة فلا تحكوها لأصحابكم، ولا تلقوها في قلوبكم وكان يقول: قد قل أهل السنة والجماعة في زماننا هذا وكان رضي الله عنه يقول: إني لأعرف محبة الرجل للدنيا بميله لأهل الدنيا وإرساله السلام لهم وكان يقول: إذا رأيتم شرطياً نائماً عن صلاة فلا توقظوه لها فإنه يقوم يؤذي الناس ونومه أحسن.
وقيل له ألا تدخل على الولاة فتتحفظ وتعظهم وتنهاهم فقال: أتأمروني أن أسبح في بحر ولا
(1/42)

تبتل قدماي إني أخاف أن يترحبوا بي فأميل إليهم فيحبط عملي. وشكا له رجل مصيبة فقال قم عني ما وجدت أحداً أهون في عينيك مني تشكو الله تعالى عنده، وكان رضي الله عنه يقول: العلماء ثلاثة عالم بالله وبأمر الله فعلامته أن يخشى الله ويقف عند حدود الله، وعالم بالله دون أوامر الله فعلامته أن يخشى الله ولا يقف عند حدوده، وعالم بأوامر الله دون الله فعلامته أن لا يقف عند حدود الله ولا يخشى الله وهو ممن تسعر بهم النار يوم القيامة، وكان يقول إذا أرضيت ربك أسخطت الناس، وإذا أسخطتهم فتهيأ للسهام والتهيؤ للسهام أحب من أن يذهب دين الرجل، وكان يقول: إذا رأيتم قارئ القرآن يحبه جيرانه فأعلموا أنه مداهن ومناقبه رضي الله عنه كثيرة والله أعلم.

ومنهم إمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي
رضي الله عنه
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقي معه في عبد مناف.
ولد رضي الله عنه بغزة ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين وعاش أربعاً وخمسين سنة وأقام بمصر أربع سنين ونيفاً ثم توفي بمصر ليلة الجمعة بعد المغرب سنة أربع ومائتين.
نشأ رضي الله عنه في حجر أمه في قلة عيش وضيق حال، وكان رضي الله عنه في صباه يجالس العلماء، ويكتب ما يستفيده في العظام ونحوها، لعجزه عن الورق حتى ملأ منها خبايا.
وتفقه في مكة على مسلم بن خالد الزنجي ونزل في شعب الخيف منها ثم قدم المدينة فلزم الإمام مالكاً رضي الله عنه، وقرأ عليه الموطأ حفظاً فأعجبه قراءته وقال له اتق الله فإنه سيكون لك شأن وكان سن الشافعي رضي الله عنه حين أتى مالكاً ثلاث عشرة سنة، ثم رحل إلى اليمن حين تولى عمه القضاء بها، واشتهر بها ثم رحل إلى العراق، وجد في الاشتغال بالعلم وناظر محمد بن الحسن وغيره، ونشر علم الحديث وأقام مذهب أهله، ونصر السنة واستخرج الأحكام منها ورجع كثير من العلماء عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه، ثم خرج إلى مصر آخر سنة تسع وتسعين ومائة وصنف كتبه الجديدة بها ورحل الناس إليه من سائر الأقطار.
قال الربيع بن سليمان رأيت على باب دار الإمام الشافعي رضي الله عنه سبعمائة راحلة تطلب سماع كتبه رضي الله عنه، وكان يقول مع ذلك إذا صح الحديث فهو مذهبي، وكان رضي الله عنه يقول: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إلي منه خوف قال شيخنا شيخ الإسلام، أبو يحيى زكريا الأنصاري وقد أجابه الحق إلى ذلك فلا يكاد يسمع في مذهبه إلا مقالات أصحابه قال الرافعي قال النووي قال الزركشي ونحو ذلك وكان يقول وددت أني إذا ناظرت أحداً أن يظهر الله تعالى الحق على يديه وكان يقول: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وكان يقول من أراد الآخرة فعليه بالإخلاص في العلم وكان يقول: أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه ورغب في مودة من لا ينفعه، وقبل مدح من لا يعرفه وكان يقول: لا شيء أزين بالعلماء من الفقر والقناعة والرضا بهما وكان يقول صحبت الصوفية عشر سنين ما استفدت منهم إلا هذين الحرفين الوقت سيف، وأفضل العصمة ألا تجد.
وكان يقول من أحب أن يقضي له بالحسنى فليحسن بالناس الظن وكان يقول: أبين ما في الإنسان ضعفه فمن شهد الضعف من نفسه نال الاستقامة مع الله تعالى وكان يقول من طلب العلم بعز النفس لم يفلح ومن طلبه بذل النفس وخدمة العلماء أفلح، وكان رضي الله عنه يقول: تفقه قبل أن ترأس فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه، وكان يقول: دققوا مسائل العلم لئلا تضيع دقائقه، وكان يقول: جمال العلماء كرم النفس، وزينة العلم الورع، والحلم، وكان رضي الله عنه يقول: لا عيب بالعلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه وكان يقول: ليس العلم ما حفظ إنما العلم ما نفع، وكان يقول: فقر العلماء اختيار، وفقر الجهلاء اضطرار، وكان يقول: المراء في العلم يقسي القلب ويورث الضغائن وكان رضي الله عنه يقول: الناس في غفلة عن هذه السورة " والعصر إن الإنسان لفي خسر " " العصر: ا - 2 " وكان قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء الثلث الأول يكتب والثاني يصلي والثالث ينام وفي رواية ما كان ينام من الليل إلا يسيراً، وكان يختم في كل يوم ختمة، وكان يقول: ما كذبت قد ولا حلفت بالله لا صادقاً، ولا كاذباً، وما تركت غسل الجمعة قط لا في برد ولا في سفر ولا حضر وما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي، وكان رضي الله عنه يقول: من لم تعزه التقوى فلا عز له.
وكان يقول: ما فزعت من الفقر قط وكان يقول: طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد. وكان
(1/43)

يمشي على العصا فقيل له في ذلك فقال لأذكر أني مسافر من الدنيا، وكان يقول من شهد الضعف من نفسه نال الاستقامة، وكان يقول من غلبته شدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها، ومن رضي بالقنوع زال عنه الخضوع وكان يقول من أحب أن يفتح الله تعالى عليه بنور القلب فعليه بالخلوة وقلة الأكل وترك مخالطة السفهاء وبغض أهل العلم الذين لا يريدون بعلمهم إلا الدنيا، وكان يقول لا بد للعالم من ورد من أعماله يكون بينه وبين الله تعالى وكان يقول لو اجتهد أحدكم كل الجهد على أن يرضي الناس كلهم عنه فلا سبيل له فليخلص العبد عمله بينه وبين الله تعالى، وكان يقول لا يعرف الرياء إلا المخلصون، وكان يقول لو أوصى رجل لأعقل للناس صرف إلى الزهاد، وكان يقول: سياسة الناس أشد من سياسة الدواب، وكان يقول العاقل من عقله عقله عن كل مذموم، وكان يقول: لو علمت أن الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته، وكان يقول أصحاب المروءات في جهد، وكان يقول: من أحب أن يختم الله له بخير فليحسن الظن بالناس، وكان يقول: مكثت أربعين سنة أسأل إخواني الذين تزوجوا عن أحوالهم في تزوجهم، فما منهم أحد قال رأيت خيراً قط، وكان يقول ليس بأخيك من احتججت إلى مداراته، وكان يقول من علامة الصادق في أخوة أخيه أن يقبل علله ويسد خلله ويغفر زلله، وكان يقول: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً، وكان يقول: ليس سرور يعدل صحبة الإخوان ولا غم يعدل فراقهم، وكان يقول لا تشاور من ليس في بيته دقيق، وكان يقول: لا تقصر في حق أخيك اعتماداً على مروءته ولا تبذل وجهك إلى من يهون عليه ردك.
وكان يقول: من برك فقد أوثقك ومن جفاك فقد أطلقك وكان يقول: من نم لك نم عليك ومن إذا أرضيه قال فيك ما ليس فيك، كذلك إذا أغضبته قال فيك ما ليس فيك وكان يقول: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه وكان يقول من سامى بنفسه فوق ما يساوي رده الله تعالى إلى قيمته، وكان يقول: من تزين بباطل هتك ستره وكان يقول: التكبر من أخلاق اللئام، وكان يقول: القناعة تورث الراحة، وكان يقول أرفع الناس قدراً من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلا من لا يرى فضله، وكان يقول من كتم سره ملك أمره وكان يقول ما ضحك من خطأ رجل إلا ثبت صوابه، في قلبه وكان يقول: الإكثار في الدنيا إعسار والإعسار فيها إيسار، وكان يقول الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء والانقباض عنهم مكسبة للعداوة، فكن بين المنقبض والمنبسط، وكان يقول ما أكرمت أحداً فوق قدره إلا نقص من مقداري بقدر ما زدت في إكرامه، وكان يقول: لا وفاء لعبد، ولا شكر للئيم، وكان يقول: صحبة من لا يخاف العار عار يوم القيامة، ومن عاشر اللئام نسب إلى اللؤم، وكان: يقول من يسمع بأذنه صار حاكياً ومن أصغى بقلبه صار واعياً، ومن وعظ بفعله كان هادياً وكان يقول: من الذل حضور مجلس العلم بلا نسخة. وعبور الماء بلا فوطة وعبور الحمام بلا قصعة، وتذلل الرجل للمرأة لينال من مالها شيئاً، وكان يقول: مداراة الأحمق غاية لا تدرك، وكان يقول: من ولي القضاء ولم يفتقر فهو لص، وكان يقول ينبغي للفقيه أن يكون معه سفيه لسافه عنه وكان رضي الله عنه يقول من خدم خدم.
وكان رضي الله عنه من أكرم الناس.
قدم من اليمن بعشرة آلاف دينار فضرب خباءه خارج مكة، فكان الناس يأتونه فما برح حتى فرقها كلها وما سأله أحد شيئاً إلا احمر وجهه حياء من السائل، وكان رضي الله عنه يخضب لحيته بالحناء حمراء قانية وتارة يصفرها اتباعاً للسنة، وكان كثير الأسقام منها البواسير وكانت دائماً تنضح الدم، ولا يجلس للحديث إلا والطشت تحته يقطر الدم فيه، قال يونس بن عبد الأعلى ما رأيت أحداً لقي من السقم ما لقي الشافعي رضي الله عنه، وكان مقتصداً في لباسه وكان نقش خاتمه كفى بالله ثقة لمحمد بن إدريس وكان ذا هيبة وكان أصحابه لا يتجرؤن أن يشربوا الماء وهو ينظر إليهم هيبة له، وكان يتشح بالرداء ويتكئ على الوسادة وتحته مضربتان، وكان يقول أحب لكل مسلم أن يكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان يقول في قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " قال يترنم به يترنم به، وكان يقول كلما رأيت رجلا من أصحاب الحديث كأني رأيت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول لو رأيت
(1/44)

صاحب بدعة يمشي على الهواء ما قبلته، وكان يقول من لم يصبر نفسه لم ينفعه علمه، وكان إذا اشترى جارية يشترط عليها أن لا يقربها، لأنه كان عليلا على الدوام وكان يقول: الكلام والسخاء يغطيان عيوب الدنيا والآخرة بعد أن لا يلحقهما بدعة وكان يقول: من استغضب فلم يغضب فهو حمار ومن استرضى فلم يرض فهو شيطان، وكان يقول: احذروا الأعور والأحول والأعرج والأحدب والأشقر والكوسج وكل من به عاهة في بدنه فإن فيه التواء ومعاشرته عسرة، وكان يقول من طلب الرياسة فرت منه وكان يقول: ليس من المروة أن يخبر الرجل بسنه لأنه إن كان صغيراً استحقروه، وإن كان كبيراً استهرموه، وكان يقول: لينوا لمن يجفو فقل من يصفو، وكان يقول من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد عقله، وكان يقول ما نصحت أحداً فقبل مني إلا هبته، واعتقدت مودته ولا رد أحد علي النصح إلا سقط من عيني ورفضته، وقال الربيع دخلت على الشافعي ليلة مات فقلت له: كيف أصبحت قال أصبحت من الدنيا راحلا ولإخواني مفارقاً ولكأس المنية شارباً، ولسوء أعمالي ملاقياً، وعلى الكريم وارداً ثم بكى. ومناقبه رضي الله عنه كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه والله تعالى أعلم.

ومنهم الإمام مالك بن أنس
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه رجلا طويلا عظيم الهامة أصلع أبيض الرأس واللحية شديد البياض، وكان لباسه الثياب العدنية الجياد، وكان إذا أراد أن يجلس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل وتبخر وتطيب ومنع الناس أن يرفعوا أصواتهم، وكان إذا دخل بيته يكون شغله المصحف وتلاوة القرآن، وكان السلاطين تهابه، وكان يكره حلق الشارب ويعيبه ويراه أنه من المثلة وكان يقول: بلغني أن العلماء يسألون يؤم القيامة عما يسئل عنه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكان يقول: مثل المنافقين في المسجد كمثل العصافير في القفص إذا فتح باب القفص طارت العصافير.
ومكث رضي الله عنه خمساً وعشرين سنة لم يشهد الجامعة فقيل له: ما يمنعك من الخروج؟ فقال: مخافة أن أرى منكراً أحتاج أن أغيره.
قلت: وإنما سومح في ذلك أنه اجتهد ولو فعل ذلك غيره لا يقر على ذلك والله تعالى أعلم وكان يقول إذا مدح الرجل نفسه ذهب بهاؤه، وكان رضي الله عنه إذا قال في المسألة لا أو نعم لا يقال له من أين قلت هذا.
وأخذ رضي الله عنه العلم عن تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين وكان يقول ليس العلم بكثرة الرواية إنما هو نور يضعه الله تعالى في القلب، وقيل له ما تقول في طلب العلم؟ فقال حسن جميل ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي فالزمه.
ولما ضربه جعفر بن سليمان في طلاق المكره وحمله على بعير قال: له ناد على نفسك فقال رضي الله عنه ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، أقول طلاق المكره ليس بشيء فبلغ ذلك جعفراً فقال: أدركوه وأنزلوه وكان يقول بحق علي من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وكان رضي الله عنه يقول: لا ينبغي للعالم أن يتكلم بالعلم عند من لا يطيعه فإنه ذل وإهانة للعلم، وكان يمشي في أزقة المدينة حافياً ماشياً ويقول: أنا أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة.
وقال مالك رضي الله عنه: لمطرف ماذا يقول الناس في فقال: أما الصديق فيثني وأما العدو فيقع، فقال: ما زال الناس هكذا لهم عدو وصديق ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلها.
وسئل رضي الله عنه عن معنى قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " " طه: 5 " فعرق وأطرق وصار ينكت بعود في يده ثم رفع رأسه وقال: الكيف منه غير معقول والاستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج.
ولد سنة ثلاث وتسعين وتوفي سنة تسع وتسعين ومائة ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت
رضي الله تعالى عنه
ولد سنة ثمانين من الهجرة وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة، وكان في زمنه أربعة من الصحابة أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وأبو الطفيل وهو آخرهم موتاً ولم يأخذ عن واحد منهم.
وأكره رضي الله عنه على تولية القضاء وضرب على رأسه ضرباً شديداً أيام مروان فلم يل ولما أطلق قال: كان غم والدتي أشد من الضرب علي، وكان أحمد بن حنبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر ذلك
(1/45)

بكى، وترحم عليه، ثم أكرهه أبو جعفر بعد ذلك وأشخصه من الكوفة إلى بغداد فأبى وقال: لا أكون قاضياً، فحبسه وتوفي في السجن رضي الله تعالى عنه وأخرجه المنصور مرات من الحبس يتوعده، وهو يقول: يا منصور، اتق الله ولا تول إلا من يخاف الله تعالى، والله ما أنا مأمون في الرضا فكيف أكون مأموناً في الغضب ويقال إنه تولى القضاء يومين أو ثلاثة ثم مرض ستة أيام ثم مات.
وقال ابن الجوزي دعا المنصور أبا حنيفة والثوري ومسعراً وشريكاً ليوليهم القضاء فقال أبو حنيفة أخمن فيكم تخميناً أما أنا فأحتال وأتخلص، وأما مسعر فيتحامق ويتخلص، وأما سفيان فيهرب، وأما شريك فيقع وكان الأمر كما قال، وكان من تحامق مسعر أن قال للمنصور لما دخل عليه كيف حالك وكيف عيالك وكيف حميرك وكيف دوابك فقال: أخرجوه فإنه مجنون ولما بلغ سفيان عن شريك أنه تولى هجره وقال له قد أمكنك الهرب فلم تهرب، وكان أبو حنيفة رضي الله عنه حسن الثياب طيب الريح كثير الكرم حسن المواساة لإخوانه كان يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من داره، وكان رضي الله عنه يقول: ما صليت قط إلا ودعوت لشيخي حماد ولكل من تعلمت منه علماً أو علمته وكان الشافعي رضي الله عنه يقول: الناس عيال على أبي حنيفة رضي الله عنه في الفقه وكان لا ينام الليل وسموه الوتد لكثرة صلاته وصلى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان رضي الله عنه لا يجلس في ظل جدار غريمه ويقول: كل قرض جر نفعاً فهو ربا، وكان عامة الليل يقرأ القرآن كله في كل ركعة وكان يسمع بكاؤه حتى يرحمه جيرانه، وختم القرآن في الموضع الذي مات فيه سبعة آلاف مرة وقال عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة رضي الله عنه إنه صلى صلوات الخمس أربعين سنة بوضوء واحد وكان نومه عائماً ساعة بين الظهر والعصر وفي الشتاء ساعة أول الليل وكان يقول إذا ارتشى القاضي فهو معزول وإن لم يعزله الإمام.
وسئل رضي الله عنه أيما أفضل علقمة أو الأسود. فقال والله ما نحن بأهل أن نذكرهم فكيف نفاضل بينهم، وكان يقول: سمعت عطاء يقول: ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ولله الحجة عليه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وكان يقول: إنما سمي المرجئة بذلك لأنهم سئلوا عن حالة العصاة أين منزلتهم في الآخرة فقالوا أمرهم إلى الله تعالى فسموا مرجئة لإرجائهم أمر العصاة إلى الله تعالى، فإن الكفار في النار والمؤمنين في الجنة، وكان له جار يهودي وكانت قصبة بيت خلائه تنضح على بيت أبي حنيفة فمكث عشر سنين، وهو يكنس كل يوم ما نزل في داره منها، ويذهب به إلى الكوم، ولم يعلم اليهودي قط فبلغ ذلك اليهودي فبكى ثم جاء وأسلم وكان رضي الله عنه يقول لو أن عبداً عبد الله تعالى حتى صار مثل هذه السارية ثم إنه لا يدري ما يدخل بطنه حلال أو حرام ما تقبل منه، وكان يقول: جالست الناس منذ خمسين سنة فما وجدت رجلا غفر لي ذنباً ولا وصلني حين قطعته ولا ستر على عورة ولا ائتمنته على نفسي إذا غضب فالاشتغال بهؤلاء حمق كبير، وكان يقول: لو لم تبغض الدنيا إلا لأن الله تعالى يعصى فيها لكانت تبغض وكان يقول الملح مع الخبز شهوة رضي الله عنه ورؤي رضي الله عنه بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال غفر لي فقيل له بالعلم فقال هيهات إن للعلم شروطاً وآداباً قل من يفعلها فقيل فبماذا غفر لك الله قال يقول الناس في ما ليس في، وكان يقول: من هان عليه فرجه هان عليه دينه، وكان يقول: إذا لم يتكلم العبد بما ظنه فلا إثم عليه، وكان يقول: بلغني أنه ليس في الدنيا أعز من فقيه ورع، وقال له رجل إني أحبك فقال وما يمنعك من محبتي، ولست بابن عم لي ولا جاري وكان يقول الغوغاء هم القصاص الذين يستكلون أموال الناس، وكان يقول: لا ينبغني للقاضي أن يترك على القضاء أكثر من سنة، لأنه إذا مكث فيه أكثر من سنة ذهب فقهه. ومناقبه كثيرة مشهورة رضي الله عنه.

ومنهم الإمام أحمد بن حنبل
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: طوبى لمن أحمل الله تعالى ذكره وكان يقول: رأيت رب العزة في المنام فقلت يا رب ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك فقال بكلامي يا أحمد، فقلت بفهم أو بغير فهم قال بفهم وبغير فهم وكان رضي الله عنه إذا جاءه حديث وحده لم يحدثه حتى يكون معه غيره قلت وكذلك كان يحيى بن معين وعبد الله بن داود والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: تزوج يحيى بن زكريا عليهما السلام مخافة النظر، وكان رضي الله
(1/46)

عنه يضرب به المثل في اتباع السنة واجتناب البدعة، وكان لا يدع قيام الليل قط، وله في كل يوم وليلة ختمة وكان يسر ذلك عن الناس وقال أبو عصمة رضي الله عنه بت ليلة عند أحمد رضي الله عنه فجاءني بماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء كما هو فقال يا سبحان الله رجل يطلب العلم ولا يكون له ورد من الليل، وكان يلبس الثياب النقية البياض ويتعهد شاربه وشعر رأسه وبدنه، وكان مجلسه خاصاً بالآخرة لا يذكر فيه شيء من أمر الدنيا وكان يأتي العرس والإملاك والختان، ويأكل، وتعرت أمه من الثياب، فجاءته زكاة فردها، وقال: العري لهن خير من أوساخ الناس، وأنها أيام قلائل ثم نرحل من هذه الدار، وكان إذا جاع أخذ الكسرة اليابسة فنفضها من الغبار ثم صب عليها الماء في قصعة حتى تبتل ثم يأكلها بالملح، وكانوا في بعض الأوقات يطبخون له في فخارة عدساً وشحماً، وكان أكثر إدامه الخل، وكان إذا مشى في الطريق لا يمكن أحداً يمشي معه، ولما مرض عرضوا بوله على الطبيب فنظر إليه وقال هذا بول رجل قد فتت الغم والحزن كبده، وكان يحيي الليل كله من منذ كان غلاماً وكان من أصبر الناس على الوحدة لا يراه أحد إلا في المسجد أو جنازة أو عيادة، وكان يكره المشي في الأسواق، وكان ورده كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة فلما ضرب بالسياط ضعف بدنه فكان يصلي مائة وخمسين ركعة كل يوم وليلة، وحج رضي الله عنه خمس حجات ثلاثاً منها ماشياً وكان ينفق في كل حجة نحو عشرين درهماً ولما قدم للسياط أيام المحنة أغاثه الله تعالى برجل يقال له أبو الهيثم العيار فوقف عنده وقال يا أحمد أنا فلان اللص ضربت ثمانية عشر ألف سوط لأقر فما أقررت، وأنا أعرف أني على الباطل فاحذر أن تتقلق وأنت على الحق من حرارة السوط، فكان أحمد كلما أوجعه الضرب تذكر كلام اللص، وكان بعد ذلك لم يزل يترحم عليه ولما دخل أحمد على المتوكل قال المتوكل لأمه يا أماه قد نارت الدار بهذا الرجل ثم أتوا بثياب نفيسة فألبسوها له فبكى وقال: سلمت منهم عمري كله حتى إذا دنا أجلي بليت بهم وبدنياهم ثم نزعها لما خرج، وكان رضي الله عنه يواصل الصوم فيفطر كل ثلاثة أيام على تمر وسويق، وقال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: حبس الإمام أحمد رضي الله عنه ثمانية وعشرين شهراً، وكان فيها يضرب كل قليل بالسياط إلى أن يغمى عليه وينخس بالسيف ثم يرمى على الأرض ويداس عليه ولم يزل كذلك إلى أن مات المعتصم، وتولى بصلى الله عليه وسلم الواثق فاشتد الأمر على أحمد وقال لا أسكن في بلد ألحد فيه فأقام مختفياً لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق وولي المتوصل فرفع المحنة عن أحمد وأمر بإحضاره وإكرامه وإعزازه وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة وأن القرآن غير مخلوق وخمدت المعتزلة وكانوا أشر الطوائف المبتدعة.
قال أحمد بن عسال: ولما حملت مع أحمد إلى المأمون تلقانا الخادم وهو يبكي ويمسح دموعه وهو يقول: عز علي يا أبا عبد الله ما نزل بك قد جرد أمير المؤمنين سيفاً لم يجرده قط وبسط نطعاً لم يبسطه قط ثم قال وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رفعت السيف عن أحمد وصاحبه حتى يقولا القرآن مخلوق، فجثا أحمد على ركبتيه ولحظ السماء بعينيه ودعا فما مضى الثلث الأول من الليل إلا ونحن بصيحة وضجة فأقبل علينا خادمه وهو يقول صدقت يا أحمد القرآن كلام الله غير مخلوق قد مات والله أمير المؤمنين، وكان قد لقيه قبل أن يدخل المدينة رجل من العباد فقال: احذر يا أحمد أن يكون قدومك مشئوماً على المسلمين فإن الله تعالى قد رضي بك لهم وافداً والناس إنما ينظرون إلى ما تقول فيقولون به فقال أحمد حسبنا الله ونعم الوكيل، ولما سجنوه رضي الله عنه وضعوا في رجليه أربعة قيود وكان ابن أبي داود هو الذي تولى جدال أحمد عن الخليفة وقال للخليفة إن أحمد ضال مبتدع ثم يلتفت إلى أحمد ويقول قد حلف الخليفة ألا يقتلك بالسيف، وإنما هو ضرب بعد ضرب إلى أن تموت، فما زالوا بأحمد رضي الله عنه يناظرونه بالليل والنهار إلى أن ضجر فالخليفة من ذلك، فلما طال بهم الحال قال ابن أبي دؤاد يا أمير المؤمنين اقتله ودمه في أعناقنا فرفع الخليفة يده ولطم بها وجه أحمد، فخر مغشياً عليه، فخاف الخليفة على نفسه وممن كان من الشيعة مع أحمد فدعا بماء فرش منه على وجه أحمد قال أحمد ولما قدمت إلى الضرب والناس بين يدي الخليفة قيام قال: لي إنسان أمسك رأس الخشبتين بيديك وشد عليهما فلم أفهم مقالته، فتخلعت يداي قالوا
(1/47)

ولم يزل أحمد رضي الله عنه يتوجع منهما إلى أن مات رضي الله عنه ولم يزالوا بعد الضرب يقطعون اللحم والجلد من مقاعد أحمد سنين عديدة إلى أن مات رضي الله عنه.
وكان بشر بن الحارث رضي الله عنه يقول: امتحن أحمد بعدما أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر. وقال الهيثم رضي الله عنه كان أحمد رضي الله عنه حجة الله على أهل زمانه والفضل حجة الله على أهل زمانه، وهكذا الأمر في كل زمان، وكان يقول إذا كان في الرجل مائة خصلة من الخير وكان يشرب الخمر محتها كلها، وكان يقول: لا تكتبوا العلم عمن يأخذ عليه عرضاً من الدنيا.
ومرض جاره فلم يعده فقال له ابنه هلا تعود جارنا فقال يا بني إنه لم يعمنا حتى نعوده وكان رضي الله عنه يقول: لم يجئ لأحد من الصحابة في الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأرسل له الخضر فقيراً فقال يا أحمد إن ساكني السماء ومن حول العرش راضون عنك بمن صبرت نفسك لله عز وجل، ومناقبه كثيرة مشهورة.
توفي رضي الله عنه سنة إحدى وأربعين ومائتين وقد استكمل سبعاً وسبعين سنة. ولما مرض رضي الله عنه اجتمع الناس والدواب على بابه لعيادته حتى امتلأت الشوارع والدروب، ولما قبض صاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء وارتجت الدنيا لموته، وخرج أهل بغداد إلى الصحراء يصلون عليه فحزروا من حضر جنازته من الرجال ثمانمائة ألف ومن النساء ستون ألف امرأة سوى من كان في الأطراف والسفن والأسطحة فإنهم بذلك يكونون أكثر من ألف ألف وفي رواية بلغوا الذي ألف وخمسمائة ألف، وأسلم يومئذ عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو محمد سفيان بن عيينة
رضي الله عنه
حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين وكتب الحديث وهو ابن سبع سنين وكان يقول: من لا تنتفع به فلا عليك أن لا تعرفه وكتب مرة إلى أخ له أما آن لك يا أخي أن تستوحش من الناس ولقد أدركنا الناس وهم إذا بلغ أحدهم الأربعين سنة جن عن معارفه وصار كأنه مختلط العقل من شدة تأهبه للموت وكان إذا أعطاه الناس شيئاً يقول أعطوه لفلان فإنه أحوج مني وكان يقول: من صبر على البلاء ورضي بالقضاء فقد كمل أمره وكان يقول: بحسب امرئ من الشر أن يرى من نفسه فساداً لا يصلحه، وكان يقول: خصلتان يعسر علاجهما ترك الطمع فيما بأيدي الناس، وإخلاص العمل لله، وكان يقول: إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل فماذا أصنع بالعلم الذي كتبت، وكان يقول بمن زيد في عقله نقص من رزقه، وكان يقول: لا إله إلا الله بمنزلة الماء في الدنيا فمن لم يكن معه لا إله إلا الله فهو ميت ومن كانت معه فهو حي، وكان يقول: ما أنعم الله عز وجل على العباد نعمة أفضل من أن عرفهم لا إله إلا الله وإن لا إله إلا الله في الآخرة كالماء في الدنيا، وكان يقول: فسر حديث: " من كشنا فليس منا " ونحوه على أن المراد ليس هو على هدينا وحسن طريقتنا فقد أساء الأدب فإن السكوت عن تفسيره أبلغ في الزجر وكان رضي الله عنه يقول: الزهد في الدنيا هو الصبر وارتقاب الموت، وقال: حرملة أخرج لي سفيان بن عيينة رغيف شعير من كمه، وقال لي: دع ما يقوله الناس فإنه طعامي منذ ستين سنة، وكان رضي الله عنه يقول: ليس من حب الدنيا طلبك ما لا بد منه، وكان يقول: ماء زمزم بمنزلة الطيب لا يرد، وكان يقول: إذا كانت نفس المؤمن متعلقة بدينه حتى يقضي فكيف بصاحب الغيبة فإن اللين يقضي والغيبة لا تقضي ولو أن رجلا أصاب من مال رجل شيئاً ثم تورع عنه بعد موته فجاء به إلى ورثته لكنا نرى أن ذلك كفارات له ولو أنه اغتابه ثم تورع وجاء بعد موته إلى ورثته وإلى جميع أهل الأرض فجعلوه في حل ما كان في حل فعرض المؤمن أشد من ماله، وكان يقول: وصى الخضر موسى عليهما السلام أن لا يعير أحداً بذنب، وكان رضي الله عنه يقول: إن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام سراً وللعلماء رضي الله عنهم سراً، وإن للملوك سراً فلو أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أظهروا سرهم للعامة لفسدت النبوة، ولو أن العلماء رضي الله عنهم أظهروا سرهم للعامة لفسدت عليهم، ولو أن الملوك أظهروا سرهم للعامة لفسد ملكهم، وكان رضي الله عنه يقول العلم إن لم ينفعك ضرك وكان إذا فرغ من صلاته يقول: اللهم اغفر لي ما كان فيها وكان يقول: لا يكون طالب العلم عاقلا حتى يرى نفسه دون كل المسلمين وكان يقول: إذا لم تصل حقك إلا بالخصومة والسلطان فدعه لما ترجو من
(1/48)

سلامة دينك وكان يقول: كم من شخص يظهر الزهد في الدنيا والله مطلع على قلبه أنه محب لها، وكان رضي الله عنه يقول كتمان الفقر مطلوب لأنه من الأعمال الصالحة وذلك من أشد ما يكون على النفس وكان رضي الله عنه بقول: الجهاد عشرة فجهاد العدو واحد وجهاد النفس تسعة وكان رضي الله عنه يقول: إنما عرفوا لأنهم أحبوا أن لا يعرفوا، وكان يقول: ائتوا الصلاة قبل النداء ولا تكونوا كالعبد السوء لا يأتي للصلاة حتى يدعى إليها، وكان رضي الله عنه يقول: ما عليك أضر من علم لا تعملي به وكان يقول: شرار من مضي عام أول خير من خياركم اليوم، وكان رضي الله عنه يقول: أن الزمان الذي يحتاج الناس فيه إلى مثلنا لزمان سوء. ولد رضي الله عنه في الكوفة سنة سبع ومائة وسكن مكة وتوفي فيها سنة ثمان وتسعين ومائة ودفن بالحجون وهو ابن إحدى وتسعين سنة رضي الله عنه.

ومنهم شعبة بن الحجاج
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كانوا يسمونه أمير المؤمنين في الرواية والحديث: وكان رضي الله عنه يقول: والله أن الشيطان صار يلعب بالقراء كما يلعب الصبي بالجوز فكيف بغير القراء، وكان قد عبد الله تعالى حتى جف جلده على عظمه فليس بينهما لحم، وكان يصوم الدهر كله، وكان يعيب على من يلبس ثوباً بثمانية دراهم ويقول هلا اشتريت قميصاً بأربعة وتصدقت بأربعة فقيل له إنا مع قوم نتجمل لهم، فقال: أيش نتجمل لهم، وكان إذا مر بسائل يذهب إلى البيت فيخرج له كل ما وجده، وكان يقول: لأصحابه: لولا سؤالي للمحاويج والفقراء ما جلست مع أحد وكانت ثيابه شعبة لونها لون التراب، وكان إذا حك جلده انتثر منه التراب، وكان رضي الله عنه إذا لم يجد شيئاً عيه للسائل أعطاه حماره ومشى، وكان إذا قعد في زورق أعطى الأجرة عن جميع من فيه، وقوموا حمار شعبة وسرجه ولجامه بسبعة عشر درهماً، وقوموا ثيابه فلم تساو عشرة دراهم، وهي قميص وإزار ورداء وأرسل له المهدي ثلاثين ألف درهم ففرقها في المجلس ولم يأخذ منها درهماً، وإن أهله لمحتاجون إلى رغيف. توفي رضي الله عنه بالبصرة وهو ابن سبع وتسعين سنة، سنة ستين ومائة، والله أعلم.

ومنهم مسعر بن كدام بكسر الكاف
رضي الله عنه
وكان يقول: إن لله تعالى عباداً لو يعلمون بما ينزل القدر لاستقبلوه استقبالا حباً لربهم ولقدره، فكيف يكرهونه بعد ما وقع، وكان إذا فتح المصحف ورأى فيه قصة قوم عذبهم الله يقول: إلهي قد دخلت رحمتهم قلبي فإن شئت فاغفر لي وإن شئت عذبني وكان يقول لا تقعدوا فراغاً فإن الموت يطلبكم وكان ينشد الشعر عقب الصلاة، ويقول: إن النفس تكون هكذا وهكذا وسئل رضي الله عنه من أفقه أهل المدينة فقال: أفقههم أتقاهم لله عز وجل، وكان لا ينام كل ليلة حتى يقرأ نصف القرآن فإذا فرغ من ورده لف رداءه ثم هجع هجعة خفيفة، ثم يثب مرعوباً كالرجل الذي ضل منه شيء عزيز فهو يطلبه فيستاك ثم يتطهر ويستقبل القبلة إلى الفجر، وكان رضي الله عنه يجتهد في إخفاء عمله وكان يقول: أشتهي أن أسمع صوت باكية حزينة وقيل له أتحب أن يخبرك الرجل بعيوبك فقال: إن كان ناصحاً فنعم وإن كان يريد أن ينقصني فلا وكان رضي الله عنه إذا خطر على باله يوم القيامة يبكي حتى يرثي له الحاضرون، وكان رضي الله عنه يخدم أمه ويقول: لولا أمي ما فارقت المسجد إلا لما لا بد منه، وكان رضي الله عنه: إذا دخل بكى وإذا خرج بكى وإذا صلى بكى وإذا جلس بكى. ودخل عليه سفيان الثوري رضي الله عنه في مرض موته فقال له: ما هذا الجزع يا مسعر والله لوددت أني مت الساعة فقال له مسعر رضي الله عنه إنك إذن لواثق بعملك يا سفيان لكني والله كأني على شاهق جبل لا أدري أين أهبط فبكى سفيان رضي الله عنه وقال: أنت أخوف لله عز وجل مني يا أخي، وكان سفيان إذا حدث عنه يقول: أخبرني أبو سلمة بقول يستحي أن يقول مسعر وكان في جبهته مثل ركبة العنز من السجود، وكان يقول: لا ينبغي أن يثني علي عالم وهو يقبض جوائز السلطان ويبني بيته بالآجر. وطلبت أمه بعد العشاء شربة ماء فخرج فجاء بالكوز فوجدها نامت فبقي الكوز على يده إلى الصباح ينتظر استيقاظها. ولما طلبه أبو جعفر المنصور ليوليه القضاء قال له: مهلا يا أمير المؤمنين إن أهلي يطلبون حاجة بدرهم فأقول لهم أنا أشتري لكم فيقولون لا نرضى بشرائك فإذا كان أهلي لا يرضون بشرائي لهم حاجة بدرهم يوليني أمير المؤمنين القضاء فأعفاه وقال
(1/49)

له: لو كان في المسلمين مثلك يا مسعر لخرجت إليه ماشياً، وكان يقول: من يرضى بالخل والبقل لم يستعبده الناس، وكان يقول: مضاحكة الوالدين على الأسرة أفضل من مجاهدة السيوف في سبيل الله تعالى وكان إذا جاءه أحد يسأله الدعاء يقول له: ادع أنت حتى أؤمن أنا فإن الدعاء من صاحب الحاجة.
قلت: وهكذا بلغنا عن معروف الكرخي وكان مشهوراً بإجابة الدعوة والله تعالى أعلم وكان يقول شكوى العارف للطبيب ليست شكوى في ربه لأنه إنما يذكر للطبيب قدرة الله فيه وكان رضي الله عنه يقول: اللهم من ظن بنا خيراً أو ظننا به خيراً فصدق ظننا وظنه ويبكي، وكان يقول: قيام الليل نور للمؤمن يوم القيامة يسعى بين يديه ومن خلفه وصيام النهار يبعد العبد من جر السعير، وكان كثير البكاء فقيل له: في ذلك فقال وهل خلقت النار إلا لمثلي وكان يدعو على من آذاه أن يجعله الله محدثاً أو مفتياً، وكان رضي الله عنه يقول: ينادي مناد يوم القيامة يا مادح الله قم فلا يقوم إلا من كان يكثر قراءة قل هو الله أحد، وكان يقول أعرف الناس بعور الناس الأعور. توفي رضي الله عنه بالكوفة سنة خمس وخمسين ومائة رضي الله عنه.

ومنهم علي والحسين ابنا صالح بن حي
رضي الله تعالى عنهما
كانا من العباد والزهاد وقسما الليل ثلاثة أجزاء فكان علي يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم بعده الحسين ثم ينام وتقوم أمهما الثلث الآخر، فلما ماتت قسما ثلثها عليهما. فكانا يقومان الليل كله، ثم مات علي فقام الحسين الليل كله وكان كل واحد يقرأ في قيامه بثلث القرآن، كذلك فلما ماتت أمه وعلي كان الحسين يختم كل ليلة القرآن، وكان الحسين رضي الله عنه إذا لم يجد شيئاً يعطيه للسائل في داره يعطيه شعلة نار ويقول: امض بها إلى منزل قوم عسى أن يعطوك شيئاً فتتبلغ به، وكان إذا أراد أن يغط أحداً لا يشافهه بالوعظ، وإنما يكتب ذلك إليه في ورقة ويدفعها، وكان رضي الله عنه يقول: صاحب التخليط لا يفلح أبداً، وسأله رجل عن الدليل على قولهم الكريم لا يستقصي فقال: دليله قوله تعالى: " عرف بعضه وأعرض عن بعض " " التحريم: 3 " وكان يقول: إذا لم يخش العالم ربه فليس بعالم، وكان يقول: لا ينبغي لمؤمن أن لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم ولا يمشي إلا بنية صالحة.
وكان رضي الله عنه يقول: أنا أستحي من الله تعالى أن أتكلف النوم حتى يكون النوم هو الذي يصرعني، وكان لا يقبل من أحد شيئاً، وكان يقول: قال سعيد بن المسيب من لزم المسجد وقبل كل ما يعطاه فقد ألح في المسألة، وكان رضي الله عنه يقول: أول من نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل فارس جني في صورة كلب، وذلك أنه أتى إلى كلب من كلاب فارس، فقال: أطعمني وأنا أخبرك خبراً فأطعمه، فقال محمد صلى الله عليه وسلم مات، قال رضي الله عنه: وسئل سعيد بن المسيب رضي الله عنه ما يستر المصلي، قال: التقوى قيل فما يقطع الصلاة قال بالفجور وكان ولده يجيء إليه في المسجد فيقول: أنا جيعان فيعلله حتى يروح، وكانت له جارية يأكل من غزلها الخبز الشعير، وكان رضي الله عنه يتخم الدم من شدة الخوف، وكان يقول فتشنا الورع فلم نجده في شيء أقل منه في اللسان، وكان إذا أشرف على المقابر يخر مغشياً عليه، وكان إذا ذهب إلى جنازة ورأى الميت وهم يدخلونه القبر يغشى عليه فلا يرجع إلا محمولا في سرير الميت، وكان إذا بكى سمع الناس صراخه كبكاء أهل المصائب، وكان يقول: العمل بالحسنة قوة في البدن ونور في القلب وضوء في البصر، والعمل بالسيئة وهن في البدن، وظلمة في القلب، وعمى في البصر، وكان يقول: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يفرح إذا زوى الله عنه الدنيا وأعطاها لأقرانه.
توفي علي رضي الله عنه بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة، وتوفي بعده الحسين بثلاث عشرة سنة رضي الله عنهما.

ومنهم عبد الله بن المبارك
رضي الله تعالى عنه ورحمه آمين
ولد رضي الله عنه سنة ثمان عشرة ومائة، وكانوا يقدمونه في الأدب على سفيان الثوري رضي الله عنه، وكان سفيان الثوري رضي الله عنه يقول: جهدت جهدي على أن أدوم ثلاثة أيام في السنة على ما عليه ابن المبارك فلم أقدر، وكان يقدم النظر في سير الصحابة والتابعين على مجالسة علماء عصره، وكان يقول: إذا كانت سنة مائتين ففروا من الناس إلا لحضور واجب، وكان يقول: إذا تعلم أحدكم من القرآن ما يقيم به صلاته فليشتغل بالعلم فإن به تعرف معاني القرآن، وكان رضي الله عنه يقول: ما بقي في زماننا أحد أعرف أنه يأخذ النصيحة
(1/50)

بانشراح قلب، وكان يقول: من شرط العالم أن لا تخطر محبة الدنيا على باله. وقيل له من سفلة الناس، قال: الذين يتعيشون بدينهم، وكان يقول: كيف يدعي رجل أنه أكثر علماً وهو أقل خوفاً وزهداً، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة من عرف نفسه أن يكون أذل من الكلب، وكان يقول: من ختم نهاره بذكر، كتب نهاره ذاكراً، وكان يتحرى هذا العمل، وكان يقول: رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية، وكان رضي الله عنه يتمثل بهذين البيتين من كلامه:
وهل بدل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
لقد رتع القوم في جيفة ... يبين لذي العلم إنتانها
وكان رضي الله عنه يقول: مسكين ابن آدم، قد وكل به خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهاراً، وكان إذا اشتهى شيئاً لا يأكله إلا مع ضيف ويقول: بلغنا أن طعام الضيف لا حساب عليه قالوا: وكانت سفرة المبارك تحمل على عجلة أو عجلتين وقال: أبو إسحاق الطالقاني رأيت بعيرين مملوءين دجاجاً مشوياً لسفرة ابن المبارك وكان رضي الله عنه يطعم أصحابه الفالوذج والخبيص ويظل هو نهاره صائماً، وما دخل رضي الله عنه الحمام قط، وقيل له مرة قد قل المال فقلل من صلة الناس.
فقال: إن كان المال قد قل فإن العمر قد نفد، وكان رضي الله عنه يقول: أربع كلمات انتخبن من أربعة آلاف حديث لا تثقن بامرأة ولا تغترن بمال ولا تحمل معدتك ما لا تطيق وتعلم من العلم ما ينفعك فقط، وكان إذا بلغه عن أصحابه أنهم أضافوا إليه مسألة يرسل إليهم بكشطها بالسكين، ويقول: من أنا حتى يكتب قولي، وكان يقول: كن محباً للخمول كارها للشهرة، ولا تحب من نفسك أنك تحب الخمول فترفع نفسك، وكان يقول دعواك الزهد من نفسك يخرجك عن الزهد، وكان يقول سلطان الزهد، أعظم من سلطان الرعية لأن سلطان الرعية لا يجمع الناس إلا بالعصا، والزاهد ينفر من الناس فيتبعوه، ولما قدم هارون الرشيد الرقة ورد عبد الله بن المبارك فانجفل الناس إليه وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج قصر الخشب، فلما رأت الناس وكثرتهم قالت: ما هذا قالوا عالم خراسان فقالت: والله هذا هو الملك لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس إليه بالسوط والعصا والشرط والأعوان، وكان إذا قرأ شيئاً من كتب الوعظ كأنه بقرة منحورة من البكاء لا يجترئ أحد يدنو منه ولا يسأله عن شيء، وقيل له إن جماعة من أهل العلم يأخذون من الناس الزكوات فقال: فما نصنع إن منعناهم، وقفوا عن طلب العلم وهان رخصنا لهم حصلوا العلم وتحصيل العلم أفضل، وكان يقول: لأن أرد درهماً من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بستمائة ألف ألف، وقيل له ما التواضع قال التكبر على الأغنياء، وبلغ ابن المبارك عن إسماعيل بن علية أنه قد ولي الصدقات فكتب إليه ابن المبارك:
يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال السلاطين
احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنوناً بها بعدما ... كنت دواء للمجانين
أين رواياتك والقول في ... لزوم أبواب السلاطين
إن قلت كرهت فما هكذا ... زل حمار الشيخ في الطين
وذكر لعبد الله ما كان عليه يوسف بن أسباط من العبادة فقال: لقد ذكرتم قوماً يستشفي بذكرهم ولكن إن فعل الناس جميعهم ذلك فمن لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لعيادة المرضى وشهود الجنائز، وعد أنواعاً من القرب وقيل له: كيف تعلم الملائكة أن الإنسان قد هم بحسبه؟ فقال رضي الله عنه يجدون ريحها، وكان يقول: عجبت طالب العلم كيف تدعوه نفسه إلى محبة الدنيا مع إيمانه بما حمل من العلم، وكان يقول: إن الرحمة تنزل عند ذكر الصالحين. ورجع رضي الله عنه من مرو إلى الشام في رد قلم كان أستعاره ونسيه في رحله، وكان يقول: كاد الأدب أن يكون ثلثي الدين وكان قليل الخلاف على أصحابه وينشد:
وإذا تصحب فاصحب ماجداً ... ذا عفاف وحياء وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم
وكان يقول على العاقل أن لا يستخف بثلاثة: العلماء والسلطان والإخوان فإن من استخف بالعلماء ذهبت
(1/51)

آخرته ومن استخف بالسلطان ذهبت دنياه ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته. وكان يقول: لا يقول أحدكم ما أجرأ فلاناً على الله تعالى فإن الله تعالى أكرم من أن يجترأ عليه، ولكن ليقل ما أغر فلاناً بالله، وكان يقول: محارم الرجال في اللحى والأكمام ومحارم النساء تحت القميص، وكان يقول ليس من الدنيا إلا قوت اليوم فقط. وكان يقول ما أودعت قلبي شيئاً قط فخانني. وكان ينشد إذا ودع شخصاً.
وهون وجدي أن فرقة بيننا ... فراق حياة لا فراق ممات
وكان رضي الله عنه يقول: لا يخرج العبد عن الزهد إمساك الدنيا ليصون بها وجهه عن سؤال الناس وقيل له: إن شيبان يزعم أنك مرجئ، فقال: كذب شيبان أنا خالفت المرجئة في ثلاثة أشياء فإنهم يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل، وأنا أقول هو قول وعمل، ويزعمون أن تارك الصلاة لا يكفر وأنا أقول: إنه يكفر، ويزعمون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وأنا أقول إنه يزيد وينقص.
توفي رضي الله عنه سنة إحدى وثمانين ومائة ودفن بهيت مدينة معروفة على الفرات لما رجع من الغزو وكانت إقامته بخراسان رضي الله عنه ومولده سنة ثمان عشرة ومائة رضي الله عنه.

ومنهم عبد العزيز بن أبي رواد
رضي الله تعالى عنه
ذهب بصره عشرين سنة فلم يعلم به أهله ولا ولده وقال شعيب بن حرب جلست إلى عبد العزيز خمسمائة مجلس ما أحسب أن صاحب الشمال كتب عليه شيئاً، وقال: يوسف بن أسباط مكث عبد العزيز أربعين سنة لم يرفع طرفه إلى السماء، وقيل له: كيف أصبحت فبكى، فقيل له: في ذلك فقال: كيف حال من هو في غفلة عظيمة عن الموت مع ذنوب كثيرة قد أحاطت به وأجل يسرع كل ساعة في عمره ولا يدري أيصير إلى جنة أم إلى نار. توفي رضي الله عنه بمكة سنة تسع وخمسين ومائة.

ومنهم أبو العباس بن السماك
رضي الله تعالى عنه
كان يقول من شرط الزاهد أن يفرح بتحويل الدنيا عنه وكان يقول: قد صمت الآذان في زماننا هذا عن المواعظ وذهلت القلوب عن المنافع فلا الموعظة تنفع ولا الواعظ ينتفع، وكان يقول: يا أخي هب أن الدنيا كلها في يديك فانظر ما في يديك منها عند الموت، وكان يقول: كم من مذكر لله تعالى وهو له ناس وكم من داع إلى الله تعالى وهو فار من الله تعالى وكم من تال لكتاب الله تعالى وهو منسلخ من آيات الله تعالى.
وتوفي رضي الله عنه بالكوفة سنة ثلاث وثمانين ومائة.

ومنهم أبو عبد الرحمن محمد بن النضر الحارثي
رضي الله عنه
كان كثير العبادة راقبه شخص أربعين يوماً وليلة فما رآه نائماً لا ليلا ولا نهاراً، وقال يوسف بن أسباط شهدت غسل أبي عبد الرحمن حين مات فلو أخرج كل لحم عليه ما بلغ رطلا، وشغلته العبادة عن الرواية فكان إذا ذكر الآخرة اضطربت مفاصله ويقول: يا سلام سلم رضي الله عنه.

ومنهم محمد بن يوسف الأصفهاني
رضي الله تعالى عنه
كان ابن المبارك رضي الله عنه يسميه عروس العباد والزهاد، وكان يقول: لنفسه هب أنك قاض فكان يكون ماذا؟ هب أنك عالم فكان يكون ماذا؟ هب أنك محدث فكان يكون ماذا؟ الأمر من وراء ذلك، وكان إذا رأى نصرانياً كرمه وأضافه وأتحفه يبتغي بذلك ميله إلى الإسلام وكان رضي الله عنه يقول: ذهب أصحابنا إلى رحمة الله تعالى ودفنا نحن إلى حشوش هذه الدنيا، وبعثوا إليه بمال ليفرقه فأبى وقال: السلامة مقدمة وكان رضي الله عنه لا ينام الليل لا شتاء ولا صيفاً لكن يتمدد بعد طلوع الفجر ساعة ثم يقوم ويتوضأ وكان إذا أصبح كأن وجهه وجه عروس.
توفي رضي الله عنه وهو ابن نيف وثلاثين سنة في سنة أربع وثمانين ومائة رضي الله عنه.

ومنهم يوسف بن أسباط
رضي الله تعالى عنه
كان يقول غاية التواضع أن تخرج من بيتك فلا ترى أحداً إلا رأيت أنه خير منك، وكان رضي الله عنه يقول: لو أن شخصاً ترك الدنيا كما تركها أبو ذر وأبو الدرداء ما قلت له زاهداً، وذلك أن الزهد لا يكون لا في الحلال المحض والحلال المحض لا يعرف اليوم وأقام أربعين سنة ليس له إلا قميصان إذا غسل أحدهما لبس الآخر، وكان يعمل الخوص بيده ويتقوت حتى مات رضي الله عنه. ومرض مرة فأتوه بطبيب من أطباء الخليفة وهو لا يعلم فلما أراد الانصراف أعلموه فقال له: ما عادته فقالوا دينار فقال: أعطوه هذه الصرة ففتحوها فإذا فيها خمسة عشر
(1/52)

دينار، فقال: أعطوها له، وقال: إنما فعلت ذلك لئلا يعتقد أن الخليفة كبر مروءة من الفقراء، وكان يقول: ما أحسب أن أحداً يفر من الشر إلا وقع في أشر منه فاصبروا حتى يحوله الله تعالى عنكم بفضله، وكان يقول: من قرأ القرآن ثم مال إلى محبة الدنيا فقد اتخذ آيات الله هزواً، وكان يقول العالم يخشى أن يكون خير أعماله أضر عليه من ذنوبه، وكان رضي الله عنه يقول: دخلت المصيصة فأقبل أهلها علي فما وجدت قلبي إلا بعد سنتين.
توفي سنة نيف وتسعين ومائة وليس على جسمه أوقية لحم رضي الله تعالى عنه.

ومنهم حذيفة المرعشي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان رضي الله عنه يقول: والله لو قال لي إنسان والله ما عملك عمل من يؤمن بيوم الحساب، لقلت له صدقت فلا تكفر عن يمينك، وكان يقول إن لم تخف أن يعذبك الله على خير أعمالك فأنت هالك، وكان يقول: لولا أخشى أن أتصنع لأخي فلان لاجتمعت به ولكن بلغوه عني السلام وكان يقول لا أعلم شيئاً من أعمال البر أفضل من لزوم المرء بيته ولو كانت لي حيلة في عدم الخروج إلى هذه الفرائض تخلصني لفعلت.
توفي رضي الله عنه سبع ومائتين.

ومنهم اليمان بن معاوية الأسود
رضي الله تعالى عنه
كان يقول: كل إخواني خير مني لأنهم كلهم يرون لي الفضل عليهم، وكان يقول: يقبح علي حامل القرآن أن يسعى في تحصيل أقل من جناح بعوضة أو يزاحم عليها، وكان قد ذهب بصره فكان إذا أراد أن يقرأ في المصحف رد الله عليه بصره فإذا رد المصحف ذهب بصره واستطال شخص في عرضه فمنعه الناس، فقال دعوه يشتفي ثم قال: اللهم اغفر لي الذنب الذي سلطت به على هذا وكان يلتقط الخرق من المزابل ويغسلها ثم يطبقها على بعضها ويستر بها عورته، ويقول: أمامنا اللبس إن شاء الله في دار البقاء، رضي الله تعالى عنه.

ومنهم مسلم بن ميمون الخواص
رضي الله تعالى عنه
مات بطبرية رضي الله عنه وكان رضي الله عنه يقول: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة فقلت لنفسي اقرئيه كأنك تسمعينه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حلاوته، ثم أردت زيادة فقلت اقرئيه كأنك تسمعينه من جبريل عليه السلام ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم فزادت حلاوته، ثم قلت اقرئيه كأنك تسمعينه من رب العالمين فجاءت الحلاوة كلها، وكان يقول: عن طلب الحلال لم يجد رغيفاً كاملا يخرجه لضيف رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبيدة الخواص
رضي الله تعالى عنه
كتب مرة إلى إخوانه إنكم في زمان قل فيه الورع وحمل العلم فيه مفسدة، وأحبوا أن يعرفوا بحمله وكرهوا أن يعرفوا بإضاعة العمل به فنطقوا فيه بالرأي ليزينوا ما دخلوا فيه من الخطايا فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها، ومكث رضي الله تعالى عنه سبعين سنة لم يرفع بصره إلى السماء حياء من الله عز وجل، وكان لا يستطيع أن يقرأ سورة القارعة ولا أن تقرأ عليه رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو بكر بن عياش
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان رضي الله تعالى عنه يقول: مسكين محب الدنيا يسقط منه درهم فيظل نهاره يقول: إنا لله وإنا إليه راجعوا وينقص عمر، ودينه ولا يحزن عليه، وكان يقول: أدنى ضرر المنطق الشهرة وكفى بها بلية وكان زاهداً ورعاً وكان رضي الله عنه يقول: رأيت عجوزاً مشوهة حدباء تصفق بيديها وحواليها خلق يتبعونها ويصفقون فلما جاوزتني أقبلت علي وقالت آه لو ظفرت بك صنعت بك ما صنعت بهؤلاء ثم بكى، وكان يقول ختمت ثمانية وعشرين ألف ختمة وأود لو كانت سبباً للصفح عن زلة واحدة وقعت فيها.
توفي رضي الله عنه سنة ثلاث وتسعين ومائة وله ثلاث وتسعون سنة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو علي الحسين بن يحيى النخشبي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان رضي الله عنه يقول: ما في جهنم من دار ولا مغار ولا قيد ولا غل ولا سلسلة إلا واسم صاحبها مكتوب عليها فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان رضي الله عنه يقول من حكمة لقمان: لا يطأ بساطك إلا راغب أو راهب فأما الراهب منك فأدن مجلسه وتهلل في وجهه وإياك والغمز من ورائه وأما الراغب فيك فأظهر له البشاشة مع صفاء الباطن وأبذل له النوافل قبل السؤال فإنك متى ألجأته إلى السؤال أخذت من حر وجهه ضعفي ما أعطت رضي الله تعالى عنه.

ومنهم وكيع بن الجراح
رضي الله تعالى عنه ورحمه
وكان رضي الله تعالى عنه
(1/53)

يقول: الزهد لا يكون إلا في الحلال والحلال قد فقد فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة وخذ منهاه يقيمك فإن كانت حلالا كنت قد زهدت فيها وإن كانت حراماً كنت أخذت منها ما يقيمك لأنه هو الذي يحل لك منها وإن كانت شبهات كان عتابها يسيراً. قلت: وقوله فقد أي بالنظر لحاله ومقامه فإنهم كانوا يعمون التفتيش لعاشر يد قبله واجباً ومن لم يفتش لعاشر يد لا يأكلون له طعاماً والله تعالى أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: طريق الله بضاعة لا يرتفع فيها إلا صادق وكان يصوم الدهر ويختم القرآن كل ليلة، وكان إذا آذاه شخص يرفع التراب علي رأس نفسه، ويقول: لولا ذنبي ما سلطت هذا علي ثم يكثر من الاستغفار حتى يسكن ذلك المؤذي عنه.
ولد رضي الله عنه سنة تسع وعشرين ومائة وتوفي سنة سبع وتسعين ومائة ودفن بطريق العراق حين رجع من الحج وله ست وستون سنة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم عبد الرحمن بن مهدي
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله تعالى عنه يختم القرآن كل ليلة ويتهجد بنصف القرآن، وكان إخوانه إذا جلسوا عنده كأنما على رؤوسهم الطير، وضحك واحد منهم في حلقته يوماً فقال: يطلب أحلى كم العلم وهو يضحك، لا يجلس هذا معي شهرين، فمنعه حضور شهرين، ثم استغفر فقال له: إنما ينبغي طلب العلم والعبد يبكي لأنه يريد به إقامة الحجة على نفسه وقل أن يريد به العمل وقام ليلة إلى الصباح ثم رمى بنفسه على الفراش فنام من لينه عن صلاة الصبح فمنع الفراش شهرين وكان يقول لا أغبط اليوم إلا مؤمناً في قبره.
ولد سنة خمس وثلاثين ومائة وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم محمد بن أسلم الطوسي
رضي الله تعالى عنه
كان يقول عليكم باتباع السواد الأعظم قالوا له من السواد الأعظم، قال: هو الرجل العالم أو الرجلان المتمسكان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته، وليس المراد به مطلق المسلمين، فمن كان مع هذين الرجلين أو الرجل وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فقد خالف أهل الجماعة، وكان يخفي عمله التطوع ويقول لو أمكنني أن أخفيه عن الملكين لفعلت، وكان إذا دخل داره يبكي حتى يرحمه جيرانه فإذا خرج غسل وجهه واكتحل، وكان يخرج بصدقته بالليل وهو متلثم لا يعرفه أحد، وكان يأكل الشعير الأسود ويقول: أنه يصير إلى الكنيف يعني البطن، وكان يقول: لو أن أحدكم اشترى طعاماً وبالغ في طيب طعمه ورائحته، ثم ألقاه في الحش لقلتم هذا مجنون وأحدكم ليلا ونهاراً يطرح ذلك في الحش يعني بطنه فلا يضحك على نفسه. توفي رضي الله تعالى عنه سنة ست وعشرين ومائتين رضي الله تعالى عنه.

ومنهم محمد بن إسماعيل البخاري
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله تعالى عنه من العلماء العاملين تستنزل الرحمة عند ذكره كان صائم الدهر وجاع حتى انتهى أكله كل يوم إلى تمرة أو لوزة ورعاً وحياء من الله تعالى في تردده إلى الخلاء. ولد رضي الله عنه ببخاري سنة أربع وتسعين ومائة. وتوفي رضي الله عنه ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين ودفن بخرتنك قرية على فرسخين من سمرقند، وكان رضي الله عنه يقول: المادح والذام من الناس عندي سواء، وكان يقول: أرجو أن ألقى الله تعالى ولا يطالبني أني اغتبت أحداً وما اشترى شيئاً ولا باعه قط وكان ورعاً زاهد كان ينام في الظلام وربما قام في الليل نحو العشرين مرة يقدم الزناد ويسرج ويكتب أحاديث، ثم يضع رأسه، وكان يصلي كل ليلة آخر الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر بواحدة منها، وكان يصلي بأصحابه في ليالي رمضان كل ليلة بثلث القرآن ويختم كل ثلاث، ويقول: عند كل ختم دعوة مجابة وما وضع حديثاً في الصحيح إلا وصلى عقبه ركعتين شكراً لله عز وجل، وكان رضي الله عنه يأكل من مال أبيه لكونه حلالا، وكان أبوه يقول ما أعلم من مالي درهماً حراماً ولا شبهة ومناقبه كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم يزيد بن هارون الواسطي
رضي الله تعالى عنه
قال أحمد بن سنان ما رأيت عالماً قط أحسن صلاة منه كان يقوم كأنه أسطوانة، وكان رضي الله عنه يقول: من طلب الرياسة في غير أوانها حرمها وقت أوانها، وكان إذا صلى العشاء لا يزال قائماً يصلي حتى الغداة نيفاً وأربعين سنة، وكانت عيناه جميلتين، فلم يزل يبكي حتى ذهبت إحداهما وعمشت الأخرى، وقال له مرة إنسان أين تلك العينان الجميلتان، فقال ذهب بهما بكاء الأحزان
(1/54)

في الأسحار.
توفي رضي الله عنه سنة ست وثمانين ومائتين رضي الله عنه.

ومنهم يونس بن عبيد
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: يعرف ورع الرجل في كلامه إذا تكلم، وكان رضي الله عنه يقول: البر كله قد يشوبه شيء إلا ما كان من حفظ اللسان، فإنه من البر ولا يشوبه شيء، وذلك لأن الرجل قد يكثر الصلاة والصيام ويفطر على الحرام ولقوم الليل ويرائي بذلك ويقع في اللغو وشهادة الزور، وإذا حفظ لسانه أرجو أن يبر عمله كله، وكان يقول: لو أني وجدت درهماً من حلال لاشتريت به براً ثم جعلته سويقاً ثم سقيته للمرضى، فكل مريض شرب شيئاً شفاه الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سراهما أمر صلاته ولسانه، وكان يقول: ما صلح لسان أحد إلا وصلح سائر عمله، وكان يقول: إني لأعرف مائة خصلة من البر ما في واحدة منها. توفي رضي الله عنه سنة تسع وثلاثين ومائة.

ومنهم عبد الله بن عون
رضي الله تعالى عنه
قال بكار رحمه الله تعالى كان ابن عون يقول: لا ينبغي للعاقل أن يعاتب أحداً في زماننا هذا فإنه أن عاتبه أعقبه بأشد مما عاتبه عليه، وكان ابن بكار يقول: ما رأيت ابن عون يمازح أحداً قط لشغله بنفسه وبما هو صائر إليه، وكان رضي الله عنه إذا صلى الغداة جلس في مجلسه مستقبل القبلة يذكر الله عز وجل إلى طلوع الشمس، ثم يقبل على أصحابه، وكان مالكاً للسانه يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان طيب الريح حسن الملبس وكان يخلو في بيته صامتاً متفكراً وما دخل حماماً قط وكان يكره أن يطلع أحد على شيء من أعماله وأخلاقه الحسنة، وكان ابن مهدي رضي الله عنه يقول: صحبت عبد الله بن عون أربعاً وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة واحدة، وكان باراً بوالديه لم يأكل معهما قط في وعاء فقيل له في ذلك فقال أخاف أن يسبق بصرهما إلى لقمة فآخذها ودعته أمه يوماً في حاجة فأجابها برفع الصوت، فأعتق ذلك اليوم رقبتين كفارة لرفع صوته على صوتها، وكان له ثور كثيرة يبيحها للسكان ولا يكريها لأحد من المسلمين خشية أن يروعهم عند طلب الأجرة.
توفي رضي الله عنه سنة إحدى وخمسين ومائة رضي الله عنه.

ومنهم عبد الله الصوري
رضي الله عنه
كان رضي الله عنه يقول: أعمال الصادقين بالقلوب وأعمال المرائين بالجوارح وكان رضي الله عنه يقول: في القلب وجع لا يبرئه إلا حب الله تعالى وكان رضي الله عنه يقول من ألزم نفسه شيئاً لا يحتاج إليه ضيع من أحواله ما يحتاج إليه، وكان يقول: إذا لم تنتفع بكلامك كيف ينتفع به غيرك، وكان يقول: من تهاون بالسنن ابتلى بالبدع، وكان يقول: من ادعى أنه من أهل الطريق ضعف عن فعل آدابها ولم يمت حتى يفتضح، ومن محي اسمه من أهلها لم يمت حتى تشد إليه الرحال، وكان يقول: كم من يضمر دعوى العبودية ولا تظهر عليه إلا أوصاف الربوبية، وكان يقول من أعظم أخلاق الرجال أن يسلم الناس من سوء ظنك رضي الله عنه.

ومنهم عبد الله بن عبد العزيز العمري
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه متعبداً يسكن المقابر، وكان تاركاً لمجالسة الناس ويقول: ما رأيت أوعظ من قبر ولا أسلم للدين من الوحدة، وكان يقول: من غفلتك عن الله تعالى أن تمر على ما يسخط الله عز وجل فلا تنهى عنه خوفاً من الناس، ومن ترك الأمر بالمعروف خوفاً من المخلوقين نزعت منه هيبة الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه فكيف بمن يسرف في أموال المسلمين. توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة أربع وثمانين ومائة وهو ابن ست وستين سنة رضي الله عنه.

ومنهم أبو إسحاق إبراهيم الهروي
رضي الله تعالى عنه
صحب إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه، وكان من أهل التوكل والتجريد. توفي رضي الله عنه بقزوين، وكان أهل هراة يعظمونه فحج متجرداً فكان من دعائه في تلك الحجة اللهم اقطع رزقي في أموال أهل هراة وزهدهم في وكان بعد رجوعه من الحج يأتي عليه الأيام الكثيرة لا يطعم فيها شيئاً فإذا مر بسوق هراة سبوه وقالوا إن هذا ينفق في كل يوم وليلة كذا وكذا درهماً، وكان يقول أقمت في البادية لا آكل ولا أشرب ولا أشتهي شيئاً فعارضتني نفسي أن لي مع الله عز وجل حالا فلم أشعر أن كلمني رجل عن يميني فقال: يا إبراهيم ترائي الله عز وجل في سرك، ثم قال أتدري كم لي هاهنا لم آكل ولم أشرب ولم أشته شيئاً وأنا زمن مطروح. قلت الله أعلم قال ثمانين
(1/55)

يوماً وأنا أستحي من الله عز وجل أن يقع لي خاطرك ولو أقسمت على الله تعالى أن يجعل لي هذا الشجر ذهباً لفعل فكان ذلك تنبيها لي رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو نعيم الأصفهاني
رضي الله تعالى عنه
صاحب الحلية والطبقات وغيرهما. ولد رضي الله عنه سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وتوفي بأصفهان سنة ثلاثين وأربعمائة عن أربع وتسعين سنة أخرجه أهل أصفهان ومنعوه من الجلوس في الجامع فتولى على أصفهان السلطان محمود بن سكبتين وولى عليهم والياً من قبله ورحل عنها فوثب أهل أصفهان وقتلوه فرجع محمود إليها وأمنهم حتى اطمأنوا ثم قتلهم حتى أتى على أكثر من نصفهم وكانوا يعدون ذلك من كرامات أبي نعيم رضي الله عنه وأملى كتابه الحلية من صدره بعد أن نيف على الثمانين سنة.

فصل في ذكر جماعة من عباد النساء
رضي الله عنهن

منهن معاذة العدوية
رضي الله عنها ورحمها
كانت إذا جاء النهار قالت هذا يومي الذي أموت فيه فما تنام حتى تمسي وإذا جاء الليل قالت هذه ليلتي التي أموت فيها فلا تنام حتى تصبح وكانت إذا غلبها النوم قامت فجالت في الدار وهي تقول يا نفس، النوم أمامك ثم لا تزاد تدور في الدار إلى الصباح تخاف الموت على غفلة ونوم وكانت تصلي في اليوم والليلة ستمائة ركعة ولم ترفع بصرها إلى السماء أربعين عاماً ولما مات زوجها لم تتوسد فراشاً حتى ماتت، أدركت معاذة رضي الله عنها عائشة رضي الله عنها وروت عنها.

ومنهن رابعة العدوية
رضي الله تعالى عنه
كانت رضي الله عنها كثيرة البكاء والحزن وكانت إذا سمعت ذكر النار غشي عليها زماناً. وكانت تقول: استغفارنا يحتاج إلى استغفار وكانت ترد ما أعطاه الناس لها وتقول: مالي حاجة بالدنيا، وكانت بعد أن بلغت ثمانين سنة كأنها شن بال تكاد تسقط إذا مشت، وكان كفنها لم يزل موضوعاً أمامها، وكان بموضع سجودها وكان موضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها.
وسمعت رضي الله عنها سفيان يقول: واحزناه فقالت له: واقلة حزناه ولو كنت حزيناً ما هناك العيش، ومناقبها كثيرة رضي الله تعالى عنها ومشهورة.

ومنهن ماجدة القرشية
رضي الله تعالى عنها
كانت رضي الله عنها تقول: ما حركة تسمع ولا قدم يوضع إلا ظننت أني أموت في أثرها وكانت رضي الله عنها تقول: يا لها من عقول ما أنقصها سكان دار أوذنوا بالنقلة وهم حيارى يركضون في المهلة كأن المراد غيرهم والتأذين ليس لهم ولا عني بالأمر سواهم وكانت رضي الله عنها تقول لم ينل المطيعون ما نالوا من حلول الجنان ورضا الرحمن إلا بتعب الأبدان.

ومنهن السيدة عائشة بنت جعفر الصادق
رحمها الله
المدفونة بباب قرافة مصر رضي الله عنها: كانت رضي الله عنها تقول: وعزتك وجلالك لئن أدخلتني النار لآخذن توحيدي بيدي وأدور به على أهل النار وأقول لهم وحدته فعذبني.
توفيت سنة خمس وأربعين ومائة رضي الله عنها.

ومنهن امرأة رباح القيسي
رضي الله عنها
كانت رضي الله عنها تقوم الليل كله وكانت إذا مضى الربع تقول له قم يا رباح للصلاة فلا يقوم فتقوم، ثم تأتيه وتقول له قم يا رباح فلم يقم فتقوم الربع الآخر، ثم تأتيه وتقول: قم يا رباح فلا يقوم فتقوم الربع الآخر إلى تمام الليل ثم تأتيه وتقول قم يا رباح قد مضى عسكر الليل وأنت نائم، فليت شعري من غرني بك يا رباح ما أنت إلا جبار عنيد.
وكانت رضي الله عنها تأخذ تبنة من الأرض وتقول والله للدنيا أهون علي من هذه وكانت إذا صلت العشاء تطيبت ولبست ثيابها ثم تقول لزوجها: ألك حاجة فإن قال لا نزعت ثياب زينتها وصلت إلى الفجر رضي الله عنها.

ومنهن فاطمة النيسابورية
رضي الله تعالى عنها
كان ذو النون المصري رضي الله عنه يقول: فاطمة أستاذتي وكانت رضي الله عنها تقول من لم يراقب الله تعالى في كل حال فإنه ينحدر في كل ميدان ويتكلم بكل لسان ومن راقب الله تعالى في كل حال أخرسه إلا عن الصدق وألزمه الحياء منه، والإخلاص له وكانت تقول: من عمل لله على مشاهدة الله إياه فهو مخلص وكان أبو يزيد يقول: عنها ما رأيت امرأة مثل فاطمة ما أخبرتها عن مقام من المقامات إلا الخبر كان لها عياناً.
ماتت في طريق العمرة بمكة سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

ومنهن رابعة بنت إسماعيل
(1/56)

رضي الله عنها
كانت تقوم من أول الليل إلى آخره وكانت رضي الله عنها تقول: إذا عمل العبد بطاعة الله تعالى أطلعه الجبار على مساوئ عمله فتشاغل بها دون خلقه وكانت تصوم الدهر وتقول ما مثلي يفطر في الدنيا، وكانت تقول لزوجها لست أحبك حب الأزواج وإنما أحبك حب الإخوان، وكانت تقول ما سمعت الأذان قط إلا ذكرت منادي يوم القيامة ولا رأيت الثلج قط إلا ذكرت تطاير الصحف، ولا رأيت حراً إلا ذكرت الحشر، وكانت رضي الله عنها تقول: ربما رأيت الجن يذهبون ويجيئون وربما رأيت الحور العين يستترن مني بأكمامهن.
ومناقبها كثيرة رضي الله عنها.

ومنهن أم هارون
رضي الله تعالى عنها
كانت من الخائفين العابدين وكانت تأكل الخبز وحده وكانت تقول: ما أنشرح إلا بدخول الليل فإذا طلع النهار اغتممت وكانت تقوم الليل كله وتقول إذا جاء السحر دخل قلبي الروح. وخرجت مرة فسمعت قائلا يقول خذوها فوقعت مغشياً عليها وما دهنت رأسها بدهن منذ عشرين سنة، وكانت إذا كشفت رأسها وجد شعرها أحسن من شعور النساء، وكانت إذا عرض لها الأسد في البرية قالت له: إن لك في رزقاً فكل فيولي راجعاً عنها رضي الله عنها.

ومنهن عمرة امرأة حبيب
رضي الله تعالى عنها
كانت تقوم الليل، كله فإذا جاء السحر قالت لزوجها قم يا رجل قد ذهب الليل وجاء النهار وانقض كوكب الملأ الأعلى وسارت قوافل الصالحين وأنت متأخر لا تدركهم. واشتكت من عينيها مرة فقيل لها ما حال وجع عينيك، قالت وجع قلبي أشد رضي الله تعالى عنها.

ومنهن أمة الجليل
رضي الله تعالى عنها
كانت من العابدات الزاهدات، واختلف مرة العابدون في تعريف الولاية على أقوال فقالوا امضوا بنا إلى أمة الجليل فقالوا لها ما الذي عندك من تعريف الولاية؟ فقالت ساعات الولي ساعات شغل عن الدنيا، ساعة لا يتفرغ منها لشيء دون الله عز وجل ثم قال لواحد منهم من حدثكم أن ولياً لله تعالى له شغل بغير الله تعالى فكذبوه رضي الله عنها.

ومنهن عبيدة بنت أبي كلاب
رضي الله تعالى عنها
كانت تتردد إلى مالك بن دينار.
وسمعت شخصاً يقول لا يبلغ المتقي حقيقة التقوى حتى لا يكون شيء أحب إليه من القدوم على الله عز وجل فخرت مغشياً عليها، وكانت تقول: لا أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت وكان الناس يقدمونها على رابعة رضي الله عنهما.

ومنهن حفيرة العابدة
رضي الله عنها
دخل عليها العابدون رضي الله عنهم يوماً يزورونها فقالت لهم: ما شأنكم قالوا نسألك الدعاء قالت لو أن الخاطئين خرسوا ما تكلمت عجوزكم من البكم ولكن الدعاء سنة، ثم قالت جعل الله قراكم من نبق الجنة، وجعل ذكر الموت مني ومنكم على بال، وحفظ علينا الإيمان إلى الممات وهو أرحم الراحمين.

ومنهن شعوانة
رضي الله تعالى عنها
كانت رضي الله تعالى عنها لا تفتر عن البكاء فقيل لها في ذلك قالت والله لوددت أن أبكي حتى تنقطع دموعي ثم أبكي دماً حتى لا يبقى جارحة من جسدي فيها دم وكانت تقول من لم يستطع البكاء فليرحم الباكين، فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بنفسه وما جنى عليها وما هو سائر إليه، وكانت تبكي وتقول: إلهي إنك لتعلم أن العطشان من حبك لا يروى أبداً، وكانت التي تخدمها تقول من منذ وقع بصري على شعوانة ما ملت قط إلى الدنيا ببركتها ولا استصغرت في عيني أحداً من المسلمين وكان الفضيل بن عياض رضي الله عنه يأتيها ويتردد إليها ويسألها الدعاء.

ومنهن آمنة الرملية
رضي الله عنها
كان بشر بن الحارث رضي الله عنه يزورها ومرض بشر مرة فعادته آمنة من الرملة فبينما هي عنده إذ دخل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه يعوده كذلك فنظر إلى آمنة رضي الله تعالى عنها فقال لبشر من هذه؟ فقال له بشر هذه آمنة الرملية بلغها مرضي فجاءت من الرملة تعودني، فقال أحمد لبشر رضي الله عنهما فاسألها تدعو لنا فقال لها بشر: ادعي الله لنا فقالت اللهم إن بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النار فأجرهما يا أرحم الراحمين، قال الإمام أحمد رضي الله عنه فلما كان من الليل طرحت إلى رقعة من الهواء مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم قد فعلنا ذلك ولدينا مزيد. رضي الله عنهم.

ومنهن منفوسة بنت زيد بن أبي الفوارس
رضي الله تعالى عنها
كانت إذا مات ولدها تضع رأسه على حجرها وتقول والله لتقدمك أمامي خير عندي من تأخرك بعدي ولصبري
(1/57)

عليك أولى من جزعي عليك ولئن كان فراقك حسرة فإن في توقع أجرك لخيرة ثم تنشد قول عمرو بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه.
وإنا لقوم لا تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم الظهر

ومنهن السيدة نفيسة ابنة الحسن
بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم
ولدت رضي الله عنها بمكة وكان مولدها سنة خمس وأربعين ومائة ونشأت في العبادة وتزوجت بإسحاق المؤتمن ورزقت منه بولدين القاسم وأم كلثوم وأقامت رضي الله عنها بمصر سبع سنين وتوفيت إلى رحمة الله تعالى سنة ثمان ومائتين وخرج زوجها من مصر بولديها القاسم وأم كلثوم ودفنوا بالبقيع على خلاف في ذلك، قاله ابن الملقن.
ولما دخل الإمام الشافعي رضي الله عنه مصر كان يتردد إليها، ويصلي بها التراويح في رمضان في مسجدها رضي الله تعالى عنهما.

ولنرجع إلى ما كنا فيه أولا من ذكر أولياء الرجال رضي الله عنهم أجمعين
ومنهم سعدون المجنون
رضي الله تعالى عنه
كان يجن ستة أشهر ويفيق ستة أشهر وكان إذا هاج صعد السطح ونادى بالليل بصوت رفيع يا نيام انتبهوا من رقدة الغفلة قبل انقطاع المهلة فإن الموت يأتيكم بغتة رضي الله عنه.

ومنهم بهلول المجنون
رضي الله تعالى عنه
اجتمع به هارون الرشيد فقال له الرشيد كنت أشتهوي رؤيتك من زمان فقال لكني أنا لم أشتق إليك قط، فقال له عظني فقال بم أعظك هذه قصورهم وهذه قبورهم ثم قال: كيف بك يا أمير المؤمنين إذا أقامك الحق تعالى بين يديه فسألك عن النقير والفتيل. والقطمير وأنت عطشان جيعان عريان، وأهل الموقف ينظرون إليك ويضحكون! فخنقته العبرة وكان بهلول مجاب الدعوة وأمر له الرشيد بصلة فردها عليه، وقال ردها إلى من أخذتها منه قبل أن يطالبك بها أصحابها في الآخرة فلا تجد لهم شيئاً ترضيهم به فبكى الرشيد وكان رضي الله عنه ينشد:
دع الحرص على الدنيا ... وفي العيش، فلا تطمع
ولا تجمع من المال ... فما تدري لمن تجمع
فإن الرزق مقسوم ... وسوء الظن لا ينفع
فقير كل ذي حرص ... غني كل من يقنع

ومنهم أبو علي الفضيل بن عياض
رضي الله تعالى عنه
ابن مسعود بن بشر التميمي ثم اليربوعي خراساني المنشأ من ناحية مرو من قرية تعرف بقندين.
مات بالحرم الشريف سنة سبع وثمانين ومائة رضي الله عنه.
ومن كلامه رضي الله عنه أهل الفضل هم أهل الفضل ما لم يروا فضلهم. وكان يقول من أحب أن يسمع كلامه إذا تكلم فليس بزاهد، وكان يقول: إذا اغتابك عدو فهو أنفع لك من الصديق فإنه كلما اغتابك كان لك حسناته، وكان رضي الله عنه يقول: سيد القبيلة في آخر الزمان منافقها، وهناك يحذر منهم لأنهم داء لا دواء له، وكان رضي الله عنه يقول: فر من الناس غير تارك للجماعة.
وكان رضي الله عنه يقول: ليس هذا زمان فرح إنما هو زمان غموم وكان يقول لكل شيء ديباجة وديباجة القراء ترك الغيبة، وكان يكره لقاء الإخوان مخافة التزين منه ومنهم.
وكان يقول: من فهم معنى القرآن استغنى عن كتابة الحديث، وكان رضي الله عنه يسقي على الدوام وينفق من ذلك على نفسه وعياله. وكان رضي الله عنه يقول: إذ أحب عبداً أكثر غمه في الدنيا، وإذا أبغض عبداً وسع عليه دنياه، وكان يقول لو حلفت أني مراء كان أحب إلي من أن أحلف أني لست بمراء، وكان يقول: لا ينبغي لحامل القرآن أن يكون له حاجة عند أحد من الأمراء والأغنياء إنما ينبغي أن يكون حوائج الخلق إليه هو وكان رضي الله عنه يقول: تباعد من القراء جهدك فإنهم إن أحبوك مدحوك بما ليسر فيك وإن غضبوا شهدوا عليك زوراً وقبل ذلك منهم.
وجلس إليه سفيان بن عيينة فقال له الفضيل: كنتم معاشر العلماء سرجاً للبلاد يستضاء بكم فصرتم ظلمة وكنتم نجوماً يهتدي بكم فصرتم حيرة أما يستحي أحدكم من الله إذا أتى إلى هؤلاء الأمراء وأخذ من مالهم وهو لا يعلم من أين أخذوه، ثم يسند بعد ذلك ظهره إلى محرابه ويقول: حدثني فلان عن فلان فطأطأ سفيان رأسه وقال نستغفر الله ونتوب إليه، وكان يقول: قراء الرحمن أصحاب خشوع وذبول وقراء الدنيا أصحاب عجب وتكبر وازدراء للعامة وكان يقول: الغيبة فاكهة القراء واجتمع
(1/58)

رضي الله عنه هو وشعيب بن حرب في الطواف فقال: يا شعيب إن كنت تظن أنه شهد الموقف والموسم من هو شر مني ومنك فبئس ما ظننت وكان رضي الله عنه يقول من طلب أخاً بلا غيب صار بلا أخ، وكان يقول: لا تؤاخ من إذا غضب منك كذب عليك، وكان يقول: قد بطلت الأخوة اليوم كان الرجل يحفظ أولاد أخيه من بعده ويعولهم حتى يبلغوا رشدهم كأنهم أولاده، وكان يقول: ليس بأخيك من إذا منعته شيئاً طلبه غضب منك، وكان يقول: كان لقمان قاضياً على بني إسرائيل مع كونه عبداً حبشياً لصدقه في الحديث وتركه ما لا يعنيه، وكان يقول طول الصراط خمسة عشر ألف فرسخ فانظر يا أخي أي رجل تكون.
وسأله إسحاق بن إبراهيم أن يحدثه فقال له الفضيل رضي الله عنه: لو طلبت مني الدنانير لكان أيسر علي من الحديث ولو أنك يا مفتون عملت بما علمت لكان لك شغل عن سماع الحديث وكان رضي الله عنه يقول: من قرأ القرآن سئل يوم القيامة كما تسأل الأساء عليهم الصلاة والسلام عن تبليغ الرسالة فإنه وارثهم، وكان يقول عالم الآخرة علمه مستور وعالم الدنيا علمه منشور، فاتبعوا عالم الآخرة واحذروا عالم الدنيا أن تجالسوه فإنه يفتنكم بغروره وزخرفته ودعواه الحمل من غير عمل أو العمل من غير صدق، وكان رضي الله عنه يقول: لو أن أهل العلم زهدوا في الدنيا لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقادت الناس لهم ولكن بذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك مما في أيديهم فذلوا وهانوا على الناس ومن علامة الزهاد أن يفرحوا إذا وصفوا بالجهل عند الأمراء ومن داناهم وكان رضي الله عنه يقول: من عرف ما يدخل جوفه كان عند الله صديقاً، فانظر من أين يكون مطعمك يا مسكين.

ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور
رضي الله عنه
كان من كورة بلخ من أولاد الملوك ومن كلامه رضي الله عنه: من علامة العارف بالله أن يكون أكبر همه الخير والعبادة وأكثر كلامه الثناء والمدحة وكان رضي الله عنه يتمثل كثيراً بهذا البيت:
للقمة بجريش الملح آكلها ... ألذ من تمرة تخشى بزنبور
قلت: ومعنى حشوها بزنبور أن يكون في باطنها علة كأن يعطاها لأجل دينه وصلاحه ولولا ذلك ما أعطاها له فمن أدب هذه أن ترد على صاحبها ولا يقبل إلا ممن يعلم منه أنه يحبه على أي حال كان فهذه هي التي ليس فيها زنبور والله أعلم.
وكان رضي الله عنه يقول: أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان وفي العمل وفي الأجر ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة صفر اليدين.
وصحب رضي الله عنه رجلا فلما أراد أن يفارقه قال له الرجل: إن كنت رأيت في عيباً
فنبهني عليه فقال له إبراهيم: لم أر فيك يا أخي عيباً لأني لاحظتك بعين الوداد فاستحسنت كل ما رأيته منك فاسأل غيري وكان رضي الله عنه يقول: إني لأتمنى المرض حتى لا تجب علي الصلاة في جماعة ولا أرى الناس ولا، يروني وكان يغلق بابه من خارج فيجيء الناس فيجدونه مغلقاً فيذهبون وكان رضي الله عنه يقول في تفسير قوله تعالى: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض " " القصص: 83 " من حب العلو أن تستحسن شسع نعلك على شسع نعل أخيك وكان يقول ثلاثة لا يلامون على ضجر: المريض والصائم والمسافر، وكان يقول: بلغني أن العبد يحاسب يوم القيامة بحضرة من يعرفه ليكون أبلغ في فضيحته وكان يقول: ما صدق الله عبد أحب الشهرة بعلم أو عمل أو كرم، وكان رضي الله عنه إذا لم يجد الطعام الحلال يأكل التراب، ومكث شهراً يأكل الطين وقال: لولا أخاف أن أعين على نفسي ما كان لي طعام إلا الطين حتى أجد الحلال إلى أن أموت وكان يقلل الطعام والأكل ما استطاع ويقول لا يحتمل الحلال للصرف حتى كان يصلي خمس عشرة صلاة بوضوء واحد وكان رضي الله عنه يقول اطلبوا العلم للعمل فإن أكثر الناس قد غلطوا حتى صار علمهم كالجبال وعملهم كالذر وكنت إذا رأيته كأنه ليس فيه روح ولو نفخته الريح لوقع وقال له بعض العلماء عظني، فقال: كن ذنباً ولا تكن رأساً فإن الذنب ينجو والرأس يذهب، وكتب إليه الأوزاعي رحمه الله تعالى إني أريد أن أصحبك يا إبراهيم فكتب إليه إبراهيم رضي الله عنه إن الطير إذا طار مع غير شكله طار الطير وتركه والله أعلم.

ومنهم أبو الفيض ذو النون المصري
رضي الله تعالى عنه
(1/59)

واسمه ثوبان بن إبراهيم وكان أبوه نوبياً توفي سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان رضي الله عنه رجلا نحيفاً تعلوه حمرة وليس بأبيض اللحية. ولما توفي رضي الله عنه بالجيزة حمل في قارب مخافة أن ينقطع الجسر من كثرة الناس مع جنازته ورأى الناس طيوراً خضراً ترفرف على جنازته حتى وصلت إلى قبره رضي الله عنه.
ومن كلامه رضي الله عنه: إياك أن تكون للمعرفة مدعياً أو بالزهد محترفاً أو بالعبادة متعلقاً وفر من كل شيء إلى ربك، وكان يقول: كل مدع محجوب بدعواه عن شهود الحق لأن الحق شاهد لأهل الحق بأن الله هو الحق، وقوله الحق ومن كان الحق تعالى شاهداً له لا يحتاج أن يدعي فالدعوي علامة على الحجاب عن الحق، والسلام، وكان يقول للعلماء أدركنا الناس وأحدهم كلما ازداد علماً ازداد في الدنيا زهداً وبغضاً وأنتم اليوم كلما ازداد أحدكم علماً ازداد في الدنيا حباً وطلباً ومزاحمة وأدركناهم وهم ينفقون الأموال في تحصيل العلم وأنتم اليوم تنفقون العلم في تحصيل المال، وكان يقول: يا معشر المريدين من أراد منكم الطريق فليلق العلماء بإظهار الجهل والزهاد بإظهار الرغبة والعارفين بالصمت.
قلت وذلك ليزيده العلماء علماً والزهاد زهداً والعارفون معرفة قال الله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " " التوبة: 60 " الآية. وسئل رضي الله عنه عن السفلة من الخلق من هم فقال من لا يعرف الطريق إلى الله تعالى ولا يتعرفه وكان يقول سيأتي على الناس زمان تكون الدولة فيه للحمقى على الأكياس.
قلت: والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله تعالى الأماني والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت وكان يقول لم يزل الناس يسخرون بالفقراء في كل عصر، ليكون للفقراء رضي الله عنهم التأسي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقال قد جاءتني امرأة فقالت: إن ابني أخذه التمساح فلما رأيت حرقتها على ولدها أتيت النيل وقلت اللهم أظهر السماح فخرج إلي فشققت عن جوفه فأخرجت ابنها حياً صحيحاً فأخذته ومضت وقالت اجعلني في حل فإني كنت إذا رأيتك سخرت منك وأنا تائبة إلى الله عز وجل، وكان يقول من علامة سخط الله تعالى على العبد خوفه من الفقر، وكان يقول: لكل شيء علامة وعلامة طرد العارف عن حضرة الله تعالى انقطاعه عن ذكر الله عز وجل، وقال رضي الله عنه: إذا تكامل حزن المحزون لم تجد له دمعة وذلك لأن القلب إذا رق سلا وإذا جمد وغلظ سخر وتذاكر الفقراء عنده يوماً في المحبة فقال لهم كفوا عن هذه المسألة لئلا تسمعها النفوس فتدعيها، وكان يقول: من القلوب قلب يستغفر قبل أن يذنب فيثاب قبل أن يطيع، وكان يقول إن الله تعالى أنطق اللسان بالبيان وافتتحه بالكلام وجعل القلوب أوعية للعمل ولولا ذلك كان الإنسان بمنزلة البهيمة يومئ بالرأس ويشير باليد، وكان يقول: كنا إذا سمعنا شاباً يتكلم بالمجلس أيسنا من خيره وكان يقول من لم يفتش على الرغيفين من الحلال لا يفلح في طريق الله عز وجل، وقال له رجل: إن امرأتي تقرأ عليك السلام فقال رضي الله عنه لا تقرءونا من النساء السلام وكان يقول: إياكم وكثرة الإخوان والمعارف وكان رضي الله عنه يقول: لحنا في العمل وأعربنا في الكلام فكيف نفلح.
قلت: وكذلك كان إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه يقول: من آنسه الله بقربه أعطاه العلم من غير طلب وكان يقول ليس بعاقل من تعلم العلم فعرف به ثم آثر بعد ذلك هواه على عمله، وليس بعاقل من طلب الإنصاف من غيره لنفسه ولم ينصف من نفسه غيره، وليس بعاقل من نسي الله في طاعته وذكر الله تعالى في مواضع الحاجة إليه، وكان رضي الله عنه يقول: تواضع لجميع خلق الله تعالى وإياك أن تتواضع لمن يسألك أن تتواضع له فإن سؤاله إياك يدل على تكبره في الباطن وتواضعك له يكون له عوناً على التكبر، وكان يقول رضي الله عنه: من نظر في عيوب الناس عمى عن عيب نفسه وكان يقول من طلب مع الخبز ملحاً لم يفلح في طريق القوم.
وسئل رضي الله عنه عن كمال العقل وعن كمال المعرفة فقال: إذا كنت قائماً بما أمرت تاركاً لتكلف ما كفيت فأنت كامل العقل وإذا كنت بالله عز وجل متعلقاً وغير ناظر إلى سواه من أحوالك وأعمالك فأنت كامل المعرفة، وكان رضي الله عنه يقول: قد غلب على العباد والنساك والقراء في هذا الزمن التهاون بالذنوب حتى غرقوا في شهوة بطونهم وفروجهم وحجبوا عن شهود عيوبهم فهلكوا وهم لا يشعرون
(1/60)

أقبلوا على كل الحرام، وتركوا طلب الحلال ورضوا من العمل بالعلم يستحي أحدهم أن يقول فيما لا يعلم لا أعلم، هم عبيد الدنيا لا علماء الشريعة إذ لو علموا بالشريعة لمنعتهم عن القبائح إن سألوا ألحوا وإن سئلوا شحوا لبسوا الثياب على قلوب الذئاب اتخذوا مساجد الله التي يذكر فيها اسمه لرفع أصواتهم باللغو والجدال والقيل والقال، واتخذوا العلم شبكة يصطادون بها الدنيا فإياكم ومجالستهم.
وسئل رضي الله عنه عن الحديث لم لا تشتغل به فقال للحديث رجال وشغلي بنفسي استغرق وقتي والحديث من أركان الدين ولولا نقص دخل على أهل الحديث والفقه لكانوا أفضل الناس في زمانهم ألا تراهم بذلوا علمهم لأهل الدنيا يستحلبون دنياهم فحجبوهم واستكبروا عليهم وافتتنوا بالدنيا لما رأوا من حرص أهل العلم والمتفقهين عليها فخانوا الله ورسوله وصار إثم كل من تبعهم في عنقهم جعلوا العلم فخاً للدنيا وسلاحاً يكسبونها بعد أن كان سراجاً للدين يستضاء به وسئل رضي الله عنه عن العلماء بالقرآن فقال: هم الذين نصبوا الركب والأبدان. صحبوا القرآن بأبدان ناحلة وشفاه ذابلة ودموع وابلة وزفرات عالية أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وكان رضي الله عنه يقول: العجب كل العجب من هؤلاء العلماء كيف خضعوا للمخلوقين دون الخالق وهم يدعون أنهم أعلى درجة من جميع الخلائق، وكان يقول: من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن تراه ساهياً لاهياً لاغياً معرضاً عن ذكر الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: إن الله تعالى لم يمنع أعداءه المحبة بجلا وإنما صان أولياءه الذين أطاعوه أن يجمع بينهم وبين أعدائه الذين عصوه وكان يقول: العارف لا يدوم على حزن ولا يدوم على سرور ثم قال: مثل العارف في هذه الدار مثل رجل توج بتاج الكرامة وأجلس على سرير في بيته قد علق فوق رأسه سيف بشعرة وأرسل على بابه سبعان ضاريان فيشرف على الهلاك ساعة بعد ساعة فأني له السرور وأني له الحزن قال بعضهم السيف المعلق فوق رأسه الأحكام، والضاريان اللذان على الباب الأمر والنهي وكان رضي الله عنه يقول: من تقرب إلى الله تعالى بتلف نفسه حفظ الله عليه نفسه، وقال رضي الله عنه لما حملت من مصر في الحديد إلى بغداد لقيتني امرأة زمنة فقالت إذا دخلت على المتوكل فلا تهبه ولا تر أنه فوقك ولا تحتج لنفسك محقاً كنت أومتهما لأنك إن هبته سلطه الله عليك وإن حاججت عن نفسك لم يزدك ذلك إلا وبالا لأنك باهت الله فيما يعلمه وإن كنت بريئاً فادع الله تعالى أن ينتصر لك ولا تنتصر لنفسك فيكلك إليها فقلت لها سمعاً وطاعة فلما دخلت على المتوكل سلمت عليه بالخلافة فقال لي: ما تقول فيما قيل فيك من الكفر والزندقة. فسكت فقال وزيره، هو حقيق عندي بما قيل فيه ثم قال لي لم لا تتكلم؟ فقلت يا أمير المؤمنين إن قلت لا كذبت المسلمين وإن قلت نعم كذبت على نفسي بشيء لا يعلمه الله تعالى مني فافعل أنت ما ترى فإني غير منتصر لنفسي فقال المتوكل: هو رجل بريء مما قيل فيه فخرجت إلى العجوز فقلت لها جزاك الله عني خيراً فعلت ما أمرتني به فمن أين لك هذا فقالت من حيث ما خاطب به الهدهد سليمان عليه السلام. وكان ذو النون المصري رضي الله عنه بعد ذلك يقول من أراد تجريد التوحيد وخالص التوكل فعليه بالنساء الزمني ببغداد وكان رضي الله عنه يقول ما شبعت من الطعام قط إلا عصيت أو هممت بمعصية وكان رضي الله تعالى عنه يقول كن عارفاً خائفاً ولا تكن عارفاً واصفاً رضي الله عنه.

ومنهم أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي
رضي الله تعالى عنه
وهو من جملة المشايخ المشهورين بالزهد والورع والفتوة مجاب الدعوة يستسقى بقبره وهو من موالي علي بن موسى الرضا رضي الله عنه صحب داود الطائي رضي الله عنه ومات ببغداد ودفن بها سنة مائتين وقبره ظاهر يزار ليلا ونهاراً رضي الله عنه.
ومن كلامه رضي الله عنه إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبد شراً أغلق عليه باب العمل وفتح له باب الجدل، وكان رضي الله عنه يقول ما أكثر الصالحين وما أقل الصادقين فيهم وكان رضي الله عنه يقول: لولا إخراج حب الدنيا من قلوب العارفين ما قدروا على فعل الطاعات ولو كان من حب الدنيا ذرة في قلوبهم لما صحت لهم سجدة واحدة، وكان رضي الله عنه يقول: العارف يرجع إلى الدنيا
(1/61)

اضطرار والمفتون يرجع إليها اختياراً، وكان يقول: إذا عمل العالم بالعلم استوت له قلوب المؤمنين، وكرهه كل من في قلبه مرض وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله بعبد خيراً زوى عنه الخذلان وأسكنه بين الفقراء الصادقين، وإذا أراد الله بعبد شراً عطله عن الأعمال الصالحة حتى تكون على قلبه أثقل من الجبال وأسكنه بين الأغنياء.

ومنهم أبو نصر بشر بن الحارث الحافي
رضي الله تعالى عنه
أصله من مرو وسكن بغداد ومات بها عاشر المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين رضي الله عنه. صحب الفضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه وكان عالماً ورعاً كبير الشأن أوحد وقته علماً وحالا، ومن كلامه رضي الله عنه لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس يعني يحب اطلاع الناس على صفات كماله وكان رضي الله عنه يقول سيأتي على الناس زمان تكون الدولة فيه للحمقى والأرذال على أهل العقول والأكابر، وكان رضي الله عنه يقول: دخلت داري يوماً فإذا رجل جالس في الدار فقلت له: كيف دخلت داري بغير إذني فقال: أنا أخوك الخضر فقلت ادع الله تعالى لي فقال عليه السلام هون الله عليك طاعته فقلت زدني، فقال وسترها عليك، وكان رضي الله عنه يقول: قال لي رجل من المتصوفة يا أبا نصر انقبضت عن أخذ البر من أيدي الناس لإقامة الجاه فقال إن كنت متحققاً بالزهد منصرفاً عن الدنيا فخذ من أيديهم ليمحي جاهك عندهم ثم أخرج عما يعطونك إلى الفقراء وفرقه عليهم ولا تذق منه شيئاً، وكان بعد التوكل بأخذ قوتك من الغير، فاشتد هذا القول على أصحابي فقلت له جزاك الله خيراً عني ولكن اسمع جوابي فقال: نعم فقلت له اعلم أن الفقراء ثلاثة فقير لا يسأل وإن أعطى لا يأخذ فذاك من الروحانين، وفقير لا يسأل وإن أعطى قبل فذاك من أوسط القوم، وفقير اعتقد الصبر ومدافعة الوقت فإذا طرقته الحاجة خرج إلى عبيد الله وقلبه إلى الله بالسؤال فكفارة مسألته صدقة في السؤال فقال الرجل: رضيت رضي الله عنك وكان رضي الله عنه يقول حسبك أقوام موتى تحيا القلوب بذكرهم وإن أقواماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم، وكان يقول: يا طالب العلم إنما أنت متلذذ متفكه بالعلم تسمع وتحكي لا غير ولو عملت بما علمت لتجرعت مرارة العلم، ويحك إنما يراد بالعلم العمل فاسمع يا أخي وتعلم ثم اعمل واهرب ألا ترى إلى سفيان الثوري رضي الله عنه كيف طلب العلم وتعلم وهرب فاسمع، ما أقول لك فإن طلب العلم إنما يدل على الهرب من الدنيا لا على حبها وكاد رضي الله عنة يقول: الصدقة أفضل من الجهاد والحج والعمرة لأن ذاك يركب ويجيء فيراه الناس وهذا يعطي سراً فلا يراه إلا الله عز وجل وكان يقول: إني لأجل الله تعالى أن أذكره عند من لا يعرفه ولا يتعرفه وكان رضي الله عنه يقول أمس قد مات واليوم في النزع وغد لم يولد فبادروا بالأعمال الصالحة وكان يقول: إذا راسلت أحداً بكتاب فلا تزخرفه بحسن الألفاظ فإني كتبت مرة كتاباً فعرض كلام لي إن كتبته حسن الكتاب وكان كذباً تركته سمج الكتاب وكان صدقاً فعزمت على ذكر الكلام السمج الصدق فنادى هاتف من جانب البيت " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " وكان رضي الله عنه يقول من أراد أن يكون عزيزاً في الدنيا سليماً في الآخرة فلا يحدث ولا يشهد ولا يؤم قوماً ولا يأكل لأحد طعاماً وكان محمد بن يوسف يقول: سمعت رجلا يسأل بشر بن الحارث أن يحدثه فأبى عليه فجعل الرجل يتضرع إليه ويلح عليه فلم يجبه فلما أيس منه قال له الرجل: يا أبا نصر ما تقول لله تعالى إذا لقيته يوم القيامة وقال لك لم لا تحدث الناس فقال بشر رضي الله عنه: أقول يا رب قد أمرتني بمخالفة نفسي وإن نفسي كانت تشتهي الحديث والرياشة فخالفتها ولم أعطها سؤلها وكان رضي الله عته يقول للمريدين لا تؤثروا على حذف العلائق شيئاً إني إن أجبت نفسي إلى ما تشتهي من المطعم والملبس خفت أن أكون مكاساً أو شرطياً وكان يقول: من لم يحتج إلى النساء فليتق الله تعالى ولا يألف أفخاذهن، ولو أن رجلا جمع أربع نسوة يحتاج إليهن ما كان مسرفاً وقيل له لم لا تتزوج وتخرج عن مخالفة السنة فقال رضي الله عنه: إني مشغول بالفرض عن السنة يعني بالفرض مجاهدة النفس تصفيتها من الأخلاق الرديئة وكان رضي الله عنه يقول: صحبة الأشرار تورث الظن بالأشرار وصحبة الأخيار تورث حسن الظن بالأشرار وإن الله
(1/62)

عز وجل لا يسأل عبداً قط لم حسنت ظنك بعبادي وكان رضي الله عنه يقول في مرض موته كثيراً إلهي رفعتني فوق قدري ونوهت باسمي وشهرتني بين الناس، فأسألك بوجهك الكريم ألا تفضحني غداً يوم القيامة، وكان رضي الله عنه إذا رأى فقيراً يضحك وهو غافل يقول له، احذر أن يأخذك الله تعالى على هذا الحال، وكان يقول غنيمة الفقير في هذا الزمان غفلة الناس عنه وإخفاء مكانه عنهم فإن
لقاء غالب الناس خسران وكان رضي الله عنه يقول: دخلت داري مرة فرأيت رجلا طويلا قائماً يصلي فراعني ذلك لأن المفتاح كان معي فسلم من صلاته ثم قال لي لا تفرغ أنا أخوك الخضر فقلت له علمني شيئاً ينفعني الله به فقال قل أستغفر الله عز وجل وأسأله التوبة من كل ذنب تبت منه ثم رجعت إليه وأستغفر الله عز وجل وأسأله التوبة من كل عقد عقدته لله على نفسي ففسخته ولم أوف به وأستغفر الله عز وجل وأتوب إليه من كل نعمة أنعم بها على طول عمري واستعنت بها على معصيته وأسأله الحفظ والحمية من ذلك كله وكان رضي الله عنه يقول: لا يفلح فقير يقول بأي شيء آكل خبزي وكان يقول سكون النفس إلى قبول المدح لها أشد عليها من ذل المعصية، ولا يضر الثناء من عرف نفسه وكان يقول: كان العلماء رضي الله عنهم موصوفين بثلاثة أشياء صدق اللسان وطيب المطعم وكثرة الزهد في الدنيا وأنا اليوم لا أعرف في هؤلاء أحداً فيه واحدة من هذه الخصال فكيف أعبأ بهم أو أبش في وجوههم وكيف يدعي هؤلاء العلم وهم يتغايرون على الدنيا ويتحاسدون عليها ويجرحون أقرانهم عند الأمراء ويغتابونهم كل ذلك خوفاً أن يميلوا إلى غيرهم بسحتهم وحطامهم ويحكم يا علماء السوء أنتم ورثة الأنبياء وإنما ورثوكم العلم فحملتوه وزعتم عن العمل به وجعلتم علمكم حرفة تكسبون بها معاشكم أفلا تخفون أن تكونوا أول من تسعر به النار وكان رضي الله عنه يقول: مثل الذي يأكل الدنيا بالعلم والدين، مثل الذي يغسل يديه من الزهومة بماء تنظيف السمك أو كمثل الذي يطفئ النار بالحلفاء قلت وميزان أكل الدنيا بالدين أن تنظر في نفسك فكل صفة أكرمت لأجلها قدر نفسك عند فقدها هل كنت تكرم أم لا فإن كنت تكرم مع فقدها فقد خلصت وإلا فلا وكان رضي الله عنه يقول: إذا قصر العبد فيما بينه وبين الله تعالى أخذ منه ما كان يؤنسه. اء غالب الناس خسران وكان رضي الله عنه يقول: دخلت داري مرة فرأيت رجلا طويلا قائماً يصلي فراعني ذلك لأن المفتاح كان معي فسلم من صلاته ثم قال لي لا تفرغ أنا أخوك الخضر فقلت له علمني شيئاً ينفعني الله به فقال قل أستغفر الله عز وجل وأسأله التوبة من كل ذنب تبت منه ثم رجعت إليه وأستغفر الله عز وجل وأسأله التوبة من كل عقد عقدته لله على نفسي ففسخته ولم أوف به وأستغفر الله عز وجل وأتوب إليه من كل نعمة أنعم بها على طول عمري واستعنت بها على معصيته وأسأله الحفظ والحمية من ذلك كله وكان رضي الله عنه يقول: لا يفلح فقير يقول بأي شيء آكل خبزي وكان يقول سكون النفس إلى قبول المدح لها أشد عليها من ذل المعصية، ولا يضر الثناء من عرف نفسه وكان يقول: كان العلماء رضي الله عنهم موصوفين بثلاثة أشياء صدق اللسان وطيب المطعم وكثرة الزهد في الدنيا وأنا اليوم لا أعرف في هؤلاء أحداً فيه واحدة من هذه الخصال فكيف أعبأ بهم أو أبش في وجوههم وكيف يدعي هؤلاء العلم وهم يتغايرون على الدنيا ويتحاسدون عليها ويجرحون أقرانهم عند الأمراء ويغتابونهم كل ذلك خوفاً أن يميلوا إلى غيرهم بسحتهم وحطامهم ويحكم يا علماء السوء أنتم ورثة الأنبياء وإنما ورثوكم العلم فحملتوه وزعتم عن العمل به وجعلتم علمكم حرفة تكسبون بها معاشكم أفلا تخفون أن تكونوا أول من تسعر به النار وكان رضي الله عنه يقول: مثل الذي يأكل الدنيا بالعلم والدين، مثل الذي يغسل يديه من الزهومة بماء تنظيف السمك أو كمثل الذي يطفئ النار بالحلفاء قلت وميزان أكل الدنيا بالدين أن تنظر في نفسك فكل صفة أكرمت لأجلها قدر نفسك عند فقدها هل كنت تكرم أم لا فإن كنت تكرم مع فقدها فقد خلصت وإلا فلا وكان رضي الله عنه يقول: إذا قصر العبد فيما بينه وبين الله تعالى أخذ منه ما كان يؤنسه.
وقال أبو جعفر المغازي رأيت على بشر بن الحارث قميصاً خلقاً فقلت له أعتق هذا القميص فقال حتى يعتق صاحبه.
وسئل رضي الله عنه عن التصوف فقال: هو اسم لثلاث معان وهو أن لا يغطي نور معرفة العارف نور ورعه، وأن لا يتكلم في علم باطن ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة، ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله عز وجل.

ومنهم أبو الحسن السري بن المغلس السقطي
رضي الله تعالى عنه
خال الجنيد وأستاذه رضي الله تعالى عنهما، صحب معروفاً الكرخي وكان أوحد أهل زمانه في الورع والأحوال السنية وعلم التوحيد وهو أول من يتكلم فيه ببغداد وإليه ينتمي أكثر المشايخ ببغداد ومات بها سنة إحدى وخمسين ومائتين وقبره بالشونيزية ظاهر يزار. ومن كلامه رضي الله عنه: من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه ويقل غمه من سماع الكلام الذي يغمه فليعتزل الناس لأن هذا زمان عزلة ووحدة وكان يقول: أقوى القوة أن تغلب نفسك ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز وكان يقول: من علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيبه واطلاعه على عيوب الناس، وكان رضي الله عنه يقول: كيف يستنير قلب الفقير وهو يأكل من مال من يغش في معاملته، ويعامل الظلمة وأكلة الرشا لا سيما إن كان يسألهم بذلة وخضوع لعدم حرفة تكون بيده وقال علي بن الحسين، بعثني أبي إلى السري رضي الله عنه بشيء من حب السعال لسعال كان به فقال لي كم ثمنه فقلت له لم يخبرني بشيء فقال: اقرأ عليه السلام وقل له نحن نعلم الناس منذ خمسين سنة ألا يأكلوا بأديانهم أفتراني اليوم آكل بديني ثم رده ولم يأخذ منه شيئاً وكان رضي الله عنه يقول: من سكن إلى قول الناس فيه أنه ولي الله فهو في يد نفسه أسير وكان رضي الله عنه يقول: لو علمت أن جلوسي في البيت أفضل من خروجي إلى المسجد ما خرجت ولو علمت أن انفرادي عن الناس أفضل ما جالستهم وكان يقول ثلاثة من علامة سخط الله على العبد كثرة اللعب، والاستهزاء والغيبة، وكان رضي الله عنه يقول: إياكم ومجاورة الأغنياء وقراء الأسواق
(1/63)

والأمراء، فإنهم يفسدون كل من جالسهم وكان يقول لا تصح المحبة بين اثنين حتى يقول أحدهما للآخر: يا أنا وكان رضي الله عنه يقول: ما رأيت شيئاً أحبط للأعمال ولا أفسد للقلوب ولا أسرع في هلاك العبد ولا أدوم للأحزان، ولا أقرب للمقت ولا ألزم لمحبة الرياء والعجب والرياسة من قلة معرفة المجد نفسه ونظره في عيوب الناس لا سيما إن كان مشهوراً معروفاً بالعبادة وامتد له الصيت حتى بلغ من الثناء ما لم يكن يؤمله وتربص في الأماكن الخفية بنفسه، وسراديب الهوى وفي تجريحه في الناس ومدحه فيهم وقيل له إن العابد الفلاني يعظم فلاناً ويعتقده والأمير الفلاني لا يقدم أحداً على فلان من الفقراء وأطبقت أهل بلده على اعتقاده فقال إنه لهلك مع الهالكين وكان رضي الله عنه يقول: الدنيا أفاعي قلوب العلماء وسحارة قلوب العباد والقراء تلعب بهم كما يلعب الصبيان بالأكرة، وكان يقول خصلتان تبعدان العبد من الله تعالى أداء نافلة بتضييع فريضة: وعمل بالجوارح من غير صدق بالقلب وكان رضي الله عنه يبكي ويقول: قد توعرت طريق الصالحين وقل فيها السالكون وهجرت الأعمال وقل فيها الراغبون ورفض الحق ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق بالحكمة ويفارق الأعمال الصالحة قد افترش الرخص وتمهد التأويلات واعتل بذلك العاصون ثم يقول واغماه من فتنة العلماء واكرباه من حيرة الأدلاء وكان رضي الله عنه يقول: من أنس بربه في الظلام نشرت عليه غداً الأعلام، وكان رضي الله عنه ينشد كثيراً ويقول:
لا في النهار ولا في الليل لي فرح ... فما أبالي أطال الليل أم قصرا
لأنني طول ليلي هائم دنف ... وبالنهار أقاسي الهم والفكرا
رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي
رضي الله عنه
وهو من علماء مشايخ القوم بعلوم الظاهر وعلوم الأصول وعلوم المعاملات له التصانيف المشهورة عديم النظير في زمانه وهو أستاذ أكثر البغداديين بصري الأصل.
مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين رضي الله عنه، ومن كلامه رضي الله عنه من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله تعالى ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة وكان رضي الله عنه يقول خيار هذه الأمة هم الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم ولا دنياهم عن آخرتهم وأنشدوا بين يديه مرة:
أنا في الغربة أبكي ... ما بكت عين غريب
لم أكن يوم خروجي ... عن مكاني بمصيب
عجباً لي ولتركي ... وطناً فيه حبيبي
فقام وتواجد حتى رق له كل من حضره وسئل رضي الله عنه عن المتوكل هل يلحقه طمع من طريق الطباع فقال خطرات لا تضره شيئاً، وكان رضي الله عنه يقول: عملت كتاباً في المعرفة وأعجبت فيه فبينما أنا ذات يوم أنظر فيه مستحسناً له إذ دخل علي شاب عليه ثياب رثة فسلم علي وقال يا أبا عبد الله المعرفة حق للحق على الخلق أو حق للخلق على الحق فقلت له: حق على الخلق للحق، فقال هو أولى أن يكشفها لمستحقها، فقلت بل حق للخلق على الحق فقال: هو أعدل من أن يظلمهم ثم سلم علي وخرج قال الحارث: فأخذت الكتاب وحرقته وقلت لا عدت أن أتكلم في المعرفة بعد ذلك وكان رضي الله عنه يقول: أول بلية العبد تعطل القلب من ذكر الآخرة وحينئذ تحدث الغفلة في القلب وقيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنه إن الحارث المحاسبي يتكلم في علوم الصوفية ويحتج لها بالآي والحديث فهل لك أن تسمع كلامه من حيث لا يشعر فقال: نعم فحضر معه ليلة إلى الصباح ولم ينكر من أحواله ولا من أحوال أصحابه شيئاً قال لأني رأيتهم لما أذن بالمغرب تقدم فصلى ثم حضر الطعام فجعل يحدث أصحابه وهو يأكل وهذا من السنة فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم جلس وجلس أصحابه بين يديه وقال: من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل فسألوه عن الرياء والإخلاص وعن مسائل كثيرة فأجاب عنها واستشهد عليه بالآي والحديث فلما مر جانب من الليل أمر الحارث قارئاً يقرأ فقرأ فبكوا وصاحوا وانتحبوا ثم سكت القارئ فدعا الحارث بدعوات خفاف ثم قام إلى الصلاة فلما أصبحوا اعترف أحمد رضي الله عنه بفضله وقال كنت أسمع من الصوفية خلاف هذا أستغفر الله العظيم رضي الله عنه.
(1/64)

ومنهم أبو سليمان داود بن نصير الطائي
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه كبير الشأن في باب الزهد والورع حتى إنهم دخلوا عليه في مرض موته فلم يجدوا في بيته شيئاً غير دن صغير فيه خبز يابس ومطهرة ولبنة كبيرة من التراب هي مخدته، وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه: إياكم أن يتخذ أحدكم في داره أكثر من زاد الراكب إلى البلاد البعيدة وقيل له مرة دلنا على رجل نجلس إليه فنربح فقال رضي الله عنه: تلك ضالة لا توجد وكان يقول إنما يطلب العلم للعمل به أولا فأولا وإذا أفنى الطالب عمره في جمعه فمتى يعمل به.
ومكث رضي الله عنه أربعاً وستين سنة أعزب فقيل له كيف صبرت عن النساء قال: قاسيت شهوتهن عند إدراكي سنة ثم ذهبت شهوتهن من قلبي وكان لا يسأل الله الجنة حياء منه ويقول: وددت أن أنجو من النار فأصير رماداً وكان يقول: قد مللنا الحياة لكثرة ما نفعل من الذنوب، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة المريد الزهد في الدنيا وترك كل خليط يرغب فيها جملة كافية يجالسه ولا يعوده والله تعالى أعلم.

ومنهم أبو علي شقيق بن إبراهيم البلخي
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه من مشايخ خراسان له لسان في التوكل حسن الكلام، وقيل إنه أول من تكلم في علم الأحوال بكورة خراسان.
صحب إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه طريقته وهو أستاذ حاتم الأصم رحمه الله وكان رضي الله عنه يقول: عملت في القرآن عشرين سنة حتى ميزت الدنيا من الآخرة فأصبته في حرفين وهما قوله تعالى: " وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى " وكان يقول: الزاهد هو الذي يقيم زهده بفعله، والمتزهد هو الذي يقيم زهده بلسانه وكان رضي الله عنه يقول: اتق الأغنياء فإنك متى عقدت قلبك معهم، وطمعك فيهم فقد اتخذتهم أرباباً من دون الله.
وسئل بأي شيء يعرف العبد بأن نفسه اختارت الفقر على الغنى فقال: إذا صار يخاف من حصول الغنى كما كان يخاف من حصول الفقر فقد اختار الفقر. وسئل ما علامة صدق الزاهد فقال: أن يصير يفرح بكل شيء فاته من الدنيا، ويغتم لكل شيء حصل له منها، وكان يقول: مثل المؤمن كمثل الرجل غرس نخلة وهو يخاف أن تحمل شوكاً، ومثل المنافق كمثل رجل غرس شوكاً وهو يطمع أن يحصده رطباً هيهات، وكان يقول: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة فقال لي: اجتمعت بالخضر عليه السلام فقدم لي قدحاً أخضر فيه رائحة السكباج فقال لي: كل يا إبراهيم فرددته عليه فقال: إني سمعت الملائكة تقول من أعطى فلم يأخذ، سأل فلا يعطي، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كان العالم طامعاً، وللمال جامعاً فبمن يقتدي الجاهل، وإذا كان الفقير المشهور بالفقر راغباً في الدنيا، والتنعم بملابسها ومناكحها فبمن يقتدي الراغب حتى يخرج عن رغبته. وإذا كان الراعي هو الذئب فمن يرعى الغنم رضي الله عنه.

ومنهم أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي
رضي الله تعالى عنه
مات سنة إحدى وستين ومائتين ومن كلامه رضي الله عنه مددت ليلة رجلي في محرابي فهتف بي هاتف من يجالس الملوك ينبغي له أن يجالسهم بحسن الأدب، وكان رضي الله عنه يقول: اختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد، ولقد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشق على العبد من العلم ومتابعته. وكان رضي الله عنه يقول: عرفت الله بالله، وعرفت ما دون الله بنور الله، وكان يقول: خلع الله على العبيد النعم ليرجعوا بها إليه فاشتغلوا بها عنه، وكان يقول إلهي إنك خلقت هؤلاء الخلق بغير علمهم، وقلدتهم أمانة بغير إرادتهم فإن لم تعنهم فمن يعنهم؟ وسئل رضي الله عنه عن السنة والفريضة فقال: السنة ترك الدنيا بأسرها، والفريضة الصحبة مع الله تعالى، وذلك لأن السنة كلها تدل على ترك الدنيا، والكتاب كله يدل على صحبة المولى لأن كلامه صفة من صفاته تعالى، والنعم أزلية فيجب أن يكون لها شكر أزلي.
وكان يقول رأيت رب العزة في النوم فقلت يا رب كيف أجدك فقال فارق نفسك وتعال إلي.
وسئل رضي الله عنه ما صفة العارف فقال صفة أهل النار لا يموت فيها ولا يحيا وقيل له: متى يكون الرجل متواضعاً، فقال: إذا لم ير لنفسه مقاماً ولا حالا ولا يرى أن في الخلق من هو شر منه. وكان يقول رضي الله عنه: إن أولياء الله تعالى مخدرون عنده في جنان الأنس لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة، وكان يقول: حظوظ كرامات
(1/65)

الأولياء على اختلافها تكون من أربعة أسماء الأول والآخر والظاهر والباطن، وكل فريق له منها اسم فمن فني عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام فأصحاب اسمه الظاهر يلاحظون عجائب قدرته، وأصحاب اسمه الباطن يلاحظون ما يجري في السرائر وأصحاب اسمه الأول شغلهم بما سبق، وأصحاب اسمه الآخر متربصون بما يستقبلهم. فكل يكاشف على قدر طاقته إلا من تولى الحق تعالى تدبيره، وكان رضي الله عنه يقول: إذا سئل عن المعرفة: للخلق أحوال ولا حال لعارف لأنه محيت رسومه، وفنيت هويته لهوية غيره وعييت آثاره لآثار غيره فالعارف طيار والزاهد سيار.
وكتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد إنني سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبته فكتب إليه أبو يزيد رضي الله عنه غيرك شرب من بحور السماوات والأرض، وما روي بعد، ولسانه خارج يقول هل من مزيد.
ودخل إبراهيم بن شيبة الهروي يوماً على أبي يزيد فقال له: أبو يزيد وقع في خاطري أني أشفع لك إلى ربي عز وجل فقال: يا أبا يزيد لو شفعك الله في جميع المخلوقين لم يكن ذلك كثيراً، إنما هم قطعة طين فتحير أبو يزيد من جوابه ودخل على أبي يزيد عالم بلده وفقيهها يوماً فقال: يا أبا يزيد علمك هذا عمن وممن ومن أين؟ فقال أبو يزيد علمي من عطاء الله وعن الله ومن حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم " فسكت الفقيه. وسئل أبو علي الجوزجاني رضي الله عنه عن الألفاظ التي تحكي عن أبي يزيد فقال رحمه الله أبو يزيد نسلم له حاله ولعله بها تكلم على حد غلبة أو حال سكر ومن أراد أن يرتقي إلى مقام أبي يزيد فليجاهد نفسه كما جاهد أبو يزيد فهناك يفهم كلام أبي يزيد والله تعالى أعلم.

ومنهم أبو محمد سهل بن عبد الله
رحمه الله
ابن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التستري رضي الله عنه: هو أحد أئمة القوم ومن أكابر علمائهم المتكلمين في علوم الإخلاص والرياضات وغيوب الأفعال. صحب خالداً ومحمد بن سوار وشاهد ذا النون المصري عند خروجه إلى مكة في سنة ثلاث وسبعين ومائتين ومات سهل سنة ثلاث وثمانين ومائتين، ومن كلامه رضي الله عنه الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وإذا انتبهوا ندموا وإذا ندموا لم تنفعهم الندامة، وكان رضي الله عنه يقول: ما طلعت شمس ولا غربت على أهل الأرض إلا وهم جهال الله إلا من يؤثر الله على نفسه وزوجته ودنياه وآخرته، وأدنى الأدب أن يقف عند الجهل وآخر الأدب أن يقف عند الشبهة، وكان يقول: إن الله مطلع على القلوب في ساعات الليل والنهار، فأيما قلب رأى فيه حاجة إلى سواه سلط عليه إبليس، وكان يقول: يلزم الصوفي ثلاثة أشياء حفظ سره وصيانة فقره وأداء فرضه، وكان رضي الله عنه يقول الله: قبلة النية والنية قبلة القلب والقلب قبلة البدن والبدن قبلة الجوارح والجوارح قبلة الدنيا، وكان يقول: من سلم من الظن سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس سلم من الغيبة ومن سلم من الغيبة سلم من الزور ومن سلم من الزور سلم من البهتان، وكان يقول: لا يستحق الإنسان الرياسة حتى يصرف جهله عن الناس ويحمل جهلهم ويترك ما في أيديهم ويبذل ما في يده لهم، وكان يقول: من أخلاق الصديقين ألا يحلفوا بالله لا صادقين ولا كاذبين، ولا يغتابون ولا يغتاب عندهم ولا يشبعون بطونهم وإذا وعدوا لم يخلفوا، وكان رضي الله عنه يقول: الفتنة على ثلاثة أقسام فتنة العامة دخلت عليهم من صناعة العلم، وفتنة الخاصة دخلت عليهم من تأخير الحق الواجب إلى وقت آخر، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب المعاصي، والتوبة وأداء الحقوق.
وكان يقول: من أحب أن يطلع الناس على ما بينه وبين الله فهو غافل، وكان يقول لقد أيس العلماء في زماننا هذا من هذه الثلاث خصال، ملازمة التوبة ومتابعة السنة وترك أذى الخلق، وكان يقول: العيش على أربعة أقسام عيش الملائكة في الطاعة، وعيش الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في العلم، وانتظار الوحي وعيش الصديقين في الاقتداء، وعيش سائر الناس عالماً كان أو جاهلا زاهداً كان، أو عابداً في الأكل والشرب والضرورة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام والقوام للصديقين، والقوت للمؤمنين، والمعلوم للبهائم، وكان رضي الله عنه يقول: ما عمل عبد بما أمره الله تعالى عند فساد الأمور وتشويش
(1/66)

الزمان واختلاف الناس في الرأي إلا جعله تعالى إماماً يقتدي به هادياً مهدياً، وكان غريباً في زمانه.
وسئل عن الولي فقال: هو الذي تولت أفعاله على الموافقة.
وسئل عن ذات الله عز وجل فقال: ذات موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا حلول وتراه العيون في العقبى ظاهراً في ملكه وقدرته، وقد حجب سبحانه وتعالى الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه والأبصار لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية.
وكان رضي الله عنه يقول: إن الله تعالى خلق الخلق ولم يحجبهم عنه وإنما جاءهم الحجاب من تدبيرهم واختيارهم مع الله تعالى وذلك هو الذي كدر على الخلق عيشهم وكان رضي الله عنه يقول: مخالطة الولي للناس ذل، وتفرده عنهم عز، وقلما رأيت ولياً لله عز وجل إلا منفرداً.
وكان رضي الله عنه، يقول: ما من ولي لله صحت ولايته إلا ويحضر إلى مكة في كل ليلة جمعة لا يتأخر عن ذلك وكان رضي الله عنه يقول: أنا حجة الله على الخلق وأنا حجة على أولياء زماني فبلغ ذلك أبا زكريا الساجي وأبا عبد الله الزبيري فذهبا إليه فقال له: أبو عبد الله الزبيري، وكان جسوراً لأنه ضرير بلغنا عنك أنك تقول أنا حجة الله على الخلق وأنا حجة الله على أولياء زماني فبماذا صرت. هل أنت نبي أو صديق، فقال: سهل لم أذهب حيث ظننت ولست أنا نبياً إنما قلت هذا لأنني صححت أكل الحلال دون غيري، فقال له: وأنت صححت الحلال قال: نعم لا آكل دائماً إلا حلالا، فقال له الزبيري: وكيف ذلك، فقال له: سهل قسمت عقلي ومعرفتي وقوتي على سبعة أجزاء، فأترك الأكل حتى يذهب عنها ستة أجزاء، ويبقى جزء واحد فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء وتتلف معه نفسي أكلت بقدر البلغة خوفاً أن أكون أعنت على نفسي ولترد على الستة الأخرى.
فبهذا صح لي الحلال، فقال الزبيري: نحن لا نقدر على المداومة على هذا، ولا نعرف أن نقسم عقولنا ومعرفتنا وقوتنا على سبعة أجزاء اعترفاً بفضل سهل رضي الله عنه، وكان يقول: يأتي على الناس زمان يذهب الحلال من أيدي أغنيائهم وتكون أموالهم من غير حلها فيسلط الله بعضهم على بعض يعني بالأذى والمرافعات عند الحكام فتذهب لذة عيشهم ويلزم قلوبهم خوف فقر الدنيا، وخوف شماتة الأعداء، ولا يجد لذة العيش إلا عبيدهم ومماليكهم، وتكون ساداتهم في بلاء وشقاء وعناء وخوف من الظالمين، ولا يستلذ بعيش يومئذ إلا منافق لا يبالي من أين أخذ ولا فيما أنفق ولا كيف أهلك نفسه، وحينئذ تكون رتبة القراء رتبة الجهال، وعيشهم عيش الفجار وموتهم موت أهل الحيرة والضلال، وكان رضي الله عنه يقول: اجتمعت بشخص من أصحاب المسيح عليه الصلاة والسلام في ديار قوم عاد فسلمت عليه فرد علي السلام فرأيت عليه جبة صوف فيها طراوة، فقال لي: إنها علي من أيام المسيح فتعجبت من ذلك فقال يا سهل، إن الأبدان لا تخلق الثياب إنما يخلقها رائحة الذنوب، ومطاعم السحت فقلت له: فكم لهذه الجبة عليك فقال لها على سبعمائة سنة فقلت له: هل اجتمعت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: نعم وآمنت به حين آمن به الجن الذين أوحى إليه في حقهم " قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن " قلت ومن هنا كان الخضر عليه السلام لا تبلى له ثياب لأنه لا يعصي الله تعالى ولا يأكل حراماً وكما لا يبلى لآكل الحلال ثياب فكذلك لا يبلى له جسم بعد موته كما وقع لبعض الأولياء وجدناه طرياً كما وضعناه بعد سنين والله تعالى أعلم.
وكان رضي الله عنه يقول: إياكم ومعاداة من شهره الله تعالى بالولاية وإنه كان بالبصرة ولي الله تعالى فعاداه قوم وآذوه فغضب الله عليهم فأهلكهم أجمعين في ليلة، وكان يقول طوبى لمن تعرف بالأولياء، فإنه إذا عرفهم استدرك ما فاته من الطاعات، وإن لم يستدرك شفعوا عند الله فيه لأنهم أهل الفتوة، وكان رضي الله عنه يقول: الدنيا حرام على صفوة الله من خلقه حرم عليهم أن ينالوا منها شيئاً كما حرم الله على الخلق أن يأكلوا من صيد الحرم ومن كل منه لزمته الفدية كذلك من أكل من أهل صفوته شيئاً من الدنيا ليس له فدية إلا ترك الطاعات، وكان يقول إذا قام العبد بما لله تعالى عليه، فحقيق على الله أن يقوم بما كان العبد قائماً به لنفسه، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يكن مطعمه من الحلال لم يكشف عن قلبه حجاب، وتسارعت إليه العقبات ولا تنفعه صلاته ولا صومه
(1/67)

ولا صدقته، وكان رضي الله عنه يقول: إنما حجب الخلق عن مشاهدة الملكوت وعن الوصول بسوء المطعم وأذى الخلق، وكان يقول لأصحابه ما دامت النفس تطلب منكم المعصية فأدبوها بالجوع والعطش، فإذا لم ترد منكم المعصية فأطعموها ما شاءت، واتركوها تنام من الليل ما أحبت.
وسئل رضي الله عنه عن الذي لم يأكل طعاماً أياماً كثيرة أين يذهب لهب جوعه فقال يطفئه نور القلب وكان رضي الله عنه يقول: حياة القلوب التي تموت بذكر الحي الذي لا يموت، وكان رضي الله عنه يقول: من كمل إيمانه لم يخف من شيء، سوى الله تعالى وكان يقول: خيار الناس العلماء الخائفون وخيار الخائفين المخلصون الذين وصلوا إخلاصهم بالموت رضي الله تعالى عنهم.

ومنهم أبو سليمان عبد الرحمن بن عطية الداراني
رضي الله تعالى عنه
وداريا قرية من قرى دمشق من بني عبس وكان كبير الشأن في علوم الحقائق والورع مات سنة خمس عشرة ومائتين.
ومن كلامه رضي الله عنه: لا ينبغي لفقير أن يزيد في نظافة ثيابه على نظافة قلبه بل يشاكل ظاهره باطنه قال أحمد بن أبي الحواري، وسمعت أبا سليمان يقول يوماً ليت قلبي في القلوب مثل ثوبي في الثياب قال أحمد: وكانت ثيابه وسطى، وكان رضي الله عنه يقول: من صارع الدنيا صرعته وإذا سكنت الدنيا في قلب ترحلت الآخرة منه وقال أحمد بن أبي الحواري قلت لأبي سليمان صليت أمس صلاة في خلوة فرأيت لها لذة فقال لي وأي شيء ألذ منها قلت كونه لم يرني أحد فقال يا أحمد إنك لضعيف حيث خطر بقلبك ذكر الخلق.
وسأله رجل عن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله عز وجل فقال أن يطلع الله على قلبك وأنت لا تريد في الدارين غيره وكان رضي الله عنه يقول: الدنيا تهرب من الطالب لها وتطلب الهارب منها فإن أدركت الهارب منها جرحته، وإن أدركها الطالب لها قتلته، وكان يقول إنما يعجب بعمله القدرية الذين يزعمون أنهم يعملون أعمالهم أما الذي يرى أنه مستعمل فبأي شيء يعجب، وكان رضي الله عنه يقول: لو اجتمع الناس على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا عليه ومن رأى لنفسه قيمة لم يجد حلاوة الخدمة، وقال أحمد بن أبي الحواري قال لي أبو سليمان الداراني يا أحمد ما أنجب من أنجب إلا بالقبول من المعلمين وأنا أقول لك لا تفتح أصابعك في القصعة يا أحمد عهدت ناساً يعدون الجوع فيهم غنيمة بهما تعد أنت وأصحابك الصوفية الشبع غنيمة يا أحمد كيف تنير قلوبهم وكل شيء جيدونه من الشبهات يأكلونه إني لآكل الشبهة فأجد ناراً على قلبي من الجمعة إلى الجمعة.
وكان يقول: إن الله تعالى يفتح للعارف على فراشه ما لا يفتح له وهو قائم يصلي ورؤي أبو سليمان بعد موته فقيل له ما فعل الله بك قال: غفر لي وما كان شيء أضر علي من إشارات القوم لما في التكلم بدقائق العلوم من التمييز على الأقران وقال أحمد بن أبي الحواري قال لي أبو سليمان رضي الله عنه يا أحمد من أكل طعام أخيه ليسره بأكله لم يضره أكله شيئاً وإنما يضره إذا آكل بشهوة نفسه وذلك لأن كل شيء قصد العبد به وجه الله تعالى عاقبته حميدة وكان رضي الله عنه يقول: من صغر المؤمن في عينه استخف بحرمته ومن لم يتلاش في قلبه ذكر كل شيء يضاد ذكر الله تعالى لم يجد صفوة ذكر الله تعالى وكان رضي الله عنه يقول: إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فعليك بالجوع ثم اسألها وذلك لأن الأكل يغير العقل رضي الله عنه.

ومنهم أبو محمد الفتح بن سعيد الموصلي
رضي الله تعالى عنه
وهو من أقران بشر بن الحارث والسري السقطي وكان كبير الشأن في باب الورع والمعاملات ومن كلامه رضي الله عنه من أدام ذكر الله تعالى بقلبه أورثه ذلك الفرح بالمحبوب ومن آثره على هواه أورثه ذلك حبه إياه ومن اشتاق إلى الله زهد فيما سواه وكان يقول القلب إذا منع من الطعام والشراب يموت ولو على طول.
وسأل رجل المعافى بن عمران هل كان لفتح الموصلي رضي الله عنه كبير عمل فقال كفاك بعمله تركه للدنيا رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الرحمن حاتم بن علوان الأصم
رضي الله تعالى عنه
هو من قدماء المشايخ بخراسان من أهل بلخ صحب شقيقاً البلخي وهو أستاذ أحمد بن حضرويه مات أبو عبد الرحمن سنة سبع وثلاثين ومائتين ودفن عند رباط يقال له سروند على جبل فوق واشجرد.
ومن كلامه رضي الله عنه إذا رأيت المريد يريد غير مراده فاعلم أنه قد أظهر بذلته وقد
مكر به،
(1/68)

وكان رضي الله عنه يقول: من ادعى ثلاثاً بغير ثلاث فهو كذاب من ادعى خشية الله تعالى من غير ورع عن محارمه فهو كذاب، ومن ادعى حب الجنة من غير إنفاق ماله في طاعة الله فهو كذاب، ومن ادعى محبة النبي صلى الله عليه وسلم من غير محبة الفقر فهو كذاب، وأرسل عصام بن يوسف رحمه الله شيئاً إلى حاتم فقبله فقيل له لم قبلته فقال رأيت أن في قبوله ذل نفسي وفي رده عزها وكان يقول: مررت براهب فقال لي: من أين أنت فقلت من بلخ فقال: مع من كنت تجلس فقلت كنت أجالس شقيقاً البلخي فقال: أيش سمعته يقول: فقلت سمعته يقول لو أن السماء من نحاس والأرض من حديد فلا السماء تمطر قطرة، ولا الأرض تنبت حبة، وكان عيالي ملء ما بين الخافقين، لم أبال فقال الراهب هذا رجل سوء لا ينبغي الجلوس إليه فقلت لم فقال: لأنه يفكر فيما لم يكن كيف لو كان إنما ينبغي له أن يفكر فيما كان كيف كان لا تجالسه فإنه فاسد الفكر.
ودخل حاتم محمد بن مقاتل عالم الري يعوده فرأى داره واسعة وفرشه وطيئة وغلماناً وخدماً بين يديه فلم يسلم عليه وقال له يا محمد بمن اقتديت في بناء بيتك هذا وفرشك هذه وأمتعتك هذه أنا لنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والأئمة، والصالحين أم بفرعون ونمروذ فسكت محمد فقال حاتم يا علماء السوء إنما مثلكم مثل الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها لا مثل العلماء العاملين بل أنتم فساد للعامة يقولون: إذا كان هذا محمد العالم على هذا الحال فأنا تبع له فازداد محمد بن مقاتل مرضاً على مرضه من كلام حاتم رضي الله عنه، ثم قال حاتم رضي الله عنه لمحمد أنا رجل أعجمي أريد منك أن تعلمني كيف الوضوء للصلاة فقال له توضأ، وأنا أنظر فغسل حاتم ثلاثاً في المضمضة والاستنشاق فلما جاء يده اليسرى غسل يده أربعاً فقال له: أسرفت في غسل ذراعك أربعاً فقال حاتم: سبحان الله تنكر على الإسراف في كف ماء ولا تنكر على نفسك في إسرافك في جميع ما أنت فيه فعلم محمد أن حاتماً إنما قصد بطلبه تعليم الوضوء هذه القضية فتنبه لنفسه وخرج من دار وغلمانه ولحق بالفقراء رضي الله عنهم أجمعين.

ومنهم أبو زكريا يحيى بن معاذ بن جعفر الواعظ الرازي
رضي الله عنه
كان أوحد وقته في زمانه، له لسان في الرجاء خصوصاً وكلام في المعرفة.
أقام ببلخ مدة ثم عاد إلى نيسابور ومات بها سنة ثمان وخمسين ومائتين.
ومن كلامه رضي الله عنه كيف يكون زاهداً من لا ورع له. تورع عما ليس لك ثم ازهد فيما لك وكان رضي الله عنه يقول: على قدر شغلك بالله يشتغل في أمرك الخلق، وكان يقول: جميع الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة فكيف تغتم عمرك فيها مع قلة نصيبك منها، وكان يقول الزاهدون غرباء في الدنيا، والعارفون غرباء في الآخرة، وكان يقول لأصحابه اجتنبوا صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلون، والقراء المداهنون، والمتصوفة الجاهلون الذين يتعبدون قبل تعلمهم فروض دينهم وكان يقول: من لم ينتفع بأفعال شيخه لم ينتفع بأقواله.
وكان يقول لا يزال دين العبد متمزقاً ما دام قلبه بحب الدنيا متعلقاً وكان يقول: الجوع نور، والشبع نار والشهوة الحطب يتولد منه الإحراق فلا تنطفئ ناره حتى يحرق صاحبه، وكان رضي الله عنه يقول: ليس الصوف حانوت، والكلام في الزهد حرفة، وكان يقول: الولي لا يرائي ولا ينافق وما أقل صديقاً هذا خلقه وكان يقول: الولي ريحان الله في الأرض يشمه الصديقون فتصل رائحته إلى قلوبهم فيشتاقون به إلى مولاهم ويزدادون برؤيته عبادة وكان يقول: بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له ادع لي وبئس الأخ أخ تحتاج أن تعتذر إليه عند زلتك وكان رضي الله عنه يقول: العلماء العاملون أرأف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأشفق عليهم من آبائهم وأمهاتهم قيل له: كيف ذلك قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وأهوالها وكان يقول: من صحب الأولياء بصدق ألهاه ذلك عن أهله وماله وعن جميع الاشتغال فماذا صح له ذلك معهم ترقى إلى مقام الاشتغال بالله فاشتغل به عمن سواه وإن لم يصح له هذا المقام مع الأولياء لا يشم رائحة الاشتغال بالله أبداً وكان رضي الله عنه يقول: العامة يحتاجون إلى أهل العلم في الجنة كما في الدنيا فقيل له كيف فقال: يقال للعامة في الجنة تمنوا فلا يدرون ما يقولون فيقولون نرجع لأهل العلم فنسألهم فيكون ذلك تمام مكرمة
(1/69)

لأهل العلم، وكان رضي الله عنه يقول: إياكم والركون إلى دار الدنيا فإنها دار ممر لا دار مقر الزاد منها والمقيل في غيرها.
وكان يقول: لو أن رجلاً في علم ابن عباس وهو راغب في الدنيا لنهيت الناس عن مجالسته فإنه لا ينصحك من خان نفسه وكان يقول: مثل الأولياء مثل الصيادين يصطادون العباد من أفواه الشياطين ولو لم يصد الوالي طول عمره إلا واحداً لكان قد أوتي خيراً كثيراً وكان يقول طلب الزهد فراراً من مشقة الأعمال الشاقة بطالة ولبس الصوف من غير إماتة النفس جهالة وترك المكاسب مع الحاجة إليها كسل والكسل مع وجود الاستغناء عنه كلفة والصبر على العزلة علامة وجود الطريق والتعبد مع تضييع العيال جهل وكان يقول: كم بين من يريد حضور الوليمة للوليمة وبين من يريد حضور الوليمة ليلتقي الحبيب في الوليمة وكان يقول: محاربة الصديقين لنفوسهم مع الخطرات ومحاربة الأبدال مع الفكرات، ومحاربة الزهاد مع الشهوات، ومحاربة التائبين مع الزلات، وكان رضي الله عنه يقول في دعائه: إلهي لا أقوى على شروط التوبة فاغفر لي بلا توبة، وكان يقول: لا يكون الرجل حليماً حتى يلحظ النساء بعين الشفقة لا بعين الشهوة، وكان يقول جالسوا الذاكرين فإنهم ملازمون باب الملك رضي الله عنهم.

ومنهم أبو حامد أحمد بن حضرويه البلخي
رضي الله تعالى عنه
هو من أكابر مشايخ خراسان صحب أبا تراب النخشبي وحاتماً الأصم ورحل إلى أبي يزيد البسطامي وزار أبا حفص الحداد، وهو من المشهورين بالفتوة مات سنة أربعين ومائتين رحمه الله تعالى. ومن كلامه رضي الله عنه: ولي الله لا يرسم نفسه بسيماً ولا يكون له اسم يتسمى به وكان يقول: من صبر على صبر فهو الصابر لا من صبر وشكا، وكان يقول: بلغني أن شخصاً من الأغنياء طلب زيارة شخص من الزهاد فدخل عليه فرآه يفطر في رمضان على خبز الشعير والملح فرجع التاجر إلى داره وأرسل للزاهد ألف دينار فردها وقال لغلامه: قل لمولاك هنا جزاء من أفشى سره على مثلك رضي الله عنهم.

ومنهم أبو الحسين أحمد بن أبي الحواري
رضي الله تعالى عنه ورحمه
واسم أبي الحواري ميمون من أهل دمشق صحب أبا سليمان الداراني وسفيان بن عيينة وجماعة من المشايخ. مات سنة ثلاثين ومائتين رضي الله عنه وكان الجنيد رحمه الله تعالى يقول أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام.
ومن كلامه رضي الله عنه الدنيا مزبلة ومجمع الكلاب وأقل من الكلاب من علق عليها وخاصم أصحابه لأجلها، فإن الكلب يأخذ منها حاجته وينصرف، والمحب لها لا يتركها بحال وكلما بلغ منها مبلغاً طلب ما بعده، وكان رضي الله عنه يقول: علمني الخضر عليه السلام رقية للوجع فقال: إذا أصابك وجع فضع يدك على الموضع وقل: " وبالحق أنزلنا هو بالحق نزل "، " الإسراء: 105 " فلم أزل أقولها على الوجع فيذهب لساعته وكان إذا اطلع أحد على شيء من أخلاقه الحسنة يلوم نفسه ويقول ما هذه الغفلة حتى ظهرت محاسنك للناس رضي الله عنه.

ومنهم أبو حفص عمر بن سالم الحداد النيسابوري
رضي الله عنه
من قرية يقال لها كورذباذ بباب مدينة نيسابور على طريق بخارى. صحب عبد الله المهدي والنصر أباذي ورافق أحمد بن حضرويه البلخي وإليه ينتمي شاه بن شجاع الكرماني وكان أوحد الأئمة والسادة ومن كبار المشايخ المشار إليهم، مات سنة سبعين ومائتين، وكان إذا ذكر الله تعالى تغير عليه الحال، حتى يعرف ذلك منه جميع من حضره.
وكان رضي الله عنه يقول: من هوان الدنيا على أني لا أبخل بها على أحد وقيل له إن فلاناً من أصحابك يدور حول السماع فإذا سمع بكى وصاح ومزق ثيابه، فقال: أيش يعمل الغريق يتعلق بكل شيء يظن فيه نجاته، وكان رضي الله عنه يقول: حرست قلبي عشرين سنة ثم وردت حالة فصرنا فيها جميعاً محروسين وكان يقول: ما استحق اسم السخاء من ذكر العطاء ولمحه بقلبه وسئل مرة عن الولي فقال هو من أيد بالكرامات وغيب عن البدع، وسئل مرة عن آداب الفقراء فقال: هو حفظ حرمات المشايخ وحسن العشرة مع الإخوان والنصيحة للأصاغر، وترك الخصومات في الأرفاق وملازمة الإيثار، ومجانبة الادخار وترك صحبة من ليس على طريقهم، ومعاونة الإخوان في أمر دنياهم وآخرتهم فاعرض هذه الصفات على نفسك فإن وفيت بها فأنت فقير.
وكان يقول كثيراً فساد الأحوال دخل من ثلاثة أشياء: فسق العارفين، وخيانة المحبين،
(1/70)

وكذب المريدين قال أبو عثمان الحيري: فسق العارفين: إطلاق الطرف واللسان والسمع لأسباب الدنيا ومنافعها وخيانة المحبين: اختيار أهويتهم على رضا الله فيما يستقبلهم وكذب المريدين: أن يكون ذكر الخلق ورؤيتهم أغلب على قلوبهم من ذكر الله عز وجل ورؤيته، وكان يقول: إذا رأيت ضوء الفقير في ثيابه فلا ترجو خيره رضي الله عنه.

ومنهم أبو تراب عسكر بن الحسين النخشبي
رضي الله تعالى عنه
صحب حاتماً الأصم وأبا حاتم العطار وهو من أجله مشايخ خراسان وكبارهم المشهورين بالعلم والفتوة والزهد والتوكل والورع.
مات رحمه الله تعالى بالبادية فنهشته السباع سنة خمس وأربعين ومائتين. ومن كلامه رضي الله عنه: إن الله عز وجل ينطق العلماء في كل زمان بما يشاكل أعمال ذلك الزمان وكان رضي الله عنه يقول: من شغل مشغولاً بالله عن الله أدركه المقت من ساعتها وكان يقول لا أعلم شيئاً أضر بالمريدين من أسفارهم على متابعة نفوسهم بغير إذن أستاذهم، وما فسد مريد إلا بالأسفار ومعاشرة الأضداد، وكان يقول: لا ينبغي لفقير قط أن يضيف إلى نفسه شيئاً من المال قط ألا ترى إلى موسى عليه السلام حيث قال: هي عصاي، وادعى الملك لها قال الله عز وجل: " ألق عصاك " " النمل: 10 " فلما قلب العين فيها لجأ وهرب فقيل ارجع ولا تخف، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رجلاً بالبادية فقلت له من أنت فقال أنا خضر الموكل بالأولياء أرد قلوبهم إذا شردت عن الله عز وجل يا أبا تراب التلف في أول قدم والنجاة في آخر قدم رضي الله عنه.

ومنهم أبو محمد عبد الله بن حنيف الأنطاكي
رضي الله تعالى عنه
صحب يوسف بن أسباط وهو من زهاد الصوفية الأكياس في أكل الحلال والورعين في جميع لأحوال، أصله من الكوفة وطريقته في التصوف طريقة الثوري رضي الله عنه فإنه صحب صحابه رضي الله عنهم.
ومن كلامه رضي الله عنه: إذا دنا الرجل القارئ من المعصية ناداه القرآن من صدره
والله ما لهذا حملتني فلو أن العاصي سمع ذلك الصوت لمات حياء من الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: بلغنا أن حبراً من أحبار بني إسرائيل كان يقول: يا رب كم أعصيك ولم تعاقبني فأوحى الله تعالى إلى نبي من بني إسرائيل قل لفلان كم أعاقبك وأنت لا تدري ألم أسلبك حلاوة مناجاتي. وكان يقول: أنت لا تطيع من يحسن إليك فكيف تحسن إلى من يسيء إليك رضي الله عنه.

ومنهم أبو علي أحمد بن عاصم الأنطاكي
رضي الله عنه
هو من أقران بشر بن الحارث الحافي والسري السقطي والحارث المحاسبي وكان أبو سليمان الداراني يسميه جاسوس القلوب لحدة فراسته رضي الله عنه وكان يقول: ما كنت أظن إني أدرك زماناً يعود الإسلام فيه غريباً فقيل له: وهل عاد الإسلام غريباً قال: نعم إن ترغب فيه إلى عالم تجده مفتوناً بالدنيا يحب الرياسة والتعظيم، ويكل الدنيا بعلمه ويقول: أنا أولى بها من غيري وإن تركب فيه إلى عابد معتزل في جبل تجده مفتوناً جاهلاً في عبادته مخدوعاً لنفسه ولإبليس قد صعد إلى أعلى درجات العبادة، وهو جاهل بأدناها فكيف بأعلاها فقد صارت العلماء والعباد سباعاً ضاربة وذئاباً مختلسة فهذا وصف أهل زمانك من أهل العلم والقرآن ورعاة الحكمة " فاعتبروا يا أولي الأبصار " وكان رضي الله عنه يقول: إذا جالستم أهل الصدق من الفقراء فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في قلوبكم ويخرجون منها وأنتم لا تشعرون رضي الله عنه.

ومنهم منصور بن عمار الواعظ
رضي الله تعالى عنه ورحمه
هو من أهل مرو وأقام بالبصرة وكان من أحسن الواعظين ومن حكماء المشايخ كبير الشأن في التقلل والورع. كان رضي الله عنه يقول: إذا سخر الشيطان برجل، جعله ينقل إلى الناس النميمة والقاذورات، ولو أن إبليس كان يهابه ما حمله شيئاً من ذلك وكان رضي الله عنه يقول: سبحان من جعل قلوب العارفين أوعية للذكر وقلوب أهل الدنيا أوعية للطمع، وقلوب الفقراء أوعية للقناعة، وكان يقول عجبت للقراء كيف يهجرون إخوانهم سنين على زلة وقعت ولا يحملونهم على القناعة والتوبة، وإذا رأوا ظالماً يأخذ ما لا بغير حق ثم يتوارى عنهم بجدار يقولون هذا حلال لاحتمال أن يكون بدله بغيره ولا يرون أن ذلك الواقع في الزلة تاب عن زلته بعد مدة والقاعدة واحدة رضي الله عنه.

ومنهم حمدون بن أحمد القصار النيسابوري
رضي الله تعالى
(1/71)

عنه ورحمه
وهو شيخ الملامتية بنيسابور ومنه انتشر مذهب الملامتية. صحب أبا تراب النخشبي والنصراباذي رضي الله عنهما وكان فقيهاً عالماً يذهب مذهب الثوري رضي الله عنه وطريقته لم يأخذها عنه أحد من أصحابه كأخذ عبد الله بن محمد بن منازل صاحبه. مات حمدون سنة إحدى وسبعين ومائتين بنيسابور ودفن في مقبرة الحيدة، وكان رضي الله عنه يقول: من ظن أن نفسه خير من نفس فرعون فقد أظهر الكبر، وكان يقول: من نظر في سير السلف عرف تقصيره، وتخلفه عن درجات الرجال وقيل له ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا فقال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن ونحن نتكلم لعز النفوس، وطلب الدنيا واعتقاد الخلائق لنا، وكان يقول للفقهاء إذا أشكل عليكم علم فاسألوا عنه القوم لكن بذل النفوس وإظهار الضعف والاعتراف بالجهل يزيل عنكم الإشكال، وكان رضي الله عنه يقول جمال الفقير في تواضعه فإذا تكبر فقد زاد على الأغنياء في الكبر وكان رضي الله عنه يقول: إذا صحبت فاصحب الصوفية فإن للقبيح عندهم وجوهاً من المعاذير وليس للحسن عندهم كبير موقع يعظمونك به رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسن المقرئ
رضي الله تعالى عنه
كان يقول: لو عمل قارئ القرآن بالقرآن لم تحرقه نار الدنيا وكان يقول: يقبح على قارئ القرآن أن يعصي الله ولو مرة في عمره وكان يقول: أعظم الكبائر فساد العلماء، وأشد المصائب زنا القراء، وكان رضي الله عنه يقول: يأتي القرآن يوم القيامة، وحوله المخلصون كالجمال البخت ويدور حوله قوم آخرون فيقول لهم: سحقاً أضعتموني في الدنيا فلا تصحبوني في الآخرة.

ومنهم السيد عبد الله من أولاد إبراهيم بن الحسن
بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: رأيت جدي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله من أقرب الناس إليك من أمتك؟ فقال: من ترك الدنيا وراء ظهره وجعل الآخرة نصب عينيه ولقيني وكتابه مطهر من الذنوب.
ومات رضي الله عنه ودفن بالقرب من الإمام الليثي رضى الله عنه.

ومنهم سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد بن محمد الزجاج
رضي الله عنه
كان أبوه يبيع الزجاج فلذلك يقال له القواريري، أصله من نهاوند مولده ومنشؤه بالعراق وكان فقيهاً يفتي الناس على مذهب أبي ثور صاحب الإمام الشافعي وراوي مذهبه القديم.
صحب خاله السري السقطي والحارث المحاسبي ومحمد بن علي القصاب وكان من كبار أئمة القوم وسادتهم وكلامه مقبول على جميع الألسنة. مات رضي الله عنه يوم السبت سنة سبع وتسعين ومائتين وقبره ببغداد طاهر يزوره الخاص والعام.
ومن كلامه رضي الله عنه: إن الله يخلص إلى القلوب من بره على حسب ما تخلص إليه القلوب من ذكره فانظر ماذا خالط قلبك، وكان يقول: التصوف هو صفاء المعاملة مع
الله تعالى، وأصله الصرف عن الدنيا كما قال حارثة صرفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكان رضي الله عنه يقول: الغفلة عن الله تعالى أشد من دخول النار، وكان يقول: إذا رأيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وأبدأه بالرفق فإن العلم يوحشه، والرفق يؤنسه، وكان يقول: كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن حضور وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات، وكان يقول: من أشبار إلى الله تعالى وسكن إلى غيره ابتلاه بالمحن وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه، فإن انتبه وانقطع إلى الله وحده كشف الله عنه المحن وإن دام على السكون إلى غيره نزع الله من قلوب الخلائق الرحمة عليه، وألبسه لباس الطمع فيهم فتزداد مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم، فيصير حياته عجزاً وموته كمداً وآخرته أسفاً، ونحن نعوذ بالله من الركون إلى غير الله، وكان يقول: أكثر الناس علماً بالآفات أكثرهم آفات. وسئل رضي الله عنه عن العارف فقال: إن لون الماء لون إنائه أي هو بحكم وقته، وكان يقول: مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة، وسئل عن قرب الله تعالى؟ فقال: بعيد بلا اقتراب قريب بلا التزاق وكان يقول.: من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فلا يلق الناس فإن هذا زمان وحشة فالعاقل من اختار فيه العزلة، وجاءه رجل مرة بخمسمائة دينار فوضعها بين يديه وقال فرقها على جماعتك فقال: ألك مال غير هذا قال نعم قال: أتطلب زيادة على ما عندك قال: نعم فقال له الجنيد: خذها فإنك إليها أحوج منا ولم يقبلها، وكان رضي الله عنة
(1/72)

يقول: السكر فيه علة لأن الشاكر طالب لنفسه به المزيد فهو واقف مع الله تعالى على حظ نفسه بالشكر، ولكن الشكر ألا ترى نفسك أهلاً للرحمة، وكان رضي الله عنه يقول: المريد الصادق غني عن علم العلماء وإذا أراد الله بالمريد خيراً أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء وكان يقول: التصوف أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة وتارة يقول: هو عنوة لا صلح فيها، وتارة يقول: هم أهل بيت لا يدخل معهم غيرهم وكان رضي الله عنه يقول: إذا رأيت الصوفي يعبأ بظاهره فاعلم أن باطنه خراب وكان يقول: لقيت إبليس يمشي في السوق عرياناً وبيده كسرة خبز يأكلها فقلت له: أما تستحي من الناس فقال: يا أبا القاسم وهل بقي على وجه الأرض أحد يستحي منه من كان يستحي منهم تحت التراب قد أكلهم الثرى. وسئل رضي الله عنه مرة عن التوحيد الخالص فقال: أن يرجح العبد إلى قوله فيكون كما كان قبل أن يكون وكان يقول التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو إفراد القدم عن الحدث والخروج عن الأوطان وقطع المحارب وترك ما علم وجهل ويكون الحق مكان الجميع، وكان رضي الله عنه يقول: علم التوحيد قد طوى بساطه منه عشرين سنة، والناس يتكلمون في حواشيه، وسئل عن الإنسان يكون هادئاً فإذا سمع السماع اضطرب فقال: إن الله تعالى لما خاطب الذرية في الميثاق الأول بقوله: " ألست بربكهم " " الأعراف: 172 " استقرأت عذوبة سماع كلام الأرواح فإذا سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك وكان رضي الله عنه يقول: تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن عند السماع فإنهم يسمعون إلا من حق، ولا يقومون إلا عن وجد وعند أكل الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة، وعند مجاراة العلم فإنهم لا يذكرون إلا أحوال الأولياء.
وكان رضي الله عنه يقول: دخلت يوماً على السري فوجدت عنده رجلاً مغشياً عليه فقلت له ماله فقال: سمع آية من كتاب الله تعالى فقلت له: يقرأ عليه الآية مرة أخرى فقرئت فأفاق الرجل فقال السري: من أين علمت هذا؟ فقلت له: إن قميص يوسف عليه السلام ذهب بسببه عينا يعقوب عليه السلام ثم عاد بصره به فاستحسن ذلك مني.
وكان يقول: مبنى التصوف على أخلاق ثمانية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: السخاء وهو لإبراهيم، والرضا وهو لإسحاق، والصبر وهو لأيوب والإشارة وهي لزكريا. والغربة وهي ليحيى، ولبس الصوف وهو لموسى، والسياحة وهي لعيسى، والفقر وهو لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
وحكي أنه لما حضرته الوفاة أوصى أن يدفن معه جميع ما هو منسوب إليه من علمه فقيل له ولم ذلك فقال: أحببت أن لا يراني الله تعالى وقد تركت شيئاً منسوباً إلي وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهر الناس وكان يقول لا تصفو القلوب لعلم الآخرة إلا إذا تجردت من الدنيا فانظر في ابتداء أمرك على إخراج الدنيا من سرك واحذر أن لا يبقى عليك منها دفين هوى كامن فيك فيوقفك ذلك عن النفاذ والترقي ولا يقدر شيخك ينقلك عن ذلك خطوة ما دمت كذلك فاسمع له وأطع. وسئل رضي الله عنه عن المعرفة بالله هل هي كسب ضرورة فقال رضي الله عنه: رأيت الأشياء تدرك بشيئين فما كان منها حاضراً فبالحسن، وما كان منها غائباً فبالدليل، ولما كان الحق تعالى غير باد لحواسنا كانت معرفته بالدليل والفحص إذ كنا لا نعلم الغيب والغائب إلا بالدليل ولا نعلم الحاضر إلا بالحس، وكان رضي الله عنه يقول: ما رأيت أحداً عظم الدنيا فقرت عينه فيها أبداً إنما تقر فيها عين من حقرها، وأعرض عنها، وكان يقول: من فتح على نفسه باب نية حسنة فتح الله عليه سبعين باباً من التوفيق، ومن فتح على نفسه باب نية سيئة، فتح الله عليه سبعين باباً من الخذلان من حيث لا يشعر، وكان رضي الله عنه يقول: ما احتشم صاحب من صاحبه أن يسأله حاجة إلا لنقص في أحدهما وكان يقول: إن للعلم ثمناً فلا تعطوه حتى تأخذوا ثمنه قيل له وما ثمنه قال: وضعه عند من يحسن حمله ولا يضيعه. وقيل له مرة ما بال أصحابك يأكلون كثيراً فقال: لأنهم يجوعون كثيراً قيل له: فما بالهم لا تهمهم قوة شهوة فقال: لأنهم لم يذوقوا طعم الزنا ويأكلون الحلال قيل له: فما بالهم إذا سمعوا القرآن لا يطربون قال: وأي شيء في القرآن يطرب في الدنيا القرآن حق نزل من عند حق لا يليق بصفات الخلق عند كل حرف منه على الخلق واجب لا يخرجهم منه إلا الوفاء لله عز وجل به، فإذا سمعوه في الآخرة من قائله أطربهم قيل له: فما بالهم يسمعون القصائد والأشعار
(1/73)

والغناء فيطربون، فقال: لأنها مما عملت أيديهم ولأنه كلام المحبين قيل له: فما بالهم محرومين من أموال الناس فقال: لأن الله تعالى لا يرضى لهم ما في أيدي الناس لئلا يميلوا إلى الخلق فيقطعوا عن الحق تعالى فأفرد القصد منهم إليه اعتناء بهم.
ولما حضرته الوفاة دخل عليه أبو محمد الجريري رضي الله عنه فقال: ألك حاجة قال: نعم إذا مت فغسلني وكفني وصل علي فبكى الجريري وبكى الناس معه ثم قال له الجنيد وحاجة أخرى فقال: وما هي فقال: تتخذ لأصحابنا طعام الوليمة، فإذا انصرفوا من الجنازة رجعوا إلى ذلك حتى لا يقع لهم تشتيت، فبكى الجريري ثم قال والله لئن فقدنا هاتين العينين ما اجتمع منا اثنان أبداً قال أبو جعفر الفرغاني فكان والله كذلك الأمر بعد وفاة الجنيد وإنما كان كذلك الاجتماع ببركة الشيخ ورؤيته رضي الله عنه. قال الجريري وكان في جوار الجنيد رجل مصاب في خربة فلما مات الجنيد رحمه الله تعالى ودفناه ورجعنا من جنازته تقدمنا ذلك المصاب فصعد موضعاً عالياً وقال يا أبا محمد أتراني أرجع إلى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ثم أنشأ يقول:
واأسفي من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون
والمدن والمزن والرواسي ... والخير والأمن والسكون
لم تتغير لنا الليالي ... حتى توفتهم المنون
فكل جمر لنا قلوب ... وكل ماء لنا عيون
قال ثم غاب عنا فكان ذلك آخر العهد به رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو عثمان الحيري النيسابوري
رضي الله تعالى عنه ورحمه
أصله من الري صحب قديماً يحيى بن معاذ الرازي وشاه بن شجاع الكرماني ثم رحل إلى نيسابور قاصداً أبا حفص الحداد رضي الله عنه فزوجه ابنته وأخذ عنه طريقته وكان رضي الله عنه أوحد المشايخ في سيرته ومنه انتشرت طريقة التصوف في نيسابور. مات رحمه الله سنة ثمان وتسعين ومائتين بنيسابور.
ومن كلامه رضي الله عنه: لا يكمل الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء المنع والعطاء والذل والعز وكان رضي الله عنه يقول: صحبت أبا حفص الحداد وأنا شاب فطردني مرة وقال: لا تجلس عندي فقمت ولم أوله ظهري، فانصرفت إلى ورائي ووجهي إلى وجهه حتى غبت عنه وجعلت في نفسي أن أحتفر حفيرة على بابه ولا أخرج منها إلا بأمره فلما رأى مني ذلك أدناني وجعلني من خواص أصحابه. وكان رضي الله عنه يقول: أصل العداوة من ثلاثة أشياء الطمع في المال وفي إكرام الناس وفي قبول الناس وكان يقول: الخوف من الله تعالى يوصلك إلى الله، والكبر والعجب في نفسك يقطعك عن الله عز وجل، واحتقار الناس في نفسك مرض عظيم لا يداوى، وكان يقول أنت في سجن ما تبعت مرادك فإذا فوضت وسلمت استرحت، وكان يقول: اصحبوا الأغنياء بالتعزز، والفقراء بالتذلل، فإن التعزز على الأغنياء تواضع والتذلل للفقراء شرف، وقيل له: هل يمكن العاقل أن يقيم العذر لمن ظلمه فقال: نعم يعلم أن الله تعالى هو الذي سلطه عليه، وكان يقول: من صحب أولياء الله تعالى وفق للوصول إلى الطريق إلى الله تعالى وكان يقول: لا يرى أحد عيب نفسه وهو يستحسن من نفسه شيئاً وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال.
وكان رضي الله عنه يقول: الزهد في الدنيا هو ألا يبالي بمن أخذها وكان يقول: إن الله تعالى يعطي الزاهد فوق ما يريد ويعطي المستقيم موافقة ما يريد، وكان يقول: من لم تصح إرادته لا تزيده الأيام إلا إدباراً عن الطريق طوعاً أو كرهاً وكان رضي الله عنه يقول: إذا صحت المحبة تأكد على المحب ملازمة الأدب.
وكان يقول: السماع على ثلاثة أقام: قسم منها للمبتدئين والمريدين يستدعون بذلك الأحوال الشريفة ولكن يخشى عليهم في ذلك الفتنة والرياء.
والقسم الثاني للصادقين يطلبون به الزيادة في أحوالهم ويسمعون من ذلك ما وافق أوقاتهم. والقسم الثالث لأهل الاستقامة من العارفين رضي الله عنهم.

ومنهم أبو الحسين أحمد بن محمد النوري
رحمه الله تعالى ورضي عنه
بغدادي المنشأ والمولد يعرف بابن البغوي وكان من جملة المشايخ وعلماء القوم لم يكن في وقته أحسن طريقة منه ولا ألطف كلاماً منه، صحب سريا السقطي ومحمد بن القصاب وكان من أقران الجنيد رحمه الله تعالى. مات سنة خمس وتسعين ومائتين. وكان يقول: أعز الأشياء في زماننا هذا شيئان عالم يعمل بعلمه
(1/74)

وعارف ينطق عن حقيقة وكان يقول: الجمع بالحق تفرقة عن غيره والتفرقة عن غيره جمع به، وكان يقول: ليس التصوف رسوماً ولا علوماً وإنما هو أخلاق، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يعرف الله تعالى في الدنيا لم يعرفه في الآخرة وكان يقول منذ عرفت ربي ما اشتبهت شيئاً ولا استحسنت شيئاً وكان يقول: من رأيته يركن إلى غير أبناء جنسه ويخالطهم فلا تقربن منه ومن رأيته يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهية فلا ترج خيره ومن رأيته من الفقراء غافل القلب عند السماع فاتهمه وكان يقول: لكل شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن الذكر، وكان يقول: هذا زمان المعروف فيه زلل والصواب فيه خطأ والوداد فيه دخل ولما وقع بينه وبين المعتضد ما وقع خرج إلى البصرة فأقام بها إلى أن توفي المعتضد بالله خوفاً أن يسأل الشفاعة إليه في حاجة، فلما مات المعتضد عاد النوري إلى بغداد. وأصل الوقعة أنه مر عليه أذنان من خمر فكسرها، فحملوه إلى المعتضد فقال له المعتضد: من أنت وكان يسفه قبل كلامه فقال: محتسب فقال: من ولاك الحسبة قال: الذي ولاك الخلافة وأغلظ عليه القول ثم خرج من بلاده وكان يقول: وقفت على شيخ يضرب بالسياط فعددت عليه ألفاً وهو ساكت فاستحسنت صبره مع كبر سنه فلما أدخل الرجل الحبس دخلت عليه فسألته عن صبره مع كبر سنه فقال: يا أخي إنما يحمل البلاء الهمم لا الأجسام قال التفليسي رحمه الله تعالى: وكان النوري إذا دخل مسجد الشونيزية انقطع ضوء السراج من ضياء وجهه، فلذلك سمي النوري قال وكان إذا حضر معنا لا تؤذينا البراغيث رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الجلاء
رحمه الله تعالى ويقال أحمد وهو الأصح
بغدادي الأصل أقام بالرملة ودمشق وكان من جملة المشايخ بالشام صحب أبان وذا النون المصري وأبا عبيد البسري وكان عالماً وهو أستاذ محمد بن داود الرقي.
ومن كلامه رضي الله عنه: من استوى عنده الذم والمدح فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض في أول وقتها فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلها من الله سبحانه وتعالى فهو موحد، وقيل له: ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد فقال: هذا من فعل رجال الله، قيل فإن مات قال الدية على القاتل وكان يقول: من غيرة الحق تعالى أنه لم يجمل لأحد عليه طريقاً، ولم يؤيس أحداً من الوصول إليه وترك الخلق في مفازة البحر يركضون في بحار الظن يغرقون، فمن ظن أنه واصل فاصله ومن ظن أنه فاصل واصله فلا وصول إليه ولا مهرب عنه ولا بد منه، وكان يقول من علت همته على الأكوان وصلى إلى مكونها ومن وقف نفسه على شيء سوى الحق تعالى لأنه أعز من أن يرضى معه شريكاً وكان رضي الله عنه يقول: لو أن رجلا عصى الله تعالى بين يدي ثم استتر عني بجدار لم يسعني من الله تعالى أن أعتقد عدم توبته لاحتمال أنه تاب رضي الله عنه.

ومنهم أبو محمد رويم بن أحمد
رضي الله تعالى عنه
هو بغدادي الأصل من جملة مشايخ بغداد وكان فقيهاً على مذهب داود الأصفهاني. مات رويم رحمه الله تعالى سنة ثلاث وثلاثمائة ودفن بالشونيزية. ومن كلامه رضي الله عنه: من حكمة الحكيم أن يوسع على إخوانه في الأحكام ويضيق على نفسه فيها فإن التوسعة عليهم اتباع للعلم والتضييق على نفسه من حكم الورع، وكان رضي الله عنه لا يعبأ بالمريد إذا لم يبذل روحه في الطريق ويقول: لا ينال هذا الأمر إلا ببذل الروح فإن أمكنك الدخول فيه على هذا قال فلا تشتغل بزخارف الكلام، وكان يقول من قعد مع القوم وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله نور الإيمان من قلبه، وكان رضي الله عنه يقول: لا تزال الصوفية بخير ما تنافروا فإذا اصطلحوا هلكوا وسئل رضي الله تعالى عنه عن المحبة فقال: هي الموافقة في جميع الأحوال وأنشد:
ولو قيل مت قلت سمعاً وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا
وقيل له مرة كيف حالك فقال: كيف حال من دينه هواه وهمته شقاء ليس بصالح تقي ولا عارف نقي، وكان رضي الله عنه يقول: للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه جل وعلا وكان يقول: لي منذ عشرين سنة لم يخطر في قلبي ذكر الطعام حتى يحضر ولي منذ عشرين سنة أصلي الغداة بوضوء العشاء الأخيرة رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
أصله من بلخ
(1/75)

ولكنه أخرج منها بسبب المذهب وجاء إلى سمرقند واستوطنها ومات بها سنة تسع عشرة وثلاثمائة وكان من كبار المشايخ بخراسان وصحب أحمد بن حضرويه البلخي وغيره من المشايخ ولم يكن أبو عثمان الحيري يميل إلى أحد من المشايخ ميله إليه وكان رضي الله عنه يقول: لو وجدت في تفسير قوة لدخلت إلى أخي محمد بن الفضل سمسار الرجال، وكان رضي الله عنه يقول: الدنيا بطنك فبقدر زهدك في بطنك تزهد في الدنيا وكان رضي الله عنه يقول: العجب ممن يقطع المفاوز حتى يصل إلى الكعبة والحرم لأن بهما آثار الأنبياء عليهم السلام كيف لا يقطع نفسه وهواه حتى يصل إلى قلبه لأن فيه آثار ربه عز وجل وكان رضي الله عنه يقول: إذا رأيت المريد يستزيد من الدنيا وأمتعتها فذلك من علامة إدباره وكان يقول: من الشقاء أن يرزق العبد صحبة الصالحين ولا يحترمهم وروي أن أهل بلخ لما نفوه من البلد دعا عليهم وقال اللهم امنعهم الصدق فلم يخرج من بلخ بعده صديق أبداً رضي الله عنه.

ومنهم أبو بكر نصر بن أحمد بن نصر الدقاق الكبير
رضي الله عنه ورحمه
كان من أقران الجنيد ومن كبار مشايخ مصر. قال الكناني: لما مات الدقاق انقطعت حجة الفقراء في دخولهم مصر وكان رضي الله عنه يقول: آفة المريد ثلاثة أشياء التزويج وكتابة الحديث ومعاشرة الضد، وكان يقول: لا يصلح هذا الأمر إلا لأقوام قد كنسوا بأرواحهم المزابل على رضا منهم واختيار، وكان يقول: عطشت مرة فاستقبلني جندي فسقاني شربة فعادت قساوتها في قلبي ثلاثين سنة رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان ينتسب إلى الجنيد في الصحبة ولقي أبا عبد الله الناجي وأبا سعيد الخراز وغيرهما من المشايخ وكان شيخ القوم في وقته وإمام الطائفة في الأصول والطريقة وله كلام حسن وروى الأحاديث عن محمد بن إسماعيل البخاري وغيره.
مات رحمه الله تعالى سنة إحدى وتسعين ومائتين وكان رضي الله عنه يقول: التوبة فرض على جميع المذنبين والعاصين صغر الذنب أو كبر وليس لأحد في ترك التوبة عذر وكان رضي الله عنه يقول: كلما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو أنس أو ضياء أو جمال أو شبح أو نور أو شخص أو خيال فالله عز وجل بخلاف ذلك كله هو أجل وأكبر وأعظم وكان رضي الله عنه بقول: لقد وبخ الله عز وجل التاركين للصبر على دينهم بما أخبرنا به عن الكفار أنهم قالوا: امشوا واصبروا على آلهتكم فهذا توبيخ لمن ترك الصبر من المؤمنين على دينه. وحكى أنه رأى الحسين بن منصور الحلاج يوماً وهو يكتب شيئاً فقال: ما هذا فقال: هو ذا أعارض القرآن فدعا عليه وهجره قال الشيوخ فالذي أصاب الحلاج وحل به من البلاء كان من ذلك الدعاء رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسن سمنون بن حمزة الخواص
رحمه الله تعالى آمين
سمى نفسه سمنوناً الكذاب صحب السري السقطي وغيره، وكان رضي الله عنه يتكلم في المحبة أحسن كلام، وهو من كبار المشايخ رضي الله عنه مات بعد أبي القاسم الجنيد على ما قيل ومن كلامه رضي الله عنه لا يعبر عن شيء إلا بما هو أرق منه ولا شيء أرق من المحبة فبم يعبر عنها وقال علي بن الحسين رضي الله عنه رأيت سمنوناً جالساً يوماً على شاطئ الدجلة وبيده قضيب يضرب به ساقه وفخذه حتى تبدد لحمه، وتناثر وهو ينشد ويقول:
كان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في تقلبه
رب فاردده على فقد ... عيل صبري في تطلبه
وأغث ما دام لي رمق ... يا غياث المستغيث به
وسئل مرة عن التصوت فقال: هو أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء وكان رضي الله عنه يقول: اجتمعت برجل فقير نقر له خشبة في البحر له فيها منذ ثلاثين سنة فقلت له: حدثني بأعجب ما رأيت في البحر فقال: هبت علي في بعض الليالي ريح عظيمة حتى أظلم البحر فداخلني من ذلك وحشة عظيمة فطلبت من الله شيئاً يزيل تلك الوحشة وإذا بتنين عظيم فاتح فاه فألقتني الخشبة نحوه فدخلت في فيه وجلست على ناب من أنيابه وصليت ركعتين فزالت تلك الوحشة وحصل عندي أنس عظيم رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبيد البسري
رضي الله تعالى عنه ورحمه
هو من قدماء المشايخ صحب أبا تراب النخشبي. ومن كلامه رضي الله عنه: لا تدخل العلة إلا من
(1/76)

الأمن ولا يوجد المزيد إلا من الحذر حذر أقوام فسلموا وأمن أقوام فعطبوا، وكان يقول: ذكر الله تعالى باللسان دون القلب رياء رضي الله عنه.

ومنهم أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني
رحمه الله تعالى
كان من أكابر مشايخ خراسان له التصانيف المشهورة في علوم الأوفاق والرياضات والمجاهدات والمعارف صحب محمد بن علي الترمذي ومحمد بن الفضل رضي الله عنهم ومن كلامه رضي الله عنه: من علامة السعادة على العبد تيسير الطاعة عليه وموافقته للسنة في أفعاله ومحبته لأهل الصلاح وحفظ أخلاقه مع الإخوان وبذل معروفه للخلق، واهتمامه بأمر المسلمين، ومراعاته لأوقاته، وعلامة الشقاوة على العبد أن يكون بالضد من هذه الصفات، وكان رضي الله عنه يقول: أصح الطرق إلى الله تعالى وأعمرها وأبعدها عن الشبه اتباع السنة قولا وفعلا وعزماً وقصداً ونية، لأن الله تعالى يقول: " وإن تطيعوه تهتدوا " فقيل له كيف الطريق إلى اتباع السنة فقال مجانبة البدع، واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله، ولزوم طريق الاقتداء بمن سبق قال تعالى: " واتبع ملة إبراهيم حنيفاً " " النساء: 125 " وكان رضي الله عنه يقول: الخلق كلهم في ميادين الغفلة يركضون وعلى الظنون يعتمدون وعندهم أنهم على الحقيقة يتقلبون وعن المكاشفة ينطقون رضي الله عنه.

ومنهم أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني
ضي الله تعالى عنه
كان من أولاد الملوك صحب أبا تراب النخشبي وأبا عبيدة البسري وكان من أجل الفتيان وعلماء هذه الطائفة وله رسالات مشهورة.
ومن كلامه رضي الله عنه: من صحبك ورافقك على ما يحب وخالفك فيما يكره فإنما صحبك لهواه فهو طالب بصحبتك راحة الدنيا لا غير، وكان رضي الله عنه يقول لأهل الفضل: فضل ما لم يروه فإذا رأوه فلا فضل لهم ولأهل الولاية ولاية ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم، وكان رضي الله عنه يقول: ما تعبد متعبد بأكثر من التحبب إلى أولياء الله تعالى "، فإذا أحب أولياء الله فقد أحب الله وإذا أحبه الأولياء فقد أحبه الله تعالى، وكان يقول لا يعجب معجب بنفسه إلا وهو محجوب عن ربه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كان العالم في هذا الزمان قد صار في ظلمة علمه؛ فكيف بالجاهل المقيم في ظلمة جهله مع أن ظلمة العلم أشد لكونها غلبت نور العلم رضي الله عنه.

ومنهم أبو يعقوب يوسف بن الحسين الرازي
رضي الله عنه
شيخ الري والجبال في وقته وكان عالماً أديباً وكان من طريقته إسقاط الجاه وترك التصنع واستعمال الإخلاص صحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي.
مات سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وكان رضي الله عنه يقول: لما علم القوم أن الله عز وجل يراهم استحيوا من نظره أن يراعوا شيئاً سواه، وكان يقول في دعائه اللهم إنا نبات زرائع نعمتك فلا تجعلنا حصائد نقمتك، وكان يقول: أرغب الناس في الدنيا أكثرهم ذماً لها عند أبنائها لأن مذمتهم لها عندهم حرفة وما أقبحها حرفة يزهدهم فيها، ثم يأخذها هو منهم في المجلس وكان يقول نظرت في آفات الصوفية فرأيتها في معاشرة الأضداد والليل إلى النسوان وكان رضي الله عنه يقول: للدنيا طغيان وللعلم طغيان فمن أراد النجاة من طغيان العلم فعليه بالعبادة، ومن أراد النجاة من طغيان المال فعليه بالزهد فيه، وكان رضي الله عنه يقول: بالأدب تفهم العلم وبالعلم يصح لك العمل وبالعمل تنال الحكمة وبالحكمة تغنم الزهد وتوفق له وبالزهد تترك الدنيا وبترك الدنيا ترغب في الآخرة وبالرغبة في الآخرة تنال رضا الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: في معنى حديث: " أرحنا بها يا بلال " أي أرحنا بالصلاة من أشغال الدنيا وحديثها لأنه صلى الله عليه وسلم كانت قرة عينه في الصلاة وكان يقول: إذا أردت أن تعرف العاقل من الأحمق فحدثه بالمحال فإن قبله فاعلم أنه أحمق، وكان يقول: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص وفواضل العلوم فاعلم أنه لا يجيء منه شيء، وكان يقول: من وقع في بحار التوحيد لم يزدد على ممر الأيام إلا عطشاً، وكان رضي الله عنه يقول: توحيد الخاصة هو أن يكون بسره ووجده وقلبه كأنه قائم بين يدي الله يجزي عليه تصاريف تدبيره وأحكام قدرته في بحار توحيده بالفناء عن نفسه وذهاب حسه بقيام الحق تعالى له في مراده منه، فيكون كما هو قبل أن يكون في جريان حكمه عليه. وكان رضي الله عنه يقول: في كل أمة وديعة أخفاهم الله تعالى عن خلقه فإن يكن منهم
(1/77)

في هذه الأمة شيء فهم الصوفية وكان رضي الله عنه إذا سمع القرآن لا تقطر له دمعة وإذا سمع شعراً قامت قيامته ثم يلتفت إلى الحاضرين ويقول: أتلومون أهل الري على قولهم يوسف بن الحسين زنديق هم معذورون رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الترمذي الحكيم
رضي الله عنه
لقي أبا تراب النخشبي وصحب أبا عبد الله بن الجلاء، وأحمد بن حضرويه، وهو من كبار مشايخ خراسان وله التصانيف المشهورة وكتب الحديث، وكان رضي الله عنه يقول: ما صنفت حرفاً عن تدبير ولا لينسب إلي شيء من المؤلفات، ولكن كان إذا اشتد علي وقتي أتسلى به، وسئل مرة عن صفة الخلق فقال ضعف ظاهر ودعوى عريضة وكان رضي الله تعالى عنه يقول: من شرائط الخدام التواضع والاستسلام، وكان يقول: كفى بالمرء عيباً أن يسره ما يضره، وكان يقول: دعا الله الموحدين للصلوات الخمس رحمة منهم عليهم وهب لهم فيها ألوان الضيافات لينال العبد من كل قول وفعل شيئاً من عطاياها سبحانه وتعالى، فالأفعال كالأطعمة، والأقوال كالأشربة، وهم عرش الوحدانية، وكان رضي الله عنه يقول: صلاح الصبيان في المكتب، وصلاح قطاع الطريق في السجن، وصلاح النساء في البيوت وكان رضي الله عنه يقول: المحدث والمتكلم إذا تحققا في درجتهما لم يخافا من حديث النفس، كما أن النفوس محفوظة بالنسخ لإلقاء الشيطان كذلك محل المكالمة والمحادثة مصون عن إلقاء النفس محروس بالحق رضي الله عنه.

ومنهم أبو بكر محمد بن عمر الحكيم الوراق
رضي الله عنه
أصله من ترمذ وأقام ببلخ لقي أحمد بن حضرويه وصحب محمد بن سعد الزاهد ومحمد بن عمر البلخي له التصانيف المشهورة في أنواع الرياضات والآداب والمعاملات. ومن كلامه رضي الله عنه لو قيل للطمع من أبوك لقال الشك في المقدور، ولو قيل له ما حرفتك لقال اكتساب الذل، ولو قيل له ما غايتك لقال الحرمان.
وكان رضي الله عنه يمنع أصحابه من السفر والسياحات ويقول مفتاح كل بركة التصبر في موضع إرادتك إلى أن تصح لك الإرادة فإذا صحت لك الإرادة فقد ظهر عليك أوائل البركة، وكان يقول: الناس ثلاثة العلماء، والفقراء، والأمراء فإذا فسد الأمراء فسد المعاش، وإذا فسد العلماء فسدت الطاعات، وإذا فسد الفقراء فسدت الأخلاق، وكان يقول: من اكتفى بالكلام من العلم دون الزهد والفقه تزندق، ومن اكتفى بالزهد دون الكلام والفقه ابتدع ومن اكتفى بالفقه دون الزهد والورع تفسق، ومن جمع هذه الأمور كلها تخلص وكان رضي الله عنه يقول: خضوع الفاسقين أفضل من صولة المطيعين، وكان رضي الله عنه يقول: عوام الخلق هم الذين سلمت صدورهم، وحسنت أعمالهم وطهرت ألسنتهم وفروجهم، فإذا خلوا من هذا فهم من الفراعنة لا من العوام، وكان يقول: إذا فسدت العلماء ظلت الفساق على أهل الصلاح والكفار على المسلمين والكذبة على الصادقية والمراءون على المخلصين، وتلف الدين كله لأن العلماء رضي الله عنهم الزمام، وكان رضي الله عنه يقول: إذا غلب الهوى أظلم القلب، وإذا أظلم القلب ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر ساء الخلق، وإذا ساء الخلق أبغضه الخلق وبغضهم وجفاهم وهناك يصير شيطاناً، وكان يقول: الخلاف يهيج العداوة والعداوة تستنزل البلاء وكان يقول: ما عشق أحد نفسه إلا عشقه الكبر، والحقد، والذل والمهانة وكان يقول: ازهد في حب الرياسة والعلو في الناس إن أحببت أن تذوق شيئاً من طريقة الزاهدين، وكان يقول ولو أن أحداً يعلم علم العلماء، ويفهم فهم الفهماء، ويعرف سحر كل ساحر لا يستطيع أن يستر عورة من عورات نفسه إلا بالصدق فيما بينه وبين الله تعالى رضي الله عنه.

ومنهم أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز
رضي الله تعالى عنه ورحمه
هو من أهل بغداد وصحب ذا النون المصري وسريا السقطي وبشرا الحافي وغيرهم، وهو من أئمة القوم وأجلة المشايخ قيل إن أول من تكلم في علم الفناء والبقاء أبو سعيد الخراز. مات رضي الله عنه سنة تسع وسبعين ومائتين. ومن كلامه رضي الله عنه إن الله تعالى عجل لأرواح الأولياء التلذذ بذكره والوصول إلى قربه وعجل لأبدانهم النعمة بما نالوه من مصالحهم فعيش أبدانهم عيش الجثمانيين، وعيش قلوبهم عيش الروحانيين، ولهم لسانان ظاهر وبطن فلسان الظاهر يكلم أجسامهم، ولسان الباطن يناجي أرواحهم، وكان رضي الله عنه يقول:
(1/78)

العارف يستعين بكل شيء فإذا وصل استغنى بالله وارتفعت همته عن الوقوف عما سواه وافتقر الناس إليه وكان رضي الله عنه يقول: مثل النفس في الصفات كمثل ماء طاهر واقف صاف فإذا حركته ظهر ما تحته من الحمأ وكذلك النفس تظهر مرتبتها عند المحن، والفاقة والمخالفة لاهوائها، ومن لم يعرف ما طوي من الصفات في نفسه كيف يدعي معرفة ربه، وكان يقول: العارفون خزائن الله أوح الله تعالى فيها علوماً غريبة وأخباراً عجيبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية، ويخبرون عنها بعبارات أزلية، وكان يقول: لولا أن الله تعالى أدخل موسى عليه السلام في كنفه لأصابه عليه السلام ما أصاب الجبل وكان يقول في قوله تعالى: " لعلمه الذين يستنبطونه منهم " المستنبط هو الذي يلاحظ الغيب أبداً فلا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه شيء وقال في قوله: " لآيات للمتوسمين " المتوسم هو الذي يعرف الوسم وهو العارف بما في سويداء القلوب والاستدلال والعلامات فيميز أولياء الله تعالى من أعداء الله وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله عز وجل أن يوالي عبداً من عبيده فتح له باب ذكره فإذا استلذ بالذكر فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجلس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجب فأدخله دار الفردانية وكشف له عن الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فحينئذ، صار العبد فانياً فوقع في حفظ الله وبرئ من دعاوى نفسه، وكان يقول: أول مقام لمن وجد علم التوحيد وتحقق به فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده بالله وحده وسئل رضي الله عنه هل يصل العارف إلى حال يجفو عليه البكاء قال: نعم إنما البكاء في وقت سيرهم إلى الله عز وجل فإذا نزلوا إلى حقائق القرب وذاقوا طعم الوصول من بره تعالى زال عنهم البكاء ولذلك ورد " فإن لم تبكوا فتباكوا " أي تنزلوا في المقام ليقتدي بكم السائرون وكان لأبي سعيد ولد صالح فمات فرآه بعد وفاته فقال يا بني أوصني فقال لا تجعل بينك وبين الله تعالى قميصاً، فما لبس أبو سعيد قميصاً منذ ثلاثين سنة وكان رضي الله عنه يقول: ينبغي للصوفي أن يكون لطيف اللبسة ملازماً للخلوة، حسن الصيانة فلا يطلب إلا عند وجود الفاقات، وإلا فهو والكذابون سواء، وكان يقول أبعد الناس من الله عز وجل من يدعي المعرفة والقرب وأكثرهم إليه إشارة أمقتهم عنده، وكان يقول: وكان يقول: لقيت مرة شخصاً متظاهراً بالجنون فناديته قف يا مجنون فالتفت لي وقال لي أتدري من المجنون فقلت له لا فقال المجنون من يخطو خطوة ولم يذكر ربه فيها، وكان يقول: لا يتصف عبد بالشرف حتى تصير الأذكار غذاءه والتراب فراشه، وكان يقول: لا تغتر بصفاء العبودية فإن فيها نسيان الربوبية فقيل له فما الخلاص قال أن يشهد صنع الربوبية في إقامة العبودية، فينقطع عن نفسه ويسكن إلى ربه، وهناك يسلم من الاستدراج وسئل رضي الله عنه عن سبب معاداة الفقراء وبغضهم لبعضهم بعضاً مع أنه لا رياسة عندهم فقال: إنما قدر الله عليهم ذلك غيره منه عليهم أن يسكن بعضهم إلى بعض ولكن إذا وقع لهم كمال السير ذهبت البغضاء لأن الكامل لا يرى هناك من يرسل غضبه عليه من الخلق، وكان رضي الله عنه يقول: أول علامة التوحيد خروج العبد عن كل شيء ورد الأشياء جميعاً إلى بتوليها، حتى يكون المتولي بالمتولي ناظراً إلى الأشياء قائماً بها متمكناً فيها، ثم يخفيهم عن أنفسهم في أنفسهم ويظهرهم لنفسه سبحانه وتعالى رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المغربي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان أستاذ إبراهيم الخواص وإبراهيم بن شيبان صحب علي بن رزين رضي الله عنهم وعاش مائة وعشرين سنة ودفن على جبل طور سيناء مع أستاذه علي بن رزين وكانت وفاته سنة تسع وسبعين ومائتين وكان يأكل من أصول الحشيش دون ما وصلت إليه يد بني آدم رحمه الله تعالى، ومن كلامه رضي الله عنه الفقير المجرد من الدنيا وإن لم يعمل شيئاً من أعمال الفضائل أفضل من هؤلاء المتعبدين ومعهم الدنيا بل ذرة من عمل الفقير المجرد أفضل من الجبال من أعمال أهل الدنيا، وكان رضي الله عنه يقول: إن لله تعالى عباداً أسبغ عليهم باطن العلوم وظاهرها، وأخمل ذكرهم فلا يعدون قط مع العلماء " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " " الأنعام: 82 " وكان يقول: ما فطنت إلا هذه الطائفة لكنها احترقت بما فطنت، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان يقول: اجتمعت بشخص من أصحاب أبينا
(1/79)

إبراهيم الخليل عليه السلام وقال: إنه ساكن في الهواء منذ رمى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالمنجنيق، فقلت له: ما حملك في الهواء وأنت من بني آدم فقال: توكلي على الله عز وجل، فقلت: وما التوكل قال النظر إلى الله تعالى دائماً بلا عين تطرف والذكر له بلسان لا يتحرك والجولان في مصنوعاته بلا روح، تغفل رضي الله عنه.

ومنهم أبو العباس أحمد بن مسروق
رضي الله تعالى عنه ورحمه
من أفضل أهل طوس وسكن بغداد ومات بها سنة تسع وتسعين ومائتين صحب الحارث المحاسبي والسري وغيرهما وكان من كبار مشايخ القوم وعلمائهم وكان رضي الله عنه يقول: لا ينبغي للفقير سماع التغزلات إلا إن كان مستقيماً في الظاهر والباطن قوي الحال إماماً في العلم وأما أمثالنا فلا يليق بنا سماعها لأن قلوبنا لم تألف الطاعات إلا تكلفاً ونخشى إن أبحنا لها رخصة أن تتعدى إلى رخص وكان رضي الله عنه يقول: من لم يحترز بعقله من عقله لعقله هلك بعقله وكان يقول من كان مؤدبه ربه لا يغلبه أحد، وكان يقول: الزاهد هو الذي لا يملك مع الله سبباً، وكان يقول: لا أزال أحن إلى بدو إرادتي وقوة همتي وركوبي الأهوال طمعاً في الوصول وها أنا الآن في أيام الفترة أتأسف على أوقاتي الماضية، وأتمنى صفاء وقت فلا أجده، وكان يقول: المؤمن يتقوى بذكر الله تعالى كما وقع لسيدتنا فاطمة رضي الله عنه حين طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم خادماً ليطحن معها فعلمها النبي صلى الله عليه وسلم التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقال: هن لك أحسن من خادم وأما المنافق فلا يتقوى إلا بالطعام والشراب فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان يقول: ما سر أحد بغير الحق إلا أورثه ذلك السرور الهموم والأحزان، وجاءه مرة شخص فدخل داره لوليمة كانت عند أبي العباس بلا دعوة، فقال أبو العباس: لله علي أن لا أدعه إلا على خدي حتى يجلس موضع الأكل، فوضع خده على الأرض ومشى عليه الرجل إلى أن بلغ إلى موضع جلوسه، وصار يقول: مثل هذا الرجل يتواضع لي ويحضر وليمتي بأي شيء أكافئه، وكان يقول: رأيت القيامة قد قامت ورأيت موائد نصبت، فأردت أن أجلس عليها فقالوا لي هذه للصوفية فقلت: أنا منهم فقال لي ملك: قد كنت منهم ولكن شغلك عن اللحوق بهم كثرة الحديث وحبك التمييز على الأقران، فقلت تبت إلى الله تعالى واستيقظت فأقبلت على طريق القوم وقلت للحديث رجال غيري وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه عليكم بالتقلل من المآكل، والملابس والنوم فقد كنت في بدء أمري ألبس المسوح والليف، وكنت أجتمع بشيوخي في الجامع كل يوم جمعة فلا أنصرف إلا عليلا من تأثير كلامهم في وكانت رؤيتي لهم قوتي من الجمعة إلى الجمعة تغنيني عن الطعام والشراب وكان يقول كنت آوي إلى مسجد فيه سحرة يأوي إليها بلبلان فقد أحدهما صاحبه وبقي الآخر على غصن ثلاثة أيام لا ينزل يرعى ولا يلتقط من الأرض شيئاً، فلما كان آخر اليوم الثالث مر به بلبل فصاح فذكره صاحبه فسقط عن الغصن ميتاً، في رواية كان عند الشيخ أربعة من التلامذة فخروا موتى عند سماع هذه الحكاية رضي الله عنهم أجمعين.

ومنهم أبو الحسن علي بن سهل الأصفهاني
رحمه الله
وهو من قدماء مشايخ أصفهان كان يكاتب الجنيد ويراسله وكان من أقرانه صحب بن معلان رضي الله عنه ولقي أبا تراب النخشبي وكان إذا بلغه عن أحد من المسلمين أن عليه ديناً يرسل يوفي عنه الدين بغير علم المديون فيأتي صاحب الدين، فيقول للمديون قد وفى الله عنك ولم يعلم الناس بذلك إلا بعد موته رضي الله عنه. ومن كلامه رضي الله عنه: من لم يصح في مبادئ إرادته لا يسلم في منتهى عاقبته، وكان يقول: حرام على قلب عرف الله تعالى أن يسكن إلى غيره، فإن سكن عوقب، وكان يقول: الناس من وقت آدم عليه السلام وإلى الآن يقولون القلب القلب وأنا أحب رجلا يصف لي أيش هو القلب فلا أرى وكان يقول الفقيه هو الذي لا يدخل تحت المنسوبات إليه، وكان يقول لأصحابه تعوفوا بالله من غرور حسن الأعمال مع فساد بواطن الأسرار.
وسئل رضي الله عنه عن حقيقة التوحيد فقال قريب من الطرائق بعيد عن الحقائق وكان يقول: لما استولى علي الشوق في بدايتي ألهاني ذلك عن الأكل والشرب والنوم رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين للجريري
رضي
(1/80)

الله تعالى عنه
كان من أكابر أصحاب الجنيد رضي الله عنه صحب سهل بن عبد الله التستري وأقعد بعد موت الجنيد رحمه الله تعالى في موضعه لتمام حاله وصحة طريقته وغزارة علمه.
مات رحمه الله تعالى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة رضي الله عنه ومن كلامه رضي الله عنه: من استولت عليه نفسه صار أسيراً في حكم الشهوات محصوراً في سجن الهوى، وحرم الله على قلبه الفوائد فلا يستلذ بكلام الله تعالى، ولا يستحليه، وإن قرأ كل يوم ختمة لأنه تعالى يقول: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق " " الأعراف: 146 " يعني أحجبهم عن فهمها وعن التلذذ بها وذلك لأنهم تكبروا بأحوال النفس والخلق والدنيا فصرف الله عز وجل عن قلوبهم فهم مخاطباته وسد عليهم طريق فهم كتابه وسلبهم الانتفاع بمواعظه وحبسهم في سجن عقولهم وآرائهم فلا يعرفون طريق الحق، ولا يتعرفونه بل ينكرون على أهل الحق، ويحرفون كلامهم إلى معان لم يقصدوها، وغاب عنهم أن الله تعالى ما أعطاهم العلم إلا ليحتقروا نفوسهم، ويذلوا للعباد إجلالا لمن هم عبيد له سبحانه وتعالى، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يحكم بينه وبين الله التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة فإن من لا تقوى عنده فوجهه مطموس ومن لا مراقبة له فحاله منكوس، وكان رضي الله عنه يقول: قدمت من مكة فبدأت بأبي القاسم الجنيد لئلا يتعنى لي فسلمت عليه ثم مضيت إلى منزلي فلما صليت الصبح فإذا أنا به خلفي في الصف فقلت له: إنما جئتك أمس لئلا تتعنى لي فقال لي: ذلك فضلك وهذا حقك وقال في قوله تعالى: " كونوا ربانين " " آل عمران: 79 " أي سامعين من الله قائلين بالله وكان يقول: لو رآيت من يهجرني لله تعالى لوضعت له خدي وكان يقول: من قرأ القرآن بقصد الدرجات في الجنة فقد رضي بالقليل بدلا عن الكثير لأن الجنة مخلوقة والقرآن غير مخلوق ومعظم الفائدة في قراءة القرآن، إنما هو وجود الرب وفهم خطابه فكيف بمن يطلب بقراءته عرضاً من الدنيا، ومن فعل ذلك فقد فاته خير القرآن كله وكان يقول: انكشف القمر ليلة الجمعة وأنا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذ له أسود مكتوب في وسطه بالنور أنا وحدي فغشي علي إلى الصباح وقال في قوله تعالى: " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً " " مريم: 23 " إنما قالت مريم ذلك لأن الله تعالى أطلعها على أن عيسى عليه السلام سيعبد من دون الله فغمها ذلك فقالت: " يا ليتني مت قبل هذا " " مريم: 23 "، أي ولم أحمل بمن يعبد من دون الله تعالى فأنطق الله عيسى عليه السلام إني عبد الله فلا يضرني أن يدعوا في الإلهية جهلا وكفراً، رضي الله عنه.

ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الآدمي
رضي الله عنه
كان من ظراف مشايخ الصوفية وعلمائهم له، لسان في فهم القرآن مختص به صحب الجنيد وإبراهيم المارستاني ومن فوقهم من المشايخ وكان أبو سعيد الخراز رضي الله عنه يعظم شأنه حتى قال التصوف خلق وما رأيت من أهله إلا الجنيد وابن عطاء مات سنة تسع أو إحدى عشرة وثلاثمائة رضي الله عنه، وسئل رضي الله عنه عن المروءة فقال: هي أن لا تستكثر لله عملا وكان رضي الله عنه يقول: خلق الله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام للمشاهدة لقوله تعالى: " أو ألقى السمع وهو شهيد " وخلق الأولياء رضي الله عنهم للمحاورة لقوله صلى الله عليه وسلم: " عز جارك " وخلق الصالحين للملازمة قال الله تعالى: " وألزمهم كلمة التقوى " " الفتح: 26 " وهي لا إله إلا الله وخلق العوام للمجاهدة قال تعالى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " " العنكبوت: 69 " وكان رضي الله عنه يقول: من تأدب بآداب الصالحين صلح لبساط الكرامة، ومن تأدب بآداب الأولياء صلح لبساط القربة، ومن تأدب بآداب الصديقين صلح لبساط المشاهدة، ومن تأدب بآداب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام صلح لبساط الأنس والانبساط، وكان رضي الله عنه يقول: لما عصى آدم عليه السلام بكى عليه كل شيء في الجنة إلا الذهب والفضة فأوحى الله تعالى إليهما لم لا تبكيان على آدم فقالا لا نبكي على من يعصيك فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لأجعلن قيمة كل شيء بكما ولأجعلن بني آدم خدماً لكما وكان يقول: السكون إلى مألوف الطباع يقطع صاحبه عن بلوغ درجات الحقائق، وكان يقول: أدن قلبك من مجالسه الذاكرين لعله ينتبه من غفلته وإيامك أن تكون حاضراً عند الذاكرين ولا تذكر معهم فتمقت وكان يقول: في قوله تعالى: " واسجد واقترب " " العلق: 19 " أي اقترب إلى بساط الربوبية
(1/81)

نعتقك من بساط العبودية انتهى والله أعلم.
قلت: وفي هذا نظر لا يخفى، وكان رضي الله عنه يقول: المحبة إقامة العتاب على الدوام وقال في قوله تعالى: " ثم تاب عليهم ليتوبوا " " التوبة: 118 " ما لم يعطف الرب على العبد بالرحمة لم يعطف العبد على الله بالطاعة وقال في قوله تعالى: " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " " طه: 125 " إن آدم عليه السلام قال يا رب لم أدبتني وإنما أكلت من الشجرة طمعاً في الخلود في جوارك فقال يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لامني والخلود بيدي وملكي فأشركت بي وأنت لا تشعر ولكن نبهتك بالخروج حتى لا تنساني في وقت من الأوقات وكان رضي الله عنه يقول: يقول الله تعالى يا ابن آدم إن أعطيتك الدنيا اشتغلت بها عني وإن منعتكها إشتغلت بطلبها فمتى تتفرغ لي وكان يقول من حكم المبتدي أن يهتدي بالحقائق ويسير بالعلم ويجد في العمل ولا يقف ولا يلتفت وقال في قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي في الظواهر من الأخلاق الشريفة والعبادات المرضية دون البواطن والأسرار والإشارات ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق " ألا كل شيء ما خلا الله باطل " إشارة إلى الكون قال ما يليق بالكون إذ كل ما عون الله هو من الكون وأسراره صلى الله عليه وسلم لا يطيق حملها أحد من الخلق لأنه باين أمته بالمكان والمباشرة ومن أجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك رضي الله عنه: " احفظ سري تكن مؤمناً " وكان رضي الله عنه يقول: من صعب عليه خدمته لم يصل إلى قربه ومن لم يتنعم بذكره في الدنيا لم يتنعم برؤيته في الآخرة، وكان يقول: الهيبة مقرونة بالورع فمن قل ورعه قلت هيبته، وكان يقول: العارف يربح على ما مضى منه في معصية الله تعالى أضعاف ما يربح غيره على طاعة الله تعالى لأن ذنوبه دائماً نصب عينيه لا يفتر عن ذكرها أبداً، وكان يقول: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر رضي الله عنه يسوس الخلق بقضيب مع قوة نسيم النبوة فلما توفي أبو بكر رضي الله عنه تقدم عمر رضي الله عنه على سياسة الناس فأقام حدود الله بدرته ولم يقدر عثمان على سياسة الناس بالدرة، فأخرج السوط فلم يستقم له الأمر كما استقام لصاحبيه، فلما استشهد لم يقدر علي رضي الله عنه على شيء يسوس به الخلق غير السيف إذ رأى ذلك صواباً وفي حكاية أخرى عنه قال: كان أبو بكر رضي الله عنه يشم نسيم الرسالة وعمر رضي الله عنه يشم نسيم النبوة وعثمان رضي الله عنه يشم نسيم الاصطفاء وعلي رضي الله عنه يشم نسيم المحبة، فكان بيان إشاراتهم مما خصوا به من الكرامة في هجيرهم فكان هجير أبي بكر لا إله إلا الله وكان هجير عمر الله أكبر وكان هجير عثمان سبحان الله وكان هجير علي الحمد لله فكان أبو بكر رضي الله عنه لم يشهد في الدارين غير الله فكان يقول: لا إله إلا الله وكان عمر رضي الله عنه يرى ما دون الله صغيراً في جنب عظمة الله، فيقول: الله أكبر وكان عثمان رضي الله عنه لا يرى التنزيه إلا لله تعالى إذ الكل قائم به غير معرى من النقصان والقائم بغيره معلول فكان يقول سبحان الله، وكان علي رضي الله عنه يرى نعمة الله في الدفع والمنع والمحبوب والمكروه فكان يقول: الحمد لله، وكان يقول: ما ارتفع من ارتفع بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا مجاهدة وإنما ارتفع بالخلق الحسن قال صلى الله عليه وسلم: " أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم خلقا " وكان يقول: ليس مهر من مهور الجنة أحب إلى الحور العين من إعراض العبد عن الدنيا وليس وسيلة للعبد عند الله تعالى أحب إليه من إعراضك عن نفسك وكان رضي الله عنه يقول: إنما ابتلى الخلق بالفراق لئلا يكون لأحد سكون مع غير الله عز وجل وكان يقول: قوام الإسلام وشرائعه بالمنافقين وقوام الإيمان وشرائعه بالعارفين بالله عز وجل وكان رضي الله عنه يقول: العارف سكوته تسبيح وكلامه تقديس، ونومه ذكر ويقظته صلاة وذلك لأن أنفاسه تخرج على مشاهدة ومعاينة وكان يقول: العارف لا كطيف عليه أي لزوال التعب والنصب عنه فأفعاله الشاقة على غيره لا يتكلف لها بل هي كخروج النفس ودخوله.
وسئل رضي الله عنه عن معنى الطهارة فقال: الطهارة بالنفوس والصلاة بالقلوب فبغسل الوجه يعرض عن الدنيا وبغسل يديه يكفي الخلق يمنة ويسرة وبمسح الرأس يبرأ عن نفسه وبغسل القدمين يقوم لمناجاة ربه فإذا كبر للصلاة خرج من جميع كليته لتصح له مناجاة ربه.
وقيل له مرة إذا سمع الإنسان شيئاً من
(1/82)

العلم فسكنت نفسه إليه ولكن عنده اعتراض في نفسه هل يسكت أن يعترض حتى يتبين له الحق فيعمل به فقال لا يسكت بل يعترض حتى يتبين له الحق. قلت: ومعنى الاعتراض أن يقول لشيخه لا أفهم هذا ومقصودي تفهمه لي لا أنه يرد الكلام جملة والله تعالى أعلم، وكان يقول تولد ورع الورعين من خوف مؤاخذاتهم بالذرة والخردلة والخطرة واللحظة ولولا ذلك ما صح لهم ورع راشد الورع، أن يحاسب نفسه على مقادير الخردلة وأوزان الذرة، وكيف يزكي نفسه من لا ينفك من الخسران ويخالط أهل العصيان والله تعالى يقول " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " وكان رضي الله عنه يقول: من علامات الأولياء ثلاثة أشياء يصون سره فيما بينه وبين الله، ويحفظ جوارحه فيما بينه وبين الناس، ويداري الخلق على تفاوت عقولهم وكان يقول تاه بعض أصحابنا في البادية فورد على عين فإذا عليها جارية كالقمر فوقف عندها فقالت إليك عني فقال اشتغل كلي بك فقالت في تلك العين جارية أخرى لا أصلح أن أكون خادمة لها فالتفت إلى ورائه فقالت ما أحسن الصدق وأقبح الكذب زعمت أن الكل منك مشغول بي وأنت تلتفت إلى غيري ثم التفت فلم ير أحداً وكان يقول: القرآن كله شيئان مراعاة أدب العبودية وتعظيم حق الربوبية رضي الله عنه.

ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الخواص
رضي الله تعالى عنه ورحمه
هو من أجل من سلك طريق التوكل، وكان أوحد المشايخ في وقته، وكان من أقران الجنيد والنوري، وله في الرياضات والسياحات مقام يطول شرحه. مات بجامع الري سنة إحدى وتسعين ومائتين مات بعلة البطن وكان كلما قام توضأ ركعتين فدخل الماء يوماً فمات وسط الماء، وكان يقول: إنما العلم لمن اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم، وكان يقول: التاجر برأس مال غيره مفلس، وكان يقول: على قدر إعزاز المؤمن لأمر الله يلبسه الله من عزه ويقيم له العز في قلوب المؤمنين، وكان يقول: من جهة الفقير، أن تكون أوقاته مستوية في الانبساط صابراً على فقره، لا تظهر عليه فاقة ولا تبدو منه حاجة أقل أخلاقه الصبر والقناعة، مستوحشاً من الرفاهية مستأنساً بالخشونات فهو بضد ما عليه الخليقة ليس له وقت معلوم، ولا سبب معروف، فلا تراه إلا مسروراً بفقره فرحاً بضره مؤنثا على نفسه ثقيلة وعلى غيره خفيفة يعز الفقر ويعظمه ويخفيه بجهده ويكتمه حتى عن أشكالا يستره قد عظمت عليه من الله فيه المنة، فلا يرى عليه من الله منه أعظم من خلو ليد من الدنيا. وكان يقول: أربع خصال عزيزة عالم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عن حقيقة فعله، ورجل قائم لله بلا سبب ومريد ذهب عنه الطمع، وكان يقول: لقيت الخضر عليه السلام في بادية فسألني الصحبة فخشيت أن يفسد علي توكلي بالسكون إليه ففارقته وكان رضي الله عنه يقول: المفاخرة والمكاثرة يمنعان الراحة، والعجب يمنع من معرفة قدر النفس، والتكبر يمنع من معرفة الصواب والبخل يمنع من الورع، وكان يقول: ليس من صفة الفقراء مؤالفة الأغنياء ولا من صفة أهل المعرفة مؤالفة أهل الغفلة، وكان يقول: من دواعي المقت ذم الدنيا في العلانية واعتناقها في السر، وكان يقول: الإنسان في خلقه أحسن منه في جديد غيره والهالك حقاً من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل، وكان يقول: يجب على المريد الاجتماع بمن يكشف له عن عيوبه ويدله على مواضع الزيادة ويكون نظره إليه قوة له على تهييج حاله، وكان يقول: لم يؤت الناس من قلة الندم والاستغفار وإنما أتوا من قلة الوفاء بالعهد قال أبو الحسن النحراني: صاحب إبراهيم الخواص كنت شديد الإنكار على الصوفي في علومهم وأبغض كل من اجتمع بهم فدخلت بغداد وأنا أكتب الحديث، فرأيت إبراهيم الخواص وحوله جماعة يتكلم عليهم، فسمعت كلامه فدخل قلبي صدق قوله فرأيته علماً صحيحاً لا بد للخلق من استعماله، فلزمته من ذلك المجلس ولم أفارقه وفرقت ما كنت جمعته من الكتب وكانت نحو حملين، ومع هذا فلم يلتفت إلي ولم يكلمني بكلمة أياماً كثيرة، فلما عرف مني الصدق في طلبه أدناني وقربني رضي الله عنه، وكان إبراهيم رضي الله عنه إذا دعى إلي دعوة فرأى فيها خبزاً يابساً أمسك يده ولم يأكل ويقول: هذا خبز قد منع حق الله تعالى منه إذ يبيت ولم يخرج من يومه وقال في قوله تعالى: " وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب " " الزمر: 54 " الآية، الإنابة
(1/83)

أن يرجع بك منك إليه التسليم أن تعلم أن ربك أشفق عليك من نفسك والعذاب عذاب الفراق وكان يقول آفة المريد ثلاثة حب الدرهم، وحب النساء، وحب الرياسة فيدفع حب الدرهم باستعمال الورع، وحب النساء بترك الشهوات، وترك الشبع ويدفع حب الرياسة بإثبات الخمول، وكان يقول: المريد الصادق الله مراده، والصديقون إخوانه والخلوة بيته والوحدة أنسه والنهار غمه والليل فرحه، ودليله قلبه والقرآن معينه، والبكاء ريه والجوع أدمه والعبادة نزهته والمعرفة قياده والحياة سفره والأيام مراحله والورع طريقه، والصبر شعاره، والسكون دثاره، والصدق مطيته، والعبادة مركبه وخوف الفوت خشيته، وكان يقول: إذا تحرك العبد لإزالة منكر، فقامت دونه الموانع، فإنما ذلك لفساد العقد بينه، وبين الله تعالى.
فلو صحت عقيدته مع الله تعالى واستأذنه في إزالة ذلك المنكر، واستعان به لم يقم دونه مانع قط وكان يقول: من شرب من كأس الرياسة، فقد خرج من إخلاص العبودية، وكان يقول: عطشت في بادية في طريق الحجاز، فإذا براكب حسن الوجه على دابة شهباء فسقاني الماء وأبى دفني خلفه، ثم قال: انظر إلى نخيل المدينة، فانزل واقرأ على صاحبها مني السلام وقل أخوك الخضر يقرأ عليك السلام.
وقيل له: ما بال الإنسان يتواجد عند سماع الأشعار، ولا يتواجد عند سماع القرآن، فقال: لأن سماع القرآن صدعة لا يمكن أحداً أن يتحرك فيها لشدة غلبتها، وشدة الأشعار ترويح للنفس فتتحرك فيه والله أعلم.

ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد الخراز
رضي الله تعالى عنه
من كبار مشايخ الري جاور بالحرم سنين كثيرة، وكان من الورعين القائمين بالحق الطالبين قوتهم من وجه حلال صحب أبا عمران الكبير، ولقي أبا حفص النيسابوري، وأصحاب أبي يزيد وكانوا جميعاً يكرمونه ويعظمون شأنه، وحكي عن أبي حفص أنه قال رضي الله عنه: نشأ بالري فتى إن بقي على طريقته، وسمته صار أوحد الرجال.
مات رحمه الله قبل العشر والثلاثمائة، ومن كلامه رضي الله عنه الجوع طعام الزاهدين والذكر طعام العارفين رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسن بنان بن محمد بن أحمدان بن سعيد الجمال
رضي الله عنه
كان أصله من واسط سكن رضي الله عنه مصر، واستوطنها ومات بها، ودفن بالقرافة بالقرب من الجبل تجاه جامع محمود، سنة ستة عشر وثلاثمائة، وكان من جملة المشايخ القائمين بالحق، والآمرين بالمعروف له المقامات المشهورة، والكرامات المذكورة صحب أبا القاسم الجنيد، وغيره من مشايخ الوقت وكان أستاذ النوري ومن كلامه رضي الله عنه: أجل أحوال الصوفية الثقة بالمضمون والقيام بالأمر والمراعاة للسر والتخلي من الكونين والتعلق بالحق تعالى وكان يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، قال لي: يا بنان فقلت: لبيك يا رسول الله فقال: من أكل بشره نفس أعمى الله عين قلبه، فانتبهت، وعقدت أن لا أشبع بعدها أبداً.
وكنت قد أكلت تلك الليلة رغيفين، وقصعة عدس وكان رضي الله عنه يقول: اجتمعت بأبي جعفر الحداد الفرجي رضي الله عنه، بمصر فقلت له: اختصر لي من العلم كله كلمة واحدة أنتفع بها، فقال: عليك بأخذ الأقل من الدنيا وارض فيها بالذل فقلت حسبي حسبي والله تعالى أعلم.

ومنهم محمد وأحمد ابنا أبي الورد
رضي الله تعالى عنهما آمين
وهما من كبار مشايخ العراقيين، وأقارب الجنيد، ومن جلسائه وصحبا السري السقطي، والحارث المحاسبي، وبشرا الحافي وأبا الفتح الحبال وطريقتهما في الورع قريبة من طريقة بشر رضي الله عنه.
ومن كلام محمد رحمه الله في ارتفاع الغفلة ارتفاع العبودية. قلت: والمراد بارتفاع الغفلة زوالها، وبارتفاع العبودية علوها والله أعلم.
والغفلة غفلتان غفلة نقمة وغفلة رحمة، فأما الرحمة فإسدال حجاب العظمة دون العبادات إذ لو انكشف الغطاء لانقطعوا عن العبودية، وأما التي هي نقمة فالغفلة عن طاعة الله عز وجل وكان رضي الله عنه يقول: الولي هو الذي يوالي أولياء الله، ويعادي أعداءه، وكان يقول: من كانت نفسه لا تحب الدنيا فأهل الأرض يحبونه، ومن كان قلبه لا يحب الدنيا، فأهل السماء يحبونه، وكان يقول: من أدب الفقير تركه الملامة والتعبير لمن ابتلى بطلب الدنيا، والرحمة، والشفقة عليه، والدعاء بأن الله تعالى يريده من التعب فيها.
قلت: والمراد بالتعبير أن يقصد به نقصه بين الناس لا غير دون النصح، والله أعلم.
وكان يقول:
(1/84)

هلاك الناس في حرفين اشتغال بنافلة، وتضييع فريضة، وعمل بالجوارح بلا مواطأة القلب عليه، وإنما منعوا الوصول لتضييعهم الأصول، وكان أحمد يقول: إنما بسط بساط المجد للأولياء ليأنسوا به، ويرفع به عنهم حشمة بديهة المشاهدة، وإنما بسط بساط الهيبة للأعداء ليستوحشوا من قبائح أفعالهم، ولا يشاهدون ما يستريحون إليه من المشهد الأعلى، وكان رضي الله عنه يقول: إذا زاد في الولي ثلاثة أشياء زاد فيه ثلاثة أشياء إذا زاد خلقه زاد تواضعه، وإذا زاد ماله زاد سخاؤه، وإذا زاد عمره زاد اجتهاده رضي الله عنه.

ومنهم أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي البزار
رحمه الله تعالى
صحب السري السقطي، وحسناً المسوحي، وكان ينتمي إلى المسوحي أكثر، وكان فقيهاً عالماً بالقرآن، وكان يتكلم ببغداد في مسجد الرصافة قبل كلامه في مسجد المدينة تكلم يوماً في مسجد المدينة فتغير عليه حاله، وسقط عن كرسيه ومات في الجمعة الثانية، وكان موته قبل الجنيد، وكان من رفقاء أبي تراب النخشبي في أسفاره، وكان الإمام أحمد إذا جرى في مجلسه شيء من كلام القوم يقول لأبي حمزة رحمه الله تعالى ما تقول في هذا يا صوفي، ودخل البصرة مراراً وصحب بشراً الحافي.
مات رحمه الله تعالى سنة تسع وثمانين ومائتين رحمه الله، ومن كلامه رضي الله عنه من المحال أن تحبه، ثم لا تذكره، ومن المحال أن تذكره، ثم لا يوجدك طعم ذكره، ومن المحال أن يوجدك طعم ذكره، ثم يشغلك بغيره، وكان رضي الله عنه يقول: وقفت على راهب في طريق الروم، فقلت له: هل عندك شيء من خبر من مضى، فقال: نعم فريق في الجنة، وفريق في السعير، وكان يقول: حب الفقير شديد، ولا يصبر عليه إلا صديق، وكان يقول: إذا فتح الله عليك طريقاً من طريق الخير فألزمه، وإياك أن تنظر إليه، أو تفتخر به، واشتغل بشكر من وفقك لذلك فإن نظرك إليه يسقطك من مقامك واشتغالك بالشكر يوجب لك فيه المزيد قال الله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم، واكن يقول: من علم طريقة الحق هان عليه سلوكها، وهو الذي علمها بتعليم الله إياه، وأما من علمها بالاستدلال فمرة يخطئ، ومرة يصيب، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في أفعاله، وأحواله، وأقواله، وكان رضي الله عنه يقول: قد يقطع بقوم في الجنة كما وقع آدم عليه السلام، وهم الذين يقولون لهم ملائكة الحق " كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية " فإنه شغلهم عنه بالأكل، والشرب، ولا مكر فوق هذا، ولا حسرة أعظم منها عند العارفين بالله تعالى.
وروي أنه كان حسن الكلام فهتف به هاتف تكلمت، فأحسنت بقي عليك أن تسكت فتحسن، فما تكلم بعد ذلك حتى مات، وسئل هل يتفرغ المحب لشيء سوى محبوبه فقال: لا لأن المحب في بلاء دائم، وسرور منقطع، وأوجاع متصلة لا يعرفها إلا من باشرها رضي الله عنه.

ومنهم أبو بكر محمد بن موسى الواسطي
رحمه الله تعالى ورضي عنه
أصله من فرغانة، وكان من قدماء أصحاب الجنيد، والثوري وكان من علماء مشايخ القوم لم يتكلم أحد في أصول التصوف مثل كلامه، وكان عالماً بأصول الدين، والعلوم الظاهرة دخل خراسان، واستوطن كورة مرو ومات بها بعد العشرين والثلاثمائة، وكلامه عندهم ليس بالعراق، منه شيء لأنه خرج منها، وهر شاس ومشايخه أحياء، وتكلم في خراسان في أبيورد، ومرو وأكثر كلامه بمرو، وكان يقول: ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوي المروءة، وكان يقول: أفقر الفقراء من ستر الحق حقيقة حقه عنه، وكان يقول: الخوف حجاب بين الله تعالى، وبين العبد، وهو اليأس، والرجاء فإن خفته بخلته، وإن رجوته اتهمته كيف يرى الفضل فضلا من لا يأمن أن يكون ذلك مكراً.
وكان يقول: الذاكر في ذكره أشد غفلة من الناسي لذكره لأن ذكره سواء، وكان يقول: التقوى أن يتقي العبد من تقواه يعني من رؤية تقواه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا ظهر الحق على السرائر لا يبقى فيها فضلة خوف، ولا رجاء، وكان يقول: احذروا لذة العطاء، فإنها غطاء لأهل الصفاء، ولولا شهود نفسه مع الحق ما استلذ، وكان يقول: في صفة الصوفية كان للقوم إشارات ثم صارت حركات، ثم لم يبق إلا حسرات، وكان يقول: من عرف الله انقطع بل خرس، وانقمع، ولا تصح المعرفة، وفي العبد استغناء بالله أو افتقار إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا أحصي ثناء عليك " هذه أخلاق من بعد مرماهم فأما الذين
(1/85)

نزلوا عن هذا الحد فقد تكلموا في المعرفة فأكثروا رضي الله عنه أجمعين.

ومنهم أبو عبد الله الشجري
رحمه الله تعالى آمين
صحب أبا حفص الحداد، وهو من كبار مشايخ خراسان قطع البادية مراراً على التوكل رضي الله عنه.
ومن كلامه رضي الله عنه: من لم يقدس فعله لم يقدس بدنه، ومن لم يقدس بدنه لم يقدس قلبه، ومن لم يقدس قلبه لم يقدس نيته، والأمور كلها مبنية على النية، وكان يقول: علامة الأولياء ثلاثة تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وإنصاف عن قوة، وكان رضي الله عنه يقول: بئس العبد عبد عصى الله بقلبه، وجوارحه ثم اعتذر إليه بلسانه من غير رجوع إليه.
قلت: والمراد بالرجوع إلى الله تعالى انكشاف حجاب العبد عن عجزه بحيث يعلم أن الأمر من الله تقديراً لا محيص له عن فعله، ولا قوة له على دفعه بقرينة حديث " إذا أذنب العبد فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به " الحديث، والله أعلم.
وكان يقول: لا تعير أحداً حتى تتيقن أن ذنوبك مغفورة، وذلك لا يصح لك وكان يقول: أنفع شيء للمريد صحبة الصالحين، والاقتداء بهم في أفعالهم، وأقوالهم، وأخلاقهم، وشمائلهم، وزيارات قبور الأولياء، والقيام بخدمة الأصحاب، والرفقاء وكان رضي الله عنه يقول: لا ينبغي لبس المرقعة إلا للفتيان قيل، ومن هم قال: من لا يشغلهم شيء عن الله عز وجل رضي الله عنهم أجمعين.

ومنهم محفوظ بن محمود النيسابوري
رضي الله تعالى عنه
من أصحاب أبي حفص النيسابوري، وكان من قدماء مشايخ نيسابور، وأجلتهم، وصحب أبا عثمان الحيري إلى أن مات، وكان من أورع المشايخ، وألزمهم لطريقة المتقدمين، وصحب أيضاً حمدون القصار، وسلاماً الباروسي، وعليا النصراباذي، وغيرهم من المشايخ.
مات سنة ثلاث أو أربع وثلاثمائة بنيسابور، ودفن بجانب أبي حفص، وكان يقول: التائب هو الذي يتوب عن طاعاته فضلا عن غفلاته، وكان يقول: لا تزن الخلق بميزان نفسك تهلك إنما ينبغي لك أن تزنهم لتعلم فضل الناس، وإفلاسك، وكان يقول: من ظن بمسلم فتنة فهو المفتون، وكان يقول: من أراد أن يبصر طريقاً من طريق رشده، فليتهم نفسه في الموافقات فضلا عن المخالفات والله أعلم.

ومنهم طاهر المقدسي
رضي الله تعالى عنه
وهو من أجلة مشايخ الشام، وقدمائهم رأى ذا النون المصري، وصحب يحيى الجلاء، وكان عالماً وهو الذي سماه الشبلي رضي الله عنه حبر الشام.
ومن كلامه رضي الله عنه إنما سميت الصوفية بهذا الاسم، لاستتارها عن الخلق بلوائح الوجد، وانكشافها بشمائل الفضل، وكان رضي الله عنه يقول: لا يطيب العيش إلا لمن وطئ على بساط الأنس، وعلا على سرير القدس، وغيبه الأنس بالقدس، والقدس بالأنس، ثم غاب عن مشاهدتهما بمطالعة القدوس وكان يقول: المفاوز إليه منقطعة، والطرق إليه منطمسة فالعاقل من وقف حيث وقف العوام والسلام.

وعنهم أبو عمرو الدمشقي
رضي الله تعالى عنه
وهو أوحد مشايخ الشام، وكان علماء الشام كلهم يذعنون إليه لا سيما في علوم الحقائق صحب أبا عبد الله محمد بن الجلاء، وأصحاب في النون وله كتاب في الرد على من قال بقدم الأرواح.
مات سنة عشرين وثلاثمائة.
ومن كلامه رضي الله عنه: إن الله تعالى افترض على الأولياء كتمان الكرامات لئلا يفتتن بها الخلق، وأوجب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إظهارها بياناً، وبرهاناً بالحق، وكان يقول: التصوف غض الطرف عن كل ناقص ليشاهد من هو منزه عن كل نقص وكان يقول: مقام الخطرات بعيد عن مقام الوطنات لأن الخواطر تلمع، ثم تخفى، والوطنات تبدو ثم تثبت، والدعاوى تتولد من الخواطر، وذلك لأن المدعي يظن أن ما لاح ثبت، ولا دعوى لصاحب الوطنات بحال، وكان رضي الله عنه يقول: استحسان الكون على العموم دليل على صحة المحبة، واستحسانه على الخصوص يؤدي إلى الفتن، والظلمات والله أعلم.

ومنهم أبو بكر بن محمد حامد الترمذي
رضي الله عنه
هو من أجل مشايخ خراسان، وأطهرهم خلقاً، وأحسنهم سياسة لقي قدماء المشايخ ببلخ مثل أحمد بن حضرويه، ومن دونه، وله أصحاب ينتمون إليه.
ومن كلامه رضي الله عنه إذا مكثت الأنوار في السر نطقت الجوارح بالبر، وكان يقول: إنكار الآيات للأولياء في قلوب الجهال من ضيق صدورهم عن المصادر، وبعد علومهم عن موارد الحكمة، والقدرة، وكان رضي الله عنه يقول: الولي دائماً في ستر حاله،
(1/86)

والكون كله ناطق عن ولايته، والمدعي ناطق بولايته، والكون كله ينكر عليه، وكان يقول الاستهانة بالأولياء من قلة المعرفة بالله، وما وصل عبد إلى مقام، وهو غير محترم لأهله إلا حرم بركته، وكان ذلك استدراجاً وكان يقول: لا يسمى عالماً إلا من وقف عند حدود الله لم يتجاوزها في وقت من الأوقات وكان يقول: ما استصغرت أحداً من المسلمين إلا وجدت نقصاً في إيماني، ومعرفتي، وكان يقول: ما منع القوم من الوصول إلا الاستدلال بغير الدليل، والركض في الطريق على حد الشهوة، وأكل الحرام، والشبهات، وكان يقول: مخالفة أوامر الله، وترك المواظبة على مرور ذكر الله على القلب من اعوجاج الباطن، وكان يقول: رأس مالك قلبك، ووقتك، وقد شغلت قلبك بهواجس الظنون، وضيعت أوقاتك باشتغالك بما لا يعينك فمتى يربح من خسر رأس ماله، والله أعلم.

ومنهم أبو الحسن محمد بن سعيد الوراق
رحمه الله تعالى آمين
من كبار المشايخ، وقدماء أصحاب أبي عثمان رحمه الله تعالى، وله كلام على سنن كلامه، وكان عالماً بعلوم الظواهر، والكلام في علوم دقائق المعاملات، وعيوب الأفعال مات قبل العشرين والثلاثمائة، ومن كلامه رضي الله عنه الكرم في العفو أن لا تذكر جناية أخيك بعدما عفوت عنه، وكان يقول: اللئيم لا ينفك عن ضيق الصدر أبداً، وكان يقول: حياة القلوب التي تموت في ذكر الحي الذي لا يموت، وأهنأ العيش الحياة، مع الله تعالى لا غير.
وكان يقول: كانت أحكامنا في مبادئ أمرنا بمسجد أبي عثمان الحيري الإيثار، بما يفتح علينا، وأن لا نبيت على معلوم، ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم منه لأنفسنا بل نعتذر إليه، ونتواضع له، وإذا وقع في قلبنا حقارة لأحد قمنا بخدمته، والإحسان إليه حتى يزول ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يفن عن نفسه، وغيره وروية الخلق لا يحيا سره بمشاهدة الخيرات، والمنن وكان يقول: أنفع العلوم العلم بأمر الله، ونهيه، ووعده ووعيده، وثوابه، وعقابه، وأعلى العلم العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وكان يقول: خوف القطيعة أذبلت نفوس المحبين، وأحرقت أكباد العارفين، وكان يقول: والأنس بالخلق، وحشة، والطمأنينة إليهم حمق، والسكون إليهم عجز، والاعتماد عليهم، وهن والثقة بهم ضياع، رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسن علي بن سهل الصائغ الدينوري
رضي الله عنه
كان من كبار المشايخ أقام بمصر، ومات بها في سنة ثلاثين وثلاثمائة، وكان كبير الهيبة يهابه كل من رآه، وكان من المخلصين في معاملة الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: ينبغي للمريد أن يترك الدنيا مرتين الأولى: يتركها بنضارتها، ونعيمها، وألوان مطاعمها، ومشاربها، وجميع ما فيها ثم إذا عرف بترك الدنيا، وبجل، وأكرم بسبب تركها ينبغي له إذ ذاك أن يستر حاله بالإقبال على أهلها لئلا يكون تركه للدنيا هو أعظم من الإقبال عليها، أو طلبها وأي فتنة أعظم منها، وكان رضي الله عنه يقول: إذا سئل عن الاستدلال بالشاهد على الغائب كيف يستدل بصفات من يشاهد، ويعاين، وذو مثل على صفات من لا يشاهد، ولا يعاين، ولا مثل له، ولا نظير له، وكان يقول: من تعرض لمحبة الله تعالى جاءته المحن، والبلايا، والآفات من سائر الأقطار، وكان يقول: يجب على الإخوان كلما اجتمعوا أن يتواصوا بالحق، ويتواصوا بالصبر لقوله تعالى: " وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " " العصر: 3 " وكان يقول: محبتك لنفسك هي التي تهلكها والله تعالى أعلم.

ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن داود القصار الرقي
رضي الله عنه
من كبار مشايخ الشام، ومن أقران الجنيد، وابن الجلاء إلا أنه عمر عمراً طويلا، وصحب أكثر المشايخ من الشام، وكان رضي الله عنه ملازماً مجرداً فيه محباً لأهله.
مات سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وكان يقول: حبك من الدنيا شيئان صحبة فقير، وحرمة ولي، وكان يقول: الأبصار قوية، والبصائر ضعيفة والله أعلم.

ومنهم ممشاد الدينوري
رضي الله عنه
كان من كبار المشايخ القوم صحب ابن الجلاء، ومن فوقه من المشايخ عظيم المرمى في علوم القوم كبير الحال ظاهر الفتوة مات سنة سبع وتسعين ومائتين، وكان يقول: طريق الحق بعيد، والصبر مع الله شديد، وكان يقول: لو جمعت حكمة الأولين، والآخرين، وادعيت أحوال الأولياء، والمقربين لن تصل إلى درجات العارفين حتى يسكن سرك إلى الله تعالى، وتثق بضمانه فيما وعدك، وقسم لك، وكان يقول: من يكن الله همته لم تستطعه الأقدار، ولم تملكه الأخطار، وكان يقول: ما دخلت
(1/87)

على فقير قط إلا، وأنا خال من جميع النسب، والعلوم، والمعارف أنتظر بركات ما يرد علي من رؤيته، أو كلامه، وذلك لأن من دخل على شيخ بحظ انقطع بحظه عن بركات رؤيته، ومجالسته، وأدبه، وكلامه، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت في بعض سياحتي شيخاً توسمت فيه الخير فقلت له: عظني بكلمة فقال همتك احفظها فإن الهمة مقدمة الأشياء فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال والأحوال، وكان يقول: أحسن الناس حالا من أسقط عن نفسه رؤية الخلق، وراعى سره في الخلوات مع الله واعتمد عليه في جميع الأمور، وكان رضي الله عنه يقول: أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، في حال الكشف، والمشاهدة، وأرواح الأولياء في القربة، والاطلاع وكان رضي الله عنه يقول: فقدت قلبي منذ عشرين سنة مع الله تعالى، وتركت قولي للشيء كن فيكون منذ عشرين سنة أدباً مع الله عز وجل قال بعضهم معناه أنه كان يرجع إلى قلبه ثم يرجع بقلبه إلى الله ومعنى تركت قولي للشيء كن فيكون أنه كان مجاب الدعوة كلما دعا أجيب ثم ارتفع عن ذلك إلى الله تعالى فصار بمراد الله لا بمراده فترك الدعاء، وكان يقول: كان عندنا رجل أخذ في التقلل حتى وقف على نواة ثم صار قوته الماء، وقيل له: إذا جاع الفقير أيش يعمل؟ قال يصلي قيل: فإن لم يقدر قال ينام قيل له: فإن لم يقدر ينام قال: إن الله تعالى لا يخلي فقيراً عن إحدى ثلاث إما قوى، وإما غذاء، وإما أخذ والله أعلم.

ومنهم أبو الحسين خير النساج
رضي الله تعالى عنه
أصله من أسر من رأى، إلا أنه أقام ببغداد وصحب أبا حمزة البغدادي ولقي السري السقطي، وهو من أقران النوري، وعمر طويلا على ما قيل مائة وعشرين سنة وتاب في مجلسه الخواص، والشبلي، وكان أستاذاً لجماعة، ومن كلامه رضي الله عنه: الصبر من أخلاق الرجال، والرضا من أخلاق الكرام، وكان رضي الله عنه يقول: العمل الذي يبلغ فيه العبد إلى الغايات هو رؤية التقصير، والعجز، والضعف، وكان رضي الله عنه يقول: قص موسى يوماً في بني إسرائيل فزعق واحد من القوم فانتهره موسى عليه السلام فأوحى الله تعالى إليه يا موسى بطيبي باحوا، وبوجدي صاحوا فلم تنكر علي عبادي؟

ومنهم أبو حمزة الخراساني
رحمه الله تعالى آمين
يقال إن أصله من نيسابور من محلة ملقاباذ صحب مشايخ بغداد، وهو من أقران الجنيد رضي الله عنه، وسافر مع أبي تراب النخشبي وأبي سعيد الخراز، وكان من أفتى المشايخ، وأدينهم، وأورعهم مات سنة تسع وثلاثمائة، وكان الإمام أحمد رضي الله عنه إذا عرضت عليه مسألة تتعلق بطريق القوم يقول له: ما تقول في هذه المسألة يا صوفي، وكان يقول: بقيت محرماً في عباءة أسافر ألف فرسخ كل سنة كلما تحللت أحرمت جديداً سنين عديدة. قلت: وعري البدن للفقير إشارة للتجرد بالباطن عن الكون، وقوله كلما تحللت أحرمت أي كلما ملت إلى شهوة جددت توية، والله أعلم.

ومنهم أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن أبي بكر الصنجي
رضي الله عنه
كان من كبار أهل البصرة مكث في سرب في داره لم يخرج منه ثلاثين سنة، وكان اجتهاده متوالياً لا يفتر حتى أخرجه أهل البصرة منها فخرج إلى السوس، ومات بها، وقبره هناك ظاهر يزار، وكان عالماً بعلوم القوم، وبالأصول وكان صاحب ورع ولسان، وكان رضي الله عنه يقول: السماع بالتصريح جفاء، والسماع بالإشارة تكليف وألطف السماع ما يشكل إلا على مستمعه، وكان رضي الله عنه يقول لا يقطعك شيء عن شيء إلا إذا كان القاطع أتم، وكمل، وأعلى عندك فإن كان مثله أو دونه فلا يقطعك فالحكم لما غلب على القلب، والسلام وكان يقول: ابتلى الخلائق بأسرهم بالدعاوي العريضة في المغيب فإذا أظلتهم هيبة المشهد خرسوا، وانقمعوا وصاروا لا شيء، ولو صدقوا في دعاويهم لبرزوا عند المشاهدة كما برز نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للشفاعة دون غيره، ويقول: أنا لها أنا لها، ولم ترعه هيبة الموقف لما كان عليه من قدم الصدف، وكان يقول: الغريب هو البعيد عن وطنه، وهو مقيم فيه لقلة جنسه رضي الله عنه.

ومنهم أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان
رحمه الله تعالى
هو من كبار مشايخ نيسابور صحب أبا عثمان ولقي أبا حفص، وهو أحد الخائفين الورعين جاور بمكة في آخر عمره وعشرين سنة متوالية نعى بموت أبي بشر سنة سبع، وثمانين، وثلاثمائة، وكان بمكة، وكان أوحد مشايخ الحرم في وقته، ومات أبو جعفر بن
(1/88)

حمدان سنة إحدى عشرة، وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: تكبر المطيعين على العصاة بطاعتهم شر من معاصيهم، وأضر عليهم منها كما أن غفلة العبد عن توبة ذنب ارتكبه شر من ارتكابه، وكان يقول: أنت تبغض العاصي بذنب، واحد تظنه، ولا تبغض نفسك بذنوب كثيرة تتيقنها وكان رضي الله عنه يقول: من سكنت عظمة الله قلبه عظم كل من انتسب إلى الله تعالى بالعبودية، وكان يقول: من علامة صدق من انقطع إلى الله تعالى أن يرد عليه قط ما يشغله عنه من مصائب الدنيا وغيرها رضي الله عنه.

ومنهم أبو بكر بن جحدر الشبلي
رضي الله عنه
ومكتوب على قبره جعفر بن يونس خراساني الأصل بغدادي المولد، والمنشأ تاب في مجلس خير النساج كما مر، وصحب أبا القاسم الجنيد، ومن عاصره من المشايخ، وصار أوحد أهل الوقت علماً، وحالا وظرفاً. تفقه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وكتب الحديث الكثير. عاش سبعاً وثمانين سنة، ومات سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودفن ببغداد في مقبرة الخيزران، وقبره فيها ظاهر يزار رضي الله عنه، ورحمه، وكانت مجاهداته في بدايته فوق الحد وكان رضي الله عنه يقول: اكتحلت بالملح كذا، وكذا ليلة لأعتاد السهر، ولا يأخذني النوم فلما زاد علي الأمر حميت الميل، واكتحلت به.
وكان يقول عن علم القوم: ما ظنك بعلم علم العلماء فيه تهمة. وقيل له: إن أبا تراب النخشبي جاع يوماً في البداية فرأى البادية كلها طعاماً فقال هذا عبد رفق به ولو بلغ إلى محل التحقيق لكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني " وقيل له متى يكون الشخص مريداً قال: إذا استوت حالاته في السفر، والحضر والمشهد، والمغيب وقيل له متى يكون الشخص مريداً قال: إذا استوت حالاته في السفر، والحضر والمشهد، والمغيب وقيل له مرة كيف الدنيا فقال: قدر يغلي، وكنيف يملأ، وكان يقول: في مناجاته أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبك لبلائك، وكان رضي الله عنه يقول: رفع الله قدر الوسائط بعلو هممهم فلو أجرى على الأولياء ذرة مما كشف للأنبياء عليهم الصلاة والسلام لبطلوا، وانقطعوا. وأخر مرة العصر حتى دنت الشمس إلى الغروب فقام وصلى، وأنشد مداعباً، وهو يضحك، ويقول أحسن ما قال بعضهم:
نسيت اليوم من عشقي صلاتي ... فلا أدري عشائي من غدائي
وكان يقول: كل صديق لا يكون له معجزة فهو كذاب فلما دخل البيمارستان دخل الوزير فقال: أين قولك كل صديق بلا معجزة كذاب فأين معجزتك أنت فقال معجزتي موافقة الله في أوامره، ونواهيه وكان يقول: ليس للمريد فترة، ولا للعارف علاقة، ولا للمحب شكوى، ولا للصادق دعوى، ولا للخائف قرار، ولا للخلق من الله فرار، وكان يقول لأهل عصره أنتم قبور فقيل له لماذا فقال لأن كل واحد منكم مدفون في ثيابه فقال له رجل، ونحن نعد في الأموات فقال: نعم العارفون نيام، والجاهلون أموات، وقيل له مزقت جميع ملبوسك، والعيد قد أقبل، والناس يتزينون، وأنت هكذا فقال زينة الفقير فقره، وصبره على فقره، وكان يقول: إنما تصفر الشمس عند الغروب لأنها عزلت عن مكان التمام فاصفرت لخوف المقام، وهكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه فإنه يخاف المقام، وإذا طلعت الشمس طلعت مضيئة منيرة.
كذلك المؤمن إذا خرج من قبره خرج، ووجهه مشرق مضيء وقال له رجل مرة من أنت قال: النقطة التي تحت الباء فقال أنت شاهدي ما لم تجعل لنفسك مقاماً وكان رضي الله عنه يقول: ذلي عطل ذل اليهود قال بعض العارفين في معناه أي لأن ذل الذليل على قدر معرفته بعظمة من ذل له، والشبلي بلا شك أعرف بعظمة الله تعالى من اليهود فذله أعظم من ذل اليهود. وجاءه رجل فقال يا سيدي كثرت عيالي، وقل حيلي فقال له: أدخل دارك فكل من رأيت رزقه عليك فأخرجه، وكل من رأيت رزقه على الله تعالى فاتركه في الدار، وكان إذا أعجبه صوف أو قلنسوة أو عمامة لفها وأدخلها النار فأحرقها، ويقول كل شيء مالت إليه النفس دون الله تعالى وجب إتلافه فقيل له لم لا تتصدق به فقال: صورته باقية فربما تبعته النفس إذا رأته على الغير فكان الإحراق أسرع في إتلافه مبادرة للإقبال على الله عز وجل، وقد بادر إبراهيم عليه السلام حين أمر بالختان إلى الفأس فاختتن بها فقيل له هلا صبرت حتى تجد الموسى فقال عليه السلام تأخير أمر الله عظيم وكان يقول: لا أستريح إلا إذا لم أر لله ذاكراً على وجه
(1/89)

الأرض قال بعضهم مراده لا أستريح إلا إن دخلت حضرت الشهود لأنه لا ذكر فيها فإن الذكر إنما يكون مع الحجاب لأنه دليل فإذا شهد المدلول سقط الوقوف عن الدليل بل عن شهود الدليل، ومروره على الخاطر. وقيل له: لم سميت الصوفية بهذا الاسم فقال: لبقية بقيت عليهم، ولولا ذلك لما تعلقت بهم تسمية، وكان يقول: من اطلع على ذرة من التوحيد ضعف عن حمل نبقة لثقل ما حمل، وكان رضي الله عنه يقول: من طلبه به تعالى صح توحيده، ومن طلبه بنفسه لم يصح له توحيد، وكان أبو بكر الدينوري خادم الشبلي يقول: سمعت الشبلي يقول قبل موته: علي درهم واحد مظلمة ظلمته أيام، ولايتي، وقد تصدقت عن صاحبه بألوف، وما على قلبي أعظم منه وسئل مرة عن المعرفة فقال أولها الله، وآخرها ما لا نهاية له، وكان رضي الله عنه يقول: العارف لا يكون لغيره لاحظاً، ولا لكلام غيره لافظاً، ولا يرى لنفسه غير الله حافظاً، وكان يقول: المحب إذا لم يتكلم هلك والعارف إذا تكلم هلك، وكان غيره يقول: العارف إذا تكلم أهلك غيره، وإذا سكت أهلك نفسه فنجاة نفسه أولى، وصلى مرة خلف إمام فقرأ: " ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " " الإسراء: 86 " الآية فزعق زعقة كادت روحه تخرج، وقال هذا خطابه لأحبابه فكيف خطابه لأمثالنا، ولاموه في قلة النوم فقال: سمعت الحق يقول لي من نام غفل، ومن غفل حجب، وكان هذا سبب اكتحالي بالملح حتى لا أنام، وقال للحصري في بداية أمره إن خطر ببالك من الجمعة إلى الجمعة الثانية غير الله تعالى فحرام عليك أن تحضرني وكان يقول في بيت الله الحرام آثار خليله عليه السلام، وفي القلب آثار الله عز وجل، وللبيت أركان وللقلب أركان فأركان البيت من الصخر، وأركان القلب من معادن أنوار معرفته.
وكان رضي الله عنه يقول: قيل لمجنون بني عامر أتحب ليلى قال لا قيل، ولم؟ قال لأن المحبة ذريعة للوصلة، وقد سقطت الذريعة فليلى أنا، وأنا ليلى. وكان ابن بشار ينهى الناس عن الاجتماع بالشبلي، والاستماع لكلامه فجاءه ابن بشار يوماً يمتحنه فقال له ابن بشار: كم في خمس من الإبل فسكت الشبلي فأكثر عليه ابن بشار فقال له الشبلي في واجب الشرع شاة، وفيما يلزم أمثالنا كلها فقال له ابن بشار هل لك في ذلك إمام قال نعم قال من. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حيث أخرج ماله كله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما خلفت لعيالك " قال الله، ورسوله.
فرجع ابن بشار، ولم ينه بعد ذلك أحداً عن الاجتماع بالشبلي، وقال في قوله تعالى: " قل للمؤمنين " يغضوا من أبصارهم قال أبصار الرؤوس عما حرم الله تعالى، وأبصار القلوب عما سوى الله.
وقال في قوله تعالى: " إلا من أتى الله بقلب سليم " " الشعراء: 89 " هو قلب إبراهيم عليه السلام لأنه كان سالماً من خيانة العهد، ومن السخط على مقدور كائناً ما كان، وسئل رضي الله عنه عن حديث إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا ربكم العافية فقال أهل البلاء هم أهل الغفلة عن الله تعالى، ولبس رضي الله عنه يوم عيد ثوبين جديدين فرأى الناس يسلم بعضهم على بعض لأجل ثيابهم فطرح ثوبيه في تنور فقيل له لم فعلت ذلك قال أردت أن أحرق ما يعبد هؤلاء ثم لبس ثياباً زرقاً، وسوداً، وكان إذا دخل عليه فقير يقول له: أعندك خبر أو عندك أثر؟ ثم ينشد:
أسائل عن ليلى فهل من مخبر ... يخبرنا علماً بها أين تنزل
ثم يقول: وعزتك، وجلالك ما غيرك في الدارين مخبر، وكان رضي الله عنه يقول: ما ظنك بشمس الشموس كلها فيها ظلمة.
وحكي أن رجلا صاح في مجلس الشبلي فرمي به في دجلة، وقال إن كان صادقاً نجاه الله تعالى كما نجى موسى عليه السلام، وإن كان كاذباً أغرقه الله كما أغرق فرعون، وكان يقول: من طلب الحق بالمجاهدات فهو بعيد عن وصوله إلى مطلوبه، ومن طلبه به تعالى، وصل إليه ثم أنشد:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يجتمعان
هي شامية إذا ما استهلت ... وسهيل إذا استهل يماني
رضي الله عنه.

ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش النيسابوري
رحمه الله تعالى
صحب أبا حفص وأبا عثمان، والجنيد، وأقام ببغداد حتى صار أوحد مشايخ العراق، وكانوا يقولون: عجائب بغداد في التصوف ثلاثة الشبلي في الإشارات، والمرتعش في المكاشفات، وجعفر الخلدي في الحكايات، وكان رحمه
(1/90)

الله مقيماً بمسجد الشونيزية مات ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ومن كلامه رضي الله عنه سكون القلوب إلى غير الله عقوبة عجلها الله للعبد في الدنيا، وكان رضي الله عنه يقول: ذهبت حقائق الأشياء، وبقيت أسماؤها فالأسمار موجودة، والحقائق مفقودة، والدعاوى في السرائر مكنونة، والألسنة بها فصيحة، وعن قريب تفقد هذه الألسن، وهذه الدعاوى فلا يوجد لسان ناطق، ولا مدع صائب، وكان يقول: المسلم محبوب إلى الخلق، والمؤمن غني عن الخلق، واعتكف مرة قي العشر الأخير من رمضان فرأى المتعبدين يتهجدون، والقراء يقرءون فقطع الاعتكاف، وخرج فقيل له في ذلك فقال: لما رأيت تعظيمهم لطاعتهم واعتمادهم على عبادتهم لم يسعني إلا الخروج خوفاً من نزول البلاء عليهم رضي الله عنه.

ومنهم أبو علي الروذباري، واسمه أحمد بن محمد
رضي الله تعالى عنه
هو من ذرية كسرى، وهو من أهل بغداد وسكن مصر، وكان شيخها، وبها مات سنة اثنتين وعشرين، وثلاثمائة، ودفن بالقرافة قريباً من ذي النون المصري رحمه الله تعالى. صحب الجنيد والنوري، وأبا حمزة البغدادي، وكان حافظاً للحديث ظريفاً عارفاً بالطريقة، وكان يفتخر. بمشايخه فيقول: شيخي في التصوف الجنيد، وفي الفقه أبو العباس بن سريج، وفي الأدب ثعلب، وفي الحديث إبراهيم الحربي رضي الله عنهم أجمعين.
وكان رضي الله عنه يقول: الإشارة الإبانة عما يتضمنه الوجد من المشار إليه لا غير، وفي الحقيقة إن الإشارة تصحبها العلل، والعلل بعيدة عن الحقائق، وسئل عمن يسمع الملاهي، ويقول: هي لي حلال لأني قد، وصلت إلى درجة لا تؤثر في الاختلاف فقال: نعم قد، وصل، ولكن إلى سقر، وكان يقول: لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد لما بقي محب إلا مات، وكان يقول: كيف تشهده الأشياء، وبه فنيت بذواتها عن ذواتها أم كيف غابت الأشياء عنه، وبه ظهرت بصفاتها فسبحان من لا يشهده شيء، ولا يغيب عنه شيء، وكان يقول: لما تشوقت القلوب إلى مشاهدة ذات الحق ألقى عليها الأسامي فسكنت وركنت إليها، والذات متسترة إلى أوان التجلي، وذلك قوله تعالى: " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " " الأعراف: 180 " الآية أي قفوا معها على إدراك الحقائق، وكان يقول: أظهر الحق الأسامي، وأبداها للخلق ليسكن لها قلوب المحبين ويؤنس بها قلوب العارفين له، وكان يقول المشاهدات للقلوب، والمكاشفات للأسرار، والمعاينات للبصائر والمرئيات للأبصار، وكان يقول: من نظر إلى نفسه مرة عمي عن النظر إلى شيء من الأكوان على وجه الاعتبار، وكان رضي الله عنه يقول: ما ادعى أحد قط إلا لخلوه عن الحقائق، ولو تحقق في شيء لنطقت عنه الحقيقة، وأغنته عن الدعاوى، وكان يقول: التصوف هو الإناخة على باب الحبيب، وإن طرد وسئل رضي الله عنه عن التصوف مرة أخرى فقال: هو صفوه القرب بعد كدورة البعد، وكان رضي الله عنه يقول: أدركنا الناس، وكانوا يجتمعون لا عن مواعدة، ويفترقون لا عن مشورة، وكان إذا شاوره فقير بالذهاب يعرض عنه بالجواب، وكان يقول: من علامة مقت الله للعبد أن يتقلق من مجلس الذكر إذا طال لأنه لو أحبه لكان الألف سنة في حضرته كلمح البصر.
وكان يقول: لا ينبغي أن يربي الأحداث إلا الكمل الذين استولت عليهم هيبة الله تعالى وقد كان أحدهم يربي الحدث حتى تطلع لحيته لا يعلم بذلك إلا من الناس قال: وكان عندنا ببغداد عشرة فتيان معهم عشرة أحداث كل واحد منهم معه حدث، وكانوا مجتمعين في موضع. فوجهوا واحداً من الأحداث ليأخذ لهم حاجة فأبطأ عليهم فغضبوا لتأخيره عنهم ثم أقبل، وهو يضحك، وبيده بطيخة يقلبها فقالوا له: كم اشتريتها فقال: بعشرين درهماً فقالوا له: ما السبب في غلوها فقال: رأيت فقيراً، وضع يده عليها فالتمست لكم البركة بوضع يده عليها فرضوا منه ذلك، وتقاسموها، وقالوا زادك الله تعظيماً لأهل الطريق فما مات الحدث حتى صار من أكابر أهل الطريق، وكان يطعم الفقراء الحلواء، واتخذ مرة أحمالا من السكر الأبيض، ودعا جماعة من الحلوانيين حتى عملوا من ذلك السكر جداراً، وعليه شرفات، ومحاريب على أعمدة منقوشة كلها من السكر ثم دعا الصوفية فهدموها، وكسروها، وانتهبوها وهو يتبسم رضي الله عنه.

ومنهم أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي
رحمه الله تعالى
لقي أبا حفص، وحمدون القصار، وكان إماماً في أكثر علوم الشرع مقدماً في كل فن منه ثم عطل أكثر علومه، واشتغل
(1/91)

بعلم الصوفية، وتكلم عليه أحسن الكلام، وبه ظهر التصوف بنيسابور، وكان أحسن المشايخ كلاماً في عيوب النفس، وآفات الأفعال مات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكان يقول: كمال العبودية هو العجز، والقصور عن تدارك معرفة علل الأشياء بالكلية، وكان رضي الله عنه يقول: من صحب الأكابر من غير طريق الخدمة حرم فوائدهم، وبركات نظرهم، ولم يظهر عليه من أنوارهم شيء وكان يقول: من غلبه هواه توارى عنه عقله.
وكان يقول: الغفلة، وسعت على الناس الطرق في معاشهم، وأفعالهم، وأحوالهم، والورع واليقظة ضيقاً عليهم ذلك، وكان يقول: لو أن رجلا جمع العلوم كلها، وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبالغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام مؤدب ناصح، ومن لم يأخذ أدبه من آمر له، وناه يريه عيوب أفعاله، ورعونات نفسه لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات، وكان رضي الله عنه يقول: يأتي على هذه الأمة زمان لا تطيب فيه المعيشة لمؤمن إلا بعد استناده لمنافق، وكان يقول في كلامه: يا من باع كل شيء بلا شيء واشترى لا شيء بكل شيء رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن منازل النيسابوري
رضي الله عنه
شيخ الملامتية، وأوحد وقته بنيسابور له طريقة تفرد بها. صحب حمدون القصار، وأخذ طريقه، وكان عالماً بعلوم الظاهر كتب الحديث الكثير، وكان أبو علي الثقفي يحترمه، ويبجله، ويرفع مقداره مات بنيسابور سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ومن كلامه رضي الله عنه لا خير في فقير لم شفق ذل المكاسب، وذل الرد، وكان رضي الله عنه يقول: من رفع ظن نفسه عن نفسه عاش الناس في ظله، وكان يقول: عبر لسانك عن حالك، ولا تكن بكلامك حاكياً لأحوال غيرك، وكان يقول: إذا لم تنتفع أنت بعلمك فكيف ينتفع به غيرك، وكان يقول: من التزم شيئاً لا يحتاج إليه ضيع من أحواله ما يحتاج إليه، ولا بد منه، وكان يقول: لم يضيع أحد من الفقراء فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يبتل أحد من الفقراء بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع، وكان يقول: لا يجتمع التسليم، والدعوى لأحد بحال، وكان يقول: لو صح لعبد في عمره نفس واحد من غير رياء، ولا شرك لأثر بركات ذلك عليه إلى آخر الدهر، وكان يقول: لم تظهر دعوى العبودية، وتضمر أوصاف الربوبية وكان يقول: من احتجت إلى شيء من علومه فلا تنظر إلى شيء من عيوبه فإن نظرك إلى عيوبه يحرمك بركة الانتفاع بعلومه وكان يقول: أفضل أوقاتك، وقت يسلم الناس فيه من سوء ظنك رضي الله عنه.

ومنهم أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج
رحمه الله تعالى
وهو من أهل بيضاء فارس، ونشأ بواسط العراق. صحب الجنيد، والنوري، وعمرو بن عثمان المكي والفوطي، وغيرهم رحمهم الله أجمعين، والمشايخ في أمره مختلفون رده أكثر المشايخ، ونفوه، وأبوا أن يكون له قدم في التصوف، وقبله بعضهم منهم أبو العباس بن عطاء، ومحمد بن حنيف، وأبو القاسم النصراباذي، وأثنوا عليه، وصححوا حاله، وحكوا عنه كلامه.
وجعلوه أحد المحققين حتى كان محمد بن حنيف يقول: الحسين بن منصور عالم رباني.
قتل رحمه الله تعالى ببغداد بباب الطاق يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة سنة تسع، وثلاثمائة. قلت: ورأيت في تاريخ ابن خلكان ما نصه قتل الحسين الحلاج، ولم يثبت عليه ما يوجب القتل رضي الله عنه، وقد أشار القشيري إلى تزكيته حيث ذكر عقيدته مع عقائد أهل السنة أول الكتاب فتحاً لباب حسن الظن به ثم ذكره في أواخر الرجال لأجل ما قيل فيه، وقد تقدم بسط ذلك في مقدمة الكتاب، والله تعالى أعلم. ومن كلامه رضي الله عنه حجبهم بالاسم فعاشوا ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا، ولو كشف لهم عن الحقيقة لماتوا، وكان يقول: أسماء الله من حيث الإدراك اسم، ومن حيث الحق حقيقة، وكان يقول: إذا تخلص العبد إلى مقام المعرفة أوحى إليه بخواطره، وحرس سره أن يسبح فيه غير خاطر الحق، وعلامة العارف أن يكون فارغاً من الدنيا والآخرة. وسئل عن المريد فقال: هو الرامي بأول قصده إلى الله تعالى فلا يعرج حتى يصل وسئل عن التصوف، وهو مصلوب فقال للسائل أهونه ما ترى، وكان يقول: ومن لاحظ الأعمال حجب عن المعمول له، ومن لاحظ المعمول له حجب عن رؤية الأعمال، وكان يقول: لا يجوز لمن يرى غير الله أو يذكر غير الله أن يقول: عرفت الله الأحد الذي ظهرت منه الآحاد
(1/92)

وكان يقول: من أسكرته أنوار الترحيب، حجبته عن عبارة التجريد، بل من أسكرته أنوار التجريد نطق عن حقائق التوحيد، لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكنون، وكان يقول: من التمس الحق بنور الإيمان، كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب، وكان يقول: ما انفصلت عنه، ولا اتصلت به، وكان يقول: المتوكل المحق لا يأكل وفي البلد من هو: أحق منه بذلك الأكل، وسئل عن الصوفي فقال: هو وحداني الذات لا يقبله أحد، وهو المشير عن الله تعالى، وإلى الله، ووقف عليه رجل فقال: من الحق الذي تشيرون إليه فقال معل الأنام فلا يعل، وسئل عن حال موسى عليه السلام في وقت الكلام فقال: بدا لموسى من الحق باد فلم يبق لموسى ثم أثر فني موسى عن موسى، ولم يكن لموسى خبر عن موسى ثم كلم فقال المكلم هو المتكلم بحصول موسى في حال الجمع، وفنائه عنه، ومتى كان موسى يطيق حمل الخطاب أو يأباه، ولكن بالله قام، وبه سمع، وكان يقول: إذا دام البلاء بالعبد ألفه، وقال أبو العباس الرازي كان أخي خادماً للحسين بن منصور قال: فسمعته يقول لما كان الليلة التي وعد من الغد بقتله قلت يا سيدي أوصني قال عليك بنفسك إن لم تشغلها شغلتك فلما كان من الغد، وأخرج للقتل قال حسب الواحد إفراد الواحد له ثم خرج يتبختر في قيده ويقول:
نديمي غير منسوب ... إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشرب ... بفعل الضيف للضيف
فلما دارت الكاسا ... ت دعا بالنطع، والسيف
كذا من يشرب الراح ... مع التنين بالصيف
ثم قال يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها، ويعلمون أنها الحق ثم ما نطق بعد ذلك بشيء حتى فعل به ما فعل. قال القضاعي، وقتل في خلافة جعفر بن المعتضد، وقطعت يداه، ورجلاه أولا ثم جز رأسه، وأحرق بالنار رحمه الله.
وقال الفناد لقيت الحلاج يوماً فأنشدني:
ولي نفس ستتلف أو سترقى ... لعمرك بي إلى أمر عظيم
وقال:
لم يبق بيني، وبين الحق إثنان ... ولا دليل بآيات، وبرهان
كان الدليل له منه إليه به ... حقاً وجدناه في علم، وفرقان
هذا وجودي، وتصريحي ومعتقدي ... هذا توحد توحيدي، وإيماني
هذا تجلي نور الحق نائرة ... قد أزهرت في تلاليها بسلطان
لا يستدل على الباري بصنعته ... وأنتم حدث ينبي عن أزماني
وكتب إلي أبي العباس بن عطاء رحمه الله تعالى: أطال الله حياتك، وأعدمني، وفاتك على أحسن ما جرى به قدر أو نطق به خبر مع مالك في قلبي من لواعج أسرار محبتك، وأفانين ذخائر مودتك ما لا يترجمه كتاب، ولا يحصيه حساب، ولا يفنيه عتاب ثم كتب تحت ذلك:
كتبت، ولم أكتب إليك، وإنما ... كتبت إلى روحي بغير كتاب
وذلك أن الروح لا قرب بينها ... وبين محبيها بفصل خطاب
وكل كتاب صادر منك وارد ... إليك بلا رد الجواب جوابي
رضي الله عنه.

ومنهم أبو الخير الأقطع التيناتي
رحمه الله تعالى
أصله من المغرب، وسكن التينات، وله آيات، وكرامات يطول شرحها. صحب أبا عبد الله بن الجلاء، وغيره من المشايخ رحمهما الله تعالى، وكان أوحد أهل زمانه في التوكل كانت السباع، والهوام تأنس به وله فراسة حادة. مات بمصر سنة نيف وأربعين، وثلاثمائة، ودفن بجنب منارة الديلمية بالقرافة الصغرى رضي الله عنه كان رضي الله عنه يقول: أتيت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا جائع فقلت أنا ضيفك يا رسول الله، وتنحيت، ونمت خلف المنبر فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبلت ما بين عينيه فدفع لي رغيفاً فأكلت نصفه، وانتبهت، وبيدي النصف الآخر، وكتب إلى أبي جعفر الخلدي قد جهل الفقراء عليكم في هذا الزمان، وأصل ذلك منكم لأنكم تصدرتم للمشيخة قبل الكمال فاشتغلتم بتأديب نفوسكم عن تأديبهم، وكان يقول: الذاكر لله لا يقوم له في ذكره عوض فإذا قام له عوض خرج عن ذكره.
ودخل عليه جماعة من البغداديين يتكلمون بشطحهم فضاق صدره من كلامهم فخرج عنهم فجاء السبع فدخل البيت فانضم بعضهم إلى بعض، وسكتوا وتغيرت أحوالهم،
(1/93)

وألوانهم وخافوا منه خوفاً شديداً فدخل عليهم أبو الخير، وقال يا إخواني أين تلك الدعاوى ثم طرد السبع عنهم، وكان إبراهيم الرقي يقول قصدت أبا الخير التيناتي مسلماً عليه فصلى المغرب فما قرأ الفاتحة مستوياً فقلت في نفسي ضاعت سفرتي فلما سلمت خرجت للطهارة فقصدني السبع فعدت إليه، وقلت له: إن الأسد قصدني فخرج، وصاح عليه، وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لضيفاني فتنحى الأسد، ومضيت أنا، وتطهرت فلما رجعت قال لي اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الأسد واشتغلنا بتقويم البواطن فخافنا الأسد، وكان يقول: إياك أن تطلب من الله أن يصبرك، ولكن اسأل الله اللطف بك فهو أولى لأن تجرع مرارات الصبر شديد على أمثالنا، ولما هرب السيد زكريا عليه الصلاة والسلام من اليهود، ونادته الشجرة إلي يا زكريا، وانفرجت له، ودخل في جوفها، وانطبقت عليه لحقه العدو، فتعلق بعباءته، وناداهم إن هذا زكريا فأخرجوا المنشار فنشروه مع الشجرة فلما بلغ المنشار إلى زكريا عليه السلام أن منه أنة فأوحى الله إليه يا زكريا، وعزتي، وجلالي لئن صعدت منك أنة ثانية لأمحونك من ديوان النبوة فعض زكريا على الصبر حتى قطع شطرين.
وكان سبب قطع يده أنه عقد مع الله عقداً أن لا يمد يده إلى شيء مما تنبت الأرض بشهوة فنسي، وتناول عنقوداً من شجرة البطم فبينما هو يلوكه إذ تذكر العقد فرمى بالعنقود وبقي ما في فمه فبصقه، وجلس نادماً قال فما استقر بي الجلوس حتى دار بي فرسان، ورجال وقالوا قم فساقوني إلى أن أخرجوني إلى ساحل بحر الإسكندرية فرأيت هناك أميراً، وبين يديه سودان قد قطعوا الطريق فوجدوني أسود اللون، ومعي ترس، وحربة، وةف فقالوا: هذا منهم بلا شك فقطع أيديهم، وأرجلهم إلى أن وصل إلي فقال لي: قدم يدك فمددتها فقطعها فقال: مد رجلك فمددتها، ثم رفعت رأسي، وقلت إلهي، وسيدي، ومولاي يدي جنت فرجلي ماذا صنعت فدخل عليه فارس، ورمى بنفسه على الأمير وقال: هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير التيناتي فرمى الأمير نفسه إلى الأرض، وأخذ يدي المقطوعة من الأرض يقبلها، وتعلق بي يبكي، ويعتذر إلي فقلت له: جعلتك في حل من أول ما قطعتها، وقلت: يد جنت فقطعت رضي الله عنهم أجمعين.

ومنهم أبو بكر بن محمد بن علي بن جعفر الكتاني
رضي الله تعالى عنه
أصله من بغداد، وصحب الجنيد، والنوري، وأبا سعيد الخراز، وأقام بمكة، وجاور بها إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان أحد الأئمة المشار إليهم في علم الطريق، وكان المرتعش رضي الله عنه يقول: الكتاني سراج الحرم.
ومن كلامه رضي الله عنه إذا سألت الله التوفيق فابتدر العمل، وكان يقول: كن في الدنيا ببدنك، وفي الآخرة بقلبك، وكان يقول: روعة عند انتباه من غفلة، وانقطاع عن حظ نفس، وارتعاد من خوف قطيعة أفضل من عبادة الثقلين، ونظر مرة إلى رجل شيخ كبير يسأل الناس، فقال هذا رجل ضيع أمر الله في صغره فضيعه الله في كبره، وكان يقول: إذا صحت مرتبة الافتقار إلى الله تعالى صحت العناية لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بصاحبه، وكان يقول: الشهرة زمام الشيطان، ومن أخذ بزمام الشيطان كان عنده، وسئل عن السنة التي لم ينازع فيها أحد من أهل العلم فقال الزهد في الدنيا، وسخاوة النفس، ونصيحة الخلق، وسئل عن الزهد في الدنيا ما هو؟ فقال: هو سرور القلب بفقد الشيء؛ وملازمة تحمل الأذى من جميع الخلائق، وكل شيء أتاه منهم يقول: أنا أستحق أعظم من ذلك، ويرى أنه اسحق النار، وصولح بالرماد.
وقيل له: من العارف؟ فقال: من وافق معروفه في أوامره، ولم يخالفه في شيء من أحواله، ويتحبب إليه بمحبة أوليائه، ولا يفتر عن ذكره طرفة عين، وكان يقول: الصوفية عبيد الظواهر أحرار البواطن، وكان رضي الله عنه يقول: حقائق الحق إذا تجلت لسر أزالت عنه الظنون، والأماني لأن الحق إذا استولى على سر قهره، فلا يبقى لغيره معه أثر، وكان يقول: العلم بالله من أتم العبادة له، وكان يقول: إن الله نظر إلى طائفة من عبيده فلم يرهم أهلا لمعرفته فشغلهم بخدمته، وكان يقول: كنا معاشر الفقراء في بداية أمرنا نصلي إلى الصباح بوضوء العشاء فإذا وقع منا أن أحداً ينام نراه أفضلنا، وكان يهجر الفقير إذا بلغه أنه مشى خطوة في طلب الدنيا، ويقول: هذا خروج عن الطريق. وإنما شأن الفقير أن تتبعه الدنيا، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت:
(1/94)

يا رسول الله أدع الله لي أن لا يميت قلبي، فقال: قل في كل يوم أربعين مرة يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، وكان يقول: رأيت في المنام حوراء فقلت لها من أنت فقالت: من حور الجنة فقلت: زوجيني نفسك فقالت: اخطبني من سيدي قلت لها فما مهرك قالت: حبس نفسك عن مألوفاتها، وكان رضي الله عنه يقول: النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد فمسكن النقباء المغرب والنجباء مصر، والأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، والغوث مسكنه بمكة فإذا عرض حاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد ثم الغوث فلا يتم الغوث مسألته حتى تجاب دعوته، وكان يقول: الأنس بالمخلوقين عقوبة، والقرب من الدنيا وأبنائها معصية، والرون إليهم مذلة، وكان يقول: العبادة اثنان وسبعون باباً، أحد وسبعون منها في الحياء من الله عز وجل وواحد في جميع أنواع البر وكان يقول: يقول الله تعالى: " ما من عبد أصبح في الدنيا وفي قلبه همان إلا وأنا منه بريء هم المعاصي وهم المال رضي الله عنه ".

ومنهم أبو يعقوب إسحاق بن محمد النهرجوري
رضي الله تعالى عنه
صحب الجنيد، وعمرو بن عثمان المكي، وأبا يعقوب السوسي، وغيرهم من المشايخ أقام بالحرم مجاوراً سنين كثيرة، ومات سنة ثلاثين وثلاثمائة رضي الله عنه، ويهان يقول: في معنى قولهم احترسوا من الناس بسوء الظن أي سوء الظن بأنفسكم لا بالناس، وكان يقول: من كان شبعه بالطعام لم يزل جائعاً، ومن كان غناه بالمال لم يزل فقيراً، ومن مال باطنه إلى العطاء من الخلق لم يزل محروماً، ومن استعان على أمر بغير الله لم يزل مخذولا، وكان يقول: طلب أهل الله الحقائق فسادوا الخلائق، ولذلك قالوا: لا يطلب الحق لأن الطلب لا يكون إلا لمفقود، ولا يطلب دركه لأنه لا غاية له، ومن أراد وجود الموجود فهو مغرور، وإنما الموجود عندنا محرفة حال، وكشف علم بلا حال، وقال في قوله تعالى: " وشروه بثمن بخس دراهم معدودة "، وكانوا فيه من الزاهدين لو جعلوا ثمنه عليه السلام الكونين لكان بخساً في مشاهدته، وما خص به صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: مشاهدة القلوب تعريف، ومشاهدة الأراوح تحقيق، وكان يقول: أعرف الناس بالله أشدهم فيه. تحيراً، وسئل رضي الله عنه مرة عن التصوف فقال آه آه تلك أمة قد خلت ثم قال رضي الله عنه للسائل: يا أخي زفرات القلوب بودائع الحضور من حيث خاطبها الحق، وهي في صورة الذرة فأخبر عنها بقوله: ألست بربكم قالوا بلى، وكان يقول: ما رأته العيون ينسب إلى العلم، وما رأته القلوب ينسب إلى اليقين، وسئل رضي الله عنه عن الطريق إلى الله تعالى فقال للسائل: اجتنب الجهلاء واصحب العلماء، واستعمل العلم، وداوم الذكر، وأنت إذن من أهل الطريق رضي الله عنه.

ومنهم علي بن محمد المزين
رحمه الله تعالى
صحب سهل بن عبد الله، والجنيد بن محمد، ومن في طبقتهما من البغداديين أقام بمكة مجاوراً، ومات بها سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكان من أورع المشايخ، وأحسنهم حالا، وكان رضي الله عنه يقول: متى ما ظهرت الآخرة فنيت منها الدنيا، ومتى ما ظهر ذكر الله تعالى فنيت فيه الدنيا، والآخرة، وإذا تحققت الأذكار فني العبد، وذكره، وبقي المذكور، وصفاته وسئل رضي الله عنه عن التوحيد فقال: أن توحد الله بالمعرفة، وتوحده بالعبادة، وتوحده بالرجوع إليك في كل مالك، وعليك، وتعلم أن ما خطر بقلبك، أو أمكنك الإشارة إليه، فالله بخلاف ذلك، وتعلم أن أوصافه سبحانه وتعالى مباينة لأوصاف خلقه باينهم بصفاته قدماً كما باينوه بصفاتهم حدثاً، وكان رضي الله عنه يقول: كانت الطريق إلى الله تعالى بعدد النجوم، وما بقي منها إلا طريق واحد وهي طريق الفقه وهو أنهج الطرق، وكان يقول: من طلب الطريق بنفسه تاه في أول قدم، ومن أريد به الخير دل على الطريق رأى عين حتى بلغ المقصد، وكان يقول: المعجب بعمله مستدرج، والمستحسن لأحواله السيئة ممكور به، ومن ظن أنه موصول فهو مغرور، وأحسن العبيد حالا من كان مجهولا في أحواله لا يشاهد غير واحد، ولا يستأنس إلا به، ولا يشتاق إلا إليه، وكان يقول: من أعرض عن مشاهدة ربه سبحانه وتعالى، شغله الله تعالى بطاعته، وخدمته ومن بدا له نجم الاحتراق غيبه عن وساوس الافتراق، وكان رضي الله عنه يقول: لو زكيت
(1/95)

رجلا حتى جعلته صديقاً لا يعبأ الله به، وهو يساكن الدنيا بقلبه طرفة عين حتى لو ساكنها لأجل إخوانه ليصرفها عليهم لا يقلح، ومن أبقى عنده منها فوق قوت فقد ساكنها، وقد درج السلف الصالح على عدم المساكنة
للدنيا، وجعلوه من رهبانية الربانيين، وأحوال الحواريين فقال له رجل فإذا سكن إلى الدنيا لينفقها على نفسه وعياله وغيرهم من الملازم فقال له: دعونا من هذه الزلقات من أراده الله بهذا الأمر فليصدق الله فيه، ويسد باب الدنيا جملة وإلا فليرجع إلى ظاهر العلم ورعايته فيأخذ به ويعطي الناس، ويعم ويخص والله ما هلك من هلك من أهل الطريق إلا من حلاوة الغنى في نفوسهم، وقبول الظواهر المدخولة مع الوتوف مع ظاهرها، والله الذي لا إله إلا هو إني لأعرف من يدخل عليه عرض الدنيا فيقسمها إلى حقوق الله تعالى دون خصوص نفسه فيصير ذلك مع براءة ساحته منه حجاباً قاطعاً له عن الله تعالى، وكان يقول: إذا عرض على أحدكم طعام من حيث لا يحتسب فليأكله فإني عرض علي مرة طعام، فامتنعت من أكله فضربت بالجوع أربعة عشر يوماً حتى إذا علمت أني قد عوقبت تبت إلى الله فزال ما كان عندي من الجوع، وما كنت إلا هلكت، وكان يقول: العجب في العبد مقت من الله عز وجل له، وهو يؤدي إلى مقت الأبد نسأل الله العافية.

ومنهم أبو علي الحسين بن أحمد الكاتب
رضي الله تعالى عنه ورحمه
من كبار مشايخ المصريين صحب أبا بكر المصري، وأبا علي الروذباري وغيره، وكان أوحد المشايخ في وقته حتى قال فيه أبو عثمان المغربي رحمه الله تعالى: أبو علي بن الكاتب من السالكين، وكان يعظمه، ويعظم شأنه.
مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى، وكان يقول: المعتزلة نزهوا الله من حيث العقل، فأخطئوا والصوفية نزهوا الله من حيث العلم فأصابوا.
وكان رضي الله عنه يقول: من سمع الحكمة فلم يعمل بها فهو منافق، وكان رضي الله عنه يقول: قال الله عز وجل: " من صبر علينا وصل إلينا "، وكان يقول: صحبة الفساق داء ودواؤها مفارقتهم، وكان رضي الله عنه يقول: روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين، وإن كتموها، وتظهر عليهم، وإن أخفوها، وتدل عليهم، وإن ستروها، وكان رضي الله عنه يقول الهمة مقدمة الأشياء فمن صحح همته أتت عليه بتوابعه على الصدق، والصحة فإن الفروع تتبع الأحوال، ومن أهمل همته أتت عليه توابعه مهملة، المهمل من الأحوال، والأفعال لا يصلح لبساط الحق تعالى، وكان يقول: إن الله تعالى يرزق العبد حلاة ذكره فإن فرح به، وشكره آنسه بقربه، وإن قصر في الشكر أجرى الذكر على لسانه، وسلبه حلاوته رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسين بن حبان الجمال
رحمه الله تعالى
من كبار مشايخ مصر صحب الخراز والبيرسمي، مات رضي الله عنه في التيه.
وسبب ذلك أنه ورد على قلبه شيء فهام على وجهه فلحقوه في وسط التيه في الرمل ملقى ففتح عينيه، وقال أربع فهذا مربع الأحباب، وكان رضي الله عنه يقول: الناس يعطشون في البراري، وأنا عطشان على شاطئ النيل، وكان يقول: كل صوفي يكون هم الرزق قائماً في قلبه فلزوم العمل أقرب له إلى الله تعالى، والمراد بالعمل الكسب، والاحتراف بالصنائع وغيرها، وكان يقول: علامة ركون القلب، وسكونه إلى الله تعالى أن يكون قوياً إذا زالت عنه الدنيا، وأدبرت، وفقد الرغيف بعد أن كان موجوداً عنده بلا كلفة، وكان يقول: اجتنبوا دناءة الأخلاق كسما تجتنبوا الحرام، وكان رضي الله تعالى عنه يقول: ذكر الله تعالى باللسان يورث الدرجات، وذكره بالقلب يورث القربات، وكان يقول: الإكثار من الوحدة حيلة الصديقين، وكان يقول: لا يعظم أقدار الأولياء إلا من كان عظيم القدر عند الله عز وجل.

ومنهم أبو بكر عبد الله بن طاهر الأبهري
رضي الله عنه
من كبار مشايخ الجبل، وهو من أقران الشبلي رضي الله عنه صحب يوسف بن الحسين الرازي، وأبا مظفر القرمسيني، وغيرهما من المشايخ، وكان عالماً ورعاً مات رضي الله عنه قريباً من ثلاثين وثلاثمائة، ومن كلامه رضي الله عنه الجمع جمع المتفرقات، والتفرقة تفرتة المجموعات فإذا جمعت قلت الله، وإذا فرقت نظرت إلى الكونين، وكان رضي الله عنه يقول: إن الله تعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف، وما يصيبهم في عار الدنيا فكان إذا ذكر ذلك وجد غانة في قلبه منه، فاستغفر الله لأمته، وقيل له: ما بال الإنسان
(1/96)

يحتمل من علمه ما لا يحتمل ممن أبويه؟ فقال: لأن أبويه سبب حياته الفانية، ومؤدبه سبب حياته الباقية، وتصديق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " اغد عالماً أو متعلماً ولا تكن فيما بين ذلك فتهلك " وكان رضي الله عنه يقول: المحن ثلاثة تطهير، وتكفير، وتذكير فالتذكير من الكبائر، والتكفير من الصغائر، والتذكير لأهل الصفاء، وكان رضي الله عنه يقول: همة الصالحين الطاعة بلا معصية، وهمة العلماء المزيد في الصواب، وهمة العارفين إعظام الله تعالى في قلوبهم، وهمة أهل الشوق سرعة الموت، وهمة المقربين سكون القلب إلى الله تعالى.

ومنهم مظفر القرميسيني
رضي الله تعالى عنه
من كبار مشايخ الجبل، وأجلتهم، ومن الفقراء الصادقين صحب عبد الله الخراز، ومن فوقه من المشايخ، وكان واحداً في طريقته، وكان رضي الله عنه يقول: الصوم على ثلاثة أوجه صوم الروح بقصر الأمل، وصوم العقل بخلاف الهوى، وصوم النفس بالإمساك عن الطعام، والشراب، والمحارم، وكان رضي الله عنه يقول: من صحب الأحداث على شرائط السلامة، والنصيحة أداه ذلك إلى البلاء فكيف من يصحبهم على غير شروط السلامة، وكان رضي الله عنه يقول: أخس الفقراء قيمة من يقبل رفق النسوان على أي حال كان.
قلت: وذلك لأن الله تعالى يقول: " الرجال قوامون على النساء " " النساء: 34 " ومن رضي لنفسه بقيام المرأة عليه لا يفلح أبداً مع أن قبول الرفق يميل قلب الفقير إلى المرأة زيادة على ميل الوازع الطبيعي فيتلف الفقير بالكلية، والله أعلم وكان يقول: خير الأرزاق ما فتح الله به من وجه حلال من غير طلب، ولا سعي، وكان يقول: ليس لك من عمرك إلا نفس واحد إن لم تفنه بمالك فلا تفنيه بما عليك وكان رضي الله عنه يقول: من تأدب بآداب الشرع تأدب به متبوعه، ومن تهاون بالآداب هلك، وأهلك، ومن لم يأخذ الآداب عن حكيم لا يتأدب به مريد، وكان رضي الله عنه يقول: الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة.
قلت: معناه أنه يكتفي بعلم الله بحاجته، وأنه أشفق عليه من نفسه فلا يحوجه إلى سؤاله لأنه لا يستغني عن مولاه طرفة عين كما قال تعالى: " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله " " فاطر: 15 " رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسين علي بن هند القرشي الفارسي
رضي الله تعالى عنه
من كبار مشايخ الفرس، وعلمائهم صحب جعفراً الحداد، وعمرو بن عثمان المكي ومن فوقه، له الأحوال العالية، والمقامات الزكية كان رضي الله عنه يقول: شرط المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله أن لا يخفي عليه شيء من أمر دينه، ودنياه على ممر أوقاته على المشاهدة والكشف لا على الغفلة، والظن، وأن يأخذ الأشياء من معدنها، ويضعها في معدنها، وكان رضي الله عنه يقول: استرح مع الله، ولا تسترح عن الله فإن من استراح مع الله نجا، ومن استراح عن الله هلك فالاستراحة مع الله تروح القلب بذكره، والاستراحة عن الله مداومة الغفلة، وكان رضي الله عنه يقول: من أكرمه الله تعالى بحرمة الأكابر أوقع حرمته في قلوب الخلق ومن حرم ذلك نزع الله حرمته من قلوب الخلق فلا تراه إلا ممقوتاً، وإن حسنت أخلاقه، وصلحت أحواله لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من تعظيم جلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم " رضي الله عنه.

ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن شيبان القرميسيني
رحمه الله تعالى
كان شيخ الجبل في وقته له المقامات في الورع، والتقوى يعجز عنها أكثر الخلق صحب أبا عبد الله المغربي، وإبراهيم الخواص، وكان شديداً على المدعين متمسكاً بالكتاب، والسنة ملازماً لطريقة المشايخ، والأئمة حتى قال فيه عبد الله بن منازل: إبراهيم بن شيبان حجة الله على الفقراء، وأهل الأدب والمعاملات، وكان رضي الله عنه يقول: من أراد أن يتعطل ويبطل فيلزم الرخص، وكان يقول: ما قطع الفقراء عن الطريق، وأهلكهم إلا ميلهم إلى ما عليه أبناء الدنيا، وكان يقول: علم البقاء، والفناء يدور على الإخلاص للوحدانية وصحة العبودية، وما كان غيرها فهو المغاليط، والزندقة، وكان يقول: سفلة الناس، من يخطر العطاء على قلبه على وجه المنة به، وكان رضي الله عنه يقول: من ترك حرمة المشايخ ابتلى بالدعاوى الكاذبة فافتضح بها، وكان يقول: من تكلم في الإخلاص، ولم يطالب نفسه بذلك ابتلاه الله تعالى بهتك ستره عند أقرانه وإخوانه.

ومنهم أبو بكر الحسين بن علي بن بزدانيار
رحمه الله تعالى آمين
من أهل أرمينية له طريقة في التصوف يختص بها، وكان ينكر على بعض المشايخ بالعراق أقاويلهم، وكان عالماً بعلوم الظاهر، والمعارف، والمعاملات، وكان علي بن إبراهيم الأرموي يقول: سمعت ابن بزدانيار يقول: تراني تكلمت في الصوفية بما تكلمت به إنكاراً على
(1/97)

التصوف، والصوفية؟ والله ما تكلمت به إلا غيرة عليهم حيث أفشوا أسرار الحق، وأظهروها بين من ليس من أهلها، وإلا فهم السادة بمحبتهم أتقرب إلى الله تعالى.
ومن كلامه رضي الله عنه رضا الخلق عن الله تعالى رضاهم بما يفعل، ورضاه عنهم أن يوقفهم للرضا عنه، وكان يقول: من استغفر الله، وهو ملازم للذنب حرم الله عليه التوبة، والإنابة إليه، وكان يقول: الحياء على أقسام: منها حياء الجناية كما روى أن آدم عليه السلام هام على وجهه بعد الجناية في الجنان فأوحى الله إليه أفراراً مني يا آدم قال: لا بل حياء منك يا رب، ومنها حياء التقصير كقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ومنها حياء الإجلال كما روي أن إسرافيل تسربل بجناحيه حياء من ربه عز وجل.
ومنها حياء الغيرة كما روي أن عيينة بن حصن الفزاري دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عائشة رضي الله عنها فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فسترها عنه فقال له: يا محمد ما هذا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا الحياء الذي أعطيناه، ومنعناه ". أو لفظة هذا معناها " ومنها حياء الكرم قوله تعالى في تأديب الصحابة: " فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين " " الأحزاب: 53 " لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم.
ومنها حياء المعروف كما أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: " يا رسول الله إن الله لم يكلفك هذا فقال: ما أصنع يسألوني، ويأبى الله لي البخل ".
ومنها حياء الخلق لما روي أن عمر بن الخطاب دخل في الصلاة فذكر أنه على غير طهر فخرج من الصلاة، فقال: إني أردت أن أمر في الصلاة حياء من الناس.
ومنها حياء التحقيق، وإسقاط رؤية الخلق لما روي أن بعض الصحابة فاتته الصلاة، وهو يأتي المسجد فتلقاه الناس منصرفين فانصرف بوجهه حياء بلا علة حتى مروا.
ومنها حياء الاستحقار لما روي أن موسى عليه السلام قال في بعض مناجاته إنه ليعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك يا رب فقال الله له: سلني عن ملح عجينك، وعلف حمارك.
ومنها حياء الصيانة والعفة كقول عثمان رضي الله عنه ما زنيت في جاهلية ولا إسلام.
ومنها حياء الوقار كحياء رسول الله صلى الله عليه وسلم من عثمان، وقوله: " ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة " ومنها حياء الحشمة كقول علي رضي الله عنه للمقدادين الأسود سل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنا المذي فإن ابنته عندي، وأنا أستحي أن أسأله لمكانها مني.
ومنها حياء التعجب، والاستبعاد كما روي: " أن عائشة رضي الله عنها لما سمعت أم سليم رضي الله عنها تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة إذا رأت في المنام كما يرى الرجل أتغتسل قال: نعم إذا رأت الماء فقالت عائشة رضي الله عنها وغطت وجهها حياء أو ترى المرأة كما يرى الرجل فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " تربت يمينك، وإلا فمن أين يكون الشبه ".
ومنها حياء الغربة كقوله تعالى في حق ابنة شعيب: " فجاءته إحداهما تمشي على استحياء " " القصص: 25 " ومنها حياء الأمثال لبيان الحق كقوله تعالى: " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " " البقرة: 26 ". ومنها حياء الحق كقوله تعالى: " والله لا يستحي من الحق " " الأحزاب: 53 " وكقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن ".
ومنها حياء المراقبة في الاتعاظ لذي الوعظ قال تعالى لعيسى عليه الصلاة والسلام يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني.
ومنها حياء المراجعة ليلة الإسراء لقوله صلى الله عليه وسلم " إني قد استحييت من ربي ".
ومنها حياء قصر الأمل كما قال صلى الله عليه وسلم: " استحيوا من الله حق الحياء الحديث.
ومنها حياء الإحسان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حق المتورعين عن محارم الله عز وجل فقال: إن الله تعالى يقول: " إني لأستحي أن أحاسبهم إذا حاسبت الخلائق " وإنما قلنا الإحسان لقوله: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " " الرحمن: 60 " فجازاهم بإحسان ورعهم إحسان ترك المحاسبة.
ومنها حياء المعاودة في السؤال كما روي في الخبر: " إن العبد إذا دعا الله تعالى يا رب فيعرض عنه ثم يقول: يا رب فيعرض عنه فيقول الثالثة، والرابعة فيقول الله، إني استحيت من عبدي من كثرة ما يقول يا رب ".
ومنها حياء المعاتبة كما روي أن الله تعالى يعاتب عبده يوم القيامة فيقول: يا رب عذابك أولى من عتابك.
قلت: لأن العبد إذا عوقب فهو بمثابة من أدى الحق الذي عليه فيحمل عقبه الراحة بخلاف من عوتب فإنه لا يزال خجلا مستحياً من ربه عز وجل فلا يزال في تعب والله أعلم.
ومنها حياء التوكل مما قال عمر رضي الله عنه: إني لأستحي من ربي عز وجل أن أخاف شيئاً سواه.
ومنها حياء الصلاح كما روي في الخبر: " استحي من الله كما تستحي من صالح قومك ". ومنها حياء العين كما روي أن سفيان الثوري دخل على رابعة العدوية رضي الله عنها فذكر لها
(1/98)

ما ذكر إلى أن قالت: إني لاستحي أن أسأل الدنيا ممن يملكها فكيف ممن لا يملكها.
ومنها حياء الواجب كما روي أن عائشة رضي الله عنها أثنت على نساء الأنصار بقولها: " إنهن لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصفرة والكدرة يعني مص دم الحيض " ومنها حياء الحرمة كما روي أن أبا موسى الأشعري قال لعائشة: إني أريد أن أسألك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك عنه فقالت: سل ما كنت سائلا عنه أمك فقال: إن الرجل يجامع أهله ولا ينزل أفعليه غسل فقالت: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فعلت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلنا ".
ومنها حياء الرحمة كما روي في الحديث: " إن الله يستحي من ذي الشيبة أن يعذب بالنار ". ومنها حياء الغرور كقول أبي الدرداء رضي الله عنه لأهل حمص ألا تستحيون من ربكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون.
ومنها حياء المعرفة كما رأى بعض الصالحين في منامه قائلا يقول: يا أهل البصرة يا أشباه اليهود كونوا على حياء من ربكم.
ومنها حياء الإيمان كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الحياء من الأيمان الحياء في الجنة، ومنها حياء الزينة كما روي في الحديث: " ما كان الرفق في شيء إلا زانه.
ومنها حياء الخير وهو قوله صلى الله عليه وسلم: وقد سئل عن الحياء فقال: " الحياء خير كله خير للدنيا وللدين " وكان رضي الله عنه يقول: إذا ابتليت بمعاشرة الناس، ومجالستهم فاحذر ثم احذر لا يحفظ عليك فعل تسقط به عن عين الله تعالى، وعين من يسمعك بترك الأدب، وكان رضي الله عنه يقول: باب الله مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها فأي وقت دفعت فيه إلى هفوة أو شيء لا يحبه الله منك فارجع إلى الله تعالى فإنه أولى بك، وآمل أنه يقبلك بفضله، وكرمه رضي الله عنه.

ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن المولد
رحمه الله تعالى
هو من كبار مشايخ الرقة وفتيانهم، ومن أحسنهم سيرة صحب أبا عبد الله بن الجلاء الدمشقي، وإبراهيم بن داود القصار الرقي كان رضي الله عنه يقول: من تولاه رعاية الحق أجل ممن تؤدبه سياسة العلم.
قلت: لأن رعاية الحق تعالى تصيره سالماً من العلل التي تنقصه بخلاف رعاية العلم، فلا يخلص صاحبها من ورطة إلا وقع في أخرى فمن تولته رعاية الحق حكم من يسلك على يد شيخ، ومن تولته رعاية العلم حكم من يسلك بنفسه من عير سيح والله أعلم.
وكان رضي الله عنه يقول: خلقت الأرواح في الأفراح فهي تعلو أبداً إلى محل الفرح من المشاهدة، وخلقت الأجساد من الاكماد فهي لا تزال ترجع إلى كمدها من طلب الشهوات الفانية، والاهتمام بها.
وكان يقول: من قال به أفناه عنه ومن قال منه أبقاه له ثم أنشد:
لولا مدامع عشاق، ولوعتهم ... لبان في الناس عز الماء والنار
فكل نار فمن أنفاسهم قدحت ... وكل ماء فمن دمع لهم جاري
وكان يقول: من آداب الفقراء في الأكل أن لا يمدوا أيديهم إلى الأرفاق إلا في وقت الضرورات ثم يأكلون بقدر سد الرمق، ولو كان هناك طعام كالجبال، ويتركون الباقي لغيرهم، وكان رضي الله عنه يقول: من قام إلى أوامر الله بنفسه كان بين قبول ورد، ومن قام إليها بالله كان مقبولا بلا شك، وكان رضي الله عنه يقول: الفترة بعد المجاهدة من فساد الابتداء، والحجب بعد الكشف من السكون إلى الأحوال، وكان يقول: نفسك سائرة بك، وقلبك طائر بك فكن مع أسرعهما، وصولا، وأنشدوا في ذلك:
فسيرك يا هذا كسير سفينة ... بقوم جلوس، والقلوع تطير
رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سالم البصري
رضي الله تعالى عنه
صاحب سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه وراوي كلامه لا ينتمي إلى غيره من المشايخ، وكان من أهل الاجتهاد، وطريقته طريقة أستاذه سهل، وله بالبصرة أصحاب ينتمون إليه، وإلى ولده أبي الحسن أيضاً، وكان رضي الله عنه يقول: من أطاق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا على وجه المعاونة دون الاعتماد عليه فإن التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته، ومن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليكتسب لئلا يسقط عن درجة سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما سقط عن درجة حاله، وقيل له بم تعرف الأولياء رضي الله عنه في الخلق؟ فقال بلطف لسانهم، وقبول عذر من اعتذر إليهم، وكمال الشفقة على جميع
(1/99)

الخلق برهم، وفاجرهم، وكان رضي الله عنه يقول: من أراد أن عورته تستر، ولا تهتك فليحلم على من جني عليه، وليتكرم على الناس بما في يديه، وكان رضي الله عنه يقول: من شأن كل عاقل الزهد في أبناء الدنيا، وذلك لأنهم يشغلونه بذكرها، وما هم عليه عما هو متوجه إليه من مصالح دينه ودنياه، رضي الله عنه.

ومنهم محمد بن عليان النسوي
رحمه الله تعالى ورضي عنه
من كبار مشايخ نسا، ومن أصحاب أبي عثمان الحيري الذي قيل فيه إنه إمام أهل المعارف كان رضي الله عنه يخرج من نسا قاصداً إلى أبي عثمان في مسائل واقعات، فلا يأكل، ولا يشرب في الطريق حتى يدخل نيسابور فيسأله عن تلك المسائل، وكان رضي الله عنه من أعلى المشايخ همة، وله الكرامات الظاهرة، ومن كلامه رضي الله عنه؛ الزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول آيات الأولياء، وكراماتهم رضاهم بما يسخط العوام من مجاري المقدور، وكان يقول: لا يصفو للسخي سخاؤه إلا بتصغير ما أعطاه ورؤية الفضل لمن أخذه منه، وكان رضي الله عنه يقول: من خدم الله لطلب ثواب أو خوف عقاب فقد أظهر خسته، وأبدى طمعه، وقبيح بالعبد أن يخدم سيده لغرض دنيوي، أو أخروي وكان رضي الله عنه يقول: من أظهر كرامته فهو مدع، ومن ظهرت عليه الكرامات فهو ولي رضي الله عنه.

ومنهم أبو بكر أحمد بن محمد بن سعدان
رضي الله تعالى عنه
بغدادي الأصل صحب الجنيد، والثوري رضي الله عنهم، وهو من أعلم شيوخ وقته بعلوم هذه الطائفة، وكان عالماً بعلوم الشرع مقدماً فيها ينتحل مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه ذا لسان وبيان.
وطلبوا مرة من يرسلونه إلى الروم من أهل طرطوس فلم يجدوا مثله في فضله، وعلمه، وفصاحته، وبيانه حتى قالوا في ذلك الزمان لم يبق في هذا الزمان لهذه الطائفة إلا رجلان أبو علي الروذباري بمصر، وأبو بكر بن سعدان بالعراق، وأبو بكر أفهمهما كان رضي الله عنه يقول: من أراد صحبة الصوفية فليصحبهم بلا نفس، ولا قلب، ولا ملك، وكان رضي الله عنه يقول: من تعلم علم الرواية ورث علم الدراية، ومن تعلم علم الدراية ورث علم الرعاية، ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق.
وكان رضي الله عنه يقول: من جلس للمناظرة على الغفلة لزمه ثلاثة عيوب الأول الجدال والصياح، وذلك منهي عنه الثاني حل العلو على الخلق، وذلك منهي عنه أيضاً الثالث الحقد، والغضب، وذلك منهي عنه أيضاً ومن جلس للمناصفة كان كلامه أوله موعظة، وأوسطه دلالة، وآخره بركة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا بدت الحقائق طمست آثار الفهوم، والعلوم وكان يقول: خلقت الأرواح من النور، وأسكنت الهياكل فإذا قوي الروح جانس العقل، وتواترت الأنوار، وزالت ظلم الهياكل، وصارت الهياكل روحانية بأنوار الروح، والعقل وانقادت، ولزمت طريقها، ورجعت الأرواح إلى معدنها من الغيب تطالع مجاري الأقدار، وترضى بموارد القضاء، والقدر وكان رضي الله عنه يقول: الصوفي هو الخارج عن النعوت والرسوم رضي الله عنه.

ومنهم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد
رضي الله تعالى عنه
ابن بشر بن درهم بن الأعرابي الأموي رضي الله عنه: بصري الأصل سكن بمكة وكان أوحد وقته وكان في وقته شيخ الحرم ومات بها سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وصنف للقوم كتباً كثيرة، وصحب الجنيد، والثوري، وعمراً المكي، والمسوحي، وأبا جعفر الحداد، وكان من كبار مشايخ هذه الطائفة، وعلمائهم، ومن كلامه رضي الله عنه قد ثبت الوعد، والوعيد من الله تعالى فإذا كان الوعد قبل الوعيد، فالوعيد تهديد، وإذا كان الوعيد قبل الوعد، فالوعيد منسوخ فإذا اجتمعا معاً فالغلبة، والثبات للوعد لأن الوعد حق العبد، والوعيد حق الله، والكريم يتفضل بترك حقه.
وكان رضي الله عنه يقول: قل من ادعى قوة في أمر إلا خذل ووكل إلى قوته وكان رضي الله عنه يقول: لو قيل للعارف تبقى في الدنيا لمات كمداً، ولو قيل لأهل الجنة تخرجون منها لماتوا كمداً فما طابت الدنيا للعارفين إلا بذكرهم الخروج منها، وما طابت الجنة لأهلها إلا بذكرهم الخلود فيها، وكان رضي الله عنه يقول: مدارج العلوم لكون بالوسائط، وأما مدارج الحقائق فلا تكون إلا بالمكاشفة، وكان يقول: أحسن أوقات، وقت يكون الحق فيه راضياً عني، وكان رضي الله عنه يقول: من أخلاق الفقراء السكون عند الفقد، والاضطراب عند الوجود، والأنس بالهموم، والوحشة عند فرح الناس بالدنيا رضي الله عنه.

ومنهم أبو عمرو محمد بن إبراهيم الزجاجي
رضي الله تعالى عنه
نيسابوري الأصل صحب الجنيد، والثوري وأبا
(1/100)

عثمان ورويما الخواص، ودخل مكة، وأقام بها، وصار شيخها، والمنظور إليه فيها، وحج رضي الله عنه قريباً من ستين حجة، ومات في الحرم سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وكان يجتمع هو والكتاني، والنهرجوري، والمرتعش، وغيرهم فيكون صدر الحلقة، وإذا تكلم في شيء رجعوا كلهم إلى كلامه، وفضائله أكثر من أن تحصى رحمه الله تعالى ومكث بمكة أربعين سنة فلم يبل قط ولم يتغوط في الحرم بل كان يخرج كلما قضى حاجته إلى الحل، وكان رضي الله عنه يقول: من تكلم على حال لم يصل إليه كان كلامه فتنة لمن يسمعه، وهوى يتولد في قلبه، وحرم الله عليه الوصول إلى تلك الحال، وبلوغه، وكان رضي الله عنه يقول: من جاور بالحرم، وقلبه متعلق بشيء سوى الله تعالى فقد أظهر خسارته، ومن سرق شيئاً بالحرم من الحجاج الآفاقية ليتوسع به أبعده الله، ووكل قلبه بالشح، وأطلق لسانه بالشكوى، ونسخ قلبه من المعارف، وخرجت منه أنوار اليقين، ومقته بين خليقته.
قلت: ويقاس على ذلك من جاور ببيت الله المقدس، والحرم النبوي، والمساجد المعظمة كالجامع الأزهر بمصر، وجامع الزيتونة بالمغرب، وغيرها من المساجد والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: مما جربناه لرد الضالة: اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني، وبين ضالتي، ويقرأ قبله سورة، والضحى ثلاثاً قال: وقد وقع مني فص في دجلة فدعوت به فوجدت الفص في وسط أوراق كنت أتصفحها، وسئل رضي الله عنه عن حديث: " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " فقال المراد: بذلك التفكر نسيان النفس، والله أعلم.

ومنهم جعفر بن محمد بن نصير الخواص
رضي الله تعالى عنه
ويعرف بالخلدي ببغداد المولد، والمنشأ صحب الجنيد رضي الله عنه، وعرف بصحبته، وإليه كان ينتمي، وصحب الثوري، ورويماً، وميموناً، والجريري، وغيرهم من المشايخ، وكان المرجع إليه في كتب القوم، وحكاياتهم، وسيرهم حتى قال يوماً عندي مائة ونيف وثلاثون ديواناً من دواوين الصوفية فقيل له: هل عندك من كتب علي بن محمد الترمذي شيء فقال: ما عددته من الصوفية.
قلت الحق أنه كان من أكابر الصوفية، وأنه كان من الأوتاد، ولو لم يكن له من المناقب إلا ما وضعه من الأسئلة التي لا يعرف الجواب عنها أحد غير ختم الأولياء لكان في ذلك كفاية لبيان مقامه فإنه لا يعرف الجواب عنها أحد غير الختم كما صرح بذلك الشيخ محيي الدين ابن العربي، وقد عده الأستاذ القشيري ممن عليه مدار الطريق.
وأما سبب جمع العارف دواوين القوم فهو للإطلاع على طرقهم في معاملتهم مع الله تعالى ليرشد المريدين، والإخوان إليها إذ الأولياء أبواب الله فمن لم يكن عنده استعداد يدخل به من طريق ذلك الولي أدخل من طريق غيره، وفي ذلك تأييد عظيم للداعي إلى الله يكون غيره سبقه إلى ما دعا إليه، ومنه فافهم، والله أعلم، وكان رضي الله عنه من أفتى المشايخ، وأحسنهم، وأكملهم حالا حج رضي الله عنه قريباً من ستين حجة، ومات ببغداد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وقبره بالشونيزية عند قبر السري السقطي، والجنيد، وكان رضي الله عنه يقول: أهل الحقائق قطعوا العلائق التي تقطعهم عن الحق قبل أن تقطعهم العلائق، وكان يقول: لا يقدح في الإخلاص كونه يعمل ليصل، وكان يقول: المتناهي في حاله يؤثر في كل شيء، ويدخل في كل شيء ولا يؤثر فيه شيء، ولا يأخذ منه شيئاً، ودليل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم في أوائل حاله كان إذا نزل عليه الوحي قال دثروني دثروني حتى تمكن صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: سعي الأحرار في الدنيا يكون لإخوانهم لا لأنفسهم قلت، ولما حججت سنة سبع وأربعين وتسعمائة جعلت دعائي حول البيت، وفي البيت وفي مواضع الإجابة كله لأخواني لأن من الفتوة أن يؤخر الإنسان حفظ نفسه، ويقدم حظ إخوانه ليكون الحق تعالى في حاجته بالقضاء، والتيسير فالحمد لله رب العالمين.
وكان رضي الله عنه يقول: سمعت الجنيد رضي الله عنه يقول: من أخلص في المعاملة أراحه الله تعالى من الدعاوي الكاذبة، وكان يقول: جاع بعضهم في الحرم فسألي ربه في حجر إسماعيل فوقع في حجره مسمار فضة من مسامير الميزاب فقضى به حاجته، وكان رضي الله عنه يقول: لا أعرف شيئاً أفضل من العلم بالله، وبأحكامه فإن الأعمال لا تزكو إلا بالعلم، ومن لا علم عنده فليس له عمل، وإنما يكره من العلم تضييعه، ونبذه خلف الظهر فقيل له فهل طلب العلم عمل فقال: هو من أكبر الأعمال، وبالعلم عرف الله، وأطيع، وبالعلم استحيا من الله المستحيون، وهو قبل الأعمال قال الله تعالى: " علم الإنسان ما لم يعلم " وقال الله تعالى: " علمه البيان "، ولا يكره العلم إلا منقوص، وكان رضي الله عنه يقول: إذا رأيت الفقير يأكل فاعلم أنه لا يخلو من إحدى ثلاث إما
(1/101)

لوقت قد مضى عليه أو لوقت يريد أن يستقبله أو للوقت الذي هو فيه.
قلت: ومعنى ذلك أن من شأن الفقير أن لا يكون مقصوده بالأكل محض قضاء الشهوة، والتبسط إنما كله ضرورة، والله أعلم.
وكان رضي الله عنه يقول: عليكم بصحبة الفقراء فإنهم كنوز الدنيا، ومفاتيح الآخرة رضي الله عنه.

ومنهم أبو العباس بن القاسم بن مهدي
رحمه الله تعالى
ابن بنت أحمد بن سيار رحمه الله كان من أهل مرو، وهو شيخهم، وأول من تكلم عندهم في حقائق الأحوال، وكان فقيهاً عالماً كتب الحديث ورواه، وصحب أبا بكر الواسطي، وإليه كان ينتمي في علوم هذه الطائفة، وكان من أحسن المشايخ لساناً في وقته يتكلم في علوم التوحيد، ولجميع من يلوذ به من أهل السنة والجماعة.
مات رضي الله عنه سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: كيف السبيل إلى ترك ذنب كان عليك في اللوح المحفوظ مخطوطاً، وكيف السبيل إلى صرف قضاء دين كان به العبد مربوطاً، وقيل له يوماً بماذا يروض المريد نفسه؟ فقال رضي الله عنه: بالصبر على الأوامر، واجتناب النواهي وصحبة الصالحين، وخدمة الرفقاء، ومجالسة الفقراء، والمرء حيث وضع نفسه.
وكان رضي الله عنه يقول: حقيقة المعرفة الخروج عن المعارف، وكان رضي الله عنه يقول: ما التذ عاقل قط بمشاهدة لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيه لذة، ولا التذاذ، ولا حظ، ولا احتظاظ، وكان رضي الله عنه يقول: ما نطق أحد عن الحق إلا وهو محجوب عن الحق، وكان رضي الله عنه يقول: الخطرة للأنبياء، والوسوسة للأولياء، والفكرة للعوام، وكان رضي الله عنه يقول: ظلمة الأطماع تمنع أنوار المشاهدة، وكان يقول: لباس الهداية للعامة ولباس الهيبة للعارفين، ولباس الزينة لأهل الدنيا، ولباس اللقاء للأولياء، ولباس التقوى لأهل الحضرة قال تعالى: " ولباس التقوى ذلك خير " وكان رضي الله عنه يقول: من دقق النظر في دينه وسع عليه الصراط في دقته ومن وسع النظر في دينه ضيق عليه الصراط في دقته، ومن غاب عن حقوقه بحقوقه غاب عن كل شدة، وعقوبة.
رضي الله عنه.

ومنهم أبو بكر بن داود الدينوري الرقي
رحمه الله تعالى
أقام بالشام، وكان من أقران أبي علي الروذباري إلا أنه عمر زيادة على مائة سنة صحب أبا عبد الله بن الجلاء وأبا بكر الرقاقي الكبير، وأبا بكر المصري غير أنه كان ينتمي إلى ابن الجلاء أكثر، وكان من أجل مشايخ وقته، وأحسنهم حالا، وأقدمهم صحبة للمشايخ.
مات رضي الله عنه بعد الخمسين، والثلاثمائة، وسئل رضي الله عنه عن الفرق بين الفقر، والتصوف فقال: الفقر حال من أحوال التصوف فقيل له: ما علامة المتصوف فقال: أن يكون مشغولا بما هو أولى في كل وقت، وكان يقول: إذا انحط الفقراء عن حقيقة العلم إلى ظاهر العلم أساءوا الأدب مع الله تعالى، في أحوالهم بخلاف غيرهم، وكان رضي الله عنه يقول: أهل المعرفة أحياء لحياة معروفهم فلا حياة حقيقة إلا لأهل المعرفة لا غير رضي الله عنه.

ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الرازي
رحمه الله تعالى
عرف بالشعراني رضي الله عنه رازي الأصل، ومولده ومنشؤه بنيسابور صحب الجنيد، وأبا عثمان الحيري، ورويماً، ومحمد بن الفضل، وسمنون، والجوزجاني، ومحمد بن حامد، وغيرهم من مشايخ القوم، وهو من أجلة أصحاب أبي عثمان، وكان أبو عثمان رضي الله عنه يكرمه كثيراً، ويبجله، ويعرف له محل وكان من كبار مشايخ نيسابور، في وقته له من الرياضات ما يعجز الأسماع، وكان عالماً بعلوم هذه الطائفة، وكتب الحديث الكثير، وكان ثقة نقياً مات رضي الله عنه سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وقيل له مرة ما بال الناس يعرفون عيوبهم، ويحبون ما هم فيه، ولا ينتقلون عن ذلك، ولا يرجعون إلى طريق الصواب فقال رضي الله عنه لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم، ولم يشتغلوا باستعماله، واشتغلوا بأبحاث الظواهر، وتركوا أبحاث البواطن فأعمى الله تعالى قلوبهم عن النظر إلى الصواب، وقيد جوارحهم عن العبادة، وكان رضي الله عنه يقول: العارف لا يعبد إلا الله تعالى على الموافقة للخلق، وإلا فهو مع الله بما يريد، وكان رضي الله عنه يقول: المعرفة تهتك الحجب بين العبيد، وبين مولاهم رضي الله عنه.

ومنهم أبو عمرو إسماعيل بن نجيد
بن أحمد بن يوسف بن سالم بن خالد السلمي رحمه الله تعالى
وهو جد الشيخ أبي عبد الرحمن شيخ القشيري صحب أبا عثمان رضي الله عنه، وكان من أكبر أصحابه ولقي الجنيد وكان من أكبر مشايخ وقته، وله طريقة ينفرد بها عن تلبيس الحال، وصون الوقت، وهو آخر من مات من أصحاب أبي عثمان في
(1/102)

سنة ست وستين وثلاثمائة، وسمع الحديث ورواه، وكان ثقة.
ومن كلامه رضي الله عنه كل حال يكون نتيجة علم فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه، وكان رضي الله عنه لقول: من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه، وكان يقول: من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب، وكان رضي الله عنه يقول: لا يصفو لأحد قدم في العبودية حتى تكون أفعاله كلها عنده رياء، وأحواله كلها عنده دعاوى.
وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله بعبده خيراً رزقه خدمة الصالحين والأخيار، ووفقه لقبول ما يشيرون به عليه، وسهل عليه سبيل الخيرات، وحجبه عن رؤيتها، وقيل له من أين تتولد الدعاوى فقال من الاغترار، وتشويش الأسرار، وكان رضي الله عنه يقول: إنما تتولد الدعاوى من فساد الابتداء فمن صحت بدايته صحت نهايته، ومن فسدت بدايته فربما هلك في حال من أحواله، وكان رضي الله عنه يقول: الملامتي لا يكون له دعوى قط لأنه لا يرى لنفسه شيئاً يدعي به، وكان يقول: أحترم عامة المسلمين، ولا تتصدر في أمر ما أمكنك، وكن خاملا في الناس فبقدر ما تتعرف إليهم وتشتغل بهم تضيع حظك من أوامر ربك، وكان يقول: من أظهر محاسنه لمن لا يملك ضره، ولا نفعه فقد أظهر جهله، وكان رضي الله عنه يقول: من استقام حد الاستقامة لا يعوج به أحد، ومن اعوج لا يستقيم به أحد رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسن بن أحمد بن سهل البوسنجي
رضي الله تعالى عنه
كان من أوحد فتيان خراسان لقي أبا عثمان، وصحب بالعراق ابن عطاء والجريري، وبالشام طاهراً المقدسي وأبا عمرو الدمشقي، وتكلم رضي الله عنه مع الشبلي رضي الله عنه، في مسائل، وهو من أعلم مشايخ، وقته بعلوم التوحيد، وعلوم المعاملات، ومن أحسنهم خلقاً، وطريقة في الفتوة، والتجريد، وكان معظماً للفقراء حسن الخلق مات رضي الله عنه سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة رضي الله عنه، وسئل عن التصوف فقال: هو اليوم اسم لا حقيقة، وقد كان حقيقة، ولا اسم، وكان يقول: من كان باطنه أفضل من ظاهره فهو الولي، ومن كان باطنه، وظاهره سواء فهو العالم، ومن كان ظاهره أفضل من باطنه فهو الجاهل، ولذلك لا ينصف من نفسه، ويطلب الإنصاف من غيره، وقيل له من الظريف فقال الخفيف في ذاته، وأفعاله، وأخلاقه، وشمائله من غير تكلف، وكان يقول: الخير منا زلة، والشر لنا صفة رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن خفيف الضبي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
أقام بشيراز، وهو شيخ المشايخ، وأوحدهم في وقته كان عالماً بعلوم الظاهر، والحقائق حسن الأحوال في المقامات، والأحوال، وجميع الأخلاق، والأعمال مات رضي الله عنه سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: التصوف تصفية القلوب، ومفارقة أخلاق الطبيعة، وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوي النفسانية، ومنازلة صفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة، والنصح لجميع الأمة واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الشريعة، وكان رضي الله عنه يقول: ليس شيء أضر بالمزيد من مسامحة النفس في ركوب الرخص، وقبول للتأويلات، وكان رضي الله عنه يقول: الذكر على قسمين ظاهر، وباطن فالظاهر التهليل، والتحميد، والتمجيد، وقراءة القرآن، والباطن تنبيه القلوب على شرائط التيقظ على معرفة الله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، ونشر إحسانه، وإمضاء تدبيره، ونفاذ تقديره على جميع خلقه، وكان يقول: ذكر الله منفرد، وهو ذكر المذكور بانفراد أحديته عن كل مذكور سواه لقوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الذكر لا إله إلا الله "، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو يقول: " من عرف طريقاً إلى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله عذاباً لم يعذب به أحداً من العالمين "، وكان رضي الله عنه يقول: عليك بمن يعظك بلسان فعله، ولا يعظك بلسان قوله رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسين بندار بن الحسين الشيرازي
رضي الله تعالى عنه
سكن أذربيجان، وكان عالماً بالأصول، واللسان، وله اللسان المشهور في علم الحقائق، وكان الشبلي رضي الله عنه يعظمه، ويعظم قدره، وكان بينه وبين ابن خفيف مفاوضات في مسائل شتى مات رضي الله عنه سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وغسله أبو زرعة الطبري.
وسئل رضي الله عنه عن الفرق بين الصوفية، والمتصوفة فقال: الصوفي من اختاره الله لنفسه فصافاه من غير تكلف، والمتصوف هو المتكلف بنفسه المظهر لزهده مع كون رغبته في الدنيا، وتربية بشريته، وكان يقول: لا تخاصم نفسك فإنها ليست لك دعها لمالكها يفعل بها ما يريد، وكان يقول: ليس من الأدب أن تسأل رفيقك إلى أين؟ أو في أيش؟ وكان رضي
(1/103)

الله عنه يقول: من لم يجعل قبلته على حقيقه ربه فسدت صلاته، وكان يقول: رؤي مجنون بني عامر في المنام بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال: غفر لي، وجعلني حجة على المحبين.
وكان رضي الله عنه يقول: من أقبل على الآخرة وركن إليها أحرقته بنورها، وصار سبيكة ذهب ينتفع به ومن أقبل على الله أحرقه بنور التوحيد، وصار جوهراً لا قيمة له، وقيل له مرة ما هي الدنيا؟ فقال رضي الله عنه ما دنا من القلب، وشغل عن الحق.
رضي الله عنه.

ومنهم أبو بكر الطمستاني
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان من أجل المشايخ، وأعلاهم حالا منفرداً بحاله، ووقته لا يشاركه أحد فيه من أبناء جنسه، ولا يدانيه، وكان الشبلي رضي الله عنه يقول به، ويجله، ويكرمه، صحب إبراهيم الفارسي، وغيره من مشايخ الفرس، وكانوا جميعاً يحترمونه.
ورد نيسابور، ومات بها سنة أربعين وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه جالسوا الله كثيراً، وجالسوا الناس قليلا، يريد بذلك العزلة، وكان يقول: خير الناس من رأى الحق في غيره، وعلم أن السبيل إلى الله غير السبيل الذي عليه هو ولو ارتفع في المرتبة، وذلك ليرى تقصير نفسه عما كلف به، وكان رضي الله عنه يقول: من اتبع الكتاب، والسنة، وهاجر إلى الله بقلبه، واتبع آثار الصحابة لم تسبقه الصحابة إلا بكونهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يقول: اليقظة لأهل اليقظة لعمارة الآخرة كما أن الغفلة لأهل الغفلة لعمارة الدنيا.
قلت: هذا إذا لم يقصد المحترف بحرفته نفع العباد واقتصر على جمع الدنيا فقط فإذا نوى بحرفته نفع العباد فقد عمر الدنيا، والآخرة، والله أعلم.
وكان رضي الله عنه يقول: كل من استعمل الصدق بينه، وبين الله تعالى شغله صدقه مع الله عن الفراغ إلى خلق الله قلت: وكان شيخنا الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه من أهل هذا المقام فكان لا يقدر أن يرد على أحد كلاماً أبداً رضي الله تعالى عنه.
وكان يقول: ماذا أصنع، والكون كله عدو لي، وكان يقول: الوصل بلا فصل فإذا جاء الفصل فلا وصل، وكان يقول: النفس كالنار إذا طفئت في موضع تأججت في موضع كذلك النفس إذا هذبت من جانب تأثرت من جانب، وكان رضي الله عنه يقول: إن لم تقدروا على أن تصحبوا الله بالأدب فاصحبوا من يصحبه لتوصلكم بركات صحبته إلى صحبة الله رضي الله عنه.

ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد الدينوري
رحمه الله تعالى آمين
صحب يوسف ين الحسين، وعبد الله بن الخراز، وأبا محمد الجريري، وأبا العباس بن عطاء، ولقي رويما وورد نيسابور، إلى سمرقند، ومات بها بعد الأربعين والثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: العلماء متفاوتون في ترتيب مشاهدات الأشياء فقوم رجعوا من الأشياء إلى الله فشاهدوا الأشياء حيث الأشياء ثم رجعوا عنها إلى الله، وقوم رجعوا من الله إلى الأشياء من غير غيبتهم عنه فلم يروا شيئاً إلا ورأوا الحق قبله، وقوم بقوا مع الأشياء لأنهم لم يكن لهم طريق منهم إلى الله، وكان يقول عن أهل زمانه نقضوا أركان التصوف، وهدموا سبيلها، وغيروا معانيها بأسام أحدثوها سموا الطمع زيادة، وسوء الأدب إخلاصاً، والخروج عن الحق شطحاً، والتلذذ بالمذموم طيبة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع إلى الدنيا، وصولا، وسوء الخلق صولة، والبخل حلاوة، والسؤال عملا، وبذاءة اللسان سلامة، وما كان هكذا طريق القوم إنما درجوا على الحياء، والأدب، والزهد في الحظوظ.
رضي الله عنهم أجمعين.

ومنهم أبو عثمان سعيد بن سلام المغربي
رضي الله تعالى عنه
من القيروان من قرية يقال لها كوكب أقام بالحرم الشريف مدة، وكان شيخه، وصحب أبا علي بن الكاتب حبيباً المصري. وأبا عمرو الزجاجي، ولقي النهرجوري، وأبا الحسين بن الصائغ الدينوري، وغيرهم من المشايخ، ولم ير مثله في علو الحال، وصون الوقت وصحة الحكم بالفراسة، وقوة الهيبة، ورد نيسابور، ومات بها سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وأوصى أن يصلي عليه الإمام أبو بكر بن فورك، وكان يقول: من حفظ جوارحه تحت الأوامر فهو في اعتكاف على الدوام، وكان رضي الله عنه يقول: أبي الملك الجبار إلا أن يختبر أولياءه بتسليط عدوهم عليهم ليرى كيف صبرهم عليه فإن صبروا على بلوى عدوهم جللهم بعلمه، وحباهم بوصله، وأسكنهم في جواره، ونعمهم بمشاهدته، ولذذهم بذكره، وأوصلهم بمعرفته، وجعلهم أئمة يقتدي بهم، ونجاة لعباده، ورحمة في أرضه.
قلت: ومعنى صبرهم على عدوهم أن يصبروا على مجاهدته في ترك ما يأمرهم به، ولا يتقلقوا من كثرة وساوسه فيطيعوه والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: إن الله جعل أنس
(1/104)

عباده في رؤية أوليائه، وكان يقول في معنى حديث أكثر أهل الجنة البله معناه الأبله في دنياه الفقيه في دينه، وكان رضي الله عنه يقول: من أثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله تعالى بموت القلب، وكان يقول: العاصي خير من المدعي لأن العاصي يطلب طريق التوبة، والمدعي يتخبط في خبال دعواه، وكان يقول: أفواه العارفين فاغرة لمناجاة القدرة، وكان يقول: الولي قد يكون مستوراً، ولكن لا يكون مفتوناً، وكان يقول: من لم يسمع من نهيق الحمار مثل ما يسمع من صوت العود، ودواخل المغنين فهو كذاب.
رضي الله عنه.

ومنهم أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن محمومة النصراباذي
رضي الله عنه
شيخ خراسان في وقته نيسابوري الأصل، والمولد والمنشأ يرجم إليه في أنواع من العلوم من حفظ السنن، وجمعها، وعلوم التواريخ، وعلم الحقائق، وكان أوحد المشايخ في وقته علماً، وحالا صحب أبا بكر الشبلي وأبا علي الروذباري وأبا محمد المرتعش، وغيرهم من المشايخ أقام بنيسابور ثم خرج في آخر عمره إلى مكة، وحج سنة ست وستين وثلاثمائة، وأقام بالحرم مجاوراً، ومات سنة سبع وستين وثلاثمائة، وكتب الحديث، ورواه، وكان ثقة، وكان رضي الله عنه يقول: من الأدب إذا اشتهر الإنسان بالزهد، ورمى الدنيا أن يتظاهر بإمساكها بين الناس ليقطع نسبة الزهد إليه، والمدار على القلب فإن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا بدا لك شيء من بوادي الحق فلا تلتفت معه إلى جنة، ولا إلى نار، ولا تخطرهما ببالك ثم إذا رجعت عن ذلك الحال فعظم ما عظم الله، وقيل له إن بعض الناس يجالس النسوان، ويقول: أنا معصوم في رؤيتهن فقال رضي الله عنه: ما دامت الأشباح باقية فالأمر والنهي مخاطب بهما العبد لا سيما العزاب، وكان يقول: من عمل على رؤية الجزاء كانت أعماله بالعدد، والإحصاء، ومن عمل على المشاهدة أذهلته المشاهدة عن التعداد، والعدد، وفي رواية من عمل بالعدد كان ثوابه بالعدد قال تعالى: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " " الأنعام: 160 " ومن عمل على المشاهدة كان أجره لا عد له لقوله تعالى: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " " الزمر: 15 " وكان رضي الله عنه يقول: دماء المحبين تجيش، وتغلي وهم واقفون مع الحق على مقام إن تقدموا غرقوا، وإن تأخروا حجبوا، وكان يقول: الجذب أسرع من السلوك فإن كل جذبة من الحق تغني العبد عن أعمال الثقلين، وكان يقول: أصل التصوف هو ملازمة الكتاب، والسنة، وترك الأهواء، والباع، وتعظيم حرمات المشايخ، وإقامة المعاذير للخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص، والتأويلات، وما ضل أحد عن هذا الطريق إلا انحط عن مقام الرجال، وكان رضي الله عنه يقول: الزاهد غريب في الدنيا، والعارف غريب في الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: إنما سمى الله تعالى أصحاب الكهف فتية لأنهم آمنوا بلا واسطة وكان رضي الله عنه يقول: ليس للأولياء سؤال إنما هو الذبول، والخمول وكان يقول: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان رضي الله عنه يقول: الجمع عين التوحيد، والتفرقة حقيقة التجريد، وهو أن يكون العبد فانياً لله تعالى يرى الأشياء كلها به، وله، وإليه، ومنه.

ومنهم أبو الحسن علي بن إبراهيم الحصري
رضي الله تعالى عنه
بصري الأصل سكن بغداد، ومات بها يوم الجمعة في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة كان شيخ العراق في وقته، ولم ير مثله في زمانه من المشايخ، ولا أتم مقالا منه، ولا أحسن لساناً، ولا أعلى مكاناً متوحداً في طريقته ظريفاً في شمائله، وحاله.
له لسان في التوحيد يختص به، ومقام في التجريد، والتفريد لم يشاركه فيه أحد بعده، وهو أستاذ العراقيين، وبه تأدب من تأدب منهم صحب الشبلي، وإليه كان ينتمي، وصحب غيره من المشايخ، وكان رضي الله عنه يقول: مكثت زماناً إذا قرأت القرآن لا أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأقول من الشيطان الرجيم حتى يحضر كلام الحق.
قلت: ولعل هذا وقع منه قبل الكمال فإن الكمال يقرأ المراتب، ولا ينفي منها شيئاً، وقد أمر الله عز وجل أشرف المرسلين صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشيطان فلو كان عدد شهوده كمالا لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بذلك والله أعلم.
وكان رضي الله عنه يقول: عرضوا، ولا تصرحوا التعريض أستر، رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله أحمد بن عطاء بن أحمد الروذباري
رحمه الله تعالى
ابن أخت أبي علي الروذباري
(1/105)

رضي الله عنه شيخ الشام في وقته يرجع إلى أحوال يختص بها، وأنواع من العلوم من علم الشريعة، والقرآن، وعلم الحقيقة، وأخلاق، وشمائل تفرد بها، وتعظيم للفقر، وصيانته، وملازمة آدابه، ومحبة الفقراء، والميل إليهم، والرفق بهم مات بصور سنة تسع، وستين وثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: أهل الغيبة إذا شربوا طاشوا، وأهل الحضور إذا شربوا عاشوا، وكان يقول: أقبح من كل قبيح صوفي شحيح.
قلت: والمراد هنا بالشح أن يمنع بخلا لا على وجه الحكمة فإن المنع لبعض الناس من أخلاق الله عز وجل فافهم، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: التصوف ينفي عن صاحبه البخل، وكتابة الحديث تنفي عن صاحبها الجهل فإذا اجتمعا في شخص فناهيك به مقاماً، وكان يقول في مجالسة الأضداد ذوبان الروح وفي مجالسة الأشكال تلقيح العقول، وكان رضي الله عنه يقول: من هدم الأولياء بلا أدب هلك، وكان يقول ليس كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة، وليس كل من يصلح للمؤانسة يؤتمن على الأسرار فإنه لا يؤتمن على الأسرار إلا الأمناء، والسلام.
وكان رضي الله عنه من عادته إذا ذهب لمكان أن يمشي على أثر الفقراء لا يتقدمهم رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن الحسن الروغندي
رضي الله تعالى عنه
من أجلة مشايخ طوس صحب أبا عثمان الحيري، وطائفة من طبقته من المشايخ، وكان قد صار أوجد وقته في طريقته، وظهرت له آيات، وكرامات، وكان مجرداً على الحال كبير الهمة.
مات بعد الخمسين والثلاثمائة، وكان رضي الله عنه يقول: من ترك الدنيا للدنيا فهو من علامة حبه جمع الدنيا، وكان رضي الله عنه يقول: من ضيع حق الله تعالى في صغره أذله الله في كبره.
قلت: محل ذلك إذا لم يقع منه توبة مقبولة، ومعنى إذلال الله له استحقاقه للإذلال وقد لا يقع وكان رضي الله عنه يقول: إياك والتمييز في الخدمة فإن أرباب التمييز قد مضوا أخدم الكل ليحصل لك المراد، ولا يفوتك المقصود، وما رأينا أحداً خدم الفقراء إلا ولحقته بركاتهم، وربح العز في الدنيا قبل الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: الزاهد في حظ نفسه والصوفي في حظ ربه، وكان رضي الله عنه يقول: ينزل الله عز وجل على كل عبد من البلاء بحسب ما وهبه من المعرفة في ذلك لتكون معرفته عوناً له على بلائه فأعلاهم معرفة أكثرهم بلاء، وأقلهم معرفة أقلهم بلاء، وكان رضي الله عنه يقول: ما جزع النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا لأمته فإنه بعث بالرأفة، والرحمة فكان إذا كوشف له عن أمته أنهم يقعون في مخالفة جزع لهم، وعليهم قال تعالى: " عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " " التوبة 128 " وكان رضي الله عنه يقول: لا تصح الأحوال إلا إن كانت عن نتائج العلم فلولا العلم ما خاف القلب، ولا اطمأن، ولا سكن رضي الله عنه.

ومنهم أبو الحسن علي بن بندار بن الحسين الصوفي
هو من أجلة مشايخ نيسابور، ومقدميهم رزق من رؤية المشايخ، وصحبتهم ما لم يرزق غيره صحب بنيسابور أبا عثمان ومحفوظاً، وببغداد الجنيد، ورويما، وسمنوناً، وابن عطاء، والجريري، وبالشام المقدسي، وابن الجلاء، وبمصر أبا بكر المصري، والزقاق، والروذباري، وكتب الحديث الكثير، ورواه، وكان ثقة، وكان يقول لمن يدخل بلده، ويبدأ بالمحدثين، والعلماء قبله شغلتك السنة عن الفريضة لأن الصوفية ينظفون محل العلم من قلبك ليصلح قلبك لإقامة العلم فيه، وسئل رضي الله عنه عن التصوف فقال هو إسقاط رؤية الخلق ظاهراً، وباطناً، وكان رضي الله عنه يقول: فساد القلوب على حسب فساد الزمان، وأهله وكان رضي الله عنه يقول: لا يكمل الفقير حتى يكتم فقره، ويكتم عن إخوانه رضاه به، وأنسه، وفرحه به، وكان رضي الله عنه يقول: زمان يذكر فيه أمثالنا بالصلاح لا يرجى فيه الصلاح، وكان إذا لقي أحداً ممن لقي من المشايخ من لم يلقه يقبل يده ولا يمشي إلا وراءه، ويقول: إنك لقيت فلاناً، وأنا لم ألقه. رضي الله عنه.

ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن جعفر النيسابوري
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه يقول: من أفتى مشايخ نيسابور في وقته صحب أبا عثمان الحيري ومات قبل الستين، والثلاثمائة، ومن كلامه
(1/106)

رضي الله عنه: الفتوة حسن الخلق، وبذل المعروف إلى كل بر، وفاجر، وكان رضي الله عنه يقول: إذا شهد فيكم أحد بشر فخافوا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين: أنتم شهداء الله في الأرض.
قلت: وهذا باب أغفله كثير من الفقراء فلا يعبئون بمن يجرحهم استناداً إلى الإكتفاء بما يعلمه الله منهم، وهو مقصور عن درجة العرفان، فإن الله تعالى زكى من جرحهم وسماهم شهداء الله، فيجب تصديقهم بما أخبروا به فافهم، والله أعلم.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمدون القراد
رضي الله تعالى ورحمه
كبار مشايخ نيسابور صحب أبا علي الثقفي، وعبد الله بن منازل، والشبلي، وأبا بكر بن طاهر، وغيرهم من المشايخ، وكان أوحد، وقته في طريقته، ومن كلامه رضي الله عنه كتمان الحسنات أولى من كتمان السيئات، فإنه بذلك يرجو النجاة، وكان رضي الله عنه يقول: لن يدخل نور المعرفة قلباً من القلوب حتى يؤثر صاحبه الحق تعالى على كل شيء رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله وأبو القاسم ابنا أحمد بن محمد المقري
رضي الله عنهم
فأما أبو عبد الله فإنه صحب يوسف بن الحسين الرازي، وعبد الله الخراز الرازي، ومظفراً القرميسيني، ورويماً، والجريري وابن عطاء، وكان من أفتى المشايخ، وأسخاهم، وأحسنهم خلقاً، وأعلاهم همة مات رضي الله عنه سنة ست وستين وثلاثمائة، وأما أبو القاسم، فكان أوحد المشايخ بخراسان في وقته وطريقته عالي الحال شريف الهمة حسن السمت، والوقار في مشيه، وجلوسه صحب بن عطاء، والجريري، وابن أبي سعدان، وابن ممشاد الدينوري، والروذباري، ومات رضي الله عنه سنة ثمان وسبعين، وثلاثمائة بنيسابور.
وكان رضي الله عنه يقول: الفقير الصادق هو الذي يملك كل شيء، ولا يملكه شيء يعني أنه لقربه كلى شيء دعا ربه به أجابه فلا يركن لغير الله وكان رضي الله عنه يقول: من أخلاق الفتيان أن يحسن خلقه مع من يبغضه، ويبذل المال لمن يكرهه، ويحسن الصحبة مع من ينفر منه قلبه، وموافقة الإخوان في كل ما لا يخالف العلم، وكان يقول: أوائل بركات الدخول في طريق القوم أن تصدق الصادقين في كل ما أخبروا به عن أنفسهم، وعن مشايخهم فمن توقف في شيء من ذلك حرم بركتهم، وكان رضي الله عنه يقول: العارف هو من شغله معروفه عن النظر إلى الخلق بعين القبول، والرد، وكان رضي الله عنه يقول: من تعزز عن خدمة إخوانه أورثه الله ذلا لا انفكاك له منه أبداً.
وكان أبو القاسم رضي الله عنه يقول: السماع على ما فيه من اللطافة فيه خطر عظيم إلا لمن سمعه بعلم عزيز، وحال صحيح، ووجد غالب من غير حظ له فيه رضي الله عنه.

ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد الراسبي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
بغدادي الأصل من أجلة مشايخهم صحب ابن عطاء، والجريري، ورحل إلى الشام ثم عاد إلى بغداد، ومات بها سنة سبع وستين وثلاثمائة، وكان يقول: إذا امتحن القلب بالتقوى ترحل عنه حب الدنيا، وحب الشهوات، واطلع على المغيبات، ومن لم يمتحن قلبه بالتقوى لا يبرح عن حب الدنيا، ولم يزل محجوباً عن المغيبات قلت: ولذلك استعمل النصابون الرياضات لاستخدام الجان ليخبروهم بالمغيبات حين عدموا الصدق في الزهد في الدنيا فأخطئوا، ومقتوا نسأل الله السلامة لنا، ولإخواننا المسلمين فيما بقي من العمر إنه سميع مجيب، وكان رضي الله عنه يقول: المحبة إذا ظهرت افتضح فيها المحب، وإذا كتمت قتلت المحب كمداً، وكان يقول: خلق الله الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام للمجالسة، وخلق العارفين للمواصلة، وخلق الصالحين للملازمة، وخلق المؤمنين للمجاهدة، والعبادة، وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: " تريديون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة " جمع بين إرادتين فمن أراد الدنيا دعاه الله إلى الآخرة، ومن أراد الآخرة دعاه الله إلى قربه قال تعالى: " ومن أراد الآخرة وسعى لها سخيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً " " الإسراء: 19 " والسعي المشكور هو البلوغ إلى منتهى الآمال من القرب، والدنو، وكان رضي الله عنه يقول: من البلاء العظيم صحبتك من لا يوافقك، ولا تستطيع تركه رضي الله عنه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق الدينوري
رضي الله تعالى عنه
من أجلة المشايخ، وأكبرهم حالا وأعلاهم همة وأفصحهم في علوم هذه الطائفة مع ما كان يرجع إليه من صحة الفقر، والتزام آدابه، ومحبة أهله، وأقام بوادي القرى سنين ثم عاد إلى دينور، ومات بها، وكان رضي الله عنه يقول: صحبة الأصاغر مع الأكابر من التوفيق، والفطنة، ورغبة الأكابر في صحبة الأصاغر من الخذلان، والحمق.
وكان رضي الله عنه يقول: لا يغرنك من الفقراء ما ترى عليهم من هذه اللبسة الظاهرة فإنهم ما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا البواطن، وكان يقول: تعب الزهد على البدن، وتعب
(1/107)

المعرفة على القلب، وكان رضي الله عنه يقول: أرفع العلوم علم الأسماء، والصفات، وإخلاص أعمال الظواهر تصحيح أحوال البواطن، وكان رضي الله عنه يقول: رأيت في بعض أسفاري رجلا يقفز بإحدى رجليه فقلت له: مالك وللسفر مع فقدان الآلة فقال: أمسلم أنت؟ فقلت: نعم فقال: أما تقرأ قوله تعالى: " وحملناهم في البر والبحر " " الإسراء 70 " إذا كان هو الحامل حمل بلا آلة لاستغنائه تعالى عنها، وكان رضي الله عنه يقول: إن كثرة الكلام تنشف الحسنات كما تنشف الأرض بعد الماء رضي الله عنه.

ومنهم أبو صالح سيدي عبد القادر الجيلي
رضي الله تعالى عنه
وهو ابن موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين ولد رضي الله عنه سنة سبعين وأربعمائة، وتوفي سنة إحدى وستين وخمسمائة، ودفن ببغداد رضي الله تعالى عنه وقد أفرده الناس بالتآليف، ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ملخص ما قالوه مما به نفع، وتأديب للسامع فنقول وبالله التوفيق: كان رضي الله عنه يقول: عثر الحسين الحلاج فلم يكن في زمنه من يأخذ بيده، وأنا لكل من عثر مركوبه من أصحابي، ومريدي ومحبي إلى يوم القيامة آخذ بيده يا هذا فرسي مسرج ورمحي منصوب، وسيفي شاهر وقوسي موتر أحفظك، وأنت غافل، وحكى عن أمه رضي الله عنها، وكان لها قدم في الطريق أنها قالت لما وضعت ولدي عبد القادر كان لا يرضع ثديه في نهار رمضان، ولقد غم على الناس هلال رمضان فأتوني وسألوني عنه فقلت لهم: إنه لم يلتقم اليوم له ثدياً ثم اتضح أن ذلك اليوم كان من رمضان، واشتهر ببلدنا في ذلك الوقت أنه ولد للأشراف ولد لا يرضع في نهار رمضان، وكان رضي الله عنه يلبس لباس العلماء، ويتطيلس، ويركب البغلة وترفع الغاشية بين يديه، ويتكلم على كرسي عال، وربما خطا في الهواء خطوات على رؤوس الناس.
ثم يرجع إلى الكرسي، وكان رضي الله عنه يقول: بقيت أياماً كثيرة لم أستطعم فيها بطعام فلقيني إنسان أعطاني صرة فيها دراهم فأخذت منها خبزاً سميذاً، وخبيصاً فجلست كله فإذا برقعة مكتوب فيها قال الله تعالى في بعض كتبه المنزلة " إنما جعلت الشهوات لضعفاء خلقي ليستعينوا بها على الطاعات أما الأقوياء فما لهم وللشهوات " فتركت الأكل، وانصرفت.
وكان رضي الله عنه يقول: إنه لترد على الأثقال البهثيرة لو وضعت على الجبال تفسخت فإذا كثرت علي الأثقال وضعت جنبي على الأرض، وتلوت فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني تلك الأثقال. وكان رضي الله عنه يقول: قاسيت الأهوال في بدايتي فما تركت هولا إلا ركبته وكان لباسي جبة صوف وعلى رأسي خريقة وكنت أمشي حافياً في الشوك وغيره وكنت أقتات بخرنوب الشوك، وقمامة البقل، وورق الخس من شاطئ النهر، ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدات حتى طرقني من الله تعالى الحال فإذا طرقني صرخت، وهمت على وجهي سواء كنت في صحراء أو بين الناس، وكنت أتظاهر بالتخارس، والجنون، وحملت إلى البيمارستان، وطرقتني مرة الأحوال حتى مت، وجاءوا بالكفن، والغاسل، وجعلوني على المغتسل ليغسلوني ثم سري عني وقمت وقال له رجل مرة كيف الخلاص من العجب فقال رضي الله عنه: من رأى الأشياء من الله، وأنه هو الذي وقفه لعمل الخير، وأخرج نفسه من البين فقد سلم من العجب. وقيل له مرة مالنا لا نرى الذباب يقع على ثيابك فقال: أي شيء يعمل الذباب عندي، وأنا ما عندي شيء من دبس الدنيا، ولا عسل الآخرة.
وكان رضي الله عنه يقول: أيما امرئ مسلم عبر على باب مدرستي خفف الله عنه العذاب يوم القيامة، وكان رجل يصرخ في قبره، ويصيح حتى آذى الناس فأخبروه به فقال: إنه رآني مرة، ولا بد أن الله تعالى يرحمه لأجل ذلك فمن ذلك الوقت ما سمع له أحد صراخاً. وتوضأ رضي الله عنه يوماً فبال عليه عصفور فرفع رأسه إليه، وهو طائر فوقع ميتاً فغسل الثوب ثم باعه، وتصدق بثمنه، وقال هذا بهذا، وكان رضي الله عنه يقول: يا رب كيف أهدي إليك روحي، وقد صح بالبرهان أن الكل لك وكان رضي الله عنه يتكلم في ثلاثة عشر علماً، وكانوا يقرءون عليه في مدرسته درساً من التفسير، ودرساً من الحديث ودرساً من المذهب، ودرساً من الخلاف، وكانوا يقرءون عليه طرفي النهار التفسير، وعلوم الحديث، والمذهب، والخلاف، والأصول، والنحو وكان رضي الله عنه يقرأ القرآن بالقراءات، بعد الظهر.
وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وكانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق
(1/108)

فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه، ورفع إليه سؤال في رجل حلف بالطلاق الثلاث إنه لا بد أن يعبد الله عز وجل عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها فماذا يفعل من العبادات فأجاب على الفور يأتي مكة ويخلي له المطاف، ويطوف سبعاً وحده، وينحل يمينه فأعجب علماء العراق، وكانوا قد عجزوا عن الجواب عنها، ورفع له شخص ادعى أنه يرى الله عز وجل بعيني رأسه فقال: أحق ما يقولون عنك. فقال: نعم فانتهره، ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل للشيخ أمحق هذا أم مبطل فقال هذا محق ملبس عليه، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال.
ثم خرق من بصيرته إلى بصره لمعة فرأى بصره ببصيرته، وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده فظن أن بصره رأى ما شهده ببصيرته، وإنما رأى بصره ببصيرته فقط، وهو لا يدري قال الله تعالى مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان، وكان جمع من المشايخ، وأكابر العلماء حاضرين هذه الواقعة فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال الرجل، ومزق جماعة ثيابهم، وخرجوا عرايا إلى الصحراء، وكان رضي الله عنه يقول:
تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق ثم تدلى فيه صورة تناديني يا عبد القادر أنا ربك، قد حللت تلك المحرمات فقلت اخسأ يا لعين فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان ثم خاطبني يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بأمر ربك، وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فقلت لله الفضل فقيل له كيف علمت أنه شيطان قال بقوله وقد حللت لك المحرمات. وسئل رضي الله عنه عن صفات الموارد الإلهة، والطوارق الشيطانية فقال الوارد الإلهي لا يأتي باستدعاء، ولا يذهب بسبب، ولا يأتي على نمط واحد، ولا في وقت مخصوص، والطارق الشيطاني بخلاف ذلك غالباً. وسئل رضي الله عنه عن الهمة فقال: هي أن يتعرى العبد بنفسه عن حب الدنيا، وبروحه عن التعلق بالعقبى، وبقلبه عن إرادته مع إرادة المولى، ويتجرد بسره عن أن يلمح الكون أو يخطر على سره، وسئل رضي الله عنه عن البكاء فقال: ابك له وابك منه وابك عليه، ولا حرج.
وسئل رضي الله عنه عن الدنيا فقال: أخرجها من قلبك إلى يدك فإنها لا تضرك. وسئل رضي الله عنه عن الشكر فقال: حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، ومشاهدة المنة، وحفظ الحرمة على وجه معرفة العجز عن الشكر وكان يقول: الفقير الصابر مع الله تعالى، أفضل من الغني الشاكر له والفقير الشاكر أفضل منهما والفقير الصابر الشاكر أفضل منهم وما خطب البلاء إلا من عرف المبلى وسئل رضي الله عنه عن حسن الخلق فقال هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق واستصغار نفسك، وما منها معروفة بعيوبها، واستعظام الخلق، وما منهم نظروا إلى ما أودعوا من الإيمان والحكم. وسئل رضي الله عنه عن البقاء فقال: البقاء لا يكون إلا مع اللقاء واللقاء يكون كلمح البصر أو هو أقرب، ومن علامة أهل اللقاء أن لا يصحبهم في وصفهم به شيء فان لأنهما ضدان، وكان يقول متى ذكرته فأنت محب، ومتى سمعت ذكره لك فأنت محبوب، والخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك، رما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك، ولما اشتهر أمره في الآفاق اجتمع مائة فقيه من أذكياء بغداد يمتحنونه في العلم فجمع كل واحد له مسائل، وجاء إليه فلما استقر بهم المجلس أطرق الشيخ فظهرت من صدره بارقة من نور فمرت على صدور المائة فمحت ما في قلوبهم فبهتوا، واضطربوا، وصاحوا صيحة، واحدة، ومزقوا ثيابهم، وكشفوا رؤوسهم ثم صعد الكرسي.
وأجاب الجميع عما كان عندهم فاعترفوا بفضله، وكان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره الصغير، والجارية، ويجالس الفقراء ويفلي لهم ثيابهم وكان لا يقوم في لأحد من العظماء ولا أعيان الدولة، ولا ألم قط بباب وزير، ولا سلطان، وكان الشيخ علي بن الهيتي رضي الله عنه يقول عن الشيخ عبد القادر رضي الله عنه: كان قدمه على التفويض والموافقة مع التبري من الحول والقوة وكانت طريقته تجريد التوحيد وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية لا بشيء ولا لشيء، وكان الشيخ عدي بن مسافر رضي الله عنه يقول: كان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه طريقته الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح، واتخاد الباطن، والظاهر، وانسلاخه من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النفع، والضرر، والقرب والبعد، وكان الشيخ بقاء بن بطو رضي الله عنه يقول: كان طريق الشيخ عبد القادر رضي الله عنه اتحاد القول، والفعل، والنفس، والوقت ومعانقة الإخلاص،
(1/109)

والتسليم، وموافقة الكتاب، والسنة في كل نفس، وخطرة ووارد، وحال الثبوت مع الله عز وجل، وفي روايه كانت قوة الشيخ عبد القادر رضي الله عنه في طريقه إلى ربه كقوى جميع أهل الطريق شدة ولزوماً، وكانت طريقته التوحيد وصفاً، وحكماً، وحالا وتحقيقه الشرع ظاهراً، وباطناً، ووصفه قلب فارغ، وكون غائب، ومشاهده رب حاضر بسريرة لا تتجاذبها الشكوك، وسر لا تنازعه الأغيار، وقلب لا تفارقه البقايا رضي الله عنه. وكان أبو الفتح الهروي رضي الله عنه يقول: خدمت الشيخ عبد القادر رضي الله عنه أربعين سنة فكان في مدتها يصلي الصبح بوضوء العشاء، وكان كلما أحدث جدد في وقته وضوءه ثم يصلي ركعتين، وكان يصلي العشاء ويدخل خلوته، ولا يمكن أحداً أن يدخلها معه فلا يخرج منها إلا عند طلوع الفجر ولقد أتاه الخليفة يريد الاجتماع به ليلا فلم يتيسر له الاجتماع إلى الفجر قال الهروي: وبت عنده ليلة فرأيته يصلي أول الليل يسيراً ثم يذكر الله تعالى إلى أن يمضي الثلث الأول يقول المحيط: الرب الشهيد الحسيب الفعال الخلاق الخالق البارئ المصور فتتضاءل جثته مرة، وتعظم أخرى، ويرتفع في الهواء إلى أن يغيب عن بصري مرة ثم يصلي قائماً على قدميه يتلو القرآن إلى أن يذهب الثلث الثاني، وكان يطيل سجوده جداً ثم يجلس متوجهاً مشاهداً مراقباً إلى قريب طلوع الفجر ثم يأخذ في الدعاء، والابتهال والتذلل، ويغشاه نور يكاد يخطف الأبصار إلى أن يغيب فيه عن النظر قال، وكنت أسمع عنده سلام عليكم سلام عليكم وهو يرد السلام إلى أن يخرج لصلاة الفجر، وكان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يقول: أقمت في صحراء العراق، وخرائبه خمساً وعشرين سنة مجرداً سائحاً لا أعرف الخلق ولا يعرفوني يأتيني طوائف من رجال الغيب، والجان أعلمهم الطريق إلى الله عز وجل.
ورافقني الخضر عليه السلام في أولى دخولي العراق، وما كنت عرفته، وشرط أن لا أخالفه وقال لي اقعد هنا فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كل سنة مرة ويقول لي مكانك حتى آتيك قال: ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآكل المنبوذ، ولا أشرب الماء، ومكثت فيها سنة أشرب الماء، ولا آكل المنبوذ وسنة لا آكل، ولا أشرب، ولا أنام، ونمت مرة بإيوان كسرى في ليلة باردة فاحتلمت فقمت، وذهبت إلى الشط، واغتسلت ثم نمت فاحتلمت فذهبت إلى الشط، واغتسلت قوقع لي ذلك في تلك الليلة أربعين مرة، وأنا أغتسل ثم صعدت إلى الإيوان خوف النوم، دخلت في ألف فن حتى أستريح من دنياكم، وكان رضي الله عنه يرى الجلوس على بساط الملوك، ومن داناهم من العقوبات المعجلة للفقير، وكان رضي الله عنه إذا جاءه خليفة أو وزير يدخل الدار ثم يخرج حتى لا يقوم له إعزازاً للطريق في أعين الفقراء، واجتمع عنده جماعة من الفقراء، والفقهاء في مدرسة النظامية فتكلم عليهم في القضاء، والقدر فبينما هو يتكلم إذا سقطت عليه حية من السقف ففر منها كل من كان حاضراً عنده.
ولم يبق إلا هو فدخلت الحية تحت ثيابه، ومرت على جسمه، وخرجت من طوقه، والتوت على عنقه، وهو مع ذلك لا يقطع كلامه، ولا غير جلسته ثم نزلت على الأرض، وقامت على ذنبها بين يديه فصوتت ثم كلمها بكلام ما فهمه أحد من الحاضرين ثم ذهبت فرجع الناس، وسألوه عما قالت فقال: قالت لي: لقد اختبرت كثيراً من الأولياء فلم أر مثل ثباتك فقلت لها: وهل أنت إلا دويدة يحركك القضاء، والقدر الذي أتكلم فيه قال الشيخ عبد القادر رضي الله عنه ثم إنها جاءتني بعد ذلك، وأنا أصلي ففتحت فمها موضع سجودي فلما أردت السجود دفعتها بيدي، وسجدت فالتفت على عنقي ثم دخلت من كمي.
وخرجت من الكم الآخر ثم دخلت من طوقي ثم خرجت فلما كان الغد دخلت خربة فرأيت شخصاً عيناه مشقوقتان طولا فعلمت أنه جني فقال لي أنا الحية التي رأيتها البارحة، ولقد اختبرت كثيراً من الأولياء بما اختبرتك به فلم يثبت أحد منهم لي كثباتك، وكان منهم من اضطرب باطنه، وثبت ظاهره، ومنهم من اضطرب ظاهراً، وباطناً، ورأيتك لم تضطرب ظاهراً ولا باطناً، وسألني أن يتوب على يدي فتوبته، وكان رضي الله عنه يقول: ما ولد لي قط مولود إلا أخذته على يدي وقلت: هذا ميت فأخرجه من قلبي أول ما يولد قال ابن الأحض رحمه الله تعالى، وكنا ندخل على الشيخ عبد القادر رضي الله عنه في الشتاء، وقوة برده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، والعرق يخرج من جسده، وحوله من يروحه بمروحة كما يكون في شدة الحر.
وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه اتبعوا، ولا تبتدعوا وأطيعوا، ولا تخالفوا، واصبروا، ولا تجزعوا، واثبتوا، ولا تتمزقوا، وانتظروا،
(1/110)

ولا تيأسوا، واجتمعوا على الذكر، ولا تتفرقوا، وتطهروا عن الذنوب، ولا تتلطخوا، وعن باب مولاكم لا تبرحوا، وكان رضي الله عنه يقول: إذا ابتلى أحدكم ببلية فليحرك أولا لها نفسه فإن لم يخلص منها فليستعن بغيره من الأمراء، وغيرهم فإن لم يخلص فليرجع إلى ربه بالدعاء، والتضرع، والانطراح بين يديه فإن لم يجبه فليصبر حتى ينقطع عنه جميع الأسباب، والحركات، ويبقى روحاً فقط لا يرى إلا فعل الحق جل، وعلا فيصير موحداً ضرورة، ويقطع بأن لا فاعل في الحقيقة إلا الله فإذا شهد ذلك تولى أمره الله فعاش في نعمة ولذة فوق لذة ملوك الدنيا لا تشمئز نفسه قط من مقدور قدره الله عليه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا مت عن الخلق قيل لك رحمك الله، وأماتك عن هواك فإذا مت عن هواك قيل لك رحمك الله، وأماتك عن إرادتك، ومناك فإذا مت عن إرادتك، ومناك قيل لك رحمك الله وأحياك فحينئذ تحيا حياة طيبة لا موت بعدها، وتغنى غنى لا فقر بعده، وتعطى عطاء لا منع بعده، وتعلم علماً لا جهل بعده وتأمن أمناً لا تخاف بعده، وتكون كبريتاً أحمر لا يكاد يرى وكان رضي الله عنه يقول: أفن عن الخلق بحكم الله تعالى وعن هواك بأمر الله، وكان رضي الله عنه يقول: إشراك الخواص أن يشركوا إرادتهم بإرادة الحق على وجه السهو، والنسيان وغلبة الحال، والدهشة فيتداركهم الله باليقظة، والتذكير فيرجعوا عن ذلك، ويستغفروا ربهم إذ لا معصوم من هذه الارادة إلا الملائكة كما عصم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبقية الخلق من الجن، والإنس المكلفين لم يعصموا منها غير أن الأولياء يحفظون عن الهوى، والأبدال عن الإرادة، وكان رضي الله عنه يقول: اخرج عن نفسك، وتنح عنها، وانعزل عن ملكك، وسلم الكل إلى مولاك، وكن بوابه على باب قلبك فأدخل ما يأمرك بإدخاله، وأخرج ما يأمرك بإخراجه، ولا تدخل الهوى قلبك فتهلك، وكان رضي الله عنه يقول: احذر، ولا تركن، وخف ولا تأمن وفتش، ولا تفعل فتطمئن، ولا تضف إلى نفسك حالا ولا مقالا ولا تدع شيئاً من ذلك، ولا تخبر أحداً به فإن الله تعالى كل يوم هو في شأن في تغيير، وتبديل يحول بين المرء، وقلبه فيزلك عما أخبرت به، ويعز لك عما تخيلت ثباته فتخجل عند من أخبرته بذلك بل احفظ ذلك، ولا تعده إلى غيرك فإن كان الثبات، والبقاء فتعلم أنه موهبة فتشكر، واسأل الله التوفيق، وإن كان غير ذلك كان فيه زيادة علم، ومعرفة، ونور، وتيقظ، وتأديب قال تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " " البقرة: 106 " وكان رضي الله عنه يقول: إذا أقامك الله تعالى في حالة فلا تختر غيرها أعلى منها أو أدنى منها. قلت: أما طلب الأدنى فظاهر لاستبداله الأدنى بالذي هو خير منه، وأما في الأعلى فلما يطرق الطالب للعلو من الهوى، والإدلال فالنهي في كلام الشيخ رضي الله عنه لمن لم يخرج عن هوى نفسه أما من خرج عن ذلك فله السؤال في مراتب الترقي عبودية محضة، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: إن كنت تريد دخول دار الملك فلا تختر الدخول إلى الدار بالهوى حتى يدخلك إليها جبراً أعني بالجبر أمراً عنيفاً متكرراً، ولا تقنع بمجرد الأمر بالدخول لجواز أن يكون ذلك بمكر أو خديعة لكن اصبر حتى تجبر على الدخول فتدخل الدار جبراً محضاً، وفضلا من الملك فحينئذ لا يعاقبك الملك على فعله، وإنما تتطرق إليك العقوبة من شؤم شرك، وقلة صبرك، وسوء أدبك، وترك الرضا بحالتك التي أقامك الحق فيها ثم إذا دخلت الدار فكن مطرقاً غاضاً بصرك متأدباً محافظاً لما تؤمر به من الخدمة غير طالب للترقي إلى الطبقة الوسطى، ولا إلى الذروة العليا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: " لا تمدن عينيك " " الحجر: 88 " الآية.
وكان رضي الله عنه يقول: لا تختر جلب النعماء ولا دفع البلوى فإن النعماء واصلة إليك بالقسمة استحليتها أم كرهتها، والبلوى حالة بك، ولو كرهتها، ودفعتها فسلم لله تعالى في الكل يفعل ما يشاء فإن جاءتك النعماء فاشتغل بالذكر، والشكر، وإن جاءتك البلوى فاشتغل بالصبر، والموافقة، والرضا والتنعم بها، والعدم، والفناء عنها على قدر ما تعطي من الحالات، وتنتقل فيها حتى تصل إلى الرفيق الأعلى، وتقام في مقام من تقدم، ومضى من الصديقين، والشهداء فلا تجزع من البلوى، ولا تقف بدعائك في وجهها، وقربها فليس نارها أعظم من نار جهنم وفي الخبر إن نار جهنم تقول للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي وليس نور المؤمن الذي أطفأ لهب النار إلا الذي صحبه في دار الدنيا وتميز به عمن عصى فليطفئ بهذا النور لهب البلوى فإن البلية لم تأت العبد لتهلكه، وإنما تأتيه لتختبره، وكان رضي الله عنه يقول: لا تشكون لأحد ما نزل بك من ضر كائناً ما كان صديقاً أو قريباً، ولا تتهمن ربك قط فيما فعل فيك، ونزل بك من إرادته بل أظهر الخير،
(1/111)

والشكر، ولا تسكن بر أحد من الخلق، ولا تستأنس به ولا تطلع أحد على ما أنت فيه لا فاعل سوى ربك " وكل شيء عنده بمقدار - إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو " واحذر أن تشكو الله وأنت معافى وعندك نعمة ما طلباً للزيادة، وتعاميا لما له عندك من النعمة والعافية ازدراء بها فربما فضب عليك، وأزالها عنك، وحقق شكواك، وضاعف بلاءك، وشدد عليك العقوبة، رفقتك، وأسقطك من عينه، وأكثر ما ينزل بابن آدم من البلايا لشكواه من ربه عز وجل.
وكان رضي الله عنه يقول: لا يصلح لمجالسة الملوك إلا المطهر من رجس الزلات، والمخالفات، ولا تقبل أبوابه تعالى إلا طيباً من الدعاوي، والهوسات، وأنت يا أخي غارق ليلا، ونهاراً في المعاصي، والقاذورات، ولذلك ورد " حمى يوم كفارة سنة " فالأمراض، والشدائد جعلها الله تعالى مطهرات لك لتصلح لقربه، ومجالسته لا غير، وقد ورد أيضاً " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل ودوام البلاء خاص بأهل الولاية الكبرى، وذلك ليكونوا أبداً في الحضرة، ويمتنعوا من الميل إلى غير الله تعابى ثم إذا دام البلاء بالعبد قوي قلبه، وضعف هواه، وكان رضي الله عنه يقول: ارض بالدون، ولا تنازع ربك في قضائه فيقصمك، ولا تغفل عنه فيسلمك ولا تقل في دينه بهواك فيرديك، ولا تسكن إلى نفسك فتبلى بها، وبمن هو شر منها، ولا تظلم أحداً ولو بسوء ظنك به، وحملك له على محامل السوء فإنه لا يجاوز بك ظلم ظالم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا وجدت في قلبك بغض شخص أو حبه فاعرض أفعاله على الكتاب، والسنة فإن كانت محبوبة فيهما فأحبه، وإن كانت مكروهة فاكرهه لئلا تحبه بهواك، وتبغضه بهواك قال تعالى: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " " ص: 26 " ولا تهجر أحداً إلا لله، وذلك إذا رأته مرتكباً كبيرة أو مصراً على صغيرة. قلت: ومعنى رأيته مرتكباً كبيرة: العلم بذلك، ولو ببينة فلا يشترط في جواز الهجر رؤية الهاجر لذلك العاصي ببصره، ولذلك قال سيدي على الخواص رضي الله عنه شرط جواز الهجر علم الهاجر بوقوع المهجور فيما هجر لأجله يقيناً لا ظناً، وتخميناً فلا يجوز لك الهجر من غير تحقق، وتثبت، وهذا الباب هلك فيه خلق كثير، ولم يموتوا حتى ابتلاهم الله تعالى بما رموا به الناس، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: إذا أحب الله عبداً لم يزد له مالا، ولا ولداً وذلك ليزول اشتراكه في المحبة لربه تعالى، والحق غيور لا يقبل الشركة. قلت: فإن بلغ الولي إلى مقام لا يشغله عن الله شاغل فلا بأس بالمال، والأولاد وكان رضي الله عنه يقول: لا تطمع أن تدخل زمرة الروحانيين حتى تعادى جملتك، وتباين جميع الجوارح والأعضاء، وتنفرد عن وجودك، وسمعك، وبصرك، وبطشك، وسعيك، وعملك، وعقلك، وجميع ما كان منك قبل، وجود الروح، وما أوجد فيك بعد كنفخ لأن جميع ذلك حجابك عن ربك عز وجل كما قال الخليل للأصنام في قوله تعالى: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " " الشعراء: 77 " فاجعل أنت جملتك، وأجزاءك أصناماً مع سائر الخلق، ولا ترى لغير ربك، وجوداً مع لزوم الحدود، وحفظ الأوامر، والنواهي فإن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنك مفتون قد لعب بك الشيطان فارجع إلى حكم الشرع، والزمه ودع عنك الهوى لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي باطلة، وكان رضي الله عنه يقول: كثيراً ما يلاطف الحق تعالى عبده المؤمن فيفتح قبالة قلبه باب الرحمة، والمنة، والإنعام فيرى بقلبه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من مطالعة الغيوب، والتعريف، والكلام اللطيف، والوعد الجميل والدلائل، والإجابة في الدعاء، والتصديق، والوعد، والوفاء، والكلمات من الحكمة ترمي إلى قلبه، وغير ذلك من النعم الفائقة كحفظ الحدود، والمداومة على الطاعات فإذا اطمأن العبد إلى ذلك واغتر به واعتقد دوامه فتح الله عليه أنواع البلايا، والمحن في النفس والمال، والولد وزال عنه جميع ما كان فيه من النعم فيصير العبد متحيراً منكسراً إن نظر إلى ظاهره رأى ما يسره، وإن نظر إلى باطنه رأى ما يحزنه، وإن سأل الله تعالى كشف ما به من الضر لم يرج إجابة، وإن طلب الرجوع إلى الخلق لم يجد إلى ذلك سبيلا، وإن عمل بالرخص تسارعت إليه العقوبات، وتسلطت الخلائق على جسمه، وعرضه وإن طلب الإقالة لم يقل وإن رام الرضا، والتنعم بما به من البلاء، لم يعط فحينئذ تأخذ النفس في الذوبان، والهوى في الزوال، والإرادات، والأماني في الرحيل، والأكوان في التلاشي فيدام له ذلك ويشدد عليه حتى تفنى أوصاف بشريته، ويبقى روحاً فقط فهناك يسمع النداء من قلبه: " أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " " ص: 42 ". وردت عليه
(1/112)

جميع الخلع، وأزيد منها وتولى الحق سبحانه وتعالى تربيته بنفسه " فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين " " السجدة: 17 ".
وكان رضي الله عنه يقول: ما سأل أحد الناس من دون الله تعالى إلا لجهله بالله وضعف إيمانه، ومعرفته، ويقينه، وقلة صبره، وما تعفف من تعفف عن ذلك إلا لوفور علمه بالله عز وجل، ووفور إيمانه، وحيائه منه سبحانه وتعالى، وكان رضي الله عنه يقول: إنما كان الحق تعالى لا يجيب عبده في كل ما سأله فيه إلا شفقة على العبد أن يغلب عليه الرجاء، والغرة فيتعرض للمكربة، ويغفل عن القيام بأدب الخدمة فيهلك والمطلوب من العبد أن لا يركن لغير ربه والسلام وكان رضي الله عنه يقول: علامة الابتلاء على وجه العقوبة، والمقابلة عدم الصبر عند وجود البلاء والجزع، والشكوى إلى الخلق، وعلامة الابتلاء تكفيراً، وتمحيصاً للخطيئات، وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر، والطاعات، وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات، وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس والسكون للأقدار حتى تنكشف، وكان رضي الله عنه يقول: من أراد الآخرة فعليه بالزهد في الدنيا ومن أراد الله فعليه بالزهد في الآخرى، وما دام قلب العبد متعلقاً بشهوة من شهوات الدنيا أو لذة من لذاتها من مأكول أو ملبوس أو منكوح أو ولاية أو رياسة أو تدقيق في فن من الفنون الزائدة على الفرض كرواية الحديث الآن، وقراءة القرآن بالروايات السبع، وكالنحو، واللغة، والفصاحة فليس هذا محباً للآخرة، وإنما هو راغب في الدنيا وتابع هواه، وكان رضي الله عنه يقول: تعام عن الجهات كلها، ولا تعضض على شيء منها فإنك ما دمت تنظر إليها فباب فضل الله عنك مسدود فسد الجهات كلها بتوحيدك، وامحها بيقينك ثم بفنائك ثم بمحوك ثم بعلمك، وحينئذ تفتح من عيون قلبك جهة الجهات، وهي جهة فضل الله الكريم فتراها بعين رأسك فلا تجد بعد ذلك فقراً، ولا غنى وكان رضي الله عنه يقول: كلما جاهدت النفس، وغلبتها، وقتلتها بسيف المجاهدة أحياها الله عز وجل، ونازعتك وطلبت منك الشهوات، واللذات المحرمات منها والمباح لتعود معها إلى المجاهدة، والمقاتلة ليكتب لك نوراً، وثواباً دائماً وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ".
وكان رضي الله عنه يقول: كل مؤمن مكلف بالتوقف، والتفتيش عند حضور ما قسم له فلا يتناوله، ويأخذه حتى يشهد له الحكم بالإباحة، والعلم بالقسم كما قال عليه الصلاة والسلام: " المؤمن فتاش والمنافق لفاف " والله تعالى أعلم.

ومنهم أبو بكر بن هوار البطائحي
رضي الله تعالى عنه
كان شاطراً يقطع الطريق فوقع له سماع هاتف بالليل أما آن لك أن تخاف من الله تعالى فتاب من ساعته رضي الله عنه، وهو أول من ألبسه أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخرقة ثوباً، وطاقية في النوم فاستيقظ فوجدهما عليه وكان رضي الله عنه يقول: أخذت من ربي عز وجل عهداً أن لا تحرق النار جسداً دخل تربتي، ويقال إنها ما دخلها سمك، ولا لحم قط فأنضجته النار أبداً، وانعقد إجماع المشايخ من أهل عصره على جلالته، وعلو مقامه، ومن كلامه رضي الله عنه التوحيد إفراد القدم عن الحدوث، وخروج أكوان، وقطع الحجاب، وترك الوقوف مع كل ما علم، وكل ما جهل فإن علم التوحيد مباين لوجوده، ووجوده مفارق لعلمه فإذا تناهى، فإلى الحيرة، وكان رضي الله عنه يقول: التصوف ذكر باجتماع، ووجد باستماع، وتحمل باتباع وكان رضي الله عنه يقول: الخوف يوصلك إلى الله، وهو أن لا تأمن وقوع البطش بك مع الأنفاس، وكان يقول: الجمع بالحق تفرقة من غيره، والتفرقة من غيره جمع به وكان رضي الله عنه يقول: احتقارك للناس مرض عظيم لا يداوى. وكان رضي الله عنه يقول: أوتاد العراق ثمانية: معروف الكرخي، وأحمد بن حنبل، وبشر الحافي ومنصور بن عمار، والجنيد، والسري السقطي، وسهل بن عبد الله التستري، وعبد القادر الجيلي فقيل له: ومن عبد القادر فقال أعجمي شريف يسكن بغداد يكون ظهوره في القرن الخامس، وهو أحد الصديقين، وأعيان أقطاب الدنيا رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو محمد الشنبكي
رضي الله تعالى عنه
انتهت إليه رياسة هذا الشأن في وقته وبه تخرجت السالكون الصادقون مثل الشيخ أبي الوفاء، والشيخ منصور رضي الله عنهما، وغيرهما وكان رضي الله عنه شريف الأخلاق كامل الأدب وافر العقل كثير التواضع، وكان في بدايته يقطع الطريق على القوافل فتاب على يد أبي بكر بن هوار البطائحي رضي الله عنه فصار يبري الأكمه، والأبرص، والمجنون بدعوته ومن كلامه رضي الله عنه: أصل
(1/113)

الطاعة الورع والتقوى وأصل التقوى محاسبة النفس، وكان يقول: من لم يسمع نداء الله تعالى كيف يجيب داعيه ومن استغنى بشيء دون الله فقد جهل قدر الله وكان رضي الله عنه يقول: من قهر نفسه بالأدب فهو الذي يعبد الله بالإخلاص وكان يقوق: حجاب الخلق عن الحق تعالى هو تدبيرهم لنفوسهم، ومن نظر قرب الحق منه بعد من قلبه كل شيء سواه، وكان رضي الله عنه يقول: شهوة الصديقين المجاهدة، وشهوة الكاذبين النوم، والكسل وكان يقول: من ادعى سراً مع الله لا يشهد له حفظ ظاهره. فاتهمه في دينه، وكان رضي الله عنه يقول: لا تكل قط من طعام فقير رجع إلى الدنيا بعد زهده فيها، ولو مت جوعاً فان أكلت قسا قلبك أربعين صباحاً وكان رضي الله عنه يقول: صلاح القلب في الاشتغال بالعلم على وجه الإخلاص، وفساده في الاشتغال به على وجه الرياء، والسمعة وكان رضي الله عنه يقول: ملاك القلب السبق إلى المعالي في إصلاح الباطن اكتفاء بمراعاة الحق، وإسقاط رؤية الخلق، وكان يقول الولي من ستر حاله أبداً، والكون كله ناطق عن ولايته من غير ظهور أعمال تميزه رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ عزاز بن مستودع البطائحي
رضي الله تعالى عنه
انتهت إليه رياسة الطريق في البطائح، وأخذ عنه جماعة من الصلحاء، والعلماء الطريق، ونتجوا فيها، وأجمع المشايخ على تعظيمه، ومن كلامه رضي الله عنه الغفلة غفلتان غفلة رحمة، وغفلة نقمة فأما التي، هي رحمة فكشف الغطاء ليشاهد القوم العظمة، والجلال فيذهلوا عن العبودية إلا الفرائض، والسنن، ويغفلوا عن مراعاة السر إلا مراقبة، وإرادات الهيبة، وأما التي هي نقمة فاشتغال العبد عن طاعة الله عز وجل بمعصيته، والتفاته إلى الكرامات، وغفلته عن طريق الاستقامة، وكان يقول: إنما بسط بساط السطوة للأعداء ليستوحشوا من قبيح أفعالهم فلا يشاهدون قط ما يبتهجون به، ولا يطمئنون إلى ما يأنسون به وكان رضي الله عنه يقول: الأرواح تلطفت بالأشواق فتعلقت عند دعاة الحقيقة بأذيال المشاهدة فلم تر غير الحق تعالى معبوداً، وأيقنت أن المحدث لا يدرك القديم بصفات معلولة فصفات الحق تعالى واصلة إليه فهو الذي أوصله، ولم يصل هو بنفسه، وكان رضي الله عنه يقول: الإرادة تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء، والجلوس مع الله بلا هم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا مازجت المحبة الأرواح طارت وإذا خالطت العقول أدهشت، وإذا لابست الأفكار حارت، وكان رضي الله عنه يقول: كمال العلم انقطاع الرجاء عن كنه صفات الجمال، وكان يقول: من أنس بالله أنس به كل شيء، ومن خاطبه الله خاطبه كل شيء، ومن وصل إلى الله تأخر عنه كل شيء إجلالاً له، ومن عرف الله جهله كل شيء لعظيم ما أودعه الله عز وجل من العلوم، والأسرار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ منصور البطائحي
رضي الله تعالى عنه
هو خال أحمد بن الرفاعي وبصحبته تخرج ينتمي إليه جماعة كثيرة من ذوي الأحوال، وأرباب المقامات، وكانت أمة تدخل، وهي حامل على شيخه الشيخ محمد الشنبكي فينهض لها قائماً، وتكرر منه ذلك فسألوه عن ذلك فقال رضي الله عنه: أنا أقوم للجنين الذي في بطنها فإنه أحد المقربين إلى الله تعالى أصحاب المقامات، وسيصير له شأن عظيم لم يكب به جواد الطريقة حتى مات على الإقبال على الله عز وجل. ومن كلامه رضي الله عنه من عرف الدنيا زهد فيها، ومن عرف الله آثر رضاه، ومن لم يعرف نفسه فهو في أعظم الغرور وكان رضي الله عنه يقول: ما ابتلى الله عز وجل عبداً بشيء أشد من الغفلة عنه والفترة، وإذا أحب الله عبداً أعاذه من الغفلة، والمنام، وكان رضي الله عنه يقول: كلما ارتفعت منزلة القلب كانت العقوبة عليه أسرع، وكان رضي الله عنه يقول: الصبر زاد المضطرين، والرضا درجة العارفين فمن صبر على صبره فهو بر الصابر، وكان رضي الله عنه يقول: من فر بدينه إلى الله عز وجل، وهو يتهمه في رزقه فهو يفر له لا إليه وكان رضي الله عنه يقول: كل موجود في الدنيا لا يكون عوناً على تركها فهو عليك لا لك وكان يقول: لك ثلاث خصال من صفات الأولياء الثقة بالله تعالى في كل شيء، والفناء بالاستناد إليه عن كل شيء، والرجوع إليه في كل حال، وكان رضي الله عنه يقول: الإرادة هي أن تشير إلى الله تعالى فتجده أقرب من الإشارة، والتوكل رد الأمر كله إلى واحد ونقصان كل مخلص في إخلاصه رؤية إخلاصه، وكماله شهوده الرياء في إخلاصه، وكان يقول: الأنس بالله استبشار القلوب بقرب الله عز وجل وسرورها به، ونظرها في سكونها إليه، وغفلتها عن كل ما سواه، وأن لا تشير إليه حتى يكون هو المشير إليها.
وكان رضي الله عنه يقول: من اغتر بصفاء العبودية داخله نسيان الربوبية، ومن شهد
(1/114)

صنع الربوبية في إقامة العبودية فقد انقطع عن نفسه وسكن إلى ربه عز وجل، وحينئذ يسلم من الاستدراك وهو هنا فقدان اليقين لأنه باليقين يستبين فوائد الغيب، وكان رضي الله عنه يقول: الكشف سواطع نور لمعت في القلوب بتمكين معرفة حملة السرائر في الغيوب من غيب إلى غيب حتى يشهد الأشياء من حيث يشهدها الحق فيتكلم عن ضمائر الخلق، وإذا ظهر الحق على السرائر لم يبق لها فضلة لرجاء، ولا خوف وكان رضي الله عنه يقول: سمعت خالي منصوراً رضي الله عنه يقول: المحب لم يزل سكران في خماره حيران في شرابه لا يخرج من سكرة إلا إلى حيرة، ولا من حيرة إلا إلى سكرة. سكن الشيخ منصور رضي الله عنه نهر دفلى من أرض البطائح، واستوطنها إلى أن مات بها، وقبره ظاهر يزار ولما حضرته الوفاة قالت له زوجته أوص لولدك فقال بل لابن أختي أحمد فكررت عليه القول فقال لابنه، ولابن أخته ائتياني بنجيل من أرض كذا فأتاه ابنه بنجيل كثير، ولم يأته ابن أخته بشيء فقال له: يا أحمد لم لم تأت بنجيل فقال وجدته كله يسبح الله عز وجل فلم أستطع أن أقلع منه شيئاً فسكتت زوجته رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الشيخ تاج العارفين أبو الوفاء
رضي الله تعالى عنه ورحمه
كان من أعيان مشايخ العراق في وقته له الكرامات الخارقة، وقد انتهت إليه رياسة هذا الشأن في زمانه، وتتلمذ له خلق لا يحصون من العلماء، والصلحاء، وكان له أربعون خادماً من أرباب الأحوال. ولما أخذ عليه شيخه الشنبكي العهد قال قد وقع اليوم في شبكتي طائر لم يقع مثله. في شبكة شيخ، وكانت مشايخ البطائح يقولون عجباً لمن يذكر أبا الوفاء، ولم يمر يده على وجهه، ويسمى الله كيف لا يسقط لحم وجهه من هيبته، وكان سيدي عبد القادر الجيلي رضي الله عنه يقول: ليس على باب الحق تعالى كردي مثل أبي الوفاء، وهو أول من سمي بتاج العارفين بالعراق. ومن كلامه رضي الله عنه من هيمه أثر النظر أقلقه سماع الخبر، ومن انقطع في مفاوز الأشواق لم يلتفت إلى الآفاق وكان رضي الله عنه يقول: الذكر ما غيبك عنك بوجوده، وأخذك منك بشهوده فإن الذكر شهود الحقيقة، وخمود الخليقة، وكان رضي الله عنه يقول: الأجسام أقلام، والأرواح ألواح كؤوس، والوجد حسرة تلهب ثم نظرة تسلب، والقوة محادثة السر عند اصطلام العبد بشاهد الحضور، واستغراق الصلب في بحر المشاهدة لغلبة المشهود، وكان رضي الله عنه يقول: التسليم إرسال النفس في ميادين الأحكام، وترك الشفقة عليها من الطوارق، وكان رضي الله عنه يقول: لو صدق الوارد على شيخه، وهو نائم لأجابه كل ذرة من الشيخ عن سؤاله، ولم يحتج إلى استيقاظ الشيخ رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ حماد مسلم الدباس
رضي الله عنه
هو أحد العلماء الراسخين في علوم الحقائق انتهت إليه رياسة تربية المريدين، وانعقد عليه الإجماع في الكشف عن مخفيات الموارد وانتمى إليه معظم مشايخ بغداد، وصوفيتهم في وقته وهو أحد من صحب الشيخ عبد القادر رضي الله عنه وأثنى عليه وروى كراماته. ومن كلامه رضي الله عنه القلوب ثلاثة قلب يطوف في الدنيا وقلب يطوف في الآخرة وقلب يطوف بالمولى لا في المولى فمن طاف في المولى تزندق، وكان رضي الله عنه يقول: طهر قلبك باليقين لتجري فيه الأقدار، وكان يقول: أقرب الطرق إلى الله تعالى حبه، ولا يصفو حبه حتى يبقى المحب روحاً بلا نفس، وما دام له نفس لا يذوق قط محبة الله تعالى أبداً، وكان يقول: أزل الهوى من القدر تعرف، وأزل الهوى من الخلق، والأمر تخلص، وعلى قدر ما عندك من الأمر تسلم وبقدر ما عندك من القدر تعرف، وكان رضي الله عنه يقول: لا توجد هواك في وجودك تكن موحداً، ولا مرادك في تدبيره تكن فانياً، ولكن إن دعاك أجب، وإن وعدك توكل، وإن قدر عليك استسلم فإن قال لك اختر قل قد فوضت وإن قال لك اطلب قل قد صدقت، وإن قال لك اعبدني قل وفقني، وإن قال لك وحدني قل اجذبني فإن جاءت المعرفة صارت أفعالاً ربانية، وزالت الأكوان وصرت في القبضة صاحب قلب لا يكون لك شيء إلا به عز وجل، وما كان به كان له، وما كان بك كان لك فبالإيمان تشتغل عن أقسام الدنيا لأن فيه تصديقه، وبالعلم تشتغل عن أقسام الأخرى لأن فيه معرفته، وبالمعرفة تشتغل عن الكل حيث كنت لأنه معك من حيث معرفتك على قدرك رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الشيخ أبو يعقوب يوسف بن أيوب الهمداني
رحمه الله تعالى
هو أوحد الأئمة وانتهت إليه تربية المريدين بخراسان، واجتمع عنده بخانقاته من العلماء، والصلحاء جماعة كثيرة، وانتفعوا به وبكلامه رضي الله عنه ومن كلامه رضي الله عنه: السماع سفر إلى الحق ورسول من الحق، وهو لطائف الحق وزوائده، وفوائد
(1/115)

الغيب، وموارده، وبوادي الفتح، وعوائده، ومعاني الكشف، وبشارته فهو للأرواح قوتها وللأشباح غذاؤها، وللقلوب حياتها، وللأسرار بقاؤها فطائفة أسمعها الحق بشاهد التنزيه، وطائفة أسمعها بنعت الربوبية، وطائفة أسمعها بنعت الرحمة، وطائفة أسمعها بوصف القدرة فقام لهم الحق مسمعاً، وسامعاً فالسماع هتك الأستار، وكشف الأسرار، وبرقة لمعت، وشمس طلعت، وسماع الأرواح باستماع القلوب على بساط القرب بشاهد الحضور من غير نفس تكون هناك فتراهم في السماع والهين حيارى رامقين أسارى خاشعين سكارى واعلم أن الله خلق من نور بهائه سبعين ألف ملك من الملائكة المقربين، وأقامهم بين العرش والكرسي في حضرة الأنس لباسهم الصوف الأخضر، ووجوههم كالقمر ليلة البدر فقالوا متواجدين والهين حيارى خاشعين سكارى منذ خلقوا مهرولين من ركن العرش إلى ركن الكرسي لما بهم من شدة الوله فهم صوفية أهل السماء فإسرافيل قائدهم، ومرشدهم، وجبرائيل رئيسهم ومتكلمهم والحق تعالى أنيسهم، ومليكهم فعليهم السلام من الله عز وجل.
وقال إبراهيم بن الحوفي كان الشيخ يوسف الهمداني يتكلم على الناس فقال له فقيهان كانا في مجلسه اسكت فإنما أنت مبتدع فقال لهما اسكتا لا عشتما فماتا مكانهما، وجاءته امرأة من همدان باكية فقالت له إن ابني أسره الإفرنج فصبرها فلم تصبر فقال: اللهم فك أسره، وعجل فرجه ثم قال لها: اذهبي إلى دارك تجديه بها فذهبت المرأة فإذا ولدها في الدار فتعجبت، وسألته فقال إني كنت الساعة في القسطنطينية العظمى، والقيود في رجلي، والحرس علي فأتاني شخص فاحتملني وأتى بي إلى هنا كلمح البصر.
ولد رضي الله عنه في حدود سنة أربعين وأربعمائة، وتوفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ودفن بيامن على طريق مرو مدة ثم حملت جثته إلى مرو، ودفن بها في الخضرة المنسوبة إليه رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ عقيل المنبجي
رضي الله عنه ورحمه
هو شيخ شيوخ الشام في وقته تخرج بصحبته جمع من أكابر منهم الشيخ عدي بن مسافر، وهو أول من دخل بالخرقة العمرية إلى الشام، وأخذت عنه، وكان يسمى الطيار لأنه لما أراد الانتقال من قريته التي كان بها مقيماً ببلاد الشرق صعد إلى منارتها ونادى لأهلها فلما اجتمعوا طار في الهواء والناس ينظرون إليه فجاءوا فوجدوه في منبج رضي الله عنه، ومن كلامه رضي الله عنه المعرفة إنما هي فيما استأثر به تعالى، والعبودية إنما هي فيما أمر، والخوف ملاك الأمر كله. لكن خوف العارفين أن توجد راحتهم في أفعاله وخوف الأولياء أن يوجد هواهم في أمره عز وجل، وخوف المتقين أن يوجد نفسهم في رؤيتهم للخلق إن أوجد الخلق فيك أشركت وإن أقدرك عليك نازعتهم، وكان رضي الله عنه يقول: يا هذا قل إلهي أنقذني من قدرك، وأرحني من خلقك فإذا جاء الأمر فقل إلهي ارحمني منهم وإذا جاء القدر قل إلهي ارحمني مني فإذا جاء الفضل قال إلهي فضلك لصنعك بلا أنا فإذا شئت فقد حصل لك عند الخشوع عبودية، وند الدلال توحيد فعبوديتك بفقرك إليه، ودلاله أنه ما ثم غيره فإذا جاءت الإلهية " قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " " الأنعام: 91 ".
فبمجاهدة الهوى تعرفه، وبخروجك عن الخلق توحده، وكان رضي الله عنه يقول: طريقتنا الجد والكد ولزوم الحد حتى تنفذ فإما أن يبلغ الفتى مناه وإما أن يموت بدائه، وكان يقول: من طلب لنفسه حالاً أو مقالاً فهو بعيد من طرقات المعارف، وكان يقول: الفتوة رؤية محاسن العبيد، والغيبة عن مساويهم وكان يقول: المدعي من أشار إلى نفسه، وكان رضي الله عنه يقول: فقد الأسف، والبكاء في مقام السلوك علم من أعلام الخذلان، وكان رضي الله عنه إذا نادى وحوش الفلوات جاءت لدعوته صاغرة حتى تسد الأفق، وكان عكازه لا يستطيع أحد حمله سكن رضي الله عنه منبج، واستوطنها نيفاً وأربعين سنة وبها مات وبها قبره ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو يعزى المغربي
رضي الله عنه
انتهت إليه تربية الصادقين بالمغرب، وتخرج بصحبته جماعة من أكابر مشايخها، وأعلام زهادها، وكان أهل المغرب يستسقون به فيسقون، ومن كلامه رضي الله عنه الأحوال مالكة لأهل البدايات فهي تصرفهم كيف شاءت، ومملكة لأهل النهايات فهم يصرفونها كيف شاءوا، وكان رضي الله عنه يقول: كل حقيقة لا تمحو أثر العبد ورسومه فليست بحقيقة، وكان يقول: من طلب الحق من جهة الفصل وصل إليه، ومن لم يكن بالأحد لم يكن بأحد وكان رضي الله عنه يقول: أنفع الكلام ما كان إشارة عن مشاهدة أو نبأ عن حضور، وكان يقول: لا يكون الولي ولياً حتى يكون له قدم، ومقام، وحال،
(1/116)

ومنازلة، وسر، فالقدم ما سلكته من طريقك إلى الحق، والمقام ما أقرتك عليه سابقتك في العلم الأزلي، والحال ما بعثك في فوائد الأصول لا من نتائج السلوك، والمنازلة ما خصصت به من تحف الحضور بنعت المشاهدة لا بوصف الاستتار، والسر ما أودعته من لطائف الأزل عند هجوم الجمع، ومحق السوي وتلاشي ذاتك فحفظ حكم المقام يفيد الفقه في الطريق ويفيد الإطلاع على خبايا معانيه، وحفظ حكم الحال يفيد بسطة في التصريف لله بالله، وحفظ حكم المنازلة يؤيد سلطان قهره بجيوش الفتح اللدني، وحفظ حكم السر يوسع قدرة الإطلاع على مكامن المكنونات، وحفظ حكم الوقت يورث المراقبة، وحفظ الأنفاس يوصل إلى مقام الغيبة في الحضور قال الشيخ أبو محمد الإفريقي رحمه الله تعالى: أقام الشيخ أبو يعزى في بدايته خمس عشرة سنة في البر لا يأكل إلا من جب الشجر في البادية، وكانت الأسد تأوي إليه، والطير يعكف عليه وكان إذا قال للأسد: لا تسكني هنا تأخذ أشبالها، وتخرج بأجمعها قال الشيخ أبو مدين، رضي الله عنه: وزرته مرة في الصحراء، وحوله الأسد، والوحوش، والطير تشاوره على أحوالها، وكان الوقت وقت غلاء فكان يقول لذلك الوحش اذهب إلى مكان كذا، وكذا فهناك قوتك، ويقول للطير مثل ذلك فتنقاد لأمره ثم قال: يا شعيب إن هذه الوحوش، والطيور أحبت جواري فتحملت ألم الجوع لأجلي رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ عدي بن مسافر الأموي
رضي الله تعالى عنه
هو أوحد أركان هذه الطريقة وأعلى العلماء بها وكان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه ينوه بذكره ويثني عليه وشهد له بالسلطة وقال: لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها الشيخ عدي بن مسافر بالغ في المجاهدة في بدايته حتى أعجز المشايخ بعده وكان إذا سجد رضي الله عنه سمع لمخه في رأسه صوت وقع الحصاة في القرعة الناشفة من شدة المجاهدة وأقام في أول أمره زماناً في المغارات والجبال والصحارى مجرداً سائحاً يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات، وكانت الحيات، والهوام، والسباع تؤلفه فيها، وهو أول من قصد بالزيارات وتربية المريدين الصادقين ببلاد المشرق، وقصده الناس بالزيارة من سائر الأقطار. ومن كلامه رضي الله عنه لا يخلو أخذك، وتركك أن يكونا بالله عز وجل أوله فإن كانا به فهو مباديك بالعطاء، وإن كانا له فاسترزقه بأمره، واحذر ما فيه الخلق فإنك متى كنت معهم استعبدوك، ومتى كنت مع الله تعالى حفظك، ومتى كنت مع فضل الله كذلك، وإذا كنت مع الأسباب فاطلب رزقك من الأرض فإنك لم تعط من السماء، وإذا كنت مع التوكل فإن طلبت بهمتك فلن يعطيك، وإن أزلت همتك أعطاك، وإذا كنت واقفاً مع الله تعالى صارت الأكوان خالية لك من الموطن، وأنت في القبضة فان، والكون كله فيك ولك وكان رضي الله عنه يقول: لا تنتقع بشيخك إلا إن كان اعتقادك فيه فوق كل اعتقاد، وهناك يجعلك في حضوره، ويحفظك في مغيبه، ويهذبك بأخلاقه، ويؤدبك بإطراقه، وينور باطنك بإشراقه وإن كان اعتقادك فيه ضعيفاً لا تشهد فيه شيئاً من ذلك بل تنعكس ظلمة باطنك عليك فتشهد صفاته هي صفاتك فلا تنتفع به أبداً، ولو كان أعلى الأولياء درجة. وكان رضي الله عنه يقول: حسن الخلق معاملة كل شخص بما يؤنسه، ولا يوحشه فمع العلماء بحسن الاستماع، وإن كان مقامه فوق ما يقولونه ومع أهل المعرفة بالسكون، والانكسار ومع أهل التوحيد بالتسليم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا رأيتم الرجل تظهر له الكرامات، وتنخرق له العادات فلا تغتروا به حتى تنظروه عند النهي والأمر، وكان يقول: من لم يأخذ أدبه من المؤدبين أفسد من اتبعه، ومن كانت فيه أدنى بدعة فاحذروا مجالسته لئلا يعود عليكم شؤمها، ولو بعد حين، وكان رضي الله عنه يقول: من اكتفى بالكلام في العلم دون الاتصاف بحقيقته انقطع، ومن اكتفى بالتعبد دون فقه حرج، ومن اكتفى بالفقه دون ورع اغتر ومن قام بما يجب عليه من الأحكام نجا، وكان يقول: توحيد الباري عز وجل لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال جل عن الأمثال والأشكال صفاته قديمة كذاته ليس بجسم في صفاته جل أن يشبه بمبتدعاته أو يضاف إلى مخترعاته ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير لا سمي له في أرضه، وسماواته لا عديل له في حكمه، وإرادته حرام على العقول أن تمثل الله عز وجل، وعلى الأوهام أن تجده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى الضمائر أن تعمق وعلى النفوس أن تفكر وعلى الفكر أن يحيط وعلى العقول أن تتصور إلا ما وصف به ذاته تعالى في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وكان
(1/117)

رضي الله عنه يقول: أول ما يجب على سالك طريقتنا هذه ترك الدعاوى الكاذبة، وإخفاء المعاني الصادقة.
قلت: وذلك لأن المعاني الصادقة نور وكلما تراكمت الأنوار في قلب العبد تمكن، وقوى استعداده، وكلما أظهر معنى خرج النور أولاً فأولاً فلا يثبت له قدم في الطريق والله تعالى أعلم، وكان رضي الله عنه أكثر إقامته في الجزيرة السادسة من البحر المحيط رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يأمر الريح أن تسكن فتسكن لوقته سكن جيل الهكار واستوطن بالس إلى أن مات بها سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ودفن بزاويته المنسوبة إليه، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ علي بن وهب السنجاري
رضي الله تعالى عنه
انتهت إليه تربية المريدين بسنجار وما يليها وتتلمذت له جماعة من أكابر مثل الشيخ سويد السنجاري، والشيخ أبي بكي الجاري والشيخ سعد الصنابحي، وغيرهم. مات رضي الله عنه عن أربعين مريداً كلهم من أرباب الأحوال وحكي أنه لما مات اجتمع هؤلاء المريدون في روضة تجاه زاويته فجعل كل منهم يأخذ من تلك الروضة قبضة من نباتها، ويتنفس عليها فتزهر من جميع الأزهار المختلفة الألوان من أصفر، وأخضر، وأزرق، وأبيض، وغير ذلك حتى أقر بعضهم لبعض بالتمكين والتصريف.
وكان رضي الله عنه يقول: حفظت القرآن العظيم وأنا ابن سبع سنين ثم اشتغلت بالعلم، وكنت أتعبد في مسجد بظاهر البرية فبينما أنا نائم ليلة رأيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقال: يا علي أمرت أن ألبسك هذا الطاقية، وأخرج من كمه طاقية ووضعها على رأسي ثم جاءني الخضر عليه السلام بعد أيام وقال لي يا علي اخرج إلى الناس ينتفعوا بك فتثبت في أمري ثم رأيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه في النوم فقال لي: كمقالة الخضر عليه السلام فاستيقظت، وتثبت في أمري ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثالثة فقال لي كمقالة الصديق رضي الله عنه فاستيقظت، وعزمت على الخروج، ونمت في آخر الليل من ليلتي تلك فرأيت الحق جل، وعلا فقال لي يا عبدي قد جعلتك من صفوتي في أرضي، وأيدتك في جميع أحوالك بروح مني، وأقمتك رحمة لخلقي فاخرج إليهم، واحكم فيهم بما علمتك من حكمي، وأظهر لهم بما أيدتك به من آياتي فاستيقظت، وخرجت إلى الناس فهرعوا إلي من كل جانب رضي الله عنه. ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: معرفة الله عز وجل عزيزة لا تدرك بالعقل بل يقتبس أصلها من الشرع ثم تتفرع حقائقها على قدر القرب فقوم عرفوه بالوحدانية فاستراحوا إلى الصمدانية، وقوم عرفوه بالقدرة فتحيروا، وقوم عرفوه بالعظمة فوقفوا على أقدام الدهشة، وأيقنوا أن لن يدرك أحد عينه، وقوم عرفوه بعزة الإلهية فتنزهوا عن الكيفية، والماهية وقوم عرفوه بصنائعه، واستدلوا عليه ببدائعه فشاهدوه بإبداعه، وصنعه، ورأوه في إعطائه، ومنعه، وقوم عرفوه بالتكوين فعرفوه بالثبات، والتمكين، وقوم عرفوه بلا غيره فأراهم من آياته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكان رضي الله عنه يقول: من أحبه الحق، وأراده أسكن في قلبه الإرادة، فالمريد محب طالب، والشوق لقلبه غالب، والتوق للبه سالب، والمراد محبوب مطلوب مأخوذ مسلوب إلى الجناب مجذوب
(1/118)

قد ظهر عليه الشوق، وغلب إذ قد وجد ما طلب قد قطع الطريق وطواها، وأزال نفسه ونحاها ومحاها ومحا الأكوان من نظره فما يراها.
وكان رضي الله عنه يقول: الزهد فريضة، وفضيلة، وقربة فالفريضة في الحرام، والفضيلة في المتشابه، والقربة في الحلال، والزهد أعظم من الورع لأن الورع إبقاء، والزهد قطع الكل، وكان رضي الله عنه يقول: علامة الإخلاص أن يغيب عنك الحق في مشاهدة الحق،، وكان يقول: بقاء الأبد في فنائك عنك، وكان يقول: من سكن بسره إلى غير الله تعالى نزع الله تعالى الرحمة من قلوب الخلق عليه، وألبسه لباس الطمع فيهم. مات رحمه الله تعالى بسنجار، وقبره بها يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ موسى بن ماهين الزولي
رضي الله تعالى عنه
هو أوحد الأئمة أبرز الله تعالى له المغيبات، وخرق له العادات، وأوقع له الهيبة في القلوب وانعقد عليه إجماع المشايخ وقصد بالزيارات، ولحل المشكلات، وكشف خفيات الموارد، وكان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يثني عليه، ويعظم شأنه وقال مرة: يأهل بغداد ستطلع عليكم شمس ما طلعت عليكم بعد فقيل له: ومن هو؟ قال الشيخ موسى الزولي.
ومن كلامه رضي الله عنه: الرقائق معاني تفصيل المنازلات، وشعائر تجميل المحاضرات، وهي بالنظر إلى الجمل الكليات متحدة متصلة بالالتفات إلى الصور الجزئيات، والدقائق أرواح في الرقائق وهي مقدمة الحكمة الأزلية فتحيط الأغيار بالأغيار وتنكشف الأنوار للأنوار ولو رفع لك هذا الحجاب على بساط الروحانية لكلمك من ذاتك بعدد ولد آدم من الخلق، ولرأيت رقائق ذاتك راكعة مع الراكعين، وساجدة مع الساجدين، وكان رضي الله عنه يقول: الحقائق ذوائب العلا، وروائح أرواح السنا وهي اللمح اللوامع، والفتح الطالع من وطئ بساطها استوى، ومن ركب براقها بلغ سدرة المنتهي وهي تنفق عليه المعاني العلوية من نور الحجب، ونعيم القرب فتجرد عليها البساط العلي والنور الكشفي والحضور الأدنى فيصعد عليها العرف على معارج أنوار من صور فرائد الوصل إلى بين يدي حضرة الجلال، ومشرق الإقبال بما يشيعها من نور، وسناء وروح طيب، وخياء فيقوم المقام الأحمد، ولا يزال الأمر كذا عودا على بدء وردا على رد فعروج، وحضور، ونور، وإنفتاق، وتفرد ونشاط ونهوض إلى ما لا آخر له فكل باطن حقيقة لكل ظاهر، وكان رضي الله عنه كثير المشاهدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أغلب أفعاله بتوقيف منه صلى الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه إذا مس الحديد بيده لان حتى يصير كاللبان، وكان رضي الله عنه يقول: للصبي الذي عمره أربعة أشهر فأقل اقرأ سورة كذا فيقرؤها الصبي بلسان فصيح، ولا يزال يتكلم من ذلك الوقت. استوطن رضي الله عنه ماردين وبها مات رحمه الله تعالى وقد كبر سنه وقبره بها ظاهر يزار، ولما وضعوه في لحده نهض قائماً يصلي واتسع له القبر، وأغمي على من كان نزل قبره رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الشيخ أبو النجيب عبد القادر السهروردي
رضي الله تعالى عنه ويلقب بضياء الدين، وبنجيب الدين، ونسبه ينتهي إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يتطيلس، ويلبس لباس العلماء، ويركب البغلة، وترفع الغاشية بين يديه، انعقد عليه إجماع المشايخ، والعلماء بالاحترام وأوقع الله عز وجل له القبول التام في الصدور، والمهابة الوافرة في القلوب، وتخرج بصحبته جماعة من الأكابر مثل الشيخ شهاب الدين السهروردي والشيخ عبد الله بن مسعود الرومي وغيرهما، واشتهر ذكره في الآفاق، وقصد من كل قطر.
ومن كلامه رضي الله عنه: الأحوال معاملات القلوب، وهي ما يحل بها من صفاء الأكدار، وفوائد الحضور، ومعاني المشاهدة، وكان رضي الله عنه يقول: أول التصوف علم وأوسطه عمل، وآخره موهبة فالعلم يكشف عن المراد، والعمل يعين على الطلب، والموهبة تبلغ غاية الأمل، وأهل التصوف على ثلاث طبقات مريد طالب، ومتوسط طائر، ومنته واصل فالمريد صاحب وقت، والمتوسط صاحب حال والمنتهي صاحب يقين، وكان رضي الله عنه يقول: أفضل الأشياء عندهم عد الأنفاس. فمقام المريد المجاهدات، والمكابدات وتجرع المرارات ومجانية الحظوظ، وكل ما للنفس فيه منفعة. ومقام المتوسط ركوب الأهوال في طلب المراد، ومراعاة الصدق في الأحوال، واستعمال الأدب في المقامات، وهو مطالب بآداب المنازل، وهو صاحب تلوين لأنه يرتقي من حال إلى حال، وهو في الزيادة. ومقام المنتهي الصحو، والثبات، وإجابة الحق من حيث دعاه قد جاوز المقامات، وهو في محل التمكين لا تغيره الأحوال، ولا تؤثر فيه
(1/119)

الأهوال قد استوى في حالة الشدة، والرخاء، والمنع، والعطاء، والجفاء، والوفاء أكله كجوعه، ونومه كسهره، وقد فنيت حظوظه، وبقيت حقوقه ظاهرة مع الخلق وباطنه مع الحق، وكل ذلك منقول من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان إذا جلس فقير في خلوة يدخل عليه في كل يوم يتفقد أحواله، ويقول له يرد عليه الليلة كذا، ويكشف لك عن كذا، وتنال حال كذا وسيأتيك شخص في صورة كذا، ويقول لك كذا فاحذره فإنه شيطان فيقع للفقير جميع ما أخبره به الشيخ. سكن بغداد إلى أن مات بها سنة ثلاث، وستين وخمسمائة ودفن بمدرسته على شاطئ دجلة، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أحمد بن أبي الحسين الرفاعي
رضي الله تعالى عنه
منسوب إلى بني رفاعة قبيلة من العرب، وسكن أم عبيدة بأرض البطائح إلى أن مات بها رحمه الله تعالى وكانت انتهت إليه الرياسة في علوم الطريق، وشرح أحوال القوم، وكشف مشكلات منازلاتهم، وبه عرف الأمر بتربية المريدين بالبطائح، وتخرج بصحبته جماعة كثيرة، وتتلمذ له خلائق لا يحصون ورثاه المشايخ والعلماء، وهو أحد من قهر أحواله، وملك أسراره وكان له كلام عال على لسان أهل الحقائق، وهو الذي سئل عن وصف الرجل المتمكن فقال: هو الذي لو نصب له سنان على أعلى شاهق جبل في الأرض، وهبت الرياح الثمان ما غيرته.
وكان رضي الله عنه يقول: الكشف قوة جاذبة بخاصيتها نور عين البصيرة إلى فيض الغيب فيتصل نورها به اتصال الشعاع بالزجاجة الصافية حال مقابلتها المنيع إلى فيضه ثم يتقاذف نوره منعكساً بضوئه على صفاء القلب ثم يترقى ساطعاً إلى عالم العقل فيتصل به اتصالا معنوياً له أثر في استفاضة نور العقل على ساحة القلب فيشرق نور العقل على إنسان عين السر فيرى ما خفي عن الأبصار موضعه، ودق عن الأفهام تصوره، واستتر عن الأغيار مرآه.
وكان رضي الله عنه يقول: الزهد أساس الأحوال المرضية، والمراتب السنية، وهو أول قدم القاصدين إلى الله عز وجل، والمنقطعين إلى الله، والراضين عن الله، والمتوكلين على الله فمن لم يحكم أساسه في الزهد لم يصح له شيء مما بعده، وكان رضي الله عنه يقول: الفقراء أشراف الناس لأن الفقر لباس المرسلين، وجلباب الصالحين، وتاج المتقين، وغنيمة العارفين، ومنية المريدين، ورضا رب العالمين، وكرامة لأهل ولايته، وكان يقول: الأنس بالله لا يكون إلا لعبد قد كملت طهارته، وصفا ذكره، واستوحش من كل ما يشغله عن الله تعالى فعند ذلك آنسه الله تعالى به وأراده بحق حقائق الأنس فأخذه عن وجد طعم الخوف لما سواه، وكان رضي الله عنه يقول: المشاهدة حضور بمعنى قرب مقرون بعلم اليقين، وحقائق حق اليقين، وكان رضي الله عنه يقول: التوحيد، وجدان تعظيم في القلب يمنع من التعطيل، والتشبيه، وكان يقول: لسان الورع يدعو إلى ترك الآفات، ولسان التعبد يدعو إلى دوام الاجتهاد، ولسان المحبة يدعو إلى الذوبان، والهيمان ولسان المعرفة يدعو إلى الفناء والمحو ولسان التوحيد يدعو إلى الإثبات، والحضور، ومن أعرض عن الأعراض أدباً فهو الحكيم المتأدب.
وكان رضي الله عنه يقول: لو تكلم الرجل في الذات والصفات كان سكوته أفضل ومن خطا من قاف إلى قاف كان جلوسه أفضل وكان رضي الله عنه يقول: لما مررت، وأنا صغير على الشيخ العارف بالله تعالى عبد الملك الخرنوتي أوصاني قال لي يا أحمد احفظ ما أقول لك فقلت: نعم. فقال رضي الله عنه: ملتفت لا يصل، ومتسلل لا يفلح، ومن لم يعرف من نفسه النقصان فكل أوقاته نقصان فخرجت من عنده، وجعلت أكررها سنة ثم رجعت إليه فقلت له أوصني فقال: ما أقبح الجهل بالألباء، والعملة بالأطباء، والجفاء بالأحباء ثم خرجت، وجعلت أرددها سنة فانتفعت بموعظته وكان رضي الله عنه يقول: أكره للفقراء دخول الحمام وأحب لجميع أصحابي الجوع، والعري والفقر والذل، والمسكنة، وأفرح لهم إذا نزل بهم ذلك، وكان يقول: الشفقة على الإخوان مما يقرب إلى الله تعالى وكان رضي الله عنه يقول: إذا جئتم ولم تجدوا عندي ما يأكله ذو كبد فاسألوني الدعاء أدع لكم فإني حينئذ لي أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشيخ يعقوب رضي الله عنه خادمه نظر سيدي أحمد رضي الله عنه إلى النخلة فقال: يا يعقوب انظر إلى النخلة لما رفعت رأسها جعل الله تعالى ثقل حملها عليها ولو حملت مهما حملت وانظر إلى شجرة اليقطين لما وضعت نفسها ألقت خدها على الأرض جعل ثقل حملها على غيرها، ولو حملت مهما حملت لا تحس به.
وكان رضي الله عنه يقول
(1/120)

: الصدقة أفضل من العبادات البدنية والنوافل وكان رضي الله عنه يقول: أخوك الذي يحل لك أكل ماله بغير إذنه هو الذي تسكن نفسك إليه ويستريح قلبك فيه، وكان إذا رأى على فقير جبة صوف يقول له يا ولدي انظر بزي من تزييت، وإلى من قد انتسبت قد لبست لبسة الأنبياء، وتحليت بحلية الأتقياء هذا زي العارفين فاسلك فيه مسالك المقربين، وإلا فانزعه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا صلح القلب صار مهبط الوحي والأسرار، والأنوار، والملائكة، وإذا فسد صار مهبط الظلم، والشياطين، وإذا صلح القلب أخبرك بما وراءك، وأمامك، ونبهك على أمور لم تكن تعلمها بشيء دونه، وإذا فسد حدثك بباطلات يغيب معها الرشد، وينتفي معها السعد، وكان رضي الله عنه يقول: من شرط الفقير أن يرى كل نفس من أنفاسه أعز من الكبريت الأحمر فيودع كل نفس أعز ما يصلح له فلا يضيع له نفس وكان رضي الله عنه يقول: السفر للفقير يمزق دينه ويشتت شمله، وكان يقول: لمن شاوره في التزويج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تزوج لله كفى ووقى " وكان رضي الله عنه يقول: من لم ينتفع بأفعالي لم ينتفع بأقوالي وكان يقول: الأمر أعظم مما تظنون وأصعب مما تتوهمون وكان يقول: كل أخ لا ينفع في الدنيا لا ينفع في الآخرة وكان رضي الله عنه يقول: إذا تعلم أحدكم شيئاً من الخير فليعلمه الناس يثمر له الخير، وكان يقول: طريقنا مبنية على ثلاثة أشياء لا تسأل، ولا ترد ولا تدخر، وكان يقول: من علامة إقبال المريد أن لا يتعب شيخه في تربيته بل يكون سميعاً مطيعاً للإشارة، وأن يفتخر شيخه به بين الفقراء لا أنه يفتخر هو بشيخه، وكان يقول: الفقير إن غضب لنفسه تعب وإن سلم الأمر لمولاه نصره من غير عشيرة، ولا أهل وكان يقول: ما من ليلة إلا وينزل فيها نثار من السماء إلى الأرض يفرق على المستيقظين وكان يقول: والله مالي خيرة إلا في الوحدة فيا ليتني لم أعرف أحداً، ولم يعرفني أحد، وكان رضي الله عنه يقول: ما نظر أحد إلى الخلائق ووقف مع نظرهم في العبادات إلا سقط من عين الله عز وجل وكان رضي الله عنه يقول: من شرط الفقير أن لا يكون له نظر في عيوب الناس.
وكان يقول: كم طيرت طقطقة النعال حول الرحال من رأس وكم أذهبت من دين، وكان رضي الله عنه يقول: من تمشيخ عليكم فتتلمذوا له فإن مد يده لكم لتقبلوها فقبلوا رجله، ومن تقدم عليكم فقدموه، وكونوا آخر شعرة في الذنب فإن الضربة أول ما تقع في الرأس، وكان رضي الله عنه يقول: وعدني ربي أن لا أعبر عليه، وعلى شيء من لحم الدنيا قال يعقوب الخادم ففني لحمه بأجمعه قبل خروجه من الدنيا، وكان يقول: إن العبد إذا تمكن من الأحوال بلغ محل القرب من الله تعالى وصارت همته خارقة للسبع السموات، وصارت الأرضون كالخلخال برجله، وصار صفة من صفات الحق جل وعلا لا يعجزه شيء، وصار الحق تعالى يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه قال: ويدل لما قلناه ما ورد في بعض الكتب الإلهية يقول الله عز وجل: يا بني آدم أطيعوني أطعكم، واختاروني أختركم، وارضوا عني أرض عنكم وأحبوني أحبكم، وراقبوني أراقبكم، وأجعلكم تقولون للشيء كن فيكون يا بني آدم من حصلت له حصل له كل شيء ومن فته فاته كل شيء.
قلت: وقوله وصار صفة من صفات الحق تعالى لعله يريد التخلق والاتصاف بصفاته تعالى من الحلم، والصفح، والكرم لأنه لا يصلح لأحد أن يكون عين صفات الحق فهو كقوله: " فبي يرى وبي يسمع وبي ينطق " وما أشبه ذلك، وكان رضي الله عنه إذا صعد الكرسي لا يقوم قائماً وإنما يتحدث قاعداً، وكان يسمع حديثه البعيد مثل القريب حتى إن أهل القرى التي حول أم عبيدة كانوا يجلسون على سطوحهم يسمعون صوته، ويعرفون جميع ما يتحدث به حتى كان الأطرش والأصم إذا حضروا يفتح الله أسماعهم لكلامه، وكانت أشياخ الطريق يحضرونه ويسمعون كلامه، وكان أحدهم يبسط حجره فإذا فرغ سيدي أحمد رضي الله عنه ضموا حجورهم إلى صدورهم وقصوا الحديث إذا رجعوا على أصحابهم على جليته قلت: وهذا يشبه ما وقع لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام من النداء لما بنى للبيت فإنه قال: يا رب كيف أسمع جميع الخلائق فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم عليك النداء، وعلينا البلاغ فنادى إبراهيم بالحج فأجابوه في الأصلاب من سائر أقطار الأرض البعيدة مثل القريب فالإبلاغ من الله تعالى لا من إبراهيم فإن البشرية لا تقدر على ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله عز وجل أن يرقي العبد إلى مقامات الرجال يكلفه بأمر نفسه أولا فإذا أدب نفسه، واستقامت معه كلفه بأهله فإن أحسن إليهم، وأحسن عشرتهم
(1/121)

كلفه بجيرانه، وأهل محلته فإن هو أحسن إليهم وداراهم كلفه ببلده فإن هو أحسن إليهم، وداراهم كلفه جهة من البلاد فإن هو داراهم، وأحسن عشرتهم، وأصلح سريرته مع الله تعالى كلفه ما بين السماء، والأرض فإن بينهن خلقاً لا يعلمهم إلا الله تعالى ثم لا يزال يرتفع من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق تعالى، وأطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة، ولا تخضر ورقة إلا بنظره، وهناك يتكلم عن الله تعالى بكرم لا يسعه عقول الخلائق لأنه بحر عميق غرق في ساحله خلق كثير، وذهب به إيمان جماعة من العلماء، والصلحاء فضلا عن غيرهم.
وكان رضي الله عنه يقول لولده صالح: إن لم تعمل بعلمي فلست لك أبا ولا أنت لي ولداً، وكان رضي الله عنه يقول: اللهم اجعلنا ممن فرشوا على بابك لفرط ذلهم نواعم الخدود، ونكسوا رؤوسهم من الخجل، وجباههم للسجود ببركة صاحب اللواء المحمود آمين، وكان إذا جلس على جسمه بعوضة لا يطيرها، ولا يمكن أحداً يطيرها ويقول: دعوها تشرب من هذا الدم الذي قسمه الحق تعالى لها، وكان إذا جلس على ثوبه جرادة وهو مار في الشمس، وجلست على محل الظل يمكث لها حتى تطير، ويقول: إنها استظلت بنا.
وكان إذا نام على كمه هرة، وجاء وقت الصلاة يقطع كمه من تحتها، ولا يوقظها فإذا جاء من الصلاة أخذ كمه، وخاطه ببعضه. ووجد رضي الله عنه مرة كلباً أجرب أخرجه أهل أم عبيدة إلى محل بعيد فخرج معه إلى البرية وضرب عليه مظلة، وصار يطليه بالدهن، ويطعمه ويسقيه، ويحت الجرب منه بخرقة فلما برئ حمل له ماء مسخناً، وغسله، وكان قد كلفه الله تعالى بالنظر في أمر الدواب والحيوانات، وكان رضي الله عنه إذا رأى فقيراً يقتل قملة أو برغوثاً يقول: له لا وأخذك الله شفيت غيظك بقتل قملة، وسمع مرة رجلا يقول: إن الله تعالى له خمسة آلاف اسم فقال قل إن لله تعالى أسماء بعدد ما خلف من الرمال والأوراق وغيرها وكان رضي الله عنه يمشي إلى المجذومين، والزمني يغسل ثيابهم، ويفلي رؤوسهم، ولحاهم، ويحمل إليهم الطعام، ويأكل معهم، ويجالسهم ويسألهم الدعاء وكان رضي الله عنه يقول: الزيارة لمثل هؤلاء واجبة لا مستحبة، ومر يوماً على صبيان يلعبون فهربوا منه هيبة له فتبعهم، وصار يقول: اجعلوني في حل فقد روعتكم ارجعوا إلى ما كنتم عليه. ومر يوماً على صبيان يتخاصمون فخلص بينهم، وقال لواحد منهم ابن من أنت فقال له وأيش فضولك فصار يرددها، ويقول: أدبتني يا ولدي جزاك الله خيراً، وكان يبتدئ من لقيه بالسلام حتى الأنعام، والكلاب وكان إذا رأى خنزيراً يقول له: أنعم صباحاً فقيل له في ذلك فقال أعود نفسي الجميل وكان إذا سمع بمريض في قرية ولو على بعد يمضي إليه يعوده، ويرجع بعد يوم أو يومين، وكان يخرج إلى الطريق ينتظر العميان حتى إذا جاءوا يأخذ بأيديهم، ويقودهم، وكان إذا رأى شيخاً كبيراً يذهب إلى أهل حارته ويوصيهم عليه ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أكرم ذا شيبة يعني مسلماً سخر الله له من يكرمه عند شيبته " وكان إذا قدم من السفر، وقرب من أم عبيدة يشد وسطه، ويخرج حبلا مدخراً معه ويجمع حطباً ثم يحمله على رأسه فإذا فعل ذلك فعل الفقراء كلهم فإذا دخل البلد فرق الحطب على الأرامل، والمساكين، والزمنى، والمرضى، والعميان، والمشايخ، وكان رضي الله عنه لا يجازي قط بالسيئة السيئة، وكان إذا تجلى الحق تعالى عليه بالتعظيم يذوب حتى يكون بقعة ماء ثم يتداركه اللطف فيصير يجمد شيئاً فشيئاً حتى يرد إلى جسمه المعتاد، ويقول: لولا لطف الله تعالى بي ما رجعت إليكم، ولقيه مرة جماعة من الفقراء فسبوه، وقالوا له يا أعور يا دجال يا من يستحل المحرمات يا من يبدل القرآن يا ملحد يا كلب فكشف سيدي أحمد رضي الله عنه رأسه، وقبل الأرض وقال يا أسيادي اجعلوا عبيدكم في حل، وصار يقبل أيديهم، وأرجلهم، ويقول: ارضوا علي وحلمكم يسعني فلما أعجزهم قالوا ما رأينا قط فقيراً مثلك تحمل منا هذا كله، ولا تتغير فقال هذا ببركتكم، ونفحاتكم ثم التفت إلى أصحابه، وقال ما كان إلا خيراً أرحناهم من كلام كان مكتوماً عندهم، وكنا نحن أحق بهم من غيرنا فربما لو وقع منهم ذلك لغيرنا ما كان يحملهم، وأرسل إليه الشيخ إبراهيم البستي كتاباً يحط عليه فيه فقال سيدي أحمد رضي الله عنه للرسول اقرأه لي فقرأه فإذا فيه أي أعور أي دجال أي مبتدع يا من جمع بين الرجال، والنساء حتى ذكر الكلب بن الكلب، وذكر أشياء تغيظ فلما فرغ الرسول من قراءة الكتاب أخذه سيدي أحمد رضي الله عنه، وقرأه، وقال: صدق فيما قال جزاه الله عني خيراً ثم أنشد:
(1/122)

فلست أبالي من رماني بريبة ... إذا كنت عند الله غير مريب
ثم قال للرسول: اكتب إليه الجواب من هذا اللاش حميد إلى سيدي الشيخ إبراهيم البستي رضي الله عنه أما قولك الذي ذكرته فإن الله تعالى خلقني كما يشاء، وأسكن في ما يشاء وإني أريد من صدقاتك أن تدعو لي ولا تخليني من حلك، وحلمك فلما وصل الكتاب إلى البستي هام على وجهه، فما عرفوا إلى أين ذهب، وكان رضي الله عنه إذا علم أن الفقراء يريدون أن يضربوا أحداً من إخوانهم لزلة وقعت منه يستعير منه ثيابه، ويلبسها، وينام في موضعه فيضربونه فإذا فرغوا من ضربه، واشتفوا منه يكشف لهم عن وجهه فيغشى عليهم كيقول لهم: ما كان إلا الخير كسبتمونا الأجر، والثواب فيقول: بعض الفقراء لبعضهم تعلموا هذه الأخلاق، وقال رضي الله عنه لأصحابه يوماً من رأى في حميد منكم عيباً فليعلمه به فقام شخص.
فقال: يا سيدي فيك عيب عظيم فقال: وما هو يا أخي فقال كون مثلنا من أصحابك فبكى الفقراء وعلا نحيبهم وبكى سيدي أحمد معهم، وقال أنا خادمكم أنا دونكم، وكان لسيدي أحمد شخص ينكر عليه وينقصه في نواحي أم عبيدة فكان كلما لقي فقيراً من جماعة سيدي أحمد رضي الله عنه يقول: خذ هذا الكتاب إلى شيخك فيفتحه سيدي أحمد فيجد فيه أي ملحد أي باطلي أي زنديق، وأمثال ذلك من الكلام القبيح ثم يقول سيدي أحمد رضي الله عنه: صدق من أعطاك هذا الكتاب ثم يعطي الرسول دريهمات، ويقول: جزاك الله عني خيراً كنت سبباً لحصول الثواب فلما طال الأمر على ذلك الرجل وعجز عن سيدي أحمد مضى إليه فلما قرب من أم عبيدة كشف رأسه، وأخذ مئزره، وجعله في وسطه، وأمسكه إنسان، وصار يقوده حتى دخل على سيدي أحمد فقال: ما أحوجك يا أخي إلى هنا فقال: فعلي فقال له سيدي أحمد رضي الله عنه: ما كان إلا الخير يا أخي.
ثم طلب منه أخذ العهد عليه فأخذه عليه، وصار من جملة أصحابه إلى أن مات، وكان رضي الله عنه يقول: إذا قصت إلى الصلاة كان سيف القهر يجذب في وجهي، وكان رضي الله عنه يقول: لا يحصل للعبد صفاء الصدر حتى لا يبقى فيه شيء من الخبث لا لعدو ولا لصديق ولا لأحد من خلق الله عز وجل، وهناك تستأنس الوحوش بك في غياضها، والطير في أوكارها، ولا تنفر منك، ويتضح لك سر الحاء والميم وقال له: شخص من تلامذته، يا سيدي أنت القطب فقال: نزه شيخك عن القطبية فقال له: وأنت الغوث فقال: نزه شيخك عن الغوثية قلت: وفي هذا دليل على أنه تعدي المقامات، والأطوار لأن القطبية والغوثية مقام معلوم، ومن كان مع الله وبالله فلا يعلم له مقام، وإن كان له في كل مقام مقام والله أعلم.
قال يعقوب الخادم رضي الله عنه: ولما مرض سيدي أحمد رضي الله عنه مرض الموت قلت له تجلى العروس في هذه المرة قال نعم فقلت له لماذا فقال: جرت أمور اشتريناها بالأرواح، وذلك أنه أقبل على الخلق بلاء عظيم فتحملته عنهم وشريته بما بقي من عمري فباعني وكان يمرغ وجهه وشيبته على التراب ويبكي ويقول: العفو العفو، ويقول: اللهم اجعلني سقف البلاء على هؤلاء الخلق وكان مرض الشيخ رضي الله عنه بالبطيت فكان يخرج منه في كل يوم ما شاء الله فبقي المرض بالشيخ شهراً فقيل له من أين لك هذا كله، ولك عشرون يوماً لا تأكل، ولا تشرب فقال: يا أخي هذا اللحم يندفع، ويخرج. ولكن قد ذهب اللحم، وما بقي إلا المخ اليوم يخرج، وغداً نعبر على الله تعالى فخرج منه شيء أبيض مرتين أو ثلاثاً، وانقطع ثم توفي يوم الخميس وقت الظهر ثاني عشر جمادى الأولى سنة سبعين وخمسمائة، وكان يوماً مشهوداً، وكان آخر كلمة قالها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ودفن في قبر الشيخ يحيى البخاري، وكان الشافعي المذهب قرأ كتاب التنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي وما تصدر قط في مجلس، ولا جلس على سجادة تواضعاً، وكان لا يتكلم إلا يسيراً، ويقول: أمرت بالسكوت رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ علي بن الهيتي
رضي الله تعالى عنه
هو من أكابر مشايخ العراق وأعيان العارفين وهو أحد من ينسب إلى القطبية العظمى، وكانت عنده الخرقتان اللتان ألبسهما أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأبي بكر بن هوار في النوم واستيقظ فوجدهما عليه، وهما ثوب
(1/123)

وطاقية وكان أعطاهما ابن هوار للشنبكي وأعطاهما الشنبكي لتاج العارفين أبي الوفاء وأعطاهما تاج العارفين للشيخ علي ابن الهيتي، وأعطاهما ابن الهيتي للشيخ علي بن إدريس ثم فقدتا، ومكث رضي الله عنه ثمانين سنة ليس له خلوة ولا معزل بل ينام بين الفقراء، وذلك لأن فتحه أتاه من طريق الوهب، وكان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يقول: لما دخل بغداد كل من دخل بغداد من الأولياء في عالم الغيب، والشهادة فهو في ضيافتنا، ونحن في ضيافة الشيخ علي بن الهيتي، وكان الشيخ عبد القادر يقول: انفتق رتق قلب علي بن الهيتي، وهو ابن سبع سنين فكان يخبر عن المغيبات، وتظهر على يديه الكرامات، وأجمعت العلماء على جلالته وعلو منصبه رضي الله تعالى عنه.
ومن كلامه رضي الله عنه الشريعة ما ورد به التكليف، والحقيقة ما حصل به التعريف فالشريعة مؤيدة بالحقيقة، والحقيقة مقيدة بالشريعة، والشريعة، وجود الأفعال لله، والقيام بشروط العلم بواسطة الرسل والحقيقة شهود الأحوال بالله تعالى، والاستسلام لغلبات الحكم بتقدير لا بواسطة.
وكان رضي الله عنه يقول: ما دام التمييز باقياً كان التكليف متوجهاً، وكان يقول: علامة صحة الحال أن يكون صاحبه محفوظاً في أحوال غلبته كما كان مغلوباً في أوقات صحوه، وكان يقول: الأحوال كالبروق لا يمكن استجلابها إذا لم تكن، ولا استبقاؤها إذا حصلت إلا أن يجعل بعض الأحوال غذاء لأحد فيربيه الحق فيه فيصير وطاء له، ومثوى، وكان رضي الله عنه يقول: الحق تعالى وراء كل ما أدركه الخلق بأفهامهم أو أحاطوا به بعلومهم، وأشرفوا عليه بمعارفهم، وكان رضي الله عنه يقول: كل من كوشف بشيء على قدر قوته، وضعفه ربط به وكان يقول: كل من كوشف بالحقيقة أو شاهد الحق أو اختطف عن مشاهده بوجود الحق أو استهلك في عين الجميع، أو لم يشهد سوى الحق تعالى، أو لم يحس سوى الحق أو هو محو في حق الحق، أو مصطلم فيه بسلطان الحقيقة، أو متجل له الحق بجلال الحق إلى آخر ما يعبر عنه معبر، أو يشير إليه مشيراً، أو ينتهي إليه علم فإنما هي شواهد الحق، وحق من الحق له، وكل ما بدا على الخلق فذاك مما يليق بالخلق، وهو من حيث الخلق، وجميع ما تحقق بوصفه خلق فهي أحوال، والأحوال من صفات أهل المعرفة، ولا سبيل لمخلوق إلا إلى الأحوال، والغيبة عن الأحوال والتنفي عن الأحوال حالة من جملة الأحوال، والتوحيد فوق المعارف، وكان رضي الله عنه يتمثل كثيراً بهذه الأبيات:
إن رحت أطلبه لا ينقضي سفري ... أو جئت أحضره أوحشت في الحضر
فلا أراه، ولا ينفك عن نظري ... وفي ضميري، ولا ألقاه في عمري
فليتني غبت عن جسمي برؤيته ... وعن فؤادي وعن سمعي، وعن بصري
سكن رضي الله عنه رزيران بلدة من أعمال نهر الملك إلى أن مات بها سنة أربع وستين وخمسمائة، وقد علت سنة على مائة وعشرين سنة، ربها دفن وقبره بها ظاهر يزار. ورزيران على وزن قفيزان.

ومنهم الشيخ عبد الرحمن الطغسونجي
رضي الله تعالى عنه
هو من أكابر مشايخ العراق، وأعيان العارفين، وصدور المقربين صاحب الأحوال الفاخرة، والكرامات الظاهرة والتصريف النافذ.
وكان رضي الله عنه يقول: أنا بين الأولياء كالكركي بين الطيور أطولهم عنقاً، وكان رضي الله عنه يتكلم في الشريعة، والحقيقة بطغسونج على كرسي عال، ويحضره المشايخ والعلماء، ويلبس لباس العلماء، ويركب البغلة. ومن كلامه رضي الله عنه المراقبة لعبد راقب الحق بالحق، وتابع المصطفى صلى الله عليه وسلم في أفعاله، وأخلاقه وآدابه والله عز وجل قد خص أحبابه، وخاصته بأن لا يكلهم في شيء من أحوالهم إلى نفوسهم، ولا إلى غيره فهم يراقبون الله تعالى، ويسألونه أن يرعاهم فيها، والمراقبة تقتضي حال القرب، والله عز وجل قرب القلوب إليه بما هو قريب منها فهو يقرب من قلوب عباده على حسب ما يرى من قرب قلوب عباده منه فانظر بماذا يقرب من قلبك، وحال القرب يقتضي حال المحبة وهي تتولد من نظر القلب إلى الله عز وجل، وجلاله، وعظمته، وعلمه، وقدرته فطوبى لمن شرب كأساً من محبته وذاق نغباً من مناجاته فامتلأ قلبه حباً فطار بالله طرباً، وهام به اشتياقاً ليس له سكنى، ولا مألوف سواه فهو محب خرج من رؤية المحبة إلى المحبوب بفناء علم المحبة من حيث كان له المحبوب في الغيب ولم يكن هو بالمحبة فإذا خرج المحب إلى هذه النسبة كان محباً بلا علة، والمحبة تقتضي الذكر فلا يزال المحب يذكر
(1/124)

ربه ويدخل الخلل في ذكره لنفسه حتى يصير الغالب عليه ذكر ربه وصار كالغافل عن نفسه ثم يغفل عن ذهوله عن نفسه وينسى باستيلاء ذكر ربه عليه جميع الإحساس فيقال اندرج في رؤية مذكوره، ويقال فني عن نفسه ويقال فني بربه، ويقال فني عن فنائه أي غفل عن ذكر غفلته عن نفسه باستيلاء ذكر ربه عليه، وصار ليس يشهد غيره.
وهاهنا يكون مصطلماً عن مشاهده مختطفاً عن نفسه ممحواً عن جملته فانياً عن كله، وما دام هذا الوصف باقياً فلا تمييز، ولا إخلاص، ولا صدق، وهذا جمع الجمع وعين الوجود، وهذا هو الوصول الذي يرد على أحوال التمييز والتكليف فيحجب عن هذا الوصف بنوع ستر ليفوز بحق الشرع، والمغاليط هاهنا كثيرة، والمحفوظ من رجع إلى أداء أحكام الشريعة، وكان رضي الله عنه يقول: من اشتغل بطلب الدنيا ابتلى بالذل فيها ومن تعامى عن نقائض نفسه طغى وبغى ومن تزين بباطل فهو مغرور. وكان يقول: أنفع العلوم العلم بأحكام العبودية، وأرفع العلوم علم التوحيد وكان يقول: لا يضر مع التواضع بطالة إذا قام بالواجبات والسنن، ولا ينتج مع الكبر عمل مندب، ولا علم مطلوب. وكان يقول: إذا أقامك ثبت، وإذا قمت بنفسك سقطت.
سكن رضي الله عنه طغسونج بلدة بأرض العراق، وبها مات مسناً وقبره بها ظاهر يزار. رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ بقاء بن بطو
رضي الله تعالى عنه
هو من أعيان مشايخ العراق، وأكابر الصديقين صاحب الأحوال النفيسة، والمقامات الجليلة، والكرامات الباهرة. وكان الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه يثني عليه كثيراً ويقول: كل المشايخ أعطوا بالكيل إلا الشيخ بقاء بن بطو فإنه أعطى جزافاً انتهى إليه علم الأحوال، وكشف موارد الصادرين بنهر الملك، وما يليه وتلمذ له خلائق من الصلحاء، والعلماء وقصد بالزيارات والنذورات.
ومن كلامه رضي الله عنه الفقر تجرد القلب عن العلائق، واستقلاله بالله سبحانه وتعالى وحده، والتخلي من الأملاك أحد أوصاف الفقر لأنها شواغل، وقواطع لكل عبد سكن بقلبه إليها وعلامة صحة التجرد عن الأملاك أن لا يتغير عليه الحال بوجود الأسباب، وعدمها لا في القوة، ولا في الضعف، ولا في السكون، ولا في الانزعاج، ولا تؤثر فيه المهالك فإذا كان كذلك فهو فقير لا يأسره رق الأسباب، ولا يهزه وجودها، ولا يستفزه عدمها فإن ملك فكأن لم يملك، وإن لم يملك فكأن ملك فلا يرى لنفسه في الدنيا، والآخرة مقاماً، ولا قدرا، وكما لا يرى لا يطلب وكما لا يطلب، ولا يتمنى فهو مشتغل به واقف بلا طمع لا يسقط بالرد، ولا ينهض بالقبول، ولا يعتقد أن طريقته أفضل من غيرها، وهو موقف رفيع، والأمر فيه دقيق، وما لم يصل العبد إلى ربه عز وجل لا يصل إلى حقيقة هذا الوصف، وكان رضي الله عنه يقول: الفقر وصف كل مستغن عن غيره، ولا يكون العبد صادقاً في فقره حتى يخرج عن فقره بانتفاء شهود الفقر، وكان رضي الله عنه يقول: أنصف الناس من نفسك واقبل النصيحة ممن دونك تدرك شرف المنازل.
وكان رضي الله عنه يقول: من لم يجد في نفسه زاجراً فقلبه خراب، وكان يقول: من لم يستغن بالله على نفسه صرعته، وكان يقول: من لم يقم بآداب أهل البداية كيف يستقيم له مقام أهل النهاية وزاره ثلاثة من الفقهاء فصلوا خلفه العشاء فلم يقم القراء كما يريد الفقهاء فساء ظنهم به وباتوا في زاويته فأجنبوا ثلاثتهم، وخرجوا إلى نهر على باب الزاوية فنزلوا فيه يغتسلون فجاء أسد عظيم الخلقة، وبرك على ثيابهم، وكانت ليلة شديدة البرد فأيقنوا بالهلاك فخرج الشيخ من الزاوية فجاء الأسد، وتمرغ على رجليه فاستغفروا الله وتابوا.
سكن رضي الله عنه نانبوس قرية من قرى نهر الملك وبها توفي قريباً من سنة ثلاثة وخمسين وخمسمائة، وقبره بها ظاهر يزار. رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو سعيد القلوري
رضي الله عنه
هو من أكابر العارفين، والأئمة المحققين صاحب الأنفاس الصادقة، والأفعال الخارقة، والكرامات، والمعارف، وكان يفتي ببلده، وما حولها، وكان يتكلم بقلورية على علوم الشرائع، والحقائق على كرسي عال، وقصد بالزيارات من سائر أقطار الأرض. ومن كلامه رضي الله عنه من شرط الفقير أن لا يملك شيئاً، ولا يملكه شيء وأن يصفو قلبه من كل دنس، ويسلم صدره لكل أحد، وتسمح نفسه بالبذل والإيثار.
كان رضي الله عنه يقول: التصوف التبري مما دون الحق كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام فانهم عدو لي إلا رب العالمين، وكان رضي الله عنه يقول: لا يكمل الصوفي حتى يستتر عن الخلق بلوائح الوجد، وكان يقول: التوحيد غض الطرف عن الأكوان بمشاهدة مكونها سبحانه،
(1/125)

وتعالى وكان رضي الله عنه يقول: العارف، وحداني الذات لا يقبله أحد، ولا يقبل أحداً، وكان الخضر عليه السلام يأتيه كثيراً. سكن رضي الله عنه قلورية من قرى نهر الملك قريبة من بغداد وبها مات قريباً من سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وقبره بها ظاهر يزار، وكان يلبس لباس العلماء، ويتطيلس، ويركب البغلة ودعي مرة إلى طعام هو، وأصحابه فمنعهم من أكل ذلك الطعام، وأكله وحده فلما خرجوا قال لهم: إنما منعتكم من أكله لأنه كان حراماً ثم تنفس فخرج من أنفه دخان أسود عظيم كالعمود، وتصاعد في الجو حتى غاب عن أبصار الناس ثم خرج من فمه عمود نار، وصعد إلى الجو حتى غاب عن النظر ثم قال هذا الذي رأيتموه هو الطعام الذي أكلته عنكم، رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ مطر الباذرائي
رضي الله تعالى عنه
هو من أجل مشايخ العراق وسادات العارفين أجمع العلماء رضي الله تعالى عنهم على جلالته، وزهده ومهابته وكان شيخه تاج العارفين أبو الوفا يقول: الشيخ مطر وارث حالي ومالي وكان من أخص خدامه، وكان الغالب عليه حالة السكر.
ومن كلامه رضي الله عنه لذة النفوس في مناجاة القدوس، ولذة القلوب في مزامير أنس، تطرب في مقاصير قدس، بألحان توحيد في رياض تمجيد بمطربات المعاني من تلك المثاني الرافعة لأربابها في مدارج الأماني إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولذة الأرواح الشرب بكأس المحبة من أيدي عرائس الفتح اللدني في خلوة الوصل على بساط المشاهدة، والهيام بين عالم الكون في نور العزة وقراءة ما كتب على صفحات ألواح نسمات ذرات الوجود بقلم التوحيد كلا بل هو الله العزيز الحكيم ولذة الأسرار ما طلعة نسيم الحياة الدائمة، والوصول إلى حقائق الغيوب بضمائر القلوب، والمعاينة بالأفكار لسائر الأسرار، ولذة العقول ملاحظة أسرار، ولذة العقول ملاحظة أسرار الملكوت الخفية عن الأبصار بالسرائر المحيطة بالأفكار فتعاين القلوب حقائق الغيوب، وتصحبه قبول شواهد الأسرار فتلج الضمائر بحار الأفكار، وتطمئن النفوس إلى ما لحقت به من العالم المحجوب فكلما كشفت عن الغيوب أذيال دلالتها على إتقان صنع، وأبدع فطرة قابلتها من العقول هيبة، وفكرة. ويخرج الاعتبار من القلب فإذا كان القلب طاهراً بعد الاعتبار بالشواهد، وسمت به الهمة ورقي به الفكر ولم يمنعه مانع فالفكر طريق إلى الحق ودليل على الصدق، والفكر أصل ثمرته المعرفة والمعرفة ثمرة طعمها العمل، ولذتها الإخلاص، والإخلاص لذة غايته النعيم والنعيم غاية ليس لها انقضاء. وكان رضي الله عنه يقول: أيدي العقول تمسك أعنة النفوس، والنفس مسخرة للعقل، والعقل يستمد من الأنوار الإلهية، وعنه تصدر الحكمة التي هي رأس العلوم، وميزان العدل، ولسان الإيمان، وعين البيان، وروضة الأرواح ونور الأشباح، وميزان الحقائق وأنس المستوحشين، ومتجر الراغبين، ومنية المشتاقين، وكان رضي الله عنه يقول: الحكمة إصابة الحق فإذا أوردت على القلب دلت على مكامن الهوى، وجلت أصداء القلوب، وأماتت عيوب البواطن، وكان رضي الله عنه من الأكراد، وسكن باذراء قرية من أعمال النجف بأرض العراق، وقبره بها ظاهر يزار، وبها مات رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو محمد ماجد الكردي
رضي الله تعالى عنه
هو من أعيان مشايخ العراقين، وصدور المقربين، وأئمة المحققين، وانعقد عليه إجماع المشايخ بالاحترام والتعظيم. ومن كلامه رضي الله عنه قلوب المشتاقين منورة بنور الله عز وجل، وإذا تحرك فيها الاشتياق أضاء نوره ما بين السماء، والأرض فيباهي الله عز وجل بهم الملائكة ويقول: أشهدكم أنني إليهم أشوق، وكان رضي الله عنه يقول: من اشتاق إلى ربه أنس، ومن أنس طرب ومن طرب قرب، ومن قرب سار، ومن سار حار، ومن حار طار، ومن طار قرت عينه بالاقتراب، وكان رضي الله عنه يقول: الزاهد يعالج الصبر والمشتاق يعالج الشكر، والواصل يعالج الولاية، وكان يقول: الشوق نار الله تضرم في قلوب الأحباب، ولا تهدأ إلا بلقائه، والنظر إليه وكان رضي الله عنه يقول: نار الهيبة تذيب للقلوب، ونار المحبة تذيب الأرواح ونار الشوق تذيب النفوس، وكان يقول: الصمت عبادة من غير عناء، وزينة من غير حلي وهيبة من غير سلطان، وحصن من غير سور، وراحة للكاتبين، وغنية عن الاعتذار، وكان رضي الله عنه يقول: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله تعالى، وكفى به جهلا أن يعجب بنفسه، والعجب فضله حمق يغطي به صاحبه عيوب نفسه فلا تتغطى، وكان يقول: ما خلق الله تعالى من عجيبة إلا، ونقشها في صورة الآدمي ولا أوجد أمراً غريباً إلا وسلطه فيها، ولا أبرز سراً إلا وجعل فيها مفتاح علمه فهو
(1/126)

نسخة مختصرة من العالم، وكان يقول: السكر من مقامات المحبين خاصة فإن عيون الفناء لا تقبله، ومنازل العلم لا تبلغه. وكان يقول: للسكر ثلاث علامات الضيق عن الاشتغال بالسوي، والتعظيم قائم، واقتحام لجة الشوق والتمكين دائم، ومن كانت سكرته بالهوى كان صحوه إلى ضلالة، وجاءه رجل يودعه، وهو يريد الحج على قدم التجريد والوحدة، ولا يستصحب زاداً، ولا أحداً فأخرج له الشيخ ماجد ركوته، وأعطاها له، وقال إنك تجد فيها ماء إن أردت الوضوء، ولبناً إن عطشت، وسويقاً إن جعت فكان الرجل من طول سفره من جبل حمرين بالعراف إلى مكة، وفي مدة إقامته في الحجاز، وفي رجوعه من الحجاز إلى العراق إذا أراد الوضوء توضأ منها ماء مالحاً وإذا أراد الشرب شرب منها ماء حلوا وإذا أراد الغذاء شرب لبناً، وعسلا وسويقاً أحلى من السكر. سكن رضي الله عنه جبال حمرين من أرض العراق واستوطنه إلى أن مات سنة إحدى وستين وخمسمائة، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ جاكير
رضي الله تعالى عنه
هو من أكابر المشايخ، وأعيان العارفين المقربين، وأئمة المحققين، وهو أحد أركان هذه الطريقة، وكان تاج العارفين أبو الوفاء يثني عليه، وينوه بذكره وبعث إليه طاقية مع الشي علي بن الهيتي وأمره أن يضعها على رأسه نيابة عنه، ولم يكلفه الحضور إليه وقال سألت الله تعالى أن يكون جاكير مريدي فوهبه لي وكان المشايخ بالعراق يقولون انسلخ الشيخ جاكير من نفسه كما انسلخت الحية من جلدها، وكان يقول: ما أخذت العهد قط على مريد حتى رأيت اسمه مكتوباً في اللوح المحفوظ وأنه من أولادي. ومن كلامه رضي الله عنه المشاهدة هي ارتفاع الحجب بين العبد وبين الرب فيطلع بصفاء القلوب على ما أخبره به من الغيب فيشاهد الجلال، والعظمة، وتختلف عليه الأحوال والمقامات فتداخله الحيرة، والدهشة ثم تخرجه الحيرة إلى البهتة فتراه شاخصاً بالحق إلى الحق، وتارة يشاهد الجلال، وتارة يطالع الجمال، وتارة يرى البهاء، وتارة ينظر إلى الكمال، وتارة يلوح له الكبرياء والعزة، وتارة يبدو له الجبروت، والعظمة، وتارة يشهد اللطف، والبهجة فهذا يبسطه وهذا يقبضه، وهذا يطويه وهذا ينشرة، وهذا يفقده وهذا يوجده، وهذا يبديه، وهذا يعيده، وهذا يفنيه، وهذا يبقيه فهو زائل عن نعوت البشرية قائم بصفات العبودية لا يحس بالأغيار، ولا يشهد غير عظمة الجبار.
وكان رضي الله عنه يقول: إذا قدحت نار التعظيم مع نور الهيبة في زناد السر تولد منها شعاع المشاهدة فمن شاهد الحق عز وجل، في سره سقط الكون من قلبه، وإذا توالت المشاهدة على القوم تولاهم الحق تعالى ثم حجبهم فجذبوا من الحيرة في نور المشاهدة إلى الحيرة في نور الأزل ثم اختطفوا من الدهشة إلى الحيرة في نور الأزل ثم اختطفوا من الدهشة في قدس الأنس إلى الدهشة في عين الجمع فمن حائر بين الاستتار، والتجلي ومن هائم بين العبد والتداني، ومن هائم بين الوصل، والتعالي، وهو محل الاستقامة، والتمكين، وذلك صفة الحضرة ليس فيها سوى الذبول تحت موارد الهيبة قال الله عز وجل فلما حضروه قالوا أنصتوا، وقال في قوله تعالى: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " معناه استقاموا على المشاهدة لأن من عرف الله تعالى لا يهاب غيره، ومن أحب شيئاً لا يطالع سواه، وكانت نفقته من الغيب، وكان رضي الله عنه من الأكراد، وسكن صحراء من صحاري العراق بالقرب من قنطرة الرصاص على يوم من سامرا، واستوطنها إلى أن مات رضي الله عنه بها مسناً، وبها دفن وقبره، ظاهر يزار، وعمر الناس عنده قرية يطلبون البركة بذلك رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو محمد القاسم بن عبد الله البصري
رضي الله تعالى عنه
هو من أعيان مشايخ العراق، وعظماء العارفين، وأجلاء المقربين، وصاحب العجائب، والغرائب، وكان يفتي على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وكان يتكلم في علمي الشريعة، والحقيقة على كرسي عال، وله كلام كثير متداول بين الناس مشهور، ومن كلامه رضي الله عنه الوجد جحود ما لم يكن عن شهود، وكان رضي الله عنه يقول: شاهد الحق ييقى، وينفي عن شاهد الوجد وينفي عن العين الوسن، وسكره يزيد على سكر الشراب.
وكان رضي الله عنه يقول: أرواح الواجدين عطرة لطيفة، وكلامهم يحيي موات القلوب، ويزيد في العقول، وكان رضي الله عنه يقول: الوجد يسقط التمييز، ويجعل الأماكن مكاناً واحداً، والأعيان عيناً، واحداً وأوله رفع الحجاب، ومشاهدة الرقيب وحضور الفهم، وملاحظة الغيب، ومجاذبة السر، وإيناس البعيد، وكان رضي الله عنه يقول: شرط صحة الوجد انقطاع البشرة عن التعلق بمعنى الوجد
(1/127)

حال وجوده، ومن لا فقد له لا وجد، وأهله على مقامين ناظر، ومنظور إليه فالناظر مخاطب يشاهد الذي وجده، والمنظور إليه فغيب قد اختطفه الحق بأول، وارد ورد عليه، وكان رضي الله عنه يقول: الوجود نهاية الوجد لأن لتواجد يوجب استبعاد العبد، والوجد يوجب استغراق العبد، والوجود يوجب استهلاك العبد، وترتيب هذا الأمر حضور ثم ورود ثم شهود ثم، وجود ثم خمول فبمقدار الوجد يحصل الخمول، وصاحب الوجود له صحو، ومحو فحال صحوه بقاؤه بالحق، وحال محوه فناؤه بالحق، وهاتان الحالتان متعاقبتان عليه أبداً، وكان رضي الله عنه يقول: الوجود اسم لثلاثة معان الأول، وجود علم يقع به علم الشواهد في صحة مكاشفة الحق إياك، والثاني، وجود الحق، وجوداً غير منقطع عن مساغ الإشارة، والثالث، وجود مقام ي اضمحلال رسم الوجود بالاستغراق في الأولية فإذا كوشف العبد بوصف الجمال سكر الكلب فطرب الروح، وهام السر.
وكان رضي الله عنه يقول: الصحو إنما هو بالحق فإذا كان بغير الحق فلا يخلو من حيرة يعني حيرة في مشاهدة نور العزة لا حيرة شبهة، وكان يقول: المواجيد ثمرات الأوراد، ونتائج المنازلات، وكان يقول: ترك الأحوال قبل، وجود الله تعالى محال، وطلب الأحوال بعد، وجود الله تعالى محال. وكان يقول: من تهاون بسر الله تعالى أنطق الله تعالى. لسانه بعيوب نفسه، وكان رضي الله عنه إذا خرج من خلوته لا يمر على شجرة يابسة إلا أورقت، ولا بذي عاهة إلا عوفي، سكن رضي الله عنه بالبصرة، وبها مات قبل سنة ثمانين، وخمسمائة، ودفن بظاهرها، وقبره هناك ظاهر يزار. ولما صلى عليه سمع في الجو أصوات طبول تضرب، وكانوا كلما رفعوا أيديهم في التكبير للصلاة عليه سمعوها رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق القرشي
رضي الله تعالى عنه
وهو من أكابر مشايخ مصر المشهورين، وصدور العارفين، وأعيان العلماء المحققين صاحب الكرامات الظاهرة، والأحوال الفاخرة، والأفعال الخارقة، والأنفاس الصادقة، وهو أحد العلماء المصنفين، والفضلاء المفتين أفتى بمصر على مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه، ودرس، وناظر، وأملى، وخرف الله تعالى له العوائد وقلب له الأعيان، وانتهت إليه تربية المريدين الصادقين بمصر، وأعمالها، وانعقد إجماع المشايخ عليه بالتعظيم، والتبجيل، والاحترام، وحكوه فيما اختلفوا فيه، ورجعوا إلى قوله. ومن كلامه رضي الله عنه الطريق إلى معرفة الله تعالى، وصفاته الفكر، والاعتبار بحكمه وآياته، ولا سبيل للأسباب إلى معرفة كنة ذاته، وكان يقول: لو تناهت الحكم الإلهية في حد العقول، وانحصرت القدرة الربانية في درك العلوم لكان ذلك تقصيراً في الحكمة، ونقصاً في القدرة، ولكن احتجبت أسرار الأزل عن العقول كما استترت سبحات الجلال عن الأبصار فقد رجع معنى الوصف في الوصف، وعمي الفهم عن الدرك، ودار الملك في الملك، وانتهى المخلوق إلى مثله، واشتد الطلب إلى شكله، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً، وكان رضي الله عنه يقول: جميع المخلوقات من الذرة إلى العرش طرق متصلة إلى معرفته، وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروفه المبصرون على قدر بصائرهم. وكان رضي الله عنه يقول: إذا هبت ريح السعادة، وتألق برق العناية على رياض القلوب، وأمطرت، ودق الحقائق من جلال سحائب الغيوب ظهرت فيها أزهار قرب المحبوب، وأينعت ببهجة أنوار نيل المطلوب فوجدت ريح القرب في لذة المشاهدة، واستجلاء الحضور بالسماع، وآنست نار الهيبة حين أضرمها ضوء المحبة مع الشخوص عن الأنس إلى المقام إلى نور الأزل بصولة الهيمان، وقامت بأقدام الفناء في خلوة الوصل على بساط المسامرة بمناجاة تشبث الكون بصفاء اتصال تعرف نهايات الخير في بدايات العيان، وتطوي حواشي الحدث في بقاء عز الأزل فهناك رسخت أرواحهم في غيب الغيب، وغاصت أسرارهم في سر السر فعرفهم مولاهم ما عرفهم، وأراد منهم من مقتضى الآيات ما لم يرد من غيرهم، وخاضوا بحار العلم اللدني بالفهم العيني لطلب الزيادات فانكشف لهم من مدخور الخزائن تحت كل ذرة من ذرات الوجود علم مكنون، وسر مخزون، وسبب يتصل بحضرة القدس يدخلون منه على سيدهم عز وجل فأراهم من عجائب ما عنده ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وكان رضي الله عنه يقول: من عرف نفسه لم يغير عليه ثناء الناس عليه، وكان يقول: من لم يصبر على صحبة مولاه ابتلاه الله بصحبة العبيد، ومن انقطعت آماله إلا من مولاه فهو العبد حقيقة، وكان يقول: فن تحقق بالرضا
(1/128)

استلذ بالبلاء، وكان يقول: حلية العارف الخشية، والهيبة، وكان يقول: إياكم ومحاكاة أصحاب الأحوال قبل إحكام الطريق، وتمكن الأقدام فإنها تقطع بكم عن السير، وكان يقول: دليل تخليطك صحبتك للمخلطين، ودليل بطالتك ركونك للبطالين، ودليل، وحشتك أنسك بالمستوحشين، وكان يقول: من غلب حاله عليه لا يحضر مجلسنا في السماع. حكى أن أصحابه قالوا له يوماً لم لا تحدثنا بشيء من الحقائق؟ فقال لهم: كم أصحابي اليوم؟ قالوا ستمائة رجل فقال: استخلصوا منهم مائة ثم استخلصوا من المائة عشرين ثم استخلصوا من العشرين أربعة فكان الأربعة ابن القسطلاني، وأبا الطاهر، وابن الصابوني، وأبا عبد الله القرطبي.
فقال الشيخ رضي الله عنه: لو تكلمت بكلمة من الحقائق على رؤوس الأشهاد لكان أول من يفتي بقتلي هؤلاء الأربعة، وكان رضي الله عنه متتابع الكشف، وزاد النيل سنة زيادة عظيمة كادت مصر تفرق وأقام على الأرض حتى كاد، وقت الزرع يفوت فضج الناس بالشيخ أبي عمرو بسبب ذلك فأتى الشيخ إلى شاطئ النيل، وتوضأ منه فنقص في الحال نحو الذراعين، ونزل عن الأرض حتى انكشف، وزرع الناس في اليوم الثاني، ووقع في بعض السنين أن النيل لم يطلع البتة، وفات أكثر وقت زراعته، وغلت الأسعار، وخيف الهلاك، وضج الناس بالشيخ أبي عمرو فجاء إلى شاطئ النيل، وتوضأ فيه بإبريق كان مع خادمه فزاد النيل في ذلك اليوم، وتتابعت زيادته إلى أن انتهى إلى حده، وبلغ الله به المنافع، وزرع الناس تلك السنة الزرع الكثير، وصلى العشاء مرة بمنزله بمصر ثم خرج هو وخادمه أبو العباس المقري يتماشيان فدخلا مكة فصلياً في الحجر ساعة طويلة ثم خرجا إلى المدينة فدخلاها فزارا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرجا إلى بيت المقدس فصليا فيه ساعة ثم رجعا إلى مصر قبل الفجر قال أبو العباس، ولم أحس تلك الليلة بتعب، وكان الرجل العربي إذا اشتهى أن يتكلم بالعجمية أو العجمي يريد أن يتكلم بالعربية يتفل في فمه فيصير يعرف تلك اللغة كأنها لغته الأصلية، مات رضي الله عنه بمصر سنة أربع وستين، وخمسمائة، وقد جاوز السبعين، ودفن بقرافتها شرقي الإمام الشافعي رضي الله عنه مما يلي سارية، وقبره ثم ظاهر يزار، رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ سويد السنجاري
رضي الله تعالى عنه
هو من أعيان مشايخ المشرق وصدور العارفين، وأكابر المحققين صاحب الكرامات، والمقامات السنية، والإشارات العلية، وهو أحد من ملكه الله تعالى التصرف في العالم، وجمع له بين علمي الشريعة، والحقيقة وانتهت إليه الرياسة في تربية المريدين الصادقين بسنجار، وما يليها، وأجمع المشايخ على تبجيله، واحترامه، وقصد بالزيارات من سائر الأقطار، ومن كلامه رضي الله عنه مقام العارفين على سبعة أصول القصد إلى الله تعالى بالسير، والاعتصام بالله في الأمور، والجلوس مع الله تعالى بالأمر، والنصيحة لعباد الله في السر، والجهر، وكتم أسرار الله تعالى في الطي، والنشر، وثبوت الحال مع العلم بالصبر، وذكر لا إله إلا الله الملك الحق المبين فإذا قطع العارف هذه الأحوال، ورقى عن رؤية الأفعال فتح الله تعالى عليه في القصد إلى الله بالسرباب النفس، وعلامته أن يستروح القلب إلى أنوار التجلي بنفس السرور، وسراج الأنس في مشكاة الكشف وهذا النفس لا يكون إلا في حضرة الشهود بعد غيبة الأرواح، في معارج الأحوال، واستغراق الأسرار في مدارج روح القدس بحسم مادة الجهات، واتحاد العلم، وذهاب الرسم، وهذا أول ملابس العارفين وأول استرواح أرواح العارفين هذا الذي لا يطفئ نور شهوده نور، وجوده، ولا يحجب نور وجوده حقيقة شهوده، وحقيقة القصد إلى الله تعالى بالسر ظهور الحقيقة بادية في حجاب العلم ثم يفتح الله تعالى له في الاعتصام بالله باب العناية، وعلامته أن يفتح الله تعالى له من بصيرته عيوناً ثلاثة عين يدرك بها المعرفة، وعين يدرك بها أنوار الحقائق، وعين يدرك بها أنوار المعرفة.
كما أن العيون ثلاثة عين البصر، وعين البصيرة، وعين الروح فعين البصر تدرك المحسوسات، وعين البصيرة تدرك المعنويات، وعين الروح تدرك الملكوتيات ثم يفتح الله تعالى له في الجلوس مع الله باب الاستغراق في عين التفريد، وله خمسة أركان فناء القرب في عين المشاهدة، واضمحلال العلم في بحر الجمع، واستهلاك الفناء في بحر الأزل. واستغراق الوجود في طي العدم، واسعدام البقاء في برد الأبد ففناء القرب في عين المشاهدة للمرسلين مصافاة الأسرار للمقربين عنايات الأبرار، واضمحلال العلم في بحر الجمع للصديقين رؤية، وللأبرار مشاهدة لأن الرؤية للذات، والمشاهدة لأنوار الصفات، وكان رضي الله عنه يقول: استهلاك الفناء في بحر الأزل للمرسلين حقيقة،
(1/129)

وللمقربين حق، وطريقة، واستغراق الوجود في طي العدم للصديقين تفريد التوحيد، وللأبرار تحقين التجريد، واستعدام البقاء في برق الأزل للشهداء حياة قرب، واستدامة رزق، وللصالحين نسيم روح، واسترواح ريحان، ومعارف جنة نعيم فبفناء القرب في عين المشاهدة كان عقلا، وباضمحلال العلم في بحر الجمع كان روحاً، وباستهلاك الفناء في بحر الأزل كان سراً وباستغراق الوجود في طي العدم كان ذراً، وباستعدام البقاء في برق الأبد كان ذاتاً كاملة الوجود، وتامة التقويم فبالعقل بين الإيمان، والروح يثبت الخطاب، وبالسر يفهم الأمر، وبالذر ظهر الحكم، وبالذات، وقعت الحركة فالحركة ظاهر الحكم، والحكم ظاهر الأمر، والأمر ظاهر الخطاب، والخطاب ظاهر الإيمان، والإيمان ظاهر الصفات، والصفات ظاهر الذات فالإيمان بصيرة العقل، والسر بصيرة الروح، والأمر بصيرة الحكم، والحكم بصيرة الحركة.
وذلك حقيقة ما يكشف للعارف المنتهى في درجة المعرفة، وكان رضي الله عنه يقول: العلوم ثلاثة علم من الله تعالى، وهو العلم بالأمر، والنهي، والأحكام والحدود، وعلم مع الله تعالى، وهو علم الخوف، والرجاء، والمحبة، والشوق، وعلم بالله تعالى، وهو علم بنعوته وصفاته، وعلم الظاهر علم الطريق، وعلم الباطن علم المنزل، وعلم الحكم علم الشرع، وكل باطن لا يقيمه ظاهر فهو باطل وكان رضي الله عنه يقول: أصل العقل الصمت، وباطنه كتمان الأسرار، وظاهره الاقتداء بالسنة، وكان يقول: من وقع في أولياء الله تعالى ابتلاه الله تعالى بانعقاد لسانه عن النطق بالشهادتين عند الموت، ولقد كان شخص من أكابر بلدنا يقع في الفقراء فحضرته الوفاة فقالوا له قل لا إله إلا الله فقال لا أستطيع ذلك فعلمت من أين أتى فدخلت الحضرة، وجعلت أترضى خاطرهم حتى رضوا عنه فأطلق لسانه، وأسأل الله تعالى قبول توبته، ورأى رضي الله عنه رجلا يحدق إلى امرأة ببصره فنهاه فلم ينته فقال اللهم أعم بصره فعمى في الحال فجاء بعد سبعة أيام وتاب واستغفر فقال الشيخ اللهم رد عليه بصره إلا في معاصيك فرد الله عليه بصره في الحال وكان إذا أراد بعد ذلك أن ينظر إلى محرم حجب عنه بصره ثم يعود إليه، وجاءه رجل أعمى فقال أنا ذو عيال، وقد عجزت عن الكسب فقال اللهم نور عليه بصره فخرج من المسجد بصيراً بعد عشرين سنة، ومات بصيراً. سكن رضي الله عنه سنجار، واستوطنها إلى أن مات بها مسناً، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ حياة بن قيس الحراني
رضي الله تعالى عنه
هو من أجلاء المشايخ، وعظماء العارفين، وأعيان المحققين، صاحب الكرامات، والمقامات، والهمم الفخيمة، والبدايات العظيمة صاحب الفتح السني، والكشف الجلي حتى حل به مشكلات أحوال القوم، وهو أحد الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم بأرض العراق، وكان أهل حران يستسقون به فيسقون رضي الله عنه، ومن كلامه رضي الله عنه لا يكون الرجل معدوداً من المتمكنين حتى لا يطفئ نور معرفته نور، ورعه، وكان يقول: حقيقة الوفاء إقامة السر عن رقدة الغفلات، وفراغ الهمم عن جميع الكائنات، وكان رضي الله عنه يقول: من أحب أن يرى خوف الله تعالى في قلبه، ويكاشف بأحوال الصديقين فلا يأكل إلا حلالا، ولا يعمل إلا في سنة أو فريضة، وما حرم من حرم عن الوصول، ومشاهدة الملكوت إلا بشيئين سوء الطعمة، وأذى الخلق، وكان رضي الله عنه يقول: تعرض لرقة القلب بمجالسة أهل الذكر، واستجلب نور القلب بدوام الجد، وكان يقول: من علامات المريد الصادق أن لا يفتر عن ذكره، ولا يمل من حقه، ويلزم السنة، والفريضة فالسنة ترك الدنيا، والفريضة صحبة الحق جل وعلا، وكان رضي الله عنه يقول: اجعل الزهد عبادتك، واحذر أن تجعله حرفتك، وكان يقول: المحبة سمعة المعرفة، وعنوان الطريقة يتوصلون بها إلى بقاء المحبوب. سكن رضي الله عنه حران، واستوطنها إلى أن مات بها سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ودفن بظاهرها، وقبره ثم ظاهر يزار رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ رسلان الدمشقي
رضي الله تعالى عنه
هو من أكابر مشايخ الشام وأعيان العارفين، وصدور البارعين صاحب الإشارات العالية، والهمم السامية، والأنفاس الصادقة، والكرامات الخارقة، والتصريف النافذ، وانتهت إليه تربية المريدين بالشام، واحترمه العلماء، والمشايخ، وبجلوه، وقصده الزائرون من كل فج عميق، ومن كلامه رضي الله عنه مشاهدة العارف تفيده تمكين التحكيم في الجمع، وبروز التفرقة في الاطلاع لأن العارف واصل إلا أنه ترد عليه أسرار الله تعالى جملة كلية فهو مصطلم بأنوارها مستغرق في بحارها مستهلك في تنزيلها، وكان رضي الله عنه يقول: العارف من جعل الله تعالى في قلبه لوحاً منقوشاً بأصرار الموجودات، وبإمداده بأنوار حق
(1/130)

اليقين يدرك حقائق تلك السطور على اختلاف أطوارها، ويدرك أسرار الأفعال فلا تتحرك حركة ظاهرة أو باطنة في الملك، والملكوت إلا، ويكشف الله تعالى له عن بصيرة إيمانه، وعين عيانه فيشهدها علماً، وكشفاً وهذا هو الذي يصعد بسره في أكوان الملكوت كالشمس فلا يطلق النظر إليه، وصفته أن يكمل الأعمال بالعلم، والأحوال بالسر، وهو على ثلاثة أقسام حاضر، وغائب، وغريب فالحاضر بلطائف العلم، والغائب بشواهد الحقيقة، والغريب هو من انقطع السبب بينه، وبين من سواه فمن قابله بغير نفسه احترق وحقيقة الغربة سقوط الأين، ومحو الرسم قال تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " " النساء: 100 " وعلامته أن يكشف له تعالى الأسباب ويرتفع عنه الحجاب ويطلعه الله تعالى على بواطن الأمور كشفاً، وفراسة فبالكشف يدركها جملة وبالفراسة يدركها تفصيلا على أصل الوضع، وحقيقة الرسم فيخاطب الأرواح من حيث، وضعها، ويخاطب الأجسام من حيث تركيبها، ويشير إلى العلم برموز الإشارة، ويفهم كشف العبارة، وكان يقول: الحدة مفتاح كل شر، والغضب يقيمك في مقام ذل الاعتذار، وكان رضي الله عنه يقول: مكارم الأخلاق العفو عند القدرة، والتواضع في الذلة، والعطاء بغير منة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً لقدرتك عليه، وكان رضي الله عنه يقول: الكريم من احتمل الأذى، ولم يشك عند البلوى، وكان رضي الله عنه يقول: أحسنه المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر، وكان يقول: سبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس عليها ممن هو فوقها فإن الغضب يتحرك من باطن الإنسان إلى ظاهره، والحزن يتحرك من ظاهر الإنسان إلى باطف فيحدث عن الحزن المرض، والأسقام، وعن الغضب السطوة، والانتقام قال الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى، وحضرت سماعاً فيه الشيخ رسلان فأنشد القوال شيئاً فكان الشيخ رسلان رضي الله عنه يثب في الهواء، ويدور فيه دورات ثم ينزل إلى الأرض يسيراً يسيراً يفعل ذلك مراراً، والحاضرون يشاهدون فلما استقر على الأرض أسند ظهره إلى شجرة تين في تلك الدار قد يبست، وقطعت الحمل مدة سنين فأورقت، واخضرت، وأينعت، وحملت التين في السنة. سكن رضي الله عنه دمشق، واستوطنها إلى أن مات بها مسناً، ودفن بظاهرها، وقبره ثم يزار، ولما أن حمل نعشه على أعناق الرجال جاءت طيور خضر، وعكفت على نعشه رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو مدين المغربي
رضي الله تعالى عنه ورحمه
هو من أعيان مشايخ المغرب، وصدور المربين، وشهرته تغني عن تعريفه، واسمه شعيب، وولده مدين هو المدفون بمصر بجامع الشيخ عبد القادر الدشطوطي ببركة القرع خارج السور مما يلي شرقي مصر عليه قبة عظيمة، وقبره يزار. وأما والده فهو مدفون بتلمسان بأرض المغرب في جبانة العبادلة، وقد ناهز الثمانين، وقبره ثم ظاهر يزار، وكان سبب دخوله تلمسان أن أمير المؤمنين لما بلغه خبره أمر بإحضاره من بجاية ليتبرك به فلما وصل إلى تلمسان قال ما لنا، وللسلطان الليلة نزور الإخوان ثم نزد، واستقبل القبلة، وتشهد، وقال: ها قد جئت ها قد جئت، وعجلت إليك رب لترضى ثم قال الله الحي وفاضت روحه رضي الله عنه قال الشيخ أبو الحجاج الأقصري: سمعت شيخنا عبد الرزاق رضي الله عنه يقول: لقيت الخصر عليه السلام سنة ثمانين وخمسمائة فسألته عن شيخنا أبي مدين فقال: هو إمام الصديقين في هذا الوقت، وسره من الإرادة ذلك أتاه الله تعالى مفتاحاً من السر المصون بحجاب القدس ما في هذه الساعة أجمع لأسرار المرسلين منه ثم قال: ومات أبو مدين رضي الله عنه بعد ذلك بيسير، وذكر الشيخ محيي الدين رضي الله عنه في الفتوحات قال: ذهبت أنا، وبعض الأبدال إلى جبل قاف فمررنا بالحية المحدقة به فقال لي: البدل سلم عليها فإنها سترد عليك السلام فسلمنا عليها فردت ثم قالت: من أي البلاد فقلنا من بجاية فقالت: ما حال أبي مدين مع أهلها فقلنا لها يرمونه بالزندقة.
فقالت: عجباً والله لبني آدم، والله ما كنت أظن أن الله عز وجل يوالي عبداً من عبيده فيكرهه أحد فقلنا لها، ومن أعلمك به فقالت يا سبحان الله، وهل على الأرض دابة تجهله إنه، والله ممن اتخذه الله تعالى ولياً وأنزل محبته في قلوب العباد فلا يكرهه إلا كافر أو منافق انتهى قلت، وأجمعت المشايخ على تعظيمه، وإجلاله، وتأدبوا بين يديه، وكان ظريفاً جميلا متواضعاً زاهداً ورعاً محققاً مشتملا على كرم الأخلاق رضي الله عنه. ومن كلامه رضي الله عنه: ليس للقلب إلا وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها، وكان يقول: الجمع ما أسقط تفرقتك، ومحا إشارتك، والوصول استغراق أوصافك، وتلاشي نعوتك، وكان رضي الله عنه يقول: الغيرة أن لا تعرف،
(1/131)

وكان يقول: أغنى الأغنياء من أبدى له الحق حقيقة من حقه، وأفقر الفقراء من ستر الحق حقه عنه، وكان رضي الله عنه يقول: الخالي من الأنس والشوق فاقد المحبة، وكان رضي الله عنه يقول: من خرج إلى الخلق قبل وجود حقيقة تدعوه إلى ذلك فهو مفتون، وكل من رأيته يدعي مع الله حالا لا يكون على ظاهره منه شاهد فاحذره، وكان رضي الله عنه يقول: إذا ظهر الحق لم يبق معه غيره، وكان يقول: من تحقق بعين العبودية نظر أفعاله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الافتراء، وكان رضي الله عنه يقول: ما وصل إلى صريح الحرية من بقي عليه من نفسه بقية، وكان رضي الله عنه يقول: شاهد مشاهدته لك، ولا تشاهد مشاهدتك له، كان رضي الله عنه يقول: القريب مسرور بقربه، والمحب معذب بحبه، وكان يقول: الفقر أمارة على التوحيد، ودلالة على التفريد، وحقيقة الفقر أن لا تشاهد سواه، وكان رضي الله عنه يقول: للفقر نور ما دمت تستره فإذا أظهرته ذهب نوره، وكان يقول: من كان الأخذ أحب إليه من الإعطاء فما يشم للفقر رائحة، وكان يقول: الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق، وكان رضي الله عنه يقول: من نظر إلى المكونات نظر إرادة، وشهوة حجب عن العبرة فيها، والانتفاع بها، وكان رضي الله عنه يقول: من عرف أحداً لم يعرف الأحد، والحق ما بان عنه أحد من حيث العلم، والقدرة، ولا اتصل به أحد من حيث الذات، والصفات، وكان يقول: من لم يصلح لمعرفته شغله برؤية أعماله، ومن سمع منه بلغ عنه، وكان يقول: من لم يخلع العذار لم ترفع له الأستار، وكان يقول: الحق لا يراه أحد إلا مات فمن لم يمت لم ير الحق، وكان يقول: في نهيهم عن صحبة الأحداث الحدث هو المستقبل للأمر والمبتلي في الطريق هو الذي لم يجرب الأمور، ولم يثبت له فيها قدم، وإن كان ابن سبعين سنة، وقيل أراد بالأحداث ما سوى الله تعالى من المخلوقات.
قلت: والمراد صحبتهم من غير إرشاد وتعليم، وإلا فإرشاد مثل هؤلاء هو المطلوب من كل فقير، وكان يقول: الإخلاص ما خفي على النفس درايته، وعلى الملك كتابته، وعلى الشيطان غوايته، وعلى الهوى إمالته، وكان رضي الله عنه يقول: إياكم والمحاكمات قبل إحكام الطريق، وتمكن الأحوال فإنها تقطع بكم عن درجات الكمال، وكان يقول: كل فقير لا يعرف زيادته، ونقصه في كل نفس فليس بفقير، وكان يقول: الفقر فخر، والعد غنم، والصمت نجاة، والإياس راحة، والزهد عافية، ونسيان الحق طرفة عين خيانة، وكان يقول: الحضور مع الحق جنة، والغيبة عنه نار، والقرب منه لذة والبعد عنه حسرة، والأنس به حياة، والاستيحاش منه موت، وكان يقول: طلب الإرادة قبل تصحيح التوبة غفلة، وكان يقول: من قطع موصولا بربه قطع به، ومن أشغل مشغولا بربه أدركه المقت في الوقت. ومكث رضي الله عنه سنة في بيته لا يخرج إلا للجمعة فاجمع الناس على باب داره، وطلبوا منه أن يتكلم عليهم فلما ألزموه خرج فرأى عصافير على سدرة في الدار فلما رأته في الدار فرت فرجع، وقال لو صلحت للحديث عليكم لم تفر مني الطيور ثم رجع، وجلس في البيت سنة أخرى ثم جاءوا إليه فخرج فلم تفر منه الطيور فتكلم على الناس، ونزلت الطيور تضرب بأجنحتها، وتصفق حتى مات منها طائفة، ومات رجل من الحاضرين، وكان يقول: كل بدل في قبضة العارف لأن ملك البدل من السماء إلى الأرض، وملك العارف من العرش إلى الثرى وكان الله تعالى قد أذل له الوحوش، ومر يوماً على حمار، والسبع قد أكل نصفه، وصاحبه ينظر إليه من بعد لا يستطيع أن يقرب منه فقال لصاحب الحمار تعال فذهب به إلى الأسد، وقال له أمسك بأذن الأسد، واستعمله مكان حمارك فأخذ بأذنه، وركبه وصار يستعمله سنين موضع حماره حتى مات، وقيل له مرة في المنام حقيقة سرك في توحيدك فقال: سري مسرور بأسرار تستمد من البحار الإلهية التي لا ينبغي بثها لغير أهلها إذ الإشارة تعجز عن وصفها وأبت الغيرة الإلهية إلا أن تسترها، وهي أسرار محيطة بالوجود لا يدركها إلا من كان وطنه مفقوداً، وكان في عالم الحقيقة بسره موجوداً يتقلب في الحياة الأبدية، وهو بسره طائر في فضاء الملكوت، ويسرح في سرادقات الجبروت، وقد تخلق بالأسماء، والصفات، وفني عنها بمشاهدة الذات هناك قراري، ووطني، وقرة عيني، ومسكني، والحق تعالى في غنى عن الكل قد أظهر في وجودي بدائع قدرته، وأقبل علي بالحفظ، والتوفيق، وكشف لي عن مكنون التحقيق فحياتي قائمة بالوحدانية، وإشاراتي إلى الفردانية فروحي راسخ في علم الغيب يقول لي مالكي يا شعيب كل يوم جديد على العبيد، ولدينا مزيد رضي الله عنه.

ومنهم أبو محمد عبد الرحيم المغربي القناوي
رضي الله تعالى عنه
(1/132)

هو من أجلاء مشايخ مصر المشهورين، وعظماء العارفين صاحب الكرامات الخارقة، والأنفاس الصادقة له المحل الأرفع من مراتب القرب، والمنهل العذب من مناهل الوصل، وهو أحد من جمع الله له بين علمي الشريعة، والحقيقة، وآتاه مفتاحاً من علم السر المصون، وكنزاً من معرفة الكتاب، والحكمة، وكان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله يقول هو شهدنا بما شاهدنا، وويل لمن كذب على الله تعالى، ومن كلامه رضي الله عنه أدركت فهم جميع صفات الله تعالى إلا صفة السمع، وكان يقول: المتكلمون كلهم يدندنون حول عرش الحق لا يصلون إليه، وكان يقول: قطع العلائق بقطع بحر الفقد، وظهور مقام العبد بعدم الالتفات إلى السوي، وثقة القلب بترتيب القدر السابق، وكان رضي الله عنه يقول: التجريد نسيان الزمنين حكماً، والذهول عن الكونين حالا، وغض البصر عن الأين، وقتاً حتى تنقلب الأكوان باطناً لظاهر ومتحركاً لساكن فيسكن القلب بتمكين القدر على قطع الحكم، والابتهاج بمنفسحات الموارد، وانشراح الصدور بصور الأكوان مع ثبوت المقام بعد التلوين، ورسوخ التمكين فتكون السماء له رداء، والأرض له بساطاً، وكان رضي الله عنه يقول: الهيبة في القلب لعظمة الله تعالى هو طمس أبصار البصائر عن مشاهدته بمن سواه حساً فلا يرى إلا بأنوار الجلال ولا يسمع إلا بسواطع الجمال وكان يقول: الرضا سكون القلب تحت مجاري الأقدار بنفي التفرقة حالا، وعلم التوحيد جمعاً فيشهد القدرة بالقادر والأمر بالأمر وذلك يلزمه في كل حال من الأحوال وكان رضي الله عنه يقول: التمكن هو شهود العلم كشفاً، ورجوع الأحوال إليه قهراً، والتصرف بالقادح حكماً، وكمال الأمر شرعاً، وكان يقول في الجوع صفاء الأسرار في استغراق الأذكار، وكان يقول: الشوق هو استغراق في مبادئ الذكر طرباً ثم الغيبة في توسط الذكر شكراً ثم الحضور في أواخر الذكر صحواً فهو بين استغراق بهمة، وغيبة بزعجة، وحضور بنعشة فثلث الوقت للمشتاق استغراق وثلثه غيبة، وثلثه حضور، وكان رضي الله عنه يقول: الحياة أن يحيا القلب بنور الكشف فيدرك سر الحق الذي برزت به الأكوان في اختلاف أطوارها. وحكي أنه نزل يوماً حلقة الشيخ شبح من الجو لا يدري الحاضرون ما هو فأطرق الشيخ ساعة ثم ارتفع الشبح إلى السماء فسألوه عنه فقال هذا ملك، وقعت منه هفوة فسقط علينا يستشفع بنا فقبل الله شفاعتنا فيه فارتفع، وكان الشيخ إذا شاوره إنسان في شيء يقول: أمهلني حتى أستأذن لك فيه جبريل عليه السلام فيمهله ساعة ثم يقول له: افعل أو لا تفعل على حسب ما يقول جبريل، قلت: ومراده بجبريل صاحب فعلته هو من الملائكة لا جبريل الأنبياء عليهم السلام، والله أعلم، وكان إذا قال لعامي يا فلان تكلم على العلماء فيتكلم عليهم في معاني الآيات، والأحاديث حتى لو كان هناك عشره آلاف محبرة لكلت عنه ثم يقول له: اسكت فلا يجد ذلك العامي معه كلمة، واحدة من تلك العلوم رضي الله عنه. وكان بعض العارفين رضي الله عنه يقول: لو كنت حاضراً عند وفاة الشيخ عبد الرحيم ما مكنتهم من دفنه بل كنت أتركه فوق ظهر الأرض فكل من نظر إليه نطق بالحكمة. توفي رضي الله عنه بقنا بصعيد مصر، وقبره بها مشهور يزار. ومر عليه مرة كلب فقام له إجلالا فقيل له في ذلك فقال رأيت في عنقه خيطاً أزرق من زي الفقراء، وقال له مرة رجل أوصني فقال كن في الفقراء كتيس الغنم مع الغنم يعني لا ينطق مع عدم غفلته عن مصالحهم رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الملثم
رضي الله تعالى عنه
هو من أجلاء مشايخ مصر، ومحققيهم قصده الناس بالزيارة من سائر الأقطار، وتأدب علماء مصر بين يديه، وكان أبوه ملكاً بالمشرق، وكان له مكاشفات عجيبة في مستقبل الزمان فكان لا يخبر بشيء إلا جاء كما قال: ويقول: أنا ما أتكلم باختياري، وكان يقف يتمنى فإن أعطوه شيئاً تصدق به على الفقراء، وكان الناس مختلفين في عمره فمنهم من يقول هذا من قوم يونس عليه السلام، ومنهم من يقول إنه رأى الإمام الشافعي رضي الله عنه وصلى خلفه بمصر، ومنهم من يقول إنه رأى القاهرة وهي أخصاص قال الشيخ عبد الغفار القوصي رضي الله عنه فسألته عن ذلك فقال عمري الآن نحو أربعمائة سنة، وكان أهل مصر لا يمنعون حريمهم منه في الرؤية، والخلوة فأنكر عليه بعض الفقهاء فقال يا فقيه اشتغل بنفسك فإنه بقي من عمرك سبعة أيام، وتموت فكان كما قال، وكان يلبس ما وجد فمرة عمامة صوف خضراء، ومرة بيضاء، ومرة جبة فرجية، ومرة مرقعة لا ينضبط على حال. وأنكر عليه مرة قاض، وكتب فيه محضراً بتكفيره ووضع
(1/133)

القاضي المحضر في صندوقه إلى بكرة النهار يدعوه للشرع فجاء وبكرة النهار فلم يجد المحضر ومفتاح الصندوق معه فأخرج الشيخ المحضر، وقال الذي قدر على أخذ المحضر من صندوقك قادر على أخذ إيمانك من قلبك فتاب القاضي، وخاف، ورجع عما كان أراده. توفي رضي الله عنه في حدود الستمائة، ودفن بالحسينية بمصر المحروسة، وقبره في مسجد يزار، وسموه ثلاث مرات ليموت فعافاه الله تعالى منه، وذلك لشدة ما كانوا ينكرون عليه، وكان رضي الله عنه يقول: لم تكن الأقطاب أقطاباً والأوتاد أوتاداً، والأولياء أولياء إلا بتعظيمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفتهم به وإجلالهم لشريعته، وقيامهم بآدابه، وكان يقول: بلغني عن سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا استولى الحق سبحانه وتعالى على قلب عبد ذهب ما من العبد، وبقي ما من الله تعالى فيبقى العبد كالفخار في ابتداء النشأة لا حراك له من حيث نفسه، وإنما حراكه من الذي يحركه، ولا اختيار له ولا إرادة، ولا علم، ولا عمل وكأن رضي الله عنه يقول: إذا امتلأ القلب من النور دك كل حجاب بين العبد، وبين الله تعالى.

ومنهم الشيخ أبو الحجاج الأقصري
رضي الله تعالى عنه
كان جليل المقدار كبير الشأن كان مجرداً، وكان شيخه الشيخ عبد الرزاق الذي بالإسكندرية قبره من أجل أصحاب سيدي الشيخ أبي مدين المغربي، وله كلام عال في الطريق، وزاويته، وضريحه بالأقصر من صعيد مصر الأعلى ومناقبه مشهورة رضي الله تعالى عنه منها أن شخصاً من الأمراء المشهورين في عصره أنكر عليه فقال له تنكر على الفقراء، وأنت رقاص عند فلان فما مات ذلك الرجل حتى صار رقاصاً لسوء أدبه واعتقاده. وكان رضي الله عنه يقول: من رأيتموه يطلب الطريق فدلوه علينا فإن كان صادقاً فعلينا، وصوله، وإن كان غافلا طردناه، وأبعدناه لئلا يتلف المريدين فإنه لا يصل إلى المحبوب من هو بغيره محجوب قال خادمه الشيخ أبو زكريا التميمي طلب شخص من مريدي أبي الحجاج الأقصري قتل شيخه مرات فلم يقدر، وكان يعتقد أنه ينال مقامه بقتله حين رآه محجوباً بشيخه فأخبر الشيخ بذلك فقال: يا ولدي هذا من الشيطان إذا قتلت شيخك غضب الله عليك فكيف يعطيك مقامه. قلت: وقد بلغنا ذلك عن واحد من أصحاب سيدي أبي السعود الجارحي رضي الله عنه، وهرب الشيخ منه، والله أعلم. وحكى أبو العباس الطائفي قال دخلت على الشيخ أبي الحجاج الأقصري يوماً فرأيت له عينين فوق الحاجبين، وكان يقول: كنت أجئ أنا وأخي أبو الحسين بن الصائغ بإسكندرية إلى شيخنا فأرى مقامي أعلى من مقامه فأقول: اللهم أعل مقامه فوق مقامي.
وكان الآخر إذا رأى مقامه أعلى من مقامي يقول في دعائه كذلك هكذا درجة الإخوان لا حسد بينهم، ولا حقد، وقيل له مرة من شيخك. فقال: شيخي أبو جعران فطنوا أنه يمزح فقال لست أمزح فقيل له كيف فقال: كنت ليلة من ليالي الشتاء سهران، وإذا بأبي جعران يصعد منارة السراج فيزلق، ويرجع لكونها ملساء فعددت عليه تلك الليلة سبعمائة مرة وهو لا يرجع فقلت في نفسي سبعمائة وقعة ولا يرجع فخرجت إلى صلاة الصبح ثم رجعت فإذا هو جالس فوق المنارة بجنب الفتيلة فأخذت من ذلك ما أخذت.
وكان رضي الله عنه يقول: كنت في بدايتي أذكر لا إله إلا الله لا أغفل فقالت لي نفسي مرة من ربك فقلت ربي الله فقالت لي ليس لك رب إلا أنا فإن حقيقة الربوبية امتثالك العبودية فأنا أقول لك أطعمني تطعمني، نم تنم، قم تقم، امش تمشي، اسمع تسمع، ابطش تبطش، فأنت تمتثل أوامري كلها فإذاً أنا ربك وأنت عبدي قال فبقيت متفكراً في ذلك فظهرت لي عين من الشريعة فقالت لي جالدها بكتاب الله تعالى فإذا قالت لك نم فقل لها: " كلوا قليلا من الليل ما يهجعون " " الذاريات: 17 " وإذا قالت لك كل قل: " وكلوا واشربوا ولا تسرقوا " " الأعراف: 31 " وإذا قالت امش قل: " ولا تمش في الأرض مرحاً " " الإسراء: 37 " وإذا قالت لك ابطش قل: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " " الإسراء: 29 " فقلت لتلك الحقيقة فمالي إذا فعلت ذلك فقالت أخلع عليك خلع المتقين، وأتوجك بتاج العارفين، وأمنطقك بمنطقة الصديقين، وأقلدك بقلائد المحققين، وأنادي عليك في سوق المحبين " التائبون العابدون الحامدون الساجدون الراكعون " الآية.
وكان رضي الله عنه يقول: لا يقدح عدم الاجتماع بالشيخ في محبته فإننا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وما رأيناهم، وذلك لأن صورة المعتقدات إذا ظهرت لا تحتاج إلى صورة الأشخاص بخلاف صورة الأشخاص إذا ظهرت تحتاج إلى صورة المعتقدات فإذا حصل الجمع بينهما فذلك
(1/134)

كمال حقيقي قلت: وفي هذا دليل عظيم لأهل الخرق من الأحمدية، والرفاعية، والبرهامية، والقادرية، ولا عبرة بمن ينكر عليهم، ويقولون هؤلاء أموات لا ينطقون فإن الاقتداء حقيقة إنما هو بأقوالهم، وأحوالهم المنقولة إلينا فافهم قال الشيخ يعيش بن محمود أحد أصحاب أبي الحجاج جئت أنا، والقليبي السخاوي، وشخص آخر إلى زيارة الشيخ بعد الصبح فوقفنا بالباب متأدبين، وإذا بالخادم قد خرج فقال يدخل يعيش، والقليبي ويروح هذا العلق يستحم فإنه جنب قال فدخلنا، وقد هدت أركاننا من الهيبة فوجدنا الشيخ متكئاً.
ثم قال الشيخ عن الشاب يستغفر، ويدخل فقال يعيش دستور حضر شيء في لسان حالنا، وحال هذا الشاب على لسان حال القادوس فقال الشيخ قل فقلت:
المليح قلبي عليه يخفق ... لا يمر من يبصره يعشق
مسكين عبدك القادوس كسر ... صار شقف من بعدما قد هجر
إن تجد له بالوصال ينجبر ... ويعود غصن السرور مورق
قد بلى القادوس بهم طويل ... ممتلى للراس، ودمعه يسيل
قد ربط بالطونس، والسحيل ... وجميعه بالحبال موثق
وألف كرة في النار يغرق
ما نراه نازلا على قمته ... وحبل ناشوش في رقبته
قد عجز وتناقصت همته
له رفيق بقليل يسبق ... له سنين يجري وما يلحق
فقام الشيخ، وتواجد ودار، وجعل يقول: لي سنين أجري، وما ألحق رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر
رضي الله تعالى عنه
صحب الشيخ أبا الحجاج الأقصري رضي الله عنه حين كان بقوص، وتجرد وهو في بدايته ثم رجع إلى الثياب، والزراعات وغيرها ثم صحب الشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبري المدفون بباب النصر من القاهرة المحروسة ثم أقام باخميم، وبهامات على حالة شريفة جليلة لطيفة متظاهراً بالنعم، والغنى عن الناس رضي الله تعالى عنه.

ومنهم الشيخ قطب الدين القسطلاني
رضي الله عنه
كان بالقاهرة يدرس في علمي الظاهر، والباطن، ويدعو الناس إلى الله تعالى وكان يلبس الخرقة من طريق السهروردي رضي الله تعالى عنه.

ومنهم أبو الشيخ عبد الله القرشي
رضي الله عنه ورحمه
كان رضي الله عنه جليل القدر وكان يعظم الفقراء أشد التعظيم، ويقول: إنهم انتسبوا إلى الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: ما رأينا أحداً قط أنكر على الفقراء، وأساء بهم الظن إلا، ومات على أسوأ حالة وكان رضي الله عنه يقول: احتقار الفقراء سبب لارتكاب الرذائل، وكان رضي الله عنه يقول: من غض من عارف بالله أو ولي لله ضرب في قلبه، ولا يموت حتى يفسد معتقده، وكان رضي الله عنه كثيراً ما يجتمع بالخضر عليه السلام، وكان يطبخ طعام القمح كثيراً فقيل له في ذلك فقال رضي الله عنه: إن الخضر عليه السلام زارني ليلة فقال: اطبخ لي شوربة قمح فلم أزل أحبها لمحبة الخضر عليه السلام لها، وكان رضي الله عنه يشترط على أصحابه أن لا يطبخوا في بيوتهم إلا لوناً واحداً حتى لا يتميز على أحد فاتفق أن أحد أصحابه قال لزوجته ما تشتهي حتى نشتريه تطبخيه فقالت شاور بنتك فقال لابنته أي شيء تشتهين قالت ما تقدر على شهوتي فقال: بل أقدر عليها، ولو تكون بألف دينار، وقال لا بد تخبريني بها فقالت تزوجني للقرشي، وكان الشيخ رضي الله تعالى عنه أعمى أجذم لا ترضى بمثله النساء قال: فجئت إلى القرشي وأخبرته فقال: اطلبوا القاضي فجاء القاضي، وعقدوا عليها، وأصلحوا شأنها، وأحضروها عند الشيخ فلما خرجت النسوة دخل الشيخ إلى المرحاض، وخرج وهو شاب جميل الصورة أمرد بثياب حسنة وروائح طيبة فسترت وجهها منه حياء فقال: لا تستري أنا القرشي فقالت: ما أنت القرشي فحلف لها بالله تعالى فقالت له: ما هذا الحال فقال لها: أبقى معك على هذا الحال، ومع غيرك على تلك الحالة، ولكن لا تخبري بذلك أحداً حتى أموت فقالت: نعم ثم قالت بل أختار حالتك التي تكون بها بين الناس من الجذام، والبرص، والعمى فقال لها: جزاك الله خيراً فلم تزل معه على تلك الحالة، وكان يضع شيئاً تحت ثيابه، وأقدامه ينزل فيه الصديد فكانت رضي الله عنها إذا خرجت من الحمام جاءت فشربت ذلك الصديد عوضاً عن الماء فلما قبض الشيخ رضي الله عنه حكت للناس أحواله وكانت حرمتها بين الفقراء كحرمة الشيخ في حال حياته وكان رضي الله عنه يقول: الزم العبودية وآدابها، ولا تطلب بها الوصول إليه فإنه إذا أرادك له أوصلك إليه، وأي عمل خلص حتى تطلب
(1/135)

به الوصول، وكان يقول: أبت البشرية أن تتوجه إلى الله تعالى إلا في الشدائد فقيل له في ذلك قال: عطشت مرة في طريق الحاج فقلت لخادمي اغرف لي من البحر المالح فغرف لي ماء حلواً فلما ذهبت الضرورة غرفت فإذا هو مالح، وكان يقول: لا يكون الابتلاء إلا في الفحول من الرجال. وأخبار القرشي كثيرة مشهورة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ محمد بن أبي جمرة
رضي الله تعالى عنه ورحمه آمين
وهو غير عبد الله بن أبي حمزة، وكان رضي الله عنه كبير الشأن مقبوض الظاهر معمور الباطن غلبت عليه آثار صفة الجلال كان معظماً للشرع قائماً بشرائعه، وشعائره، وأنكروا عليه في دعواه رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة، وعقدوا له مجلساً فأقام في بيته لا يخرج إلا لصلاة الجمعة، ومات المنكرون عليه على أسوأ حال وعرفوا بركته، ودفن رحمه الله تعالى بالقرافة بمصر، وقبره بها ظاهر يزار، وكان رضي الله عنه يقول: لا يفهم عنك إلا من أشرق فيه ما أشرق ورك، وكان رضي الله عنه يقول: لما كان العلماء والأولياء ورثة الرسل، والأنبياء فلا بد من حصول فترات تقع بين العالم، والعالم، والولي، والولي فإذا اندرست طريقة الداعي أتى يعد زمان من يجددها، ولما كان يحصل في فترات الأنبياء عبادة الأصنام من دون الله كذلك يقع في فترات الأولياء عبادة الأهواء، والبدع وتبديل الأفعال بالأقوال، وغير ذلك مما يشهده أرباب القلوب المنيرة.
وكان رضي الله عنه يقول: لو قدرت أن أقتل من يقول: لا موجود إلا الله فعلت فما يقول هذا في بوله، وغائطه، وعجزه عن دفع الآلام عن نفسه، وشرط الإله أن يكون قادراً فكيف يقول أنا عين الحق هذا من أضل الضلال، وكان رضي الله عنه يقول: لو تدبر الفقيه في قراءته لاحترق بأنوار القرآن، وهام على وجهه، وترك الطعام، والشراب، والنوم، وغير ذلك، وكان إذا رأى فدان القصب مثلا يقول: يجيء منه كذا، وكذا قنطار عسل وكذا، وكذا قنطار سكر فلا يزيد، ولا ينقص عما قال، وطلب السلطان لما زاره أن يبني له رباطاً فأخذ السلطان من يده، وأدخله جامع ابن طولون، وقال هذا الجامع كله لي اجلس في أي مكان شئت منه فسكت السلطان، وكان يقول: لا ينبغي للفقير أن يطأ زوجته إذا حملت إلا لغرض صحيح من إعفافها أو إعفافه، ولا ينبغي له وطؤها لمجرد الشهوة فإن ذلك نقص في الفقير، وكان يقول: إياكم، والإنكار على الناس فيما يحتمل التأويل فإني رأيت فقيها أنكر على فقير صنعة الخيال مع المحبظين فأخرج الفقير للفقيه باباً في الخيال وأجلس الفقيه على مكان، وجاء الفيل فلفه بزلومته، وضرب به الأرض فمات فأصبح الفقيه فوقع على ذلك ودفنوه آخر النهار، وقال: مررت يوماً على مارس قمح وإذا صبي يقطف من السنابل، ويضعه في قفته فقلت له خل يا ولدي زرع الناس فقال: ومن أين ثبت عندك أنك زرع الناس، والله إنه زرع أبي وجدي فخجلت بين الفقراء من كلامه، وقلت له: جزاك الله يا ولدي خيراً أدبتني حين فاتني التأديب وكان رضي الله عنه يقول: ثلاثة لا يفلحون في الغالب ابن الشيخ، وزوجته وخادمه أما ابنه فإنه يفتح عينه على تقبيل المريدين يده، وحمله على أعناقهم، والتبرك به، ويطيعونه في كل ما يطلبه فتكبر نفسه ويرضع من حب الرياسة من صغره فتتوالى عليه الصفات المظلمة فلا يؤثر فيه، وعظ واعظ، ويتجرأ على الأكابر، وينفي مشيختهم عليه فإن جاء صالحاً فاق، والده وانتفع بوالده أكثر من كل أحد وأما الزوجة فإنها ترى الشيخ بعين الإزواج لا بعين الولاية فتعتقد أنه محتاج إليها في الشهوة فإن نور الله تعالى بصرها، ورأته بعين الولاية انتفعت به قبل كل أحد لملاصقتها له ليلا، ونهاراً، وأما الخادم فلتكرار رؤية الشيخ، واطلاعه على أحواله من المأكل، والمشرب، والمنام، ولذلك قالوا: لا ينبغي للشيخ أن يأكل مع المريد، ولا يجالسه إلا عند ضرورة خوفاً على المريد من سقوط حرمته من قلبه فيحرم بركته من قلبه فيحرم بركة الصحبة فإن نظر الخادم إلى الشيخ بالتعظيم انتفع به كذلك، وأفلح أكثر من غيره رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ عبد الغفار القوصي
رضي الله تعالى عنه
صاحب كتاب التوحيد في علم التوحيد، كان رضي الله عنه جامعاً بين الشريعة، والحقيقة أماراً بالمعروف ناهياً عن المنكر يبيع نفسه في طاعة الله تعالى، ويحكي أنه أكل مع ولده يقطينا فقال لولده: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب اليقطين فقال: ما هذا إلا قذارة فسل السيف، وضرب عنق ولده، وقدم غرض الشارع صلى الله عليه وسلم على ثمرة فؤاده، ومن كلامه رضي الله عنه:
فؤاد لا يقر له قرار ... وأجفان مدامعها غزار
وليل طال بالأنكاد حتى ... ظننت الليل ليس له نهار
(1/136)

ولم لا والتقي حلت عراه ... وبان على بنيه الإنكسار
لبيك معي على الدين البواكي ... فقد أضحت مواطنه قفار
وقد هدت قواعده اعتداء ... وزال بذاكم عنه الوقار
وأصبح لا تقام له حدود ... وأمسى لا تبين له شعار
وعاد كما بدا فينا غريباً ... هنالك ماله في الخلق جار
فقد نقضوا عهودهم جهاراً ... وأسروا في العداوة ثم ساروا
إلى آخر ما قال. مات رضي الله عنه سنة نيف وسبعين، وستمائة، وكان رضي الله عنه يقول: كلام المنكرين على أهل الله تعالى كنفخة ناموسة على جبل فكما لا يزيل الجبل نفخة الناموسة كذلك لا يتزلزل الكامل بكلام الناس فيه. وكان يقول: السماع من بقية بقيت على الكامل فلو صار أكمل ما تحرك، وقد استمع السهروردي، والقرشي، وأضرابهما. قال: ولما وشوا بذي النون المصري رضي الله عنه إلى بعض الخلفاء، وادعوا أنه زنديق قال له الخليفة ما هذا الكلام الذي يقال فيك فقال: ما هو فقال قالوا إنك تقول كما يقول الحسين الحلاج فقال: لا أعرف ذلك إلا عند السماع فأرسل خلف قوال ينشد شيئاً حتى أريكم فأنشد بين يديه فانتفخ ذو النون حتى بقي كالفيل وقطرت كل شعرة منه الدم فقال: الخليفة ما هذا عن باطل ثم أكرمه ورده إلى مصر مكرماً، وكان إذ ذاك مقيماً بأخميم، وحكي أن سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه قال: التوبة فرض على كل عبد في كل نفس فأنكر عليه أهل بلده، وكفروه حتى خرج من تستر إلى البصرة، ومات بها هذا مع علم سهل، واجتهاده، وعلو شأنه قال: وكذلك شهدوا على الجنيد رضي الله عنه بالكفر مراراً حتى تستر بالفقه، واختفى مع علمه ومعرفته، وهذا من أعجب العجائب، وتقدم جملة من ذلك في مقدمة هذا الكتاب والله أعلم.

ومنهم الشيخ أبو الحسن بن الصائغ السكندري
رضي الله تعالى عنه
كان من أجل أصحاب سيدي الشيخ عبد الرحيم القناوي، وكان يخرج على أصحابه، ويقول لهم أفيكم من إذا أراد الله تعالى أن يحدث في العالم حدثاً أعلمه به قبل حدوثه فيقولون لا فيقول أبكوا على قلوب محجوبة عن الله عز وجل، ونزل رضي الله عنه مرة كنزاً فوجد فيه سبعة أرادب ذهباً فأخذ منها سبعة دنانير وقال لم يؤذن لي في أخذ شيء غير ذلك، وكان يقول: لا ينبغي لشيخ رباط الفقراء أن يدع الشباب المرد يقيمون عنده إذا خاف من إقامتهم مفسدة على بعض الفقراء لا سيما جميل الصورة من الشباب اللهم إلا أن يكون الشاب غائباً عن طرق الفساد مقبلا على طرق عبادة ربه لا يتفرغ للهو، ولا للعب بشرط أن يتولى الشيخ أمره في الخدمة بنفسه دون نقيب الفقراء إلا أن يكون النقيب متمكناً في نفسه يبعد عنه الفساد، وقال لا ينبغي للشاب أن يجلس في وسط الحلقة مع الرجال إنما يجلس خلف الحلقة، ولا يواجه الناس بوجهه، ولا يخالط أحداً من الفقراء حتى يلتحي، وكان رضي الله عنه إذا جاءه شاب جميل الصورة ينزع ثيابه، ويلبسه الخيش، والمرقعات، وحكي أن شخصاً أراد أن يفعل فاحشة في أمرد في مقبرة الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه فصاح الشيخ من داخل القبر أما تستحي من الله يا فقير، رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ أبو السعود بن أبي العشائر
رضي الله عنه
ابن شعبان بن الطيب الباذيني بلدة بقرب جزائر واسط بالعراق رضي الله عنه. ومن أجلاء مشايخ مصر المحروسة، وكان السلطان ينزل إلى زيارته، وتخرج بصحبته سيدي داود المغربي، وسيدي شرف الدين، وسيدي خضر الكردي، مشايخ لا يحصون، وكان يسمع عند خلع نعليه أنين كأنين المريض فسئل رضي الله عنه عن ذلك فقال: هي النفس تخلعها عند النعال إذا اجتمعنا بالناس خشية التكبر، وصام في المهد رضي الله تعالى عنه. مات رضي الله عنه بالقاهرة في يوم الأحد تاسع شوال سنة أربع وأربعين وستمائة، ودفن من يومه بسفح الجبل المقطم، ومن كلامه رضي الله عنه ينبغي للسالك الصادق في سلوكه أن يجعل كتابه قلبه، وكان يقول: من كان الطلب شغله يوشك ألا يضل عن طريق الله تعالى، ومن كان المطلوب شغلة يوشك ألا يقف فالطلب شغل الظاهر، والمطلوب شغل الباطن، ولا يستقيم ظاهر إلا بباطن، ولا يسلم ظاهر إلا بباطن، وكان رضي الله عنه يقول: لا ينصحك من لا ينصح نفسه، ولا تأمن الغش ممن غش نفسه، وكان يقول: من رأيته يميل إليك لأجل نفعه منك فاتهمه، وكان يقول: من ذكرك بالدنيا، ومدحها عندك ففر منه، ومن كان سبباً لغفلتك عن مولاك فأعرض عنه، وعليك بحسم مادة الخواطر المشغلة التي يتولد منها محبة الدنيا، وإذا صدر منها خاطر فاعرض عنه، واشتغل بذكره عز وجل عن ذلك الخاطر وكان يقول: احذر أن تساكن الخاطر
(1/137)

فيتولد من الخاطر هم، وربما غفلت عن الهم فيتولد منه إرادة، وربما قويت الإرادة فصارت هوى غالباً فإذا صارت هوى غالباً ضعف القلب وذهب نوره، وربما تلف بالكلية، وانعزل عنه العقل وصار كأن عليه غطاء.
وكان رضي الله عنه يقول: عليك بالاستغفال بالله تعالى فإن عجزت عن الاستغفال به فعليك بالاشتغال بالله تعالى فإن عجزت عن الاشتغال به فعليك بالاشتغال بطاعة الله تعالى، ولا أرى لك عذراً في عدم الاشتغال بطاعته لأنها أول درجات الترقي.
وكان رضي الله عنه يقول: صلاح القلب في التوحيد، والصدق، وفساده في الشرك، والرياء، وعلامة صدق التوحيد شهوة، واحد ليس معه ثان مع عدم الخوف، والرجاء إلا من الله تعالى وأما الصدق فهو التجرد عن الكل، ومحو كل ذات ظهرت، وفقد كل صفة بطنت فإذا رأيت ميل قلبك إلى الخلق فانف عن قلبك الشرك، وإذا رأيت ميل قلبك إلى الدنيا فانف عن قلبك الشك وكان رضي الله عنه يقول: عليك بالإحسان إلى رعيتك، والرعية خصوص، وعموم فالعموم العبد، والأمة والولد، والخصوص ما وراء ذلك فعليك بروحك ثم بسرك ثم بقلبك ثم بعقلك ثم بجسدك ثم بنفسك فالروح تطالبك بالشوق، وسرعة السير إليه من غير فتور، والسر يطالبك بأن تخفي سرك، والقلب يطالبك بالذكر له، والمراقبة، وأن تنسى نفسك، وسواه في ذكرك، والعقل يطالبك بالتسليم إليه، والموافقة له، وأن تكون مع مولاك على نفسك، وسواك، والجسد يطالبك بالخدمة له، وخلوص الطاعة، والنفس تطالبك بكفها، وحجرها عن كل ما مالت إليه، وحبسها وتقييدها، وأن لا تصبحها، ولا تستصحبها، وكان يقول: إياك أن تغفل عن مولاك وعما تعبدك به مولاك، وتشتغل بما تعبدك به عمن تعبدك بالعبادة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا لم تعن بنفسك فغيرك أحرى أن يضيع نفسك، وكان يقول: أستغفر الله من تقصيري في كل عبادة عدد أنفاسي، وكان يقول: لو استغفرت الله عز وجل بصدق، وإخلاص منذ ابتداء الخلق إلى انتهاء الخلق من غير فتور نفس واحد من أنفاسي ما وفي استغفاري بنفس واحد غفلت فيه عن الله عز وجل فكيف، وأنفاسي كثيرة، واستغفاري خال عن الصدق، والإخلاص فقد بان نقصي، وتقصيري، وإذا كانت أنفاسي ذنوباً، واستغفاري يحتاج إلى استغفار إلى ما لا نهاية له فكيف حالي. نسأل الله المغفرة. وكان رضي الله عنه يقول الأخلاق الشريفة كلها تنشأ من القلوب، والأخلاق الذميمة كلها تنشأ من النفوس فالصادق في الطلب يشرع في رياضة نفسه، وطهارة قلبه حتى تتبدل أخلاقه فيبدل الشك بالتصديق، والشرك بالتوحيد، والمنازعة بالتسليم، والسخط والاعتراض بالرضا، والتفويض، والغفلة بالمراقبة، والتفرقة بالجمعية، والغلظة باللين، واللطف، ورؤية عيوب الناس بالغض عنها، ورؤية المحاسن، والقسوة بالرحمة، والغل، والحقد بالنصيحة، والإدلال بالخوف، وخوف التحويل، ويرى أنه ما وفى حق الله تعالى في ساعة من الساعات، ولا قام بشكر ما أعطاه من فعل الخيرات، وحينئذ تتحقق عبوديته، ويصفو توحيده، ويطيب عيشه، ويعيش مع الله تعالى عيش أهل الجنان في الجنان، وهذه أخلاق الأنبياء، والصديقين، والأولياء، والصالحين، والعلماء العاملين.
وكان رضي الله عنه يقول: لم يصل أولياء الله تعالى إلى ما وصلوا بكثرة الأعمال، وإنما وصلوا إليه بالأدب. وكان رضي الله عنه يقول ما دامت النفس باقية بأخلاقها، وصفاتها فحركات العبد كلها متابعة لخواطرها، وهي شيئان إما للخلق، وذلك شرك أو الراحة النفس، وذلك هوى فالشرك لا يترك التوحيد يصفو، والهوى لا يترك العبودية تصفو، وما لم يشتغل السالك بإضعاف هذا العدو الذي بين جنبيه لا يصح له قدم، ولو أتى بأعمال تسد الخافقين، والرجل كل الرجل من داوى الأمراض من خارج، وشرع في قلع أصولها من الباطن حتى يصفو وقته، ويطيب ذكره، ويدوم أنسه، وكان رضي الله عنه يقول: يجب على السالك إذا رأى من نفسه خلقاً سيئاً من كبر أو شرك أو بخل أو سوء ظن بأحد أن يدخل نفسه في ضد ما دعت إليه ثم يقبل على ذكر الله تعالى، ويستنجد بحوله، وقوته، ومجاهداته فتضعف أخلاق نفسه، ويكثر نور قلبه فينزل الحق تعالى ذرة من محبته فيترك الأشياء بلا مكابدة، ويقطع كل مألوف بلا مجاهدة، وكان رضي الله عنه يقول: الأصول التي يبني عليها المريد أمره أربعة اشتغال اللسان مع حضور القلب بذكره، وجبر القلب على مراقبته، ومخالفة النفس والهوى من أجله، وتصفية اللقمة لعبوديته، وهي القطب، وبها تزكو الجوارح، ويصفو القلب فيعطي النفس حظها من المأكل، والمشرب، ويمنعها ما يطغيها منه لأنها أمانة الله عز وجل عند العبد، وهي مطيته التي يسير عليها فظلمها كظلم الغير
(1/138)

بل هو أشد لما ورد في خلود قاتل نفسه دون قاتل غيره، والإكسير الذي يقلب الأعيان ذهباً خالصاً الإكثار من الذكر مع الإخلاص، وكان رضي الله عنه يقول: المراقبة لله عز وجل هي المفتاح لكل سعادة، وهي طريق الراحة المختصرة، وبها يطهر القلب، وتندحض النفس، ويقوى الأنس فينزل الحب، ويحصل الصدق.
وهو الحارس الذي لا ينام، والقيوم الذي لا يغفل، وكان رضي الله عنه يقول: يجب على كل عبد أن يدخل نفسه في كل شيء يغمها، ويسوءها حتى ترجع مطيعة له فإنها هي العقبة التي تعبد الله الخلق باقتحامها، وهي حجاب العبد عن مولاه، وما دام لها حركة لا يصفو الوقت، وما عام لها خاطر لا يصفو الذكر، وبقاء النفس هو الذي صعب على العلماء الإخلاص في تعليمه فإن النفس إذا استولت على القلوب أسرتها، وصارت الولاية لها فإن تحركت تحرك القلب لها، وإن سكنت سكن من أجلها، وحب الدنيا، والرياسة لا يخرج قط من قلب العبد مع، وجودها فكيف يدعي عاقل حالا بينه، وبين الله عز وجل مع استيلائها، أم كيف يصح لعابد أن يخلص في عبادته، وهو غير عالم بآفاتها فإن الهوى روحها، والشيطان خادمها، والشرك مركوز في طبعها، ومنازعة الحق، والاعتراض عليه مجبول في خلقتها، وسوء الظن، وما ينتج من الكبر، والدعوى، وقلة الاحترام سيمتها، ومحبة الصيت، والاستهتار حياتها، ويكثر تعداد آفاتها وهي التي تحب أن تعبد كما يعبد مولاها، وتعظم ربها فكيف يقرب عبد من مولاه مع بقائها ومصالحتها، ومن أشفق عليها لا يفلح أبداً فيجب على الصادق أن كل ما تمقته النفوس يعانقه، وكل ما تميل إليه يفارقه، ويقبل من الذامين ذمهم فيه، ويقول للمادحين ما مدحتموه من وراء حجاب، ويقول لنفسه في كل نفس لا قرب الله مرادك، وأبعد مرامك فنعوذ بالله من أرض ينبت فيها نزاهة النفوس فإن من لمح نزاهتها، ورأى لها قدراً أو علم أن في الوجود أخس من نفسه فما عرف نفسه فكيف ينزهها أو يغضب لها أو يؤذي مسلماً لأجلها فيجب اجتنابها كالسم، وما دامت في وجه القلب لا يصل إلى القلب خير لأنها ترس في وجهه، وكلما قويت على القلب زاد شره، ونقص خيره، وما بقى منها بقية فالشيطان لا ينعزل عنها، والخواطر المذمومة لا تنقطع منها وكان رضي الله عنه يقول: يجب على السالك ألا يشتغل بالكلية بمقاومة نفسه فإن من اشتغل بمقاومتها أوقفته كما أن من أهملها ركبته بل يخدعها يخدعها بأن يعطيها راحة دون راحة ثم ينتقل إلى أقل من ذلك، ومن قاومها، وصار خصمها شغلته، ومن أخذها بالخدع، ولم يتابع هواها تبعته.
وكان رضي الله عنه يقول: إذا لبست النفس على مريد حالها، وادعت الترك للدنيا وأن عملها، وعلمها، وتعليمها خالص لله تعالى فيجب عليه أن يزنها بالميزان التي لا تنخرم، والمعيار الذي لا يظلم، وهو تصوير ذمها بعد مدحها، وردها بعد قبولها، والإعراض عنها بعد الإقبال عليها، وذلها بعد عزها، وإهانتها بعد إكرامها فإن وجد عندها التغير والانتصار فقد بقي عليه من نفسه بقية يجب عليه مجاهدتها، ولا يجوز له الاسترسال معها، وليعلم حين التغير أنه واقف مع نفسه عابد لها معين لها على حصول آفاتها وصاحب هذا الحال بعيد من الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: إن المريد متى ترك مجاهدة نفسه، ولم يجذبها، وثبت أخلاقها، وعجز عن الخروج عنها، وكأنه في كل يوم يبني على ذلك الأساس، ويشيده في كل لحظة حتى يموت بدائه، وحسرته فإنه قل من يسر لنفسه الجاه، والصيت فأمكنه الخروج عنه فيجب عليه أن يستغيث بربه عز وجل، وينكس رأسه، ويعتذر إليه، ويسكت عن كل دعوى، وكان رضي الله عنه يقول: كل من بقي له عدو يخاف أن يشمت به فإنما هو لبقاء نفسه، ولبقاء حب الدنيا في قلبه، وكان رضي الله عنه يقول: من أعرض الخلق عنه فتغير منه شعرة واحدة فهو واقف معهم مشرك بربه عز وجل، ومن كسر بكل مرض فتغير منه شعرة واحدة فهو واقف مع نفسه في حجاب عن ربه ومن تغير في حال الذل، ولم يكن كما كان في حال العز فهو محب للدنيا بعيد من ربه وكان رضي الله عنه يقول: كل ما أغفل القلوب عن ذكره تعالى فهو دنيا، وكل ما أوقف القلوب عن طلبه فهو دنيا، وكل ما أنزل الهم بالقلب فهو دنيا. وكتب رضي الله عنه رسالة إلى بعض أخوانه: السلام عليك يا أخي ورحمة الله، وبركاته وبعد فقد سألتني أيها الأخ أن أدعو لك، والعبد أقل من أن يجاب له دعاء، ولكن ندعو لك امتثالا فنقول: ألهمك الله يا أخي ذكره، وأوزعك شكره، ورضاك بقدره، ولا أخلاك من توفيقه، ومعونته، ولا وكلك إلى نفسك، ولا إلى أحد من خليقته،
(1/139)

وجعلك ممن، وفى بعهده، وصدق في قوله وفعله وجعلك ممن أراد الله عز وجل وجل في الطلب بالصدق والأدب وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، والتصديق، وأراد الدار الآخرة بالأعمال الصالحة، واحتمال الأذى، وترك الأذى، وجعلك من المستهترين أي المواظبين لذكر الله تعالى الوجلين من خشية الله تعالى المخلصين لله عز وجل الموحدين لله عز وجل المصدقين لله المؤثرين لله تعالى على أنفسهم المقدمين حقه على حقوقهم الذين خلت بواطنهم من الحقد، وقلوبهم من سواه، ولم يطلبوا من مولاهم سوى الدين الذين لا يستأثرون، ولا يزاحمون ولا يتخصصون، ولسوى مولاهم لا يريدون، وبغيره لا يفرحون، وعلى فقد غيره لا يحزنون الذين هم على جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشفقون، وبهم يرفقون الذين ينصحون المسلمين ولا يقبحون ويعرفون، ولا يعنفون، وعن عيب من فيه العيب يغمضون، ويسترون، ولعورات المسلمين لا يتبعون الذين هم لله تعالى في جميع الحركات، والسكنات يراقبون الذين غضبهم لله تعالى من غير حقد، ولا تمني سوء، ورضاهم لله عز وجل من غير هوى الذين لا يأمرون إلا بما أمرت به الشريعة، ولا ينكرون إلا ما أنكرت الشريعة على حسب طاقتهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم الذين يبغضون الظلم من الظالم، ويمقتون الظالم، ولا يعظمونه، ويسألون الله تعالى تعجيز الظلمة حتى لا يظلمون، ويتوب الله عليهم حتى يتوبون الذين بما أنزل الله تعالى، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحكمون الزاهدين في الدنيا، والخلق المقبلين بكليتهم على الحق الذين لا يرون من مولاهم إلا ما يرضونه، ويستحسنونه، ولا يرون من نفوسهم إلا ما يكرهونه، ويستوحشونه، وجعلك يا أخي من الموحدين الذين لا شرك عندهم المنزهين الذين لا تهمة عندهم المصدقين الذين لا شك عندهم الذاكرين الذين لا نسيان عندهم الطالبين الذين لا فتور عندهم المتبعين الذين لا ابتداع عندهم المؤثرين الذين لا شفقة على نفوسهم عندهم الزاهدين الذين لا ميل إلى السوي عندهم الذين لا منازعة عندهم الراضين الذين لا سخط عندهم الراحمين للخلق ولا غلظة عندهم الناصحين الذين لا مصانعة عندهم الذين الخوف ملازمهم، والعظمة نصب أعينهم الذين لا يخطر ببالهم كيفية، ولا خيال، وجعلك يا أخي من المحافظين للطاعة التاركين للعادة الذين لا يرضيهم سوى
مولاهم، ولا يرضون نفوسهم، وأرواحهم له، ولا سواهم الذين لا يحقدون، ولا يبغضون. ولاهم، ولا يرضون نفوسهم، وأرواحهم له، ولا سواهم الذين لا يحقدون، ولا يبغضون.
ويقفون أثر الشارع، وبه يقتدون، وعلى جميع أصحابه يترحمون، وللقرابة يوادون، وبفضل السلف يعترفون الذين لا يبدعون المسلمين بآرائهم، ولا بأهوائهم، ولا يفسقون الذين خلت بواطنهم من ظن السوء أو تمنيه لمن آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر الذين ليس في بواطنهم إلا الشفقة، والرحمة الذين لا تعجبهم زينة الدنيا، ولا يرون عزيزها عزيزاً، ولا غنيها غنياً، ولا ملكها ملكاً، ولا المستريح فيها مستريحاً، ولا الصحيح فيها معافى الذين يرحمون من أخذ الدنيا بحذافيرها لأنه ما معه شيء الذين يطالبون نفوسهم بالحقوق، ولا يطالبون لنفوسهم الذين لا يلحقهم هم لأجل مقسوم، ولا خوف من مخلوق الذين باينوا صفاتهم حتى انغمرت، ونقوا أخلاقهم حتى ذهبت، وخالفوا نفوسهم حتى عدمت الذين يحببون الله عز وجل إلى خلقه، ويذكرونهم نعمه، ويحببون خلقه إليه بحثهم على طاعته والاعتراف بنعمته والاعتذار من تقصيرهم في خدمته الذين أيديهم مقبوضة عن أموال الناس، وجوارحهم مكفوفة عن أذى المسلمين، والمسلمون معهم في راحة لا يقابلون عن السوء إلا عفواً، وصفحاً آمين اللهم آمين: انتهى والله أعلم.
قلت: وجميع هذه الرسالة من أخلاق الكمل، وما رأيت في لسان الأولياء أوسع أخلاقاً منه، ومن سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله عنهما.

ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي إبراهيم المسوقي القرشي
رضي الله عنه
هو من أجلاء مشايخ الفقراء أصحاب الخرق، وكان من صدور المقربين، وكان صاحب كرامات ظاهرة ومقامات فاخرة، ومآثر ظاهرة، وبصائر باهرة، وأحوال خارقة، وأنفاس صادقة، وهمم عالية، ورتب سنية ومناظر بهية، وإشارات نورانية، ونفحات روحانية، وأسرار ملكوتية، ومحاضرات قدسية له المعراج الأعلى في المعارف، والمنهاج الأسنى في الحقائق، والطور الأرفع في المعالي، والقدم الراسخ في أحوال النهايات، واليد البيضاء في علوم الموارد، والباع الطويل في التصريف النافذ، والكشف الخارق عن حقائق الآيات، والفتح المضاعف في معنى المشاهدات، وهو أحد من أظهره الله عز وجل إلى الوجود وأبرزه رحمة للخلق، وأوقع له القبول التام عند
(1/140)

الخاص، والعام، وصرفه في العالم، ومكنه في أحكام الولاية، وقلب له الأعيان، وخرق له العادات، وأنطقه بالمغيبات، وأظهر على يديه العجائب، وصومه في المهد رضي الله عنه، وله كلام كثير عال على لسان أهل الطريق. ومن كلامه رضي الله عنه من لم يحن مجتهداً في بديته لا يفلح له مريد فإنه إن نام نام مريده، وإن قام قام مريده وإن أمر الناس بالعبادة وهو بطال أو توبهم عن الباطل، وهو يفعله ضحكوا عليه، ولم يسمعوا منه.
وكان ينشد كثيراً إذا قيل له انصحنا، وأرشدنا بمثالين من قول بعضهم:
لا تعدلين الحراير حتى تكوني مثلهن ... يقبح على معلولة تصف دواء للناس
وكان رضي الله عنه يقول: يجب على المريد أن لا يتكلم قط إلا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضراً، وإن كان غائباً يستأذنه بالقلب، وذلك حتى يترقى إلى الوصول إلى هذا المقام، في حق ربه عز وجل، فإن الشيخ إذا رأى المريد يراعيه هذه المراعاة رباه بلطيف الشراب، وأسقاه من ماء التربية، ولاحظه بالسر المعنوي الإلهي فيا سعادة من أحسن الأدب مع مربيه، ويا شقاوة من أساء، وكان رضي الله عنه يقول: من عامل الله تعالى بالسرائر جعله على الأسرة، والحضائر، ومن خلص نظره من الاعتكاس سلم من الالتباس وكان رضي الله عنه يقول: من غاب بقلبه في حضرة ربه لا يكلف في غيبته فإذا خرج إلى عالم الشهادة قضى ما فاته، وهذا حال المبتدئين أما حال الكمل فلا يجري عليهم هذا الحكم بل يردون لأداء فرضهم، وسننهم، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يكن متشرعاً بتحققاً نظيفاً عفيفاً شريفاً فليس من أولادي، ولو كان ابني لصلبي، وكل من كان من المريدين ملازماً للشريعة والحقيقة، والطريقة، والديانة، والصيانة، والزهد، والورع، وقلة الطمع فهو، ولدي، وإن كان من أقصى البلاد. وقيل له مرة ما تريد؟ فقال: أريد ما أراد الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: ما كل من وقف يعرف لذة الوقوف، ولا كل من خدم يعرف آداب الخدمة، ولذلك قطع بكثير من الناس مع شدة اجتهادهم، وكان رضي الله عنه يقول: سألتكم بالله يا أولادي أن تكونوا خائفين من الله تعالى فإنكم غنم السكين، وكباش الفناء، وخرفان العلف يا من تنور شواهم قد أوهج، ويا من السكين لهم تحد، وتجذب: " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " " التحريم: 6 "، وكان رضي الله عنه يقول: لا يكمل الفقير حتى يكون محباً لجميع الناس مشفقاً عليهم ساتراً لعوراتهم فإن ادعى الكمال، وهو على خلاف ما ذكرناه فهو كاذب، وكان يقول: لا تنكروا على فقير حاله، ولا لباسه، ولا طعامه، ولا على أي حال كان، ولا على أي ثوب يلبس ولا إنكار على أحد إلا إن ارتكب محظوراً صرحت به الشريعة، وذلك أن الإنكار يورث الوحشة والوحشة سبب لانقطاع العبد عن ربه عز وجل، فإن الناس خاص وخاص الخاص، ومبتدي، ومنته، ومتشبه، ومتحقق، ويرحم الله تعالى البعض بالبعض، والقوي ما يقدر أن يمشي مع الضعيف وعكسه والفقراء غيث، وهو سيف فإذا ضحك الفقير في وجه أحدكم فاحذروه، ولا تخالطوه إلا بالأدب، وكان رضي الله عنه يقول: الشريعة أصل، والحقيقة فرع فالشريعة جامعة لكل علم مشروع، والحقيقة جامعة لكل علم خفي، وجميع المقامات مندرجة فيهما.
وكان رضي الله عنه يقول: يجب على المريد أن يأخذ من العلم ما يجب عليه في تأديته فرضه، ونفله، ولا يشتغل بالفصاحة، والبلاغة فإن ذلك شغل له عن مراده بل يفحص عن آثار الصالحين في العمل، ويواظب على الذكر، وكان يقول: الرجال منهم رجل، وبصف رجل، وربع رجل، ورجل كامل، وبالغ، ومدرك، وواصل، وكان رضي الله عنه يقول: توبة الخواص محو لكل ما سوى الله تعالى ولا يتطلعون إلى عمل، ولا قول يتوبون عن أن يختلج في أسرارهم أن لي أو يتوهمون أن علي، ويخشون من قول أنا فهم يراعون الخطرات، وكان يقول: يا مريدي اجمع همة العزم، وقوة شدة الحزم لتعرف الطريق، لإدراك لا بالوصف فأي مقام، وقفت فيه حجبك بل ارفض كل ما يحجبك عن مولاك فإن كل ما دون الله تعالى باطل، وكأن رضي الله عنه يقول: الأعراض تورث الأعراض، وكان يقول: دعني يا ولدي من البطالات، وتجرد من قالبك إلى قلبك، وكان رضي الله عنه يقول: احذر يا أخي أن تدعي أن لك معاملة خالصة أو حالا، واعلم أنك إن صمت فهو الذي صومك، وإن قمت فهو الذي أقامك، وإن عملت فهو الذي استعملك، وإن رأيت فهو الذي أراك، وإن شربت شراب القوم فهو الذي أسقاك، وإن اتقيت فهو الذي وقاك، وإن ارتفعت فهو الذي رقى منزلتك، وإن نلت فهو الذي نولك، وليس لك في الوسط شيء إلا أن تعترف بأنك عاص
(1/141)


مالك حسنة، واحدة، وهو صحيح من أين لك حسنة، وهو الذي أحسن إليك، وهو الحاكم فيك إن شاء قبلك، وإن شاء ردك، وكان رضي الله عنه يقول: ولد القلب خير من ولد الصلب، فولد الصلب له إرث الظاهر من الميراث وولد القلب له إرث الباطن من السر.
وكان يقول: من أدخل دار الفردانية، وكشف له عن الجلال والعظمة بقي هو بلا هو فحينئذ يبقى زماناً ما فانياً ثم يعود في حفظ الله تعالى: وكلاءته سواء حضر أو غاب، ولا يبقى له حظ في كرامات، ولا كلام، ولا نظام نفساني، وخلص لجانب العبودية المحضة، وكان رضي الله عنه يقول: أصحاب العطاء كثير، وأهل هذا الزمان ما بقي عندهم إلا المنافسة إما يسألون عن معنى الصفات أو معنى الأسماء أو معنى مقطعات حروف المعجم، وهذا لا يليق بالمبتدئ السؤال عنه وأما المتمكن فله أن يلوح بذلك لمن يستحق فإن علمها طريقة الكشف لا غير، وأما من اشتغل بحفظ كلامه الناس أو جمع الحقائق، ولسان المتكلمين في الطريق، والطرائق فمتى يعيش عمراً آخر حتى يفرغ من عمر الفناء إلى عمر البقاء فإن القوم كانوا محبين.
وكل منهم يتكلم بلسان محبته وذوقه فهو كلام لا يحصر، وبحر غرق فيه خلق كثير، ولا، وصل أحد إلى قعره، ولا إلى ساحله، وإنما يذكر العارف كلام غيره تستراً على نفسه أو تنفيساً لما يجده من ضيق الكتمان آه آه آه، ولقد شهد الله العظيم أني ما أتكلم قط أو أخط في قرطاس إلا، وأتوخى أن يكون ذلك شاكلا أو بياناً لمعنى غامض على الناس لا غير فإن الصدق قد ذهب من أكثر الناس وكان رضي الله عنه يقول: جميع المعبرين، والمؤولين، والمتكلمين في علم التوحيد والتفسير لم يصلوا إلى عشر معشار معرفة كنه إدراك معرفة ومعنى حرف، واحد من حروف القرآن العظيم، وكان يقول: أول الطريق الخروج عن النفس، والتلف، والضيق، والحظ فإن الفلاح، والنجاح والصلاح، والهدى، والأرباح لا تصح إلا لمن ترك الحظ، وقابل الأذى، والشر بالاحتمال، والخير، ووسع خلقه والفقير لا يكون له يد، ولا لسان، ولا كلام، ولا صرف، ولا شطح، ولا فعل رديء، ولا يصرفه عن محبوبه صارف ولا ترده السيوف، والمتالف، وكان رضي الله عنه يقول: أكل الحرام يوقف العمل، ويوهن الدين، وقول الحرام يفسد على المبتدئ عمله، والطعام الحرام يفسد على العامل عمله، ومعاشرة أهل الأدناس تورث الظلمة للبصر، والبصيرة، وكان رضي الله عنه يقول: إن الله عز وجل يحب من عباده أخوفهم منه وأطهرهم قلباً، وفرجاً ولساناً ويداً وأعفهم، وأعفاهم، وأكرمهم، وأكثرهم ذكراً، وأوسعهم صدراً.
وكان يقول: من كان في الحضرة نظر الدنيا، والآخرة، وكان يقول: إياكم، والدعوات الكاذبة فإنها تسود الوجه، وتعمي البصيرة، وإياكم ومؤاخاة النساء، وإطلاق البصر في رؤيتهن، والقول بالشاهد والمشي مع الأحداث في الطرقات فإن هذا كله نفوس، وشهوات، ومن أحدث في طريق القوم ما ليس فيها فليس هو منا، ولا فينا قال الله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا "، وكان رضي الله عنه يتكلم بالعجمي، والسرياني والعبراني، والزنجي، وسائر لغات الطيور، والوحش، وكتب رضي الله عنه إلى بعص مريديه بعد السلام وإنني أحب الولد، وباطني خلى من الحقد، ولا بباطني شظا، ولا حريق لظى، ولا جوى من مضى، ولا مضض غضا، ولا نكص نصا، ولا سقط نطا، ولا ثطب غظا، ولا عطل حظا، ولا شنب سرى، ولا سلب سبا، ولا عتب فجا، ولا سمداد حدا، ولا بدع رضا، ولا شطف جوا، ولا حتف حرا، ولا خمش خيش، ولا حفص عفص، ولا خفض خنس، ولا حولد كنس، ولا عنس كنس، ولا عسعس خمس، ولا جيقل خندس، ولا سطاريس، ولا عيطافيس، ولا هطا مرش، ولا سطا مريش، ولا شوش أريش، ولا ركاش قوش، ولا سملادنوس، ولا كتباً سمطلول الروس، ولا بوس عكمسوس، ولا انفداد أفاد، ولا قمداد انكاد، ولا بهداد، ولا شهداد، ولا بد من العيون، وما لنا فعل إلا في الخير، والنوال انتهى، وكتب إلى بعض مريديه أيضاً: سلام على العرائس المحشورة في ظل، وابل الرحمة، وبعد فإن شجرة القلوب: إذا هزت فاح منها شذاً يغذي الروح فيستنشق من لا عنده زكم فتبدو له أنوار، وعلوم مختلفة مانعة محجوبة معلومة لا معلومة معروفة لا معروفة غريبة عجيبة سهلة شطة فائقة طعم، ورائحة، وشم يم محل جميل جهد راب علوب نغط نبوط هوبط سهبط جرموا غميطا غلب عمن عسب غلب عرماد علمود على عروس علماس مسرود قدقد فرسم صباع صبع صبوغ نبوب جهمل جما يدحر بوعس قنبود سماع بناع سرنوع ختلوف كداف كروف كمتوف شهدا سهنبيل ختلولف ختوف رصص
(1/142)

مامن قمن قرفنيود سعى طبوطا طابرطا كمط، كهرجة جهد بيد قيلودات كهلودات كيكل كلوب فافهم مبرم وقرم منعم وأخبر سهدم سوس سفيوس كلا فيدلا تهتر عن عنيلا سعسد سج تزيد، ولا تتكوكع زند حدام هدام سكهدل، وقد سطرنا لك يا ولدي تحفة سنية، ودرة مضية ربانية سريانية شمسية قمرية كواكب درية، وأنجم خفية علوية، وإنما تصفح المبهم المغلق المغرب الذي سره مغطى بالرموز انتهى.
وكتب رضي الله عنه إلى بعض مريديه أيضاً: سلام إن هب الجنوب المفتق أو الصبا المعبق أو الضحى المرونق أو الشمس المتحفة أو الأضحية المعترفة في الأبرجة المعونقة، والمجبرة المحونقة، والميثرة المحتوطفة، واللطيفات المختلفة المستوجنة، والأرابج الأرياح المتولوجة المستودجة فالشهار، والأنهار المستوطج، والصفو المزروق أو المفتودج، والفتوع، والسنبابول، والسربايور، والشوشاند، والشربو ساسع، والبرقوا شاند تفهم يا ولدي فإن كلام المغرب لا يشاكل المعرب وما ليس من لغة العرب لا يفهمه إلا من له قلب أو فهمه الرب، ولا إنكار على علماء الحقيقة، وهم يتكلمون بكل لسان، ولهم لسن عجام، وكتب رضي الله عنه: سلاماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسله مع الحجاج: سلام على أمير حي المحيا جميل المعنى سخي المراشف أرخى المعاطف كريم الخلق سني الصدق عرفوط الوقت، وردساني الفهم ثاقب المرحب محبول الرحب قطابة النفل قيدوح النماطة ليدوح النباطة سرسا مع الوحب بهدياني الوعب بهبساني الحداقة سهبري النساقة موز الرموز عموز النهوز سلاحات أفق فردفانية أمق شوامق اليرامق حيد وفرقيد، وفرغاط الأسباط، ومبيط البساط الكرقولية، والقدد القيلولية إن حدول شذول وإن عرذل خردل السبل السبل يبط العقود النماحة النياحة جاجوي نبا كلكوي سبا مقطعات حم، ومحكمات حكيم بدايه لوايع إن شدت أنشدت عنيقبات رسمانية ناتوتية نابهتنية بابلية أرس أرسون كمين كبيوت ناتون نون، وجيم ونقطة تنعيم ازمح همدج تنسج هيج دهبر رعبوت قيداف قيدوف عرائش مجليات شعشانية على قطط النبط لا النمط، والبعد لا الشطط فلاق القندم خلاق الزيدم، وأبقى الهندم إن طاطا فطاوما، وإن تعاطى فاستبرق يسمع عنين النبك، وعنين التبك من أوباح فوائد، وأدراح قلائد ليش من لفظ قس الأيادي، ولا له بها أيادي نهدبانية البهاسبهانية الربا قل تيشلقت بالنباهة أببا، وتعطرفت بالسياحة عببا طرايقا عجنبا عرائفها جبا إن تمادى تمدى، وإن بعد أعدد لفظة بارق لحظة حاذق إن ينشد فردقوينة قد أعدت بالرشطاط من قروربان، وحرموزان كروم المرتبلاه، ولا أشباه ألم تك، والدتك، والدتك انتهى. وكان رضي الله عنه يقول: عليك بالعمل، وإياك، وشقشقة اللسان بالكلام في الطريق دون التخلق بأخلاق أهلها، وقد كان صلى الله عليه وسلم يجوع حتى شد الحجر على بطنه، وقام حتى تورمت قدماه ثم تبعه أكابر الصحابة رضي الله عنهم على ذلك فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا تنهد يشم لكبده رائحة الكبد المشوي، وأنفق ماله في سبيل الله كله، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد العمل، والكد حتى رقع دلقه بالجلود، ولف رأسه بقطعة خش، وكان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن قائماً كل ليلة على أقدامه، وكان علي رضي الله عنه من زهاد الصحابة، ومجاهديهم حتى فتح أكثر بلاد الإسلام هؤلاء خواص الصحابة رضي الله عنهم مع قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كان عملهم هذا كان اجتهادهم، وزهدهم، وجوعهم فأحكموا الحقيقة والشريعة ولا تفرطوا إن أردتم أن تكونوا يقتدى بكم وما سميت الحقيقة حقيقة إلا لكونها تحقق الأمور بالأعمال، وتنتج الحقائق من بحر الشريعة، وكان رضي الله عنه يقول: ما دام لسانك يذوق الحرام فلا تطمع أن تذوق شيئاً من الحكم، والمعارف.
وكان رضي الله عنه يقول: للباصر في العين بصر، وللقلب لسان يدق عن الإدراك، وكان رضي الله عنه يقول: أحببه يحبك أهل الأرضين، والسماء، وأطعه يطع لك الجن، والإنس، ويجف لك البحر والماء، ويطع لك الهواء، وكان يقول: يا ولدي عليك بالتخلق بأخلاق الأولياء لتنال السعادة، وأما إذا أخذت، ورقة الإجازة، وصار كل من نازعك تقول: هذه إجازتي بالمشيخة دون التخلق فإن ذلك لا شيء إنما هو حظ نفس لكن اقرأ الإجازة، واعمل بما فيها من الوصايا، وهناك تحصل على الفائدة، ويحصل لك الاصطفاء، وهذه طريق مدارج الأولياء قرناً بعد قرن، وجيلا بعد جيل إلى آخر الدنيا، وكان رضي
(1/143)

الله عنه يقول: إذا اشتغل المريد بالفصاحة، والبلاغة فقد تودع منه في الطريق، وما اشتغل أحد بذلك إلا وقطع به، وأما حكايات الصالحين، وصفاتهم فمطالعتها للمريد جند من أجناد الله تعالى ما لم يقنع بها في الطريق، وكان يقول: العلم كله مجموع في حرفين أن يعرف العبودية، ويعبده فمن فعل ذلك فقد أدرك الشريعة، والحقيقة، وليس في هذا تعطيل العلماء بل العلم ابن للعمل، وإنما قلنا ذلك من أجل قول الله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر منه " " المزمل: 20 " ولكل فرقة منهاج، وإلا فقد يجمع الله العلم، والعمل في رجل واحد، يفيد الناس كل الفوائد فالشريعة هي الشجرة، والحقيقة هي الثمرة، وكان يقول: الطريق إلى الله تعالى تفني الجلاء، وتفتت أكباد، وتضني الأجساد، وتدفع السهاد، وتسقم القلب، وتذيب الفؤاد فإذا ارتفع الحجاب سمع الخطاب، وقرأ من اللوح المحفوظ الرموز، واطلع على معان دقت، وشرب بأوان رقت فكان مع قلبه ثم يكون مع مقلبه لا مع قلبه لأن الله يحول بين المرء، وقلبه فإذا خرج عن الكل طال لسانه بلا لسان مع شدة اجتهاده، وأعماله الظاهرة ثم الباطنة ثم بعد ذلك لا حركة، ولا كلام، ولا تسمع إلا همساً إنما هو سمت بلا حس ثم يصفو من صفاء الصفاء، ووفاء الوفاء، ويخلص من إخلاص الإخلاص في الإخلاص للإخلاص ثم يتقرب بما يكون به جليساً فإن المجالسة لها آداب أخر خاصة يعرفها العارفون وكان رضي الله عنه يقول: إذا كمل العارف في مقام العرفان أورثه الله علماً بلا واسطة، وأخذ العلوم المكتوبة في ألواح المعاني ففهم رموزها وعرف كنوزها، وفك طلسماتها، وعلم اسمها، ورسمها، وأطلعه الله تعالى على العلوم المودعة في النقط، ولولا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول، وكذلك لهم من إشارات العبارات عبارات معجمة، وألسن مختلفة، وكذلك لهم في معاني الحروف، والقطع، والوصل، والهمز، والشكل، والنصب، والرفع ما لا يحصر، ولا يطلع عليه إلا هم وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر، والماء، والهواء، وما في البر، والبحر، وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء، وما في جباه الإنس، والجان مما يقع لهم في الدنيا، والآخرة، وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب بلا كتابة من جميع ما فوق الفوق، وما تحت التحت، ولا عجب من حكيم يتلقى علماً من حكيم عليم فإن مواهب السر اللدني قد ظهر بعضها في قصة موسى، والخضر عليهما السلام، وكان رضي الله عنه يقول: من الأولياء من لا يدري الخطاب، ولا الجواب فهو كالحجارة مودعة أسراراً ناطقة بلسان حال صامتة عن الكلام مودعة من غوامض الأسرار، والعطاء مفرق فمنهم عارف، ومحب، ومشغوف، وذاكر، ومذكر، ومعتبر، وناطق، وصامت، ومستغرق، وصائم، وقائم، وهائم، ومفطر، وصائم صائن، وصائم صائم، وقائم دائم، ونائم، واصل، وواصل سهران، وواقف ذاهل، وداهش، واهن وواهم، وباك باسم، ومقبوض، وضاحك، وخائف، ومختلط، ومختبط، وموله، ومتوله، وصائح، ونائح، ومجموع بجمعيه، وجمعه إن خرج عن إياهما انتفع، ومنهم من مزق الثياب حين حقق، وتاب، وغلب عليه الحال، ويرحم الله البعض بالبعض، وكان رضي الله عنه يقول: يا أولادي طوبى لمن وصل إلى حال تقرب العباد من الله تعالى ثم وقف يدعوهم إليها فكونوا داعين إلى الله تعالى بإذن الله، وكان رضي الله عنه يقول: رأس مال المريد المحبة، والتسليم، وإلقاء عصا المعاندة، والمخالفة، والسكون تحت مراد شيخه، وأمره فإذا كان المريد كل يوم في زيادة محبة وتسليم سلم من القطع فإن عوارض الطريق، وعقبات الالتفاتات، والإرادات هي التي تقطع عن الإمداد، وتحجب عن الوصول.
وكان رضي الله عنه يقول: يا أولادي إذا لم يحسن أحدكم أن يعامل مولاه فلا يقع في أحوال لا يدريها فإن القوم تارة يتكلمون بلسان التمزيق، وتارة بلسان التحقيق بحسب الحضرات التي يدخلونها وأنت يا ولدي لم تذق حالهم، ولا تمزقت، ولا دخلت حضراتهم فمن أين لك أنهم على الضلال أفتعوم يا ولدي البحر، ولست بعوام ثم إذا غرقت فقد مت ميتة جاهلية لأنك ألقيت نفسك للمهلك، والحق قد حرم عليك ذلك بل الواجب عليك يا ولدي أن تطلب دعاء القوم، وتلتمس بركاتهم هذا إذا لم تجد قدرة على عملهم، فإن وجدت قدرة على ذلك سعدت أبد الآبدين، واعلم يا ولدي أن ألسن القوم إذا دخلوا الحضرات مختلفة، وفي إشاراتهم وكلماتهم ما يفهم ومنها ما لا يفهم، وكذلك من أحوالهم ما يعبر عنه، ومنها ما لا يعبر وكذلك في أسرارهم ما لا يصل إليه مؤول، ولا معبر، ولا معطل، ولا مفسر لأن أسرارهم موضع سر الله تعالى، وقد عجز القوم عن معرفة أسرار الله تعالى في أنفسهم فكيف في غيرهم فيجب عليك يا ولدي التسليم لله في أمر القوم وحسن الظن
(1/144)

بهم لا غير فإني ناصح لك يا ولدي وإذا رميت من يحبه الله تعالى بالبهتان والزور وتجرأت على من قربه الله تعالى أبغضك الله تعالى، ومقتك فلا تفلح بعد ذلك أبداً، ولو كنت على عبادة الثقلين، وكان رضي الله عنه يقول: من قام في الأسحار، ولزم فيها الاستغفار كشف الله له عن الأنوار، وأسقى من دن الدنو من خمار الخمار وأطلعت في قلبه شموس المعاني، والأقمار فيا ولد قلبي اعمل بما قلته لك تكن من المفلحين، وكان يقول: كم من يتلو الاسم الأعظم، ولا يدريه، وما فهم معناه، وما لمس الأولياء الشجرة فأثمرت إلا به ولا سأل الماء من صخرة إلا به ولا سخرت الوحوش لولي إلا به ولا سأل ولي القطر فنزل إلا به ولا أحيا الموتى إلا به وكان رضي الله عنه يقول: لا يكون الرجل غواصاً في الطريق حتى يفر من قلبه، وسره، وعمله، وهمه، وفكره، وكل ما يخطر بباله غير ربه فآه آه لو كشف الحجاب عن الأثواب، وأبصر الأعمى الحرف الذي ليس بحرف، ولا ظرف، وذلك ما خفي من الغمض، وفتح قفل القفل، وفك أزرار المزرور فواشوقاه لصاحب تلك الحضرات مع أن الشوق لا يكون إلا للبعيد.
وكان رضي الله عنه يقول: كل من تحجبه أعماله، وأقواله عن درك ما شاء فهو محجوب عن مقام التوحيد، ومقام التفريد، ولا يزف الولي إلى ربه حتى يترك الوقوف مع سواه من مقام أو درجة، وكان يقول: إن أردت أن تجتمع على ربك فطهر باطنك، وضميرك من الخبث، والنية الردية، والإضمار بالسوء لأحد من خلق الله عز وجل وكان رضيى الله عنه يقول: إياك يا ولدي أن تقبل فتوى إبليس لك في الرخص فتعمل بها بعد عملك بالعزائم فإنه إنما يأمرك بالغي، والبغي في حجة رخصة الشرع لا سيما إن أوقعك في محظور ثم قال لك هذا مقدور أيش كنت أنت فإنك تهلك بالكلية. واعلم يا ولدي أن الله تعالى ما أمرك إلا باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد نهاك عن كل شيء يؤذيك في الدنيا، والآخرة فما بالك تخالفه، وإن كنت يا ولدي تقنع بورقة تزعم أنها إجازة فإنما إجازتك حسن سيرتك، وإخلاص سريرتك، وشرط المجاز أن يكون أبعد الناس عن الآثام كثير القيام، والصيام مواظباً على ذكر الله تعالى على الدوام فإن العبد كلما خدم قدمه سيده على بقية العبيد فهذه هي الإجازة الحقيقية، وأما إذا ادعيت المشيخة، وعصيت ربك قال لك أف لك أما تستحي أين دعواك القرب منا أين غسلك أثوابك المدنسة لمجالستنا كم توعى في بطنك من الحرام، وكم تنقل أقدامك إلى الآثام كم تنام، وأحبابي قد صفوا الأقدام أنت مدع كذاب، والسلام.
وكان يقول: الله خصم كل من شهر نفسه بطريقتنا، ولم يقم بحقها، واستهزأ بنا، وكان يقول: من خان لا كان، ومن لم يتعظ بكلامنا فلا يمشي في ركابنا، ولا يلم بنا، ولا خب من أولادنا إلا الشاطر المليح الشمائل وذلك يصلح لوضع السر فيه فيا أولادي ناشدتكم الله تعالى لا تسوءوا طريقي، ولا تلعبوا في تحقيقي ولا تدلسوا، ولا تلبسوا، وأخلصوا تتخلصوا فكلما أحببناكم، واخترناكم فلا تكدروا علينا ولا ترموا طريقنا بالكلام، وكما وفينا لكم حقكم في التربية، والنصح فوفوا لنا بالاستماع، والاتعاظ وإنما أمرتكم بما أمركم به ربكم فهو أمر الله لا أمري فإن نقضتم العهد فإنما هو عهد الله وإن كنتم لا تأخذون منا إلا أوراقاً فلا حاجة لنا بكم، وكان يقول: بايعت الله تعالى على أني لا ألتمس أموالكم ولا آخذ تراثكم، ولا أدنس خرقتي بما في أيديكم فاسمعوا، وأطيعوا، وعلى أموالكم الأمان مني، ومن جماعتي الذين أخلصوا معي.
وأسأل الله تعالى أن يلحق بقية أولادي بمن خلص معي، ويجعلهم مثلهم فيشفقون على إخوانهم، وينصحونهم مع تجنب أموالهم، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يزعم أن هلكته في طاعته فهو هالك فإن طاعتنا من جملة فضله، ومالنا في الوسط شيء، وكان يقول: يا ولدي احذر أن تقول أنا فإن الله يعجز المدعين، ولو كنت على عمل الثقلين هبطت أو صاحب منزلة سقطت، وكان يقول: والله لو وجدنا إلى الخلوة سبيلا أو وجدنا إلى الانقطاع عن أعين الناس من سبيل لفعلنا فإن القلب في هذا الزمان متعوب، والكبد كل وقت يذوب، فأين الملجأ، وأين المفر من أهل هذا الزمان زمان كثر فيه القال، والقيل ولكن الذي بلانا بأهله يدبرنا، ويعيننا بحوله، وقوته.
وكان يقول: من غفل عن مناقشة نفسه تلف، وإن لم يسارع إلى المناقشة كشف، وكان يقول: ما ابتلى الله عز وجل الفقير بأمر إلا وهو يريد أن يرقيه إلى منازل الرجال فإن صبروا كظم الغيظ وحلم، وعفا وتكزم رقاه إلى الدرجات، وإلا أوقفه وطرد، وكان رضي الله عنه يقول: لا يعصي أحدكم ربه عز وجل، ويمر على الهوام الضعيفة إلا وتوفى أن الله تعالى يعطيها قوة لتبطش به غيره على جناب الحق تعالى، ولا يمر على الطيور والوحوش إلا ويستعيذون بالله تعالى من رؤيته، ولا يرد ماء إلا ويود أن لا يشربه، ولا يمر في الهواء إلا، ويود
(1/145)

أن لا يكون مر به.
وكان يقول: كيف تطلبون أن الله تعالى ينبت لكم الزرع أو يدر لكم الضرع، وأنتم تسلون السيوف على أحد من هذه الأمة المحمدية، وتلطخون الحراب من دمائهم، وكان يقول: إذا صدق الفقير في الإقبال على الله تعالى انقلبت له الأضداد فعاد من كان يبغضه يحبه، ومن كان يقاطعه يواصله، ومن كان لا يشتهيه يثني عليه، ولا يصير يكرهه إلا مجرم أو منافق، وكان يقول: ما قطع مريد ورده يوماً إلا قطع الله عنه الإمداد ذلك اليوم، واعلم يا ولدي أن طريقتنا هذه طريق تحقيق، وتصديق، وجهد، وعمل، وتنزه، وغض بصر وطهارة يد، وفرج، ولسان فمن خالف شيئاً من أفعالها رفضته الطريق طوعاً أو كرهاً، وكان رضي الله عنه يقول: يا حامل القرآن لا تفرح بحمله حتى تنظر هل عملت به أم لا فإن الله عز وجل يقول: " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً "، ولا تخرج عن كونك حماراً إلا إن عملت بجميع ما فيه، ولم يكن منه حرف واحد يشهد عليك، وكان يقول: يا أولادي كم غروركم لهو كم لعب كم غي كم هوى كم افتراء كم نكدكم غدركم سهوكم نسيان كم غفلة كم زلة كم إجرام كم زوركم فتوركم، وعظ تسمعون، ولا تتعظون ما أنتم إلا كالأموات، وكان يقول: لو فتح الحق تعالى عن قلوبكم أقفال السدد لاطلعتم على ما في القرآن من العجائب، والحكم، والمعاني، والعلوم، واستغنيتم عن النظر في سواه فإن فيه جميع ما رقم في صفحات الوجود قال تعالى: " ما فرطنا في الكتاب من شيء " " الأنعام 38 " ومن فهمه الله تعالى في كتابه أعطاه تأويل كل حرف منه، وما هو، وما معناه، وما سبب كل حرف، وما صفة كل حرف، وعلم المكتوب من الحروف في العلوي، والسفلي، والعرش، والكرسي، والسماء، والماء، والفلك، والهواء، والأرض، والثرى، وكان يقول: إذا كان المقتدي بالشرائع والكتاب واقفاً بين الأمر، والنهي كان فتحه حقيقياً حتى يفك به كل مشكل، ويحل به كل طلسم، ويعرف به كل مبهم، وأما إذا كان فتحه حفظ كلام، وترتيب، وصف مقامات فذلك ليس بفتح إنما هو حجاب له عن إدراك الإدراك، وعن مشاهدة علوم الحق وليس من وصف كمن عرف، وحمل، ونطق بلسان العرفان، وكم من حملته العناية حتى شاهد، ومع ذلك فلو سئل عن وصف المقامات ما وصفها، ومقصودي لجميع أولادي أن يكونوا ذائقين لا واصفين، وأن يأخذوا العلوم من معادنها الربانية لا من الصدور، والطروس فإن القوم إنما تكلموا عما ذاقوا وقلوبهم كانت ملآنة بعطاء الله تعالى ومواهبه ففاضت منها قطرات من ماء الحياة التي فيها فانفجرت علومهم عن عين عين عين عين عن حاصل ماء الحياة، وأما الوصاف فإنما هو حاك عن حاك غيره، وعند التخلق، والفائدة لا يجد نقطة، ولا ذرة من فوق القوم، وينادي عليه هذا الذي قنع بالقشور في دار الغرور، ولقد أدركنا رجالا، وأحدهم يستحي أن يذكر مقاماً لم يصل إليه، ولو نشر بالمناشير ما وصفه فيا جميع أولادي إذا سألكم أحد عن التصوف مثلا أو عن المعرفة، والمحبة فلا تجيبوه قط بلسان قالكم حتى يبرز لكم من صدق معاملتكم ما برز للقوم فيكون كلامكم عن حاصل، وعن محصول فإذا قام أحدكم بالأوامر الدينية، وصدق في العمل ترجم لسانه بالفوائد التي أثمرت من صدقه، وكل من ادعى الصدق، والإخلاص، ولم يحصل عنده ثمرة الأدب، والتواضع فهو كاذب، وعمله رياء، وسمعة لا يثمر له إلا الكبر، والعجب، والنفاق، وسوء الأخلاق شاء أم أبى.
وكان يقول: ليس التصوف لبس الصوف إنما الصوف من بعض شعار التصوف فإن دقيق التصوف رقيق صفاته، ورونق بهجة ترقيه لا يحصل إلا بالتدريج فإذا وصل الصوفي إلى حقيقة التصوف المعنوي لا يرضى بلبس ما خشن لأنه وصل إلى مقامات اللطافة، وخرج عن مقامات الرعونة، وغاد ظاهره الحسي في باطنه الألي، واجتمع بعد فرقة، وقذف فيه جذوة نار الاحتراق فعاد الماء يحرقه، والثلج والبرد يقوي ضرامه، والقميص الرقيق لا يستطيع حمله للطافة سره، وزوال كثافته بخلاف المريد في بدايته يلبس الخشن، ويأكل الخشن ليؤدب نفسه وتخضع لمولاها، ويحصل لصاحبها تمهيد للمقامات التي يترقى إليها فكلما رق الحجاب ثقلت الثياب، وكان رضي الله عنه يقول: يا ولد قلبي اجمع همة العزم لتعرف معنى الطريق بالإدراك لا بالوصف، وكل مقام، وقفت فيه حجبك عن مولاك، وكل ما دون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة، والتابعين، وكتابه العزيز باطل، وذلك لأن الأغراض تورث الأعراض، وكان رضي الله عنه يقول: يا ولد قلبي تجرد من قالبك إلى قلبك، والرم الصمت عن الاشتغال بما لا فائدة لك فيه من الجدال، والنقل، وزخرف القول، وصمم العزم، واركب جواد الطريق،
(1/146)

واحتم حمية قبل الشربة تكون باطناً، ولا تشرب إلا شراباً يكون فيه محو، وسكر آه آه ما أحلى هذه الطريق ما أسناها ما أمرها ما أقتلها ما أجلاها ما أحياها ما أصعبها ما أكبدها ما أكثر مصايدها ما أصعب مواردها ما أعجب واردها ما أعمق بحرها ما أكثر أسدها ما أكثر مددها ما أكثر عقاربها، وحياتها فبالله با أولادي لا تتفرقوا، واجتمعوا يحمكم الله تعالى من الآفات ببركة أستاذكم، وكان رضي الله عنه يقول: كيف تطلب ليلى وأنت ليلا، ونهاراً مع عذالها، ولوامها، والمنكرين على أهل حضرتها، والمعترضين عليهم، والخائنين لعهودهم إنما تبرز ليلى لمن تهتك فيها، ولم يقبل عذل عذالها، ولم يسمع لكلام المنكرين على أهل حضرتها، وليلى لا تحب من يحب سواها أو يخطر في سره محبة لسواها إنما تحب من كان بشرابها ثملان، ولهان ذهلان غرقان بشوان هيمان حتى لو اجتمع الثقلان على أن يلووا قلبه عنها، وأن يحلوا عقدة عهدها معه ما استطاعوا فانظر حالك يا ولي، وكان يقول: يا أولاد قلبي لا تجالسوا أرباب المحال، وزخرف الأقوال، ولقلقة اللسان، وجالسوا من هو مقبل على ربه حتى أخذت منه الطريق، ودقه التمزيق، وتفرق عنه كل صديق حتى عاد كالخلال، وذاب جسمه من تجرع شراب سموم الطريق، وصار نومه أفضل من عبادة غيره لأنه في نومه في حضرة ربه، وربما كان العابد في عبادته مع نفسه.
وكان رضي الله عنه يقول: عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون فقد أفلح المصدقون، وخاب المستهزئون فإن الله تعالى يقذف في سر خواص عباده ما لا يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا بدل ولا صديق، ولا ولي مما أشا قلت هذا من عندي إنما هو كلام أهل العلم بالله تعالى فما للعاقل إلا التسليم، وإلا فاتوه وفاتهم، وحرم فوائدهم، وخسر الدارين، وكان رضي الله عنه يقول: علامة المريد الصادق أن يكون سائراً في الطريق ليلا، ونهاراً غدواً، وأبكاراً لا مقيل له ولا هدو. وجواده قد فرغ من اللحم، وامتلأ من الشجاعة والهم قد شف مطيته السرى، وأسقمها البرى لا يقيد همته مقيد، ولا يهوله مهلك، ولا توجعه ضربات الصوارم، ولا يشغله شيطان غوى، ولا مارد جنى كل من خاصمه في محبوبه عاد مخصوصاً لا يهدأ، ولا ينام، ولا يصحو بل الدهر كله له سرى حتى يدخل خيام ليلى، ويضع خده على أطناب الخيام فإذا سمع الخطاب بالترحيب من الأحباب انتعش، وطاب، وسمع الخطاب بالترحيب من قاب قوسين هناك استراح يا طالما قطعت براري، وقفاراً، وجبالا، وبحاراً وظلاماً، وناراً يا طول ما تعبت، وتعنيت، ويا طول ما رجع غيرك من الطريق، وجئت فأكرم الله تعالى مثواك، ولا خيب مسعاك أنت اليوم ضيف عندنا، ويومنا لا انقضاء له أبد الآبدين، ودهر الداهرين.
وكان يقول: من شأن الفقير أن لا يكون عنده حسد، ولا غيبة ولا بغى ولا مخادعة ولا مكابرة ولا مماراة ولا ممالقة ولا مكاذبة ولا كبر ولا عجب ولا ترف ولا افتخار، ولا شطح ولا حظوظ نفس، ولا تصدر في المجالس، ولا رؤية نفس على أخيه، ولا جدال ولا امتحان، ولا تنقيص، ولا سوء ظن بأحد من أهل الطريق، ولا ممن تزيق بالزيق، ولا يقدح قط في صاحب خرقة إلا إن خالف صريح الكتاب، والسنة اختياراً، وكان يقول: من شرط الفقير أن لا يكون عنده التفات إلى مراعاة المخلوقين له في الحرمة، والجاه، والقيام، والقعود، والقبول، والإعراض وغير ذلك من الأحوال الظاهرة لأنه لا يراعي إلا الله تعالى وكان رضي الله عنه يقول: ما دام أنا وأنت فلا حب إنما الحب التمازج، واختلاط الأرواح بالأجساد وكان يقول: ليس أحد من القوم مبتدعاً إنما هم متبعون في الأدب لسيد الأمم، وقد قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا " " النور: 27 " فلقد كان أحدهم بعد نزولها إذا وقف يقول نعم ثلاث مرات فإن أذن له، وإلا رجع من حيث أتى وكان يقول: كان السلف يخافون من آفات الاجتماع فلذلك آثروا العزلة إلا في صلاة الجمعة، وحضور مجالس العلم التي لا رياء فيها ولا جدال، ولا عجب، ولا مداراة، والسلامة من هذه الأمور في زماننا هذا قل أن توجد فعليك بالوحدة بعد معرفة ما أوجب الله تعالى إليك فإنك يا ولدي في القرن السابع الذين أكثرهم يجعلون شريعة السالك قدحاً في الشريعة، وحقيقة المحبة بدعا في الطريق كأنهم ما علموا قط عطاء الله، ومواهب مدد الله وخوارق عجائبه بل رأوا من سوء حالهم أن باب العطاء قد أغلق فمن اعتقد ذلك فإنما هو معترض على الله تعالى في فعله، ونعوذ بالله من التعرض فإنه لا بد لأهل حضرته تعالى من التمييز عن المعرضين عنها ليشتاق المعرضون إليها حين يرون الخوارق تقع على يد أوليائه فما أجهل من جهل قدر الفقراء، وما أعماه أيش يقال في قوم كلهم
(1/147)

طالبون الله تعالى أينكر عليهم مسلم؟ كلا والله.
وقيل للجنيد رضي الله عنه إن قوماً يتواجدون، ويتمايلون قال دعهم مع الله تعالى يفرحون، ولا تنكر إلا على العصيان المصرح به في الشريعة أما هؤلاء القوم فقد قطع الطريق أكبادهم، ومزق التعب، والنصب أمعاءهم، وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مداواة لحالهم، ولو ذقت يا أخي مذاقهم لعذرتهم في صياحهم، وشق ثيابهم فالله يلهم أولادي سلوك سبيل الرشاد إنه سميع مجيب وكان رضي الله عنه يقول: قلة معرفة أخلاق القوم من الحرمان لأن خرق سياج الأدب معهم يؤدي إلى العطب، والباب مفتوح ما غلق إلا أن القوم واقفون بباب الله والجواب منادمات في الغيب بالغيب وكان رضي الله عنه يقول: أسلم التفسير ما كان مروياً عن السلف وأنكره ما فتح به على القلوب في كل عصر، ولولا محرك يحرك قلوبنا لما نطقت إلا بما ورد عن السلف فإذا حرك قلوبنا وارد استفتحنا باب ربنا واستأذناه وسألناه الفهم في كلامه فنتكلم في ذلك الوقت بقدر ما يفتحه على قلوبنا فسلموا لنا تسلموا فإننا فخارة فارغة، والعلم علم الله تعالى.
وكان يقول: فيض الربوبية إذا فاض أغنى عن الاجتهاد فإن صاحب الجهد قاصر ما لم يقرأ في لوح المعاني سر عطاء القادر فقد يعطي المولى من يكون قاصراً ما لم يعط أصحاب المحابر، وليس مطلوب القوم إلا هو فإذا حصلوا على معرفته عرفوا بتعريفه كل شيء من غير تعب، ولا نصب ثم إذا صحت لهم المعرفة فلا حجاب له بعد ذلك إلا إن خذل نسأل الله السلامة، وكان يقول: من فني في الفناء بقي في البقاء والفناء من الحجب إلا أن يكون فناء الباطل كما قال: بعضهم أفنى موسى عن موسى حتى عاد هو المتكلم، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يكن عنده شفقة على خلق الله لا يرقى مراقي أهل الله تعالى وقد ورد أن موسى عليه السلام لما رعى الغنم لم يضرب واحدة بعصا منهن، ولا جوعها، ولا آذاها فلما علم الله تعالى قوة شفقته على غنمه بعثه الله نبياً وجعله كليماً راعياً لبني إسرائيل، وناجاه فمن أعز الخلق وأشفق عليهم ترقى إلى مراتب الرجال والسلام.
وكان رضي الله عنه يقول: والله لو هاجر الناس مهاجرة صحيحة ودخلوا تحت الأوامر لاستغنوا عن الأشياخ ولكن جاءوا إلى الطريق بعلل، وأمراض فاحتاجوا إلى حكيم، وكان إذا أخذ العهد على فقير يقول: له يا فلان اسلك طريق النسك على كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج إلى بيت الله الحرام واتباع جميع الأوامر المشروعة، والأخبار المرضية والاشتغال بطاعة الله تعالى قولا وفعلا، واعتقاداً، ولا تنظر يا ولدي إلى زخارف الدنيا، ومطاياها، وملابسها، وقماشها، ورياشها، وحظوظها، واتبع نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم في أخلاقه فإن لم تستطع فاتبع خلق شيخك فإن نزلت عن ذلك هلكت يا ولدي واعلم أن التوبة ما هي بكتابة درج ورق، ولا هي كلام من غير عمل إنما التوبة العزم على ارتكاب ما الموت دونه صف أقدامك يا ولدي في حندس الليل البهيم، ولا تكن ممن يشتغل بالبطالة، ويزعم أنه من أهل الطريقة، ومن استهزأ بالأشياء استهزأت به، والسلام.
وجاءه فقير يطلب أن يلبس الخرقة من الشيخ فنظر إليه، وقال: يا ولدي التلبس في الأمور ما هو جيد لا يصلح لبس الخرقة إلا لمن درسته الأيام، وقطعته الطريق بجهدها، وأخلص في معاملته، وقرأ معاني رموز القوم ونظر في أخبارهم، وعرف مقصودهم في سائر حركاتهم، وسكناتهم، وأسفارهم، وخلواتهم، وجلواتهم فإن كنت صادقاً فلا تكن مجاناً ولا لعاباً، ولا صبي العقل فما الأمر بقول العبد تبت إلى الله تعالى باللفظ دون القلب، ولا بكتابة الورق والدرج وإنما الأمر توبة العبد عن أن يلحظ الأكوان بعيني قلبه أو يراعي غير مولاه فإذا صح للفقير هذا الأمر فهناك يصلح للرقي في مقامات الرجال، وكان رضي الله عنه يقول: فوت المبتدي الجوع، ومطره الدموع، ووطره الرجوع يصوم حتى يرق، ويلين، وتدخل الرقة قلبه، وتفتح مسامع لبه ويزول الوقر من سمعه فيسمع بأذن، وقلب كلام القرآن، ومواعظه، وأما من أكل، ونام، ولغا في الكلام وترخص، وقال: ليس على فاعل ذلك ملام فإنه لا يجيء منه شيء، والسلام. وكان رضي الله عنه يقول: ما بنيت طريقتنا هذه إلا على التيار، والنار، والبحر الهدار، والجوع، والاصفرار ما هي بمشدقتك، ولا بالفشار دعني فما وجدت من أولادي واحداً اقتفى آثار الرجال، ولا صلح أن يكون محلا للأسرار فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم من هذا الزمان الغدار.
وكان رضي الله عنه يقول: الفقير كالسلطان مهابة، وكالعبد الذليل تواضعاً ومهانة. قلت: وإنما كان كالسلطان لعفته، وترك إسقاطه
(1/148)

نفسه، وكثرة صفحه وعفوه وكرم نفسه وعدم منته، وغير ذلك بل هو أحق بالهيبة من السلطان لأنه جليس الحق وربما لا يكون السلطان يصلح لمجالسة الحق لكونه أخذ المرتبة بالسيف أو يكون مبتدعاً أو غير ذلك، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: الشيخ حكيم المزيد فإذا لم يعمل المريض بقول الحكيم لا يحصل له شفاء، وكان يقول: مذ صرفنا هممنا إليه أغنانا عما سواه إنا لا نعرف قط إبليس اللعين، وكان رضي الله عنه يقول: خلوة الفقير سجادته، وجلوته سره، وسريرته، وكان يقول: يجب على تالي القرآن أن يطهر فمه للتلاوة من اللغط، والنطق الفاحش، ولا يأكل إلا حلالا صرفاً قوت الوقت من غير سرف فإن أكل حراماً أساء الأدب، ويعطر ثيابه، وبدنه.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يتعطر لذلك حتى كان إذا لمس شيئاً يمكث يفوح الطيب منه زماناً، وكان وبيص المسك يلمع من مفرقه صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: الغيبة فاكهة القراء، وضيافة الفساق، وبستان الملوك، ومراتع النسوان، ومزابل الأتقياء، وكان رضي الله عنه يقول: يا ولدي لا تودعن كلامي إلا عند من كان منا وأحب أن يسلك طريقنا، ولا تلقه إلا لمحب محق يدخل تحت طيناً، وينقاد لنا فإن ذكر الكلام لغير أهله عورة، وكان يقول: طريقتنا هذه ما هي طريق تمليق بل هي طريق تحقيق، وصدق، وتصديق، وموت، وكد، وجهد، وحزم، وكدم، وكسر نفس من غير دعوى، واتضاع، وخضوع، وذلة، وفراسة، ورقوم، وعلوم فيا أولادي إذا عملتم بموعظتي، وعادت إشارتي كلها فيكم كانت إجازتي مطهرة مكملة بالسر، والمعنى فإن المقامات ما هي محجوبة عنكم إلا بكم وكان رضي الله عنه يقول: لا يكون الفقير فقيراً حتى يكون حمالا للأذى من جميع الخلائق إكراماً لمن هم عبيده سبحانه وتعالى فلا يؤذي من يؤذيه، ولا يتحدث فيما لا يعنيه، ولا يشمت بمصيبة، ولا يذكر أحداً بغيبة ورعاً عن المحرمات موقوفاً عن الشبهات إذا بلى صبر، وإذا قدر غفر غضيض الطرف يعمر الأرض بجسده، والسماء بقلبه طريقه الكظم، والبذل، والإيثار، والعفو، والصفح، والاحتمال لكل من يتحدث فيه بما لا يرضيه، وكان يقول: واغوثاه من أهل هذا الزمان، والله لو كان في العمر مهلة لسكنت في أكم الجبال، وبطون أودية الوحوش فإن الرجل الآن بين هؤلاء الناس في أشد جهاد قلوب شاردة وأحوال مائلة، وشهوات غالبة قد عدموا الصدق في الأحوال، وكيف يقدر الضعيف على صون الروح من عشرتهم، والود لهم وغض بصره عن رؤية عوراتهم ليلا، ونهاراً، ويصبر معهم على كل فتنة وشهوة وأذى من غير أن يقابلهم بمثله هذا لا يطيقه إلا الصالحون، وكان رضي الله عنه يقول: كم من واقف في الماء وهو عطشان لهفان أعني إذا لم يحصل له الصدق في طلب مولاه بل عبد ربه على علة فاعملوا بالإخلاص لترووا من ظمأ العطش فإن طريق الله تعالى لا تنال إلا بقتل الأنفس وذبحها بسيف المجاهدة، والمخالفة.
وكان يقول: كيف يدعي أحدكم أنه مريد طريق الله تعالى، وهو ينام وقت الغنائم ووقت فتوح الخزائن ووقت نشر العلوم، وإشهار الرقوم، ووقته تجلي الحي القيوم يا كذابون ما تستحيون من الدعاوي الكاذبة، وهممكم راقدة، وعزائمكم خامدة ما هكذا درج أهل الطريق فالله تعالى يلهم جميع أولادي طريق الفلاح آمين. وكان يقول: ليس الزهد خروج العبد عن الشيء إنما الزهد أن يكون داخلا في إمارته أو صنعته، وقلبه خارج حائل ذاكر فاكر حائر مجاهد مرابط مخمول الذكر مشتغلا بذكر الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: يا أولادي قلبي عليكم بشراب القهوة القرقفية واستعمالها فوعزته، وجلاله من صدق منكم، وأخلص لا يمس أحداً إلا نبعت فيه الحكمة، وحصل عنده الشراب، والسكر عن هذه الدار يا أولادي الدنيا كحلقة بين أعين أهل التمكين قوم يمشون إلى الأقطاب، وقوم تأتي إليهم الأقطاب لا أحب من أولادي إلا من أراه يترقى في كل ساعة من مقام إلى مقام فهناك تقر عيني، وهناك يصير ينتفع به يا ولدي إن أردت أن يسمع دعاؤك فاحفظ لسانك عن الكلام في الناس وعن تناول الشبهات يا ولدي إن شككت في قولي فاعمل بما أقول لك، وجرب نفسك شيئاً بعد شيء تعرف صدق قولي فمن ثبت ثبت، ومن أطاع أطيع فإذا أطعت مولاك أطاع لك الماء، والنار، والهواء والخطوة، والإنس، والجن.
وكان رضي الله عنه يقول: لا تفيد الخلوة إلا إن كانت بإشارة شيخ، وإلا ففسادها أكثر من صلاحها، وكان يقول: لا يحق لك أن تأمر غيرك إلا إن كانت الشريعة تزكيك بوقوفك على حدودها، وكان يقول: الجسد ثلاثة أقسام قلب، ولسان، وأعضاء فاللسان، والأعضاء، وكل بهما ملائكة،
(1/149)

والقلب تولاه الله تعالى، وجاءه رجل فقال: أريد أن أسلك طريق الحقيقة فقال يا ولدي الزم أولا طريق النسك على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المرضية الزاهرة الباهرة التي نورها جلا الظلم، وأنار بطاح مكة، والمدينة والشام ومصر والعراق واليمن والمشرق والمغرب والأفق العلوي والسفلي، فإذا عملت بها انقدح لك منها علم الحقائق، والأسرار فاسلك يا أخي كما قلت لك على التدريج شيئاً بعد شيء، والله يحفظك إن صدقت، وكان رضي الله عنه يقول: ما ثم عمل أزكى ولا أنور، ولا أكثر فائدة من علم أهل الله عز وجل فإن الذرة منه ترجح على جبال من عمل غيرهم لخلوه من العلل، وأيضاً فإن عمل القوم بقلوبهم، وأبدانهم، وعمل غيرهم بأبدانهم دون قلوبهم ولذلك لا يزدادون بكثرة الطاعات إلا كبراً وعجباً، وكان يقول: لو خشع قلبك يا ولدي في صلاتك لاختلط عقلك، وذهب لبك، ولم تقدر أن تقرأ سورة واحدة من كتاب الله تعالى في تلك الحضرة فإن موسى عليه السلام خر صعقاً يتخبط كانير المذبوح حين تجلى له مقدار جزء واحد من تسعة وتسعين جزءاً من سم الخياط.
وهذا التجلي واقع لكل مصل لو عقل كما عقل موسى عليه السلام، وكان يقول: أهل الشريعة يبطلون الصلاة باللحن الفاحش، وأهل الحقيقة يبطلون الصلاة بالخلق الفاحش فإذا كان في باطنه حقد أو حسد أو سوء ظن بأحد أو محبة للدنيا فصلاته باطلة لأن أهل هذه الأخلاق في حجاب عن شهود عظمة الله تعالى في الصلاة، ومن كان قلبه محجوباً فما صلى لأن الصلاة صلة بالله تعالى. وكان رضي الله عنه يقول: يا ولد قلبي تجنب معاشرة أولي الأقوال، والجدال، ولا تتخذ أحداً منهم صاحباً، وجالس من جمع بين الشريعة، والحقيقة فإنه أعون لك على سلوكك، وكان رضي الله عنه يقول: إن كنت ولدي حقاً، ومتبعي صدقاً فأخلص الرق لله تعالى، واجعل وعظك من قلبك، وكن عمالا ولا عمالا، ولا تلتمس لأحد درهماً فإن هذه طريقي، ومن أحبني سلك معي فيها فإن الفقير الصادق هو الذي يطعم، ولا يطعم، ويعطي ولا يعطى، ولا يلتمس الدنيا، ولا شيئاً من عروضها فإن الرشا في الطريق حرام، وشيخكم قد بايع الله تعالى أن لا يأخذ لأحد فلساً، ولا درهماً وإنما آمركم بذلك لله لا لغرض ولا لأمر دنيوي ولا لأثاث، وليس دعوى إنما المراد سلامة الذمة من الخلل في نصح الإخوان.
واعلموا يا جميع أولادي أن من استحسن في طريقي أخذ شيء حين لعب به هواه، وسولت له نفسه فقد خرج عن طريق شيخه، يا أولادي أوساخ الدنيا تسود القلوب، وتوقف المطلوب، وتكتب بها الذنوب وإني غير راض عمن أخذ في إجازة فلساً واحداً، ومن طلب الدنيا بألباس الفقراء الخرقة مقته الله تعالى، ولو ذهب إلى أعمال الدنيا، واحترف لنفسه، وعياله كان خيراً له، وطريقي إنما هي طريق تحقيق، وتصديق وتمزيق وتدقيق، وإني أبرأ إلى الله تعالى ممن يأخذ على الطريق عرضاً من الدنيا، ويتلف طريقي من بعدي ويأكل الدنيا بالدين، ويخالف ما كنت عليه أنا، وأصحابي اللهم إن كان هؤلاء الأصحاب خلفي يفعلون خلاف طريقتي فلا تهلكني بذنوبهم إن الله لا يحب الفقير الذي يبيع سره أو يأكل عليه لقمة. وكان رضي الله عنه يقول: أحب يا ولدي أن تكون متنكساً لا تحيد خاشعاً خاضعاً حمالا لكل هول سكران من حب مولاه لا التفات له إلى زوجة، ولا إلى ولد، ولا أخ، ولا صاحب، ولا وظيفة دنيوية ولا يلتفت لسوى مولاه، وكان يقول: يا ولدي إن صح عهدك معي فأنا منك قريب غير بعيد، وأنا في فإنك وأنا في سمعك، وأنا في طرفك، وأنا في جميع حواسك الظاهرة، والباطنة وإن لم يصح لك عهد لا تشهد مني إلا البعد، وكان رضي الله عنه يقول: ما أرضى اللعب لأحد من خلق الله تعالى فكيف أرضاه لأحد من أولادي فإذا أخذت يا ولدي وصيتي بالقبول وجهدت في سرك، وراقبته سمعت كلام شيخك لو كنت بالمشرق، وهو بالمغرب، ورأيت شبح شخصه فمهما ورد عليك من مشكلات سرك أو شيء تستخير فيه ربك أو أحد يقصدك بأذى أو غير ذلك فوجه شيخك وصف سرك وأطبق عين حسك وافتح عين قلبك فإنك ترى شيخك وتستشيره في جميع أمورك وتطلب منه حاجتك فمهما قال لك فاقبله منه وامتثله، وكان رضي الله عنه يقول: يا ولدي إذا كنت تصوم الدهر، وتقوم الليل ولك سريرة طاهرة ومعاملة خالصة فلا تدع، وتقل إلا أنك عاص مفلس لا غير واحذر من غرور النفس، وزورها فكم تلف من ذلك فقير، وكان رضي الله عنه يقول: إن كنت تطلب أن تكون من أولادي فقم قياما دائماً وجاهد جهاداً ملازماً، ولا تمل، ولا تول، ولا ترخص لنفسك في ترك الاشتغال بالعبادة في حجة خوف الملل فإن الناقد
(1/150)

بصير، والنفس من شأنها التلبيس على صاحبها.
وكان يقول: ليس من تزيا بزي القوم ينفعه زيه أو درجه أو خرقته فإن هذه أمور ظاهرة، والقوم إنما عملهم جواني إذ بذلك يرقون إلى مراقي درجة الرجال، وما رأينا أحد لبس جبة أو كتب له إجازة فبلغ مبلغ الرجال بذلك قط بل فعل ذلك يوقف المزيد عن طلب المزيد، والأمر ليس له قرار، وكان يقول: يا أولادي إذا طلبتم أن تغتابوا أحداً فاغتابوا والديكم فإنهما أحق بحسناتكم من غيرهما، وكان يقول: إن الله تعالى يطلع على قلوب عباده في اليوم والليلة اثنتين وسبعين مرة فنظفوا يا أولادي محل نظر ربكم واجعلوه طاهراً مطهراً حسناً نقياً زاهراً نيراً صادقاً خالصاً لترتع في رياض القرب، ويظهر فيها النور فإن الإناء إن لم يكن شفافاً لا يظهر للفتيلة فيه نور، وكان يقول: يا ولدي انقش على صحيفة صفحة لوح خدك توراة درسك، وإنجيل فهمك، ومزامير ذكرك، وزبور صفاتك، وفرقان تفريقك، ومجموع جمعك، واشتغل بأفنان حضورك ومراقبة رقيبك، واشتغل بنفسك عن القيل، والقال، ولا تلتفت قط إلى صحبة من يتكرم بضياع أوقاته أو أنفاسه في الغفلات فإن صحبته هلاك لك، وكان رضي الله عنه يقول: يا ولدي صحح عزمات عزمك، واترك تخيلات، وهمك، ولج بحر الحقائق، وسلم الأمر لله، واقتد، واقتف أوامر شيخك، وألق عصاك، ولا تطلب خبر نفسك من غيرك بل اعمل حتى تنكشف لك حقائقك من عرف نفسه عرف ربه، وكان يقول: إذا عمل الفقير على نسق الاتباع الشرعي تروحنت نفسه، وصارت روحانية لطيفة نورانية تجول جولان السر، والقلب، والمعنى، ومعنى قولنا نسق الإتباع الشرعي نحو قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون " " الحج: 77 " وكان رضي الله عنه يقول: يجب على المريد أن يطهر أعضاءه عن الغفلات والفتور عن ذكر الله كما يجب تطهيرها عن المعاصي من باب: " حسنات الأبرار سيئات المقربين " وكان يقول: لا ينبغي لحامل القرآن العظيم أن يدنس فمه بكلام حرام ولا أكل حرام في عرض مؤمن، ولا مؤمنة قال تعالى: " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة " " النور: 23 " الآية، ومثال من ينطق بالقرآن العظيم مع تدنس فمه بشيبة أو نميمة أو بهتان مثال من وضع المصحف في قاذورة، وقد قال: العلماء بكفره، وكان يقول: يا أولادي لا يسر أحدكم سريرة سيئة فإن الله تعالى سيظهر ما كنتم تكتمون، وما كنتم تخفون، وما كنتم تستترون، وينادي عليكم بالصريح، والتوبيخ فلان عمل كذا وكذا، وكان يستتر من الناس، ولا يستتر من الله تعالى فلان كان يرتكب المحارم، والقبائح، ويظهر للناس الصلاح زوراً، وبهتاناً فلان كان يطلق بصره إلى النساء، ويدعي أنها نظرة فجأة، وهو يعطف طرفه، ويميل كأنه لص سارق فيا فضيحة من تزيا بزي الفقراء، وخالف طريقهم فيا أولادي جميعكم إنما كلامي مواعظ وتذكير، وتحذير، وترغيب لمن يتأدب وكان رضي الله عنه يقول: يا أولادي لا تصحبوا غير شيخكم، واصبروا على جفاه فإنه ربما امتحنكم ليريد بكم الخير، وأن تكونوا محلا لأسراره، ومطلعاً لأنواره ليرقيكم بذلك إلى معرفة الله عز وجل فمن أشغل قلبه بمحبة شيخه رقاه الله عز وجل، ولولا أن الشيخ سلم لترقية المريدين لمقت الله تعالى كل قلب، وجد فيه محبة لسواه فإن الله تعالى غيور، وكان يقول: يا أولاد قلبي إن أردتم أن تنادوا يوم المنة بيا أيتها النفس المطمئنة فليكن طعامكم الذكر، وقولكم الفكر، وخلوتكم الأنس، واشتغالكم بالله تعالى لا خوف عقاب، ولا رجاء ثواب، ولا بد لكل من معلم، ونحن ننتظر من فيض ما أفاض الله علينا، ولا نعرف غير طريق ربنا. ثم علم مكسوب من الكتب، وعلم موهوب من قبل ربنا، وكان يقول: المراقب لا يتفرغ لطلب المكاسب، وكل من ادعى الحب، ولم يفنه الحب فهو لا شيء.
وكان يقول: إذا تجلى عروس الكلام في رتبة الإلهام طلعت شموس المعارف، وتجلى البدر المنير في الليل البهيم فهم سكرى الظواهر صحوى البواطن، والضمائر إذا جن عليهم الليل باتوا قائمين فإذا ذهب عليهم نسيم السحر مالوا مستغفرين فلما رجعوا عند الفجر بالأجر نادى منادي الهجر يا خيبة النائمين، وكان يقول: من لم ينخلع من طوره ويخرج عن نفسه، ويأتي هو بلا هو لا يجد عند ذلك هو وقد بالغت لكم جهدي في النصح فإن اتبعتم أفلحتم، وكان يقول: يا ولدي البس قميص الفقر النظيف الظريف، ما الأمر بلبس الثياب، ولا بسكنى القباب، والخانقات، ولا بالزاويات، ولا بلبس العبايات، ولا بلبس القباء الأزرق، ولا حف الشوارب ولا بلبس الصوف، ولا بالنعل المخصوف إنما الفقر أن تخلص عملك كله في قلبك
(1/151)

وتلبس ثوب صدق عزمك، وتحتزم بحزام إيمانك فإذا كان عملك كله في قلبك كان فائدة، وربحاً وأضرم نار القلب، واحترق الحشا، وامتلأ القلب خوفاً من الله تعالى ومحبة له فما رقيق الثياب حينئذ، وما خشنها فإذا قويت في القلب الأنوار لم يطق صاحبه حمل ثوب رقيق، ولا إزار. قلت: وهذا سبب ترك بعض القوم لبس الثياب من مجاذيب، وصحاة، والله أعلم. قال الشيخ رضي الله عنه: فإن تهتك هذا فلا يلام، وإن صاح أو باح فقد حل عنه الملام، وإن رش عليه الماء في ليالي الأربعينيات فلا يزيده إلا ضراماً، وكل شيء نزل باطنه من الطعام، والماء نار واستنار فيا أولادي الفقراء كلهم عندي ملاح فليكونوا عندكم كذلك فاحذروا الإنكار، وكان رضي الله عنه يقول: خاص الخاص من أهل الخصوصية جعلوا زواياهم قلوبهم، ولبسهم تقواهم وخوفهم من ربهم ومولاهم قد رفضوا الكرامات ولم يرضوا بها وخرجوا عنها لعلمهم أنها من ثمرة أعمالهم فلم يطيروا في الهواء ولم يمشوا على ماء، ولم تسخر لهم الهوام، ولم تبصبص لهم الأسود ولم يضربوا رجلهم بالأرض فتنفجر ماء، ولا مسوا أجذم، ولا أبرص فبرئ، ولا غير ذلك فخرجوا من الدنيا وأجورهم موفورة رضي الله عنهم أجمعين.
وكان رضي الله عنه يقول: يا أولادي عمركم في انتهاب وأجلكم في اقتراب، وقد طويت الدنيا، وجثا أولها عند آخرها فالسعادة كل السعادة لمن طوى منكم صحيفته كل يوم مضمخة معنبرة ممسكة معطرة بأعماله الزكية، وشيمه المرضية، والشقاوة كل الشقاوة لمن طوى منكم صحيفته كل يوم على زلات، وقبائح عظيمات يا أولادي كأنكم بالساهرة، وقد مدت وبالجبال، وقد دكت، وبالحجارة، وقد صاحت، وبالحصى، وهو يقطر دماً فبادروا، واعملوا، ولا تسرفوا تندموا. هذه وصيتي لكم، وهديتي إليكم، وكان يقول: إنما قالوا حسنات الأبرار سيئات المقربين لأن المقرب يراعي الخطرات، واللحظات، ويعد ذلك من الهفوات، ويفتش على هواجس النفوس، ويراقب خروج أنفاسه، ويخاف من حسناته كما يخاف المذنب من سيئاته، والأبرار لا يقدرون على هذا الحال وأيضاً فالمقرب لا يقول: عند شرابه أواه، ولا ما أحلاه، ولا يصفق بكف، ولا يصرخ، ولا يشق، ولا يضرب برأسه الحجر، ولا يهيم، ولا يمشي على الماء، ولا يقفز في الهواء فلما لم يقع منه شيء من ذلك أثبته أهل الطريق، ونفوا من فعل ذلك لقلة ثبوته على الواردات مع أنهم سلموا له حاله لغلبته عليه وجعلوا حسناته سيئات مع أن المقربين ليس لهم سيئات إنما هي محاسبات عاليات نفيسات، وكان يقول: كيف يدعي أحدكم أنه من الصالحين، وهو يقع في الأفعال الردية، ويكل طعام المساكين وأهل الرشا، والربا، والظلمة، وأعوانهم، وكيف يدعي أنه هن الصالحين، وهو يقع في الكذب، والغيبة والوقيعة في الناس، وفي أعراضهم، وكيف يطلب أن يكتب عند الله صادقاً أو ولياً أو حبيباً أو زكياً أو رضياً، وهو يقع في شيء من المناهي ولعمري هذا الآن لم يتب فكيف يدعي الطريق أو يتوب غيره وكان يقول: إن أردت يا ولدي أن تفهم أسرار القرآن العظيم فاقتل نفس دعواك، واذبح شبح قولك واطرح نفس نفسيتك تحت قدم أقدامك، وعفر خديك على الثرى، واشهد أن نفسك قبضة من تراب، واعترف بكثرة ذنوبك، وخف أن يرد عليك عبادتك، وقل يا ترى مثلي يقبل منه عمل فإذا كنت على هذا الوصف فيرجى لك أن تشم رائحة من معاني كلام ربك، وإلا فباب الفهم عنك مغلق وعزة ربي إن كل حرف من القرآن العظيم يعجز عن تفسيره الثقلان، ولو اجتمع الخلق كلهم أن يعلموا معنى " ب " بعقولهم لعجزوا، وما لأحد من ذات نفسه شيء قل، ولا جل، وإن لم يكن الله تعالى يعلم العبد، وإلا فهو عائم في البحر مزكوم محجوب لا شم، ولا لم، ولا علم، ولا حس، ومن لم يذق مقام القوم، ويرى، ويشاهد لم يحسن أن يصف بحر الإقرار له أو يترجم عن ساحل لا آخر له أو يعوم في قعر التخوم أو يصل إلى النون أو يدرك معاني السر المصون، وأما إذا أعطى عبده لحم ذلك فلا مانع، وكان رضي الله عنه يقول: شراب القوم لا يشربه من في قلبه عكر دنس، ولا بقايا غلس ولا حظوظ نفسانه، ولا دعاوى شيطانية، ولا كبر ترف، ولا نفس ثائرة.
وكان رضي الله عنه يقول: كم من علم يسمعه من لا يفهمه فيتلفه، ولذلك أخذت العهود على العلماء أن لا يودعوا العلم إلا عند من له عقل عاقل، وفهم ثاقب، وكان يقول: الصحيح من قول العلماء أن العقل في القلب لحديث " إن في الجسد مضغة "، ولكن إذا فكرت في كنه العقل، وجدت الرأس يدبر أمر الدنيا، ووجدت القلب يدبر أمر الآخرة فمن جاهد شاهد، ومن رقد تباعد، وكان يقول: ليس أحدهم يقدم في الطريق بكبر سنه، وتقادم
(1/152)

عهده إنما يقدم بفتحه، ومع هذا فمن فتح عليه منكم فلا يرى نفسه على من لم يفتح عليه، وتأمل يا ولدي إبليس اللعين لما رأى نفسه على آدم عليه السلام، وقال: أنا أقدم منه، وأكثر عبادة ونوراً كيف لعنه الله تعالى، وطرده، وكان يقول: يجب على حامل القرآن أن لا يملأ جوفه حراماً ولا يلبس حراماً فإن فعل ذلك لعنه القرآن من جوفه، وقال: لعنة الله على من لم يجل كلام الله تعالى وكان يقول: من أحب أن يكون ولدي فليحبس نفسه في قمقم الشريعة، وليختم عليها بخاتم الحقيقة وليقتلها بسيف المجاهدة، وتجرع المرارات، ومن رأى أن له عملا سقط من عين ربه، وحرم من ملاحظته وكان يقول: العارف يرى حسناته ذنوباً، ولو آخذه الله تعالى بتقصيره فيها لكان عدلا، وكان يقول: يا أولادي اطلبوا العلم ولا تقفوا، ولا تسأموا فإن الله تعالى قال لسيد المرسلين: " وقل رب زدني علماً " فكيف بنا، ونحن مساكين في أضعف حال، وآخر زمان، وسبب طلب الزيادة من العلم إنما هي للأدب يعني اطلب الزيادة من العلم لتزداد معي أدباً على أدبك، وما قدروا الله حق قدره، وكان رضي الله عنه يقول: إذا ألبس مريداً الخرقة اعلم يا ولدي أن صحة هذه الطريق، وقاعدتها، ومجلاها، ومحكمها الجوع فإن أردت السعادة فعليك بالجوع، ولا تأكل إلا على فاقة فإن الجوع يغسل من الجسد موضع إبليس فيا ولدي تريد شربة بلا حمية هذا لا يكون وكان يقول: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بواطنكم بنور الله تعالى فيجد فيها ما يسخط الله تعالى فإن أحببت يا ولدي أن تسمع، وتبصر، وتعقل فع في باطنك الفوائد، ولا تقنع ببوس اليد، إلا بالرياسة، ولا يكمل الفقير إلا إن تكلم بمعاني الحقيقة ذوقاً لا نقلا وفعلا لا قولا، وتحلى في باطنه بحلية الاصطفاء بالسر، والمعنى فتغنى، وتكلم بالحكم، ونطق بالمعجم، وبالسر المتكم، واطلع، وحقق فما ينطق إلا صدقاً، ولا يتكلم إلا حقاً، وعند ذلك يصح له أن يدعو الخلق إلى الله تعالى وكان رضي الله عنه يقول: يا ولد قلبي كن على حذر من الدخلاء والدخيل السوء، وإن عاينت من أخيك عنفاً أو حسداً فعاشره بالمعروف.
واحفظ نفسك عنه، وأما صديقك فإن صدقك فاحفظه، وما للمرء يا ولدي إلا أن يكون على حذر من جميع البشر فإنا في آخر زمان، وقد قل النصح حتى لا تكاد تنظر ناصحاً، وعاد من توليه سروراً يوليك نكداً، وشروراً، ومن ترفعه يسعى أن يضعك ومن لم تحسن إليه يسيء إليك بل ثم من تحسن إليه يسيء إليك، ومن تشفق عليه يود لو على الرماح رماك أو على الشوك داسك، ومن تنفعه يضرك، ومن توليه معروفاً يوليك جفاء، ومن تصله يقطعك ومن تطعمه يحرمك، ومن تقدمه إن استطاع أخرك، ومن تربيه يقول: أنا الذي ربيتك، ومن تخلص له يغشك، ومن تهش له يكش فوا عجباً للدنيا، ولأهلها، وإذا كان النفاق داخلا في أيام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف يخلو في قرن سابع فاستعمل يا ولدي الوحدة عن أهل السوء والكسب من أهل الخير، وإن استطعت أن لا تصحب من تتعب في صحبته فافعل فإنك إن صحبته ندمت على صحبته، وقد نصحتك يا ولدي، وأما أهل التمكين في هذا الزمان فقد تركوا أخلاق الأراذل من الناس، وغفروا لهم أفعالهم، وغضوا أبصارهم عن نقائصهم وصموا آذانهم عن سماع أقوالهم وتركوا الكل لله وطلبوا من الله تعالى لأهل هذا الزمان عفواً شاملا، وقابلوا سيئاتهم بالحسنات ومضراتهم بالمسرات والمبرات. قلت: ويشهد لأهل التمكين قوله صلى الله عليه وسلم " ومن لا يمالئكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ". وفيما فعله أهل التمكين دليل لغلق باب السلوك في هذا الزمان من باب أولى لأن معالجة أهله تشغل الفقير عن مهمات نفسه من غير ثمرة كما هو مشاهد، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: المريد مع شيخه على صورة الميت لا حركة ولا كلام، ولا يقدر أن يتحدث بين يديه إلا بإذنه، ولا يعمل شيئاً إلا بإذنه من زواج أو سفر أو خروج أو دخول أو عزلة أو مخالطة أو اشتغال بعلم أو قرآن أو ذكر أو خدمة في الزاوية أو غير ذلك هكذا كانت طريق السلف، والخلف مع أشياخهم فإن الشيخ هو والد السر، ويجب على الولد عدم العقوق لوالده، ولا نعرف للعقوق ضابطاً نضبطه به إنما الأمر عام في سائر الأحوال وما جعلوه إلا كالميت بين يدي الغاسل فعليك يا ولدي بطاعة والدك، وقدمه على والد الجسم فإن والد السر أنفع من والد الظهر لأنه يأخذ الولد قطعة حديد جامد فيسبكه، ويذيبه، ويقطره، ويلقي عليه من سر الصنعة سراً فيجعله ذهباً إبريزاً فاسمع يا ولدي تنتفع، وكثير من الفقراء صحبوا أشياخهم حتى ماتوا، ولم ينتفعوا لعدم الأدب، وبعضهم مقتوا آه من صدود الرجال، ومن صحبة الأضداد، ومن سماع المريد للمحال وكان رضي الله عنه يقول: أنا موسى عليه السلام في
(1/153)

مناجاته أنا علي رضي الله عنه في حملاته أنا كل ولي في الأرض خلعته بيدي ألبس منهم من شئت أنا في السماء شاهدت ربي، وعلى الكرسي خاطبته أنا بيدي أبواب النار غلقتها، وبيدي جنة الفردوس فتحتها من زارني أسكنته جنة الفردوس، واعلم يا ولدي أن أولياء الله تعالى الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون متصلون بالله، وما كان ولي متصلا بالله تعالى إلا، وهو يناجي ربه كما كان موسى عليه السلام يناجي ربه، وما من ولي إلا، ويحمل على الكفار كما كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحمل، وقد كنت أنا أولياء الله تعالى أشياخاً في الأزل بين يدي قديم الأزل، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله عز وجل خلقني من نور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرني أن أخلع على جميع الأولياء بيدي، فخلعت عليهم بيدي، وقال: لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا إبراهيم أنت نقيب عليهم فكنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخي عبد القادر خلفي، وابن الرفاعي خلف عبد القادر ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: لي يا إبراهيم سر إلى مالك وقل: له يغلق النيران. وسر إلى رضوان، وقل له يفتح الجنان ففعل مالك ما أمر به ورضوان ما أمر به وأطال في معاني هذا الكلام ثم قال: رضي الله عنه، وما يعلم ما قلته إلا من انخلع من كثافة حجبه، وصار مروحنا كالملائكة. قلت: وهذا الكلام من مقام الاستطالة تعطي الرتبة صاحبها أن ينطق بما ينطق وقد سبقه إلى نحو ذلك الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه، وغيره فلا ينبغي مخالفته إلا بنص صريح والسلام.
وهو إبراهيم بن أبي المجد بن قريش بن محمد بن أبي النجاء بن زين العابدين بن عبد الخالق بن محمد بن أبي الطيب بن عبد الله الكاتم بن عبد الخالق بن أبي القاسم بن جعفر الزكي بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي الزاهد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي رضي الله عنهم أجمعين.
تفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ثم اقتفى آثار السادة الصوفية، وجلس في مرتبة الشيخوخة وحمل الراية البيضاء، وعاش من العمر ثلاثاً وأربعين سنة، ولم يغفل قط عن المجاهدة للنفس، والهوى، والشيطان حتى مات سنة ست وسبعين وستمائة رضي الله تعالى عنه.
ومن نظمه رضي الله تعالى عنه ورحمه:
سقاني محبوبي بكأس المحبة ... فتهت عن العشاق سكرا بخلوتي
ولاح لنا نور الجلالة لو أضا ... لصم الجبال الراسيات لدكت
وكنت أنا الساقي لمن كان حاضرا ... أطوف عليهم كرة بعد كرة
ونادمني سراً بسر وحكمة ... وإن رسول الله شيخي وقدوتي
وعاهدني عهداً حفظت لعهده ... وعشت وثيقاً صادقاً بمحبتي
وحكمي في سائر الأرض كلها ... وفي الجن، والأشباح، والمردية
وفي أرض صين الصين، والشرق كلها ... لأقصى بلاد الله صحت ولايتي
أنا الحرف لا أقرأ لكل مناظر ... وكل الورى من أمر ربي رعيتي
وكم عالم قد جاءنا، وهو منكر ... فصار بفضل الله من أهل خرقتي
وما قلت هذا القول: فخراً، وإنما ... أتى الإذن كي لا يجهلون طريقتي
وله أيضاً عفا الله عنا به:
تجلى لي المحبوب في كل وجهة ... فشاهدته في كل معنى وصورة
وخاطبني مني بكشف سرائري ... فقال أتدري من أنا قلت منيتي
فأنت مناي بل أنا أنت دائماً ... إذا كنت أنت اليوم عين حقيقتي
فقال: كذاك الأمر لكنه إذا ... تعينت الأشياء كنت كنسختي
فأوصلت ذاتي باتحادي بذاته ... بغير حلول بل بتحقيق نسبتي
فصرت فناء في بقاء مؤبد ... لذات بديمومة سر مدية
وغيبني عني فأصبحت سائلا ... لذاتي عن ذاتي لشغلي بغيبتي
وأنظر في مرآة ذاتي مشاهداً ... لذاتي بذاتي، وهي غاية بغيتي
فأغدوا، وأمري بين أمرين واقف ... علومي تمحوني، ووهمي مثبتي
خبأت له في جنة القلب منزلا ... ترفع عن دعد وهند وعلوة
أنا ذلك القطب المبارك أمره ... فإق مدار الكل من حول ذروتي
أنا شمس إشراق العقول، ولم أفل ... ولا غبت إلا عن قلوب عمية
يروني في المرآة، وهي صدية ... وليس يروني بالمرآة الصقيلة
وبي قامت الأنباء في كل أمة ... بمختلف الآراء، والكل أمتي
ولا جامع إلا، ولي فيه منبر ... وفي حضرة المختار فزت ببغيتي
(1/154)

وما شهدت عيني سوى عين ذاتها ... وإن سواها لا يلم بفكرتي
بذاتي تقوم الذات في كل ذروة ... أجدد فيها حلة بعد حلة
فليلى وهند والرباب، وزينب ... وعلوى، وسلمى بعدها، وبثينة
عبارات أسماء بغير حقيقة ... وما لوحوا بالقصد إلا لصورتي
نعم نشأتي في الحب من قبل آدم ... وسرى في الأكوان من قبل نشأتي
أنا كنت في العلياء مع نور أحمد ... على الحرة البيضاء في خلويتي
أنا كنت في رؤيا الذبيح فداءه ... بلطف عنايات، وعين حقيقة
أنت كنت مع إدريس لما أتى العلا ... وأسكن في الفردوس أنعم بقعة
أنا كنت مع عيسى على المهد ناطقاً ... وأعطيت داوداً حلاوة نغمة
أنا كنت مع نوح بما شهد الورى ... بحاراً، وطوفاناً على كف قدرة
أنا القطب شيخ الوقت في كل حالة ... أنا العبد إبراهيم شيخ الطريقة
قلت: وجميع ما فيه استطالة من هذه الأبيات إنما هو بلسان الأرواح، ولا يعرفه إلا من شهد صدور الأرواح من أين جاءت، وإلى أين تذهب، وكونها كالعضو الواحد من المؤمن إذا اشتكى فيه ألماً تداعى له سائر الجسد، وذلك خاص بالكامل المحمدي لا يعرفه غيره. وقد كان سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه يقول: أعرف تلامذتي من يوم ألست بربكم، وأعرف من كان في ذلك الموقف عن يميني ومن كان عن شمالي، ولم أزل من ذلك اليوم أربي تلامذتي، وهم في الأصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا، ونقله ابن العربي رضي الله عنه في الفتوحات. وكان رضي الله عنه يقول: أشهدني الله تعالى ما في العلى، وأنا ابن ست سنين، ونظرت في اللوح المحفوظ، وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلسم السماء، وأنا ابن تسع سنين، ورأيت في السبع المثاني حرفاً معجماً حار فيه الجن، والإنس ففهمته وحمدت الله تعالى على معرفته، وحركت ما سكن، وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى وأنا ابن أربع عشرة سنة، والحمد لله رب العالمين.
هذا ما لخصته من كتاب الجواهر له رضي الله عنه، وهو مجلد ضخم.

ومنهم السيد الحسيب النسيب
أبو العباس سيدي أحمد البدوي الشريف
رضي الله تعالى عنه
وشهرته في جميع أقطار الأرض تغني عن تعريفه، ولكن نذكر جملة من أحواله تبركاً به فنقول: وبالله التوفيق: مولده رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينة فاس بالمغرب لأن أجداده انتقلوا أيام الحجاج إليها حين أكثر القتل في الشرفاء فلما بلغ سبع سنين سمع أبوه قائلا يقول: له في منامه يا علي انتقل من هذه البلاد إلى مكة المشرفة فإن لنا في ذلك شأناً، وكان ذلك سنة ثلاث، وستمائة قال: الشريف حسن أخو سيدي أحمد رضي الله عنه فما زلنا ننزل على عرب ونرحل عن عرب فيتلقوننا بالترحيب، والإكرام حتى وصلنا إلى مكة المشرفة في أربع سنين فتلقانا شرفاء مكة كلهم، وأكرمونا، ومكثنا عندهم في أرغد عيش حتى توفي والدنا سنة سبع، وعشرين وستمائة، ودفن بباب المعلاة، وقبره هناك ظاهر يزار في زاوية قال: الشريف حسن فأقمت أنا، وأخوتي وكان أحمد أصغرنا سناً، وأشجعنا قلباً.
وكان من كثرة ما يتلثم لقبناه بالبدوي فأقرأته القرآن في المكتب مع ولدي الحسين، ولم يكن في فرسان مكة أشجع منه، وكانوا يسمونه في مكة العطاب فلما حدث عليه حادث الوله تغيرت أحواله، واعتزل عن الناس، ولازم الصمت فكان لا يكلم الناس إلا بالإشارة، وكان بعض العارفين رضي الله عنه يقول: إنه رضي الله تعالى عنه حصلت له جمعية على الحق تعالى فاستغرقته إلى الأبد، ولم يزل حاله يتزايد إلى عصرنا هذا ثم إنه في شوال سنة ثلاث، وثلاثين وستمائة رأى في منامه ثلاث مرات قائلا يقول: له قم، واطلب مطلع الشمس فإذا وصلت إلى مطلع الشمس فاطلب مغرب الشمس، وسر إلى طندتا فإن بها مقامك أيها الفتى فقام من منامه، وشاور أهله وسافر إلى العراق فتلقاه أشياخها منهم سيدي عبد القادر، وسيدي أحمد بن الرفاعي فقالا: يا أحمد مفاتيح العراق، والهند، واليمن، والروم، والمشرق، والمغرب بأيدينا فاختر أي مفتاح شئت منها فقال لهما سيدي أحمد رضي الله عنه لا حاجة لي بمفاتيحكما ما آخذ المفتاح إلا من الفتاح قال: سيدي حسن فلما فرغ سيدي أحمد من زيارة أضرحة أولياء العراق كالشيخ عدي بن مسافر، والحلاج، وأضرابهما خرجنا قاصدين إلى ناحية طندتا فأحدق بنا الرجال من سائر الأقطار يعاندوننا، ويعارضوننا، ويثاقلوننا فأومأ سيدي أحمد رضي الله عنه إليهم بيده فوقعوا أجمعين فقالوا له: يا أحمد أنت أبو الفتيان فانكبوا مهزومين راجعين، ومضينا إلى أم عبيدة فرجع سيدي حسن
(1/155)

إلى مكة وذهب سيدي أحمد رضي الله عنه إلى فاطمة بنت بري وكانت امرأة لها حال عظيم، وجمال بديع، وكانت تسلب الرجال أحوالهم فسلبها سيدي أحمد رضي الله عنه حالها، وتابت على يديه أنها لا تتعرض لأحد بعد ذلك اليوم، وتفرقت القبائل الذين كانوا اجتمعوا على بنت بري إلى أماكنهم، وكان يوماً مشهوداً بين الأولياء، ثم إن سيدي أحمد رضي الله عنه رأى الهاتف في منامه يقول له: يا أحمد سر إلى طندتا فإنك تقيم بها، وتربي بها رجالا، وأبطالا عبد العال، وعبد الوهاب، وعبد المجيد، وعبد المحسن، وعبد الرحمن رضي الله عنهم أجمعين، وكان ذلك في شهر رمضان سنة أربع وثلاثين، وستمائة فدخل رضي الله عنه مصر ثم قصد طندتا فدخل على الحال مسرعاً دار شخص من مشايخ البلد اسمه ابن شحيط فصعد إلى سطح غرفته وكان طول نهاره، وليله قائماً شاخصاً ببصره إلى السماء، وقد انقلب سواد عينيه حمرة تتوقد كالجمر وكان يمكث الأربعين يوماً، وأكثر لا يأكل، ولا يشرب، ولا ينام ثم نزل من السطح، وخرج إلى ناحية فيشا المنارة فتبعه الأطفال فكان منهم عبد العال، وعبد المجيد فورمت عين سيدي أحمد رضي الله عنه فطلب من سيدي عبد العال بيضة يعملها على عينه فقال: وتعطيني الجريدة الخضراء التي معك فقال: سيدي أحمد رضي الله عنه له: نعم فأعطاها له فذهب إلى أمه فقال هنا بدوي عينه توجعه فطلب مني بيضة وأعطاني هذه الجريمة فقالت: ما عندي شيء فرجع فأخبر سيدي أحمد رضي الله عنه فقال: اذهب فأتني بواحدة من الصومعة فذهب سيدي عبد العال فوجد الصومعة قد ملئت بيضاً فأخذ له واحدة منها، وخرج بها إليه ثم إن سيدي عبد العال تبع سيدي أحمد رضي الله عنه من ذلك الوقت ولم تقدر أمه على تخليصه منه فكانت تقول: يا بدوي الشوم علينا فكان سيدي أحمد رضي الله عنه إذا بلغه ذلك يقول: لو قالت: يا بدوي الخير كانت أصدق ثم أرسل لها يقول: إنه ولدي من يوم قرن الثور، وكانت أم عبد العال قد وضعته في معلف الثور، وهو رضيع فطأطأ الثور ليأكل فدخل قرنه في القماط فشال عبد العال على قرنيه فهاج الثور فلم يقدر أحد على تخليصه منه فمد سيدي أحمد رضي الله عنه يده، وهو بالعراق فخلصه من القرن فتذكرت أم عبد العال الواقعة، واعتقدته من ذلك اليوم فلم يزل سيدي أحمد على السطوح مدة اثنتي عشرة سنة، وكان سيدي عبد العال رضي الله عنه يأتي إليه بالرجل أو الطفل فيطأطئ من السطوح فينظر إليه نظرة واحدة فيملأ مدداً ويقول لعبد العال اذهب به إلى بلد كذا، أو موضع كذا فكانوا يسمون أصحاب السطح وكان رضي الله عنه لم يزل متلثماً بلثامين فاشتهى سيدي عبد المجيد رضي الله عنه يوماً رؤية وجه سيدي أحمد رضي الله عنه فقال: يا سيدي أريد أن أرى وجهك أعرفه فقال: يا عبد المجيد كل نظرة برجل فقال: يا سيدي أرني، ولو مت فكشف له اللثام الفوقاني فصعق
ومات في الحال. ات في الحال.
وكان في طندتا سيدي حسن الصائغ الإخنائي، وسيدي سالم المغربي فلما قرب سيدي أحمد رضي الله عنه من مصر أول مجيئه من العراق قال: سيدي حسن رضي الله عنه ما بقي لنا إقامة صاحب البلاد قد جاءها فخرج إلى ناحية إخنا، وضريحه بها مشهور إلى الآن ومكث سيدي سالم رضي الله عنه فسلم لسيدي أحمد رضي الله عنه، ولم يتعرض له فأقره سيدي أحمد رضي الله عنه، وقبره في طندتا مشهور، وأنكر عليه بعضهم فسلب، وانطفأ اسمه وذكره، ومنهم صاحب الإيوان العظيم بطندتا المسمى بوجه القمر كان ولياً عظيماً فثار عنده الحسد ولم يسلم الأمر لقدرة الله تعالى فسلب وموضعه الآن بطندتا مأوى للكلاب ليس فيه رائحة صلاح ولا مدد، وكان الخطباء بطندتا انتصروا له، وعملوا له وقفاً، وأنفقوا عليه أموالا، وبنوا لزاويته مئذنة عظيمة فرفسها سيدي عبد العال رضي الله عنه برجله فغارت إلى وقتنا هذا، وكان الملك الظاهر بيبرس أبو الفتوحات يعتقد في سيدي أحمد رضي الله عنه اعتقاداً عظيماً، وكان ينزل لزيارته، ولما قدم من العراق خرج هو، وعسكره من مصر فتلقوه، وكرموه غاية الإكرام. وكان رضي الله عنه غليظ الساقين طويل الذراعين كبير الوجه أكحل العينين طويل القامة قمحي اللون، وكان في وجهه ثلاث نقط من أثر جدري في خده اليمين واحدة، وفي الأيسر ثنتان أقنى الأنف على أنفه شامتان من كل ناحية شامة سوداء أصغر من العدس، وكان بين عينيه جرح موسى جرحه ولد أخيه الحسين بالأبطح حين كان بمكة، ولم يزل من حين كان صغيراً باللثامين، والغرزتين، ولما حفظ القرآن العظيم اشتغل بالعلم مدة على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه حتى حدث له حادث الوله فترك ذلك الحال، وكان إذا
(1/156)

لبس ثوباً، أو عمامة لا يخلعها لغسل، ولا لغيره حتى تذوب فيبدلونها له بغيرها، والعمامة التي يلبسها الخليفة كل سنة في المولد هي عمامة الشيخ بيده، وأما البشت الصوف الأحمر فهو من لباس سيدي عبد العال رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يقول: وعزة ربي سواقي تدور على البحر المحيط لو نفد ماء سواقي الدنيا كلها لما نفد ماء سواقي.
مات رضي الله عنه سنة خمس، وسبعين، وستمائة، واستخلف بعده على الفقراء سيدي عبد العال، وسار سيرة حسنة، وعمر المقام، والمنارات، ورتب الطعام للفقراء وأرباب الشعائر، وأمر بتصغير الخبز على الحال الذي هو عليه اليوم، وأمر الفقراء الذين صحت لهم الأحوال بالإقامة في الأماكن التي كان يعينها لهم فلم يستطع أحد أن يخالفه فأمر سيدي يوسف أبا سيدي إسماعيل الإنبابي أن يقيم بإنبابة، وسيدي أحمد أبا طرطور أن يقيم تجاه إنبابة في البرية، وسيدي عبد الله الجيزي أن يقيم في البرية تجاه الجيزة، وأمر سيدي وهيباً، بالإقامة في برشوم الكبرى، فأما سيدي يوسف رضي الله عنه، فأقبلت عليه الأمراء، والأكابر من أهل مصر، وصار سماطه في الأطعمة لا يقدر عليه غالب الأمراء، فقال الشيخ أحمد أبو طرطور يوماً لأصحابه: اذهبوا بنا إلى أخينا يوسف ننظر حاله.
فمضوا إليه فقال لهم: كلوا من هذه الماوردية، واغسلوا الغش الذي في بطونكم من العدس، والبسلة لسيدي أحمد فغضب الشيخ أبو طرطور من ذلك الكلام، وقال: ما هو إلا كذا يا يوسف فقال: هذه مباسطة فقال أبو طرطور: ما هو إلا محاربة بالسهام، فمضى أبو طرطور إلى سيدي عبد العال رضي الله عنه، وأخبره الخبر فقال: لا تتشوش يا أبا طرطور نزعنا ما كان معه، وأطفأنا اسمه وجعلنا الاسم لولده إسماعيل، فمن ذلك اليوم انطفأ اسم سيدي يوسف إلى يومنا هذا، وأجرى الله على يدي سيدي إسماعيل الكرامات، وكلمته البهائم، وكان يخبر أنه يرى اللوح المحفوظ، ويقول: يقع كنا، وكذا لفلان فيجيء الأمر كما قال: فأنكر عليه شخص من علماء المالكية، وأفتى بتعزيره فبلغ ذلك سيدي إسماعيل، فقال: ومما رأيته في اللوح المحفوظ أن هذا القاضي يغرق في بحر الفرات فأرسله ملك مصر إلى ملك الإفرنج ليجادل القسيسين عندهم، فإنه، وعد بإسلامه إن قطعهم عالم المسلمين بالحجة فلم يجدوا في مصر أكثر كلاماً، ولا جدلا من هذا القاضي فأرسلوه فغرق في بحر الفرات. وأما ترتيب الأشاير المشهورة في بيت سيدي أحمد رضي الله عنه إلى الآن من أولاد الفران، وأولاد الراعي، وأولاد المعلوف، وأولاد الكناس، وغيرهم فرتبهم كذلك سيدي عبد العال رضي الله عنه، ولم يكن أحد من أولاد الأشاير يدخل راكباً حوش الخليفة بلا إذن إلا أولاد المعلوف لما كانوا يعلمون من حب سيدي أحمد رضي الله عنه لهم.
وكان سيدي عبد الوهاب الجوهري رضي الله عنه المدفون قريباً من محلة مرحوم إذا جاءه شخص يريد الصحبة يقول: له دق هذا الوتد في هذه الحائط فإن ثبت الوتد في الحائط أخذ عليه العهد، وإن خار، ولم يثبت يقول له: إذهب ليس لك عندنا نصيب، وقد دخلت الخلوة، ورأيت الحائط غالبها شقوق، وما ثبت فيها إلا بعض أوتاد، وكان الشيخ رضي الله عنه يعلم من هو من أولاده بالكشف، وإنما كان يفعل ذلك إقامة حجة على المريد ليقضي بذلك على نفسه، ولا تقوم نفسه من الشيخ. وأما أمر سيدي الشيخ محمد المسمى بقمر الدولة فلم يصحب سيدي أحمد زماناً إنما جاء من سفر في وقت حر شديد فطلع يستريح في طندتا، فسمع بأن سيدي أحمد رضي الله عنه ضعيف فدخل عليه يزوره، وكان سيدي عبد العال، وغيره غائبين فوجد سيدي أحمد قد شرب ماء بطيخة، وتقايأه ثانياً فيها، فأخذه سيدي محمد المذكور، وشربه فقال له سيدي أحمد: أنت قمر دولة أصحابي فسمع بذلك سيدي عبد العال، والجماعة فخرجوا لمعارضته، وقتله بالحال فرمح فرسه في البئر التي بالقرب من توم التربة النفاضة فطلع من البئر التي بناحية نفيا فانتظروه عند البئر التي نزل فيها زماناً فجاء الخبر أنه طلع من تلك البئر التي قرب نفيا فرجعوا عنه، فأقام بنفيا إلى أن مات لم يطلع طندتا من سيدي عبد العال. وكان رضي الله عنه من أجناد السلطان محمد بن قلاوون، وعمامته، وثوبه، وقوسه، وجعبته، وسيفه معلقات في ضريحه بنفيا رضي الله عنه. قلت: وسبب حضوري مولده كل سنة أن شيخي العارف بالله تعالى محمد الشناوي رضي الله عنه أحد أعيان بيته رحمه الله قد كان أخذ علي العهد في القبة تجاه وجه سيدي أحمد رضي الله عنه وسلمني إليه بيده فخرجت اليد الشريفة من الضريح وقبضت على يدي.
وقال: سيدي يكون خاطرك عليه، واجعله تحت نظرك فسمعت سيدي أحمد رضي الله عنه من القبر يقول: نعم ثم إني رأيته بمصر مرة أخرى هو، وسيدي عبد العال وهو يقول: زرنا
(1/157)

بطندتا، ونحن نطبخ لك ملوخية ضيافتك، فسافرت، فأضافني غالب أهلها، وجماعة المقام ذلك اليوم كلهم بطبيخ الملوخية، ثم رأيته بعد ذلك، وقد، أوقفني على جسر قحافة تجاه طندتا فوجدته سوراً محيطاً، وقال: قف هنا ادخل على من شئت وامنع من شئت، ولما دخلت بزوجتي فاطمة أم عبد الرحمن وهي بكر مكثت خمسة شهور لم أقرب منها، فجاءني، وأخذني، وهي معي، وفرش لي فرشاً فوق ركن القبة التي على يسار الداخل، وطبخ لي حلوى، ودعا الأحياء، والأموات إليه، وقال: أزل بكارتها هنا، فكان الأمر تلك الليلة، وتخلفت عن ميعاد حضوري للمولد سنة ثمان، وأربعين، وتسعمائة وكان هناك بعض الأولياء فأخبرني أن سيدي أحمد رضي الله عنه كان ذلك اليوم يكشف الستر عن الضريح ويقول: أبطأ عبد الوهاب ما جاء، وأردت التخلف سنة من السنين فرأيت سيدي أحمد رضي الله عنه، ومعه جريدة خضراء، وهو يدعو الناس من سائر الأقطار، والناس خلفه، ويمينه، وشماله أمم وخلائق لا يحصون فمر علي، وأنا بمصر، فقال: أما تذهب فقلت بي وجع فقال: الوجع لا يمنع المحب ثم أراني خلقاً كثيراً من الأولياء، وغيرهم الأحياء، والأموات من الشيوخ والزمني بأكفانهم يمشون ويزحفون معه يحضرون المولد ثم أراني جماعة من الأسرى جاءوا من بلاد الإفرنج مقيدين مغلولين يزحفون على مقاعدهم، فقال: انظر إلى هؤلاء في هذا الحال، ولا يتخلفون فقوي عزمي على الحضور فقلت له إن شاء الله تعالى نحضر فقال: لا بد من الترسيم عليك فرسم على سبعين عظيمين أسودين كالأفيال، وقال: لا تفارقاه حتى تحضرا به، فأخبرت بذلك سيدي الشيخ محمد الشناوي رضي الله عنه فقال: سائر الأولياء يدعون الناس بقصادهم.
وسيدي أحمد رضي الله عنه يدعو الناس بنفسه إلى الحضور ثم قال: إن سيدي الشيخ محمد السروي رضي الله تعالى عنه شيخي تخلف سنة عن الحضور فعاتبه سيدي أحمد رضي الله عنه، وقال: موضع يحضر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأنبياء عليهم الصلاة، والسلام معه، وأصحابهم، والأولياء رضي الله عنهم ما تحضره، فخرج الشيخ محمد رضي الله عنه إلى المولد فوجد الناس راجعين، وفات الاجتماع فكان يلمس ثيابهم، ويمر بها على وجهه انتهى، وقد اجتمعت مرة أنا، وأخي أبو العباس الحريثي رحمه الله تعالى بولي من أولياء الهند بمصر المحروسة فقال رضي الله عنه: ضيفوني فإني غريب وكان معه عشرة أنفس فصنعت له فطيراً وعسلاً فكل فقلت له من أي البلاد فقال: من الهند فقلت: ما حاجتك في مصر فقال: حضرنا مولد سيدي أحمد رضي الله عنه فقلت له: متى خرجت من الهند فقال: خرجنا يوم الثلاثاء فنمنا ليلة الأربعاء عند سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وليلة الخميس عند الشيخ عبد القادر ببغداد، وليلة الجمعة عند سيدي أحمد رضي الله عنه بطندتا فتعجبنا من ذلك فقال: الدنيا كلها خطوة عند أولياء الله عز وجل واجتمعنا به يوم السبت انفضاض المولد طلعة الشمس فقلنا لهم: من عرفكم بسيدي أحمد رضي الله عنه في بلاد الهند فقالوا: يا لله العجب أطفالنا الصغار لا يحلفون إلا ببركة سيدي أحمد رضي الله عنه، وهو من أعظم إيمانهم، وهل أحد يجهل سيدي أحمد رضي الله عنه إن أولياء ما وراء البحر المحيط، وسائر البلاد والجبال يحضرون مولده رضي الله عنه، وأخبرني شيخنا الشيخ محمد الشناوي رضي الله عنه أن شخصاً أنكر حضور مولده، فسلب الإيمان، فلم يكن فيه شعرة تحن إلى دين الإسلام، فاستغاث بسيدي أحمد رضي الله عنه فقال: والنساء فقال له سيدي أحمد رضي الله عنه: ذلك واقع في الطواف، ولم يمنع أحد منه، ثم قال: وعزة ربي ما عصى أحد في مولدي إلا وتاب، وحسنت توبته، وإذا كنت أرعى الوحوش والسمك في البحار، وأحميهم من بعضهم بعضاً أفيعجزني الله عز وجل عن حماية من يحضر مولدي، وحكى لي شيخنا أيضاً أن سيدي الشيخ أبا الغيث بن كتيلة أخذ العلماء بالمحلة الكبرى، وأحد الصالحين، لما كان لمصر فجاء إلى، بولاق، فوجد الناس، مهتمين بأمر الولد، والنزول في المراكب، فأنكر ذلك، وقال: هيهات أن يكون اهتمام هؤلاء بزيارة نبيهم صلى الله عليه وسلم مثل اهتمامهم بأحمد البدوي فقال له شخص: سيدي أحمد ولي عظيم فقال: في هذا المجلس من هو أعلى منه مقاماً، فعزم عليه شخص، فأطعمه سمكاً فدخلت حلقه شوكة تصلبت، فلم يقدروا على نزولها بدهن عطاس، ولا بحيلة من الحيل وورمت رقبته حتى صارت كخلاية النحل تسعة شهور، وهو لا يلتذ بطعام، ولا شرب، ولا منام، وأنساه الله تعالى السبب.
فبعد
(1/158)

التسعة شهور ذكره الله بالسبب، فقال: احملوني إلى قبة سيدي أحمد رضي الله عنه، فأدخلوه فشرع يقرأ سورة يس فعطس عطسة شديدة، فخرجت الشوكة مغمسة دماً فقال: تبت إلى الله تعالى يا سيدي أحمد، وذهب الوجع، والورم من ساعته، وأنكر ابن الشيخ خليفة بناحية إبيار بالغربية حضور أهل بلده إلى المولد فوعظه شيخنا الشيخ محمد الشناوي، فلم يرجع فاشتكاه لسيدي أحمد فقال: ستطلع له حبة ترعى فمه، ولسانه فطلعت من يومه ذلك، وأتلفت وجهه، ومات بها، ووقع ابن اللبان في حق سيدي أحمد رضي الله عنه فسلب القرآن، والعلم، والإيمان، فلم يزل يستغيث بالأولياء فلم يقدر أحد أن يدخل في أمره فدلوه على سيدي ياقوت العرشي فمضى إلى سيدي أحمد رضي الله عنه وكلمه في القبر، وأجابه، وقال له: أنت أبو الفتيان رد على هذا المسكين رسماله فقال: بشرط التوبة فتاب ورد عليه رسماله، وهذا كان سبب اعتقاد ابن اللبان في سيدي ياقوت رضي الله عنه، وقد زوجه سيدي ياقوت ابنته، ودفن تحت رجليها بالقرافة رحمه الله تعالى، ووقعة ابن دقيق العيد، وامتحانه لسيدي أحمد رضي الله عنه مشهورة، وهو أن الشيخ تقي الدين أرسل إلى سيدي عبد العزيز الدريني رضي الله عنه، وقال له: امتحن لي هذا الرجل الذي اشتغل الناس بأمره عن هذه المسائل، فإن أجابك عنها فهو ولي الله تعالى، فمضى إليه سيدي عبد العزيز، وسأله عنها، فأجاب عنها بأحسن جواب، وقال: هذا الجواب مسطر في كتاب الشجرة فوجدوه في الكتاب كما قال: وكان سيدي عبد العزيز إذا سئل عن سيدي أحمد رضي الله عنه يقول: هو بحر لا يدرك له قرار، وأخباره، ومجيئه بالأسرى من بلاد الإفرنج، وإغاثة الناس من قطاع الطريق، وحيلولته بينهم، وبينهم، وبين من استنجد به لا تحويها الدفاتر رضي الله عنه قلت: وقد شاهدت أنا بعيني سنة خمس، وأربعين، وتسعمائة أسيراً على منارة سيدي عبد العال رضي الله عنه مقيداً مغلولاً وهو مخبط العقل، فسألته عن ذلك فقال: بينا أنا في بلاد الإفرنج آخر الليل توجهت إلى سيدي أحمد فإذا أنا به، فأخذني، وطار بي في الهواء، فوضعني هنا، فمكث يومين، ورأسه دائر عليه من شدة الخطفة رضي الله عنه.

ومنهم الشيخ العارف الكامل المحقق المدقق أحد أكابر العارفين بالله
سيدي محيي الدين ابن العربي
رضي الله عنه
بالتعريف كما رأيته بخطه في كتاب نسب الخرقة رضي الله عنه أجمع المحققون من أهل الله عز وجل على جلالته في سائر العلوم كما يشهد لذلك كتبه، وما أنكر من أنكر عليه إلا لدقة كلامه لا غير فأنكروا على من يطالع كلامه من غير سلوك طريق الرياضة خوفاً من حصول شبهة في معتقده يموت عليها لا يهتدى لتأويلها على مراد الشيخ، وقد ترجمه الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور، وغيره بالولاية الكبرى، والصلاح، والعرفان، والعلم، فقال: هو الشيخ الإمام المحقق رأس أجلاء العارفين والمقربين صاحب الإشارات الملكوتية، والنفحات القدسية، والأنفاس الروحانية، والفتح المونق، والكشف المشرق، والبصائر الخارقة، والسرائر الصادقة، والمعارف الباهرة، والحقائق الزاهرة له المحل الأرفع من مراتب. القرب في منازل الأنس، والمورد العذب في مناهل الوصل، والطول الأعلى من معارج الدنو، والقدم الراسخ في التمكين من أحوال النهاية، والباع الطويل في التصرف في أحكام الآية، وهو أحد أركان هذه الطريق رضي الله عنه.
وكذلك ترجمه الشيخ العارف بالله سيدي محمد بن أسعد اليافعي رضي الله عنه، وذكره بالعرفان، والولاية، ولقبه الشيخ أبو مدين رضي الله عنه بسلطان العارفين، وكلام الرجل أدل دليل على مقامه الباطن، وكتبه مشهورة بين الناس لا سيما بأرض الروم فإنه ذكر في بعض كتبه صفة السلطان جد السلطان سليمان بن عثمان الأول، وفتحه القسطنطينية في الوقت الفلاني، فجاء الأمر كما قال: وبينه، وبين السلطان نحو مائتي سنة، وقد بنى عليه قبة عظيمة، وتكية شريفة بالشام فيها طعام، وخيرات، واحتاج إلى الحضور عنده من كان ينكر عليه من القاصرين بعد أن كانوا يبولون على قبره رضي الله عنه، وأخبرني أخي الشيخ الصالح الحاج أحمد الحلبي أنه كان له بيت يشرف على ضريح الشيخ محيي الدين، فجاء شخص من المنكرين بعد صلاة العشاء بنار يريد أن يحرق تابوت الشيخ، فخسف به دون القبر بتسعة أذرع، فغاب في الأرض، وأنا أنظر ففقده أهله من تلك الليلة، فأخبرتهم بالقصة، كجاءوا، وحفروا، فوجدوا رأسه.
فكلما حفروا نزل، وغار في الأرض إلى أن عجزوا، وردموا عليه التراب، وكان رضي الله عنه أولاً يكتب الإنشاء لبعض ملوك
(1/159)

العرب، ثم تزهد، وتعبد، وساح، ودخل مصر، والشام، والحجاز، والروم، وله في كل بلد دخلها مؤلفات، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخ الإسلام بمصر المحروسة يحط عليه كثيراً، فلما صحب الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه، وعرف أحوال القوم صار يترجمه بالولاية، والعرفان، والقطبية، مات رضي الله عنه سنة ثمان وثلاثين، وستمائة، وقد سطرنا الكلام على علومه، وأحواله في كتابنا تنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء، فراجعه، والله تعالى أعلم،

ومنهم الشيخ داود الكبير بن ماخلا
رضي الله تعالى عنه
شيخ سيدي محمد، وفا الشاذلي رضي الله عنه، كان رضي الله عنه شرطياً في بيت الوالي بالإسكندرية، وكان يجلس تجاه الوالي، وبينهما إشارة يفهم منها وقوع المتهوم، أو براءته، فإن أشار إلي أنه بريء عمل بإشارته، أو أنه فعل ما اتهم به عمل بذلك، وكانت إشارته أنه إن قبض على لحيته، وجذبها إلى صدره علم أنه وقع، وإن جذبها إلى فوق علم أنه بريء، وله كلام عال في الطريق، وكان أمياً لا يكتب، ولا يقرأ، ومن كلامه رضي الله عنه في كتابه المسمى بعيون الحقائق في قوله: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى "، على قدر ارتقاء همتك في نيتك يكون ارتقاء درجتك عند عالم سريرتك، وكان رضي الله عنه يقول: إنما كانت العلل، والأسباب لوجود البعد، والحجاب، ومن استنار قلبه علم أن الخضوع لرب الأرباب حتم لازم للعبد من غير العلل.
وكان رضي الله عنه يقول: للولي نوران نور عطف، ورحمة يجذب به أهل العناية ونور فيض، وعزة، وقهر يدفع به أهل البعد والغواية لأنه يتصفح بين دائرتي فضل وعدل، فإذا أقيم بالفضل ظهر فجذب فنفع هو إذا أقيم بالعدل، والعز حجب، فخفي، ودفع، ولذلك أقبل بعض، وأدبر بعض، وكان رضي الله عنه يقول: كلما ازداد علم العبد زاد افتقاره، ومطلبه، وعلت همته لأنه في حال جهله يطلب العلم، وفي حال علمه يطلب جلاء العلوم، والمعلومات درجات لا غاية لمنتهاها، ولا حد لعلو مرماها، فواعجباً من لوعة كلما ارتوت زاد تأججها، وضرامها، وكان يقول: أسرار يتنزل العلم عليها، وأسرار تترقى هي إليه، وأعلاهما أولاهما لأن العلم إذا ورد عليها صارت هي عيناً فيه فتخفي رسومها، وتتضح علومها، وتحق شواهدها، وأما إذا ترقت الأسرار إلى العلوم، فإن طعم كأسها يشوب طعمها، وتتنزل خلع مواهبها قريباً من جنس لباسها، فيحصل فيها ضرب من الإخفاء، والإشكال، وكان يقول: عالم الظاهر كلما اتسع علمه اتسع في الوجود، وفشا، وعالم الباطن كلما اتسع علمه، وعلا دق من الإدراك، ومال إلى الخفاء لأن العالم بالخفاء خفي عكس الظاهر، وأيضاً، فإن عالم الظاهر ينقضي علمه بانقضاء هذه الدار لأنه منوط بالتكليف، وإنما يبقى له إذا صدق، وأخلص لله الجزاء، والثواب، وكان يقول: من أعظم المواهب بعد الإيمان بالله تعالى وملائكته، وكتبه، ورسله الإيمان بنور الولاية في خلقه سواء ظهرت في ذات العبد، أو في غيره من العباد، فإنه كما هو مطلوب أن يؤمن بها في غيره كذلك مطلوب أن يؤمن بها في نفسه.
وكان رضي الله عنه يقول: الناس صنفان صنف اشتغل بالدنيا وإقامة دولتها، وشعائر دينها فهو في كفالة علماء المسلمين، وصنف سمت هممهم بعد أن حصلوا ما حصل الأولون إلى فهم الأسرار، وطلبوا من يسير بها في منازل التحقيق فهم في كفالة العارفين، وكان رضي الله عنه يقول: لا يكن كبر همك من العبادة إلا القرب من المعبود دون الأجر، والثواب، فإنه إذا من عليك بالدخول إلى حضرته فهنالك الأجور، وأعلى منها ثم ينعم عليك حتى تكون أنت منعماً على ذلك، وكان يقول: الجزء لا يطيق حمل الكل، وكان رضي الله عنه يقول: من صحت ولايته من رجل كبير أحاط نوره بسره سراً، وجهراً وكان لا يدخل حضرة من حضرات القرب إلا، وهو معه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا نطق المحجوب بغرائب العلوم، وعجائب الفهوم، فلا تستغربن ذلك، فإن مداد قلم الغيوب فياض، وكان يقول: حاشى قلوب العارفين أن تخبر عن غير يقين، وكان يقول: لسان العارف قلم يكتب به في ألواح قلوب المريدين فربما كتب في لوح قلبك ما لم تعلم معناه، وبيانه عند ظهور آياته وكان رضي الله عنه يقول: القلب ظل نور الروح، والروح ظل نور السر، والسر مظهر تجلي أشعة الحقيقة الأولى، في أوائل عوالم التكوين، والنفس عبارة عن توجه القلب إلى سياسة العالم الشهادي والتفاته إلى تدبير عالم شهادته، وكان يقول: إقبال القلب مع لا إله إلا الله خير من ملء الأرض عملاً مع الإعراض عن الله عز وجل، وكان يقول: العارف أثره في الآخذين عنه بإمداده وأنواره كثر
(1/160)

من آثارهم فيهم بأذكارهم، وأعمالهم، وكان رضي الله عنه يقول: قلب العارف كالنار لواحة للبشر لا تبقى، ولا تفر، وكان يقول: الذنب الأعظم شهود ما سوى الله أي شهوده ثابتاً بنفسه.
وكان يقول: إقبال القلب على الله حسنة يرجى أن لا يضر معها ذنب، وإعراض القلب عن الله سيئة لا يكاد ينفع معها حسنة، وكان رضي الله عنه يقول: شهود الغافل سم قاتل، وكان يقول: إذا أكرم الله عز وجل عبداً طوى عنه شهود خصوصيته، وأقامه في تحقيق عبوديته، فالعبد، إذا كان غائباً عن مراعاة حقوق عبوديته خيف عليه من الشطح، والانبساط، وتعدى عن حدود الأدب، والعدول عن سواء الصراط وكان يقول: النبي صلى الله عليه وسلم يؤمر والولي يلهم وكان رضي الله عنه يقول: قلوب المؤمنين تحت ظل قلوب الأولياء، وقلوب الأولياء تحت ظل قلوب الأنبياء عليم الصلاة والسلام، وقلوب الأنبياء تحت ظل أنوار العناية، والإمداد تتنزل، فيما بين ذلك، ويتلوها الشاهد منه، وكان يقول: ليس الشأن الخفاء في الخفاء إنما الشأن الخفاء في الظهور، وكان يقول: من أعظم أبواب الفتح يقظة العبد من غفلته، وكان يقول: احذروا هذه النفوس، فإن لها في الطاعات غوائل، وآفات، وكان يقول: من نظر إلى الأكوان نظر قلب عوقب بالحجاب، أو بالحساب، أو بالعذاب، وكان يقول: بنور النبوات يتضح الإيمان، وتثقل الأعمال، وبنور الولاية تزكو العبادات، وتثمر الأحوال، وكان رضي الله عنه يقول: إذا لم يكن ابن آدم عمالاً في مصالح الدنيا، والآخرة، فهو كالجماد في ذلك الوقت، وإن اشتغل بالمعصية، والشر، فهو كالشيطان، وإن اشتغل بأمر الدنيا، والآخرة، فهو كالحيوان، وإن اشتغل بفكره فيما هو لله تعالى، فهو كذلك، فانظر رحمك الله تعالى إلى درجة من تريد أن تلحق، وكان يقول: من الأولياء من يتكلم من خزانة قلبه، ومنهم من يتكلم من خزانة غيبه فالمتكلم من خزانة قلبه محصور، والمتكلم من خزانة غيبه غير محصور، وكان يقول: كما قويت الظلمة في قلوب الخلائق نطقت ألسنة العارفين بصرائح الحقائق، وذلك لأنها أمنت من ملاحظة النظار، وكان يقول: إن سكنت إلى ما نلت، فما نلت لأن العطاء يحرك الأشواق إلى لقاء المعطى وإن نلت فهيجك العطاء إلى المعطى فتلك بشارة على وجود العطاء، ومن هنا قال: بعضهم ليس لله على كافر نعمة إنما هي نقمة، وكان يقول: جلت الحقيقة أن تكون البشرية محلاً لتلقيها، ولكن إذا أراد أن يوصلها إليك انبسط شعاع سلطان شعاعها، فمهد في قلبك محلاً لتلقيها فبها وجدتها لا بك:
أعارته طرفاً رآها به ... فكان البصير بها طرفها
وكان رضي الله عنه يقول: جلت الحقيقة أن يكون لها جزاء من المخلوقين إنما يطلب جزاؤها من رب العالمين، وكان يقول: لا يصح من مريد أن يجازي أستاذه الذي أخذ عنه أبداً لأن ما استفاده منه لا يقابل بالأعراض، وكان يقول: قل