Advertisement

مجلة التنكيت والتبكيت


الكتاب: مجلة التنكيت والتبكيت
المؤلف: صحيفة صدر العدد الأول منها في 16 يونيو عام 1881 م على يد عبد الله النديم (المتوفى 1314 هـ)
تقديم: د. عبد العظيم رمضان
دراسة وتحليل: د. عبد المنعم إبراهيم الجميعي
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر
عام النشر: 1994 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(بالمطبوع رقمان: رقم أعلى الصفحة، وتراه في الشاملة أيضا في أعلى الصفحة، ورقم أسفل الصفحة، وتراه في الشاملة في خانة الرقم)
ـ[مجلة التنكيت والتبكيت]ـ
المؤلف: صحيفة صدر العدد الأول منها في 16 يونيو عام 1881 م على يد عبد الله النديم (المتوفى 1314 هـ)
تقديم: د. عبد العظيم رمضان
دراسة وتحليل: د. عبد المنعم إبراهيم الجميعي
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر
عام النشر: 1994 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________
(بالمطبوع رقمان: رقم أعلى الصفحة، وتراه في الشاملة أيضا في أعلى الصفحة، ورقم أسفل الصفحة، وتراه في الشاملة في خانة الرقم)
(/)

عبد الله النديم (1261 - 1314 هـ = 1845 - 1896 م)

عبد الله بن مصباح بن إبراهيم الإدريسي الحسني السكندري الشهير بعبد الله النديم .. صاحب مجلة «التنكيت والتبكيت» و «الطائف» و «الأستاذ» .. وكلها صحف فكاهية ساخرة كانت لسانه للإصلاح.
(/)

من «الأعلام» للزركلي:

من أدباء مصر وشعرائها وزجاليها. يتصل نسبه بالحسن السبط.
ولد في الإسكندرية، وشغل بعض الوظائف الصغيرة. وأنشأ فيها الجمعية الخيرية الإسلامية.
وكتب مقالات كثيرة في جريدتي «المحروسة» و «العصر الجديد» ثم أصدر جريدة «التنكيت والتبكيت» مدة، واستعاض عنها بجريدة سماها «الطائف» أعلن بها جهاده الوطني. وحدثت في أيامه الثورة العرابية، فكان من كبار خطبائها. فطلبته حكومة مصر، [فاستتر عشر سنين. ثم قبض عليه سنة] 1309 هـ فحبس أياما، وأطلق على أن يخرج من مصر. فبرحها إلى فلسطين، وأقام في «يافا» نحو سنة، وسمح له بالعودة إلى بلاده، فعاد واستوطن القاهرة. وأنشأ مجلة «الأستاذ» سنة 1310 هـ ونفاه الإنكليز ثانية، فخرج إلى يافا ثم إلى الآستانة، فاستخدم في ديوان المعارف ثم مفتشا للمطبوعات في «الباب العالي» واستمر إلى أن توفي فيها. له كتب، منها «الساق في مكابدة المشاق - ط» و «كان ويكون - ط» و «النحلة في الرحلة - ط» و «المترادفات - ط» وديوانان، وروايتان تمثيليتان هما «العرب» و «الوطن» ونسب إليه كتاب «المسامير - ط» في هجاء أبي الهدى الصيادي. وجمعت طائفة من كتاباته في «سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله نديم - ط»
__________
وفي مقال عنوانه عبد الله نديم «نشرته صحيفة الأخبار (المصرية) 18/ 6 / 1985 ما خلاصته: كان أبوه مصباح» من إحدى قرى الشرقية، وافتتح مخبزا صغيرا في الاسكندرية فلما نشأ عبد الله أرسله إلى أحد المساجد ليتعلم، فلم يستمر، مال إلى حفظ الأشعار والأزجال، فتخلى عنه أبوه، فتعلم فن الإشارات التلغرافية فاستخدمة الحكومة عاملا للتلغراف بمكتب بنها. ثم نقل إلى مكتب «القصر العالي» حيث كانت تسكن والدة الخديوي إسماعيل (في القاهرة) فأكثر من مخالطة الأدباء. وارتكب خطأ، فأخرج. وذهب إلى «عمدة» إحدى قرى الدقهلية، فأقام عنده يعلم أبناءه. وتشاجر مع العمدة، فهجاه: وسافر إلى المنصورة، ففتح دكانا يبيع فيه المناديل، وأفلس، فعاد إلى الإسكندرية، وسمع الناس يتحدثون بديون الخديوي إسماعيل وتدخل الأجانب وسوء الأحوال، فدخل في جمعية كانت تسمى «مصر الفتاة» لها اتصال بجمال الدين الأفغاني. وبدأ يكتب مقالات في الصحف، أصدر مجلة «التنكيت والتبكيت» سنة 1881 ثم كان خطيب الثورة العرابية الخ. ا. هـ ما في الأعلام
(/)

من منتدى الألوكة ((مقال للعضو/ أبو الطيب المتنبي))

من أدباء مصر وشعرائها وزجاليها، ألف أكثر من سبعة آلاف بيت شعر وروايتين، ثم إنه انخرط في الوطنية وانضم إلى أساطينها آنذاك، وحينما هوت العُرابية هوى ونكصت نكص وقبض عليه وزج به في السجن، ثم عفي عنه من قبل الخديوي توفيق ولم يلبث أن نفاه إلى يافا، فجعل النديم إلفه تأليفه، وألّف كتاب «كان ويكون» وكان ذلكم الكتاب مرآة لعرض آرائه في اللغة والسياسة والحياة

اختلف النديم إلى الصحف فكتب في «المحروسة» و «العصر الجديد» ثم أصدر مجلة «التنكيت والتبكيت» ثم استعاض عنها بمجلة الطائف والتي كانت (عرضحال) للأحوال العرابية آنذاك، ثم أخرج «الأستاذ» في ثوب قشيب وبلغة الدهناء ففهمها الجماء الغفير وأقبلوا عليها إقبال الظامي على الماء، والجائع على الطعام، وأخرجت عام 1892 وما لبثت أن قفلت إلى الأفول بفعل اللورد كرومر فأشار النديم إشارة المودع ورفع ثياب الهجرة إلى منفاه الآستانة وأنشد:
أودعكم والله يعلم أنني ... أحب لقاكم والخلود إليكم
وما عن قِلي كان الرحيل وإنما ... دواعٍ تبدت فالسلام عليكم

قال المؤرخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف الرافعي: {1966:م}
وانتهى به المطاف في منفاه إلى الآستانة حيث توفى سنة 1896م

من مصنفاته:
(1) الاحتفاء في الاختفاء
(2) الآلئ والدرر في فواتح السور
(3) البديع في مدح الشفيع
(4) في المترادفات
(5) الساق في مكابدة المشاق
(6) كان ويكون
(7) النحلة في الرحلة
(8) سلافة النديم وهي رسائله (16 رسالة) جمعها عبد الفتاح النديم ورسمه بذلك الرسم

ومن مأثوره قوله:
• «وما خلقت الرجال إلا لمصابرة الأهوال ومصادمة النوائب، والعاقل يتلذذ بما يراه في فصول تاريخه من العظمة والجلال، وإن كان مبدأ الصعوبة كدراً في أعين الواقفين عند الظواهر».
• «أعيروني من أيام أنسكم أوقاتاً أدخل فيه أنديتكم الأدبية لأتلو عليكم صحائف الحكمة، وأنا كامن في أسطر صحيفتي وهي لساني فما المرء إلا أصغراه قلبه ولسانه»

من أقوال أهل التأريخ فيه:
• قال الزركلي: من أدباء مصر وشعرائها وزجاليها. اهـ
• قال الرافعي: خطيب الثورة العرابية، وهو أيضاً شاعرها انطبعت في خطبه وقصائده روح الوطنية المتدفقة، وروح الثورة. اهـ

ومن لطيف شعره قوله:
إليكم يُرَدُّ الأمر وهو عظيم ... فإني بكم طول الزمان رحيم
إذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن أين يأتي الديار نعيم
وإن الفتى إن لم ينازل زمانه ... تأخر عنه صاحبٌ وحميم
فرُدُّوا عنان الخيل نحو مخيم ... تقلبه بين البيوت نسيم
وشدوا له الأطراف من كل وجهة ... فمشدود أطراف الجهات قويم
إذا لم تكن سيفاً فكن أرض وطأة ... فليس لمغلول اليدين حريم
(/)

من كتاب «الشرقية شوارع ومدن لها تاريخ» للدكتور عمرو عبد العزيز منير:

عبد الله النديم الذي ولد بقرية الطيبة بمحافظة الشرقية سنة 1845م ونشأ وتربي بالأسكندرية بعد انتقال والده الذي كان يعمل نجاراً للعمل بترسانة الأسكندرية. وتم نفيه إلى الأستانة 1893م وتم منعه من الكتابة ولكنه اصطدم بأحد أفراد حاشية السلطان عبد الحميد ويسمى (أبا الهدى الصيادي) مستشار السلطان وكان يسميه (أبا الضلال) وكتب فيه كتاب (المسامير) , أظهر الشيطان شخصية مهزومة أمام أبو الضلال في مقدمه و9 مسامير فكان كتابه أحد نفائس فن الهجاء في التاريخ العربي .... وفي إقامته الإجبارية بتركيا تعطّلت مواهبه وتوقفت، وسكت فجأة عمّا كان يطالب به الأدباتّي الزجّال الغرّيد والمعارض، ووجد في الأفغاني عزاء له وسلوةً وفي الأمسيات كان الأستاذ والتلميذ يلتقيان تحت أشجار الحدائق التي خصصها عبد الحميد لهما، يتذكران أيّام النضال وأحداث الثورة العرابية، ويطوّفان على سيرة الرفاق في سيلان الذين قدم عهد المنفى بهم ويستعرضان دوحة الشباب وما كان فيها من وارف الأغصان، وعن طريق الأستاذ تعرّف على وزراء وأعيان ... لكن النديم لم ينس مصر، وعندما زار الخديوي عبّاس الثاني الأستانة طلب منه العودة إليها فأجيب طلبه سنة 1895، وفعلاً قفز إلى الباخرة يغمر قلبه الحنين إلى وطنه، ولكن جواسيس عبد الحميد أبرقوا على الفور إليه، فأوقفت الباخرة وانتزع النديم منها وسيق إلى المنفى الذهبي من جديد ... بعد أشهر مرض النديم وتراجعت صحته، ونهش السلّ الرئوي صدره وأحسّ بدنو أجله، فأخبر أمه وأخاه في مصر واستقدمهما، ولكن الموت جذبه إليه قبل أن يصلا، فتوفيّ وحيداً غريباً عام 1896 دون أن يترك زوجاً أو ولداً أو حطاماً، وكل ما تركه سيرة عطرة وحياة حافلة.

هذا الرجل العظيم مات خارج الوطن ومقبرته معروفة ومحددة أما آن الأوان أن يعود النديم إلى حضن الوطن الذي أعطاه النديم كل قطرة من دمه وكل لمسة من عبقريته , ألم يحن الوقت لرجل عرف قيمة العلم والتقدم وأهمية الكلمة والحرية والفن وأعطى كل هذا لمصر؟ أن يعود .....
(/)

من موقع «صيد الفوائد»:

عبد الله النديم فارس الكلمة وقائد الثورة
أ. مجدي داود*

بسم الله الرحمن الرحيم
شارك النديم فى ثورة الجيش المصرى ... واختاره زعيم الثورة أحمد عرابى مستشارا مدنيا له، سخر عبد الله النديم صحفه للحديث عن الأوضاع الفاسدة وعن النفوذ الأجنبى وراح ينتقد وبشدة الخديو توفيق ورياض باشا .. وفى هذا يقول: وأعلنت حب العسكر والتعويل عليهم، وناديت بانضمام الجموع إليهم، وأوغلت فى البلاد ونددت بالإستبداد، وتوسعت فى الكلام، وبينت مثالب الحكام الظلام، لا أعرفهم إلا بالجهلة الأسافل، ولا أبالى بهم وهم ملء المحافل.
* * *

إن تاريخنا حافل بتاريخ الرجال الذين عاشوا وماتوا وما ضعفوا وما استكانوا، عاشوا مجاهدين يحملون أكفانهم على أيديهم ويسيرون نحو العدو بقلوب مخلصة ونوايا صادقة، وماتوا شهداء أو بقوا رجالا في ثبات شديد لم ينل منهم الضعف والذل، ولم يكن لهما منهم نصيب، ولم تغيرهم الأيام والسنون بل هم الذين صنعوا تاريخا مجيدا وتراثا مشرفا.

من هؤلاء عبدالله بن مصباح بن إبراهيم الإدريسى الشهير بعبدالله النديم الذى كان مولده يوم عيد الأضحى المبارك عام 1261هـ، 1845 م بمدينة الإسكندرية بشمال مصر (انظر: عبد الله النديم خطيب الثورة العربية ص 33).

وهو من السادة الأشراف من نسل الإمام الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما (انظر عبد الله النديم خطيب الوطنية ص 18)

وقد حفظ الشيخ القرآن الكريم فى الكتاب وهو فى التاسعة من عمره، وقد اشتهر الشيخ فى طفولته بذكائه وعلو همته ونبوغه.

ولست هنا بصدد سرد السيرة الذاتية لعبد الله النديم رحمه الله، بل هى محاولة للإستفادة من حياته وتجاربه عن طريق تسليط الضوء على بعض مواقفه وأفعاله البطولية ومحاولة اسقاطها على الواقع الذى نعيشه، وتطبيق ما يمكننا تطبيقه مع مراعاة اختلاف الظروف والأحوال.

لقد كان النديم يكتب فى صحيفة مصر وكذلك فى صحيفة التجارة التى كان يصدرها أتباع الشيخ جمال الدين الأفغانى وكانت مقالاته تحث الناس على التغيير والثورة على هذه الأوضاع الفاسدة التى يعيشونها ويسلحهم بالوعى والمعرفة لمآلات الأمور إن استمر الحال على ما هو عليه دون تغيير.

وكان يركز على النفوذ الأجنبى واستبداد الخديوات بالحكم وقهرهم الناس، وإغراق البلاد بالديون الكثيرة، وكان رجل عذب الكلام فصيح اللسان يقرأ له كثير من الناس، وبعد أن أوقفت هذه الصحف قام هو بإنشاء صحف وكان يديرها ومن أشهرها صحيفة التنكيت والتبكيت، وكان يستغل هذه الصحف أيضا فى توعية الناس مع علمه أن الخديوى اسماعيل ومن بعده توفيق لا يألون جهدا فى النيل ممن يتحدث عنهم وينتقدهم.

وهنا لنا وقفة، فكثير ممن لديهم موهبة الكتابة اليوم لا تراهم يكتبون، ولا تراهم يتحركون من أجل إيصال ما لديهم من فكر إلى الناس، ولو علم هؤلاء أهمية هذه الكلمات التى يستهينون بها والتى يعتبرونها من الأمور التافهة لما تأخروا فى التقدم لها، وإذا كتبوا تراهم لا يكتبون إلا ما يذهب بالأمة نحو التخلف والإنهيار، ويدعى أن هذه مدنية وتقدمية وأن ما سوى ذلك رجعية وتخلف، تراه لا يذكر هموم الناس ولا يتحدث عنها وإذا ذكرتها عنده راح ينظر للأفكار الضالة من علمانية وليبرالية وغيرها، وإذا ذكرت عنده قضايا الأمة راح يكتب عن الإرهاب والسلام، فكان سكوته حينئذ خير من كلامه، فما تكلم إلا بشر.

وهناك من إذا ذكرت عنده النفوذ الأجنبى تجده يحاول أن يبرر هذا الأمر بحجة أنهم الأقوى وأنهم إن يتدخلوا فى أمورنا خير من أن يقوموا باحتلال أرضنا، وكأننا إما أن نوافق على أن يتحكموا فى كل شؤوننا أو يحتلوا أرضنا، فهؤلاء كتاب وذاك كاتب، ولكن شتان شتان بين كاتب وكاتب.

وهناك من إذا قلت له بلدك محتلة فادع الناس إلى مساعدة المجاهدين تراه يثبط ويحبط، وتراه يتهرب من المسؤولية، بل تجد البعض يحمل سكينا حادا ويضعه على رقاب المجاهدين متهما إياهم أنهم السبب فى سفك الدماء وتدمير البيوت، فهؤلاء أحيانا بل غالبا يكونون ملكيين أكثر من الملك.

ومنه أيضا نستنتج أنه على المجاهد والمقاوم أن يبحث عن كل سبيل وكل طريق لينشر به فكره بين الناس، ولكى يعرف الناس أهدافه واستيراتيجيته، ولكى يدعو الناس للإلتفاف حوله ودعمه ومساندته، فالإعلامى المجاهد يكتب فى الصحف، ويشارك فى البرامج الحوارية والمؤتمرات والندوات، بل ويبث الفضائيات ومواقع الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) فلا يدع طريقا إلا سلكه، ولا سبيلا إلا سار فيه، ولا يستهن بالإعلام وقدرته على التأثير فى الناس.

تولى الخديو توفيق حكم مصر بدلا من أبيه اسماعيل وكان توفيق يتودد للشعب ولحزب الإصلاح الذى كان يرأسه جمال الدين الأفغانى، ولكن بعد أن تولى الحكم تمكن منه القنصلان البريطانى والفرنسى فصار لا يقطع أمرا بدونهما بل صارا هم كأنهما الحاكم الحقيقى لمصر، فقبض توفيق على الأفغانى ونفاه خارج البلاد وأغلق صحفه، فتفرق أنصاره ولكن النديم لم يهرب ورأى أن البلاد قد صارت أسيرة فى يد الأجانب، فراح يصرخ بأعلى صوته، وأقام المحافل الخطابية فى الإسكندرية وانتقد فيها نظام الحكم بأسلوبه الأدبى البسيط الذى يفهمه العوام، وأنشأ مع بعض أنصار الأفغانى صحيفتى (المحروسة والعهد الجديد).

هكذا يجب أن يكون دور المثقف الذى أوتى من حسن الكلام ما أوتى، فبدلا من أن يهرب من مواجهة الأمور كما قد يهرب البعض تاركا الساحة خالية لدعاة الفساد والإفساد، وتاركا الدولة كلها فريسة فى يد الأجانب، يقف هو فى هذا التغلغل الأجنبى ويجتهد فى منعه من السيطرة على البلاد وعلى الحكم فيها، وكذلك على ثرواتها ومقدراتها، حتى وإن لاقى فى سبيل ذلك ما يلاقيه.

شارك النديم فى ثورة الجيش المصرى وهو أول من انضم إلى التشكيلات العسكرية من المدنيين واختاره زعيم الثورة أحمد عرابى مستشارا مدنيا له، سخر عبدالله النديم صحفه التى يديره للحديث عن الأوضاع الفاسدة وعن النفوذ الأجنبى وراح ينتقد وبشدة هذه المرة الخديو توفيق ورياض باشا رئيس الوزارة وفى هذا يقول النديم (وأعلنت حب العسكر والتعويل عليهم، وناديت بانضمام الجموع إليهم، وأوغلت فى البلاد ونددت بالإستبداد، وتوسعت فى الكلام، وبينت مثالب الحكام الظلام، لا أعرفهم إلا بالجهلة الأسافل، ولا أبالى بهم وهم ملء المحافل) (انظر تاريخ مصر ص 56).

وقد هم رياض باشا بنفى النديم خارج البلاد وأصدر مرسوما بذلك وأرسله للخديو لإقراره، ولكنه فشل فى مسعاه إذ تصدى لذلك بعض قادة الجيش المصرى.

ليس هذا فحسب بل إن النديم كان يقوم بتشكيل التجمعات الشعبية المناصرة للثورة وكان هو حلقة الوصل بين قادة الثورة العسكريين وتلك الجماهير المدنية العريضة، وعمل على جمع التوقيعات الشعبية التى تنيب أحمد عرابى لكى يمثل الشعب المصرى أمام الخديو توفيق حاكم مصر وقتئذ، والنديم الذى زار القرى والنجوع والكفور وراح يخطب بأعلى صوته، مستخدما فى ذلك موهبة الخطابة الفذة التى وهبه الله إياها، وقد اشتهر بين الناس من قبل بكلامه الحسن وخطبه الرنانة فكان لا ينزل بلدا إلا التف حوله الناس واستمعوا إلى خطبه وأحاديثه.

وهنا يجب أن نتعلم أن الجهاد ليس فقط فى ميدان المعركة، بل يكون الجهاد بالكلمة والدعوة والمال، فإن خطبة صادقة تخرج من قلب صادق تكون ذات تأثير فعال، وإن حث الناس على التمسك بالجهاد والقتال فى سبيل الله هو من الجهاد، لذا فإن العدو يحاول جاهدا أن يكمم الأفواه وأن يخرس كل صوت يطالب بدعم المقاومة وينظر لها.

لم تكن ثورة الجيش المصرى مجرد تمرد غير مبرر على حاكم البلاد الخديو توفيق، ولكن كان لهذه الثورة العديد من الأسباب من أهمها كثرة الديون ونهب ثروات البلاد، وزيادة النفوذ الأجنيى فى مصر، وخسارة الجيش المصرى فى حرب الحبشة وتفضيل الضباط الجراكسة على أمثالهم ونظرائهم من المصريين، وكثير من الأسباب الأخرى لا مجال هنا لذكرها، ولهذا رأى النديم فى تحرك الجيش المصرى وثورته أملا فى تغيير الواقع المر الذى تعيشه البلاد.

إن التحالف بين رجال الجيش ورجال الفكر إذا كان مستندا إلى مصالح البلاد دون المصالح الشخصية والفئوية الضيقة هو أمر طبيعى، بل هو الواجب أن يكون، لأن رجال الفكر هم الذين ينبهون الشعوب ويعرفونهم بما يريده رجال الجيش وبدون رجال الفكر لن يستطيع الجيش إيصال هدفه للناس والحصول على الدعم الشعبى لمطالبه، أما إذا كان التحالف يستند إلى مصالح شخصية فسوف يقود الدولة أو الأمة إلى مزيد من الفساد والتخلف، وسيطرة المستعمر على البلاد.

بعد أن اطمأن الأميرالاى أحمد عرابى إلى مناصرة الشعب له وبعد أن جمع النديم توقيعات كثيرة جدا من الشعب المصرى تفوض أحمد عرابى بالتحدث باسمه، زحف عرابى إلى قصر عابدين فى 9/ 9/1881 فى مظاهرة عسكرية مهيبة وكان النديم هو المدنى الوحيد الذى حضر هذا اللقاء وكان دوره هنا هو أن يحمى رجال الجيش من أن تضعف عزائمهم أو تثبط هممهم، ويقول أحمد عرابى نفسه عن هذا اليوم (واشتدت شوكة جيش البغى وقويت معارضته، هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، فجال صديقى الأعز الهمام صاحب الغيرة والعزم القوى السيد عبدالله نديم بين الصفوف ينادى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات / 9]، فكان معى ثانى اثنين فى حفظ قلوب الرجال من الزيغ والإرتجاف، وأخذ الكل يردد هذه الآية الكريمة، كأنهم لم يسمعوها إلا من فمه فى تلك الساعة) (أحمد عرابى: كشف الستار عن سر الأسرار ص 266 - 267)

لم يجد الخديو توفيق بد من الإستجابة لمطالب الثوار من الجيش خاصة أن الجيش بدا متماسكا ومن يقود هذه الثورة هو أحد الفلاحين الذى يحظى بثقة الجميع، واستقرت الأمور فى مصر بعض الشئ، لكن ذلك الإستقرار وتلك الحرية التى بدأ المجتمع المصرى يعيش بداياتها لم ترق للأجانب خاصة فرنسا وانجلترا، لأن مصالحهم فى مصر قائمة على الظلم والنهب وهذا لن يكون مسموحا به فى ظل وجود جيش حر قوى وشعب عالم بأمور السياسة، فما أن وافق الخديو على مطالب عرابى حتى خرج عرابى والنديم وطافوا البلاد شرقا غربا يحدثون الناس عن الحرية، ويحذرونهم من التدخل الأجنبى والسكوت عنه، ويحدثونهم عن الميزانية ومراقبة الحكومة وفى هذا تقول صحيفة التايمز البريطانية نقلا عن أحد مراسليها فى القاهرة (قال لى صديق يعرف اللغة العربية جيدا أنه فى صباح يوم واحد عد فى السوق 27 مجموعة من الناس يتحدثون عن الميزانية أو الوزارة أو التدخل الأجنبى) (التايمز 10/ 3/1882)

إن هذه الصحوة التى عاشها المجتمع المصرى لفترة وجيزة من الزمن كانت بفعل نشاط رجال الفكر وعلى رأسهم عبدالله النديم، الذى لم يكن يترك فرصة للحديث إلا ويتحدث عن مشاكل الأمة وأمور البلاد، لم يكن يعرف حدا يجب أن يتوقف عنده، لم يكن يدعى أن أمور السياسة لا يفهمها إلا الساسة وأن على الناس أن يطيعوا ساستهم حتى ولو باعوا الوطن للأعداء، لم يكن ليرى الأجانب يتحكموا فى ميزانيات الدولة ويسكت، بل حدث الناس، وأخبرهم وعلمهم حتى صاروا هم الذين يتحدثون فى هذه الأمور التى يخجل البعض اليوم من التحدث عنها.

عندما وصل الأسطول الإنجليزى وبعده الأسطول الفرنسى إلى مدينة الإسكندرية، أصدر الإنجليز مذكرة إلى الخديو توفيق بنفى الزعيم أحمد عرابى وكان وزيرا للحربية حينئذ خارج البلاد وتحديد أقامة زملاءه وإقالة وزارة محمود سامى البارودى فقبلها الخديو توفيق، فثارت ثائرة الشعب المصرى فما كان من النديم الرجل المفكر فارس القلم والكلمة إلا أن وقف يخطب الناس يحثهم على التمسك بقيادة الجيش والثورة والألتفاف حولهم، ليس هذا فحسب بل لقد ذهب إلى مدينة الإسكندرية حيث يقف الإنجليز على بعد كيلومترات قليلة منه وخطب فى عشرة آلاف رجل يحث الناس على التمسك برفض مذكرة الإنجليز، بل طعن فى وطنية الخديو توفيق وفى أهليته وكفاءته للحكم وكان من نتاج هذه الحملة الشعبية الكبيرة التى قادها النديم عبر خطبه الرنانة ومقالاته ومعه أمثاله من أهل الفكر أن أعيد أحمد عرابى إلى منصبه وزيرا للحربية.

إن موقف النديم من الخديو توفيق هو موقف شجاع من رجل لا يعرف المهادنة، بل هو الموقف الطبيعى فى مثل هذه الظروف، ففى وقت تكون فيه البلاد معرضة للعدوان من الأعداء فيقف الحاكم مع العدو لا يكون للعلماء والمفكرين السكوت ولا الرضوخ، ولا المداهنة بل عليهم حينئذ أن يكونوا هم طليعة الأمة كلها فى رفض هذا التحالف والوقوف ضده وإفشاله مهما كلف الأمر ومهما كانت العواقب لأنها وإن عظمت فلن تكون أعظم من أن تسلم البلاد للعدو يفعل فيها ما يشاء.

فى تلك الأثناء حاول بعض الخبثاء تعكير الأجواء بين الشعبين المسلمين المصرى والسورى، فهاجمت أحدى الصحف المصرية السوريين واتهمتهم بممالأة أعداء الأمة، فما كان من إحدى الصحف السورية إلا أن ردت بالمثل، فقام النديم وهو المفكر الكبير الخبير بما يحاك للأمة بكتابة مقال حمل اسم (المصريون والشاميون) (الطائف 21/ 6/1882) نادى فيه بالوحدة وعدم الوقوع فى فخ الإنقسام ونشر مقاله فى كل الصحف، فكان له الفضل فى انتهاء الأزمة.

وهنا درس لعلماء الأمة ومفكريها الكبار ألا ينجروا وراء دعوى الوطنية الكاذبة، وألا يصطف كل عالم مع حاكمه ضد الدول الإسلامية الأخرى، بل عليهم إن هم وجدوا بوادر أزمة وشقاق أن يكون لهم السبق فى العمل على إنهاء الأزمة والخروج منها وتوحيد الصف، لكننا اليوم نرى أشياء عجاب، نرى العلماء والمفكرين هم الذين يزيدون الشقاق ويكثرون الخلاف بين أقطار الأمة.

فى تلك الأثناء كان الإنجليز يتعلون الأزمات فى مدينة الإسكندرية ويوقعون بين المصريين والأجانب حتى حدثت مجزرة بين الجانبين، هنالك اتخذها الإنجليز حجة فضربوا المدينة، ولأن الجيش لم يكن على استعداد للمعركة فقد سقطت الإسكندرية بسرعة رغم وقوف الشعب كله خلف الجيش لكن كانت إمكانيات العدو أضعاف أضعاف ما لدى الجيش المصرى ورمى الخديو توفيق نفسه فى أحضان الإنجليز، وحينما وصل الخبر إلى النديم هرع إلى الإسكندرية فرآها محترقة ليس فيها أحد من أهلها فقد أخلوها، واجتمع النديم مع أحمد عرابى ومحمود سامى البارودى وقرروا مواصلة القتال من مدينة كفر الدوار.

حينئذ بدأ النديم مهمته الكبرى التى برز فيها كقائد الثورة الحقيقى، فكان يجوب البلاد شرقا وغربا يدعو الناس إلى دعم الجيش، ويحثهم على قتال الإنجليز، ويحدثهم عن الجهاد وفضله وفضل القائمين عليه، ويحذرهم من القعود الجهاد لما له من عواقب وخيمة، فكان مما قال (يا بنى مصر ... هذه أيام النزال، هذه أيام النضال، هذه أيام الذود عن الحياض، هذه أيام الذب عن الأعراض، هذه أيام يمتطى فيها بنى مصر صهوات الحماسة وغوارب الشجاعة ومتون الإقدام لمحاربة عدو مصر، لا بل عدو العرب، لا بل عدو الإسلام ... ) (الطائف 28/ 7/1882)، وقد أعلن النديم بعد سقوط الإسكندرية الحرب على الخديو توفيق فما كان يترك فرصة إلا وينال منه ويحرض الناس عليه.

هذه الكلمات وغيرها أشعلت غيرة المصريين فالتف الشعب حول الجيش وكانت الناس تقدم للجيش كل ما يمكنم تقديمه، ثم بعد ذلك التحق النديم بقوات الجيش ليكون مع قائده أحمد عرابى ليتشاوروا فى كيفية ملاقاة العدو، وكان يراسل صحيفته بأخبار الحرب الدائرة حتى صارت صحيفته هى الصحيفة الرسمية للمعركة.

وقد أشعل الإنجليز حربا أخرى بجوار الحرب العسكرية المشتعلة، ألا وهى حرب الأعصاب فقد أصدروا بينا يؤكدون فيه أنهم ليسوا أعداء الشعب المصرى، وإنما هم نواب الخديو جاؤوا فقط لمساعدته على تمرد أحمد عرابى ومتى أعادوا للخديو حقوقه المسلوبة وقبضوا على عرابى خرجوا من البلاد.

هنالك انتبه النديم إلى خطورة هذا الأمر فلم يترك الإنجليز يصلون إلى مرادهم بالخبث والخديعة، بل أعلن حربا عليهم، وراح يصفهم بأبشع الأوصاف وويصورهم للناس فى أقذر صور، وراح يثير ضدهم الشائعات، فزادت النفوس اشتعالا وحقدا للإنجليز وللخديو الذى يساعدهم.

أى رجل هذا الذى يفعل كل هذه الأشياء؟!، بل أى مفكر يقف هذه المواقف؟!، هل نجد فى زماننا هذا علماء ومفكرين يدركون ما يحاك للأمة من أخطار ومكائد؟!، هل نجد فى زماننا يكشف للناس خطط الأعداء ويحذرهم من الوقوع فى شركهم؟!، إن علماءنا اليوم أبعد ما يكونوا عن واقع الأمة وآلامها.

ولكن مع كل هذا قدر الله أن يهزم الجيش المصرى بسبب الخيانة، وأن يسيطر الإنجليز على البلاد، فقبض على الزعيم أحمد عرابى والبارودى ونفوا خارج البلاد ولكنهم لم يستطيعوا القبض على النديم فاختفى النديم فى الريف المصرى، وكانت الحكومة قد أعلنت عن مكافأة قدرها ألف جنيه مصرى لمن يدلهم على مكان النديم، ولكن مع هذا بقى النديم تسعة أعوام مختفيا لم يخبر أحد عنه إلى إن قبض عليه بسبب خيانة أحد أعضاء البوليس السرى، ثم عفى عنه ونفى خارج البلاد.

إن ما فعله النديم فى حياته من وقوف مع الشعب ومناصرة له ودفاعا عن قضاياه ومصالحه، والوقوف فى وجه الحكام والتعرض للأذى هو الذى دفع الناس إلى الوقوف بجانب النديم حينما صار مطاردا مطلوبا لقوات الإحتلال الإنجليزى، فهكذا هم الرجال حينما يقعون فى أزمة ويكونون فى محنة تجد الناس ينصرونهم ويدافعون عنهم، فليت فينا اليوم من يقف هذه المواقف الشجاعة.
__________
* كاتب مصري إسلامي.
المصدر: موقع «قاوم»
(/)

مقال لأحمد زين *
النديم .. زنزانة الوطن أوسع من براح المنافي!!

الفصل الأول
المشهد الأول
ضجة وأصوات مختلطة .. منزل متواضع ينتمي لبيئة فقيرة في عام 1842م .. حفلة سبوع المولود .. بكل ما تحمل من عادات شعبية .. جلاجل .. ضحكات الأطفال .. تعاليق وزينات .. يد الهون .. وبينما يبارك المدعوون للأب .. يفتل شاربه باعتزاز .. ويقول مفتخرا والسعادة تتقافز من عينيه: «نذرته للأزهر عالما وشيخا وكبيرا».

«الشيخ» عبد الله النديم هكذا أراده والده فألحقه بالكتاب ليتعلم القرآن ويحفظه ويلم بمبادئ القراءة والكتابة والحساب تمهيدا .. لإلحاقه بالأزهر .. وبالفعل نبغ عبد الله وختم القرآن ثم انكب على كتب التراث وعلم السلف ينهل منها .. لكنه لم يلتحق بالأزهر ربما لضيق ذات اليد وربما لرغبته في العمل ومساعدة والده .. وربما كان ثمة طريق آخر يداعب خياله.

المشهد الثاني
.. يجلس النديم على مكتبه ويتابع حركة المراسلات الحكومية والتلغرافات المرسلة والمستقبلة .. ويتواصل بشغف واهتمام مع المراسلات الملكية والأميرية، فقد اختار النديم من بين المهن المعروضة أكثرها اتساقا مع شخصيته المرحة وروحه الفكهة .. وهي أن يعمل موظفا في التلغراف .. وطبيعة التلغراف آنذاك كانت تقتصر على المراسلات الملكية والرسمية بين الحكومة المصرية والعالم الخارجي .. مما أهل النديم أن يحتك بأكثر الطبقات المصرية آنذاك ترفا وفحشا في الثراء .. ويشاهد حياة البذخ والرفاهية التي يحياها فريق من المصريين .. ويقارن حالهم بحال أبناء طبقته.

المشهد الثالث
مقهى شعبي بسيط أو صالون فخم يعج بمظاهر البذخ .. صيادون وعمال فقراء أو نبلاء وأدباء وباشوات لا فرق عند النديم، فهو يغشى كل المنتديات الفنية والأدبية بداية من المقهى الذي يأتي إليه (الأدباتية) الذين يتحدون الجميع في مباراتهم الأدبية والفنية، والتي يمكن أن تكون في وصف (عرس إسكندراني) أو (نوة البحر) و (مسابقات الشعر والمقامات) وفي الوقت الذي ينهزم فيه المحترفون كان (النديم) يصمد، بل يقهر أي عدد منهم ويأتي إليهم بغرائب ولطائف اللغة.

ورغم أن هذه المباريات الأدبية لم تحظَ باحترام كبير من أدباء تلك الفترة -أو هكذا أظهروا ربما لخوفهم من الانكسار أمام هذا الفريق المحترف- فإن النديم لم يخجل منها؛ حيث تعود أن يحترم أي عمل يثري شخصيته، أو يفيد الناس ويرتقي بهم .. ولم يؤثر ذلك على شخصيته، فقد كان في ذات الوقت يغشى الصالونات الثقافية الراقية التي يرتادها كبار الأدباء في ذلك العصر… كان يتحفهم بآرائه الفكرية ولطائفه الفنية .. ومن مآثر النديم أنه كان يقدم وجوها جديدة، ومواهب شابة سواء في نظم الشعر أو في الخطابة التي أولاها اهتماما خاصا.

الفصل الثاني
المشهد الأول
النديم ينتقل إلى مصاف قادة الرأي والفكر في مصر .. فهو يصدر عددا كبيرا من المجلات والصحف أشهرها (التنكيت والتبكيت) وانطلق فيها -كما هو واضح من اسمها- من السخرية المرة إلى معالجة آفات المجتمع ومشاكله المزمنة، وفي تلك الأثناء عمل مدرسا لبعض الوقت، وكان مدرسا من طراز فريد .. أنشأ مع تلامذته فرقة مسرحية، ولم يكتف بدور المؤلف أو المخرج، وإنما شاركهم التمثيل أيضا .. ولم يحفظ التاريخ هذه النصوص المسرحية وإن كان (أحمد سمير) وهو سكرتيره الشخصي في أخريات عمره قال «إن النديم قد تناول فيها المجتمع وأظهر المساوئ الاجتماعية آنذاك مثل الانحلال الخلقي والفقر والجهل».

وكان يهاجمه البعض بأن التمثيل عمل لا قيمة له ولا فائدة من ورائه، ويتهمون الممثلين بأنهم مهرجون، لكنه كان يدافع عنهم بثقة «لا ينبغي النظر إلى الممثلين باعتبارهم مضحكين، ولكن التمثيل وسيلة لدفع الظلم والنقد السياسي»، وكان يرى أن التمثيل: «فن بديع يقوم في التهذيب وتوسيع أفكار الأمم مقام أستاذ يلقن تلامذته بما تألفه نفوسهم» .. وهكذا فإذا كان يعقوب صنوع (1838 - 1912) يعده البعض رائدا للمسرح العربي، فإن النديم بلا شك ممن تناساهم المؤرخون في هذا المجال.

المشهد الثاني
يقف صارخا في المجتمع .. وبقوة خطابته ومواهبه يقدم الزجل السياسي الرصين الذي اتخذ الفلاح موضوعا أساسيا .. منطلقا من مقولة صديقه ومعاصره جمال الدين الأفغاني:
«عجبت أيها الفلاح تشق قلب الأرض بفأسك فلِمَ لا تشق بنفس الفأس صدر ظالميك».

ومن أزجاله:
شرم برم حالي غلبان
أهل البنوك والأطيان
صاروا على الأعيان أعيان
وابن البلد ماشي عريان
ممعاه ولا حق الدخان
شرم برم حالي غلبان

ومن رسائله الأدبية .. رسالة بعنوان «عربي تفرنج» وقد تناول فيها شخصية طريفة جدا بطلا لرسالته تلك .. والرسالة تدور حول فلاح ثري جاهل أرسل ابنه (زعيط) ليتعلم في أوربا، وهو صبي جلف يحب البصل ولا يتعامل إلا مع البهائم؛ ليتباهى به وسط أعيان القرية، ولما عاد واستقبله أبوه بالأحضان دفعه (زعيط) قائلا: سبحان الله عندكم يا «مسلمين» مسألة الحضن دي قبيحة قوى قول: بون آريفي وسلم باليد خلاص .. ثم يحتد على أبيه في موقف آخر: أنتم أبناء العرب زي البهايم تمام ..
وفي مقام ثالث يذكره أبوه بالبصل فيتأفف ويتظاهر بأنه لا يتذكر، ثم أخيرا يقول: أووه .. أونيون … تذكرته.

الفصل الثالث
المشهد الأول
لم يتخذ النديم الكتابة حرفة لأكل العيش فقد كان يكتب بنبضه ودمه .. ولو كان من طائفة المتكسبين لما أقدم على أخطر خطوة في حياته .. بعدما فاض به الكيل في محاولة الإصلاح الاجتماعي .. لم يجد سبيلا سوى تغيير هذه الأنظمة السياسية التي تسير المجتمع .. فانضم للثورة العرابية، وما هي إلا أيام حتى أصبح خطيبها المفوه الذي يؤجج مشاعر الجند، ويحشد البسطاء حول الثورة ولهذا .. سمته «التايمز» خطيب الشرق، وقالت عنه «الديلي نيوز»: «إن النديم متعصب للدين .. ثوري .. مهيج .. يريد إحداث فتنة طائفية…»!

وبعد فشل الثورة العرابية هام على وجهه هاربا، ولم تتخل عنه زوجته الوفية ولا خادمه الأمين .. يحكي عنه الخادم كيف كان يتخفى ويتنكر في أزياء مختلفة بين شيخ وقسيس، أو عجوز وامرأة ومن فرط معرفته بحيل التخفي ألَّف رسالة في التنكر وطرق الهرب سماها «الاحتفاء في الاختفاء» طاف معظم قرى مصر، وكان أهم ما يساعده سعيه وراء الموالد التي تقام للأولياء، فينظر إليه الناس كواحد من المجاذيب أو المريدين، وبالتالي لا يشك أهل القرية أو السلطات في دخوله وخروجه ..

وقصة القبض عليه تعكس عبقريته ونهمه للقراءة وعدم الاستغناء عنها أبدا، فيحكي الخادم الوفي أنهم لما اشتدت الملاحقات وضيق الخناق عليهم اختبأ ثلاثتهم في سرداب مهجور تحت الأرض لمدة 9 أشهر .. ورفض النديم الإقلاع عن القراءة أو ترك الكتابة .. فكان يوقد بالليل مصباح غاز يقرأ على ضوئه .. رغم توسلات الزوجة والخادم وشكواهم من الهواء الفاسد الذي يكاد يخنقهم ..

وفي ليلة القبض عليه فسد المصباح فانتشرت رائحته الكريهة، وذهب الخفر يستطلعون الأمر فوجدوا النديم المطلوب للقبض، وكان ذلك بعد 9 سنوات كاملة من الهروب والاختباء طاف فيها أرجاء مصر، وتغلغل في أعماق أهلها .. ورفض الاستسلام بما يعكس طبيعته الصلدة وشخصيته المتحدية، ومن عجائب القدر أن يحقق معه المفكر «قاسم أمين» وكان وكيلا للنيابة، وهو الذي اشتهر بعد ذلك بدفاعه عن المرأة وهجومه على ظلم العادات لها والاستهانة بقدرها ..

ثم صدر أمر الخديوي توفيق بالعفو عنه .. ولكن مع نفيه إلى (يافا) وبعد تولي الخديوي عباس الحكم سمح له بالعودة مرة أخرى فأنشأ مجلة (الأستاذ)، وكانت أخف لهجة من أختها الكبرى (التنكيت والتبكيت) وصدم النديم بما آل إليه المجتمع المصري من انحلال خلقي وتفشي العري في العواصم وانتشار الخمور .. وذلك لأن السنوات التسع التي قضاها هاربا غيبته بعض الشيء عن هذا المجتمع الذي عمل فيه المستعمر الإنجليزي بكافة أدوات الهدم التي يمتلكها.

ورأى أن الأنسب أن تصدر الجريدة بالعامية المصرية البسيطة التي يفهمها الناس جميعا حتى الفلاحة في بيتها .. تسمعها من زوجها أو ابنها فتفهمها وتستسيغ أفكارها .. لكن المجتمع الثقافي آنذاك لم يتقبل الفكرة؛ وهو ما اضطره للعودة إلى الفصحى رغم أن عاميتها كانت -بشهادة معاصريه- أقرب إلى لغة الصحافة التي عرفناها فيما بعد ..

المشهد الثاني
لم ينخدع النديم بعودته ولم يخش أن يلاحق ثانية فاستمر في خطه قدمًا بنفس القوة في الهجوم على المظالم المتفشية .. مما أغضب (اللورد كرومر- المعتمد البريطاني) فنفاه مرة أخرى واختار النديم الآستانة، والتقي هناك بالأفغاني وعمل مفتشا للمطبوعات العثمانية براتب ضخم يذكر المقربون منه أنه كان يوزع معظمه على أحبابه وأصدقائه.

ولم يجعل منفاه بكائية وعويلا وإنما اتخذه فرصة للتفكير ومراجعة مواقفه من الحياة والكون والسياحة في الأرض، وأسفر منفاه هذا عن تأليفه أهم كتبه (كان ويكون) الذي يعرض فيه آراءه في الدين واللغة والسياسة والحياة، ورغم أنه من المؤلفات العظيمة التي لم تصلنا إلا أن الفيلسوف والمفكر أحمد أمين قال عن هذا الكتاب: «ما نشر منه ووصلنا يدل على نظر عميق واطلاع واسع وسماحة دينية لطيفة .. وعاطفة جياشة بحب الإسلام ومصر والشرق .. ».

ولم تدم حياة النديم في الرغد والرفاهية التي عاشها في الآستانة فقد أساء بعض المغرضين العلاقة بينه وبين الخليفة العثماني .. وهو ما دفع الخليفة لتجريحه والانتقاص من قدره؛ فلم يتوان النديم عن الرد بخطاب قوي بدأه بتفصيل عاقبة الظلم ومصير الظالمين، وبين له أن انتقاصه له إنما هو ظلم بين، ثم ختمها بقوله: «إننا سنقف بين يدي عادل قاهر يقضي بيننا بالحق وهو خير الحاكمين…».

المشهد الثالث
لم يمنعه الفن والملاحقات ولا اهتماماته السياسية من الإدلاء برأيه في مشكلات الشرق التي يراها وبالأخص نقد الغرب معبود المثقفين في عصره .. !

فيقول إن أوربا هي السبب في شرذمة الشرق بحربها على الخلافة العثمانية، ويقول: «لو كانت الدولة العثمانية مسيحية لبقيت بقاء الدهر .. ».

ثم يعيب على دعاة الحرية المزعومة أنهم نادوا بالتخلص من ربقة المنظومة الإسلامية بدعوى الحرية وفي المقابل وقعوا في عبودية الغرب، فهو يحدد مصطلح الحرية فيقول: «الحر هو من ملك أمره ولم تتقيد أفكاره بغرض ما»، ولكن هؤلاء المتغربين يحكمون على الفكر الأوروبي من منطلق هوسهم.

وهو ينسب فضل التقدم الأوربي إلى الحضارة الإسلامية (كل ما في الكون الآن من العلماء إنما هم تلامذة المسلمين، وفي عنق كل منهم نعمة للدين الإسلامي).

والنديم يدهشنا في موقفه الوسطي من أوربا والدهشة هنا مبعثها هذا الموقف الناضج المتبصر في هذا الوقت المبكر الذي كانت أوربا لا تجد في الشرق إلا صيدا سهلا مما كان سيعطيه العذر تماما إن تحامل عليها وهاجمها، لكن النديم يفاجئنا بأنه لا يرفض أوربا بالكلية، لكنه يمدح كثيرًا من أسس التقدم لديهم، وينادي الشرق بالرجوع إليها مثل:
- حرية الكتاب في نشر أفكارهم
- تشجيع المخترعين والمبتكرين.
- مساهمة أصحاب الأموال في دفع النهضة.
- التعليم الإجباري.
- المؤسسات الاجتماعية المتميزة.
- المجالس النيابية ومشاركة الأفراد في إدارة الوطن.

ورفض النديم بشكل قاطع ادعاءات أوربا بأنها علمانية، ويستشهد على ذلك بأن فرنسا أصدرت أمرًا للكنائس يلزم الأمة كلها بالصلوات كلما جابهتهم أزمة سياسية أو اقتصادية.

الخاتمة
مات النديم مخلفا لنا تركة عظيمة سمع ورثته عن معظمها لكنها لم تصلهم
فقد ألف أكثر من 7 آلاف بيت شعر، وروايتين. أشهر كتبه «الاحتفاء في الاختفاء»، «اللآلئ والدرر في فواتح السور»، و «البديع في مدح الشفيع»، و «في المترادفات» وللأسف لم يصلنا منها إلا مقتطفات ويرجع هذا لسببن:
الأول: فترات الهروب والنفي والملاحقات الأمنية التي أصبحت فيها كتابات النديم بمثابة منشورات سرية ثورية يتناقلها البسطاء والأحرار في كل مصر .. وتعرضت لها الدولة بالرصد والمنع والحرق ..
الثاني: أنه في أخريات حياته طلب من أصدقائه ما عندهم من كتبه (لأنه كان يعطيهم كتبه لمن يطلبها من أصدقائه) ليحرقها؛ لأنه وجد فيها هجاءً كثيرًا وتجريحًا في بعض الشخصيات.
ولما عاتبوه على ذلك قال: قد خلعت تلك الثياب الدنسة، ولبثت ثوب: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا ..
وهكذا مضى النديم كما كان في حياته لا يرى نفسه فوق أحد أبدا ..
__________
* موقع (إسلام أون لاين)
(/)

نقلاً عن جريدة الدستور - 4 أكتوبر 2006 م - 11 رمضان 1427 هـ

عبد الله نديم الكاتب الثائر والأديب المبدع
خطيب الثورة العرابية
أستاذ الأدباتية وأدباتى الأساتذة ..

برز نديم كأحد أهم قادة الثورة العرابية منذ تصاعد الأحداث فى صيف 1881 حتى هزيمة العرابين فى سبتمبر 1882

«عند الشدائد تظهر معادن الناس» و «أستاذنا» الذى نتحدث عنه اليوم امتحن بالشدة وراء الشده وظل ثابتاً على المبدأ مخلصا لـ أفكاره وقيمه إنه واحد من أبناء الشعب المصرى تجسدت فيه كل القيم الإيجابية فى هذا البلد.

أستاذنا هو عبد الله نديم الكاتب الثائر والأديب المبدع خطيب الثورة العرابية الذى ألهب حماسة الجماهير بكلماته، برز عبدالله نديم كأحد أهم قادة الثورة العرابية منذ تصاعد الأحداث فى صيف 1881 حتى هزيمة العرابيين فى سبتمبر 1882 ورغم أنه كان عند اشتعال الثورة فى السادسة والثلاثين من عمره إلا أنه احتل مكانة مرموقة بين قادة الثورة لأنه كان قد اكتسب خبرة كبيرة وحقق شهرة ذائعة من خلال مشاركته فى العمل العام.

ولد عبد الله نديم فى الإسكندرية فى 10 ديسمبر 1845 فى أسرة متوسطة الحال وقد لمح أبوه علامات نبوغه فألحقه بـ مسجد ابراهيم بالإسكندرية ليتلقى العلوم الدينية لكن الفتى اهتم بفنون الأدب ونبغ فيها فبرع فى الكتابة والشعر والزجل وتميز نديم فى المناظرات المرتجلة واشتهر بروحه الساخرة.

لم يحترف عبد الله النديم الأدب فى بداية حياته العملية لكنه اتجه إلى تعلم صنعة يتعيش بها فدرس فن التلغراف وكان قد دخل مصر حديثاً واشتغل النديم فى مكتب بنها للتلغراف ثم انتقل إلى مكتب القصر العالى حيث تسكن الوالدة باشا أم الخديوى اسماعيل.

وكان انتقاله إلى القاهرة بداية لاختلاطه بأعلام الأدب والفن والثقافة فى ذلك العصر فأخذت شهرته تذيع بينهم إلا أن إقامته لم تطل بالقاهرة فقد اصطدم بـ خليل أغا الرجل القوى صاحب النفوذ فأمر بفصله.

رحل عبد الله نديم إلى الدقهلية وأقام بـ المنصورة حيث افتتح متجراً هناك وخلال إقامته التى لم تستمر طويلاً كان مجلسه مقصداً لرجال الأدب وطلاب العلم وبعد تجواله فى عدة مدن وقرى بالدلتا عاد إلى الأسكندرية ليستقر بها وكان ذلك سنة 1876 فى فترة صعود الحركة الوطنية وهناك اتصل بعناصر من جماعة مصر الفتاة التى كانت تطرح مشروعاً للإصلاح الوطنى والدستورى وهى غير جماعة مصر الفتاة التى أسسها أحمد حسين فى ثلاثينيات القرن الماضى متأثراً بالتنظيمات الفاشية والنازية التى ظهرت فى أوروبا فى تلك الفترة، وتعد جماعة مصر الفتاة التى ظهرت فى سبعينات القرن التاسع عشر فى عهد الخديوى اسماعيل أقدم تشكيل حزبى عرفته مصر وفى تلك المرحلة المهمة من تاريخ مصر والتى شهدت صعوداً للدعوة لسيطرة المصريين على مقدرات بلادهم بدأ عبد الله نديم الكتابة بانتظام فى عدد من الصحف التى أصدرها أديب إسحاق وسليم نقاش وفى سنة 1879 شارك فى تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية وأصبح مديراً لمدرستها كما تولى تدريس الإنشاء وعلوم الأدب والخطابة بها وأنشأ فريقاً للمسرح بالمدرسة وقام أعضاء هذا الفريق من تلاميذ المدرسة بالاشتراك مع النديم بتمثيل بعض أعماله الأدبية الأولى التى ألفها ومنها الوطن وطالع التوفيق والعرب ونظراً للنجاح الذى حققته مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية فقد وضعت تحت رعاية الأمير عباس حلمى الذى أصبح الخديوى فيما بعد.

لقد ظهر عبد الله النديم على الساحة الأدبية والفكرية فى مصر فى وقت كانت البلاد تموج فيه بتيارات الإصلاح والتجديد وكان الشعور الوطنى فى تصاعد مستمر خاصة فى السنوات الأخيرة من حكم اسماعيل حيث سعى الوطنيون المصريون إلى إنقاذ البلاد من عبء الديون الخارجية التى كانت قد أوشكت أن تهدر استقلال مصر وتشكلت التجمعات السياسية مثل جماعة مصر الفتاة وجماعة حلوان التى عرفت باسم الحزب الوطنى وقد التقى النديم بالمجموعة الأولى وظهرت ميوله الوطنية من خلال كتاباته الصحفية وأعماله الأدبية وخطبه التى كان يلقيها فى المنتديات العامة.

وفى صيف سنة 1881 أصدر الرجل صحيفة أسبوعية أسماها «التنكيت والتبكيت» انتهجت خطا وطنياً واضحاً وأسلوباً أدبياً ساخراً وكان عبدالله النديم مهموماً فى صحفيته بقضية وحدة الوطن واستنهاض همة أبناءه للارتفاع بشأن البلاد وقد تواكب صدور الصحيفة مع أحداث الثورة العرابية فكان من الطبيعى أن ينضم عبد الله النديم إلى صفوف الثورة العرابية ويساند أهدافها الوطنية وقد وجد العرابيون فيه سنداً لهم بكتاباته الوطنية الحماسية وانتقل النديم إلى القاهرة ليكون فى قلب الأحداث والتقى بأحمد عرابى زعيم الثورة حيث طلب منه أن تكون صحيفته لسان حال الثورة بشرط أن يغير اسمها إلى اسم أكثر وقارا يلائم عقلية عرابى العسكرية المحافظة وأصدر عبد الله النديم صحيفة «الطائف» من القاهرة لتحل محل «التنكيت والتبكيت» ولتصبح لسان حال الثورة العرابية وخلال أسابيع قليلة أضحت الطائف أهم الصحف المصرية على الإطلاق.

تحرير: د. عماد أبو غازى ..
(/)

عن بعض مواقع الإنترنت *

عبد الله نديم الكاتب الثائر والأديب المبدع
خطيب الثورة العرابية
أستاذ الأدباتية وأدباتي الأساتذة ..

هو عبد الله بن مصباح بن إبراهيم الإدريسي الشهير بعبد الله النديم الذي كان مولده يوم عيد الأضحى المبارك عام 1261هـ، 1845 م بمدينة الإسكندرية بشمال مصر

وقد حفظ الشيخ القرآن الكريم في الكتاب وهو في التاسعة من عمره، وقد اشتهر الشيخ في طفولته بذكائه وعلو همته ونبوغه

عشق التجول والترحال بين ربوع مصر فخبر الشخصية المصرية جيدا ... نادم جاهليها كما رافق مثقفيها .. كان تلميذا للأفغاني وعمل بجريدة «التجارة» و «الوطن» اللتين كان يصدرهما أديب إسحاق وسليم نقاش وكانا أيضا من تلاميذ الأفغاني.

انضم لعدد من الأحزاب والمنظمات السرية الداعية إلي إقامه حياة نيابية سليمة ونبذ الوجود الأجنبي في مصر .. وبعد أن انحلت تلك الجماعات الواحدة تلو الأخرى أنشأ جماعة علنية سميت «الجمعية الخيرية الإسلامية» وأنشأ مدرسة تابعه لها.
علم فيها الطلبة فنون البلاغة والخطابة ومثل معهم عده مسرحيات.
وفي سن السادسة والثلاثين أنشأ صحيفته الساخرة المسماة «التنكيت والتبكيت» والتي دل اسمها على المنهج الذي اتخذته تلك الصحيفة ..
فعن طريق النكتة المحببة للشعب أخذت تقرعه على العديد من التصرفات اللاعقلانية التي كان لها دور في تأخر الشعب.
ثم أنشأ جريده اللطائف اللسان الناطق للثورة العرابية ...
فقد كان النديم المستشار المدني للثورة وحلقه الوصل بين الشعب وبينها.

عندما فشلت الثورة العرابية أصبح النديم أحد أهم المطلوبين , اختفى لتسع سنوات في الأحراش المصرية إلى أن أوقع به وتم العفو عنه ونفيه إلي يافا ..
مات الخديو توفيق وتولى بعده الخديو عباس الذي عفا عن النديم وأعاده لمصر مره أخري ..
وسرعان ما شرع في إصدار مجله «الأستاذ» التي سارت على نهج صحفه السابقة .. فنفي مرة أخرى ليافا ولكن السلطان عبد الحميد أرسل في طلبه إلى الآستانة .. حيث كان يجمع المشاغبين المنتشرين في أقطار الولايات العثمانية ويبقيهم تحت ناظريه ..

مات النديم على أثر مرض السل مخلفا لنا تركة عظيمة سمع ورثته عن معظمها لكنها لم تصلهم
فقد ألف أكثر من 7 آلاف بيت شعر، وروايتين. أشهر كتبه «الاحتفاء في الاختفاء»، «اللآلئ والدرر في فواتح السور»، و «البديع في مدح الشفيع»، و «في المترادفات» وللأسف لم يصلنا منها إلا مقتطفات
(/)

عن منتدى (الساخر)
الأستاذ. . صفحة في حياة الصحافة الساخرة،، محمد العدوي

كانت الشمس سكرى وهي تجمع ما تناثر منها وقد استترت بشجرات بعيدة في الأفق .. حتى لتحسب احمرار السماء في ذلك الوقت خجلا من الكون كله يقدمه وما يدري أيُغفر له أم لا، وتحت كافورة قائمة على الشاطئ الغربي للوادي وقف شيخ أو هكذا بدا من ردائه يتكئ بكتفه على الكافورة وقريبا منه يجلس شاب آخر قد جمع ثيابه عليه كما يفعل الخائف .. كان كلاهما ينظر للأفق البعيد .. يتبع الموج الهادئ بنظره وفي عقله موج آخر ثائر فائر، فهو الآن (الشيخ) مطارد مطلوب وهذا الشاب هو خادمه الذي خرج معه .. وكل جندي في مصر من جنود الخديوي أو جنود الإنجليز يبحثون عنه .. مرت صور كثيرة في ذهنه وهو في موقفه هذا .. الإسكندرية .. دمياط والمنصورة .. قصر الوالدة باشا الأميرة خشيار خانم أم الخديوي اسماعيل بجاردن سيتي .. وخليل آغا .. ثم قهوة متاتيا بالعتبة الخضرا وصورة كبيرة ملأت خاطره .. صورة شيخه جمال الدين وقد اجتمع الناس حوله في قهوة متاتيا يسمعون حديثه، كان الأفغاني أول أمره يدعو للإصلاح الديني ويراه طريق الإصلاح السياسي والاجتماعي لكن الحديث تغير والتنديد بالظلم والاستعباد قد أخذ أسلوبا آخر .. بدأ الناس يسمعون أن لهم حقوقا لا بد أن يطلبوها وأنهم مطالبون بإبداء آرائهم في جميع شؤون البلاد .. وأصبح الحديث صريحا عن مساوئ إسماعيل ومظالم الإنجليز .. وبدأت نفوس الشباب تفور وولدت حركات وعلت في الأفق أسماء وخرجت صحف وفي لحظة انهزم العرابيون وقبض على أكثرهم ودخلت البلاد في محنة عظيمة وأصبح هذا الرجل هو المطلوب الأساسي والوحيد من قبل الحكومة ..

هو عبد الله بن مصباح بن ابراهيم الإدريسي الشهير بعبد الله النديم .. صاحب مجلة التنكيت والتبكيت والطائف والأستاذ .. وكلها صحف فكاهية ساخرة كانت لسانه للإصلاح.

من هو النديم ..
وما ملابسات عصره التي ساهمت في تشكيله ..
وأساليبه في الكتابة والنقد والفكاهة ..
نثرياته وزجله ..
هذا هو الحديث هنا .. فاسمعوا.

بدأت مصر حياة جديدة .. فالقاهرة تحقق حلم الخديوي إسماعيل في أن تكون عاصمة تفوق في حسنها باريس وفينا .. ((ولم تكن إلا سنوات حتى قامت القصور على شواطئ النيل بين الجزيرة والروضة وفتحت المدارس ومدت السككك الحديدية واتصل البحران في مشهد فذ في التاريخ شهده ملوك أوروبا)) .. وأسرف إسماعيل في الاستدانة حتى أرهقت مصر بديونها وفتحت الباب للأجنبي في التدخل بشؤونها ..

في تلك الفترة كانت الحياة الداخلية تتشكل بصورة جديدة، في القاهرة والمدن الكبيرة على الأقل. ظهرت الصحافة السياسية وأصبحت هناك حركة قومية دستورية ترمي إلى تقيد سلطة الحكومة المطلقة.

افتتحت أول مدرسة لتعليم البنات وبدت بوادر الحركة النسائية. وافتتحت المسارح وانشئت دار الأوبرا وأخذت الحياة الثقافية اشكالا جديدة لم تعرفها البلاد ويمكن القول أنها كانت فترة ميلاد للثقافة الجديدة.

ولد النديم في يوم عيد الأضحى بالاسكندرية سنة 1845، قضى بضع سنوات يتلقى العلم بالمسجد الأنور يحضر حلقات الفقه والنحو واللغة لكنه سرعان ما ترك الدرس فلم يعد يحفل به وانصرف عن التعلم وسئم الكتب وخط لنفسه طريقا غير التي رسمها له أبوه.

انطلق إلى التسكع في الطرقات، يندس بين الناس إذا رآهم مجتمعين يتندرون أو يتسامرون. حفظ أحاديثم واطلع على طبقات المجتمع المختلفة فخيره أبوه بين أن يستمر في التعلم أو ينطلق لحال سبيله ويتولى هو أمر نفسه، وكان حينها في السابعة عشر من عمره .. فخرج من الإسكندرية يجوب القرى والمدن يجد - شأنه شأن كل الظرفاء الجوالين - مكانا عند العمد وأعيان البلد .. فيخالطهم ويمتعهم بزجله وطرفه ويعرف عاداتهم وأشكال حياتهم ..

نزل ضيفا عند أحد الموظفين الكبار في السكك الحديدية واقترح عليه أن يرتب له عملا حكوميا يستقر به، وعينه عامل (برق) في التلغراف ببنها، لكنه ضاق بالحياة هناك سريعا وكان وكتب لصديقه الذي عينه يشتكي له من ضوضاء القطارات وضيقه بمن حوله من أوباش وصفهم فقال: ((أعبدهم إذا رأى الخمر هام، فلا يرد إلا الحمام، وأصلحهم (نواسي) العمل، وأقنعهم (أشعبي) الأمل .. لا يركعون ولا يتصدقون ويخلفون ولا يصدقون، ولا يرون عيبا في فحش .... ) إلى آخر ما كتب , فنقل إلى القاهرة عاملا في مكتب تلغراف القصر العالي (قصر الوالدة باشا أم أفندينا بلسان زمانهم) وهناك تفتحت عينه على حياة جديدة ملؤها الأبهة والفخامة .. كان في القصر فرقة موسيقية لعزف الأدوار الغربية تحت رئاسة مديرة حائزة أرقى الشهادات من أوروبا، غاية في الجمال والروعة، كانت ترتدي أثناء إقامة الحفلات سترة من الجوخ الأحمر المزخرف بالقصب وسروال من الصوف الأزرق وقد رصع صدرها بالنياشين وعلى راسها طربوش وفي يدها عصا فضية .. وفي القصر أيضا فرقة لعزف الموسيقى التركية بمصاحبة فرقة من المغنيات المصريات وكان فيه أيضا فرقة للتمثيل المسرحي وفرقة من أجمل راقصات أوروبا .. ومجموعة من الجواري والوصيفات .. وفوق كل هؤلاء خادم أسود مرهوب الجانب اسمه (خليل أغا) ورتبته باشي أغا الأميرة .. وكلمته سيف على الجميع .. ومن علو مقامه أن كبار الأعيان حينما حضروا حفل زفاف الأمراء (حسن وحسين وتوفيق) كانوا جميعا يقبلون يده ..

في هذه الأثناء اتصل النديم بالأفغاني في قهوة متاتيا وعرف هناك محمود سامي البارودي ومحمد صفوت الساعاتي والسيد علي أبو النصر وهما شاعرا المعية السنية ..

وحدث أن أغضب (خليل أغا) مرة فطرد من القصر وسدت أمامه كل سبل التعين الحكومي فهام مرة أخرى في البلاد ثم عاد للقاهرة واتصل مرة أخرى بالأفغاني وانضم لحزب الإصلاح وهو حزب أنصار الأفغاني وكان نصيبه هو مقر الاسكندرية فانطلق إليها وأنشأ هناك الجمعية الخيرية الإسلامية وولي هو نظارتها وفي مدرستها كتب أول مسرحياته الوطنية وأخرجها على مسرح (زيزينيا) في حضور الخديوي وكبار رجال الدولة، وكانت بعنوان (الوطن وطالع توفيق) لكنها فتحت عليه عين رياض باشا رئيس الوزراء فسلط عليه أعوانه يخرجوه من الجمعية حتى استقال النديم بعد أن ضيق عليه الخناق.

في هذه الفترة عزم النديم على إصدار أولى صحفه ورأى أن تكون بنسق غير مسبوق .. فقد أرادها أن تكون صحيفة الخاصة والعامة من أبناء الأمة وسماها (التنكيت والتبكيت) وصدر العدد الأول منها في 6/ 6 / 1881 وسأفصل الحديث عنها إن شاء الله ..

اتصلت صلته بأحمد عرابي ورأى أن يغير اسم الجريدة إلى (الطائف) وجعلها لسان حال الثورة العرابية.

ولما انتهت الثورة العرابية نهايتها المعروفة أصبح النديم من المطلوبين .. إلا أنه ظل هاربا في قرى مصر يخفيه أحباؤه ومريدوه تسع سنوات كاملة .. تحول خلالها النديم إلى أسطورة مصر التي يحفظها الكبير والصغير ونسجت حوله الحكايات وأطلقت الإشاعات ورفعت هذه السنوات ذكره كما لم تفعله خطبه وكتاباته من قبل.

وحدثت له في تلك السوات مغامرات لا تخطر ببال .. ونجا من أن تمسكه الشرطة مرات كثيرة بأعاجيب .. وفي أحد الأيام ضاق خادمه بحياة المطاردة وأراد أن يعود لأهله وخشي النديم إن سمح له أن يدل عليه ثم طرأت له فكرة فقال لخادمه ولم يكن يحسن القراءة: أسمعت الخبر .. إن الحكومة رصدت لمن يدل علي ألف جنية ولمن يدل عليك خمسة آلاف جنيه فسكت الخادم عن الضجر وتبعه كما كان ..

قبض عليه بعد تسع سنوات من الهرب ونفي إلا أنه عاد أوائل حكم (الخديوي عباس) وكان شابا متحمسا لمصطفى كامل .. وأنشأ بعد عودته مجلة (الأستاذ) التي هي أساس هذا الحديث ..

نفي بعدها مرة أخرى. ومات في منفاه سنة 1896 بعد أن تمكن الشيخ محمد عبده وبعض محبيه من اقناع الخديوي السماح له بالعودة.

صحيفة التنكيت والتبكيت:
صدر العدد الأول منها يوم 6 يونيو سنة 1881 في حجم كتاب عادي (وطنية أسبوعية أدبيه هزلية) وهي مجلة كما يقول: هجومها تنكيت ومدحها تبكيت ولغتها لا تلجئك إلى قاموس الفيروزبادي ولا تلزمك مراجعة التاريخ ولا نظر الجغرافيا، وسخريتها نفثات صدور وزفرات تصعدها مقابلة حاضرنا بماضينا) وهي في مجموعها مقالات اجتماعية عن الحياة في مصر وثال أيضا: (إنه لا يريد أن تكون ممتنعة بمجازات واستعارات ولا مزخرفة بتورية واستخدام ولا مفتخرة لفخامة لفظ وبلاغة ولكن أحاديث تعودناها ولغة ألفنا المسامرة بها ..

وما نلاحظه فيها ما يلي:
• كانت المقالات التي تهتم بالخاصة تكتب بلغة فصحى والمقالات التي تهتم بالعامة تكتب باللغة العامية.
• كان معنيا بالإصلاح الخلقي والاجتماعي وقد فطن أن التعليم والنقد عن طريق القصص أجدى للنفس
• دعا إلى إصلاح الخطابة المنبرية لأن انحطاطها من أسباب غفلة الشرق
• كانت المجلة تنقسم إلى قسمين في العادة .. السخرية من عادة من العادات في أولها وحكاية لاذعة ونقد وتوبيخ للمتمسكين بهذه العادة ..
• كانت الموضوعات التي طرقها في أكثرها تمس المجتمع المصري والقليل منها ما كان سياسيا.

جريدة الطائف:
تحولت الجريدة السابقة إلى جريدة الطائف وكان النديم معنيا فيها بالدرجة الأولى بالثورة العرابية .. وزادت المقالات السياسية فيها وكانت ذات طابع ثوري وقد بذّت الصحف الشهيرة في ذلك الوقت (الأهرام , المفيد , الفسطاط , السفير، الجناح) .. وكانت إلى جانب ذلك صحيفة خبرية حتى إن صحفا أخرى كانت تنقل عنها أخبارها السياسية لاتي تنشرها ولحدة لسانها وشدة ثورتها قام الشيخ محمد عبده (رقيب المطبوعات العربية والتركية) بتعطيلها شهرا .. لكن مجلس النواب برئاسة محمد سلطان باشا (والد السيدة هدى شعراوي) قد تعاطفوا معها وسعوا في فك هذا المنع ..
كان نهج الطائف هو الصراحة بعيدا عن الكناية والرمز وكتب فيها النديم أعنف مقالاته ودعا فيها إلى الإصلاح النيابي في مصر وحفلت ببحوث قيمة عن الفلاحين وما انتهو إليه من بؤس ..

الأستاذ:
بعد عودته من المنفى في المرة الأولى أصدر جريدة (الأستاذ) باسم أخيه وصدر العدد الأول في أغسطس سنة 1892 وكانت في حجم التنكيت .. بلغ عدد مشتركيها في ذلك الوقت من مصر 860 ومن الخارج 1780 وكانت تطبع 2840 نسخة وكانت مليئة بالأزجال والمناظرات والمقالات المطولة ..
كان يصدر معها ملحقا اسماه ((كان ويكون)) وضعه على نمط قصص وهو خلاصة ما كان يدور بينه وبين صديق فرنسي له وأغلب الحديث في أصول الأديان الثلاثة وتاريخها وبعض الآراء السياسية.
وكانت كسابقاتها مقالات كتبت بالفصحى وأخرى بالعامية

نماذج من كتاباته ..

مما كتب للفلاحين
الزارع: عاوز ميت جنيه بالفرط يا سيدي (بالفرط يعني بالفائدة)
التاجر: فرط المية عشرين كل سنة
الزارع: اعمل اللي تعمله
التاجر: شيل عشرين من المية يبقى كام
الزارع: لهو أنا كاتب شوف يتفضل كام؟
التاجر: يبقى سبعين
الزارع: يدوب كدة
التاجر: دلوقت صار لي ميت جنيه ضم عليهم العشرين واكتب الكمبيالة
الزارع: اكتب وخد الختم ..
وفي وسط السنة قدم الزارع عشرة فناطير قطن وعشرة اردب سمسم وعشرين من القمح وثلاثين من الفول وأربعين من الشعير وجاء يحاسبه فكانت الحكاية كما يلي:
الزارع: طلع لي ورقة الحساب يا سيدي
التاجر: انت جبت قطن بعشرين جنيه وقمح بعشرين جنيه وشعير بعشرة جنيه يبقى كام
الزارع: ما قلت لك انا مبعرفش احسب .. قول انت
التاجر: الباقي تسعين وفرطهم عليهم عشريت يبقى مية وخمستاشر طالب انت كمان ثلاثين يبقى ماية وستين ضم عليهم اربعين فرط يبقى الكمبيتلة تنطتب بمائتين وعشرة ونصف
الزارع: هوا ايه .. من الأصل سبع عشرات وعشرين وجالهم ثلاثين شلت منهم تمن البتوعات دول يبقى لك ميتين وعشرة بس .. النص دا جيبتو منينن ...
التاجر: النص دا اجرة كتابتي ..
الزارع: آه دلوقتي صحت الحسبة. والسنة دي أبيع لك خمسن فدان في عشرة جنيه يبقى لك ايه بعدها يا جنيهين يا تلاتة. خد لك بيهم جاموسة .. ويبقى على راي المثل شيل دا عن دا يرتاح

ثم علق على هذه الحكاية فقال .. قال النبيه للتاجر: أما تتقي الله في هذا المسكين أخذت محصوله وصار دائنا لك فلففت له حسبة لا أصل لها وجعلته مدين والحسبة هكذا .. 70 بفائدة 20 فالمطلوب 84
وقد أورد لك 15 قطن بسعر 2 جنيه للقنطار ب 30 جنيه الخ .. والمجموع 125 جنيه .. يكون له عندك 41 جنيه فكيف جعلته مدينا ب 210.5 ..
وانظر للفلاح اللي عامل ناصح (وهو لا يعرف الكتابة ولا الحساب وشك في النصف ولم بعلم أنه غرر به)

من شعره:
إليكم يُرَدُّ الأمر وهو عظيم ... فإني بكم طول الزمان رحيم
إذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن أين يأتي الديار نعيم
وإن الفتى إن لم ينازل زمانه ... تأخر عنه صاحبٌ وحميم
فرُدُّوا عنان الخيل نحو مخيم ... تقلبه بين البيوت نسيم
وشدوا له الأطراف من كل وجهة ... فمشدود أطراف الجهات قويم
إذا لم تكن سيفاً فكن أرض وطأة ... فليس لمغلول اليدين حريم
****

أتحسبنا إذا قلنا بلينا ... بلينا أو يروم القلب لينا
نعم للمجد نقتحم الدواهي ... فيحسب خاملٌ أنا دُهينا
تناوشنا فتقهرنا خطوب ... ترى ليث العرين قرينا
سواء حربها والسلم إنا ... أناس قبل هدنتها هدينا
إذا ما الدهر صافانا مرضنا ... فإن عدنا إلى خطب شفينا
لنا جلد على جلد يقينا ... فإن زاد البلا زدنا يقيناً
ألفنا كل مكروه تفدى ... له فرسانه بالراجلينا
فأعيا الخطب ما يلقاه منا ... ولكنا صحاح ما عيينا
سلينا يا خطوب فقد عرفنا ... بأنا الصلب صلنا أو صلينا
وقرى فوق عاتقنا وقولى ... نزلت اليوم أعلى طور سينا
علينا للعلا دين وضعنا ... عليه الروح لا الدنيا رهينا
فهل يمسى رهين في سرور ... وهل تلقى بلا كدر مدينا
إذا ما المجد نادانا أجبنا ... فيظهر حين ينظرنا حنينا
يغنينا فيلهينا التغني ... عن الباكي وينسينا الحزينا
ولسنا الساخطين إذا رزئنا ... نعم يلقى القضا قلباً رزينا
إذا طاش الزمان بنا حلمنا ... ولكنا نُهَينا أن نهينا
سلوا عنا منابرنا فإنا ... تركنا في منصتها فطينا
لحكمتنا تقول إذا هذرتم ... ألا هبي بصحيتك فاصبحينا
سرى فينا من الآباء سِرٌّ ... يسوق البر نحو المعوزينا
فإن عشنا منحنا سائلينا ... وإن متنا نفحنا الزائرينا
(/)

مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر

التنكيت والتبكيت
تقديم: د. عبد العظيم رمضان
دراسه تحليليه: د. عبد المنعم إبراهيم الجميعي

الهيئه المصرية العامه للكتاب
1994
(1/3)

تقديم
يعتبر عبد الله النديم نتاج العصر الصاخب الذي ولد فيه عندما كانت مصر تتعرض لغزو إمبريالي لم يشهد تاريخها له مثيلاً، سقطت بمقتضاه في قبضة الأوربيين من الناحية الاقتصادية والمالية، وأصبحت مستعمرة من قبل أن تطأها قدم غاز أجنبي! في الوقت الذي كانت تظهر فيه حركة وطنية نشطة تقودها طبقة نامية من كبار الملاك الذين منحهم محمد على حق الملكية الخاصة لأول مرة في تاريخ مصر الطويل، وأصبحوا يتطلعون إلى الحكم الدستوري كخير وسيلة لحماية أنفسهم من الاستبداد والاستعمار. وقد استطاعت هذه الطبقة بالفعل أن تحقق انتصاراً كبيراً عندما قدمت -بموافقة الخديو إسماعيل- أول مشروع لدستور نيابي برلماني كامل لمجلس شورى النواب على يد وزارة شريف باشا في 17 مايو 1879. ولكن الوصاية الأجنبية أدركت الخطر على مصالحها من انتقال السلطة من يد حاكم مطلق إلى يد طبقة، فقررت خلع إسماعيل قبل إقرار الدستور, وأتت بالخديو توفيق الذي قرر إيقاف الدستور، وأخذت وزارته التي كان يرأسها رياض باشا، والتي كانت خاضعة كلية للوصاية الأجنبية، في تعقب نشاط الزعماء الدستوريين وتشديد الوطأة عليهم بالمراقبة والتهديد والنفي والسجن، حتى هددت تماماً بتصفية الحركة الوطنية.
وقد جرى كل ذلك في الوقت الذي كان الجيش المصري يتحرك بالثورة بسبب سيطرة العناصر الشركسية عليه، وبسبب محاولات تحجيمه من قبل الوصاية الأجنبية. وقد استطاعت مظاهرة 18 فبراير 1879 العسكرية أن تسقط الوزارة الأوروبية الأولى بموافقة الخديو إسماعيل، وعندما أرادت حكومة رياض بعد عام كامل القبض على عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي وسجنهم في قصر النيل, قام البكباشي محمد عبيد بهجوم خاطف على الديوان ألقى به الرعب في قلوب الحكام الشراكسة، وأطلق سراح الضباط، وأصبح الصراع منذ ذلك الحين سجالاً بين القوى الوطنية -المدنية والعسكرية- من جانب, وبين رياض والوصاية الأجنبية وتوفيق من جانب آخر،
(1/3)

في وسط هذه الظروف الخطيرة التي كانت تمر بمصر اشترك عبد الله النديم في المعركهّ إلى جانب القوى الوطنية بإصدار جريدة "التنكيت والتبكيت" في يوم 6 يونيو 1881، كجريدة نقدية تحمل على الحكام والأجانب وتنقد أوضاع المجتمع المصري، وتدافع عن مصر وشعبها ولغتها ودينها. ولم تكد تحدث مظاهرة عابدين في 9 سبتمبر 1881 حتى أخذ يجوب الأقاليم مع أحمد عرابي خطيبًا للثورة ومبشرًا بمبادئها. كما لعب دورًا هامًا بعد سقوط مصر في قبضة الإحتلال البريطاني، وكان له تأثير بالغ في مصطفي كامل؛ إذ وجهه إلى العمل الصحفي بعد إصداره جريدته "الأستاذ" في 23 أغسطس 1892, كما عرَّفه أسرار الثورة العرابية وأسباب فشلها، فتحاشى مصطفي كامل الزج بالجيش في حركته.
ونظرًا لأهمية عبد الله النديم الوطنية، رأى مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر منذ بعض الوقت جمع تراثه وتقديمه إلى الناطقين بالضاد. ولكن لم تسمح الظروف بنشر هذا التراث حتى توليت الإشراف على المركز على رأس لجنة علمية، فرأيت أن الآوان قد حان للتنفيذ، وقررت أن يبدأ المركز بنشر صحيفة "التنكيت والتبكيت"، أولى الصحف التي أنشأها عبد الله النديم، ويتلوها بصحيفة "الأستاذ". وأسندنا إلى الدكتور عبد المنعم الجميعي كتابة دراسة تحليلية لكل منهما، على أن نتبع ذلك ببقية أعمال النديم.
ومركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر إذ يقوم بنشر هذا التراث إنما يرجو أن يكون قد أدى بعض واجبه في الحفاظ على تاريخنا القومي ومصادره الأساسية.
والله الموفق،
الهرم في 23 يناير 1994 م
أ. د. عبد العظيم رمضان
رئيس اللجنة العلمية المشرفة على مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر
(1/4)

دراسة تحليلية
تراث عبد الله النديم الفكري متعدد الجوانب فمنه التراث الصحفي وهو ما كتبه النديم من مقالات في صحفه الثلاثة التي أسسها وحملت اسمه والمسماه "التنكيت والتبكيت" و"الطائف" و"الأستاذ" وما كتبه أيضاً في صحف عصره مثل "العصر الجديد" و"التجارة" و"مصر" و"المحروسة" ومنه مؤلفاته (1) التي تفتقت عنها قريحته خصوصًا خلال الأزمات السياسية التي تعرض لها سواء أثناء إختفائه داخل قرى مصر ونجوعها حوالى عشر سنوات حيث ألف كتابه المعنون "كان ويكون" ومخطوطه المعنون "تاريخ مصر في هذا العصر" أو في أثناء وجوده في منفاه داخل عاصمة الدولة العثمانية حيث ألف "المسامير" في هجاء أبو الهدى الصيادي يضاف إلى ذلك ما جمعه عبد الفتاح نديم من تراث أخيه ونشره تحت عنوان "سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله النديم" ومنها خطبه المتعددة سواء التي ألقاها قبيل الثورة العرابية أو خلالها، ومنها وثائقه الخاصة بدوره في التمهيد للثورة العرابية وخلالها، ودور الجهاز المشرف على اختفائه بعد انتكاسة الثورة، وتخبط أجهزة الحكومة في تحرياتها على النديم هذا بالإضافة إلى مراسلاته إلى عرابي بعد نفيه إلى سيلان والخاصة بضرورة توحيد الكلمة ولم الشمل بينه وبين زملائه في النفي.
ومع أن هذا التراث يمثل ذخيرة فكرية وقومية هامة لأحد الرجال الذين لعبوا دورًا هامًا وحيويًا في تاريخ مصر، فإنه كاد يبلى مع عوامل الزمن وأهوائه، ومن هنا فقد رأى مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر جمع هذا التراث وتقديمه إلى الناطقين بلغة الضاد مذيلاً بمقدمة تحليلية مني لكل قسم منه.
_________
(1) عن هذه المؤلفات انظر:
عبد الفتاح نديم: سلافه النديم في منتخبات السيد عبد الله النديم ج 1 القاهرة - مطبعة هندية. الطبعة الثانية 1914 ص 20 - 21.
(1/5)

وطبقا للتسلسل الزمني والموضوعي في جمع هذا التراث فقد رأينا أن نبدأ بتراث النديم الصحفي، خصوصًا وأن هذا التراث هو الذي بدأ به النديم الاتصال بسواد الشعب المصري في محاولة منه لتكوين رأي عام، ونجح في ذلك إلى حد كبير لدرجة أن لقبه البعض بأنه صحفي القرن التاسع عشر بلا منازع، ولقبه البعض الآخر بأنه أذكى ناقد لأوربا في مصر (2)، وقبل أن نتعرض لهذا التراث ينبغي أن نتطرق إلى نشأة النديم ومصادر ثقافته.
ولد عبد الله النديم بالإسكندرية في عام 1843 ونشأ في أسرة كادحة حيث لعب الفقر دوره في حياته الأولى وتآزرت العوامل التي جعلته يشعر بآلام شعبه فقد كان والده خبازًا يصنع الخبز ويبيعه ويحصل من ذلك على مقدار الحاجة من العيش البسيط هو وأسرته، وتربى النديم في مسكن متواضع في حارة ضيقة من حواري حي الجمرك بالإسكندرية وأرسله والده إِلى كتاب الحي لتعلم مباديء القراءة والكتابة فبرز بين أقرانه، وظهر نبوغه حيث أعانته موهبته على سرعة الفهم والحفظ، ولما كانت أحوال والده المادية ضعيفة أحجم عن إرساله إلى الأزهر، واستبدل بذلك إرساله إِلى الجامع الأنور لقربه من منزله، ولكن النديم لم يصبر طويلاً على الدراسة في هذا الجامع حيث أحس بجفافها وعقم الطريقة التي تدرس بها فضلاً عن رداءة الكتب كما وجد في نفسه ميلاً واستعدادًا لشيء لا يستطيع منه خلاصًا ولا عنه انصرافًا وهو الأدب فخرج من الجامع إلى الشارع أو إلى الحياة الواقعية فكانت بمثابة الجامعة التي تعلم منها كثيرًا وشاهد فيها كثيرًا واغترف منها ما يشبع مزاجه وهوايته في الأدب فأحاط بالحياة الشعبية، وسمع الأمثال والحكايات من شعراء الربابة ونوادر الظرفاء كما ارتاد النديم المنتديات والمقاهي والمجالس الأدبية التي كانت تعقد في بيوت الأثرياء، وفي حوانيت التجار المحبين للأدب يتطارحون الشعر وغير ذلك من فنون الأدب فنزل النديم إلى هذه الحلبة وفاق أقرانه وتفوق على أساتذته واشتهر أمره حيث برزت قدراته الخطابية والكتابية ولما سمع النديم
_________
(2) Gamal M. Ahmed: The Intllectual
Origins Of Egyptian Nationalism P.68.
(1/6)

بجمال الدين الأفغاني حضر مجلسه فاستهوته أفكاره الجريئة لذلك تردد على حلقته، وانخرط في سلك تلاميذه وتعلم منه حرية البحث والنقد والجرأة في الدفاع عن الحق فتشبع بمباديء الوطنية وتشرب منه مباديء الحريهَ.
ولما لاحظ الأفغاني في النديم نبوغه وقوة حجته في المناظره والجدل وسرعة بديهته ووضوح دليله إن كتب أو خطب أخذ يدربه وأعطاه من وقته وإهتمامه الكثير لثقته في أنه سيكون الرجل المؤثر في عواطف الجماهير.
وهكذا يتضح أن النديم ثقف نفسه ثقافة حرة واسعة النطاق وغير مقيدة بمنهج دراسي أو غيره مما جعله موسوعيًا في فكره فكتب في الأديان والحكمة والتاريخ والأدب كما التجأ إلى النشاط السياسي وعمل على توسيع قاعدة النضال الوطني بتحويل المجتمع كله إلى قوة وطنية ضاربة ونتيجة لذلك قدم النديم أفكاره عن طريق الصحافة في محاولة منه لتكوين رأى عام يقف ضد الظلم الواقع على أبناء مصر سواء من الداخل أو الخارج، وشجعه الأفغاني على ذلك.
وقد نالت مقالات النديم الصحفية إعجاب الناس لأنها كانت غريبة عليهم من حيث الأفكار والجرأة في التعبير، كما كانت جديدة عليهم من ناحية الأسلوب الذي تناول فيه النديم الأحوال السياسية التي مرت بها مصر بأسلوب رمزي (3) اتخذ فيه من بعض الكائنات غير الإنسانية ستارًا لبث أفكاره ومبادئه حيث لم تتح له ظروف مصر السياسية ما يريد أن يقوله بطريق مباشر.
ولم يقتصر النديم على ذلك بل اتجه إلى تأسيس صحيفة تحمل إلى الناس أفكاره، واستطاع الحصول على إذن من رياض باشا رئيس النظار في ذلك الوقت بإصدار جريدة تحت عنوان التنكيت والتبكيت وعن ذلك قال "إجتمعت برياض باشا في مصر، وقد أضمر لي الأضر فنافقته ونافقني، وجاذبته الحديث فوافقني حتى أخذت منه إذا بجريدة التنكيت وما أردت إلا
_________
(3) للتفاصيل انظر: د. عبد المنعم الجميعي: عبد الله النديم ودوره في الحركة السياسية والإجتماعية. القاهرة - دار الكتاب الجامعي 1985 ص 422 - 424.
(1/7)

التبكيت, وقصدت أن تكون لساني إذ تركت الجمعية ليكون لي في كل بلد محافل خطابية" (4).
وفي مطبعة جريدتي المحروسة والعصر الجديد في الإسكندرية صدر العدد الأول من التنكيت والتبكيت في يوم الأحد 6 يونيو 1881 صحيفة وطنية إسبوعية أدبية هزلية في هيئة كراسة بهدف تسهيل جمعها في مجلد في آخر كل سنة (5) وقد كتب اسم هذه الصحيفة في الجزء العلوي من الغلاف بالخط النسخ بحجم كبير , وزين العنوان هلال ونجمة.
وعن موضوعات الجريدة وغايتها فقد أوضحها النديم في إفتتاحيته للعدد الأول منها حيث قال "إنما هي صحيفة أدبية تهذيبية تتلو عليك حكمًا وآدابًا ومواعظ وفوائد ومضحكات بلغة سهلة لا يحتقرها العالم ولا يحتاج معها الجاهل إلى تفسير" (6) و"تصور لك الوقائع والحوادث بصورة ترتاح إليها النفوس وتميل، ويخبرك ظاهرها المستحسن المستهجن بأن باطنها له معان مألوفة، وينبهك نقابها الخلق بأن تحته جمالاً يعشق وحسنًا تذهب الأرواح في طلبه".
ويضيف النديم بجانب ذلك قوله "ولا تظن مضحكاتها هزءًا بنا ولا سخرية بأعمالنا فما هي إلا نفثات مصدور وزفرات يصعدها مقابلة حاضرنا بماضينا".
وعن أسلوب الصحيفة فقد ذكر النديم أنه ليس منمقًا بمجازات واستعارات ولا مزخرفًا بتورية واستخدام، ولا مفتخرًا بدقة قلم محرره، وفخامة لفظه وبلاغة عباراته، ولا معبرًا عن غزارة علمه وتوقد ذكائه وإنما هو "أحاديث تعودنا عليها، ولغة الفنا المسامرة بها لا تلجئك إلى قاموس الفيروز بادي، ولا تلزمك مراجعة التاريخ ولا نظر الجغرافيا، ولا تضطرك لترجمان يعبر لك عن موضوعها، ولا شيخ يفسر لك معانيها فهي في مجلسك كصاحب
_________
(4) د. محمد أحمد خلف الله. عبد الله النديم ومذكراته السياسية. القاهرة الانجلو المصرية 1956 ص 55.
(5) التنكيت والتبكيت: العدد الأول في 6 يونيو 1881 ص 3.
(6) نفسه.
(1/8)

يكلمك بما تعلم، وفي بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه، ونديم يسامرك بما تحب وتهوى" (7).
وعن مقالات النديم في هذه الصحيفة فقد صور فيها بأسلوب سهل يفهمه الخاصة والعامة معًا الحياة المصرية في حزنها وضحكها وما فيها من سخرية ورثاء في قسمين قسم للتنكيت بمعنى السخرية التي لحقت بالمصريين، وقسم للتبكيت بمعنى توبيخهم على ما وصلوا إليه من عيوب فكانت صحيفة مؤثرة في موضوعاتها وأسلوبها تناولت آفات المجتمع بأسلوب التزم اللغة السهلة البسيطة، كما احتوت على قوالب متعددة مثل القصص الرمزية، والنوادر والزجل، والمحاورات، والأبحاث الهادفة التي فتحت أمام الكثيرين آفاقًا من فنون القول والمعرفة.
ومع أن النديم كان ينتقد أبناء وطنه فقد كان يأبى أن يقلل أجنبي من شأنهم لذلك هاجم على صفحات جريدته كل من حاول أن يقلل من شأن المصريين من الأجانب (8).
ولم تقتصر هذه الصحيفة على كتابات النديم فقد وجه الدعوة إلى كتاب عصره بأن يوافوه بمقالاتهم على النمط الذي اختطه لجريدته قائلا "كونوا معي في المشرب الذي التزمته، والمذهب الذي انتحلته أفكارًا تخيلية، وفوائد تاريخية، وأمثال أدبية، وتبكيت ينادي بقبح الجهالة وذم الخرافات" (9).
وعن فن الإخراج الصحفي لهذه الجريدة فيبدو أن النديم مثله كمثل الكثيرين من صحفي ذلك العصر لم يراع فن التبويب، وإخراج الصفحات لذلك كانت صحيفته عبارة عن صفحات مكتوبة لا يفصل الموضوع عن الآخر إلا عنوان الموضوع التالي، كما كانت موضوعاتها متداخلة في كثير من الأحيان، وإن كان يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي:
_________
(7) نفسه ص 3.
(8) للتفاصيل: انظر د. عبد المنعم الجميعي: المرجع السابق ص 380 وما بعدها.
(9) التنكيت والتبكيت: العدد الأول في 6 يونيو 1881 ص 2.
(1/9)

1 - موضوعات ركزت على نقد تصرفات الحكام والأجانب، وتذكير المصريين بأمجادهم، ودعوتهم إلى التصدي للعادات والتقاليد الوافدة من أوربا إلى المجتمعات الشرقية وإيضاح مثالبها.
2 - موضوعات حملت على أوضاع المجتمع المصري الفاسدة وخصوصًا الخرافات.
3 - موضوعات ركزت على الدفاع عن مصر وشعبها ولغتها، وعن الوطنية والدين.
وعن أهم المقالات التي ركزت على القسم الأول نذكر "مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي" (10) و"الذئاب حول الأسد" (11) و"عربي تفرنج" (12).
وعن المقالات التي ركزت على القسم الثاني نذكر "خد من عبد الله واتكل على الله " و"أماتك من أسلمك للجهالة" و"شيخ زفتى أو جاهلها" و"تخريفة الجنون فنون" و"حديث خرافة" و"هف طلع النهار".
وعن موضوعات القسم الثالث نذكر "إضاعة اللغة تسليم للذات" و"سيف النصر نحو عدو مصر" و"نبذة من تاريخ الهمام أحمد بك عرابي" و"المحاسن التوفيقية أو تاريخ مصر الفتاة أو زفاف الحرية في مصر" و"وصية وطنية".
واللافت للنظر أن النديم قد وفق في إختيار عناوين مقالاته فجمع فيها بين الجاذبية والواقعية إلى حد كبير مما دفع مفكراً مثل عباس العقاد إلى أن يلقبه بملك العناوين (13).
وعن تحليلنا لمقالات النديم في القسم الأول يتضح أنه عرض في مقال "مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي" بأسلوب رمزي الأضرار التي حاقت
_________
(10) التنكيت والتبكيت: العدد الأول ص 4 - 6.
(11) التنكيت والتبكيت: العدد السابع ص 111 - 112.
(12) التنكيت والتبكيت: العدد الأول ص 7 - 8.
(13) آخر ساعة في 14/ 8/1957 تحت عنوان "حياة قلم".
(1/10)

بمصر من جراء توريط الخديو إسماعيل لها وحملة مسئولية التدهور الذي وصلت إليه البلاد، موضحًا أن طريق الخلاص لا بد أن يأتي من داخل البلاد فصور مصر بشخص صحيح البنية قوي الأعصاب جميل الصورة لطيف الشكل تسلل إليه أحد المضللين -يقصد بهم الأجانب- وأوقعه في مهاوي الرذيلة حتى إصفر وجهه، وارتخت أعضاؤه، وذهبت بهجته وتسلمه المرض، وغارت عيناه وتشوه وجهه فأخذ يبكي وينتحب ويندب حظه ثم تنفس تنفس الضعيفْ ورمق من حوله بعين لا يكاد يتحرك جفنها وقال لهم بصوت خفي إنكم تركتموني لصاحبي -يقصد الخديو إسماعيل- يدور بي فعرضني على من لم أعرف طبعه ولا عاداته ولا لغته ووكل بي من يغرني ويسلك بي سبيل الغواية فلم أجد بدًا من الموافقة ودرت معه في أماكن اللهو -يقصد الإستدانه- حتى أصبت بالداء الإفرنكي (14).
وبعد أن شرح النديم حالة هذا المريض أيقن بأن علاجه سيكون محليًا بقوله على لسان المريض "أعالج نفسي بحشائش تربتي وعقاقير أرضي من يد أطباء بلادي وصيادلة دياري".
وهكذا شخص النديم الداء في الخديو إسماعيل الذي جلب الأجانب الذين لا يعرفون طبيعة المصريين ولا عاداتهم، وكان بارعًا في التورية بكلمة "الداء الإفرنجي" دقيقًا في تصويره للمشكلة (15).
أما عن الدواء والعلاج فقد شخصهما النديم بأنهما محليان وموجودان داخل مصر في النهاية.

وهكذا يتضح أن النديم قسم مقاله إلى ثلاثة أقسام:
1 - مرحلة ما قبل تولي الخديو إسماعيل حكم مصر، وفيها كانت مصر صحيحة البنية قوية الأعصاب جميلة الصورة لطيفة الشكل.
_________
(14) التنكيت والتبكيت: العدد الأول ص 5.
(15) د. على الحديدي: عبد الله النديم خطيب الوطنية.
(1/11)

2 - مرحلة عصر إسماعيل وتغلغل النفوذ الأجنبي، واضطراب أحوال البلاد، ووقوعها في الديون وتسرب الأفكار والعادات الدخيلة عليها.
3 - مرحلة الإصلاح وفيها يمسك أبناء البلاد زمام الأمور فيشخصون الداء ويوصون بالدواء المستخرج من أرض مصر وتربتها (16).
وعن تنبؤ النديم بقيام حركة إصلاحية تصلح المعوج من الأحوال وتعيد الأمور إلى نصابها كتب مقالاً بعنوان "الذئاب حول الأسد" صور فيه أمجاد مصر في العهود الغابرة وقارنها بما آلت إليه أحوالها من تدهور وتأخر فشبهها في صورة الأسد الذي يكتب تاريخه وهو "كاسف البال باكي العين متغير اللون" (17) لتغلب الوحوش وصغار الحيوانات عليه حتى آل الأمر إلى أسد إستطاع رأب الصدع بعد أن كانت الأمور مختلة لدرجة أصبحت عندها تهابه النمور وتخشاه الفهود.
وعن خطورة تقليد الأجانب وإنتقاد العادات السلبية الواردة من الغرب كتب النديم مقالاً بعنوان "عربي تفرنج" تحدث فيه عن شاب من أبناء الفلاحين سماه زعيط أرسلته الحكومة إلى أوربا لتلقي العلم، وبعد أن أتم دراسته عاد إلى بلاده متبرمًا بعادات قومه وأخلاقياتهم، فنهر والده عندما أخذه بالحضن وقبلَّه شأن الوالد المحب لولده، ولم يكتف بذلك بل أخذ يذم أهله بنعوت مقذعة حيث قال لوالده "أنتم يا أبناء العرب زي البهايم" (18) يضاف إلى ذلك أنه نسي لغته العربية. وقد وصف النديم هذا الشاب بأنه لم يتهذب صغيرًا، ولم يعرف حقوق وطنه، ولا حق لغته، ولا قدر شرف أمته، ونعته باللئيم الجاهل بحق الوطن (19).
وهكذا ومن خلال الأسلوب السهل المؤثر أوضح النديم خطورة الأحوال التي تردت إليها مصر من جراء تسلط الخديو والأجانب عليها، وإستطاع أن يبرزه في حكايات تقبلتها النفوس وفهمها القاريء العام والقاريء المثقف معًا.
_________
(16) علي عباس: عبد الله النديم صحافته وفكره - رسالة ماجستير غير منشورة ص 303
(17) التنكيت والتبكيت: العدد السابع في 24 يوليو 1881 ص 111.
(18) التنكيت والتبكيت: العدد الأول ص 8.
(19) نفسه.
(1/12)

وعن الموضوعات التي حملت على العادات الفاسدة في المجتمع المصري وحاربت الخرافات فقد تعرض لها النديم، وبين أضرارها فتعرض للشعوذة والمشعوذين، والإحتيال والكذب، والبدع التي تسمم بها النساء العجائز أفكار الشابات مثل الندب والصراخ خلف الميت والجلوس على المقابر والزار وغير ذلك من البدع (20) التي لا تتفق لا مع أصول الدين، ولا مع شعب يبغي السير في مسيرة الحضارة والتقدم.
وعن الشعوذة والمشعوذين دعا النديم الناس إلى الحذر من ضاربي الرمل الذين أفسدوا عقول الناس فصارت "لعبة في أيدي المحتالين" (21) وطالبهم بالإنطلاق في أثر الشعوب المتقدمة كما هاجم هؤلاء المشعوذين وحذرهم من أنهم سيكشف أمرهم بقوله "مهلاً أيها المشعوذ فقد جاءك التنكيت والتبكيت يظهر مخبئاتك وما أنت عليه من الإضلال والإفك، فما أضرنا إلا شعوذتك فلو تعلمت صنعة غير هذه لكانت أشرف لك" (22).
وحذر النديم الأهالي من خطورة الإلتجاء إلى مدعي الطب من المشعوذين، والإلتجاء إلى الأطباء الذين تلقوا العلم الذي يؤهلهم لعلاج المرضى، وذلك في مقاله "أماتك من أسلمك للجهالة" الذي أوضح فيه أن أحد شبان زفتى قد أصيب بالجنون بسبب إدمانه للحشيش فاستحضر له والده دجالاً من مدعي الطب، ولم يستمع إلى نصيحة من نصحه بإستدعاء طبيب من البندر بقوله "خليها بالبركة شي لله يا سيد، الحكيم رايح يعمل أيه" (23) وقد قام الدجال بدق ثوم ووضعه في أذن المريض كما "وضع محرقة على ظهره، ووضع عامودًا صغيرًا من الحديد في النار حتى أحمر وكلما تأوه المريض ضربه على رأسه" (24) حتى ساءت حالته وقد استنكر النديم ذلك وانتقد والد المريض، ووصف ما فعله بالجهل وبالغرابة الخارجة عن التصور الإنساني السليم.
وحول هذا الموضوع أيضاً، ورغبة من النديم في تحذير أبناء وطنه من الإلتجاء إلى المشعوذين في حل مشاكلهم أو الإستماع لأقوالهم ضرب مثلاً آخر
_________
(20) حول هذا الموضوع انظر د. عبد النعم الجميعي: المرجع السابق ذكره ص 310.
(21) التنكيت والتبكيت في 19 يونيه 1881 ص 28 تحت عنوان "خذ من عبد الله واتكل على الله".
(22) التنكيت والتبكيت العدد السابع في 24 يوليو 1881 ص 117.
(23) التنكيت والتبكيت: العدد الحادي عشر في 11 اغسطس 1881 ص 173 تحت عنوان "أماتك من أسلمك للجهالة".
(24) نفسه ص 173 - 174.
(1/13)

على ذلك قائلاً أن رجلاً مقيمًا في ميت غمر "حفر بركة وأشاع أن ماءها يشفي من كل داء، فهرع إليه الناس من كل بلد حتى ضاقت ميت غمر بالوفود، وكان يعطي الإبريق بعشرة قروش، ويأخذ الخادم عشرة قروش، وعشرة قروش أخرى ثمن البن، ونذر الشيخ عشرة قروش ثم يظهر التعفف، ويقول أنه يعالج الناس إبتغاء مرضاة الله؟ وقد امتدت شهرة هذا الرجل فقصده الناس من كافة الأرجاء وأغرب ما روى من علاجه للعاقر "أنه يأمر المرأة أن تنام على ظهرها ثم يضرب ... بيده ويقول (أنت مأذون بالحبَلْ) ولما علا صيت هذا الرجل، وعرفت الحكومة به أمرت بطرده والتنبيه عليه بإبطال هذه الأكاذيب وقد علق النديم على ذلك بقوله "هل بمثل الجهالة نضارع الأمم المتمدنة" (25).
وعن خطورة الدجالين على تقدم المجتمع أوضح النديم في مقاله المعنون "شيخ زفتى أو جاهلها" فذكر أنه بعد دعوته لإنشاء المدارس أثناء تجواله بزفتى وميت غمر خرج من هؤلاء رجل يدعي أنه من أهل العلم صار يمر في الطرقات والمجامع ويقول "المدارس من محدثات الأمور، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (26) ثم أخذ يخوف الناس من المدارس بقوله أنها "تزيغ العقائد وتفسد الأخلاق فتبعه خلق كثيرون من أوباش زفتى ورعاعها يؤيدون قوله وينشرون مفترياته" (27).
وقد ناشد النديم أمثال هؤلاء الناس بالكف عن الخرافات التي أفسدت العقول والأخلاق.
وعن الكذب والتخريف وتخريب عقول الناس بإبعاد أدبهم الشعبي عن هدفه هاجم النديم مروجي هذه الآفات فكتب تحت عنوان "تخريفة الجنون فنون" مقالاً ذكر فيه أن أحد المحتالين جلس على قهوة، وأخذ يقرأ تخاريف سماها قصه عنترة "فاجتمع إليه عدد كبير من الرعاع والهمج الذين ولعوا
_________
(25) التنكيت والتبكيت: العدد الحادي عشر في 11 أغسطس 1881 ص 174.
(26) التنكيت والتبكيت: العدد الثالث عشر في 11 سبتمبر 1881 ص 208.
(27) نفسه.
(1/14)

بسماع الأكاذيب والخرافات فلما رآهم منصتين إليه أخذ يفتري عبارات ينسبها إلى عنترة" (28).
وظل يتفنن في إختلاق الأكاذيب حتى اقترب الفجر، وقد انقسم المستمعون إلى فريقين، وكل فريق يدفع لهذا المحتال نقودًا ليؤيد مشربه حتى قال وبينما هم في قتال ونزال، وقد انكشف الغبار عن أسر عنترة، وسنخلصه في الليلة المقبلة قال له أحد المستمعين من الجهلاء لا بد أن تخلصه الآن، وخذ عشرة جنيهات فرفض المحتال وحدثت مشادة بينهما ثم ذهب المستمع الجاهل، وقد تذكر أن عنده قصة عنترة، ولكنه أمي لا يقرأ فقصد بيت ابنه، وأيقظه من النوم وهو يبكي وطلب منه أن يحضر الكتاب، ويخلص عنترة من الأسر وإلا قتل نفسه، ولما حاول الإِبن إقناع والده بأن هذه القصة من وحي الخيال، وبها تخاريف وما عنترة إِلا عبد أسود أخذ شهرة بما صنعه من قتل بعض الناس بلا حق قام الرجل وضرب ابنه بعصاه حتى سال دمه، وحلف عليه بالطلاق ألا يبيت في المنزل فخرج الإِبن يسب الجهل وأصحابه قائلا "لا شك أن الجنون فنون" (29).
وعن عادة الإتكال على الغير والتكاسل والجبن في مواجهة المواقف والتنصل من السئولية بإعتبار أن كل شيء يخضع للقضاء والقدر حذر النديم أبناء وطنه من هذه العادات الضارة وضرب لهم مثلاً على ذلك فذكر في مقال له بعنوان "نهاية البلادة - كلها عيشة وآخرها الموت" (30) وتمنى ألا يكون من بين المصريين من ينطبق عليه هذا المثل فقال أن رجلاً ذهب إلى قريه فاستضافه شيخها، ولما أقبل الليل ونام الرجل أحس بسارق يحاول خلع باب منزل الشيخ فأيقظ مضيفه وقال له إن بالباب لصًا يحاول خلع الباب وسرقة المنزل، فلم يهتم صاحب البيت بالأمر وقال لصاحبه "اللي على الجبين لازم تشوفه العين" و"المقدر كائن ولا بد من إنفاذه" ولما طلب منه صاحبه الإستعداد للمدافعة عن بيته ونفسه وأهله وماله رفض وقال له "توكل على سيدك ونام"
_________
(28) التنكيت والتبكيت: العدد الأول في 6 يونيو 1881 ص 10.
(29) نفسه.
(30) التنكيت والتبكيت: العدد الرابع في 3 يوليو 1881 ص 56 - 58.
(1/15)

وجبن عن الوقوف في وجه اللص فقام صاحبه وأمسك اللص وشد وثاقه ومع ذلك لم يأبه صاحب البيت للأمر بل نام وقال لصاحبه "كلها عيشة وآخرها الموت".
وقد إتهم النديم صاحب البيت بالغباء، وعدم معرفة قدر نفسه وشرف بيته، وطالب أمثاله بالنظر إلى الإفرنج الذين يهاجرون من بلادهم ويتحملون المشاق لكسب الدراهم وذكرهم بأن المدنية والتقدم لا تحصل عليهما البلاد عن طريق الجبن والكسل بل ببذل الجهد والعمل.
وعن الخرافات الشائعة في ذلك الوقت باسم "الإستخارة" و"المندل" تحدث النديم عن إقبال الناس عليهما فذكر أن أحد الدجالين حضر من المغرب مدعيًا أنه عليم بالإستخارة والخرافة الذائعة في مصر باسم المندل فهب الناس قائمين إجلالاً له وذهب إليه الكثيرون ليكتب لهم خرافة من أساطير الأولين، فكانوا يأخذونها فرحين وألسنتهم تقول (خذ من عبد الله وتوكل على الله).
وقد نصح النديم أبناء وطنه بعدم الإعتقاد في هذه الخرافات التي تعطل الفكر والإرادة لأنها لو كانت صادقة ما بقي في الدنيا غامض ولا مخبأ ولا إعتمدت عليها المحاكم في كشف السرقات والجناة ولصار أصحاب هذه الخرافات من أغنى أغنياء الدنيا.
وقد ندب النديم الوطن لتواجد مثل هذه البدع والخرافات فيه فقال هل توجد مدنية على جانب من الجهل مثل مدنيتنا وعقائدنا الواهية. يقوم الغربي من رقاده باكرًا ويفتح عينيه على قوته العاملة، ويقوم الشرقي صحوة النهار إلى مشعوذ سخيف ينظر في مستقبله فينحرف هذا حتى يشبع ذاك مالاً.
كما انتقد النديم تقليد الناس. لبعض الأفراد دون النظر إلى النفعة التي ستعود عليهم من ذلك فقال تحت عنوان "غفلة التقليد" (31) أن "رجلاً بنى بيتًا
_________
(31) التنكيت والتبكيت: العدد الأول في 6 يونيه 1881 ص 13 - 15.
(1/16)

وزخرفه وملأه بالأثاث والمتاع ثم دعا بعض أصدقائه إلى وليمة، وكان في جملة المدعوين أحد النبهاء، ولما انتهي بهم المجلس أخذ يقص عليهم مقدار ما صرفه في بناء هذا البيت وأنه اشترى خزانة كتب، وضع بها كتبًا بمائة جنية، ولما سئل عن الكتب التي يفضل قراءتها قال أنه لا يفضل منها شيئاً ولكنه دخل بيت الشيخ فلان والسيد فلان والحاج فلان والهمام فلان والأمير فلان فوجد في مضيفة كل منهم خزانة بها كتب وعليها ستارة خضراء وبجانبها منشة من الريش والخادم كل يوم ينفضها ويمسح الزجاج والخزانة فأحس أن هذا طراز جديد في بناء البيوت فرتب مضيفته مثلهم ليكون في صف المتمدينين" فلعن النبيه الجهل وسب التقليد قائلاً لقد "أصبح الكل نائمًا في غفلة التقليد" (32).
وعن علة الطلاق وإسراف المسلمين فيه وفي التزوج بأكثر من واحدة طالب النديم الحكومة ورجال الشرع بوضع حد له وأن يكون هناك نظامًا للطلاق حتى لا تتشرد الأسرات ويتحطم الأبناء وحتى لا يساء فهم الدين، وطالب من يتدخلون لفض النزاع في مثل هذه الحالات أن يكون تدخلهم للخير والإصلاح، ولا يحكمون على شيء قبل التروي حتى لا تشتعل نار الحقد بين العائلات بل يقومون بإصلاح ذات البين درءًا للمفاسد المترتبة على الخلاف والخصام لأن أكثر النزاع بين الناس يكون سببًا عن وشايات أرباب المفاسد، وسعايات سيء المقاصد.
وعن العادات البالية والخرافات التي يسمم بها العجائز أفكار الشابات من النساء حذر النديم في مقاله "تهذيب البنات من الواجبات" من أن الصراخ خلف الميت مخالف للدين والشرع فقال "لو علمت علم اليقين أن الولولة والندب خلف الميت لا يجوزان شرعًا لما حصل منهن ذلك ولما خرجن خلف الميت صارخات متهتكات صابغات وجوهن وأيديهن بالنيلة أو الطين بل كن يمتثلن لأمر الدين" (33)، كما هاجم جلوس النساء فوق المقابر، واتخاذهن من
_________
(32) التنكيت والتبكيت: العدد السابق ص 15.
(33) التنكيت والتبكيت: العدد التاسع في 7 أغسطس 1881 ص 143.
(1/17)

أيام الخميس والأعياد مهرجانًا يتزين فيه ويتبهرجن حتى يراهُن الشبان موضحًا أن ذلك لا يجوز شرعًا.
وانتقد النديم "الزار" الذي تهواه بعض النساء بحجة أن الشياطين يركبوهن فكتب مقالاً تحت عنوان "حديث خرافة" (34) قال فيه أن بعض من يثق فيه حدثه بتخريفة جرت في منزله قائلاً "بينما كان بمنزلي في أحد الأيام بعض من النساء، وإذا بجارية سوداء دخلت عليهن، ومعها امرأتان من تبعتها فقام النساء إجلالاً لها وأجلسنها في صدر مجلسهن، وبعد تناول الطعام بقليل بدأت المرأتان تغنيان وتطبلان، فأخذت الجارية في الإنتفاض ثم قامت من وسط المجلس وصاحت بصوت مزعج (السلام عليكم) فأجابها كل من بالمجلس (وعليكم السلام سيدنا الشيخ) ثم صارت كل واحدة تحييه بتحية غير الأخرى"، وأخيرًا حدد الشيخ طلباته "بإحضار ديك وفرخة سوداء من غير إشارة" (35).
وقد ندد النديم بما سمعه، واعتبره بدعة قبيحة مسيئة للمجتمع ولسمعة أفراده (36) وطالب بمدرسة تهذب فيها البنات حتى لا يسلكن طريق الأمهات حتى لا يسمع بعد ذلك حديث خرافة (37).
وعن محاربة الإسراف والتبذير والتحذير من مصاحبة إخوان السوء عرض النديم في قصته "هف طلع النهار" قصة شاب ورث عن والده الأموال الطائلة ونظرًا لمصاحبته لزملاء السوء أنفقها على الملاهي والندماء ولعب القمار والإنهماك في شرب الخمر والتردد على أماكن النساء حتى فرغت نقوده فأخد يبيع أطيانه، ويرهن بيوته ومجوهراته، وبعد أن نفد من عنده كل شيء فارقة الخلان - وتركه الخدم وعاش فقيرًا ذليلاً متبلد الفكر سيء الخلق يسأل الناس عن "لقمة أو سيجارة".
_________
(34) التنكيت والتبكيت: العدد الثاني عشر في 4 سبتمبر 1881 ص 198.
(35) نفسه ص 198.
(36) عبد المنعم الجميعي: المرجع السابق ص 318.
(37) التنكيت والتبكيت: المقال السابق ص 199.
(1/18)

وقد أرجع النديم ما حدث إلى عدم تهذيب هذا الإبن وتأديبه من الصغر ونصح بالإبتعاد عن رفاق السوء حتى لا ينادي أحد لسان الفقر وختم قصته بقوله "خد من التل يختل" (38).
وهكذا تناول النديم الآفات الإجتماعية التي لحقت بالمجتمع المصري بأسلوب مؤلم استخدم فيه التبكيت الذي كان لازمًا للإيقاظ والإنهاض لأن الإصلاح لا يتأتى إِلا من فهم الناس لأخطائهم وإيضاح الأسباب المعينة على العلاج لهم فقد هاجم النديم عادات وتقاليد أبناء وطنه في محاولة منه لتهذيبها فكان المصري الصادق الذي لا يتملق أبناء وطنه أو يداهنهم بل بصرهم بعيوبهم وعرض عليهم مشاكلهم وشاركهم في البحث عن أقصر الطرق لعلاجها في أسلوب واقعي جذاب يحمل بين دفتيه التنكيت والتبكيت معًا.
وعن الموضوعات التي تعرضت إلى التعليم وضرورة الإهتمام بإنشاء المدارس، وغرس دروس الوطنية في نفوس التلاميذ حتى يرتفع شأن الوطن ويرقى إلى مشارف المدنية كتب النديم على صفحات التنكيت والتبكيت مناشدًا الأغنياء المساهمة في إنشاء المدارس فقال "ما بالنا لا نتعاون على تشييد المدارس في بلاد أوقعها الجهل في مواقع الخسران مع العلم بأن المدارس هي الأصل الذي نبني عليه نجاح المقاصد إذ أنها هي الواسطة العظمى في إكتساب الفضائل التي أقل ما فيها حسن تربية الأبناء التي نحن في حاجة إليها" (39) وندد بالبخلاء الذين يكنزون الأموال ولا ينفقونها فيما يعم على البلاد بالنفع فقال:
"لو كان عندي مليون من الجنيه، وأحكمت غلق الصناديق عليه، ولبست من الثياب أفخرها، وركبت من الخيل أشهرها، وكنت مع ذلك بلا لب أعقل به، ولا فكر به أنتبه، ولا خير يؤثر عني ولا صديق يقرب مني أيحسن بي أن أقول أنا إنسان وأنا بهذه الحالة أقل من الحيوان" (40) ثم أخذ يطوف البلاد فزار شبراخيت، وميت غمر والمنصورة وغيرها لحث الناس على إفتتاح
_________
(38) التنكيت والتبكيت: العدد الثاني في 19 يونيو 1881 ص 22 - 24 تحت عنوان "هف طلع النهار".
(39) التنكيت والتبكيت: العدد الثاني عشر في 4 سبتمبر 1881 ص 190 تحت عنوان "آفة السكوت".
(40) التنكيت والتبكيت: العدد الخامس في 10 يوليو 1881 ص 83 - 84.
(1/19)

الكتاتيب والمدارس الأهلية لتعليم الأولاد حتى تنتشر المدارس ويعم التعليم (41) لأنه لا إصلاح بدون إفتتاح المدارس ونشر المعارف.
وانتقد النديم المصاريف الفادحة التي يفرضها أصحاب المكاتب البسيطة على الأبناء نظير تعليمهم وطالب بإنشاء المدارس العمومية فقال "لا يخفى على العارفين بأحوال الأهلين الذين مازالوا يتكبدون المصاريف الفادحة لقاء تعليم أولادهم في المكاتب البسيطة التي قل أن تنتج زيادة عن معرفة القراءة والكتابة، إن هذا ليس هو الغرض المطلوب بل الذي ينبغي الإجتهاد في الوصول إليه هو أن يكون التعليم في مدارس عمومية توصل المتعلم إلى ما يقتضيه حقوق الهداية (42).
وطالب النديم بوضع نظام قومي لمناهج التعليم الأولي في مصر فنادى بأن "يملأ ذهن التلميذ بأخبار المؤلفين والمهذبين من المتقدمين والمعاصرين، ويشرح له فضل من مضى من علماء جنسه، وما كانوا عليه من الإجتهاد والتقدم والإشتغال بما يبث فيهم روح المعارف لئلا يغلب عليه فضل غيرهم فيحتقر معارف بلاده ويفخر بغيرها" (43)، ثم تحدث عن أهمية دروس الوطنية فقال "أن يعرف التلميذ أصل نشأة جنسه ومقدار ما وصل إليه من العزة والقوة والثروة والأسباب التي تحل عروة الجنسية وتضعف قوتها ويحذره من الإختلاف والتحاسد والتقاعد عن دعوة الإتحاد والألفة" (44) كما صور الوطنية في صورة غذاء ينتفع به جميع الجسم بحيث لا يترك عرقًا من عروق أبناء وطنه إلا وقد "أجرى فيه ماء الوطنية" وكما أن النديم لم يغفل الوطنية في منهجه فإنه لم يغفل الدين أيضاً فطالب المعلم "أن يغرس في ذهن التلميذ أصوله قبل أن يشغل فكره بالعقليات لترسخ قدمه في طريق المذهب فلا تزحزحه العقليات عند الإشتغال بها" (45) وطالب المعلم بإلتزام الطرق السهلة في تعليم تلاميذه وخصوصًا في اللغة العربية حتى لا يصعب الأخذ بها، ولا تمل النفس من ملازمتها (46)، وحثهم على الرغبة في تحصيل العلوم وملازمة الجد
_________
(41) التنكيت والتبكيت: العدد الثالث عشر في 11 سبتمبر 1881 ص 208.
(42) التنكيت والتبكيت: العدد الثاني عشر في 4 سبتمبر 1881 ص 190.
(43) التنكيت والتبكيت: العدد الرابع في 3 يوليو 1881 ص 54 تحت عنوان درس تهذيب تحاور به تلميذ مع نديم.
(44) نفسه ص 55.
(45) نفسه.
(46) التنكيت والتبكيت: العدد الثاني في 19 يونيه 1881 ص 19 تحت عنوان "إضاعة اللغة تسليم للذات".
(1/20)

والإجتهاد، كما وضع النديم مواصفات للمعلم المثالي فقال "يجب أن يكون الأستاذ متواضعًا لين العريكة سهل الأخلاق واسع العبارة في فنه، غير ماجن ولا محملق ولا فاحش ولا قاس ولا معجب بنفسه ولا كسول ولا عابس" (47)، وحث النديم الحكومة على الأخذ بيد أساتذة المدارس ومكافأتهم على أتعابهم ومساعدتهم حتى يقف الشرق أمام الغرب علمًا وعملاً.
وهاجم النديم الدعوة القائلة بأن المصري ليس فيه أهلية للتعليم، وضرب الأمثلة على حب المصريين للتعليم ورغبتهم في التعلم. وهكذا كان النديم مهتمًا بالتعليم ومناديًا بضرورة تعميمه والمحافظة على الثقافة القومية، حتى يتعلم الناس أصول الوطنية ويخلصوا في الإيمان بالله والوطن والنفس وصدق قوله إذ يقول:
أروني أمة بلغت مناها ... بغير العلم أو حد اليماني (48)
وعن دفاع النديم عن اللغة العربية ووقوفه في وجه محاولات الإستعمار للتقليل من شأنها ونقده لأبناء الوطن الذين يتفاخرون بإستعمال اللغات الأجنبية كلغة للتفاهم والتعامل والمخاطر التي ستترتب على مستقبل الوطن والدين نتيجة لما يفعلون كتب مقالاً تحت عنوان إضاعة اللغة تسليم للذات خاطب فيه المتفرنجين قائلاً "أيها الناطق بالضاد - بم تستبدل لغتك وليس لها من مثيل وأن تتركها وأنت لها كفيل، وما الذي استحسنته في غيرها واستقبحت مقابلة فيها" (49) كما بين لهم أن اللغة هي سر الحياة يترجم بها اللسان عن خواطر القلب، وأنها في حد ذاتها شخصية إستقلالية لأن الذي يعبر بلغته يشعر بالقوة وتتطبع نفسه على حب الكرامة والإستقلال ثم انتقدهم بقوله "بقى لما تتكلم بلغة ضيوفك وكل من جه تأخذ لك من لغته كلمتين حتى تركب لك لغة من هنا ومن هنا حتى بقيت غريب عن الديار، وضيعت مجدك وشرفك". وطالب النديم بالإكثار من مدارس الجمعيات وصرف ثلث وقت
_________
(47) التنكيت والتبكيت: العدد الرابع في 3 يوليو 1881 ص 54 تحت عنوان "درس تهذيب تحاور به تلميذ مع نديم".
(48) التنكيت والتبكيت في 9 أكتوبر 1881.
(49) التنكيت والتبكيت: العدد الثاني في 19 يونيه 1881 ص 19.
(1/21)

الطفل في تعلم اللغة العربية بطريقة تهذيبية (50) والجدير بالذكر أنه رغم دفاع النديم عن اللغة العربية ومناداته بإحيائها وخوفه من ضياعها نجد له بعض المحاورات والمقالات في التنكيت والتبكيت باللغة العامية، ورغم خطورة العامية على الفصحى نجده يعلل ذلك بأن كتابتة بالعامية الهدف منها تحويل العامي الجاهل من كراهة الكتب إلى محبتها، وتناول موضوعات تمكنه من مسايرة أحوال بلاده.
وعن الموضوعات ذات الصبغة الوطنية والقومية الثى تعرض لها النديم في مقالاته، فبعد أن شعر بإنتصار الثورة خلال مظاهرة عابدين وتعاظم شأن العرابيين تدفق قلمه بالكتابة عن الحرية التي نالها الشعب بفضل أبنائه الفرسان فكتب مقالاً تحت عنوان "سيف النصر نحو عدو مصر" تحدث فيه عن قوة الجند واشتداد حميتهم وسعيهم لمصلحة الوطن وحفظ البلاد وزيادة قوة الأمة (51) وكتب عن الاتحاد والتمسك بحبل الائتلاف قائلاً "أوصيكم بكلمة الاتحاد والتمسك بحبل الائتلاف، وأحذركم من التخاذل وسماع أقوال أهل الأهواء الذين شربوا دماءنا ولم يرثوا وأكلوا لحومنا ولم يشبعوا" (52).
وشرح النديم الأسباب التي أدت بالعرابيين إلى القيام بمظاهرتهم موضحًا أن ما حدث كان موجهًا ضد رئيس النظار الذي بذل جهوده في التقليل من شأن الجند، وتبديد شملهم رغم أهميتهم في المحافظة على حدود البلاد ورد الأعداء والمحافظة على الأمن (53)، كما أشاد بعرابي قائد الثورة في مقاله المعنون "نبذة من تاريخ الهمام أحمد بك عرابي" أرجع فيه نسب عرابي إلى سيدنا الحسين، وأشار إلى أن أسباب قيامه بالثورة يرجع إلى أنه بعد أن أطال النظر في أعمال الحكام واستبدادهم رأى أن لا نجاة من هذا الإستعباد إلا بفتح مجالس الشورى فاجتمعت كلمته مع إخوانه الأمراء علي فهمي وعبد العال بك حلمي، وأحمد عبد الغفار وأتحدوا على المطالبة بحقوق الأمة" (54) كما أشار إلى أن نجاح العرابيين في تملك زمام الموقف يرجع إلى أن زعيمهم له إلمام بالتواريخ
_________
(50) نفسه.
(51) التنكيت والتبكيت: العدد الثامن عشر في 16 أكتوبر 1881 ص 291.
(52) التنكيت والتبكيت: العدد السابق ص 294 تحت عنوان "وصية وطنية".
(53) نفسه ص 291 - 293.
(54) التنكيت والتبكيت: العدد 17 في 9 أكتوير 1881 ص 285.
(1/22)

وأخبار الأمم، وله قدم ثابتة في نقد أفكار السياسيين وحيلهم، كما أنه كامل ومهذب ومؤدب تفخر الديار بمثله (55).
وفي مقال للنديم بعنوان "المحاسن التوفيقية أو تاريخ مصر الفتاة أو زفاف الحرية في مصر" وصف العرابيين بالأسود حماة الوطن الذين ألبسوا الأمة ثياب الحريهّ، وفتحوا العيون ونبهوا الأذهان إليها بعد أن استفحل الاستبداد، كما تعرض لاستقبالات الأهالي لعرابي عند سفره إلى رأس الوادي حيث ازدحمت شوارع القاهرة بالمشاهدين تستقبله بحماس، وقد خطب فيهم عرابي خطبة قوية أوضح فيها أحوال البلاد، كما خطب النديم خطبة بناء على طلب الحاضرين أخذت بعقول الناس حتى كادوا يبكون (56) أوضح فيها أحوال البلاد قبيل انتفاضه الجيش مبينًا الإرهاب الذي تعرض له أهالي البلاد حتى "رأينا المشنوق من أهلنا والمصلوب والمذبوح والحريق والموضوع على الخازوق والمشرد والمغرب والمنفي والمسجون والمنهوب والمسلوب، ولا ذنب لنا في هذا كله إلا عدم المحافظة على البلاد .. حتى نهض الأحرار من أبنائها فخلصوها من هذه المحنة" (57).
وأشار عرابي إلى الأطماع الخارجية المتربصة بالوطن، وطالب التمسك بالحكمة والصبر واجتماع الكلمة لمواجهتها.
كما كتب النديم مقالاً عن الاتحاد وحقوق الشعب في مقاله المعنون "وصية وطنية" قائلا "أوصيكم بكلمة الاتحاد والتمسك بحبل الائتلاف وأحذركم من التخاذل، وسماع أقوال أهل الأهواء الذين شربوا من دماءنا ولم يرتوا وأكلوا لحومنا ولم يشبعوا" (58) كما ندد النديم في هذا المقال بتهديدات انجلترا وفرنسا للعرابيين ومحاولاتهما للوقيعة بينهم وبين الخديو من ناحية، والسلطان من ناحية أخرى بدسهما للدسائس موضحًا رغبتهما في الفرقة بين المسلمين والأقباط مع أنه يجب أن تجمعهم وحدة الوطنية، ووحدة الدين التي تقتضي الاتحاد ومنع
_________
(55) نفسه ص 286.
(56) ميخائيل شاروبيم: الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث ج 4 ص 254.
(57) التنكيت والتبكيت: ص 281.
(58) التنكيت والتبكيت: العدد الثامن عشر في 16 أكتوبر 1881 ص 294.
(1/23)

التخاذل وطالب الناس بالهدوء والسكينة، وأشاد بالحكومة التي نبهت الأفكار وتبحث عن تقدم البلاد (59).
ونظرًا لتطور كتابات النديم، وإحساس شريف باشا رئيس النظار بخطورتها حاول الترصد للنديم ولصحيفته، بغية عدول النديم عن الكتابة في الأمور السياسية، ولكن النديم لم يتراجع عن موقفه بل كتب مقالاً تحت عنوان "تقريع الأغبياء" ندد فيه بالاستبداد والأفكار الفاسدة موضحًا بأنه قد جاء زمن القوانين التي تحمي المواطن من بطش الحاكم فقال لقد "مات زمن تحرير التذاكر السرية لإبعاد زيد أو نفي عمرو، وجاء زمن القوانين والأحكام الحقه فقل لمن غاظه الحق وغلبه الصدق وخاب سعيه في إهلاك أخيه موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور" (60).
ونتيجة لانضمام النديم إلى العرابيين، وبعد أن أصبح داعيتهم الأول وأصبحت جريدته هي لسان حالهم طلب منه عرابي تغيير اسم جريدته من التنكيت والتبكيت إلى اسم يتناسب مع الظروف التي يمر بها الوطن، واقترح عليه أن يكون هذا الاسم هو لسان الأمة (61)، وأن يكون موضوعها سياسيًا تهذيبيًا للذب عن حقوق الأمة والمدافعة عنها (62) وقد أرسل إلى إدارة المطبوعات بخصوص هذا التغيير خطابًا قال فيه "لدخولنا في عصر جديد وفوت زمن التنكيت والتبكيت أقتضى تبديل اسم جريدة التنكيت والتبكيت الأدبية التهذيبية كما استقر الرأي عليه بالممارسة مع حضرة الفاضل عبد الله أفندي نديم محررها ومدير إدارتها باسم لسان الأمة (63) ولكن يبدو أن هذا الإسم لم ينل إعجاب النديم فصدرت تحت اسم "الطائف" لتفاؤله بأن هذه الجريدة ستطوف البلدان الإسلامية وتيمنًا منه بالبلدة الموجودة بهذا الإسم في الحجاز ومن هنا ظهرت الطائف بدلاً من التنكيت والتبكيت.
وعن أسباب تغيير اسم الجريدة قال النديم "خلصنا من زمن التنكيت والتبكيت وأصبحنا في زمن الحرية ومعرفة الحقوق، وهذا الذي قضى علينا
_________
(59) نفسه ص 297.
(60) التنكيت والتبكيت. العدد السابع عشر في 9 أكتوبر 1881.
(61) دار الوثاثق القومية. سجلات الثورة العرابية - سجل رقم 109 مسلسل عمومي رقم 4124 تحت عنوان "مكاتبات الداخلية".
(1/24)

بتغيير اسم الجريدة ومشربها فقد صيرناها سياسية سياسة ظاهرة بعد أن كنا ندمجها في محاورات ودروس تهذيبية وجعلناها تطالب بحقوق الأمة وتدافع عن حقوق الحكومة" (64).
كما اعتبر النديم هذه الصحيفة امتدادًا للتنكيت والتبكيت فذكر أن الطائف ظهرت في أول أمرها تحت عنوان "التنكيت والتبكيت" (65) ولكننا نرى أن الطائف كانت مختلفة تمامًا عن التنكيت والتبكيت للأسباب الآتية:
1 - التنكيت والتبكيت كان يكتب بها مقالات ومحاورات بالعامية بينما لم يحدث ذلك في الطائف.
2 - التنكيت والتبكيت صدرت أسبوعية بينما الطائف كانت تصدر يومية في بعض الأوقات.
3 - التنكيت والتبكيت اهتمت بالإصلاح الإجتماعي بينما تفرغت الطائف للحديث عن أمور مصر السياسية والحربية وإن لم تهمل النواحي الإجتماعية (66).
وعلي كل حال فتحليلاً لما سبق ذكره يتضح ما يأتي:
1 - إستعمال النديم في جريدته للأسلوب الرمزي حيث اتخذ من بعض الكائنات غير الإنسانية ستار لبث بعض الأفكار والمباديء السياسية والاجتماعيهّ خصوصًا في بعض القضايا التي لم يستطع أن يجهر فيها برأية صراحة نظرًا للظروف السياسية والإجتماعية التي كانت تمر بها مصر خلال هذه الفترة.
2 - صياغة النديم لنصائحه في أسلوب قصصي، وفي شكل نكت ونوادر جذبت النفوس والعقول لقراءتها خصوصًا وأنه كان داعية لمباديء جليلة تكمن في الدفاع عن حقوق مصر والمصريين.
3 - عالج النديم الموضوعات المتصلة بحياة الإنسان المصري العادي ونجح في أن يكون في هذه المعالجة واقعيًا مما يدل على شدة ارتباطه بالناس،
(1/25)

ومعرفته الكاملة بآلامهم وآمالهم فكانت مقالاته صورة للحياة المصرية في حزنها وضحكها، وما فيها من سخرية ورثاء، لم يداهن فيها الحكام أو يتملق لأبناء وطنه، بل بصرهم بعيوبهم، وشاركهم في البحث عن الطرق المناسبة لعلاجها.
4 - استعمال النديم للغة العامية خصوصًا في الحوار، وتهذيب وتعليم العامة (67) فكان صادقًا وأكثر تأثيرًا وأوضح معنى فعالج عيوبهم الإجتماعية المنتشرة بينهم بعين الخبير الذي يضع على لسان كل منهم ما يليق به في دقة وإحكام وظرف (68).
5 - تحول النديم من أسلوب المهادنة ومداراة السلطة إلى الدعاية المباشرة للحركة الوطنية، وإرشاد الشعب إلى الطريق الموصل إلى الحرية فكان بوقًا قويًا في الدفاع عن حقوق مصر والمصريين.
وهكذا كانت التنكيت والتبكيت بوقًا عظيمًا للشعب، اتخذ فيها النديم طريق توعية أبناء مصر إلى حقوقهم وواجباتهم مجالاً لمقالاته، وقد نجحت هذه الصحيفة في تأدية رسالتها ووصل نداؤها إلى أكبر عدد ممكن من المصريين فمن كان قارئا قرأ ومن لم يكن سمع ففهم وبذلك قدمت للوطن وللمواطنين أروع الخدمات وأجلها في فترة حرجة من تاريخ مصر الحديث.
ونحن إذ تقدم هذه الدراسة لهذه الصحيفة التي تحتل في تاريخ الصحافة المصرية مكانًا مرموقًا إنما نرجو أن نكون قد أدينا واجبنا نحو جزء من تراث النديم.
والله ولي التوفيق

أ. د عبد المنعم إبراهيم الجميعي
أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة فرع الفيوم
(1/26)

ثبت المصادر والمراجع
أولاً: وثائق غير منشورة:
دار الوثائق القومية بالقلعة
1 - سجلات الثورة العرابية. سجل رقم 109 تحت عنوان مكاتبات الداخلية.
2 - محافظ الثورة العرابية محفظة رقم 8 دوسية 53.
ثانيًا: المخطوطات:
أحمد عرابي الحسيني المصري: كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية.
مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 1542.
ثالثًا: المصادر والمراجع العربية:
1 - عبد المنعم إبراهيم الجميعي: عبد الله النديم ودوره في الحركة السياسية والاجتماعية. القاهرة - دار الكتاب الجامعي 1980.
2 - علي الحديدي: عبد الله النديم خطيب الوطنية. القاهرة سلسلة أعلام العرب د. ت.
3 - علي عباس: عبد الله النديم -صحافته وفكره- رسالة ماجستير غير منشورة بجامعة القاهرة.
4 - محمد أحمد خلف الله: عبد الله النديم ومذكراته السياسية. القاهرة - الانجلو المصرية 1956.
5 - محمد عبد الوهاب صقر وفوزي شاهين: عبد الله النديم. القاهرة سلسلة الألف كتاب د. ت.
(1/27)

6 - ميخائيل شاروبيم: الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث ح 4 القاهرة - المطبعة الأميرية 1900.
رابعًا: مراجع أجنبية:
Ahmed, Gamal M:
The Intellectual Origins of Egyptian Nationalism.. Ox - ford University Press 1960.
خامسًا: الدوريات:
1 - آخر ساعة أغسطس 1957.
2 - التنكيت والتبكيت: جميع الأعداد.
***
(1/28)

التبكيت والتنكيت

صحيفة وطنية أسبوعية - أدبية هزلية
العدد 1 - السنة الأولى
(/)

- 1 -

العدد 1 - بتاريخ: 6 - 6 - 1881
(1/33)

- 2 -

إعلان
إلى النبهاء والأذكياء من أبناء بجدة اللغة العربية الشريفة:
إليكم يراعي فاستخدموه في مقترحات أفكاركم العالية وصحيفتي فاملأوها بآدابكم المألوفة وبدائعكم الرائق فاليراع وطني يخاطب القوم بلغتهم ويطيعهم فيما يأمرون به والصحيفة عربية لا تبخل بالعطاء ولا ترد الهدية وأنتم كرام اللغة وإخوان الوطنية فشدوا عضد أخيكم بالقبول والإغضاء عن العيوب وساعدوه بأفكار توسع دائرة التهذيب وتفتح أبواب الكمال وكونوا معي في المشرب الذي التزمته والمذهب الذي انتحلته أفكار تخيلية وفوائد تاريخية وأمثال أدبية وتبكيت ينادي بقبح الجهالة وذم الخرافات لنتعاون بهذه الخدمة على محو ما صرنا به مثلة في الوجود من ركوب متن الغواية وإتباع الهوى اللذين أضلانا سواء السبيل.

تنبيهات
1 - أصدرنا هذا العدد ووزعناه مع جريدة المحروسة لإطلاع محبي الآداب عليه ولكوننا ننتظر أسماء المشتركين لنطبع من الصحيفة أعداداً بقدرهم فلا نصدرها في الأسبوع الآتي لنتمكن من رصد الأسماء ومعرفة الأماكن التي ترسل إليها.
2 - اخترنا صدور الصحيفة على هيئة كراسة ليسهل على المشتركين جمعها في آخر السنة وجعلها كتاباً لا تكون صفحاته أقل من 800 صفحة.
3 - لا يؤاخذنا من تأخر عن الاشتراك بعد توزيع العدد الأول إذا اشترك بعد ذلك وتعذر حصوله على العدد الأول ففي فسحة الأسبوعين ما يكفي لنقد الصحيفة والوقوف على مشربها.
4 - جواب المخاطبة التي تقضي بعلم صاحبها بما يطلبه من الإدارة تثبته في الصفحة الخامسة عشر فمن طلب أمراً وانتظر جوابه رآه في تلك الصفحة.
5 - الرسائل التي ترد إلينا لنشرها في الجريدة نقبلها شاكرين لمحرريها على شروط المراسلة المبينة في الصفحة السادس عشر فليراجعها المراسلون قبل التحرير ليعفونا من الاعتذار عن عدم نشر ما خرج عن الشروط.
(1/35)

- 3 -

حمد لله تعالى فاتحة كل كتاب والصلاة على أنبيائه منهج ذوي الألباب

أيها الناطق بالضاد
أتقدم بين يديك بخدمة وطنية دعاني إليها حبي فيك وخوفي عليك وما هي بالعظيمة فتشكر ولا بالبليغة فتمدح وإنما هي صحيفة أدبية تهذيبية تتلو عليك حكماً وآداباً ومواعظ وفوائد ومضحكات بعبارة سهلة لا يحتقرها العالم ولا يحتاج معها الجاهل إلى تفسير تصور لك الوقائع والحوادث في صور ترتاح إليها النفوس وتميل. ويخبرك ظاهرها المستهجن بأن باطنها له معانٍ مألوفة وينبهك نقابها الخَلق بأن تحته جمالاً يعش وحسناً تذهب الأرواح في طلبه هجوها تنكيت ومدحها تبكيت ليست منمقة بمجاز واستعارات ولا مزخرفة بتورية واستخدام ولا مفتخرة برقة قلم محررها وفخامة لفظه وبلاغة عبارته ولا معربة عن غزارة علمه وتوقد ذكائه ولكنها أحاديث تعودنا عليها ولغة ألفنا المسامرة بها لا تلجئك إلى قاموس الفيروزأبادي ولا تلزمك مراجعة التاريخ ولا نظر الجغرافيا ولا تضطرك لترجمان يعبر لك عن موضوعها ولا شيخ يفسر لك معانيها فهي في مجلسك كصاحب يكلمك بما تعلم وفي بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه ونديم يسامرك بما تحب وتهوى فاجعل لها نصيباً من عمرك الجليل ومتعها بنظرة تجلو مرآتها وتبصر خباياها ولا تفوق سهام الرد قبل أن تدخل معها المضمار ولا تنكر عليها ما تحدثك به قبل أن تطبقه على أحوالنا ولا تظن مضحكاتها هزءاً بنا ولا سخرية بأعمالنا فما هي إلا نفثات صدور وزفرات يصعدها مقابلة حاضرنا بماضينا فإن صدقت في الخدمة فأجري منك المساعدة وإن قصرت فقد بلغت جهدي وصرفت ما في إمكاني فإن شئت عذرت وإن شئت أطلقت عنان أفكارك في ميدان يكبو فيه جوادي.
ولسنا بدار الحرب أو أرض فتنة ... ولكن لنا في العالمين نظير
سهروا الليالي فاستراحوا دهوراً وما بلغوا مقام العزة بلهو ولا لعب ولا إفساد ولا خروج عن حدود الإنسانية وإنما نظروا إلى الإنسان فرأوه فعالاً ما اضطر أو اضَّطر وقد اضطرهم تقدم الأمم إلى النظر فيما يعظم ثروتهم ويؤيد حكومتهم ويعلي كلمتهم ويظهر وطنيتهم فما تركوا خفياً إلا أظهروه ولا مجهولاً إلا علموه ولا مشكلاً إلا حلوه ولا معمى إلا فسروه فأتوا غرقى في بحار الخشونة والخرافات وأصبحوا في سفن السياحة يعبرون بها
بحار الوجود لمباح يملكونه ومهدر يختلسونه وتجارة يوسعونها وأمة يسوسونها وأنت أنت تفخر بعزة الإباء وتمرح في أرض اتسع غامرها وقل عامرها وضعفت حجابها وفتحت أبوابها فهي كدار الضيافة يقابل فيها القادم بالسلام والترحاب ويتمتع فيها الضيف بكرم لا يدخل تحت حساب مع تعظيم يجل عن مقامه واحترام لا يبلغه في أشراف قومه إن غضب ترضيناه بتقبيل الأيدي والأقدام وإن فحش
(1/36)

- 4 -

قابلناه برقيق الكلام وإن انتهب حقاً سامحناه وإن اغتصب مالاً زدناه فإنه عزيز في الوجود رفعه العلم إلى درجة يعدنا فيها من البهائم وأوصلته محبة الجنسية إلى مقام يصعب علينا الوصول إليه فهو في عالم ونحن في عالم وإن جمعنا في مكان.
ويا أيها المصري ألا تذكر ما كنت فيه من حضيض الخسف وحفرة الذل وتراجع ما كنت تقاسيه من دفع المغارم وتحمل المظالم وتقابل ماضيك بحاضرك لتعرف فضل النعمة وقدر الإحسان. ألا ترقب حكومتك في أعمالها لتهتدي إلى سبيل التقدم وطريق العرفان. ألا تقراه ما ينشر عليك من الأوامر الداعية إلى الائتلاف المحذرة من الاختلاف الداحضة حجج أهل البغي والفساد. ألا تنظر ما تعقده من المجالس لتخلصك به من مخالب المصائب التي أوقعك فيها جهلك وبعدك عن التبصر في العواقب وإهمالك في حقوق الوطنية وواجبات الإنسانية. أظنك لو تدبرت أمرك لاستحييت من مقابلة من لم يولد في أرضك وعلمت أنك في احتياج إلى مهذب يرشدك ومؤدب يوقفك عند حدودك ومنبه يوقظك من غفلة الكسل ونومة الإهمال. على انك أهل الذكاء ورب البلاغة ومنبع المعارف ومبتدع الصنائع ولكنك جهلت تاريخك. وسأتحفك بغرائب قومك ومناقب أصلك أقدمها إليك شذوراً مردفة بما نحن فيه من التبكيت لتعذر المتنهد وترحم المسكين وتكون من الذين أعادوا مجدهم وأحيوا أوطانهم فأصبحوا ببقاء ذكرهم في الوجود من الخالدين.

مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي
كان هذا المصاب صحيح البنية قوي الأعصاب جميل الصورة لطيف الشكل ما رآه فارغ القلب إلا صبا ولا سمع بذكره بعيد إلا طار إليه شوقاً نشاء في العالم روضة ودار به أهله يحفظونه من العداء ويدفعون عنه الوشاة والرقباء وقد مات في حبه جملة من العشاق الذين خاطروا في وصاله بالأرواح والأموال وكلما وصل إليه واحد سحره برقة ألفاظه وعذوبة كلامه وسلب عقله ببهجة يحار الطرف فيها وعزة لا يشاركه فيها مشارك وهو هو غزال في الخفة غصن في اللين بدر في البهجة جنة في المنظر تمر عليه الدهور فتزيده حسناً وتتوالى عليه العشاق فتزداد هياماً وأهله فرحون بهذا البديع الفريد والطالع السعيد يعشقون الموت في حياته وقد اتفقوا على توحيد كلمتهم في حفظه وجمع شتاتهم في رحابه وصرف حياتهم الطيبة في بقائه في الوجود معززاً بأهله مؤيداً بعشائره حتى لا تمد إليه يد عدو ولا يوجه إليه فكر محتال ولا يقرب منه مغتال.
وبينما هو يتيه بحسنه ويدل بجماله صحبه أحد المضلين واستماله بنفاق تميل إليه النفوس وتملق يخجل فظن أهله أن هذا المضل من الأتقياء الذين لا يعرفون اللهو ولا يميلون إلى
(1/37)

- 5 -

المفاسد وسلموه جنة حياتهم وروضة ثروتهم فدار به في الأسواق والطرقات وعرضه للعشاق تقبله جهاراً وتسلبه حلى أصابعه وزينة صدره وقد علموا أن الجمال يأسر الجميل فأحضروا من الغواني من تعارض الشمس بحسنها وتكسف البدر بنورها فدرنَ في سبيل بيته يغازلن أهله بنغمات تحرك الجبان ومؤانسة تستميل الشجعان حتى سلبن العقول وحولن الطباع وبغضن المحبوب إليهم وإلهينَ كل ذي لب عن أفكاره وأنسين كل مدبر ما كان يتصوره من نوابغ الحكم وغريب الأمثال وجعلن الجمال مبذولاً بلا قيمة والوصال ممنوحاً بلا مقدمات وذاك الصاحب مكب على هواه مغرم يجمع الغرباء واستعداء الأعداء ومصاحبة الأشقياء ومسامرة الأغبياء ينام ومحبوه قلق ويضحك ومعشوقه كئيب إلا أن هذا الغزال الطاهر العرض لما رأى أهله أهدروه وأهملوه واشتغلوا بالغواني وولعوا بخدمة الأجانب وانكبوا على الملاهي يتتبعون آثارها استسلم للقضاء وترك النفار والتحمس ومال مع أغراض هذا الصاحب وسار معه في طريق لا يرى فيه أحداً من أهله فما هي إلا رشفة كأس حتى اصفر وجهه وارتخت أعضاءه وذهبت بهجته فسلم جسمه الشريف إلى الفرش يتململ عليه ففطن له واحد من أهله وزاره في خربة لم يجد فيها غير شبح يعلل نفسه
بالأماني ويصعد الزفرات وقد برزت عظام وجهه وغارت عيناه وتشوه وجهه وتبدلت محاسنه بقبائح تنفر منها الطباع فبكى وانتحب وقال:
أي حياتي أي جنتي أي نزهتي أي مطلع عزي ما الذي أصابك أين جمالك البديع أين محياك الزاهي أين حسنك الذي أفنى الكثير من العشاق أين صحتك التي أشابت الدهور وهي في عنفوان الشباب أين قوتك التي أسرت بها الأشباح أين رقتك التي جذبت بها الأرواح أين ما كان عليك من الحلة والزينة أين تاجك الذي ما لبسه إنسان إلا افتخر على الوجود أي نفس تراك في هذه الخربة ولا تفيض حزناً أي قلب يرى وهناك ولا يتقطر كمداً أي عين ترى تشويه ذاتك ولا تطمس أسفاً زحزح الهم عني بجواب يبين الحقيقة لعلي أتدارك من أمرك ما بقي وأحفظ من صحتك ما عساك أن تنشق به نسيم الحياة.
فتنفس المصاب تنفس الضعيف ورمقه بعين لا يكاد يتحرك جفنها وقال بصوت خفي (لا يعز عليك جسم أمرضه أهله) فإنكم تركتموني لصاحبي يدور بي أينما دار فعرضني لمن لم أعرف طبعه ولا عادته ولا لغته ووكل بي من يغرني ويسلك بي سبل الغواية فلم أجد بداً من الموافقة ودرت معهم في أماكن اللهو حتى أصبت بالداء الإفرنجي فلم أعبأ به في أول الأمر وتركت نفسي وكتمت خبري فإني لم أجد أحداً من أهلي حولي ولم أعلم أن الداء سرى في دمي وعروقي وتمكن من عظامي وأعصابي حتى لم يترك عضواً من أعضائي إلا نشب فيه فلما ضعفت قواي وتعطلت حواسي
(1/38)

- 6 -

سقطت في هذه الخربة أقلب جسمي على الأحجار وأرمق بعيني آثار أهلي وقصورهم المتهدمة ولكن لا أستطيع حراكاً حتى كنت أغالب هذا الأفرنجي وأصل إلى مقري ومنشأ عزي فأعالج نفسي بحشائش ترتبي وعقاقير أرضي من يد أطباء بلادي وصيادلة دياري فإن قويت عليّ فاحملني وإن تأذيت من صديدي فاجمع إليّ قومي لعلي أجد فيهم من يقبل على جيفتي ويسعى في نجاتي فقام هذا الزائر يضرب الكف بالكف أسفاً ويعض أنامله غيظاً وأسرع إلى الحي ونادى. أيتها القبور الصامتة انشقي وانفرجي وابعثي من فيك من الأموات فقد أتت الطامة الكبرى وانكدرت نجوم النشور. ويا أيتها الأرواح الخامدة هلمي إلى أجسامك البالية فأقيميها من موتتها وابعثيها في الوجود لتنظر هذا الذي تشقى بعدمه وتحاسب عليه.
فلم يكن إلا كلمح البصر حتى ملئ الفضاء بأناس لا عداد لهم يقدمهم طبيب بارع قد
استصحب معه جملة من الأطباء وساروا إلى تلك الجيفة واحتاطوا بها يقلبونها عن اليمين وعن الشمال ويفرعون صدرها ويجسون نبضها حتى وقفوا على دائها وعلموا أصل مصابها فحكموا على صاحبها بانتزاحه عنها وعدم قربه منها فوضوا أمر هذا المصاب إلى الطبيب البارع يتولى علاجه ويداوي جراحه فطلب من بقية الأطباء أن يرافقوه في هذه المعالجة ليتقوى بأفكارهم على ما يصلح به هذا الجسد الشريف وبعد تبادل الأفكار بينهم قرّ الرأي على أنهم يركبون له دواء يوقف سري الداء الآن حيث تحكم وتمكن بعد ذلك يتداولون فيما يزيل المرض ويعيد الصحة فتعلق بهم أهله يسألونهم الإسراع في معالجته والاجتهاد في دفع مصابه فترضتهم الأطباء وسألتهم الهدوء والسكون ومساعدتهم في خدمته وتنظيف محله وتطهير أعضائه وحفظه بحيث لا يتركون الغرباء يتولون خدمته ولا يمكنون الأجانب من الوصول إليه خوفاً من إفسادهم العلاج وسعيهم في إتلافه أكثر مما صنعوه به فكثر صياح أهله وعلت أصواتهم بالعويل ووضعوا أيديهم على أكبادهم وتصبروا وابتدأوا يعملون بمشورة الأطباء ويبذلون الجهد في وقايته وصيانته من كل من كان من جنس مصيبيه. قال الراوي وينما أنا أبكي وأنوح مع هؤلاء المساكين وإذا بالمؤذن ينادي حي على الفلاح فقمت لأقضي الفرض وأعود لمباشرة الخدمة مع إخواني إذ لم أرَ قبل هذا اجتماع مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي.

تذكار
ملخص من بداية القدماء
دلت التواريخ على أن المصريين من أقدم الأمم المتمدنة وكانت هذه المملكة من عهد الأنبياء زاهية بهية وزعم المتقدمون من أهلها أن أول من حكمها الآلهة وإن أولهم (بركان) حكمها تسعة آلاف سنة وإن كوكب الشمس
(1/39)

- 7 -

المسمى (إزريس) وزوجته القمر المسماة (إزيس) وأخاها عطارد المسمى (هرمس) آلهة اخترعوا أصول الشرائع والفنون والعلوم وهذا من زعمهم ألوهية كل من اخترع أمراً غريباً كأرباب التصانيف العجيبة وهو أكبر سبب دعاهم لعبادة الأوثان وهي صور المخترعين.
(التبكيت) لا ننكر على المتقدمين ما كانوا يزعمون فقد كان الوجود فارغاً من العلوم خالياً من المعارف وكان الناس في همجية متمكنة وفطرة ساذجة لا يهتدون بها إلا إلى المآكل والمشارب وضروريات الإنسان أما وقد صرنا في زمن اتصلت فيه الممالك وكثر اختلاط المم ببعضها وانتشرت فيه المعارف فإنا نعجب من بقاء الخرافات والاعتقادات الفاسدة بعد وضوح الحق ووجود السنة الشرائع تتلو علينا من حكمها ما تتنور به الألباب غير أننا نوجه الآمال إلى حسن المستقبل وسعادة الأمة بالاجتهاد في تعميم التعليم حتى تذهب الخرافات ذهاب أمس.
وأول ملوك مصر (ظناً لا تحقيقاً) منيس المسمى مصرايم وكان حكمه في أعلى مراتب الأحكام فخراً وكان وجوده في تخت مصر قبل مولد عيسى عليه الصلاة والسلام بألفين وثلثمائة وثمان وأربعين سنة تقريباً وبعد مضي مدته تغلب على مصر ملوك من رعاة العرب بعد حروب كثيرة واستمروا بها عدة قرون مجهولة وأخيراً ظهر على كرسي المملكة الملك سزستريس الشهير بالفتوحات واختراع القوانين حتى قيل أن ملكه امتد إلى الهند وإلى تراس وبلاد الروملي وتاريخ مصر بالتحقيق لم يعلم إلا قبل ميلاد المسيح عليه السلام بستمائة وسبعين سنة عندما فتح ملكها ابزمبتكوس أبوابها للغرباء واختلط المصريون باليونانيين.

عربيٌّ تفرنج
ولد لأحد الفلاحين ولدٌ فسماه زعيط وتركه يلعب في التراب وينام في الوحل حتى صار يقدر على تسريح الجاموسة فسرّحه مع البهائم إلى الغيط يسوق الساقية ويحوّل الماء وكان يعطيه كل يوم أربع حندويلات وأربعة أمخاخ بصل وفي العيد كان يقدّم له اليخنى ليمتعه بأكل اللحم بالبصل وبينما هو يسوق الساقية وأبوه جالس عنده مرّ بهما أحد التجار فقال لأبيه لو أرسلتَ ابنك إلى المدرسة لتعلَّم وصار إنساناً فأخذه وسلمه إلى المدرسة فلما أتمَّ العلوم الابتدائية أرسلته الحكومة إلى أوروبا لتعلم فنٍّ عينته له فبعد أربع سنين ركب الوابور وجاء عائداً إلى بلاده فمن فرح أبيه حضر إلى إسكندرية ووقف برصيف الجمرك ينتظره فلما خرج من الفلوكة قرب أبوه ليحتضنه ويقبله شأن الوالد المحب لولده فدفعه في صدره وجرت بينهما هذه العبارة:
زعيط: سبحان الله عندكم يا مسلمين مسألة الحضن دي قبيحة جداً.
معيط: أمال يا بني نسلّم على بعض إزّاي
زعيط: قول بُونَر يفي وحط إيدك في
(1/40)

- 8 -

إيدي مرة واحدة وخلاص
معيط: لهو يا ابني أنا باقول منيش ريفي.
زعيط: موش ريفي يا شيخ انتم يا أبناء العرب زي البهايم.
معيط: الله يسترك يا زعيط والله جا خبرك يا ابني فوت روح فوت فلما توصل به الكفر قامت أمه وعملت له طاجناً في الفرن مملوءاً لحماً ببصل فلما رآه قال لها:
ليه كترتي من الـ
معيكه: من ال ايه يا زعيط
زعيط: من البتاع اللي اسمه ايه
معيكه: اسمه ايه يا ابني. الفلفل
زعيط: نونو ال دي ال البتاع اللي ينزرع
معيكه: الغلة يا ابني
زعيط: نونو دي اللي يبقى لو راس في الأرض
معيكه: والله يا ابني ما فيه ريحة التوم
زعيط: البتاع اللي يدمع العنين اسمو أونيون
معيكه: والله يا ابني ما فيه أونيون ولا. دا لحم ببصل.
زعيط: سي سا بصل بصل
معيكه: ويا زعيط يا ابني نسيت البصل وإنت كان أكلك كله منه.
معيط شكاه لأحد النبهاء وقال ولدي توجه أوروبا وحضر يذم بلاده وأهله ونسي لغته فقال له النبيه ولدك لهم يتهذب صغيراً ولا تعلم حقوق وطنه ولا عرف حق لغته ولا قدر شرف الأمة ولا ثمرة الحرص على عوائد الأهل ولا مزية الوطنية فهو وإن كان تعلم علوماً إلا أنها لا تفيد وطنه شيئاً فإنه لا يميل إلى إخوانه ولا يستحسن إلا من يعرف لغتهم على أنه أصبح كالحجل لما أراد أن يقلد الغراب في مشيته وعجز عن التقليد واستحال عليه عوده لطبيعته الأولى فأصبح يقفز قفزاً وقد خرج عن حد الجنسية وطباع النوعية ولا يفعل فهل ولدك إلا اللئيم جاهل بوطنه فكم من شبان تعلمت في أوروبا وعادت محافظة على مذهبها وعوائدها ولغتها وصرفت علومها في تقدم بلادها وأبنائها ولم ينطبق عليهم عنوان عربي تفرنج.

سهرة الانطاع
دخل أحد المهذبين بيتاً من بيوت رجال الملاهي فوجد عشرة من الرجال جالسين على الأسرة باهتين ساكنين لا يتكلمون ولا يتحركون ولا يرفعن أبصارهم هذا واضع عنقه على كتفه وذا مكفى على المخدة وذاك يتمايل كالنائم وآخر واضع يده على خديه فظن المهذب أن رب الدار أصيب بمصيبة وهؤلاء متكدرون مما أصابه مشفقون عليه فجلس في ناحية من المجلس وسأل رب الدار قائلاً لعلكم بخير هل من أمر نزل بالسيد حفظه الله قال لا ولكن عادتنا أن نجتمع كل ليلة للأنس والمفاكهة.
المهذب: أظنكم تتذاكرون في تقدم صنائع أوروبا وانتشار تجارتها في سائر الأقطار حتى عظمت ثروتها وتقوت شوكتها.
(1/41)

- 9 -

رب الدار: ما لنا علم بأوروبا ولا أهلها فإننا ما خرجنا من مصر مدة حياتنا.
المهذب: عدم الخروج من البلاد ليس شرطاً في وقوف الإنسان على حقائق الأشياء وعلمه بأخبار من بعده عنه فإن التواريخ وصحف الأخبار تقص علينا أحاديث الأمم ونحن جلوس في بيوتنا.
رب الدار: التواريخ لا يقرأها إلا العلماء والصحف لا يسأل عنها إلا الخواجات فإنها عبارة عن حكاية يتسلى بها الشبان.
المهذب: الصحف يا سيدي ألسنة الأمم وترجمان الملوك تنقل لك ما قاله هذا الرئيس وهو بأقصى الغرب وما أجاب هذا الأمير وهو في أطراف الشرق وتخبرك بالمحاورات السياسية وأغراض الملوك وأحوال الأمم وسير التجارة وأعمال العقلاء وصنائع العلماء وخطب النبهاء وتاريخ الأذكياء وما قامت به هذه الأمة من عمار وطنها وحمايتها له وحفظه من امتداد أيدي الغير إليه وما أهملت فيه تلك الأمة حتى خاتلها الغريب وتداخل في شأنها وحجر على أهلها عوائدهم ومذاهبهم.
رب الدار: هذا شيء يوجب وجه الدماغ ويشتت الفكر ولا يشتغل به إلا من ليس له شغل.
المهذب: أظنكم تتحدثون في شؤونكم وتتذاكرون في أشغالكم الخاصة بكم لعلكم تهتدون لأمر يزيد في الثروة أكثر مما أنتم عليه لتفاخر بكم حكومتكم وتكافئكم على أتعابكم واجتهادكم بالرتب العالية والعلامات الشريفة.
رب الدار: هذا أمر لا يهمنا فإن البلاد إذا تقدمت أو تأخرت لا تفيدنا شيئاً أحسن مما نحن
فيه.
المهذب: ما هو الذي وصلتم إليه يا سيد من التقدم.
رب الدار: لله الحمد كل منا له بيت عظيم بحوش واسع ومضيفة لطيفة وعنده من الخدم ما يقوم بإدارة أشغاله وقد تركت لنا آباءنا أموالاً لا تفنيها الأيام فنحن في نعمة عظيمة ترى المسكين من الناس يقوم في الفجر لأشغاله ويبيت الليل يكتب ويحسب ونحن لا نخرج من البيوت إلا قبل الظهر بقليل ونعود إليها وقت العصر للمسامرة بالمضحكات والنكات اللطيفة.
المهذب: إذا كانت هذه عادتكم فلم تجتمعون في مثل هذه السهرة.
رب الدار: عادة الكيف أنه لا يفرج إلا إذا تعاطاه الإنسان في مجلس أنس بضحك ولعب فنحن نجتمع ليتعاطى كل منا منزوله ثم تدور النكتة بيننا فإذا دنَّن الإنسان وخدَر قام ودخل محل النوم حسب العادة فيبيت مسوطاً لا يسأل عن الدنيا ولا من فيها. ثم التفت إلى أقرانه وقال رأيكم ايه يا أسيادنا في هذه العبارة فأجابه الجميع بصوت واحد: (مَفِش غير كدِه إحنا مالنا ومال الدنيا والتجارة والتواريخ احنا رايحين نبقى زي الإفرنج يلي كل ساعة يقولوا الدنيا جرى فيها ايه
(1/42)

- 10 -

والجرانيل قالت ايه والتلغرافات عادت ايه زي اللي الدنيا ملكهم هأ هأ هاي)
المهذب: هكذا تكون حال من لم يتهذب صغيراً فإنه يخرج أسير شهواته بعيداً عن إدراك لمعاني جباناً بليداً غبياً ولكن قد كسفت شمسكم وظهرت أنوار المعارف والآداب وأصبحت الحكومة في جد واجتهاد تقدم بهما رجالها وتبعثكم من قبور الغفلة إلى جنات المعارف والأمة تبيت تبحث عن أسباب تأخيرها وما يوجب تقمها فهي والحكومة يد واحدة في إحياء الوطن وتوسيع تجارته وتأييد كلمته ولا نلبث أن نرى البيوت والمجامع كلها محافل آداب ومجالس أبحاث وتصبح الأطفال تبحث في حال من تقدمها وتعجب من جبن آبائها وسعيهم في إعدام المعارف بما ألفوه من اللهو والبطالة وفساد الأخلاق وما كانوا يفعلونه من القبائح والرذائل في سهرة الانطاع.

تخريفة
الجنون فنون
جلس أحد المحتالين على قهوة وأخذ يقرأ أكاذيب سماها قصة عنترة فاجتمع إليه عدد كثير من الرعاع والهمج الذين ولعوا بسماع الأكاذيب والخرافات فلما رآهم منصتين إليه أخذ يفتري عبارات ينسبها إلى عنترة وكلمات يعزوها إلى عمارة وقد افترق القوم فريقين وكل فريق يدفع لهذا المحتال نقوداً ليؤيد مشربه ويتمدح بمن يميل إليه والمحتال مجدٌّ في التخريف متفنن في الكذب حتى قرب الفجر فقال وبينما هم في قتال ونزال وقد انكشف الغبار عن أسر عنترة وسنخلصه في الليلة القابلة فقال له أحد المجانين لابد أن تخلصه الآن وخذ عشرة جنيهات وعلت أصواتهما بالقبائح وآل الأمر إلى الضرب والإهانة ثم ذهب المجنون وقد تذكر أن عنده قصة عنترة ولكنه أميّ لا يقرأ فقصد بيت ولده وأيقظه من النوم وهو يبكي وقال له يا ولدي أبوك رزئ بمصيبة عظيمة فقال له ولده هل مات أخي قال كان أهون ـ هل هدم البيت الجديد ـ كان أهون هل ماتت أمي ـ كان أهون ـ أصدر عليك حكم بالليمان في قضيتك ـ كان أهون ـ سرقت نقودك ـ كان أهون ـ ما الذي أصابك يا والدي ـ يا ولدي في هذه الليلة أخذوا عنترة أسيراً فهات الكتاب وخلصه وإلا قتلت نفسي ـ الولد: من عنترة يا والدي تتكدر على حكاية مكذوبة وقصة كلها تخريف وما لنا وعنترة إن هو إلا عبد أسود أخذ شهرة بما صنعه من قتل بعض الناس بلا حق لولوعه بالنهب وسعيه خلف مقاصده ـ الوالد: أنت تشتم عنترة يا ابن الزنا ونزل عليه بعصاه حتى أسال دمه وحلف عليه بالطلاق لا يبيت عنده ولا يعاشره فخرج الولد المسكين وهو يسب الجهل وأهله ويعجب من فساد أخلاق والده الذي أحدثه عدم التهذيب حتى ألحقه بالبهائم وسلخ عنه جلد الإنسانية فعارضه أحد
(1/43)

- 11 -

جيرانه وسأله عن حاله فقص عليه قصته مع والده فقال طالما قلت لأبيك فضك من عنترة وتعال اعمل زغبي فما سمع كلامي فضحك الولد من خسافة عقل الاثنين وقال لاشك أن الجنون فنون.

محتاج جاهل في يد محتال طامع
احتاج أحد الزراع لاستدانة مائة جنيه فقصد أحد التجار وطلب منه المبلغ فجرت بينهما هذه الحكاية بحضور أحد النبهاء:
الزارع: عاوز ميت جنيه بالفرط يا سيدي
التاجر: فرط المائة عشرون كل سنة
الزارع: اعمل الل تعمله
التاجر: شيل عشرين من مائة يبقى كام
الزارع: لهو أنا كاتب شوف يفضل كام
التاجر: يبقى سبعين
الزارع: يدوب كده
التاجر دلوقت صار لي مائة جنيه ضمن عليهم عشرين واكتب الكمبيالة
الزارع: اكتب وخد الختم أهو
وفي وسط السنة قدم له الزارع عشرة قناطير قطن وعشرة أرادب من السمسم وعشرين من القمح وثلاثين من الفول وأربعين من الشعير وجاء يحاسبه فكانت الحكاية هكذا:
الزارع: طلع لي ورقه بالحساب يا سيدي
التاجر: أنت جبت قطن بعشرين جنيه وقمع بعشرة جنيه وسمسم بثمانية جنيه وفول بعشرين جنيه وشعير بعشرة جنيه يبقى الجميع كام
الزارع: ما قلت لك من ديك المرة معرفشي الحساب
التاجر: يبقى أربعين جنيه شيلهم من ماية وعشرين يكون الباقي كام
الزارع: مين يعرف شي لده
التاجر: الباقي تسعين جنيه وفرطهم عليهم عشرين يبقى ماية وخمسة عشر طالب أنت كمان ثلاثين يبقى ماية وستين ضم عليهم أربعين فرط يبقى الكمبيالة تنكتب بمائتين وعشرة ونصف
الزارع: هو ايه موش الأصل سبع عشرات وعشرينتين وجالهم ثلاثين وثلاثين شلت منهم ثمن البتوعات اللي جبتهم يبقى لك دلوقت ميتين وعشرة بس والنص ده جبتو منين
التاجر: النصف أجرة كتابتي ليس من الأرباح.
الزارع: أي دلوقت صحّت الحسبة والسنة دي أبيع لك خمسين فدان في عشرة جنيه يبقى لك أيه بعد كده يا جنيهين يا ثلاثة خد لك بهم جاموسة ونبقى على رأي المثل شيل ده عن ده يستريح ده من ده
فقال النبيه للتاجر: أما تتقي الله في هذا المسكين أخذت محصوله وصار دائناً لك فألفقت له حسبة لا أصل لها وجعلته مديناً فإن حسبتك معه هكذا.
جنيه
عدد
70 بفايدة 100/ 2 فالمطلوب عدد 84 أورد لك هذا القدر.
(1/44)

- 12 -

قنطار ......... سعر .......... جنيه
15 ......... 2 .......... 30 .......... قطن
10 ......... 2.5 .......... 25 .......... سمسم
20 ......... 1 .......... 20 .......... قمح
30 ......... 1 .......... 30 .......... فول
40 ......... 0.5 .......... 20 .......... شعير
ـــ ..... ـــ .......... ـــ ..........
............................... 125

بكون له عندك واحد وثمانون جنيهاً فكيف جعلته مديناً بمائتين وعشرة ونصف بعد ذلك أن هذا لهو السلب بلا خوف.
التاجر: يا خبيبي الزارع خمار وأنا إذا كان موش يعمل كده موش لازم يجي تاجر بنكرجي بعد خمسة سنة فقال النبيه قد تغيرت هيئتنا وتنبهت الحكومة أرجالها فهي تسعى في علم نظام يحفظ الحقوق ويمنع تعدي مثلك على هذا المسكين حتى لا يقع بعد ذل جاهل محتاج في يد محتال طامع.

لا تصدقني ولو حلفت لك
اتفق لأحد الغربيين أنه رأى رجلاً يعرف اللغة العربية في بلاده فأخذه في بيته والتزم خدمته وإكرامه ولزمه يتعلم منه اللغة فصدق معه العربي في الصحبة وأخلص معه في التعليم حتى برع ونبغ فانكب على كتب العرب يقرأها ويتمعن فيها حتى صار إماماً مبرزاً وعالماً فريداً فدعاه حبه لهذه اللغة وإعجابه بأهلها إلى الرحلة من بلاده واستيطان الشرق ليتمتع برؤية رجاله كما تمتع بلغتهم فلما حل بأحد البلدان العربية قوبل بالإكرام وأنزلوه المنزل الحسن فرأى من طلاقة وجههم وأمانتهم وصدق عبارتهم ما دعاه لإعمال كتاب في فضائل العرب ومناقبها وتاريخها وما لهم من الذكاء والشجاعة والحلم وغير ذلك من الأوصاف الحميدة وسهر الليالي الطوال في وضع هذا الكتاب العجيب ومشي فيه على طريقة حر لا يرى التعصب للجنسية ولا التشيع للمذهب وفي آخره قال تتبعت التواريخ وقرأت السير وجمعت ما دون منها بالعربي والأعجمية فعلمت منها أن للعرب فضلاً على سائر المسكونة بما فتحوه من باب الرحلة والسياحة أيام كانت كل أمة لا تتجاوز حدودها ولا تعرف غير أهلها وجاهدت نفسي في معرفة السابق على لغتهم من اللغات المستعملة الآن فلم أقف على أقدم منها ولا أوسع عبارة وأحسن لفظاً ووددت أني أنسب إليها وينسلخ عني عنوان أوروباوي لأنسب إلى ممن سبقوا العالم في طلب المعارف وأخضعوا كل جبار بقوتهم العجيبة ثم قال ومن العجائب إنهم بثوا التمدن في الوجود أيام تملكهم على الأقطار ثم صاروا أبغض الناس إلى كل متمدن ولقد صدقوا فيما قالوه من الحكم اتق شر من أحسنت إليه ولئن ظلموا في هذا البغض وتحامل عليهم كل إنسان فإني وضعت كتابي هذا فيما علمته من فضلهم ومقدارهم الجليل ليقال وجد في الدنيا أوروباوي مدح العرب وعرف قدرهم. . . أستغفر الله أراني خرجت عن حد الجنسية وتعصب أمثالي وهذا مما يشين مجدي فما تراه
(1/45)

- 13 -

من فضيلة أو مكرمة مما نسبته إلى العرب فلا تصدقني ولو حلفت لك.

غفلة التقليد
بنى أحد حمير الأموال بيتاً وزخرفه وملأه بالفرش والكراسي والمنصات الثمينة ثم صنع وليمة عظيمة لبعض أحبابه عند انتقاله إليه وكان في جملة المدعوين رجل من النبهاء فلما انتهى بهم المجلس أخذ يقص عليهم سبب بناء هذا البيت ومقدار ما صرفه فيه وما قاساه من مماطلة العمال ومعاكسة الزمان وشرح لهم بيان ما فيه من الأثاث والمتاع حتى انتهى إلى خزانة كتب فقال واشتريت هذه الخزانة بألف قرش وأخذت هذه الكتب بمائة جنيه بواسطة أحد العلماء الأفاضل.
فقال له النبيه: أظنك مغرماً بأشعار العرب لتقف على أحوالهم ووقائعهم الشهيرة وحماستهم التي كانوا عليها والغيرة التي خصوا بها والحمية التي نشأوا فيها والأمانة التي امتازوا بها والعزة التي بها يعرفون والكرم الذي به يمدحون والرفاه الذي به يمتازون والشجاعة التي عليها يتدربون والحكمة التي بها يولدون والبلاغة المقصورة عليهم والفصاحة المنسوبة إليه والسياحة التي امتازوا بها والرحلة التي ألفوها وتعلم ما في منشآتهم من التشبيهات الغريبة والمعاني البديعة والتصور العجيب والاقتدار المفحم والسلاسة اللفظية والرقة المعنوية والتراكيب الآخذة بالعقول والتفنن الدال على قوة ذكائهم وغزارة مادتهم وصفاء عقولهم فإن ذلك كله في أشعارهم يشهد به الشرقي ويعترف به الغربي ولا ينكره إلا من انتزعت منه الإنسانية وجذبته الجنسية فألقته في مهواة الحقد والكبرياء فأصبح لا يعرف إلا السفه ولا يميل إلا إلى القبائح ولا يتمدح إلا بجنسه وإن كان مذموماً صفة المائل بطبعه إلى الشهوات البهيمية البعيد بذاته عن مظاهر الإنسانية.
فقال رب الدار: ليس فيها من أشعار العرب ولا نثرهم شيء.
قال النبيه: أظنك مشتغلاً بمطالعة التاريخ لتعلم كيف كان بدء الوجود وانتشار الإنسان وكيف تعلم الإنسان الصنائع وأدرك المعارف وتقف على مخترعي الصنائع وما لاقوه من ابتداعها ومؤسسي الممالك وما عانوه فيها من الحرب والغربة والأسفار الشاقة وما نابهم من فقد الكثير من الأرواح والألوف من الشجعان وما سهروا في حفظه من تربية أيتام أكلت الحرب آباءهم وحفظ أرامل حال الموت بينهنّ وبين أغراضهنّ وما تعبوا في جمعه من أموال يصرفونها في صيانة الأمم وعمار الأوطان وشراء السلاح وآلات الدفاع وتهذيب الأطفال وتدريب الشبان وتحنيك الشيوخ وتبحث في التواريخ على تاريخ قومك وأهل
عشيرتك لترى نفسك في أي جنس وجدت وفي أي أرضٍ ولدت فإذا تحققت الجنسية وعلمت نشأة عصبيتك التي بها صح انتسابك وعرف عنوانك سرّحت نظرك في أخبارها وتتبعت سيرها في
(1/46)

- 14 -

الوجود وبحثت في مادة قوتها وعناصرها تركيبها التي أقامتها جسداً صحيحاً وأظهرتها إنساناً كاملاً واشتغلت بمعرفة الوقائع وما جرى فيها من المداولات والسياسات الأدبية والاحتياطات التي وقت تلك الأمة من العوارض وقوّت أمرها ورفعت شانها وأشغلت الأفكار بها وأرجفت القلوب وحيرت الألباب وألزمت نفسك معرفة الرابطة التي تأسست عليها والوحدة التي نشأت منها والقطب الذي دارت عليه والغاية التي وصلت إليها لتعلم أأنتَ أنت كما كان آباؤك أم غيرت وبدلت وتركت عاداتهم وتساهلت في معتقداتهم وأهملت سرّهم الجامع ونظامهم البديع حتى رأيت التغيير في نفسك وفعلك وبعدك عن الوصول إلى مدركاتهم ونفور المعالي منك وجهلها إياك فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
قال رب الدار: أنا ى أعرف التاريخ ولا البحث فيه لاشتغالي بأمور كثيرة.
قال النبيه: أحسبك تشتغل بالعقليات لتعرف ما كان عليه قومك من السهر في تدوين كتبها وحل مشاكلها وتعب الأجسام في تجربة المخترعات وسبر المبتدعات وما كانوا عليه من القوة في هذه العلوم وماذا ينسب إليهم من الطب الذي هو أساس نظام الحياة ومظهر الصحة وما عرفوه من الهندسة التي هي قاعدة المدنية ودعامة الحصون والمعاقل وما أدركوه من النجوم التي أوصلتهم إلى معرفة الحوادث الجوية والخوارق الكونية فاهتموا بها لافتتاح لحج البحار واكتشاف المجهول من الأقطار والأمم وما وصلوا إليه بالرحلة من معرفة حدود البلاد وعوائد العباد والطرق الوعرة والسهلة ومقدار مساحة الوديان والغابات والممالك وما تفننوا فيه من الآلات الدفاعية والصناعية والزراعية وغيرها حتى عظمت ثروتهم واشتدت سطوتهم وتأيدت قوتهم وما ألفوه من الحكم والآداب والعلوم الابتدائية التهذيبية والبدائع المروضة للنفوس. قال رب الدار: ليس لي إلمام بشيء مما ذكرت. قال النبيه: أتخيل أنها كتب دينية تشتغل بها لتكون على سنن أسلافك ودين آبائك لئلا تفقد حرارة الدم والغيرة التي يولدها الطعن في المذهب وسعي الغير في إعدامه خوفاً منك على وحدة النظام وقاعدة الاجتماع ورهبة من تذبذبك وميلك مع كل ريح فتصبح براء من
مذهبك أجنبياً من غيره فلا تتمكن من الحماية بقومك ولا الالتجاء لغيرهم فلكل أمة مذهب يجمع شتاتهم ويوحد كلمتهم ويبعث فيهم روحاً يحيا به ذكرهم ويدوم مجدهم ويتأيد اتحادهم وتخشى من تغيير مذهبك الذي يذهب بك إلى النفرة وكراهة مواطنك وعداوة أبيك وبغض أخيك وحقد صاحبك وأنفة جارك منك ويميل بك في حضيض لا يرفعك منه إلا إعدام يواريك التراب فيذهب شخصك وينسى ذكرك وينكر أثرك.
قال رب الدار: أن إلا أعرف المذهب إلا سماعاً من أبي وأمي ولا أفقه له معنى غير
(1/47)

- 15 -

أني مثل قومي.
قال النبيه: أظنها كتباً بغير لغتك تجيل فيها فكرك لتعلم أخلاق الأمم وسيرتهم وما هم عليه من الآداب والمحاسن الإنسانية فتأخذ منها ما يكون صالحاً لأمرك نافعاً لقومك مؤيداً لوطنك وتعرف ما لهم من طول الباع في المخترعات وإتقان الصناعة وإحسان أسباب الثروة وتدرك بماذا تقدمت هذه الأمة ومكنت المدنية فيها وبماذا غلبت تلك الأمة وأضاعت أقطارها وخسرت رجالها وبماذا اتسعت تجارة هذه ودارت في المسكونة مع الرغبة فيها والأمن عليها لعلك تهتدي لشيء مما تقف عليه تنفع به بلادك وترشد إليه قومك.
قال رب الدار: أنا لا أعرف من اللغات غير ما كانت تكلمني به أمي في صغري وتربيت عليه.
قال النبيه: ما هذه الكتب إذاً وما داعية اقتنائها عندك.
قال رب الدار: دخلت بيت الشيخ فلان والسيد فلان والحاج فلان والهمام فلان والأمير فلان فرأيت في مضيفة كل منهم خزانة بها كتب وعليها ستارة خضراء وبجانبها منشة من الريش والخادم كل يوم ينفضها ويمسح الزجاج والخزانة فعلمت أن هذا طرز جديد (مودة) في بناء البيوت فرتبت مضيفتي مثلهم لأكون في صف المتمدنين. فلعن النبيه الجهل وسب التقليد وقال إن دام تقليد الناس لبعض الأفراد فيما يفعلونه من غير نظر في المنفعة ولا تعقل لما يراد ضاعت العلوم وتحولت الطباع وانحلت عرى الوحدة وأصبح الكل نائماً في غفلة التقليد.

تبصرة
لم نرسل العدد الأول من صحيفتنا إلى النبهاء مشتركي المحروسة الوضاء ونحن طامعون في اشتراكهم بالتملق إليهم ولا قانطون من مساعدتهم الوطنية ومساعيهم الجميلة وإنما نتوسل بهم لنشرها في أندية الأدباء ومجالس النبهاء ليطلع عليها أصحاب الأذواق السليمة ويخبر بها من لم يكن له اشتراك في المحروسة ولم أقدم على هذا الرجاء إلا وأنا واثق بغيرة أهل بلادي ومحبة أبناء جنسي فما أنا إلا وطني يخدم إخوانه بما يصل إليه إمكاني وما صحيفتي إلا سيرة تحفظ أخبار آبائنا وتنشر آثار إخواني وتدافع عن اللغة والعادات والوطنية ومن أقام نفسه في مقام الخدمة مدت إليه أيدي المساعدة وكان معاناً على خدمته من كل أصيل في الوطنية عريق في الإنسانية.
الفهرس
إعلان - تنبيهات - أيها الناطق بالضاد - مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي - تذكار - عربي تفرنج - سهر الانطاع - تخريفة - محتاج جاهل في يد محتال طامع - لا تصدقني ولو حلفت لك - غفلة التقليد - تبصرة - شروط المراسلة - شروط الاشتراك
(1/48)

- 16 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لا تعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في الرسالة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) ليس للجريدة وكلاء في أي مكان بل ترسل للمشركين بطريق البريد
(2) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (3) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (4) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (5) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (6) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة المدة التالية لزمن اشتراكه (7) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (8) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نعيمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم (
(1/49)

- 18 -

العدد 2 - بتاريخ: 19 - 6 - 1881
(1/51)

- 19 -

انذار صادر عن لسان الانسانيه
رفعت الينا شكوى من بعض النبلاء يتوجعون بها من انقلاب حال كثير من تبعتنا المنتسبين الينا واستعمالهم قبائح ورذائل ليست من مشربنا فسأنا ذلك وعجبنا من هذا الخروج الغريب ولكون هذا مما يلزم الاحتياط فيه وقطع عروقه قبل سريه في بقية ادراتنا قدمنا تلك الشكوى لرجالنا اعضاء الدائرة العلية فقر الراي العام على ان من يترك حلية الادب ويختلق باخلاق البهائم فيفعل ما يشاء من فسوق وفجور ولعب قمار واسراف في مشروب وترفة لايليق به وانتهاب حق وقتل نفس وهتك عرض وعربدة في مجلس وضرب ضعيف واحتقار فقير وخذلان مظلوم ينفى من اقطار دائرتنا السنية وينسلخ عنه عنواننا الشريف ويكون ملحقا بامة البهائم وقد اصدرن اهذا اعلانا لمن يخشى سلب شرفة وتجريده من وسامنا السامي وكل من عثرت عليه دائرتنا بعد ذلك فاننا نصفه وصفا يكاد يكون اعرف به من اسمه اهانة له وعبرة وصدر هذا بالمحفل الادبي بتاريخ اليوم الثاني من ملاحظة الانسانية مليك الدائرة رئيس التحفض كاتب السر
الامضا الامضا الامضا
الانسانية الشرف التاريخ
وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد بمصر - محمد افندي حبيب بالمنصوره - السيد محمد الصياد بالاسمعيلية - جوني افندي جيلات برشيد

تنبهات
(1) وافتنا رسائل جمة لطلب اقاه وكلاء في الجهات فاجبنا الطلب وعينا من ذكروا وسنعلن عن باقي الوكلاء في العدد الآتي
(2) موضوع الجريدة التهذيب وسياق الجد في معرض الهزل وتحت الفاظها معان يوجهها القارئ لمل يراه فلا يعترض معترض قبل النقد على اننا نقبل الاعتراض ممن يكاتبنا ونشكرلصاحبه
(3) عزمنا على تغيير نقش اسم الجريدة باحسن منه وسنعتني باصلاح ما نراه مستلزم الاصلاح في هذه الجريدة حتى تروق ان شاء الله في اعين قارئيه
(1/52)

- 20 -

اضاعة اللغة تسليم للذات
ايها الناطق بالضاد
بم نستبدل لغتك وما لها من مثيل والى من تتركها وانت لها كفيل وما الذي استحنته في غيرها واستقجت مقابله فيها واي شيء طلبته فيها ولم تجد له اسما. ترى انك في عصر تمدن يقضي عليك باستعمال ارق اللغات لسهولة التركيب وعذوبة اللفظ ورقة المعنى.
ناشدتك الله هل وجدت في اللغات الحديثة العهد ما اشتملت عليه لغتك القديمة. ام رايت حسنا في اللغات التي تنقح كل يوم بقلم المتمدنين لم تره في لغتك الفطرية الخلق المجموعة في زمن العجيه كما يزعم الجاهلون. اترى اذا عبرت عن شيء يلفظ في غير لغتك واردت تنصرف فيه بعبارة اخرى هل تجد له مرادفا واحدا كما تجد في لغتك للفظ جملة مترادفات ام انت الجاهل بقدر لغتك الغافل عن عظم قدرتك في تاريخ العلم قديما وحديثا. اظنك في احتياج لفهم سر اللغة ومعرفة ما بترتب على ضياعها ولا تثريب عليك ي امر لم يبحث فيه الا بعيد الغور في حساب العواقب شديد الحرص على بقاه وحده الهيئة الاجتماعية لبيك ايها الاخ الشقيق وان لم تحمل في بطن واحد. اللغة سر الحياة والحد الفارق بين الانسان والهيم. بها يرجم اللسان خواطر القلب ويحلو بناث الافكار وبها ويعشق المرء وان كان دميم المنظر. ان رقت استعطفت القلوب القاسية وان غلظت اخضعت النفوس العانية وان فحشت حركت الطباع. وان لطفت رفعت الاوضاع وان حسنت الفت القلوب وان سهلت اظهرت الغيوب. وهي التي بها جذبت قلب امك واستعطفت جانب ابيك وتملكت فكر اخيك واستملت صاحبك والفت جارك وتعارفت مع مواطك وقابلت بها نزيلك. فهي انت ان كنت لاتدري من انت. وهي وطنك ان لم تعرف ما الوطن. اما كونها انت فقد قدمت لك من عرفتهم بها وانت اذا فقدتهم صرت وحيدا غريبا في الوجود لا ترى من يقول لك من انت. واما كونها وطنك فانه انما يعمر ويسمى وطنا برجال يتعاونون على احيائه واضهاره في الوجود محلا للسكنى ودارا للاقامة وقد علمت انك بمفردك لا تهتدي لشئ ولا نقوى على أي امر كان ومن فقد المواطن فقد الوطن اسمعك نقول فقدت لغتي اعنضت عنها باخرى اجل انك اعنضت عنها ولكن بما اضاع منك الوطنية والمعتقدات الدينية فانك لا تخاطب بها الا اجنبيا من البلاد مغايرا في الجنسية وانت تعلم ان لمعاني الالفاظ تصورا لا يقوم به
مقابلها في غيرها فانك لو سمعت قولي
ومن غرر الاخلاق ان تهدر الدما ... لتحفظ اعراض نكفلها المجد
وارادت ان نلقيه بلغة اخرى لفقد قوة الحماسة ووقع
(1/53)

- 21 -

الالفاظ وبما عبرت عه وبما يؤدي معنا
ولو سمعت قولي
اجل صفات المرء فضل ومنطق ... وبعدهما كل الصفات غرور
لسردت عبارة يضيق صدر السامع بها ولايصل لهم المقصود وهبك توسعت في غير لغتك وتفتنت فيها اتناجي ربك ي اوقات عبادتك ام تقرأ بها كتابك المعجز يحسن نسقه ام تخاطب بها باء النجل عندما تشتريه ام تستعطف بها قلب امك وقتما تغضب عليك ام تعاشر بها عامة قومك وهم اهل البلاد اراك استجهلتني وقلت ان الرجل لعدم علمه بغير لغته ينكر بلاغة غيرها. مهلا ايها المدل بنفسه فان في قولي (لمعاني الالفاظ تصور لايقوم به مقابلها في غيرها) حكما يقضي به كل ذي لغة على عدم قيام غيرها بما نقوم به فربما كانت حماسة هذا اللفظ في لغتك تخنثا في غيرها وبالعكس وهذا مما ياخذه الذوق من غير بحث في اللغات. واراك تعدني من الجاهلين بضروريات الاختلاط من معرفة لغة النازلين بوطنك - رويدا فقد قدتك الى الحق ورميتني بالاضلال. فاني لم احرم عليك غير لغتك لضرورة نقضيها ونازلة ندفعها ومشكل تحله وانما اردت تذكيرك بان لغتك كان منطوقا بها من غير تعلم محفوظة في غير كتاب وبمخالطة الدخيل فعد بغضها وخيف عليها من الضياع فدونت في بطون الاوراق وبقيت قوتها في اللفظ والكتابة ثم كثر فيها الدخيل حتى انتخب لها كتاب ومنشئون ثم تعدد فيها الدخيل فاستبدلت بلغة اصطلاحية لا قاعدة تمشي عليها ولا كتاب يحفظها ولا ضابط يجمعها ولا حروف تؤلف منها واذا اردت معرفة لغة ابائك افنيت الكثير من السنين في طلبها وهيهات ان ادركتها وقد عظمت المصيبة فقد الكتاب والمشئين ثم تم التغيير بتكلم العامي بعبارة طويلة ثلثها اجنبي عن لغتك الاصلية والاصطلاحية. الا تعلم ان اللغة تقضي على المتكلم باتباع ما تقتضيه عبارتها فتراك تهتز في عبارة اجنية يلزمك الثبات بها في مستقج في عادة بلادك ومعتقد اهلك. ولا شك ان هذا يسير بك في طريق الاستحان حتى تستقج لغتك وعادة بلادك فتبيت وانت وطني حر
وتصبح وانت في يد اجنبي يصرفك كيف يشاء. وناهيك بالاندلس الذي كان روضة الاداب وبستان المعارف العربية وبترك لغته واستعمال الدخيل فقدها فقد محو وجهل المعتقد جهل طفولية فمن يجتمع معك في جدك السابع او الثامن من اهله اصبح يعبر عنك الان بلفظ (ارابو، اي عربي وسأت تلك المبادي وبئس هذا النقلب هون عليك فالامر سهل فاننا لا نحتاج لحفظ لغتنا اكثر من احداث درس في جميع المدارس يلقن فيه الطفل لغته العربية الشريفة بطريقة تهذيبية لا يصعب الاخذ بها ولا تمل النفس من ملازمتها مع اجتماع الامة على تكثير المدارس
(1/54)

- 22 -

بالجمعيات وصرف ثلث وقت الطفل في تعلم اللغة والوطنية وتهذيب الاخلاق وحفظه من معلم اجنبي يغرس في طبيعته الساذجة حب بلاده ويحسن لافكاره الخالية طباع اهل جلدته واذا تمت هذه المبادئ رابت لبلادك نشأة جديدة خلقا بديعاً وعلمت بما تراه من جمع الكلمة وسر وحدة التعليم وانتظام الهيئة الاجتماعية ان اضاعة اللغة تسليم للذات

جرايد الاخبار
مدارس الافكار
والمعهد وذمته. والشرف وحرمته. ان قلمي في خدمته لمن الصادقين ولساني في اخباره من الناصحين ناشدتك الحق ياشقيق الانسانية الا ما تانيت على خادم افكارك حتى يفرغ من حديثه وان شئت انبت او احبيت فانك في الاولى تحمد العاقبة فتندم على اهمال المبادى وفي الثانية تمدحك المبادي وتعشقك النهايات فان اكتفيت بالاشارة تركتني اعاني غير هذا الموضوع وان ابيت الا الشرح تفكها لا جهلا فما دعوت الا سميعا ولا امرت الا مطيعا. كانت نشأة الجرايد في اوروبا كنشأة زراعة القطن عندنا ووجه الشبه ان القطن عندما امرنا بزراعته كنا نزرعه ورجال الحكومة خلفنا بالكرباج ثم كنا نقلعه بعد ذهابهم ونحرث الارض لغيره فما زالت الحكومة تعالج رجالنا معالجة المريض حتى ارتنا الثمرة فالفناه وعشقناه واجتهدنا في خدمته حتى صار معدن ثروتنا كذلك الجرائد التي كانت توزعها كتابها بلا مقابل فتلقى في الطرقات والمحافل ولا تقراه فلما عجزت ارباب الاقلام في تفهم فنون السياسة خذت تذم الاخلاق الفاسدة وتمدح اخلاق المهذبين فتورط المهذب وصار يطالع الجرائد وتحرك الغبي فصار يتصفحها لينظر مايقال في امثاله فصارت قرأتها من الفروض العينية بل من معدات الحياة. فلما رات الكتاب ان جوائدها نفذت في الامم وتعلقت بها الافكار انقسمت قسمين قسم يهذب بضرب الامثال وسبك الوقائع في قوالب مألوفة. وقسم يؤدب بنقل الاخبار وتفسير الافكار فارتفع شأنها وعظم قدرها واشتدت سطوتها حتى صارت لسان الامم ثم ترقت الى درجة كانت فيها الامرة بالصلح المثيرة للحرب القاضية بالحكم فما نسمع الا قولهم من رأي جرائد ايتاليا في مسألة كذا وكذا ومن رأي جرائد فرنسا كذا. وهذا حد لم تبلغه الجرائد بنفسها بل بقرائها الباحثين في فصولها فانها انما تتكلم بلسان امة او طائفة من امة. اراك تعترض وتقول ان جرائدنا ليست في قوة التكلم رويدا فاننا الذين حجرنا عليها افكارها بما ابتلينا به من التهور وعدم التبصر في العواقب فاننا لو علمنا اننا في مهد من التهذيب وحضانة الاداب لوقفنا عند حدودنا وحصرنا افكارنا فيما يزيد ثروتنا ويقوي سطوتنا وتركنا تشويش الاذهان وتكدير الخواطر خلف ظهورنا واشتغلنا
(1/55)

- 23 -

بما يضمن صلاح مستقبلنا واجتهدنا في توسيع دائرة المعارف
واحياء ميت الصناعة حتى نخلص النفوس الطيبة من الجهاله ونفتح البيوت التي قفلها الاهمال والاعجاب لمصنوع الغير وان كان مغشوشا. واذا انتهينا الى السعي في منفعة الوطن وتركنا رجال هيئتنا تشغل بمصالحنا ونتج من هذا الاجتهاد تعميم العموم ونجابة الابناء ظهرت الجرائد فينا ظهور الشمس في كبد السماء واطلقت لها الهيئه حريه لا نصل بفكرنا الان الى حدها فانها تكون امنه اذ ذاك مطمئنه لما تراه من سلامة باطن اهلها وحرصهم على بقاء عمود الوطنيه تدور عليه الايام وهو في قوة وصلابة. اسمعك تقول اذا لا لزوم لجرائد الان. لا تعجين ايها الاخ فنحن في عصر لن تبقى فيه قريه فضلا عن مدينة الا وفيها قارئ فحق على كل من خط بيده وقرأ بلسانه ان يكون بيده جريدة يشاهد فيها العالم باسره وهو على كرسيه او في سرير نومه ولا يفعل فعل بعض الناس من اجتماعهم حلقه على جريده يقرأنها. نعم وان كانت مبادى حسنة الا اني لو كنت في تلك الحلقه واردت ان اراجع امرا مضى وانا في بيتي هل اسأل على من عنده الجريدة واذهب اليه او ابقى في حيرة لا اهتدي الى مقصدي. فمن هذا القبيل اقول حق على قارى ان تكون له جريدة باسمه ليحفظها ويراجع فيها ما يشأ في أي وقت شاء لاتبداء بالطعن في قبل ان نعرف مقصدي لقول اني اريد رواج المحررين لا كون في جملتهم لم ايها الاخ وانت تعلم ان المحررين يخدمون الافكار ابتغاء الانسانية ولقد صروا على جفاك وتباعدك عنهم حتى نضبت ثروتهم هم يستردون منك ما انفقوه عليك. وهذا العاجز يخدم الوطن خدمة زائدة على اشغاله المستغرقة اوقاته حبا فيه وطمعا في تقدم اخوانه ولو وجد من ينفق على صحيفته ويستخدمه بأجر الانتساب الى الوطن لارسلها اليك تقبل يديك شاكرة تفضلك عليك بقبولك الحميد غير سائلة منك ولا اجرة البريد ولكن عدم رضاء الوراق بالعفو ابي عليه الا تقدير قيمة الورق كما تراه في اخرها على انك لو نظرت لقيم بقية الجرائد لوجدتها لا تذكر في جانب بعض مهامك التي لا تعباء بها وما يقصد المحرر الا خدمة الافكار بقلمه لما يعلمه من ان جرائد الاخبار مدارس الافكار

هف طلع النهار
لم احد المهذبين على مشيه مع ولد احد الاغنياء حتى اتلفه فقال ما كنت معه فاني اعلم قدر نفسي وحقيقة امري فلا اسعى فيما يضر بي او ينزل بي الى درجة الاوغاد وانما هو الذي عمد الى ماتركه ابوه من الميراث واخذ بصرف منا في الملاهي واماكن الفساد فقد ابتدأ بشراه عربية تماثل عربيات الامراء الكبار وبنى قصرا بديعا صرف فيه نحو خمسة الاف جنيه واشترى جواري ومماليك يعجز احد الامراء عن الصرف عليهم واتخذ له اخلاء
(1/56)

- 24 -

وندمانا يحسنون اليه لعب القمار والحمام واعداد جالس السماع والطرب والسهر في الحانات وبيوت الفاجرات والتفنن فيما يذهب العقل من الحشيش والمعجون والمربات والمشروبات الروحيه فاعد قاعة بها خزانتان في الاولى عرقي الزيب والمستكا والبمود والكنياك والروم والعنبري والبتر والشبانية والبونج والبيرة والنبيذ وغيرها من الاشربة الروحية وفي الثانية الحشيش البلدي صنع اللاياتي والحوامد والكافور التركي وارد ازمير وسلانيك ومعجون الهندي والترياق ومربي الجوز الهندي وجوزة الطيب والزنجبيل والتين واقراص العنبر والزعفران وحبوب المفرحات والهيئات يصحب هذا عدة جوزات منها المدندشة والمشخلعة والحدقه والنكتة والحاجة الصنعه ومجمعة الاحباب وقد حلى الجميع بالفضة والذهب وانواع الجواهر الثمينة ولا يقوم بادارة عمل الكيف الا الحليوة المدلع والواد المجدع فاذا اخذ الشراب والكيف منهم وجوهرة العقل كان يقوم ويقلع ثيابه ويترامى على حجر خلانه وهم يتناولونه بالا يدي ويرفعونه على الروس وهو متلذذ مسرور فاذا انتهى بهم المجلس الى الموتة الاولى نام هذا على الارض وذاك عد الزير واخر في الفسحة بلا غطاء ولا وطاء ولا يزالون في سكرة تزيدها سطلة الى الزوال فيقمون كالقردة عندما تخرج من غاباتها وجوه مقلوبة ونفوس مقبوضة وعيون عمياء وعقول غائبة وافكار ضائعة واعضاء منحلة وقلوب خائفة ومعد جائعة واكباد ماصبة وجيوب فارغة وقد تعطل الصانع عن عمله والتاجر عن محله والمستخدم عن ديوانه فيظهرون الية الاسف والخوف والتضرر مما اصابهم من سهرته فيلاطفهم ويترضاهم هذا بالف قرش وذا بالفين واخر بريال وغيره بجنيه ثم يطلب الاكل فتدور حركة البيت خادم يجري وطباخ يشتغل وعربجي يمسح النخيل وقمشجي يغسل العربة وسفرجي يحضر الاواني وقهوجي يولع النار وطبلجي يمسح الطبلية وجارية تشوي اللحم الخصوصي وسرية تكوي المحارم
ومملوك يملأ الكؤوس وخادم يكسر الحشيش وتابع يهئ المربات وعواد يصلح العود وكمنجاتي يشد الاوتار وراقص يصلح الصاجات ومغنية تنحنح وماجن يرتب القوافي ووكيل يصرف بلا حساب فأن تاحر احد في عمله قام فكسر الصحون وكب الطبيخ ومزق الفرش وكسر التجف واحرق الكيلار وهدم المطبخ واراق القناني وقطع عدد العربية وضرب الجارية بالخشبة والمملوك بالشيش والخادم بالجزمة والطباخ بالسكين وطلق الست وقلع عين الدادة وكسر رجل اللالة ومزق ثياب المرضة وابكى اخته واحزن امه وطرد اخاه وشتم صهره وشخر ونخر وزمجر وكفر ولعن الدنيا وسب الدهر الذي يعانده في سيره ولا يمكنه من اغراضه والاخلاء تقبل قدمه وتبوس يديه وتلثم خدوده وتترضاه بالفاظ يميل اليها وعارات شب عليها كقولهم شوف كيفك انت لسه شباب ايش من الف صحن مذهب بماية
(1/57)

- 25 -

جنية وعشرين نجفه بربعمائة جنيه وعربيه بمائتين وجارية بخمسين ومملوك بسبعين وفرش بخمس مائة وابسطة بثلثمائة وكاسات بخمسين ومشروبات بثلاثين وحبة حبشتان وشوية جراوش ودمعة دهنة تعيش راسك انبسط ياشيخ وروق شوية كده ثم يلتفتوا الى التوابع ويقولوا بس ياواد سيدك وضربك يعني ليه معلهشي يا ست صغار ولسه بيد لع. قومي يابنت بلا تباتيك فضها يااوسطى متبقاش مجنون سد ياخورشيد بلاش عياط بقى اقعد يامقدم بلا قلة عقل. تفضل ياسيدنا متزعلش نفسك ينعل ابو الدنيا ولو اللي يبكي عليها فيجلس وقد فارقه الغضب وعادت اليه شهوه الطعام والشراب ويقول العبارة ليه احنا مالنا ومال الخدامين والزعل والامور الهزيان احنا في نكتتنا والا في ضرب وشنق خشوا بنا افيه خشوا هأ هأ هاي
ثم مازال على هذه الحال عامين حتى فرغت النقود فاخذ يبيع الاطيان ويرهن البيوت والمجوهرات حتى لم يبق عنده شئ ففارقه الخلان وتركه الخدم وطرده الحرم واصبح يدور يسال الناس لقمة او سجارة وما ذاك الا من عدم تهذيبه وتاديبه فان اباه تركه للمعلم الخوجة يعلمه الخط في السلاملك داخل الخزنة تحت الستاير وهو يقبل يده لتفل التعلم عنده ويجيب دعوته خوفا من شكواه لابيه ولم يجد غير خادم يحمله ومملوك يوافقه على اغراضه حتى خرج كالبهيم لاعقل يرده ولا علم ينفعه ولا صنعة يتكب بها ولا ادب يعيش
به فال امره الى مارايت وبات يصرف بالالف واصبح ولسان الفقر يناديه هف طلع النهار

كم في الزوايا خبايا
حكي ان احد المأمورين فعل خطاه في عمله فارسل له رئيسه الاكبر كتابا يوبخه فيه ويساله الاجابة فطلب احد روساء الكتاب واعطاه الكتاب ووقف يفهمه المقصود نحو نصف ساعة فاخذ الكتاب واجتمع بجملة من امثاله وبعد النبا والتي كتبوا هذه العبارة

معروض فرللريدركه
ورد لنا الامر الكريم وما فيه صار معلوم وكان الواجب علينا خلاف ذلك ولكن الخطا من راي الصواب وفلو ان عبدكم لم كان يقصد الخطا ولكن من حيث ان المقدر كائن فالعفو من شيم الكرام وكان الواجب علينا عرض القضية في بداري الوقت ولكن الراي لمن له افندم
فلما سمع المأمور هذة العبارة قال كيف اخاطب اميري بهذه الالفاظ الخيفة الم يكن في الديوان من يعرف الكتابة الصحيحة فنبهه وكيله على ان بالديوان شابا لاتزيد ماهيته عن ثلثمائة لو طلبه المامور وامره بكتابة الجواب ربما كتب المقصود فاستحضره وقال له خذ هذا الامر واكتب رده استعطافا واعتذار فتناول القلم وكتب وهو يديه
(1/58)

- 26 -

سيدي ومولاي
اني وان جنيت على نفسي وخرجت عن حد الادب فيما يجب على العبد لسيده فاني عبد نعمتك وصنيع احسانك وذنبي وان عظم وضاق باب التوبة عن قبول المعذرة فالعفو عنه بعض حسناتك التي فطرت عليها والاغضاه عني سر من اسرارك التي تميل اليها فاجعل العفو عني قربة الى مولى الموالي واترك العبد عتيق مكارم الاخلاق والا نضع سيف نقمتك في فر عبدك نعمتك وانت حل من دم اراقه اهله وآل امره الى وارث لايسعه الا النزول عن المطالبة به الا هو وهو مقام جلالتكم السامي وحاشاك ان تعدم الصادق قي الخدمة بهفوة لم يقصدها وذنب اقله عنه وعلى كل فالعبد بين يديك وامره منك واليك وقد القى اليك مقاليد الاجل فافعل ما تشاه واتق الله عز وجل
فلما قراه على المامور كاد يطير فرحاً بتجاه هذا الشاب واقتادره على الانشاء البديع وقال كيف يكون هذا بثلثمائة ورئيسه بالف قرش فقال له الوكيل هذا من اولاد الفقراء وليس له محسوبية على احد الامراء ولا يعرف الناق ولا يفعل افعال المحتالين التي نقدمه عند ذوي الغايات ولئن تأخر مثله في زمن ترفت فيه الجهلة بالمحسوبية والمجون والتوسط في القبائح فسوف يتقد في هيئتنا الحاضرة فانها لا تبالي بالمحسوبية ولا تريد اهل الخيانة ولا ترقي الاُ اهل المعارف والاداب حتى لايبقى في لزوايا خبايا (التنكيت) اعظم مصيبة من رئيس كتاب لايعرف الا نشاء وجود مأمور لايحس كتابة جواب من شأنه ان يكون من اسراره الخفيه

جواب عن سوال
ورد الى التنكيت
السوال
باي سبب ماتت صنائع الشرق وافتقر اهلها وباي وسيلة تحيا وتعود ثروة اهلها
الجواب
ماتت الصانع تجاسد اهلها وتباغضهم اللذين اورثاهم الفقر وفقد الامن والثقة بهم. وذلك ان اصحاب الاعمال اذا ارادوا فتح عمل كالبناء مثلاُ احضروا طائفة المعمار ووضعوا لهم ورقة يسمونها قائمة المزاد وامروهم بالتناقص في المقدار المعين لذاك العمل فاذا كان العمل يساوي الف جنيه قال واحد علي بسبعمائة فيتحرك بغيضه ويقول علي بخمسمائة ثم يتحرك بغيض الثاني ويقول علي بثلثمائة وهكذا حتى ينتهي المزاد الى مائتين فيرى صاحب العمل ان الالف لايقوم بعمله فضلاُ عن المائتين ولكنه فرح بهذا التناقص فيطلب من العامل تاميناُ وضامناُ غارماُ ثم يتركه لا يعرف له شيئاُ مقدماُ فيبتدى المسكين يبيع مصاغ زوجته وحليها وامتعه بيه واذا انتهى
(1/59)

- 27 -

العمل وجه اليه صاحبه واحداُ من المعلمين فيبتدي بسب اخيه ولعنه ويقول له هذا. العمل مغاير لما في الشروط فان الحجر احرش والبلاط معصراني والقصر مل كله تراب والهيصم مرمل والجير قليل وقلب البنيان فارغ والبياض قشرة واحد والجبس بارد والسلم قائم والسقف واطي والجدار ناقص وسمك الحائط ناقص عشرة سانتي متراُ وهكذا كله يمنعني من التصديق على نظافة عملك فاذا صافحه برابط المحبة (الجنيه) قال له لا باس من تنازلك عن عشرة في المائة من اصل المطلوب لك فيضطر المسكين لختم الكشف والتصديق على ما بقوله معلمه الاكبر وقد خرج من العمل بخراب بيته وكثرة ديونه واوقعه التباغض والتحاسد في الفقر وفقد الامن والثقة
فان قلت ِلمَ لم تفتقر الاجانب وهي تأخذ الاشغال العظيمة والاعمال الجسيمة. قلت نحن مغرومون بحب الاجنبي والاعجاب بكل ما جاء به من الاعمال حسنت او قبحت واذا اراد احد مقاولة اجنبي وساومه على عمل قيمته مائة جنيه قال له (دي اعملتو إحنا ميتين كمسين جنيه) واذا قدم لاخر من جنسه قال (يا خيبي دي راجل مجنون دي إسوى ثلاثة مية
كمسين جنيه) وقصده بذلك ان ياخذه اخوه وهو يشتغل معه في باطنه ليربحا معاُ وهذه فضيلة جميلة ووسيلة لزيادة ثروتهم واراك تسال عن الطريقة التي بها يتوصل اهل الصناعة لاعدة ثروتهم وتقدم صناعتهم فخذ الجواب من مشفق عليك طامع في انقاذك من مخالب الفاقة وناب الذلة
يعلم كل وطني ان هيئة حكومتنا الان غير ماكانت عليه قبل وغاية امالها تقدم ابناء الوطن وتهذيبهم تشهد بذلك اعمالها الجليلة ومساعيها الخيرية فانها وكلت امراء يرون ان لا دولة الا بالرجال ولا رجال الا بالمال ولا مال الا بتقدم الصناعة والفلاحة. فاذا اجتهدنا في مساعدتهم على افكارهم الحسنة لزمنا ان نسعى في عقد جمعية لكل طائفة تحت رئاسة عقلائها فاذا طراء عليهم عمل من الاعمال كان امره مفوضاٌ لمجلس الروساء من الطائفة يساوم من يشاء وياخذ ما يشاء ثم يوزع فيه من العمال بقدر مايتحمله وعند ما يطرأ غيره يوزع فيه من لم يكن في الاول وهكذا. وهذا العمل يلزمه راس مال يديرونه به فعلى روساء الطائفة ان يفرضوا فريضة على كل صانع بصفة سهام على قدر قوته واقتداره والمجموع يكون في صندوق تدور به الاعمال وعندما توزع الارباح يحجز المجلس من كل صانع جزءا يضيفه لسهامه حتى يصبح ذا ثروة من حيث لايشعر. وحيث ان الغالب من اهل الصناعة لايقراون ولا يهتدون لاسرار الجمعيات فعلى النبهاء من اخواننا ان يتنازلوا لهؤلاء الضعفاء بحثهم على عمل صناديق الاقتصاد وادارة الاعمال بالاتحاد والوفاق ولا باس من تفيهمهم بعض ما يقرؤنه في الجرائد من تقدم صناع اوروبا واجتهاد في زيادة
(1/60)

- 28 -

الثروة ومقدارما وصلوا اليه يحسن التدبير والاتفاق لتنبعث فيهم الغيرة والحمية ويحرصون على تقدم صناعتهم فان الانسان مقلد طبعا لا تطبعاُ واذا تمت هذه المبادئ وعقدت جمعيات الطوائف وفتحت صناديق الاقتصاد اختصتهم الحكومة باشغالها واعمالها لما تراه فيهم من الثقة والنشاط وظهرت الصنائع في عالم الوجود بحالة لايتصوره العقل الان فان الفكر الشرقي والعقل العربي والذهن المصري لاينبه باكثر من الاشاره
والا اذا لم تعقد هذه الجمعيات وتفتح تلك الصناديق وتلم الحكومة شعثهم ونعيد ثروتهم بمساعتها لهم فلا نلبث ان نرى اهل الصناعة (وهو السواد الاعظم) خدما للمتمولين (وليتهم منا) يصرفونهم كيف شأوا ويستعملونهم فيما يريدون ونفقد رجالنا بلاحرب وباء وتعدم
الهيئة الاجتماعية قوتها بتعذر التحصيل من فقير لا يأخذ من سيده الا القوت او غنى اذا طولب لجاه الى الغير. ولا يظن عاقل ان ضياع اهل الصناعة لايضر بهيئتنا وماليتها فانهم قسم واهل الزراعة قسم فمن هذا القبيل نفقد الثروة ومن القبيل الثاني يختل نظام الهيئة الاجتماعية بكثرة التشيع سيما واننا مغرمون بحب الغريب والميل اليه فترى الرجل اذا خدم غريباٌ سمى باسمه ومدح فعاله وذم اهل بلاده وعاداتهم كما نرى ذلك في كثير ممن يخدمون الاغراب. واذا استمر حال الصناعة على ما راه من التأخير في جانب الوطنيين خسرنا رجالنا وفقدنا قوتنا باعدام الثروة واصبحنا معاشنا ارقا صناعتنا وتحولت طباع الامة وفقدت اللغة وضاع المذهب بالاهمال والتقليد ونحن في بحار الغفلة غارقون

تخريفة
خد من عبدَ الله واتكل على الله
سافر لاحد الاغبياء ولد فلما طالت مدة غيبته توجه الى احد الرمالين وقال له (خط لي الرمل وشوف نجمي ازيه) فخط في الرمل وقال له ما شاء الله انت طالعك سعود وايامك سعود شوف النجم يخبر انك بتاكل وتشرب وتقوم وتقعد وتفرح وتزعل وتركب وتمشي وتنام وتتيقظ وتكسب وتخسر وفوقك سماء وتحتك ارض وفي فكرك كلام وطالب حاجة وبدك تبقى غني. فغمز الغبي رفيقه وقال له شفت انا ما قلتلكش يعرف كل شي مين قال له على اللي بعمله دا كله النجم يبن كل حاجة ثم التفت الى الرمال وقال له شوف ابو الزلفي ابني ماله غب كده فقال الرمال دلوقت حصل
سحاب كثير والنجم ميصحش في السحاب فقال الغبي اظن نجم الواد ساقط فقال الرمال الظاهر كده فشنق الغبي نفسه في عمته ونادى آه يابني آه ياعز الرجال يا ابو الزلفي فسمعته امه فخرجت صارخة مولولة قائلة ماذا جرى لابني فقال لها ابوه النجم خبر عنه انو مات فصاحت وصونت واجتمع اليها النساء
(1/61)

- 29 -

من كل فج واحضرن الدف وابتدأن بالندب والعويل حتى قامت الناس على ساق وجلس بوه العزاء ودموعه تسيل على خدوده وبينما هم في شياط وعياط واذا بالولد دخل عليهم حاملا زكيبة الزواده فابتدره والداه واحضتناه وقالت امه لابيه (شفت الزمال بتاعك الكداب ده) فقال لها والله يا وليه الراجل مالو دعوه الراجل قال لي السحاب كثير مسمعتش منه والا بردُه النجم حق وبعد ان جلس مع ابنه برهة شكي اليه ولده اطلاق بطنه فاخذه وتوجه به الى الرمال وقال له شوف لنا حاجه تحوش بطن الولد احسن جه بالسلامه وبطنو ماشيه عليه فقال له الرمال الولد ده كنشي يعجب بنفسه في البلد فقال له الغبي ايه عوار يتلف عينك لهو في البلد كام ابوه الزلفي فقال الرمال إيوا قول لي كده اجرن اخته مسكته فقال الغبي وايه اللي يخلصه قال الرمال مفيش حاجه نبخروه بجلدة فسخيه وهوا بروح صح سلامه ولم يشعرالغبي وهو جلس الا وقد حضر اليه احد الاطباء
وقال له اخوك ارسلني الى الولد فرايت عنده اسهالاٌ خفيفاٌ وحيث انكم لايمكنكم حفظه فانا آخذه الى الاسبتالية واعالجه هناك فقال الغبي اسبتالية دا الداخل فيها مفقود والطالع منها
مولود قال الطيب الاسبتالية معدة لاولاد الامراء والمعتبرين وفيها اطبا مهرة وادوية لطيفة واذا دخلها انسان اعتني به عدة من الاطباء وخدمه جملة من التامورية واذا دخلها ولدك لم يقم فيها اكثر من ثلاثة ايام. فقال انا رايح اشوف النجم يقول ايه واعملوُلهُ والسلام فقل الطيب ما للنجوم وهذه الامراض النجوم لايوخذ منها شئ يدل على الدواء فان هذا امر موقوف على رؤيتة المريض ومشاهدة حركاته وتشخيص دائه ومعرفة الاسباب والدواعي وهذا لايقوم به الا الاطباء فقال الغبي والله ياسيدي انا لااعرف الاطباء ولا غيرهم انا رايح ابخره بجلد الفسيخة وربنا يشفيه فقال الطبيب الروائح الكريهة مضرة به وربما احدثت عده مرضاً اخر فاياك ان تبخره بالفسيخ فقال الغبي والله ياسيدي انا توكلت على الله ورايح ابخره ياطاب ياراح في داهيه ولا يقولوش ابوزَ نطوط دخل الحكيم داره واهو كما قال ففي لبلد خذ من عبد لله واتكل على الله
(التبكيت) انظر الى الغفلة واستحكامها في العقول السخيفة وكيف راى هذا الغبي ان الرمال كذب فيما يفتريه وحضر ولده من سفره ولم يرض ان يكذبه وحمل عدم صدقه على وجود السحاب وتامل قوله انهُ يعرف كل شيء بعد كونه يخبره عن اشياء من ضرورات البهيم فضلاًعن الانسان واعجب من هذا عدم قبوله نصح الطبيب ورضاه بالتخريف قلو كان هذا مهذباً وتأدب في صغره وعلم فساد هذه الخرافات التي افسدت عقول رجالنا حتي صيرتهم لعبة في ايدي المحتالين مترك البوستة والتلغراف وعمل بقول لدجال ولكنه لم يتعلم امور دينه ولا ديناه وركن الى كلمات نقولها جهلة
(1/62)

- 30 -

الارياف مثل قولهم خذ من عبدا لله واتكل على الله

حكمة
بقلم الفاصل السري صديقنا مدرس اللغة العربية والبيان بمدرسة الجمعية الخيرية
الجاهل مظهر العالم
لا اقسم بالفكر وهو اجسه واليراع ونفائسهِ. واللفظ ودقته. والنديم ورقنه. ان الانسان على اختلاف اصنافه. وتباين اوصافه. اما عالمٌ وهو من قدر نفسه حق قدرها فاتخذ العلم وسيلة والعمل مقصداُ وما ذلك على المتدبر بعزيز واما جاهل وهو من فقد الدراية واتبع الغواية فكان في سيره من الضالين
ايها العالم واليك يساق الحديث. قد تسنمت بالادب غارب الادراك وامتطيه بالرشد صهوة التهذيب أيليق بك وانت القوي بافكارك العالية على التصرف فيما تريد ان تترك الجاهل المسكين
يتقلب على جمر الجهالة وانت قادر على ايقاذه ام يلذ لك ان تهجر يائساٌ من قول النصيحة وانت اعلم مني انهُ لو كان عالماُ ما ترك الاهواه نتلاعب به والغفلات تستميله الى حيث تريد وهبه لايسمع منك ما تقول وقد مل من حديثك وانت سميره ألم تعلم ان الانسان جاء على لفطرة الغريزة لا يعلم شيئاُ أي والله ان الحق احق ان يتبع فدع عنك تانيبي فما هو إلا حديث محب يراك ولا تراه وقد وقف امامك واضعاُ يده على صدره المحترق من الاسف رجاء ان تصفح عن زلات الزمان وتجتهد في تهذيب الجاهل ولك مجد الانسانية وفضل الهداية
واذا خشيت منه ماتكره فاِ لن جانبك واستعمل الرفق والزم الحلم وتدرع بالصبر وسالهُ ولا تتحامق عليه بادئ بدء حتى تتحقق ماهو عليه ثم خاطبه بلسان عذب مع استعمال مايقرب له الفهم فانك ان فعلت ذلك رايتهُ سميعاُ لقولك مطيعاٌ لامرك فقد خلق الانسان مقلدا
وانت ايها الجاهل وان لم ارَكَ. كثير عددك في الوجود حتى عدت العلماء بالاصابع فرايت طائفتك السواد الاعظم واهل الثروة فانزلت العلم منزلة التابع لك وانت لاتدري ماالعالم. العاِِِِِِلم نبراس حكم يهتدى به الضال ويستضيئ به الناظر فاجعله دليلك في طريق تناديك مارتها حي على الفلاح. ولا تنظر بعين لايراك بها خادمك وهو يسري بروحك الى دار النعيم. ولا تنكر من فضله ما شهد به الوجود وهو لا يطلب منك اجراٌ الا السعي فيما ننتفع
به. لولا العاِلم ولا حفظت اللغات ولا صينت الممالك فكيف يناجيك ولا تسمع ويهديك ولا تهتدي
هلا اتبعت اوامره واطرحت نواهيه فانتهزت فرصة الادراك واغتنمت لذة المعرفة. وان حرت في امرك فاسأل عن السادة العلماء واكثر من مخالطتهم واسمع مايقولون تصل يهديهم الى
(1/63)

- 31 -

سواء السبيل. وان رمت التهذيب وطهارة الاخلاق فاعطف على نادٍ نتلى فيه صحيفة التنكيت والتبكيت فانها وطنية تخاطبك بلسان قومك ولغة عشيرتك واروِ عنها ما يقرأ عليك لسان الحق فما هي الا خدمة ممن صبرعلى السراء والضراء وتحمل مشاق التحامل والغبظة بل والحسد. وهو ليس من ذوي الثروة حتى يستعين بماله على تشييد واحياء ما تتعلق به افكاره العالية ولا من اولي الجاه حتى يتقوى بشوكته على مواطنيه للتعاون على اعمال البر وافعال الخير وانما هو رجل اجتذبته قوة الغيرة واصالة العروبة وحمية الوطنية فوقف يخطب الناس لسانه ويدعوهم قلمهُ وهم بين مصفق ومعنف ومعجب وحاسدِ وهو لاتفتر له همة ولا تضعف منه عزيمة لما يعلمه بحكمته من ان الجاهل مظهر العالم
(سمير)

لطيفة
بقلم صديقي واخي الحسيب السيد الفاضل
ابرهيم افندي سراج المذني
لوكل الى تأديب نفسي صغيراً وعرفت ان تهذيبها موكول الى كبيراٌ ما رايت شيئا أديها به واهذبها افضل من صحبة العاقل ز فعلى الراغب في كمال نفسه ان يجهدها في الحصول على خل حكيم اكثر مما يجهدها في الحصول على معاشه فان إذا الروح مقدم على غذاء الجسد
وكأني بقائل يقول ان الخل الوفي اعز من بيض الانوق وبعد من العيوق فانه ثالث الثلاثة في قول القائل
ايقنت ان المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخل الوفي
فاقول لهُ انا لم ارد بالحكيم حكيما يخلق كما تشاء من العصمة والوفاء فاني لو اردت ذلك لكلفتك محالاً وصرفتك عن نوع الانسان الذي انت منه. ولكنك تعلم ان نفسك التي بين جنبيك لاترضيك
كل الرضي فطلبك ذلك من صاحب لاتوافق مصالحك بعض مصالحه الا بحكمته هو السعي خلف المستحيلات. ولئن كان ذلك فما كان احوجنا الى علم نبلغ به رتبة اهل جاهليتنا الاولى الذين يقول قديمهم
اذا انتَ لم تشرب مراراٌ على الفل ... ظمئت واي الناس تصفو مشاربه

شكر القبول
طبعنا من العدد الاول فوق الثلاثة الاف ولم ترجع الينا الا خمسة اعداد فنشكرللمتفضلين بالقبول عنايتهم بصحيفة هذا الخادم الضعيف وقد طلب من العدد الاول جملة ممن لم يصلهم وسنجيب الطلب باعادة طبعه عندما يقف الطلب ونعلم المقدار اللازم لاهل الادب ايدهم الله

تقاريظ من محبي الآداب
وردت لنا رسالة ادبية من مصدر الادب
(1/64)

- 32 -

المدره البارع دمتري افندي خلاط فرايناها كنز بيان واصداف بديع نظر هذا الاديب لهذا العاجز محرر الجريدة بعين لست من مرئياتها فاطال في جانب الاطناب وكنت اود ان لو اعفيت من نشر بعض مدائحها تخصاٌ من امضاء مدح النفس لولا باذاعتها وحق لمقسم ان يبرَ ولو ببعض منظومها فانهُ يقول حفظه الله
مذ طاف بالكاس البديع نديم ... شرب العقول رحيقهُ المختوم
فكلامه عنقود انشا حامل ... عنب المعاني والسطور كروم
غرست بروض صحيفة ادبية ... اثمارها التهذيب والتعليم
خطرت بثوب الهزل تخفي جدها ... ليسرنا المنطوق والمفهوم
وتقلدت درراً تنظم عقدها ... فزهابها المنثور والمنظوم
شكراً لمصدر حسنها رب الثنا ... فجميعنا مدح النديم نديم
له الله يجزيه علة سن اعتقاده في اخوانه وان احلهم فوق منزلتهم تلطفاً منه وتادبا
كذلك ارخ الصحيفة فحلاها بحسن بيانه صديقي الفاضل عبد الله افندي فريح وان مال بجانبه الى مدح لايحمله قدري فانه نظر لنفسه فراها عظيمة المقدار فحمل عليها ما انحط عنها وقال
لله باهي جنة تبدو لنا ... بصحيفة تنبيك عن حسن الشيم
فيها الفصاحة اينعت اغصانها ... اذ عمها غيث البلاغة بالديم
وبدائع الانشاء دارت بيننا ... تجلو لنا فيها تواريخ الأمم
انسا بتنكيت في قول الحكم ... يهدي لنا التبكيت في قول الحكم
112 882 135 11 741=29 81 863 13690 99
سنة 1881 سنة 1398
كذلك ارخها سميري المنجد السري المجد بدر نادينا الادبي وفريدة تظامنا العربي من يشهد لهُ بديع لفظه بتوقد ذكائهِ وحفظه فانهُ قال
اديروا الراح في نادي المعاني ... فقلبي في ربا الانشاد صادي
وغنوني بتنكيت بديع ... عليه مظهر التبكيت بادي
وقولوا للنديم ظهرت فينا ... لتهذيب النهى نعم المبادي
فالسنة الاماني ارخته ... لنا التنكيت والتبكيت هادي
81 911 869 20
سنة 1881
استغفر الله حياء من نشر هذه المدائح وارجو الناقد العفو فان اجابة طلب المحبين فرض وهو لابد من ادائه
(1/65)

- 33 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في الرسالة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نعيمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
نديم
(1/66)

العدد 3 - بتاريخ: 26 - 6 - 1881
(1/67)

- 34 -

ايقاظ
الى اثنين من اهل الفساد
علمنا ما انتما عليه وزرع البغضاء في قلوب المحبين ووصل الينا قول المعمم قد غرست الفتنة بينهم فاثمرت التنافر وقول المطربش سابذل جهدي حتى املاء القلوب عداوة فلا يجتمع احد بصاحبه الا على نفاق واذا احكمنا هذا هدمنا سور الخير وحصنا الشر تحصيناً يحفظه من البر والاحسان وحيث ان هذه الاعمال من الخشونة البهيمة ولا يليق بمقام الانسانية ان ينسب اليها مثلكما هذا الايقاظ لتتنبها ونتبصرا فيما فيه صالحكما فان رجعتما عن هذا السعي القبيح فزتما برضى الله ومحبة الاخوان وان ابيتما الا اجابة الجبلة السيئة في كل ما همت به زدتكما وصفاً تعرفان به ليحذر منكما من يغتر بظواهركما من رجال الانسانية والامل في جانب الله وصولكما الى الرشد وما ذلك على الله بعزيز
رئيس الشرطة الحق

وكلا الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيبي بالمنصوره - محمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور
(1/68)

- 35 -

اعتراضات على التنكيت
1 كنا نظن انها صحيفة تنكيت صحيح واذا بها حكايات
الجواب
لو قيل لك في وقفتك وقلت اشمعنه فقال لك عاجز وقليل الحيل لكان كفاية في هذا الباب فالاولى ان يكون التنكيت ادبياً وهو سياق الجد في معرض الهزل ولك ذوق تطبق مانقراه على ما تراه والقصد من الصحيفة التهذيب فتنبه
2 سهرة الانطاع وعربي تفرنج تضرر منهما كثير من الناس
الجواب
عدم حصر رسائل الثناء على الصحيفة يكذب ما نقول ولا يتضرر من سهرة الانطاع الا من ألف المعاجين وهذا لاعلاج له فقد فسد فخة ثم هو القليل في عصر تحلت شبانه بالآداب وعربي تفرنج لايتضرر منها الا من اشتدت عنده كراهة بلاده وبغض لغته وقج مذهبه فهو يعادي من يذم تفرنجه. اما المهذبون من مواطنينا الذين سافروا الى اوروبا واكتسبوا فيها العلوم وجاءوا لنفع اوطانهم فهم العدد الكثير يدلنا على هذا الاطباء والمهندسون والكيماويون والقضاة والمترجمون الذين يصرفون معارفهم في خدمة بلادهم مع التمسك باللغة والمذهب والعادة وهم في مقام المدح من السابقين

تسمية البهيم بالمتوحش
ظلم من الانسان
ايها الكامن في جلد الانسانية
طالما قرأنا وسمعنا عبارات ملئت بها الكتب وضاقت بها اعمدة الجرائد تذم التوحش وترمي مرتكبه بفساد الاخلاق وفد الادراك غير اننا لم نقف على هذا التوحش ماهو ولا على الفرق بين التوحش الانساني والبهيمي ولا على من ارتكب التوحش اولا من القسمين. فقد جرت جياد البلاغة في ذمه وتقبيحه. وانطلقت الالسن تتبعها في ذم هذا المظلوم غير ناظره الى حامل فكيها ولا معترضة على مايجنيه ربها من ثمار اغراضه. ولابد للغافل من منبه وللضال من مرشد فالاذان مفتحة ولكن من ينطق وألاعين الناظره ولكن ماترى والافكار مهياءة ولكن الى ما. والالسن ناطقة ولكن بما. وهذا مما يطلب من اليراع شرح الحال ومن الاستاذة تلقين الانسان فقد شكا القلم شد الظماء وتالمت الدواة من طول مدة الحمل وكان المداد يصج ماء اسنا وامست الاوراق حشايا ومتكاءت. فرحمة هؤلاء الضعفاء من محاسن الاخلاق. وان ضقنا صدراً بما يسطره القلم وخشينا طول لسانه سمعنا منه مقالته الاولى وتاملناها فان ابلغ في
(1/69)

- 36 -

الحجة رفعناه الى منبر الانامل ليخطب السطور بما تنشرح به صدور الطروس وان هذراق خلط سلطنا عليه سكين الغيظ تريه وتجعله شظايا وبقرنا بطن الدواة في حجر الاوراق ليكون المداد ثوب حداد على ضياع الاداب وفقد الالباب: فانه يقول
كتبت فيما مضى ان الحيوان اذا نفر من الحضر وتبدى جهل الانس ومال الى الغلظه والقسوة وصار وحشاً مفترساً يخاطر بنفسه في القفار والكهوف والمغارات ويحملها على تحمل مشاق الجوع والظماء والحر والبرد والوحده الوحشه لايبالي في ذلك مات حينه او غده وهذا الحد الذي وصله يحرمه من وصف التمدن ويطلق عليه اسم التوحش. فأنه انف من الاقامه في المدن ورضى في شوامخ الجبال بدل القصور العاليه وبمسارب الشعوب بدل الشوراع المنظمه وبالفيافي الشاسعه بدل الرياض الزاهرة وبالكهوف الغائرة بدل الحصون المشيدة. وبالوحدة الموحشة بدل الاجتماع الادبي. وبالكساء الطبيعي بدل الثياب المصنوعة. وبالادراك الفطري بدل المعارف المؤلفة. وبالغذاء المباح بدل الاطعمة
المحجور عليها الا ان هذا المسكين لم يجن ذنباً يعاقب عليه ولم يقترف سيئة تقضي بالانتقام منه. ولا فعل مع الانسان ما يبيح سجنه او تعذيبه ومع ذلك فانه محل الذم مع براته منه العجو مع طهارة عرضه يقتل في أي مكان وجد وان لم يكن مجرماً ويوسر عند التمكن منه وان لم يحارب ويذبح بلا جناية ولا حكم وبطر من اوطانه ظلماوهو المختظ لها التعب في بنائها يظنه الانسان قوياً وهو يطرد بعصا الاغنام ويراه شديداً وهو اضعف من الاوهام ولست ادري بماذا حكم عن هذا الضعيف التوحش بعد تسلط الانسان عليه ومن وسمه بالقوة بعد صيدوه بتوفيق السهام اليه. ومن عرفه بالمختال بعد بعده عن العمران لو انصفتة الحال وساعدته الايام لسمي زاهداً في الوجود او خائفاً من الذل والعبودية او كارهاً للتعصب او راضياً ليكفاف او محبا ًليراحة الفكر او موتنسا بنفسه او قانعا بنصيبه او حذرا من شر الاجتماع وسطوة عظماء العصبية او ما شاكل ذالك مما تقتضيه العزلة والبعد عن المنغصات. ولكنه تعصب عليه الانسان فرماه بكل ما قدر عليه من القبائح على انه ماشن غارةً على مدينة ولا نازع ملكاً في ملكه ولا عارض اميراً في حكمه ولا احدث ثورةً في امة بالهو النائم في كنه السارح في ساحته الراضي بمطعوم ارضه ونور سمائه. وما تعلم الاغتيال والهجوم الا من الانسان فانه يدخل عليه في ارضه بغير اذنه ويناوشه في حجره بلا حق ويخرجه من دياره من غير بيع ولا اسئجار وان راه ماشياً في سبيله غير متعرض لاساءه احد الى ان يتركه ممتعاً بحياته الطيبة وقتله غيلةً او اسره بغتة فمن هذا التعدي تعلم المدافعة. ويطمع الانسان عرف
(1/70)

- 37 -

الافتراس مع حقده عليه اخذ حذره واصبح ذا اخلاق حرة وليفة طبعه ولايصاب باذى مادام امنا في حجره ولا يجد في القتال متى غولب عليه
ومن الجأه الانسان الى ذالك لايعد متوحشاً بمعنى متعدٍ ولابمعنى بغير مؤنس فكم معه من نفوس يميل اليها ويعطف عليها وكم حوله من عائلات يراها وتراه وجنود يحمل بها ويدافع فان جنى على انسان فمنه عرف الجناية وان خان حادا فعنه اخذ الخيانة ولو رأينا مولوده يخرج على فطرة ابويه قبل ان يتعلم علمنا ان افعال الانسان من عهد وجوده اثلات في ابويه وجرى هذا في دمائهما وما ولدهما الا خلاصة هذه الدماء الممتزجة بافعال الانسان. فما يفعله الحيوان من الاغتيال بمجرد وقوع نظره على الانسان فهو عاقبة تعدي الانسان الاول على من عاصره واساءته التي توارثها هذا المسكين توارث بعض الامراض حتى
صارت من سجاياه
على انه صاحب الارض وواضع اليد ومختط الديار قبل ان يوجد الانسان وقد تطفل عليه الانسان وتملق اليه حتى سكن دياره وزاحمه فيها وبعد ذلك كافأه بالتضييق عليه وابعاده من المعمور ولو تمكن من فيافيه لاغتصبها واعدم هذا النوع الشريف
وانظر الى بعض الحيوان الذي احتال على الانسان وخضع اليه حتى شاركه في المسكن والمطعم والمشرب وعند امن الانسان منه اخذ يعلمه العداوة ويغريه على ابناء جنسه حتى اخرجه من طوره وصيره مع امثاله في تضاد وتغابر وكان لا يعرف عداوة الجنسية قبل اختلاط بالانسان لمتمدن (هذا معنى يذاق بالمعارف لا بالمغارف) وهذا المسكين في شقاء وان سكن البيوت وسجن وان نام على فرش لينة وعذاب وان جرى خلف الانسان بلا قيد ولارباط الا ان هذا الذي فسدت اخلاقه بمعاشرة الانسان وتغيرت طباعه بالمدينة صار منحوس الطالع لا يمكنه العود الى وطنه للوحشة التي اعترته في الامصار ويستحيل عليه ان يلتحق بالانسان وان تكلم بلسانه وعمل اعماله لمخالفة الخلق وتباين الطبع فكانه صار فيه الوجود قسماً ثالثاً بين الانسان والبهيم وما صيره كذلك والجاءه الى النفور من جنسه والزم الجنس الثاني سكنى الوديان والكهوف الا الانسان
فهل المتوحش فيما من خاف على نفسه من رفيقه فسكن البراري وحصن غابه وبات حذراً من عدوه ام من دار في الوجود لا تسعه ارض ولا يعجبه خلق ولا يريح جنساً ولا يقنع بملك ولو كانت الكرة في قبضته. الحكم في هذا لذوي العقول السليمة ولعلهم لا يعتصبون الى الجنسية ويحكمون بالمسمى (بالعدل) وان لم يترتب على الحكم اثر الان فان الانسان لا يرجع عن البهيم بعد ان تمكن منه والبهيم لا يميل الى الانسان بعد ان تمكنت العداوة وعلم غايته عنده والانسان
وان علم بعض حاله في جانب
(1/71)

- 38 -

البهيم الا اننا نذكر نبذة مما اختص به لنعرف هل هو خالص الانسانية او مركب منها ومن البهيمة فيكون الوجود مسكوناً بحيوان واحد الانسان رب المعارف واهل التكريم وجد على احسن صورة وخلق في احسن تقويم له الادراك والتمييز والتخيل والنطق والاعمال البديعة والافعال العجيبة اجتهد حتى استخدم الوجود السفلي في مهامه وقد وقف في الوجود لا يرى لهُ مناظراً غير انه وقف عند افكاره وجعل
نفسه حكماً بلا محكم فهو يقضي على هذا الحيوان بالتوحش وذا بالخيانة وذاك بالجبن وغيره بالنقص
وكأن عينيه مانظرتا الا ماباين مقرهما وعميتا عن هيولاه وما يصدر عنه. واذنيه ماسمعتا من لفظه قبيحاً ولا من غيره الا مدحه وان كان مذموماً وشكره وان كان مسيئاً فقد نظرنا في سيرته مع البهيم فوجدناها ظلماً وتعدياً ونحن ننظر لسيرته مع ابناء جنسه لنقف على نتائج افكاره وغايات اعماله بحيث لا تخص بالنظر بعضا من النوع وانما نجعل الشرح مطلقاً لينظر اليه مهذب الاخلاق (فانه المقدم اليه هذه الافكار) ليبثها في ابناء جنسه ويكون عوناً للمهذبين في اتعابهم التي يتحملونها ليصلحوا من اخلاق النوع ماافسدته الجهالة ويحيوا من غيرتهم الادبية مااماته الاغراض والاهواء ولا يعجل ذو عرض بالتهور والجدال فان هذا من التوحش الذي نحن بصدده فان ابى الا مصادرة القلم كان الداء عضالاً والمبتلي به على شفى جرف العدم. وفي اليقين ان شيوخ العصر استمالتهم المعارف بعد النفرة وشبانه رضعوا لبانها اطفالاً ولبسوا ثياب الكمالات فتياناً. فلم يعق الا غبي يرى السهام موجهة اليه فيغضب او غُل ينظر مالا يناسب اخلاقه الفاسدة فيفحش او جبار يعلم ان ارض جبروته خسفت فيزمجر. وهولاه مايدعوهم لذلك الا عدم تهذيب اخلاقهم وجهلهم بالحقوق الانسانية والواجبات المدنية. وهم على علاتهم موضع الكلام ومحل التحكم. على ان القلم سيقتصر على مشاهد او مقرؤ او محفوظ ومن كانت حجته العيان الجم معارضه
أي انسان مااحسن اصله واجمل شكلك واعز نفسك واغزر علمك واوفر عقلك
فيما ايها الحسن الاصل ما اقبحك عند الفخر الخارج عن جدك والمباهات بما لا تحسن نضمهُ او عمله والكبر المبني على تخيلك الفاسد انك الفريد في الوجود. وايها الجميل الشكل ماافظعك عند المقاتلة واصعبك عند التهور واشدك قسوة عندما تحمل على اخيك وتسلبه حقوقه اوتقتله لغرض من اغراضك وايها العزيز النفس ماابعدك عن الحق عندما ترفع نفسك على اخيك وتنظر اليه نظر المحتقر وتضع من قدره ماعرفه لهُ تساويه معك واوجبه اتفاقكما الخلقي. وايها العزيز العلم مااجهلك عندما ترى غيرك دونك في القدر وتغضب اذا اخل بتعظيمك وتسبه عندما يترك تقبيل يدك او لثم اطراف ثوبك
(1/72)

- 39 -

وما اصغر قدرك عندما تنظر الغير بعين الجهالة وانت قادر على تعليمه وترميه بفساد الاخلاق وانت
قادر على تهذيبه. وما مقامك في الوجود الا اصلاح مافسد من الجاهل الذي كنت مثله قبل علمك بل الذي عرفت به. فما ابغضك عندما تحجر علمك على النقد وتمنعه من المستحق استبداداً منك على اخيك الا ترى انك بهذه انطباع فاسد الاخلاق تحتاج مايحتاجه الجاهل من التهذيب بل انت عين الجاهل بل الفارغ من روح المدينة. وياايها الوافر العقل مااجنك عندما تقابل المسئ باساءته وتخاطب ضعيف العقل بما لا يحتمله فكره ظناً منك انه في قوتك وتمكنك مدرك لما تقول قوي على الخصام والجدال بعد علمك بنزوله عنك وانحطاطه عن درجنك. هلاُ عاملته بما يناسب شكره وتحتمله قواه فغنمت افادته واكتسبت راحتك. ويا ايها الموصوف بالكمال ماانقصك عندما تمشي في الاسواق مختالاً متكبراً كانك مار بين البهائم والحشرات ولو نظرت عن اليمين والشمال لرأيت ما يخجلك من امثالك المتملين بحلية الكمال السارين في سكينة ووقار وخشوع ويا ايها الفرح بما ملكت يداه مااحزنك لو تاملت المضطر يتضور جوعاً والبائس ينتفض برداً والغريب لا مأوى له يستكن فيه واليتيم لا قيم له يرشده ويعلمه المريض المعدم لا مال له يطبب به نفسه متاع يبيعه لينفقه في حفظ حياته افٍ لك ولما لك قل او اكثر فانك تحجر على الانسان قوته ومسكنه ملبسه بما تصنعة من اكتناز المال وما ظهرت الا لتخريب البلاد من حصر النقد عندك وعدم تمكن الافراد مما يبتاعون به مايلزم لعمار الديار فتعساً لك ماحييت وسحفاً لك بعد موتك لا مرحباً بك اذا قدمت وسلامة تصحبك اذا ذهبت. وياايها المتصف بهذه الصفات الذميمة ألا يدلك البرهان على فساد اخلاقك واحتياجك الى مؤدب يوقفك عند حدودك ويعلمك ماتطهر به دنس الطباع وتنظف به قاذورات الجهالة ويعرفك قدر اخوانك ابناء جنسك ألستَ ترى نفسك من المتوحشين المغتالين قطاع طريق التقدم معدمي الحياة الادبية الساعين في خراب الاكوان. وياايها المدعي الوطنية وهو يسعى في اضحلال بلاده ويميل بجانبه الى كل بعيد عنها مااضرك على بلدك واشدك على جيرانك واخوانك وما اغفاك عن حقوق مظهر وجودك وسماء سعودك ومسح روحك ومقر شجك لو علمت الوطنية ودرستها على خبير بها لعلمت ان البلاد محتاجة الى فكرك وقوتك والاهل مفتقرون الى مالك والارض مضطرة الى خدمتك والعمار موقوف على اتحادك وبعدك عن النقائص وما يكدر الصفو الراحة العمومية او يجلب شراً على الامة بتهورك وعدم تبصرك في العواقب. تموت في غرضك
وانت تحيي الكثير من غير اهلك وتلتذ بشهواتك وانت تنغص حياة الالوف ذهبت باميالك في طريق امالك فبؤث
(1/73)

- 40 -

بغضب الامة وسخط البلاد. ويا ايها المنتقم من مثيله كفرت نعمة النوعية وجحدت فضل الجنسية فاصبحت وحشاً طبيعياً لا متوحشاً تطبعاً ويا ايها المدعي حرارة الدم هلا صرفتها في استخلاص نوعك من الخشونة وبذلتها في تهذيبه وتأديبه ليكون عوناً لك اذا عرف قدر نفسه ولكنك من النوع الذي وجد من مادة امشاج فقضت عليه الاخلاط بالحيرة والانفعال التجاذبي فقضت بتضارب الاضداد فوقف يفعل الاساءة وهو مرتاح اليها ثم يندم في الحال ويقدم على الامر لايرده راد ثم يرجع بادنى اشارة ولو ثبت على قدم واحة لملا الوجود عجائب ولم يترك من الكرة مقدار ذراع الا عمره ولكنه سلم نفسه الشريفة الى اغراضه فانزلت درجته من معالي الانسانيه حضيض البهيمة
فمن تنطبق عليه هذ الصفات ويحكم بعدها بتوحش البهيم وتمدنه وهو الذي اضله وضلمه واضاع حقوق نفسه وتوسط في ضياع ثمرة حياته الا يعلم كل ذي لب بعد ذلك ان تسميه البهيم بالمتوحش ظلم من الانسان

مجلس انس
جمعنا مع بعض النبلاء مجلس انس ومجمع مسامرة فتفاوضنا في الاخلاق صحيحها وفاسدها وتجاذبنا طرفي الوصفين وارسلنا في كل غرض سهمين. فارتفعت المحاوره الى مقام الجدال. وبلغ الكلام المصارعة والنزال. وخفت على كاس الانس ان يتكدر. وجو السرور ان يتغير فقطعنا لسان الجدال عن سيره. وخضنا في حديث غيره. وما زلنا نتصرف في الكلام. ونقوم من الى مقام. حتى افضت المذاكرة الى تقاعد الاغنياء. وتهور الاغنياء. وموت صناعة البلاد. وكثرة البغي والفساد. فظهرت في بعضنا الحده. ومالاءه من النادي عده. ووصفوا تلك الشرذمة بصفات العصمة ودفعوا عنها كل عيب ووصمة. وقالوا ما حل وثيق العروه. الافقد المال والثروة. فلو كان بيدهم تجارة وبضاعة لملاوا الشرق بحسنات الصناعة وما الزمهم السكوت. الا احتياجهم الى القوت فهم يدفعون الكسل بلسان المثل العين بصيره. واليد قصيره
فقمت قيام اسد ترك عربه. وتتبع اثر فريسه وقلت
سلوني عن الامر الجليل فاتني ... عليم باخلاق الرجال خبير
لااذكر الكم اهل القفار والاكام. ولارجال الهند والشام فربنا انكرتم ما هنالك وقلتم ليس الامر كذلك وانما اقتصر على مشاهد تبصرونه وحاضر تعرفونه لأقيم الدليل مني وعليه واقوي حجة من انضم منكم الي اذا فرضنا ان بمصر واسكندريه وطندنا الفي انسان من المغرمين بالشراب والفي رجل من المغتزلين بها نكاث الحجاب وثلاثة الاف ممن يفضلون الحشيش على الحان وخمسة الاف من اصحاب الشغف بالعلمان واردنا ان ننظر
(1/74)

- 41 -

لما يجمع من مصرف هؤلاء في هذه السبل المضلة نقال ولا اخبار بالحقيقه لراينا مجموع ما يصرفونه في الملاهي وفساد اخلاقهم وذهاب ثروتهم واتلاف عقولهم هذ البقدار الذي تراه بوجه التقريب لاالتحديد
الفا سكري في ثلاث انصاف بيره كل ليلة باعتبار النصف بقرش مبري بمجموع ما يصرف في العام 206 والفا رجل من عاشقين الغيد ينفق كل مهنم من ماله في كل شهر ثمانين قرشا ومجموع ما يصرفونه في اثنى عشر شهراً 1920000 وثلاثة الاف من الحشاشين يصرف كل منهم قرشين كل ليلة فمجموع ما يصرف سنويا 2160000 وخمسة الاف المتغلمنين يصرف كل منهم خمسين قرشاً في كل شهر فمجموع ما يصرف في العام
3000000 ومجموع ما يصرف من الاقسام الاربعة 9240000 عبارة عن 9240 جنيه ثم نفرض ان بقية اهل البلاد تصرف نصف هذا المقدار وبعض الاعيان والمتسترين يصرفون مقدار النصف ايضاً فيكون المجموع 18480000 عبارة عن عدد 18480 جنيه مصري وهذا خلاف مايصرف في المجالس الخصوصية والهدايا والمعاجين والقمار والنمرة وخلاف من يشرب عشر كبايات او عشرين تعميرة او يقيم في بيت الفحش شهراً او يتخذ له مجلس ولدان كل ليلة فان هذا يفضي بنا الى حد نحكم فيه على انفسنا بالجنون واليأس من انصافنا بصفة الانسانية فاذا فرضنا اننا في احتياج الى معامل) فابريقات) تحمي بها الصناعة واهلها وضربنا العظيم منها في الصغير في خمس وعشرين الف جنيه في سنه واحده سبعة معامل الصناعة واذا استخدمنا في كل معمل مائة من تلامذة مدارسنا في الكتابة والترجمه والتنكيل لوزعنا فيها 70 من اهل المعارف واذا استعملنا خمسمائة من العملة في كل معمل كان مجموع 350 وبضمنه اهل المعارف اليهم يكون المجموع 30 ثم نصرف النظرعن ارباح هذه المعامل وعما يزيد من اهل الخير ونقول اذا ادمنا على ذلك عشر سنين يكون مجموع المعامل سبعين معملا ومجموع ان يستخدم فيها من اهل المعارف سبعة الاف ومن العملة خمسة وثلاثين الفاً ومجموع ذلك اثنان واربعون الف رجل ولا شك ان اثنين واربعين الف رجل تشغل خمسة ملايين من الناس في اعداد مايلزم لصناعتهم من المزرواعات وغيرها وتصريف مايصنعونه بالبيع والشراء والتسفير والشيل والجر والتوسط وغير ذلك مما تقضيه تلك الاعمال. وهذه ثروة لم تلغيها مملكة من الممالك في مدة عشر سنين ثم هذة الثروة تكونت من اثنى عشر الف ضال في وسط خمس ملايين من الناس مع صرف النظر عن ارباح المعامل من اول سنة الى العاشرة
فقام احد النبهاء وقطع على الخطابة وقال ان قلنا هذا المبلغ يصرف الان من اهله فلم لم يفتح هذه المعامل من ياخذها
(1/75)

- 42 -

فقلت لهُ سيدي لو كلفت نفسك بالسعي الى كمرك اسكندريه ووقفت من دفاتره على مقدار مايدخل من المسكرات لعلمت ان في اوروبا الف معمل تشتغل على لمت الشرق ولم يفتحها الا حساب
القرش والقرشين الذي قدمته اليك او تفضل معي نزر البير والخمارات والقهاوي
والحشيش وبيوت المومسات لتعلم ان العدد الذي قدرته لك لايبلغ عشر ماتراه وان مصرفهم في كل ليلة يزيد عن حسابي عشرة اضعاف
فاهتز احد المهذبين وضرب الكف بالكف وارسل الدموع حزناً على فقد الرشد وضياع الالباب وقال باية وسيلة نصل الثروة التي ذكرتها ومن يحفظ لنا نظام ماليتنا اذا تركنا اللهو وتبعنا نصحنك وطريقة اقتصادك فقلت له الامر سهل ياولدي فما هو باكثر من اجتماع الاعيان في كل مدينة وعقد جمعية صناعية يكون صندوقها في ضمانتهم وينشر ذلك في الجرائد والطرقات وتنبعث في النبهاء في المجامع والقهاوي والبير واماكن الملاهي ترشد الاميين وتنصح القراء وتحثهم على معرفة صناديق الاقتصاد وابداعها المبلغ الجزئي الذي لايعز عليهم صرفه في اتلاف عقلهم واخذ ورقة سهام به فاذا تم في المبادي واردنا اخذ في العمل جمعنا من علماء الهندسة والصناعة الذين تربوا في المدارس من نثق بافكارهم ونتعقد امانتها وكلفناهم النظر في المحل الازم الى المعمل والصنف الذي نصنعه اولاً وارسلنا بعضهم الى اوروبا بالاستحضار الالات اللازمة والادوات وهذا يسهل جدا اذا سمع الضعفاء ان الاغنياء فتحوا محلاً يدخرون فيه الى الفقير مالاً يسد فيه دخله ويدفع به نوازي زمانه
فكيف مع هذا تتدعون الفقر وتلتمسون الاعذار الباردة وتدفعون عبب التقاعد والاهمال عم من قدم هذا العمل العظيم تالله اننا لفي نعمة ولكن لانعرف قدرة وفي ثروة ولكن لانحسن ادارتها وفي عزة ولكن لانحافظ عليها. ثم لانجد لنا حديثاً الا الطعن في عمالنا وتقبيح اهل المعارف فماذا تصنع لعمال اذا لم يتنبة الراي العام لجتماع كلمتهِ واحياء بلاده وماذا تفعل اهل المعارف اذا صرف الفقراء والمتوسطون نقودهم في الملاهي وفرح الاغنياء برص الجنيه في صناديق فضلاً عما تراه من السب وما تره من الايذاء وما تعامل به من الاهانة والاساءه ولو نظرنا الى الممالك المتقدمه في الثروة وبحثنا في مادة ثروتهم لوجدناها وحدة الاقتصاد وهيئة الاجتماع فان كل مملكة كائنة ما كانت تعجز عن تقدم جميع اممها لما هي مبتلاة به من الدفاع الخارجي والنظام الداخلي وما قوى سطوة الممالك العظيمة وايد كلمتها الا اممها المجدة في تعظيم الثروة فتعساً لقومٍ لايقلدون الا فيما يذهب بالمجد ويميت روح البلاد. وسحقاً لامة ترى باب النجاح مفتوحاً ولا تلجه وتباً لفئةٍ تمكنت من معدات الثروة
واهملتها اقول قولي هذا وفي الصدر زفرات وفي القلب حسرات واركم وجدتم في هذا
(1/76)

- 43 -

الخطاب حلاوة ولكنها شقت مرائر فصفق المجلس استحساناً وكاد المعترض يرقص طرباً وموافقي يطير فرحاً واخذ الكل يضرب الحسبة ويعيدها ويخبط فيما يصنع بالمحتصل من
مصروف الملهي فبعضهم يقول نلتزم ورشة بولاق وبعضهم يقول نعيد ورشة قليوب وآخر ويقول نصلح ورشة شربين وبعض يقول ندير ورشة فوه وكثر القيل والقال فقلت لهم مهلاً حتى انشر هذا الحديث على اهلينا ومواطنينا لعلنا نجد في الضرع رضعة وفي البئر رشفة ونسمع بفتح هذه الصناديق او نعلم ان الطباع سكنت والحمية خمدت والنفوس بطرت والغيرة عدمت ولانسمع الا قولهم ما هذه الحسبة كما نظن ان نديما من المتمدنين فاذا به من المخرفين

حوادث خارجية
اهم ما في جرائد البهدلة (1) ان حزب الضلال تقوى على حزب الكمال فأخذ يبعث بعوث البراميل الى طنطا (2) ويوجه طلائع الغانيات الى الدرب القمر وجيش الحشاشين الى تل الحدادين وفرقة اللصوص الى الشوراع المزدحمة والسوامر وقد عينت الفصيلة الاولى من المغنيين الى الخيام والثانية ذات الالآت الغربية الى البيوت والثالثة الى الماشش والرابعة الى السوامر والاكباب وحصنت قهوة الصباغ بالأدبية وقهوة اسبيروا الحراميه وقطرة المحطة بالشرطية وسوق بالنصابين والخشابه بالنشالين وارسلت العيون والارصاد من المخرفين في سائر انحاء البلد حتى صار محاطاً باستحكامات القبائح فلا يتصور وصول العقل اليه وقد سلمت قيادة هذه الحرب الهائلة الى الشيطان الرحيم ومن مقدمات الاخبار يعلم انهم سينتصرون على التقوى ويهزمون الكمال شر هزيمة وبمثابرة الانسانية مع الدين في شان حمايته اهلها اجابها بقوله هذه دماء طهر الله منها سيوفنا
(1) البهدلة اسم مملكة الجنون وهي على شاطئ بحر الجنيهات تحد بالخمور من جهة الغر وبالعاهرات من جهة لشرق وبالمضلين من جهة الجنوب وبالمخرفين من جهة الشمال واول من اخلطها ملك الضلالة الجهل وبها مقدار تسعة وتسعين من مائة من لعالم ومواسم البهتان فيها دائمة الرواج وحظ السجون فيها لانظير لهُ في الوجود وصناعة اهلها افساد ما احكم العقل وتحسين ما قسمه الادب ولهم في هذة الصناعة تفنن عظيم واقتدار على المخترعات. وحزب الضلال فيها اهل الفسوق الغلاة في لحرية البهيمة وحزب الكمال رجال الصلاح والاداب وكان هذا الحزب صاحب الشوكه ولصولة في عهد المغفور لهُ العلم الشريف مؤسس هذا الحزب وبعد وفاته ضعفت قوته وقل عديده فاصبح حزب الضلال صاحب الامر والنهي
(2) طنطا اسم بلد من اعمال الغربية
(1/77)

- 44 -

بها مقام الحسيب سيدي ومولاي السيد البدوي وهو مزار جليل يتبرك به غيرار حزب الضلال قلب موضوع الزيارة وهتك حرمه الاولياء واتخذ البقعة الشريفة ساحة بهتان وميدان ضلال حتى صار النقي المخلص يقرا. الفواتح من خشية رؤية المنكرات ويزور المقام ليلا عند ما يكون خالياً من المخرفين ولا شيء يؤثر في النفوس الطيبة اعظم من جعل بقاع التقوى والتبرك ملعناً للجهلا ومسرحاً للفجار فلو قدرنا صاحب المقام حق قدره
لدخل البلد خاشعين غاضبين الطرف تأدباً في هذه الخضرة الجليلة وعسى ان ترزق بذوي غيره على السادات يطهرون موالد الاشرف من القبائح والفجور وينزلون الاولياء منازلهم من حيث الكمالات والاعتبار

حوادث داخلية
اشتد الحر امس فذهب الناس افواجاً الى بوزتي نخلب وعشامه (1) حتي ازدحمتا ازدحاماً غربياً وكانت المواحير فيها تزيد عن عدد العمائم والقدور فوق عدد الطرابيش وقد انقسمت كل بوزة عدة ممالك ولكل ممكلة سلطان يدير امر الدوالق ويدفع حبش الذياب عن المواجير وراج فيها صنف الترمس وعقد عليهما خان الحشيش سحبا تمطرهم غلات فلما جن عليهم الليل امشوا في الطرقات يباهون الخارجين من يره تريسه ويفاخرون المزحمين على فنك ثم تلاعب بهم النسيم فذهب البعض الى البيت محولاً والبعض الى الضبطية في عربية السكارى وماطلع النهار الا واصحاب السير والوز تلعب بالجبهات وجلس المخالفات يحصل الغرمات. وبلغنا ان ستكون ليالي هذا الاسبوع ابهج من الماضية وعندما تصلنا خبارها ننشرها على قراءة صحيفتنا ليضحكوا على الذقون
(1) نحل وعشامه جاريتان من السودان طلع نجم سعودهما في رؤس جهلتنا فاستصأنا بنور الجنيه حتى وصلنا جنة الثروة في كوم يكبر فيها في فردوس الاستغفال تتمتعان بما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

روى عن امه التخريف طفلاً
احد غواة الحمير بطريق من الناس ومن معه حمار بط لجامه في ذعته وسحبه من مقوده (حبل الرشمه) وسار معجباً بسيره خلفه رافعاً راسه ناصباً اذيه فجاء اثنان من اللصوص رحل احدهما اللجام ووضعه في راسه وحمل البرذعة على كتفه واخذ الثاني لحمار وذهب به والغاوي فرح بمطاعة حماره له وسيره خلفه بلا عنف حتى وصل سلم البيت واراد ركوب الحمار فلما التفت وجد الرجل مربوطاً في اللحام حاملاً البرذعة فألقى النقود من يده واصفر وجهه واضطرب من انت فقال له انا حمارك ياسيدي وانا آدمي مثلك وكنت متزوجاً بابنه عمي فلما تزوجت عليها سحرتني حماراً وما انا بين يديك
(1/78)

- 45 -

فقال له الغاوي اذهب حيث تريد فقد عتقتك لوجه الله تعالى
وبعد يومين ذهب الغاوي ليشتري حماراً من سوق الحمير فوجد ماره معرضاً للبيع فوضع فمه على اذنه وقال له سحرتك ثانيةً يا مسكين فلما احس الحمار بفمه هز راسه وحرك اذنيه فقال له لو نطقت وكلمتني بالعربي فاني لااشتريك مرة ثانية
(التبكيت) هكذا تكون الغفلة والجهالة فان هذا البهيم تمكنت منه الخرافات حتى تصور ان السحر يقلب الحقائق غير ان مثل هذا لا يكاد يرى في زماننا فقد تحلى عصرنا بشبان وضعوا ثدى المعارف وتربوا على محاسن الاخلاق فلا يصدون الا العقليات التي تسلمها العقول السليمة وما ذلك الا لانهم نهبوا اطفالاً وتربوا على افكار حرة لم يعرفها هذا الذي روى على امه التخريف طفلاً

التماس عذر
لم يبق بمكتب الادارة ولا نسخة من العدد الاول والثاني وكثر علينا طلبها فنعد حضرات النبها مشتركي الصحيفة باننا سنطبع العددين ونوزعهما لكل من لو يصلاه ونلتمس منهم العذر في التخير الان فان جهل المقدار المطلوب يمنعنا من الطبع قبل الوقوف عليه والجوابات الواردة بطلب الاشتراك لم بخل منها وامور مع تزايد عددها كل يوم عن سابقه مفشكر لاهل الادب الذين شرفوا صحيفتنا بمطالعتها واستا سرونا بمساعدتهم فان من رأى تنابع المخاطبات وازدحام نبهاء قطرنا قال هكذا هكذا والا فلالا

منثورات
(1) ثلاثة طرايش وعمة وجدوا في الوكالة بعد نصف الليل بساعتين (أي سكارى طينة)
الازبكية
(2) تكدرت العلاقات بين السكرية ولخمارين بسبب منع النسوان من دخول الجنيتة
(3) قفلت احدى البير بسكندرية اربعا وعشرين ساعة بسبب تأخير الوابور خارج الوغاز بالبيره
بل
بلغ عدد المضروبين على قفاهم بالبانتوفلي في الطنبلى ليلة امس سبعة عشر رجلاً
خناقة قهوة الجسر في المنصورة انتهت بضياع ساعة وخاتم الماس وعاد الكل الى ما كانوا عليه من السكر والتحشيش
علم من الجرائد الوهمية ان اوروبا كتبت الى خماري الشرق بعدم امكان ارسال مشروبات الان حتى يستحضروا اخشاباً من ممالك اخر لعمل البراميل والبتاتي وانه اذا كثرت المواسم بالشرق يرسل اليهم قدر اربعة ملايين من الفوراغ
وفي جريدة اخرى ان اصحاب الخيول في اوروبا حجروا على نصف محصول الشعير
(1/79)

- 46 -

لماكول الخيول لتكون بحق النصف مع سكارى الشرق
قبض على زعيم النهنك وهو دائر حول الحصان بالازيكيه ومعه عشرة غلمان واربع نسوة يهيج الشبان ويحرضهم على ثورة بها يكسرون جيش البراميل ويخربون حصون الخمارات ويهجمون على بيوت العاهرات وسنستأصل الانسانية رجال هذا الحزب المضر بهيئتها حتى لايبقى اثر لاهل الضلال

تذكار
لما جلس نجوس على كرسي ملك مصر بعد ابيه ابزممبتكوس شرع فخ خليج يوصل به النيل الى البحر الاحمر وبعد عناء شديد تلف فيه مائة الف رجل ولم ينجح في عمله فصرف عزمه عن فتح الخليج وشرع في عمل اخر يخلد به ذكره فامرجماعة من الصوريين (اهل صور من بلاد الشام) ان يكشفوا له حدود افريقية بأسرها فساروا في البحر الاحمر ثلاث سنين حتى طافوا حول افريقية وعادوا في اخر الثالثة الى مصب النيل
(التبكيت) يستحي المصري منا اذا علم ان المتتقدمين حاولوا ما رايناه الان من فتح خليج السويس ولعدم الالآت المعينة على نجاز العمل صرفوا عزمهم عنه واذا علم ان مائة الف رجل ماتوا في هذا العمل وصل بفكره الى قوة المملكة اذ ذاك ومقدار تعداد اهلها
الماشئ من العمار والتمدن وان مائة الف لكثير فلو كانوا موجودين الان وفيهم تلك الهمة والغيرة لفتحوا مما لك لاخليخا واذا لم سياحة الصوريين في البحر الاحمر ثلاث سنين قبل اختراع بيت الابرة بل قبل ميلاد المسيح (عم) بنحو ستمائة سنة خجل من الانتساب ليهم بعد جهله حدود بيته لامملكته فضلاً عن افريقة ولو قال هذا التقدم العجيب بهجية اوربا وجهالتها في ذاك الزمان مابات معجباً بما جاءت به لان مستمساً كل ماصدر عنها فرحاً برؤية مصنوعاتها بل كل يسح الدمع حزناً على بلادته وياكل يديه ندماً على مافاته من العلوم وغيظا مما ابتلي به من الجبن والكسل والغبارة ولكن الكون دوار والدهر ادوار
(عود) ثم تغلب امزبس على ابن نجوس فانزله من تخت المملكة واستولى عليها بمساعدة اليونان له عندما فتح لهم باب التجارة وتركهم يتجولون في البلاد وفي مدته وفد على مصر سولون وفيثاغورس لتلقي العلوم فيها ثم تغلب قبيس ملك الفرس على امزبس قبل الميلاد بخمسمائة وخمس وعشرين سنة فخرب البلاد وسق المملكة بما فعله من استعباد اهلها وتكثير المظالم والمغارم عليهم ثم جاء الاسكندر فاستخلصها من الفرس واجتهد في اعادة رونقها وبهجتها فكانت مدة البطليموسية فيها مدة عمار واحياه حتى صارت جنة الناظرين
(1/80)

- 47 -

مسئلة
رجل معه قفص فيه بيض فجاء آخر وساومه على ثلثي ما معه وثلث بيضة بثمن نقده ليه ثم جاء اخر فاشترى ثلثي الباقي ايضاً ثم جاء ثالث فاخذ ثلثي الباقي وثلث بيضة وفي الاحوال الثلاث لم تكسر بيضة من البيض ولم يبقَِِِِِِ معه ولابيضة. فكم كان البيض وما صورة استخرجه نلتمس حلاً من اذكياء الحساب. م. ا.

التجارة
(كافية دو افرانس)
. . ـص
2 القهوة
3 الكونياك
4 البيرة
(القهوة القزاز)
1 العرقي النابق
8 وللسكران
2 النقطه (للنابق)
20 وللسكران
(فنك وتريسته)
4 الكباية الكاملة (الشوب)
2 والنصف
(قهاوي اولاد البلد)
4/ 1 الفنجال
4/ 1 والشربات
سوق المشروبات في غابة التحسين والقهاوي البلدي في برود والخبص متمسك والفسق بدون تغير

اخبار اخر ساعة
اخذ الناس في تأمل ما جاء به التنكيت والتبكيت والعمل بارشاد والاخذ في اسباب الحزم وترك الملاهي وتجديد الصناعة فراراً من العيوب ورهبة من الوقوع في الشبهات. وابتداً النبهاء في نقد مقدماته والمحاورة في عباراته بكتابة ادبية ننشر منها خالي التشيع والغرض الذاتي

مراسلة
ع. ش. (370) ترسل حوالة بالبوستة
اصلاح خطا
صحيفة سطر خطا صواب
35 6 فقال فقيل
37 11 مطرة فطرة

الفهرس
ايقاظ - اعتراضات على التنكيت - تسمية البهيم بالمتوحش - مجلس انس - حوادث خارجية - حوادث داخلية - روى عن امه التخريف طفلاً - التماس عذر - منثورات - تذكار - مسئلة - التجارة - اخبار اخر ساعة - مراسلة - اصلاح خطا
(1/81)

- 48 -

شروط المراسلة
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لا تعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في رسالته مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لا تنشر لا ترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصفحة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة وحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لا ترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور و 12 فرنكاً عن سنة وفي غير الاسكندرية 2\ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و 15 فرنكاً عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لا نسمع من احد طلباً بمقتض وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاء من نعيمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
نديم
(1/82)

- 49 -

العدد 4 - بتاريخ: 3 - 7 - 1881
(1/83)

- 50 -

اخطار
الى كذبة المرجفين
خص من شاء بما شاء فقوم للهداية وقوم للضلال ومن القسم الاول جال الجمعيات واخص من بينهم رجال الجمعية الخيرية المصرية الاسكندرانية. من لقسم الثاني اناس فطروا على اختلاف الاكاذيب وافتراء الاراجيف وهم فئة تحد بالاصابع واحد اثنان ثلاثة رابهم مذبذب قد افتروا على حضرات الاعضاء انهم في تنافر افضى بهم للتاخير عن دفع المرتبات الشهرية فلا اطيل الكلام في ذم هؤلاء المرجفين واظهار قبائهم ولا في شرح فضائل الاعضاء وحسن انتظامهم وقيامهم وقيامهم بمهام الجمعية والمدرسة اكثر من قيامهم باشغالهم الخاصة بهم بل اعد الجميع باني ساطلب رخصة بطبع كتابي المسمى ((آثار الانسانية في تاريخ الجمعية الاسلامية)) ليقف كل من اهل الخير والشرور على ماقامت به الاعضاء من الاعمال الخيرية وما اظهرته في خدمتها الانسانية الوطنية ويرى اسم كل عضو وما قدمه من المرتبات والادوات وما تبرع به تبرعاً خارجاً عن المربوط ويعلم ان المرجف بتأخير بعض الاعضاء كاذب مفسد لاعمال البر فقد اشتمل هذا الكتاب على احوال الجمعية جلسة بجلسة ويوماً بيوم وكلمة بكلمة والمحاورات التي جرت بين الاعضاء في شأن تأييد الجمعية وبقائها والخطابات التي القيت في محافلها والمدائح التي وردت اليها والمحاورات الادبية التي الفها تلامذة مدرستها العامرة والتقلبات التي وقعت في ادارتها فان من طالع ذلك علم ان منافرة الاعضاء للحرص على الجمعية لامنافرة اغراض وان تأخير البعض لطلب يطلبه في شأن الجمعية لافي شأنه فان غاية مساعيهم واقصى امانيهم بقاؤها خالدة باسمائهم واعمالهم الخيرية حفظهم الله

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيبي بالمنصوره - محمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/84)

- 51 -

حر الكلام كلام الحر
الكلام الحر ماكان غير مقيد بمشرب او عادة مقتصراً على شرح الحقيقة بلا حشو ولا تنميق.
هذا التعريف الجامع المانع يلزمنا البحث فيما اطلقت فيه اعنة الاقلام وهو لا يخلو اما ان يكون مؤلفاً علمياً او محرراً سياسياً. فالاول توجد الحرية فيما كان مختصاً منه ببعض العقليات والفنون التهذيبية فانه عبارة عن تعريف مركب تقتضيه صناعة الطب او اخبار بتجربة تقدم القلاحة او ارشاد يقتضيه مقام التهذيب او غير ذلك مما تدعو اليه حاجة الانسان وهذا لا دخيل فيه يخرجه عن اصله ولا يقصد به الا حياة الانسان ووقايته من العوارض السماوية او الارضية او الحيوانية
وما عدا هذا من المؤلفات التي يقصد بها تأييد مشرب حاكم او مألوف امة او عادة قبيلة فانه لا يشم رائحة الحرية اذ القصد منه التزلق والتملق وجذب قلوب الامم بالفاظ منمقة منسجمة يميل اليها ذوق الانسان وتحن اليه طبيعته
والثاني يوجد فيه لفظ الحريه مجرداً عن المعنى مهما كانت الحرية مطلقة لكاتبه فانه يؤيد عمل امير او يحسن فعل امة او يمدح فئة بحسب ما تصل اليه افكاره من استحسان ما يراه في بلاده من افعال رجاله. ومعلوم ان مايحبه هذا يكرهه ذاك وان اصاب هذا من جهة اخطاء من جهات وان ارضى فئة اغضب امماً كما نرى ذلك في جرائد السياسة على اختلاف مظاهرها وتباين اغراض محرريها وكلها ترجع لاستحسان عمل اهلها او تقبيح ما لا يناسب المحرر لا الامة او مايغضب اهل مذهبه او يخالف غرض جنسه وبهذا نعلم ان المحررات السياسية اجنبية من الحرية ولا وصلة بينهما الا في الالفاظ ونتحقق ان الكلام الحر يوجد في بعض كتب العقليات المقتصرة على تعريف جسم او استخراج مجهول او تركيب دواء او تشكيل الة او نشر مواعظ او ردع عن قبيح او حث على جميل فما وجدناه من هذا القبيل عنوانه بحر الكلام وتركنا ماعداه في رق كتابه واسر امره وبهذا ناسف على ضياع نصف الحكمة ونفرح بوجود معناها في بعض اجزائها وبقى علينا البحث في الحر من حيث هو بالنسبة للمتكلم
الحر من ملك امره ولم تتقيد افكاره بغرض ما. هذا اخص التعارف به عندي وان تضاربت فيه الاقوال ولو نظرنا الى انسان الوجود الحالي في سائر بقاع المسكونة لرأيناه بعيداً عن
الحرية لا يهتدي اليها ولا يتمكن منها ان وجدها سواء في هذا تابع الحكومة الجمهورية او الشورية. الوجود مضبوط بممالك مقيدة بقوانين وضعت باغراض ذاتية وافكار مقصورة على فرد او بعض افراد ولا يفقه تلك القوانين الا واضعها او من درسها على اهلها ولها عندهم منطوق
(1/85)

- 52 -

ومفهوم وباطن وظاهر ولا يعمل فيها بقول العاقل من غير اهلها وان اصاب واخطأ وا وان قبل ان الممالك تعرض القانون على مجالسها قبل تقريره قلنا ان المجالس مقصورة على ارباب الثروة او اهل الكلام وليس كل الامة كذلك فهذا داخل تحت قولنا او بعض افراد وهذا يثبت ان الانسان في اسر القوانين وتحت تصرفها ومن وقف في هذا المقام كان اجنبياً من الحرية وليس المقيد بالقوانين من لم يضعها بل واضعها ايضاً في اسر ما دونه وحبس ماقيده فتراه عندما تلم ملمة لم يكتب لها باب يسهر الليل مع امثاله في الافكار ويبيتون على حذر من نفور النفوس وثروة الامم فهم اسرى مظاهرهم ارقا افكارهم لاحرية ادركوا ولا من العناء استراحوا. وهذه قضية تنتج اثبات الحرية لدفاتر القوانين لا للانسان والدفاتر لاتتمكن من الحرية الا اذا كان مافيها قطيعاً ينفذ بجوهره بلا تأويل ولا تفسير ولا معارضة بما حواه غيرها ولكن تداول الايام يخبرنا على السنة التواريخ بما لا يدخل تحت حصر من قوانين وضعت ونسخت ثم نسيت كأنها لم تكن شيئاً مذكوراً وما نسختها الا مثلها اقوال وافكار تجوهرت في صفحات الاوراق ثم استحالت وتطايرت في الوجود تطاير النتيجة الاولى وتنسلخ الحرية عن الدفاتر وتثبت الفظها المجرد عن المدلول
على ان النتيجة الثانية باطله ايضاً فان لفظ الحرية وان كان لامدلول له فانه محجور عليه لايلتفظ به الا في سرداب ول يكتب الا في اوراق لايعلم ظاهر الوجود صورتها ولا يكون اللفظ حراً الا اذا جاز تناوله في كل مكان وتلى على اعواد المنابر والسن المحابر وهذا ممالايسلم به قانون فانه وان ذكر في بعض الممالك لابد واي يشفع بغرض ينجو به محرره كما في الجرائد المسماة بالحرة فصارت الحرية الحقيقة عبارة عن سر من اسرار الوجود يلقن في الخلوة على بعد من الناس اخر الليل بصوت الهمس بعد ايمان الشرف وحلف القسامة وهذا هو العدم بعينه فما نسمعه من الناس على اختلاف ممالكهم من السعي خلف الحرية الحقة او دعوى التحلي بها عبث وهوس فقد علمنا انها موقوفة على اباحة ذكرها في المحافل والمجامع والطرقات ثم تنفيذ قانون عادل يشترك فيه سكان المعمورة من غير
نقض ولا تأويل ثم تخويل الانسان حركة لايعارض فيها الا اذا صار غيره وهذه عقبات ليس للمستحيل وجود الا في قطعها فانه لاينتظم اجتماع بلا قانون وتجتمع حرية مع محكوم عليه
على اننا نرى مدعي الحرية اذا اختلى بنفسه ونظر في كتب المعتقدات مال مع محسنات افكاره حيث مالت وربما ذهبت به لاستقباح معتقده واستحسان غيره وعندما يخرج للناس تأتي عليه صورة الاجتماع الا الاعتراف بمذهب عامة طائفته. واذا نظر في منشور سياسي وهو في بيته قام وقعد وصوب وخطأ
(1/86)

- 53 -

واظهر مقاومة يكاد يمحو بها ذاك المنشور ومتى خرج ونودي للتصديق اجاب بالسمع والطاعة والانقياد ومدح واظهر الاستحسان. فهذا المدعي لايرى حريته الا في خلوته وبطون صحفه وذاعين ما استنتجناه اولاً وحكمنا به على استحالة وجود مدلول للحرية المطلقة مادام الانسان مختلطاً بمن له غرض ذاتي كما نحكم باستحالة تجرد الانسان من صاحب الغرض الذاتي فانه من نوعه والنوع قاض بحدوثه كلما تحدد النسل في الوجود وميز اللذة
فلم يبق الا البحث في الحرية المجازية وهي وقوف الانسان عند حده ومعرفته حقاً لنفسه يطالب به وواجباً لغيره يؤدبه
وهذه الحرية لاينالها الا امه تهذبت وتربت على محاسن الاخلاق وعرفت معنى الانسانية وحق المدنية وقدر الوطنية وواجب الانتظام فان الانسان اذا جهل الحقوق تهور وخرج عن الحد وكدر الراحة واذل جنسه وخرب وطنه وعرض نفسه للتهلكة من حيث يرى انه يسعى خلف الوطنية والعمار باوهامه الفاسده والاهم على اختلافها وكثرة تعدادها لم يتم لواحدة منها الفراغ من تهذيب كل الافراد فهي تسعى في طريق التقدم بتعميم التعليم وتنوير الافكار لتخطى بالتساوي المطلق الذي لايتيسر وجوده الا بعد علم كل فرد بالقانون وترافعه بنفسه بحيث يكون حكم القاضي تنفيذاً لماينطق به المترافع من احكام القانون وهذا لايضمنه الا القرن الخمسون ان سلمت الافكار وعمت المعارف وبطلت الحروب
ونظام الامم وحفظ وحدة الوجود يقضي ببقاء الحال على ما هي عليه حتى يتم تهذيب الخلق ووقوف كل عند حدوده اذ ذاك يجوز اطلاق الحرية المجازية على الانسان وتصدق عليه حكمه حر الكلام كلام الحر

درس تهذيب تحاور به تلميذٌ
مع نديم
تلميذ بماذا تقدمت اوروبا
نديم بالبحث في العلوم ونشرها في سائر اطرافها
ذ ماهي العلوم التي قدمتها
ن علوم الصناعة والفلاحة والملاحة والسياسة
ذ العلوم كثيرة فلم قصرتها على هذه الاربعة
ن كل علم من هذه يندرج تحته عدة علوم ونباهتك تكفل معرفتها
ذ ماالذي تحتاجه بلادنا من هذه العلوم
ن كل مملكة محتاجة اليها صغرت او كبرت ول يتم العمران الا بها
ذ اين تلقن تلك العلوم
ن تلقن في المدارس على اساتذة غير متشيعين
ذ الى من يتشيع الاستاذ
ن لذاته او جنسه او مذهبه او وطنه
(1/87)

- 54 -

ذ وما ضرر تشيعه لذاته
ن اذا عظم الاستاذ نفسه وذم غيره اما التلميذ غرس في ذهنه حب الذات وكراهة مثيله فتفسد اخلاقه
ذ آمنت وما ضرر تشيعه لجنسه
ن اذا تشيع لجنسه تشيعاً يبلغ به حد الكراهة وثبت ذلك في ذهن التلميذ كانت عداوته لغير ابناء جنسه سبباً في شن الغارة على بلاده وافساد اعماله
ذ صدقت وما ضرر تشيعه لمذهبه
ن اذا تشيع لمذهبه تشيعاً خارجاً عن حد الاعتزال خرج التلميذ نفوراً من مخالفه في المذهب شديداً عليه في الانكار وهذا يوغر الصدور منه ويبعث النفوس عل اعدامه واماتة مذهبه فيكون عرضه للتهلكة
ذ اصبت وما ضرر تشيعه لوطنه
ن اذا تشيع لوطنه تشيعاً يؤدي الى استقباح غيره التلميذ الرحلة والسياحة والوقوف على
حقائق الوجود وتمدح بما يراه في وظنه وان كان غير ملايم للزمان
ذ احسنت فما هي الطريقة التي تراها قاعدة لتهذيب اخلاق الطفل وتمرينه على محاسن الآداب
ن الطريقة الاعتدالية هي ان يكون الاستاذ متواضعاً لين العريكة سهل الاخلاق واسع العبارة في فنه غبر ماجن ولا محملق ولا فاحش ولا قاس ولا معجب ولا كسول ولا عابس
ذ هذا حده من حيث هو فما حده من جهة ذاته في التشيع
ن حده ان يملا ذهن التلميذ باخبار المؤلفين والمهذبين من المتقدمين والمعاصرين ويشرح له فضل من مضى من علماء جنسه وماكانوا عليه من الاجتهاد والتقدم والاشتغال بما بث فيهم روح المعارف لئلا يغلب عليه فضل غيرهم فيحتقر معارف بلاده ويفخر بغيرها ولا ينجس الغير حقه في الفضل بل يثبت لكل مايقتضيه مقامه ليخرج التلميذ معتدل الظاهر قوي الحجة في الباطن فلا يغلب على افكاره بحسنات الغريب
ذ حبذا لو ادركنا هذا التهذيب فما حده من جهة الجنسية
ن حده ان يعرف التلميذ حل نشأة جنسه ومقدار ماوصل اليه من اعزة والقوة والثروة والاسباب التي تحل عروة الجنسية وتضعف قوتها ويحذره من الاختلاف والتحاسد والتقاعد عن دعوة الاتحاد والالفة ثم يبين له ماوصل اليه جنسه من التفنن والاسباب التي حفظت نظامه وايدت سطوته ليحرص على مجد الجنسية ويحفظ حق الغير ويعرف مالكل من المزايا فلا يضيع من عادات جنسه شيئاً ولا يحتقر لغيره امراً وهذا يعتدل مزاجه وتحفظ جنسيته
ذ انعم بها من طريقة لو سلكناها فما حده من جهة المذهب
ن حده ان يغرس في ذهن التلميذ اصوله
(1/88)

- 55 -

قبل ان يشتغل فكره بالعقليات لترسخ قدمه في طريق المذهب فلا تزحزحه العقليات عند لاشتغال بها ثم يذكر له بدءه وكيف كان مجيئه والحد الذي وصل اليه بحيث لايخرج به الى حد يسخر فيه بغيره او ينتقص ملتزمه فراراً من العداوة الابدية ويبين له قبح الانتقال وعواقب التهاون ويبعث فيه روحاً به يعاشر كل انسان ويعامل كل موجود بلا تظاهر ولا تفاخر فيحفظ وحدة الاجتماع بالمذهب ويبلغ درجة الكمال بحفظ نظام العالم
ذ ما اجل هذا التهذيب لو رسخ في اذهاننا فما حده من جهة الوطنية
ن حده ان يصور معنى الوطنية في صورة غذاء ينتفع به جميع الجسم بحيث لايترك عرقاً من عروقه الا وقد اجرى فيه ماء الوطنية التي هي حفظ البلاد ولغتها وعادتها الجميلة وتوسيع العمران بالصنائع والمعارف والامن والثروة وموته في تربتها كما نشاً فيها ثم يذكر له فضل غيرها ويشرح له حالتها ويرسم له صورتها ويبين له اخلاق اهلها ويحثه على اتباع الجميل منها ويحذره من التلبس بالقبيح ويوقفه على الامور التي تميت الوطنية وتعدمها لئلا يقع فيها من حيث لايشعر ويحسن له السياحة لفائدة يعرفها وثمرة يعود بها الى بلاده ويلزمه بخالطة الغير مخالطة لا تمس الوطنية ولا تمكنه من التدخل في امورها بما يحول السلطة اليه. ويعرفه قدر حكومته والحرص على تخليدها وتأييد صولتها ويحذره من التهاون في شأنها والخروج عليها والتشيع لغيرها بالغرور والتهافت على الظواهر لتبقى الوطنية خالدة باهلها وحكومتها
ذ ما اجل هذه الطرق والعمل بها غير اني اسألك عن امر هو اننا متمكنون من الاساندة الموصوفين بما ذكرت فلو ادرنا مدارسنا على هذا النظام البديع ماذا نصنع فيمن يتعلم العلوم فاننا لو فرضنا ان المدرسة عشرة الاف تلميذ وان الناجح منهم خمسة الاف فاين نستخدمهم انطرد الموجودين في الخدمه وهم لا يعرفون غيرها ام تحدث لهم اشغالاً تضعف ماليتنا ام ماذا
ن طريقة التعليم باستغراق اوقات التلميذ في المدرسة مضرة من وجهين الاول عدم تعميم فن القرأة والكتابة الا في ازمان طويلة (وحركة العالم الآن لا يمكننا من الصبر حتى نصل اليها) الثاني اذا كان التعليم قاصراً على اللغات فان التلميذ يضيع في كبره لعدم معرفته مايكتسب به ويستحيل علينا جعل الطب والهندسة صناعة لكل تلميذ. فلم يبق الا طريقة المزج
ذ ماهي طريقة المزج التي تراها
ن هي ان تجتمع الامة بارشاد الحكومة ومساعدتها على فتح مكاتب ابتدائية في المدن والقرى على نفقة اهلها وتلزم كل والد بارسال ولده الى المكتب يقيم فيه نصف النهار والنصف الثاني يشتغل بصنعة ابيه وفي كل سنة تنظر الكومة في جداول الامتحان وتاخذ
من المجموع ما تراه متاهلاً للعلوم العالية فتخف النفقة عليها
(1/89)

- 56 -

ويعم التعليم وتحفظ الصناعة وتفتح ابواب الثروة وتصبح البلاد مسكن ادباء ومأوى نبهاء
ذ وماذا يعلم في هذه المكاتب من الفنون
ن يعلم فن القرأة والكتابة وتهذب الاخلاق والحساب والجغرافيا واصول الدين واللغة العربية ومقدمات الهندسة والتاريخ
ذ وماذا علينا لو اجتمعت امراءنا ووجهاؤنا وعقدوا جمعيات تفتح مدراس للصناعة في المراكز العظيمة ليكون التقدم من طريقين لامن طريق واحد
ن لاأظمن لك هذه الامنية الان فان الانهماك في اللذات والحرص على الابهة ونفخة الاعجاب واستحسان استخدام الفقراء واستعبادهم بلقمة او شربة او ثوب يحول بيننا وبينها.
اللهم الا اذا عم التعليم وغرست الوطنية في المتعلمين وحفظوا التاريخ وعلموا موجبات الثروة فان ذلك يرجى من وجهائم واعيانهم لا وجهائنا واعياننا المغرمين بالرفاهية
1 اراك يائسا من مساعدة الاغنياء على احياء الصناعة
ن ان شئت فانظر الى نفسك او الى العظم منهم تجد وفرشة وامتعته واوانيه بل وماكوله ومشروبه وتحفه ومركوبه من مصنوع غير بلاده ولو دخلت بيت أي عظيم فلا تقع عينك على شي من بلادك فلو تدبروا لعلموا انهم حولوا ثروة بلادهم في احياء صنعة بلادهم. مثلاً ترى العظيم منهم وتهاونهم في احياء. مثلاً ترى العظيم منهم يبيع رطل القطن بقرشين ويشتريه مشغولاً بجنيه فلو صنع في بلاده لا نتفع منه جملة صناع وربح منه ماخسره الان وكل هذا بمرئ منهم معلم ومع ذلك فلم نرَ من تحركت فيه غيرة الوطنية او حمية الجنسية وتذاكر مع امثاله في هذا الامر الجليل. ومع ذلك فاني اجاريك في افكارك وانتظر معك زمناً ليفيم احدنا الحجة على رفيقه بما يراه
ن قد طالت مدة المحاورة فقم بنا نتريض بمطالعة كتاب ونعود للشرح في جلسة اخرى
ذ شغفي بما يقدم بلادي ويحفظ ناموس حياتها يلزمني ان اثقل عليك بطلب الشرح الان لاتروح بالسماع وان فاتني العمل
ن معنا من يرى من تراه ومن لم يره ومن التهذيب ان يعامل الانسان جلساه بما يحبون فانتظر الدرس الثاني

نهاية البلادة
كلها عيشة وآخرها الموت
قص علينا احد النبهاء المهذبين قصة بليد ماسمعنا بمثلها ولا رايناها في كتاب فنحن ننشرها على اخواننا الشرقيين حذراً من الوقوع في مثلها اعاذنا الله: قال هذا المهذب سافرت من بلدي الى قرية استقضى ديناً لي عند احد مشايخها فلما انخت الرحل قابلني بالسلام والترحاب وادخلني منزله الرحب
(1/90)

- 57 -

وجلس في ناحية يمضغ الدخان ويقتضي بين رجال قريته بما نعود علية وبعد ان قدم لنا الطعام وفرغنا منه اخذت احدثه واسامره وهو لا يجيبني الا بقوله (هيه) فحل بنا الوخم وادركنا النوم فيهأ لي فرشاً ونام بجواري يخط ويشخر ويشهق فادركني القلق وغاب عني النوم وما مضت ساعة حتى سمعت حركة في الباب فاضغيت اليها واذا هي حركة سارق يحاول خلع الباب فنبهت صاحبي وقلت له لص بالباب يحاول خلعه
فقال نام اللي على الجبين تراه العين.
فقلت له يلزمك ان تستعد له قبل دخوله وهجومه علينا. فقال المقدر كائن ولابد من انقاذه. فقلت له مدافعتك عن نفسك واهلك ومالك وبيتك لاتنافي المقدر بل انت مامور بذلك. فقال اللي في الغيب عجب فقلت له ارى الرجل تمكن من خلع الباب وسيدخل علينا. فقال لما يدخل فيها فرج. ثم وقف اللص منصتاً لينظر هل في البيت يقظان فقلت له ها هو الرجل واقف مهيأ للدخول فقال توكل على سيدك ونام. ثم دخل اللص وحاول حمل صندوق فيه ملبوسات. فقلت له اللص يحاول حمل الصندوق قم وامسكه. فقال ربما كان معه سلاح والله يقول ولاتلقوا بايديكم الى التهلكة. ثم حمل اللص الصندوق وخرج فقلت له صار الرجل في الخلاء قم واستصرخ الناس. فقال كل انسان ونصيبه قلت له اذا علم الناس بهذا في الصباح ماذا تقول لهم. فقال تبات نار تصبح رماد لها رب يدبرها فقلت له هذا جبن لاتوكل ولا يقين فاننا مامورون بالاجتهاد وحفظ الاموال والارواح. فقال لو شاء ربك مافعلوه. ثم رأيت اللص عاد لاخذ شيء آخر فقلت له ارى اللص حضر ثانية ليحمل غير الصندوق. فقال ربنا يرزقه باقوى من يحجزه عنا. فقلت له ان لم ندافعه ونحفظ امتعتنا من يدفعه. فقال شي لله يا اهل الله. فقلت له حسن الاعتقاد لايدفع عنك اللصوص ولايحفظ لك
حقوقك فقد كان النبي في درجة لانصل اليها وكان له حرس ثم قاتل ودافع عن نفسه وحقوقه والله قادر على رد اعدايه بلا قتال ولا نزال ولكنه امره بالوقاية والاستعداد لاعدائه تشريعاً للامة وتعليما. فقال بلوة اخف من بلوة. مين عارف كان رايح يجري لنا ايه. فقلت مادمتَ في هذه البلادة لابد ان تنهب ونجرد من الامتعة والنقود. فقال ان كان لي نصيب في شيء الحقه. فقلت ارى الرجل يقصدك ليأخذ عمتك ومافي جيبك. فقال ربنا يعميه عني ببركة شيخنا. فقلت له لو فجأ شيخك مثل هذا فانه بلا شك يدافع عن نفسه وبطرد عدوه بما يعلمه من بقاء شرفه بحفظ حقوقه وماله. فقال هو قاصد فضيحتي ربنا يجزيه باعماله. فقلت له ارى الرجل دخل الخزنة لياخذ نقودك وخرجي قم بنا نحبسه المصباح فقال وحياتك لربنا يصيبه بمصيبة تتعجب منها الناس. فقلت له أي مصيبة تلحقه بعد غناه
(1/91)

- 58 -

بمالنا وتمتعه به. فقال خليها على الله. فقلت له أي معلم لقنك هذه الكلمات التي اماتت همتك واورثتك الجبن والبلاده واضاعت منك جوهر العقل وصيرتك اخس من البهيم واي جبان علمك هذه الالفاظ ولم يقلها نبي ولا صحابي ولا ولي فقد روت. لنا الاخبار كثيراً من افعالهم العظيمة التي دلت على تهذيبهم ومعرفتهم الحقوق وحمايتهم كل ما من شئنه ان ينسب اليهم والله لو ان نبياً كان في مكانك هذا نائماً مستغرقاً وفجأة مثل هذا اللص لنبهه الملك واوحى اليه بصيانة ماله وحفظ حياته
فقال مايصيبك يا ابن آدم الا ماقدر عليك فعلمت ان الرجل جبان فسدت اخلاقه بسوء تربيته ولم يحفظ غير ما تعودت عليه العامة بالالفاظ التي لايتعقلون معناها ولا يعرفون اصل وضعها وعلمت اني ان اتصفت بصفته ضاع خرجي مع ماله فقمت وقبضت على الرجل وكتفته وحسبته في الخزنة فقلت ليه بايها وجلست احفظه. فقال البليد حرام عليك ياشيخ يمكن يكون صاحب عيال والفقر احوجه الى السرقة. قال له اللص وهو داخل الخزنة يا جبان هل وكلك الله بارزاق العباد ام انت الكريم الذي لايبالي بالانفاق ما انطقك بهذه الكلمات الا خوفك وموت همتك وجهلك بما يهديك لحفظ حياتك ومالك ولئن تركني صاحبك وفتح لي الباب ضربتك ضربة قطعت بها اجلك. فقال ربنا يكفينا شرك ياشيخ ثم وضع راسه على الارض وقال توكلت على الله ونام وشخر فرفسته برجلي وقلت لهُ ضيفك يخفرك وانت نائم هلا سهرت معي في حفظ هذا اللص حتى يصبح الصباح وتذهب
به الى الحاكم. فقال اراني لو دافعت عن نفسي وحفظت مالي وصرت قارون زماني لابد ان الموت بعد ذلك وحيث ان اخر الحياة الموت فالانسان يعيش كيفما يعيش وكلها عيشة واخرها الموت ثم تركني ونام
(التبكيت) لو تعلم هذا في صغره وتهذب حتى عرف قدر نفسه وشرف بيته وتربي على افكاره حرة وتلقى اصول دينه على استاذ صادق لاجتمعت فيه معدات الكمال وجرت في عروقه دماء الحماسة وعلم مكابد الاعداء وحيل الماكرين ولم يرض بقول الاغبياء كلها عيشة واخرها الموت

عادة قبيحة الفناها
يعلم العاقل ان المعدة بيت الداء ولا يحث فيها الامراض الا الخلط واشتغالها بما تعجز عن هضمه اوما لايهضم رأساً وهي القطب الذي تدور عليه رحي الحياة فيجب حفظها واستعمالها بما تقوى عليه ولا يضر بغيرها من الاعضاء والحواس ولانتمكن من هذا الحفظ الا بترتيب الغذاء وتقديره وكلنا يتمنى الوصول هذه الدرجة ولكن ابت عادة الاغنياء الا اضرارهم مع الفقراء
فقد تعودوا على تكثير اصناف الطعام في الولائم والافراح وجاراهم الفقير في هذا العمل
(1/92)

- 59 -

حتي اصبحت الولائم منبع امراض ومعدن اقام فان الانسان اذا دعي الى وليمة وحضر المائدة قدمت اليه الشوربة ثم الضلع ثم البوراني ثم الباميه ثم الكفته ثم البقلاوة ثم القرع ثم الكباب ثم اكمك قطائف ثم الطورلي ثم النيفة ثم حلاوة الدقيق ثم الملوخيه ثم الكما ثم البريك ثم الرجله ثم البباظ ثم السنبوسك ثم القلقاس ثم المصقعه ثم الرواني ثم الباذنجان ثم اللحم بالبطاطس ثم الهريسة ثم الطماطم ثم اليخنى ثم الملبية ثم الخرشوف ثم اللحم الناشف ثم الحريره ثم الكشك الماس ثم الكلبسطي ثم البلوظه ثم الشاويش ثم المعكرونه ثم الارز ثم الخشاف وحول هذه الاصناف سلطة لبن بثوم وسلطة خيار وطبق طرشي وصحن جرير صحن سردين يتخلل هذا اصناف السمك والفطورات المتعددة الاشكال غير ماذكرناه
والفطورات على هذه الاصناف الا الفقير المقتصد اما الاغنيا فيزيدون الشوارمة والمحامي والزغاليل والفراريح وغير ذلك ثم تحكم العادة السيئة على كل جالس على المائدة ان ياكل من كل صنف ولو لقمة ولا يصح ان يقوم الا بعد فراغ الاصناف (فان صاحبها ماصنعها الا ليفتخر بها) فيمثل هذه العادة السيئة تفسد المعدة وتكثر الامراض فلو رزقنا بمؤدب يوقفنا على حد به تحفظ الاموال والارواح ويسن لنا عادة جديدة جميلة يقتصر فيها اصحاب الافراح والولائم على اربعة اصناف او خمسة وينظرون لقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جئ له بالطعام وهو خليفة فرأى خبزا وزيتاً مع خل فقال ادمان (غموسان) في اكلة واحدة ان هذا هو الاسراف والترف ولا يرضى بهما الا من عرض نعمته للزوال على اننا نجد المعازيم يتمشدقون بالاحاديث والآثار وهم جلوس ينتظرون دعوة الطعام ولا نسمع من يسوق مثل هذا الاثر ولا غيره من الاحاديث الدالة على الاقتصاد وعدم التوسع في الماكل والمشارب والله برزقنا بمن يبدأ بهذا العمل الجليل
وتسمع به على لسان جريدة التبكيت والتنكيت فانها محل الادب ولان التهذيب
كتبها ولدكم. م. ا.

عادة جميلة فقدناها
كان للعرب عادات كثيرة قبل الاسلام فلما جاء الاسلام ابطل القبيح منها وابقى الجميل الدال على محاسن الاخلاق ونحن نقدمها لاخواننا تذكاراً للاصول وحرصاً على الفوائد الجليلة. من ذلك القرض الادبي
وهو ان العرب كانت تأنف من الربا في جاهليتها وتستنكف من عدم مساعدة بعضها البعض فاتخذت لها عادة جميلة وهو ان الرجل اذا احتاج لشي عمد الى ولده فزوجه او ابنته او مجلس انس يعقد لمفاخرة او خطابة او تذكار تاريخ فترسل اليه الهدايا من سائر احياء العرب وقبائلها حتي تضيق بيوته بما ياتيه من انواع التحف فيبيت وهو افقر القبيلة ويصبح وهو من متوسطيها ان لم نقل من اغنيائها.
(1/93)

- 60 -

ثم يرد ذلك لاهله في مدة حياته عندما يفعلون فعله من الافراح وغيرها. وانعم بها من عادة جميلة لامفتضح معها انسان ولا يحجز على ملكه ويباع رغم انفه على مبلغ وهي احدثه حساب قلم الربا. وعند ما جاء الاسلام بقيت هذه العادة اللطيفة سماها الناس نفوطا ًوقصروها على الافراح ونعماً هي ايضاً. وقد نسخت هذه العادة في البنادر لما حملهم عليه التمدن من قبح المساعدة وقبولها من الاحباب والجيران مع وجود البنوكة وسهولة الرهن وبقيت هذه العدة في بعض الارياف معمولاً بها متبعة وليتها بقيت عامة كما كانت فانها عادة جميلة فقدناها
والسبب الوحيد الذي اضعف هذه العادة حتى اماتها التفاخر والتظاهر فكان الرجل يرسل لي قطعة بن نقوطاً فاردها اليه في فرحه خمسا او ستا فيعجز عن الرد عند التكرار ولو اقتصر كل انسان على قدر المهدى اليه لا المدي لما سئمتها النفوس على ان التمدن الجديد هو الذي اماتها واحيا الرهونات فانعم بتلك وانعس بهذي
كتبه ولدكم. ع. ع.

جهل العواقب جالب العواطب
اجتمع مسلم وقبطي من المفطورين على حب وطنهم المحافظين على عادات اهليهم وتذاكرا في التمدن الذي به تعمر البلاد فقال احدهما ربما كان سيرنا في منفعة بلادنا وتعظيم ثروتها واصلاح ارضها وتحصين حدودها والمحافظة على لغتها غير التمدن الذي تعمر به البلاد فالاولى ان نجتمع باحد شباننا الذين اخذوا التمدن عن اهله في بلاده ونسألهم عنه وبينما هما يتذكران واذا بشاب عليه سترة وبنطلون وفي يديه قفاز (جوانتي) او (الديوان) وفي عنقه قلادة اطلس (كرافيت) او (بيوك باغ) وعلى عينيه نظارة وبين عصا عليها صورة كلب فسألاه عن التمدن فقال يجب عليكما اولاً ان لا تذهبا الى المعابد فلا تذهب انت الى المسجد ولا تدخل انت الكنيسة فا نهما يقيدانكما بالحلال والحرام والواجب والجائز وهذا ضد التمدن ثم لا تتقيدا بدين او مذهب او عادة وبولا من قيام على أي حائط وناما بالنعال في ارجلكما واسكرا على قارعة الطريق ولا تجلسا مع احد من اهل بلادكما فانهم قباح المنظر غلاظ الطباع ضعفاء العقول واذا دخل احدكما مجلساً فليضع فخذه الايمن على الايسر وليمد رجله بالنعال في وجه من يشاء ويهز كتفيه ويعوج كلامه فيقول (آني موش كلت لك على شان انتم مسكين احنا بادين جيتو هنا على شان شوف انتم املتم ايه لكن انتم اولاد أرابو زي بهايم تمام) فان عارضك احد اشمتهُ بالفرنسوي والعنه بالانكليزي وسبه بالتلياني فان ضربته وجاء احد العساكر اضبطك قول انا حماية روح هات لي واحد بسقجي واضرب اباك واطرد امك ولاتعرف جارك فانهم يقبحون سيرتك بافعالهم القبيحة وسيرتهم الفلأحي وخذ
(1/94)

- 61 -

زوجتك معك في المجامع والطرقات وادخل بها محلات الرقص ومجالس الشبان وعرفها بهم كل انسان باسمه وهذا هو الدرس الاول فان عملتما به علمتكما درسا آخر وهكذا حتى تتمدنا فقال له احدهما ياحاهل ياغبي هذا هو التوحش بعينه بل الخروج من طور الانسانية الى البهيمية ظنناك عاقلاً عالماً مهذباً فاذا انت عدو للانسانية جاهل بالوطنية فارغ من الادراك التمدن ايها الضال هو الاشتغال بالعلوم والبحث فيها ووقوف كل انسان عند حده ومحافظته على العادات الجميلة والتمسك بمعتقد طائفته وترك الخرافات والبعد عن الافعال الذميمة ومسايرة الكبير وملاطفة الصغير ورحمة الفقير ونصح الغني وايقاظ الامير وتنبيه الغافل وترك التعصب على من خالفك في المذهب او غايرك في الجنسية والسعي خلف الاصلاح وتاييد لغة البلاد وحفظها من الدخيل ومما
يفسدها والنظر فيما يريده الغير منا وما يوجه اليه افكاره من اماكننا وبذل المال في تعظيم ثروة هيئتنا الاجتماعية والحرص على سماع كل مايختص بمصالحنا فما يشير الغير باشارة او يطرف بعين الا كنا على علم مايريد وحذر مما يراد وتعميم التعليم لابنائنا حتى لا نرى اميا ولا جاهلا بالمعارف وتشييد المعالم التي تشهد باعمالنا وحفظ الاثار التي تدل على تقدم ابائنا ورفع كل نقيصة تخدش الشرف او تضعف الوطنية او توهن قدر البلاد او توجب احتقارنا عند العالم او تنزل بنا الى درجة يرمينا فيها الغير بالجهالة والخشونة فان كنت تعتقد ان التمدن ما انت فيه فانك اجنبي من البلاد بعيد من الدين عدو للجنسية بغيض للانسانية لا اهل ابقيت ولا غريب عرفت وما اوقعت في هذه المحذورات الا جهلك بالعاقبة فان جهل العواقب جالب العواطب

النجم ذو الذنب
طلب منا صديقنا الابر محرر المحروسة الغراء شرح الخرافات في شأن النجم ذي الذنب وقصد بذلك اظهار الحقيقة وابطال قول المخرفين لطهارة عقول الشرقيين مما يدنس شرف ذكائهم ولكون الخرافات عامة في كل امة والعادات القبيحة مختلفة باختلاف الجنسية والمواقع فقد اخترنا ان نعد في جريدتنا محلاً لذكر خرافة شرقية وخرافة غربية وعادة شرقية وعادة غربية نفكه بها قراء الجريدة ليعلموا الفرق بين الشرقيين والغربيين فكم في الغرب خرافات لايصدق بها مجنون الشرق وعادات لا يرضاها متوحش العرب ولكن نظافة الثياب وطول القبعة وعذوبة لفظ جرائدهم تبرئهم من كل عيب وترمينا بكل رذيلة ونحن ناخذ كل ما جاء منهم بوجه الاستحسان ومقام صحيفتنا في بلادنا الا مقام جرائد التهذيب في اوروبا فانا التي ابطلت كثيرا من الخرافات والعادات بالتبكيت ولهذا طلب صديقنا شرح الحقيقة وابطال قول المخرفين فان هذا من خصائص جرائد التهذيب فلا يصدق عاقل
(1/95)

- 62 -

ما اقترحه احد المنجمين من فساد العالم في شهر نوفمبر سنة 81 وتناقلتها الجرائد منهمكة بافكاره وازى ان الجرائد الافرنجية ماتصدت لنشر هذه العبارة الا لتشغل افكار الشرقيين بالخوف والرعب وتلهيهم عن ملعب السياسة الشرقية الجاري في اوروبا لما يعلمونه من ميل الشرق لاخبار المنجمين والرمالين والجفريين اكثر من ميلهم لتلغرافات السياسة واخبار المحافل والمؤتمرات

مراسلات الجهات
كفر الشيخ رسالة اللغة بعد ما جمعت ضاق حجم الصحيفة عنها. مصر. المهذب والفلاح توافيك في الاتي. ميت غمر. العمدة السكران في التالي. هيهيا. لك الله يجزيك على حسن اعتقادك فينا. دمياط. جزيت خيرا وسننشر منها بعضا. دمنهور. ارجوك قبول المذرة الان. اذكياء الحساب نبهنا على نشر طريقة الحل ومن اراد اظهار اسمه عرفنا. الجعفرية قبلنا ولك جواب بالبوستة. المنصورة ارسلنا حسب الطلب. محمد افندي خليفة ارسلت الاعداد كما رغبت ولك جواب. ذهني افندي. فعلنا ما كتبت عنه. الجيزة. جزيت عن الانسانية خير جزاء وانا لك حامد. المنيا. نحن في الانتظار فانجز ولك الفضل. بني سيوف. حفظت ياعظيم الهمة. الاسماعيلية. الاعداد مرسلة حسب الكشف. يافا. مقبول. حمص. نحن لكم من الشاكرين. بيروت. نظرت بعين كمالك فقلت انعم بزاده. دمشق. اليكم الاعداد متوالية. بغداد لهبت نفساً ونفسا.

جمعية التوفيق الخيري
نشكر لحضرات الافاضل اعضاء جمعية التوفيق الخيري قبولهم العدد المقدم منا لهيئة الجمعية هدية وافادتنا من حضرة الالمعي النبية محمد مقبل بك رئيس ادارتها عن اقرار الادارة البهية بالقبول كما اننا نشكر بقية الجمعيات في قطرنا المصري وفي الاقطار الشامية على تفضلهم بقبول الاعداد المرسلة اليهم حباً في الجمعيات ايدها الله ونجح اعمالها المبرورة

الجمعية الخيرية بدمنهور
تم افتتاح المدرسة الخيرية ببندر دمنهور يوم الخميس 3 شعبان سنة 1298 المرافق غاية يونيو سنة 1881 وقد احتفل حضرات الاعضاء الكرام لهذا الافتتاح الجليل احتفالاً لم يسبقهُ مثلهُ في هذا البدر وكان المحفل ساحة خطابة وميدان ادب ومورد خيرات شهدناه وسررنا بما رأيناه من العناية بالمدرسة والاهتمام في شأنها وحيث ان هذا الاجتماع الادبي اول تاريخ المدرسة وباكورة اعمال الجمعية الملحوظة بعناية الله تعالى رأينا ان نشرح حال ذاك المحفل وما قامت به الاعضاء من الخدمة الجليلة وما قيل فيه من الخطب البديعة في ملحق للعدد الآتي قياماً بخدمة الجمعية واذاعةً للبدائع
(1/96)

- 63 -

اخبار اخر ساعة
من التغالي في التمدن ان احد الاوروباوبين وقف بالمنشية امام اوتيل دوروب في الساعة الثالثة ليلاُ والموسيقى تصدح والناس مزدحمة ثم. حل زرار البنطلون ووقف يبول والسجارة في حنكه فلم ندر أيعتقد ان الشرقيين بهائم لايحتشم منهم ام هو البهيم لايعقل ما يصدر منه. وقد سرى هذا الطبع في بعض شبابنا فهم يبولون من قيام ولكنهم يلتصقون بالحائط ويرفعون احدى رجليهم لئلا يتلوث البنطلون لا لئلا يتنجس استغفر الله
وردت لنا رسائل شتى نتضمن حل المسألة الحسابية المندرجة بالعدد الثالث من صحيفتنا وسندرج منها طرق الحل فانها تزيد عن اربعين رسالة ويتعذر نشرها بجملتها نلتمس من النبهاء كتبة الرسائل الادبية وغيرها عذراً فاننا سننشرها على التابع ولا يعجل كاتب بالغضب اذا تصور انهُ لم يكتب غيره فقد ورد لنا من الرسائل البديعة ما يملأ عشرة اعداد من جريدتنا فنحن نلحق محرراتنا في كل عدد برسالة او رسالتين قياماً بخدمة الادب والوطن وابنائه حفظهم الله

اعتراض على التبكيت
ضرب الامثال بنا ونشر عيوبنا لايليق مثلا تقف الافرنج على احوالنا
الجواب
الافرنج تعرف من امك ما لم نهتد اليه ولها مولفات في سيرنا اشتملت على مخبآءت يظن صاحبها انه لايعلمها الا هو والقصد تقبيح حال الجهلة وابطال دعاوي المخرفين وتحريك طباح الكسالى لتطهر العقول من دنس الجهالة حتى لانرى احداً من المغلفين ولا المضلين او الضالين امين

اظهار المخبأ
بينما احد ابنائنا مارا في طريق قابله احد الشبان المعممين وقال له استاذك خرج عن حده فانه روى ان ثلاثة طرابيش وعمة وجدوا في الوكالة بعد نصف الليل سكارى طينة مع اننا روحنا على ارجلنا ولم نركب عربيه حتي كان يقال اننا سكارى ومع ذلك كان الواجب التستر علينا فاننا من ارباب البيوت والشرف وآباونا من اهل الفضل. فقال له ولدنا اذا كنت من اهل الشرف احفظ شرفك على ان استاذي لم يقصدك ولكن التبكيت من غير تصريح كان سبباً في اظهار المخبأ

اخبار داخلية
مر احد عظماء السكارى بالمنشية فما ترك خمارة ولا بيرة الا تناول منها كاسين
كذلك جاء بعض الطائحين ووقف بباب خمارة الخواجا كربوس وكلما به احد من امثاله سقاه على حب الراح ما تيسر فكانت الخمارة محجورة على كسيد مدة وقوفه بالباب
(1/97)

- 64 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في الرسالة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نعيمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم)
(1/98)

- 65 -

العدد 5 - بتاريخ: 10 - 7 - 1881
(1/99)

- 66 -

اعلان
موجود بمكتب التنكيت رسم مبتدع غريب لم يوجد مثله من عهد ظهور الكائنات وهذا المبتدع ينفع لادارة الوابورات والزراعة والملاحة ودخل البيوت ويصلح لكل عمل من الاعمال وان اخذته معك في السفر نفعك النفع العظيم. وان طلبته في اي وقت لا يعز عليك وجوده ومن العجائب انه اذا اختلت الانة ووقفت حركته لا يقبل التصليح ولا يتمكن من اعادته الا مبتدعه ولكونه شيئاً بديعاً ورسماً جميلاً وضعنا صورته في علبة وعرضناها للبيع وحددنا لها ثمناً قيمته عشرة غروش مبرية وحددنا ميعاداً لغاية رمضان المبارك فمن طلبه ارسلناه اليه وقد خصصنا نصف دخل هذه الصورة البديعة لجمع رأس مال نفتح به صندوق اقتصاد لايتام المدرسة الخيرية ومن يشترك معهم من التلامذة فان دخلي لا يساعدني على فتح هذا الصندوق لتنتفع به الايتام والفقراء ونتمرث فيه اباؤنا على عمل صناديق الاقتصاد ولا اعدم من ذوي الغيرة وابناء الوطن اشتراكاً في هذا السعي المبرور خصوصاً وانهم يدفعون قيمة رسم مبتدع لم يظهر في الوجود مثله وسنصنع من هذا الرسم عدداً وافراً ليرسل الى راغبيه متى عرفونا وارسلوا لنا القيمة مقدماً

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - محمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/100)

- 67 -

كيف ظهرت وانا لك بالمرصاد
ايها العالم بطرق الاساءه
اليك يساق الحديث فاسمع واياك اعني فتامل. لبست ثوب الانسانية ومشيت في طريق ملئت بمثلك من النوع الشريف فرايت الامير والعظيم والغني والفقير والعالم والجاهل وقد رزق كلُ بما وصل اليه اجتهاده من نعمة يتمتع بها ومال ينفقه في مصالحه وجاه يحفظ به نظام قومه وعلم يهدي به الضال من جنسه فحملك حب الذات والحقد على من لم يوجه اليك فكره على السعي خلف مقاصدك والاجتهاد على نجاح اغراضك واتقدت نار الحسد في باطنك ومشيت تتنهد من غير مكدر وتصعد زفرات تبعثها كراهة نعمة غيرك واخذت تفكر في نعمته من اين اكتسبها لتقطعها عنه بسمايتك وجاهه من اين وصل اليه لنسد عليه باب الوصول اليه وعلمه اين يبثه لتشتت رواته عنه ناشدتك ذاتك وهي عندك اليمين الغموس. مالذي يصيبك لو كنت ذا مال وكان لك مثيل اتراه يغنم بسعيه ما لو تركه لخرَ به عليك السقف من فوقك ام ترى ان المقادير اخطاءت اذ سوت بينكما وما ربك بظلام للعبيد ام تظن انك تبتر اجله وتقطع امله اذا اوغرت الصدور منه بمفترياتك واكاذيبك ولكل اجل كتاب. ام تتصور انه يموت جوعاً اذا بلغت اربك وتمكنت من نجاح اغراضك السئية والله هو الرزاق ذو القوة المتين الا يسرك ان ترى لك امثالاً تسعى باتحادك معهم في عمار بلادك ونمو ثروتها. الا ترى انك بهذه الصفات تجلب على نفسك الشر بافسادك وتمرض جسمك باحقادك وماذا عليك لو اوتي اخوك علماً ينفع به مواطنك ويرشد به نوعك ويساعدك على تقدم جنسك (ان كنت ممن يحب تقدم العلوم) اتحسب ان قدحك فيه يؤخره عن مساعيه الجليلة بعد ان ذاق لذة المعارف وعلم انه بانفراده يساءم الحياة وبكثرة العلماء تطيب عيشته وتكثر مجالس انسه. ام نتخيل ان شعوذتك تحمل الناس على انكار ما علموه منه واضاعة ما يؤثر عنه والوطن وعزته والجنس وشرفه والامة ومجدها انك في حياتك من الهالكين وفي سعيك من الضالين أي قوة ترجوها اذا قطعت عضدك أي اخاك واي ثروة تبلغها اذا عطلت واسطتك أي مواطنك واي تقدم توده اذا قفلت بابه أي فم مثيلك. هلا نظرت الى الفقير فاعنته بما يحفظ به حياته والجاهل فهديته سواء السبيل والمجد فساعدته على نجاح اعماله عليك بفصول التنكيت فخذ منها ما تنتفع به وشذور التبكيت فاعمل بما
تهديك اليه ودع الكسل والخمول والتفاخر والتقاعد وشد عضدك باخيك في احياء الصناعة ونشر العلوم وبث كلمة الاتحاد واليك نصيحة عربي سبقنا
(1/101)

- 68 -

بحكمة نظرية لم تنجح عائلته بغيرها وهو الهلب ابن ابي صفرة كان له احدى عشر ولد امن صبيله فجمعهم عندما استحضر وقال لهم اجمعوا نبالكم واحزموها ففعلوا فقل ليقم اشدكم قوة فليكسرها فتقووا عليها رجلا بعد رجل فلم يستطع احد كسرها فقال فرقوها فاخذ كل نيله بيده فقال ليكسر كل انسان نبله ففعلوا فقال هكذا امركم من بعدي ان اتحدتم ومنعتم التباغض والتخاذل والتحاسد حفظتم نظامكم وبقي بيتكم مفتوحاً وكنتم كهذه النبال عند جمعها لايقدر على كسرها وتبديدها احد وان ملتم لحب الذات واخذتم في التظاهر وحب الرياسة تبدد جمعكم وخرب بيتكم واصبحتم كالنبال عند تفريقها يغلبكم الضعيف ويكسركم الجبان ثم قضى نحبه وتمسك اولاده بحكمته فلم يختل لهم نظام حتى لحقوا به
فلو تاملت ايها المدل بنفسه هذه النصيحة وانزلت نفسك منزلة فرد من افراد الامة وبحثت فيما يطهر الاخلاق ويوصل الامة الى النجاح حتى يقف كل عند حده ويعرف حقوقه ويتدرب على فهم الاشارات وادراك معاني السياسة لكنت من الذين راوا لذة حياتهم في حفظ بلادهم وبث روح العمران فيها ولكنك تعاميت عن هذا وظننت ان صورتك منقوشة في لوح الوجود فهزتك حمية الاعجاب واخذتك عزة الدعوى فاصبحت منفضاً مكدراً قلقا لايقر لك قرار ولا يهدا لك روع مع انك غير مكلف بشي يحدث فيك هذا الاضطراب
مهلاً فقد اكلت اصبعك من الغيظ هذا اخوك الذي تسعى خلفه بالنكاية وترميه بما ليس فيه دع الخلق فكل ميسر لما خلق له وما انت عليهم بوكيل. مالك تنبع كل سائر بنظرك وتهمهم بكلمات تدل على امتلاء جوفك بتغيظ يرسل من فيك شرر لعداوة لمن لم يعرفك وتسعى في اضرار من لم يزاحمك في مطعم او مشرب او ملبس وتنادي كل ذي ذكر جميل بين الناس بقول الحاسد كيف ظهرت وانا لك بالمرصاد

كلمة غيور على لغته
رسالة لحضرة الاديب المتفنن امين افندي شميل نثبتها ليذكر من يتذكر اذ جاءه النذير قال اعزه الله
لااظنك صاحبي تأبى نشر هذه الكلمات ولو كانت اعتراضاً لى قولك اضاعة اللغة تسليم للذت لان الحقائق انما تنجلي بالبحث ولا باس به
اللغة عبارة عن الةِ مادية تقوم بها مبادلة لافكار بالمعاني بين افراد الانسان عموماً لاوجود لها الا بالقوة. اما وجودها بالفعل فهو بطريق التخصيص كاللغات المتفرقة في امم لعالم التي تبلغ ما بين حيةٍ وميتة نحو خمسة الآف ثم من كون اللغة الة فقط فهي لافضل لها في ذاتها فعزتها وانحطاط مقامها انما يكون نتيجة صفات قومها من قوة وضعف
(1/102)

- 69 -

وعلو وفكر وسقوط همة وما هم عليه من استقلال وحرية واسبداد وعبودية وتقدم وتأخر ونحو ذلك فهي مرآة تتكسر فيها صور شعوبها ومن ثم كانت تتأثر تأثراً فعلياً من الطواري التي تطرأ عليهم كما نرى في اليونانية واللاتينية والسريانية والكلدانية والعبرية والقبطية والهندية والايرانية والعربية ايضاً ونحوها فان كلاً من هذه المركبات الهجائية اذا فصحت علم ماكان لشعوبها من القوة وحسن الافكار والتصورات والمعاني والتقدم في العلوم والصنائع والتمدن على درجات متفاوتة الى ان حات علل الانحلال فادي الامر الى ماهي عليه الان واذا ثبت ذلك علمت الاسباب التي لاجلها توت اللغات وتحيي مما لاعلاج له وباختصار فان في ضعف كل امة فقدان لغتها مهما كانت تامة الالفاظ واسعة المعاني والمباني اذ لكل شيء
دورٌ ولا فرق فيه بين جامد ِ ومتحرك
بموت راعي الضان في جهله
ميتة جالينوس في طبه
على ان بعض اللغات قد تكون لها وسائط طول البقاء لما فيها من التآليف الجليلة وافتقار العالم الديني والدينوي اليها فهي اشبه بحيّ في صورة ميت فاذا ايها الاخ المتعصب للضاد ليس لك ان تلومني اذا تركت لغتي الى غيرها وانت تعلم ان الانسان مفطور على طلب التقدم
ومن لم يكن ذاهمة عاش خاسراً ... وكان لهُ ان يلزم الجهل مارَبا
واي فتى يبقى عظاميُ فخرهِ ... عليه عصامياً فقد ذل مطلبا
فباي شيء ترغب اليّ الالتصاق الى لغتي دون غيرها بحسن كلام ام بلطافة لفظ ام بكثرة مواد لغوية وفصاحة عبارة اليس ذلك كلهُ كثيراً في لغات القوم السابق ذكرهم ومثل العربية مثل اللغات الاتينية واليونانية والهندية في اختصار التعبيرات والقوانين الراسخة لنسج كلمات جديدة في كل شيء وعلم حديث في عالم الوجود ومع هذا فلم يق هذه اللغات من موتها شيء. لعلك تحمسني لاكون خيرا من اصحاب هذه اللغات في احياء ما قضت الحوادث بموته فهل ظننتني غير انسان من صفاته العجز فمن يقدر على ذلك وحلفه مهام هذه الحيوة في طلب الرزق حفظاً لهُ وذويه ولا طاقة لهُ على الامرين في وقت واحد فيلتزم بالاهم اولاً ثم بتحسين اله اذا مكن. لعلك تعدنا انا تجد خبزا في عملنا هذا فنحصل على الامرين معاً فلا اظنك ياصاح تجهل الواقع ولا اريد ان تذهب بعيداً لتعلمهُ. اذهب الى دوائر حكامنا ومراكز تجارنا وانظر بكم يؤجر الكاتب الضادي والكاتب الدالي ثم الف لك كتاباً واجعلهُ كله ضاداً واصرف فيه عمرك واعرضه على قومك فترى مالبضاعتك من رواج او انك توملني باللذة العقلية التي احصلها من درس لغتي العربية تماماً لأفهم كتب علمائها الجليلية واملأ صدري من فرائد اقوالهم البديعة. فانك تعلم اولاً ان كل
(1/103)

- 70 -

لذات علوم الدنيا لاتملا بطن جائع ولا لذة عقيلة لمن لا يحسن غذاء جسده وقد نسيت ثانياً ان مولفائنا التي تفتخر بها قد نهبت لفظاً ومعنى الى مراكز الامم النامية فزادوا عليها اموراً كثيرة فهي حية في تلك الامم ميتة عندك لاسباب منها عدم صحة النسخ فكتبنا كلها اغلاط ومنها عدم وجود من لايفهمها الان وقد مات من كان يعرف معانيها. ومنها ان كثيراً قد نسخ بما اظهرته التجارب وقام غيره مقامه. ومنها الزيادات الجوهرية التي حدثت بعدهم ويجب معرفتها مما لا وجود لهُ في هذه الكتب زمنها عدم وجودها كلها اذ لم يبقَ منها الاّ الطفيف
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلسِ
وهذا الهزال الباقي اذا كنت سعيداً وعثرت عليهِ تلتزم بدفع اثمانهِ مالاً جزيلاً ومن اين لك المال يا اخي وانت تنجر ببضائع اكلها العث وبدلتها المودة او ((الزي الحاضر)) أما هو اجدر بك ان ترك هذه اللغة وشأنها التي لاتفيدك سوى محطة الشأن بعد تعب ونصب وجوع لامزيد عليه وتختار لنفسك غيرها ان كتبت بها راجت كتابتك وان طلبت تحصيل
علم فيها وجدت لك كتباً لاتحصى في غاية الضبط والكمال امتلأت منها خزانتك منها من اقوال اجدادك ومنها ممن تصفحها وتفتحها وعلمها وشرحها وزاد فيها ن اضدادك بثمن ((ارخص من الفجل)) فاذا اشتبه عليك معناها وجدت الوفا يكشفون لك غوامضها ويحلون لك عقدها. نعم ان في لغة الطفولية لذة ووطنية الا ان الوطنية الحقة ((دعنا من الكلام الفارغ)) قائمة في المعاني لافي الألفاظ. اعني في صيانة حقوق الافراد واحكام العدل والتسوية والالتفات الى الامة ولغتها وعدم اعطاء خبز البنين لغيرهم فاذا فعلت هيئتنا ذلك هان علينا كل شيء والا فانت تضرب في حديد بارد وكانت الوطنية قولهم ضرب زيد عمراً اشتعل الرأس شيباً وما اشبه
فانت تدعونا عن غير قصد منك الى البقاء في الجهل الى القناعة بفتات الخبز الذي يسقط من مائدة الغنى الى مبادلة الهم بالبلادة وترك الهم الى اضاعة الحس الانساني والموت بغدة بعير في بيت سلولية وهذا لايرضى بهِ ابن الحرة فاقلع جزاك الله فان الحكمة ضالة المؤمن يطلبها حيث وجدها فان اهملنا فبكتنا عليه حين نكون ممن ابتداه بهم فخرهم لا ممن انتهى فخرهم بهم واعذر كاتباً عرف الحيوة واختبر فرحم الله من فهم وعرف السلام
عن كفر الشيخ عاصمة البراري
في 24 يونيو سنة81 بحروفها (انتهى)

النجم ذو الذنب
عجبت لافكار العالم وتضاربها في هذا الذي لا اثر لهُ في الوجود ولا خوف منه فقد تعالم فيه الجاهل وتكاهن به المغفل واصبح الشرق
(1/104)

- 71 -

مشتغلاً به اشتعال الغرب بفنون السياسة والمخترعات وربما كانت محافل التخريف الشرقية اكثر عدداً من محافل السياسة الغربية والمجامع العلمية والاندية التجارية ولو جمعنا ما يقال فيه وما ينسب اليه لجاء مجلدات كثيرة والكل يرجع لفساد الكون وفناء العالم باسره ويعنون بذلك المسمى على لسان الشرع بالقيامة
وارى المتكلمين بهذه الخرافات مع اختلاف معتقداتهم قد كذبوا كتبهم ان لم نقل مرقوا من دينهم فان المسلمين والنصارى واليهود يعتقدون مجيء سيدنا عيسى عليه السلام ولكل مقصد فيما يترتب عليه مجيئه وهذا امر مقطوع به فالمصدق بما نشر في الجرائد على لسان بعض المنجمين مكذب لما جاء به دينه فكيف مع هذا يتقرب الى الله بالدعوات ويطلب منه الرحمة بعد ان رد ما اخبربه او الهم به انبياءه عليهم السلام
فلو قال الناس ان هذا المنجم رجل سياسي محيط باحوال الممالك عالم بما تضمره كل دولة لمثيلها وقد راى تلون السياسين وخدعتهم لبعضهم بالمعاهدات الظاهرية والتلغرافات المؤثرة في النفوس فحكم على ان هذا الخداع قد انكشفت مخبأته وظهرت بواطنه وتجارت الدول على الغنائم الشرقية فمنها الراضية ومنها الساخطة وهذا مما يغضب النفوس ويبعث على القتال واكثر ما يستمر بلا تدافع القوى اربعة اشهر وتضطرم نيران حروب تبيد ثلث العالم في الاقل لكانوا من العالمين باسرار الوجود. وان اخطأوا وراوا ضد ماكانوا يضنون علموا ان ذلك من اخذ الاحتياطات والتحفظ على الممالك وتحصين كل مملكة حدودها وحشد رجالها بما يدفع يد العدوان عنها ويوقف كل دولة عند حدودها ويحفظ للعالم نظامه الذي يخله الا الطمع ولا يخربه الا المدفع
فيا بني الشرق اين آحلامكم العظمية وذكاءكم البديع كفاكم من لعار فقد الثقة منكم وعدم الركون اليكم في اعمال وطنكم فضلاً عن الغير. كفاكم ما رميتم به على السنة الجرائد الافرنجية بل وبعض الوطنية من بعدكم عن مدراك العلوم والصناعة والادارة بل البعض يفضل الحيوان الصامت عليكم. كفاكم ان اشغالكم وامتعتكم واثاثكم يقدمها اليكم الغربي وينتزف بها ثروة بلادكم وانتم لاتشعرون. كفاكم انكم لاتتوصلون الى العلوم الصناعية
ولرياضية الا بتعليم الاجنبي وانتم غافلون. كفاكم انكم تبعتم الخرافات حتي فسدت اخلاقكم وتكدرت افكاركم وصرتم لاتصلحون لادارة اموركم الا بعد طهارة اخلاقكم التي افسدها التخريف وانتم به راضون. كفاكم ان حكومتكم تحثكم على الاجتهاد في المعارف والصنائع لتكونوا رجالها المعضدين لاعمالها وانتم في بحار الكسل غارقون. كفاكم انكم صرتم في البيوت المتهدمة والحارات القذرة ولا يسكن القصور ويتمتع بنزهة البساتين الا من عظم بما لديكم وانتم نائمون. كفاكم انكم
(1/105)

- 72 -

تمرون في الطرقات مشاة على الاقدام والعربيات تشردكم عن اليمين وعن الشمال وما بها الا من عظم بجده ونشاطه مع اختلاف الاسباب وانتم في باب التقاعد واقفون. تتألمون من الفقر وانتم له جالبون وترجون الفوز بالاتحاد وانتم بالتهور هالكون. لاتصلح امة الا اذا تهذبت وتأدبت وعمتها المعارف واصبح كل فرد عالماً بما يجب له وعليه مجتهداً في تحسين بلاده بالرفق والتاني والجد والاجتهاد وحصر الصناعة والفلاحة والادارة في اهلها ومتى كانت فاسدة الاخلاق مكبة على الملاهي كانت محتاجة لقيم يدبر امرها ومرشد يهديها حتى تبلغ درجة بها تعد امة في العالمين
كم حجة بايدي المصريين عليها ختم قاضي باريس كم بنك في لوندرة باسم الحاج فلان كم عمارة في ايتاليا يلتزمها المعلم علان كم ادارة في برلين يديرها الباشا فلان ما الذي اوقعنا في هذه المخالب وجلب علينا تلك المصائب اليس هو الجهل القبيح والتهور بما لانعرف له عاقبة والخروج عن الحد بالفاظ الوقاحة والاجتماعات الفاسدة وما كفاكم ذلك حتى اخذتم تخرفون في النجوم وتسندون اليها ما اختص بمقام الالوهية
ارى فعلة باريس فتحوا صندوق اقتصاد فما واثرى حتى صار اعظم بنك يوثق به ونحن نقتصد في المعاش ونتوسع في الخمور والحشيش والقمار حتى فتحنا بنوكاً ولكن لغيرنا واضعنا
الصناعة وصرفنا اموالنا في شراء ما يلزمنا فادرنا عدة معامل ولكن في غير مملكتنا ووقفنا نتمدح باغنيائنا وهم فرحون بما يعدونه نعمة من الترف والسرف في ملاذ النفس مسرورن بكنز الف جنيه او الفين تحت الارض وهم لايملكون من بلادهم الا بيتاً فيه ينامون افلا يليق بنا ان نصنع انفسنا بايدينا اذا رأينا حكومتنا تنشر الاعلانات للبيع والاستيجار ونحن قادرون على مساعدتها بشراء كل ما استغنت عنه واستيجار كل ما
عرضته وعمل كل ما احتاجت اليه ثم لانهتم بشيء حتى نرى الشاري والمستأجر من غير اهل البلاد ثم نرمي الحكومة بالميل الى الاجانب ومساعدتهم في كل ماطلبوه. اي مدينة عقدت جمعية من اغنيائها والتزمت امراً من الحكومة ولم تثق بها. واي جهة اجتمعت فيها العمد وجمعت مبلغاً نتوصل به الى لثقة بها واستأجرت تفتيشاً ولم تساعدها على غرضها
فمع اختلاف القلوب وفساد الاخلاق والانكباب على الملاهي والشغف بالتخريف والاشتغال بالمنجمين والرمالين والدجالين والمتكلمين بالضمير واهل الاوفاق والطوالع والخواتم المجربة والانفقة من المعارف واهلها كيف نرجو الصلاح والاصلاح ورد ثروة البلاد لاهلها. مات من كان يقول (نجم له ذنب في رجب يحل عجب) سنة1298 هكذا نطق الجفر بالجمل لكبير وظهر من يقول بالجمعيات المالية نغنم الريح وبالعلم ندرك
(1/106)

- 73 -

المقاصد والصنعة تحيي البلاد وبالجد نباهي الدول المتقدمة. وهلك من قال حسبي من الفخر ان اجدادي فعلت كيت وكيت وعظم من قال لا خلدون ذكر ابائي واسسن مجد ابنائي كل هذا بالاتحاد واجتماع الكلمة وترك التقاعد واصلاح فساد الاخلاق وتهذيب النفوس لا بالحوادث الجوية والاخذ باقوال المشعوذين ومعتقد المخرفين فان الين ينهانا عن هذا كله والامر لله لا للنجم ذي الذنب

منام يعرض على النبهاء لتعبير يلتمسه
محرره صديقنا الابر
احمد افندي سمير
روى والدرك على الراوي ان احد الادباء رأى في نفسه خفة للمسامرة فقصد بيت جاره ولما رأى مجلساً حافلاً لم يكن بعهده قبل والقوم في اصغاء وانصات فسأل جاره هل من شئ فقال نعم رأيت في الليلة الماضية مناماً غريباً اريد ان اقصه على الحاضرين فان شئت ان تشاركهم في سماعه التأمل في ما جاء به فاسمع فقال الاديب حدث ولا تخش ملالا فتورك وتنحنح وقال اشتغل فكري ليلة امس فنمت قبل ميعاد النوم وما استغرقت في النوم حتى رأيت الحجاب كشف عني وسمعت منادياً يناديني سل عما يهمك فلم اجد اهم من معرفة اسباب الزلزلة التي تحدث فتشتغل بها الافكار فسألت عنها فلم اشعر الا وقد نزل بي الى ماتحت الارض السابعة وشاهدت الثور الذي يحملها على قرية (كذا) وسمعت المنادي ثانية يقول اصبر قليلاًً تر ماتسأل عنه فما تم كلامه حتى رأيت ابليس حاملاً خريطة بقدر حجم الارض وصور جميع الموجودات مرسومة عليها فاقترب من الثور وخاطبه بقوله كيف ترضى بما انت عليه من الذل والهوان ان فوقك قصوراً وقبوراً وجبالاً راسيات واحجاراً واشجاراً ومع ذلك لاتسأم ولا تبدي حراكاً وما كفاك ذلك حتى جاءك هذا النوع (واشار بيده الى الحيوان) الذي يحمل الاثقال ويحرث الارض لتقوى مزروعاتها فتزيدك تعباً بما تظهره من المواليد فقال الثور كل هذا ليس بشي مع ما انا عليه من صحة الجسم وعظم البنية وزيادة القوه فاخذ ابليس يعدد لهُ اصناف الموجودات واوصافها وهو غير متأثر منها فلما انتهى الى الانسان قال وانظر هذا النوع الذي لولاه ما تحملت كل هذه المشاق فان الحيوان لايفعل شياً باختياره بل الانسان هو الذي يضطره. فقال الثور لا ابالي ما دمت قادراً على حمل ما كفلت بحمله. فقال ابليس كيف لا تبالي وهو نوع جبل على حب الشهوات والملاذ وفطر على حالة بهيمية لايتخلص منها الا بمرشد فقعد عما يوجب تقدمه وهو غير مقعد وتقاعس عن دفع من يقاومه وهو من ابناء جنسه فاصبح ذا غباوة لايرضاها الحيوان وامسى سائراً في الوجود يقتل وينهب ويظلم ويفتري ولا يجد
(1/107)

- 74 -

له غرضاً يفوق اليه سهام اغراصه الا جنسه. فانتحب الثور وقال لا ارضى بحمل جاهل يفعل
مايشاء ولا اخدم الا مهذباً يعرف حقوق نفسه وواجبات حياته ثم حرك رأسه غاضباً فزلزلت الارض زلزالاً متوالياً وافقت من نومي فزعاً فرأيت الشمس طالعة والناس يسرحون الى اشغالهم فقصدت احد المعبرين وقصصت عليه الرؤيا فقال خيراً انت رجل من الصالحين والامر كما رأيت فعند ذلك هداء روعي ولبثت يومي احدث كل من اراه بما رأته عيني وسمعته اذني من اسباب الزلزلة فما تقول انت في هذا المنام
فقال الاديب خرف بما شئت ولا حرج فما اوجب تأخيرنا الامثل هذه الاحلام التي فيها انت والثور وابليس على حد سواء فقال الجار انت لا تعرف شيئاً من علم الرؤيا ثم التفت الى جلسائه وقال قد سمعتم عجباً فماذا تقولون. فقالوا بصوت واحد القول ماتقول فقال الاديب قبح الله التخريف قيل الله الاوهام قد غلب الحلم عليك حتى ظننت الطيف انساناً ولولا ان الليل مضى لشرحت لك فساد اخلاقك ولكني اكل ذلك لقراء صحيفة التنكيت والتبكيت لعلهم يدلونك على ما به تزول اوهامك وتتنور افهامك فيا علماء الرؤيا واساتذة الرياضيات عبروا لهذا الجاهل رؤياه وعرفوه سبب الزلزلة ليصدق بما يراه منشوراً في صحيفة التنكيت فانه لا يصدق الا بما كان منقوشاً في كتاب وقد تركت مجلس هذا الغبي حتى يرد الينا فان مجلس مثل هذا لا يليق للمسامرة ولا للحديث فما فيه نديم ولا (سمير)

عمدة سكران بميت غمر
مررت بخمارة ببندرنا المسماة خمارة الجنينة والبحر وجدت عمدة سكران والبقال يحاسبه فوقفت انظر ماذا يتم سمعت صاحب الخمارة يقول للعمدة انا جبتو في الاول ياخبيبي لما كنت قاعد انتا والافندي آشره بيره وآشرين مستكة وبادين ما ارفشى الهدام جبتو ايه ودلوختي حساب الليلة 3 جنيه افرنكي ونصف بنتو اذا كان مفيش فلوس اكتب واخذ ورقة عليك لما يطلع القطن بخمسة جنيه ونصف بنتو. العمدة يخواجه الحساب كثير دهدي ده انتا جبت صحيح بيره عشره ومستكة عشرين ونصف رطل حشيش بعدين جبت ايه بس أُول ليا أُول. صاحب الخمارة عيب عليك ياعمدة انا موش خباص الهساب مضبوط اذا كان ماش يجيب فلوس انا اشتكيك بكره لناظر القسم. العمده يخواجه ماش حاوجه شوف كاتب واكب اللي انتا عايزه وخذ الختم آهو باردة. يخواجه اني مالي بركه الا انتا. العمدة هات الختم بقا. صاحب الخماره خد الختم كثر خيرك يا مسيو الخواجه خذ واحد عرقي مني جبا لحضرة العمده. جات مصدقة لما جاء في العدد 3 من جريدتكم النقطة للفائق 2 وللسكران 20
(1/108)

- 75 -

رسالة مصطفى ماهر
رسالة لاحد ابنائنا وما حرصنا على نشر صدرها مع النادرة التي فيها الا لنشر فضل الابناء النجبا فان هذا الملحوظ برعاية الله تعالى في سن الخامسة عشر من عمره المبارك ولم ياخذ اكثر من عشرين درساً في الانشاء فنحن ننشر رسالته بحروفها لتقف الاباء على سر الابناء وتعلم كيف يثمر التعليم الحر في المدة الوجيزة قال حفظه الله
غارس بذر معارفي استاذي الفاضل ايده الله هنيئاً لك ايها المجد في تمدين وطنك بما قدمت يداك من الاعمال الخيرية التي شهد بها الوجود فانعم بك من وطني يصرف حياته فيما يخلد ذكر الوطنية ويحفظ نظام امتها وانعم بحريتك من مهذبة للاخلاق فسنرى ان شاء الله من ثمرتها في وقت قريب مالم يكن يخطر على بالنا ان نحصله في اجيال عديدة جزيت خيراً عن الانسانية وعن المصريين الذين نسعى في رفع لوائهم على منار العلوم لينافسوا باقي الامم في التمدن والمعارف فوحق الانسانية وعزة الوطنية لقد خلدت لك اسماً في صفحات الدهر يدوم ما دام على وجه الكرة مننفس وذكرك قد ملاه الشرق عموماً حتى لم يبق في قطرنا احد الا وهو يعرفك حق المعرفة وان لم يرك وحق الآداب وناصريها انه لايمر بي يوم الا وارى الناس تلهج باسمك وبايديهم جريدتك يقرو منها بتلهف وتغنى طرباً لما فيها من الحكم والمواعظ مقسمين بان يسعوا جميعاً في اجتناب عوائدهم الذميمة والخرافات التي شب بعضهم عليها وبعض شاب عاملين بما يشير به التبكيت صاغين لما فيه باكين على احوالهم الماضية وما كان يعقبها من المضرات ان لم يسخر لهم الانسان هذا القطر الذي فطر على حب الوطن يريهم ما يجب عليهم فعله وينهاهم عن الخرافات والترهات لاسيما قرآة قصص التخريف فانها سبب التاخير والفقر كما يظهر من نادرة حصلت في ثغرنا ابعث بها لحضرتكم آملا ان تحوز قبولاً وتتشرف يدرج بعض كلمات منها في جريدتكم العالية الشان ردعاً لاصحاب التخريف وتبكيتاً لهم وهي كان لاحد المخرفين المولعين بقصة عنترة فلوكة فسماها باسم امرأة فارس عبس عبلة لشدة حبه لها وبنما هو ينظفها ذات يوم وجد بها كسراً فبحث على قلفاظ يرممها لهُ فلم يجد بعد تعب شديد فالتزم بالعرض الى الترسخانة يطلب منها احد قلافطتها فامرت لهُ بواحد منهم فاخذه واراه الفلوكة فاتى القلفاط بما يلزمه من العدة وشرع يصلح الفلوكة فسأله صاحبها عن اسمه فاجابه ان اسمه عمارة وحينما سمع ذلك استشاط المخرف غيظاً وقفز قفرة امسك فيها
يده وامره بالقيام وعدم القرب من الفلوكة وقال لهُ اني اموت فقراً احسن من ان ادعك ياندل تقرب منها فيهت الرجل وحار في امره وقال لهُ ماذا فعلت من الامور الموجبة لغضبك او لم تأت بي لتصليح هذه
(1/109)

- 76 -

الفلوكة وما فعلت شيئاً خلاف ما امرتني به فاجابه المخرف يامجنون وياسخيف العقل هل سمعت قط ان عمارة الندل قرب من عبلة طول حياة فارسنا الامجد وليثنا ابي الفوارس عنترة فكيف ان اعظم محبيه واحد مشدوديه مثلي يترك عمارة الندل الاجرب يقرب منها بعد وفاته لاكان هذا ابداً فسأله القلفاط واين هي عبلة حتى تمنعني من الدنو منها فعرفه المخرف انه لغرامه بعبلة سمى فلوكته بأسمها ففهم القلفاط وترك الفلوكة وهو يسب خسافة عقل ذلك المخرف ويلعن الجهل واهله ويدعو الله ان يمن على المخرفين بمن يبكتهم ونزجرهم على افعالهم هذه ليرجعوا عنها اما ذلك المخرف فلم يسع من بعدها في طلب قلفاط اخر خوفاً على عبلة وترك الفلوكة على الشاطي تكسره الامواج حتى لم يبق من عبلة بقية كتبه
ولدكم مصطفى ماهر
من تأمل رسالة هذا البارع وراى قسمه بقدر الانسانية وعزة الوطنية عرف ما تشربه قلبه من حب بلاده وما وصل اليه من ادراك معنى الانسانية حتى صارت ابراقسامة وبمثله تفخر الاباء وهو مع احسانه الانشاء العربي كذلك يحسن النشاء الفرنساوي وسنرى من امثاله ما يملاه الخواطر سرورا والنواظر نوراً حفظه الله لوالده الجليل ومتعني الله بتلاوة رقائقه التي هي اقصى غاياتي وثمرة حياتي فيه وفي امثاله ابقاهم الله

افتتاح مدرسة الجمعية الخيرية
بد منهور
في الساعة التاسعة من يوم الخميس شعبان سنة 98 اجتمع الاعضاء ومن دعوهم لشهود هذا الاحتفال من الاعيان والوجهاء وساروا من بيت الهمام النبيه سعادة محمد بك سعد الدين مدير البحيرة الى المدرسة بجوار سيدي ابي الريش وبعد ان اخذ الناس مجالسهم قمت وطلبت من سعادة الرئيس افتتاح المحفل فحمد الله واثنى عليه ثم امتدح الحضرة الخديوية بما شف عن حبه لها وميله اليها واحال خطاب الافتتاح على العالم المحقق التحرير حضرة الاستاذ الفاضل الشيخ محمد جوهر فارتجل خطابة بديعة طرب بها كل سامع وشهد لحظرته بالبلاغة والاقتدار على الارتجال الدال على تمكنه من اللغة وتفننه في العلوم ولو استطعت كتابتها اذ ذاك لحليت وجه الصحيفة بها ولكن شهرته تغنى عن الدالة عليه بخطبة وبعد فراغه من الخطابة قمت فامتدحته بما يليق بمقامه ثم رجوت الفاضل المهذب الشيخ محمد الوكيل في خطابة فقام وتلا هذا الخطاب البديع وهو
حمداً لمن فتح باب المعارف للطالبين واوضح شموس الهداية لأهل اليقين وصلاة وسلاماً على من علمه الامين الاعظم فقال لهُ اقرأ وربك الاكرم {وعلى اله الذين سلكوا
(1/110)

- 77 -

سبيل الرشاد واصحابه الذين اهتدت بنور هدايتهم العباد وبعد فلما كان التعلم من اشرف الخصوصيات الانسانية والغايات التي تنبعث لها همم البرية قيض الله بتوفيقه العظيم وبرفيضه العميم لهذا العصر الذي بزغت شموش تمدنه في الافاق واطلع الله نجم سعوده بجميل الاتفاق رجالاً كراماً سارعوا لتحصيل الخيرات واجتهدوا في تعميم نفع البريات وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وليجد في تحصيل نفعة المجدون اهتزت اريحيتهم للتعاون على البر والتقوى مخلصين لله في السر والنجوى فانتظم في سلك اخلاصهم عقد الجمعية الخيرية وانتهزوا فرصة هذه العناية الربانية بان اقاموا عماد المعارف بقوائم الهدى فان بث العلوم مما يذهب الجهالة ويستاصل داء البطالة ويخلد الذكر الجميل ويشرف الدني ويعز الذليل تبدوابه الكمالات وتحسن به البدايات والنهايات يجلس الصغير على مرتبة الكبير ويساوي بين الامير والحقير قال الشاعر
تعلم العلم باذا ... تحز فخار النبوه
فالله قال ليحيى ... خذ الكتاب بقوه
فيا اهل الفطنة هذا موسم تحصيل الخيرات وابان السعى لنيل المبرات فشمروا عن ساعد الاجتهاد وحصلوا من هذا الغرض ما يدخر ليوم المعاد وانظروا كيف اخذت اخوانكم الحمية الوطنية والرافة الانسانية العمومية فاجتهدوا انفسهم وبذلوا اموالهم في تهيء هذه المدرسة العام نفعها وانبت ثمار العلوم زرعها فخازوا قصبات السبق في مضمار المطالب ونالوا من الشرف ماتنبعث لهُ نفس كل راغب فلله در مديرنا الافخم وسعد دين الله الاعظم حيث اقتضت همته العالية ونفسه الراضية انشاء هذه المدرسة بمدينة دمنهور ليحصل بها كمال المنفعة على مدى الدهور ولله در رجال تعاضدوا معه لنجاز هذه المكرمة واقتفوا اثر سعادته في ايجاد هذه المرحمة ليكتسبوا لسان الشكر من الانام وحسن القبول من الملك العلام فانعم بها من دار علوم عمها ظل خديونا الاعظم ومليك مصره العزيز الافخم اللهم ادم لنا الحضرة التوفيقة وانجالها الكرام وانفع بمحاسن اخلاقهم الخاص والعام
هلموا ننتهز فرص التهاني ... ونغنم انس هذا المهرجان
ونسعى في صفا الاوقات سعيا ... يوصلنا الى نيل الاماني
ونجني من ثمار الفضل مجداً ... بافبال يدوم مدى الزمان
ونحظى بالوصول الى المعالي ... ونسلك بالهدى سبل البيان
منحنا خير مدرسة تحلت ... بتيجان جواهرها المعاني
دمنهور بها اضحت عروساً ... بهجتها تتيه على الحسان
اقام عمادها قوم كرام ... كما شاهدت ذلك بالعيان
تقدمهم لهذا السعى مولى ... تقلد رتبة الشرف المصان
(1/111)

- 78 -

بسعد الدين شهرته امير ... سمى بكماله اعلا مكان
ووافقه على ئلك المزايا ... رجال حظهم شرف اللسان
فيالله من محمود سعي ... بصالحه حوى خير امتنان
بهم جمعية الخير استفادت ... كمال الشكر من قاص ودان
لهم بالله توفيق معين ... مليك مالهُ في المجد ثان
ادام الله عز مليك مصر ... وانفذ حكمه في كل آن
وابقى طالع الانجال فينا ... مضيئا ما اضاء الفرقدان
بمجدهم المؤتل قلت ارخ ... بمدرسة العلوم جلال شان
706 177 64 351
1298
بخير افادة فتحت وجات ... باشراف ماتجود بنوا المعاني
812 468 888 410
1298 1298
583 454 59 202
1298
وبعد فراغه صفف اليه استحساناً وقمت فاثنيت حليه بما هو اهله ثم التمست من حضرة الفاضل الشيخ عبدا لله العريان ان يتحفنا ببدائعه فقام وخطب بما لعب بالالباب ودونك ما متعنا به هذا الالمعي وهو
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك يا من فتحت لنا ابواب السعد بحسن كمال توفيقنا لمعرفتك فاظهرت لنا يد السرور آثارها بنيل بلوغ نعمتك فقام فينا سعد الدين والبيان رئيساً مطاعاً واعطانا نديم الفصاحة والبلاغة من حسن منظومه ومنثوره متاعاً فنال كل فريق منا مآر به وعلم كل انسان منا مشربه فسبحانك ما ابلغ حكمتك وبدع عظمتك واصلي واسلم على من انار طريق الهداية لدروس حججه التي هي لجيش الضلال قاطعة وعلى آله واصحابه الحائزين قصب السبق في مضمار علومه وانواره الساطعة اما بعد فلما اظهر الله لنا التوفيق المصون الى عالم الظهور انقذنا بسببه من اسر هوانا وارتدع من هو بجهله مغرور وتسابقت منا فرسان المعارف الى ميدان مدارس الفضل واللطائف وتألفت القلوب وعلمت طريق باب السعادة والنجوى واستمدت من نور توفيقها وتعاونت على البر والتقوى وصرنا بعد زمان الشيب في ايام الشييبة واخذنا نلتقي معارف اسلافنا العجيبة وصارت الان مصر في اعلا مزايا لا لتناها ولطائف احاسن لايبلغ الحصر منتهاها وحق لنا ان نقول
أيا مصر تيهي واحظ بالخير والمنى ... بما نلت من حسن بتوفيق مولاك
(1/112)

- 79 -

وقومي بشكر للالاه وبادري ... بدعوة اخص فربك اعطاكِ
فوالله قد تزينا من جمال معارف توفيقنا باحسن زينة وتقلد جيد نظامنا من عوارف معارف وزرائه بقلائد ثمينة قناهيك بهذه الجمعية الخيرية الوطنية التي انشأت هذه المدرسة البهية الدمنهورية وهذا اليوم السعيد يوم افتتاح خيرها ووصول الراجين للتمتع بثمرات برها وذلك بهيمة صاحب الشهرة في جميع الخصال المرضية والعدل الصائب في كامل احوال الرعية من يحسن رئاسته حسن جمع هذه الجمعية سعادة مدير بحريتنا لا زال سعده طالعاً في البرية فاكمر ها من جمعية قد اسستها يد الاحسان بالتقوى وارتبطت قوانينها من صلاح رجالها بالسبب الاقوى يقول عند سماع نديمها الوا الالباب ما سمعنا بهذا في الملة الاخرة ان هذا لشي عجاب فاعظم به من نديم قد ملك مضمار البديهة واللسن ومجلى عرائس الاختراعات والفطن وقد أوتي من جميع العلوم حظاً وافراً فسبقنا به من تقدمنا وان كنا اخراً ورقت به علوم هذه الجمعية وصارت جديدة بمعنى هذه الابيات الشعرية
فان ذكرت في الحي اصبح اهله ... نشاوي ولا عارعليهم ولا اثم
وان خطرت يوماً على خاطر امرئ ... اقامت به الافراح وارتحل الهم
ولو نظر الندمان ختم انايها ... لاسكرهم من دونها ذلك الختم
وحيث كان شكرا الاحسان واجبا على كل انسان فنسأل الله ان يديم لنا الحضرة الفخيمة الخديوية وانجالها ووزراء دولتها ورجالها البهية ويمتعنا بدوام كمال سعد ديننا ومديرنا الهمام ويسرنا بنجاح كل خير يعود علينا على مدا الدهور والايام
وبعد تصفيق الاستحسان قمت للثناء عليه ورغبت من حضرة البارع الذكي الشيخ حميده سالم ان يتفضل على المحفل برقائقه فقام وقال واجاد وها هي خطبته الدالة على حسن اقتداره
حمداً لفاتح ابواب الخير لعباده العارفين السالكين سبيل الرشاد فكانوا بتوفيق العزيز من الفائزين المولفة قلوبهم للتقوى. المخلصين لله في السر والنجوى 0المنفقين نفوسهم واموالهم في الطاعة0المجتهدين في تحصيل واكتساب الاجر ولم يرتضوا ضياعه 0وصلاة وسلاماً على خير ساع في اصلاح شان العباد. سيدنا محمد الذي شاع ذكره بالمكارم في جميع البلاد. اوضح لنا طرق الهدى 0 وارشدنا لما به تكفي الردا. وعلى آله واصحابه
والانصار. واتباعه وذريته الطيبين الاخيار 0اما بعد فان كمال النوع الانساني يتوقف على معرفة المعارف والعلوم. ومعرفة احكام المنطوق منها والمفهوم فانها غذاء الارواح والعقول. وبها يكتسي الجسم حلل الصحة والقبول. ومتى صح بها العقل. وبرئ بها من علة الجهل. يتقدم المر في المعارف. وجازبها كل مجد من
(1/113)

- 80 -

تالد وطارف. ومن اعظم مساعد على اكتسابها مع السهولة عل تحصيل ادابها وجود المدارس التي ينشأ التلميذ في فنونها يدارس ولو كابد مرارة التعليم في صغره. فانه يجني ثمرة حلاوة مزينه في كبره. قال صلى الله عليه وسلم اكرم اولادكم واحسنوا ادبكم وقال صاحب المثل. ناصحاً لمن عقل. ادب ولدك في الصغر ينفعه في الكبر. ومتى شب الولد على امر شباب عليه ولا يميل طبعه طول حياته الا اليه. واذا اهمل الولد في الصغر بلا تعلم. واستحوذ على عقله الشيطان الرجيم فسد عقله وغلب عليه جهله ويخلق باخلاق قبيحة. ومع وجد ذلك لم تؤثر بيه النصيحة لارتكابه كل فعال يذم بها وخصال تنزع عنه كل بها. واذا كبر وتذكر ما فات من ضياع عمره في اخبث الشهوات ندم حيث لاينفعه الندم. وتمنى ان لو كان ماوجد من العدم ولاينفعه في الكبر قول لو وليت كنت فعلت في الصغر كيت وكيت بل تمثل بقول القائل من مضي قبل من الاوائل
الام على لو ولو كنت عالما ... باذناب لو لم تفتني اوائله
فعلى رجال هذا الوطن ان يكونوا امة واحدة الفة واتحاد او تعاضدا ومساعدة. ومعلوم لدى الجميع حب الانسان لاوطانه. وكذا المرء قليل بنفسه كثير باخوانه وليس في ذلك ما يوجب التشكيك. قال الله تعالى سنشد عضدك باخيك خصوصاً ونحن في عصر ظهر
فيه طالع التوفيق وقد فتحت فيه المدارس بكثرة للنفع بها على التحقيق. ولا تخفى فطنة رجال هذا العصر وكثرة مكارمهم التي تجل عن الحصر وشغفهم بحرفتي المعارف والاداب فهم ينسلون اليهما من كل حدب. ولاسيما الاستاذ عبد الله افندي نديم فانه اول محب ساع في ق هذا الخير الميم على انه هذا الاستاذ جنى من كروم العلوم ثمرتها وبلغ في جميع فنون الادب والمعارف غايتها فلم يسبقه من فرسان البلاغة سابق ولم يلحقه من ابطال الفصاحة لاحق
قل للذي قد رام يبلغ شأوه ... اقصر عناك فما اليه وصول
وكفاه شرفاً ما يروي عنه من عميم النفع بمدرسته الخيرية بسكندرية التي صارت بها انوار تعليم العلوم واضحة جلية حتي بلغ ذكرها الشام والعراق وشاع فضلها في جميع الافاق ولله قوم كرما. سادة عظما. جيلت قلوبهم على حب الطاعات وفعل المكارم والخيرات. قد اجتمعوا ببندر دمنهور تأسيس مآثر خير تبقى لهم على مدا الدهور لفاح مدرسة خيرية وطنية لتعليم العلوم الدينية واللغات الاجنبية لعلمهم انها واجبة عليهم ونفعها عايد اليهم وحباً منهم في تربية وتعليم اولاد الفقراء والايتام تبرعاً منهم لله ومحافظة على شرف ملة الاسلام فيالها من مكارم تسر من في السموات ومن في الارض ويالها من مآثر تخلد لهم الذكر الحميد الى يوم العرض وامامهم المجتهد في نشر هذه
(1/114)

- 81 -

المكارم الجليلة ورئيسهم الاعظم القائم باقامة هذه الشعائر الجميلة هو سعادة مديرنا الافخم واميرنا الاكرم ذوا لهم العالية والرتب السامية من عرف الحق حقاً فتبعه وراى الباطل باطلاً فنآى عنه فانعم به من امير لا يزال الحلم سجيته وحبه الخير لايزال على الدوام طبيعته واكرم به من مدير ادار على اهل البحيرة كوؤس المسرات واوصل اليهم كمال الخيرات واوفى المبرات فبهمته اصبحت دمنهور تزدهي بانوار علوم هذه المدرسة النافعة التي صارت لكل فنون العلم والمعارف جامعة حتي نطق لسان الحال مورخاً لها قائلاً مادحاً شاكراً اهلها
اصبحت تزدهي دمنهور نورا ... وبدا ليلها ضياء كصبح
طاب فيها روض المعارف نفحا ... صار يغني عن كل طيب ونفخ
فهنيئاً لها بما كسبتهُ ... من سرور يغنيك عن كل شرح
بمدير لها كوس التهاني ... وبها سعد الذين فاز ينجح
سيد ماجد امير كريم ... حاز فضلاً يسمو على كل مدح
ورجال افكارهم نيرات ... يتداوى برأيهم كل جرح
اهل مجد تسابقوا للمعاني ... واكتساب الثنا ففازوا بربح
اهل سعد لهم مقاصد خير ... اهل رشد بين الانام ونصح
منهم صالح الفعال ومنهم ... من لنحو العلا لهُ خير شطح
سيما فيهم نديم المعالي ... من تحلى بكل رأي اصح
كم لهم من مكارم قد توالت ... للورى في بحارها خير سج
اوجدوا للعلوم مدرسة خير ... بة حيث ما بهم نوع شح
يالها للعلوم مدرسة تز ... هو افتتاحا تاريخها خير فتح
سنة 1298
فنسالك اللهم ان تديم النفع العميم بهذه المدرسة التي صارت على تقوى من الله ورضوان مؤسسة وان تبقى رجال جمعية خيرها الا ماجد في امان وان تديم تويقهم للخير على مدار الدهور والازمان ما افتتح باب خير لطالب وراغب وفاح مسك ختام لحاضر وغائب امين
وبعد تصفيق الاستحسان قمت وطلبت الفاضل الاديب الشيخ احمد ابا الفرج للخطابة وبعده الذكي. الحسيب السيد محمد افندي شكري ناذر المدرسة وبعده ولدنا مرقص نبيه تلميذ المدرسة الخيرية ولكن لكون الجميعة جمعوا الخطب على غير ترتيب ولم يسعهمم الملحق تاخر تحت الطبع خطاب الفاضل الشيخ احمد ابي الفرج والالمعي شكري نثبتهما في العدد الاتي وهذا خطاب
(1/115)

- 82 -

ولدنا قام فقال
سبحان من خلق الانسان وجعله محل التصور والادراك وارسل الانبياء لانقاذه من يد الضلال والاشراك وفق من شاء لما شاء من افعال الخير ودفع عنه بفضله كل شر وضير وبعد فانا وجدنا في هذه الحياة الدنيا وقد انقسمت درحتين عليا ودنيا فاهل العليا هم رجال المعارف. واهل الدنيا هم فتيان المعازف ولم ادر نحن في ي قسم من الاثنين اظننا في الدرجة الثانية بلا مين فاننا لو كان المجد في الخمول كنا السابقين ولو كان الشرف في الكبر والتيه كنا الاولين ولو كانت السيادة في الانفة والعنف كنا امرأها ولو كانت المعارف في التقليد والحبط كنا علمأها فطباعنا في اللهو والفساد لم يخلق مثلها في البلاد اتخذنا الحقد عاده وضرب الفقير سيلده وشربنا الجهل بكاس الغباوه وتمنطقنا بالبغض على العداوة فلم نشارك الحيوان في حب النوعية ولاسكان القفار في حب الجنسية بل جبنا حتى عن الحرم وانفنا حتى من الكرم ورجعنا بسوء الاخلاق القهقري وحمدنا عند التاخير السري
فمن كان ذل النفس غاية قصده ... تعلل بالتأخير عن زمن السبق
ومن سار للعليا مجداً بنفسه ... رأى الصعب مقروناً بمنزلة الرفق
فهل من حر يرجع اليه او كريم يعول عليه اوسيد تتحقق فيه الظنون او شجاع تنظر اليه
العيون او سيد نرتفع بقدره او جميل نستضيء ببدره اوحكيم يهذبنا وعظه او عالم يؤدبنا لفظه فقد قرعت العصا لمن يفهم واسرجت الخيل حتى الادهم وحمي الوطيس على اطف الكم وهلكوا صغاراً بسوء افعالكم سكرتم بالخمول بعد سكرة الجهل وصرفتم النقد في طريق الملاهي السهل وتركتم الاطفال يصرخون جوعاً ويشربون من الظماء دموعاً ويساقون من الجهل مع البهائم قبل ان تناط عنهم التمائم وما ذنبنا اذا جهلت الاباء وعاقها عن المعارف الاباء انترك عرضة لنكبات الزمان ام نهدر صغاراً ونحن من الانسان وتاخذنا الاباء بذنوب الاجداد فلا نلحق العلم ولا نار الحداد عار على شيوخ جربت الزمن وفتية ذاقوا في لايستحق واقوياء لايجدون مجداً محق فواخجلتاه من اجنبي يعلمنا البيان واعجمي يعرب لنا اللسان وغريب يغنم اموالنا وقريب يسئ احوالنا ووافضحيناه من شيوخ تكسر وفتية لاتشكر وصبية تلتقط فنات النجلاء وعبة اهلكتها الخيلاء واواه اواه من سيف بغي كسر العظم ووصل المشاش وعنون تاريخ ويدخلون عدنا في الاوباش فمتى تثور هم الرجال ويدخلون مجالاً غيرهذا المجال وينقذونا من دائرة الحيوان ونكتسب كبقية العالم اسم الانسان اظن النفوس بطرت والهمم فترت وسررنا بتلاعب الناس بنا ورضينا بسوء مصابنا فلا يهمنا التغيير والتجديد ولا يحركنا التنديد والتهديد بئست الحالة ان رضيناها وساءت السيرة ان لازمناها
(1/116)

- 83 -

وانعم بنا اذا نظرنا الى بلادنا نظر العقلاء وقمنا بامرنا قيام الحكماء وصرنا لاميرنا عضدا بتقوى به على الوقاية وحصناً يأوى الينا وقت الحماية ولا ندرك هذه الغايات الا بعقد الجمعيات واحياء العلم الدارس بافتتاح المعمل والمدار وهذا اول محفل ادبي عقد في دمنهور وطلعت في سمائه من اعيان البلاد بدور فحافظوا على بقائه لتدركوا الفلاح وتدخل ابناءكم بالادب ساحة النحاح واله يرشدكم للنظر والتحقيق ويجعل اعمالكم ومقرونه بالتوفيق
فقمتُ وقلتُ لهُ صدقت وبررت
فان من لهُ عين ينظر بها ومن لهُ قبيلة يفتخر با نتسابها ومن لهُ دار سعى في عمارها ومن عرف صنعة اجتهد في انتشارها ومن اولي مالاً اتقن حسن صرفه ومن استودع شيئاً اليكم غلق ظرفه ونحن لنا اين ولكن سرنا عنها العيان ولنا ماصل ولكنه في زوايا النسيان ولنا دار ولكننا نهدمها بايدينا ونعرف الصنعة ولكن تركناها لاعادينا وقد اوتينا مالاً فصرفناه
فيما يهلك الوطن واستودعنا الانسانية فجعلناها خسارة البدن وقد استبدلنا تلك الخصال بذميم الفعال ان دهمنا عدو اعناه علينا وان خدعنا انسان وهبناه ما لدينا وان تقدم منا واحد مقتناه وان نبغ فبنا شخص هجرناه تمشي فيها على ذكر الاباء ونميل المغفلة وان قبحت الابناء
وما الفخر بالعظم الرميم وانما ... فخار الذي يبغى الفخار بنفسه
فلو كان عندي مليون من الجنيه واحكمت غلق الصناديق عليه ولبست من الثياب افخرها وركبت من الخيل اشهرها وكنت مع ذلك بلا لب اعقل به ولافكر به انتبه ولاخير يؤثر عني ولاصديق يقرب مني ايحسن بي ان اقول انا انسان وانا بهذه الحاله اقل من الحيوان ومن ي بتفهيم من يقول كان ابي السيد الماجد ثم هو على الطبع البارد الجامد فانهُ لوعلم نهايته لاحسن بدايته ولكن لعجاب المرء بنفسه ينسيه فضل يومه قبل امسه وغروره بامواله يوقعه في سوء احواله واقبح من هذا الغافل جاهل يدعي انه فاضل يخدع الجهلاء بالشقشقة وبظهر العالمية بالمشدقة وهو اعجز من الصلد عن النطق واحق من المجرم بالشنق فان العلم بريئ من هذه الاخلاق فقد اختصت اهله بطاهر الاذواق وانفقت في كسبه الروح والمال وسهرت في تحصيله الليال تراهم دون العالم في زوايا الخمول مع انهم ادركوا القصد والمأمول وساروا بدوراً في سماء الانسانية يهتدي بنورهم ذو الهمة العلية فمن لنا برد اهل الدعوى الذين عمت بافكارهم البلوى قد غلبوا اهل العلم بالنفاق والتخبنتر في الاسواق فظنت الجهلاء ان هؤلاء النبهاء ولو عرفوا ساداتنا العلماء لاسرعوا اليهم من سائر الانداء واقتبسوا من نورهم ما يحسنون
(1/117)

- 84 -

به سير امروهم وساروا من اهل اليقين وصنعوا هولاء المنافقين
فدع ماشئت من عم وخال ... وجد عن عيون الفقر خال
وحصل ان اردت العز يوماً ... علوماً ضؤها نور المعالي
وجانب فتية ضلوا فتاهوا ... وباتوا عاكفين على المحال
وصاحب يا اخا الفتيان بحراً ... تروي القلب من حر الضلال
وجاهد كي تكون به خبيراً ... وقدم نعله فعل الموال
فمن امسى لاهل الفضل عبداً ... تحرر بالمعارف والجلال
ومن ارخي على العرفان ستراً ... رماه الجهل في سوق الجمال
اقول قولي هذا وانا على يقين من ن الجهل استعبدنا وطردنا عن التقدم وابعدنا واكثر فينا الامال واوقعنا في سوء الاعمال فصرنا اضحوكة بين الانام ولعبة بيد الطفام وما اسمع الا سوف ندرك من تقدم وننقذ من تندم وسنعمل عمل المتمدنين حتى نسبق المتقدمين ثم ما اري الا المزاحمة على الابهة والظهور والمسابقة الى ما يقصم الظهور واكل لحوم انفسنا بالغيبة ورمي عظمائنا بالشكوك والريبه وما الزمني ترك التلويح والميل الى التصريح الا خوفي على الصغار من سوء افعال الكبار فان الطباع جبلت على التقليد وطبعت على عدم التقييد خصوصاً والغرب يصيدنا بالملاهي مادا نظره الى التناهي ونحن نمده بما يقوي ثروته وبأيد طوته وتستحسن كلما رأيناه من المصائد ونفتخر بما ناخذه عنه من العوائد فاذا لم يحفظ الجيل الصغير من خرافات الكبير يئسنا من حسن الحال وزدنا في الوبال واستعصى الداء الدوا ومالت النفوس مع الهوى وهاهي الجمعية فتحت باب الاجتهاد ومهدت سبل الاستعداد وابتدأت افعالها الخيرية بمدرستها العلمية فيالها جمعية كفلت الايتام والفقراء وفتحت بابها للاعيان والامراء يتمتعون بثمرتها الادبية ومواعظها لخطابية لتجتهد الامراء والاعيان في تربية البنات والغلمان حتى تتنبه الافكار للاختراع وتتوصل بالمعارف الى الابتداع فما ضر الابناء الا جهل الامهات وتربيتها الاطفال على الترهات فو ذاقت الام لذة المعرفة لشب رضيعها على احسن صفه ويفع مستعداً للكمالات ونبغ وهو في احسن الحالات واسفي على قوم لم يعرفوا الا الخلاعات وقد انفوا حتى من نظر المخترعات واذا سمعوا من خطيب معنى قالوا بالله دعنا واترك المعارف لاهلها ودع وعر الطرق بسهلها فغاية القصد ان تحصل على العيش ونلبس ولو غليظ الخيش وانا استفتي مثل هذا البليد عن صاحب المعارف السعيد ومن هم اهلها اذا لم يكن لها اهلا ولم يذق من عذب موردها نهلا اهم الحمير الفارهة في الجري
(1/118)

- 85 -

ام الاحجار الشديدة الورى ام الوحوش المطبوعة على العدوان ام هي أي نوع غير الانسان
عيوني اريقي من مدا معك الدما ... فان بناء الاقدمين تهدما
سمعنا لقوم شيدوا بيت جدهم ... وسابق كل خدنه فتقدما
وجادوا بمال واستعانوا بهمة ... على كل فعل يصلح العبد والاما
فباتوا ملوكاً في رياض معارف ... تنير بهم ان اصبح الجو مظلما
وشاهدنا ان المعالم بيننا ... تخبر عنهم انهم انجم السما
وتخبرنا انا اذا لم نثق بها ... ستصبح قاعاً صفصفاً مالها حملى
وما تعبت تلك الرجال وجاهدت ... بقوتها بقوتها الا لتبني سلماً
وقد وصلت ذاك المقام فالفت ... علوماً بها يلقي المعلم مغنما
وماذا يفيد المرء بعد جهالة ... ولو كان بالعيش اللذيذ منعما
فما غاية فما غاية الانسان الا حكاية ... تذكر حسناً او قبيحاً مذمما
والى متى تقول مالاً يؤثر في الاذهان ولا تظهر منه ثمره للعيان يسمع فينسى قبل القيام كانه اضغاث احلام فاي طريقة لحل هذا العقال واي حيلة في تأثير ما يقال اننبه بالعصا والكل عاقل ام نقسم على السامع وهو ليس بغافل ام نصمت عن الكلام المفيد وصبر على التهديد والتنديد ونترك اعراضنا مضغة للاكل ونقتصر على التفاخر بالمشارب والماكل ونعد انفسنا من الانسان بالهيئة ونكله في الحركات بالذهاب والجيئة وتقتصر على النطق بمستهجن الالفاظ والتجنتر في ملابس الحفاظ ونحن لجهلة اذا سئلنا الفعلة اذا استعملنا النافرون اذا جمعنا الصم اذا سمعنا العمي اذا سرنا البهم اذا حرنا لم تعقل غير الفاظ التزييف ولم نتعلم غير التخريف واذا لم يؤثر الكلام ولم تتنبه الافهام ولم املك لنفسى قوة ولا حولا فترك الكلام اولى
وبعد ذلك قمت فتكلمت بعبارة طويلة في تقدم المعارف في اوروبا والوسائط التي ظهرت بها وما كان عليه السلف الاول من التقدم والتفنن وثمرة تعليم البنات ثم ختمت المجلس بامتداح اعضاء الجمعية وحثهم على الثبات والاجتهاد وفقهم الله لفعل الخير واثابهم عليه بفضله جل شانه

مسئلة حسابية
ذهب احد المتمدنين الى احد البيرا المشهورة فشرب بربع خمس ما معه من النقود ولعب النمرة فخسر خمس الباقي ودخل عليه اصحاب له فطلب لهم دورا على حسابه بقيمة نصف ما سبق ثم ركب عربة توصله الى احد بيوت المومسات ودفع اجرتها نصف ثمن
(1/119)

- 86 -

الباقي معه ثم صرف في ذاك المحل تسعة اعشار وخمسة اسداس عشر الذي تبقى ثم نزل من البيت المذكور فطلب منه احد الخدامين فيه شيئا من النقود فلم يجد معه سوى نصف فرنك فدفعه اليه وانصرف الى منزله على الاقدام فارغ الجيب نتمايل اعطافه من السكر طربا فكم كان معه من الفرنكات وكم صرف في كل دفعه وما هي طريقة العمل في هذه المسئلة الحسابية (ع ع)
لو استطعت تاخير هذه اللاءلي الادبيه لفعلت ولكن ابي الاعتراف بفضل المنشئين الا نشرها تكرم علينا احد فريق الادب يوسف بوحنا المغربل بجريدة التنكيت والتبكيت فبعدما تصفحناها واستخلصنا زبدة معانيها شكرنا له معروفه لنا وجدناها جريده حكميه البسها النذيم ثوب الهذل وداربها على الندمان يصيح ويهتف المزاح في الكلام كالملح في الطعام فاحكم بما اتى في جريدته لانها شفت عن معان وتوريات وادبيات رقصت لها الالباب واخذت بجامع القلوب برشاقهة عباراتها وبديع كلماتها وتفنن اساليبها فلله در منشئها فلقد هادى اولى الادب هديه ادبيه جكميه اتخذت الهذل بجادا واوعزت الى كثير مما لم يخطر على اولى الالباب فرغبه في افادة قرنائنا نحث اخوتنا الى اقتناء هذه الجريدة نايذين عنهم قول من يذوق العدل ويقول بمرارته او يشم الورد فكره عرفه كما جرى لابن الرومي في هجا الورد وليتاكدوا ان جريدة نديمنا لا تاوي الا ابكار الادب وهو احكم مما سواه بعدم طبع ما يتحاشاه الذوق السليم كالطبع الذي جبلت به طينته
كتبه احد معلي المدرسة البطريركية باسكندر

حوادث خارجية
هاجت وافكار السكارى والحشاشين في خمارات ومحاشش القطر بسبب ما نشره التنكيت والتبكيت في شانهم وعقدوا لذلك محافل يتامرون فيها فقر راي الحشاشين على انهم السكارى على انهم يتخذون مجالس شرب في البيوت يتسترون بها عن جواسيس التبكيت وقالت جرائد التشقيع انهم سيحلفون البقالين على حلبه الكميت بما بانهم لا يعترفون لصاحب التنكيت بما يؤخذ منهم من المشروبات ورأينا في جرائد صرمحة تكذيب هذا الخبر وان بعض ساقطي الشرق فيجمعون في بيوت الفاجرات ويسكرون ويغنون رغم انف التنكيت والتبكيت

الفهرس
اعلان - كيف ظهرت وان لك بالمرصاد - كلمة غيور على لغته - النجم ذو الذنب - منام يعرض على النبهاء - عمدة سكران - رسالة - افتتاح مدرسة الجمعية الخيرية - فقمت وقلت له - مسئلة حسابية - رسالة - حوادث خارجيه - اعلان
(1/120)

- 87 -

اعلان
الى ابناء وطننا ومحبي التقدم والعمران
عزمنا والعون على الله تعالى على تمثيل رواية الوطن وطالع التوفيق بتياترو زيزينيا مساء يوم الخميس 17 شعبان سنة 98 مع ليلة الجمعة وهي الرواية التي جعلتها تذكاراً لجلوس مولانا الخديوي حفظه الله فاني صورت فيها حالتنا وما كنا فيه من الذل والاهانة وما تحملناه من الظلم والمغارم ثم تخلصت بجلوس مولانا الخديوي ومساعدة وزارئه الكرام على افكاره الحسنة ومقاصده الخيرية وما تعانيه رجاله من الاشتغال بحفظ الامة وصيانة الوطن وما تنورت به الافكار حتى اهتدت لفتح الجمعيات التي بها تكثر المعارف وتعود ثروة البلاد وهي تشخص بتلاميذة المدرسة ليرى الناظر ماوصل اليه ابنائنا من القوة التي بها يقفون في المحافل العظيمة يشخصون مالا يقوم به مالا العظيم من الرجال وقد قدرت قيم الاوراق كما تراه وقد تعودنا من اهلنا ان يتناهب الورق قبل الاعلان عن بيعه ولا نعدم منهم تلك المساعده فقد اشتدت رغبتهم في المعارف وغيرتهم وعلى ما قد يقدم الوطن من التحسنات ونا هيك بمن يتفرج على حال بلاده فيبكي عند الذل ويضحك عند الهزء ويسر عند الاصلاح
فرنك
40 لوج درجه اولى
30:: ثانية
20:: ثالثة
05 كرسي منمر
03 دخول عامودي
01 باعلى التياترو
وما ذلك على محب الخير بكثير فاني ما احتمل هذه الانعاب واصرف افكاري الا فيه ماء يعود على البلاد بالنفع وعلى ابنائنا با لثمرة
اصدرنا هذا العدد اربعا وعشرين صفحة اكراماً لشئن الجمعية الخيرية الدمنهورية واني وان تكلفت زيادة مصروف في الورق والمطبوعة والبوستة ولكن خدمتني لجمعيات وشغفي
بها يحسن لي هذا المصرف لااقول بسهله فما في طريق الجمعيات صعب وسنعود لاصداره على الحالة الاولى من العدد السادس
(1/121)

- 88 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في رسالتة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية6 فرنكات عن ستة شهورو 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في او يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نيعمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم (
(1/122)

- 89 -

العدد 6 - بتاريخ: 17 - 7 - 1881
(1/123)

- 90 -

تنبيه
صحيفتنا هذه كالمجذوب الذي يتكلم بكلام لم يقصد به احداً وكل من الحاضرين عنده يوجه كلامه لاغراضه فقد عتب علينا كثير من الناس في بعض فصولنا التهذبية ظنا منهُ اننا نقتصده فظهر لنا من المخبآءت مالم نكن نعلمه ومقدمة هذا العدد المعنونة بمتى يستقيم الظل والعود اعوج ستظهر للوجود اموراً لم نعلمها الى الان وانا اعد قراء الصحيفة بنشر ما علمناه من هذا القبيل بحيث نصف لهُ من نعثر عليه وصفا لا يعرف بهِ غيره

رجاء
الاجوبة الحسابية التي وردت الينا بها كثير من الاوضاع الهندسية ولم يكن بالمطبعة مايساعد على نشرها بها فان تفضل علينا النبهاء بارسال الحل بارقام بسيطة من غير حيز وعلامات هندسية كان من تمام تفضلاتهم لنشرها مع الشكر لعنايتهم بالمسائل الرياضية المفيدة

استعطاف
الملتمس من المشتركين بعد فراغ العدد الثاني صبرهم علينا حتى نعيد طبعه ونرسله اليهم فقد بلغ عدد المطلوب بعد الاشتراكات الاول اربعمائة ولكن الطلب متوارد فاذا طبعناه الان عدداً قليلاً تكلفنا طبعه مرة ثالثة واذا اكثرنا ربما تأخر عندنا بلا لزوم فنحن نسألهم الصبر الجميل حتي يهدي اليهم ان شاء الل

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - احمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/124)

- 91 -

متى يستقيم الظل والعود اعوج
ايها المحررون القائمون بتهذيب النفوس
افتوني في نفوس ان سمعت الموعظة ضلت وان رات الحق نفرت وان ادعت التنور اظلمت الكون باباطيلها وان قيدت الى الخير جحت وان منعت من الشر رمحت وان اغضبت رضيت وان ارضيت بطرت وان سمعت تقبيح فعل من مهذب رمته به وان روت عنه جميلا ادعته لها وان ارشدها مقتته وان مدحها قذفته وان صحبها استاءته وان اثنى عليها شتمته وان خدمها اهانته وان نصحها لعنته اظنكم اذا ابتليتم بمثلها قصفتم الاقلام وكسرتم المحاير ولطحنتم باب العلوم بالحداد وادعيتم الخرس حتى لاتكلفون اجابتها وتعاميم حتى لاتبصرون هيولاها واحتجبتم حتى لاتقع اقدامكم على اثرها في الطريق. واراكم تهزون الروس اتكاراً علي زاعمين ان الوجود مطهر من مثل هذه النفوس الخبيثة
مهلاً سادتي فاني اخبر عن النفوس كمنت في جلد الانسانية فقضى عليها النظر بالاحساس وهي لاتشعر بسهام الجهالة وانتم تعلمون ان الانسان اذا لم يهذب صغيراً مات كبيراً وان كان سميعاً بصيراً فقولوا ماشئتم فيمن حرم من التهذيب واصبح لايعرف الا ذاته وما تتمتع به من الملاذ والشهوات ولا تغرنكم هيئة ملبس ثمين ولاجسم ضخم ولا مال كثير فكم حمار لهُ برذعة لو بيعت لاشترت ثياباً كثيرة ولا تخرجه عن طور البهيمة وكم حيوان ضخم لابالف الانسان وان نظره افترسه وكم معدن ملئ بالذهب والفضة وهو يوطاه بالنعال. على ان من وقفت معارفه على احسان هيئتة وتكثير ملاذه اجنبي من الانسان بعيد من التهذيب
فلو جعلتم مداد الجرائد ذهباً وورقها فضة ووضعتم في عنوانها (حلية الانسان الادب) لوضعوها في بودقة كبريائهم على نار جهالتهم ونفخوا عليها بحب ذاتهم وقطروها من اغراضهم الذاتية واستخلصوا الذهب والفضة من هذا العنوان الذي يخرجهم عن طورهم البهيمي ويدعوهم الى التساوي فانهم يرون ان الفقراء خلقوا لخدمتهم ومدحهم وان الله فرض عليهم حب الاغنياء وتعظيم ذوي الهيئات وان كانوا من المجرمين لايحسنون الظن بفقير ولا يسمعون منه كلاماً وان كان غنياً عنهم ولا يعترفون لهُ بفضل وان كان عالماً لما جبلوا عليه من عداوة الفقراء وما تخيله اليهم افكارهم الفاسدة من احتياج الناس اليهم
ويزعمون انهم في نعمة تحمد وان الله ماخصهم بالقصور العالية والدواب الفارهة والامتعة الكثيرة الا وهم عنده من المقربين وما دروا انهم في غفلة الاستدراج ولاهم يعلمون
وان كرهتم سماع هذه الاوصاف لسابقة علمكم بها ووقوفكم على مي يحدثه الجهل من
(1/125)

- 92 -

القبائح سقت اليكم الداهية الدهياء النازلة العمياء (حماكم الله منها) لتساعدوني على دفعها بالعزائم والرقي فانها من الشياطين
تعلمون اني جاهدت في طريق الخير حتى اقتحمت المدرسة الخيرية الاسلامية ووقفت اخطب قومي بما لم يعلموه من قبل فسارع الى الانتظام معي كثير من ادباء ثغرنا ووجهائه واعيانه وبذلوا ما الهمهم الله به اعانة على تربية اليتيم وتعليم الفقير وقد صرفت قواي في تنظيم المدرسة وتحملت في بقائها من الاتعاب وسماع المكروه ما لا يتحمله انسان في فتح المدينة حتى صار بها اربعمائة وثمانون تلميذ اً منهم مائتان وثلاثة من الايتام والفقراء اكد عليهم كد الارملة التي مات زوجها عن عدة بنين فهي تسعى لقوتهم وتسهر في خدمتهم ولم ازل ساعياً فيما يحفظ نظامها حتى تعطف علي رئيس نظارنا الكرام ورتب لها مائتين وخمسين جنيهاً في كل عام بمساعدة ناظر معارفنا العمومية ووعدني انهُ يزيدني عن هذا القدر كلما احسنت العناية بالايتام والفقراء وقد رايت اني مضطر لنقود استحضر بها مكافأت للتلامذة فلم اكلف حضرات الاعضاء وهمت تشخيص رواية الوطن وطالع التوفيق لتذكار جلوس مولانا الخديوي وللحصول على النفقة اللازمة لهولاء الايتام فتصدى بغيض الانسانية لقطع طريق الخير واخذ يذيع بين الناس ان تذاكر الدخول انتهت وتوزعت حتى لم يبق منها ورقة وسعى عدو الخير في اغراء التلامذة على الانقطاع من المدرسة ليلة التشخيص لتتعطل الرواية وكل هذا لم يأخرني عن السعي فيما اعنيه حتى قدمت الرواية لمن احضرها
فقولوا لي ايها الاساتذة أي خير ترجونه من هذه النفوس واي ثمرة تقصدونها بفصولكم الادبية واي تقدم ترونه مع هذا التحاسد القبيح واي اصلاح تنتظرونه من مثل هولاء الجهلة. تتعب في تربية الاطفال وكبارنا في احتياج الى الدخول المكاتب اما يستحي هذا الغبي اذا علم ان مولانا الخديو موجه عنايته لهذه المدرسة اما يرتدع اذ راى انها باعين الحكومة ولها قانون مقرر بمجلس النظار ومنشور بالجرائد لايستطيع احد محوه ولا تبديله
اما يخجل اذا نظرني اسأ ل الامير والغني وان في غناً عما اجمعه لتربية هولاء الايتام اما يصفع نفسه اذا سمع ان اخواني قرروا لي عشرين بيلتو شهرياً نظراً لانقطاعي اليها وجهادي في حفظها ونموها فلم ارض بجعلها باب معاش واسع ورضيت 6 بينتو قيمة القهوة والدخان ورغيف حيث كان حتى اذا اثرت ونمت بسعيي واجتهادي اوصلوا الراتب من اشهر الى عشرة جنيه لتقوم بضرور ياتي اما يضرب نفسه حياء من الناس اذا علم ان الجمعية قررت لي ربع ايراد محافلي وقد اكتسبت بالروايات نحو ثلثمائة وخمسين جنيهاً ولم اطلب ولا اطلب مما قرر لي شيئاً اما يهجو نفسه الخبيثة اذا عرف اني افتتحت المدرسة ومعي واحد وعشرون رجلاً من متوسطي الحال ولم يكن عندنا اكثر
(1/126)

- 93 -

من تمن المكاتب والالواح فلم ازل اجتهد واحث الناس على مساعدتنا حتى صارت ذا ثروة عظيمة. اما ينكسف اذا ايقن ان معي من وجوه ثغرنا واعيانه من يرى ان راتبه الذي يدفعه فرض عليه لايجوز تأخير اما يتقي الله في رجل ترك ملاذه ومقتضات شبوبيته ومال لخدمه الانسانية وابناء وطنه بكل ما وصل اليه امكانهِ
لولا ما جبلت عليه من حب الائتلاف والسعي في الاتحاد لفرقت بيني وبين هؤلاء الساعيين في احباط عمل الخير بالتصريح باسمائهم ليعلمهم كل انسان او رفعت امرهم لاولياء امري الذين يؤيدون اعمالي ويساعدوني بتوجهاتهم العالية ولكني لا يأس من رجوعهم الى الحق واعترافهم بهِ وترك اغراضهم الذاتية خلف ظهورهم فقد رأوا ان الجهل افسد اخلاقهم والتمسك بالاغراض الذاتية اوقع البلاد في مشاكل تحملها رجال حكومتنا الان على عوائق افكارها
فيا اصحاب الاقلام وارباب الجرائد هلا سعيتم معي في هذا الطريق الذي لايضيع فيه عمل عامل ويا ابناء وطني هلا رأيتم هذه الاتعاب فشار كتموني في تحمل بعضها ويا اهل الغيرة هلا عطفتم. علي بما اتمم به اعمالي في تربية الايتام لا في مطعومي ولا مشروبي فقد رضيت بالكفاف وقنعت بما يستر العورة ويسد الخلة ويا ذوي الثروة هلا هزتكم اريحية الانسانية فجعلتم للجمعيات اثراً تذكرون بهِ وتنازلتم عن بعض مستغلاتكم التي لا تفقركم ولا تلجئكم لبيع الاطباق الذهبية ولا اسرة الفضية ولا الظروف المجوهرة ولا الكاسات الملاءلاة ولا القصور الواسعة أليس الرجل منكم كالرجل منا فما بالكم لاترضون
بثلاثين صنفاً من الطعام ونرضى بالخبز والملح ولا تقنعون بالالوف من الجنهيات ونقنع بالقرش الواحد اخلقتم من الذهب وخلقنا من التراب ام ولدتم قابضين على ازمة الدنيا وولدنا عبيداً لكم ام نزلتم من السماء ونزلنا من بطون الامهات. ألا ترون انكم تعدون بالاصابع في بلادنا والفقراء هم الامة
اذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن اين يأتي للديار نعيم
طلعوا الجرائد وانظروا ماتحدثه الامم في الوجود من المآثر الجميلة والاعمال الجليلة وقلدوا ان لم تقتدروا على الابتداع ألا يستحي الغني اذا احتاج لعامل واستحضره من الاجانب مع قابلية ابناء وطنه للتعليم ألا يخجل اذا اعطى الغريب الدرهم والدينار وجاره يموت جوعاً وهو لايشعر ما هذه الحياة التي تنسى بموت صاحبها ايرى الغني ان ستبكيه خيول العربية او تندبه ليالي حظوظه كلا فما يبقى الا اثر ينقش اسم صاحبه في صفحات الوجود فيقراءه كل ذي عين. لايستفزكم الغضب على ناصح يسلك بكم طريق الهداية ويرشدكم الى حفظ الثروة الابدية فان احدكم يصنع وليمة لظالم يصرف فيها الف جنيه ولو اعطى كل فقير
(1/127)

- 94 -

قرشاً لفدى مائة تعيش بفدوة رجل واحد وان احدكم يصرف في الهلاهي عشرة الاف جنيه في كل عام ولو مال لتربية الايتام اربي بها مائة يتيم وان احدكم ليشتري العصا بعشرة جنيهات ولو نظر الى جاراته الارامل لعشى بها خمسمائة ارملة
ولست ادعوكم للدخول في مجامع الخير لرئاسة تبلغونها او مارة تظهرونها بل مساعدة واعانة الفقراء والا فان الاغنياء اذا تولوا المجامع الخيرية اهانوا الفقراء وشتتوهم بعفوانهم وتعاظمهم ولا يصدق في خدمة مجامع الخير الا الفقراء فانهم لحرمانهم من ملاذ الدنيا يرجون نعيم الاخرة بالخدمة الخيرية
ولا يجعلكم تنديدي هذا على شتمي فقد هياءت لكم صورة من حجر لاتسمع ولا تعقل ولا تبصر وسميتها باسمي لاوجه اليها كل ما اسمعه من الشتم والكلام الفارغ واعددت نفسي الناطقة لامتداح من يسعى في طريق اخير ويجتهد في احياء بلاده ويعتبر بما آل اليه امرنا من احتياجنا للقوت مع اننا ابناء ارض الثروة وكثرة الفقراء فينا مع اننا في بلاد الخصب وازدحام المهاجرين عندنا مع عدم زيادة الارض عنا وجهلنا بما نضع به لباساً او نصلح به محراتاً مع استعدادنا للتعليم وامتلائنا بالحسد والبغض مع قابليتنا للطهارة فقد اعوج عود
حياتنا عوجاجاً قارب ان يكسره ومتى يستقيم الظل والعود اعوج

اسمعوا واعجبوا
تذاكر بعض الناس في شأني على قهوة اوروبا بالمنشية وجرى ذكر من سمعوا في تعطيل وراق التياتر وتقديماً لاغراضهم على فعل الخير فقال واحد ان نديما يصرف اوقاته فيما يقوم المدرسة ويبذل جهده في توسيع دائرتها وزيادة ثروتها وما من احد دخل الجمعية الا بعد معاهدته على انه يساعده في هذا العمل المبرور ثم هو يدخل جميع ما يرد من الروايات لصندوق الجمعية فكيف يعارض مع هذا الاجتهاد. فرد عليه اخر وقال له انه رجل خادم للجمعية ان شاءت ابقته وان شاءت رفته فلم يجد السامع لهذا جواباً لغرابته عنده
وانا اجيبه بجواب يسمعه الخاص والعام ويراه لجناب العالي ورجاله الكرام ليقف المعترض عند حده ويعلم اني في رعاية ولاة امرى حفظهم الله
من سعى في تأليف جمعية مثل هذه وسهراً لليالي في ترتيب اعمالها وتدوين قانونها وعرض نفسه للخطابة التي جمعت النفوس والفت القلوب واظهرت الجمعية بعد ان بقيت ثلاثة اشهر لايعلم بها انسان وقاوم من ارادوا ابطال الخطابة خوفاً منهم وجوعاً وصبر على السب والقذف الايذاء والشتم واجتهد في حسن ادارة المدسة وتوسل المجناب العالي حتى
(1/128)

- 95 -

تفضل بالمدرسة لاقامة التلامذة فيها كل توسل لدولة رئيس نظارنا حتى منحه خمسة وعشرين جنيها من ماله الخاص كل عام ورتب للمدرسة مائتين وخمسين جنيهاً سنوياً ووقف في الجمعية بمفرده عند سقوطها حال افتتاح المدرسة ودار يسال الناس احساناً للجمعية ويتملق للاغنياء واهل الثروة رجاء الانتظام في رجالها لايكون خادماً الا لاميرنا المعظم ورئيس نظارنا الافخم الذين يعلمان قيمة اتعاني وثمره اجتهادي وقدر ما اعانيه في هذ االسبيل الخيري وما عداهما فانهُ دخل معي لمساعدتي على الخير لا لاستبداده عليّ فان شاء فعل الخير ابتغاء وجه الله تعالى وان شاء كف فان الجمعيات موارد خير فان خرج احد من جمعية مالغرض من الاغراض ساق الله لها غيره وهكذا يستمر عمل الجمعيات مادام في الارض متنفس وحيث كان امري منوطاً بولاة امري فاني اخدم الامه وهي تحت ارادتهم فلا وجه للقائل بتسلط بعض الافراد على بعد علمه اني القاعدة التي تاست عليها الجمعية والمحور التي دارت عليه وما دخلها رجل ولا نقود الا بسعيي ولا اقول هذا مفاخراً بل اظهاراً ًللحق على من يسعى في اضحلال هذا العمل بعد كبره ولو
علم ن الساعيين في تاييد الجمعية بنفقتهم من وجوه الثغر واعيانه لا يبغون الا الثواب لقصر في سعيه وترك الخير لاهله

ثمرة الاجتماع
لا ينكر احد ما تسابق اليه ابناء وطننا من عقد الجمعيات الخيرية اقتداء بجمعيتنا السعيدة الطالع وقد تاكدت ثمرة الجمعيات عند بعض اعضائنا النبلاء فشرعوا في عمل قانون يفتحون به جمعية خيرية ليخلدوا لهم في صفحات التاريخ ذكراً جميلاً ولقد فهم بعض الناس انهم يريدون بهذا القانون ابطال قانوننا الرسمي فقلت لهُ فهمت خطاء فان الذين يسعون في عمل قانون اهل الخير القادمون على فتح ندارس لا مدرسة. فلا يليق بهم مزاحمة الفقراء على ما اسسوه واظهروه للوجود فانه لايكون لهم فضل ولاينسب عملهم الا لمن اسسه ولو زادوه اضعافاً. الا ترى ان الارض المجهولة اذ اكتشفها سائح او رئيس سفينة تسمت باسمه وان صارت مملكة بعدها
على ان قانوننا رسمي محترم ولم تمض عليه مدة تستدعي تغيير بعضه فضلاُ عن لغوه فضلاً عن اننا لانرضى ان نكون بين اعين حكومتنا كالاطفال يطلبون من ابائهم ثوباً ابيض فاذا ساعدوهم على شراه قالوا نريده احمر فيغضبون عليهم ويمنعونهم من الاحمر والابيض لما يرونه فيهم من عدم الثبات وليست الجمعية تجاريه حتى تستدعي بسعي هولاء الكرام حتى نسيت اساءة من سعى في تعطيل مورد الخير واله يعينهم على اعمالهم حتى نرى مدارس الخير في ثغرنا ماوى الايتام ومثوى الفقراء
(1/129)

- 96 -

النبيه والفلاح
رام احد النبهاء زيارة صاحب لهُ من مشايخ القرى فقصده ولما وصل القرية سأل عن الدوار فداوه عليه فدخله واستقبله جم غفير وبعد تبادل التحيات والزيك ووحشتنا كتير اجلسوه في صدر المحل لذي كان غصاً بجانب من اهلي القرية وبعد ذلك طلب الزائر من احد الخدم ان يخبر سيده بمحي صاحب لهُ فمضى مطيعاً ثم بعد برهة من الزمن هرول الشيخ لاستقبال صاحبه وجرت هذه المحاورة - الحمد لله عَ اسلامه - سلمات كتير - قال الشيخ سلمك اله من كل سوء - حلت لمانه - وحياتك انك وحشتنا جوي جوي خالص. النبيه بارك الله فيك وعليك
ثم التفت الشيخ بعد ذلك الى احد مشدينه وقال لهُ: يا غياض ما شوفتش الغتوت ابن المنبوش النهار ده في السوج وهو عمال بتمشه ويتعاجب بالعبايه ام ابتعوت
غياض - إيوه ياعم والعم عند الله انه متريش - لا وكمان ابن المنبوش زراعته كويسه خالص - خالص بم خالص
الشيخ - ببجه وهو رياح يتهنى عليها. . . لا وحيات الافندي اخينا. دُسوجي تعالى -
دسوقي الخادم - نعام
الشيخ - روح شوف النصراني الخواجه
وقول لهُ الشيخ دعموم عاوزك حالا
الخادم - بعد هنيهة حضر وقال للشيخ الخواجا في انتظارك
فقام الشيخ وقال للنبيه انت تعرف في الخط لكتابه تعالى ويانه استفضل وقام الجميع قاصدين الخواجه حيث كان قريباً منهم في القرية ولما وصلوا اليه جرت هذه المحاوره
الشيخ دعموم - خواجه - شرف انا عوز جد اكام جنيه بلر باح
الخواجه - كام يا شيخ دعموم
الشيخ - نحسبها - مِ مهي جريبه - الخمسين في ثلاثة وعشرين بيجم الف وماية وخمسين غرش وَوَوَ ويجنا عليهم ميت جنيه للمساح وعشرة للجصاب وعشرين - لليّ - والكلام عليه - عليهم خمسين للبحر ننجي - بيجي الكل كام - الخواجه بيجي الف وماية وخمسين جرش وميه وستين جنيه - اهو انا عاوزدول الخواجه مفيش دي كوللو - تعالا امسك بوكره لكن الفرط بتاؤ الجنيه بميه واربيئين جروش
الشيخ - طيب يا خواجتنا - اهو زي ما انا بجول ماية وستين جنيه والف وماية خمسين غرش ديواني - الجنيه بماية واربعين وبعد ثلاثة شهور نجمع القطن ونسلموا لك ثم ارتد الجميع على اعقابهم
فتعجب النبيه من هذا الامر الغريب وقال كيف اترك هذا المجنون فريسة لهذا الظالم - لا لا - الواجب على ان انصح له ُ شأن الصاحب
(1/130)

- 97 -

لصاحبه - وانفرد بالشيخ دعموم ودونك ما حصل بينهما
النبيه - ياشيخ دعموم اني اراك في احتياج كلي الى الدرهم حتى انك جبرت على افتراض مبلغ بفرط باهظ هل قلة المماه دعنك الى مشتري آله رافعة لرى زراعتك. فاذا كان الامر كذلك يمكنك مشترى ما ترغبه بشرط انك تدفع الثمن بعد ثلاثة شهور بدون احتساب فائدة
الشيخ - لا وحياتك عندي - الميه كثيره والاشيا معدن. انما المسجله هي ان ابن المنبوش عنطوظ شيخ النص في البلد عمال بيتعاجب علي وكل ما يجعد في مجلس يتمهذر وانا ذي متجول يعي محبش اللجاش - فعاوز اغيظ ابن المنبوش الغتوت ده واجطع فيهِ خمسين عرض - غرش العرض بثلاثة وعشرين جرش ذي ما حسبناها على شان يمسحوا اطيانه ونجول فيها زيادة وكل جماعتنا تختم على كده - بس ادي الحكاية ونمت بخير - واكمنك انت صاحبي وتعرف تفك الخط ما تعملش معروف وتجي تجرننلي وتخد لك انت كمان جد عشرين والا اربعين جنيه
النبيه - معاذ الله ان اون من الضالين - هل لهذا السبب الضعيف تقترض مبلغاً جسيما بفرط فاحش يعود عليك بالوبال لاجل دس الدسائس وجلب ما يشوش افكار صاحبك عند اشغالهُ ويجبره على الانتقام منك لاجلهُ انك لمن الخاطئين. ايليق بكم وانتم نبلاء القرى ومشايخها التشبت فيما يعود عليكم بالدمار والخراب وتتركون ما عليكم من واجبات الانسانية في مد يد المساعده الى بعضكم وعضد المزارعين على تحسين الزراعة وتوسيع دائرتها مع انه ليس بخاف عليكم ان سعادة الحكومة التي هي روح الامة ورفعة قدرها تتوقفان على ثروة اهلها
الشيخ - انت عمال تحكي كتير كده ليه انا بجول لكل ايه وانت بتجول ايه احنا مالنا ومال الصرو. انا وحياتك عندي معرفش زراعة الصرو ده اللي بتقول عنه انما نسمع عليهِ انهُ
بينتزع في مصر المدينة. انت عاوز تتوكل لي في الجبضيه دي والا لا
النبيه - ياشيخ دعموم ابن عنطوظ الذي تزعم انه خصم لك هو ابن عمك في القرابة وشقيقك في الوطنية فاذا اصبت بمصيبة كان هو الاقرب لمساعدتك من غيره فلا يجوز لعاقل مثلك ان يتسبب في الطعن كذباً وافتراء في حق من يجتمع معك في الجنسية والوطنية واللغة
الشيخ - الباين عليك يفندي انك جي عليّ. انا مسمعشي كلامك. انت متعرفش في اصول الكتابه ومقصودك بالكلام دهانك تتخلص مني
النبيه - مهلاً عليّ ياشيخ دعموم لا ترمني بسهام الفاظك السخيفة وخذ مني هذه النصيحة وهي الاخيرة فان سمعت النصح كنت من الفائزين وان رفضته رميتك بملامة تخلد ذكرها في
(1/131)

- 98 -

التاريخ مدى الدهور وتكون بها مثلة وفي العالمين
انت رئيس عشيرتك بك يهتدون وبك يضلون فان احسنت السلوك احسنوا وان اسأت اساوا فحب لغيرك كما تحب لنفسك ولا تهتك حرمة الادب والانسانية وكن صاحب ذمة وشرف ولاتخش في الحق لومة لائم وكن صادقاً في قولك وفي عهودك كما هو شأن الانسان ولاتأخذ الافتراء والكذب ولاحيال لك ذريعة لنوال مآربك النفسانية لانك بذلك تخرج من دائرة الانسانية وتلحق بالبهائم وحاسا ان تلحق بها لانه لاتنطبق عليها هذه الصفات الذميمة فاترك إذن ما عزمت عليه من الغواية واتبع طريق الحق لتكون في زمرة الاشراف بين قومك من الممدوحين في العالم باسره
الشيخ - حاكم انا ملياش تجل على الماضه دي. انا مارتحش الا لما عنطوظ تخرب دياره ولا يتجباشي الا ابو دعموم شيخ الكفر والسلام ارجع عني
النبيه - اني نصحتك فما عقلت نصيحتي فذق طعم الملامة من يد محب الوطنية وخادم الانسانية ونديم العلوم الادبية لاني سارجوه ان يوجه افكاره نحوك ياذميم الافعال هذا فراق بيني وبينك. م. ع. بمصر
(التبكيت) لوطلت الحكومة كشفاً من البنوكة والتجار وعلمت مقدار الاطيان المرتهنة على المبالغ التي صرفت في هذه الطرق السئية لحجرت على كثير من العمد والمشايخ حجر سفهِ واقامت لكل واحد فيما يدبر امره ويمنعة من التصرف كما يمنع الصبي القاصر فانهم
لاعقل يهديهم ولاادب يرشدهم ولاعلم ينفعهم يسيرون خلف اغراضهم السئية فيخربون البيوت ويقتلون النفوس وينهبون الغيطان اعتماداً على التخلص بالبرطيل رلولا الفضيحة لالفت كتاباً في افعال قوم مخصوصين واعمالهم يشتمل على فظائعهم وما اضاعوه من المال وما صرفوه في البرطيل على انفاذ اغراضهم فان احدهم بلغ من امره ان يدفع ثلاثة الاف جنيه ليعزل المدير في الحكومة السالفة وقد تمكن من غرضه ام وقد صرنا بين رجال يحفظون اموالنا ويسمعون شكوانا فلا وجه لاخذ النقود بالارباح القبيحة برسم البرطيل وخراب البيوت ولا برسم عمل ذهبية في البحر بالفي جنيه وسراية في البلد بعشرة الاف وطقم فضيات 0 وهو نحاس مطلي) بمائتي جنيه واخذ اقمشة وملابس افرنجية وعصي وطرابيش وغير ذلك على طلوع القطن فان هذا ادهى من الارباح فقد رايت من ياخذ زجاجة ماء الملكة بينتو وهي مما يساوي خمسة غروش قلت له هذه تساري خمسة غروش قال دي من العال والخواجا معاملنا بقي لو خمس سنين وهو راجل طيب لايعرف الغش ولا الخيانة وقس على هذا فمن لنا بتأديب هولاء الجهلة والحجر على اموالهم التي تعمر ممالك وهم لايحسنون التصرف فيها
(1/132)

- 99 -

التاجر الحمار والفلاح المكَّار
قرأ احد نثق بهم نادرة التاجر الطماع والفلاح المغفل المندرجة في العدد الاول من اسبوعيتنا هذه فتقل الينا ما يقابل ذلك بين تاجر حمار وفلاح مكار قال
حدثني بعض الظرفاء الصادقين عن نادرة يجب ان تدرج في سجلات الحوادث انذاراً للمغفلين وبياناً للنصابين قال. دخلت يوماً على احد اصحابي من تجار الارياف فوجودته مشغولاً وعنده عدد عديد من الفلاحين فتلقاني بالترحاب واجلسني في اكرام وبعد السلام والكلام استأذنني في انجاز حوائج زائريه المذكورين ثم طفق يسال كل واحد عن حاجته مبتدئاً من وضيعهم الى رفيعهم فكان الواحد بطلب نقوداً بالفرط والاخر على محاصيل من قطن وغيره كل بحسب لزومه الا اني وجدته يميل الى من كان رث الثياب قليلها ويعامله بلطف وقضاء الحاجة ويعرض عند جديدها وكثيرها وكان كلما خلص من واحد صرفه الى الاخر حتى انتهى الامر الى احسنهم زهوة وابهجهم كسوة وكان على مايقال احد الفلاحين الاغنياء والعمد الشهراء فسأله عن غرضه فقال انا عاوز يامسيو خمسين جنيه بالفرط فقال لهُ التاجر لاباس اريد فرط المائة اربعة وضامناً غرماً من ذوي الشهرة والقدر وكان هذا الفرط مااخذه من الاخرين فاعترضه السائل وقال ازاي تطلب مني اكثر من غيري وانا احسن منهم حالاً ومالاً فاجابه التاجر مالي افعل به ما اشاء ثم صرفه فارغاً فلما خلا المجلس قلت لهً ياصاح رأيت منك هذا النهار عجباً وهو انك تفضل الفقير المجهول على الغني المشهور وتعطي مالك جزافاً بدون حساب ولو كنت مكانك لفعلت ضد مافعلت حضرتك فتبسم التاجر وقال مالي من الخبرة في هذا الامر يجعلني اقتصر في اشغالي على الفلاح الصحيح واترك غيره مليحاً او غير مليح فالفلاح الصادق في هذا البلد هو من تراه قليل الهدوم كثير الكلام رث الحال خالي البال مفتوح الصدر داني القدر حافي الاقدام كثير الاوهام عاري الساق كثير البصاق خلق الثياب منخفض الجناب قذر الاعضاء لايعرف الحاء من الخاء فهذا ان قرضته وفاك واذا رفضته يخشاك قد ربي على الخوف من الدين واحترام الدائن فلا يرتاح لهُ بال حتى يفي ما عليه اما ما سوي هذا من الفلاحين فأمرهم مجهول فمنهم غنيٌ قادر ومنهم نصابٌ غادر ومنهم متمدن مخاتل وقليلهم صادقٌ عادل الاّ ان المكارين منهم لاياخذون هيئة الفقراء بل الاغنياء ولهذا كنت اعرض عنهم الى ان اعرف جيدهم من رديهم ثم قص عليّ ما رواه عن تاجر مغفل ونصاب ماكر قال. عندما
كانت اسعار القطن عالية والنقود جزيلة وقد اقبل من اوروبا كثيرٌ من المتمولين ينجزون في هذه الاقطار ففتحت بنوكاً عديدة تعطي الفلاح ما
(1/133)

- 100 -

طلب من امتعة ودينار. قدمَ ذات يوم ثلاثة ذوات بالملابس الفاخرة والحشم الوافرة على خيل جياد وحمر شداد على بعض النجار الكبار وكان يتميز فيما بينهم راكب فرس دهما بطقم من الفضة والحرير يأخذ بالابصار وكان ذاهيبة ووقار عليه من الثياب الجميلة والامارات الجليلة ما يظهر انه ذو شأن فتلقاهم التاجر بالاكرام واجلسهم على كرسي ضخام وامر لهم بالقهوة والدخان وبعد ان استراحوا سألهم عن حوائجهم فقال لهُ احدهم وقاك الله ايها التاحر الموسيو صاحبنا هذا ((واشار الى احدهم)) (السيد فلان رئيس مشيخة الجهة الفلانية صاحب اطيان جزيلة وايرادات كثيرة لهً في الجهة الفلانية ميئتان وخمسون فداناً وفي الجهة الفلانية ثلاثماية وفي الوضع الفلاني كذا الى ان اتم الحسبة على ثلاثة الاف فدان منها الف مزروعة قطناً وهو عاوز دلوقت الف جنيه مطلوبه منه للميري ويخشى ان يروح الى التجار الوطنيين او الشاميين او الجريك لانه معروف بالغنى عندهم فجاء قاصداً سعادة الموسيو لعلمه انك تحفظ اسمه مخيفاً وشأنه موقياً وهولا يريد ان يعامل غيرك اما احنا فصاحبي ده عمدة البلد الفلاني رجل لهُ من الشهرة ما للشمس والقمر ومن الاطيان ما لايقدر لكن انا الفقير فلا بد ان تكون سعادتك سمعت بالحاج فلان الفلاني والاشيا معدن لكن مش زي حضراتهم والقصد ان السيد فلان المذكور وإحنا ايها الموسيو نريد منك حاجه هو مش عاوز منك فلوس بل عاوز انك تسأل عنوّ وعنا بشرط انك لاتقول لاحد عن السبب لانوّ لايريد ان يظهر للناس انه ياخذ فلوس بالفرط احسن ده مش كويس واما انا وصاحبنا دي فنضمن لك كلما ياخذه لحد عشرين الف جنيه فانشرح التاجر من خطاب الحاج فلان صدراً وقال. زي ما بتقول حضرت ك كده كلام بتاع الراجل لطيب مايختفيش فانا صدكت كلام بتاع انتم وما فيش لازم سوأل فانت ياحاج فلان اكتب حضرتك ضمانة ويختمها السيد فلان اما ضمانة عشان كلؤ وانا نديله دلوقت الف جنيه وكل مرهّ يجي ياخذ اللي هوّ عاوز ويكتب سند ففعلوا ذلك ونقدهم التاجر الالف جنيه بفرط اثنين بالمائة وانصرف كلٌ لشأنهِ ثم السرية ويتفحص عن احوالهم من عمد ومشايخ بلاد وغيرهم ممن كانوا لاخذ الدرهم فكان الجواب من الجميع انهم احسن عمد البلاد وكانوا اذا سألوه عن السبب يقول كده مافيش خاجه
وكانت تلك الاسماء حقيقة الاسماء حقيقة اسماء مشهورين بالغنى نقلدها الجماعة المذكورون فبات خاطر التاجر مطمئناً ثم اخذ السيد فلان يترددٌ مرة بعد اخرى الى ان قبض من تاجرنا واحداً وعشرين الف جنيه قبل موسم القطن قال الناقل فلما سمعت هذا الخبر من صاحبي رغبتُ جداً في معرفة النهاية. قال فلما حضر
(1/134)

- 101 -

وقت القطن انتظر ذاك التاجر صاحبه مدة فلم يحضر ولا سمع لهُ خبرا فأخذ يسأل عنه ولما لم يمكنه الاخفاء اكثر اباح بالامر فتعجب السامعون من قوله وقالوا ان فلانا لم يسمع انه اقترض بالفرط فهو من الغناء علة جانب عظيم الى غير ذلك لكن هذه الاقوال كانت تذكر التاجر ما قالهُ لهُ الحاج فلان وتوكد صدقهم عنده ولكن عندما نجازالقطن ولم يحضر ارسل اليه بطلب المال فرجع الجواب من عند صاحب الاسم انه لايعلم ذلك مطلقاً فاستغرب التاجر الامر وضرب الارض برجله ونفر وشتم وكف وشخر ونخر واخذ يبحث في الامر واذا بصاحبه رجل يدعي بهذا الاسم ولكن لهُ غير جسم فاتى به وساله عن المال فقال انه بالاستعداد لوفائه وانه ينتظر صاحبيه ياتيا بما عندهما وبعد محاولات طويلة علم الامر ان السيد المذكور لهُ من حطام الدنيا فدان من الارض ولضامنيه الواحد حمار والاخر عنزة قال التاجر الراوي هذه حالة النصابين في هذا البلد فانهم يتعلمون لهم كم كلمة لطيفة ويتزينون بلباس حسن كل ذلك ليجدوا لهم من المغفلين ما يجعلونه فريسة اطماعهم وضحية حيلهم
وردت الينا هذه النادرة من احد الاذكياء النجباء فادرجناها بحروفها
اليكم نادرة غربية تعد من اعجب العجائب اوربها بحضرتكم عن مشاهد حسية وحالة واقعية شاهدناها بنفسي لا نقلا عن غير رجاء بان بان تثبوتها بجريدتكم الغراء لتكون شاهداً للا نسان على وجوب تيقظه وحرصه على حفظ مايملكه بان يدافع عنه لكل ما يصل اليه امكانه بحيث يقاوم كل من اراد اغتصاب شيء منه بكل شهامة وثبات مادام فيه رمق الحياة ذالك اني كنت بالمحروسة من مدو نحو العشرين يوماً جالساً في منزلي مطلاً من احد النوافذ على حظرة البيت حيث يوجد فيها دجاجة هندية فيها دجاجة قد افرخت ثمانية فراريج وبينما هي واياهم في تلك الحظرة يمرحون واذا بحدأ دة انقضت عليهم لتخطف فروجاً فلم تلبث تلك الدجاجة دون ان هجمت عليها هجمة الغيور على بنيه واخذا يتضاربان وينقران بعضهما بعضاً حتى اشتد القتال بينهما واخيراً انجلت تلك المعركة
بالظفر للدجاجة حيث تمكنت من الوقوف على ظهر الحداءة وارادت التخلص منها لتفوز من الغنيمة بالاياب فلم تمكنها من ذلك فطارت والدجاجة على ظهرها فكان منظراً غريباً يدهش الابصار والاغرب من ذلك ان الحداءة لم ارتفعت بالدجاجة نحو الخمسين متراً رات الدجاجة ان لاطاقة لها في سبيل الطيران وانها ان مكثة في بهذة الحالة تعسر عليها النزول الى الارض سالمة فاخذت تنقرها في راسها نقراً متوالياً مكلبة باظافرها في ظهرها حتى الجأتها الى الهبوط بها الى الارض وريثما استقرت بها تركتها الدجاجة خايبة الامل مكسورة الجناح مهشمة الاعضا فطارت بكل عناه ومشقه بحالة خطرة
(1/135)

- 102 -

من آلام الجراح وتشتكي لغراب البنين ما حل بها من الانكسار وما لحقها من البوار وقد عادت الدجاجة الى فراريجها حيت وجدته ينتظرونها بفروغ صبر فخيمت عليهم ترفرف باجنحتها فرحة بسلامتها وسلامتهم فتعجبت غاية العجب من هذه النادرة الغريبة واجابت ان ارويها لحضرتكم لتتحفوا بها قراء جريدتكم الغراء فان فيها تذكرة وعبرة لألى الالباب ثم ان هذه الدجاجة لم تنزل عندي مع فراخها لغاية الان
محمد نافع

تابع افتتاح المدرسة الخيرية بدمنهود
وبعد ان فرغ النبيه الشيخ حميدة من خطابه قام صديقتا الاير الاديب البارع الشيخ احمد ابو الفرج وتلا هذا الخطاب الجليل حمداً لم افتتح كتابه بالحمد لله وخص بعلمه من عباده من اصطغاء وصلاة وسلاماً على اول جامع للفنون المنزل عليه ن واقلم وما يسطرون من اثني الله عليه وعلى معلمه غير مره فقال علمه شديد القوى ذوا مره وعلى اله الذين فتحوا البلاد وهم ايمة اعلام وسادوا العباد بالمعارف وبلاغة الكلام وبعد فلما كان تعلم العلم واجباً على كل انسان يتميز به عن سائر الحيوان وتعلو به همته وتسمع في المحافل كلمته وكانت بحيرتنا قد فاض ينبوع عرفانها وذوي ثمر التعلم من اوراق افنانها وفق الله لها بتوفيقه من اجرى على يده شبيب الرحمة فشق بنور فطنته عن اذهان اهلها جلابيب الظلم سعادة مدبرنا الاكرم وملاذنا الافخم سعد الدين بك دام علوه فانه شمر عن ساعد الجد والاجتهاد وحشد الجم الغفير من عم واعيان البلاد واستشارهم في افتتاح مدرسة خيرية يكون بها النفع لها تيك البريه لتنشط من عقال الجهل اذهان القرى وينمو الصدق في البلاد ويضمحل المرا ويقف كل انسان عند حده عسى الله ان يأتي بالفتح او امر من عنده فلبي دعوته الجميع وشكره على هذا الصنع وصار اذ ذاك رئيسها الاكبر وقطبها الذي عليه اساس دورانها المقرر وانفقت اراء الجميع في اول الامر ان يكون ناظرها استاذها صاحب النظم والنثر من لم تنزل الصباء باقواله تسري اخونا محمد افندي شكري فانه رب بجدتها وجدير بنظارة ادارتها نور الله فطنته وانجح تلامذته واني توسم فيها النفع العميم وخير الجسيم بحظور الامراء والاعيان من ذوي المجد والشان سيما وقد فتحت بحضور الهمام الفاضل والاديب الكامل صاحب الذوق السليم عبد الله افندي نديم من امتياز بصنعتي الكتابة والخطابة الذي غاص بحر المعارف وجاب عبابه لا زال ممنوحاً من الله التوفيق ولنا الخل الصديق ولا زالت كواكب هذا المحفل طالعت تافل ممتعة بظل الخديوي وانجاله بجاه النبي واله ثم قام الفاضل النحرير السيد محمد افندي شكري وتلا هذه العبارة اللطيفة الوجيزة الحمد لله والسلام على اصفياه وبعد فخير القول اصدقه ان ما اتى به من البراعة
(1/136)

- 103 -

هذا الخطيب النديم المطلق عنان براعته التي خضعت لها رؤس الاقدام ووقفت دون مرماها الافهام لم يدعه بعده قولاً لقائل ولا جولة لجائل ولئن ذكر يعرب وقيس وسحبان وائل انه لآت بما لم تستطعه الاوائل وان سروري بما تحلى منه سمعي ليس باقل من ابتهاج بما
شاهده بصري من هيئة هذا المحفل الشريف وهيبة رئيس جمعيتنا الخيرية ذي المآثر الحميدة والاراء السدية سعادة المدير دامت معاليه فشكرى للجميع اول خدمة وجبت علي في انشاء هذه المدرسة الميمونة المبدا الناجحة مقاصدها الجميلة بعناية الله تعالى في ظل دولة الخديوي الاكرم وولي عهده الافخم رافعاً يد الابتهال الى ذي الجلال بان العهد وسائر الانجال الكرام وان يقرن مساعينا بالنجاح بجاه انبيائه وخاصته اصغيائه امين
قدمت لنا هذه الابيات البليغة من حضرة الفاضل الشيخ قاسم محمد احد مدرسي العربية بالمدرسة الخيرية
روض البلاغة بالتنكيت اهدانا ... وبلبل العلم بالتبكيت نادانا
والكيروان بآداب مهذبة ... يرنم الكون ندمانا وخلانا
بمحفل من بديع الدر منتظم ... ومن بيان معاني النثرا شجانا
به النديم ادار الكاس ينعشنا ... حتى بدى العقل نشوانا وولهانا
انعم به من حكيم حاذق فطن ... يبغي الى الرشد بعد الغي اهدانا
دم يانديم بتهذيب لنا كرما ... حتى تشيد بالعرفان اوطانا
فطالع العز بالتوفيق ارخها ... تنكيت جد بتبكيت العدا بانا
سنة 1881

التجارة
* (قهوة ماريجوه بشارع عابدين) *
. . ـصـ
2 القهوة
4 الكونياك
6 البيرة
2 النقطه للاءلآتيه
(بيرة صندوق الدين)
2 النصف
4 الكبايه الكاملة (الشوب)
(قهوة جسر ابو العلا)
2 التعمير البلدي
1 الكافور
4 المعسل
(دكاكين سر المارستان)
2/ 1 منزول مربى الجوز
1::: الهندي
2::: على الهلال من الدهنه
سوق الجنون على حاله واخبار الحشيش في تحسين والخمر مطلوب
(1/137)

- 104 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في رسالتة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) ليس للجريدة وكلاء في أي مكان بل ترسل للمشتركين بطريق البريد (2) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (3) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (4) قيمة الاشتراك في اسكندرية6 فرنكات عن ستة شهورو 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (5) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (6) لايرسل عدد واحد من جريدتنا قبل ان يدفع قيمة الاشتراك ومن مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في او يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (7) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (8) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نيعمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم)
(1/138)

- 105 -

العدد 7 - بتاريخ: 24 - 7 - 1881
(1/139)

- 106 -

الحجاز
جياد فما الداعي لمهمز سائق ... لها حفظ المضمار سهم السوابق
اذا كنز النفناف افراس حلبة ... تعالت تبارى الريح فوق الشواهق
وان رحضت خيل الرهان وازبدت ... رأيت على الالباب در البخانق
تكاد بملء السرج تمرق في الهوا ... اذا لم تساعدها سراع المرافق
فما بين ميداها وغاية قصدها ... كما بين آذاني والفاظ ناطق
تلك صحيفة عربية خالصة العروبة تسابق المحررات برقة عبارتها وفخامة لفظها وسهولة تركيبها يحررها صديقي الابر الاوحد التحرير الاديب الجهبذ السيد ابرهيم افندي المدني المولد ولا ازيدك ايها القارئ بياناً لفضلها ولا حثا على تلاوتها اكثر من ان محررها بتلو عليك اللغة العربية التي تفخر بها وتجتهد في تعلمها وتنسب الى مقرها فاذا افتخرت قلت انا عربي وانت تبحث في اللغة على الاساتدة فاسمعها من ابنها واحرص على فوائده وغرائبه واشكر لربك اذ وجدت في زمن ترى اللغة العربية في حماة ورعاة يحفظونها بكثرة الجرائد لتشتد الرغبة فيها واحرص على بقائها لتكون من السابقين للاشتراك في صحيفة هذا الذي يتحمل اتعاب الغربة لينفع الجنس العربي ويصرف النفيس من ماله لتوسيع دائرة الافكار واظهار الفضل الشرقي والمآثر الحجازية والمحاسن الاسلامية فانك ان فعلت ذلك كنت من المحبين لابناء جنسك المؤيدين لحفظه لغتك القائمين باعانة الادباء ومساعدة النبهاء وسنهدي اليك شذورا من فضوله الادبية عند الامكان لتتمتع بعذوبة اللفظ ورقة المعنى

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - احمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/140)

- 107 -

اياكِ اعني يانفسي فسمعي وعي
أي عزيزتي
دعيني من العالم وما هو عليه وهاتي جوابك عما اسالك عنه واياكِ والتمجل فاني اقدم حديثك للعقلاء فلا تنطقي الا بحق ولا تبدي غير ما عزمت عليه
ما الذي حملك ِ على الظهور بما يسئ صاحبك ويغيظ جارك وبوغر عليكِ الصدور اانت ممن يفضل الموت على الحياةِ السيئة حتى اخذت تقجين الجهالة وتحثين على الاداب ومحاسن الاخلاق. كيف تسورت هذا الحصن العظيم واهله في الدنيا السواد الاعظم ألست واحدة من هذه النفوس المنتشرة في الوجود فلم لم تجهلي مع الجاهلين وتتأدبي مع المتأدبين وتتعالي مع العالمين وتسيري مع المخرفين في طريقهم الذي لو سلكته لقبلت يتاك ولثمت اطراف ثوبك ألم تحفظي من اخبار الاولين قتل الخطباء وشنق الدعاة وضرب المودبين وطرد المهذبين ولا يسعك انكار ماتاتينه من الاعمال والاقوال وانتِ تنادين بلسان ذاتك بصوت شرقي صداه في الغرب اف لك فقد كدرت عيشي وانحلت جسمي وشوشت فكري وبغضت الاهل في والزمنتي السهر والاوراق بما لم يكلفني به الا املك الطويل وتمنيكِ البعيد
النفس ما بالك تطيل الكلام بما لم يكن في حساني ألست بين رجال اذكياء تدعو فيجيبون وتنصح فيسمعون وتحذر فيتركون وتحث فيسعون والكل مجد في طريق التعليم ساع في تحصيل ثمرة ادبية او تشييد اثر تاريخي ومن وجد مثل هولاء وكره الصحبة او سئم من المخاطبة كان محلاً للومك ومرجعاً لتأنيبك فان كان عندك غير هذا فهاته والا فنحن في ارض المعارف تحت سماء الذكاء بين رجال الفتوه والحمية ولا يضيع بينهم عمل عامل ولا يعرفون غير الحق طريقاً
نديم اسمعي اسمعي ان قيل فيكِ انك خبيثة تحذرين من القبيح وتأتينه وتأمرين بالجميل ولا تتبعينه هل انتِ راضية بذلك
نفسه نعم راضية فان العقلاء يعرفون سيري ويحفظون مشربي فلا يضرني جاهل يرى السهام مفوقة اليه فيرميني بما ابتلى به وان ملاء بمفترياته القهاوي والطرقات
نديم ان قيل فيكِ انك ضالة مضلة لاتعرفين الدين ولا تعترفين باهل الفضل فهل انتِ
راضية
نفسه راضية فان بنات افكاري وابناء ادابي تكذب من يقول ذلك ممن لايعرف الا ضروريات حياته التي لايجعلها البهيم.
وكسبي ما انادي به الان من الاداب ورايته عن اهل الفضل يوجب على الاعتارف بفضلهم ومنكر الواجب مارق
نديم ان قيل فيكِ انكِ لاتؤمنين على درهم ولا دينار لطمع خلقت به وشره جبلت عليه فهل انت راضية
(1/141)

- 108 -

نفسه نعم راضية فاني اعذر القائل لعلمي ان الفقير لو خلق من الامانة ونفخت فيه روح العفة ما ائتمن على درهم ولا دينار لتوهم احتياجه اليهما ولو كون الغني من ضد ما كون منه الفقير وسلب من النقود كثيراً لخرست الالسن وان تكلمت وجد لهُ الف مدافع لتوهم غناه عنها وهذا غريزي في النفوس فلا اتكدر منه على اني لست خازنة ولا امينة بيت مال
نديم ان قيل فيك انك تسعين خلف مقصد سئي وافتري عليك مفتريات واكاذيب ربما اغضبت عليك مواليك ان تعدمك فهل انت راضية
نفسه راضية بقيت او عدمت فساكون سيرة يرويها الحاضر للاتي تلبث خفايا الامور حتى تظهر فيكون سوء مكافأتي على اجتهادي غرة في تاريخ حياتي
نديم ان قيل عنك انك لم تقصدي بسعيك الا الشهرة التي توصلك لرتبة تنا لينها او رزق تتمتعين به لتكوني من اهل اللذات والنعم الجليلة فهل انت راضية
نفسه راضية فما الانسان الا قلبه ولسانه وهما مني بين يدي كل انسان يقلبهما كيف يشأ فما وجده فيما حكم عليّ به واما اللذة المقصودة بالشهرة فانها ظاهرة في سرير نومي وسترتي الوحيدة وانعم بها من لذة لو دامت فما النعمة الا ما يحفظك من شرب ماء اللئيم وكل عيش المجرمين
نديم قد قيل فيكِ انك تسبين اخوانك الذين يؤيدون اعمالهم الخيرية باتحادهم وتسعين في حل عروة الاتحاد التي احكمتها فهل انت راضية بذلك ايضاً
نفسه ارضي بالموت ولا ارضى ان اكون علة في حل عروة الاتحاد الخيري بعد ان صار في يد عظماء الرجال وكرامهم
ن يانديم ان كنت اتعبتك في حملي فقد اضررت بي في صبرك وان كنت اساءتك بالاماني فقد غظتني بالاتباع وان كنت آلمتك بآمال فقد اعدمتي بصرف زمنك فيها فاعدل بي هداك الله الى طريق استوى فيها مع مثلي وسر بي في سبيل لااعدم فيه رفقاء وحسبك من الخير ما جمعت اليه الرجال وحفظه كرام الناس وامرائهم والا فاني احمل على جسمك يفيض بها ماء حياته وادعك سيرة تتلوها الجرائد والتواريخ على مسامع العباد
نديم لك الله يجزيك على اتعابك التي اذهبت بها قوتي واشبت راسي ولحيتي وقد اجبتك لهذا الطلب المحمود الظاهر السئ الباطن فقد كنت اود صرف الباقي من حياتي في طفل اربيه وعقل انوره وروح استخلصه من الجهالة ولكن جهد المقل دموعه وما علي من ترك عمله لاهل الخير وكرام الناس من بأس
فأنظريني اسبوعاً او اسبوعين وانتظريني فان انا صرت في ثاني العالمين فقد ارحتك من الاتعاب وان ظهرت في طور جديد حملتك على اخطار واتعاب يكون لك بها
(1/142)

- 109 -

عند الله الحسني وزيادة ودعيني من الخلق فالسعي اليوم والجزاء في غد عند من لايضيع عمل عامل جل شأنه

اتبع الحق وان عز عليك ظهوره
أي زمان
حدثني عن الارواح التي زارتك وكيف كانت نشأتها فقد رجعنا في تصفح تاريخك الى حد وقفت فيه العقول فاخذت بالقياس التخمين ولم نر غير انسان يقطع عمرك بفناء لجزائه فهو يختط البلاد ويبني البنيان ويغرس الوديان ويركب الحار ويسعى في غنيمة يكسبها ولذة يحصلها وغرض يقضيه وكلها ترجع لمثيله فتراه يريد الغنيمة ولا يجد لها غير قتل اخيه سبيلاً ويميل للذة ولا يحصلها الايجعل عرض اخيه طريقاً يشتم ولكن مثله ويضرب ولكن جنسه ويقتل ولكن قرينه فهو القاتل والمقتول والناهب والمنهوب والسالب والمسلوب والعائب والمعيب يرى اللقمة في يده غداً لجوفه ولا يعلم انه يجوع يوماً ما فلا يجدها ويسعى في اهلاك اخيه ولا يدري انه ربما نجا واهلكه سعيه وقد اختلفت طباعه وتعددت مساكنه وكثرت لغاته وتباينت معتقداته فسمى المذهب واللغة والوطنية والجنسية وتعصب لكل منها بحسب ماتدعو اليه اغراضه فانتج هذا التشيع وجود العداوة التي تحسن لضارب الرصاص اطلاقه من غير خوف ولا جزع ولا اسف فانه يعد نفسه قسما غير من جعله غرضاً لناره وبهذه العداوة تسمت الممالك وخططت وحددت وحصنت واصبح كل يدافع عن مملكته بروحه وماله بالوجود غير انسان واحد
فيا زمان هل كان انسانك الاول عدو نفسه بطعمها حيناً ويجيعها زمناً ويضربها وقتاً ويريحها اونة حتى نبت بذرة بهذا الغرس المتمائل مع الاهواء. ام كان محباً لذاتهِ محافظاً على حياتهِ مجتهداً في نمو قوته وتأييد سطوته ونحن ننسب اليهِ بالصورة ونباينه بالطباع. كم قتيل كتبتهُ في دفتر وجودك ممن ذاق المنون من المظلمومين. كم مشرّد قيدته عندك ممن اوغرت عليهم الصدور ظلماً وهم لايشعرون. كم امناء اهينوا بالاوهام وماهم من الخائنين. كم حكماء تسلط عليهم الاغبياء فحجرت عليهم افكار تهدى العالمين. كم علماء هزأ بهم الجهال فماتوا وفي صدورهم ها للمتقين. كم امة كانت امنة مطمئنة فاصبحت من الهالكين. كم فئة اتحدت قلوباً ففسدت بلسان غوى مبين. لاتقل ادواري تقضي عليهم بها التفاتي وانت تعلم ان الآجال مقدرة فلو صبر القاتل على المقتول لحظة لمات ولكنه ابي الا ارتكاب الاثم واتباع الاغراض فسفك الدماء وهتك الاعراض وسلب الحقوق وغرس
العدوان واوغر الصدور وارجف القلوب وهو في سعيه من الفرحين اهذا هو الانسان ام العين تبصر شكلاً
(1/143)

- 110 -

كشكله وهو غير مشاهد فانا نجيل الطرف فلا نجد الا اكفاء وامثالاً ام الانسان اسم غصبناه وادعاه كل ذي قوام عامودي والا بان كنا هو فما بالنا نسعى فيما يضر بهذه البنية الشريفة ونجتهد في اعدامها هل الارواح تغتنم فياخذ الساعي روح اخيه لتكون مع روحه في جسمه ام الاعمار تورث ولكل ساع في هلاك اخيه ما بقى من عمره. والى من وجدت الشرائع اذا لم يتقيد بها الانسان اين الخوف من النار ونحن نتفكه بالغيبة ونتسلى بالمفتريات بن الرهبة من النقمة ونحن نهجم على المعاصي هجوم العاشق لها. اين الخوف على النعم ونحن مغرورون بما بايدينا مع العلم بان السلب اقرب من الايجاب. اين الطمع فيم عند الله اذا اتحد رجال على ايذاء رجل. اين الرغبة في النعيم الابدي اذا جعلنا الحب وسيلة للشر. اين السعي في الطاعات. اذا كانت الاساءة منتهى الآمال. اين الصدق اذا كذبنا لانفاذ غرضنا. اين الحق اذا ركبنا البطل اجابة للنفس في طلبها. اين الانسانية اذا اجتمع الاقوياء على الضعيف. اين الفضيلة اذا كان للنقيصة عندنا شأن عظيم. اين العقول اذا لعبت بها الاهواء
الا يحسن بها النوع الشريف ان يسلك طريق الحق ويدع هوى النفس ايليق بي واما من الانسان ان اصحب واحداً اتسلى بالفاظه واطرب بكلماته واسر بمفاكهته واقتبس منه ما اهتدى بهِ في ظلمات اغراضي واروى عنه ما تتنور بهِ افكاري وارى منه اشكالاً وغرائب واتمدح به في كل مكان وافاخر به كل انسان واتيه بوجود في ارضى وافضله على السابقين من امثاله واسير معه في كل طريق سار فيه واحسن كل عمل يأتيه واساعده على كل مهمة يطلبها ونازلة يدفعها وهو يذكر لي من المحاسن ما يسمو بهِ قدري ويعلو شاني ويثنى عليّ بما يخلد لي ذكراً جميلاً ثم عد هذا الغرام والشغف والالتصاق والمصافاة اقطع حبل وده بسعاية وابغضه بدسيسه محتال واهجوه اليوم بما كنت ابرئه منه امس واذمه بما كنت ادفعه عنه وارميه بما لو انصف به لدنس مجدي وقذر شر في واسعى في نفور القلوب منه بعد ان كنت اجمعها عليه
ولو تأنيت في الامر واخذته بالحكمة لظهر المفسد من بيننا ظهور المس فصفعناه واخذنا حذرنا من مثله والا فان غضبي بالاوهام وتصديقي من عرفت كذبهم واختيرت مفترياتهم
وكانت لهم عندي سابقة السوء ليس من الحكمة ولكن اذا ملئت الاذان بمفتريات كدرت النفوس وحولت القلوب وزحزحت العقول ولا ينزعها التنصل ولا يدفعها الاعتراف فاولى لمن سلطت عليه السن ذي الغايات ان يستلم لقضاء ويلزم الوحدة حتى يصل الى احدى الغايتين اما ظهور الحقيقة وتحقيق برأته والاعتذار اليه وما تمكن السعاة من اسأته وذهابه شهيد الغايات او اسير المفتريات. وعار على شيوخ
(1/144)

- 111 -

جربت الزمن ان تحل عروة الاتحاد بسعاية من تعددت مساعيه الشرية وبعده منها ايام الاصلاح وتملقه اليها زمن فتنته. ولكن لكل باغ مصرع ولكل ساع مقصد. فيا ايها الانسان صور الحق بين عينيك وغالب نفسك فما الجهاد الاجهاد النفس والزامها طريقة الاعتدال وردها عما يحدثه الغضب من فرية تمام او اكاذيب ولا تساعدها الا على الاحسان ولا تأخذ الامور بظواهرها واتبع الحق وان عز عليك ظهوره

الذئاب حول الاسد
حدث الحجة العيان عن الثقة الزمان انه احاط بالاكوان علما وراي سائر الموجودات بعيني بصره ووقف في طريق الوجود تمر عليه الكائنات مختلفة الاجناس متغايرة الاوضاع متباينة الطباع وهو يكتب لكل تاريخ حياته ومقدار اعماله وبينما هو يراجع سجلاته ويقيد حوادثه طلب منه الحال حديث الاسد والذئاب اذ راه يكتب تاريخه وهو كاسف البال باكي العين متغير اللون فتنفس الصعداء وتنهد وتأوه وان واضطرب وقال ان لم تبك معي فتباك وان لم تمرض فتمارض فان هذا الحديث يفطر الاكباد ويخفق القلوب ويبكي الصخور ويحرك الجماد اسفا عند سماعه بينما الوجود في اختلاف لا يعرفه ائتلاف ونفرة لايصحبها اتحاد وبغض لا يدفعه حب وفساد لا يغلبه اصلاح تغلبت على الغابات الوحوش وتسلطت على صغار الحيوان وضعفاء البهائم وقد حيل بين الضعفاء وبين ما يشتهون وضرب بين كبار الوحوش بسور لا يتسوره الا القوى ولا يقف عنده الا المقسط القانع اذ ظهر اسد الاجمة فعارضه الكثير من الضباع والذئاب فاخذ الاسد يمالئهم ويجاريهم في افكارهم وعاداتهم حرصا على الغابات ورغبة في انتظام جماعة الوحوش واستنقاذهم من مخالب الاغراض والشهوات فعارضه الكثير منهم وانكروا عليه ما جاء به من النظام وما يدعو اليه من وحدة الاتحاد فاخذ يحمل عليهم بجيشه الحملة بعد الحملة وهم يهزمون بين يديه ويخضعون اليه حتى تمكن من توحيد الكلمة مع اختلاف الاجناس وسير الجميع تحت نظام واحد فلما قضى نحبه قام بالامر بعده اسود اشتدوا وطاءة وعظموا بطشا فتغولوا في الغابات والقوا عددا من الحيوان لا يدخل تحت حصر فثبتت اقدام سطوتهم وعلا شانهم حتى ملاوا القلوب محبة والنفوس رغبة بسيرهم في استقامة لا يعرفها اعوجاج والفة لا يمازجها نفرة واتحاد لا يداخله خذلان وقد سار الذئب مع الغنم والهر مع الفار والضبع مع الحمار لوقوف كل عند حده وامنه على حقوقه واستوائه مع غيره في السكني والمعاملة والنظام ولم يزل امرهم قائما يؤيده اسد ويمكنه ليث حتى تغلب عليهم بعض النمور فانقادوا اليه وسلموه الزمام فحاول السير على ما كانوا عليه
(1/145)

- 112 -

فلم يمكنه اختلاف الاتباع وتباين طباعهم وشذ عنه بعض الاجناس فحصن وغابه ولزم وكره ودعي لنفسه بالرئاسة كما تدعوا النمور وقد عجزت الذئاب عن رده ودفع ضرره فلما ثبت ذلك في اذهان بقية الاجناس اخذوا ينافرون النمور ويخانلوهم حتى خرج من ادئرتهم الكثير من تبعتهم وفي
خلال ذلك استاسد احد النمور وتطبع بطباع الاسود فجمع المشتت وضم الكثير ممن خرجوا على ابائه ولكنه لم تساعده الحياة فاخترمته النية وقام بعده غيره من بيته حتى آل الامر الى اسد والحال مرتبكة والنفوس منقبضة والدماء مراقة فاخذ يجبر الصدع ويربط الجرح ولكن لسوء حظ التبعة ابتلى بمن يغره ويحسن اليه اموراً اضعفت امارته واضاعت الكثير من غاباته فكثرت عليه الافكار وبقيت الذئاب تخدعه وتحمل عليه بالسنتها وتهدده بقوتها وهو واقف بين الوحوش ثابت القدم قوي الباس غير ان افراد آجامه فسدت بواطنهم وحسنت لهم الذئاب الخروج عليه فغفلوا عن ذل المستعبد وسطوة الاجنبي واخذوا يخربون بيوتهم بايديهم وايدي الظالمين وهذا مما قضى على الاسد باعمال الفكر حتى ضعفت قواه وجلس بوصيد اجمته يصرف حياته في حفظها وصيانتها راجياً تنبه امته وتذكرهم سالف زمانهم وما كان عليه بائهم من علو الجاه ونفوذ الكلمة لعلهم باجتماع قوتهم واتحاد قلوبهم يزحزحون الذئاب عن بابه ويحفظون وطنيتهم التي عرفوا بها وتربوا فيها ليكتب المورخ هذه امة عدوها واظهرت باس اسدها الضرغام وحامى حومة اجامها فاصبحت تهابه النمور وتخشاه الفهود بعد ان ضعف وطمعت فيه الاعداء فعجب الناس من اجتماع الذئاب حول الاسد

رواية الوطن وطالع التوفيق
بقلم العالم العامل السيد الفاضل خدني لار السيد الشيخ حمزه فتح الله محرر صحيفة البرهان كتبت للجهبذ الفاضل السيد عبد الله افندي نديم مانصه
ابهذا الاخ
ليس موجب كتبي اليك هاته المرة بث معذرة على لسان وطنك المحروس عما لاينبؤ بطرد حلمك دع ذا فانما هو في الحقيقة آبة على فضلك الذي لايختلف فيه اثنان وهبه ساءك بنوع من خطأ العقلاء فقد سرك بل سربني جلدتك وكل من يهمه الاصلاح بما انبعث فيه من اشعة العدل المحمدي التوفيقي الخديوي الذي اينع برياضه غراس مساعيك الغراء ومساعي امثالك فهب غلطاته ولا اقول سيئاته لحسناته فانك لامحالة ملفى عند موازنة ما ذكر ثانية الكفتين راحجة بمقدار ما تطيش الاولى وقد تعلم ايها الخدن انك منذ بدأتك ما انت بصدده قد ثابرت تلك الخدمة وادليت دلوك في الدلاء فطفقت تنزع من ركيتها مائحاً حتى انحست انهارها وتفجرت
(1/146)

- 113 -

ابحارها فاذا المائح ماتح والمانع مانح والنكرة معرفة الخ وان حكومة أيدت سعيك وشدت ازرك ومدت اليك ساعد المساعدة علي مقصدك لجديرة بأن نلثم لها هاته اليد البيضاء بافواه الشكر إن وجدنا مكاناً لذلك اللثم لان كلتا راحتيها مزادنة بقبل الشكر من المعصم الى الساعد على بقية مآثرها الكبرى التي هي اوضح من فلق الاصباح وتعلم ما منيت به امثالك المخلصون من خدمة الوطنية قديماً وحديثاً
ولا ينبغي ان اضرب لك مثلاً بالموسيو فلان والماجور كذا فلا يفوه بذلك سوي من عمي او تعامى من مآثر الشرقيين في ذلك فهوّن عليك الخطب فسيجعل الله بعد عسر يسرا بل الذي استفزني لتحرير هاته العجالة انما هوالقيام بما يوجبه لك الانصاف على صحيفة وطنية حديثة العهد بالظهور الا وهي صحيفة البرهان من محض الصدق فيما يختص بتشخيصك رواية الوطن وطالع التوفيق لا من حيث القهقهة على الحشاش والملاح والمصري الخ لان ذلك ليس من مرامي سهام العقلاء ولا من مقاصدك الغراء بل من حيث ان تلك الرواية كان تشخيصها على النسق التدريجي الخارجي المشاهد في نهوض الاوطان من وهدة الحضيض الى اوج التقدم بعلم ذلك من لهُ وقوف على كيفية نشاة الدول في بدأة امرها ولا يجهل اولو الالباب ان هذا المقدار في التشخيص لم تصل اليه الاجانب بلا سابقة
عناء ومضي ازمان لاجرم ان اتقانه على ذلك الوجه الذي شاهدناه بالعيان لدليل على ضلك ايها السيد فلو انصفتك صحيفة البرهان لملأت جدولها بالثناء عليك واهداء اسنى المناقب اليك
بقي الكلام على اصل التشخيص وان لنا فبه مقولاً على حدته اثبتنا فيه ان مرجعه ضرب الامثال او الواقعيات الماضية وكلاهما معروف قديماً غاية الامر ان سبب ولوع الاجانب بتشخيص ماذكر انما هو مقصور ادراكهم عن كمال التصورات الذهينة فترى جميع اعمالهم مبنية على الحس والمشاهدة لا يصدقون بما لم يروه ثم انهُ قد وقع التشخيص من كثير من العرب في عنفوان دولتهم واهبنا في بيان ذلك بما سندرجه بالبرهان عند الامكان ان شاء تعالى
حمزة
فتح الله

تهذيب البنات من الواجبات
رسالة لاحد اذكياء ابنائنا نثبتها متتابعة في اعداد لطولها
((قال حفظه الله))
روى محب الانسانية عن صادق الوطنية انه قال تنبهت من النوم ذات يوم وقد ضاق صري وحرت في امري فنهضت لاسعى في الارض بعد اداء الواجب والفرض لعلي اجد صاحباً يفرج كربتي او صديقاً يقوي عزيمتي او عاقلاً اهتدى بحكمته او عالماً افوز بصحبته
(1/147)

- 114 -

فهدتني خاتمة المطاف وادتني فاتحة الالطاف الى حي من الاحياء عليه بهجة وبهاء كأنه روضة اينعت ازهارها او جنة تدفقت انهارها يسر مرآة الناظر ويبهج حسنه الخاطر واذا بافواج من الناس تسعى اليه فدخلت في جملتهم لاعلم ماهم عليه فرأيت مايدهش الابصار ويحير الافكار من سعة ارجائه وطيب هواءه وابداع صنعه واحكام وضعه من تزاحم الخلائق في تلك الحدائق ن تراهم مجتمعين حلقاً كالاحداث كأنهم في قوام الغصون ازهار واوراق بعضهم قد استولى عليه الفرح وامال عطفه المرح والبعض طافت بينهم بنت الدنان تشير الى ذهاب عقولهم بالبنان وفيهم المحلق والباهت والناطق والصامت والضاحك والباكي والشاكر والشاكي وغير ذلك على اختلاف الاوضاع والاجناس مابين عناء وهناء وابتئاس وائتناس وبينما انا اطوف بين هاتيك الصفوف اذ حانت مني التفاتة الى شخص منفرد عن الاخوان صاحبته الكآبة واستولت عليه الاحزان قد انتحل جسمه وكاد يمحى رسمه فملت اليه وسلمت عليه فاومأ اليّ برد السلام من غير ان ينطق بكلام وصعد الذفرات واسل العبرات فقلت لنفسي لعل هذا عالم لم يرَ لعلمه رواجاً او حكيم لم يجد لدآء الجهل علاجاً او من بيت مجد تغلبت عليه الاوغاد فاصبح غريباً لاماوى لهُ في البلاد او لعله صانع قد اهملت صناعته او تاجر كسدت تجارته او كذا او كذا الخ ولئن كان ممن ذكرتهم فما احوجني الى معرفة احواله فاني ما خرجت في هذا الوقت الا لابحث على امثاله وما زلت الاطنه مع خشييته حتى افاق من غشبته فقلت لهُ يا اخا العرب وغاية الارب ما الذي دهاك وصيرك الى ما اراك ناشدك الانسانية وعزة الوطنية ان تقص علي جميع اخبارك فانك ستجدني ان شاء الله من انصارك لاني اخوك ومعينك وساعدك ومعينك او ما سمعت القائل
وانما الاخوان بالاخوان
والبنان واليد بالساعد
ام لم تحط علماً بالذي قيل
ولا بد من شكوى الى ذي مروة
يواسيك او يسليك او يتوجعُ
فقال حيث اقسمت عليّ وتقربت بلطفك الي فاني اقص عليك قصتي لعلك تفرج عني بعض كربتي
اعلم ايها الاخ العزيز اني كنت من التجار المعتبرين ومكثت مدة من الزمان معززاً بين الاخوان مشهوراً بالصداقة والامانة والعفة والصيانة وغير خاف عليك ما آل امر تجارتنا اليه من الكساد لعدم اقدام الاهالي على بضاعتنا وميلهم الى نمويهات الغير. . . حتى اصبحت تجارتنا اسما بلا جسم ولم يبق لها لاعين ولا رسم ومع كل ذلك فاني كنت ادير اشغالي على قدر امكاني ومن عدم المكاسب وما بها عاداتنا من زيادة المصاريف التي قيدتنا بها عاداتنا الذميمة بعد ان كل رأس مالي نحو العشرة الاف جنيه لم يبقَ الا نحو خمسما
(1/148)

- 115 -

جنيه فكانت هي التي ادبر بها حركة شغلي ولما هو معلوم في صداقتي عند التجار ما كان احد يقصر معي في شئ
ولم ازل على هذا المنوال الى ان رزئت بمصيبة لم تكن لي على بال وهي اني معالٌ بزوجة وثلاث بنات وولد صغير فكنت في احد الايام جالسا في بيتي غارقاً في بحار الافكار لايقر لي قرار مما هو حاصل لي من الاعسار واذا بزوجتي اقبلت علي فرجة مسرورة غير ملتفتة الى ما انا فيه من العناء والكدر قائلة (نهار مبارك إللى حضروا فيه الخطّاب لبنتك فلانه) فقلت لها لا بارك الله فيكِ ولا في بناتك ابعدي عني انا في ايه والا في ايه فقالت وقد ابدت الغضب لا يمكن ابداً الا قبول هولاء الناس فانهم من المعتبرين وان البنت قد كبرت ويخشى من انها تبور ولا يقترب احد عليها فيما بعد فلما رأيت منها ذلك قلت اها لا باس وقد عرفت هولاء الناس وحصل الاتفاق على مقدار الصداق وبعد ذلك ابتدات تلك المنحوسة في استحضار الجهاز (الشوار) وماكنت اعلم قبل ذلك ان العادة الذميمة لحكم على الناس بخراب بيوتهم في مثل هذه الحالة فانه لابد من احضار كافة ما يرونه عند سواهم بقطع النظر عن حالة الانسان ان كانت تساعد على الطلبات الباهظة
التي ما انزل الله بها من سلطان ام لم تساعد وبالاختصار قد كانت لي معها مسئلة في هذا القبيل تداخل فيها حملة من اهلها وجيرانها بموافقتهم على طلباتها وكلهم صاروا يحرضونها على انها لا تتنازل عن شيء مما هو جارِ بين الناس ظناَ منهم اني مقتدر وكفو لان استحضر زيادة عما يطلبونه ولهذا صمت المنحوسة على انها ان لم تنل غرضها من استحضار اللازم مثل ما احضر بنت السيد فلان والست فلانه فانها تخرج من البيت ولا تقيم فيه ابدا فلما رأيت الامور قد تحكمت واني ان فعلت او لم افعل فالبيت خرب على أي حال سلمت لها فيما شرعت فيه واخذت تستحضر اللازم بواسطة الخدامين والدلالين وتسألن ايها الاخ عنما احضرته فان لساني يعجز عن حصره ما بين مفروشات متنوعة منها ماهو مشغول بالقصب ومنها الحرير الخالص والقطيفه الحرة وما اشبه وملبوسات ذات الوان مزركشة بالقصب الكنتير والترتر من نحو سيد ابوه ومدلع امه والكعكعه المحشيه وكيد الفقير والغزال الملتفت ومن حرير ساده نحو الكردونيه والتفتيه والموريه وما شاكل ذلك ومن النحاس صنفين احمر وافر وفضيات ومصاغ والماس ونحو ذلك كل هذا قد حضر في اسرع وقت وصارت اثمانه مطلوبة مني للتجار ولا تنسَ القطن ولوازم المندج وتفصيل الملابس موده وخياطتهم بمعرفة الاسطى الافرنكيه ولوازم الفرح من قمح وسمن وحطب ولحوم وسكر وخضارات ومسكرات وفواكه واضف الي ذلك اجرة الطباخ والفراش واجرة العوالم والالاتية والمنشدين حتى اني بعد تمام الفرح حسبت
(1/149)

- 116 -

حسابي فوجدت ان الخمسمائة جنينه التي كانت باقية من رأس مال قد انصرفت وصرت مديناً في نحو سبعمائة وخمسين جنيهاً ومن ثم طار عقلي وندمت حيث لاينفع الندم وصرت متحيراً فيما اصنع خصوصاً في الدين
(البقية تأتي)

قد يدرك الحيوان ما لا يدركه الانسان
لحضرة الفاضل عبد الله افندي هلال فهمنا من العدد الثالث ان وصف الحيوان بالتوحش ظلم من الانسان وكان يلزم ذكر ما لهُ من المزايا حتى يظهر فضل تمييزه عن وصف التوحش عسى بذلك نجتهد في التحلي بالاوصاف الانسانية وننتظم في سلك ذوي الادراكات الادمية فنقول ان من ضمن الحيوانات نسناساً كان بالاستانة العلية مع احد المسافرين وكان من امره انه اتقن لعب الشطرنج وشاع امره فترددت اليه وجوه الاستانة وكبرائها يلاعبونه فلم يظفر به احد منهم حتى بلغ امره الملك فامر باحضاره فمثل بين يديه ودعي برقعة شطرنج واخذ معه في اللعب حتى وصل الى لعبة اراد بها كسر شاه الملك فقدم اليه اشماظا واشار اليه ان خذ هذا فلما فطن الملك لمقصده استفزه الغضب ولاح على وجهه علامات الغيظ فضربه على هامته بالشبك الذي بيده ففر من بين يديه وهو خائف يترقب فاستعطفه بعض الوزراء وقال لهُ مايحسن بالملوك اظهار الغضب على حيوان ضعيف واين الحلم المخصوص بالملوك فرجع الى رضاء وامر باعادة اللعب معهُ من ثانية فامتثل النسناس وجلس بين لعبة تماثل اللعبة الاولى فلاحت لهُ فكرة فائد واختلس بيده الشمال طاسة الشبك بدون استشعار الملك ووضعها على رأسه ومد يده اليمنى الى الملك باللعبة واشار اليه خذ هذا الاشماظ فاغتاظ الملك اضعافاً من المرة الاولى وضربه على رأسه ضربة اقوى من هاتيك الضربة فوقعت على الطاسة التي احترس منه بها بروية فكرة فانظر الى حسن ادراك النسناس ودقة ذوقه الذين تحصل بهما على مجالسة الملوك وحسن منادمتهم الذين لا يصل اليهما الاّ من بلغ ربة الصدارة بحسن المعارف والاداب فهل لمن يصف مثل هذا بالتوحش مقدرة على بلوغه ما بلغه من هذه الدرجة الرفيعة او يكون هذا برهاناً قاطعاً على انسانية النسناس وتوحش الواصف لهُ بهذا الوصف

رسالة
رسالة لاحد ابنائنا تلامذة المدرسة الخيرية وهو ممن قضى بالمدرسة عاماً ونصفاً مبتدئاً فيها من الاجرومية ومن لفظه وانشاه يعلم قدر اجتهاده وفضل معلميه قال ارشده الله ايها المخلص في خدمة الوطن المجد في تجديد علومه بعد العدم الغيور على تربية
(1/150)

- 117 -

ابنائه الباعث فيهم حمية الانسانية نداء من عرفك واختبرك وعلم ما لك من الاخلاص في خدمة الوطن ونشر العلم والاداب انشاءت صحيفة التنكيت والتبكيت للتهذيب فيالها من صحيفة مهذبة حاثة على ما كان عليه اباؤنا الاولون من التقدم والمعارف ذامة ما نحن عليه الان من الجهل والتكاسل واتباع الخرافات حتى صار يضرب بنا المثل في كل الاقطار واصبح لسان حال الوطن يقول
كنت بين الناس روضا ... لو تجد في الارض مثله
صرت من بعد المعالي ... دون خلق الله مثله
فلا حول ولا قوة الا بالله فما اخرنا الا التكاسل والتباغض وتحكم اللذات واتباع الشهوات وتغلب الخرافات ولكن الحمد لله نحن في عصر نشرت فيه العلوم والمعارف وعقدت فيه الجمعيات وفتحت المدار الا ان الخرافات لم تزل متسلطة على عقول بعض الناس واملنا ان التبكيت لايبقي لمشعوذ ولا لمخرف سبيلا وبهذا يحصل الفلاح ويعم النجاح ويرجع الوطن الى ما كان عليه من الاصلاح وما ذلك على الله بعزيز
وها انا اقص عليكم حكاية رجل مشعوذ يحضر الجان من الذين ليس لهم صناعة خلاف الضحك على عفول من لم تزل الخرافات متسلطة عليهم (بئست الصنعة)
وهي ان رجلاً يدعى انهُ مشعوذ ويحضر الجان فترى النساء ياتينه من كل فج يسالنه عنما يردن فهذه تسئله عن كيفية الحبل وتلك عن كراهة زوجها فيختلي ذلك المشعوذ بنفسه ويدخل في محل مخصوص واذا سئل عن ذلك قال ان الجان تأبي ان تحضر اذا لم اختل بنفسي ثم يقرأ ذاك الخبيث بصوت عالٍ شخيم بيخم مريخ تصر حل الخ وتسمى عندهم بالعزيمة وبعدها يقول احضر ايها الجان بحق الملك هشرموت وبعدها بقليل يرد على نفه بصوت رفيع جداً ويعوج لسانه ويقول السلام عليكم سيدي الشيخ كيف حالك فيقول له عليكم السلام بصوت عالٍ لكي لايفهمه احد فيظن النساء ان هذا جان حقيقي فيقول لهنّ اولاً راضوا الشيخ ثم اقضي لكم ما تردنه فهذه تعطي للشيخ ريالاً وتلك نصف بينتو
وهكذا. ثم يصف لهم دواء او يكتب لهم حجاباً لايضر ولا ينفع وهكذا يتحايل على سلب الدرهم بشعوذته
مهلاً ايها المشعوذ المحضر فقد جأك التنكيت والتبكيت يظهر مخبأتك وما انت عليه من الاضلال والافك فما اخرنا الا شعوذتك فلو تعلمت صنعة غير هذه لكانت اشرف لك اما وانت مشعوذ وهذا رمال وذاك محضر فمن يتعلم الصناعة ويدير العمل ألم تدر ان الصناعة عليها احياء الوطن وعمار البلاد وهذه رواية شاهدتها بنفسي وبعثت بها لحضرتكم لتمنوا بكتابة فصل في هذا الخصوص لتصيب سهام نصيحتكم قلوب هولاء المضلين فتحذر الناس مهنم ويتخذون وسيلة للمعاش غير هذه التي
(1/151)

- 118 -

اضرت بالعقول اجلاهم الله
كاتبه ولدكم محمد الحكيم

عرضي لجناب الخديوي
صورة ما كتبته لسعادة الهمام احمد باشا رأفت محافظ اسكندرية ونائب عموم الجمعية الخيرية
تقدم عرض مني للجناب الخديو ايده الله بالتماس جعل الجمعية الخيرية تحت رئاسة ولي العهد الافخم وساعدتني العناية بالقبول وصار ذلك مقرراً بالبند الثالث والعشرين من قانون الجمعية الرسمي وسعادتكم النائب العمومي القائم بحفظ نظام الجمعية وهيئتها وقد ضعفت قواي عن تحمل الاتعاب الحسية والآلام المعنوية حتى احتجت للعلاج الذي لايمكنني من ادارة المدرسة تحت رئاتي فاقدم هذا العمل المبرور بيد يدي سعادتكم وحضرات الاخوان اعضاء الجمعية الذين عاهدوني على ان لايجلبوا عليّ شراً ولا يمنعوا عني خيراً وقاية العمل الخير من كل ما بخل به للبحث على من يدير المدرسة عند افتتاحها في العم الجديد حيث انتهت السنة الثانية المكتبية وتم الامتحان في محفل هذا اليوم (السبت) بحضور الجناب الخديو حفظه الله والمسئول من خالق الاكوان سبحانه وتعالى تخليد هذا العمل الجليل بعنايتكم وهمة الاخوان واجرى الذي اطلبة فانه عند من لايضيع عمل عامل الا وهو اله الفاعل المختار جل شانه
عبد الله نديم

المراسلات
(كلكته) الباقي روبيتان (دمشق) الاعداد ارسلت بواسطة الفاضل محرر البرهان فعينوا وكيلاً بمعرفتكم وعرفونا عنه (قنا) الجواب وصل ولكم الفضل (المنبا) لكم الشكر الدائم على هذه العناية (مصر) ع. ذ. العذر واضح في العدد الماضي ولا بد من النشر (الجيزة) الوصل منك معتمد فحرره لمن يريد (كوم حماده) الخطأ من البوسطة وارسلت الاعداد من ثانية (مصر). م. خ. عرفنا عن المتحصل قبل ان تقدم عليك (اسكندرية). م. م اعذر استاذك فالحال ظاهرة. ن ح طرأ ما اوجب التأخير للاتي. و. س. حفظت وكثر الله من امثالك (دمنهور) ح س. استحكم الداء فلا يجدي الدواء

محفل سياسي حشاشي
اجتمع جماعة من الحشاشين وتذاكروا في الدول وقوتها وما تعده كل مملكة لمثلها من المدافع والعساكر وطال بهم الحديث فتنبه احد المسطولين وقال لو كان الحرب بالتنكيت كنا غلبنا جميع الدول بقافية واحدة ويمكن نعيش ياجدعان لما يبقى الحرب بالتنكيت فضحك الجميع هأ هأي وناموا في غفلة التحشيش
(1/152)

- 119 -

اخبار داخلية
بعض السكارى كان جالساً بمأتم وجرى ذكر التنكيت فقال ان قلنا محرره هو ابو نظارة ونشهد بذلك زوراً اظن الحكومة نقفله ولا نعود نسمع احداً يذم الخمرة واربها
اجتمع بعض النبهاء من اولاد الامراء العظام ببعض ذوي الغايات وجرى ذكر التنكيت فقال المسكين ان صاحب التنكيت عليه الف غرش لبيرة فنك ثمن مشروبات فضحك ابن الامير على سخافة عقله وقال لهُ بلغ من الافترا على هذا الرجل ان تختلفوا عليه ما لايعقل هل البيرة تبيع الشكك والخادمات تستلم الكاسات بالماركه (العلامة) فاية خادمة الغبي ووضع راسه في الارض

سكران طينه
عثر قراقول المطارين على سكران فحمله في النعش الى المستشفى وفي ثناء المرور به في الطريق طلب حد العساكرمن المارة مساعدة الحاملين فقال لهُ انا عيان ولا اقدرعلى الحمل فقال السكران (آجرهم يا جدع يبقى لك ثواب يعني ايه اللي عيان اذا كنت بتوت موش تساعد في شلي اخوك لله وللرسول فضحك الرجل وحمل مع الحاملين

تلغرافات التنكيت
بولاق
قهوة فرغل العربي تعطلت بسبب ازدحام الناس على قهوة البحر امام السراية

اخبار اخر ساعة
كثر الازدحام على اللوكاندات حتى كادت تقفل المنادر (المناظر)
اكثر المخرفون من شتم التنكيت لتعطيله كثيراً من عوائدهم والعقلاء تزجرهم

التجارة
من اخبار الفيوم
سوق البلدي ماشي والرطل يساوي من 180 الى 200 والطلب جيد
سوق الكحايل تحسن بورود اصيلة فذهبت الناس للتفرج عليها وحسن قوامها
قهوة بحر يوسف في ازدحام لسرور المساطيل برؤية البحر
(1/153)

- 120 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في رسالتة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية6 فرنكات عن ستة شهورو 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في او يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نيعمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم)
(1/154)

- 121 -

العدد 8 - بتاريخ: 31 - 7 - 1881
(1/155)

- 122 -

اعلان
من ادارة الكوكب المصري
عزمت هذه الادارة البهية على طبع حاشية العلامة الشرقاوي على شرح التحرير والقاموس المحيط ومقامات الحريري والفتاوي الحامديه بالاثمان الومضحة ادناه فنحث محبي العلوم على المبادرة للاشتراك قبل ان يعز الحصول عليها فان قلة الثمن تستدعي تصريفها في اقرب وقت
نباتي حيواني
. . سصـ. ـصـ
35 22 اول ميعياد من خمسة عشر شعبان لغاية شوال سنة 98} حاشية البلامة {
53 50 ثاني ميعياد من ابتدا القعده الى انتهاء بالتمام الشرقاوي
77 74 ثالث ميعاد الى ما شاء الله
80 77اول ميعاد
120 115ثاني ميعاد} القاموس المحيط للفيروزبادي {
150 145 ثالث ميعاد
17 15 اول ميعاد
27 25 ثاني ميعاد} مقامات الحريري {
40 37 ثالث ميعاد
38 35 اول ميعاد
55 50 ثاني ميعاد} الفتاوي الحامديه {
70 67 ثالث ميعاد
وبالله المستعان وعليه التكلان فمن اراد ان يحصلها باقل الثمنين فليبادر في الميعادين ومن اخذ في الكسل والتواني ادركته زيادة الميعاد الثاني ومن اراد التحصيل على الكتب المذكورة من خارج المحروسة يضاف عليه اجرة البوسته

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - احمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/156)

- 123 -

اعلان
لحضرات المشتركين
حيث اننا متغيبون بالارياف لتبديل لهوآء فاعتماد التحصيلات بالاسكندرية والمخاطبات الوقتية على امضاء وكيل الادارة حضرة حسنين افندي دويب فما كان ممضياً منه محكمه حكم الممضي منا ولاعتماد توكيله اعلنا هذا اما التحرير فانه موكول لقلمنا سواء كنا بالاسكندرية او غيرها

تهذيب البنات من الواجبات
(تابع لما قبله)
بما انا في هذه الحالة واذا بالدياية ارسلوا لي ورق الحساب فتحققت ان بيتي خرب وتجارتي بارت فخرجت هائماً على وجهي مترقباً اشهار افلاسي حتى وجدت نفسي في هذا المكان الذي رأيتني فيه وهذه حكايتي فانظر ماذا ترى اني اراك من الناصحين
قال الراوي فما فرغ هذا المسكين من حكايته حتى رأيت شخصاً مسرعاً في سيره يؤم نادينا فلما بلغنا سلم وجلس لايتكلم فقلت في نفسي اراه واقعاً في مشكل كصاحبنا ثم سالته عن حاله فقال اعلم ايها الانسان اني كنت خياطاًً ايام كانت هذه الصناعة رائجة في بلادها وكنت في نعمة بالنسبة لاشغالي ولا يخفاك مآل اليه امر هذه الصناعة من الكساد بعدم استعمال الملابس الوطنية حتى عدمت بالكلية وعدم معها كار العقادين والقصيبة والكوا والفرا وغير ذلك مما كانت تدعو اليه الخياطة فلحق بالخياطين من الفقر والفاقة مالايحتاج لدليل حتى اشتغل بعضهم في التراب وبعضهم في الحدادة وبعضهم لايجد القوت فلما رأيت الامر كذلك وصرت لااقدر على دفع اجرة الدكان تركته وصرت حائراً لاادري ماذا اصنع لعدم معرفتي غير صناعتي
فلما رأت زوجتي اني قصرت فيما يلزم لبيتي فضلاً عن طلباتها الخصوصية التي قيدتنا بها العادات الذميمة صارت تعنفني وتقابلني بما اكره فكنت الاطفها انتظاراً للفرج ومع ذلك لم تزدد الا نفوراً وصرحت بالشتم والعيب وطلبت طلاقها بعد طول عشرتها فلما لم اجد بداً من التخلص من شرها طلقتها والله يعلم اني كاره للطلاق واهله وظننت اني استرحت من اذاها واخذت ابحث على سبب اتعيش منه فلم اشعر الا ورسول المحكمة الشريفة اخذ بيدي واوقفنا في مجلس الشرع المنيف فسئلت عن الطلاق وكيفيته وبعدها قرر على الفرض والزمت بدفع النفقة ومؤخر الصداق فطلبت مهلة اتبصر فيها واتدارك المطلوب مني فتراني حايراً في امري لا ادري ماذا اصنع ولما رأيتكم جلوساً هنا وقد توسمت فيكم الخير والصلاح حثت اليكم قاصداً وقصصت عليكم
(1/157)

- 124 -

قصتي فارشدوني بنور ذكائكم اني اراكم من العاقلين
قال الراوي فتعجبت غاية الجب من هذه المصادفات الغربية وبينما انا متفكر في هذه المسائل العجيبة واذا بفتاة اقبلت علينا وقد وقفت امامنا باهية وعيناها وغرورغتان بالدموع
وعليها اثر جمال قد تغشى باصفرار فقلت لها ايتها الفتاة ما الذي صيرك في هذه الحالة الشنعآء وما انت فيه من الشقاء والعناء اخبريني بقصتك وسبب نكبتك فتنهدت وقالت
اعلم ياسيدي اني كنت في نعمة وسعة عيش وصفو اوقات ربما لم ينل بعضها الا القليل من الناس فما هي الا بعض سنين مضت حتى اصبحت كما تراني اتكفف الناس طلباً للقوت فقلت لها وقد ذاب قلبي اسى من عباراتها وتصدع فوادي من تضعضع حالتها اجلسي واخبريني بما كان فابتدأت تقول
اني بنت السيد فلان الفلاني نشأت في عز وخير وتربيت في هنا وسرور لايطاء قدمي الا البساط ولااجلس الا على الحرير ولا انام الا على ريش النعام وكان تحت امري خدم وحشم وما من شيء اطلبه الا ويحضر في اسرع وقت وما زلت في هذا النعيم بين ابي وامي وما كنت ازداد الا رفاهية وتنعما حتى توفى والدي الى رحمة الله وترك من المتاع والاموال والعقار مال لايحصى وقبل موته اوصى على صاحباً لهُ كان بعهد فيه العفة والامانة فاستحوذ على الاموال والاملاك وصار هو الوكيل المتصرف في كل احوالنا وامورنا ولم يكن من تبعة والدي الا انا ووالدتي فمكثنا مدة في سعة المعيشة تصرف بلا حساب والوكيل يحسب علينا غير ملتفت الينا ان صرفنا ماية جنينه حسبها علينا الفاً وان قبض من ربع الاملاك الفاً يحسبها ماية وهكذا حتى حضر عندنا مع جملة من الناس بعد عامين ومعه دفاتر واوراق وجلسوا يحسبون ويكتبون وبعد ذلك دعونا ليعرضوا علينا الحساب والاقرار منا عليه بحضور الشهود الذين احضرهم فاوض ان الذي استولى عليه كذا وربع الاملاك تحصل منه كذا فاتضح ان المال كله صرف مع ما تحصل من ربع الاملاك ومطلوب للوكيل نحو الف جنيه نظير تصليحات اجرها من طرفه للاملاك ورغب استحصاله على ذلك المبلغ منا او بيع جانب من الاملاك لسداد حقه مع استمرار الصرف علينا وبما اتنا اجهل من بعضنا ولا ندري في الدنيا شيئاً سوى الاكل المنتظم والملابس الحسنة والاواني الفاخرة وما اشبه ذلك صادقنا لهُ على حسابه واخبرناه بانه يفعل ما يريد فانه هو الوكيل المتصرف فاشهد علينا الحاضرين بذلك وانصرفوا ثم بعد سنة حضر مع اصحابه وارى ان الاملاك لم يبق منها سوى البيت الذي نحن فيه وبيت اخر ومطلوب لهُ مبلغ جسيم مع ان البيت الباقي خلاف الذي نحن فيه لا توازي قيمته
(1/158)

- 125 -

ثمن ماهو مطلوب
لانه صغير وغير مرغوب المساكن فبعد ان صادقنا لهُ على حسابه وعلى المطلوب لهُ منا امام الحاضرين طلب منا انا ننتقل في ذاك البيت لاجل مبيع البيت الذي نحن فيه فامتثلنا الامر وفي الحال باع البيت واما نحن فاننا مكثنا مدة في ذاك البيت غير ام مصاريفنا صارت تنازل شيئاً فشيئاً حتى عدمنا الحالة التي كنا بها اولاً وفي هذه المدة حصل لوالدتي مرض شديد اعقبه الموت فبقيت انا منفردة مع خادمة واحدة ثم ان الوكيل احضر شهوده وقال لي قد نفذت جميع الاملاكك ولم يبقَ لك شيء سوى هذا البيت الذي انت فيه وقد طلع لي عندك في الحساب خمسمائة جنينه وحيث ان هذا البيت لايساوي الا اربعمائة جنيه فاني سامحتك في المائة الباقية والان احب ان تخرجي منه لاجل مبيعه واخذ مطلوبي فلما رأيت هذه الحالة وكان عندي بمنزلة والدي لا اعارضه في شيء سلمت امري الى الله وصادقت لهُ على ذلك وخرجت من البيت لااملك شيئاً ولا ادري الى اين اذهب فرجوته ان يقبلني عنده بمنزله حتى ادبر لنفسي امراً او اموت صبراً فتكرم عليّ بذلك وقد مكثت عنده مدة من الزمن اكرهت فيها على ان اكون خادمة لحرمه بعد ان كان عندي من الخدم مالا اعلم عددهم ولما وجدت نفسي بهذه الدرجة تذكرت ماكنت فيه من النعيم فضاق صدري واعتراني الغم والقلق فخرجت هائمة على وجهي ولم اطق الاقامة عند ذاك اللئيم بصفة خادمة بعد ان كان هو خادمي ونعمته كلها من خير ابي وها انا الان كما تراني ايها السيد فاحكم بما تريد
قال الراوي فلما اتمت حكايتها وفرغت من بث شكايتها انهملت ديمة الاجفان واشتعل القلب بالنيران ضاق مني الصدر وعيل الصبر وناديت باعلى صوتي في ذاك الحي الا كل من يشتكي من قبح افعال النساء فليحضر اليّ فما هي الا لمحة بصر حتى حضر الكثير من الناس فقمت بينهم خطيباً وقلت
ايها الاخوان الاعزاء اتشرف بان اعرض عليكم افكاري واتحفكم باخباري واروي لكم ماسمعتهُ في هذا اليوم من هولاء ثم قصصت على ذاك الجمع الغفير ما حصل بلا تغيير فتأثر الحاضرون مما سمعوه واظهروا الاسف وقالوا اننا جميعاً واقعون في هذا التلف وما منا احد الا ولهُ حكاية في هذا الموضوع المهم وكلنا مصاب بذاك الحادث فان شئت اسمعناك حكاياتنا وبث شكاياتنا لترى منها العجائب وتقف على ما فيها من الغراب ومع
ذلك فاننا نلتمس منك ايضاح اسباب تلك النكبات وكيف التخلص من هاته الورطات فاجبتهم قائلاً حيث ان الشمس قد استعدت لتوديع النهار فليس عندنا وقت لسماع ماعندكم من الاخبار فلهذا ارجوكم السماح وسنجتمع غداً ان شاء الله في هذا المكان ونسمع حكاية كل انسان
اما من جهة الاسباب التي اوقعتكم في
(1/159)

- 126 -

هذا المصاب فانها لاتنكر واسهر من ان تذكر وهي عدم تهذيب البنات واهمالهن بلا تعليم وتأديب سوى ما الفنه من الخرافات وتمسكهن بقبيح العادات
فلو كانت امرأة هذا التاجر مهذبة مؤدبة تعرف واجباتها وثمرة حياتها وانها شريكة الرجل في جميع احواله محافظة على متاعه وامواله ما كانت تسبب في خراب بيته واعدام صيته وانتهاك حرمته وضياع شرفه وسلب امنيته الى اخر ماحصل لهُ بسبب جهالتها وقبح سيرتها
ولو كانت امرأة هذا الخياط مهذبة ايضاً وتعلم مايكابده الرجل في اشغاله وما يعانيه في كافة احواله ورأت ما حل به من اعدام صنعته وبوار صفقته لقامت بواجب مساعدته بقدر الاستطاعة بما يتعلمنه المهذبات من الصناعة وما دامت كذلك فانها تعيش مع زوجها في ارغد عيش وراحة بال لاكمن تنغص العيش وتخرب وتبدد شمل الاموال
(البقية تأتي)

العاقل من اتعظ بغيره
لو تامل الانسان لهذا العنوان لوجده شافياً للفواد هادياً سبل الرشاد دالاً على اكتساب الفضائل منبهاً من اجتناب الرذايل لما ينشأ عن التمسك به من حفظ الشرف وما يترتب على القيام بامره من عدم الوقوع في التلف فان الانسان العاقل لو جعله نصب عينه ثم تأمل في الوجود بين بصيرته وراى اقواماً من نوعه كانوا يعدون من المعتبرين ثم صارت حالتهم يرثى لها العدو فضلا عن الصديق وعلم انهم انما ظلموا انفسهم بما كسبت ايديهم لكان ذلك اعظم رادعِ لهُ عن اتباع افعالهم التي كانت سبباً لوقعوهم في المهالك
فمن ذلك ماشاهدته بنفسي ارويه غير مصرح بالاسم تستراً على ذات المسمى قصد ابدآء النصيحة للاخوان ليكونوا على بينة من امرهم مع التبصر في احوالهم. وذلك اني توجهت ذات يوم الى قهوة على شاطئ البحر المالح لاجل الاستراحة قليلاً واستنشاق طيب الهواء وعندما ما استقر بي الجلوس وجدت معظم الجالسين في تلك القهوة يالعبون لعباً عمومياً يسمونه (طنبلة) وما كنت رأيته من قبل فاستفهمت عن ذلك من احد الحاضرين (من باب العلم بالشي ليس الاّ) فاوضح لي الكيفية تفصيلاً ثم اراني ان من ضمن المشتغلين باللعب المذكور جملة اشخاص مؤجرين من طرف صاحب المحل يجلسون بين الناس ليوهموهم انهم مثلهم ويغروهم على اللعب ولهم على ذلك اجرة يأخذونها من صاحب المحل بحسب درجاتهم على اختلا اجناسهم فتعجبت من هذا الامر وصرت اتاملهم واحداً بعد واحد الى ان رأيت شخصاً اعرفه حق المعرفة وصار لي مدة لم اره فسألت عن سبب وجوده واشتغاله باللعب فقيل لي من جملة لناس يعرفونه ايضاً مؤجر مثل باقي
(1/160)

- 127 -

المؤجرين من طرف صاحب المحل بخمسة غروش ميرية عن كل يوم وقد تاكد عندي هذا الامر بالنسبة لحالته وعندما رأني انظر اليه حول وجهه لجهة ثانية فتاسفت عليه غاية الاسف وكاني بقايل يقول من هو الذي تأسف عليه اليس هو من رعاع الناس الاسافل الدون حتى رضى لنفسه بهذه الحالة الشنعاء فاقول لو كان كذلك ما تأسفت عليه لجهله وعدم تهذيبه وانما اتأسف على شخص كان معدوداً من صف الكتبة نشأ في فن الكتابة من صغره حتى ترقي الى وظيفة ايكنجي مصلحة معتبرة بماهية عالية وكان عنده عائلة واولاد يصرف عليهم ثم آل امره الى ما ذكرت افلا يليق بنا الاسف على مثل هذا التعيس وحيث علمنا ذلك يلزمنا ان نقف على السبب الذي صيره لهذه الدرجة لنكون على بصيرة من
الوقوع فيه معاذ الله الا اني ارى معظم اخواننا الشبان واقعين في هذا السبب مجتازين هذا الطريق الذي سلكه صاحبنا حتى اوقعه في المهالك وهم لايشعرون الا وهو طريق الفجور والانهماك في اللذات التي هي نتيجة شرب الخمور فان الانسان متى دبت الخمرة في رأسه فعل كل ما اشتهه من فسق وفجور ولعب قمار وما شاكل ذلك من انواع الموبقات ولهذا قل ان الخمرة رأس كل خطيئة ثم ان ذاك التعيس كان في اثناء خدمته مولعاً بهذه النقائص فحسن لهُ الشيطان لعب القمار فار مغرماُ به حتى ذهبت ثروته وقلت مرؤته وسآت سيرته فكان ذلك سبباً لانحرافه من خدمته الشريفة وآل امره الى ان خدم في فن القمار الذي كان مغرماً به وقد رضى لنفسه الان ان يخدم بخمسة غرو كل يوم ياخذها بغاية الجد والنشاط غير متهاون ولا متشاغل عنها بغيرتها
فيا ايها الاخوان اما في مثل هذه الحالة يقف العاقل عند حده ويعتبر بغيره ام لايصدق الانسان هذه الامور حتى ينظره في نفسه هذه نصيحتي اليكم فمن قبلها واتعظ بما فيها كان من العاقلين ومن نبذها ورآء ظهره وظل عاكفاً على شهواته وملاذه فما على فاقد العقل من حرج فعليكم بما يحفظ شرفكم ويقي عرضكم وما ذلك بالامر العسر على من يقلب طرفه في العواقب ويقي نفسه وعرضه من الوقوع في المعاطب ويترك طريق الفجور الا وهو شرب الخمرة بانواعها فانها متى تركت ترك الشر كله على انها متلفة للمال مهلكة لجسم مضيعة للشرف جالبة الانسان الى غير ذلك مما هو معلوم لدى الجميع بلا انكار ولو نظرتم لحالة هذا الشخص التعيس لرأيتم علامات المقت تلوج على وجهه وخيل لكم ان لسان حاله يقول انما العاقل من اتعظ بغيره (ع ع)

بعدا للقوم الظالمين
اتفق لاحد فقهاء الجيرة انه صنع مقطع قماش ايام وجود الغز في مصر وارسله مع زوجته لتخلمه من الختام فلما دخلت عليه وجدت
(1/161)

- 128 -

عنده جملة من الناس فالقت اليه المقطع واجرة الختم وجلست على الباب تنتظره وبعد مدة من الزمن طلبته منه فاعطاه اليها ظاناً انه ختمه فاخذته واعطته لزوجها وتوجها به يوم الاحد لبيعه في سوق دمنهور فلما وصلا خيمة الملتزم (قواص من طرف الملتزم) قبض عليهما الهجام (الكشاف) وقال للرجل ما معك قال مقطع قماش قال امختوم هو قال نعم فاخذه منه ونشره واذا هو غير مختوم فاوقفه بين يدي القواص وقال لهُ هذا معه مقطع غير مختوم فقال خذه واعقله في السوق واقطع راسه عبرة لغيره فاخذه الهجام والسياف وسارا به الى السوق والسيافّ ينادي هذا جزاء من يخالف امر الملتزم ثم كتفاه وعقلاه وانتظر اجتماع الناس عليه فتوجهت زوجته لاحد بيوت الاقباط في البندر (وكانت معتاده على بيع ماعندها من السمن والجبن لاهل هذا البيت) وطلبت من ربة البيت ريالاً تخلص به زوجها من القتل فناولتها ريالاً (تسعين فضه) فاخذته ونادت السياف واعطته اليه وقالت لهُ خلص زوجتي من القتل فاتفق مع صاحبه على تضييق الحلقة الملتئمة من الناس وبعد ان كبس الناس عليهما فزع فيهم السياف فانهزموا امامه فتناول شاباً من شماره وقطع رأسه وخلص الهجام الرجل الفقيه واطلقه ثم اخذ السياف رأس هذا المظلوم وصار ينادي هذا جزاء من يخالف امر الحكام
فتأمل ايها القاري وانظر كيف كان القواص بأمر بالقتل بلا سبب ثم يقتل البرئ ولا يسئل عنه وقابل ذاك الزمن بزمتك الحاضر الذي وضعت فيه القوانين وتنورت فيه العقول واستوى الناس في الترافع حتى صار يمكنك مرافعة اكبر الامراء امام المجالس ولا تسمع من الحكام الا ما كان مقرراً في بنود القانون اظنك او تاملت الفرق بين الزمنين لقلت انعم برجالنا الحاضرين وبعدا للقوم الظالمين

الفرق بين التمدن الشرقي والاوروبي
جاور احد الانكليز رجلاً من ابناء العرب فكتب اليه الانكليزي يوماً اريد ان اسامرك فهل تحضر في بيتي او احضر عندك فكتب اليه العربي عادة الانكليز اذا سقوا انساناً كباية شراب امتنوا بها عليه وعدوها من اكبر النعم وعدة العرب اذا زارهم احد واكل طعامهم وشرب ماءهم شكروه ومدحوه وفرحوا به فانا احب ان اسر باكلك في بيتي ولا اريد ان اكون اسير فنجال او كباية فاضطر الانكليزي للتوجه وبعد ان وصل وجلسا للمسامرة قال لهً العربي ماهو التمدن الذي تريدون ادخاله في بلادنا فقال الانكليزي هو خلاصهم من التوحش فقال العربي لا يخفاك ان المتوحش هو الذي ينفر من الانسان ولا يعرف الا مثله وهذا لايطلق على سكان قطرنا فانهم يتبادلون التجارة مع سائر اهل الدنيا قديماً وحديثاً ويعرفون عوائد كل امة
(1/162)

- 129 -

واخلاقها فهم يعاشرون كل انسان بما يناسبه ويالفه فلم يبق الا بعض البدو الذين يسكنون البادية في الخيوش وهولاء اذا اجتمع مهم رجلان يخيشين واقاما في جبل ورزق احدهما بنتاً والثاني غلاماً وارادا زواجهما عند كبرهما فانهما يصنعان لهما خيشاً ثالثاً قبل الزفاف لما تراه العرب من العيب القبيح اذا اجتمع رجلان وامراة في بيت او بالعكس فهل في متوحشي الانكليز من يهتدي لهذا العمل العظيم ويرى اجتماع رجلين بامرأتيهما في محل واحد قبيحا
فقال الانكليزي لابد وان ويوجد
فقال العربي مهلاً انا كنت في لندرة سنة 60 ورايت رجلاً صاحب معمل (فابريقة) وضع عدداً كثيراً من عمال المعمل في بيت بحيث صار في كل قاعة اربعة رجال بعائلاتهم ونسائهم بلا حواجز بينهم فهل هذا هو التمدن المضاد لتوحشنا
فقال الانكليزي لايعمل هذا العمل الا الفقراء الذين لايقدرون على استئجار بيت على انفراده
فقال العربي لكننا لانرى هذا عند فقرائنا ولا اغنيائنا فاجدركم ان تتمدنوا بما عندنا من الآداب

عادة شرقية
من المعتاد بين رجال الشرق انه اذا تخاصم اثنان وتشاجرا وجدا في الحال من يصلح بينهما ويقطع الحاصل بحيث يعودان للاخاء والصفاء كأن لم يكن بينهما ادنى نزاع ولا شقاق
وعادة الغربيين (الاورباوين) اذا تشاجر اثنان اعلن احدهما الاخر بالبراز الدويل) وعينا نوعاً من السلاح ووقتاً يقتل فيه احدهما صاحبه او يخرجه واقبح براز براز الدولة المتمدنة العظيمة (امريقا) فانه عند اتفاق الخصمين على البراز يحضر احد رجال الحكومة ويربط عينيهما بحيث لا يبصران شيئاً ثم يضع آله نارية (ليفرفير) جهة اليمين واخرى جهة اليسار ويضع في احداهما رصاصاً وكبسوناً ويرفع زناده وفم العيار في فمه فيموت صاحب الرصاص وينجو الاخر وان كان هو الجاني. فاي تمدن بعد هذه الافعال التي تأباها الطباع. نعم ان هذه العادة كانت في الشرق قبل وجود الممالك والشرائع ووضع القوانين ثم نسخت كأن لم تكن فما بال الغربيين لا يقلدوننا في تركها كما قلدونا في فعلها ايام جاهليتنا الاولى عل ان عادة جاهليتنا كانت المبارزة بالسيف او الرمح على ظهر الخيل او الارض فلا يتمكن احد من رفيقه الا بالشجاعة وايقان الرمى او الضرب لا ان تربط عيناه ويعطى لهُ قاطع اجله يزدرده كما يزدرد الشراب ثم بعد هذا كله نحن المتوحشون وهم المتمدنون ولا نقدر على دفع الدعو في لاستحساننا كل ما اتوا به وان كدن قبيحاً في الواقع ونفس الامر
(1/163)

- 130 -

تغفيلة
شكا احد التجار الى مديرية الجيزة في العهد الاول ان رجلاً ساعياً اخذ منه مائة كيس (خمسمائة جنيه) ليوصلها لشريكه في شرقي اطفيح ولم يوصلها ويظن انهُ هرب فامر المدير بالنشر عنه لسائر الجهات ثم بعد مضي ايام قدم لهُ عرضحال تحت امضا محمد الساعي فننادى المقدم (شيخ القواصه) وقال لهُ ناد بالباب على محمد الساعي ومتى رايته احضره بلا ازعاج ثم اذا كلمته كلتين واشرت اليك بحاجبي فاقبض عليه وضعه في الحديد والخشب ففعل المقدم ولما قبض عليه وضعه في الحديد امر المدير بوضعه في الفلقة وضربه قصارت الناس تتبادل عليه بالكرباج والرجل يستغيث فلا يغاث ويسال عن ذنبه فلا يجاب حتى تمزق جلد رجليه ثم قال لهُ المدير (فين مائة كيس) فقال لهُ مائة كيس ايه يا سيدي فقال اضرب وهو يعرف ماية كيس ايه فلما كثر الدم في رجليه امر بنقل الصرب على ظهره والينه ثم قال لهُ اين المائة كيس فقال الرجل ياسيدي انا متظلم من اين شيخ البلد ضرب اخويه بالنبوت لما مات والفاه في خرارة الجامع وما تعني من دفنه. فقال لهُ ان شاء الله تحصله اضرب يا ولد فاغمى على الرجل وكاد يموت فامر بوضعه في الحاصل واستحضره في اليوم الثاني واذاقه العذاب الالم ثم حضر التاجر في اليوم الثالث والضرب دائر على المسكين فقال لهُ المدير احنا مسكنا الحرامي بتاعك لكن لسه بينكر فقال لهُ التاجر ليس هذا الذي اخذ مني النقود فقال لهُ يارجل هذا اسمه محمد الساعي وانت قلت ان الساعي اخذ منك مائة كيس فقال التاجر ذاك واحد من السعاة المخصوصين بتوصيل الجوابات والامانات فالتفت المدير الى المظلوم وقال لهُ قم ياشيخ لولا ان التاجر حضر دلوقت كنت مت ياخنزير امشي اطلع بره
فانظر حفظك الله لهذه الحالة والخشونة وقابلها بما انت فيه من النعيم ووجودك بين نبهاء يبحثون في الكلام ويعلمون خفايا وقد طهر عصرك من مغفل مثل هذا الغاشم الذي اهلك الرجل من الضرب وكاد يميته بذنب جهالته وبعده عن التمييز

المزة المطهرة
تفنن الناس في مزة السكر فمنهم من يمز بالترمس على عري الزبيب ومنهم من يمز بالزيتون على المستكا ومنهم من يمز بالسكر والبسكوت على الكنياك ومنهم من يمز بالجنبري او الاستريديا على البيرة ومنهم من يمز بلحم الخنزير على النبيذ ثم هم في مجالسهم انواع فمنهم من يميل للشرب على سماع الالات ومنهم من يشرب على النكتة (التضحيك) ومنهم من يشرب على الرقص ومنهم من يشرب البصبصة (مشاهدة ذات جميلة) وكلهم يرجعون
(1/164)

- 131 -

لاتلاف الحال والجسم في شهوات بهيمية تنقضي بمجرد الافاقة منها ولكل عادة في سكره فمنهم من اذا شرب تقايأ على نفسه ومهنم من يعربد حتى يضرب على قفاه ومنهم من يشرب حتى يلقى على الارض لايسمع ولا يعي ومنهم من يبكي ويصيح ومنهم من يصمت ولايتحرك
وكل هذه الاحوال وان كانت مضرة بالعقل والصحة والناموس الا انها الطف واحسن مما علمناه الان من مجلس شرب لم نسمع بمثله ذلك ان جماعة ممن نخشاهم لحسن ثيابهم وطلاقة وجوههم وحلاوة السنهم اجتمعوا للشرب وكانوا سبعة وثامنهم غانيه مغنية فدارت الكؤوس وابتهجت النفوس ورفع نقاب الحياء وخلع ثوب الاعتبار وفرالادب خائفاً على نفسه واختفى الكمال لئلا يمس شرفه وارتفع العقل الى رفرف لايصلون اليه فيه وهجم عليهم الجهل بجيش القاحة والسماجة وفرسان الجنون وبث فيهم شجعان النقائص وركبان الضلال وهم يتفننون في انواع الرذائل حتى صار ابليس يكتب صحفاً بمخترعات الفسوق ومبتدعات الجنون ليحفظها في تاريخ الخسران
فلما تجردوا من الانسانية ولبسوا جلد البهيمية مد احدهم يمينه الى المزة (وكانت من الخيار) فاخذ واحدة قال المزة ان لم نطهر لايجوز تعاطيها فسألته المغنية بماذا نطهر المزة ياروحي فقال تطهر بدخولها في. . . فصفق الجميع استحساناً وهجموا على المسكينة وطهروا المزة حيث ارادوا ثم ابتدروا تلك الخيارة
يتضاربون وياكلون منها بنهم واستعذاب وصاروا يقسمون انهم ماذاقوا الى منها ولا اعذب مدة حياتهم وحلفوا انهم لايتعاطون شراباً ولا مزة مدة شهر حتى لاينسوا تلك الحلاوة الشهية التي لم يزل طعمها في فهمهم الى الان
فهل سمعتم او رايتم يا اولي الالباب مثل هذه القبائح التي لاتصدر ن البهيم فضلاً عن امة
متبربرة فضلاً عن طائفة متوحشة فضلاً عن كونها ممن يدعي التمدن ويقتدي بفعله فيه الايحسن بهولاء الاغبياء اذا رأوا فعلهم القبيح منشوراً في التنكيت ان يدخلوا بيوتهم ويضربوا انفسهم بالنعال ادباً لها وزجراً وان لم يصرح باسمائهم وهم يظنون ان لااحد يعلم حقيقة ما صار منهم وما آل اليه امرهم اخر الليل وقد علم بها الكثير من الناس حتى وصلت التبكيت من بلد الى بلد وناهيك بامر يفعل مع مغنية يجتمع معها الامير والحقير والعظيم والصعلوك فانه لايكتم ولا يحفظ في صدرها اكثر من زمن سكرتها ثم تذيعه لكل انسان ولعل السكارى اذا سمعوا هذا الامر القبيح يتحاشون مثل هذه المجالس ولا يبيعون عقولهم بالجد في طلب المزة المطهرة

المراسلات
من مكاتبنا ببور سعيد ايده الله
لكثرة انتشار الحشيشة (المعروفة بالاسرار) في هذا البلد صادفت في بعض الجهات احد
(1/165)

- 132 -

شاربيها فرايت ان قد ذهب سرها ببصره ولم يبق منه الا العلامات فكلمته في ذلك وابنت لهُ ان السبب هو الحشيشة فقال (ايش الكلام ده والحشيش شرب الاولياء ولاتطلع الاولياء الا من إلي يشربوا حشيش) فوكلت الحكم في ذلك الى التنكيت والتبكيت كما اكل اليه الحكم فيما يتحدث به المخرفون في المجالس العمومية من الاكاذيب عن الجن بقولهم رأيت في الجهة الفلانية جنيناً على صورة جاموسة وفي الجهة الاخرى على صورة حمار وطلع يبرطع ويكلمني وهكذا حتى يتعر الرواح على بعض من بالمجلس الذين لاقلب لهم ولا علم وربما ذهب مكرها ولم يصحبه احد فتتخيل لهُ بعض تلك الحكايات بالطريق فتورثه داء ربما لم يشف منه الا بفراغ الاجل

كفر الزيات
انبأئنا الاخبار الواردة من كفر الزيات بانه في يوم الاحد الماضي تلاقي وابور سكندريه الحامل لصحيفة التنكيت بوابور مصر الحامل لصحيفة الحجاز فوقفنا يتصافحان زماً ويتعانقان علنا وهما بين شاكٍ شاكر وصابِ صابر حتى ازف وقت الترحال فدخل كلاهما مستودعه وسارا الى حيث يقصدان حتى وصلا بالسلامة على عجل
(التنكيت) نستلفت من يهمه ذلك الى ملاحظتهما بعد لئلا بطول زمن وقوفهما فيتأخران عن المشتركين
طلب منا بعض الاصدقاء نشر بعض ابيات من القصيدة الوطنية التي ينشدها الوطن على لسان ابنائه بين يدي المليك اعزه الله فاجبنا طلبه ونشرنا هذا الجزء منها
انوار عدلك تهدي حي نادينا
وحسن سيرك للعليا يادينا
لكننا في طريق ضل سالكه
فمن يدل الى الحسنى ويهدينا
افتية ساءهم انصاف سيدنا
فاستقبحوا العدل والاحسان والدينا
كنا نناجي بالفاظ تقربنا
صرنا ننادي بدينار يفادينا
وكان يمشي على الديباج سافلنا
فصار يمشي على النيران عالينا
هل في القصور رجال غير من عظموا
بما لدينا وكانوا من موالينا
او في الديار ناس غير من وفدوا
من القفار فصاروا في مبانينا
هذي معالمنا تبكي وتنشدن
قول ابن زيدون اذ قامت تعزينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا
شوفاً اليكم ولا جفت مآءقينا
لو اننا مثل اهل الارض في همم
ما قام يندبنا احيا مغنيا
قل للنفوس التي ماتت بلا اجل
اين القلوب التي كانت تجاربنا
اين الشيوخ الآلى ساروا وسيرتهم
مسك ذكي يباهي مسك دارينا
(1/166)

- 133 -

اين العلوم التي كانت توصلنا
باب السعود فصارت من اعادينا
اين الصنائع اين العارفون بها
اين الديار التي كانت لاهلينا
كانت وكانوا صار الكل في عدم
واستعبدتنا بما نهوي امانينا
نمشي حفاة على شوك القتاد فلا
يؤذي النفوس وكان الخز يوذينا
استودع الله قوماً كان طبعهم
يبدي لك الحالتين البأس واللينا
شدوا الجياد وجابوا كل بادية
كي يعمروها فعموا الارض تمدينا
وسيروا الحق في الافاق اجمعها
فاسنحسنته ونادتهم سلاطينا
واستخلفونا فكنا شر من ورثوا
اذ لم نحافظ على ملك بايدينا
اذا سمعنا خطيباً ذاكراً حكما
قلنا لهُ عزة الآباء تكفينا
لانشتري المدح لو جاءت به فئة
من السماء فان الدم يرضينا
وليتنا اذ رضينا هجو انفسنا
تستحسن البعد عما يوهم الدنيا
ماذا ترى في اناس لو تقربهم
الى العلا بعدوا مما يرقينا
ماخالفوك ولكن خالفوا شرفاً
لم يعرفوا قدره ممن يولينا
فاجمع من القوم ترضى خلائقه
واجعل لكل من الاعضاء قوانينا
وشدد الامر حتى لايضيع سدى
واجعل زمامك فيه العدل واللينا
وطهر القطر من طبعه شره
وخائن يحرق المأوى ويشوينا
وكن لاهل الوفا حصناُ وملتجأ
وكن لاهل الهوى سيفاُ وسكينا
واجعل رياضك للافكار منتزهاً
وسس بعزمك قاصينا ودانينا
فالفخر يحسن من سامي المقام لدى
مبارك فهمه يبديه تبيينا
ولا يساير ارباب الفنون سوى
على قدر يجل العلم تدوينا
والله يحفظ بالتوفيق دولتنا
ويرحم الله عبداً قال آمينا

رسالة في جريدة العصر الجديد
رأينا في جريدة العصر الجديد رسالة لاحد الاساتذة الافاضل برد على النبيه امين افندي شميل فيما اعترض به على حكمتنا (اضاعةاللغة تسليم الذات) وفيها يقول ما معناه كنا نو ان تكون صحيفة التنكيت والتبكيت مهذبة بفصولها ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركهُ البيت ولست ادري ماالذي فقدته من مشربها حتى نرد ضياع امنيتنا اليست هي الحاثة على التمسك باللغة والمحافظة عليها القائلة ان ضياع اللغة ضياع للامة وكم لها من فصول تهذيبية غير هذه الجملة ولايخلو فصل منها عن الحث على حفظ اللغة. اما نشر تلك الرسالة فلطب المشاغبة والجدال بما ينتج
(1/167)

- 134 -

المطلوب وهو عمل الوسائل اللازمة لحفظ اللغة ولخروجنا من التشيع المضر بهيئة الجرائد ومن كان يمتعنا بتلاوة رسالة هذا الفاضل اذا لم تنشر تلك الرسالة الداعية للدخول في المحاورة فانها مستكنات الصدور من الاداب والغوامض لاتظهر الا بالمناظرة وهذا لايخرج التنكيت عن مشروبه ولا حول التبكيت عن مذهبه
نرجو حضرات وكلاء صحيفتنا ان يستحضروا المتحصل عندهم حتى نقدم عليهم فانا عزمنا على التجول في الجهة البحرية من هذا الاسبوع لتغيير الهواء وتحصيل الاشتراكات الحاضرة عند الوكلاء

أسئلة
سوأل
رجل اذا سئل قرشاً اعطى عشرين وان وقع منه جنيه لا يلتفت اليه مع انه خلي من الخدمة فارغ من التجارة فمن اين يصرف ومتى يمسك يده
سوأل
يقال لفتح دكاناً بمائتي قرش وبعد خمس سنين باعه بالفي جنينه ووجد في صندوقه خمسة الاف جنيه فمن اين اكتسب هذا المبلغ وباية طريقة
سوأل
رجل ان تكلم شتم وان جادل ضرب وان سكت زمجر ففي أي مكتب تربى وبماذا يرد عن فعله

برهان تقدم الامم الشرقية
جاء في الرائد التونسي ما ي} خذ منه انهُ يوجد في قصر بكين كتاب يوجد فيه تصاوير على الخشب وعنوانه (كسوكين توشوتسي تشينغ) معناه قاموس دائرة المعارف العامة القديمة والحديثة وعدد اجزاء هذا القاموس عشرة الاف تحتوي على جميع العلوم الدينية والكيماوية والصناعية والحرف والعوائد والمصنوعات والتجارة وغير ذلك وهو مطبوع طبعاً نظيفاً
(المقتطف)

افوكاتو جاهل لم يحسن وضع اسمه
وفلاح مغفل
الافوكاتو يتخذ محلاً يسميه بنكاً ويضع فيه ترابيزة مزخرفة وعليها جانب من كتب عنتر وابو شادوف والدليلة المحتالة وجرس
الفلاح يحضر للك يجده مزخرفاً وعلى بابه لوحة مكتوب عليها افوكاتو مشهور بالعدل يدخل ويقول صبحك بالخير ياسيدي البوكاتي انا لي قضيه بيني وبين اخويه ومقصودي تمسكها لي وتخلص لي حقي منه وتوديه اللومان
الافوكاتو يمسك جرنال افرنكي وينظر فيه ويقول انا موش قاضي احسن فيه مسئله سياسيه في اوروبا في الجرنال اصبر لما اقراها
الفلاح ياسيدي اعمل معروف وسبب
(1/168)

- 135 -

الطظيكه دي اللي مكتوبه بالنصراني واسمع حكايتي وبعدين اقراها على مهلك
الافوكاتو ياشيخ اسمع انا منيش فاضي
الفلاح ياسيدي اسمع قضيتي وخذ مني اللي انت عاوزه
الافوكاتو طيب احكي لكن قوام
الفلاح انا ابويا مات وخلف مائه فدان واخويا الكبير وضع يده عليهم وحرمني انا واخواتي منهم ولما طلبت منه اللي يخصني مرضيش يعطها لو وهو يزرع ويقلع وعيني بتبص ولو كان يعطيني حقي ويغدر اخواتي الصغيرين ماكنتش ازعل وكنت اكسب كل سنه اقله كم اردب غله
الافوكاتو يمد يده بخيط على الجرس يحضر لهُ واحد بصفة كاتب ويقول لهُ هات القانون الفرنساوي والكاتب بعد مايقلب في الكتب يستخرج لهُ احدها ولما يقراه يسكت طويلا ً بصفته متفكر ويقول ياشيخ يمكني اكسب القضية واعطيك اربعين فدان لوحدك واحرم اخواتك الصغيرين من حقهم واودي اخوك الكبير اللومان لكن بعد تعب كثير وانت اصبر شهرين ثلاثة وتعالي لما افضه احسن سعادة الباشا الفلاني لهُ قضيه في الحقانيه وترجاني امسكها لهُ وان مسكت قضية غيرها يصعب عليه
الفلاح بقى يا سعادة البوكاتي على شان الباشوات ما تسمعشي كلام الناس الفقراء اللي زي
حالي وتمسك شغلتي لحسن اخويا غاظني وعمل شغله وياكتبة القسم وخد الاطيان لوحده
الافوكاتو طيب اصبر بعد يومين وتعالي لما اكشف من القوانين على دعوتك
الفلاح ياسيدي مقدرشي اصبر ولا ساعة يعني القوانين دي حاجه اسم الله عليك اديك زي العفريت بتعرف كوانين النصارى والمسلمين والكوانين اهي قدامك شوف اللي فيهم واخبط على الحديد بجيلك بسلامته لفندي البوكاتي الصغير ويطلع الكانون اللي فيه شغلتي وخد مني اللي انت عايزه
الافوكاتو جاتكم داهيه انتوا ناس بهايم ما تعرفوش قيمة تعبي
الفلاح ياسيدي ما تفتكر شي
الافوكاتو طيب هات ميت جينه انكليزي
الفلاح الجنيه عرفناه والكلمه اللي بالنصراني كمان ايه هيا طلعت جنيهات جديده
الافوكاتو ياسلام انا بقول انتو ناس بهائم تقول لي امسك شغلي ياشيخ الجنيه اللي بخمسة ريال
الفلاح ياسعادة البوكاتي الميت دول بخمس ميات ريالات امال ما علهشي ونقسم البلد نصين واعطيك ثلاثين دلوقت والباقي لما اخد الاطيان وازرعها قطن ابقى اعطهلك
الافوكاتو طيب هات الفلوس وعشرين جنيه رسم
الفلاح يتوجه الى احد التجار وياخذ منه سبعين جنيه ويحرر عليه التاجر سند بمائة جنيه ويحضر يعطيهم للابوكاتو (البقية تأتي
(1/169)

- 136 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في رسالتة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية6 فرنكات عن ستة شهورو 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في او يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نيعمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم)
(1/170)

- 137 -

العدد 9 - بتاريخ: 7 - 8 - 1881
(1/171)

- 138 -

تحفة
تراكمت علينا الرسائل الادبية في هذه الاثناء فلم نرَ بداً من اثبات بعضها وفاء بما وعدنا ونعد به الادباء من نشر مالا يخرج من مشرب الجريدة فلذا اصدرنا هذا العدد موشي بطراز اقلامهم السائرة على جادة الاخاء ليعلم حضرات القرآء ان هذا مشروع لاتنضب فيه مياه الافكار ولاتقف دون اجتياز عقابه اقلام الكتبة فتأمل ايها القاري فيما جادت به افكار شبابنا الفضلاء من المعاني الرقيقة والمباني الدقيقة ولا تشدد النكير في عدم قصر التحرير في هذه المرة عليّ
فنقل النفس من معنى لمعنى ... كنقل الزهر من صن لجاني

التماس
طلب منا بعض الاصدقاء مخابرة ادارة الكوكب المصري الغراء في شأن ما اعلنت عن طبعه من الكتب كيف يكون الاشتراك فيه في غير المحروسة وعلى يد من ومتى يكون تسليم تلك الكتب فقد اعلنت عن مواعيد الاشتراك ولم تعلن عن مواعيد التسليم وان كثيراً من الناس يريدون الاشتراك ولعدم معرفتهم بكيفية لم يتمكنوا مما يريدون فتلتمس من تلك الادارة البهية ان تبين ذلك باتم تبيين

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - احمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/172)

- 139 -

سامح اخاك اذا خلط
بقلم صديقنا الفاضل احمد افندي سمير
ايها العارف بنفسه
اليك افكاراً يره. وافهاماً غير متغيره. ويراعاً ينبئك بالحقيقة. وطرساً يحفظ لك ننميقه. فلقد سج مجلي الطرف في مضمار النظر فرآك منزهاً عن الاغراض النفسانية ميالاً الى ابناء وطنك غيوراً على شرف ابناء جلدتك عارفاً من قدربني الانسانية مالاينكره العيان الا انهُ ربما كثرت عليك الدواعي فنسيت المهم او تناسيته فها انا ذا جئت اليك منبهاً فرقفت بساحة آدابك اقدم رجلا وأؤخر اخرى لاادري اتأذن لي فادخل من باب السلام ام تغلق الباب دوني فارجع من حيث شئت عالماً بان قصوري هو الذي حال بيني وبين من اشتهي. ولكن لا اياس من اقبالك علي بشفعاء آدابك وانصار معارفك فاني جئت لاستجلي كمالا. لا لاستجديك مالا. ن تبادل الافكار قد يظهر اموراً لايقدر على تصورها قوة فضلاً عن الفعل فان رأيت المطلوب ممكنا فساعدني عليه والا فدعني وشأني وسامح اخاك اذا خلط
إي والانسانية فما هي الافكار تجتذبها قوة الطوارئ فتجلوها عليّ وعليك مرءآة الاحوال في صورة لو رآها النائم لانتبه والضال لاهتدى والصامت لنطق والطفل لشاب فوده
فلا تعلل نفسك بالأماني الكاذبة والامال الناضة فالطفرة محال ولا تنسب التأخير الى الزمان فانه لم يتغير بل الذي تغير اهله
الناس اقسام فهذا عاني ... وسواه ميال ليك وداني
فان كنت عانيا فساجلني اساجلك ليزول عني وعنك العناء اما انا فاني ممن يميل الى الادباء يقتبس من اضواء معارفهم ما يهتدي به في حنادس الاوهام
والمرء لا يرضى بغير صفاته ... قبح الفعال وحسنها سيان
غير اني لاارى لك الا ما انت عليه من كمال التهذيب وقوة الادراك فلا تسألني عمن قبحت فعاله فما هي الا ضرورة اضطرني اليها التقسيم والافاني لااعرف احداً كذلك فاتركني من قولك
ما للزمان ومالارباب الهدى ... برميهم بالبعد والهجران
فان الزمان لاقدر لهُ على مثل ذلك الا بابنائه فهو بهم يجول في ميادين الاغراض ويصول عليهم بقوتهم فهم الرامي والمرمى فلا تعتب على الزمان ولاتقل
يادهر ويحك قد اسأت فما الذي ... ترجوه منا يا اخا الخذلان
فانك اعلم بالحقيقة مني ولولا ذلك ما وفدت عليك معتقلاً سيف المذاكرة معتقداً انك مكلف بالبحث عما يوجب التقدم وان فنيت
(1/173)

- 140 -

ارواحنا في بقاء الامة فخلني من نحو
نحن الذين تقدمت اباءنا ... بمعارف غنيت عن البرهان
فان تقدم الآباء لابقيد مع تاخير الابناء شيئاً على انهُ ما المانع من اتخذ الوسائل التي جعلها اباءنا معراجا لسماء المقاصد مع اننا
نسل الأولى بلغوا بجدهم العلى ... حتي سموا فضلاً على كيوان
ولكن وا اسفاه كيف نسأل عن تلك الاسباب التي جبلوا عليها وكانت لهم طبعاً لا تطبعاً ثم ندعي الكرام ومن بهم
وهم هم العرب الكرام ومن بهم ... كان السعود مكلل التيجان
وما زالوا يفتحون المغلقات ويكشفون الحجاب عن المعميات ويرتعون في مراتع الاصابة ويزيلون عن شموس الآداب كل غيابة حتى
رحلوا وكانت دارهم معمورة ... فتجاهلت من بعد بالعمران
وقد كتبت لهم ايدي الثناء على صفحات الزمان تاريخاً مؤبداً لنا ولمن بعدنا مر الساعات وتداول الاوقات ولعل تلك الاوقات تسمع صوتنا الضعيف حيث نقول
ياليتنا نحظى باوقات مضت ... وتعود بهجتنا بكل تهاني
ولنا في همة ابناء جلدتنا ما يكفل لنا الوصول الى تلك الدرجة التي ما ابعدها عنا سوى الاهمال فان ذلك مما يعود علينا وعليهم بالنتيجة المطلوبة
حتى نرى اوطاننا مغمورة ... بمسرة لا تنقضى وامان ي
فانهم ان فعلوا ذلك استوى الغنى والفقير وطاف بكاسات السلام (سمير)
الازهر
بقلمه ايضاً
اسمح واسمع واعقل وانقل فما الازهر الا روض غرست به الآداب فانبتت زهر الكمال باسقا وجنة ادراك زينت بمصابيح الافهام فانارت الوجود فهو مطلع السعود وسماء العرفان وقد دخلته ولا اعرف من انا فمكثت به ما شاء الله ثم خرجت قرير العين طيب النفس والنفس بعلوم يعلم الله انها تروي الغلة وتشفي من العلة اذا وصلتني الى اقتناص او ابد فوائد لم اكن اعلمها من قبل ذلك اني رايت من انابيب ظهر انيهم (الان) يقرأون غيرما كنت اقرأ من حوداث تاريخية وكتب جغرافية وجرائد سياسية فجاريتهم في هذا المضمار على علم بان الانسان خلق مقلداً فاجتنيت منها ثماراً بانعة واقتنيت فوائد جمة وجمعت من كل زوجين اثنين ووددت ان لو كان الازهريون يفعلون كما فعلت لتزيد معارفهم وتكمل لطائفهم فيكون بهم لاوطانهم النفع العميم اذ ان العالم والمتعلم منهم لا يأخذ ما يراه من العقليات قضية مسلمة بل يمهن لنظر فيها بكل تدقيق وتأمل حتى يقف على حقيقتها وربما ظهر لهً فيها ما
(1/174)

- 141 -

خفي على واضعها فلو تصفحوا التواريخ وطالعوا الجرائد ودرسوا الرياضيات لوقفوا على عواد كل امة واخلاقها واحرزوا قصبات السبق على من عداهم وذلك لا يخرجهم عن مشاربهم التي الفوها والطباع التي فطروا عليها
وليس يصح في الاذهان شيء ... اذا احتاج النهار الى دليل
وان ابي المكبر الا الدليل قلت لهُ اني خرجت من الازهر لا أحسن (مع العلوم التي تعلمتها فيه) غير فهم ما اراه منقوشاً على صفحات الكتب ولا ينطلق لساني ويراعي اذا اردت اعمال الفكر الاّ في قصيدة أفعم ابياتها بالغزل في غير معين او مدح من لايستحق وربما كنت في بعض الاحيان اجهد القريحة في معرفة سبب خلاف بين المرجاني وابن الصائغ مع المعلم باني لو اتبعت قول احدهما لو اخرج عن جادة الاصابة لان من قلد عالماً لقى الله سالماً اما وقد اقمت بين قوم يستطلعون بمستكشفات البصائر ما لاتراه الابصار فان لساني وقلمي قائمان بكل ما يلزمهما حق القيام لديّ وفي الظاهر وان كانا في نفس الامر ضعفين فان القرني في عين امها حسنة (القرني دويبة دميمة المنظر) ومما يحسن ايراده هنا الكتواردين على الازهر في سنة 1295 (هي السنة التي خرجت فيها منه) بلغوا نيفا واثنى عشر الفاً فلو فرض ان في كل عشرة منهم واحداً يجيبني الى ما اطلب لرأينا اكثر من الف
انسان يخدمون وطنهم الذي لايقوم من هذة الانحطاط الى ربوة التقدم الذي الا بهم فلا وطن الا بالرجال ولارجال الا بالمعارف ولا معارف الا بالمساعدة فاذا ايها الازهريون لايليق بكم وانتم روح البلاد ان تقتصر واعلى علوم خاصة بكم وبمن جاوركم والانسان مكلف بالمعاش الان ليس بالرفع ولا بالنصب وهذه نصيحتي الاولى اليكم اقدمها بين يدي نجوى َ وما يعقلها الا العالمون
اليكم يا بني العلياء نصحاً ... يردده محبكم الغيور
فان وافى وحياه قبول ... فاني بينكم ابداً
(سمير)

لغز
بقلمه ايضاً
ماذا يقول كرام الفطن. ونبهاء الوطن. في نذير بغير لسان. ومشير بغير بنات. تتنافر شعوبه. وينخفض منصوبه. فتنتشر اعلامه. وتمتد اقلامه. فينطق عن الهوا. كالنجم اذا هوى. يعقلُ ويعقل فيه. ولا يعقل التنبيه. ويتعاقب عليه الموت والحياه. وعليه تدور رحى المياه. الا ان حياته بشاره. وموته قد يفيد وان كان خسارة. فكم اوقد نارا. وساقط انوارا. وهي على الارض. ظلمات بعضها فوق بعض. ومنه ما يؤكل
(1/175)

- 142 -

ويشرب ويشتم ويركب. ولفظه بالتبيين في اواخر سورة يسين. فان اعياك اسمه وخفى عليك رمه. فهو اسم ثلاثي الوضع مفرده اكبر من الجمع. ولهُ لب وقلب. ويقلب التغيير والقلب ثلثاه للرأس. اضعاف وبأس والثلث الاخير. خاتمة التغيير. فان ضم لهُ الاول فدعه وتحول. وان جعل ثانية اول الخطاب. فهو من القاب الاعراب. وان حذف الثالث فيه. وصحف اوله وحرف ثانيه. فلا يخفى النبهاء. انه وصف هجاء. وان حذف منه الوسط. وصحف محرف الاول فقط. فهو سر مصون. دونه كشف الظنون. وان جئت بالاخر وصحفت الاولين. فقد وضح قبل الصبح لذي عينين. فان حرفته بعد ذلك. فهو في عين غزالك. وان قلبت مصحفه. وقرأت محرفه. ابعدت نفسك منه. ونزهتها عنه. وان صحفت ثانية. ووسطت تاليه. فهو شرح لا يحتاج الى ايضاح. وبيان لا يلزمه افصاح. وان عرفت ذلك زامنت في هذه الحالة الغلط. وصحفت ما عدا الوسط سارت به الخيل. في النهار والليل. وان الى الاصل ارجعته. وصحفت الاول وبه ختمته. فانه في الكنائس. واغلب المدارس. وها انا قد فتحت بالبيان مغلقه. وقيدت بالايضاح مطلقة فمن علم الغرض. اصاب الغرض فان تكرم بظاهر التفسير. فاني لهُ (سمير)

تهذيب البنات
من الواجبات
(تابع لما قبله)
واما هذه الفتاة التي ترك لها ابوها اموالا واملاكاً لاتحصى ومن جهلها هي وامها وعدم تهذيبهما ذهبت املاكهما واموالهما وكافة مايمتلكانه في مدة يسيرة واصبحت بهذه الحالة الشنعاء وصارت بعد العز والنعيم في شقآء وعنآء. فلو كانت مهذبة بالعلوم والمعارف ولهما المام بفن الكتابة والحساب وخبرة باحوال التجارة والصناعة لكانت تقتصد في مصر وفيا وتكون لاشغالها ملاحظة وما كون وكيلها يجد سبيلاً لاختلاس اموالها واختلال احوالها بل كانت تجتهد في نمو ثروتها ودوام عزتها وتحيي لها ذكراً بما تصنعه من مكارم الاخلاق وتؤسس لها مجداً بنشر معارفها في الافاق ولكن قضت عليها الجهالة بالفقر والافلاس فاصبحت عبرة لمن يعتبر من الناس
وبالجملة فاني ارى نسآءنا جمعياً غير مهذبات ولهذا يجلبن على ازواجهن النكبات. فاي امرأة مهذبة عاقلة مؤدبة يرضيها انها تركب على عربة كارو عليها نحو الخمسين من النساء فوق بعضهنّ البعض كانهنّ طرود كهنة او زكايب تبن او افراد فسيخ تسير بهنّ جملة عربات بهذه الصفة مارة من اعظم شوارع البلد وانظمها والخلائق يتفرجون عليهنّ ونحن معاشر الوطنين من ضمن هؤلآء المتفرجين وربما
(1/176)

- 143 -

كانت احداهن من تبعة احدنا ولا يشعر فاي عاقلة مهذبة ترضى لنفسها بهذه الحطة والخسة وان كنا نحن معاشر الرجال راضين بها
وغير خافِ على حضراتكم ان تهذيب بناتنا الصغار عليه مدار التقدم والعمران وانتشار المعارف واحيا الاوطان فانهن متى نشأن في التهذيب وتربين على المعارف والتأديب وآل امرهن لان يكن امهات بنات وبنين فانهن يجتهدن في تهذيب اولادهن بكل مايمكنهن ليصدق عليهن اسم الانسانية ويترقين الى درجات الكمال
ثم ان النساء اذا تهذبن وتعلمن قواعد الدين ربما حافظن عليه اكثر منا فان المرأة لو علمت بادراك وتعقل ان الجلوس فوق المقابر لايجوز شرعاً ما تجمعت جموع النساء يوم الخميس من كل اسبوع وفي الاعياد والمواسم فوق المقابر بجهة عامود السواري او باي قرافة
واتخذن تلك الايام مهرجاناً يتزين ويتبرجن فيه وهن جالست حيث تمر من بيتهن الشبان الجهلاء ويتسامرون معهن ويدا عبوتهن الى غير ذلك مما هو مشاهد بالعيان
كذلك لو علمن علم اليقين ان الولولة والندب خلف الميت لايجوزان شرعاً لما حصل منهن ذلك ولما خرجن خلف الميت صارخات منهتكات صابغات وجوههن وايديهن بالنيلة او الطين بل كن يمتثلن لامر الدين ولا تصدر منهن كل هذه المخالفات ولنفرض ان تمسكهن بقواعد الدين ان تعلمنها بالصفة المرغوبة يكون كتمسكهن بالتخريف وما تعودن عليه من ذميم العادات وحيث ان هذا الباب مما يطول الشرح فيه وضيق الوقت يمنعنا من زيادة التوضيح والبيان فماذا ترون فيما قتلته ايها الاخوان
قال الرواي فصفق الحاضرون استحساناً وصرخوا بلسان واحد قائلين قد عرفنا السبب وتاكدناه وما لنا بعد اليوم عذر في التاخير اذ تحقق لنا اننا كنا في غفلة قبل هذا والقصد تدارك هذا الامر قبل ان يحل بنا اكثر مما اصابنا فانظر ماذا ترى انا لامرك طائعون وحيث ان كل واحد منا عنده جملة بنات فعرفنا ايها الاخ المشفق كيف تصنع في تهذيبهن وما هي الطريقة الموصلة لذلك
فالان اجيب طلبكم واساعدكم في نوال اربكم وما ذاك الا اتي اتوجه من ساعتي الى مكتب التنكيت والتبكيت واعرض على محرره جميع ما حصل في هذا اليوم ليدرجه ضمن صحيفته الغراء ويوضح لنا بعد ذلك كيفية الطرق التي بها الى تهذيب بناتنا فان هذا غاية قصده ومنتهى اماله وكم لهُ من خطابات عديدة القاها في هذا الموضوع سارت بذكرها الركبان وعلم فضلها كل انسان
فعند ذلك اظهروا جميعاً ما عندهم من
(1/177)

- 144 -

السرور والارتياح ولهجت السنتهم بالثناء على الساعي في تقدم وطنه بنشر المعارف والاداب وقد تكرر منهم الرجاء باجابة هذا الطلب الجليل لما تحقق عندهم ان تهذيب البنات من الواجبات ع. ع. اه
(التنكيت) كسرنا المغزل لعدم النساج

ذهاب العقل باستعمال المكيفات
بقلم احد شبان ثغرنا الذين يكتفون
بالرمز عن التصريح
ايها الانسان اتدري بما ميزك اله سبحانه وتعالى عن البهيم ورفعك الى ذروة التكريم حتى صارت حكيماً عالما مديراً بصيراً بالامور خبيراً بحوادث الدهر
كأني بك تقول بنور العقل الذي منحتني به القدرة الربانية وحلتني ببهى جوهره فصرت اهتدي به في ظلمات الجهالة واسلك بارشاده جادة الكمال ولولاه ما علمت الرشد من الغي ولا النشر من الطى فهو الفارق بين الحق والباطل وبه يتميز الحالي من العاطل
اجل ايها الانسان العاقل ارشدني الله واياك الى ما يحفظ لنا هذا النور الذي به اخاطبك وهو المراد بالخطاب افهل يسرك بعد ما تحليت به واكتسيت بانواره انك تسعى في ذهابه وتجتهد في اعدامه كلا فاني ما اظنك تسمع هذا الكلام فضلاً عن انك تقدم على فعله ولكني اذكرك بامر ربما ذهلت عنه او ستر عنك بحجاب الغفلة وانت في غمرة السهو خير مقلب فيما تؤول اليه عاقبته
اتدري ماهو هذا الامر انهُ اشهر من ان يذكر واكثر من ان يحصر الا وهو تعاطى المكيفات بانواعها فانها متى حصلت بتخوم الجسم ارسلت طلائع اشعتها لنتجول في انحاء مملكة الانسان حتى اذا تمكنت من السريان في عروقها والسلوك في منافذها هجمت بجيشها الجرار على عامة العقل فتغشى انواره بدخانها المتراكم حتى تلجئه الى الفرار وتبدد شمل ملكه وتزيل سطوة سلطانه فتصبح مملكة الجسم بلا مدير يدير حركتها ولا رئيس يسوس حالتها فتهوى الى حيض الجهالة وتلحق صاحبها اذ ذاك بامة البهايم ولو شارك الانسان في الصورة
فمن كان في ريب من ذلك فاني اقص عليه طرفاً من اخبار هولاء الذين اتخذوا المكيفات ديدنهم فاوردتهم موارد البواروأودت بهم الى مآوى الدمار وان كان ذلك بالنسبة لما هو مشاهد ومعلوم لدى العموم غيضاً من فيض
فمن ذلك الافيون - كان شخص يتعاطى منه كثيراً حتى صار عادة لهً فلا يقر قراره الا بمعاطاته في معظم اوقاته الى ان بلغ من امره انهُ كان يرى كميت مصبر يمشي على وجه
الارض من شدة اصفراره وانهزال جسمه فاتفق لهُ في احد الايام من شهر رمضان المبارك انهُ بعد ان صلى العصر في مسجد بالقرب من دكانه خرج قاصداً دكانه فضربته يد الافيون
(1/178)

- 145 -

في ام راسه ضربة اذهبت جميع حواسه وصيرت الغياه في عينه ظلاماً فلم يتمالك دون ان اسرع مخدراً في سيره فانتهى به السير بمصادمته المحائط فخر مغشياً عليه فتبادر الناس اليه ظانين انهُ قد مات الا انهم وجدوا فيه بقية رمق فصاروا يرشون على وجهه الماء فلم يجد نفعاً الى ان احضر لهُ بعض من يعرف خلته قطعة من الافيون ووضعها في انفه فبعد برهة افق من غشيته فذهبوا به الى دكانه - ثم من عادة ذاك الرجل انهُ في شهر رمضان يتوجه الى منزله قبيل الغروب فيدخل محله المعد له فيجد فيه كل ما يلزمه حاضراً من نحو اكل وشرب ومعجون وشبك الدخان مع دخانه وموقد فيه نار مع مايلزم لاعمال القهوة فيجلس في محله منفرداً محاطاً بتلك المهمات بعد ان يقفل عليه الباب ولا يدخل عليه احد من اهل بيته ولو مكث للصباح كما هي شروطه معهم اذ انهم لو اخلوا بشيء منها لتكسرت الدار بما فيها
فاتفق لهُ ذات يوم انهُ دخل على حسب عادته وجلس في محله وكان قد تسلطن عليه الافيون في ذاك اليوم فعندما ضرب مدفع المغرب أخذ منرولاً كبيراً من الافيون وانزله في جوفه ثم اتبعه بمقدار من القهوة وبعض ملوات دخان من الشبك فلما استقرت كتلة الافيون في مستقرها ونبعتها القهوة بحرارتها ساح الافيون وتحلل الى بخار تصاعد الى مخه ولحقه دخان الشبك انعقد ضباب المكيفات في جو راسه فسد مسام الدماغ وفقدت منه الحواس فمكث جالساً في مكانه باهتاً وبعباره ثانية مصنما لايعي شيئاً في الدنيا هذا وسفرة الاكل امامه لم تمس وما زال في هذه الغمرة ساهياً صامتاً خدر الاعصاب منحل القوى لايتحرك لهُ ساكن ولايضرب لهُ نبض الى ان ضرب مدفع السحور وتبعه مدفع الرفع وهو بهذه الحالة المكربة فظن اهل بيته انهُ ربما يكون قد مات اذ لم يسمعوا لهُ صوناً ولا حركة فتجاسروا بالدخول عليه ليعلموا ما السبب فوجدوه جالساً والاكل امامه على حاله فايقظوه من غشيته قائلين قم لكي تلحق السحور فان الصبح قريب فقال بصوت ضعيف وهمة ساقطة كيف ذلك وانا لم افطر لغاية الان فكان فطوره سحوره وليته اكل
فليت شعري ايعد مثل هذا عاقلاً. كلا فانهُ حرم لذة العقل ومنع راحة الجسم وابتلى بداء
لادواء له الا الموت الاحمر فعلى مثل هذا تبكي البواكي حيث قد اضاع عمره في هم ونكد
ومن نوادر الافيون ايضاً ان افيونجياً كان جالساً في سوق الميدان في شهر رمضان قبيل ضرب مدفع الفطور ومعه شك قد ملأه دخاناً واستحضر لهُ قطعة نار ليضعها عليه عند الافطار فلما ضرب المدفع انزل كتلة الافيون في مستقرها ووضع النار على الشبك وابتدأ يشرب منه واذا بشخص مار بالطريق ومعه سجارة فجاء ليولعها من ذاك الشبك
(1/179)

- 146 -

فسقطت النار منه على الارض فتناولها مولع السجارة بيده ليضعها في محلها كما كانت ففي اسرع من البرق قبض الافيونجي على يد ذاك المسكين والجمرة فيها وصار يضغط عليها قائلا لالا استغفر الله استغفر الله العفو يا سيدي لا ينبغي ذلك ابداً والرجل يتغيث من الم النار التي احرقت يده واكلت اصابعه حتى انها طفئت في يده بعد ان اتلفها فكان في ذلك تمام كيف الافيونجي وتشفيه ممن عكنن عليه ونغض عيشه قاتله الله
ومنهم من اذا اراد احد ان يولع السجارة من شبكه يضربه بالشبك حتى يكسره عليه اذا كان المولع فقيراً مسكيناً اما اذا كان من المعتبرين فلا يستطيع ضربه ولذلك يمسك الشبك بيده ويكسره قطعاً ويرميه ويظل كئيباً حزيناً خزاه الله
وهكذا من امثال هذه الاحوال التي تنفر الطباع وتشمئز منها النفوس وتفضي بصاحبها الى الهلاك مع ما تكسبه من شراسة الاخلاق وتعينه على التعاظم والكبر فيعيش بين الناس ممقوتاً فاقد العقل والحواس هذا مما يختص بتعاطي الافيون الذي هو اهون بالنسبة لغيره من باقي المكيفات مثل المكسرات بانواعها والحشيشة بفروعها فان في ذلك الطامة الكبرى والبلوة العظى ولا حاجة الى ذكر شيء من رذائلها وقبايحها فقد سارت بذكرها الركبان وانتشرت فظائعها في كل مكان فيا ايها الاخوان اما آن لنا ان نقلع عن هذه المنكرات ونسلك جادة الجد ونتحلى بالكمالات ونحرص على حفظ انوار عقولنا فان ذهاب العقل باستعمال المكيفات (ع. ع)

عادة شرقية ومقابلتها غربية
جرت عادة المصريين انهم اذا رأوا ميتاً غريباً في الطريق يأخذونه ويفعلون به مايفعلونه في موتاهم وان لم تساعدهم الحكومة على اخذه واخذته هي فعلت به ماكانوا يفعلون وعلى أي حل فانه يدفن مع الاعتبار والمحافظة على جثته. وعادة الانكليز ان الرجل الفقير اذا اتفق لهُ انه تأخر عن عمله ساعة وتوجه الفبريقة ولم يجد محلاً يشتغل فيه ايقن يكفيه يومين بل يحصل قوته يوماً فيوماً فاذا تحقق انهُ لم يجد محلاً غيره طلع على اعلى سطح والقى نفسه في الشارع فينزل قطعاً مبددة فتأتي عربية الزبالة وتأخذه مع القمامة وتسلمه في قطر السكة الحديدية لتلقيه في بحر المنس طعمة للاسماك الكبيرة لتلزم البر حتى لا يتكلف الناس صيدها من وسط البحر لاستخراج دهنها وعظامها وقد لايخلو يوم من موت الفقراء بهذه الحالة فان الاغنياء لا يعرفون الفقير الا عاملاً ولقد مر جماعة من المصريين في شوارع. لو ندرة فرأوا نساء نائمات على الثلج لايجدن ما يستترن به ولا تعطف عليهن الاغنياء فان الغني اذا بلغ درجة (اللورد) حرم عليه مخاطبة من ليس بلورد فلا يصافح فقيراً ولا
(1/180)

- 147 -

يكلمه ولا يدخل مجلس اواسط الناس ولا يسلم عليهم ولا يدخل قهوة العامة لو كاندتهم واذا اجتمع معهم في محفل عام كرقص او محفل تشخيص وقف مع امثاله في مكان مخصوص واذا لم يجد لوردات لايتوجه ولا يدخل انفة منه وعزة وكبراوتيها مع اننا نجد ساداتنا العرب تجالس الفقراء وتخالط الضعفاء وتسامر الامراء وترحم المساكين وتداوي المصابين وتواسي الارامل وتحفظ الاعراض وتدفن الموتى وتؤوي الغريب ثم مع هذا نستقج فعل العربي ونستحسن فعل الغربي على اختلاف مراكزه وهذه بعض عاداتهم فتاملها لتميز بين المحاسن الشرقية والقبائح الغربية

استكشافات ومخترعات جديدة
استكشف احد الشدادين (الحشاشة) صنف غاب (بوص) على شاطئ بعض الترع في غاية الصلابة وقيل انه يمكن استعمال القباعة منه في الجوزة مدة عشرين عاماً بدون ان يطرأ عليها ادنى خلل
واخترع في احدى الغرز جوزة يشرب منها اربعة في وقت واحد
وتفنن احد المعاجينيه حتى صنع مركباً اذ وضعت حبة منه في قدح ماء صار كنياكاً خالصاً يسكر من كأس واحد

دمنهور
هجم الناس على قهوة بطاطه حتى ضاقت بهم الكراسي والدكك والكل ما بين مسطول وسكران
ضرب مدفع السحور ومسطول مار على بعد منه فوقع في الارض ولما حركه احد المارة قال لهُ انا ضرب عليّ المدفع فمت فما زال يصيح به حتى قام وهو يقول ينعل ابو الحشيش انا تصور لي معلي شكاني على شان سرقة كيلة قمح وعليّ حكم بالمدفع وكنت عزمت على الموت ولكن ربنا سلم
مر سكران بسكرانة فمد يده ليصافحها فوقعا في الارض وبعد برهه قال لها ارخي الناموسية احسن بيتكم فيه ناموس كثير فقالت لهً احنا في الخمارة ياطور اوزن دماغك مع ان الاثنين في الطريق
دخل بعض الناس قهوة قزمان على شاطى الترعة ومعه غلام فهيأ له السكران يعل فعلة البهائم وهو جالس على تصوره انه لا يراه احد فاوجعه القهوجي ضرباً وتفرج عليه الناس وهو ي يعقل
الحشيش في دمنهور رايج ولا يشتريه الا رعاع الناس ورذالهم

افوكاتو جاهل لم يحسن وضع اسمه
وفلاح مغفل
(تابع لما قبله)
الافوكاتو ياخذ الفلوس ويكتب تقريراً يعمل فيه خطبة طويلة يحفظها ويقولها في كل تقرير وفي اخره اطلب الحكم بالعطل والضرر
(1/181)

- 148 -

والفوابظ والمصاريف الرسميه والغير رسميه وبكل احترام اتشرف بوضع امضاي
الفلاح والله ياسيدي انك شاطر زي مابيقولوا وكمان يحكموانك بالعطل والضرر يعني تاخذ قطن قيمتة زرع الاطيان حقا ان حكموا لك الحكم ده اعطي لك اردب غله وبلاص مش قديم وبلاص سمن
الافوكاتو لما نشوف ياما سمعنا كلام من فلاحين زيك من غير ثمرة وان صدقوا فالبلاص يكون صغير
الفلاح والله ياسعادة البوكاتي ان ما كنشي البلاص اكبر من قعدتك ابقى بطل الحكم
الافوكاتو يقدم التقرير للمجلس ويدفع اثنين جنيه رسم وياخذ للفلاح ويطلب منه اجرة السكة الحديد واللوكندة
الفلاح يقول ياسيدي البوكاتي طيب اجرة الباجورعرفناها والكانطه دي ايه كمان
الافوكاتو احنا قلنا انتو بهايم قلتوا لا
الفلاح طيب ياسيدي اصبر لما ابيع المعزة واعطي لك ثمنها
الافوكاتو يتوجه بالوابور وفي اثنا سفريته يجد خصم موكله باحدى العربيات وينزل على عينه وياخذ منه كام قرش ويحضر يترافع ويقدم نتيجة الجهل ولعدم معرته بالقوانين يحكم برفض دعواه ويستلم الخلاصة
الفلاح يحضر يسأل الافوكاتو ياسعادة البوكاتي جرى ايه في القضية دا اخويا اهو حرث الارض وزرعها قطن وقلعه وحياة عينك
الافوكاتو هات كم قرش نعطيهم للكتبة على شان يخلصوا الشغل
الفلاح يبيع حلق امرأته ويعطيه ثمنه ثم بعدها يحضر يسأله
الافوكاتو ياشيخ قضيتك ما تنفعش
الفلاح طيب يا سيدي جبلو زي الناس اللي يطلبوه ويكسبوا قضيتهم
الافوكاتو هات رسم الابلو عشرة جنيه
الفلاح برهن الدار ويعطيه العشرة جنيه وبعد مدة سال البوكاتي عن القضية
الافوكاتو ياشيخ العشرة جنيه ماكفوش والميعاد مضى وكان اخره انبارح ولو جيت اول انبارح كنا كسبنا القضية واما دلوقتي ما بقاش ينفع
الفلاح طيب ياسيدي ماقلتليش له قبل ما ارهن الدار كانت تنفعننا نتاوى فيها
الافوكاتو ياشيخ انا عاوز منك باقي المقاولة والفايظ بتاعها هاته والا اقيم عليك قضية
الفلاح والله ياسيدي ليلة ما كان ما عندناش عشا كنت شفت في الحلم ان تعبان يبجري ورايه ولما حكيت الكلام ده للفقي قال لي عدوك يغدرك ومن ديك النهار وان ماسك قلبي بيدي وبقول ماليش عدو الا اخويا والحلم هو اتفسر وخويا ما يقدرشي يغدرني
(1/182)

- 149 -

وانت اللي ان كنت تقيم على قضية تضرني لانك ابوتاكو وحتى كوانين النصارى عندك واعمل معروف وسامحني وان كمان اسامحك واروح لشيخ البلد اخدم في غيطه وانا واولادي اياك قلبه يحن علينا وياخذ لنا ربع فدان من اخويا على شان نتعايش منه
الافوكاتو انا يا شيخ مكسوف من قضيتك لانها خسرت اسمي وعمري ما خسرت قضية غيرها ولكن النوبه دى ما علهشي ان شاء الله لما تقيم قضية ثانية نعوض اللي راح
الفلاح يا سيدي تعيش راسك لابقي عندي بلاص ولا دار غيط والقضية اقيمها علي مين حقا ان كان اخويا يعمل جبيلو بقي ماباليد حيله اهو ما عادشي الا مرة خدامك وينصرف
هذه نتيجة الجهل نسال الله السلامه (ع. ف)
(التنكيت) انظروا لهذين الجاهلين حتى صار الاول نصاباً محتالاً يوهم الناس علمه بالقوانين والترافع وهو لايحسن كتابة جواب وكيف خسر الثاني نقوده واطيانه بسبب جهله وعدم علمه باهل الشرائع من اهل الشعوذة ومن لنا بسن قانون يحفظ للجهلة حقوقهم ويبطل دعوى المحتالين بصنعة الترافع والتوكيل فكم من صاحب حق اضاعوا حقه بخطبهم وعدم وقوفهم على كيفية الترافع ومعرفتهم بالقوانين فان حفظ حقوق الامة من واجبات الحكومة ولا نحكم على جميع الوكلاء بالجهالة المحضة فان فيهم من لهُ بعض المام بالترافع والقوانين لالكونه اخذ ذلك دراسة وتلقيا في مدرسة بل لكونه تهود وتكرر
توكيله وسنعود لهذا الموضوع بجملة من قلمنا فيما نعلمه من هولاء المحتالين

حمل زجل عال
اهل النبوكا والاطيان ... صاروا على الاعيان اعيان
وابن البلد ماشي عريان ... ممعاه ولاحق الدخان
شُرُم بُرُم حالي غلبان
ياما نصحتك يابنجر ... وقلت لك اوعا يعجر
فضلت تسكر واتفجر ... لما صبح بيتك خربان
شرم برم حالي غلبان
الحق عندك يا خويه ... يلي طليت وشك بويه
ولبست سروال ابا ويه ... ومشيت تقلد لي النسوان
شرم برم حالي غلبان
كانت عزا يمك مشدوده ... وسط الرجال المعذوده
امسيت وامك مسعوده ... تندب رجالك والاوطان
شرم برم حالي غلبان
فُت العدَس وبصار البيت ... بالجنبري والكستليت
فين الدره وفطير الزيت ... والجلوين اكل الغيطان
(1/183)

- 150 -

شرم برم حالي غلبان
فين الزعابيط واللبده ... جا للعويل منا هبده
مايفتكرهات دَا وشيل دِه ... تحت الكرابيج في الديوان
شرم برم حال غلبان
بعنا العمايم بالطربوش ... والعري بالتوب المنقوش
صبحت بلادنا للمغشوش ... مورد وصانعها ظمآن
شرم برم حالي غلبان
فضك من البيت والاوضه ... وخذ نصيحة عال موضه
يصبح بها بيتك روضه ... وتنام بها خمرا سكران
شرم برم حالي غلبان
ان كل بدك تساير ... خليك نضيف ناتف داير
وطف على الناس بالداير ... يعظموك كل الجدعان
شرم برم حالي غلبان
اوعا تفوت دي الكار ياهباب ... وتمشي ماسك لك في اكتاب
يستهبلوك كل الاحباب ... وبعد عزك دَا تنهان
شرم برم حالي غلبان
احسن دا فن بتاع مسكين ... سهروا ليالي فيه وسنين
وحصلوا منوُ التمدين ... لكن رماهم في الحرمان
شرم بر حالي غلبان
ان جئت مادح بقصائد ... يستحضروا لك بجرايد
وان كان لهم بعض عوايد ... يقلعوك حتى القفطان
شرم برم حالي غلبان
وان كنت شاعر او منشي ... قالوا يا شيخ فضك وامشي
دا احنا كلامنا في المحشي ... والا طيخ البيدنجان
شرم برم حالي غلبان
وان كنت صرفي او نجوى ... والعلم في ذهنك محوي
قالوا اتانا بوز ملوي ... قالوا لنا عمرو وزيدان
شرم برم حالي غلبان
وان كنت عالم متفقه ... قالوا اتانا الموت حقه
دلوقت يمسك في الحقه ... ويدور بمخط في الحيطان
شرم برم حالي غلبان
وان كنت صانع متفنن ... قالوا اخينا دا اجنن
وبعد ماكان يدندن ... صبح يقولي شغلي الوان
شرم برم حالي غلبان
(1/184)

- 151 -

شوف دي الجهاله ياسيدنا ... اللي جلبناها بايدنا
حتى صبحنا يوم عيدنا ... تسمع بلادنا تنشدنا
شرم برم حالي غلبان

المراسلات
1881 المبادرة لازمة فعجل بالارسال فان رسائلك قد جاءت متاخرة عن وقت الاحتياج اليها بكثير (اسكندريه). م. و. رسالة اللغة والعلم تأخرت للآتي لعدم سنوح الفرصة بجعلها في هذا العدد

تلغرافات التنكيت
بعض المتفرنجين مفطر ويشرب الدخان بالطريق معجباً بنفسه
الطنبلى
كثير من المفطرين لايجد لهُ محلاً يستتر فيه وقت الاكل الا بيوت العاهرات
الازبكة
كثرت السبح في ايدي من لم يعرفوا المساجد اظهاراً للصوم وماهم بصائمين
الجنينة
لم يشرب في نهار رمضان الا الحشيش وباب القهاوي مقفول اما البوزة والخمور فبعد الفطور
الفيوم
ارتفعت اسعار الحشيش بسبب طول السهرة ودورة الجوزة الى السحور
المنصورة
مع البحث لم يعثر على مفطر في الطريق لكون المفطرين من المتمدنين الذين ياكلون في بيوتهم ولا يظهر عليهم احد
بني سويف
سوق الثلاث ملان بالمفطرين والمفطرات والكل من الفجر اما الاهالي ففي غاية التمسك بالتقوى
المنيا
من لم يؤمن بجهنم فليقف في حوش الفبريقة عشرين دقيقة ليرى من حرارة الشمس ما ينسيه النعيم
اصلاح غلط
خطا صواب صفحه سطر
الادرك الادراك 139 14
يب بين 140 16
ضعفين ضعفين 141 22
(1/185)

- 152 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في الرسالة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نعينه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
نديم
(1/186)

- 153 -

العدد 10 - بتاريخ: 14 - 8 - 1881
(1/187)

- 154 -

بلغنا عنك ما لانرضاه لمثلك ممن يدعون التمدن والدخول تحت سماء الانسانية سمعنا والراوي ثقة انك في يوم الثلاثا اماضي اخذت تشرب السجارة بين اخوانك الكتبة فلامك احدهم على ذلك فاعتذرت بما هو اقبح من ذنبك وتظاهرت بالمرض ظنا منك بان مجرد الدعوى يدفع عنك التكليف فقال لك انك قوي العصب صحيح البنية وما اتم كلامه حتى فاجاته بكلام يجل القلم عن تسيره فتركك وشانك فاتممت مشروعك وانت غير ميال. مهلاً فان الافطار لايجوزه الشرع الا لمن قام به عذر كمرض حقيقي يمنعه من الصوم وحينئذ يباح لهُ يرى منها انك اصح من ذي قبل فلا عذر يمنعك عن الصوم فلذا اصدرنا لك هذا النذير الاول لترتدع عن ضلالك وترتجع عن التظاهر بما يضاد الدين والشرف فان اكتفيت فيها والا سلقتك الالسن بنارها ورمتك سهام الاقلام بنبالها حتى يحيق بك العذاب الاليم

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - احمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/188)

- 155 -

لا انت انت ولا المثيل مثيل
ايها المتمدن
الهاك حسن التصور والابتهاج بلطف المدن عن اخيك البادي فسررت بالثياب الجميلة تلبسها والخيل الفراهة تركبها والماء كل اللذيذة تاكلها والطرق النظيفة نتيه بها والقهاوي والبير تتسلى فيها والمناظر الجميلة والمراقص البديعة والمحافل الجليلة والمسامرة مع الادباء والمسابرة مع العلماء والانس بالارقاء والتمسك بالقانون في حقوقك والحاكم في واجباتك والسير في طريق اذا غابت عنه الشمس اضاءه الغاز والتفاخر بالمصنوعات الافرنجية والاكثار من الاواني والامتعة النفسية والميل للألات المطربة والعات المغنيات والمطارحة بالاداب والسعي خلف ما يطيل الاشناب ويرفع الانوف وانت لاتدري بمن بلغت هذا العز البديع
فقال فانظر الى سلم رفعتك ومعدن حياتك ومنع ثروتك اخيك (استغفر الله) خادمك الفلاح وانظر الى ثوبه الذي يصل ركبتيه ولبدته التي لاتستر يافوخه ورغيفه الذي لا تكسره بقوتك ومشه الذي تعاف النظر اليه وارقبه عند خروجه من داره مع الصباح يسحب الثور ويحمل المحراث والفاس وزكيبة البذر وتفرج عليه وهو يسقي الزرع والطين الى وركيه والشمس تشوي وجهه وجسمه يقطع يومه في قطع طين ورمي سباخ واطلاق ماء وتنقية حشيش وغرس حبوب وعلف دابة وعزق ارض وركوب نورج وقطع حطب وحش برسيم وجمع قطن وحمل تبن وتنقية ارز وسوق ساقية ويصرف ليله في غفر غيط وسد مقاطع وحراسة جرن وخدمة ثور وحريق طوب ورد مغتال فاكهته الخيار والجميز وخضاره الرجلة والخبيزي وسلطته الفجل والجلوين وسماطه الارض وخبزه الذرة والشعير وادامه المش والحامض وصحونه الفخار وخشافه ماء النيل محلي بالطين ومسامرته محاسبة شيخ البلد ورحلته الى الجسور وسياحته في بحور العمليات وتاريخه بهيم عاش ومات لايشعر به انسان لا يؤثر على ذهنه الاسماع الصائحات على مسجون ولا يضره الا ذكرى لفظ جهادي
ناشدك الحق وهو غير خاف عليك ما الذي اوقعه في هذه الاشراك فاصبح لايفرق بيت الضار والنافع. اليس هو جهله بحقوق الوطن وما تقضي به عليه الجنسية من حفظ
الاستقلال ومراعاة حرمة النوع هلا نصحته و (الدين النصيحة) بعد علمك بانك ما وصلت الى هذه الدرجة الرفيعة الاّ بدراستك القوانين ومعرفتك بالواجبات التي لو علمها لغبطته عليها
ثم هو النور الذي اهتديت به لحفظ صحتك من ظلمات الجوع ودياجير العري ولكنه نزل عنك وهو حارسك وقبل يديك وهو صاحب الفضل عليك وانت لاتنظره الا بعين المقت ولا تعامله الا بيد الاهانة ولسان السب مستقجاً صحبة صورة عنونت بفلاح. ولوا نصفته
(1/189)

- 156 -

لرحمته ومسحت طينه بشوبك الاطلس ونفضت سباخه يمتديلك الحرير حتى ترضيه فيرضى عنك ويخدم الارض بما ينبت فيها غذاء جسمك اللطيف وكسوته وما تحفظ به البلاد ويرد به العدو وتزيد به الثروة وتتقوى به السطوة وتعظم به الامة ويستعين به العالم على علمه والحاكم على نظامه والسائح على بلوغ مقصده
يحمل ثقل الحياة على عاتقه وهو الضعيف في اعيننا الحقير في مجالسنا المظلوم في محاكما البعيد عن مجالس اللذة ومحافل الاداب وما رماه في هذه الوهدة القبيحة وسلط عليه خدمته المتمدنين وتبعته الامراء الا الجهل القبيح.
غاب عنه علم نفسه وشرفها وقدر صنعته وثمرة اتعابه وما يترتب على جهده وما يحدث من اهمالهِ فوقف في الوجود مع رفيقه (الثور) ذاك يخور وذا يصيح ولا يشعر ان بقدر خدمتهما. ومع ماهو فيه من التعب والاشتغال الدائم لايرحمه المتمدن ولا يساعده ولا يرشده ولا يعطف عليه ان باع اليه شيئاً غبنه وان طب منه امراً غشه وان ترافع عنده ظلمه وان رأى عليه وثوبا نهبه وان وجد عنده ثوراً اغتصبه وان رهن عنده مالا نكره وان اقترض منه حجر عليه وان شاركه غالطه وان استأجره اكله وان جاوره طمع في محصوله وان صاحبه غره بالاباطيل وخوفه بالترهات وان استنصحه غشه وضحك عليه وان اسفتاه اضله واغواه
ولا نسج الخيوط ليكتسي بها ولا شيئاً مما نطلبه حياة الانسان. افلا يليق به وهو المربي في المدارس المعاشر للعلماء المصاحب للاجانب ان يسلك مع هذا المسكين طريق النصيحة والارشاد ويعامله معاملة العادل المشفق وينيهه على حقوقه الصغيرة ليعرفها ويهديه لطريقة يحفظ بها ماله ويتمتع بمحصوله ويعلمه من الضروريات ما يميز به بين
الغث والسمين والغليظ والرقيق حتى يتمكن من حفظ حقوقه والقيام بواجباته والسعي في خدمة وطنه وحمايته ووقايته فانهُ لايعلم من الوطن الا غيطه ومع ذلك يطرد منه ولا يعارض ولا يعرف من القارة الا بلده ومع ذلك يجبر على الخروج منه فيخرج بلا تأثر ولا يعقل من المعارف الا الزراعة ويلزم بتركها فيبعد عنها بلا اسف فلا حمية عنده تعرفه قدر الوطن ولا غيرة بحفظ بها الجنس ولا علم يجادل به عن الدين ولا عقل يفكر به في حفظ بلاده
واراك ايها المتمدن فرحاً بجهالة اخيك طمعاً في بقاء ثروتك ودوام خدمته لك ولو كنت عاقلاً لعلمته من العلوم ما يهتدي به في ظلمات الجهالة وتركته يخرج لك من الارض مالم يكن يعلمه من قبل ويوسع في دائرة العمار ما لاتصل اليه افكارك ويحصن البلاد بما لايقوى عليه جهله ويدافع عنها بقوة جاش وحسن لسان ان استبقت خطباء السياسة كان مع المتفرجين وان فتحت ميادين الدفاع كان من السابقين وان اجتمع المخترعون كان
(1/190)

- 157 -

من المشاركين وان احتفل الاغنياء كان من المتوسطين وان ولد له احسن التربية وفضل العلم على الجهالة واخرج ولده عالماً عاملاً تفتخر به الامة وتعمر به الديار وئتسع به دائرة لمعارف
ولست الزمك بسياحة البلاد ولا اقامة فيها ولا توليك التعليم بنفسك وانما ارجوك ان تجعل نصيحتك للفلاح كلما رأيته (علم ولدك) فان طلب منك شرحاً فاقرأ عليه اخبار امريقا بلسان يفهمه وحوداث فرنسا بعبارة يعقلها وصور لهُ التقدم في صور لاتبعد عن ادراكه وفهمه مقدار النعمة وموجبات الثروة ووسائط القوة وثمرة العمار وان اجهادي عليه مدار حفظ الوطن والنفس والجنس ليكون اول ساع الى الانتظام في سلك الجندية الذي علم بالثمرة المترتبة عليه بعد ان كان منه نفوراً فانك ان فعلت هذا وتبعك كل معامل لفلاح او سائح في البلاد او قاطن فيها من العقلاء انبعث في الفلاح روح جديدة وجد في الطلب التقدم وجاهد في احسان زراعته ونمو حاله وظهر في الوجود انساناً يحفظ لهُ تاريخ كباقي العقلاء
ومتى تمت هذه المبادئ وسرى هذا السر في اهلينا اصبحت الديار رياض نزهة وحصن حماية ودار نعيم اما اذا اقتصرنا على ترفه اهل المدن وسب الفلاح بالجهالة وحرمانه من
كل ما ينبه الفكر او يعلي الذكر يتنا امنين واصبحنا خائفين فان الغريب يتجول في البلاد ويسكنها ويحسن للفلاح اتباعه ويريه عداوة جنسه ويغريه على نهب اخيه وعصيان سيده ليفسد اخلاقه ويزيده على الجهالة كراهة الجنس وغض الوطن وان بقينا في اهمالنا وتغافلنا وسريت ايها المتمدن في مدينتك تتنزة في العربية وتسهر مع الامراء وتفتخر بصحبة الخواجات ومسامرة الظرفاء وتركت الفلاح في المنحدر الذي هو فيه سقط في الحضيض وعز عليك الوصول اليه واصبح الوطن يناديك لاانت انت ولا المثيل مثيل

سلطنة التخريف
ماكنت اظن ان الجهالة تبلغ من الرجال هذ المبلغ القبيح وتنزلهم الى درجة لا يرضاها البهيم فقد رأيت عجباً عجاباً وهو ان الناس مزدحمون في محطة دسوق ازدحاماً غريباً هذا يضرب ذاك وذاك يدفع ذا وذا يرمي الاخر ومن وقع داسوه ومن وقف ضربوه ومن تانى تمزق ثوبه والعيون شاخصة متجهة لنقطة واحدة والطريق متتابعة السير والازدحام وكم في وسطهم من تاجر فقد فلوسه وامرأة مس شرفها وعظيم اهين وشيخ ضرب وطفل بكي وبنت صاحت وما من احد يلتفت لهذه المصائب ولا يفكر في شيء مما يناله من الصك وتمزيق الثياب وضياع النعال وسماع البكاء واهانة المطر وحين تحت الاقدام والكل في ضجة عظيمة وارتفاع اصوات هائل فحرت في نفسي اذ رأيت ما لم اره في بلادنا فان اعظم ما رأيته
(1/191)

- 158 -

من الازدحام يوم دخول السلطان مصر وخروج الناس للتفرج على ذاته البهية ودونه يوم خروج المحمل ويوم زفاف كسوة الكعبه ويوم الدوسة ولم ارَ في تلك الايام ما يماثل هذا الازدحام العظيم فقلت في نفسي اسددت ديون الافرنج وهذا يوم فرح اهل بلادنا ام خلصت الاملاك المرهونة وهولاء متوجهون لاستلامها ام استردت الاطيان والاملاك لاهلها بالتبابع الشرعي بعد ذهابها بالدعاوي الباطلة والقضايا الملفقة وهولاء اصحابها متوجهون لتهنئة مليكهم برد منبع ثروتهم ام الجيوش عائدة من الانتصار على عدو اراد اذلالها والناس مزدحمة لمقابلة ابنائها وتهئنهم ام ماذا الذي دعا اخواننا الوطنيين للازدحام العظيم لابد وان اقف على الحقيقة فوقفت على مرتفع اشرف منه على الجميع فرأيت هذا الازدحام متصلاً بعربة الوابور ورأيت شيئاً مدلى من الشباك والناس تزدحم على تقبيله والتماسه كأنه خطام جمل عائشة ام المؤمنين او الحجر الاسود واذا به يد امراة يقال لها ص. . . تدعى الولاية وهولاء المخرفون يودعونها ويزدحمون على تقبيل يدها فكدت افقد الحس لتأثري من سلطنة التخريف في بلادنا. فان هولاء المجانين لو علموا ان مقام الولاية لا ينال بقصع الفت ولا الشخلعة في المجالس ولا قولهم (مستورة سالكة اشيا معدن قدامك خضر او وراك خضرا الله يحنن عليك فاضل عليها عدة ربنا يجازى اولاد الحرام شيخ لله ياسيد روح سري معك الصبر مفتاح الفرج ارمي حمولك على المتولي) وهذا كلهُ من الجنون والهذيان لتنبهوا وجروا خلف العلماء يسالونهم عن دينهم ودنياهم لان العلماء امنا الرسل وهم في
مقام القرب من الله من السابقين والله تعالى يقول (انما يخشى الله من عباده العلماء) وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام (وقل رب زدني علما) وقال (فلو لانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) فلو ازدحم الناس عليهم ازدحامهم على المخرفين لما وجد في وسطنا جاهل ابدا مع اننا لو احصينا الذين يتبعون الخرافات لم نجد في المائة واحداً لم يتخذ لهُ اماماً في التخريف خصوصاً مثل تبعة هذه المضلة التي سحرت بافعالها نحو مليون من الجهلة وصارت كانها الزبا في البلاد لحيرة ولو امرت الرجل منهم بصفع نفسه بالنعال مرة لضرب نفسه الفاً معتقداً انهُ كلما زاد في طاعة الشيخة زيدت لهُ الحسنات
واغرب من هذا وذاك اننا نرى كثيراً ممن يقال لهم الاذكياء او المتمدنون يدخلون مجلس هذه الجاهلة ويقبلون يديها ويخضعون لها ويتقربون اليها بالولائم والجنيهات ولست ادري ادخلت عليهم الغفلة كما دخلت على الجهلة ام يتوصلون بمجلس هذه الضالة لمقاصد يعز عليهم الوصول اليها من غيرها والا فما داعية الاعتقاد في امرأة تربت في الريف بين الجهلاء لاتعرف العلم ولاتحسن العمل وكيف
(1/192)

- 159 -

توصل الى الله وهي لاتعرف من صفاته واحدة وكيف تدل عليه وهي لاتعقل معنى الالوهية ولا مقام الربوبية وبماذا ترشد اليه وهي لاتعلم من الدين ولا مسئلة ولا من الدنيا الا ما تستجلب به المغفلين وتغر به الاغنياء وتستعبد به الجهلاء
ألمْ نكتفِ من الجهالة والتخاريف بما آل اليه امرنا من احتياط المصائب بنا ووقوعنا في شرك لاينجينا منه الا اجتهادنا واعدام التخريف وطرد اهله وابعادهم وتاديب الجهلة على هذه الافعال الشنيعة والاحوال القبيحة. وارى بعض المتكلمين الذين عزّ عليهم الكسب فمالوا لمثل هذه المضلة يخدمونها ويتمتعون بما لديها ربما حمله الخوف على الفت الحرص على تقبيل يده على الرد علىّ بما تسوله اليه نفسه ولئن فعل رفعنا النقاب وهتكنا الحجاب واعددنا من القبائح والفضائح ما لايستطيع انكاره ولم اقصد الارهاب ولا التخويف وانما اقصد التذكير والدلالة على الحق ليتذكر العقل ويتنبه الغافل فقد اصبحنا اقل الامم قدراً واخلاها من العلم وامكنها من اجهل وما بعدنا من العلماء الا المخرفون الذين يحذرون الامة من الاجتماع بالعلماء ويقولون لهم الظاهر خلاف الباطن والعلماء اهل الاعتراض
علينا فلا تخالطوهم ولا تسائلوهم حتى نفرت الناس منهم واصبح الكل محصوراً في سلطنة التخريف

مجلس ادبي
جمعنا مع اعيان بندر زفتي ونبهائها مجلس ادبي فاخذنا باطراف الحديث وتبادلنا مطارحة الاداب وبينما نحن في هذا الانس دخل علينا رجل خمل في هيئة رثة لهُ شعور طويلة ولحية لطيفة فسلم علينا وجلس ثم قال في هذه الليلة عقدت جلسة من جمعية الحشاشين وقر رأيهم على الشكوى لصاحب التنكيت مما حل بنا وعينوني زعيما لهم فجئت وقد صادفت هنا حضرة مامور المركز وحضرة مأمور الضبطية فان اذنتم بالكلام تكلمت
فطربنا بسماع هذه العبارة اللطيفة وسألناه ان يتكلم بصفة كونه زعيم امة حشاشة فقال وهذه عبارته بلفظه
انا بالنيابة عن الحشاشين اقول حضرة مامور الضبطية فات علينا النهارده وشمشم وجد بعض الناس يتعاطى كيف فدخل القهوة وجدنا بنصنع بلدي عال نتسبب فيه في رمضان فحرق بالنار نحو رطلين واحنا ناس غلابه والناس تركت الاسرار وعكفت على المسنكى والزبيب تلاقي الخمامير فيها كل عمه وعمه وما فصح اسرارنا الا التنكيت حيث سمانا حشاشين فاذا كان حضرة المأمور يسامحنا في شهر رمضان وحضرة صاحب التنكيت يخف عنا شويه ويبين الناس ثمرة الكيف خلينا نسبب ونشوف مذهب المعامله
(1/193)

- 160 -

فقلت لهُ ما ثمرة الحشيش التي تريد بيانها
فقال ثمرته ان العرقي لايدخل به الانسان الجامع والاسرار يبقى شارب ويصلي والعرقي يقلب الدماغ والاسرار تروق الفكر وتخلي الانسان صنعه ومع ذلك فان كل الناس الان تتعاطى الاسرار فاذا كان التنكيت رايح يبطل الشغل ده تعيش الناس ازاي. الرطلين التي حرقهم المأمور كانوا على ذمة واحد عمده ومع ذلك لما رأت الناس التفات المأمور للحشاشين كشت وخافت وهجمت على الخمامير والكيف الموجود بالبندر تحول كله لميت غمر وصارت فيها الصهب والقهاوي مجالس عظيمة وعطلنا واضرارنا لايرضى احدا
وبعد جدال طويل معه بكلام يطول شرحه قال انا عاوز قرار بيدي حيث الجمعيه في انتظاري وكانوا عاوزين يبعتوني اسكندريه لحضرة صاحب التنكيت والحمد لله ربنا اخد بيد الغلابه وحضر فوعدناه خيراً تلطفا به وصرفا لافكاره ثم انصرف
واغرب من ذلك ان الحشاشين حضروا معه لباب البيت ولما اراد الدخول على المجلس صاروا يدعون لهُ ويقولون ادخل ياشيخ جمد قلبك وربنا ينصرك واوعا تتوه في الكلام
وخليك موزون
فمن رأى هذا الامر علم كيف تنورت الافكار حتى صارت الحشاشة تعقد جلسات في الجمعيات وتتذاكر في شؤونها وتعين زعيماً تعتمد عليه ويقف في محفل لايقل عن الخمسين ويتكلم بمعارفه ويشكو أمر جمعية التي كسد سوقه بحريق الحشيش وازدحام الناس على الخمارات خصوصاً شيخ هذه العصابة وفاتح باب قهاويها وما قوى قلب اخوانه وحملهم على الشكوى الا خطبته فيهم بضياع حقوقهم وكسر شرفهم ان تركوا قهاويهم بلا الحشاشون وان افادني هذا الزعيم ان الكل صاروا من الحشاشين فمن لم يشرب في القهوة شربه في الدوار او خزنة السلملك

المتيم المتحوف
رجل لطيف تعلم مسامرة الامراء وخدم العظماء منهم ورحل معهم في المملكة المصرية وغيرها وقطع مع كثيرمن امرائنا الكبار اوقات انس وليالي سرور وهو في اعتباره واحترامه واجلاله ولهذا المتحوف لسان عذب وتملق لطيف ولين جانب وخفة حركة شأن الحريص على حفظ مجالس الامراء والاعيان الا انه مع هذه الخدمة وسفره مع جملة من الامراء وغربته وتحمله المشاق في راحة مخدومه لم يتحصل منهم على كبير امر ولا بني له بيتاُ من مساعداتهم ولا اشتروا لهُ بعض الاطيان مقابلة خدمته واتعابه وانما كانوا يقتصرون معه على ثمن ما يقدمه اليهم ممن بديع صنعته وغريب بضاعته وربما ماطلوه احياناً
وصناعة هذا المسامر لأمرائنا عمل الكملان
(1/194)

- 161 -

أي الاسرار الكيف أي الحبشتئآ ن أي الأنما هو أي المنعش أي الضحاكة أي مجمع الاحباب أي النكتة أي (الحشيش) يصنع البلدي فيقدمه اليهم ليشر بوه هنياء ولهذا الرحيد صبر على السفر وتعود على النقلة من بلد الى اخر وكأنه في حفظه لاسماء بلادنا سجل مديرية او دفتر مولودين وكان لهُ ببعض الامراء ارتباط وتعلق حتى اضطر لاقامته معه ليتمكن من عمل ما يلزم كل ليلة من الأنما هو. ولقد صاطفته قافلا من رحلته البحرية فشكا اليّ ما تفعله الحكوة من قلع الحشيش من الارض وسعى التنكيت والتبكيت في ابطاله وقال اني كنت عند احد العمد وبعت لهُ ثلاثة ارطال بثمانية عشر بينو مع اني كنت ابيعها اليه اولاً بتسعة بينتو ولكن لقلة الحشيش وتقليعه من الارض ارتفعت اسعاره جداً ومع كثرة الطلب من الزباين تجدني في حيرة ثم عطف على الكافور وقال ان اهل اسكندرية لا يشربون الا الكافور وارد الترك او الهند وذلك بسبب افراط الرطوبة فانه حامى معرّق بخلاف البلدي فانه يوافق المصريين بسبب بروده وحرارة جوهم فهو بالنسبة لانواع الحشيش كالدخان الجبلي بالنسبة للدخاخين
ثم قال لي ولسؤ الحال وفقر اهالي مصر ترى بعض الفقراء يشربون فيها الكافور الان وهذا لايوافق مزاجهم ولا يناسب طبائعهم الباردة وما احوجهم واظطرهم لشرب الكافور الاّ عدم اقتدارهم على الأنماهو البلدي وبهذا ترى الكثير من حشاشة مصر في المارستان بسبب شربهم ما لايناسب طبائعهم فانه لحموه وشدته يذهب بعقل الرجل منهم. وبعضهم اذ رأى عقله خسع (أي اقل) ترك شرب الكافور ومال لشرب البلدي ولبس الشرف او الزي
المنقوش ومد يده للتقبيل ودار في البلاد يتخد لهُ اولاد او اتباعاً بعهود وليالي اذ صار في مقام الولاية بذهاب عقله (على دعواهم الباطلة) واستحق ان تقبل يده وهو حي وتبنى لهُ قبة بعد موته فان صادف بلداً خالياً من مثله تمكن من عقول اهله واتخذهم ابنائه وصار البلد ينسب اليه فيجبي اهله ويتمتع بهم في حياته ويستخدمهم في ضريحه بعد وفاته اذ يصنعون لهُ قبة كقبة الاولياء ومقاماً تزوره الناس كأنه كان من الصالحين او العلماء القائمين بامر الدين او الاتقياء المنقطعين الى الله في خلواتهم الواصلين اليه بمعارفهم وعلومهم وخدمتهم دين نبيه عليه الصلاة والسلام
(التنكيت) اذا سمعت لسان هذا المتحوف ورأيت افكاره الغريبة تعجب منهُ وممن يصنع اليهم الحشيش من العمد والذوات فانهُ يذمهم ويهجوهم ويعلم فساد اخلاقهم وسوء تدبيرهم وقبح تصرفهم مع كونه عندهم رجلا حشاشاً او صانعاً على باب الله وهو بهذه الافكار العجبية يذهب عقولهم ويضحك عليهم ويميت همتهم ويأسف عليهم ومن العجيب ان المصابين بشرب الكملان اذا سمعوا مثل هذه المقالة
(1/195)

- 162 -

ذموا شاربيه وذموا التبكيت وقالوا من يفعل هذا من العمد او الاعيان ولكن لو عملوا ان كمرك الحشيش المصدر من الهند الى مصر اربعمائة الف جنيه لعلموا من يشرب هذا المقدار ولمن تذهب النقود. واني اتكلم عالماً باني ساشتم في كثير من المناظر والسلاملكات والدواوير العظيمة فاني انغض على اهلها حظهم ولكني لا ابالي بعد كوني اخدم وطناً اضاعه هولاء الحشاشون واذلوه بافكارهم القبيحة وامتوه بهممهم الباردة حتى اصبح الحشاش منهم يرى الاجنبي يشتري غيطه وبيته وهو ينظر اليه ولا يتأثر فاذا اعدم الله الحشاشين واباد المساطيل واهلك السكارى عمرت البلاد ونجت من مكايد الاعدا وهذا لا نراه الاّ يوم تبدل الارض غير الارض والسموات

تغفيلة وجهاله
تزوج رجل بامرأة جميلة في بلد من بلاد البحيرة ولما دخل بها ورأتهُ قبيحاً كرهته واخذت في اعمال حيلة تطلق بها منه فادعت ان جنياً ركبها وياتيها في كل يوم مرات ويتكلم بالمغيبات ويخبر عن الضمير فاجتمع اليها النساء والرجال يسألونها عن احوالهم وعاقبة امورهم هذا يسألها عن احوالهم وعاقبة امروهم هذا يسألها عن عرضحال بل ام لا وذا يسألها عن نفسه يقبل في الجهادية املا والقبول وهكذا تعدد عليها الاسئلة وهي تجيب كلا بما تريد وتصف الدواء ما يصل اليه فكرها فاشتدت رغبة زوجها فيها وسألها يوماً عن حاله كباقي الناس فقالت له ان بنت سلطان الجن تعشقك وتريد ان تجتمع بك لتعطيك جانباً من المال فقال لها ومن يوصلني اليها فقالت له انا ولكن بشرط ان تحلف بالطلاق انك لاتقربها فقال لها احلف فقالت له قل ان وطأت بنت سلطان الجن تكون زوجتي طالقاً ثلاثاً فقال ذلك واتفقت معه على انها تخبر بنت سلطان الجن لحضورها في الليلة القابلة في القاعة الساعة 3 من الليل وامرته ان ينتظرها من الغروب في تلك القاعة ولا يخرج ولا يتكلم ولا يتحرك حتى توافيه ففعل المغفل وجلس وقد تسلطن عليه الوهم وفسد دمه فصور له صوراً غريبة يتخيلها باوهامه ولا حقيقة لها في الوجود فلما جاءت الساعة الثالثة دخلت عليه المحتالة زوجته وقد تزينت واكثرت من الطبب وسلمت عليه بصوت ضعيف ولاطفته وحادثته حتى اطمأن قلبه وسكن خوفه ثم اخذت تقبله وتلاعبه حتى تحرك فلما اخذته على صدرها تذكر الطلاق فهم بالقيام فاشغلتهُ بما يحرك الخواطر ثم نادته انا زوجتك وقد طلقت منك ثلاثاً فرفع امرها الى نائب البلد فحكم بوقوع الطلاق وفرق بينهما فانظر لهذا المغفل ولجهل هذا النائب وما اوقع الاثنين الا عدم التربية ولتهذيب وما اوقع الاثنين الاعدم التربية والتهذيب في الصغر
(1/196)

- 163 -

الحبيبيه
من رأى افعال اهل هذه الطريقة وما يقولونه في مجالس ذكرهم راى عجباً فانهم عندما يذكرون يتكلمون بالفاظ قبيحة واغلبهم يتكلم بالفااظ كفرية ولقد رأيت بعضاً منهم في الرحمانية يتحدثون بعبارات تمجها بالكفر واقبح ضرر من هذه الطريقة المضلة وجود النساء حول النساء حول الشبان يسمعن منهم الغنج والشخر والتكلم بالفاظ الفجور على انها طاعة واقبح من هذا اخذ النساء عهدا على هذه الطريقة فاذا ابتدا الذكر وشخر الشبان سمعت من النساء ما لايسمعه في بيت الفاجرات ولقد تدارك اهل الرحمانية هذا الامر وبادروا بقطع عرق هذا الفساد فتنبه من العائلة المحمودية بعدم استعمال هذه الطريقة التي لا يقرها الشرع ولا يرضى بها من لهُ ذوق وعرض واملنا في اهلي الجهات استئصال هولاء المضلين الذين يحدثون في ديننا ما ليس منه ويفسدون العقول بوسائل الشعوذة والخروج عن حد الاداب ونرجو من ساداتنا العلماء ان يساعدونا على ازالة هذا المنكر فانهُ ليس مما يحتاج لحرب ولا يتعذر ازالته فالامر موقوف على ارشاد الامة علنا بكلمة الحق (هذا حل وهذا حرام) فان الصمت على المحرمات يزيدها انتشاراً ويجرئ عليها من كان بعيداً منها كما اننا نلتمس من مأمورنا ملاحظة الامر فان اجتماع الشبان بالنساء في المحافل وفعل المنكرات على سبيل الطاعة مفسد للاخلاق مقج لسيرة الامة بمثل فعل الحبيبيه

حل اللغز
اثبتنا في العدد الماضي لغزاً بقلم صديقنا الابر احمد افندي سمير فبعث الينا بالجواب عنه الادب البارع الشاعر المتفنن حضرة مصطفى بك توفيق احد مترجمي نظارة الحقانية.
ابا سمير العلم يامن اذا ... سطرت في طرس عشقنا الحور
صحيفة التنكيت روض الحجى ... ولغزك العطري غض الزهر
لا غرو ان وافى لنا يانعاً ... فاينع الزهر الذي في (شجر)
كذلك اتحفنا بالجواب عنه احد ابنائنا النجباء فقال بعد العنوان
قد اطلعت لحسن حظي على اللغز المثبت في العدد 9 من جريدتكم الشائقة وامنعت فيه الفكر فظهرت لي بعض مخبآته والهمني الله بالتفسير فرأيت ان ارسل به اليكم عسى ان يكون اثر قلمي الضعيف قد اصاب بعض الاصابة على اني لست من نبهاء الوطن وكرام الفطن الذين قصدهم حضرة الفاضل صاحب اللغز استغفر الله ان يكون خطر ببالي ذلك وانما احببت ان اتطفل على النبهاء واقف بباب
(1/197)

- 164 -

النبلاء التقط من فضلات دور الفاظهم وغرر كلامهم المهدي لكل ضال والمنبه لكل غافل متمثلاً بقول الشاعر
لاستسهلن الصعب او ادرك المنى ... فما انقادت الآمال الاّ لصابر
وان جريدتكم قد اكتسبت نقطة بيضاء غير نقطها الجمة بسلوكها في هذه الطريق الحميده وما ذلك الا بعنايتكم فانكم لاتألون جهداً في نشر ما يعود بالفائدة على الوطن ونحن نتأمل في نبهاء بلادنا (وما هم بقليل) ان يكون لهم اسوة بالاستاذ صاحب اللغز في نشر مثل هذه الالغاز لانها اعظم معين على توقد الفكر ولذا نرى ان جرائد اوروبا لا يخلو في الغالب عدد منها من الالغاز تنشرها لتنور عقول العالم بها فان كل الاهالي من عظيم وحقير يلزمون المنازل منفردين بجرائدهم يجيلون الطرف في الالغاز حتى يقفوا على معناها وحينيذٍ يرسلون بها لادارة الجريدة وفي هذا نفع كبير من وجهين الاول ان يمنع من اتيان الفسوق ويلهي عن الافعال الذميمة والثاني ان يزيد في تنوير العقول بالانهماك في ادراك المعنى لتزداد القوة في اللغة والفراسة. فلا نلبث ان نرى كل اهل بلادنا قادرين على تفسير اصعب لغز ولا يكون ذلك الا بالانتباه والبحث الشديد وها قد فتح لنا حضرة الاستاذ صاحب اللغز هذا الباب فلم يبقَ على فظنائنا الا الولوج فيه مؤنمين به ولم الشكر الدائم
وها هو ما وصلت اليه قريحتي الضعيفة من تفسير ذاك اللغز
ان الله تبارك وتعالى قد شرف المشير بغير بنان اذ ذكره في كتابه العزيز في اواخر سورة يسين (التي اشار اليها الاستاذ في لغزه) قال الذي جعل لكم من الشجر الاخضر ناراً فاذا انتم منه توقدون فيستدل من هذه الآبة الشريفة على نفع هذا النذير بغير لسان كيف لاومنه جعلت النار وهي احدى العناصر التي عليها حياة الانسان والارض والبلاد
والشجر هو زينة الارض وروحها فانه مانبت بارض الا زادها رونقاً وبهجة وجلب عليها الخير فهو روح المعيشة وعليه مدار الحياة وكفى بذلك شهيداً على فضله ونفعه للانسان
كتبه ولدكم مصطفى ماهر

رواية الكونت مونغوميري
رواية فريدة في بابها قل ان ينسج ناسج على منوالها عرّبها من الفرنسوية الكاتب البليغ المتفنن حضرة قيصر افندي زينيه فنقلها جريدة الاهرام الوضاء شذرات متتابعة ثم اعتنى حضرة صاحب الجريدة المذكورات بجمعها بعد ذاك التفريق فاكتست يذلك رونقاً جديداً وقد اهدانا منها نسخة فكررنا قراءتها علماً بان المكرر احلى وعلى هذا نحث احياء الآداب على اقتنائها ومطالعتها ترويجاً للاذهان وتنبيهاً للافكار
(1/198)

- 165 -

ميت غمر
بها القهاوي والخمارات درجات على هذا البيان
الدرجة الاولى من المحاشش العال
ورد السرسيه] هذه القهاوي مخصوصة بعمد البلاد
ستيته الخرساء] الحشاشة
ام السعد]
الدرجة الثانية
محمود العدوي] هذه القهاوي لحشاشة ميت
الدقادوس] غمر أي رعاع البلد
شعاع]
الخمارات الدرجة الاولى
خمارة مخالي خاصة العمد المتمدنين أي الذين لا يبالون بالشرب
خمارة الجديدة خاصة العمد الذين يدخلون وعلى روسهم الدفافي والعبي
الدرجة الثانية
خمارة بني خاصة سكارى ميت غمر وبعض الارياف
خمارة امالي خاصة فقراءالسكارى
خمارة بنايوتي خاصة اصحاب الرفايق
والاثمان اجتهادية بحسب الاقتدار وعدمه فمن يمتلك ماية فدان يأخذ الكبايه بافرنك ومن لهُ خمسماية بثلاثة فرنك وهكذا على حسب الثروة وبعض العمد يشرب ما يريد ثم بضع يده في كل ماتيسر يعني ربما شرب كبايتين ودفع عشره جنيه بحسب ما يقتضيه مقامه الجليل طهر الله البلاد منهم
وردت الينا هذه الرسالة فاثبتناها كما هي:
سيدي الفاضل محرر التنكيت والتبكيت
اطلعت على قصيدة بديعة هزلية لاحد شبان تغرنا الادباء وهي غاية في باب (تحصيل الحاصل) ابعث اليكم ببعض ابيات منها قصد نشرها في احد اعداد تنكيتكم الزاهر ترويحاً لافكار قرائه الكرام مطلعها
الارض ارض والسماء سماء ... والماء ماء والهواء هواء
والبحر بحر والجبال رواسخ ... والنور نور والظلام عماء
والحر ضد البرد قول صادق ... والصيف صيف والشتاء شتاء
والروض روض زينته غصونه ... والدوح دال ثم واو حاء
والمسك عطر والجمال محبب ... وجميع اشياء الورى اشياء
والمر مر والحلاوة حلوة ... والنار قيل بانها حمراء
والمشي صعب والركوب نزاهة ... والنوم فيه راحة وهناء
ومنها
كل الرجال على العموم مذكر ... اما النساء فكلهن نساء
(1/199)

- 166 -

والميم غير الجيم جاء مصححاً ... واذا كتبت الحاء فهي الحاء
والباء عين التاء ان صحفتها
ومنها
ان المدام لدى التعاطي مسكر ... وبشربه قد جنت العقلاء
والحرب مهلكة النفوس وانما ... بالجبن تاكل خبزها الجبناء
فيها المهند كالمهند لامع ... ان قد قدا لم ينله شفاء
ومنها
مالي ارى الثقلاء تكره دائماً ... لاشك عندي انهم ثقلاء
وختامها
فاليكَ صاح قصيدة منظومة ... وبمثلها َلم تشعر الشعراء
فازت بحسن السبك في تاريخها ... صاد وهاء ثم غين راء
90 8 1000 200
سنة 1298
فهكذا يكون الشعر وهكذا تكون المعاني ورحم الله من تأمل وعلم م.
واخبار داخلية
مر احد السفلة كوم بكير فنادته احدى العاهرات ليشرب بوزة فلم يجيها فتعلقت به ومزقت ثيابه واوجعته ضرباً وصفعا ولكماً حتى اسالت دمه وصارت كلما ضربتهُ ضربة صاحت ادركوني الحقوني. خلصوني. سيبوني. موتني يا اخواتي فردة الحلق راحت. علكركون فاسرع الناس اليها فرأوها تضرب الرجل وتشتمه وهو ساكت لايبدي حراكا فتركوها وانصرفوا
(التبكيت) لم يبقِ العجب في هذه الواقعة محلا لغيره فقد اخذ من اهل الاذواق السليمة كل مأخذ فهم يعجبون لامرأة تضرب وتدعي انها مضروبة ورجل يضرب وهو أبلد من البلادة وقوم وقفوا وانصرفوا على ان لا شيء
من الاخبار بيرة فنك انه بسبب الازدحام داخل البيرة وشدة الحر امتلأت الشوارع بكثرة الجالسين حول البيرة
من اخبار بيرة تريسته انه لو لم تكن بها الجنينه الخارجية لما وفد عليها احد في هذا الاسبوع بسبب شدة الحر
نقل الينا بعض الثقاة ان احد المغرمين بالافيون تعاطي منزله بعد السحور ثم ذهب الى المسجد قصد صلاة الصبح فلما اقيمت الصلاة وركع المصلون بقي واقفا ولم يزل كذلك حتى انقضت الصلاة واخذ الناس يخرجون فالتفت اليه احدهم وقال له (مالك) فقال لاشيء غير اني انتظر ركوع المصلين لاركع معهم فقال لهُ ان الصلاة انقضت والناس خرجوا فالتفت يميناً وشمالاً فلم
(1/200)

- 167 -

احدا فاتم صلاته وانصرف فنكل النظر في ذلك الى ارباب العقل والادراك

اخبار الجنينة
حركة البيوت في كساد والمأمول دوام هذه الحالة
بعض المقاطير اقامت الحجة على زميلتها لكونها نظرت الى رفيقها بعين المحبة
بلغتنا والعهدة على الرواي ان قهوة (بيومي) كادت تتعطل بسبب التشديد في منع بيع الحشيش

المراسلات
(قنا) ي. م وصل وها هي الاعداد مرسلة الا العدد الثاني فانه ليس لدينا منه ولا نسخة وعند طبعه يرسل
(الفيوم) خ. ل مقبول (مصر) م. م لتأخر رسالتك لم يمكنا درجها في هذا العدد - ا. ح الاعداد مرسلة اليك رأساً (كفرالزيات) عما قريب يطبع العدد الثاني فيرسل اليك (ابو حمص) ا. ك انظرها في التالي (اسكندرية) م. وعذراً فانت اعلم

اخبار اخر ساعة
علم من قلم احصاء الفسق ان عدد المفطرين في شهر رمضان المعظم باسكندرية بلغ عشرة في المائة تقريباً - ونشرت احدى اللوكندات اعلاناً وهمياً باستعدادها لقبول كل من اراد الاكل نهاراً بطريقة سرية - بعض الصائمين ممن اعتادوا على شرب البيرة قبل ذهابهم الى منازلهم غروباً في كدر شديد من عدم اغتنامهم ذلك في رمضان
تأسف كثير من شبان الاسكندرية لعدم حضور آلاتية من مصر في هذا الشهر المبارك حسب المعتاد سنوياً وبلغنا ان تاخيرهم مبني على طلبهم اجرة فادحة من اصحاب المحلات المعدة لذلك لما رأوه من زيادة مكسبهم في العام الماضي

مخترع جديد
يروي ان بعض المغفلين اطلع على احدى الجرائد فرأها تتمدح بالمخترعات الجديدة فعزم على ان يخترع شيئاً لهُ يحفظ لهُ في تاريخ المخترعين فدخل الخلوة واجهد قريحته اياماً ثم خرج فارسل الى جيرانه واصدقائه وحدثهم بانه اخترع شيئاً لم يخطر على بال انسان فسألوه عنه فقال ان الناس لا زالوا على العوائد القديمة في شهر رمضان اما انا فالانسب عندي ان نطرح كل ذلك ونستدعي شاعراً يروح اذهاننا بانغام ربابته وتجتمع كل ليلة لسماعه في بيت واحد منا فصفقوا له استحساناً واجابوه الى ما طلب فهم الان في مراتع الجهالة يرتعون اذ يسهرون الليل في سماع الاكاذيب وينامون النهار فراراً من اتعاب الصوم
(1/201)

- 168 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في الرسالة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نعيمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم)
(1/202)

- 169 -

العدد 11 - بتاريخ: 21 - 8 - 1881
(1/203)

- 170 -

تخريفه مدنيه
اشاع بعض المذبوحين بسكين المعارف اني عندما خطبت بين عمد واعيان ميت غمر وزفتي رميت السوريين بالسوء فقام احدهم وطلب مني الخروج للمبارزة (الدويل) وان اعين السلاح والشهود فعينت فوع اللفرفل واتخذت االوجيه الحاج عبده سلامه وشخصاً معه شهوداً ولقد علت هذه الاشاعة في اسكندرية حتى وصلت اخواني فكتبوا الي يستفهمون عن الحقيقة وعند ما قرأت الجواب ضحكت على عقول التخريف وقلت لااله الا الله ضعفت العقول عندما حتى صار الكاذب لايحسن الكذب فضلاً عن حرمانه من الصدق واجيب اخواني وقرأ صحيفتنا ان المدعي به لم يتحرك بهِ لساني ولا هم بهِ قلبي والمفتري لم يسمع بهِ غير اهل اسكندرية الذين يجتمعون بهذا الكذب. والحقيقة ان لي ثلاث سنين ابارز الجهالة بسلاح الحث على افتتاح المدارس وعينت لشهود الجمعيات وجريدة التنكيت فانا رمي سهاماً في نحر المغفلين واحول بلساني في ميادين التخريف وعما قريب ننتصر عليهم وتهزم الجهالة والتخريف واهلهما يوم يقوم عالم الاداب والعلوم ينادي بين هولاء الجهلة قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور وانا على يقين في صدور هذه الاكذوبة من وضيع لا يبالي باي باطل تكلم وانزه اهلي معتبري الثغر وادبائه ونبهائه من التنزل بمثل هذه المفتريات فهم يعلمون خطاباتي وما ادعو اليه من الاتحاد فقد نثرت في محافلهم ما لو جمع لكان مجلدات يعترف بها كل ذي ذوق سليم ولا ينكرها الا من حرم لذة العقل فاصبح من الذهلين

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - احمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/204)

- 171 -

التجرة البائرة
ما هي التجارة البائرة اهي وارد انكلترة ام بضاعة باريس ام المصنوعات الهند ام مشغولات الصين ام حاصلات مصر ليست واحدة من هذه وانما هي الذهب او الدر يتجر فيه الوطني فتنظره عيون اهله وتقول لو باعته الاوربويون لاشتريناه منهم ولكنه في يد امثالنا واهل بلادنا ثم يتركونه حتى يتجر فيه الاجنبي متهجم عليه الاهالي وتاخذه باغلى الاسعار. ولا اذكر لك تجار القماش والمشغولات والصنائع فقد علمنا انها ماتت موته لاحياة بعدها وانما اقص عليك خبر الفقراء الضعفاء واعني بهم العطارين فقد كما نظن ان تبقى بايدينا اصناف المصطكى والشيبة والفاسوخ والليف واو كبير وبعض الاصناف القليلة الجدوى ولكن لاستحكام الغفلة على عقولنا تقبيح تجارنا اخذ البقالون في استحضار هذه الاصناف وبيعها فترى في البلد ثلاثين دكاناً من الوطنيين يقضون النهار يسبحون ويهالون وبعضهم يفتح المصحف صباحاً فلا يشغله عنه شاغل حتى يناديه موذن الظهر ثم ينام فلا يوقظه الا موذن العصر ثم يجلس يصلي على النبي حتى يوافيه الغروب. وترى دكاناً واحداً لقال فيه جميع اصناف البقالة والعطارة حتى يهرجان العروسة وصاحبه طول النهار على قدمه يزن ويربط ويلف ويقبض والناس في ازدحام على بابه والكل يناديه (شهلني ياخواجا)
فيا بني الاوطان بل يا اعداءها اما آن لكم ان تفيقوا من هذه لسكرة التي حولت ثروتكم الى الغريب والبست تجاركم ثياب الفقر والذلة اما آن لكم ان ترجعوا احوال الامم وتواريخها لتعلموا بماذا تقدمت وبماذا تاخرت هلا رجعتم لاخوانكم الذين ساحوا اوروبا واقاموا فيها حيناً وسالتموهم عن معاملة الغريب فيها ومركزه بين اهلها. من منكم يمكنه فتح دكان في بلاد الانكليز وهي لاتمكن الغريب من ذلك. من منكم يرى فئة مصرية في كمرك باريس تتلقى البضائع المصرية كما نجد الالوف من الاجانب تتلقى الملايين من الطرود الواردة من بلادهم. ايرى الرجل منكم انه اذا فتح دكاناً في باريس في غير معرضها يشتري منه احد الفرنسيس شيئاً ولو لم يجده عند اهل بلاده. الا ترون الامم في بلادنا تلتئم ولا تشتري مهمانها الا من جنسها الا ترون الاجنبي اذا احتاج لاي صانع استحضر ابناء جنسه ولا يستعمل الوطني الا في نزح الكنيف او حمل الزبالة. ما الذي بقى في ايدينا من التجارة هذه اسكندرية كان فيها قوم مخصوصون بتجارة الجوخ والمال فاتورة وقوم لتجارة الفواكه
والثمار اليابسة وقوم للصابون والسكر وقوم للخشب والحطب وقوم للزيتون والزيت وقوم للسمن والجبن وقوم للدخان وقوم للبن وقوم للقمح والحبوب والقطن والحمد لله تجردنا من هذا
(1/205)

- 172 -

كله بتحاسدنا ومبلنا للاجنبي وحسنا لكل ما جاء به وهذه مصر اقل درجة من اسكندرية وهذه الارياف شرحت لكم حالها وانظروا لما مات من الصنائع وابحثوا عن اهلها لتعلموا اهم في الاحياء ام صاروا مع الاموات
اين البنائون والتجارون والحدادون والبرادون والخراطون والمبلطون والمبيضون والحجارون والرمالون والمندجون والخياطون والعقادون والقصابون والقزازون والغزالون والصباغون والصائعون والحريريون والفوطية والنحاسون والقفاصون والفاخورية وغيرهم ممن لم يدخلوا تحت حصر اين اهل الطوائف والمهن والاشتغال المتجربة
تالله انهم في اماكنهم بين اعيننا لم تنزل عليهم صاعقة ولا خسفت بهم ارض ولا جهلوا الصنعة ولا قصروا في الخدمة وانما سلط عليهم الاغنياء فحاربوهم بسهام مسمومة حتى ماتوا فقد تركوهم يتكففون الابواب بعد الغنى ويلتمسون الاحسان بعد العز ومالوا للاجنبي يستخدمونه في اشغالهم ويشترون منه مصنوعه حتى فتحوا لهُ في بلاده معامل واصلحوا له مغارس وبقدر ما احيوا في بلاده اماتوا في بلادهم فاصبحت الديار ملآءى بالفقراء مزدحمة بالاذلاء وهم اهلنا الادنون ورجالنا المعروفون وابناءنا المدخرون بئست السيرة قوم لايتدبرون وساءت الحالة حالة امة لاتهتدي لصالحها ولا تقلع عن غيها ولا تنظر لاهلها بعين الاغاثة والاحياء. اترون الاجنبي يساعد الحكومة بماله اذا عدم الوطني ام ترون الغريب يدافع عن البلاد اذا دهمها العدو. باي وجه تقابلون في الوطن وتقولون انكم اهله وباي عذر تعتذرون للعالم اذا سود وجه التارخ بسيرتنا القبيحة ومتى نفيق من سكرة الغفلة وما بقى على حكومتنا الا ان تنبهنا بالعصا او توقظنا بالشمروخ ومن يحفظ لنا الثروة وقد صارت بيد الغريب وماذا يفيدنا التحاسد والاهمال وقد صرنا في كفة ميزان الوجود الراجحة وجميع العالم فوقنا ولسنا بزمن فتنة ولا ارض اعين رجال يدرمون عنا كل عدو دهمنا وقد فرغنا من شواغل الوجود ولم يبق علينا الا حفظ بلادنا والسعي في اعادة ثروتها واحياء اهلها وصناعتهم والتعاضد على الاتجار مع الوطنيين والسعي في رد الفائت والحرص على لباقي بايدينا فقد اشتغلت الجرائد بنا وباخبارنا وفتحت ملاعب الافكار
لتشخيص العقول مسائلنا في ميادين السياسة ونحن في بحار الغفلة غارقون خذوها نصيحة مصاب بالوطنية وتديروها فهي اطرب من النغمات والذ من الراح وسابسط لكم حال معتبرينا بسطاً غير هذه فان احوالنا كالحرباء تتلون بالوان شتى وجسمها واحد ونحن نختلف اختلافات كثيرة ومرجعنا الجهالة العمياء
(1/206)

- 173 -

اماتك من اسلمك للجهالة
لاازيدك ايها القاري شرحاً في وصف الجهالة وعواقبها اكثر ماتراه فينا من التاثير الغريب وتسلطنها علينا بقوة لايدفعها السلاح ولا تضعفها القوة حتى اصبحنا لمن يقودنا بالتخريف او يغرنا بالظواهر اطع من الظل للجسم ولا تعارضني ببعض شباننا المتنورين بالمعاشرة او ببعض اللاياضيات وانظر الى السواد الاعظم وما يسمي بالامة فان النذر اليسر لايحفظ العدد الكثير ولا يتمكن من رفع الملمات ومنع النوازل مع بعده عن خدمة الامة وانفته من جهالها واني ذاكر لك بعض آثار الجهالة لتقابلها بمآثر المعارف حتى تعلم الفرق بين الحياة العلمية وموتة الجهالة وترى ان المفرط في حق الامة ومسلمها للجهالة اماتها واعدمها وان بقيت متحركة وضطربة
اصيب احد الشبان في زفتي بالجنون بسبب الحشيش فاستحضر له ابوه دجا لا (من الجهلة الذين يعتمد عليهم السواد الاعظم منا) فابتدأ بدق الثوم ووضعه في اذنيه ثم بوضع لنج محرقة على ظهره ووضع عاموداً صغيراً من الحديد في النار حتى احمر وكلما تأوه المريض ضربه في رأسه مرة وبين كتفيه مرة ولو نظرت هذا الطبيب مع هذه الافعال الجنونية لعجبت من تسليم جسم انساني اليه فانه اعمى لايبصر وجاهل لايعرف شيئا. فتصور بفكرك حالة المصاب اذا وقع في يد اعمى يضربه بعامود من لنار واحكم على ابيه وجيرانه وعشيرته بما تراه والا فاني اعجز عن الخوض في هذا الموضوع فانه خارج عن التصورات البشرية والاحكام الانسانية. مع ان البندر به طيب ماهر درس العلوم في المدارس وامتحن فيها وخرج منها بالشهادة الناطقة باستعداده للمعالجة ولكن ابت الجهالة ان تعرف العلماء على انه قيل لابيه اسحضر له الطبيب قال (خليها بالبركه شي لله يا سيد الحكيم رايح يعمل ايه) من مثل هذه الالفاظ القبيحة التي اسسها الجهل في رؤسنا حتى صارت من المعتقدات
ومثل هذا رجل يدعي انه يبرئ الجذام ويسميه بداء الاسد توجه اليه رجل من الجيرة وطلب منه معالجته فابتدأ بغلي الزيت على النار ثم وضع اصابعه فيه حتى اتلفها ثم انامه على بطنه والرجال باركة عليه وشق ظهره شقا بليفأ وصار يخرج منه قطعاً من اللحم وصار يقول لاهله هذه عروق الاسد ثم وضع لبخة على رأسه بعد ان حلقه حلقاً دقيقا فانتفخ منها رأسه وتورم ثم كواه بقطعة حديد على كتفيه وعضويه وتركه ينتظر عزرائيل
ليرحمه من هذا العذاب الاليم
فتامل ايها العاقل هذه الافعال الغريبة الخارجة عن التصور الانساني واحكم على اهله بما تشاء وعرفني في قسم من اقسام العالم نضع هولاء الجهلة وباي بهيم تشبههم واغرب من
(1/207)

- 174 -

افعالهم القبيحه ان المريض اذا مات انكورا الرجل وفعله وصاروا يبرطلون المزينين على عدم الاخبار وكتابة الكشف بواحدة من الثلاث المعلومة عندهم وهي (موت العادة الانسلال اسهال) فان كشفا من كشوفات المزينين لا يخلو من واحدة من هذه حتى ان بعض الفلاحين اذا مات عندهم انسان بحريق او تحت ردم او بمعالجة كهذه توجه الى المزين وناوله المعلوم وقال له فلان توفى بالانسلال لعلمه انه سيكتبها كذلك وجهاله المزينين لا تحتاج لدليل وعلى الخصوص مزين الريف الذي يشق على الحصاة بالموسى ويقطع الجفن بمقص الظفر ويعطى الشربة من زيت الخروع الذي يصنعه من لبوبه بنفسه ويسميه حب الملوك ومن الدجالين القتالين من يظهر بزي الاولياء (على معتقد الفلاحين) فان من لبس مرقعه او طاقية من الخصوص او قبض على عكازة خضراء او اصيب بشلل في احد اعضائه او اضاع الزهري (الافرنجي) انفه او خرجت سلعه في عنقه او كتفه او كان له اصبع اوجاع او يد صغيرة او له رياله او بلسانه يلكنه يعتقدون ولايته ويصدقون قوله ويعملون بكل ما اشار اليه فن هذا القسم الرجل الذي كان يميت غمر المسمى (ابو مسلم) فنه صنع له بيتا صغيرا وحفر فيه بركه وعمل فاخورة بجوار البيت واشاع ان ماءه يشفي من كل داء فهرعت اليه الناس من كل لد حتى ضاقت ميت غمر بالوفود وكان يعطي الابريق بنصف ريال ويأخذ الخادم نصف ريال وثمن البن ريال ونذر الشيخ نصف ريال ثم يظهر التعفف وانه يعلج الناس ابتغاء مرضاة الله مع انه يأخذ من كل انسان نصف بينتو وكان يرد عليه في اليوم نحو الف انسان وامتدت شهرته للاطراف البلاد وبطون البنادر فقصده الناس من اقصاي الصعيد ومن اسكندريه ومصر والسويس واغرب ما روى من علاجه العاقر انه يأمر المرأة ان تنام على ظهرها ثم يضرب. . . . بيده ويقول انت مأذون بالحبل وقد علا صيته حتى كتبت الحكومة بطرده من البلد والتنبيه عليه بابطال هذه الاكاذيب
فهل يمثل هذه الجهاله نضارع الامم المتمدنة ونرجو اصلاح البلاد وحفظها من افكار الدول
المتقدمة المشتغلة بالمعارف اناء الليل واطراف النهار على انك تحكم على بعض البلاد المتنورة عندنا يميلها للخرافات لما علمته من قدوم الناس في البنادر لهذا الجاهل المضل وترى ان قوة المعارف عندنا ضعيفه جدا لا تدفع ما تأسس في افكارنا من الهذيان والتخريف وحب اهل الجهالة وطاعتهم والعمل بكل ماقالوه وهذا يحكم الامية المتسلطه علينا الأخذة من سوادنا كل مأخذ فانك اذ فتحت كتاب طب امام محفل في الريف وقلت ان نبات كذا نافع لداء كذا وكان بالمجلس احد المخرفين وقال هذا الداء يكتب له براطيش جرانيش خرابيش
(1/208)

- 175 -

ويبخر بجلد الفسيخ لصدق الكل كلامه ونبذوا قول الاطباء خلف ظهورهم فقد ثبت في ذهنهم ان صاحب هذا الري مطلع على اللوح المحفوظ ولا يقول الا مايراه منقوشا فيه ولا يدفع هذه المصائب الا تعميم التعليم وتتبع اثار هولاء المضلين وقطع دابرهم والزامهم بالتكسب بالاشغال او جمعهم في اشغال ميريه كطرة تصرف لهم فيها الجرايه لتنتفع بهم الحكومه والامه وتنسى الناس افعالهم القبيحه ونعلم باهانتهم واذلالهم انهم من الفارغين الجاهلين الذين لا يعرفون الا طرق الاحتيال والخدمه ولقد رأيت رجلا على حمار وحوله عالم كثير فقصدته وسألت عنه فقيل لي انه من الاولياء الكبار ومعه عصا يعصرها فينزل منها عسل فضحكت على جنون اهل بلادنا وقلت لو دار موسيو كازنوف في الارياف وعمل اعماله الغريبه التي يقدمها في مراسح التياترات ماترك رجلا الا تملك عقله واستعبده فيما يشاء وسمعت من بعض الجهلة ان شيخه اذا شرب الخمر صار لبنا فقلت كيف يشربة فقال يطلب القلة ويشرب ماء يتناول الزجاجه فقبل ما يشربها تصير لبنا فضحكت من هذا الجاهل وعلمت ان عقول جهلتنا مهياءة للا نقيا لاوهي شيءاذا حبس الماء فيه ثم عند التناول مجه في الخمر انعكس وصار كلون اللبن فتصبح العامه (سبحانك ياقادر قلب له الخمر لبن مدد ياسيدي) وكم من المضلين يتجولون ويسلبون النقود ويضلون العقول بافعال قبيحه
فاذا تنبه العالمون لهذه الاحوال وسعوا في تقبيح هذه العوائد وتنبيه الناس على بطلان هذه الدعاوي الباطلة وسعت الحكومه في قطع دابر مدعي الطب وابعاد من تعثر عليه من المشعوذين المتلفين للعقول والاجسام برئنا في هذا الداء العضال والا كنا عرضة للمصائب ومحلا لتلاعب العقلاء بنا وصرنا امواتا في صور احياء فقد اماتك من اسلمك للجهالة

لك مني بقدر مالي من الانسانة
لا منك
من انت حتى اخاطبك واعرف لك حقك واساعدك على حفظ حياتك وتسهيل اغراضك عرفني بك فاني اجهل نفسي وانكرها بما تحملني عليه من مدراكها العالية وقياساتها الصحيحة من حسابها. وما عرفتها الا باستاذ درست عليه اخلاق العالم وما يحفظ نظام العشرة وما يخلصها من شروره وغدر اهل الخيانة فيه وطالما قرأت عليه مجلدات في مجلسات عظيمة حتى كنت اظن ان نفوس السامعين تخلصت من الجهالة واعترفت بفضل العارفين وابتدأت تتهذب وتتأدب لترقي على معراج الكمالات الى عرش الانسانية غيران هذا الاستاذ العظيم كان يلزمني بلين الجانب وحفظ وحدة الاجتماع الوطني ويريني ان هذا من اخلاق الرجال وان الانسانية تقضي على من لبس
(1/209)

- 176 -

جلدها يجعل نفسه عرقاً من عروق قوام الاجتماع الوطني والانتظام الكوني فظننته صادقاً في قوله وناهيك باستاذ حضر مبدأ العالم وشهد نشأءة الوجود الا وهو الزمان
ولم ادر انه يحدثني باخبار نفوس زكية ويقص علينا رؤيا حكماء فسرت باستفاذ كثير من الانسان وتطهير جانب من النفوس الملونة بقاذورات الخبث الملطخة باوساخ التعاظم. فعلمت انه صادق فيما يدعو اليه عالم باخلاق اهله وادركت انه يعرض بذلك لتخطئتي في اعتقادي الوفاء والاخاء والصدق فيمن لم تخلصه الحكماء ولا عرفتهالعلماء ولا ربته الادباء ولا صحبته الاذكياء ولم يعرف غير خادم الا عن نداه اعمى الا عن رؤيته ايكم الا في الاعتذار اليه اشل الا في تقديم نعاله اعرج الا في الجرى خلف جواده. وجليس ابلغ كلماته نعم واطول خطبته حفظ الله سيدي. فهو يخطئني فيما اكتبه ويجبهنى بما اخطب به ولم يقصده الا راحتي وانسي بامثالي الجثمانيين واراه مشفقاً غيوراً ولو اجبته وسريت مع اهل بلادي لقطعت بقية الحياة في موسم الجهالة الذي لا ينفض الا بقلع خيام اغراضهم وسوقهم من ملقة التحاسد الجنسي لساحة الاتحاد النوعي
استغفرالله لست اعني اهل بلادي فما بقى منهم الا القليل وان كان السواد الاعظم وهو المسكين الخادم الاسير الاجير المجد التعب المحافظ على الوجود يخدمة السلم الذي طلع عليه اصحاب الاموال لاعلى ملاذهم وشهواتهم وارتقى به اهل الرتب الى المقامات
الساميسة وتسمت به الممالك في سائر الاقسام البغيض الخمل الوسخ القذر اا. . . اقول واعرفه وان غاظ ذلك نفوساً ترى انها الفعالة في الوجود او انها بلغت الثروة والعزة في مسقط رأسها وهي فيه اذل من الذباب وما عزت وعرفت جنسه قدره ولا تعترف اهل بلاده بفضله وصار عرضه لكل انسان يعز باتعابه ويسود بافكاره ويغنم محصوله ويستخدمه في مهامه ويخونه في معاملته ويغره بدسائسه لعلمه ان كل عظيم ما بلغ مقام التمتع الا بالفا. . . اخشى من اظهار اسمه اشتداد النكير عليه وتوجيه الافكار بسبه وشتمه بعد نهب حقوقه وحرمانه من اتعاب حياته بالمكر والخديعة يصبح تعب الجسم والفكر معاً ضائع الحق وهذا ربما قضى عليه بالكسل والتهاون في خدمة ارضه ولا نجد من يخدم البلاد ويحفظها غير الفلا. . . عرفته او كدت فاحفظ بقية اسمه حرصاً عليه وخوفاً من الدائرين حوله السارين في امنه النايمين في خفره الذين لايستطيعون الا عد الدراهم والدنانير وملاعبة الحسان والغلمان وتناول الاطعمة المتنوعة والاشربة المفرحة ولايميلون الا لجنسهم المماثل لهم في الذات المتفق معهم في الجهالة الواقف معهم في طريق السلب من هذا المسكين فاذا عمل عملاًمن الاعمال وجاهد في احسانه واصلاحه وصبر على الاتعاب لخدمة الارض واحيائها وقطع حشائشها واحطابها
(1/210)

- 177 -

واجتهد في حرثها وريها وقلب عليها المزروعات وانواع السباخ ليزبل فسادها وانزل المرتفع منها الى المنخفض لتستوي امامه وتجري فيها مياه الري بلا تعب ولا تكلف وغرس فيها اشجارا وابذارا حتى بذت الثمرة ومال الظل لمن يجلس تحته فرح هذا المسكين وجاء لمن عظموا باتعابه وسادوا باجتهاده ووقف ببايهم لاطالبا مجدا مستجدبا قوتا بل ليخبرهم باصلاح الارض ونجاح الغرس فانفوا من دخوله عليهم وغصبوا من وجوده في مجلسهم وقالوا من انت ومن ادخلك علينا ومن جراك على ذلك ومن دلك على بيوت العظماء ومجالس الامراء (امش اطلع برا فلاح)
هذا اخي في الجنسية وصاحبي في اللغة وعضدي في الوطنية وهو صاحبي وهو البلاد وابن تربتها لايجعل اتعابها الا هو تراه مسئولا عن مال يؤديه وجسر يحفظه وعدو يدفعه وحد يحصنه وان غار احد على بلاد خرج الاجانب وهربوا وانسلوا الى بلادهم بما غنموه من هذا المسكين وبات يقاتل ويريق ماء حياته ليحريه انهارا تروي بها ترتبه التي نع منها وان غرق او شرق تهدمت داره وذهب زرعه وماتت ماشيته فجاء اليه الغريب ييعته
بالغبن ويغشه في انواع معاملته وتجاربه واظهر له انه مقيم في بلاده ومتمكن فيها فهو وطني مثله يخشى على بلاده ما يحشاء هذا المسكين وما دري انه يفعل ذلك نفاقا ودهانا المال يكسبه وعزة يبلغها وثروة يحصلها وهو اجنبي من البلاد وان بني فيها وسكن وعمر دهرا طويلا واسم الوطنية بالنسبة اليه كاسم العربية لمن لايعلم له نسبا ولا جنسية ويدعي العروبة باللغة
ولو تعلم الفلاح وعرف هيئة البلاد وما هي عليه من ثروة وعزه وخسة وغيرها لنظر لهذا الغريب بعين المعرفة وعامله بما تقتضية طبيعة بلاده فان كانت دارعلو وارض خصب وممل اغنياء وكان هذا المهاجر من ذوي الجاه فيها انزل المنزل الرحب وعامله معاملة الكرماء وان كانت ارضه ارض شقاء وعناء وكان فيها من كانت ارضه ارض شقاء وعناء وكان فيها من الادنياء الفقراء احاله على امثاله يعاني حمل الاثقال وياكل من الخبز مايحفظ حياته ويلبس ما يستر به العورة ويحفظ به البنية واذا عامل كل انسان بما تقتضيه منزلته في بلده استراح من الهموم ولكنه جهل حقائق البلاد فظن كل خيال شجا وبات يقلب طرفه في مرئيات اختلفت جنسيتها وتباينت طباعها واختلفت هيئتها وقد تعددت نقط الغرباء وتشعب ملك النزلاء فاصبح الفلاح كلما حول نظرة وجد غريبا وكلما سرى صدمه اجنبي وما كفاه ما اصيب به من ازدحام ارضه بالغرباء حتى رأى من يتمدن من اهله ينافره ويذمه يقبح عمله ويمل مع الغريب والاجنبي ميله لابيه او اخيه وما دري انه يخرب بلاده بيده ويد الاجنبي وهو لايشعر 0
ولايرفع الفلاح من وهذه الذل وينقله من خطة الخسف الا المعارف لا اقول العالية بل الابتدائية فمن يدعي الوطنية من اهل
(1/211)

- 178 -

الكلام (وقليل ماهم) فليهب وطنه اشهرا او عاما من عمره يسير فيه لهداية قومه ودلالتهم على طريق التقديم فهذه امربقا ترسل المبشرين على نفقة الجمعيات (المشكلة من اهل البلاد) تبشر بالمسيح عليه السلام في بلادنا وغيرها من البلاد الشرقية ونحن نائمون نحاء بثوب نطيلة ومنصب نسعى خلفه ومظهر نحرص عليه
ولا يبادر معترض باستحالة هذا الامر في بلادنا فقد كانت اوروبا في جهالة بهيمية كادت تنساها بعالميتها الحالية على اننالا نياءس من امر لا ننتفع به نحن بل نغرس ونترك الثمرة لابنائنا او ابنائهم فنفتح المجد والذكر الجميل والثناء المخلد
فدعني ايها الوطني الحر من الاخلاط وشد عضدك بعزمك وارحم اخاك الفلاح بارشاده لابواب التقدم وهدايته لما يعرف به حقه وقدر نفسه ولاتسام من الطول لاتضجر من التعب ولاتغضب بالسب والقذف الطعن واجعل جسمك كله اعينا تبصر به ما يصلح بلادك واهلها وتعام عن جاهل يريد ان يحول بينك وبين اغراضك يمقاصده السيئة واياك ان تدعو لما يحدث النفرة او يجلب الشر على الامة فانك ان فعلت ذلك كنت اضر من الحاهلين 0 ولاتنظر لثروة الاجنبي ووفرة مادته ونقدمه عليك في الصنائع والمعارف فتتصور عدم الخلاص من ورطة هذا التاخير فكم من ممالك اخذت اخذا بنا وتسمت باسم غير مالكها ويحزم اممها وتدبيرهم استنقذوها بحمكمة وعزة نفس ونحن لم نزل تحت سطوة حكومتنا لخدبوية الجليلة ممتعين بامرائنا الوطنيين امنين في زمن السلم والراحة مشاركين الاجانب في التجارة وبعض الصناعة فاذا احكمنا امرنا واتحدت كلمتنا على احياء وطننا واستعملنا الوطنيين واشتغالنا الاهلية ونوابعها وسعينا في تعميم التعليم وتدبرنا العواقب وسرنا في طريق لا نعرف فيه التحاسد ولا تميل للتباغض ولا تسعى الا خلف علة واحدة هي حفظ البلاد لا هلها نحجنا واظهرنا لحكومتنا سطوة لايعتريها ضعف ونفوذا لايعتريه خمود وباتت الامة تنادي بلسان الاداب والمعارف هذه بلاد عزت باهلها بعد ان بادت وهلكت او كادت
ولا نصل هذه الدرجة برجل او رجلين بل باطلاق السنة الاقلام في معارض الاداب والتجول في البلاد والمجالس والحث على حفظ الشرف باحياء موات الاذهان والنعاضد على تربية البنين والنبات حتى يعرف كل فرد قدر الانسانية ويعامل اخاه بما يقتضيه مقامها السامي لا مقامه المنخفض فاذا قابله صاحب او اجتمع به خدن وكان له مسيئا قال له لك مني بقدر مالي من الانسانية لا منك
(1/212)

- 179 -

وصية نديم لاحد ابنائه
أي بني
اني اعظك لئلا تكون من الغافلين ولا اعظك باحسن من مصادفاتي وما لاقيته في حياتي من حسنات وسيئات فقد طلبت الرزق بجدي وسعيي لاعن فاقة ولا الزام ولكن كرهت العجز وانقت من التقاعد فقضيت سنين عديدة اتقلب في الخدامات وأتفنن في اسباب المعاش وصحبت الكثير من اهل زمانك على اختلاف المقامات والاعتبارات فاستخلصت من جميع الاخلاق خلقاً ان رضيته عشت به ناعم البال طيب الخاطر وان ابيته كنت مثلي في الخط والطالع والصفات
خلق الانسان ميالا للتعاظم والتفاخر ويزداد هذا الامر بزيادة الجهل ويقل بسطوة العزو سيف التهذيب فاذا بليت بخدمات من لم يهذب صغيرا فنافقه لتوافقه واياك ان تظهر علمك امامه وان سئلت في امر فليكن حوابك بخشوع وخضوع وان كذبت فيه فاعترف بالخطاء ولاتجادل وان قويت حجتك وان خاطبك بما لايعقل فاطرب وتبسم واعجب من حدة الذهن ورقة المعنى وذم من يقول غير ذلك وان سمعت كذبا وكنت على يقين من كذبه فكذب عيابك وخطئ حواسك وصدق ما يقول وان شتمت فاضحك واظهر الرضا واطلب العفو واذا دخلت فادخل منحنياً وقبل الارض والثم النعل وغض الطرف واصمت واضع وارجع القهقرى رويد رويداً وقف ذليلا وضع يديك على صدرك فان قام مستخدمك فابتدر النعل وارفع الثوب وارفعه من ابطه ثم امش خلفه ساكتاً لاتحرك يدا ولا تنطق بحرف وان التفت اليك فاسرع بالمثول بين يديه والوقوف في هيئة المستفهم واذا امرت بامر وخرجت اليه فهرول امامه واسرع في الحضور وإن جلس للطعام فضع الصحون بسكينة ولاتنظر للطعام ولاتتحرك اذا وقفت ولاتتكلم ولاتتحول من امامه واظهر القناعة اذا انتهى من الطعام واكلت وإن عملت عملاً فانسبه إليه إن كان حسناٌ وعنونه باسمك ان كان قبيحاً وإذا غبنك في اجرتك فاظهر له الحمد وتمدح به بين يديه وأثنى عليه عند اخصائه واكثر من الدعاء له بين تيعته وندمائه وخلانه واذا نمت فكن على اهبة القيام وصورة بين عينيك لئلا تحلم بغيره حتى اذا ناداك كنت واقفاً تحت قدميه واسأل زائريه احسانا بحيث لايشعر واشتر به لباساً طيباً والبسه واياك ان تخالفه في امراق تكذبه في قول وإن كان باطلاً وإن سمعت مكروها فلا تنقله اليه وإن سمعت مدحاً فبادر وزد عليه من عندك وإذا تعاظم فقل
هكذا التواضع وإذا افتخر فقل انت فوق ذلك وإذا أدعى الفصاحة فعب كل متكلم دونه وإذا ادعى الكرم فذم حاتماً عنده وإذا بخل فقل هكذا يكون
(1/213)

- 180 -

الاقتصاد وإذا فسق فقل حسناتك تكفر سيئاتك وإذا بغى فقل هكذا العدل وإذا سفه فقل القوا غيظ الحليم ومتى سافرت معه فاصبر على الصك با لكف والضرب با لنعل واجعل شتمه تسبيحا ولعنه استغفاراً وإن جعت فلاتشك اليه وإن ظمئت فلا تظهر واقنع بفتات الخبز وكر الماء واظهر المحافظة على ماله وحاسب على القليل بين يديه ومتى تمكنت من ماله فخذه بحيث لايراك وخنه من حيث لايشعر ووافق مثيلك في الخدمة وساعد اتباعه وحاشيته على ما يريدون من نهبه باطناً وإظهار القناعة والمحافظة على ماله ظاهراً واي شئ اخذته فلا تظهره ولا تلبس امامه الا ما يتفضل به عليك ولاتزد في بيتك مايدل على ثروتك والزم هذه الحال حتى يموت او يخليك من الخدمه فاظهر ماشئت وافعل ما تريد وهذا هو الخلق المناسب لمن يريد ان يكون محبوباً عند الأغنياء مألوفاً لذوي الجاه واهل المظهر الذين فسدت اخلاقهم بفقد التهذيب لا من تربوا على الاداب وفطروا على محاسن الاخلاق
التلميذ
ماهذا يا أستاذي اتدعوني لعبادة العجل ام تحرضني على لزوم الوثن ام تامرني بخدمة الاصنام ارى الموت افضل من حياة تقلب الحقائق وتضيع الحق وتعظم الحقير وتوجب خدمة البهيم عد هذا وهات مواعضك الادبيه ونصائحك الخطابية فاني لاخرج في المعاشرة عن حد قانونك الانساني الذي تلقيه عنك وان لم اصادف من يلائمني او لم اجد من يعتمد عليه
ياولدي اراك تريد السلوك على قانون الانسانية وانت فقير شرقي وهذان عيبان لو اصيب غربي بواحد منهما لبات بغيضاً حائراً بين الناس لايجد من يعتبره ولايلقى من ينظر اليه فان القانون يفضي عليك بقول الحق وإن اغضب سيدك ويحكم عليكما بالتساوي في الحياة فتطالب بما يحفظ لك ناموسك وتجيب عما تسئل عنه وتؤدي خدمتك على حقها من غير تكلف ولااستبعاد وتبعد عن النفاق والدهان والرياء وتأخذ حريتك في نومك ومشيتك وكلك وشربك ولبسك وكلامك الادبي ولالقر الكذب ولاتهوى الخيانة ولاتمدح الفجور ولاتحمل النعل ولاتسكت على السب ولاترض بالضرب ولاتضيع شيئاً من حقوقك
ولاتعظمه فوق حده ولاتطره بما ليس فيه ولاتسكت عن حجتك ولاترض بتكذيبك ولا تتهاون في شرفك ولاتمل معه لباطل ولاتسع معه في افساد ولاتساعد تابعاً على سرقته ولا تمهل شيئاً مما عهد اليك والتكن احرص الناس على الصدق واسرعهم الى الحق وابعدهم عن الشر واقربهم الى الخير واولهم في حفظ الاتحاد واخرهم في التنافر ولاتكن تماماً ولاساعياً في فتنة والتفر من الشر فرارك من الاسد
(1/214)

- 181 -

وتجانب اهل الافساد وتقاطع اهل الفتنة وتباعد بينك وبين اهل المظاهر ومحبي ذواتهم وتقطع حبل الوصلة بينك وبين من يرى فضلية الجنسية في الاختلاط وتهجر من يغالبك على امرك وتترك من يرى قدرة فوقك ونفسه اغلى من نفسك وتتعلم عن جاهل بقدر الانسانية بعيد من التهذيب غريب في حلبة الاداب وتعرف لكل انسان من الفضل بقدر ما وصل اليه وتحترم العظيم احتراماً لايسقط مرؤنك وتجل العالم اجلالا يزيدك رفعةً وتوقر الشيوخ وترحم الصغار وتحفظ عهد الاخوان وتخضع للوالدين وتبجل الاستاذ وتخالق الناس بخلق الحكماء وتسايرهم بالفاظ الادباء وتسامرهم برقائق البلغاء وتعتدل في سيرك اعتدالا يحفظك من طرفي الافراط والتفريط ولا يخدم الامن يرى لك حقاً في الوجود مثله ولا تقصر في النصيحة ولا تصمت على الموعظة ولا تتحاشى احداً في اظهار الحقائق ولاتجعل نفسك مظهراً لغيرك ولاتبار السفينة ولاتمار الغنى المعجب ولا المثرى المنهور وهذا يقضي عليك بالشفاء والعناء وكدر العيش وتشويش الفكر ويبغضك لاهل زمانك ويطلق عليك الالسن بالذم والقدح وابتداع العيوب. فان رضيت بالاولى كنت المحبوب االمنعم وإن رغبت الثانية فتدرع بالصبر وتعود على شرب المر وتحمل الآلام ومع ذلك فابت وما تريد
(التلميذ) رضيت بالسير على قانون الانسانية فان عشت كنت شريفاً وان مت مت حراً والتاريخ يحفظ عني سيرتي ويجعل الحكم فيها العقلاء ولا ارضى يخلع ثوب الانسانية ولبس رداء البهيمة بعد الحصول على نعمة العقل وثمرة التهذيب فدع الكلام في هذا الباب وهات غيره من دروس التهذيب فانك تخاطب سميعا وتامر مطيعا
(نديم) خذ راحتك في هذا الاسبوع واستعد لدرس الاسبوع الآتي

قطمير
رأيت اختراعا جديدا نافعا للاصحاب الدكاكين والبنوك والخانات والبيوت وسائر المحلات التي يراد تحصينها وققايتها من الطوارق والعاهات فانه يستغني به عن الخفراء ويحلمي بسره المصون من كل لص فان وجد بمكان بات صاحبه آمنا مطمئناً على صيانه على مافيه من البضائع والاموال وبه يكتفي عن الاوهاب الحصينه للمحلات ومن العجائب انه مافيه من عظيم النفع وبديع الصنع لايباع ولا يشتري ولا يجوع ولا يعرى وفيه من الاوصاف مايضيق هذا المجال عن حصرها وبالجمله فمن اراد الحصول عليه فاني ارشده في الحال اليه وهو انه ينقسم الى قسمين ظاهر ومظمر فان من اراد الاول فليمر متفضلاً على دكاكين بعض الصباغين والبويجيية والعطارين والنقلية والجزارين فانه يجد مرقوماً عليها هذا الاسم
(1/215)

- 182 -

(قطمير) باحرف مختلفة الالوان بالنيلة وبعضها بالقطران والبعض بالسلاقون الاحمر والبعض بالوان مختلفة لا ادري ما سبب اختلافها (ولعل في اختلاف الالوان حكمة ثانية لم يصل اليها ادراكا فهذه يسئل عنها من اهل هذا الفن)
ومن اراد الثاني (وهو المضمر) فاني اقص عليهُ ماعينته من هذا القبيل لذي دعاني لان اتحف اخواني بهذه الكلمات على لسان التبكيت ليعلموا اننا مجدون في تحصيل مامن شأنه تقدم اوطاننا واصلاح احوالنا بانتشار العلوم والمعارف والنظر في الفنون والصنايع واختراع الاشياء المفيدة واستعمال الاراء السديدة كل ذلك بطرق سهلة المأخذ لا تكلفنا نعباً ولا نصباً فكانت ملائمة لما فطرنا عليه من حب الراحة والكسل وما الفناه من الحزم في الامور وعدم الاكتراث بالعمل وذلك بالارتكان على اوهى الاسباب التي نأخدها قضبة مسلمة فنعتد بها لمهام امورنا دون ان نقف لها على حقيقه او نبحث في كيفية وصولها الينا لنعلم باي سلطان استولت علينا غير ان لنا اكبر حجة على من يعارضنا في ذلك بقولنا هذه عادة الفناها وقد الفينا عليها ابائنا من قبل فمالنا وللتعرض لها بمحو اوائبات وهكذا من مثل هذه الاقوال التي لسنا تدد الدخول في موضوعها فليرجع الى ما كنا فيه وناء بالمقصود فاقول
مررت ذات ليلة بدكان صاحب لي اتوسم فيه النباهة والكياسة لعلمي انه سبق له الانتظام في سلك طلبة العلم الشريف بالجامع الازهر ومكث مدة فيه يتلقى العلوم والمعارف التي
تؤهله لان يكون قنوة في الاداب الدينية والدنوية فجلست عنده ريثما تجاذبنا اطراف الحديث ثم هممت بالانصراف فرعب في انصرفنا معا وفي الحال قام ليقفل ابواب دكانه وعندما تم قفلها اخذ المفتاح بيده وصار يمر به على تلك الابواب يميناً وشمالاً فقلت له ما الذي دهاك ارأيت في الباب خللا تريد اصلاحه ام ترآى لك اختراع طرز جديد يكون سهل القفل والفتح مع المتانه والحفة فانت تنصوره الان ام طرا بمخيلتك شكل هدسى غريب فانت ترسمه لتتمكن من تصور خوفاً من ضياعه منك ام ماذا تصنع ايها الاستاذ فاجابني قائلا لم ارد شيئا مما تسالني عنه فما هو الاسم اكتبه بالمفتاح على باب الدكان ليكون حافظا له من كل سؤ حتى الصباح فقلت له مع شدة التعجب وما هذا الاسم الذي تكتبه كتابة وهمية فاجاب بعد عناء طويل انه (قطمير) فقلت له من ابن تلقيت هذا العلم ومن علمك اياه وهل ورد به الشرع الشريف (وحاشا ان يرد بمثل ذبك) وما هو السبب المتمسك باباطيل كهذه ما انزل الله بها من سلطان فما افادني بشيء سوى قوله هذه عادة الفناها تناقلتها الابناء عن الآباء فلا لزوم
لمعرفة اسبابها فانما الاعمال بالنيات فرجونه لان لايعود لمثلها لانه لا يليق به وهو بين الناس
(1/216)

- 183 -

موصوف بالعالمية ان يفعل اشيا مخلا باداب العلم وشرف الانسانية فابى الا التمادي على ما هو عليه فتركته ومضيت بعد ان وعدته بعرض هذه المسئلة على حضرات قراء التبكيت ترويجاً لافكارهم فوفاء بالوعد قد بسطت لحضراتهم ماوصل اليه امكاني من الوقوف على بيان القسم الثاني من الاختراع السالف ذكره ليعلم من لم يعلم ان هذا هو التخريف بعينه وقد صدر من مثل ذاك السيد واذا كان الامر كذالك فما بالنا نلوم على جهلة العوام في مثل هذه الحالة على ان لهم اسوة حسنة بمن يقتدون بافعالهم واقوالهم فيها ايها العقلاء قد برح الخفاء وانحلت الظماء وصرنا في عصر تنبهت فيه الافكار بانتشار العلوم والمعارف وتفننت فيه العقلاء في الاختراعات المفيدة والصنايع العديدة فمن تقدم لاحياء هذه الاعمال فاز باغتنام العز والشرف ومن تأخر منها وقع في مهواة الذل والتلف فليتصر كل عاقل في شأنه ويعلم ان هذا الزمن لا تؤثر فيه كتابة قطمير ع0ع

وداع وتهنئة
ما اغتنمنا لذة رمضان المبارك حتى آذن بالهجر بعد الوصال ولا ابتهجنا بوفوده الا مضى كالسائق المجد فسار والدموع تودعه والقلوب تتبعه بعد ان اقام بيننا برهة هي
زمن ولكن دونه ازمان ... ياليت كل شهورنا رمضان
شهر الخيرات والبركات والتراويح والتسابيح شهر الصيام الذي علمنا الاصطبار اذا حدثت مهمة او طرأت ملمة واو لم يكن فيه الا ليلة القدر لكفاه فخرا
اشيعه بتردد الوداع وقلبي سائر معه وداعي ولكن قد اقبل العيد السعيد يبشرنا بطالع المسرة فنهنئ به الاوطان وابناءها كما نهنئهم على تنور الافكار والاخذ في الاسباب التقدم والسير على المسنن القوم فقد ابتدأت المعارف تنشر علينا الويتها وتظلنا بظلها الوراف الظليل وما ذلك الا باشراق شمس التوفيق في افق قطرنا السعيد فانه ايد الله لا يالو جهدا في نقدم ابناء الوطن بتعميم المعارف واحكام العدل والتسوية ولقد اختار من الوزراء من تعلق بهمبهم المعالي وتتم المآرب وتنححج المقاصد فهم طب الاوطان وشفاؤها ولو الوزارة والاحوال مرتبكم والمشاكل ضاربة خيامها فلم تمض هذه المدة الوجيرة حتى ذهبت الصعوبات وتركتنا غير آسفين عليها فلا ندري باي عيد نهنىء ابناء جلدتنا ابعيد الفطر ام بعيد البشارة بتخلصنا من انياب الارتباكات نهنىء بالكل ونتمنى ان تستمر تلك المياه في مجاريها ليرفل الوطن في ثياب السعادة باشرق طالع التوفيق تهانينا (1) لاتصدر جريدتنا في الاسبوع الاتي لاشتغال رجال المطبعة بانس العيد السعيد اعادة الله باليمن والبركة على الوطن وابنائه
(2) وقع في اول صفحة (171) التجرة خطأ وصوابه التجارة
(1/217)

- 184 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في الرسالة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نعيمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم)
(1/218)

- 185 -

العدد 12 - بتاريخ: 4 - 9 - 1881
(1/219)

- 186 -

تعريف
بعد ان قضينا الرحلة في جهات دمنهور والرحمانية وزقتي وميت غمر والمنصورة ودمياط عدنا الى اسكندرية وقضينا فيها ايام العيد المبارك وسنعود للرحلة في جهات طنطاوشين والزقازيق وبنها والسويس والمحلة الكبرى بعد عودتنا من مصر ثم نرجع اسكندرية محل الاقامة فنرجو وكلاءنا والمشتركين الذين على غير طريقنا ان يتفضلوا بارسال قيم الاشتراك الى مكتب الادارة باسكندرية. وقد وردت الينا رسالة بشأن بعض الجهلة في زفتي نتكلم عليها في العدد الاتي قياما بخدمة المعارف وزجراً لاهل الجهالة الذين لا يرون تقدم البلاد ويحولون بين الاداب واهلها كما اننا سنعود الكلام على اضاعة اللغة تسليم لذات فقد رأينا المناقشة طالت والبحث باقٍ وان اختلفت فيه العبارات وسنصدر التنكيت محلى لفكاهات ونكت ادبية ترويحاً للاذهان وتبكيناً لمن يرى ضيف هذا المجال الذي لاتسعه مجلدات. كذلك المبتدع الذي نشرنا عنه في العدد الخامس من جريدتنا اخذنا في نفسه وشره مرسوماً في الصحيفة ليقف عليه قراها ونرجع القيم لمن ارسلوا الينا

وكلاء الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - احمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/220)

- 187 -

الاعتدال طريق النجاح
ايها المتقلب في فراش الافكار المتخط في طريق الحياة رسمت بين عينيك صورة آمالك وقصرت في البحث عن الوسائل الموصلة اليها واو رجعت لافكارك ودرت بها في تاريخ المتقدمين وسيرة المتأخرين لوقفت على ما به وصلوا لامالهم ونجحوا في مقاصدهم فانهم كما رسموا صورة الآمال كتبوا تحتها (خمود اعتدال تهور) ثم نظروا في المراتب الثلاث فوجدوا الخمود يميت الفكر ويعدم الذكر وينزل باصحاب الهمم العالية الى حضيض الذل ووهدة الخسف ويطمع الجبان في الشجاع ويسلط الاحمق على الحليم ويجعل المقتصد كي الطامع ويفتح للمحتالين بواباً لولا الخمود ما اهتدوا اليها ولو عرفوها ماقدروا على فتحها فعدلوا عنه وكتبوا تحته ليس مع الخمود شرف ثم نزلوا المرتبة الثانية ونظروا في الثالثة فرأوها اأضرمن الاول لكونها تحمل على الاخطار وتبعث النفوس على عدم التبصر واخذ الامور بما تظهره ثورة العصب رشدة الطمش وهذا مما يقضي على صاحبه بضياع آماله وفوات مقصده فانه يغبن بظنه ربحاً ويغدر بما يراه نصيحة ويكون عرضة لتوجه الافكار ونفرة النفوس ونظام الاجتماع الانساني يقضي بوحدة الاتحاد واعطاء الامور حقوقها ويلزم بجمع الافكار وتطبيقها على بقية افكار امثالهم ومحدثات الخوارق الزمانيه وهذا النظام ليس في سجلات التهور ولا تناقلته اهله فقضت التجارب بضياع الخامد وتلف المتهور ولهذا عدل عن المرتبتين ولشؤمهما وعدم مناسبتهما للاجتماع الانساني وكتبوا تحت التهور ليس مع التهور نجاح
ثم نظروا في المرتبة الوسطى الاعتدال فرأوها محل الاناءه ومركز التدبر ومرجع النجاح لكونها تحبب القريب وتعشق الغريب وتكف الاذى وتمنع التعدي وتحفظ نظام الاجتماع حفظاً لايحمله اختلاف الاجناس ولا يضره تباين المعتقدات ولا يشينه تباعد البلاد فأن الحقوق محفوظه والدماء محقونه والثقة قويه والمحبه متبادله وكل يرجع لصالحه بعد فراغه من تاكيد علابق المحبة مع مواطنه وتثبيت وسال الانس مع نزيله وتهيئة الامن لمجتاز ارضه وعندما قاسوا راحت الاعتدال بما عانوه من ذل الخمود وعناء التهور التزموه ومالوا اليه واتخذوه الوسيلة العظمى لتحصيل ثمرة حياتهم واظهار ثروة بلادهم وتقوية بأس امهم وتأييد سطوة حكوماتهم وجعلوه حصن المانع للأعداء والقوة الدافعة لقتالين والحجه الدامغة للمتلونين والعنوان الدال على شرف الامه والاسم الجامع للكلمه
ولبرهان الدال على صدق النيه وسلامة المقصد فانهم اعتدلوا والاعتدال طريق النجاح
فيا ايها الانسان لاتنظر لراحة الخمود فأنها متلفة للاموال مضيعة للحقوق ومن مال اليه كان في حياته كدودة الحجر تقضي حياتها وتومت ولا يعلم بها احد من العالمين
(1/221)

- 188 -

ولا تتسور حصن التهور فانه داعي للانتقام وجانب المنون ومن مال اليه كان في حياته كالفراش تتهافت بنفسها على النار فرحاً بالنور فتحترق فيها وتكون في تهورها من الهالكين واصرف اوقاتك في معرفة طرق الاعتدال في سيرك ومعاشك ونظامك وكن فيه كمربي الطفل يقول له الصواب فيسمع منه الخطأ فلا يضربه ولا يتركه بل يلاطفه ويكرر عليه العبارة بانس وطلاقه وجه حتى يفهما ويتعقل المعنى فيخلص روحه من اشراك الجهالة ويحفظ حياته بالصبر على مشاق التعليم واتعاب التفهم ليصر انسان مثله يتقوى به على استنقاذ غيره وهكذا تمتدد عصبية العلم وتتمكن من دفع الجهالة ورد اطماعها من العقول الساذجة وتقدر بافكار العصبية على رد الاقوال المتضاربه في شأنها ودفع الحجج المقام عليها وتصير الافراد المختلفه الاراء امه واحده تسعى في نجاح امورها وتحقيق امالها في اعتدالها في سيرها ومعاشها ونظامها الادبي الذي وصلت اليه بقوة المعارف وحكمت الاعتدال ولاتكن في اعتدالك كمن سار في وسط الطريق ومال بأحد اشقيه عن رففائه فوقع في شرك الحقد والبغض فانه تعصب لذاته ومال بها عن افكار من صاحبه في سبيل الحياة فاصبح محلا للافكار ومرجعاً للانتقام تترقب رففائه الفرص لاذاقته الغصص فتراه اذا رواغه ذئب او اعتراضه سبع احتاطوا به ولكن ليدفعوه لعدوه ونصحوه ولكن بما يعدم ذاته واشاروا عليه ولكن بما يجعله طعمه للمفترس واكل للمختال وما اوقعه في هذه الهكات الا تركه حكم الاعتدال وميله بذاته عن امثاله وشركه في طريق الوجود وتعصبه لما يميل اليه وتقبيحه سير اصحابه وما هم عليه من الاغراض. ولو جعل غرضه الذاتي خاصاً ونيته القلبيه قاصرة على موافقيه وترك الكل يتموتعون بما يتمع به واجتهد في حفظ الاعتدال الادبي وسار معهم مستقيماً معتدل القوام لكان الكل له حجاباً وحرزاً ودافع عن اهله الادنون وحفظه اصحابه الاقربون وبات آمنا على حياته ممتعاًُ بسلامة حواسه واعضائه لايضره العدو الكثير من نوعه ولا يتأثر عنه واحد من جنسه فأن لزم الاعتدال في سيره والاعتدال في طريق النجاح

نهاية الصداغه
بلينا برعاع جهله يدعون العلم بفن المرافعات وسمو انفسهم (افوكانيه) واغلبهم من صنف الكتاب الذين رفتوا بجاليات قبيحه وبعضهم من التجار وابناء الاغنياء الذين ذهبت اموالهم وترافعوا مع دائيهم مدة حتى صار التزوير سليقه فاصبح الكل يدعي انه عالم بالقوانين عارف باصول الترافع واشتروا في البلاد يسلبون وينهبون بطرق الكتابه الباطنه والدعاوي زور فكان افسادهم اكثر من اصلاحهم ولجهل اهل بلادنا يعدون شقشقة اللسان علماً ولسلطنة الاميه علينا يرون
(1/222)

- 189 -

ان كل من كتب بالقلم يحفظ لهم الحقوق او يدفع عنهم المفتريات بهؤلاء الجهلة وان كبوا عليهم بوسطونهم في دعاويهم ويدفعون لهم الكثير من النقود ولقد تمكن هذا في عقول الفلاحين والعامه حتى ان من كانت له دعوى تنتهي بوقوفه امام المدير او الضابط وتكلمه فيها بنفسه يبحث على الافوكاتو ويقاوله على مخاطبة المديرة والضابط وبجهالة العامة راجت بضاعة الاغنياء والمحتالين فكثرت الدكاكين المسماة بالمكاتب وطال زمن الترافع بسبب الاحتيال والمفتريات وتعدد القضايا في المجال واغلبها كان يقضي في الضبطيه او المديريه او المركز وما اشكلها وصبرها من حقوق المجالس الا تداخل الافوكاتيه على انهم لايحسنون الكتابه ولا الاملاء ولا يعرفون المطالعه التي تمكنهم من فهم القوانين ومعرفة الاحكام ولو جمعنا عدة تقارير مقدمه من جملة افوكاتيه لمجاس مختلفه وراجعناها لوجدناها لاتختلف الا في موضوع القضيه ام الالفاظ فتكاد تكون بقلم واحد لماثلتهم في العالمية واتفاقهم على طريقة لاتمكنهم الجهالة من السير في غيرها وكثير
وكثيراً ومانرى قضايا مركبه من امور واهيه لاتستحق المرفعه ولكنها مسبوكه في قوالب الفاظ لاتقال في قضيه قتيل وهذا مما يقضي بضياع كثير من حقوق الامه وظم كثير من الابرياء الذين لاجنايه لهم والمجالس العذر في توقيع الاحكام فانها تنظر في قضية صورة في تقرير مختوم بختم صاحبه ثم ترى وكيلاً يترافع امامها مع وكيل اخر فتحكم لصاحب لحجة على رفيقه. فلو عينت الحقانيه مجلساً من شبابنا الاذكياء الذين تلقوا فن الترافع على احد وجمعت من يريد الانتظام في سلك الافوكاتيه وامتحنته وبعد ذلك تبحث عن سوابقه واسباب رفته ان كان من المستخدمين ومتى وجد من الكمل اصحاب الشرف العارفين بالاحكام ونظامات الحكومه كالفاضل محمد افندي الصدر وامثاله العارفين بالقوانين
رخصت له بالترافع واعطته رخصة بيده بحث لايقبل توكيل من لم يرخص اليه لدفعت عن الامه شراً عظيماً وحفظت للاهالي حقوقها المضيعه لجهاله وكان ذلك من الماثر الجليله والسعي في حفظ ناموس الحكومه واموال العباد
واغرب ما رأيته من هذا الصنف ان رجلاً رفع ضبطيه المنصوره شكوى من احد الافوكاتيه وهي ان الافوكاتو تحايل على امرأة الرجل حتى اخذها في بيته رغم انف زوجها ولما طلبه وسئل عن المرأة اعترف انها في بيته وانها خادمته فقال له وكيل الضبطيه انت متزوج فقال لاقال وكيف تأخذ امرأة من زوجها وتستخدمها في بيتك بلا اذنه فقال له انها مطلقه منه فقال الزوج انا لم اطلقها ولم يسبق مني طلاق مدة حياتي وهي في عصمتي الى الان فقال الافوكاتو يقدم تقريرا وانا اقدم تقريرا ثم ابرهن على انها مطلقه منه واثبت تزويره فعجب الوكيل من هذه الصداغه وعرض الامر
(1/223)

- 190 -

لسعادة المدير فامربسجنه والتحقيق معه ورد المرأة لزوجها
فانظر رحمك الله لهذا المزور الذي برى انحل العصمه ممكن بتزوير التقارير واحضار البيانات الزور ثم تامل كيف يكذب الزوج في عدم طلاقه ويريد ان يثبت عليه الطلاق يتمكن من اغراضه واعجب له كيف يتكلم بهذا الكلام القبيح امام الحاكم ولا يستحي من كونه اغتصب امرأة في عصمة زوجها وحجزها في بيته كانها حليلته وما جرأه على هذا المنكر القبيح الا تمسكه بالزور وعلمه انه متمكن من اثبات مايريد اثبته ونفي مايريد نفيه فالكل مزور من هولاء الضالين رجال يستشهد بهم في القضايا بعوذ معلوم وعجيب ان نرى هذه الاباطيل في زمن التنور والتقدم الى المعارف. وكن وكنا نعد وقاحة البعض صداغة حتى رأيت المغتصب للمرأة من زوجها فعلمت انه تفننوا في التزوير حتى وصلوا نهاية الصداغة

آفة السكوت
لاحد نبهاء زفتي
من امعن النظر فيما يفعله الجهل في عقول العامه من المعتقدات الفاسده التي تسلطنت عليهم فابعدتهم عن مدارك الرشد وقذفت بهم في بحار التاخير علم ان امتدادها الى هذا الحد ليس ناشئا الا عن سكوت المتنورين عنهم وترك اهل التخاريف تتلاعب بهم كما تشاء فان الجاهل اذا فعل منكرا ورأى ارباب المعارف ساكتين عنه ربما عد ذلك استحسان فالسكوت كما قيل رضى اما اذا اطلعه على الحقائق وكشف له عن مكنونات المعارف بنصائح بسيطه يقلبها عقله القاصر فلا ريب انه في اسرع وقت يكون من المطيعين
ولا ندع بذلك فقد تنازل الكثير من اهل التخريف عن فظائعهم عندما تتابعت جمل التبكيت تندد بتلك السوائد والمعتقدات وارقفت نفسها موقف الصرح المخلص فيا ليت فتياننا المتنورين بشون روح المعارف في اجسام ضلت بالغوايا وتاهت في فيافي الجهالة ليروا مننهم ما لم يكن يخطر على بال فقد نبين لهم الا المعامي اطوع لمن يعلمه من الظل الجسم ولقد دلت اثار المصرين الاول التي تشهد لهم بحسن الفنن وكمال الاتقان مع مقابلتها بما كانت عليه اوربا على اننا لانعدم من حسن الادراك ولكنا لانغلب جانب الطمع على جانب الرجا. فتيه يملا بسا الفاخره وركائبنا الفارهة ان هذا هو العجز بعينه
فما لنا لانتعاون على تشيد مدارس في بلاد موقعها الجل في مواضع الخسران مع العلم بان المدارس هي الاصل الذي ينبني عليه نجاح المقاصد (لاكما يعتقده العامه من انها لاتفيد سوا اختلال العقائد الدينيه) اذ ان هي الواسطه العظمى في اكتساب
(1/224)

- 191 -

الفضائل التي اقل ما فيها حسن تربية الابناء التي نحن في حاجة اليها
ولا يخفى على العارفين باحوال الاهلين الذين ما زالوا يتكبدون المصاريف الفادحة لقاء تعليم اوادهم في المكاتب البسيطة التي قل ان تنتج زيادة عن معرفة القراءة والكتابة ان ليس هذا هو الغرض المطلوب بل الذي ينبغي الاحتهاد في الوصول اليه هو ان يكون التعليم في مدارس عمومية توصل المتعلم الى ما نقتضيه حقوق الهداية
فقل لمن عرف الحقيقة رويدا فقد عاب عليك الغير حبك للبطالة وانت انت تنلو آيات حكم لايفهم حقائقها سواك انك فرد من افراد الامة لك مالها وعليك ماعليها فاخلص لقومك
النصح فهذه اوانه ولا تجعل معرفتك قاصرة عليك فان هذا مما يخل نظام الهيئات الاجتماعية ويحل عروة الاتحاد ويعود على الكل بالنقص في المال والعيال
وها انا اروي لكم من ذلك ما لايحتاج بعد الى دليل استدعى بعض شباتنا دجالا من ميت غمر ليداوي له ولدا هو ثمرة فواده وقرة عينه فلما اقبل ذلك الدجال اخذ يعالج الولد تارة بكتابة التمائم واخرى بالتراكيب القتالة (ويسميها العقاقير ايهاما بانه طيب) فلم يلث الولد الا اياما قلائل حتى التحقق بساكني القبور
واغرب من ذلك ان هذا المحتال اذا اراد ترويج بضاعته الكاسدة همهم وتمايل يميناً وشمالا واخبر بوفاة بعض المرضى الذين اخذ المرض منهم كل مأخذ وربما صادف قوله في بعض الاحيان فلذلك تراه الآن مشهورا بانه من اولياء الله العارفين باسرار المخبرين بالمغيبات
فمن لنا بان ينبه حضرات العلماء على ترك مثل هذه الاباطيل التي اخرتنا والخزعبلات التي قيدتنا فصرنا حيارى لانهتدي سواء الصراط
اذ لا يخفى ان العلماء امناه الرسل فاذا ارشدوا العامة الى ما فيه صالحهم فلا نلبث ان نراهم مبتعدين عن هولاء الضالين المضلين فتتم وحدة الاجتماع الذي به ينال المرغوب
وكيف لا نحن لانزال نرى من هذه الترهات ما نقطع معه الامل من قوم يفعلون ما تنكره الآداب المدنية ولا ينطبق على القواعد الشرعية في جلوة نعمل كل سنة في بندرنا ذلك ان احد عظماء البندر يتردى يشبكة صياد في هيأة قبة طيارة وعليها من السمك والبرتقال والليمون ما لا يدخل تحت حصر وهو في ذلك الزي مطمئن وحوله اطفال ينشدون هذه الكلمات
شي الله يابو صالح ... يابو القبه البحريه
قوضتك يامحلاها ... والعشه ما هياش ليه الخ
والمتفرحون عليها على اختلاف معتقداتهم وتنور افكار البعض منهم لا ينكرون شيئا من ذلك فهل بعد ذلك يلبق ترك مثل هولاء المخرفين على علانهم نسأل الله السلامة من آفة السكوت
(1/225)

- 192 -

وداع وعزاء وتعذير
اخبرني من اثق به اخواننا الوطنيين انه رأى احد الشبان من اهل رومية عند افتتاح المجلس المختلط بالاسماعيلية قادما من بلدة لابسا ثوابا من الصوف (فانيلا) وبطوقه ررقبية (ياقة) لعدم اقتداره على قميص افرنجي وبرجله جزمه بلا شراب وعليها سترة خلقه وبنطلون قديم فسأله عن سبب قدومه فقال له اريد ان اشغل بصنعه الترافع (الافوكاتية فقال له ولم لم تشتغل في الاسكندرية فقال الاسكندرية فيها علماء في هذا الفن ولا يمكنني ان اشتغل معهم وهم كثير وعلى الخصوص ليس هناك من الفلاحين احد ثم اشتغل بهذا الفن سبع سنين في الاسماعيلية والمنصورة وعزم الان على توجهه لرومية ليقم بها وقد غنم في هذه المدة خمسة وثلاثين الف جنيه بعد مصرفة في ماكله ومشربه وملبسه ومسكنه وملاذه فنحن نودعه داعبن له بالسلامة مهنئيه بالغنمبة الباردة التي غنمها بعلمه من الجهلاء واخذها بحيلة من السذج البسطاء وسلبها بلينه من صاحب الجفوة على اخوانه الوطنيين ونرجوه ان لايحرض احداً على قدومه علينا فقد كفى ما جرى وحسبه ماغنمه
ونعزي الفلاح المسكين على درهمة الذي انفقه في ضياع اطيانه ليعدم الثروة المادية والادبية معا كما نرجوه ان يعلم ولده لئلا يقع فيما وقع فيه فيكون ضرره في البلاد اكبر من نفعه فانه بحالته صبر ملكه في يد غيره وبسوء تصرفه عدم منبع رزقه ومعدن قوته وبعدم معرفته الاحكام وحالة الترافع غبن وهو لايشعر
ونعذر ابناء وطنه على عدم المسابقة قي هذا الميدان حتى يدركوا من تقدمنا فيه ويكونوا لاخوانهم الوطنيين من النصحاء في اشغالهم واحوالهم وليس هذا من المستحيل عليهم بعد ان رأينا العدد الكثير من اذكيائنا وتبهائنا ترقى لمقام القضاء في تلك المجالس بما انقنه من العلوم وعرفه من القوانين فلو اتقنت فئة فن الترافع وتحصلت على الشهادة لوقفت في الميدان الذي وقف فيه هذا المودع فكم يين اظهرنا من مثله الذين تعبوا في المدارس وشغلوا افكارهم حتى بلغوا هذه الدرجة وصاروا من علماء هذا الفن وسنودعهم بما ودعنا به هذا لنغنم من أهليهم الدعوات الصالحات عندما يقدمون عليهم حاملين اوراق الالوف من الجنيه بعد الرحلة على وشك التلف من شدة الضنك والفاقة ولا شك انهم يدعون لنا بسؤ التصرف وبقاء الجهالة حتى لاتحرم ابنائهم من هذه الغنائم فمن لنا بقائل خابت آمالهم وانعكس رجائهم فقد اصبح القطر روض معارف وبستان آداب وتأدب الفلاح وتاب عن
القرض بالفوائد الباهظة ورجع عن سؤ تصرفه وصرفه الف جنيه فيما يمكنه ان يشتربه بخمسين وعاد لحاله الاولى ياكل وينام آمنا في بيته ولا يشتغل الا باصلاح ارضه وما فيه عمار بلاده
(1/226)

- 193 -

تلميذ العجايز
لم تزل عجائز النساء تلقن ابناها علوما تحيي بها التخريف وتطفي نور العلم وتدرسها لهم على انها من المعتقدات فيأخذونها بقبول وحسن اعتقاد ويقدمونها على المعارف الادبية والمعتقدات الدينية وذلك لفراغهم من العلم وتربيتهم على نزهات الجهالة وخزعلات التخريف وهذا مما يقضي بفساد العقول وضعف الادراك اللذين يتوقف اعتدالهما اصلاح النفوس وعمران الديار وقد عزمنا على نشر علوم العجائز في جريدتنا مبرهنين على بطلانها لئلا تلقنها الاباء للابناء فتفسد اخلاقهم ويضيع تعليم عصرنا الادبي سدى
من ذلك ان رجلاً اخذ اولاده ليشتري لهم طرابيش فقابله بعض اصحابه ووقف معه برهة ثم انصرف الرجل باولاده وبعد مضي نحو ساعة حضر ثانية وقال لصاحبه ان مناديلك احسن من مناديلي فقال له صاحبه كل انسان يشتري مايريد فقال له اريد ان ارى منديلك لاشتري مثله فناوله المنديل ليراه فاخذه وناوله لولده ومضى فبقي صاحبه متعجبا من هذه الحالة وبعدها قام الرجل لبيته فما استقر حتى جاءه الولد بالمنديل ففتحه ووجد اطرافه مقصوصة ولما تمعن الامر علم ان الاولاد لم ذهبوا لامهم سألتهم من كان مع والدكم عند مشتري الطرابيش فاخبروها بصاحبه فقالت لابد وإن يكون حسدكم ثم الزمت اباهم ان يستحضر لها شيئاً من اثر صاحبه لتبخر به الاولاد فامتثل وفعل ما فعل
فهل يرجى تقدم من يقتدي بالنساء في التخريف ويفعل مع صاحبة الامور الباردة قياما بحق طاعة النساء وهل يحكم على مثل الابله بقابلية الفهم وصلاحية التعليم وهلا يخشى على اولاده من غرس التخريف في اذهانهم عملاً بما كان يعتقده ابوهم نعم وإن كانت العين حقاً كما ورد في الحديث الشريف ولكن اذا تحققت الاصابة وعلم العائن من اين اتاهم التبخير بالاثار حتى اوقعوا انفسهم في فضائع القبائح التي تغضب الاصحاب وتدل على الجهل وفساد التربية واقتداء الرجال بالنساءً فلوكان هذا ممن عرفوا العلم صغاراً وتأدبوا وتهذبوا لعلم ان الله تعالى هو الفاعل المختار وتحقق ان صاحبه يود له الخير ويرجو حفظ اولاده كما هي شؤون الصحبه والالفة وانكر على زوجته وامه دفع الضرر بحرق الاثار ولكنه حرم الاب ولم يذق لذة العلم فاصبح فارغ الذهن يميل بفكرة مع كل تخريف ويغلب عليه كل ذي حيلة شان المجرد من المعارف البعيدين من الكمالات الانسانية وعصرنا الادبي بدلنا بنشاط شبان على اماتة هذه الجهالة بتربية الابناء بمعارف الاساتذه العظام فانهم رأوا
ضرر التخريف وفساد معتقدات النساء فعدلوا عنها الى الاداب يربون عليها ابنائهم ليحلونهم بحلية الكمال ليحفظونهم من مثل ماوقع فيه هذا الذي يروي جهالة عن امه
(1/227)

- 194 -

ولا نعدم من اهل بلادنا سعيا وجدا في نشر العلوم وتعميم التعلم لاستخلاص ارواح الاطفال من قيد الاباطيل وتطهير العقول من درس التقليد الفاسد حتى نرى جميع ابنائنا تلامذة لاهل العلم وتبعا لرجال الادب والله تعالى المسئول في تحقيق الآمال وارشاد الامة لما فيه نجاحها وصلاحها وهدايتها للاقتداء بالسادة العلماء واصحاب العقول حتى لانرى بيننا تلميذ العجائز آمين

كفر الشيخ
لاحد نبهائنا الوطنيين وهي بلفظها
اليكم يا بنى الادراك ارفع على لسان التبكيت ماتتبرا منه الوطنية لتحكموا فيه بما ترون فالنصح يقضي بالارشادر
ارى بعض اخواننا الوطنيين يفعلون ما لايعقلون ويصرفون النقود في طرق لايرضاها غيرهم قصد الرياء مع انهم لما يسد الرمق محتاجون فبعضهم يلبس (التوبين) ونساءهم مكشوفات العورات وأبناءهم تعوي من الجوع عوا. الذئاب وهم يركبون الجياد الصافنات ومن هذا القبيل احد مدعي التعاظم مع الافلاس السارين في عمائم لخيلاء بين الناس فأنه رأى احد متوسطي المعشية اشترى سرجا موشي بمبلغ من النقود فابت نفسه الا ان يجاريه في عمله لزعمه انه ليس أغنى منه فذهب لى البنوكه واقترض منه بعض ليرات بفرط باهظ واراد ان يشتري سرجا مثله فلم يف ما افترضه بالمرغوب (لنقصه - ّجنيه) فعمد الى حلق زوجته المسكينة فباعه بثمن بخس واتم قصده فبما يعامل مثل هذا المتعاظم وهو ممن في بحار الجهلة يسبحون وفي فيافي الغفلة يرتعون وماذا عليه لوركب اتانا كابيه او جاموسة كاخيه حتى يمن الله عليه فيفعل مايريد
ولو لبث الحمار ثياب خز ... لقال الناس يالك من حمار
فهو لايتغير اسمه ولايزاد عليه بعد مثل هذا الترفه البارد شي وقد جاء في مثل العامي (اللي تسكر به افطر به) على ان التبكيت لمن لايعرف حد نفسه بالمرصاد فما عليه لو صرف هذا المبلغ في كسوة زوجته واطعام ابنائه فالمدح لايباع ولايشترى
ومنه
ارتفع سعود طالع السيرة في سماء بلدتنا لكن علاه المشتري فكنت ارى بعض شبابنا الجهلاء متجمعين في ايام العيد زمرة واحدة متقمشين بما لايحتوي الصندوق والبيت على غيره يتبعهم احد الخمارين حاملا علبا صينية مرصعة باكواب البيرة ينتقلون من منزل الى اخر فبئست العاده وبئس الفجور
الحشيش مطلوب والاسعار عالية احتكر الواردات
بلدتنا عظيمة وهي مصر ماحولها فما على غنيا. اهلها ومشاهير العمد في ان يكونوا يداً واحدة ويتبرع كل منهم بما تقتضيه مرؤته
(1/228)

- 195 -

لبناء مدرسة يعلمون فيها أولادهم فينفعون
الوطن بمعارفهم - وسأوافيكم برسالة في هذا الموضوع مبينا بها أهمية هذا المشروع فما هي الا دريهمات من بعض مصاريفهم تعود عليهم بالمنفعة العامة على انه لأناقة لي فيها ولأجمل. اه

الوشي المرقوم في حل المنظوم
تأليف الوزير الكامل والمولى الأجل الفاضل السيد ضياء الدين ابي الفتح نصره الله بن محمد الشهير بابن الأثير أمطره الله سحب الرضوان أهدانا به حضرة السيد الفاضل ألامعي اللوذعي عبد القادر أفندي فتاتي محرر ثمرات الفنون الغراء وهذا الكتاب لطيف الحجم كثير الفائدة طالعته الان فذكرت ماقاله صديقي المرحوم السيد احمد افندي عند مطالعتنا له عام 1281 هذا الكتاب هو الحقيق بتسميته خزانة الادب فنحث في الادب واهل الانشاء على اقتنائه لاكتساب فوائده وارشادات الادبيه كما نشكر لصديقنا السيد عبد القادر افندي عنايته بنشر كتب الادب ونثني عليه ثناء يليق بمقامه ايده الله

جمعية الصنايع والفنون الخيرية
بالمنصوره
ورد الينا هذا الاعلان من جانب نائب رئاسة الجمعية الموما اليها فأثبتناه بنصه وقد اخذ منا السرور كل مأخذ لما رايناه من قدام الوطنيين في المنصورة على إنشاء هذه الجمعية الخيرية وانا نحث جميع اهل الخير وذوي الفضل على الاشتراك في هذا العمل المرود لينالوا الأجر والثواب ويردوا الأوطان حق الخدمة التي تفتخر بها النفوس الذكية الأبية وهذا هو نص الاعلان
تعلن اننا بتوفيق العزيز شرعنا في تأسيس جمعية الفنون والصنائع الخيرية العمومية بالمنصورة تأسست لكامل ماتصل اليه الكفاءة من العلوم والصناعة لتعليم ابناءالفقراء والأيتام على اختلاف المذاهب والمشارب والأديان ذكوراً كانوا او إناثا علما كان التعليم او صناعة وغرس ما تصل اليه القدرة من أغصان الخيرات على اي صفة كانت إذ القصد هو البر العمومي وبرأي مجلس إدارة هذه الجمعية الذي صار انعقاده في ليلة الأربعاء المبارك الموافق غرة شهر رمضان سنة 98و27لوليو سنة 81 لقرر قبول من يرغب الدخول في هذه الجمعية على ثلاثة أنواع الاول مؤسس وعليه ان يقوم بدفع عشرين غرشا ميريا وعضو اول وعليه ان يدفع 15 غرشا وعضو ثان وعليه ان يدفع 10غروش والمتبرع يدفع ماشاء وتعين أمناء لصندوق الجمعية وحفظ إيراداتها جناب الخواجات من احم ومخلوق كوهين التجار بالمنصورة وللرئاسة العمومية سعادة محمد سعد الدين بك مدير الجيزة وجعلت قاعة مجلس ادارة هذه الجمعية
(1/229)

- 196 -

بمنزل سعادته موقتاً لغاية شهر رمضان ورثي عدم تقرير رسم دخول على من يرغب انتظام في سلك الجمعية الا في آخر جلسة من هذا الشهر وألان بكل ممنونية تقبل الجمعية من يتفضل بالدخول فيها من أولى البر والكرم وأرباب الحمية والغبرة الوطنية المجبولين على نشر إعلام الصنائع الخيرية وعلى كل متفضل ان يقوم بتأدية المقرر شهر اً لإملاء صندوق الجمعية ونرجو ان أولى البر مساعدا ومعينا ًوعلى الله النصر والتأييد ونجاح المشروع

لغز
تفضل علينا حضرة الشاب النجيب محمد أفندي متولي بحل للغز المثبت في العدد التاسع واردفه بلغز آخر وكان بودنا ان نثبت له ذلك الحل ولكنا نكتفي بالتنويه عنه لانا أثبتنا مثله في العدد العاشر ولذلك نورد لحضرته اللغز وهو بلفظه المنسجم ومعناه الرائق
ما نقول السادة الفضلاء والقادة النبلاء
في اسم خماسي من عدة ثلاثة عشر فليس بمخطئ ولا ناسي وان زاد خمسة عشر على اثنين من المئين كان عده موافقاً لليقين وإن زدت عليه مائة وستا وعشرين فقد أتيت بغاية التمكين يصنع المعروف وله شكل غير مألوف أوله أداة ندبه وآخره خراب وكربه فقد جمع التفجع والتحزن والخراب الذي ليس له من ضده تمكن اذا قلب أوله كان من العطف بمكان وان ضم ثانيه لثالثه كان احد أصول الإنسان وسط آخره جزء من العلة ولو حذف وسط ذلك أتى بالإحسان على على التفضيل والجملة ومع هذا فهو من الأسماء الحسنى ويكون منها أيضا قلب ذلك المبنى كفيف ً البصر ولا يوجد أقوى منه في النظر بعضه في البراري وكأنه فيها لمعاشه ساري وهو جالس بالعمران ومن مجانسته نسال الله الأمان لا يقترعن تسبيح الله وهو على الدوام غافل لاه مبعد الهم وجالب للغم يفني الدراهم ولا يصرف في حل ولا مآثم يجمع الدينار ولا يتقي النار من مآثره التعزيز والتكريم وهو على الدوام في عذاب اليم وأوله محروق وأوسطه شقوق وعيشته طروق لا يسأم من المآنسه ويخشى منه المجانسه طبعه بارد وليس فيه سامه للوارد يحب الأخوان ويثبت شملهم في كل أوان وقد حاز نهاية العقل أذان الله أمتن به على العباد في سورة النحل ولو شئت سرد سورة الحديد لوجدته صريحاً على التحديد لكن لا بهذا العنوان بل هناك باتم بيان ولو أريد ظهور المنافع فاجمعوا منه بالحرارة ما هو شاسع ولو أريد من البيان الزيادة فأنه للعاصي دائماً قاده وبه تسهل الأمور لكن يحصل منه النفور ومن رام تكثير الأوصاف ليحصل لفهمه الإسعاف فنقول له انه مبعد مقرب مجمع مشقت مرتب لا تنكر محاسن طباعه ولا تخفى إحسان إبداعه فكم أراح قلوباً جمة ومذ حصل وجدت رحمة الأمة مفرد مؤلف منكر معرف
(1/230)

- 197 -

وكم أباد من عباد وكم أباح من جراح وكم انعم بما أكرم وكم أولى بما أبلى وكم أغوى لمن يهوى وكم اسعد بما أورد وكم اشقي بما ألقى وكم غنى بما عنى وكم بشر بما انذر وكم له من فضائل بما أقام من الدلائل ومن رام الوقوف على الحقيقة فليعلم انه في بعض الأحيان
يلبس ثوب السماء بأسهل طريقه ولا بدان يقطع النظر عن الهواء لما انه بودي للغناء وليعلم انه ما وجد الا للاحسان والعدو على طريق الرحمن وليقرأ سورة النفخ يجد آخره فيها قد صح وإن اختلف المعنى لكن قد وجد جزماً فيها ذلك المعنى ومن كان ذا نجابه فليتأمل ما تضمنته هذه الكتابة وليصرح بيان المراد وليسلك سبيل السداد فأنني ما وضعت هذا لا يقال قاله فلان وإنما وضعته لترويح الأذهان قافهم ما أبناه يتم لك المرام وعليك منا السلام
محمد متولي بمصر

المراسلات
(حمص) سترسل الأعداد كما أشرتم يمكنوا بكم الأخير يافا القيمة لم تصل (آتياي البارود) ترسل القيمة للمكتب رأساً او لوكيل الجريدة بدمنهور (بني سويف) لا بأس من التحصيل الآن وإرسال الموجود (المنيا) نشكر سعيكم الجميل ونرجو الهمة (رشيد) المتحصل يرسل مع الهمة في الباقي (انشاص) ليس لنا وكيل عندكم وطريق إرسال القيمة بالبوسطة ولكم الفضل (الإسماعيلية وبورت سعيد) في انتظار ما يرد منكم (زنجبار) الأعداد أرسلت ولنا في همتكم الأمل العظيم ولا ترسلوا ورقاً إنكليزياً فانه لا ينصرف عندنا (المناشي) ترسل بالبوسطة ورقاً او نقداً (شبرخيت) ترسل للمكتب او لوكيل دمنهور (أبو قرقاص وههيا) في انتظار مايرد من حضراتكم (متبول) حرروا إليه بالدفع (منوف العلا وبنها) تفضلوا بالإرسال للمكتب رأساً (قنا) ي م نشكر سعيكم الجميل والرسالة تأخرت للاتي وقيم الاشتراك يعتمد فيها وصلكم (كلكته) مكت بكم الأخير ورد والأعداد أرسلت ومن الآن لا ترسل قيم الاشتراك ورقاً انكليزياً بل حوالة او نقداً ولكم جواب مع الأعداد (كفر الزيات) لم يرد ما أشرتم إليه بجوابكم الأخير فالأمل الهمة (بربره) الأعداد أرسلت حسب الطلب (مغاغة. أسيوط) لا نستطيع الوصول إليكم الآن لشدة الحر والقيمة ترسل بالبوسطة (الفيوم) رسائلكم تأخرت فاستمروا على الإرسال مع تحصيل القيم (أسكندريه) و. س تراها في الأتي

حديث خرافة
بقلم احد احد أبنائنا النجباء
أي مغذي روحي وقلبي بالوطنية تحج الله مقاصدك الطاهرة
مامن احد الا ويعلم علم اليقين ان أوربا لم تتقدم علينا (معاشر الشرقيين) الا
(1/231)

- 198 -

بالعلوم والمعارف وما حصلتها الا بالجد في اجتناء ثمراتها من علمائها الذين اظهروا لها الواجب فعله وتركه فكان من لوازم التعليم أخلاء العقل مما عساه ان يضر به كصم الآذان عن سماع النصائح وكإتباع التخاريف والعادات القبيحة فإنها ما حلت ببلدة او مدينة الا أخرجت منها التمدن بإبعاد العلوم فأصبحت خاوية على عرشها وباتت مقاماً للأجنبي فيأتيها لا يملك نقيراً ويتركها وهو أغنى من قارون بينما أهلها يتقلبون على مجامر الهوان وما ظلمهم الغريب ولكن كانوا أنفسهم يظلمون اذا ماتوا ها باختيار التخاريف دينهم والجهالة علمهم فخسروا ثروتهم وهم لا يشعرون فيا ايها الوطنيون لم لا تجدون في السعي خلف المعارف وقد ظهرت لكم ثمراتها لتضارعوا باقي الأمم في التمدن الذي لا يكون الا باجتناب الخرافات التي بعضها وهو السواد الأعظم عاكف عليها ولا سميا النساء فقد حدثني بعض من أثق به بتخريفه جرت بمنزلة لا بأس بإتحاف حضرات قراء جريدة التنكيت والتبكيت بها لأنها لا تجد من الفائدة وما هي بمعناها
قال بينما كان بمنزلي في أحد الأيام بعض من النساء واذا بجارية سوداء دخلت عليهن ومعها امرأتان منتبعتها فقام النساء إجلالا لها وأجلستها في صدر مجلسهن وبعد تناول الطعام بقليل ابتدأت المرأتان تغنيان وتطبلان (وذلك على مسمع مني) فأخذت الجارية في اللأنتفاض ثم قامت من وسط المجلس وصاحت بصوت مزعج (السلام عليكم) فأجابها كل من في المجلس (وعليكم السلام سيدنا الشيخ) ثم صارت كل واحدة تحييه بتحية غير الأخرى قالت اخداهن شرفتنا وقالت الثانية حلت البركة وتبعهما الكل على ذلك بمثل هذه الألفاظ ثم دخلت امرأة من الجيران وحيت الشيخ بما حي من قبلها وبعد ذلك قالت بينما كنت جالسة في بيتي وإذا بهاتف ينادي قومي الى دار فلانة فالحمد لله اذاريتك يا سيدي الشيخ ربنا يجعلنا في بركاتك فقامت تلك السوداء (الشيخ) وهن حامدات شاكرات فسألتها أحداهن عما نفعله لابنها وأخبرتها بأنه قد يحصل له تشنج عصبي فيرتبط لسانه عن الكلام (ويتخشب جسمه) فأجابتها الجارية بأنه لا خوف عليه من ذلك فانه وقع على عتبة باب في
الظلام فقام الخادم ونفخ في وجهه نفخة كانت هي السبب في مرضه ثم قالت لها ابحثي على ديك وفرخه سوداء من غير إشارة وهاتي شيئاً من أثره وأنا أبيت له وأسترضي أخته فيرجع أحسن مما كان عليه فقالت لها أم الولد أن أباه جاء له بطبيب بارع وهو يعالجه فدمدمت السوداء وقالت مالكم وللأطباء هذا شئ يغضبنا وأظهرت الغضب
(1/232)

- 199 -

من ذلك فصارت النساء تسترضينها وهي لا ترضى ووعدتها المراة بانها ستلزم زوجها بمع الطبيب لترضى عنها فضحك (وهو السوداء) واستأذن للقيام ثم صرخت الجارية بصوت رفيع (مساء الخير عليكم) فاجبتها مساء الخير عليكم فسْألت احدى الحاضرات من هذه فاجابتها احداهن
هذه بنت الشيخ الذي كان هنا (وهي الجارية بعينها) فامرت صاحبة المنزل ابنتها بان تسلم على اختها بنت الشيخ فقامت البنت وسلمت عليها لانها لا تعتقد غبر ما تقول أمها فأجلستها الجارية في حجرها وقالت لها هل لك أن تعطيني ملء بزي (ثديها) ملبساً بقرش فأعطتها والدة البنت نصف
وينتو وتبعها على ذلك الحاضرات بدلا من الملبس (وهذا غاية مناها) فأخرجت الجارية من جيبها بعض القروش وفرقت منها على بعض من بالمجلس فلم تكف الكل فسألها الباقيات أن تعطيهن كما اعطت غيرهن للتبرك فأجابهن أنها لم تؤمر إلا بإعطاء ما فرقته ثم مددت نفسها فرجعت الى حالتها الأولى
قال الراوي وهو صاحب المنزل فلما انقضت تلك الليلة قصدت في الصباح زوج المرأة التي كانت تسأل عن دواء لأبنها وقصصت عليه ما جرى من زوجته مع الجارية فقال انها أخبرتني وسألتني إن لا آتي بعد بالطبيب فزجرتها عن ذلك وأفهمتها إنه تخريف
فمن لنا بمدرسة تهذيب فيها البنات حتى لا يسلكوا طريق الأمهات فلا تسمع بعد ذلك حديث خرافة
كتبه ولدكم مصطفى ماهر

أخبار داخلية
حارث عقول بعض المغفلين في صاحب التنكيت والتبكيت فقد رأوا أكاذيبهم لا تنفق بين العقلاء وإنهم كلما أفتروا فرية علم الناس مصدرها فأصبحوا في حيرة لا علم يردهم عن الجهالة ولا أدب يحفظهم من التحاسد ولا شرف يمنعهم من رمي البرآء وفي صدورهم غل وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون وانا فرح بوجود مثل هؤلاء اتسلى بتخريفهم واضحك على عقولهم واتصور بجهالتهم كل معنى التمسه في الحث على المعارف وطيها ولو عدم مثل هؤلاء لضاقت علينا القافية فنرجوهم أن لا يطيلوا الزمن بين الأكذوبة وأختها حتى لاننسى جهالنهم وسؤ حالتهم البهيمية كما اننا لا نتأثر ولا نغضب وإن سحبت باكاذيبهم التلغرافات لوندرة وباريس وهم أصحاب الفضل على كل حال فما عرف العالم الا بالجاهل ولا الصادق الا بالكاذب فلكل شيء ضد وبضدها نميز الاشياء
(1/233)

- 200 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في الرسالة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نعيمه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم)
(1/234)

- 201 -

العدد 13 - بتاريخ: 11 - 9 - 1881
(1/235)

- 202 -

جمعية الصنايع والفنون الخيرية
بالمنصورة
علماً من أخبار هذه الجمعية أنها تأيدت وثقبت على قدم النجاح وابتدأت تجمع المرتبات من المؤسسين والمتبرعين لتشرع في إعداد ما يلزم لأعمالها الخيرية بعد الأقرار على قانونها الموضوع الآن للنظر في تنقيحه وهذا يؤكد بطلان الأكاذيب التي أشيعت عنها ويبري سعادة المدير مما نسب إليه من السعي في أبطالها ولقد اجتمعت بسعادته أيام أقامتي في المنصورة فلم أجد في أفكاره ما يضاد الخير والسعي في نشر المعارف بل رأيت منه ميلاً عظيماً للمعارف وأهلها وهذا يؤكد لي حسن نيته وطهارة طوبته وحبه للمعلوم وسنرى من مساعيه الجميلة في هذا المشروع الخيري ما له وللمؤسسين ذكراً جميلاً كما أننا نثني على سعادة سعد الدين بك فأنه الداعي لهذا العمل الخيري ونمتدح بحضرة بليغ بك الذي ثبتت قدمه في هذا الطريق وبذل ما في وسعه لتأييد الجمعية حفظها الله

وكلاء الصحيفة
يوسف أفندي كمبد ومحمد أفندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني أفندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصوره - احمد افندي ذكي بد منهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/236)

- 203 -

كلمة زهير بن أبي سلمى العربي
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق الا صورة الحم والدم
كلمة إمام المحققين عبد الرحمن بن خلدون المغربي
اللغة ملكة صناعية متقررة في العضو الفاعل لها
كلمة لامرك الفرنساوي المؤرخ الطبيعي
الوظيفة تكون العضو
كلمة شافي الفرنساوي المحقق الفلسفي
اللغة ليست بإرادة الإنسان
كلمة عبد الله نديم الأسكندري
إضاعة اللغة تسليم للذات
كلمة الفاضل امين شميل الشامي
اللغة آلة مادية نقوم بها مبادلة الأفكار بالمعاني بين أفراد الأنسان عموماً وخصوصاً
كلمة الفاضل المصري
استقلال الأمة موقوف على حفظ لغتها
كلمة الأديب الأسكندري
اللغة هي عنوان الأمة
سادتي الأدباء
أعيروني من أيام أنسكم وقتاً ادخل فيه أنديتكم الأدبية لاتلو عليكم بحث اللغة وأنا كامن في اسطر صحيفتي وهي لساني فما المرء الا أصغراه قلبه ولسانه فقد طالت المناقشة والبحث باق على حاله وإن استفدنا منه حكمتين وليست ممن يدخل في البحث ليبخس الناس أشياءهم وإنما أتكلم بعبارة أحقق فيها كلمات الحكماء بقدر ما يصل إليه إدراكي من
التصورات التي بنيت عليها حكمتي آخذاً على القلم عهداً أن لا يخرج بما يلفظه عن حد الأدب ولا يتشيع للغة ولا
(1/237)

- 204 -

للجنسية فان قواعد البحث مختلفة المصادر ولكل امة باعتبار لغتها فيها نصيب على اني لست من السائرين خلف الاغراض وانما انظر للانسان من حيث النوعية في الاختلاط المعاشي ومن حيث الوطنية في الاجتماع العصبي وقد قدمت ثماني كلمات من الحكم وهي اما مختلفة بالوضع او الاعتبارات او متفقة بالوضع او بالمال فنتكلم عليها بطريق المزح محققين معنى كل كلمه وما قامت وما دلت عليه وهذا يقضي علي بتقسيم البحث الى فصول. الاول في تحصيل ملكة اللغة وقيامها بالعضو او قيام العضو بها وانفعال الاجسام بمدارك اللغة. الثاني في اظهار سقطات المناقشه وما خرج. عن الموضوع الثالث في تسوية المسئلة بين المنتاقشين وحفظ النقوس من عوارض النفوس وهذا يلزم بطول الشرح ولكن صدر الجريده لا يسعه فنحن نجتهد في الايجاز ما نقدمه فصلاً بعد فصل حتى ناتي على اخر الفصول ان شاء الله غير اني التمس الصفح من القراء والمتناقشين عما يرونه من القصور او ركاكة فاني في تيار الرحلة اكتب ما اقدر عليه من التصور بلا مراجعه ولا مذاكرة مع حكماه واختلاف الاماكن وكثرة التنقل مع الاشتغال بالاخوان على اختلاف عباراتهم وتحرير غير البحث من اوراق الصحيفه كل ذلك يسهل العفو ويحقق لي الرجاء فتشتيت الفكر في هذه الحاله لايخفى على من تعود على الخروج للنزهه لا لمعانة الاصفار
الفصل الاول في تحصيل اللغه وقيامها بالعضو او قيام العضو بها الخ
قرر العلماء والفلاسفه والطبيعيون ان للانسان مدارك جسمانيه ومداراك روحانيه فانه مركب من جزء جسماني وجزء روحاني ومداركه لحسب مركباته غير ان المدرك لحوادث الجزئين هو الروحاني وانما يختلف باختلاف الوسائل فان كان المدرك جسمانياً ادركه بواسطة القوة الدماغيه والحواس الجمانيه وان كان روحانياً ادركه بنفسه من غير واسطه وهذه المدركات عند حصولها تندفع قواها المعنويه الى اللسان فيترجم عنها بما يقتضيه مقام الشعور من الفاظ فرح او حزن او ارهاب واستعطاف او غير ذلك ولهذا المعنى الدقيق اشار زهير العربي بقوله لسان الفتى نصف ونصف فواده. ولا يقوم اللسان بخدمة الجسم الروحاني وترجمة مدركاته الا بتمرينه على الكلام وتكرار المسموعات وتعود على النطق
بالألفاظ الداله على المعاني واشتغاله بها حتى تصير اللغه ملكه في هذا العضو المعبر عن الانسان ماهو ولهذا المعنى اشار ابن خلدون المغربي بقوله اللغه ملكه صناعيه متقررة في العضو الفاعل لها ولايتمكن الطفل من هذه الملكه الا اذا قررت اليه اصول اللغه ومشتقاتها ومنع من تناول لغة اخرى حتى تصير الاولى ملكه سليمه من العوارض كما كانت عليه العرب الاولى فان استعمالهم اللغة على اصولها وتداولها بينهم غير ممتزجة باخرى
(1/238)

- 205 -

صيرها لهم ملكة صناعية يأخذها الولد عن والديه فينطق بها كما ينطق البليغ من قومه وقدموهم بعض الملفقين فقال ان اللغة كانت للعرب قطرية غريزية وقد علمت بطلان هذا بما نقرر من ان إحكام الصناعة في التلقي والتلقين هو الذي صيرها ملكة اللسان وهذا أشار الفاضل أمين شمول الشادي بقوله اللغة عبارة عن آلة مادية نقوم بها مبادلة الأفكار بالمعاني بين إفراد الانسان عموما وخصوصا وبما نقرر تعلم ان اللغة ليست فطرية وانما هي مظهر الانفعال الجسماني او الروحاني فان المولود اذا خرج من بطن أمه ورأى النور اهتز واضطراب لأنسه الجسماني بهذه المدركات الجديدة واذا رأى الظلمة انتحب وبكا لتألما من هذا الانقباض الجسماني واذا سمع صوتا مال إليه بالقوى الدماغية الجسمانية وهو في جمع الأحوال يشير ويعالج النطق بفطرية فلا يتمكن منه حتى تكرر عليه الألفاظ وترسخ في ذهنه فينطق بها ويكررها الى ان تصير ملكة في لسانه وهذا المعنى أشار المحقق شافي الفرنساوي بقوله 0 اللغة ليست بإرادة الانسان 0 غير انه يحكم على الانفعالات الجسمانية بإتباع المادة المتكونة منها ويقول لو جئنا بطفلين عربي وأور وباوي وسلمناهما لمرب أصم أبكم أعمى وتركناهما معه عاما او علمين ثم دخلنا عليهما لوجدنا العربي ينفعل انفعالات عربية تبعا لمادة تكوينة والأوروباي ينفعل انفعالاً غريبا تبعاً لمادة تكوينه كذلك بمعنى ان كلا يصيح بأصوات تماثل أصوات المشتقات وقد انفرد بهذه الرأي وتبعه قوم من بعده وبمذهبه يقرر ان تغيير اللغة في الآباء يغير فطرة الانفعال في الابناء فإذا تعلم الأعجمي العربية وعلمها ولد تجنس بالعربية وانسلخ من جنسية الأعاجم كما وقع لكثير الاعجام الذين تركوا لغتهم بالعربية وللعرب التي تنصرت بالروم فان الاولين انسلخ اسم العجمةعن أبنائهم والآخرين أنسلخ أسم العروبة عن أبنائهم كذلك وما نقلهم من الجنسية الا ترك اللغة واستعمال غيرها حتى غلبت عليهم ولم يكن تسليم اللذات مخرجا لها عن
الجنسية في العرب التي تبعت الفرس والروم والترك لتمسكها بلغتها وعدم التهاون فيها باستعمال غيرها فبقيت عصبتها قوية ودمها الجنسي ساربا في عروقها تظهره القوة ويخفيه الضعف ولو تركت لغتها واستعملت غيرها لفقدت الجنسية الأصلية وعنونت بجنسية اللغة التي صارت ملكة في لسانها وعدمت الانفعالات العربية وكذلك الالبانيون والرومانيون واليونانيون وغيرهم لما ثبت لغتهم في ألسنتم ولم تنمكن منهم لغة أخرى بقيت العصبية محفوظة مع ضعف القوى حتى اذا قويت الانفعالات وتجمعت حواس العصبية غلبت على أمرها وتخلصت من اللغة المستلمة ذاتها ولم بضع تسليم الذات اللغة ولو أضاعت اللغة ما نظرت الى الذات فقد نقرر إن المدركات الجسمانية نترجمها اللغة وهي تستعمل الذات فيما نقوم به من المعاني وهذا أشرت بقولي.
(1/239)

- 206 -

إضاعة اللغة تسلم للذات
وقد قرر المؤرخ الطبيعي لامرك الفرنساوي إن الوظيفة تكون العضو وكان الطبيعيون من قبله يقولون إن العضو يكون الوظيفة فيحكمون على أن اليد هي التي تكون الحركة واللسان هو الذي يكون الكلام والعين هي التي تكون الأبصار وهكذا ولكن تحقيقات لامرك ومجرياته عكست هذا القول وأثبتت إن الوظيفة هي التي تكون العضو فأن اليد إذا أمسكناها ومنعناها من الحركة زمناً لتشنجت واحتاجت لعلاج يلينها حتى تتحرك ولو سلمناها للحركة لحفظت لها لينها واستقامة حركتها والحركة هي الوظيفة التي تكونها أي تظهر خاصتها وتديم استعدادها للوظيفة واللسان إذا ترك بلا تكلم مع صاحبه ولا تعليم للغة كان عضواً معطلاً فإذا أستعمل في وظيفته ظهر وعلم وعرفت ثمرته فالوظيفة هي التي كونته وأظهرت المعاني القائمة بالألفاظ المنبعثة من الانفعال الجسماني ولهذا أشرت بقولي في خصائص اللغة. إنها سر الحياة والحد الفارق بين الإنسان والبهيم بها يترجم اللسان خواطر القلب الى آخره. ومما ذكرته تعلم إن اللغة تصير بالصناعة ملكة للإنسان باعتبار المدارك الجسمانية وإنساناً باعتبار قيامها بالأنفعالات الجسمانية والروحانية وترجمتها المدركات الحاصلة الحواس والقوى الدماغية والتصورات العالية المجردة عن الانفعال الجسماني وليعلم إن الصناعة الكلام غير اللغة فإن الرفع والنصب مثلا تقوم بها الألفاظ وتحفظها من الخطاء ولكن لا تساعدك هذه الوسائل الصناعية على إتقان اللغة والمخاطبة
إذا كانت مجردة عن بدائع اللغة فكم من نحوي لا تغيب عنه قاعدة من قواعد النحو لو كلف كتابة جواب او عبارة صحيحة لأخطاء في الرسم وخرج عن حد الإنشاء كما إن اللغة وإن صارت ملكة لا تؤدي معاني صناعة الكلام إلا إذا أخذها الطفل عن والديه على أصولها فيوافق بنطقه صاحب صناعة الكلام وإن كان لا يدرك القواعد الصناعية فالصناعة إذاً ملكة اللسان غير ملكة اللغة وهي بمقام لغة أخرى في اللسان ومن هذا نعلم إن النصب والرفع وضرب زيد ومات عمرو ليس من اللغة في شئ لاستقلاله بنفسه فأنك ترى الأعجمي إذا لزم فن النحو أتقنه وهو لا يعرف العربية او لغة غير لغة وتري ساكن نجد ينطق بالعربية الصحيحة واللغة الحقة وهو لا يعرف من النحو زيداً ولا عمراًُ
وناصير أهل الأمصار محتاجين الى صناعة الكلام لتقويم الألفاظ بها إلا اختلاطهم ومزج لغتهم بغيرها ففقرها وصبروها لغة اصطلاحية لا يستدل على أصلها إلا بالمحفوظ في الكتب ولا يقومونها إلا بعلم الصناعة وقد أضاعوا ذاتهم الملكية وسلموها للغة واستعلموا غيره من اللغات فقدموا الجنسية رأسا وتجنسوا باللغة التي سيتعلمونها وسلموا ذاتهم لانفعالاتها الجسمانية والروحانية والانفعالات تصير الجسم
(1/240)

- 207 -

آلة لمظاهر الألفاظ وغرضاً لمواقع المعاني وهذا بعينه هو التسليم وان كان الوازع من المتحولين إذ لا ينفعهم بقاء الوازع مع جهل تأريخ مبدئهم وسيرة شعوبهم فأن اللغة الطارئة بعد يصير ملكة للسان تستخدم لفكر في تاريخ أهلها ووقائعهم وسيرتهم وهذا الاستخدام يهيئ الذات لا انفعالاته ولتبع المدركات الحديثة ويستحل على الذات الرجوع لحركت جنسها الأول بعد فقد الملكة المترجمة عن المدركات وتحويل المدركات لما تقوم به هذه الملكة الطارئة. فإذا كانت مستقلة وغيرت لغتها بغيرها ضعف فيها الاستقلال بقدر ما يضعف من لغتها فإذا تم التغيير فقد ت الاستقلال ووقع فيها الخذلان بتباين الطباع وانعكاس الانفعالات وعدم أتفاق المدركات فأنه يستحيل توافق التغيير في جميع الأفراد وإن تم اختلفت المدارك اختلافا يبعد الذات عن روابط الاستقلال وهذا الذي أشار إليه الفاضل المصري بقوله استقلال الأمة موقوف على حفظ لغتها والأديب الأسكندري بقوله اللغة هي عنوان الأمة.
وقد وصلنا في البحث لتأييد الحكم الثمان وتطبيقها على بعضها وأخرنا النتيجة للفصل الثالث عند الكلام على تسوية المناقشة وسنورد الفصل الثاني في العدد الآتي إنشاء الله

لطيفة
استحضر الخليفة المأمون الفراء لتعليم ولديه فأتفق له أنه أراد الخروج من المكتب يوماً فأبتدر الغلامان نعله وصار كل منهما يغالب أخاه على تقديمه لأستاذه وبعد معارضة طويلة اتفقا على أن يقدم كل واحد نعلاً بيده فنقل الخازن الموكل برعايتهما ذلك الى المأمون فأستدعى الفرار وقال له من أشرف الناس في عصرنا فقال له أشرف الناس أمير المؤمنين فقال له المأمون أشرف الناس من إذا قام أبتدر أولياء عهد المسلمين نعله وتفاخروا بتقديمه إليه فقال الفر ارأيت أخلاقهما المهذبة لطفت حتى سهلت لهما خدمة أستاذهما فلم امنعهما من هذه المحاسن التي تشهد بمجدهما فقال له المأمون لو منعتهما من ذلك لعاتبتك عتاباً شديداً وإنها لفضيلة تذكر في تأريخهما ثم انعم عليه بصلة عظيمة مكافأة له على حسن تربية أبنائه.
هكذا تكون الآداب ومحاسن الأخلاق فأنظر أيها القاري للأخلاق الملوكية وكيف صار أولياء العهد يخدمون أساتذتهم ومربيهم قابل ذلك بصعلوك إذا أراد أن يكافئ مربي ولده أساءه وآذاه وإذا نبغ ولده كان أول ما يراه الخروج على أستاذه ورفع أنفه عليه لتعلم أن السلالة أذا كانت طاهرة الأعراق كانت لطيفة الأخلاق وإذا كانت من الأوضاع كانت قبيحة الطباع فعلى معلمي الأطفال الصبر على مضض الكلام وتحمل الإساءة من الأدباء وأهل البهتان وسيرهم في طريق التأديب ومجاهدتهم في تخليص الأرواح من الجهالة ونقل الطباع من سفاسف الأمور الى جلائلها بحسن التربية والتهذيب ولهم الله يجزيهم على
(1/241)

- 208 -

حسن صنيعهم واتعابهم والا فْأن الابناء اذا عوملوا بسيئات الاباء نفرت منهم الطباع وكرهت رؤياهم وهذا ليس من مشرب الادباء ولامقصد النبهاء

شيخ زفتي او جاهلها
مررت في رحلتي على زفتي ونزلت بها أياما واتفق لكرام أهلها أنهم زارونا في ميت غمر وفيها قمت وخطبت فيهم بالحث على تعليم الابناء والاجتهاد في نشر المعارف وتعميم التعليم باجتماع واتحاد كلمتها على إحياء الأذهان بالآداب وقوبل الطلب بالإجابة من أعيان البندرين وشرعوا اكتتاب مرتبا شهرية يديرون بها مدرستين البندرين فشكرتهم على حسن مساعيهم وحبهم للخير واجتهادهم في منفعة بلادهم وأولادهم ثم قمت الى المنصورة ومنها الى دمياط ثم إسكندرية للعيد فوردت لي رسالة من زفتي وأخرى من ميت غمر وثالثة من زفتي أيضا يشكو فيها محرر وها خروج رجل يدعى انه من اهل العلم صار يمر في الطرقات والمجامع ويقول (المدارس من محدثات الأمور وكل محدثة بدعة ضلالة في النار) ويخوف الناس من المدارس ويقول أنها تزيغ العقائد وتفسد الاخلاق فتبعه خلق كثير من أوباش زفتي ورعاعها يويدون قوله وينشرون مفترياته ويقولون قال الشيخ كذالك وما كفاه إضلال او باش زفتي حتى عدى الى ميت غمر وجلس في مسجد الغمري يقول هذه العبارة فحضر إليه جملة من الشبان العقلاء وطردوه من المسجد ورده أسوء رد وما كان ذلك ليرجعه عن سوء أفعاله بل استمر على تنفيره الناس من تعليم أبنائهم وتحذيرهم من المدارس ولم يتبع خرافاته الا رذال الناس وراعهم وبقي النبهاء والأعيان مجتهدين في إتمام عملهم الخيري رغم انف هذا المضل الفارغ من المعارف.
وانا اسْأل هذا الجاهل (ان كان يعرف السؤال) أين تعلم فأنه لا يخلوا ما ان يكون قرأ القرآن في كتاب واقتصر عليه او اتبعه بحضور في الأزهر وكل من الاثنين مدرسة فأنه محل للدراسة. ولو نظر هذا الغبي لمساعي الحضرة الخديوية الجليلة في تقدم الأمة وتوسيع دائرة المعارف في إفرادها لبذل النفس والمال في أحياء العلوم ونشرها ولكنه جهل قدر نفسه وقدر الوطنية ومعنى الإنسانية وأقتصر في معارفه على حب ذاته وموجبات لقيل يده فأجتهد في دفع ما يظهر له سادة او مثالأ بعد أن أنفرد بدعواه ولو رأى هذا الفظ أن الحكومة وإن بلغت مابلغت في الثرة فأنها يعز عليها تربية جميع الأمة لأشتغالها بأمور كثيرة من ضروريات الأمة لعلم إن الأمة مضطرة لأجتماع كلمتها وشد العضد تربية أبنائها قياما بحق الوطنية والابوة ومساعدة الحكومه على زيادة قواتها بوجود العلماء واهل الادراك فنحن نحث وجها واعيان
(1/242)

- 209 -

البندرين على الثبات وعدم الا ارتكان على كلمات هذا الجاهل فأنه من القسم الذي قبحه وذمه حضرة صديقنا الفاضل الأوحد الأستاذ الشيخ محمد عبده محرر الوقائع المصرية اذا سفه رأي من يقف في طريق الخير وذم من يسعى في ضعف الهمم وأبطال المشروعات الخيرية العائدة على الامة والحكومة بالثمرة الكبرى والمنتفع التعميم ولا نعدم من إنشائه البديع بآبار في هذا الموضوع لردع مثل هذا الذي يريد بقاء الامة في جهالتها العمياء حرصا على مظهره وأني لا عجب من وجوده في البندر أيام أقامتي فيه وعدم تكلمه بما يدل على أنه حيوان ناطق وانفراده بالكلام بعد قيامي وتسلطه على ضعفاء العقول بابا طيلة ولكن سنعود إليه ليقيم عليه الحجة بما لا يستطيع إنكاره والعود احمد

نكته ادبية
الفتح مرض خاقان والد الفتح الشهير بمعارفه فتوجه الخليفة لزيارته في بيته وعندما وصل باب الدار وجد الفتح يلعب في صحنها مع بعض الغلمان وهو في العاشرة من عمره فقال له0 يافتح أيهما أحسن دار أبيك أم 0 فقال دار أبي وأنت فيها أحسن من دارك خالية منك فطرب الخليفة من هذا الجواب البديع ونزع خاتما كان في أصبعه وقال له خذ هذا الخاتم هدية مني فأني ما رأيت شيئا أحسن منه فقال الفتح لكني رأيت أحسن فقال الخليفة ما هو قال الأصبع التي كان فيها 0 فازداد طربا وعجابا بحسن جوابه ورقة عبارته وقال له بماذا بلغت هذه الآداب يافتح قال بحكمة أستاذي وحسن تهذيبه وتركي مظهر والدي وصرف أوقاتي في اقتباس أنوار معلمي فقال له أشتغل طفل بمثل ما اشتغلت به الا نبغ وتحج أين
اين هذا من جاهل يمرون أبنه على شتمه ونتف لحيته ويخوفه من معلمه ويحذره من متابعه فيخرج بعيد الإدراك أجنبيا من الانسانية بسؤر تربية أبيه وتعوده على القباحة والوقاحة مثل من قال لولده ان أستاذك رجل بطال فلا تعتمد عليه ولا تسمع كلامه فأصبح ابنه بهيما مثله يسمع الدروس ولا يتعقل وينظر الغير تبغ ولا يغار بما غرسه والده الجهول في ذهنه من بغض الأستاذ وعدم الانقياد إليه فنحن ننبه أبناء عصرنا على حرمة الأساتذة واعتبارهم وحث الابناء على تلقي العلوم بالجد والنشاط وعدم التهاون بالدروس ونقريرات الأساتذة حتى لا يحرم الولد من ثمرات العلوم ولا ينكر قدر مشايخه ومعلميه ويعلم ان الجهالة داعية الغباوة وسبب التأخر فما نقدمت امة الا بالعلوم ولا بالعلوم ولا زادت ثروة الا بالتفنن في الصناعة والله يرشد أهلينا واخواننا لطرق الخير واصلاح فساد النفوس بحكم العلماء ونوادر الأدباء

حل اللغز
نشرنا في هذا العدد الماضي لغزاً بقلم حضرة الشاب النبيه محمد أفندي متولي بمصر فبعث
(1/243)

- 210 -

ألينا بالجواب عنه احد أبنائنا النجباء فقال بعد الديباجة كنا رجونا على لسان جريدتكم الوضاء ان يتفضل علينا الأدباء بما يروحون به الأذهان لنرشف من تلك الكؤوس المترعة بسلاف التنور يأخذ الألباب يرقته فلم نلبث ان رأينا في العدد 12 لغزا لحضرة محمد أفندي متولي المصري فعلمت ان طلبي وقع موقع القبول والاستحسان فلذلك أجيب عن هذا اللغز بما تصل إليه مدركتي الضعيفة فأقول والى صاحبه الخطاب
يارعى الله فكرة لك صاغت ... در لفظ به العلا منحلي
قد بدا بالبديع سحراً حلالا ... كنت منه على النهي متولي
ولاعجب فقد رقت المباني ودقت المعاني فاحرزت قصبات السبق في مضمار البراعة فليس الإمكان ان نصف هذا الذي يحمل أثقالنا الى بلد لم نكن بالغيه الا بشق الأنفس بأكثر مما وصفته به فشكرا لك على إجابة النداء وثناء يحمله اليك أسرع (وأنور)
كتبه ولدكم مصطفى ماهر
ثم أهدانا حضرة السيد الكامل الشيخ محمود ونس بهذه الأبيات جوابا عنه فقال
ياملغزا والسحر في ألفاظه ... وعلى المعاني جيبها مزرور
أضمرت ثم أبنت يا كنز النهى ... بفرائد منها السطور نحور
لولا الإشارة في كلامك ما بدت ... تلك الرموز ودرها المنثور
زدت العلا فضلا بأبهى نكتة ... حوت النفيس ففضلك المشهور
حارت نفوس الكاتبين بأسرهم ... لما سعى برسالة (وأبور)
محمود ونس
ثم جاءنا من حضرة الفاضل السيد محمد أفندي شكري ناظر مدرسة الجمعية الخيرية بدمنهور ما أجاب به تفصيلا وهو
طالعت العدد الثاني عشر من صحيفتكم الغراء فرأيت به لغزا بديع الأسلوب شاهدا ببراعة منشئه فظهر لي انه في (وابور) وهذه صورة حله ان وقعت موقع استحسان وتكرمتم بدرجها باثباتها كنتم آخذين بيد الفضل
حروفه التي يركب منها (وا ب ور) فأن بسطت كانت كانت (واو. الف. ب اواو. را.) وهي بالعد حينئذ لتركيب (215) وجمل الزائد عليها لدى البسط (126) وفيه (وا) للندبه (او) للعطف (اب) احد اصلى الانسان بل وكل حيوان (بور) خراب (بر. رب) اسمان للباري جل وعلا واشار الى قوله تعالى وتحمل اثقالكم الآبة وانزلنا الحديد آلابة وكنتم قوماً بوراً محمد شكري
المكي
(1/244)

- 211 -

(التنكيت) نعتذر لحضرة صاحب الحل الاخير فانه ارسل لنا عذا الحل على صفة الجدول فاخترنا ان نثبت مرسلا ليكون ابسط القاري

نادرة
اتفق للاستاذ الفاضل الشيخ محمد خضير المياطي عند إقامته بلندرة من بلاد الانكليز انه اراد التفرج على الفاخورة فكتب لصاحبها تلغرافاً يطلب منه تعيين وقت يزوره فيه وجاء الجواب بتعيين اليوم فلما حل ركب الوابور وتوجه لتلك الجهة فقابله الفاخوري بالاكرام ومضى الى المعمل واخذ يفرجه على المصنوعات الغريبة ولمشغولات البديعة حتى انتهى به لى الدولاب فنزل في البركو وقال له ماذا تريد ان اصنعه لك الان فقال اريد فنجاناً فان الوقت لايساعد عل اكبر منه فاخذ في لعمل وغلام امامه يدير الدولاب بواسطة حبل مربوط في جهة اخرى وفي اثناء العمل قال له الانكليزي كنا لانعرف هذه الصنعة حتى استحضرنا هذا الدولاب من مصر وقد اجتهد علماء الانكليز في احسانه اكثر مما هو عليه فلم يتمكنوا فرأى الفاضل انه (أي الانكليزي) يبكته بهذه العبارة يريد انك تكلفت المصاريف الجسيمة لتتفرج على شيء هو من بلادك فقال له كيف لم تهتد العلماء لاحسانه وقد ابطل الفاخورية عندنا هذا الحبل وصاروا يديرون الدولاب بارجلهم ليتمكنوا من احسان مايصنعونه فبهت الانكليزي وغضب غضباً شديداً وقصر في عمله واخذ يجيل طرفه في رجل عربي عليه عمامه وجبة وقفطان وبرنس يرد عليه بهذا الكلام ويظهر بما قاله فضل فاخورية مصر على العلماء الانكليز ثم ابى ان يفرجه على باقي المعمل فودعه ةانصرف فانتظر لهذا الفاضل الذي لم يرض بنقص قومه وذمهم واجاب عنهم احسن جواب وهو وحيد في بلاد خصمه وتأمل غضب الانكليزي على العلماء بلاده وتكدره من عدم هداينهم لتتغير الدلاب او احسانه بعد ان عام ان الفاخورية مصر الجهلة احسنوه فنحن نثني على هذا الفاضل ونرجو من اهل بلادنا الاجتهاد في احياء ما مات من انصنائعقد كفى ما جرى وحبنا من التاخير اقتصارنا على الماجور والطاجن والقلة القناوي والحجر الاسيوطي

الولاية الخرافية
في بعض الكفور الريفية
لاحد نبهاء بورت سعيد
ما زلت اتقلب على بساط الافكار حتى قرات الجملة التي اوردتموها في العدد 9 من جريدتكم التنكيت الغراء تحت عنوان (سلطنة التخريف) فتذكرت بها حادثة جرت في بعض السنين السالفة باحد الكقور الريفية اروبها لكم على حقيقتها ليطلع عليها قراء صحيفتكم الكرام وهي
(1/245)

- 212 -

كان احد الفلاحين (واسمه زعبل) الذين نشب الفقر بهم اظفاره محطا لرحال شيخ الكفر يستخدمه في السخرة والعمليات الشاقة حتى انحل جسمه واذهب قوته فاخذ يكفر في حيلة يتخلص بها من مخالب سلطة الشيخ عليه فلم يجد احسن من الفرار سبيلا فعزم على اجتيازه غير ان النهار كان على وشك الانقضاء فمكث مكبا على اعماله حتى غربت الشمس واقبل سلطان الليل يجيش الظلمات فسار وهو خائف يترقب الى ان قطع اميالا أمنته على نفسه فتأمل خلقه فاذا حمامه تنقر في الارض للبحث على قوتها فاراد صيدها فاخذ حجرا صغيرا ورماها به فاصاب جناحها فعجزت عن الطيران فامسكها مسرورا ووضعها افي جيبه حتى يتمكن من ذبحاها وشيها ليدفع بها قوة الجوع
فجد في السير حتى اتي على بعض الكفر فرأى قوما من اهل الطريق مجتمعين فانضم إليهم فساروا وهو معهم حتى دخلوا دارا كانت معدة لهم ليذكروا الله فيها فلما استقر بهم المقام جييىء بالطعام كما هو العادة في الأرياف ولما كان من لوازم تلك العادة كما لا يخفى ان رب المنزل يجعل الطعام مقسما على المدعوين وكان عددهم بدون زعبل عشرين رجلا جييىء بعشرين حمامه على عددهم فقام النقيب وأعطى كل واحد حمامه حتى وصل زعبل فلم يتامل بمنه فأعطاه حمامة أيضا وما زال بدور ينهم قسم الحمام عليهم وبقي واحد من المدعوين بدون ان يأخذ شيئا فاجوا وما واضطروا وكثر اللغط بينهم فقام النقيب وصار يعدهم فرأى واحد وعشرين رجلا فتأمل فرأى زعبل فصاح هذا غريب فقام الذي لم يأخذ حمامته وتعلق بزعبل قائلا (هات خدمتي) يعني قسمه لان ارباب الطريق يدعون القسم (خدمة) واما عامة الفلاحين فأنهم يسمونه (نايب) وجمعه نوايب (هات خدمتي يا حرامي)
واذا كان زعبل في وقت اللغط اغتنم الفرصة واكل الحمامة مد يده التي كان مديدة الى جيبه واخرج له الحمامة التي كان قد صادها وقال خذ حمامتك فلما رأى القوم هذه الحالة بهتوا وللجلجت السنتهم وارتعدت فرائصهم وقاموا يطلبون منه الدعاء ويقولون (شيء الله المدد) وظنوا بل اعتقدوا انه ولي فلما راى زعبل ان الوم اعتقدوه هام (تطور) واخذ يصبح (هومم) عالما ان يحسن السبك قد ينفي الزغل
فكان السعيد فيما يظنون من تمكن من لمس ثوبه فاشتهر صيته وانصل باطراف الكفر فلم يكن الا كملح البصر حتى حضر الناس افواجا فضاقت بهم الدار فخشي صاحبها تغيير مزاج الشيخ (زعبل) فقام ودفع الناس عنه ووقف امامه واضعا يديه على صدره ثم قال وهو على غابة من الخضوع (تفضل بنا الى المحل المخصوص لحضرنك لتحصل البركة) فقام وصاحب البيت خلفه يمشي على اطراف اصابعه حتى اوصله الى ذلك المحل فاجلسه ووقف الى ان اذن له بالجلوس فجلس ثم ارسل الى الفقراء يامرهم بالذكر على مدد الشيخ وتخصيص
(1/246)

- 213 -

الليلة به وهو في ذلك يهدر حكما وبدخل في كل عبارة اشارة فاذا اراد احد الدخول عليه لايمكنه
الا بعد ان يستأذن المريدون الشيخ فاذا أذن جاءوه به فاذا دخل وفق خافضا رأسه حتى يأذن الشيخ له بالجلوس فيجلس ولا يتكلم الا بالاذن ايضا
ولقد صادف الشيخ زعبل من الحوادث ما كان سببا لزيارة الاعتقاد فيه وذلك ان احد سكان الكفر من الفلاحين كان عليه من الاموال المقررة على اطيانه ما لايتمكن من دفعه فاضطرالى ان يبيع بقرة لا يملك سواها لدفع تلك الغرامة فلما باعها جاء بثمنها واسلمه الى زوجته الى ان ياتي شيخ الكفر فيعطيه له فوضعته في كوة (طاقة) فجاء لص وسرق المال ومضي ثم بعد قليل تذكر ان في الكفر شيخا له كرامات ظاهرة فهدته خاتمة افكاره الى ان يذهب اليه ويعطيه المال المسروق لئلا يفتضح فاسرع حتى وصل واستاذن فدخل واخبر الشيخ بالسر ثم اعطاه المبلغ فاخذه وصار يعنفه ويقول (عرفنا الامر من قبل) ثم امره ان لا يعود لمثل ذلك ما دام هو في الكفر فشكره اللص وانصرف
ثم ان شيخ الكفر جاء الى دار الفلاح وطلب منه المال فطلبه الفلاح من زوجته فقامت
لتأتي به فلم تحده فصاحت باعلى صوتها (خده الحرامي) واخذت في العويل والبكاء فقل زوجها (يا بركة سيدي زعبل) ثم قصده وفلما وصل الى البيت الذي هو به دخل باكيا واخبره الخبر فقال له (طمن قلبك) ثم رفع طرف البساط الذي هو جالس عليه واخرج ماله واعطاه اياه وقال (خذ اديني جبتق لك خل الطريق مستوره) فاخذ الرجل المال وهو باهت متعجب لهذا الكرامات الباهرة ومال على اقدام الشيخ يقبلها تارة ويضعها فوق رأسه اخرى فصاح من بالمجلس (مددك يا شيخنا) وفرح صاحب البيت معتقدا انه بنزول الشيخ عنده صار من السعداء
واما شيخ الكفر الذي منه زعبل فانه تفقد في بعض الايام احوال من بالعملية فلم بجد زعبلا فيهم فعلم انه هرب فاخبر مامور العملية به فالزمه بإحضاره
ثم رأى أخيرا انه لا بد ان يستكشف الامر بنفسه خيفة ان يكون فراره بعلم شيخ الكفر وهو متكتم الامر فسار معه لذلك وكان اول ناحية دخلاها هي الكفر الذي به زعبل فاستحضرا شيخه وعرفاه الحال وبينا له صفة زعبل فقال لهما ان هذا الاسم وهذه الصفات 0001 ولكن حاشا ان يكون هو الذي تقصدان فانه شيخنا فقالا نريد ان نراه ولو بقصد التبرك فاجابها ومشى معهما حتى او صلهما الى البيت الذي هو به فاستأذنوا ودخلوا فكان شيخ كفر زعبل والمأمور يلحظان زعبلا شزر علما منهما بانه مطلوبهم فكستما مرادهما حتى خرجا فقالا لشيخ الكفر هذا هو مطلوبنا فقال حاشا ان يكون هو وصار يعدد لهما كراماته فقال له المأمور بقي عليه كرامة واحدة ان اظهرها
(1/247)

- 214 -

كان لاشك ولياً وذلك ان يذبح صاحب البيت في الليلة المقبلة كبشا وكلبا ويضع الكبش في قصعة ويقدمها للمأمور ومن معه يضع الكلب في (انجر) ويقدمه لزعبل وأتباعه فان كان وليا ميز بين الكبش والكلب فاسنحضر شيخ الكفر صاحب الدار وأمره بذالك وبكتمانه فخاف على نفسه من غضب الشيخ الا انه لا ير بدا من الإجابة فقام الى بيته واخبر زوجته بالوقع فصرخت في وجهه وقالت (انت يا شيخ عاوز تخرب بيتك) فقال لها ان شيخ الكفر الزمني بذلك فكيف العمل 0
فقالت له (انا أروح للشيخ زعبل وأقول له والا عدمنا أولادنا) فرضي بذلك وقال لها (أوعى تقولي لغيره) فقامت من عنده وقصدت الشيخ وأوضحت له الحقيقية فقال لها (انا
عارف من قبل ما يتحبي اعملى زي ما هم عايزين) ففرحت المرأة برضاه وفعلت ذلك فلما جاء وقت العشاء بقي الشيخ زعبل في الحل المخصص له حتى تكامل الناس فنزل أليهم فلما رأوه قاموا أجلالا حتى جلس ثم أشار أليهم فجلسوا فاستعدعى بالطعام فوضعت المائدة فاراد الناس ان يأكلوا فصرخ فيهم قائلا (أعطوا الكلب للكلاب) وهاتوا لنا القصعة فهاج الناس لذلك وعملوا المكيدة فصاروا يسبون المأمور ومن معه ويطلبون من الشيخ السماح فخجل المأمور والشيخ وقاما هاربين وقالا هذا لا شك ولي من أولياء الله فلما انقضت تلك الليلة واصبح الصباح قال الشيخ زعبل لصاحب الدار اذا غبت عنكم الليلة فلا تبحثوا علي فقد جاء الأوان وصدر لنا الأذن بالرحيل فاضطرب الرجل لذلك (أحنا عملنا أية حتى تفوتنا) فقال الشيخ صدر الأذن والسلام
وما فعل ذلك الاخوف الافتضاح فلما جاء الليل خرج الى العجز فرأى اثنين سارقين محراثا فلما رأياه هربا من أمامه ونزلا قاربا في الجر وسارا به فقال في نفسه لا بد ان ارجع ثانية وأبين هذا الكرامة فرجع ودخل الدار التي كان بها وصاحبها غير عالم به فلما أصبح رأى الشيخ في منزله ففرح ودخل عليه وفجلس أمامه والشيخ لا يتكلم فشاع في الكفران احد اهل الكفرسرق له محراث فهرول صاحب المحراث حتى جاء الى الشيخ مكتئبا وشرح له قصته فقال له توجه الى الجهة الفلانية شاطئ العجز تجد محراثك فتوجه الرجل فرآه كما قال الشيخ فكبر اعتقاد الناس فيه حتى بلغ الغاية القصوى فاخبرهم انه يغادرهم في الليلة القادمة فتجمعوا وترجوا ان يقبل منهم مايجهزوا به انه لاشيء اخف من الذهب فجمعوا له ما لايمكنهم الزيادة عنه فبعد ان اظهر العفة قبله واراهم انه يصرفه على المحتاجين ثم انصرف وقد خلص من السخرة والعملية بالولايه الخرافيه
(1/248)

- 215 -

الارشادات الجلية في التذكر الطبية
كتاب كتبت اقلام الغيرة على صفحات نشأته الحديثة هذا كتاب لا تزال لغتنا العربية محتاجة اليه والى ما يماثله فقد ملئت الخزائن كتبا ربما استغني عنها ببعضها لا شتمالها على ما تعدد اسما واتحد مسمى فانك ترى الكثير منها في موضوع واحد لا فرق بينها الا في الالفاظ ومع كثرتها نراها عارية مما بلزم اتخاذه للتحفظ على الضمة التي اقل ما فيها ان الانسان لا يتوصل الى ما في تلك الكتب الا بواسطتها فهي حافظة الانسان بل هي الانسان
وهذا امر لا يحفى خصوصا على الحكماء والاجزائيبن فلذلك اعتنى بجمع هذا الكتاب صديقنا الابراهيم افندي مصطفى كيماوي وكشاف مجلس عموم الصحة باسكندريه فجاء غنية للطالب ومنية للراغب وقد التزم طبعة بمطبعة جريدتي المحروسة والعصر الجديد فجاء مشتملا على 91 صفحة وجعل ثمنه 2 فرنك فلا ريب ان حضرات الاطباء والاجزائين يتسارعون الى مورده العذب لينهلوا منه كؤوس الرضا وما ذلك على من رام الوقوف على الحقيقة يبعد

كلمة عاقل
عندما حضر الموسيو دلسبس لفتح قنال السويس قدم جملة من اخواننا الوطنيين ورفعوا اليه رقاعا مكتوبا فيها (عبد كم فقير الحال ولى دراية بفني القراءة والكتابه والتمس الخدمة عند سعادتكم لكي اتحصل على معاشي) فلما قدمت له الرقاع قال اني لا عجب من امة تريد الخدمة والكسب بما هو من ضروريات الانسان وهو القرأة والكتابة واعجب من هذا قولهم فني القرأة والكتابة ابوجد في هذه البلاد من يقرأ ولا يكتب او يكتب ولا يقرا حتى عدوا المتلازمين فنين
(التبكيت) اذا كنا لانحسن النجارة ولا الحدادة ولا الهندسة ولاشيأ من الصناعة وتركناها باهمالنا وتغافلنا عنها واقتصرنا على ارسال الاولاد الى كتبه الدواوين يجلسون بجواهم اعواما حتى يتعلمون ورد جوابكم والحال لاشك اننا نبكت بلسان هذا العالم الذي قال ان القرأة والكتابة من ضروريات الانسان لامن موجبات الخدمة في سائر الامور ولكن نشأتنا الحديثة تؤملنا بتغير الحالة واظهار لفضائل الانسانية وفي الامة وبالحكومة العون وعلى الله المتكل
تأخر لدينا كثير من الرسائل وفي جملتها رسالة لواصف افندي سميكه فموعدنا بنشر ما يمكن العدد اللآتي
(1/249)

- 216 -

شروط المراسله
(1) ان المراسل يبين الكلمات بخط لاتعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لانراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في الرسالة مايرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لاتنشر لاترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصحيفة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لاترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور 12 فرنكا عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و15 فرنكاُ عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لانسمع احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاه من نعيمه في ادارة الجريدة بحيث يكن اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
(نديم)
(1/250)

- 217 -

العدد 14 - بتاريخ: 18 - 9 - 1881
(1/251)

- 218 -

لفته
نستلفت حضرات مستخدمي البوسطة الى مطالعة هذه اللفته ليجعلوا لها من تاملهم نصيباً فقد كثر نشكي اغلب المشتركين في سائر الجهات من عدم وصول الاعداد اليهم في مواعيدها ومنهم من شغل مكتب الادارة بمراسلات تنبي بعدم وصولها اليهم ولا نعلم لذلك سبباً مع اننا في اغلب الاحيان نرسل الى مشتركي ثغرنا فالمرجو من حضرات مستخدمي البوسطة ان لا يلجؤنا الى اعادة الطلب ولهم الفضل

وكلا الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد احمد الصياد بالاسمعلية - محمد افندي حبيب بالمنصورة - محمد افندي ذكي بدمنهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/252)

- 219 -

درس تهذيبي
التلميذ ونديم
(ت) وعدتني بدرس الاسبوع الماضي وما تلقيته بسبب مرضي وما انا قد نقهت فتفضل بشرح حال السير الانساني ولكنه يحتاج للايضاح والتفسير
(ن) أي بني لا تصل للتهذيب الانساني الا بمعرفة الحقوق واول حق نطالب به حق مريك فاعرف له من الفضل ما خدمك به ونقلك من البهيمية الى الانسانية واخفض له جناح الخضوع اليه وابسط له بساط الحنو عليه ولا تجبهه اذا خطأ ولا تفحش عليه اذا عثر في كلامه واعنه على معاشه وحفظ حياته بقدر ما يصل اليه امكانك وادفع عنه العدو واحفظ له السر ولا تجلب عليه من الشرور ما لا يصل اليه الا منك واجعل مجلسك معه ادبا ومسامرة لتزداد معارفك وتقوى مدركتك وعامله بالرفق الذي كان يعاملك به لتجلب رضاه وتجذب قلبه اليك. وان فعلت غير ذلك كفرت النعمة وتعرضت النقمة ودنست مجد ابيك بما تظهره من اللؤم وما ترتكبه من القبائح وما تخرج به عن حد الادب الانساني
(ت) هذا حق المربي فما حق الوطن علي من جهة اللغة والصاعة والعلوم والحاكم والنظام العام
(نديم) حق الوطن حفظ لغته وتثبيت العمل وتنقيح وحشيها واضافة ما يحدث من اسماء الألات ومحدثات الصناعة لئلا يدخل فيها ما ليس منها فيفسدها ويضيع مجدها واجهد في ان تكون مخاطبتك لاحبابك وكتابتك في ديوانك وقضاياك جميعها بلغتك التي تجمعك مع مواطنك وتحفظ لك النظام العام
وحقه من جهة الصناعة ان تجتهد في نشرها في بلادك ولا تلبس الا من صنعة بلادك أي ما كان من غرسها او اصواف واوبار حيوانها مشغولا بمعرفة الوطني مخبطا بيده مبيعاً في دكانه لتحفظ ثروة البلاد وتزيد في عمرانها وقوة حاكمها فان من ترك الصناعة واستعمل المشغول في غير بلده كان كالاجير الذي يشتغل لغيره فيرفع الحجر ويحمل الطين ويبني حتى يرفع بيتا جميلا ليسكنه مستأجره وانظر للانكليز لما حجرت على الهند صناعتها الخياطية واشترت منها محصولات البلاد واشتغلتها في بلادها صبرت اهالي الهند كالالة في يدها لفقد الصنعة منهم واحتياجهم لما يتسترون به وقد ربح الانكليز الكسب مضاعفا
مرتين من المحصول عند اشترائه بثمن النجس ومن المصنوع عند بيعه باعلى الاسعار وما وصل بالهنديين لهذه الدرجة الا تركهم الصناهة وميلهم لمصنوع الغير. وانظر الان اهل بلادنا وما هم فيه من البعد عن الصناعة وميلهم لمصنوعالاجنبي وما يأتي به من المشغولات نر النجار منا في غاية الفقر والفاقة نمر عليهم وهم يبيعون ما صنع
(1/253)

- 220 -

في غير بلادنا ثم لا نشتري منهم شيئاً وما وصلوا درجة الكساد الا بتغافلنا عنهم وحبنا للخواجات الذين يدرسون فنون التحايل على فقد ثروتنا ونحن من الغافلين
(ت) وبم نتحصل على الصناعة واحياء اهلها ولوضع احد الوطنيين شيئاً وعرضه البيع لم يشتره منه احد كما تعلم فباية طريقة نتحصل على المقصود
(ن) يا ولدي ما اسهل ما طلبت وما اقرب الوصول اليه فما هو الا ان يجتمع عدد من الشبان ويفتحون صندوق اقتصاد يكون من شأنه ان يقبل السهام ليشتغل بها في الصناعة الحاضرة بشرط ان يتعاهد كل من المساهمين على انه لا يشتري شيئاً من مثل المشغول في سهامه من الاجنبي ابداً ثم تبتدي جمعية السهام بتشغيل اصناف البنطلون والسترة والقميص الافرنكي والجزمة وغير ذلك من الضروريات بحيث لا تستعمل فيه الا اهل البلاد فيكون المساهم قد ربح كسب السهام واحياء الصناعة وفتح بيوت الصناع وزيادة ثروة البلاد وتأييد الحكومة وهذا كما ترى امر سهل جدا لا يصعب على الفقير ولا الغني ان يسعى فيه وبهذه الطريقة يمكن تعليم الصناعة دراسة وارسال من يلزم من التلامذة لتعلم ما لا نعرفه من بلاد الافرنج على نفقة جمعية السهام بشرط ان تكون السهام جميعها للوطنيين ولا يدخل فيها اجنبي الا مستأجراً لصنعة يعلمها وهذه الجمعية تكون سبباً عظيماً في ثروة البلاد فان الكسب عائد على اهلها والمنفعة راجعة اليهم
(ت) وماذا عليك لو ابتدأت العمل ودعوت لهذا المشروع الجليل
(ن) يا ولدي انا فقير كما ترى ولا يعتمد في مثل هذا الامر الا على الاغنياء ولكني ساجهد نفسي في دهوة الكثير من الامراء والاعيان لهذا الامر لعلي اصل الى المقصود فقد صرنا في زمن تنورت فيه الافكار وعرفت قدر الثروة واسباب الاقتصاد وان لاقيت في هذا السعي معارضة او عقبات ذكرتها لك لتحذر من الوقوع في مثلها وان نجحت في سعيي زينت وجه صحيفتي باسما. من يلبون الدعوة من محبي التقدم ورجال الهمم والغيرة
الوطنية واما حق المواطن من جهة العلوم فقد سمعت من خطاباتي ورايت من محرراني في هذا الموضوع ما كاد ان يثقل على الاسماع لكثرة تكراره والتفنن في اسبابه فكن على علم منها ولا نهملها مع من اهمل فتكون لوطنك من المهلكين
اما حقه عليك من جهة الحاكم فهو حفظ سطوته وتخليد ملكه والدفاع عما يشين مجده اويضعف قوته والموت في احياء كلمة الوطنية باسمه ومساعدته بالمال على تنظيم البلاد وتحصين الحدود والسعي خلف اوامره في دفع الاعداء ورد الخصوم بحيث تكون معه يداً واحدة في حفظ نظام البلاد وبقاء سطوتها الوطنية مؤيدة برجالها مخلدة بحاكمها فانك تعلم ان الحاكم اذا كان من اهل البلاد عاملهم
(1/254)

- 221 -

بمقتضى عوائدهم وطباعهم واخلاقهم وحفظ لهم ناموس الشريعة المتمسك بها معهم وخاف عليهم خوفه على ولده واهله فانه يعلم انه بهياءتهم الاجتماعية ملك عظيم وبدونهم فرد من الافراد. وانظر لبلادك التي انت فيها تجدك محظوظا بحاكم ولد في ارضك وتربى على مطعومك وفطر على لغتك وعاداتك فهو يعاملك معاملة ابيك تدعو فيجيب وتترافع فيسمع وتدخل عليه فيقابلك ببشر وطلاقة ويخاطبك بلغتك ويسالك عن حالك وحال اخوانك الوطنيين ان غنمت شيئاً فرح لفرحك وان اصابك امر تكدر لكدرك وساعدك على التخلص منه وان اخطاءت في امر والتمست العفو عفا وان غبت سأل عنك ثم تراه يقضي يومه في تنظيم الدولة وبقائها مخلدة باهلها وحفظها من يد الاجنبي وتصرفه فيها. ولو كان الحاكم من غير جنسك لعز عليك الوصول اليه وان وصلت جهلت لغته وان عرفتها كنت حقيراً في عينه ذليلاً بين يديه ولا ازيدك تحذيراً من سطوة الاجنبي وتحكمه ففي تاريخ بلاد امثالك التي حكم الاجنبي ما يحفظك من الميل اليه والخروج عن طاعة مولاك. واعلم ان الحاكم الروح والوطنيون الجسد فهو قوي ما قويت العصبية ضعيف ما ضعفت فكلما كان تعلقك به شديداً كان مجده بين الملوك عظيما واسمه جليلاً فعلى الامة التي تريد ان تقوى على اعدائها وتحفظ نظامها وبلادها ان تربط قلبها بقلب مولاها وتكون له حصناً يحتمي فيه وروضاً يتنزه في افكاره وضيفاً يدفع به العدو وترساً يتقي به سقطات الزمان بحيث تستميت في طاعته وتأييد سطوته وان ابتليت بسكني الاجانب في بلادها اخذت حذرها من فننها وخداعها وعاملتها معاملة الانسانية وسارت مع كل غريب بما يقتضيه حق الجوار والرحلة واكثرت المجامع
والمجالس لاحسان السيرة ورد السفهاء وحقن الدماء وحفظ الحقوق لئلا تضل السفهاء فتغري عليها الاجانب بسوء معاملتها وعدم معرفتها طرق الاجتماع والاختلاط
ويستحيل على الامة ان تكون جميعها اهل حماية وحماسة فان الصناعة والتجارة والفلاحة تقضي على صاحبها باشتغالهبها وانقطاعه عن غيرها وهذا مما يقضي على الحاكم باعداد الجيش وتدريب الفرسان على النزال والطعان لنازلة يدفعها وفتنة يطفئها وحصن يحفظه وعدو يرده والامة ان لم تساعده على هذا النظام بتسليم الابناء الاصحاء الاشداء للتمرين الحربي ومساعدته بالنفيس في المال يستعين به على نفقة الجند واعداد الذخيرة ضعفت السطوة وبادت القوة. والجند هم اسود البلاد وحفظة الملك بهم يبلغ القصد وينفذ اوامره ويبث الامن ويعظم في عين نظرائه
فكن رجلاً يهوي الحياة لعلة ... هي الحفظ لللاوطان والحاكم العلي
واياك والسعي خلف مقاصدك والخروج عن افكار الامة واغترارك بمحتال يجعلك سلماً لاغراضه
(1/255)


- 222 -

وهدفا لمصائبه ولا تكن في سيرتك مذموماً تمدح هذا لوجود امامكاو لرفعته عليك وتذمه اذا غاب عنك او تحول عن دارك فان هذه صفة الطائش الذي لا يعرف الغث من السمين واعلم انهم عابوا على المتنبي الشاعر المشهور في قوله في جانب كافور قلت امدحه وبعد المدح قلت اذمه وحكموا بلؤم هذا الشاعر وفساد مخيلته لعدم ثباته وتذبذبه مع حوادث الزمان وهذا امر يسقط قدر الانسان ويضيع هيبته ويعدم الثقة به وبافكاره وينزله من اعين كمل الرجال بل ورعاعها فاذا بليت بعشرة عظيم ومدحته فلا تذمه وان كرهت صحبته فاصمت ولا تذكر هفواته ودع غيرك يتكلم بعيداً عنك حتى لا تكون في امورك من المتلونين الذين يدورون خلف اغراضهم ويهدرون حق الوطنية خصوصاً في جانب عمال الملك فانه يولي هذا اليوم لمصلحة يراها ويرفعه غدا لثمرة يريدها ولا يريد الا منفعة الامة وحفظ راحتها وانت صغير ضعيف لا تبلغ بك الرفعة درجة العامل ولا توصلك العزة منزلة الملك فكن مع امثالك الصغار مؤتنساً بافكارك وملاذك الادبية وان دخلت في باب الكلام فكن صادقاً في النقل بعيداً من القدح حريصاً على وحدة الاجتماع الوطني وان استفتيت في مسموع او منظور فترو قبل الكلام وانظر العاقبة ولا تمل الحاضر واجعل الحزم امامك والصدق حجتك ولا تخض فيما لا يكلفك الزمان ولا تغمض على اخبار العدو
وحوادثه جفناً وكن كمن
ينام باحدى مقلتيه ويتقي ... باخرى الاعادي فهو يقظان راقد
وانظر النظام العام من قومك فان وقع في هرج فسكن الفتنة واصلح بين النفوس وان اصيب بنازلة فشد عضدك باخيك واجعل الحاكم نصب عينيك لتحفظ بابه وتدفع عدوه فان الوجهة التي يتوجه اليها العدو واسمه الاسم الجامع لشتات الامة وان دعيت لنظام الدولة فكن ممن يقدم الراي على شجاعة الشجعان واقرن توقد ذهنك بحد رمحك ولا تجرد سيفك حتى تبعث قبله الشهب من الفاظك لتدرا بها في نحر عدوك وصور الامة حرمك والحاكم ساعدك لتغار على الحرم وتحافظ على الساعد فان من خدش شرف حرمه لا ناموس له ومن ضعف ساعده لا يقدر على حمل السيف ولا رد الاعداء. وكن في سيرك بين اهلك واحداً منهم ما لهم وعليك ما عليهم ولا ترفع عليهم انفك ولا تجر ذيلك في محافلهم كبراً وخيلاء ولاى تحقر عالمهم ولا تنافر متكلمهم ولا تضيع حق الضعيف ولا تمالي الغني ولا تبار السفيه. واصرف اوقاتك في تذكار ما يحفظ النظام ويخلد وطنية البلاد واعلم ان العدو لك بالمرصاد وليته كان واحداً حتى كنت تعرف حده او تقضي قصده ولكنهم اعاد يتربصون بناره المنون لا يفرتون الا اذا تنازعنا وتخاذلنا ولا يسرون الا اذا ضعفنا وعظمت جهالتنا ومن كانت هذه صفته كان
(1/256)

- 223 -

حقيقاً بالخوف منه والبعد عنه ولا تتمكن من البعد عنه ورده عن مكايده الا بانتظامك في هيئة اجتماعية تجمع الاراء وتجذب قلوب الافراد وتحفظ الحقوق وتنادي بعزة حاكمها وسطوته في سائر الوجود وبهذا يندفع العدو ويضعف عن دخوله بالحيل والخداع فان المسئول امة عن امة والمدافع رجالها والحافظ روحها فهي كجسد تمت اعضاءه وتقوت اعصابه وجرت روح الحياة في سائر عروقه واوداجه ومن كان كذلك عز على عدوه ان يقرب منه فان كل عضو شديد الاحساس قائم بوظيفته التي فوضت اليه ومتى احس بطارىء سرى شعوره لجميع اجزاء الجسم فاهتز وتحرك ودافعت الحواس بما في طاقتها
واما حقه عليك من جهة النظام العام فهو اخلاصك في النصح والتزام الوعظ واجتهادك في طهارة القلوب من الغل والحسد وتخليص النفوس من الجهالة ودفع الافكار الفاسدة ورد الضال عن طريق الغواية وهداية البعيد عن الحق اليه وبث روح الوطنية والاتحاد في كل
جسم من الامة وتحذير الافراد من الفتن والدسائس والمجامع المضرة بالهيئة الاجتماعية وان تخطب قومك بما ينور افكارهم ويعرفهم حقوقهم ويصيرهم بين الامم نبهاء مدربين على الحكم والاحكام ولا تلزم طريقة الفقهاء في الخطابة الادبية فانها تفسد الافكار وتميت الهمم وتدعو الى الكسل والتهاون بالنوازل وكن كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطبته الناس بما تلده الايام من الحوادث وكما كان عليه السلف الصالح والخلفاء الراشدون من خطبة الناس بوقائع الحروب ومعضلات السياسة فما فرضت الخطبة الا لتجمع الامة في ساعة واحدة في سائر الاقطار وتقف على الحوادث والاخبار لتأخذ حذرها من اعدائها وتحفظ مظهر حياتها وناموس دينها وشرف مذهبها الحقيقي. فاذا دعيت لمحفل ووقفت فيه موقف الخطيب فقل
سادتي وابائي واخواتي وابنائي
ان للزمان انياباً اذا نشبت بامة اهلكتها وابادتها وليست من العظم الذي يمكن كسره ولا في فك يسهل خلعه وانما هي امم تغدر امما ودول تريد الفتك بمن ضعفت قوته وتعددت كلمته ولزمه الخذلان. والعاقل من القى تلك الانياب بحكمة يقف بها على بواطن الدول ومقاصدها السياسية فلا يغتر بقول جريدة ليس لنا تداخل في مصر بعد علمه بانها تصدر عن لسان امة لها مائتا عام تحاول حل عروة نظامنا لتحتل بلادنا. ولا يركن لقول اخرى على الباب العالي ان يتداخل في هذه المسالة فانها تريد وقوع العداوة بين المصريين وغيرهم لينشب الفشل بين المسلمين (معاذ الله) فيسهل عليها التداخل فينا ونحن في عصر كشفت فيه الاسرار وظهر المخبأ فاصبح الطفل في كل دولة يتكلم مع اخيه بالمسائل الشرقية والانفاق الدولي فيها. وهذه المسائل هي الملعب للافكار السياسية في كل دولة فترى الدولة
(1/257)

- 224 -

الانكليزية مثلا ترد عليها اخبار موت اهلها في افغانستان وعصيان ايرلندة وهرج الهند فيقف رئيسها ويتكلم في هذه الحوادث ثم يخلل كلامه بسجعة او سجعتين في مصر ولا تنسيه مصائب دولته ما اشتغل به فكره من جهتنا.
ومن كانت هذه حالتهم كانوا احوج للحرص على حفظ النظام وجمع القلوب وشد الازر وتاييد مليكهم المعظم تابيداً لا يداخله خلل ولا يشو به تداخل اجنبي ونحن المحفوفون بالمكاره المنصوبون غرضاً لافكار رجال الدنيا فعار علينا اذا اشتغل بنا السياسيون ووقفنا
نلعب ونساعدهم على امالهم بخذلاننا وعدم اتحاد قلوبنا وعار على شيوخ جربت الزمن وفئة ذاقت المحن ان تسلك بنفسها طريقاً يعز عليها الرجوع منه او الوصول لغايته. وعار على امة بنيت في الموجود ثلاثة عشر قرناً تخيف الاعداء وتناضل الاسود ثم تميل بجانبها الى الرجوع للمقت وتسليم الذات للاهواء والمحتالين من الرجال
نحن نحن الذين عرفوا الحكم ودونوا الكتب وزينوا وجه الكون بسيرتهم الحسناء وتاريخهم الجليل فلا يليق بنا بعدهذا العز ان نركب مطية النهور ونغفل عن العواقب ونسعى فيما لا نصل به الا الى الشفاء. ما بالنا ونحن اهل الاعتقاد نخالط الاجنبي مخالطة تكاد تخرجنا عن النوعية. ايليق بنا ونحن اهل الادراك ان نترك انفسنا عرضة لسهام السياسين وبيننا من الرجال يسوس ممالك بفكرة ما بالنا لا تاخذنا اريحية الوطنية وغيرة الدين على حفظ ناموس مليكنا وتخليد شرفنا ومجدنا الابدي باتحادنا واتفاقنا على حفظ بلادنا من كل ما يضعف سطوتها ولا يحملكم الطيش على ثورة او فتنة فنحن في وجود كله متحرك وحركته جهتنا. هلا جعلتم المجالس ساحة نظر في العواقب بدل جعلها نادي شراب ومغان. اليس من العار والشنار ان ينادي علينا هذه امة جهلت حقوقها وقدر بلادها فاستهوتها شياطين الغرور فاصبحت في الوجود من الفارغين. بئست العقول ان لم توصلنا الى حد الامن واظهار الشرف وساءت السيرة ان لم نؤيد سطوة حاكمنا تأييداً يرجع الافكار عنا ويظهر لنا في العالم تاريخاً حسناً جديداً وذكراً جميلاً. فالله الله عباد الله ولا تشغلكم الاراجيف والاشاعات عن اشغالكم حتى تحول افكاركم وتكدر انفسكم وتجعلكم لعبة في يد الاخبار يفتريها العدو فيوقع العدو بيننا الخذلان
ثقوا بافكاركم واثبتوا في اشغالكم فانتم بين يدي مليك يرعاكم ويسوسكم وامراء ملئت عروقهم من غذاء البلاد وتربت اجسامهم في ارضها وتحت سمائها فهم اولى بنا من انفسنا في الحفظ والوقاية وبقاء الامة في انس وسرور.
دعونا من الاراجيف والتفتوا لما به تنتطم الهيئة الاجتماعية وتحفظ الامة من الطوارق واياكم والهذر في الكلام وافتراء الاكاذيب او الطعن في الرجال فانما هي سحابة صيف المت
(1/258)

- 225 -

ثم اقلعت وانجلت السماء وصفا الجو ولا تظنوها فتنة او دسائس اجنبية فنكثروا من الكلام في غير طائل. فاتقوا الله في انفسكم واموالكم وبلادكم واعلموا انكم في ميدان ان
ثبتت فيه الاقدام تم النظام فارفعوا الاكف الى الله تعالى بالعناية واسالوه تاييدا وتثبيتاً وتضرعوا اليه في رفع كل نازلة نلم بنا وهو الحفيظ علي وعليكم اجمعين
وهكذا اتخطب القوم بالحوادث وطوارق الايام ولا تقف بفكرك على معنى دون اخر ولا مجال دون مجال فان هذا من عيوب البلغاء واجهد في صرف اوقاتك في الافادة او الاستفادة واخلص النصح لاخيك وارشده الى طرق الهداية وعرفه قدر وطنه وسيده وحذره من الخروج عن الحد او جلب الشر بما يظنه خيراً وكن في الهيئة الاجتماعية كخيط الحصير او عود السمر يوضع ليشد به او يشد عليه. فان انت حفظت هذا الدرس وعملت به كنت محبوباً عند مولاك مقرباً لاخوانك مألوفاً بين الناس فائزاً بغرضك وامنك باهل بلادك منصوراً على عدوك محفوظاً من كل اصابة فانك انتظمت في الهيئة الوطنية تحت رعاية المليك الموفق ابد الله ملكه واعز انصاره امين
(ت) اتركني اسبوعين حتى احفظ هذا ومتى اتقنته طلبت غيره من دروس التهذيب وكنت اظن ان التهذيب قاصراً على بعض تعريفات للطفل الصغير مثلي واذا به فن يحتاج لمجلدات ولكني سالزمه حتى اخذ عنك عدة دروس تنفعني وتنفع ولدي من بعدي
(ن) لك ذلك وانا حاضر بين يديك فمتى اشتاقت نفسك لقنتك حتى تتهذب ومتى تهذبت صرت انساناً فان الانسانية موقوفة على التهذيب

صيام الشيخ عشماوي
نقدم لاخواننا الاطباء وغيرهم من اهل الرياضة عجيبة يدرسونها ويفتونا بما يظهر لهم فيها من المشاهدات والتحقيقات وهي انه موجود بجروان (بلدة تابعة للمنوفية) من ارض مصر رجل اسمه عشماوي سنة الان ثمان وعشرون سنة تقريباً وكان قد مرض في الثامنة او التاسعة من عمره (شك منه) فبقي لا يعقل ولا يتكلم ولا يبصر شيئاً بل ذهل ذهولاً الزمه الفراش وعدم الحركة عامين وبعدها قام من هذه النومة وبرىء من مرضه واصبح لا يشتهي الطعام ولا الشراب فهو الان يقضي بقية عمره بلا اكل ولا شرب ولا بول ولا براز وقد سالته عن حالته في النوم فقال لي انه ينام كل يوم من ست ساعات لسبع او ثمان وقد اعقب ولدين مات احدهما والاخر موجود وهو متزوج ببنت سعيد كشك عمدة جروان وتقدم له ان الشيخ العروسي حجر عليه وحبسه شهرين لينظر حاله فلم يتأثر بطول المدة ولا تغير عن حاله وكثير من الناس اختبره بيومين وثلاثة واربعة وهو على هذا الصوم الغريب
(1/259)

- 226 -

من نحو عشرين سنة قوي البنية صحيح العقل والفكر ليس له دعوات يدعيها ولا مفتريات يفتريها يجالس الناس بالادب ويغلب على حاله الصمت احيانا وقد صام (تنر) الانكليزي اربعين يوماً فضربت له الطبول باسمه في سائر الاقطار وهذا الذي صام ثلثمائة يوم وسبعة الاف يوم لم يعلم به غير اهله ولا عرفه الا جيرانه فانه عربي شرقي مصري فقير فلاح ولو كان في بلاد اللوردات او الكونتات لكان ذلك له في كل صحيفة تاريخاً وفي كل يوم سيرة جديدة
قنا=تاخرت

توحش الانسان
اين انت يا صاحب الفكر الثاقب لاحدثك حديث توحش لا يرضاه البهيم فضلاً عن الانسان
اقام احد الفلاحين وليمة ودعى قوماً ينتسبون للطرق وهي بريئة منهم فاجابوا دعوته وتجمعوا وذهبوا الى بيته فبعد ان ابتدأوا في الذكر واخذ المرنمون في ترتيل اناشيدهم هام بعض الذاكرين وارعد وارغى وازبد وصار كقدر ممتلىء ماء والنار من تحته فظن البعض انه مجذوب فاكثروا من استهدائه وهو لا يهتدي فلم يشعروا به الا وقد سقط على احد الجالسين وعلق انيابه في اذانه وصار بعضه بقوة والناس يحاولون ابعاده عنه وهو كالكلب الكلب فلم يزل كذلك حتي اقتلع اذن ذاك الرجل فبادر بابتلاعها
وما حمله على ذلك الا ضغينة لصاحبه اجنها صدره حتى تمكن من اظهارها في ذلك الوقت وقد عين احد الاطباء للكشف على المصاب وسيجاذي الفاعل بما يجعله عبرة لغيره من القوم الضالين
فتأمل الفرق بين الانسان المدني والبهيم المتوحش واحكم على هذا الخارج عن الجنسين في أي الاجناس يكون وليس العجب ممن يجتمعون حوله قصد ان يقربهم بما وصل به وهو جاهل لا يعرف من هو حتى يسعى في ايصال غيره
فمتي تنجلي عن شموس الهداية غيوم الضلالة ويتمزق شمل الجهالة كل ممزق فقد خفقت علينا اعلام التخريف وتمكنت من اذهاننا وصايا الامهات ونحن لاهون بالملابس النظيفة والماكل اللذيذة والمشارب المروقة فننفق المال ولكن فيما لايجدي غير اكتساب الرذائل والبعد عن مدارك الفضائل
على اننا في زمان تنورت فيه الافكار وتنبهت فيه الاذهان فلم يبقى علينا الا ان نسعى في طريق التقدم الحق بتعميم المعارف ونشر الوية الاداب في بلادنا لنكون ممن حازوا الفضلتين فضيلة الفلاح وفضيلة اجابة حكومتنا الخديوية الى مقاصدها الخيرية فلا نسمع بعد ذلك بتوحش الانسان
(1/260)

- 227 -

عادة شرقية ومقابلتها غربية
بقلم احد ابنائنا النجباء
من عادة الشرقيين انهم عندما يتداعون لوليمة يجتمعون حول المائدة وياكلون قل عددهم او كثر لا يراعون في ذلك اعتقاداً فاسداً اذ ليس ثم ما يمنعهم من تناول الطعام اما حضرات ساداتنا الاوربا وبين الذين نتعلم لغاتهم لنجد بها فضل لغتنا المهجورة على ما يقول بعض ال. . . . فان لغاتهم هي الفصحى وبدونها لا يمكننا ان نتقدم ولا نحصل التمدن فنجيبهم اننا لا ننكر ان اغلب العلوم تؤخذ الان من لغاتهم لكن من تأمل في ماضيهم وعرف تاريخهم علم انهم كانوا جهلة.
يتحذون من الجبال بيوتاً فكان من المستحيل عليهم ان يفهموا حتى كلمة علوم وحينئذ كان الشرق صاحب المقام الاعلى على وجه الكرة وكانت اللغة العربية هي المالكة وكانت بها تدرس العلوم في جميع انحاء الممالك ولم تزل صاحبة الصولة الى ان فقد بعضها من الاهمال وغيره فكانت على كل حال هي المتقدوة والفضل للمتقدم ولا ينكر فضل اللغة العربية الا من طمس على عينيه وكان على بصره غشاوة وعمى عن طريق الحق فلو زلق لسانه بالقدح في لغتنا وحجد حقوقها فهو معافي من الملام اذ ليس على الاعمى حرج
اما من عرف الحقيقة فانه لا ينكر اننا لو اتبعنا كل نصائح العرب ما ضللنا عن سواه المهيل وما لحقنا احد في التمدن اما الاوروباويون فانهم رغماً عن كونهم عرفوا كل لغتهم وعلموها وتمدنوا لم تزل التخاريف ببلادهم فانهم مع ادعائهم التمدن لو يجتنبوا بعض الاعتقادات الفاسدة التي تنتزه الشرق عن مثلها ومن انكر هذا القول نقص عليه العادة الغربية المقابلة للعادة الشرقية التي اسلفنا ذكرها وهي اذا عمل احد الغربيين وليمة ودعا اليها احد ابتداء قبل الاكل بتعدادهم فان كل عددهم اقل او اكثر من ثلاثة عشر تماماً لا يتقدمون للاكل حتى ينقصوا او يزيدوا فاذا راى صاحب الوليمة انه لا يمكن ان يخرج احد المدعويين التزم بالجلوس في محل اخر بعيد عن مكانهم حتى ياكلوا وليس عندهم من يؤانسهم والسبب في عدم تقدمهم كلهم للاكل عند ذلك انهم يعتقدون حلول المصائب بمن دعاهم اذا كان العدد ثلاثة عشر فهل لا نجل الشرقيين عن مثل هذه العادة القبيحة نعم نعم فانهم لو سمعوا بها لاشمأزت نفوسهم من هذا الاعتقاد الاطل اذ انهم يعلمون انه اذا جاء
اجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون
فانظر ايها الانسان الكامل الى هاتين العادتين وحدثنا ايهما تستحسن لنكون مشاركين لك في أي الصفتين تشاء فالتمدن اليوم هكذا هكذا والا فلالا
كتبه ولدكم مصطفى ماهر
(1/261)

- 228 -

جاهل الكذب
رسالة للسيد الكامل الشيخ محمود ونس
ما للزمان يرينا من تقلبه ... عجائباً كلها فينا اضاليل
بعث الينا بعض اصدقائنا بكتاب يخبرنا به عن واقعة حال جرت بينه وبين احد اصحابه فرأيت ان احيط قراء صحيفة التنكيت بها علماً لعلي ارى منهم كتابة في شأنها وهي:
بينما هم جالسون على بساط الائتناس يتجاذبون اطراف الحديث فيتكلمون تارة في الاداب وتارة في الاحوال الحاضرة وكؤوس المحاضرات تدور بينهم حتى وصلوا الى نقل غرائب المذاهب فقال احدهم كل ما تدعون ليس بشيء فقد سمعت ما ها اغرب وذلك انه قيل بجواز تزويج المرأة اربعة رجال معاً كما جاز تزويج الرجل باربع نساء فانكروا عليه ذلك ولم يتمكنوا من معارضته بسبب ضعف معارفهم فلم يجدوا بدا من السؤال عن الحقيقة فتكفل لهم صديقنا بان يستفهم ويفيدهم فكتب الي بذلك فعلمت انه لا يخلو اما ان يكون المتكلم بهذه الاكذوبة من الذين افسد الحشيش فكرهم واتلفت السطل مخهم فتكلم بها غير عاقل وما يعقلها الا العالمون
واما ان يكون قاصداً اضلال من بصحبة لتتبعه في اباطيله امة تتبعها امة كلما دخلت امة لعنت اختها
واما ان يكون من القوم المذبذبين بين الاديان لا الى هولاء ولا الى هولاء لكون شب على اباطيل امة وخزعبلات ابية ومن شب على شيء شاب عليه
ولكنه يدعي التمدن فلا يمشي الا مختالا بين قومه جانحاً الى الترفه البارد فترى اصعب يوم عليه يرى اقل منه درجة في المكسب يسلم عليه
فبئس الرجل رجل فقد التهذيب صغيراً فوقع في شرك الغفلة كبيراً وضل عن طريق الهداية باتباع الاضاليل التي حرمته لذة العلوم فاذاً لا اعتراض على قوم يصرفون اوقاتهم في التفكير فيما ينفقونه على اولادهم وبيوتهم اذا رأيناهم ذاهلين عما يقدمهم ويجعل لهم حظاً وافراً عن الادراك ومع ذلك فانا نرى مثل هذا الغبي يستحق ان يتلقى عنهم دروس التهذيب
فماذا عسى ان نلتمسه له من الاعذار وقد توفرت له اسباب الحصول على المعارف فان الكتب موجودة وباثمان كادت ان تكون ثمن الكواغد ان لم نقل ان العلماء ايدهم الله لا زالوا
يدعون الى المعارف في كل وقت ليخرجوا الامة من فناء الجهل الى عالم العلم
فيا ايها الجاهلون ما هذا التقاعد والتقاعس بعد ان علمتم ان فيكم قابلية التعليم فندما لكم تجعلون الاباطيل احاديثكم والخرافات آدابكم والاكاذيب ادلتكم الم تعلموا ان هذا هو عصر الانسانية والتنور بشموس المعارف ومثقال ذرة من الجهل او التخريف يظهر فيه كالشمس في
(1/262)

- 229 -

رابعة النهار فيمسى وهو غير معلوم ويصبح وهو منتشر في القطر باجمعه ان لم نقل في سائر الثغور والاقاليم فان الجرائد قد ارسلت رسلها لجميع الامم تدعو الى ما يقدم الاوطان ويحفظها من غائلة الضياع بالبحث عن المعارف فمن وجدناه بعد ذلك لم يعلم بما جاءت به جردنا اليه جيوش الملام وامددناها بقوة الكلام فان رضخ للحق فيها ونعمت وكفى الله المؤمنين القتال والا اعلنا اسمه ليكون معلوماً لدى العموم انه جاهل كذاب
كتبه محمود ونس

لغز
لحضرة صديقنا البارع عبد الله افندي فربح رئيس معلمي اللغات الاجنبية بمدرسة الجمعية الخيرية الاسلامية وهو بلفظة الشائق ما قول ذوي العلم والاداب. واولي الفضل والالباب. في اسم ثلاثي المباني. غريب الوصف والمعاني. يمشي بلا رجلين. وهو غمة القلب والعين. فلا يغيره العكس. ولولاه ما كان اليوم ولا امس. قلبه عليل. ورحابه وسيع ظليل. اذا صحفته او حرفته لم يبقى له معنى. ويوجد في الافاق وهو كائن معنا. كم لنا فيه من غافر. مع انه ذو اضلال كافر. كريه الشكل والالوان. وهو جزء من الزمان. منظور غير ممسوس. وفيع يظهر اله المجوس قديم من الازل. لا يعتبر به الخلل. مجمع الفسق والفساد. والذكر والاوراد. طويل وقصير. ويملكه الغني والفقير. ينظر في الارض والسما. وهو حليف العي. والعجب ان حروفه ثلاث دانية. لا بل ثمانية. اما جملة فتراه سبعين. او مئة مع ثلاث او خمسين. فهذا منثوره الموزون. بالدر المكنون. واما منظومه الخالي. فهاك منه اللآلي.
ان كنت شيخاً او ولي ... او ذا مقام اولي
بين لنا الاسم الذي ... نراه عيناً في علي
ثلاثة حروفه ... سبعون عد جملي
وهو بهيم انما ... يمشي بدون الارجل
يا طالما الساقي به ... غنى لنا في المحفل
ولا نراه مدبراً ... عن حينا بمعزل
حتى نراه اتياً ... بوجه كره مقبل
للناس طرا كلهُ ... ما واحد منه خلي
وان قطعنا راسه ... فقلبه يكون لي
فاليكم سادتي لا شلت سواعدكم. بعض فتات التقطته. من تحت موائدكم. فان حسن لديكم فذلك منكم واليكم. والا فمن فضلكم. عذراً الى عبدكم.
عبد الله فريح

تقدم البلاد
رسالة لاحد ابنائنا النبهاء وهي التي اشرنا اليها في العدد الماضي
لا شيء افضل للانسان من التعليم الذي يخرجه من طور البهيمية الى عالم الانسانية الا انه يختلف التعليم باختلاف المتعلم فانه ان كان صغير اعلم بتدريبه على ما به يصل الى المعارف
(1/263)

- 230 -

العالية وذلك لا يكون باحسان تربيته وتهذيب اخلاقه ثم تلقينه الفنون التي يراد ان يتعلمها بعد
وان كان كبيراً علم باطلاعه على احوال الامم وعاداتها وما امتازت به كل امة عن الاخرى ليسعى فيما فيه نفع بلاده وحفظ ثروتها وتأييد سلطة الحاكم وهذا امر يحتاج الى الاتقان الكلي ولا يكون الا بعد معرفة ما يعلم به الصغير من التعاليم الاولية فهي اذاً واسطة يتوقف عليها تعليم الكبير كالصغير
ثم ان التعاليم الان اخذت في التحسين شيئاً فشيئاً فترى المتعلم في اقل من القليل يحصل في هذه الايام على ما لم يكن يحصل عليه قبلاً في ازمنة متعددة ومن هذا القبيل نرى البلاد سارية في التقدم على خط مستقيم بسبب قوة التعليم اذ ان الناس عموماً صاروا ملهجون بذكرى الوطن والامة بعد ان كانوا لا يسمعون بهما ولا يعرفون معناها اما وقد توفرت الاسباب فلا نلب ثان نرى البلاد في نعيم الراحة وانس الهناء حتى يتمكن كل متعلم من الكتابة التي عليها مدار بث المدنية روحاً في اجسام بني الانسان ليكمل تقدم البلاد
ولدكم
واصف سميكة
(التنكيت) هذه اول رسالة كتبها هذا التنبيه وقد اثبتناها ليطلع عليها اقرانه التلامذة فتسري فيهم روح الغيرة فيتحفونا بانشآتهم البديعة ليتعلموا كيفية الكتابة

فكاهات
(نقلاً عن الجنان)
ثقيل وظريف
كان اثنا يلعبان بالورق (الكودشينة) وكان لعبهما لنفع ما فاتى وجلس متفرجاً فتكره اللاعبان منه حته انهما التزما حجب الورق عنه فلم يبال بل اخذ يتقرب رويداً رويداً حتى وصل انفه الى انف احد اللاعبين فللحال اخرج اللاعب المنديل من جيبه وامسك به انف الرجل الثقيل وضغط عليه فصاح ذاك قائلاً آه آه آه اترك انفي فاجابه قائلاً العفو ياسيدي ظننته انفي
قسيس وسكير
دخل قسيس على رجل سكير بحالة النزع فقال له القس اصطح يا ابني مع من خاصمتهم
سكير: مر يا سيدي باحضار كاس من الماء لا صطلح معه
القس: مع من تصطلح
سكير: مع الماء ياسيدي لاني منذ اربعين سنة مخاصم له ولم انظره بكل هذه المدة وما لي عدو غيره
الفطنة
جلس اثنان يتكلمان عن رجل في بلدتهما
(1/264)

- 231 -

عمره تسعين سنة فكان احدهما يقول للاخر انني ما رأيت ولا سمعت ان احداً عاش هذا العمر فسمعهم رجل كان ماراً من هناك فقال لهم انا بي لو لم يمت لكان عمره حتى الان مائة وثلاثين سنة فلا تستغربوا هذا الامر فضحكوا منه وتركوه
نشاط بلدية
تراكمت الاوجال والمياه في طريق من طرقات بلدة (ي) حتى تعسر على الناس المرور من هناك فشكل رئيس البلدية قومسيوناً مخصوصاً للتبصر بامر هذه الطريق وبعد المذاكرة قر القرار على انهم ياتون بزوارق تنقل المارين من هناك
محرر جريدة نبيه
بينما كان محرر جريدة (س) واقفاً يتفرج على بناء دار شاهقة حضر احد معارفه وسأله عن سبب وقوفه هناك فاجابه علي شغل فذهب وبعد ساعتين رجع فوجده واقفاً ايضاً فقال له يا صاح ما هذا الشغل الذي اوقفك كل هذه المدة تحت الشمس فاجابه على الفور قائلاً بما انه لا يوجد عندي حوادث ادرجها في الجريدة فانتظر الان وقوع احد الفعلة من فوق الى اسفل فيموت وانشىء بذلك مقالة طويلة عريضة املأُ بها الجريدة
راس الاركيلة
جلس اثنان على حافة نهر له جدران وكان هناك قهوة فقال احدهما الى خادم القهوة ابتني براس اركيلة وتنكة ماء لا ملاه تنباكاً وبعد ان تكلم التفت الى الوراء فانكسر الكرسي من تحته فوقع الى النهر فقال صاحبه للخادم لا لزوم لانه صار في النهر بل احضر لهُ راس الاركيلة فقط. اه

اخبار داخلية
مرض غلام صغير فاحضر اهله احدى الدجالات فاشارت عليه ان يكووه بالنار في جبهته ففعلوا ثم بعد ذلك مات الولد وبعد بحث الاطباء رأوا ان موت الولد مسبب عن الكي بالنار فلذلك استحضرت الحكومة السنية ابا الولد وامه وسألتهما ان ياتيا بالدجالة المذكورة والا كانا هما المسئولين والهمة مصروفة في البحث عليها وستعاقب الدجالة بما يعتبر به غيرها من الدجالين والدجالات
(1/265)

- 232 -

شروط المراسلات
ان المراسل بين الكلمات بخط لا تعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضعها التهذيبي (3) ان تكون الرسلة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لا نراه ملايماً لمشرب الجريد (5) ان يكتب في رسالته ما يرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة
(6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها
(7) ان الرسالة اتي لا تنشر لا ترد لصاحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصفحة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد والمحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لا ترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور و12 فرنكاً عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة و 15 فرنكاً عن سنة كاملة (4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضة مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لا نسمع من احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاء من نعنيه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
نديم
(1/266)

- 233 -

العدد 15 - بتاريخ: 25 - 9 - 1881
(1/267)

- 234 -

بقية من بقايا التخريف
بدوح
كلمة تناقله بنو الجهالة عن اباء التخريف فانسعت دائرتها وتشعبت فروعها وعلا صيتها حتى عمت بها البلوى في سائر الاقطار فترى الكاتب يجعلها نصب عينيه ويتخذها وسيلة لوصول جواباته ونحن لا ندري سرها ولا ندرك كنهها غير ان سألنا كاتبيها عنها قالوا انها ما كانت وضاع ولا نقشت على مظروف الا وصل بالسلامة وغير ذلك مما لا صحة له الا بين ائمة الترهات وناقلي احاديث الخزعبلات. فنقدم الى اخواننا محرري الجرائد هذه الذخيرة ليحفظوها حتى اذا هموا بارسال شيء الى احد جعلوها واسطته العظمى. وان لم يرضهم ذلك فليأتونا بالنباء الصادق لنعلم ان كانت هذه الكلمة قائمة مقام (السيكورتاه) او بقية من بقايا التخريف.

وكلا الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعيلية - محمدافندي حبيب بالمنصور - محمد افندي ذكي بدمنهور - السيد عبد الله بكوم النور -
(1/268)

- 235 -

السن الخطباء تحيي وتميت
حكمة اذا عقلت معناها. وقفت على سر الخطابة وحكمة حدوثها وعلمت انها للعقول بمنزلة الغذاء للبدن وكانت الخطابة في الاعصر الخالية غير معلومة الا في امتي العرب واليونان فكانت ساحتها في جزيرة العرب عكاظاً ومنابرها ظهور الابل. وهذه الساحة كانت معرضاً للافكار تجتمع فيها الخطباء والبلغاء والشعراء وامم كثيرة من المجاورة للجزيرة فيرقي الخطيب ظهر ناقته ويشير بطرف ردائه وينثر على الاسماع درراً وبدائع ثم يباريه اخر ويعارضه غيرة فتتضارب الافكار وتتنبه الاذهان وتحيي الهمم وتتحرك الدماء ويرجع كبار القبائل وامرائها لما يشير اليه الخطيب ان صلحا وان حرباً. ولم يقتصروا في خطاباتهم على مسائل الحرب والصلح بل كانوا يخوضون بحار الافكار فلا يتركون ملمة الا شرحوها ولا يذرون فضله الا حثوا عليها حتى انهم كانوا يحفظون اسماء الحكماء منهم واهل الماثر فيذكرونهم في كل عام في هذا المعرض احياء لتذكارهم وتخليداً لاسمائهم لئلا يجهل الاتي سيرة الماضي فتفتر الهمم وتخمد الدماء وتتغير الطباع. وفي غير المعرض كان كل متكلم خطيباً في ناديه يحض ويحذر ويحرض ويحمس ويامر وينهي واذا نابهم امر رجعوا الى كبار القبائل ومشايخها وتذاكروا فيه مذاكرة النبهاء وسلموا افكارهم لحكم الشورى ليظهر من سر الاجتماع وهيئة الاتحاد رأي يحكم للجميع سطوتهم ويقوي استقلالهم ويزيد في نفوذهم فاذا نشر على عامة القوم رايتهم سراعاً لسماع الحكم طائعين لما ابدته حكمة الاجتماع لا طاعنين ولا مقترحين امراً فان كان الاجتماع لرد باغ رايته اطوع الامة من القلب للكاتب وان كان الحكم باعدامه واخماد انفاسه. وان كان لجمع سلاح وكراع واعداد افراس ورماح رأيت الغني المتبرع بنصف ماله والكريم المتفضل بحلبة افراسه والمثري المهدي ما يمتلكه والشجاع الميح لدمه والفارس البائع لحياته والقوي الواهب نفسه للخدمة والشاب المعرض نفسه للهلكات والشيخ الناصح والكهل الواعض والطفل الفرح والشابة المغنية بحماية الحي وحفظه والعجوز المنادية بذكر الاجداد وثار الاباء والاماه القائمة باعداد العقاقير ورفائد الجراح والعبيد المجدة في طلب الابلوجمعها في مرابدها والشيوخ القائمين بتدبير الاحياء وترتيب الفرسان والخطباء المنبثين في البيوت والصحارى والفيافي يخطبون الشارد ويردون الصادربكلمات تكاد تزهق بها روح الجبان وتطير بسرها روح الشجاع طرباً باللفظ وحبا للكر والفر والدفاع
وبهذا كانت العرب منيعة المقام كالعنقاء التي تكبر ان تصاد حتى هابتها الامم واتخذتها الملوك وقاية في مقدمة جيوشها تنقي بها الاعداء وتلتقي عليها النصال وتقصف في اقدامها السهام وتثلم في دروعها السيوف لما علموه من صفاء دمها الذي تحرك انتفخت به العروق
(1/269)

- 236 -

وتورمت منه الاوداج فلا يسكن الا بعزة لا بعقبها ذلة ومنعة لا يلحقها خضوع وشرف لا ندنسه وضاعة. ولو تركتهم الخطباء للتخاذل والتحاسد لماتت هممهم وخمدت حميتهم ولعبت بهم الاهواء وتمكنت منهم الضعفاء واصبحوا اذلاء في الامم يدركون المجد ولا يعرفون لشرف النفوس سبيلاً
وقد استمرت الخطابة في العرب دهوراً لا يجتمعون الا عليها ولا يجلون الا اهلها ولا يعظمون الا العاملين بها ولا يخضعون الا لمتبعها القائم بحفظ الامة وصيانة اعراضها واراضيها حتى جاء الاسلام وفرضت الخطبة للجمعة لامر تغيب عن كثير من الناس احكمته وسره البديع ونحن نذكره قياماَ بحق خدمة الامة والوطن والدين تنبيهاً لافكار السامعين وتخريضاً للخطباء على سلوك طريق النصح وسبيل الخلفاء والعمال الذين ملأوا الوجود بأدبهم ومبتكرات معانيهم وحسن نصائحهم ومواعضهم
لما كان نظام الاجتماع موقوفاً على وحدة الائتلاف ووقوف الامة على حقوقها وحدودها ولا يتمكن الفرد بنفسه من فهم البعيد عنه او الخفي عليه الا بمرشد متضلع متقلب في حوادث الزمان ووقائع الرجال والامة ليست جميعها من صنف العلماء ولا كلها من رجال الكلام ولا اغلبها من اهل السياسة ولا جلها من ارباب الاقلام لتشكيلها من عالم مختلف الاغراض متباين الطباع فرضت الخطبة ليقف الخطيب بين قومه وقفة الخليفة الامر الناهي فيقص على الرقية مافعله من الجميل وما قام به من الاعمال وما ورد عليه من الاخبار وما يحذره من الطوارق وما يرجوه من الاصلاح ويشرح لهم حال من بعد عنهم من اخوانهم المؤمنين وما نزل بهم من النوازل الجوية والحوادث الارضية وما غنموه من انفال الفتح وغنائم الانتصار لتكون الامة على علم باحوالها في سائر بلادها وفي هذا من النصح والوعظ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لا ينكره الا مقيد بديوان او مربوط في بعض وريقات صنفها غيره
ومن طالع خطب الخلفاء والعمال وعلم ما كان يحدث في الامة من الغيرة والحمية عند
دعوة العرب او زيادة الجند او رفد الحكومة بمال وقف على سر الخطابة وحكمة فرضيتها فان المتقدمين ما نزل بهم امر الا خطبوا به حتى انهم كانوا يرثون شهداء الحرب على المنابر وبهذا كانت الامة في نمو وزيادة فتوح وقوة بأس وناهيك بامة كل اسبوع في ساعة واحدة في سائر انحاء بلادها وتسمع من حوادثها وغوامض سياسة خلفائها ما يقف به كل فرد فرد على احمال الامة وسيرها وتقدمها ونجاحها حتى اذا كان الجيش مقيما في بلاد الروم ويخطب بحوادثه في جزيرة العرب فتتوالى عليه الامدادوتتلاحق به الفرسان وبينه وبينهم برار وفدافد لا تقطع الا بايام او اشهر ولقد انكروا على سيدنا عمر
(1/270)

- 237 -

ابن الخطاب رضي الله عنه قوله يا سارية الجبل وهو على المنبر في خطبة الجمعة ولم يعلموا سرها الا بعد ان حضر سارية من غزوته وقص عليهم خبره فعلموا ان الخليفة كان يخطب وهو ناظر للحاضرين بعين بصره وللغائبين بعين بصيرته فهو يأمر السامعين بالاخلاص والاتحاد ويشير للغائبين بالالتجاء الى الجبل واسناد ظهرهم اليه ليقاتلهم العدو من وجهة واحدة
ولا يغيب عن قراء التاريخ خطبته السياسية التي قال في اخرها من رأى منكم في اعوجاجاً فليقومه فقام له احد رعاء الشاة وقال له لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا. وهذه حالة تدل المطالع على حرية امير المؤمنين وسيره في طريق العدل الذي حفظ له قلوب الامة وطهر بواطنهم من الحقد عليه او الطعن فيه. وقيام هذا الراعي المرد على امير المؤمنين دليل على تمكن الاستقامة من الرعية وبعدهم عن الذل والخوف والرعب وميلهم لقول الحق في مجلس الامير والحقير. وشاهد عاى وقوف الامة على حدودها وحقوقها وحفظها النظام العام بعدم الخروج عن الحد او ارتكاب ما يخدش الدين او يضعف عصبية الاجتماع الملي وكان من عادة الخلفاء اذا وفد عليهم خطيب من بلاد بعيدة عقدوا له محفلاً ودعوا الامة لشهوده فيرقى الخطيب المنبر ويقص على الامة ما لاقاه في رحلته وما علمه من اخلاق الامم وما فيهم من الصفات وما هم عليه من احوال الملك وما لهم من الاعمال وما فيهم من الرجال وطباع الشعوب وكيفية الاحكام وحالة الاجتماع وهيئة الفرسان ووظائف العمال وسعي الافراد لتقف الامة على احوال العالم وما عليه فيغنم الحاكم الاعلى من هذه الخطبة ظهور رجال يضارعون من سمعوا سيرتهم وعلماء من يباهون من
وقفوا على اعمالهم وحكماء يبارون من علموا اخبارهم واشغالهم فتزداد بذلك ثروته المالية وتحيي كلمته الوطنية وتقوى سلطته الملكية ويتسع نطاق العلم في بلاده واقطاره وهذا الذي اوصل الوجود الى العمران والتقدم في الصناعة والعلوم
ولم تكن الخطابة قاصرة على ذكر الموت والزهد والتحذير من الدنيا وزخرفها بل كانت الخطابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء تتضمن الحوادث واخبار الامة ولا يقتصر فيها على الوعد والوعيد الا اذا كان الاسبوع خالياً من الحوادث الجديدة والامور المهمة وما نقل الخطابة من موضوعها الا الملوك المستبدون من بني امية وغيرهم فانهم لما علموا ان الناس تزدحم يوم الجمعة لاداء الفريضة وسماع الحوادث في الخطابة تواطأوا مع بعض الخطباء على ذكر الموت والزام الامة بالطاعة والخضوع والتحذير من الخروج على الحاكم او مخالفته ليميتوا بذلك ثروة النفوس التي تحدتها المظالم ويحركها البغي وتوالت من بعدهم الاعصار وكلما ظهر ملك شديد الاستبداد زاد الخطباء في التخويف والارهاب فان الخطابة في الامة بمنزله جرائد الاخبار
(1/271)

- 238 -

فترى المملكة العادلة تبيح حرية المطبوعات لتطلق عنان الافكار ومن خرج عن حده او رمى الحكومة بما ليس فيها حاكمته وعاقبته.
والحكومة المستبدة تحجر على الجرائد حجر المتقدمين على الخطباء فلا ينشر فيها الا ماترضاه من المدائح وتحسين اعمالها من غير نظر لمصلحة الامة ولا للمنفعة العامة لتكون امتها تائهة في ظلمات الجهالة لا تهتدي لصالحها ولا تعلم من امرها الا ما يضر بها
وكان الخطباء في صدر الاسلام يخطبون ارتجالاً لتمكنهم من اللغة وعدم فساد ملكتهم العربية بدخيل اجنبي فيها اذ كانت اللغة محفوظة لا يحتاج الطفل الى تمرينه عليها الا لبعض المحفوظ من كلام العرب يقيم به لسانه فلما كثر الاختلاط وامتزجت ملكة القوم بكثير من اللغات وبعض المصطلحات عز على الناس ان ياتوا بالخطابة ارتجالاً واحتاجوا لاعداد بعض الخطيب ليكون الخطيب مقيداً يلقيها على القوم كما يلقى الطفل درسه على معلمه بحيث لو وقف في كلمة ضاع منه ما بعدها لكونها ليست من ملكته ولا انشائه ثم زاد الامر بتولي بعض القراء امر الخطابة فتراه يصحح الخطبة على نحوي ليتلوها معربة على الناس من باب حكاية الاصوات. وبعض خطباء الارياف يحفظ الخطبة في الديوان
بحسب ما يتصور فلا تفقه لخطبته معنى لما تراه من خطة في الالفاظ وهذره من هذا القبيل وعجبت من الجهالة العمياء ومن نظر الموضوع الجليل بعين الاعتبار علم ان هيتنا الحديثة وسير مليكنا التقى القائم بامر الدين المحافظ على راحة الامة العامة في الامة ومن اهمها الان الخطابة فان الامية كثيرة في بلادنا متغلبة على السواد الاعظم منا ولو كانت الامة قارئة كلها لاستغنت عن تغيير هيئة الخطابة بالجرائد ولكن مطالعوا الجرائد عدد قليل محصور في دفاتر المحررين
والاميون في ظلمات الجهالة قد ضرب بينهم وبين ما يقدمهم بسور لا باب له فترى الرجل يجهل حالة المديرية المجاورة لبلاده ولا يعرف بعض بلاد قطره الا سماعاً من الناس. وهذا لا يناسب اخلاق امة انتشرت فيها العلوم وتعددت فيها المدارس فان فساد اخلاق الاباء يضر بالابناء وربما غلبت اخلاق ابوية على معارفه وادابه فلو كان الولد في المدرسة وابوه متنوراً بالخطابة سارت الامة الى التقدم على جناح السرعة وتأيدت سطوة الحاكم تأييداً عظيما. على اننا نرى الكثير من الناس ترك الصلاة او تكاسل عنها. فاذا علم ان الخطابة مشتملة على كثير من الحوادث والاخبار قاده حب تطلع الاخبار للزوم الجماعة وحب المساجد والطاعة وامتلأت المساجد بالمصلين
واود وجود نفر من اعيان بلادنا يتبرعون بمبلغ يقوم بنشر خطب ادبية سياسية وانا اقوم بانشاء خطبة في كل اسبوع تناسب احوال الزمان ثم تطبع هذه الخطبة وتنشر في سائر
(1/272)

- 239 -

انحاء القطر لتتنبه الافكار وتعرف الامة قدرها وما تحفظ به نظامها بين الامم ولا يتم هذا الامر الا اذا اجتمع هؤلاء الاعيان وعرضوا ذلك لديوان الاوقاف ليتمكنوا من العمل بالخطبة. وما اظن ان احداً يابى هذا السعي الجليل مع تمتعنا برعاية مليك تقي يسره وقاية الدين من سقطات الجهلاء وحفظ المملكة بافكار رجاله وافراد رعبته
وارى ان بعض الخطباء اذا سمع ذلك قال خطاء مشهور خير من صواب مهجور. او القديم على قدمه. او لا نفير امراً جرى عليه اسلافنا. او غير ذلك من كلمات العجز والفاظ التمحل. ولكني لا اتركه يبيت الليل يسود ويبيض في اعتراض علي او في رد ينمقه ويزينه بالفاظ مجموعة من اوراق وانما اقول له طالع كتب الفقه واعرف منها شروط الخطبة وقابلها بما انشره فان رأيتها منطبقة عليها فقد كفيتك التعب والسهر في كتابة
الاعراض وان وجدتها خارجة عن حدود الخطبة وشروطها ففصل اوراق خطبي ثوباً والبسني اياه ودر بي في الاسواق مشنعاً عليه بما تراه.
على اني لا اتركه يتململ حتى يرى تلك الخطب فيطول عليه الزمن ويؤلمه الانتظار وانما اقرب له الامر بانشاء خطبة في هذا العدد تكون انموذجا لما ساعده من الخطب وان كانت محررة بلسان الجريدة وقلم السرعة لا منمقة ولا محلاة بشي من البديع واني اعرضها على سادتي العلماء واخواني النبهاء لانف على افكارهم في هذا المشرب الذي لا تغيب عنهم ثمرته ولعلي اكون رأيت الصواب وسعيت في الواجب فاكون من خدمة الدين والدنيا وقادة الامة للعليا فاني حليف لغتهم وابن بلادهم واخوهم في الدين الحنفي والملة السمحاء خلد الله دعوتها

الخطبة
رب البيت العظيم له الحمد على نعمة. وميسر الخلق لما شاء له الشكر على كرمه. نحمده حمد من تلي عليه الموحى به فسمعه. ورأى نور الهداية ساطعاً فتبعه. ونصلي ونسلم على غارس شجر الاتحاد في قلوب المؤمنين. سيدنا محمد الذي ارسل رحمة للعالمين. وعلى اله واصحابه الذين جمع الله بهم الشتات. وانزل في صفاتهم الحميدة ايات. عباد الله. ان لكل امة كلمة تجمعها. وسيرة نسمعها. وكلمتنا الوحيدة حسن الاعتقاد. وسيرتنا حفظ الملة والبلاد. وقد تأسست كلمتنا بالاتحاد واللين. والقيام بما جاء به هذا الدين. من ترك العقوق. والبعد عن الظلم والبغي. والتطهر من الرجس والغي. والحث على الائتلاف. والتحذير من الاختلاف. وقد دخل معنا من اهل الذمة من تعلمون وصاروا اخواننا في الوطنية وهم مسالمون وانتم تعلمون ما نزل به الوحي من السماء وما اهريق في نشره من الدماء حتى بلغنا السعود وصرنا امة عظيمة في الوجود ولولا تفرق الكلمة ما انحل عند اجتماعنا ولا خرج علينا احد من اتباعنا ولا ضعفت منا الهمم حتى تلاعبت
(1/273)

- 240 -

بنا الامم واصبحنا ميداناً تجول فيه الافكار وناطقاً اشتد عليه الانكار كاننا لسنا اسود الشرق الضاربة ولا نجوم الهدى السارية. وكأن سيوفنا لم ترو من دماء الغرب وابانا لم تمطر عليهم سحب الكرب صدق المرجفون فقد طال الزمن وتغيرت الدمن واصبح العدو يطالبنا بثار اجداده ويوغر علينا صدور انداده ويتحدث بنا في كل ناد. وينشر عيوبنا في البلاد ونحن لا نتأثر من من التنديد ولا نتحرك من التهديد ولا ناخذ حذرنا من الاعداء ولا نتأمل في خطب الانداء تاتينا اخبار البرق باغتيال اخواننا ونحن عن انفسنا لاهون وتقص علينا الجرائد اخبار مجاورينا ونحن عن العاقبة غافلون ما لنا لا نكون عضداً لمليكنا الاعظم وحصناً يحفظه اذا ليل الخطوب اظلم اترون الدول ترحمكم اذا ملكتكم او تبكي عليكم اذا اهلكتكم او تعاملكم بالرفق واللين او تحفظ لكم نظام الدين. كلا والله ماهي الا اسود ان دهمت احترست وان تمكنت افترست وان ملكت اسأت السيرة وان جاورت لم تحفظ الجيرة وان تداخلت احتالت وان رأت غرة اغتالت لا ترانا الا بعين العدوان ولا تعدنا معها من الانسان يدلكم على هذا من فتح لهم من اخوانكم غار فسقطوا فيه على امة البلغار فهي تكرههم على ترك الدين. وتقتل المؤذنين امام المصلين ولقد اقاموا قروناً في ذمتنا وعصوراً وهم تحت سطوتنا ولم يروا منا الا الاحسان وعدم التعرض للاديان وهؤلاء اخوانكم في الغرب يصطلون بنيران
الحرب على غير ذنب ولا جناية.
وانما هي النهاية ترد الي البداية فمن يرى هذا التعصب في مدته ويرضى بالخروج عن اهل ملمته او يميل بجنابه للحماية ويتخذ مليكاً غير مليكه وفاية فاستميتوا رحمكم الله في حفظ البلاد ودعوا التنافر والزموا الاتحاد واجعلوا خديويكم علماً يهتدي بنوره وقطركم حصناً يحتمي بسوره ولا تغمضوا عن كيد الاعادي عيناً ولا تهابوا في حفظ الاوطان حيناً.
والزموا السكينة في حركاتكم ولا تسعوا في تنقيص حياتكم ولا تجلبوا على الامة بالتهور شراً ولا تحدثوا في البلاد كرا ولا فرا.
واحفظوا للزنلاء حقوق تجارتهم واسمعوا في المجالس حسن عباراتهم ولا تاكلوا لتاجر مالاً ولا تسيئو لاجنبي حالاً وعاملوا جميع السكان بالاحنان والرفق والحلم ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم
قال صلى الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً او كما قال
هذه سجعات جاد بها قلم التحرير في وقت تطالبني فيه المطبعة بالسرعة وعدم الانتظار ولئن وجدت من يسعى معي في هذا الطريق اعددت ما تطرب به النفوس وتتحرك لوقعه الطباع ويلتئم بنفسه الشمل. وان لم اجد
(1/274)

- 241 -

احداً يميل لهذا المشرب من حيث الصرف ابتغاء احياء الوطنية دونت ديواناً وفتحت هذا الباب لمن يأتي من بعدي لتكون الدواوين في كل زمن بحسب ما يناسب احواله حتى تصبح الامة في نباهة لا تدفعها بلاده وعزة لا بداخلها ذلة وتنور لا تعارضه ظلمات والله المسئول في اتمام هذا المشروع فانه رب الخير ومولاه جل شأنه

المولد الاحمدى
بعد ان جمعت هاته الرسالة في الاسبوع الماضي ضاق حجم الجريدة عنها فرأينا ان نثبتها في هذا العدد وان كانت متأخرة
هو المعرض العام ومجمع الاحباب في كل عام اجتمع فيه الناس على اختلاف مقاصدهم واغراضهم وضربت الخيام ونشرت الاعلام وفتحت الحوانيت ورفعت النبابيت ودقت طبول الفقراء وجرت براذين الامراء وسار الناس خلف اغراضهم فمنهم الذاكرون الله كثيراً ومنهم المصلون الذين هم عن صلاتهم لا يغفلون ومنهم المسبحون والمحوقلون ومنهم المهللون والمكبرون ومنهم الزامر والراقص والمغنى ومنهم البار والفاجر وقد اختلط النساء بالرجال ترى هذا يدفع هذه في ظهرها وهي لا ترى انه يريد منها سوى اتساع الطريق وهذا قابض على يد قريته والكثير من الناس خلفها يقرصها ويغمزها وزوجها من الذاهلين وهذا في قهوة الحشيش بعد المارين وما هو من الحاسبين وذا في الخمارة يشرب اقبح المشروب ويدفع اغلى الاثمان حتى اذا فرغ عقله ونقده قام وهو من الخاسرين وهذا يمشي في الطريق يلاعب صبياً ويساير غبياً ويشتم فقيراً وحقيراً ويسحب انثى ويقود خنثى وهو من الساخرين. وبالجملة فانه معرض لا يتفق مثله في الدنيا فقد كان فيه نحو مائتي الف نسمة في قطعة واحدة وهذا الاجتماع مع اختلاف الاسباب والمقاصد لابد وان يكون مشتملاً على الصالح والطالح فانه في الخيمة يذكر الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. واما الطالح فانه يقصد البيوت والمحاشيش والحانات غير ان المديرية رأت من الواجب عليها حفظ نظام الاجتماع وادابه فحجرت على النساء المشي في الطرقات بلا غطاء ومنعتهن من الرقص والوقوف للمارة في الطريق فكان هذا داعياً للاحتشام وان لم يرجع الضال عن فجوره وخسرانه فقد كانت اسواق التجارة في كساد واسواق الفسوق في ازدحام عظيم وصرف جسيم حتى كان المولد اقيم لغنيمة قهاوي الاروام ما اكتسبه شبابنا طول العام (بئس الشبان وبئس مربوهم) فان الولد منهم (ويعز على ان اقول الشاب) يدخل القهوة يوقد الشموع ويطلب الخمور ويشرب الحشيش وهو فرح مسرور بوجوده وسط جماعة من المخنتين والفاجرات ينادونه يا. . . . ثم يصرف الخمسين جنيها والعشرين كأنه صرف قرشاً في رغيف لخادمه واذا قابله سائل ومد يده
(1/275)

- 242 -

اليه يطلب احساناً ضربه بعصاه ولعنه وسبه وغضب شديداً فقبحاً لمثله واعداماً فانه ما اتى الا ليكثر الفساد في البلاد ويضل معه
الكثير من اولاد الفقراء ولايفعل هذا الا من كان ابوه في منصب مكنه من النهب والسلب ايام المظالم وقد باء بغضب من الله في ظلمه وخزى وعذاب اليم بنهبه واصبح يجد العار في نسله ةالفسوق في عقبه فهو في الدنيا من البغوضين وفي الاخرة من الهالكين.
على انك ترى الكثير من اولاد الامراء يمرون في الطريق في زي الكمال وهيئة الاعتبار لا يصرفون درهما الا في مصالحهم ولا يدخلون الا مجالس الامراء واندية المعتبرين حديثهم كالشهد وافكارهم كالزند كلما قدح اخرج معاني ومبتكرات ولو بحثت على اصله لوجدت اباه من كمل الرجال الذين قطعوا عمرهم في السير الحسن واشتغلوا بحفظ مصالح العباد فترى العرق دساسا في كل من تراه. وبعض الطيبين يترك ولده لخادمه يربيه فيخرج غير مهذب ويضل مع الضالين وابوه من افعاله براء ولكن غلبت الشقوة واستحكمت الجهالة فهو لا يستطيع تحويل فكر بعد ان شب على الهذيان.
ولا تحسب اننا نقبح ابناء امراءنا الطيبين ولا النجباء منهم النافعين في الاعمال والاشغال وانما نذم اخلاق الاولاد الخائبين الذين استهوتهم شياطين الجهالة فاصبحوا هلكى لا شرف حفظوا ولا مجد ادركوا ولا من العار سلموا فكان ضرهم اكبر من نفعهم على اهلهم ومواطنيهم ولا نرى هذه القبائح والفضائح الا من القسم المسمى بالا (آلا افرانكه) فانه اضر بالدين والدنيا والبلاد واهلها على انه لا يرى المتمسكين بلغتهم ودينهم وعاداتهم من المتمدين بل يعد المصلي والتارك للمسكرات والفار من الفاجرات من الجاهلين المتوحشين واذا سئل عنهم قال هؤلاء (فنتيك) ولقد اساء تنديدنا فئة ترى التفريخ خيراً من التعرب والرجوع للاصل الجليل فاكثروا من شتمي في المجالس وتقبيح اعمالي وقذفي بما ابتلوا به ظانين اني اقلع عن نصحي وخدمة بلادي والدفاع من ديني واخواني الوطنيين الذين اخشى عليهم ضرر هؤلاء الفسفة ولست ممن يسكته السب عن الحق ولا يرجعه القذف عن النصح فليقولوا ما يشأون ولي عليهم كثير من الناس الطيبين بل الوف من عقلاء بلادنا يذمون اخلاقهم عالمين بانهم من الجاهلين. والحجة التي اقيمها عليهم وجود العدد الكثير من شبابنا وشيوخنا الذين اتقنوا العلوم وحفظوا اللغات وخدموا البلاد بافكارهم خدمة تشهد لهم بقوة العقل وحسن التربية ولم يدنسوا مجدهم بالنوم في بيوت الفاجرات ولا بالمشي مع المخنثين ولا يضاع النقد في القمار ولا عدلوا عن عادة ابائهم واهليهم لعادة الافرنج التي
نقصتبنا واعدمت ثروتنا وتركتنا مثله بين العباد. على انك ترى الولد الفاجر اذا هفا هفوة في بيرة او خمارة او مرقص ضرب واهين وهو في جبن وذلة كانه لا يرى لنفسه في الوجود شرفاً ولا يعرف
(1/276)

- 243 -

لجنسه قدراً. وكم في المولد من عجائب وغرائب تراها من الذين لم يتهذبوا صغاراً سواء كانوا من اولاد عمد البلاد ووجوه البنادر والامراء ولقد رأيت ازدحاماً عظيما امام قهوة الصباغ الحشاش يسمعون بنتاً تغني على الألات وكانوا فوق الخمسمائة من الرجال فقام احد الاروام من قهوة اخرى واخذ عصا ونزل على رؤسهم وارجلهم واكتافهم فجرى الكل امامه ولم يلتفت اليه احد فبكيت وحرمه الشرف على امة تمكن منها الجبن والجهل حتى ساقهم رجل وبطح الكثير منهم وهم يسعون امامه كالاغنام وما فيهم من يدافع عن نفسه او يسأل عن السبب او يقبض على هذا الذي جعل هذا الامر حالة يتسلي بها طول الليل كلما اجتمعوا بددهم واهانهم وهو في قهقهة على عقول المضربين. لا اقول الجميع ففي وسطنا الالوف من المؤدبين المهذبين ولكن السواد الاعظم في جهالة عمياء وتخريف افسد العقول. فعلى من توجه اللوم على الاغنياء فانهم راوا فساد اخلاق الفقراء بعدم التربية وعموم الجهالة بعدم التعليم ولا كانت تتحرك غيرتهم لافتتاح مكاتب يعلمون فيها الفقراء ليكون لهم الاثر المخلد في بلادهم وقد حفت الاقلام من التحرير في هذا الخصوص ولكنه باق على حاله. واما المعلمون فانهم اقتصروا على تحفيظ الاطفال بعض القواعد والعمليات ولم يجتهدوا في احداثدرس تهذيبي به يعرف التلميذقدر نفسه وحق لغته ووطنه ودتنه وواجب الوجود من حيث العمار والسير مع الاجناس المختلفة وبعضهم يرى ان التعليم سهل اذ هو عبارة عن التلقين وما دري من ادارة السياسة فان السياسي يخاطب عاقلا وهذا يعلم بهيما لينقله الى الانسانية والاخلاق الطاهرة.
وقد تساهلت الحكومة في عدم تربية الشبان الذين فسدت اخلاقهم وخرجوا لا يميلون الا الى اللهو واللعب ولو القت القبض على بعضهم وادبته ونشرت خبره وحجرت عليه بمعرفة والده او قيمة واكثرت من العيون على هؤلاء الخارجين عن حد الانسانية لحفظت كثيرا من المفاسد في بلادها فان فساد اخلاق الامة وضياع اموالها مضر بهيئتها ومصلحتها اما فساد الاخلاق فانه مفسد لاعمال الادارات فاننا نضطر لاستخدام بعض الشبان في الاعمال الجسيمة وان بقي بهذا الخلق اساء السيرة وعدل عن الحق وجهل قدر الوطن وشرف
الحكومة وجعل سعيه خلف اغراضه فيسهل عليه اخذ الرشوة وضياع الحقوق حتى يحصل على ما به تحصل لذاته الحيوانية. واما ضياع الاموال فانه محول لثروة معدم للشفقة يعلم ذلك من يرى الرهونات الجسيمة في البنوكة كالعقاري وغيه فان بعض العمد واولاد الامراء يستسهل الرهن لاجل طويل وما دري انه عدم اطيانه واملاكه وهو لا يشعر. فلو جعلت الحكومة قانوناً نظامياً لسير الناس عليه في الاداب
(1/277)

- 244 -

ومحلات الانس وحذرت الفلاح والذات من عواقب الرهن وتساهله معه في طريقه بها تحفظ له حق التملك وبقاء الثروة لهذبت كثيراً من الاموال. فاننا اصبحنا في زمن لا تؤثر فيه الخطابات ولا تنفع المواعظ ولا يدفع نوازلنا الا قوة الحاكم وزجره وعنايته باصلاح شأن امته ورفعة رجاله الذين يعز بقوتهم ويتقوى بثروتهم ويتأيد بسطوتهم ولا يوصلنا لهذا السبب الا التاديب والتهذيب
وقد رايت في المولد في المحاسن ما كنت اتمناه واشتغلت بالكتابة فيه زمناً طويلاً وهو ابطال جملة من التخاريف التي افسدت عقول العامة وذهبت بالمعتقدات لمخالطتها لها وامتزاجها بها فمن ذلك ما كتب به حضرة الحسيب السيد البكري لديوان الاوقاف بمنع دخول الطبول والمزامير في المسجد الاحمدي وكتب لحضرة النسيب السيد محمد القصبي شيخ الجامع الاحمدي بذلك فاجتهد حفظه الله في منع المخرفين من دخولهم المسجد بالطبول والمزامير ومنع باعة الكحل والنساء التي كانت تجلس لعمل القهوة التي يسمونها (الخدمة) وطهر المسجد من الاقذار واصحاب الغايات قياماً بحق الدين وشرف المساجد. ومنه منع المخرفين المضلين الذين كانوا يلبسون البطيخ في روسهم والقرون الحسبة والدالة على المعنوية والريش والشعور والخروق وغير ذلك من المساخر والهذيان ويمشون بذلك في موكب الخليفة ظناً منهم انهم يتقربون الى الله بهذه المحرمات التي احدثتها التغالي في التخريف ولقد رايت كثيرا من الناس يرجوه في التصريح بعمل المساخر فابى وشدد في المنع حتى لم يتمكن احد من فعل شيء من ذلك فانغم بهذا الاستاذ المجد في حفظ الدين من الخرافات التي بطلت وعدمت وعادت الناس للتمسك بالشرع الشريف والعمل بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام
وقد رأيت خليفة المولد وامامه الكثير من الناس لا بسين الدروع قابضين على السيوف والحراب وهو محفوف بكثير من الجند والخفراء فحركني هذا المنظر العجيب لشرح حال
الخلافة واصل نشأتها وبده الطرق ولماذا وضعت وما ثمرة احداثها ويعلم فساد ما عليه الكثير من الجهلة الذين اتخذوها وسيلة للمعاش وافتناص الدنيا بعد ان كانت للتهذيب وصيانة الامة كما اننا سنتكلم في الاتي على المسجد الاحمدي ومجاوريه وعلمائه وغفلة الاغنياء عنهم وتركهم بلا راتب ولا مصرف بعينهم على هذه الخدمة الدينية

حل اللغز
ما معنى الا قليل بعد صدور العدد الماضي حتى تواردت رسائل تترى نتراً ونظماً لحل اللغز المثبت فيه لحضرة صديقنا البارع عبد الله افندي فريح فنحن نثبتها اظهاراً لفضل منشئيها مقدمين النظم على النثر
قال الشاعر المتفنن المجد المجيد حضرة
(1/278)

- 245 -

مصطفى بيك توفيق احد مترجمي نظارة الحقانية
انشأت عبد الله لغزا باهرا ... الفاظه تغني عن النبراس
رقت مبانيها وراق بيانها ... فبدت معانيها سلافة كاس
الغزت في (ليل) فصغت نجومه ... عقدا يزين ترائب الاطراس
وقال حضرة شيخ العرب حسنين ابو حمزة
ولما طال ليلي في عذابي ... فقلت ارحم محباً بات ساهر
واذ لم يستجب مني دعائي ... علمت لذاك ان (الليل) كافر
وقال احد ابنائنا الذين يكتفون بالرمز عن التصريح (ع. ع)
يامن بنوره ذكائه ... ليل المصاعب ينجلي
ما زلت انظر حسن لغ - زك سيدي بتأمل
حتى بدا كالبدر في ... (ليل) فقلت الا انجلي
وقال ولدنا عبد الفتاح افندي البطاش احد تلامذة المدرسة الخيرية
الغزت يا ذا المعالي ... بما ارانا سهيلا
فيا رعى الله لغزا ... غنت بعلياه ليلى
جلوته برموز ... اجرت من العلم سيلا
فضار يزهو نهارا ... من يعد ماكان (ليلا)
وقال ولدنا محمد افندي الحكيم احد تلامذة المدرسة المذكورة سابقاً
اليك لغزاً قد بدا ... يزهو بالفاظ حسان
قد حاز فضلاً فائقا ... في (ليل) بهجته يزان
اصل الحروف ثلاثة ... بالبسط تنظرها ثمان
سبعون جمل اصله ... وبحمل البسط استبان
مائة ونصفاً بعدها ... انت الثلاث بلا توان
والليل يوصف بالبهي - م ومشية دور الزمان
ويلذ من ذكر اسمه ... في مجلس الغيد الحسان
لكن منظر وجهه ... للكل مبغوض العيان
واذا قطعنا لامه ... وقلبت ذاك فلي بيان
وقال حضرة سليم افندي سلامة بمصر
ثق بالجواب واقبل ... عما نقشت بالجلي
الغزت يابدر العلا ... في الليل ذي القدر العلي
فكم به صاح الولو - ع بالهوى لما ابتلي
يشكوا احتراق مهجة ... حر البعاد تصطلي
وكم به قام الولى ... وكم به نام الخلي
لا زلت ياكنز النهى ... صدراً لكل محفل
وقال حضرة يوسف افندي حبيب سالم بدمياط
ابدعت لغزاً حله ... عن فكر مثلي لعلي
لكنني انفقت ثا - ث (الليل) حتى صار لي
وقال حضرة عباس بك حلمي مأمور مشتروات واملاك الدائرة السنية بمصر
الحمد لله الواحد الابدي بلا انكار القديم الازلي حيث لا (ليل) ولا نهار والصلاة والسلام على نخبة عباده المختار وعلى آله واصحابه نجوم ليل الهداية الابرار وبعد فقد عثرت
(1/279)

- 246 -

في العدد الرابع عشر من صحيفتكم الوضاء وجريدتكم البيضاء على لغز بديع ينافس بدور بدائعه البديع فرفغت حجابه. وازلت نقابه. فلم يك الا كمر السيل حتى رأيته في (ليل) (التنكيت) بقية الاجوبة نثبتها في العدد الآتي

قصيدة حسن بك حسني
وردت لنا هذه القصيدة البديعة الغراء من حضرة الالمعي الفاضل البارع حسن بك حسني تهنئة لدولتو محمد شريف باشا فنحن ننشرها قياماً بخدمة الجناب الخديو السامي ورجاله الكرام
قال حفظه الله
حث الركاب وللظلام سجوف ... وافخم فقومك جمع وصفوف
واهزم همومك فالسرور مقدر ... واقعد زمانك فالرجال وقوف
واستجل كاس الانس فهي شهية ... مدت بها الايدي اليك الوف
وانظر بعينك بين ارضك والسما ... ما ثم الا محفل ولفيف
سرني اخي الى الفخار وخلني ... فلقد كفى نوم مضى وعكوف
مالي اعلل بالمنى وينالني ... جهد العنا واخو الحنوف يحوف
فاليوم فقد شلت يد العادي كما ... سلت على جيد الزمان سيوف
ما احسن اللذات تحسو كاسها ... صرفت خلاصتها اليك صروف
فاشرب تغنينا الصوافن صهلا ... طربا وافئدة الوشاة دفوف
واغنم فقد جاد الزمان بامنه ... والبأس باد والوجود مخوف
في ليلة القت غدائرها على ... ابنائها وفؤادها مرجوف
فكانما لمع السيوف ازاهر ... والجو ظل قد اظل وريف
فالارض ترجف من حقيقة مابها ... والافق يخفق قلبه المشغوف
والناس خاشعة لذا اصواتهم ... ما ثم الا كاظم ووجيف
ليلاً سهرنا والقضاء متأمل ... والدهر يقدم تارة ويعوف
ويد المهيمن قد اظلت جمعهم ... والحزم باكٍ وانهى ومصروف
جيش الحمي والحماية صاد ما ... فوهي جنان واستطال زحوف
لولا يد التوفيق حالت بين ذا ... ذلت جباه او رغمن انوف
لكن سعود الحظ عبد مليكنا ... ولذاك اسعد طالع وظروف
ودنا السرور دنوه وبدا الهنا ... وعلا على الشرف المبين شريف
رب الرئاسة والسياسة مجدها ... زاهٍ بتالد ما لديه طريف
(1/280)

- 247 -

بذخ المكانة والركانة شأنه ... ما شانه زيغ ولا تزييف
قاسي الشكيمة حيث يقسو دهره ... وفواده بر به ورؤف
حدث عن الصمصام واذكر عزمه ... واسال جنان الدهر فهو وجيف
درس الحقائق خبرة وتجاربا ... لم يثنه عن حقها تجنيف
كم شرفت ذمم الامور به فلم ... يمهل رعاية ما لديه حكوف
ربي الامور برايه وبراعة ... والقلب في هذا وذاك حنيف
فاعجب لبأس وهو لين حيثما ... يرجي خبير بالامور لطيف
فهو الهمام الشهم موفور الثنا ... وبكل ما تهوى العلا موصوف
رب السياسة حر بادرة الحجي ... جاري العزيمة خصمه موقوف
ردت اليه وديعة العليا وقد ... باهت كما يهوى الرحاب وصيف
بشرى الوزارة بالعزيز المجتبي ... فاليوم قر فوادها المرجوف
من بعد ما وقف النهي وتقابلت ... بين الملاحم اسهم وهدوف
فلك الهنا يامصر اسعدك المنى ... ومضى عناك وباله مكسوف
دانت لمغناه الرئاسة تشتكي ... حال النوى وتبوح وهي هتوف
حنت لمعهدها القديم فهينمت ... والحر معهده له مالوف
جعلت نثار الشكر در مدائحي ... وعلى الحقيقة دمعها المزروف
فانا لها لثم الركاب فاصبحت ... وبه عليها لؤلؤ وشنوف
وتبوأت عز الجوار وخولت ... دار الامان فحبذا التلطيف
مولاي هذي خدمة وهدية ... وفدت يزجيها الوفا وينيف
تزهو بمدحك وهي تعلن عجزها ... عن درك حمدك واللسان اسيف
فاسلم ودم في جاه توفيق العلا ... فبك الذي غصب القضا مخلوف
واليك يا مصر العزيزة فازدهي ... فالفضل جم والهنا موكوف
واستبشري فالفال قال مورخا ... الدهر حر والوزير شريف
سنة 1298
وتاخرت لدينا قصيدة لحضرة النبيه الشاعر المجيد سليم بك رحمي ندرجها في العدد الاتي
مع ما عندنا من القصائد الغراء والالغاز البديعة والحكم المنكرة والآيات البينات التي ابرزتها افكار الادباء من عالم الخفاء الى عالم الظهور
(1/281)

- 248 -

شروط المراسله
ان المراسل يبين الكلمات بخط لا تعز قرأته (2) ان تكون الرسالة من مشرب الجريدة غير خارجة عن موضوعها التهذيبي (3) ان تكون الرسالة مجردة من الاسماء المعينة بحيث تكون الواقعة مصورة في قالب ادبي (4) ان يأذن لنا صاحب الرسالة في تصحيح ما يقتضي التصحيح وحذف ما لا تراه ملايماً لمشرب الجريدة (5) ان يكتب في رسالته ما يرغبه من نشرها تحت اسمه او تحت عنوان ادبي مع بيان مصدر الرسالة (6) ان تكون الرسالة خالصة اجرة البريد والا فانا لا نستلمها ولا نتكلف بدفع اجرتها (7) ان الرسالة التي لا تنشر لا ترد لصلحبها وان اقتضت الحال اخطاره بالسبب المانع عرفناه في الصفحة الخامسة عشرة (8) ان تكون الرسالة معنونة باسم عبد الله نديم صاحب الجريدة ومحررها بمكتب جريدتي العصر الجديد المحروسة

شروط الاشتراك
(1) على من يطلب الجريدة ان يوضح اسمه ولقبه ومحل اقامته وعنوانه فيه (2) لا ترسل جريدتنا الا لمن يطلبها (3) قيمة الاشتراك في اسكندرية 6 فرنكات عن ستة شهور و 12 فرنكاً عن سنة وفي غير الاسكندرية 2/ 1 7 فرنكات عن نصف سنة كاملة
(4) ارسال قيمة الاشتراك الينا تكون اما حوالة نقدية على البوستة او على احد التجار باسكندرية واما طوابع بوستة مصرية (5) من مضت مدة اشتراكه ولم يجدده معنا قطعنا عنه الجريدة في اول يوم من المدة التالية لزمن اشتراكه (6) اذا قطعنا الجريدة عن مشترك لم يجدد الاشتراك وخاطبنا بعد ذلك بدوام الاشتراك فانا نرسل اليه ما لم يصل اليه من الاعداد من اول المدة التي يطلبها (7) لا نسمع من احد طلباً بمقتضى وصل معه لم يكن بامضانا وختمنا او امضاء من نعيه في ادارة الجريدة بحيث يكون اسمه معلوماً فيها
ثمن العدد الواحد من الجريدة نصف فرنك
نديم
(1/282)

- 249 -

العدد 16 - بتاريخ: 2 - 10 - 1881
(1/283)

- 250 -

تخريفة بلدية
جمعنا مع بعض الارقاء مجلس مسامرة ونادي ائتناس فتجاذبنا اطراف الحديث وتفننا في مطارحات الادب وما زلنا نتنقل من اسلوب الى اخر حتى انتهز احد الحاضرين فرصةالتكلم وقال دعيت وبعض اخواني الى مأدبة فلما تكامل عدد المدعوين جيء بالطعام فاكل كل على حسب طاقته ثم قمنا لغسل الايدي فأخذت الصابونة وبعد ما غسلت يدي اعطيتها لمن بجانبي فاخذها بظهر كفه فسألته عن سبب ذلك فقال. ان اخذ الصابونة ببطن الكف بورث العداوة فضحكت على سخافة عقله وتمكن التخريف منه الى هذه الدرجة ثم اخبرتكم الخبر فماذا ترون. فقالوا (ننشرها بالتنكيت) ليطلع عليها صاحبها عسى ان يطهر ذوقه من دنس التخريف. فلهذا انشرها والعهدة على ناقلها ليعلم صاحبها انها تخريفة بلدية

وكلا الصحيفة
يوسف افندي كميد ومحمد افندي خليفة بمصر - الشيخ علي جنيد بزفتي - جواني افندي جيلات برشيد - السيد محمد الصياد بالاسمعيلية - محمد افندي حبيب بالمنصورة - محمد افندي ذكي بدمنهور - السيد عبد الله هلال بكوم النور -
(1/284)

- 251 -

تهاني الوزارة
ايام مولانا الخديوي كلها ... للناس عز زانه التشريف
لما احال على الشريف رئاسة ... يسمو بها بين الرجال عفيف
قالت جلالته لذلك ارخو ا ... قطري لطيف والوزير شريف
319 129 260 590 1298
الجهادية
مصر تباهي بالخديوي غيرها ... وتقول بحرى بالمحاسن طامي
وجميع ابنائي سيوف حماية ... وفخار جيشي بالحماسة حامي
المالية
بشرى لمصر واهل مصر ... ببدر عز بها نصدر
فمن يخاف العنا فيها ... امين مال البلاد وحيدر
الحقانية
قدري علا هام العلى ... فزها على انوار بدر
والحق اصبح قاتلاً ... ان الوفى ادرى بقدري
المعارف
قل للعلوم اذا اتت ... بعد التبدل تشتكي
كفي فاهلك في ثنا ... ذاك العلي وذا ذكي
الاشغال
تقول بحار البري وهي عظيمة ... لحبر تنآئى بعد جهد واعمال
تمتع باقبال الخديوي واسترح ... فقد جاء اسماعيل ينظر اشغالي
ارد بأس الغريب عني ... بلطف قولي وحسن فهمي

تهذيب الاخلاق يطهر الاذواق
اقص على اخواني مسامرة جرت بيني وبين صاحب السعادة افلاطون باشا وكيل جهاديتنا جلسنا نتذاكر في عوائد الامم واخلاقها واختلاف الطباع باختلاف التربية وفساد اخلاق بعض الشبان الذين يميلون بجانبهم الى ظواهر الامور فيتمدحون بافعال الدول التي دخلوا بلادها ويذكرون لها من المحاسن ما يبغض ابن البلاد في حاكمه ويحسن له الخروج على ولي امره والنفور من اعماله فقال ايده الله
(1/285)

- 252 -

عند عودتنا من فرنسا سنة 1267 هجرية صرنا نجلس مع ابناء الوطن ونحدثهم باجتهاد الفرنساويين في الصناعة وتقدمها والعلوم وانتشارها ونتمدح بما هم عليه من اتحاد القلوب واجتماع الكلمة وما تربوا عليه من التهذيب وحسن الاخلاق حتى عرف كل انسان حقه ووقف على واجبات مواطنيه فترى الفرد منهم يعامل كل انسان بما يليق به وذلك بسبب وجود قانون عادل يبين الحقوق ويوضح الواجبات فلا يتعدى قوى على ضعيف ولا يحتقر غني فقيراً ولا يتجزأ صغير على امتهان كبير ولا حقير على اهانة امير بل الكل واقفون عند حدودهم عالمون بما يصلح البلاد ويزيد في الثروة ويقوي السلطوة ولا تنافس بينهم الا في التجارة والزراعةوالصناعة والمعارف.
وكنا نقول هذه العبارات لننشط اهل البلاد ونبعث فيهم غيرة على السير في طريق التقدم الانساني بما يعلمونه من اخلاق غيرهم وما يقفون عليه من ثمرات التهذيب والتاديب فلو سلك جميع الشبان هذا المسلك لاحدثوا في ابناء وطننا روح تقدم وحسن انتظام وكان لهم فضل الارشاد ودرجة الهداية
وفي اثناء المسامرة جرى ذكر الخدامين وفساد اخلاقهم فقال ان الخدامين في بلادنا تكثر فيهم الخيانة والاكاذيب وما عودهم على الكذب والجأهم للخيانة الا الظلم الذي نالهم وامتهانهم واحتقارهم وطهور القسوة من الامراء والغلظة فتربي الخوف في قلوبهم والتزموا الكذب ليتخلصوا به من كثير من الاسآءت وعرفوا الخيانة بحرمانهم من اجورهم واستخدامهم بسوط السطوة وصيت السلطة ولو كان العظما. من المهذبين واوقفوا الناس على حقوقهم وواجباتهم بقانون عادل لكان الناس جميعا من الامناء الصادقين ولكنهم التزموا طريقة العسف والظلم لغرضهم الذاتي فافسدوا في النفوس تاثيرا قبيحاً واري الناس الان في عهد خديوناالمحب للعدل واهله القائم بحفظ الامة وتقدمها يتنبهون شيأ فشيأ ويتقدمون
للاداب وحفظ الحقوق وهذا مما يضمن لنا حسن المستقبل واستنقاد النفوس من دنس الظالم وما غرسه الغي في نفوس العوام
ثم قال حفظه الله اقص عليك حكاية من هذا القبيل عندما حضرت من باريس كان عندى خادم اسمه ابو العينين اردت معاملته بما تربيت عليه من معاملة الخادم معاملة الصاحب فكنت اقول شد الحصان يا سي ابو العينين واذا ناولني شياً قلت له كتر خيرك يا ابو العينين ثم دخل علي يوماً وانا اتنشق فمددت له العلبة وقلت تتنشق يا سي ابو العينين فخرج مغضباً وعاد ومعه ورقة يطلب بها الاستغناء من الخدمة فقلت لم ولك عندنا سنين فقال انت الان عند عودتك من باريس صرت تهزأ بي وتقول ياسي ابو العينين كتر خيرك يا ابو العينين تتنشق يا
(1/286)

- 253 -

ابو العينين. وهذا لا يرضى به احد فقلت له ماذا اقول لك غير هذا فقال قل شد الحصان يا ولد هات القلة يا طورامش اطلع برا ياحمار وهكذا مثل بقية الذوات فعلمت ان ارجل فسدت اخلاقه بسوء معاملة السيد وما اوصله لدرجة الرضا بالسب والقذف الا ظلم الامراء وعدم معاملتهم الخدم بالرفق والاحسان وقلت له انت مثلي ولا يليق بي ان اعاملك بغير الانسانية فقال (انسانية ايه يا سيدي القاضي نفسه لام ينادي واحد رسول يقول ياولد والباشا من دول يشتم ويلعن واذا كان الواحد نايم يصحيه بالجزمة وان تعاملني زي ابنك والا اخوك ودا ما يصحش ياسيدي) فقلت لا حولة ولا قوة الا بالله متى تصلح الاوطان ويعمها التهذيب ويعرف كل انسان حقه والواجب عليه
وعينيك ما اتم سعادته حديثه حتى صرت اتحرك تحرك المتململ من الالم متأسفا على فساد اخلاق اهلنا وخروج بعض المتفرجين عن حدود الانسانية التي عرفها هذا الامير المهذب ولقد ذكرت بهذه الحكاية اخلاقاً حدثت في بلادنا بالمظالم والتعذيب بغير ذنب منها وجود بعض شبان او شيوخ في مكان يتحدثون بامر سياسي وعيونهم ترمق المارين وقلوبهم ترجف خوفاً من الجاسوس المسمى (بالبصاص) وربما تكلمت مع احدهم في امر فيبدأك بقوله مالنا ومال الكلام ده ظنا منه انك بصاص فقد امتلات القلوب بالخوف حتى شك الرجل في لبنه والاخ في شقيقه وهذا الذي امات الافكار واورث الذل والرعب وصيرنا لعبة في ايدي الاجانب
ومنها امتداد عين الحكومة السابقة لمال الرعية وتفننها في طرق السلب وانهب حتى صار
الغني يظهر الفقر ويلبس خلق الثياب ويحذر من اتساع تجارته او فتح بيته خوفاً من علم الحكومة به فترسل له احد المحتالين يخوفه ويهدده حتى يتخلص بجانب من ماله وقد بقى لهذا الامر السيء بقية في النفوس مع علمهم بطهارة نفس خديوينا وبراءته من حقوق العباد وبعده من مس شي من ثروتهم فترى الرجل او لامر خيري واذا دعي للدخول فيها اظهر الفقر واعتذر بعدم الاقتدار وحلف على ذلك ايماناً وهو غير صادق
ومنها تقدم الاجنبي على الوطني في كل اموره وعدم التعرض له بشي من الجزاء وان اساء ومعاقبة الوطني وان كان محقاً فترى الرجل يشتم دينه ومذهبه ووالداه وهو لا يتحرك ولا يتكلم بغير قوله معلهش يا خواجا ولو علم الناس ان مجلس المخالفات وجد لمحاكمة الاجنبي مع الوطني واخذ الحقوق بنص القانون ما سكت عظيم منا لحقير منهم خوفاً من ظلم الحكومة وعدم عدالتها واظن ان الناس جميعاً يعلمون حرص مولاي الخديوي على حفظ ناموس الرعية وحقوقها وهذا مما يوقفهم عند حدودهم ويسير بهم في طريق التقدم واحسان
(1/287)

- 254 -

السير وملاحظة الشرف
ومنها فتح البير وبيوت الفاجرات بلا قانون يضمن سير الامة في مثل هذه المحلات حتى مالت الشبان وكثير من الشيوخ للخروج عن حد الانسانية وانهماكهم في الملاذ البهيمية وصرفهم الكثير من المال في محلات الخسران والفسوق حتى فسدت الاخلاق واصبح الساري في هذا الطريق لا يلاحظ شرفه ولا يعرف حق مجده ولا شرف ابويه ولا واجبات وطنه ولا زواجر دينه وهذا احدث في اصحاب هذا المذهب فساداً هتكت به الاعراض وضاعت به الاموال وخدش به الشرف ولو سنت الضبيطة قانوناً للسهر واكثرت من الارصاد على الناس المنهتكين لنعاقب ابن الامير ونجل السيد على هتك حرمة شرفه وتزجر الديني وتؤدب المتهور لتقل بذلك المحرمات وتحفظ الاموال وتحسن الاخلاق ويستبدل الشبان مجالس السكر بمجالس المطالعات والاداب وحانات الفجور باندية المطارحة والمسامرة بالسياسيات لتربت لهم ملكه يجولون بها في فتون السياسة فان البلاد محتاجة لحدة الافكار وتنور الاذهان وبعد غورها في السياسة ليحفظوها من ايدي الطامعين فيها ويملاؤها عدلا واحساناً واصلاحا عندما يندبون للشورى واما اذا بقيت الحال على ما هي عليه فقد خابت الآمال في مستقبلنا بكثرة الفجور وتشويش الاذهان باثار المشروبات
وامراض الفاجرات وعسى ان ترى من يتذكر في هذا الامر المهم وينظف البلاد من هذه القبائح ويربى شبابنا تربية الكمال فقوة الحاكم فوق اداب المربي وسطوته اقوى من نصائح الاستاذ فان تمت هذه الامنية وصدق الرجاء طهرت اذ واقنا وتأدبت غلماننا فان تهذيب الاخلاق يطهر الاذواق

المسجد الاحمدي
لا يغيب عن اهل بلادنا عظم المسجد الاحمدي ووجوده في مركز يزار فيه من جهات بعيدة ويقصده كثير من اصحاب قواميس الاحصاء يدخلونه ويعدون العمد والخلوات والمجاورين والعلماء تحار افكارهم ويذهلون وقد اجتمعت باحد المولفين في التليانية ورايته احصى ما في المسجد من الناس وغيرهم ثم قال لي بهذا المسجد العظيم ستون عالماً وخمسة الاف من المجاورين (وقد وافق عدده ما سمعته من الحسيب السيد محمد القصبي شيخ المسجد المذكور) ولا راتب لواحد منهم سوى ستة اشخاص يقرأونالبخاري هذا مع كثرة اوقاف السيد وغنى اهل البلاد فلو وضع صندوق لجمع صدقات من الزائرين وفرضنا ان كل انسان يضع فيه فرشاً واحداً لاجتمع فيه خمسمائة الف غرش تفريباً في كل مولد فقلت له دعني افكر في هذا الامر لعلي اهتدي لطريقة بها اجمع لهولاء السادة جانباً يسد
(1/288)

- 255 -

رمقهم ويحفظ لهم نظام حياتهم ومعاشهم لتخلو افكارهم من الاكدار وينقطعوا للتعليم وخدمة الدين وقد اجلت فكري في كثير من الطرق فلم اهتد لاحسن من فتح قوائم اكتتاب يجمع سنوياًمن اهل الخير والاحسان ويوزع على العلماء والمجاورين وقد عزمت على فتح هذا الاكتتاب مستعيناً بالله تعالى تحت عنوان (باب مساعدة العلماء) وسنعين اميناً من العظماء لحفظ التبرعات كما اني سابذل جهدي في هذا الباب بين يدي مولانا الخديوي الاعظم المحب للعلماء والامة الساعي في تقدم البلاد واهلها ليكون اسمه الشريف عنوان هذا الخير العظيم فمن اراد ان يكون من رجال هذا الباب القائمين بخدمة العلماء وحفظ الدين لاهله فليتفضل علينا بجواب يبين فيه اسمه ومقدار ما يدفعه سنوياً وجهته المقيم فيها حتى اذا تم العمل وعين امين الصندوق وزعت القسائم للتحصيل والاخذ في الاسباب. ولا نعدم من اعيان بلادنا وهممهم مساعدة على هذا المشروع لخدمة الدين والدنيا فان العلماء هم الامناء وهم الذين بهم نفاخر وبهم نجادل وعليهم نعتمد في جميع نوازلنا ولا يليق بنا ان نهدر حقوقهم الدنيوية ونتركهم يسيرون بثياب ظاهرها الثروة وهي على معد فارغة وجيوب لا شي فيها ومن المعلوم ان العلماء الازهر لهم مرتبات وعلماء اسكندريةلهم بعض مرتبات من وقف الغزي ووقف المرحوم الشيخ ابراهيم باشا اما علماء طنطا فلا شي لهم سوى التوكل على الله وعار على الامة تجد مسجداً عظيماً مثل هذا ملى بالمعلمين والمتعلمين ثم يتركونهم مع ملء بلادنا باهل الاحسان ووجود الاغنياء من اهلنا يصرفون كثيرا من ايرادهم في وموارد
خير. وقد جعلنا هذا اعلانا لكل من اراد المساعدة واحتسابه من القائمين بخدمة العلماء وسنعلن اسماء الذين يكتبون لنا ونبين مقدار ما يكتتب في كل اسبوع ليقف الغير على ما لرجلنا من الغيرة الدينية والهمة العلية والجوابات ترسل باسمنا بهذا العنوان (عبد الله نديم صاحب التبكيت باسكندرية) ولهم منا جميل الشكر وتخليد اسمائهم في صفحات الزمان ولهم من الله حسن الثواب والله يوفق من يشاء فانه رب الخير ومولاه جلت قدرته

قصيدة عبد الله أفندي
وردت لنا هذه القصيدة البديعة من فلم صديقنا البارع عبد الله افندي فريح رئيس معلمى اللغات الاجنبية بالمدرسة الخيرية يهنىء بها دولتلو افندم شريف باشا وهي بنصها
قال اعزه الله
الى مصر قدر في البلاد منيف ... وظل على كل العباد وريف
بلاد سقاها الله من غيث فضله ... فلي طاب فيها مربع ومصيف
الاكيف لا واليوم قد صار بدرها ... وزير جليل قدره وشريف
(1/289)

- 256 -

امير من العلياء بالفضل قد دنا ... فمنها دنت عجباً اليه قطوف
همام رقى هام المعالي باخمص ... وقد ارغمت للحاسدين انوف
يجر ذبول الفخر نيهاً لدى العلى ... فتغشاه منها بالبهاء سجوف
بطارفة قد لا ح يعنز تالد ... فحسبك منه تالد وطريف
عهدنا المعالى فارقته وقلبها ... بشوق اليه طائر واسيف
ولكنها حنت لربع فهينمت ... وعادت اليه والفواد لهيف
له عزم ليث في الخطوب اذا بدت ... ورأي سديد في القضاء حصيف
فشهب الدجى فب الخطب انوار فكره ... واقلامهُ في المشكلات سيوف
لبيت العلى والمجد قد شاد كعبه ... فكل بدا يسعى لهُ ويطوف
كريم براه الله من روح جوده ... فكل اليه بالثناء هتوف
وما البحر في التشبيه مع فيض كفه ... اذا فاض الا نادر وطفيف
يحيف على امواله حيف ظالم ... وان يقض في امر فليس يحيف
نراه غدا عن كل عيب منزها ... ولكنه للمكرمات حليف
فمن قال ان الدهر يأتي بمثله ... فما ذاك الا جاهل وسخيف
اتته العلى تسعى فطوق جيدها ... وقد زينتها من علاه شنوف
رعى الله قطراً ساده في وزارة ... فبات وطرف الدهر عنه كفيف
لهُ بيرق في دولة المجد خافق ... من النصر قد خطت عليه حروف
اذا ما انتضى يوم الوغى عزم صارم ... لدى عزمه باس الاسود ضعيف
فما ذاك الا الليث ان يلتق العدا ... ويوم الندى للقاصدين عطوف
بقلب شديد العزم ان قام ناهضا ... تنام من الدهر الغدور صروف
لديه رقاب الاسد ذلت مهابه ... وعزت به جيرانه وضيوف
الى الصحب منه والمحبين نعمة ... وللخصم منه نقمة وحتوف
اديب اريب كامل الفضل ماجد ... عنيف لطيف بالعباد رؤف
تقي زكي المعي مهذب ... كريم سليم قلبه وحنيف
اذا ما انجلى للشمس كاروض خلقه ... عراها حياء في السماء كسوف
سما مجده يعلو فطالع سعده ... لدى الحمد مقرون به ولفيف
هنيئاً اخا العليا بجيش مظفر ... الوف ومن فوق الالوف الوف
اذا ما تناديها بادنى اشارة ... تجيب الندا منها لديك صفوف
(1/290)

- 257 -

وان غلظت اعتاق جيش من العدا ... فسيفك في هذا المقام رهيف
ملأت قلوب العالمين مسرة ... وقلب الاعادي قد ملاه رجيف
فغنت بعلياك العباد ورنمت ... وذقت سروراً في البلاد دفوف
وما اسعد والاقبال والعز والتي ... سوى عدم كل لديك وقوف
فمرها بما قد شئت في الدهر واحنكم ... فما الكل الا خادم ووصيف
ولا زلت ترفى في الملا غارب العلى ... وعلياك عن شهب السماء تنوف
ويدعوك توفيق العزيز مؤرخا ... بدا السن مصر والوزير شريف
7 111 220 260 590 1298

مصر
تربية الجاهل لاولاده واحترام الجاهلة لزوجها
حدثت نادرة غريبة من عهد قريب يتجلى بها تاريخ المخرفين. وهي ان رجلاً خبازا له ولد يعطيه بعض الخبز ليبيعه ففي بعض الايام حاسبه فوجد النقدية تنقص عن ثمن الخبز فساله فاخبره ولده ان الخبز كنز بقدر النقدية فقط فغضب ابوه واخذته الحدة فكتف الغلام وحلفت بالطلاق ان لا يدنو منه احد ثم طفق يضربه حتى ادماه وامه ومن معها ينظرون ولا يرجونه حيفة وقوع الطلاق ثم اخذ الغلام ووضعه في سحارة (صندوق كبير) وحلف بالطلاق ان لا يفتحها عليه احد فبات الغلام يصيح ويستغيث بامه ويطلب منها شربة ماء وهي تبكي وتعتذر له بوقوع الطلاق ولم يزل على هذه الحال حتى مات وهي لا تشعر فلما اصبح الصباح حضر ابوه وفتح السحارة فوجده مضخا بالدماء ولا حراك به فظن انه يحتال بهذا النوم ليتخلص من الضرب وجذبه من يده ورماه في الارض وصار يضربه برجله في بطنه حتى كاد يكسر عظامه فلما راه لا يتحرك ولا يصيح تحقق انه مات وفارق هذا الوالد الوحشي البهيم فصاحت والدته وقبض عليهما لتوقيع الجزاء عليهما
فهل سمعتم بوالد يقتل ولده على لا شىء ووالداة تدفعها الشهوة البهيمية لتفضيل غرضها النفسي على حياة مهجتها ولو كانا مهذبين لكان في الوالد شفقة وفي الام رحمة فعلم ولدك ايها الانسان لئلا يكون كالخباز وعلم ابنتك لئلا تاتي مثل زوجته ودع عنك التخريف فثمرة الحياة الادب والتهذيب

رسالة من الحكيم شبلي أفندي شميل
وردت لنا هذه الرسالة من حضرة الحكيم النطاسي شبلي افندي شميل فاثبتاها بالحرف
ايها السيد الفاضل محرر جريدة التنكيت البهية
ذكرتم في عدد 14 من جريدة التنكيت
(1/291)

- 258 -

الغراء ان رجلا يدعى الشيخ العشماوي من جروان (في المنوفية) وله الان نحو من عشرين سنة لا ياءكل ولا يشرب ولا يغوط ولا يبول وهو قوي البنية صحيح العقل وقد اعقب ولدين ورغبتم الى الاطباء وغيرهم من اهل العلم ان يغتوكم بما يظهر لهم من حقيقة هذه العجيبة التي لا يصح ان يذكر معها صيام تنر وامثاله بشي قاقول ان هذا الصيام مستحيل فيزيولوجيا لان الحياة مهما اختلفت اراء العلماء في اصلها فجميعهم على اتفق بانها لا تقوم الا بالتغذية القائمة بالتحليل والتركيب فكل عمل حيوي يرافقه تحليل في الانسجة الحسية اي ان العناصر القائمة فيها ظواهر الحياة تتغير كيماوياً وطبيعياً بحيث لا تعود تصلح للحياة فتفصل بالافراز ولكي تبقى الحياة بعد ذلك لا بد من التركيب اي ادخال مواد جديدة تقوم مقام المفقودة بالتحليل وهذه المواد لا يمكن الحصول عليها الا بالغذاء القائم بالطعام والشراب وبعبارة اخرى الحياة من اهم شروطها وجود مقدار معلوم من الماء والحرارة والهواء ويستحيا بقاؤها بغير ذلك فاذا فقد الماء بتحليله في المركبات الحيوية وبالافراز والتبخير الذي لا بد منه بالحرارة ولم يعوض عنه امتنعت الحياة وهكذا اذا انفذت مواد الغذاء بالاحتراق ولم يعوض عنها بالطعام بطل الاحتراق فبطلت الحرارة وبطلت الحياة وهذه حقائق الاعتراض ولا الاخلال واما صيام تنر فغير ممتنع اولا ً لان الجسم في حالة الصحة لا يستخدم في الاحتراق كل مواد الطعام التي تكون غالباً زائداً عن الاحتياج بل يتحظ على الرائد منها ويحرزن فيه على صورة الدهن ذخيرة يتصرف فيها عند الحاجة كما في وقت المرض وهذه الذخيرة لا تكفيه الا اياماً قليلة لا تزيد عن الطعام والشراب تاماً وثانياً لان تنر المذكور فضلاً عن الذخيرة المذكورة لم ينقطع عن شرب الماء ومن المعلوم ان اختباج الحياة الى الماء اشد من غيره فان الماء يؤلف نحو اربه اخماس ثقل الحيوان المنقطع عن الغذاء اكثر من الجوع وكان يستعمل ايضاً بعض المشروبات الروحية التي فيها مقدار غير قليل من الاكسيجين والكربون اللذين هما عنصرا الاحتراق ومع ذلك فصيامه لم يكن الا محدوداً ولو تجاوز به حدا معلوماً لهلك لا محالة والدليل انه خرج من صيامه في حالة الهزال الشديد بخلاف
الشيخ العشماوي على ما بين صيامهما من التباين العظيم والشيء بالشيء يذكر اني اقص عليكم حادثة ليست باقل اعتبارا من حادثة تنر وان كان الصيام فيها اقصر مدة لان الانقطاع فيها كان عن الطعام والشراب معاً وعن النور ايضاً مع قلة الهواء في ظروف تكد تقضي وحدها على الحياة ففي زلزلة سنة 1872 في مدينة انصاكية اخرج صبي وبنت من تحت الردم حيث مكثا ثمانية ايام غير كاماة لا ياكلان ولا يشربان في بناء
(1/292)

- 259 -

مربع مسقوف صغير على قدرهما حصل اتفاقاً باجتماع بعض الحجارة وحفظهما سالمين ولم يكونا يستطيعان فيه حراكا الا ما قل وهما جالسان القرفصاء وكان عمر الصبي 12 سنة والبنت 18 سنة اما البنت فماتت حالاً بعد خروجها واما الصبي فبقي حياً وقد رأيته رأي العين بعد عشرين يوماً منهوكاً وسألته عما كانا يشعران به وقتئذ فاجابني انالم الجوع فقد منهما تماما بعد يومين لكن العطش كان يعذبهما جداً حتى كانا يحاولان شرب بول بعضهما
ومما يزيد حادثة الشيخ العشماوي غرابة ويقربها الى الخرافات هو انقطاعه عن التبريز والتبويل مع بقاء باقي المفرزات على حالها كالعرق والدمع واللعاب والمرتشحات المخاطية والسائل المنوي الذي اعقبه ولدين على ما اشرتم وغير ذلك من المفرزات التي تذهب بمواد الانسجة وبمايها والتي لا تستطيع البقاء على حالها الا اذا كان التعويض عن المفقود الذي لا بد منه في كل عمل حيوي موجوداً والتويض لا يكون الا بالطعام والشراب ولعل حكاية الشيخ المذكور من باب حكاية الشيخ زعبل وامثاله وبودي لو انتبهت الصحة فوضعت هذا الرجل تحت المراقبة الصارمة لا لان عندنا في مسالته بعض الريب ولكن لتزيل من بين الناس مثل هذه الاشاعات التي تشوش الاذهان وتوسع في العقل بنطاق الاوهام وما هي بقليلة. اهـ.
كاتبه الدكتور شبلي شميل
(التبكيت) نشرنا الجملة المتعلقة بالشيخ عشماوي وطلبنا من الاطباء ان يفتونا بما يعلمونه فيها وقد اجابنا الى ذلك حضرة شبلي افندي بهذه الرسالة الغراء ولكن كيف يصح جعلها من باب التخريف والاشاعات التي تشوش الاذهان وتوسع نطاق الاوهام وقد شهدت قرائن الاحوال بان هذه امور الزمنا انفسنا مقاومتها ومعارضة من ينتسب اليها على ان هذا الرجل الى الان موجود وجميع اهل بلدة يقولون ذلك عنه فاحسب ما علينا ان تضعه
الصحة تحت الحفظ لتعلم ان كان المدعي حقيقياً ان من باب التخريف وعلى كل فلا ناقة لنا فيها ولا جمل وانما هو امر نقلناه وما على الناقل من حرج

لغز
لحضرة الالمعي المفضال الاديب المتفنن الشاعر الناثر حسن بك حسني
ما اسم رباعي التركيب. منفتح الصدر غريب لانه مصدر الخير والشر. ومتمم النهي والامر. يسجد به القلم. ويهتز لهيبته العلم. به تفتخر الملوك. وفيه يشاركهم الصعلوك. وهو مظهر لخفايا الحقائق. يتصف به المخلوق وهو من صفات الخالق. ولو قلبته بحسب الامكان. لكان ايضاً من صفات الماك الديان. على
(1/293)

- 260 -

انه لو انخفض صدره لصعب على المتأثر امره. ولو ارتفع اوله. لتبدي لك واديا يضل جاهله. ثم اذا ذهب ابتداه. كان حكاية لمن رواه. لابل حرفاً لو استعلماه. على انه في تلك الحال جمع لما تفتخر بمفرده الابطال ولو حذف اخره لكان من المرعى. ولو شدد ثانية بعد لاشعر ردعا. ولو قلب بعد حذف ابتداء لكان من زينة الحياء وهو من احسن الوسيلات. للباقيات الصالحات ولو صار رابعه ثانياً وعكس ما دون اوله لكان كمال الرجال وغاية يفضل بها صاحب الافضال ولو حذف اوله وصار ثالثه مبتداه ثم انضم اليه العكس ما عداه. لكان هو الموجب للعمل. والرابط الاعظم بين الدول. المؤثر في الاواخر والاول. حتى كانه الامل. ولو حذف ثالثه وقلب سواه. لكان بانفتاح عينه ملكا في سماه. ولو انكسر لكان بذلك في الارض ذا عز وجاه. على انه من اسماء الاله ولو حذف طرفاه فانقلب قلبه وامتد صدر المقلوب لكان مما يشتاق اليه. ويصرف الصالح اليه. على انه سراب كاذب. وشراب لغير المشارب. ولو حذفت الرابع وقدمت الثالث. لكان من الضروري لحياة الحيوان الحادث. ولو حذفت صدره وجعلت ثانية ثالثة لوجدت منه الالم على انه نتيجة الهم والسقم ولو قلبته حين ذاك. لكان موضوعاً فلسفياً كما لا يخفاك. ولو اخذت قلبه لدلك على لا معنى. وكان طرفاه من المقولات وعنه لا يستغني. ولو قسمت نصفيه لكان الاول خلاف الجزء بالضم. وبالكسر امراً عندما يهتم. واستعمل الاخر للاستفهام. وبالقلب نفيا لما يرام. علىانه حياة الانسان واصل العمران ووارد في نصوص القرآن. وها قد وصفته حتى كاني عرفته فان بقي شيء من المعي او سمة من سمات ذات المسمى فهو عرض يزول وان اثر في جوهر المعقول وهو في الدين من الاصول ففيه المبتداء والخبر. ومنه يعلم القياس والاثر. اعداد جمله كلمة امر مرهوبا تركيه. وزيادة اعداد بسطه كلمة فارسية. تدل على حادثة جوبه وعدد الاصل والبسط باليقين. يبلغ ثلاثمائة وثلاثة وسبعين فتكرموا بالجواب يااولي
الالباب
حسن حسني

اعتذار
اشرنا في العدد الماضي الى ان بقية الاجوبة عن لغز (ليل) تنشر في هذا للعدد ولكن حيث تقدم ما يدل على اللغز فيه راينا ان تقدم لحضرات الادباء الذين اتحفونا بالاجوبة عنه شكرا يدوم بدوام آدابهم وحمداً بشهد بان لهم في ميادين الانشاء سبقا على من عداهم فلا يلومنا من لم نثبت جوابه فالحال ظاهرة ومع ذلك فانا ننبه على اسماء حضراتهم راجين منهم ان يدوموا على مراسلاتهم فهي نزهة الروح وانس النديم
(1/294)

- 261 -

الاسماء
حضرة احمد افندي مظهر مأمور ضبطية طهطا
. جرجس افندي يوسف رئيس ورشة اليومية بالدائرة السنية
. محمد افندي الزيني كاتب قسم ثالث بسكندرية
. حسن افندي لبيب مفتش دخولية قسم ثاني بسكندرية
. احمد افندي جودت معاون بمديرية الغربية
. محمد افندي الشامي كاتب بمحكمة مركز ابي حمص
. السيد ابراهيم عبده بكوم النور
. عبد الرحمن افندي حافظ بمجلس مصر الحسبي
. علي افندي شلبي كاتب تحصيلات قسم اول بالدائرة البلدية بسكندرية
. محمد افندي ابو بدوي بالمنصورة
. محمد افندي حبيب وكيل الجرائد العربية بالمنصورة
. محمد افندي فتحي بالخارجية
. صالح افندي ضيف بكفر الدوار
. محمد افندي متولي بمصر
. عبد الله افندي الونيعي بالرحمانية
. خالد افندي الفوال بدمياط
. عبد الحميد افندي زايد بالرحمانية

كم فينا من النبهاء
ولكنهم في زوايا الاهمال
زرت بعض اخواني في ديوان عموم المرور ودخلت ورشة الحساب فرأيت امام الفتى البارع احمد افندي ذكي دفاتر حسمة فسألته عنها فقال لي انها دفاتر عموم المصلحة ولقد رأيت عملتها ورسمها البديع فوجدت ما سئت به سرورا من نظافة الدفتر وانتظام فلم الارقام وتساوي الخانات وحسن ترتيب الاقلام وبهرت من سهولة العملية التي اتخذها لضبط حساب مصلحة فيها مائة محطة وعشرة غير حساب التلغرافات ومينا اسكندرية بحيث يمكنه معرفة ايراد ومصروفات المصلحة سنوياً في اقرب وقت فلما امتدحته على نشاطه وعنايته بوظيفته اشار لحضرة الفاضل النحرير يوسف بك رشدي رئيس عموم المحاسبة وقال تمدح بهذا فانه استاذي في هذا العمل العظيم ولقد تذكرت هذا العمل وقسته بعمل بنك فيه كاتب بستين جنيهاً فوجدته يوازي عمل خمسة من النوكات وفيه هذا الوطني يتكبد مشقة العمل الجسيم براتب قدره الف قرش فعجبت من سوء حظ الشرقيين كما عجبت من نسة من نسيم للجهل وعدم حسن الاعمال مع انك لو قست هذا القلم بحسابات المالية لوجدت كثرت الاقلام هنا توازي فروع المالية ان لم نقل اكثر منها في العمل وقبل
(1/295)

- 262 -

هذه العملية المجموعة في دفتر كانوا لا يتحصلون على معرفة حساب المصلحة الا من جميع دفاتر الدفترخانة وهي الان في دفتر بين يدي كتفه فنشكر الصادق في خدمة وطنه صاحب السعادة علي باشا صادق فانه متوجه الى بناء وطنيه بكيته مجتهد في احسان المصلحة وسرها على قدم النجاح ولوتمكن من زيادة مرتباتهم لفعل وعسى ياتيه وقت يخول اليه سلطة بها يتمكن من رفعة ابناء الوقت وحصر العمال لا يقدم اليها عدد كثير من الاجانب ولو كانوا عدد قليلاً عددتهم ولكنهم كثيرون في زوايا الاهمال
ولنا في عناية امرائنا الحاضرين ما يفتح للوطني باباً يدخل منه الى الرواتب الكافية ليضارع من جاء من بلاده لا يملك نقبرا ولا فتيلا واصبح توسع له الطريق ليمر بعريته وكنا في غنى عنه لو استعملنا ابناء بلادنا ووسعنا ثروتهم وحفظنا نعمة البلاد لاهلها فاتهم ابناؤنا وخدم اميرنا ومحل امالنا وعليهم في حفظ البلاد وعمارها المعول. وليست السيادة بفتح باب البلاد للغرباء ياكلون خيرها ويهتكون سرها ويميلون باهلها لجانب الاجانب
بالغرور والتحسن بل السيادة بفتح بيوت الاهين وتكثير المعتبرين وحفظ الثروة لمن اذا دهمنا جمعناهم واذا احتجنا استمنحناهم واذا امنا واستغنينا عما بايديهم كانوا امامنا وجوها واعياناً نفاخر بهم وتكاثر ثروتهم ونتيه بهم على كثير ممن اضاعوا البلاد بخدمة الغرباء وحسن المستقبل يقرب لنا الوصول لدرجة لا ترى فيها احداً من كتبة البلاد واطبائها ومهندسيها في زوايا الاهمال ان شاء الله

فاني
نقل لي بمض احبابي ان امراة افرنجية تعلمت المربي حتى صارت من المسكتات للكبار وهي الان تقول الزجل وتنظم الادوار فقلت له اين محلها فقال انها في قهوة فتوجهت معه لارى هذه العجية فما جلسنا جاءت وجلست معنا وكنا اربعة رجال ثم ابتدرت تنكت مع واحد من رفقائي بلسان عربي فصيح ومعان غريبة وبعدها قال لها صاحبي ما قصتك مع فلان وسمى لها احد ابناء المعتبرين فابتدرت نسه وتهجوه بما لم تهج به فاجرة ثم قالت وقلت فيه حمل زحل فطلت منها انشاده فانشدتني هجوا كله فظايع ووقائع قبيحة تأباها الطباع وختمت الكلام بقولها وقد توجهت لوالدته واخبرتها بتلف ولدها ومشيه مع الفجار
فمن تامل لحال هذه المراة علم كيف وصل الفساد بابنائنا الذين لم يذهبوا حتى صاروا غرضاً لهجو النساء الاجانب ومعرفتهن البت ودخولهن على المخدرات مع كونهن من غايات البير المومسات فمن لنا بمودب يحفظ الاعراض ويمنع الاولاد من الهذيان والسهر في الحانات والخمارات وصرف الكثير من الجنيهات فيما يجب عليهم الشر ويخلد لهم الذكر
(1/296)

- 263 -

القبيح خصوصاً على لسان مثل هذه التي يجتمع عليها كل ليلة نحو المائتين من الشبان واقبح في الامر انهم كما علموها الكلام علموها بعض كلمات قرأنية فقد كان اخر كلامها معنا كل من عليها فان

رأيت فوق ما سمعت
مررت بالازبكية بعد الغروب فقابلني شاب عليه سترة وبنطلون وسلم علي فظنته احد المستخدمين الذين لهم اشتراك في جريدتي وقلت له كيف حال سيدي فقال عندي حاجة عظيمة جدا فقلت له مثل ماذا فقال غلام جميل لم يخرج لتسالي الا هذه الليلة ويرضى بالقليل فمرت في امري وبقيت انظر لهيئته واتامل في صفته وبينما انا وانف معه حضر بعض احبائي وانتهره وشتمه شتم قبيحاً وقال لي ان قادة الغبان يشترون الملابس الافرنكية ثم يلسونها ولمبسون الاولاد منعا ثم يتوسلون بالهيئة لرواج صاعتهم القبيحة واذا سالتهم عن الغلام قالوا لك هو ابن فلان ويسمون واحداً ربما كن من العظما وهو (الولد) في الحقيقة حمار او ضايع لا صنعة فعجبت كل العجب من انتشار هذا الامر القبيح في بلادنا حتى صار له قادة ووسائل فلو اعتنت الضبطية بالقبض على هولاء المخئبن والقواد وابعدهم من البلاد لطهرت كثيراً من اخلاق الرجال الذين لا يهذبهم الا سوط الحاكم او منعه والا فان الامر يزداد تقشعراً فيفسد الاخلاق ويضر بكثير من الناس الذين لم يعرفوا هذا الامر ولنا في همة المأمورين والبوليس ما نرجو به تطهير الازبكية بمصر والمنشية باسكندرية من هذه القاذروات وعندنا من المصائب والمحرمات غير هذا الفعل الحيواني وفي البقية الكفاية

رسالة أدبية
جائنا من حضرة الوجيه السيد عبد الله هلال بكوم النور رسالة ادبية سندرجها في العدد الاتي ان شاء الله تتعلق بصيام الشيخ عشماوي مثل رسالة حضرة الحكيم شلي افندي شميل ولسمق هذه على تلك اجتزأنا بها عنها. كذلك جاءنا لغز لحضرة صديقنا البارع عبد الله افندي فريج ثم لغز لحضرة الاسناذ الفاضل الشيخ حفني ناصف ثم لغز لحضرة محمدافندي متولي ثم لغز لحضرة العلامة النحرير حسن بك حسني ثم لغز لحضرة رزق افندي يوسف وسندرجها في الاعداد الاتية على هذا الترتيب حسب ما وردت كما اننا سنتكلم في العدد الاتي في شأن صباح كتبة الدواوين على رؤسائهم بما ينبه به كل من الفريقين لما له وما عليه
(1/297)

-