Advertisement

دراسات وتوجيهات إسلامية


الكتاب: دراسات وتوجيهات إسلامية
المؤلف: أحمد سحنون (المتوفى: 1424هـ)
الناشر: المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر
الطبعة: الثانية، 1992 م
عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] أحمد سحنون
دراسات
وتوجيهات إسلامية
الطبعة الثانية
المؤسسة الوطنية للكتاب
3، شارع زيروت يوسف
- الجزائر-
(/)

المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر 1992
رقم النشر 02. 01. 92. 09
(1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
(1/5)

الإهداء
من الإنصاف أن أسجل أن صاحب الفضل في كتابة هذه الفصول هو أستاذنا الإمام (محمد البشير الإبراهمي) فهو الذي عهد إلي بأن أضطلع بمهمه تحرير القسم الديني من (البصائر) ونفخ في روح الثقة بالنفس حين أسند الي هذه الأمانة العظمى ورآني أهلا لهذه اللهمة الشاقة التي تهيبها كثير ممن سبقني إلى هذا الميدان، وشجعني برسائله القيمة التي كان يكتبها إلي من مصر معجبا بهذه الفصول مثنيا عليها.
أذكر من هذه العبارة وأنا خجل:- إن ما تكتبه في (البصائر) هو حلية (البصائر) - كما لا أنسى كلمة قالها لي عندما رآى (البصائر) يسمو نجمها ويتضاعف رواجها والإقبال عليها حتى يطبع منها 8000 نسخة فتنفد كلها، وعندما رآى كتابها تعظم شهرتهم وتلتمع في سماء المجد الأدبي أسماؤهم، وتصبح لأسرتها ثروة أدبية كبيرة، قال لي عند ذلك: (أرأيت كيف أننا أردنا أن نخدم البصائر فخدمتنا).
ولا عجب! ففد كان الإمام الإبراهبمى من بناة النهضة الكبار الذين عاشوا كل حياتهم، وأعظم همهم تكوين عدد ضخم من حملة الأقلام، وإنشاء جيل قوي يحسن التعبير باللسان والقلم يكون الغرة الوضاءة في جبين (الجزائر)، والكتيبة الأولى في معركة تحريرها.
وهكذا، فالمقياس الصحيح عندي لعظمة الرجال هو قدرتهم على تكوين عظماء الرجال. وإذن -فأقل مكافأة لهذا الرجل العظيم- أن أهدي إلى روحه هذا الأثر الضئيل فما هو إلا نفحة من توجيهه، ونفخة من روحه.

أحمد سحنون
(1/7)

هذا الكتاب
هذه فصول دينية واجتماعية كانت قد نشرت في جريدة (البصائر) لسان حال (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين).
أي إن هذا الجهد المتواضع هو من أعمال جمعية العلماء ومن كفاحها ومن خطواتها المباركة التي مهدت لانفجار البركان، واشتعال الثورة.
إن كل شيء كنا نعمله لهذا الشعب، وكل ما نبذله لهذا الوطن، إنما كان بوحي من روح هذه الجمعية، ووفق الخطة التي رسمتها لتطهير هذه الأرض العربية المسلمة من وجواد الاستعمار ومن سيطرة الأجنبي، ومن عار الحكم بغير ما أنزل الله.
لقد كانت معركة، وكانت جنود، وكانت أسلحة، كان جنود هذه المعركة العلماء والمعلمين والطلاب، وكانت الأسلحة هي المقالة والقصيدة والنشيد والخطبة والدرس، كما كان من الأسلحة: الإيمان بالله وبحق الشعب والحماس لهذا الحق والغيرة عليه، والحقد المتأجج في صدر كل مسلم على كل ما هو أجنبي ودخيل من الأشخاص والمبادئ والعادات والمذاهب.
وكانت كل مناسبة كببرة أو صغيرة تستغل لتعبئة الأفكار والعواطف بهذه الأفكار والعواطف وشحنها بكل متفجرات الحقد والكراهية لهذا المتطفل البغيض والضيف الثقيل الذي فرض نفسه وحكمه ولغته وعاداته على هذا البلد المسلم المتحمس لإسلامه، ليقضي على شخصيته، وينسيه لغته ودينه وكل مقوماته، ويخمد غيرته على تاريخه وما يحفل به من مفاخر، وأمجاد، تبعث الروح في الجماد.
كانت مناسبات الزواج والختان والاحتفالات بالمولد النبوي ورأس السنة الهجرية وليلة السابع والعشرين من رمضان وما إليها، هي المجالات التي تلقن فيها الأمة ما يجب أن تعرفه من مبادئ وتقوم به من أعمال وتتخذه من وسائل للتخلص من هذا الكابوس الخانق الجاثم
(1/9)

على صدرها، -الذي هو: الاستعمار- فتخرح من هذه المناسبات وقد شحنت بكل ما هو إسلامي، وحقنت بإثارة الغيرة على شخصيتها ولغتها ودينها، وبث روح الحقد والكراهية على المستعر الذي لا صلة له ولا رابطة تربطه بها، إلا صلة الظالم بالمظلوم، أو رابطة المستعمر بالمستعمر، مما فوت على دعاة التجنيس في هذه الرقعة من الوطن الإسلامي غرضهم، وأوغر صدور أرباب السلطة على رجال الجمعية، لاسيما وقد رأوهم يمثلون سلطة تناهض سلطتهم: فقد كان رجال الجمعية يحرصون كل الحرص على أن يقوموا بمهمة: حكومة مؤقتة فيباشروا كل مهام هذا الشعب، ويرعوا مصالحه، ويسووا مشاكله، ويقضوا على كل ما يقع من خلاف وما يحدث من نزاع بين المواطنين المسلمين.
لقد آلت هذه الجماعة على نفسها أن تبذل كل ما في وسعها، لتعيد إلى هذه الديار، المجتمع الإسلامي الذي بذل الحكم الفرنسي كل ما في وسعه للقضاء عليه، {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.
فإلى كل من يغار على دينه، ويعتز بأمجاده، ويحرص على سيادة المجتمع الإسلامي والعمل بمبادئ الإسلام .....
أقدم هذا الكتاب راجيا من الله عز وجل أن يكون لبنة متواضعة في صرح الدعوة الإسلامية.
أحمد سحنون
(1/10)

من آراء الإخوان
راقت هذه الفصول المتواضعة أثناء نشرها بجريدة (البصائر) أخانا الداعية الكبير، والمجاهد المستميت: الشيخ الفضيل الورتلاني، فبعث من مصر بهذه الكلمة القيمة إلى الجريدة، بعنوان: (طر في هذه الأجواء يا سحنون) واجبته عنها بكلمة أخرى بعنوان: (قسوة القلوب)، ونحن نثبت نص كلمة الأخ الفاضل في أول هذه الفصول كمقدمة لها كرأي صريح لكاتب إسلامي له منزلته السامية ومكانته المرموقة في هذا المجال، كما نثبت بعدها ردنا عليها.
وجزى الله كل عامل للإسلام أو معين على العمل له أو مشجع عليه.
أحمد سحنون
(1/11)

طر في هذه الأجواء يا سحنون
لقد كنت ضيق الصدر من خلو البصائر من التوجيه الديني، وهي ميدانه وسوقه، ضيقا صرفني عن قراءة ما يكتبه الأستاذ أحمد سحنون، حتى وقعت في يدي الأعداد الأخيرة من جريدة البصائر فاجتذبني منها عنوان إلى قراءة ما تحته، فقرأت، فصادف مني هوى فأعدت قراءته ة فأثر في تأثيرا أجرى دموعي، تأثرا بالمعاني وفرحا بظفري بما كنت أنشده من النوع الحي المشرق المنتزع من مأثور السلف في أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم.
وفي غمرة ذلك التأثر والإعجاب تناولت رزمة من البصائر كانت أمامي، وأعدت قراءة ما فيها من كلمات الأستاذ سحنون، قراءة وتأملا وموازنة، فازددت إيمانا بأنها صنف واحد في الإصابة وحسن التنزيل، وعمق التحليل لأمراضنا النفسية وعلاجها بأخلاق أسلافنا الطاهرين التي ملكوا بها أنفسهم أولا، وملكوا بها الكون ثانيا.
هذا هو الدواء الذي جرب فصح، ولا تجربة أصح من هذه الأمة التي تسمى (العرب)، فقد كانت على أسوإ ما تكون عليه الأمم، فجاء الإسلام بعقائده وأخلاقه فنقلها في لحظ العين من عمر الأمم من ذات الصدع إلى ذات الرجع، لأنه عالج أمراضها بهذه الأدوية، فاشتفت وشفت العالم، واهتدت وهدت الناس، وحكمت القرآن في أنفسها، فحكمت الدنيا بعدله وإحسانه.
وليست الجزائر اليوم في حاجة إلى أدب الدرس، وإنما هي في حاجة أكيدة إلى ثوره -كتلك التي- عصفت بالبدع في أوائل حركة جمعية العلماء -تستأصل عيوب النفس وتطهرها من الرذائل، وفي مقدمتها الذبذبة والأنانية والغرور والخور
(1/12)

والاستكانة والجبن والكسل والتحلل، ثم تغرس في نفوس أضدادها من الفضائل حتى ينشأ جيل مسلم متسلح بالأخلاق المتينة القويمة، فينشئ بها حياة جديدة عزيزة منيعة، ولا سبيل إلى ذلك إلا التربية الدينية والرياضة الروحية من طريق التعليم المدرسي الأول ثم المحاضرات الجامعة المتكررة والدروس الأخلاقية المنظمة والخطب الجمعيه ثم المقالات.
أعجب العجب أن تكون عندنا هذه الهداية ونضل، ومعنا هذا الدواء ونمرض، ولكن ماذا ينفع المريض إذا كان الدواء في رحاله ولم يستعمله؟ وكذلك حالتنا، إن معنا القرآن ولكننا لا نفهمه فإذا فهمناه فلا نعمل به، ومعنا سيرة محمد صلى الله عليه وسلم ولكننا لا نستغلها، ومعنا هذه الكنوز من كلام السلف وأعمالهم وآثار أعمالهم، ولكنا لا نقتدي بهم فيها، وإن في إشارة الأستاذ سحنون لها على هذا النحو من التحليل والتنزيل لبشارة بأنه ما تزال فينا بقيه تهدي، وستكون من ورائها بقايا تهتدى، إن الخير هو وجود رأس المال وخير الخير أن يستغل، وكمال الخير أن يعرف صاحبه كيف يستغله، وكيف يتصرف فيه وأين يضعه.
لقد قام الفوج الأول من رجالنا الذين شيدوا جمعيه العلماء بهدم الضلال والباطل هدما شغلهم عن كل شيء، ولكنهم قاموا بالك ومعهم زاد عظيم من الذخائر الخلقية الإسلامية تعاون على تثبيتها فيهم الفطرة السليمة والتلقين المحكم، ولو اعتمدوا على علمهم الغزيز وبيانهم البليغ وحدهما لما نجحوا في هدم الضلال العريق والبدع المستحكمة، أما هذا الجيل الناشئ في معمعان الحركة فقد فتح عينيه في غبار المعركة، وشهد مراحل الإنتصار ولكنه لم يفقد أسباب النصر وأسلحته النفسية، فظن أن ذلك الهدم هو الغاية وأن معاوله هو العلم والبيان، فالتفت اليهما وسعى في تحصيلهما، وغفل عن السلاح الحقيقي للهدم والبناء معا، وهو قوة الروح ومتانة الأخلاق واستكمال الفضائل، وإن الهدم ليس مقصودا إلا للبناء، وإن البناء لا يتم إلا بوسائله الصحيحة وأدواته، وإن القدوة على الهدم ليست دليلا على القدرة على البناء، وإن أسلافنا ما أعلوا ذلك البناء الشامخ للإسلام إلا بعد أن بناهم الإسلام على فضائله وطبعهم على أخلاقه وهيأهم للاستخلاف في الأرض.
(1/13)

ولهذه الغفلة عن هذه المعاني قل نصيب هذا الجيل منها، وأخشى أن تؤدي الغفلة عنها إلى ضعف فيها، ويؤدي الضعف إلى تحلل وانهيار، ونكون قد هدمنا باطلا ولم نبن حقا، بل نكون قد هدمنا الباطل والحق معا، وهي أخسر الصفقات.
من أمهات الفضائل التي يحض عليها الإسلام المحبة الملتزمة للتعاون، بل هي نقطة البدء في التربية الإسلامية، وتتشعب منها الرحمة والرفق، وقد أمر المسلم بمحبة أعدائه ومن محبتهم إرادة الخير لهم، ومحبة الحيوان الأعجم، ومن محبته الرحمة له والرفق به وأين حظنا من هذا؟ الذي نراه ونلمس آثاره آسفين محزونين هو أننا كدنا نفلس في هذا الباب، -باب المحبة- إفلاسا تاما، ومن أفلس في أصل أفلس في فروعه والمحبة سائق عنيف يسوق النفوس بعضها إلى بعض ثم يسوقها جميعا إلى الخير، فإذا فقدت النفوس هذا السائق ساقها الشيطان إلى مثل ما نحن فيه من الشر والتخاذل والهلاك.
أما كلمة المحبة التي تتردد على ألسنتنا وتكتبها أقلامنا فهي كلمة فارغة من معناها، فهي كاذبة، لأنها لم تأت بشهودها من التعاون والنتائج، ولا بلوازمها من الإيثار والإحسان، فأصبحت جوفاء عادية مثل كلمة: (بخير) و (صباح الخير).
ونحن في حاجة إلى تربية نفوسنا وأبنائنا وأهلينا على الفضائل الإسلامية بعد تربيتهم على العقائد الإسلاممة، وما العقيدة إلا أساس يمسك البناء أن ينهار، أما مصدر النفع والآنتفاع فهو ما يرفع على الأساس من مرافق. وأنا حين أسجل حزني وتطيري من التدهر الأخلاقي الذي أشاهده - أسجل اغتباطي بما قرأته للأخ سحنون وأعتبره من الأغذية الصالحة والأدويه النافعة، وأعده بداية يجب أن تتسع، وواجبا يطلب التعاون، وطريقة مثلى في إحياء التأسي والاتباع بسوق الأمثلة وضرب الأمثال. فطر في هذه الأجواء الروحية يا سحنون، وعسى أن تكون هذه الكلمة شادة لعضدك حافزة لك على المزيد، ومازلت أذكر قولهم:
(البركة في سحنون) ...
الفضيل الورتلاني
(1/14)

قسوة القلوب
إلى الزعيم الروحي العظيم الأستاذ الفضيل الورتلاني
حياك الله، أيها الأخ في الله، الذي لا يخط حرفا إلا بوحي من هذه الأخوة الروحية، السامية الشاملة التي تداعت دعائمها وتجاهلها المسلمون، فقلت عدتهم رغم كثرتهم، وذلت نفوسهم بعد عزتهم.
ورعاك الله وزادك رفعة على هذا التواضع الرفيع، فبدلا من أن أكون السابق في هذا الميدان، ميدان شكر أمثالك من العاملين المجدين، لخير المسلمين، كنت السابق -كعادتك- فقد عرفتك سباقا إلى كل خير، مشجعا لكل عامل، ولو كان بطيء الخطى، قريب المدى، كهذا الضعيف.
إنه خلق خبرناه فيك، ولمسناه في مواقفك كلها، يوم كان لعيوننا حظ الاستمتاع برؤيتك، ولأرواحنا لذة القرب منك، ولعقولنا نعمة الآنتفاع بمواهبك، والاقتباس من نورك، وزاد هذا الخلق سموا وسعة وشمولا يوم سعدت بك ربوع الشرق. وحظي بقربك وادي النيل، وحلقت روحك في تلك الأجواء الحرة الطليقة، تعب من فيضها، وتنهل من عبيرها.
إنني أيها الأخ الكريم، لأعتبر تحيتك الطيبة التي نفحتني بها، وكلمتك القيمة التي خصصتني بإهدائها خير مشجع لي على السير في هذا الطريق، وخير مكافأة أتلقاها من صديق، على هذه الفصول المتواضعة، التي كونت لي أعداء، كانوا يوم أقرض الشعر وأعمل في حقل الأدب أصدقاء، ولا عجب فالناس عبيد ما ألفوا، حرب على من تحدثه نفسه بتحويل وجوههم عن هواهم، ولو كان فيه
(1/15)

شقاء دنياهم وأخراهم، ولكن ما أتفه ما خسرت من هذه الصداقة الزائفة، التي تنقلب إلى عداوة عند الله: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}،- وكن واثقا بأنني سأعمل بإشارتك، وسأطير في هذه الأجواء الحبيبة إلى نفسك المغذية لأرواح بني جنسك، ما وسعني أن أطير، وما قدر جناحاي على التحليق.
ولكن المسألة لا تنتهي هنا، والمشكلة- كما يقول الإمام الغزالي- ليست النصيحة إنما المشكلة قبولها، إن قلوب الناس- يا أخي- قد صارت من القسوة بحيث لم يؤثر فيها الكلام المؤثر، ولا الوعظ البليغ الموجه، {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}، ليست مشكلتنا في عدم الدواء ولكن في عدم استعماله، وقد وضعت- أنت- يدك على موضع الداء، إذ قلت: ماذا ينفع المريض إذا كان الدواء في رحاله ولم يستعمله؟ وإذا قلت: إن معنا القرآن الخ .. نعم، إن معنا القرآن الذي بلغ من تأثيره أن يصفه الله بقوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} ومع ذلك لا نتأثر به، ومن هنا يقول علي- كرم الله وجهه- عندما قابل أصحابه رأيه بالعصيان-: (لا رأي لمن لا يطاع)، وما الفائدة من وصف الدواء إذا كان لا يستعمله ذوو العلل والأمراض؟ ولمن تعد الأغذية الشهية إذا قوبلت بالصد والإعراض؟
فلا عجب أن نرى الغزالي بعد أن عرف المشكلة وقال كلمته المتقدمة يشفعها بقوله:
"غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد … لغزلي نساجا فكسرت مغزلي"
لذلك كثيرا ما أعود على نفسي بالاتهام، وأشك في صدق نيتي وأقول: لعل الكدر من المنبع والمرض في الطبيب والدواء لم ينبت في أرض طيبة، والموعظة لم تصدر عن قلب صادق النية شريف القصد، (فإن الكلمة إذا خرجت من القلب، نفذت إلى القلب، وإذا خرجت من اللسان، لم تتجاوز الآذان)، وإذا كان المنبع كدرا كان المصب كدرا وإذا عجز الطبيب عن علاج نفسه، فهو عن علاج غيره أعجز، وإذن فلا يلم من أعرض عن دوائه ولم يثق بعلاجه، ولذا قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
" أصلح نفسك، يصلح لك الناس"، كما كان عمر رضي الله عنه قبل أن يذهب ليعظ
(1/16)

الناس، يتفقد أهله وقول لهم: (إن الناس ينظرون إليكم، وإني ذاهب إليهم لآمرهم بكذا فلا تفضحوني، ومن هنا يقول الله- عز وجل-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} فجعل حسن القول، مقرونا بحسن العمل، والدعوة إلى معروف مسبوقة بالعمل به.
وعلى كل حمال، سنمضي في الطريق إلى النهاية، وسنواصل التحليق في هذه الأجواء حتى نوفي على الغاية، وسنبذل كل ما في وسعنا لإصلاح نفوسنا، ليكون ذلك عونا لنا على إصلاح غيرنا، وسنطرد من أمامنا كل شبح لليأس، ولا داعي لليأس فما نحن إلا سائرون على آثار نبينا الذي قال الله له: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}، وإننا غير تاركين هذه المهمة التي شرفنا الله بها، وأورثنا إياها نبينا، حتى إننا إذ نضيق بسوء حالنا الذي تسبب من إعراضنا عن دوائنا، لم يكن ذلك إلا من حرص على هداية قومنا، ورثناه هو الآخر عن نبينا الذي بلغ فيه إلى الحد الذي قال الله فيه: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}.
أعاننا الله وإياكم على ما فيه خير هذه الأمة وصلاحها.
(1/17)

إصلاح القلوب
إن الله الذي جعل الأرض تحيا بالمطر جعل القلوب تحيا بالموعظة، فلم بقيت الأرض تحيا بالمطر ولم تبق القلوب تحيا بالموعظة؟ ولم تقدم الناس في طب الأبدان ولم يتقدموا في طب القلوب؟ ولم يصيب أحدنا الألم اليسير أو الجرح الصغير فلا يقر له قرار حتى يلقى الطبيب، ويموت قلبه فلا يشعر به، فهل مرض البدن أخطر من مرض القلب، وهل يمكن أن يحيا البدن والقلب ميت؟ إنه لا ينفعنا أن نحيا وقلوبنا ميتة، فلم- إذن- كل هذا الزهد فيما لا صلاح لدنيا ولا لأخرى إلا به؟ لذلك لم تبق لنا دنيا ولا دين يوم أضعنا قلوبنا، ومما ساعد على موت هذه القلوب اصطدامنا: بهذه المدنية الزائفة التي تخدع بالطلاء وتغري بالبهرج وتعني من الحياة بجانبها المادي فقط، ولا تحسب للقلب والروح أي حساب، إن القلوب ماتت يوم ولدت هذه المدنية التي تستحل أن تقضي على أجهزة القلوب كلها في سبيل عبادة الجسد والوصول إلى سيادة المادة، وإذا صلحت هذه المدنية لأروبة التي لا دين لها فإفها لا تصلح للمسلمين الذين يجعلون لدينهم السيادة على كل شيء، إن هذه المدنية تعبد الصور، ولكن الإسلام لا ينظر إلى الصور، وإنما ينظر إلى القلوب والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم. وإن الإسلام جعل صلاح هذه القلوب وشفاءها ويقضتها في العكوف على مدارسة القرآن وتدبره، والله تعالى يقول: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ولكن القرآن معنا ولا مقبل عليه ولا متدبر له فكيف تحيا قلوبنا وهي لا تستمد الحياة من مصدر الحياة ومنبع النور؟، وكيف
(1/18)

نقضي على الداء ونحن نعرض عن الدواء؟ والعجب أن دواءنا معنا وداؤنا يكاد يقضي علينا:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول
فلنبدأ من هنا ولننزع من قلوبنا كل ما علق بها من فساد فإذا صلحت صلح كل شيء، ولذا يقول عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ولنستعن على إصلاح قلوبنا بتدبر القرآن وأن الله ما أنزل القرآن إلا لنتدبر آياته ولنتدكر به لا لنهجره وليقول الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدا علينا عند ربه: {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} كما أنه لم ينزله علينا لنشقى والله تعالى يقول: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}.
فاللهم يا محيى القلوب ويا باعث الموتى هب لقلوبنا حياة فإن دينك لا يحي إلا في القلوب الحية.
(1/19)

إصلاح الألسنة
إن إصلاح الألسنة منوط بإصلاح القلوب، فهيهات أن تصلح الألسنة والقلوب فاسدة، وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟ لأن اللسان ترجمان الجنان فلا ينطق اللسان إلا بما أملاه الجنان!
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا.
وما أروع قول ابن المعتز: (الحكمة شجرة تنبت في القلب وتثمر في اللسان) وليس صلاح الألسنة في قدرتها على الكلام الكثير والتعبير الجميل فذلك قد يتاح لذوي القلوب الفاسد والنيات السعيئة وللذين يقولون ما لا يفعلون، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليبغض هذه المظاهر الفارغة المتكلفة وينتهر أصحابها بمثل قوله: (إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيقهون) ولأن كثرة الكلام والمبالغة في توشيته وزخرفته قد تخرجانه عن الصدق والصواب، وتجران صاحبهما إلى ما يذم ويعاب، من النبز والهمز والاغتياب، ومن أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصفوة المختارة من هذه الأمة يتحامون الكلام جهدهم لأنهم- لتربيتهم الإسلامية السامية- يأنفون من أن يزيد قولهم على فعلهم، فهم لا يتكلمون إلا إذا رأوا في الكلام عملا صالحا يؤتي ثمرته عاجلا أو آجلا، لا يتكلمون إلا دعاة إلى الله آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، لا يتكلمون إلا إذا رأوا حرمة الله تنتهك أو حدا من حدود الله يستباح، أو منكرا من المنكرات يرتكب، فليس صلاح اللسان كما نفهمه اليوم، زيادة في النطق وزخرفة في اللفظ، وإنما صلاح اللسان في النطق بما يليق وفي الصمت عما لا يليق، وهي الخطة القويمة
(1/20)

التي رسمها لنا عليه الصلاة والسلام، إذ قال: (رحم الله امرأ قال خيرا فغنم أو سكت فسلم) ولكن هذه الخطة القويمه الحكيمة التي تعصم من الزلل في النطق وتعصم من الاثم في الصمت، نسخناها بعملنا فلا نتكلم إلا اكتسابا للإثم، ولا نسكت إلا إمساكا عن خير، ولا تتكلم إلا بالزور والكذب والنفاق والملق، ولا نتكلم إلا اغتيابا ونميمة أو تعريضا بشخص أو تحريضا على فتنة، ولا نسكت إذا سكتنا- إلا عن خير ندعو إليه أو شر ننهى عنه أو خطر نحذر منه، وكثير جدا من الشرور لم يساعد على انتشارها إلا سكوت من قبلنا عنها فلما قويت واشتدت ورسخ أصلها في الأرض وامتدت فروعها في السماء صعب اقتلاعها واستئصالها، ولولا السكوت لكانت يوم ولادتها تموت، فيجب أن نعرف للسكوت أضراره كما للكلام أضراره، إن هذا اللسان كالفرس الجموح فإن عرفت كيف تروضه وتضبطه أوصلك إلى ما تريد وقضيت به كل ما تروم قضاءه وإن أهملت رياضته ولم تحسن سياسته رماك على رأسك في هاوية، وأفرس الفرسان من تغلب على جموح اللسان، ومن هنا كانت للسان مسؤوليته العظمى بحيث يحصى على الإنسان كل ما يفوه به اللسان قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} وقال عليه الصلاة والسلام من حديث: (وهل يكب الناس على وجوههم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟) ولذا كان الصديق رضي الله عنه كثيرا ما يمسك بطرف لسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد) وإذا كانت هذه شكوى الصديق من لسانه فماذا يكون قولنا نحن وألسنتنا تظل تحصد ما نزع وتهدم ما نبني؟ إن الفرق الواضح بيننا وبين تلك الصفوة الكريمة من عباد الله هو هذا الشعور الدائم بالتقصير وهذه اليقظة الواعية للمسؤولية التي لا تتركهم يطمئنون إلى قول أو عمل دون أن يزنوه بميزان الشرع. أما نحن فقد قضي على هذا الشعور فينا وهذه اليقظة منا ما تراكم على قلوبنا من آثام ومخالفات فلم نتركها تشعر أو تحس أو تتيقظ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} فلنحترس من ألسنتنا دائما فرب كلمة أوقدت فتنة وأراقت دماء ولنعرض عن كلام السفهاء ولا نجيبهم على سفههم وإلا كنا سفهاء مثلهم:
إذاجاريت في خلق سفيها … فأنت ومن تجاريه سواء
والمثل يقول: (من ذا يعض الكلب إن عض) وإنما الناس أوعية فلينفق كل مما عنده، ومن كان وعاء للخير فلا يصدر منه إلا خير، والمؤمن ينبغي أن لا يكون إلا
(1/21)

كذلك، وليذكر المؤمن أن كل إنسان رهين بعمله وليكن قدوته أبا بكر الصديق رضي الله عنه وقد قال له بعض السفهاء: والله لأسبنك سبا يدخل معك قبرك فقال له أبو بكر: (يدخل معك قبرك أنت).
ولكن لنذكر قبل كل شيء وبعد كل شيء أن صلاح الألسنة من صلاح القلوب فلنصلح قلوبنا لنستطيع إصلاح ألسنتنا فإذا استطعنا إصلاح القلب واللسان استطعنا أن نصل إلى إصلاح كل فساد، والإنسان ليس بإنسانا إلا بالقلب واللسان وهو معنى قولهم: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، ومعنى قول الشاعر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده … فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
و {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}
(1/22)

إصلاح البيئة
إن للبيئة- وهي الوسط الذي يعيش فيه الفرد- لتأثيرا مباشرا في سلوكه وتوجهه كتأثير التربة في النبات، بل إن الطفل لينزل دنياه متأثرا بعاملين قويين في سلوكه: ما ورثه عن أبويه، وما يتأثر به في بيئته، ونحن اليوم لا نعيش في بيئة إسلامية تساعد على التربية الإسلامية، وإنما نعيش في مجتمع يقوم على أرضاع أجنبية وقوانين مدنية، وليس هذا الوضع المقلوب الشاذ قاصرا علينا نحن الذين نرزح تحت حكم أجنبي مفروض علينا، بل هو عام حتى في المجتمعات الإسلامية التي تنعم بنوع من الحكم الذاتي.
وإلى القارئ ما كتبه الأستاذ سيد قطب في كتابه الخالد: (العدالة الاجتماعية في الإسلام) ص 225 من الطبعة الثالثة:
"إن المجتمع الإسلامي الحاضر ليس إسلاميا بحال من الأحوال فقد سبق أن أثبتنا نصا من القرآن لا سبيل إلى تأويله بغير الاحتيال عليه، ذلك قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ونحن لا نحكم بما أنزل الله في المجتمع الحاضر، فلدينا مؤسسات تربوية هي قوام حياتنا الاقتصادية، ولدينا قوانين تبيح البغاء ولا تعاقب عليه، والزكاة لا تجبى، ولا تصرف بطبيعة الحال.
ولندع أمر السرف والترف الذي يحرمه الإسلام، وأمر الجوع والحرمان الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "أيما عرصة أصبح فيهم أمرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى" والذي يفتي فيه الإمام ابن حزم بأنه إذا مات رجل جوعا أعتبر أهله
(1/23)

قتلة، وأخذت منهم دية القتيل ... لندع هذا وأمثاله مما قد يجادل فيه بعض المجادلين بالباطل ... فالنص القرآني ينطبق بدون حاجة إلى هذا أو أمثاله، ينطبق بحكم القوانين، السائدة في المجتمع الحاضر والتي تبيح الربا وتبيح الزنا وتبيح القعود عن أداء الزكاة، وتعطل حدود الله المنصوص عليها في القرآن."
هذه البيئة الكافرة التي يصورها سيد قطب: بهذه العبارات الواضحة السافرة هي التي يعيش عليها المسلمون اليوم في أكثر بقاع العالم الإسلامي، إن لم نقل كلها، وهذه البيئة الفاسدة الطافحة بالشرور هى التي يجب إصلاحها قبل كل شيء وإلا لما استطعنا إصلاح شيء من الأشياء فإن إصلاح الأرض قبل بذر الحب وإلا فسد النبات بفساد الأرض هذه الأرضاع الفاسدة المقلوبة يجب إصلاحها قبل كل شيء، والإسلام ما جاء إلا ليصلح هذه الأرضاع لا ليعيش فيها ويجاريها ويساير تيارها، فمثلا جاء الإسلام فوجد نظام الربا سائدا في البيئة العربية فأبطله وقضى عليه، فإذا جاءت المدنية الأروبية المادية وأباحت الربا فيجب أن لا نسير في تيارها وننسخ بحكمها حكم الإسلام، وجاء الإسلام فوجد السفور والاختلاط وما يجران إليه من الزنا وفساد النسل واختلاط الأنساب فحرم ذلك وهاجمه وقضى عليه، فإذا جاءت المدنية المادية الكافرة وأباحت ذلك فلبس من الإسلام ولا من المدنية الصحيحة أيضا أن نجاريها ونقضي على تعاليم الإسلام وعلى الأصول الصحيحة للمدنية الصحيحة التي تحترم العنصر الأخلافي في الإنسان لا أن تتملق غرائزه وشهواته، ولكن المسلمين- ويا للأسف- ولاسيما من تثقف منهم ثقافة أجنبية جرفهم تيار هذه المدنية الزائفة وخطف أبصارهم برقها الخلب، وأصبح المتخلف عن ركبها يعد متخلفا عن ركب الحياة، والمحتفظ بتعاليم الإسلام والمتأدب بآدابه يعتبر رجعيا ومتعصبا وجامدا. إن الإسلام لم يبتل في تاريخه الطويل بمثل هذه البلية التي يدعونها المدنية العصرية التي خدرت عقول الناس، وحولت مجرى حياتهم من طريق الخير إلى طريق الشر، وهدمت الحواجز وأطلقت لأهواء النفوس حريتها وقلبت المقاييس الأخلاقية وحررت الغرائز الجنسية وقضت على الوازع الديني في النفوس فأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنافخ في غير ضرم، وقست القلوب فهي كالحجاوة أو أشد قسوة، فهذه البيئة التي بلغت هذه الدرجة من الفساد والفوضى والآنحلال لا يمكن أن تنشئ جيلا صالحا فاضلا يؤدي وظيفته الإنسانية في الحياة، {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ
(1/24)

لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا.} فالواجب على المسلم أن يهتم بإصلاح مجتمعه كما يهتم بإصلاح نفسه أو أكثر ليضمن لنفسه الحصانة من عدوى المجتمع الموبوء وليتقي سخط الله الذي يعاقب على الشر من فعله ومن سكت عن إنكاره ولم يغيره، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} لأن الشر يبدأ صغيرا ثم يكبر وقليلا ثم يكثر فيعم ضرره المجتمع كله، وهو معنى المثل: اطفئى النار في دار جارك، قبل أن تصل إلى دارك، ومن خصائص هذه الأمة أن الله جعل كل فرد فيها مصلحا وداعيا إلى الله إذ يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.
وهذا موضوع آخر ربما عرضنا له في فصل آخر إن شاء الله، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ}
(1/25)

توجيه الشباب
لا شيء أضر على الأمم التي تريد أن تتحرر من قيودها، من ميوعة شبابها وضعف نفوسهم واندفاعهم في تيار الشهوات، كما أنه لا أجدى على هذه الأمم من رجولة شبابها وقوة نفوسهم،،الحقيقة المرة والواقع البغيض أن شبابنا- إلا القليل النادر - يلهو والحياة تجد، ويضحك وأفقه عابس، ويرقص والقيود في رجليه ويبذر أمواله في شهواته المحرمة من خمر وتدخين وشهود أفلام داعرة وحفلات خليعة وميزانية مشاريعه الحرة تشكو الإفلاس، وألوف البائسين يشكون الجوع والعرى والحرمان، يحز ف نفسي أن أجيل بصري في جوانب المسجد فلا أرى شبابنا في الصفوف الأمامية ونحن نأمل أن يكون الشباب في الصفوف الأمامية ... ولكن شبابنا يجيبوننا بأنهم جنود الكفاح لا جنود الصلاة، ولكنا نجيبهم بأن صفوف الصلاة هي التجربة الأولى والتمرينات الرياضية لدخول معركة الكفاح، هي عملية التطهير قبل خوض معمعة التحرير هي إعداد النفوس للابتلاء والصبر والاحتمال، فمن فر من صفوف الصلاة لا بؤمن أن يفر من صفوف الكفاح: ومن عجز عن جهاد نفنسه فهو في جهاد عدوه أعجز، ومن خسر في الامتحان الأول لم يفز في الامتحان الثاني، ولكن شبابنا لقن غير هذا وتلعم غير هذا وأعد ليكون جنديا في صفوف أعدائه لا ليكون جنديا ضد أعدائه، إن شبابنا لم يجد البيئة الصالحة لهذا الإعداد الصالح وهذا التجنيد المقدس وإنما وجد بيئة صنعها الاستعمار بيده وطبعها بطابعه فكيف يقاوم شبابنا هذه الآفات كلها وكيف يحارب في هذه الواجهات جميعها؟
كيف يقاوم البيئة، والثقافة ويجاهد نفسه وعدوه؟
(1/26)

إن إصلاح البيئة هو الذي يجب أن يسبق كله إصلاح وإلا فشلت كل محاولة للإصلاح إن القلة الصالحة لفي خطر من الكثرة الفاسدة، إن الفساد إذا كان في زيادة لا يلبث أن يغمر البقية الصالحة، وكيف يسلم من البلل من القي في البحر مكتوفا؟
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له: … إياك. إياك. أن تبتل بالماء!
إن شبابنا لفي حاجة شديدة إلى إصلاح، وإن الأمة لأحوج منه إلى إصلاح شبابها لأنها لا تستطيع أن تستغني عن سواعدها، وإن الشباب لهم سواعد الأمة التي تحمي حماها وتذود عن كيانها، وإن مما يصلح الشباب تأسيس معاهد ليلية تنظم له فيها دروس توجيهية تشعره بمسئوليته وبأثره في نهضات الشعوب وحركات التحرير وتلهب فيه غيرته على ما وصلت إليه بلاده وأمته من هذه الحال السيئة التي لا يغضى عليها كل من له أدنى إحساس بالكرامة الإنسانية ويقرن ذلك مما كان لأمته من العزة القعساء والمنزلة السامية بين الأمم فإن شبابنا لا يعرف من تاريخه إلا ما ألصقه به أعداؤه فنشأ فاقد الشعور بتاريخه المجيد وماضيه العظيم، ومن جهل ماضيه ضل طريقه في حاضره وقعد عن العمل لمستقبله!
وإذا فاتك التفات إلى الما … ضي غاب عنك وجه التأسي
إنه لابد لكل أمة تريد أن تستأنف سيرها إلى حياة العزة والكرامة من ثلاثة أشياء يتألف منها كيانها وتثبت بها شخصيتها: لغتها ودينها وتاريخها، وإن شبابنا اليوم ضعيف الصلة: بهذه الثلاثة جميعا، فكيف- إذن- نعول على شبابنا وهو ضعيف الصلة بلغته ودينه وتاريخه، وهذه الثلاثة هي كل ما يربطه بأمته ومن الخطأ أن نشغله بشيء قبل أن نقوي صلته: بهذه الثلاثة التي تجعله قوي الشعور والاعتداد بأمته، إن الشباب هو الدعامة التي تقوم عليها نهضة الأمة فلنجعل هذه الدعامة صحيحة قوية لنكون على ثقة من هذه النهضة لنوجه شبابنا الوجهة الصالحة، لنتعهده بالرعاية لنجنبه مزالق الطريق، لنقده إلى شاطئ السلامة، فالطريق محفوف بالأخطار، مليئ بالأشواك، وإن أروبا الفاجرة إذ وجهت عنايتها إلى إفساد شبابنا كانت يصيرة بمقاتلنا، خبيرة بمستودع الذخيرة والعتاد الذي تعتمد عليه البلاد، فلننقذ شبابنا إن كنا نريد أن ننقذ بلادنا (1)
__________
(1) كان هذا قبل الثورة وقبل الاستقلال وقبل أن يصحو شبابنا صحوته الأخيرة المباركه
(1/27)

إصلاح المال
(قليل المال تصلحه فيبقى … ولا يبقى الكثير مع الفساد)
المال مال الله قبل كل شيء يدل على ذلك صريح القرآن: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} وإنما عباده مستخلفون فيه يشهد لذلك صريح القرآن أيضا: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} ولكن أرباب المال حسبوا أنفسهم أربابا للمال، ولم يفهموا - أو لم يريدوا أن يفهموا- أن المال مال الله وهم خلفاؤه عليه، ومن هنا تبدأ العقدة فهم إذ حسبوا أن المال مالهم ضربوا دونه الأسداد وشحوا به على المحتاجين والفقراء من إخوانهم ثم أطلقوا فيه أيديهم يبعثرونه في شهواتهم وملذاتهم فجمعوا بين رذيلتي الشح والإسراف وتسابقوا إلى إسخاط الله وإسخاط إخوانهم الفقراء الذين فرض الله حقوقهم في هذه الأموال، وأصبحت هذه الأموال تصرف في كل شيء إلا فيما ينفع هذه الأمة ويصلح شأنها ويحفظ كيانها، وإذا كان للأمة أعداء حقيقيون فهم أغنياؤها الذين جمعوا أموالهم منها ثم بخلوا بها عنها، والمال جعله الله وقود الأعمال فإذا شح الناس بالمال تعطلت الأعمال وصاحب هذه الجريمة والمسئول عنها هم أغنياؤنا (المحترمون) الذين لا يشعرون إلا بأنفسهم ولا يحترمون إلا شهواتهم ولا يحتفلون بالأمة التي أغنتهم فأفقروها وسمنتهم فأهزلوها، حاشا فئة منهم عرفت ما لها وما عليها وتغلبت على أنانيتها وأشركت إخوانها في ماليتها فظهر عليها فضل الله ونعمته وكافأها بمحبة الخلق في الدنيا وبخلود الذكر على الألسنة، والقلوب {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}. أما أولئك الذين بخلوا بما أوتوا وشحوا بما منحوا ومنعوا عباد الله من مال الله، {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ
(1/28)

لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} وبشرهم قبل ذلك بالمقت والاحتقار والازدراء من إخوانهم الذين أودع الله حقوقهم عندهم فاستولوا عليها وخانوا أمانه الله فيها.
على أن متوسطي الحال مسؤولون كذلك بل هم أكثر مسؤولية لأنهم الطبقة التي بقيت تشعر بواجبها ولم يفسد الترف عليها ذوقها ولم يقتل الغنى وعيها الديني وشعورها الإنساني وبقيت وحدها في الميدان تبني لأمتها وتؤسس المشاريع النافعة وتنشر العربية والإسلام بفضل تضحياتها بضرورياتها، فإذا كان الإسراف قبيحا فهو منها أقبح، وإذا كان البذل في سبيل الله فضيلة فهو منها أفضل، وإذا كان الاقتصار على الضروريات لأجل القيام بالواجبات جميلا ومتأكدا فهو منها أجمل وعليها أوكد، وإذا كان غشيان محلات اللهو والعبث وارتياد حفلات الخلاعة والمجون ومؤازرة من يعملون لإبادتنا واستئصال شأفتنا، إذا كان كل ذلك جريمة وطنية ودينية كبرى فهي في حقهم أكثر جرما وأكبر إثما، فلتكن الطبقة التي نعدها هي الأمة وهي طبقة متوسطي الحال، على بال ولا تحتقر شيئا من مالها تنفقه في غير ما يعود عليها بالنفع في دينها أو دنياها، فمن القطرات يجتمع السيل ومن الذرات ينشأ الكثيب، والله الغني عن عباده لم يحتقر شيئا من أعمال عباده إذ يقول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} وإذ يقول: {إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}. وأنتم أيها الأغنياء: إن الله جعل في أيديكم عصب الحياة، ووقود الأعمال والحركات، وهو المال فمسؤوليتكم عند الله وعند الأمة عظيمة ومنزلتكم من الابتلاء والامتحان كبيرة فلا تحسبوا أن الله اصطفاكم على خلقه أو فضلكم على عباده إذ زادكم بسطة في المال وإنما جعلكم موضع امتحان وابتلاء، {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} فلا تفرحوا بما آتاكم إن لم يكن لشكره هداكم، وليس شكره أن تقولوا بالسنتكم فقط: نحمد الله ونشكره وأيديكم مغلولة إلى أعناقكم لا تبسطونها بإحسان ولا تمدونها في تضحية، وأيدى إخوانكم الذين جعل الله حظهم في أيديكم لا تبرح ممدودة إليكم بالسؤال وإلى الله بالدعاء فإن لم تستجيبوا لهم بالعطاء، استجاب الله دعاءهم فيكم لأنهم مظلومون بمنعه حقهم، ودعاء المظلوم مستجاب، لأن المال مال الله والخلق عيال الله فلا تمنعوا مال الله عيال الله، {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} واحرصوا على أن تخرجوا
(1/29)

من امتحانكم فائزين، وفوزكم في أيديكم وهو أن تبذلوا لله مما في أيديكم وإلا عذبكم الله بأيديكم، {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
(1/30)

إصلاح الخلق
إذا أردت أيها المسلم تعريفا شاملا ومختصرا للخلق الصالح أو لحسن الخلق فهو كل ما دعا إليه دينك وبعث نبيك الذي يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فهو إذ يقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن نفس عن مسلم كربة نفس الله عليه كربة من كرب يوم القيامة، من ستر مسلما ستره الله" إنما يريد حسن الخلق، وهو إذ يقول: "من غشنا فليس منا" إنما يريد حسن الخلق، وهو إذ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" إنما يريد حسن الخلق، وهو إذ يقول: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر، من أجل أن ذلك يحزنه" إنما يريد حسن الخلق، وهكذا كل تعاليم الإسلام تدور على هذا المحور الكبير: حسن الخلق- فإن حسن الخلق هو الذي بحعلك قادرا على الإحسان إلى كل إنسان لأنه يسع ما لا يسع المال، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم" والإحسان هو الرباط الوثيق الذي يربط بين إنسان وإنسان، وحسن الخلق هو الذي يحيل العدو صديقا، وهو معنى قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وحسن الخلق هو الذي يجعلك صالحا للحياة لأنه يجعلك صالحا لمعاشرة الأحياء، وهذه وظيفة الإسلام فإنه جاء ليصلح المجتمع بإصلاح الفرد، وليصلح الفرد بإصلاح خلقه، فلا عجب بعد ذلك أن يحصر
(1/31)

النبي صلى الله عليه وسلم كل ما جاء به في هذا الجانب إذ يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولا عجب أن يقول شاعرنا شوقي:
وإذ أصيب القوم في أخلاقهم … فأقم عليهم مأتما وعويلا
وما انحط المسلمون إلا بعد أن انحطوا في أخلاقهم وما انحطوا في أخلاقهم حتى انحرفوا عن دينهم الذي لم يكن إلا دستور أخلاق بشهادة الحديث المتقدم وهل أعجب في الآنحطاط من أن تكون الأمة التي يقول نبيها "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" هي الأمة التي يضرب بها المثل اليوم في انحطاط الأخلاق حتى اتخذ أعداؤنا ذلك حجة على ديننا لأننا أعطيناهم الشهادة العملية بفساد أخلاقنا، وبعد أن كانت أخلاق المسلم دعاية إلى الدخول في الإسلام أصبحت أخلاقه دعاية ضد الإسلام، ذلك هو ضعف الإيمان و "حسن الخلق من الإيمان" الإيمان هو الشجرة والخلق الحسن والعمل الصالح هو الثمرة، فمنذ ضعف الإيمان ضعفت الأخلاق، وأعان على فساد الأخلاق هذا المجتمع الغربي الذي لا إيمان له، والذي قدر علينا أن نعيش فيه ونتأثر به وأن نتخذه أستاذنا في كل شيء إن هذا المجتمع ليتناقض مع المجتمع الإسلامي تماما فما يراه أحدهما كمالا يراه الآخر نقصا فمثلا نشأ المجتمع الإسلامي على خلق الحياء لأن دينه يجعله من الإيمان إذ يقول صلى الله عليه وسلم "الحياء من الإيمان" بل يجعله محورا للفضائل كلها وأساسا لآداب الإسلام جميعها إذ يقول: "الحياء هو الدين كله" بحيث إذا زال الحياء انقلب الإنسان وحشا كاسرا لذلك يقول صلى الله عليه وسلم "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت" أما هذا المجتمع الذي ينعتونه- ظلما وزورا- بأنه متحضر فهو لا يقيم للحياء وزنا ولا يعرف له طعما، وهذا قد شاهده سائر من سكن الحواضر فلا سبيل إلى الشك فيه وصبياننا وشبابنا إذا نشأوا على مشاهدة المناظر المهدر فيها الحياء كالمغازلة في الشوارع والمقاهي والسيارات العامة، يصعب بعد ذلك أو يستحيل إقناعهم بأن ذلك مخالف للتربية الصحيحة والخلق الفاضل اللذين يهدف إليهما الإسلام في سائر تعاليمه إن المجتمع الصالح هو المجتمع الذي استقامت أخلاق أفراده وتهذبت طباعهم وسمت نفوسم فلا يصدر عنهم إلا الفعل الجميل ولا تلفظ شفاههم إلا الكلام الطيب ولا يفكرون إلا فيما فيه خير أمتهم وصالح بلادهم وأصبحوا قدوة لأبنائهم ومثالا
(1/32)

صالحا لغيرهم فانفعوا بأخلاقهم الطيبة وسيرتهم العطرة ونفعوا غيرهم بالقدوة الصالحه والأسوة الحسنة والمثال المحتذى، وهذا ما كان عليه سلف هذه الأمة الصالح، ففتحوا القلوب بأخلاقهم قبل أن يفتحوا البلاد بسيوفهم، وكانوا قدوة للناس بأعمالهم قبل أن يطلبوا إليهم أن يعملوا بأقوالهم، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فهو -مثلا- ما دعا إلى الصدق وإلى الأمانة حتى لقب لصدقه ولأمانته بالصادق وبالأمين، وهو لم يقل، "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" حتى أيدته السماء بشهادة الوحي: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
فكيف نعرض عن هذا التراث العظيم من الأخلاق العظيمة. ونهجر هذا المعين الصافي من الشيم الكريمة ولا نجد في تعاليم ديننا ولا في أخلاق نبينا ما نتخذه منهاجا أخلاقيا في حياتنا، ثم نجد في أخلاق أوربا الكافرة وعاداتها الفاسدة الداعرة ما نجعله أساسا لتربيتنا ومنهاجا لأخلاقنا؟ إن هذا لهو الضلال البعيد والخسران المبين.
(1/33)

نماذج من الخلق الحسن
ضاق نطاق المقال السابق عن إيراد نماذج وأمثلة من الخلق الحسن، لذا نوردها هنا- وقد كنا ذكرنا- فيما سبق- أن خلق المسلم كان خير دعوة إلى الإسلام فأصبح خلق المسلم اليوم منفرا من الإسلام وحجه على الإسلام ولكن ما ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل والحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن البال هي أن المبادئ العظيمة إذا لم تعش في أشخاص وتتمثل في سير أفراد نسيها الناس واختفت من مسرح الحياة، والإسلام -وهو المثل الأعلى للمبادئ الإنسانية العظيمة- لو لم يعش في أشخاص أناس ويتمثل في سيرهم ويحيا في سلوكهم لما بقي إلى اليوم، ذلك أن المبادئ الإنسانية والأخلاق العظيمة قدوة وعمل وليست مجرد أقوال تقال أو الفاظ تكتب أو دعاوي يتبجح بها، وما دعا إلى مبدإ كالعمل به، وما نهى عن خلق قبيح كاجتنابه، لذلك يقول الله تبارك وتعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} فإذا أردنا لعصر الإسلام الذهبي عودة فلنتخلق بأخلاق عظماء الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار كذلك" وشكا قوم إلى المسيح عليه السلام ذنوبهم فقال: "اتركوها تغفر لكم" والشاعر يقول:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه … ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
وإلى القارئ هذه الذخائر الغالية من الأخلاق العالية في ناحية واحدة من نواحي الخلق وهي سماحة النفس وسخاء اليد، لأن المقام لا يتسع لسائر النواحي ولأن كل ناحية من هذه النواحي ستأتي أمثلتها في موضعها إن شاء الله:
(1/34)

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه وقال لهم: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وأعطى صفوان بن أمية مائه من الإبل ثم مائة أخرى ثم مائة أخرى فكان صفوان يقول: كان محمدا أبغض الناس إلي فما زال يعطيني حتى صار أحب الناس إلي، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل من الدنيا وسيلة إلى الدين، ومن المال مناقذا الضلال وهو صلى الله عليه وسلم قدوة لأمته في كرم الفعال وطيب الخلال فاقتدى به أصحابه وسار على منهاجه أتباعه فلم يكن المال في أيديهم إلا زلفى إلى الله وأداة إصلاح للمجتمع.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه خرج من ماله لله ثلاث مرات وورد عليه في أول خلافته مال من بعض العمال فصبه في المسجد وأمر مناديا ينادي: من كان له عند رسول الله دين أو عدة فليحضر، فجاء أبو أيوب وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: إن جاءني مال أعطيتك هكذا أو هكذا وهكذا وأشار بكفيه فقال له أبو بكر: فاذهب فخذ، قال: فحفنت حفنة فقال: عدها، فوجدت فيها خمسمائة دينار فقال: عد مثليها، فانصرفت بألف وخمسمائة، ثم قسم الباقي على المسلمين.
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضيق على نفسه ويوسع على المسلمين ويغمرهم بالعطاء وقول: إذا أعطيت فاغمر، ولما فتح العراق وجيئ إليه من المال بما لم ير مثله قيل له: أدخله بيت المال، قال: لا ورب الكعبة لا يرى تحت سقف بيت المال حتى يقسم فغطى في المسجد بالأنطاع وحرسه رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح ورآى الذهب والفضة والياقوت والزبرجد بكى، فقال له بعض الصحابة: ما هذا يوم بكاء ولكنه يوم شكر وسرور فقال: والله ما كثر هذا في قوم إلا رجع بأسهم بينهم ثم توجه إلى القبلة وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني سمعتك تقول: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} ثم قال لهم: أين سراقة؟ فأتى به أشعر االذراعين فأعطاه سواري كسرى وقال: إلبسهما، ففعل فقال: قل: الله أكبر، ففال: الله أكبر، فقال: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى لكفره وألبسهما أعرابيا من بني مدلج لإيمانه ولم يعط سراقة شيئا زائدا على السوارين فإن فيهما غنى الدهر، وكان ذلك تصديقا لما تنبأ به صلى الله عليه وسلم إذ نظر يوما إلى ذراعي سراقة فقال له: كأني بك وقد لبست سواري كسرى فقال سراقة: ملك الملوك؟ قال: نعم، وقال عمر لما قسم تلك الأموال:
(1/35)

إن الذي أدى إلينا هذا الأمين فقال رجل: لما كنت أنت أمينا كان الناس كلهم أمناء ولو رتعت لرتعوا قال: نعم. وهذا عثمان رضي الله عنه لما أراد صلى الله عليه وسلم غزو تبوك رغب الناس في النفقة في سبيل الله- قال عثمان: (علي مائة بعير بأقتابها وأحلاسها، ثم رغب صلى الله عليه وسلم في النفقة في سبيل الله فقال عثمان رضي الله عنه: وعلي مائة أخرى بأقتابها وأحلاسها ثم فعل ذلك في الثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك ما على عثمان ما فعل بعد هذه، وكانت في المدينة بئر لرجل من اليهود لا يستقى منها أحد إلا بثمن فاشتراها عثمان بأربعين ألفا وأباحها للمسلمين، وكان بجوار المسجد بيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اشتراه وزاده في المسجد فله الجنة، فاشتراه عثمان بعشرين ألفا وأدخله في المسجد، وأصاب الناس قحط في خلافة أبي بكر فلما اشتد بهم الأمر جاءوا إليه وقالوا: يا خليفة رسول الله إن السماء لم تمطر والأرض لم تنبت فماذا نصنع؟ قال: انصرفوا واصبروا فإني أرجو الله أن لا تمسوا حتى يفرج الله عنكم، فلما كان في آخر النهار ورد الخبر بأن عيرا لعثمان جاءت من الشام فخرج الناس يتلقونها فإذا هي ألف بعير موسوقة برا وزيتا وزبيبا فأناحت بباب عثمان فأقبل التجار فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: إنك لتعلم ما نريد بعنا من هذا المال الذي وصل إليك فإنك تعلم ضرورة الناس إليه قال: حبا وكرامة كم تربحوني على شرائي؟ قالوا: الدرهم درهمين قال: أعطيت زيادة على هذا، قالوا: أربعة قال: أعطيت زيادة على هذا قالوا: خمسة قال: أعطيت أكثر من هذا قالوا: يا أبا عمرو ما بقي في المدينة تجار غيرنا وما سبقنا إليك أحد فمن ذا الذي أعطاك؟ قال: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة أعندكم زيادة؟ قالوا: لا قال: فإني أشهد الله أنني جعلت ما حملت هذه العير صدقة لله على المساكين وفقراء المسلمين.
وهذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وجد درعه عند نصراني فأتى به شريحا قاضيه يخاصمه مخاصمة رجل من رعاياه- وهو خليفة- وقال: إنها درعي ولم أبع ولم أهب فسأل شريح النصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح مالي بينة، فقضى شريح بالدرع للنصراني فأخذها ومشى وأمير المؤمنين ينظر إليه ... إلا أن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول أما أنا فأشهد أنها أحكام أنبياء، أمير
(1/36)

المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق فقال علي: أما إذا أسلمت فهي لك، وأمثال هذا كثير.
وهكذا كانت أخلاق المسلمين تغزو القلوب وتدعو إلى الإسلام، وهكذا كانت سماحة نفوسهم بما في أيديهم تأسر لهم نفوس الناس فتحبب إليهم الإيمان ويدخلون في دين الله أفواجا، وهكذا- بعد أن كان المسلمون يضحون بكل شيء في سبيل الله وفي سبيل نشر دينهم- أصبحوا يضحون بكل شيء في سبيل أغراض دنياهم حتى بدينهم، {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.
(1/37)

إصلاح البيت
من هنا يبدأ البناء! فمن البيت ينشأ المجتمع، فالبيت هو المجتمع الصغير ولكنه نواة المجتمع الكبير، وما نشكوه من المجتمع الكبير إنما هو ناتج عن فساد المجتمع الصغير الذي هو البيت، وليس إصلاح البيت هو تأثيثه وتفريشه وترتيب أدواته كما هو معتبر اليوم في بيوتنا وإلا كان أحط بيت في ذلك يفضل بيت محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وإنما إصلاح البيت بإصلاح أهله، وهنا تأتي مسألة الدور، فأهل البيت إنما هم أفراد من المجتمع، فكيف يصبح البيت قبل إصلاح المجتمع؟ وبناء البيت يقوم على أحجار من المجتمع أي على افراد منه كما أن المجتمع الذي يتكون من مجموع بيوت لا يمكن إصلاحه إذا كانت هذه البيوت فاسدة فمثلا إن أول حجر في بناء البيت هو الزوجة الصالحة، وهذه الزوجة من أين نأتي بها إذا فسد المجتمع؟ ولكننا قد عثرنا- خلال هذا البحث- على المفتاح، فصلاح البيت أو فساده من صلاح المرأة أو فسادها، وإذا أردنا أن نعرف: هل بيوتنا صالحة أو فاسده فلننظر إليها من هذه النافذة، لننظر إلى المرأة هل هي صالحة للإدارة الصالحة؟ إدارة هذه المدرسة التي هي البيت، فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل دروسه الأولى، والأم هي التي يشرفها الله بإدارة هذه المدرسة التي لا تؤتي أية مدرسة ثمرتها إذا لم تؤت هي ثمرتها ولكن بنظرة عابرة تصد منا الحقيقة الجارحة وهي أن هذه المدرسة التي اسمها البيت ليس فيها مديرة صالحة بل فيها امرأة جاهلة هي منشأ كل فساد وكل فوضى في البيت، وإذا فسدت الأم فكيف يصلح الأولاد؟ ونوع الثمرة من نوع الشجرة ولا يجنى من الشوك العنب.
(1/38)

ولكننا نجهل هذه الحقيقة أو لا نهتم بها عندما نريد الاقتران بامرأة لا نختار المرأة التي تصلح لإدارة هذه المدرسة أي أننا لا ننشد في المرأة جانبها الأهم من خلق ودين وإنما نختار في المرأة متعة الحواس، نختار بياض وجهها وسواد عينيها، نختار حسن الظاهر ونغفل عما يخفيه وراءه من ظلمة نفس وانحطاط خلق والقبح في الحسناء كما يقول الشاعر لأن حسن المظهر كثيرا ما تسلح به القدرة المبدعة قبيحة المخبر (أي سيئه الخلق) لئلا يبقي في المعرض إلا لاهي لوحات لا قيمة لها وما أحذق شاعرنا ذا الرمة بصنعته إذ يقول:
على وجه مي مسحة من ملاحة … وتحت الثياب الشين لو كان باديا
وهو يريد ما قلناه من أن حسن المظهر كثيرا ما يكون خادعا عن حسن المخبر وهو لا يريد بما تحت الثياب إلا النفس ويزيد معناه وضوحا بالتمثيل له بقوله:
ألم تر أن الماء يخبث طعمه … وإن كان وجه الماء أبيض صافيا؟
إن الجمال الحقيقى هو جمال النفس الذي يعبر عنه حسن الخلق حسن التدين وحسن السلوك، لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة.
أقبل علي النفس فاستكمل فضائلها … فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
أما جمال القلب فالأولى أن يأتي في الدرجة الثانية وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم بنا من أنفسنا كما قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فلم ير شيئا يصلح من شأننا إلا نبهنا إليه وحثنا عليه فإنه لم يتركنا في شيء أساسي كبناء البيت إلى عقولنا القاصرة بل لقد هدانا سواء السبيل إذ قال: "تنكح المرأه لأربع، لمالها ولحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
ولكن أين ذات الدين اليوم؟ هل نظفر بها في هذا المجتمع الأروبي المادي الذي لا يقيم للدين وزنا؟ هل تخرج لنا المدارس الأجنبية هذه المرأة؟ هل تتربى بناتنا في هذه المدارس على الخلق الإسلامي الذي يعصمها من كل فساد ويحوطها من كل إثم لتقيم لنا من بيتها- يوم أن تتزوج- معهدا إسلاميا يتقدم به المجتمع الإسلامي أم الأمر بالعكس؟ الجواب الشافي عند الآباء الذين لا يوجهون بناتهم في طريق المدرسة
(1/39)

العربية إلا عندما تغلق المدارس الأجنبية أو تضيق عنهن، ولكن لابأس فقد عثرنا على المفتاح، إن مفتاح المشكلة في إصلاح البيت هو إصلاح البنت، هو إعدادها إعدادا إسلاميا، هو إنقاذها من إعداد الأجنبي الذي يرمي إلى فرنجة البيت الإسلامى، هو إيجاد خلف لأمثال خديجة وعائشة وأم سلمة وسكينة بنت الحسين وخوله بنت الأزور ونسيبة المازنية وليلى بنت طريف وأمثالهن من عظيمات الإسلام، فليس ذلك بالمستحيل إذ ليس هؤلاء إلا من الجنس الذي منه نساؤنا، ولم يكن نبيات وإنما هو الإعداد الإسلامي وتغليب الجانب الروحي على الجانب المادي.
أما ما دامت البنت في هذا المتجه الأجنبي وما دامت الأم على هذه السيرة الأجنبية من إخلائها لبيتها وتعميرها لبيوت ما أنشئت إلا لفسادها، وما دام هم الزوجة أن تتزين وتتعطر وتخرج نصف عارية لتعين الأجنبي على إفساد المجتمع، فهيهات أن تصلح البيوت إن الدواء إذن هو الإعداد الإسلامي الصحيح.
(1/40)

قيمة الوقت
أليس من الخسران أن لياليا … تمر بلا نفع وتحسب من عمري؟
الله أكبر! صدق رسول الله إذ قال: "إن من الشعر لحكمة" وصدق هذا الشاعر الذي عرف قيمة ما أضاع من لياليه التي مرت بلا نفع وحسبت عليه فبكاها بهذا البيت المؤثر ورثاها بهذا اللحن الحزين الذي بندب فيه حظه ويحكم على نفسه بالخسران وأي خسارة كخسارة الوقت التي لا تعوض لأن الوقت من ذهب لا يعود منه ما ذهب بل ربما عاد الذهب أما الوقت فلو اجتمع الخلق كلهم على أن يعيدوا منه دقيقة واحدة لما قدروا، فلا أنفس- إذن من الوقت ولا أخسر صفقة ولا أضل سعيا ممن أضاع وقته في التفاهات والأباطيل، ورغم هذا لا نرعى للوقت حرمة ولا نقم له وزنا ولا نعرف له قيمة ولا نسرف في شيء كما نسرف في إنفاقه في غير طائل ولا جدوى وإني لأعرف جيوشنا جرارة من شبابنا ينفقون كل بياض نهارهم في المقاهي منكبين على النرد أو الورق لا يلتفتون لشيء ولا يهمهم شيء ولا يعملون أي عمل ينفعهم أو ينفع أهلهم أو وطنهم كأن الله لم يخلقهم إلا ليكونوا كذلك.
وإذا جهلنا نحن قيمه الوقت فإن الاستعمار يدرك جيدا ما للوقت من قيمة يخسر الملايين في بناء المسارح والمراقص، والسينمات ليشغل الناس بالكماليات ويصرفهم عن الضروريات ويسلبم الآنتفاع بالأوقات.
ألا ما أشد جهل الإنسان خلق لأمر عظيم فحسب أنه خلق ليملأ بطنه ويكسو جلده وينام ملء جفنيه ولا يفكر فيما قطع وراءه من مراحل عمره ولا فيما بقي له منها
(1/41)

وإذا فكر فلا يكون ذلك إلا حينما تمر به جنازة أخيه محمولا إلى مرقده الأخير أو حينما يدفن بيديه عزيزا عليه ولكن دون أن يحمله الفكر على العمل بل سرعان ما يعود إلى غفلته الطويلة وآماله العريضة فمثلنا ما قيل:
تروعنا الجنائز مقبلات … ونلهو حين ترجع مدبرات
كروعة هجمة لمغار ذئب … فلما غاب عادت راتعات
ما أشد جهل الإنسان إذ يكون أسير حواسه ولا يكون أسير عقله وهو لا يمتاز عن الحيوان بحواسه وإنما يمتاز عنه بعقله، وهؤلاء الكفرة الظلمة الذين نراهم يستطيعون خراب العالم في بضع ساعات فنحسبهم يفوقوننا عقلا هم الذين يقول الله فيهم {إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} ويقول: حاكيا عنهم وهم في سواء الجحيم: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} ويقول: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} فيقول الله لهم تبكيتا وتيئيسا: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} وما أبلغ العبرة في قوله {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} فالله- لرحمته بنا- قد وهبنا من العمر ما يكفي للتذكر وما يتسع للإعداد وأخذ الاحتياط، ولكننا لغفلتنا وجهلنا ولا نستغل هذه المساحة الصالحة للزراعة فيما ينفع وإنما نزرعها شوكا وحسكا وكل ما يضر، فأي غبن كهذا الغبن؟ لذلك يذرف صلى الله عليه وسلم هذه الدمعة السخينة على هذه الإنسانية البلهاء إذ يقول: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
إن مسؤولية الوقت أضخم مسؤولية، والعاقل الكيس من خرج من هذه المسؤولية راضيا مرضيا راضيا عن نفسه مرضيا عند ربه لأنه علم أن "أنفاس المرء خطاه إلى أجله" (وكل يوم مضى يدنى من الأجل) فعمر كل يوم بالنافع المثمر من الأعمال واتعظ بقوله صلى الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" إن المسلم خلقه الله ليكون نموذجا صالحا للبشرية ومثلا أعلى للإنسانية وقيضه الله لهذا العالم التائه في ضلاله المتخبط في ظلامه يحمل في يديه سعادتيه، سعادته قبل الموت وسعادته بعد الموت أي أن المسلم بعثه الله إلى الناس برسالة الخلود وسعادة الأبد، فقبيح بالدليل أن يضل وبالمنقذ أن يهلك، لكن المسلم بعد أن طوف ما طوف في أرجاء السعادة وحلق ما حلق في سماء المجد أخلد
(1/42)

إلى الأرض واتبع هواه وهو اليوم يسير في مؤخر القافلة ذليلا صاغرا تابعا بعد أن كان متبوعا ومقودا بعد أن كان قائدا وعبدا بعد أن كان سيدا يستهدى قوانين الأرض فلا تزيده إلا ضلالا بعد أن كانت وجهته في الحياة تأتيه وحيا من الله وخططا مرسومة من السماء.
إننا اليوم بين شاب سحرت عينيه مفاتن أوربا وعرى أوربا ومراقص أوربا وبين شيخ عجز عن مكافحة هذه التيارات الجارفة فأستسلم للقضاء وأغمض عينيه أو بين كهل ترك العمل وتعلق بسراب الأمل عاكفا على ذنبه وهو يرجو الفوز من ربه، وهذا الطراز هو الذي عناه الحسن البصري بقوله: "إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنة يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل ثم تلا قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} إن المسلمين ما سلط الله عليهم هذا الشيطان الآدمي الذي وفد عليهم من وراء البحار يتبعون خطواته ويعملون بإشاراته حتى جعلا الإسلام- وهو إمامهم- وراء ظهورهم وألقوا بالمصحف من أيديهم وهو معني قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}.
فلنتدارك الأمر ولنكسب الوقت ولنحاسب أنفسنا على كل دقيقة ماذا فعلنا فيها ... لنعرف قيمة الوقت فلا جريمة كإضاعة الوقت لندرك أننا مسؤولون عن هذا الوقت الذي ننفقه في كل شيء إلا فيما يفيد، إن الذي يجمع صلواته لا يعرف قيمة الوقت وإن الذي يقضي في المقهى أو الملهى كل أوقاته لا يعرف قيمة الوقت، بل إن الذي ينام الليل كله لا يعرف قيمة الوقت.
فيا أيها المسلم أعيذك- وقد كان نهارك جهادا أو ليلك قياما- أن تكون كما قال الشاعر:
نهارك بطال وليلك نائم … كذلك في الدنيا تعيش البهائم
وأنت أيها الشاب المسلم ليكن شعارك قول القائل:
سأنفق ريعان الشبيبة … آنفا على طلب العلياء أو طلب الأجر
(1/43)

الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله واجب كل مسلم بل هي الطابع الذي طبع الله به هذه الأمة وميزها به عن غيرها من سائر أمم الأرض وجعله آية فضلها وشارة سؤددها إذ قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ولكن العلماء أوفر حظا من هذا الواجب لأنهم ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الله وإصلاح المجتمع ولأنهم أعلم من غيرهم بطرق الدعوة وأساليبها، وقد بين الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أدوات الدعوة إلى الله إذ قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي أدع إلى الإسلام ومبادئه بالدليل الموضح للحق والدافع للشبهة وبإيراد العبر البليغة المنبهة للأذهان بضرب الأمثلة التاريخية على أخذ الله للذين تمردوا على دينه واتبعوا أهواءهم، أخذ عزيز مقتدر فإذا عاندك معاند أو جادلك جاحد، فجادله بالحسنى من الرفق واللين فإن في ذلك جلبا للقلوب وتأثيرا على النفوس (وطالما استعبد الإنسان إحسان) هذه هي أدوات الدعوة إلى الله:
دليل واضح وموعظة بالغة وقول يحيل الخصم صديقا كما يقول الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} هكذا: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، هنا السر كامن ومن هنا أخذ محمد صلى الله عليه وسلم مفتاح الدعوة الذي فتح به القلوب ثم فتح به الممالك لذلك يقول الله له: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} وصدقت عائشة إذ سئلت عن
(1/44)

خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، إننا نستطيع أن نعرف سياسة الإسلام كلها من هذه الكلمة: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وإذا كانت الكلمة اللينة والصدر الرحب من خير أدوات الدعوات بحيث تجعل العدو صديقا كما تشير إليه الآية، فبعكس ذلك تكون الكلمة الجافية والصدر الضيق من شر أسباب النفور بحيث يجعلان الصديق عدوا، وهذا ما آل إليه حال المسلمين بعد أن انحرفوا عن منهج القرآن وأدب الإسلام، فقد كانت أخلاقهم تفتح لهم القلوب وتفسح أمامهم الطريق وتجعل من أولئك الأعداء الأشداء والخصوم الألداء أخدانا وإخوانا وعلى الدعوة إلى الله ونصره دينه أنصارا وأعوانا، فأصبحت اليوم أخلاقهم وبالا عليهم: تجعل من أصدقائهم خصوما ومن أنصارهم أعداء فإلى الله المشتكي غير أن الضربة التي أصابت الدعوة الإسلاميه في الصميم هي أن الدعاة- إلا قليلا منهم- ليسوا على شيء مما يدعون إليه فلم يبدأوا بأنفسهم في تأييد دعوتهم ولم يعطوا الشهادة العملية على ما يدعون إليه، فشككوا الناس في دعوتهم التي لم يحترمونها ولم يؤيدوها بأعمالهم وهذا هو المقت الذي حذر منه القرآن إذ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ذلك أن الداعي قدوة لمن يدعوه ولذا لما سئل عليه الصلاة والسلام: ما هو البلاء؟ قال: العلماء إذا أفسدوا، وهذا هو السر في نجاح الدعوة الإسلامية يوم أن كان على رأسها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنهم المثل الأعلى للكمال الإنسانى والصورة الحية الناطقة لما يدعون إليه لأن الناس يؤثر فيهم حسن العمل أكثر مما يؤثر فيهم حسن القول، فقبيح أن يدعو داع إلى شيء لم يفعله أو إلى خلق لم يتحل به، ولذلك جعل الله العمل الصالح من صفات القول الحسن وهذا من بدائع القرآن التي أنفرد بها إذ يقول: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فليتعظ بذلك دعاتنا فكثير منهم أحوج إلى الموعظة ممن يعظونهم وهذه فضيحة لهم في الدنيا قبل الآخرة. فليست الدعوة إلى الله- إذن- كلاما مجردا عاديا يستطيع أن يملأ به شدقيه كل من لاحظ له من دين أو خلق ولا خلاق له من إيمان أو استقامة، وإنما هي كفاح مرير ينبغي إن لا يخوض غماره إلا من تسلح له بسعة الصدر ولين القول واستقامة السيرة وبلاغة المنطق وقوة الحجة، ثم تأتي بعد ذلك مسؤلية الجمهور الذي يجب عليه أن يبلغ ما سمع إلى إخوانه الذين
(1/45)

شردوا عن مواطن الإصلاح وأتبعوا أهواءهم، لتعم دعوة الإصلاح سائر الطبقات، تلك المسئولية العامة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم بالآية المتقدمة "كنتم خير أمة الخ" وبقوله صلى الله عليه وسلم "ليبلغ الشاهد منكم الغائب".
هذه بعض أو أهم أدوات الدعوة إلى الله، أما الدعوة نفسها فالقرآن كله دعوة إلى الله حتى قسم القصص والأخبار منه كما حكي أن المنصور قال لعمرو بن عبيد: عظني قال: نعم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.
وأكبر ما أبتليت به الدعوة الإسلامية في هذا العصر هذه الدعوة الإلحادية التي تقوم بها الكثرة الغالبة من شبابنا الذي قضت عليه ظروفه السيئة أن يتلقى ثقافته عن قوم ليس لهم عدو إلا الإسلام حتى أصبح مقياس الرقي عندهم عقوق هذا الدين الذي بذل شباب الإسلام الأولون في الدعوة له والدفاع عنه دماءهم وأرواحهم، ولكن سينصره الله وإن خذله المسلمون كما نصره قبل أن يخلقوا والعالم كله يتيه في الشرك والوثنية {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}
وإذن فالدعوة التي تتناسب مع هذا الظرف الذي تغلبت فيه المادة على الروح والكفر على الإسلام هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فإن الله لا يقبل الإسلام المبعض الذي لم يقبله من بني إسرائيل إذ قال فيهم: {تُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ولا يقبل الإسلام المؤقت لأن الأعمال بالخواتم ولأن الله يقول: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
(1/46)

نماذج من محاسن الدعوة إلى الله
حسن التمثيل يزيد الفكرة وضوحا والصورة جمالا، وقد رسمنا للدعوة إلى الله صورة كما بينها القرآن وكما فهمها السلف الصالحون، وزيادة في البيان والوضوح وحرصا على فائدة القارئ الكريم نعرض في هذا الفصل النماذج التالية التي نرجو من رجال الدعوة إلى الله أن يتخذوها مادتهم في دروسهم وأن يحتفظوا بها كزاد في طريق الدعوة إلى الله: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}. {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}. {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} ودخل أعرابي على هشام بن عبد الله فقال: عظني يا أعرابي فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم قال: يا أمير المؤمنين هذا جزاء من يطفف الكيل والميزان فما ظنك بمن أخذه كله؟
وخطب النبي صلى الله عليه وسلم أول بعثه فقال: "إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غششت الناس جميعا ما غششتكم والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسؤ سؤا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا" وقال صلى الله عليه وسلم: "كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، وقالوا:
(1/47)

ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" ووفد أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: متى الساعة يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثرة صلاة ولا صوم وإنما أحب الله ورسوله قال: صلى الله عليه وسلم "المرء مع من أحب". وما أعظم العبرة في قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي "وماذا أعددت لها" إذ صرفه من الإهتمام بالموت إلى الإهتمام بالإستعداد له فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الموت آت لابد منه فالتفكير فيه لا يهدي إلى حيلة تصرفه أو تؤخر وروده، وإذن فلا فائدة في التفكير فيه إنما الذي يفيد ويهم هو الإستعداد وأخذ الزاد، ومن غفلة الإنسان أن يسأل عن القيامة كأن كل إنسان لا يموت حتى تقوم القيامة مع أنه يرى الموت بعينيه كل يوم ويدفن بيديه كل عزيز لديه وفيمن يموتون ويدفنون الصبي الذي لم يفطم والطفل الذي لم يبلغ الحلم والشاب الذي لم يجن بعد ثمرات المنى، يرى كل هذا بعينيه ويحسب أنه لا يموت حتى تقوم الساعة، والساعة تقوم كل يوم (ومن مات قامت قيامته).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" وقال: "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا ضرا لكونه لم يغضب الله تعالى" وكان إذا مر بمزبلة يقول: "هذه دنياكم التي تحرصون عليها" وهو شبيه بقول علي وقد مر بقذر في مزبلة أيضا: "هذا ما بخل به الباخلون".
وقال علي رضي الله عنه: "إذا كان يوم القيامة أتت الدنيا بأحسن زينتها ثم قالت: يا رب هبني لبعض أوليائك فيقول الله عز وجل لها: إذهبي بلا شيء فلأنت أهون من أن أهبك لبعض أوليائي" فتطوي كما يطوب الثوب الخلق فتلقي في النار" وشيع جنازة فلما وضعت في لحدها عج أهلها وبكوا فقال: "ما بيكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم لأذهلتم معاينته عن ميتهم وإن له فيهم لعودة ثم عودة حتى لا يبقي منهم أحد" وسئل عن الخير ما هو؟ فقال: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك وأن يعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت استغفرت الله ولا خير في الدنيا إلا لرجلين رجل أذنب ذنوبا
(1/48)

فهو يداركها بالتوبة ورجل يسارع في الخيرات" وقال: "استح من الله بقدر قربه منك وخلفه بقدر قدرته عليك، وأطعه يقدر حاجتك إليه واعصه بقدر صبرك على النار واعمل للدنيا بقدر إقامتك بها واعمل للآخرة بقدر بقائك فيها" وقال أبو عبيدة رضي الله عنه: "ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه" ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين". وقال حاتم الأصم: "فاتتني مرة صلاة الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وجده ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف إنسان لأن مصيبة الدين عند الناس أهون من مصيبة الدنيا" وسمع بشر الحافي أو الشبلي قارئا يقرأ: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} فصرخ وقال: "فأين الذين يريدون وجه الله تعالى".
ودخل عمرو بن عبيد على المنصور فقال: "يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة وإن الله عز وجل لا يرضى منك إلا بما ترضاه لنفسك ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك إن الله عز وجل لا يرضى منك إلا بأن تعدل في الرعية، يا أمير المؤمنين إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور والله لا يحكم وراء بابك بكتاب الله ولا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم " فبكى المنصور فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور: يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين من هذا؟ قال: أخوك سليمان بن مجالد قال عمرو: ويلك يا سليمان إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه يفقد وإنك جيفة غدا بالفناء لا ينفعك إلا عمل صالح قدمته ولقرب هذا الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قربك إذ كنت تطوي عنه النصيحة وتنهي من ينصحه، يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلما إلى شهواتهم قال المنصور: فأصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أولهم قال: أدعهم أنت بعمل صالح تحدثه ومر بهذا الخناق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالا كلما رابك منهم ريب أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره فو الله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ليتقربن به إليك من لا نية له فيه".
ودخل على الرشيد بعض الوعاظ فقال له: عظني قال:
أما بيوتك في الدنيا فواسعة … فليت قبرك بعد الموت يتسع
فبكي ثم قال له: زدني فقال: تصور نفسك في فلاة لا ظل فيها ولا ماء والفصل صيف والحر شديد وقد اشتد بك العطش ولم تجد ماء ثم جاءك شخص بما يطفئ عطشك
(1/49)

من الماء ليبيعه لك فماذا كنت تدفع له فيه؟ قال: نصف مملكتي، قال: فإن تعذر خروجه فماذا كنت تعطي مخلصك؟ قال: النصف الآخر، قال: فاحر بمملكه تبيع نصفها بشربة ماء ونصفها الآخر ببولة أن لا تشغلك عن طاعة الله تعالى".
هذه أقباس من الدعوة إلى الله اختلفت مصادرها واتحدت غايتها نرجو أن تثمر ثمرتها وتصيب هدفها فتوقظ المشاعر من هذه الغفوة وترطب القلوب من هذا الجفاف، وتكون للنفوس خير ذكرى. {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
(1/50)

غرور الحياة
إن المغرور حقا هو الذي، خدعه بريق هذه الحياة فأمل فيها أكثر مما يبلغه، وهو لا يبني هذا الأمل إلا على شفير هار وإن العاقل هو الذي لم ينخدع بهذا البريق ولم يغتر بهذا السراب وإنما فكر وقدر ثم فكر وقدر فبان له أن هذه الحياة غرور في غرور وإن كانت فيها لحظات سعيده فإنها لا تفي بما يغمرها من بؤس وشقاء.
كنت أفكر في هذا إذ أقبل إلي أحد أقاربي ينعي إلي ابنه الذي مات ولم يتجاوز عامين ولم يمرض إلا خمسة أيام وقد وضعت أمه طفلا: لفظ هذه الكلمات في جهد وإعياء ثم ألقي بنفسه على مقعد بحانبي خائرا متضعضعا لأن الحزن قد شل أعضاءه وعقد لسانه حتي لا يكاد يبين، فأدركت إذ ذلك أن سبب شقائنا بالحياة هو جهلنا بالحياة وعدم توطيننا أنفسنا على مكروهها لأننا لم نرها إلا جميلة جذابة مغرية حينما رأينا جانبها المشرق اللماع ولم نر جانبها المظلم العابس، ولو عرفنا الحياة كما عرفها الأنبياء والحكماء والعارفون بالله لهان علينا كل مما فيها من نعيم وبؤس وعادة وشقاء، فلم نفرح بإقبالها ولم نغتم بإدبارها بل لقلنا ما قال المتنبي:
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا … فلما دهتنى لم تزدني بها علما
إنها حياة لا يقوم خيرها بشرها ولا يفي سرورها بحزنها وإلا فما معنى حزن هذا الذي لم يمت له ولد حتى ولد له ولد؟ ذلك هو معنى ما يقول أبو العلاء:
إن حزنا في ساعة الموت أضعا … ف سرور في ساعة الميلاد
(1/51)

لذلك كان هذا الوالد الثاكل مصروفا عن السرور بالحزن ومشغولا عن الإبتسام بالعبوس لأن سروره بما ولد لم يف بحزنه على ما فقد، إن هذا المخلوق الذي خلق للإبتلاء لو خير لاختار أن لا يجد حتى لا يفقد وأن لا يلد حتى لا يموت له، أما وهو غير مخير فأولى له ثم أولى أن يوطن نفسه على مكروه هذه الحياة ويروضها على بأسائها حتى لا تصدمه المفاجأة وتضجضعه المباغتة:
وأعظم شيء حين يفجأك البغت
إن خير خطة لنا مع دنيانا أن لا نكون معها في حرب ومعنى ذلك أن لا تجد عندنا ما تحاربنا عليه فلا تعطينا ثم تسلبنا ولا تطعمنا العسل وقد مزجته بالسبم (وليس نعيم الحياة إلا السم في الدسم) ولذا كان خير ما في هذه الحياة العافية أي أن خير ما نجنيه من الحياة أن نسلم من أذاها كما يقول الطغرائي في صحابه:
وخير صحابي من كفاني نفسه … وكان كفافا لا علي ولا ليا
من أجل هذا يقول عليه الصلاة والسلام: "إذا سألتم الله فاسألوه العافية" ولذا لم يفتتن الأنبياء بالدنيا ولم يغتروا بزخرفها وإنما كان جل همهم في الدنيا أن يضعفوا تأثيرها في القلوب ويحاربوا سلطانها على النفوس ويجعلوا من المجتمع الإنساني كله عائلة واحدة قنوعة متحابة متآلفة لا تفسد بينهم الدنيا ولا تفرق بينهم المطامع ولا تتحكم فيهم الأهواء، ولو عمل الناس بتعاليم الأنبياء ورسالات السماء لما كانت حروب ولا مجازر ولقنع كل بما قسم له فلا تمتد يده لغيره لا بالسلب ولا بالأذى، ولكن الناس حادوا عن شرائع السماء وعادوا إلى شريعة الغاب يفتك أقواهم بأضعفهم، وأصبحت الدنيا كلها معامل لصنع الأسلحة وأصبح المال وسيلة شر بعد أن كان وسيلة خير، وأصبحت قوة الإنسان كلها موجهة إلى الفتك بأخيه فلا يبيت منه إلا على وجل.
وهكذا إذا استقلت الأرض عن السماء واستغنى الناس عن تعاليم الأنبياء تعود حياة الجاهلية الأولى من جديد ويفسد ذوق الناس فيرون الضلال هدى والهدى ضلالا ويسيرون إلى الوراء ويحسبون أنهم تقدموا إلى الأمام، ذلك بأنهم يقيسون بالحواس ما يقاس بالعقول والقلوب، فلا عجب أن ينزلوا إلى دركة الحيوان بحكم القرآن {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} ولا عجب أن يختاروا الكفر على الإيمان
(1/52)

المعصية على الطاعة إذا كان في الكفر والمعصية إرضاء لشهواتهم ولا عجب أن يستعبد الشيطان من استعبدته شهواته {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}.
(1/53)

استقبال رمضان
سمعت في هذه الأيام حوارا دار بين رجلين، قال أحدهما- وهو شاب إفرنجي النزعة والزي واللسان ها هو رمضان قد جاء يزحف فاغرا فاه كالأفعوان يريد أن يبتلعنا، أو كأنه الرقيب يفرق بين الحبيب والحبيب، إنه جاء ليختم على أفواهنا ويبدل شبعنا جوعا ورينا ظمأ ونومنا سهرا وراحتنا تعبا. فأجابه الثاني- وهو كهل وقد خط الشيب عارضيه، وبعث بأول رسله إليه-: أما أنا فإنني متشوق إلى رمضان، اشتياق الظمآن إلى البارد العذب.
فقهقه الشاب إستخفافا بهذا الجواب وأردف قائلا: وماذا يشوقك من شهر يمنعك في النهار لذيذ الطعام، ويمنعك في الليل لذيذ المنام؟
فأجابه الكهل الوقور بقهقهة مثل قهقهته وأردف-هو الآخر- قائلا: ما أشد غباوتك، إن الذي يبغض إليك رمضان هو الذي يحببه إلي، ويجعله أثيرا لذي، فإن هذا الإضراب عن الطعام والشراب هو الذي يحفظ على صحتي، ويمسك علي توازني، ولذلك فإني لا أجد راحتي وصحتي واعتدال مزاجي إلا في هذا الشهر الجميل الطلعة الميمون النقيبة، أما في غيره فإني أقضي أيام السنة كلها مريضا متألما فكيف لا يشتاق المريض إلى شفائه وذهاب دائه؟ ولكنكم أيها الشبان لا تعنون إلا باللذة العاجلة وإن كان فيها تلفكم، وقلما تفكرون فيما وراء ذلك، وهذا ما يجعلكم تحكمون على الأشياء أحكاما زائفة خاطئة. إن هذا الحوار القصير الذي دار بين الرجلين ليكشف لنا عن حقيقة مرة يجب أن لا نغفل عنها وهي جهل الكثير من أبنائنا بتعاليم دينهم
(1/54)

وأسرار تشريعه جهلا جعل هذا الشاب يرى في رمضان أفعوانا فاغرا فاه يهم بابتلاعه هذا الجهل الفاضح بالإسلام هو الذي حمل الكثيرين من شبابنا على التنكر للإسلام، والتمرد على تعاليم الإسلام، (ومن جهل شيئا عاداه) ومن هنا دخل معظم البلاء على المجتمع الإسلامي الحاضر وأي بلاء أشد من أن يعادي المسلم دينه ويصبح حربا عليه وهو ما عرف العز ولا تبوأ مكانه في تاريخ الوجود إلا به، ولذا لما اكتشف ذلك الكهل منفعة الصوم له أبدى شوقه إليه.
إن كلمة الكهل للشاب هي كالمفتاح لجميع أسرار الصيام، إنه يقول له: "إنني مريض لا أجد شفائي وراحتي إلا في الصوم"، إن معنى هذه الكلمة هو نفس المعنى لقوله صلى الله عليه وسلم: "جوعوا تصحوا" وإني أفهم كلمة تصحوا عامة في سائر أنواع الصحة: صحة البدن وصحة العقل وصحة الشعور.
فأما صحة البدن فإن المعدة وسائر أجهزة الغذاء تستريح بالإمساك عن الطعام والشراب وتتطهر من فضلات الغذاء ... وأما صحة العقل فإن في سلامة الجسم سلامة العقل، لأن العقل السليم في الجسم السليم، ولأن البطنة تذهب الفطنة، وأما صحه الشعور فإن الجائع يحس بالجائع (والمصطلى بالنار أعلم بحرها) وما ألطف تلك القصة التي تروي عن تلك المرأة العربية إذ كانت في عطفها على الفقير والحدب عليه موضع العجب والدهشة بحيث لفت ذلك نظر إخوتها فحبسوها ومنعوها الطعام والشراب حتى إذا ذاقت مرارة الجوع والحرمان احتفظت بما لها فلا تبدده ولكنها- وقد ذاقت مرارة الجوع والحرمان وأخرجها إخوتها من حبسها- قدموا إليها صرة دراهم ليستوثقوا من ثمرة الدرس فما كان منها إلا أن دفعت بالصرة كاملة الأول متسول قايلة: إني كنت ارحم الجائع والمحروم قبل أن أتجرع ما يتجرعه الجائع والمحروم من مرارة الألم أما اليوم وقد عرفت بالتجربه ما يعانيه أنضاء الجوع والحرمان فإني لا أعود أمسك شيئا يقع بيدي.
وهكذا فرمضان مصحة عامة، يجد فيها كل مريض دواء مرضه، بل ليس الدين في حقيقته غير علاج عام لأمراض البشرية، البدنيه والعقلية والشعورية ولكننا جهلناه فأعرضنا عنه بل عاديناه (ومن جهل شيئا عاداه).
فيا أيها المسلمون: إن رمضان خير فرصة لفهم دينكم على حقيقته، فانتهزوا هذه الفرصة الثمينة وتسابقوا إلى حلقات الدروس في ليالي رمضان الزاهرة، فجمعية العلماء
(1/55)

قد جندت لهذا الميدان خير رجالها ووزعتهم على القطر، فاجعلوا من رمضان شفاء لنفوسكم ومظهرا لوحدتكم وتضامنكم وتجديدا لصلتكم بدينكم وعلماء دينكم، والله يهديكم ويوففكم.
(1/56)

شهر التوبة
نحن الآن في أول رمضان، وهو خير ميدان، لتسابق أهل الإيمان، فلنعرف كيف نكسب الرهان، في هذا الميدان، ولنعرف كيف نجني ثمرة الصيام، في هذا العام، ونتطهر من أوضار الذنوب والآثام، وإلا كان صيامنا في كل عام، تعبا بلا فائدة، وشجرة بلا ثمرة.
لنحرص على أن يكون صيامنا عبادة لا عادة، لنستغل هذه الأيام المباركة والليالي النيرة، إن رمضان شهر نزول القرآن وشهر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وشهر يوم بدر العظيم القدر، وشهر الصيام والقيام، وشهر ضيافة الله ومدارسة كتاب الله، وشهر تغلب الروح على المادة، وانتصار العقل على الشهوة، فلنعرف لهذا الشهر ما خصه الله به من شرف وقدر، ولا ندنس شرفه بأفعالنا المنكرة، وألوالنا الآثمه، ونياتنا السيئة.
لنكن رشداء، فلا تذهب أتعابنا سدى، ونحن استقامتنا في هذا الشهر كفارة لما قبله وتدريبا على ما بعده.
إن رمضان شهر التوبة والإنابة، فلنغتنم هذه الفرصة قبل أن تفوت، ولنتب قبل أن نموت، فالتوبة إسراع ومبادرة لا إبطاء ومماطلة، قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.
(1/57)

وليست التوبة للذين يتعرفون إلى الله في رمضان، ويتمردون على دينه في شوال، ولا للذين يصلون إذا صاموا ويجعلون بينهم وبين الصلاة سدا إذا أفطروا، ولا للذين يعرفون الطريق إلى المسجد في رمضان، ويأخذون طريقهم إلى الحان بعد رمضان، ولسان حالهم يقول:
رمضان ولى هاتها يا ساقي … مشتاقة تسعى إلى مشتاق
إن رمضان شهر التوبة، فلنتب من ذنوبنا، وشهر التطهر فلنتطهر من عيوبنا، وشهر المحبة فلنتحاب من صميم قلوبنا، وشهر اجتماع الشمل فلنجعله نواة لجمع شملنا، وشهر الصبر والثبات والتغلب على الشهوات، فلنصبر ولنثبت ولنتغلب على شهواتنا.
إن الذي أصبح يحز في نفوسنا أكثر من كل شيء، أن مجتمعنا اليوم مجتمع غريب عنا لا يصح أن نسميه مجتمعا إسلاميا بالمعنى الصحيح، فلنجعله مجتمعا إسلاميا ولو في رمضان على الأقل، ولكن فريقا من المسلمين الذين باعوا دينهم في سوق الشهوات، بدراهم معدودات، يعز عليهم أن يروا المجتمع الإسلامي ينبعث في رمضان، واضح الملامح والسمات، يبعث في النفوس الأمل والرجاء، ويحي في القلوب روح الغبطة والتفاؤل.
لذلك نراهم يضاعفون نشاطهم كلما جاء رمضان، لا ليجعلوا منه مجتمعا إسلاميا، بل ليجعلوا منه سوق مجون وخلاعة وصورة من الإباحية الغربية التي لا تتلاقى مع الإسلام في طريق، فهل نسمي هؤلاء مسلمين وهم قد ضربوا الإسلام في الصميم، وحادوا الله في شهر يعود فيه المخطئون إلى الله؟ فحيثما توجه المسلم في ليالي رمضان، راعه ما يسمعه من ألحان وضرب عيدان، يطغى على صوت الآذان وترتيل القرآن، فكأن هؤلاء المفسدين الذين تسموا رغم أنوفنا مسلمين قد وكلوا بالإسلام يحاربونه ويطاردونه ويقعدون له كل مرصد، والعجب العجيب أن يجد هؤلاء الضالون من يشجعونهم على ضلالهم ويؤيدونهم بأموالهم، {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}. وهكذا فالتعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه قد حل محل التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به، وهكذ عكس المسلمون الآية؟ {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. وهذا التشجيع للمبطلين قد غرهم
(1/58)

وزادهم ضلالا إذ حسبوا أنهم على الحق فتمادوا في الباطل وأصبحوا كما قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}. ولا أضل ممن ضل وحسب أنه على هدى لأن الذي يشعر بمرضه يتداوى منه، وهذا هو الضلال المركب كما يقال: الجهل المركب وهو جهل الجاهل بأنه جاهل كما يقال فيه: لا يدرى ولا يدرى أنه لا يدري.
فيا أيما المسلمون: أظهروا لأعدائكم في رمضان أنكم قد عزمتم على إعادة المجتمع الإسلامى إلى الوجود، فإنه لا يقض مضاجعهم ويطير النوم من أجفانهم ويذهب الطمأنينة من نفوسهم كأن يروا الحركة الإسلامية تمد مدها وتثبت وجودها وتزاحم حركات الشعوب بمنكبها.
ويا أيها المسلمون: لا تؤيدوا المفسدين ولا تكثروا سواد المبطلين وكونوا في رمضان- على الأقل- مسلمين.
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}.
(1/59)

روحانية الصوم
إن أيام رمضان ولياليه فرصة ثمينة يتيحها الله لنا في كل عام لو عرفنا كيف نستغلها ونستفيد منها ومرحلة من مراحل العمر التي يجب أن نقف عندها في كل سنة من هذا السفر الطويل الموصول نستجم ونستريح ونتجرد من تكاليف المادة ونتحرر من شهوات الجسد ومطالب الحواس لنستطيع بعد ذلك أن نستأنف سيرنا في خفة ونشاط وقوه ومن أجل ذلك قول عليه الصلاة والسلام: "صوموا تصحوا" ولكن الناس- وقد صيروا صومهم عادة- جردوه من روحانيته وحولوه ميدانا يتسابقون فيه إلى إشباع شهواتهم الجسدية مبالغين مسرفين.
لقيني أحد معارفي من سكان العاصمة فسألته عن حاله فقال لي: إننا في جهد جهيد من الإستعداد لرمضان فقلت له: بماذا تستعد لرمضان؟ فأخذ يعدد لي ألوانا من مشتهيات الجسد، منها اللوز والسمن والعسل الخ ... فقلت له: يا أخي لقد جانبتم الصواب وحدتم عن الرشاد في هذا الاستعداد إن الاستعداد للصيام ليس في إعداد الحلوى أو الطعام، وإنما الاستعداد للصيام، بتنقية البطن من الحرام وتطهير القلب من الآثام، إن الصيام مخالفة للشهوات وليس مسابقة وتفرغا واستعدادا للشهوات، إن الصيام عبادة لا شهوة وإن الجنة حفت بالمكاره وإن النار حفت بالشهوات كما يقول عليه الصلاة، السلام: "إن الصيام تغليب للروح على المادة" وإن الصيام فترة راحة من الحركة الدائبة التي يقوم بها الجهاز الهضمي الضعيف سائر العام وإن الصوم جهاد للنفس ورياضة على التغلب على مكاره الحياة، وليس الصوم تدليلا للنفس وإرضاء لأنانيتها وتملقا لأهوائها والجانب الحيواني فيها وإن في الصيام مظهر تسوية
(1/60)

بين الغني والفقير ويقظة للضمير الإنساني، والشعور الأخوي بما يقاسيه أنضاء الحرمان وتعساء الحظ من عنت وبؤس وشقاء في هذه الحياة وفي يقظة الضمير شفاء الإنسانية من كوارثها ونكباتها يروي أن امرأة من العرب كانت جوادة مفرطة ولاسيما على الفقراء المساكين حتى تضرر منها أهلها فحبسوها ومنعوها الطعام والشراب أياما متتابعة ظنا منهم أن الجوع يجعلها تعرف قيمة المال فتحافظ عليه ولا تضيعه، ولكن تجربتهم أخفقت ودرسهم العملي أحدث عكس المطلوب منه إذ بعد أن وثقوا من تأديب الجوع لها أخرجوها وناولوها كيسا من الدراهم، وما إن رأت أول سائل حتى ناولته الكيس جميعه قائلة: إنني أبذل ما أبذل وأنا لا أعرف ما يقاسيه المعدمون من بلاء، أنا الآن وقد ذقت طعم الجوع وتجرعت مرارته فإني أعاهد الله أن لا أجد شيئا إلا أسرعت ببذله في الحال (1).
ودخل على بشر الحافي أحد أصدقائه في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب فقال له: "يا أبا نصر: إن الناس ليزيدون الثياب في مثل هذا اليوم وأنت تتعرى فقال: ذكرت الفقراء وما هم فيه ولم يكن لي ما أواسيهم به فأردت أن أشاركهم في مقاساة البرد" إن يقظة الضمير هذه هي التي خلت منها ضمائر الناس وحل محلها أنانية مفرطة ملحة شغلتهم عن كل خير وحالت بينهم وبين التفكير في الغير.
إن المسلمين- مع الأسف- جردوا صيامهم من كل ما هو روحي وتركوه هيكلا فلم ينتفعوا به ولم ينبه مشاعرهم ولم يوقظ ضمائرهم، كيف ينبه المشاعر أو يوقظ الضمائر هذا الصوم الآلي المادي الذي هو أشبه بالعادة منه بالعبادة؟ فليس فيه إلا تكالب على الشهوات وانهماك في إعداد (الحلويات) والعناية بالشكليات دون المعنويات.
كم أعجب حينما أرى انهماك سكان العاصمة في (تبييض) بيوتهم استعدادا لرمضان وأقول: لو كانت العناية بالقلوب كالعناية بالجدران، ولو (بيضنا) قلوبنا كما (نبيض) بيوتنا لما غضب الله علينا وسلط علينا من لا يرحمنا، والإسلام دين النظافة ولكن ليست نظافة الثوب والبدن (والمنزل) فقط، ولكن نظافة القلب قبل ذلك، والدين لا يتصل بالثوب كما يتصل بالقلب:
ما بال دينك ترضي أن تدنسه … وثوب جسمك مغسول من الدنس؟
__________
(1) كررت القصة سهوا.
(1/61)

وإن الله لا ينظر إلى صورنا وإنما ينظر إلى قلوبنا، فإن هذه العناية بالشكل والصورة يقابلها إهمال تام لجانب القلب والروح، فإن حرمة الصوم لا تردنا عن كل ما يفسد القلب ويسيئ إلى الروح من الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور والحنث في الإيمان وما إليها مما يتنافى مع قدسية الصوم.
إذا لم يكن للسمع منى تصاون … وفي بصري غض وفى منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظما … وإن قلت: إني صمت يوما فما صمت
إن في رمضان لفرصة ثمينة يجب أن نستغلها وأن نستفيد منها، إنه يجمع شمل الأمة في المسجد ويلاقي بين طبقات منها لا تتلاقي إلا في هذه المناسبة الطيبة وإني لأعرف أفرادا كثيرين من شبابنا لا يعرف لهم مكان إلا في المخمرة فإذا جاء رمضان لم أرهم إلا في المسجد، واستغلال هذه الفرصة هي أن نعرف كيف ننقذ هذه الطبقات التي لا تشعر بواجبها ولا تعرف ربها إلا في رمضان، يجب أن نشعرها بمسؤليتها، يجب أن نوقظ ضميرها ووجدانها، يجب أن نقاوم فيها أنانيتها واستسلامها لشهواتها يجب أن نحارب فيها هذه المعاملة الجائرة لدينها إذ تقبل عليه شهرا واحدا في السنة وتتفرغ لشهواتها سائر شهور السنة، يجب أن ننبهها إلى أن التوبة في رمضان ونقضها في شوال استهزاء بالله ونقض لعهده {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.
(1/62)

1 - على مائدة القرآن
بمناسبة شهر رمضان رأينا أن ندعوك- أيها المسلم- إلى مائدة القرآن لتتناول منها هذه الألوان من الهدى والفرقان فلا يكفي- في رمضان أن تجلس إلى مائدة الطعام ولا تقبل على مائدة القرآن.

النظر والتفكر
من مبادئ القرآن العظيمة النافعة توجيهه إلى النظر في هذا الكون وإلى التفكر في ملكوت السموات والأرض وفائدة ذلك أن نعرف ما في هذا الكون من صنع بديع وما في ملكوت السموات والأرض من نظام عجيب فنزيد إيمانا بالله واعتمادا عليه والتجاء إليه ونخلص من ذلك إلى استغلال ما أوده الله في ضمير هذا الوجود من كنوز وما طوى عليه أحشاءه من أسرار، فالمعرفة هي باب هذه الكنوز والأسرار، والنظر أو التفكر هو مفتاح هذا الباب فإذا لم نفكر لم نعرف وإذا لم نعرف لم نصل إلى هذه الكنوز والأسرار فنبقى بمعزل عن هذا الكون ونحن نعيش فيه فلا عجب إذن أن يكون أول ما نزل من القرآن الأمر بالقراءة وأن يكون أكثر من ثلث القرآن نزل في التنبيه على النظر أو التفكر- مفتاح هذا الباب- من مثل قوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} ولكننا- رغم هذا- لم ننتفع بهذا المبدأ شأننا مع مبادئ القرآن الأخرى بل أعرضنا عن النظر في آيات الله والتدبر في بدائع الكون فلم ننتفع بما وهبنا الله من عقل وقد نعى القرآن نفسه علينا هذا الإعراض إذ قال: {وَكَأَيِّنْ
(1/63)

مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} وهذا الإعراض عن تدبر آيات الله وبدائع صنعه إنما جاءنا من إعراضنا عن تدبر القرآن جملة الذي أنكره القرآن علينا بقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} فكأن الله أنزل القرآن لنعرض عنه هذا الإعراض أو لنستعمله في أتفه الأغراض، فإعراضنا عن تدبر القرآن حرمنا كل خير يوجه إليه القرآن، فلنتدبر القرآن ولاسيما في هذا الشهر شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن لنصل إلى كل خير يدعو إليه القرآن.

الرغبة والرهبة
للإنسان طبيعتان بارزتان هما باعثه في كل مما يأني يما ياع وهما: الخوف والطمع أو الرغبة والرهبة فلا يفعل شيئا من المعروف أو يتركه ولا يقول شيئا من المنكر أو يدعه إلا مدفوعا بهاتين الطبيعتين ومسوقا بهذين العاملين وإن الله الذي يعلم طبائع خلقه وما فطرهم عليه من غرائز وميول قد علم مبلغ تأثير الرغبة والرهبة في الإنسان فرغبه ورهبه وجعل صلاحه متوقفا على هاتين الطبيعتين فيه: الرغبة والرهبة، أو الطمع والخوف لذلك أثني على الراغبين الراهبين الخائفين الطامعين فيه فقال: {يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} وقال: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} الآية ... ولذلك نجد القسم الكبير من القرآن تدور آياته على الترغيب والترهيب فآية ترهب من النار كقوله: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} وآية ترغب في الجنة كقوله بعد: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} وهكذا جعلنا الله في سيرنا إلى الكمال مدفوعين بعاملين من الرغبة والرهبة رحمة منه بنا حتى لا نتخلف في سيرنا عن ركب السائرين إلى الكمال بحيث إذا لم يحركنا عامل الطمع حركنا عامل الخوف.
فليست الجنه في الحقيقة مقصودة بالذات والنار كذلك، وإنما العمل الذي يثمر دخول الجنة والنجاة من النار هو المقصود بالذات، إنما الجنة كالجائزة على السبق في الرهان أو الفوز في الامتحان والنار إنما هي كالسوط لهذا المخلوق الحرون يسوقه إلى سعادته ولذا ورد: "إن الله خلق النار سوطا يسوق به عباده إلى الجنه".
(1/64)

إن خير الزاد التقوى
إن للإنسان زادين زادا للدنيا وهو غذاؤه الذي به ينمو ويقوى، وزادا للأخرى وهو زاد التقوى ومن صنع الله لنا ورحمته بنا أن كفل لنا أحد الزادين وهو زاد الدنيا وكلفنا بالآخر وهو زاد الأخرى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} ولكننا- لجهلنا- ننفق حياتنا في طلب ما كفله الله لنا ونفرط فيما به كلفنا ولولا جهلنا وغباوتنا وقصر نظرنا ما شغلنا ما يفنى عما يبقى مع أن الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا قد اختار لنا إذ قال: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وفضل زاد الروح على زاد الجسد إذ قال: {إِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} وفاضل بين الناس على هذا الأساس إذ قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولكن هذه الكلمة- كلمة التقوى- قد فقدت عند الناس قيمتها وثقل على الأسماع وقعها وأصبح من يقول: اتقوا الله رجلا ثقيلا جافيا ليس على شيء من ذوق العصر ... في عرف أهل هذا العصر فكأن قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} يعني رجل هذا العصر ولكن لا خير في عصر لا يسير على مقتضى هذه الكلمة.
قال رجل لعمر بن الخطاب- وهو على المنبر-: اتق الله فانتهره رجل آخر فقال له عمر: "دعه فلا خير فينا إذا لم نسمعها ولا خير فيهم إذا لم يقولوها" وإنما كانت هذه الكلمة: بهذه المنزلة لأنها الكلمة الجامعة لما يجب أن يكون عليه المسلم مع الله والناس لذلك كان صلى الله عليه وسلم يفتتح بها خطبه لأنها كالإجمال لما يذكر بعدها ولكننا اليوم أسأنا فهمها فاستثقلنا سماعها إذ فهمنا منها أنها الإعراض عن الدنيا بالمرة ونحن لا نستطيع أن نعرض عن الدنيا بالمرة. مع أن التقوى ليست إلا السير على مقتضى القرآن الذي يقول: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}.
(1/65)

2 - على مائدة القرآن
مصارع الطغاة
يكاد القسم القصصي من القرآن يتلخص في تصوير مصارع الطغاة ومصائر الظلمة، فهذا مصرع فرعون يبتلعه البحر: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} وهذا مصرع قارون تبتلعه الأرض: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} وهذا مصرع مدينة برمتها- هي مدينة سبأ-: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} وهذه مصارع أقوام عديدين كذبوا الرسل وعتوا عن أمر ربهم وتكبروا في الأرض بغير الحق مثل قوم هود وقوم صالح وقوم لوط وهذا عالم بأسره يلقي مصرعه في فترة من فترات التاريخ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} وهكذا كل طاغية تتحكم فيه الأنانية ويعميه الغرور فيتحدى الخلق والخالق لا بد أن يلقي مصرعه على نحو من الأنحاء وعلى صورة من الصور: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}،والعبرة التي نستخلصها من مصارع الطغاة ومصائر الظلمة هي أن الأقوياء يجب أن لا يغتروا وأن الضعفاء يجب أن لا يقنطوا فإن لهذا العالم حارسا من عناية الله وكافلا من رعايته وتدبيره فلا يتركه تعبث به أيدي المفسدين وتتحكم فيه شهوات الظالمين المستبدين: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.
(1/66)

حظ الكافر
تتحرك عوامل الغيرة والتذمر في نفس المسلم إذ يرى ما يتقلب فيه الكافر من النعيم وما يبسط عليه يده من البلاد ولكنه حيثما يفزع إلى القرآن سرعان ما يجد عنده الدواء الشافي لهذه الخواطر المؤلمة والأفكار المقلقة، يفتح المصحف فيقع نظره على قوله تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ثم يفتحه مرة أخرى فيرى: {الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} إنها لصورة مضحكة حقا، صورة شخص لا يهمه إلا أن يأكل ويملأ بطنه من شهواته غير ناظر إلى عاقبته ولا مفكر فيما يجني عليه أكله فأهون به من نعيم يفضي إلى العذاب الأليم، وتبا لها من سعادة عقباها الشقاء المقيم، وبعدا له من حظ هو حظ الشاة التي تسمن للذبح، إلا أن الفرق بينهما أن ما ينتظر الشاة هو شفرة الذابح وما ينتطر الكافر هو نار جهنم، وأدن فما جدوى هذا العمل الجبار الذي يأتيه منه كفر بالله واعتدى على خلقه وما قيمة هذا العلم الذي لم يزدد به من الله إلا بعدا، وما تغني هذه الاكتشافات والاختراعات التي أفنى عمره في الوصول إليها {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} إن أفضل نعمة يهبها الله لعباده هي توفيقهم لعمل ما يرضيه ويقربهم إليه وصدق صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب".
فيا أيها المؤمن الذي تغره الظواهر ولا ينظر إلى العواقب فتذهب نفسه حسرات على ما يرى فيه أهل الكفر والضلال من متاع هذه الحياة: إن ذرة واحدة مما في قلبك من إيمان لخير لك من كل مما يتقلب فيه أعداء الله من أعطاف اللذائذ والشهوات واقرأ- إن شئت- قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} أو قوله: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}.
على أن الإسلام لا يحرم على المسلم الأخذ بالأسباب التي تجعله موفور الكرامة في حياته مرهوب الجانب في عين أعدائه {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} كلا نمد
(1/67)

هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}.
{وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}

القنوط واليأس
إن القنوط واليأس ليس من شأن المسلم مهما عظم كربه واشتد خطبه، وإنما المسلم لا ينقطع رجاؤه من ربه إلا إذا انقطع وجوده من هذه الدنيا ولذا يجعل القرآن اليأس من روح الله كفرا والقنوط من رحمته ضلالا، {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}.
وعلام اليأس وليس لحالة دوام في دنيا الفناء والتحول؟ وكيف تدوم الشدة والرخاء لم يدم؟ ولو دام الرخاء لما جاءت الشدة وهو معنى قوله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} وإذا خفي عنا هذا فلنذكر كيف كان المسلمون في بداية أمرهم يقاسون من أعداء دينهم كل شدة وكل بلاء ثم أعبهم الله النصر وجاءهم بالفتح وأبدلهم من خوفهم أمنا، فليس اليأس- إذن- إلا خديعة من الشيطان يريد بها قطع صلة العبد بربه ورجائه فيه.
وما أصدق كلمة مصطفى لطفي المنفلوطي في هذا المعنى إذ يقول: "اليأس هو الخديعة الكبرى التي يدسها الشيطان دائما في نفوس الأمم الضعيفة التي يريد الفتك بها والقضاء عليها".
(1/68)

3 - على مائدة القرآن
إحسان العمل والثبات عليه
يتجه الإسلام بدعوته إلى تحقيق غرضين عظيمين يتلخص فيهما الكمال الإنساني كله، هما الإحسان في العمل والثبات عليه وقد اجتمعا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فلا يكفي أن تحسن العمل ثم لا تثبت عليه كما لا يكفي أن تثبت عى عملك دون أن تحسنه وتأتيه على الوجه الأكمل، وإنما يجب أن تجمع بينهما فتحسن العمل وتثبت عليه، ولكن الناس بين رجلين: أحدهما يحسن عمله ولكنه لا يثبت عليه والآخر يثبت عليه ولكنه لا يحسنه، أما الذي يجمع الكمال من طرفيه فقل أن يظفر به أو يعثر عليه.
إن الاسلام يجعل الإحسان- بمعنى إتقان العمل وتجويده- ثالث ثلاثة هي الدين كله كما في حديث جبريل بعد أن أجابه صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان قال: "هذا جبريل جاء يعلمكم دينك" فجعل مجموع هذه الثلاثة هو الدين، ويفسر ذلك رفضه صلى الله عليه وسلم أعمالا لم يأت بها أصحابها على الوجه الأكمل كقوله للأعرابي: "صل فإنك لم تصل" وكقوله: "اذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني فتلف كما يلف الثوب فيضرب بها وجهه" وكقوله: "كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش". لأن الإحسان في العمل هو ثمرة يقظة الضمير وحياة الشعور في الإنسان فيعمل أعماله وهو يشعر أنه يرى الله أو أن الله يراه وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وقد سأله جريل عليه السلام عن الإحسان). "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ولقيمة
(1/69)

الإحسان هذه أوجبه الله في كل شيء إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان في كل شيء" الحديث.
هذا من ناحية الإحسان في العمل وهو لا يكفي بدون الثبات عليه لأن عدم الثبات على العمل إبطال له والله تعالى يقول: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ولأن في الوقوف دون تمام العمل إضاعة لثمرة العمل فإن قيمة العمل ببدايته ونهايته ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالخواتم" بل إنه صلى الله عليه وسلم ليعتبر ذلك حتى في أعمار الناس فلا يحكم بصلاح شخص بمجرد النظر إلى حسن بدايته بل يقول: "لا تعجبوا بعمل عامل حتى تنظروا بم يختم الله له" ولا عجب بعد ذلك أن يقول أبو الطيب المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس شيئا … كنقص القادرين على التمام

البعث والجزاء
إن في البعث والجزاء لتأثيرا ودخلا كبيرا فيما يأتي الناس وما يدعون من أعمال في هذه الحياة، فلولا إيمان الناس بأنهم يبعثون من بعد موتهم ويجازون على أعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، لشل حركتهم اليأس ولأقبلوا على لذائذهم يتناهبونها لا يبالون أصابوا حلالا أم حراما كما نرى في المجتمعات التي لا تؤمن ببعث ولا جزاء ولا تؤمن إلا بحاجات غرائزها وأهواء نفوسها، فلا غرو أن نرى القرآن- يهتم بهذا الجانب اهتماما زائدا ويقيم الأدلة القوية عليه: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} وروي أن العاص بن وائل أخذ عظما رميما ففته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أترى يحي الله هذا بعدما بلى ورم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم ويدخلك النار، ونزل فيه قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. وهذه كلها أدلة قوية على أن من خلق الخلق قادر على أن يعيدهم {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ولكن الذين استحبوا العمى على الهدى {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ
(1/70)

غِشَاوَةٌ} لذلك لا يخلو زمان ولا مكان من منكرين للبعث والجزاء ولا سيما هذا العصر المادي الذي لا يؤمن أهله إلا بكل مادي محسوس ولقد رأينا كثيرا من المسلمين اليوم جرفهم هذا التيار، تيار الإنكار لعالم الغيب وعدم الإيمان بغير المادي المحسوس من الأشياء، ولاسيما من تثقف ثقافة غربية، فإذا حدثتهم عن العالم الآخر سخروا منك وضحكوا ملء أفواهم على بقائك متمسكا بهذه القشور (هكذا). ولولا أن الله لم يرد بهم خيرا لرأوا أن الإيمان بالبعث والجزاء لا يفوت عليهم شيئا من رغباتهم كما يفوته عليهم إنكارهم وكفرهم، وليتهم- على الأقل - آمنوا إيمان أبي العلاء المعري إذ يقول:
قال المنجم والطبيب كلاهما … لا تحشر الأجساد قلت إليكما
ان صح قولكما فلست بخاسر … أو صح قولي فالخسار عليكما
(1/71)

4 - على مائدة القرآن
صوم رمضان
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} يستعمل القرآن أسلوله الجذاب الآخذ مجامع القلوب والألباب، إذ يدعو إلى الصيام الذي فيه مصادمة للطبيعة ومقاومة لحاجة الغريزة من الطعام والشراب والمباشرة التي هي من مقومات الحياة، فهو يقرر أولا- أن الصوم وإن ظهر أنه مقاومة للطبيعة- فإنه قد استعمل وجرب ممن قبلكم، فلستم في تكليفكم به مظلومين ولا مكلفين بما ليس في إمكان الطاقة البشرية، ولستم في صومكم بمقدمين على مجهول أو غير مأمون العاقبة. ثم يقول ثانيا- إنه مع ذلك ليس إلا {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ثلاثين أو تسعة وعشرين يوما من كل عام. ثم يقرر ثالثا- مبالغة في تهوينه وتيسييره على النفس- بأن من عجز عنه لمرض أو سفر تركه إلى أن يزول عجزه وعوضه بأيام أخر يكون فيها قادرا على الصوام. {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فأي سماحة كسماحة هذا الدين؟ ثم أي أسلوب في الدعوة إلى المبادئ العليا كهذا الأسلوب؟

التوبة
من كرم الله ولطفه أنه يقبل التوبة عن عباده ليريهم أنه غني عنهم {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} ولكن التوبة التي يقبلها الله هي التي تأتي عقب الذنب مباشرة {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} أما الذين يقضون أيامهم في اجتراح السيئات وارتكاب الموبقات غير حاسبين لذلك حسابا ولا متخوفين عقابا، فأولئك لا يستحقون عفو الله ولا ينالون كرمه {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
(1/72)

السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} هكذا يحب الله من عباده أن يسارعوا إلى الخيرات ويبادروا بالطاعات {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} الآية .....
إن باب التوبة لمفتوح في كل وقت، وإن الموت لمتوقع في كل وقت، فعلى العاقل أن لا يفوت الفرصة ولا يترك هذ الباب يغلقه الموت فقد ورد: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" وهذا رمضان شهر التوبة وشهر الرجوع إلى الله وشهر تفتح القلوب وتيقظ المشاعر، وشهر يوم بدر وليلة القدر ونزول القرآن، وشهر عودة المجتمع الإسلامي إلى الوجود. فاغتنموا الفرصة- أيها المسلمون- {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.
(1/73)

5 - على مائدة القرآن
بدر في القرآن
إن آية واحدة مما نزل في يوم بدو لتوضح كل ما جرى في يوم بدر، كما تزيد توضيحا هذه الآية وهي قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
فالمفتاح الواحد لكل مغالق الأسرار هو قوله: يعذبهم بأيديكم هكذا. فليس الإنسان إلا آله تحركها يد القدر والفاعل الحقييقي لكل ما يجري في هذا الكون إنما هو الله خالق الكون ومدبره، ومن هنا نعرف معنى قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} عندما أخذ صلى الله عليه وسلم قبضة من حصى ورمى بها في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه" فكانت تلك القبضة من الحصى هي القنبلة الذرية التي كسب بها المسلمون النصر في يوم بدر فلم تبق عين من أعين المشركين إلا أصابها نصيبها من هذه القبضة أو من شظايا هذه القنبلة الربانية الهائلة فعموا عن الطريق واضطربوا وأصابهم الوهن فلكي لا يزد هي المسلمين- وفيهم رسول الله- ما كسبوه من نصر فينسوا صلتهم بالله وينسبوا نصرهم إلى أنفسم، عطفهم الله بقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فالرامي هو الله والآلة هي الإنسان، وليس في هذا جبر أو توكل أشل وإنما هو جار على قاعدة أن الله واهب القوى جميعها فهذا المال الذي يبدو أن تحصيله نتيجه جد وكد وثمرة خبرة ومعرفه بوجوه الكسب لا ينسبه الله إلى صاحبه، وإنما يقول: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} كما يقول: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} وليس في هذا أيضا ما يشل من عزيمة الإنسان وإرادته أو يقعد به عن السعي والطلب، بل بالعكس يجعله قوي الثقة بالله وثيق الصلة به فيطلب المال من وجوه الحلال التي
(1/74)

يعين الله عليها ولا يتحدى القدر فيطلب المال من غير وجوه الحلال، فإن واهب النعم هو الله ذو الجلال والإكرام، ولا يخطف أبصارنا بريق الذهب الذي نراه في أيدي الظلمة فذلك باب آخر، باب {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} باب {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} باب تسمين الشاة للذبح كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} وقد علم الله دبيب هذا الخاطر من خلقه فردهم عنه بقوله: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}. وإذا كان الرامي هو الله، والإنسان ليس إلا آلة لهذا الرمي فكيف لا تنتصر القلة على الكثرة وكيف لا ينتصر الحق على الباطل وكيف لا ينتصر الإيمان على الشرك في يوم بدر؟ ومن هنا أيضا نفهم معنى قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}. ونفهم السر في المدد الإلاهي بإنزال الملائكة ومشاركتهم في القتال لأن المعركة إنما هي معركة الحق والباطل ولأن مديرها هو الله الذي يـ {قْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} ونفهم السر كذلك في قوله تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} لأن هذه الفئة القليلة هي حزب الله الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله، وهذه الفئة الكثيرة حزب الشيطان الذي يقاتل ليجعل كلمة الله هي السفلى كلمة الكفر هي العليا، وغزوة بدر هي الغزوة الكبرى التي تلاقي فيها الحزبان حزب الله وحزب الشيطان- وجها لوجه- وظهر فيها الجندان- جند الحق وجند الباطل - متقابلين، جند الحق بقلة عدده وضعف عدته، وجند الباطل بكثره عدده وقوة عدته، حتى أشفق قائد جند الله- صلى الله عليه وسلم- أن يكون لكثرة العدد وقوة العدة تأثير في الموقف فاتجه ببصره إلى السماء- قبلة الدعاء- وتضرع إلى الله قائلا في لهفة وتأثر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فإنك لا تعبد في الأرض بعد اليوم" وما زال مستغرقا في دعائه حتى قال له أبو بكر رضي الله عنه: بعض منا شدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك، وأغفى صلى الله عليه وسلم ثم انتبه وهو يقول: "أبشر أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده في ثنايا النقع" ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم على القتال وقال: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة" وسرى هتاف الرسول في نفوس جنود الإسلام مسرى الكهرباء في الأجسام وتهافتوا على حياض المنية في شوق ولهفة حتى ظهرت المعجزه وانتصرت القلة العزلاء إلا من الإيمان على الكثرة المسلحة إلا من الإيمان،
(1/75)

وغلبت الثلاثمائة والثلاثة عشر من المسلمين الألف من المشركين، فسقط منهم في الميدان سبعون قتيلا، واختطف من ظهور الخيل سبعون أسيرا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى فطرحوا في القليب ثم وقف عليهم وجعل قول: "يا أهل القليب: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا" وهكذا لم ينس صلى الله عليه وسلم أن هذا النصر نعمة من الله ووعد أنجزه الله {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وفي غزوة بدر لم يرحم الله أعداء الإسلام ولم يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولم يرض بما رضي به المسلمون من قبول الفدية منهم والإبقاء عليهم بل نزل الحكم من السماء صارما حاسما بعتاب النبي صلى الله عليه وسلم: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} كما كان المسلمون في هذه المعركة مثال الصرامة والحمية لله ولدينه فكان المسلم يقتل أباه أو ابنه أو أخاه في سبيل الله بلا مبالاة لأنه باع نفسه لله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}.
فهذا أبو عبيدة يقتل أباه عبد الله وهذا مصعب بن عمير يقتل أخاه وهذا عمر يقتل خاله العاص بن هشام، وهذا أبو بكر يهم بالخروج ليقتل ابنه عبد الرحمن فيرده صلى الله عليه وسلم قائلا: "متعنا بنفسك" فينزل قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
صدق الله العظيم.
(1/76)

6 - على مائدة القرآن
العبرة من غزوة بدر
إن في غزوة بدر لخير عبرة للضعفاء أمثالنا ممن يهولهم ضعفهم المادي فتجتاح عواصف اليأس كل ما ينعش نفوسهم من آمال وينزوون في عقر ديارهم وبنطوون على أنفسهم وينفضون أيديهم من دنياهم، وهذا من مداخل الشيطان الخفية على النفوس الغبية إذ سول لهم أن من كان في مثل حالهم يستحيل عليهم تحطيم أغلالهم وبلوغ آمالهم، فينامون على الضيم ويستسلمون للعبودية الخالدة ويخلصون لمستعبديهم لقمة سائغة وغنيمة باردة، وما أصدق مصطفى لطفي المنفلوطي إذ يقول: اليأس هو الخديعة الكبرى التي يدسها الشيطان دائما في نفوس الأمم الضعيفة التي يريد الفتك بها والقضاء عليها. وما أحكم التربية القرآنية للنفوس إذ تحرم اليأس تحريمها للكفر في قوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
وإن في غزوة بدر لمحوا لليأس وإبادة لجراثيمه من النفس فهي تقيم لنا الدليل على أن القوة المعتبرة هي القوة المعنوية من إيمان بالله وثقة بالنفس وثبات في مواطن اليأس وقوة أمل في المستقبل، أما الكثرة في العدد بلا قوة في الروح فلم تكن في يوم من الأيام بمفيده ولا مؤثرة في ساحات الوغى ومصائر الحروب، والمسلمون في غزواتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين- لم يكونوا ولا مرة واحدة- أكثر من أعدائهم ولا أغنى عتادا ومع ذلك فالنصر دائما حليفهم، ولقد أرى الله المسلمين في يوم حنين رأي العين أن الاعتداد بالكثرة وحدها لا يفيد بل هو من أسباب الهزيمة وذلك إذ يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}. وإذن فلنستفد من غزوة بدر هذا الدرس القيم
(1/77)

ولا نقل أننا قلة ولا أننا عزل أو ليس لنا مدافع ولا قنابل ولا طائرات ولا دبابات ولا قنابل ذريات، إنما ينقصنا ما كان متوفرا لأسلافنا من القوة المعنوية، فحسب.

فتح مكة في رمضان:
إن رمضان شهر الآنتصارات الحاسمة في تاريخ الإسلام على اعتبار أن الغزوتين اللتين كان لهما أبعد الأثر في دعوته وهما: غزوتا بدر وفتح مكة كانتا في هذا الشهر الخالد في الشهور على مدى الدهوه، وقد مر الكلام في غزوة بدر، أما فتح مكة فتشير إليه فاتحة الفتح: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا}.
وأبرز ما تصوره هذه الآيات أنها تبني لنبي الإسلام مجدا لا يطاول ولا تمتد إليه الأوهام، يبدأ هذا المجد من اعتباره مكافأة من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم الذي تؤديه لفظتا (فتحنا لك) هكذا فالفاتح هو الله لا محمد لأن الله هو الموفق والمعين أو أنه الفاعل الحقيقي لما يجري في الكون تناسقا مع مما تقدم في قوله تعالى: في يوم بدر {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وفي قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}. وليست سواعد المسلمين وعزائمهم إلا آلات تحركها يد القدر المدبرة الموجهة، والمفتوح له هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أخرج من مكة بلده المحبوب في سبيل نشر دين الله وجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وإذن فالجزاء العادل يقتضى هذه المكافأه وتقديمها في عبارة مشعرة ولافتة إلى المعنى الذي اقتضاها، ففتح مكة- إذن- زيادة على أنه نصر لدين الله هو مكافأة ضخمة لمحمد صلى الله عليه وسلم وتكريم فخم له على كفاحه العظيم وحرصه الشديد على هداية قومه وصبره العجيب على ما لقيه في سبيل ذلك من آلام وأتعاب ومرارة واغتراب ثم يأتي بعد ذلك التفصيل: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا}. وأي تكريم بقي بعد هذا التكريم؟ وأي إنعام يأتي بعد هذا الإنعام؟ وأي أمل بقي لمحمد صلى الله عليه وسلم لم يصل إليه بعد أن يغمر الله ذنبه ويتم نعمته عليه ويهديه صراطه المستقيم وينصره النصر الذي سيعقبه كل نصر والذي أعزه الله به بعد ذل وقواه بعد ضعف وأشعر مهابته كل قلب.
(1/78)

ولقد قابل- عليه الصلاة والسلام- هذه النعمة بما ينبغي لها من تواضع لله وحلم على الجناة فبعد أن دخل مكة في ذلك المشهد المهيب والمهرجان التاريخي الهائل وعمد إلى البيت الحرام فحطم ما علق فيه من أصنام- وكان به ثلاثمائة وستون صنما- وهو يقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} {جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} وبعد أن توسط البلد الذي أخرج منه ظلما وأتجه يبصره إلى أهله الذين أخرجوه منه قال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: إني لا أقول إلا ما قال أخي يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم: أذهبوا فأنتم الطلقاء.
وهكذا الرجل العظيم لا تطغيه النعمة ولا يبطره إجتماع أسباب القوة، وهكذا عقبي الصابرين المتقين.
و {لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
(1/79)

7 - على مائدة القرآن
خير موجه
إن في القرآن ما يفتح عيوننا على عالم أفضل، وحياة أكمل، ويوجهنا الوجهة الصالحة الرشيدة لبلوغ الأهداف البعيدة، واقتطاف الثمار اليانعة للحياة السعيدة.
وإن الله قد وصف القرآن بعدة أوصاف كلها شائق، وكلها لعطف النفوس الشاردة عن القرآن إلى حضيرة القرآن، ويملأها بالطهر والصفاء والإيمان.
إن الله يصف القرآن بأنه الهادي إلى الصراط الأقوم إذ قال: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وإذ قال: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ}، ويصفه بقوة التأثير في النفوس، وشدة الأسر للقلوب إذ قال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}، ويصفه بالإحاطة والشمول والعمق وغزارة المادة إذ قال: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} ويصفه بأنه شفاء ورحمة إذ قال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ويصفه بأنه ميسر لمن أراد أن يتدبر أو يتذكر إذ قال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ولكن القلوب تصرفها الشهوات عن التذكر والتدبر، فلا يتذكر ويتدبر إلا من خشي الله وتوتقت صلته بالله، لذلك يقول الله تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى}، ولما كانت خشية الله تقوم على معرفة الله قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وإذن فالعلم هو الأساس في كل خير، فلا عجب أن تكون الدعوة إلى قراءة العلم هي غرة القرآن، وأول ما نزل منه، وإذن فأعدى عدو لك هو منيقف في طريقك لطلب العلم ويحول بينك وبين ورود مناهله العذبة.
(1/80)

إرادة الله:
كنت أقرأ سورة البروج في صلاة الصبح وإذا بي أقف فجأة عند قوله تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} فلم أستطع أن أتجاوزها لا لأنني نسيت ما بعدها، ولكن لشدة شعوري بها وقوة إحساسي بتأثيرها، فلم أستطع أن أنتقل إلى ما بعدها، وأحسست بقشعريرة تستولى على بدني كله إذ شعرت بضعف الإنسان أمام قوة الله الفعال لما يريد، ومرت بي برهة من الزمن لم أستطع- خلالها- أن أمضي في القراءة فقد أسرتني هذه الآية وقيدتني وردتنى إلى صوابي وفتحت لي مغالق لمواقف وحالات مثيرة، مرت بي في حياتي، إذ جعلتني أفقه السر في خيبه آمالنا وفشل مساعينا، لأن هناك إرادة تسيطر على إرادتنا وقوة فوق قوتنا {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}
إن أحدنا يريد الخير لأمته ويبالغ في نصحها، ويلهم الأساليب الصالحة لهدايتها والطرق الحكيمة لسعادتها، ولكنه لا ينجح، ولعل هذه الحال هي التي أوحت إلى الإمام الغزالي أن يقول: (ليست المشكلة النصيحة، إنما المشكلة قبولها، وأدركت للحال أمثال هده الحال التي كانت تعرض له صلى الله عليه وسلم أثناء دعوته، فيستولي عليه الجزع ويكرب صدره ما يصدمه من عناد قومه وصلابتهم وقوة تمسكهم بضلالهم القديم حتى يسمع التنبيه مما يوحي إليه من مثل قوله تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} ومثل قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، ومثل قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، وينهاه عن إعنات نفسه وإرهاقها في هذا السبيل، بمثل قوله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} وبمثل قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} بل ينجده أحيانا ببيان السبب في هذا الإصرار على الضلال بمثل قوله: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} وبمثل قوله: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، ثم ذكرت كيف أنه صلى الله عليه وسلم رغم ما بذله من جهد لم يستجب لدعوته خلال الست سنوات الأولى لبعثته غير أربعين رجلا وامرأة بدخول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الإسلام في السنة السادسة للبعثة إذ لم يجد من المسلمين غير تسع وثلاثين رجلا وامرأة، وفي هذا خير درس لمقاومة اليأس، ولله در أبى العلاء المعري إذ يقول: (والعقل زين ولكن فوقه قدر)
(1/81)

- وإذن- فلا يفت في أعضادنا ما يقوم في طريقنا من صعوبات وعراقيل، فما علينا إلا السعي المتواصل في سبيل الدعوة إلى الله، وإسعاد الإنسانية في العاجلة والآجل.
و {اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.
(1/82)

8 - على مائدة القرآن
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}
إن المجد الحق هو مجد الخلود، الذي توج الله به كتاب هذه الأمة، وهذه الآية حي مفتاح عظمة القرآن، لأنها آية خلوده وبقائه على تعاقب الدهور والأنمان.
إن هذه الآية لترغم أنف الشيطان، فتنبت في القلوب المجدبة من الايمان، شجرة الإيمان فالناس يتلون هذه الآية منذ اربعة عشر قرنا إلى الآن، ولم يروا ما يغير معناها أو يفند خبرها، فمازال القرآن يتحدى الزمان، ويهزأ بالحدثان، لم تستطع أية قوة في الدنيا أن تنقص منه حرفا أو تزيد كلمة، أو تغير عبارة، ومازالت هذه الآية الكريمة تقرع الآذان وتجلجل الأسماع،

مذكرة لهذا التحدي مجددة لهذا الإقناع، معلنة في الناس بأن هذا الكتاب لو كان من صنع البشر، لبان ذلك وظهر، ولفضحت دعوة محمد وانتهى أمر هذا الكتاب، إلى ما انتهى إليه أمر الكتب التي تقدمته، ولكنه كلام الله الذي ميزه دون ما سبقه من الكتب، بالخلود أبد الدهر.
ورغم ذلك فليست عظمة القرآن في خلوده بقدر ما هي في سبب خلوده فإن السبب في أن الله تكفل بحفظه، أنه كتاب دين جعله خاتمة الأديان، فيجب أن يبقى على وجه الزمان، لأن الله جعله صالحا لكل زمان.
ولذا لم يتكفل بحفظ الكتب الأخرى، لأنها أنزلت لزمن خاص ولجيل معين من الناس، فحفظها لا تترتب عليه فائدة، وبهذا تقوم الحجة، على من لم يذعن لدعوة الإسلام، وناصب أهله العداء ولج في الخصام.
ولهذا فإنني أكاد لا أومن بأن الباعث على التنكر للإسلام ديني محض، بل هو باعث سياسى أكثر مما هو ديني، فإن الإيمان بالاسلام لا يتنافى- بحال-
(1/83)

مع الايمان بالأديان السماوية الأخرى بل إن الأمر على العكس، فإن الأديان إذا كان مصدرها واحدا- أي أن باعث أنبيائها واحدا وهو الله- فإن الإيمان بأحدهما لا يكفي، ولاسيما إذا نبه الأنبياء إلى ذلك ودعوا- جميعا- إلى الإيمان بها جميعا- والقرآن مفعم بالأدلة على ذلك، وحسبنا قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}، بل إن الفائدة لا تتم إلا بذلك فإن الله إذ يبعث إلينا بنبي، بعد نبي، وبدين بعد دين، ليبعث بالقانون الإجتماعي الصالح لكل زمن ولكل جيل، فكلما اقتضى حال جيل من الأجيال، قانونا جديدا، نسخ الله القانون السابق أو عدله بقانون آخر، هكذا تطورت الأديان، حسب تطور حال الإنسان، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان الإنسان قد وصل إلى الطور الكامل الذي يتطلب تشريعا يتناسب مع ما وصل إليه من كمال، فجاءت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بالتعاليم الملائمة لهذا الطور، والصالحة لكل طور يأتي بعده، لأنها بلغت الحد الأعلى في الكمال، فكل تشريع سبق شريعة الإسلام لم يعد صالحا لهذا الزمان، ولاسيما بعدما دخل عليه من تحريف، وزيادة، ونقصان، كما يعترف به كثيرين من أهل الأديان.
ولكنها المادية التي طغت على أبناء هذا الزمان، فأفمدتهم كل تعقل وكل اتزان، وإلا فأي عذر ينهض، وأية حجة لا تدحض، لهؤلاء الذين تنكروا لدين يحمل معه آية صدقه وآية إقناعه وعدة دفاعه؟ إنهم لا يجنون إلا على أنفسهم، إذ يقفون في طريق سعادتم، ويعيشون في ظمأ روحي لافح يحرق لهواتهم، ويحرمهم أسمى شهواتهم، فالحياة المجدبة المظلمة الشقية هي التي لا تشع فيها الأقباس الروحية، ولا تستمد خصبها ونماءها من الإطمئنان إلى قوة إلاهية تسندها وتحميها وتحنو عليها، وإن حفلت بكل أطايب الدنيا ومباهج الحياة، وإني لأرثى لأولئك الذين يقضون أعمارهم طلابا دارسين ثم يعودون أجساما بلا أوراح تتحرك كما تتحرك الساعة، ولكن لا تعرف محركها يذهبون إلى المدية بجهلهم ويعودون بكفرهم وإلحادهم، إن العلم الذي لا ينفع خير منه الجهل الذي لا يضر، وليس كل علم ينفع، ولا كل جهل يضر، ولولا ذلك لما قال عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" بل لما قال: "إن من العلم لجهلا" وقد كان الكثير من أصحاب رسول الله، لا يعلمون من العلم ما يعلم هؤلاء الضالون المضلون، ولكنهم نعموا بهدوء بال لم يصل إليه أكبر
(1/84)

مخترعي العالم اليوم، إن كل ألوان السعاده في سكينة النفس وهدوء البال، وهذا ما يظفر به المؤمن الموقن، وما هدى إليه الإسلام، فإذا لم يظفر العالم بسكينة نفسه وهدوء باله، فهو في جحيم من الشقاء، وإن عرف كل خصائص الذرة، وأدرك كل أسرار الوجود.
حقا إن هذه الآية لتدخل على النفس من برد اليقين ما لا يفعل ألف درس في الفلسفة وصدق الله إذ يقول لنبيه- مطمئنا لنفسه-: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}.
(1/85)

9 - على مائدة القرآن
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}
إذا كانت الآية السابقة-: "إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) - عنوان مجد الخلود للقرآن فهذه الآية عنوان مجد الكمال للاسلام فهي تغلق الباب في وجه المبتدعين الذين لا تطيب لهم الحياه إلا على تعدى الحدود وتسور الأبواب، والإتيان- دائما- بجديد لا تسيغه إلا عقولهم الشاذة، فيحدثون في دين الله ما لم يأت به نص، ولم يقم عليه دليل، بدعوى الاستحسان فلا يجنون من صنيعهم إلا عكس ما أرادوا، وإذا بهذا الذي أدخلوه على دين الله هو الذي يخرجهم منه جزاء وفاقا، وذلك معنى قوله- عليه الصلاة والسلام-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وخفي عنهم أن الله ما سكت عما تبجحوا به إلا رحمة بهم وشفقة عليهم، قال- عليه الصلاة والسلام-: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" وأدهى وأمر، من كل ما مر، تلك الرسالة المفتعلة المنتحلة عن رسول الله التي يروجها (الشيخ أحمد خادم القبر الشريف) كما هو مثبت في صدر هذه الرسالة، التي أثارت ضجة وكثر حولها اللغط، وشغلت بال كثير من الناس، حتى كتب إلينا بعضهم يسأل عن حقيقة أمرها، إنها لجراءة منكرة على رسول الله، ودناءة مفضوحة في الاتجار بدين الله، وتحيل بارد ممقوت، للعيش على هامش الحياة، إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونام قرير العين مرتاح الضمير، ناعم البال، لأنه ما انتقل إلى جوار ربه حتى نزل عليه من ربه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} أبعد هذا كله يأتي (الشيخ أحمد) أو غيره يكذب على الله ويتجرأ على رسول الله، ويأتينا برسالة جديده
(1/86)

من عنده ويطمع أن نصدقه؟ اللهم لا سبحانك، هذا بهتان عظيم، إنما ذلكم الشيطان يستعمل أعوانه ويستعمل {سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} وإنها الغباوة تفرض على أصحابها الشقاوة، والبلادة، تحرم أهلها السعادة، وإلا فكيف عدم (صاب الرسالة) كل حيلة لكسب قوته، غير الكذب على رسول الله، الذي يقول- في الحديث الذي أتفق أئمة الحديث على أنه أصح حديث-: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" على أن هذه النغمة ليست جديدة على أسماع الناس، فلربما كانت أكبر من عمر (الشيخ أحمد) فإن هذه الفرية لقدمها قد تكون متوارثة، لأنها جربت فصادفت عند بعض العامة تربة صالحة، وإنما راجت بصفة مدهشة، في هذه الفترة الحاسمة من حياة هذه الأمة، لغرض آخر جديد غير غرض (الشيخ أحمد) وأكبر منه، غرض تعين على فهمه وتفسيره الحالة الحاضرة، لعله يراد به صرف تفكير الأمة عما يسبب القلق لمستغليها وتخدير شعورها، فتخلد إلى الدعة، والسكون، وذلك ما لا يكون. كما أن هذه الآية الكريمة تقطع حجة الذين يرون أن الإسلام أصبح بحاجة أكيدة إلى أن تلحق به أشياء كثيره وتضاف إليه مسائل جديدة اقتضتها حالة العصر وأوضاعه الحديثة، فنقول لهم- على ضوء هذه الآية-: إن الإسلام غني عن كل زيادة، بريء من كل نقص، ولو كان يحتاج إلى زيادة أو بقي على شيء من النقص، لتكفل الله بتلك الزيادة ولسد ذلك النقص خصوصا وهو الدين الذي جعله الله خاتمة الأديان، وجعله صالحا لكل جيل ولكل زمان، فكيف يترك الباب مفتوحا لهؤلاء المتطفلين المتفلسفين.
ولكن الله أغلق الباب في وجه كل متطفل متفلسف، قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، والكلمات: (أكملت)، (أتممت)، (رضيت) في الآية، تنطق كلها بالعناية البالغة بهذا الدين وبهذه الأمة.
إن هذه الآية براعة الاختتام لهذا السفر الخالد، وتاج المجد لهذه الأمة التي أودع الله بذور حياتها فيه، فمهما تتأخر عن ركب الحياة، ومهما تفقد من وسائل الحياة، فإنها لابد ستتقدم الركب وتأخذ بالزمام، لأن القرآن الذي تكفل الله بحفظه، وأناط به حياتها مازال محفوظا في الصدور، منذ قال الله: {إنا نحن نزلنا الذكر}
(1/87)

أوضاع منذ قال الله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.
ولذا روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال: (جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخدنا ذلك اليوم عيدا {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، فقال عمر: "إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة يوم جمعة".
على أن هذه الأمة مازالت تقيم للقرآن ثلاثين عيدا كلما أقبل رمضان، شهر نزول القرآن، ولكن العبرة بالعمل بالقرآن، لا بمجرد إقامة عيد أو احتفال بالقرآن.
(1/88)

10 - على مائدة القرآن
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ}
ما شاء الله! إنها لصورة طبق الأصل لطبقة كبيرة في المجتمع، يخدعك مظهرها اللماع المتبجح عما يخفي وراءه من تفاهة وحقارة وزيف، طبقة تعيش على حساب المجتمع- ما دام لم لبلغ رشده ويعمق تفكيره- بهذا المظهر الخادع الذي يغري السذج والبسطاء، كما يغري الظامئ الضارب في البيداء، وقد اشتد لفح الهجير، بالصراب الذي يحسبه ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وكما يشير إليه ذلك المثل الطريف من أمثال الحيوان الذي يحدثنا عن القرد الذي أبصر طبلا معلقا في شجرة كلما هزت الريح أغصان الشجرة سمع لذلك الطبل دوي مفزع فلم يجرؤ على الدنو منه مخافة أن يكون هذا الصوت المدوي عنوانا لخطر عظيم يشتمل عليه الطبل حتى إذا طال به الأمر وتكرر المنظر وذهب عن القرد ما كان يجده من فزع دنا من الطبل ثم شقه فإذا هو فراغ فقال: لعل أعظم المخلوقات صوتا وأكثرها تبجحا وثرثرة أقلها غناء وجدوى، وإن الصورة القرآنية إذ تقابل بين الجسم واللسان- ترجمان الجنان- لتعطى المقياس الصحيح للمفاضلة بين إنسان وإنسان، فلا يدل على قيمة الإنسان، كاللسان، ومن هنا قال علي رضي الله عنه: "تكلموا تعرفوا، فإن المرء مخبوء وراء لسانه" وقال سقراط لشاب في مجلسه لم يتكلم: (تكلم لأراك)، وما أجمل التعبير عن السماع بالرؤية والله عز وجل لم يمتن على عبده بنعمة بعد نعمة خلقه أعظم من نعمة لسانه: إذ يقول: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}. إنها لصورة رائعة من صور القرآن تهيب بالناس أن يتعلموا ولا يكتفوا بالمظاهر الكاذبة التي لا يطول أمدها إذ سرعان ما يفضحها الواقع، وإنني ما قرأت هذه الآية إلا ذكرت قول الشاعر الماكر:
(1/89)

لا بأس بالقوم من طول ومن عظم … جسم البغال، وأحلام العصافير
فإنه يكاد يكون نظما لها، فنضر الله وجوه الشعراء.
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}
هكذا ينبغي للمؤمن أن يكون- دائما- على احتراس من عدوه الذي يرصد غفلته ويتربص به الدوائر، فإن الشيطان لا ينفذ إلى قلب الإنسان إلا من هذه الثغرة- عندما يغفل عن ذكر ربه- الذي هو الحارس، القوي الأمين، على القلوب، فإذا كان المؤمن دائم الذكر لربه، لم يجد الشيطان ثغرة ينفذ منها إلى قلبه، وأولائك هم عباد الله حقا، الذين يعيشون في حمى منيع من ذكر الله والذين شرفهم الله بإضافتهم إليه في قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}، نعم كيف يكون عبدا للشيطان، من كان عبدا لله واحتمى بحماه، فإذا غافلهم الشيطان، وخادعهم ومسهم منه طائف- وقلما يكون- {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}، تذكروا الله، وصلتهم به وتذكروا وعده ووعيده، وثوابه وعقابه، فأبصروا حقيقة موقفهم وعاقبة أمرهم، فأنكفأوا راجعين إلى ربهم، تائبين من ذنبهم، محتاطين لمستقبلهم غير متورطين مرة أخرى في مثل غفلتهم، فيعاملهم الله بما هو أهل له وما هم جديرون به من غفرانه وفيض إحسانه، فإنه يقول: {إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} بله قوله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابين".
هكذا المعدن النفيس لا يقضى عليه ما يمتد إليه من صدأ أو غبار، بل مجرد شيء من تطهير بصلحه ويرد إليه نفاسته، وإن الله- لواسع رحمته وفضله- لا يرد عن بابه ولا يطرد من رحابه كل من هفا أو زلت به القدم من عباده، إنما يرد المستهترين بدينه المصرين على مخالفته، من ذوي المعادن الزائفة والدخائل السيئة.
إنها لآية موجهة تعطى درسا عظيما في يقظة القلب وسد منافذه جميعا في وجه الشيطان، وفي الوقوف موقف الحزم أمام هو اجس النفس، ونوازع الهوى.
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}
هكذا يملي الله للظالمين، ويمدهم في طغيانهم ويغرهم بما يوفر عليهم من وسائل
(1/90)

المتعة وألوان النعيم، وبما يفتح عليهم من أبواب كل شيء، وهكذا ليفتنهم بكثرة ما يشغلهم به عن التفكير في عقباهم والنظر في مصيرهم والاستعداد لمعادهم، وبينما هم كذلك غارقون في ملذاتهم منهمكون في شهواتهم منصرفون عن ربهم فرحون بما أوتوا من أفانين سعادتهم، إذا هم يؤخذون على غفلة ويبطش بهم على غرة، وإذا هم أثر بعد عين، {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}، فلا يغتر عاقل بما يرى فيه الظالم من نعمة أتيحت له ليكون فيها حتفه ويضاعف بها إثمه، ثم يتركها لمن يخلفه يأكلها ويلعنه: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}.
والعبرة التي تؤخذ من الآية أن توفر أسباب النعيم في هذه الدنيا لا يكون- دائما- دليلا على السعادة الحقة، بل كثيرا ما كان من أسباب النقمة، ومن علامات غضب الله، كما نرى ذلك متوفرا عند الطغاة والجبابرة بصفه تلفت النظر إلى هذا المعنى وتثبته في النفس {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} وبذلك ينظر المؤمن- إلى هذا الظل الزائل وإلى هذه الحبائل التي تنصب لهذا الصيد الأبله الجاهل الذي هو الإنسان- نظرة استخفاف وأزدراء.
(1/91)

11 - على مائدة القرآن
عباد الرحمن
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} إنها لصورة كاملة واضحة لعباد الرحمان، ولما يجب أن يطمح إليه من كمال، كل إنسان، لا تحتاج إلى شرح أو بيان، بل كل شرح أو بيان يحط من قيمتها ويشوه من جمالها، وصدق الله العظيم إذ يقول لنبيه الكريم: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}، وصدق جعفر الصادق إذ يقول: "لقد تجلى الله لعباده في كلامه، ولكن لا يبصرون) إنما نتناول الآية من موضع العبرة فيها لا غير، بأن نقارن ما تضمنته من وصف عباد الرحمن، بما نحن عليه الآن، ليكون ذلك حافزا لنا على السير على منهاجهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا نفس ما قصد إليه القرآن. فعباد الرحمن يصفهم القرآن، بالتواضع والوقار إذ يقول: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}، ونحن قلما نمشي هونا، لأننا نمشي
(1/92)

مسوقين بدوافع من دنيانا ومقودين بجواذب من هوانا، وما أحكم الإسلام، إذ يلحظ سلوكنا حتى في مشيتنا لنعطى للأمم المثل الأعلى في كل شيء.
ويصفهم بأن لهم أحلاما، إذ يقول {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}، وأين منا نحن أولو الأحلام وتصرفاتنا تتحكم فيها القوة الغضبية، فحياتنا كلها شجار وخصام.
ويصفهم يأنهم لا يبيتون نياما، وإنما يبيتون سجدا وقياما، إذ يقول: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} وأين اليوم هؤلاء، إنهم لأعز من الكبريت الأحمر، وإنما الذين يوجدون بكثرة هم الذين يتهاونون بالفرض ويسهون عن المكتوبة فيستحقون الويل الذي وعد الله به أمثالهم إذ قال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}
ويصفهم بأنهم لا يعرف الغرور سبيلا إلى نفوسهم بل هم دائما كما قال الله: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} لذلك فهم دائما يطلبون الكمال ويطمحون إلى المزيد من صالح الأعمال ولا يفتأون مع ذلك- يستغفرون وإلى ربهم يتضرعون ويقولون: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}، أما نحن فما أسرع ما يقف بنا الغرور في منتصف الطريق، يوحي إلينا بأننا قمنا بكل ما علينا.
ويصفهم بالرشد والكياسة وحسن التصرف إذ يقول: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}، أما نحن فما أبعد الرشد وحسن التصرف منا فنحن- إذ ننفق- إما مسرفون أو مقترون، وكلا الأمرين ذميم. ويصفهم بصحة العقيدة والإخلاص في العمل، والوقوف عند حدود الله، إذ يقول: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} ونحن لو صحت عقيدتنا في الله وأخلصنا العمل لله ووقفنا عند حدود الله لما سلط علينا من لا يرحمنا ولا يخاف الله.
ويصفهم بتحري الحق في كل ما يأتون فلا يشهدون الزور، ولا يحضرون اللغو إذ يقول: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، ونحن أطلقنا لألسنتنا العنان تمدح بغير حق وتذم بغير حق، وتلك هي شهادة الزور بعينها، أما
(1/93)

اللغو فقد أصبحت سوقه هي السوق الرائجة النافقة لدينا، وليس اللغو إلا هذا الهراء مما يسمى أدبا وهذا الفحش مما يدعى غناء، وهذا الرقص الداعر والتمثيل السخيف الذي يسمى فنا.
ويصفهم القرآن بأن لهم قلوبا رقيقة تتأثر بكلام الله وتعتبر بآيات الله إذ يقول: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}، ونحن على النقيض من ذلك تماما قد قست قلوبنا {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}.
ويصفهم بالطموح إلى معالي الأمور في الدنيا والدين إذ يقول: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}، ونحن قد رضينا بالدون في الدنيا والدين.
الحق أننا في واد وعباد الرحمن الذين وصفهم القرآن في واد، لأننا في واد، والقرآن في واد، حتى كأننا موكلون بمخالفة القرآن، فإذا أردنا أن نكون من عباد الرحمن، فلنتأدب بآداب القرآن.
والعبرة البليغة في هذه الآية الكريمة، والدرة اليتيمة في هذا العقد الثمين، أن كل ما ذكر من وصف لعباد الرحمن يرجع إلى شيء واحد، هو الصبر فمن ظفر بذخيرة كبيرة من الصبر، فقد ظفر بما يؤهله لأن يكون من عباد الرحمن، ويسلكه في هذه القائمة النابهة من أهل الإيمان، التي خلد القرآن ذكرها على توالي الأزمان، فلا غرو أن يكون التعقيب الأخير على هذا الوصف المغري المثير، هو قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ (بِمَا صَبَرُوا) وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} هكذا (بِمَا صَبَرُوا) مع أن الصبر الذي استحق به عباد الرحمن هذه الكرامة لم يذكر في جملة أوصافهم، ذلك هو موضع العبرة، ومكمن السر، فكل ما ذكر من هذه الفضائل هو الصبر بعينه، ولولاه لما كان شيء منها، وهل نبلغ ما نحب إلا بالصبر على ما نكره؟ وهل تقع فيما نكره إلا بحرصنا على ما نحب؟ ذلك الحرص الذي أغرى آدم وزوجه بالأكل من الشجرة التي نهى الله عنها، فكان البذرة الأولى للمعصية، فلا عجب أن يحرم من الجنة كل عبد للشهوة وأن يوضع على باب الجنة هذه اللافتة العجيبة من كلام رسول الله:
"حفت الجنة بالمكاره".
(1/94)

12 - على مائدة القرآن
{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}
بهذا الفصل- أيها القراء الكرام- تودعون رمضان، وتصدرون عن فائدة القرآن، بعد أن تناولتم منها ما فيه غذاء الأرواح، وشفاء النفوس، وإيقاظ الشعور، وإرهاف الوجدان.
فحذار أن تنسوا ما سمعتم، أو تهملوا ما حصلتم، أو تحولوا عما كنتم، أو تقطعوا من حبال الله ما وصلتم، فتكونوا {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا}، ونبي القرآن يقول: "حسن العهد من الإيمان"، فرمضان الذي رافقتموه ثلاثين مرحلة، وعاشرتموه ثلاثين يوما ليأخذ عليكم من الله ثلاثين عهدا، فلا تخونوا عهده، ولا تخونوا ذمته، ولا تسيئوا إلى ذكراه، فبعد أحد عشر شهرا تلقونه، فبأي وجه تلقونه، فاذكروا هذا بجانب ما قرأتم في مائدة القرآن، {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}، {وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ}.

"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"
هكذا، أقام الله العمران، على تبادل الإحسان، فالإحسان هو الرباط الوثيق بين بني الإنسان ولذا لم يكف الأمر بالعدل في القرآن، بل قرنه الله بالإحسان، إذ قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، وإذا كان للعدل مزية حفظ الحقوق، فإن للإحسان مزية بذلها والسخاء بها، وهذا لا شك أفضل، ولا عجب أن يكون النفل أفضل من الواجب في بعض الأحيان، فالسلام أفضل من رده، وإن كان الأول سنة والثاني فرضا، وهذا بالنسبة للأمة، أما بالنسبة للإمام فلا أفضل من العدل الذي يحفط لكل فرد في الأمة حقه، بل إن الذي مكنته من حقه قد أحسنت إليه
(1/95)

كل الإحسان، والإحسان- مع ذلك- يرتفع إلى مرتبة الواجب، متى أصبح جزاء، ومن هنا كان رد السلام- إذن- واجبا، لأنه جزاء الإحسان بالسلام، كما قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}؟، {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، وهو معنى المثل السائر: (الإحسان قروض)، وإذن، فالمحسن إلى غيره محسن إلى نفسه، كما قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ}، وهذا مما يجعل العاقل يحرص على بذل الإحسان، فكل محسن سيجني ثمره ما زرع من الإحسان، وهو معنى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
إن الإحسان في الأمة قوة تسند كيانها، وتوثق بنيانها، وتوطد أركانها، إذ تربط بين قلوب أفرادها، وتؤلف بينها، بما تبث فيها من محبة وتزرع من مودة، ولا عجب فقد (جبلت النفوس على حب من أحسن إليها)، ولا عجب- لذلك- أن يكون الله مع المحسنين كما قال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، فمن تدرع بهذه القوة وكان الله معه فلا سبيل لأحد عليه ولا تمتد يد ظالم إليه، وهو وعد الله الذي لا يتخلف إذ قال تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}، ومن هنا قال ابن عباس رضي الله عنه: (صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد متكأ).
هذا باذل الإحسان، أما باذل الإساءة وباذر الشر- وهو الظالم- فلابد أن يقع، وإذا وقع فلا يجد متكأ، كيف يجد الظالم متكأ وهو لم يمهد لهذا المتكأ، وإنما بذر بظلمه وإساءته بذور الشوك في طريقه، والحسك في فراشه، وهو قد حاد الله باعتدائه على خلقه، وارتكابه ما حزم على نفسه قبل خلقه، إذ قال في الحديث القدسي: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا!) وإذا لم يجعل الله على المحسنين إلى خلقه سبيلا لظالم من خلقه، فإن الظالم بعكس ذلك قد عرضه للمهالك، وجعله بادي المقاتل لكل رام، إذ قال:- بعد الآية المتقدمه-: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} وذلك هو دفاع الله الناس بعضهم ببعض، الذي حفط به ملكه من فساد عباده، إذ قال: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}، وذلك هو تسليط ظالم على ظالم ليبيد الظلم بعضه بعضا كما قال الشاعر:
"وما ظالم إلا سبيلي بظالم"
(1/96)

إن الظالم- إذن- لا يجني إلا على نفسه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} فهو في الدنيا يبيت على وجل، لا يستقر به مضجع، ولا ينام له جفن، ولا يهدأ له قلب، وكيف وقد أطار الهدوء من كل قلب وأثار البغضاء في كل نفس، وفي الآخرة لا يجد أمامه إلا ظلاما يعلوه ظلام، كما قال- عليه الصلام والسلام-: "الظلام ظلمات يوم القيامة" فتستبد به الندامة التي يعبر عنها القرآن بذلك الأسلوب المفزع إذ يقول: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}، وإذ يقول: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.
ولكن هنالك تنقطع الحجج وترفض المعاذير ويرد الشفعاء، قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ}، و {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}، لأنها دار الجزاء، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، والويل لمن تزود إثما {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}.
(1/97)

13 - على مائدة القرآن
وداعا يا رمضان
{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا}
ها هو رمضان الكريم قد توارى من الأفق هلاله الحبيب بعد أن لقننا أعظم الدروس، وترك آثاره الطيية في النفوس، كما يترك الغيث أثره في المكان الجديب فيحيى الأرض بعد موتها فإذا هي جنه وارفة الظلال، دانية القطوف يانعة الثمار: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}.
إن أعظم درس لقنه رمضان للنفوس المؤمنة أن راضها على خلق الصبر العظيم، فأصبحت أربط جأشا في الملمات، وأصلب عودا على مكاره الحياة، ويرشدنا إلى ذلك قائدنا العظيم بأسلوبه الحكيم إذ يقول: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر" نعم: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر، فليس أمد الامتحان إلا فترات عابرة من الزمان ثم تنقضي ويبقى الأثر الصالح أو السيء في نفس الإنسان، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" فمن لم يصبر لطارق الحدثان- وليس الصبر إلا أمدا يسيرا- كانت مصيبته مضاعفة بشدة وقعها وسوء أثرها، ومن اعتصم بالصبر عند نزول المكروه هانت عليه المصيبة، لأنه كان أصلب عودا أو أقوى تحملا، وجنى بعد ذلك ثمرة الصبر الحلوة، والصبر غالبا لا يكون من حظ ضيق الأفق ولا ضعيف الإيمان لأنهما ليس لهما من هاتين الدعامتين القويتين ما يحملهما على الثبات لآثار الصدمات ليجنيا بعدها ثمرات الصبر على الملمات، فكم من نفوس عصفت بها الحوادث والأزمات كما تعصف الريح العاتية بضعيف النبات.
فالصبر إذن يقوم على دعامة قوية من الإيمان، فمن عدم الإيمان عدم الصبر، ولذا يفزع ضعاف الإيمان كلما أقبل رمضان- بل إننا نسمع عن كثير من
(1/98)

المسلمين- أنهم ينصبون موائد الطعام في ساعة الزوال من رمضان، ومنهم من يستحي من الناس ولا يستحي من الله فيفر إلى أوروبا كلما أوشك هلال رمضان على الطلوع ليهدر كرامة دينه هناك ويجلس على موائد الخنزير والخمر في نهار رمضان فينتهك حرمات الله ويملأ جوفه مما حرم الله ويقطع صلته بإخوانه في الله، ولكن هذا الصنف في الأمة لا يكون إلا ممن تلقى تعليمه وثقافته في معاهد أروبا التي ليست إلا أجهزة للتبشير ظاهرها التثقيف وباطنها التنصير، وقد ظهر أثر هذه المعاهد في نفوس أبنائنا الذين تلقيا تعليمهم فيها بصفة مفزعة محزنه، وإني إن نسيت كل شيء فهيهات أن أنسى تلك الكلمة الخبيثة الرعناء التي فاه بها ذلك الفم القذر بأم الخبائث إذ قال له أحد أقاربه: إن الصيف قد أقبل بحره الشديد ولا نأمن على أولادنا غائلة البحر، وإن خير ما ينقذنا منها أن ندخل أولادنا المدارس العربية التي لا تعطل تعليمها في الصيف فقال له: إنني أفظل أن يغرق أولادي في البحر على أن يقرأوا العربيه، إن المسلم العربي ما كان ليفوه بهذه الكلمة النكراء لو لم تتلق نفسه بذورها الخبيثة السامة في المعاهد الإفرنجية، فيالله لهذه اللغة التي يحاربها أعداؤها وأبناؤها على السواء!
وإذن فمن رزق الصبر فقد أعطي العصا السحرية التي تصنع المعجزات، وهل صنع المسلمون ما صنعوا من معجزات في فجر تاريخهم إلا بهذه العصا السحرية التي هي الصبر؟ وهل يغلب عشرون مائتين إلا بالصبر؟ كما قال تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} وكما قال: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} وهل وصلت إلينا هذه الذخيرة الغالية من تعاليم الإسلام السامية إلا على جسر عظيم من الصبر؟ فصبر أولئك الجدود الأبطال على ما أصابهم في سبيل الإحتفاظ بالإسلام من أعداء الإسلام هو الذي أوصل إلينا الإسلام.
وهل سائر الفضائل إلا نابعة من الصبر، فالشجاعة صبر على المكروه، وبذل المال صبر على فقده، والحلم صبر على جهل الجاهل وهكذا.
وفي السلوك الديني يبرز أثر الصبر أكثر حتى قيل: الصبر ثلاثة، صبر على طاعة الله بمعنى الثبات عليها، وصبر عن معصية الله بمعنى كبح النفس عنها، وصبر على قضاء الله بمعنى حبسها عن الجزع، فلا عجب إذن أن يقول الله تعالى:
(1/99)

{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} فيجعل الجزاء بدار النعيم على الصبر وحده لأنه الفضيلة الجامعة لسائر الفضائل والمنبع القوي لجميع الكمالات.
(1/100)

هذا القرآن
هذه ألوان من مائدة القرآن رأينا حاجة الناس إليها في رمضان أشد حاجتهم إلى ما يملؤون به موائدهم من ألوان نرجو أن تكون غذاء نافعا لأرواحهم وعقولهم، ودواء شافيا لنفوسهم وقلوبهم {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} وبعد فإذا كنا حقا نقاسي أزمة أخلاقية عامة تتطلب منا ثورة أخلاقية عامة، ترد إلينا رصيدنا العظيم من الخلق العظيم، وإذا كان نبينا هو المثل الأعلى للخلق العظيم، وإذا كان كتابنا هو المصنع العظيم للخلق العظيم، والمورد العذب لخلق الرسول العظيم، وهو لم يزل بين أيدينا مكتوبا، وفي صدورنا محفوظا، فلم لا نعود إليه نصحح أخطاءنا عليه؟ ولم نهجر القرآن ومفتاح سعادتنا لديه؟ لنخش- على الأقل- فضيحتنا يوم يقوم الأشهاد فيشهد علينا من لا ترد شهادته، يشهده الله الذي يقول له: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} يشهد علينا نبينا بأننا هجرنا القرآن: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}.
إن دواءنا في أيدينا فلسنا مرضى، وإن كنزنا في أيدينا فلسنا فقراء، وإن سعادتنا في أيدينا فلسنا أشقياء، شيء واحد ينقصنا ويجب أن يكون، هو المبادرة بالعلاج والمسارعة إلى الخير والعمل بالقرآن "كلكم يدخل الجنة إلا من أبى" كما يقول عليه الصلاة والسلام من حديث.
(1/101)

من معاني العيد
ألقيت نظرة على المجتمع الإسلامي في هذا البلد يوم العيد فأحسست بشيء من الغبطة والإبتهاج يغمر نفسي ويهز كياني لأني لمحت على الوجوه وميضا من هذه الغبطة وشعاعا من هذا الابتهاج، وكنت قبل ذلك أرى الكآبة مرتسمة على الوجوه وأتبين العبوس مخيما على الجباة، فعلمت أن معنى من معاني الأخوة الإسلامية التي أقفرت منها البيئة الإسلامية، قد تسرب إلى النفوس، فأحدث فيها هذا التغير المحسوس ثم نقلت قدمي هنا وهناك مطوفا في شوارع العاصمة المزدحمة بالناس، المكتظة بمختلف الأنماط والأجناس، محولا طرفي من وجه إلى وجه، أتفحص وجوه المسلمين من بين الوجوه كلها واستفسر سحناتها من بين السحنات أجمعها، عما تكنه النفوس وتنطوي عليه الضلوع، و (الوجوه مرايا النفوس تضيء بضيائها، وتظلم بظلامها) كما يقول أحد الكتاب المعاصرين، فلم أر إلا البشر تطفح به النفوس وتنضح به الوجوه، ثم تتبعت الأنحاء التي تكثر فيها عادة أشباح البؤس وأنضاء الحرمان والفقر، فلم أجد أي أثر مما كانت تموج به أمثال هذه الأنحاء من مناظر تشمئز منها النفس، وينقبض لها الصدر، وتقذى بها العين، فازددت غبطة وسرورا، ولكني قلت في نفسي: ما الذي يمنع المسلمين- يا ترى- أن يكونوا دائما هكذا كالأسرة الواحدة التي يشترك سائر أعضائها، في نعماء الحياة وبأسائها؟ ومن أولى من المسلمين بأن يكونوا كذلك ونبيهم صلى عليه وسلم يقول: "مثل المؤمنين في تواددهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؟
(1/102)

ومن أولى من المسلمين بأن يكونوا متكافلين متضامنين متعاونين ونبيهم الحريص على سعادتهم يقول: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا؟ وحالتهم اليوم أدعى إلى أن يكونوا كذلك، إنهم أضعف شوكة وأهون شأنا من سائر الأمم، إنهم غنيمة باردة في يد المحتل ولقمة سائغة في فم المستعمر، ومن أولى من الضعفاء بالإتحاد والتضامن؟
يا أمة التوحيد: إنه لا ينقذك إلا التوحيد توحيد الصفوف، وتوحيد الجهود،
وتوحيد الكلمة، وتوحيد الهدف، فإن لم يوحدك دينك فإن لك من وضعك الشاذ، وحالتك السيئة، وحياتك البائسة، ما يوحدك ويجمع كلمتك، ويدفع بك إلى أن تقفي صفا واحدا في وجه من يريد ابتلاعك ومحو إسمك من سجل الأحياء وليكن لك من الدرس الذي ألقاه عليك دينك في رمضان وفي يوم العيد، ما ينير سبيلك ويسدد خطاك، حيث وحدك يسوي بين غنيك وفقيرك في الحرمان، بصيام رمضان، ووحدك وسوى بين مرزوقك ومحرومك في الابتهاج والبشر، بما أوجبه في العيد من زكاة الفطر ...
(1/103)

هدايا العيد
يتهادى الناس في أعيادهم أنواعا من الهدايا تختلف باختلاف أصحابها، وقد فكرت في شيء أتحف به القراء- في هذا العيد- فلم أجد أسمى ولا أغلى من هذه الصفحة الرائعة من سير أجدادهم ومنتخب أقوالهم، فعسى أن يقتفوا خطواتهم، ويسيروا على آثارهم:
لما غضب الصالح إسماعيل على العز بن عبد السلام وطرده من الشام، وصار الشيخ في الطريق، بعث إليه بعض صنائعه يسترضيه ويقول له: بينك وبين أن ترد إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير، وهنا تعلن نفس الشيخ عن كرم معدنه، وتجرى على لسانه هذه الكلمات القوية المتحدية ويقول له: والله يا مسكين ما أرضاه يقبل يدي فضلا عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد، ونحن في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به.
لما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مما توج به أعماله، أن رد المظالم التي أقدم عليها من سبقه من الخلفاء الأمويين، وقال: إنه لا ينبغي أن لا أبدأ بأول من نفسي، فنظر إلى ما في يده من أرض أو متاع، فخرج منه، ثم نظر إلى فص خاتم وقال: هذا مما كان الوليد أعطانيه مما جاء من أرض المغرب، فخرج منه، ولما جاءته عمته ترجوه أن يرد إلى بني أمية ما وصل إليهم من طريق من سبقه أبى، فقالت له: إني رأيتهم يتكلمون، وإني، أخاف أن يهيجوا عليك يوما عصبيا- كأنما تهدده بثورتهم- فقال- واثقا-: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره، ثم سطوا- بعد ذلك- ابنه عبد الملك قائلين له: إن من كان
(1/104)

قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا مواضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يده، فأخبر عبد الملك أباه بذلك فقال: قل لهم: إن أبي يقول لكم: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير مع بعض أصحابه، فلقيته امرأة من قريش، وكان واضعا يده على كتف صاحبه، فقالت له: يا عمر، فوقف لها، قالت: كنا نعرفك مدة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتق الله يا بن الخطاب، وانظر في أمور الناس، فإن من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشى الفوت، فقال لها صاحبه: يا أمة الله، أبكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر: أسكت، أتدري من هذه؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه، أي صاحبة القصة التي نزل فيها قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} (الآيات)، فعمر أحرى بأن يسمع قولها ويقتدي به.
قدم عمر بن الخطاب الشام فلقيه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء قد خلع خفيه وجعلهما تحت إبطه، فقالوا له: يا أمير المؤمنين الآن تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على هذه الحال، قال عمر العظيم- إذ ذاك-: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلا نلتمس العز من غيره.
هكذا، فلا نلتمس العز من غيره، ليت المسلمين- مسلمي اليوم- فهموا جيدا هذه الكلمة، فهم لو فهموها ثم تأثروا بها لما توددوا للأجنبي بمحاكاته في مظاهره وعاداته ولما استحوا بما يلبس عمر، واعتزوا بما يلبسوا من كان عمر يتقرب إلى الله بمعاداته.
وما أبرع أحد الشعراء المعاصرين في استخدامه معنى ترجل عمر عند دخوله الشام، وسبكه في بيت رائع من قصيدة يناجي بها دمشق إذ يقول:
عمر الذى وطئت سنابك خيله … إيوان كسرى قد ترجل فيك
(1/105)

قال عمر بن ذر لأبيه: يا أبت، ما لك إذا تكلمت أبكيت الناس وتكلم غيرك لم يبكهم؟ فقال: يا بني ليست النائحة الثكلي مثل النائحة المستأجرة.
تكلم الحسن يوما حتى أبكى الناس فقال: عجيج كعجيج النساء ولا عزم، وخدعة كخدعة إخوة يوسف إذ جاءوا أباهم عشاء يبكون.
قال جعفر الصادق رضي الله عنه: عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله سبحانه: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} فإني سمعت الله يقول بعقبها: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}؟ وعجبت لمن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فإني سمعت الله سبحانه يقول بعقبها: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}؟ وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}. فإني سمعت الله عز وجل يقول بعقبها: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا}؟ وعجبت لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}، فإني سمعت الله عز وجل يقول بعقبها: {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ}؟
(1/106)

حال المسلمين اليوم
دخل أحد الزهاد على الرشيد فقال له: ما أزهدك! قال: أنت أزهد مني
يا أمير المؤمنين، قال: كيف؟ قال: لأني أزهد في الدنيا وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية والآخرة باقية.
ماذا يقول هذا الزاهد لو قدر له أن يعيش في هذا الزمن ويرى المسلمين؟
لاشك أنه يحكم عليهم جميعا بأنهم أزهد منه ومن صاحبه، لأنه يزهد في الدنيا وصاحبه يزهد في الآخرة، ونحن نزهد في الدنيا والآخرة معا لأن أسباب السعادة في الدنيا هي أسباب السعادة في الآخرة {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}. ونحن لم نأخذ بهذه الأسباب وإنما تركنا الأخذ بالأسباب وجنحنا للراحة وأخلدنا إلى الأرض واتبعنا الهوى وقطعنا صلتنا بالله- مصدر القوة- فأصبحنا صورة بارزة للضعف، ولقمة سائغة للمستعمر. فنحن اليوم نعيش في مجتمع قد أصابه الضعف في جميع أجزائه كالمريض المجهد الذي يغالب أمراضا مختلفة تكاد تقضي عليه، وأكبر البلاء أن المرض يحتل أكبر مراكز القوه فيه وهو الشباب الذي توزعته المخامر والمقامر، وتقسمته المقاهي والملاهي، فهو صورة من الشهوة العارمة الصارمة الطاغية الباغية التي لا تبالي بأي شيء يقف في طريقها من حياء أو دين أو مروءة أو ضمير، فشبابنا يضعف عقله بالخمر ويضعف ماله بالقمار ويضعف صحته بالبغاء والتدخين ويضعف صلته بالله بقطع صلته بالدين، ويضعف صلته بتاريخه بقطع صلته بلغته، ويضعف صلته بأسرته بتقوية صفته بالمقهى والملهى ويضعف صلته بأمته بفرط أنانيته وعبادة شهوته، كل ذلك راجع إلى شيء واحد هو تنكبه الطريق الذي رسمه دينه وسار عليه سلفه فاهتدوا وهدوا وشادوا وبنوا، ولكن
(1/107)

المجتمع الإسلامي رغم ذلك كله يرجى له الشفاء لأن جراثيم الصحة تكمن في جسمه كما تكمن فيه جراثيم الداء، فداؤه منه ودواؤه فيه، ولأن ثورة نفسية عنيفة بدأت تهز كيانه وتحاول أن تنفس عن نفسها بالآنفجار، ولطول ما قاسى من ألوان الظلم والاضطهاد والإرهاق، صار لا يبالي بالموت في سبيل الخلاص، الخلاص بالموت أو الخلاص بالتحرر من العبودية التي هي أشد على المسلم من الموت:
والموت لا يكون إلا مره … والموت خير من حياة مره
والحياة الشقية خير منها ملاقاة المنية، ونعم المربي الشدائد، وكما يربي
الله عباده ببعثة أنبيائه يربيهم بمضاعفة بلائه، فالعالم الإسلامي قد أيقظه من سباته وقع أزماته، ونبهه إلى واجباته، وليس بعد هذه اليقطة إلا الحياة السعيدة، حياة الحرية في ظل راية الإسلام والعربية، ولكن الرجاء في الشفاء لا يغني عن الدواء، وليس لنا إلا دواء واحد وهو لا يوجد عند طبيب نصراني ولا صيدلي يهودي وإنما يوجد في كتاب الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وإن في قوله صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" لشفاء للعالم الإسلامي كله من دائه كله، لأن الذي مزق العالم الإسلامي وفكك أجزاءه هو الأنانية، الفناء في المصلحة الشخصية.
ولكن إذا كان في ديننا دواؤنا فإن أكبر دائنا أننا نعرض عن دوائنا إذ نعرض
عن ديننا فلنعتصم بحبل الله فلا ينقذنا من هذا الغرق إلا الاعتصام بحبل الله، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
(1/108)

حول سفر الحجاج
كنت قريبا من شابين مثقفين يتحدثان بإزاء إحدى السيارات التي تنقل وفود الحجاج إلى البقاع المقدسة- عندما جئت لتوديع صديق من بينهم- وكان حديث الشابين يتناول موضوع هؤلاء الحجاج وتهافت أكثرهم على فريضة الحج دون غيرها مما قد يكون أوكد منها وأحق بالأداء فقلت: هذا موضوع طريف لا أبخل به على القراء الكرام.
قال أحد الشابين: ألا ترى- ياصاحبي- إلى هذه القطعان البلهاء من أبناء
وطنك كيف يتدافعون تدافع أمواج اليم حول هذه السيارة التي وقفت تنتظرهم لتحملهم كما تحمل البضاعة الرخيصه إلى أراضي الحجاز النائية؟ فأجابه الشاب الثانى مؤنبا: دع عنك هذا الكلام وطهر لسانك من الوقوع في أعراض ضيوف الله ووفود البيت الحرام، وماذا عليهم في القيام بشعيرة من شعائر الإسلام؟
- الأول: لا يا سيدى إن أكثر هؤلاء لا يفقهون معنى لشعائر الإسلام، وهب
أنهم على أتم علم بها أليس في شعائر الإسلام ما هو أحق بالتقديم وأولى بالعناية ولاسيما في بلد كهذا لم يزل في بداية الطريق ولم يزل يعيش بمعزل عما تتمتع به سائر الأمم من حياة العزة والكرامة، وهذه الأموال الطائلة التي يبعثرها هؤلاء السذج البسطاء لو جمعت في كل عام لأنقذت هذه المشاريع الضرورية من الموت الزؤام؛ وإنك لو سألت واحدا من هؤلاء المغفلين مائة فرانك لبناء مدرسة حرة يتعلم فيها أبناؤه لما أجابك إلا بالرفض المشفوع بالآنتهار أو بالشكوى من الافتقار.
- الثاني: ولكن لا تنس أن أهل تلك البقاع قد جعل الله أقواتهم من أموال
هؤلاء البسطاء الأغرار، لأن جيران البيت الحرام يقيمون بواد غير ذي زرع وإن في
(1/109)

تدفق المسلمين عليهم من كافه بقاع العالم الإسلامى لاستجابة لدعوة جدهم إبراهيم عليه السلام إذ قال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}
- الأول: كيف بك لو علمت أن كثيرا من هؤلاء لم يكن حجه واجبا لأنه قد حج الواجب والسنة والمستحب، ولم يبق له إلا المكرره أو الحرام، نعم الحرام. لأن السنة إذا عاقت عن أداء الواجب كانت حراما، وهؤلاء الذين يحجون للسنة بعد أداء الحج الواجب ألا نحتاج أموالهم لأمور أخرى واجبة وجوبا تتوقف عليه حياة الأمة وتتكون منه الخطوط الأولية لسعادة البلاد، كالتعليم بكافة فروعه ومراحله وكيف وهؤلاء- إلا القليل منهم - لا ينتفعون بحجهم لأنهم لا يعرفون من الحج إلا مظاهره وشكلياته التي لا توقظ شعورهم ولا تهذب سلوكهم ولا تغير من نفوسهم شيئا- بل على العكس- رأينا الكثير ممن عاد من حجه أحرص ما كان على الدنيا وأزهد ما كان في نفع أمته.
أما أن يذكروا بالحج ما كان لهم من مجد في هذه الدنيا نبتت أصوله في
تلك التربة الكريمة، وأشرقت شمسه من ذلك الأفق الحبيب، كيف سعدت تلك البقاع الطاهرة بمولد الإسلام في رحابها كيف كانت موطئا لأقدام نبي الإسلام وأصحابه الأعلام الذين حملوا مشعل الهداية إلى سائر الأنام، وركزوا في كل موضع من العالم راية الإسلام، وأن هذا كله لم يبق منه للمسلمين إلا لهفة الذكرى في كل عام، وإنه يجب التفكير في عودته، وأن المسلمين- لذلك- يجب أن يتصل بعضهم ببعض من مختلف الجهات والبقاع ويتفاوضوا فيما بينهم ويتدارسوا مشكلاتهم، ويعودوا إلى بلدانهم لتحقيق ما أجمعوا عليه، فهذه كلها أمور لا تخطر لهم على بال.
وطال الجدال بين الشابين بحيث لم يسعني وقتي لسماع بقية الحديث.
والعبرة التي نستخلصها من موقف الشابين هي أن المسلمين أصبحوا يشعرون بحالهم ويهتمون بمشاكلهم، وأن هؤلاء الحجاج يجب عليهم أن يعرفوا الواجبات الأخرى ولا يقتصروا على الحج وحده، ومن أدى الحج الوجب فالأولى له أن لا يحج
(1/110)

مرة أخرى، وإنما يجب أن يقوم بالمساهمة في الواجبات الأخرى التي تنتظره في بلاده، ومن ذهب منهم إلى الحج فيجب أن يذهب بقلبه ليعود بروح جديدة وفكرة جديدة واستعداد للخير جديد.
أيقظ الله شعور المسلمين.
(1/111)

العيد
قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: يوم لا نعصي الله، ولا يبعد أن يكون هذا عيدا حقيقيا، فإن معصية الله تعطل حكمته، التي بنى عليها نظام الكون، وتسبب غضبه، الذي يفضي إلى شقاء البشرية. وإذا كان من معاني العيد الشعور بالفرح والسرور، فأي شيء أدعى للفرح وأبعث على السرور، كأن تنتصر على طغيان هواك، وتتغلب على جموح طبعك، وتحرز على رضا ربك، ومدبر أمرك؟ ومما يرمز إليه العيد- ولاسيما عيد الأضحى- من معان إنسانية، التضحيه، والتضحية في معناها الكامل الشامل هي الإيثار: إيثار أخيك على نفسك، وعقلك على هواك، ودينك على دنياك، أو بعبارة أخرى، إيثار مما فيه حسن العاقبة على ما فيه اللذة العاجلة، فتؤثر السماحة على البخل، والثبات على الفرار، والعفو على الإنتقام، والصبر على الجزع، والطاعة على المعصية، وبذلك تستكمل تهذيب نفسك، وسمو روحك، ووثاقة خلقك، ومتانة دينك.
وما أجل معنى الإيثار في العيد، وما أقل من يشعر بمعنى الإيثار في العيد،
لأن الذي وقر في نفوس الناس، وظاهرته سلطة العرف والعادة، أن العيد، ميدان لانتهاب الملذات، وإطلاق العنان للشهوات. ولكن المؤمن يجب أن يكون مرهف الشعور، شديد الآنتباه، فهو إذ يتصور محيا العيد الباسم، ومظهر أهل اليسار، وذوي الكفاف، يكسو وجوههم البشر، ويطفو على ملامحهم السرور، ويرنح أعطافهم الشعور بالسعادة، وثبت به ذاكرته، وانطلق به خياله، إلى أكواخ الفقراء، وجحور البؤساء التعساء، قد احتجبوا فيها عن الناس، حتى لا يزيدهم مظهر سعادتهم شقاء، ورؤية نعيمهم بلاء، وحتى لا يثيروا في النفوس، شماتة العدو،
(1/112)

ورثاء الصديق، ورثاء الصديق، كشماتة العدو، كلاهما يثير كامن الألم ويهيج ساكن الهم والحزن، وإذا بالعيد ينقلب في عينه حسرة وألما، ثم عطفا ومرحمة، ثم إيثارا ومكرمة. على أن هذا لا يعني أن الإسلام يحول دون التمتع طيبات الحياة، أو أن العيد يجب أن يكون مأتما، وإنما يجب أن تكون لنا نظرة فاحصة عميقة، لا تقف عند الظواهر، ولا تكتفي بصور مشهودة، عن صور محجوبة بل إن هذه الصور المشهودة، يجب أن تنبهنا، وتلفت أنظارنا إلى الصور المحجوبة، وإن هذه الوجوه الباسمة، يجب أن تذكرنا بوجوه أخرى عابسة، خصوصا وأن العيد مظهر عام لعظمة الأمة، فالشخوص المحتجبة يجب أن تظهر، ليكثر عدد الأمة في عين العدو فيبتئس، وفي عين الصديق فيغتبط، والوجوه العابسة يجب أن تبسم ليتحد مظهر الأمة، ويتحقق تضامنها، فيعلم الناس أننا أمة متحدة متضامنة، ذات كيان وشخصية، واستعداد لأن تعيد تمثيل الدور، الذي مثلته في عهدها الزاهر، فانتظم به سير العالم، وصلح عليه أمر الدين والدنيا، وشمل الناس منه عهد رخاء وصفاء وراحة البال، وفي ذلك ما يبعث على تقديرها واحترامها وأن يحسب لها حسابها ولاسيما في هذا العصر، الذي تسيره القوة، لا الحكمة، ويحكمه الأقوى، لا الأصلح، وتوجهه الشهوة، لا العقل.
فيا أيها المترفون، اذكروا الذين لا يجدون ما ينفقون، ويا أيها المعيدون اذكروا الذين عيدوا في السجون، ويا أيها الآباء الذين مازالوا يتمتعون باجتماع الشمل، ورؤية الأولاد والأهل، أذكروا اليتامى الذين أغتال الموت آباءهم، والأيامى اللائي حصد الرصاص أزواجهن، ويا أيها المسلمون جميعا، لا تخدعكم المظاهر والأزياء، وأمعنوا النظر في بواطن الأشياء، ولا تحسبوا أن أمتكم هي كل ما ترون، فإن من وراء ما ترون، من هذا العدد الضئيل، عددا ليس بالقليل، ممن عدم الكساء والقوت، ولفظته البيوت، ولم يبق إلا أن يموت، وأعلموا أن العيد، يجب أن يعم الأمة كلها وإلا فليس بعيد، وأي عيد لمن ينعم بالعيش الرغيد، ومن حوله إخوان له في جهد جهيد؟ وكيف ينعم بالعيد، من يرى أطفال جاره، الذي أبعد عنهم، دون أن يعلموا له رجوعا يقضون ليلهم يتضورون جوعا، ولا يذوقون هجوعا، وأذكروا كيف كان عيدكم الدنيا بأجمعها، إذ كان علمكم يرفرف على بقاعها بأجمعها، وما بلغتم ذلك، إلا بتضامنكم وتعاونكم، وعملكم بقول نبيكم: "المؤمن للمؤمن
(1/113)

كالبنيان يشد بعضه بعضا" وبقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" واليوم!
"أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد … تجده كالطير مقصوصا جناحاه"
"ويح العروبة كان الكون مسرحها … فأصبحت تتوارى في زواياه"
ولكن تبدو على ملامح هذا العيد، مخايل عهد جديد، وتلوح في الأفق القربب- لا البعيد- طلائع مستقبل سعيد.
حقق الله الأمل، وأدني الرجاء، وأبدل المسلمين من ضيقهم فرجا.
(1/114)

عودة الحجاج
عاد الحجاج، ولكن بأي شيء عادوا كما يقول زميلنا الشيخ عبد اللطيف
سلطاني في إحدى مقالاته؟ وهي كلمة لها أهميتها، وأرى أن يجعلها كل حاج نصب عينيه، لأن الأعمال بالخواتم كما قال عليه الصلاة والسلام، بل إنه ليقول: (لا تنظروا إلى عمل عامل حتى تنظروا بم يختم الله له).
إن زيارة بيت الله الحرام وروضة رسول الله عليه الصلاة والسلام- هي بمثابة
تجديد العهد لله ولرسوله بالرجوع إلى تعاليم الإسلام، أو هي بمنزلة التوبة تعلن في البقعة التي ثبت فيها الإسلام، وأشرقت عليها شمس الإسلام، فالرجوع بعد ذلك إلى الركض في ميادين المعاصي والمخالفات إنما هو كالنقض للعهد، والنكث للبيعة وهو أقبح ما يأتيه عاقل يعرف ما يأتى وما يدع، ويدرك ماله وما عليه، لأن هذا النكوص منه كالهدم بعد البناء والنكث بعد الغزل، والله تعالى يقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا}.
وإن قول المؤمن لربه أمام بيته وقد تجرد من متاع الدنيا إلا مما لابد منه:
لبيك اللهم لبيك، هو- أيضا- كالبيعة في العنق، فكيف يقول بعد ذلك للشيطان: لبيك كلما دعاه إلى باطل أو أغراه بمنكر، غير ملتفت إلى ما أعطى من عهد وعقد مع الله من عقد، فيبطل بدايته بإفساد نهايته، والله تعالى يقول: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}؟
إن هذه الكلمة (بما عاد الحجاج)؟ كلمة في الصميم يجب أن يتخذها
المسلم الصميم شعارا لنفسه، ومقياسا لبني جنسه من هؤلاء الذين يعودون من حجهم.
بل إن كثيرا من حجاجنا يجب أن نقول فيهم بما ذهبوا؟ لأنهم- دون
خدش في كرامتهم- لا يعرفون ما هو الحج وما هي حكمته والغاية منه، وإن لما اتسم
(1/115)

به هذا العصر من تقريب المسافات، وتيسير الأسفار، وتهيئه الوسائل، ووفرة الأموال، لدخلا كبيرا في شدة إقبال الناس على الحج وليس ذلك- في اعتقادي- لتدين طرأ على الناس أو تقوى- ففي هؤلاء المتدفقين على الأراضي المقدسة كثير ممن لا يقيم الصلاه المكتوبة، بل إن فيهم من يذهب لتحقيق غرض سخيف، وهو أن يوسم بلقب حاج، وليس هذا مجرد ظن فإن الظن لا يغني من الحق شيئا، بل إنني لقيت أحد الحجاج ممن أعرفهم لا دين لهم فسألته: عما ذهب به إلى الحج؟ وإذا به يفاجئني بقوله: لا غرض لي من الحج إلا أن أتسم بلقب حاج، فياخيبة المسلمين ويا ضيعة الجهود، إذا كانت كلمة (حاج) هي الغاية من جوب القفار وخوض البحار والتعرض للأخطار ومفارقة الديار، وهناك طائف من الوهم يستحوذ على كثير من الناس فيدفع بهم إلى الحج بعد أن يبيعوا كل ما يملكون، وهو أن من حج خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فترى الرجل يطلق لشهواته العنان ويتحالف مع الشيطان فيجري معه في كل ميدان، معتقدا أن ذلك كله يتطهر منه بحجة في آخر عمره، وهذا وإن وردت فيه آثار فليس هو كما يفهم الناس، وإلا كان دين الله لهوا ولعبا، وإباحية مطلقة، وهذا يذكرني بذلك الماجن الخليع الذي قيل له: كيف أنت في دينك؟ فقال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار.
إن الحج أعظم فرصة يتيحها الإسلام للمسلم لو عرف كيف يستفيد منها
كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} من قوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} الآية.
ومن أعظم هذه المنافع وأقواها أثرا في توجيه المسلم تنبه الذاكرة فيه، فيلتفت إلى ماضيه ويذكر ما كان عليه ويقارنه بما صار إليه، كيف صار اليوم عبدا وقد كان بالأمس حرا، كيف أصبح ملكا وقد كان مالكا، كيف أمسى مثال الضعف وقد كان مثال القوة، وفي ذلك ما يحمله على طلب الأسباب والبحث عن الوسائل ومنها اجتماعه بإخوانه في دينه الذين ياتون من بلدان بعيدة والذين لا يتيسر له لقاؤهم في غير هذه المناسبة العظيمة فيتفاوضون فيما يهمهم ويتبادلون وجوه الرأي ووجهات النظر فيما يعيد للمسلم عزته وللإسلام دولته وللعالم استقراره.
(1/116)

ومنها تقوية رصيد الإيمان وتغذية الحس والوجدان وتلقيح الأفكار والأذهان
بتلاقى تلك الطوائف المختلفه وتحاكك تلك المواهب المتفاوتة، وتفاعل تلك البيآت المتنوعة.
فيا حجاجنا الكرام، ووفود بيت الله الحرام: إنكم قد رجعتم من تلك البقاع الطاهرة ومواقع الأقدام الطاهرة من رسول الإسلام وصحبه الكرام الذين حملوا النور إلى دنيا الظلام، واكتحلت جفونكم بغبار تلك التربة الكريمة التي نبت فيها الإسلام، فهل نبه ذلك من شعوركم وأيقظ من إحساسكم؟
وإنكم قد رافقتم في سفركم وعاشرتم في طريقكم إخوانا لكم مختلفي
الأذواق والمشارب، فهل انتفعتم بذلك في تلقيح عقولكم وترقية أفكاركم وتهذيب أخلاقكم؟
وإنكم قد ذهبتم بذنوب وسافرتم بعيوب، فنرجو أن لا تكونوا قد رجعتم بها.
بارك الله لكم في حجكم وجعله من أسباب فلاحكم.
(1/117)

الزكاة بمناسبة رأس السنة الهجرية
لا أبالغ إذا قلت: إن المال طريق الاستقلال، وأن الزكاة في الإسلام تجنيد للمال في معركه الاستقلال، وما أبلغ تلك الكلمة التي جاءت في مقال لمصطفى صادق الرافعي في استنهاض همم العرب لنجدة فلسطين وإنقاذها من الإستعمار اليهودي إذ قال: "كل قرش يدفع الآن لفلسطين يذهب إلى هناك ليجاهد هو أيضا" ولا عجب أن يقدم الله جهاد المال على جهاد النفس كلما عرض ذكر الجهاد في القرآن، لأن الحرب لا تقوم على الملاكمة ولا التناطح بالرؤوس، وأنما قيامها آلات ومدمرات ومؤن وذخائر، وإعداد هذه الأشياء يحتاج إلى أموال طائلة، فإذا شحت الأمة بها فهو الآنهزام الأول الذي لا تقوم لها من بعده قائمة، وهو الهلاك المحقق الذي حذر الله منه هذه الأمة وجعله نتيجة شحها وعدم إنفاقها في سبيل الله إذ قال: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بعد قوله {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} حذر منه صلى عليه وسلم إذ قال: من حديث: "ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" فالشح مهلك، والوقاية منه فلاح، {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ولذا عد الله مخرجي الزكاة من الذين شهد بفلاحهم إذ قال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} الآية.
ولكن الإنسان يسمع لوسوسة الشيطان أكثر مما يسمع لإرشاد القرآن، فهو
ما يزال به يغريه بالبخل ويخوفه الفقر {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} حتى يجعل المال أحب إليه من نفسه ومن ولده ومن أمته، فيخرج من دنياه محروما من ماله لم ينفقه على نفسه ولم يجد به على إخوانه ولم يعلم به أبناءه ولم ينفع به أمته، ولم يكسب به رضا ربه،
(1/118)

وهذا الحرمان في الدنيا يعقبه حرمان أشد منه في الآخرة على ما حرم نفسه وإخوانه من نعمة هذا المال، فهو جزاء من جنس العمل، فأي بلاء كبلاء هؤلاء الأغنياء البخلاء الذين يعيشون فقراء ويعذبون في الآخرة فوق عذابهم في الدنيا لأنهم لم يشكروا الله على نعمته ولذا يقول علي بن بأي طالب رضي الله عنه: "يعيش البخيل في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء" وكأنه في هذا المعنى ينظر إلى قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ}.
أيها المسلمون: ها هو شهر محرم يهل هلاله وهو شهر زكاة أموالكم، وها هو الامتحان السنوي في أموالكم يعود إليكم فيجب أن تخرجوا من هذا الامتحان بالفوز والنجاح وهو التغلب على طبيعة الحرص فيكم، واعلموا أنما أموالكم فتنة فلا يفتنكم الشيطان ولا يدخل عليكم من هذه الثغرة {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} واعلموا أن لكم شيطانين: الشيطان الذي أخرج أبويكم من الجنة، وشيطان الاستعمار الذي حرمكم جنة بلادكم ولم يترك لكم فيها إلا حظ الخدم فأنتم وأموالكم وأوطانكم ملك له، الشيطان الأول يغريكم بالبخل فيما يحييكم وينهض بكم من عثرتكم، والشيطان الثاني يعزيكم باتلاف مالكم وتبديد ثروتكم فيما فيه هلاككم وفناؤكم وذهاب ريحكم، إن الاستعمار الذي وكل بكم ينصب لكل درهم من دراهمكم فخا ويضع لكل حاسة من حواسكم شهوة تتسرب منها أموالكم وتفسد بها أخلاقكم وتتسمم بها صحتكم، فجعل لعيونكم شهوة التمثيل الداعر والرقص الفاجر، ولآذانكم الغناء البديء والإذاعة البغي، ولأنوفكم الحشيشة المسممة، ولأفواهكم الخمر المبيدة ولغرائزكم الجنسية مؤسسات البغاء والعار والخنى، كل هذه البليات بالوعات لأموالكم وجراثيم لصحتكم وآفات لأخلاقكم، فباستيلائه على أموالكم يقص أجنحتكم وبتسميمه لصحتكم يشل حركتكم وبإفساده لأخلاقكم يقضي على حياتكم:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقكم ذهبوا
أيها المسلمون: ها هو العام يدور دورته وها هو يعود إلى الوجود رأس السنة الهجرية وشهر الاشتراكية الحقيقية وموسم التضامن العملي وميقات تطهير النفس من رذيلة الشح {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} فحاسبوا أنفسكم
(1/119)

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وسابقوا إلى العمل الصالح وانتهاز الفرصة السعيدة، وخاهدوا في الله حق جهاده فجهاد النفس هو الجهاد الأكبر، فإذا انتصرتم على أنفسكم انتصرتم على أعدائكم، جاهدوا بأموالكم قبل أن تجاهدوا بأنفسكم فإن الله قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس إذ قال: {جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} لأن المال أداة الجهاد ولا جهاد بلا أداة، ولأن الجهاد بالمال تدريب على الجهاد بالنفس، ومن عجز عن بذل ماله فهو عن بذل نفسه أعجز.
واسوا إخوانكم وانهضوا بمشاريعكم وحققوا معنى الأخوة الإسلامية بهذا
التضامن العملي، فليس من الأخوة في شيء أن تشبع وأخوك جوعان أو تكتسي وهو عريان، فإن الإسلام دين عملي واقعي جاء ليحقق معنى التكافل الإجتماعي الصحيح وحسبكم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
(1/120)

روحانية الزكاة
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} لله هذا الدين: كيف يحافظ على الطهارة ويجعلها أداته ووسيلته. بل يجعلها من كل تعاليمه وأحكامه غايته، فالصلاة طهارة "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا. الحديث" والزكاة طهارة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} الآية المتقدمة وهكذا.
نعم إن الدين في مجموعه طهارة، ولكنها طهارة من دنس الذنوب ووضر الأخلاق أكثر من أي شيء آخر، طهارة الإعداد لدخول الرحاب المقدسة في رياض الخلد للمثول بين يدي الله، فلا تعجب بعد هذا إذا قرأنا مثل قوله صلى الله عليه وسلم حرمت الجنة على كذا وحرمت على كذا أو مثل قوله: مكتوب على باب الجنة لا يدخلها كذا كقوله: مكتوب على باب الجنة لا يدخلها نمام وكقوله: مكتوب على باب الجنة لا يدخلوها ديوث، لأن أولئك لم يتطهروا من ذنوبهم وأخلاقهم الدنسة، فما كان لهم أن يطؤوا تلك الرحاب المقدسة بأقدامهم النجسة.
وإذا علم هذا علم أن الزكاة تطهير لنفس المسلم وتطهير لماله حتى لا يكون فيما يتصل به أو يهت إليه بسبب شيء غير طاهر، ذلك لأنه- كما قلنا- إعداد رباني خاص للدخول في حزب الله، وللفوز بعد ذلك بالدخول في حضرة القدس ودار الخلد، فما ينبغي لنفس المسلم أن تتسم بالبخل، لأنه إهدار لثقته بربه، ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: "البخل من سوء الظن بالله" وقد أحسن الشهاب الخفاجي إذ قيد هذا المعنى القيم بقوله:
(1/121)

من ظن بالله خيرا جاد مبتدئا … والبخل من سوء ظن المرء بالله
إذ هيهات أن يجتمع البخل واعتقاد أن من برأ الخلق قد ضمن رزقهم في
إهاب نفص مؤمنة، نعم إن المؤمن الموصول القلب بالله، المشبوب العاطفة بحب الله لا يتصور منه البخل بمال الله، على المحرومين من عباد الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الخلق عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله".
لأن المال قبل ذلك وبعده مال الله جعل عليه مستخلفين من عباده، وجعل للمحرومين منه حظهم فيه وأوجبه على من استخلفهم عليه كما قال: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}.
فلا عجب إذن أن تكون الزكاة طهرة للمال المؤداة منه وتزكية لنفس صاحبها
من تبعة هذا الحق المفروض عليه في ماله ولا عجب أن تذهب البركة من المال الذي لم تطهره الزكاة، فلا ينتفع به أصحابه في الدنيا ولا في الآخرى وإنما هم كما قال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}.
هذا من الناحية النفسية، أما من الناحبة الاجتماعية فأثر الزكاة أكبر لأن
المال قوام الأعمال، فإذا تضخم في جهة ونضب من الجهات الأخرى طرأ على المجتمع من الفساد ودخل عليه من الاختلال والاضطراب، ما يسرع به إلى الخراب، وما أشقى هذا المجتمع الذي يموت بعض أفراده بالتخمة بينما يهلك البعض الآخر بالجوع، ولكن شقاء الذي يموت بالتخمة أعظم، لأنه تسبب في موته وموت غيره، فهو يحمل مسئوليته ومسئولية غيره، ومن أخطر الآفات التي دخلت على المال وأصابت المجتمع الإسلامي في الصميم، آفة الربا الذي ما دخل مالا إلا محقه، ولا بيتا إلا خربه، فهو كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} هكذا يمحق الله الربا لأنه آفة محق وجرثومة سحق، ويربي الصدقات أي يزكيها ويزيد فيها لأنها أداة تزكية وتطهير، ووسيلة تنميه وتثمير، وهكذا "من غالب الله غلب" "ولا يجني جان إلا على نفسه" {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ}
(1/122)

ولكن حب المال طبيعة غلابة كما قال تعالى: بل {تُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}
ولذا جعل الله المال فتنة كما قال تعالى: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} وهنا سر من أسرار هذا الكتاب الخالد، فإنه قلما يشير إلى فتنة المال إلا وقرنها بفتنه الولد لينبه إلى أن حب الولد وغريزة حفظ النوع وبقائه هما السر في فتنة المال وطغيان حبه على النفس، ولكن هذا مما لا ينبغي أن يكون عليه المؤمن الذي يعتقد أن رزق أولاده ليس عليه وإنما هو على من خلقهم {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} وإنما عليه أن يحسن تربيتهم وينشئهم على طاعة الله والخلق الحسن، فذلك هو الغنى الذي لا تصيبه الآفات والجوائح، ولا تلحقه التبعات والمسئوليات، أما أن يجعل الإنسان كل اهتمامه جمع المال من حله وحرامه ليضمن لأولاده السعادة بعد موته ولا يلتفت إليهم من ناحية تربيتهم وإعدادهم الإعداد الحسن، فذلك هو الخطأ الفاضح لأنه يكون كمن يضع كومة من الورق فوق رابية عالية في مهب العواصف وإننا نهدى إلى هؤلاء المغفلين القصة التالية لعلهم يهتدون.
دخل عمر بن عبيد على المنصور فقال له المنصور: عظني يا عمرو، فقال
له: أعظك بما سمعت أم بما رأيت؟ فقال المنصور: بل بما رأيت، فقال عمرو: مات عمر بن عبد العزيز وخلف أحد عشر ابنا وثمانية دنانير، فأصاب كل واحد ثمانية قراريط من تركة أبيه، ومات هشام بن عبد الملك فخلف أحد عشر ابنا وأحد عشر ألف ألف دينار، فأصاب كل واحد من أبنائه ألف ألف دينار، ورأيت فيما بعد ولدا من أولاد عمر قد حمل أموالا على مائة فرس قدمها في سبيل الله، ورأيت ولدا من أولاد هشام يسأل الناس الصدقة.
فيا أيها الأغنياء: ها هو ذا شهر محرم الحرام الذي يمتحن الله فيه إيمانكم
قد عاد من جديد، وها هم أولاء فقراكم يملأون الطرقات ويسدون الدروب وتلتصق على الثرى منهم الجنوب، فبرهنوا على إيمانكم وإنسانيتكم وأخرجوا زكاة أموالكم، وكفكفوا دموع اليتامى والأيامى من إخوانكم وأخواتكم وأنعشوا مشاريعكم التي تعمل لسعادتكم وتحرير بلاكم. {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} "ولا يغرنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين".
(1/123)

إصلاح ذات البين
الإصلاح وظيفة الأنبياء ووظيفة ورثة الأنبياء (العلماء) وأهم وجوه الإصلاح: الإصلاح بين الناس بتنقية قلوبهم من أشواك الضغائن وبذور الأحقاد كما أن من أكبر معاول الهدم والإفساد: الإفساد بين الناس بالسعي في بث الخلاف بينهم وإيقاد نار الفتنة في صفوفهم، وأكبر ثغرة يدخل منها الشيطان إلى قلب الإنسان أن يزين له كل ما يبعد ما بينه وبين أخيه كالغضب لأضعف سبب وكالشح بفضول أمواله، وكالغيبة والنميمة والكبر وما إليها مما يحدث الفجوات بين القلوب والوحشة بين النفوس، وإذا تباعدت القلوب لم تتقارب الأبدان وإذا تباغضت الصدور لم تتقابل الوجوه وإذا تشامتت الألسنة لم تتصافح الأيدى. ففي التقاطع التباغض وفي التباغض التخالف وفي التخالف التخاذل وفي التخاذل العجز وفي العجز الحرمان والشقاء ثم الإضمحلال والفناء وهي العاقبة السيئة التي حذر منها الإسلام إذ قال الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
فإذا أردنا أن نصلح بين اثنين دبت الخصومة بينهما، فلنصلح أولا قلوبهما ولننزع ما في صدورهما من غل وما تنطوي عليه ضلوعهما من بغضاء وحقد، ولكن هل إلى ذلك من سبيل؟ هل من سبيل إلى التأليف بين قلبين تباغضا؟ نعم إنه لا أصعب من طب القلوب ولكن لكل داء دواء، ولداء القلوب دواؤه، ولكن دواء القلوب لا يخرج من الأرض ولكن ينزل من السماء إنه في دين الله وفي التذكير بالله، إنه في نفحات القرآن التي هبت على قلوب مشركي العرب فملأتها إيمانا بالله، وحولتها من ذلك العداء المستحكم بينها إلى ألفة جعلت الأعداء إخوانا وذلك هو قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
(1/124)

حقا لقد كان العرب يعيشون على هذه الفرقة ويقتاتون من هذه البغضاء
وتنمو هذه البغضاء حتى تستحيل إلى حروب طاحنة مدمرة تمتد إلى أن تعمر ما يعمر الفرد كما عاشت حرب البسوس أربعين سنة وكما عمرت حرب داحس، الغبراء مثل ذلك، فهذا التقاطع الذي تمتد جذوره في أعماق الزمن هذا الامتداد ويتأصل في النفوس والطباع حتى يغدو نظاما اجتماعيا وحتى يصبح الفرد من هذا المجتمع المتقاطع المتناثر يفتخر بالسلب والنهب والقتل وحتى تذم القبيلة بقلة حظها من هذه الصفات المنكرة فيقول أحد الشعراء في تجيلة خصمة:
قبيلته لا يغدرون بذمة … ولا يظلمون الناس حبة خردل
هذا التقاطع المستحكم هو الذي انقطعت دونه أطماع المصلحين وانحسرت أمامه كفايات الأنبياء والمرسلين حتى قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} تلك هي معضلة القلوب التي استعصى حلها على غير من برأها، التي جعلته صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "يا محول القلوب ثبت قلبي على دينك".
وإذن فالذين يحاولون إصلاح القلوب من طريق غير طريق الدين نصيبهم
الفشل والإخفاق، إن هذا الظلام الذي يخيم على القلوب لا يبدده شيء كنور الإيمان وإن هؤلاء الأفراد المتنابذين المتدابرين لا يربط بينهم كرابطة الدين.
فلنلجأ إلى هذا الدين ولنطلب عنده شفاءنا ولنحل على ضوئه مشكلاتنا وليكن مقدمة ما نرده إلى ديننا إصلاح ذات بيننا وإزالة كل أسباب الخلاف من صفوفنا لنتقدم في سيرنا إلى غايتنا بقلوب مجتمعة متآلفة وصدور طاهرة متحالفة وصفوف متحدة متكاتفة ولا نكن كالمنافقين الذين قال الله في حقهم: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} ولنستمع لدعوات القرآن المتكررة في ذلك من مثل قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ولكن فينا شياطين يصدون عن الدين، وإن فينا مفرقين يستغلون ما يحدث من خلاف بين المسلمين فيوغرون صدورهم ويوقدون نار الفتنة بينهم بما ينفثون من سموم السعاية وما يبثون من جراثيم الوشاية لا يخافون في الشر لومة لائم رضوا بأن يكونوا قناطر للشر ومعابر للفتنة كما رضوا لأنفسهم بهذه السفارة الرخيصة سفارة الجراثيم في نقل الأمراض
(1/125)

لا فرق بينهم وبينها إلا أن الجراثيم تسمم الأبدان وهؤلاء يسممون القلوب التي لا صلاح للأبدان إذا فسدت، وإذا قام المسلم بهذه الوظيفة الوضيعة فما الذي أبقى للشيطان الذي يجعل الخلاف وسيلته الكبرى لإشقاء بنى آدم في العاجل والآجل، وماذا أبقى للمستعمر الأستاذ الأكبر المتخصص في غرس شجرة الخلاف الملعونة وتنميتها وتموين الفتنة وتغذيتها على أنه إذا كان في مجتمعنا دعاة للشر والفتنة فإن فيه كذلك دعاة للخير والألفة وكلا الفريقين معروف بأعماله، فلتعرف الأمة ذلك ولتعمل به، وإذا لم يعظها شيء فلتتعظ بما يقع في مجتمعها من خصومات أودت بوحدتها وفتكت بماليتها، فلا عجب بعد ذلك أن يسمى النبي صلى الله عليه وسلم الإصلاح بين الناس تجارة، فعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب: "ألا أدلك على تجارة؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا".
(1/126)

الأمانة
أرى أن خير تفسير- أو تعريف- للأمانة هو أن الأمانة هي المسؤولية، وأكبر مسؤولية وأوسعها وأشملها هي التكاليف الشرعية وهو ما جرى عليه جمهور المفسرين في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}. فلا عجب إذن أن تكون الأمانة هي أولى الصفات التي يجب أن يتصف بها الأنبياء، ولا عجب أن تبرز هذه الصفة وتبلغ كمالها في محمد صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها حتى سمي قبل النبوة بالأمين لأن الأمانة صفة جامعة يصح بأن تسمى بها التكاليف الدينية والإنسانية كلها، فالأمانة لا تنافي الخيانة فقط بل تنافي الكذب وتنافي الغش وتنافي النميمة والغيبة وإفشاء السر وشهادة الزور وكتمان الحق الخ ... وإذا كانت الأمانة بهذه المنزلة السامية حتى تشمل سائر التكاليف الدينية والكمالات الإنسانية فلا جرم كانت الخيانة أقبح ما يتصف به المسلم بحيث يعد إسلام المتصف بها نفاقا كما في حديث البخاري: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" ولا عجب فبقدر ما يحسن الشيء يقبح ضذه "وبضدها تتميز الأشياء" هذه القيمة التي تمتاز بها الأمانة هي التي جعلت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عند موته ونظر فيمن يصلح للخلافة من بعده: "لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أبو عبيدة أمين هذه الأمة".
إن الأمانة هي يقظة الضمير وطهارة الوجدان ونزاهة النفس، فهيهات أن
يأتي الأمين ما يؤنبه عليه ضميره وينافي طهارة وجدانه ونزاهه نفسه.
(1/127)

إن التاجر الأمين لا يغش زبناءه وإن الشريك الأمين لا يخدع شريكه وإن
الزوجه الأمينة لا تخون زوجها وكذلك الزوج الأمين لا يخون زوجته بل ربما كان من دواعي خيانة الزوجات خيانة الأزواج وما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطبائع النفوس إذ يقول: "لا تزنوا تزن نساكم" وما أقل غيرة أولئك الأزواج الذين يخونون زوجاتهم ولا يخشون عاقبة هذه الخيانه، وما أقل إنصاف الرجل الذي يحرم الخيانة على زوجته ويبيحها لنفسه، هذه أنانية يجب أن يتنزه عنها الرجل النبيل ويجب أن يكون أسوة لزوجته وقدوة لأولاده، فلا أنفع ولا أجدى في إصلاح البيت والمجتمع من القدوة الصالحة ولا أضر ولا أجرأ للناس على الشر من القدوة السيئة، وهذا موضوع هام يجب أن يفرد له فصل بذاته، ولعله غير بعيد بحول الله.
ولكن- إذا كانت الأمانة بهذه المكانة من الشمول والسعة- فهل هي مستغنية عن غيرها من الصفات؟ إن عبقري هذه الأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي". ما أقوى رصيد هذه الكلمة، وما أدلها على عبقرية هذا الرجل العظيم! كم في الناس من أمثلة سامية في الأمانه ولكن ينقصهم بعد الغور والبصر ببواطن الأمور والنفاذ إلى لباب الأشياء، فيسيئون وهم لا يريدون الإساءه، ويضيعون الفرص التي قلما تتاح بعد ذلك، وتلعب بهم أهواء الدهاة من الناس والمتمرسين بأحوال المجتمع من الرجال.
وكم في الناس- كذلك- من أمثلة عالية في هذه الأشياء ولكن تنقصهم
الأمانة والنزاهة وطهارة الضمير، فتغلب عليهم الأنانية فيخدمون أنفسهم بالتظاهر بخدمة الناس ليكسبوا لأنفسهم حسن السمعة وبعد الصيت والوصول إلى أغراضهم وهؤلاء هم الذين تحسن بداياتهم ويفتضحون- غالبا- في نهاياتهم، أما أن تجتمع الحسنيان في واحد فذلك جد قليل بل أقل من القليل، ما جعل ابن الخطاب الحريص على فلاح هذه الأمة يزفر تلك الزفرة ويشكو تلك الشكاة المرة ويقول: "أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي".
ولقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو الذي لا ينطق عن الهوى-
لرجل واحد باجتماع هاتين المزيتين فيه- الأمانة والقوة- هو أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه.
(1/128)

روي أنه قدم وفد نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد
إبعث إلينا من يأخذ لك الحق ويعطيناه، فقال صلى الله عليه وسلم: والذى بعثني بالحق لأرسلن معكم القوي الأمين- ورددها ثلاثا ثم قال: "قم أبا عبيدة".
هذا الوسام العظيم يضعه قائد الإسلام العظيم لهذا البطل العظيم جعل الأعناق تتطلع إليه وتود لو يتاح لها الحصول عليه حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: ما تاقت نفسي إلى الإمارة إلا في ذلك اليوم، ولكن ليس هذا بالكثير على أبي عبيدة بطل القيادة الحازمة والفتوح العظيمة، والذي يتفحص عمر وجوه أصحابه في اللحظة الحاسمة ليلقي بهذه الأمانة العظمى- أمانة قيادة الأمة- إلى أقواهم اضطلاعا بها فلم يجد أحق بها وأهلها من أبي عبيدة لو لم يستأثر به ربه.
إن أبا عبيدة كان- وهو في صدر الإسلام عهد البطولة الفذة- منيه المتمني
فقد روي أن عمر بن الخطاب قال يوما لأصحابه: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله عز وجل، فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤا وزير جدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله عز وجل وأتصدق به، ثم قال: تمنوا: قالوا ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين، قال عمر: ولكنني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة، فقالوا: ما ألوت الإسلام، أي ما نقصته حقه، فقال: ذاك الذي أردت.
وإذا كان الوصف بالأمانة والقوة لم يرد في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لرجل واحد هو أبو عبيدة رضي الله عنه فإنه لم يرد في كلام الله- القرآن- كذلك إلا لواحد هو موسى بن عمران عليه السلام، إذ يقول الله على لسان ابنة شعيب لأبيها: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.
وبعد فإن جوا لا تشيع فيه روح الأمانة لا يمكن أن يكون صالحا للحياة الصالحة ولنعتبر ذلك بما نراه في حياتنا الحاضرة التي خلت من هذا الروح الطيب كيف أن الناس أصبحوا في جحيم لا يطاق من الغش والخيانة والأنانية الجامحة فلا الزوجة ترعى حق زوجها ولا الزوج يفى لزوجته ولا التاجر يصدق في معاملته ولا الشريك يأمن جانب شريكه وسرى ذلك حتى إلى حرم الصداقة فأصبح الصديق شديد الحذر من صديقه سيء الظن به حتى أصبحنا نعجب كثيرا بمثل قول البحترى:
(1/129)

أما العداة فقد أروك نفوسهم … فاقصد بسوء ظنونك الإخوانا
وبمثل قول أبي فراس:
وصرنا نرى أن المتارك محسن … وأن خليلا لا يضر وصول
السر في ذلك كله هو فقدان روح الأمانة، فإلى الله المشتكى.
(1/130)

أداة السيادة
ليست أداة السيادة ملكا واسعا ولا جاها عريضا ولا سلاحا فاتكا وإنما
أعني بأداة السياده ما عناه الشاعر إذ قال:
"ببذل وحلم ساد في قومه الفتى"
فأداة السيادة- إذن- بذل وحلم، بذل لخيرك وحلم عن شر الناس، لابد
من هذين مجتمعين لبلوغ قمة السيادة، فلا يكفي السماح بشيء خارج عن نفسك يذهب اليوم ويعود غدا، ثم إذا امتحنت في شيء يتعلق بصميم نفسك لم يوجد عندك شيء من سماحة النفس، كما لا يكفي أن تجود بنفسك ثم تبخل بما لك أو متاعك.
وهذا سيد من سادات العرب هو عرابة والأوسي يسأل: بم سودك قومك؟ فيقول:- بأربع خلال، أنخدع لهم في مالي، أذل لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد كبيرهم.
على أن الشيء لا يحسن إلا إذا أصاب موضعه، وكذلك البذل والحلم لا يحسنان إلا في مواضعهما:
لا يحسن الحلم إلا في مواضعه … ولا يليق الندى إلا لمن شكرا
بل ربما كان البذل في غير موضعه جريمة كالمال الذي يبذل في الخمر
والميسر، مثل الحلم في غير وضعه فكثيرا ما كان جريمة نكراء، كالعفو عن ولدك حينما يرتكب مخالفة خلقية، وكالسكوت عن تغيير منكر وانتهاك حرمة. إن أسمى
(1/131)

مراتب البذل ما كان عن إقلال، بل إن بعضهم ليغلو فلا يعد البذل عن سعة بذلا كمن يقول:
ليس العطاء من الفضول سماحة … حتى تجود وما لديك قليل
لأن السيادة احتمال مشقات وارتقاء عقبات لذلك يقول المتنبي:
لولا المشقة ساد الناس كلهم … الجود يفقر والإقدام قتال
ولكن هل الجود يفقر والإقدام قتال كما يقول المتني؟ كلا، فإن الله يقول:
{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} ويقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} ويقول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه - وقد قيل له: لو اتخذت حراسا-: لا حارس كالأجل، ومعناه أن من كان عمره ستين سنة فهو محروس بأجله حتى يستوفيها فلا يموت قبل ذلك، وإنما المتنبي يصور خوف الناس من الفقر إذا أريد منهم البذل وخوفهم من القتل إذا دعاهم واجب الكفاح، وتلك هي خدعة الشيطان يقف للإنسان في طريق الخير فهو الذي يخوف الناس من الفقر ومن القتل كما يقول الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} ويقول: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} ويقول: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فأعلى مراتب البذل ما كان عن إقلال وضيق يد، وأهل البذل في مجتمعنا هم المقلون وأوساط الشعب في الأعم الأغلب، أما أرباب الثراء الواسع الذين تجدهم الأمة في ساعة العسرة فما أقلهم وأندر وجودهم في مجتمعنا، وهذا من أوضح الأدلة على أن المال فتنة لأهله وأنهم لا ينتفعون به إذا لم يرزقوا وجدانا حيا وهمة عالية وإحساسا كريما وما أصدق بشارا إذ يقول:
خليلي إن المال ليس بنافع … إذا لم ينل منه أخ وصديق
كذلك الحلم ليس بنافع وليس أداة للسيادة دائما وفي كل موطن بل ربما ذهب بالسؤدد، أو هوى به إلى قرار سحيق أو استحال إلى ذل وصغار.
فالحلم عمن يمس دينك أو مروءتك أو حريمك أو يدوس كرامة بلادك ليس من أداة السيادة وخلال النبل، والحلم بمعناه السامي النبيل جد قليل، ولا يغرنك ما تراه
(1/132)

على الوجوه من بشر وعلى الألسنة من ملق، فالحلم لا يعرف إلا عند الغضب كما لا تعرف الشجاعة إلا عند الحرب وكما لا يعرف الإخوان إلا عند الحاجة إليهم وعند التجربة لهذا الخلق ربما خرجت بتفسير واضح لقول علي رضي الله عنه: (خير الناس من لم تجربه) فلا أشق على النفس من الحلم لذا كان سيد الأخلاق بحق ولا يحتل معه هذه المكانة أو يدانيها إلا أخوه البذل، فلا عجب أن يكونا أداة السيادة ولا عجب أن ترى القرآن يصطنع في الدعوة إليهما ذلك الأسلوب الفريد الفذ في قيادة المجتمع وتوجيهه فيجعلا البذل في سبيل الله قرضا مع الله ومعنى ذلك أن الباذل في وجوه الخير لم يخسر ما له وإنما يعود إليه- كما تعود القروض إلى أصحابها- أضعافا مضاعفة، وذلك وجه من وجوه الكسب لا مغرم من المغارم كما يفهمه ميت الإحساس من أغنيائنا وليتأمل مثل قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} كما يجعل الحلم والأناة وأدب الخطاب تحول العدو إلى صديق كريم وولي حميم، وليتأمل مثل قوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وهو أسلوب في التوجيه عظيم ومنهج في الدعوة حكيم، بقي علينا أن نورد بعض النماذج ممن اشتهروا بالحلم في تاريخ الإسلام فهذا موعدنا به فصل آخر إن شاء الله.
(1/133)

نماذج من الحلم
وعدنا في المقال السابق بعرض نماذج من الحلم، ووفاء بالوعد نعرض النماذج التالية:
كان صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في ذلك، روت عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها إلا أن تنتهك حرمة من حرم الله سبحانه، سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما قوله تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارً} فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، ما أحلمك وأكرمك، لقد دعا نوح على قومه فأهلكوا ولو دعوت علينا لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئي ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك وقيل لك: ادع عليهم، فأبيت أن تقول إلا خيرا وقلت: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، ولما أظفره الله بأهل مكة- بعد أن فعلوا به ما فعلوا من قتل أصحابه وعمه وتمثيلهم به وتحزبهم عليه لم يزد على أن عفا عنهم وقال: ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وبهذه الرحمة التي تستأصل جذور الشر من النفس استطاع أن يتغلب على
جفاء الأعراب وجاهليتهم وينجح في دعوته وبسط سلطانه على النفوس ونفوذه على القلوب وهذه شهادة القرآن الخالدة: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ثم ليتأمل قوله بعد ذلك: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} فإنه يقره على هذا الخلق ويدعوه إلى تأكيده بطلب
(1/134)

العفو من الله لهم ثم بتأكيده أخيرا بأن يشركهم في أموره العامة بمشاورتهم وأخذ رأيهم، بل لقوة أثر هذا الخلق في تكوين الشعوب ومعالجة نفوس الأفراد لا يكاد يذكر صلى الله عليه وسلم في القرآن إلا مقرونا بوصفه، والقرآن مليء بالشواهد.
وقال رجل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: لأسبنك سبا يدخل معك قبرك، فقال
له أبو بكر: بل يدخل معك قبرك أنت. وسب رجل أبا العيناء فلم يجبه فقيل له: كيف يسبك وأنت ساكت؟ قال: لا أدخل حربا المغلوب فيها خير من الغالب، وهذا المعنى اللطيف قريب من قول القائل:
وإنك قد ساببتني فغلبتني … هنيئا مريئا أنت بالسب أحذق
وخطب عمر بن الخطاب يوما فقال: أيها الناس إن رأيتم في اعوجاجا فقوموني، فقال رجل: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، فلم تأخذ عمر العزة بالإثم وإنما قال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقوم اعوجاج عمر. وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلاما قبيحا فقال عمر: لا عليك، إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا فانصرف غفر الله لك ورحمك، فانصرف وهو يقول:
لن يدرك العز أقوام- وإن كرموا … حتى يذلوا- وإن عزوا- لأقوام
ويشتموا فترى الألوان كاسفة … لا صفح ذل ولكن صفح أحلام
ولما حبس معاوية عن الناس أعطياتهم قام إليه أبو مسلم الخولاني وهو يخطب فقال: يا معاوية إن هذا المال ليس لك ولا لأبيك وأمك فلم حبست عن الناس أعطياتهم؟ فغضب ثم نزل فدخل وأومأ إلى الناس: أن أثبتوا ولا تتفرقوا ثم خرج فعاد إلى المنبر وقال: أيها الناس: إن أبا مسلم الخولاني قد قال ما قال فوجدت لذلك وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا غضب أحدكم فليغتسل، وصدق أبو مسلم فاغدوا على أعطياتكم فخذوها على بركات الله.
ولا عجب فمعاوية كان داهية لا يجاري وكان حلمه أحد أدات هذا الدهاء
وكان يقول: إني لألقى الرجل أعلم في قلبه علي ضغنا فأستثيره فيثور إلى منه بقدر ما في نفسه فيوسعنى شتما وأوسعه حلما حتهما يعود صديقا أستنجده فينجدني، وقسم
(1/135)

يوما قطائف فأعطى شيخا من أهل دمشق قطيفة لم تعجبه فحلف أن يضرب بها رأس معاوية، وجاء فأخبره فقال له؟ أوف بنذرك وليرفق الشيخ بالشيخ.
وأدرك وجل الأحنف بن قيس في الطريق فجعل يسبه أقذع السب وهو يماشيه فلما قربا من الحي وقف الأحنف وقال: يا أخي إن بقي لك شيء من السب فقله هاهنا فإني أخشى أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك، والأحنف مضرب المثل في الحلم، قال أبو تمام:
إقدام عمر في سماحة حاتم … في حلم أحنف في ذكا إياس
وكان خاله قيس بن عاصم مثالا عاليا كذلك في الحلم والصفح وهو الذي
قال فيه صلى الله عليه وسلم لما وفد عليه مسلما: أتاكم سيد أهل الوبر. وقال فيه أحد الشعراء وقد مر على قبره:
عليك سلام الله قيس بن عاصم … ورحمته ما شاء أن يترحما
سلام امرىء غادرته غرض الردى … إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما
وسئل الأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من خالي قيس بن عاصم، ولقد كنا نتردد إليه لنتعلم الحلم كما كنا نتردد على العلماء لنتعلم العلم، ويروي الأحنف نفسه فيقول: كنا يوما عنده وهو جالس يحدثنا فإذا بجماعة قد أتوا بقتيل ومكتوف فقالوا له: إن هذا ابنك قد قتله أخوك هذا فوالله ما قطع حديثه ولا حل حبوته حتى فرغ ثم أنشد:
أقول للنفس تأساء وتعزية … إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه … هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
ثم التفت إلى إبن له آخر وقال: يا بني أطلق عمك، ووار أخاك، وسق إلى
أمك مائة من الإبل دية ولدها فإنها عربية فيكم.
(1/136)

عقبى الظالمين
إن بناء يقوم على الظلم هباء، وإن ارتقاء على جماجم القتلى لا يقال له
ارتقاء، وإن ملكا يجمع من السلب والنهب واللصوصية ليس له بقاء.
ذلك لأن "الظلم مرتعة وخيم" فإذا نبتت النفوس في تربة الظلم وعاشت
في جو الظلم وتغذت من دماء المظلومين فإن هذه النفوس تخرج إلى الدنيا حاملة معها جراثيم الفناء التي تستأصلها، فلا عجب- إذن- أن تكون عاقبة الظالمين شر العواقب، ولا عجب أن نرى القرآن مفعما بذكر مصارع الظالمين وعواقب الطغاة السيئة، فيذكر مساوئهم ومظالمهم وما كسبت أيديهم، ثم يعقب بذكر عواقبهم ومصائرهم، وهي انقراضهم وذهاب ريحهم، وخراب بيوتهم،: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا}. ولذا لما طلب أبو جعفر المنصور من عمرو بن عبيد أن يعظه لم يجد في ذلك مادة أخصب ولا أوثق من القرآن فقال: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.
وفي المثل: الظلم آخر مدة القوم:
وفي الحديث: "ثلاث دعوات مستجابات، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده، ولذا يقول الشاعر:
(1/137)

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا … فالظلم آخره يأتيك بالندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه … يدعو عليك وعين الله لم تنم
وإذا كانت هذه عقبى الظالمين {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} فإن الغالب
في الشر مغلوب كما في المثل، "ولا يجني جان إلا على نفسه" كما في الحديث، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} كما في كتاب الله. فماذا جنى الظالم إذن؟ إذا كان ظلمه يسبب هلاكه فهو لم يظلم إلا نفسه، لذلك يعقب الله على إهلاكه للظالمين غالبا بمثل قوله: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
فلا يفرح الظالون ولا تطمئن بهم المضاجع ولا تقرأ عينهم بما استولوا عليه بالسلب والنهب وسفك الدماء، فإنهم إلى تباب، وإن ملكهم إلى زوال و {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}. وإن النعمة تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم كما يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فكيف إذا أجتمع كفر وظلم.
ولا يستبد الأسى والجزع بالمظلومين، ولا تذهب نفوسهم حسرات فإن الله
لابد- إن ثبتوا وصبروا - ناصرهم ومؤيدهم ومستجيب دعائهم.
وإن الله في قضائه حكمة هو مجريها، وإن الحياة ابتلاء، وأشد أنواع الابتلاء ينزل بالمؤمنين {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}. لأن في هذا الابتلاء تربية لنفوسهم وشحذا لعزائمهم، وإعدادا لملمات الحياة التي تنزل بهم، فالابتلاء الذي ينزل بالمؤمنين مضاعفا ليس شرا محضا كما يتبادر إلى ذوي العقول البسيطة وإنما يتضمن الدرس العملي والإعداد الصالح المباشر لخوض معمعة الحياة، وليس في الحياة خير محض، ولا شر محض، كما يقول الفلاسفة، وإنما من طبائع النفوس الأبية أنها تأنف الضيم وتكره الظلم، ولا تكاد تسيغه، ولكن الله يمهل الظالم ولا يهمله كما ورد في بعض الآثار وهو معنى ما ورد في بعض الكتب المنزلة: "لا يغتر الظالمون بتأخير العقوبة فإنما يعجل العقوبة من يخشى الفوت، وإن في تأخير عقوبة الظالمين إبلاغا في الحجة وقطعا للمعاذير وهو معنى قوله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}.
(1/138)

وإننا بهذه المناسبة لنذكر إخواننا المغاربة الذين يبتلون في سبيل حريتهم واستقلالهم، ويبدون من الصبر والثبات والشجاعة ما هو جدير بأمثالهم، ولا يسعنما إلا أن نعلن تضامننا معهم ونضم أصواتنا إلى أصواتهم ونرفع احتجاجنا ضد أعدائهم، ونسأل الله أن ينصرهم ويثبت أقدامهم ويكلل بالنجاح أعمالهم، {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} و {لَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}.
(1/139)

الدين المعاملة
هكذا يقول عليه الصلاة والسلام، وهو من الأحاديث التي تجعل الدين كله محصورا في شيء يراه قي الإسلام دعامة من دعائم دعوته وركنا عظيما من أركان رسالته كقوله: "الدين النصيحة" وكقوله: "الحياء هو الدين كله" فكأنه يقول لا دين لمن ساءت معاملته، وهو كذلك فليس الدين إلا حسن المعاملة مع الله والناس وحيث تسوء هذه المعاملة فلا دين، وقد رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة واضحة جميلة للمعاملة الحسنة بقوله وعمله، فمعظم أقواله دعوة إلى هذا الخلق الجامع كقوله: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى" وكقوله: "تهادوا تحابوا" وكقوله: "افشوا السلام تسلموا" وكقوله: "من دعي إلى وليمه فليجب" وكقوله: "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه" وكقوله: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يؤلمه".
وهكذا فمعظم أقواله صلى عليه وسلم تفسير لقوله: "الدين المعاملة" وكذلك أعماله وسيرته فقد كانت أجمل صورة لهذه المعاملة، إذ كان برا بأصحابه حفيا بهم يكرمهم ويحسن معاملتهم إذا حضروا، ويسأل عنهم ويزورهم إذا غابوا، وإذا لقيهم بدأهم بالسلام، ويدفع عنهم الكلفة فيمازحهم وينهاهم عن القيام له، وما أعظم تلك الكلمة التي قالها وقد رآهم قاموا له يوما "لا تقوموا إلي كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا".
أي معاملة كهذه المعاملة؟ وأي عظمة كهذه العظمة، وأي درس للمغرورين والأنانيين كهذا الدرس؟ بل لقد كان يشعرهم دائما أنه كواحد منم لا يمتاز عنهم إلا بالرسالة، وقد كان يشاورهم في المهمات ويستعين بآرائهم وهو الراجح العقل البعيد
(1/140)

النظر المؤيد بالوحي، وإذا أحس من أحدهم فرقا منه أو هيبة أبدى له من التلطف والتحبب والتواضع ما يرده إلى اطمئنانه وهدوء باله.
أقبل أعرابي إلى مجلسه فجعل يرجف ويرتعد فزعا وهيبة فقال له: "هون عليك فإنما أنا ابن أمرأة كانت تأكل القديد بمكة".
وهذه المعاملة الطيبة والمعاشرة الحسنة هي التي أقامت المجتمع الإسلامي
لذلك العهد على أسس ثابتة ودعائم قوية من الواقع المحسوس المشاهد لأن التأثير بالقدوة أبلغ من التأثير بالقول فكان المسلمون يكونون بتآخيهم وتعاطفهم وتعاونهم أسرة واحدة رئيسها محمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا بذلك على قلة عددهم قوة يخشى بأسها العالم ويحسب حسابها كل متجبر ظالم، وإذا أردنا أن نعرف جيدا قيمة حسن المعاملة فلنلق نظرة على المجتمع الإسلامي اليوم من هذه الناحية ثم لنقارن بعد ذلك بينه وبين المجتمع الإسلامي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين، فبضدها تتميز الأشياء.
ولكن- للأسف- لا نجد مجتمعا إسلاميا وإنما نجد مأساة مروعمة تدمي
لرؤيتها القلوب، وتقذى لمشهدها العيون، تذهب لسوق الخضر مثلا فتجد المسلم يعامل إخوانه بالغش علانية فيريك نوعا ويبيعك آخر، فأنت لا تشتري إلا ما ترى وهو لا يبيعك إلا ما لا ترى، وهذا بيع فاسد لا يجوز شرعا بل هو سرقة في وضح النهار وليس ببيع ولكن الفرق بين هذا البائع وبين السارق أن السارق تضربه ولا يتكلم وهذا يسرقك فلا تستطيع أن تتكلم، بل إذا أردت أن تسب أو تضرب فتكلم. وتمشي في الشارع فلا ترى التخاصم إلا بين المسلمين ولا تسمع التشاتم والتلاعن إلا بين المسلمين. وتذهب إلى التاجر الأجنبي فتجد عنده اللطف والكياسة وحسن المعاملة، وتذهب إلى التاجر المسلم فتجد الغلظة والجفاء والغلاء وسوء المعاملة إلا من رحم ربك.
والمأساة المكشوفة أننا ندعوا إخواننا إلى التعامل مع المسلمين فتصدمهم هذه الأخلاق فيعودون إلينا يقولون قبل أن تدعونا إلى الشراء من تجارنا أدعوا تجارنا إلى حسن المعاملة معنا وإلا فإننا مضطرون إلى شراء بضائعنا من غيرهم تيسيرا علينا وتأديبا لهم.
(1/141)

وسامحهم الله إذ يرون أن ذلك تيسير عليهم وتأديب لمن يرونهم خصومهم،
والحقيقة والواقع أن ذلك تيسير على الأجنبي وتأديب لنا أبناء الإسلام جميعا لأنه من باب إذا رميت يصبني سهمي، هذه كلمة في المعاملة ربما أتبعناها في فصل آخر بأمثلة، ونرجوا أن يكون ذلك قريبا إن شاء الله.
(1/142)

نماذج من حسن المعاملة
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة في المعاملة الحسنة، قال أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: صحبت النبي عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته: لم فعلته؟ ولا في شيء تركته: لم تركته؟ وتعاقب هو وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ورجل آخر من الصحابة في سفر على بعير فكان إذا جاءت نوبته في المشي مشى فيعزمان عليه أن لا يمشي فيأبى ويقول: ما أنتما بأقدر مني على مشي، وما أنا بأغنى منكما عن أجر.
ودعا علي بن أبي طالب غلاما له فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فرآه مضطجعا فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: نعم، قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت، فقال: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه إذا رآى أحدا من عبيده يحسن صلاته يعتقه فعرفوا ذلك من خلقه فصاروا يحسنون الصلاة مراآة له فكان يعتقهم فقيل له في ذلك فقال: من خدعنا في الله أنخدعنا له، وقال رجاء بن حيوة: بت ليلة عند عمر بن عبد العزيز فهم السراج أن يخمد فقمت إليه لأصلحه فأقسم علي عمر لأقعدن وقام هو فأصلحه، قال: فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين؟ فقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر، وقال يحي بن أكثم: بت ليلة مع المأمون فانتبه وقد عرض له السعال فجعلت أرمقه وهو يحشو فمه بكم قميصه يدفع به السعال حتى غلبه فسعل وأكب على الأرض لئلا يعلو صوته فانتبه، قال: ومشينا يوما في البستان كنت أنا مما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل فكان يجذبني أن أتحول أنا إلى الظل ويكون هو في الشمس فامتنع من ذلك حتى بلغنا آخر البستان، فلما رجعنا قال: يا يحيى والله لتكونن
(1/143)

في مكاني ولأكونن في مكانك حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك منها وتأخذ نصيبك من الظل كما أخذت نصيبي منه، فقلت: والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت، فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس ووضع يده على عاتقي وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف.
وكان لأبي حنيفة جار بالكوفه يغني في غرفته ويسمع أبو حنيفه غناءه فيعجبه وكان كثيرا ما يغني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر
فلقيه العسس ليلة فأخذوه وحبس، ففقد أبو خنيفة صوته تلك الليلة فسأل من غد عنه فأخبر فركب إلى الوالي فقال له: إن لي جارا أخذه عسسك البارحة فحبس وما علمت منه إلا خيرا، فأمر الوالي العسس بأن يسلموا إلى أبي حنيفة كل من أخذوه في تلك الليلة فأطلقوا جميعا فلما خرج الفتى دعا به أبو حنيفة وقال له سرا: ألست كنت تغني يا فتى كل ليلة:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
فهل أضعناك؟ قال: لا والله ولكن أحسنت وتكرمت أحسن الله جزاءك،
قال: فعد إلى ما كت تغنيه فإني كنت آنس به ولم أر به بأسا، قال: أفعل.
وكان عبد الله بن المبارك في أسفاره ينفق على أصحابه ويخدمهم ويشتري
لهم التحف والهدايا ليقدموا بها على أهلهم وأولادهم إذا رجعوا إلى ديارهم ثم يصلح لهم منازلهم ويزخرفها ويحمل إليها كل ما تحتاجه، وليس هذا بغريب من مثل ابن المبارك، فقد كان أمة وحده وحسبه شهادة الإمام إسماعيل بن عياش إذ يقول: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها فيه.
وكان علي يقول: من كانت له إلي منكم حاجة فليرفعها إلي في كتاب لأصون وجوهكم عن المسألة.
(1/144)

وشتم رجل أبا ذر فقال: يا هذا لا تغرق ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه ودخل على الواثق معلمه فبالغ في إكرامه وإجلاله فقيل له في ذلك، فقال هو أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني من رحمة الله.
إن هذا الخلق العظيم ليبلغ بالمؤمن الصادق حدا ينسى معه نفسه ويغيب عن ذاتيته، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يحلب للضعفاء ممن حوله بالسنح أغنامهم، فلما ولي الخلافة سمع جارية تقول: اليوم لا تحلب لنا منائحنا فسمعها فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم، فبقي يحلبها وهو خليفة.
وكان عمر رضي الله عنه - في خلافة أبي بكر- يتعهد امرأة عمياء بالمدينة ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجدها قد مضيت حاجتها فترصد عمر يوما فإذا أبو بكر هو الذي يكفيها مؤنتها لا تشغله عن ذلك الخلافة وتبعاتها عند ذلك صاح عمر حين رآه (أنت هو لعمري).
ومسك الختام لهذه الأقباس العلوية هو تلك المعاملة الفريدة في التاريخ
التي عامل بها الأنصار إخوانهم الملهاجرين لما قدموا عليهم فارين بدينهم وحده تاركين الأهل والولد والمال، فآووهم وأكرموهم ونصروهم وأشركوهم في أموالهم حتى خلدهم القرآن بشهادته الخالدة وسجل لهم تلك الكلمة الذهبيه إذ يقول:
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. صدق الله العظيم.
(1/145)

جهلنا بتاريخنا
على ما يدل لفظ عاشوراء؟
سؤال ألقاه علي بعض معارفي من شبابنا الذين تلقوا تعليمهم في المدارس الأجنبية، فقلت له (والحسرة ملء جوانحي): كيف يسعكم أن تجهلوا تاريخكم هكذا بينما تقبلون الإقبال كله على تاريخ غيركم تلتهمونه التهاما جاهلين أو متجاهلين أن في تاريخكم أمجادكم الغالية وبطولة أجدادكم النادرة ودروس الوطنية الحقة التي لو استظهرتموها وسرتم على ضوئها لكانت لكم نبراسا مضيئا يهديكم في مجاهل هذه الحياة وينجيكم من مهاوي الضلالات، وهل يرفع من شأنكم أن تستظهروا كل تواريخ الأمم وتستوعبوا كل معارف الشعوب وأنتم تجهلون أسماء شهوركم ومبادئ دينكم والحروف الهجائية للغتكم؟ فقال لي: وماذا نستطيع أن نعمل والحياة اليوم تسير على هذا المنوال والعمل يجرى بهذه الشهور الإفرنجية وعجلة الزمن تدور على هذا المحور؟ قلت له: بالله عليك، لا تكلمني بلغة الاستعمار فهو الذي يفهم هذا الفهم ويروجه ويعلمكم إياه ويستعمل جميع وسائله لبقائه ماثلا في أذهانكم، وماذا يريد الاستعمار منكم غير ذلك وهو لا يستطيع أن يستعمر أرضكم إلا إذا استعمر عقولكم وأفكاركم؟ لذلك يقول الإمام الشهيد حسن البناء: (أخرجوا الإستعمار من نفوسكم يخرج من بلادكم) فالاستعمار يرى (وأنتم تظاهرونه على ذلك) أن لا تاريخ غير تاريخه ولا لغة غير لغته ولا أخلاق غير أخلاقه ولا مدنية غير مدنيته، لكن لو لم توافقوه على ذلك بإقبالكم على تاريخه ولغته وأخلاقه ومدنيته وتنكركم لتاريخكم ولغتكم وأخلاقكم ومدنيتكم، أقول لو لم توافقوه على ذلك لما راجت هذه العقلية التي أصبحت جزءا من كيانكم وإتجاها لتفكيركم وصورة لوجودكم، وأصبحتم بذلك شعبا آخر غير العرب وأمة أخرى غير المسلمين.
(1/146)

وكيف تكونون عربا بغير لغة العرب أو تكونون مسلمين بغير إسلام وبدون
إلمام بتاريخ الإسلام؟ ويتفاقم أمركم إلى أن تجهلوا الشهور القمرية، وكيف يمكنكم أن تعرفو أحادث الهجرة العظيم إذا كنتم لا تعرفون محرم؟ أو كيف تعرفون ميلاد الرسول العظيم إذا كنتم تجهلون شهر ربيع الأول؟ أو كيف تعرفون يوم صعود نبيكم إلى السماء إذا كنتم تجهلون شهر رجب؟ أو كيف تعرفون شهر صومكم أو عيد الفطر أو عيد الأضحى أو يوم عرفة إذا كنتم تجهلون شهر رمضان وشهر شوال وشهر ذى الحجة؟ إنه لا يمكنك أن تعرف يوم عاشوراء إلا إذا عرفت الشهور القمرية كلها، وهي: محرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الثانية، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة.
ففي فاتح المحرم ذكرى الهجرة، وفي عاشره يوم عاشوراء، وفي ثاني عشر ربيع الأول موسم ميلاد محمد صلى عليه وسلم، وفي السابع والعشرين من رجب حادث الإسراء والمعراج، وفي رمضان الركن الرابع من أركان الإسلام وهو الصوم، وفي أول شوال عيد الفطر، وفي تاسع ذى الحجة يوم عرفة وفي عاشره عيد الأضحى.
فلنحاسب أنفسنا على الروابط التي تربطنا بالإسلام قبل أن ننتسب إلى الإسلام، فهل يستطيع أن يدعى الإنتساب إلى الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام والثمانية والعشرين حرفا التي تتألف منها لغة الإسلام، والإثنى عشر شهرا التي يتكون منها تاريخ الإسلام؟
فليس الإسلام مجرد دعوى أو وليمة عرس شعبي يتطفل عليها كل من تحمله رجلاه إليها، وإنما الإسلام تكاليف وواجبات، فمن لم يضطلع بها فلا حظ له في الإسلام.
(1/147)

صور إنسانية تعرضها الآيات القرآنية
(1)
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}.
تعرض هذه الآية صورة المؤمن الذي يهب نفسه لله، فليس له حركة ولا سكون ولا نطق ولا سكوت، إلا فيما يرضى الله، ولا يقف مال ولا ولد ولا أهل ولا وطن في طريقه إلى الله، لأنه وهب نفسه لله، إذ نزلت هذه الآية في سيدنا صهيب بن سنان الرومي لما ترك كل ماله من أهل وولد ومال في مكة، وهاجر إلى المدينة مضحيا بكل ذلك في سبيل عقيدته ودينه، ولما خرج عليه المشركون في أثناء الطريق وأخذوا في تعذيبه ليرتد عن دينه قال لهم: إني شيخ كبير لا ينفعكم إن كنت معكم ولا يضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا عليه وخذوا مالي، فقبلوه منه وأتى المدينة.

(2)
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}.
وهذه صورة إنسان وهب نفسه للشيطان فقد جعل دأبه وقصاراه كل ما فيه إضرار بالناس، ولكنه يظهر للناس على غير حقيقته، فهو يبش في وجوههم إن لقيهم ويلين لهم في قوله إن حدثهم، حتى إذا صادف منهم غرة ووجد منهم غفلة فتك بهم فتك الجراثيم فأهلك الحرث والنسل، ولكن هذا النوع وإن أخفى حقيقته فقد جعل الله له علامة تظهر أمره للناس، تلك هي غيرته على الباطل وانتصاره للمنكر وغضبه للشر: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} والعزة هنا الحمية والغيرة،
(1/148)

وبالإثم، أي على الإثم، لذلك لا يقبل كلمة: اتق الله، التي هي ملاك الأمر كله والتي قال عمر رضي الله عنه لمن قالها له: لا خير فينا إذا لم نقبلها، ولا خير فيكم إذا لم تقولوها، والآية نزلت في الأخنس بن شريق، إذ كان يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا المظهر الخداع ولهذا المنطق الخلاب فيأخذه الرسول على ظاهره- كعادته- فيكرمه ويجلسه بجانبه ولكنه إدا عاد من عنده أتي كل شر وفعل كل منكر، وفي إحدى الليالي بيت المسلمين فاحرق زروعهم وأهلك مواشيهم، وهما المراد بالحرث والنسل في الآية.

(3)
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}. هذا نموذج آخر يعرض في هذا الأسلوب الساخر، وأي موقف أدعى للسخرية كموقف عبد ضعيف ذليل من ربه يجادل بغير حق، ويحاجه بغير منطق ولا معرفة وفي غير حياء ولا خجل، ثم يظهر بين الناس شامخ الأنف، ثاني العطف ليستر ضعفه ويخفي جهله فيركب متن الغواية ويصد عن سبيل الهداية، فما جزاء هذا المتكبر على الله المتجبر على الناس إلا أن يذله الله ويرغم أنفه فيديقه الخزي في الدنيا وعذاب الحريق في الآخرة، ولا عجب فالآية في أبي جهل.

(4)
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.
وهذا نوع من الناس يدخلون المنفعة الشخصية والربح المادي في كل شيء حتى في دين الله، فيتخده متجرا وموردا للمتاع العاجل ولذلك {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} وقد نزلت هذه الآية في يهودي أسلم فأصابته مصائب فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الإسلام لا يقال.

(5)
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} الخ ... !
(1/149)

هذه صورة المناة قين الذين عدموا بعد النظر فكفروا وعدموا الشجاعة فتستروا آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم، وليس هذا بإيمان، وإنما الإيمان ينبع من القلب، ولذلك رد الله عليهم بقوله: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} ولكن من يخادعون بهذا؟ أيخادعون الله الذي يعلم سرهم ونجواهم؟ أم يخادعون المؤمنين الذين ارتفعوا فوق توافه دنياهم وسموا بأبصارهم إلى أخراهم ففازوا بهما جميعا؟ كلا! إنهم لا يخادعون إلا أنفسهم إذ لا يربحون من هذه المخادعة إلا خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وإن لم يشعروا بذلك {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وإنما لا يشعرون لأن {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} وأولئك هم اليهود الذين أحدثوا بدعة النفاق في المدينة في فجر الإسلام وما يزالون إلى اليوم يدينون بها ويعيشون منها ويسيرون على ضوئها وذلك هو الفريق المراد بقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} نزلت هذه الآية في أنس بن النضر رضي الله عنه - روى البخارى ومسلم والترمذي واللفظ له عن أنس- قال: عمي أنس بن النظر - سميت به- ولم يشهد بدرا مع وسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر عليه فقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه! أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهدء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد من العام القابل فاستقبله سعد بن مالك فقال: يا أبا عمروا إلى أين؟ قال: واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية، قال أنس: قالت عمتي الربيع بنت النظر: فما عرف أخي إلا من بنانه.
ونزلت هذه الآية: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.
هذا هو النموذج الأسمى والمثل الأعلى الذي تتقطع دونه الأعناق، ولكن يبقى على الدوام، هو الفريق القليل في العدد الكثير في المعنى.
وهكذا الناس نماذج ومنازل وصدق رسول الله صلى عليه وسلم إذ يقول:
(1/150)

"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فأحرص أيها المسلم على أن تكون دائما في المنزلة السامية والذروة العليا:
فما المرء إلا حيث يجعل نفسه.
ولا تيأس:
فلم أجد الإنسان إلا ابن سعيه … فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
فلم يتأخر من أراد تقدما … ولم يتقدم من أراد تأخرا.
(1/151)

الشورى
قيل لرجل من بني عبس: ما أكثر صوابكم! قال: نحن ألف وجل وفينا حازم واحد، فنحن نشاوره فكأننا ألف حازم.
إن هذا خير مثال يساق لبيان أهمية الشورى وعظم أثرها في المجتمع، وهي من أهم الأسس والدعائم التي يقوم عليها المجتمع الصالح السعيد، والقرآن يعدها من صميم الصفات الرئيسية للجماعة الصالحة إذ يقول: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}.
ولكن أعظم من ذلك خطرا وأبعد أثرا أن يأمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يشاور أصحابه وهو أكملهم عقلا وأنضجهم رأيا وأبعدهم نظرا فيقول: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} - إنه لا أدل على ديمقراطية الإسلام من هذه الكلمة التي تجعل نبي الإسلام، كسائر الأنام في عدم استغنائه برأيه واحتياجه إلى آراء إخوانه، ولقد شاورهم في مواقف كثيرة: منها ما رواه المقريزي في كتابه: (إمتاع الأسماع) من أنه: لما كان يوم بدر استشار النبي أصحابه في المنزل الذي ينزلونه، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم فإني عالم بها وبقلبها، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه، وماءه كثير، ثم نبني عليه حوضا ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ونغور ما سواه من القلب- أي نكبسها بالتراب حتى تنسد- فقال: يا حباب! أشرت بالرأي، وفعل ما أشار به ونهض بمن معه فنزل على القليب ببدر. ومنها: أنه عليه الصلاة والسلام-
(1/152)

في يوم بدر أيضا- استشار أصحابه في شأن الأسرى من المشركين- وكانوا سبعين أسيرا- فأشار عمر رضي الله عنه بقتلهم لأنهم رؤوس الفتنة ونافخوا ضرامها والواقفون في طريق الدعوة، فقتلهم تنقية للأشواك وإماطة للأذى من طريقها، وأشار أبو بكر رضي الله عنه بالعفو عنهم، بعد قبول الفدية منهم قائلا: يا رسول الله: هم أهلك وعشيرتك، وقد مكنك الله منهم بالنصر والظفر، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم ليكون ذلك عونا لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله لك فيكون ذلك عضدا، فأخذ صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر، وأخذ الفدية من موسري الأسرى ومن كان منهم فقيرا ويعرف القراءة والكتابة جعل فداءه تعليم عشرة من الأنصار القراءة والكتابة، وعفا عن كثير ممن لم يجد مالا ولم يعرف قراءة ولا كتابة، ولكن الآية بعد ذلك نزلت على رأي عمر وهي قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فاغتنم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك وفت في عضده وقال: "لو نزل بلاء من السماء لما نجا منه إلا عمر".
وهكذا تبلغ عناية الإسلام بالشورى فيفرضها حتى على الرسول الأعظم وينزل وحيه على خلاف رأيه لينزع الغرور من نفوس الناس فلا يجدوا غضاضة في المشاورة بعد أن يروا المؤيد بوحي الله يشاور وبعد أن يروا الآية تنزل على خلاف رأيه صلى الله عليه وسلم لذلك يقول بشار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن … برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … فريش الخوافى قسوة للقوادم
لله ما أحكم قول بشار: فريش الخوافي قوة للقوادم، كأنه يشير إلى أن التشاور تعاون، والحياة تعاون، وخير التعاون وأجداه تعاون العقول وهو التشاور.
ولذلك قيل: الرأي الواحد كالحسيل، والرأيان كالخيطين والثلاثة أمرار
لا تنقض، وقيل: نصف رأيك عند أخيك فاستشره، والمستشير يأخذ عقول الناس بالمجان، وهو قلما يندم لأنه باستعانته بعقول الناس يأخذ احتياطه ويضيق دائرة مسؤوليته، ثم هو قلما يخيب، لذلك قول صلى الله عليه وسلم: لا خاب من استخار، ولا ندم من استشار" وقال عمر رضي الله عنه: الرجال ثلاثة،: رجل ذو عقل ورأي فهو يعمل عليه،
(1/153)

ورجل إذا حزبه أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل حائر بائر لا يأتي رشدا ولا يطيع مرشدا. وقال: صاحب الحاجة أبله لا يرى الرشد إلا في قضائها.
ولكن الاستشارة أمانة فيجب أن لا يضعها ذو الحاجة إلا عند من يثق بعقله
ودينه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " المستشار مؤتمن" ومن أجل هذا يقول أيضا: "لا تستضيئوا بنار المشركين" أي لا تستشيروهم.
(1/154)

صدق الشعور
لقينى أخى السعيد البيباني بقسنطينة في هذه المناسبة الطيبه (مناسبة تدشين
دار الطلبة) ومعه طفل لم يتجاوز السادسة من عمره، ولما سألته أهو ابنه؟ قال: نعم هذا ابني عبد الحميد طلب إلي أن يصحبني إلى حفلة التدشين ليحظى بسماع صوت الرئيس البشير الإبراهيمي لأنه كان قد سمعني أتحدث بأن حديثا خاصا بهذه المناسبة قد سجل للأستاذ الرئيس في القاهرة لتسمعه الجماهير الوافدة لشهود الحفلة.
إن هذا الخبر شاهد على صدق الشعور الذي انبث في هذه الأمة وتغلغل في أفرادها حتى نبضت به قلوب صبيانها وأعربت عنه ألسنتها.
إن الأطفال لا يعرفون المجاملة ولا يحسنون النفاق فكل ما تنطق به ألسنتهم من هذا القبيل هو الصدق طبيعة وجبلة، وشاهد آخر رآه الناس في يوم قسنطينة العظيم (يوم تدشين دار الطلبة) إذ تجردت نساء تلمسان من حليهن وزينتهن لإعانة هذا المشروع عن رغبة صادقة في الخير وعن طيب خاطر وعن تفان في حب الإصلاح ورفع منزلة الوطن والنهوض بالأمة إلى مستواها الجديرة به بين الأمم.
أماما قابل به أهل قسنطينة ضيوفهم الكرام من الحفاوة والإكرام والتقدير والاحترام، فحدث عن البحر ولا حرج، وإنك لتراهم يتسابقون إلى الضيوف ليفوز كل منهم بعدد كبير يشرف به منزله طوال مدة إقامته، وإنك لتسمع الذين ظفروا ببغيتهم من الحصول على عدد وافر من الضيوف يفاخرون الذين حرموا بغيتهم فلم يظفروا إلا بعدد قليل لا يروى غلتهم إلى البر وحب الخير، أو رجعوا خائبين لم يظفروا بكثير ولا قليل، وإنك لتلمح على هذه الوجوه التي حرمت بغيتها آثار الخيبة والحرمان وتتبين فيها علائم الحزن والحسرة والألم، وإنه ليطربني أن أرى شيوخ المعهد وأعضاء الجمعية في الطليعة
(1/155)

يتقدمون الأمة في هذه المبرة الخالدة زيادة على التنظيم والإعداد اللذين أنفدوا فيهما قواهم. الحقيقة: أن هذه الأمة لم يخلق الله مثلها في الأمم، وأن هذه المشاعر الكريمة والخصائص العظيمة التي وهبها الله هذه الأمة لم يهب مثلها أمة من الأمم، وإن يوما تتنبه فيه هذه المشاعر وتتجلى فيه هذه الخصائص على أكملها لهو يوم يكثر فيه عويل من يتمنون زوالها ويتربصون بها دوائر السوء، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
فيا أيتها الأمة الكريمة على ربها، العظيمة في تاريخها، لا تحقري نفسك
ولا تستصغري قدرك، فإن الله جعلك خير أمة أخرت للناس، وخصك بخير الأنبياء، وختم بكتابك هداية السماء، وقد طال منامك حتى ظن حمامك، فانفضى عنك غبار السنين وأزجرى عن أجفانك طائر الكرى، وانهضي لقيادة العالم من جديد فقد أوشك أن يلقى حمامه ويودع أيامه، إنه يترنح للسقوط، إنه مفكك الأوصال مهيض الجناحين، مستعبد لشهواته، إنه يصنع بيديه ما يقضي عليه، ويخرج مصنعه كل- ما فيه مصرعة، إنه يخرب بيته بيده، ويسعى إلى حتفه بظلفه، إنه عاد إلى شريعة الغاب والظفر والناب، وودع شريعة الأخلاق والآداب.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهيوا
إن العالم اليوم تسيره الأيدي التي لا تؤمن بالله، وهذا يكفي في سيره إلى الهاوية. وأنت: أنت أيتها الأمه المسلمة التي تنقذين العالم كما أنقذته من قبل، وتنيرين له الطريق كما أنرته أولا.
إنه لا ينقصك للقيام بهذه المهمة إلا أداة واحدة، وهي الأداة التي كانت في
يدك يوم ائتمنتك السماء على هدايتها، هي أن تحملي مشعل هذه الهداية في يدك وتسيري في الطريق الذي رسمه لك حامل المشعل الأول صلى الله عليه وسلم. ليس عليك إلا أن تلمي شعثك وتوحدي صفوفك وتضحي بنفسك ومالك لتربية أبنائك وتثقيفهم وإعدادهم للمسئولية الكبرى ولليوم العظيم.
هذه هي الأداة التي كانت في يدك فصنعت بها العجائب وهي التي ستصنعين بها العجائب إن أردت، والتي يصلح عليها أمر دنياك وأمر أخراك، وإمام دار الهجرة مالك ابن أنس رضي الله عنه يقول: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
(1/156)

السعادة الحقة
لا سعادة كراحة الضمير، واطمئنان النفس اللذين يعقبان القيام بالواجب،
فلا المال ولا العلم ولا الحكم ولا كلها مجتمعة تأتي بالسعادة إذا لم تأت براحة الضمير، واطمئنان النفس، لأن راحة الضمير واطمئنان النفس هما الثمرة لهذه الأشياء كلها، ولا تثمر هذه الأشياء كلها راحه الضمير واطمئنان النفس إلا إذا أدى صاحبها واجبه فيها فإذا أدى العالم واجبه بعلمه ارتاح ضميره واطمأنت نفسه وتلك هي السعادة، وإذا أدى صاحب المال واجبه بماله ارتاح ضميره واطمأنت نفسه وذلك معنى السعادة وإذا أدى صاحب الحكم واجبه بحكمه ارتاح ضميره واطمأنت نفسه وتلك هي السعادة أما إذا كان العالم لم يؤد واجبه بعلمه فلم ينفع به أمته ولم يوقظ به أبناء وطنه ولم يغير به منكرا ولم ينصر به حقا، ولم يؤيد به عاملا مكافحا ولم يبين به حكما ولم يرد به حاكما ظالما عن ظلمه، ولم يتخذه قربة إلى الله، وإنما اتخذه سلما للوظيفة ووسيلة لجلب المال، واستخدام الشعب لمصالحه، وتسيير العامة في أغراضه، فهذا هيهات أن يرتاح ضميره وتطمئن نفسه، بل هو دائما في معركة بينه وبين ضميره ونفسه لا يعرف الهدوء ولا الاستقرار، وذلك هو الشقاء بعينه، وكذلك الحال إذا كان صاحب المال لم يؤد واجبه فيما بسط الله عليه من مال، فلم يطعم جائعا ولم يواس محروما ولم يغث ملهوفا ولم يمهل مدينا ولم يعن مشروعا ولم يجعل ماله وسيلة لإنهاض أمته وتحسين حال أبناء وطنه، وإنما اتخذه وسيلة لشهواته ونزواته، وتملق به الكبراء وأرباب الحكم وأصحاب الجاه الزائف، فهذا لا يرتاح ضميره ولا تطمئن نفسه، وإن تراءى للناس أنه كذلك لأن الخصائص الإنسانية لا تموت وإنما تتغلب عليها الشهوات والأهواء، ومن عدم راحة الضمير وشرد عنه اطمئنان النفس، لم يذق للسعادة طعما، وان ظهر للناس أنه سعيد،
(1/157)

وكذلك صاحب الحكم إذا لم يؤد واجبه بحكمه، فلم يحكم بالحق ولم يردع ظالما ولم ينصر مظلوما، ولم يتخذ حكمه وسيلة لترقية بلاده، وإسعاد أمته، وإيصال الحقوق إلى أهلها، وإنما اتخذه وسيلة للتسلط والاستعلاء، واستعباد الناس ونهب الأموال، فهذا كيف يرتاح ضميره أو تطمئن نفسه، وإذا لم يذق للاطمئنان طعما فهو أشقى الأشقياء وإن ظهر أنه أسعد السعداء، فالسعادة هي اطمئنان النفس، وامتلاء القلب براحة الضمير وإن فرغت اليد من كل شيء، واطمئنان النفس ثمرة القيام بالواجب، ولذلك كان السعيد في الدنيا هو السعيد في الآخرة، لأن السعيد هو الذي اطمأنت نفسه بأداء واجبه.
إذا فهمنا هذا فهمنا سر خطاب الله للنفس السعيدة بالنفس المطمئنة إذ يقول {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}.
(1/158)

إلى العلماء والمعلمين
أيها العالم:
إن في صلاحك أو فسادك صلاح العالم أو فساده، كما أن في إصلاح القلب أو فساده صلاح الجسد أو فساده " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم- وقد سئل: ما البلاء؟ قال: "العلماء إذ فسدوا" ذلك لأنك القدوة والمثال، فكيف إذا وكل إليك أمر قيادة هذه الأمة إلى ما فيه رشدها وصلاحها؟ أترضى أن تكون بالمنزلة الدنيا وهي بالمنزلة العليا؟ أو ترضى أن تكون قائدا بالإسم والشكل ومقودا للأهواء والشهوات؟ أو ترضى أن تقودها ونفسك إلى الهاوية السحيقة في سواء الجحيم؟

أيها العالم:
إن مسؤولية العالم مسؤولية كبرى، هي مسؤولية القائد والرائد والدليل، لأن منزلتك من أمتك الجاهلة الحائرة منزلة المحرك من السيارة الضخمة في الصحراء المهلكة البعيدة عن العمران.

أيها العالم:
إذ سئل كل فرد عن نفسه وكل راع عن رعيته، فأنت تسأل عن كل فرد في أمتك.

أيها العالم:
إن مسؤوليتك أكبر من مسؤولية الحاكم، فالحاكم يصلح الرعية وأنت
تصلح الحاكم، ومن أجل ذلك يقول المفسرين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
(1/159)

أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} إن المراد بأولي الأمر هم العلماء العاملون، وبه قال مالك رضي الله عنه.

أيها العالم:
إن الخير أو الشر يبدأ منك كما يبدأ الصفاء أو الكدر من أول النهر وأعلاه، فلا تكن سبب بلاء على أمتك.

أيها العالم:
إن العلم وسيلة وإن الغاية هي تقوى الله ولذلك بدأ القرآن بالأمر بالقراءة،
ولم يبدأ بالأمر بالتقوى لأنها وسيلة لا لأنها أشرف من التقوى، كما بدأ بالجهاد بالمال ولم يبدأ بالنفس عندما قال: {جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} لا لفضل المال على النفس، ولكن لأن المال وسيلة، ولأن المال قوام الأعمال، وختم القرآن بالأمر بالتقوى لأنها الغاية وهي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} في قول من يقول: هي آخر ما نزل من القرآن وأن الله قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولم بقل: إن أكرمكم عند الله أعلمكم، فإذا لم ينفعك علمك ولم يعصمك من شهواتك وأهوائك، وهي أخطر من أعدائك كنت كمن بيده سلاح لا يدافع به عن نفسه وهو في معمعة الحرب وأعداؤه تحيط به من كل جهة.

أيها العالم:
إن الله يقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} هكذا بأداة الحصر، فكأنه
يقول: إن الذي لا يعرف الله لا يخشاه وهو كذلك، فخشية الله ثمرة معرفته ولذلك كلما دعانا القرآن إلى النظر والتفكر في آيات الله ختم ذلك بمثل قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ومعنى ذلك أن النظر فيما خلق الله يعرفك بالله فتتقيه وتخشاه، وقد ضرب الله مثل من يعلم ولا يعمل بمثل الحمار الذي يحمل الكتب في أن كلا منهما غير مستفيد مما يحمل إذ قال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}
(1/160)

أيها العالم:
إن النبي صلى الله عليه وسلم أعتبر العلم الذي لا ينفع شرا تعوذ منه إذ قال من حديث:
(وأعوذ بك من علم لا ينفع) وهو كذلك لأن العلم بلا عمل حجة على صاحبه، كما قال صلى الله عليه وسلم في القرآن من حديث: "والقرآن حجة لك أو عليك فليتك إذا لم تعمل لم تعلم".
وما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟ فلا عجب بعد هذا أن يكون العلم جهلا في كثير من الأحيان لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (إن من العلم لجهلا) ويقول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: (لا تجعلوا علمكم جهلا، ولا يقينكم ظنا، إذا علمتم فاعملوا، وإذا تيقنتم فأقدموا).
وكم يؤلمني أن أرى واعظا يعظ الناس وهو لا يتعظ، كم يؤلمني هذا الطبيب المريض الذي يشفق على الناس وهو أحوجهم إلى الشفقة.
"وغير تقي يأمر الناس بالتقى … طبيب يداوي الناس وهو عليل"
وكم يؤلمني هذا الذي يقول:
"اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي … ينفعك علمي ولا يضررك تقصري"
مسكين هذا الشاعر الذي لم ينتفع بعلمه ويدعي انتفاع الناس به {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.

أيها العالم:
أذكر على الأقل قوله صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء" أو قوله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" فأين عمل الأنبياء؟ وأين تقوى الأنبياء؟ وأين وقار الأنبياء؟ وأين جهاد الأنبياء لنفوسهم، وأعدائهم؟

وأنت أيها المعلم:
أذكر على الأقل قول شوقي:
(1/161)

وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة … جاءت على يده البصائر حولا"
ولا تستكثر ذلك في منزلتك فشوقي نفسه يقول في أول القصيدة نفسها:
"كاد المعلم أن يكون رسولا"
وأذكر أن الأمانة التي بين يديك هي أغلى الأمانات، وهي نشء الأمة وأبناؤها وربحها ورأس مالها، فاتق الله في أمتك واتق الله في أمانتك.
(1/162)

المسؤول الأول
لا أعني بالمسؤول الأول إلا قائد الفوج الأول، وهو المعلم: وقد رأى بعض الإخوان أن حظه من المقال السابق كان ضئيلا، فأردت أن أوفيه حقه في مقال مستقل.

أيها المعلم:
إن منزلتك منزلة قائد الكتيبة الأمامية من الجيش، فإذا انهزمت كان انهزامك
الضربة القاضية، ومن المؤلم أن يعرف الإستعمار لك هذه المنزلة وتجهلها أمتك وتتجاهلها أنت في كثير من الأحيان.

أيها المعلم:
إن الإستعمار يعتبرك أكبر عدو له، لأنك تبني له ما يهدمه، وتعد له من العتاد ما يتضاءل أمامه كل عتاد، وتهيء له من الجنود ما يثبت في وجه العواصف كالأطواد، لذلك فهو يحاربك حربا لا هوادة فيها ويجعل مكانك من قائمة خصومه في أولها، وينظر إلى كتابك الصغير كثكنة عسكرية أو قلعة حربية أو معمل للأسلحة الذرية، وينظر إلى هذه العصافير الصغيرة المرتلة للقرآن بأعذب الألحان، فيشرد لبه، ويذهب رشده، ويطير نومه، لأنه ينظر إلى هذه العصافير الصغيرة بعين المستقبل البعيد وقد استحالت أسودا، واستحال تغريدها زئيرا، واستحالت أقلامها رماحا تطعن الكلى والخواصر، ومحافظها كنائن للسهام النافذة المصمية، أدرك الإستعمار كل هذا وأدرك غير هذا مما تعلمه ومما لا تعلمه، فحاربك قبل كل أحد، وراقبك أكثر من كل أحد.
(1/163)

أدرك ورأى أنك تثبت له في الأرض التي احتلها القواعد التي تزلزل أقدامه وتأتي على بنيانه من القواعد أدرك أنك تثبت له لغه الإسلام ودين الإسلام وتاريخ الإسلام وشخصية الإسلام، وهو قد عرف من الإسلام أنه عدو لكل باطل وكل بغي وكل عدوان، وعرف من تاريخ الإسلام أنه أزال من الوجود كل شبح للباطل والبغي والعدوان، لذلك كانت خطته القضاء على كل ما يحمل اسم الإسلام وطابع الإسلام، وشخصية الإسلام.

أيها المعلم:
هذه هى قيمتك في نفس الإستعمار وفي نفس الواقع، فلا تضع نفسك دونها، فعلى قدر قيمتك تكون مسؤوليتك، لا تكن شخصا جديرا بالرثاء، ولا جسرا يعبر عليك الناس إلى الغايات البعيدة، وأنت لا تبرح مكانك، لا تكن كما قال أخوك محمود غنيم:
فمن كان يرثي قلبه لمعذب … فأجدر شخص بالرثاء المعلم
على كتفيه يبلغ المجد غيره … فما هو إلا للتسلق سلم
لا تكن شخضا يستحق الرثاء، ولكن كن شخصا يستحق الإكبار والإحترام،
بل إن مهمتك لا تقف عند هذا الحد، لا تقف عند شخص واحد يستحق الإكبار والإحترام هو أنت، وإلا كنت شيئا عاديا، وإنما مهمتك تتعدى ذلك بكثير، هي أن تصنع أشخاصا كثيرين يستحقون الإكبار والإحترام، بل إن مهمتك صنع الأجيال المتعاقبة الممتدة مع الزمن، كما تتناسل البذور الطيبة على مدى الزمن، فاعرف قيمتك واعرف قيمة هؤلاء الذين بين يديك والذين بعثت إليهم وبعثوا إليك، إنك مسئول عنهم مسئولية الأنبياء عن أممهم التي بعثوا إليها. علمهم تقوى الله قبل كل شيء، فتقوى الله هي الأساس لأنها النور الذي يبدد ظلمات المجهول، والله يقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} إن نور العلم من نور الله، ونور الله لا يشرق في القلوب المظلمة بمعاصية.
شكوت إلى وكيع سوء فهمي … فأرشدني إلى ترك المعاصي
وذاك لأن علم الله نور … ونور الله لا يهدى لعاص
(1/164)

ومصداق ذلك قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
علمهم الشعور بالمسؤولية والإضطلاع بالمهمات والصبر على المكاره، والمثابرة على العمل، والصدق في القول، والإخلاص للوطن، والطموح إلى الكمال.
علمهم أن الحياة كفاح، وأن العمر أنفاس وأن ما مضى من الوقت لا يعود،
وأن من شب على شيء شاب عليه وأن الخير بالتعود والشر بالتعود، وإن من لم يتعود الكمال من صغره صعب عليه في كبره.
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا … فمطلبها كهلا عليه شديد
قو فيهم ملكة الملاحظة وأفتح عيونهم على ما في الكون من جمال وتناسق ونظام لترى فيهم ملكة الذوق وحب الجمال والشغف بالنظام، إنك مسؤول عن أشياء كثيرة لهذا الطفل الذي بين يديك، هذه النبتة الصغيرة التي تنبت أمامك وتنتظر الكثير من رعايتك واهتمامك، هذه القطعة اللينة الطيعة التي تنتظر أن تصوغها على المثال الذي تريد وعلى الشكل الذي تختار، وتدفع بها في الإتجاه الصالح في رأيك، ولكن إحذر أن تنسى أنك القالب والطابع والدليل وأن هذا الطفل ينظر إلى عملك قبل أن ينظر إلى قولك، ويؤخذ بسلوكك أكثر مما يؤخذ بأمرك ونهيك، فإذا انحرفت ولو لحظة رميت بمركبة الأجيال في الهوة السحيقة، وإذا زاغ بصرك يمنة أو يسرة "جاءت على يدك البصائر حولا" كما يقول شوقي.
فما أعظم مسؤوليتك، أيها الصديق الكريم.
(1/165)

واجب الأمة نحو التعليم
أيتها الأمة:
إذا اعتبر الإستعمار معلم العربية أكبر أعدائه، فاعتبري أنت الجهل أكبر أعدائك، واعتبري المعلم أقوى عتادك وأصدق أصدقائك، فما اعتبر الإستعمار المعلم أكبر أعدائه إلا لأنه يبدد الظلام، فيظهر اللص الملتحف بالظلام، فلا عجب أن يعشق اللص الظلام ولا عجب أن يقترن الظلم بالظلام، وأن يقول عليه الصلاة والسلام: "الظلم ظلمات يوم القيامة".

أيتها الأمة:
إن الإستعمار يحرص كل الحرص على أن يعيش دهرك كله في ظلام ليبلغ
منك كل مرام، فكذبي فأله، وخيبي آماله.

أيتها الأمة:
إنه لا يستعمر شعب شعبا إلا كان أحدهما عالما والآخر جاهلا، فحيث يوجد استعمار يوجد علم وجهل وحيث يوجد شعب جاهل محكوم يوجد شعب عالم حاكم، فليس من عدو للحرية كالجهل، وليس من قيد للأحرار كالجهل، وليس من وسيلة تعين المستعمر على استعباد الناس كالجهل، وإن الذي يجعل طفلا صغيرا يسوق غنما كثيرة تعد بالمئات هو الجهل، الجهل الذي جعل شعوبا كثيرة العدد تستعبدها شعوب قليلة العدد، فليست المسألة مسألة قلة وكثرة ولكنها مسألة علم وجهل، لذلك كان الإسلام من أول ظهوره ثورة على الجهل، لأن الإسلام ثورة على الإستعباد والعبودية لغير الله، وكان أول ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم
(1/166)

هو قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} وإن أسرى المسلمين من قريش يوم بدر ممن أعوزهم المال لم يخلصهم من أسرهم إلا علمهم بالقراءة والكتابة، حيث جعل الرسول صلى الله عليه وسلم فداء الواحد منهم تعليم عشرة من أبناء الأنصار القراءة والكتابة.

أيتها الأمة:
إن التعليم يقوي كيانك ويقيم أركانك ويعلي بنيانك ويرفع شأنك، فاجعليه
في أول القائمه من أعمالك، وضحي له بالضروري من قوتك، بل ضحي له بحياتك إن اقتضى الحال أن تضحي له بحياتك، فلا حياة لك بلا تعليم، لأنه لا حياه لك بلا لغة ولا دين ولا تاريخ.

أيتها الأمة:
لا يكن كل همك في طعامك وشرابك، فالحياه لا تقوم على الخبز وحده، وهو مصداق ما في الإنجيل: (لا يحيا الإنسان بالخبز وحده) لأن الإنسان ليس جسدا فقط، وإنما هو جسد وروح وعقل، وإن الجسد لا بقاء له بلا روح، ولا قيمة له بلا عقل، فالجسد مثله مثل مركبة محركها الروح وقائدها العقل إذا علمت هذا لم تجعلي التعليم كماليا، وإنما جعلته كالقوت ضروريا، فأنصفي نفسك من نفسك بإنصافك روحك وعقلك من جسمك.

أيتها الأمة:
ما أهون الحياة التي يحياها الإنسان مستعبدا لجهله، مسعبدا لهواه، مستعبدا لظالمه: إن هو- إذ يرضى بذلك- إلا حيوان وليس بإنسان، بل إننا لنظلم الحيوان إذ نشبهه بمثل هذا الإنسان، ولو نطق الحيوان لرد عن نفسه هذا الإفتراء والبهتان، ولقال: إني لخير من هذا الإنسان، لأني "بما جبلت عليه من جهل وطاعة عمياء لمالكي" أقوم بأداء وظيفتي كحيوان، أما الإنسان فإنه إذا تخلى عما فطره الله عليه من كمال فقد اهمل وظيفة الإنسان وهو ليس بحيوان، ولذلك فليس هو حينئذ بإنسان
(1/167)

ولا حيوان، لذلك يعقب القرآن على قوله: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ} بقوله: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}.

أيتها الأمة:
جاهدي في العلم حق جهاده، جاهدي بمالك ونفسك ولا يشغلك واجب
عن هذا الواجب، ولا يصدك عن هذه الوجهة أصوات المأجورين على خنق أنفاسك وإطفاء نبراسك، ولا يصرفك عن المضي في هذا الطريق ما يصادفك فيه من عراقيل، وما يضعه فيه أعداء النور من صخور، ولكن اسمعي لهتاف دعاتك المخلصين الصادقين، والتفتي إلى عهودك الزاهرة بأنوار العلوم والعرفان، الزاخرة بأنواع الفتوح والعمران، يوم كانت أروبا تعيش في الظلام، فتعشو إلى ضوء الإسلام، ويتردد أبناؤها على الأندلس وبغداد ليتزودوا من تراثهما الفكري خير الزاد، يوم كان المأمون يفرغ خزائن الذهب ليملأ خزائن الكتب بذخائر العلم والأدب ويدفع أبهض الأثمان على نقل فلسفة اليونان وعلوم اليونان، فكان المسلمون بذلك أساتذة العالم في تنوير الأذهان بنور العلم والعرفان، كما كانوا أساتذة العالم في تنوير القلوب بنور الهدى والإيمان.

أيتها الأمة:
هذا وهو ماضيك فسيري على ضوئه واهتدي بهديه، واحملي مشعل الهدايتين، هداية الدين، وهداية العلم كما كنت من قبل، والله يأخذ بيدك ويسدد خطاك.
(1/168)

هدي القرآن
أنصح للدعاة أن يتوفروا على دراسة القرآن ويعكفوا على تدبره، فإنه الأداة
القوية والوسيلة الفعالة في الدعوة إلى الله، وتوجيه القلوب إلى الخير، وارتياد الآفاق المجهولة للفضائل والكمالات، لأن للقرآن أسلوبه الخاص في التأثير على القلوب والسيطرة على المشاعر والأحاسيس، وحسبنا من ذلك قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى}. أي لكان هذا القرآن.
فلا عجب- إذن- أن تتأثر الطلائع الأولى من المسلمين بالقرآن ذلك التأثر
العجيب الأخذ بأزمة القلوب، مما لفت خصوم الدعوة ونبههم إلى أن يحولوا بينه وبين أسماع الناس حتى لا ينتصر الحق وينهزم الباطل، فيخسروا المعركة، ويقص القرآن علينا ذلك إذ يقول: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}.
وإذا كان القرآن بهذه المنزلة من قوة التأثير بحيث أن الجبال تخشع وتتصدع من خشية الله لسماعه، فإن الميت حقيقة هو الذي {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا}.
الميت حقا ليس هو الذي فارقت روحه جسده فحسب ولكن الميت (أكثر من ذلك هو الذي روحه بين جنبيه ولا يسمع آيات ربه إذ تتلى عليه ومن حوله الجبال الصم تتأثر بسحرها وتتصدع من خشية الله عند سماعها: فلا عجب - بعد ذلك- أن يشبه القرآن هذا الصنف الرخيص من المخلوقات بالأموات إذ يقول: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ
(1/169)

الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} ولكن العجب العاجب أن تموت أمة أحياها القرآن أو تشقى أمة أنزل عليها القرآن، والله تعالى يقول لنبي هذه الأمة: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} أو تضل أمة دليلها القرآن والله تعالى يقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ولكن لا عجب أيضا فإن الأمة التي سعادتها في القرآن تشقى إذا تركت العمل بالقرآن، وإن الأمة التي هدايتها في القرآن تضل إذا تركت الإهتداء بالقرآن، فليس الذنب ذنب القرآن، وإنما هو ذنب من أعرض عن القرآن، كما ليس الذنب ذنب الدواء وإنما هو ذنب المريض الذي أعرض عن الدواء.
وإن القرآن الذي أسعد الأمة بعد شقائها، وهداها بعد ضلالها، ما زال
تحت سمعها وبصرها وفي صدور أبنائها، لم يعتره تغيير ولا تبديل ولا تشوبه ولا تحريف، ولا نسخ بكتاب آخر كما وقيم للكتب السماوية من قبله، لأن الله تكفل بحفظه وأكرم نبيه بخلوده {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. أي أن الدواء ما زال في أيدينا ولم يطرأ عليه أي فساد، بل إنه الدواء حقا بشهادة منزله إذ قال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
فهلم إلى القرآن- إذن- أيها المسلمون، هلموا إلى الدواء الذي لا دواء لكم غيره، الدواء الذي جربتموه في سالف أيامكم، فأبرأكم من جميع أسقامكم، أيقتلكم الداء وفي أيديكم الدواء؟ أيحرق لهواتكم الظمأ وأمامكم الماء؟
"ومن العجائب والعجائب جمة … قرب الحبيب وما إليه وصول"
"كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ … والماء فوق ظهورها محمول"
وهكذا يصدق علينا المثل.
"يصبح ظمآن وفي الماء فمه".

أيها المسلمون:
إن أجدب بكم الزمان أو نبا بكم المكان فتعالوا إلى رياض القرآن، فإنكم ستجدون المرعى الخصيب، والجناب الرحيب ولكن لا ترتضوا الكفر بعد الإيمان ولا تخرجوا من عز الطاعة إلى ذل العصيان، فإن هذه الرحاب المقدسة لا تطؤها الأقدام المدنسة، إن المرعي الخصيب، ليهدى إليه هتاف القرآن المهيب إذ يقول:
(1/170)

{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} وإذ يقول: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} كما قال في أهل الكتاب: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} فتعالوا إلى القرآن فهو الدواء إن أعضل الداء وعز الدواء.
(1/171)

تذكرة
خيال مفزع مثير لا يبرح نصب عيني ولا أكاد أطمئن إلى نسيانه حتى ينتصب أمامي بارزا قويا يمض إحساسي ويهد كياني ويكاد يطفىء جذوة الأمل في نفسي.
ذلك هو خيال الفقير طريد المجتمع وغرض النوائب وثمرة الأنانية والشره، الذي أعاده إلى ذهني سريعا مما قاسته البشرية في هذه الأيام من برد شديد وزمهرير مبيد يكاد يشل الحركة في الأجسام ويجمد الدماء في العروق، وسرعان ما شكرت الله على حفظي للقرآن إذ ذكرت قوله تعالى في النار {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} فقلت إذا كانت هذه النار تذكرة بنار جهنم، فلم لا يكون هذا البرد الشديد أيضا تذكرة ببرد أشد منه، ببرد الزمهرير الذي إذا استغاث أهل النار من حر النار أغيثوا به فيستغيثون منه إذ يرون النار أهون عذابا منه، وتذكرة أيضا ببرد الفقير الذي حرم الشعار والدثار وعدم الغطاء والوطاء، بل إن البرد لأولى بالتذكرة لأننا نحسه يسري في أبداننا سريان السم كلما أناخ الشتاء بكلكله على الأحياء، وإذا أحس بالبرد من استعد له بمضاعفة الأكسية والأغطية، فكيف حال من لا ثوب له إلا جلده ولا غطاء له إلا السماء؟
ولكن قلوب البشر ما زالت أقسى من الحجر رغم بعثة الأنبياء وجهاد العلماء وتضحيات الحكماء ما زالت الأنانية هي القائد والسائق، وما زال نداء الشهوات والأطماع هو النداء المسموع المطاع.
وإذن ففي هذا البرد تذكرة ولكن {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} وفي الناس من يتذكر،
لكن {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} وللناس في هذا الكون آيات غير النار والبرد، لكن
(1/172)

{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} والإسلام إنما جاء ليجعل للناس قلوبا تحس ومشاعر تتأثر، وأكفا تمتد بالإحسان، وأرجلا تسعى إلى الخير وإلى صالح بني الإنسان، جاء ليرهف الإحساس ويسمو بالمشاعر ويرقى بالوجدان، فتصبح الإنسانية كلها كما متصلا بل أسرة واحدة بل جسدا واحدا إذا شكا منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد بلغ الإسلام في ذلك شأوا بعيدا في عهوده الأولى وأنشأ مجتمعا فذا فريدا في التاريخ سادت فيه المعاني الإنسانية والروحية بصفة لم تكن معهودة- ولا متصورة وإذا دعا الإسلام المسلمين إلى أن يكونوا إخوة في الله، فإن المسلمين حققوا ذلك وزادوا عليه إذ آثروا على أنفسهم وتخلوا لبعضهم بعضا عن حظوظهم حتى أثنى عليهم القرآن بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وأصبح المسلم بشبع جاره من جوع ويجوع ويطعم أخاه المحروم، ويصوم ويؤثره بالماء ويهلكه الظمأ كما وقع في إحدى الغزوات، إذ بينما رجل يطوف بالماء إذ مر على جريح يكاد يقتله الظمأ فدنا منه ليسقيه فأشار إليه بأن يتركه ويسقي آخر بجانبه في مثل حاله، فذهب إليه ليسقيه فأشار هو الآخر إلى آخر بجانبه ليسقيه وهكذا يدفعه جريح إلى جريح حتى أتى إلى الأول فوجده قد هلك ثم الثاني كذلك ثم الثالث حتى هلكوا جميعا وبقي الماء لم يطعمه أحد.
إن هذا الإيثار بالنفس في ساعة العسرة وفي اللحظة الحاسمة من العمر لهو أبلغ معاني التضحية وأسماها:
"والجود بالنفس أقصى غاية الجود"
وهذا المثل الفريد في الإنسانية يذكرني بمثل فريد في الأنانية لأنه على نقيضه تماما.
كان ذلك والكون كما هو في هذه الأيام تسوده الروح المادية وتتحكم فيه
وتستبد به، كان ذلك عند مبعث المسيح عليه السلام: إذ مر أثناء سياحته على الكنز وبحانبه ثلاثة أشخاص موتى فقال: يا رب: ما خطب هذا الكنز وما خبر هؤلاء الأشخاص؟ فأوحى الله إليه: بأن هؤلاء الأشخاص بينما هم في طريقهم سائرون إذ عثروا على هذا الكنز فجلسوا ليتقاسموه ولكنهم قبل أن يقسموه اتفقوا على أن يبعثوا أحدهم ليئتي بغدائهم، فبقي اثنان وذهب الثالث ليأتي بالغداء فقال الإثنان المتخلفان إذا عاد صاحبنا قتلناه واقتسمنا الكنز بيننا شطرين وقال الثالث في نفسه: سأطلب من
(1/173)

الخباز أن يجعل السم في خبزهما ليموتا وأستأثر وحدي بالكنز، فلما وصل إلى صاحبيه بالخبز وثبا عليه فقتلاه، ولما أكلا خبزهما المسموم ماتا، وهكذا الدنيا يتقاتل عليها أهلها. ثم يتركونها.
إن الإسلام لا يعرف هذه الأنانية العارمة الطاغية ولا يعرف هذا الشره المادي المكتسح، إنه لا يعرف هذا المجتمع المتكالب على الدنيا، إنه لا يعرف هذه الجيوش الجرارة من التعساء ينامون على رصيف الشاع مباشرة وفي المسلمين من يملكون الملايين التي تبعثر في الخمر والبغاء والقمار وولائم الأعراس ومآدب الحفلات الرسمية وجواسيس الحكومات الإستعمارية، وفيهم من يموت وليس له وارث فتستولي على ماله هذه الحكومات الإستعمارية، لتتمكن به من خنق أنفاس المسلمين فيكون قد أساء مرتين: منع إخوانه ماله في حياته، وأعان به المسمتعمر عليهم بعد مماته.
فأذكروا أيها المسلمون إخوانكم في هذه الأيام السود، فإن أسلمتموهم
فلستم بمسلمين.
{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
(1/174)

عيادة
أيقظ في نفسي وخز هذا الزمهرير، خواطر كانت هاجعة، وأعاد إلى ذاكرتي صورا كانت شاردة، وعرض أمام عيني دنيا فسيحة تموج بشتى المشاعر والأحاسيس، دفع بي مفعولها إلى أن أضيف هذه الكلمة إلى الفصل السابق. يروي التاريخ أن أحد العارفين بالله دخل عليه بعض إخوانه في يوم شديد البرد كهذه الأيام فوجده عاريا من ثيابه فقال له: إن الناس في هذه الأيام تضاعف اللباس وأنت هكذا تتعرى من الضروري منه، فقال: تذكرت الفقراء وما يقاسونه من لذع هذا البرد، ففكرت فيما أواسيهم به فلم أجد، فقلت: لا أقل من أن أتعرى هكذا لأشاركهم إحساسم بالبرد. هذه الكلمة لها قيمتها الكبيرة في هذا الباب، وإن مر بمثلها الكثير من الناس دون أن يأبه لها أو يلتفت إليها، إنها كلمة تنفذ إلى الأعماق بقوة تأثيرها ومفعولها، إنها تشير إلى أن المواساة ممكنة من كل أحد، كل على قدر طاقته، وتشعر- فوق ذلك- إلى أن شيئا أساسيا ينقصنا الآن، هو يقظة الشعور والوجدان.
وتحت تأثير هذه الكلمة قالت لي نفسي:- نفسي اللوامة- لا نفسي الأمارة: وأنت بم تشارك، لأنه يجب أن تشارك؟ فارتبكت أولا ثم قلت: نعم يجب أن أشارك ولكن بم أشارك؟ بمالي؟ ولكن أين المال من أمثالي حملة الأقلام؟ بأن أتعرى كما فعل صاحبنا، ولكن هل يفيد العراة أن أتعرى؟ لا، بل يزيد واحد في عددهم بعريي ليس إلا، وملكتني الحيرة فلم أجد ما أصنع، وأخيرا هداني تفكيري إلى شيء وإن كان لم يقنعني كثيرا ولكن يثبت إسمي في القائمة على كل حال قائمة المشاركين ولو سلبيا، قلت أعودهم. وأنظر إلى شقائهم فأتالم ثم أكتب عنهم ليتألم من كان مثلي لا يملك إلا أن يتألم، ففي التألم مشاركة وإن كانت مشاركة سلبية كمشاركة صاحبنا بعريه، ولكن هذه المشاركة السلبية قد تكون عند بعض الناس
(1/175)

مقدمة للمشاركة الإيجابية كمشاركة الصائمين للفقير بجوعهم، فإن الحكمة من هذا الجوع أن يوقظ الشعور بالمحرومين في الناس، ولكن حتى هذه العيادة قد يستغربها كثير من الناس لأنهم يستكثرونها على هؤلاء التعساء، ويريدون أن يموتوا دون أن ينظر إليهم أحد، أو يتألم لألمهم قلب.
ونحن لا يهمنا من هذا شيء ما دام منهاجنا هو منهاج الإسلام وما دامت
دعوتنا هي دعوة الرجوع إلى تعاليم الإسلام، وعبادة المريض من سنن الاسلام ورسول الإسلام قد صح عنه أنه كان يعود المرضى في أطراف المدينة ولا سيما الفقراء منهم، فمالنا ولهؤلاء الذين لا يعنيهم أحد ولا يهتمون إلا بأنفسهم والذين لو استقر في قلوبهم إيمان، أو انطوت صدورهم على شيء من رحمة بأنضاء البؤس والحرمان لما كان في هذه الحياة بائس ولا محروم، ولأصبحت الحياه جنة تسر الناظرين، ولأصبح الناس كلهم إخوانا على سرر متقابلين:
- وإذن- فقد صح عزمي على أن أعود هؤلاء الذين لا يعودهم أحد، ولا يفكر فيهم إلا الأقلون. فذهبت إلى أحد شوارع العاصمة التي يكثر فيها وجود هذا الصنف من تعساء الإنسانية، فوقع بصري على مشهد يذيب الفؤاد، ويفتت الأكباد، ونظرت إلى أكوام من الجثث الحية الميتة، تكاد تلتحم بالأرض، لطول ما باشرت بأديمها الأرض، نظرت إلى عيون غائرة ووجوه كاسفة وبشرات ذابلة قد برزت من بين خروق الثياب الممزقة والأسمال المتهدمة، والأنكى للقلوب الرقيقة والمشاعر الحساسة أن هؤلاء التعساء كلهم صغير السن غض الإهاب لم يتخط أكبرهم عتبة العشرين فقلت في نفسي: إلى من تنتمي هذه الأسرة الشقية؟ وأين آباء هؤلاء الصغار وأمهاتهم؟ وإلى من وكل أمرهم؟ وإلى متى يبقون على هذه الحال؟ وما مدى صبرهم على كل هذا البلاء؟ وأين الرحمة التي يتحدث الناس عنها؟ وأين الزكاة التي جعلها الله أحد أركان الإسلام؟ وأين الصدقة التي حث عليها القرآن؟ وإذا ذهب كل هذا فأين الغيرة والشمم؟ وأين الوطنية التي يدعيها كل منا عند السعة ويحجم عن الأخذ بناصرها عند الأزمات؟ وبلغ بي التأثر مبلغه فذهلت عن نفسي ولم أشعر إلا بقطرات العرق- عرق الخجل من نفسي- تتساقط من جبيني على عيني فيختلط عرق الخجل بدموع الرثاء ويغيم بصري ولم لا؟ أليس هؤلاء التعساء إخواننا لا
(1/176)

فرق بيننا وبينهم إلا أنهم جاعوا وشبعنا، وتعروا واكتسينا، وسهروا ونمنا وشقوا وسعدنا أليس هؤلاء الصغار أبناءنا؟ وما الفرق بينهم وبين أبنائنا لولا الأنانية والجهل وضعف الإيمان وموت الضمير؟ إنه لولا ذلك كله لما كان هؤلاء غير أبنائنا الذين نقول فيهم:
وإنما أولادنا بيننا … أكبادنا تمشي على الأرض
لو مرت الريح على بعضهم … لامتنعت عيني من الغمض
إن هؤلاء ليسوا ضحايا الفقر فقط، وإنما هم ضحايا البخل والأنانية والإهمال كذلك.
إن أنانيتنا لتبعدنا عن رؤية هؤلاء والتفكير فيهم حتى لا نتألم بررؤيتهم والتفكير فيهم، أي أنانية كهذه الأنانية؟ أيتألم أخوك بالبرد والجوع، وتأبى أن تراه حتى لا تتألم، وتشفق أن تفكر فيه حتى لا تتأثر، وتصم أذنيك عن سماع خبره حتى لا تتحرك في نفسك مشاعر الرحمة فتواسيه بما يفضل عليك من قطع الخبز اليابسة وفضلات الطعام البائتة، وبقايا الثياب الممزقة؟
لله ما تفعله بنا هذه الأنانية التي لا ترحم!
(1/177)

من أمجاد الإسلام
قال يحى بن سعيد: " بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقيا فاقتضيتها وطلبت فقراء أعطيها لهم فلم أجد بها فقيرا ولم أجد من يأخذها فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا فأعتقتهم" ليتعظ بهذا من لا يرى النور يشع إلا من الغرب ويعمي عن مشرق النور الحقيقي وهو الشرق ليحول المفتونون من أبناء الإسلام بالمدنيه الغربية أنظارهم صوب المشرق مطلع الشمس فإن ما بهرهم من بريق في بلاد الغرب لم يكن إلا أشعة هزيلة انبعثت من مشرق النور ومنبع الحضارات وهو الشرق يوم أن كان الشرق أستاذ الغرب. ولأمر ما جعل الله الشمس تطلع من الشرق لا من الغرب، لو بقي للمسلمين قلوب يفقهون بها، فإن الله الذي جعل الشمس تطلع من الشرق جعل الشرق أيضا مشرق الهدايات ومنبع الحضارات، ولكن المسلمين فقدوا أغلى شيء في الحياة وهو الإعتزاز بالنفس، إن المسلمين اليوم كل همهم في الحياة أن يعيشوا عالة على الناس، أن يعيشوا إمعات أن يكونوا تابعين لا متبوعين، أن يكونوا من القافلة في مؤخرتها بل {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} وقد كانوا (قبل أن يسلبوا الإعتزاز بالنفس) سادة الأمم وقادة العالم وحاملي مشعل العلم والحضارة يسير الناس على هداهم واقتفاء خطواتهم كانوا- إذ ذاك- متبوعين لا تابعين، وحاكمين لا محكومين، وأساتذه لا تلاميذ، وموجهين لا مقلدين، وفي مقدمة القافلة لا في مؤخرتها.
ليتعظ- إذن- أبناؤنا المتنكرون لماضيهم والمتمردون على قوميتهم والزاهدون في تراثهم بهذه النفحة العلوية من سجل ماضيهم المجيد الحافل بجلائل الأعمال والآثار، وليقفوا طويلا أمام هذه اللوحة الفنية من معرض تاريخهم الرائع العظيم.
(1/178)

وليقارنوا بين مدينة تعطي ومدينة تأخذ وبين فتح يزيل الفقر من البلاد المفتوحة ولا يترك بها فقرا واحدا تدفع إليه الصدقة، وفتح يخرج الغي منها ويترك أهلها فقراء بين شحاذ وماسح أحذية ومكب على صناديق القمامات والأوساخ.
وليجيلوا أنظارهم في سجلات التاريخ من أقدم العصور إلى اليوم هل سجل
مثل هذه الصفة الرائعه الخالدة لغير الإسلام وغير عظماء الإسلام؟ وهل استطاعت أية أمة من أمم الأرض قديما وحديثا غير أمة الإسلام أن تحدث مثل هذا الحدث الفذ العجيب، فتنفي الفقر نفيا وتطرد شبحه من الموضع الذي تطؤه أقدامها طردا؟ أما مع الإسلام فلا عجب فإنه النور الذي سدد كل ظلام والغيث النافع الذي يكفل كل رخاء والدستور الصالح العادل الذي يقر الأمن والنظام في البلاد ويقر التكافل والتضامن بين الأفراد ويقر الهدوء والإستقرار والطمأنينة في كل فؤاد.
إن الله وإن فضل بعض عباده على بعض في الرزق فإنه شرع لهم من النظم والقوانين ما يكفل رفاهيتهم وسعادتهم أجمعين إن كانوا لهذه النظم والقوانين مع المتبعين، فتبع المسلمون في عهودهم الأولى هذه النظم والقوانين فبلغوا القمة الشاهقة من الرقي الإنساني المنشود، فلما تخلوا عن العمل بهذه النظم والقوانين التي تكفل للناس سعادتهم في دنياهم وأخراهم، تنكر لهم الدهر وتخلى عنهم النصر، وتداعت عليهم الأمم التي لم تقتبس النور إلا منهم، ولم تقطف ثمار العلم والمدنية إلا من دوحتهم الفينانة القوية، جزاء عادلا على تفريطهم في أسباب عزتهم وسيادتهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ليكون ذلك درسا عمليا بليغا يرد المنحرفين عن الصراط السوي ويعود بهم إلى صوابهم صاغرين وإلا فبئست عاقبة الظالمين.
وليتأمل المسلمون المستسلمون لمغريات الغرب ومغوياته في عدالة دينهم ونزاهة أحكامه وعفة حكامه، كيف أن الزكاة لا تؤخذ من الأغنياء إلا لترد على الفقراء لا لتنقل من البلاد المفتوحة إلى بلاد الأمة الفاتحة أو لتستخدم ضد مصالح البلاد التي أخذت منها كما هو ديدن الحكومات المستعمرة التي يلهج بذكر أعمالها الزائفة الذين يخطف البريق المستعار أبصارهم من أبنائنا.
وليقف المسلم- أخيرا- أمام تلك المبرة العظمى والعبقرية الملهمة لآبائه
الأمجاد إذ يعمد يحيى بن سعيد الموجه من طرف عمر بن عبد العزيز إلى تلك
(1/179)

الأموال التي لم يجد في إفريقيا كلها فقراء يعطيها لهم، فيشتري بها الرقاب المملوكة فيعتقها. هكذا الإسلام لا يعطي إلا الغني والحرية، وهكذا الفتح الإسلامي إذ يطأ أرضنا هذه ينقلها من الفقر إلى الغنى ومن العبودية إلى الحرية لا كما أصبحت تتخبط فيه اليوم من فقر وعبودية.
فهل يعيد التاريخ نفسه؟.
(1/180)

التخاذل
ما أغبى المسلمين إذ يتخاذلون وهم ضعفاء بينما يرون أعداءهم وأعداء دينهم يتعاونون وهم أقوياء والأدهى من ذلك أن المسلمين اليوم لا يكادون يخطون خطوة إلا في آثار هؤلاء الأعداء الأشداء ولا يعملون من عمل إلا مسيرين فيه بهذا الإقتداء، فلم إذن لا يقتدون بهم في هذا الطريق فيتعاونوا تعاونهم ويضربوا صفحا عن هذا التخاذل الذي لم يجنوا منه إلا الضعف والذل والإستعباد؟
أو أنهم قد أخذوا على أنفسهم أن لا يتأثروهم إلا في الشر، ولا يقتفوا خطواتهم إلا كما يقتفون خطوات الشيطان التي لا تسير إلا في طريق الإثم والكفر والضلال؟
ولكن- لم نحتاج إلى هؤلاء ولم نستعير منهم وقد أغنانا الله وآتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين؟
فإن لنا من تراثنا الضخم- الذي يتمثل في كتاب الله وسنة رسول الله وتاريخنا الثري المخصب الحافل بالتجارب الصادقة والمواقف الملهمة والحكم الخالدة الموجهة- ما يكفينا وينأى بنا عن التطلع إلى الغير أو التطفل على الموائد الأجنبية.
إن قائد الإسلام الأعظم صلى الله عليه وسلم لم يحارب شيئا كما حارب التخاذل، ولم يحث على شيء كما حث على التعاون، ذلك لأنه بعث رحمة للعالمين، بعث ليقيم البناء الوثيق على الأساس الصحيح، فهو أولى أن يعلم أن الحياة التي بعث ليحول مجراها من طريق الشر إلى طريق الخير، لا تصلح إلا على التعاون، إذ رآى كيف عاثت في جوانبها يد الأنانية والتخاذل وعبادة الشهوات، فصيرتها غابة وحوش يأكل فيها القوي الضعيف، وجحيما لا يطاق ولا يأوى إليه إلا الأشقياء.
(1/181)

فدعا صلى الله عليه وسلم- أولا إلى الأخوة أساس التعاون: "المسلم أخو
المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" ثم لما مهد إلى التعاون بالتنبيه إلى هذه الأخوة المقتضية للتعاون، دعا إلى التعاون فقال: "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله".
إن تخاذل الأقوياء ينتج ضعفا، وتعاون الضعفاء ينتج قوة، وهو معنى قول القائل:
وضعيفان يغلبان قويا:
ولكن لا أحكم ولا أنفذ إلى صميم الواقع من قوله صلى الله عليه وسلم:
(المؤمن للمؤمن كاليدينة تغسل إحداهما الأخرى).
فاليد الواحدة لا تغسل نفسها، وكذلك الشخص الواحد لا يضطلع بأية مهمة وإن بدت هينة يسيرة.
فهذا الخبز- الذي لا يستغي عنه أحد والذي يظهر للناس أن الحصول عليه مستطاع لكل أحد- لا يصل إليك إلا بعد أن تتعاون عليه جهات كثيرة وأيد مختلفة، وبعد أن يمر في أطوار متسلسلة كأطوار الجنين قبل أن يخرج إلى دنياه، فأول ذلك تعاون الأرض والسماء، السماء بالسقي والأرض بالإنبات، وبين سقي السماء وإنبات الأرض يأتي صاحب المحراث وبعد أن ينضج الزرع يأتي صاحب المنجل ثم صاحب الرحي ثم صاحب الفرن، ولولا هذا التعاون المتصل المتسلسل لما حصلت على نصيبك من هذا الغذاء الضروري الأولى {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.
كما يضرب صلى الله عليه وسلم المثل للتعاون بالبنيان الذي يشد بعضه بعضا.
فهذه اللبنات المتفرقة لا تجدي نفعا ولا تؤدي وظيفة إلا إذا تضامت وتساندت وتعاونت، عند ذلك فقط تصير بنيانا تعمر به الدنيا ويأوي إليه الناس وتتكون فيه الأسر وتتناسل حتى تصير أمما وشعوبا وأجيالا.
(1/182)

بل إنه صلى الله عليه وسلم لينفذ ببصيرته إلى سرائر القلوب وبواطن النفوس،
فيربيها على حب الخير، ويبذر فيها بذور التعاون إذ يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
ومن المجالات الواسعة للتعاون في المجال الإقتصادي أو تعاون البائع والمشتري، إنه إذا انعدم هذا المجال أو اختل أو ضعف، انعدم المجال الحيوي للأمة أو اختل أو ضعف تبعا لذلك. ولكن المسلمين اليوم قل منهم من ينظر إلى هذه الناحية نظرة عميقة أو يعيرها ما تستحقه من عناية واهتمام، فترى المسلم يتردد على المتاجر الأجنبية ويشتري ما يحتاج إليه من التجار الأجانب، بينما متاجر الأهالي المسلمين لا يؤمها إلا القليل من المسلمين ممن لم يعدموا يقظة الشعور وصدق الوطنية ووازع الإيمان.
إن التخاذل هو داؤنا الخطير المبيد وإن التعاون هو دواؤنا الناجع المفيد.
فيا أيها المسلمون: حسبكم تعاونكم على ما يبيدكم، وتخاذلكم فيما يفيدكم، فأفيقوا من نومكم واعملوا لما فيه خيركم وسعادتكم.
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
(1/183)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
"سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهي
عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا خيرا لكونه لم يغضب الله." عمر بن الخطاب.
إن عمر- الذي اخترق بنظره النفاذ حجب المكان فرآى (وهو على منبر المدينة) جيش الإسلام بنهاوند بأرض إيران يكاد يطوقه العدو فيهتف بقائد الجيش: يا سارية الجبل، وتنفذ الصيحة إلى سمع القائد فينحاز بالجيش إلى الجبل وينجو- هو عمر الذي يخترق بنظره النفاذ حجب الزمان فيرى المسلمن من وراء أربعة عشر قرنا وقد استبدت بهم الأنانية فصار كل واحد منهم لا تعنيه إلا نفسه، فيرى الفساد ضاربا أطنابه فلا ينبس بكلمة ويمر بالمنكر يرتكب جهارا نهارا فلا يحرك منه ساكنا، يرى عمر هذا أو يلهمه، فعمر ملهم هذه الأمة وعبقريها بشهادة المعصوم "صلى الله عليه وسلم" وبشهادة القرآن الذي وافق رأيه في أشياء عدة وفي تشريعات كثيرة كما في آية الفداء وآية الخمر حتى قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث.
يرى عمر- بعين عقله- ما سيئول إليه حال هذه الأمة فيصرخ هذه الصرخة ويزفر هذه الزفرة: "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا بنهي عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا خيرا لكونه لم يغضب الله."
إنها لصرخة مدوية رهيبة لم تجد قلوبا واعية وهمما مستجيبة، كما وجدت
صرخته لسارية أن يعتصم بالجبل فكانت الدواء الشافي لأنها كانت الدعاء المستجاب من أولئك الجنود البسلاء.
(1/184)

إن في كلمة عمر العظيم لتنبيها إلى دائنا الخطير وهو فقدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جعله الله سبب عزة هذه الأمة ومناط فضلها على سائر الأنام إذ قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ولو عرف المسلمون قدر هذه الآية لعرفوا أي أمة هم، ولعملوا ما تقتضيه منهم بل لاتخذوا يوم نزولها عيدا لهم، كما اتخذ النصارى يوم نزول المائدة عيدا لهم، وشتان بين نزول مائدة طعام، ونزول آية تعلن فضلنا على سائر الأنام.
إن الله اذ منح هذه الأمة هذا الدين العظيم الذي ختم به الأديان وجمع فيه من وسائل الإصلاح والتقدم والعمران، ما يصلح عليه أهل كل زمان، قد وضع في يديها مجد الحياتين ومفتاح السعادتين، وبذلك جعلها خير أمة أخرجت للناس، ولكن هذه الخيرية قد أناطها الله بطرفي آخر لا بد منه، هو القيام على حراسة هذا المجد وحفط هذا المفتاح، هو العمل بتعاليم هذا الدين والآنقياد لأوامره ونواهيه، ليكون الفضل مكتسبا وموهوبا معا، بل إن الفضل الصميم الذي يستحق التنويه والتعظيم هو ما أكتسبه الشخص بجده وكفاحه.
والدعامة التي تحفظ هذا الدين ويقوم عليها بناؤه المتين هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أحتاط الإسلام لذلك فأناط به شرف هذه الأمة وجعله واجبا على كل فرد فيها إذ قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وليرى المسلم أن في المحافظة على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو دعامة دينه محافظة على [ ... ] عند الله كما أن في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دافعا قويا للدعاة إلى العمل بهذا الدين الذي يدعون إليه، إذ يستحي الداعي إلى شيء أن يخالف ما يدعو إليه، والله تعالى يقول: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ولا أحكم ولا أقوم من هذا التشريع، فالإسلام إذ يلزم المسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجعله مقيدا بالعمل به، وفي ذلك حفظ للدين في أتباعه ومخالفيه على السواء.
إذن- فشرف هذه الأمة وفضلها على الأمم قائم على بقاء هذا الدين في العمل به والدعوة إليه، ولكن المسلمين اليوم لم يعملوا بدينهم فضلا عن أن يدعوا إليه، ومن ثم خرجوا من فردوس السعادة الذي كانوا فيه، وحكم الله فيهم من كانوا تحت
(1/185)

حكمهم، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وغضب عليهم فلم يقبل دعاءهم وكفى بهذا عقابا لهم وحق عليهم بذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يسجاب لكم".
وا أسفاه على هذه الأمة! إختار الله لها خير وظيفة في الدنيا، وهي وظيفة الأنبياء، وهي الدعوة العامه إلى الخير العام، فلم تعرف قيمة ما بيدها، ولم تجعل من كفاح نبيها في هذا الميداين خير قدوتها، وكتابها يستصرخها بقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ولكن كيف تقتدي بنبيها وهي لا تلتفت إلى تاريخه:
"وإذا فاتك التفات إلى الما … ضي فقد غاب عنك وجه التأس"
لقد أمضى نبيها صلى الله عليه وسلم كل عمره مكافحا في هذا السبيل بلسانه وبحسامه وبسلوكه، كان المثل الأعلى للداعية المسدد الموفق بخير ما تحتمله كلمة داعية من معنى، وبفضل هذا الجد والحرص والتفاني في الدعوة، عم نور الإسلام أكثر بقاع الأرض.
ولكن المسلمين اليوم أنطووا على أنفسهم وأشتغل كل منهم بخويصة نفسه،
وأذكر أني عتبت يوما على صديق تقصيره في هذا الباب فأجابني بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} فقلت له: أعيذك أن يكون فهمك لكتاب الله هذا الفهم، فإن القرآن لا يناقض بعضه بعضا، فكيف يأمر بشيء ثم ينقضه؟ أنسيت {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} الآية المتقدمة؟ أنسيت {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}؟ أنسيت {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}؟ ثم كيف يناقض صلى الله عليه وسلم القرآن الذي أنزل عليه وهو يأمرنا بتغيير المنكر فعلا لا بالنهي عنه فحسب، إذ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ويجعل هداية ضال واحد غنيمة كبرى إذ يقول: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"؟
(1/186)

أما هذه الآية التي تحتج بها لسكوتك عن الباطل فقد أحتج بها أناس آخرون قبلك ولكنهم لم يفلحوا ولذا روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: "يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: " {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} على غير وجهها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه".
أيها المسلمون: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل فرد في هذه الأمة لا يختص به واحد دون آخر، للنصوص الصريحة المتقدمة ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ولأن في ذلك قطعا لدابر الفساد، فإن ما وقع فيه المجتمع الإسلامي من إنحطاط في الخلق وانحراف في السلوك وانصراف عن تعاليم الإسلام، يرجع كله إلى عدم المبادرة بمقاومة الشر، بالنهي عن المنكر كلما حدث شر وهو معنى قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}. وأنتم إيها الطبقة الخاصة: المسؤوله بصفة خاصة، بما ميزكم الله به من علم ومعرفه بتعاليم الإسلام وبطرق الإقناع أنفضوا عنكم غبار الكسل والأنانية واليأس وأنقذوا أمتكم مما هوت إليه من دركات الشقاء والإنحطاط، ولكن لابد من سلاح لهذا الكفاح، سلاح من قوة الإرادة، وسلاح من نقاء الضمير، وسلاح من طهارة السلوك، فإنكم في عصر الإلحاد والإباحية والعلم أيضا، العلم الذي كثيرا ما أستخدم في مقاومة الحق وتأييد الباطل، وأقوى سلاح في هذه الأسلحة، أن تعملوا بما تدعون إليه، فإن الناس يسمعون في هذا الباب بعيونهم، أكثر مما يسمعون بآذانهم، أي أنهم ينظرون إلى عمل العالم أكثر مما يسمعون إلى قوله، ولهم الحق في ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقي في النار فتندلق أقتاب بطنه (أي تخرج أمعاؤه) فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان: ما لك، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهي عن المنكر وآتيه" فكونوا أيها العلماء حجة للدين ولا تكونوا حجة عليه.
(1/187)

القدوة الحسنة
لهذا الموضوع صلة وثيقة بالموضوع الذي قبله - موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فكلاهما دعوة إلى الكمال ومقاومة للشر، والفرق بينهما أن أحدهما دعوه بالقول والآخر- وهو القدوة الحسنة- دعوة بالعمل والسلوك وهذا أبلغ تأثيرا لأن الناس تتأثر بالحقائق أكثر مما تتأثر بالأقوال، والداعية المستقيم السلوك الحسن السيرة، قلما يخفق في دعوته، وبالعكس منه أولئك الدعاة الأنانيون الإنتفاعيون الذين تنطلق ألسنتهم بالقول وتنقبض أيديهم عن العمل، أولئك الكسالى الذين لا تتحرك فيهم إلا ألسنتهم، فهم الذين وقفوا في طريق دعوتهم من حيث لا يشعرون، إذ شككوا الناس فيما يدعون إليه بمخالفتهم إياه، لأن الداعي إلى شيء يجب أن يعطي الأمثلة من نفسه والشهادة العملية من سيرته، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فسيرته كلها دعوة إلى ما جاء به، وهذا من أسرار نجاحه في دعوته، ومن أجل هذا يأمرنا الله تعالى بأن نتبعه صلى الله عليه وسلم في سيرته وأعماله كما يأمرنا بإتباعه في أوامره وأقواله، إذ يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} والقدوة برسول الله تكون في حياتة باقتفاء خطواته، وبعد صعوده إلى الملأ الأعلى بالرجوع إلى ما سجل من هذه السيرة الخالدة والائتساء بها والإسترشاد بأنوارها الهادية التي هي من نور الله والتي منذ عشونا عنها ونحن في ظلمات بعضها فوق بعض والتائه في الظلمات يمد يده إلى كل من يأخذ بيده ولو لم يعلم إلى أي هاوية يسير به، وذلك ما وقع لنا فبينما نحن في متاهتنا إذ مد إلينا شيطان الإستعمار الأروبي يده المضللة لا ليخرجنا من الظلمات إلى النور، بل ليخرجنا إلى ظلمات أشد منها ظلاما، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ
(1/188)

ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} وهذا الشيطان يوسوس لنا دائما بأن من الخير أن لا نلتفت إلى الماضي ويريد بذلك أن لا نعود إلى تاريخنا فنتأثر بتلك السيرة الملائكية ونهتدي بتلك الأنوار القدسية، وتكتمل حياتنا التهذيبية نقصها الفادح بذلك الجانب الأهم، جانب القدوة الحسنة، ولذلك نصبح خير خلف لخير سلف، فنسير سيرتهم ونأتي من أعمال الخير والفتح والعمران ما كرسوا له حياتهم، وفي ذلك كله تبديد ظلامه وظلمه، والقضاء على سلطانه وحكمه.
لذلك فلا أقض لمضجع الإستعمار من أن يرى الأمة التي أنشب فيها مخالبه وأخضعها لحكمه، تقبل على تاريخ أسلافها تستظهر صفحاته لتقبس منه الشعاع الهادي وتأخذ منه الحكمة البليغة والعظة البالغة، وتستمليه دروس الوطنية الصادقة وأمثلة البطولة العالية.
إن القدوة الحسنة هي التي تنشىء البيئة الصالحة وإن الله إذ يأمرنا بالدعوة
إلى الكمال إنما يأمرنا بإيجاد القدوة الحسنة التي تنشىء البيئة الصالحة، كما أنه إذ يأمرنا بمقاومة الشر إنما يأمرنا بقتل القدوة السيئة التي تنشىء البيئة السيئة، فكل رجل خير هو قدوة حسنة، وكل رجل شرير هو قدوة سيئة.
وإذا قارنا بين المجتمع الإسلامي الأول والمجتمع الإسلامي اليوم، وجدنا أن المجتمع الإسلامي الأول بلغ الذروة العليا في الكمال الإنساني، لأن القدوة إذ ذاك كانت قدوة صالحة كاملة كان الجو إذ ذاك تعطره أنفاس محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعلي وعثمان وأبي عبيدة وأمثالهم، ووجدنا أن المجتمع الإسلامي اليوم وصل في الإنحطاط والتسفل إلى الدرك الأسفل، لأن القدوة الصالحة انعدمت بالمرة، وبدل من أن يكون لنا من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدوة، استعرنا قدوتنا من الخارج وبذلك أصبح مجتمعنا غير إسلامي، وأصبح يعج بكل ما حرمه الإسلام من بيوت للدعارة مفتحة الأبواب في الليل والنهار، وحانات تمتلىء بالمسلمين وتعيش على أموال المسلمين، وبنوك تتعامل بالربا، ولو كان هذا في البلدان التي لم تذق أي طعم للحكم الذاتي لهان الأمر بعض الشيء، ولكنه في البلدان التي تتمتع بقسم كبير من الإستقلال، وهكذا:
(1/189)

"أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد … تجده كالطير مقصوصا جناحاه"
"إنا مشينا وراء الغرب نقبس من … ضيائه فأصابتنا شظاياه"
(1/190)

الحب
ربما عجب القراء الكرام من إدخال هذا الموضوع- موضوع الحب- بين ما قرؤوه ويقرؤونه في هذه الفصول الدينية الأخلاقية، لأنهم تعودوا أن لا يروا هذه المادة الضرورية للمجتمع وهذا العنصر الأساسي في بناء الأخلاق، إلا في أسواق الخنا وميادين الخلاعة، أو تعودوا أن لا يروا هذا الموضوع الرئيسي يتناول إلا من ناحيته المادية، وربما كانوا معذورين في ذلك، فأكثر الكتاب في أيامنا هذه قلما يكتبون في غير الحب، وهم في كتابتهم عن الحب، لا يتناولونه إلا كجسكر للشهوات الحسية العارمة، وكوسيلة لإغراء الغرائز الجنسية الجامحة، وإفساد النخبة الصالحة من فتياننا وفتياتنا وتخنيثهم وقتل ضمائرهم، فكم من حرمة انتهكت وكم من شرف أهدر، وكم من كرامة امتهنت، باسم هذا الحب وبفضل هذه الأقلام المادية الأدبية، هذه الأقلام التي تبيح لنفسها أن تصل بين شاب وشابة اتصالا ماديا محرما، إن كلمة أدب وكلمة مادة لا تجتمعان أبدا في مدلول، فكيف اجتمعتا فيما يكتب هؤلاء الأنانيون المخنثون الذين يقضون بما يكتبون على رسالة الأدب من حيث لا يعلمون أو من حيث لا يريدون، إن رسالة الأديب المسلم يجب أن تكون فوق كل رسالة فلا يتأثر- بهذا الهراء المادي الرخيص الذي تصدره أروبا التي لا تؤمن برسالة الروح، والذي سرى في المجتمع الإسلامي الروحي سريان الجراثيم الوبائية الفاتكة في الجسم، فكل مجال أدبي (أو مادي أيضا) هو أثر مما في أروبا اليوم، وما بقي لنا خالصا لم نتأثر فيه بأروبا هو في نظرنا جانب نقص، ومتى تغلبنا عليه أو غلبتنا عليه أروبا، فقد استكملنا نهضتنا في رأينا.
على أن هذا اللون الرخيص مما ترشح به أقلام الكتاب المسلمين اليوم، والذي
(1/191)

هو صدى لأقلام واتجاهات أجنبية، إن أقر في الأوساط الأروبية فهو عندنا جريمة نكراء، لأن جونا غير جوهم وبيئتنا غير بيئتهم وظروفنا الحالية غير ظروفهم، فنحن اليوم نحتاج إلى أدب واقعي يصور الظلم في أشنع صوره ويحمل الحملات الموفقه ويدعو إلى الثورة عليه، أدب يثور على النظم الجائرة والأخلاق المنحلة الفاسدة، أدب يثير الهمة في النفوس، والنخوة في الرؤوس، والحماس للأمجاد الإسلامية الغابرة في المشاعر والقلوب، إننا نحتاج إلى أدب أخلافي ديني تاريخي يذكر الأمة بما لها من ماض ذهبي الصفحات، جليل الآثار طيب الغراس، يانع الثمرات، فلا يعصف اليأس بآمالها، ولا يذوي زهراتها في قلوبها، إننا نحتاج إلى أدب يصنع الرجولة الحقة والسواعد القوية والعزائم المصممة الصادقة للساعة الحاسمة المنتظرة.
أما هذا الأدب المائع الذي لا يتسع مداه لغير الحب الحيواني السخيف، والذي لا يخلو من وجود رجل يغصب عفاف امرآة، وامرأة نخون شرف زوجها، وفتاة حملت من تلميذ تعرف عليها في السينما، فما أغنى المجتمع الإسلامي الواهن القوي المهيض الجناح عن هذه السموم القتالة والأوبئة الفتاكة.
لذلك فالحب الذي نعنيه في هذا الفصل، هو الحب الذي يربط بن أجزاء الأمة برباط لا تنفصم عراه، هو الحب في الله الذي أقام محمد صلى الله عليه وسلم على صخرته صرح الأخوة الإسلامية السامق، ذلك الصرح الذي ما تصدع كيان الدولة الإسلامية حتى تصدع، إن عنصر الحب في الله هو الشيء الأساسي الذي تقلص ظله وتوارى شبحه من المجتمع الإسلامي اليوم وإننا إذ نشكو من ركود سوق تغيير المنكر في هذا المجتمع، ننسى أو نتناسى هذا العنصر الأساسي في الموضوع.
إن تغيير المنكر إنقاذ، والإنقاذ يتطلب تضحية، والتضحية لا بد لها من حب يبعث عليها فلو أن المسلمين اليوم لم يجدب مجتمعهم من هذا الغراس الطيب الذي بذره دينهم وتعهده بالسقي نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو الحب الروحي الخالص من شوائب المادة وأكدار المنافع الدنيوية الزائلة، الحب في الله الذي تفرضه الأخوة الإسلامية الكاملة، إن المسلمين اليوم لو تحابوا لتناصحوا ولتأمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ولما رضوا لأنفسهم هذا القناع الصفيق من النفاق الذي حجب العيوب، وأخفى وراءه جراثيم الداء المبيد، ولكن المسلمين اليوم- بعد أن أقفرت نفوسهم
(1/192)

من أريج الحب الأخوي- أصبحت النصيحة بينهم جريمة وأصبح صالحهم كما قال عمر رضى الله عنه: (من لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ... )
وهكذا قلب الإنسان إذا خلا من الإيمان عمره الشيطان كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} الآية المتقدمة في الفصل المتقدم ... وإلا فإن النصح لا ينافي الحب، بل بالعكس، إن الذي لا ينصحك لا يحبك، والمثل يقول: (من حب طب) كما يقال: (المحبة بذل المجهود) ولما كان صلى الله عليه وسلم بلغ الغاية القصوى في محبة أمته حتى قال الله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فإنه بلغ الغاية القصوى كذلك في الحرص على هدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، حتى قال تعالى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} وقال: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ (أي مهلك) نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}.
إن الحب أنواع: وأشرفه ما كان لله، وهو الحب الذي ربط بين المسلمين
برباط الأخوة الدينية، وجعلهم وحدة قوية متماسكة، استطاعت أن تكتسح من طريقها قوى الشرك والظلم والوثنية، وهي التي جعلت للعرب قيمة في التاريخ وأي قيمة، لذلك امتن الله بها عليهم إذ قال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}.
هذا الحب هو الذي ينفع في الدنيا لأنه جعل للعرب دولة بعد أن كان بعضهم لبعض عدوا، ويجعلهم الآن دولة إن عادوا إليه وتعاملوا به، وينفع كذلك في الآخرة فإن هذه الصداقات- كلها تذوب بين يدي الله يوم تعرض أعمال العباد على الله، ولا يبقي منها إلا ما كان لله، بل كل متحابين في هذه الدنيا ينقلبان في الآخرة وكلاهما عدو للآخر، قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} وروى أحمد والحاكم أن أبا إدريس الخولاني قال لمعاذ: إني أحبك في الله، فقال له: أبشر، أبشر، فإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:
"ينصب لطائفة من الناس كراس حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس وهم لا يفزعون، ويخاف الناس وهم لا يخافون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" فقيل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فقال: "هم المتحابون في الله".
(1/193)

فليحرص المسلمون على أن يشيعوا بينهم هذا الخلق العظيم الذي هو أساس
لكل خلق كريم وسبيل لكل خير عميم، ولإرغام كل شيطان رجيم، فإن المسلمين إذا تحابوا تناصحوا وتشاوروا واتحدوا وتعاونوا وأصبحوا كالبنيان يشد بعضه بعضا، وبذلك يصبحون- كما كانوا- خير أمة أخرجت للناس، وذلك ما أراده لهم دينهم العظيم.
{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
(1/194)

المرأة المسلمة
كتب إلي أخ محترم من بجاية يقترح أن أتناول موضوع المرأة بشيء من العناية والإهتمام.
وأنا وإن كنت لا أرى فرقا بين الرجل والمرأة فما هو من هذا النوع الذي يكتب في هذه الفصول، ولذا لم يفرد القرآن المرأة بالخطاب إلا في مواضع معينة اقتضتها اعتبارات معينة.
فإني رغم هذا أكتب الكلمة التالية وأرجو أن يجد فيها الأخ ما يلائم ذوقه:
حقا- يا أخي- يجب أن نلتفت إلى نصفنا الآخر المريض وإلى جناحنا الآخر المهيض، إلى المرأة قلب المجتمع الذي إذا صلح صلح المجتمع كله، وإذا فسد فسد المجتمع كله.
حقا إن هذا النصف المريض والجناح المهيض لأولى بالعناية من كل شيء آخر، إذ أن الجانب أكبر من أسباب تأخرنا يرجع إلى تأخر المرأة عندنا، وهل يتقدم الرجل إذا تأخرت المرأه؟ وهل يطير طائر إلا بجناحيه معا؟ وهل تصفق اليمنى إلا باليسرى؟ كما يقول مثلنا الشعبي الجميل.
إن المرأة مديرة بيتنا ومربية أولادنا وأمينة سرنا وموضع كرامتنا وموقع المدح والذم منا، فهل يسعنا- وهذه صفتها- أن نتهاون بها أو نتجاهل مكانها، فندعها للظروف تسيرها أو نتركها في مهب الرياح تميل بها كل مميل؟
إن دواءنا دائما هو التعليم، لأن مرضنا المستفحل من زمن بعيد هو الجهل، وجهل المرأة عندنا أشد من جهل الرجل وأكبر، فلتكن عنايتنا بالمرأة- إذن- أشذ وأكبر.
(1/195)

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المرأة هي الإناء، وإن لون الماء لون إنائه، أي أن حضن المرأة هو المكان الأول الذي يتربى فيه الطفل ويتأثر به بعد أن يخرج من بطن أمه قطعة من لحمها ودمها وعقلها وتفكيرها أيضا. هذا المخلوق العظيم الذي يؤثر في أولادنا قبل أن يخرجوا إلى دنياهم وبعد أن يخرجوا إليها، كيف لا نهتم به اهتمامنا بأغلى شيء لدينا وأعز عزيز علينا؟
إن للمرأة- في الغالب- أولادا هي مسؤولة عن تربيتهم وتهذيبهم أكثر منا، لأنها تقضي معهم من الوقت أكثر مما نقضي، فلنعلمها أصول تربية الأولاد والأساليب الناجعة لتهذيبهم، وإن للمرأة زوجا تسأله عن طاعته وراحته وإدخال السرور على قلبه، فلنعلمها حقوق الزوج وآداب المعاشرة الزوجية، وإن لها من البيت مملكة تدبرها فلنعلمها كيف تدبر مملكتها، وإن لها جيرانا تقضي معهم يومها كاملا فلنعلمها آداب الجوار وحقوق الجار، وإن لها لغة يجب أن يظهر أثرها على لسانها ليظهر أثر القرآن في سلوكها ومشاعرها، وإن لها دينا يجب أن تملكه زمامها، وإن لها تاريخا يجب أن تقبس من أنواره ما يهديها طريقها المحفوف بالأشواك والمخاطر، فلنعلمها لغتها ودينها وتاريخها، ولكن ملاك أمرها لزوم وكرها، فإن هذا الطائر الجميل لسريعة إليه سهام الصائدين، وإن المرأة إذا ألفت مفارقة بيتها شق عليها البقاء فيه، فقضت بذلك على رسالتها التي هي تدبير مملكة البيت.
على أني لا أعني بلزوم المرأة للبيت أن تكون فيه قطعة منه لا تنفصل عنه أو كما قال حافظ إبراهيم:
"ليست نساؤكم حلى وجواهرا … خوف الضياع تصان في الأحقاق"
وإنما أقصد بلزوم البيت أن تهجر بيوت الشيطان لا بيوت الله ولا بيوت العلم، أعني أن لا تذهب إلى السينما أو الأوبرا، فتسمع إلى الشيطان يلتي دروسه على الشابات والشبان ويلهب فيهم الشعور المجنون بالغريزة المجنونة فإن في هذا مصيبتين وشرا مزدوجا، فراغ البيت الذي يجب أن يعمر، وعمارة البيت الذي يجب أن يفرغ.
إن خروج المرأة المسلمة من بيتها متعطرة متأطرة بين غمز العيون واصطدام الصدور وهمس الشفاه، وحيث تلقي الفضيلة والآداب مصرعهما، جريمة تتولد منها جرائم
(1/196)

وبلية تنتج بلايا ومآثم، ولا عجب- إذن- أن يحرص نبي هذه الأمة عليه الصلاة والسلام على أن تعتصم المرأة ببيتها إذ يقول فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها" وروي عن ابن مسعود أيضا: أن امرأته سألته أن يكسوها جلبابا فقال: إني أخشى أن تدعى جلباب الله الذي جلببك به، قالت: وما هو؟ قال: بيتك، أجنك (أي من أجل أنك) من أصحاب رسول الله.
فيا أيتها المرأة المسلمة: يجب أن تعلمي هذا كله، وتذكري هذا كله، وتقومي بهذا كله، فإن سلفك الصالح من النساء المسلمات قد قمن بهذا كله.
واذكري- أيتها المرأة المسلمة- أنك كنت المثل الأعلى للمرأة الفاضلة الكاملة فقد مضى لك عهد كنت فيه تزاحمين الرجل في طريق الكمال، فكنت في الدين في السابقين الأولين يوم أسلمت خديجة أم المؤمنين قبل الناس أجمعين وكنت في العلم بالدين موضع الرأي الأصيل والنظر الرصين يوم قال الرسول الأمين في عائشة أم المؤمنين: "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء" (تصغير حمراء). ويوم أن قال لفاطمة إبنته: أي شيء خير للمرأة؟ فقالت: أن لا ترى الرجل ولا يراها الرجل فضمها إلى صدره وقال: ذرية بعضها من بعض"، وكنت مثال التضحية والمفاداة والصبر والثبات، يوم ثبتت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وقد تفرق عنه المسلمون إلا جماعة يسيرة، حتى جرحت أثثى عشر جرحا، وحتى قال فيها صلى الله عليه وسلم كما يروي البخاري-: ما التفت يمينا ولا شمالا، إلا ورأيتها تقاتل دوني وقال لها: ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟
هكذا كنت وهكذا يجب أن تكوني، لتؤدي اليوم الرسالة التي كنت تؤدينها
قبل اليوم ..
(1/197)

المأساة الكبرى
إن المرأه المسلمة اليوم لتجتاز ظرفا من أقسى الظروف وأعنفها على كيانها الديني والخلقي، نخشى أن يقضي على البقية الباقية من ميراثها الإسلامي (لا قدر الله) والذي ساعد على وجود هذا الظرف السيء بصفة واضحة هو النظام الأروبي الحديث، فكل أرض ثبت فيها قدمه وركز فيها علمه يضع لها جهازا خاصا يسمم فيها كل بذرة للحرية ويخنق فيها كل نفس للحياة، وهذا نفس ما صنعه عندما وطىء أرض الإسلام المقدسة بأقدامه النجسة، فقد عمد إلى مبعث يقظتها ومنبع نورها ومعقد عزها، وهو الإسلام، فقاومه أعنف مقاومة وقعد له كل مرصد، ووضع في طريقه مختلف العراقيل، وشغل المسلمين عن تعاليمه إلروحية بتعاليم مادية تغريهم بالرذيلة وتزين لهم الكفر والفسوق والعصيان، وتبث في نفوسهم النفور من الفضيلة والتنكر لكل ما يمت إلى الإسلام بصلة، هذا من الناحية الروحية، وأما من الناحية المادية فقد أستولى على كل منبع للثروة وكل مورد للرزق، وترك أبناء البلاد الأصلاء يقاسون الفقر المدقع ويصلون نار الحرمان المهلك، وهكذا الاستعمار الكافر يعطل الأمة من جناحيها معا ويرزؤها في قوتيها جميعا: القوة الروحية، والقوة المادية وما صلاح أمة رزئت في دينها وأبتليت بالفقر، والأمة إذا تركت دينها ضلت سبيلها، وإذا ذهبت ثروتها كثرت فيها الشرور، والفقر منبع الشرور كما يقولون، بل منبع الكفر والتمرد والفسوق، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كاد الفقر أن يكون كفرا" فعدم الاعتراف باللغة العربية والتعاليم الإسلامية من جهة، وتفقير الشعب وحرمانه من خيرات بلاده من جهة أخرى، دفع بأبناء البلاد التعساء إلى تعلم لغة غير لغتهم المحكوم عليها بالموت، وإلى تشغي أبنائهم وبناتهم عند الأجانب الذين لا يرحمون
(1/198)

بؤسهم ولا يصونون شرفهم، وفي ظل هذه البيئة الخانقة، وتحت تأثير هذا الجو المتسمم نشأت مأساة المرأة المسلمة، وإلى القارىء الكريم بعض الأمثلة التي ليست إلا ثمرة لهذه البيئة الخطرة: كانت تعمل خادمة في بيت إفرنجي فتاة مسلمة، فأراد ابن صاحب البيت أن يعتدي على شرفها فتأبت ولما عادت في المساء إلى أبويها بادرتهما بأنها لن تعود إلى العمل في ذلك البيت الظالم أهله، ولكن (سيدها الإفرنجي) ألح على أبيها في عودة الفتاة للعمل في بيته، وتحت هذا الإلحاح وتحت تأثير الضرورة، أجبر الرجل إبنته على الرجوع كارهة إلى تلك المباءة الآثمة، ولم تمض غير أيام قليلة حتى عادت الفتاة إلى أبيها وفي يدها ثوبها ملطخا بالدم، فرمت به إليه وقالت له: خذ شرفك!!
وهكذا نسلب بلادنا، ونحارب في لغتنا وديننا، ويعتدى على شرفنا وكرامتنا.
وروى لي أحد الإخوان عمن كان أحد طرفي المأساة قال: كنت أسير في أحد شوارع العاصمة (الجزائر) إذ بصرت بامرأة على حافة الطريق تبينت من ملامحها ونوع وقفتها إنها بسبيل عرض شرفها على مريد شرائه، وبأيسر إشارة تبعتني إلى أحد الفنادق التي أعدها (محضرو الشعوب وممدنوها لهذا الغرض الذميم) ولما خلوت بها ولم يبق بيني وبين وأد شرفها إلا مثل لمح الطرف إذا بي ألمح دمعة كبيرة تنحدر على خدها ولما سألتها عن علة هذا البكاء؟ أجابتني والنشيج يخنقها ويحبس أنفاسها: إنني لم أتعود ما ترى ولست من سالكي هذا الطريق، ولكنه الفقر والمرض والأولاد ياسيدي، إن زوجى يعاني مرضا أقعده عن كسب القوت ولي أولاد ليس لهم صبر على الجوع لأنهم صغار، فإن أردت أن تحفظ لي شرفي بعد أن عجزت عن حفظه وتحفظ حياة هؤلاء الأطفال وتصون كرامة هذا الزوج المريض فقد برهنت على أنك من معدن كريم، فشل كلامها كل حركة في جسدي بل أحسست أن كياني كله يتحطم، وقمت وكلانا طاهر الذيل عف الإزار موفور الكرامة، وتركتها بعد أن ناولتها ما كان معي من دراهم. فأي قلب له إحساس لا ينخلع لهذه المأساة، وأي مأساة كمأساة امرأة لها زوج ولها أولاد ولها دين ولها شرف تمتحن فيها كلها في لحظة واحدة، لولا أن الله رحمها في اللحظة الحاسمة فقيض لها إنسانا لا شيطانا، أو قلب لها الشيطان إنسانا؟
(1/199)

أما المأساة التالية فأرويها بنفسي لأني رأيتها بعيني، وهي ليست مأساة فرد
أو أسرة، ولا شاب أو شابة، وإنما هي مأساة الإسلام تجدب أرضه ويصوح نبته وتنطفيء في النفوس شعلته:
بنت مسلمة قرأت العربية، ولكنها قبل ذلك وبعد ذلك وأثناء ذلك- قرأت اللغة، الإستعمارية، رأيتها مع شاب مسلم يتغازلان على الطريقة الأوروبية المفضوحة، فلما رأتني ورفيقي- بدل أن تختفي أو تستحي- كما هو شأن المسلمة، إذا بها تحدق فينا طويلا، ثم تطوق الشاب بساعديها وتفني فيه ضما وتقبيلا، كأنها تتحدانا أو تتحدى ديننا الذي تراه أكبر أعدائها، والذي ما زلنا نغايظها بالعمل به والمحافظة عليه، وليس هذا بالعمل الفردي الذي لا يتكرر كثيرا في أفراد كثيرين بل ليس هذا إلا مثلا لما عليه اليوم عائلات إسلامية كثيرة (كبيرة) ربما يشار إليها بالبنان، حيث جرفها تيار المدنية الغربية التي تبيح إتصال الأزواج قبل الزواج، هذه الطريقة المعوجة التي هي عكس شريعة الإسلام تماما، التي تجعل العقد سبيلا إلى الخلوة لا الخلوة سبيلا إلى العقد كما ترى ذلك مدنية الغرب المعبودة من شبابنا المثقف. والأدهى والأمر من كل ما مر أن نرى نساء الجزائر (العاصمة) من حلائل وكواعب يتزين ويتعطرن ويذهبن في يوم الجمعة (نعم يوم الجمعة) إلى المسرح (بيت الشيطان) أو (مذبح الفضيلة) أو (مقبرة الشرف) ليدفن هناك الدين أو الفضيلة والشرف هذه هي جمعة نساء الجزائر! - وإذن- فلنعالج مرضنا من الجذور، بمعالجة أسبابه ...
(1/200)

من أمجاد المرأة المسلمة
إن في عرض أمثلة من أمجاد المرأة المسلمة في تاريخها الذهبي لحفزا لهمة المرأة المسلمة في العصر الحاضر ودفعا لها في طريق الكمال الإنساني المنشود، وما زال تاريخ البطولات قدوة صالحة ونموذجا حيا يحتذى ويسير فيه الخلف على آثار السلف، ولاسيما بعد أن عرضنا أمثلة للمرأة المسلمة في عصرها الحاضر، فنتيح لها بذلك فرصة المقارنة بين ما كانت عليه وبين ما آلت إليه، فتعرف هل تقدمت إلى الأمام خطوات، أم عادت إلى جاهلية شر من جاهليتها الأولى وأحط دركات، وإلى القارئين والقارئات هذه الروائع الخالدات:
سافر أبو طلحة وترك ولده مريضا ولما عاد من سفره وجد زوجته الرميصاء أم سليم تستقبله في حنان وتقدم له الطعام، ولكن لهفته على صبيه لم يشغله عنها كلام ولا طعام، فسأل زوجته وهو لم يفرغ من الطعام: كيف الغلام؟ فلم تشأ أن تسرع إليه بما يدخل الكآبة عليه، قبل أن يصيب من الطعام ما هو في حاجة إليه، فقالت:- وهي تغالب الآنفعال-: بأحسن حال ولله الحمد، ثم قامت إلى بيتها وأعدت نفسها لزوجها المحبوب خير إعداد، حتى نبهت ما كان غافيا من غرائزه وغلبته عواطفه وبلغ من ذلك ما أراد، ثم جلسا للحديث فقالت له: زوجه- تمهيدا للخبر الفاجع-: ألا تعجب من جيراننا؟ مال: ما لهم!؟ قالت: أعيروا عارية فلما طلبت منهم جزعوا، قال: بئس ما صنعوا، قالت: هذا ابنك كان عارية من الله تعالى وإن الله قد قبضه إليه، فلم يزد على أن قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
(1/201)

لتتأمل المرأة المسلمة في هذه اللوحة الفنية الرائعة التي تبرز فيها صورة التربية الإسلامية واضحة الملامح والسمات، ولتستجل منها تلك الخلال النبيلة السامية من صبر وثبات لدى المكاره والأزمات، ومن حب وإخلاص ووفاء للزوج ومحافظة على كيانه، وحرص على راحته واطمئنانه، وهكذا أنشأ الإسلام المرأة، وهكذا يجب أن تكون المرأة: حضن رحيم ودود مهذب كريم صبور-، يأوي إليه الزوج فيجد فيه الأمن والهدوء والعطف والحنان، ويتنسم منه نسيم السكينة والقرار والاطمئنان من عنت الأيام ونكد الزمان، كل ذلك تنضح به كلمة (لتسكنوا) في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}.
وإن هذه الصورة الرائعة للزوجة الصالحة التي أبدعتها تعاليم القرآن التي تصنع المجتمعات الصالحة لا يحسن بعدها إلا ذلك الإطار الفتان لنائلة بنت القرافصة زوجه عثمان رضي الله تعالى عنه.
قالت تماضر- زوجة عبد الرحمن بن عوف- لعثمان رضي الله عنه: هل لك في ابنة عم لي بكر جميلة ممتلئة الخلق أسيلة الخد أصيلة الرأي، تتزوجها؟ قال: نعم، فذكرت له نائلة بنت القرافصة الكلبية، فتزوجها (وهي نصرانية فتحنفت) وحملت إليه من بلاد كلب مع أخيها ضب (وكان مسلما) فلما دخلت عليه قال لها: لعلك تكرهين ما ترين من شيبي؟ قالت: والله يا أمير المؤمنين إني لمن نسوة أحب بعولتهن إليهن الكهول، قال: إني قد جزت الكهول وأنا شيخ، قالت: أذهب شبابك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير ما ذهبت فيه الأعمار، قال عثمان: إما أن تقومي وإما أن أقوم إليك؟ فقالت: ما تجشمت إليك من عرض (السماوة) أبعد مما بيننا، بل أقوم أنا، فقامت حتى جلست معه على السرير، فقال: اطرحي درعك، قالت: ذاك إليك، ومسح رأسها ودعا لها بالبركة، فكانت أحب نسائه إليه، ولم تزل نائلة عند عثمان حتى قتل، فلما دخل إليه الثوار ليقتلوه وقته بيدها فجذمت (أي قطعت) أناملها، فأرسل إليها معاوية بعد ذلك بخطبها، فأرسلت إليه: ما ترجو من امرأة جذماء؟ وقيل أنها قالت لما قتل عثمان، إني رأيت الحزن يبلي كما يبلي الثوب وقد خشيت أن يبلي حزن عثمان من قلبي، فدعت
(1/202)

بفهر رأي حجر) فهتمت به فاها (أي أسقطت مقدم أسنانها) وقالت: والله لاقعد أحد مني مقعد عثمان. وما أروع وأسمى موقف أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد حزب الأمر واشتد الخطب على ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قتاله مع الحجاج بن يوسف إذ تغلبت على عاطفة الأمومة اللجوج ودفعت بابنها في جحيم المعركة حتى قتل وهي مطمئنة هادئة محتسبة صابرة ولم ترض له النكوص على عقبه أو تسليمه نفسه بيده:
يروى أن عبد الله بن الزبير لما ضيق عليه الحجاج الخناق، وقتل من كان يشد أزره من الرفاق، واستسلم بعضهم للقيد والوثاق، ومن بينهم ولداه حمزة وحبيب، جاء أمه فقال: أمه خذلني الناس حتى ولداي وأهلي فلم ببق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع صبر ساعة، والقوم يعطونني من الدنيا ما أردت، فما رأيك؟ فقالت: أنت والله أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض فيه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار، ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن، فدنا منها فقبل رأسها وقال: هذا والله رأي، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتني بصيرة مع بصيرتي، فأنظري يا أمه فأبي مقتول من يومي فلا يشتد حزنك وسلمي لأمر الله، قالت: إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنا، أخرج حتى أنظر ما يصير إليه أمرك، فخرج وما زال يقاتل حتى قتل.
ولا عجب للمرأة المسلمة تدفع بإبنها إلى الموت، فقبل أسماء الخنساء التي لم تذرف عين امرأة من الدمع ما ذرفت عينها على أخيها صخر، ولا أحسن قلب لذع الحزن ما أحس قلبها فراق هذا الأخ الحبيب، هذه الخنساء تحضر وقعة القادسية سنة 16 للهجرة ومعها أولادها الأربعة، فما تزال تحرضهم على القتال حتى قتلوا جميعا وهي تقول: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم! ...
(1/203)

بين الفن والخلق
إننا نؤمن بالفن الذي يتخذ وسيلة لتقويم الأخلاق وتهذيب الطباع وتوجيه السلوك، ونثور على الفن الذي يتخذ ذريعة لتحطيم كيان الأمة الأخلاقي وتقويض بنائها الروحي وتخدير شعورها الديني، ولذا فلا يعتب علينا إخواننا- الذين لهم إرتباط بهذا الفن الإنتفاعي المادي الذي تتلخص رسالته في تهيئة الأجواء الملائمة لانطلاق الغرائز والأهواء من قيودها- لا يعتب علينا إخواننا هؤلاء إذا رأونا نضيق بهذا النوع من الفن الذي يضحي بالأخلاق ولا يعترف بالشرف ولا يقيم للإنسانية أي وزن أو أي حساب إننا اليوم نحتاج إلى أخلاق لا إلى فن "وإنما الأمم الأخلاق" لا الفن، وغيرتنا يجب أن تكون على الأخلاق قبل أن تكون على الفن، لأن الغيرة يجب أن تنبع من منبعها الأصلي لكل شعب، ونحن شعب ندين بالإسلام، ورسالة الإسلام حصرها نبي الإسلام في قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وإذا أحتجنا إلى فن فيجب أن يكون في الطور الكامل لنمونا وبلوغنا قمة الكمال، والأمة أطوار، فالفن رقة لا قوة، والأمة اليوم تحتاج إلى قوة لا إلى رقة وإلى رجولة لا إلى تخنث، ومعنى ذلك أننا نحتاج إلى أخلاق أكثر من احتياجنا إلى فن، ولو كان هذا الفن الذي نشاهده في مسارحنا مما يشد من أزرنا ويقوي من كياننا ويهذب من أخلاقنا، لاحتجنا إلى السكوت عنه أكثر من أحتياجنا إلى الكلام فيه ولكن- وياللأسف- رأينا فنا يفسد الأخلاق ويثير شهوات الغرائز، ولا يمكن لفن يولد في حضن الاستعمار، ويتربى في بيئة الإباحية والتحرر من قيود الدين والأخلاق، أن يكون غير ذلك، ولكن إخواننا يغفلون عن هذه الحقيقة فلا يفرقون بين مسرح يشرف
(1/204)

عليه الاستعمار أو ينشئه أو يتربى في حضنه، وبين مسرح تكونه الأمة لنفسها وتشرف عليه الفئة الصالحة من أبنائها، بين فن لا يوجه إلا إلى جسد المرأة ولا يوقظ في النفس إلا الإحساس بهذا الجسد وبين فن يجعل هدفه خدمة الشعب من ناحية أخلاقه- لامن ناحية أهوائه- فيقدم له الروايات الأخلاقية التي ترمي إلى تقوية جانبه الأخلاقي، والروايات التاريخية التي تصور له كيف كان أسلافه الكرام مثالا أعلى للتضحية والمفاداة والصبر والثبات وشرف الضمير والاعتداد بالنفس والثقة في الله والايمان بعدله، فيستفيد أمرين: الفن في حسن العرض والأداء، والخلق في تصوير السلوك الإنساني الأقوم، متمثلا في أشخاض يتحركون ويغدون أمامه ويروحون، وفي تصوير ثمرة هذا السلوك، وتشخيص عاقبة أهله، وهي نصر الله لهم والتمكين لهم في أرضه.
ولكن كل شيء يوجد في مسارحنا غير هذا النوع من الفن الذي ينشىء الأجيال الصالحة ويوجه الشبيبة المضطربة في سلوكها، ثم يريد منا دعاة هذا الفن ورعاة هذا (الجهاز) أن نسكت عنهم بل يودون أن نشكرهم عليه، ونعينهم بدعوة الناس إليه، يالله! كم يحب هؤلاء الناس أن يؤيدهم الناس في الحق وفي الباطل وإلا فمتى شكر الناس من يغشهم؟ وكيف يشكر المسلم من يغشه ونبيه صلى الله عليه وسلم يقول: "من غشنا فليس منا" إن هذا- وأيم الحق- منكر يجب على كل مسلم تغييره بكل ما في وسعه من وجوه تغيير المنكر، ولو كنا نملك تغييره باليد لغيرناه منذ رأيناه، ولكن إن لم نملك اليوم تغيير المنكر بأيدينا فإننا نقاومه ما استطعنا بألسنتنا وأقلامنا- رضي من رضي وكره من كره- لأننا والحمد لله- مازلنا نؤمن بهذا الدين، ونعرف قوله صلى الله عليه وسلم: "من رآى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ونؤمن- إلى ذلك- بأن في الناس من اتخذ إلاهه هواه، فلا بد أن يصطدم المصلحون بهذا النوع، ولكن الله ولي المتقين.
(1/205)

ملامح المسلم
المسلم حق المسلم هو الذي يعتز بالإسلام أكثر من كل شيء، لأنه لم يكن يعرف طعم العز لولا الإسلام ولله در عمر إذ يقول: "إن الله أعزنا بالإسلام فمن طلب العز بغير الإسلام أذله الله".
وتاريخ الإسلام يشهد بهذه العزة للعاملين بتعاليم الإسلام، وواقع المسلمين اليوم ينطق بذلة المسلمين الذين انحرفوا عن نهج الإسلام.
والمسلم حق المسلم هو الذي لا وجهة له في سلوكه العام إلا الوجهة التي رسمها له الإسلام، ووجهه إليها رسول الإسلام، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" والمسلم حق المسلم هو الذي لا يرضى بغير نبي الإسلام حكما وبغير حكم القرآن حكما، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} والمسلم هو الذي لا تتحكم في دينه ظروف الزمان والمكان لأن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
والمسلم حق المسلم هو الذي يحتفظ بشخصيته الإسلامية قوية متميزة تأبى أن تمحى أو تذوب في غيرها، وللمحافظه على هذه الشخصية يقول صلى الله عليه وسلم: "خالفوا المشركين" ويقول: "لا تستضيئوا بنار المشركين".
والمسلم حق المسلم هو الذي لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا في الله، ولذلك مدح الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه باللين على المؤمنين والشدة على الكافرين إذ قال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}
(1/206)

والمسلم حق المسلم هو الذي يؤمن برسالته العظمى حق الإيمان، وهي أن الله خلقه لينسخ الكفر بالإيمان ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا ليساير موكب الظلام في سبيل الحصول على الكساء والطعام، لأن الله تعالى يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.
والمسلم حق المسلم هو الذي يؤمن بأن دينه خاتمة الأديان، وبأن نبيه آخر الأنبياء، فما أحله الإسلام فهو الحلال، وما حرمه الإسلام فهو الحرام، ولذا خطب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يوما فقال: "أيها الناس! ليس بعد نبيكم نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا أني لست بقاض وإنما أنا منفذ ولست بمبتدع ولكن متبع، ولست بخيركم وإنما أنا رجل مثلكم إلا أني أثقلكم حملا، ألا لا سلامة لإمرىء في خلاف السنة ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"
والمسلم حق المسلم هو الذي لا يغش المسلمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من غشنا فليس منا".
والمسلم حق المسلم هو الذي لا يمد يده ولا لسانه بسوء أو أذى لإخوانه لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه" وإنما المسلم حق المسلم هو الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
هذه صورة للمسلم أو بعض ملامح منها، فتعال الآن أيها المسلم المعاصر لنقابل بينها وبينك!
فهل أنت اليوم تعتز بالإسلام؟ وتراه المنقذ الوحيد مما يغمر نفسك من آلام؟ أو تراه رجعية وجمودا وفساد ذوق وتتبرأ منه مرة بقولك ومرة بفعلك، وترى كل سعادتك في تجردك منه وتجافيك عنه؟ وهل وجهتك في الحياة هي الوجهة التي رسمها لك القرآن ووجهك إليها محمد بن عبد الله؟ أو يممت بوجهك شطر مغرب الشمس لا مشرقها؟ وهل كان هواك تبعا لما جاء به إمام المصلحين وخاتم المرسلين؟ أو لما جاءت به المدينة الغربية؟ وهل حكمت بما أنزل الله وحكمت رسول الله في كل
(1/207)

ما يعرض لك من مشاكل الحياة؟ أو حكمت النظم العصرية والمدنية المادية فاستبحت ما حرم الله؟ وهل حكمت الإسلام في الظروف أو حكمت الظروف في الاسلام؟ وهل احتفطت بشخصيتك الإسلامية فلم تذب في شخصية أجنبية؟ أو جرفك التيار، وذبت في غيرك كما يذوب الشمع في النار؟ وهل كنت شخصا عالميا كما أرادك- الاسلام تدعو غيرك إلى الإسلام؟ أم كنت إمعة تسير دائما في مؤخرة القافلة، وتستضيء بنار المشركين لا بنور الإسلام، وبدل أن تخرج الناس من الظلمات إلى النور، خرجت أنت من النور إلى الظلمات؟ وهل أنت على ثقة من أن دينك دين الخلود يسع حاجات كل عصر، ولا يضيق بما يجد من أحداث؟ أم أنك قد انخدعت لأباطيل المبطلين وترهات الإباحيين والملحدين فحولوك من مهيع الهداية إلى متاهات الضلال بتلك الكلمة المزيفة الثقيلة: نحن في عصر التقدم فما لنا والالتفات إلى الأعصر البائدة؟ وهل وطنت نفسك على الإخلاص للمسلمين والنصح لهم في القول والعمل، أو أنت غشاش تصور لهم الحق باطلا والباطل حقا؟
وأخيرا هل أنت مسلم سلم المسلمون من لسانه ويده، ومؤمن يحب لأخيه
ما يحب لنفسه؟ أو أن لسانك لا يرشح إلا بالسم ويدك لا تمتد إلا بالأذى وقلبك ليس فيه موضع لحب الخير للمسلمين؟
إنني أرجو أن تكون مسلما حقا!!
(1/208)

بريد الشيطان
جاء رجل إلى وهب فقال له: إن فلانا شتمك، فقال له: أما وجد الشيطان بريدا غيرك؟ وجاء آخر إلى عمرو بن عبيد فقال له: إن الأسواري لم يزل يذكرك ويقول: الضال، قال عمرو: يا هذا والله ما رعيت حق مجالسته إذ نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه، إعلم أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا.
ورفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحرضه فيها على أخذ مال يتيم- وكان له مال كثير- فكتب على ظهر الرقعة: النميمة قبيحة، وإن كانت صحيحة، والميت رحمه الله، واليتيم جبره الله، والمال ثمرة الله، والساعي لعنه الله.
وزار بعض السلف أخا له صالحا، فذكر له عن بعض إخوانه شيئا، فقال له: يا أخي أطلت الغيبة وأتيتني بثلاث جنايات، بغضت إلي أخي، وشغلت قلبي بسببه، واتهمت نفسك الأمينة.
نسوق هذه الأمثلة الرائعة الأسلوب، السامية الحكمة، إلى أولئك الذين يحلو لهم أن يوقدوا نار الفتنة بين الأخ والأخ، والجار والجار، والعشيرة والعشيرة، والجماعة والجماعة ثم يقفون بعيدا عن مواقع اللهب متفرجين على الأخ يشتم أخاه، والجار يضرب جاره، والعشيرة تخاصم العشيرة، والجماعة تقاتل الجماعة.
والعجب أن هؤلاء الذين يقومون: بهذه (المهمة) ويؤدون هذه (الوظيفة) لا يرجون من ورائها مغنما، وإنما يقومون بها احتسابا للشيطان، لأنهم كما سماهم وهب
(1/209)

(بريد الشيطان) وتقوم إداره هذا البريد الشيطاني على الكلمة الجارجة ينقلها شيطان من الإنس بإيعاز شيطان من الجن فتندلع نار الفتنة وتنتشر في كل مكان، وتلتهم الأخضر واليابس، والقريب والبعيد، كل ذلك تفعله كلمة، مثلما يفعل عود واحد من الثقاب في غابة كثيفة، فإذا هي كومة من رماد.
إن عملا كهذا ذميما لا يقوم به إلا من سمته الآية زنيما- والزنيم ولد الزنا في قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} وحسبه لؤما أن الله لم يصف أحدا في كتابه العظيم، بهذا الوصف الذميم، سوى من كان على شاكلته من كل {مشاء بنميم} ومن هنا قال ابن المبارك: (ولد الزنا لا يكتم الحديث) وأراد أن كل من يسعى بالنميمة فقد دل على أنه ولد زنا، وحسبه ذنبا أن الله سماه فاسقا- ولو كان صادقا- في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
وحسبه خسة أن يرضي لنفسه بمنزلة ناقلات الجراثيم من الذباب والبعوض والقمل بل أن حرصه على إشاعة الشر والفتنة لأشد من حرص ناقلات الجراثيم على إشاعة الأمراض والأسقام، بحيث أن النمام ينقل إليك ليسمع منك فينقل عنك ليجمع بين طرفي الفتنة، كما قال الحسن البصري: (من نقل إليك حديثا، فاعلم أنه ينقل إلى غيرك حديثك).
وأما من حيث الضرر وعموم الشر فقد قيل: إن عمل النمام أضر من عمل الشيطان، لأن عمل الشيطان بالوسوسة، وعمل النمام بالمواجهة.
ومما يحسن أن يروي في هذا الصدد: أن رجلا رآى غلاما يباع وينادي بأن لا عيب فيه إلا أنه نمام، فقال: هذا لا يضر، واشتراه، ولكن بعد أيام دارت في رأس الغلام فكرة، فجاء إلى زوجة سيده وقال لها: إن سيده أراد أن يتزوج عليها ثم يطلقها وقال لها: إن أردت أن تسلمي من ذلك، فاحلقي بعض شعرات من منتهي لحيته وأبقيها عندك، ثم جاء سيده وقال له: إن سيدتي تحب رجلا آخر وهي تريد أن تقتلك وتتزوجه، وإن كنت في شك من قولي، فتناوم لها فإنها ستأتي بالموس لتذبحك، وأثر كلامه في كلا الزوجين فجاءت المرأة بالموسى لتأخذ
(1/210)

الشعرات وكان الرجل يتظاهر بالنوم، فأخذ من يدها الموس وذبحها به، فسمع أهلها فجاء إليه وقتلوه، وآل الأمر إلى مقتلة وفتنة عظمى بسبب النميمة.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
صدق الله العظيم
(1/211)

عداوة الشيطان
إن الشيطان أعدى عدو للإنسان، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}.
وهذه العداوة عميقة الجذور في التاريخ، ضاربة في القدم السحيق إذ نشأت يوم نشأ الإنسان الأول- آدم- وبرزت للوجود يوم أمر الله ملائكته بالسجود لهذا الإنسان {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} ولكن هذه العداوة للبشر لم يجن منها إلا الشر الذي لم تجن مثله عداوة منذ عرف هذا الكون العداوة.
إذ صيرته شيطانا رجيما بعد أن كان ملكا كريما وعابدا عظيما، ولا عجب، فهذه العداوة هي عداوة الحسد التي يكون وقود نارها الحسود قبل المحسود كما قيل: (لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله) فيجب أن يعتبر بذلك من يأكل الحسد قلبه.
وعداوة الحسد- كما أنها قديمة الميلاد عميقة الجذور في التاريخ- فهي باقيه على الزمان، مستعصية على سلطان الزوال، ولذا قيل:
كل العداوات قد ترجى إزالتها … إلا عداوة من عاداك من حسد
لذا عمرت عداوة الشيطان للإنسان كل هذا التعمير، ورافقت وجوده منذ نشأته الأولى إلى ساعته الحاضرة، إذ أوحى بها الحسد الصريح الوقح الذي رشحت به عبارته الوقحة إذ {قَالَ - ردا على أمر الله له بالسجود! - أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}
(1/212)

وإذا كان الشيطان قد صرح عن عداوته للإنسان، فإن الإنسان لم يزل حليف الشيطان يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه رغم أن الله يقول: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} ويؤكد هذا النهي بيان ما يدعو إليه هذا العدو الكاشح الذي يلبس للإنسان ثوب الصديق الناصح إذ يقول- بعد الآية المتقدمة-: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} بل إن القرآن لا يأتلى يحذر من كيد الشيطان ويحرك مشاعر الإنسان ويثير مكامن الغيرة فيه، فلا يسمع لنصائحه المبطنه بالغش حتى لا تغتاله غوائله وتصطاده حبائله، كقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا}.
فأي تحذير من إغواء الشيطان كهذا التحذير؟ وأي إثارة لعوامل الغيرة والحمية في نفس الإنسان كهذه الإثارة؟ وإلا فأي عداوة أشد من عداوة من سعى في نفي أبويك من الفردوس الخالد وإخراجهما عاريين إلى دنيا الكد والكدح وتحصيل القوت والكساء فيها بالجهد والنصب؟ وهل يريد بك خيرا من أراد بأبويك شرا؟ هل ينصحك من غش أبويك؟ وأقوى وسيلة للشيطان في إغواء الإنسان أن يزين له القبيح من الأفعال والتروك كما قال تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}.
ولحرص الشيطان على إشاعة الشر في كل مكان، يقصد بإغوائه المراكز الرئيسية في المجتمع البشري كالحكام والقادة ورجال العلم والأدب، فإفساد الواحد من هؤلاء إفساد لمجتمع كامل، فيزين الظم والإستبداد للحكام والأمراء، ويزين الكبر والغرور للقادة والعلماء، ويزين المروق والفسوق للفنانين والأدباء، كل ذلك ليفسد الحياة الدينئة والأخلاقية في المجتمع، بإفساد المراكز الرئيسية في المجتمع ولله در أبي العلاء المعري إذ يقول.
وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها؟
ولكن إذا ابتلى الله بالشيطان، فقد حمى منه عباده الذين لاذوا بحماه واعتصموا بحبله واتبعوا ما أنزل الله ولم يتبعوا خطوات الشيطان قال الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} وقال: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} ذلك
(1/213)

لأن الإيمان نور يكتسح كل ظلام ولأن الشيطان لص لا يسرق إلا في الظلام، لذلك يقول الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} وليس معنى هذا أن الشيطان لا يتعرض للصالحين من عباد الله ولكنهم لا ينخدعون له ولا يبيعون طاعة الله بطاعته، بل لعلهم معرضون لحرب الشيطان أكثر من غيرهم ولكنهم يكافحون أكثر من غيرهم لإنهم تغلبوا على جميع أهوائهم، فكيف لا يتغلبون على جميع أعدائهم، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
(1/214)

تجارة
من طبيعة الإنسان أنه طالب ربح، ومن هنا كانت آماله الواسعة ومطامعه البعيدة ومناوراته الكثيرة، ومن هنا كان شرهه العظيم، وحرصه الشديد، ولكنه- لجهله وغباوته وأثرته وأنانيته- كثيرا ما يؤدي به طلب الربح إلى خسارته، في دنياه وآخرته، ولنظره القصير كثيرا ما يؤثر التافه الحقير على الأهم الكثير، ويختار ما هو أدنى على ما هو خير، وما يفنى على ما يبقى لأن من طبيعة الإنسان- كذلك- أنه مولع بطلب العاجل، وإيثاره على الآجل ولو كان أعظم وأدوم، وذلك معنى قوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} ولا عجب فالله- أيضا يقول: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} فالإنسان- إذن- تاجر يطلب الفائدة المعجلة ولو كانت يسيرة، على الفائدة المؤجلة ولو كانت كثيرة، والإسلام لا يصادم الفطرة لأنه دين الفطرة، ولا يقف في طريق ربح الإنسان، لأنه لم يشرع إلا لسعاده الإنسان، بل يعينه على تحقيق ربحه ويمهد له السبيل إليه، بل يدعوه دعوة صريحة ويحثه عليه، إذ يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} ويقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} بل إن الإسلام- في ذاته- متاجرة مع الله، نعم إن الإسلام تجارة لها ربح ورأس مال، كما لكل تجارة، بل إن هذه التجارة لها ربحان، ربح معجل وآخر مؤجل في مقابل رأس مال يسير المؤونة لا يشق على أحد، لأن الله أرحم بعباده الذين خلقهم، من أن يكلفهم بما لا تسعه طاقتهم، ولقد أجمل هذه التجاره في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *
(1/215)

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}. فقوله {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ}؟ فيه تشويق إلى العمل الصالح المثمر، كما تثمر التجارة الرابحة التي اتبعت فيها طرق التجارة الصالحة ووسائلها الناجحة، وقوله: {تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} فيه تخصيص لهذه التجارة وتمييز لها عن هذه التجارات التي تتغلب فيها الأنانية والشهوات الحيوانية فتهلك أصحابها بدل أن تنجيهم، وقوله: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} هذا هو رأس المال لهذه التجارة، وقوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} هذا هو الربح المؤجل لها وهو الربح الأوفر، ولذلك عقب عليه بقوله: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وقوله: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} هذا هو ربحها المعجل، وهو الذي تؤثره النفس وتتعلق به ولذا قال: {تُحِبُّونَهَا} لأن النفس مولعة بحب العاجل و {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}.
فيا طاليا للربح مولعا بالتجارة: ها هي تجارة مضمونة الربح مأمونة الخسارة، مربحة في العاجل والآجل وهي لا تكلفك إلا أن تتطهر من ذنبك وتتصل بربك بإيمانك به وطاعتك له، وجهادك في سبيله بنفسك ومالك فتتغلب على أهوائك وأعدائك، ومتى تغلبت على أهوائك وأعدائك فقد أصبحت سيد العالم وخليفة الله في الأرض كما أراد الله لهذا الكائن الممتاز أن يكون، لاسما وأنت من خير أمة أخرجت للناس، أما إذا كنت عبدا لأهوائك فإنك ستبقى عبدا لأعدائك، وستعيش مغلول اليدين لا تعرف الحرية معصوب العينين لا ترى النور، مختوما على فمك لا تترنم بأغانيك ولا تسمع الكون أناشيد الحرية والحق والجمال.
- إذن- فمدار الأمر على هذه التجارة، إذ فيها ربح الدنيا والآخرة، ورضى الله والناس والنصر القريب على العدو الداخلي وهو النفس، والعدو الخارجي، وهو المستعمر فانصر الله ينصرك وتاجر مع الله يربحك {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}
(1/216)

طبقات الناس
الناس ليسوا سواء، فمنهم من يفعل الخير ويعين عليه ويدعو إليه، وهذا النوع خير أنواع الناس وأشرفها، ومن الناس من يفعل الشر ويعين عليه ويدعو إليه، وهذا النوع شر أنواع الناس وأحطها.
وبين ذلك أنواع الأوساط في الخير والشر، فهذا يفعل الخير، ولكن لا يعين عليه ولا يدعو إليه، وهذا يعين على الخير، ولكن لا يفعله ولا يدعو إليه، وهذا يدعو إلى الخير، ولكن لا يفعله ولا يعين عليه، وهكذا الحال في الشر، فهذا يفعل الشر وكفى، دون أن يعين عليه أو يدعو إليه، وهذا يعين عليه، ولا يفعله ولا يدعو إليه وهذا يدعو إليه فقط دون أن يفعله أو يعين عليه،:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه … ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
إذن فخير مراتب الخير أن تفعل الخير وتعين عليه وتدعو إليه، وكل ذلك دعا الإسلام إليه:
دعا الإسلام إلى فعل الخير إذ قال الله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ودعا إلى التعاون على الخير إذ قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ودعا إلى الدعوة إلى الخير إذ قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} الآية، وإذ قال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وإذا قال عليه الصلاة والسلام: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس"
(1/217)

هؤلاء الذين تجردوا للخير: يفعلونه ويعينون عليه ويدعون إليه، هم ملح الأرض يصلح الله بهم الأرض، وهم بذور الخير يبث الله بهم أنواع الخير، ولا يضع من قدرهم أنهم قلة فالخير قليل وكرام الناس قليل:
تعيرنا أنا قليل عديدنا … فقلت لها: إن الكرام قليل
وكل شيء كريم ونفيس قليل، لأن له من كرمه ونفاسته كثرة، فالمثقال من الذهب من حيث الكمية قليل، ولكنه في القيمة أكثر من أضعاف مضاعفة من الحديد، والرجل الذي يحيي أمة بعلمه أو رأيه أو ماله خير عند الناس وأفضل عند الله من ألف ليس فيهم من يغني غناءه أو يسد مسده:
والناس ألف منهم كواحد … وواحد كالألف إن أمر عنا
وهؤلاء الذين تجردوا للشر، يفعلونه ويعينون عليه ويدعون إليه، هم جراثيم البشرية، تشقى بهم البشرية وتفسد بهم الأرض ويتسمم بهم الهواء، ولا يرفع من قدرهم أنهم كثرة، فكم من كثير حقير، وهم إن كثروا في العدد قد قلوا في القيمة، بل على قدر كثرة الأشرار يعظم قدر الأخيار، إذ يعظم أجرهم ويتسع ميدان عملهم وجهادهم فالواحد من الأخيار، يصلح الله به أمة من الأشرار، فيعظم بذلك قدره عند الناس وأجره عند الله.
وهكذا الناس منذ كان الناس، منهم من جعله الله وعاء للخير، فلا يفعل إلا خيرا ولا يعين إلا على خير، ولا يدعو إلا إلى خير، ومنهم من جعله الله وعاء للشر، فلا يفعل إلا شرا ولا يعين إلا على شر ولا يدعو إلا إلى شر:
"وكل إناء بالذي فيه يرشح"
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}.
- أيها المسلم- يجب أن تكون في المنزلة العليا، واربأ بنفسك أن تكون
(1/218)

في المنزله الدنيا، فإنك من خير أمة أخرجت للناس، فافعل الخير وأعن عليه وادع إليه، واترك الشر، وقاوم من يفعل الشر أو يعين على الشر، أو يدعو إلى الشر.
وثق بأن الله في عونك ما دمت كذلك، وبأن الله ينصرك ما نصرت الحق، كما نصر نبيك الذي عاش لنصر الحق الذي بعث به، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
(1/219)

الهدية
(تهادوا تحابوا)
يحرص الإسلام كل الحرص على ما يثبت المحبة في القلب ويشيع روحها في المجتمع، لأن أمة لا يربط بين أفرادها رباط المحبة، هي أمة مضعضعة البناء، مفككة الأجزاء، لا تثبت على رياح الخطوب وعواصف الأحداث، وأي بناء يبقى على البغضاء؟ وأي مجتمع يسلم على العداوة؟ وأي قلب يصلح على الكراهية والحقد؟.
إن الإسلام دين الفطرة، فهو يبني أسس المجتمع الصالح على ما لا يتصادم مع الفطرة، والمحبة هي الصخرة الثابتة التي قام عليها عمران الكون الذي يبدأ بذكر وأنثى ربط بينهما رباط المحبة، وقد شعر شوقي رحمه الله بهذا المعنى إذ قال:
فطر الله على الحب الورى … وبنى الكون عليه وعمر
وأجمل صفة يتصف بها عباد الله وأعظم صلة تصلهم بالله، هي المحبة، لذا يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}.
ولكن المحبة- لشرفها- لا تتطفل على الموائد وإنما تقوم على الأسباب والوسائل، لذا فالإسلام يدعو إلى كل ما يغرس المحبة في القلوب، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا" أي ليهد بعضكم إلى بعض ليحب بعضكم بعضا، وفي قوله: تحابوا، لفتة ذهنية عجيبة، فهو يجعل المحبة هي الغاية وجعلها هي الغاية تشريف لها وأي تشريف، لأنها دعامة التعاون الذي هو أساس العمران، ولأنها تنفي من
(1/220)

من القلوب الإحن والأحقاد التي هي بذور الفتن والشرور، كما يقول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: "تهادوا فإن الهدية تضعف المحبة وتذهب بغوائل الصدر" وقد كان صلى الله عليه وسلم يهدي ويقبل الهدية ويكافيء عليها، حتى روي عنه أنه قال: "لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت" وقد أهدى إليه رجل من فزارة ناقة فعوضه منها فأبدى سخطه فصعد المنبر فقال: "يهدي أحدهم إلى فأعوضه بقدر ما عندي ثم يسخطه، وأيم الله لا أقبل بعد عامي هذا من العرب هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي" وأهدي إليه المقوقس ملك القبط كذلك، وقد كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس إهداء لأنه أعلم الناس بأثر الهدية، وهو شييوع المحبة ونموها في المجعتع وقد ظهر أثر ذلك بارزا فيمن أهدي إليهم، فقد روي أن صفوان بن أمية قال: (ما زال رسول الله يعطيني من غنائم حنين، وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه) وهناك الكلمة الطيبة الندية تفعل في ترطيب القلوب وتطهير المشاعر ما تفعله الهدية.
روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: "أعطى رسول الله قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال: "إني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن تغلب" قال عمرو: (فما أحب أن لي بكلمة رسول الله حمر النعم) وهكذا يسع الخلق ما يضيق عنه المال كما قال عليه الصلاة والسلام: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم" بل إن القرآن يقول: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} والمتنبي يحوم حول هذا الجو إذ يقول: (فليسعد النطق إن لم يسعد الحال) وغاية الغايات في هذا الباب كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم حنين التي يجب على كل مسلم أن يحفظها.
فقد روى أبو سعيد الخذرى قال: لما أصاب رسول الله الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار شيء منها قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي- والله- رسول الله قومه- فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال: يارسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم، قال: فيم؟ قال: فيما كان من
(1/221)

قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء قال رسول الله: فأين أنت يا سعد؟ قال: ما أنا إلا أمرؤ من قومي فقال رسول الله: اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، حتى إذا لم يبق من أحد إلا أجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله اجتمع لك هذ الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم فخرج رسول الله فقام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالا فهداكم إليه وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، قال، رسول الله: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك؟ المن لله ورسوله، قال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك وعائلا فآسيناك وخائفا فأمناك ومخذولا فنصرناك، فقالوا: المن لله ورسوله قال: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار من أجل لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله في رحالكم؟ فو الذي نفسى بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم أرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.
فبكي القوم حتي أخضلت لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبرسوله قسما، ثم أنصرف وتفرقوا. فيا أيها المسلمون، هذا هو دواؤكم، إنه روح المحبة التي نفخها نبيكم في ذلك الهيكل البالي، فإذا به أمة قوية حطمت أسوار الطغيان والعبودية، ومحت معالم الشرك والوثنية بما شرعه لها من مبدإ الأخوة الإسلامية، فاحرصوا على عودة هذه الروح بتهيئة الجو الصالح لها فإن المحبة شجرة كريمة لا تنبت إلا في التربة الكريمة، أحرصوا على كل ما يبث روح المحبة بينكم من كلم طيب وخلق حسن وتهاد كريم وتعاون على البر والتقوى وعلى كل ما فيه تطهير القلوب من الحقد والبغضاء وسائر الأدواء ..
(1/222)

كن صريحا
كم في الناس من يعجبك إذا قال، ولا يعجبك إذا فعل، فيتخذ من حسن ما يقول ستارا لسوء ما يفعل، وذلك قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} ومن الدليل على أنه يخفي سوء ما يفعل بحسن ما يقول قوله تعالى بعد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} إنه يقول لك: اتق الله، ولكنه يغضب إذا قلت له: اتق الله، لأنه لا يريد أن يعمل ولكنه يريد أن يقول فحسب، وهو ضرب من النفاق رسمت هذه الآية الكريمة خطوطه وأوضحت معالمه، وإن هذا النفاق لا يولد إلا في تربة الكسل ولا يوجد أفراده في ميادين العمل، فكلمة: اتق الله تخزهم وخز الإبر لأنها تطلب منهم عملا يتطلب جهدا وتضحية، أو تحملهم على ترك شهوة، لذلك لا يستطيعون سماع هذه الجملة التي تتضمن التخلي عن كافة الرذائل، والتحلي بجميع الفضائل، وكلا الأمر ين لا يتوصل إليه إلا بمخالفة النفس أي بفطامها عن شهواتها- وما أشد فطام الكبير- كما يقولون، فلا عجب أن سمى نبي الإسلام مخالفة النفس، الجهاد الأكبر، أما الذين هيمنوا على حيوانيتهم وتغلبوا على شهواتهم في سبيل طاعة ربهم، فلا يأنفون من سماع هذه الكلمة بل يطربون لها ويحثون الناس على أن قولوها، لأنها لا تتنافى مع سلوكهم، ولا تشير لاتهام الناس لهم، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخطب فسمع قائلا يقول: اتق الله يا عمر، فهم الناس به، فنهاهم عمر وقال: "دعوهم يقولونها فلا خير فيهم إذا لم يقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها".
(1/223)

وإننا اليوم نعيش في عصر راجت فيه سوق النفاق، وكثر فيه عديد المنافقين، لأن الناس أفلسوا من التقوى، وأقفرت قلوبهم من الإيمان، فهم يتعاملون بالنفاق لا يتآمرون بمعروف ولا يتناهون عن منكر، تضحية بدينهم في سبيل دنياهم، فصحت بذلك نبوءة عمر العبقري الملهم إذ قال: "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر، فيقول الناس: ما رأينا منه إلا خيرا لكونه لم يغضب لله تعالى".
حتى الصفوة من إخوانك وخلصائك تخطر لهم الملاحظة عليك في سلوك أو رأي فلا يبدونها لك، بل ربما تسألهم رأيهم وتطلب إليهم أن يفيدوك بملاحظاتهم فيما أنت بسبيله من مهام فيجبنوا وربما أثنوا وشكروا حتى إذا غبت عنهم وأوليتهم ظهرك، أخذوا يتندرون عليك ويرسلون سهام نقدهم إليك.
إن هؤلاء المنافقين الجبناء لأخطر عليك من الأشرار الصرحاء الذين ليس لهم إلا وجه واحد تعرفه، أما هؤلاء الذين لهم في كل يوم وجه، ومع كل شخص كلام، فأمرهم مشتبه والاحتراس منهم عسير.
والدواء من مرضهم أن لا نلقاهم ولا نغشى مجالسهم، وإذا اضطرونا إلى لقائهم والاجتماع بهم فلا نسمع لقولهم ولا نغتر بتملقهم، وإذا أضطررنا إلى سماع قولهم فلا نقابل نفاقهم بنفاق وملقهم بملق، فإن ذلك لا يقطع الشر، ولا يحسم الداء، وإنما يجب أن نقابل نفاقهم بالصراحة وملقهم بالتأنيب، كي ينتهوا ويرتدعوا فما عاش الشر إلا في بيئة النفاق ولا كثر الفساد والمنكر إلا حيث يسكت عن الفساد ويمسك عن تغيير المنكر.
فيا أيها المسلم- اذكر دائما قوله صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" فلا يوصل إلى خير إلا بتحمل ضروب من الآلام ولا تنال راحة إلا بعد عبور جسر من الأتعاب، وهكذا الصراحة في الحق وبث النصيحة للخلق، وأذكر ما تحمله نبيك صلى الله عليه وسلم في هذا السبيل من التضحيات الجسام حتى تغلب على سائر الصعوبات وانتصر دين الله، وأصبحت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى،
(1/224)

فلولا التضحيات لما انتصرت الرسالات، ولما قامت للإسلام تلك الحضارة التي اقتبست منها سائر الحضارات.
فاقطع دابر الباطل بالصراحة، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وإن لك في رسول الله أسوة حسنة و {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}.
و {أَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ}.
(1/225)

بين الجد واللعب
صادفت في مروري بالملعب البلدي خروج الناس بعد فراغ أبطال الكرة من اداء مهمتهم التي أصبحت حديث الناس، وشغلهم الشاغل في كل مكان ولا سيما الشبان، فرأيت جيشا لجبا وجما غفيرا لا يحد الطرف مداه، ولا يعلم عدده إلا الله، ولا يعد الزحام الذي رأيته على المكتب الفرنسي بجانب هذا شيئا، ولفت نظري أن معظم هذا العديد الضخم وهذا الجمع الكثيف هو من الشبان المسلمين الذين لا يرى أكثرهم إلا في هذا الموضع أو ما شابهه من المسرح والسنيما.
فقلت هذه أمة لو رزقت التوفيق وألهمت الرشد لأجرى الله على يدها خيرا كثيرا، ولأزال على يدها شرا كبيرا، كما أرى الله منها ذلك يوم كان الجهادان: جهاد النفس وجهاد البغي والرجس، أداتها وشعارها، ولكنني سرعان ما ذكرت أن هذه الأمه التي راعتني بقوة عددها ووفرة نشاطها وخفة حركتها، إنما صادفتها عائده من ميدان لعب، لا من ميدان جد، ومن ميدان دفع الأكر، لا من ميدان دفع البغي والشر وهذا لا يصلح مقياسا للأمه التي ورثت مجد محمد صلى الله عليه وسلم واهتدى الناس بدعوتها وصلح أمر الدنيا والآخرة بدولتها، وشع في ذاكرتي- فجأة- قوله صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" وقلت لنفسي: هل هذه هي الأمة التي يباهي بها نبيها الأمم يوم القيامة؟ وهل هذا هو النسل الذي كان يتراءى لخيال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم وجه هذا النداء لأمته؟ الجواب عند الشبان.
إننا لا نقول بتحريم اللعب، ولا نحول بين الناس وبين حاجياتهم الضرورية
(1/226)

منه، وإنما نقول: ليست الحياة كلها لعبا، كما أنها ليست كلها جدا، بل لا تصلح الحياه إلا بكليهما، ولكن كل على قدره، فليس اللعب إلا إستراحة من عناء الجد، كما أن النوم ليس إلا إسحراحة من العمل وضوضاء النهار، ولذا فالوقت الذي ينفق في اللعب يجب أن يكون أقل بكثير من الوقت الذي ينفق في الجد، أما أن ينفق الوقت كله في اللعب فتلك هي الجريمة التي ما بعدها جريمة، وذلك هو السفه الذي دونه كل سفه، والذي يفعل ذلك مثله مثل من ينفق ماله كله فيما لا يعنيه ولا يحتاج إليه، ويمسكه فيما هو أهم له وأجدى عليه ويؤسفني أن هذا هو ما عليه أكثر شبابنا، الذي نعلق عليه أكبر آمالنا، ونمني أنفسنا بأن يكون على يديه خلاصنا، وهذا المرض ناشيء عن مرضين آخرين: الجهل بقيمة الوقت وعظم مسئوليته وخطورة أثره، وانقطاع الصلة بين ماضي الأمة وحاضرها، ولو فكر الناس في أن ما مضى من الوقت لا يعود ولا يعوض، لاغتنموا كل لحظة من أعمارهم فيما يعود عليهم بالنفع عاجلا وآجلا، ولو تذكر المسلم أن أول ما يسأل عنه يوم القيامة، هو وقته لعمره كله بما يرضي ربه، ففي الصحيح أن الني صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله فيم أنفقه؟ ومم أكتسبه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟.
ولو قرأ شبابنا تاريخهم الذي هجروه إلى تاريخ لا تصلهم به أي صلة، لاطلعوا من ذلك على كنوز يعز العثور على مثلها في أي تاريخ، ولرأوا من أجدادهم العجب العجاب، في هذا الباب، ومن كان مثل أجدادهم في النهار فرسانا وفي الليل رهبانا؟ إنهم كانوا لا يعرفون هذا النوم الموصول الليل بالنهار الذي نقضي عليه حياتنا اليوم، نوم بالليل واشتغال بالسخافات بالنهار، وكانوا لا يعجبون لشيء عجبهم ممن ينام ليله كله: روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه،- إذن- فما أكثر من يبول الشيطان في آذانهم في زمماننا هذا!
وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أتنام من النهار؟ فقال: وهل أنام الليل حتى أنام النهار؟ إنني إذا نمت الليل أضعت حقي، وإذا نمت من النهار أضغت حق رعيتي، فكيف لي بالنوم مع هذين؟ وإنما هي خفقات بعد صلاة الصبح"، ولا يعجب
(1/227)

الناس من هذا، (فكل امرىء جار على ما تعودا) والقليل من النوم يكفي لمن تعود ذلك، والكثير قليل لمن لم يتعود، كالأكل يكفي منه القليل لقوم، ومن استبدت به الشراهة، وتحكمت فيه الشهوة لا يكفيه شيء:
والنفس راغبة إذا رغبتها … وإذا ترد إلى قليل تقنع
ولكن سلطان الهوى أملك للناس من سلطان العقل ولذا فالمنتفع بوقته قليل ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"- إذن- فلنتغلب على أهوائنا ولنحكم عقولنا في سلوكنا، ولنغتنم كل دقيقة من أعمارنا ولنجعل نصب أعيننا تلك الكلمة الخالدة التي أطبق عليها الخليل بن أحمد فاه، وفارق عليها دنياه عندما حضرته الوفاة ورأى أهله يبكون فقال: "لا تبكوا علي، فإنني لم أضع ساعة واحدة، بلا فائدة"!!
(1/228)

موت القلوب
قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}؟
فقال: لأن قلوبكم ميتة، قيل: ما الذي أماتها؟
قال: عشر خصال: "عرفتم حق الله ولم تقوموا به، وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده، وقلتم نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته، وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له، وقد قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} فواطأتموه على المعاصي، وقلتم نخاف النار وأحرقتم أبدانكم فيها، وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها، وأكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكره، ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم، وإذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وأفترشتم عيوب الناس أمامكم، فأسخطتم ربكم فكيف يستجيب لكم؟ "
إن للقلوب موتا دونه موت الأبدان، بل إن القلوب إذا ماتت لم يبق أي خير في الأبدان، والقرآن يشير إلى موت القلوب إذ يقول: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} وإذ يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} وليس المراد من الموتى في الآية الأولى، غير موتى القلوب، كما أنه ليس المراد من قوله: {حَيًّا} في الآية الثانية غير حي القلب.
(1/229)

وهذا طبيب من أطباء القلوب يفحص قلوب الناس فيجدها قد ماتت ثم يبحث عن أسباب موتها فيجدها عشرة: ترك القيام بحق الله بعد معرفته، وعدم العمل بالقرآن بعد قراءته، وترك العمل بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مع ادعاء محبته، وعدم الإستعداد للموت مع التظاهر بخشيته، وطاعة الشيطان مع ما ثبت من عداوته وارتكاب ما يقحم في النار مع التظاهر بشدة الخوف منها، وعدم العمل للجنة مع شدة الشوق إليها، وأكل نعم الله بلا شكر عليها، ودفن الموتى بدون اعتبار بهم، واشتغالنا بعيوب الناس ةإغضاؤنا عن عيوبنا.
ثم يرى أن هذه الأسباب كانت مجلبة لغضب الله وإعراضه عن قبول دعائنا. ورسول الإسلام- عليه الصلاة والسلام- يجعل لعدم استجابه دعائنا، سببا آخر: هو عدم تورعنا عن الحرام.
ففي حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له أي فلا تكفي الأعمال الصالحة- في ظاهرها- مع صدور هذه الأعمال عن أناس نبتوا من الحرام ثم غذوا- في صغرهم- بالحرام، ثم كان مطعمهم ومشربهم- في كبرهم- من الحرام، أي أن هذه الأعمال مصدرها غير صحيح فهي غير صحيحة، وإذا لم تكن صحيحة فهي غير مقبولة، ولذا ورد عن ابن عباس رضي الله عنه: "من أكل لقمة من حرام لم يقبل الله عمله أربعين صباحا".
وإذا كان عملنا غير مقبول فدعاؤنا- طبعا- غير مقبول، لأن الصلة التي بيننا وبين الله هي هذه الأعمال التي أمرنا بها وجعلها بمنزلة الخيوط الممتدة بيننا وبينه، فإذا ردها علينا فأي شفيع بقي لنا عنده نتوسل به في قبول طلباتنا؟.
وإذن فقد عثرنا على السر في خذلان الله لنا ورده لطلباتنا ورفضه لإجابة دعواتنا: إننا أكلة حرام ونبت حرام، وهو ما جعل قلوبنا ميتة، ولا عجب فهي
(1/230)

قد تغذت بغذاء مسموم منذ نبتت في هذه البيئه التي لا تعف عن الحرام بل التي نبتت أصولها من الحرام، وما النظام الربوي الذي قامت عليه كل اقتصاديات البيئة العصرية التي جاءتنا من نظام غير إسلامي إلا البذرة الأولى الخبيثة التي نبت منها كل مطعم حرام والتي سممت كل لقمة تصل إلى أجوافنا.
فاللهم أعد للإسلام حكمه حتى يطهر المجتمع الإنساني من أدرانه ..
(1/231)

درس
كنت مارا في أحد ميادين العاصمة، فعطفي عن وجهتي صوت ناعم حزين وإذا به صوت امرأه تندب حظها وتلعن المصادفة السيئة التي لاقت بينها وبين فضولي مستهتر وهي تقول له: قبحا لوجهك الذي لا يعرف الحياء، وما الذي ذلك مني على أني إحدى الساقطات اللائي بعن كرامتهن بالثمن البخس؟ وما الذي جرأك على متابعتي وتأثر خطواتي وأنا على أتم حجاب وعلى خير هيئة يجب على المرأة الشريفة أن تكون عليها؟
فآمنت عند ذاك بما في خروج المرأة بدون أحد من محارمها من خطر ومغامرة، وذكرت قول سيدة النساء: فاطمة الزهراء وقد قال لها أبوها صلى الله عليه وسلم: أي شيء خير للمرأة؟ فقالت: أن لا ترى الرجل ولا يراها الرجل، وعلمت أن الحجاب لا يغني مع خروج المرآة شيئا: وعلمت كذلك بأن المسلمين الذين لم يتأثروا بتربية الإسلام ما زالوا كثيرين ولا سيما هؤلاء الشباب الذين نشأوا في بيئة غير إسلامية، وأعني: بهم من تثقف ثقافة أجنبية، وعلمت من ذلك بأن مجتمعنا ما زال بحاجة إلى تربية أخلاقية قوية.
إن الفائدة التي نجنيها من هذا الدرس هي أن المرأة المسلمة لا أحصن لكرامتها ولا أصون لشرفها من امتداد أيدي الجناة الآثمين إليها كبيتها، وإذا تعرضت المتحجبات المتنقبات لكل هذه الآفات، فكيف يسلتم أولئك السافرات اللائي أبدين من أجسامهن كل ما يحرك الفتنة وبثير كوامن الشهوة؟ ولا سيما أولئك الصبايا العواتق اللائي هن للعيون الشرهة كبواكير الفاكهة يتشهاها القلب وتتطلع إليها النفس، فكيف
(1/232)

نلوم شبابنا الذين تجاوزت فيهم حدة الشباب حدها، وطغت عليهم نزوة الصبا فلم يستطيعوا ردها؟
إن للشباب لفورة، وإن لجماحه لسوره،
وضعوا اللحم للبزا … ة على ذروتي عدن
ثم لاموا البزاة أن … خلعوا عنهم الرسن
وإن للصيف لمأثيرا آخر على الأعصاب، تصعب مقاومته على الشباب، فإن العري فيه ولا سيما في العواصم الكبيرة التي يحتضنها البحر ليمد مده، حتى يتجاوز حده، ولكنني لا أعجب لشيء كما أعجب لهؤلاء الآباء الذين يبيحون لبناتهم أن يخرجن عاريات مع عدم يقينهم برجعوعهن سالمات، وكيف بسلامة الحواسر، من مخالب الكواسر؟ وأعجب من هذا أن يعتقدوا أن هذا لا يتحرج منه الإسلام، أو يجب أن يتسع له صدر الإسلام، ومعنى هذا أنهم لا يهمهم أن يجمعوا بين عدم الغيرة وعدم الحياء فيريدوا من الدين أن يبيح ما أباحوا ويعينهم على ضلالهم ويمد لهم في طغيانهم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد كسا أسامة بن زيد (قبطية) وهي نسيج شفاف لا يستر مما تحته وينسب إلى قبط مصر، فكساها زيد امرأته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أخاف أن تصف حجم عظامها قال الشريف الرضى: (والمراد أن القبطية لرقتها تلصق بالجسم فيبين حجم الثديين والرادفتين وما يشذ من لحم العضدين والفخذين فيعرف الناظر إليها مقادير هذه الأعضاء حتى تكون كالظاهرة للحظه والممكنة للمسه، ولذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إياكم ولبس القباطي، فإنها إلا تشف تصف.
هذا فيما يشف من اللباس، فكيف لو رآى النبي وعمر، العري الذي ابتدعه الناس؟ إن أصل البلاء كله هو موت خلقين أساسيين: الغيرة والحياء، الغيرة في الرجل والحياء في المرأة.
أيها المسلم الذي ما زال يدين بالإسلام ويعمل بما فيه من حلال وحرام، إن الحجاب اليوم لا يحترمه من لا يدين بالإسلام، بل ربما أغرى الناس بارتكاب الآثام،
(1/233)

ففي الناس صنف يغري بكل مصونة محجبة من النساء وبصيد كل ممنعة منهن، كأن للشيطان الذي يصيده قبل أن يصيد هو رميته غرضا في ذلك، إذ يرى في هؤلاء المحتشمات المتجبات ربحا جدبدا، أما أولئك المتبذلات اللائي خلعن عذارهن في سوق الرقيق، فهن صيد واقع في الشبكة لا يستدعي اهتماما ولا يتطلب عناء، كأن الشيطان يقول لصاحبه: إن خير الفواكه ما لم تلمسه الأيدي وخير المراعي ما لم تطأه الأرجل.
فحافظ على شرفك، إبائك- أيها المسلم- ولا تسمح لزوجك أو ابنتك بالخروج وحدها فإن ثلمة الشرف لا تسد، ولا يغرنك الحجاب فقد كان ينقع يوم كان الإيمان هو المسيطر على الناس، ولك في الأمثلة التي عرضناها في الفصول السابقة في هذا الموضوع عبرة وأي عبرة.
(1/234)

هكذا يجب أن نكون
"قال سفيان الثوري رضي الله عنه: ما زلت أرائي- أي أعمل ما أعمل رياء- وأنا أشعر- إلى أن جالست أبا هاشم الزاهد، فأخذت منه ترك الرياء".
هكذا كان السلوك هو المعلم، والقدوة هي الموجه، وهكذا يعترف هذا الرجل الواقعي الخبير بأن الرياء أو حب الظهور، هو الخلق المسيطر على كل شعور، وهكذا يعترف أرباب القلوب بما فيهم من عيوب، طلبا للكمال، ومقاومة لأهواء النفس، فيعترف سفيان لمن فوقه بفضله، ويلفت من دونه إلى تأثير أصحاب السمو الروحي فيمن حولهم كما تؤثر الكواكب الدرية بضوئها الباهر فيما يلتف بها من كواكب لينتفع الناس بتجربته فيندفعوا وراء أطباء القلوب فيتأثروا تأثره وينتفعوا انتفاعه، وفي ذلك بلوغ مناه وري صداه وشفاء نفسه شأن أرباب القلوب الكبيرة وذوي الآفاق الواسعة الذين يحبون الخير للناس قاطبة ولا يحبون الخير مقصورا عليهم وحدهم كأكثر من نرى لهنذا العهد الذي تغلبت فيه الأنانية وأجدبت تربته من الكمالات الإنسانية، وأصبح النالس لا يتجاوزون بأنظارهم مواطيء أقدامهم، وضعف سلطان الروح، وقوي سلطان الحواس، وبذلك انقلب المجتمع الإنساني غابة ضواري كل فرد فيه لا هم له إلا أن يفترس وينشد:
"إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر"
أما في العهد الزاهر للإسىلام فقد كان الشعور بالأخوة العامة بين المسلمين، هو الشعور المتحكم في المسلمين والموجه لسلوكهم، وبذلك كان المسلمون وحدة
(1/235)

متماسكة تصمد لأحداث الزمان ومكاره الحياه، صمود الجبل الراسخ للريح العاتية والعاصفة الهوجاء.
إن مثل هذا الإمام الذي يعتبر من القمم الشامخة لمجد الإسلام يعترف بأنه مراء، ثم يعترف بأنه أشتفى من هذا الداء العضال بتأثير روح قوية وبمجالسة إمام أقوى سلطانا منه على نفسه، هو أبو هاشم الزاهد، إن هذا الذي صنع هذا الإمام لشيء عزيز المنال بعيد المرام، ولكنه العلاج الناجع والمنهج الذي يجب أن نسير عليه لبلوغ الهدف الذي نرمي إليه، فقد طغى سلطان الغرور، وحب الظهور، على كل شعور، ولاسيما في البيئات الخاصة حيث الأيدي الممسكة بأزمة الأمور وحيث الأطماع المتصارعة والأهواء المتدافعة حول قيادة الجمهور.
ويؤسفني أن يدفعني ما رأيت وما سمعت إلى أن أقول: إن أكثر الناس اليوم مراءون ولكنهم لا يعترفون وذووا نقائص وعيوب ولكن بدل أن يشغلهم علاجها يلصقون بالبقية الصالحة عيوبا ليست فيهم ليرضوا بذلك غرورهم، وإن ضاعفوا شرورهم.
إن اعتراف المريض بمرضه هو أولى خطوات العلاج، فلنعترف بما فينا من نقص وعبب، ولنسع- مخلصين- في العلاج، وأين نحن من أولئك الهداة الأعلام الذين يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويعين أنفسهم قبل أن يعابوا.
رآى محمد بن واسع ابنه بمشي الخيلاء فناداه وقال له: "ويلك، أتمشي هذه المشية وأبوك أبوك وأمك أمك، أما أمك فأمة ابتعتها بمائتي درهم، وأما أبوك فلا كثر الله في الناس مثله.
وبعث سعد بن أبي وقاص بعد انتصاره في موقعة القادسية إلى عمر بن الخطاب قباء كسرى وسيفه ومنطقته وسراويله وتاجه وقميصه وخفيه، فنظر عمر في وجوه القوم عنده، فكان أجسمهم وأمدهم قامة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي فقال: يا سراق: قم فالبس، قال سراقة: طمعت فيه فقمت فلبست، فقال: أدبر، فأدبرت وقال: أقبل فأقبلت، قال: (بخ بخ أعرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطف وتاجه وخفاه، رب يوم يا سراق لو كان عليك فيه دون هذا من متاع كسرى وآل كسرى لكان شرفا لك ولقومك، انزع قال: فنزعت فقال:
(1/236)

اللهم إنك منعت هذا نبيك ورسولك وكان أحب إليك مني وأكرم، ومنعت أبا بكر وكان أحب إليك مني وأكرم، ثم أعطيتنيه لتمكر بي، ثم بكى حتى رحمه من كان عنده، وقال لعبد الرحمن ابن عوف: أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي، فما أدركه المساء إلا وقد بيع وقسم ثمنه على المسلمين.
فاللهم بصرنا بعيوبنا، وأعنا على معالجتها، وجنبنا الغرور، فإنه أصل الشرور.
(1/237)

من دعائم النجاح
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} الآية هكذا لا يكمل الشخص إلا بشيئين: إيمان، واستقامة، وليس الأمر كما يدلس الأنانيون من أن الإيمان وحده بغني عن كل اعتبار، ونسوا أن الإيمان شيء معنوي لا يستدل عليه إلا بشيء حسي من عمل الجوارح، لأن محله القلب، وعمل الجوارح هو التعبير الصحيح عما في القلب فلا يقل قائل من هؤلاء المغلوبين على أمرهم العاكفين في محاريب شهواتهم: حسبي الإيمان، وهو يعلم أن الإيمان ليس له شاهد إلا العمل بمقتضاه، نعم إن الإيمان هو الأساس، ولكن متى كان الأساس مرادا لذاته؟ إنما الأساس خادم ليس غير، والعبرة إنما هي بالبناء الذي يقوم على الأساس، والعبرة ها هنا بالاستقامة، الاستقامة في القول والعمل، والحكم والتصرف والتعامل مع الله ومع الناس، هذه الإستقامة هي السبب المباشر في النجاح:
حيثما تستقم يقدر لك الله … نجاحا في غابر الأزمان
هذه الإستقامة هي السحابة الممطرة، قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} فهي شجرة طيبة تؤتي أكلها في الدنيا قبل الآخرة.
والإستقامة هي اتباع صراط الله المستقيم وعدم الإلتفات إلى غيره من بنيات الطريق، كما قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
(1/238)

عَنْ سَبِيلِهِ} ولذا روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال- وهو على المنبر-: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فقال: استقاموا والله على الطريقة لطاعته، ثم لم يروغوا روغان الثعالب! لله در عمر! فكأنه ينظر من وراء الغيب إلى هذه الأمة- التي هو أحد بناة مجدها ومؤسسي حضارتها- قد أنتكست بعد إبلال، وأسفلت بعد تحليق، ففرقت بين الإيمان والعمل، وبين القول والفعل، وأصبح حسب الواحد منها أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وذلك هو روغان الثعالب بعينه، أما في الصدر الأول للإسلام حيث كان يعيش عمر، فإن هذه الآية قد جاءت طبق الأصل لما كان عليه المسلمون مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول- عند نزولها-: "هم أمتي ورب الكعبة".
هذه الآية- إذن- إحدى الدعائم القوية التي تقوم عليها دعوة الإسلام، ونظيرها قوله صلى الله عليه وسلم: "قل آمنت بالله ثم استقم"، جوابا لمن قال له: قل لي في الإسلام قولا لا اسأل عنه أحدا غيرك، كما في حديث مسلم، وزاد الترمذي: قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: هذا،" فكأنه يقول: إن الإيمان والاستقامة يبدآن من هنا، أي من اللسان، لذا يقول عليه الصلاة والسلام- في حديث آخر رواه أحمد-: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا" ولما كانت الاستقامة من الكلمات الجامعة، كالبر والتقوى وحسن الخلق، فقد ورد الحث عليها في القرآن كثيرا، كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} وكقوله: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} كقوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قال الحسن: (لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رؤي ضاحكا).
هذه الاستقامة التي هي لبناء المجتمعات الصالحة أقوى دعامة، قد خلا مكانها من مجتمعنا- ويا للأسف- منذ زمن بعيد، وانحرف المسلم عن الصراط المستقيم، الذي شرعه دينه القويم، ووجهه إليه نبيه العظيم، وتحكمت الأهواء في
(1/239)

الناس، وسيطرت النزعات المادية، والمصالح الشخصية على النفوس، فاتهم الناصح وساء الظن بكل داع إلى الله لأنه:
(إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه)
وبذلك أصبحت مهمة المصلحين شاقة عسيرة، وأصبح شبح اليأس يتمثل لهم في كل متجه، وينتصب لهم في كل مكان، ولكن البذور الطيبة للإنسانية لا تموت، فانتدب لمواجهة هذه التيارات المدمرة للأمم، طوائف من أولى العزم والإخلاص والشمم، وهبوا أنفسهم لله وجندوا مواهبهم لخدمة أمتهم ورفعوا أصواتهم بالدعوة إلى ما يجدد للأمة الإسلامية شبابها ويعيد لها بين الأمم مكانتها، وقد ظهر أثر ذلك جليا واضحا للعيان في كل مكان، وأكبر من يمثل ذلك اليوم رجال جمعية الإخوان المسلمين ورجال جمعية العلماء الجزائريين، فحيا الله العاملين لخير الإنسانية وسدد خطاهم وأخذ بأيديهم ونصرهم على كل معتد أثيم من أعداء النور وأنصار الظلام {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
(1/240)

يجب أن تكون لنا شخصية
لم أستطع أن أشق طريقي في الزحام الشديد الصاخب حول باب المكتب الفرنسي الذي سد الطريق على المارة، والذي يتألف أكثره من العائلات الإسلامية، وخاصة من الأمهات الآخذات بأيدي أبنائهن وبناتهن ينتظرن فتح الباب والإذن بالدخول. ذلك لأن هذا اليوم يوم افتتاح السنة الدراسية، للمكاتب الفرنسية.
لم أنكر هذا المنظر فمد ألفته عيني وتعودته نفسي، منذ عرفت أن اللغة السائدة هي اللغة الطارئة على البلاد، لا لغة البلاد التي عوملت معاملة اللغة الأجنبية وحوكم معلمها محاكمة المجرمين المعتدين.
هي لغة الحاكم الذي يوزع الغذاء والكساء والمأوى، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي لغة ويميت أخرى، ويطلق لسانا ويعقل آخر.
لم أنكر هذا وشبهه فهو دستور الإستعمار، منذ عرف الإستعمار، وقانون القهر والغلبة منذ وجد في هذه الدنيا قوي وضعيف، وحق وباطل، وغالب ومغلوب.
إنما انكرت أن لا يكون مثل هذا الزحام على المدرسه التي تعلم العربية والإسلام، وهي الأولى بذلك لأنها الأصل والأساس، بالنسبة لأبناء العربية والإسلام، ولأنها - كذلك- المورد الذي لا يشوبه كدر ولا يغص شاربه، ولأن لغة الأمة هي رأس مال الأمة، فالإحتفاظ بها احتفاظ برأس مال الأمة.
(1/241)

أنكرت عليك- أيها المسلم- أن تعين على قتلك من يريد قتلك، وتساعده على وضع العراقيل والعواثير في طريق خلاصك وفوزك.
إني لا أنكر أن يكون لك عشر لغات، لا لغة واحده.
"فكل لسان في الحقيقة إنسان"
وكما يقول الشاعر، ولكنني أنكر أن تقطع لسانك وتضع مكانه لسان غيرك، فتبقى بدون لسان إذ لا يغنيك عن لسانك أي لسان.
إنك- يا أخي- إذا أضعت هذا اللسان تكون قد أضعت معه دستور القرآن الذي جعله الله مناط سعادتك، إذ قال: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} وأضعت معه تراث نبيك الكريم وتاريخ أجدادك العظيم، وقطعت صلتك بكل ما يقوي كيانك ويقوم شخصيتك، لأن اللغة العربية هي مفتاح ذلك كله، وقد رأينا بأعيننا كيف أن من أضاعها فقد أضاع ذلك كله.
وإنما أسجل هذا كله وأضع نفسي تحت مسئوليته الثقيلة لأني- كما شاهدت افتتاح السنة الدراسية للمدارس الفرنسية- شاهدت كذلك افتتاح السنة الدراسية للمدارس العربية ورأيت الفرق الكبير، والبون البعيد، بين هذه وتلك، فبكيت على العربية التي كانت لغة العالم المتحضر، يوم كان هذا العالم لا يعرف من العلم والأدب والفلسفة والطب والحكمة إلا ما جاء من طريق هذه اللغة التي نقلت كل تراث اليونان الخالد وهذبته وأضافت إليه وحملت أشعته إلى أرجاء الدنيا كلها فوق ما حملت إليها من وحي السماء وحكمة إمام الأنبياء، ثم أصبحت غريبة في عقر دارها، تحارب من أبنائها كما تحارب من غير أبنائها، ورأيت ما يذيب لفائف القلوب حسرة، وينزف دموع العيون رثاء: رأيت المدرسه العربية ذات الثلاثة فصول، لا يؤمها من أبنائها - يوم افتتاحها- أكثر من عشرة متثاقلين متباطئين {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} بعضهم بدون كراس والآخر بدون قلم، وأكثرهم على حالة من التشعث والفوضى ورداءه الثياب، تعرب عن زهد آبائهم وأمهاتهم في هذا التعلم الذي يرونه تعلما لا يشبع ولا يروي ولا يكسو ولا يؤوي، والذي لا يضطرهم إليه إلا حماية أولادهم من طوارىء الشعوارع وحماية بيوتهم من سوء أخلاقهم في أيام عطلة
(1/242)

المدارس الفرنسية بينما شاهدتهم عند ذهابهم إلى المدارس التي تهوى إليها أفئدتهم على أتم استعداد وأجمل هندام، وأثمن لباس.
وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على موت الشعور القومي، وانعدام الروح المعنوية للأمة، واندغام الشخصية الإسلامية، في شخصية غيرها، جد غريبة عنها، وهذا أخطر ما يصيب أمة تسعى للتخلص من عبوديتها والتحرر من قيودها.
فيا أيتها الأمة: حسبك هذا الهوان بعد العزة، وهذا الإنحطاط بعد الرفعة، وهذا الصغار بعد العظمة، وهذا الموت المعنوي بعد الحياة التي لم يستمد العالم الأرضي حياته الكاملة إلا منها. أيتها الأمة: إن الذي لا يحترم لغته لا يحترم نفسه وإن الذي لا يتعلم لغته لا يشرفه أن يتعلم لغة غيره، وإن الذي يكرم ضيفه بما يهدر كرامته ويرغم أنفه ليهين نفسه بمقدار ما يكرم ضيفه، وإن أرخص حياة لهي حياة المستعبدين العناة تحت وطأة المستبدين العتاة، وإن أول استقلال يجب أن تهدف إليه أمة مثلك هو استقلال الشخصية، فإذا أضاعت هذا الإستقلال، فلن يفيدها بعد أي استقلال، وإذا حصلت هذا الاستقلال فقد أصبح في متناولها كل استقلال.
فلا تأت البيت من غير بابه!. وفقك الله وجعلنا فداك.
(1/243)

لا حارس كالأجل
ليت الناس يعلمون مقدار ما تؤديه هذه الكلمة من رصيد قوي للعقيدة، ومن رسالة عظمى للمجتمع، ومن نفع عام للبشرية.
وليتهم إذ يعلمون، يعملون، إنهم لو فعلوا، لسادت الصراحة بينهم، وشاعت الشجاعة فيهم، ولتقلص ظل النفاق من جباههم، واختفى شبح الخوف من أمامهم، ولعاد للمجتمع الإسلامي كيانه، ولانتفع أحفاد الهداة الأولين من المسلمين بتراثهم، ولكن المسلمين اليوم إلا ما ندر قد صرفهم صارف عن هذه الروائع الخالدة من تراثهم، وإذا وقفوا أمامها، فموقف المتفرج على الأشياء الغريبة عنه.
علم علي رضى الله عنه أن للخوف سلطانا على النفوس، يحول بينها وبين قول كلمة الحق، وإعلان الشهادة، وتغيير المنكر، ومكافحة الشر، ورد المعتدين عن عدوانهم، فقال هذه الكلمة البليغة الحكيمة: (لا حارس كالأجل) ليصرف بها عن قلب المؤمن ما يخدعه به الشيطان من أضاليل وأوهام، وليشعره بأن من أجله في الستين لا يموت قبلها- كما أنه لا يموت بعدها- لأن الله تعالى يقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}.
وهذا المعنى يحوم حول قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
وأكثر ما يقعد بالناس عن أداء رسالتهم في مكافحة الشر، ومقاومة الباطل، وتغيير المنكر، حرصهم على الحياة وخوفهم من بطش الطغاة، فقاوم الأنبياء والمرسلون،
(1/244)

وقال مروان لوكيله: إنك لتخونني، فقال: نعم، إني لأخونك وأنت تخون أمير المؤمنين وأمير المؤمنين يخون المسلمين، ولعن الله شر الثلاثة.
وذكر الغزالي في (الإحياء): أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال: ايتوني برجل من الصحابه فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين، فأوتي بطاوس الماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم عليه بأمرة المؤمنين ولكن قال: السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله فقال له: يا طاوس: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبا وغيظا وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت: كيف أنت يا هشام؟ قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي وأما قولك: لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا والده من رحمه وأما قولك: لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضن بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى أسمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: تبت يدا أبي لهب، وأما قولك: جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليا يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له هشام: عظني، فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: أن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام"
جعل الله لنا في الصالحين قدوة.
(1/245)

هذه المخاوف والأوهام، ببيان أن للنفوس آجالا لا تموت قبلها ولا تعيش بعدها، فليس الخوف مؤخرا للأجل إذا حان، ولا الشجاعة بمقدمة الأجل قبل الأوان، وإذا كان الفرار من الموت لا ينجي من الموت، كما قال الله تعالى: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} فمن العجز والحرمان، أن يعيش المؤمن عيش الجبان، يرضى بالذل والهوان، كما قال المتني:
وإذا لم يكن من الموت بد … فمن العجز أن (تعيش) جبانا
ومن هنا كان المؤمن الكامل الإيمان، القوي الصلة بالله، أشجع الناس قلبا، وأجرأهم على مواجهة قوى الباطل بالمقاومة والتحدي والوقوف في صدر تيار البغي والطغيان لاكتساحه من الطريق، وإخلائه لمواكب التوحيد والإيمان، وفي ذلك صلاح الدين والدنيا، وسعادة الفرد والمجتمع، وفي ذلك يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "احرص على الموت توهب لك الحياة" فهؤلاء الجبناء عن نصر دين الله هم أبعد ما يكون عن جني ثمار الحياة، لأنفسهم وللناس، وإذن فهم غير صالحين وغير جديرين بوراثة الأرض التي لا يرثها إلا الصالحون لوراثتها، كما قال تعالى: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}.
أما الشجعان الصرحاء فهم الذين نقوا الأرض من الأشواك، وطهروها من الأرجاس، وجعلوها صالحه للحياة السعيدة والعيش الكريم، هم الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يخضعون لسلطة ظالمة ولو ذهبوا ضحية الدفاع عن الحق والقيام بالواجب، فيكونون بذلك بذور الإنسانية الصالحة كما جاء في الإنجيل: (إن حبة القمح التي لا تموت في باطن الأرض لا تحيي الناس على ظهرها، وما يعيبهم أن يموتوا، وإنما يعيبهم أن يعيشوا أذلاء أو راضن بشيوع الشر والفساد من حولهم) وقد ترك لنا سلفنا الصالح نماذج حية في الشجاعة الأدبية، بقي أريجها على مر الدهور، عطر الدهور.
قال عمر بن الخطاب يوما: ما قولكم لو أن أمير المؤمنين شاهد امرأة على معصية؟ فقال علي بن أبي طالب: يأتي بأربعة شهداء أو يجلد جلد القذف، شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين.
(1/246)

ـ[صفحة مكررة من المصور]ـ
وقال مروان لوكيله: إنك لتخونني، فقال: نعم، إني لأخونك وأنت تخون أمير المؤمنين وأمير المؤمنين يخون المسلمين، ولعن الله شر الثلاثة.
وذكر الغزالي في (الإحياء): أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال: ايتوني برجل من الصحابه فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين، فأوتي بطاوس الماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم عليه بأمرة المؤمنين ولكن قال: السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله فقال له: يا طاوس: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبا وغيظا وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت: كيف أنت يا هشام؟ قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي وأما قولك: لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا والده من رحمه وأما قولك: لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضن بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى أسمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: تبت يدا أبي لهب، وأما قولك: جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليا يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له هشام: عظني، فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: أن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام"
جعل الله لنا في الصالحين قدوة.
(1/247)

من لم يكن له شيخ
كتب أحد القراء يسأل عن قولهم: (من لم يكن له شيخ، فالشيطان شيخه) وما نصيبه من الصحة؟
ولحرصنا على إجابة طلبات القراء، نجيب هذا الأخ بما يلي:
يخيل إلي- أيها الأخ- أن الطريق إلى الله قد سدت في وجهك فأردت اصطحاب دليل يهديك السبيل فاعلم- أيها الأخ- (أن الطريق إلى الله لا تخفى على أحد) كما يقولون، والله تعالى يقول: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}؟ لأنه- تعالى- أرحم بنا من قطع صلته بنا إلا بواسطة وكيف وهو يقول: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وإن دين الإسلام لمن اليسر والبساطة والوضوح بحيث لا يحوجنا إلى هذا الشيخ المفروض عليه والمحمول على الناس، كما حمل على المسيحية وسطاء من الرهبان يهيبون الغفران، وإذا كان لا بد من شيخ، فشيخ العلم الذي يزودك بحسن الفهم، ويزيل عن قلبك حجب الوهم، وران الإثم، ويقيم عقيدتك على الأساس الصحيح من النظر السديد، ويعصمك من الزيغ والضلال، ويحميك من الإلحاد والحلول، ويحول بينك وبين الإتجاهات المنحرفة والتيارات المختلفة ثم يقيم على هذا الأساس الصحيح، وثيق البناء من حسن السلوك والسيرة والخلق، ويوضح لك الفروق بين الحلال والحرام، والحسنة والسيئة، والطاعة والمعصية، والسنة والبدعة، والفضيلة والرذيلة.
(1/248)

وهذا هو الشيخ المراد في قول ابن عاشر:
يصحب شيخا عارف المسالك … يقيه في طريقه المهالك
كما أنه هو المراد من وجهة النظر الصوفية، فإذا كان هذا الشيخ هو المقصود فإن الإسلام لا ينكره بل إن المسلمين اليوم لفي حاجة شديدة ملحة إلى مثل هذا الموجه الكفء الذي يأخذ بزمامهم إلى الغرض النبيل، في أقوم سبيل، ويعيد إليهم عهدا كان في مخيلة البشرية حلما من الأحلام، فحققه الإسلام، أما هذا الشيخ الذي يفرض على كل إنسان، وإلا تسلم زمامه الشيطان، فهذا مما لا نعرفه في كتاب الله، ولا سنة رسول الله، ولا سنة خلفائه الراشدين، ولا في أقوال الأئمة المجتهدين.
وإن الشيطان لا يدخل قلبا يعمره الإيمان بالله، والإلتجاء إلى الله، وإنما يدخل القلوب الخربة من الإيمان الخاضعة لهوى النفس، وإرادة الشيطان،: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}.
نعم إن قولهم: من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه، ليس بآية ولا بحديث، وإنما هو قول بعض مشائخ الطرق المتأخرين لعلهم أرادوا به توجيه الأنظار إلى دعوتهم وتكوين الأتباع والأنصار لها، أو قيل في وقت جف فيه معين العلم، وقل علماء الدين وخيف على الحاسة الدينية أن تنعدم، أو قيل في جماعة خاصة ركبت رأسها وتمردت على نظام بيئتها، فأريد ضبطها بهذه الطريقة تحت تصرف قائل هذه الكلمة الذي لا بد أن يكون قد عرف بالصلاح والتقوى وسداد الرأي.
ذلك لأننا إذا رجعنا إلى كتاب الله الذي هو المورد الأصيل للتشريع نجد أن الله لم يأمرنا بطاعة أحد من خلقه وإنما أمرنا بطاعة رسوله فقط التي ليست إلا طاعة لله إذ قال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} حتى أبوينا لم يقل لنا: أطيعوهما وإنما أمرنا بالإحسان إليهما إذ قال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} وإذ قال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وحتى طاعة أولي الأمر في قوله تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}،
(1/249)

إنما يقصد بها طاعة الله، لأن إمام المسلمين مكلف بتنفيذ شريعة الله، وإلا فلا تلزم طاعته، كما قال أبو بكر رضي الله عنه بعد مبايعته بالخلافة: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)، وهذا هو السر في إضافة قوله: منكم، إلى أولي الأمر، أي أن الطاعة لأولي الأمر مقيدة بأن يكونوا من المسلمين عملا، لا نسبة، لتكون طاعتهم لله.
وإنما أمر الناس أن يسألوا عما جهلوا إذ قال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وأمر العلماء أن لا يكتموا ما علمهم الله وكتب اللعنة على من كتم ما أنزل الله إذ قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}، ورغب في هداية الناس على لسان نبيه القائل: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"، والقائل "الدال على الخير كفاعله"، بل جعل الدعوة إلى الله وقيادة الناس إلى ساحل النجاة وظيفة للعلماء ورثة الأنبياء، إذ قال: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعار هذه الأمة إذ قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، فلم يذكر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا الإيمان بالله وإن الله- بعد هذا كله- قد ربط بين المسلمين جميعا برباط الأخوة الدينية، ولم يربط بينهم برباط سيادة بعضهم على بعض، إذ قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، بل إن الإسلام ليذهب أبعد من ذلك فيجعل السيادة للخادم لا للمخدوم إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "سيد القوم خادمهم".
ونحن- بعد هذا- نؤيد كل داع إلى الله على بصيرة بالمنهج الديني المشروع.
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
(1/250)

الطاعة
كان فيما كتبت في الفصل السابق إيجاز، فيما عرضت فيه لموضوع الطاعة، مع أن الطاعة موضوع خصب وأساسي، يحتاج إلى فصل خاص يتناوله ببعض التفصيل والإيضاح، وهذا ما دعا إلى كتابة هذا المقال:
إن الطاعة هي نظام هذا الوجود، وعليها تتوقف سعادة المجتمعات ونجاح الدعوات: فرضى الله الذي به سعادة الكائن الإنساني في دنياه وأخراه، إنما هو في طاعة الله.
وكتاب الله- الذي {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، و {شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} لا نجني ثمرة منه، إذا لم نطعه فيما يأمر به، وينهي عنه.
ورسول الله الذي جاءنا بكل خير من الله، إن لم نطعه لم نطع الله.
والإمام العادل الذي هو ظل الله في الأرض لا ينتفع بعد له، إذا لم يطع في أمره ونهبه. وقائد الجند الذي ينشر دين الله في كل مكان، ويحمل رسالة الحق إلى أقاصي المعمور، يتوقف نجاحه على طاعة جنده.
والمعلم الناصح الذي ينشيء الجيل الصالح، والوعظ المرشد، الذي ينير ظلمة القلب ويصله بالله، كلاهما لا ثمرة لتعاليمه، إلا بطاعة تلاميذه.
والوالد البر الذي ينشىء أبناءه على طاعة الله، ويربيهم على الخير والفضيلة، لا يتم بناؤه إذا لم يطعه أبناؤه.
(1/251)

ولا قيمة للرأي الحصيف والإشارة الصائبة بدون طاعة.
ومن هنا يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "لا رأي لمن لا يطاع"، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري ولمعاذ بن جبل عندما بعثهما إلى اليمن: "تشاورا وتطاوعا، ويسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا".
وليس في هذا كله ما يتنافى مع ما مر في الفصل السابق من أن الطاعة لا تكون إلا لله، أو لرسوله المبلغ عن الله، والذي طاعته طاعة لله، وإنما هو التفصيل بعد الإجمال، والتفريع بعد التأصيل، فكل ما فيه رضى الله وصلاح المجتمع فهو طاعة لله، وإن الله ما بعث أنبياءه إلا لإصلاح هذه البشرية، ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فأنبياء الله هم بذور الإصلاح، والرسالة السماوية قد رافقت البشرية منذ نشأتها، وأبو البشرية آدم هو أول أنبياء الله وما اهتدى الناس إلى ما ينفعهم ويضرهم إلا على مشاعل الأنبياء وهداية السماء.
وإذن فالخير فيما شرعه الله للناس وهدى إليه أنبياءه، والطاعة التي أوجبها الله على عباده هي الأخذ بما بعث به رسوله بما في ذلك طاعة الرعية للإمام، والجند للقائد، والتلاميذ للمعلم، والأبناء للآباء، وكل داع إلى الله آمر بالمعروف ناه عن المنكر، ولما أدرك المسلمون الأولون ذلك، واطمأنوا إلى ما في طاعة الرسول مما تصبو إليه نفوسهم من سعادة، وما تطمح إليه أنظارهم من كمال، تفانوا في حبه وطاعته، واستماتوا في الذود عن دينه ورسالته، وضحوا في سبيل نصره وتأييده بأموالهم وأنفسهم فكان إذا دعاهم للغز وطاروا فرحا وخفوا إليه رجالا وركبانا، وإذا حثم على البذل في سبيل الله خرج بعضهم عن نصف ماله والآخر عن جميع ماله. وما أعظم تلك الكلمة التي قالها الأنصار على لسان سعد بن معاذ، وقد أستأذنهم الرسول في الخروج إلى بدر: (امض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمرنا، فأمرنا تبع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا، وإنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن
(1/252)

يمينك، وعن شمالك، وبين يديك ومن خلفك) وما أروع موقف أولئك الأبطال المساعير من جنود تبوك، وهم يتنافسون في البذل لتجهيز المعسرين، فجهز عثمان ثلاثمائة بعير وخمسين فرسا، وأحضر عشرة آلاف دينار وصبها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي يقلبها ويقول: "اللهم إرض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم"، وجاء أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله، وهو أربعة آلاف درهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هل أبقيت لأهلك شيئا؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن ابن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمقدار عظيم من المال، وأحضر عاصم بن عدي سبعين وسقا من تمر، وتبرع النساء بكل ما قدرن عليه من حليهن، فاجتمع لهؤلاء الأبطال الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، لولا أن العدو لاذ بالفرار {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}.
وما أعظم مشهد ذلك البطل المغوار (أبي لبابة بن عبد المنذر) الذي وجه به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة بطلب منهم لما نقضوا العهد إثر غزوة الأحزاب، ليستشيروه في أمرهم، فلما أتاهم واستقبله النساء والصبيان بالبكاء رق لهم، فقالوا له: أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه، ثم أدرك من ساعته أنه عصى الله والرسول، فندم وربط نفسه بسارية في المسجد وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت، وبقي ست ليال على تلك الحال حتى نزل فيه قوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فأسرع الناس إليه يبشرونه بأن الله قبل توبته، ولما أرادوا حله من وثاقه أبى وقال: (لا والله، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده)، فلما مر صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الصبح خارجا أطلقه).
بمثل هذه الطاعة أنتصر الإسلام وأنتشرت راياته في كل مكان. فالطاعة- إذن- إحدى الدعائم القوية في نجاح الدعوات، وبناء النهضات، وما أقفر منها مجتمع إلا حلت به الويلات وتحالفت عليه الأزمات.
وإن كل من يدخل الجنة إنما يدخلها تحت لواء الطاعة والإذعان، وكل من يدخل النار إنما يدخلها تحت لواء العصيان، الذي يحمله الشيطان.
فاللهم وفقنا لطاعتك والثبات على ما جاء به رسولك.
(1/253)

بيت الله
لقيني أحد الشباب، أمام مسجد (الأمة) بسانت أوجن، فقال لي: ما رأيك لو أن الأموال التي أنفقتموها على بناء المسجد، قد أنفقتموها على بناء مستشفى للأمة؟ ألا يكون ذلك أجدى وأصلح؟
فقلت له: ما أكثر من يقول مثل هذا القول، ويفكر مثل هذا التفكير، ويجعل بيوت الله ثمنا لأغراض الدنيا وأعراض الحياة!
ثم من أين لك أن المسجد غير المستشفى؟
أأنت على علم بالحكمة التي يؤسس لها المسجد في الإسلام؟ أم أنك دخلت المسجد فوجدته شيئا آخر غير المستشفى؟ أم أنك تحكم على ما لا تعرف؟
ولكن على رسلك- أيها القارىء الكريم- فإن صاحبنا ممن تعلموا في مدارس غير إسلامية، فحسبوا أن المسجد مثل الكنيسة مقصور على متن نفض يديه من دنياه، وأقبل بكليته على أخراه، كهؤلاء الرهبان، الذين لبسوا المسوح وحملوا الصلبان، ولزموا الصوامع، وقطعوا صلتهم بدنيا الإنسان.
فإليك- أيها الشاب- وإلى أمثالك من الشبان، أوجه هذا البيان:
إن المسجد في الإسلام، لهو (المستشفى) - بعينه- لسائر الأمراض والأسقام، وإنما الفرق بينهما أن (المسجد) يعالج القلوب والأرواح، بينما المستشفى يحصر عنايته في علاج الأجسام، وبينما يرى (المستشفى) أن العقل السليم في الجسم السليم، يقول
(1/254)

(المسجد): "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" الحديث.
وإنما الإنسان بقلبه وروحه، وما الجسم إلا القشر الذي يحفظ اللباب، ولذا قيل:
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها … فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
وليس معنى هذا أن الإسلام يهمل شأن الجسم، ولا يقيم وزنا لغير الروح والقلب، وإنما المراد أن في تهذيب الروح وترقيتها وصحة القلب وسلامته، صحة الجسم وسلامته، فإن القلب هو القائد لهذه السفينة التي هي البدن، وبهذا القائد تسلم أو تعطب، وتنجو أو تغرق، فمثلا:، أكثر ما يكون داء البدن من الإفراط في الأكل والشرب كما قال ابن الرومي:
فإن الداء أكثر ما تراه … يكون من الطعام أو الشراب
ولكن الأدوية التي يشير بها الإسلام، ويجدها المرضى في (مستشفى الإسلام) من مثل قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)، مثل هذا الدواء كفيل بوقاية الأجسام من الآفات والأسقام، إذا كان القائد- الذي هو القلب- يقظا واعيا لم تحجب بصيرته الذنوب والآثام.
إذن، ليس المسجد إلا المستشفى العام، لمرضى القلوب والأجسام، هذا ما يلمسه كل من يعرف الإسلام، ويتلو قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}، وإنما المشكلة هي مشكلة الذين لا يعرفون الإسلام، أو تلقوا عن الإسلام ما ليس من الإسلام، ولا سيما إذا تلقوه منذ النشأة الأولى، وفي عهد الطفولة كما عمت به البلوى في عهدنا الأخير- وكما تحدث عنه الشاعر بقوله:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبا خاليا، فتمكنا
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المساجد لم تعد تقوم بالدور الهام، الذي كانت تقوم به في العهود الزاهرة للإسلام، لأن الدعاة قد سرى إليهم ما أصاب
(1/255)

المجتمع من علل وآفات، بمعنى أن الأطباء أصبحوا- هم الآخرون مرضى، وويح الأمة إذا مرض أطباؤها، والأطباء المرضى هنا هم العلماء الخادعون المخدوعون، الذين يقولون ما لا يفعلون ويأمرون بما لا يأتمرون، وينهون عما لا ينتهون؛
"وغير تقي يأمر الناس بالتقي … طبيب يداوي الناس وهو عليل
وتلك هي الإساءة المزدوجة، كما قال أبو العلاء:
إذا فعل الفتى ما عنه ينهى … فمن جهتين- لا جهة- أساء
إن الأمة قد استجابت لله، وهرعت إلى بيوت الله على كثرة ما سمعت من أصوات الداعين إلى الله، ولكنها اصطدمت بالكارثة القاضية، وهي مرض الداعية، ونخشى أن تردها الصدمة إلى الوراء، وداء النكسة أخطر داء، ولو سبقت هذه المرحلة، مرحلة تخريج الأطباء لكان أجدى على المرضى، وأدعى لتأدية المسجد لدوره الفعال وغرضه الأسمى، فإن المسجد وحده بدون دعاة ثقات، لا يرجى منه أن يؤدي وظيفته في علاج القلوب كما لا يرجى من المستشفى أن يؤدي وظيفته في علاج الأجسام بدون أساة ثقات.
إن رسالة المسجد. إذن- أعظم رسالة، وإن عظماء الإسلام الأولين وقادة الإسلام الفاتحين وحكماء الإسلام الروحيين، إنما تخرجوا من المسجد وحملوا أشعة النور، إلى سائر جهات المعمور، من المسجد، وليس معنى هذا أن جدران المسجد أو سواريه هي التي تمد أقاصي المعمور، بأشعة النور، بل إن أطباء القلوب، الصحاح القلوب، هم مصدر النور إلى القلوب، (ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).
فيا أيها الشبان المتنكرون للمسجد، ثقوا بأنكم لستم على شيء ما دمتم أعداء للمسجد، ولا يفيدكم كل ما حصلتم عليه من علم إذا كنتم تجهلون قيمة المسجد وإذا كنتم تجدون دواء أبدانكم خارج المسجد، فإنكم لا تجدون دواء قلوبكم إلا داخل المسجد، ولا تحسبوا أنكم من المسلمين، وأنتم لا تضمكم صفوف المسلمين في المسجد. فهلموا أيها الشبان إلى المسجد!
(1/256)

الله أكبر
استويت على ذؤابة المنارة العالية (بمسجد الأمة) وجلست قليلا على مقعد خشبي هناك ريثما أستجمع من القوة ما بدده صعود مائة وإحدى عشرة درجة، قبل أن أهتف بالكلمة الخالدة التي لم تستطع أربعة عشر قرنا، أن تمحوها من الوجود - وهي فرصة ثمينة تتاح لي كلما تأخر المؤذن الشاب، أو غاب- وما أكثر ما يتأخر الشبان عن مثل هذا الميدان- وكان الوقت قبيل الفجر، وكانت السماء من الصحو والصفاء بحيث تبدو- والنجوم الزهر تطرزها، وتوشى أديمها- كبساط أزرق، نثر عليه زهر أبيض، وكان العالم المادي بكل ما فيه، ما زال غاردا في نومه، بعد أن أجهده عمل يومه، فلا حركة، إلا حركة المد والجزر في البحر أو هد هدة النسمات المنتشية الحالمة، للأغصان اللدنة الناعمة، ثم سرحت بصري أمامي وفي كل ما حولي، فأحسست بنشوة زهو تختلج بها مشاعري، إذ رأيتني أعلو على الناس بجسمي، فذكرت بذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "يحشر المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقا"، ثم رأيتني أسمو على الناس بروحي، إذ ذكرت أول يوم هتف فيه مؤذن الرسول- من فوق هذه المئذنة، وفي مثل هذه الساعة، وفي مثل هذه الجاهلية الحالكة- بهذه الكلمة السامية: (الله أكبر)!
هذه القوة المعنوية، التي أخضعت لسلطانها- إذ ذاك- سلطان القوة المادية، وفتتت طاقة الشرك والوثنية، وشتتت جموع الظلم والإضطهاد، والإستغلال والإستعباد، هذه الكلمة التي لو اتخذها شعارا أبناء هذا العصر الذين جرفهم تيار
(1/257)

الموجة المادية، الطاغية، وعصفت بعقولهم وضمائرهم ريح الأنانية لما أحسوا في نفوسهم سلطة لغير الله، ولما ارتضوا لأنفسهم خضوعا لغير الله، ولما باعوا دينهم بدنياهم، وأخذوا إلاههم هواهم، ثم تذكرت كيف كانت آثار هذه الكلمة في النفوس لأول عهدها بها، وكيف كانت بمثابة النفير العام، الذي يجمع سائر أجزاء المسلمين في بيت الله، أو (المستشفى الروحي) حيث يشرف على علاج النفوس أعلم الأطباء بأدواء النفوس، وذكرت إلى ذلك كيف أن هذا النداء السماوي ما زال إلى اليوم يهز أرجاء الوجود وتميد له رواسي الجبال، إلا نفوس المسلمين فلا يوقظها من سباتها، ولا ينهض بها للقيام بواجباتها، ثم غمرتني موجة من الحيرة، وأخذت أوجه الأسئلة إلى غير مجيب، وأقول: ما الذي حل بالمسلمين يا ترى- فحال بينهم وبين أن ينتفعوا بما كان ينتفع به آباؤهم من قبل؟ هل أوتي آباؤنا حاسة زائدة؟ أو منحوا طبيعة خاصة؟ أو كانوا في جاهلية أشد من الجاهلية التي نعيش في ظلها اليوم؟ أو هي الفطرة النقية التي تربت في بيئة أصلية نقية من سائر الطفيليات، والآفات الخارجية؟ أو الظمأ الروحي اللافح إلى الكمال الإنساني الذي بعدما بينهم وبينه؟ أم لا هذا، ولا ذاك، وإنما هو العزيمة الصادقة تنشيء النماذج الصالحة من الرجال، والأمثلة العليا من الأبطال؟ ولكنني قلت أخيرا: سواء صح هذا أو ذاك أو كلاهما فإن دين الله حجة على الأولين والآخرين، وإن حكمة الله قد قضت بأن الفوز والفلاح للعاملين المجدين وأن العزيمة الصادقة، والشعور الحي، والشوق الملح إلى الكمال، لمن الوسائل القوية الكفيلة بأن تبلغ صاحبها ما يطمح إليه من رغائب وآمال. إن كلمات الآذان، هي الطرقات القوية التي يفتح لها باب القلب، وتستيقظ عليها مشاعر النفس، وينفذ بها إلى الوجدان، أقباس من الإيمان، فتبدد ما به من ظلمات حالكات، وتطهره مما تسرب إليه من آفات فاتكات، وتهيئه للدخول إلى بيت الله، وللاتصال بالله في الصلاة.
فلا عجب أن يؤمر بالأذان لكل صلاة ويطلب ممن يسمعه محاكاته لتتركز ألفاظه ومعانية في قلب كل مسلم، فيتجدد بذلك إيمانه بربه، واعترافه بدينه واحتفاظه بعهده. وليت كل مسلم يقوم بهذه التجربة، فيؤذن ولو مرة واحدة في عمره، والأحسن أن يكون ذلك في أذان الصبح، فإنه أدعى إلى قوة الشعور بأثر التجربة فيهب من نومه في الهزيع الأخير من الليل، فيتوضأ ويصلي ما شاء الله
(1/258)

وما أستطاع من النافلة، ثم يصعد إلى المئذنة ويشرف بجسمه وروحه على الكون الفسيح من أعلى، ثم يسرح بصره في أرجائه برهة ثم يمد صوته بالأذان، فيشق به أحشاء السكون المخيم، ورواق الظلام الممتد، ويهز به أرجاء الكون الهامد، وأركان الوجود الحالم، ويرسله نشيدا علويا يدوي في الآفاق، وتستيقظ على تراتيله نفوس المؤمنين، لو قام كل مسلم بهذه التجربة السهلة البسيطة، لحدث في نفسه من التغير، وفي شعوره من التطور، وفي سلوكه من التحول، ما يحمد أثره، ويعلن خبره، وينشئه خلقا آخر.
ولكن يؤلمني أن المسلمين اليوم من أزهد الناس في التجربة.
(1/259)

عمر ضائع
كلما قمت من آخر الليل لأمضي إلى المسجد يصادفني- دائما- رجل إفرنجي في منتصف العمر يتجول مع رفيق له لا يكاد يفارقه، وليس هذا الرفيق غير كلب أسود قصير القوائم غزير الشعر، فطفرت دمعة حرى من عيني، على غير شعور مني، وقلت: هكذا يكون الحب، فإن المحب الصادق لا ينام عن حبيبه، ولا يصبر عنه ساعة من ليل أو نهار، ثم قلت: هذا رجل كافر لم ينفذ نور الإيمان إلى قلبه، يهجر نومه ليخلو إلى كلبه، وينعم بحبه، فكيف لا يهجر المؤمن نومه ويخلو إلى ربه؟ أيفي الكافر لكلبه، ولا يفي المؤمن لربه؟ وسرعان ما طفر بي خيالي إلى أجواء غير هذه الأجواء، وذكرت تلك النماذج الحية من عباد الله، الذين وصفهم القرآن بقوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وبقوله: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}؛ وبقوله: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}.
وقلت: أين هؤلاء اليوم؟ وكيف أختفوا جميعا فلم تقع رلعين على واحد منهم؟ .. فطفرت دمعة أخرى من عيني، على غير شعور مني، إذ علمت أن هذا العصر المادي قد أجدب من أمثال هؤلاء، ولم يبق إلا من يبيتون نياما، لا قياما، وأمواتا لا أحياء، وصدق الشاعر إذ قال:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب
(1/260)

فكيف تنبت- إذن- هذه النابتة الكريمة، في هذه البيئة اللئيمة؟ وبقي هذا الخاطر يلح علي، ويستبد بمشاعري، إلى أن أنتهى بي المطاف إلى مجلس يضم جماعة من الإخوان دعوني إلى الجلوس معهم، ومن أغرب المصادفات، أن كان أول شيء سمعته هو ما كنت أفكر فيه: إذ قال أحد الجلساء متضجرا: أشد ما يؤلمني أن أرى المعلمين من أقل الناس محافظة على تعاليم الدين، فقلت له: أتقول ما سمعت أو ما رأيت؟ فقال: بل ما رأيت، فقلت له: وماذا رأيت؟ قال: رأيت معلما لا يصلي، فقلت له: هكذا، رأيت معلما واحدا لا يصلي، فحكمت على أن المعلمين كلهم لا يصلون؟ فقال لي: إن معلما واحدا يفسد جيلا كاملا، مع أن المأساة ليست مقصورة على معلم واحد وإنما الذي رأيته فقط هو معلم واحد، أما الذين لم أرهم فلا يكونون إلا كثيرا، إذ لو كان معلما واحدا فلربما لم أطلع عليه.
اللهم لطفك، فقد بلغ السيل الزبى، ولم يبق من ينقذ الغرقى: ومرض الأطباء، فمن للمرضى؟ وكنت أشكو من عدم من يقوم الليل، فإذا بغيري يشكو ترك المعلمين للصلاة المفروضة، وهكذا:
من غص داوى بشرب الماء غصته … فكيف يصنع من قد غص بالماء؟
إن المدنيه الغربية منذ طلعت على الناس شمسها، وشمس الإسلام تتوارى بالحجاب، ولا تظهر منها إلا أشعة ضئيلة، في بقاع قليلة، وتضاءلت تلك القداسة التي كان المسلمون يكنونها لدينهم، وحل محلها تقديس بالغ، وتقليد فاضح لكل ما يحمل طابع الغرب، وأصبح المحافظون على صلاتهم من المسلمين أقلية ضئيلة وأقل منهم من يحافظون على تأديتها في وقتها وأصبح الذي يتحدث عن قيام الليل كمن يتحدث عن الأساطير، ويطوح بالناس في مجال من الخيال، لا تقوي على التحليق في أجوائها أجنحتهم الضعيفة الواهية.
ولكنني- رغم كل شيء- أتحدث عن قيام الليل وأدعو إليه، وأرى فيه خير الدواء لهذه النفوس التي طال عليها أمد الغفلة فقست أشد قسوة، إن في الليل تنام العيون، ولكن تستيقظ القلوب، وتجد جوها الملائم للتفكير والتدبر والإستيحاء أما النهار فكما قال أحد الحكماء: (أبرص لا تتم فيه لذة)، على أن في إحياء الليل- زليادة على ذلك- ربحا لنصف العمر الضائع بالنوم:
(1/261)

أليس من الخسران أن لياليا … تمر بلا نفع وتحسب من عمري
ومن وصايا لقمان لابنه: (يا بني لا يكونن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم)، وذكر عبد الله بن عمر بخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل هو لو يصلي في الليل، وقال - عليه الصلاة والسلام- لبعض الصحابة: "لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع صاحبها فقيرا يوم القيامة"، وعن أسماء بنت يزيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت تسمعه الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ليقم الذين كانت تتجافي جنوبهم عن المضاجع، فيقومون وهم قليل ثم ينادي الثانية: سيعلمون اليوم من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون ثم ينادي الثالثة: سيعلمون اليوم من أولى بالكرم، ليقم الحامدون لله في السراء والضراء، فيقومون- وهم قليل- فيسرحون جميعا إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس، وقال سفيان الثوري: إذا كان أول الليل نادى مناد من تحت العرش: ألا ليقم العابدون، فيقومون فيصلون ما شاء الله، ثم ينادي مناد في شطر الليل: ألا ليقم القانتون، فيقومون، فيصلون إلى السحر، فإذا كان السحر نادى مناد: ألا ليقم المستغفرون فيقومون فيستغفرون فإذا طلع الفجر، نادى مناد: ألا ليقم الغافلون فيقومون من مفرشهم كالموتى نشروا من قبورهم.
يالله، هؤلاء الذين يقومون مع الفجر يسمون غافلين، فماذا يكون الذين يقومون مع طلوع الشمس؟ يجب أن نعترف بالواقع فقيام الليل يكاد يكون اليوم مستحيلا إذا استثنينا أفرادا قلائل يعدون على الأصابع، نشأوا بعيدا عن تأثير هذه الحضارة المادية الآثمة ذلك لأن من يملأ بطنه بمختلف ألوان الطعام والشراب يتعذر عليه أن يجد من نفسه خفة أو نشاطا لقيام الليل، ولو كان السلف الصالح من عبدة البطن مثلنا لما عبدوا الله ولما استطاعوا أن يقوموا من الليل كثيرا ولا قليلا، ولذا يروى أن عيسى عليه السلام قال يخاطب قومه: (يا بني إسرائيل: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا، فيفوتكم خير كثير.
(1/262)

المكافح الأول
نفضنا أيدينا من تراب القبر، ثم التفت إلى شاب بجانبي أسأله عن هذه النفس المؤمنة - التي فارقت دنيا الشر والإثم وعالم البغي والعدوان، واختار الله لها ما عنده-: فقال لي: إنها امرأة نفساء، تركت ستة أولاد صغار، وماتت وهي تكافخ آلام الوضع لتلفظ بالسابع إلى ساحل الحياة.
فالتفت إلى الوالد الشقي الذي أصبح أما وأبا لستة كزغب القطا، ليكافح- هو الآخر- ولكن بمفرده، في سبيل إعداد النسل للحياه، وحييته بدمعة حرى، حيا- هو- بأحسن منها، وأوصيته بالصبر ودعوت الله له.
وفي صباح أمس لقيني صديقي السيد محمد بن كانون فقال لي- بعد التحية -: ألم يبلغك أن صديقنا السيد علي قادري قد ولد له ثلاثة أبناء توائم؟ فقلت له مدهوشا: كلا، وهل وصل الوفد الكريم كله إلى دنيانا بخير؟ قال: كلهم- والحمد لله- قد وصلوا بخير، فقلت له: وكيف حال أمهم؟ قال: هي في قيد الحياة- على كل حال- وإن لقيت في سبيل ذلك الشدائد والأهوال، إذ تعسر عليها الوضع، ولم تتخلص من هذا الحمل الثقيل إلا بعملية جراحية في البطن رغم ضعفها، وهي الآن تقاسي ألمين مرهقين: ألم الوضع، وألم العملية، فقلت له: وكيف حال الصديق الوالد؟ قال: هو -كما تعهده- يحمد الله على كل حال.
فكرت- بعد ذلك- طويلا في هذه المهمة الشاقة التي أعد الله لها المرأة على ضعفها ورقتها، وقلت: لك الله أيتها الأم، فإنك إن عشت، عشت من أجل النسل وإن مت، مت في سبيل النسل، ولك الله، فأنت المكافح الأول لعمارة هذه الحياة،
(1/263)

وهل الحياة إلا مزرعة، نباتها النسل؟ وأنت إن عشت، عشت مكافحة لتنمية هذا النبات، وتوفير الراحة للبنين والبنات، وإن مت، مت شهيدة هذا الكفاح، مرة أثناء خروج النبات، ومرة قبله، ومرة بعده، ولها الله هذه الأم التي تلد ثلاثة أبناء في وقت واحد، إنني لأتصورها ترى الموت شاخصا يتراءى لنا ظرها في كل لحظة، وتود لو يريحها الموت مما تعاني من آلام تذيب الصخر، ولكنها تعيش لتكون وقاء وغذاء وفداء لأطفالها الثلاثة، ثم أتصورها بعد ذلك تسهر الليل كله ولا تذوق للنوم طعما، وأنى لها بالنوم وكلما أمسك طفل عن البكاء أو الرضاع قام مقامه اثنان في مرة واحدة؟ وأتصورها في النهار تنفق بياضه في غسل ثياب أبنائها وتجفيفها، وفي إسكاتهم إذا بكوا وفي تغذيتهم إذا جاعوا، زيادة على عملها الراتب في البيت.
فأي كفاح في معترك الحياة كهذا الكفاع، الذي أناطه الله بالأم؟ فلا عجب أن يخولها الإسلام، حق حضانة الولد، اعترافا بمجهوداتها واطمئنانا إلى كفاءتها، وثقة بصدق عاطفتها، ولله ما أقوى ذلك الدفاع الذي دافعت به أم عن حقها في الحضانة فيما وعى لنا التاريخ من قصة النزاع الذي وقع بين أبي الأسود الدؤلي وبين زوجته على ابن منهما كل منهما يدعيه، فقالت المرأة: أنا أحق به لأني حملته تسعة أشهر ثم أرضعته إلى أن ترعرع بين أحضاني كما ترى مراهقا، فقال أبو الأسود: حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه فإن كان لك بعض الحق، فلي الحق كله أو جله، فقال القاضي: أجيبي أيتها المرأة عن دفاع زوجك فقالت لئن حملته خفا لقد حملته ثقلا، ولئن وضعته شهوة، فقد وضعته كرها، فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: أدفع إلى المرأة غلامها ودعني من سجعك.
ولا غضاضة فإذا كان الجزاء على حسب الجهد فالإسلام قد رعى للأم جهودها العظيمة في دنيا البيت والأسرة وجازاها بحسبها، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال ثم من؟ قال: أبيوك).
والحديث يوافق في الدعوة إلى حسن مصاحبة الأم قول الله عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا
(1/264)

كَثِيرًا}، وليتأمل القاريء جيدا قوله: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ} الآية، فإن فيه قطع الطريق عن أعذار المعتذرين لهضم حقوق المرأة وإساءة عشرتها، بدافع نفور الطبع، فربما جعل الله فيما نكره ما نحب ونحن لا نعلم، فلا نغتر بتمويه الطبع.
بل الأعجب من ذلك أن يجعل النبي صلى الله عليه يصلم: مقياس خير الرجل أن يكون برا بهذه القديسة المجاهدة، مديرة البيت، ومنجبة الأولاد، ومنشئة الأجيال، إذ يقول: "خيركم خيركم لأهله" وأن يجعل الجنة تحت أقدامها إذ قول: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وخير من ذلك كله أن يطبق المسلمون هذه التعاليم وأن يبلغوا من حرصهم على برهم بأمهاتهم أن يقول أحدهم:- وهو الإمام الشعبي-: ما أدركت أمي فأبرها، ولكنني لا أسب أحدا فيسبها!. وذلك ما كانت به الأسر الإسلامية وثيقة البناء، متلاحمة الأجزاء.
أما اليوم فالأسر الإسلامية- مع الأسف- في تفكك وأنحلال، مما يشهد لتعاليم الإسلام التي نبذها المسلمون بأنها الدواء الناجع والوسيلة الفعالة لإنقاذ البشرية من شقوتها، ورفعها من كبوتها.
(1/265)

المال والولد
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}. يدفعنا حب البقاء إلى حب الولد، والاحتياط لمستقبله، ويدفعنا حب الولد إلى حب المال، والاحتيال لتحصيله، وفي هذا بعض السر في ذكر المال والولد مقترنين في الآيتين، وليس في هذا ما يضير، فلا يضير حب الولد، والاحتياط لمستقبله، ولا حب المال، والاحتيال لتحصيله، ما لم يتجاوز ذلك الحد المعقول، إنما الذي يضير حقا أن ينسيك الولد واجبك مع الله، أو يلهيك المال عن أداء رسالتك في الحياة، وهو ما ينصب عليه النهي في الآية الأولى ... {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}، وتتضمنه خاتمة الآية الثانية: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} إثر قوله: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} نعم إن الله أرحم وأحكم من أن يؤاخذنا على حب شيء جعله لنا طبيعة وفطرة، وله طابعا وصبغة، وللحياه زينة وبهجة، إنما ينهانا عن الغلو في كل شيء، حتى في دينه الذي أرتضاه لنا، إذ قال: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}، فكيف لا ينهانا عن الإفراط والغلو فيما يلهينا عنه ويشغلنا عن طاعته، ونحن الأمة الوسط التي جعلها الله المثل الأعلى للأمم في الاعتدال والقصد في كل شيء، وأهلنا بذلك للاختصاص، بفضيلة الرقابة والشهادة على خلقه، إذ قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، فلا كان هؤلاء الذين
(1/266)

استبد بهم حب المال، حتى أنساهم ذكر الله، وشغلهم عن أداء رسالة الحياة، وأصبحوا لا يبالون أجاء المال من حلال أو حرام، وأكتسبوه أم أغتصبوه، حتى إذا أستغنوا تجبروا وطغوا، ومنعوا الحقوق الواجبة وبغوا، كما أخبر بذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}، وكما نشاهده في جل أغنيائنا، وهكذا، فالمال الذي جعله الله من أجل النعم، ومن أهم وسائل الإصلاح ينقلب في أيدي هؤلاء أداة عاطلة، أو وسيلة شر وفساد.
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.
ولا كان أولئك الذين اتخذوا من أولادهم أوثانا، يعبدونها من دون الله، فيحلون في سبيلهم ما حرم الله، ويشغلهم الاهتمام الشديد بهم عما يجب عليهم لله، ويحملهم على البخل والجبن اللذين هما من أقبح ما يتصف به المؤمن بالله، كما يصرح بذلك الحديث: (الولد مبخلة مجبنه)، وكما يشير إليه اقتران ذكر المال بالولد، في الآية المفتتح بها الفصل.
وشر من هؤلاء وأولئك الذين يقصرون عنايتهم بأولادهم، على الجانب المادي وحده، فيجعلون جمع المال لهم غايتهم القصوى، ولا يربونهم على الدين، والخلق، ولا يهذبون نفوسهم بالعلم والمعرفة، كأن المال، هو كل ما يحتاج إليه الناس في دنياهم، كل ما تتطلبه الحياة. من وسائل النجاح، حتى إذا فصل الموت بينهم وبين أبنائهم، وجد هؤلاء الأبناء أنفسهم بلا سلاح، في دنيا الكفاح وإنما وجدوا مالا وفيرا، وجهلا كبيرا، فلا يفي مالهم بجهلهم، بل يبددون بجهلهم ما جمعه الآباء بكدهم، ويبقون أسرى الجهل والفقر معا.
-وإذن- فخير ميراث يورثه الآباء للأبناء، هو الإعداد الصالح والتوجيه الصحيح وهو ما عناه عمر رضي الله عنه بقوله: (الأدب خير ميراث).
إن الولد الذي أحسن أبواه إعداده وتوجيهه، لا يحتاج إلى المال، لأنه لا يعجزه الحصول على المال، وإن الولد الذي أهمل- أو أساء- أبواه إعداده وتوجيهه، لا ينفعه المال، لأنه لا يعرف كيف يحتفظ بالمال، ويجهل طرق استثمار المال، فسرعان ما ينفلب من بين يديه المال، وإذا كان الولد من زينة هذه الحياة، كما
(1/267)

قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، فخير لنا أن نحرص على تكميل هذه الزينة، ونجتهد في العناية بها، والحياطة لها، ليكون أولادنا {زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} حقيقة، وإلا كانوا على حد قول شاعرنا المتشائم أي العلاء المعري:
أرى ولد الفتى عبئا عليه … لقد سعد الأتي أس! ى! ا
فإما أن تربيه عدوا … وإما أن تخلفه يتيما
ولكن على رسلك- يا قارئي العزيز- فقد نسينا بداية الطريق: إن صلاح الولد يبدأ من صلاح الوالد إذ (لا يستقيم الظل والعود أعوج)، ويوم أن كان آباؤنا صلحاء كان أبناؤهم صلحاء، ولأضرب لك مثلا يكون لك منارة في هذا الطريق: لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، وخطب الناس خطبته الأولى، وذهب ليقيل (ينام القيلولة)، أتاه إبنه عبد الملك فقال له: ما تصنع؟ قال: أقيل، لأني سهرت البارحة، قال: أتقيل، ولا ترد المظالم؟ قال: إذا صليت الظهر رددتها، فقال له: من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقبله وقال: الحمد لله الذي أخرج من ظهري مما يعينني على ديني.
إن ولدا كهذا لا يحتاج إلى مال يرثه عن أبيه، فإن له من هذا الرصيد الديني الخلقي ما يكفيه، ولذا روي أن عمر بن عبد العزيز لما مات خلف أحد عشر إبنا- هذا أحدهم- وتركهم فقراء إلا من هذا الرصيد الديني الخلقي العظيم، وقال لهم عند وفاته: ليس لي مال، فأوصى فيه، يا بني: إني خيرت نفسي بين أن تفتقروا إلى آخر الدهر وبين أن يدخل أبوكم النار، فاخترت الأولى يا بني عصمكم الله، وقد وكلت أمركم إلى الله {الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}، وخلف هشام أحد عشر إبنا- كذلك- ورث كل واحد منهم ألف ألف دينار، فأما أولاد عمر بن عبد العزيز فما رؤي أحد منهم إلا وهو غني، ومنهم واحد جهز من ماله ألف فارس، على ألف فرس في سبيل الله، وما رؤي أحد من أولاد هشام إلا وهو فقير، ولقد رؤي أحدهم وهو يوقد النار في التنور أجرا.
(1/268)

وبعد: فالولد لا تنفعه الثروة المادية، إذا لم تحصن بثروة روحية تثقيفية تكون شبه ضمان مما يحدث لهذه الثروة المادية من الحوادث فيعصف بها، والوالد لا ينفعه- يوم يلقى ربه- لا ماله الذي جمعه، ولا ولده الذي جمع له، وإنما ينفعه أن يصلح قلبه ويحسن عمله، كما قال تعالى: - حكاية لقول إبراهيم-: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع أثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
والرجل الصالح يستطيع أن يجعل من حسن عمله، حسن تربيته لولده، وحسن تصرفه في ماله، أما الغبي الجاهل فلا يزيده المال والولد، إلا شقاء على شقاء، وصدق الله العظيم:
{أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}.
(1/269)

حسن التوجيه
ذكر عبد الله بن عمر بخير، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: نعم الرجل هو، لو كان يقوم الليل، فما ترك بعدها قيام الليل، فكانت هذه الكلمة، خير توجيه له، وكانت كالمشعل القوي الذي أنار له الطريق السوي.
وذكرت- عندما كتبت فصلا عن (عبد الحميد الموجه) بمناسبة ذكراه - أنه جمعي به أول مجلس، فبادرني بسؤاله: ماذا طالعت من الكتب؟ فأخذت أسرد له- لسوء حظي أو لحسنه قائمة حافلة بمختلف القصص والروايات، فنظر إلي نظرة عاتبة غاضبة وقال: هلا طالعت (العقد الفريد) لابن عبد ربه؟
هلا طالعت (الكامل) للمبرد بشرح المرصفي؟ واستمر في سرد قائمة من الكتب النافعة المكونة، فكانت تلك الكلمة القيمة خير توجيه لي في هذا الباب.
ولما ختم درس التفسير وأخذ الناس يلهجون بالثناء عليه نهض قائما، ثم قال: قولوا: رحم الله الشيخ حمدان، فقد قال لي: يا عبد الحميد إياك والوظيف، - يريد الشيخ- رحمه الله- أن حسن التوجيه هو صاحب الفضل في ذلك وأن كلمة شيخه- هذه- هي التي أوجدت عبد الحميد العظيم- ويريد من وراء ذلك ومن إيراد هذه الكلمة، أن يوجه بها- هو الآخر- تلاميذه ومريديه، بأن يسد في وجوههم هذا الباب، الذي من دخله خرج من كل ما كان له، ولم يبق له إلا أن يأكل ويشرب (شأن الأنعام)، ولو أن عبد الحميد كان موظفا لربما كان كأكثر الموظفين، الذين لا تهمهم إلا أنفسهم ولا يشعرون بما تعانيه أمتهم، وإننا لنتسامح في التعبير إذ نقول:
(1/270)

لا تهمهم إلا أنفسهم، إذ ليس مما يهم النفس أن تعيش عيش العبيد، وتحيا حياة الأسرى وتتجرد من كل خصائص الأحياء إلا من الطعام والشراب واللباس، فإن كان هذا اللون من الحياة يهم مخلوقا فلا يكون إلا من تلك المخلوقات التي ليس لها ضمير ولا عقل ولا شرف.
إن حسن التوجيه- إذن- هو كل شيء في بناء الشعوب، هو مقود السيارة الذي ما أصابه العطب إلا وأصاب العطب السيارة ومن فيها.
وإن حسن التوجيه، هو الذي ينقصنا اليوم، فلا جرم كانت حركتنا من الاضطراب والفوضى كزورق في بحر لجي مزقت العواصف شراعه حطمت الأمواج مجدافه.
وإن حسن التوجيه لا يعتمد على العلم وحده، وإنما يعتمد- أكثر من ذلك- على نور الحكمة الذي يقذفه الله في قلب من أحبه من عباده كما قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.
وإن الله- لذلك- يجعل هذه الحكمة، أداة التوجيه الصحيح، والدعوة الرشيدة إذ يقول: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، ثم يفسر جانبا من هذه الحكمة، إذ يقول بعد ذلك: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، والتي هي أحسن، هي الكلمة الرقيقة الندية الموجهة التي تنزل على القلب كما تنزل قطرة الندى على برعم الزهرة فيتفتح ويبتسم للحياة، وإذا بهذا القلب المغلق على ظلمته، المنطوي على تنكره للحق، المصطلى بنار حقده وعداوته، قد انتفض من هجعته، وانقلب للحق حليفا بعد عداوته، كما تصرح بذلك الآية الأخرى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
يجب- إذن- أن نكون حكماء، إذا أردنا أن نكون موجهين، فليس معنى التوجيه إلا أن نكون حكماء، ولتجلية هذا المعنى أعرض بعض الأمثلة:
كثيرا ما أسمع الوعاظ والمرشدين، يخصون الشبان في- دروسهم- بإعلان إعجابهم وتنويرهم- وحلقات الدروس مزيج من الشبان والشيوخ- وعندي أن هذا التخصيص ليس من الحكمة في شيء، إذ ربما أدى إلى خلو الميدان من ذوي الخبرة والرأي والتجربة، وهم الشيوخ.
(1/271)

وإن الشعب لا يسير أهدافه إلا على قدمين قويتين من قوة إدراك الشيوخ، وقوة عزم الشباب، وإذا كان الشباب يمتازون بقوة عضلاتهم، فإن الشيوخ يمتازون برصيد ضخم من التجارب، وقدرة بلا عقل يوجهها ربما تضر أكثر مما تنفع، وعقل بلا قدرة تنفذ خططه وبرامجه لا يفيد صاحبه، ومن هنا يقول أحد شعرائنا:
آهان لو عرف الشبا … ب وآه لو قدر المشيب
ويقول توفيق الحكيم.: " في الشباب يثمر الخيال والشعور والعاطفة، وفي الكهولة ينضج العقل والحكمة والتجارب، فلكل فصل من فصول العمر فاكهته".
هذا في الدروس، وفي المطالعة لاحظت عيبا آخر، فقلما رأيت من يسجل في مذكرته ما يصادفه أثناء مطالعته مما يحتاج إليه في درس أو محاضرة أو مقال، ليجده وقت الحاجة إليه ولا يضطر إلى إنفاق وقت طويل في البحث عنه في ثنايا الكتب المطولة، وربما لا يظفر به، وهذا بالنسبة للذين يطالعون الكتب القيمة، ولكن كثيرا جدا يقضون حياتهم في مطالعات لا تسمن ولا تغني من جوع، وأكثر منهم من لا يطالع بالمرة، فيعيش في جدب عقلي لا يطيقه إلا موتى القلوب.
وأرى أن من أهم الأسباب في ذلك كله، هو أن الطبقة المثقفة ليس لها وحدة تربطها وتجمع أفرادها للتعاون والتشاور وتبادل وجهات النظر.
ولعل الله يعيننا على تحقيق ذلك قريبا إن شاء الله.
(1/272)

توجيهات قرآنية في التربية والسلوك
{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (سورة فصلت).
أي شيء يحسم الشر من أساسه كهذه الخطة التي يدعو إليها القرآن، التي تجعل العدو صديقا- وصديقا حميما- بهذه السهولة وبهذه البساطة، والتي لا تكلف صاحبها إلا أن يأخذ بالجانب الذي يأخذ به الأكياس العقلاء، وهو الجانب المضيء لا المظلم، والجانب الحسن لا السيء، جانب الخير والفضيلة والآنتصار على النفس والهوى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وما أيشرق هذا الأفق وما أكرم هذه الخطة التي يدعو إليها كتاب الله، الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} هذه الخطة التي تجعل كلا من الوسيلة والغاية حسنا، وتجعل الإنسان لا يخسر شيئا ويربح شيئين وهما: أن ينقلب عدوه صديقا، وأن يتمسك هو بالجانب الخير الذي يجعله سيد نفسه وسيد الآخرين، وما أقربه أسلوبا إلى المنطق والبداهه، هكذا: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، وأي عاقل لا يسلم بهذا الحكم والمنطق البديهي، فينكر أن الخير والشر ليسا سواء؟
{قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} س: (القصص) إنها لفتة عجيبة أن يختار موسى هذا النوع من شكر النعمة وهو أن لا يعين مجرما على إجرامه ولا ظالما على ظلمه، وهو توجيه قرآني عظيم في قطع دابر الشر، واستئصال جذور الفساد، وخنق أنفاس الظلم، وقطع التعاون على العدوان والإثم، فما كان للشر
(1/273)

أن يعيش لو لم يجد أعوانا عليه، وما كان للظلمة من قدرة على الظلم لو لم يجدوا أذنابا يزينون لهم أعمالهم العدوانية وأغتصابهم لحقوق شعوبهم والعبث بمقدراتهم ومقدساتهم، وإن التعاون الذي جعله الله إحدى قواعد العمران، إنما يكون على الخير لا على الشر، وعلى الحق لا على الباطل، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
ومن التعاون على الشر، السكوت عنه والرضى به، وترك الأشرار يعيثون في الأرض فسادا وهذا مثل فعل الشر نفسه مستوجب لسخط الله وغضبه وعقابه قال تعالى. {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}.
وأوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من أمتك ستين ألفا من شرارهم، وأربعين ألفا من خيارهم، قال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: لأنهم لم يغضبوا لغضبي وآكلوهم وشاربوهم.
{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} س: (البقرة) هكذا يحارب القرآن شح الأنفس ويدعو إلى البذل الذي هو أحد شقي سيادة الإنسان، وهما: البذل والحلم:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى … وكونك إياه عليك يسير
فإذا كانت الكلمة الطيبة تجعل العدو صديقا كما تقدم عند قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، فإن البذل في سبيل الله يخلفه الله على صاحبه مضاعفا إلى سبعمائة ضعف كما قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، ومن ثم فهو بذل أشبه بالأخذ، لأن الباذل بهذا الاعتبار لم ينقص من ماله ولكن زاد فيه، ومن ثم سماه الله قرضا أي سلفا، ولما كانت النفوس مطبوعة على الشح وهي لا تدفع شيئا إلا رغبت في أن تأخذ عليه فائضا كما يطلب التاجر وكما يطلب المرابي، فإن الله أغرى هذه النفوس بهذه الزيادة والفائض على ما بذلت في سبيل الله، وهو نوع من المتاجرة مع الله، التي دعت إليه الآيات القرآنية الكريمة مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ
(1/274)

تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} ومثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} فأي عاقل يحب الخير لنفسه يري مثل هذه الصفقة الرابحة ويعرض عنها، وتتاح له مثل هذه الفرصة الكريمة ويدعها تفلت من يديه؟ ولهذا كان أصحاب رسول الله الذين جعلهم الله خير قدوة لهذه الأمة عندما نزلت هذه الآية: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} (يتسابقون) إلى البذل. كما روى الطبراني وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله! إن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي وله فيه ستمائة نخلة.
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (سورة فصلت)
إن القرآن يولى الناحية الأخلاقية عناية كبرى، بل إن هذا الكتاب العظيم هو الينبوع الثر، والمدرسه الأخلاقيه العليا، التي تخرج منها رسول الإنسانية وتلقى عنها أخلاقه السامية، كما تشير إلى ذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، عندما سئلت عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن" وكما تحدث بذلك هو نفسه- شاكرا فضلا الله عليه- فقال: " أدبني ربي فأحسن تأديبي"، أي بما أوحى إليه من مثل هذه الآية: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.
بل إن هذه الآية وحدها لتعدل دستورا من الأخلاق كاملا، حتى إنه روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال: (ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية).
ويبين سمو ما تهدف إليه هذه الآية، ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن معناها فقال: (يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك).
(1/275)

والعفو (أو الحلم) هو سيد الأخلاق، ومن ثم يجب أن يتحلى به السادة لأن العفو سيادة على النفس وارتفاع وسمو على مطالبها ورغباتها، ولا سبيل إلى السيادة قبل هذه السيادة على النفس إن العدل حسن ولكن العفو أحسن لأنه بدل أن تأخذ حقك بمقتضى العدل تتخلى عنه وتتفضل به بمقتضى الإحسان والعفو، ولذا قال تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، ومما يوضح ذلك ما يروي من أن حربا حاطمة وقعت بين حيين من العرب كادت تبيدهما معا فأفزع هذا المصير بعض سادة العرب المحنكين، فوقف بين الصفين وقال: ما تريدون؟ أتريدون الحق أو ما هو خير من الحق؟ قالوا: وما هو خير من الحق؟ قال: العفو! فما كان من الفريقين إلا أن أعادوا السيوف في الأغماد، وتبادروا إلى التسليم على بعضهم بعضا. وإن الفرق بين العدل والعفو- بعبارة أخرى- أن العدل أخذ والعفو عطاء، وشتان ما بينهما، ومن هنا سمى الله الزائد على العدل إحسانا، في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}، ومن شرف الإسلام وسمو مبادئه، أنه يأمر بهما معا، كما تشير إليه الآية المتقدمة، ولكن ما حال شعب أفلس منهما معا؟ أما الشعب الذي يتفيأ ظلي العدل والإحسان ويتغذى بثمارهما الشهية، فهو بمنجاة من هجير الحياة، وفي بحبوحة من رغد العيش، وذلك من حظ الشعوب التي تجعل من الإسلام دستورها ومن تعاليمه السامية منهجها في الحياة.
وهذا الخلق العظيم- خلق العفو والحلم- ينبع من خلق آخر، وهو الرحمة، التي تنبع هي الأخرى من المعرفة بالضعف الإنساني، الذي يستوجب الرحمة، وعظمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومفتاح شخصيته، تقوم على هذا الخلق الذي وصفه الله به في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وفي قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ووصف هو نفسه، إذ قال: " أنا رحمة مهداة" وحسب هذا الخلق مكانة وركانة أن الله يعزو، إليه نجاح محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته إذ يقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.
وبما أن هذا الخلق هو الصخرة التي ترتكز عليها عظمة محمد صلى الله عليه وسلم والينبوع الذي تتفرع عنه جداول أخلاقه الأخرى، فإننا نلحظ أن الله يحاسبه عليه كلما رآى منه أقل انحراف عنه، مثلما فعل في قصة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى
(1/276)

حين طلب إليه، وألح في الطلب، أن يعلمه مما علمه الله، في الوقت الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم متصديا لإقناع بعض سادات قريش، فكان منه صلى الله عليه وسلم ما عبرت عنه أوائل سورة (عبس) بهذا العتاب الإلاهي الزاجر، الذي بقي درسا خالدا خلود القرآن فيما يجب أن يكون عليه رجل الدعوة، من التواضع والرأفة والرفق والصبر وسعة الصدر:
{عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}.
ومما يدل على تأثير هذه الحادثة على وجدان النبي صلى الله عليه وسلم وقوة انطباعها في نفسه، وعلى مدى صدق عائشة رضي الله عنها في قولها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان خلقه القرآن) ودقة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أدبني ربي فأحسن تأديبي".
أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان كلما لقي ابن أم مكثوم بعد ذلك يقول: "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي".
ومثلما فعل في غزوة أحد عندما استشهد حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم ومثل به الأعداء وقال عليه الصلاة والسلام: "أما والله لأمثلن بسبعين منهم" أنزل الله عليه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} ذلك لأن موجهه القرآن لا يريد أن يتخلى عن هذا الخلق الذي ترتكز عليه شخصية الداعية الناجحة وهو خلق الصبر والأناه، خلق الرحمة والشفقة، والمثلة ضد الرحمه على خط مستقيم، كيف وهو قد بعث رحمة للعالمين؟
غير أن من تمام التربية المثلى والتوجيه الرشيد أن تتخلف هذه الرحمة في بعض الأحيان وأن يأمر الله نبيه- نبي الرحمة- بغير الرحمة! بالغلظة! وذلك فيما إذا وصل الأمر إلى المبادئ: إلى صميم العقيدة، إلى كيان هذا الدين الذي أراد الله له الحياة، لتتجمل وتكمل به الحياة، ويستقيم سير الأحياء، فيقول له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}.
(1/277)

وعندما أبقى النبي صلى الله عليه وسلم على حياة أسرى بدر، وقبل منهم الفداء بعد أن استشار أصحابه فأشار قسم منهم بقتل الأسرى، وفي طليعة هذا القسم عمر رضى الله عنه، وأشار قسم آخر بالعفو عنهم وقبول الفداء، وفي طليعة هذا القسم أبو بكر رضي الله عنه، ومال نبي الرحمة إلى الجانب الذي فطره الله عليه وهو الرحمة، كان العتاب من الله شديدا تعلنه هذه الآيات التي نزلت في هذه القضية الخطرة: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
ذلك لأن هؤلاء الأسرى الذين أظفره الله بهم، تكرمة منه وقطعا لدابر الشر، هم الذين وقفوا في سبيل الدعوة قبل ذلك وهم الذين سيقفون في سبيلها بعد ذلك، فليس من صالح الدعوة أن يتركوا.
(1/278)

من معدن الإيمان
كان رجل من الصحابة عليهم الرضوان، مواظبا على الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لا يتخلف، وكان شديد الفقر ممزق الثوب، ولما صار ثوبه من التمزق بحيث لم يعد يستره اضطر إلى أن يتخلف عن الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم عدة أيام، فرقت له زوجته وأعارته ثوبها حتى لا يحرم من الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له: عد إلي فور فراغك لأأدي صلاتي في وقتها، فصلى وانفتل راجعا إلى زوجه، ولما لم يره الرسول صلى الله عليه وسلم سأل عنه فقال له أهل المجلس: إنه فر من المسجد، فأمرهم بحضوره إليه بعد فراغه من صلاته في اليوم التالي- قبل خروجه- ولما حضر إليه سأله عن سبب خروجه، فقال له: إني وزوجي لا نملك إلا ثوبا واحدا فحرصت على الصلاة خلفك وحرصت زوجي على الصلاة في أول الوقت، فرق له النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه ثوبا، ولما عاد إلى بيته سألته زوجته عن سبب تأخره فأخبرها مما كان فقالت له: يرحمك الله، أتشكو ربك لرسوله؟
من خلال هذه القصة الرائعة يتراءى رصيد ضخم من الإيمان القوي ونبع فياض من الخلق النبيل وتلك هي مدرسة الإيمان في أوج عظمتها إذ كانت تخرج للناس هذه الأمثلة الصالحة من أبناء هذا الكوكب الأرضي، وتتحف هذا العالم الغارق في ماديته وأنانيته بمثل هذه اللوحات الرائعة القيمة التي ترتسم عليها ظلال الروح الإنسانية السامية، ولكن هذه المدرسة الفذة- ويا للأسف- لم تعد تخرج إلا القليل النادر من هذه الروائع الخالدة، ويخشى إذا استمرت الحال على ما هي عليه أن تغلق هذه المدرسة أبوابها فتقفر الدنيا من هذه الكواكب اللماعة في سمائها، فإن هذه الأرض: هذا الكوكب المظلم لا يصلح حاله بدون هذه النيرات تضيء أرجاءه وتطرد أشباح
(1/279)

الظلام من جنباته إن جلال الإيمان وجمال الخلق ليتنازعان الظهور ويتسابقان إلى البروز من خلال هذه القصة التي ترسم للإيمان الكامل والخلق النبيل، صورة واحدة رائعة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "حسن الخلق من الإيمان"، فإن الخلق الرصين الثابت هو الذي يرتكز على صخرة الإيمان الراسية الراسخة التي لا تقلقلها عوادي الزمان ولا تزلزلها عواصف الخطوب، ومن هنا نرى الكثير من ضعفاء الإيمان لا يثبتون على خلق، كما لا يصبرون على عبادة، فكلما ابتلوا بشيء من مكاره دنياهم نكصوا على أعقابهم وقطعوا صلتهم بإخوانهم ونقضوا عهدهم مع ربهم، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.
أما الذين اكتمل إيمانهم واتسع بقوة اتصالهم بالله أفقهم، وصلب بشدة إقبالهم على عبادة الله عودهم، فهم أثبت الناس على خلق وأقواهم اضطلاعا بمبدإ، وأعظمهم صبرا على ما يبتليهم به ربهم من ضروب الابتلاء وصنوف الامتحان، ليعدهم بذلك لأن يكونوا أقدر على الاضطلاع بمهمتهم العظمى في الحياة، وأداء رسالتهم الكبرى إلى العالم، وقد أدركوا موضع الحكمة من هذا الابتلاء، فازدادوا حماسا لعقيدتهم وثباتا على مبدإهم، وقوة اندفاع في كفاحهم حتى بلغوا الغاية المطلوبة وجنوا الثمرة المرجوة التي يشير إليها قوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وقوله: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}.
فإن أمثال هذه النفوس الربانية لا تستميلها رياح المطامع والرغائب ولا تعصف بها عواصف الخطوب والنوائب، بل لا يزيدها ابتلاء ربها إلا قوة في إيمانها وتمسكا بدينها وثقة بربها، ومن هنا كانت تتجلى خلال الصبر والشجاعة والزهد في متاع الدنيا، في تلك النفوس الكريمة ذات المعادن الكريمة في أروع صورها وأرفع درجاتها، وكانت ترى في البوح بحاجاتها إلى إخوانها تشكيا من خالقها وتسخطا على ربها، كما في قصه هذين الزوجين الكريمين وكما في حديث الأحنف بن قيس مع عمه إذ قال: "شكوت إلى عمي وجعا في بطني، فنهرني ثم قال: يا ابن أخي لا تشك إلى أحد ما نزل بك، فإنما الناس رجلان: صديق تسوءه، أو عدو تسره، يا ابن أخي: لا تشك
(1/280)

إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن أشك إلى من إبتلاك به، فهو قادر على أن يفرج عنك، يا ابن أخي: إحدى عيني هاتين ما أبصرت بها سهلا ولا جبلا منذ أربعين سنة، ولا أطلعت على ذلك امرأتي ولا أحدا من أهلي". كما روي مثل ذلك عن إبراهيم الحربي وكثير غيره.
فلنأخذ أروع الدروس، في السمو بالنفوس، من سمو هذه النفوس.
(1/281)

إذا زلزلت الأرض
{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} حقا، كم من آية أودع الله فيها من العظة والعبرة والحكمة البالغة ما لو وقف عندها الإنسان وتدبرها وفكر فيها، لأيقظت مشاعره وشحذت عزائمه، وفتحت نوافذ فكره على دنى وحيوات ما كانت لتتاح له لولا تلك الآية ووقوفه عندها وتفكره فيها، ومن هنايقول عليه الصلاة والسلام: "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" فهذه الآيات التي بثها الله في الأرض والسموات هي الكنوز الثمينة التي تمد الفكر البشري بما يحتاج إليه من غذاء، وتسعف العقل الإنساني في ساعات إغفائه باليقظة والشعور، ولكن هذه الكنوز الثمينة القيمة مفتاحها التفكير، فلا يحظى بشيء من نفائسها وأعلاقها من لم يفكر فيها، ويمعن النظر إليها، ويرسل أشعة عقله عليها، وهذه هي الحال الغالبة على الناس، ولذا نبه الله عباده إلى ما غفلوا عنه من الآنتفاع بهذه الآيات بقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} (الآية المتقدمة) نعم هذه هي الحال الغالبة على الناس تجاه هذه الآيات {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}، كأنها شيء لا يستحق الإلتفات.
ولكن الآيات منها صوامت سواكن تعظ القلوب بصمتها، وتحرك سواكن الخواطر بسكونها، كالآيات التي في خلق الأرض والسموت، واختلاف مخلوقاتهما في السموات واللغات كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}، وكالآيات التي في تعاقب الليل والنهار واختصاص كل منهما
(1/282)

بكوكب يضيئه، فالقمر آية الليل، والشمس آية النهار، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}، وكالآيات التي في خلق الإنسان من نطق وتفكير، وعقل وتدبر، وحفظ وتذكر وتخيل وتصور، وضحك وبكاء، كما، قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}؟
ومنها قوارع صوادع، تقرع الأسماع بجلجلتها المفزعة، وتصدع القلوب برجتها المذهلة، لأنها تحمل في تعبيرها العملي لغة الإنذار الأخير كما هو جار في المألوف المتعارف بين الناس إذ يقولون في أمثالهم السائرة: آخر العلاج الكي كالزلزال العقام: الذي فاجأ في هذه الأيام إخواننا سكان مدينة الأصنام، وهم وادعون نيام، تسبح أرواحهم في عالم الأحلام، فاستيقظوا على هول الفاجعة وفتحوا عيونهم على فزع القيامة، فخرج من بقيت له في كتاب العمر صفحات حاسر الرأس حافي القدم يحسب أن القيامة قد قامت، وأنه بعث من قبره ليساق إلى حشره وحطمت الكارثة من ختم كتاب العمر وإن كان صبيا في مهده أو رضيعا في حضن أمه أو خطيبا ينتظر ليلة عرسه ولقاء زوجه فيفوز بأعظم الأمل، أو عريسا ما زال لم يقض شهر العسل، وبقي مترجحا بين الموت والحياة، قسم اكتظت بهم المستشفيات، والذين لم تمسسهم الكارثة بأذى لم يسلموا من البلاء إذ بقوا خارج البيوت يلاقون العنت والجهد في الظفر بالقوت، لا يستطيعون إلى البيوت رجوعا، ولو هلكوا جوعا، لأن الزلزال ما زال يتعهد البيوت بالطروق بعد الطروق، على ما بهذه البيوت- البائسة من صدوع وشقوق.
ولكن هذه القوارع وإن ألحقت بالناس الضرر، وضاعفت لهم الخطر، فإن من ورائها منافع ومزايا، ربما رجحت بما فيها من كوارث ورزايا، فهي،- فوق أنها كالآيات الصوامت تنبه الغافل، وتذكر الجاهل، وتحرك الجامد، وتبعث على مراقبة النفس ومحاسبتها- تكشف عن معادن الناس، وتتجلى عن أسرار الأخلاق، ودخائل النفوس، بل إنها امتحان لمعدن الإنسان، كما تمتحن المعادن بصهرها بالنار، والناس- كما يقول عليه الصلاة والسلام- معادن، كمعادن الذهب والفضة، ففيهم الكريم والبخيل، وذو القلب الرحيم والإحساس الرقيق والوجدان النبيل، وقاسي القلب غليظ الطبع، جامد الإحساس ميت الشعور، فرقة القلب وكرم الطبع ونبل الإحساس ويقظة الوجدان هي الوشائج التي تربط بين أفراد الأمة برباط التضامن والتعاون، وتصل
(1/283)

بين قلوبهم بأسلاك من المحبة والتفاهم فيسعد المجتمع ويرغد عيشه وتجري ريحه رخاء، وعلى العكس من ذلك قسوة القلب ولؤم النفس وجفاف الطبع وموت الحس، فإنها تبعد ما بين القلوب وتفصل مما بين الأرواح وتنفث في جو المجتمع سموم الشر والفتنة، وتبذر في تربته بذور التباغض والتقاطع والفرقة، فتلف المجتمع موجة من الشقاء وجهد البلاء ونكد الحظ. فيا أيها المسلمون! ليست كارثة الأصنام إلا امتحانا جديدا لإيمانكم وغيرتكم، فحذار ثم حذار أن تخرجوا منها بعيون جامدة وأيد مقبوضة وأفئدة هواء.
وأعلموا أن نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "السعيد من اتعظ بغيره" فخذوا العبرة من هذه الزلزلة قبل أن تحل بكم تلك الزلزلة التي تلف الكون كله من أقصاه إلى أقصاه، والتي يقول الله في وصفها: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}.
أيها المسلمون: (مات الميت فليحي الحي) وإذا اندملت جراحات الجسد فإن جراحات القلب لا تندمل بسرعة، فاذكروا هؤلاء الذين يقطعون الليل أنينا في المستشفيات أي جراح يخرجون بها في قلوبهم، لأن الزوجة تخرج أيما والطفل يتيما، والرضيع فاقد الصدر الذي يضمه ويؤويه والثدى الذي يدر عليه والقلب الذي يحن إليه.
فإذا شحت أيديكم في هذه الكارثة العقام باليسير من الحطام، وجف في قلوبكم معين الرحمة بما تركته هذه الكارثة من أيامى وأيتام، وأنطفأت في صدوركم جذوة الإيمان، والشعور بأخوة الإسلام، فتلك هي الزلزلة التي ما بعدها زلزلة فحذار، ثم حذار.
(1/284)

من عبر الزلزال
كانت فترة حاسمة تلك التي قضيتها أمام دور الأصنام المحطمة،- التي أحالها الزلزال، إلى شبه أطلال، والتي،- عندما تراءت لعيني- وجدتني أتمتم بقول الشاعر:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها … وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
حقا، وقفت أمام هذه الدور المحطمة الوقفة التي وقفها هذا الشاعر قبلي على أطلال من أحبهم قلبه، وصفا لهم وده، بل لعل هذه الوقفة أدعى إلى الحزن وأبعث على الألم والحسرة، وأين تقع فجيعة من أضاع خاتمه من فجيعة من أضاع شعبة من قلبه أو حطم أحد جناحيه.
وقفت خاشعا واجما ساكنا كأنني أحد هذه الأعمدة الباقية بعد الضربة القاضية، وتراءت أمام خيالي- خلال هذه الفترة- أطياف عابرة من الأمم الغابره، التي طواها الزمان، وعفى عليها النسيان، وطفرت- أمام عيني- أطياف أخرى من مواكب الأزمنة المتلاحقة، وما يخبئه الغد الرهيب لهذه الفلول الباقيه من تعساء الإنسانية التائهة في بيداء هذه الحياة التافهة، من هذا المصير المحتوم، فيصبح- مثل هؤلاء الذين نقف الآن على أطلالهم- أثرا بعد عين، وهكذا الحياة من بدايتها إلى نهايتها، رواية متشابهة الفصول متماثله المشاهد، والإنسان هو الإنسان من ولادته إلى موته، لا تموم هذه الأحداث من صغره، ولا يعتبرآخره بأوله. وبينما أنا مستغرق في هذه التأملات، أستجلي العبر من هذه المثلات، وأسكب ما صنته من عبرات، على هذا الجانب الخصيب، من الوطن الحبيب، الذي استحال حطاما وعاد أنقاضا، وإذا
(1/285)

بأحد الرفاق في هذه الرحلة، يجذبني من طرف ثوبي ويلفتني إليه قائلا: تعال واسمع، فهذا زلزال آخر ينسيك هذا الزلزال الذي ما يزال أثره عالقا بنفسك، آخذا بلبك، فالتفت في فزع ودهش، واستفسرته النبأ فقال: الآن وصلت رسالة من طفل إلى والده يقول له: إن لم تسرع إلي انتحرت،- ذلك لأن هذا الطفل من هؤلاء الأطفال الذين اضطرهم هذا الزلزال إلى أن يأووا إلى معهد من المعاهد الدينية الكاثوليكية خارج البلاد المصابة بالزلزال- وأخذ الطفل بعد ذلك يقص على والده كيف أنهم سلموا إلى راهب ناولهم نوعا من الحلوى أنكروها وكرهوها، وأنهم لا يكادون يذوقون مناما، لما يحسونه من ضغط على شعورهم من هذا الجو الجديد الذي لا يرون فيه إلا هذه الصلبان على رؤوسهم وإلا هذه الطقوس الدينية التي لم يعتادوها ولم ينشأوا عليها والتي أحسوا معها بالخوف على عقيدتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ما حمل هذا الطفل الذكي اليقظ على أن يبادر بهذه الرسالة إلى والده ليبادر بإنقاذه، وإلا انتحر سريعا قبل أن يخسر عقيدته الدينيه التي يرى أصغر طفل في المسلمين أنها كل شيء.
نعم، هذا هو الزلزال الذي يجب أن نكون منه على بال، فليس الزلزال أن تموت مسلما شهيدا تحت الأنقاض، ولكن الزلزال حقا أن تخسر دينك الإسلام، ولو عشت بعد ذلك ألف عام، وأن الموت المفزع لهو موت الروح لا موت الجسد، وأن الإسلام إنما جاء لينقذنا من موت الروح لا من موت الجسد.
إن الذي نخشاه إذن- من هذا الزلزال هو أن يمتد أثره إلى الأرواح التي هي كل شيء، لا قدر الله.
وإني- في النهاية- لأحيى ذلك الطفل الذكي الكيس الذي تنبه في عروقه دم أجداده، دم الحفاظ على التراث الغالي، الذي كاد يضيع بتأثير الوضع الحالي، فكتب تلك الرسالة الثائرة، على الأوضاع الجائرة، ولو كان المسلمون كلهم كهذا الغلام، لانتصر الإسلام. أكثر الله فينا من أمثال هذا الغلام.
(1/286)

طريق العظمة
مهداة إلى الدعاة
نذكر بهذا الشهر- شهر ربيع الأول- ميلاد مصلح البشرية الأعظم: محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فكلما استنشقنا نسيم هذا الشهر، شممنا في طياته عرف هذه الذكرى العطر، وأنعش أرواحنا عبيرها الزكي، فنجد لذلك يقظة في شعورنا، وقوة في عزائمنا، وانشراحا في صدورنا، وإيمانا بديننا، وتشبثا بآمالنا.
وقد تعودنا أن نأخذ من هذه الذكرى أعظم الدروس، وأبلغ العبر، وقد آثرت هذه المرة أن آخذ من هذه الروضة المعطار، زهورا عبقة الشذا، وأهديها إلى القادة والمصلحين في الأمة الإسلامبة، علهم يجدون فيها ما يجلب العزاء إلى نفوسهم، ويطرد اليأس من قلوبهم، ويزيح العراقيل من طريقهم:
خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما إلى الكعبة ليصلي كعادته، فلما كان في الصلاة قال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام عبد الله بن الزبعرى فأخد فرثا ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم- وظهره، فأتى عمه أبا طالب وقال: يا عم ألا ترى ما فعل ب؟ فقال له أبو طالب: من فعل بك هذا؟ فروى له الحادث، فتقلد سيفه ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أي مجلس القوم، فلما رأوه قد أقبل قاموا له، فقال لهم أبو طالب: والله إن قام رجل جللته بسيفي هذا!
ثم قال: يا بني من فعل بك هذا؟ قال: عبد الله بن الزبعرى، فأخذ أبو طالب فرثا ودما، فلطخ وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول، فنزل- إذ ذاك- قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عم نزلت فيك آية،
(1/287)

قال: وما هي؟ قال: تمنع قريشا أن يؤذوني وتأبى أن تؤمن بي، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتى أوسد في التراب دفينا
فاذهب لأمرك قد زعمتك ناصحى … فلقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنه … من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة … لوجدتنى سمحا بذاك يقينا
ولا يعجب القارىء من موقف أبي طالب، هذا الموقف من دعوة لا يؤمن بها، فإن في ذلك لآية من آيات الله في نصر دينه والقائمين على نشره وتمكينه، إذ يهيء الأسباب لذلك من قرب أبي طالب من صاحب الرسالة وتربيته له وشدة محبته إياه، بل إن أبا طالب ليصر على موقفه هذا حتى النهاية ويكون آخر وصيته لقومه أن يوصيهم بمحمد صلى الله عليه وسلم خيرا أو يحرضم على نصره وتأييده بل الدخول في دينه، فيروى أن أبا طالب حين حضرته الوفاة أوصى قومه وصية جامعة، ولكن كان ما فارق عليه دنياه قوله:
وأنا أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو جامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان، مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الوبر في الأطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وأعظموا أمره، فخاض بهم غمرات، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه، أحوجهم إليه، وأبعدهم عنه، أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش: ابن أبيكم كونوا ولاة لحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي.
وإنما بنصر الله الثابثين على الحق، الدائبين على نصره، كما قال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} فإن أبا طالب ما استمات في نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى رآي استماتته هو في ثباته على ما دعا إليه وإصراره على الحياة له والموت عليه، ويفسر هذا موقفه صلى الله عليه وسلم الخالد عندما رأت قريش نشاطه الفذ في بث دعوته ونشرها، ومما نال
(1/288)

آلهتهم وعباداتهم الزائفة، من هذه الدعوة من سهام نافذة فذهبوا إلى عمه أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على ما نحن عليه، من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وودهم ودا جميلا ثم عادوا إليه مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، فاشتد الأمر على أبي طالب، ولقى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ابن أخي إن قومك لد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا- ما كانوا قالوه له- فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فماذا كان منه صلى الله عليه وسلم أيسلم في دعوته وينفض يده مما وكل إليه، كما يفعل ذلك ضعفاء الإيمان وجبناء القلوب في مثل هذه الظروف؟ كلا، بل وقف وقفة المؤمن بربه الواثق بدعوته، وكأنه يسمع هتاف القرآن في أذنه يقول له: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وقال كلمته العظيمة الخالدة التي سارت مثلا أعلى في الثبات على المبدإ: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته" ثم قام وذهب فقال له أبو طالب: أقبل يا ابن أخي، فأقبل صلى الله عليه وسلم فقال له: إذهب وقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.
وهكذا العظماء يلحقهم من الأذى ما تنوء به الجبال، ولكن قوة عقيدتهم وصلابة عزيمتهم واطمئنانهم إلى أن الله ناصرهم وأن العاقبة لهم، كل ذلك يهون عليهم ما يقف في طريقهم ويصادفهم في سيرهم من عقبات ومكاره وأتعاب، فيمضون مصممين حتى يصلوا إلى الغاية، ويجنوا ثمر النصر في النهاية.
فلا يضق قادتنا ودعاتنا ذرعا إذا لاقوا ما لاقى أسلافهم من رهق وعنت، فتلك سنة الله في الأولين والآخرين، وليعتقدوا بأن الله سينصرهم- إن كانوا محقين- ولو بعد حين، ولو من غير المسلمين، كما نصر الله نبيه بعمه أبي طالب، ولكن الذي يمضني ويؤلمني أنه يوجد اليوم كثير من المسلمين يمثلون دور أبي طالب: يكتبون ويخطبون داعين إلى تعاليم الاسلام، وهم أبعد ما يكون عن تعاليم الإسلام فصدق عليهم بذلك قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} الذي نزل في أبي طالب!
(1/289)

العظمة التي لم يدركها الهرم
"بأبي من لم ينم على السرير ولم يشبع من خبز الشعير" (عائشة رضي الله عنه ترثي النبي صلى الله عليه وسلم
لله ما أعلم عائشة رضي الله عنه بمقاييس العظمة.
الصحيحة، في هذه الكلمة الفصيحة!
ولا عجب، فهي قد فتحت عينيها- كامل المدة التي صاحبت فيها الرسول صلى الله عليه وسلم - على أكبر عظمة في تاريخ الإنسان قديمه وحديثه، وأتيح لها أن تعيش في جو هذه العظمه، وتعب من فيضها وترشف من عبيرها وتقبس من نورها كل عمرها حتى تلفظ آخر أنفاسها (بين سحرها ونحرها).
فسيرة محمد العظيم صلى الله عليه وسلم التي كانت بجميع مشاهدها وفصولها نصب عين هذه الزوجة المثالية- هي التعبير الصحيح عن العظمة الإنسانية، والغاية البعيدة لما يمكن أن يصل إليه الإنسان من عظمة، والتصحيح الأخير لمعنى العظمة، فلا عجب أن تكون عائشة رضي الله عنه من أعلم الناس بمقاييس العظمة.
لو كانت عظمة العظيم بما يملك من مال، أو بما يصل إليه- بخير الوسائل وشرها- من متاع الحياة الدنيا وطيباتها، لكان رصيد محمد من العظمة ضئيلا، ونصيبه منها قليلا، ولكن العظمة- كما ترى هذه الزوجة العظيمة- أبعد ما تكون عن ذلك، فهي قد رأت زوجها العظيم لم ينم على السرير، ولم يشبع من خبز الشعير، (أي السرير الذي ينام عليه كسرى وقيصر وأضرابهما، وإلا فقد كان للني صلى الله عليه وسلم سرير
(1/290)

ولكن أي سرير؟، إنه من ليف وكان يؤثر في جسده صلى الله عليه وسلم ولقد روي أن عمر رضي الله عنه دخل عليه يوما فلفت نظره خدش في جنب النبي صلى الله عليه وسلم من أثر هذا السرير الذي يتعب أكثر مما يريح، فبكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: تذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من لذة ونعيم، وأنت رسول الله، وقد أثر الشريط في جنبك فقال له صلى الله عليه وسلم: "أولئك قوم عجلت لهم طيباتم في حياتهم الدنيا، ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا في الآخرة"، وإن تأثير الشريط في جنب الرسول يدل على أن السرير لا فراش عليه، بل ما اتخذ إلا ليكون فراشا أو أن عليه فراشا لا يغطي سائره.- إذن- فالعظمة، هي أن تكبح جماح نفسك، وتخضع شهوتك لعقلك وتشقى في سبيل إسعاد غيرك، وأن تكون كحبة القمح تموت في باطن الأرض ليحيى الناس على ظهرها، وليست العظمة أن تحيى وحدك ولو هلك الناس جميعا كما نسمع عن أكثر عظماء العالم، ولا يحرم الإسلام على الناس طيبات الحياة الدنيا، ولكن العظمة فوق ما يخضع له الناس، فالعظيم يعيش بين الناس، ولكن لا يعيش كما يعيش الناس، وليس الحصول على أطايب العيش مما يعجز العظيم فلقد عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون له بطاح مكة ذهبا، فأبى وقال: بل أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا شبعت حمدتك وشكرتك، وإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، ولكن في ملاقاة الشدائد والتمرس بالصعاب والمكاره، خير إعداد للعظمة وأعظم توجيه للعظيم، ليستطيع بعد ذلك أن يصمد للعظائم، ويتغلب على الشدائد، والتاريخ أصدق شاهد، فما تغلبت تلك القلة من المسلمين الأولين على الجيوش الجرارة، إلا بعد التغلب على الشهوات التي تخنث الرجولة وتعصف بالبطولة، فلا عجب أن سمى الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفة الشهوات مكافحتها: الجهاد الأكبر! عندما كان عائدا من إحدى غزواته المظفرة وقال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وقيل له: ما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ فقال: جهاد النفس".
وقد طبع محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه بطابعه، فكانت عظمتهم احتذاء وامتدادا لعظمته، فكان لهم السلطان المطلق على أهوائهم، وكان انتصارهم على أعدائهم ثمرة انتصارهم على أهوائهم، وكان تقللهم من الطعام، قد عوضهم صحة في الأجسام، وصفاء في العقول والأفهام، وشعورا بما يعانيه تعساء الحظ وأنضاء الحرمان من غصص وآلام، ولا عجب، فالبطنة تذهب الفطنة، والمصطلى بالنار أعلم بحرها.
(1/291)

هذه هي عظمة محمد، وأصحاب محمد: عظمة روحية، ضحوا فيها بالجسم للروح، وبالشهوة للعقل، وبالدنيا للدين، فكانوا المثل الأعلى في الأرض، ونقطة الاتصال بين السماء والأرض، والقدوة والمثال لخلافة الله في الأرض، صلى الله على محمد وصحبه ما بقيت السماء والأرض!.
(1/292)

نماذج من الأخلاق النبوية
اقترح أحد الإخوان عرض نماذج من الأخلاق النبوية، فقلت له: إن أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون قدوة تتبع لا مقالات تكتب، ولا خطبا تلقى، فإن هذا ربما قلل من قيمتها وجعلها من قبيل الحديث المعاد، والمنظر المتكرر الذي لا يلفت النظر، ولا يشغل الذهن، بل لقد ظهرت بوادر هذه الآفة واضحة للعيان، فمنذ أصبحت السيرة النبوية خطبا تلقى في الحفلات، ومقالات تكتب في الجرائد والمجلات، قل تأثر الناس بها، واهتداؤهم بنورها، عكس ما كان عليه سلف هذه الأمة، الذين لم يكونوا يعرفون هذه الحفلات، أو لم يكونوا بحاجة إليها، لأن صلتهم بهذه السيرة لم تنقطع حتى يجدوا أنفسم في حاجة إلى تجديدها بحفلات يقيمونها ليلة المولد من كل سنة، كما نفعل نحن الآن، وإنما كانت هذه السيرة دستورهم في الحياة على مدى الحياة، يسيرون على هداها، ويعملون بمقتضاها، ويدركون جيدا معنى قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
ورغم ذلك فإني أعرض- لقرائي الأفاضل- هذه النماذج الحية، والأقباس الروحيه، من الأخلاق النبوية، وأنا خجل من أنني ربما أعرضها للهوان والابتذال، لأنني أعلم أن حظها من أكثر القراء لا يتجاوز حد قراءتها، والإعجاب بها، ثم تنسى كما تنسى مواد القانون المنسوخة وشفيعي في ذلك قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}.
كان صلى الله عليه وسلم عائدا بجيشه من بعض الغزوات، فأدركتهم شدة الحر، فتفرقوا في ظلال الأشجار، طلبا للراحة، وقصد الرسول صلى الله عليه وسلم شجرة، علق فيها سيفه ونام
(1/293)

تحتها، فأقبل أعرابي يدعي الغوث من الحارث، فأخذ السيف وأستله وهم بقتله فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم، والرجل على رأسه والسيف في يده، وهو يقول: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله! فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ومن يمنعك مني؟ فقال الرجل: كن. خير آخذ، فتركه وعفا عنه، ولما جاء الصحابة وعلموا الخبر، أرادوا قتله فمنعم صلى الله عليه وسلم، فأسلم الرجل ورجع إلى قومه وحدثهم بما جرى فأسلموا جميعا.
وباعه يهودي شيئا إلى أجل، فجاءه قبل الأجل يتقاضاه ثمنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم يحل الأجل، فقال اليهودى: إنكم لمطل يا بني عبد المطلب، فقام إليه الصحابة، وأرادوا قتله، فمنعهم صلى الله عليه وسلم، فقال الهودي: كل شيء منك قد عرفته من علامات النبوة، وبقيت واحدة، وهي أنك لا تزيدك شدة الجهل عليك إلا حلما فأردت أن أعرفها، فأسلم.
"وهذا سر قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}. وتقاضاه غريم له دينا، فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (مه يا عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر).
وجاءه مال من البحرين، لم يجئه مال أكثر منه فطرحه على حصير، ثم قسمه، فما رد سائلا حتى فرغ منه، ثم جاءه رجل فسأله، فقال: ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه، فقال عمر: يارسول الله، أكلفك الله مالا تقدر عليه؟ فكره النبي ذلك، فقال الرجل: (أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا).
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وعرف السرور في وجهه.
وسأله رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقه.
وقال رافع:- مولى رسول الله عليه وسلم-: نزل به ضيف فقال: قل لفلان اليهودي: نزل بي ضيف فأسلفني شيئا من الدقيق إلى رجب، فقال اليهودي: والله
(1/294)

ما أسلفته إلا برهن، فأخبرته فقال: والله، إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، ولو أسلفني لأديته، فاذهب بدرعي وأرهنه عنده.
وجاء أسامة بن زيد ليشفع في امرأة سرقت، ووجب عليها حد السرقة، فغضب وقال: أتشفع في حد من حدود الله، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
وبعثت زينب بنت الحرث زوجة سلام بن مشكم اليهودي بشاة مسمومة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجيء بها إليه، فاعترفت بأنها أرادت قتله فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك، فقال بعض الصحابه: أفلا نقتلها؟ فقال: لا.
وكان في سفر فأمر أصحابه بإعداد شاة، فقال أحدهم: علي ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال ثالث علي طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم: علي جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: قد علمت أنكم تكفونني، ولكنني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه.
وخرج إلى بئر يغستل عندها، فأمسك حذيفة بن اليمان الثوب وقام يستر رسول الله حتى اغتسل، ثم جلس حذيفة ليغتسل فتناول النبي صلى الله عليه وسلم- الثوب وقام يستر حذيفه عن الناس، فأبى حذيفة وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا تفعل، فابى صلى الله عليه وسلم إلا أن يستره حتى اغتسل.
إن هذا الذي يقضي حياته كلها متحريا العدل والإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه، يقول في حجة الوداع التي ختم بها سفر حياته.
أيها الناس: (من أخذت له مالا، فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا، فهذا عرضي، ومن ضربته ضربة، فليقتص مني قبل يوم القيامة) صلى الله عليه وسلم.
(1/295)

خيار عباد الله
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (أربع من كن فيه، كان من خيار عباد الله: من فرح بالتائب، واستغفر للمذنب، ودعا المدبر، وأعان المحسن).
حقا، إنها لصورة حية لخيار عباد الله، يرسمها رجل من خيار عباد الله.
إن الرجل من خيار عباد الله- عند أبي بكر- هو من اجتمعت فيه أربع خلال كلها تهدف إلى شيء واحد نبيل، هو نفع عباد الله من الجانب الأسمى، وهو الجانب الروحي الديني.
ولا شيء يتقرب به إلى الله بعد توحيده- كنفع عباده، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله"، ولا سيما من ناحية تهذيب طباعهم، وتقويم أخلاقهم، والسمو بأرواحهم، فتلك أكبر ناحية جاء الإسلام لتكميلها، حتى قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
الأولى من هذه الأربع: أن تفرح بالتائب، تفرح بنجاته من سخط الله وتحرره من عبودية نفسه وهواه، وخلاصه من شقاء دنياه وأخراه، وإن في الفرح بالتائب لدليلا على كرم العنصر، وطهارة القلب، وحب للإنسانية وحرص على خيرها وسعادتها، ولا يفرح بالتائب إلا الذي يرى في توبة المذنب أخا جديدا يكسبه ويدخل في خضيرته، ويكثر به عدد إخوانه في الله، كيف لا يفرح المؤمن بما يفرح به ربه؟ ففي البخاري ومسلم والترمذي عن الحرث بن يزيد قال: (قال ابن مسعود رضي الله عنه): سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض
(1/296)

وبيئة مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده شرابه، فالله أشد فرحا بتوبه العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده"
والتوبة مطهر فيجب أن تتجدد كلما تجدد الذنب، فإن تأخرت وجبت التوبة من هذا التأخر الذي يعتبر ذنبا آخر، لأن الذنب إذا ترك بدون توبة، كالوسخ الذي يظهر بالثوب فلا يطهر منه، حتى يكثر ويؤثر في الثوب بالبلى، لأن الذنوب إذا تراكمت على القلب تكون منها غشاء عليه يحول دون إحساسه وتأثره بأدوية القلب، وهو الذي سماه القرآن بالران، في قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
ومن هنا يقول الله- عز وجل-: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
ومن رحمة الله بنا، أننا نذنب فإذا تبنا، تاب الله علينا، فكأننا لم نذنب، كما قال صلى الله عليه وسلم: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" لأن الله لم يجعل من طباعنا العصمة من الخطيئة لأننا لسنا ملائكة، {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} وإنما نحن بشر معنا أهواؤنا وضعفنا، بل إنه صلى الله عليه وسلم يقول: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".
وهنا تأتي الثانية من هذه الأربع: وهي الإستغفار للمذنب، فإن الأخوة الدينية تقتضيك أن ترحم أخاك المريض كما تفرح بأخيك الصحيح، والمذنب هو أخوك المريض الذي ضعف عن مقاومة هواه، فإن هذا أحق بأن يهمك وأحرى بأن تعني به، وإن أقل ما تستوجبه رحمتك بأخيك المذنب أن تستغفر له، كما أن أقل ما تستوجبه رحمتك بأخيك المريض أن تدعو له، وإذا كانت التوبة مطهرا، فإن الاستغفار - كذلك- طلبك من الله تطهير من عجز عن تطهر نفسه، وإن الله قد أباح لنا أن نستغفر لإخواننا، بل إن الإسلام يعتبر الإستغفار عبادة، إذ ليس الإستغفار إلا دعاء، والدعاء مخ العبادة، كما في الحديث، ومن صفات كماله تعالى، أنه غفار يغفر كل ما دون الإشراك به، كما قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}، ولكن حذار ثم حذار من الاقتصار - على الاستغفار، بل تجب مضاعفة الجهد
(1/297)

في إنقاذ الغرقى، غرقى الذنوب والآثام، وإخراجهم إلى ساحل الحياة، بالمواظبة على الإرشاد والتذكير، والإنذار والتبشير.
وهنا تأتي الثالثة من هذه الأربع: وهي دعوة المدبر أن يقبل والمتخلف أن يلحق والمسيء أن يحسن، وهذا أهم جانب في الموضوع، فإن المسلم جنده الله للدعوة وجعلها مناط شرفه ومعقد عزه بمجرد انتسابه إلى هذه الأمة إذ قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فهو لم يقرن بالدعوة غير الإيمان فالدعوة إلى الله والإيمان بالله، شرطان أساسيان لبقاء هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس كما أراد لها الله، وشيئان متلازمان للجندية إلإسلامية الحازمة القوية، ومن هنا نعلم أنه ما أدبر المدبر وتخلف السابق وأساء المحسن وسادت الفوضى في المجتمع الإسلامي، إلا بسبب ما أصاب هذا الجانب الأهم جانب الدعوة الرشيدة الحازمة من ضعف وفتور، بل من موت ودثور، فيجب- إذن- أن نضاعف الجهود لتقوية هذا الجانب وتجهيزه بكل ما يلزم له من أدوات ليقبل المدبر، ويلحق المتخلف، ويحسن المسيء، ويجتمع شمل المجتمع المبدد ويتلاقي قطيعه المشرد، ثم هذا الجانب، فأقبل المدبر ولحق المتخلف وأحسن المسيء، وجب الاحتياط لهذا المطيع والسهر على حفظه ورعايته، حتى لا يشرد مرة أخرى، وهو المراد من الصفة الرابعة والأخيرة لخيار عباد الله، فليس من الحكمة أن تجهد، وتنصب مما تنصب للعثور على ضالتك حتى إذا عثرت عليها وأظفرك الله بها، فرطت فيها وتركتها للضياع مرة أخرى.
وهكذا خيار عباد الله يقضون أعمارهم في نفع عباد الله، ليفوزوا بالكنز الذي لا يفنى وهو محبة الله الموعود بها في قوله عليه الصلاة والسلام-: "الخلق عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله".
فكن- أيها المسلم- نفاعا إنسانيا، ولا تكن إنتفاعا أنانيا، فليس أسمى من رسالة النفع العام، التي جاء بها الإسلام، ولا أحط دركة من الإنتفاعيين الأنانيين الذين لا يحسون إلا بوجودهم، ولا يعملون إلا لحسابهم.
(1/298)

سعة الأفق
لا شيء يقف في طريق النجاح كضيق الصدر، ولذا كان من أعظم ما أمتن الله به على نبيه صلى الله عليه وسلم أن شرح صدره، ليصبر ويتحمل فينجح في مهمته العظمى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، هكذا {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} وأي ذكر رفعه الله كذكره صلى الله عليه وسلم- الذي قرنه الله بذكره، كلما أذن مؤذن، وأقام مصل؟ وأي ذكر، ورفعة قدر، كأن تكون كلمة الشهادة مركبة من جملتين، لا يقبل إسلام أحد إلا بالنطق بهما معا هكذا: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله)؟ وأن تكون هذه الكلمة:- أشهد أن محمدا رسول الله- آخر مما يطبق عليه المسلم فاه، إذا ودع دنياه؟
وإنما رفعة الذكر، وعظم القدر، من انشراح الصدر، الذي أوجد له صلى الله عليه وسلم الأتباع والأنصار، في كل زمان ومكان، ولو كان حرج الصدر، ضيق الأفق، لانفض الناس من حوله، كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، ولكن الله حبا محمد صلى الله عليه وسلم- من سعة الصدر ما جعل سبعمائة مليون من المسلمين (1) تهتف باسمه في كل يوم خمس مرات.
وإن الله إذ يمن على محمد صلى الله عليه وسلم سعة قلبه، ورحابة صدره، ليلفت نظرنا إلى أن أصحاب الدعوات، وقواد الحركات، لا يحتاجون إلى شيء كما يحتاجون إلى صدر رحب وقلب كبير، يسع الناس جميعا، وأي دعوة أضخم وأوسع، وأي عبء أثقل وأفدح كالرسالة؟ ولا سيما إذا كانت عامة كرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) كان هذا العدد منذ 26 سنة.
(1/299)

وقد أدرك موسى- قبل محمد صلى الله عليه وسلم - عظم التبعة التي ألقيت عليه وخطورة المهمة التي كلف بها، فسأل ربه أن يعينه عليها وييسرها له بانشراح الصدر، وأتساع أفق النفس: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي .. } وإنها لدعوة شاملة تتجة كلها في خط واحد: إلى ما يعين على القيام بهذا العبء الباهض: قوة جنان، وفصاحه لسان، ومستشار ناصح من الإخوان، إن هذه الأدوات ما اجتمعت لدعوة من الدعوات، إلا كان النصر حليفها، والفوز أليفها، وحبات القلوب تنجذب إليها.
وقد استجاب الله لكليمة دعوته، وآتاه بغيته، يشهد لذلك الواقع التاريخي الذي لا يكذب، إذ أظهره الله على ذلك الطاغية الجبار الذي لم يعرف مثله تاريخ البشرية الطويل، وهو فرعون الذي لم يجد ما يرضي طموحه، ويشبع غروره، إلا أن يرتفع فوق مستوى البشرية ويدعي الربوبية ويقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}، بل لا يرضيه إلا أن ينفي الربوبية عن غيره ويدعي انفراده بها ويقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}، كبرت كلمة، وعظمت فرية.
كما يدلنا منطق الآية الصريح إذ يقول- بعد الآية المتقدمة-: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى}.
إذن هذا هو السلاح، إنه الصبر في دنيا الكفاح، إنه سعة الصدر، ورباطة الجأش، وثبات القدم، إنه قوة الإيمان، ونصاعة البيان، وفصاحة اللسان، وهذا ما يريد الإسلام، أن يسلحنا به من إيراد قصة موسى عليه السلام، وهو ما تقوم عليه دعوة جمعية العلماء، بهذه الديار.
إن دعوة جمعية العلماء- سدد الله خطاها- تقوم على تكوين مجتمع إسلامي أصيل يتسلح أفراده بالعقيدة الصحيحة، والخلق النبيل، وتترابط أجزاؤه بالتضامن والتشاور، وتتعامل أسره وطبقاته، بالحب والتآخي، وحسن الجوار، وبذلك تصبح الأمة وحدة قوية متماسكة، تصمد لعوادي الزمان، ونبوات الظلم والطغيان، فموسى لم يتغلب على فرعون بقوة جند أو سلاح، وإنما تغلب عليه بمثل هذا السلاح.
(1/300)

وجمعية العلماء- لرشدها- تؤمن بأن استقلال الشخصية، أولى الخطوات في طريق الإستقلال، لذلك تعطى لمقومات الإسلامية أكبر اهتمامها، ولا تقيم أي وزن لاستقلال لا تصلا إليه الأمة إلا بفقدان شخصيتها، واندماجها في غيرها، وإنما هي تقيم استقلالها على الأسس الصحيحة للشخصية الإسلامية من لغة ودين وتاريخ وعادات.
وبعد، فلا ننسى مما صدرنا به الفصل، من أن انشراح الصدر، خير نعمة وأفضل أداة للنجاح في الحياة، وإذا كانت الحياة الرخية السخية لا تتم إلا بالتعاون، فإن انشراح الصدر من أفضل الوسائل لكسب الأعوان والأنصار بل ما تزال سعة الصدر توسع دائرة الأصدقاء وتكثر عددهم، حتى تكتسح كل شبح للعداوة، ولا يبقى يرف في الأفق إلا روح الصداقة الكاملة، والأخوة الشاملة، وذلك ما يهدف إليه الإسلام في تعاليمه السمحة السامية، وعندما يبلغ العالم هذه الغاية ستطيع أن نقول: إن الإنسانية بلغت رشدها، وقضت من الحضارة وطرها ..
فليتذرع المسلم بهذه الوسيلة، إلى غايته النبيلة، وليتذرع بهذه العدة فهي- وحدها- بكل خير كفيلة، وليتخلق بسعة الصدر، ومرونة الخلق، إن أراد أن تكثر أعوانه، ويلتف حوله إخوانه، وينتفع بما ورد: (من نعم عوده، كثفت أغصانه)، وما أحكم ما فاه به الإسكندر - عندما قيل له-: بم نلت هذه الملكة العظمى- على حداثة سنك- إذ قال: نلت ذلك باستمالة الأعداء، وتصييرهم بالبر والإحسان أصدقاء وتعاهد الأصدقاء بأعظم الإحسان وأبلغ الإكرام.
وإذا كانت في التخلق بهذا الخلق ما يشق على النفس، فلنذكر المثل الحكيم:
(لن تنال ما تحب إلا بالصبر على كثير مما تكره).
(1/301)

الأخوة
لابد لهذا المجتبع الإنساني (تلك الأسرة الكبيرة المتشعبة) من روابط قوية تؤلف بينها، وتمكنها من تعاونها من لغة، ودين، ووطن، ومصاهرة، وأخوة، الخ .. ، وقد راعى الإسلام كل هذه الروابط ومكن لها ودعا إليها، وحث عليها، لأنها تعين على تحقيق ما جاء به من جعل الناس- بالتآخي والتآلف والتعاون- أسرة واحدة، ومن هنا كانت رسالة الإسلام عامة.
والذي يعنينا- هنا- من هذه الروابط، هو الأخوة، إذ هي التي كاد يطويها الزمان، ويعفى عليها ذيل النسيان، مع أن الإسلام قد اعتبرها الرابطة العامة، والجامعة الكبرى بين أبناء الإسلام، إذ قال- تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} بل، إن هذا التعبير بأداة الحصر هكذا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} يؤدي أكثر من ذلك، إذ ينفي ويمنع أن يكون المسلم غير أخ للمسلم.
وللأخوة الإسلامية فوائدها وثمراتها، والحديث الصحيح يتكفل ببيان ذلك إذ يقول: "المؤمن كثير بإخوانه" وإذ يقول: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة".
إنه- صلى الله عليه وسلم- يريد أن الإسلام يجعل من الأخوة قوة أي يجعل من القلة كثرة، ومن الفرد جماعة، وينقل قلة الفرد، إلى كثرة الجماعة، ذلك لأن الأخوة تجعل الأخ لا يظلم أخاه ولا يسلمه، بل يعينه ويحترمه، كما في الحديث
(1/302)

المتقدم،- وإذن- فالوحده التي هي دعامة القوة، أساسها تحقيق معنى الأخوة، ومن هنا باء بالخيبة والفشل هؤلاء الذين بحت أصواتهم في الدعوه إلى توحيد كلمة الأمة، وجمع شتاتها، قبل تحقيق الأخوة بين أفرادها، لأنهم يبنون على غير أساس، كيف تتحد الآراء، وقد تنافرت القلوب؟
وقد نجح الإسلام في توحيد المسلمين، لأنه وحد- قبل ذلك- قلوبهم برباط الأخوة الإسلامية التي أقام أساسها على صخرة صلبه تنبو المعاول عنها، وهي تقوى الله، والحب في الله،: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}، {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}، {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}.
إن هذه الأخوة- أخوة الروح لا الجسد، وأخوة الدين لا الدنيا، وأخوة في الله، لا في المصلحة- التي ربط الإسلام بها ما بين القلوب- لو بقيت للمسلمين لبقي لهم كيانهم وسلطانم، ولكن هذه الأخوة تبدد شملها، ودالت دولتها، وخلفتها أخوة المصالح والأغراض، وأخوة الكاسات والخليلات، تلك الأخوة التي يتباهى بها الشاعر الماجن إذ يقول:
فإن يشرب أبو فروخ أشرب … وإن كانت معتقة عقارا
وإن يأكل أبو فروخ آكل … وإن كانت خنانيصا صغارا
والتي يحدثنا عنها التاريخ إذ يقول:
ولي خالد بن عبد الله بن إبي بكرة قضاء البصرة، فجعل يحابي فقيل له في ذلك فقال: وما خير رجل لا يقطع لأخيه قطعة من دينه.
تلك الأخوة التي يعصى بها الله ويطاع الشيطان، والتي تفرق أكثر مما تجمع، والتي يقضى عليها حياته أكثر شباب اليوم.
ولله در ابن المقفع إذ يقول: أبذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحيتك، ولعدوك إنصافك وعدلك، وصن بدينك وعرضك عن كل أحد.
(1/303)

أيها المسلم: إنه لا بد لك في هذه الحياة الطافحة بالمصائب والويلات من أخ تبثه شكواك، ويعينك على بلواك، فاختره من ذوي الدين والمعرفة، ومن أهل الصدق والمروءة، من مثل أولئك الذين عناهم الشاعر بقوله:
إن أخاك الحق من كان معك … ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الرمان صدعك … شتت فيه شمله ليجمعك
فإذا ظفرت بهذا الأخ فحافظ عليه، واحذر أن يفلت من يديك، فقد قيل: أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم، والرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال، ولله در القائل:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة … ولكن إخوان الثقات الذخائر
وإياك ان تصحب كل من سرك لقاؤه، وأعجبك كلامه، فكثيرا ما سر المظهر، وساء المخبر، وفي الناس المنافق، وذو الوجهين، ولا سيما في هذا العصر المادي، وإن الإخوان- كما قال المأمون:- ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليه إلا أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
وإذا تطلعت نفسك إلى المثل الأعلى للصديق، فاقرأ الأمثلة التالية:
قال محمد الباقر، لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدراهم والدنانير؟ قالوا: لا، قال: فلسم إذن بإخوان.
وقال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئم: رجل بدأنى بالسلام، ورجل وسع لي في المجلس، ورجل اغبرت قدماه في المشي إلي، إرادة التسليم علي، فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجل، قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي.
ولما طلب عبد الحميد بن يحيى الكاتب (كاتب مروان- آخر خلفاء بني أمية) حين تغلب بنو العباس عليهم-،كان صديقا لابن المقفع- فاجأهما الطلب وهما معا في بيت، فقال الذين كلفوا بالقبض عليه: أيكما عبد الحميد؟ فكل واحد منهما قل: أنا- خوفا على صاحبه- وخشي عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع، فقال: ترفقوا
(1/304)

بنا فإن كلا منا له علامات، فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر، ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم، ففعلوا، وأخذ عبد الحميد.
(1/305)

هل نضب معين الرحمة؟
كان يوم الأحد- السابع والعشرون من فبراير- وهو آخر أيام الشتاء- يوما عبوسا قمطريرا - اشتد برده، وهطل مطره، وتلبد غيمه، وتسمم جوه، كأن الشتاء الذي لم يبق له من عمره إلا هذا اليوم ثم يقضي نحبه ويلفظ آخر أنفاسه، أراد أن يجمع في مرحلته الأخيرة كل ما فاته في هذا العام من هجماته القاسية، وضرباته القاضية، حتى وجدتني مضطرا للبقاء في المنزل.
وأتاحت لي عزلتي وفراغي، أن أفكر في أشياء كثيرة- وليس الفراغ شرا كله- وقلت: ها أنا الآن في بيتى، مجتمع الشمل بأسرتي، وبين يدي موقد فحم ادفع به غائلة البرد الشديد، وأتقي مفعول الرطوبة المبيد، لا يمسني سوء، ولا ينالني مكروه، من هذه المعركة الدائرة رحاها خارج منزلي، بين الطبيعة، وبين من ساء حظه من أبنائها، فليت شعري، ما حال ذلك الكائن الحقير، الذي يسمونه الفقير؟ وسرعان ما مرت بذاكرتي صور مختلفه متلاحقه، وكان أول ما تمثل لي منها منظر حمالي سوق الخضر، وهم يتلقون ضربات المطر، بأجسام ضاوية، تخرقت عنها أسمال بالية، ومن فوقها السلال الكبيرة الملآى تكاد تعقرها، بحملونها ويسرعون بها إلى السوق على طريق تلبد فوقه الوحل الذي قلما ينجو الماشي عليه من الانزلاق، في مقابل أجز زهيد لا يكاد يسد رمق أطفالهم، الذين ينتظرون عودتهم بفارغ الصبر، قبل أن يهلكم الجوع، الذي لا يرحم.
ثم منظر أولئك الذين يفترشون الثرى، ويلتحفون السماء، دون وطاء ولا غطاء، ويبيتون للعناصر الهوجاء، تفرى جلودهم وتمزق جسومهم وتخدر أعصابهم وتجمد الدماء
(1/306)

في عروقهم، وإذا استغاثوا أغيثوا بهمسات إبليس في أذن البوليس، ليعطف عليهم بركلات، تزيحهم عن الطريق، وتلف بعضهم ببعض، ولا أنسى- ما حييت- ما لفت نظري بين هؤلاء بصفة خاصة من مشهد تلك الأم التعسة التي أحاط بها أربعة كزغب القطا، وقد بدوا- وهم عراة- كأنهم قطع من اللحم قد صبغت بلون أزرق، إذ ظهر أثر جمود الدم في شرايينهم، زرقة على أبدانهم، ولكن الذي لا أنساه أكثر من كل شيء- هو تلك الكلمة التي سمعتها من أحد المارة- وقد آني أحدق- شاود النظر، ذاهل اللب- في هذا المشهد المؤثر (المخجل) فقال لي- بكل وقاحة-: لا يهمك أمر هؤلاء، فليسوا غير تجار فجار، فكأنما طعنت في قلبي بخنجر مسموم، وما تمالكت أن قلت: هؤلاء أيضا تجار قد استولوا على أموالكم؟ ألا ما أربحها تجارة، وما أعلمكم بالتجار الحقيقيين الذين استغنوا على حسابكم، وسلبوكم خيرات بلادكم، أما كفاك ما يتمرغ فيه هؤلاء من تعاسة وبلاء، حتى تطعنهم هذه الطعنة النجلاء؟ لله درك من فيلسوف خطير!
أما صورة أولئك الطوافين والطوافات على المزابل والكناسات، وصناديق القمامات، فكانت آخر الصور تمثلا لخاطري، ومرورا بذاكرتي لأنها- لكثرة مما نشاهدها في عالم الحس- أصبحت مألوفة لنا، لا تثير عجبا، ولا تلفت نظرا.
أيها المسلم: هذه هي الحال السيئة التعسة الشاذة، التي تعيش عليها الآلاف بل الملايين من أبناء دينك ووطنك، فإن كان لك إيمان، فيجب أن تكون لك غيرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم- الذي آمنت به، يقول: "لا إيمان لمن لا غيرة له"، وإذا كنت تنام قرير العين، لأنك تتمتع بفراش وثير، وغطاء كثيف، ومسكن صحي نظيف، فاذكر أولئك البؤساء التعساء من إخوانك في الدين والوطن، الذين لا يذوقون للنوم طعما، لأنهم لا يتمتعون بما تتمتع به، وإنما تبيت سياط البرد تلهب أبدانهم الهزيلة العليلة، فإن كان لك إيمان، فاذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم- الذي آمنت به-: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وإذا جعل الله ما توقد من نار، تذكرة بنار أشد منها، كما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} فإن هذا البرد الشديد يجب أن يذكرك ببرد أشد منه وهو الزمهرير الذي إذا استغاث أهل النار من النار،
(1/307)

أغيثوا به، فيكون ما يلقونه منه أشد عليهم من النار، فيطلبون أن يعودوا إلى النار، فاقتصد قليلا من كمالياتك فقط، لتقوم بواجب الشرف، كما قمت بواجب الجسد، ولتشارك في رسالة النفع العام، ولا يكن همك بطنك وحده، فذلك حظ السوام والأنعام، وحظ الذين كفروا بنعم الله كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}.
فلا جرم كان عمر رضي الله عنه، يأخذ درته، ويذهب إلى سوق اللحم، فمن رآه يشتري اللحم يومين متواليين ضربه بالدرة، وقال له:
"هلا طويت بطنك لجارك وابن عمك؟ ".
(1/308)

فروق ...
كتب إلي أحد الموظفين يثني على هذه الفصول ويلاحظ علي أنني أقحمته- أو أدمجته- في الموظفين ولم أستثنه من بينهم- في فصل (حسن التوجيه) إذ يرى أنه- وإن كان موظفا بالاسم والشكل- متميز عن الموظفين بيقظة الشعور وسلامة الطوية وحسن السيرة.
وجوابي إليك وإلى أمثالك ممن امتازوا امتيازك- أيها الموظف الممتاز- أنني- أولا- تحريت الدقة في هذا الموضوع ولم أعمم، بل التزمت القصد إذ قلت- عن الفقيد الرئيس-: لو كان موظفا لربما كان (كأكثر) هؤلاء الموظفين ... فكلمة (أكثر) تخرجك وتحرج أمثالك من هؤلاء الذين لا يهمهم إلا ما يتقاضونه- في نهاية كل شهر- على وظيفة لم يرشحم لها أنهم أحق بها وأهلها، بل لم يرشحم لها إلا عكس ذلك تماما وهو ما يجرح ويقدح فيها، ويعين على القضاء عليها والتخلص منها، هذا إذا كنت كما ذكرت لا ينطبق عليك ما عليه زملاؤك الموظفون، أما إذا كنت عبد الوظيف وعبد الدينار والدرهم، فمكانك من هذه (الأكثرية) لا أستطيع أن أزحزحك عنه لا أنا ولا أي شخص آخر، وإنما أنت وحدك الذي تستطيع أن تفعل ذلك.
ثانيا- إن الوظيف- من أصله طوق من ذهب، يغري بلمعانه البسطاء الأغرار ولكنه يستعبد الأحرار، فمنذ كان الوظيف وقبل أن تعرف الدنيا بلاء الاستعمار، وهو ذلك المخدر القوي الذي يشل الأعصاب عن الحركة، ويكم الأفواه عن النطق، ويحرم صاحبه نعمة حرية الرأي والعقيدة، وفضيلة مقاومة المنكر ومحارلة البغي والعدوان وهذا ما جعل أحرار الفكر، وأحياء القلوب، يعافونه ويتحامون الوقوع في شركه،
(1/309)

ويربأون بأفكارهم أن تقيد، وبضمائرهم أن تخدر، وبدينهم تعبث به الأهواء، ويتعرضون في امتناعهم من قبول الوظيف لألوان من البلاء: من سجن وضرب بالسياط، وإحراق للمنازل:
عرض أبو جعفر المنصور القضاء على أبي حنيفة الإمام، فلم يقبل، فضرب مائة سوط حتى تفصد دمه وسال على عقبيه، فقال للمنصور، عمه عبد الرحمن علي بن عباس: سللت على نفسك مائة ألف سيف، هذا فقيه أهل العراق، فقيه أهل المشرق، فأمر له أبوجعفر بثلاثين ألف درهم- كالتعويض عن إساءته إليه- فلم يقبلها، فقيل له: لو تصدقت بها، فقال: أيوجد عندهم الحلال؟ ذلك لأنه يذكر قوله في هذا الباب: (من جعل قاضيا فهو كالغريق إلى متى يسبح وإن كان سابحا؟).
واستقضى عبد الله بن وهب، فدخل داره وأغلق بابه فهدم عليه بعض داره، فبصر به أسد بن سعد- وهو يتوضأ في صحن الدار- فقال له: ألا تخرج إلى الناس فتقضي بكتاب الله، وسنة رسوله؟ فرفع رأسه وقال: إلى هنا انتهى عقلك؟ أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء، وأن القضاة يحشرون مع السلاطين؟
وقال الإمام سحنون: (ما أشقى المفتي والحاكم ... ها أنا ذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب، وتوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيا؟).
وفرق كبير بين من يعرض عليه الوظيف، وبين من يعرض نفسه على الوظيف، ويتوسل إليه بعمل غير شريف، بل إن الإسلام لا يخول الوظيف من يطلبه، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما: "يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر، مثل ذلك، فقال: إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا حرص عليه" وعن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".
وهل موظفوا اليوم قائمون بحق هذه الأمانة مؤدون لما عليهم فيها؟ أم أن الأمر من مضحكات المتنبي إذ يقول في مصر عندما رآى ملكها عبدا (على عهد كافور الإخشيدي)
وكم ذا بمصر من المضحكات … ولكنه ضحك كالبكاء
(1/310)

حقا، فشر المصائب ما يضحك كما يقول من قصيدة أخرى.
ثالثا، نحن لا يهمنا هؤلاء الموظفون الذين بادروا بوضع هذا الغل في أعناقهم، ولم يفكروا في عاقبة أمرهم، فإن الكلام معهم لا يجدي ولا يأتي بفائدة، بل هو مضيعة للوقت الثمين، إذ لا يستطيعون اليوم أن يتخلوا عما ألفوه من هذه العيشة الناعمة الخاملة والمبالغ المالية الطائلة، وإنما يهمنا من بقي بعد لم يوضع الطوق الدهبي في عنقه، يهمنا الجيل الجديد الذي تنتظره أمته بفارغ الصبر، والذي رأيناه أخذ يتهافت على هذا الباب تهافت العصافير على حبة القمح التي تخفى تحتها الموت الزؤام في الفخ الذي أعد لاصطيادها، ولعل هذا ما حدا بالفقيد عبد الحميد أن يورد كلمة أستاذه: (يا عبد الحميد إياك والوظيف).
(1/311)

لنتطهر
أخشى- أكثر ما أخشى- قوله عليه الصلاة والسلام-: "كل لحم نبت من حرام، فالنار أولى به".
فأي بطن خلا من الحرام، في هذا العصر الذي عم فيه الحرام، وعطل فيه العمل بالإسلام، وأصبح الربا هو النظام الاقتصادي العام، يعيش عليه الخاص والعام؟ فمن لم يتعاطه مباشرة، تناوله من وظيفته أو من شركته، أو مما يوفره من مرتبه ويودعه المصرف أو دار البريد، وهل قوله- عليه الصلاة والسلام: "كل لحم نبت من حرام، فالنار أولى به"، إلا قبس من قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا)؟ وهل اللحم الذي ينبت من الحرام، إلا كالنبات الطفيلي الخبيث الذي يعوق الزرع النافع الطيب عن النمو والاكتمال والاستواء، يجب أن يستأصل وتطهر منه الأرض التي اعدت لأطيب الزرع، وأنفع النبات؟
ثم إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال- تعالى-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} الآية، وقال- تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟؟ " ولما تليت هذه الآية-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا}، قام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني مستجاب
(1/312)

الدعوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه، ما يتقبل الله منه عملا أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من سحت، فالنار أولى به، وقال ابن عباس رضي الله عنه: (لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام)، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام، لم يتقبل الله له صلاته ما كان عليه، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال: صمتا: (أصابهما الصمم) إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج.
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز (الركاب) فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، وزادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور، غير مأزور، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور.
ومعنى أن الله لا يستجيب لنا أنه يقطع صلته بنا، وفي هذا ما فيه من شقاء دنيانا وأخرانا، وهل معنى عبادتنا إياه بصلاتنا وصيامنا ونحوهما إلا السعي وراء ما يقوي صلتنا به فيهبنا ما به صلاحنا وفلاحنا وإذا لم يقبل دعاءنا، لم نكن على ثقة من قبول سائر عباداتنا، فالدعاء ليس إلا نوعا من العبادة بل هو مخ العبادة، كما في الحديث. وإذن فأكل الحرام لا يرد الدعاء فقط، وإنما يرد كل ما نقرب به من أنواع الطاعات والعبادات لأن الله طيب، لا يقبل إلا طيبا، وإذا كان غذاؤنا حراما، فمعنى ذلك أننا نبتنا من حرام، والنبات الخبيث لا يثمر إلا خبيثا، والله تعالى يقول: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} بل يقول: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}.
فإذا أردنا أن نتطهر، فأول ما نبدأ به أن ننتقي الغذاء الطاهر والمطعم الطيب كي نوجد المنبت الطيب للأعمال الطيبة، ثم نتطهر من الذنوب السالفة، بالتوبة، ومن الحاضرة بالإقلاع ومن الآتبة بالتوقي والإبتعاد، فإذا صدر منا بعد ذلك عمل أو
(1/313)

دعاء كان صادرا من قلب طاهر، فكان جديرا بالقبول من الله عز وجل، قيل لسعد بن أبي وقاص- وكان مجاب الدعوة- تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما رفعت إلى في لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت.
فإذا لم نفعل فلا نطمع في قبول دعوة أو عبادة، قال مالك بن دينار: أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا، قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدا.
نحن ندعو الإله في كل كرب … ثم ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابة لدعاء … قد سددنا طريقه بالذنوب؟.
(1/314)

التقوى هاهنا
قال لي أحد الإخوان: إن من يقرأ عنوان مقالك (لنتطهر) يشعر بأن سيقرأ مقالا في التطهر من الذنوب عامة، ولكنه يخرج بكلام في الربا وحده.
قلت له: وأي ذنب كالربا أولى بأن نبدأ به ونجعله الحلقة الأولى لسلسلة تتناول أشياء كثيرة يجب أن نتطهر منها؟
وإن أكل الحرام أول شيء يجب أن نتطهر منه، ولا غرابة في ذلك فقبل بذر الحب يجب إعداد الأرض للزرع، وقبل الصلاة- التي هي تطهر قلب- يجب الوضوء- الذي هو تطهر بدن- ولكن هذا البدن المتنجس بالغذاء الحرام، لا يفيد فيه الوضوء قبل أن يتطهر من الغذاء الحرام، والربا هو الحرام الذي عمت به البلوى، والسحت الذي نبت منه- اليوم- كل لحم، والذي يقول صلى الله عليه وسلم- في مدى خطره-: "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"، ولا يصرفنا عن التعرض لهذا المرض أن الأكثرية الساحقة من الأمة قد أصيبت به، بل إن المرض العام والأكثر انتشارا هو الذي يجب أن يلفت الأنظار، وتتظافر- لمقاومته- الجهود.
نحن- اليوم- ويا للأسف.- نسبح في خضم متلاطم الأمواج من الذنوب لأننا نعيش في بيئة، أقل ما يقال فيها: أنها بيئة ذنوب، والوازع الديني فيها والخلقي، فقد كل ما كان له من تأثير وسلطان على النفوس وما أسرع فشو الذنوب في بيئة فقدت وازع الدين والخلق، فهناك أشياء في قانون الدين والخلق، تعين على تضييق دائرة الذنوب أو تقضي عليها من أصلها، وتأتي على بنيانها من القواعد، خلت منها بيئتنا منذ خلت من الوازع الديني والخلقي، كالغيرة والحياء، اللذين طالما وقفا سدا منيعا في
(1/315)

طريق الذنوب، وتمثلا حارسا قويا لضعاف القلوب، يهم الفتى أو الفتاة بالفاحشة، فسرعان ما يستيقظ بين جوانحهما عامل الغيرة، الغيرة على رأس المال الحقيقي، الذي هو الشرف، الذي ميز الله به الإنسان عن الحيوان فإذا لم يستيقظ عامل الغيرة، أو استيقظ ولكنه لم يقو على المقاومة والوقوف في وجه التيار، استيقظ عامل الحياء والخوف من الفضيحة وذهاب هذه الذخيرة الغالية، التي تسمى الشرف، ضحية شهوة تفنى ويخلد عارها.
ولكن، أين الغيرة والحياء اليوم؟ لقد تقلص ظلهما، واختفى شبحهما، منذ زمن بعيد، وحل محلهما النظام الغربي الجديد الذي لا يقيم للوازع الديني والخلق وزنا، والذي يرى أن الغيرة ضيق أفق، والحياء جمود فكر، وأصبحنا نرى الشاب المسلم يغار على شعره أكثر مما يغار على أهله، ويستحي من دخول المسجد، ولا يستحي من دخول دور اللهو والعبث والفسق والفجور، ونرى الكواعب الأبكار قد خلعن العذار، وهجرن الديار، وبرزن في كل ميدان واستسلمن إلى كل تيار، وتجردن من كل ما يسمى غيرة أو حياء، وتجاهلن كل اعتبار ..
إن موت الغيرة والحياء ساقنا إلى الدمار، وجلب كل عار، وحسبنا خزيا أن لحوما كثيرة في مجتمعنا نبتت من حرام، وليس لذلك من سبب إلا انطفاء نار الغيرة، ونضوب ماء الحياء اللذان سببا اختلاط النساء بالرجال، فجاء من هذا الإختلاط الحرام، نبات (نبت) من حرام.
إنه لو بقيت الغيرة والحياء، لما عرفنا هذا البلاء، ولكن كيف تبقى الغيرة أو الحياء، وهما من الإيمان؟ والنبي صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا إيمان لمن لا غيرة له"، كما يقول: (الحياء من الإيمان)، بل يقول (قلة الحياء كفر)، والإيمان قد خلا مكانه من القلوب، فما بقاء الفرع، بعد ذهاب الأصل؟
إنه لو بقي في القلوب إيمان، لبقي السلك الكهربائي الذي يصل ما بين القلوب، فإذا خوطبت بالأمر والنهي ومست بالكلام المثير، تحرك فيها ذلك السلك الكهربائي، فاهتزت واستيقظت واتجهت في طريق الرشد والسداد.
إن للحياة مصدرا هو القلب، وإن صاحب القلب الميت لا ينتفع بالأمر والنهي، فلا عجب أن نرى القرآن- كتاب التوجيه الخالد- لا يوجه نداءاته إلا للقلوب
(1/316)

الحية التي تعي ما يوجه إليها من تذكير وإنذار: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا}، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}، {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ}.
والمراد بالعمى، عمى القلوب، وهو موتها وذهاب نزرها، {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
فلا غرو- بعد ذلك- أن يجعل نبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام- هذه القلوب الواعية المستيقظة الحية، الموطن الأصلي والمصدر الحقيقي للتقوى، إذ يقول: "التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا)، ويشير إلى قلبه.
ولكن لا بأس، فالمسلم لا يدين باليأس، {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، وما دام المسلمون ممسكين بخيط- ولو كان ضعيفا واهيا- من الإيمان الذي هو حبل الإنقاذ والهداية، فإن العاقبة لهم بحول الله.
{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
(1/317)

من هنا نبدأ
بينما كنت أجوب شوارع العاصمة، في أمسية حالمة- وأنا أفكر فيما يجب أن نتناوله من (عملية التطهير) التي دعوت إليها في (نفس هذا المكان) من الأسبوع الماضي- إذ مررت بمقهى مزدحم بالنالس وهم مكبون على موائد النرد والووق في نهم شديد، وصخب بالغ، وضوضاء تصم الآذان، فتأملتهم وتفرست وجوههم، فإذا هم شبان، من أبناء البلاد، وأحفاد العروبة والاسلام، وإذا بي أقف فجأة كأن قدمي سمرتا أو قيدتا أو اعترض وجهتي سد منيع، وقلت: من هنا نبدأ، فقد عثرت على ضالتي، وإن غصصت بريقي، وشرقت بدمعي، وليسمح لي القراء، بإرجاء ما وعدتهم به إلى فرصة أخرى.
فهؤلاء الشبان- الذين يذوون زهرة شبابهم، ويبلون غض إهابهم، في عبث لا طائل تحته هم عماد الأمة، ورأس مالها، وزهرة أملها، وثمرة مستقبلها، وإذا تركوا هكذا، قضوا على أملها، وجنوا على مستقبلها، وعجلوا بشر مآلها، وحضور أجلها- لا قدر الله- هؤلاء الشبان يجب أن ننقدههم من هذه البيئة الفاسده التي تقضي على البقية الباقية من تراث العروبة والإسلام، ونستبدلهم بها بيئة صالحة طاهرة ينمو في ثراها عنصر الدين والخلق والعزة والشرف، يجب أن ننقلهم من بيت الشيطان إلى بيت الله، يجب أن نخرجهم من المقهى وندخلهم إلى المسجد، يجب أن نطهرهم سريعا، وإلا قضت عليهم الجراثيم المبيدة سريعا.
ولكن كيف السبيل إلى هذا؟ ومن أين الوصول إلى هؤلاء؟ إن الدرس والخطبة في المسجد والمدرسة، لا في الشارع والمقهى، وهؤلاء منقطعون الصلة بالمسجد والمدرسة
(1/318)

وصوت الواعظ أو الخطيب لا يبلغ هذه السراديب، وإن النور والهواء لفي القمم الشماء لا في أعماق الأرض وباطن الثرى، وبينما أنا أفكر في حل لهذه العقدة، قدحت في خاطري فكرة، إذ ذكرت قوله- عليه الصلاة والسلام-: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ولكن أين الشاهد من الشبان الذي يبلغ الغائب منهم في أوكار الشيطان، فإنه لا يؤثر في الشاب إلا شاب من طبقته، ولم أيأس، وواصلت التفكير والبحث عن الرائد الصالح، للشباب الطالح حتى انتهى بي المطاف إلى بيت الله، ولما فرغت من الصلاة التفت حولي، أرتاد الرائد وأبحث عن الشاهد الذي يبله الغائب، إذا بالحال غير الحال والناس غير الناس، وإذا بصفوف المصلين تتألف أكثريتها من (الشبان المسلمين) فقلت الآن، آن الأوان لبعث المسلمين وعودة الأمة الإسلامية من جديد، فإن الله أناط حياة كل أمة بحياة شبابها، وإذا بي أنشد من غير شعور، قول أبي العتاهية:
"روائح الجنة في الشباب"
وقلت: الآن وجدت الشاهد، الذي يبلغ الغائب، فليقم هؤلاء الشبان بإنقاذ من بقي لهم من الإخوان، وإبلاغهم ساحل الأمان، ولكن لأمر ما خطر ببالي قول القائل:
ولا ينفع الجرباء قرب صحيحة … إليها، ولكم الصحيحة تجرب
وخفت على هذا الفريق أن يغرق في سبيل إنقاد الغريق، خوف التاجرا الحريص على رأس ماله المحقق، أن يذهب في سبيل طلب ربح غير محقق ولكن لا، فالخوف آفة النجاح والعقبة في سبيل كل تقدم، كم شل من حركة وقاد إلى تهلكة وأن زين لأصحابه أنه ينجيهم من التهلكة، والجبان مقتول بالخوف، قبل أن يقتل بالسيف.
فيا أيها الشبان! أذكروا نعمة الله عليكم إذ هداكم للإيمان، واشكروه بإنقاذ من بقي لكم من الإخوان، حليف الشيطان، فأنتم في الأمة، تناط بكم كل مهمة، واذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"، احملوهم- قبل كل شيء- على الحضور إلى المسجد، فإنه (المطهر) وإن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، وإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقي من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقي من
(1/319)

درنه شيء، قال: فكذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا"، فإن لم تستطيعوا أن تحملوهم إلى المسجد، فاحملوا إليهم صوت المسجد.
(1/320)

الجهل بالدين
يجب أن نتطهر من الجهل ونتخلص من قيده الثقيل، ولا سيما الجهل بالدين الذي وقف حائلا قويا دون الانتفاع بكنزنا الثمين، وكم صادفني في هذا الباب، من عجب عجاب، رأيت بعض الناس يحسبون أن الدين هو مجرد هذه الركعات التي يؤدونها بشعور غاف، وقلب غافل، وحركات سريعة خاطفة كحركة الآله الدائرة والتي يصدق عليها وصف النوع الثاني في قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها وسجودها، قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، فتلف كما يلف الثوب الخلق (البالي) فيضرب بها وجهه" هذا الضرب من الناس يرى أنه بمحافظته على مثل هذه الصلاه قد حافظ على الدين كله، ولكن هذا الدين الذي يتمثل في هذه الصلاة الهزيلة سرعان ما يختفي شخصه ويتقلص ظله عندما يتعرض لصاحبه، فقير معدم يسأله ما يسد به خلته ويكسر به حدة جوعه، أو مندوب لمشروع إسلامي يحتضر يدعوه للمساهمة في إنقاذه، أو يمر بمنكر يرتكب، أو حرمة من حرمات الله تنتهك، هذا إذا الم يقتحم هو نفسه المعركة، فيأتي ما يأتي من منكر، ويرتكب ما يرتكب من إثم، جاهلا أن الصلاة مطهر لأنها صلة بين العبد وربه، ولأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، إذ أن لكل عمل ثمره وهيهات أن تكون صلتنا بربنا، خالية من أي ثمر إلا هذه الحركات الآلية، وإلا:
" فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟ "
بل إن هذه الصلاة كانت وما زالت عند كثير من الناس شبكة اصطياد ووسيلة
(1/321)

استرزاق، وأداة خداع، وجسرا للأطماع، وبدأ ذلك منذ بدأ النفاق، والناس منذ القدم- ينخدعون للمتجرين بالدين، فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان لا يعجبه شيء من ماله أو عبيده إلا تقرب به إلى الله عملا بقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، فعرف منه عبيده ذلك فأخذوا يحسنون من سمتهم ويجتهدون في عبادتهم (ويسبقونه إلى المسجد) طلبا للحرية الغالية، فكان ابن عمر يعتق كل من أعجبه دينه من عبيده، فقال له بعض أصحابه: إنما يقومون بذلك خداعا لك لتمن عليهم بالعتق فقال: (من خدعنا بالله انخدعنا له).
وإن الناس لو تطهروا من الجهل وأدركوا حقيقة الصلاة وفهموا معنى ركوعها وسجودها وما يتلى فيها من كلام الله لانتفعوا بالصلاة ولنهتهم عن كل ما يسخط الله، أو لاتحدت صفوفهم خارج الصلاة كما اتحدت صفوفهم في الصلاة.
وأعجب من هذا الضرب ما سمعته من ضرب آخر من الناس، من أن الدين مجرد أخلاق، نعم فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولكن هذه غاية لا بد لها من وسائل تحققها وتمكن من الوصول إليها، كالصلاة، والصيام والجهاد، فالصلاة: {تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، والصيام يروض عليها، والجهاد يحرسها ويحميها.
ومن حكمة الله أنه رصد لكل غاية دعانا إليها وسائلها التي تعيننا عليها وتمهد لنا السبيل إليها، ولكن جهلنا وغلبة شهواتنا يقعدان بنا عن كل غاية لأنهما يحولان بيننا وبين وسائلها، وهيهات مقصوص الجناح يطير.
وأعجب من ذلك كله ذلك السؤال المضحك المبكي الذي مازال يثير عجبي ويشغل مشاعري ويطن في أذني، ذلك أن شابا أعرفه محافظا متدينا، عرض لي ذات يوم، وأعتذر لي قبل أن يسألني: هل في الدين من مبرر لشاب مثلي ليس له على الزواج قدرة، ولا على العزوبة صبر، أن ... ؟ قلت له- في دهش-: ماذا تقول؟ إحترم دينك، أو لست مسلما؟ قال: بل أنا مسلم، ولكنني مضطر، قلت له: إن الله لا يأمر بالفحشاء، وليس في الأمر ضرورة، إنما الضرورة في القوت الذي من عدمه يموت، والله تعالى يقيد هذه الضرورة بذلك إذ يقول: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} والمخمصة! الجوع، وليس هذا من ذلك، وأن الله إذ شرع دينه كفل بقاءه بما أحاطه
(1/322)

به من ضمانات، فإنه- عز وجل- يعلم ضعف عباده فما حرم شيئا إلا جعل مما حلل منه عوضا فهو إذا حرم الربا حلل البيع، وإذا حرم الزنا حلل الزواج، ولكنه الجهل وغلبة الشهوات، فأنت يا أخي- الآن- لست مضطرا لأنك تستطيع أن تتزوج، وإنما لتحكم الجهل فينا تحكمت فينا عادات، فنحن نحافظ عليها أكثر مما نحافظ على ديننا، ونحن نحاول أن نحمل الدين ضرورة غير مشروعة، ولا نحاول مثل ذلك في هذه العادات، فهي حرم مقدس عندنا، فمثلا بدل أن يتزوج ذو الطبقة العليا من الطبقة المتوسطة أو الطبقة الدنيا في حال ما إذا كان غير ميسور الحال يفضل أن يبقى عزبا، أو يتسرى بصلة غير شرعية، وفي هذه تضحية بالدين في سبيل المحافظة على العادة، فأين الإضطرار- إذن- إن المضطر يأكل الميتة (ولكن الميتة هنا كانت هي المرأة التي لم يعقد عليها)، وكذلك ترضى الأسرة أن يبقى الشاب فيها عزبا، والبنت عانسا ولا ترضى بزواج ينقصه شيء كمالي من النفقات أو طقوس الزواج.
إن الدين- يا قوم- ليس مجموعة ضرورات، ولا مجرد صلوات، ولا محض أخلاق، ولكنه قانون اجتماعي شامل، لا ينتفع به إلا من عمل به كله، إنه قانون الله لعباده وليس من صنع مخلوقه ضعيف تستبد به مشاعر، وتدفعه مصالح، وتتحكم فيه ظروف، وإننا لو فهمناه حق الفهم وطبقناه على حياتنا خير تطبيق لما احتجنا إلى هذه الإستعارة المفضوحة من غيرنا.
(1/323)

القديم والجديد
كان لقضية (القديم والجديد) وولع الناس- في هذا العصر بصفة خاصة- بكل جديد، سلطان كبير على العقول والميول، وتأثير شديد على القيم الأخلاقية، والمقومات الإنسانية، ورغم ذلك لم أكن لأشغل الفراغ المخصص لهذه الفصول، بهذا الموضوع، لولا رأي خطير، لصديق كريم، لأن هذا الموضوع- فيما أرى- قد طرقه كتاب كثيرون وقتلوه بحثا إنما أتناوله أنا من ناحية أخرى، خصصت لها هذه الفصول- وهي الناحية الدينية المحضة:
قال الصديق: ألاحظ أن كل ما يكتب اليوم ليس بجديد، ففوجئت بشيء جديد، ولعل هذا هو نفس ما قصد إليه هذا الصديق ليثبت أنه أتى بجديد لكني قلت له: لك رأيك على كل حال، ولكن أضف إلى هذا أيضا: أنه ليس كل جديد صالحا تجب الدعوة إليه، ولا كل قديم غير صالح تجب الثورة عليه والقرآن- قانون الله الذي لا ينسخ بقانون الإنسان يعطينا هذه القاعدة إذ يقول- منددا بالجامدين الذين كلما جاءهم من الله رسول- بجديد مفيد ينسخ قديمهم الفاسد-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}، بل أصرح من هذا في الموضوع قوله- تعالى-: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ}.
هكذا: فانتقمنا منهم، لأنهم وقفوا في طريق التجديد الصالح، ولم يقبلوا الجديد النافع، وأصروا على قديمهم الذي فسد وتعفن أو كان من أصله فاسدا عفنا.
(1/324)

وبهذا يكون الإسلام هو واضع الأساس الصحيح، والقاعدة الثابتة لما يجب أن يقبل عليه الناس من قديم أو جديد، وهي قاعدة تتلخص في هذه الكلمات القليلة: الحرص على المفيد، وجد في القديم أو في الجديد.
ومن هنا، لم يتناول الإسلام في ثورته الكبرى كل شيء، إنما ثار على الفاسد الضار، أما الصالح النافع، كرعي الذمام، وإكرام الضيف وحسن الجوار، فلم يثر عليه، بل أبقاه وأقره ودعا إليه، ومن هنا- كذلك- ندد ببني إسرائيل عندما سئموا ما فيه نفعهم، فثاروا عليه، وطلبوا شيئا جديدا تافها، بالنسبة لما سئموه وثاروا عليه فقال تعالى-: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}؟ وليتأمل جيدا، الرد الحاسم في قوله: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} فهو التطبيق الكامل للقاعدة المتقدمة في الآية السابقة.
هذا هو الجديد الذي جاء به الإسلام والذي ثار عليه عبيد- الشهوات من أعداء الإسلام وأبناء الإسلام الذين لم يعرفوا الإسلام.
أما الجديد الذي جاء به هؤلاء، وحرصوا عليه ودعوا إليه فهو- لعمر الحق- جديد كجديد الموت، يقضى على كل ما تقضي به المروءة والغيرة والعفة والحياء، كهذا الجديد الذي نراه في الشارع وفي عربات الترام، وفي دور السينما وفي الحدائق العامة هذا الجديد الذي يسمونه تمدنا وتقدما ويسميه الإسلام فسوقا وفجورا، هذا التبذل االفاضح والتخلع الوقح، والتحلل الممقوت، هذا الجديد الحر المنطلق، الذي لا تقف في طريقه، حدود أدبية، ولا قوانين أخلاقية، ولا ضمائر حية، هذا الجديد الذي سموه مدنية، هو الهمجية بعينها التي ثار عليها الإسلام، وأتى على بنيانها من القواعد، وأقام على أنقاضها مدنيته العظيمة التي هي من وحي الله لا من وحي الشيطان، والتي تجدد صلة الإنسان بخالق الإنسان، والتي تقوم على قيادة العقل، لا على قيادة الهوى.
ليعلم أعداء الإسلام، والعاقون للإسلام، من أبناء الإسلام، أن الإسلام تجديد وثورة، واندفاع إلى الأمام، وهو دين الله الخالد الذي جعله يساير تطور الزمن ولا يجمد أمام مقتضيات كل عصر، لأنه الدين الذي ختم به رسالات السماء، فلا بد أن يصلح لكل جيل، ويتلاءم مع حاجات كل عصر، إنما يجب أن نميز بين جديد
(1/325)

وجديد، وبين قديم، وقديم، على مقتضى القاعدة الإسلامية السابقة، فثم أشياء تبقى جديدة، ولو عمرت أمادا مديدة، كالعفة والإنصاف، والغيرة، والحياء، فإذا طغى تيار المدنية الغربية فجرف كل شيء، فإن أمثال هذه الصخور الضخمة تبقى ثابته تتحدى كل تيار، وتشير إلى ضعف الإنسان، وانهزامه أمام مغريات الحياة وتعلن عن أصالة أهداف الإسلام، فإذا رأينا رجل الغرب يتحلب ريقه كلما تراءى له شبح شهوة، وربما بلغ به إلحاح الرغبة في الوصول إلى هذه الشهوه أن ينتحر إذا رآها قد افلتت من يده، فيجب أن نتماسك ولا نندفع في التيار متأثرين برجل الغرب في رغائبه الحيوانية التي لا تعترف بالحدود، بل علينا أن نتشبث بذلك الحبل الوثيق الذي أرشدنا إليه القرآن بأن نقول- كلما لوح لنا الشيطان بشهوة محرمة-: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}، فتلك هي العفة التي لا تتأثر بقديم ولا بجديد،- بل تبقى خالدة تشير إلى ميزة الإنسانية الخالدة، وإذا رأينا رجل الغرب لا يعرف للإنصاف معنى، ولا يحس لغيره وجودا وينفق كل عمره في اختراع الوسائل التي يجعل بها أحرار الناس عبيدا وأدوات يستغلها لأغراضه، فلا نقل: أن مسايرتنا لجيراننا وأبناء عصرنا تقتضينا أن نكون أنانيين استغلاليين مثلهم، ولا نقل: ذلك هو جديد في هذه الأيام، بل يجب أن نقول: إن هناك شيئا يسمى إنصافا، وإن هذا الشيء يبقى جديدا لا يؤثر فيه مرور الزمن لأنه يشير إلى ميزة أصيلة في الإنسان تفصله عن الحيوان، وإلا فلا فرق بين الإنسان والحيوان، وإذا رأينا رجل الغرب تسمح نفسه بأن يترك امرأته أو ابنته تسهر الليل إلى ساعة متأخرة، حيث تشاء ومع من تشاء، فيجب أن تستيقظ في نفوسنا غريزة تسمى الغيرة، جعلها الله من مميزات هذا الإنسان، وجعلها رسول الإنسانية الأعظم صلى الله عليه وسلم- من خصائص الإيمان إذ قال: "لا إيمان لمن لا غيرة له"، بل جعلها مفتاح الدخول إلى الجنة إذ قال: "مكتوب على باب الجنة: لا يدخلها ديوث"، وإذا رأينا الإختلاط سنة المجتمع الأروبي ورأينا رمال الشاطىء تجمع بين الشبان والشابات في عري فاضح، واستهتار شنيع، فيجب أن لا ننسى أننا مسلمون، وأن نبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام- يقول: "الحياء هو الدين كله".
وبالجملة، يجب أن يكون رائدنا دائما، هو المفيد النافع قديما كان أو جديدا. وتلك هي وجهة نظر الإسلام في الموضوع.
(1/326)

ليس لي وقت
حدثني صديق مطلع قال: سافر أحد الأهالي الجزائريين إلى باريس، وفيما هو يزور صديقا له فرنسيا قال له هذا الصديق: لماذا لا تخرج للاصطياف مع ما فيه من فوائد جمة؟ قال: ليس لي وقت لأن لي أعمالا كثيرة، فما كان من الفرنسي إلا أن فتح نافذته المطلة على المقبرة وقال له: انظر، فهؤلاء كلهم ماتوا دون أن يقضوا حاجاتهم، أو يفرغوا من أعمالهم.
قلت للصديق الكريم،- وقد أعجبت بما في القصة من نكتة طريفة ولفتة بارعة-: ما أبلغها موعظة، ولا سيما: هي صادرة من فرنسي لمسلم: فرنسي يذكر الموت فينتفع بالحياه، ومسلم ينسى الموت فلا ينتفع بالحياة، وكيف ينسى المسلم الموت، وكل ما في دينه يذكر بالموت؟ ثم ما هذه الأعمال التي لا تعين على التمتع بالحياة؟
إن كل عمل في الحياة هو- قبل كل شيء- وسيلة للتمتع بالحياة، فكيف تكون الوسيلة إلى الشيء عائقة عنه لولا غباوة الإنسان؟ وأي شقاء كأن يقضي الإنسان كل عمره الطويل عاملا كادحا ثم لا ينتفع بما يعمل حتى إذا أدركه الأجل فارق دنياه دون أن ينتفع بها، وأقبل على أخراه دون أن يعمل لها، لأنه عاش لدنياه لا يعمل إلا لها.
ولكن، ما الحيلة، وما العمل؛ وهذا ما عليه أكثر الناس في هذه الحياة، ولا سيما في هذا العصر الذي يدعونه عصر المدنية؟ فإن الناس قد كثرت حاجاتهم، وتعددت مطالبهم، فتعقدت حياتهم، إذ تراكمت أعمالهم، وقلت فترات راحتهم،
(1/327)

فزادت بذلك همومهم وأتعابهم وأسقامهم، وبذلك لم يحصلوا من المدنية إلا على الإسم، ولا من السعادة إلا على القشر، ولا من الحياة إلا على العمل المتواصل كالآلة المتحركة على الدوام، ومن العجيب أن أعظم الطبقات شقاء بهذا وأكثرها شكوى منه هي طبقة الأغنياء وأرباب رؤوس الأموال الذين كان ينبغي أن يكونوا أكثر الناس راحة وأوفرهم حظا من السعادة، ولكن لحكمة سامية حق عليهم قول القائل:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله … مخافة فقر فالذي صنع الفقر!
وانطبق عليهم قول الله تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، إنما يشقون بما جمعوا ثم يموتون قبل أن يتمتعوا بما جمعوا ويتركونه بعدهم غنيمة باردة لمن يبددها فيما لا يعود عليهم بأجر ولا بحسن ذكر، فهم كما قيل:
كدودة القز ما تبنيه يهدمها … وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
أما هذه الكلمة الآثمة: (ليس لي وقت) التي يكثر دورانها على الألسنة فهي الكذبة الضخمة، والفرية العامة التي قلما ينجو منها لسان ناطق قصد أو لم يقصد، فإن الله منح الوقت، كل من منحه الحياة وإنما يتفاوت الناس في حظهم من الحكمة التي هي المنحة الإلاهية العظمى التي لا يخص الله بها إلا من أحبه وأراد هدايته وتوفيقه كما قال- تعالى- {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.
هذه الحكمة، هي التي تناقصنا في الإنتفاع بالوقت، وفي حسن تنظيمه وتوزيعه، وتقديم الأهم على المهم من الأعمال، حتى لا تتراكم الأعمال فتأكل لنا أثمن ما في الحياة وهو الوقت، ثم نظل نشكو زحمة الأعمال ونقول: ليس لنا وقت، والحقيقة الناصعة هي: ليس لنا حكمة حسن التصرف في الوقت.
ولكن الإسلام، دين النظام، وأكبر ما يتمثل هذا النظام في الوقت الذي تظهر دقة عناية الإسلام به في أعظم شعائره، وهي الصلاة، التي فرضت في اليوم خمس مرات، في خمسة أوقات، بحيث يعتبر تأخير أي صلاة عما حدد لها من الأوقات، من أكبر الخطايا، وأعظم المخالفات، وذلك إشعار بعظم قيمة الوقت، وتعليم لحسن التصرف فيه، والمحافظة على كل جزء منه
(1/328)

ونبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام- ينبه إلى أن الوقت- لعظم قيمته عند الله- أول شيء يحاسب عنه يوم القيامة، إذ يقول: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله فيم أنفقه ومم اكتسبه وعن علمه ماذا عمل به"، وينبه إلى كسب مما يغفل الناس عنه من الوقت ويسمى ذلك بركة، أي زيادة ربح، لأنه زيادة وتوسيع في الوقت إذ يقول: "باكروا فإن في البكور بركة"، ويدعو إلى التخفف من الأعمال لكسب فائض من الوقت ولئلا تتزاحم الأعمال فيعجز عن القيام بها جميعا فيضطر إلى تركها جميعا إذ يقول: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون" ولذا لما سألت عائشة رضي الله عنه: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل".
هذا وأن الذي يؤلم حقا أن تكون الأمة التي هذا دينها، هي اليوم أبعد الناس عن الانتفاع بالوقت، حتى يعظها ذلك الفرنسي الذي لا يدين بالإسلام، بتلك الموعظة البليغة التي تذكرنا بحسن الإنتفاع بالوقت.
ولا يفوتني- أخيرا- أن أنبه الإخوان الوعاظ إلى كلمة قلما يخلون منها خطبهم وهي قولهم: (لولا ضيق الوقت لبسطنا القول بأكثر من هذا) أو ما أشبهه، فهي كلمة لا تؤدي شيئا، ولكنها تقتطع جزءا- ولو كان قليلا- من الوقت.
(1/329)

مجد يجب أن يحتذى
ما أعظم مجد محمد صلى الله عليه وسلم في قول ربه له: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، إنه مجد الدنيا والآخرة في قرن، وماذا ينتظر أصحاب الهمم الكبرى من دنياهم وأخراهم غير هذا؟: أن يظفروا بالمجد الأخلاقي في الدنيا وبالأجر الباقي الذي يتزودونه للأخرى، ولكن لنبحث ولنجل الطرف فيما جعل أجر- محمد صلى الله عليه وسلم غير ممنون، أي مستمرا غير مقطوع، إنه بلا شك وبدون إطالة نظر، ما ترك من كثرة الإتباع الذين أخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين جعلوا همهم في الحياة أن يجاهدوا في الله حق جهاده ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، وإنه صلى الله عليه وسلم ليقول: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس" فكيف من هدى الآلاف المؤلفة، الذين هدوا إلى حظيرة هذا الدين مئات الملايين؟ وما ضعف أمر هذا الدين إلا بعد أن وقف تيار الدعوة إلى الله فكثر أهل الدنيا، وقل أهل الدين، ومما يتصل بهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فالرسول الكريم- لحرصه على أن تبلغ أمته المنزلة السامية والقدر العظيم- يرشدها إلى ما يكفل لها دوام النفع، واستمرار الأجر، وخلود الذكر، وهو وما يشهد به القرآن الكريم، لهذا النبي العظيم، إذ يقول: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} وفي ذلك إشارة إلى أن من يخلف (محمدا) في أمته، أو يدعو مثل دعوته، يجب عليه أن يتخلق بخلقه، ويتصفب بصفته، وإن في قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله ... ، (الحديث) لخير بشارة للذي يشفق أن ينقضي هذا العمر القصير في
(1/330)

غير ما ينفع، أو يشفع عند الله، فيحرص على أن يمد هذه الحياة بأسباب من رضا الله بعمل إحدى ثلاث أو عملها كلها.
أولا- (صدقة جارية) - أي دائمة- لها أصل ثابت يؤتي أكله يوميا كالمسجد والمدرسه وكالحمام والعين، أو شهريا كمحلات الكراء من حانوت ودار، أو سنويا كأرض تزرع وشجر يثمر.
ثانيا- (علم ينتفع به) وأي شيء ينتفع به كالعلم، الذي جعله الله نور هذا الكون وجمال هذا الوجود، وقوام هذه الحياة، بتخريج تلاميذ صلحاء أماثل يصلحون ما أفسد الناس، وينيرون من هذا الوجود ما أظلم بالجهل والدجل والادعاء، أو بتأليف كتب نافعة تبقى على وجه الدهر ينابيع ثرة ينفق الناس منها، دون أن تنضب، أو يغيض لها معين، أو ببث النصائح الغالية والتوجيهات النافعة، التي تنشيء الجتمعات الصالحة، وتكون الأمم الراقية، وتوقظ الشعوب النائمة.
ثالثا- (ولد صالح يدعو له) - والولد الصالح هو الذي صلح في دينه ودنياه، فقويت صلته بالله، فإذا دعاه إستجاب دعاءه وأبلغه مناه، فهذا الولد ينفع أمه وأباه وفي الحديث- زيادة على ذلك- خير حل لمشكلة كبرى من مشاكلنا الراهنة، هي مشكلة مشاريعنا الحرة، التي تضطلع بأعبائها الأمة وحدها، والتي ليس لها سند مادي تقوم عليه، غير هذه التبرعات الطفيفة، أو هذه الاشتراكات القليلة التي لو توقفت لتوقف معها سير هذه المشاريع، فلا ينقذ هذه المشاريع من السقوط المتوفع لها، كالصدقة الجارية، التي يدعو إليها الحديث أول ما يدعو، ثم يقول الله لنبيه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، لماذا- يا ترى- كان هذا بعد قوله: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}؟ ذلك سر من أسرار التعبير المعجز، إنه كالسبب لما تقدم فكأن الله يقول: إن هذا الأجر العظيم الذي لا ينقطع نتيجة ذلك الخلق العظيم، الذي تنقطع دونه الأطماع، وأي زلفى إلى الله كأن تكون حسن الخلق مع الناس كما تكون حسن المعاملة مع الله، لذا يقول- عليه الصلاة والسلام-: "حسن الخلق من الإيمان" وهل رسالته صلى الله عليه وسلم إلا رسالة أخلاق؟ كما قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ولكن، ما هذا الخلق العظيم، الذي شهد الله به لنبيه الكريم؟ إن هذا يظهر في الخلق الذي كان به نجاحه في دعوته أكثر من أي خلق آخر، فإن الله ليطلعنا على سر
(1/331)

نجاح نبينا في دعوته، لنجعله قدوتنا فيما يقوم به من دعوة إلى الله فيقول: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} يدلنا على الطريق إلى بلوغ هذا المقام الأسنى إذ يقول: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، هكذا يجمل بالعاقل أن لا يقف في وجه التيار، إنما يجانبه ويدعه يمر بسلام، فلا يقابل السيئة بالسيئة شأن كلاب الهراش، وإنما الإنسان يحمل معنى إنسانيته في اسمه حتى لا يضل ولا ينسى، لذا يقول القائل: (من ذا يعض الكلب إن عضا؟) أي أنك إذا جاريت من جهل عليك فقد صرت مثله، أما إذا ترفعت عنه فقد كسبت الموقف وحفظت رأس المال بمحافظتك على إنسانيتك وبذلك ينقلب عدوك صديقك، وليس ذلك بالشيء اليسير، وهو ما عقب الله به على الآية السابقة إذ قال: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، والتعبير بإذا الفجائية يفيد السرعة ويشعر بكسب الموقف حالا، فليت الناس فهموا دعوة القرآن، أو على الأقل ليت كل إنسان يشعر في مثل هذا الموقف بأنه إنسان، فلا يخرجه الغضب عن دائرة الإنسان إلى الحيوان.
ثم ما أغبى من يتقدم إلى الرئاسات ويتطلع إلى قيادة الحركات بوجه عابس وجبين مقطب وصدر ضيق حرج كأنما يصعد في السماء.
(1/332)

القضاء على الداء
بعد كتابة الفصل السابق (مجد يجب أن يحتذى) وقراءته ومراجعته خطرت لي فكرة، وهي أن طب النفوس- مثل طب الجسوم- يجب أن يكون الغرض منه القضاء على الداء، بالمواظبة على الدواء، لا مجرد تناول الدواء، وهو على هذا يجب أن لا يخضع لفكرة اختيار الجديد من الموضوعات، إذ الأهم والأنفع لأمة مثلنا، هو تكوين مجتمع طاهر وتهيئة جو صالح، وإعداد جيل أمثل، وإذن فمتى اكتشفنا داء من أدوائنا الاجتماعية وأخذنا في مقاومته، بالدواء الذي رأيناه ناجعا في إبادته وجب أن لا نترك الدواء قبل القضاء على الداء، ومعنى ذلك أنه لا يجب أن تكون هذه الفصول كفصول الرواية وأدوارها تعرض عرضا سريعا متلاحقا، إذ أن أكثر ما تطلب له مشاهدة الرواية هو التسلية وحب الاستطلاع، أما الأمر في مقاومة الأدواء فعلى العكس من ذلك، يجب الإمعان في العلاج والمواظبة على الدواء، حتى يقضي على الداء، والداء الذي أدركنا خطره، ولمسنا أثره، وشاهدنا صرعاه أكثر من غيره، هو هذا الضعف الإنساني، والمرض النفساني، الذي يستبد بالرجل الأناني فينزع من قلبه الرحمة والمحبة والإخاء، ويدس في زواياه النقمة والحقد والبغضاء، يدخل البيوت فيشتت شملها، وتسرى عدواه إلى الاحزاب والهيئات فيمزق وحدتها، ويصيب رابطة الأخوة، فيزعزع كيانها، ويصدع بنيانها، ذلك هو حمى الغضب وشهوة الانتقام، وغريزة مقابلة السيئة بالسيئة التي لا تطفيء الشر، بل تزيد ناره ضراما، وشدته عراما.
إن داء كهذا الداء، ينطوي على أخطار كهذه الأخطار، لا يكفي في استئصاله فصل واحد، بل ولا كاتب واحد، بل ما أحراه بأن تحبر فيه فصول وترصد له جهود من
(1/333)

كتاب أعلام تمرسوا بحرب الأقلام، لهذا لم أكتف- في هذا الموضوع- بما كتبت في الفصل السابق، وفي فصول أخرى سبقته ولأمر ما سميت الدعوة إلى الله تذكيرا والقائم بها مذكرا، فالأمر الهام، لا يكتفي فيه باليسير من الكلام، بل لا بد فيه من الإلمام، بعد الإلمام، وتكرار الدعوة إلى شيء تذكير به، (وآفة العلم النسيان) كما يقول- عليه الصلاة والسلام- وقبل كل شيء يجب أن نعلم أن لكل ما يسر ثمنا مما يضر، وثمن بلوغ المكارم، تحمل المكاره وما أبلغ قوله صلى الله عليه وسلم: "ليأخذ العبد من نفسه، لنفسه"، وهل تنال الجنة التي {فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} إلا بمخالفة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما حرمه الله على الأنفس والأعين؟ وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره"، فإن لم يأخذ العبد من نفسه لنفسه، ندم في غده على تفريطه في أمسه:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها … فليس إلى حسن الثناء سبيل
وعلى هذا يجىء قول المتنبي:
[لولا المشقة ساد الناس كلهم … الجود يفقر، والإقدام قتال]
وقول الآخر:
ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل
وبهذا- لا بغيره- يدفع جهل الجاهل،،إساءة المسيء، وإنما أوردنا كل هذه الأمثلة لئلا يقول ضعاف النفوس وأسرى النزوات: أن تحمل الإساءة شيء يشق على النفس وينبو عن الطبع، وما كان فضل الحلم على غيره- حتى قيل-: الحلم سيد الأخلاق- إلا لأن مقاومة الطبع تبدو فيه أكثر من سائر الأخلاق، وعلى هذا الأساس جاء قوله:- عليه الصلاة والسلام-: (ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله"، وروى أنس رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله ما أشد من كل شيء؟ قال: غضب الله، قال: فما ينجي من غضب الله! قال: أن لا تغضب" وليس الغضب الذي ينهي عنه رسول الله، هو الغضب لله، عندما تنتهك حرمة من حرمات الله، وإنما هو غضب المرء لنفسه الذي تمليه الأثرة الجامحة والأنانية الطاغية عندما يسمع كلمة تطمئن من غروره، أو يفقد درهما من ماله. وقبل كل شيء وبعد كل شيء فإن الإسلام قام على الأخلاق أكثر من أي شيءآخر، ونبي
(1/334)

الإسلام- عليه الصلاة والسلام- نجح في دعوته بحسن خلقه، ورحابة صدره أكثر مما نجح بشيء آخر، كما قال- تعالى-: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فمن كان سيء الخلق، ضيق الصدر، فهو أبعد ما يكون عن الإسلام، وأجهل ما يكون بروح الإسلام، وتعاليم الإسلام، وإذا قال- عليه الصلاة والسلام-: "بشروا ولا تنفروا"، فإنه لا يبشر بالإسلام كحسن الخلق، وسعة الصدر، كما لا ينفر من الإسلام مثل سوء الخلق، وضيق الصدر. وإذا كان الناس بحاجة أكيدة إلى هذا الخلق، فإن حاجة رجل العلم إليه أوكد، لأن للعلماء وظيفة الأنبياء، وهي الدعوة إلى الله، ومن هنا قيل: (ما قرن شيء إلى شيء، أفضل من حلم قرن إلى علم).
(1/335)

الحياة والموت
طويت الرسالة التي حملت إلي نعي أخي- كسير القلب كسيف البال- وفزعت إلى المصحف ألتمس فيه شفاء جرحي وعزاء نفسي، وإذا بي أجدني أتلو هذه الآيات: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}.
نعم، تبارك الذي بيده الملك: ملك كل شيء، ملك نفوسنا التي بين جنوبنا، وملك أجسادنا التي تحل فيها، وملك الكون الذي نعيش فيه، وملك الهواء الذي نستنشقه فمثل هذا الملك يستحق صاحبه أن يقال فيه (تبارك) فلا عجب أن يعقب الله على ذلك بقوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ومن أقدر على الشيء من مالكه؟ فما غرور هذا الإنسان بما يملك، وهو- وما يملك- ملك لله، ووديعة في ملك الله؟
(ولابد يوما أن ترد الودائع)
وما اطمئنانه إلى وجود، ينتهي إلى أمل محدود؟ فوجودنا- وإن طال- مهدد بالزوال فما الأسف على فائت؟ وما الحزن على مائت؟
وإذا بي أجدني مشدودا إلى هذه الآية، مأخوذا بروعتها وتأثيرها، ناسيا- ولو إلى حين- صدمة النبأ المفاجيء، بما فتحت أمامي من آفاق، متابعا التفكير في مراميها القريبة والبعيدة، مستشعرا في أعماقي قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
(1/336)

وإذا بي أجد في أنسى روعة الملك- في التعبير عن قدرة الله- بجانب روعة الخلق الي تتلوها في قوله تعالى-: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}، فإن الملك قد يبدو لبسطاء العقول أنه غير خاص بالله وحده، قياسا على ما يملكون من توافه الأشياء، أما الخلق فهو الصفة الخاصة بالله وحده التي لا يشاركه في جزء من أجزائها أحد من خلقه ولذلك تحدى الله بها عبدة الأوثان وما يعبدون، إذ قال: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ}، وإن كل ما وصل إليه العلم، وما سيصل إليه في المستقبل من عجائب الاختراع، لا يبلغ أن يخلق ذبابا، وسيبقى الفارق بين المخلوق والخالق، ينطق به المعنى الذي في اسم المخلوق، وفي اسم الخالق، وإلى هذا الفارق يشير قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ}؟، والموت والحياة أعظم ما خلق الله، إذ يدخل تحتهما كل ما خلق الله، ولذلك يجيء التمثيل للخلق بالغا- في الشمول والقدرة- منتهاه، وإن في الجمع بين الموت والحياة لحكمة سامية، فإن لكل منهما مسؤلية في أعناق الناس، فلا بد من العمل للحياة، التي خلقها الله لأن نحياها كما أمر الله، ولابد من العمل للموت الذي جعله الله بابا للحياة الأخرى التي يلقى فيها كل عامل جزاء ما قدمت يداه، وبالموت والحياة تتم الحكمة الإلهية من خلق الإنسان، وهو ابتلاؤه بطاعة الله، وامتحان سلوكه في الحياة وجزاؤه عليه بحسابه في أخراه، لذلك جاء التعقيب على خلق الموت والحياة، بقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، بالغا في تجلية هذه الحكمة مداه.
ثم أحس بسر عميق يكمن في {خَلَقَ الْمَوْتَ}، وهو أن الناس يغفلون عن حقيقة الموت، ويعتقدون أنه عدم محض، لا ينتاوله الخلق، فجعله هذا التعبير القرآني المعجز، كائنا وجوديا قائما بنفسه، يتناوله الخلق، وتتوقف عليه حكمة الحياة، ويحسب له كل حساب، بل إن مرحلة الحياة ليست إلا استعدادا للمرحلة الطويلة التي تبتديء بالموت، وتنتهي إلى الحياة التي لا تنتهي بالموت، وهي الحياة الحقيقية، التي أحسن التعبير عنها أبو العلاء المعري إذ قال:
خلق الناس للبقاء فضلت … أمة يحسبونهم للنفاد
إنما ينقلون من دار أعما … ل، إلى دار شقوة أو رشاد
هذا الموت، هذا الكائن الجبار، هذا العملاق الهائل المفزع الذي تطأطيء
(1/337)

له الرؤوس، وتعنو له الجباه، ويأتي على كل عظيم وحقير في الحياة، هو الذي يجب أن يكون الدرس العملي الذي يذكركم- أيها العتاة الطغاه- بالنهاية الحتمية للحياة، فتحدون من غروركم، وتطمئنون من كبريائكم، وتستعدون للقائكم بجبار السموات والأرض، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.
وبعد، فإن فلسفة الموت، هي فلسفة الحياة، فمن عرف الموت، فقد عرف الحياة، ومن هنا قال- عليه الصلاة والسلام-: "كفى بالموت واعظا" أي كاشفا عن تفاهة الحياة، صارفا عن الغرور بها، مذكرا بوجوب الاستعداد للقاء الله، ولله در عمر إذ يقول: (فضح الموت الدنيا).
(1/338)

الغرور
ما أقوى مفعول هذا المرض، وما أشد فتكه بالنفوس، وما أكثر ما يتوالد عنه من أمراض، وما أسرعه إلى رجال الفكر والعمل، وما أبعد المبتلى به عن معرفته بنفسه وتواضعه لإخوانه وانقياده للحق، واعترافه بالخطأ ورجوعه إلى الصواب!!!
والمغترون أنواع وأشكال: فمنهم المغتر بماله وولده، ومنهم المغتر بعلمه وعمله ومنهم المغتر بشعره وأدبه، ومنهم المغتر بمنصبه ووظيفته، ومنهم المغتر بزيه وشارته، ومنهم المغتر بجماله ووسامته، والكل جاهل لقدره، غافل عن حقيقته، مستدرج بما سيق إليه، مفتتن بما منح إياه، قال تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا}، {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}، {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ}، {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} ..
فلا عجب- وهذا المرض بهذه الخطورة- أن يقاومه الإسلام مقاومة تستأصل جذوره، وأن يزيح الستار عن مخازيه بما يفضح كل مغرور ويكشف غروره.
ولما كان الغرور ينشأ من غفلة المغرور عن أصل خلقته ومادة تكوينه، كان القرآن لا يفتأ يقرع سمعه بمثل قوله- تذكيرا بأصله-: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ}.
قال عبد الله بن مطرف، للمهلب بن أبي صفرة- وقد رآه لابسا حلة، وهو يسحب ذيلها على الأرض ويمشي الخيلاء-: ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ قال: أما تعرف من أنا؟ قال: بلى، أعرفك أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة،
(1/339)

وحشوك فيما بين ذلك- بول وعذرة ففيم الخيلاء؟ وعلام الكبرياء؟ فخلع المهلب الحلة ورمى بها إلى خادمه.
وإذا كان كل من الإنس والجن يرى أنه المخلوق الممتاز فتحدثه نفسه بالغرور فقد أشعر الله كلا منهما بأنه خلق من شيء تافه ضعيف لا يوحي بالغرور، إذ يقول للإنس: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}، كما يقول عن الجن: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} وإن هذه الومضة المشرقة التي تواجهنا في لفظة (مهين) لتذكرنا وتفتح بصائرنا على المادة الأولى التي خلق منها هذا المخلوق المغرور المتكبر، وهي التراب التافه الرخيص الذي تدوسه الأقدام وتطؤه النعال.
وإذا منح الله الإنسان قوة شخر له بها كل ما في البر والبحر، فكانت هذه القوة من أعظم دواعي الغرور في نفسه، فليتذكر أن بقة واحدة تسبب له من الآلام، ما يمنع جفونه أن تنام، ولله در ابن أبي طالب رضي الله عنه إذ قال: "مسكين إبن آدم: محدود الأجل، محسوب العمل، طويل الأمل تؤلمه البقة، وتنتنه العرقة، وتقتله الشرقة".
فمن أية الطرق- يا ترى- يأتي الغرور إلى الإنسان؟ وهو لو اجتمعت له كل أسباب النجاح، وتوفرت لديه كافة ألوان السعادة، لأبعد خيال الغرور عن نفسه، علمه أنه صيد الحمام، وأنه- لا محالة- مفارق كل ما يغتر به ويعتز بوجوده في يوم من الأيام؟ ولله در من قال: (ما أصنع بدنيا، لو بقيت لها لم تبق لي، ولو بقيت لي لم أبق لها). ولما حضرت معاوية الوفاة، جمع أهله فقال لهم: (ألستم أهلي، وعليكم حزني، ولكم كدي وكسبي؟ قالو!: بلى قال: فهذه نفسي خرجت من قدمي، فردوها علي إن استطعتم، ثم بكى وقال: من تغره الدنيا بعدي"؟ ولكن المغرور أبعد ما يكون عن ذكر الموت، لأن من ذكر الموت نسي الغرور، فإن كل ما في هذه الحياة من متع وملذات، سماه الله متاع غرور، إذ قال: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
ومن علامات المغرورين التطلع للشهرة وحب الثناء، وذيوع الصيت، والإستئثار بالمناصب والاستبداد بالرأي، واللجاج في الخصومة، كل ذلك قاومه الإسلام، دين التواضع والتسامح، والتشاور والتعاون، والتضامن، والرجوع إلى الحق، والرضوخ لرأي الجماعة.
(1/340)

والنبي صلى الله عليه وسلم قد أعلن حربا شعواء على هذا الداء الوبيل، بأفعاله وأقواله، فكان مثال التواضع لأصحابه، بحيث لا يتميز من بينهم وإذا رآهم يقومون له قال: لا تقوموا لي كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا، وإذا رآهم يطرونه (يمدحونه) قال: لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد الله فقولوا: عبد الله ورسوله، ودخل عليه أعرابي فجعل يرتعد هيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد، وسمع بعض أصحابه يثني على رجل في المجلس، فقال له: عقرت ظهر أخيك" وما أبلغ هذا التعبير في أبراز عاقبة هذا الثناء الذي يحرك دواعي الغرور ويوهم المغرور أنه بلغ غاية الكمال، فلم يعد بحاجة إلى مواصلة السعي في طريق الكمال، فيكون هذا الثناء كأنه عقر لظهره، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: "إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب" حتى لا يغتر الناس بهذا المدح فيصرفهم عن طلب الكمال، والناس يغرهم الثناء، لا الغواني فحسب، كما يقول شوقي:
(والغواني يغرهن الثناء) حاشا أحياء الضمائر، وأيقاظ القلوب أمثال عمر بن عبد العزيز الذي قيل له: (جزاك الله عن الإسلام خيرا) فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرا.
(1/341)

الكفاءة
قال عليه الصلاة والسلام: "إذا وسد- أسند- الأمر إلى غير أهله، فانتظروا الساعة). ينبهنا هذا الحديث العظيم إلى علة مبيدة متلفة، من عللنا الاجتماعية المختلفة وهي قيام نهضتنا على جهاز تندس فيه بعض العناصر التي لا تصلح لأن تكون في الأساس لأن الأساس يجب أن يتكون من حجارة قوية صلبة تثبت لما يقوم عليها من بناء، وإلا تضعضع البناء ثم انهار، وأدركه الدمار.
لذلك نرى المجتمع الإسلامي الأول قد قام على دعائم ثابته قوية، من أمثال إلى بكر وعمر وعثمان، وعلي وباقي العشرة المشهود لهم بالجنة وما ثبتت لهم شهادة الصادق الأمين بالجنة، حتى ثبتوا معه، ثبوت الأطواد في إقامة دعوته على دعائم ثابتة، راسخة، ضمنت لها الخلود والبقاء، ومن أحق بالجنة من هؤلاء الذين تكونت منهم أسرة الإسلام الأولى؟.
هذه العلة تولدت من علل أخرى كثيرة، أبرزها تلك العلة الفاتكة، التي خصصنا لها الفصل السابق، وهي: الغرور ولا عجب فالعلل تتوالد، كما تتوالد الجراثيم.
فهذا الغرور زين لكثير من السطحيين وبسطاء التفكير، أن يبرزوا في الميدان ويزاحموا بمنكبهم الضعيفة، ذوي المناكب القوية، في تشييد صرح النهضة وإقامه أساسها ويمكننا أن نسمي هذا النوع من الغرور تطفلا، إذ يحمل أصحابه على التطلع لمراتب لم يخلقوا لها، ويوحى إليهم بالتطاول إلى مقامات ليسوا من أربابها، ومن ثم يمكننا كذلك أن نسميه تنطعا، والتنطع أن تتكلف ما لا تحسن، أو ما لا يتسع له طوقك
(1/342)

وذرعك، وهو داء قلما سلم المصابون به من آثاره السيئة، وعواقبه الوخيمة، ومن هنا قال- عليه الصلاة والسلام: "هلك المتنطعون"، إذ لو عرف كل متنطع منزلته فوقف عندها، أو تواضع لله فوقف دونها لما ارتطمنا بهذه المشكلة، ولما تعرض هنا لآفتها وسوء عاقبتها.
وأيا كان اسم هذا الداء، فإن الحديث يبرز سوء عاقبته في صورة مهوله مفزعة، تقشعر منها الأبدان، وتبعث الرعب في النفوس، وتثير الخوف في القلوب، وتشعر اليأس من تلا في الأمر، وإمكان النجاة إنها قيام الساعة، وكفى بها هولا وفظاعة، هكذا: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة".
وقيام الساعة كناية عن اختلال الأمور، وانتشار الفوضى، وانقلاب الأوضاع، وخراب المجتمع، كما يحدث عند قيام الساعة، ولا غرابة في ذلك فإن العالم يقوم على قواعد ثابتة، وأنظمة محكمة فمتى سرى الاختلال والفساد إلى هذه القواعد والأنظمة فقد قامت قيامة العالم وإدركته نهايته.
وقد عرف العرب قديما، هذا الداء فقالوا: (أعط القوس باريها) وقال شاعرهم:
يا باري القوس بريا لست تحسنها … لا تفسدنها وأعط القوس باريها
فهذه العلة- أن يقوم بالأمر من لا يحسنه- عله قديمة، أصطلى الناس بنارها مند القدم، ولم يتمكنوا من الإفلات منها إلى اليوم، وهي كذلك عامة في كل حركة من الحركات، وفي كل ناحية من نواحي الحياة، تقوى هنا وتضعف هناك، وتعلم في ناحية، وتجهل في أخرى.
فكم متهافت على الزعامة، متهالك عليها، وهو ليس من أهلها ولا من طرازها، ولكن الغرور، وعدم الإعتراف بالقصور، قاداه إلى ما لا تحمد عقباه، فقاد أمته إلى الحمام، وهو يقول: (إلى الأمام).
كم متطفل على التعليم، أفنى عمره في إفساد النشء الصالح وتضليل
(1/343)

الشباب الطامح، فقلب الحقائق، وطمس المعالم، وجاءت على يده البصائر حولا، كما يقول شوقي:
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة … جاءت على يده البصائر حولا
وكم مدع للطب، جلب الداء، وضاعف البلاء، وأهلك الحرث والنسل وكان كأبي منذر المتطبب الذي يقول فيه الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك، بعض الشر، أهون من بعض
وكم من مباشر لمهنة، جهل مهنته، فأضاع وقته، وخان أمته، من حيث يدري أو من حيث لا يدري.
إن تنسيق الأوضاع، وترتيب الكفاءات، وإعطاء القوس باريها، وإسناد الأمر إلى أهله، أمور لابد منها لكل أمة تريد الحياة، ولا سيما هذه الأمة الفتية التي تقف اليوم على عتبة الحياة ة فليعرف كل مواطن، واجبه في إخلاصه لأمته، ولا يتكلف ما لا يحسن، وليجعل شعاره قول عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه … وجاوزه إلى ما تستطيع
(1/344)

دواء القلب
قال إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء:
(قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين).
لا مرض، كمرض القلب، ولا صحة كصحة القلب، لأن القلب هو مبعث المرض والصحة لهذا الإنسان، فإذا مرض قلبه فهو مريض، وإذا صح، فهو صحيح، "ألا وإن في الجسد مضغه، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
ذلك هو رأي نبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام- في القلب، منذ ما يقرب من أربعة عشر قرنا، وما زال هو الرأي الصحيح، الذي يجب الرجوع إليه، والاعتماد عليه، فما زال قلب الإنسان هو نقطة البدء في صحته ومرضه، ومازال قلب الإنسان هو العامل الأول في سعادته وشقائه، ومازال قلب الإنسان هو السبب الرئيسي في رقيه وانحطاطه، وفي عزه وهوانه، وفي حربه وسلمه، وعلى قدر قيمة هذا القلب وتأثيره في حياة الإنسان، كانت العناية به من ذوي الرأي والحكمة ودعاة الإصلاح، فهم لا يفتأون حراسا على هذا القلب، الذي هو كل شيء في حياة الإنسان، يحمون حماه من كل دخيل، ويبادرون بالعلاج كلما ألم بساحته مرض.
وهذا دواء من أدوية القلب، يتقدم به إلى مرضى القلوب، أحد أطباء القلوب، وهو يتركب من خمسة أشياء كل واحد منها دواء قائم بنفسه يكفي للقضاء على كل داء ينزل بساحة القلب، إذا استعمل بصدق وإخلاص. وأول هذه الأشياء الخمسة:
(1/345)

قراءة القرآن بتدبر، وأي دواء للقلب كالقرآن الذي جعله الله شفاء للقلب، إذ يقول: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} والذي له من التأثير ما يعبر الله عنه بقوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وبقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} أي لكن هذا القرآن، ولكن المشكلة أننا لا نقرأ القرآن بقلوبنا، أو نقرؤه بقلوب مقفلة، أي أننا لا نتدبر القرآن كما قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}؟ وكيف نبيح لأنفسنا قراءة القرآن بلا تدبر، وقارىء القرآن كالمتحدث مع الله؟ كما قال عليه الصلاة والسلام "إذا أحب أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ القرآن".
ثانيها: خلاء البطن، وكيف لا يكون خلاء البطن دواء للقلب وكل ما نشكوه من بلاء، ناشيء عن هذا الامتلاء، لذا يقول صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن" الحديث، لأن البطن إذا امتلأ ضغط على القلب فران عليه الصدأ، وتكاثف عليه البخار فحجب عنه أنوار الفكر، ومن هنا قيل: (البطنة تذهب الفطنة)، فضلا عن أن امتلاء البطن يورث الكسل، ويجلب النوم الذي طالما فوت على أصحابه كثيرا من أعمال البر، ومن هنا قال عيسى عليه السلام: يا بني إسرائيل.: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا فيفوتكم خير كثير.
ثالثها: قيام الليل، أي إحياؤه بضروب من الطاعات والقربات، من صلاة وتسبيح ودعاء واستغفار وإنما كان لعبادة الليل هذا الفضل والإمتياز عن عبادة النهار، لأن الليل أفرغ للبال، وأجمع للفكر، وأبعد عن الضوضاء، وأدعى للسلامة من الرياء، فالعبادة فيه أقرب إلى الإخلاص والصدق، ومن ثم فهي أقرب إلى الله وأحق بالقبول، وأدعى إلى إصلاح القلب وتطهير الوجدان، وتهديب الخلق، ومن هناك كان حث الشارع عليها أكثر:
روى الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "أيها الناس افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام"، وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ إمرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء".
(1/346)

ولا يندهش القارىء لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أبت نضح في وجهها الماء"، وليكن شجاعا في الله وفي سبيل إقامة بيته على دعائم ثابتة قوية، ولا يقل أن هذا اعتداء على حق الزوجة فإن الله تعالى يقول: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ}، ولكن عفوا، فأين الزوج الذي يقوم الليل في زمن قل فيه المحافظون على أداء الفريضه في وقتها، فكيف بقيام الليل الذي لا يتعرض الشيطان لشيء كما يتعرض له؟
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يعمد الشيطان على قافيه رأس أحدكم، إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
رابعها: التضرع عند السحر، والتضرع هو الخضوع والتذلل في الإلتجاء إلى الله والرجوع إليه في طلب الحاجات، وخير ظرف لذلك هو وقت السحر حيث يكون القلب على نقائه وطهره وفراغه من شواغله المادية، وبعد أن يكون قد توسل إلى الله بخير الوسائل وأحبها إليه وهي قيام الليل، فالدعاء المرجو الإجابة، ما كان بعد توثيق الصلة بالله، وتوكيد الزلفة إليه بما رغب فيه من طاعة وشرعه من عباده.
خامسها: مجالسة الصالحين، وما أعظم نفع هذا الدواء، ولكن ما أعظم زهدنا فيه، وأشد غفلتنا عنه، فإن عدوى الآفات الروحيه أشد تأثيرا من عدوى الآفات البدنية، والبذرة الصالحة تفسدها البيئة الفاسدة، وشياطين الإنس أشد ضراوة وأكثر شرا من شياطين الجن، بل لولا شياطين الإنس لما كان لشياطين الجن كل هذا السلطان علينا، وخير للعاقل الحازم إذا أعوزه الجليس الصالح أن يفزع إلى مجالسة المصحف، أو مصاحبة الكتاب، أو ملازمة المسجد، متى فرغ من كفاحه الاجتماعي في الخارج، وأن يكون على حد قول القائل:
وحدة الإنسان خير … من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير … من جلوس المرء وحده
(1/347)

فلنجرب هذه الخمسة في إصلاح قلوينا، فنحن أحوج ما نكون إلى إصلاح قلوبنا ولا سيما في هذا الدور الحاسم الذي تجتازه الأمة، والذي ألزم ما يلزم له، قلوب طاهرة نقية متحدة متآخية ..
(1/348)

الحسد
كتب إلي أحد القراء الأدباء يقترح علي أن أتناول هذا الداء من أدواء القلوب، بفصل من هذه الفصول، وكان ذلك منذ أيام ... وبعد كتابة الفصل السابق في مرض القلب ودوائه، رأيت أن الفرصة قد سنحت لتلبية هذا الطلب، وتحقيق رغبة هذا الأخ.
قيل للحسن البصرى: أيحسد المؤمن أخاه؟ قال: لا أبا لك، أنسيت إخوة يوسف؟ يشير الحسن بذلك إلى حسد أبناء يعقوب ليوسف- أخيهم لأبيهم- وإلقائهم له في الجب، لما رأوه من إيثار أبيهم إياه ولاسيما بعد أن سمع منه رؤياه، التي يشير إليها قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}، وليس مبعث هذا الكيد من أبناء- يعقوب لأخيهم إلا الحسد.
- إذن- فالحسد، لا يكاد يسلم منه أحد، وهو داء قديم مزمن، رافق الخليقة منذ نشأتها، حتى قيل: (الحسد أول ذنب عصى الله به في السماء- يعني حسد إبليس- وأول ذنب عصى الله به في الأرض- يعني حسد أحد أبناء آدم لأخيه حتى قتله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، وليس مبعث قتل هذا الأخ لأخيه إلا
(1/349)

الحسد، ومن هنا قال حاتم الأصم: "أصل الطاعة ثلاثة أشياء: الخوف، والرجاء، والمحبة، وأصل المعصية ثلاثه أشياء: الكبر، والحرص، والحسد" نعم يبعث على الطاعة واحد من ثلاثة، أو ثلاثة مجتمعة: خوف عقاب، أو رجاء ثواب، أو محبة صادقة، كتلك المحبة التي تحدثت عنها رابعة العدوية عندما قال لها سفيان الثوري لكل عبد شريطة، ولكل إيمان حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قالت له: ما عبدت الله خوفا من النار، فأكون كالأمة السوء، إن خافت عملت، ولا حبا في الجنة، فأكون كالأمة السوء، إن أعطيت عملت، ولكني عبدته حبا له وشوقا إليه وأول ما دفع إلى المعصية ثلاثه أشياء: الكبر ويتمثل في تكبر إبليس عن السجود لآدم، والحرص، ويتمثل في حرص آدم وحواء على الأكل من الشجرة المحرمة، والحسد، ويتمثل في كيد إبليس لهما حتى أخرجهما من الجنة، وفي قتل قابيل لأخيه هابيل {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ}.
وإذا كان الحسد قديما أصيلا، فهو داء عقام عياء، يعز دواؤه، ويتعذر شفاؤه، كالشجرة كلما غاصت أصولها في الأرض استعصى اقتلاعها:
[كل العداوات قد ترجى إماتتها … إلا عداوة من عاداك من حسد]
وقال معاوية: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها. ولكن الحاسد ينال- على ذلك- جزاءه العادل العاجل بما يعتلج في إحشائه، من نار الحسد القاتل، (ولله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله)، بل إن بلاء الحاسد ليتفاقم ويتزايد حتى يستلفت نظر المحسود ويسترعى انتباهه، فيستدر رحمته وعطفه بمثل قول القائل:
إني لأرحم حاسدي لحرما … ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم … في جنة وقلوبهم في نار ...
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي … فكأنني برقعت وجه نهار ...
وسترتها بتواضعي فتطلعت … أعناقها تعلو على الأستار ...
وقال ابن المقفع: (أقل ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذابا ليس بمدرك به حظا، ولا غائظ به عدوا، فإنا لم نر ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، طول أسف،
(1/350)

ومحالفة كآبة، وشدة تحرق، ولا يبرح زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا، ويكدر على نفسه ما به من النعمة، فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا على من لا يترضاه، ومتسخطا لما لن ينال فوقه، فهو منغص المعيشه، دائم السخطة، محروم الطلبة، لا بما قسم له يقنع، ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلب في فضل الله مباشرا للسرور، منتفعا به ممهلا فيه إلى مدة، ولا يقدر الناس لها على قطع وانتقاص. فإذا كان الحسد ينال من صاحبه هذا المنال، ويجر عليه هذا الوبال، دون أن يصل إلى غرضه السيء من أبطال تدبير الله وصرف نعمه عن خلقه فلم لا يريح نفسه من جهد بلا فائدة، وعناء بلا غناء، ويصنع ما يصنعه التاجر الكيس الذي لا يقدم على تجارة يتحقق فيها الخسارة، أو يفعل ما فعله ذلك الأعربي الفطن، الذي يروي لنا الأصمعي قصته اذ يقول: رأيت أعرابيا قد أتت له مائة وعشرون سنة، فقلت له: ما أطول عمرك! فقال: تركت الحسد فبقيت! ثم لماذا الحسد، كل ما يتكالب عليه الحساد، يؤول إلى زوال، ويصير إلى نفاد؟.
[لو فكر العاشق في منتهى … حسن الذي يسبيه لم يسبسه]
وإذا كان في هذه الحياة شيء يستحق أن يتحاسد الناس عليه، فهو ما أشار صلى الله عليه وسلم إليه إذ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها".
على أن المراد بالحسد في الحديث هو التنافس أو الغبطة التي هى تمني مثل ما للنايس من نعمة، لا الحسد على بابه، وهو تمني زوال النعمة على الغير، أو أن المراد، أن الحسد إذا حسن في شيء ففي هذين، أي في أن تنفع المجتمع بأحد شيئين: وهما المال والعلم، وأي شيء أنفع من المال، الذي هو قوام الأعمال؟ ومن العلم الذي صلح عليه أمر الدنيا والدين، والذي لا يصلح عمل ولا عبادة بدونه، فكان- لذلك- أول ما نادى به هذا الدين، في أول آية نزلت من كتابه المبين؟ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} ولكن يجب أن لا يغتر الأغنياء أو العلماء، فلا عبرة بمجرد الغنى أو العلم، وإنما العبرة بالنفع في الغنى والعلم، وهو ما يصرح به صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إذ قال عن صاحب المال: (فسلطه على هلكته- إفنائه- في الحق) وإذ قال عن صاحب الحكمة- أي العلم-: (فهو يقضي بها ويعلمها).
(1/351)

أما الغني لحب التفوق والاستعلاء، والعلم لحب الظهور، وللجبروت والطغيان (وللعلم طغيان كطغيان المال) فلا يجلبان إلا الحقد والبغضاء من الناس، والسخط والمقت من الله، وتلك هي التبعة بلا ثمرة، والتجارة بلا ربح، وهو ما وقع فيه أكثر أغنيائنا، ومعظم علمائنا: (وما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟) وبعد، فإن الحسد آفة من آفات المجتمع التي تفتك بوحدته وتنخر في هيكل تضامنه، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى الوحدة والتضامن ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى مقاومة هذه الآفة والتطهر منها، وقانا الله شر الحسده.
(1/352)

الحرص
بعد كتابة مقال (الحسد) خطر لي أن أستوفي الكلام في أصول المعصية الثلاثة التي هي (الحسد) و (الكبر) و (الحرص)، بالكلام على (الحرص)، أما الكبر فقد أخذ حظه في مقال الغرور.
الحرص، شبيه بأخويه: (الحسد) و (الكبر)، فإذا كان الحسد عدو الإنسانية لأنه يتمنى لها الحرمان، وكان (الكبر) لا يقل عن الحسد عداوة للإنسانية، لأنه يتكبر عليها ويطلب الاستعلاء على أبنائها بغير حق، فإن الحرص لا يتخلف عن أخويه في المضمار فهو يريد الإستئثار بكل شيء، والاستيلاء على الضروري والكمالي من مطالب العيش، ووسائل الحياة، إنه جوع النفس الذي لا يسده شيء، والذي عبر عنه أحسن تعبير قوله عليه الصلاة والسلام: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى الثالث ينفق منه) الحديث، هكذا: (لتمنى الثالث ينفق منه) فهو دائما يطلب المزيد، لا يقف عند حد كالذي يجرى وراء خياله، وكأن شاعر المهجر قد طاف خياله في هذا الأفق إذ قال:
جوع النفوس، هو الجوع الذي عجزت … عن سده هذه الدنيا وما تسع
نعم جوع النفوس، هو الجوع الذي لا يشبع، هو الجوع الذي لا يسده شيء في هذه الدنيا، هو الجوع الذي شرد النوم عن عيون الأغنياء، ونفى الطمأنينة عن قلوبهم، حرمهم الكنز الذي لا يفنى، وهو القناعة، فعاشوا جياعا، لمان كانوا شياعا، وقضوا
(1/353)

دنياهم فقراء، وإن كانوا أغنياء، وهم في أخراهم، أشد ضرا منهم في دنياهم، لأن حرصهم في دنياهم أعماهم، وأنساهم أخراهم، فحق عليهم بذلك قول علي رضي الله عنه -
في البخيل-: (يعيش البخيل في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء)، {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}، إنه الجوع الذي ولد التذلل والخضوع، لأنه ولد الطمع والجشع، والنفاق والملق، والبخل والجبن، وولد الغش والخداع، والسرقة والخيانة، وولد الشر والفساد، والظلم والإستعباد، وولد الحرب والاستعمار، والخراب والدمار، وأهلك الحرث والنسل.
ذلك هو الحرص، داؤنا القديم، الذي لقحت به دماء أبينا الأول وجعله لا يقنع بكل ما في جنان الخلد من الطيبات، وأفانين المشتهيات ودفع به إلى معصية ربه، الذي خلق الجنة من أجله، وأغراه بالأكل من الشجرة التي نهاه عنها، فكان جزاؤه إخراجه من الجنة وحرمانه منها، إلى دار حلالها حساب، وحرامها عقاب، وبذلك كان الحرص أحد أصول المعصية الثلاثة، وبقى لقاحا خبيثا في دمائنا لا نتخلص منه قبل أن نقضي أيامنا المعدودة في هذا المنفى البغيض اذي أخرجنا إليه من جنة الخلد ودار الكرامة، عقابا
لنا على مخالفة الأمر الإلاهي التي أغرانا بها الحرص اللجوج، عقابا يبقى لنا درسا بليغا وذكرى خالدة أليمة، تذكرنا بعاقبة الحرص الوخيمة، حتى لا نقع في حبائله مرة أخرى فنحرم الجنة إلى الأبد، ولنعلم أن ما أخرجنا من الجنة- وهو الحرص- لا ندخلها قبل أن نتطهر منه، ونبتعد مدى حياتنا عنه، ولكن إبليس- عدونا الأكبر- الذي دبر هذه المؤامرة، وجرب هذا اللقاح، واستغل فينا هذه الغريزة اللجوج لحرماننا من دار النعيم المقيم، مازال لم يطفيء غلته ما أحرزه من نصر على خصمه، فيقف لأبنائه في طريق عودتهم إلى الجنة يصدهم عنها، ويستغل فيهم نفس الغريزة التي استغلها في أبيهم من قبل، وأوتي من الحرص في هذا الإغواء ما لا يماثله إلا حرص الأنبياء على الإهداء، وما أبدع قول الأستاذ الإبراهيمي في أحد دروسه النافعة، عند قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} الآية: (من طبيعة الشيطان الحرص، فهو إذا وجد منا يقظة لم ييأس، بل خنس بنتظر أن تحين منا غفلة، ليعيد الكرة)، ولسوء حظنا اجتمع- لإغوائنا- حرصان حرصنا المركوز في طبائعنا، وحرص إبليس على إغوائنا، فلا عجب أن يقول عليه الصلاة والسلام: "يشيب ابن آدم وتشيب معه خصلتان: الحرص، وطول الأمل"، وطول الأمل هو علة العلل، وهو الباعث على
(1/354)

الحرص، وهو الذي يجعل الحرص على الحياة، أبعد مدى وأطول عمرا من الحياة، "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض خطين، أحدهما أبعد من الآخر، وقال: هنا الأمل- وأشار إلى الخط الأقرب- ثم قال: وهنا الأمل- وأشار إلى الخط الأبعد-"، أي أن الإنسان يؤمل أبعد مما يعمر، وإذا طغى طول الأمل بصاحبه إلى هذا الحد، ران على قلبه، وأعماه، وأنساه أخراه، وجعل إلاهه هواه، وذلك هو الأمل الذي يعصف برؤوس الذين لا يؤمنون بالله، في قوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، وليس من ذلك الضروري من الأمل الذي يبعث على صالح العمل، ولا الحرص الممدوح الذي هو الطموح إلى معالي الأمور، فإن النبي صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها}.
فلولا هذا الطموح، لما كان سعي إلى خير، ولا تنافس في فضل، ولا تسابق إلى كمال، ولغدت الحياة صحراء جرداء خرابا يبابا.
فخير- إذن- من الحرص وطول الأمل، الطموح إلى معالي الأمور، والسعي الموفور في ميادين العمل.
(1/355)

كلمة إلى القارئ
والآن وقد فرغت من كتابة هذه الفصول وتقديمها إليك- يا قارىء العزيز- فقد بقي عليك أن تقوم بالدور الإيجابي والخطوة الحاسمة بجعل هذه الفصول حية تعيش كما يعيش الأحياء في سلوكك وعملك وذلك بإخضاع سلوكك وعملك لها، وتطبيقك لمنطوقها ومفهومها، وبذلك تعطي لهذه الفصول قيمتها الأساسية وتبرز أثرها العملي في دنيا الواقع، فما كتبت هذه الفصول لتقرأ ثم تطوى وتصبح نسيا منسيا، كما يفعل الناس بالروايات والأقاصيص، وإنما كتبت لتحقق أغراضها وتصل إلى أهدافها بتغيير أوضاعنا السيئة والتمهيد لإعادة المجتمع الإسلامي الأفضل.
فهل تعين على تحقيق هذا الغرض، وإصابة هذا الهدف، وبلوغ هذه الأمنية يا قارىء العزيز-؟ ...
(1/356)