Advertisement

جريدة الشريعة النبوية المحمدية


الكتاب: جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية
المؤلف: تصدرها «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» تحت إشراف رئيسها الأستاذ عبد الحميد بن باديس.
يرأس تحريرها: الأستاذان العقبي والزهري.
تصدر:يوم الإثنين من كل أسبوع
الأعداد: سبعة.

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ـ[جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية]ـ
·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·
لسان حال «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين».
تصدرها الجمعية تحت إشراف رئيسها الأستاذ عبد الحميد بن باديس.
يرأس تحريرها الأستاذان العقبي والزاهري.
(تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع).
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا}.
«مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الأعداد: (7 جرائد - في كل جريدة 8 صفحات).
__________
- صدر العدد الأول: يوم الاثنين 24 ربيع الأول 1352ه الموافق لـ 17 جويلية 1933م.
- صدر العدد الأخير: يوم الاثنين 07 شهر جمادى الأولى 1352ه الموافق لـ 28 أوت 1933م.
- صدر قرار القاضي بتعطيل الجريدة بتاريخ: 09 أوت 1933م.
الأعداد موجودة في: موقع نور الهدى بوابة المغرب الإسلامي (تحت إشراف الشيخ مصطفى بلغيث -جزاه الله كل خير-) www.nouralhuda.com
[ ملاحظة يرجى الانتباه لها: موافقة لصفحات الجريدة، حافظت على الفقرات كما هي في الأعمدة (فالجريدة موافقة للمصور)].
[أعدها للشاملة/ أبو ياسر الجزائري].
(/)

____________________________________________________
………………………… السنة الأولى / العدد الأول ……………………………
قسنطينة يوم الاثنين 24 ربيع الأول 1352 … Constantine le 17 juillet 1933
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعطيل ((السنة)) وإصدار ((الشريعة)):
للأستاذ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

ـ[عمود:1]ـ
روعت الأمة بنبإ تعطيل جريدة ((السنة)) بقرار من وزارة الداخلية وتقاطرت على الإدارة رسائل الاستياء والتعجب ولم يكن تعجب الناس من تعطيل جريدة دينية بعيدة كل البعد عن السياسة دون استياءهم من عرقلة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن عملها الديني التهذيبي الذي ذاقت الأمة حلاوته وشاهدت جميل أثره.
أما نحن فقد شاركنا الأمة في الاستياء ولم نشاركها في التعجب فقد كنا توعدنا بأشياء, هذا التعطيل أحدها, فجاء ونحن له متوقعون. غير أن الذي نعجب منه نحن المباشرين لتسيير الجمعية هو التبدل العظيم والانقلاب السريع الذي شاهدناه من بعض الإدارات نحو الجمعية.
لقد تجولت وفود الجمعية السنة الماضية في جميع جهات الوطن وألقى وعاظها خطبهم ودروسهم في المحافل العامة وكثيرا ما كان يحضرها رجال من الحكام وكانوا يلقون من شيوخ البلدان الأميار وحكام الدوائر كل تعضيد وتقدير وقابلنا بعد تمام الرحل إدارة الشؤون الوطنية بالعاصمة فلم نسمع على خطتنا أدنى إنكار ولم نتلمح أقل إشارة إلى

ـ[عمود:2]ـ
ارتياب في الجمعية أو استثقال لأعمالها فما الذي بدل العقول وحول النيات، وحمل بريفي العاصمة على ابتداء منازلة الجمعية بقراره المشهور وحمل تلك الإدارات على مناوءة الجمعية ومضايقة رجالها وعرقلة أعمالها حتى عطلوا جريدة السنة لغير ما سبب إلا أنها جريدة الجمعية ولسان حالها؟! هذا محل سؤالنا ومناط تعجبنا.
وبعد فما ينقم علينا الناقمون؟ أينقمون علينا تأسيس جمعية دينية إسلامية تهذيبية تعين فرنسا على تهذيب الشعب وترقيته ورفع مستواه إلى الدرجة اللائقة بسمعة فرنسا ومدنيتها وتربيتها للشعوب وتثقيفها فإذا كان هذا ما ينقمون علينا فقد أساءوا إلى فرنسا قبل أن يسيئوا إلينا, وقد دلوا على رجعية فيهم وجمود لا يتناسبان مع المبادئ الجمهورية ولا مع حالة هذا العصر. أفتكون في الهند جمعيات للعلماء تقوم بأعمالها بغاية الحرية والهناء عشرات من السنين تحت السلطة الإنجليزية الغاشمة القاسية وتضيق صدوركم أنتم عن تكون جمعية واحدة للعلماء المسلمين بالجزائر تحت المبادئ الجمهورية العادلة المشعة بعلومها على الأمم فتناهضوها وهي ما تزال في المهد

ـ[عمود:3]ـ
أفظننتم أن الأمة الجزائرية ذات التاريخ العظيم تقضي قرنا كاملا في حجر فرنسا المتمدنة ثم لا تنهض بجنب فرنسا تحت كنفها يدها في يدها فتاة لها من الجمال والحيوية ما لكل فتاة أنجبتها أو ربتها مثل تلك الأم أخطأتم يا هؤلاء التقدير وأسأتم الظن بالمربي والمربى وبعدتم عن العلم بسنن الكون في نهضات الأمم بعضها ببعض عند الاختلاط أو التجاور أو الترابط بشيء من روابط الاجتماع.
أنظروا شيئا إلى ما حواليكم من الأمم وتأملوا فيما تنادي به الشعوب وما تعلنه من مطالب فإنكم إذا نظرتم وتأملتم حمدتم لهذه الجزائر الفتية نهضتها الهادئة وتمسكها المتين بفرنسا وارتباطها القوي بمباديها وعدها نفسها جزءا منها وقصرها لطلبها منها على أن تعطى جميع حقوقها كما قامت بجميع واجباتها وأن لا يتقدمها في أيام السلم من قد لا يساويها في أيام الحرب.
لا، لا أخالكم تنظرون ولا تتأملون فإن الأثرة المستولية على النفوس حجاب كثيف يحول دون رؤية الحقائق كما هي ويحول حتى دون رؤية مصلحة فرنسا الحقيقية نفسها. وإني لأفهم من مناهضتكم العجيبة للجمعية هي جمعية دينية تهذيبية بعيدة عن كل سياسة - إنكم لا تريدون من الجزائر إلا أن تبقى جامدة وأن لا تتمتع بشيء من الحق إلا ما لا غناء فيه ولا بقي معه ولعمر الحق
(1/1)

_____
الصفحة 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
إن من يريد هذا بالجزائر اليوم لمخالف للشريعة والطبيعة إذ من الطبيعي أن تتحرك الجزائر ضمن الجمهورية الفرنسية في زمان تحرك ما فيه حتى الحجر, ومن الشرعي أن تنال منها الحقوق كفاء ما قامت به من الواجبات.
آستكثرتم على الجزائر أن تكون لها جمعية لها منزلتها العظيمة في قلبها وجريدة لها قيمتها الكبيرة في نظرها؟ فنبشركم أنه سيكون للجزائر الفرنسية جمعيات وصحف وسيكون لها وسيكون .. حتى يقف المسلم الجزائري مع أخيه من بقية أبناء فرنسا على قدم المساواة الحقة التي يكون من أول ثمراتها الإتحاد الصحيح المنشود للجميع.
أم هالكم أن يكون في أبناء الجزائر الفرنسوية من لا يزحزحه عن مبدئه وعد ولا وعيد ولا يستهويه رنين ولا زخرفة؟ فنبشركم بأن الجزائر المفطورة على مبادئ الإسلام والمتغذية بمبادئ فرنسا أنجبت وتنجب رجالا كما رأيتم وفوق ما تظنون رجالا تفتخر بهم فرنسا كما تفتخر بسائر أبنائها الأحرار.
كونوا كما تشاءون أيها السادة فلكم - وأنتم تمثلون ما تمثلون - كل احترامنا, وظنوا بنا ما تشاءون فإنا على بصيرة من أمرنا ويقين من استقامة خطتنا ونبل غايتنا. ومهما تبدلت اعتقاداتنا في أناس بتبدل معاملاتهم لنا فلن تتبدل ثقتنا بفرنسا وقانونها.
وعلى خطتنا المستقيمة وهي نشر العلم والفضيلة ومقاومة الجهل والرذيلة.
وعلى غايتنا النبيلة وهي تثقيف الشعب الجزائري المرتبط بفرنسا ورفع مستواه العقلي والخلقي والعملي إلى ما يليق بسمعة فرنسا.
وعلى ثقتنا بعدالة فرنسا وحرية الأمة الفرنسية وديموقراطيتها.
- أسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأسست جريدة ((السنة)) المعطلة، وأسسنا اليوم بدلها جريدة ((الشريعة المطهرة)) وستقوم - إن شاء الله - مقامها وتحل من القلوب محلها والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ـ[عبد الحميد بن باديس]ـ

ـ[عمود:2]ـ
تلغراف الاحتجاج:
وقع حجز جريدة ((السنة)) بالعاصمة والمجلس الإداري للجمعية منعقد بها فاتفق المجلس على رفع احتجاج على تعطيله وكلف الرئيس برفعه بعد اتصاله بقرار التعطيل رسميا ولما اتصل به رفع الاحتجاج ببرقية هذا نصها:
وزير الداخلية - باريس
إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعرب لكم عن استيائها البالغ منتهاه وعن حزنها العميق الذي سببه تعطيل جريدة ((السنة)) العربية وتحتج بكل ما لها من قوة على قراركم المؤرخ بـ 22 جوان القاضي بهذا التعطيل الذي ينشأ عنه للجمعية ضرر مادي وأدبي جسيم - وإن عجب الجمعية عظيم جدا ومما يزيد في عظمه أنها تجهل أسباب التعطيل لعدم ذكرها في قراركم وإنها تعلن وتصرح أن الجريدة المعطلة لم تنشر إلا ما كتب في مواضيع دينية بحتة وفي مسائل لا تخرج عن دائرة العقائد والعبادات وتغتنم هذه الفرصة لإلفات نظركم إلى الدسائس التي يدسها لها بعض خصومها الذين لا غاية لهم سوى إنشاء شتى العراقيل في سبيل مشروعها التهذيبي الأخلاقي وتشويه سمعة أعضائها الذي يشهد الواقع بنزاهتهم التامة وبراءتهم من كل تهمة.
ـ[رئيس الجمعية: عبد الحميد بن باديس]ـ

رفع قضية ضد التعطيل
وقد كلفنا محامي الجمعية برفع قضية لدى مجلس الدولة الأعلى ضد قرار التعطيل.

_…_…_…_
ـ[أسفل الصفحة]ـ
الإجتماع العام
لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين
بقلم الأستاذ الزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

ـ[عمود:2]ـ
كان هذا الأسبوع الماضي سارا يدعو إلى الغبطة والرضى، فقد أظهرت فيه أمتنا هذه الأمة العربية المسلمة أنبل العواطف، وأشرف الإحساسات نحو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فلم تكد جريدة ((السنة)) الشهيدة تؤذن في الناس بالدعوة إلى الاجتماع العام لهذه الجمعية حتى استجابوا لها، وأتوها من كل فج

ـ[عمود:3]ـ
عميق, أتوها رجالا وعلى القطر والسيارات، من أعماق الصحراء ومن قنن الجبال، ومن حدود تونس إلى حدود المغرب الأقصى.
وكان موعد الاجتماع يوم الاثنين ويوم الثلاثاء (3 - 4 ربيع الأول 1352)، ولكن ما جاء يوم الأحد حتى امتلأت الجزائر العاصمة بوفود العلماء والوجهاء
(1/2)

_____
الصفحة 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
والأعيان من أعضاء الجمعية العاملين والمؤيدين، وما كنا نطمع أن يحضر هذا الاجتماع كل هؤلاء الفضلاء والعلماء في جموعهم الغفيرة هذه، وفي عددهم الكثير هذا الذي لا يكاد يحصى.
لقد وضعت في سبيل هذه الجمعية وأعضائها كل العراقيل والصعوبات واستعملت كل الوسائل لمنع الناس من أن يحضروا هذا الاجتماع، وسمعنا وسمعوا كل وعد ووعيد، وكل ترغيب وترهيب ولقينا كل تضييق، وذقنا كل بلاء وأذى وهذه الأزمة لا تزال خانقة شديدة على الناس، وقد أصبح هؤلاء الناس في وفرة الأشغال لأن الفصل فصل حصاد، وإدارة السكك الحديدية هي الأخرى قد منعتنا حقا من حقوقنا، وامتنعت أن تحفظ لهذه الوفود الكريمة أدنى شيء من أجرة الركوب ... ومع هذه العراقيل كلها ومع عراقيل أخرى غيرها فإن هذا الاجتماع العام قد نجح نجاحا عظيما ما رأينا له من نظير في هذه البلاد.
ولقد ورد على هذا الاجتماع العام لجمعية العلماء باسم الأستاذ الرئيس عدد كثير من برقيات التأييد. منها برقية وردت من تبسة أمضاها مئتان (200) من التجار والشبان. ووردت مئات من رسائل الاعتذار أرسل بها من كل أنحاء القطر الجزائري أنصار الجمعية من أعيان البلاد وعلمائها الذين تخلفوا عن هذا الاجتماع لموانع شرعية، وأعذار مقبولة.
كان موعد المحاضرة الأسبوعية التي يلقيها الأستاذ العقبي في نادي الترقي الساعة الخامسة من مساء الأحد من كل أسبوع وجلس هذا الأستاذ كالعادة على المنصة التي رفعت له مساء هذا الأحد الأخير (2 ربيع الأول 1352)، وقام فحمد الله وأثنى عليه، وألقى محاضرة موجزة في حياة

ـ[عمود:2]ـ
النبي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنها جمعت كل ما عرف به الأستاذ من الفصاحة وسحر البيان وقام بعده الأستاذ بلقاسم الأوجاني (الأزهري) فتكلم كلاما طيبا مباركا فيه، وقام خطيب الشباب الأستاذ محمد الهادي السنوسي (الزاهري) فألقى خطابا جاء غاية في الفن والأدب والجمال. وقام بعد هذا صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس فألقى درسا يفيض حكمة وعلما وكان نادي الترقي بردهته الواسعة الفسيحة الكبرى، وبغرفه ومعابره ومماشيه الكثيرة الأخرى قد غص بالحاضرين وأط بهم أطا, فكان كالرمانة تراصت فيها حباتها وركب بعضها بعضا. وهنا لا بد أن نشير إلى أن هؤلاء الحاضرين كانوا كلهم من الضيوف الذين جاءوا من بعيد ليحضروا هذا الاجتماع، أما الذين يسكنون الجزائر وضواحيها والبليدة وما قرب منها وما بين ذلك فإنهم قد تركوا أمكنتهم للضيوف، ونعم ما فعلوا.
وفي صبيحة الاثنين (3 ربيع الأول 1352) كانت بطحاء الحكومة (بلاصة العود) وما حواليها من الشوارع والطرقات تموج موجا بأهل العلم والدين وبأنصار العلم والدين، قد ضاق عنهم نادي الترقي بردهاته ومدرجاته وغرفه ومعابره ومعارجه فلم يتسع لهم على أنه هو أرحب النوادي وأوسعها. وكانت وجوه هؤلاء الوفود ضاحكة مستبشرة، وكانت ملابسهم بيضاء نقية تدل على أن لهم نفوسا طاهرة زكية عليهم علائم العلم والدين، وعلى وجوههم ملامح الخير والصلاح، وكان هؤلاء الحاضرون كلهم أو جلهم من أهل العمائم واللحى، ليس فيهم إلا قليل من المتطربشين. ولما جاءت الساعة المعينة من هذا الصباح جلس أعضاء المجلس الإداري

ـ[عمود:3]ـ
لجمعية العلماء على المنصة التي نصبت لهم في المدرجة الكبرى من هذا النادي، ولما استوى بهم المجلس أذن الأستاذ رئيس الجمعية للأستاذ العقبي فافتتح الجلسة بتجويد آيات من القرآن العظيم، فاقشعرت الجلود لذكر الله، وخشعت الأصوات للرحمن واطمأنت القلوب، وفاضت الأعين بالدمع اتعاظا واعتبارا. وقام الأستاذ رئيس الجمعية فعرض على الحاضرين الحالة الأدبية للجمعية عن السنة الماضية، فأبان لهم أن الجمعية قد أحرزت على الثقة التامة من هذا الشعب الكريم، وأن لها عند الله الأجر الموفور والثواب الجزيل، وعند الناس الأحدوثة الحسنة، والسمعة الطيبة، والذكر الجميل, ثم قام الأستاذ الميلي أمين مالية الجمعية فقال أنه لا يستطيع أن يعرض في هذه الساعة الحالة المالية للجمعية لأن بعض رؤساء الشعب لم يدفعوا إليه ما تحصل لديهم من مال الجمعية الآن في هذا الصباح، وطلب أن يؤخر عرض الحالة المالية إلى صبيحة الثلاثاء ريثما يتمكن إتمام الحساب.
وقام الأستاذ العمودي الكاتب العام (أمين السر) للجمعية فتلا قائمة طويلة بأسماء السادة الذين كانوا عزموا على حضور هذا الاجتماع، ولأسباب قاهرة تخلفوا مضطرين وأرسلوا ببرقيات التأييد ورسائل الاعتذار. وكان عدد هؤلاء المعتذرين عددا كثيرا.
ثم قام الأستاذ الرئيس مرة أخرى وقرأ على الناس برقية احتجاج وتظلم وشكوى أرسلها الرئيس باسم الجمعية إلى رئيس الوزراء وإلى وزير الداخلية وإلى رئيس مجلس الشيوخ وإلى رئيس مجلس النواب وإلى رئيس جمعية حقوق الرجل وإلى سمو الوالي العام على القطر الجزائري وإلى آخرين من رجال السياسة
(1/3)

_____
الصفحة 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
في باريس وهذا نص البرقية:
الجزائر 26 جوان 1933
الجمعية العمومية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقدة في اجتماعها السنوي العام بنادي الترقي بالعاصمة الجزائر - تكرر إعلانها بارتباطها بالجمهورية الفرنسية والتزامها للعمل التهذيبي الإصلاحي حسب قانونها الأساسي في دائرة قوانين الجمهورية.
ثم تحتج بكل قواها على منشور بريفي الجزائر المؤرخ 16 فيفري 1933 الذي رماها فيه بوصمات منافية لدينها ومبادئها وهي منها بريئة.
وتحتج على قراره المؤرخ بـ 18 فيفري 1933 القاضي بمنع العلماء غير الموظفين من القيام بالتعليم الديني في المساجد.
وتحتج على أمره المؤرخ بـ 27 فيفري 1933 القاضي بحل الجمعية الدينية بالجزائر.
وتقدم شكواها بهذا كله الذي هو مس لكرامة الجمعية وتدخل في أمور دينية بحتة بالحل والتحجير إلى الرأي العام الفرنسي ورجال الدولة العظام، مستثيرة عطف فرنسا ومستجيرة بمبادئها الجمهورية العالية واثقة بها، هاتفة باسمها بكل تعظيم واحترام.
ـ[عن الجمعية الرئيس عبد الحميد بن باديس]ـ

وطلب الأستاذ الرئيس من السادة المجتمعين أن يقولوا كلمتهم في هذه البرقية فوافقوا عليها بالإجماع، وانتهت الجلسة على الساعة الثانية عشرة، واستأنفت على الساعة الثانية مساء، وحضرت اللجنة المعهود إليها بتقييد أسماء الأعضاء العاملين والمؤيدين وبإعطائهم أوراق العضوية فباشرت عملها من فورها، واستمرت فيه

ـ[عمود:2]ـ
إلى الساعة السادسة مساء حينما شرع الأستاذ رئيس الجمعية يلقي درسا في تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} إلى نهاية قوله تعالى: {مَنْ يَشْرِي نَفْسَه ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَهِ وَاللَه رَءوفٌ بِالْعِبَادِ}. فكان الأستاذ كما قال الأول:
عجبا لكم آتيتكم ببدائع … ويقاس بي من لا يشق غباري
وقال الأستاذ العقبي: أنه ما ينبغي لأحد أن يتكلم بعد هذا الدرس النافع المفيد.
وعلى الساعة التاسعة من صباح الثلاثاء أخذ أعضاء المجلس الإداري مجالسهم كالعادة على المنصة التي نصبت لهم في المدرجة الكبرى من النادي، وأذن الرئيس للأستاذ العقبي فقرأ بالتجويد آيات من الذكر الحكيم افتتح بها الجلسة ثم أذن الرئيس للأستاذ الميلي أمين مال الجمعية فقام فعرض الحالة المالية لجمعية العلماء عرضا دقيقا فإذا هي قد تقدمت تقدما محسوسا بالنظر إلى الأزمة الخانقة وإلى الظروف الحرجة التي حاقت بالجمعية وبرجالها، وألقى خطابا بليغا فيه ملح وطرائف وفيه موعظة وذكرى. وقام الأستاذ العمودي الكاتب العام فقرأ قائمة أخرى طويلة بأسماء الذين تخلفوا عن هذا الاجتماع لأعذار مقبولة، واعتذروا عن ذلك بالرسائل والبرقيات، فكان عدد هؤلاء المعتذرين أيضا عددا كثيرا يربوا على عدد الذين تليت أسماؤهم في الجلسة الأول.
ثم قال الرئيس: إن مهمة المجلس الإداري القديم قد انتهت الآن. وطلب إلى الجمعية العمومية أن تنتخب من بينها لجنة تشرف على عملية الانتخاب، فكانت هذه اللجنة هكذا: الشيخ مصطفى بوالصوف رئيسا، والشيخ مصطفى بن حلوش والشيخ محمد الهادي البوعبدلي والشيخ الشريف

ـ[عمود:3]ـ
الصائغي والسيد أحمد بن عبد المالك الأغواطي كتابا، والشيخ الطاهر الحركاتي والشيخ عبد الرحمان ابن بيبي عضوين. وشرعت هذه اللجنة في عملها في الوقت المسمى. ولما تمت عملية الانتخاب كانت الأصوات الصحيحة مائه وتسعين بعد ما طرح ثلاثة وعشرون صوتا من مجموع الأصوات، وخسرت أنا منها أربعة أصوات وخسر الميلي صوتين اثنين، وخسر خير الدين ستة أصوات وخسر أبو اليقظان ثمانية، وخسر كل من العمودي والحلوي وبن حمودي وعلي الخيار وبن زيان صوتا واحدا، وفاز ابن باديس والعقبي والإبراهيمي والتبسي بالإجماع ولم يخسروا من الأصوات شيئا، وتشكل المجلس الإداري القديم في عدد وأكثرية أعضائه على الشكل القديم وبقي ما كان على ما كان.
وعلى الساعة السادسة من مساء يوم الثلاثاء جلس المجلس الإداري الجديد على المنصة، وقام رئيس الجمعية الأستاذ ابن باديس فخطب خطابا بليغا كان أثره في نفوس السامعين أثرا عميقا، وشكر هذه الأمة الكريمة التي وضعت ثقتها للمرة الثالثة في هيئة إدارة جمعية العلماء وشرح للحاضرين بعض ما يحف بالجمعية من الظروف الحرجة والأخطار الداهمة وأخبرهم أن المجلس الإداري قد صبر وصابر واحتمل ما احتمل حتى كان مثالا نادرا في الصبر والاحتمال وقال لهم أن هذا المجلس نفسه لا يزال مستعدا لاحتمال كل ما قد يصيبه في الاحتفاظ بالجمعية وتنفيذ قانونها الأساسي من نصب وبلاء ثم قال: وأنتم أيها الإخوان لقد استجبتم داعي الله عندما دعيتم إلى حضور هذا الاجتماع فهل أنتم مستجيبون لنا كلما دعوناكم إلى ما تدعو إليه الجمعية من خير وما تحتاج إليه من موازرة وهل تعاهد المجلس الإداري كما عاهدكم على الاحتفاظ بالجمعية وتنفيذ قانونها الأساسي ونشر دعوتها الخيرية التهذيبية الإصلاحية وأنكم تكونون معها في الشدة والرخاء في نطاق الحق والقانون، فقالوا كلهم نعم ومدوا أيديهم يعاهدون المجلس على أن يكونوا مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يعاونونها على
(1/4)

_____
الصفحة 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
الهدى والخير.
وهنا كان النظر خاشعا رهيبا على غاية ما يكون رهبة وجلالا.
ثم قام نائب الرئيس الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي فحاضر الناس بمحاضرة قيمه حافلة جاءت على غاية اللذة والإمتاع، وفي منتهى الروعة والإبداع، وكان يلقيها بلهجة هادئة مطمئنة فيها عذوبة وفيها جمال، فاستولى بها على المشاعر والعواطف ولعب بالعقول والألباب. وتكلم الأستاذ العقبي - بطلب وإلحاح من الحاضرين - فجاد وأفاد، ولم يدع قولا لقائل، وألقى شاعر الشباب الأستاذ محمد العيد قصيدة عامرة مؤثرة قوبلت بتصفيق الاستحسان، وقام الأستاذ خير الدين فخطب خطابا بليغا وأنشد أبياتا حسنة للغاية وختم الرئيس هذه الجلسة بتلاوة فاتحة الكتاب وبقراءة بعض الدعوات التي وردت في القرآن الكريم.
وفي يوم الأربعاء استقبل المجلس الإداري رؤساء شعب الجمعية، والوفود، وفدا وفدا وتعرف إليهم جميعا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
وفي مساء يوم الخميس أقام نادي الترقي مأدبة فاخرة إكراما لجمعية العلماء المسلمين حضرتها شخصيات بارزة من الطبقات الرفيعة، ولما فرغوا من تناول الطعام قام الأخ السيد محمد بن مرابط وخطب باسم النادي فأثنى على جمعية العلماء ثناء طيبا، وقام رئيس الجمعية الأستاذ عبد الحميد بن باديس فارتجل خطابا قيما، وتلاه الأستاذ العمودي الكاتب العام للجمعية فخطب بالفرنسية ثم بالعربية ثم خطب الأساتذة: الإبراهيمي وأبو يعلى الزواوي وهذا الضعيف العاجز كاتب هذه السطور وبن حمودي ومحمد الهادي السنوسي (الزاهري) ومحمد العيد والعربي التبسي ومصطفى بن حلوش والطيب العقبي فأوفوا كلهم على الغاية في ميدان الفصاحة والبيان. ثم ختم رئيس الجمعية هذه الحفلة الشائقة بتلاوة فاتحة الكتاب ودعا بآيات من الذكر الحكيم فكانت هذه الدعوات الصالحة من أحسن وأعجب ما جرى في هذا الاحتفال، وما كنا نعلم أن مثل هذه المآدب والحفلات تختم بهذه الباقيات الصالحات.
وانتهت الحفلة في نحو منتصف الليل وخرج الناس مغتبطين مسرورين.
محمد السعيد الزاهري

ـ[عمود2]ـ
إحتجاجات الأمة
على تعطيل ((السنة))
ما تزال أجوبة الاستياء والاحتجاج تتقاطر على الإدارة ولا يتسع نطاق الجريدة لنشرها كلها. فلذا اكتفينا بنشر الاحتجاج التالي من الجمعية الدينية ببونة الموجه برقيا إلى فخامتي رئيس الوزارة ووزير الداخلية وهذا نصه:
م. دلادي رئيس الوزارة
م. شهرطا وزير الداخلية
باريس
باسم الجمعية الدينية الإسلامية فإني أرفع الاحتجاجات القوية ضد تحجير الجريدة العربية ((السنة)) التي هي لسان العلماء المسلمين الجزائريين ونشأ ذلك التحجير بعد وصد المكاتب القرآنية والمساجد.
ومثل هاته الأوامر التي لا داعي لها تعتبر موجهة ضد الديانة الإسلامية ويكون من شأنها المس بالعلائق الإسلامية الفرنسوية.
وإني معتمد على جنابكم لأجل الرجوع في الأوامر المذكورة ولكي تعامل جميع الأديان على حد السواء.
اعتباراتي الواضحة
حامدي الخوجة
رئيس

تكذيب
جاءنا ما يلي من حضرات إخواننا الشيوخ الفضلاء المجاورين بالأزهر الشريف لطلب العلم وتحصيله ننشره بنصه شاكرين لهم غيرتهم على الدين والوطن أدامهم الله مؤيدين لهما ساعين في خدمتهما:
((اطلعنا في جريدة الإخلاص عدد 21 على مقال يقول فيه صاحبه على التأييدات التي تأتي لجمعيتهم من الخارج فلم نعبأ بذلك لأننا نعلم علم اليقين أن مبدأها التمويه على الناس والتضليل على العقول ولكن أشد ما كانت دهشتنا عندما قرأنا فيها بأن هناك تأييدات ترد إليهم من الأزهر ولما كان هذا محض إدعاء وليس له نصيب من الصحة فإننا نعلن تكذيبه حتى لا يغتر بهم مغتر - نعم

ـ[عمود3]ـ
يوجد شخص واحد وهذا الشخص لا يعبر إلا عن نفسه فقط وأما بقية الجزائريين بالأزهر بل وكل عاقل منصف فإنهم ضد هذه الجمعية وضد جريدتها التي جعلت شعارها النميمة ومبدأها التوقيع بالعلماء الراشدين المخلصين.
وإننا كلنا كتلة واحدة نؤيد جمعية العلماء التي جمعت أفاضل الأمة وسادتها وقد اطلعنا على برنامجها وعرفنا غرضها الذي ترمي إليه وهو النهوض بأبناء الوطن إلى ذروة المجد، لذلك نجد رجالها المخلصين (أكثر الله من أمثالهم) لا يألون جهدا في سبيل نشر المعارف وإزالة المنكرات بكل الطرق المعقولة، لهذا نضم أصواتنا إليهم ونطلب من الله أن يوفقهم ويحقق طلبتهم، ولا يفوتنا بهذه المناسبة أن نقدم خالص شكرنا إلى رئيسها المخلص الأستاذ الأبر (الشيخ عبد الحميد بن باديس) وإلى جميع أعضائها العاملين نخص منهم بالذكر (الأستاذ الشيخ الطيب العقبي، والأستاذ الشيخ العربي بن بلقاسم) أطال الله في حياتهم آمين.))
الرجاء نشر هذه الكلمة في جريدتكم حتى يطلع عليها أبناء الأمة وليعلموا أن جميع ما تكتبه تلك الصحيفة عار من الحقائق، حائد عن قصد السبيل, ولعل هذه الكلمة تبهت الشيخ الحافظي الذي يدعي أن جمعية العلماء لم تلق تأييدا من أبناء الوطن.
ولعلها تكون رادعا له عن نشر مثل هذه الدعاوي في جريدته - وإن مما يدل على صدق جمعية العلماء ونزاهتها وإخلاصها أن جميع الصحف الحرة في مصر كثيرا ما تنقل عن مجلة (الشهاب) وجريدة (السنة) لعلمها بأنها هي لسان الأمة الناطق عن آرائها المعبر عما في نفوسها ولكننا مع مزيد الحمد والشكر لم نرها يوما ما نقلت عن جريدة الإخلاص لعلمها بالتجرد عن معنى مسماها والله لا يهدي كيد الخائنين.
27 صفر 1352
عن طلبة رواق المغاربة بالأزهر:
* السعيد بن محمد الطيب الرحابي، * البشير العروسي، *أحمد المدني محمد، * الأمين المدني محمد
(1/5)

_____
الصفحة 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[أعلى الصفحة]ـ
خطاب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الأستاذ عبد الحميد بن باديس الذي ألقاه في الاجتماع العام
ـ[عمود:1]ـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد فمرحبا بأبناء الجزائر وأفلاذ كبدها، مرحبا بورثة مجدها التالد وحماة مجدها الآتي الذي تتخبط به أحشاء الأيام.
مرحبا بكم أيها الإخوان الوافدون من أنحاء الوطن على جزائر مزغنا وآثار بلكين وعاصمتنا الجمهورية العظيمة - مرحبا بالوفود جاءت تخدم العلم وتؤيد العلماء وتمثل الروح العلمية السارية في الأمة الباعثة لها على اكتساب المعارف الإنسانية من جميع نواحيها والحاثة لها على تلبية دعوة العلم والانضواء تحت لوائه. مرحبا بوفود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أعضائها العاملين والمؤيدين بلسان الأمة الجزائرية الممثلة فيكم وبلسان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الممثلة في مجلسها الإداري وبلسان مجلس الإدارة الذي أنطق باسمه أقدم لكم الشكر الوافر على إجابتكم دعوة
الجمعية وحضوركم هذا الاجتماع الذي ملأ العيون والقلوب وأقام البرهان القاطع والدليل المشاهد على أن الجمعية جمعية الأمة وأنها تمثلها أصدق تمثيل.

ـ[عمود2]ـ
وأقدم مثل ذلك الشكر للإخوان الكثيرين الذين تخلفوا واعتذروا بالبرقيات والكتب وهم الذين سمعتم أسماءهم من الأخ الكاتب العام آنفا.
أيها الإخوان،
سأعرض عليكم في هذا الخطاب حالة الجمعية في السنة الماضية وأعمالها والحالة الحاضرة وموقفها فيها وما تنويه من الأعمال في المستقبل بإعانة الله.
فأما السنة الماضية فقد كانت منشطرة إلى شطرين فأما شطرها الأول فقد أوفدت الجمعية من رجالها للوعظ والإرشاد وفودا لبلدان القطر في العمالات الثلاث وقامت تلك الوفود بمهمتها خير قيام، وكانت تتلقى من رجال الحكومة كما تتلقى من الأمة بكل إكرام وأما الشطر الثاني منها وهو الذي يبتدئ بصدور قرار منع العلماء من الوعظ والإرشاد بالمساجد - فقد كان شطر بلاء وعناء على الجمعية ورجال مجلس إدارتها فمن تنمر وجره إلى إلصاق تهم، إلى خلق عراقيل إلى استثمار ذمم. ومن وعد وترغيب إلى وعيد وترهيب كل هذا والجمعية ورجال مجلس إدارتها ثابتون ثبوت الجبال ثقة من أنفسهم بأنهم دعاة حق وقصاد خير وعمال

ـ[عمود3]ـ
لصالح هذا الوطن بأمته وحكومته وجميع ساكنيه فانسلخت هذه السنة وأعمال الجمعية هي هذه؛ ما قام به وفودها من وعظ وإرشاد - وما قام به رجالها من تعليم في عدة بلدان - وما نشره كتابها في جريدة الجمعية - جريدة السنة النبوية المحمدية التي لقيت - بحمد الله من المسلمين غاية الإقبال - هذا كله قام به رجال الجمعية ولا غرابة أن يقوموا به فهم من أهل العلم وما أهل العلم إلا الذين ينشرون العلم بدروسهم ومحاضراتهم وخطبهم ومنشوراتهم.
* * *
ولكن الذي قام به رجال الجمعية وضربوا به المثل الرفيع للناس هو تضامنهم في الشدة كتضامنهم في الرخاء وثباتهم على يقينهم رغم كل زعزعة وإعصار وتضحيتهم بالمصلحة الخاصة في سبيل الصالح العام وثقتهم التامة بالله ثم بأنفسهم ثم بالمبادئ الجمهورية الفرنسوية التي كتبت بدماء أبناء فرنسا الأحرار فهذا الدرس العملي مرجو من فضل الله أن يكون أثره في الأمة وكل من يتقدم لقيادتها في ناحية من نواحي الحياة أبلغ الأثر وأقواه وأبقاه.

_…_…_…_
ـ[أسفل الصفحة]ـ
ـ[عمود:1]ـ
من إدارة الجريدة
تنبيهات
إلى السادة الباعة والمشتركين

إن أمين مال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ مبارك بن محمد الميلي قد قدم لمجلس إدارة الجمعية المنعقد إثر الاجتماع العمومي الماضي ... أعذارا تسوغ إعفاءه من حسابات مالية جريدة الجمعية فقبل المجلس أعذاره وأسند جميع ما يتعلق بمالية الجريدة إلى الرئيس فجميع الخطابات المالية وغيرها والمحاسبات توجه إليه بهذا العنوان:
Ben Badis Abdelhamid
13, Rue A. Lambert, 13
CONSTANTINE

ـ[عمود2]ـ
ليس للجريدة نائب متجول في أي ناحية. وستعلن الإدارة عمن تعتمدهم في جهاتهم.

ينبغي أن توجه قيم الاشتراك ومحصولات البيع على طريق الشيك بوسطال هكذا:
ALGER C / C 15457
Ben Badis Abdelhamid
13, Reu A. Lambert, 13
CONSTANTINE

مرغوب من باعة جريدة ((السنة)) أن يوجهوا المتحصل لديهم من الثمن على طريق الشيك بوسطال ويرسلوا كل النسخ الفاضلة عن البيع من جريدة ((السنة)) لأنها عطلت وحسابها انتهى في العدد الثالث عشر.

ـ[عمود3]ـ
كلمتنا هذه موجهة لكل مروج للسنة في تونس والجزائر والمغرب الأقصى فنرجو من كل واحد منهم أن يعتبرها ويعمل بمضمونها وله الفضل والشكر.

نرغب من كل مشترك تأخرت عنه الجريدة أن يعلمنا، ونرجو من الذين يحولون عناوينهم أن يشعرونا بعنوانهم الجديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
((الشريعة)) جريدة العلماء والاشتراك فيها تأييد لهم.
(1/6)

_____
الصفحة 7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
أيها الإخوان، إن جمعيتكم جامعة للناس فيما تفرقوا فيه من دين الله وهادية لهم فيما ضلوا فيه من سبيله وقد عرف الناس حقيقتها ولكن نجا أقوام وهلك آخرون، وإذا كان في استطاعة الجمعية أن تعظ وترشد فليس في استطاعتها أن تخلق التوفيق في نفوس كتب لها الضلال وما التوفيق إلا من الله وإن جمعيتكم هذه من الأمة وإلى الأمة وكل ما لها أو عليها فهو للأمة وعليها. وإنما قام بحمل أمانتها إخوانكم أعضاء مجلس الإدارة فقاموا بواجب أشهد بثقله وأشهد بأنهم قاموا به خير قيام وأنهم لا يرجون من الأمة إلا أن تعرف ما يدعون إليه عن بصيرة فتتبعه عن بصيرة وإنما يدعونها إلى واضح لا إلى مشتبه، وإلى حق لا إلى باطل وإلى هدى لا إلى ضلال وإنما يدعونها إلى الأعلام الهادية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهدي السلف الصالح من أمته رضي الله تعالى عنهم - يدعونها إلى هذا من أمور دينها ويدعونها إلى مجاراة السابقين في الحياة وأخذ حظها موفورا من أسباب الحياة لتكون حية بدينها وحية في دنياها ولتكون سعيدة فيهما.
إن جمعيتكم تفخر بأنها قامت بإحياء فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقت قل القائمون فيه بهاتين الفريضتين, وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما مرجع الفضائل الإسلامية ومنبعها، وقامت بإحياء هدي سلفنا الصالح في وقت طمت فيه البدع والأهواء على ذلك الهدي حتى خيف عليه الاندثار. وإن أول من رفع صوته بكلمة الحق في هذا الوطن وبلزوم الرجوع من بنيات الطريق إلى نهج الإسلام الواضح وبوجوب التماس الهداية من كتاب الله وما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أثر عن سلف هذه الأمة رضي الله عنهم - هم رجال هذه الجمعية قبل أن تكون الجمعية جمعية - فلهم الفضل يوم كانوا فرادى مستضعفين ولهم الفضل يوم مدوا أيديهم إلى بعضهم فأصبحوا أقوياء متعاونين وللأمة الفضل يوم سمعت نداء الحق فاستجابت ولها الفضل حين تشابهت السبل فما شكت وما استرابت ولها البشر من الله

ـ[عمود2]ـ
حين غاب المخلفون عن مشهد الحق فما غابت.
إن جمعيتكم جمعية علمية دينية تدعو إلى العلم النافع وتنشره وتعين عليه وتدعو إلى الدين الخالص وتبينه وتعمل لتثبيته وتقوية وازعه في نفوس هذه الأمة فوظيفتها هي وظيفة المعلم المرشد الناصح في تعليمه وإرشاده - الذي لا يبتغي من وراء عمله أجرا ولا محمدة وقد أراد إخوانكم رجال مجلس إدارة الجمعية - وهم حاملو فكرة الإصلاح الديني والعاملون لها والمنفقون لأوقاتهم في سبيلها أرادوا أن يكونوا أمثلة للأجيال المقبلة، في التضحية في الثبات على الحق في الجهر به وكما كانوا أمثلة فقد ضربوا الأمثال بأعمالهم وها هي دروسهم في جهات القطر ينبع منها التفسير الصحيح لكتاب الله والتأويل الحقيقي لكلام نبيه والشرح الكاشف لهدي السلف الصالح من أمته، وهذه محاضراتهم في جهات القطر تتدفق منها البلاغة العربية وتتجلى فيها أسرار الله في خلقه وتنكشف فيها حقائق هذا الكون ويعرض فيها داء هذه الأمة ودواؤها وها هم أولاء يحملون الأمانة الإسلامية فيحسنون حملها ويؤدونها فيحسنون تأديتها ويحملون الأمانة العلمية فكل شيء عندهم بدليله، وكل شيء يطلب من سبيله.
وهذه منشوراتهم في الصحف وعليها مسحة من نفوسهم: تبيين محكم، ورد مفحم، وحجاج مقنع.
هذه وسائلهم الثلاث التي سلكوها وسمحت بها الظروف إلى ساعتكم هذه، والتي نرجو لها بفضل الله وبهمتكم - أيها الإخوان - أن تزداد كل يوم رقيا وتقدما.
أيها الإخوان - إننا نعمل في النهار الضاحي والليل المقمر لمبدأ لا يقل عنهما وضوحا واستنارة بوسائل لا تقل وضوحا واستنارة كذلك فلا نعجب لمن يعارض ويكائد ويماري ولكننا نعجب لأنفسنا ولكم إذا أقمنا لتلك المعارضات والمكائد وزنا أو شغلنا بها حيزا من نفوسنا أو أضعنا فيها حصة من أوقاتنا وإن أدنى ما يغنمه المبطل أن يضيع الوقت على المحق - وإنني

ـ[عمود3]ـ
أوصيكم ونفسي في هذا المقام بأن يكون في حقكم شاغل لكم عن باطل المبطلين فإذا قام حقكم واستوى قضيتم على المبطلين وباطلهم وإننا نشهد الله والمنصفين من الأمة على أننا ماضون في بيان الحق وأن مبدأنا الإصلاحي التهذيبي قد ملك علينا حواسنا وأوقاتنا، فإذا بدر منا في بعض الأوقات كلام على باطل المبطلين فليس ذلك عن قصد له وحفل به ولكن لأنه صادمنا وتوقف إثبات حقنا على نفيه.
وما حيلة من يسلك سبيلا فتعترضه الصخور حتى لا يجد عنها محيدا - إن الضرورة تقضي عليه أن يجهد في نزعها وإماطتها ثم لا يكون جهده في ذلك إلا كتماديه في السير.
أيها الإخوان إن جمعيتكم تغتبط كل الاغتباط بهذه النتائج التي حصلت عليها في خلال سنتين من عمرها مع ما تخللها من العراقيل والمثبطات وهي تحمد الله على ما وفق إليه وأعان عليه ونشكر الأمة الجزائرية المسلمة على ما بذلت من تنشيط ومساعدة وتعد أكبر مساعدة قدمتها الأمة للجمعية هي عرفانها للحق الذي تدعو إليه - ونسأل الله الهداية لكل من ضل عن الحق، وإن جمعيتكم سائرة في عملها وهي تستقبل سنتها الثالثة بما ختمت به ما قبلها من دعوة إلى العلم الصحيح والدين الخالص راجية أن يكون يومها خيرا من أمسها وغدها خيرا من يومها.
أيها الإخوان -
كثر حديث الناس عن جمعيتكم المباركة وكثر خوض الخائضين فيها مدحا وقدحا، وإن كثرة التحدث عن الشيء لعنوان صادق على الاهتمام به وأن الاهتمام به لآية على إكباره وإعظامه أو - في الأقل - على كبره في نفسه وعظمه في الواقع.
* * *
كثر الحديث عن هذه الجمعية واختلفت منازع المتكلمين فيها وإن جمعية كهذه الجمعية في أمة كهذه الأمة في وطن كالوطن الجزائري لحقيقة بالتنازع فيها واختلاف المنازع في شأنها، وقد اختلفت فيها الأنظار يوم
(1/7)

_____
الصفحة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
تأسيسها فهي في نظر البعض شيء غريب، وفي نظر البعض شيء مريب، وفي نظر البعض شيء حسن ولكن أوانه غير قريب.
فأما الذين استغربوها فهم طائفة من السذج يقيسون الحقيقة الإنسانية بوجودهم ويقيسون التاريخ الإنساني بأعمارهم ويقيسون أسرار الاجتماع الإنساني ببيت تجمع زوجا وزوجة وأولادا يفرقهم الصباح للكد على القوت ويجمعهم المساء للنوم تحت السقف. فأي نقطة في الحياة عند هؤلاء تحتاج إلى مظاهر الحشد والاجتماع وضم رأي لرأي، وبهذا المقياس يقيسون الدين فهو عندهم إسم متعارف بين المسلمين وصلاة مفروضة تؤدى أولا تؤدى وانتساب إلى الإسلام يجري مجرى القانونيات في زمننا هذا والاعتقاد بجنة ونار من وسائلهما الأمل ولو بلا عمل فأية نقطة في الدين نحتاج إلى شيء اسمه جمعية علماء المسلمين.
ومن عجائب صنع الله لهذه الجمعية أن كل واحد من هذه الطائفة الساذجة قدر له أن يحضر درسا أو يسمع محاضرة يصبح بفضل الله مسلما اجتماعيا يعرف حقيقة الإسلام ويدرك المنزلة التي أرادها له الإسلام.
وأما المرتابون فهم طوائف شتى تجمعهم صفة واحدة وهي اعتقاد أن الجمعية تعارض مصالحهم أو فيها ما يعارض مصالحهم وقد كشفت الخطوة الأولى لهذه الجمعية عن مقاصدهم وكشفت لهم عما كانوا يرتابون فيه وأخرجتهم من الارتياب إلى التحقق فكان منهم ما رأيتموه من السخط عليها والكيد لها ولو أنصفوا لجمع الحق بيننا ولكن الإنصاف قليل وإذا كان في أنصار هذه الجمعية من يضيق ذرعه بهؤلاء الكائدين الساخطين ويرى أن ظهورهم بما ظهروا به يعرقل سير الجمعية ويبطئ بها عن الوصول إلى الكمال - فإننا نرى عكس هذا الرأي - نرى أن وجود هؤلاء الساخطين الكائدين هو جزء متمم للجمعية وأن سخط الساخط عليها كرضى الراضي كلاهما تثبيت للجمعية وأن ذلك كله تدافع يظهر الله به الحق ويثبت قلوب أنصاره.

ـ[عمود2]ـ
وأما الطائفة الثالثة فهي طائفة قوي إشفاقها على هذه الأمة ورحمتها بها ورأت أن عوامل الانحطاط فيها قوية. وقد أراها الله من هذه الجمعية كيف يسرع لطف الله إلى قلوب الخائفين وكيف تقرب رحمته من المحسنين، فقوي رجاؤها وثبت يقينها ودخلت في العمل الصالح عن إيمان وبصيرة وهذه الطائفة هي أكثرية الأمة وهي التي تمثلونها أنتم أكثر الله عددكم وثبتكم على الحق وأحيانا وإياكم عليه حتى نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين آمين يا رب العالمين.
ـ[عبد الحميد بن باديس]ـ

تكذيب آخر للورقة الضالة
من الكذاب الأشر؟؟
نشرت مجلة ((الفتح)) الإسلامية التي تصدر بالقاهرة في عددها الصادر في 6 ربيع الأول 1352 بعنوان ((انتقاد مقالة)) كلمة هذا نصها بالحرف:
((كتب إلينا حضرة الفاضل الشيخ عبد الله بن إبراهيم سعيد الأغبري اليمني مقالة من مرسيليا ينتقد فيها ما كتبه حضرة الشيخ سعيد سيف أحمد الذبحاني في جريدة البلاغ الجزائرية من أن أهل اليمن كانوا قبل ظهور الطريقة العليوية هناك بعيدين عن كل ما تطلبه منهم الديانة الإسلامية ولا يعرفون مسألة من مسائل الدين، فلما حلت هذه الطريقة بينهم بنوا المساجد الخ .. ونحن لم نطلع على مقالة الذبحاني في البلاغ وكان خيرا له أن لا يقول هذا الكلام إن كان قاله، أولا لأنه يخالف الحقيقة، وثانيا لأن المسلمين في حاجة إلى توحيد الكلمة لا إلى إيقاظ العصبيات المحدودة ونحن نكتفي من مقال الفاضل الأغبري بهذه الإشارة لأنه ليس من خطة ((الفتح)) التوسع في مثل

ـ[عمود3]ـ
ذلك)) ا ه.
((الزاهري)) لقد كنا نشرنا في جريدة ((السنة)) المرحومة كلمة عنوانها: ((الغيث النافع)) ذكرنا فيها أنه زارنا جماعة من اليمانيين الكرام منهم السيد فارع نعمان الرباضي ومنهم السيد سيف علي الشرجبي واحتجوا على ما نشرته البلاغ الجزائري بإمضاء سعيد سيف الذبحاني من الأخبار الزائفة التي يراد منها تشويه كرامة اليمن كبلد إسلامي ومدح شيخ الحلول بما ليس له بحق. فما كان من الورقة الضالة إلا أن تهجمت علينا تسبنا وتقذفنا وتسميني أنا ((مسيلمة الكذاب)) وكان من حقها أن تأتي بدليل على كذب ما رويناه كأن تنشر مثلا تكذيبا من السيدين فارع نعمان وسيف علي لما رويناه عنهما. ولكن شيخ الحلول صاحب الورقة الضالة يريد أن يغتصب الشهرة اغتصابا بسب الناس وبالافتراء على عباد الله وبعد فهذا تكذيب نشرته مجلة الفتح فهل يسبها أيضا شيخ الحلول في ورقته الضالة كما سبنا وافترى علينا؟ وصاحب الفتح يصرح بأن ما نشرته البلاغ بحق اليمن هو مخالف للحقيقة ويعترف بأنه مما يضر بالوحدة الإسلامية، و يقول عن الذبحاني ((وكان خيرا له أن لا يقول هذا الكلام .. )). والذي نعتقده هو أن الذي قال هذا الكلام الذي لا ينبغي أن يقال إنما هو شيخ الحلول نفسه، وإن كان بإمضاء الذبحاني. و أخيرا فليحكم ساداتنا القراء من هو الكذاب الأشر أهذا الزاهري أم شيخ الحلول والضلال؟؟؟.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
(1/8)

___________________________________________________
………………………… السنة الأولى / العدد الثاني …………………………
قسنطينة يوم الاثنين 01 ربيع الثاني 1352 … Constantine le 24 juillet 1933
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التقرير المالي
عن السنة الثانية
لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حرره أمين مالية الجمعية الأستاذ مبارك الميلي
وتلاه بنادي الترقي على الجمعية العمومية يوم الثلاثاء 4 ربيع الأول سنة 1352.
ـ[عمود1]ـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الأنبياء والمرسلين وأكمل ذلك لخاتمتهم أفضل الخلق أجمعين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الهادين المهتدين وعلى من سلك طريقتهم في اتباع الحق ونصرة الدين جعلنا الله وإياكم من هؤلاء السالكين.
ثم السلام عليكم أيها الجمع السالم من أمراض الأغراض وأدواء الأهواء!
السلام عليكم أيها الجمع المسكر (بسكر السنين) = غير المسكر = لقيود الجمود وأصنام الأوهام!
السلام عليكم أيها الجمع المرجو لنشر مبدأ الأخوة مقرونا بالنصيحة وتغيير المنكر!
أما بعد فإن السعادة مطلب كل عاقل وأحمق, وإنما يمتاز العاقل بإصابة سبيلها,

ـ[عمود2]ـ
أما غيره فتلتبس عليه الطرائق حتى يظن أنه على سبيل نجاة وهو على شفا حفرة من الهلاك.
ألا وإن سبيل السعادة الاستقامة, ووسيلة الاستقامة التربية الحسنة, ولا غنى لبشر عن التربية والتهذيب.
واعلم بأن الناس من طينة … يصدق في الثلب لها الثالب
لولا علاج الناس أخلاقهم … إذا لفاح الحمأ اللازب
والرب أول وصف وصف الله به نفسه في فاتحة كتابه العزيز, ولعل وجه أوليته التنبيه على أهمية التربية, وإن في تكرار الفاتحة في كل ركعة من صلواتنا ما يحول دون الغفلة عن هذه الأهمية.
والمرء ما دام كلا على غيره مكفولا لأبويه أو أحد أوليائه فالكافل له

ـ[عمود3]ـ
مطالب بتربيته لآية: {يَا أَيهَا الَذِينَ آمَنوا قوا أَنْفسَكمْ وَأَهْلِيكمْ نَارًا وَقودهَا النَاس وَالْحِجَارَة} قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وكرم وجهه - مفسرا للآية:
((علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم)) فإذا بلغ المرء أشده وأصبح عضوا عاملا في الهيئة الاجتماعية فإن كان عاميا فعليه أن يتطلب أهل العلم لتربيته لآية: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كنْتمْ لَا تَعْلَمونَ} وإن كان عالما فعليه الإرشاد وبذل النصيحة للآيات والأحاديث الكثيرة في هذا المعنى.
ولقد كان سلفنا صالحا بهذه التربية ثم خلفتهم أجيال أبعدها عن التربية أبعدها عن زمنهم. فكان حظها من الذل والشقاء على نسبة تفريطها في تلك التربية الإسلامية وكانت مصداق آية: {فَطَالَ عَلَيْهِم الْأَمَد فَقَسَتْ قلوبهمْ وَكَثِيرٌ مِنْهمْ فَاسِقونَ}.
وقد يعتذر المخذول لقسوة قلبه وفسوق جوارحه بطول العهد وبعده عن السلف الصالح, ولقطع هذا العذر قفى الله على تلك الآية بما يحذر من اليأس ويبعث على الرجاء, فقال - جلت حكمته -: {اعْلَموا أَنَ اللَهَ يحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
ولهذا لم تعدم الأجيال البعيدة عن
(2/1)

_____
الصفحة 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود1]ـ
عهد السلف الصالح علماء مرشدين وصلحاء مربين وإن اختلفوا قلة وكثرة وظهورا وخفاء وعافية وابتلاء. وهؤلاء المرشدون والمربون هم المعنيون بقول ابن عاشر رحمه الله:
يصحب شيخا عارف المسالك … يقيه في طريقه المهالك
يذكره الله إذا رءاه … ويوصل العبد إلى مولاه
ولم يقل ابن عاشر:
يصحب شيخا جاهل المسالك … يسلبه من كيسه الفرانك
يذكره القبر إذا رءاه … ويترك العبد إلى هواه
وقد شعر علماؤنا باختلال التربية, فنهضوا لإصلاحها حتى تنتج الاستقامة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة. ثم شعروا بضرورة الاجتماع وتنظيم الوسائل فأسسوا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي نحن في استقبال عامها الثالث أطال الله في حياتها وثبت خطى رجالها حتى يؤدوا أمانة التربية الإسلامية الصحيحة إلى شعبهم الكريم.
وإن في تأسيس هذه الجمعية لقضاء على ظاهرتين من أدل الدلائل على فساد تربيتنا, إحداهما ما كان عليه أغلب علمائنا من التحاسد والشقاق حتى إن البلدة الواحدة تجدها منشقة إلى حزبين إن كان بها عالمان أو إلى ثلاثة إن كان بها ثلاثة وهلم جرا.
الظاهرة الثانية ظاهرة الخضوع للعامة وطلب رضاها للطمع في مالها, فأهملت وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي لا حياة للتربية بدونها. وأصبح الغش من دلائل الكياسة وحسن السياسة. وفشت قاعدة ((إذا وجدت قوما يعبدون حمارا فعليك بكثرة الحشيش)) وكان من يحفظ

ـ[عمود2]ـ
هذه القاعدة أكثر كثيرا ممن يسمع حديث «الدين النصيحة».
وأملنا وطيد وثقتنا بالله قوية أن يتم القضاء على هاتين الظاهرتين بسلامة الجمعية من مكائد الكائدين, وبطول حياتها لإحياء سنن الدين. وإنا لنرجو من رجالها المخلصين أن يصدقوا ما عاهدوا الله عليه غير مبالين بسخط من سخط.
اتق الله فأغبى الورى … من أغضب الرب وأرضى العبيد
وإن كان لفتنة الفتانين أثر فليكن في مالية الجمعية لا في همم رجالها, على أن مالية الجمعية قد سارت إلى الأمام فقد بلغت ((61221.40 فرنك)) أربعين صانتيما وأحدا وعشرين فرنكا ومائتين وأحدا وستين ألفا, منها فضل السنة الأولى وهو ((19239.40 فرنك)) أربعون صانتيما وتسعة وثلاثون فرنكا ومائتان وتسعة عشر ألفا, ومنها ما قبض في هذه السنة الثانية ولكنه للسنة الأولى وهو ((3260.00 فرنك)) ستون فرنكا ومائتان وثلاثة آلاف, فيكون المقبوض لهذه السنة الثانية خاصة هو ((38722.00 فرنك)) اثنين وعشرون فرنك وسبعمائة وثمانية وثلاثين ألفا.
وهذا الدخل يتكون من جميع جهات الوطن كالجزائر والقليعة وبوفاريك والبليدة والمدية والبرواقية والجلفة وزنينة والأغواط وغرداية وبوسعادة وتلمسان وسيق ومستغانم وقسنطينة وعين مليلة وباتنة وبسكرة وتبسة ومسكيانة وسوق هراس وشاطودان والعلمة ((سانتارنو)) وسطيف وآقبو وسيدي عيش وبجاية وجيجل والميلية والقرارم وميلة وما في حكمهن. وهذا مما يوضح كون الجمعية جمعية الشعب ولا يدع متمسكا لمن يحاول تصويرها بصورة طائفية.
وإذا وازنتم بين دخل السنتين

ـ[عمود3]ـ
ألفيتم مصداق قولنا أن مالية الجمعية قد سارت إلى الأمام, ومع ذلك نرى أن هذه المالية ضعيفة إذا قيست بقوة الأمة حقيرة أمام عظمة المشروع, ولكن ما يعد ضعيفا حقيرا - وهو مجرد من كل اعتبار - قد يعد قويا عظيما مع اعتبارات. وإن من الاعتبارات التي تجعل ماليتنا هذه قوية عظيمة استحكام حلقات الأزمة، واشتداد فتنة الفتانين واشتغال رجال الإدارة عن إحضار برنامج يتوقف تنفيذه على الأموال الطائلة.
وإن مما يجري مجرى الدخل - وإن لم يعد فيه - قيام الشعب بحاجيات وفود الجمعية أينما حلت وتكفلهم بلوازم إقامتهم وسفرهم وإحضار السيارات الخاصة لركوبهم إظهارا للحفاوة بهم وإن ما أنفقه الشعب على الجمعية في هذا الباب يعد بالآلاف العديدة.
تلك كلمتنا عن الدخل أما الخرج فقد بلغ هذه السنة ((26526.75 فرنك)) خمسة وسبعين صانتيما وستة وعشرين فرنكا وخمسمائة وستة وعشرين ألفا. منها ما عززت به صحيفة ((السنة)) على وجه القرض وهو ((3937.55 فرنك)) خمسة وخمسون صانتيما وسبعة وثلاثون فرنكا وتسعمائة وثلاثة آلاف. فالخرج الحقيقي للجمعية هو ((22589.20 فرنك)) عشرون صانتيما وتسعة وثمانون فرنكا و خمسمائة واثنان وعشرون ألفا والباقي على الخرج والقرض هو ((34694.65 فرنك)) خمسة وستون صانتيما وأربعة وتسعون فرنكا وستمائة وأربعة وثلاثون ألفا. والباقي منها بالبنك ((34538.40 فرنكا)) أربعون صانتيما وثمانية وثلاثون فرنكا وخمسمائة وأربعة وثلاثون ألفا. والباقي تحت يدي الآن هو ((156.25 فرنك)) خمسة وعشرون صانتيما وستة وخمسون فرنكا ومائة فرنكا.
(2/2)

_____
الصفحة 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود1]ـ
وإن ذلك الخرج على ضئالته قد تناول نواحي من ضروريات الجمعية كالاجتماعات الإدارية ووفود الوعاظ والعناية بتوحيد الصيام والإفطار وطوابع البريد والوصلات وأجرة البرقيات والمخاطبات السلكية والمطبوعات والنشريات المختلفة كالرسائل وأوراق الأعضاء ومنشور البيان بعد الاجتماع العمومي ومنشور الاحتجاجات بعد اقتراح ذلك النائب ومنشور النداء لعلاج الأزمة الخانقة.
وإن ضئالة هذا الخرج قد أتت بنتائج دينية اجتماعية ذات بال, وما ذلك إلا لأن المال لا ينفق إلا في سبيله.
قليل المال تصلحه فيبقى … ولا يبقى الكثير مع الفساد
فعلينا أن نجود في الخير وأن نبخل على الشر. وإن خير الخير العلم. فمتى أيدناه بمالنا أيدنا حياتنا وأحيينا بيننا التربية الإسلامية الكافلة بالسعادتين. {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
وقد قيل ((المال قوام الأعمال)) وأنا أقول: ((العلم أمير والمال وزير)) فإذا فقد الوزير ضعف الأمير عن التدبير, فاضطربت أحوال الرعية وكانت من الفناء قاب قوسين فإن تركت الأمير وحده فقد ألقت بيدها إلى التهلكة. وإن أرادت النجاة فعليها أن توجد من بينها وبنيها وزيرا يشد عضد الأمير. وفي هذا المعنى جاءت الآية: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
وبعد فإن دفتر الحسبانات حاضر, وإن كنتم واثقين بمجلس إدارتكم في هذا الحساب فارفعوا أيديكم. (هنا سكت المقرر ورفع الحاضرون أجمعون أيديهم موافقين واثقين) والسلام عليكم سلام سنة وأخوة.
مبارك الميلي

ـ[عمود2]ـ
رسائل وملاحظات:
الدفاع عن اليمن
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده وبه الإعانة في الأمور كلها ولا حول ولا قوة إلا بالله. سادتي الأفاضل محرري جريدة ((السنة)) الغراء أدام الله بقاءكم لنصرة الدين ورفع منار سنة سيد المرسلين. السلام عليكم وعلى من وحد الله. أما بعد فلا يخفاكم سادتي ما حل بأهل اليمن من ضروب الشتم والقذف ورميهم بما ليس فيهم من أصحاب جريدة البلاغ الجزائري ومن سعيد سيف أحمد الذبحاني ظلما وعدوانا وهنا نترجاكم غاية الرجاء أن تنشروا لنا هاته الكلمة على صفحات جريدتكم الميمونة دفاعا عن شرفنا وإخواننا المؤمنين الذين رماهم أصحاب البلاغ وهم في بيوتهم بالجهل بل وبالكفر أيضا سواء في ذلك الأحياء والأموات وذلك قولهم: كانت بلاد اليمن في ضلال مبين لولا أن بعثهم الله, كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. وهنا نقول لأصحاب البلاغ فما الحامل لهم على تكفير ملايين من المسلمين أحياء وأمواتا, هل تريدون محاربة أهل اليمن فوق ما هم عليه الآن من إثارة الفتن؟ فما الحامل لكم يا أصحاب البلاغ لنشر تلك المفتريات التي افتخرتم بها أنتم ومراسلكم وجرحتم عواطف ملايين من المسلمين بقولكم كان أهل اليمن بعيدين عن كل ما تطلبه منهم الديانة الإسلامية ولما حلت هاته الطائفة بينهم بنيت المساجد وهيأت المعاهد وغير ذلك من الأقوال الفاسدة والتي يأباها العقل وتمجها الأسماع فقولوا لنا بربكم ما الذي

ـ[عمود3]ـ
تريدونه من وراء ذلك المقال الطويل أتريدون إعلام جميع الشعوب بأن أهل اليمن كانوا قبل اليوم غير مسلمين وقد كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذتموهم فإن كان هذا هو مقصدكم وما تصبوا إليه آمالكم فنقول لكم اتقوا الله وقولوا قولا سديدا واعلموا أنكم مسئولون أمام الله الواحد القهار. فأهل اليمن من قديم الزمن إلى الآن متبعون لما أمر به الشرع ومنتهون عما نهى عنه وهم أسبق منكم إلى الهدى والتاريخ أعدل شاهد. تريدون الافتخار على أبناء جنسكم بتكفير ملايين من المسلمين فما هكذا الافتخار يا أصحاب البلاغ ألم تكونوا أنتم الذين تسمون أنفسكم مصلحين فإن كان هذا شأن المصلحين فمن هم المفسدون؟ نشرتم مقالا طويلا أطول من صاحبه وذكرتم أسماء علماء وتجار ومختارين وظننتم أن ذلك يغنيكم عن إظهار الحق فقد غركم مراسلكم بنشر تلك الأسماء فالذي افتخرتم بهم أنهم شهدوا لكم بالأفضلية هم لا يعلمون بشيء من ذلك ولكن هذا مما يدل على حسن البضاعة التي تحملونها على عواتقكم وتدعون إليها ولكن الآن قد تحقق لدى الخاص والعام بأن دعوى إصلاحكم هي عين الإفساد ولكنكم إذا قيل لكم: لا تفسدوا في الأرض. قلتم: لا بل نحن مصلحون وأنتم أنتم المفسدون ولكن لا تشعرون.
مرسيليا 21 صفر 1352
ثابت بن الحاج أحمد عباد
العربقي اليمني

((الزاهري)) حينما نشرنا كلمة ((الغيث النافع)) في جريدة السنة المرحومة كان في نيتنا أن نكتفي بها عن نشر ما جاءنا من الردود والتكذيبات التي أرسل بها إلينا أو دفعها إلينا بعض اليمانيين الكرام ردا على شيخ الحلول وتكذيبا لورقته الضالة
(2/3)

_____
الصفحة 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود1]ـ
بونة
تحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ضيافة
رجال الجمعية الدينية البونيين
بدعوة خاصة من رئيس الجمعية الدينية المفضال السيد الحاج الخوجة, لبى حضرة العلامة الأستاذ ابن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الدعوة, وفي صبيحة الاثنين 15 ربيع الأول نزل ضيفا مبجلا بعنابة ولقيه بمركز السيارة رجل عنابة السيد الحاج الخوجة وثلة من الأخيار نذكر منهم الأديبان الفاضلان السيد حامد الأرقش والسيد محمد النمر وأعضاء الجمعية الدينية بعنابة.
وبعد تبادل آيات الوداد والترحاب قصدوا جميعا دار رئيس الجمعية الدينية هناك ونزلوا في

•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
فيما نشره فيها من تعظيم نفسه وتشويه سمعة اليمن ظلما بغير حق. ولكننا رأينا أن شيخ الحلول لا يرعوي, وأن ورقته الضالة لا تزال في غيها وعنادها فكان من الحق الواجب علينا لإخواننا أبناء العربية السعيدة (اليمن) أن نفسح لهم المجال في هذه الجريدة الإسلامية ليدافعوا عن أنفسهم وعن أعراضهم وعن دينهم. وليردوا تهجمات شيخ الحلول وليردوا ما تنشره عنهم ورقته الضالة من الأكاذيب والمفتريات ونحن سننشر كل ما يرد علينا من أهل اليمن في هذا الموضوع لأن شيخ الحلول قد رماهم في دينهم وهي تهمة كبيرة جدا.
لقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان يماني والحكمة يمانية» , ولكن شيخ الحلول يزعم في ورقته الضالة, أن أهل اليمن كانوا بعيدين عما تتطلبه منهم الديانة الإسلامية حتى جاءتهم طائفة الحلول فعلمتهم من دينهم ما لم يكونوا يعلمون ...
وبعد فيا شيخ الحلول هل لك أن تخبرنا من هو مسيلمة الكذاب؟؟؟.

ـ[عمود2]ـ
بيته التي أعدها لرئيس جمعية العلماء وباقي الأعضاء.
ولما دقت الساعة الثامنة ليلا هرعت الخلائق تغشى دار الرئيس وكان عددهم يربو على الأربعمائة فأخذوا مقاعدهم ووجوههم ضاحكة مستبشرة وقلوبهم خافقة بالمسرات وأعينهم ترنوا إلى الأستاذ.
وبعد هنيهة من الزمن طلع عليهم الأستاذ وعلا منصة العز والمهابة وشرع ينثر على أسماعهم دررا غوالي من آيات الذكر الحكيم ونبذا من سيرة المصطفى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي لأجله يحتفلون, عرفهم بأخلاقه الفاضلة وخصص بالكلام منها عدله ورحمته وإحسانه عليه وآله الصلاة والسلام وتكلم بكلام جامع على هذه الصفات ولزومها للبشر وحاجة العمران إليها ثم أتى على قصة المولد الشريف فقرأها بفصاحة نادرة فأثرت عليهم جميعهم حتى إنهم تمنوا من الأستاذ أن يشنف أسماعهم طول الليل, وبعد الفراغ من قراءة قصة المولد قام الأديب الفاضل السيد حامد الأرقش وألقى كلمات شائقة للترحيب بالأستاذ أولا ثم التعريف بمواقفه التي سرى بذكرها الركبان, وبين للحاضرين مقاصد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما تدعو إليه وحلل مهم العراقيل التي اجتازت مسالكها بصبر وثبات وحرض أعضائها العاملين على تأييدها والسير على مبادئها النافعة والذب عن حماها إلى آخر رمق من الحياة ثم بعد الفراغ من خطابه شكره الأستاذ وأجابه بكلمات طيبة وأثنى عليه الحاضرون.
وبعد الغد طلب أعيان البلدة من الأستاذ أن يلقي عليهم درسا في الوعظ, فنزل عند إرادتهم وألقى لهم درسا مفيدا أعجب به الحاضرون بين لهم فيه تعاليم الدين الإسلامي الحقة وحثهم على الأخذ بالكتاب والسنة والتباعد عن أهواء البدع فاستغرق نحو الساعة وأخيرا قام الفاضل السيد الحاج الخوجة رئيس الجمعية الدينية وتلا على الحاضرين كلمات أثرت على السامعين ودعوا له بالخير على قيامه بهذه المهمة, مهمة جمعهم في داره والتكرم عليهم واستدعاء الأستاذ للقيام بقراءة قصة المولد وإسماعهم دروسا نافعة, ثم أعقبه الأديبان الكاتبان السيد محمد النمر والسيد الصادق المنبهي وألقى كل واحد منهما كلمات

ـ[عمود3]ـ
بليغة صادقة مفيدة بارك الله في الجميع وأكثر من أمثالهم في المسلمين.
هذا وإننا نثني الثناء كله على جميع أهل بونة الذين أظهروا رغبة في العلم وإكراما لأهله وخصوصا رجال الجمعية الدينية ورئيسها المفضال.

ذكرى المولد النبوي الشريف
جاءنا كتاب من الأخ الشيخ صاحب الإمضاء مما قال فيه:
قد اعتاد الناس في هذا الشهر أن يحتفلوا بذكرى المولد النبوي الشريف تذكارا وموعظة وإحياء لشيء من سند سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعالمه ومآثره وإظهارا لأخلاقه الكريمة لقصد بعث الناس وحملهم على التأسي والاقتداء بسيرته الفاضلة الحميدة الجميلة.
غير أننا نلاحظ على أكثر هاته الاحتفالات بأنها تقتصر على سرد قصائد في مدحه عليه وآله الصلاة والسلام وسرد قصة مولده وذكر أناشيد بنغمات وأصوات شجية كل بلد على قدر ذوقه ومبلغه في صناعة الألحان والنغمات وهذه الحالة وإن كانت جميلة في حد ذاتها فهي خير من لا شيء ولكنها لم تكن بالصفة الملائمة لتذكار حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحمل الناس أن يصطبغوا بصبغتها النفيسة. وإنما الوسيلة التي تجعل الحاضرين لهذه الاحتفالات يتصورون تلك الحياة ويتعقلونها بأفضل ما يكون من مظاهرها ويتأثرون بما فيها من جلائل الأعمال وعظيم المواقف هي ذكر سيرته صلى الله عليه وسلم وأعماله وأخلاقه بهيئة درس بليغ ومحاضرة قيمة مع شرح وافي لمولده ومبعثه وهجرته وإسرائه ومعجزاته ونزول الوحي عليه وإظهار الدين وإعزازه وذكر طرف من غزواته وغير هذا مما يتعلق به ولو بإيجاز في الكل وإطناب في ناحية معينة لما يناسب المقام ومقتضى الحال.
(2/4)

_____
الصفحة 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود1]ـ
ثم كتب الأخ فصلا مطولا في المولد والغزوات ونقل جملة من الأحاديث النبوية بأسلوب رشيق. ثم قال - مذكرا ومتحسرا - وها نحن في شهر ربيع الأول وفي موسم المولد النبوي وفي أسبوع ولادته ومع ذلك فهل من مذكر لغير المئاكل والمشارب والذين يتذكرون فغاية ذكراهم سرد قصائد وأناشيد سردا بدون شرح ولا تدبر ولا تفهم. وإذا لم تكن الجماهير من العامة مع كثرتهم يتعقلون بقدر حالهم شيئا من أخلاق نبيهم وسيرته الحميدة فكيف يرجى منهم أن ينقادوا لشريعته ويتأدبوا بأدبه ويعتادوا على سيرته. وإن كان نصيبهم من الاحتفال سماع نغمات وأصوات فإنهم ما رجعوا إلا بالقشور دون اللباب. اللهم ألهمنا رشدنا وارزقنا اتباع نبينا اللهم أحينا على سنته وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته غير مبدلين ولا مغيرين بجاهه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
نعما قال هذا الأخ واقترح وأن إخواننا رجال الجمعية في نواحي القطر كلهم سالكون في إحياء ذكرى المولد الكريم طريق الجمع بين إلقاء خطاب في ناحية من نواحي حياته مع سرد قصة مولده وسماع أناشيد مدحه وعسى أن يكون هذا عاما - إن شاء الله تعالى - في المستقبل لجميع القطر.
ابن يحيى محمد السعيد
إمام بلدة القصر حول بجاية

داعية السنة
في جبل أوراس
جاءنا كتاب من بعض سكان هذا الجبل يثنون فيه على ما قام به الأخ الشيخ المسعود بن علي من مقاومة الشركية الكبرى المنتشرة في جهات عديدة من القطر وهي الشجرة التي تزار

ـ[عمود2]ـ
وتقام حولها الزردات وتذبح لها الذبائح وتنذر لها النذور وتدعى بالشجرة أم الخبوط. فقد كانت عندهم شجرة عظيمة من هذا النوع, فقام الشيخ بوعظ الناس وإرشادهم وتذكيرهم بالقرآن العظيم والأحاديث النبوية حتى أقلعوا عنها وتأسف الذين كاتبونا على أن لم يكن غير هذا الشيخ يقوم بمثل ما قام به.
نحن نشكر لهذا الأخ عمله جازاه الله بأحسن الجزاء ونذكر غيره من جميع الإخوان أهل العلم أن يقوموا في نواحيهم بمثل ما قام به فإن الأمة متهيئة لسماع الحق وقبوله وإن لكلام الله تعالى وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم من فم مرشد مخلص حكيم لأبلغ الأثر في القلوب وأنجح الدواء للنفوس, وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

داعية ضلال
بعين يقوت
جاءنا كتاب من الأخ الشيخ ناصري أحمد وغيره ذكر فيه أن شاوشا من شواش زاوية كبيرة في ناحية الصحراء دخل السوق ونادى في الناس أن اجتمعوا ليبلغهم وصايا شيخه بذبح المعز وجعل الثريد واستعمال الحناء خوف نزول مصيبة وأن الشيخ ضامن فيمن فعل ذلك وأن من لم يفعل فهو خارج عن وسيلة الشيخ فاجتمع عليه الناس فبلغهم الوصية وبالغ في إطراء شيخه من ضمانه لأتباعه وتصرفه مع الله وغير ذلك. وتصدى للرد عليه الأخ الذي كاتبنا فسأله عن الوضوء والصلاة فوجده لا يحسن حتى قراءة الفاتحة ودارت بينهما محاورة كان مما قال فيها أن شيخه حذره من العلماء (قليلين النية) وقال (العلماء مصابيح ونحن مراويح) فقال له الأخ أما العلماء فهم مصابيح الدنيا والآخرة وأما شيوخكم الذين هم معبودون ومستعبدون لكم ويقولون لكم (اعبدونا وارزقونا) فإنهم مراويح وأرياح الفتنة والشر يريدون أن يطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكارهون, وهنا خرص داعية الضلال

ـ[عمود3]ـ
وسكت عن الكلام.
أحي الله السنة ونصر دعاتها وقتل البدعة وخذل دعاتها.

شعور وتأييد
جاءنا من الأخ صاحب الإمضاء ما يلي:
سادتي إني لست أهلا للكتابة ولكن هذا شعوري وفكرتي وإخلاصي للعلماء العاملين المخلصين.
نشكركم وندعو لكم ونسأل لكم من الله الفوز والنجاح يا رجال السنة النبوية المحمدية لقد قمتم بنشر الدين الإسلامي الصحيح وإحياء سنة سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام ونشرتم الأخلاق الإسلامية الفاضلة رغم المعارضين والمشاغبين المشوهين وجه الإسلام والمسلمين فندعوكم يا علماء الإصلاح إلى الثبات في حدود الدين القويم والدفاع عنه إلى النفس الأخير بذلك يكون لكم الإرث الوافر العظيم في رياض النعيم وجازاكم الله عن الإسلام وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسكرة
أيوب بن يوسف

نشكر هذا الأخ وأمثاله ممن تتقاطر على الإدارة منهم أمثال كتابه ونسأل الله أن يوفق أهل العلم إلى القيام بأعباء ما حملوا من أمانة وأن يكونوا عند ظن مثل هذا الأخ بهم.

تطلب الشريعة
من السادة:
علي بوشقور بنهج بوفاريك عدد 10 - وهران.
عبد الله بن عبد الرحيم - بوسعادة.
عبد الرحمن قهواجي بنهج البامي عدد 11 - البليدة.
حمودة حمو بن إبراهيم - غرداية.

إذا كنت من محبي هذه الجريدة فبرهان حبك هو الاشتراك فيها.
(2/5)

_____
الصفحة 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود1]ـ
ألف وسبعمائة مسلم
يرتدون عن دينهم الحنيف ويعتنقون النصرانية الكاثوليكية.
بقلم الأستاذ الزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
كان يوم 23 ماي الأخير يوم حزن وحداد على المسلمين في عاصمة الجزائر, وكان يوما من أشد أيام هذا الوطن شؤما وسوادا, فقد رأينا فيه ما يذوب له القلب كمدا وغما إن كان يحمل مثقال ذرة من الإيمان, ورأينا فيه ما يبعث في النفس الكريمة كل معاني الألم والحسرة والأسى, رأينا الآباء البيض ورجال الكاثوليكية يقيمون في هذا اليوم في عاصمة الجزائر الولائم والاحتفالات احتفاء بسبعمائة وألف من المسلمين الجزائريين قد وقعوا فيما نصبوه لهم من الأشراك والأحابيل, فارتدوا عن دينهم القيم الحنيف, واعتنقوا النصرانية على المذهب الكاثوليكي طوعا أو كرها.
لقد بذل القائمون على هذه الاحتفالات أقصى ما يمكنهم أن يبذلوه من الجهود والنفقات ليجعلوها شائقة فخمة تجمع كل أسباب البهرجة والأبهة والجلال, ليعظموا في أعين الناس, وليغمرهم الناس بالمدح والثناء على ما عملوا من تبشير وتنصير وليقدر المسيحيون الكاثوليك أعمالهم هذه, فيمدونهم بالمال من جديد, ويجزلون لهم الأجر والثواب.
* * *
ووقع استعراض هؤلاء المتنصرين في ذلك اليوم (23 ماي الأخير) في ملابسهم الجزائرية كدعوة للمسلمين بأن يتركوا الإسلام وليلتحقوا بهؤلاء المتنصرين وكان الأجانب الأروبيون يضحكون من هذه الملابس ويتغامزون عليها, كأنهم لم يصدقوا بعد أن هؤلاء نصارى, ولم يعودوا مسلمين وكانت كل طائفة من الطوائف المسيحية تود لو أنها استأثرت هي وحدها بهذه الغنيمة الباردة, وكانت خالصة لها من دون

ـ[عمود2]ـ
الطوائف الأخرى.
وكان منظر هؤلاء المتنصرين الذين ارتدوا عن دينهم الحنيف منظرا مؤثرا جدا يثير الهموم والأحزان, ويهيج البلابل والأشجان, فقد كانت تعلوا وجوههم سحب سوداء من الغم والاكتئاب تدل على أن لهم نفوسا يأكلها العذاب, ويلح عليها, وعلى أن بين جوانحهم قلوبا مضطربة لا يخالطها شيء من الاطمئنان أو الرضى, وليس على وجوههم ولا علامة واحدة تدل على أنهم قد رضوا لأنفسهم هذا الدين الجديد أو ارتاحوا إليه, وكان أكثرهم أطفالا صغارا قد عجز آباؤهم وأولياؤهم أن يقوتوهم أو أن يقوموا لهم على ضرورياتهم, فالتقطهم المبشرون المسيحيون, واستغلوا جوعهم وضعفهم فاستولوا عليهم واحتلوا منهم العقائد والقلوب. وكنت أنا أراهم يمرون, فقلت في نفسي: إن أولياء هؤلاء الأطفال لم يتركوا أولادهم هؤلاء إلا بعد أن بلغوا هم من الفقر والشقاء حالة ليس وراءها حالة أسوأ منها, وأن هؤلاء المبشرين المسيحيين لو راعوا الهمة والرجولة لما رضوا لأنفسهم أن يستفيدوا مما يصيب الناس من المصائب والنكبات, وأفضيت بهذا القول إلى مسلم كان واقفا إلى جانبي فسمعني أحد المسيحيين فقال لي: يظهر أن هؤلاء الآباء قد أحسنوا إلى هؤلاء الأطفال وأحسنوا إليكم أنتم أيضا بذلك, فقلت له: كلا لم يفعلوا مع هؤلاء الأطفال خيرا يريدون به وجه الله, ولكنهم أطعموهم من جوع لحاجة في نفس يعقوب على أنهم قد سلبوهم إيمانهم وإسلامهم في مقابلة ذلك, ولما تنصر هؤلاء وتركوا الإسلام فالإحسان إليهم ليس بإحسان إلى الإسلام ولكنه إحسان إلى المسيحية نفسها. ودار بيني وبينه كلام كثير في هذا الموضوع أرجئه

ـ[عمود3]ـ
إلى فرصة أخرى.
...
ترى لماذا اعتنق هؤلاء النصرانية الكاثوليكية ولماذا تركوا الإسلام وارتدوا عن دينهم الحنيف؟
فهل وجدوا فيه ما كره إليهم الإيمان وكره إليهم الخير والتقوى؟ وماذا أعجبهم من الكاثوليكية حتى سارعوا إلى اعتناقها؟
والجواب على هذا هو سهل يسير, لا عسر فيه ولا عناء, فالواقع الذي لا شك فيه هو أنه ليس في هؤلاء المتنصرين ولا واحد قد ترك الإسلام بملء إرادته طائعا مختارا ولكن حملتهم على التنصر عوامل أخرى غير الطواعية والاختيار وهي ثلاثة أسباب لا رابع لها, أما السبب الأول فهو الفقر وأما الثاني فهو الجهل وأما الثالث فهو العجز أو الضعف أو القصور (سمه بما شئت) ومن هذه الأسباب مجتمعة جاءتنا كل المصائب والويلات.
هؤلاء المرتدون لم يتركوا دينهم القيم حبا بالنصرانية ولكنهم تنصروا ضعفا وجهلا وحبا في الخبز! ... وليس في هؤلاء المتنصرين ولا واحد تنصر حينما بلغ رشده وملك أمر نفسه مهما كان جاهلا مطبقا, ومهما كان فقيرا معدما. وإنما تركوا الإسلام إلى النصرانية حينما كانوا - كما لا يزال أكثرهم - ذرية ضعافا, ما لهم من أولياء يواسونهم عند الحاجة الشديدة والضرورة القصوى, أو حينما كانوا يتامى قاصرين لا يجدون لأنفسهم على نوائب الدهر مواسيا ولا معينا, ولا وجدوا لهم بين هؤلاء المسلمين وليا ولا نصيرا, وما أنت بواجد بين الضعاف القاصرين أو اليتامى ولا واحدا يتنصر وله ولي يحبه من هؤلاء المبشرين مهما كانت منزلته في اليتم والضعف والقصور.
إن الأغنياء من أشياخ الطرق الصوفية الذين جمعوا من فقراء المسلمين باسم (الصدقات) و (النذور) و (الزيارات) أمولا طائلة بدعوى أنهم سيصرفونها في أوجه البر, وفي خير الإسلام والمسلمين, ثم أسرفوا على أنفسهم, وأنفقوها في الأهواء والشهوات, وبذروها هبات وهدايا إلى
(2/6)

_____
الصفحة 7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود1]ـ
من لا يستحقونها, ولم ينفقوا منها في سبيل الله, هم المسئولون على الخصوص أمام الله عن هذا المصاب الذي حل بالإسلام في هذه البلاد لأنهم - من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون - يعاونون المبشرين على تنصير فقرائنا وضعفائنا, فلو أنهم آمنوا واتقوا, وأنفقوا هذه الصدقات والنذور والأموال في أوجه الخير التي جمعت لها, من إنشاء الملاجئ للضعفاء والمعوزين, ومن فتح المدارس والكتاتيب يتعلم فيها الأطفال المسلمون أمور دينهم, ولم يأكلوا هذه الأموال بغير حقها. لما أمكن للمبشرين بحال من الأحوال أن يظفروا بتنصير هذا العدد الكثير من المسلمين.
ثم المسلمون جميعا في هذا الوطن هم أيضا مسئولون أمام الله وأمام الشعوب الأخرى عن هذه الويلات التي تحل بالإسلام, فلو أنهم قاموا بواجبهم في هذا السبيل, وأنفقوا من أموالهم وجهودهم فبما يرضي الله والرسول صلى الله عليه وسلم لما كان للمبشرين طمع في أن ينالوا من الإسلام شيئا مما يريدون ...
والحكومة أيضا (وهي حكومة لائكيه) تحمل هي الأخرى على عاتقها من مسئولية هذا الأمر نصيبا موفورا, فهي لم تقم بواجبها من كفالة الأطفال المسلمين ورعايتهم فكانوا ضحايا البؤس والحاجة, وأصبحوا فريسة للمبشرين.
يوجد من أطفالنا اليوم زهاء ثمانمائة ألف هم في سن القراءة والتعلم, يهيمون على وجوههم في الشوارع والطرقات, لا يدخلون مدرسة ابتدائية يتلقون فيها أبسط المبادئ التي تؤهلهم للعراك في هذه الحياة, أو يتعلمون فيها أمرا من أمور الدين, ثم لا تبيح لنا نحن المسلمين أن نفتح لأبنائنا المدارس والكتاتيب إلا بعد الجهد والمشقة, ولا تدعنا نتولى بأنفسنا تربية هؤلاء الأطفال, بل هي قد منعت العلماء المسلمين من أن يقوموا في المساجد بواجب الوعظ والإرشاد, وهي بموقفها هذا قد مهدت السبيل - من حيث تدري أو من حيث لا تدري - للمبشرين لكي يكتسحوا الإسلام من هذه الديار.

ـ[عمود2]ـ
إن فرنسا العلمانية لم تعترض على دعاة النصرانية إذ قاموا يشنون الغارة على ديننا, ويختطفون أطفالنا ويختلسون منهم ما في قلوبهم من عقيدة وإيمان, أفليس من العدالة والإنصاف أن تتركنا أحرارا في الدفاع عن ديننا, وفي حماية عقائدنا وعقائد أطفالنا من عادية المعتدين؟.
يقول خصوم الإسلام: إن أهالي الجزائر - ولا سيما أهالي زواوة - كانوا نصارى قبل أن يكونوا مسلمين, ويزعمون أنهم لا يخلصون الود لفرنسا إلا إذا عادوا نصارى كما كانوا. ولهذا يطلبون من الحكومة أن تساعد الآباء البيض على تنصير من في هذه الأرض من المسلمين جميعا.
ونحن نقول: أن هذه الدعوى باطلة يردها الواقع الذي أثبت أن هؤلاء المسلمين قد قاتلوا مع فرنسا, وأظهروا لها الإخلاص في كل المواقف ولم يمنعهم إسلامهم أن يخلصوا لها المودة, على حين أن الألمان المسيحيين قد قاتلوا فرنسا, ولم تمنعهم مسيحيتهم من أن يناصبوها العداوة والبغضاء, ومع ذلك فإن هؤلاء المسلمين ما زالوا يعيشون مع فرنسا في أحوال استثنائية تحكمهم بالقرارات والمناشير, وليس بالشرائع والقوانين, ثم هم لا يطلبون من الحكومة إلا أن تكفل لهم حرياتهم وتساويهم بالفرنسيين في الحقوق كما تساووا معهم في الواجبات, أما لو فاز دعاة النصرانية ونالوا بغيتهم من تنصير جميع هؤلاء المسلمين (لا قدر الله) فإن الوضعية تتبدل, وتدخل المسألة دورا هو غاية في الخطورة, فالمتنصرون يومئذ لا يرضون من فرنسا بهذه الحقوق التي نطلبها نحن, بل هم لا محالة سيطالبونها بالجلاء عن البلاد, ولا يرضون منها بغير الاستقلال الناجز التام, وهم بلا شك سيجدون يومئذ من أمم أروبا المسيحية وشعوبها كثيرا من الأنصار والأعوان, وأمم أروبا وإن كانت تبيح الاستعمار فهي لا ترضى بأي وجه لأية أمة مسيحية مهما كانت جاهلة منحطة أن تستعمرها أمة أخرى أقوى منها, فشعب البرتقال مثلا ليس يضاهي سوريا أو لبنان أو مصر في التقدم والرقي, ومع ذلك فليس هناك في أروبا كلها من تحدثه نفسه باستعمار هذا

ـ[عمود3]ـ
الشعب المسيحي, والأحباش هم أمة شرقية, ولأروبا فيها مصالح وأطماع, ولكن الأمة الحبشية هي أمة مسيحية لا تطمع أية دولة أوروبية أن تمسها بسوء أو أن تعتدي على استقلالها, وهكذا ينتصر العالم المسيحي للمظلومين من المسيحيين ويبادر إلى نصرتهم وإنقاذهم لأول ما يسمع صرختهم الأولى.
إنه من الخير لفرنسا أن يبقى هذا الشعب عربيا مسلما يقاسمها السراء والضراء, وليس من الخير لها أن يترك الإسلام ويصير مسيحيا لا يرضيه منها شيء, على أن هذه الغاية المسيحية التي يسعى إليها المبشرون هي غاية بعيدة جدا لا يمكن أن تنالها أيديهم, فهذه الأمة العربية المسلمة إن لم تستيقظ اليوم, فلا بد أن تستيقظ غدا, ويومئذ تعرف ما هي الوسائل والتدابير التي تتخذها لدرء أخطار التبشير والمبشرين الذين لا يعملون إلا للاستيلاء على الضعفاء ولإغواء القاصرين.
* * *
أيها المسلمون الجزائريون إنها لكبيرة من الكبائر, وعظيمة من العظائم أن يتنصر ألف وسبعمائة مسلم هم من صميم الإسلام في وطن كالجزائر كل أهاليه مسلمون لا يوجد بينهم ولا واحد غير مسلم, ونحن بعد ذلك ندعي أننا من أشد الناس تمسكا بالإسلام, يجب أن نعالج هذا الداء بالوسائل العادلة المشروعة قبل أن يستفحل ويعظم أمره علينا, فلا نستطيع أن نداويه أو أن نتلافاه.
إن هذا العدد من أطفالنا المتنصرين هو عدد كبير جدا ولا يزال يتزايد كل يوم, وإن استمر هكذا فإننا نخشى على مصير الإسلام في هذه الديار.
أيها المسلمون الجزائريون؛ كيف نرى أطفالنا وأفلاذ أكبادنا يفتنونهم عن دينهم, ويصدونهم عن سبيل الله ثم لا نتحرك إلى إنقاذهم, ولا تذهب أنفسنا عليهم حسرات!!
لمثل هذا يذوب القلب من كمد … إن كان في القلب إسلام وإيمان
محمد السعيد الزاهري
(2/7)

_____
الصفحة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
…ليس سوى القرآن من حكم
تحت هذا العنوان ننشر القصيدة العصماء التي ألقاها بنادي الترقي (بالجزائر) شاعر الشباب الأستاذ محمد العيد في الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين مساء يوم الثلاثاء 4ربيع الأول وهي كما ترى مليئة بالعاطفة النبيلة وبالشعور الشريف وهكذا يكون الشعر الحي قال لا فض فوه:

ـ[عمود1]ـ
صف الجزائر فيما شئت من كرم …… ولذ بها حرما ناهيك من حرم
ألم ركبك فاهتزت له وربت …… كالأرض غب نزول الهاطل الغمم
غناء أغنى عن الترحيب منظرها …… وفي المناظر ما يغني عن الكلم
البر والبحر في أكنافها اعتنقا …… وواصلا قبلا فيها فما بفم
والقاطرات بها والفلك زاخرة …… بمعجزات من الآلات والنظم
والطير كاسية فيها وعارية …… صفت بأجنحة من فوقها دهم
من ذي قوادم بالأرياش منتفض …… أو ذي لوالب بالفولاذ ملتحم
والسحب غادية في الأفق رائحة …… ما بين منسجر منها ومنسجم
والشعب ريان والأزهار يانعة …… ما بين منتثر منها ومنتظم
والريح تجري رخاء حول أفنية …… أو حول أبنية شماء كالقمم
الله أكبر هذا مرتع خضل …… يهفو به نسم من أطيب النسم
أهلا بأهل حوت أعلاق نسبتهم …… أعلاق قيمة جلت من القيم
حلوا النفوس فقد شيدت لكم أطما …… يا ذائدين عن الحسنى بلا أطم
استغفر الله هذا الحزب تحرسه …… عين من الله لم تغفل ولم تنم
امضوا على الصبر فالعقبى لكم سلفا …… ما جزتم نعمة إلا إلى نعم
في الأمر بعض التواء غير ذي خطر ……

ـ[عمود2]ـ
…… فعالجوا الأمر بالآراء يستقم
سوقوا البراهين ما حقت بكم تهم …… إن البراهين لا تبقي على التهم
نحن الدعاة إلى الحسنى فما أحد …… منا بمجترح للشر مجترم
ألا فقل للذي بالحرب فاجأنا …… لا تلق بالحرب من يلقاك بالسلم
وقل لمن نالنا بالظلم منتقما …… حذار من نائل بالعدل منتقم
يأيها الشعب لذ بالحق معتصما …… واركن إلى لائذ بالحق معتصم
لا تفتنك ألحان مزخرفة …… غنى بها القوم أوضاعا من النغم
تمحلوا بينات ما لها صلة …… بهم سوى صلة الأنوار بالظلم
وكيف يطمع في إيجاد بينة …… قوم وجودهم ضرب من العدم؟
ويح الجزائر كم يصلي الهداة بها …… من قومهم ضر ما مورى على ضرم
يا من تلمس من عاداته حكما …… أخطأت ليس سوى القرآن من حكم
الصلح خير وأحرى أن يلاذ به …… ما لم تدس حرمات الله بالقدم
طال الشقاق بنا يا قوم وافترقت …… منازع الهم فاستعصت على الهمم
هيا بنا نبتهل يا قوم قاطبة …… ونرفع الصوت بالشكوى ونحتكم
يا رب من كان في الإسلام مبتدعا …… منا فوفقه للإقلاع والندم
أو لا فعاجله واكف الشعب فتنته …… بما تشاء من الآيات والنقم

ـ[عمود3]ـ
يا ويح أنفسنا من كل طاغية …… يسومها ألما مرا على ألم
يفح كالحية الرقطاء ممتعضا …… منها ويقذف كالبركان بالحمم
بالأمس (كولومب) أوراها لظى بلظى …… واليوم (بيشير) أجراها دما بدم
شنوا على أمة الإسلام غارتهم …… فما جنت أمة الإسلام في الأمم؟
أهم يريدون أن ينسوا (الفرنجة) ما …… (للقول) بالعرب الماضين من رحم
(للسين) منا وإن ظنوا بمورده …… مقام (شارل) من (هارون) في القدم
يا قومنا كل ساع مدرك سعة …… في كل ضائقة فاسعوا بلا سأم
من يعش على سنن الدنيا يعش هملا …… ومن يجاوز حدود العقل يرتطم
والعلم أحصن ما لاذ الرجال به …… من فاته العلم ديست أرضه ورمي
يا نازلين على الأرحام في كنف …… من الأخوة سامي القدر والعظم
هبوا على العلم أنفاسا مباركة …… ورفرفوا فيه أعلاما على علم
واستقبلوا الفوز في العقبى على عمل …… بالمسك مفتتح بالمسك مختتم
محمد العيد
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
(2/8)

___________________________________________________
………………………… السنة الأولى / العدد الثالث …………………………
قسنطينة يوم الاثنين 08 ربيع الثاني 1352 … Constantine le 31 juillet 1933
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البقاء على الحياد
خذلان للحق ورضى بالباطل.
للأديب الفاضل الشيخ مصطفى بن حلوش العضو بالجمعية

ـ[عمود1]ـ
القوم أربعة: قوم عرفوا الحق فأظهروه وهم المؤمنون المتقون الذين يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه.
وقوم عرفوا الحق فأنكروه وهم الجاحدون العاطلون والأعداء الذين لا يرضى عنهم الله ولا يفرحون.
وقوم ما عرفوا الحق فأنكروه ولا عرفوا الباطل فأيدوه فهؤلاء قوم جاهلون وناس غافلون تقودهم الأيدي وتسخرهم العقول مرة لخير وأخرى لشر. وتارة لمعروف وطورا لمنكر وهم قوة الحق إذا ظهرت رجاله؛ وحماة الباطل إذا حضرت أبطاله.
وقوم عرفوا الحق وعرفوا الباطل وعرفوا مصدر كل واحد منهما وأدركوا عاقبة المحق وعاقبة المبطل فكان مما أدركوه أن عاقبة الأول الثواب وعاقبة الآخر العقاب! وإن مما كتب الله للمحقين الفوز والانتصار ومما كتبه للمبطلين

ـ[عمود2]ـ
الخيبة والاندحار.
هذا هو علمهم بالوجهين - وجه الحق ووجه الباطل - ومنتهى الإدراك منهم لعقبى الطائفتين - طائفة المحقين وطائفة المبطلين -
فهل كانوا للحق فأيدوه. وعلى الباطل فخذلوه؟ .. لا ... إذن كانوا للباطل على الحق ... لا ... وكيف كانوا؟
كانوا على حال لا يرضاها عقل ولا يقرها شرع وهي ما أسموه ((البقاء على الحياد)).
فما معنى البقاء على الحياد؟ معناه أن لا تمد يدك للحق فتنفعه, ولا تسلطها على الباطل فترفعه وإن شئت قلت هو خذلان للحق ورضي بالباطل! أو قل هو السكوت المطلق والكف الشامل عن قول وفعل الخير والشر.
ومن أسباب ((البقاء على الحياد))

ـ[عمود3]ـ
ضعف نفس صاحبه وقلة ثقته بالله ومنها تذبذبه ونفاقه وعدم ثباته على حال.
وإن الذي لا يستقر قراره … على حالة لا يستقل بئات.
ومن أسبابه مهاواة الناس ومجاراتهم (في عوائدهم وديانتهم وأفراحهم وأتراحهم واحتفالاتهم ومآتمهم) خوفا من ذهاب دنيا فانية أو جاه كاذب أو طمعا في إقبالهما من جهة ذهابهما التي هي غضب (سيدي الشيخ) وفقراء الشيخ وزيد وعمرو وخالد وبكر, فلا يعاملون من لا يهاويهم ولا يسكت عن مناكرهم ولا يدعونه لولائمهم ومآتمهم ولا يصدرون به مجلسا ولا يعرفون له قيمة ولا خاطرا وهذا شيء يهم بعض الأعيان أكثر وبعض العلماء أكثر ولأجله فضلوا الحياد.
وما دخل هذا الخوف على هذا البعض من العلماء والأعيان المحايدين إلا من طريق الوهم والخيال وقلة الثقة بالله ثم بأنفسهم! وإلا فقد عرفنا كثيرا من الناس قاموا بالحق دفاعا عنه وتأييدا له ولم يبالوا بغضب زيد ولا برضى عمرو وما زادهم ذلك إلا إكبارا في النفوس وإعظاما في القلوب,
(3/1)

_____
الصفحة 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
وتصدعت بقوة قلوبهم قلوب الجاحدين, وذلت لعزة نفوسهم نفوس المبطلين, وما أعزت مبطلا كثرته ولا أغنت عن جاحد آلهته ...
ورأينا من المحايدين أكثر من أن نحصي كيف أصبحوا بعد انتصار الحق - ولا بد من انتصاره - لا يقام لهم وزن ولا يعرف لهم شأن ولا يعتبرون إلا كصخور على ضفتي واد تشينه ولا تزينه فلما سالت الأباطح والشعاب وغمرت الوادي المياه جرفتها فيما جرفت فذهبت إلى حيث لا يشهدها عيان ولا يذكرها لسان ولا يتأسف عليها إنسان ... ونبت في مكانها من الضفتين العشب والأشجار ذات الأزهار والثمار فتمتع الناس بريحها بالليل وتفيء ظلها بالنهار.
ذلك مثل القوم المحايدين الذين لا ينفعون ولا ينتفعون ومثل القوم العاملين الذين يفيدون ويستفيدون ...
تلك هي الأسباب الطبيعية ((للبقاء على الحياد)) وتلك هي صفات المحايدين فما هي نتائجه ولوازمه؟
فأولى نتائجه تكثير سواد المبطلين عن غير شعور من صاحبه, لأن المبطل يعتبر أن كل من لم يعارضه فهو مؤيد له وناصر! وأول كلمة يواجه بها المحق: ((أنت وحدك ومن دون هؤلاء تعارضني وتسمي ما أقول وما أعمل باطلا!)) ولذلك كان اشتباه العلماء الذين يقرون البدع والمنكرات بسكوتهم عنها وعن صاحبها حجة عند العامة العمياء والمبطلين الأدنياء.
ومن لوازم ((البقاء على الحياد)) كتمان العلم والغش لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فمن علم الحق ولم يعلمه فقد كتمه, ومن رآه في حاجة إلى النصير ولم ينصره فقد خذله ومن علم الباطل ولم يكشفه للناس فقد غش ولم ينصح, ومن رأى الباطل شوكة ولم يكسرها أو يعمل على

ـ[عمود2]ـ
كسرها فقد أبقى عليه وشد أزره.
وما شروط ((الصلح)) المشهورة إلا دعوة للبقاء على الحياد الذي يترك الناس على (ديانتهم وعوائدهم) حقا كانت أو باطلا! وليس من شرط في تلك الشروط إلا وتحته أيدي تعضد المنكر وتؤازره وتعارض المعروف وتحاربه.
ومن لوازمه مخالفة أمر الله ورسوله فمن أوامر الله أن تكون فينا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهذه الأمة لا تحد بحد ولا تحصر بعد وكما تصدق على الجماعة تصدق على الفرد, فلماذا تخرج نفسك منها أيها المحايد ولا تكون ذلك الفرد؟
ومن أوامر الله أن نستبق الخيرات بتخيير الوجهات وأي وجهة خير كالانتصار للحق؟ فلماذا لا تسبق غيرك فيها أيها المحايد؟
ومن أوامره تعالى أن نتعظ بواحدة: أن نقوم لله مثنى وفرادى ثم نتفكر فيما أوحى الله به لرسوله وننصح لأنفسنا بالاعتراف بالحق والإنابة إليه وبالانتصار لدين الله وتأييده, فما قيمتك في الدنيا وما حظك في الآخرة أيها المحايد إذا لم تتعظ بواحدة الله: أن تقوم له مع القائمين وتؤيد دينه مع المؤيدين؟ وإذا كنت أيها المحايد تؤمن بقول الله: {يُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} وقوله: {إِنَ الْبَاطِلَ كَانَ زَهوقًا} فما معنى بقائك على الحياد وعدم إعلانك الحرب على الباطل؟ لا يكون لحالك هذه معنى إلا أن تكون تخاف أن يخلف الله وعده ويخذل جنده, وحاشا الله!
وإذا كنت تعلم أنه ليس من المسلمين من لا يهتم لشؤونهم وأنهم يد على من سواهم فبماذا تسمي حيادك؟ أبعدم الاهتمام بشؤونهم أم بأن يدك ليست يدهم؟؟
إن الحياد خصلة من أقبح الخصال ولا يلتجئ إليها إلا ضعفاء القلوب وفاتروا العزائم بل لا يلتجئ إليها إلا من لا إيمان في قلوبهم ولا حجة على ألسنتهم.
فحذار أيها المسلم الصادق أن تعرف الحق ولا تنصره وتعرف الباطل ولا تنكره وحذار أن تكون من غواة ((البقاء على الحياد)) فإنه خذلان

ـ[عمود3]ـ
(عليك بخويصة نفسك)
للأخ صاحب الإمضاء العضو بالجمعية
هذه فقرة من كلام سيد المرسلين طالما تكررت على الألسنة كضرب مثل يرمي إلى أن يجعل المؤمن في معتزل عن أبناء دينه وأمته خلاف حكمة الباري تعالى خلقه وخلاف تعاليم الشرائع السماوية ولقد استطاعت الدسائس أن تجعل العامة وكثيرا من الخاصة تحفظها وتفهم لها معنى لم يرده الله ورسوله وأراده أعداء المسلمين.
نعم لم يرده الله تعالى ورسوله لأن الشريعة الإسلامية اعتبرت المسلمين كجسد واحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر, غير أنه مهما بلغت أمة من كمال الصلاح والتقى فلا بد من وجود أشرار فيها مذبذبين يحيدون عن سبيل الصواب ويسلكون طريق الغواية فكان حديث (عليك بخويصة نفسك) تسلية لصالحي المؤمنين بأنه لا يضرهم من ضل من المسلمين ولم يقبل سلوك طريقهم إذا اهتدوا وساروا على جادة الحق والهدى, لكن لا يخفى أن الهداية هي قبول الدين الإسلامي بكل ما جاء به ثابتا عن الله ورسوله وأن مما جاء في الشريعة المطهرة بل هو ركنها الوطيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين أصاب العرب والإسلام ما أصابهما لم يكن إلا بسبب تركهم لهما فقد روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم» وروى أبو داود في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن أول ما دخل النقص في بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا
¯ ¯ ¯ ¯ ¯ ¯
للحق ورضى بالباطل, والله يغفر لمن يشاء ويهدي إليه من ينيب.
مستغانم
مصطفى بن حلوش.
(3/2)

_____
الصفحة 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فكما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قرأ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}» ثم قال: «كلا والله, لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا» أي تقهرونه وتلزمونه على الحق قهرا.
وكيف يتخلى المسلمون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم في سفينة الحياة سائرون لو أطلقوا العنان لأدوات الفساد لهلك الجميع غرقى وذلك هو المثل الذي رواه البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا, وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» على أن الشريعة الإسلامية لاحظت الأيدي التي ستعبث في الإسلام باسم الدين فحالت دون ذلك, لو أن المسلمين التفتوا قليلا إلى السنة النبوية التي هي تفسير للقرآن ولاحظوا ما تشتمل عليه آيات الفرقان من الحكم والدقائق.
روى الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم وابن حبان في صحيحه عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإني سمعت رسول الله يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده».
فمن هذا تعلم أن حديث «عليك بخويصة

ـ[عمود2]ـ
نفسك» وآية {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} قد أخرجوهما عن المراد للشارع وجعلوهما ألسنة لإفساد الأمة وإيجاد الوهن في عزيمتها حتى نهجت الأمة خطة الفرق والجبن التي أورثتها الذل والجهل والانحطاط بعد أن كانت الآية الكريمة نزلت للقوة و ... و ...
على أن كثيرا من علماء الإصلاح وخصوصا الأستاذ الطيب العقبي جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا قد نبهوا على خطأ فهم الناس لهما وأنهم شوهوا معناهما ودونك نص عبارة النووي في شرح مسلم تفسيرا للآية, قال: ((لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا فعله ولم يمتثله المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه فإن عليه الأمر والنهي لا القبول والله أعلم)) ا ه.
فالدعوة إلى الانفراد وعيش العزلة وعمل المسلمين اليوم بهذا هو الذي أقعدهم عن الأعمال المجيدة وأفقدهم ثمرات الحياة التي يتطلب قطفها تأسيس جماعات وتوحيد قوى كثيرة لأن الأعمال الجسيمة لا يمكن للفرد الواحد من البشر أن يقوم بها وحده مهما كان قويا.
وقد بلغ من تغلغل هذا المثل في نفوسنا ومشاعرنا أن أصبح دستورا لمعظم أعمالنا الاجتماعية مع أنه القاصم المهلك ولهذا تجد المشاريع الخيرية عندنا مفقودة وإن وجدت لا تنجح لأن كل فرد منا نسي كلمة (مصلحة الأمة) و (واجب الوطن) و (فرض الدين) ولكنه حفظ كلمة (عليك بخويصة نفسك) التي فهمها على غير وجهها ورددها كثيرا حتى امتزجت بدمه واختلطت بعظمه ولحمه.
كثيرا ما تجد الناس يتساءلون لم لا تؤسس الجمعيات عندنا وإن قمنا بجمعية ولو صغيرة فإن النجاح لا يوافقها, فكأنهم لا يعملون ولا يشعرون.
فالجواب هو كلمة (عليك بخويصة نفسك) التي تكررونها في غير محلها فصرفتكم عن المصالح العامة وأورثت فسادا في الأخلاق وطمعا

ـ[عمود3]ـ
أخل بالنظام الاجتماعي لعدم ائتلافه بسببها مع العدل وحقوق الأمة.
لا شك أنه لا يمكننا القيام بالمشاريع الخيرية إلا بعد التحقق بآية: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وبالحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمنون كرجل واحد, إذا اشتكى رأسه اشتكى كله وإذا اشتكى عينه اشتكى كله» والذي رواه البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» ثم شبك بين أصابعه, ومن قواعد الديانة الإسلامية أنه يجب على المؤمن أن يعد منفعة أخيه المؤمن منفعة لنفسه ويعتقد أن المال الذي بيده هو مال المسلمين جميعا وإن كان تحت تصرفه وإرادته.
ألا ترى أن الصبي أو الرجل المبذر السفيه يحجر عليه, ولماذا؟ لأنه يضيع مالا يحق لأمته أن تستفيد منه عند الحاجة, قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} فأضاف تعالى مال السفيه للمسلمين باعتبار أنهم جسد واحد.
فإذن لا نجاح للمسلمين إن لم يعتبر كل واحد منا منفعة أمته منفعة له وهذه خطة المسلمين في صدر الإسلام ولكن دسيسة تشويه (عليك بخويصة نفسك) وأمثالها فرقت المسلمين أحزابا وشيعا وجعلت كل فرد منهم معرضا عن المصلحة العامة ولا يفكر إلا في نفسه ومطامعه الذاتية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الجزائر
بوزيدي الحسن بن بلقاسم.

رجاء
نؤكد رجاءنا لباعة صحيفة السنة وأنصارها الكرام أن يوافونا بحساباتهم قريبا ولا يضطرونا لمكاتبتهم شخصيا, لما في ذلك من ضياع الوقت.
(3/3)

_____
الصفحة 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
يوم 23 ماي 1932
بقلم الأستاذ الزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

كان يوم 23 ماي من السنة الماضية من أشد الأيام على هذا الوطن شؤما وسوادا, ففيه جمع المفسدون أمرهم وشركاءهم ثم تقدموا إلى جمعية العلماء المسلمين فأثاروا عليها غارة شعواء, من الشغب والفوضى وأرادوا بها كيدا فكانوا هم الأخسرين.
في نحو الساعة السادسة من صباح هذا اليوم مضى أصحابنا إلى دار إحدى الجمعيات في الجزائر (العاصمة) , فوجد هنالك جموعا غفيرة من الناس قد تجمهروا أمام الدار, وتجمعوا داخلها حتى ملؤوا صحنها وغرفها وحجراتها, فظن صاحبنا أنه أمام مكتب من المكاتب التي يفتحها المترشحون لأحد الانتخابات لشراء الأصوات!! ودخل الدار فوجد أن شيخ الحلول قد جلس في صدر المجلس على هيئة بارزة تستلفت إليه الأنظار, وكان مريضا مثقلا لا يستطيع أن يجلس طويلا فأحيط - لذلك - بكثير من المساند والوسائد والمخدات, وكان إلى جانبه ثلاثة أشخاص يوزعون على الناس الأوراق والوصولات أما الوصولات فكانت زائفة مصطنعة وهي من الفئة ذات العشرة فرنكات التي تعطيها جمعية العلماء أعضاءها العاملين الذين لهم حق الانتخاب, وأما الأوراق فكانت تشتمل على قائمة بأسماء الذين رشحوا أنفسهم لكي يكونوا أعضاء المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين وهم ليسوا بعلماء ولكن كانوا لأنفسهم يظلمون.
وتقدم صاحبنا من شيخ الحلول وعاتبه على هاته الأوراق والوصولات الزائفة التي يوزعها مجانا بلا أدنى مقابل على الذين لم تتوفر فيهم الشروط التي تأهلهم لكي

ـ[عمود2]ـ
يكونوا بجمعية العلماء أعضاء عاملين وقال له أن هذا هو عمل من يسعى لهدم هذه المؤسسة المباركة التي لم يخلق مثلها في البلاد, وما ينبغي لك - وأنت في شيبتك وشيخوختك - أن تكون في يد (فلان) آلة من آلات الهدم والتخريب وبالإفساد, على أن هذه الجمعية هي جمعية علماء, وليست جمعية متصوفة ولا جمعية أشياخ طرق, فما يكون لك - أنت المتصوف - أن تدخل فيها! فقال شيخ الحلول: إن بيني وبين الشيخ بن باديس عداوة شديدة ما أنساها له أبد الدهر, وأما العلماء الآخرون فليس بيني وبينهم شيء إلا أنهم أصحاب الشيخ بن باديس وإخوانه, فقال صاحبنا: وماذا بينكما؟ قال شيخ الحلول: كنت نشرت كتابا واستشهدت فيه ببعض الأحاديث النبوية التي قلت عنها أنها واردة في صحيح البخاري وصحيح مسلم والحقيقة أنها لم ترد لا في البخاري ولا في مسلم, وإنما أنا الذي غلطت وأخطأت, فما كان من الشيخ باديس إلا أن نشر في الشهاب انتقادا شديدا فضحني فيه وحط من قيمتي بين أتباعي وأظهر أغلاطي وأخطائي أو قل أظهر للناس أكاذيبي, فقال له صاحبنا: لو لم تكن أنت نشرت كتابك محشوا بالأغلاط والأخطاء لكان حقا لك على الشيخ بن باديس أن يستر عليك جهلك وأن لا يفضحك أمام الناس أما وقد طبعت كتابك ونشرته بين الناس فمن واجب الشيخ بن باديس ومن واجب كل عالم يغار على السنة النبوية أن يصحح أغلاطك وأخطاءك للناس حتى لا يضلوا

ـ[عمود3]ـ
بها؛ وعلى كل حال فهذه مسألة شخصية لا يحسن بك أن تتخذها حجة وذريعة لهدم هذا المشروع العمومي العظيم, فتحرك شيخ الحلول من مكانه وتحلحل, ثم قال في لهجة الواثق بنفسه: ((فات الحال))! لا بد لنا أن نستولي على جمعية العلماء ولا بد أن نطرد عنها كل عالم من العلماء وكل طالب من طلبة علم, ولا بد أن تكون هذه الجمعية خالصة لنا من الناس ولا يمكن لنا بحال أن نرجع عن محاربة جمعية يرأسها الشيخ بن باديس فيئس صاحبنا من تفهيم هذا الحلولي المغرور, فتركه وانصرف لسبيله.
ولقيت أنا بعد ذلك رجلا من هؤلاء المشاغبين وكانت بيني وبينه معرفة سابقة فأخذ بيدي وانتحينا ناحية وحدنا, وقال لي يا فلان ما هذه اللجنة التي قررتم تأليفها لتقييد أسماء الناخبين ولامتحان العضو الذي تشكون في كونه ((عالما)) أو ((طالبا))؟ وهذا ليس بحق, فقلت: ولماذا؟ فقال: إننا ما جئنا إلا من أجل الانتخاب فكيف تمنعوننا منه؟ فقلت له: كل عضو عامل له حق الانتخاب ولكن العضو العامل هو العالم أو طالب العلم لا غير, أما الذين ليسوا بعلماء ولا بطلبة علم فليسوا أعضاء عاملين ولا حق لهم في الانتخاب, وهذا هو نص القانون الأساسي للجمعية ولا تمكن مخالفته بأي وجه, فقال: إذن قد غرني فلان وفلان وفلان .. وذكر جماعة من المشاغبين, قلت: وكيف ذلك؟ قال: إنهم قد أرسلوا في الشوارع حاشرين يجمعون لهم الناس من المقاهي والحانات, ويوزعون عليهم الأوراق والوصولات مجانا بل ويزيدونهم على ذلك فيدفعون إليهم ثمن التصويت!!
وأنا نفسي كلفوني بذلك وقد جمعت من الحانات خمسة وأربعين رجلا ووزعت
(3/4)

_____
الصفحة 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
عليهم مجانا وصولات الاشتراك من غير أن يدفعوا لي من قيمتها شيئا, بل قد أعطيت كل واحد منهم عشرة فرنكات لكي يشرب بها ((البيريتيف)) إلا لشيء سوى أن يعطي صوته في الانتخاب ضد الشيخ بن باديس وضد أصحابه العلماء؟ قلت: وما هو ذنب الشيخ بن باديس؟ وما هي ذنوب أصحابه العلماء؟ قال: لا ذنب لهم, ولكننا لم نقبض منكم ولا درهما واحدا وخصومكم قد أعطونا دراهم كثيرة (!!!) فقلت له: سواءً أخذتم الدراهم أم لم تأخذوا وأكلتم الرشوة أم لم تأكلوا فلا يكون ناخبا إلا من كان عالما أو طالبا للعلم, قال: إن الخمسة والأربعين الذين أكلوا الدراهم على يدي ليس فيهم ولا واحد يعرف الألف أو الباء, ولكن أخبرني عن الدراهم التي دفعتها إليهم هل أستردها منهم وما هم براديها إلي أم ماذا أصنع؟ فقلت له: أنت لم تستفتيني فيها أولا, فأرجوك أن لا تستفتيني الآن فيها, فقال: يجب أن أستردها من الذين كلفوني بإنفاقها, فقلت له: ذلك إليك.
ودقت الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم وافتتح الأستاذ بن باديس رئيس جمعية العلماء الجلسة الأولى من جلسات الاجتماع العمومي لجمعية العلماء بخطاب كان آية من آيات البلاغة وجاء جامعا لكل معاني الموعظة والذكرى, فخشعت له القلوب وفاضت له الأعين من الدمع ولكن الذين طبع الله علة قلوبهم فلا تنفع فيها الذكرى, وجعل في آذانهم وقرا فهم لا يسمعون قد كرهوا هذا الخطاب وقالوا لا تسمعوا له والغوا فيه لعلكم تغلبون, فهاجوا وماجوا, وأكثروا من اللغط والضوضاء, وكانوا مأجورين على أن يحدثوا في هذا اليوم الفتنة والشغب والفوضى وانتصب ((الجاهل الأمي)) كزعيم لهؤلاء

ـ[عمود2]ـ
المشاغبين وجعل ((يروث من فمه)) ويسيء الأدب بحق هذا الاجتماع الحافل بالعلماء والأعيان, وكان الأستاذ باديس يخاطبه قائلا: ((يا سيدي فلان)) بكل هذا اللطف والأدب, ولكنه هو كان يقول للرئيس: ((يا ابن باديس (أي بضم نون ابن) فكان العلماء يضحكون من جهل هذا المخلوق, ويعجبون من وقاحته وقلة حيائه, وكان كل واحد إذا أراد أن يتكلم رفع يده وطلب من الرئيس أن يأذن له بالكلام إلا هذا المخلوق فإنه كان يتكلم بلا استأذن ونصب نفسه للرد على كل أحد وللجواب عن كل كلام, وكان يقول الكلمات الجارحة حتى اضطره الرئيس مرارا عديدة إلى أن يسحب كلامه وأن يبادر بالاعتذار, وذات مرة أراد أن يكون نظاميا متأدبا لا يخرق سياج الأدب والنظام فرفع يده وقال للرئيس: ((أطلِيب الكلام)) (بضم الهمزة وكسر اللام الممدودة) فلج الحاضرون في الضحك وقضوا من العجب.
وكان ((القوم)) قد تواصوا بالشر, وتواصوا بالمكر, واتفقوا فيما بينهم على أن يشاغبوا ويغلطوا إذا تكلم الأستاذ بن باديس أو غيره من العلماء, وأن يتظاهروا بالقبول والرضى إذا تكلم واحد من خمسة من أصحابهم قد عينوهم للكلام في هذا الاجتماع, وقد لقنهم بعض الناس أن يقولوا ((صواب, صواب)) لكل متكلم من هؤلاء الخمسة, ولكن واحدا من هؤلاء الخمسة قد تأثر من هذا الموقف وتبين له أن الحق كل الحق مع العلماء وأن ((القوم)) لا يريدون الخير, وإنما هم يحملون في صدورهم لجمعية العلماء أسوء المقاصد, وأخبث النوايا, فتاب وأصلح, وأذن له الرئيس في الكلام فقام وجعل يثني على الأستاذ باديس وعلى إخوانه العلماء ثناء عاطرا ويصفهم بالصدق والأمانة والأناة ونبل المقصد, ثم التفت إلى المشاغبين فانحنى عليهم باللآمة المرة وبالتوبيخ العنيف ولكنهم لجهلهم كانوا لا يزالون يظنون أن الرجل ما زال معهم, فجعلوا يصيحون بالموافقة على كلامه, ويقولون: ((صواب! صواب! صواب!)) والتفت إلي أحدهم وقال لي: ((أرأيت كيف غلبكم صاحبنا فلان فوافقتم على كلامه, ولم تقدروا على مجاوبته,! فقلت له: كلا بل هو الذي رجع إلى الحق والصواب, ولم يدع كلمة تجول في أنفسنا إلا قالها لكم فسكت الرجل, وبهت الذي كفر.
وكان ((القوم)) يريدون أن يستولوا على جمعية العلماء وإلا فإنهم عزموا على إحداث فتنة عمياء تسيل فيها الدماء, وحينئذ يمكنون للحكومة أن تحل الجمعية وأن تغلق نادي الترقي, ولكنهم خابوا في كلتا الأمنيتين {وَرَدَ اللَه الَذِينَ كَفَروا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالوا خَيْرًا وَكَفَى اللَه الْمؤْمِنِينَ الْقِتَالَ .. }.
لا أريد أن أصف هنا كل ما جرى في ذلك اليوم, ولكني أريد أن أقول إن احتفالات المبشرين بالألف والسبعمائة من المسلمين الذين ارتدوا عن دينهم الحنيف واعتنقوا النصرانية كانت في 23 ماي الأخير (وقد ذكرت ذلك في المقال السابق) وأن هؤلاء المشاغبين قد ارتكبوا ما ارتكبوا بحق جمعية العلماء في مثل هذا اليوم من السنة التي قبلها, فهل كان ذلك عن تواطؤ وتدبير سابق أم وقع مصادفة واتفاقا؟ فإن كانت الأولى فلا نستغربها من ((قوم)) يسعون علانية لإغلاق المساجد ولإغلاق كتاتيب القرآن من غير أن يدركهم الخجل والحياء وإن كانت الثانية فهي من أعجب الاتفاقات وأدعاها إلى الدهشة والاستغراب!!!
محمد السعيد الزاهري
(3/5)

_____
الصفحة 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
إعتداء فضيع على الشيخ الزاهري
محرر الشريعة
كان الأستاذ محمد السعيد الزاهري المحرر بجريدة (الشريعة) يمشي في الطحطاحة الكبرى في وهران على الساعة 11 و 20 دقيقة, وكان يرافقه حضرة السيد محمد مكروس العضو البلدي بوهران وحضرة السيد محمد رمعون إلى منزله فلما توسط الطريق وكان في غمرة من الأنوار والأضواء الكهربائية وفي كثرة الناس (السمار) خرج عليه ثلاثة أشقياء, وضربه أحدهم بهراوة على مقدم رأسه ضربة قوية جدا, خر بعدها إلى الأرض مغشيا عليه, ولاذ الجاني الآثم بالفرار, وأفاق الزاهري من غشيته, وتحامل على نفسه إلى أن دخل إلى داره التي رافقه إليها ناس كثيرون وانتشر الخبر في المدينة بسرعة البرق فأصبح الناس يستنكرون كل الاستنكار هذه الجريمة الشنعاء المنكرة التي يقوم بها الدجاجلة الأراذل.
وأخذ الزاهري تقريرا طبيا يضطره إلى أن يلتزم الراحة (في الأقل) ثمانية أيام, ودخلت القضية في يد الشرطة ثم انتقلت إلى الشرطة السرية للبحث عن الجناة المجرمين.
وقد سمعت الشرطة إفادات بعض الشهود فحواها أن هذه الجريمة قد دبرت وحيكت في مسجد.
وقد عجب الناس هنا كل العجب كيف يرضى صاحب المسجد الذي بناه لله أن يصير

ـ[عمود2]ـ
(مغارة) لقطاع الطريق يدبرون فيه (المؤامرات) للقتل والاغتيال وهم يتمنون له أن يتدارك الأمر قبل أن يفوت الأوان.
وسنوافيكم ببقية التفاصيل. وهران ( ... )

هكذا ما تزال جنود الله يصرعون في سبيل الله من الأيدي الأثيمة لجنود الشيطان ولكن حزب الله هم الغالبون.
هكذا ما نزال نكتب حروف الإسلام على هامة هذا القطر الجزائري بدمائنا الزكية حتى يشهدها العالم واضحة جلية ليس عليها غشاوة من سحب الدجل والبدع والضلالات.
فنهنئ فضيلة الأستاذ الزاهري بما أصابه في سبيل الله والدعوة إليه.
ونهنئ حزب الله بفلس حزب الشيطان من جميع شبهه التي فضحتها الأيام حتى صار لا يجد أمامه إلا الاعتداء الوحشي ثم الفرار من العدالة شأن الجناة الجبناء الأشرار.
ونلفت نظر الأمة والحكومة إلى هذه الناحية الظالمة التي تكررت اعتداءاتها على أهل العلم وهم لها صابرون وعنها معرضون لتعرفا في الشر والفتنة قدرها وتكف عن هذا الوطن وأهله شرها وضررها.
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

_…_…_…_…_…_…_…_
ـ[أسفل الصفحة بين عمود 1 - 2]ـ
ـ[عمود1]ـ
أخطار التبشير:
عبر لمن يعتبر
روح الإنجيل غذاء لروح البربر ... !
من مجلة (المغرب الكاثوليكي)
((إن البرابرة قريبون من الإنجيل, وأساطير الإنجيل التي تفيض بحياة الرجل, تصف حياة شبيهة بحياتهم, وأمثال الأناجيل تشبه كثيرا من أمثالهم, وإن حيتانا الخلقية الفرنسية قد كيفتها

ـ[عمود2]ـ
وصبغتها المسيحية (أي أحسن ما في الإنجيل) فلم لا يكون الإنجيل إذن هو مركز الاتصال الذي تلتقي فيه الروح البربرية والروح الفرنسية, اللتان تنشد إحداهما الأخرى ... !))
فتيان البربر
أبناء جنس لطيف!
-تنصير العرب بعد البربر-
الأب (شارل دوفوكود) إمام من أئمة الكاثولوكية, وداعية خطير من دعاة الاستعمار

ـ[عمود3]ـ
الفرنسي وقد خصص له كتابا الأكاديمي الشهير (روني بازان) شرح فيه شخصية الأب فوكو بصفته رحالة من رحالي الصحراء, ويحدثنا عن هذه الشخصية (هنري بوردو) الكاتب الفرنسي الذي احتفلت به مصر في الأيام الأخيرة ... فيذكر لنا رحلته في المغرب وأنه أدى لفرنسا أعظم خدمة بما حمله من هذه الرحلة من وثائق عن المغرب وبالخريطة, العظيمة إذ ذاك, التي رسم فيها جميع الجهات المغربية, ويقول: أنه لولا خريطة (الأب فوكو) ووثائقه عن المغرب, التي قدمها للحكومة الفرنسية لكان احتلال فرنسا للمغرب من الصعوبة بمكان! (وهنري بوردو) يقاربه (بالكولونيل بوتان) الذي أرسله نابليون إلى إفريقيا ليخطط رسما تحضيريا لفتح الجزائر.
هذا الأب الذي يقدسه رجال الاستعمار الفرنسي ويحفظون له مكانا بين فاتحي المغرب ... قد وضع مبدأ آخر لإعداد فتح جديد, وخلاصة هذا المبدأ مجملة في كلمته الآتية: (إن الفتيان البرابرة أبناء جنس لطيف, وهم مستعدون لقبول الروح ((اللاتينية)) التي انتموا إليها في العصور الخالية ... إن البرابرة ليسوا متعصبين ولا جاحدين, وإن دخولهم في المسيحية هو الذي يعيد العرب ويدخلهم إليها مكرهين ... ).
رجل كهذا شارك في فتح المغرب العسكري وأعد الوسائل لفتحه الديني, ألا تخلد ذكراه بين المغاربة وفوق الأرض المغربية ... ؟ بلى إنه جدير بالخلود, ومن يستخلد ذكراه؟ يخلدها صديقه ليوطي الذي اشتغل معه في عين الصفراء على الحدود المغربية الجزائرية, والذي أصبح حاكما فرنسيا في المغرب ... ففي 30 ديسمبر 1922 دشن اليوطي المنصب التذكاري, الذي أقامه للأب فوكو في الدار البيضاء أعني المدينة التي منها دخلت الجيوش الفرنسية الفاتحة, فهدمت أسوارها وأثخنت في المغاربة رميا بالرصاص وضربا بالسيوف, وقد جعل تذكاره في لوحة من المرمر بالحديقة التي يطلق عليها الفرنسيون ((حديقة ليوطي)).
ترجمة مجلة (العرب) الغراء
(3/6)

_____
الصفحة 7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
إقرأوا
في شهاب ربيع الثاني
محاضرة قيمة للأستاذ الإبراهيمي
من لم يشكر الناس لم يشكر الله مقال جليل للأستاذ أبي العباس
في الموقف الحاضر مقال نفيس للأستاذ الزاهري
ذكرى المولد مقال شيق للأستاذ الزيات
الشهر السياسي في عالمي الشرق والغرب وفيه 6 أبواب
مسائل جزائرية
رجوع الوفد الجزائري من الديار الفرنسية
أخبار وفوائد
فيه: 6فصول منها أحاديث عن الإسلام في أروبا
¯ ¯ ¯ ¯ ¯ ¯
الخطب البونية في الذكرى النبوية
خطبة رئيس الجمعية الدينية

الحمد لله والسلام على رسول الله,
أيها الأستاذ الجليل, إننا نرحب بك ونقابلك بالتعظيم والتبجيل, ونشكرك على إجابتك لدعوتنا.
أستاذنا دعوناك لحضور الاحتفال بذكرى مولد سيد الأنام, سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام, وغرضنا من ذلك أن يذكر المسلمون بهذه الذكرى الخالدة حياة نبيهم من يوم نشأته إلى أن اختاره الله لجواره, فيجب عليهم أن يدرسوا تاريخ الرسول وحياته فيجدون في تاريخه وسيرته سعادة دينهم ودنياهم, نعم يجب عليهم أن يدرسوا كتاب الله وسنة رسوله, فكتاب الله هو المعجزة الكبرى لنبيهم وحجة الله الظاهرة في أرضه والقاصم لظهر المبشرين والملحدين والمنجد إياهم في كل حين ولولاه ولولا حفظ الله له لما بقي لهم دين, وبدرسه ودرس سنة خاتم الأنبياء يتحققون صدق قوله تعالى: {مَا فَرَطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ففيه ما يحتاجون إليه كما أسلفنا من أمور دينهم ودنياهم ويعلمون أيضا أنهم لما تركوا العمل بكتاب الله وهدي رسوله تركهم الله وشأنهم,

ـ[عمود2]ـ
ولو آمنوا وعملوا لكان لهم من التمكن في الأرض وعمارتها ما أراد الله لعباده المؤمنين العاملين مثل ما كان لأسلافنا فقد قال جل شأنه: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم الخ} وقال تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} والوفاء بعهده تعالى يكون بحفظ فرائضه واجتناب نواهيه, مما يجمعه معنى التقى والصلاح, واعلموا إخواني أن القول قد كثر والعمل قل, ومصيبتنا في تقليدنا للأجانب في الموبقات والخلاعة وشرب بنت العنب وسط الحانات لا فيما يعود نفعه علينا من العلوم والاختراعات وإن أردتم التماس حقيقة قولي والتدليل على صدقه فما عليكم إلا أن تجربوا الدين الصحيح والعمل في دائرته زمانا ما, فقد جربتم البطالة والكسل وعدم العمل بما أوجبه عليكم ربكم من أمر دينكم وتشبثتم بأذيال ما يسمونه بالمدنية اليوم, تلك المدنية المزيفة الخلابة التي ظاهرها ترى فيه الرحمة وباطنها فيه مرارة وعذاب, فما تزالون في تأخر وانحطاط وأخيرا أوصيكم بالتوادد والإحسان والإعانة على تكوين المشاريع الخيرية وتأييدها وتعلموا علم الدين وآدابه واسألوا العلماء في كل ما تريدون حسبما أوجب الله عليكم وانصروا جمعية العلماء وأيدوها واعرفوا ما للعلماء علينا من فضل ومزية, وهذا رئيسهم قد لبى دعوتكم وحضر جمعكم ابتغاء وجه الله الكريم, وسعيا لكم وراء النفع العظيم لا لغرض من الأغراض, فشكر الله سعيه أيها الإخوان اسمعوا واحفظوا واعملوا فقد قال جلت قدرته: {اعْمَلوا فَسَيَرَى اللَه عَمَلَكمْ وَرَسوله} والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحاج الخوجة
رئيس الجمعية الدينية بعنابة

رسائل وملاحظات:
الضراوة على الكذب
عياذا بالله
لا نجد مثالا لاستحلال الكذب والمبالغة فيه والضراوة عليه في محاربة الخصوم من تلك الورقة الحلولية إلا رجال الكنيسة أكثرهم في محاربة

ـ[عمود3]ـ
الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وكتابه العظيم, وماذا نذكر من كذبها, أنذكر كذبها على أهل تلمسان يوم زارهم رئيس جمعية العلماء واحتفلوا به بذلك الاحتفال التاريخي العظيم ونشرت هي ضد ذلك مما هو مخالف للحس والواقع, أم نذكر كذبتها الحديثة على الأستاذ الميلي وما زعمت من إخراجه من الأغواط وهو ما خرج إلا كعادته لراحة المصيف وقد كتب الناس تكذيبه في الصحف أم نذكر كذبها على أهل اليمن أم نذكر كذبها على أهل الزواوة والقبائل؟ إن كثرة كذبها ستمنعنا لا محالة من دوام تكذيبها ولكن سننشر ما جاءنا من أهل بوقاعة اليوم ثم ما جاءنا من اليمن وما جاءنا من زواوة ثم نعتذر عن متابعة كذبها لإخواننا الذين يصابون بكذبها سائلين منهم الصبر والاحتساب على أنهم لا يصيبهم بحمد الله من كذبها ضرر بعدما افتضح أمرها للناس وعرفه كل أحد.

وهذا كتاب من بوقاعة
الحمد لله
سيدي مدير جريدة الشريعة بعد إهداء واجب التحية لكم نرغب منكم نشر بعض كلمات ردا على ما نشرته الورقة الحلولية التي ألفت نفسها نشر الأقاويل الكاذبة من دون أدنى تبصر حتى صارت كأنها لسان حال للأطفال, أيجمل بها وهي تسمي نفسها بالجريدة الدينية أن تنشر كل ما تلتقطه من البريد جاهلة مسؤوليتها على ما تنشره أم صفا لها الجو لتفتري على الله الكذب فكيف لا بالناس, فقد نشرت تحت عنوان (مسجد بوقاعة واللغو) مقالا بإمضاء ((جماعة بوقاعة)) ولا ندري ما هاته الجماعة التي فرت من صلاة الجماعة خوفا من الوقوع في المحرمات كما لا نعرف لقرية بوقاعة مسجدا قديما تلقى فيه ((الدروس النافعة)) اللهم إلا إذا أطلق
(3/7)

_____
الصفحة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
لفظ المسجد على الكنيسة الموجودة منذ عهد بعيد أما إن قصد به المسجد الذي ينادى فيه: حي على الصلاح, فنحن معاشر مسلمي بوقاعة نطلب من مدير البلاغ نفسه أن يزور قريتنا هاته عله يجد أثرا لهذا المسجد القديم الذي تلقى فيه ((الدروس النافعة)) وما اسم هذا الأستاذ الوهمي القائم بتلقينها.
فقرية بوقاعة معروفة عند الخاص والعام حتى عند زائر الحمام بخلوها من المسجد نعم: فقد قامت جمعية سنة 1927 لإنشاء مسجد بتلك القرية لكن بمزيد الأسف لم تساعدها الظروف إلى أن قلعت شرذمة حرك عواطفها مجد الإسلام فأصلحت دويرة وأوسعتها قدر استطاعتها لتؤدي فرضها جماعة ولا زال البناء لم يجف حتى الآن فعلى المدير أن يعاينها إن كان له ريب فيما ذكر.
يقولون أن تلك الشرذمة تسممت مما تسممه المصلحين وأنها تأكل لحوم المؤمنين أمواتا ونحن إذا اعتبرنا مقالهم ذلك وجدناهم هم الآكلون لحوم المصلحين أحياء فنحن لا ننحط إلى ثلب الأعراض فلنا همة عالية لا ترضى لنا بذلك وإنما نريد أن نفهم ونطلع على حقائق إخواننا المسلمين الذين لبسوا رداءً مطرزا بالبدع والخرافات والأوهام فسموه برداء الدين خوفا من الوقوع في حبالتهم المنصوبة للغافلين فإن قذفوا الشرذمة فقد قذفوا أنفسهم وهم لا يفقهون وندعو تلك الجماعة أن تجعل عقلها ميزانها حتى لا تنعكس في أعينها الحقائق فترى العلم فسادا والبدع صلحا ويا للعجب من قلب الحقائق في هذا العصر والله يهدي ((الجماعة)) و ((الشرذمة)) إلى صراطه المستقيم. جماعة بوقاعة

كتاب ثان منهم
ماذا يقول الكاتب لا يدري ما يقول

ـ[عمود2]ـ
إلا ما قال القائل وأجاد في قيله:
يا لقومي ويا لأمثال قومي … لا ناس عتوهم في ازدياد
كلما أرادت نشأة توقدت فكرتها وأزيح عنها الغطاء أن تمسح النوم عن عينيها بعد سباتها الطويل وحاولت اختراع مشروع خيري ديني تربط به قلوب المتفرقين وتحارب به جهل الجاهلين وينقذ به المغفلون من براثن الموبقات إلا ويقوم في وجهها أفراد يحاولون إبطال المرام وإطفاء ما في الفكر من التوقد قبل التمام ولم يرضوا أن يرتد بعض الروح لجسد الإسلام, بل بغيتهم وأمنيتهم ترك أبناء الإسلام تائهين بواد الخمول ولو عبدوا الأصنام, وما ذاك إلا لما قام في قلوبهم من الحقد والحسد والتحزب لغير الحق وإلا فكيف يسعى المسلم المحق المحب للمسلم ما يحب لنفسه في إبطال معالجات الإسلام في وقت بلغ فيه حد السياق. ولو كانت مشاغبة القوم ومحاربتهم لتلك المشروعات بشيء مشوب ولو برائحة الحق لقلنا أن القوم على جانب منه ولكن ما دأبهم إلا التقول والتزوير والبهتان, يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يكترثون بكل ما يقضى على الإسلام قضاء مبرما وإلا فمتى كانوا يصلون في المسجد المؤسس ببوقاعة ثم تخلفوا عنه حين صار محلا لثلب الأعراض والطعن في مشائخ الطرق وخافوا من الوقوع في المحرم طبعا كالغيبة وما شاكلها كما ادعوا ذلك وكتبوا به إلى جريدة الحلول فنشر ما نشر في عدد 298 وأي محرم أكبر وأعظم مما تقولوه وزوروه واختلقوه ورموا به رجال بوقاعة البرآء من ذلك مع أنهم لم يخطروا لهم ببال أصلا وأخيرا لما وقع البحث عما تقولوه اعترفوا بما افتعلوه بما لا يتفق مع الدين وصاروا يطلبون العفو عما رقموه فوق الماء ومثل

ـ[عمود3]ـ
هؤلاء إذا أخبروا بشيء فهل يصغى إلى قويلهم وهل يقول مفكر بتصوف هؤلاء أهله, وبطريق هؤلاء فقراؤه, وهل يرضى عاقل أن يسلك طريقا سلكوه, نعم بعد ما قلبناهم بطنا لظهر وظهرا لبطن تحققنا أنهم في واد ونحن في واد وما زادنا ما هم عليه إلا يقينا بأن ما يتلقى من الأفواه في هذا الزمان والذي هو مثار النفع هو أمر رابع يضم للثلاثة التي في قول القائل:
أيقنت أن المستحيل ثلاثة … الغول والعنفاء والخل الوفى
ولو كان هذا القائل حيا لشفع البيت بآخر يتضمن ما قلنا, وحينئذ فنحن على ما كتبتموه في البلاغ (من أننا شرذمة تسممت بما يلقيه لهم بعض المنتسبين للإصلاح الموهوم) ونحن مشاركون للكميت في قوله:
ومالي إلا آل أحمد شيعة … ومالي إلا مذهب الحق مذهبا
ونحن ما لنا إلا جمعية العلماء شيعة وما لنا إلا مذهبهم مذهب ولو قطعنا إربا إربا بعد ما أحطنا بتفاصيل أعمالكم ووقفنا بمنابع نياتكم ودرسنا ما أنتم عليه من مبدأ أمركم حتى الآن فالحمد لله الذي أيقظنا من غفلتنا قبل الوقوع, وآخر ما نختم به ما في أفئدتنا الموافق والله لألسنتنا من التمسك بما للمنتسب إلى الإصلاح الموهوم كما كتبتموه في البلاغ, ما قال طفل في معلمه:
كلما ينطق أستاذي أصغي … واعيا ما قال لا مفرطا
وهو مسرور بجدي إذا رآه … دائما يبسم لي مغتبطا
غيور من رجال بوقاعة
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
(3/8)

___________________________________________________
………………………… السنة الأولى / العدد الرابع …………………………
قسنطينة يوم الاثنين 15 ربيع الثاني 1352 … Constantine le 07 juillet 1933
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجمعية
دعوتها وغايتها
الخطاب النفيس الذي ألقاه الأستاذ البشير الإبراهيمي نائب الرئيس مساء الثلاثاء 4 ربيع الأول الماضي، اليوم الثاني للاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين نقلا عن مجلة الشهاب.

ـ[عمود1]ـ
نبتدئ الكلام باسم الله وحده وبالصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله رسول الله وعبده، وبالرضى عن آله وأصحابه أنصار الحق وجنده، المؤمنين بعهده المصدقين لوعده، وباستنزال الرحمة الشاملة على أئمة الهدى ونجوم الاقتداء الذين طالما ساورهم الباطل بسلطانه وأيده وكاثرهم بجموعه وحشده ودمدم عليهم بهزيمه ورعده فما وهنوا عند إرخائه وما استكانوا عند شده وما انخدعوا لهزله ولا لعبوا عند جده وعلى عباد الله الصالحين المصلحين الذين وقفوا عند شرعه وحده وأخلصوا عملهم لله بيقين القلب وعقده وابتلاهم الله بالشر والخير فتنة فقالوا كل من عنده ووفقهم لفهم حقائق الأشياء فما التبست عليهم المعاني ولا سموا الشيء باسم ضده.
ونحيي بتحيات الله المباركات الطيبات

ـ[عمود2]ـ
هذه الوجوه النيرة وما تحتها من نفوس خيرة. من كل مدعو إلى الخير مجيب وداع إليه قد أجيب. وندعو لما دعا له كتاب الله من تأكيد الأخوة والأخذ في أسبابها بالقوة.
وندعو للعلم الذي هو علم السعادة ورائد السيادة ونستعيذ بالله من شر التفرق الذي حذر منه الرحمن ودعا إليه الشيطان فنحن عباد الرحمن والواجب علينا امتثال أمره وأعداء الشيطان والواجب علينا اتقاء شره واجتناب مكره.
أيها الإخوة الكرام-
لعلكم تظنون أنكم ستسمعون موضوعا مبتكرا أو خارجا عن متعلقات جمعية العلماء وما دام قدومكم لأجل جمعية العلماء وقلوبكم مع جمعية العلماء وركوبكم المشقات والأتعاب في سبيلها

ـ[عمود3]ـ
فليكن حديثنا كله لا يخرج عما يتعلق بجمعية العلماء وأن هذه الجمعية بمقاصدها وغاياتها لموضوع يأتي على مواضيع القول كلها وإن القول فيها ليستغرق أوقات القائلين, وقد جمعكم الله وأنتم أنصارها وذووها في صعيد واحد كأنكم تقولون هذا هو المظهر ومن ورائكم أعدادكم ممن قعد بهم العجز أو حالت بينهم وبينها الأعذار وقد أرسلوا بالبرقيات والكتب وفيها ما سمعتم فكأنهم يقولون وهذا هو المخبر.
ولعل أروع ما شهد ته الجزائر في تاريخها الحديث هو اجتماع هذه السنة ولعل غرة أيامها في هذا التاريخ يومان هما أمسكم ويومكم.
وأين تقع تلك الاجتماعات الضخمة التي كانت تشهدها فتشهد المظاهر الفخمة على المخابر الوخمة وتشهد أشتاتا من الناس, لأشتات من المقاصد والغايات من اجتماع وحدته الغاية التي لها يعمل حتى كأن من فيه رجل واحد ووحدت الغاية رأيه فهو رأي واحد وقبل ذلك وحده الحق فجاء ومراده من النواحي المختلفة بسائق واحد وشعور واحد.
هذا مظهر الجمعية وهذا مخبرها من
(4/1)

_____
الصفحة 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
حيث القوة والمتانة والمقام والمكانة فأين مظهرها وأين مخبرها في العمل الذي أسست لأجله.
إن جمعيتكم هذه أسست لغايتين شريفتين لهما في قلب كل عربي مسلم بهذا الوطن مكانة لا تساويها مكانة وهما إحياء مجد الدين الإسلامي وإحياء مجد اللغة العربية.
فأما إحياء مجد الدين الإسلامي فبإقامته كما أمر الله أن يقام بتصحيح أركانه الأربعة العقيدة والعبادة والمعاملة والخلق, فكلكم يعلم أن هذه الأركان قد أصبحت مختلة وأن اختلالها أوقعنا فيما ترون من مصائب وبلايا وآفات.
اختلت العقائد ولابسها هذا الشوب من الخرافات والمعتقدات الباطلة فضعفت ثقتنا بالله ووثقنا بما لا يوثق به.
واختلت العبادات فخوت النفوس من تلك الآثار الجليلة التي هي سر العبادة والتي هي الباعث الأكبر على الكمال الروحي.
واختلت الأحكام فانتهكت الحرمات واستبيحت المحرمات وتفككت روابط الأسرة الإسلامية وقطعت الأرحام وتعادى المسلمون وتباغضوا وتنكر الأخ لأخيه-
وضعف الوازع الديني الذي يهيئ النفوس للانطباع بطابع واحد فأصبحت مستعدة للتكيف بما يقبح وما يحسن ثم غلب ما يقبح على ما يحسن فخرجت الفضيلة الإسلامية من عقل المسلم ومن نفسه وحلت محلها الرذيلة ثم جاء الاحتكاك بالأجانب عن هذا الدين ومعهم عاداتهم وأخلاقهم فوجدت السبيل ممهدا ووجدت نفوس المسلمين عورات بلا مدافع ولا محام فتمكنت فيها ومكنت لغيرها والشر يعدي, وكان من نتائج ذلك ما ترون من انحلال وتفكك.
ولو كنا نعبد الله حق عبادته ونبني

ـ[عمود2]ـ
العبادة الخالصة على عقيدة خالصة - لكان من آثار تلك العبادة في نفوسنا ما يقيها من شرور هذه العوائد العادية.
واختلت الأخلاق وفي اختلالها البلاء المبين وإن الأخلاق في دينكم هي شعب الإيمان فلا يختل خلق إلا وتضيع من الإيمان شعبة وقد أجمع حكماء الأمم على هذه الحقيقة التي قررها الإسلام بدلائله وأصوله وهي أن الأمم لا تقوم ولا تحفظ وجودها إلا برسوخ الأخلاق الفاضلة في نفوس أفرادها-
ولهذا نرى الإسلام يأخذ في شرطه على أبنائه أن يتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويبدئ في هذا المعنى ويعيد ويضرب الأمثال ويبين الآثار ويلفت النفوس إلى الاعتبار بمن مضوا وإلى سنن الله الخالية فيهم.
لو لم يكن من أصول دينكم أيها الإخوة وتعاليمه إلا هذا الأصل وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكفاه دلالة على أنه دين اجتماع وعمران وحياة وبقاء ولو لم نضع فيما أضعنا من تلك الأصول إلا هذا الأصل لكفانا مقتا واستحقاقا لغضبه واستبداله بنا قوما غيرنا.
وأما إحياء مجد اللسان العربي فلأنه لسان هذا الدين والمترجم عن أسراره ومكنوناته لأنه لسان القرآن الذي هو مستودع الهداية الإلهية العامة للبشر كلهم لأنه لسان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم صفوة الله من خلقه والمثل الأعلى لهذا النوع الإنساني الذي هو أشرف مخلوقات الله ولأنه لسان تاريخ هذا الدين ومجلي مواقع العبر منه، ولأنه قبل ذلك وبعد ذلك لسان أمة شغلت حيزا من التاريخ بفطرتها وآدابها وأخلاقها وحكمها وأطوارها وتصاريفها في الحياة ودولها في الدول وخيالها اللامع الخاطف

ـ[عمود3]ـ
الذي هو أساس فنها وآرائها في عالمي الكون والفساد.
وكلكم يعلم أن هذا اللسان ضاع من بيننا فأضعنا بضياعه كل ذلك التراث الغالي النفيس من دين وتاريخ وإن اللغة هي المقوم الأكبر من مقومات الاجتماع البشري وما من أمة أضاعت لغتها إلا وأضاعت وجودها واستتبع ضياع اللغة ضياع المقومات الأخرى. ويأبى لكم الله والإسلام أن تضيعوا لغة كتاب الله ولغة الإسلام.
يأبى لكم الله إلا أن ترجعوا إليها لا لتحيوها بل لتحيوا بها الفضيلة الإسلامية في نفوسكم ولتحيوا بها الحياة التي يريدها الله منكم فجمعيتكم - بعون الله وبفضل هممكم تركب لهاتين الغايتين من الوسائل كل ممكن فمن محاضرات ودروس عامة إلى دروس خاصة إلى تنشيط وإرشاد لهذين وهي تعتقد في الإعانة على القيام بهذا العهد الذي قطعته على نفسها - بعد الله على كل من يصله صوتها من أبناء هذه الأمة - وهي تعتقد أنها لا تستغني عن الإعانة من أنصارها مهما قلت وأنها لا تستغني عن حنكة الشبب وتجاريبهم ولا عن اعتدال الكهول وحكمتهم - ولا عن نشاط الشبان وفتوتهم وإن تكافل هذه القوى الثلاث سيخرج للأمة الجزائرية جيلا مزودا بالإسلام الصحيح وهدايته والبيان العربي وبلاغته عارفا بقيمة الحياة سباقا في ميادينها متحليا بالفضائل عزوفا عن الرذائل عارفا بما له وما عليه واقفا في مستقر الحقيقة الواقع لا في ملعب الخيال الطائر-
أيها الإخوة الكرام - ليس من معنى سعي جمعيتكم لهاتين الغايتين أنها تعرض عما سواهما وأنها لا تقيم الوزن لهذه العلوم التي أصبحت وسائل للحياة أوهي الحياة نفسها كما ظنه الظانون بهذه الجمعية فظنوا بها ظن من لم يفهم شيئا من حقيقتها فهي تعمل للغايتين وتعمل لما وراء الغايتين من كل نافع مفيد لا ينافي كليات الإسلام وأصوله.
وإن في سماحة الإسلام الذي ندعو إليه وفيما هو مقرر في مقاصده من عدم التحجير على العقول
(4/2)

_____
الصفحة 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
أن تفكر وعلى الأيدي أن تعمل وعلى الأرجل أن تسعى وعلى الألسن أن تتفتق بكل مفيد - إن في كل ذلك لجوابا للظانين وردا على ما ظنوه.
هذه هي غاية الجمعية التي تسعى لها وتبذل كل عزيز في الوصول إليها وسواء تبدلت الإدارة أو بقيت وسواء واجهها الدهر بالبشر والطلاقة أو بالتهجم والعبوس وسواء أحسنت العبارات تأدية معناها للناس أو لم تحسن.
وسواء خفت لهجات الناشرين لدعوتنا أو اشتدت فتلك هي الغاية وتلك الحالات كلها إنما هي أعراض تسرع بالجمعية في الوصول إلى الكمال أو تبطئ ولكنها لا تخرجها عن المبدأ ولا تزحزحها عن جادته ..
وإننا نبتهل إلى الله أن يقيض لها في كل دور من أدوارها رجالا مخلصين حكماء يستلمونها بيضاء نقية ويسلمونها لمن بعدهم أشد ما تكون بياضا وأشد ما تكون نقاء ويتلقونها وهي أمانة وعهد فيؤدونها لمن بعدهم وهي أمانة وعهد.
وأن يمكن لهم من وسائل التيسير كل ما عجزنا عنه وأن يسدد خطاهم في حملها ويشدد عزائمهم في الدفاع عنها وأن يقوي بصائرهم في تحميلها وأدائها فما هي بميثاق الفرد للفرد ولكنها عهد الجيل للجيل.
أيها الإخوة الكرام
إني لم أر مثلا أضربه لجمعيتكم هذه وهي لم تزل في المهد إلا شيئا نسميه تباشير الصبح هو تلك اللمع المتفرقة من النور في الشرق قبل أن ينشق عمود الفجر يرتاح لها الساري في ظلمات الليل لأنه يرى فيها العنوان الصادق على قرب الخروج من المعاسف والخبط في مضلات السبل-
ويرتاح لها المهموم الساهر الذي يبيت يراعي النجوم لأنه يرى فيها متنفسا لهمه وسببا لسلواه وإن لم تكن حدا لبلواه.
ويرتاح لها المقرور الشاتي لأنه يرى فيها مخايل من آية النهار.
ويرتاح لها الناسك لأنه يسمع فيها الداعي المثوب بعبادة ربه.

ـ[عمود2]ـ
ويرتاح لها الشاعر لأنه يرى فيها مسرحا لخياله وأفقا لروحانيته ويرتاح لها العامل الملتذ بعمله لأنه يرى فيها الأمارة المؤذنة بقرب وقت العمل.
ولكن هل يدرك النائمون شيئا من تلك اللذة؟ نعم إن جمعية العلماء هي تباشير الصبح وسترونها تتصدع عن فجر صادق ثم عن شمس مشرقة.
أطال الله أعماركم أيها الإخوة حتى تثملوا بكل ما في تلك الشمس من إشراق ونور وبهاء وجمال وبكل ما تحمله تلك الشمس من أسباب الحياة.

الغربلة قوام الحياة
((أيضا))
ما كان يخطر ببالي أن أكتب مقالا عنوانه هذا، لأن هذا العنوان قد مر عليه عام كامل, فكنت ناسيه لكن جمع غفير من الأدباء والفضلاء في الاجتماع العام الواقع يوم 26 جوان لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين اقترح علي أن أكتب مقالا عنوانه ((الغربلة قوام الحياة))، واستحسنوا إعادته و أعجبهم غربالي.
و كنت أسأل نفسي هل هذا الإعجاب بغربالي له أسباب وموجبات، ولكل شيء أسباب وموجبات؟ فذهبت أستقصيها فاهتديت وأجبت بأن ((الغربلة قوام الحياة حقا))، فها قد ظهرت نتائج غربلتك في هذا الاجتماع الذي نحن فيه على سرر متقابلين، ولمس الجميع هذه النتائج لمسا وسمعت الكثير من الأدباء يرددها على لسانه عند نهاية كل اجتماع من اجتماعات الجمعية وما يسع مثلي أمام رجال الأدب إلا الإجابة وحسن الطاعة، فأجبت وها أناذا أغربل: أغضب الحق على الباطل، أم غضبت الفضيلة على الرذيلة. أم هو استعداد في الجزائري أم هي من محاسن الصدف أم ماذا؟. أم هو صحو من الأحلام وطول المنام أم شدة

ـ[عمود3]ـ
بعد لين، أم حدة بعد سكون، أم صحة بعد سقام، أم ماذا؟
هي مجموعة عوامل صادفت من الجزائري مواهب اختص بها من دون سائر الناس وغرائز فطرية نبيلة, واستعدادات عصامية فنفض الكرى من عينيه وسط هذه الزعازع واستأنف سفر الحياة ورحلة الأيام.
والجزائري إن مات يجد في موته وإن نهض يجد في نهضته، وإن انتابته الحوادث وتوالت عليه الخطوب والكوارث يجد في صبره = بيد أنه صبر الكرام = فهو جاد مقبلا ومدبرا، هابطا وصاعدا, فكذلك كان الجزائري، فهمت هذا ودريته من الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الواقع يوم 26 جوان، فقدت شاهدت فيه مشاهد نبل وعز وشرف وعلم وأدب، مشاهد في منتهى الروعة والمهابة والجلال، صدقت ظنوني وتكهناتي نحو الجمعية, ولم يبق عندي ريب ولا شك، بل لم يبق معها شك لشاك، ولا لمعرقل, ولا لمضاد ومناصب، ومطل من النوافذ بالمناظير ولا لواش في أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي جمعية الأمة الإسلامية الجزائرية المحدودة غربا بالمغرب الأقصى, وشرقا بالإيالة التونسية, وشمالا بالبحر الأبيض المتوسط, وجنوبا بالصحراء الكبرى، هي جمعية ستة ملايين ونيف من النفوس، فأما الذين حضروا وشاهدوا وكانوا من الذين يؤمنون بالمشاهدة فيعلمون أنه الحق، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الكاتب بهذا؟ أولئك هم الخاسرون.
لقد تحركت الهمم إلى الجمعية من كل مركز من مراكز القطر الجزائري غربا وشرقا وشمالا وجنوبا ومن أقصى النقط وتوافدت الوفود من كل حاضرة وكل قبيلة جاءت
(4/3)

_____
الصفحة 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
تروم كل مرام فمن كل صوب قدم عالمان أو ثلاثة هم في العلم علماء، وفي التفكير مفكرون، ومعهم وفود من وجوه ذلك الصقع وعيونه وذوي النفوذ والاحترام، والكلمة العلياء عند قومهم، فقطعوا المهامه والمفاوز واجتازوا الهضاب والتلاع واخترقوا الجبال وضربوا أكباد الإبل في الصحاري ومجاهلها الرملية من سوف وتوقرت وما دونها, وآثار السفر على وجوههم وتكبد مشاقه تلوح على جبينهم ونزلوا بالعاصمة تأييدا للجمعية, يرون فيها صالحهم وحياتهم الدينية والأدبية، ودفعا لكل ما ترمى به الجمعية من أنها جمعية التسعة وجمعية أفراد, وحدث عن عزائمهم المتقدة وقلوبهم المستعرة نارا نحو جمعيتهم ونحو نجاحها، هذا رغم ما اصطف في طريقهم من عراقيل ومثبطات وترهيبات ووشايات اصطفافا ولسان حالهم ينشد:
نحن النيام إذا الليالي سالمت … فإذا وثبن نحن غير نيام
قل للحوادث أقدمي أو أحجمي … إنا بنو الإقدام والإحجام
عبست إلينا الحادثات وطالما … نزلت فلم نغلب على الأحلام
الحق كل سلاحهم وكفاحهم … والحق نعم مثبت الأقدام
فينا من الصبر الجميل بقية … لحوادث خلف الغيوب جسام
فجاءوا على بكرة أبيهم صافي الاعتقاد والعقيدة يحملون فكرة الإصلاح بأجلى معانيها وأرواحا بين ضلوعهم عالية تثب للمعاني وثبا, وتطمح للحياة طموحا, فكان اجتماعهم بالعاصمة شجى في حلوق من لا يروقهم وجود هذه الجمعية. وهذه المنجاة البشرية حدا فاصلا بين الحق والباطل, وفيصلا حاسما في رفع كل نزاع وكل تقول على الأمة فحرام اليوم ولا يصح -والله-

ـ[عمود2]ـ
أن تنطق جمعية إن صح أنها جمعية أو فرد أو رئيس أو كائن بلفظة الأمة غير جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكل من ذكر لفظة ((الأمة)) غير جمعية العلماء فإنه والله ليضحكنا كثيرا ويضع نفسه محل ازدراء الأمة ومنبعث السخرية والفذالك الليلية، فخير للذين لا يريدون أن تضرب بهم الأمثال في السخرية والازدراء أن يكفوا عن التعبير بالأمة وذكر لفظة الأمة وخير لهم أن ينسلخوا من هذه الجامعة التي طال استغلالهم لها كتابة ونطقا وحسا ومعنى وليدع الأمة تستغل جمعيتها وتستثمر ثمراتها اليانعة وقطوفها الدانية.
من لي بمن يحسن الإصغاء ويدرك كلامي. ويرعوي بنصائحي ويتوجع من إيلامي, ومالي أذهب في غربلتي ذهاب من يناضل عن الجمعية ويذود عن حياضها فكأنه توجد جمعيات بجانبها تناوئها ولا ورب الكعبة جمعية بعد هذا الاجتماع الأخير للجمعية يصح أن تكون لها مذاود, أو ما يجدر بالكتاب أن ينتقلوا عن ذكر كل جمعية أو كل طائفة أو كل رئيس أو كل فرد من أفراد الناس في كتاباتهم إلى ذكر فضائل هذه الجمعية وما تحمل من خير للأمة وما تنويه من أعمال وما هي طريقتها التي تريد أن تحمل عليها الناس للوصول إلى غاياتها المباركة.
فلكل مقام مقال, ولكل زمان عقلية وأسلوب ولكل سنة تحول في العمل وتجدد في الفكر, فلننتقل من قيل وقال ولنعبد الله رغبة ورهبة ولنسلك الاعتدال في عباداتنا ولندع المكان فسيحا لأهل الجدال ولنشطب عن كل شيء من هذا القبيل فلنا ثقتنا الدينية والعلمية في علماء جمعيتنا فلنعمل بما أمرونا به, ولننته عما نهونا عنه هذا إذا أردنا التقدم السريع, فهلموا بنا فهلموا.

ـ[عمود3]ـ
فنحن ولله الحمد, قد أصبحنا رجالا، لنا أن نفتخر بأعمالنا, ونتحدث بثمرات جهودنا بعد هذا الاجتماع الأخير ويجدر بالرجال أن يضربوا صفحا عن كل ما لا يهم الأمة ولنشتغل بخدمة الأمة, ولنضرب الأمثال للناس في الشجاعة، والصبر عند الملمات ولنشرع في تطبيق ما فكرنا فيه وقررناه حتى يرى الناس أعما لنا ويشاهدوها بأبصارهم ويلمسوها بأيديهم.
لست أذكر في مقالي هذا ما جرى في الاجتماعات مرتبا لها دورا بعد دور. فقد قامت الجرائد وكتابها الكرام ببيان كاف شاف فيما جرى بالجمعية في الأيام الثلاثة تفصيلا، إنما الأجدر بالمغربل أن لا يتناول من الكلام والمواضيع إلا ما لم يغربله الناس ويستحق الغربلة. حتى لا يبقى في الجمعية غث و سمين إلا غربل.
لقد حططنا رجال السفر عشية يوم الأحد 25 جوان بساحة الحكومة مع وفد عظيم من الأدباء والعلماء. وقلوبنا تحدثنا ونفوسنا تنقبض آونة وتنبسط أخرى. وعيوننا شاخصة إلى النادي, هل أولئك الجالسون على سطوحه من الوجوه النيرة والعمائم البيض من الوافدين للجمعية. أم تلك الجلسة من الجلسات المعتادة فيه, فنزلنا من السيارة وذهبنا توا إلى النادي وولجناه فإذا هو على ظاهره من أروع الظواهر, ماذا وجدنا؟ وجدنا قاعته وردهاته متراصة بالكراسي ووجدنا أصحاب العمائم البيض و الآداب الغضة والأخلاق الطرية جالسين على هذه الكراسي حتى ضاق النادي بالوافدين فعرفنا وتيقنا أن الأمر جد وأن الاجتماع هو اجتماعي إنساني عظيم. وشاهدنا بأعين رؤوسنا الهيئة العلمية حقا وكان الأستاذ الطيب العقبي الداعية الديني الكبير بالشمال الإفريقي يلقي على السامعين محاضرته العلمية الدينية المعتادة التي كان يلقيها يوم الأحد
(4/4)

_____
الصفحة 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
من كل أسبوع بفصاحته السحبانية، وإيمانه القوي فما أتمها حتى حول القلوب إلى الحياة الدينية الحقيقية وأماط اللثام عن حياته صلى الله عليه وسلم وما كان عليه هو وأصحابه من دماثة الأخلاق وحسن المعاشرة واللطف في القول والصبر على الشدائد وما إلى ذلك من صفاته العلية صلى الله عليه وسلم, فأكبر به من فارس مغوار في ميادين الجد وإثارة الهمم ومن لسان دلق في مثل هذه المحافل. ثم امتطى منصة الخطابة أدباء من الوافدين، فأجادوا فيما تكلموا فيه وأفادوا أكثر الله من أمثالهم, ثم نهض فارس البلاغة وبطل البيان الرئيس عبد الحميد، فألقى خطابا تنبع منه البلاغة العربية وتتدفق منه الفضيلة والعلم والفلسفة, فكان بردا وسلاما على القلوب, ثم انصرف الجمع من النادي وموعده غدوة اليوم الثاني على الساعة التاسعة صباحا. فما دقت التاسعة غدا حتى غص النادي برحابه وغرفه فلما اصطف المجلس واطمأنت أعضاءه جود العقبي آيات من القرآن الشريف تنطبق على حالة الجمعية من جميع مناحيها ورتلها بصوته الشجي وبلهجة حجازية ترتيلا. فأسالت منا الدموع الحارة وكأننا والله لم نقرأ تلك الآيات فثبت بها القلوب وزادها إيمانا على إيمانها, ثم قام الأستاذ الإمام الرئيس وألقى الخطاب العام للجمعية وعرض به على الحاضرين حالة الجمعية السنوية وهنا يقصر قلمي عن وصف هذا الخطاب ولا يصفه إلا إدراجه في الجرائد ليقرأه الناس فهو أشبه شيء بالنغمات التي يولدها الموسيقار الفنان من أوتار القتارة بيد أنها نغمات حزن وألم, ثم انتعاش وأمل, فليس في استطاعة أي إنسان ولو بلغ من الفصاحة اللسانية والقلمية أعلى بيان أن يعبر تعبيرا صادقا عما يحس به من تأثير تلكم النغمات في قرارة نفسه وفي روحه من نعيم وطرب وألم وحزن أو لذة

ـ[عمود2]ـ
وحلاوة, وإن وفق إلى التعبير عنها وكان قديرا على ذلك فهو في الحقيقة والواقع تقرب من الحقيقة لا هي نفس الحقيقة فكذلك خطاب الرئيس.
فتأسف فيه تأسفا شديدا على ما كيدت به جمعية تقول ربي الله وتدين بالله وبفرقانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة داعية للصالح العام وللأخوة الشاملة: محاربة للمفاسد والرذائل ناصرة للفضيلة والعلم والتهذيب وترقيق الحس كل ذلك في أدب من القول ولطف في المخاطبة, والمجاملة في المعاملة والمقابلة في ظل القانون العام والقانون الخاص.
أجمعية كهذه تتألب عليها النفوس وتتنمر في وجهها الوجوه وتوضع في سبيلها النصب والعقد، إن في هذا لبلاغا لقوم يعقلون وعبرة لقوم يبصرون فتوالت الاجتماعات ثلاثة أيام وعملت فيها أعمال وتليت فيها التقارير وجودت آيات وألقيت فيها الخطب والمسامرات ودروس في مختلف المواضيع وعرضت الحسابات وأجريت الانتخابات على غاية من النظام والهدوء والحرية المطلقة كل هذا جرى في غير تشويش وفوضى وبمفاهمة وبمناقشة لينة فكانت الأيام الثلاث أيام أنس وسرور وتعارف ونظام وانتظام. وختم الاجتماع العملي عشية اليوم الثاني بوصية الرئيس للوافدين وطلب منهم أن يعاهدوه معاهدة سلام ووئام على نشر الخير بين ربوع الجزائر ونشر الدين الصحيح وبث الأخلاق الكريمة والشيم الحميدة وما إلى ذلك من الفضائل الإنسانية. فعاهده الناس على ذلك عهدا لا خفر فيه وأوصى الناس باحترام الأدب والقوانين والأخوة لجميع سكان القطر على اختلاف مذاهبهم ونحلهم وعقائدهم ومللهم وجنسياتهم وعناصرهم لأن الإسلام دين الإنسانية.
يتبع بلقاسم الزغداني

ـ[عمود3]ـ
الإعتداء
على الأستاذ الزاهري

نشرنا في العدد السالف من هذه الجريدة خبر الاعتداء الشنيع الواقع بمدينة وهران على الأستاذ محمد السعيد الزاهري ووعدنا بنشر كل ما يرد علينا من التفاصيل المتعلقة بهذا الحادث المزعج الذي استاء وأسف له جميع العقلاء من المسلمين وحتى من غير المسلمين.
أهم ما استفدناه إلى حد الآن أن الجاني لم يكن إلا منفذا لأمر دبر في خفاء لإذاية الجمعية والطائفة الإصلاحية في شخص الأستاذ الزاهري, وأن الشرطة مهتمة بالقضية اهتماما وصلت به إلى إلقاء القبض على (اليد الضاربة) وأوشكت أن تكشف الغطاء عن حقيقة القضية من جميع نواحيها، وأن الرأي العام بوهران هائج ناقم على المعتدي وعلى البغاة الذين اتخذوه آلة عمياء لقضاء حوائجهم الخسيسة وتنفيذ أغراضهم الأثيمة.
نشرت جريدة ((أوران ماتان)) اليومية بعددها الصادر يوم الثلاثين جوليت فصلا صافيا حارا أمضاه فريق من الأعيان المسلمين احتجاجا على عمل هذا الجاني ومن شاركه في جنايته بالقول أو بالفعل أو بغيرهما، وقد علقت الجريدة على ذلك الفصل بما يفيد أنها وهي ترجمان الرأي الفرنساوي ساخطة على كل من له يد في هذا الحادث أو حصة من مسؤوليته.
ونحن وإن وجدنا بعض السلوى في موقف أعيان وهران وصحافتها الفرنساوية لا نفتأ نسجل بكل قوانا على السطو الوحشي الذي أسال دم ركن من أركان الإصلاح الديني والنهضة الجزائرية ونشكو إلى الله دناءة وسفالة خصومنا الذين يحاربوننا بالنميمة والوشاية، ويجادلوننا بالمدية والهراوة، وننتظر من الهيئة الحاكمة مؤاخذة المعتدي ومعاملته بما يستحق، واثقين برجال العدالة وشاكرين كل من قام بواجبه.
(4/5)

_____
الصفحة 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
الخطب البونية في الذكرى النبوية
خطبة الكاتب الأديب السيد حامد الأرقش
سيدي الأستاذ، سادتي:
باسم الشباب البوني وجمعيتنا دعوناكم وقبلتم ضيافتنا فأشكركم كثيرا من صميم الفؤاد إذ لبيتم دعوتنا تاركين أشغالكم غير مبالين بالتعب ووعثاء السفر ولا ألسنة الوشاة وفي الحقيقة ما هذه التلبية و هذه الأتعاب إلا تنفيذا لبرنامج عملكم الصالح الذي أخذتم على عاتقكم إسداءه لأبناء جنسكم المتخبطين في دياجي الجهالة وتحت سيطرة كهنوت خئون انتفاعي غايته التضليل والغش حياتكم أيها الأستاذ كلها جهاد ولكن بسلاح سلمي علمي تحت سماء الصراحة وضوء الهداية البدع أحاطت بنا إحاطة السوار بالمعصم فقيدتنا فحطموها ويد الله معكم وعينه ترعاكم, إن بارقة الأمل لاحت رغم المشاغبات و لم تبق إلا عشية أو ضحاها حتى تعم الأمة بكل ما تحويه من سعادة حقيقة.
إن جمعيتنا أسست لمحاربة البدع والأضاليل وما أرى إن شاء الله إلا سعيها مكللا بالنجاح وعنوان ذلك وجود أمثالكم بيننا أرجوكم أن تسعفونا بوصاياكم النيرة فإنكم كالشمس ونحن هلال نقتبس نوركم الذي فيه بذور الحياة.
إن الشباب المتعلم باللغة الفرنسوية سرت فيه الروح التي أنتم ساعون في بثها, فغايتكم وغايتها صارت واحدة وإن الحوادث والحقائق المنطقية وحدت الصفوف بالأمس كان هذا الشباب كغريب عن وسطكم أما الآن فلا وإننا نشاهد هذه الحركة هنا وقد شاهدناها أخيرا في قسنطينة حقيقة تلمس باليد.
إن جو اليوم غير جو الأمس وفكر اليوم غير فكر الأمس وإن لاحت بارقة الحياة في أمة فإنها لا ترد كيفما كانت الحوادث.
وفي الختام أقول لكم: وفقتم وأيدتم آمنين.
حامد الأرقش

ـ[عمود2]ـ
خطبة الأديب الفاضل الشيخ المنبهي
حمدا لمن نصر الشريعة الإسلامية بفضل جهود ورثة الأنبياء العلماء الأعلام.
وأمدهم بالإعانة لنشرها بين طبقات الأنام, وصلاة وسلاما على سيدنا محمد الذي من شريعته الدعوة إلى خير ما جاء به دين الإسلام.
وعلى آله وأصحابه الذين خدموا الملة الحنيفية فكانوا القائمين بأعبائها أحسن قيام.
أما بعد سادتي الكرام لا يخفى على إدراككم السليم أن من سعادة القطر الجزائري أن قيض الله له أبناء منه رفعوا عنه حجاب الجهالة وأناروا أماكن الظلمة المدلهمة التي كانت مخيمة بين ربوعه ردحا من الزمان ومن هؤلاء رجال جمعية العلماء ورئيسهم أستاذنا الجليل عبد الحميد بن باديس نزيل بلدتنا الذي جاد بنفسه خدمة للإنسانية ونشرا للفضيلة والتواد وكل دواعي الارتباط التي تربط بعضنا بعضا وتبعثنا على العمل لخير الجميع, وها هو يوالي السفرات العديدة في مختلف البلدان للحصول على هذه الأنشودة شأن الأب الشفوق على فلذات أكباده, فإني أشكره بلسان إخواني البونيين وبالأصالة على نفسي ونتمنى من صميم الفؤاد أن يحقق الله له ما تمنى إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
الصادق المنبهي التاجر بعنابة
في العدد الآتي خطبة الشيخ محمد نمر المعلم الناصح.

رسائل وملاحظات
الدفاع عن اليمن
الحمد لله وحده.
يسوءنا وأيم الله أن تبقى جريدة البلاغ تنشر كل ما يوحيه إليها شيطانها المارد بدون ما تراعي حرمة أحد, فقد نشرت مقالا طويلا في عددها

ـ[عمود3]ـ
الصادر في 9 محرم يقول فيه كاتبه أنه حالما ظهرت في بلاد اليمن, أي الطائفة العلوية كانت أشبه ((بالغيث النافع)) وأن كثيرا من أبناء اليمن اعترفوا بمزيتها وأنها نبهت الغافلين، وأن أكثر أهل اليمن كانوا قبل ظهور هاته الطائفة بعيدين عن كل ما تطلبه منهم الديانة الإسلامية ولما ظهرت بينهم هاته الطائفة بنيت المساجد وهيئت المعاهد وأن اليمن وأهله اليوم في حالة غير الحالة التي كانوا عليها بالأمس فأقول: صدق الكاتب في قوله قد انقلبت الأمة اليمنية على عكس ما كانت عليه سابقا لأنهم كانوا قبل اليوم أمة واحدة أما اليوم فالطرقيون تفرقوا إلى فرق عديدة غير أن هذه لم يطلع عليها مولانا أمير المؤمنين إلى الآن، ولكن أكبر نتيجة ظهرت على يد الطائفة العلوية هي التعصب والتحزب ونبذ الدين من أصله واتباع البدع وهجر بيوت الله ومعاداة العلم والعلماء ونبذ كل قديم سواء كتاب الله تعالى أو سنة رسوله وهذا عند من اتبعهم من بعض أهل بادية اليمن الذين لا يميزون بين الغث والسمين فضلا عن أن يفهموا مقصد الصوفية وأما العلماء فلا نجد أي عالم تابعا لهم بل ولا ترى أحدا يحضر مجالسهم أو يصغي لكلامهم, وأما الأسماء التي نشرتها جريدة البلاغ مرتين لتفتخر بأصحابها عند الأمة الجزائرية فأنا أعرفهم فردا فردا وأعرف وظيفة كل واحد منهم وقد نشرت أسماؤهم وهم لا يعلمون من ذلك شيئا بل نقول أكثر المذكورين هم أعداء لهاته الطائفة غير أن حضرة الكاتب كتبهم لعلمه بأن الجريدة لا تتوصل إليهم وهم يحذرون الأمة من هاته الطائفة وقد سموا المنتسبين إليها بالقرامطة ولكن الكاتب مسكين ولو كانت هاته الجريدة تروج في أرض اليمن ما بقيت أية طريقة ببلاد اليمن, وهذا الذي يكتبونه على صفحات جريدتهم لم يكن يعلمه أي عاقل من عاصمة اليمن بل هذا كله بين الطرقيين أنفسهم.
وإذا شككت أيها القارئ فما عليك إلا أن تنظر القوم في حال حديثهم فتسمعهم لم يذكروا
(4/6)

_____
الصفحة 7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
طول جلستهم قال الله أو قال رسول الله، لا بل تسمعهم يقولون الشيخ قال لي كذا وكذا وقال لفلان كذا، وقد قالوا ليس من اللازم على الإنسان أن يتعلم العلوم الدينية بل إذا أراد الفوز فعليه بقراءة الأوراد والاجتماع مع الفقراء في حال رقصهم وأن يبقى في حال ((النحبة)) وهي قولهم آه, آه يشخص صوره شيخه على قلبه حتى يعرج به إلى سدرة المنتهى فهناك يشاهد مالا عين تراه ولا عقل يقبله ولا منصف يقره، وهناك يرجع إلى الخلق ويكلمهم في كلام تمجه الأسماع وتأباه العقول السليمة وإذا قلت لأحدهم لا ترتكبوا هذه البدع وتنسبوها للدين قال لك بكل وقاحة إن طريقتنا هذه قائمة على الكتاب والسنة فإذا قلت فلماذا لم تذكر هذه الأفعال في الكتاب والسنة. ضرب لك مثلا بأن صلاة التراويح كانت بعد رسول الله وأن وأن إلخ. وسرد لك حكايات واهيات فإذا قلت له فلماذا صوفية الزمان هذا غير الصوفية في الزمان الأول في كلامهم وعبادتهم وسيرتهم وجميع علماء الشرع ينكرون هذا جيلا بعد جيل. قال لك إن علماء الشرع لا يفهمون بواطن القرآن وأن الحق عند الصوفية لأنهم أهل كشف وأنهم وأنهم.
أيها القارئ .... لا يغرنك زخارف أقاويلهم فعليك بالكتاب والسنة الذي كان عليها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا اختلفتم في شيء من دينكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)). أما صوفية الزمان فلا يتبعهم إلا من كان جاهلا أمر دينه فيكون مقلدا فقط والمقلد لا يكون إلا جاهلا وأكثر من تبعهم على هذه الحالة، فانظر إلى هذه البدع المحدثات في الدين تجد أنها خرجت من عندهم. فرقوا أمة محمد وهجروا بيوت الله واستحلوا أعراض المسلمين ويزعمون أنهم مصلحون وهم في الحقيقة مفسدون, نسأل الله أن يفقهنا في ديننا ولا نكون متكلين على غيرنا لكي لا نقول بين يدي الله: (((ربنا هؤلاء أضلونا السبيلا)))، كما ندعوه تعالى أن يلهمنا الصواب وأن يرزقنا حسن المآب.
قارع نعمان الرياصي اليمني

ـ[عمود2]ـ
بلاد القبائل والطريقة الحلولية
جواب عن كتاب ((إلى أهالي زواوة))

قرأنا في عدد أخير من جريدة ((السنة النبوية الغراء)) ما كتبه الأستاذ الزاهري ووجهه إلى بلاد القبائل تحت عنوان ((إلى أهالي زواوة)) كسؤال لنا معاشر أهالي هذه البلاد عن صحة ما زعمته الطريقة الحلولية المخذولة ونشرته للناس في بعض الأعداد الأخيرة من ورقتها الضالة المزورة وهو كله افتراء للكذب على المسلمين وزور وبهتان كما سيأتي في البيان والجواب.
وقبل أن نجيب عن هذا الزعم الباطل وهذا الادعاء الفارغ نقول: إن ورقة أو طائفة تدعي في أهالي ((اليمن)) حيث ذلك الإمام المصلح العظيم ما ادعته وزعمته من ذلك النفوذ الموهم لا يعسر عليها أن تأتي بما هو أشنع منه في بلادنا.
ثم الذي نقوله هذا باختصار كجواب عن أسئلة الأخ الشيخ السعيد الزاهري الذي نشكره دائما على اهتمامه بشؤون الإسلام في سائر البلاد الإسلامية والذي يغار على الحقائق أن تشوه وتداس بالأقدام تحت ستار تلك المزاعم الباطلة هو أن أهالي ((زواوة)) ما كانوا يعرفون عن هذا الشيخ الحلولي الذي يقود هذه الطائفة الشريرة إلى التعدي على الأشخاص والأعراض وهتك الحرمات إلا أنه واحد من هؤلاء الذين زعم أنه أنقذ مئات الآلاف من أيديهم وأسلم على يده الكثير.
فلا يكادون يجدون أدنى فرق بين أخطار تبشيرهم وتبشيره الحلولي فذاك يلتقط الصغار من اليتامى فيشملهم بعطفه وحنانه وهذا يلتقط الكبار فيشملهم بعفوه وإنقاذه ويغدق عليهم من نعمه ودراهمه وكلاهما مضمر للشر على قاعدة تسمين الكبش, ولله در الشاعر إذ يقول:
لو يعلم الكبش أن القائمين على … تسمينه يضمرون الشر ما أكلا
وعند الشيخ الصدقاوي الذي درس أحواله واطلع على ما دق وجل من أمره الخبر اليقين.
يسألنا الشيخ السعيد الزاهري حول زعم هذا

ـ[عمود3]ـ
المخلوق، هل تعلمون أن زواويا واحدا قد أسلم على يد شيخ الحلول، وما رأيكم فيما ينشره عنكم في ورقته الضالة من المفتريات، إلى أن قال حضرته: هل تجدون أدنى فرق بين أخطار التبشير المسيحي وأخطار التبشير الحلولي الخ.
فهذه أسئلة ثلاثة نجيب عنها جوابا مختصرا وإن كان في كلام الأستاذ السائل ما يغني عن إجابتنا، فنقول في الأول أننا لم نعلم أن مسلما يحمل بين جنبيه إيمانا صحيحا ويغار على الإسلام والمسلمين يقول: بإسلام شيخ من شيوخ الحلول فضلا عن أن نعلم ونحن هنا ببلاد يعرفها الإسلام وتعرفه قبل ظهور الحلول والحلوليين بما شاء الله من الدهور والعصور إن زواويا أو قبائليا أسلم على يد هذا الشيخ الحلولي صاحب هذه الطريقة المعدومة, إن هذا لمنكر من القول وزور, ونجيب عن الثاني أن الافتراء والكذب على الله والناس أجمعين هو رأس مال كل سامري وهيكل يحتال للدنيا بالدين ومهنة كل دجال قديما وحديثا كما حدثنا التاريخ.
أما الجواب عن الثالث فقد أشرنا إليه في صدر المقال وفي ذلك كفاية ولنبين فضيحته بهذه البلاد وبغيرها من بلاد الله على هذه الأجوبة المختصرة وإليك البيان.
يقول هذا الشيخ أو يقول عنه جهلة كتابه المأجورين لتشويه الحقائق وتزييفها أنه منقذ الأمة وناصر السنة وحامل لواء الإرشاد إلى غير ذلك من الأسماء والألقاب التي يلبسون لها لباسا ليلبسوا على الناس أمرهم في دينهم ودنياهم وفاتهم أن هذا السلاح لم يعد يصلح في عصر كهذا العصر وأن حياة المغالطات لا تدوم طويلا أكثر المغالطون منها أو أقلوا ثم هم يختلقون لهذه الأسماء وتلك الألقاب كلها آثارا في مناكب الأرض وأطرافها القاصية حيث يعسر على الناس أن يقفوا على
(4/7)

_____
الصفحة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
أكاذيبهم ومفترياتهم لو كان أمرهم يهمهم.
فقد قالوا أخيرا في ورقتهم الضالة أنهم أسسوا مدرسة في مجاهل فلسطين وزارها اثنان منهم فكان ما سمعاه من تلاميذ هذه المدرسة التي لا وجود لها إلا في سطرين من ورقتهم هذه ... أناشيد حلولية لا يبعد أن تكون من أحسن وأبلغ ما لم يقل وأفصح ما ضمه ديوان شيخ الحلول المشهور الذي تحسده دواوين غير الشعر على رواجه حتى أنه لو طبع ألف مرة لما بقيت منه نسخة مادام حلولي يمشي فوق الثرى ومادامت بلاد ((ناطحات السحاب)) تهيئ مدارسها من يفهمه ويغوص في بحر لآليه لاستخراج أسراره وأحجاره.
على أن هذا الديوان قد سد فراغا عظيما من الأدب الحلولي وولد كتبا كثيرة كلها تبحث في محاسن الحلول ولا يفهمها إلا علامة المعقول والمنقول! ((وأنا لو كنت أضرب بسهم في علم الحلول وكان لي بعض إلمام بتطبيق قواعده المقررة لاقتنيت البعض منها للإحراق)).
وهكذا كانوا يطيرون بمفترياتهم وأضاليلهم من مركزهم فينزلون بها مرة ((بنيويورك)) ومرة ((بلندن)) أو ((باريس)) ثم يعلنون على رواجها فوق ورقتهم الحلولية حيثما وقعوا وطاروا وإن كان الواقع يكذبهم حثيما حلوا وارتحلوا وقد راموا هذه المرة أن يطيروا ويسقطوا ببلاد القبائل كما يسقط الذباب على الطعام وينصبوا ظل أخبيتهم هناك فسقطوا ووقعوا في بعض الأودية التي لم يجدوا فيها إلا مخلوقا أو مخلوقين من أمثالهم ((والطيور على أمثالها تقع)). وكان هذا بعد ما عادوا من أطراف العالم مزودين بالخيبة والخسران.
وقد اختار شيخهم هذا لما أراد أن يغزو هذه البلاد أن ينزل ببلدة من

ـ[عمود2]ـ
البلاد الحديثة ولعلها بلدة (آقبو) فنزل فيها بجمع من خدمه وحشمه وكان ذلك منذ عشر سنوات. ولم يكد يلقي عصا التسيار بهذه البلدة حتى انتشر خبر أمره الغريب وقصده بعض شيوخ الزوايا بتلك الناحية وأفهمه بعد محاورة أن المهمة التي أنزلته وأسقطته عندهم وجعلته يقتحم الأخطار ويقطع الفيافي والسباسب راضيا من الغنيمة بالإياب هي نشر هذه الطريقة العصرية التي تغني عن الطرق كلها ولا تغني الطرق عنها وهو يريد أن طريقته هذه ناسخة لجميع ما تقدمها من الطرق إذ لم يكن في سابق أمره قط يعترف لأحد بالسلوك من الطرقيين، فما تنشره ورقته هذه الأيام وتزعم أنه من محاسن الطرق الصوفية ومزاياها إنما هو من قبيل التمويه والتضليل وإلا هذا الشيخ القبائلي من أتباع الشيخ ابن عبد الرحمن فلماذا يعرض عليه الدخول في طريقته ذات الاصطلاحات والقوانين الجديدة والانسلاخ من طريقة شيخه الأول بحجة أنها قديمة لا تصلح في هذا العصر عصر التجديد والاختراع ولا توصل إلى المراد إلى غير هذا من إسرافه وإسراف أذنابه المغرورين في مدح أنفسهم وتفضيل طريقتهم على كل طريق.
إلا أن الشيخ القبائلي في ذلك المكان وذلك الزمان وتلك المناسبة لم يجبه إلا بما يليق بجناب الضيف الكريم والمرشد العظيم كشيخ ينشر طريقة الحلول إذ قال له في أدب وتواضع: إن شيوخ هذه البلاد القبائلية ما نجحوا في دعوتهم إلا لسبقهم في نشر العلم والعمل به وهذه معاهدهم ومدارسهم فيها أكبر شاهد على ما نقول وأنهم ما التفتوا إلى العامة إلا ليكونوا الخاصة وما طلبوا الأموال إلا لينشئوا الرجال وهل في مستطاعكم يا حضرة الشيخ أن تشاركوهم في بعض ما قاموا

ـ[عمود3]ـ
به من نشر العلم وتهذيب العقول فنفسح لكم في المجال حتى يكون نجاحكم مثل نجاحهم أو أكثر.
وهنا أظلمت الدنيا في وجه المرشد العظيم وانطمست أمامه سبل النجاح وبهت ولم يدر كيف يجيب هذا الشيخ القبائلي ولكن ما أضمره في نفسه من تشجيع الآباء ..... وتنشيطهم إياه والاعتماد على اتخاذ وسائل نجاحهم في مهمتهم كل هذا جعله يمضي في سبيله بدون اكتراث معتمدا على تنفيد برنامجه السري لإنفاذ مئات الآلاف من أيدي إخوانه الذين مهدوا له الطريق وشجعوه سرا, فكان يدخل قرية ولا يخرج منها إلا مذموما مدحورا.
وقد انخدع به بعض الطلبة فظنوه عالما بتلك الكتب المزورة التي قنع فيها بوضع اسمه وأخرجها للناس كسم في دسم فتلقوه بأسئلة علمية فكان يجيب عنها بالمغالطة إذ يقول لهم سأراجعها في مظانها ومحالها ويختلق لهم ما يستر به جهله المبين فلم ينفعه ذلك شيئا أمام الحقيقة الناصعة والخيبة المجسمة بل زادوه قائلين أتعجز عن الجواب وأنت القائل: (الكون في قبضتي فاسألوا عني الألوهية) ففضحوه شر فضيحة. ومتى حجبت الشمس أصابع اليد المرتجفة, وسيمر بك أيها القارئ الكريم ما يجعلك على بصيرة بحقيقة أمر هذا الرجل الغريب الأطوار الذي لا يفتأ يكذب على البلاد الإسلامية التي منها بلاد القبائل الزاهرة بمعاهدها الدينية وتراث علمائها العاملين منذ عهد قديم.
يتبع الفتى الزواوي
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
(4/8)

____________________________________________________
………………………… السنة الأولى / العدد الخامس …………………………
قسنطينة يوم الاثنين 22 ربيع الثاني 1352 … Constantine le 14 juillet 1933
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود1]ـ
في مجلس حجاج
بقلم الأستاذ ألزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

أخبرني وجيه من الوجهاء في صحراء وهران وكان لي صديقا حميما قد رزقه الله بسطة في الفهم والجسم وآتاه سعة من المال, أنه سافر إلى الأماكن المقدسة فأدى فريضة الحج فيمن حج من الجزائريين هذا العام. فلما قضوا مناسكهم ورجعوا إلى أهليهم رجع هو منشرح الصدر وقلبه مطمئن بالإيمان, وجاءه الناس يهنئونه ويسلمون عليه ويطلبون دعاءه الصالح ويلتمسون منه البركة والخير. قال: وسهر عندي كثير من الناس ذات ليلة أحييتها لهم بمناسبة مقدمي من الحجاز وكان أكثرهم حجاجا قدماء وجددا حجوا هذا العام. وطفقوا يتحدثون ويتسامرون, فقال أحد الحجاج القدماء: ليس ينفع الإنسان شيء كعمله الصالح. ففلان هذا (وأشار إلى صاحب الدار) كان لا يساوي أن يقال له سي فلان, أما اليوم وقد عمل صالحا وحج إلى البيت العتيق فقد أصبح يقال له سيدي الحاج فلان. فرد عليه رجل غير ((حاج))

ـ[عمود2]ـ
من الحاضرين وقال: من حج فإنما حج لنفسه لا للناس, فلا ينبغي أن نمدحه على ذلك وما دمنا لا نقول للذي يحافظ على الصلوات يا سيدي المصلي فإنه ينبغي لنا أن لا نقول لمن حج يا سيدي الحاج. وأنا سمعت الشيخ عبد الحميد بن باديس عندما زارنا في الصيف الماضي رئيسا لوفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يقول لأصحابه ولتلامذته لا تقولوا لي يا سيدي الحاج عبد الحميد فتلك فريضة مكتوبة قد أديناها ولا مزية لنا فيها. فقال الحاج: أما أن الحاج يحج لنفسه هذ فا حق وأما أننا لا ينبغي لنا أن نقول للحاج يا سيدي الحاج كما لا نقول للمصلي يا سيدي المصلي فهذا غير حق بل الواجب أن نثني على الحاج ونقول له يا سيدي الحاج, ونثني على المصلي ونشيد بذكره ونحترمه في غيبته ومشهده كما أن من الواجب أيضا أن ننكر على تارك الصلاة وننهاه عن المنكر ونأمره بالمعروف وأي منكر أشنع من ترك

ـ[عمود3]ـ
الصلاة وأي معروف أحسن من المحافظة على الصلوات. ينبغي أن نذكر التقي الصالح بصلاحه وتقواه عسى أن يقتدي به المسلمون وأن نذكر الضال الفاجر بضلاله وفجوره حتى لا يغتر به الناس. وأما أنك سمعت الشيخ عبد الحميد بن باديس ينهي أصحابه أن ينادوه ياسيدي الحاج فهو من تواضعه ومروءته وكمال أخلاقه على أننا سمعنا جميعا الزاهري يذكر أمام الشيخ بن باديس حكاية تاجر قد دهن دكانه بدهن فاخر وكتب فوق الباب اسمه وعنوانه بالحرف العريض. وما هي إلا أيام حتى سافر حاجا مع الحجاج فلما رجع قام إلى هذا الدكان فدهنه مرة أخرى بدهن فاخر أفضل من الدهن الأول الذي لا يزال لامعا مشرقا بعد, لا لشيء إلا أنه زاد في اسمه كلمة ((الحاج))! وقد استعذب الزاهري حكاية هذا الرجل ووافقه على استحسانها الشيخ باديس. وما دمنا لا نأمر بالمعروف, ولا ننهى عن المنكر ولا نعمل الخير وندعو إليه ولا نترك الشر ونحذر منه ولا نقول للمحق أنت محق وللمبطل أنت مبطل وللمحسن أحسنت وللمسيء أسأت فإنه لا يستقيم لنا أمر ولا يصلح لنا حال. على أن
(5/1)

_____
الصفحة 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
الرجل قد يريد الحج ليقال له الحاج فلان فيكون ذلك له سبب التوبة والإنابة. وقديما قيل: ((طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله)).
وانتقلوا في الحديث إلى من يحج مرتين أو ثلاث مرات هل يستحق لقبا أشرف من لقب ((الحاج)) الذي يحرز عليه من يحج مرة واحدة فاتفقوا على أن لقب ((الحاج)) هو لقب شريف يستوي فيه من حج مرة واحدة ومن حج مرارا عديدة. ولكن رجلا من الحاضرين فاجأهم بقوله: ماذا تقولون فيمن حج الحج الصغير هل يجوز أن يقال له يا سيدي الحاج كالذي يحج الحج الكبير أم لا يحق له أن يحرز على هذا اللقب؟ فسأل سائل: وما هو الحج الصغير؟ قال هو أن تحج إلى قبر من قبور الأولياء الصالحين مثل قبر سيدي أبي مدين الغوث في تلمسان. قال السائل: وهل يحج الناس إلى قبر سيدي بومدين هذا؟ قال: رأيت كثيرا من حجاج تلمسان متى قدموا من الحج ذهبوا توا من محطة القطار إلى ضريح سيدي أبي مدين الغوث فضلوا فيه نهارهم وباتوا فيه ليلتهم ومضوا إلى ضريح سيدي الداودي فزاروه وتبركوا به. كل ذلك قبل أن يدخلوا بيوتهم. ويعتقدون أن هذا هو الحج الأصغر فقال قائل ليس هذا هو الحج الأصغر, بل هو من مناسك الحج فقط ولهذا فإن الحاج الذي يصل المحطة فيذهب منها توا إلى داره دون أن يزور ضريح سيدي بومدين ولا ضريح سيدي الداودي فإن حجه صحيح غير باطل وله الحق في أن يقال له سيدي الحاج. وقد سألت أنا بعض العلماء عن هذه المسألة فأجابني بهذا الجواب. فتكلم أحد الحاضرين وقال: على كل حال فالحاج الذي لا يزور سيدي بومدين الغوث هو كمن أخل ببعض المناسك

ـ[عمود2]ـ
والأركان. وتكلم أحد الطرقيين فقال: روي عن سيدي أبي مدين الغوث أنه قال: من زار قبري فقد حج الحج الصغير. فأجابه طرقي آخر من أتباع طريقة أخرى وقال:
شيخنا سيدي فلان مؤسس طريقتنا هو الذي قال: من زار ضريحي وزاويتي فكأنما حج واعتمر وزار ضريح المصطفى صلى الله عليه وسلم. فجاوبه الطرقي الأول بل هذه من خصائص شيخنا نحن أتباع الطريقة الفلانية قد اختصنا الله بها فجاوبه الطرقي الثاني بقوله: كلا, هي من مناقب شيخنا نحن وهي موجودة في كتب الشيخ فقال الأول: وأنا نفسي قرأتها في كتب طريقتنا. وهنا وقع بينهما تشاد عنيف وتنابز بالألقاب, فكل واحد يزعم أن زيارة شيخهم حيا أو ميتا هي التي تقوم مقام الحج والعمرة وزيارة ضريح الرسول صلى الله عليه وسلم. وكل واحد يزعم أن شيخه هو الذي ضمن الجنة لأتباعه ومريديه دون حساب ولا عقاب ويزعم أن شيخه قال من مات على محبتي وطريقتي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (!) ولو كانت ذنوبه مثل زبد البحر. وكان بين الحاضرين طرقي يدعي المعرفة والعلم قد هبط القرية ((متسولا شحاتا)) يجمع الصدقات والنذور و ((الزيارات)) وحضر هذا المجلس طمعا في قبض الصدقات. فتداخل في الأمر وقال: هو أن من زار قبرا من قبور الأولياء الصالحين كان له من الأجر مثل من أحرم بعمرة فقط. وتجوز أن تكون زيارة قبر ((الولي)) بمثابة الحج في الأجر والثواب وذلك فضل الله يوتيه من يشاء. فرد عليه أحد الحاضرين وقال: يا فقيه هذا قول باطل غير صحيح فظهرت على الفقيه كل علائم التأثر والانفعال ثم قال. ولماذا؟ فقال الرجل: لو صح هذا القول لزار كل أهل بلد قبور أوليائهم

ـ[عمود3]ـ
وصلحائهم ولتركوا الحج بالمرة والأولياء مهما كانت منزلتهم عند الله فلن يكونوا أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يساووه في الدرجة عند الله فهو سيد ولد آدم وأفضل المخلوقات على الإطلاق ومحال أن تكون زيارة الأولياء كزيارة ضريحه الشريف صلى الله عليه وسلم فاتق الله يا فقيه ,ولا تقف ما ليس لك به علم. فقال له الفقيه: أنت وهابي أنت تسب الأولياء, فسأله الرجل ما معنى ((وهابي))؟ ويحك يا فقيه! أما سمعت قوله تعالى: (((ولا تنابزوا بالألقاب))) , أليس قولك لي أنت وهابي هو من باب التنابز بالألقاب؟ أنا مسلم قبل كل شيء وبعد كل شيء, وأما ما زعمته من أني أسب الأولياء فهذا يا فقيه محض افتراء منك علي. فأنا لم أسبك أنت وأنت لست وليا فكيف تزعم أني أسب الأولياء حاشا لله أن أسب أحدا من الناس كائنا من كان, ولكنك أنت يا فقيه تعتبرني سببت الأولياء وتنقصتهم إذا أنا قلت أن رسول الله خير منهم وأن زيارة قبره الشريف أفضل من زيارة قبورهم. فهل هذا هو سب الأولياء في نظرك؟ وأنت أيها الفقيه إذا كنت تعتقد حقيقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في درجة واحدة مع ((الأولياء)) فأنت من الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وما قدروا الله حق قدره. ويحك أيها الفقيه! أهذه منزلة الرسول الأعظم عندك؟ لماذا ويحك! لا يرضيك أن يكون سيد الوجود خيرا من ((أوليائك)) وأفضل منهم؟ ولا تنس يا فقيه أني أنا أحترم الأولياء وأحبهم خيرا مما تحبهم أنت, فقال الفقيه ولماذا؟ قال الرجل لأني أحب جميع الذين سبقونا بالإيمان, ولكني لا أتغالى فيهم فلا أعتقد فيهم الألوهية ولا أعتقد أنهم جميعا يبوؤون بشسع نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
(5/2)

_____
الصفحة 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
وأما أنت يا حضرة الفقيه فلا تحب جميع الأولياء, بل تؤمن ببعض وتكفر ببعض فالذين تؤمن بهم تتغالى فيهم إلى درجة بعيدة جدا وربما تغاليت فيهم إلى حد التأليه, وهؤلاء الأولياء الذين تخصهم بإيمانك وغلوك هم أشياخ الطريقة التي تعتنقها. وأما سواهم من الأولياء والأشياخ فلا يعنيك من أمرهم شيء ودليل ذلك أن هؤلاء الطلبة الفقهاء الذين ينتسبون إلى الطرق الصوفية لا ينافح كل واحد منهم إلا عن الطريقة التي ينتسب إليها. ولا يؤلف الكتب إلا في مناقب أشياخها, قل لي بربك هل تستطيع أن تجد فقيها واحدا من أتباع الطريقة القادرية يؤلف كتابا في مناقب الشيخ التجاني أو تجد فقيها تجانيا واحدا يؤلف كتابا في فضائل الشيخ عبد القادر الجيلاني أو نحو ذلك بل كل واحد ينصر طريقته ويدعو إليها, وهذا دليل قاطع على أن الأولياء ليسوا عندكم سواء, على أن هؤلاء الذين ينسبون إلى سيدي فلان المناقب والكرامات, ويزعمون أنه قطب الأقطاب وغوث الأغواث ويتظاهرون بالدفاع عنه وبالغيرة عليه لا يفعلون ذلك محبة في هذا (الولي) ولا غيرة عليه, ولكنهم يفعلون ذلك طلبا للخبز والمعاش قد اتخذوا لأنفسهم اسم هذا (الولي) علامة خصوصية لكسبهم وجعلوه (مارك دي بوزي)!! وقد رأيت بعيني وسمعت بأذني متسولا في بعض قرى الصحراء يقف على هذا الباب فيسأل أهل الدار ويستعطفهم باسم الشيخ التجاني ثم يقف على باب آخر ويسأل باسم الشيخ الجيلاني, ويقف على باب ثالث فيسأل باسم الشيخ بن عبد الرحمان ويقف على الباب الرابع فيسأل باسم شيخ طريقة أخرى, وربما وقف على باب آخر فلم يذكر في السؤال إلا اسم الله واسم

ـ[عمود2]ـ
الرسول صلى الله عليه وسلم وقد عجبت منه لأول مرة ولكن ما لبثت أن عرفت السبب وذلك أن هذا المتسول كان يسأل كل أهل منزل باسم صاحب طريقتهم, وكان قد بحث عن كل دار فعرف الطريقة التي تنتسب إليها. أما اسم الله واسم الرسول فلا يذكرهما إلا عندما يقف على باب أحد المصلحين. ولكن من يدري؟ فلعل جميع أشياخ الطرق المعاصرين وسائل ((مقاديمهم)) لا يثبتون على طرقهم إلا ما دام لهم فيها رزق ومعاش, ولا يعدو شأنهم فيها أن يكون كشأن هذا السائل. قال الرجل: وقد رأينا كثيرا من المقاديم كانوا على طريقة ثم تركوها إلى طريقة أخرى غيرها لا لأنهم عرفوا أن الأولى على ضلال وأن هذه الثانية هي على هدى من الله. ولا فعلوا ذلك ابتغاء مرضاة الله. ولكن لأنهم وجدوا أن الأولى لا فائدة لهم منها ولا خير فيها فتركوها إلى أخرى عسى أن يجدوا لهم فيها رزقا ومتاعا, أو عسى أن يجدوا لهم في هذه الثانية خبزا ومعاشا فهم طلاب خبز ومعاش لا يهمهم ما عند الله من الأجر والثواب.
إنني أريد يا حضرة الفقيه أو يا حضرة المقدم أن أسألك سؤالا أرجو أن تجيبني عنه بما أراك الله من الحق والصواب. فقال الفقيه: سل عما تريد. فقال الرجل: ماذا تقول في الشيخ سيدي فلان صاحب الطريقة الفلانية هل هو (ولي صالح) كما يعتقد فيه أصحابه ومريدوه أم هو دجال خبيث كما يعتقد فيه بعض الناس؟ فقال الفقيه: بل هو طرقي دجال لا يشم رائحة للولاية والصلاح, فقال الرجل: ولكن أتباعه ومريدوه يعتقدون أن (شيخهم) قد بلغ منتهى الكمال في الولاية والتقوى, فقال الفقيه: هم ضالون مخطئون, قال الرجل: ولماذا؟ قال الفقيه: لأني عرفت

ـ[عمود3]ـ
((شيخهم)) هذا فعرفت فيه خبث السيرة, وسوء السلوك, وذكر حكايات تدل على هذا المعنى, قال الرجل: وماذا تقول في الشيخ سيدي فلان مؤسس طريقتكم التي أنت ((مقدم)) فيها؟ فقال الفقيه: هو من أولياء الله ومن أكابر الصالحين ما يكون عندك في ذلك من شك ولا ريب وكل من مات وهو غير محب لشيخنا هذا مات ولا محالة على سوء الخاتمة, فقال الرجل: والذين ماتوا قبل أن يوجد شيخكم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وهم بلا شك لم يعرفوه حتى يحبوه هل هم أيضا جميعا ماتوا على سوء الخاتمة؟! فبهت الفقيه ولم يجد ما يقول. فقال الرجل: ولكن هل يسلم لكم هذا القول جميع أهل الطرق الأخرى قال: لا, قال: وماذا يعتقدون فيكم؟ قال الفقيه: يعتقدون فينا أننا ضالون مخطئون, فقال الرجل: أنتم تقولون أنهم مخطئون ضالون, وهم يقولون أنكم مخطئون ضالون, وأنا أصدق قولهم فيكم وقولكم فيهم كما أصدق بقول اليهود في النصارى وبقول هؤلاء في اليهود, فيما حكاه الله عنهما في كتابه العزيز إذ قال: (((وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء))) ومن يدري لعلكم لستم على شيء كما يعتقد فيكم أبناء الطوائف الأخرى ولعلهم ليسوا على شيء كما تعتقدون أنتم فيهم! ومن يدري لعل أصحاب الطرق جميعا هم في ضلال؛ وليسوا على شيء. فأنكر بعض الحاضرين على الرجل هذا الكلام قائلا له: لا تعمم كلامك يا هذا على الطرق كلها, ففي الطرق ما هو خير وفيها ما هو شر, وفيها ما هو حق وفيها ما هو باطل, ومن أصحابها من هو بر تقي, ومنهم من هو فاجر دجال, ومن الطرق ما هو سنة, ومنها ما هو بدعة, فلا تجعل السنيين كالمبتدعين, ولا المتقين كالفجار, فقال الرجل: ولا تنس يا سيدي أن الطرق من حيث هي في أصلها بدعة وضلالة؛ وقد يكون بعض الطرقيين أخيارا بررة يتبعون السنة الثابتة ولكنهم ما داموا طرقيين فهم مبتدعون من هذه الناحية فالشرط الأساسي للمؤمن السني هو أن لا يؤمن بخرافة ولا طريق والدليل على أن هذه الطرق هي
(5/3)

_____
الصفحة 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
كلها من البدع
والمحدثات هو أنها لم تكن موجودة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على عهد خلفائه الراشدين, وإن لم تصدقوا بهذا فأروني ماهي طريقة سيدنا أبي بكر وما هي طريقة سيدنا عمر وما هي طريقة سيدنا عثمان وما هي طريقة سيدنا علي وأين هي زواياهم إن كنتم تزعمون أنهم كانوا أصحاب طرق وزوايا, فقال أحد الحاضرين: في هذه الطرق زيادة خير على كل حال, فقال له الرجل: ويحك يا هذا! ألا يكفيك ما كان يكفي الخلفاء الراشدين؟ أما وسعك ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل تستطيع أن تكون أكثر فعل للخير من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه المطهرين؟ ويحك ما هذا الكلام الذي تقول!؟ والتفت الرجل إلى الحاضرين وجعل يقول لهم: يا إخواني! لماذا نرضى لأنفسنا أن نكون من الذين قال الله تعالى فيهم: (((ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله))) ولا نكون من الذين أثنى عليهم تعالى بقوله: (((والذين آمنوا أشد حبا لله)))؟ ندعي أننا مؤمنون بالله ولا نشرك به شيئا ولكننا من الذين إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ وإذا ذكر الذين يدعون من دونه إذا هم يستبشرون. وهكذا جعل يعظهم بآيات الله حتى وجلت قلوبهم وفاضت بالدمع أعينهم. والتفت إلى الحجاج خاصة وقال لهم يا حجاج بيت الله الحرام اتقوا الله في الأرض المقدسة ولا تفتروا عليها الكذب, ولا تنفروا الناس منها وحدثوا عنها بأحسن ما رأيتم فيها, فإنه ما من حاج جاء يفتري على حكومة الإسلام في الحجاز وينتقصها ويتهمها ظلما بغير حق إلا كان ذلك دليلا على أن الله رفض حجته ولم يتقبلها منه, وما من حاج جاء يلهج بذكر الحكومة الإسلامية في الأرض المقدسة ويتحدث عنها بأحسن ما شاهد وبخير ما رأى إلا كان ذلك دليلا على أن الله قد قبل حجته قبولا حسنا وقد رأيت رجلا حج عدة مرات, ولكن نفسه ما زالت مظلمة خبيثة يفوح نتنها ويطلق لسانه في دولة القرآن التي تقيم حدود الله, وهو يفتري

ـ[عمود2]ـ
عليها الأكاذيب والأقاويل لا يقول عنها ما هو حق وهو في الحقيقة بعمله هذا ينفر الناس من الحج ويدعوهم إلى ترك هذا الركن من أركان الإسلام ولا فرق عندي بينه وبين من يدعو جهرة إلى ترك الصلاة, على أنه كلما أراد الحج إلا وطاف في البلدان يتكفف ما في أيدي الناس ويسألهم المعونة على الحج فيحج ببعض ما يتصدقون به عليه ,
وينفق على نفسه ما بقي فهو يريد الاكتساب وجمع المال ولا يريد الحج. . . وجعل الرجل ينصح الحجاج بهذه النصائح الغالية ثم طلب منهم أن يدعو له الله أن يسهل عليه طريقه هو الآخر إلى بيت الله الحرام.
قال الحاج صاحب الدار: فأثر كلام هذا الرجل في نفسي تأثيرا عظيما وقلت له: أما أنا فالله يعلم أن قلبي قد طفح بالفرح والسرور عندما رأيت بنفسي أنه لا حكم في الحجاز إلا حكم الله؛ وأن القائمين على تنفيذ هذا الحكم الإسلامي إنما هم عرب مسلمون إخواني هم مني وإلي وأنا منهم وإليهم. ولا أظن أنه يوجد مسلم على وجه الأرض لا يتمنى من صميم فؤاده أن يملأ حكم الله الدنيا كلها وأن يشمل من في الأرض جميعا كما هو قد ملأ الحجاز وشمل أهل الحجاز وأما القباب المهدومة فإن الحكومة العربية الإسلامية السعودية قد أحسنت كثيرا إلينا معشر الحجاج؛ فإنها بذلك قد وجهت وجهتنا كلها إلى الله وحده فأقبلنا عليه تعالى بأفئدتنا وقلوبنا وبأسماعنا وأبصارنا وكان حجنا إليه خالصا وكنا نقضي مناسكنا مخلصين له الدين ولولا ذلك لتوزعت نياتنا ولكان لنا في حجنا من هذا القباب شركاء مع الله على أننا ذهبنا بنية أن نحج إلى بيت الله الحرام ونزور قبر سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ولم تكن نيتنا أن نحج إلى تلك القباب المنصوبة أو المهدومة ولو لم يكن ذلك مرادنا لما حملنا أنفسنا مشقة السفر إلى الحجاز ولاكتفينا بزيارة هذه القباب التي ملأت علينا بلادنا سهولها وجبالها فمن منا يصعد جبلا أو يهبط أرضا أو يقطع واديا دون أن يجد كثيرا من القباب و ((المزارات))؟ وإني أعتقد أن بعض المطوفين في الحجاز هم

ـ[عمود3]ـ
أيضا يهولون من أمر هذه القباب المهدومة, ويبالغون في تعظيمها ويكثرون من التأسف عليها ويصفونها بعبارات مؤثرة تبعث في أنفس الحجاج الحسرة والأسى وتسثتير حزنهم على ذهابها وحنقهم على هادمها (!!) يقول المطوف للحاج مثلا: هنا كانت قبة سيدنا فلان صفتها كيت وكيت, وهدمها الملك! وهنالك في موضع كذا كانت قبة سيدتنا فلانة, ويصف هذه القبة بأروع الصفات وأجمل النعوت, ثم يقول له: وقد هدمها الملك أيضا! فيظن الحاج المسكين أنه بذهاب هذه القباب قد فاته خير كثير.
ولو أن الحكومة العربية السعودية قد نظرت في أمر هؤلاء المطوفين الذين يشوهون سمعتها عند الحجاج فوضعت لهم نظاما كالنظام الذي وضعته كثير من حكومات أروبا للأدلاء والمترجمين الذين يرافقون السواحين الذين يزورون بلادها لحسنت سمعتها ولقضت على هذا النكير الذي يثيره عليها الجامدون من المسلمين ولسلمت من هذه التهم والأقاويل التي تشاع عنها في كثير من بلاد الإسلام ولعلها فاعلة إن شاء الله.
قال الراوي صاحب الدار: فقال لي الرجل هكذا تكون النفوس الطيبة الطاهرة يزكيها الحج والعمل الصالح فتزداد طيبا على طيب وطهرا على طهر ويعبق عطرها وعبيرها, وإننا لنعتقد أن الله قد تقبل حجتك قبولا حسنا, وآية ذلك أننا نرى محياك يشرق هدى ونورا, قال فسألت الله أن يحقق لي ما يقول هذا الرجل الصالح.
محمد السعيد الزاهري

النبراس جريدة أسبوعية تصدر بالعاصمة
تعزز جانب الصحافة الدينية الوطنية بهذه الصحيفة التي أصدرها صديقنا الأستاذ أبو اليقظان نائب أمين مالية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صاحب (الصحف العديدة المعطلة) فنرحب بها راجين لها من الأمة الإقبال والرواج وللأمة منها إنارة الوهاد والفجاج وجزى الله صاحبها المفضال عن الثبات والصدق خير جزاء العاملين.
(5/4)

_____
الصفحة 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إعتداءات النواب الجاهلين
على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
غراب بعد ابن علال.
افتتح هذه السنة النائب المالي ابن علال باقتراحه منع العلماء من القيام بالوعظ والإرشاد في المساجد وقامت ضده الاحتجاجات من جميع الجهات وقابل عمله بالإنكار كل مسلم وما كادت تخفت أصوات الاحتجاج والإنكار حتى جاء النائب المالي غراب بالداهية الكبرى والأفيكة النكراء في خطابه الذي ألقاه في إدارة الأمور الأهلية بالعاصمة في جمع كبير من المستدعين لملاقاة الوالي العام في قدمته الأخيرة من فرنسا وقد نشرت هذا الخطاب جريدة ((النجاح)) في عددها الصادر في 10 ربيع الثاني 1352 ولما كان قد لا يعم انتشاره حيث نشر فقد نشرنا نصه فيما يلي نقلا عنها ليطلع عليه جميع القراء وموعدنا بالاحتجاج الشديد عليه العدد القادم إن شاء الله:

ـ[عمود:1]ـ
وقال النائب غراب معمر نائب عين البيضاء المالي رادا كلام زميله السيد بن باديس ما ملخصه:
إن هاته الفتنة كلها وهاته القلاقل والمشاغب التي انتشرت في بعض بلدان الوطن سببها الأصلي هو جمعية علماء المسلمين.
تلك الجمعية التي يرأسها الشيخ ابن باديس وأعضاؤها معه: العقبي والإبراهيمي والميلي فإن هذه الجمعية زعمت أولا أنها جمعية علم وتهذيب وتربية وتثقيف لأولاد المسلمين فساعدتها الحكومة أولا ورخصت لها لشرف هذا المقصد الموهوم فما لبثت أن تطورت هذه الجمعية وتداخلت في شؤون لا علاقة لها بالتعليم وانفجرت بتعاليم منافية للعلم ومثيرة للأحقاد والتحزبات ثم أخذت في دس الدسائس ونصب الحيل لجلب الأموال من جهة ولنشر الشحناء من جهة أخرى

ـ[عمود2]ـ
وخالطت الطوائف الانتخابية وزرعت المفاسد إلى أن وصلت بدروسها وجرائدها وتدليسها وتنقلات أعضائها في البلدان إلى تكوين هذا الوفد وإلى ما رأيتموه رأي العين من استعفاءات بعض النواب وغيرها.
وبحسب ذلك فأنا ومن معي من هؤلاء السادات النواب وغيرهم الحاضرين نطلب بإلحاح من الحكومة ورجالها الساهرين على حفظ الأمن والراحة أن تعامل هذه الجمعية المعاملة القاسية الشديدة فطالما توانت في أمرها وغضت النظر عن عبثها حتى زادها ذلك جرأة واسترسالا في الفساد ولا حاجة لنا بهذه الجمعية التي أخذت على كاهلها نشر المذهب الوهابي فنحن أولا مالكيون وثانيا منذ قرن والأمة الإسلامية متمتعة بحريتها ودينها وعاكفة على دروس علمائها ولم تحدث فيها هذه الغوغاء ولا ثارت فيها فتنة عمياء مثل هذه الفتنة.

_…_…_…_…_…_…_…_
ـ[أسفل الصفحة بين عمود 1 - 2]ـ
- ((حديث صحيح)) -
أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها.
- إذا اؤتمن خان - وإذا حدث كذب - وإذا عاهد غدر - وإذا خاصم فجر.

ـ[عمود3]ـ
للذكرى
جاءتنا قصيدة بليغة للأخ الشيخ محمد الطاهر بن بلقاسم العضو بالجمعية نقتطف منها ما يلي:
اليوم أعلو السها من شدة الطرب … لما بدا مصلح من أمة العرب
فمذ رأى طينة الإنسان قد فسدت … أراد تبديلها من جيد الذهب
نشا صبيا عل الخيرات منطبعا … لا يعرف الشر في جد ولا لعب
يأتي النوادي ينادي باسم خالقه … لينقذ القوم من نار ومن عطب
فمن بغى وطغى نال الردى فهوى … في جب نحس على رأس بلا سبب
ومن أتى فاستقى من حوضه فارتوى … فذاك ذو الحزم لا يدنو من التعب
وظل يدعو إلى التوحيد مصطبرا … يبشر القوم بالبرهان والأدب
حتى اهتدى لمنار الدين سامعه … وأشرق الكون في عقدين بالشهب
* * *
مالي أرى نفرا قد جد جدهم … لهدم دين الهدى من غير ما سبب
مالي أرى نفرا لا كان من نفر … قد شن غارته الشنعاء (للنشب)
مالي أرى ظلة من فوقنا سقطت … من التجاهل أو جهل ولم تغب
* * *
لولا عصابة خير قام قائمها … دعى على الدين داعي الجهل بالحرب
هذي العصابة قامت وهي ناجية … لسد ما ثلم الأوغاد من حسب
و (سنة) المصطفى الغراء (شرعتها) … تدعو بها الناس للعليا من الرتب
فالله ينصرها على الأولى ظلموا … والله يكلأها من كل ذي شغب
محمد الطاهر بالقاسم
قمار - سوف
(5/5)

_____
الصفحة 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
الغربلة قوام الحياة
(أيضا)
2
فكانت وصيته وصية إنسانية صرفة, فأكرم به من موص وأكرم بها من وصية, وإن أنس فلن أنس محاضرة ألقاها الأعرج على رجل واحدة موضوعها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين, لفظ بليغ, وخيال جميل, وحكمة بالغة, وقول بديع محكم, فتحمل الأعرج فيها جراب صبره, وحمل معه النفوس إلى عوالم الجنان والنعيم, ثم صعد بنا إلى عالم الخيال والروح, جال بنا في مدائن النور والجمال التي لا رائحة للمادة فيها, وهذا كله بابتسامات في مواقف الابتسام, واحتشام في مواضع الاحتشام, وبرزانته وتؤدته المعروفة فكنت أنا والله حين إلقائه لتلك المحاضرة لمغمور بأنواع من النعيم واللذائذ الروحية فلله درك أيها الأعرج من إنسان خيال ونغام فنان.
والآن فليسمح لي الرئيس أن أضعه في غربالي وليتحمل غربلتي فإن غربالي مقدس والمغربل لا يقدس إلا غرباله فغرباله فوق الجميع وفوق كل شيء.
ألقى الرئيس درسا في قوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله} إلى قوله تعالى: {من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد} تجبر فيه على العقلية الجزائرية العلمية الممثلة في السامعين أكبر تجبر, فما وسع العقلية الجزائرية العلمية أمام هذا الدرس البليغ إلا الخضوع والاعتراف بالزعامة العلمية الدينية, فكان الرئيس في درسه هذا يقول للعلماء الوافدين من أنحاء الوطن أن الرئاسة التي طالما طلبت التنازل عنها لكم لأني لست بخيركم وإنما أنا أحد من الناس وأنتم تمنحونني دائما ثقتكم وإخلاصكم, ليست ثقتكم هذه وإخلاصكم هذا أرى كوني كبيركم سنا أو كوني من عائلة مشهورة هي السبب فقط لتبوئي رئاسة الجمعية منذ ثلاث سنين فأنا لا محالة شاكر فضلكم وثقتكم بي وشاكر حسن ظنكم في, ولكن ها أنا أبرهن لكم

ـ[عمود2]ـ
حيث أتيحت لي رئاسة هذه السنة وما أنا إلا من أحدكم على أني رئيس ديني عن جدارة واستحقاق وليست الاعتبارات الأخرى هي التي بوأتني لرئاسة الجمعية وأبرهن لكم أيضا أنكم أنتم لستم من الذين يسندون الوظائف لغير أهلها, فأنا زعيم ديني حقا.
فهمنا هذا نحن وفهمها هذا المغربل, وإن كان الرئيس يتواضع مع العلماء تواضعا كبيرا عادا نفسه من أحد إخوانه العلماء فنحن أيها الرئيس إننا لمعترفون لك بالزعامة الدينية العلمية وإن درسك الذي ألقيته هذه المرة في الاجتماع العام للجمعية لعنوان صادق وبرهان ساطع بأنك رئيس ديني حقا ولنا نحن الفضل أيضا حيث كنا من الذين يسندون الوظائف لأهلها, ولعمري إن سبب الاختلال في كل شؤون الحياة وعدم النجاح فيها سببه إسناد الوظائف لغير أهلها, الطبيب قاضي والقاضي طبيب والمهندس محامي والمحامي مهندس والرعاة نواب والنواب رعاة والجهلاء علماء والعلماء جهلاء فينتج من ضرب الكل في الكل الخراب والدمار والجهل والاختلال.
...
فبشرى لنا معشر العلماء الجزائريين بالتقدم وبإسناد الوظائف لأهلها؛ وبشرى لنا بتقدير ذلك:
إدراك ثم تنازل ثم إسناد.
هذا وإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي جمعية الأمة بأجماعها إن كانت الجمعيات هي عبارة عن متنوريها, وعلمائها وفضلائها, وهي الهيئة العلمية المعتبرة في هذا الوطن فكل من مسها بسوء أو نوى لها نوايا سيئة أو أكثر عليها من التحريش والتشويش والوشايات والتفتين بينها وبين الأمة أو بينها وبين الحكومة فقد مس فؤاد الوطن بأجمعه وأهان أمة كاملة في شخص جمعيتها المحترمة, ويعد من أكبر المحاربين للإنسانية, والعلم, والدين, والفضيلة, ولعمري إن الوشاة والنمامين. في كل وطن هم أصل كل بلية, ومصدر كل اضطراب وكل سوء تفاهم لا سيما في الوطن الجزائري فمتى تصم الآذان عن وشايانهم, ويطرد المهيجون للشر, والجلبة, واللغط وتغلق الأبواب في وجوه أناس همهم نسج المفتريات واختلاق الكذبات, ولا تفتح الأبواب إلا لرواد المفاهمة, ذوي القصد الحسن والمجاهرين بالحق. ولذوي الألباب, حتى تحل المفاهمة محل المنافرة, فينتشر بسبب ذلك الائتلاف المنشود والهدوء واستتباب الأمن على النفوس.
((بلقاسم الزغداني))

الدين!
فمالك أيها الشرقي ترضى … بما يأباه أسلاف كرام
فلا و الله ما في الدين إلا … فضائل كلها غرر كرام
ولا والله ما بالدين نقص … ونبذ الدين نقص واجترام
لقد عز الدواء وليس يرجى … بغير الدين برء أو قيام
((صالح الشهابي))

إلى أصدقاء الشريعة
إن جريدة الشريعة - لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين - تدعو رؤساء شعب الجمعية وباعة الجريدة أن يوافوها بحساباتهم, ولهم الشكر سلفا.

باعة الجريدة
تباع الجريدة في العاصمة عند السادة:
باش طبجي نهج شارطر
نادي الترقي بطحاء الولاية
رودوسي عماد نهج رندون
بكسان مولود نهج شارطر
شلاح حاج مصطفى نهج لمرين
إذا كنت من أنصار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فاشترك في جريدتها.
(5/6)

_____
الصفحة 7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخطب البونية في الذكرى النبوية
خطبة المعلم الناصح الشيخ محمد نمر
ـ[عمود:1]ـ
الحمد لله حمد العارفين بربهم والمخلصين له في أعمالهم والصلاة والسلام على رسول الله الكريم المبعوث بعدما مضت فترة من الرسل بالدين المستقيم وبما فيه سعادة الدارين فهو المصلح العظيم وعلى آله وأصحابه الذين اهتدوا بهديه فرفع الله شأنهم وأيدهم بنصره, أيها الإخوان الحاضرون إن ضيفنا الكريم لا يحتاج بين أمثالكم إلى تعريف وذكره بين الخاص والعام صار كنار على علم.
وبعد فمرحبا بك يا أستاذنا المبرور والذائد عن حمى شريعتنا المنصور, ثم ها أنا أقدم لك عبارات الترحيب والتهنية بلسان مجموع الأمة البونية ونشكرك على إجابة دعوتنا ومساعدتك على مرغوبنا كما نعرب عن إخلاص مودتنا لكم وتأييدنا ولا منة لنا عليكم في ذلك إن كان حب العلم والعلماء من واجبات ديننا ويا ليتنا جميعا عرفنا ما للعلماء علينا من واجبات فاتبعناهم وأيدناهم ونصرناهم على ذوي الأغراض السفلة والمشاغبات ولكنا ويا للأسف يجدر بنا أن ينشد في حقنا ما قاله شاعر العراق:
إذا ما رأينا واحدا قام بانيا … هناك, رأينا خلفه ألف هادم
أيها السادة إنني أعرفكم بمبدإ جمعيتنا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما قدمته من الأعمال الخالصة لأمتنا وللدين والوطن سعيا وراء لم شعث المسلمين وابتغاء وجه الله الكريم.
تكونت حركة الإصلاح فينا على يد علمائنا العاملين المخلصين فألفوا الجمعية السالفة الذكر وعلى رأسها الأستاذ باديس. ما ذا قام المصلحون به, وما الشؤون التي يدعوننا إليها, وما الأعمال التي خدمت الأمة الجمعية بها؟ قام المصلحون من علمائنا في زمان تفرقت فيه أهواؤنا وتشتت آراؤنا وخيم الجهل على ربوعنا وتركنا العمل بما شرعه الله لنا في السنة والكتاب وتعددت المعبودات وإن شئتم فقولوا الأرباب. يدعوننا إلى التمسك بكتاب ربنا

ـ[عمود2]ـ
وسنة نبينا والعمل بشريعة الإسلام النقية الموجودة في ضمنهما يدعوننا إلى نبذ العوائد والخرافات الملصقة بالدين التي ما أنزل الله بها من سلطان يدعوننا إلى عبادة الله وحده والتمسك بحبله والاعتماد عليه في شؤوننا الدينية والدنيوية, قاموا قومة رجل واحد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوجهون أغراضنا ويلفتوننا نحو تعاليم ديننا الراقية النبيلة يصرخون فينا أن اعتمدوا على الله واستعينوا بالله واسألوا الله وتوكلوا عليه في جلب المصالح ودفع المضار الخ مما يطول شرحه ولا يتسع المقام له, وهنا صاح ذوو الأغراض الشخصية الانتفاعيون من أبناء جنسنا صيحة حمر الوحش وتدرعوا بدروع التمويه وقلب الحقائق وتنوعوا في الاختلاق على العلماء والرمي لهم بما سولت لهم نفوسهم وليت شعري ما حملهم على هذه الأعمال المرذولة التي تهدم الأمة وتبعدها عن الإسلام الصحيح ويبقى الجهل سائدا عليها ولكن لا يخفى على البصير إذا ألقى نظرة على أعمالهم ما يجنون من ورائها وكيف تخفى فائدة استعبادهم للأمة وما يأخذونه منها باسم
الزردة و الوعدة والزيارة!. أما الجمعية فإن مبدأها إحياء السنة وإماتة البدعة والعمل على الرجوع بالأمة إلى ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والاتحاد والإخاء وعدم التفريق في الدين والتخلق بأخلاق خاتم المرسلين وهي تحارب كل ما ذكرنا من البدع والخرافات وما لم نذكره مما يشوه سمعة الإسلام والمسلمين وأخيرا نسأل الله الكبير المتعال أن يوفقنا وإياكم في الأقوال والأعمال وينصر العلماء العاملين المخلصين بجاه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
محمد بن بلقاسم نمر العرباتني
عنابة

ـ[عمود3]ـ
التغليط والتخليط
آفة في الدين والاجتماع
حذار أيها المسلمون
من المغلطين والمخلطين
1
علم الله وكثير من العباد أيضا, أن المغلطين والمخلطين قد حاربوا العلم والعلماء بجميع أنواع الكيد والتغليط وسائر ضروب المكر والتخليط, كل ذلك لأجل إبقاء الخلق في دياجير الظلام, منسوجا على عقولهم عنكبوت الجهل المركب الفتاك الذي به يتوصلون إلى حاجاتهم المقصودة وغاياتهم المنشودة, حتى يجعلوا عباد الله حلوبة يستدرونها ومطية ذلولا يقضون بها مآربهم, فلم يألوا جهدا ولم يدخروا قوة بجميع ما أوتوا من سياسة التضليل فبذروا في الأرض كل شقاق وغرسوا في نفوس الغفلة كل بغض وحقد ونفاق, فكانت المحاولة لو صادفت السهولة ضربة قاضية على الإسلام والمسلمين بتمزيقهم كل ممزق ولكن (والمنة لله) كانت وقاية الله هي الحارسة على عباده الدافعة والدامغة لكل هدام غلاق, ومن يتوكل على الله فهو حسبه وفاتح في وجهه الباب والطاق.
لقد أسلفنا الكلام في أعداد مضت من السنة النبوية المرحومة حول بعض الشبه التي جعلها القوم مجنا يقبهم من الحق, وترسا يحفظهم من أهله بصفة كادت أن تقضي (أو قضت بالفعل) على الدعاوي الباطلة وذهبت بجل المبطلين حتى لو بقي منهم القليل فما هم بالنسبة إلى الحملات التي ستدهمهم من ناحية ذلك الحق الذي زعموا أنهم مقتدرون على دحضه إلا كذبابة سقطت في قصعة من ثريد فإما أن تزال ولو مع ما حولها من الطعام إذ لا يضر ما ينضح لأجل التطهير, وإما أن تترك
(5/7)

_____
الصفحة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
والطعام طاهر فما على الآكلين من حرج, ثم لما كان كل أمر يهتم به شرعا أو عقلا يستدعي أنواعا من العملة البارعين كل في فنه, كنت أنا من بين هؤلاء كمفتش أمين على ما استخلصه الباحثون العظماء والعاملون المخلصون العلماء من صفوة الدين الحنيف ولب سنة المصطفى عليه السلام التي حماها أصحابه ومن تبعهم بإحسان من كل داس يحاول تخليطها أو غاش يريد التغليط بها.
لذلك تأسيا بأولئك المشهود لهم بالفضل والصلاح في البوادي والأمصار أجدني مقهورا ومدفوعا للقيام ببعض ما يسر الله علي في دفع أخلاط المنافقين, فقمت طائفا بروحي مرة وبذاتي مرة أخرى وبعد البحث المدقق ثبت لدي ثبوتا لا يحتمل الشك أن ليس تحت سماء الجزائر أو العالم الإسلامي بل العالم بأسره من سعى سعيه وبذل جهده وأنفق عرضه وماله في سبيل تكدير ذلك الصفو وقتل الحركة العلمية الدينية البحتة الخالصة الجزائرية رغم أنف كل من حاول إلصاق السياسة بها إلا شرذمة قليلة كادت أن تنحصر في أفراد معروفين يعدون على الأكارع وحملوا على هذه الأمة المحمدية سلاح التخليط وغشوها بأنواع التغليط حتى خرجوا عن حظيرة الإسلام وهم لا يشعرون أو شعروا واشتروا الضلالة بالهدى. ثم إذا حكمت عليهم بالخروج عن حظيرة الإسلام فلأن الشرع قبلي قد حكم عليهم بذلك جزاء محاربتهم لله ولرسوله (((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم))) وقال صلى الله عليه وسلم: من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا, ولا بد هنا أن تقوم قيامة من في قلوبهم مرض وتشتعل نيرانهم ثم ينبري هؤلاء المستأجرون عندهم للمجادلة عنهم كعادتهم في كل سانحة ويجعلون موضوع تغليطهم وتخليطهم كون المصلحين كفروهم أو ضللوهم أو فسقوهم وهم يعلمون أن المصلحين ما هم إلا هداة الله في الأرض يبينون للناس العقيدة

ـ[عمود2]ـ
التي لا يقبل الله منهم سواها ويحذرونهم من أنواع الردة والإشراك اللذين تنقض بهما تلك العقيدة بعد فرض سلامتها من شوائبها. وعليه فما معنى قولكم لنا أيها المشاغبون إنكم تكفرون وتفسقون وتضللون, لو لم يكن ما نقوله ونحن لم نسم شخصا معينا من أوصافكم ونعوتكم أومن أوصاف ونعوت الذين تجادلون عنهم بالباطل لما تألمتم لسماعه, ولكن (((ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا))).
إني أنصح (والدين النصيحة) لمن جعل نفسه وقفا للدفاع عن المبتدعين قبل أن يأتيه الموت (((فيقول ربي لولا أخرتني إلى أجل قريب فأتب وأكن من الصالحين والحالة لن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون))) إنكم والله قد آذيتم المؤمنين أيها المغرورون أو المأجورون (((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا))) ولقد أشفقت عليكم علم الله إشفاقا بلغ مبلغ سوء ظنكم بالله والعباد, مع أني لا أستطيع أن أشفع لكم في حد من حدود الله عملا بقوله تعالى (((ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر))) واقتداء بسيد الوجود إذ أقسم عليه السلام (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وعلى هذا فإذا أخذتني رأفة فإنما قصارى ما في استطاعتي أن أذكركم ما دمتم تشاركوننا بصفة الإيمان التي تستحقون بها علينا حق التذكير لأن الذكرى تنفع المؤمنين, ولكن أخوف ما أخاف عليكم أن تسلبوا من هذه النعمة العظيمة نعمة الإيمان فيمسكم عذاب من الرحمان فتكونوا للشيطان أولياء. وأخيرا إنني أقول لكم صراحة حتى لا أكون عندكم غادرا ولا عند الله داعيا إلى سبيله بدون حكمة إني حبيت فراسة صادقة تحل عقد التغليط حلا وتنشر دسائس التخليط نشرا وهي نعمة من الله عظيمة استوجبت شكرا عظيما, فما رأيت من عظيم أقوم به في مقابلة ذلك سوى مقاومة نعتين من العباد (التغليط والتخليط) بقدر جهدي واستطاعتي على أنني لا أقتصر على الوسيلة الواحدة كالكتابة مثلا بل هي من العشرات أو المئات من الأجزاء والحاصل أن لي من وسائل الحق والإخلاص بقدر ما للقوم من وسائل الباطل والنفاق وأزيدهم براحة القلب واطمئنان الخاطر لأنني محقق الأجر على العمل ومتيقن أيضا أنني صاحب العاقبة مهما طال الزمان واتسع المكان وكيف لا أتحقق الأجر وقول الله تعالى: (((ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون))) منطبع على فؤادي جار على لساني, وكيف لا أتيقن حسن العاقبة وقول الله تعالى: (((إن الله يدافع عن الذين أمنوا))) هو زادي وأنسي في السراء والضراء في حال أنني على مذهب من يقول أنا مؤمن حقا دون ذكر المشيئة إلا تبركا فإذا كان الله هو المدافع علي (وعرته) أنا الغالب سلفا. فأجمعوا (إن شئتم كيدكم ثم ائتوا صفا ودسوا للإسلام ما قدرتم, وشنوا على المسلمين ما استطعتم فمالكم إلا الخزي في الدنيا وفي الآخرة العذاب العظيم.
ثم إن هذه السطور حررتها على جناح السرعة كمقدمة إنذار لكم عساكم عن غيكم ترعوون ومن ضلالكم بل وإضلالكم تتوبون ولا عيب مع هذا إذا تبتم وأنبتم فإن الرجوع إلى الحق حق والتوبة من هدي رسولكم قولا وعملا إذ كان يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة وإلا فما علي إلا الإعلان بالنصيحة لكم مرارا وتكرارا وقد فعلت وهذه الآخرة. فإن أصررتم فلا تلوموا أحدا ولوموا أنفسكم فإن جميع ما أخفيتم سيراه العام والخاص في قالب التصريح بعين الرأس وكل ما أسررتم سيسمعه جنس الإنسان ,الطيب منه والقبيح بآذان الحس والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين والحمد لله رب العالمين.
الفتى القبائلي عضو بالجمعية.
•·•·•
المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة
(5/8)

____________________________________________________
………………………… السنة الأولى / العدد السادس …………………………
قسنطينة يوم الاثنين 29 ربيع الثاني 1352 … Constantine le 21 juillet 1933
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إحتجاج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
ضد اعتداء النائب المالي غراب وافترائه
ـ[عمود1]ـ
كثير على هذا الرجل مع جهله باللغتين أن يتعرض لجمعية علمية كبرى فيتقول عليها بجمل لا يفهم معناها ومفردات ما جرت على لسانه من قبل مثلما في خطابه ضد الجمعية الذي نشرناه بالعدد السابق لولا أنه اعتاد أن يوحى إليه بالأمر فيجريه على لسانه ويكتب له الكتاب فينسبه إلى نفسه ولكنه ليس بكثير عليه ولا غريب عنه ولا بعيد منه أن ينطوي قلبه على البغض والكيد للعلم والعلماء فيغتنم فرصة اجتماع المستدعين لملاقاة الوالي العام في إدارة الأمور الأهلية فيلقي ما ألقي إليه ويتحمل مسئوليته بعد نشره لأنه على مقتضى هواه من بغض العلم وأهله والسعي في إلحاق الشر والأذى بهم.
ولولا اسم النيابة الذي يحمله والله يعلم كيف كان حمله والمجمع الحافل الذي لفث سمومه فيه, والإدارة الرسمية التي كان يلقي خطابه فيها, لما بالت به الجمعية ولا أعارت كلامه أدنى التفات, ولكن مراعاة

ـ[عمود2]ـ
لما ذكرنا, فالجمعية ترفع احتجاجاتها لدى الأمة ولدى الحكومة ولدى ممثل الحكومة الذي ألقى هذا الخطاب في حضرته.
احتجاجنا لدى الأمة: أيتها الأمة الجزائرية المسلمة, قد دعاك العلماء إلى العلم واحترام العلم واتباع العلم لما دعاك أضدادهم إلى الجهل وما يجر إليه الجهل, قد دعاك العلماء إلى التفكير في الدنيا والآخرة لما دعاك أضدادهم إلى الجمود والخمول في الدنيا والدين, قد دعاك العلماء إلى العمل والكد والتعاون لما دعاك أضدادهم إلى الكسل والبطالة والتواكل, قد دعاك العلماء إلى الله وعبادته وحده لما دعاك أضدادهم إلى أنفسهم وتقديسهم, قد دعاك العلماء إلى كتاب الله لما دعاك أضدادهم إلى خرافاتهم, قد دعاك العلماء إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والسلف الصالح رضي الله عنهم لما دعاك أضدادهم إلى اتباع أسلافهم وبدعهم وقبيح عاداتهم, قد دعاك العلماء إلى البذل في سبيل الخير

ـ[عمود3]ـ
العام والمغرم القانوني لما دعاك أضدادهم إلى البذل لهم وملء خزائنهم, هؤلاء العلماء أيتها الأمة الكريمة الذين دعوك دعوة الحق لا يريدون منك جزاء ولا شكورا وهم يتحملون في سبيلك ما تعلمين وما لا تعلمين, قد قام هذا النائب الجاهل الذي تشرف بالنيابة عنك وتحملت مسئولية ما يأتيه باسمك يوجه مطاعنه الكاذبة ومفترياته السامة إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يحاول لفها من أصلها ويطلب من الحكومة بإلحاح أن تعاملها المعاملة ((الشديدة القاسية)) حتى كأن المسكين تخيل نفسه نائب حق أمام قفص الاتهام.
فإليك أيتها الأمة التي ما رأت منها الجمعية إلا الإكرام بإكرامها لوفودها, وما رأت منها إلا الإقبال بإقبالها على جريدتها التي ما راجت جريدة في القطر مثل رواجها وما رأت منك إلا التأييد بما جاءها من وفودك للاجتماع العام الماضي من اجتماعاتها
(6/1)

_____
الصفحة 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
فإليك أيتها الأمة الكريمة ترفع الجمعية احتجاجها بهذا النائب الجاهل المعتدي المفتري وأنت تعرفين بعد أين تضعينه ...
احتجاجنا لدى الحكومة: أيتها الحكومة الفرنسوية حكومة الجمهورية المشيدة على العلم والأمة التي تدعى بمعلمة الأمم, ما أسسنا جمعيتنا إلا على مقتضى قوانينك العادلة وما أردنا إلا مساعدتك على تعليم وتهذيب وترقية هذه الأمة الجزائرية المرتبطة بك في السراء والضراء مدة قرن وهي ما زالت تعرف بين الأمم بأنها أمة منحطة جاهلة, وقد خطبنا في الجموع الحاشدة وكتبنا في الصحف المنشرة وما كانت دعوتنا في كل ما خطبنا وكتبنا إلا إلى العلم والتهذيب وتثقيف العقول وإتقان العمل والتعاون مع جميع السكان واحترام القوانين, ثم لم تكمل على تأسيس جمعيتنا سنتان حتى أصبحنا نلقى من الانتفاعيين الذين لا يعيشون إلا على الجهل ما نلقى من وشايات كاذبة تولد تقريرات باطلة وتجرئ مثل هذا النائب على أن يقول ما قال فإليك أيتها الحكومة العظيمة نرفع احتجاجنا على هذا النائب المعتدي على كرامة العلم, وهي كرامة الإنسانية والعالم.
احتجاجنا: إلى ممثل الحكومة في ذلك المجلس: أيها الممثل المحترم, قد كان جديرا بمجلسكم الموقر أن ينزه عن توجيه المطاعن الكاذبة لجمعية علمية محترمة في غيبتها, فإذا كان هذا النائب المتقول قد اعتدى على جمعيتنا فقد اعتدى على مجلسكم العظيم, وإذا كنا نحتج علهي لديكم لاعتدائه علينا فإنا نحتج عليكم لديكم لعدم إسكاته ولسكوتكم عليه, فعسى أن لا يجد مثله في المستقبل فرصة أمام أمثا لكم للطعن والافتراء, وحسب الحكام العادلين وحسبنا

ـ[عمود2]ـ
منهم إثبات الحجة وتطبيق القانون, وذلك ما نرجو ونتحقق أنه من ممثلي فرنسا العظام سيكون. ولذا ما نزال نسعى في خطتنا المستقيمة إلى غايتنا الشريفة واثقين مطمئنين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
ـ[الرئيس: عبد الحميد بن باديس]ـ
في العدد الآتي نقض للخطاب وإبطال لمفترياته.

من الزاهري
إلى سائر الأصدقاء والإخوان
مضى اليوم على حادث الاعتداء علي خمسة عشر يوما ولا يزال الحادث كما هو جديدا في أذهان الناس هنا في وهران يستنكرونه ويستفظعونه ويلعنون المعتدين الآثمين لعنا كثيرا.
لقد كان الجاني الحقيقي الذي أغرى على هذه الجناية بعض أتباعه الأخلاف شيخا من أشياخ السوء في وهران وكان كثير العيال لا يكاد يحصى عدتهم إلا بعداد (!) وكان هو وعياله جميعا يعيشون عالة على المسلمين (الغافلين). يتظاهر بالولاية والصلاح ليحتال بذلك على ما في أيدي الناس, ولا نصيب له من الولاية والصلاح إلا سب العلماء والوقوع في أعراضهم والافتراء عليهم وأكل لحوم الناس, وكان في رغد من العيش بما كان يتناول من صدقات الناس. وكان الناس يحسنون إليه, ولكنه اليوم أصبح يعاني العسر والضيق, وانفض عنه أكثر من كان حوله من المتصدقين, ورأى أن الناس أصبحوا يلهجون بذكر جمعية العلماء المسلمين ويتعلقون بها, ويذكرون رئيسها الأستاذ ابن باديس كما يذكرون أكبر إمام من أئمة هذا الدين, فوقع في نفسه أنه من هنا جاءه البلاء (!) وأنه من هنا انقطعت
عنه الصدقات

ـ[عمود3]ـ
والنذور التي كانت تجبى إليه. فجعل دأبه أن يسب جمعية العلماء وأن يختص بالسب والقذف رئيسها الأستاذ عبد الحميد بن باديس وهذا الضعيف العاجز (الزاهري) الذي يمثل الجمعية في وهران وكان سبق لهذا التيس أن أغرى جروا له (ابنه) فشتمني في الطريق العام لولا أن الشاب المفضال المهذب السيد بلقاسم بن الشراب عطف عليه وكان من رفقائي فأدبه وجازاه بما يستحق.
وثار الرأي العام الإسلامي في وهران يومئذ على هذا الجرو وعلى والده الذي أغراه.
كانت قبضة الشرطة السرية على شخص من أتباع شيخ السوء هذا ومن مريديه بتهمة أنه هو الجاني, ولكن بعدما حققوا معه لم يجدوا بينة على إدانته ولكنه لا يزال مسجونا بتهمة أنه هرب من منفاه قبل أن يستكمل المدة المحكوم عليه بها, ولما ترك سبيله من تهمة الاعتداء فإن الأعوان لم يقبضوا على شخص آخر بدعوى أنهم لا يجدون بينة على أحد تخول لهم أن يقبضوا عليه, ويظهر أن التحقيق في هذا الاعتداء بينما كان جاريا بغاية الجد والاجتهاد وقف فجأة ولم يتقدم قيد شعرة, وهنا سر يجب أن يفهمه القارئ وحده (!!) أما الرأي العام فلا يزال هائجا منفعلا ضد المعتدي الأثيم, والناس يعلمون كل شيء عن هذا الحادث ويعلمون أن أصل الجناية إنما هو شيخ السوء ويعلمون أن هذه الجناية قد دبرت في مسجد بناه لله أحد المحسنين.
لقد كانت الجناية يوم الاثنين 1 ربيع الثاني 1352 وظللت متأثرا بالضربة وأجد ألمها عشرة أيام كاملة, أما اليوم فأنا على ما يمكن أن أكون صحة وعافية.
وهران محمد السعيد الزاهري
يوم 15 ربيع الثاني 1352
(6/2)

_____
الصفحة 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
نحن والطرقيون
- أو -
حادث الاعتداء على الأستاذ الزاهري
بقلم الأستاذ الطيب العقبي العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
قبيح: هو الاعتداء على الأشخاص, وفظيع جدا أن يكون ذلك الاعتداء لا لسبب سوى محاربة المعتدى عليهم في معتقدهم وحرية تفكيرهم, ويشتد قبح هذا الاعتداء وتعظم فظاعته إذا كان المعتدون من رجال الدين وحملة زعامته ...
وليس بجميل أن يعتدي أي تلميذ تابع لرئيس ديني يرشده إلى أقرب المسالك ويقيه في طريقه المهالك على أي عبد من عباد الله كيفما كان دينه وتفكيره. لأن أحق الناس بفهم معنى الحرية الدينية هم أولئك السالكون. أما إذا كان ذلك الاعتداء نتيجة التآمر مع الشيخ المربي والمرشد المسلك فتلك هي البلية العظمى ورزية المجتمع البشري في طائفة من مجموعته تتبعها وتصغى لصوتها جماعات كلما نعقت بها ودعتها لما تسمع وتفهم, ولما لا تسمع ولا تفهم ... وهذا ما منيت به بلاد الجزائر ولا سيما في العصر الحاضر.
بينما هي في ضلالها القديم تتخبط, وبينما رؤساء الأمة ومرشدوها لا يكادون يهتدون إلى الحق ويهدونها سواء السبيل وبينما التبعة الكبرى والمسئولية العظمى يلقيها كل عاقل ومفكر على العلماء, وهؤلاء يعتقدون بما يقبل وبما لا يقبل إذ قيض الله عصبة المصلحين العاملين لخير هذه الأمة وصلاحها فقام منهم من لا تأخذه في الله لومة لائم يبينون للناس دينهم الحق بالحجة والبرهان, ويفهمونهم تعاليم نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم في أسهل عبارة وأوضح بيان, داعين إلى سبيل ربهم بالحكمة

ـ[عمود2]ـ
والموعظة الحسنة, ومجادلين من تصدى لجدالهم بالتي هي أحسن غير هيابين ولا وجلين, فلم يرق لأولئك الرؤساء المسلكين وجودهم ولم تحل دعواتهم تلك لأسماعهم, ذلك لأنها تضر بمصالحهم الخاصة ولا تتفق بحال من الأحوال مع تعاليمهم واصطلاحاتهم التي أسسوا بها عرش عزهم ومجدهم وقادوا بها الفريق الكبير من الأمة في حين غفلتها وجهلها حتى سخروها لقضاء أوطارهم ونيل مآربهم, وسرعان ما انفضت الأمة عنهم وأقبلت ذلك الإقبال الهائل على المصلحين (وذلك شأن كل مغرور ومخدوع مع من غره وخدعه حتى وجد من يهديه سواء الطريق) فكبر أمر هؤلاء المصلحين عند أولئك المبطلين من الطرقيين وأهمهم بالخصوص أن يصبحوا محتقرين في نظر من كانوا لهم عابدين, ولم يجدوا لهم في مقاومة المصلحين من حجة ولا برهان إذا هم حاجوهم وجادلوهم فما وسعهم إلا الالتجاء إلى سلاح الكذب والبهتان وقلب الحقائق تضليلا للعامة وتغليطا للرأي العام ورمي المؤمنين الموحدين والعلماء العاملين بكل إفك وباطل فقالوا عنا: إننا ننكر الوسيلة إلى الله بحب الأولياء والأنبياء؛ وإننا لا نتقرب إليه بالطاعات وصالح الأعمال وقالوا إننا نحط من كرامة نبينا ((محمد)) صلى الله عليه وسلم وننتقص من قدره وننكر شفاعته يوم القيامة, وإننا نسميه موزع بريد (فكتور) وأنهم سمعوا ذلك منا المرار العديدة (ولعنة الله على الكاذبين) وقالوا ولا يزالون يقولون في جرائدهم

ـ[عمود3]ـ
الكاذبة الخاطئة كلما شاءوا وشاءت لهم أهواؤهم, فلم يصد كل ذلك الأمة عنا ولم يفت في ساعدنا ولا قلل من تأثير دعوتنا الطيبة وخطتنا الرشيدة, إذ علمت الأمة أن كل تهمة يتهم بها الخصم المغرض خصمه البريء النزيه هي باطلة أو مبالغ فيها على الأقل فأخذت رغبتها في مطالعة جرائد الإصلاح والاجتماع برجاله تشتد وتعظم وكلما أخذت الحق من منبعه وعرفت حقيقة المصلحين لعنت أولئك المفترين وعرفت مقدار دعواهم الإسلام والإيمان, وأعرضت عن جرائدهم فبطل ما كانوا يأفكون. وكما حاولوا تضليل الأمة وتغليطها فلم يفلحوا, هم محاولون أيضا تغليط رجال الحكومة لعلهم ينتقمون لهم من هؤلاء المصلحين فيفتكون بهم ويريحونهم منهم, وسيخيبون مع الإدارة ورجالها ويخسرون الصفقة كما خسروا مع الأمة المفكرة في مخازيهم الشاعرة بمكائدهم اليوم. وستعلم الإدارة أن هؤلاء الكاذبين الذين يكذبون ويقولون:
{إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} فيعطون الحجة والدليل للناس على كفرهم وتكذيبهم بالله وآياته هم ألد أعدائها وأضر الناس بمصالحها وأنه ما أوقعها في كثير من المشاكل إلا كذبهم وافترائهم ...
انتبهت الأمة لكيد هؤلاء المتمربطين فلم تعد تصدقهم في كذبهم وكل ما ينسبونه إلى المصلحين في جرائدهم ليحطوا من أقدارهم وينفروها عنهم فنبذتهم واحتقرتهم وقبضت يدها فلم تمدها بالإعانة المالية إليهم ولم يبق لهم منها من يتبعهم سوى أناس لهم منافع خاصة وعلاقات شخصية تربطهم بهم. أو آخرين بلغ الجهل بهم حدا صيرهم هم وبهيمة الأنعام سواء فلم يقدروا على أن يستفيدوا منهم أكثر من إشلائهم على العلماء المصلحين وإغرائهم على الفتك بهم, سيما في الحالة التي لا يجدون فيها من الحكومة ورجالها من يساعدهم على تنفيذ أغراضهم وما يشتهون إنزاله بالمصلحين لتخلو لهم الأرض منهم
(6/3)

_____
الصفحة 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
ويستريحوا من وجودهم على ظهرها, لأن رجال الحكومة مقيدون بقانون يحتكمون إليه ويحكمون به وهم أحرص الناس على تنفيذه بل هم أنفسهم إليه خاضعون.
إذن ما ذا يفعل (سيدي المرابط) أو الدجال المحتال الذي وقف له المصلحون في الطريق التي كان يجمع الناس لها ويحشرهم من كل ناحية إليها, وما هي إلا طريق ابتزازه الأموال من هذه الأمة واعتصاره آخر قطرة من دم بقيت في جسمها وقد قطعوا رزقه كما قيل وحالوا بينه وبين ما يشتهيه في هذه الأمة ومنها؟. . لم يبق له من وسيلة بعد ذلك الكذب والبهتان وبعد السعاية والوشاية الكاذبة بهم, وشهادات الزور عليهم. وانتهاك حرمات الدين والكفر بما أنزل على ((محمد)) صلى الله عليه وسلم في تحريم الأعراض والأموال والأنفس: لم يبق له إلا أن يعتدي على أشخاص هؤلاء المصلحين بالضرب والقتل ويحاول الفتك بالذوات البارزة منهم قبل غيرهم كيفما كانت الطريقة الموصلة لذلك.
وهذا آخر سلاح يستعمله الطاغي الباغي واللص المجرم المجترئ المحارب الذي يفتك الرزق من العباد ويغتصبهم أموالهم رغم إرادتهم واختيارهم. . لهذا لا لغيره اعتدى أولئك المجرمون على العلماء ولا يزالون يعتدون (إن لم توقفهم العدالة وقوة الحق عند حدهم) وقد تكرر هذا الاعتداء منهم. وكانت الطريقة السابقة إلى استعمال هذه الوسيلة الملعونة طريقة العليويين التي سنت لغيرها من رجال الطرق هذه السنة السيئة, وهذه هي سنة العليويين التي عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيء. وليس من القراء من يجهل اعتداءاتهم المتكررة

ـ[عمود2]ـ
على رجال العلم والدين.
وقد كنا نحسب أن مثل هذا الاعتداء ينتهي بعد حادثة ذلك العليوي الجاني على الأستاذ الشيخ (عبد الحميد بن باديس) واقتصاص يد العدالة منه بما صيره عبرة لغيره وموعظة للمعتدين.
فإذا به يتجدد مرة ثانية, فقد جاءتنا أنباء اليوم بفاجعة جديدة وجناية فظيعة تضاف إلى جنايات رجال الطرق السابقة حيث اعتدى بعض الطرقيين على (الأستاذ الزاهري) في هذه الأيام بمدينة (وهران) العضو الإداري بجمعية ((العلماء المسلمين)) وصاحب الكتابات الكثيرة ضد الضالين المضلين بما ذكرته جريدة ((الشريعة)) التي له اليد الأولى في تحريرها, وتالله لقد هالنا هذا النبأ العظيم وأحزننا تجدد مثل هذه الحوادث من حين لآخر بهذا القطر البائس المسكين, وعز علينا ما نزل بأخينا الأستاذ الزاهري ولكننا لم نرتب في أن القوم قد انهزموا في هذه المرة أيضا من ميدان المقاومة الشريف, وأن ما يبذلونه من الجهود في الكيد لنا قد ذهب هباء منثورا وأن مكائدهم في صد الأمة عنا قد تلاشت, ومساعيهم في مراغمتنا بقوة رجال الحكومة قد أخفقت تماما وذهبت أدراج الرياح ولولا ذلك كله لما عمدوا إلى هذه الوسيلة المرذولة ولما تصدوا إلى قتل الحركة الإصلاحية والقضاء على جمعيتنا العلمية الدينية في أشخاص رجالها الأحرار فإذا بهم يسجلون لهم تاريخا أغر. وإذا بهم يرسمون لهم من دمائهم المارقة صور الكمال والجمال, ويكتبون لهم آية الحب وسور الإخلاص لهذا الوطن, ويذيعون لهم بمثل هذه الحوادث منشورا سيقرأ به العالم كله ما تنطوي عليه قلوب المصلحين وما هم عليه من صلابة في الدين وقوة في الإسلام والإيمان ...

ـ[عمود3]ـ
كما أننا لم نرتب في أن الحكومة ستنتبه بمثل هذه الحوادث إلى أن المصلحين هم المحقون في دعواهم والمحافظون على النظام والأمن العام لأنهم لم يعتدوا هم وأتباعهم في يوم من الأيام على أي شخص كان وإنما لهم فكرة ينشرونها في دائرة القانون بالوسائل المشروعة وطريق الحجة والبرهان دون ترغيب بما لا تصدق به العقول السليمة, ولا إرهاب وتخويف بضرب أو قتل, وهذا ما خفف علينا من وقع مصيبتنا بهذه الحادثة الجديدة حادثة الاعتداء على الأستاذ الزاهري؛ وجعلنا من الجهة الأخرى نهنيه ونهني أنفسنا لا بنجاته من الموت وانفلاته من يد ذلك المعتدي الأثيم فقط وانتصاره عليه وعلى من معه, بل بما تحقق له من الظفر الكبير والفوز الذي ناله بهذه الضربة, وإنها لضربة في سبيل الله كتب اسمه بها في (ديوان الصالحين) وشهد له المؤمنون وسيشهدون وتشهد الملائكة بين يدي رب العالمين بأنه أوذي في سبيل الله. وأنه قد لحقه بعض ما يلحق أولياء الله المؤمنين من الابتلاء ومن الأذى الكثير, تحقيقا لقوله تعالى: (((لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور))).
هذا وإننا لم ندر إلى ساعتنا هذه من هو المباشر لهذا الاعتداء والمنفذ لعملية أيسرها اعتداء على حرمة مسلم ذي شرف ودم معصوم مصون, وأعظمها لو تم للمعتدي ما أراد قتل عالم من علماء المسلمين يقول: ربنا الله, لا يؤمن بعقيدة الحلول ويكفر بها وبمن يقول: كل ما في الكون هو الله حتى الشيخ والكلب وحمار العزيز وخنزير جاره الذي يرعاه ...
وقد جاءتنا الأخبار الأخيرة عن هذا الحادث الفظيع أن الحكومة بوهران ألقت القبض على الجاني وأنه رهن السجن والتحقيق. ولكنا لم نعلم اسمه ولا هويته في طريقته ونحلته, ولا اسم (الشيخ) أو (المقدم) الذي سول له ارتكاب هذه الخطيئة وجرأه عليها بل أغراه بها و أشلاه, فلهذا لا نقدر أن نقول أنه من فقراء الطريقة العليوية أو أفرادها وما أكثر الأفراد في كل طريقة؟. . . غير أن الأمر المحقق عندنا هو أن الجاني طرقي وأنه مدفوع إلى هذه الجناية من طرقي ضال, وأفاك دجال ستظهره الأيام وسيلقى جزاء جريمته وما اكتسبت يداه, وإن غدا لناظره قريب, وقريب جدا ما يوعدون.
(الجزائر) الطيب العقبي
(6/4)

_____
الصفحة 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
هنالك مثل ما هنا, في كل واد أثر من ثعلبة! , نشرت ((البلاغ)) ما يلي:
الدين الإسلامي
بين المبشرين والمبتدعين
لست أذيع سرا إذا ما جاهرت عن يقين ثابت وعقيدة راسخة بأن المسلمين الآن بين شقي الرحى, تضغطهم أعمال المبشرين التي ذاع أمرها واستفاض خبرها, وتصرفات المبتدعين الذين يدخلون في الدين ما ليس منه, ولئن حمدت للأمة اهتمامها بأمر المبشرين وانتهاج الوسائل المؤدية إلى الحد من طغيانهم والقضاء على أغراضهم, فإنه لا يزال عالقا بنفسي أثر سيء مما يأتيه المبتدعون هادما لبنيان الدين, وناقضا لتعاليمه من أساسها, ولو أحسنت الحكومة صنعا لعملت على تحرير الدين مما علق به بفعل جماعة من المسلمين لا يعنيهم من أمر دينهم غير أن تشبع بطونهم وتمتلئ جيوبهم, أولئك على الدين أشد ضررا وأكثر خطرا من المبشرين.
ذلك لأن جماعة المبشرين إنما يدعون إلى الخروج على الدين إطلاقا ويروجون لاعتناق دين غيره وتلك دعوة ينبني على مجرد الجهر بها النفور عنها اللهم إلا عند نفر قليل تدفعهم الحاجة إلى الاستسلام وتغريهم الفاقة بالاستكانة, وهؤلاء لا يلبثون أن يصدوا عن الدعوة ويرجعوا إلى الهدى عندما يرون بأعينهم أن المنشآت التي أعدت لهم بين أهل دينهم ستغنيهم عن التردد على أماكن المبشرين فتكتب لهم النجاة من المهاوي السحيقة التي كانوا على وشك التردي فيها, ولكن ما ظنك بجماعة ليسوا من المبشرين حتى نجتنبهم, ولا يدعون للخروج على الإسلام حتى نتحاشاهم, وإنما هم مسلمون أولا, يلبسون لباس الإسلام, ويتزيون بزيه وجاءوا تحت ستار لباسهم الزائف يجتذبون نفرا من المسلمين, ينفثون فيهم سموم خرافات وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان بدعوى أن تلك الخرافات من الدين وأن من لم يتبعها وينسج على منوالهم فيها يبوء بغضب من الله ورسوله ويكون من

ـ[عمود2]ـ
الكافرين.
لا شك أن هؤلاء أشد ضررا على الإسلام من المبشرين الذين قدمنا أن معالجة أمرهم باتت وشيكة النجاح, وأن دعوتهم عند الكثيرين لا تصادف ما قدر لها من رواج.
فأنت تشهد فريقا من أرباب الطرق الذين يزعمون أنهم ينتسبون إلى (الصوفية) يصرفون جهدهم في إفهام عامة الشعب أن طريقتهم هي المثلى وأن خطتهم هي القويمة, وأن من لم يخضع لتقاليدهم لا يزكيه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه, وهم في هذا المضمار يتسابقون ويتنافسون, كل يرمي الآخر بالمروق والزندقة, وكل يدعي لنفسه السبق والتفوق:
وكل يدعي وصلا لليلى … وليلى لا تقر له بذاك
فإذا ما حدثت أحد ((المريدين)) نفسه أن يسلك الطريق, ويرتدي مرقعته, تبين له بعد البحث والاختبار أن المسألة ليست مسألة طريق ولا مسألة تصوف أريد بها وجه الله والإسلام, وإنما هي مسألة خلق أوهام وحشد جيش من الخرافات في الذهن عندما يقال له: إنك إذا ذكرت بالاسم الفلاني كذا مرة أكلت النار وداعبت الأفاعي, وإذا تلوت التميمة الفلانية أوتيت العلم ونظمت الشعر وإذا استرضيت (الشيخ) بكذا وكذا (وهذا هو بيت القصيد) كشف عنك الحجاب.
كل هذا وتعاليم الدين الأساسية لا حساب لها في تقديرهم, فلا دعوة لاجتناب محرم ولا استحثاث همة للقيام بمفروض, وبطبيعة الحال فإن الإنسان يكون معذورا إذا ما أهمل الفرائض ولم يتورع عن المحارم طالما كان قصد الجميع الحصول على رضا الله, ورضا الله كما يدخل في الورع متوقف على رضا الشيخ. . .
من أجل هذا كان حقا على من يهمهم أمر الدين ويعنون بشؤون المسلمين أن يعملوا على تطهيره من أمثال هذه البدع وأن يضربوا بيد من حديد على رؤوس الذين يتخذون الدين ستارا يخفون وراءه أغراضهم ومآربهم ...
محمد جير فودة

ـ[عمود3]ـ
العلماء العاملون حماة الأمة
أمين مالية جمعية العلماء في القرارم
بقلم الأخ العالم العامل صاحب الإمضاء.
إن أسعد ساعة قضاها الإنسان في هذه الحياة وأفضل حلقة مرت به من سلسلة تلك الحياة ما كانت في سبيل العلم, العلم النافع الذي تعود فوائده وتجنى ثمرته, على أمة هي في أشد الحاجة إلى جهود عظيمة ونفوس كبيرة يبذلها الفرد لإسعاد أمته, السعادة الحقة, السعادة الدينية والدنيوية, السعادة التي لا شقاء معها سواء في ذي الدار أو في تلك الدار.
من بين أفراد أمتنا الجزائرية المسلمة, أفراد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين أخلصوا لخالقهم في إيمانهم وتصديقهم, فطهرت نفوسهم وزكت أعمالهم الصالحة النافعة لبني الإنسان.
رأى المطلعون على المجريات الجزائرية ما أسدته هاته الجمعية المباركة للأمة من النصائح والأعمال, وصار معلوما حتى عند أضدادها نبل مقصدها وشرف غايتها, فانتفع بها قوم أراد الله بهم خيرا, وكابر فيها آخرون فكانت الدائرة عليهم بحكم العزيز الحكيم, وبقي فريق من الأمة لا زال بعيدا عن حركتها سيأتيه يوم وما هو ببعيد يكون من أنصارها إن شاء الله.
رجال رأوا رأي العين ما عليه أمتهم من ضعف دين إلى فساد أخلاق إلى سقوط في هاوية لا مفر منها, أيلذ لهم عيش وتحلو لهم حياة ويطيب لهم نوم وأمتهم في كل هذا؟؟؟ إذا رضي العالم هذا فخير له الموت على الحياة.
من أفراد العلماء العاملين حقا في هذا الوطن العالم الأستاذ الشيخ مبارك الميلي أمين مال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومدير مدرسة الشبيبة بالأغواط.
من ذا الذي يجحد ما بذله هذا الأستاذ من الجهود في سبيل إسعاد أمته؟ وأي شخص لا يرى الأستاذ خدم أمته خدمة ستظل محفوظة عندها؟.
إن وجد هذا فإننا نطلب منه أن يفتح عينيه ليرى ذلك الفراغ الهائل الذي سده الأستاذ بكتابه تاريخ الجزائر في القديم والحديث الذي قد سد ثلمة عظيمة من سور الجزائر المتصدع.
(6/5)

_____
الصفحة 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
حل الأستاذ مبارك الميلي ببلدة القرارم قادما من الميلية بعد صلة الرحم صباح يوم الأربعاء عاشر ربيع الآخر, وبنزوله من السيارة تسابق الناس إلى لقائه فتلقوه بوجوه ضاحكة مستبشرة وقلوب تحمل في سويدائها إيمانا صادقا وعطفا زائدا نحو العلماء العاملين. وقصد الكل محل آل بوزيان المعد لنزول الوافدين, وإن ما انتشر خبر قدومه حتى أسرع أهل البلدة للترحيب به وفي مقدمتهم بعض العلماء الذين كانوا هنا منهم الشيخ بلقاسم السوفي المتطوع بجامع الزيتونة.
وفي عشية اليوم نفسه قدم من الميلية الشيخ محمد الصالح بن عتيق أحد المتطوعين بجامع الزيتونة والمدير لمدرسة الميلية وبرفقته الحافظ الأديب السيد محمد دريوش معلم القرآن بمدرسة الميلية وبعض الطلبة, فكان يوما عزيز الوجود, مضى هذا اليوم في محاورات علمية أدبية تناولت عدة جهات من حالة الأمة الجزائرية.
عند صلاة العشاء قصد الناس المسجد الجامع لأداء فريضة العشاء, وبعد الصلاة ألقى الأستاذ الميلي درسا وعظيا إرشاديا في قوله تعالى: (((والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى))) إلى آخر السورة, وقبل الشروع في الدرس قرأها العالم الشيخ محمد الصغير اليعلاوي المقرئ السبعي بترتيل حسن وصوت رخيم, وبالانتهاء منها شرع الأستاذ في الدرس بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه, فأخذ ينثر على السامعين من معاني التفسير ما جعل الأعين إليه ناظرة, والقلوب من جلال كلامه تعالى خاشعة واعية. فأبان للسامعين قسمه تعالى بما ذكر في هذه السورة وما يستنتجه العقل السليم من بلاغة القرآن العظيم, وأن الله تعالى يقسم بما يريد من مخلوقاته لينبهنا إلى ما في
المقسم به من علامات ناطقة بجلال قدرته, هذا بخلاف المخلوق فإنه لا يجوز له شرعا أن يقسم بمخلوق مثله. ومعلوم أن المقسم بالكسر بقسمه قد عظم المقسم به, والتعظيم لا ينبغي أن يكون إلا لله.

ـ[عمود2]ـ
وهكذا سار في إفهام الحاضرين إلى آخر السورة, معبرا لهم بعد تفسير الآية بلسانهم الذي يتخاطبون به, فما قاموا إلا وقد فهموها كما هي.
ومن الغد ألقى درسا آخر بعد صلاة الظهر في قوله تعالى: (((يا أيها النبئ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا إلى قوله تعالى: إن الله غفور رحيم))) بمثل الأسلوب الذي سار عليه في الدرس الأول.
فكان الإقبال عليه عظيما, وكانت النتيجة صادقة طيبة, وقد بين للحاضرين معنى المبايعة ومبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء المؤمنات, وأن مبايعة النساء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكون لأحد, فتلقى الحضور هاته النصائح بارتياح عظيم, مما يدل على أن العقول قابلة لتلقي النور الإلهي.
أقول: إن هذه الآية خلاف ما يفهمه الجهال من أهل هذا الزمان الذين يستبيحون مبايعة النساء بما يعطونهن من الأوراد, ويستندون في هذا إلى هذه الآية الكريمة. والحقيقة أنهم لم يعرفوا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا, خصوصا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبايع النساء بوضع يده في أيديهن كما يفهمه (القوم) كما هو ثابت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها, نقل ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية حديثا رواه عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة التيمية خالة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من المسلمين فقلنا له جئناك يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما استطعتن وأطقتن, فقلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا, فقلنا بايعنا يا رسول الله, فقال اذهبن فقد بايعتكن إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة, وما

ـ[عمود3]ـ
صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم منا واحدة اه. ثم ذكر ابن جرير رحمه الله حديثا آخر برواية أخرى عن أميمة بنت رقيقة المذكورة جاء في آخره: فقلنا يا رسول الله ألا تصافحنا, فقال: إني لا أصافح النساء ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة اه. فلينظر القوم سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفهموها كما هي ثم يسيروا على ضوئها الوهاج فإنهم لا يضلون ما تمسكوا بها.
أما والحالة هذه, جهل بالسنة, وبعد عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم, وارتكاب لما حرم الله ورسوله فهذه أمور لا ينبغي السكوت عنها, فإذا نادى أهل العلم ودعوا الناس إلى السنة الصحيحة وقالوا إن ما عليه هؤلاء (القوم) اليوم وما دعوا إليه لا مناسبة بينه وبين السنة الصحيحة في هذا الوقت تقوم قيامة (القوم) على العلماء ويختلقون عليهم الأكاذيب ويحدثون لهم الفتن, لا لذنب سوى أنهم جاهروا العامة بأن ما عليه (القوم) اليوم ليس من السنة في شيء, فإذا أراد القوم أن يكونوا من أنصار السنة ومؤيديها فما عليهم إلا اتباعها كما هي من غير تبديل ولا تغيير.
أما إذا تمادى القوم في طريق غير طريق السنة فليعلموا أن واجبا على العلماء أن يبينوا للعامة السنة الصحيحة حب من أحب وكره من كره ولا يضرهم من خالفهم ولا يزيدهم ما أصابهم في سبيل إحياء السنة النبوية إلا صبرا وإقداما, (((فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين))).
وفي عشية الخميس حادي عشرة ربيع الآخر سافر إلى بلدة ميلة بصحبة بعض الأعيان الفضلاء جاءوا لملاقاته, مشيعا من أهالي بلدة القرارم بما يليق بحضرته.
حيا الله رجال جمعية العلماء وبياهم وأعانهم على إحياء سنة خير الخلق صلى الله عليه وسلم وقتل ما أحدثه المحدثون.
عبد اللطيف بن علي القنطري
العضو بالجمعية
المدرس بالقرارم
(6/6)

_____
الصفحة 7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
((فضح التظاهر بالود المزعوم))
جاءنا من الأخ الشيخ صاحب الإمضاء ما يلي:
قد كتبنا على أنفسنا أن لا نخوض في المسائل الجزئية العارضة لبعض الكتاب الجزائريين من زواويين وغيرهم لتدعيم كل من جنح إليه فكره وتحققت فيه ظنا مصلحته غير مبالين بالتقولات اللاصقة بهم, والتعاريض التي يوجهونها نحو إخوانهم المسلمين الجزائريين, لتحصيل أغراضهم المنشودة كيفما كانت.
إلى أن قرأنا في بعض الأعداد من ((السنة)) لكوني من قرائها تنبيها لأهل زواوة على ما ينسبه إليهم ((البلاغ الجزائري)) من الجهل والجنوح عن الطريق السوي والارتداد, لولا توسط أستاذه العليوي بين ظهرانيهم, الأمر الذي يكاد يجعل الزواوي حيثما حل عرضة للتنقيص والحط من كرامته ونقله من حالة إلى أخرى, مجبورا مغلوبا على عقله, لا اختيار ولا تملك له في نفسه, لداعي الجهل والبله الملصقين به ضمنا من كلام كاتب البلاغ, فرأيت أن لا بد لي من إبداء بعض الحقائق تنبيها لإخواننا الزواويين إلى ما يقصده لهم المغرضون المتسترون بإلقاء مأربهم من التفتين واللعب بسمعتهم والحط من كرامتهم في قالب النصح والأخوة, حيث يعرضون بجهلهم وقلة إدراكهم, ويتبعون
ما تمليه عليهم من الكذب والحقائق الفارغة المجوفة خيالاتهم اغترارا بالشواذ الواقعين في شباك حيلهم وفخاخهم, متجاهلين قيمة الزواوي العتيقة الذائعة الصيت, بما له من العفة والنزاهة, والصدق في المعاملة وتوقد القريحة, والإدراك المطابق لما تصبو إليه نفسه من العلوم والمعارف التي أورثها سلفهم للخلف حتى أدى به ذلك إلى حد إعجاز المعارض عن معارضته فيما يدعيه من ذلك, لقيام الشواهد والدلائل القطعية عليه, قولية وفعلية, فترى بعض المؤرخين يوجه

ـ[عمود2]ـ
تسمية زواوة بهذا الاسم الذي ينسب إليها الزواوي بكثرة زواياها التي هي عبارة عن مدارس علمية ومعاهد قرآنية, ومآوى إطعام الفقراء والمساكين لا كما زعم الجهال الأفاكون, كما صرح بذلك كله في دائرة المعارف للبستاني, منوها بشأنها وعلو كعبها في مضمار المسابقة إلى الفضيلة, لا سيما الأربعة منها المفردة بالذكر زاوية سيدي عبد الرحمان البلولي سيدي أحمد بن إدريس سيدي موسى تنبدار أبي علي الشريف, وفيما ذكره لهذه الأخيرة من المآثر الحسنة علما وعملا وأخلاقا ما يلقم الماكرين في الحق المعاندين في المعلوم تواترا حجرا سخينا.
ولما أتى هذا الحين على أهل زوايا زواوة، أعني حين كثرت المشاغبة والخلاف والجدال في الواضح وضوح شمس في رابعة النهار, لإظهار الباطل على الحق, وكسوه بالأكسية البراقة المموهة كون هذه الدعاوي الباطلة الصادرة عن أربابها المغرضين هي الحقائق الناصعة, المورثة عن الواحد الأحد بواسطة عمدتنا العظمى نبي الأمة صلى الله عليه وسلم مع أنها لعمر الحق لدعاوي خالية عن الإخلاص فيها نحو الدين الإسلامي والعواطف الإنسانية بالمرة, بل ما فيها إلا إخلاص نحو النفس والعشيرة الموافقة مبدأ وغاية, وإن خالفت وأغضبت رب البرية.
تصامموا عن سماع تلك المفتريات والاختلاقات الناشئة عن قلب سقيم عليل, يريد أن يشتفي بها وينال بها غرضه عند من تتمشى عليهم حيله وينخدعون بسرابه الكذوب, لما يجده من مرض الحسد والبغضاء لأولئك السادات المعتلين منصة العز والفخار بما منحهم الله من فضله, حيث بصرهم بواجبهم فبدءوا قبل كل شيء بجهاد أنفسهم جهادا

ـ[عمود3]ـ
أكبر, حتى ذللوها لإيقافها على خدمة الأمة ونفعها بكل وسيلة ممكنة, توصلا إلى مرضاة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وانخراطا في سلك الذين انعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
فحسب الذين في قلوبهم مرض أن ذلك لا لشيء منهم عن جهل, أو جبن, فطفقوا يرمونهم بالسنة حداد, تارة بالتصريح, وتارة بالتلويح, وأخرى بالتعريض بهم, بذكر مطلق زواوي ولم يدرك أولئك المغرورون أن تصاممهم وسكوتهم عن مفترياتهم كان ترفعا وتباعدا عن أن يبارزوهم في ميدان تلك المخازي التي يأتون بها, لإلصاقها بهم افتراء وبهتانا صرفا لأنظار العوام عن قبائحهم ومثالبهم, ليظهروا بثوب العفة والتدين والإصلاح لهم, حتى ينخدعوا لتمويهاتهم الضالة المضلة, فما كان أجدرهم بانطباق أضدادها عليهم تمام الانطباق.
إذ كيف لا وقد أرسلوا شهوبهم ترد بهم موارد المقت والغضب الإلهي بإطلاق عنان أقلامهم وألسنتهم في الإيقاع في أحساب الأبرياء وثلب أعراض إخوانهم المؤمنين المسلمين الجزائريين غير مكترثين بوعيد قوله تعالى: (((إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة))) بكل ما أوتوه من وقاحة وقوة في المراوغة واستدراج في أكل لحوم إخوانهم المؤمنين بدون علم واطلاع على الحقائق الواقعية حتى أدى بهم ذلك إلى رميهم بالسفه والتفسيق والتحاكم إلى الله والملائكة والناس أجمعين, فبان بذلك خزيهم وانحرافهم عن الجادة, ولكنهم ذهبوا في التأويل إلى حيث ما لا نهاية ولا ثمرة له, تسترا مما قد يلحقهم من العار المنبوش لهم بمعاول من حديد ((ألصقه الله بأظهرهم)) بل قصروا عليهم أنفسهم وحدهم وعلى متبعيهم السلم والإيمان الصحيح, وعلى غيرهم الجهل والابتداع القبيح, متناسين قوله تعالى: (((وما أوتيتم من العلم إلا قليلا))).
الزواوي ابن أبي يعلى المدرس بزاوية سيدي سمعون آل غليبتم
(6/7)

_____
الصفحة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
براءة القبائليين من شيخ الحلول
وتلميذه الخافظي ومن تبعهما
عرش ذراع قبيلة
لما كان تغيير المنكر شرطا في الإيمان الكامل بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رأينا من الواجب الشرعي المحتم الذي لا يندفع بأي تأويل كان أن نصدع بالحق الذي يجعلنا في صف المؤمنين قولا وعملا, على أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ويعلم أننا عاجزون عن تغيير المنكر اليوم باليد ولسنا ممن كلف به, ولكن لا يقبل عذر معتذر على السكوت بتاتا في حال أن ذلك السكوت ربما كان المتوقف عليه تجلي الحق من الباطل وتبيين الرشد من الغي, فما بقي على المؤمن إذا إلا التصريح بكلمة الحق والانضمام إلى أهله مع الإعلان ببراءته من الباطل وناصريه.
بناء على هذا فنحن الواضعين خطوط أيدينا هنا من عرش ذراع اقبيلة الذي يعد بالنسبة إلى بلاد القبائل أقل تقدما من غيره, قد أدركنا ما عليه الأمة الجزائرية اليوم من تشويش المشوشين ومشاغبة المشاغبين الذين كتب الله عليهم الشقاوة في الدنيا والآخرة, فأشفقنا على أنفسنا وعلى إخواننا المسلمين من سائر أولئك المجرمين, فعملنا لرفع النزاع بكل وسيلة نافعة دون أن تضر, فما زيد في نار القوم إلا اضطراما حتى أيسنا ولم نرج منهم سلاما, ثم إن مثير الفتنة واحد لا ثاني معه إلا من كان له أجيرا وما في معناه.
أما صاحبها فذلك الحلولي الذي لم يقتصر على نشر سمومه في هذه الربوع فحسب, بل مد يد الفتنة بواسطة ورقته الضالة إلى بلاد اليمن وغيرها وأما أجيره فهو ذلك الخافظي الذي كان يقول في ملأ من الناس بضلال الحلولي وتضليله ويحكم عليه بالجهل المركب على رؤوس الأشهاد, وهو نفسه الذي أصبح اليوم بفضل ما اتفقوا عليه في باطن الأمر يجعله في مرتبة تفوق مرتبة التي يراها تحت النبوءة بشيء قليل ويناضل عنه في ميادين الحلول حتى اختضب ظهره دما ورآه البصير والأعمى.

ـ[عمود2]ـ
رحماك اللهم رحماك, اللهم إنا نجعلك في نحورهم, ونعوذ بك من شرورهم, اللهم إنك تعلم ومع ذلك نعلم العباد بما تعلمه أننا بريئون من الخافظي والحلولي والخافظيين والحلوليين ما داموا خافظيين وحلوليين على أننا باقون نتمنى لهم التوبة والإنابة لا نبخل عليهم بالإيمان ولا نبخل حتى على اليهود والنصارى ولا نحسدهم على الجنة وإن كانوا لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا كما كتبوا في مراتب العبادة, هذا وإننا نعلم أن جميع إخواننا القبائليين منذ نشر الحلول في بعض الأفراد الجاهلة في هذه النواحي وهم في قلق عظيم خصوصا بعدما ضم الخافظي صوته إليه نفاقا, وقد كان أول مصرح بضلاله وتضليله وأول محذر منه ومن حلوله حتى فضحه بحضور عرش كامل يوم مر ببني حافظ, ولذلك فإننا في انتظار وعلى ظن يقرب من اليقين أن جميع القبائليين سيصرحون بالبراءة منهما ومن تبعهما, ثم لا يفوتنا في هذه المناسبة أن نجيب عما نشرته جريدة السنة النبوية المحمدية المرحومة في عددها الأخير كسؤال من الشيخ الزاهري إلى أهالي القبائل مضمونه أن الورقة الضالة تزعم أن شيخها قد نشر حلوله في مئات الآلاف من القبائليين وتعده إنقاذا من الشرك ونحن نقول جوابا عن هذا السؤال باختصار أننا نعتقد أولا أن الحلول هو نفس الإشراك مع أن هذا الحلول لم ينتشر في بلادنا إلا في أناس قد عرفتكم الورقة الضالة بأسمائهم يوم نشرتهم للتمويه والتلبيس على الخلق وليكونوا أعضاء عاملين في جمعيتها السينية, فمنحتهم ألقاب المدرسين وهم والله, لا يفهمون لمادة (درس) معنى سوى الدرس زمن الصيف في نوادرهم.
هؤلاء هم الحلوليون وهم الذين يتبجح الخافظي بالترؤس عليهم وهو الذي يجعل المقدمة لقائمة الأسماء يومئذ ويبعث بها إلى إدارة الوريقة التي كتبت على نفسها أن تعمل الدعاية ولبروبقاند ( Propagande) ضد الإسلام إلى آخر رمق من حياتها, بقي الآن علينا أن نؤدي شهادتنا لحكومة افرانسه الفخيمة العادلة المنصفة وأن هذه الطائفة المخذولة التي تكذب على جمعية العلماء

ـ[عمود3]ـ
المسلمين الجزائريين مرة بعد أخرى بإلصاق السياسة لها وبالتدخل في غير أمور الدين والواقع يفند مفترياتها والحكمة نفسها ترى بعين الرأس من المشاغب ومن المهيج ومن الذي يكتب في جرائده السياسة وينشرها في الناس بعكس ما يتظاهر به للحكومة, مع أننا نحن لم نكن لنقدس هذه الجمعية تقديسا عصبيا, لو لم نطلع على برنامجها وسيرها وقانونها لأبقينا الأمر في احتماله, ولكن بعدما حضرنا اجتماعاتها العمومية وقد حضر بعض الأفراد منا اجتماعاتها الإدارية لم يبق لنا فيها شك ولا ريب من أنها جمعية عمومية يشارك فيها بالنظر والرأي كل مسلم جزائري, وإذا كان ثم بعض الأفراد ينتسبون للجمعية ثم لا يحسنون السير مع الحكومة أو الأمة بصفاتهم الفردية على فرض وجودهم وإلا فنحن لم نعلم لهم وجودا فالجمعية غير مسئولة عنهم فيما يرتكبونه لأغراضهم الشخصية ولا هي مستعدة للدفاع عنهم بأي وجه كان بل مقاومة لهم في
دائرتها الدينية وبلسانها وقلمها الدينيين أيضا, فبان بهذا أن هذه الطائفة وحدها هي التي تريد محاربةالعلم في شخص العلماء لفوائدها المعلومة التي يتوقف تحصيلها على قتل العلم بإماتة أهله, ولما عجزت بجميع الوسائل التجأت إلى إغراء الحكومة على العلماء بوشاياتها التي تكتب في جرائدها وغير ذلك.
ثم إذا قدر الله (ولا قدر) للجمعية أن تحيد عن جادة الطريق المستقيم فإننا مستعدون لمناقشتها ولمقاومتها إذا عملت ما يستدعي مناقشة أو مقاومة وإننا مستعدون حتى للبراءة منها إذا ارتكبت ما يقتضي البراءة غير أننا لا نقبل بحال أن يقول فينا قائل إنكم تتعاطون السياسة في حال اشتغالنا بأمور الدين, إذ الدين لأجله نحيى ولأجله نموت وهاهي أسماءنا والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وعدد الأسماء مائتان وخمسة وثلاثون محفوظة.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
(6/8)

___________________________________________________
………………………… السنة الأولى / العدد السابع …………………………
قسنطينة يوم الاثنين 07 ربيع الثاني 1352 … Constantine le 28 juillet 1933
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
على خطاب ابن غراب
ـ[عمود1]ـ
لو كان هذا الرجل وجه على الجمعية أضعاف ما وجه عليها من تهم واعتدى عليها بأضعاف ما اعتدى به عليها من سب وإذاية من عند نفسه وفي مجلس من أي مجالس مثله لكان محققا من الجمعية أنها لا تسمعه, ولو سمعته لكان حقا عليها أن لا تقول له إلا: ((سلاما)). . . ولكن الرجل كان عن رضى واختيار آلة هدم وتخريب, وبوق شر وفساد, في مجلس رسمي قد استدعى له الناس ليقولوا ويحتج بأقوالهم, فلهذا تنازلت الجمعية لرد افتراءات هذا النائب واعتداءاته.

زعم أن الفتنة والقلاقل والمشاغب منتشرة في الوطن وأن سببها هو الجمعية وكذب في الاثنين.
فأما في الزعم الأول فإن المشاهد في الوطن كله هو السير المعتاد في الأعمال دون تظاهر ولا تجمهر ولا مصادمة بين قوتين ولا توقف عن أداء حكومي ولا

ـ[عمود2]ـ
تصدي لأحد بسوء, وإنما الموجود في الوطن حركة هادئة عامة نحو ما وعدت به فرنسا أبناءها الجزائريين من حقوق تعطى لهم في القريب, ولعمر الحق أن تسمية هذا فتنة ومشاغب وقلاقل لمن الكذب الحبريت والقلب للحقائق اللذين لا يصدران إلا عن ذمة خربة وقلب مريض ونفس شريرة لا تبالي ماذا تجني, أو جاهلة لا تدري ماذا تقول, وإذا كنا نسمي توجه الجزائريين بمطالبهم في هدوء ونظام إلى فرنسا فتنة, فبماذا نسمي ما قام به أصحاب الأعتاب من التظاهر في بلدان عديدة بعنف وشدة وتهديد حتى عطلوا إحدى الجلسات في النيابة المالية لإظهار استيائهم؟ إن الأشياء يا هذا لا تخرج عن حقائقها بما يخلع عليها من الأسماء حسب الأغراض والأهواء. وأما في الزعم الثاني فإن حركة الجزائريين نحو مطالبهم من دولتهم إنما سببه ما علموه من عناية عظام رجال فرنسا

ـ[عمود3]ـ
بها وما بلغهم من: بروجي م قرني, و: بروجي م قيوليت, ثم ما شاهدوه من حزم بعض نوابهم وذهابهم إلى فرنسا أولا بصورة فردية وثانيا بصورة عمومية, ثم كان ما كان منهم من استياء من أن نوابهم ردوا, لم يقبلوا, وفهموا من عدم قبول نوابهم عدم قبول مطالبهم ثم أحسوا بضغط من ناحية وضعف من الناحية الأخرى, فرجعوا إلى سكوتهم كسابق عادتهم واعتصموا بالانتظار الذي تعودوه من أمد طويل فهم ساكتون منتظرون, هذه هي الأسباب المنطقية التي يؤيدها الحس ويجسمها الواقع لِمَا كان من حركة في الأمة, ولن يستطيع تمويه غراب ومن لقنه أن يزيد عليها أو ينقص منها.
وزعم أن الحكومة ساعدت الجمعية أولا ورخصت لها. والحكومة ما عرفت منها الجمعية مساعدة خاصة لا أولا ولا أخيرا, وأي مساعدة شاهدناها من الحكومة وقد أقرت قرار بريفي الجزائر الذي يمنع رجال
(7/1)

_____
الصفحة 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
إعترافات ((طرقي)) قديم
بقلم الأستاذ الزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

كنا جماعة من الناس يوفى عددها على العشرين, وكنت أنا أتحدث إليهم عن رجل كنت عرفته منذ ثلاث عشرة سنة في بلدة (البهيمة) من بلاد سوف كان طرقيا متعصبا ثم تاب وأصلح ولم يعد يؤمن بخرافة ولا طريق وكانت بيني وبينه معرفة وصحبة. وهو حينما كان طرقيا كان لا يفرح بانتشار الإسلام كما يفرح بانتشار الطريقة التي ينتسب إليها, فإذا سمع برجل دخل دين الله سأل عنه هل اعتنق ((طريقته)) أم لا فإذا لم يعتنقها تثاقل وتصامم, وإذا سمع أن مسلما اعتنق الطريقة التي يعتنقها هو اهتز طربا, وكاد يطير من شدة الفرح والسرور, وإذا نزل بالإسلام أي مكروه تصامم صاحبنا كأن الأمر لا يعنيه ولا يعني دينه, أما إذا أصابت ((طريقته)) مصيبة ما اغتم لها واهتم.
وقلت لهم إن هذا الرجل كان مضى ذات يوم إلى بلدة (كوينين) لبعض شأنه وهو لا يزال يومئذ طرقيا فاجتمع عند ((قائدها)) بطالب من طلبة العلم وكان ((القائد)) لا ينتسب إلى الطريقة التي ينتسب إليها صاحبنا, بل كان رجلا

ـ[عمود2]ـ
مصلحا لا تشوب عقيدته شائبة من شوائب الشرك والضلال وظن الرجل بالطالب سوء الظن فكرهه واجتواه واحتقره وازدراه, لا لشيء سوى أنه (فيما ظن) يخالفه في الطريق وليس ((أخاه من الشيخ)) ولما رجع إلى البهيمة جعل ينتقد الطالب وينكر عليه ويقول عنه أنه ليس من أصحاب ((التحصيل)) وأن نصيبه في العلم تافه قليل وأنه ((مدمن على شرب الدخان)) وكنت أنا أنهاه عن هذا الغلو في الإنكار فلم يكن يحفل بما أقول, وما هي إلا أن مضى علينا شهر واحد حتى كان عيد الأضحى, فزار صاحبنا ((الزاوية)) التي ينتسب إليها بمناسبة هذا العيد فيمن زارها من الأتباع والمريدين, فلقي فيها ذلك (الطالب) بعينه وقد صار أستاذا يعلم أبناء الزاوية ويلقي فيها على الناس بعض الدروس فرجع الرجل يمدح هذا الطالب ويطريه ويبالغ في المدح والإطراء وقال لي: لقد حضرت أنا نفسي على هذا (الشيخ) درسا في التوحيد يلقيه على (أسيادنا) فظننت أن الإمام الأشعري هو الذي يلقي هذا الدرس علينا, فقلت لقد أصبح الطالب في

_…_…_…_…_…_…_…_
ـ[أسفل الصفحة بين عمود 1 - 2]ـ
الجمعية من وعظ العامة وإرشادهم في المساجد, وأي مساعدة والحكومة قد أغلقت مكاتب وامتنعت من الترخيص في مكاتب أخرى لمجرد انتماء المعلمين أو الطالبين للتعليم للجمعية فمن الأولى مدرسة سيق ومدرسة بلعباس ومدرسة قمار ومن الثانية مدرسة القنطرة. هذا هو الواقع مع الأسف الشديد, ولكن من الحق الذي يجب أن نقوله وأن نتسلى به أنه ليس كل واحد من رجال الحكومة راضيا بهذه المعاكسة التي لا مبرر لها والتي هي ضد لجمعية إصلاحية تهذيبية عن الإصلاح والتهذيب. وأما ترخيص الحكومة للجمعية فالفضل في ذلك للقانون الفرنسي الحكيم ولولا ثقتنا بذلك القانون والرجال العظام الساهرين على تنفيذه ما كان لنا أن نصدع بهذه الحقائق التي يريد النائب غراب وملقنوه تغطيتها. لها بقية
ـ[عن الجمعية الرئيس: عبد الحميد بن باديس]ـ

ـ[عمود3]ـ
نظرك شيخا نظير الإمام الأشعري ولكن في أي مسألة من مسائل التوحيد كان درس هذا الشيخ؟ قال كان في مسألة (كرامات الأولياء) وقد ذكر من كرامات شيخنا أكثر من مائة وخمسين كرامة!! فقلت له: يا فلان هل نسيت ما كنت تقوله يوم لقيت هذا الطالب في كوينين من أنه قليل العلم مدمن على التدخين فقال: أما ما قلته عنه من قلة العلم فقد كنت مخطئا فيه, واليوم تبين لي أنه غزير العلم وحسبك أنه أستاذ لأسيادنا وأما أنه مدمن على شرب الدخان فهذا أمر لا بأس به, لأن أسيادنا هم أنفسهم يدخنون ويدمنون على التدخين ويدمنون على ما هو أكثر من الدخان أيضا, قلت: وما هذا الذي هو أكثر من شرب الدخان؟ قال: إنهم يدمنون على التدخين وشرب الخمور وعلى بعض المخدرات السامة الأخرى من غير أن يقدح ذلك في مروءتهم أو في دينهم!! قلت: إن المدمنين على هذه الآفات هم ممن لا مروءة لهم ولا دين, قال لا يقول كلامك هذا إلا من كان ((مسلوبا من الإيمان)) قلت: ويحك, فهل تعتقد أن تعاطي الخمور والمخدرات هو أمر مباح؟ قال: لا, ولكني أعتقد أن الإنكار على ((أسيادنا)) لا يجوز مهما ارتكبوا من الكبائر والموبقات, قلت: وهل ((أسيادك)) هم فوق الشرع الشريف حتى لا تنالهم أحكامه؟ قال دعنا من هذا الكلام. وذكرت لهم أن هذا الرجل قد تاب وأصلح, وأصبح لا يؤمن بسيادة هؤلاء بل يسمي محسنهم محسنا ومسيئهم مسيئا وأصبح لا يشرك بالله شيئا لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا وليا صالحا وقد لقيته أخيرا فإذا هو من المصلحين وقد حدثني عن نفسه كثيرا, وكان إذا ذكر الأيام التي كان فيها طرقيا وصفها بأنها أيام
(7/2)

_____
الصفحة 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
(جاهلية) فيقول عن نفسه: كنت في (جاهليتي) أعتقد كذا وكذا. . وأفعل كذا وكذا. .).
وكان في الحاضرين (طرقي) قديم قد انظم إلى المصلحين أخيرا فقال: وأنا الآخر كنت طرقيا, وكنت متعصبا عنيدا, لا أحب إلا طريقتي وإخواني فيها, وكنت أحمل كراهية شديدة لأتباع الطرق الأخرى الذين ليسو (إخواني في الشيخ)! وكل إخواني في الطريق يبغضون من لا يكون على طريقتهم ويستدلون لهذه البغضاء التي يحملونها لإخوانهم المسلمين بقوله تعالى: (<<. . . ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. . .))) ويعتقدون أن هذه الآية الكريمة إنما تحثك على أن تحب أخاك في الطريق وتحثك على أن تقاطع المقاطعة التامة كل من لا يكون معك على دينك أي على محبة الشيخ! وأنا نفسي ما فهمت هذه الآية على وجهها إلا بعد أن حضرت درسا لعالم من هؤلاء العلماء المصلحين, فقد سمعته ينهي عن بغض الغير وعن كراهيته لمجرد أنه يخالفك في الدين أو العقيدة, واستدل على ذلك بقوله تعالى: (((وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون, ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. . .))) وهنا فقط عرفت أن إخواني في الطريق قد حرفوا هذه الآية الكريمة عن موضعها وأن طائفة من أهل الكتاب هم الذين يتواصون بكراهية الغير وببغض من لا يتبع دينهم فيما حكى الله عنهم بقوله (((ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم))) وقد رد عليهم الله تعالى هذا القول فقال: (((قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم))) وهكذا كثير من الآيات تكون في

ـ[عمود2]ـ
الحث على الخير ولكننا نفهمها على عكس المراد, وكان من كراهيتنا لأتباع الطرق الأخرى أننا لا ننزل ضيوفا إلا على من تبع ديننا (طريقتنا) ولا نكرم ضيوفا لا يكونون على
طريقتنا ولا نجتمع معهم في حلقة ذكر, وأذكر أن رجلا كان أخانا من الشيخ له مكانة بيننا وكنا نحبه ونحترمه وما هي إلا أن أخبرنا أحدنا بأنه رآه في بلدة أخرى في حلقة ذكر لطائفة أخرى حتى كرهناه وهجرناه, وأخبرنا سيدنا به وبما فعلناه, فقال نِعمَ ما فعلتم لا تتساهلوا فيمن يخل بشيء من آداب الطريق ولا تخالطوا من يفسد عليكم نيتكم في الشيخ, ولا تصلوا وراءهم وكل من صلى منكم وراء إمام ليس على طريقتنا ولا يجتمع معنا على محبة الشيخ فصلاته باطلة تجب عليه إعادتها, وسأل رجل وقال: يا سيدنا إني أريد أن أستشيرك في أمر يهمني, قال: وما هو؟ قال إن ابني قد كبر وأردنا أن نزوجه وخطبنا له كريمة فلان إلى أبيها فوعدنا خيرا ولكنها من بنات طريقة أخرى لا من بنات طريقتنا, وهي فتاة من الفتيات الصالحات, فقال له سيده وكيف تكون صالحة وهي ليست من بنات طريقتنا؟ ولم تدخل زاويتنا قط! فقال الرجل عسى الله أن يهديها فتعتنق طريقتنا وتزور زاوية سيدنا! فقال له سيده: اشترطوا عليها أن تترك طريقتها إلى طريقتنا فإذا رضيت بهذا الشرط فذلك ما كنا نبغي, وإلا فلا تعزموا عقدة النكاح, وتكلم له رجل وقال: يا سيدي إن الآنسة فلانة التي توفي عنها أبوها أخيرا وكانت من بنات طريقتنا قد أعجب بها فتى ليس منا فأبت أن تقبله لها بعلا حتى يترك طريقته إلى
طريقتنا, وقد تزوجها على هذا الشرط وأصبح أخا لنا في الشيخ.

ـ[عمود3]ـ
فقال سيدنا أحسنت هذه الآنسة وهي محبة في الشيخ وإن عملها هذا هو من الصالحات ومن أفضل ما يقربها إلى الله زلفى, ففرحنا نحن بها وصرنا نسميها سكينة تشبيها لها بسيدتنا سكينة بنت زين العابدين رضي الله عنهما.
قال الراوي: ولا أكتمكم أنه قد يكون بيني وبين الرجل صلة القربى, وقد تجمعني به كل الروابط والصلات, وقد يكون مهذبا ولكنني لم أكن أثق به ولا أطمئن إليه, لا لشيء سوى أنه لا يوافقني في الطريق! وقد يكون الرجل لا قرابة بيني وبينه وليس بيننا أية صلة أخرى ولكني أثق به وأطمئن إليه, وأشعر نحوه بحب شديد لا لشيء سوى أنه أخي من الشيخ, وهذا هو ما كان يوصينا به أسيادنا ورؤساء طريقتنا جميعا وكان اليهود في بعض نواحي الصحراء قد دخلوا هم أيضا في الطرق الصوفية من غير أن يدخلوا في الإسلام, وكان قد اعتنق طريقتنا منهم عدد غير قليل فجعل سيدنا عليهم ((مقدما)) يهوديا منهم.
قال الراوي: ولا أكتمكم أننا كنا نحب هذا المقدم اليهودي ونحب هؤلاء اليهود الذين هم إخواننا من الشيخ أكثر مما نحب أي مسلم من المسلمين الذين يتبعون الطرق الأخرى, وكما أن اليهود يسمون غيرهم الكوييم فإننا نحن أيضا نسمي غيرنا من المسلمين باسم القراميط.
وبالجملة فلم نكن نعرف الحب في الله, والبغض في الله وإنما كنا نعرف الحب في الشيخ والبغض في الشيخ, على أن الطرق الأخرى يحمل أتباعها لنا من الضغينة والحقد أكبر مما يحمل لهم أتباع طريقتنا فقد جربت ذات يوم أن أتودد إلى أهل طريقة فرفضوا ودَادي, وذلك أني جلست معهم في حلقة لهم
(7/3)

_____
الصفحة 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
عقدوها لتلاوة أورادهم وكان من عادتهم أن يغمضوا أعينهم عند تلاوة هذه الأوراد, وكان من عادتنا نحن أن نفتح أعيننا وأن لا نغمضها عند قراءة الأوراد وما هي إلا أن عرفوا أني لا أغمض عيني حتى طردوني وقالوا لي أنت لست من طريقتنا.
وكنت أعتقد أن الرجل منا إذا بسط الله له في الرزق, فربحت تجارته أو صلحت ذريته أو بارك الله له في عمل من أعماله فليس معنى ذلك أن العناية الربانية قد حفت به, بل معنى ذلك أن معه همة الشيخ, ولا نطلب من أحدنا أن يحسن ظنه بالله بل نطلب منه أن يحسن ظنه بالشيخ! ولا نقول من مات وآخر كلمة قالها لا إله إلا الله دخل الجنة بل نقول: من مات وهو يلهج باسم الشيخ دخل الجنة دون حساب ولا عقاب, وقد مات رجل منا فجاء أقاربه إلى سيدنا رئيس الزاوية المركزية وقالوا له لقد بقي اسم الشيخ سيدي فلان جدك في فم المرحوم إلى النفس الأخير من حياته, فقال سيدنا مات شهيدا وهو اليوم في أعلى عليين! وكان لطريقتنا مقدم في إحدى النواحي قد توفي إلى رحمة الله وأراد شيخنا صاحب الزاوية أن يسمي لطريقتنا مقدما آخر في تلك الناحية ودعانا إليه نحن خواصه يستشيرنا فيمن يصلح أن يخلف (المقدم) المرحوم في مهمته, فدللته أنا على طالب علم فقيه من أهل تلك الناحية كلمته عندهم مسموعة وله عليهم نفوذ, فقال سيدنا: إياكم من الفقهاء وإياكم من طلبة الوقت, فإنهم زنادقة المقت ((لا نية لهم)) وهل رأيتم تيسا يدر ((ويحلب))؟ قلنا: اللهم لا, قال: كذلكم الطالب ((لا يزور)) ولا خير فيه!! وتكلم آخر فدله على رجل هو من عباد الله الصالحين المتقين لم يعرف أهل ناحيته أمتن منه دينا, ولا أصلح منه حالا

ـ[عمود2]ـ
فقال لنا سيدنا: وهذا الرجل أيضا لا يصلح لنا, قلنا: ولماذا؟ قال لأنه من الذين لا يجدون ما ينفقون, ونحن في حاجة إلى صاحب ثروة ويسار, إذا نزلنا في ضيافته أكرمنا
وأطعمنا وسقانا مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقد تكون معنا حاشية وخدم وننزل عنده على الرحب والسعة وإذا كنا نريد الزيارة أجزل لنا الهبة والعطاء!! فقلت في نفسي إن سيدنا في الحقيقة يريد صاحب فندق (هوتيل) يقيم فيه مجانا لا يدفع أجرة الخدمة والمبيت ولا ثمن الطعام والشراب, وما أظنه يريد مقدما للطريق. وأرسَلنا سيدنا إلى رجل صاحب ثروة عظيمة في تلك الناحية, وأخبرناه أن سيدنا قد أنعم عليه فجعله مقدما, وكان رجلا قتل الدهر تجربة وخبرا, فأبى وامتنع من القبول, فطلبنا منه أن يقبلها لابنه, فقال ويحكم يا هؤلاء! وكيف أرضى لابني ما لا أرضاه لنفسي؟ ودعا بابنه وقال له ونحن نسمع: يا بني هل تريد أن تكون خادما؟ قال لا. قال: إذا أنا أفضيت إلى عملي فإياك أن تكون ((مقدما)) لأية طريقة من هذه الطرق, فإنك إذا فعلت نزل عليك الشيخ بخيله ورجله فإذا دارك فندق ((مجاني)) وإذا أنت وعيالك وأولادك تقومون على خدمته وخدمة حاشيته, ثم إذا ربحت وأفلحت قال الناس لقد أفلح ببركة الشيخ وإذا أصابك مكروه قالوا ((دقه الشيخ)) وظنوا بك الظنون, وإذا أنت رضيت أن تكون مقدما فاعلم أن الشيخ لا يكفيه منك يومئذ قليل ولا كثير, فخير لك أن تترك هذا الأمر للذين قد يتعايشون عليه.
ورجعنا إلى الزاوية لنخبر ((سيدنا)) بما جرى وكنا في مساء الجمعة فلم يقابلنا لسفره إلى مكة, وهو يسافر إليها يوم

ـ[عمود3]ـ
الجمعة من كل أسبوع ولا يراه الزوار إلا يوم السبت, فانتظرنا إلى صباح السبت وأخبرناه بما وقع فتأسف واغتم كثيرا, وبعد ذلك عرفت السبب في أنه لا يرى الزوار إلا يوم السبت, وذلك لأن يوم السبت هو يوم يتقاضى فيه العَمَلة الأجراء أجورهم من مخدوميهم الإفرنج. أما يوم الجمعة فهو آخر الأسبوع يكون فيه ((الزائر)) خالي الوفاض بادي الأنفاض لا يقدر أن يزور الزاوية فيه بشيء.
قال الراوي: وكنا ذات يوم عند سيدنا فجعل يذاكرنا في مناقب الشيخ مؤسس طريقتنا فذكر لنا عنه كثيرا من الفضائل والمعجزات وذكر لنا أن مريده لا يشقى أبدا, وأنه حرام على النار لا يدخلها مهما كان مذنبا عاصيا, وحثنا على الزيارة وقال: زوروا تنوروا وقال من زارنا بفرنك كتب له عند الله عشرة فرنكات, واستدل على ذلك بقوله تعالى (((من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها))) وقال: الحسنة هي ما تدفعه (زيارة) وهكذا يحرف كثيرا من الآيات الكريمة, واستأذنه رجل في الكلام فقال أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقص علينا رؤياه قال ثم رأيت ((الشيخ)) وأنت إلى يمينه وقال لي خذ العهد عن ابني هذا, ففرحوا جميعا بهذه الرؤيا, ونسوا رؤياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يذكروها. وترى الواحد منهم يخطر بباله ((الشيخ)) مائة مرة في اليوم ولا يخطر بباله النبي صلى الله عليه وسلم ولا مرة واحدة. وهم حينما يصلون عليه صلى الله عليه وسلم إنما يطيعون الشيخ في تلاوة صيغة الصلاة التي اختارها ودليل ذلك أن كل طائفة تتلوا صيغة شيخها ولا تتلوا الصلاة الإبراهيمية التي ورد بها الحديث الصحيح, وتجد الواحد منهم يحفظ كل ما ينسب إلى شيخه من الفضائل والمناقب والمعجزات ويعتني
(7/4)

_____
الصفحة 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
تصريحات سمو الوالي العام م. كارد للنائب الحر الصادق
السيد حمودو شكيكن
في شأن
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
ذكرت رصيفتنا مجلة (الشهاب) في عددها الأخير أن نائب الجزائر العمالي السيد حمودو شكيكن قابل سمو الوالي العام في الأيام الأخيرة في شأن الموقف السياسي الحاضر ووقعت المفاوضة بينهما بغاية الصراحة والإخلاص, فأحببنا أن ننقل من تلك المفاوضة ما يتعلق بالجمعية ليطلع عليه قراء (الشريعة) ولنعلق عليه بكلمة من عندنا, وهذا نصه نقلا عن الرصيفة المذكورة:
((وتكلم السيد شكيكن في المسألة الدينية عامة, ومسألة جمعية العلماء خاصة, وقضية الأستاذ الجليل الشيخ الطيب العقبي بصفة أخص, فكانت تصريحات سمو الوالي جوابا عن ذلك تشعر بأن المسألة الدينية سيقع فضها سريعا, أما من جهة جمعية العلماء فسمو الوالي يؤكد أنه ليس ضدها ولا يقاومها بأي نوع من أنواع المقاومة, و أما فيما يتعلق بالأستاذ الجليل العقبي فسمو الوالي يؤكد بأنه لا يرى أي حرج في الدعوة الدينية التي يقوم بها الأستاذ والتعاليم التي يلقيها وأنه لا يخطر لسموه أصلا أن يتعرض للأستاذ في هذا الميدان.
فكان سمو الوالي المحترم يشير من طرف خفي وبدون أدنى تصريح بأن كل الأعمال التي وقعت في المسألة الدينية وضد علماء الجمعية وغير ذلك

ـ[عمود2]ـ
إنما هو صادر عن إدارة العمالة, وهذه تابعة رأسا لفرنسا)) ((الشريعة)): كنا وما زلنا على ثقة تامة من نبل غايتنا واستقامة طريقتنا فيما أسست له جمعيتنا من نشر العلم والفضيلة ومحاربة الجهل والرذيلة كما كنا على ثقة تامة بأن في ممثلي فرنسا من لا تخفى عليهم هذه الحقيقة الناصعة التي برهنا عليها معشر رجال الجمعية بأقوالنا وأعمالنا في جميع مواقفنا وبثبوتنا على سلوكنا العلمي الهادئ الرصين رغم ما لقينا في السر والعلن من معاكسات لنا في القيام بواجبنا ومحاولاتٍ لصرفنا عن مشروعنا الجليل, فما كان أعظم سرورنا اليوم لما تحققت ثقتنا وصدق ظننا في رجال فرنسا العظام بما سمعنا من تصريحات سمو الوالي العام وقوله أنه ليس ضدًا للجمعية ولا يقاومها بأي نوع من أنواع المقاومة وأنه لا يرى أي حرج في الدعوة الدينية التي يقوم بها الأستاذ العقبي التي هي دعوة الجمعية كلها.
يسرنا هذا لأننا نحب للجمعية أن تعمل في جوٍ هَدوءٍ وثقة مناسبة لصبغتها العلمية الدينية الإصلاحية البحتة لتجني الأمة والحكومة وسكان الجزائر كلهم ثمراتها من قريب ولأننا لا نحب لحكومة فرنسا أن تقف موقف الإرهاق والإعنات

ـ[عمود3]ـ
والمعاكسة لجمعية علمية كبرى تريد أن تعاون فرنسا على تهذيب الشعب الجزائري وترقيته ورفع مستواه إلى الموضع اللائق باسم فرنسا وسمعتها.
لنا الثقة التامة بأن سمو الوالي العام لم يكن يوما ضد الجمعية ولم يقاومها بأي نوع من المقاومة ولم يبق علينا إلا أن نلفت نظر سموه إلى دوائر عديدة وحكام كثيرين قد وقفوا للجمعية موقف الضد وقاوموها بأنواع عديدة من أنواع المقاومة ونظرة واحدة من سموه تعرفه بحقيقة حالهم دون حاجة إلى أدنى تصريح منا وبيان, وكلمة واحدة من سموه وهو الممثل الأكبر لفرنسا كافية في إرجاع كثيرين عن غلطهم أو بغيهم وإن ارتبطت إدارتهم بفرنسا رأسا.
وختاما نشارك نائبنا العظيم في شكره لسمو الوالي على ما أبداه من إحساس طيب ولطف كبير كما نشكر نائبنا على عنايته بالجمعية وقيامه بالبيان لحقيقتها والدفاع عنها في مواطن عديدة من مواقفه المشرفة, غير مدفوع لذلك إلا بدافع الغيرة والرجولة والوفاء لأمته الجزائرية المسلمة وحكومتها, فشكرا له شكرا, وجازاه الله عن دينه وأمته خيرا.

_…_…_…_
ـ[أسفل الصفحة]ـ
ـ[عمود:1]ـ
بسيرته العناية كلها, ولكنه لا يعتني بشيء من سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.
قال الراوي: وبالجملة فتعاليم الطريقة التي كنت أعتنقها ولا أظن غيرها إلا مثلها إنما ترمي إلى إسقاط التكاليف الشرعية فهي تدعو ((المريد)) أن يحسن النية في الشيخ وأن (يعبده مخلصا له الدين) وله أن يتكل على هذا الشيخ لكي يغفر له جميع السيئات والآثام وأن يجادل الله عنه يوم القيامة, وهذه العقيدة ربما أغرت المريد

ـ[عمود:2]ـ
باقتراف الفحشاء والمنكر اتكالا على (الشيخ) مع أن الله تعالى يقول: (((ولا تزر وازرة وزر أخرى))).
قال الراوي: وأنا أشهد على نفسي أنني اقترفت كثيرا من الكبائر والموبقات اتكالا على أن الشيخ سيجادل الله يوم القيامة, وأنه سيكون لي هناك ((محاميا)) ووكيلا, أشهد على نفسي أني فعلت ذلك حينما كنت طرقيا, أما اليوم وقد أصبحت مصلحا لا أتكل على الشيخ بل أتكل على الله, فأشهد أني كنت ذات يوم هممت بخطيئة من

ـ[عمود:3]ـ
الخطيئات, وكدت أنغمس فيها فأجرى الله على لساني قوله تعالى: (((ألم يعلم بأن الله يرى؟!))) فما تلوتها حتى جمد الدم في عروقي وأدركني من الخشية والخوف ما الله به عليم. وقد حفظني الله منذ ذلك اليوم فلم أقترف بعدها خطيئة ولا إثما. وهنا أمسك محدثنا الظريف وأبى أن يمضي في حديثه, ونحن أشوق ما نكون إلى سماع مثل هذه الاعترافات.
وهران
محمد السعيد الزاهري
(7/5)

_____
الصفحة 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الله نحتمل الأذى!!
ـ[عمود:1]ـ
القصيدة الغراء التي ألقاها شاعر الشباب في مأدبة جماعة نادي الترقي بالعاصمة لجمعية العلماء
المسلمين الجزائريين يدعو الجمعية فيها إلى العمل في سبيل الله لنشر العلم والفضيلة ومقاومة أعدائهما
واقتلاع قلل الجهل والرذيلة وقهر أنصارهما:
يا لامع الجنبات هل … برق على الجنبات هل؟
حييت من متلالئ … بضيائه البصر اكتحل
ملأ على الأدب احتوى … وعلى معالمه اشتمل
متبوئي حلل التها … ني لابسٌ حلل القبل
بعثت به أم اللغى … وعكاظ والعرب الأول
لمغرب ازدحمت به … خيل الرسول لها زجل
سبحان من يحيي البلى … ما شاء من أمر فعل
في كل ظاهرة رضى … وبكل خافية جذل
وعلى وجوه القوم لمـ … ـع مشرق بهر المقل
يا شاهدا سمر الهدا … ة بلغت في الدنيا الأمل
الصادقون هنا فثق … والعالمون هنا فسل
والواعظون يفجرو … ن الشهد من خلل الجمل
شرع الكلام إلى مدى … يا قوم فالعمل العمل
الشعب منحل العرى … خزيان مختلف العلل

ـ[عمود2]ـ
صاد وليس به صدى … ثمل و ليس به ثمل
ضربت على يده القوى … وفشت بجانبه الحيل
لبلائه ذعر الورى … وبصبرة ضرب المثل
من للجزائر يفتديـ … ـها اليوم من سفه السفل؟
من كل مبتكر المكا … ئد في عقائده دخل
يفري النفوس كأنه … ذئب على حمل حمل
يا مشهرين من العزا … ثم مثل مرهفة الأسل
خوضوا بها الأمواج وأعـ … ـلوا الشهب واقتلعوا الفلل
من قال جل عدوكم …

ـ[عمود3]ـ
… قولوا له المولى أجل
نحسن الدعاة ولا ونى … نحن الحماة ولا وجل
في الله نحتمل الأذى … في الله نقتحم الأجل
ما طابت العقبى سوى … للمخلص الفادي البطل
فتبوؤوا بعلى العلى … وتفيأوا ظلل الظلل
وردوا الحياة لذيذة … عللا يساغ على نهل
ما الأفق أشرق بالنجو … م وما البدر اكتمل
محمد العيد حم علي

_…_…_…_…_…_…_…_
ـ[أسفل الصفحة بين عمود 2 - 3]ـ
براءة القبائليين من شيخ الحلول
والخافظي ومن تبعهما
من فيلاج بوقاعة

ـ[عمود2]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله. إن التصريح بكلمة الحق من كامل الإيمان إذا كان تتميما لناقص وإلا فقد يكون هو الإيمان بعينه ككلمة الإخلاص مثلا أو التصديق بآية قرآنية أو حديث صحيح وعليه فالسكوت أو البقاء على الحياد كما قيل خذلان للحق ورضيٌ بالباطل, والمخذل للحق كالراضي بالباطل لا ينجو من أحد أمرين. إما الكفر وإما الفسوق وكلاهما يؤول بصاحبه إلى ما لا تحمد عقباه, فأما الأول فظاهر (((إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم

ـ[عمود3]ـ
ولكن كانوا هم الظالمين))). وأما الثاني فقد يؤول إلى الأول بتوالي المعاصي والإصرار على عدم التوبة والإنابة حتى يطبع على القلب فيحصل اليأس أو لا يقل أمره عمن
قال الله فيهم (((أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون))) فنحن معشر أهالي بوقاعة قد كرهنا الأمرين معًا واخترنا أن نكون من أهل طاعة الله ورسوله ولو كلفنا مع ذلك معصية غيرهما من الوالدين والأقربين ورأينا أن العمل بقوله عليه السلام ((قل الحق ولو
(7/6)

_____
الصفحة 7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
مرا)) واجبا ومن جوامع كلمه, فها نحن اليوم نعلن للرأي العام بشخصين من عباد الله المفتنين الذين يسعون في الأرض فسادا ومن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ومن الذين يقولون ما لا يفعلون ومن الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم بالبراءة من أعمالهما وعقائدهما الزائفة وبالبراءة ممن تبعهما إلى يوم أن يتوبوا وينيبوا إلى بارئهم بإخلاص دون نفاق ويرعَوْا عن غيهم وضلالهم وتضليلهم وما ذلك على الله بعزيز ولا زلنا نحن إلى توفيق الله إياهم من المنتظرين.
من هما هذان الشخصان يا ترى؟ ليس في القطر الجزائري اليوم من مفتن كبير أحرز على قسب السبق في هذا الميدان سوى شيخ الحلول الذي فشى كذبه وانتشرت مفترياته في الأقطار الإسلامية بواسطة ورقته الضالة التي ما فتئت تروع المسلمين آنا بعد آن, بزورها وبهتانها وهو الذي ضمن لجماعة من فقرائه سعادة الدنيا والآخرة على أن يتربصوا الدوائر بالعلماء أينما حلوا وارتحلوا للقضاء عليهم خصوصا من صرح منهم بالإصلاح قولا وعملا, ولكن قد كشفهم الله وفضحهم شر فضيحة مرارا وتكرارا, وقد نظموا برنامجهم السري على الترتيب ليسهل عليهم الإتيان على آخر العلماء لذلك ابتدروا بالمصلح الكبير الأستاذ ابن باديس إذ انبعث أشقاهم فحمل عليه حملة الظالم بهراوة الظلم من رقية شيخ الحلول وتاريخ القضية معروف عند الخاص والعام.
ورغم هذا كله ماذا كان جواب الأستاذ ذو الشفقة والرحمة والعطف والحنان للظالم؟ لم يزد على معنى قول ولد آدم عليه السلام لأخيه (((لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين))) فرد الله كيد الظالم في نحره, وفي الآخرة قد عفا الأستاذ عن الجاني وعفا الله عنه وعنا وعنهم, ثم بعد ذلك ببرهة من الزمان مع ضعف في الحركة وضعوا المَدِيَة والهراوة حتى ذات وقت وهم في غفلة قد طرق سمعهم أمام المركز بمستغانم صوت عالم مؤمن خالص الإيمان يقول قال الله وقال رسول الله وكان السلف الصالح والأئمة الخ, فتفقدوا المَدِيَة

ـ[عمود2]ـ
والهراوة فإذا هما على غاية ما يكون فخرجوا يسألون عن اسم العالم فقيل لهم إنه الشيخ مصطفى ابن حلوش وقبل أن يتم السؤال عنه انقلبوا مسرعين إلى داره فطافوا بها على قصد القضاء عليه كل يتمنى أن يفوز بالأولية ليكون صاحب قوله تعالى (((ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه))) الخ, ولكن الله يدافع عن الذين آمنوا خصوصا منهم أهل العلم والعمل وهذا أحدهم.
فانتشر الخبر في المدينة حينا وامتدت الأيدي إلى قطع لحوم أولئك المجرمين إربا إربا حتى كفها أهل العقل الكامل وسلموا الأمر للحكومة ثم ما علمنا ماذا كان في القضية بعد, ولعله سمح كما فعل الأستاذ بن باديس, ثم بعد هذا بنحو عام وفي الأيام الأخيرة رأوا ولا بد من التضحية بعالم من المصلحين كما هو مقتضى برنامجهم السري في الفتك بعالم لكل عام, فتأملوا مشتركين في التدبير فاتفق رأيهم على الأستاذ الزاهري وعينوا من يقوم بالواجب وله الجنة بضمان شيخ الحلول, فأجاب بالسمع والطاعة قائلا أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين, ثم قال الذي عنده علم من الحلول أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك, وأخذ يسعى في الوقت ولم يأل جهدا في التجول والفحص عنه حتى لقيه بوهران في النهج مع بعض أصدقائه فحمل عليه بهراوته وبادره بضربة أو ضربتين فوقع في الأرض مغشيا عليه ولسان حال تلك الأرض يقول ألا لعنة الله على الظالمين. ففر الظالم واجتمع الخلق على الأستاذ وأبدوا استياءهم العميق من هذه الطائفة. .؟ ثم نشرت الجرائد أخبار الواقعة مع استنكارها لهذه الأفعال التي توالت على المسلمين وهي من مصدر واحد, ونحن هنا ببوقاعة يوجد عندنا بعض الأفراد من هذا الجنس وقد حاولوا أن يفتكوا ببعض علماء الإصلاح العاملين بجد واجتهاد باسم جمعية العلماء المسلمين لنشر العلم والفضيلة ولا زال البعض منهم يعقد اجتماعاته في سبيل هذا الغرض ولكن هيهات هيهات أن يفعلوا, على أنهم يعلمون إذا فعلوا والله لتنزل عليهم الصواعق

ـ[عمود3]ـ
من السماء وتحملهم سواقي مائها حملا ولتخرج عليهم الأفاعي من الأرض وتأكلهم أكلا, هذا ما دعانا للبراءة من هذا المفتن قلنا هذا كدليل على صحة براءتنا وأنها عن حق واستحقاق وإلا فالرجل لا تحصى مثالبه أحدها ما قاله فينا في ورقته الضالة أنه أنقذ منا مئات الآلاف من الشرك وقال أن أهل مسجد بوقاعة يفعلون ويفعلون الخ.
وأما الثاني الذي أشرنا إليه مع صاحبنا هذا فهو أشد ضررا بالإسلام والمسلمين اليوم من الأول لعدم اقتصاره على وسيلة واحدة في إيصال الشر لهذه الأمة الذي بلغ سخطها عليه منتهاه, ذلك هو المغرور بالألقاب الأستاذ الخافظي الفلكي الأزهري رئيس جمعية علماء البدعة وجهال السنة ومحرر جريدة المعيار والنفاق (الإخراص) وصاحب التوقيع الخ الخ, وهو الذي يكتب في نفاقه كلمة الصلح يدعو جمعية العلماء إليها وتحت عنوان الصلح نجده مغريا متحاملا ويظن أنه دعى إلى الصلح ونصح! ونحن نعلم أن كثيرا من أهل الخير والفضل قد سعوا بالمباشرة والمشافهة على أن يقبل الصلح فأبى إلا أن يبقى أفسد المفسدين, ونحن أنفسنا أي بعض الأفراد منا قد عرض عليه الصلح فسفسطه ظنا منه أن سفسطته التي منها الرد على الشيخ الميلي في مراتب العبادة التي قد بلغت 15 عددا تكفيه لو يوجد في الخلق من لا يعقلها وقد كلمنا أيضا بعض أذنابه في موضوع الصلح فكرهوه وضاقت بهم الأرض بما رحبت في الجواب عنه وإلى الآن نتحقق أن جمعية العلماء المسلمين تحب الصلح الذي يحبه الله ورسوله على شرط أن لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا فليتنازل الخافظي إلى هذه القاعدة الجامعة المانعة ثم إذا كبرت عليه نفسه للمشي إلى العلماء فإننا نلزمهم بالمجيء إليه أينما شاء وحيثما أراد للبادية أو المدن أو إلى السماء إذا علم أن ثم محلا للاجتماع وهذا فنه الخصوصي.
ولعلك تقول إنكم آذيتموني في الخطاب فكيف يمكن معكم الصلح فنقول لك أولا إنما الصلح مع العلماء الذين طالما آذيتهم ولم يؤذوك. وثانيا إذا قبلت الصلح بدون سفسطة فإننا
(7/7)

_____
الصفحة 8
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ[عمود:1]ـ
نستغفر الله ونطلب من حنانك وعطفك أن تجعلنا في حل, وهل قامت الحجة الآن أم لا زال عندك من أنواع السفسطة طرزا جديدا كالذي أبرزته في إخراصك في الأعداد الماضية تحت عنوان ((يوم مشهود بعين عباسة)) أليس الحق يا حضرة الشيخ أن تعنون لكذبك الصريح وتمويهك بدجاج الشعيبة و إوَزه وخنازيره ب (يوم مفقود بالشعيبة؟).
والله إنك تعلم أنك كاذب وتعلم أن الناس قد (فاقوا) , لماذا إصرارك إذًا؟ وعند جهينة الخبر اليقين, وأما الحقيقة فإن هذه القرية أو بعض ديار المعمرين تدعى ب (الشعيبة) هذا هو اسمها الحقيقي وأما الاسم الذي استعاره الخافظي من اللغة الفرنسية فإنه عين عبيسة بالكسر لا عباسة بالفتح والمد ( Ain-Abessa) فلأجل أن يعظم المسمى بالاسم لأن أول ما يتبادر إليه ذهن القارئ أن انتساب هذا المكان لعباسة ولا شك أنها أخت الرشيد فيعتبر المكان اعتبار من أن انتسب إليه مع أن اسمه بالفرنسية عبيسة كما تراه بحروفها. فلماذا لا تسميها باسمها القديم (الشعيبة) ليعلم القارئ أن هذا المكان لا زال لم يأخذ حظه كاملا مع الشعب فإلى الآن باق على تصغيره الذي وضعه له الأولون مع انك بعد ما انضممت إلى الحلول تحترم كل كلام للأولين ولو كان حلولا فلقد (والله) خنتهم وليس في هذه القرية إلا بعض المعمرين وقد سكن معهم خدامتهم من الفلاحين وليس فيها إلا قهوة واحدة لهؤلاء الخدامة وللمارين في السيارات إلى سطيف فمن هم (بالله عليك) يا هذا تلك الطبقات من الأدباء! والعلماء! والفضلاء؟! هل أصابك جنون؟ أم فقدت الشعور؟ أم زيد لك الميزان في الوقاحة؟ لعلك رأيت الدجاج والإوز والخنازير وأصناف الطيور والوحوش في تلك المرجة لِعِلْمِنا أن المعمرين القاطنين هناك لهم من أصناف الطيور والوحوش أكثر مما كتبته في إخراصك من الطبقات المختلفة علما وأدبا وفضلا وفلسفة فتخيل لك أنهم يسألونك عن جمعينك وفلكك وغير ذلك وكنت في ذلك الحين تحرر في المقال المنشور في عددين

ـ[عمود2]ـ
من (الإخراص).
وفوق هذا إنك كنت تنشد الإصلاح وقد سجلنا عليك مقالاتك الإصلاحية في الانتقاد على العوائد والبدع فأصبحت وأنت (ذلك الرجل) أبدع المبتدعين وتشترط في الصلح ترك الناس على عوائدهم.
نعم إنك أبدع المبتدعين لأن المبتدع ربما لا يزيد على ما يبتدعه لنفسه وأنت وقفت نفسك في سبيل الدفاع عن كل مبتدع فلو رأيناك تميل إلى الإصلاح تارة وإلى الابتداع مرة أخرى لقلنا إنه منصف, ولكنك نذرت بياض نهارك وسواد ليلك على أن يكون في سبيل الدفاع عن المبتدعين لا غير, ثم إننا نعلم أن صاحبك في باطن الأمر واحد وهو الشيخ الحلولي الذي كنت تقول فيه أنه جاهل بسيط وأنه ضال مضل, فأصبحت ترأسه ظاهرا ويرأسك باطنا ولكن عمت الفائدة جميع المبتدعين بخسارة الشيخين أحدهما بدينه وعرضه وماله والآخر بدينه وعرضه فقط, أما المال فقد أخذ من الأول قطعا بدليل ما اشتراه من الأملاك آخرا وهو أفقر من الفقير ولكن (نِعَم كلب من بؤس أهله).
والحاصل أن مثالبكم لا تحصى ومساويكم لا تستقصى فإن لم يكن منها سوى وشاياتكم المكررة للحكومة على صفحات جرائدكم لكفى على أن حكومتنا العادلة المنصفة قد (فاقت) على مقاصدكم وأغراضكم السافلة وعلمت أنكم تريدون إغراءها على خصومكم لتريحكم منهم والحالة أنها لا تفرق بين أحد من أولادها وعلاوة على احترامها لجميع الناس فإنها تفرق بين الغث والسمين وبين المتدين حقيقة والذي يريد استغلال رعيتها باسم الدين.
فخير لكم أيها المفتنون أن تستريحوا وتريحونا إذ ما بقي لكم من وسائل التفتين إلا السعي بالوشاية للحكومة فنحن وإياها لا يغالطنا أحد, أما نحن فقد عهدناها على أن نخدمها بإخلاص وأن نحترم قوانينها وقد فعلنا والواقع أعدل شاهد, وأما هي أيضا فقد عاهدتنا على أن تحسن إلينا كأولادٍ لها وأن تحترم ديننا الذي تعلم أنه أعز من أنفسنا عندنا

ـ[عمود3]ـ
وأن لا نرضى بحال أن يمس بسوء ولو كلفنا بكل تكليف, وقد فعلت أيضا قبل أن تدخلوا عليها الشك فيه وتسموه سياسة (وبولتيكا) وستفعل بعدما عرفت تدجيلكم الذي أثار الشغب في الجهات التي هو منتشر فيها لأجل ما فاتكم من الزردات! والزيارات والوعدات الخ الخ.
هذا وإن هذا الإسهاب لم يكن عبثا بل لحكمة اقتضته ولكي لا يكون إعلاننا بالبراءة على صفحات الجريدة ضربا من السخرية, هكذا يتبين الحق من الباطل والرشد من الغي بطريق البيان والحكمة وأتم تبيين الحق منوطا بالحكم وليس لنا غرض في سب أحد أو شتمه ولكن الحقيقة بنت البحث, والسلام على من اتبع الهدى, وهاهي أسماؤنا, ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
أورحمون عمر, داود لخضر, أورحمون امحمد, معوج لخضر, اعشاشة عطية, داود عمار, اعشاشة سالم, مصباح حمود, عاوران علي, مصباح مصطفى, قادري محمد الشريف, وهذا الأخير قد كان مصابا بالطريقة الحلولية فأصبح مؤمنا بالله متبرئا من الحلول, ابن القاضي المحفوظ وهذا كالذي قبله, بالمولود عبد الله, معوج إبراهيم, جنيدي الخير, ناصر الدين السعدي, محفوظ الحاج, مصطفاي عبد الحميد, بقطاش عبد السلام, محمودي عمار, تاشريفت المحفوظ, محمودي أحمد, مشريخي لحسن, دوحه عبد الحفيظ, بوشامه لحسن, مشريخي امحمد, إيدير أرزقي, بولقرون محمد آكلي, طالبي علي, عطار قدور, ابن عيسى الزروق, بوعمامه عبد الله, بوعمامه المسعود, توازي لحسن, ابن جدو علي, عطوي أحمد, السعيد بن عمر, بوناب علي, ابن لعلى بلقاسم, واعلي الصغير, زرواتي بلقاسم, وازن الطيب.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة.
•…•…•…•…•…•…•…•…•…•…•
(7/8)