Advertisement

جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد المجموعة الثامنة


الكتاب: جامع المسائل - المجموعة الثامنة
المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
المحقق: محمد عزير شمس
الناشر: دار عالم الفوائد - مكة
الطبعة: الأولى، 1432 هـ
عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مقابل] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذه مجموعة جديدة من مسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وفصوله وقواعده، عثرتُ عليها في مجاميع متفرقة سيأتي وصفها، واستخرجت كثيرًا منها من مسوّدات الشيخ التي يصعب قراءتها، وبعضها من «الكواكب الدراري» ومجاميع أخرى.
وفي هذه المجموعة صيغة جديدة من «حكاية المناظرة في الواسطية» (ص 181 - 198) التي كانت في مصر سنة 705، وفيها فوائد وزيادات لا توجد في الصيغة الأخرى التي نُشِرت في «العقود الدرية» (ص 206 - 248) وفي «مجموع الفتاوى» (3/ 160 - 193). وكان الشيخ رحمه الله يُطلب منه مرارًا أن يكتب ما جرى في المناظرة، فيكتب كل مرةٍ ما يتذكره ويعتبره مفيدًا للسائل، كما كتب أصحاب الشيخ أيضًا حكاية هذه المناظرة، مثل أخيه: الشيخ عبد الله ابن تيمية (مجموع الفتاوى 3/ 202 - 210) وعلم الدين البرزالي (مجموعة الرسائل الكبرى 1/ 415 - 421، مجموع الفتاوى 3/ 194 - 201) وابن عبد الهادي (العقود ص 203 - 205) وابن كثير (البداية والنهاية 18/ 53 - 54) وغيرهم. وقال ابن كثير: «ولقد رأيتُ فصلًا من
(المقدمة/5)

كلام الشيخ تقي الدين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات». فربما يكون المقصود منه ما ننشره هنا أو المنشور سابقًا.
ومما حوته المجموعة: «فصل في آية الربا» (ص 269 - 330)، وقد ذكره ابن رُشَيِّق في «أسماء مؤلفات الشيخ» (ص 285 من «الجامع لسيرة شيخ الإسلام») ضمن الآيات والسور التي فسَّرها الشيخ، فقال: «وفي آيات الربا، وتكلم فيها على ربا الفضل، نحو ثلاثين ورقة». وهو الفصل الذي ههنا. وقد استفاد منه ابن القيم في «إعلام الموقعين» (2/ 135 - 146) ونقل منه فقرات كثيرة دون أن ينسبها إلى شيخه، وهذا منهجه المعروف في سائر كتبه.
وذكر ابن رُشَيِّق أيضًا (ص 287) ضمن الآيات التي فسرها الشيخ قوله تعالى: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا} [يونس: 98]. وتفسير هذه الآية هو المنشور ههنا (ص 361 - 392) بعنوان «فصل في توبة قوم يونس»، وقد أطال فيه الشيخ الكلامَ على الاستثناء المذكور في الآية، وتناول آراء المفسرين بالدراسة والنقد، ورجح ما ذهب إليه بأدلة من السياق واللغة والآيات الأخرى. وهو مبحث جليل لا يوجد مثله في كتب التفسير ومعاني القرآن إلّا نادرًا.
ومما يُنشر في هذه المجموعة: «مسألة في النسبة إلى الخرقة» (ص 405 - 412). ويبدو لي أنها كانت أطول مما وُجِد في الأصل المعتمد، فإن الشيخ لم يُفصّل هنا في هذا الموضوع كما كان يُنتظر منه.
(المقدمة/6)

وقد ذكر ابن عبد الهادي (العقود الدرية ص 43) وابن رشيق (أسماء مؤلفات الشيخ ص 298) من مؤلفاته: «قاعدة في لباس الخرقة هل له أصل شرعي؟»، ويمكن أن تكون هي المنشورة هنا بصورة مختصرة، وينبغي البحث عن نسخة تامة منها ضمن المجاميع المخطوطة.
ومما يُذكر بهذه المناسبة أن ابن ناصر الدين الدمشقي ذكر في كتابه «إطفاء حرقة الحوبة بإلباس خرقة التوبة» (كما نقل عنه يوسف بن عبد الهادي المعروف بابن المبرد في «بدء العلقة بلبس الخرقة» ص 136 طبعة عمان 1423) أن شيخ الإسلام قال: «وقد كنتُ لبستُ خرقة التصوف من طرف جماعة من الشيوخ، من جملتهم: الشيخ عبد القادر الجيلي، وهي أجل الطرق المشهورة».
وذكر جمال الدين عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أبي العلاء الطلياني في «ترغيب المتحببين في لبس خرقة المتميزين» (الورقة 67 أمن مخطوطة جامعة برنستون 3296) أن شيخ الإسلام قال في جوابه عن المسألة التبريزية: «لبستُ الخرقة المباركة للشيخ عبد القادر، وبيني وبينه اثنان».
هذه النصوص من كلام الشيخ تدل على أنه كان في أول حياته لبس خرقة التصوف، ولو وصلت إلينا رسالته المشار إليها كاملةً لعرفنا موقفه من لباس الخرقة، ورأيه الذي استقر عليه، وقد قال في مجموع الفتاوى (11/ 510): «إن هذه ليس لها أصل يدلُّ عليها الدلالة المعتبرة من جهة
(المقدمة/7)

الكتاب والسنة، ولا كان المشايخ المتقدمون وأكثر المتأخرين يُلبِسونها المريدين، ولكن طائفة من المتأخرين رأوا ذلك واستحبوه». ثم ناقش بعض الأدلة التي يستدلون بها وقال: «هذا ونحوه غايته أن يُجعل من جنس المباحات، فإن اقترن به نية صالحة كان حسنًا من هذه الجهة. وأما جعل ذلك سنةً وطريقًا إلى الله سبحانه وتعالى فليس الأمر كذلك».
ونظير هذه المسألة أن الشيخ كان في أول حياته ممن يُحسِن الظن بابن عربي ويعظِّمه، كما ذكر ذلك في مجموع الفتاوى (2/ 464)، ثم لما قرأ كلامه في «فصوص الحكم» غيَّر رأيه فيه، وانتقده بشدة بل كفَّره، وألَّف في الرد عليه كتبًا عديدة.
وفي القسم الأول من هذه المجموعة فصول وقواعد من مسوَّدات شيخ الإسلام بخطه المعروف، ولم أجد عند ابن رشيق وابن عبد الهادي وغيرهما إلا ذكر رسالة واحدة منها، وهي: «قاعدة أن جماع الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم» (أسماء مؤلفات الشيخ ص 305، العقود الدرية ص 44)، والمنشورة هنا (ص 44 - 48). ويكفي لصحة نسبة هذه الفصول والقواعد لشيخ الإسلام أنها مكتوبة بخط يده، وإن لم يذكرها المترجمون له.

وصف الأصول المعتمدة:
اعتمدتُ في إخراج القسم الأول من هذه المجموعة على مجلّد يوجد بدار الكتب الظاهرية بدمشق [3805 عام]، وهو من مجاميع
(المقدمة/8)

المدرسة العمرية برقم 69، يضمُّ عددًا كبيرًا من الفصول والتعاليق في موضوعات مختلفة في 328 ورقة، وكله بخط شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد كتبها الشيخ في أثناء إقامته بمصر في السنوات (705 - 712)، كما يظهر من الورقة (146 أ) التي هي صفحة العنوان لهذه المجموعة، حيث كتب عليها: «قواعد مصرية». ويبدو أنها جُمعت وجلّدت دون ترتيبها بعناية، فقد وقع فيها اضطراب في ترتيب الأوراق في مواضع كثيرة.
وقد طبع منه كثير من الفصول والرسائل ضمن «مجموع الفتاوى»، وقمت باستخراج بقية الفصول والقواعد ونشرها في هذه المجموعة، وإكمال بعض ما نُشِر ناقصًا في «مجموع الفتاوى». وهذا بيان محتويات هذا القسم ومواضعها من الأصل:
1 - فصل في ذكر الله تعالى ودعائه (ق 8 أ-9 أ).
2 - فصل: قرن الله بين الكتاب والصلاة ... (ق 9 أ).
3 - فصل: قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ...} (ق 28 أ).
4 - فصل: حديث حكيم بن حزام المتفق عليه «إن هذا المال خضرة حلوة ...» (ق 31 أ-ب).
5 - فصل: احتج بعض المبطلين على جواز السجود لغير الله .. (ق 32 أ).
(المقدمة/9)

6 - فصل: حركات العباد بقلوبهم وأبدانهم لا بدّ لها من غاية (ق 46 ب).
7 - شبه الإباحية (ق 50 ب).
8 - فصل: تقول طائفة من أهل الكلام ... (ق 73 أ).
9 - فصل: قال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ...} (ق 77 أ-79 أ).
10 - قاعدة: بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق .. (ق 80 أ).
11 - فصل جامع: أن جماع الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم (ق 113 أ-ب).
12 - قاعدة: في الإجبار على المعاوضات (ق 125 أ).
13 - فصل في ثواب الحسنات والسيئات (ق 129 أ-130 ب).
14 - فصل: قال تعالى في سورة النساء ... (ق 134 أ-ب).
15 - فصل: ثبت في الصحيح .. «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ...» (ق 144 أ-ب).
16 - فصل: أثبت أئمة السنة الحدَّ (ق 145 أ).
17 - فصل: الهجرة المشروعة (ق 145 ب).
18 - قاعدة في جماع الدِّين (ق 146 ب ثم 105 أ).
19 - فصل: في أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان (ق 147 ب).
(المقدمة/10)

20 - فصل: قال تعالى فيما ذكره من موعظة لقمان لابنه (ق 157 أثم 156 ب ثم 156 أ).
21 - فصل: قاعدة: أن النفس بل وكلّ حي له قوتان .. (ق 158 ب-159 ب).
22 - فصل: باعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم ... (ق 160 ب ثم 160 أ).
23 - فصل: المشهور عند أهل السنة أنه لا يحبط العملَ إلّا الكفر (ق 167 أ-ب).
24 - فصل: قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ ...} (ق 195 أ).
25 - قوله في حديث الكرب الذي رواه أحمد (ق 195 ب).
26 - فصل: مما يبين أن طريقة أتباع الأنبياء .. (ق 199 أثم 198 ب). نشرت منه صفحتان في «مجموع الفتاوى» (6/ 66 - 67).
27 - فصل: عظيم المنفعة في أمر المعاد (ق 223 أ-225 ب).
28 - فصل: قول من يقول: «إن لله عبادًا يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم» حق .. (ق 235 أ).
29 - فصل: الحروف والأصوات المكتوبة والمسموعة ... ثلاثة أقسام (ق 244 أ-245 ب).
(المقدمة/11)

30 - فصل: في بعض الشرح والتقرير لقاعدة أهل السنة والجماعة ... (ق 255 أ-ب).
31 - قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ} ... (ق 275 أ-ب).
32 - في المثل والكفو في الكتاب والسنة ولغة العرب (ق 276 أ).
33 - أصل كلي جامع [في الشهادتين] (ق 276 ب ثم 43 أ-46 ب).
• وفي هذا المجموع أيضًا «حكاية المناظرة في الواسطية» (ق 261 أ-262 ب ثم 297 أ-ب) التي سبق ذكرها.
• «فصل: أصل الإيمان والهدى ودين الحق هو الإيمان بالله ورسوله»: توجد نسخته الخطية ضمن المجلد 39 من «الكواكب الدراري» لابن عروة في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم [567] (الورقة 89 ب-92 أ)، وكتب هذا المجلد من الكواكب سنة 827 بخط نسخي دقيق، وناسخه إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي والنسخة واضحة الخط، نادرة الأخطاء، ومقابلة ومصححة على الأصل المنسوخ منه.
• «فصل: وصف الله أفضلَ أهل السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد»: يوجد ضمن النسخة المذكورة من «الكواكب» (ق 92 أ-94 أ).
(المقدمة/12)

• «فصل في الكلام على النِّعم، وهل هي للكفار أيضًا» *: توجد نسخته الخطية في دار الكتب الظاهرية بدمشق [3873 عام] (الورقة 74 أ-91 ب)، وهي ضمن مجاميع المدرسة العمرية برقم 138. وهذا الفصل ينقص من أوله ورقة أو أكثر، وهو بخط مغربي، وجاء في آخره: «فرغتُ من تعليقها بالتربة مجاورة الجامع الأعظم بمدينة حُبْراص -عمرها الله- يومَ الأربعاء العاشر لربيع الثاني سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، على يدي محمد بن باصر (؟) الفقيه ...». وكتب في الهامش هناك: «بلغ مقابلةً بأصلها المنقول منه قدر الاستطاعة، والحمد لله».
• «فصل في آية الربا»: توجد منه نسختان، الأولى في برلين برقم [3968] (الورقة 43 - 64) ضمن مجموعة من فتاوى ومسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولعلها من مخطوطات القرن الثالث عشر. والثانية في دار الكتب المصرية برقم [695] (الورقة 129 - 146) ضمن أجوبة الشيخ. وهي بخط نسخي جيد، ولا يوجد عليها تاريخ النسخ، ويبدو أنها متأخرة.
• «فصل في أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى»: توجد منه نسختان: الأولى في مكتبة جامعة السند بباكستان برقم [36378]، وهي في 22 ورقة، بخط نسخي جيد، وهي نسخة متأخرة لعلها كُتبت في القرن الثالث عشر، وفيها بعض الأخطاء والتحريفات. والثانية في مكتبة الشيخ بديع الدين شاه الراشدي في السند بباكستان، في 15 ورقة بخط فيض محمد نظاماني، في القرن الرابع عشر. وفيها أيضا أخطاء
__________
* هذا الفصل قطعة من «قاعدة في المحبة» (ص 157 - 195)، وفي «جامع الرسائل» (2/ 343 - 381). [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(المقدمة/13)

وسقط في مواضع. وقد اعتمدتُ النسخة الأولى أساسًا، ولم أعدل عنها إلّا إذا كان فيها خطأ أو تحريف أو سقط. ويوجد في «مجموع الفتاوى» (15/ 276 - 279) من هذا الفصل قطعة صغيرة، استفدت منها في تصحيح بعض الأخطاء الموجودة في الأصل.
• «فصل في توبة قوم يونس»: نسخته الخطية ضمن المجلد 39 من «الكواكب الدراري» (الورقة 82 ب-87 ب) بدار الكتب الظاهرية بدمشق [567]، وقد سبق وصفها.
• «مسألة عن رجل يزعم أنه شيخ ويتوِّب الناسَ ويأمرهم بأكل الحية ..»: توجد ضمن مجموعة فتاوى شيخ الإسلام المخطوطة في المكتبة القادرية ببغداد [491] في 193 ورقة، بخط محمد بن علي بن الملا أحمد سبته الذي فرغ من نسخها في 21 من شعبان سنة 1306.
• «مسألة في النسبة إلى الخرقة» هي ضمن المجلد 39 من «الكواكب الدراري» الذي سبق وصفه، وهذه المسألة مكتوبة بخط مختلف عن خط بقية المجلد، وهو أمرٌ مألوف في مجلدات هذا الكتاب التي يشارك أحيانًا في نسخ مجلدٍ واحدٍ منها عدةُ أشخاص بخطوطهم. وقد سبق الكلام على هذه المسألة وما يتعلق بها.
• «مسألة في الحضانة»: هي من المجلد 101 من «الكواكب الدراري» (ص 110 - 116) المصور على الميكروفلم برقم [7149] في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وفي هذا المجلد رسائل
(المقدمة/14)

وفتاوى كثيرة للشيخ نُشر أغلبها ضمن «مجموع الفتاوى». وقد نُسخ هذا الجزء عن أصله الموجود في المكتبة الظاهرية بدمشق، كما ذكره الناسخ في آخره: «تم هذا الجزء على يد الحقير حامد بن الشيخ أديب بن الشيخ أرسلان الشهير لقبًا بالتقي، الأثري مذهبًا، الحسيني نسبًا في 18 ربيع الثاني سنة 1327، في المكتبة العمومية الكائنة بدمشق الشام في تربة الملك الظاهر (من فقه الحنابلة نمرة 65)». ثم كتب: «تم مقابلةً على حسب الاستطاعة على يد حامد التقي في ... جمادى الأولى سنة 1327».
• «مسائل مختلفة»: جمعتُ تحت هذا العنوان بعض المسائل الصغيرة التي وجدتها في المجاميع، وأصولها كما يلي:
1 - سئل عمن تصيبة جنابةٌ والماء يضره، أو يكون مجروحًا، هل يجوز له أن يصلي بالتيمم أو يقرأ القرآن.
ضمن مجموعة بدار الكتب الظاهرية بدمشق [3874 عام] (الورقة 74). وهي من مجاميع المدرسة العمرية برقم 139، فيها فتاوى شيخ الإسلام وغيرها. انظر أهم محتوياتها في «فهرس مجاميع المدرسة العمرية في دار الكتب الظاهرية بدمشق» (ص 707 - 714).
2 - مسألة في رجل دخل في الصلاة وقد أحرم الإمام، ثم ركع الإمام، وقد قرأ الرجل بعض الفاتحة، ولم يتبع الإمام في الركوع حتى قرأ بقية الفاتحة.
(المقدمة/15)

توجد ضمن مجموعةٍ بدار الكتب الظاهرية بدمشق [3873 عام] (الورقة 126 أ-ب). وهي من مجاميع المدرسة العمرية برقم 138. انظر أهم محتوياتها في «فهرس مجاميع المدرسة العمرية» (ص 704 - 707).
3 - مسألة في رجل أدرك الصلاة مع إمام من المسلمين، فلم يصلِّ معه، وقال: أنا لا أصلي إلّا خلف من يكون من أهل مذهبي، وفي رجلٍ سئل عن مذهبه فقال: مذهبي اتباع الكتاب والسنة، وفي رجل عُرِض عليه حديث صحيح، فأنكره.
أصلها في دار الكتب الظاهرية بدمشق [3873 عام] (الورقة 126 ب، 132، 129، 127، 128). وهي مضطربة الأوراق في الأصل كما نرى. والمجموعة من مجاميع المدرسة العمرية برقم 138. وآخر هذه الفتوى ناقص، ولم نجد لها نسخة أخرى.
4 - مسألة في جماعة حنفية لهم إمام شافعي، فهل تصحّ صلاتهم خلفه أم لا؟
هي أيضًا من المجموعة السابقة [3873 عام] (الورقة 120، 117، 131) مضطربة الأوراق.
5 - مسألة في إمام مدمن الخمر، هل تصحّ الصلاة خلفه؟ وما صفة مدمن الخمر؟
هي أيضًا من المجموعة السابقة [3873 عام] (الورقة 131 أ).
(المقدمة/16)

6 - مسألة عن امرأة لم تكن تعرف تصلي، أين تكون من زوجها في الآخرة؟
هي ضمن مجموعة الفتاوى المخطوطة في المكتبة القادرية ببغداد [491]، التي سبق وصفها.
7 - مسألة في عرب البادية الذين يكونون دائمًا في حلّ وترحال، هل يحل لهم القصر؟
ضمن المجموعة السابقة المخطوطة في المكتبة القادرية.
8 - مسائل متفرقة.
هي سبع مسائل صغيرة ضمن المجموعة السابقة.
وفي الختام أحمدُ الله تعالى على أنه وفقني لإخراج هذه المجموعة، وأدعوه أن يعينني على إخراج ما وصل إلينا من تراث شيخ الإسلام مما لم ينشر ضمن «مجموع الفتاوى»، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه
محمد عزير شمس
بمكة المكرمة في 29/ 4/ 1431
(المقدمة/17)

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (18)

جامع المسائل
لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
(661 - 728 هـ)

المجموعة الثامنة

تحقيق
محمد عزير شمس

دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(1/1)

فصول وقواعد
(من مسوّدات شيخ الإسلام ابن تيمية)
(1/3)

فصل
في ذكر الله ودعائه
الفاتحة نصفها ثناء وذكر، ونصفها دعاء ومسألة.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة:114].
قال الله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة:151 - 152].
وفي ذكر إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} الآيات [البقرة:127].
وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي} [البقرة:186] أي ليستجيبوا لي إذا أمرتهم، وليؤمنوا أني استجبتُ لهم إذا دَعَوني. ولهذا قيل: الإجابة تحصل من كمالِ الطاعة أكثر من الاستجابة، أو كمالِ المعرفة أكثر من الإيمان.
وقال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} إلى قوله: {فَإِذَا
(1/5)

قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة:198 - 200]. قال عطاء: كقول الصبي أَبَهْ أُمَّهْ. إلى آخر الكلام.
وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة:285] إلى آخر السورة.
وقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} إلى قوله: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران:38 - 41].
وقال: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا} [آل عمران:147] الآيتين.
وقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران:190] إلى آخر السورة.
وقال: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} الآية [النساء:103].
{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} الآية [النساء:142].
وقال: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4].
(1/6)

وقال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52].
وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55].
وقال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} الآية [الأعراف:180].
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف:205].
وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال:2].
وقال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ} الآية [الأنفال:9].
وقال: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} الآية [التوبة:112].
وقال: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} [يونس:12].
وقال: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} إلى قوله: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود:2 - 3].
(1/7)

وقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].
وقال: {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} الآية [إبراهيم:24].
وقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} إلى قوله: {لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم:35 - 39] وما بعده.
وقال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر:98].
وقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98].
وقال: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} إلى قوله: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء:46].
وقال: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ} الآية [الإسراء:56].
وقال: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء:67].
وقال: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} الآية [الإسراء:110].
{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء:111].
(1/8)

وقال: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف:23 - 24].
وقال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} إلى قوله: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف:28].
وقال: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف:39].
وقال: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} [الكهف:46].
وقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} إلى قوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم:3 - 4].
وقال: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} الآية [الأنبياء:87].
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} الآية [الحج:28].
وقال: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ} إلى قوله: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم} [الحج:35].
وقال: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36].
(1/9)

{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} [المؤمنون:97].
{إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} إلى قوله: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ} الآية [المؤمنون:109 - 118].
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36].
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ} [الفرقان:60 - 65] في موضعين.
{وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45].
{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16].
{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب:35].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب:41 - 42].
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات:35].
{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} [الصافات:75].
(1/10)

{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:100].
{ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:23].
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ} الآية [الزمر:45].
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر:55].
{فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف:200].
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60].
{فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:6].
{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشورى:26].
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} [الزخرف:36].
{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [ق:39].
{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن:78].
{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9].
{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل:8].
{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر:3].
{وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45].
(1/11)

فصل
كل واحدٍ من اسمي الذكر والدعاء يتناول الآخر، فالداعي لله ذاكرٌ له، وهذا ظاهر، والذاكر لله داعٍ له أيضًا، كما يقال: «أفضل الدعاء يومَ عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، ودعاء الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ربّ العرش الكريم». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما قالها مؤمنٌ إلا فرَّج الله عنه».
وكتاب «الدعاء» للطبراني مشتمل على أنواع الأذكار، والفقهاء يسمُّون الأذكار التي في الصلاة أدعية، فيقولون -كابن بطة-: ما كان من الدعاء ثناء على الله، وما كان مسألةً للعبد.
(1/12)

وهذا كما أن لفظ «الصلاة» في اللغة بمعنى الدعاء. وقال ابن مسعود: ما دُمتَ تذكرُ الله فأنتَ في صلاةٍ، ولو كنتَ في السوق. فلفظ الصلاة يتضمن الثناءَ والدعاء، كما قال الله: «قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين».
فأما الذكر فهو مصدر ذَكَرَ يذكُرُ ذِكرًا، وهذا يقال في الخبر الذي هو الثناء، وأما الطلب والسؤال فلأن فيه ذكر المسؤول المدعو فيُطلَق عليه الذكر.
وأما إطلاق لفظ الدعاء على الثناء وذكر الله فلوجوه:
أحدها: أن المُثنِي يتعرض لرحمة الله من جلب المنفعة ودفع المضرة، فصار سائلًا بحالِه وإن كان مُثْنِيًا بقالِه. وهذا جواب سفيان بن عيينة، واستشهد بحديث مالك بن الحويرث وشعر أمية بن أبي
(1/13)

الصلت.
وتحقيق ذلك أن الثناء المتضمن لمعرفة المسؤول وجوده ورحمته، يورث اللجأَ إليه والافتقارَ إليه والرغبةَ إليه، أعظمَ بكثيرٍ مما يُوجِبُه مجردُ السؤالِ الخالي عن تلك المعرفة والحال. وهكذا الأمر من جانب المعطي، فإن معرفته بحال المُعطَى وصفاتِ استحقاقِه تُوجِب إعطاءَه أعظمَ مما يكون بمجرد السؤال باللسان. ولهذا يكون إظهارُ الفاقةِ والفقرِ إلى الله والحاجةِ والضرورةِ فقط أبلغَ من سؤال شيء معين.
فهذا في إخبار العبد بحالِ نفسِه وإقراره بذلك واعترافِه نظيرُ إخبارِه بصفات ربه وثنائه عليه ومدحِه له، وكلاهما خبرٌ يتضمن الطلب. وهذا نوع واسعٌ من الكلام، وهو الخبر المتضمن للطلب، كما أن الطلب يتضمن الخبر.
وهذا الوجه يتضمن وجهين:
أحدهما: أن الثناء والإخبار كلّه لفظُه لفظ الخبر ومعناه الطلبُ والسؤال حقيقة عرفية، كما يقول الابن لأبيه: أنا جائع، ويقول السائل
(1/14)

للمسؤول: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} [آل عمران:115]، كما قد قيل: إن لفظ الخبر يكون أمرًا، وهو كثير.
الثاني: أن المُثنِي بنفس ثنائِه سائلٌ بحالِه، فهو جامع بين الثناء القولي والسؤال الحالي، فهو يقصد الثناء والطلب، بخلاف الأول فقصدُه الطلب فقط بلفظ الثناء.
الوجه الثالث: أن الدعاء يُراد به دعاء العبادة ودعاء المسألة، كما قد قررتُه في غير هذا الموضع وبسطتُه. فالمُثني والذاكر داعٍ دعاءَ الصلاة وإن لم يكن سائلًا، ثم يُعطَى أفضلَ مما يُعطاه غيرُه.
فالناطق بلفظ الثناء والذكر له ثلاثة أحوال: إما أن يقصد المسألةَ فقط، وإما أن يقصد اللهَ فقط، وإما أن يقصدهما. ثم إنه وإن قَصَدَ أحدَهما فلا بدَّ أن يحصل الآخر، كما أن السائل بلفظ السؤال لا بدَّ أن يحصل له أيضًا تعظيمُ القلبِ ومعرفتُه وخشوعُه، لكن الذي قصد الله وعَبَدَه جعلَ ما سواه وسيلةً إليه، والذي لا يُريد إلا قضاءَ حاجته جعل الله وسيلةً إلى مقصودِه، وهو عابدٌ لله، حيثُ عَلِمَ أن الله هو النافع والضارُّ، لا إلهَ غيرُه ولا ربَّ سِواه.
(1/15)

فصل
قرن الله بين الكتاب والصلاة في مواضع:
كقوله في أول ما أنزل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]، وذكر في أثنائها الصلاةَ، وختَمها بقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19].
وقوله: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف:170].
وقوله: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [العنكبوت:45].
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر:29].
وقرنَ بين ذكرِ الله والقرآن في مواضع:
كقوله: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال:2].
وقوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد:16].
(1/16)

فصل
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143]، وقال تعالى: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] في سورة، وقال عن مُسْلِمة النصارى: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:53]. قال ابن عباس: مع محمد وأمته. فلما ثبت لهم وصف الشهادة بالتوسط الذي هو العدل كانوا شهداء مقبولي القول على أهل ملتهم وغير أهلِ ملتهم، بخلاف غيرهم من الملل، فإنه لا تُقبل شهادتهم على من سواهم، لأن الله جعل الشهادةَ على الناس مختصةً بهذه الأمة، وجعلَ الشهادةَ على الناس كرامةً لهم وفضيلةً امتازوا بها.
ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أصحابنا وغيرُهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجوز شهادةُ ملةٍ على مَن سواهم إلَّا أمتي، فإنه تجوز شهادتهم على من سواهم».
(1/17)

وأهل الإسلام المحض هم أهل السنة والحديث، وهم ...
(1/18)

فصل
حديث حكيم بن حزام المتفق عليه لما قال له: «يا حكيم، إن هذا المال خَضِرَةٌ حلوةٌ، فمن أخذه بسخاوةِ نفسٍ بُورِكَ له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يُبارَك له فيه، وكان الذي يأكل ولا يَشْبَعُ، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى»، قال حكيم: فقلت: يا رسولَ الله! والذي بعثك بالحق لا أَرْزَأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيمًا لِيُعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه لِيُعطيه، فيأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين -وفي رواية: إني أشهدكم يا معشر المسلمين- إني أعرِضُ على حكيم حقَّه الذي قسَم الله له في هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه. فلم يَرْزَأ أحدًا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: هذا نصٌّ في جواز عدم الأخذ إذا عُرِضَ على الرجل المالُ وإن كان حقّه، كمال الفيء. وقد سُئل أحمد مرةً عن الحجة في الردّ، فلم يحضُرْه إذ ذاك من السنة، مع كثرة ردّه.
وقوله: «لا أَرْزَأ» معناه: لا أنقُص أحدًا، وهو تنبيه على أن الأخذ ينقُص الناسَ ما في أيديهم، فيتركه كاملًا لهم. ولا ريبَ أن أخذ المال وصرفَه في مواضعه خيرٌ من تركه حيث لا ينفع، لما في الأول من
(1/19)

الصدقة والزكاة التي هي من أفضل العمل ونفع الناس التي لا تقوم مصلحتهم بدونه، وتطهيرهم والأخذ من أموالهم، كما قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103]. بل هذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، فإنهم كانوا يأخذون الصدقة من الأغنياء، فيدفعونها إلى الفقراء، وما كان مشروعًا لم يختص بالأئمة كله، إلا إذا كانوا منهم، لكن يشرع لغيرهم حيث يُشرَع لهم بشروطه.
ثم قد يكون في الأخذ مفسدة يكون تركه أفضل، وأما أخذه للنفس فليس أفضل إلا عند الحاجة إذا لم يكن فيه مفسدة، وإلا فالغِنَى عن المال خيرٌ من أخذ الإنسان لنفسه.
فنقول: إذا بُذِل للإنسان مالٌ لنفسه فقد يتركُه استعلاءً على المعطي وارتفاعًا، وقد يتركه لئلا يَستعليَ المعطي عليه ويرتفع، فإن اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، فالأول مذموم، فإن التكبر على الناس وإرادة العلو عليهم مذمومة. وأما الثاني فلا بأس به، فإن الإنسان لا يُذَمُّ بأن يحبّ أن يعلو عليه غيره ولا بأن يحبّ أن لا يعلو عليه غيره، بل هذا يُحْمَد، فإنّ علوَّ الغير عليه فيه ذُلٌّ لدينه، ونقصٌ له، واستعبادُ غيرِ الله له. وهذه هي العزة التي قصدها من لم يقبل المالَ، كقول أحمد: دَعْنا نعيشُ في عِزِّ الغِنَى عن الناس. فإنه كما قال القائل: ما وضعتُ يدي في قصعةِ أحدٍ، إلا ذَللتُ له.
ولا ريب أن من نَصَرَكَ أو رزقك كان له سلطانٌ عليك، فالمؤمن
(1/20)

يُؤثِرُ أن لا يكون عليه سلطانٌ إلاّ لله ولرسوله ولمن أطاع الله ورسوله، وقبولُ مالِ الناس فيه سلطانٌ لهم عليه، فإذا قَصَدَ دفعَ هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه كان حسنًا محمودًا، يصحُّ له دينُه بذلك، وإن قصدَ الترفعَ عليهم والترؤُّس والمراآة بالحال الأولى كان مذمومًا. وقد يقصد بترك الأخذ غِنَى نفسِه عنهم وترك أموالهم لهم.
فهذه أربع مقاصد صالحة: غنى نفسه وعزَّتها، حتى لا يفتقر إلى الخلق ولا يذلَّ لهم، وسلامة مالهم ودينهم، [فكما] يتألفون بالعطاء لهم، فكذلك في إبقاء أموالهم، وقد يكون في ذلك أيضًا حفظُ دينهم، فإنهم إذا قُبِل منهم المالُ قد يطمعون هم أيضًا في أنواعٍ من المعاصي ويتركون أنواعًا من الطاعات، فلا يقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي ذلك منافع ومقاصد أخرى صالحة، حتى لا ينقص عليهم أموالهم، فلا يُذهِبُها عنهم ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يُكْرَه لهم من الاستيلاء عليه، ففي ذلك منفعة له أن لا يذلَّ ولا يفتقر إليهم، ومنفعةٌ لهم أن يبقَى لهم مالُهم ودينُهم. وقد يكون في ذلك منفعة تأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم هم حتى يقبلوا.
وأما إذا كان الأخذ يُفضِي إلى طمعٍ فيه حتى يُعاوِنه في معصية أو يمنع من طاعة، فتلك مفاسد أخرى، وهي كثيرة ترجع إلى ذلهِ وفقرِه لهم، فإنهم لا يتمكنون من منعِه من طاعة إلَّا إذا كان ذليلًا لهم أو فقيرًا
(1/21)

إليهم، ولا يتمكنون من استعماله في المعصية إلا مع ذُلِّه أو فقرِه، فإن العطاء يحتاج إلى جزاءٍ ومقابلةٍ، فإذا لم يجعل مكافأة دنيوية من مالٍ أو نفعٍ لم يبقَ إلا ما ينتظر من المنفعة الصادرة منه إليهم.
وللردِّ وجوه مكروهة مذمومة:
منها: الردُّ مراآة بالتشبه بمن يَرُدُّ غِنًى وعزَّةً ورحمةً للناس في دينهم ودنياهم.
ومنها: التكبر عليهم والاستعلاء، حتى يستعبدهم ويستعلي عليهم بذلك، فهذا مذمومٌ أيضًا.
ومنها: البخل عليهم، فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم ويقضي حوائجهم، فقد يترك الأخذَ بخلًا عليهم بالمنافع.
ومنها: الكسل عن الإحسان إليهم.
فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء: الكبر والرياء والبخل والكسل.
فالحاصل أنه قد يُترَك قبولُ المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنها، أو لجلبِ المنفعة للناس، أو دفع المضرة عنهم، فإن في ترك أخذه غِنى نفسِه وعزّها، وهو منفعة لها، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم له، ودفع الضرر المتولد عليهم إذا بذلوا بذلًا قد يضرُّهم. وقد
(1/22)

يتركه لمضرة الناس أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم كما تقدم، وقد يكون في الترك أيضًا مضرَّة نفسِه أو ترك منفعتها، إما بأن يكون محتاجًا إليه فيضرُّه تركُه، أو يكون في أخذه وصرفِه منفعةٌ له في الدين والدنيا، فيتركها من غير معارض مقاوم. ولهذا فصلت هذه المسألة، فإنها مسألة عظيمة، وبإزائها مسألة القبول أيضًا، وفيها التفصيل، لكن الأحسن أن ترك الأخذ أجود من القبول، ولهذا يعظِّم الناس هذا الجنس النزر، وإذا صحَّ الأخذ كان أفضل، أعني الأخذ والصرف إلى الناس.
(1/23)

فصل
احتجَّ بعضُ المُبطِلين في جواز السجود لغير الله من الملوك والشيوخ والوالدين بثلاث حجج:
أحدها: أنه سجودُ تحيةٍ وذلَّةٍ ومسكنةٍ، لا سجودُ عبادةٍ، ولهذا يسمُّونه تقبيلَ الأرض، فإن ذلك يُشترط له شروط الصلاة.
الثاني: أنه وإن كان في الصورة سجودًا للبشر فهو في المعنى سجودٌ لله الذي خلقه وأحياه وأقامه، كما قد قيل في قوله: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس:1]: إنه قسم بربِّ الشمس. وهو بمنزلة السجود إلى الكعبة.
الثالث: أن العبد فقير يحتاج إلى الله، والكائنات قائمةٌ بالله، أو هي الله على زعم هذا المبطل، فإنه من الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، فينبغي له أن يخضع لكلِّ شيء مستعينًا به مستمدًّا منه.
فانظر إلى هؤلاء الكفّار الضالين، بينما أحدهم يزعم أنه هو الله وأنه ما ثَمَّ غيرُه، ويصعَدُ فوقَ الأنبياء والصديقين، إذ جعلَ يخضعُ لكلِّ موجودٍ من الكفار والمنافقين والكلاب والخنازير وغير ذلك إذا صحَّح دليلَه وطَرَدَ علَّته، وإلَّا بطلتْ، وتمسَّك بسجود الملائكة لآدم ويعقوب وبنيه
(1/24)

ليوسف، وزعمَ على زندقته أن الملائكة هي القوى الروحانية، وإبليس والشياطين هي الأحكام الطبيعية، والإنسان هو الجامع الذي سجدتْ له القوى جميعُها.
وبطلانُ هذا الكلام ظاهرٌ، بل كفرُ صاحبه ظاهرٌ، فإن نصوص السنة وإجماع الأمة تُحرِّم السجودَ لغير الله في شريعتنا تحيةً أو عبادةً، كنهيه لمعاذ بن جبل أن يسجد لما قدمَ من الشام وسجدَ له سجود تحية، وأخبر بها عن رؤساء النصارى، وقوله: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن يسجدَ لزوجها». بل قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام أصحابه في الصلاة خلفَه، وقال: «لا تُعظِّموني كما تُعظِّم الأعاجمُ بعضُها بعضًا»، رواه مسلم. ونهى عن الانحناء وقتَ التحية؛ لأنه ركوعٌ، وهو دون السجود.
(1/25)

وأما تفريقه بينه وبين سجود الصلاة فلا يفيده، لأنَّ الجنس المأمور به يُشترط له شروط، وأما المنهي عنه فيُنْهَى عنه بكل حال، فإن عبادة الله وطاعته تُفعَل على وجه ... ألا ترى أنه يحرم السجود للشمس والقمر والطواغيت إلى الكعبة وغيرها بوضوءٍ وغير وضوءٍ؛ لأن النهي يعمُّ كلَّ ما يُسمَّى سجودًا. ثم السجود الواجب لله يُشترط له شروط يكون بها أخصَّ، بل العبادة الواجبة لله يُشترط لها شروط شرعية، والعبادة لغيره محرَّمة على كلّ حال.
وهذا بابٌ واسع، فإن الجنس المنقسم إلى مأمورٍ به ومنهيٍّ عنه يختصُّ المأمورُ به بقيودٍ وشروطٍ، ويعمُّ المنهيُّ عنه كلَّ ما دخلَ في اللفظ أو المعنى. ولهذا اعتبرنا ذلك في كتاب الأيمان أيضًا، ففرَّقنا بين الفعل إذا حلفَ ليفعلنَّه أو إذا حلفَ لا يفعله.
وأما الثاني والثالث فهذيان، بل كفرٌ صريحٌ مخالفٌ للعقل والدين. وقصة آدم ويعقوب منسوخ بشرعنا، وتفسير الملائكة والشياطين بما ذكر قرمطةٌ وزندقةٌ معروفة من الفلاسفة.
(1/26)

فصل
حركات العباد بقلوبهم وأبدانهم لا بدَّ لها من غاية هي المقصود، ولا بدَّ لها من وسيلة إلى ذلك المقصود. فالمقصود هو الله، والوسيلة رسولُ الله، فجماع الأمر في شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا عبده ورسوله.
أما الأول فقال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فلا معبود إلّا هو، لا إله إلا هو، والمعبود الإله هو الذي يُقصَد لنفسه، فتبتغي إليه الوسيلة؛ أو تقصده لنفسك، فترجوه وتخافه، كما قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57]. فالرجاء لجلب المنفعة ودفع المضرة رزقًا ونصرًا، والخوف من حصول المضرة وزوال المنفعة. وهذا لا بدَّ للبشر منه، وإذا عبدتَه لنفسه وأحببتَ ذاتَه فتلك منفعة تصل إليك، وأنت ترجوه أن يُعطِيكَها وتخاف أن يَسلُبكَها، وذلك مجتمع في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5].
وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع أن العبادة متضمنةٌ للخوف، وأن الاستعانة متضمنةٌ للرجاء. وهذا صحيح باعتبار، وأما باعتبار [آخر] فالعبادة هي ابتغاء الوسيلة إليه والتقرب إليه، وأما الاستعانة ففيها رجاء
(1/27)

رحمته وخوف عذابه، لأن الراجي يأمل إعانة الله له على نيل مطلوبه ودفعِ مرهوبه. والخوف متضمن للرجاء، لأن الخائف إن لم يرجُ السلامةَ لم يكن خائفًا، بل آيسًا قانطًا، وكذلك الراجي إن لم يخف الفوتَ لم يكن راجيًا بل آمنًا. ولهذا قال: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56]، وقال: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]، وقال: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99].
فثبتَ أن كل خوفٍ فإنه مستلزمٌ للرجاء، وكل رجاء فإنه مستلزمٌ للخوف، لكن قد يغلب أحدهما، والكمال هو الاعتدال. قال أحمد بن حنبل: ينبغي أن يكون خوفُ العبد ورجاؤه سواءً، فإذا زاد أحدهما على صاحبه هلك. لكن الرجاء يتعلق بالحبيب المطلوب، والخوف يتعلق بالمكروه، بمنزلة الأمر والنهي، وإن كان كلٌّ منهما مستلزمًا للآخر، إذ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، والنهي عن الشيء أمرٌ بما لا بدَّ لخلقه من أضداده. فكل راجٍ أو خائف يجب أن يكون مستعينًا.
وهذه العبادات القلبية هي مما يجب فيها الإخلاصُ لله، فلا يجوز أن يُفعل لا للملائكة ولا للبشر، لا للنبيين ولا للصالحين، خلاف ما عليه المشركون ومن ضَاهاهم من النصارى، وما عليه هذه الأمة من الرافضة وبعض المتصوفة والمتفقرة والمتفقهة، والله أعلم.
(1/28)

فصل
شُبَه الإباحية: اعتقادهم أن لا فائدةَ في الحسنات ولا مضرةَ في السيئات؛ لأن الله لا ينتفع ولا يتضرر.
والثانية: أنها وإن كانت منفعة أو مضرة فرحمة الله واسعة، فلا حسابَ، وينعمُ بلا عمل.
والثالثة: اعتقادهم أن الذي جاءت به الرسل فوق قوى البشر، لاعتقادهم أنهم طلبوا ترك الشهوات مطلقًا فعسّروا الاعتقاد فرجعوا عنه.
الرابعة: اعتقادهم أن القدر يسوق إلى السعادة والشقاء بلا عمل، فهو حلال بالقدر العلمي.
الخامسة: اعتقادهم أن ما شاء الله وقضاه فإنه أمر به ويرضاه كما ضلَّت قريش، وهذا القدر العملي.
السادسة: اعتقاد من تعبَّد وتزهد ونال أحوالًا من الكشوف والتأثير إما صحيحة أو فاسدة أن .............. لا يضر مثله، وإن ضرَّت العامة فلا يضرُّهم تركُ واجبٍ ولا فعل محرم.
(1/29)

السابعة: اعتقادهم أن المقصود من الشرائع قد حصل لهم لوصولهم إلى عين الحقيقة، فما بقيت الأعمال تنفعهم بل ضرتهم. والفرق بين هؤلاء وأولئك أن الأول قد يرى في فعل الحسنات وترك السيئات فائدة لهم، لكن لا يرى ذلك واجبًا، وهؤلاء لا يرون في ذلك فائدة، بل يرون فعل الواجب وترك المحرم مضرةً أو عناء.
الثامنة: إنكار ما جاءت به الرسل من الوعيد، وظنُّ أن ذلك تلبيس أو ربط للعامة.
التاسعة: ظنُّ أن العلم والعمل حجاب ووقوف مع السبب، والفقير لا يقف مع شيء.
العاشرة: اعتقاد كثير من الفلاسفة أن الشرائع لمصحلة الدنيا، إذ الإنسان مدني بالطبع، فلا بد من قانون يقوم ...... في معاوضته ومفاوضته، فيجعلونها بمنزلة السياسة الملكية، لكن سياسة الملك المقترنة بزمان ومكان مسلَّمة كولاية القاضي، وسياسة النبي أعم من ذلك بمنزلة فتوى الفقيه وقواعد أئمة المذاهب. وإذا كانت لمصلحة الدنيا فقط، فالمتخلي عن الدنيا لا يكثر منها، والداخل فيها إذا كان فاضلًا أمكنه أن يختص بما لا يضرُّ غيره. وعلى ذلك يتناولون يسير الخمر أو كثيرها أحيانًا، ويرتكبون بعض الفواحش سِرًّا.
فجماعهم في السمعيات على باطنٍ يخالف الظاهر، أو خصوصٍ من العموم، ولهذا يسمون الممتثلين للشريعة متمسكين بالظاهر
(1/30)

وحافظين لمرتبة العموم.
وعمدتهم إما شبه قياسية أو ذوقية، وربما قد يتأولون قياس بعض الظواهر، وحجتهم تقليد كبيرٍ في أنفسهم ذِي فضلِ علمٍ أو ذي حالٍ أو ذي سلطان. وقد صنَّف الغزالي في مخاطرهم كتابًا، لكن أمرهم أكبر من أن يُكتفى فيه بمثل ذلك الكتاب، فإن الرسل إنما بُعثت إلى الخلق بعد حال هؤلاء، إذ هم أعداء الرسل، فإن الرسل بعثت بخبر وطلب، فالخبر له التصديق، والأمر له الطاعة، وهؤلاء انحلُّوا عن طاعة الرسل، وانحلُّوا أيضًا عن تصديقهم في كثير مما أخبروا به أو أكثره، فهم الكفار المعادون للرسل، وأولهم إبليس، ومنهم قوم نوح وعاد وثمود وسائر أعداء الرسل، لكن كفر أكثرهم كفر المنافقين، إذ أقاموا في دولة المسلمين فيبطنون خلاف ما يظهرون. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله.
(1/31)

فصل
تقول طائفة من أهل الكلام: إن الحركة وأنواعها كالمجيء والإتيان، وكالنزول والهبوط، وكالصعود والعروج، لا تصحُّ إلَّا على الأجسام دون الأعراض، فإن العرض لا يقوم بنفسه، فلو انتقل لفارقَ محلَّه وقام بنفسِه.
قلت: ليس الأمر كذلك، بل حركة كل شيء بحسبه، وكذلك إتيانه ونزوله. فكما أن الطعم واللون والريح والقدرة والصحة وغير ذلك إنما وجودها بغيرها، وذاتها لا تكون إلّا متعلقة بغيرها، فكذلك ما يَعرِض لها من الأحوال والحركات هو مشروط بمحلِّها، فإذا قيل: «جاءته العافية والصحة» فهو مجيء الأجزاء البدنية الحاملة للصحة، وتلك الأجزاء هي الحاملة للصحة، ومجيئها فيه حركة وانتقال. وكذلك «جاء النصرُ والظفرُ» هو مجيء الأعيان الحاملة للقوة والظهور التي بها اندفع العدو وضررُه. فلا بدَّ من حركةٍ فيها زوالُ أحد الضدَّين حتى يجيء الآخر.
ثم هذه الحركة والمجيء متضمنة للظهور والوضوح والتجلّي، لا كما قال بعضهم: إنها مجرد الظهور.
وكذلك إذا قيل: «جاء الشتاء» و «جاء الصيف» و «جاء الليل
(1/32)

والنهار» فهي مجيء أعراض وصفات هي الحرارة والبرودة والضياء والظلمة، وهي حركتها وانتقالها. لكن قد يكون ذلك بانتقالها من موضع آخر، وقد يكون بحدوثها وبكونها في موضعها، وهذان النوعان في الأجسام. كما يقال: جاءني الولدُ وجاءت الثمار وقد أتت الفاكهة، لا يُعنَى بذلك أنها كانت موجودة في مكانٍ آخر فانتقلت عنه، وإنما يُعنَى حدوثُها ووجودها، وهو بحركةٍ، لكنها حركة ابتدائية.
فالمقصود أن كلَّ ما يقال في مجيء الأعيان والأجسام من الأنواع يُقال في مجيء الصفات والأعراض، لكن لما كان لا بدَّ لهذه من محلٍّ في ذاتها، فكذلك في أحوالها، بخلاف الأجسام، نعم الحيِّزُ للجسم كالمحلِّ للعرض، فالجسم لا يجيء إلا بحيِّز، والعرض لا يجيء إلا بمحلٍّ. والله أعلم.
(1/33)

فصل
قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون:68]، كما قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، وقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:17 - 18]، كما قال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204]، وقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف:29]، وقال: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن:1 - 2].
فحضَّ سبحانَه على تدبُّرِ القول كما حضَّ على استماع القول، فإن قوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا} استفهام، وأدَاة الاستفهام إذا دخلت على حرف النفي كان للتقرير، كقوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1]، وقوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى:6]. لكن هذا في الجمل الخبرية. فقوله:
(1/34)

{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ}، إن أُجرِيَ على هذا كان المعنى أنهم قد تدبروا القول فوجدوه حقًّا، وإلا كان هذا استفهام إنكار بمعنى الأمر والتحضيض، كقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}، وهذا أشبه بالمعنى. لكن ...
ثم القول الذي أمر بتدبره وأمر باستماعه هو القرآن، فانحرف قوم من المتكلمة فيما يتدبرونه إلى أقوال محدثة، وانحرف قومٌ من المتعبدة فيما يستمعونه متبعين له إلى سماع أقوال محدثة، وجعل بعضهم قوله تعالى: {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} عامًّا لكل قول من الآيات والأبيات، فاستمعوا هذين، وربما رجَّحوا سماع الأبيات ترجيحًا حاليًّا أو اعتقاديًّا أيضًا، كما أن الأولين يتدبرون وينظرون نظر انتفاع في الأقوال المشروعة والأقوال غير المشروعة، وربما رجحوا أقوال المتكلمين على قول الله ورسوله اعتقادًا أو حالًا.
والقرآن مملوءٌ من الأمر بتدبر القرآن والتفكر فيه والتذكر له وعقله، ومن الأمر باستماعه وتلاوته والبكاء والوجل واقشعرار الجلد منه. وقد وصف سماع الأنبياء وأهل العلم وأهل المعرفة وعموم المؤمنين أنه سماع آيات الله، فقال تعالى لما ذكر الأنبياء عيسى ويحيى وإبراهيم وبنيه وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ
(1/35)

عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58]. فتلاوة آيات الرحمن عليهم يعمُّ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، فإن آيات الله نزلت بالعربي وغير العربي مع تنوع المعاني فيها.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:107 - 109]. فهذا إخبار عن الذين أوتوا العلم قبل القرآن إذا تُلي عليهم القرآن سجدوا وبكوا وسبحوه على إنجاز وعدِه الذي تقدم أن يبعثُ هذا الرسولَ ويُنزِل هذا الكتاب. فهذا سماع الذين أوتوا العلم، وكان سبب ذلك من آمن من علماء اليهود.
وقال في أهل المعرفة: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:82 - 83]. فهذا سماع أهل المعرفة ممن آمن من النصارى، أخبر أنهم سمعوا وبكوا وطلبوا أن يكونوا مع الشاهدين. والشاهدون كما قال ابن عباس: محمد وأمته، فإن لهم وصف
(1/36)

الشهادة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143]، وقال: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78]. ولهذا كان رأس دينهم شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسولُ الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في الأرض، هذه الجنازة أثنيتُم عليها خيرًا فقلتُ: وجبَتْ لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا فقلتُ: وجبَتْ لها النار».
وهذا تأييد لما اصطلح عليه الناس من تسمية العلماء الناظرين في الكتب المنزلة «أهل العلم»، وتسمية المشايخ العابدين المتألهين السامعين هنا «أهل المعرفة»، لما في الأولين من الموسوية المشروعة وفي الآخرين من العيسوية المشروعة، فمدح كلا الفريقين بالانقياد للمحمدية الجامعة للأمرين. ولهذا وصف الأولين بالتسبيح المتضمن تصديقهم بما جاء به الرسول لما كانوا يعلمونه، ووصف الآخرين بالدعاء والطلب لأن يكونوا مع محمد وأمته. فظهر في الأولين نعتُ العلم النافع، وهو الخبر الصادق والتصديق بالحق، وفي الآخرين نعتُ العمل الصالح، وهو الدعاء المشروع والعبادة المأمور بها، فإن العُبَّاد يُطلَب منهم الدعاءُ، والعلماء يطلب منهم الثناء، فظهر في الأولين الثناء وفي الآخرين الدعاء.
(1/37)

ولذلك ذكر أن هذا سماع المؤمنين، فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال:2]، وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد:16]، وقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:23].
وأمر بتلاوته، والتلاوة تجمع معنى التدبر والاتباع ومعنى السماع، فقال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]، فهذا أول ما نزل، أمر فيه بالقراءة والصلاة. وقال: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [العنكبوت:45]، وقال: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [الأعراف:170]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [فاطر:29]، [وقال]: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:1 - 2] إلى قوله: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل:8] إلى قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} [المزمل:20] إلى قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ
(1/38)

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المزمل:20]. وقال تعالى ...
وذم الذين يُعرِضون عن سماعه وتدبُّره إلى سماع غيره، فقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26]، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان:6 - 7]. هذا في لقمان، وفي الجاثية: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [الجاثية:6 - 9].
وقد روي عن طائفة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وجابر أنهم تأولوا آية لقمان في سماع الغناء. ورُوي في ذلك حديث مرفوع، رواه الترمذي من حيدث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تعمُّ
(1/39)

ذلك وغيره على ما هو مقرر في موضع آخر.
ثم ذمَّ الذين يعرضون عن سماعه ...
وقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} إلى قوله: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:63 - 73]. وقد روي في ذلك آثار تنصُّ أن الغناء من ذلك، وكذلك الأقوال المزخرفة، كقوله: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112]. فنزَّه عباد الرحمن عن حال السماعية والكلامية المبطلين، ثم قال: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، فوصفهم بالبصر والسمع، ليسوا صُمًّا كالمعرضين عن سماع الآيات، ولا عُمْيًا كالمعرضين عن البصر فيها. فإن أهل السمع والإصغاء الذين لا يسمعون كلام الله ويُصغون إليه وينتفعون به وإن كانوا مُصغِين إلى سماع شيء آخر، وأهل النظر والذكاء الذين لا ينظرون في كلام الله ويبصرونه وينتفعون به= أهل عمًى وإن كان لهم نظر وبصرٌ في كلام آخر.
فتدبَّر كيف وصفهم بالإقبال علىكلام الله سمعًا وبصرًا، والإعراض عن الزور واللغو سمعًا وقولًا، فمن وافقهم في النعتين فهو
(1/40)

المؤمن المستقيم، ومن خالفهم فيهما فهو المنافق والكافر، ومن شَرِكَهم في الحق الذي فعلوه وفعل الباطلَ الذي تركوه، كحالِ كثير من الفقهاء والمتكلمين والعبَّاد والصوفية، فهو محمودٌ بما فيه من الحقّ مذمومٌ بما فيه من الباطل، وإن كان قد يغفر له لاجتهادٍ أو تقليد.
ولما كان جماع الخير في القرآن والإيمان، كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين عن أبي موسى: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُترجَّة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مرٌّ ولا ريح لها».
وضدُّ ذلك النفاق والشعر والكذب، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان:6]، وقال عبد الله بن مسعود: الغناء يُنبت النفاق في القلب كما يُنبِت الماءُ البقلَ ...
(1/41)

فصل

قاعدة: بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق ليُظهِره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، إلى جميعِ الخلق: أهل العلم والعبادة، وأهل الولاية والإمارة من الخاصة، وأكمَلَ له ولأمته الدينَ، وأتمَّ عليهم النعمةَ، ورضي لهم الإسلامَ دينًا. فالهدى يدخل فيه العلم النافع، ودين الحق يدخل فيه العمل الصالح، فعاش السلف في ذلك الهدى ودين الحق. ثم ظهرت البدع والفجور، فصار من الأمة من استمسك بالهدى ودين الحق، ومنهم من عَدلَ عن بعض ذلك، فاستمتعوا بخَلاقِهم كما استمتع الذي من قبلهم بخَلاقهم، وخاضوا كالذي خاضوا.
فالمنحرف إما المبتدع في دينه، وإما الفاجر في دنياه، كما قال الحسن البصري وسفيان الثوري وجماعات من السلف: إن من سَلِم من فتنة البدعة وفتنة الدنيا فقد سلم. وإن كانت البدع أحبَّ إلى إبليس من المعصية. ففتنة البدعة في أهل العلم والدين، وفتنة الدنيا في ذوي السلطان والمال. ولهذا قال بعض السلف: صنفانِ إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء. وقد قال أبو محمد الرملي عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: بالماضينَ ما كان أشبهَه، وعن الدنيا ما كان أصبرَه، أتتْه البدعةُ فنفاها، والدينا فأباها.
(1/42)

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:34].
وقال ابن المبارك:
وهل أفسدَ الدينَ إلا الملوك ... وأحبارُ سوءٍ ورُهْبانُها
فالأمراء من الملوك وأتباعهم يقولون لِما أحدثوه: سياسة، ويقولون: «شرع وسياسة». والعلماء المتكلمون يقولون: عقليات وكلام، ويقولون: «العقل والشرع». والعبَّاد والفقراء والصوفية يقولون: «حقيقة وشريعة». وسياسة هؤلاء وعقليات هؤلاة وحقيقة هؤلاء أعظم قدرًا في صدورهم من كتاب الله وسنة رسولِه حالًا أو حالًا واعتقادًا.
وبإزائهم قوم من الفقهاء والمحدثين والعبَّاد والعامّة ينتسبون إلى الكتاب والسنة والشرع، وهم لا يعلمون من ذلك ما يُحتاج إليه، بل فيهم من الجهل بحقائق ذلك أو التقليد لبعض رؤسائهم ما أوجب نقصَ الكتاب والسنة والشريعة في قلوب أولئك. فتقصيرُ هؤلاء وعدوانُ أولئك كان سببًا لذهاب ما ذهبَ من الدين، وظهورِ ما ظهر من البدع، والله أعلم.
(1/43)

فصل جامع
قد كتبتُ فيما تقدم في مواضع مثل بعض القواعد وآخر مسودة الفقه أن جماع الحسنات العدلُ، وجماعَ السيئات الظلم، وهذا أصل جامع عظيم.
وتفصيل ذلك أن الله خلق الخلقَ لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب بجميع الحسنات، وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله في الآخرة، وإن كان حسنةً من بعض الوجوه له ثواب في الدنيا، وكلّ ما نهي عنه فهو زيغٌ وانحرافٌ عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه، فهو ظلم، ولهذا جمع بينهما سبحانه في قوله: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف:29].
فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على أصول الدين والاعتصام بالكتاب، وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كالشرك وتحريم الطيبات، أو خالفوا ما شرعه الله من أمره ونهيه، كإبليس ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون والذين بدّلوا الكتاب من أهل الكتاب. فاشتملت السورة على ذمّ من أتى بدين باطل ككفار العرب، ومن خالف الدين الحق كله كالكفّار بالأنبياء، أو بعضه
(1/44)

ككفّار أهل الكتاب.
وقد جمع سبحانه في هذه السورة وفي الأنعام وفي غيرهما ذنوب المشركين في نوعين: أمْر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونَهْي عما لم ينهَ الله عنه كتحريم الطيبات. فالأول شرْعٌ من الدين لما لم يأذن الله به، والثاني تحريمٌ لما لم يحرّمه الله.
وكذلك في الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: «إني خلقتُ عبادي حنفاءَ، فاجتالتْهم الشياطين، فحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يُشركوا بي ما لم أُنزِلْ به سلطانًا».
ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه هو الغالب على النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة، وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة، بل أصل دين اليهود فيه آصارٌ وأغلالٌ من التحريمات. ولهذا قال لهم المسيح: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران:50]. وأصل دين النصارى فيه تألُّهٌ بألفاظٍ متشابهة وبأفعالٍ مجملة. فالذين في قلوبهم زيغٌ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله.
وما قررتُ في غير هذا الموضع -من أن توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين- يرجع إلى
(1/45)

ذلك، فإن إخلاصَ الدين لله أصل العدل، كما أن الشرك بالله ظلم عظيم، وأصل ذلك العلمُ، فإنه لا يُعلَم العدلُ والظلمُ إلا بالعلم، فصار الدينُ كلُّه: العلم والعدل. وضدُّ ذلك: الظلم والجهل، قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]. ولما كان ظلومًا جهولًا، وذلك يقع من الرعاة تارةً، ومن الرعية تارةً، ومن غيرهم تارةً= كان العلم والعدل المأمور به: الصبر على ظلمِ الأئمة وجَورِهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة، وكما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المشهورة عنه، كما قال: «إنكم ستَلْقَون بعدي أَثَرَةً، فاصبروا حتى تَلْقَوني على الحوض». وقال: «من رأى من أميرِه شيئًا يَكرهُه فليصبِرْ عليه». إلى أمثال ذلك. وقال: «أدُّوا لهم الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم»، ونَهى عن قتالهم ما صَلَّوا؛ وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود، وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسناتٌ وتركٌ لسيئاتٍ كثيرة.
وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغٍ أو غيرِ سائغ فلا يجوز أن يُزَالَ بما فيه ظلم وجور، كما هو عادةُ أكثرِ النفوس، يُزِيل الشرَّ بما هو شرٌّ منه، ويُزِيل العدوانَ بما هو أعدى منه. فالخروج عليهم
(1/46)

يُوجِب من الظلم والفساد أكثرَ من ظلمهم، فيصبر عليه، كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور المنهيّ في مواضع كثيرة، كقوله: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان:17]، وقوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35]، وقوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور:48].
وهذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية، إذا أمروا بالمعروف ونَهَوا عن المنكر فعليهم أن يصبروا على ما أُصيبوا به في ذات الله، كما يَصبر المجاهدون على ما يُصَابُ من أنفسهم وأموالهم. فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى؛ وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلّا بذلك، وما لا يتم الواجبُ إلّا به فهو واجب.
ويندرج في ذلك وُلاةُ الأمور، فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا تتمُّ إلا بذلك. فكما وجب على الأئمة الصبرُ على أذى الرعيةِ وظلمِها إذا لم تتمَّ المصلحةُ إلّا بذلك، أو كان تركه يُفضِي إلى فسادٍ أكثر منه، فكذلك يجب على الرعية الصبرُ على جور الأئمة وظلمهم إذا كان في ترك الصبر مفسدةٌ راجحة.
فعلى كلٍّ من الراعي والرعية للآخر حقوقًا عليه أداؤها، كما
(1/47)

ذكرت بعضه في «كتاب الجهاد والقضاء»، وعليه أن يصبر للآخر ويَحْلُم عنه في أمورٍ. فلا بدَّ من السماحة والصبر في كلٍّ منهما، كما قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد:17]، وفي الحديث: «أفضلُ الإيمان: السماحةُ والصبر». وفي أسماء الله: الغفور الرحيم، فبالحلم يعفو على سيئاتهم، وبالسماحة يُوصِل إليهم المنافعَ، فيجمع جلب المنفعة ودفع المضرة. فأما الإمساك عن ظلمهم والعدلُ عليهم فوجوبُ ذلك أظهرُ من هذا، فلا حاجةَ إلى بيانه. والله أعلم.
(1/48)

فصل

قاعدة في الإجبار على المعاوضات إذا لم يكن فيه ضرر، وعلى الغير بتركه ضرر
عن سمرة بن جندب أنه كان له نخلٌ في حائطِ رجلٍ من الأنصار، ومع الرجلِ أهلُه، فكان سمرة يدخل إلى النخل، فيتأذَّى به ويَشُقُّ عليه، فطلبَ إليه أن يبيعها منه فأبى، فطلب أن يُنَاقله فأبى، قال: «فهَبْها لي ولك كذا وكذا» أمرًا رغَّبَه فيه، فأبى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتَ مضارٌّ»، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصاري: «اذهَبْ فاقلَعْ نَخْلَهُ». رواه أبو داود.
فيه من الفقه أن تلك النخلة كانت ملكًا لرجلٍ، وكان بقاؤه في أرضِ الغير يَضُرُّ به، فوجب عليه أن يزيل ضرَرَ ربِّ الأرض، إما بمعاوضةٍ وإما بتبرُّعٍ، فلما امتنعَ جَوَّزَ القَلْعَ؛ لأن تَرْكَ ذلك ضِرَارٌ، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت مُضارٌّ»، ثم قال للأنصاري: «اذهَبْ فاقلَعْ نَخْلَهُ». وهذا موافق للحديث الذي رواه ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا
(1/49)

ضرار».
فصار هذا الحديث أصلًا في أن المعصوم إذا أصابه ضررٌ لا يندفعُ إلا بمعاوضةٍ من غيرِه وجبت المعاوضةُ على ذلك الغير إذا لم يكن عليه فيها ضررٌ زائدٌ؛ لأن المعاوضة على هذا الوجه إنما فيها تبديلُ المالِ بمثلِه، وهذا لا يضرُّه فيه، وإزالةُ الضرر عن المسلم واجبة.
وهذا نظير إيجاب الشفعة، فإن الشريك عليه بالشركة ضرر الشركة والقسمة، والبائع إذا أراد البيع فهو يأخذ الثمن، فسيّانِ أخذه من هذا أو من هذا، فتبديل مُشترًى بمشترًى سواءٌ عليه.
ومن هذا الباب إجبارُ الشريك على القسمة وإن كان فيها شوب معاوضة، لما في ذلك من زوال ضرر الشركة بنوع معاوضةٍ لا ضررَ فيها، فإن كان في قسمة العينِ ضررٌ أُجْبِرَ الممتنع على البيعِ وقَسْم الثمن، فإنه إجبارٌ على معاوضةٍ لا ضررَ فيها، لدفعِ ضررِ الشريك بالشركة. وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور.
ونظيره إيجاب الشريك الممتنع على العمارة في ظاهر المذهب، لأن العمارة من نوع المعاوضة، فإنه يبذل ماله ليحصل له البناء، فإجباره على العمارة نظير إجباره على البيع معه.
(1/50)

ويُشبِه ذلك من بعض الوجوه السَّراية في العتق، فإن فيها معاوضة، ويدخل في ذلك العِرْق الذي بحقّ، كالبناء والغراس الذي للمشتري والمستأجر والمستعير والبائع ولو وجد من العذاب فإنه لا يُقلع مجانًا؛ لأنه ليس بِعِرْقٍ ظالم، ولكن يُجْبَرُ ربُّه على المعاوضة، فلربِّ الأرض أن يبتاعه بقيمته كحديث النخلة سواءً، فإن امتنع مالك الغِراس من المعاوضة قُلِعَ مجَّانًا، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأنصاري بِقَلْعِ النخلة.
ويُستدل بالحديث على تحريم المضارَّة مطلقًا؛ حيث قال: «إنما أنت مُضارٌّ»، وهو كلُّ من كان عملُه مُضِرًّا بغيرِه من غير منفعةٍ له فيه. ويدلُّ عليه قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، وقوله في الحديث الذي في الصحيح: «من ضارَّ أضرَّ الله به، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه».
(1/51)

فصل
في ثواب الحسنات والسيئات
والكلام في نوعين: أحدهما في ترجيح جانب الحسنات، والثاني في مقادير الحسنات ومقادير السيئات.
أما الأول فإن الله سبحانه وتعالى كما أخبر عنه نبيُّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبقتْ رحمتي غضبي -وفي روايةٍ: غلبتْ رحمتي غضبي- وقد كتب ذلك في كتاب، فهو موضوع عنده فوق العرش». وأخبر عن نفسه في كتابه أنه قال: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:12]، كما أخبر عنه رسوله أنه حرَّم الظلمَ على نفسه، وجعلَه محرَّمًا بين عبادِه.
وقد دلَّ القرآن على ذلك في مثل قوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر:49 - 50]، وفي مثله قوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:98]، فجعل المغفرة والرحمة داخلةً في أسمائه التي وصف بها نفسه، وأما شدَّة العقاب وألم العذاب فإنما هو من عوارضِ مفعولاته، ولهذا ليس في أسماء الله الحسنى اسمٌ يتضمن صفة الغضب والعذاب، ولا
(1/52)

في صفاته صفة تقتضي ذلك، لكن إذا أخبر عن ذلك أتى بالقول العام الشامل له ولغيره، أو حذف فاعله، أو أضيف إلى المخلوق. وأما الرحمن والرحيم والغفور والحليم والكريم ونحو ذلك فكثير في أسمائه.
وإنما جاء في القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران:4]، ولم يقل: «منتقم» كما تقوله طائفة ممن تكلم في الأسماء الحسنى، واستدلوا بحديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم، فإن المحققين من الحفاظ يعلمون أن ذلك العدد ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو مما أدرجه الوليد بن مسلم في روايته عن شعيب. كما أن ابن ماجه لما روى الحديث أيضًا من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ذكر فيه من حديث عبد الرحمن
(1/53)

الأعرج عن أبي هريرة عدد الأسماء على خلاف ذكر الوليد بن مسلم.
وإذا جاء في أسمائه الضار والنافع، والخافض والرافع، والمُعِزُّ والمُذِلُّ، والمعطي والمانع، فإنما تقال مقترنةً مزدوجةً، لا يُفرَدُ الضار عن النافع، ولا المانع عن المعطي؛ إذ المقصود بيان عموم فعلِه وشمولُ عدلِه وفضلِه.
وجاء في القرآن: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [آل عمران:26]، وفي القرآن: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7]، وفي القرآن: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88]، وفي حديث الاستفتاح الصحيح: «والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك»، فالشر في القرآن إما أن يضاف إلى الرب أو لا، فإن أضيف إليه كان بطريق العموم فقط، وإن لم يُضَف إليه فإما أن يُحذف فاعله أو يضاف إلى السبب.
فالأول كقوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:102]، وقوله: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ} {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ} [الأنعام:125]، وقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، وقوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة:26]، وقوله: {أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ
(1/54)

الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر:49 - 50]، وقوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ ...} الآية [النساء:13]، {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ...} الآية [النساء:14]، وقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} [الكهف:82]. وهذا كثير، إما أن يجمع الاسم والقول العام للنوعين، وإما أن يفصل نوعي الخير والشر من الآلام وأسبابها.
وأما إضافته إلى السبب فكقوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق:2]، وقوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:80]، وقوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79]، وقوله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53]، وقوله: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [القصص:15] ونظائره.
وأما حذف الفاعل فكقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7]، وقول الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن:10]. وهذا مثل قول الصحابة كأبي بكر وعمر وابن مسعود وغيرهم: «فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان،
(1/55)

والله ورسوله بريئان منه». وكذلك قول الخضر: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}، {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا}، {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا}. وهذا باب واسع ليس هذا موضعه.
وإنما المقصود هنا أن جانب الحسنات هو الراجح في خلقه وأمرِه، أما في خلقه فقد نبه عليه. وأما في أمره وشرعه وثوابه وعقابه فمن وجوه:
أحدهما: أن الحسنات يُضاعَف قدرُها، والسيئة لا يضاعفُ قدرُها، قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [الأنعام:160]، وقال تعالى في موضع آخر: {[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ] فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص:84]، وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...} [البقرة:261].
والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك متواترة، مثل قوله: «من صام رمضان وأتبعَه بستٍّ من شوال فكأنما صام الدهر». وقوله: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر يَعدِل صومَ الدهر». وقوله في الصلاة: «هي
(1/56)

خمس، وهي خمسون». وقال: «كل عمل ابن آدمَ يُضَاعَفُ له الحسنة بعشر أمثالها». وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أنه يجزي على الحسنة بألفَي ألفِ حسنة». وقال: «من تصدَّق بِعَدْلِ تَمْرةٍ من كسبٍ طيب، ولا يقبل الله إلّا الطيبَ، فإن الله يُربِّيها له كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فَصِيلَه، حتى تكون مثل الجبل العظيم». وهذا باب واسع.
الثاني: أن الجزاء في الحسنات بأفضل أنواعها وصفاتها، بخلاف السيئات، قال تعالى: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر:35]، وقال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:38]، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} [الأحقاف:16].
الثالث: أن الهمَّ بالحسنة يُثَابُ عليه، والهمّ بالسيئة لا يُعاقَب عليه، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1/57)

«إذا هَمَّ العبد بحسنةٍ كُتِبَتْ له حسنة واحدة، فإن عَمِلَها كُتِبتْ له عشرُ حسناتٍ إلى أضعافٍ مضاعفةٍ، وإذا هَمَّ بسيئةٍ لم تُكتَب عليه، فإن تركَها لله كُتِبتْ له حسنة، وإن عَمِلَها كتبت عليه سيئة واحدة».
وهذا في الهمّ الذي لا يكون إرادةً جازمةً، فإنّه همُّ قادرٍ لا همُّ عاجزٍ، فلو صار إرادةً مع القدرة لوجد الفعل. قال أحمد بن حنبل: الهمُّ همَّان: همُّ خطراتٍ وهمُّ إصرار. فأما إذا أراد الفعلَ إرادةً جازمةً وإنما منعَه العجزُ فهذا فيه حديث أبي كبشة الأنماري، يقتضي أنه والفاعل سواء، رواه أحمد والترمذي وصححه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأربعة الذين أُعطِي أحدُهم علمًا ومالًا، فهو يعمل فيه بطاعة الله، وآخر أُعطِي علمًا ولم يُعطَ مالًا، فقال: لو أنَّ لي مثلَ ما لفلانٍ لعَمِلتُ فيه مثلَ ما يَعملُ فلانٌ، قال: «فهما في الأجر سواء». وآخر أُعطِي مالًا لا علمًا، فهو يعمل فيه بمعصية الله، وآخر لم يُعطَ علمًا ولا مالًا، فقال: لو أنَّ لي مثلَ ما لفلانٍ لعَمِلتُ فيه مثل ما يعملُ فلانٌ، قال: «فهما في الوزرِ سواء».
فهذا في المريد الجازم العاجز عن الفعل، كما في الحديث الصحيح: «إن بالمدينة لَرِجالًا ما سِرتُم مَسِيرًا، ولا قطعتم واديًا إلَّا كانوا معكم»، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حَبَسَهم
(1/58)

العُذْرُ». ومثل هذا قوله: «المرءُ مع من أحبَّ».
فإن قيل: فقد قالوا في المعصية أن لا يقدر، فإذا كان يُعذَّب على الإرادة الجازمة فسواء قدر أو لم يَقدِر، ولأن الرجل لو عزم أن يعمل مثل عمل النبيين والصِّديقين من الصحابة لم يُجْزَ مثلهم.
قلت: الإرادة الجازمة مشروطة بالعلم المفصل، فما لم يتصوره الإنسان كما ينبغي لا يريدُه إرادة جازمة مع عدم القدرة، ونحن لا يمكننا أن نتصور أحوالَ الأنبياء والسابقين من المهاجرين والأنصار.
وأيضًا فالإرادة تقوى وتضعف بحسب القدرة والعجز، فالنفس لا تطمع من المعاصي غالبًا إلّا فيما هو من جنس مقدورها، فإذا لم تقدر على المعصية فهي في الغالب لا تريدها إرادة جازمة. مع أن هذا الحديث فيه القول مع النية، وبهذا قد يُجاب أيضًا عن قوله الذي في الصحيح: «إن الله تجاوز لأمتي عمَّا حدَّثَتْ به أنفسَها ما لم تتكلم به أو تعمل به».
ومن الناس من يقول: التسوية في أصل الأجر لا في قَدْرِه. وقد احتج بعضهم على الإرادة بقوله: «إذا التقى المسلمان بسيفَيْهما فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بالُ المقتول؟
(1/59)

قال: «إنه أراد قتلَ صاحبِه». ورُوِيَ: «إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه». فهذا في مريدٍ إرادةً جازمة لم يمنعه إلا العجزُ، وقد حاولَ أسبابَ القتل. فهو يوافق حديثَ أبي كبشة من وجهٍ.
وأما الإرادة الجازمة من القادر فلا توجد إلا ويُوجَد الفعل، فإنه متى وُجِدت الإرادة التامة والقدرة التامة وجب وجودُ الفعل، فإن ذلك هو سببه التام، فيمتنع عدمُ الفعل بعد وجود سببه التامّ. وحيثُ تعذَّرَ فلخللٍ في القدرة أو في الإرادة.
الوجه الرابع: أن الحسنات يتعدى ثوابُها فاعلَها، وأما السيئة فلا يُعاقَبُ عليها إلا فاعلُها، فإن المؤمن ينفعه الله بصلاة المؤمنين عليه ودعائهم له واستغفارهم، وبما يُفعَل عنه من العبادات المالية كالصدقة والعتق والحج، وكذلك العبادات البدنية عندنا وعند الجمهور، كالصلاة والقراءة والصيام والحج وغير ذلك، كما جاء في ذلك أحاديث معروفة، قطعةٌ منها في الصحيح. وتنفعهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أطفال المؤمنين تبعٌ لآبائهم.
وأما العقاب فقال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]، وقال: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:90]. وقد قررتُ في غير هذا الموضع أن النار لا يدخلها طفلٌ ولا مجنونٌ إلّا بعد أن يَعصِيَ الله ولو في عَرصاتِ القيامة، كما جاء في
(1/60)

الأحاديث.
ومن هذا الباب أن الجنة يبقى فيها فضلٌ، فيُنشِئُ الله لها أقوامًا يُدخِلهم الجَنة بفضلِ رحمته، وأما النار فإنه يُضيِّقها على من فيها مِن الجِنَّةِ والناسِ أجمعين.
الوجه الخامس ...
وأما المقادير فإن التفاوت في الحسنات والسيئات يقع من ثلاثة أوجه:
أحدها: العمل المباشر، وإن لم يرتب عليه في الظاهر أمر مصلحة ولا مفسدة، بل كان أثره في نفس صاحبه.
الثاني: ما تولد عن العمل من المصالح والمفاسد، وإن كان العمل قليلًا.
الثالث: من مجموع الأمرين.
فالأول كما ذكرناه من تأثير النيات والعزائم الصادقة.
والثاني كقوله سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ
(1/61)

وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة:120 - 121]. فذكر في الآية الأولى أنه يكتب لهم بما تولد عن عملهم عملٌ صالحٌ، وذكر في الثانية أن نفس العمل والإنفاق يكتب لهم. ولهذا كان الصواب أن العمل المتولد ليس هو خارجًا عن فعل العبد وقدرته بكل حال، كما يقوله طائفة من متكلمي أهل الإثبات، ولا هو أيضًا فعلًا للعبد محضًا، كما يقوله المعتزلة، بل هو مشترك بين العبد الذي فعل سببه وبين السبب الخارج المعين على تمامه. فالعبد فاعل بعضه، ولهذا استحق الثواب والعقاب، قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل:25]، وقال تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:13].
وقال صلى الله عليه وسلم: «من دَعَا إلى هُدًى كان له من الأجر مثلُ أجورِ من اتبَعَه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعَه مِن غيرِ أن ينقص من أوزارهم شيء». وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تُقتَل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم كِفْلٌ من ذنبها؛ لأنه أولُ
(1/62)

من سنَّ القتلَ». وقال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظنُّ أن تبلُغَ ما بلغتْ، يكتبُ الله له بها رضوانَه إلى يوم يلقاه. وإن البعد ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله ما يظنُّ أن تبلُغَ ما بلغتْ، يكتب الله له بها سَخَطَه إلى يومِ يلقاه». قال زيد بن أسلم: كانوا يَرَون ذلك في الكلمة عند الأمراء، وذلك لعموم نفعِ الكلمة وعمومِ مضرَّتِها.
فهذا الباب كلُّه إنما الجزاءُ فيه على عمل الإنسان، وذلك المتولد من عمله وعمل غيره، أو من سببٍ غير عمل غيره، هو بمنزلةِ الولد المتولد من الأبوين، هو مشترك بينهما ويُضاف إلى كلٍّ منهما إضافةً كاملة، فإنه لا يمكن وقوعُها إلّا كذلك، لا يمكن أن تنفرد به قدرة العمل وعمله، فإن قدرته لا تُؤثِّر تأثيرًا مستقلًّا إلا في محلِّها، فلما كان هذا هو الممكن منه في مثل هذا العمل كان عاملًا كاملًا كالعازم العاجز وأولى.
فصارت المراتب الثلاثة: العازم العاجز، والعازم المعين العاجز عن الانفراد، والفاعل المستقل، وللثلاثة جزاءٌ كامل. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا.
(1/63)

فصل
قال الله تعالى في سورة النساء بعد الآية التي أمر فيها بقواعد الشريعة {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ}: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:36 - 37]، وقال في سورة الحديد: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} إلى قوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [الحديد:21 - 24]. ففي كلا الموضعين وصف المختال الفخور بأنه يبخل ويأمر الناس بالبخل، وهذا -والله أعلم- يوافق ما رواه أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من الخُيَلاء ما يحبُّها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل نفسه في الحرب، واختياله نفسه عند الصدقة -أو كما قال-، وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر».
(1/64)

فإنه أخبر أن من الخيلاء ما يحبُّها الله، وهي الخيلاء في السماحة والشجاعة، ولذلك قال لأبي دُجانة يومَ أُحد لما اختالَ بين الصفَّينِ، فقال: «إنها لمشيةٌ يُبغِضها الله إلا في هذا الموطن». ولهذا جوزنا في أحد القولين ما رويناه عن عمر من لُبْسِ الحريرِ في الحرب، لأن الخيلاء التي فيه محبوبة في الحرب، كما دَلَّ عليه الحديثانِ. وذلك -والله أعلم- لأن الاختيال من التخيّل، والتخيل من باب التصور الذي قد يكون تصورًا للموجود، وقد يكون تصوُّرًا للمقصود، فإن كان مطابقًا للموجود ومحمودًا في القصد فهو تخيُّلٌ حقٌّ نافع، وإن كان مخالفًا للموجود ومذمومًا في القصد فهو الباطل الضارُّ. والشَّجاعة والسماحة لا بدَّ فيها من قوةٍ للنفسِ لا تتمُّ إلا بتصوُّرِ محبوبٍ يَحُضُّه على الشجاعة والسماحة، وإلّا ففي هذا بذلُ النفسِ وفي هذا بذلُ المالِ الذي هو مادة النفس، فإن لم تتصور النفسُ أمرًا محبوبًا يَعتاض به عما يَبْذُله من النفس والمال لم يأتِ بالشجاعة والسماحة. فيُحِبُّ الله تخيُّلَ المقاصدِ الرفيعة والمطالبِ العالية التي تَحُضُّ على الشجاعة والسماحة، فإن الله يُحِبُّ معاليَ الأخلاقِ ويكره سَفْسَافَها، ويُحبّ معالي الأمور.
(1/65)

فهذا إذا كان تخيُّلٌ مقصودٌ، وأما إذا كان تخيُّلٌ موجودٌ فلأن الشجاعة التي مضمونُها النصرةُ ودفعُ الباطلِ والضررِ، والسماحة التي مضمونها الرزق وإقامة الحق والنفع، هما عظيمان في أنفسهما، وإليهما ترجع صفات الكمال من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإذا كان تخيُّل الفاعل نفسه عظيمًا عند صدور ذلك منه كان مطابقًا، فكان اعتقادًا صحيحًا نافعًا، ولهذا لم يذكر أن الله يحبه إلّا في الحرب والصدقة، لأنه في هذا الموطن هو صحيح نافع، لأنه يحضُّ على المحبوب، وما أعان على المحبوب محبوب، فأما بعد صدور ذلك منه فإنه فخرٌ أو مَنٌّ، والله لا يُحِبُّ الفخور ولا المنَّان. وصار في هذه المنزلة بمنزلة شهوة الطعام عند الأكل، وشهوةِ النكاح عند مباضعةِ الرجلِ أهله، فإن ذلك نافع، به تحصلُ المصلحةُ، بخلافِ الشهوة في حالِ الزنا وأكلِ مالِ الغير.
فلما قال سبحانه: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [الحديد:23 - 24]، والبخلُ منعُ النافعِ، قيَّد هذا بهذا.
وقد كتبتُ فيما قبلَ هذا من التعاليق الكلامَ في التواضع والإحسان والكلامَ في التكبر والبخل.
(1/66)

فصل
ثبتَ في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أم كلثوم أنه قال: «ليس الكذاب الذي يُصلِحُ بين الناس، فَيَنْمِي خيرًا ويقول خيرًا». وثبت عنه أنه قال: «الحرب خدعة»، وكان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها. وثبتَ عنه أنه قال: «بئسَ أخو العشيرة»، فلما دخلَ ألانَ له القول وقال: «يا عائشة، إن شرَّ الناس مَنْ وَدَعَه الناسُ اتقاءَ فُحشِه».
قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يُرخِّص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في الحرب والإصلاح بين الناس والرجل يُحَدِّث امرأته ...
فهذه المعاني التي جاءت بها النصوص يجمعُها نوعان: المسالمة لمن أمر الله بمسالمتِه، والمحاربة لمن أمر الله بمحاربته. فالإصلاح بين الاثنين هو من نوع المسالمة الشرعية، وإصلاح الرجل بينه وبين امرأته من أعظم الإصلاح والمسالمة الشرعية، وكذلك إصلاح الرجل بينه وبين من يؤمر بمسالمته من إخوانه ورعيته وأئمته. فإذا كان هو مأمورًا بأن يصلح بين فئتين من المؤمنين غيره، فلأن يُؤمَر أن يُصلِح بينه وبين
(1/67)

إخوانه من المؤمنين أولى، فإنه إلى هذا أحوج، وهو عليه أوكدُ إيحابًا أو استحبابًا، إذ التأليف بين الناس والإصلاح بينهم فرعُ مؤالفتِه لهم وصلاح حالهِ معهم. قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1]، وقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} [المؤمنون:96]، وقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83]، وقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19]، وقال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات:10]، وقال: {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114].
والمحاربة الشرعية أصلها ظاهرًا لأهل الحرب من الكفار، وفي الباطن وبعضِ الظاهر للمنافقين، والمرخَّص فيه هو المعاريض بالاتفاق، وقد يسمَّى كذبًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لم يَكْذِبْ إبراهيمُ إلَّا ثلاثَ كذباتٍ كلُّهنَّ في ذات الله». وهذا الثلاث هي من باب المعاريض.
وأما الكذب الصريح ففيه قولان، أظهرهما أنه لا يباح، ولهذا قالت: ولم أسمعه يُرَخِّص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث.
ومن الحرب المباحة دفعُ المظالم عن النفوس والأموال والابضاع المعصومة ...
(1/68)

وإنما جاءت الرخصة في السلم والحرب خاصة؛ لأن هذين الموطنين مبناهما على تأليف القلوب وتنفيرها، فإذا تألفت فهي المسالمة، وإذا تنفَّرت فهي المحاربة، والتأليفُ والتنفير يحصُل بالتوهُّمات كما يَحصُل بالحقائق، ولهذ يؤثِّر قول الشعر في التأليف والتنفير، بحيث يُحَرِّك النفوسَ شهوةً ونفرةً تحريكًا عظيمًا وإن لم يكن الكلامُ منطبقًا على الحق، لكن لأجل تخييلٍ أو تمثيل. فلما كانت المسالمة والمحاربة الشرعية يقوم فيها التوهمُ لما لا حقيقة له، والباطنُ لم يعن إلا الحقَّ= صار ذلك صفاءً وصدقًا عند المتكلم، وموهِمًا للمستمع توهُّمًا يؤلِّفه تأليفًا يحبه الله ورسولُه، أو يُنفِّره تنفيرًا يحبُّه الله ورسولُه، بمنزلة تأليفه وتنفيره بالأشعار التي فيها تخييلٌ وتمثيلٌ، وبمنزلة الحكايات التي فيها أمثال مضروبة، فإن الأمثال المنظومة والمنثورة إذا كانت حقًّا مطابقًا فهي من الشعر الذي هو حكمة، وإن كان فيها تشبيهاتٌ شديدة وتخيلات عظيمة أفادت تأليفًا وتنفيرًا.
(1/69)

فصل
أثبتَ أئمة من أهل السنة «الحدَّ»، كما قيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نَعرِف ربَّنا؟ قال: بأنه فوقَ سماواته على عرشِه، بائن من خلقِه، قيل له: بحدٍّ؟ قال: بحدٍّ.
وكذلك أحمد في أشهر الروايتين عنه، وكثير من أصحابه كالقاضي وابن الزاغوني وغيرهما، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن سعيد الدارمي في ردِّه على المريسي وحكاه عن أهل السنة، وشيخ الإسلام الهروي، وخلق كثيرين.
وأنكر ذلك آخرون من المتكلمين، كأبي المعالي الجويني وطوائف من المعتزلة والأشعرية، وبعض الحنبلية.
وفصلُ الخطاب: أن «الحدَّ» له عدة معانٍ تَرجِع إلى أصلين:
(1/70)

منها ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنها ما هو متفق عليه بين أهل السنة، ومنها ما هو متنازَعٌ فيه؛ فإن «الحدَّ» يكون لحقيقة الشيء النوعية، وهو حدُّ الماهية. ويكون لعينه الذاتية، وهو حدٌّ لوجوده.
فالأول هو الحدُّ الذي يتكلم فيه المتكلمون من المنطقيين وغيرهم.
والثاني كالحدّ الذي يَنعَتُه الشروطيون في حدود العقار وفي حُلَى الأشخاص.
فإذا انحصر نوعُه في شخصه كالشمس مثلًا كان له حدٌّ بالاعتبارين، وهو بالاعتبار الأول كليٌّ، لا يمنع نفسُ تصور معناه من وقوع الشركة فيه. وهو بالاعتبار الثاني عينيٌّ، يمنع تصورُه من وقوع الشركة فيه.
وإن قيل: إن وجود كلِّ شيء عينُ ماهيته، أو قيل بذلك في حق الله تعالى فقط، كان الحدُّ الذي هو حقيقته العينية الوجودية هو الحدّ الذي هو الماهية النوعية إذا عُنِي به حقيقةُ المحدود. وإن عُنِي بالحد القول الدالُّ على ماهية الشيء لم يكن لذلك وجودٌ إلّا في الذهن لا في الخارج. والله أعلم.
فأما الأول فقد يُعنَى بالحدِّ حقيقة الشيء، وقد يُعنَى به القول الدال على ماهيته.
(1/71)

فأما الحدُّ بمعنى حقيقة الشيء التي هو بها يتميز عن غيره، فلا ريبَ بين المسلمين أن الله له حقيقة وذات؛ فذلك حدُّه الذي لا يعلمه غيرُه، كما جاء في الأثر: «يا من لا يعلم ما هو إلا [هو]، ولا يبلُغ قدرتَه غيرُه».
وهل يقال: له ماهيةٌ لا يعلمها غيرُه، ولا تجرِي ماهيتُه في مقال؟ أو يقال: لا ماهيةَ له؟ على قولين لأصحابنا وغيرهم. والأول قولُ أكثرهم.
وأما الحدّ بمعنى القول، فله أسماء تُمَيِّزه عن غيره، وله حدودٌ بخواصِّه التي تُمَيِّزُه عن [غيره]، كقولنا: رب العالمين، وخالق السماوات والأرض، والأول الآخر، والظاهر الباطن.
وأما الحدُّ المركب من الجنس والفصل فلا يجوز في حق الله تعالى.
فأما حدُّ عينه الذاتية فيُراد به: حدّ بذاته، وحدّ بصفاته، وحدّ بمقداره.
فأما الأول فهو بمعنى انفصاله عن غيره وتميُّزه عنه، بحيث لا يختلط به. وهذا داخلٌ فيما قصده ابن المبارك وغيره، خلافًا للجهمية الذين يجعلونه مختلطًا بالمخلوقات. ولهذا قال: بائنٌ من خلقِه بحدٍّ؛ فإن الحدَّ هو الفصل والتمييز بينه وبين غيره. والحدّ بهذا المعنى متفق
(1/72)

عليه بين أهل السنة القائلين بأن الله فوقَ العرش، بل وعند الذين يقولون: لا داخلَ العالم ولا خارجَه أيضًا؛ فإن الأعراض المختلفة كالطعم واللون والريح إذا قامت بجسم واحدٍ كانت متميزةً بخصائصها وحدودها، وليست متميِّزة بأعيانها وذواتها.
وأما الثاني فهو بمعنى صفاته القائمة به المميِّزة له عن غيره، كما يقال في حلية الموصوف ونُعوته، فله حدٌّ بهذا الاعتبار.
وأما الحدّ بمعنى المقدار والنهاية فهذا مورد النزاع، فقيل: لا حدَّ له ولا غايةَ ولا مقدارَ. وقيل: له حدٌّ من جانب العرش فقط. وقيل: له حدٌّ ونهاية لا يعلمها غيرُه؛ إذ لا يُعقَل موجودٌ بدُونِ ذلك. وقد يقال: إن ابن المبارك وغيره قصدوه؛ إذ لو لم يريدوا ذلك لم يكن حاجة إلى قولهم: على عرشه، بل يكفي أن يقال: هو منفصل عن خلقِه متميز عنهم.
(1/73)

فصل
الهجرة المشروعة كقوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر:5]، وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ} [الأنعام:68]، وقوله: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ} [الصافات:178]، وقوله: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل:10]، وهجرة الصحابة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وهجرة المسلم من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهجرة الناس من دار الفجور والبدعة إلى دار البر والسنة، وهجران المعلنين بالمعاصي والمظهرين للبدع، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرة الثلاثة الذين خُلِّفوا، وأمر عمر بهجر صَبيغ بن عِسْل، وأمر الأئمة بهجران الدُّعاةِ إلى البدع بحيثُ لا يُتَّخذون حُكَّامًا ولا شهودًا ولا أئمةً ولا مفتين ولا محدِّثين، ولا يُجالَسون ولا يُخاطَبون ونحو ذلك. كل هذا له مقصودانِ:
أحدهما: اشتمال ذلك على أداء الواجبات وترك المحرَّمات، فإن هجران الذنوب تركُها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المهاجر مَن هجَر ما نَهَى الله عنه». والهجرةُ من دار الحرب ليتمكن المسلمُ من إقامة دينِه ولوئِه الجهاد. ولئلا يقع فيما هم فيه. وكذلك هجرانُ قُرناءِ السُّوءِ، لئلا يرى القبيحَ ويسمعه فيكون شريكًا لهم، كما قال تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}
(1/74)

[النساء:140]، ولئلا يُوقِعوه في بعض ذنوبهم، فإن «المرء على دين خليله فلينظر أحدُكم من يخالل». فالأول يكون بترك مخالطتهم وقتَ الذنوب، وإن خُولِطوا في غيرِها للضرورة. والثاني يكون بترك عِشْرتهم مطلقًا، فإن المعاشرة قد تَجُرُّ إلى القبيح، فمن كان مضطرًّا إلى معاشرتهم أو كان هو الحاكم عليهم دينًا ودُنيا فهذا لا يُنهَى عن المعاشرة، بخلاف ........ الذين قد يُفسِدون عقلَه أو دينَه أو نحو ذلك.
المقصود الثاني: تضمُّنُها نهي المهجور وتعزيره وعقوبته فيكون جزاءً له ....... له ولغيره من ضُرَبائه، كسائر أنواع التعزير والعقوبات المشروعة. فهذه الهجرة من جنس العقوبات والتعزيرات لتنكيل المهجور وغيره على ذلك الذنب، وتلك الهجرة من جنس التقوى والاحتراز عن مواقعة المحظور [ات] البدعية والفجورية، فالأولى تحقيق التقوى، والثانية تحقيق الجهاد، فالأولى من فعل الذين هاجروا، والثانية من فعل الذين جاهدوا. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:72].
(1/75)

ولهذا لا يصلح ...... إلا مع المكنة والقدرة، كما لا تصلُح المعاقبةُ إلا للقادر المتمكن، بخلاف الأولى. ولهذا كانت الأولى مشروعة بمكة، والثانية إنما شُرِعَتْ بالمدينة بعد تبوك لما كان الإسلام في غاية القوة، فإن الثانية تتضمن تركَ السلام عليه وتركَ عيادتِه وتقديمِه في شيء من المراتب الدينية، كالإمامة والحكم والشهادة والحديث والفتوى.
وهذا إذا كان ممن يؤثر في المهجور حصول المنفعة، وربما كان فيه منفعة ومضرة فيُراعَى ما غلبَ منهما، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأوقات، وتختلف فيه الاجتهادات، وقد يُستغنى عن الهجرة بالتأليف. فالغرض النهيُ عن المنكر بأقرب الطرق، وتحصيلُ المعروف على أكمل الوجه. والله أعلم.
وأهل السنة والحديث يهجرون الداعية إلى البدع من الكلام أو الرأي أو العيادة، ولهذا كان أهل السنة قد تجنبوا فيها الرواية عن الدعاة إلى البدع عندهم من أهل الكلام كعمرو بن عبيد وغيره، ومن أهل الرأي كأهل الرأي من أهل الكوفة، وهو فعل أحمد بن حنبل معهم، وهذا تفصيله مذكور في غير هذا الموضع.
(1/76)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده لا شريك له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا.

قاعدة في جماع الدين
قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الحديد:25]، أخبر سبحانه أنه أنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديدٌ ومنافع للناس، فالكتاب يهدي والحديد ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.
فأول ما أنزل على الرسول الأمر بقراءة الكتاب بقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]، فلما هاجر إلى دار النصر أذن له أن يقاتل بالحديد، فالكتاب هو العلم، والحديد هو القدرة، وكلاهما سلطان، والكتاب قيام الصلاة، والحديد قيام الجهاد، ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد، وكان الأمير يتولاهما جميعًا، أمير الحرب هو إمام الصلاة، وكلاهما فيه الصف الذي يحبُّه الله، وكلاهما فيه الطاعة والجماعة. ولهذا كان أول ما نزل من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
(1/77)

الَّذِي خَلَقَ}، فأول هذه السورة الأمر بالقراءة، وآخرها الأمر بالسجود {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19].
والصلاة أقوال وأعمال، فأفضل أقوالها القراءة، وهو أوكد أركانها القولية، وأفضل أعمالها السجود، وهو أوكد أركانها الفعلية. وقد اختلف العلماء أيهما أفضل؟ كثرة الركوع والسجود أو طول القيام؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد، أصحُّها أنهما سواء، فإن فضل الركوع والسجود يُعادِلُه فضل القراءة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسوِّي بينهما، فإذا أطال أحدَهما أطال الآخر، كما في قيام الليل وصلاة الكسوف، وبالعكس.
وهذان الركنان مشروعان على سبيل الاستقلال، فإن القرآن يُقرأ خارجَ الصلاة، والسجود يُفعَل مفردًا في سجود التلاوة والشكر والسهو، وآخر السور {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1]، وهو تمام مقصود الجهاد.
ولهذا كان خواصُّ الأمة صنفين: العلماء أهل القرآن، والأمراء أهل السيف، وهم أولو الأمر الذين قال الله فيهم: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59]، فهؤلاء أولو الأمر.
وأما أقسام الأمة فقد ذكرهم في سورة المزمل لما نسخَ ما كان افترضه من قيام الليل، فقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ
(1/78)

وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل:20]، فأمرهم بقراءة ما تيسَّر من القرآن، فإن من المسلمين المعذور بالمرض، ومنهم التاجر الضارب في الأرض يطلب فضل الله، ومنهم المقاتل في سبيل الله.
ولهذا كانت أصناف الأمة ثلاثة: أهل القرآن، وأهل المال، وأهل السيف، وكانوا يسمون أهل القرآن «القراء»، وهم اسمٌ يجمع عندهم لأهل العلم والدين، فإن العلماء إنما كانوا يتفقهون في القرآن، والعبَّاد إنما كانوا يتعبدون بالقرآن، فأهل العلم والكلام لهم ما أنزله الله من العلم والكلام، وأهل السماع والوجد لهم سماع القرآن والوجد به، وكان هذا الصنف في السلف شيئًا واحدًا قبل تفرق الأمة.
ويؤخذ من الآية أن المريض والمسافر والمجاهد يُكتَب له مثل ما كان يعمل، كما ثبت في الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له من العمل مثلُ ما كان يعمل وهو صحيح مقيم». فهذا نصٌّ في المسافر والمريض، وأما المجاهد فأمره أبلغُ من هذا، فإن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المجاهد
(1/79)

في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت الذي لا يَفتُر في صلاة ولا صيام». وقال له رجل: أخبرني بعملٍ يَعْدِلُ الجهادَ في سبيل الله، قال: «لا تستطيع»، قال: أخبِرْني به، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهدُ أن تصومَ لا تُفطِر وتقومَ لا تَفتُر؟» قال: لا، قال: «فذلك الذي يَعدِلُ الجهادَ في سبيل الله». إلى أمثال هذه النصوص.
ولما تفرقت الأمةُ صار من جنس أهل القرآن سائرُ أنواع أهل العلم والدين، حتى إنه لما انتشر الأمر صار من جنسهم أهلُ التكلم في العلم والتعبُّد من أهل البدع وغيرهم. ولما ظهرت الدولة الجاهلية دولة المغل جعلوا العالم كذلك ثلاثة أقسام: أهل السيف وهم المقاتلة، وأهل المال والصناعات، ويسمونهم «الصاط»، وأهل العلم والدين، ويسمونهم «دانِشْمَنْد»، ويدخل في هذا عندهم الفقيه والزاهد، والقسيس والراهب وعلماء اليهود، والأطباء والحُسَّاب، وعلماء الصابئة والمشركين من المنجمين والنجسية وغير ذلك.
وكذلك صار من جنس أهل الجهاد كل حامل سلاحٍ وأعوانهم، سواء كانوا يقاتلون في سبيل الله أو في سبيل الملوك أو القبائل أو غير ذلك. وكذلك صار من جنس التجّار وُلاة الأموال الخاصة والمشتركة من الكتَّاب والوزراء.
(1/80)

فصل
قد ذكرتُ في غير هذا الموضع أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان: هل هو الجسد وهو الجملة المشاهَدة، كما يقوله أكثر أهل الكلام من أصحابنا وغيرهم، أو هو اسمٌ لمعنًى وراءَ هذه الجملة وهو الروح، كما يقوله كثير من أهل الفلسفة وطائفة من أهل الكلام، أو هو اسمٌ للمجموع؟ على ثلاثة أقوال.
والثالث هو الصواب الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، وعليه عامة أهل السنة وجمهور الناس، وإن كان الاسم عند التقييد يتناول الجسدَ فقط، أو الروح فقط، أو أحدهما بشرط الآخر، فيكون الآخر شرطًا تارةً، كما كان شَطْرًا في الأصل.
وكذلك اختلفوا في وصفه الظاهر، وهو النطق المذكور في قوله: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات:23]، هل هو اسمٌ للحروف والأصوات فقط؟ كما هو قول المعتزلة وطائفة من أهل السنة من أصحابنا وغيرهم، أو هو اسمٌ لمعنًى قائم بالنفس وراءَ الحروف والأصوات؟ كما هو قول الكلّابية والأشعرية وبعض أهل الحديث والسنة، أو هو اسمٌ لمجموع اللفظ والمعنى؟ على ثلاثة أقوال.
والثالث هو الصواب الذي عليه الأئمة، وهو منصوص أحمد
(1/81)

وغيره، حيث قد نصَّ على أن كل واحدٍ من المعاني والحروف داخلةٌ في مسمى الكلام، وهو قول جمهور الخلق، وهو مدلول الكتاب والسنة، وإن كان الكلام يقع [على اللفظ] تارةً وعلى المعنى تارةً، إما مجردًا وإما بشرطِ الآخر، وهذا في الحروف كثير، فإن إضافة الكلام والمنطق والقول إلى اللسان ووضع ذلك على الحروف والأصوات كثير.
وأما إضافة ذلك إلى النفس والقلب ووضع ذلك على المعاني فمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عمّا حدَّثتْ به أنفسَها ما لم تتكلَّمْ به أو تعملْ به»، ومثل قول أبي الدرداء: لِيحذَرْ أحدُكم أن تلعنَه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، وقول: إنا لنكشِرُ في وجوه أقوامٍ وإن قلوبنا لَتلعنُهم. فأضاف اللعنة إلى القلوب، واللعنة من الدعاء الذي هو أحد نوعي الكلام. ومثل قول الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نَطَقَتْ، فإذا لها أسماعٌ وأبصارٌ، فأورثت العلمَ ونطقت بالحكمة. ومثل قول الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب.
(1/82)

فصل
قال الله تعالى فيما ذكره من موعظة لقمان لابنه: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19]، ويُشبهها قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان:63].
وذلك أن فعلَ الإنسانِ وسائرِ الحيوان إما حركةٌ وإما صوتٌ، وإن كان يدخل في مسمَّى الحركات والأصوات أمورٌ كثيرة، فأمر لقمان بالقصد في المشي الذي هو الحركة والعمل، وبأن يغض من الصوت، فكان في هذا دلالةٌ على كراهة ما خرجَ عن القَصْدِ والغَضِّ، مثل الصوتين الأحمقين الفاجرين عند النعمة: صوتِ الفرح بالغناء والزَّمْر، وعند المصيبة بالنَّدبِ والنوح. وقال للشيطان: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء:64]، وصوتُ الشيطان ما يُحِبُّه ويأمرُ به وإن كان قائمًا بإنسانٍ أو جمادٍ كأصواتِ الملاهي وغيرها، فصوتُ الشيطان يَستفِزُّ الناسَ أي يُحرِّكهم ويُزعِجُهم ويُثِيرُهم. وهذا أثر الصوت وهو التحريك كما أنه صادر عن الحركة، فسببه الحركة وغايتُه الحركة.
والأصوات تؤثِّر في الحيوان بحسبها، فإذا كان الحيوان له قوتان: قوة الشهوة والجذب، وقوة الغضب والدفع، كان الصوتُ منقسمًا إلى هذين القسمين: صوت للمحبوب وصوت للمكروه. كما أن الحركة
(1/83)

تنقسم إلى هذين القسمين. ثم إما أن يكون الصوت والحركة لطلب المحبوب أو دفع المكروه أو لحصول المحبوب أو لحصولِ المكروه، فصارت الأصوات أربعة: صوت شوق، وصوت غضب، وصوت فرح، وصوت حزن. فالشوق والفرح من بابٍ، والغضب والحزن من باب.
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوتين الأحمقين الفاجرين: صوتِ الحزن وصوتِ الفرح، ولهذا استُحِبَّ خفضُ الصوتِ في المواطن الثلاث: موطن الغضب والحزن وموطن الذكر، قال قيس بن عُبَاد: كانوا يستحبون خفضَ الصوتِ عند الذكر وعند الجنائز وعند التحام الحرب.
وقد ابتدع الناسُ عند الذكر رفعَ أصواتٍ وعند الجنائزِ أيضًا، وعند الحرب بُوقاتٍ ودَبادِبَ، وابتدعوا المكاء والتصدية المضارع للذكر، وحصل عنده أصواتٌ وحركاتٌ. ورُخِّص في الصوت عند الفرح الشرعي، واستحبَّ عند النكاح لإعلانه.
فالذي يحصل من الرقص والحركات هو خلاف القصد في المشي، والذي يحصل من الغناء والمزامير خلاف غضّ الصوت ولهذا
(1/84)

يحصل بهذا خلافُ ما ذكر الله في قوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:72 - 73]، فإنهم يُصغُون إلى اللغو ويخرّون عند آيات الله صمًّا وعميانًا، والصوت المطلق أو المتضمن لنوع تشويق أو تحزين أو تفريح أو تغضيب يُوجِب حركةً مطلقةً، لا إلى معبود معيَّن ولا لعبادة معينة، فلذا تجد غالبَ المتنغمين للصوت المطلق أربابَ حركةٍ مطلقةٍ ضالِّين، لا يَعرِفون من يعبدون ولا بماذا يعبدون. لكن قد يحصل لهم تأثيرات شيطانية لاستفزاز الشيطان. فظهر بالانحراف اليهودي صوت الغضب بالحاجات العلمية، وبالانحراف النصاري صوت بالمطربات الجالبة الخطأ لمعترض.
وأما سببه فقد يكون حركة حيوان، وقد يكون حركة غير حيوان، إما طبعية وإما قَسْرية، ولكن القسرية الطبعية فرع الاختيارية، فإن الحيوان ....... إلا عن حيوان.
يبيِّن ذلك أنه لما حصل في المنحرفين إلى شبهٍ من النصرانية التحركُ عن الصوت المطلق، سواء كان بالآيات أو بأبيات، بل منهم من يُرجِّح السماع لصوت الأبيات، لما تتضمنُه من مطلق وصف الشوق والوصل والهجر وأحوال الحبّ المطلق أو الحزن المطلق، بل قد
(1/85)

يُرجِّح سماعَ الصوتِ المحض الذي لا حروفَ معه، سواء كان صوت إنسانٍ بمجرده أو مقترنًا بالأبواق والصفّارات والدُّفوف المصلصلة والأوتار وغير ذلك، لما في الصوت من تحريكه وتهييجه والتذاذه به بحسب حاله، كما يُصيب المتحرك عن الشراب والطعام الجسماني من الخمر والحشيشة، أو عن العيان النفساني في الشاهد ونحوه.
وهذا الإنحراف إنما وقع في النصارى من الصابئة الفلاسفة الذين هم أئمة صناعة الصوت التي يسمونها الموسيقى، دخل بسبب هذا القدر المشترك بينهم وبين الصائبة قومٌ من الصابئة في اسم التصوف ونحوه، وقرروا الانحرافات الصابئية. قال الشافعي رضي الله عنه: خلَّفتُ ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، يَصدُّون به الناسَ عن القرآن. فإن إحداث التغبير إنما هو من المتفلسفة الزنادقة، ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي في «مسألة السماع» عن ابن الراوندي أنه قال: اختلفَ الفقهاءُ في السماع هل هو حلال أو حرام؟ وأنا أقول: هو واجب. وهذا قول الزنادقة كما ذكره الشافعي.
ولهذا قرَّر ابن سينا في الإشارات وغيرُه من المتفلسفة أَمْرَ سماع الألحان وعشْق الصور، وجعلوه من جملة الطريق التي تُوصِلُ إلى الله
(1/86)

وتُزكِّي النفوس، وهاتان الآفتان هي التي دخل بها الشيطانُ في المتصوفة، كما قال: رأيتُ إبليسَ فقلت: يا عدوَّ الله، نَجَوْنا منك، فإنا تركنا الدنيا التي تصطاد بها الناس، أو كلامًا هذا معناه. فقال: ولكن بقي لي فيكم لطيفة السماع وصحبة الأحداث.
لكن العقلاء إذا وقعوا في ذلك علموا أنه من هَوَى النفوس، وأنه من الذنوب التي يجب على صاحبها التوبة والاستغفار. وأما الضالُّون فاتخذوه دينًا، كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا} [الأعراف:51]، فلَهَوْا عن الحق ولعبوا بالباطل. وهذا شأن هذه السيئات المنهي عنها من الأغاني ونحوه كالخمر، فإنها تَصُدُّ عن الحسنات المأمور بها من الذكر والصلاة والعلم النافع والعمل الصالح، وتُوقِع في مفاسدَ بحسبها، كما تُوقِع الخمرُ في العداوة والبغضاء، إما في زنًا وإما في نفاق، كما قال ابن مسعود: الغناء يُنبِتُ النفاقَ في القلب كما يُنبتُ الماءُ البقلَ.
فخَمرُ الجسم هي الشرابُ وتُسكِر صاحِبَها، وخمرُ النفس هي الصور والعشق، وهي تُسكِر صاحبَها، وخمرُ الأرواح الصوتُ المطرب
(1/87)

وسماعُه، وهو يُسكِر صاحبَه. ولهذا قد يَحصلُ لأهلِه مع الأحوال من العداوة والبغضاء والعَربدة، من جِنسِ ما يحصُلُ للشَّرْبِ المجتمعين على الحُمَيَّا.
وكما دخلت الصابئةُ بسبب انحراف بعض أصحابنا الصوفية إلى القدر المشترك في الصوت والصُّور، دخلوا أيضًا في الشرك من تعظيم القبور وغير ذلك، كما فعله ابن سينا وابن الخطيب وقاضي حَماة ابنُ واصل وغيرهم في تقرير الاستغاثة بالموتى، بناءً على أن الروح المفارقةَ تَعضُدُ الأرواحَ المستغيثةَ بها، وهذا مبدأ الشرك وعبادة الأوثان، وتعدَّت العامة ذلك إلى رسم عبادة الأصنام والأوثان، كما فعل ابن الخطيب في كتاب الطلاسم والسحر، وقصدوا أصل الشرك الذي بعث الله الرسل بتحريمه وجعله أصل الشرك، وغيَّروا بذلك ملة التوحيد التي هي أصل الدين، كما فعله قدماء المتفلسفة الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله.
ومن أسباب ذلك الخروجُ عن الشريعة الخاصة التي بعث الله بها محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى القدر المشترك الذي فيه مشابهة الصابئين أو النصارى أو اليهود، وهو القياس الفاسد المشابه لقياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، فيريدون أن يجعلوا السماعَ جنسًا واحدًا، والتألُّه جنسًا واحدًا، ولا يميزون بين مشروعه ومبتدعه، ولا بين المأمور به والمنهي عنه.
(1/88)

فالسماع الشرعي الديني سماعُ كتاب الله وتزيين الصوتِ به وتحبيره، كما قال صلى الله عليه وسلم: «زَيِّنُوا القرآن بأصواتِكم»، وقال أبو موسى: لو علمتُ أنك تسمعُ لحَبَّرْتُهُ لك تحبيرًا.
والصُّوَرُ: الأزواج والسراري التي أباحَها الله تعالى، والعبادة: عبادة الله وحده لا شريك له {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ} [النور:36 - 37].
وهذا المعنى يقرر قاعدة اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحابِ الجحيم، وينهى أن يشبه الأمر الديني الشرعي بالطبعي البدعي لما بينهما من القدر المشترك، بل يُعلَمُ أن القدر المشترك كالصوت الحسن ليس هو لوحده مشروعًا، حتى يَنضَمَّ إليه القدر المميِّز كحروف القرآن، فيصير المجموع من المشترك والمميز هو اللين النافع.
(1/89)

فصل
قاعدة: قد عُرِفَ أن النفس بل وكل حيّ له قوتان: قوة الحب وقوة البغض، وهاتان القوتان جنسان عاليان تحتهما أنواعٌ، ولهما توابعُ تختلف أسماؤها وأحكامُها، مثل الشهوة والغضب اللذين للحيوان مطلقًا، ومثل الطمع والرجاء والرغبة التابع للحب، والخوف والفَرَق والرهبة التابع للبغض، فإن الحي لا يرغب ويرجو إلّا ما يحبُّه ويشتهيه، ولا يخاف ولا يرهَب إلّا ما يبغضه وينفر عنه.
قال الله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء:57]، وقال: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]، وقال: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:90]
وكل وعدٍ ووعيدٍ في القرآن فهو ترغيب وترهيب وتخويف وترجيةٌ، فإن النعيم محبوبٌ للحيِّ، والعذاب مكروه له. والرجاء والخوف يتعلق بالمحبوب والمكروه قبل وقوعه، وكل منهما مركب من قوة علميةٍ وهو تجويز الوقوع، وعمليةٍ وهو الحب والبغض.
ومن ذلك اللذة والفرح والسرور والنعيم، فإنه متعلق بحصولِ المحبوب واندفاع المكروه، والألمُ والغمُّ والحزنُ والعذابُ فإنه متعلق
(1/90)

بحصولِ المكروه واندفاعِ المحبوب. فالحبّ والشهوة كالسبب الفاعل في المطلوبات، والفرح واللذة كالعلة الغائية.
ومن ذلك أن الإرادة والرحمة والصلاة على الشيء من جنس المحبة، والكراهة والغضب واللعنة من جنس البغض. وكذلك الحسد -الذي هو كراهة النعمة وتمنِّي زوالها- من جنس البغض، يخالف الغبطةَ التي قد تُسمَّى حسدًا، وهي محبةٌ لمثل نعمةِ الغير، فإنها من جنس المحبة، ولهذا حُرِّم الأول دون الثاني، وشُرِعَ الثاني في العلم والمال المُنْفَقَينِ في سبيل الله.
ومن ذلك أن المغفرة ودفع المكروه والرحمة فعلٌ لمحبوب، ومن ذلك أن المولاة والمصادقة والمؤانسة والمعاشرة ونحو ذلك هي من توابع المحبة، والمعاداة والمجانبة والمواحشة والمهاجرة هي من توابع البغض. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنَعَ لله فقد استكمل الإيمان»؛ لأن هاتين القوتين في القلب الذي هو يملك الحسد والعطاء والمنع في المال، فإذا كان جميع الأفعال في النفس والمال لله صار العبد كلُّه لله، وذلك هو كمال الإيمان.
واعلم أن المقصود بالقصد الأول هو فعل المحبوب، وهو عبادة
(1/91)

الله وحده لا شريك له، فإن الجن والإنس خُلِقوا لذلك، لكن لا يتم ذلك إلّا بدفع المكروه، والأول قوة الرزق والثاني قوة النصر، ولا غِنًى لأحدهما عن الآخر، فإن اندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدمٌ، إذ لا محبوب ولا مكروه، وحصول المحبوب والمكروه وجودٌ فاسدٌ، إذ قد حصلا معًا، وهما متقابلان في الترجيح، فرُبَّما تختار بعضُ النفوس هذا وتختار بعضُها هذا، وهذا عند التكافؤ.
وأما المكروه اليسير مع المحبوب الكثير فيترجح فيه الوجود، كما أن المكروه الكثير مع المحبوب اليسير يترجح فيه العدم. لكن لما كان المقتضي لكل واحدٍ من المحبوب والمكروه الذي هو الخير والشر موجودًا، وبتقدير وجودِهما يحصل الضرّ كالرزق مع الخوف، صار يعظم في الشرع والطبعِ دفعُ المكروه، أما في الشرع فبالتقوى، فإن اسمها في الكتاب والسنة والإجماع عظيم، والعاقبة لأهلها والثواب لهم. وأما في الطبع فتعظيم النفوس لمن نصرهم بدفع الضرر عنهم من عدوٍّ أو غيره، فإن أهل الرزق معظِّمون لأهل النصر أكثر من تعظيم أهل النصر لأهل الرزق. وذلك -والله أعلم- لأن النصر بلا رزقٍ ينفع، فإن الأسباب الجالبة للرزق موجودة تعملُ عملَها، وأما الرزق بلا نصرٍ فلا ينفع، فإن الأسباب الناصرة تابعة.
وفي هذا نظرٌ، فقد يقال: هما متقابلان، فإن أهل النصر يحبون أهل
(1/92)

الرزق أكثر مما يحبّ أهلُ الرزق لأهل النصر، فإن الرزق محبوب والنصر معظَّم.
وقد يقال: بل النصر أعظم كما تقدم، فإن اندفاع المكروه محبوب أيضًا، وهو لا يحصل إلا بقوة الدفع التي هي أقوى من قوة الجذب، فاختص الناصر بالتعظيم لدفعه المعارضَ، وأما الرازق فلا معارضَ له، بل له موافق، فالناصر محبوب معظَّم.
وقد يُقَابَل هذا بأن يقال: وثواب المحبوب مكروه أيضًا، والمحبوب لا يحصل إلا بقوة الجذب، ولا يُسلَّم أن قوة الدفع أقوى، بل قد يكون الجذب أقوى، بل الجذب في الأصل أقوى؛ لأنه المقصود بالقصد الأول، والدفع خادمٌ تابعٌ له. وكما أن الدافع دفعَ المعارضَ فالجاذبُ حصَّل المقتضي، وترجيح المانع على المقتضي غير حق، بل المقتضي أقوى بالقول المطلق، فإنه لا بدَّ منه في الوجود. وأما المانع فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض، وقد لا يكون معارضٌ. فالمقتضي والمحبة هو الأصل والعمدة في الحق الموجود والحق المقصود، وأما المانع والبغضة فهو الفرع والتابع.
ولهذا كتب الله في الكتاب الموضوع عنده فوق العرش: «إن رحمتي تَغْلِب غضبي». ولهذا كان الخير في أسماء الله وصفاته، وأما الشرُّ ففي الأفعال كقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ
(1/93)

عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر:49 - 50]، وقوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:98].
يبقى أن يُقال: فلِمَ عُظِّمت التقوى؟
فيقال: لأنها هي تحفظ الفطرةَ وتمنع فسادها، واحتاج العبد إلى رعايتها، لأن المحبة الفطرية لا تحتاج إلى تحريك. ولهذا كان أعظم ما دعت إليه الرسلُ الإخلاص والنهي عن الإشراك، لأن الإقرار الفطري حاصل، لوجود مقتضيه، وإنما يحتاج إلى إخلاصه ودفْعِ الشرك عنه. ولهذا كانت حاجة الناس إلى السياسة الدافعة لظلم بعضهم عن بعضٍ، والجالبةِ لمنفعة بعضهم بعضًا، كما أوجبَ الله الزكاة النافعة وحرَّم الربا الضارَّ.
وأصل الدين هو عبادة الله، الذي أصله الحبُّ والإنابة والإعراض عمَّا سواه، وهو الفطرة التي فطر عليها الناس، وهذه المحبة التي هي أصل الدين انحرف فيها فريقٌ من منحرفة الموسوية من الفقهاء والمتكلمين، حتى أنكروها وزعموا أن محبة الله ليست إلّا إرادة عبادته. ثم كثيرٌ منهم تاركون للعمل بما أُمِروا به، فيأمرون الناسَ بالبر وينسون أنفسهم، وهذا فاشٍ فيهم، وهو عدم المحبة والعمل. وفريقٌ من منحرفة العيسوية من الصوفية والمتعبدين، حتى خلطوها بمحبة ما يكرهه، وأنكروا البغض والكراهية، فلم يُنكروا شيئًا ولم يكرهوه، أو قصَّروا في الكراهة والإنكار، وأدخلو فيها الصور والأصوات ومحبَّة الأنداد.
(1/94)

ولهذا كان لِغُواةِ الأولين وصفُ الغضب واللعنة الناشئ عن البغض، لأن فيهم البغض دون الحب، وكان لِضُلَّالِ الآخرين وصفُ الضلال والغلو، لأن فيهم محبةً لغير معبودٍ صحيح، ففيهم طلب وإرادة ومحبة، لكن لا إلى مطلوبٍ صحيحٍ ولا مرادٍ صحيحٍ ولا محبوبٍ صحيحٍ، بل قد خلطوا وغَلَوا وأشركوا، ففيهم محبة الحق والباطل، وهو وجود المحبوب والمكروه، كما في الآخرين بغض الحق والباطل، وهو دفع المحبوب والمكروه.
والله سبحانه يهدينا صراطَه المستقيم، فنحمد من هؤلاء محبةَ الحق والاعتراف به، ومن هؤلاء بُغضَ الباطل وإنكاره.
(1/95)

فصل*
وباعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم التي هي أفضل الجنس الإنساني، وهم العرب والروم والفرس، فإن هذه الأمم هي التي ظهرت فيها الفضائل الإنسانية، وهم سكان وسط الأرض طولًا وعرضًا، فأما من سواهم كالسودان والترك ونحوهم فَتَبَعٌ.
فغلبَ على العرب القوة العقلية النطقية، واشتُقَّ اسمُها من وصفها، فقيل لهم «عرب» من الإعراب، وهو البيان والإظهار، وذلك خاصة القوة المنطقية.
وغلبَ على الروم القوة الشهوية من الطعام والنكاح ونحوهما، واشتُقَّ اسمُها من ذلك، فقيل لهم «الروم»، فإنه يقال: رُمْتُ هذا أرومُه، إذا طلبته واشتهيته.
وغلبَ على الفرس القوة الغضبية من الدفع والمنع والاستعلاء والرئاسة، واشتُقَّ اسمُها من ذلك فقيل «فُرس»، كما يقال: فَرَسَهُ يَفْرِسُه إذا قَهَره وغَلَبه.
ولهذا توجد هذه الصفات الثلاثة غالبةً على الأمم الثلاث حاضِرَتِها وبادِيَتِها، ولهذا كانت العرب أفضل الأمم، ويليها الفرسُ؛ لأن القوة الدفعية أرفع، ويليها الروم.
__________
* المتأمل لهذا الفصل وتوابعه يجد أنه تابع للقاعدة السابقة في الحب والبغض، وليس فصلًا مستقلًّا كما جاء في فهرس الكتاب المطبوع، لذا وجب التنبيه. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(1/96)

فصل
وباعتبار هذه القوى كانت الفضائل ثلاثًا:
فضيلة العقل والعلم والإيمان التي هي كمال القوة المنطقية.
وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية، وكمال الشجاعة هو الحِلْم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديدُ بالصُّرَعَةِ، وإنما الشديدُ الذي يَمْلِكُ نفسَه عند الغضب». والحلم والكرم مَلْزُوزَانِ في قَرَنٍ، كما أن كمال القوة الشهوية العفة. فإذا كان الكريم عفيفًا والشجاع حليمًا اعتدلَ الأمر.
وفضيلة السخاء والجود التي هي كمال القوة الطلبية الحُبِّية، فإن السخاء يَصدُر عن اللين والسهولة ورطوبة الخلق، كما تَصدُر الشجاعةُ عن القوة والصعوبة ويُبْسِ الخلق.
فالقوة الغضبية هي قوة النصر، والقوة الشهوية هي قوة الرزق، وهما المذكوران في قوله: {أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:4]. والرزق والنصر مفسران في الكتاب والسنة وكلام الناس كثيرًا.
وأما الفضيلة الرابعة التي يقال لها العدالة فهي صفة منتظمةٌ للثلاث، وهو الاعتدال فيها. وهذه الثلاث الأخيرات هي الأخلاق
(1/97)

العملية، كما جاء في حديث سعد لما قال فيه العَبْسِي: إنه لا يَقْسِم بالسَّوِيَّة، ولا يَعدِل في القضية، ولا يخرج في الشهادة.
فصل
وباعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث المسلمون واليهود والنصارى، فإن المسلمين فيهم العقل والعلم والاعتدال في الأمور، فإن معجزة نبيهم هي علم الله وكلامه، وهم الأمة الوسَط.
وأما اليهود فأُضعِفَت القوة الشهوية فيهم، حتى حُرِّم عليهم من المطاعم والملابس ما لم يُحَرَّم على غيرهم، وأُمِروا من الشدة والقوة بما أُمِروا به، ومعاصيهم غالِبُها من باب القسوة والشدة لا من باب الشهوات.
والنصارى أُضْعِفَتْ فيهم القوة الغضبية، فَنُهُوا عن الانتقام والانتصار، ولم تُضعف فيهم القوة الشهوية، فلم يُحَرَّم عليهم من المطاعم ما حُرِّم على من قبلهم، بل أُحِلَّ لهم بعض الذي حُرِّمَ عليهم، وظهر فيهم من الأكل والشرب والشهوات ما لم يظهر في اليهود، وفيهم من الرقة والرأفة والرحمة ما ليس في اليهود. فغالبُ معاصيهم من باب الشهوات لا من باب الغضب، وغالب طاعاتهم من باب النصر لا من باب الرزق.
(1/98)

ولما كان في الصوفية والفقراء عيسويةٌ مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الشهوات ووقع فيهم من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المُطرِبة ما يُذَمُّون به.
ولما كان في الفقهاء موسويةٌ مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الغضب ووقع فيهم من القسوة والكِبر ونحو ذلك ما يُذَمُّون به.
فصل
جنس القوة الشهوية: الحبُّ، وجنس القوة الغضبية: البغض، والغضبُ والبغضُ متفقان في الاشتقاق الأكبر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوثق عُرى الإيمان: الحبُّ في الله والبغضُ في الله». فإن هاتين القوتين هي الأصل، وقال: «من أحبَّ لله وأبغضَ لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان».
فالحبُّ والبغض هما الأصل، والعطاء عن الحبّ، وهو السخاء، والمنع عن البغض، وهو الشجاعة. فأما الغضب فقد يقال: هو خصوص في البغض، وهو الشدَّة التي تقوم في النفس التي يقترن بها غَلَيَانُ دَمِ القلب لطلب الانتقام، وهذا هو الغضب الخاص ولهذا تَعدِلُ طائفة من
(1/99)

المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة، ومن قابل الشهوة بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص، فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع إلى الشهوة، فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة الجاذبة الحُبيّة.
فصل
فعلُ المأمورِ به صادر عن القوة الإرادية الحبّية الشهوية، وتركُ المنهيِّ عنه صادرٌ عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية، والأمر بالمعروف صادرٌ عن المحبة والإرادة، والنهي عن المنكر صادرٌ عن البغض والكراهة، وكذلك الترغيب في المعروف والترهيب من المنكر والحضُّ على هذا والزجر عن هذا. ولهذا لا تكفُّ النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية، وبذلك يقوم العدل والقسط في الحكم والقَسْمِ وغير ذلك، كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية الشَهوية.
فصل
قد عرف ...
(1/100)

فصل
المشهور عند أهل السنة القائلين بعدم تخليد الفاسق ورجاء الشفاعة له والرحمة: أنه لا يُحبِطُ العملَ إلّا الكفرُ؛ فإن نصوص القرآن تقتضي حُبُوطَ العمل بالكفر في مثل البقرة والمائدة والأنعام والزمر وق وغير ذلك. وهذا لأن ما سوى الكفر من المعاصي يثبت معه أصلُ الإيمان، ولا بدَّ أن يخرج من النار من كان في قلبه ذرةٌ من إيمان. وأما الكفر فينتفي معه الإيمان الذي لا يُقْبَلُ العملُ إلّا به، كما قال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء:124]، {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإسراء:19]، إلى نصوص متعددة يصف فيها بطلان عمل الكافر وتحريم الجنة عليه.
وأما المعتزلة فإنهم يقولون بتخليد الفاسق الملّي، وأنه لا ينعم أبدًا، وأن من استحق العقابَ لا يستحقُّ ثوابًا بحالٍ، ومن استحقَّ الثوابَ لا يستحق العقاب؛ فالتزموا لذلك أن تَحْبَطَ جميعُ الأعمال الصالحة بالفسق، كما تَحبَطُ الأعمالُ بالكفر. ثم أكثرهم يُفسِّقون بالكبيرة، فيقولون: تحبط الأعمال بالكبيرة، ومنهم من لا يُفَسِّق إلا برجحان السيئات، وهي التي تُحبِطُ الأعمال. وهذا أقرب.
قلت: الذي يُنفَى من الإحباط على أصول أهل السنة هو حُبوط جميع الأعمال؛ فإنه لا يَحبَطُ جميعُها إلا بالكفر. وأما الفسق فلا يُحبِط
(1/101)

جميعَها، سواء فُسِّر بالكبيرة أو برجحان السيئات؛ لأنه لا بدَّ أن يُثابَ على إيمانه فلم يحبط.
وأما حبوط بعضها وبطلانه إما بما يُفسِده بعد فراغه، وإما بسيئاتٍ يقوم عقابُها بثوابه، فهذا حقٌّ دلَّ عليه الكتاب والسنة، كقوله: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة:264]، فأخبر أن المنَّ والأذى يُبطِل الصدقة، كما أن الرياء المقترن بها يُبطِلها، وإن كان كلٌّ منهما لا يُبطِل الإيمان، بل يُبطِله ورودُ الكفر عليه أو اقترانُ النفاقِ به.
وقوله في الحديث الصحيح: «إن الذي تفوتُه صلاة العصر فقد حَبِطَ عملُه». وقول .......... : «الحسد يأكلُ الحسنَاتِ كما يأكل الماء البقل». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت عنده لأخيه مظلمةٌ في عِرضٍ أو مالٍ فليأتِه، فليستحلَّ منه قبلَ أن يأتي يومٌ ليس فيه درهم ولا دينار، وإنما فيه الحسنات والسيئات». وقوله: «ما تَعدُّون المفلسَ
(1/102)

فيكم؟»، قالوا: المفلس من ليس له درهم ولا دينار. قال: «ليس ذلك بالمفلس، وإنما المفلس الذي يأتي بحسناتٍ أمثال الجبال، قد أخذ مالَ هذا، وأخذ عِرضَ هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم يبقَ له حسنةٌ أُخِذَ من سيئاتهم، فأُلقِي في النار».
(1/103)

فصل
قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة:108]، وهو -والله أعلم- من الردِّ بمعنى الترديد والتكرير، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن: «لا يَخْلَقُ عن كثرة الردِّ». أي تُردَّد أيمانٌ بعد أيمانهم، ليس هو من الردِّ الذي هو ردُّ اليمين، كردِّ النبي صلى الله عليه وسلم اليمينَ على المدَّعَى عليهم في القسامة لما امتنع المدَّعون من الأنصار، وكالردِّ المختلف فيه، لأنه هنا لم يحلف الأول فردّت اليمين على الثاني، فهو رجع لليمين الأول إلى الثاني، وفي مسألة المحايدة قد حلف الأولون عند ظهور اللَّوث وحلف المدعون يمينًا ثانيةً، فهنا تكرير وهناك تحويل، لكن يشتركان في معنى الرد الأصل.
فإنه كما أن الاشتقاق بحسب الحروف ينقسم إلى أكبر وأوسط وأصغر، وهو ما اتحد فيه الحروف ......... ، فكذلك ينقسم بحسب المعاني إلى ما يتحد فيه المعنيان من كل وجه، أعني في القدر المشترك، كما في ضرب وضارب، وإلى ما يتحدانِ في الأصل دون
(1/104)

الوصف، وإلى ما يتحدانِ في الجنس دون النوع. وهذا كثير لمن تأمله، وعليه تنبني مسائل «الخصائص» و «ألفاظ القرآن» للراغب وغير ذلك ممن يحوم على أن يجعل أصل معنى الحروف شيئًا واحدًا ثمَّ يُفصِّله في تصاريفه.
فأصل «الردّ» الرَّجْع، والرجع يقتضي تصييرَه إلى حالٍ ثانية كان عليها، فصار فيه معنى التثنية، وصار الترديد والترجيع يُعبَّر به عن التثنية، كما في قوله: {ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك:4]. فصارت الرجوع تارةً يُعتبر في ذات فقط وإن اختلفت محالُّه، كرد اليمين وردِّ الفاضل عن الفروض. وتارةً يُعتَبر فيه المحل وهو الأصل والأول إنما يُسمَّى ردًّا بالتقييد، كقوله: ردّه على هذا. ثم تارةً يكون ردُّه ثانيًا مع بقاء الحال الأولى، وتارةً يكون مع بطلانِ الحالِ الأولى، إما الموجودة وإما المقدرة، فيكون الردُّ الذي هو خلاف القول من هذا الوجه؛ لأن العمل كان قد ذهب إلى محلٍّ، فردَّ عن ذلك المحلِّ إلى صاحبه، فمن يفهم هذا الباب يكون قد فَهِمَ ارتباطَ المعاني والحقائق التي هي مدلول الألفاظ وتناسبها، كما أن فهم الأول يكون من معرفة ارتباط الحروف بعضها ببعض.
(1/105)

[فصل]
قوله في حديث الكرب الذي رواه أحمد من حديث ابن مسعود: «اللهم إني عبدُك ابنُ عبدِك ابنُ أمتِك، ناصيتي بيدك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خَلْقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي ونورَ صدري وجَلاءَ حزني وذهابَ غمِّي، إلّا أذهبَ اللهُ همَّه وغمَّه، وأبدلَه به فرحًا».
الربيع هو المطر المُنبِت للربيع، ومنه قوله في دعاء الاستسقاء: «اللهمَّ اسْقِنا غيثًا مُغِيثًا ربيعًا مَرِيعًا». وهو المطر الوسميّ الذي يَسِمُ الأرضَ بالنبات، ومنه قول [مالك بن دينار]: القرآن ربيعُ المؤمن.
فسأل الله أن يجعلَه ماءً يحيا به قلبُه كما تَحيَا الأرضُ بالربيع، ونورًا لصدره، والحياةُ والنورُ جماعُ الكمال، كما قال: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا
(1/106)

فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام:122]. وفي خطبة أحمد بن جنبل: «يُحيُون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بنورِ الله أهل العَمَى»، لأنه بالحياة يخرج عن الموت، وبالنور يخرج عن ظلمة الجهل، فيصير حيًّا عالمًا ناطقًا، وهو كمال الصفات في المخلوق، وكذلك قد قيل في الخالق. حتى النصارى فسَّروا الأب والابن وروح القدس بالموجود الحيِّ العالم. والغزالي ردَّ صفاتِ الله إلى الحيِّ العالم، وهو موافق في المعنى لقول الفلاسفة: عاقل ومعقول وعقل. لأن العلم يستتبع الكلام الخبري، ويستلزم الإرادة والكلام الطلبي، لأن كلَّ حيٍّ عالمٍ فله إرادةٌ وكلام، ويستلزم السمع والبصر.
لكن هذا ليس بجيد، لأنه يقال: فالحيُّ نفسه مستلزمٌ لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كان أعظم آيةٍ في القرآن: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة:255]، وهو الاسم الأعظم، لأنه ما من حيٍّ إلا وهو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات. فلو اكتُفِي في الصفات بالتلازم لاكتُفِي بالحيِّ. وهذا ينفع في الدلالة والوجود، لكن لا يصحُّ أن يُجعَل معنى العالم هو معنى المريد، فإن الملزوم ليس هو عين اللازم، وإلّا فالذات المقدسة مستلزمة لجميع الصفات.
(1/107)

فإن قيل: فلم جمع في المطلوب لنا بين ما يوجب الحياة والنور فقط، دونَ الاقتصار على الحياة أو الازدياد من القدرة وغيرها؟
قيل: لأن الأحياء الآدميين فيهم من يهتدي إلى الحق، وفيهم من لا يَهتدي، فالهداية كمال الحياة، وأما القدرة فشرط في التكليف لا في السعادة، ولا يضرُّ فقدُها، ونور الصدر يمنع أن يريد سواه.
ثم قوله: «ربيع قلبي ونور صدري» لأنه -والله أعلم- الحيا لا يتعدى محلَّه، بل إذا نزل الربيع بأرضٍ أحياها، أما النور فإنه ينتشر ضوؤه عن محله. فلما كان الصدر حاويًا للقلب جُعِل الربيعُ في القلب والنورُ في الصدر لانتشاره، كما قوَّته المشكاة في قوله: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} [النور:35]، وهو القلب.
(1/108)

فصل
مما يُبيِّن أن طريقة أتباع الأنبياء من أهل السنة هي الموصلة إلى الحق دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين: أن المقصود هو العلم، وطريقه هو الدليل، والأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل، كإثبات الصفات لله مفصلة، ونفي الكفؤ عنه.
والفلاسفة يجيئون بالنفي المفصل: ليس بكذا ولا كذا، فإذا جاء الإثبات أثبتوا وجودًا مجملًا، واضطربوا في أول مقامات ثبوته، وهو أن وجوده هو عين ذاته أو صفة ذاتية لها أو عرضية؟ ونحو ذلك من النزاعات الذهنية اللفظية.
ومعلومٌ أن النفي لا وجود له، ولا يعلم النفي والعدم إلا بعد العلم بالثبوت والوجود، حتى إن طائفة من المتكلمين نفوا العلم بالمعدوم إلا إذا جعل شيئًا، لأن العلم -زعموا- لا بد أن يتعلق بشيء. والتحقيق أن العلم بالعدم يحصل بواسطة العلم بالموجود، فإذا علمنا أنه لا إله إلا الله تصورنا إلهًا موجودًا، وعلمنا عدم ما تصورناه إلا عن الله.
وكذلك سائر ما ننفيه لا بد أن نتصوره أولا ثم ننفيه، ولا نتصوره إلا بعد تصور شيء موجود، ثم نتصور ما يشابهه، أو ما يتركب من أجزائه، كتصور بحر زئبق وجبل ياقوت وآلهة متعددة ونحو ذلك، ثم ننفيه، وإلا فتصور معدوم مبتدع لا يناسب الموجودات بوجهٍ لا يمكن العقلَ
(1/109)

إبداعُه، سواء كان من العلوم النظرية أو العملية، كتصور الفاعل ما يفعله قبل فعله، فإنه في الحقيقة تصور معدوم ليوجد، كما أن غيره تصور معدوم ممكن أو ممتنع، يوجد أو لا يوجد، فالمعدوم الفعلي وغير الفعلي لا يُبْدِعه عقل الإنسان من غير مادة وجودية، كما لا تُبدِع قدرتُه شيئًا من غير مادة وجودية، وإنما الإبداع من خصائص الربوبية، وكيف يعلم؟ وكيف يفعل؟ باب آخر.
فثبتَ بهذا أن العلم بالموجود وصفاته هو الأصل، وأن العلم بالعدم المطلق والمقيد تبع له وفرع عليه، وأيضا فالعلم بالعدم لا فائدة للعالم به، إلا لتمام العلم بالموجود، وتمام الموجود في نفسه، إذ تصور «لا شيء» لا يستفيد به العالم صفة كمال، لكن علمه بانتفاء النقائص مثلًا عن الوجود علم بكماله.
وكذلك العلم بنفي الشركاء عنه علم بوحدانيته التي هي من الكمال، وكذلك تصور ما يراد فعله مفضٍ إلى وجود الفعل، وتصور ما يراد تركه مفضٍ إلى الترك الذي هو عدم الشر، الذي يكمل الموجود بعدمه.
وذلك أن هذا الذي ذكرته في العلم والقول يقوم مثله في الإرادة والعمل؛ فإن الإرادة متوجهة إلى الوجود بنفسه الذي هو الفعل، ومتوجهة إلى العدم الذي هو الترك على طريق التبع، لدفع الفساد عن المقصود الموجود. وإلّا فإرادةُ «لا شيء» لا يستفيد به العبد المريدُ فائدة، ولا تُحصِّل له كمالًا ولا لذةً.
(1/110)

ولهذا سألني بعض الأمراء مرةً: أيُّما أفضلُ: إيصالُ الحق إلى ربِّه أو دفعُ غيرِ ربِّه عنه؟ فقلت: أفضله هو المقصود لنفسه بالقصد الأول، وهذا مقصود لغيره بالقصد الثاني. وكذلك الورع ونفي البدع وكل ما ينفى في الاعتقاد والأقوال أو في الإرادات والأفعال، إنما يُطلَب به تحقيقُ الموجود والمقصودِ من ذلك ونفيُ الفساد عنه. ولذلك كان أهل السنة والورع أصلح اعتقادًا وعملًا من غيرِهم لنفي الفساد، مع ما يستلزم ترك الباطل من الحق الموجود والمقصود.
وأما الدليل فلا بدَّ في كل دليل عقلي -وهو القياس الشمولي المشتمل على المقدمتين- من إيجابٍ وعموم، إمّا مجموعًا في مقدمةٍ وإمّا مفرقًا في المقدمتين، ولذلك كان لا قياسَ عن سالبتينِ ولا جزئيتين. فعُلِمَ أنه لا بدَّ في كل دليل من علم وجودي إحَاطِيٍّ، وإلّا فالعلم العدمي لا يُنتج وحدَه، ولو اجتمع منه مقدماتٌ، فلا يكون وسيلةً إلى مطلوبٍ بحال.
فثبتَ أن العلم بالسلوب لا يَستقلُّ في المسائل والأحكام، ولا في الوسائل والأدلة، بل هو مفتقرٌ إلى العلم بالوجود فيهما، فمن كان الغالب على علمه وكلامه النفي والسلب كان الغالب ما لا يفيد، لا مقصودًا ولا وسيلة، ومن غلبَ على كلامه الإثباتُ والإيجاب كان الغالب عليه هو المفيد مقصودًا ووسيلةً. وهذا كلامٌ شريف برهاني، والذوقُ يُصدِّقُه والوجود يُحقِّقه.
(1/111)

وهذا الذي قررناه في العلم والقول في الأحكام والأدلة يجيء مثلُه في القصد والعمل في المقاصد والوسائل، فمن غلبَ عليه في ذلك الوجودُ في المقاصد والأعمال كانت طريقته أنفعَ ممن غلبَ عليه العدمُ فيهما، فالوجود راجح على العدم في نفسه وفي علمه وذكره وقصدِه والسعي إليه.
وكذلك أيضًا في القدرة والسمع والبصر وسائر الصفات، لكن لا بدَّ من نفيٍ وعدمٍ يدفع عن الوجود ما يَضُرُّه ويُفسِده، وإلّا فَسَد. فهذا هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولهذا إذا ترك المؤمن شيئًا من المكروهات فلا بدَّ أن يكون تركُه لإرادة أمرٍ موجود، فيتركه لوجهِ الله وإرادةِ ثوابه، أو للخوف من العقاب الذي يضرُّه. ولهذا اختلف الناس في المطلوب بالنهي: هل هو نفسُ العدم أو الامتناع الذي هو أمر وجودي؟ والتحقيق أن كلاهما مطلوبٌ للناهي، لكن فائدة الوجود وجودية، وفائدة العدم عدمية.
وقد اتفق الفقهاء على تعليل النفي بالنفي كتعليل الإثبات بالإثبات وتعليل النفي بالإثبات، فإن الوجود قد يقتضي عدمَ أشياء. أما تعليل الوجودِ بالعدم ففيه خلاف، وأصحابنا جوَّزوه، لأن النفي يتضمن الوجود .... .... وقد يقال: إرادة العدم تقتضي وجودًا ..... والله أعلم.
(1/112)

فصل عظيم المنفعة
في أمر المعاد
وذلك أن مذهب أهل السنة والجماعة ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه سلفُ الأمة وأئمتُها: الإيمانُ بالقيامة العامة التي يقوم الناس فيها من قبورهم لربّ العالمين، ويَجزِي العبادَ حينئذٍ ويحاسبهم، ويُدخِل فريقًا الجنةَ وفريقًا النارَ، كما هو مبيَّن في الكتاب والسنة.
والإيمان مع ذلك بنعيم القبر وعذابه، وبما يكون في البرزخ من حين الموت إلى حين القيامة من نعيم وعذاب، فالإنسان منذُ تفارق روحُه بدنَه هو إما في نعيم وإما في عذاب؛ فلا يتأخر النعيم والعذاب عن النفوس إلى حين القيامة العامة، وإن كان كمالُه حينئذٍ، ولا تبقى النفوس المفارقة لأبدانها خارجةً عن النعيم والعذاب ألوفًا من السنين إلى أن تقوم القيامة الكبرى. ولهذا قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس! إنكم تقولون: القيامة، القيامة، وإنه من ماتَ فقد قامت قيامتُه.
واسم «الساعة» في السُّنة قد يَرِد ويُراد به انقراضُ القرن وهلاكُ أهلِه، كما ذكر ذلك البغوي وغيره، وهو مذكور في أحاديث
(1/113)

صحيحة: «حتى تقوم الساعةُ» يريد به انخرامَ ذلك القرن؛ فلهذا هو مفسَّرٌ في نفس الحديث الصحيح.
وكذلك مذهب أهل السنة والجماعة: الإقرار بمعاد الأرواح والأبدان جميعًا، وأن الروح باقية بعد مفارقة البدن منعَّمةً ومعذَّبةً.
وأما أهل الأهواء فكان كثير من الجهمية والمعتزلة ونحوهم يُكذِّب بما في البرزخ من النعيم والعذاب، ولا يُقِرُّ بما يكون في القبر، كما ينكرون أيضًا وجودَ الجنة والنار، ولا يعتقدون نعيمًا ولا عذابًا ولا ثوابًا ولا عقابًا إلّا عند القيامة الكبرى.
ثم منهم من يقول: ليست الروح شيئًا باقيًا بدون البدن. وبعض هؤلاء يُقِرُّ بعذاب القبر ونعيمه للجسد فقط دونَ روحٍ باقية دونه. وهذا كثير في مقالات طوائف من أهل الكلام، وهم يتكلمون في إحداث العالم وإفنائه. وقد يزعمون أن العالم يَفنى بجملته ثم يعاد. ومنهم من يزعم أنه يَفنَى بعد دخول الجنة والنار، وأنهما يَفْنَيانِ، كما يُذكَر ذلك عن الجهم بن صفوان. وزعم أبو الهذيل أن حركاتهم تَفنَى، وأمثال هذه المقالات.
وفي مقابلة هؤلاء طوائف من الفلاسفة المشائين وغيرهم ومن قد يتبعهم من الملِّيين يُكذِّبون بالقيامة العامة، وإنما يُقِرُّون بالقيامة التي هي انقراض القرون، والطوفانات العامة، وبأن من ماتَ فقد قامتْ قيامتُه.
(1/114)

ويُقِرُّون بمعاد الأرواح دون الأبدان، ولا يُقِرُّون بتغيير هذا العالم، ولا بشَقِّ السماوات وانفطارها، وتكوير الشمس والقمر، واستحالة الأجسام العلوية، كما جاءت به النصوص. بل يُحرِّفون الكلِمَ عن مواضعه، ويتأولون ذلك على أنه أمثال مضروبة لحال المعاد الجزئي، وهو حال النفس عند مفارقة البدن. ولا يُقِرُّون بإحداثٍ ولا إفناء.
وقد تكلمنا من الرد على الطائفتين في غير هذا الموضع بما ليس هذا موضعه، لكن المقصود هنا أن القرآن لما كان هو كتاب الله الذي أنزله وهدى به عبادَه، وجعله تفصيلًا لكل شيء، وبيَّن فيه ما كان وما سيكون، وأخبر فيه من أمر المبدأ والمعاد والخلق والبعث بما فيه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين= كان من بليغ ذلك أنه سبحانه يذكر في السورة الواحدة أمر المعادين جميعًا، والقيامة الكبرى مع الصغرى التي هي الموت، كما ذكر ذلك في سورة الواقعة، فإنه سبحانه في أولها ذكر القيامة الكبرى، وذكر انقسام الناس إلى ثلاثة أصناف، ثم في آخرها ذكر ذلك عند الموت، فقال في أولها: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} إلى قوله: {وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ
(1/115)

وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة:1 - 50]. ثم ذكر من آيات المعاد ما ذكر، ثم قال في آخر السورة: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:81 - 96]. وهذا حال الإنسان عند الموت كما قال: فهلا تردونها، أي تردون النفس عند قبضها.
وكذلك قال سبحانه في سورة الأنعام: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام:2]، فالأجل المسمَّى هذا المحدود المقدر هو الذي يشترك فيه العباد، وهو أجل القيامة الكبرى، والأجل الأول هو الموت، ولهذا قيل: قد ينقص من هذا الأجل فتزاد هذه الروح، وقد يُزاد فيه فتنقص هذه الروح، والأجل المسمى لا يزاد ولا يُنقص، وهو وقت القيامة الذي لا يعلمه إلا الله.
ومن ذلك أنه ذكر هذين أيضًا في سورة القيامة، فقال: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:1 - 2]، فأقسم بالأمرين جميعًا:
(1/116)

بيوم القيامة وهو يوم الجمع ويوم القيامة الجامعة، وأقسم بالنفس وهي التي أصل القيامة الصغرى، فإن الصابئة الفلاسفة ونحوهم مدار أمرهم في هذا المعاد على إثبات النفس. وقرر أولًا سبحانه القيامة الكبرى فقال: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [القيامة:3 - 6]. والإنسان إنما ينكر وينتظر القيامة الكبرى، وأما الموت فكل أحد يعلم به. ولهذا كُره للخطباء أن يقتصروا في خطب الجمع والأعياد على التذكير بالموت ونحوه من الأمور التي لا يختص بها المؤمنون، وأحبوا أن يكون التذكير بما في اليوم الآخر مما أخبرت به الرسل.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العدد من خطبه {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق:1] لتضمنها ذلك، ويقرأ يوم الجمعة {الم (1) تَنْزِيلُ} [السجدة:1 - 2]، و {هَلْ أَتَى} [الإنسان:1]؛ إذ في هاتين السورتين ما يكون في الجمعة من الخلق والبعث؛ إذ فيه خُلِق آدم وفيه تقوم الساعة. وهاتان السورتان تضمنتا ذلك.
ثم إنه لما ذكر القيامة قال: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ
(1/117)

وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة:26 - 30]. وهذا ذِكرٌ لحال الموت. روى أبو بكر ابن المنذر في تفسيره وغيره من حديث هشام الدستوائي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: حتى إذا بلغت التراقي، قال: تُنْتَزعُ نفسُه حتى إذا كانت في تراقيه قالوا: من يَصعد بنفسه؟ ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ فذلك قوله: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}.
وروى أيضًا عن معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه قال: بلغني عن أبي العالية قال: يختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيُّهم يرقى به.
وذكر طائفة أن الراقي: الطبيب، والطبيب أيضًا إنما يُطلب في الدنيا لا في القيامة، فروى عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن شبيب عن أبي قلابة: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} قال: مَن طبيبٌ شافٍ؟
وروى أيضًا عن ابن ثور عن ابن جريج وعن معمر عن قتادة في
(1/118)

قوله: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}، قال: الطبيب.
وعن سهيل عن أبي صالح: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} قال: من طبيب.
وعن الضحاك بن مزاحم: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} قال: هو الطبيب.
وعن أبي عبيدة {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}: من يرقي.
وعلى القولين فالضمير في «بلغت» للنفس، قال ابن ثور عن ابن جريج في قوله: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} قال: الحلقوم.
وعن أبي عبيدة {بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ}: صارت النفس بين تراقيه.
ولهذا قال: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ}؛ لفراق النفس البدن، وقد روي أيضًا عن سفيان عن عمرو بن دينار أنه كان يقرأ: «وأيقن أنه الفراق».
وعن أبي سعيد عن قتادة {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ}: استيقن أنه الفراق.
وقوله: {مَنْ رَاقٍ} يجوز أن يراد به الطبيب الراقي، والراقي الذي
(1/119)

يصعد بالنفس ويرقَى بها، إذ كلا القولين يقال، وهذا إمّا على أن اللفظ المشترك يجوز أن يُراد به معنياه، أو على أن الكلمة نزلت مرتين، فأريد بها هذا المعنى في مرة، وهذا المعنى في مرة. مع أن الراقي الذي هو الطبيب أظهر، لقوله: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}، وهذا ذكرٌ لفاعل مخلوق واستفهامٌ عن راقٍ منكَّرٍ. وهذا ظاهر من حال أهل المريض، والملائكة معلومون لله، والله هو الذي يأمرهم بقبض الروح ويعين فاعل ذلك، فلا يكون هناك من يقول: هل من راقٍ؟ ولا اختصام في ذلك.
وذكر سبحانه الراقي دون الطبيب الذي يسقي الدواء ونحوه؛ لأن تعلق النفوس بالرُّقَى أعظم، ولهذا قال في صفة المتوكلين: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». والروح إذا بلغت التراقي قد يتعذر عليها الطعام والشراب، فلا يبقى إلا ما تتعلق به من الاسترقاء والدعاء ونحوه، وكان ذلك أعظم الأسباب.
قال تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}، قال الوالبي في تفسيره عن ابن عباس في قوله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} يقول: آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلّا من رحم الله.
وروى ابن المنذر من حديث سلمة بن سابور عن عطية عن ابن
(1/120)

عباس: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}، قال: الدنيا بالآخرة، وكذلك قال الضحاك.
وعن ابن جريج عن مجاهد في قوله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} أمر الدنيا بأمر الآخرة، وإنما لزوم الأمر عند الموت.
ومن حديث حماد بن سلمة عن كثير بن زياد عن الحسن في قول الله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قال: ساق الآخرة وساق الدنيا، أما سمعتم الشاعر يقول:
قد قامتِ الحربُ بنا على سَاقْ
قد تبيَّن الفتح لمن هو؟
وعن معمر عن قتادة في قوله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قال: الساق للدنيا بساق الآخرة.
وعن أبي عبيدة: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قال: مِثل شمَّرتْ عن ساقها.
(1/121)

وفيها قول ثانٍ عن بشير قال سألتُ الحسنَ، قلت: أرأيتَ قول الله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} الآية، قال: هما ساقك إذا التفَّتا.
ومن حديث سعيد عن قتادة: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قال: أما رأيت إذا حُضِر ضربَ برجلِه رجلَه الأخرى.
ومن حديث شيبان عن قتادة: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}: ماتَتْ ساقاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما جوَّالًا.
وعن داود بن أبي هند عن الشعبي في قول الله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}، قال: ساقا الميت.
وقد يقال: الآية تعمُّ المعنيين جميعًا.
{إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} قال ابن ثور عن ابن جريج في قوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} قال: في الآخرة.
وقوله: «في الآخرة» لا يمنع أن يكون عند الرب، كما قال مَن قال: التفت ساق الدينا بساق الآخرة، وهو بالموت. كما قال تعالى: {حَتَّى إِذَا
(1/122)

جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام:61 - 62]. وقد دخل عثمان على ابن مسعود في مرضه، فقال: كيف تجدك؟ فقال: أجدني مردودًا إلى الله مولاي الحقّ.
وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة:11]، وقال تعالى: {يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر:27 - 30]. وهذا الرد والرجوع مساقُها إلى الله، وهو هذا المعاد الذي يكون عند الموت. وقول المسترجع: «إنا لله وإنا إليه راجعون» يَعُمُّ هذا وغيره. وهذا هو التوفّي، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزمر:42]، وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة:11].
وقوله تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق:8]، و {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الإنشقاق:6] ونحو ذلك يتناول هذا وهذا.
وأول ما أنزل الله على رسوله سورة «اقرأ»، ذكر فيها الإيمان بالله واليوم الآخر، وذكر فيها حال الإنسان بين مبدئه ومعاده المذموم وحاله الممدوح، فذكر حال الأشقياء والسعداء، إذ قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
(1/123)

خَلَقَ} إلى قوله: {الْأَكْرَمُ} [العلق:1 - 3] تقريرٌ للخلق والربوبية، كما بيناه في غير هذا الموضع. وقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6 - 7]، وهو لحاله المذموم، وقوله: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} ذكرٌ للمعاد، وما بعد ذلك ذكر حال المؤمن وحاله مع الكافر.
وقد ذكرنا أنه ذكر من أول السورة: القيامةَ والنفس جميعًا، وقد أقسم بهما، كما روى ابن المنذر عن الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير، وفي رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} قال: يقسم ربكم بما شاء من خلقه.
وعن الحسن البصري وسعيد أيضًا: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} قال: أُقسِم.
وكذلك عن أبي عبيدة، قال: مجازه: أُقسِم بيوم القيامة وأُقسِم بالنفس اللوامة.
وأما النفس اللوَّامة فقد فُسِّرت بأنها التي تُلام وأنها التي تلوم،
(1/124)

وذلك أن صيغة «فعَّال» قد تكون للنسبة والإضافة، كما يقال: حدَّاد ونجَّار وخبَّاز وتمَّار ولبَّان وخيَّاط، أي صاحب كذا، فإذا قيل: «لوَّام» بهذا الاعتبار كان معناه صاحب لومٍ كثير، واللوم مصدر يضاف إلى الفاعل تارةً وإلى المفعول أخرى.
وقد تكون صيغة «فعَّال» توكيدَ فاعل، كعلَّام وضرَّاب وأكَّال ونحو ذلك، ومنه النفس الأمَّارة.
ولفظ «الفاعل» أيضًا يكون للنسبة، كتامرٍ ولابنٍ، وعلى هذا فما يقال: إن «فاعل» يكون بمعنى المفعول، مثل {مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق:6] ونحوه، قد يقال: إنه من هذا الباب بمعنى النسبة والإضافة.
ففي تفسير ابن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قوله: {اللَّوَّامَةِ} يقول: مذمومة.
ومن حديث شيبان عن قتادة: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} قال: يقسم الله بما شاء من خلقه، {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} الفاجرة، قال: يقسم بها.
وروى ابن المنذر من حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس: النفس اللوامة التي تلوم على الخير، تقول: لو فعلت كذا وكذا.
(1/125)

وعن قرة بن خالد عن الحسن: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} قال: إن المؤمن لا تراه إلّا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلمتي، ما أردتُ [بأكْلَتي]، ما أردتُ بحديثي نفسي، ولا تراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قُدُمًا لا يُعاتب نفسه.
وعن ابن ثور عن ابن جريج عن مجاهد في قوله: {بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} قال: تندم على ما فات وتلوم عليه.
وبه عن ابن جريج عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل ذلك. وهذا صحيح متصل عنه موافق لرواية عكرمة، وكلٌّ منهما أصح من رواية الوالبي، فإنها منقطعة، إذ الوالبي لم يسمع من ابن عباس.
قلت: وعلى هذا فاللوَّامة نحو الندَّامة والتوَّابة، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مذمومة قبل الندم بذمها وندمها، ملومة على ذلك، وهي ممدوحة بعد توبتها ولومها لنفسها. وفي مسند الإمام أحمد عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب العبد المفتَّن التواب».
(1/126)

وقد قيل: اللوم في الآخرة. روى ابن المنذر عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} قال: ما من أحد إلا وهو لائم نفسَه يوم القيامة، مُحسِن لا يكون زادَ في إحسانه، ومُسِيءٌ لا يكون أقلعَ عن سيئاته، مما يرى من عِظَم عقوبة الله.
والآية قد تتناول هذا المعنى، وهذه صفة لازمة للنفس، فإنها لا بدَّ أن تأتي ما تُلام عليه، ولا بدَّ أن تلومَ نفسَها، فإن لم يتب وإلا لامَ نفسَه في الآخرة، مع أن كل امرئ لا بد أن يلوم نفسه في الدنيا ولو لم يكن تائبًا إلى الله، إذا قد يفعل ما يندم عليه كما ندم ابن آدم القاتل على ترك دفن أخيه وإن لم يندم على قتله.
وكونها لوَّامةً قبل كونها أمَّارةً، وكثير من المتصوفة ونحوهم يجعل هذا في حال وهذا في حال، ويجعل الحال الثالثة أنها مطمئنة، ويقول: النفوس ثلاثة بهذا الاعتبار: أمَّارة ولوَّامة ومطمئنة، فالنفس المنتقلة إلى الحال الثالثة تتصف بالأوصاف الثلاثة، وأما غيرها فقد لا تكون مطمئنة.
والتحقيق: أن كونها أمَّارة ليس بملامٍ لها، فإن الله إنما أخبر عمن أخبر عنه أنه قال: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف:53]، فالنفس التي رحمها ربي ليست أمَّارة بالسوء، فالأمارة خاص،
(1/127)

وكذلك المطمئنة خاص. وأما اللوامة فعند هؤلاء هي أيضًا خاص ببعض النفوس. والتحقيق: أن اللوامة إذا كانت بمعنى التوابة فكل أحدٍ توّاب إلى الممات، فتكون النفس أبدًا لوَّامةً، وإذا لم تكن لوامة فهي تُلام وتَلوم في الآخرة وفي الدنيا أو الدين، فكل نفسٍ لوَّامة، ولهذا جاءت معرَّفةً بقوله: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}.
(1/128)

فصل
قول من يقول: «إن لله عبادًا يَرضى لرضاهم ويغضبُ لغضبهم» حقٌّ، لكن هذا لا يستمرُّ في جميع أنواع رضاهم وغضبهم، فإن ذلك إنما يكون لمن لا ذنبَ له أصلًا، لكن قد يكون في غالب رضاهم وغضبهم. وذلك لأن من كان رضاه وغضبه موافقًا لرضَى الله وغضبه فإن الله يَرضَى لرضاه ويغضب لغضبِه، وهذا يقع من الطرفين، تارةً يَرضَون لرِضى الله ويغضبون لغضبه، وتارةً يَرضى الله لرضاهم ويغضب لغضبهم.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يَروي عن ربه قال: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسمع به، وبَصَرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطِينَّه، ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعلُه تردُّدي عن قبضِ نفسِ عبدي المؤمن، يكرهُ الموتَ وأكرهُ مساءتَه، ولا بدَّ له منه».
فقد أخبر أنه من عادى وليَّه فقد بارزه بالمحاربة، وفي المعاداة
(1/129)

مغاضبةٌ ومباغضة، ثم قال: «فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه» إلى آخره، إلى أن قال: «وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعلُه تردُّدي عن قبضِ نفسِ عبدي المؤمن، يكرهُ الموتَ وأكرهُ مساءتَه، ولا بدَّ له منه». فأخبرَ أنه يكرهُ ما يكرهُ عبدُه الموت، حتى يكره مساءتَه بالموت، مع أنه لا بدَّ له منه، ويُحِبُّ ما يُحِبُّ. والحبّ والكراهة أصلُ الرضى والغضب.
وأيضًا ففي صحيح مسلم عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفرٍ، فقالوا: ما أخذَتْ سيوف الله من عُنُقِ عدوِّ الله مأخذَها. فقال أبو بكر: تقولون هذا لشيخِ قريش وسيِّدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «يا أبا بكرٍ لعلك أغضبتَهم، لئن كنتَ أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربَّك»، فأتاهم، فقال: يا إخوتَاهْ! أغضبتُكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أُخَيَّ أبا بكر.
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ أنه إن كان أغضبَ أولئك المؤمنين الذين قالوا لأبي سفيان ما قالوا، وهم بلال وصهيب وسلمان ومن معهم من أهل الإيمان والتقوى، الذين أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يَصبر نفسَه معهم وإن كانوا مستضعفين، وأن لا يُطيعَ من أغفلَ قلبَه عن ذكر الله واتبعَ هواه وإن
(1/130)

كان من الرؤساء= فقد أغضبَ الله. ولا ريب أنه لو أغضبَهم فإنه كان يكون ذلك انتصارًا لأبي سفيان لرئاستِه في قومه، وأولئك هم أولياء الله الذين يَغضَبون لله ويَرضَون له، فإغضابُهم إغضابٌ لله.
(1/131)

فصل
الحروف والأصوات المكتوبة والمسموعة -سواء جمعَ الوصفين كالحرف المسموع، أو أحدهما كالحرف المكتوب والصوت الذي ليس بحرف- إذا كانت متعلقةً بالدين فلا تخلو عن ثلاثة أقسام:
إما أن تكون سببًا للإيمان.
وإما أن تكون سببًا للكفر.
وإما أن تكون مجملةً تَصلحُ لهذا ولهذا.
فالأول كلام الله وكلام رسله وأنبيائه وخلفائهم بلفظه ومعناه، فإن السامع إذا سمع القرآن كان سماعه سببًا للهدى، فيوجب الهدى إذا لم يكن مانع. وإذا نظر فيه وتدبَّره كان ناظرًا في دليلٍ هادٍ يُوصله إلى العلم والمعرفة إذا كان النظر صحيحًا. فأهل النظر من أهل العلم والكلام إذا كان نظرهم فيه وكلامهم منه اهتدَوا، وأهل السماع والوجد إذا كان سماعهم له ووَجْدُهم به رشدوا؛ ولهذا حضَّ سبحانه على تدبره وعلى سماعه، فهو أحسن الحديث وخير الكلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم»، وقال: (للهُ أشدُّ أَذَنًا إلى الرجل الحسنِ الصوتِ
(1/132)

بالقرآن من صاحِب القَينةِ إلى قَينتِه».
وأما النوع الثاني فالكلام المتضمن للكفر والنفاق، لا سيما إذا زُخرِف بالعبارات والشُّبهات، وحُسِّن باللحون والأصوات، من نظمٍ ونثرٍ، مثل كلام القرامطة والإسماعيلية، وكلام التلمساني نظمه ونثره، وكلام ابن سبعين والبلياني وغيرهم من الملاحدة؛ فإن حروفهم سبب لاعتقاد الضلال، وهو اعتقاد أن الله هو المخلوقات، وأنه ليس وراء المخلوق خالقٌ خَلَقَه متميزٌ عنه، كحقيقة قولِ فرعون والقرامطة من جحود خالقِ الخلقِ؛ لكن فرعون نفاه بقوله ظاهرًا وباطنًا، فهو أكفر من هذا الوجه، ومن جهة أنه كان معاندًا جاحدًا. وهؤلاء قد يكون أحدهم ضالًّا يعتقد أنه على هدًى. ففرعون أكفر منهم من جهة أنه نفاه مطلقًا، وأنه كان معاندًا في نفيه وجحوده مستكبرًا عليه.
وهؤلاء قد يكون أحدهم مُقِرًّا بوجوده ومعتقًدا أنه هو الذي يثبته، ويحسب أنه مهتدٍ في ذلك وأن هذا هو دين الأنبياء، لكن هؤلاء أضرُّ على الأمة من فرعون؛ لأنهم يرون أن هذا دين الأنبياء. وفرعون كان
(1/133)

أعلم منهم، لكن علمه ضار، فإنه كان مستيقنًا بأن للعالمين رب، كما قال له موسى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء:102]، لكن كان مع علمه معاندًا، فهو أصحّ منهم علمًا وأعظم كفرًا وعنادًا. وهؤلاء أضرُّ منه على الأمة لكن فيهم نوع من الإيمان والإقرار. وقد يكون لما جحد فرعون فهم ضالون لا جاحدون.
وهؤلاء أقرُّوا باسمه وبالتعبد له، وجعلوه هو المخلوقات، وهي إياه، وصرَّحوا بأن من عبدَ الشمسَ والقمرَ والطواغيتَ فما عبد إلا الله، ولا يُتصور أن يُعبَد إلّا الله، وأن العابد هو المعبود ولكن دار على نفسه. وزعموا أنه هو الذي جاءت به الرسل والأنبياء وكبار العارفين، فهم من هذا الوجه أضرُّ على الناس من فرعون. كما يذكره ابن العربي في «فصوص الحكم»، ويذكره القونوي في «مفتاح غيب الجمع والوجود»، وكما يذكره العفيف في «شرح الأسماء الحسنى» وفي «شرح قصيدة ابن الفارض» وفي أشعاره. وإن كان ابن العربي يرى أن المعدوم شيء ثابت في العدم، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والرافضة، ويرى أن عين وجود الحق فاض عليهم، فيرى أن وجود الكائنات عين وجود الحق، وأن الناكح هو المنكوح، والشاتم هو المشتوم. وكما قال بعضهم: من قال لك إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له صاحبه: من الذي كذب؟
(1/134)

وقد يُبتلى ببعض ذلك حالًا بعض جهال المتصوفة والمتعبدة، فإنهم لما توجهوا بقلوبهم إلى الله وذكروه وأحبوه شهدت قلوبهم الوجود العام بالمخلوقات الصادر عن الحق الذي خلق السموات والأرض، فاعتقدوا أن هذا الحق المخلوق هو الحق الخالق، فأشبهوا من بعض الوجوه مَن رأى شعاعَ الشمس فظنَّ أنها هي الشمس، أو رأى الظلَّ فظن أنه الشخص.
وأما صاحبه الصدر الرومي فيرى أن الله هو الوجود المطلق الساري في الكائنات، لا يفرق بين الوجود والماهية، ولا الفائض والمفيض عنه، لكن ليس هو عين كل موجود، فإن المطلق ليس هو المعيَّن. وهذا تعطيل محض، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة. وأما الأول ففيه قسط من ذلك.
وصاحبه التلمساني ونحوه لا يفرق بين مطلق ومعين، ولا بين وجود وماهية، بل عنده أن نفس الأكوان هي الله، وهي أجزاء منه وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر مع البحر، وأجزاء البيت من البيت.
فما البحر إلّا الموج لا شيء غيره ... وإن فرَّقتْه كثرةُ المتعددِ
فهؤلاء في الكفر الصريح، وهم أهل الإلحاد والاتحاد العام، بخلاف من قال بالاتحاد الخاص المقيّد في نبي أو غير نبي، كالنصارى وغالية الرافضة وغالية جهال المتعبدة من الحلَّاجية واليونسية وبعض العدوية
(1/135)

والحاكمية وغيرهم؛ فإن هؤلاء يقولون بالاتحاد المعيَّن المقيد.
ثم مع كل فريق من أهل الاتحاد المطلق والمعين فريقًا ثانيًا يقولون بالحلول، أما الحلول المطلق -وهو قول من يقول: إن الحق حالٌّ في الأماكن كلها- فهذا كفر قديم في الأمة من كفر الجهمية الذين كان السلف ينكرون قولهم، وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ فإن هؤلاء الحلولية إخوان هؤلاء الاتحادية. أولئك قالوا: هو في جميع المصنوعات، وهؤلاء قالوا: هو نفس المصنوعات.
وهؤلاء الاتحادية المطلقة والحلولية المطلقة إنما أوقعهم في ذلك عدم إثباتهم لما جاءت به الرسل من ربّ العالمين، الذي فوق الخلق، الذي استوى على العرش، فإنهم تجهموا في أنه ليس فوق العالم ولا داخلَه ولا خارجَه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي رأوها منطبقةً على الوجود المطلق، وهم عُبَّاد لا بدَّ لقلوبهم من شيء تعبده، فلم يجدوا ما يطابق هذه السُّلوب إلا وجود المخلوقات.
وأما المتكلمة الجهمية فإنهم في العلم والكلام ...... ، والعلم يتناول الموجود والمعدوم، فإذا وصفوه بهذه السلوب وكانت إنما تطابق المعدوم لم يَضُرَّهم إذا كان الذي أثبتوه معدومًا، فإنهم لا يعبدون شيئًا، كما أخبر السلف بذلك عنهم. فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا،
(1/136)

ومتعبدتهم يعبدون كل شيء.
ولقد كان في مبدأ دولة التتار: ابن الخطيب متكلم المعطلة والجهمية والزنادقة، وابن العربي متصوفهم وعارفهم، فاتفقا على جحد ربّ العالمين الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل، وإن كانوا قد أقروا بما ظنوا أنه هو، وحاروا فيه، فإن الحيرة ظاهرة عليهم، لما هم فيه من التناقض. واختلفا بعد ذلك. فالأول أثبت العالم لكن بالكلام الباطل، والثاني لم يثبت العالم لكن بالعقل الفاسد.
فتدبَّر هذا واجمعه مع ما قدَّمتُه من القواعد يتبيَّن لك الأمر. والله أعلم.
وكذلك أهل الحلول الخاص إخوان أهل الاتحاد الخاص، كما افترقت النصارى في المسيح، فإن النسطورية قالوا بحلول اللاهوت في الناسوت، واليعقوبية قالوا باتحاد اللاهوت والناسوت، والملكانية قالوا بالاتحاد من وجه دون وجه. الأولون شبَّهوه بالماء في الإناء، والآخرون شبَّهوه بالماء واللبن، والملكانية شبَّهوه بالنار في الحديد، فقالوا: هما جوهر واحد وأقنومان.
ثم هؤلاء أهل الاتحاد المخصوص يحتاجون أن يقولوا: إن الرب والعبد اتحدا بعد أن كانا اثنين، وأن اللاهوت اتحد أو امتزج أو اختلط أو اتصل بالناسوت بعد أن لم يكن كذلك.
وأما أهل الاتحاد المطلق فإن لفظة الاتحاد عندهم ليست مطابقة
(1/137)

لمذهبهم؛ فإنه عندهم ما زال واحدًا ولا يزال، لم يكن شيئان فصار واحدًا، ولكن كانت الكثرة والتفرق في قلب الإنسان لما كان محجوبًا عن شهود هذه الحقيقة، فلما انكشف الحجاب عن قلبه شهد الأمر، فالمراتب في اعتقاده وخياله، وأما الكثرة والتفرق الموجود في الخارج فهو عندهم بمنزلة أجزاء الكلّ أو جزئيات الكلّي، كما تقدم.
وهؤلاء إذا أُنْشِد شعرُ بعضهم بصوت ملحَّن كشعر التلمساني وبعض شعر ابن إسرائيل، مثل قوله:
وما أنتَ غيرَ الكونِ بل أنتَ عينُه ... ويَفْهم هذا السرَّ من هو ذائقُ
وقوله:
وتلتذُّ إن مرَّتْ على جسدي يدي ... لأنِّيَ في التحقيقِ لستُ سِواكمُ
كان هذا من سماع الذي هو سبب الكفر.
وأما المجمل من الحروف والأصوات فمثلُ كثيرٍ من المنطق والكلام، ومثل الأشعار التي فيها ذكر الحب مطلقًا بتوابعه من الهجر والوصل والصدود والشوق، مثل كثير من شعر ابن الفارض؛ فإن تلك القصيدة يتقبلها الزنديق التلمساني ونحوه ممن يقول: إن الله هو وجود
(1/138)

المخلوقات. وقد نقلها قوم صحيحو الاعتقاد من الصوفية، وأخذوا ما فيها من وصف الحبّ وأهله، وتنازع الفريقان قولَه:
ولي من أتمِّ النظرتين إشارةٌ ... تنزّه عن رأي الحلول عقيدتي
فأولئك المنافقون يقولون: إنه صعد عن الحلول إلى الاتحاد، بل إلى وحدة الوجود، فإن الحلول فيه حال ومحل، وهذا يثبته، وإنما الوجود شيء واحد، فهذا أراد. وهؤلاء المؤمنون يقولون: بل أراد إثباتَ عبوديته لله، وأنه لا يحلّ مخلوقاته، بل هو بائن من خلقه، كما هو مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة.
لكن من تأمَّل بقية هذه القصيدة، وتأمَّل هذه الأبيات وما بعدها وجدها صريحةً في مذهب الاتحادية المنافقين الفرعونية القرامطة، وعلم أن نفَسَه ونفَسَ التلمساني هو نفَس ابن العربي، وأن هؤلاء كلهم قولهم كفر صريح معلومٌ فسادُه بالاضطرار العقلي والشرعي والاضطرار الذوقي أيضًا، ولكن لكثرة ما يصفونَ جنسَ الحبِّ يبقى في كلامهم إبهام.
وكذلك الأصوات المثيرة للوجد والطرب تحرِّك كلَّ قلبٍ إلى مطلوبه، فيشترك فيها: محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الصلبان، ومحب النسوان، ومحب المردان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان. ولهذا لم تجئ الشريعة بهذا السماع، ولا فعلها القرون الثلاثة
(1/139)

الفاضلة، بل هو مُحدَثٌ في حدود أواخر المائة الثانية، ولهذا امتنع عن حضوره أكابر العارفين وأئمة العلم وأهل الاتباع للشريعة، ونهوا عنه.
وقد حضره جماعات من المشايخ الصالحين وأهل الأحوال، لما تُثير فيهم من وَجْدهم الكامن، فيُثير العزم الساكن، ويُهيّج الوجد القاطن. وكانوا في حضوره على درجات، وشاركهم فيه جماعات من أهل البدع والضلالات، وإن كان لهم أحوالٌ فيها كشوفٌ وتأثيرات، تُنتج لهم أحوالًا غير مرضية للرحمن، مثل تحضير أهل الكفر والفسوق والعصيان، ومثل مغالبة بعضهم بعضًا، والسعي في سلب إيمانه أو حال إيمانه، أو غير ذلك من أنواع البغي والعدوان، فدخلوا بذلك في الإعانة على الإثم والعدوان، وفرَّطوا فيما أُمِروا به من الإعانة على البر والتقوى.
وصار بسبب كونه مشتركًا يشترك فيه المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصدّيق والزنديق، بمنزلة من بنى معبدًا مطلقًا يتعبد فيه كلُّ أهل ملة ونحلةٍ، فيجتمع فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس والمشركون والصابئون، كلٌّ يصلي إلى قبلته، ولا ينهى بعضهم بعضًا، وجعل لهم فيه مطاعم وملابس. فقد يتفقون لما فيه من القدر المشترك من المطعم والملبس والمسكن، ويتفاوتون لما فيه من اختلاف مقاصدهم ونياتهم ووِجَهِهم، فإنّ وِجَهَ القلوب أعظم تفاوتًا من وِجَه الأجساد.
(1/140)

ولهذا اتفقت الأنبياء والمرسلون على أن وجهة قلوبهم إلى الله وحده لا شريك [له]، كما قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف:29]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125]، وقال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:111 - 112].
وأما وجهة الأبدان فقد قال: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة:148]، وقد عمَّم حيث قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115].
ثم الدخول في الحروف والأصوات المجملة والاشتراك فيها يوجب فسادين:
أحدهما: سقوط خاصية الحروف والأصوات المشروعة لنا المختصة بنا، التي وجبت علينا أو استُحِبَّتْ لنا، وفُضِّلنا بها على غيرنا.
الثاني: الخروج من المجمل المشترك إلى المفصل المختص بأهل الكفر والنفاق، كما وقع في ذلك خلائق كثيرون، حتى إنه في المجمع
(1/141)

الواحد يُنشَد البيت المجمل والبيت الكفري. والله سبحانه أعلم وأحكم.
ومما يتعلق بهذا أن أصل الصابئة الحروف والأصوات المجملة المشتركة، كما فعله ابن سينا متكلم الصابئة في الإسلام في كتبه الصابئية «كالإشارات»، فإنه افتتحها بالكلام في المجمل والمشترك وهو المنطق، وختمه بالعبادة والسماع للصوت المطلق المشترك. كما يتكلمون في علم الموسيقى، وهو الصوت المجمل المشترك، فالحروف المنطقية المجملة والأصوات النغمية المجملة هي دين الصابئة، لا تُوجِب الإسلامَ ولا تحرِّمه، ولا تأمر به ولا تنهى عنه، وقد تنفع تارةً وتضر أخرى. والأصل فيها أنها غير مشروعة ولا مأمور بها. والله أعلم.
(1/142)

فصل
في بعض الشرح والتقرير لقاعدة السنة والجماعة وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59]، فإن هذه الآية تتضمن الأمر بالسنة والجماعة، فإن قوله: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} هو الجماعة، وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} هو السنة.
قد قرَّرتُ في غير هذا الموضع أن الدين أمر ضروري لبني آدم، لا يمكن أن يعيشوا في الدنيا إلا بدينٍ يتضمن أمرًا ونهيًا؛ لأن الإنسان لا بدَّ أن يَجتلِبَ إلى نفسه المنفعةَ ويدفعَ عنها المضرَّة، وهذا هو الأمر والنهي، وهو الدين العقلي الذي لا ينكره أحدٌ.
ثم إن كثيرًا من جلب منافعه ودفع مضارِّه لا يتمُّ به وحدَه، بل لا بدَّ من التعاون على ذلك من بني آدم، فإن أصل جلب المنفعة له: الطعام، وأصل دفع المضرة عنه: اللباس المتصل، وهو الثياب والجُنَّة، والمنفصل وهو السكن. ولهذا امتنَّ الله في سورة النحل بنعمِه المتضمنة للمطاعم والملابس من النوعين، فقال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا، لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا} إلى قوله: {هُوَ الَّذِي
(1/143)

أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل:5 - 10].
فذكر في أول السورة أصول النعم، كما قال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل:18]، وذكر في أثنائها من اللبن والعسل والأكنان والظلال والخيام ووقاية البأس والحرّ ما هو كمال النعم وتمامها، ولذلك قال: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل:81]. ولهذا -والله أعلم- ذكر في أول السورة ما يُدفِئ فيدفع البرد، وذكر في أثنائها ما يدفع الحرَّ والبأسَ، فإن البرد يَقتُل والحرّ يؤذي، وقد يُمكِن الإنسانَ أن يعيش في البلاد الحارَّة بلا لباسٍ عيشًا ناقصًا، كما قد يَسلَم في الحرب بلا سرابيل، وأما البلاد الباردة فلا يعيش فيها الإنسان إلّا بما يُدفِئُه. وكذلك سكن البيوت وبيوت الأنعام كل ذلك من تمام النعمة.
وإذا كان ابن آدم مضطرًّا إلى الطعام واللباس، والواحدُ لا يقدر أن يصطنع جميع حاجته من الطعام واللباس، كان حاجته إلى مثله ضرورية، فيكون اجتماعُهم ضروريًّا، وإذا اجتمعوا فلا بدَّ من واحدٍ يكون هو مبدأ حركتهم فيما يأتونه ويَذَرونه من جلب المنافع ودفع المضار، فكانت الإمارة فيهم ضرورية. ولهذا أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في
(1/144)

السفر أن يؤمِّروا أحدهم، وهو أقلُّ جماعةٍ في أدنى اجتماع، فصارت الجماعة في حقهم رحمةً والفرقةُ عذابًا.
وإذا كانت الجماعة والإمارة فيهم ضرورية لجلب المنفعة ودفع المضرة، والمنفعةُ لا تُجتلَب إلا بأموالٍ، والمضرة لا تندفع إلا بقوة، ومن المضرة ما يُعادي بني آدم من السباع وغيرها، وفي طباع بعضهم من البَغْي والعدوان ما يُوجِب أنه إن لم يُدفَعْ وإلَّا ضرَّ الباقين= كانوا مضطرين إلى رعاية الأموال ودفع الأعداء، وكانوا أيضًا في بقاء جنسهم مضطرين إلى النكاح، وإذا مات الميتُ منهم وكلُّهم محتاجٌ إلى ماله فلا بدَّ من سببٍ يُوجب تخصيصَ أحدهم.
ولا بدَّ لهم أيضًا من دينٍ وإلهٍ تعبُده قلوبُهم، يجتلبون منه المنفعة ويستدفعون به المضرَّة، فإن هذا من الضروريات اللازمة لهم، فإن أحدهم يحتاج إلى ما هو خارجٌ عن قدرته، فلا بدَّ له من إلهٍ يَطلُب ذلك منه.
فهذه الأمور وأمثالُها لو وُكِلَ فيها كلُّ واحدٍ إلى رأيه.
(1/145)

وكذلك هم متحركون بأرواحهم حركةً دائمة، فلا بدَّ لهم من إلهٍ صمدٍ هو إلههم الذي هو معبودهم ومنتهى حركاتهم وإراداتهم.
فثبت بذلك أنهم محتاجون إلى الاجتماع، وبعضهم محتاج إلى بعضٍ لجلب المنفعة ودفع المضرة، ومحتاجون إلى ما يطلبون منه الحوائج الخارجة عن قدرتهم، وهو ربهم، وإلى إلهٍ هو الغاية والنهاية التي لها يعبدون، ولها يصلون ويسجدون، وإليها يصمدون ويقصدون، وهو إلههم.
وذلك كله لا يقوم إلا برأسٍ يُعلِّمهم ويأمرهم، ويُقيمهم على سنة وقانون في أنواع الحاجات ومقاديرها، وأنواع المنافع ومقاديرها، فإن ذلك إن لم يُضبَط لهم وإلّا انتشر الأمرُ وفسدَتْ أحوالُهم. وهذا الأمر لما كان ضرورةً في جميع بني آدم أُلهِمُوه كما أُلهِمُوا الأكلَ والشربَ والنكاحَ. فلا بدَّ لكل طائفةٍ من سيِّدٍ مُطاعٍ ورئيسٍ وإمامٍ، وإن تنوعت أسماؤه ومراتبُه، إمّا مَلِك وإما أمير وإما شيخ وإما مُفتٍ وإما قاضٍ وإما مقدَّم وإما رئيس قرية، إلى غير ذلك من الأسماء. وكل طائفة فلا بدَّ لها من أن توالي أولياءها وتعادي أعداءها.
فمعلومٌ بالعلم اليقين أن السيد المطاع الذي بعثه الله وأنزل إليه من الهداية والعلم والكلام ما يَصلُح به الناسُ أحقُّ بأن يُتَّبع ويُطاع ويُوالَى وليُّه ويُعادى عدوُّه، وهم رُسُل الله المبعوثون إلينا لوجوه:
أحدها: أن هدايتهم وإرشادهم وأمرهم ونهيهم هو هداية الله
(1/146)

وإرشاده وأمره ونهيه، والله أعلم العالمين وأرحم الراحمين وأحكم الحاكمين. فالإسلام له وإسلامُ الوجهِ إليه أولى من الإسلام لغيرِه وإسلامِ الوجه إليه.
الثاني: أن هذه الهداية والرئاسة كاملة العلم، ليس فيها نقص علمي، كما يدخل النقص في سائر الرئاسات التي ..... الناس بآرائهم.
الثالث: أنها كاملة الرحمة، لا تدعُ منفعةً إلّا جَلَبتْها بحسب الإمكان، ولا مضرةً إلّا دفعتْها بحسب الإمكان، بخلاف الرئاسات التي لا تكمل فيها رحمة الخلق ومحبة الخير، بل يكون فيها كِبْرٌ وقسوةٌ. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ستكون نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون مُلْكٌ ورحمة، ثم مُلْكٌ وجبرِية، ثم مُلْكٌ عَضوض».
الرابع: أنها كاملة الغنى، {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الأنعام:90]، فليس فيها هوى نفسٍ، بخلاف الرئاسة التي فيها هوًى، إما هَوى السلطان وإما هَوى المال.
الخامس: أنها كاملة القدرة والسلطان، فإن ناصرها ومؤيدها هو الله، كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
(1/147)

وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]، {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21].
فهذا بعض ما يُبَيِّنُ أن العاقل عليه أن يجعل كل رئاسة وإمامة، سواء كانت علمية كالفقه والكلام وغيرهما، أو دينية كالفقر والتصوف والتعبد وغيرها، أو حربية كالملك والإمرة، أو مالية كالوزارة والخراج، إلى غير ذلك، يجعلها جميعَها تابعةً للكتاب والسنة، ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله في شيء من المراتب، فذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا.
ولهذا أمر ولاة الأمر -وهم أرباب المراتب والرئاسات كائنةً ما كانت- بالردِّ إلى ذلك، وبيَّن أن ذلك خير وأحسن عاقبةً في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
وهذا الذي ذكرناه تقريرٌ لبعض مضمون هذه الآية.
(1/148)

[فصل]
قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58]، وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285].
وفي الحديث الصحيح أنه لما أنزل الله {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [البقرة:284]، شقَّ ذلك عليهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال اليهود أو أهل الكتاب: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا»، فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما ذلَّتْ بها ألسنتُهم أنزل الله الآية الأخرى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} إلى قوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: قد فعلتُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال: قد فعلتُ. {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} كذلك إلى آخرها.
(1/149)

فهؤلاء المؤمنون لما سمعوا وأطاعوا خفَّف عنهم وحَطَّ عنهم الإصرَ الذي حمل على من كان قبلهم، وأولئك لما عَصَوا واعتدَوا وقالوا: قلوبنا غُلْف، قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء:160]، وقال تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام:146]، ثم قال: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء:162]. إذ قد أخبر أن منهم من لا يعلم الكتاب إلا أمانيَّ، ومنهم من يحرِّفه من بعد ما عقلَه، ومنهم من يكذِّب ويكتُم ويَلوِي لسانَه ويكتُب بيده، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهؤلاء وإن ذُكِر لهم علم فليسوا براسخين في العلم، إذ الرسوخ في العلم يقتضي الثبات والاستقرار فيه، وذلك مستلزمٌ لاتباعِه والعمل به، كما قيل: العلمُ يَهتِفُ بالعمل، فإن أجابَه وإلّا ارتحَل.
وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبيَّنّا تلازمَ العلم التام والعمل، وأنهما حيث لم يتلازما فلضعف العلم، مثل علم الرواية باللسان. وفي مراسيل الحسن: «العلم علمان، علم في القلب وعلم على اللسان، فعلمُ القلب العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده».
(1/150)

وقال تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7]. وقد يحتج من يقف عند قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} كمجاهد وابن قتيبة، ويذكر رواية عن ابن عباس، على ذلك بأنه سبحانه لم يقل هنا: «والمؤمنون والراسخون في العلم يقولون آمنا به» كما قال في تلك الآية: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} الآية. فلو لم يكن المقصود بالآية إلّا الخبر عنهم بأنهم قالوا: آمنا به، لأخبرَ بذلك عن جميع المؤمنين كما في نظائره، مثل قوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء:82]، وقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة:124 - 125].
وقد يُجيب الجمهور الذين يقفون عند قوله: {إِلَّا اللَّهُ} وقد نُقِل هذا المعنى عن أُبيّ وابن مسعود وابن عباس وعائشة والجمهور، بأن هذا الموضع كقوله في سورة الحج: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ
(1/151)

بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج:52 - 54]، فإنه ذكر الذين أوتوا العلم هنا فقط، كما قال هناك: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}.
وإنما ذكر أهل العلم في هذين الموضعين لما فيه من الشبهة بما ألقاه الشيطان في أمنيته وما نزل [من] المتشابهات، فكأنّ الخبر بالإيمان وأن الجميع من عند الله عن أهل العلم دليل على بطلان الشبهة والعلم بأنه لا حقيقة له، ولا مانع أن يكون إذا قال هذا من هو راسخ في العلم أن لا يقوله غيرُه. يُبيِّن ذلك أنه على الوقفين إنما أخبر بقولهم فقط مهنئًا بهم اختصوا بعلم تأويل القرآن، وأخبر بقول: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} عنهم وحدهم، مع أنه قول كلِّ مؤمن، إذ المقصود أن العلم يوجب هذا القول، ومن لم يقله وإن كان له نصيب من العلم فليس براسخٍ فيه. فاليهود الذين أوتوا العلم فلم يؤمنوا بمحمدٍ إيمانَهم ليسوا راسخين في العلم.
وأما تلك الآية فإنما قال: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} أي من أهل الكتاب {وَالْمُؤْمِنُونَ} هم المؤمنون من العرب وغيرهم الذين ليسوا أهل كتاب، فإن هؤلاء وإن كانوا بعد مبعث محمد صاروا أو بعضهم أرسخ في العلم من أولئك، فإنهم لم يكونوا قبل سماع القرآن أهل علم بالكتاب، كما كان عند أولئك علمٌ عَلِمُوه من غير القرآن.
(1/152)

وقد يقال: الوقفان كالقراءتين، وقد يقرأ في المكان الواحد بالنفي والإثبات باعتبارين، كقراءة من قرأ {لِتَزُولَ} و {لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ}، وكالتي فيها الخبر والأمر. وعلى هذا فيكون هنا تأويلان: فتأويل يعلمه الراسخون، وتأويل لا يعلمه إلا الله، وهذا فيه جمعٌ بين أقوال الصحابة والتابعين والأئمة رضي الله عنهم.
وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع وذكرنا أن معنى لفظ التأويل الذي جاء به القرآن غير معناه في عرف المتأخرين، وذكرنا الاصطلاحات فيه والفرق بينه وبين التفسير. وللإمام أحمد كتاب «الرد على الزنادقة والجهمية مما تأولت فيه من متشابه القرآن»، تكلم على الآيات كلِّها وبيَّن معناها، فمعنى الخطاب وتفسيره يعلمه العلماء، وهذا يُسمَّى تأويلًا، وأما الحقائق الموجودة في الخارج مما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، كما قال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف:53]، فتلك لا تُعلَم إلا بمشاهدتها ......... وليس لها في هذا العلم ما يناظرها من كل وجه، فلا يعلم حينئذٍ إلا من بعض الوجوه، فيجوز أن يكون لا يعلمه، قال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17]، وإن عُلِم أنها قرة أعين فإنها لا تُعلَم في الدنيا.
(1/153)

فنفيُ العلم من وجه وإثباته من وجهٍ حق، وعلى هذا فيصحُّ إثباتُ علم التأويل للراسخين من وجهٍ ونفيُه من وجهٍ، فيصح الوقفان.
وقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة:101]، ومعلوم أنه قد أعلمهم بنوعهم ووصفهم وأنهم من أهل المدينة والأعراب، لكن لا تعلم أعيانهم. وقال تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام:50]، نفى قوله أنه يعلم الغيب المطلق، وإن كان الله قد أعلمه مما غاب عن غيره شيئًا كثيرًا. وقال تعالى: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26 - 27]، وكذلك قوله: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65]، وقوله: {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ:14].
وقد قال يعقوب ليوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف:6]، وقال: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف:37]، أي قبل أن يأتي التأويل، وقال أولئك: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} [يوسف:44]، ومعلوم التأويل قبل مجيئه، وإنما علمه بالوصف كما يعلم بالوصف
(1/154)

تأويل القرآن المذكور في قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ}، ألا ترى أن كيفية الحدث المدركة بالعيان لم تكن معلومة بمجرد الخبر، فإن المُخْبَر ليس ..... .
والتأويل في خبر ابن عباس المراد به تأويل الأمر والنهي، كما قال ابن عباس: السنة تأويل الأمر والنهي. فإن الخطاب نوعان: إخبار وإنشاء، فالإنشاء كالأمر والنهي والتحليل والتحريم يعلم العلماء تأويله وتفسيره، إذ لا بد من فعل المأمور به وترك المنهي عنه، وذلك لا يكون إلّا بعد علمه، بل لا بدّ من علم المأمور به مفصَّلًا.
ومن هذا قول عائشة: كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك» يتأول القرآن. فقد يقال: اللام في التأويل للتأويل المعهود، وهو تأويل الأمر، وعلى هذا أيضًا قد يحمل قول جابر في حديث صفة الحج الذي في مسلم، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عملَ به من شيء عَمِلْنا به، فأهلَّ بالتوحيد: «لبَّيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»، وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا منه، ولَزِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تلبيته.
(1/155)

فقوله: «وهو يعرف تأويله» يُشبه قوله: «وعلِّمْهُ التأويلَ»، إذ قد يقال: ظاهرهما العموم وقد يدَّعى الاختصاص بالأمر والنهي وقد خالفه التأويل. وهو مثل حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا} الآية [الأنعام:65]، قال: «إنها كائنةٌ، ولم يأتِ تأويلُها بعدُ». لكن ليس فيه أنه كان يعلم هذا التأويل.
لكن يقال: الخبر عما كان في الدنيا مثل قصص الأنبياء ومن آمن بهم ممن لديهم عَلِمَ تأويلَها العلماءُ، إذ لم يبق لها مخبر آخر يجيء فينتظر، وإن لم يعلم معاينةً فله نظير علم منتظر، وكذلك ما سيكون في الدنيا من حوادث فإن علم تأويلها قبل كونه مثل علم تأويل تلك بعد كونه ..... الأمور الحاضرة، والخبر عن الملائكة والجن والنار، فهذا من الخبر عما سيكون.
ومما ينبغي أن يُعرف أن نفس علم التأويل ليس عامًّا في الدنيا والآخرة، فإنه ما من شيء أخبرنا به في القرآن إلّا ولا بدَّ [أن] نعلمه. فقوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} إذا وقف هنا لا يراد به: لا نعلمه مطلقًا؛ لأن الناس لا بدّ أن يعلموه في الآخرة، حتى أن يروا ربهم في الدار الآخرة، وهذا أكمل طرق العلم.
(1/156)

وأيضًا فالملائكة تعلم من أحوال أنفسها وما وُكِّلتْ من أمر الجنة والنار وغير ذلك ما هو من الأمور المخبر بها مما هو من تأويله كذلك، فصار علم تأويله حاصلًا لبعض الأصناف وفي بعض الأزمنة ....... لا يعلم به، وهذا يقوي أن للمخلوق شيئًا من علم تأويله في الجملة، وإن عُدِم علم بعضهم أو العلم في بعض الأوقات فلا ينفيه مطلقًا.
وأيضًا فإن الله ذمَّ متَّبعي المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فالذم حصل بهذين الوصفين، ولو كان علم التأويل مما قد أيس منه الخلق كلهم لكان طالبه مذمومًا وإن لم يبتغ الفتنة، وكان في قلبه زيغٌ أو لم يكن. والذم إذًا وقع على من يتبعه يبتغي هذا ويبتغي هذا، ولا ريب أن هذا مذمومٌ، وذمه في ابتغاء تأويله لكونه متعذرًا من غير جهة الراسخين في العلم، وقد لا يجد الراسخين أو لا يكون منهم فلا يرى علمه.
وأيضًا فهم يتبعون المتشابه أي يتحرَّونه، كما في الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «إذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذرِيْهم». وهذا صَبِيغ بن عِسْل الذي ضربه عمر ونفاه وأمر بهَجْرِه حتى مات بعد حول. وقد رُوي أنه سأل عن
(1/157)

الذاريات ونحوها. وهذا قوي إذا جعل المتشابه من الأمور النسبية، أو قد يتشابه على هذا ما لا يتشابه على غيره. وكلام الإمام أحمد في الرد على من تأوَّل المتشابه على غير تأويله يوافق هذا، فإن الآيات المذكورة إنما تشابهت على بعض الناس، ولما تبيَّن وجهها زالَ التشابه، ومن فسر فقوله لآية بأنه من المتشابه قوبل هذا بأن القرآن كله محكم، كما قال: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود:1]، وهنا قد وُصِف بالإحكام بعضُه، كما أنه قد وُصِف كلُّه بأنه متشابه، وهنا وُصِف بالمتشابه بعضُه، فعُلِم أن لفظ المتشابه فيه نوع اشتراك وإجمال، وكذلك لفظ الإحكام، وقد قال في الآية الأخرى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ}.
(1/158)

[فصل]
في المثل والكفو في الكتاب والسنة ولغة العرب
قال تعالى: {يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]، وقال: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس:81]، وقال تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة:95]، وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، وقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل:126]، وقال: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلَّا مثلًا بمثلٍ» وذكر الحديث.
وقال عمر بن الخطاب: لأمنعنَّ فروجَ ذواتِ الأحساب إلَّا في الأكفاء.
وذكر الفقهاء المكافأة في النكاح وفي القصاص وفي محلل الرمي، فهناك يعتبر كون الزوج كفؤا، وفي القصاص أن يكون المقتول كفؤا،
(1/159)

وفي السباق أن يكون المحلل يكافئ فرسُه فرسَهما ورميه رميهما.
وذكروا المماثلة في ضمان الأموال بالغَصْبِ والإتلاف، فإذا كان المال مثلها وهو المكيل والموزون ضُمِنَ بمثله، وفي غيره خلاف. وكذلك في الربا العلةُ التماثلُ في المشهور عندنا، فلا تُباع المثليات وهي المكيل والموزون إلا مثلًا بمثلٍ.
وقالت عائشة: مثلي يَغارُ على مِثلك يا رسول الله!
وقال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولستَ له بِمثْلٍ ... فشرُّكما لخيرِكما فِداءُ
[كل] هذا يدلُّ على أن الأجسام ليست متماثلةً في الكتاب والسنة ولغة العرب، وأن الهواء ليس مثل النار، ولا النبات مثل الحيوان، وأن ما اصطلح عليه بعضُ المتكلمين إما أن يكون فاسدًا في المعنى، وإما أن يكون اصطلاحًا ليس هو لغة العرب، فلا يجوز حملُ نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف على اصطلاحٍ حادثٍ مخالفٍ لاصطلاحهم.
ويُعرف بهذا أن تسميتهم مُثبتةَ الصفاتِ مشبِّهةً أو مُمثِّلةً إنما على ما حَدُّوا به التماثل و ...... في الحدود التي خرجوا بها عن حدودها
(1/160)

في الكتاب والسنة وكلام السلف والعرب. وحينئذٍ فلا بدَّ ....... في نصوص الكتاب والسنة، فلا يصف [الله إلَّا] باسم ليس في الشرع ما يذمه، فإن الذي حمدُه زَينٌ وذمُّه شَيْنٌ هو الله ........
وقوله في حديث الصورة: «لا يقولن أحدُكم: قبَّحَ اللهُ وجهَك ووجهَ من أشبَهَ وجهَك» يدل على أنه ليس ممتنعًا من كل وجهٍ كما هو قول .........
(1/161)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا [إله إلّا الله وحده لا شريك] له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه، صلى الله [عليه وعلى آله وسلم].
أصل كلِّي جامعٌ أول آخر، قال الله تعالى لرسوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158]. أمره أن يُخبر في هذه الآية أنه رسول الله ملكِ العالمين إلى الناس جميعًا، الذي لا إله إلا هو، وأمر بالإيمان به وبرسوله الذي يؤمن بالله وبكلماته، وذلك يَعُمُّ الكلماتِ الكونية والشرعية.
وقد تضمنت هذه الآية أصلَي الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلّا الله وشهادة أن محمدًا رسولُ الله، وقد قال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7]، وقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، ثم قال: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح:8 - 9]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة:
(1/162)

21]، فأمر بعبادة الله تعالى، ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23]، فأمر بالإيمان بالرسول، وقال تعالى: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [هود:14]، فبيَّن أن عجزهم عن معارضة القرآن يُقرِّر العلم بالرسالة وبالوحدانية.
وهذان العلمان هما أصل الدين: العلمُ بأن ما أنزل بعلم الله، والعلم بأن لا إله إلّا هو. ثم قال: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} إذ الإسلام نتيجة ذلك، وهو الشهادة بأن لا إله إلا الله، وأن الذي جاء به محمدٌ هو منزلٌ بعلم الله، وهذا استفهام إنكار يقال لما ...... حجته من طلب وخبر.
وهذا مما تواترت به السنةُ تواترًا أبلغ من جميع التواترات، وانعقد عليه إجماع الأمة المعلومُ بالاضطرار بين عامِّها وخاصِّها، ففي الصحيحين عن معاذ بن [جبل أن] رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثَه إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ [فليكنْ أوَّ] لَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأَعْلِمْهم أن الله افترضَ عليهم خمس صلواتٍ» الحديث.
وفيهما عن أبي هريرة وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»،
(1/163)

وفي حديث ابن عمر: «ويقيموا الصلاةَ ويُؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلّا بحقِّها، وحسابُهم على الله». وفي حديث أنس: «حتى يؤمنوا بالله وبما جئتُ به».
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن معاذ: «رأسُ الأمر الإسلام، وعَمودُه الصلاة، وذِروةُ سَنامِه الجهادُ في سبيل الله». وهذا اللفظ أجود من اللفظ الذي يقال فيه: «رأس الأمر وعمودُه وذروة سنامه الجهادُ».
وفي حديث عكرمة بن أبي جهل لما أسلم أنه قال له: علِّمني ما أقوله، فقال: «يا عكرمة، قل: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، فقال، فأعادها عليه.
ولهذا كانت الشهادتان ركنًا في شعار الإسلام الذي هو الأذان والإقامة، وفي تشهد الصلاة التي هي عماد الدين، وفي الخطب جميعها. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة
(1/164)

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل خطبة ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء» قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وفي المسند في حديث الأسود أن الله قال له: «[{وَرَفَعْنَا لَكَ] ذِكْرَكَ}، فلا أُذكر إلا ذُكِرْتَ معي، ولا يصح لأمتك الخطبة و [الصلاة إلّا بشهادة] أنك عبدي ورسولي».
وهي مشروعة عند انقضاء الطهارة، فمن قالها [فُتِحت له] أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيِّهما شاء.
والخطبة تعُمُّ خُطبَ الجُمَع التي هي أعياد أهل الإسلام الأسبوعية، وتعمُّ خُطبَ الأعياد الحـ[ولية] كعيد الفطر والأضحى، وخُطبَ الحج، والخطبَ العارضة، مقرونةً بالصلاة كخطبة الاستسقاء، أو مفردةً عن الصلاة كخطب الأئمة والعلماء وذوي الحاجات في مخاطبة بعضهم بعضًا في أمور الدين والدنيا، كما قال ابن مسعود في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا [تشهد] قال:
(1/165)

«الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يُطع الله ورسوله فقد رَشَد، ومَن يَعصِهما فإنه لا يَضُرُّ إلا نفسه ولا يضرُّ اللهَ شيئًا».
وروى أحمد وأهل السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: «الحمد لله، نستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني محمدًا عبده ورسوله» ويقرأ ثلاث آيات {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
وهذه خطبة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب بها في الجمعة، وخطب بها لما جاءه المتطبِّبُ ضِمَاد الأزدي، فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن ضِمادًا قدِمَ مكةَ وكان من أزد شَنُوءةَ، وكان يَرقِيْ من هذه الريح، فسَمِعَ سُفهاءَ [من أهل] مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيتُ هذا [الرجل] لعل الله يَشفِيه على
(1/166)

يدي، قال: فلَقِيَه وقال: يا محمد، إني أرقي من هذه [الريح، وإن الله يَشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد». فقال: أَعِدْ عليَّ كلماتِك هؤلاء، فأعادهن عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم [ثلاث مراتٍ، قال: فقال: لقد سمعتُ قولَ الكهنةِ وقولَ السحرةِ وقولَ الشعراء، فما سمعتُ مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوسَ البحر. قال: فقال: هاتِ يَدَك أبايِعْك على الإسلام. قال: فبايعه]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعلى قومك»، قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً فَمَرُّوا بقومِه، فقال صاحبُ السرِيَّة للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجلٌ من القوم: أصبتُ منهم مِطْهَرةً. فقال: رُدُّوها، فإن هؤلاء قومُ ضِماد.
ولهذا رجَّحتُ أن الشهادة ركن في الخطب الواجبة، كما دلَّتْ عليه هذه النصوص وغيرها، ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقول: الواجب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من خيَّر بين التشهُّد والصلاة. وكلا القولين ضعيف، فإن النصوص المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا تُبَيِّنُ وجوبَ اشتمالِ الخطبة على الشهادتين، وأن الاكتفاء عن ذلك بمجرد الصلاة عليه لا يُجزِئ.
وأيضًا فإن الأذكار الواجبة كالأذان والتحية يجب اشتمالها على الشهادتين، ولو عُوِّض عن ذلك بالصلاة عليه لم يَجُزْ، فكذلك هذا
(1/167)

الذكر.
وأيضًا فإن الشهادتين أصل الإيمان وفرعه، وأول واجبات الدين وأعظمها، وأما الصلاة عليه فمن فروع الشريعة التي هي زيادة في حقّه، فكيف يُجزِئ الاقتصارُ على هذا الفرع أو يكون هو الواجب في أمر الرسول دونَ الأصل الذي لا يتمُّ الإيمان إلّا به ....... ؟ ولو صلَّى الرجل عليه ولم يَشهَدْ له بالرسالةِ لم يكن مؤمنًا، ولو شهد له بالرسالة [ولم يصلِّ عليه كان] مؤمنًا.
وأيضًا فالصلاة عليه من جنس الدعاء والأعمال، لا من جنس العقائد والأصول الخبرية، ولهذا كان شَرْعها مقرونًا بالدعاء، كما في الصلاة عليه أمام الدعاء في الصلاة وفي صلاة الجنازة ونحو ذلك. فأما أصول الكلام وقواعد الخطاب فإنما تُشرَع معها الشهادتان التي هي الفارقةُ بين أهلِ الإيمان وأهلِ الكفر، وأهل الجنة وأهل النار، وبين السُّعداء والأشقياء.
ثم هل تَجبُ الصلاةُ عليه في الخطبة كما تجب في الصلاة عند من يقول بذلك؟ هذا محلُّ اجتهاد، فيحتمل أن يقال به قياسًا على الصلاة، ويحتمل أن لا يقال به قياسًا على الأذان. مع أن الخطب المنقولة عنه لم تشتمل إلّا على الشهادتين، وكذلك الخطبة التي علَّمها لأصحابه خطبة ابن مسعود، وكذلك قوله: «كلُّ خطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء».
(1/168)

وهذا القول أقوى إن شاء الله، فإن الخطبة هي مخاطبة الخطيب للمخطوبين، ومقام المخاطبة للخلق لا يجب فيه الدعاء، وإنما يجب الدعاء في مقام مخاطبة الخالق ومناجاته، ولهذا شُرِعت الصلاةُ عليه في الصلاة دون الأذان. نعم إذا دعا الخطيب في خطبته فينبغي له أن يَقرِن دعاءه بالصلاة عليه، كما قيل بمثل ذلك في الجنازة، فتكون الصلاة عليه واجبةً مع الدعاء لا دونَه.
ولم يحضرني الساعةَ أثرٌ فيه اقترانُ الحمدِ بالصلاة عليه فقط إلّا في كتب المراسلات التي هي مأثورة عن الإمام أحمد وغيره، ففيها: «من فلانٍ إلى فلان، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهلٌ وهو على كل شيء قدير، ونسألهُ أن يُصلِّي على محمد عبدِه ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا».
...... ففي هذه الرسائل ذكر الحمد لله والصلاة على رسول الله ...... وشهادة [أن لا إله إلا الله وأن] محمدًا عبده ورسوله، .... للشهادة بالرسالة، ويوافقه الحديث المرفوع في السنن: «ما اجتمع قومٌ مجلسًا ثمَّ تفرَّقوا عنه، ولم يذكروا الله فيه، ولم يُصلُّوا على نبيِّهم،
(1/169)

إلّا كان عليهم تِرةً» ففيه الجمع بين ذكر الله والصلاة على رسوله.
كما جاء في الحديث العمري موقوفًا ومرفوعًا وعن علي، ولفظه: «الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك». ولو قيل مثل ذلك في الصلاة المكتوبة لكان حسنًا، الحديث المأثور يؤيِّد ذلك.
وأصل هذا أن مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا بُدَّ في الخطبة من ذكرِ الله وذكرِ رسوله، ثم تكلموا في معنى ذكر الرسول بما فصَّلتُه. وكذلك يقال في ذكر الله أنه معنى الحمد الله، لما رواه أبو داود في السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل كلامٍ لا يُبدأ فيه
(1/170)

بحمد الله فهو أجذم». ورواه أحمد وغيره، وفي رواية: «كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم». وكذلك خُطَب رسول الله صلى الله عليه وسلم المنقولة عنه مفتتحةٌ بحمد الله، كما افتتح الله كتابه بذلك، وجعل ذلك فاتحة الكتاب التي هي السبع المثاني.
فصل
والشهادة المذكورة هي أول الواجبات في دين الإسلام، كما دلَّت عليه السنن المتواترة، وكما أجمع المسلمون على أن من قال ذلك صار مسلمًا، وإذا ....... بقلبه صار مؤمنًا، وأنه بدون ذلك لا يُقبَل منه عملٌ، وأنه ...... إلى ذلك، وعليه يقاتلون.
وهذا الأمر المتواتر المعـ[روف] من دين المسلمين الذي أجمعوا عليه خلفًا بعدَ سلفٍ يُبيِّن لك خطأ مَن أوجبَ قبل ذلك شيئًا غيرَه من المتكلمة، سواء سمَّوا ذلك النظر أو القصد إليه أو الشكّ أو معرفة الله، إلى غير ذلك من المقالات المبتدعة، بل الأمر هو ما عليه الفقهاء وأهل المعرفة وعلماء الحديث وعوامُّ المسلمين، وهو الذي توارثوه عن نبيِّهم الذي تُلُقِّيَ الوجوب من جهته توارثًا معلومًا بالاضطرار، وذلك
(1/171)

عندهم أظهر وأشهر من جميع الأمور الموروثة عنه.
وإنما نشأ هذا الغلطُ من المعتزلة الذين أحدثوا الكلامَ الباطلَ في الدين، وبَنَوا ذلك على أن العقل بمجرده يُوجِب، وأنه يُوجب معرفةَ اللهِ المنعم أولًا، وأنه لا طريقَ إلى ذلك إلّا النظر، فقالوا بوجوبه، وقد بسطتُ القولَ في هذه المسألة في غير هذا الموضع، وبينتُ أن المعرفة المجملة داخلةٌ في أول الواجبات، لا أنها بنفسها وحدها وجبتْ، وأنها وحدها لا بقيدٍ.
والشهادة وإن كانت هي أول الواجبات فهي أفضل العبادات، وأرفعُ العلوم والمعارف، وأجلّ القُرَبِ والطاعات، وهي قُوْتُ المؤمن في كل وقتٍ وحال، وهي للإيمان كالنية للعبادات، وإن اكتُفِي باستصحاب حكمها فاستصحابُ ذكرها هو الأصل، ويجب أن يُستصحبَ ذكرُه في المواطن التي يستزلُّ الشيطانُ الناسَ عن حقيقتها، إما بتألُّهِ غيرِ الله أو إخراج الرسولِ عن حقيقة الرسالة، ومزاحمة غيره له، من ملكٍ أو أمير أو عالم أو شيخ أو إمام أو صاحب، فإن هذا يقع فيه خلائق لا يُحصَون ممن مضى ومن غبَر، وهو يخرج عن حقيقة الإيمان وإن كان قد لا يَخرج عن أصلِه.
فصل
وخصائصُ الشهادتين وعلوُّ قدرِها وفضلها كثير جدًّا، وكذلك فضل التوحيد والتهليل كثير جدًّا في الكتاب والسنة وإجماع الأمة،
(1/172)

كقوله: {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم:24]، وقوله: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92 - 93]، وقوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} [الأنعام:160]، وقوله: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح:26]، وقوله: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة:40] إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب التفسير وكتب الحديث والفقه والرقاق والأذكار والأدعية، كالدعاء للطبراني وغير ذلك.
والمقصود هنا أن هذه الكلمة الطيبة العليا هي لا إله إلا الله، ففيها نفي الإلهية عما سواه وإثباتُها له. والإله مَن يُولَهُ رجاءً وخشيةً وإجلالًا وإكرامًا وعبادةً واستعانةً وغير ذلك من معاني الإلهية، وإن كان طائفة من المتكلمين يعتقدون أن الإله هو الخالق، أو هو الرب، أو هو القديم، وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع أو صنع العالم أو نحو ذلك، فهذه كلها صفاتٌ لله سبحانه، بها وجب أن يكون الإله.
والإله هو المعبود الصمد المقصود الذي إليه المنتهى، والشركُ الذي حرَّمه الله على ألسُنِ رُسلِه، وحكمَ بكُفْرِ أصحابه عبادةُ إلهٍ سواه، وإن كان العابد له يعتقد ذلك خلقًا من مخلوقاته، فإن هذا قول جميع المشركين من جميع الأمم، لم يكن من المشركين من يقول: إنّ مع الله إلهًا مساويًا له في صفاتِه أو أفعاله، أو أنه شاركه في خلق جميع المخلوقات، بل جمهور من أشرك به يُقِرُّ بأن شريكَه مملوكُه، سواء أشركوا به الملائكة أو الكواكبَ أو الأنبياء أو الصالحين أو الجنّ أو
(1/173)

الأوثان أو الأصنام أو غير ذلك. ومما كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك». ولهذا قال تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [الروم:28]. ومن لم يُقرَّ بأن شريكَه مملوكُه -كطائفةٍ من المجوس- يزعم أن الظلمة قديمة مع النور، فهم يقولون إنها ليست مثله ولا تَفعلُ كفعلِه، بل يجعلون ذلك قديمًا شريرًا ملعونًا.
وكذلك الصابئة والمتفلسفة الذين يقولون بتولُّد الأرواح التي هي العقول والنفوس، والعرب الذين كانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ الله، والنصارى واليهود الذين يجعلون المسيحَ وعُزيرًا ابنَ الله، كلُّ هؤلاء يُقرُّون بأنه هو الربُّ الأعلى الفاعل المدبِّر لما جعلوه ولدَه وابنَه.
والقرآن قد اشتمل على ذمِّ المشركين به والذين جعلوا له ولدًا كقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:100]، وقوله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء:111]، وقوله: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2]، وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
(1/174)

[الإخلاص:3 - 4].
وكلُّ هؤلاء الذين وُجدوا في العالم وكفَّرهم القرآن ممن جعل له ولدًا أو شريكًا لم يُثبتوا من يُساويه من جميع الجهات ....... وقد يعبدون ويعتقدون في هؤلاء الشركاء أنهم شفعاء إليه، أو أنهم يُقرِّبونهم إليه زُلْفَى، أو أنهم ينفعونهم ويضرونهم لمعانٍ فيهم، أو يَهوَون عبادتهم، كالذي قال الله فيه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43].
وهذا الاعتقاد الذي اعتقدوه والهوى الذي أحبوه كما قال الله فيهم: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم:23]، فكانوا جاهلين باعتقادهم ظالمين بهواهم، أفسدوا قوَّتَي النفسِ العلمية النظرية والعملية الإرادية.
وإذا كان المقصود بالشهادة سلبَ ألوهيةِ ما سوى الله عن القلب حتى لا يَعبد الإنسانُ إلا الله وحده لا شريك له، فمن أشرك به شيئًا من مخلوقاتِه من كوكبٍ أو قمرٍ أو شمسٍ أو ملَكٍ أو نبيٍّ أو وثنٍ فهو مُشرِكٌ شركًا خاصًّا، ولهذا تنوع الشرك، فكل قوم من المشركين لهم إلهٌ أو آلهةٌ أشركوها به غير إله الآخرين، مثل وَدٍّ وسُوَاعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونَسْرٍ واللاتِ والعُزَّى ومناةَ الثالثة الأخرى والكوكب والشعرى والشمس والقمر والمسيح وعُزير وغير ذلك مما ذكره القرآن بعينه أو بنوعه.
(1/175)

ومن عبد هذه الآلهة كلَّها أو جوَّز عبادتَها فشركُه أعظمُ، ومن أنكر الله وعبدَ ما سواه فهو أكفر وأكفر، فهؤلاء الاتحادية الذين يزعمون أن الله هو الوجود هم يُشركون به جميعَ خليقتِه إن أقروا بوجودِه وزعموا أن وجودَه فاضَ عليها، وإن زعموا أنه هو الوجود المطلق، أو أنه هو عين الموجودات فهم مشركةٌ معطِّلةٌ شركًا عامًا ....... ، فإن من هؤلاء من يقصد عبادة الله وحده .... في معرفته، ويقصد اتباع الرسول، وإن غلط في معرفة دينه، فهم من جهة ما وافقوا فيه الرسولَ خيرٌ من الكفار، ومن جهة ما خرجوا به عن دينه قد يكون بعضهم شرًّا من بعض الكفار.
ولهذا يذكر عن ابن العربي أن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا، وقال في «الفصوص» في فصِّ نوح: لما عظم قومه وذكر أنهم كانوا عارفين فقالوا: {لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح:23]، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من عرفه ويجهله من جهله. وفي المحمديين: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء:23] أي حكم، فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهرَ حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية
(1/176)

في الصورة الروحانية. فما عُبِد غيرُ الله في كلِّ معبود. فالأدنى من تخيَّل فيه الألوهية، والأعلى ما تخيَّل بل قال: هذا مجلًى إلهيٌّ ينبغي تعظيمه، فلا يقتصر. وله من هذا الجنس كلام كثير.
وحدثني ابن سالار عن ابن إسرائيل أن الحريري قال له: مذهبُ من نفَى الصانعَ مذهبٌ صحيح، فأنكرتُ ذلك، فأشارَ إلى أن الصانعَ هو الصنع، فوافقه على ذلك، وأن ابن سالار حكى ذلك للأيكي فاستحسن ذلك جدًّا، وقال له: يا ناصر الدين! من أين لك هذه الفوائد الدقيقة؟ أو كلامًا هذا معناه.
ولهذا كلاهما وطائفتهم تستحسن الغناء الذي يُنبِت النفاقَ قي القلب، حتى إنهم يشتغلون به عن الصلوات في مواقيتها، مع أن هذا قد يفعله من عقيدته في التوحيد صحيحة. فأما هؤلاء فاتحاديةٌ في اعتقادهم إباحيَّةٌ في أفعالهم، أخبثُ من شِرار النصارى الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق. بل هؤلاء القوم أعظم شركًا بالله من النصارى وعُبّاد الأصنام، فإن أولئك أشركوا به شيئًا معينًا من مخلوقاته، وهؤلاء أشركوا به كلَّ المخلوقات. وإذا عَبَدُوا الوجود المطلق فهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وعبادة القدر المشترك هو عين الإشراك به، لكن زادوا على إشراك وجود كلِّ ما سواه به أنهم أنكروا حقيقتَه التي هي هو، فجمعوا بين نفيه وجحودِه وبينَ الشرك به كما بيَّنّا.
(1/177)

وهذا قول القونوي والتلمساني وابن سبعين وغيرهم ممن لا يجعل له وجودًا متميزًا عن وجود مخلوقاته، بخلاف قول ابن العربي الذي يجعل له وجودًا متميزًا، ويقول: إن ذلك الوجود فاض على الممكنات. فهذا القول أمثل، ولهذا هو عند الاتحادية أبعد عن التحقيق. هذا إذا اقتصروا على عبادة الوجود المطلق، وأما إن عبدوا الوجود كلَّه المطلق والمعيَّن كما هو قول التلمساني والبلياني وابن سبعين فقد أشركوا به جميعَ الكائنات المطلق والمعين. وهذا القول الثالث أخسُّ أقوالهم، وهو عند غالبهم عين التحقيق.
ومن بدع ضلالهم وكفرهم أنهم يسمُّون هذا توحيدًا وحقيقةً، ويزعمون أن كبار العارفين إنما أشاروا في توحيدهم وتحقيقهم إلى ذلك، ومعلوم أن هذا جامع لكل شركٍ، فهو أعظم شركًا وأكفر كفرًا من كل شركٍ وكفرٍ.
ومنشأ التلبيس أن المُشرك بين شيئين لا بدَّ أن يُسوِّي بينهما في شيء يُشركهما فيه، فيتحدانِ فيه، كما قال الكفار: {إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:97 - 98]. فمن أشرك بالله شمسًا أو قمرًا أو كوكبًا جعله شريك الله في العبادة والإلهية، فاتحدا في الألوهية والعبادة فهو موحِّدٌ للقدر المشترك بينهما عنده. ولذلك كل من قاس شيئًا بشيء وشبَّه شيئًا بشيء، فلا بدّ أن يتحد الفرع والأصل المشبَّه والمشبَّه به في معنًى يجمعهما، فهو يشرك فيه توحيد المشترك، ليس فيه
(1/178)

توحيد الواحد الذي أشرك به غيرَه.
وهؤلاء الفرعونية القرامطة لما أشركوا بالله سائر المخلوقات في الألوهية، وقالوا: إن ذلك الوجود المشترك هو الله وهو المعبود، صاروا موحدين الوجود المشترك قائلين بأن وحدة الوجود المشترك هي وحدة الله، وليس هذا توحيد الله الذي أشركوا به خلقَه، وإنما هو توحيدٌ للمشترك بينه وبين خلقه. وكل مشركٍ في العالم فهو موحِّد هذا التوحيد الشركي الكفري، لكن هؤلاء جمعوا كلَّ شرك.
وأما توحيد الله الذي يستحقه على عباده والذي بعث به رسلَه وأنزلَ به كتبَه، فهو توحيده نفسه وإخلاص الدين له، لا توحيد المشترك بينه وبين خلقه. ولهذا كان هذا التوحيد جامعًا لكل تَلْحيدٍ، فإن المسلمين سمَّوا القرامطة ملاحدة، وهؤلاء حقيقة قولهم هو قول الملاحدة الإسماعيلية النصيرية القرامطة الفرعونية النمرودية، وأما مشركو العرب والصابئة الفلاسفة ونحوهم فأحسنُ حالًا من هؤلاء، ولا حُسْنَ في شيء من الشرك، وإنما الغرض أن هؤلاء أكفرُ من ثلاثة أوجهٍ:
من جهة أنهم أشركوا به جميعَ الموجودات.
ومن جهة أنهم جعلوا المخلوقات هي إياه، وأولئك اعترفوا بأن شركاءهم ملكُه وأنهم ليسوا إياه، وهؤلاء جعلوها إياه وجزءًا منه.
ومن جهة أنهم أنكروه وكذَّبوا بوجودِه، حيث جعلوه الوجود المطلق أو وجود المخلوقات.
(1/179)

وهذا الثالث: لا يجيء على قول ابن عربي، فإنه يقول: إن له وجودًا وإنه فاض على الممكنات. وإنما يجيء على قول القونوي الذي يقول: هو الوجود المطلق، وعلى قول التلمساني [والبلياني] وابن سبعين الذين يقولون: هو عين الموجودات، فإن التلمساني والبلياني وابن سبعين ما عندهم وجودٌ إلّا عين الحق، فلم يفرقوا بين الوجود المطلق والمعين، ولا بين الوجود والماهيات.
وأما القونوي فيقرق بين المطلق والمعين، وعنده أن الله هو الوجود المطلق لا المعين.
وأما ابن عربي فعنده أن وجود الحق قائم بنفسه، وأن ماهيات الممكنات أزلية، كقول من يقول من المعتزلة وغيرهم والشيعة: إن المعدوم الممكن شيء. وزاد عليهم بأنه فاض عليها وجود الحق، فوجودها وجودُه، لا أن ماهيتها ماهيته.
(1/180)

حكاية المناظرة في الواسطية
(1/181)

[حكاية المناظرة في الواسطية]
الحمد لله رب العالمين. لما كان يومُ الاثنين ثامن رجب طلَبني نائبُ السلطان -أيَّده الله وسدَّده- بمحضرٍ من القضاة والمفتين والمشايخ، وسألني عن اعتقادي، فقلتُ له: الاعتقاد لا يُؤخذ عنِّي ولا عمَّن هو أكبرُ مني، ولكن عن كتاب الله وسنةِ رسوله وإجماع سلف الأمة. فقال: أَمْلِ علينا اعتقادَك. فأمللتُ جوامعَ من الاعتقاد، ثم قلتُ: إن بعض الناس قد بلغني أنه يَكذِبُ في هذا الباب عليَّ ويقول: إنه يَكتُم بعضَ الأمر، فنحن نطلب العقيدة التي كتبتُها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر، كتبتُها لقاضٍ قَدِمَ علينا من واسط، وكان قد ألحَّ عليَّ في ذلك، فأحلتُه على ما كتبه الأئمة من العقائد. فقال: أُحِبُّ أن تكتب أنت، فكتبتُ له هذه في قعدةٍ بعد العصر.
وأرسلتُ من أحضَرها، وقُرئتْ من أولها إلى آخرها، قرأها غيري كلمةً كلمةً، ووقع البحثُ والسؤال في مواضعَ منها.
وسألني نائب السلطان هل كتبتَ إلى مصر أو غيرها بعقيدة؟ فقلتُ له: لم أكتبْ قطُّ إلى أحدٍ بعقيدةٍ، ولم أكاتب أحدًا بها، إلّا أن ثمَّ مسائل أُسأَل عنها فأجيب، والنسخُ منها موجودة في دمشق ومصر وغيرها، لئلا
(1/183)

يستطيع أحدٌ أن يُغيِّر بعض النسخ.
وكان مما وقع سؤال بعض الجماعة عنه أني لما قلتُ في أولها: «إن أهل السنة يؤمنون بما وصفَ الله به نفسه وبما وصفَه به رسولُه من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيل». قال بعضهم: ما التحريف؟ فقلت: تحريف الكلم عن مواضعه، كما فعلَ بعضُ الجهمية في قوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164]، قال: أي جَرحَه تجريحًا بينابيعِ الحكمة، ونحو ذلك من تحريفات القرامطة والباطنية وغيرهم من أهل الأهواء.
ولما جاء الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد: «أن الله يقول يومَ القيامة: يا آدمُ! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوتٍ»، جرى كلامٌ في مسألة الحرف والصوت. فقلتُ: هذا الذي يحكيه بعض الناس عن أصحاب الإمام أحمد من أنهم يقولون: إن القرآن هو الحرف والصوت، وهو أصوات التالين ومداد الصحف، وهو القديم= هذا باطلٌ، لم يقله أحمد ولا أحدٌ من علماء أصحابه، ولا يقوله عاقل. وأحضرتُ كلامَ الإمام أحمد وغيرِه من أئمة السنة أنهم يُنكرون على من يقول: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، كما ينكرون على من يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق. فكيف بمن يقول: إن لفظه بالقرآن قديم، أو يقول: صوته بالقرآن قديم، أو المداد قديم؟ وفساد هذا معلوم بالحسّ.
(1/184)

وأنكرتُ على من ينقل هذا عن العلماء المشهورين في القرآن.
وقُرئ ما ذُكِر في العقيدة في مسألة القرآن من «أن القرآن كلام الله منزَّلٌ غير مخلوقٍ، منه بدأ وإليه يعود»، كما اتفق عليه السلف، وذكرت لفظًا أن الجمع في قولهم: القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرفٍ ولا صوتٍ كلاهما بدعةٌ حدثت بعد المئة الثالثة، لم يتكلم الإمام أحمد ولا غيرُه من الأئمة بهذا التركيب نفيًا ولا إثباتًا. وذكرتُ أن لي جوابًا من سنين عن هذه المسألة ....... وأحضرتُه في المجلس الثاني: أن الله تكلم بالقرآن حقيقةً، وهذا لا خلافَ فيه بين المسلمين، وأن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله حقيقةً؛ لأن الكلام إنما يُضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلِّغًا مؤدِّيًا. وذكر بعض الحاضرين أن هذا أول شبهةٍ كانت عندهم، وأن هذا تخليصٌ لهذا الموضع.
وفي الاعتقاد: «أن الدين والإيمان قولٌ وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح». فقال بعض الحاضرين: إذا ذُكِر أن هذا اعتقاد الفرقة الناجية كان فيه دلالة أن من لم يعتقد هذا يكون من الهالكين، وكثير من العلماء يقول: إن الإيمان هو التصديق.
فقلت: مع أن هذا السؤال لا يَرِدُ؛ لأني إنما قلت: إن الدين والإيمان
(1/185)

قول وعمل، وهذا متفقٌ عليه لا خلافَ أن مجموع الدين والإيمان قول وعمل، لكني قلتُ: أنا ذكرتُ اعتقاد السلف المنقول عن الصحابة والتابعين، ومذهبُهم الثابت عنهم أن الإيمان قولٌ وعمل. وليس من خالفَ القولَ الصحيح الذي يعتقده أهل العلم باجتهادٍ أو تأويلٍ يكون هالكًا، كسائر من يخالف بعض الأحاديث الصحيحة لاجتهادٍ سائغٍ، فإن المجتهد المصيب له أجرانِ، والمجتهد المخطئ له أجرٌ. وقد ذكرتُ في الاعتقاد أن أهل السنة لا يكفِّرون أهلَ الذنوب الكبائر مع شمول نصوص الوعيد لهم، لجواز أن يغفر الله لهم ويتوبوا، أو يكون لهم حسنات ماحيةٌ، أو لشفاعة فيهم، أو رحمة الله لهم، وإن كنا نُطلق بأن أهل النجاة هم أهل طاعة الله.
وكان في الاعتقاد أن ما ذُكر في القرآن من أنه استوى على عرشه، وأنه مع عباده، كلاهما حقٌّ على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يُصانُ عن الظنون الكاذبة، وأن ما ذُكِر في الكتاب والسنة وحُكِم من قربه ومعيته لا ينافي ما ذُكِر من عُلوِّه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نُعوتِه، وهو عليٌّ في دُنوِّه قريبٌ في علوِّه.
فأنكر بعض الجماعة لفظ الحقيقة، فقلتُ: قد حكى أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» إجماع أهل السنة على أن هذه الآيات والأحاديث تُجرى على الحقيقة لا على المجاز. وذكرتُ أيضًا ما حكاه
(1/186)

الخطابي وأبو بكر الخطيب وغيرُهما أن مذهب السلف إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وذلك أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، يُحتذَى فيه حَذْوُه ويُتَّبع فيه مثالُه، فإذا كان معلومًا أن إثبات الذات إثباتُ وجودٍ لا إثباتُ كيفيةٍ، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجودٍ لا إثبات كيفيةٍ. فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا أن معنى السمع العلم، ولا نُشبِّهها بأيدي المخلوقين وأسماعهم ونجعلُها جوارحَ وأدواتٍ للفعل.
وفي الاعتقاد: أنه «فوق سماواته على عرشِه، عَلِيٌّ على خلْقِه».
فسأل بعض الحاضرين عن لفظ الفوق، فقلتُ: هذا اللفظ في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرتُ حديثَ العباس بن عبد المطلب وهو في الاعتقاد، وفيه: «والعرشُ فوقَ ذلك، والله فوقَ عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه».
فقال بعضهم: نقول: «فوق العرش» ولا نقول: «فوق السماوات». فقلت: المعنى واحدٌ، مع أن في الحديث أيضًا «فوق السماوات».
فانقضى المجلس على أن أكتب جوابَ هذه الأسولة، ثم طُلِب تأخير ذلك إلى يوم الجمعة.
(1/187)

قلتُ: كلُّ من نقلَ مذهبَ السلف من أهل الحديث والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم، مثل أبي سليمان الخطابي وأبي بكر الخطيب وأبي بكر الإسماعيلي وأبي عثمان الصابوني والقاضي أبي يعلى وأبي عمر ابن عبد البر وأبي محمد البغوي صاحب «شرح السنة» وأبي القاسم التيمي صاحب «الترغيب والترهيب» وخلق كثير، نقلوا نحو ذلك. فلفظُ بعضهم: أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرِها، ولفظ بعضهم: حملُها على ظاهرِها، ولفظُ بعضهم: إمرارُها على ظاهرها. وبعضهم يقول: حملُها على الحقيقة دون المجاز. وبعضهم يصرِّح عنهم بإثبات ما دلَّت عليه من الصفات، كما نقله الأشعري وابن خزيمة والبيهقي وسيف
(1/188)

الدين الآمدي. وقد نقل لفظ الحقيقة عن السلف وأهلِ السنة أبو عمر ابن عبد البر وأبو القاسم التيمي الأصفهاني وأبو عبد الله القرطبي في تفسيره، وقال: لم يُنكر أحدٌ من السلف الصالح أن الله استوى على عرشِه حقيقةً.
وكلهم يقول: «مع نفي الكيفية والتشبيه عنها»، ويقولون: إذا كانت ذات الله ثابتةً حقيقةً وأسماؤه على ظاهرها مع أنا لا نعلم كيفية ذاتِه وصفاتِه، فكذلك صفاته، إذ العلم بكيفية الصفة فرعٌ على العلم بكيفية الموصوف، فإذا قال السائل: كيف صفاتُه؟ فقُلْ: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال: لا أعلَمُ كيفيةَ ذاتِه، فقُلْ: لا أعلَمُ كيفيةَ صفاتِه.
ونقلَ طائفةٌ منهم القاضي عياض وغيره أن مذهب السلف إمرارُها كما جاءت مع العلم أن الظاهر غير مراد.
قلتُ: يُجمَع بين النقلين بأن «الظاهر» لفظ مشترك، فالذي نقلَ نفيَه نفَى ما يظهر لبعض الناس من التشبيه بصفات المخلوقين، وما يقتضي نقصَ الخالق تعالى، مثل أن يقال: ظاهر قوله «في السماء» أن السماء تَحْوِيه أو تَحْمِلُه. ولا ريبَ أن هذا الظاهر لهذا غير مراد، فإن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى مخلوقاته ولا يَحصُره شيء، سبحانَه وتعالى. بل
(1/189)

قد {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة:255]، وهو الذي {يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} [فاطر:41]، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر:67]. فمن قال: إنه محتاج إلى ما يَحمِلُه ويُقِلُّه، أو أنه في شيء يُحيط به ويُظِلُّه، فهو ضالٌّ مضلّ.
والذين نقلوا إثباتَه أرادوا به ما هو الظاهر اللائق بجلالِ الله تعالى الذي لا يقتضي نقصًا ولا حدوثًا. كما أنهم اتفقوا على أن هذا هو الظاهر في حياته وعلمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته، واتفقوا على أنه موجودٌ حقيقةً حيٌّ حقيقةً عليمٌ حقيقةً قديرٌ حقيقةً متكلمٌ حقيقةً، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وجرتْ بحوثٌ فيها.
وقد قيل: إن هذه الأسماء مثل لفظ الوجود وغيره هل هو يُطلق على الواجب والممكن بطريق الاشتراك اللفظي أو التشكيك أو التواطي؟
فقلت: إن المقصود يحصل على كل قول.
وقيل: لفظ العلو والفوقية لا يُفهم منه إلّا الفوقية المختصة بالمخلوق، كفوقية السلطان على السرير.
فقلتُ: بل لفظ العلو والفوقية كلفظ الحياة والعلم والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات، فإنه وإن وُصِفَ الله بها ووُصِف بها العبد وهي
(1/190)

على ظاهرها وحقيقتها في الموضعين= فالمفهوم منها في حق الله تعالى ليس هو ما يختصُّ به المخلوق.
فقيل: العلو من الأمور الإضافية بخلاف السمع والبصر ونحوهما.
فقلت: إذا كان الاشتراك في الصفة الثبوتية كالحياة أو في الصفة الثبوتية الإضافية كالسمع والبصر لا يقتضي تشبيهًا ونقصًا، فالاشتراك في الإضافة المحضة أولى أن لا يقتضي تشبيهًا ونقصًا، فإن الاشتراك في الصفات الثبوتية أولى بالمشابهة من الصفات الإضافية.
وقيل: إن ........ تعالى ذلك هل هو معلوم أو غير معلوم؟
فقلت: هو معلوم من حيث الجملة غير معلومٍ من حيث التفصيل، معلوم من وجهٍ دون وجه، كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهكذا سائر ما يُعلم من معاني أسماء الله وصفاته إنما يعلمه الناس من بعض الوجوه، وأما الإحاطة بحقيقته فليست إلّا لله وحده.
قلت: وكذلك ما أخبرتْ به الرسلُ مما في الجنة والنار، بل ونفس الإنسان إنما يعلم ذلك من بعض الوجوه دون الإحاطة بحقيقته.
وقيل: إن صفة العلو هل هي صفة كمال؟
فذكرتُ أن فيها قولين:
من الناس من يقول: ليست بصفة نقص ولا كمال، كما يقوله كثير
(1/191)

من المتكلمين من الأشعرية وغيرهم في صفات الفعل مثل الخلق والرزق، إذ لو كانت صفة كمالٍ لوجب اتصافه بها في الأزل، وهو منزه عن النقائص سبحانه وتعالى.
ومنهم من يقول: بل هي صفة كمال. ثم منهم من يقول: هي قديمة وإن تأخر أثرُها، كما يقولونه في الصفات الفعلية من الربوبية وغيرها، وصفة العلو استحقاقه للعلو عند وجود المخلوق. ومنهم من يقول: هذه من الأمور النسبية الإضافية، وتجدُّد النِّسَب والإضافات جائز باتفاق العقلاء، وهي صفة كمال لا يستحق لذلك إلّا حينَ وجود المخلوق، وقبلَ وجود المخلوق يمتنع ثبوتها، فلا يقال صفة نقصٍ ولا كمال.
وقال لي نائب السلطان -أيَّده الله وسدَّده- في ضمن الكلام: هذا الذي كتبتَه تقولُه من عندك؟
فقلتُ: ليس في هذا لفظٌ واحدٌ من عندي، وإنما هو من كتاب الله وسنةِ رسوله وألفاظِ سلفِ الأمة أو ألفاظِ مَن نقلَ مذاهب سلف الأمة وأهل السنة من الأئمة الموثوق بهم.
وقلتُ أيضًا: أنا أُمهِل من خالفني ثلاثَ سنين، فإن جاء بحرفٍ واحدٍ ثابتٍ عن القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم يُناقِضُ حرفًا مما قلتُه وذكرتُه عنهم رجعتُ عن ذلك.
وقال بعضهم: هذا اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل.
(1/192)

فقلتُ: هذا اعتقاد جميع سلف الأمة وأهل الحديث ومن سلك سبيلَهم من أتباع الأئمة الأربعة ومشايخ الصوفية وعلماء المتكلمين، وإنما الإمام أحمد بلَّغ العلمَ الذي جاء به الرسولُ، واتبعَ سبيلَ من سبقه من الأئمة، ولو جاء أحد بشيء مخالف لذلك لم يقبل. وأما المتأخرون فمنهم من يوافق السلف، ومنهم من يخالف السلف.
وقلتُ: من أنكر من ذلك شيئًا فليكتُب خطَّه بما ينكره، ولينقلْ ذلك عن سلف الأمة، ويذكر مستنده، أو ليكتبْ عقيدةً تُناقض هذه، وتُعرَضُ الثنتانِ على سلطان المسلمين.
وقال لي بعض الحاضرين -وقد أحضر كتاب الأسماء والصفات للحافظ أبي بكر البيهقي-: هذا قد ذكر فيه عن بعض السلف تأويل صفة الوجه.
فقلت: لعلك تعني قوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115].
فقال: نعم، قد ذكر عن مجاهد والشافعي أنها قبلة الله.
فقلت: هذا صحيح، وليست هذه من آيات الصفات، بل سياقُ الكلام يدلُّ على المقصود حيث قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، أي فثمَّ جهةُ الله، فإن الوجه والجهة والوِجهة في مثل
(1/193)

هذا بمعنى واحد، كما قال: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة:148] أي يستقبلها. ويقال: أيَّ وجهٍ تريد؟ أي أيَّ ناحيةٍ تُريد. فقوله: أينما تُولوا، أي أينما تتولَّوا أي تتوجَّهوا وتستقبلوا فثمَّ جهةُ الله أي قبلةُ الله. وهذا ظاهر الكلام الذي يدلُّ عليه سياقُه، وقد يَغلَط بعضُ الناس فيُدخِل في الصفات ما ليس منها، كما يَغلَط بعضُ الناس فيجعلُ من التأويل المخالف للظاهر ما هو ظاهر اللفظ، كما في هذه الآية ونحوها. ومثل ذلك قوله: «الحجر الأسود يمينُ الله في الأرض، فمن صافحه واستلمه فكأنما صافحَ الله وقبَّل يمينَه».
فقال لي بعض الحاضرين: فقد روي عن مالك أنه قال في حديث النزول: ينزل أمره.
فقلت: هذا رواه حبيب كاتبه، وهو كذاب.
(1/194)

فقال: قد رُوي من غير طريق حبيب، من طريق مطرف.
وجواب هذه الرواية المنقولة عن مالك كجواب الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في مثل ذلك، فإنه نُقِل عنه يومَ مناظرته للجهمية أمامَ الخليفة أنه قال في قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة:210] أنه أمره. فقيل: الراوي غلط عليه، وقيل: إنه قاله على سبيل الإلزام لهم لما احتجُّوا بمجيء القرآن على [أنه] مخلوق، فقال لهم: إنما مجيء ثوابه كما قلتم في قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر:22]: إنه أمره.
وقيل: بل هذه رواية عنه أنه يتأول صفات المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك بمعنى القصد، ولا يتأوَّل غيرها. وبعضهم [جعلها] رواية مخرجة عنه في بعض أحديث الصفات التي يجب تأويلها عند هذا القائل، وهو ابن ...... ، فالكلام في المنقول عن مالك وأحمد سواء.
وهذا إذا كان قولًا صحيحًا ثابتًا عن السلف لم يضرَّني، لأني لم أذكر في العقيدة لفظ التأويل نفيًا ولا إثباتًا، وإنما قلت: «من غير تحريف» والتفسير الصحيح المأثور عن السلف الذي تقوم عليه الحجة الموجبة لقبوله ليس بتحريف، بل هو مثل ما يُنقل عنهم من تفسير القرآن والحديث. فهذا إذا ثبت ليس مخالفًا لما ذكرتُه.
وقلتُ للسادة الحاضرين: هل في شيء من هذه الأقوال والكلام
(1/195)

كفرٌ أو فسقٌ؟ فصرَّح أكثرهم بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ، حتى من كان يُكثِر النزاعَ قبلَ ذلك المجلس ويدَّعي الكفر اعترفَ بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ.
وقال بعضهم: هذا بدعة. فأنكر جمهور الحاضرين عليه هذا القول، وطلب ...... الجمع بدعة أو أنه من البدع المستحسنة، وغلَّظ بعضهم الإنكار لهذا القول.
فقلت: الكتاب والسنة لا يكون بدعة، إنما البدعة مثل اعتقاد ابن التومرت ونحوه، والسلف إنما كرهوا الكلام المخالف للكتاب والسنة، كما قال الشافعي رضي الله عنه: حكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد ويُطافَ بهم في القبائل والعشائر، ويقالَ هذا جزاءُ من تركَ الكتابَ والسنةَ وأقبلَ على الكلام. فإنما عابوا على من ترك الكتاب والسنة.
فقال بعضهم: قد كره مالكٌ رواية مثل هذا.
قلت: المنقول عن مالك أنه كره لمحمد بن عجلان رواية حديث الصورة، وقد تكون كراهته مخصوصةً خشيةَ ضلالِ بعض الناس به،
(1/196)

كما قال [عبد الله بن مسعود]: ما من رجلٍ يُحدِّثُ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولهم إلَّا كان فتنةً لبعضهم. وإلّا فقد حدَّثَ به سائر الأئمة، وهو في الصحاح. وهذا الحديث ليس في هذا الاعتقاد، وقد روى مالك في [الموطأ] حديث النزول والضحك.
قلت: وأنا لم أخاطبْ عامةً ولا دعوتُ أحدًا إلى اعتقاد، وإنما كتبت لبعض القضاة.
وبلغني أنه بعد المجلس أخرج بعضهم حديث عائشة وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم».
وجوابه أن الله ذمَّ من اتبع المتشابه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويله، لم يَذُمَّ أهلَ العلم الذين يقولون: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا، فالذمُّ يقع [على] المنازع الذي يسأل عن الكيفية، ويطلب التأويل كما يُعلِّمه المتأولون المخالفون للنص والإجماع، ويطلب الفتنة بالتشكيك.
(1/197)

قال لي بعضهم: أتُؤمن أن الله ينادي يومَ القيامة بصوتٍ؟
فقلتُ: هذا قاله نبيُّك إن كنتَ مؤمنًا به، وهكذا قال الرسول الذي أُرسِلَ إليك إن كنتَ مصدِّقًا بأنه رسولُ الله.
فقال آخر: الحديث «يُنادَى».
فقلتُ: أما غالبُ الرواة فإنهم قالوا: «يُنادِي»، وقد رواه بعضهم «يُنادَى» كما حكاه القاضي عياض، ولا منافاة، فإن الروايتين الصحيحتين في الحديث كالقراءتين الصحيحتين في القراءات، فذلك مثل قوله: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف:47]، وتُسَيَّرُ الجبالُ (3).
__________
(3) بعده في الأصل بخط أحد القراء: «قلت: هذا المجلس كان في اليوم الثامن من شهر رجب الفرد سنة ست [الصواب: خمس، كما ذكره المؤلف نفسه في حكاية المناظرة ضمن مجموع اللفتاوى (3/ 161)] وسبعمئة، وذلك قبل أن يُطلَب الشيخ رضي الله عنه إلى مصر في المحنة الأولى بقليل، فإنه خرج إلى مصر اليوم ..... من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، وسبب ذلك أن الشيخ رحمه الله استشعر من الشيخ نصر وجماعة معه أنهم على مذهب الاتحادية، فكتب لهم كتابًا يذكر لهم فيه فساد مذهبهم وبطلانه».
(1/198)

فصل
أصل الإيمان والهدى ودين الحق هو الإيمان بالله ورسوله
(1/199)

فصل
أصل الإيمان والهدى ودين الحق وما يدخل في ذلك من العلم النافع والعمل الصالح هو الإيمان بالله ورسوله، وهو أول ما أوجبَه الله على عباده وأمرهم به، وقد قررتُ ذلك فيما تقدم من القواعد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمِرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها». وكما قال لمعاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن: «إنك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فليكن أوَّلَ ما تدعوهم إليهم شهادةُ أن لا إله إلا الله».
وكما تواتر بالنقل العام، وعُلِمَ بالاضطرار من دين الرسول، واتَّفقتْ عليه الأمة أن أصلَ الإسلام وأولَ ما يؤمر به الخلقُ شهادةُ أن لا إله إلا الله وشهادةُ أن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، والعدوُّ وليًّا، والمباحُ دمُه ومالُه معصومَ الدم والمال. ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانهِ دونَ قلبه فهو في ظاهر الإسلام دونَ باطن الإيمان، كما قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14].
(1/201)

وكما أن هذين أصلا الدين فهما أيضًا جماعُ الدين وكمالُه وتمام فروعه، فهما الفارقانِ بين أهل الجنة وأهل النار، والسعداء والأشقياء، كما قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد:21]. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم درجاتٍ في الجنة عاليةً فقالوا: تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم، فقال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين».
وقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف:35 - 36].
وقال: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} [الأنعام:31].
وقال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى} [الزمر:71].
وقال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ
(1/202)

عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:123 - 126].
وقال في الآية الأخرى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:38 - 39].
وقد أخبر في غير موضع من كتابه أن المُعذَّبين في الدنيا والآخرة هم المُعرضون عن اتباع رسل الله، كقوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك:8 - 9]. وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر:71]، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]. وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه:134]. وقال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:47]، وقال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ
(1/203)

حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165]. وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} الآية [القصص:59].
وأخبر تعالى بأنه أرسل إلى جميع خلقِه الرسلَ، فقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ} [النحل:36]، وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24]. وقال: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الأنعام:130].
وذِكرُ الإيمانِ بالله ورسله في القرآن كثير جدًّا في أنواع من الأصول، كقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد:19]. وقوله: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الحديد:28]. وقوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد:25]، وسورة الحديد قد ثنَّى فيها هذا الأصل مَرَّةً بعد مَرَّةٍ.
وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا
(1/204)

بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح:8 - 9]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} [النساء:136]. وقال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} الآية [المائدة:12]. وقال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة:136 - 137]. وقال في آخر السورة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة:285]. وقال في أول السورة: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة:1 - 4].
فسورة البقرة جماعها في تقرير الرسالة، فإن تقرير الرسالة متضمنة للإيمان بجميع الكتب والملائكة الذين هم رسلٌ أيضًا، كما قال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75]. ولفظ «الملَك» يقتضي الرسالة، فإنه من الأَلُوكَة، والألوكة هي الرسالة، والمأْلُك: الرسالة. وهذه المادة (أل ك) و (ل أك) تقتضي الرسالة، وقد
(1/205)

قال فيهم: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات:1]، وهو الملائكة في أشهر القولين، وهم رُسُل الله في تنفيذ أوامرِه الكونية والدينية، والعالَمُ كلُّه قائمٌ بأمرِ الله الكوني، كَما أن الدياناتِ كلِّها قائمة بأمر الله الديني.
وهذا الأصل وإن كانت سورة البقرة تضمَّنته فكذلك كثير من السور بل أكثرها، مثل سورة آل عمران التي قال في أولها: {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [آل عمران:1 - 4]. وذكر في أثنائها ما ذكر من الإيمان بالله ورسله، ثم ختمها بمثل ذلك في قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران:199].
والفرق بين سورتي البقرة وآل عمران أن البقرة جامعة لتقرير جنس الرسالة على الكافرين، ولتقرير رسالة محمد وأصول شريعته على مَن كفر به مِن أهل الكتاب. وأما آل عمران فالمقصود الأكبر فيها تقرير رسالته على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكذلك سورة الأعراف أيضًا، مقصودها الأكبر تقرير الكتاب والرسالة، جنس ذلك وعينه، وذلك بيِّنٌ فيها، وكذلك سورة يونس وهود والرعد وإبراهيم والحجر وسبحان والأنبياء وآل طسم وآل حم ويونس والحديد وغير ذلك من السور.
(1/206)

وذلك لأن المقصود الذي خلق له هو عبادة الله الجامعة لمعرفته بأسمائه وصفاتِه، ومحبتِه والإنابةِ إليه، وإخلاص الدين له، والطريق إلى ذلك هم رُسُل الله تعالى، فالإيمان بالله ورسوله هما المقصود والوسيلة، وبدون أحدهما لا يحصل ذلك، فمن أقرَّ بالخالق ولم يؤمن بالرسل لم يَعْلَم ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به، ولا ما يكرهه ويسخطه وينهى عنه، ولم يعرف أيضًا من أسمائه وصفاته ما لا يُعرف إلا من الرسل، سواء في ذلك العلوم والأعمال التي قد يعلمها الإنسان بعقله، فإن هذا القسم ليس بيِّنًا في العقول ولا ظاهرًا للناس، ولا هو متَّفقٌ عليه بين أرباب العقل العام، بل مَنْ لم يهتدِ بنورِ الرسالة واكتفى فيه برأيه ورأي بني جنسه فإنه يقع في الشبهات والإشكالات والاختلاف والتفرق الذي لا يُحيط به إلا الله تعالى، كما نجده في الخارجين عن اتباع حقيقة الرسالة من المشركين والمجوس، والمبدِّلين المبتدعين من الصابئين واليهود والنصارى والمسلمين، وهم الذين تفرَّقوا على الأنبياء والرسل، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المُتَّفَق عليه عن أبي هريرة: «ذَرُوني ما تركتُكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم».
وقد قال سبحانه في كتابه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة:176]. وقال تعالى: {كَانَ
(1/207)

النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة:213].
وقال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة:253].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:51 - 53].
وقال بعد أن ذكر قصص الأنبياء: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء:92 - 93].
وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
(1/208)

سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [الشورى:13 - 14].
وهذا المعنى قد ثنَّاه الله في كتابه يبيِّن فيه أن دينه واحد، وهو الإسلام العام والإيمان العام، وأنه أمر رسلَه بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف، وأمر جميعَ عباده بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف. وهو دين الله الذي أمر به الأولين والآخرين من عباده، فمن خرج عنه فكفر بجميع الرسالة، وهو الكفر بجميع الكتب والرسل، أو آمن ببعض الرسالة دون بعض، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل دون بعض، كما يدعيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو ببعض ما في الكتب والرسل كما عليه الصابئة والمبتدعون من الفلاسفة الذين في المسلمين وغيرهم، ومن سلك سبيلهم من المبتدعة أهلِ التحريف والتبديل في المسلمين واليهود والنصارى، ويَدخلُ في هؤلاء السبعون فرقةً الذين في اليهود، والإحدى والسبعون الذين في النصارى، والثنتان والسبعون الذين في المسلمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة: «افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة». وفي رواية: «هو من كان على مثل ما أنا عليه
(1/209)

وأصحابي». فوصفهم بالاجتماع واتباع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو السنة والجماعة.
فكل من خرج عن الدين العام الجامع من الأولين والآخرين فهو من أهل التفرق والاختلاف، الذين اختلفوا في الكتاب، واختلفوا على الأنبياء، وخرجوا عن بعض ما جاءت به الرسلُ عن الله، وهو دين الله العام، وهو دين واحد. والله سبحانه هو الإله الواحد، له ما في السموات وما في الأرض، وهو أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
والإيمان بالله ورسله يتضمن ما أخبرتْ به الرسل من الخبر وما أمرتْ به من العمل، فإن ذلك أيضًا وسيلة ومقصود، والإيمان بما أمرتْ به هو الإيمان بالعمل الصالح، وهو الوسيلة. والإيمان بالله وباليوم الآخر غايتانِ، والإيمان بالرسل والعمل الصالح وسيلتان. ولما ذكر
(1/210)

المِلل التي فيها خير قال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62]. ومثل ذلك في المائدة. فعُلِم أن هذه الأصول الثلاثة هي جماع ما يجب في الملل كلها، وإنما أمر بقتال أهل الكتاب لخروجهم عن الأصول الثلاثة في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، فذكر خروجهم عن حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر وعن العمل الصالح الذي هو فعلُ ما أمر به من الحق وتحريم ما حرَّم الله ورسوله. وقد بسطت ذلك في غير هذا الموضع.
فصل
ومحمد بن عبد الله هو خاتم الرسل وأفضلهم وأكملهم، صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا، ودينُ الله هو ما بعثه الله به من الكتاب والحكمة، وهو الإسلام الخاص والإيمان الخاص، المتضمن للإيمان العام والإسلام العام. وقد أوجبَ الله على جميع أهل الأرض عربهم وعجمهم وإنسِهم وجنِّهم الإيمانَ به وطاعتَه واتباعَه، وتعزيرَه ونصْرَه وتوقيرَه وغيرَ ذلك من حقوقه، وأوجب على الخلق اتباعَ الكتاب
(1/211)

والسنة، وحرَّم اتباعَ ما سوى ذلك، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء:60 - 61]. وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59]. وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].
وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: «إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ». وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضًا في خطبته كلَّ خميس: «إنما هما اثنتانِ: الكلام والهدي، فخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ». وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُعلِّم أصحابَه أن يقولوا في خطبة الحاجة: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضرُّ إلا نفسَه، ولن
(1/212)

يَضُرَّ الله شيئًا».
وذِكرُه لهذه الأصول في خطبة يوم الجمعة وغيرها من قواعد الإسلام وأصول الإيمان، بل ذِكرُه لهذا الكلام بعد قوله: «أما بعد» -كما رواه جابر وغيرُه- دليلٌ على أن هذا هو جماع الدين كما قررناه أولًا، فإنه بعد الحمد والشهادتين يقول: «أما بعد، فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». فعُلِم بذلك كمالُ موقعِ هذا الكلام من الدين، وذلك لأنه مشتمل على أَصْلَي الإيمان: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وشهادةِ أن محمدًا رسولُ الله، على الإيمان بالله ورُسُله. ولكن بيَّن فيه جماع أمور الدين، فإنها نوعان: قولٌ وعمل، كما قال عبد الله بن مسعود: إنما هما شيئانِ: الكلام والهدي.
والهديُ: القصد والعمل، يقال: هَدَى يهدي هَدْيًا، كما يقال: مَشَى يمشِي مَشْيًا، وسَعَى سَعْيًا، ويقال: هَدَى غَيرَه يهدِيه هُدًى. ومن الأوّل قوله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف:159]، وقوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف:181]. ومنه قوله: {أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى} [يونس:35] على قراءة من قرأ
(1/213)

«يَهْدِيْ» على أحد القولين. والهدْي من هَدَى يهدي مثل الدلّ من دلَّ يَدُلُّ، ومنه الحديث المأثور في السنن: «الهَدْي الصالح والاقتصاد والسَّمْت جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة». ومنه قول حذيفة: كان عبد الله بن مسعود يُشَبَّه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هَدْيِه ودَلِّه وسَمْتِه. وكان علقمة يُشَبَّه بعبد الله في هَدْيِه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان إبراهيم يُشَبَّه بعلقمة في هَدْيِه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان منصور يُشَبَّه بإبراهيم في هَدْيِه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان سفيان يُشَبَّه بمنصور في هَدْيِه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان وكيع يُشَبَّه بسفيان في هَدْيِه ودَلِّه وسَمْتِه، وكان أحمد بن حنبل يُشَبَّه بوكيع في هَدْيِه ودَلِّه وسَمْتِه.
وذلك لأن المهتدي لا بدَّ له من شيئين: من غايةٍ يقصدها، ومن عملٍ إلى تلك الغاية. وكل إنسان فله قصدٌ وعملٌ، فإن أصدقَ الأسماءِ الحارثُ وهمامٌ، سواءٌ كان قصدُه صوابًا أو خطًا، وسواءٌ سَعَى إليه أو لم يَسْعَ. فمن لم يقصد الحق أو قصدَه ولم يعمل لمقصودِه فليس بمهتدٍ، بخلاف من قصدَه وعمل له فإنه مهتدٍ بالحق.
وإذا كان ذلك فالواجب أن يُنظر في كلِّ كلامٍ، فما وافقَ كتاب الله
(1/214)

فهو حقٌّ، وما خالفَه فهو باطلٌ، والموافق له وإن كان حقًّا فيُعلَم أن كلام الله أصدقُ الكلام وأحسنُ الحديث. وكذلك يُنظَر في كل عملٍ وحركةٍ باطنةٍ وظاهرة، ويُعلَم أن خير ذلك وأفضلَه هو هَدْيُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نيّتُه وعملُه، فأفضل النيَّات نيَّتُه، وأفضل الأعمال عملُه، فيكون هدْيُه أحسنَ الهدي، كما قال الفضيلُ بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2]، قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي ما أخلصُه وأصوبُه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
فعملُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخلصُ الأعمال، لا يَعبدُ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، كما عُلِمَ ذلك من دينه الخاص والعام. كان يقول في دُبُر صلاتِه: «لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاه، مُخلِصين له الدِّينَ ولو كرِه الكافرون. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاه، له النعمة وله الفضلُ وله الثناء الحسن». بل هو إمام الموحدين المخلصين، لم يُقِمْ أحدٌ من الخلائق دينَ الله وتوحيدَه باطنًا وظاهرًا كما أقامَه، ولم يَدْعُ أحدٌ إلى سبيل ربّه كما دعا إليه، ولم يجاهِدْ في سبيل الله كما جاهدَ في سبيل ربّه. وعملُه أصوبُ الأعمال، كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي
(1/215)

هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، وكان خُلُقُه القرآن.
وهو لم يفعل من العبادة ولم يشرع منها إلا ما أمره به ربُّه، ولم يَدعُ إلى سبيل إلا بإذن ربّه، كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب:45 - 46]، وقال عنه: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام:50]. وقال عنه: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام:15].
ويتفرع على هذا الأصل أن المتكلمين الخائضين في العلوم الإلهية والمعارف الدينية والحقائق العلمية، من جميع الطوائف المتكلمة والمتصوفة والمتفقهة والمتفلسفة وغيرِهم أهلِ الخطاب وأهلِ الكتاب، فإن المهتدي منهم هو المتبع لكتاب الله. والسالكينَ طرقَ العباداتِ والزهاداتِ والأحوالِ القلبية والتألُّهاتِ من جميع الطوائف المتقرئة والمتصوفة والمتفقرة والمتعبدة والمتفقهة وغيرهم، فإن المستقيم منهم هو المتبع لهدْي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أهل النظر في الأمور العامة من الأمراء والعلماء، فإن المصيب منهم هو المتبع لكتاب الله وسنة رسوله.
وهذا الأصل يُقِرُّ به المؤمنون جملةً وابتداءً، ولكن قد يغيب عنهم تفصيلُه عندما تُبْهَر عقولُهم من أقوال ذوي الأقوال وأحوالِ ذوي الأحوال وأوامر ذوي العلم والإمارة، وقد لا يكون عندهم أصلٌ من
(1/216)

السنة يعتصمون به في موارد الاشتباه ومواقع النزاع. والغالب أن أكثر ما تنازع فيه الناس يكون قد لُبِّسَ فيه الحقُّ بالباطل.
والمتأخرون قد أحدثوا كلامًا وأقوالًا وأفعالًا وأحوالًا فيه اشتباه وإجمال، فينبغي التبيُّن فيه وتفصيله، كما هو الواقع من أهلِ الحروف والكلام وأهلِ الأصواتِ والعمل، وتجد هؤلاء ينفرون عن بعض ما مع هؤلاء من الحق، والعكس. حتى أهل الحروف والكلام يبغضون المواجيد والأذواق والعبادات، وأهل الأصوات والأعمال يُبغضون النظر والعقلَ والكلامَ والفقهَ. وفي كل ذلك أمورٌ يُحِبُّها الله ورسولُه، ويرضاها اللهُ ورسولُه، ويأمر بها الله ورسولُه، وذلك لأن أهل الحروف أحدثوا حروفًا وكلامًا لا يحبُّه الله ورسوله وإن كانوا متأوّلين، وأهل الأصوات والعمل أحدثوا أصواتًا وأعمالًا لا يُحبّها الله ورسولُه وإن كانوا متأوّلين، فيجبُ ردُّ جميع ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا.
(1/217)

فصل
وصف الله أفضلَ أهل السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد
(1/219)

فصل
وصفَ الله أفضلَ أهل السعادة بالإيمان والهجرة والجهاد، فقال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة:19 - 22]. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:218].
وهذا الوصف باعتبارٍ يختصُّ بالمهاجرين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وباعتبارٍ آخر يَعُمُّ الأنصار، وباعتبارٍ ثالث يعمُّ كلَّ من اتصف بمعنى ذلك إلى يوم القيامة. وذلك أن لفظ «الهجرة» يُراد بها هجرة الوطن، لكن المقصود بها هجرة ما نهى الله عنه، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجرَ ما نهى الله عنه». وهذا مَرْوِيٌّ من عدّة طرق، وفي بعضها:
(1/221)

«المهاجر من هجر السيئات». وهذا المعنى يثبت للأنصار ولكل مؤمنٍ هجرَ ما نهَى الله عنه إلى يوم القيامة، وهجرة الوطن بدون هذه لا تنفع، وهذه الهجرة بدون هجرة الوطن تنفع. لكن مَن هجرَ مع السيئاتِ المباحاتِ لأجل اللهِ كهجرةِ دارِه ومالِه وأهلِه، فهذا أكمل. فالهجرة الأولى للمقتصدين، وهذه للمقربين.
ولهذا كان المهاجرون أكمل في هذا الوصف، فخُصُّوا بهذا الإسم، وقُدِّموا على الأنصار. والأنصار خُصُّوا باسم الأنصار، والمهاجرون أنصارهم أيضًا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [الصف:14]. وهذا بعد قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف:10]. وكل المؤمنين مخاطَبون بأن يكونوا أنصارَ الله.
وقد قال في صفة المهاجرين: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8]، فوصف المهاجرين بأنهم ينصرون الله ورسوله. لكن الأنصار كانوا في ديارهم وأموالهم، وهم مجتمعون متناصرون، فكانوا أكمل في وصف النصر، إذ كانوا أقدرَ عليه. والمهاجرون ما قدروا على النصر إلا بهم. ويومَ بدرٍ كان ثلاثة أرباع البدريين من
(1/222)

الأنصار، ويومَ أُحُد أكثر القتلى كانوا من الأنصار، والقُرَّاء السبعون الذين قنت لأجلهم أكثرهم من الأنصار، ويوم السقيفة، ويوم مُسَيلمةَ أكثر القتلى من الأنصار، وكانوا أكمل بهذا الوصف فخُصُّوا به. وإلَّا فالنصرة هي الجهاد، والمهاجرون مجاهدون، ومقصود الهجرة هجر السيئات، والأنصار هجروا السيئات. فلهذا كان قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [التوبة:20] يتناول الطائفتين، ويتناول كلَّ من اتصف بذلك إلى يوم القيامة.
وهذا كنظائره إذا ذُكِر الاسم مفردًا يتناول النوعين، وإذا ذُكِرَ مقرونًا عُطِف أحدُهما على الآخر، كلفظ الإيمان والعمل، والإيمان والإسلام، ولفظ البِرّ والتقوى، والمنكر والفحشاء، وأمثال ذلك كما بُسِط في مواضع. فلما ذُكِر لفظ الأنصار مفردًا في قوله: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} يتناول الطائفتين، ولما ذكر الهجرة والجهاد مقرونًا تناول الطائفتين، وإذا جمع بينهما في مثل قوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة:100] مُيِّزَ بينهما. وكذلك في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:72]. ألا ترى أن الذين آوَوْا ونَصرُوا هم أيضًا آمنوا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم
(1/223)

وأنفسهم، لكن ذُكروا بأخصِّ أوصافهم، وهما الإيواء والنصر، فإن هذا امتازوا به. ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:74]، ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال:75]. قالت طائفة من السلف: هذه تتناول المؤمنين إلى يوم القيامة، كما في سورة الحشر: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر:10].
وهؤلاء التابعون وصفهم بالإيمان والهجرة والجهاد، لأن الناس يكثرون والأنصار يقلُّون، وما بقي بالنسبة إلى أولئك دارٌ يُؤْوُون إليها الرسولَ وأصحابَه. لكن هذا المعنى ثابت لكل من هُوجِرَ إليه من المؤمنين فآوَوا مَنْ هاجرَ إليهم ونصروه، كما أنه قد قال: «لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونِيَّة»، أي من أرض مكة وأرضِ العرب، لأنها صارتْ دارَ إسلام. وقد قال: «لا تنقطع الهجرةُ ما قُوتِلَ العدوُّ» أي من دار الكفر، وكذلك النصرة والجهاد لا يزال مأمورًا به إلى يوم
(1/224)

القيامة. وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن لفظ «الهجرة» يتناول هَجْرَ ما نهى الله عنه، وقد قال أيضًا: «المجاهد من جاهدَ نفسَه في ذات الله». ومجاهدة العدو الظاهر والباطن لا بدَّ فيه من احتمال المكروه، وهو ما يحصل للمجاهد من الإيلام، كالظمأ والمخمصة والنَّصَب، وكاحتمال أذى العدوّ بالقول والفعل. قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران:186]. بل لا بدَّ فيه من احتمال المكروه وبذل المحبوبِ: النفسِ والمالِ والأهل، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة:24]. والسيئات المنهي عنها تشتهيها النفسُ وتُحِبُّها، فهَجْرُها هجر محبوبِ النفس.
والمقصود أنه لا بدَّ أن يترك المؤمن ما تحبُّه نفسُه لله تعالى، ويحتمل ما تكرهُه نفسُه لله، فبِهَجْرِ ما تُحِبّه نفسُه لله مما نُهِيَ عنه يكون من المهاجرين، وباحتمالِ ما تكرهه نفسُه لله مما أُمِرَ باحتماله يكون
(1/225)

مجاهدًا لنفسِه ولعدوِّه. ولا بدَّ أن يقع العبدُ في الذنوب التي تَفتِنُه، بل قد يقع فيما يَفتِنه عن الدين، قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل:110]. وقال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92]. وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ، أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]. وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142]. وقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31].
وأمرُهم بهذا هو من أعظم نعمِه عليهم، وإذا يَسَّرهم لهذا فقد أتمَّ النعمةَ عليهم، فإن كلَّ ما يحبّه الإنسان يفارقه بالموت، كما في الحديث: «أحبِبْ من شئتَ فإنك مُفارِقُه». فهو يُفارِقُه بغير اختياره، فإذا فارقه باختياره لله كان أنفعَ له في الدنيا والآخرة. والمكاره التي
(1/226)

تحصُلُ لأهل الإيمان والجهاد يحصُل مثلُها وأعظمُ منها لغيرهم، فإنه لا تتم مصلحةُ أحدٍ إن لم يَنُبْ عن نفسِه وأرضِه، فلا بدَّ لكلٍّ إمّا أن يقاتل وإما أن يَذِلَّ لمن يقاتل، فمن لم يقاتل في سبيل الرحمن قاتلَ في سبيل الشيطان، أو كان متهوِّرًا مع هؤلاء أو هؤلاء، ومعلومٌ أن كونه عزيزًا خيرٌ من كونِه ذليلًا، ولا بدَّ من موتِ الخلق كلِّهم، وخيرُ الموتِ القتلُ في سبيل الله. فلهذا قال: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة:52]، كسُنَّته فيمن كذَّبَ الرسلَ، فإنه ينتقم منهم بعذابٍ من عنده، أو يُسلِّط عليهم عبادَه المؤمنين، فهو معذِّبهم في الدنيا والآخرة كما يذكر الله، وهنا إنما ذكر عذاب الدنيا، فكان ما أُمِروا به من هَجْر المحبوبات المنهيِّ عنها لله، ومن الجهاد واحتمال المكاره فيها، وبَذْل المحبوب لله، هو غاية السعادة في الدنيا والآخرة.
ولهذا كان الجهاد سَنَامَ العمل، وفي الأثر: «من ترك أن يُنفقَ دراهمَ في سبيل الله أنفقَ مثلَها في طاعة الشيطان، ومن تركَ أن يمشيَ مع أخيه خطواتٍ لله مشى مثلَها في طاعة الشيطان، ومن ترك الحج لحاجةٍ حجَّ الناسُ ورجعوا وحاجتُه لم تُقضَ». وذلك أن الله تعالى خلق الخلقَ
(1/227)

لعبادتِه، فمن لم يستعمل نفسَه ومالَه في عبادة الله استعملها بغير اختياره في طاعة الشيطان، إذ كان لا بدَّ لها من عملٍ، ولا بدَّ للمال من مَصْرف، ولو حفظَه مات عنه، فمالُ البخيل لحادثٍ أو لوارثٍ، لا ينتفع به صاحبُه، كما قال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:55]، فهم يُعذَّبون بها، فتزهق أنفسهم وهم كافرون، فإن النفس المعلَّقة بها لا تُفارِق باختيارها، بل تزهق وهي كافرة، لم يؤمنوا ويعملوا صالحًا.
وأيضًا فالصبر على ما يحصل باختيار العبد، كصَبْرِ الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على ما يُصيبه في ذلك من المكروه، ولو تركَه لم يُصِبْه، وصَبْر المطيع والممتنع عن المعصية إذا أوذي حتى يَعصِيَ، فصبرَ على الأذى ولم يَعْصِ، وصَبْر المؤمن على مفارقة محبوبِه باختياره وعلى احتمال المكروه باختياره= هذا الصبر أفضل من الصبر على المصائب التي لا حيلةَ له في دفعها، كالمرض وموتِ الأقارب، والجائحة التي تذهب بالمال، فإن هذا إن يصبرْ وإلا فلا فائدةَ له في الجزع، وهو لم يُمكِنْه دفعُها، ولهذا يشترك الناس في هذه المصائبِ، المؤمنُ والكافر. وأما تلك فإنما حصلتْ بسبب إيمانه وطاعته لله ورسولِه، فعلى ذلك أوذِيَ، فبإرادته واختياره حصلَ الأمرُ المكروه الذي يُريد أن يصبر عليه. فهذا أزكَى نفسًا وأعظمُ محبَّةً وصبرًا على طاعته، وأعظمُ تركًا لمحبوباته وفعلًا لمكروهاته لله. ولهذا كان مَنْ
(1/228)

كَمُلَ بهذه الطريق أكملُ مِمَّن كَمُل بتلك من الأنبياء والصالحين، فإن هذا حصل المقصودُ باختياره، وذلك ابتلاه الله بما يحصل المقصود بغير اختياره.
وللنوعين أمثلةٌ، فصبر المصيبة مثلُ صبر يوسف على فراق أبيه وأهلِه، واسترقاقِ الغير له، وصبر الاختيار مثل صبره على الحبس لئلا يفعل الفاحشة، فهذا الثاني كان أفضل له، ولهذا نُقِل من الأول إليه، فلما كملَ بالثاني مكَّنَه الله.
ومثال الأول صبر يعقوبَ عن ابنه يوسف، ومثال الثاني صبر الخليل على أن يذبحَ ابنَ، فإن الخليل كان يذبح بِكْرَهُ، لم يكن له غيرُه، وأراد أن يذبَحه باختياره، فأسلم الأب والابن لله. وهذا أعظم من حالِ إسرائيل، فإنه فُرِّق بينه وبين يوسف بغير اختياره، وصبرَ حتى ردَّه الله عليه. والله تعالى يبتلي كلَّ واحدٍ بحسب حالِه، فالخليل أعظمُ وأفضل، فاحتملَ هذا البلاء الذي لا يحتمله غيرُه لو ابتُليَ به، بخلاف صبر المصيبة، فإن الصبر عليه موجود كثيرًا. وكذلك صبر نوح وهود وصالح وموسى على تكذيب الكفَّار وأذاهم لهم هو من أعظم النوعين، وكذلك صبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومَنْ آمن معه على أذى الكفار لهم بأنواع الأذى، ثم صبرهم لما هاجروا على الجهاد.
هذا الصبر أفضل النوعين، فلا جرمَ كان أهلُه أفضلَ الخلق عند الله، وهذا لا يحتمله كثير من أولياء الله، فيبتليه الله بمصائبَ يصبر عليها ليبلغ
(1/229)

بذلك منزلتَه، مثل ما ابتُلِي عثمانُ، وبشَّره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تُصِيبه. فبهذه البلوى نالَ منزلتَه، إذ لم يكن معه من القوة ما يصبر صبرَ أبي بكر وعمر. وأبو بكر كان أصبرَ من عمر وأعظمَ يقينًا، فلهذا لم يحتجْ إلى مثل الشهادة التي حصلتْ لعمر، وكذلك عليٌّ ثالث الشهداء، أكمل الله بالشهادة أمرَه، وكذلك الحسين وغيرُه، كانت المصائب والشهادةُ في حقِّهم وحقِّ أمثالهم مما أنعمَ الله به عليهم، وبلَّغَهم به من المنازل التي تناسب حالَهم، إذ كان الحسن والحسين لم يحصل لهما من الابتلاء ما حصلَ لأبيهما، لأنهما رُبِّيَا في عزِّ الإسلام، فابتُلِيا بما رفعَ الله به درجاتهم بحسب حالهم.
وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور:48 - 49]. وقال: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القلم:48 - 50]. وقال: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35]. فأمره أن يصبر الصبرَ الاختياري كما صبر أولو العزم، فيصبر لحكمِ ربه: الحكم الأمري بامتثال أمر ربه في تبليغ الرسالة ودعوة الخلق وبيانِ ما بُعِث به، والحكمِ المقدَّرِ بأن يصبر على تكذيب المكذِّبين وافترائهم عليه وعداوتهم له. قال
(1/230)

تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:31]، وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112]، فلا يجزع ولا يُغاضب، فيحتاج أن يُبتلى بما يَصبِر عليه صبرَ المصائب. فإن ذا النون: {ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء:87]، و {أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات:40 - 44]. والمسبِّح يتناول من كان مسبِّحًا قبل ذلك، ومن كان مسبِّحًا في بطن الحوت. {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [الصافات:145 - 148]. وهذا من أعظم البلوى، وهو صلى الله عليه وسلم صبر على ما أصابه لما ألقي في بطن الحوت، ودعا ربَّه واعترفَ بذنبه فقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]، قال الله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88]. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى»، و «من قال: أنا خيرٌ من يونس بن متّى فقد كذب».
(1/231)

وأما أولو العزم الذين أمر الله نبيّه أن يتأسَّى بهم ولا يتشبَّه بذي النون، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أوذي يقول: «قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر».
وأهل المصائب إنما يكونون صابرين إذا صبروا عند الصدمة الأولى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وإلا فمن لم يصبرْ صبرَ الكرام سَلَا سُلُوَّ البهائم. والعاقل يفعل في أول يومٍ ما يفعله الأحمق بعد ثلاثة أيام.
فالإنسان إذا أوذي على إيمانِه وأمْرِه بالمعروف ونهْيِه عن المنكر وتبليغ رسالات الله وإظهارِ دينِ الله، وذمِّ مَنْ يخالف دينَ اللهِ، كما أوذي الرسلُ وأتباعُهم، كان صبره من القسم الأعلى، مثل صبر الرسل وصبر المهاجرين والأنصار. وكثيرٌ من الناس إذا أوذي على الحق تركه، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت:10]، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج:11 - 13].
(1/232)

ثم هؤلاء إذا أُوذوا على الحق فرجعوا عنه، ثم تابوا وجاهدوا في سبيل الله قَبِلَ الله ذلك منهم، قال تعالى لما ذكر المرتدِّين طوعًا وكرهًا: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل:110].
فمن حصل له إيمانٌ وطاعة، ففتَنه شياطينُ الإنس والجنّ حتى رجع عن ذلك، ثم إنه هاجر فهجرَ تلك السيئات، ثم جاهدَ العدوَّ، وصبرَ على الإيمان والطاعة فلم يرجع، وصبرَ على ظلم الظالم له، ثم إنه هَجَرَ ما له من المباحات للهِ ليُتِمَّ إيمانَه، فهذا أعلى. قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل:41 - 42].
فهَجْرُ السيئاتِ فرضٌ على كل أحد، وهجرُ المباحات من الوطن والأهل والمال إن لم يَتمَّ الواجبُ إلا به كان واجبًا، وإن لم يتم المستحبُّ إلا به كان مستحبًّا. ولهذا تجب الهجرةُ على من يُمنَع من الواجبات وتُستحبُّ لغيره. وفي الصحيحين أن أعرابِيًّا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال: «ويحَكَ! إن الهجرة شأنُها شديد، فاعملْ من وراء البحار، فإن الله لن يَتِرَك من عملِك شيئًا».
(1/233)

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال:72]. وفي حديث بريدة الذي في صحيح مسلم: «وإذا حاصرتَ أهلَ حِصْنٍ فادْعُهم إلى الإيمان، ثمَّ ادْعُهم إلى التحوُّل إلى دار المهاجرين، وإلا كانوا كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكمُ الله الذي يجري على أعراب المسلمين، وليس لهم في الفيء نصيبٌ».
وهذه الأمور لبسطِها موضعٌ آخر، والمقصود أن معنى الهجرة العامة هي هجر السيئات، وهجرها بعدَ الدخول فيها هو التوبة، فهذا المعنى يُلحَظُ في هذا اللفظ. ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلَمُهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمُهم سِنًّا» = جعلَ طائفةٌ من العلماء مما يدخل في تقدم الهجرةِ تقدُّمَ التوبة وتقدُّمَ الإسلام، فإذا كان الرجلان قد أسلم أحدهما قبل صاحبه، أو تاب من السيئات قبلَ صاحبِه، فهذا أقدمُ هجرةً وأركانًا في وطنَيْهما، فإن المقدَّم أسبقُهما إلى الطاعة باختياره، ثم أسبقُهما إلى الطاعة بفعل الله تعالى، وهو كِبَرُ السِّنِّ. والله أعلم.
(1/234)

فصل
في الكلام على النِّعم، وهل هي للكفار أيضًا
__________
* هذا الفصل قطعة من «قاعدة في المحبة» (ص 157 - 195)، وهي في «جامع الرسائل» (2/ 343 - 381). [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(1/235)

يقولون: ما نعم به الكافر فهو نعمة تامَّة كما نعم به المؤمن سواء؛ إذ ليس عندهم لله نعمةٌ خصَّ بها المؤمن دون الكافر أصلًا، بل هما في النِّعم الدينية سواء، وهو ما بيَّنه من أدلة الشرع والعقل، وما خلقه من القدرة والألطاف، ولكن أحدهما اهتدى بنفسه بغير نعمةٍ أخرى خاصة من الله، والآخر ضلَّ بنفسه بغير خذلانٍ يخصُّه من الله. وكذلك النعم الدنيوية هي في حقهما على السواء.
والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربَّما زادوا في المناظرة نوعًا من الباطل، وإن كانوا في الأكثر على الحق، فكثيرًا ما يردُّ مناظرُ المبتدعِ باطلًا عظيمًا بباطلٍ دونَه، ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك، ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة، وأن لا يُردَّ باطلٌ بباطلٍ دونَه، فقال كثير من هؤلاء: ليس لله على الكافر نعمة دنيوية، كما ليس له عليه نعمة دينية محضة، إذ اللذةُ المتعقبةُ ألمًا أعظمَ منها ليست بنعمة، كالطعام المسموم، وكمن أعطى غيرَه أموالًا ليطمئنَّ ثم يقتله أو يُعذِّبه.
قالوا: والكافر كانت هذه النعم سببًا لعذابه وعقابه، كما قال تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران:178]، وقال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:55 - 56]، وقال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
(1/237)

حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]. وقال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم:44 - 45].
وخالفهم آخرون من أهل الإثبات والقدر أيضًا، وقالوا: بل لله على الكافر نعمٌ دنيوية. والقولان في عامة أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
قال هؤلاء: والقرآن قد دلَّ على امتنانه على الكفار بنعمِه، ومطالبتِه إياهم بشكرها، فكيف يقال: ليستْ نِعَمًا؟ قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} [إبراهم:28] إلى قوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهم:32 - 34]. وقال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:3]. وكيف يكون كفورًا من لم يُنْعَم عليه؟!
قالوا: ولازمُ قولِ هؤلاء أن الكفار لم يجب عليهم شكر اللهِ؛ إذ لم يكن قد أنعم عليهم عندهم. وهذا القول يُعلَم فسادُه بالاضطرار من دين
(1/238)

الإسلام، فإن الله قد ذمَّ الإنسانَ بكونه كَفَّارًا غيرَ شَكور، إذ يقول: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات:6]، وقال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود:9 - 10]، وقد قال هود عليه السلام لقومه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف:69]، وقال صالح لقومه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف:74]. وقال في الآية الأخرى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ} إلى قوله: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:123 - 134]. وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} [إبراهيم:28]. وقال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} [النحل:112]، وقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} إلى قوله: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} إلى قوله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}
(1/239)

[النحل:80 - 83].
قال الأولون: وقد قال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة:7]، والكفار لم يدخلوا في هذا العموم، فعُلِمَ أنهم خارجون من النعمة. وقد قال في خطابه للمؤمنين: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة:57]، وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} في آيات كثيرة، وقال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} [المائدة:7]. وقال: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [البقرة:172].
وأما الكفار فخوطبوا بها من جهة ما هي تنعمٌ ولذة وسرور، ولم تُسمَّ في حقّهم نعمةً على الخصوص، وإنما تُسمَّى نعمةً باعتبار أنها نعمة في حق عموم بني آدم، لأن المؤمن سعِدَ بها في الدنيا والآخرة، والكافر تنَعَّمَ بها في الدنيا.
وذلك أن كفر الكافر نعمةٌ في حق المؤمنين، فإنه لولا وجود الكفر والفسوق والعصيان، ولولا وجود شياطين الإنس والجن، لم يحصل للمؤمنين من بُغض هذه الأمور ومعاداتها ومجاهدةِ أهلها ومخالفةِ الهوى فيها، ما ينالون به عَلِيَّ الدرجات وعظيمَ الثواب. والإنسانُ فيه قوة الحبّ وقوة البغض، وسعادتُه في أن يُحِبَّ ما يحبُّه الله ويُبغِض ما يُبغِضه الله، فإن لم يكن في العالم ما يُبغِضُه ويجاهد أصحابَه لم يَتِمَّ إيمانُه وجهادُه، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا
(1/240)

بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15].
قالوا: ولو كانت هذه اللذاتُ نِعَمًا مطلقًا لكانت نعمةُ الله على أعدائه في الدنيا أعظمَ من نعمته على أوليائِه، ونعمة الله التي بدَّلوها كفرًا هي إنزالُ الكتاب وإرسالُ الرسول، حيث كفروا بها وجَحَدوا أنها حق، كما قال علي رضي الله عنه: هما الأفجرانِ من قريش.
وكذلك قوله: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} [النحل:112]، هم الذين كفروا بما أنزله الله من الكتاب وبالرسل، وتلك نعمة الله العظيمة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام:53]، وقال تعالى: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144].
وحقيقة الأمر أن هذه الأمور فيها من النعم باللذة والسرور في الدنيا ما لا نزاع فيه، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر:75]، وقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا
(1/241)

وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف:20]، وقال: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا} [المزمل:11]، وقال: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر:3]، وقال: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185].
وهذا أمر محسوس، لكن الكلام في أمرين:
أحدهما: هل هي نعمةٌ أم لا؟
والثاني: أن جنس تَنعُّمِ المؤمنِ في الدنيا بالإيمان وما يَتْبَعه هل هو مثل تَنَعُّم الكافر أو دونَه أو فوقَه؟ وهذه المسألة المتقدمة.
فأما الأول فيقال: اللذات في أنفسها ليستْ نفسَ فعلِ العبد، بل قد تَحدُثُ عن فعلِه مع سبب آخر، كسائر المتولّدات التي يخلقها الله تعالى بأسباب، منها فعلُ العبد. لكن هذه اللذات تارةً تكون بمعصيةٍ مِنْ تركِ مأمورٍ أو فعلِ محظورٍ، كاللذة الحاصلة بالزنا وتوابِعه، وبظلمِ الناس، وبالشرك، والقولِ على الله بغير علم. فهنا المعصيةُ هي سبب العذاب الزائد على لذة العقل، لكن ألم العذاب قد يتقدم ويتأخر، وهي تُشبِهُ أكلَ الطعام الطيب، الذي فيه من السُّموم ما يُمرِض أو يَقتُل. ثم ذلك العذاب يمكن دفعُه بالتوبة وفعل حسناتٍ أُخَر.
لكن يقال: تلك اللذة الحاصلة بالمعصية لا يكون مقاوِمًا لها ما في التوبة عنها والأعمال الصالحة من المشقة والألم، ولهذا قيل: تركُ
(1/242)

الذنب أيسرُ من التماس التوبة، وقيل: رُبَّ شهوةِ ساعةٍ أورثَتْ حُزْنًا طويلًا. ولكن فعل التوبة والحسنات الماحية قد تُوجِب من الثواب أعظمَ من ثوابِ ترك الذنب أولًا، فيكون ألمُ التائب أشدَّ من ألم التارك إذا استويا من جميع الوجوه، وثوابُه أكثر. وكذلك ما يُكفِّر الله به الخطايا من المصائب مرارتُه تزيد على حلاوة المعاصي. وتارةً تكون اللذات بغير معصية من العبد، لكن عليه أن يطيع اللهَ فيها فيعصيه فيها بتركِ مأمورِه وفعل محظورِه فيما يُؤتاه العبدُ من المالِ والسلطان، ومن المآكل والمناكح التي ليست بمحرمة.
والله سبحانه أمر مع أكل الطيبات بالشكر، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172]، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله لَيَرضى عن العبد أن يأكلَ الأكْلةَ فيحمده عليها، ويَشربَ الشَّربةَ فيحمدَه عليها». وفي الأثر: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر». رواه ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ
(1/243)

النَّعِيمِ} [التكاثر:8] لما أضافَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وعمرَ أبو الهيثم ابنُ التيِّهان، وجلسوا في الظلِّ، وأطعمهم الفاكهة واللحمَ، وسقاهم الماءَ البارد، قال: «هذا من النعيم الذي تُسألون عنه».
والسؤال عنه لطلب شكرِه، لا إثم فيه، فالله تعالى يطلب من عباده شكرَ نِعَمِه، وعليه أن لا يستعين بطاعته على معصيته، فإذا تركَ ما وجبَ عليه في نعمته من حقٍّ، واستعان بها على محرَّمٍ كان فعلُه بها وتركُه لما فيها سببًا للعذاب أيضًا. فالعذاب استحقَّه بترك المأمور وفعل المحظور، لا على النعمة التي هي من فعل الله تعالى، وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره، بعلمه ومشيئته وقدرته وخلقه. فإن حقيقة الأمر أنه نعَّمَ العبدَ تنعيمًا، وكان ذلك التنعيم سببًا لتعذيبه أيضًا، فقد اجتمع في حقه تنعيمٌ وتعذيب، ولكن التعذيب إنما كان بسبب معصيته، حيث لم يُؤدِّ حقَّ النعمة، ولم يتَّقِ الله فيها.
وعلى هذا فهذه التنعيمات هي نعمة من وجهٍ دونَ وجهٍ، فليست من النعم المطلقة، ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقِها ومقيَّدِها، فباعتبار ما فيها من التنعيم يَصلُح أن يُطلَب حقُّها من الشكر وغيره، ويُنهَى عن استعمالها في المعصية، فتكون نعمةً في باب الأمر والنهي والوعد والوعيد، وباعتبار أن صاحبها يترك فيها المأمورَ ويفعل بها
(1/244)

المحظورَ الذي يُربي عذابُه على نعيمها، كانت وبالًا عليه، وكاد أن لا يكون ذلك في حقّه خيرًا له من أن يكون، فليست نعمةً في حقِّه في باب القضاء والقدر والخلق والمشيئة العامة، وإن كان ذلك يكون نعمةً في حق عموم الخلق والمؤمنين. وعلى هذا يظهر ما تقدم من خبر الله بأن ذلك استدراج ومكرٌ وإملاءٌ.
وهذا الذي ذكرناه من ثبوتِ الإنعام بها من وجهٍ وسلبِه من وجهٍ آخر مثل ما ذكره الله في قوله: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا} [الفجر:15 - 17]، فأخبر أنه أكرمه وأنكر قول المبتلَى «أكرمني»، واللفظ الذي أخبر الله به مثل اللفظ الذي أنكره الله من كلام المبتلَى، لكن المعنى مختلف، فإن المبتلَى اعتقدَ أن هذا كرامة مطلقة، وهي النعمة التي يقصد بها المنعِمُ إكرامَ المنعَم عليه، والإنعامُ بنعمةٍ لا يكون سببًا لعذابٍ أعظم منها. وليس الأمر كذلك، بل الله تعالى ابتلَى بها ابتلاءً ليتبيَّن هل يطيعه فيها أم يعصيه، مع علمه بما سيكون من الأمرين، ولكن العلم بما سيكون شيء، وكون الشيء والعلم به شيء. وأما قوله: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} فإنه تكريم بما فيه من اللذات، ولهذا قرنَه بقوله: {وَنَعَّمَهُ}.
ولهذا كانت خوارق العادات التي تسميها العامة كرامةً ليست عند أهل التحقيق كرامةً مطلقة، بل في الحقيقة الكرامةُ هي لزوم الاستقامة،
(1/245)

وهي طاعة الله، وإنما هي مما يبتلي الله بها عبدَه، فإن أطاعه بها رفعَه، وإن عصاه بها خفضَه، وإن كانت من آثار طاعةٍ أخرى، كما قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن:16 - 17].
وإذا كان في النعمة والكرامة هذان الوجهان فهي في باب الأمر والشرع نعمةٌ يجب الشكر عليها، وفي باب الحقيقة القدرية لم يكن لهذا الفاجر بها إلا فتنة ومحنة استوجبَ بمعصية الله فيها العذاب، وهي في ظاهر الأمر قبلَ أن تُعرَف حقيقةُ الباطن ابتلاءٌ وامتحانٌ، يمكن أن تكون من أسباب سعادته، ويمكن أن تكون من أسباب شقاوته.
وظهر بهذا جانبُ الابتلاء بالمرّ، فإن الله يبتلي بالحلو والمرّ، كما قال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، وقال تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف:168]، فمن ابتلاه الله بالمرّ بالبأساء والضرَّاء والبأس وقَدَر عليه رزقَه، فليس ذلك إهانةً له، بل هو ابتلاء، فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدًا، وإن عصاه في ذلك كان شقيًّا، كما كان مثلُ ذلك سببًا للسعادة في حقِّ الأنبياء والمؤمنين، وكان شقاءً وسببًا للشقاء في حقِّ الكفار والفجّار، قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة:177].
(1/246)

وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} [البقرة:214]، وقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة:101]. وقال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة:21]. وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون:76].
وكما أن الحسنات وهي المسارّ الظاهرة التي يُبتلَى بها العبدُ تكون عن طاعاتٍ فعلَها العبدُ، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء:79]. وقال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:165]، وقال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30]، وقال: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء:62]، وقال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} [الشورى:48].
ثم تلك المسارّ التي هي ثواب طاعته إذا عصى الله فيها كانت سببًا لعذابه، فالمكاره التي هي عقوبة معصيته إذا أطاع الله فيها كانت سببًا لسعادته.
(1/247)

فتدبَّرْ هذا لتعلمَ أن الأعمال بخواتيمها، وأن ما ظاهره نعمةٌ وهو لذة عاجلة قد يكون سببًا للعذاب، وما ظاهره عذاب وهو ألمٌ عاجل قد يكون سببًا للنعيم، وما هو طاعة فيما يرى الناس قد يكون سببًا لهلاك العبد برجوعِه عن الطاعة إذا ابتُلي في ثمرة الطاعة، وما هو معصية فيما يرى الناس قد يكون سببًا لسعادته بتوبة العبد منه وتصبُّرِه على المصيبة التي هي عقوبة ذلك الذنب.
فالأمر والنهي يتعلق بالشيء الحاصل، فيُؤمر العبد بالطاعة مطلقًا، ويُنهى عن المعصية مطلقًا، ويؤمر بالشكر على كل ما يتنعَّم به. وأما القضاء والقدر -وهو عِلمُ الله وكتابُه وما طابقَ ذلك من مشيئته وخلقِه- فهو باعتبار الحقيقة الآجلة، فالأعمال بخواتيمها. والمنعَم عليهم في الحقيقة هم الذين يموتون على الإيمان.
وقد يكثر تنازعُ الناس في هذا الباب، فالمثبتةُ للقضاء والقدر من متكلمة أهل الإثبات وغيرِهم يُلاحِظونَ القدرَ من عِلم الله وكتابه ومشيئته وخلقِه، وقد يُعرِضون عمّا جاء به الأمر والنهي والوعد والوعيد، وعن الحكمة العامة وما في تفصيل ذلك من الحِكَم الخاصة. وأما من لم يلاحظ إلا الأمر والنهي والوعد والوعيد فقط من القدرية ومن ضاهاهم في حاله، فقد كفر بما وجبَ عليه الإيمان به من خلقِ اللهِ وكتابته ومشيئتِه، وتدبيره لعباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحسنى بتدبيرٍ خاص، ومن قضائه على الكفار بما هو سبحانه فيه عَدْلٌ، كما في
(1/248)

الحديث المرفوع: «ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك»، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49].
وإذا عُرِف أن كل واحد من الابتلاء بالسرَّاء والضرَّاء قد يكون في باطن الأمرِ مصلحةً للعبد أو مفسدةً له، وأنه إن أطاع الله فذلك كان مصلحةً له، وإن عصاه كان مفسدةً له= تبيَّن أن الناس أربعة أقسام: منهم من يكون صلاحُه على السَّراء، ومنهم من يكون صلاحُه على الضرَّاء، ومنه من يصلح على هذا وهذا، ومنهم من لا يصلح على أحدٍ منها. والإنسان الواحد قد يجتمع له هذه الأحوال الأربعة في أوقاتٍ أو وقتٍ واحدٍ، باعتبار أنواع يُبتلىَ بها.
وقد جاء في الحديث المرفوع: «إن من عبادي من لا يُصلِحُ إيمانَه إلا الغِنى، ولو أفقرتُه لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلِحُ إيمانَه إلا الفقر، ولو أغنيتُه لأفسدَه ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلِحُ إيمانَه إلا الصحةُ، ولو أسقمتُه لأفسدَه ذلك، وإن من عبادي من لا يُصلِحُ إيمانَه إلا السقم، ولو أصححتُه لأفسده ذلك، إني أدبِّر عبادي، إني بهم خبير
(1/249)

بصير».
فكما أن التنعُّم العاجل ليس بنعمةٍ في الحقيقة، بل قد يكون في الحقيقة بلاءً وشرًّا باعتبار المعصية فيه، والطاعةُ المتقدمة قد تكون حابطةً وسببًا للشرِّ باعتبار ما يتعقبها من ردَّةٍ وفتنة، فكذلك التألُّم العاجل قد يكون في الحقيقة خيرًا ونعمةً، والمعصيةُ المتقدمة قد تكون سببًا للخير باعتبار التوبة والصبر على ما يعقبه من محنة، لكن تبدل الطاعة والمعصية.
وهذا يقتضي أن العبد محتاجٌ في كل وقتٍ إلى الاستعانة بالله على طاعته وتثبيتِ قلبه، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، وذلك أن الإنسان هو كما وصفه الله بقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود:9 - 10]، ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هود:11]، فأخبر أنه عند الضراء بعد السرَّاء ييأس من زوالها في المستقبل، ويكفر بما أنعمَ الله به عليه قبلها، وعند النعماء بعد الضرَّاء يأمنُ عودَ المكروه في المستقبل، وينسى ما كان فيه بقوله:
(1/250)

{ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود:10] على غيره، يفخر عليهم بنعمة الله.
وقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:19 - 21]، فأخبر أنه جَزُوعٌ عند الشرِّ لا يصبر عليه، مَنوعٌ عند الخير يبخل به.
وقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34]، وقال: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات:6]، والكنود: الجَحُود الذي يُعدِّد المصائب وينسى النِّعَم.
وقال: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]، وقال: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء:100]، وقال: {وَإِن مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت:49]، وقال: {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء:67].
وقد وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس، والصابرون في النعماء أيضًا، بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هود:11]. والصبر على السرَّاء قد يكون أشد، ولهذا قال من قال من الصحابة رضي الله عنهم: ابتُلِينا بالضرَّاء فصَبرنا، وابتُلينا بالسرَّاء فلم نصبر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من شرِّ فتنة الغنى، ومن شرِّ
(1/251)

فتنة الفقر، وقال لأصحابه: «واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنافسوها كما تَنافسوها، فتُهلككم كما أهلكتهم». وفي رواية: «فتُلْهِيَكم».
فمن لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادرٌ وإمّا عاجز، فإن كان قادرًا أظهرَ ما في نفسه بحسب قدرتهِ من الفواحش والإثم والبغي والإشراك بالله، تكون الدنيا جنتَه بالنسبة إلى ذلك، وذلك أن الكافر صاحب الإرادة الفاسدة إما قادر وإما عاجز، فإن كان قادرًا تعارضتْ إرادتُه حتى لا يمكنه الجمعُ بينها وبينها، ومَلَّ حتى يَقِلَّ التذاذُه بها أو يُعدَم، ولا يمكنه تركُها. ولهذا تجد الملوك من الظالمين أعظمَ الناسِ ضَجَرًا ومللًا وطلبًا لما يُروِّحون به أنفسَهم من مسموعٍ ومنظورٍ ومشمومٍ ومأكولٍ ومشروبٍ، ومع هذا فلا تطمئنُّ قلوبُهم بشيء من ذلك. هذا فيما ينالون به اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أعظم الناسِ خوفًا، ولا عيشةَ لخائفٍ. وأما العاجز منهم فهو في عذابٍ عظيم، لا يزال في أسفٍ على ما نابَه وعلى ما أصابه.
وأما المؤمن فهو مع قدرتِه له من الإرادة الصالحة والعلوم النافعة
(1/252)

ما يُوجِب طمأنينةَ قلبه وانشراحَ صدره، بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفُه. وهو مع عجزه أيضًا له من أنواع الإرادات الصالحة والعلوم النافعة التي يتنعَّم بها ما لا يمكن وصفُه، وكلُّ هذا محسوسٌ مجرَّبٌ. وإنما يقع غلطُ أكثر الناسِ لأنه قد أحسَّ بظاهرٍ من لذات أهل الفجور وذاقَها، ولم يذق لذاتِ أهل البرّ ولم يُحِسَّها، ولكن أكثر الناس جُهَّالٌ لا يسمعون ولا يعقلون.
وهذا الجهل لعدم شهود حقيقة الإيمان ووجودِ حلاوته وذوقِ طعمِه انضمَّ إليه أيضًا جَهْلُ كثير من المتكلمين في العلم بحقيقة ما في أمر الله من المصلحة والمنفعة، وما في خلقه أيضًا لعبده المؤمن من المنفعة والمصلحة، فاجتمع الجهلُ بما أخبر الله به من خلقِه وأمرِه، وبما أشهدَه الله عبادَه من موجودِه، فكان هذا الجهلُ مع ما في النفوس من الظلم مانعًا للنفوس عن عظيم نعمة الله وكرامته ورضوانِه، مُوقِعًا لها في بأسِه وعذابه وسخطه.
وذلك أن الناس لما خاضوا في مسألة القدر، ولِمَ يخلُق الله ولِمَ يأمُر؟ ونحوِ ذلك، بغير هدًى من الله الذي أنزله إليهم، فرَّقوا دِينَهم وكانوا شِيَعًا:
فزعم فريقٌ منهم أنه لا يخلق أحدًا من الأشخاص إلا لأجل مصلحة المخلوق، ولا يأمره إلا لأن أمره مصلحةٌ له أيضًا، وإنما العبدُ
(1/253)

هو صَرَفَ عن نفسه مصلحة نفسِه، وفعلَ مفسدة نفسِه، بغير قدرة الربّ وبغير مشيئته. وهم إنما قصدوا بها تنزيهَ الربّ سبحانه وتعالى عن الظلم والعبث، ووصفَه بالحكمة والعدل والإحسان، لكن سلبوه علمَه وقدرتَه وكتابَه وخلقَه ونفوذَ مشيئته وعمومَها، فقال قومٌ منهم: إنه لم يعلم فلم يكتب ما يكون من العباد حتى فعلوه. وقال آخرون: بل علمَ ذلك، وعلم أنهم لا يطيعونه ولا يفعلون إلا ما يضرُّهم، ومع هذا فقصد تعريفَهم بالخلق والأمر للمنفعة الخالصة الدائمة.
فقال لهم الناس: مَن عَلِمَ أن مقصوده من الخير لا يكون، وقد سعى في حصوله بمنتهى قدرته، كان من أجهلِ الفاعلين وأسفههم، فنزَّهوه عن قليلٍ من السفه بالتزام ما هو أكبر منه، وزعموا أنه لا يقدر إلا على ما فعلَ بهم، فسَلَبوه قدرتَه.
فردَّ على هؤلاء طائفةٌ من أهل الإثبات، فأثبتوا عمومَ قدرتِه وعمومَ مشيئتِه وخلقِه وعلمِه القديم، وكل هذا خيرٌ موافق للكتاب والسنة، وهذا من تمام الإيمان بالقدر، بعلم الله القديم ومشيئتِه وخلقِه لكل شيء وقدرتِه. لكن ضمُّوا إلى ذلك أشياءَ ليست من السنة، فإنه من السنة أنه يفعل ما يشاء ويحكمُ ما يريد، وأنه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأنه يأمر العباد بطاعته، ومع هذا فهو يَهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، كما قال: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس:25].
(1/254)

فزعموا مع ذلك أنه يخلق الخلقَ لا لحكمةٍ في خلقهم، ولا لرحمةٍ لهم، بل قد يكون خلقهم ليَضُرَّهم كلَّهم. وهذا عندهم حكمةٌ، فلم يُنزِّهوه عمّا نَزَّه نفسَه عنه من الظلم، حيث أخبرَ أنه إنما يجزي الناسَ بأعمالهم، وأنه {لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]. وأنه {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه:112].
بل زعموا أن كل مقدورٍ عليه فليس بظلم، مثل تعذيب الأنبياء والرسل وتكريم الكفار والمنافقين، وغير ذلك مما نزَّه الله نفسَه عنه، فلم يكن الظلم الذي نزَّه الله عنه نفسَه حقيقة عند هؤلاء، إذ كلُّ ما يمكن ويقدر عليه فليس بظلم. فقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر:31] عندهم بمنزلة قوله: لا يريد ما لا يكون ممكنًا مقدورًا عليه، وهو عندهم لا يَقدِر على الظلم حتى يكون تاركًا له.
وزعموا أنه قد يأمر العبادَ بما لا يكون مصلحةً لهم ولا لواحدٍ منهم، لا يكون الأمر مصلحةً، ولا يكون فعلُ المأمور به مصلحةً، بل قد يأمرهم بما إن فعلوه كان مضرَّةً لهم، وإن لم يفعلوه عاقبَهم، فيكون العبدُ فيما يأمره به بين ضررين: ضررٌ إن أطاع، وضررٌ إن عصى، ومن كان كذلك كان أمرُ العباد مضرَّةً لهم لا مصلحةً لهم.
وقالوا: يأمر بما يشاء، وأنكروا أن يكون في الأحكام الشرعية من العلل المناسبة للأحكام، من جَلْبِ المنافع ودَفْعِ المضارّ ما هي الشريعة ممتلئةٌ به، حتى كان منهم مَن دَفعَ عِللَ الأحكام بالكلية، ومنهم من قال:
(1/255)

العلل مجرد علاماتٍ ودلالاتٍ على الحُكْم، لا أنها أمورٌ تناسبُ الحُكْمَ وتُلائمه.
وهم يُجوِّزون مع هذا أن لا يكون للعبد ثوابٌ ومنفعةٌ في فعلِ المأمور به، لكن لما جاءت الشريعة بالوعد قالوا: هو موعود بالثواب الذي وُعِد به، وربما قالوا: إنه في الآخرة فقط، وأما الفعل المأمور به فقد لا يكون مصلحةً للعباد ولا منفعةً لهم بحالٍ، فلا يكون فيه تنعُّمٌ لهم ولا لذةٌ بحالٍ، بل قد تكون مضرَّةً لهم ومفسدة في حقهم، ليس فيه إلا ما يُؤلمهم.
ومعلومٌ أنه إذا اعتقد المرءُ أن طاعةَ الله ورسوله فيما أمر به قد لا تكون مصلحةً له ولا منفعةً، ولا فيها نعيم ولذة ولا راحة، بل تكون مفسدةً له ومضرَّةً عليه، ليس فيها إلا ألمه وعذابُه= كان هذا من أعظم الصوارفِ له عن فعلِ ما أمرَ الله به ورسولُه. ثم إن كان ضعيفَ الإيمان بالوعد والوعيد تركَ الدينَ كلَّه، وإن كان مؤمنًا بالوعيد صارتْ دواعيه متردِّدةً بين هذا العذاب وذلك العذاب، وإن كان مؤمنًا بوعد الآخرة فقط لم يَرْجُ أن يكون له في الدنيا مصلحةٌ ولامنفعةٌ، بل لا تكون المصلحة والمنفعة في الدنيا إلا لمن كفرَ وفسقَ وعصَى.
وهذا أيضًا وإن كان هو غايةَ حالِ هؤلاء فهو مما يَصرِف النفوسَ عن طاعةِ الله ورسولِه، ويبقى العبدُ المؤمن متردد الدَّواعي بين هذا وهذا، وهو لا يخلو من أمرين:
(1/256)

إما أن يُرَجِّح جانبَ الطاعة التي يستشعر أنه ليس فيها طولَ عمره له مصلحةٌ ولا منفعةٌ ولا لذةٌ، بل عذابٌ وألمٌ ومفسدةٌ ومضرةٌ. وهذا لا يكاد يصبر عليه أحد.
وإما أن يُرَجِّح جانبَ المعصية تارةً أو تاراتٍ أو غالبًا، ثم إن أَحْسنَ أحوالِهِ مع ذلك أن ينوي التوبةَ قُبيلَ موتِه. ولا ريبَ أنه إن كان ما قاله هؤلاء حقًّا فصاحبُ هذه الحال أكيسُ وأعقلُ ممن مَحَضَ طاعة الله طولَ عمرِه، إذ هذا سَلِمَ من عذاب ذلك المطيع في الدنيا. ثم إنه بالتوبة أُحبِطَ عنه العذاب، وبدَّلَ الله سيئاتِه بالحسنات، فصارت جميعُ سيئاتِه حسناتٍ. فكان ثوابُه في الآخرة قد يكون أعظمَ من ثوابِ ذلك المطيع الذي مَحَضَ الطاعة. ولو كان ثوابه دون ذلك لم يكن التفاضل بينهم إلا كتفاضُلِ أهل الدرجات في الجنة.
وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب والشقاء والبلاءِ طولَ العمر، إذ هو أمرٌ لا يَصبر عليه أحدٌ، فإن مصابرة العذاب ستين أو سبعين سنةً بلا مصلحةٍ ولا منفعةٍ ولا لذةٍ أمرٌ ليس هو في جبلَّةِ الأحياء، إذا جوَّزوا أن لا يكون في شيء من طاعة الله له مصلحةٌ ولا منفعةٌ طولَ عمرِه. وهؤلاء يجعلون العبادَ مع الله بمنزلة الأُجَراءِ مع المتسأجرين، كأنَّ الله سبحانه وتعالى استأجرهم طولَ مُقامِهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به، ولا فيه لربهم منفعةٌ ليعوِّضهم عن ذلك بعد الموت بأجرتهم، وفي هذا من التشبيه لله بالعاجز الجاهل السفيه ما يجب تنزيهُ اللهِ عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
(1/257)

والحق الذي يجب اعتقادُه أن الله سبحانه إنما أرسلَ رسولَه رحمةً للعالمين، وأن إرسالَ الرسل وإنزالَ الكتب رحمةٌ عامَّةٌ للخلق [أعمُّ] من إنزال المطر وإطلاع الشمس، وإن حصل بهذه الرحمة تضرُّرُ بعض النفوس.
ثم إنه سبحانه وتعالى كما قال قتادة وغيره من السلف: لم يأمر العبادَ بما أمرهم به لحاجتِه إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا به، بل أمرهم بما فيه صلاحُهم، ونهاهم عما فيه فسادُهم. وفي الحديث الصحيح حديثِ أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمتُه، فاستطعموني أُطعِمكم، يا عبادي! كلكم ضالٌّ إلا من هديتُه، فاستهدوني أَهْدِكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم اجتمعُوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَه ما نقصَ ذلك من ملكي إلا كما ينقصُ البحر إذا غُمِسَ فيه المِخْيَطُ غَمسةً واحدةً، يا عبادي! إنما
(1/258)

هي أعمالُكم أُحصِيها لكم، ثمّ أُوفِّيْكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجدَ غير ذلك فلا يلُومَنَّ إلا نفسَه».
وقد قال تعالى في وصف النبي الأمي: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]. وقال تعالى لما ذكر الوضوء: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6]. فأخبر أنه لا يريد أن يجعل علينا من حرج فيما أمرنا به، وهذا نكرةٌ مؤكَّدةٌ بحرف «من»، فهي تَنفِي كلَّ حرج، وأخبر أنه إنما يريد تطهيرَنا وإتمامَ نعمتِه علينا.
وقال في الآية الأخرى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78]. فقد أخبر أنه ما جعل علينا في الدنيا من حرج نفيًا عامًّا مؤكَّدًا.
فمن اعتقد أن فيما أمر الله به مثقال ذرَّةٍ من حرجٍ فقد كذَّب الله ورسوله، فكيف بمن اعتقد أن المأمور به قد يكون فسادًا وضررًا لا منفعةَ فيه ولا مصلحةَ لنا. ولهذا لما لم يكن فيما أمر الله به ورسوله حرجٌ علينا لم يكن الحرج في ذلك إلا من النفاق، كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا
(1/259)

فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]. وقال فيما أمر به من الصيام: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]. فإذا كان لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا، فكيف يريد ما يكون ضررًا وفسادًا لنا بما أمرنا به إذا أطعناه فيه؟
ثم إنه قد أخبر أن الإيمان والطاعة خيرٌ من الكفر والمعصية للعبد في الدنيا والآخرة، وإن كان لجهله يظنُّ أن ذلك خير له في الدنيا، كما يقوله هؤلاء الذين فيهم شعبة وَهَلٍ ونفاقٍ، الذين يقولون: إن المأمور به قد لا يكون فيه للعبد مصلحةٌ ولا منفعةٌ طولَ عمرِه، بل يكون ذلك في المنهيّ عنه، فقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216].
وقال عن الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، الذين طلبوا ما في ذلك من نعيم الدنيا: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة:102]. فأخبر أنهم يعلمون أن هذه الأمور لا تنفع بعد الموت، بل لا يكون لصاحبها نصيبٌ في الآخرة، وإنما طلبوا بها منفعةَ الدنيا، وقد يسمّون ذلك العقل المعيشي، أي العقل الذي يعيش به الإنسان في الدنيا عيشة طيبة.
(1/260)

فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة:103]. أخبر أن أولياءه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس:63]، يُثِيبهم على ذلك ما هو خير لهم مما طلبوه في الدنيا لو كانوا يعلمون، فيحصل لهم في الدنيا من الخير الذي هو المنفعةُ ودفعُ المضرَّة ما هو أعظمُ مما يُحصِّلونه بذلك من خير الدنيا، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:56]، ثم قال: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يوسف:57].
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:147 - 148]. وقال عن إبراهيم: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:27].
وقد قال تعالى ما يبيِّن به أن فعلَ المكروه من المأمور به خيرٌ من تركه في الدنيا أيضًا، فقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء:66 - 68]. وهذا في سياق حال: {الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
(1/261)

أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء:60 - 61].
وهؤلاء منافقون من أهل الكتاب والمشركين، وحالهم أيضًا شبيهٌ بحال الذين نبذوا {كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة:101 - 102]، فإن أولئك عَدَلوا عما في كتاب الله إلى اتباع الجبت والطاغوت: السحر والشيطان، وهذه حال الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت. وحالُ الذين يتحاكمون إلى الطاغوت من المُظْهِرين للإيمان بالله ورسُلِه، فيها من حالِ هؤلاء بقدر ذلك. والطاغوت: كل معظَّم ومتعظّم بغير طاعةِ الله ورسوله من إنسانٍ أو شيطانٍ أو شيء من الأوثان.
وهذه حال كثير ممن يُشبِه اليهودَ من المتفقهة والمتكلمة وغيرِهم ممن فيه نوع نفاقٍ من هذه الأمة، الذين يؤمنون بما خالفَ كتابَ الله وسنةَ رسوله من أنواع الجبت والطاغوت، والذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير كتاب الله وسنةِ رسولِه. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ
(1/262)

بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء:61 - 62]. أي هؤلاء لم يقصدوا ما فعلوه من العدول عن طاعة الله ورسوله إلى اتباع ما اتبعوه من الطاغوت، إلا لِما ظنُّوه من جلب المنفعة لهم ودَفْعِ المضرَّة عنهم، مثل طلب علمٍ وتحقيقٍ كما يُوجَد في صنف المتكلمين، ومثل طلب أذواقٍ ومواجيدَ كما يُوجَد في صنف المتعبدين، ومثل طلب شهواتٍ ظاهرة وباطنةٍ كما يُوجَد في صنف الذين يريدون العلوَّ والذين يتبعون شهواتِ الغيِّ. قال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:60]. أي ضلُّوا عن مطلوبهم الذي هو جلب المنفعة ودفع المضرة، فإن ذلك إنما هو في طاعة الله ورسوله دون اتباع الطاغوت. فإذا عاقبهم الله بنقيض مقصودهم في الدنيا، فأصابتهم مصيبةٌ بما قدَّمت أيديهم قالوا: ما أردنا بما فعلنا إلا إحسانًا وتوفيقًا. أي أردنا الإحسانَ إلى نفوسنا لا ظُلْمَها، وتوفيقًا أي جمعًا بين هذا وهذا، لنجمعَ الحقائقَ والمصالحَ. قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [النساء:] من الاعتقادات الفاسدة والإرادات الفاسدة: الظنّ وما تهوى الأنفسُ {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء:63]. ثم قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء:64].
فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق من النفاق إلى التوبة، وهذا من
(1/263)

رحمته بعباده، يأمرهم قبل المعصية بالطاعة وبعد المعصية بالاستغفار، وهو رحيم بهم في كلا الأمرين، وأمرُه لهم بالطاعة أولًا من رحمته، وأمرهم ثانيًا بالاستغفار من رحمته، فهو سبحانه رحيمٌ بالمؤمنين الذين أطاعوه أولًا، والذين استغفروه ثانيًا. فإذا كان رحيمًا بمَن يطيعه، والرحمةُ توجب إيصالَ ما ينفعهم إليهم ودفْعَ ما يضرُّهم عنهم، كيف يكون المأمور به مشتملًا على ضررِهم دون منفعتهم؟
وقوله: {جَاءُوكَ} المجيء إليه في حضوره معلومٌ كالدعاء إليه، وأما في مغيبه ومماتِه فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} [النساء:61]، وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59]، وهو الردُّ والمجيء إلى ما بُعِث به من الكتاب والحكمة. وكذلك المجيء إليه لمن ظلمَ نفسَه هو الرجوع إلى ما أمَره به، فإذا رجع إلى ما أمره به فإنّ الجائي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ممن ظلم نفسَه يجيء إليه داخلًا في طاعته راجعًا عن معصيته، كذلك في مغيبِه ومماتِه. واستغفارُ الله موجودٌ في كل مكان وزمان، وأما استغفار الرسول فإنه أيضًا يتناول الناسَ في مغيبِه وبعدَ مماتِه، فإنه أُمِر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وهو مطيعٌ لله فيما أمَره به. والتائب داخلٌ في الإيمان، إذ المعصيةُ تَنقُص الإيمانَ، والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها، فيكون له من استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ذلك.
فأما مجيءُ الإنسانِ إلى عند قبرِه، وقولُه: استغفِرْ لي أو ادعُ لي، أو
(1/264)

قولُه في مغيبه: يا رسولَ الله ادعُ لي أو استغفِرْ لي أو سَلْ لي ربَّك كذا وكذا، فهذا لا أصلَ له، ولم يأمر الله بذلك، ولا فَعَلَه أحدٌ من الصحابة ولا سَلَفِ هذه الأمة المعروفين في القرون الثلاثة، ولا كان ذلك معروفًا بينهم، ولو كان هذا مما يُستحبّ لكان السلف يفعلون ذلك، ولكان ذلك معروفًا عنهم بل مشهورًا بينهم ومنقولًا عنهم، فإن مثل هذا -إذا كان طريقًا إلى غفران السيئات وقضاء الحاجات- ممّا تتوفَّر الهمَمُ والدواعي على فعلِه وعلى نقلِه، لا سيما فيمن كانوا أحرصَ الناس على الخير، فإذا لم يُعرَف أنهم كانوا يفعلون ذلك ولا نقلَه أحدٌ عنهم عُلِمَ أنه لم يكن مما يُستحبّ ويُؤمَر به. بل المنقول الثابت عنهم ما أمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم من نهيِه عن اتخاذ قبرِه عيدًا ووثنًا، وعن اتخاذ القبور مساجدَ.
وأما ما ذكره بعضُ الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتى قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا خيرَ البرية! إن الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية [النساء:64]، وإني قد جئتُك. وأنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في
(1/265)

المنام وأمرَه أن يُبشِّر الأعرابيَّ= فهذه الحكاية ونحوها مما يُذكَر في قبرِ النبي صلى الله عليه وسلم وقبرِ غيرِه من الصالحين، فيقع مثلُها لمن في إيمانه ضعفٌ، وهو جاهل بقدرِ الرسول وبما أمرَ به، فإن لم يُسعَفْ مثلُ هذا بحاجتِه، وإلا اضطربَ إيمانُه وعَظُمَ نفاقُه، فيكون في ذلك بمنزلة المؤلَّفةِ قلوبُهم بالعطاءِ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال: «إني لأَتألَّفُ رجالًا لما في قلوبهم من الهَلع والجزع، وأَكِلُ رجالًا إلى ما جعلَ الله في قلوبهم من الغنى والخير». مع أنّ أخذَ ذلك المال مكروهٌ لهم، فهذا أيضًا مثل هذه الحاجات.
وإنما المشروع الذي وردتْ به سنتُه فهو دعاء المسلم ربَّه متوسِّلًا به [في حياته]، لا دعاؤه في مماته ومغيبه أن يفعلَ، ولا دعاؤه في مماتِه ومغيبه أن يَسأل، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم رجلًا أن يقول: «اللهمَّ إني أسألك وأتوسلُ إليك بنبيك محمدٍ نبيِّ الرحمة، يا محمد! يا نبيَّ الله! إنّي أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليَقْضِيَها لي، اللهمَّ فشفِّعْه فيَّ».
(1/266)

وذلك أن الله تعالى يقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255]، وقال: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة:4]، ثم قال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]. فأقسمَ بنفسه على نفي إيمانِ من لم يجمع أمرين: تحكيمه فيما شجر بينهم وأن لا يجد في نفسه حرجًا، وهذا يُوجِب أنه ليس في أمرِه ونهيِه ما يُوجب الحرجَ ..... امتثلَ ذلك ...... حكمه لا بدَّ فيه من أمرٍ ونهيٍ، وإن كان فيه ....... أيضًا. فلو كان المأمور به والمنهي عنه ....... ومفسدةً وألمًا بلا لذةٍ راجحةٍ، لم يكن العبدُ مَلُومًا على وجود الحرج فيما هو مضرَّةٌ له ومفسدة.
ولهذا لم يتنازع العلماء أن الرِّضا بما أمرَ الله ورسولُه واجبٌ، بحيث لا يحبون كراهةَ ذلك ولا سخطَه، وأن محبة ذلك واجبةٌ، بحيث يُبغِضُ ما أبغضه الله، ويسخط ما سخطه الله من المحظور، ويُحِبُّ ما أحبَّه الله، ويَرضَى ما رَضِيَه الله من المأمور. وإن تنازعوا في الرضا بما قدَّره الحقُّ من الألم كالمرض والفقر، فقيل: هو واجب، وقيل: مستحب، وهو أرجح. والقولان في أصحاب أحمد وغيرهم. وأما الصبر على ذلك فلا نزاعَ أنه واجب.
وقد قال في الأول: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ
(1/267)

اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة:58 - 59]. فجعل من المنافقين مَن سَخِطَ فيما منعَه اللهُ إياه ورسولُه وحضَّهم بأن يَرضَوا بما آتاهم ورسوله. والذي آتاه الله ورسوله يتناولُ ما أباحه دونَ ما حظَره، ويدخل في المباح العامّ ما أوجبَه وما أحبَّه.
وإذا كان الصبر على الضرَّاء ونحوِ ذلك مما أوجبه الله وأحبَّه، كما أوجبه الشكر على النعماء وأحبَّه، كان كلٌّ من الصبر والشكر مما تجبُ محبتُه وعملُه، فيكون ما قُدِّر للمؤمنين من سَرَّاءَ معها شكرٌ وضرَّاءَ معها صبرٌ خيرًا له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتْه سرَّاءُ فشكَرَ كان خيرًا له، وإن أصابتْه ضرَّاءُ فصبرَ كان خيرًا له».
وإذا كان ذلك خيرًا فالخير هو المنفعةُ والمصلحةُ، الذي فيه النعيم واللذة كما تقدَّم، فيكون كلُّ مقدورٍ قُدِّر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسولِه خيرًا له، وإنما يكون شرًّا لمن عمل بمعصية الله ورسوله، وقبلَ ذلك فهو محنةٌ وفتنةٌ وبلاءٌ، قد يَعملُ فيه بطاعة الله، وقد يعمل فيه بمعصية الله، فلا يُوصف بواحدٍ من الأمرين.
آخره، والحمد لله.
(1/268)

فصل في آية الربا
(1/269)

فصل في آية الربا
قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} إلى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:275 - 280].
قوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي: مما كان قبضَه من الربا جعله له. {وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} قد قيل: الضمير يعود إلى الشخص، وقيل: إلى «ما»، وبكل حالٍ فالآيةُ تقتضي أن أمره إلى الله، لا إلى الغريم الذي عليه الدَّين، بخلاف الباقي فإنّ للغريم أن يطلب إسقاطَه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}، أي: ذَرُوا ما بقي من الربا في ذِمَمِ الغُرماء، {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
(1/271)

أَمْوَالِكُمْ} أي: رأس المال من غير زيادة. فقد أمرهم بترك الزيادة وهي الربا، فيسقط عن ذمة الغريم ولا يُطالب بها، وهذه للغريم فيها حقُّ الامتناع من أدائها والمخاصمة على ذلك وإبطال الحجة المكتتبة بها.
وأما ما كان قبضَه فقد قال: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}، فاقتضى أن السالف له للقابض، وأن أمره إلى الله وحدَه لا شريكَ له، ليس للغريم فيه أمرٌ. وذلك أنه لما جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى كان مغفرةُ ذلك الذنب والعقوبة عليه إلى الله، وهذا قد انتهى في الظاهر، فله ما سلفَ، وأمرُه إلى الله، إن علمَ من قلبه صحةَ التوبة غَفَرَ له، وإلَّا عاقبه.
ثم قال: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، فأمر بترك الباقي، ولم يأمر بردِّ المقبوض.
وقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}، لا يشترط منها ما قبض. وهذا الحكم ثابتٌ في حقّ الكافر إذا عاملَ كافرًا بالربا، وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا، فإن ما قبضَه يُحكَم له به كسائرِ ما قبضَه الكفّارُ بالعقود التي يعتقدون حِلَّها، كما لو باعَ خمرًا وقبضَ ثمنَها، ثم أسلمَ، فإن ذلك يَحِلُّ له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أسلمَ على شيء فهو له».
(1/272)

وأما [المسلم] فله ثلاثة أحوال:
تارةً يعتقدُ حِلَّ بعضِ الأنواع باجتهادٍ أو تقليد.
وتارةً يُعامِل بجهلٍ، ولا يعلم أن ذلك ربًا محرَّم.
وتارةً يقبض مع علمه بأن ذلك محرَّم.
أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبيَّن له فيما بعدُ أن ذلك ربًا محرَّم، قيل: يردُّ ما قبضَ كالغاصب، وقيل: لا يردُّه، وهو الأصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلالٌ، والكلام فيما إذا كان مختلفًا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يُغفر له ما استحلَّه ويُباح له ما قبضَه، فالمسلم المتأول إذا تاب يُغفَر له ما استحلَّه ويُباح له ما قبضَه؛ لأن المسلم إذا تاب أَوْلى أن يُغفَر له إن كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حِلِّ ذلك، فهو في تأويله أعذَرُ من الكافر في تأويله.
وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شرًّا من الكافر. وقد ذكر فيما يتركه المسلم الجاهل من الواجباتِ التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما أنه لا قضاء عليه.
وأصل ذلك أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره. ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل، أو صلَّى وقد أكل لحم الجزور، ثم تبين له
(1/273)

النصّ، هل يعيد؟ على روايتين. وقد نصرتُ في موضع أنه لا يُعيد، وذكرتُ على ذلك أدلةً متعددة:
منها: قصة عمر وعمار لما كانا جُنُبَيْنِ، ولم يُصلِّ عمر، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة.
ومنها: أبو ذر لم يأمره أيضًا بالإعادة.
ومنها: المستحاضة التي قالت: مَنَعَتْني الصوم والصلاة.
ومنها: الأعرابي المسيء في صلاته، الذي قال: واللهِ ما أُحْسِنُ غير هذا. فأمره أن يعيد الصلاة الحاضرة؛ لأن وقتها باقٍ وهو مأمور بها، ولم يأمره بإعادة ما صلّى قبل ذلك.
ومنها: الذين أكلوا حتى تبيَّن لهم الخيط الأبيض والأسود، ولم يُؤمَروا بالإعادة.
(1/274)

والشريعة أمرٌ ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب وكذلك النهي، فمَنْ فعلَ شيئًا لم يعلم أنه محرَّم، ثم علم لم يُعاقَبْ. وإذا عامل معاملاتٍ ربويةً يعتقدها جائزةً وقبضَ منها ما قبضَ، ثم جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرًّا من الكافر، ولو كان قد باع خمرًا أو حشيشةً أوكلبًا لم يَعلم أنها حرام وقبضَ ثمنَها. وسَمُرةُ لما باع وقبضَ ثمنها قال عمر: قاتل الله سمرةَ! ألم يَعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا حَرَّمَ على قومٍ أكلَ شيءٍ حَرَّمَ عليهم ثمنَه؟».
وكانوا يقبضون الخمر جزيةً عن أهل الذمة ثم يبيعونهم إياها، فقال عمر: وَلُّوهم بيعَها ثمَّ خذوا ثمنها. وما قبضه سمرة لم يذكر أن عمر أمر بردِّه، وكيف يردُّه وقد أخذوا الخمر، ولا نهاه عن الانتفاع به؟ وذلك أن هذا الذي قبضه قبل أن يعلم أنه محرَّم لا إثمَ عليه في قبضه، فإنه لم يكن يعلم أنه محرَّم، والكافر إذا غُفِر له قبضُه لكونه قد تابَ، فالمسلم أَولى بطريق الأَولى.
والقرآن يدل على هذا بقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة:275]، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه، فقد
(1/275)

جعل الله له ما سلف. ويدل على أن ذلك ثابت في حق المسلم ما بعد هذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}، فأمرهم بترك ما بقي، ولم يأمرهم بردِّ ما قبضوه، فدلَّ على أنه لهم مع قوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}، والله يقبل التوبة عن عباده.
فإذا قيل: هذا مختص بالكافرين.
قيل: ليس في القرآن ما يدلُّ على ذلك، إنما قال: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}، وهذا يتناول المسلم بطريق الأولى. وعائشة قد أدخلت فيه المسلمَ في قصة زيد بن أرقم لما قالت لأم ولده: بئسَ ما شريتِ، وبئسَ ما اشتريتِ، أخبري زيدًا أنه قد حَبِطَ جهادُه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأسَ مالي؟ فقالت عائشة: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}.
بل قد يقال: إن هذا يتناول مَن كان يعلم التحريم إذا جاءته موعظة من ربه فانتهى، فإن الله يغفر لمن تاب بتوبته، فيكون ما مضى من الفعل وجوده كعدمه، والآية تتناوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}، ويدلُّ على ذلك قوله بعد هذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ
(1/276)

كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إلى قوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}. والتوبة تتناول المسلم العاصي كما تتناول الكافر، ولا خلاف أنه لو عامله بربا يحرم بالإجماع لم يقبض منه شيئًا، ثم تاب، أن له رأس ماله، فالآية تناولته، وقد قال فيها: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}، ولم يأمر بردِّ المقبوض، بل قال قبل ذلك: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}.
وهذا وإن كان ملعونًا على ما أكله وأوكله، فإذا تاب غُفِر له. ثم المقبوض قد يكون اتَّجر فيه وتقلب، وقد يكون أَكَلَه ولم يبقَ منه شيء، وقد يكون باقيًا، فإن كان قد ذهب وجعل دينًا عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفِّرًا عن التوبة، وهذا الغريم يكفيه إحسانًا إليه إسقاطُه ما بقي في ذمته وهو برضاه أعطاه، وكلاهما ملعون.
ولو فُرِض أن رجلًا أمر رجلًا بإتلافِ مالِه وأتلفَه لم يَضمنْه وإن كانا ظالمين، وكذلك إذا قال: اقتل عبدي. هذا هو الصحيح، وهو المنصوص عن أحمد وغيره. فكذلك هذا هو سلط ذاك على أكل هذا المال برضاه، فلا وجهَ لتضمينه وإن كانا آثمين، كما لو أتلفه بفعله، إذ لا فرقَ بين أن يتلفه بأكله أو بإحراقه، بل أكلُه خير من إحراقه، فإن لم يضمنه في هذا بطريق الأولى.
وأيضًا فكثير من العلماء يقولون: إن السارق لا يغرم؛ لئلا يجتمع عليه عقوبتان من أن الحد حقٌّ لله والمال حقٌّ لآدمي. وهذا أولى، لئلا
(1/277)

يجتمع على المُربِي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل. وإن كان عين المال باقيًا فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق الغاصب، بل قبضه باتفاقهما ورضاهما بعقدٍ من العقود، وهو لو كان كافرًا ثم أسلم لم يردَّه، وقد قال تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}.
وقد يقال: لا يكون لواحدٍ منهما، كما لو كان ثمنَ خمرٍ أو مهرَ بغيٍّ أو حُلوانَ كاهنٍ، فإن هذا إذا تاب لا يعيده إلى صاحبه، بل يتصدَّق به في أظهر قولي العلماء.
وكذلك لو استأجر رجلًا لحمْلِ خمرٍ، نصَّ أحمد على أنه يُقضَى له بالكراء ولا يأكلُه، لأن الحمل عملٌ مباح فيستحقُّ أجرتَه، ولكن لقصد المستأجر لا يأكله. وكذلك لو باع عنبًا أو عصيرًا ممن يتخذه خمرًا، فإنه يُقضَى له بالثمن بلا ريب إذا تعذَّر ردُّ العنب والعصير، ولا يقول عاقل: إن الذي أخذ العنب وعَصَرَه خمرًا يُعطَى مع ذلك الثمن، لكن غاية ما يقال: إن هذا يتصدق بالثمن.
فإن قيل مثل هذا في الربا قياسًا على هذا، فقد يقال: هنا التحريمُ لحقِّ الله، لأن نَفْسَ عِوَضِ الخمر محرَّم، وهناك التحريم لما فيه من ظلم الآدمي، وإن كان لو رضي به لم يجز؛ لأنه سفيهٌ في ذلك.
وأيضًا ففي ردِّه عليه تسليطٌ لمَنْ يحتال على الناس بأن يأخذها بعقود ربوية فينتفع بها، ثم يطالبهم بما قبضوه، وقد انتفع برأس مالِه مدةً
(1/278)

بغير رضاهم، فإنهم لم يُعطُوه قرضًا.
وهذه المسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق، وأما الذي لا ريبَ فيه عندي فهو ما قبضَه بتأويلٍ أو جهلٍ فهنا له ما سلف بلا ريب، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يُقال: طَرْدُ هذا أن من اكتسب مالًا من ثمنِ خمرٍ مع علمه بالتحريم فله ما سلف. وكذلك كلُّ مَنْ كسب مالًا محرمًا ثم تاب، إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغيِّ وحُلوانِ الكاهن.
وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تُفرِّق بين التائب وغير التائب، كما في قوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}، وقال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38]. وهذا في الكفار ظاهر متواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، متفق عليه بين المسلمين، فإن الكافر إذا أسلم لم يجب عليه قضاء ما تركه من صيام وصلاة وزكاة، ولا يحرم ما اكتسبه من الأموال التي كان يعتقدها حلالًا، ولا ضمانَ عليه فيما أتلفَه، لأنه كان يعتقد حِلَّ ذلك.
وأما المسلم إذا تاب ففي قضاء الصلاة والصيام نزاع، ومما يُقوّي هذا أن هذا المال لا يتلف بلا نزاع، بل إما أن يتصدق به، وإما أن يدفع إلى الزاني والشارب الذي أخذ منه مع كونه مُصِرًّا، وإما أن يُجْعَل لهذا القابض التائب.
فإذا دفعه إلى الزاني والشارب فلا يقوله مَن يتصوَّر ما يقول، وإن
(1/279)

كان من الفقهاء مَن يقوله، فإنّ في هذا فسادًا مضاعفًا، فإن ذلك كان ممنوعًا من الشرب والزنا ولو بذل العِوَض، فإذا كان قد فعله بعِوَض وأُعِيد إليه العِوَض كان ذلك زيادةَ إعانةٍ له وإغراء له بالسيئات.
وأما الصدقة فهي أوجَهُ، لكنْ يقال: هذا الباب أحقُّ به من غيره، ولا ريب إن كان صاحب هذا الباب فقيرًا فهو أحقُّ به من غيره من الفقراء، وبهذا أفتيتُ غير مرةٍ، وإذا كان التائب فقيرًا يأخذ منه حاجته، فإنه أحقُّ به من غيره، وهو إعانة له على التوبة، وإن كُلِّف إخراجَه تضرَّر غايةَ التضرُّر ولم يتُبْ. وأيضًا فلا مفسدةَ في أَخْذِه، فإنّ المال قد أخذه وخرج عن حكم صاحِبه، وعينُه ليست محرمة، وإنما حرم لكونه استُعِين به على محرم، وهذا قد غُفِر بالتوبة فيحلُّ له مع الفقر بلا ريب، وأخذُ ذلك له مع الغنى وجهٌ، وفيه تيسيرُ التوبة على من كسب مثل هذه الأموال.
وأما الربا فإنه قبض برضا صاحبه، والله سبحانه يقول: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}، ولم يقل: فمن أسلم، ولا من تبيَّنَ له التحريم، بل قال: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى}، والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه، قال الله تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17]، وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء:63].
(1/280)

وأيضًا فهذا وَسَطٌ بين الغريمين، فإن الغريم المدين ينهى أن يسقط عنه الزيادة، وهذا عنده غاية السعادة، وذلك لا ينهى أن يبقى له ما قبض، وقد عفا الله عما مضى. وأما تكليف هذا إعادة القرض فذلك مثل مطالبة الغريم بما بقي، وكلاهما فيه شططٌ وشدَّةٌ عظيمة، فهذا هذا. والله أعلم.
فصلٌ في الربا
قد تدبّرتُ [الربا] * مرَّاتٍ عَوْدًا على بدءٍ، وما فيه من النصوص والمعاني والآثار، فتبيَّن لي -ولا حول ولا قوة إلا بالله- بعد استخارة الله أن أصل الربا هو الإنْسَاء، مثل أن يبيع الدراهم إلى أجلٍ بأكثر منها، ومنها أن يؤخر دَينه ويزيد في المال. وهذا هو الربا الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية. وقد سُئِل أحمد بن حنبل عن الربا الذي لا شك فيه، فذكر هذا، وهو أن يكون له دَينٌ فيقول له: أتَقضِي أم تُربِي؟ فإن لم يَقضِه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل، فيربو المال على المحتاج من غير نفع حصل له، ويزيد مال المربي من غير نفع حصل منه للمسلمين. فهذا حرَّمَه الله تعالى؛ لأن فيه ضررًا على المحاويج، وفيه أكل المال بالباطل.
وقد كان من العلماء المشهورين في زماننا غير واحدٍ يقولون: لا نعرف حِكَمَ تحريم الربا، وذلك أنهم نظروا في جملة ما يحرم، فلم يروا فيه مفسدةً ظاهرة. والتحقيق أن الربا نوعان: جلي وخفي، فالجليّ حُرِّمَ لما فيه من الضرر والظلم، والخفيّ حُرِّمَ لأنه ذريعة إلى الجلي.
__________
* سقطت من الأصل المطبوع، واستدركتها من «تفسير آيات أشكلت» 2/ 597. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(1/281)

فربا النَّسَاء من الجليّ، فإنه يَضُرّ بالمحاويج ضررًا عظيمًا ظاهرًا، وهذا مُجرَّب، والغَنِيّ يَأكل أموال الناس بالباطل؛ لأن ماله رَبَا من غيرِ نفعٍ حصلَ للخلق، ولهذا جعل الله الربا ضدَّ الصدقات، فقال: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة:276]. وقال: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39]. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم في أول ما أنزل عليه: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر:6]. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} الآيات إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:130 - 134]. فنهى عن الربا الذي فيه ظلم الناس، وأمر بالإحسان إلى الناس المضاد للربا.
وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الربا في النسيئة». وهذا الحصر يراد به حصول الكمال، فإن الربا الكامل هو في النسيئة، كما قال ابن مسعود: إنما العالم الذي يخشى الله. وكما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2]، ومثل ذلك كثير.
فأما ربا الفضل فإنما نُهِيَ عنه لسدِّ الذريعة، كما في المسند مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سعد: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني*
__________
* في الأصل المطبوع: (فإن)، وهو خطأ. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
(1/282)

أخاف عليكم الرَّمَاءَ. والرماء هو الربا».
وقد تنازع السلف والخلف في ربا الفضل، فطائفة من السلف أباحَتْه ولم تُحَرِّم منه شيئًا، وهذا مشهور عن ابن عباس، وهو مروي عن ابن مسعود ومعاوية، بل قد رُوي عنه أنه باعَ المَصُوغَ إلى أجلٍ، وبسبب ذلك فارقَهُ عبادة بن الصامت، وذهبَ إلى عمر رضي الله عنه شاكيًا منه.
ويَروي عبادة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأصناف الستة، وقد قيل: كانوا في غزوة قبرص، وليس كذلك، فإن قبرص إنما غزاها معاوية في خلافة عثمان باتفاق الناس، وكانوا قد استأذنوا عمر فيها، فنهى لأجل ركوب البحر، ثم استأذنوا عثمان فأذِنَ لهم. وفيها تُوفِّيَتْ أمُّ حرام بنت مِلْحان، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغزاة، وبها احتجوا على جواز الغزو في البحر، مع ذكره غزو البحر في حديث.
لكن شكوى عبادة إلى عمر قد كان قبل ذلك في بعض المغازي،
(1/283)

فإن معاوية فتح قَيْسَاريةَ، وكانت مدينة بالساحل عظيمة، ولعلّ النزاع كان فيها، وقد غنم المسلمون آنيةً من ذهب وفضة، فصار في الخُمُسِ منها ما صار، فباعَهم معاوية ذلك إلى العطاء. فصار بيع الإناء الذي وزنُه عشرون درهمًا بثلاثين درهمًا لأجل صيغتِه، والناس رغبوا في ذلك؛ لأنه إلى العطاء مؤخر عنهم، ويأخذون ذلك الساعة وينتفعون بها، فأنكر ذلك عبادة، وتقاولَ هو ومعاوية في ذلك، والقصة مشهورة.
ولما أنكر أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة ذلك على ابن عباس، روى أبو سعيد حديث خيبر لما قال له وكيلُه: إنما نبتاعُ الصاعَ من التمر الجَنِيْب وهو جيد التمر، بالصاعين من الجمع وهو المخلوط، فقال: «إنه عين الربا، ولكنْ بِعِ الجمْعَ بالدراهم، ثم ابتَعْ بالدراهم جَنِيْبًا»، وقال في الميزان مثل ذلك.
ثم اتفق الناس على تحريم ربا الفضل في الأعيان الستة التي جاءت بها الأحاديث، وهي من أفراد مسلم من حديث عبادة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ سواءً بسواءٍ يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبِيعُوا حيث شئتم إذا كان يدًا بيدٍ».
(1/284)

وتنازعوا فيما سوى ذلك على أقوال:
فطائفة لم تُحرِّم ربا الفضل في غيرها، وهذا مأثور عن قتادة، وهو قول أهل الظاهر، وابنُ عقيل في آخر مصنفاتِه رجَّح هذا القولَ مع كونه يقول بالقياس، قال: لأن علل القياس في مسألة الربا عللٌ ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة امتنع القياس.
وطائفة حَرَّمَتْه في كلِّ مكيلٍ وموزونٍ، كما روي عن عمار بن ياسر، وبه أخذ أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
وطائفة حَرَّمَتْه في الطعام وإن لم يكن مكيلًا وموزونًا، كقول الشافعي وأحمد في رواية.
وطائفة لم تُحرِّمْه إلا في المطعوم إذا كان مكيلًا أو موزونًا، وهذا قول سعيد بن المسيّب والشافعي في قول وأحمد في الرواية الثالثة، اختارها الشيخ أبو محمد، وهو قريب من قول مالك: القُوت وما يُصلِح القوتَ. وهذا القول أرجح الأقوال.
وقد حكي عن بعض المتأخرين أنه يحرم في جميع الأموال، لكن هذا ما علمتُ به قائلًا من المتقدمين.
فنقول: أما الدراهم والدنانير فالعلة فيهما الثمن، بدليل أنه يجوز
(1/285)

إسلافُها في الموزونات من النحاس وغيره، ولو كان الربا جاريًا في النحاس لم يُبَع موزونٌ بموزونٍ إلى أجلٍ، كما لا يُباعُ تمرٌ بحنطةٍ ودراهمُ بدنانيرَ إلى أجلٍ، وهم يُسلِّمون أن هذا خلاف القياس، والعلة إذا انتقضت من غير فرقٍ عُلِمَ أنها علة باطلة. وأيضًا فالتعليلُ بكونِه موزونًا أو مطعومًا عللٌ ليس فيها ما يُوجِب الحكم، بل طردٌ محض، كما بُسِط في غير هذا الموضع.
ولكن الدراهم والدنانير هي أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرَف تقويمُ الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا، لا تُرفع قيمته ولا تنخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسِّلعَ لم يكن لنا ثمنٌ نعتبر به المبيعاتِ، بل الجميع سِلَعٌ، والحاجة إلى أن يكون للناس ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة عامة، فإنه قد يحتاج إلى بيع ثمنٍ بغير إذنِ صاحبه، فلا يُباع إلا بثمن المثل، كتقويم الشِّقْصِ على من أعتقَ نصيبَه. والناسُ يشترون بالسعر شراءً عامًّا، فإنْ لم يكن سِعرٌ لم يُعرَف ما لبعضهم عند بعضٍ، وقد يُقوِّمون بينهم عُروضًا وغيرها ممن لا تعدل فيه الأنصباء إلَّا بالقيمة.
ففي الجملة الحاجةُ إلى التقويم في الأموال حاجة عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تُعرَف به القيمة، وذلك لا يكون إلا إذا كان هناك ثمنٌ تُقوَّمُ به الأشياءُ وتُعتَبَر، وذلك إنما يكون إذا كان ذلك الثمن باقيًا على حالٍ واحدةٍ لا تزدادُ فيه القيمة ولا تنقُصُ.
(1/286)

وقد حُرِّمَ فيهما ربا النَّسَاءِ لما فيه من الضرر كما تقدم، ولو أُبِيحَ ربا الفضل، مثل أن يبيعوا دراهمَ بدارهمَ أكثر منها، مثل أن يكون محتاجًا إلى دراهم خفافًا وأنصَافًا ومكسَّرةً فيشتريها، فلا يبيعه الصيرفي إلا بفضل باقٍ يأخذ منه من الصحاح أكثر من وزنها= صار ذلك تجارةً في الثمن، ومتى اتَّجروا فيها نقدًا تذرَّعوا إلى التجارة فيها نسيئةً. ولو أبيحت التجارة في الأثمان مثل أن يبيع دراهم بدارهم إلى أجل، لصارت الدراهم سلعةً من السلع، وخرجت عن أن تكون أثمانًا، فحرم فيها ربا الفضل، لأنه يُفضِي إلى ربا النَّسَاء، وربا النَّسَاء فيها يَضرّ وإن اختلفت بالصفات، لأنه يُخرِجها عن أن تكون أثمانًا.
وإذا وقعت فيها التجارة قصدت صفاتها، فيقصد كلُّ واحدٍ ادخارَ ما يرتفع ثمنُه في وقت، كما يصنعون بالدراهم إذا كانت نقودًا ينقون خيارها، وكما يصنعون بالفلوس أحيانًا. وهذا كلُّه مما نُهِي عنه في الأثمان، فالأثمان المتساوية متى جُعِلَ بعضُها أفضلَ من بعضٍ حصلَ الفسادُ، بل لا بدَّ أن لا تُقصَد لأعيانها، بل يُقصَدُ التوسُّلُ بها إلى السِّلَع. والناس كلُّهم يشتركون في التوسّل بها، وهي دائرة بين الناس بمنزلة العلامة، ولهذا في بعض البلاد يتخذون أثمانًا من نوع آخر، وهذا معنًى معقولٌ في الأثمان مختصٌّ بها، فلا يتعدّى إلى النحاس والحديد والقطن والكتَّان؛ فإنه لا فرق بين تلك وبين غيرها، بل المطعومات أشرف منها.
وأما الأصناف الأربعة فالناس محتاجون إلى القُوتِ، كالأصناف
(1/287)

الأربعة وكما يشابهها من المكيلات، فمن تمام مصلحة الناس أن لا يُتَّجَر في بيع بعضها ببعضٍ؛ لأنه متى اتُّجِرَ في ذلك خَزَنَها الناسُ، ومنعوا المحتاجَ منها، فيُفضِي إلى أن يَعِزَّ الطعام على الناس، ويتضررون بتقليل الانتفاع به، وهذا هو في بيع بعضها ببعضٍ إلى أجل. فإنه متى بيعت الحنطة بالحنطة إلى أجل، أو التمر بالتمر، أو الشعير بالشعير أو نحوه، سمحت الأنفس ببيعها حالَّةً طمعًا في الربح إذا بيعت إلى أجل، وإذا لم تُبَعْ حالَّةً تضرر الناس، بل حينئذٍ لا تباع إلا بزيادة فيها، فيضر الناس. بخلاف بيعها بالدراهم، فإن من عنده صنف منها هو محتاج إلى الصنف الآخر، فيحتاج أن يبيعه بالدراهم ليشتري به الصنف الآخر، أو يبيعه بذلك الصنف بلا ربح. وعلى التقديرَيْن يحتاج إلى بيعه حالًّا، بخلاف ما لو أمكنه التأخر، فإنه يمكنه أن يبيعه بفضلٍ ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضلٍ؛ لأن صاحب ذلك الصنف يُربي عليه كما أربَى هو على غيره، فيتضرر هذا ويتضرر هذا مِن تأخُّر هذا ومِن تأخُّر هذا. فكان في التجارة فيها ضررًا عامًّا، فنهي عن بيع بعضها ببعضٍ نَسَاءً وهذا من ربا النسيئة، وهو أصل الربا.
لكن هنا النسيئة في صنفين معلَّلين، وهو كبيع الدراهم بالدنانير نَساءً، وهذا من ربا النسيئة، وهو ما ثبت تحريمه بالنصّ والإجماع. فربا النسيئة يكون في الصنف الواحد، وفي الصنفين اللذين مقصودهما
(1/288)

واحدٌ، كالدراهم مع الدنانير، وكالأصناف الأربعة التي هي قوت الناس.
وأما ربا الفضل فإذا باع حنطة بحنطة خير منها مدّ بمدّين، كان هذا تجارة فيها، ومن سوَّغ التجارة فيها نقدًا طلبت النفوس التجارة فيها نَساءً كما تقدم في النقدين، وإن لم يشترطوا ذلك بل قد يتعاقدان على الحلول.
والعادة جارية بأنك تصبر عليَّ كما هو الواقع في كثير من السِّلع، وكما يفعل أرباب الحِيَل، يطلقون العقد وقد تواطأوا على أمر آخر، كما يطلقون عقد نكاح التحليل وقد اتفقوا على أنه يطلّق، ويطلقون البيع على بيع الفضة بالفضة وقد اتفقوا على أنه باذل عنها ذهبًا، واتفقوا على أنه يبيعه السِّلعةَ إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن، ومثل ذلك كثير.
كذلك يطلقون بيع الدراهم بالدارهم على أنها حالة، ويؤخر الطلب لأجل الربح. فكان يحرم ربا الفضل؛ لأنه ذريعة إلى ربا النَّساء، كما جاءت هذه العلة منصوصة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخافُ عليكم الرَّماءَ، والرماء هو الربا»، وإلّا فمعلوم أنه مع استواء الصفاتِ لا يبيع أحدٌ مُدَّ حنطةٍ أو تمرٍ مُدًّا بمدٍّ يدًا بيدٍ، هذا لا يفعله أحد. وإنما يُفعَل هذا عند اختلاف الصفات، مثل أن يكون هذا جيدًا وهذا رديئًا، أو هذا جديدًا وهذا عتيقًا، وإذا اختلفت الصفات فهي
(1/289)

مقصودة، ولهذا يجب له في القرض مثل ما أقرضه على صفته، وكذلك في الإتلاف، لأنه في القرض لم يقصد البيع، وإنما قصد نفعه، فهو بمنزلة العارية. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «منيحة الورق»، ويقال فيه: أَعِرْني دراهمك، فهو يستعير تلك الدراهم ينتفع بها مدة ثم يردُّها، وعينها ليست مقصودة، ويرد جنسها، كما في القراض يرد رأس المال، ثم يقتسمانِ الربح، وعين ما أعطاه ليس مقصودًا، بل المقصود الجنس. فهذه أمورٌ معقولة جاءت بها الشريعة في مصالح الناس.
ولما خفيت علة تحريم الربا أباحه مثلُ ابن عباس حبر الأمة ومثلُ ابن مسعود، فإن الحنطة الجيدة والتمر الجيد يقال لصاحبه: ألْغِ صفاتِ مالك الجيدة، لكن لما كان المقصود أنك لا تتَّجر فيها لجنسها، بل إنْ بِعْتَها لجنسها فلتكن بلا ربح ولا إلى أجل ظهرت الحكمة، فإن التجارة في بيعها لجنسها تُفسِد مقصودَ الأقوات على الناس. وهذا المعنى ظاهر في بيع الدراهم بالدراهم، وفي بيع التِّبر بالدراهم، لأن التبر ليس فيه صنعةٌ تُقصَد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قُصِد أن لا تفضل على جنسها، ولهذا جاء في الحديث: «تِبْره وعينُه سواء».
(1/290)

فصل
وأما المصوغ من الدراهم والدنانير، فإن كانت صياغة محرمةً كالآنية، فهذه يحرُم بيعُ المصاغة لجنسها وغير جنسها، وبيعُ هذه هو الذي أنكره عُبادةُ على معاوية.
وأما إنْ كانت الصياغة مباحةً، كخواتيم الفضة، وكحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح وغيرها من الفضة، وما أبيح من الذهب عند مَن يرى ذلك= فهذه لا يبيعها عاقلٌ بوزنها، فإن هذا سفَهٌ وتضييعٌ للصنعة، والشارع أجلُّ من أن يأمر بذلك، ولا يفعل ذلك أحدٌ البتة إلا إذا كان متبرعًا بدون القيمة. وحاجة الناس ماسَّةٌ إلى بيعها وشرائها، فإنْ لم يُجَوَّز بيعُها بالدراهم والدنانير فسدتْ مصلحة الناس.
والنصوصُ الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ما هو صريح في هذا، فإن أكثرها إنما فيه الدراهم والدنانير، وفي بعضها لفظ الذهب والفضة. وجمهور العلماء يقولون: لم يدخل في ذلك الحلية المباحة، بل لا زكاة فيها، فكذلك الحلية المباحة لم تدخل في نصوص الربا، فإنه بالصيغة المباحة صارت من جنس الثياب والسِّلع، لا من جنس الأثمان، فلهذا لم يجب فيها زكاة الدنانير والدراهم، ولا يحرم بيعها بالدنانير والدراهم.
ومما يبيِّن ذلك أن الناس كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يتخذون الحلية، وكُنّ النساء يَلبسْنَ الحلية، وقد أَمرهنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد أن
(1/291)

يتصدَّقْنَ، وقال: «إنَّكُنَّ أكثر أهل النار»، فجعلت المرأة تُلقِي حليها، وذلك مثل الخواتيم والقلائد. ومعلومٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعطي ذلك الفقراء والمساكين، وكانوا يبيعون، ومعلومٌ بالضرورة أن مثل هذا لا بدَّ أن يُباع ويُشترى، ومعلومٌ بالضرورة أن أحدًا لا يبيعُ هذا بوزنه، ومن فعل هذا فهو سفيهٌ يسحقُّ أن يُحْجَر عليه. كيف وقد كان بالمدينة صوَّاغون، والصائغ قد أخذ أجرتَه، فكيف يبيعه صاحبه ويخسر أجرة الصائغ؟ هذا لا يفعله أحد، ولا يأمر به صاحب شرع، بل هو مُنزَّه عن مثل هذا.
ولا يُعرَف عن الصحابة أنهم أمروا في مثل هذا أن يباع بوزنه، وإنما كان النزاع في الصرف والدرهم بالدرهمين، فكان ابن عباس يبيح ذلك، وأنكره عليه أبو سعيد وغيره. والمنقول عن عمر إنما هو في الصرف.
وأيضًا فتحريم ربا الفضل إنما كان لسدّ الذريعة، وما حرم لسدِّ الذريعة أبيح للمصلحة الراحجة، كالصلاة بعد الفجر والعصر، لما نُهِيَ عنها لئلا يُتشبَّه بالكفار الذين يعبدون الشمس ويسجدون للشيطان، أبيح للمصلحة الراجحة، فأبيح صلاة الجنازة، والإعادة مع الإمام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما صلَّى الفجر ورأى رجلين لم يصلِّيا وقالا: صلينا في رحالنا، فقال: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجدَ جماعةٍ فَصَلِّيا
(1/292)

معهم، فإنها لكما نافلة». وكذلك ركعتا الطواف، وكذلك على الصحيح ذوات الأسباب مثل تحية المسجد وصلاة الكسوف وغير ذلك.
وكذلك النظر للأجنبية لما حُرِّم سدًّا للذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيح للخُطَّاب وغيره. وكذلك بيع الربوي بجنسه، لما أمر فيه بالكيل والوزن لسدِّ الحاجة أبيح بالخرص عند الحاجة، وغير ذلك كثير في الشريعة.
كذلك هنا، بيع الفضة بالفضة متفاضلًا لما نُهِيَ عنه في الأثمان لئلا يُفضِي إلى ربا النَّسَاء الذي هو الربا، فنُهِيَ عنه لسدِّ الذريعة، كان مباحًا إذا احتيج إليه للمصلحة الراجحة. وبيعُ المصوغ مما يحتاجُ إليه، ولا يمكن بيعه بوزنه من الأثمان، فوجب أن يجوز بيعُه بما يقوم به من الأثمان، وإن كان الثمن أكثر منه تكون الزيادة في مقابل الصيغة. والزيادة هنا تُعقَل، إذ مَنْ يأخذ لها أجرة بخلاف الزيادة في الأصناف الأربعة، فإنها من نعم الله المخلوقة، فجاز أن يؤمر ببذلها إذا بيعت بجنسها أحيانًا، وأما هنا فهو ظلم لمن أعطى أجرة الصياغة أن يقال: بِعْها واخسر الأجرة.
(1/293)

والدراهم والدنانير لا تتقوّم فيها الصنعة، وأما النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه فلم يضربوا درهمًا ولا دينارًا، بل كانوا يتعاملون بضرب غيرهم، وأول من ضربهما في الإسلام عبد الملك بن مروان. والسلطان إذا ضربهما ضربهما لمصلحة الناس، وإذا ضربهما ضاربٌ بأجر، والضارب الآخر ضربهما بأجر.
والمقصود أن كلَّ معارٍ للناس لا يَتَّجرون فيها كما تقدم، فلا يُشبه بيع بعضها ببعضٍ متساويًا ببيع المصوغ. ولهذا ما زال الناس يقايض بعضهم بعضًا الدراهم، مثل أن يكون عند هذا دراهم كاملة ثقيلة، وهو يطلب خفافًا وأنصافًا، فيطلب مَن يقايضه، فيقايضه الناس ولا يرون أنهم خسروا شيئًا، بخلاف ما لو طلب أن يبيعوه المصوغ بوزنه دراهم، فإنهم يرونه ظالمًا لهم معتديًا، ولا يجيبُه إلى ذلك أحد.
وبالجملة فلا بد من أربعة أمور:
إما أن يقال: هذه لا تُباع بحالٍ، فهو ممتنع في الشرع.
أو يقال: لا تُباع إلا بوزنها، ولا يُحْتال في بيعها بغير الوزن، وأيضًا لا يفعله أحد.
أو يقال: لا تُباع إلا بوزنها، ولكن احتالوا في ذلك حتى يبيعوها بوزنها، فهذا مما لا فائدة فيه، بل هو أيضًا إتعابٌ للناس وتضييعٌ للزمان به، وعيبٌ ومكرٌ وخداعٌ لا يأمر الله به.
وإما أن يقال: بل تُباع بسعرها بالدراهم والدنانير، وهذا هو
(1/294)

الصواب، وهذا القسم حاضر. ثم إذا بيعت بالسعر فإنها تباع بالنقد، وأما بيعها بالنَّساء فلا يُحتاج إليه، وهو محتمل، وقد يحتاج إليه. وهكذا سائر ما يدخل من الذهب والفضة في لباس، كلباس النِّساء الذي فيه ذهب وفضة، فإنه يباع بالذهب أو الفضة بسعره.
وأواني الذهب والفضة وصيغتها محرمة، وأُجْرة ذلك محرمة، فإذا بيعت لم تحرم الزيادة لكونها ربًا، بل لكونها غير متقوَّمة، وهو كبيع الأصنام وآلات اللهو. وهنا يتصدق بهذه الزيادة ولا تعاد إلى المشتري؛ لأنه قد اعتاض عنها، فلو جُمِع له بين العِوَض والمُعَوَّض لكان ذلك أبلغ في إعانته على المعصية. وهكذا من باع خمرًا، أو باع عصيرًا لمن يتخذه خمرًا، فهذا يتصدق بالثمن. وهكذا من كسب مالًا من غناءٍ أو فجورٍ، فإنه يتصدق به.
وكل موضع استوفى الآخر العِوَض المحرم، وهو قاصدٌ له غير مغرورٍ، فإنه يتصدق بالعِوَض، ولا يجمع له بين هذا وهذا، فإنه إذا حرم أن يُعطاه بثمن يؤخذ منه، فَلَأَنْ يحرم أن يُعطاه ويُعطى الثمن أَوْلَى وأَحْرَى، اللهم إلا إذا تاب، أو كان في إعطائه مصلحة فيجوز لأجله.
وعلى هذا فتجوز التجارة في الحلي المباح، بل ويجوز الأجل فيه إذا لم يقصد إلا الانتفاع بالحلية، لم يقصد كونها ثمنًا، كما يجوز بيع سائر السِّلَعِ إلى أجل، فإن هذه سلعة من السِّلَعِ التي ليست ربوية.
(1/295)

فصل
والذي يصنع من الأصناف الأربعة إن خرج عن كونه قوتًا كالنَّشا ونحوه لم يكن من الربويات، وإن كان قوتًا كان جنسًا قائمًا بنفسه، فلم يحرم بيع الخبز بالهريسة، ولا بيع الناطف بالحبّ، فإن هذه الصنعة لها قيمة، فلا تضيع على صاحبها كالحلية، ولم يُحرِّم بيعَ بعضِ ذلك ببعضٍ لا نصٌّ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ، بل هذه الأجناس المختلفة يباع بعضُها ببعضٍ متفاضلًا.
والنزاع في مسألة بيع اللحم بالحيوان مشهور، وحديثُه من مراسيل سعيد بن المسيب، وهو -إذا ثبت- فيما إذا كان الحيوان مقصودًا للَّحم، كشاةٍ يريدون ذبحها يبيعونها بلحم، يكون قد باعُوا لحمًا بلحمٍ أكثر منه من جنسٍ واحدٍ، واللحم قوتٌ مطعوم يوزن، فما كان مثله ألحق به.
ولا يلزم إذا حرم البيع لما فيه من الضرر أن يحرم ذلك في الاستيفاء، مع أنه منفعة بلا ضرر. مثال ذلك مسألة «عَجِّلْ لي وأَضَعُ عنك»، مثل أن يكون له عند رجلٍ مائة درهم مؤجلة، فيقول له: عَجِّلْ لي تسعين وأضَعُ عنك عشرة. فقد قيل: إن هذا لا يجوز، لأنه بيع مائة مؤجَّلةٍ بتسعين حالة. وقيل: يجوز كما نُقل عن ابن عباس وغيره، ورواية عن أحمد. وهذا أقوى، فإنه رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أَذِن في ذلك
(1/296)

لما أراد إجلاءَ يهودَ، فقالوا: لنا ديونٌ على الناس، فقال: «ضَعُوا عنهم، وليُعجِّلوا لكم ذلك».
وذلك أنه هناك حرم لما فيه من ضرر المحتاج، وهو الذي يأخذ التسعين، فإنه يأخذها، ويبقى عليه مئة، فيتضرر ببقاء الزيادة في ذمته، وهنا المئة له فهو غني، وهو يضع منها عشرةً عن المدين، والمدين هو المحتاج في العادة، ففي هذا رِفقٌ بالمدينِ بالوضع عنه، وفيه منفعة للآخذ لحاجته إلى التعجيل، والآخذ هنا هو صاحب المئة، فكأنه استأجر من المئة بعشرة دراهم من عجَّلها له، بخلاف ما إذا بقيت المائة في ذمة المحتاج.
فيجب أن يُفرَّق بين العوض الساقط من الذمة والعوض الواجب في الذمة، فالعوض هنا ساقطٌ من ذمة المدين لا واجب في ذمته.
ومما يُشبه ذلك أنه روي حديث أنه نَهَى عن بيع الكالئ بالكالئ، أي المؤخر بالمؤخر. وإسناده ضعيف، لكن العمل عليه، مثل أنه يسلم مئةً مؤجلةً في غرارة قمح، فلا هذا قبض شيئًا ولا هذا قبض شيئًا، بل اشتغلت ذمة كل منهما بما عليه من غير منفعة، والمقصود هنا بالبيع
(1/297)

قبض المبيع.
وأما بيع التأجيل إذا كان فيه قبض أحد العِوَضَين بمصلحة القابض في ذلك، فاحتمل بقاء العوض الآخر في الذمة لمصلحة هذا، وإلا فالواجب تفريغ الذمم بحسب الإمكان، وهنا اشتغلت ذمة كل منهما بغير منفعة، فهذا متفق على المنع منه.
وقد اشتهر أنَّه نهى عن بيع الدين بالدين، لكن هذا اللفظ لا يُعرَف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الدين المطلق هو المؤخر، فيكون هو بيع الكالئ بالكالئ.
وأما بيع دين موصوف حال بموصوف وقبضهما قبل التفرق، مثل بيع مئة مُدٍّ بمئة درهم، فهذا جائز بلا خلاف، وإذا تفرقا قبل التقابض لم يَجُزْ في الربويات عند الجمهور ولو عيّن، وعند أبي حنيفة التعيين كالمقبوض.
وإذا بِيعَ ساقطٌ بساقطٍ، مثل أن يكون لهذا على هذا دراهم ولهذا على هذا دنانير، فيقول: بعتُ هذا بهذا، وتبرأ الذمتان= فهذا فيه قولان، والأظهر جواز هذا؛ لأنه بَرِئت ذمة كل منهما، فهو خلاف ما يشغل ذمة كل منهما. وكونه يشمله لفظ بيع دينٍ بدين، ولو كان هذا لفظ صاحب الشرع لم يتناول هذا، فإنه إنما يُراد بذلك إذا جُعِلَ على هذا دينٌ بدينٍ يُجْعَل على هذا، وهنا لم يبقَ على هذا دينٌ ولا على هذا دينٌ، فأيُّ محذورٍ في هذا؟
(1/298)

بل هذا خيرٌ من أن يُؤمَر كلُّ واحدٍ منهما بإعطاء ما عليه، ثم استيفاء ما له على الآخر، فإن في هذا ضررًا على هذا وعلى هذا [في] مالهما لو كان معهما ما يوفيان، فكيف إذا لم يكن معهما ذلك؟ ينزه الشارع عن تحريمه، فإن الشارع لا يحرم ما ينفع ولا يضر.
والشارع يُحرِّم أشياء لما فيها من المفاسد، فيغلط كثير من الناس فيُدخِلون في لفظِه ما لم يَقصِده، أو يُقوِّلونه أحاديث باطلةً لم يقلْها، مثل نَقْلِ بعضهم أنه نهى عن بيع وشرطٍ، ونَقْل بعضهم أنه نهى عن قفيز الطحان، ونحو ذلك من الأحاديث الموضوعة. وقد يفهمون من كلامه معنًى عامًّا يحرمون به، فيفضي ذلك إلى تحريم أشياءَ لم يُحرِّمها الله ورسولُه، كما يُفضِي ذلك فيما ذكره من نصوص تحريم الأعيان وتنجيسها.
وهذا قد دخل فيه على الأمة، يحرمون شيئًا من الأعيان والعقود والأعمال لم يحرمها الشارع، وقد ظنَّ كثير من الناس أنه حرَّمها، ثم إما
(1/299)

أن يستحلُّوها بنوعٍ من الحِيَل، أو يقولون بألسنتهم: هي حرام، وعملهم وعمل الناس بخلافه، أو يَلزَمون ويُلزِمون أحيانًا ما فيه ضرر عظيم.
فصل
قد ثبت في الصحاح بل تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبض، وقال: «من ابتاعَ طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفِيَه». وكانوا يتبايعون الطعامَ صُبرةً، فنُهوا بأن يبيعوه في موضعه حتى ينقلوه، كما رواه البخاري عن ابن عمر.
واضطرب العلماء هنا في تعليل هذا النهي ثم في تعميمه وتخصيصه، وإذا خُصَّ بماذا يخصّ؟ ثم هل حكم سائر المعاوضات كالبيع أم لا؟
فمنهم من قال: العلة في ذلك توالي الضمانين؛ لأنه قبل القبض من ضمان البائع، فإذا باعه صار مضمونًا على البائع الثاني وهو المشتري، فإذا تلف قبل القبض ضمن البائع الأول للمشتري الأول قيمته، والمشتري وهو البائع الثاني للمشتري الثاني قيمته، وقد يكون أقل أو أكثر. وهذا يعلِّل به من يقول به من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، وتنازعو في العقار.
(1/300)

وأصحاب مالك وأحمد وغيرهما يبطلون هذا التعليل من وجهين: من جهة منع الوصف، ومنع التأثير.
أما الوصف فيقولون: لا نُسلِّم أن كل مبيع قبل قبضه يكون مضمونًا على البائع، بل هذا خلاف السنة الثابتة، فقد قال ابن عمر: مضت السنةُ أن ما أدركتْه الصفقةُ حيَّا مجموعًا فضمانُه على المشتري. وهذا هو الحق، فإن المشتري قد ملكه وزيادته له، والخراج بالضمان، فإذا كان خراجه له كان ضمانه عليه، لكن إذا أمكنه البائع من قبضه ولم يقبضه. فإذا لم يمكنه كان البائع غير فاعلٍ ما أوجبه العقد، إما لظلمه وإما لكونه لم يتمكن من قبض الثمن، فيكون العقد لم يتم بعد، فيكون من ضمان البائع.
وأما منع التأثير فهَبْ أنه يتوالى فيه الضمانانِ، فأيُّ محذور في هذا حتى يكون موجبًا للنهي؟ ولو اشتراه مئة واحدٍ من واحد رجع كل واحدٍ على الآخر بما قبّضه إياه من الثمن، ولو ظهر المبيع مستحقًّا لرجعوا بذلك. وفي الشِّقْص المشفوع لو تابعه عشرةٌ ثم أخذه الشفيع من المشتري الأول رجع كل واحدٍ بما أعطاه.
ومن علَّل بوصفٍ فعليه أن يبيّن تأثير ذلك الوصف، إما لكون الشرع جعل مثله مقتضيًا للحكم، وإما لمناسبة تقتضي ترتيب الحكم
(1/301)

على الوصف، فإن لم يظهر التأثير لا شرعيًّا ولا عقليًّا كان الوصف طرديًّا عديم التأثير.
وآخرون قالوا: المنع يختص بالطعام لشرفه، كما اختص به الربا. وقيل: هو مختص بما يقدر بالكيل أو الوزن. وقيل أو العدد أو الذرع، لكونه لا يدخل في ضمان المشتري حتى يُقدَّر بذلك، وهو يعود إلى توالي الضمانين. وهذه الأقوال وغيرها في مذهب أحمد وغيره.
ولقائلٍ أن يقول: إنما نهي عن ذلك لأن المبيع قبل القبض غرر، قد يُسلِمه البائع وقد لا يُسلِمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح فيه، فيختار أن يكون الربح له. وهذا واقع كثير، يبيع الرجل البيع، فإذا رأى السعر قد ارتفع سعى في ردّ المبيع، إما بجحده، وإما باحتيال في الفسخ، بأن يطلب فيه عيبًا أو يدَّعي عيبًا أو غرورًا.
ومن اعتبر أحوال الناس وجدَ كثيرًا منهم يندم على المبيع، وكثيرًا ما يكون لارتفاع السعر، فيسعى في الفسخ إن لم يتمكن من المنع بيده، وإلا فإذا تمكن من ذلك فهنا إذا باع قبل القبض فإنه كثيرًا ما يُفضِي إلى ندم البائع، فيكون قد باع ما ليس عنده، ويحصل الضرر للمشتري الثاني، بأن يشتري ما يظن أنه يتمكن من قبضه، فيُحال بينه وبينه، وهذا من بيع الغرر. وهذا بخلاف ما لو كان بيده ودفعه له، فإنه لا يطمع أن يكون الربح له. وكذلك الموروث لا حقَّ فيه لغير الوارث.
وعلى هذا فالأقوى أنه يجوز فيه التولية والشركة، كما قال مالك
(1/302)

وغيره؛ لأن المحذور إنما يقع إذا كان هناك ربح، ولا ربح في التولية والشركة. وكذلك يجوز بيعُه من بائعه؛ لأنه لا محذور فيه، وقد قال ابن عباس: لا أحسب كلَّ شيءٍ إلا بمنزلة الطعام، ورَوى أنه نُهي عن بيع ما لم يقبض. ولا ريب أن الضرر يقع في الطعام أكثر، ويقع أيضًا في غيره، فلا ينبغي أن يباع شيء حتى يقبض، وإن كان مضمونًا على المشتري كالصُّبرة من الطعام، وقد يكون مضمونًا على البائع ويجوز بيعه، كالتمر إذا بدا صلاحُه ولم يتم، فكونه مضمونًا على هذا أو على هذا غير ملازمٍ لجواز بيعه والتصرف فيه.
وهذه طريقة الخِرقي وغيره، وهي أصح الطرق، فالصُّبرة من الطعام قد ثبت عن ابن عمر أنه من ضمان المشتري، وأنهم كانوا يُنهَون عن بيعها حتى ينقلوها، والثمر على الشجر قد ثبت أنه من ضمان البائع حتى يكمل صلاحه، لأن المشتري لم يتمكن من جداده. ومع هذا فالصحيح أنه يجوز بيعه؛ لأن قبضه غير ممكن إلا بالتخلية، وقد خُلِّي بينه وبينه، كالعقار إذا خلّي بينه وبينه، وكمال الصلاح إلى الله لا إلى الناس. ولأنه في هذه الحالة كالمنفعة في الإجارة قُبِضتْ من وجهٍ دون وجهٍ، قُبِضَت العينُ وما استوفيت المنفعة. كذلك هنا خُلّي بينه وبينه بحيث لو أراد المشتري أن يأخذه حِصْرِمًا وبَلَحًا كان له ذلك.
(1/303)

وليست الهبة وغيرها كالبيع، فإنه لا ربح هناك، فيجوز فيه. وما ملك بغير البيع فلا يُقصد به الربح، فيجوز التصرف فيه قبل قبضه؛ إذ ليس ذلك بمنصوصٍ ولا في معنى المنصوص، فلا يجوز منع الإنسان من التصرف في ملكه بغير حجة شرعية. فهذا هذا، والله أعلم.
فصل
والربا البيّن الذي لا ريب فيه هو ربا النسيئة في الجنس الواحد، وكذلك قال الإمام أحمد لما سئل عن الربا الذي لا شك فيه، فقال: مثل ربا الجاهلية، يقول له عند محلّ الأجل: تَقضِي أو تُربِيْ؟ فإنْ قَضَاهُ وإلا زاده في الأجل وزاده الآخر في الدَّين.
فإذا بيع دارهم معينة أو في الذمة بأكثر منها إلى أجل، فهذا من الربا العاصر المتفق عليه الذي نزل القرآن بسببه، فإنه ضررٌ محض بالمحتاج، وزيادة المال من غير عملٍ من صاحبه ولا نفعٍ للناس. فإن المعاوضة ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يشتري السلعة لينتفع بها بالأكل والشرب واللباس والركوب والسكنى، فهذا هو البيع الذي أحلَّه الله، ولا بدَّ منه لأهل الأرض.
والثاني: التجارة، وهو أن يشتريها لينقلها إلى مكان آخر، ويحبسها إلى وقت فيبيعها بربح. وهذه التجارة التي أحلَّها الله بقوله تعالى: {إِلَّا
(1/304)

أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، فإن المشتري من صاحب التجارة يعلم أنه قد ربح عليه، وأن رأس المال مثلًا كان مائةً، وقد باعها بمائة وعشرة أو أقل أو أكثر، ولهذا يطلب المشتري من التاجر إخبارَه برأس المال لينظر كم يربح عليه، وهذا بخلاف البائع الذي ليس بتاجر، كالذي حدثت على ملكه أو وَرِثَها أو وُهِبتْ له أو نحو ذلك.
وقد ثبت في الصحيح أنهم كانوا إذا اشتروا الصبرة من الطعام نُهُوا أن يبيعوها في موضعها حتى ينقلوها؛ لأن هذا المشتري تاجرٌ إنما اشتراها ليربح فيها، فلا بدَّ أن يعمل فيها عمل التاجر، من نَقْلِها من مكان إلى مكان، أو حَبْسِها إلى حين يرتفع السعرُ، وأن يشتري جملةً ويبيع مفرقًا، ونحو ذلك. فأما إذا اشتراها وباعها في مكانها بربحٍ من غير أن يعمل فيها شيئًا فليس هذا بتاجر، وإن كانت صارت في ضمانه بتخلية البائع بينه وبينها.
فليس كل مضمون يُباحُ ربحُه، ولكن ما ليس بمضمونٍ لا يباحُ ربحُه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمنْ، والبائع قبل التمكن من القبض هو ضامن للمبيع، ولا يحل له ربحُه ونماؤه، بل ذلك للمشتري، وكذلك المشتري قبل كمال القبض وبعد التمكن منه هو ضامن، ولا يباحُ له ربحُه.
(1/305)

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من ابتاعَ طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه» هو نهيٌ للتاجر الذي يشتري الطعام ثم يبيعه، فهذا ليس له أن يبيعه حتى يستوفيه، وإن كان معينًا مضمونًا عليه بالتعيين. وابن عمر روى هذا، وروى هذا. قال ابن عمر: مضت السنةُ أن ما أدركتْه الصفقة حيًّا مجموعًا فهو من ضمان المشتري. وهذا احتج به مالك وأحمد وغيرهما أن ما كان معينًا ولم يمنعه البائع فهو يكون مضمونًا على المشتري وإن لم يقبضه.
وروى ابن عمر أنهم كانوا يُضرَبون إذا اشتروا الصُّبرةَ جُزافًا أن يبيعوها في موضعها حتى ينقلوها. وإذا اشترى الصبرة جزافًا دخلت في ضمانه أيضًا، ومتى خلِّي بينه وبينها كانت مضمونةً على المشتري، لكن نُهِي أن يبيعوها في موضعها، وقد قال ابن عباس: لا أحسب كلَّ شيء إلا بمنزلة الطعام. وفي السنن أنه نهى عن بيع ما لم يقبض، وهذا خطابٌ للتجار، فإنهم إذا اشتروا شيئًا باعوه بربح، فلا يبيعوه حتى يقبضوه.
وأيضًا فإذا باعوه قبل القبض بربح فقد يَندمُ البائعُ أو يَستقيلُ أو يَسعى في فسخ العقد، فإذا صار في قبضة التاجر أمن من ذلك، ولم يكتف في الصبرة إلا بنقلها إلى رحالهم. وأما غير التاجر فإنه إنما
(1/306)

يشتري الشيء لينتفع به، لا يشتريه للتجارة، وإن بدا له فيما بعد أن يبيعه لم يقصد أن يبيعه بربح، وإن قصد ذلك فهو تاجر. والنهي إنما كان لمن يربح في السلعة، وهو التاجر في أحد القولين.
ولهذا جوَّز مالك فيه الشركةَ والتوليةَ قبل القبض، فإنه لا ربح فيه، بل هو يبيعه بمثل الثمن، كأخذ الشفيع الشفعةَ بمثل الثمن، وكذلك جوَّز بيعَه من صاحبه بمثل الثمن قبل القبض.
وهذا هو الصحيح، فإن النهي إنما كان للتاجر الذي يربح، فلا يبيع بربحٍ حتى يصيرَ في حوزته، ويعملَ فيها عملًا من أعمال التجارة، إما بنقلها إلى مكان آخر، كالذي يشتري في بلدٍ ويبيع في آخر، وإما حَبْسها إلى وقت آخر. وأقل ما يكون قبضها، فإن القبض عمل، فأما مجرد التخلية في المنقول فليس فيها عمل. وهل تكون التخلية قبضًا في المنقول؟ فيه روايتان عن أحمد، إحداهما: [تكون] قبضًا، كقول أبي حنيفة.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، ولا تَبِعْ ما ليس عندك. قال الترمذي: حديث صحيح. ولما سأله ابن عمر أنهم يبيعون بالبقيع بالذهب ويقبضون الوَرِق، ويبيعون بالورق ويقبضون الذهب، فقال: «لا بأسَ إذا كان بسعر يومه». فلم يجوِّز بيعَ الدَّين ممن هو عليه بربح،
(1/307)

فإنه يربح فيما لم يضمن، فإنه لم يقبضه ولم يصر في ضمانه، والربح إنما يكون للتاجر الذي نفعَ الناسَ بتجارته، فأخذ الربحَ بإزاء نفعِه، فلم يأكل أموال الناس بالباطل. ولهذا لما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، وهذا استثناء منقطع، فإن ربح التجارة ليس أكلًا بالباطل، بل بحق، وهو نفعُ التاجر للناس، فإذا كان له دينٌ وباعه من المدين بربح فقد أكل هذا الربح بالباطل، إذا كان لم يضمن الدَّين ولم يعمل فيه عملًا.
ولما جوَّز النبي صلى الله عليه وسلم اقتضاء الذهب من الورِق والورق من الذهب بالسعر، مع أن الثمن دَينٌ في الذمة لم يقبض، دلَّ على جواز بيع الدَّين ممن هو عليه بالسعر، فجوَّز ذلك في جميع الديون دَين السَّلَم وغيرِه، كما جوَّزه ابن عباس وأحمد في إحدى الروايتين ومالك على تفصيلٍ له.
والذين قالوا: لا يجوز، كأبي حنيفة والشافعي والمشهور عن أحمد عند أصحابه، قالوا: لأنه بيع غير مقبوض، فلا يجوز بيعه قبل القبض وإن باعه ممن هو عليه، كما قالوا مثل ذلك في بيع الأعيان.
(1/308)

وقد تقدم أن المحذور هو الربح، فإذا باعه ممن هو عليه بلا ربح جاز ذلك، كما قاله مالك وغيره، وجوَّز التولية فيه. وإن كان أحمد في إحدى الروايتين يجوِّز بيعَ دَين السَّلَم ممن هو عليه بالسعر، فكذلك يقال في بيع الأعيان قبل القبض ممن هو عليه بطريق الأولى. وابن عباس جوَّزه بالسعر، وقال: لا يربح مرتين.
كذلك يخرج في التولية والشركة، إذ لا ربح هناك، وأيُّ فرقٍ بين دَيْنِ السَّلَمِ والثمن وكلاهما عوضٌ في الذمة؟ وقد جوَّز النبي صلى الله عليه وسلم الاعتياض عنه بسعر يومه. وأحمد يعتبر هذا الشرط هو ومالك وغيرهما، وأبو حنيفة لا يعتبره. والحديث يدل على الأصلين: على بيع الدَّيْن ممن هو عليه وإن كان عوضًا، وعلى أنه لا يبيعه بربح. وكذلك سائر الديون، كبدل القرض وغيره.
وقد اضطرب الناس في بيع ما لم يقبض في حكم النهي في مورده، وما يقاس بالطعام، وعن أحمد فيه عدة روايات.
من يجعل العلة توالي الضمانين، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في قول، يقولون: إن السلعة مضمونة على البائع قبل القبض، فإذا باعها المشتري صارت مضمونة للمشتري الثاني على المشتري الأول، فتوالى الضمانان. وهذه علة ضعيفة، فإنه إذا تلف انفسخ العقدان، ورجع كل واحد بثمنه.
(1/309)

وأبو حنيفة استثنى العقار؛ لأنه مضمون عنده بالعقد إذا كان لا ينقل ويحول، ولو باع الشقصَ المشفوع من شخصٍ، ثم باعه من شخصٍ جاز، وإن أخذه الشريك بالشفعة انفسخت تلك العقود. وهذا فيه توالي ضمانات متعددة.
ومالك وأحمد في رواية يخصّ النهي بالطعام لشرفه، لكن إذا كانت العلة أنه ربح من غير تجارة فجميع السلع سواء.
وأحمد في المشهور عنه يقول: إن المعيَّن يدخل في ضمان المشتري بتمكينه من قبضه، سواء قبضه أو لم يقبضه، ومع هذا يقول في إحدى الروايتين -وهي التي اختارها الخِرقي-: إنه لا يبيعه حتى ينقله. فالقبض عنده قبضانِ: قبضٌ ينقل الضمان، وقبضٌ يبيح البيع، فالصُّبرة إذا لم ينقلها هي من ضمانه لأنها معينة، ولا يربح فيها حتى ينقلها. وغَلَّة الثمار هي مضمونة على البائع إذا أصابتها جائحة، ويجوز للمشتري أن يبيعها على الشجر في ظاهر مذهبه إذا خُلِّي بينه وبينها. فهنا قبضانِ: قبضٌ لا يبيح البيع والربح، وقبضٌ ينقل الضمان.
وهذا كالمنافع في الإجارة، هي مضمونة على المؤجر حتى يستوفي، خلّي بين المؤجر وبين المستأجر، فإذا قبض المستأجر العين كان كقبض الشجرة التي عليها ثمرة، ثم كلاهما إذا تلف قبل التمكن من الانتفاع فهي من ضمان البائع والمؤجر، فالموجب لانتقال الضمان هو تمكن المشتري من الانتفاع، وأما البيع فيجوز إذا أخذها، لأنه عمل
(1/310)

على التاجر بقبضِها، وحفظها كما يحفظ التاجر سلعتَه. فهذا المعنى إذا فهم انكشف به مقصود هذا الباب، فإنه قد أشكل على كثير من الفقهاء أولي الألباب.
وبهذا يتبين أن أظهر القولين أنه يجوز أن يقول: «عَجِّلْ لي وأَضَعُ عنك»، كما نُقل عن ابن عباس وغيرِه. وقد روي أن اليهود لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إجلاءَهم من المدينة قالوا: إن لنا ديونًا، فقال: «يُعجِّلُونها لكم، وضَعُوا عنهم البعضَ». وهذا لأن صاحب المال هنا لم يربح، كما إذا قال: أجعلُ المئة بمئة وعشرين إلى سنة، بل نقصَ مالُه لأجل تعجيل القبض، والمدين ما ربحَ شيئًا، سقط عن ذمته. فهذا مقصوده استيفاء الدَّيْن لا بيعُ الدَّيْن، ولهذا جازت الحوالة لأنها إيفاء.
ولهذا جوَّز مالك وأبو حنيفة وغيرهما بيع الدَّيْن الساقط بالساقط، إذا كان لهذا على هذا دراهم، وللآخر ذهب، فقال: أسقط هذا بهذا، فهذا يجوز في أظهر القولين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن بيع الدَّين بالدَّين، ولكن رُوي أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، مع ضعف الحديث. لكن بيع المؤخر بالمؤخر -مثل أن يُسلم شيئًا مؤخرًا في الذمة في شيء في الذمة- لا يجوز باتفاقهم إذا كان كل منهما شغل ذمته بما للآخر، من غير منفعة حصلت لأحدهما. والمقصود بالبيع النفع، فهذا يكون أحدهما قد أكل مال الآخر بالباطل إذا قال: أسلمتُ إليك
(1/311)

مئة درهم إلى سنةٍ في وَسَقِ حنطةٍ ولم يُعطِه شيئًا، فإن هذه المعاملة ليس فيها منفعة بل مضرة، هذا يطلب هذا بالحنطة، وهذا يطلب هذا بالدراهم، ولم ينتفع واحد منهما، بل أكل مال الآخر بالباطل من غير نفع نفعه به، وهذا بخلاف بيع الساقط بالساقط، فإن براءة ذمة كل منهما منفعة له.
وكذلك إذا قال: عَجِّلْ لي وأَضَعُ عنك، فالمعجِّل برئتْ ذمتُه بإقباض البعض، فأبرأه من الباقي، وهذا منفعة له، بخلاف ما إذا زِيْدَ عليه في الدَّين، فذاك يضره. وصاحب الدَّين انتفع بتعجيل القبض، وكلٌّ منهما انتفع. وهنا المؤجَّل صار حالًّا بل ساقطًا، ليس مثله أن يبيعه دراهم إلى أجل بدراهم معجلة، فإنه هنا أجَّل عليه ما لم يكن مؤجَّلًا، فشغلَ ذمتَه بغير منفعة، وهذا ضرر، وأَمْرُ الشارع عدلٌ وحكمةٌ ورحمةٌ، وهو إنما ينهى الناس عما يضرُّهم، لا عما ينفعهم.
ولما نهى عن بعض الرُّقى نهى عما فيه شرك، وقال: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل»، وقال: «لا بأسَ بالرُّقى ما لم يكن شركًا». وأكلُ المال بالباطل إضرارٌ وظلم، وذلك نوعانِ: ربا وميسر، والقرآن حرَّم هذا وهذا، فالربا فيه زيادة قبضٍ بلا معنى، والميسر فيه أخذ المال على باطل، ومخاطرة يتضمن أكل المال بلا منفعة.
(1/312)

فهذان نوعانِ مباحانِ: اشتراء السلعة لينتفع بها، أو ليتجر فيها يقصد فيها الربح، وكلاهما مباحٌ بنصِّ القرآن والسنة وإجماع الأمة.
والثالث: الربا، وهو أخذُ مالٍ زائدٍ بلا عوضٍ يقابلُه، بل أكلٌ له بالباطل، مثل مئة بمئة وعشرين إلى أجل، وهذا بيِّنٌ في النَّساء في الجنس، وهو متفق على تحريمه في النَّقْدَينِ وفي الصنف الربوي كالأعيان الستة، لا يبيع حنطةً بأكثر منها إلى أجل، ولا شعيرًا ولا تمرًا ولا زبيبًا ولا ملحًا. وهو أيضًا متفق عليه بين المسلمين في القرض من سائر الأجناس، فإذا أقرضَ ما يُكال وما يُوزَن وشَرطَ أكثر منه، لا يجوز ذلك باتفاقهم. ولو أقرضه ما يُوزن، كالقطن والكتان والحديد وغيره، وشرطَ أكثر، لم يجز بالاتفاق. وكذلك لو أقرضه ما يُكال ولا يؤكل، كالسِّدر والخِطْمي والأُشنان وغير ذلك، وشرطَ أكثر، لم يجز باتفاقهم.
وهذا من أقوى الحجج على أن الجنس الواحد إذا اجتمع فيه نوعا الربا التفاضل والنَّساء، لم يجز ذلك، وإن كان لا يجري فيه ربا الفضل، فإنهم متفقون على هذا في القرض، لو أقرضه ما يُوزَن لم تجز الزيادة.
وإن قيل: ليس فيه ربا الفضل، فيجب أن يكون إذا قال: بعتُك هذا الرطلَ برطلينِ من جنسه إلى شهرٍ، وهذا الكيلَ بكيلين إلى شهر، لم يجز، وهذا مذهب مالك وأحمد في رواية، لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يُجعَل ذلك قرضًا بزيادة؛ إذ الاعتبار بالمقاصد لا بالألفاظ.
ولو قال: أقرضتُك هذا الرطلَ على أن تردَّ رطلين لم يجز، سواء
(1/313)

أجَّل القرضَ أو أطلقه وكان حالًّا، فيجب إذا قال: بعتك هذا الرطل برطلين إلى أجلٍ أن لا يجوز؛ لأن هذا هو معنى القرض بزيادة. وكلُّ قرض جرَّ زيادة بالشرط لم يجز باتفاقهم، وهو الربا الذي يجمع فيه الفضل والنَّساء، كبيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، فهذا الذي لا ريب في تحريمه، وإن احتال عليه بأيّ حيلةٍ كانت، متى كان المقصود أخذ الدراهم بأكثر منها إلى أجل فهو ربا.
ولهذا قال ابن عباس، وهو لا يحرم ربا الفضل يدًا بيدٍ، قال: إذا استقمتَ بنقدٍ ثم بعتَ بنقدٍ فلا بأس، وإذا استقمتَ بنقدٍ ثم بعتَ بنسيئةٍ فتلك دراهم بدراهم. واستقمتَ بمعنى قوَّمتَ، بمعنى قوَّم السلعةَ بنقدٍ وابتاعها بأكثر إلى أجل، كان مقصوده القيمة، وهو بيع دراهم بدراهم.
فإن قيل: فلو باع رطلًا برطلين جاز، ولا يجوز مثل هذا في القرض.
قيل: القرض لا يكون قطُّ مع تعجيل الوفاء، بل لا بدَّ فيه من تأخير الوفاء، وإلَّا فلا يقول: أقرِضْني هذه الدراهمَ وأعطيك مثلها الساعةَ، فإن هذا لا يفعله عاقل؛ إذ لا فائدة فيه، بل هو كبيع الشيء بنفسه.
فإن قيل: تلك الدارهم تقوم مقامها، فلا تُباع بمثلها إلَّا مع التأخير، ولا تباع بدراهم معجلة إلا لاختلاف الصفة. والقرض إنما يجب فيه المثل، فلا يبيع أحدٌ رطلين برطلين كلٌّ منهما مثل ذلك الرطل، هذا لا يفعله أحدٌ عاقل، ولا يقع مثل هذا في القرض؛ إذ كان القرض لا بدَّ فيه
(1/314)

من تأخير الإيفاء، وذلك واجب فيه في أحد قولي العلماء، ولو أجَّله بأجلٍ، كمذهب مالك وقول في مذهب أحمد.
ومن قال: إن له المطالبة في الحال ولا يتأجّل، قالوا: لأن هذا تبرع، والتبرع لا يلزم بالعقد، كما قالوا مثل ذلك في الهبة والعارية. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وأما أهل المدينة فعندهم يلزم بالعقد، وعليه تدل نصوص الكتاب والسنة.
فالقرض من أقوى الحجج على أنه إذا اجتمع ربا الفضل والنَّساء في جنسٍ واحدٍ حرم، وإن لم يكن مما يجري فيه ربا الفضل وحده. وهذا حجة لمالك وأحمد في إحدى الروايتين، وهو حجة على الشافعي وأحمد في رواية؛ إذ كانوا يجوِّزون بيعَ غير الربوي كالموزون غير النقدين بجنسه متفاضلًا، ويحرِّمون ذلك بلفظ القرض. وهؤلاء يجعلون الأحكام تختلف بمجرد اللفظ مع اتحاد المقصود، وهذا يقوله مَن يقوله مِن أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد، يقولون هذا في مواضع، كما جوَّز القاضي أبو يعلى وغيره السَّلَم الحال بلفظ البيع دون السَّلَم، وكما جوَّز أن يكون البذر من العامل إذا كان بلفظ الإجارة دون لفظ المزارعة. وأبو محمد المقدسي عكَسَ ذلك، فجوَّزه بلفظ المزارعة دون الإجارة، وأبو الخطاب جوَّزه بلفظهما، وهو الصواب، وعليه تدلُّ نصوصُ أحمد، فإنه جوَّز أن تُؤجَر الأرض بجزءٍ من الخارج منها، واحتجَّ على ذلك بمزارعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر. ولو كان الحكم يختلف باللفظ لم تصح هذه الحجة، وإنما تصح هذه
(1/315)

الحجة إذا كان البذر من أهل خيبر، فإن المستأجر للأرض هو الذي يبذر فيها، لا يبذر رب الأرض. ولهذا قال أبو الخطاب: هذه النصوص الكثيرة عن أحمد تدلُّ على أنه جوَّز المزارعة ببذر من العامل، كما ثبت في الصحيح أنه عاملهم على أن يعمروها من أموالهم. وحينئذٍ فكيف يجوز إلحاقُ فرعٍ بهذا الأصل مع مخالفته؟
ودَلَّ ذلك على أن الرواية التي اشترط فيها أن يكون البذر من المالك قياسًا على المضاربة قالها موافقة لمن قال ذلك، وهي مخالفة لهذه السنة التي قاس عليها. وأحمد أصوله توجب اعتبار المقاصد والمعاني دون مجرد اللفظ، كما يعتبرها مالك رحمه الله وغير مالك من أهل المدينة. وفقهاء الحديث وفقهاء المدينة متفقون على هذا الأصل، وهو رعاية المقاصد في العقود.
وأبو حنيفة يقول: الجنس بانفرادِه يحرمُ فيه النَّساء، وهو الرواية الأخرى عن أحمد واختياره، فلا يجوز بيع الشيء بمثله نَساءً. والقرض حجة على هذا القول، فإنه يجوز القرض، قرض الشيء بمثله مع التأخير. لكنْ أبو حنيفة يقول: أنا لا أجيز القرض إلا في المثليات، لا أجيزه إلا في المكيل والموزون. ومالك ليس عنده ربا الفضل، بل فيها ربا النساء، فهذا يجيب عن القرض.
لكن الأكثرون يجوزون قرض الحيوان استدلالًا بالسنة، وأن النبي
(1/316)

صلى الله عليه وسلم اقترض بعيرًا وردَّ خيرًا منه، فقد ثبت أخذ الحيوان بمثله مع التأخير، وذلك مُبطِلٌ لقولِ من يقول: الجنس بانفراده يحرم النَّساء، فإنه لو جاز ذلك لم يجز قرض بعير ببعير مع التأخير.
لكنْ أبو حنيفة لا يُجوِّز قرضَ غير المكيل والموزون، فلا يجوز بعير ببعير إلى أجل، لا قرضًا ولا بيعًا. وأحمد يجوِّزه قرضًا بخلاف البيع. وهل الواجب في الردّ الجنسُ أو القيمةُ؟ على وجهين، والجنس هو المنصوص. ولا يجوِّزه بيعًا في إحدى الروايات؛ لأن البيع يجب فيه الأجل، وأما القرض فإنه بذل المنفعة بلا عوض، ولهذا لا يجوز فيه التأجيل عنده.
وكذلك أبو حنيفة لا يُجوِّز التأجيل في القرض، فإنه إذا جاز التأجيل فيه كان معنى بيع الشيء بجنسه نَسَاء، وذلك لا يجوز عند أبي حنيفة وأحمد في رواية. بل كلما يجب وفاء القرض وحده يحرم ربا النَّساء وحدَه.
والشافعي وأحمد في رواية ومن وافقهما يُجوِّزون في غير الشيء الربوي كالحيوان يبيع بعضه بجنسه حالًّا وإلى أجلٍ متماثلًا ومتفاضلًا، ولا يجوِّزون أن يُقرِضه ويشترط أكثر منه. وهذا تناقض، فإنه إذا جاز معاوضة بعضه ببعض حالًّا ومؤجلًا فالقرض لا يخرج عن هذا وهذا كما تقدم. وإذا أراد أن يُقرِضه بعيرًا ويشترط بعيرين قال: بعني بعيرًا
(1/317)

ببعيرين، ولكن هنا يشترط يعني الحلول أو التأجيل بخلاف القرض، وليس هذا فرقًا، فإن الناس مع القرض قد يتفقون على أنه يوفيه في وقت معين، فلا يخرج هذا عما يقصده الناس بالقرض.
فتبيَّن أن أظهر الأقوال قولُ مالك وأحمد في رواية، أنه إذا جمع النوعان حرم، فإذا باع الشيء بجنسه متفاضلًا إلى أجلٍ لم يجز، كما لا يجوز مثل ذلك في القرض، وإن تباعدت المقاصد ففيه نزاع.
فقد تبين أنه إذا اجتمع ربا الفضل والنَّساء حرم بالإجماع، مما فيه ربا الفضل، وفي غير ذلك عند أكثر العلماء، وأما إذا لم يكن إلا النَّساء فقط في غير الربوي فهذا يباح عند أكثر العلماء، كالبعير بالبعيرين إلى أجل.
فصل
وأما ربا الفضل بلا نَساءٍ فقد أشكل على السلف والخلف، فروي عن ابن عباس وابن مسعود ومعاوية أنه لا ربا إلا في النَّساء، كما ثبت في الحديث الصحيح عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا إلَّا في النسيئة».
وبإزاء هؤلاء بعض المتأخرين الذي قال: إنه يجري في كلِّ مال. وهذا خلاف إجماع السلف، ولا معنى فيه. يحكى هذا عن أبي طاهر الرياشي.
(1/318)

وقالت طائفة: إنما يحرم في الأصناف المنصوصة الستة، وهو قول قتادة وداود وأصحابه. وابنُ عقيل قد رجَّح في آخر عمره في كتابه في الخلاف هذا، وضَعَّف ما عُلِّلتْ به الأصناف الستة كلها، وقد بَسَطَ القول عليه، وبيَّن أنه إنما حُرِّم لسدِّ الذريعة فقط، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإنّي أخاف عليكم الرَّمَاء». فربا النسيئة حُرِّم لما فيه من الفساد والظلم، وأما ربا الفضل فإنما حُرِّم لسدِّ الذريعة.
وأقرب الأقوال قول مَن قال: لا يُحَرَّمُ إلا في المطعوم المماثل المكيل والموزون، وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي في قول وأحمد في إحدى الروايات اختارها أبو محمد. ومذهب مالك قريب من ذلك، بل هو أرجح في ربا الفضل وربا النسيئة في اعتبار المقاصد، لكنه بالغ في سدِّ الذريعة، حتى حرَّمها مع صحة القصد ورجحان المصلحة. وأحمد يوافقه على بطلان الحِيَل وعلى سدِّ الذرائع إلا إذا ترجحت المصلحة. وهذا أعدل الأقوال.
والفرق بين الحيل وسدِّ الذرائع أن الحيلة تكون مع قصد صاحبها ما هو محرم في الشرع، فهذا يجب أن يُمنَع من قصده الفاسد. وأما سدُّ الذرائع فيكون مع صحة القصد خوفًا أن يُفضِي ذلك إلى الحيلة. والشارع قد سدَّ الذرائع في مواضع، كما بسطتُ ذلك في كتاب: «بيان الدليل على بطلان التحليل»، ولكن يُشترط أن لا تفوت مصلحة
(1/319)

راجحة، فيكون النهي عما فيه مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، فأما إذا كان فيه مصلحة راجحة كان ذلك مباحًا، فإن هذه المصلحة راجحة على ما قد يُخاف من المفسدة. ولهذا يجوز النظر إلى الأجنبية للخِطبة لرجحان المصلحة، وإن كان النظر لغير حاجة لم يجز.
وكذلك سفر المرأة مع غير ذي محرم منهيٌّ عنه، ويجوز لرجحان المصلحة، كسفر عائشة مع صفوان بن المعطّل لما كانت وحدها، وكان سفرها معه خيرًا من أن تبقى ضائعةً.
وكذلك هجرتها بلا محرم، كهجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بلا محرم، وزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسل لها رجالًا جاءوا بها.
وقد تنازع الفقهاء في الحج، والأقوى أنه إذا تعذَّر حجها مع المحرم أن تحج إذا أمنت، لأن حجها مع من تأمنه أرجح من تفويت الحج. وقوله: «حُجَّ مع امرأتك» دليلٌ على أنه إذا أمكن سفرُها مع محرم لم تخرج وحدَها جمعًا بين المصلحتين، وأما إذا دار الأمرُ بين تفويتِ الحج وبين سفرِها بلا محرم سفرًا آمنًا كان حصولُ الحج أصلَحَ لها، فإن حصول الفساد في دينها إذا سافرت وحدَها، وهذا في طريق الحج نادر، ومع من تأمنُه معدوم، بخلاف سفرها بلا محرم لتجارة
(1/320)

وزيارة، فإن هذه مظنة فساد دينها، كخلوة الأجنبي بها، وخلوته بها لرجحان المصلحة جائز. وأحمد في رواية المرُّوذي قد جوَّز السفر للكبيرة التي لا محرمَ لها وقد يئست من الزواج، فإنها من القواعد.
وكذلك سفرها إلى المساجد الثلاثة هو طاعة وقربة تفوتها، فإذا أمنت لم يبعد جوازه، بخلاف السفر الذي ليس بواجب ولا مستحب، فإن هذا ليس فيه مصلحة راجحة في دينها، وفيه مفسدة في دينها، فإن انفرادها عن الزوج والمحرم مظنة حصول الشر في دينها، فإذا فوَّت السفر الذي هو في نفسه طاعة، والسفر غير الطاعة، واعتبر في سفر الطاعة أن تكون آمنةً، فهذا قولٌ متوجه كما قال كثير من العلماء.
وهم متفقون على أن قوله: «لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم» ليس على عمومه، فإنه يجوز لها سفر الضرورة، كسفر الهجرة، وكسفر زينب وأم كلثوم بلا زوج ولا ذي محرم.
والنظر إلى الأجنبية مُنِع منه لأنه داعية للمحرَّم، يجوز للخاطب بالنصِّ والإجماع للحاجة، وجُوِّز للشاهد والعامل، وجوَّزه أصحابنا وغيرهم بشرط عدم الشهوة، وجوَّزه أصحاب أبي حنيفة مع الشهوة، وإذا كان بلا شهوة يجوز عندهم مطلقًا إلى الوجه واليدين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي.
ومن ذلك: الصلاة وقتَ الطلوع والغروب، نُهِي عنه لسدِّ الذريعة
(1/321)

لئلا يُشبِه عُبَّادَ الشمس، فيجوز للمصلحة الراجحة، مثل قضاء الفوائت وغيرها. والصحيح أنه يجوز في ذوات الأسباب مطلقًا، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.
فصل
قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «لا تَبِعْ ما ليس عندك»، لما قال له: يأتيني الرجل فيطلب مني البيعَ ليس عندي فأبيعه منه، ثم أذهب إلى السوق فأبتاعه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك». وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شَرطانِ في بيع، ولا رِبْح ما لم يضمن، ولا تَبِعْ ما ليس عندك».
وللناس في هذا الحديث أقوال:
قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير، يبيعها إن ملكها، فقال: «لا تبع ما ليس عندك»، أي لا تبع ما لا تملكه من الأعيان. ونُقِل هذا التفسير عن الشافعي أنه يجوز السَّلَم الحال، وقد لا يكون عند المستسلف ما باعه. فحملَه على الأعيان، ليكون بيعُ ما في الذمة جائزًا، سواء كان حالًّا أو مؤجلًا.
(1/322)

وقال آخرون: هذا ضعيف جدًّا، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئًا معينًا هو ملكٌ لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلبُ عبدَ فلانٍ أو دارَ فلانٍ، وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب فيقول: أريد طعامًا كذا وكذا، أو ثوبًا كذا وكذا، وغير ذلك. فيقول: نعم أُعطِيك، فيبيعه منه، ثم يذهب فيحصِّله من عند غيرِه إذا لم يكن عنده. هذا هو الذي يفعله من يفعله من الناس، ولهذا قال: «يأتيني فيطلب مني البيعَ ليس عندي»، لم يقل: يطلب مني ما هو مملوكٌ لغيري. فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئًا معينًا، كما جرت عادة الطالب لما يؤكل ويُلبَس ويُركب، إنما يطلب جنس ذلك ليس له غرضٌ في ملك شخصٍ بعينه، دون ما سواه مما هو مثله أو خيرٌ منه.
ولهذا صار أحمد بن حنبل وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث في جواز السَّلَم المؤجل، فبقي هذا في السَّلَم الحال.
والقول الثالث -وهو أظهر الأقوال-: إن الحديث لم يرد به النهي عن السَّلَم المؤجل ولا الحال مطلقًا، وإنما أريد به أن يبيع في الذمة ما ليس هو مملوكًا له ولا يَقدِر على تسليمه، ويَربح فيه قبلَ أن يملكه ويقدر على تسليمه وتضمنه. فهو نهيٌ عن السَّلَم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فيلزم ذمته بشيء حال ويربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه. وإذا ذهب يشتريه قد يحصل وقد لا يحصل، فهو من نوع
(1/323)

الغرور والمخاطرة، وهو إذا كان السلم حالًّا وجبَ تسليمه عليه في الحال، وليس هو بقادرٍ على ذلك، ويربح فيه على أن يملكه فيضمنه. وربما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكون قد عمل شيئًا، بل أكلَ المال بالباطل. وعلى هذا فالسَّلَم الحال إذا كان المسلم إليه قادرًا على الإعطاء هو جائز، وهو كما قال الشافعي: إذا جاز المؤجل فالحال أولى بالجواز.
ومما يبيِّن أن هذا مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن السائل إنما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يُجوَّزْ بيع ذلك فبيعُ المعيَّن الذي لم يملكه أولى بالمنع. وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة، وإنما سأله عن بيعه حالًا، فإنه قال: أبيعه ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: «لا تَبِع ما ليس عندك»، فلو كان السَّلف الحال لا يجوز مطلقًا لقال ابتداءً: «لا تبع هذا» سواء كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحب هذا القول يقول: بيعُ ما في الذمة حالًّا لا يجوز ولو كان عنده ما يُسلمه، بل إذا كان عنده فإنه لا يبيع إلا معينًا، لا يبيع شيئًا في الذمة. فلما لم ينهه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مطلقًا، بل قال: «لا تبع ما ليس عندك» = عُلِمَ أنه فرَّق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذمة.
ومن تدبَّر هذا تبيَّن له أن القول الثالث هو الصواب.
وإذا قيل: المؤخر جائز للضرورة، وهو بيع المفاليس، لأن البائع
(1/324)

احتاج إلى أن يبيع إلى أجل، وليس عنده ما يبيعه الآن، وأما الحال فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة لبيع موصوف في الذمة، أو يبيع عينًا موصوفة غائبة، لا يبيع شيئًا مطلقًا، بل هذا ممنوع، فلا نسلم على خلاف الأصل، بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن، كلاهما من مصالح العالم.
والناس لهم في المبيع الحال والغائب ثلاثة أقوال:
منهم من يجوِّزه مطلقًا، ولا يجوِّزه معينًا موصوفًا، كالشافعي في المشهور عنه.
والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف فالمعين الموصوف أولى بالجواز، فإن المطلق فيه غررٌ وخطر وجهلٌ أكثر من المعيّن. فإذا باع حنطةً مطلقةً فبالصفة أولى، بل ولو بيع المعيَّن بلا صفة، وللمشتري الخيار إذا رآه، جاز أيضًا، كما نُقِل مثلُ ذلك عن الصحابة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين.
وقد جوَّز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السَّلَم الحال بلفظ البيع.
والتحقيق أنه لا فرقَ بين لفظٍ ولفظٍ، ونفسُ بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضُها يُسمَّى سَلفًا إذا عجّل له الثمن، كما في «المسند»
(1/325)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يُسلم في حائطٍ بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحُه. فهو إذا بدا صلاحُه وقال: أسلمتُ إليك في عشرة أوسُقٍ من تمر هذا الحائط جاز. كما يجوز أن يقول: ابتعتُ عشرةَ أوسُقٍ من هذه الصُّبرة، ولكن التمر يتأخر قبضُه إلى كمال صلاحِه، فإذا عجل له الثمن قيل له سلف، لأن السلف هو الذي تقدم، والسالف: المتقدم، قال الله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف:56]. والعرب تُسمّي أول الرواحل: السالفة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحقي سلفنا الخيّر عثمان بن مظعون»، وقوله: «حتى تنفردَ سالفتي» وهي العنق.
ولفظ «السلف» يتناول القرض والسَّلَم، لأن المقرض أيضًا سلَّف القرضَ، أي قدَّمه وعجَّله، لكن هذا تبرع بالمنفعة، وفيه حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ، وشَرطانِ في بيع، ولا ربح ما لم يُضمَن، ولا بيع ما ليس عندك». ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استلفَ بَكْرًا وقضَى جملًا رَبَاعيًّا.
والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلا الربح، وهو تاجر، فيسلف
(1/326)

بسعر، ثم يذهب فيشتري بأرخصَ منه بمثل ذلك الثمن، فإنه قد يكون أتعبَ نفسَه لغيرِه بلا فائدةٍ. وإنما يفعل هذا من يتوكل لغيره، فيقول: أعطِني فأنا أشتري لك هذه السلعة، فيكون أمينًا. أما أنه يبيعها بثمن معين يقبضه، ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال، فهذا لا يفعله عاقل.
نعم إذا كان هناك تأخير، فقد يكون محتاجًا إلى الثمن فيستسلفه، وينتفع به مدةً إلى أن تحصل تلك السلعة، فهذا يقع في السَّلَم المؤجَّل، وهو الذي يُسمَّى بيع المفاليس، فإنه يكون محتاجًا إلى الثمن وهو مفلس، وليس عنده في الحال ما يبيعه، ولكن له مالٌ يأتي من بعدِه من تمرٍ أو مغلٍّ أو غيرِ ذلك، فيبيعه في الذمة، فهذا يفعله مع الحاجة، ولا يفعله بدون الحاجة إلا أن يقصد أن يتجر بالثمن في الحال، ويرى أنه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسَّلَم. فإن المستسلف يبيع السلعةَ في الحال بدون ما يساوي نقدًا، والمُسْلِف يَرى أنه يشتري بها إلى أجل بأرخصَ مما يكون عند حصولها، وإلّا فلو علم أنها عند الأجل كحصول الحنطة في البيدر تباع بالسَّلَم لم يسلم فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدة، وإذا قصد الآخر قرضه ذلك قرضًا، ولا يجعل ذلك سلَمًا إلا إذا ظنَّ أنه أرخص في الحال وقت الأجل.
فالسَّلَم المؤجل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة المستسلف إلى الثمن. وأما الحال إن كان عنده فقد يكون محتاجًا إلى الثمن، فيبيع ما عنده معينًا تارةً وموصوفًا أخرى، وأما إذا لم يكن عنده فإنه لا يفعله إلا
(1/327)

إذا قصد التجارة والربح، فيبيعه بسعرٍ ويشتري بأرخص منه، ثم يذهب. هذا الذي قدَّره قد يحصل كما قدَّره، وقد لا يحصل، بل قد لا تحصل له تلك السِّلعة التي تسلَّف فيها، وقد لا تحصل إلا بثمنٍ أعلى مما تَسلَّفه، فيندم. وإن حَصَلَ بسعرٍ أرخصَ من ذلك ندم المُسلِف إذا كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الرخص. فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل ندم البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري. وكذلك بيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح والمضامين، ونحو ذلك مما هو قد يحصل وقد لا يحصل، وهو من جنس صاحب القمار والميسر.
والخطر خطران:
خطر التجارة: وهو أن يشتري السلعة يَقصِد أن يبيعها بربحٍ، ويتوكل على الله في ذلك، فهذا لا بد منه للتجَّار، والتاجر يتوكل على الله يطلب منه أن يأتي من يشتري السلعة، وأن يبيعها بربح، وإن كان قد يخسر أحيانًا، فالتجارة لا تكون إلا كذلك.
والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكلَ المال بالباطل، فهذا الذي حرَّمه الله ورسوله، مثل بيع الملامسة، والمنابذة، وحبل الحبلة، والملاقيح، والمضامين، وبيع الثمار قبل بُدوّ صلاحِها. وفي هذا يكون أحد الرجلين قد قمرَ الآخر وظلمَه، وفي هذا يذم المظلوم للظالم، بخلاف التاجر الذي اشترى السلعة، ثم بعد هذا نقصَ سعرُها، فهذا من
(1/328)

الله ليس لأحدٍ فيه حيلةٌ، ولا يتظلم مثل هذا من البائع، وبيع ما ليس عنده. والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره، وأكثر الناس لو علموا لم يشتروا منه، بل يذهبون هم فيشترون من حيث اشترى هو، وإن قُدِّر أن منهم من يعلم ويشتري كما لو كانت عنده، لكونه يشتريها من مكانٍ بعيد، أو يشتري جملةً، ونحو ذلك مما قد يتعسَّر على المشتري منه، وإنما يفعل ذلك من ظنَّ أن هذا الربح هو الربح لو كانت عنده. فلو قُدِّر أن السلعة رخيصة أرخص من العادة، وأن هذا قد أربحه ما لا يصلح في مثلها ندمٌ، فهو يشتمل كثيرًا على ندم هذا وهذا، كما يشتمل على مثل ذلك سائرُ أنواع بيع الغرر.
وليس هذه المخاطرة مخاطرة التجارة، بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم، كبيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح، وبيع المضامين، وبيع البعد الآبق والبعير الشارد، ونحو ذلك. فإذا اشترى التاجر السلعةَ وصارتْ عنده ملكًا وقبضًا، فحينئذٍ دخلَ في خطر التجارة، وباعَ بيعَ التجارة كما أحلَّها الله تعالى بقوله: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29].
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا شرطانِ في بيعٍ» هو كنية عن بيعتين في بيعة،
(1/329)

مثل أن يتفقا على أن يبيعه بمئةٍ نسيئةً ويبتاعه بثمانين نقدًا، وهو بيع العِيْنة. وأما من فسَّره بأنهما شرطانِ في العقد الواحد أكثر من شرطٍ واحدٍ، ثم منهم من نهى عن هذا مطلقًا، كما نُقِل عن أحمد، ومنهم من قال: هذا في نوعٍ من الشروط، وهو ما ليس من مصلحة العقد= فهي أقوال مرجوحة، وليس في ذلك ما يقتضي النهي. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/330)

فصل
في أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى
(1/331)

قال الشيخ الإمام العلَّامة أوحدُ العصر وفريدُ الدَّهر أبو العبَّاس أحمدُ ابن تيمية رحمه الله تعالى آمين:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتَّقين، ولا عُدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام الأتمَّانِ الأكملانِ على رسولِه محمدٍ وآلهِ وأصحابهِ والمؤمنين والتّابعين أجمعين.
أمّا بعد، فاعلم أنَّه ليس في القرآنِ لفظة زائدة لا تفيد معنى، ولا كلمة قد فُهم معناها [مما] قبلها فأُعيدت لا لمعنى، أو لمجرّد التأكيد المحض دون فائدة جديدة، وهذا في اللفظ المستقلّ بنفسه، بخلاف الحروف التي لا تستقل كالباء واللام.
فإنْ قيل: فما تصنع في هذه الألفاظ التي وردت يُوهِمُ ظاهرها خلافَ هذا:
منها قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة:196].
ومنها قوله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف:142].
ومنها قوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38].
(1/333)

ومنها قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ} [الفتح:11].
و {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف:5].
ومنها قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46].
ومنها قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة:13 - 14].
[ومنها قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:21 - 22].
ومنها قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1].
ومنها قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].
ومنها قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس:99].
ومنها قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر:30].
ومنها قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء:81]، {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء:6]، {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31]، {وَكَفَى
(1/334)

بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]. فإنَّ الباءَ هنا زائدة.
ومنها قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:62].
وقوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر:3].
وقوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} [الحشر:24]، والخالق هو البارئ.
وقوله تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} [النحل:51].
وقوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:62].
و {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87].
وقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون:35].
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران:147].
وقوله: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [الروم:49].
وقوله تعالى: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة:34 - 35].
(1/335)

وقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1].
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن:13] في كل آية.
وقوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات:15].
وقوله تعالى: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل:10] والتولِّي لا يكون إلا مدبرًا.
وكذلك قوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة:25].
فالجواب: أنَّه [ليس] بحمد الله في شيء من هذه الآيات ما يخالف ما ذكرناه، وليس فيها لفظٌ إلَّا و [هو] يفيد معنًى زائدًا، ونحنُ نُبيّنُ ذلك بعون الله تعالى وتأييده آية آية.
أمّا قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة:196].
فقد قيل في جوابه: إنَّهُ سِيق لدفعِ توهّم احتمال التخيير، فإنَّ الواو قد تأتي بمعنى أو، فلمّا قال: {تِلْكَ عَشَرَةٌ} زال هذا الاحتمال.
وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّ [عطف] السبعة على الثلاثة يحتمل معنيين:
أحدهما: أنْ تكون سبعة خارجة عن الثلاثة.
(1/336)

والآخر: أنْ تكون سبعة بالثلاثة التي قبلها، كما قال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت:9 - 10]. فهذه أربعةُ أيامٍ باليومين اللذين قبلهما، ولو كان ذلك لكانت أيام الخلق ثمانية؛ لأنَّه قال بعد ذلك: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:11 - 12]. فاقتضى أنْ يكون مجموع ما تقدّم أربعة.
فلما قال تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}، علمنا أنَّ السبعة مستقلة لا تدخل فيها الثلاثة المتقدّمة، وقوله: {كَامِلَةٌ}، أي: كاملة في ثوابها [كما هي كاملة في حسابها].
وأحسن منه أنْ يُقال: لا يُعتبر إلا كاملة لا نقص فيها، ولا يقوم الأكثرُ فيها مقام الجميع، بل لا بدّ من كمالها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأمَّا قوله تعالى: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف:142]، ففيه فائدة زائدة، وهو أنَّ قوله: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}، المراد به دخول العشر في أيّام الموعد، فقوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} رافعٌ
(1/337)

لتوهّم أنْ تكون العشر لغير مواعدة، فلمّا أدخلها في الميقات علم أنَّ المواعدة تناولتها كما تناولت الثلاثين، والتّمام وإنْ أشعر بها فليس في الصراحة كقوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}.
وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّ الله سبحانه وتعالى واعده ووقَّت له للميعاد ثلاثين ليلة، ثم أخبر أنَّه أتمَّها بعشرٍ، فلا يُدْرَى انقضى أجل الميقات عند انتهاء الثلاثين، وكانت العشر تمامًا، أي زيادة بعد انقضاء أجل الميقات، [أو] إنّما كان انقضاؤه عند تمام الأربعين، وأنَّ الإتمام بعشرة هو زيادة في الأجل. فلمّا قال: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} علمنا أنَّ العشر دخلت في الأجل، فصارت جزءًا منه.
وهذا كما تقول: اشتريت هذه السلعة من فلانٍ بتسعين، وأتممتها له مائة، فلا يُدْرَى هل أتممت الثمن بالعشرة، أو أتممتها بعد استيفاء الثمن، فإذا قلت: فتمّ له ثمن المبيع مائة، علمنا أنَّ العشرةَ صارت جزءًا من الثمن، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأمَّا قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام:38]، ففيه فائدةٌ زائدةٌ، وهي أنَّ الطيران قد يستعمل في الخفَّة وشدَّة الإسراع في الشيء، منه قول الشاعر:
فَطِرْنَا إلى الهَامَاتِ بالبيضِ والقَنَا
(1/338)

ومنه بيت الحماسيّة:
طَارُوا إليْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا
فقوله تعالى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} رافع لاحتمال هذا المعنى، وإرادته بلفظ الطائر ويطير.
وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّه لو اقتصر على ذكر الطائر فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ}، لكان ظاهر العطف يوهم «ولا طائر في الأرض»؛ لأنَّ المعطوف عليه إذا قيّد بظرفٍ أو حالٍ تقيّد به المعطوف، فكان ذلك يوهم اختصاصه بطير الأرض الذي لا يطير بجناحيه، كالدجاجِ والإوزِّ والبَطِّ ونحوها. فلما قال: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} زال هذا التوهّم، وعُلِمَ أنَّه ليس الطائر مقيّدًا بما تقيّدت به الدّابة.
وأيضًا ففيه تحقيق معنى الطيران وأنَّ المراد به هذا الجنس الذي يرونه يطير بجناحيه على اختلاف أنواعه وأجناسه أممٌ أمثالكم.
وهذا استعمالٌ مطروقٌ للعرب، كما يقال: ما خلق الله إنسانًا يمشي على رجليه إلا وهو يعلم بأنَّ له خالقًا وفاطرًا.
ونحوُهُ قول أبي ذرٍّ رضي الله تعالى عنه: «لقد توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1/339)

وما طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذكَّرنا منه [علمًا]».
وبالجملة فليست اللفظة خالية عن معنى زائد.
وأمَّا قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ} [الفتح:11]، و {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف:5].
فقد قيل: إنَّهُ رافعٌ لتوهّم إرادة حديث النفس، كما في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} [المجادلة:8].
وأحسن منه أنْ يقال: حيث ذكر الله سبحانه ويقولون بألسنتهم ويقولون بأفواههم، فالمراد به أنَّه قولٌ باللسان مجرد لا معنى تحته، فإنَّه باطلٌ، والباطل لا حقيقة تحته، وإنّما غايته وقصاراه أنَّه حركةُ لسانٍ مجرَّد عن معنى، فليس وراء حركة اللسان به شيء.
(1/340)

وهذا استعمالٌ مطَّردٌ في القرآن، فتأمَّلْه تجدْه كما ذكرت لك.
وأما قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]، فإنَّه سبحانه لمّا دعاهم إلى التفكّر والتعبير وسمع أخبار مَن مضى من الأمم، وكيف أهلكهم الله تعالى بتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج:46].
قال ابن قتيبة: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؛ لأنَّ الله تعالى أراد أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار قومٍ أهلكهم الله تعالى بالكفر والعتو، فيروا بيوتًا خاويةً قد سقطت على عروشها، وبئرًا يشرب أهلها منها قد عطّلت، وقصرًا بناه ملكهم بالشِّيد قد خلا من السكن وتداعى بالخراب، فيتّعظوا بذلك ويخافوا من عقوبة الله التي نزلت بهم.
ثم ذكر تعالى أنَّ أبصارهم الظاهرة لم تعمَ عن الذكر والرؤية، وإنّما عميت قلوبهم التي في صدورهم.
قيل: لمّا كانت العين قد يُعنَى بها القلب في قوله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} [الكهف:101]، جاز أنْ يُعنَى بالقلب العين، فإنَّ الشيء إذا أشبه الشيء وأطلق عليه اسمه، جاز إطلاق اسم مشبهه عليه
(1/341)

أيضًا، لا سيما مع شدَّة اتصال العين بالقلب، فقيّد القلوب بذكر محلها دفعًا لتوّهم إرادة غيرها.
وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّه ذكر محل العمى الحقيقي الذي هو أولى باسم العمى من عمى البصر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب»، أي: هذا أولى بأنْ يكون شديدًا منه.
وقوله: «ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تردُّه اللقمة واللقمتان، إنَّما المسكين الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يُفطَن له فيتصدَّق عليه»، أي: هذا أولى باسم المسكين من الذي تسمّونه أنتم مسكينًا، ونظائر ذلك كثيرة.
أي: فعمى القلب هو العمى الحقيقي، لا عمى البصر، فأعمى القلب أولى أنْ يكون أعمى من أعمى العين، فنبّه سبحانه بقوله: {الَّتِي فِي الصُّدُورِ}، على أنَّ العمى هو العمى الباطن في العضو الذي محلّه الصدر، لا العمى الظاهر في العضو الذي محلّه الوجه. والله أعلم بما أراد من كلامه.
(1/342)

وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة:13 - 14]، فليس على وجه التأكيد المجرد، بل [المراد] التقييد بالمرة الواحدة، ولمّا كانت النفخة قد يراد بها الواحدة من الجنس، وقد يراد بها مطلقة، كما [في] البقلة، وحبّة الحنطة، واللعنة، والهمة، ونحوها، وكان المراد التقييد بالمرة الواحدة من هذا الجنس، أتى بالواحدة ليدل على هذا المعنى، أي: أنَّ النفخ لم يكن نفختين، ولم يك [دكّ] الأرض والجبال بعد حملهما دكّتين، بل واحدة فقط، فعل المقتدر على الشيء المتمكن منه، ونظيره قوله تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس:53].
ونظيره قوله تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس:29]، أي: لم يتابع عليهم الصيحة، بل أهلكناهم من صيحة واحدة.
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:21 - 22]، فليس للتأكيد كما يظنّه طائفةٌ من الناس، وإنّما المراد الدك المتتابع، أي: دكًّا بعد دكٍّ.
وهذا لا يفهم من قوله سبحانه: {دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا}، فقوله: {دَكًّا دَكًّا} فيه قدر زائد على مجرد الدكّ، وكذلك قوله تعالى: {صَفًّا صَفًّا}، ليس للتأكيد إذ المراد صفًّا بعد صفٍّ، أي: صفًّا يتلوه صفٌّ، وهو لا يفهم من قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا}؛ لاحتمال أنْ يكونوا
(1/343)

صفًّا واحدًا، بل هذا يكون ظاهر الكلام.
ونظير هذا الحديث في صفة جماع أهل الجنّة: «دَحْمًا دَحْمًا»، أي: وطْأً بعد وطءٍ.
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1]، فليس من التكرار من شيء، فإنَّ إضافة الزلزال يفيد معنًى زائدًا، وهو زلزالها المختص بها المعروف منها المتوقَّع منها، كما تقول: غضب زيدٌ غضبه، وقاتل قتاله، أي: غضبه الذي يعهد منه، وقتاله المختص به الذي يعرف منه، ومنه:
أنا أبو النجْمِ وشعرِي شعرِي
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]، فهما جملتان مفيدتان معنيين:
أحدهما: أن الله سبحانه إذا أمرهم بالأمر لا يعصونه في أمره.
والثانية: أنهم لا يفعلون شيئًا من عند أنفسهم إنما فعلهم ما أمرهم به ربهم، فهم يفعلون ما يؤمرون لا ما لا يؤمرون، بل أفعالهم كلهم
(1/344)

ائتمار وطاعة [لأمر] ربهم.
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس:99]، فكلهم يفيد الإحاطة والعموم، ولا يلزم من قوله: {لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} أنْ يكونوا كلهم، قال وذلك على الأكثر منهم، فكلهم رافعٌ لهذا التوهم.
وأما قوله سبحانه: {جَمِيعًا}، فليس بتأكيد، ولو كان تأكيدًا لقال: أجمعون، ولم يكن منصوبًا، وإنما هو حال، أي: مجتمعون على الهدى، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام:35].
ومثله قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [الرعد:31]، ولو كان «جميعا» هنا تأكيدًا لقال: أجمعين.
وأما قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر:30، وص:73]، فالكلام في كلهم كما في {لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ} [يونس:99].
وأما أجمعون فقد قالت طائفة منهم الزمخشري وغيره: أنه يفيد معنًى زائدًا غير ما يفيده كلهم، وهو أنَّ سجودهم وقع في وقتٍ واحدٍ، فاجتمعوا في السجود ولم يتخلف منهم أحد، فهما فائدتان.
(1/345)

قال الزمخشري: «كل للإحاطة، وأجمعون للاجتماع، فأفادا معًا أنهم سجدوا عن آخرهم، وأنهم سجدوا جميعًا في وقت واحدٍ غير متفرقين في أوقات».
وهذه فائدة زائدة حسنة، إلا أنه يقال: لو أريد هذا المعنى لكان منصوبًا على الحال، وكان وجه الكلام أنْ يقال: مجتمعين أو أجمعين، فلما رفعهم جعلهم إتْباعًا مجردًا لكلهم يفيد فائدته، ولهذا تقول: جاء القوم أجمعون، وإن تفرقوا في مجيئهم بعد أن يجتمعوا ولا يتخلف منهم أحد، قال تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشعراء:94 - 95]، أي اجتمعوا كلهم في النار، ولا يدل ذلك على أنهم دخلوها وكبكبوا فيها مجتمعون في آنٍ واحدٍ.
وبالجملة فلفظ أجمعين وإعرابها يأبى هذا المعنى، ولا شك أنه يصدق قولك: جاء القوم أجمعون، وإنْ تفرقوا في المجيء، كما تقول: قُتل بنو فلان أو ماتوا كلهم [أجمعون]، وإنْ تباينت أوقات قتلهم وموتهم، وتأمل قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92 - 93]، هل يدل على أنه سبحانه يسألهم كلهم في آنٍ واحد مجتمعين؟ أو يدل على أنه لا ينفك أحد عن السؤال وإن تعددت أوقات سؤالهم؟
(1/346)

وقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:149]، هل يدل على أنه كان يحصل لهم الهدى في آنٍ واحد؟ أو يجتمعون على الهدى وإنْ تعددت أوقات هدايتهم؟
وقد يقال: أجمعون يستعمل في هذا وهذا بدليل قوله تعالى: {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء:65]، وقوله تعالى في أصحاب الصيحة: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل:51] ولا ريب أنهم اجتمعوا في الهلاك، وأنَّ قوم موسى اجتمعوا في النجاة.
ومنه قوله تعالى حكايةً عن يوسف عليه [الصلاة و] السلام: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف:93]، فلم يرد بهذا أنْ يجتمعوا عنده وإنْ جاؤوا واحدًا بعد واحد، وإنما أراد اجتماعهم في المجيء إليه وأنْ لا يتخلف منهم أحد، وهذا يُعْلَمُ بالسياق والقرينة.
ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظًا ومعنى أنَّ قوله تعالى: {كُلُّهُمْ}، يفيد الشمول والإحاطة، فلا بد أنْ يفيد أجمعون قدرًا زائدًا على ذلك، وهو اجتماعهم في السجود.
وأما المعنى، فلأنَّ الملائكة لا يتخلف أحدٌ منهم عن امتثال الأمر ولا يتأخر عنه، ولا سيما وقد وقَّت لهم بوقتٍ وحدَّ لهم بحدٍّ، وهو التسوية ونفخ الروح، فلما حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في آنٍ واحدٍ، ولم يتخلّف منهم أحد، بل أتوا بالسجود على الفور، فلزم
(1/347)

اجتماعهم فيه، فعلى هذا يُخرَّج كلام هؤلاء الفضلاء، والله أعلم.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء:81]، {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء:6] ونظائره، فهذا ليس بزائد، بل هو متضمن فائدة بديعة، وذلك أنَّ العرب تقول: كفيتُه الشيء، فعل متعد، ولم يجئْ عنهم: كفيتُ به، ويقولون: اكتفيت به، فهذا لازم، ولم يقولوا: اكتفيته.
ثم قالوا: كفى بزيدٍ رجلًا، فتضمن معنى فعلين، أي: كفى زيدًا ما يشتمل عليه ويحوطه فاكتفى به، فأتى بكفى المتعدي، وأتى بالباء الدالة على الفعل اللازم، فأفاد هذا التركيب معنى الفعلين معًا، أي: كفى واكتفى، فاكتفى به أحدهما بصريحه والآخر بالحرف الدال عليه؛ ولهذا المعنى انتصب وكيلًا، وحسيبًا، وهاديًا، ونصيرًا، على التمييز أو الحال، والتمييز أحسن، وهذا من أسرار لغتهم التي لا يهتدي [إليها] إلا كل روحاني الذهن، لطيف الفهم، سلس القياد، يفهم المسائل [على تعدد أنواعها] في قوالب ألفاظها.
ونظير هذا: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان:6]، في تشبيه معنى فعلين؛ أحدهما: بصريحه، والثاني: بحرفه المقتضي له، فكأنه في معنى يشرب ويروي بها، وهذا كثيرٌ في القرآن والكلام الفصيح.
وأما قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:62]، وقوله تعالى:
(1/348)

{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر:3]، ففيه فائدة، وهي استغراق النفي؛ لأنَّ حرف «من» للجنس، فإذا سلط النفي عليه مع مجروره أفاد استغراق النفي للجنس صريحًا؛ ولهذا لا يجوز أنْ يقابله بثبوت أكثر من واحد.
فلو قلت: [ما] من درهمٍ عندي بل درهمان، كنت [مبطلًا] لاغيًا.
ولو قلت: ما عندي درهم بل دراهم، لم يكن ذلك محالًا وكان كلامًا عربيًّا.
فبدخول «من» يتعين استغراق النفي صريحًا فلا يحتمل تأويلًا، وبدونها غايته أنْ يكون ظاهرًا لا يناقضه إثبات المتعدد، ولا ريب أنَّ هذه فائدةٌ جليلةٌ زائدةٌ على النفي الخالي من هذا الحرف.
وأيضًا فقد قال سيبويه: ما من رجل في الدار، كأنه جواب لقول مَن قال: هل من رجل في الدار؟ فدخول «من» هنا يتطابق الجواب والسؤال، والله [سبحانه] وتعالى أعلم.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر:24]، فليس بتكرار، بل هي معانٍ متغايرة بينهما قدر مشترك، وبيانه أنَّ الإيجاد يتعلق بالمادة وبالصورة وبمجموعهما، فإنْ تعلق بالمادة فهو برؤه، ولا يقال للمصور: إنَّه بارئ باعتبار تصويره، وإنما البارئ من برأ الشيءَ من العدم إلى الوجود، وإنْ تعلق بالصورة فهو تصوير، ويقال
(1/349)

لفاعله: المصور، والخالق ينظمهما معًا، فالبارئ للمادة، والمصوّر للصور، والخالق لهما جميعًا، فأين التكرار؟
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} [النحل:51]، فليس للتكرار والتأكيد المحض، وليس الموضع موضع تأكيد، بل لما كان النهي واقعًا على التعديد والاثنينية دون الواحد أتى بلفظ الاثنين.
لأنَّ قولك: لا تتخذ ثوبين، يحتمل النهي عنهما جميعًا، ويحتمل النهي عن الاقتصار عليهما. فإذا قلت: ثوبين اثنين، عَلِمَ المخاطب أنك نهيته عن التعدد والاثنينية دون الواحد، وأنك إنما أردت منه الاقتصار على ثوب واحدٍ.
فتوجه النهي إلى نفس التعدد والعدد، فأتى باللفظ الموضوع له الدال عليه، فكأنه قال: لا تُعدِّد الآلهة ولا تتخذ عددًا تعبد، إنما هو إلهٌ واحدٌ فلا تضُمَّ إليه غيره وتجعلهما اثنين، فلا تكرار إذن.
وفيه معنى آخر، وهو أنْ تكون «اتخذ» هذه هي التي تتعدى إلى مفعولين، ويكون اثنين مفعولها الأول، وإلهين مفعولها الثاني، وأصل الكلام: لا تتخذوا [اثنين] إلهين، ثم قدم المفعول الثاني على الأول، ويدل على التقديم والتأخير أنَّ إلهين أخص من اثنين، واتخاذ اثنين يقع على ما يجوز وما لا يجوز، وأما اتخاذ اثنين إلهين فلا يقع إلا على ما لا يجوز، وقدم إلهين على اثنين إذ المقصود بالنهي اتخاذهما إلهين،
(1/350)

فالنهي وقع على نفس الإلهية المتخذة، وعلى هذا فلا بد من ذكر الاثنين والإلهين إذ هما مفعولا الاتخاذ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:62]، و {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87]، فهذه فائدة ظاهرة، وله فائدتان لفظية ومعنوية:
أما اللفظية: فصيانة الخبر عن التباسه بالتابع الصفة وعطف البيان، هذا عند جمهور النحاة، ونازعهم في ذلك بعض المتأخرين.
وأما المعنوية: فهي إفادةُ انحصار الخبر في المبتدأ، فإذا قلت: زيدٌ هو القائم، كان في قولك: هو القائم، وحده لا غيره؛ ولهذا يقع في جواب مَن يقول: زيد وعمرو فاضلان، فتقول: زيد هو الفاضل.
وتأمَل قول قوم شعيب له عليه الصلاة والسلام: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}، تجده مُفهِمًا إنك لأنت الحليم الرشيد وحدك دوننا، ولسنا نحن بحلماء ولا راشدين.
وكذا قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وقوله تعالى: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118].
وفيه فائدة ثالثة: وهي تحقيق نسبة الخبر إلى ذلك المبتدأ بعينه، كقول إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام له لما عرَّفهم نفسه: {أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} حقًّا؟ فذاك الذي فعلنا به ما فعلنا أنت هو يقينًا؟ {قَالَ أَنَا
(1/351)

يُوسُفُ} [يوسف:90].
ونظير هذا: إنك أنت فلان؟ فيقول: نعم أنا فلانٌ.
وهذه فوائد لم تكن تحصل بدون إدخال هذا الفصل، والله سبحانه وتبارك وتعالى أعلم.
وأما قوله تبارك وتعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون:35]، فأعاد أنكم.
فقد قيل: أصلُ الكلامِ: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا.
فإنه لو قال: أيعدكم أنكم إذا كنتم ترابًا وعظامًا، لطال الفصل بين أنَّ واسمها وخبرها، فأعاد أنَّ لتقع على الخبر.
ونظير هذا قوله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا} [التوبة:63]، لما طال الكلام أعاد أنَّ، هذا قول الزجاج وطائفة.
وأحسن من هذا أن يقال: إن كلَّ واحدٍ من هاتين الجملتين جملةٌ شرطيةٌ مركبةٌ من جملتين خبريتين، فأكدت الجملة الشرطية بأنَّ،
(1/352)

على حد تأكيدها في قول الشاعر:
إنَّ مَن يدخلِ الكنيسةَ يومًا ... يَلْقَ فيها جآذرًا وظِباءَا
ثم أكدت الجملة الخبرية بأنَّ إذ هي المقصودة، على حدِّ تأكيدها في قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف:170].
ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء قوله تبارك وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90]، ولا يقال في هذا: «إنَّ» أعيدت لطول الكلام.
ونظيره قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [طه:74].
ونظيره قوله تبارك وتعالى: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:54]، فهما تأكيدان
(1/353)

مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى أنَّ تأكيد قوله تعالى: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} بأنَّ، غير تأكيد «من عمل سوءًا بجهالة فأنه غفور رحيم» له بأن، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به، وهو كثيرٌ في القرآن وكلام العرب.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:147].
فهذا ليس من التكرار في شيء، فإنَّ «قولهم» خبر كان قدم على اسمها، و «أنْ قالوا» في تأويل المصدر، وهو الاسم، فهما اسم كان وخبرها، والمعنى: وما كان لهم قول إلا قول: ربنا اغفر لنا ذنوبنا.
ونظير هذا قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [الأعراف:82]، والجواب قول، وتقول: ما لفلانٍ قولٌ إلا قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلا تكرار أصلًا.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [الروم:49]، فهي من أشكل ما أورد، ومما أعضل على الناس فهمها.
فقال كثير من أهل الإعراب والتفسير: إنه على التكرير المحض والتأكيد.
(1/354)

قال الزمخشري: «{مِنْ قَبْلِهِ} من باب التكرير والتأكيد، كقوله تعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر:17]، ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أنَّ عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك».
هذا كلامه، وقد اشتمل على دعويين باطلتين:
إحداهما: قوله: إنه من باب التكرير.
والثانية: تمثيله ذلك بقوله سبحانه وتعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا}.
فإنَّ «في» الأولى هي على حد قولك: أزيد في الدار؟ أي: حاصل أو كائن.
وأما «في» [الثانية] فمعمولةٌ للخلود، وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون، فلما اختلف العاملان ذُكِرَ الحرفان، فلو اقتصر على أحدهما كان من باب الحذف لدلالة الآخر عليه، ومثل هذا لا يقال له تكرار.
ونظير هذا أنْ تقول: زيد في الدار نائم فيها، أو ساكن فيها، ونحوه مما هو جملتان مفيدتان لمعنيين.
(1/355)

وأما قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ}، فليس من التكرار، بل تحته معنى دقيق، والمعنى فيه: وإنْ كانوا من قبل أنْ ينزل عليهم الودق من قبل هذا النزول لمبلسين، فهاهنا قبليتان: قبلية لنزوله مطلقًا، وقبلية لذلك النزول المعين أنْ لا يكون متقدمًا على ذلك الوقت، فيئسوا قبل نزوله يأسين: يأسًا لعدمه، ويأسًا لتأخره عن وقته، فقبل الأولى ظرف لليأس، وقبل الثانية ظرف للمجيء والإنزال.
ففي هذه الآية ظرفان معمولان وفعلان مختلفان عاملان فيهما، وهما الإنزال والإبلاس، فأحد الظرفين متعلق بالإبلاس، والثاني متعلق بالنزول.
وتمثيل هذا أنْ تقول إذا كنت مؤملًا للعطاء من شخص في وقتٍ، فتأخر عن ذلك الوقت، ثم أتاك به: قد كنتُ يائسًا من قبل أنْ تجيئني بهذا من قبل، أي: أيستُ من قبل مجيئك بهذا قبل هذا الوقت.
فقبل الأولى ظرف لليأس، وقبل الثانية ظرف للوقت، كما أنك لو وضعت موضع قبل الثانية غيرها وجدتها غير متكرر، فإذا قلت: قد كنت آيسًا قبل أن تأتيني بهذا أمس، أكان تكرارًا؟ فمن قبله كان كأمس. ولو قلت: وإنْ كانوا من قبل أنْ ينزل عليهم قبل وقت نزوله لمبلسين، لما كان تكرارًا؛ لاختلاف الآية. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة:34 - 35]، فهذا ليس من باب التكرار، بل هو وعيدٌ ودعاءٌ، يعني: قرب
(1/356)

منك ما يهلك قربًا بعد قرب، كما تقول: غفر الله ثم غفر الله لك، أي: غفر لك مغفرة بعد مغفرة، فليس هذا بتكرار محض، ولا من باب التأكيد اللفظي، بل هو تعدد الطلب لتعدد المطلوب، ونظيره: اضربه ثم اضربه.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1]، [فليس] من التكرار؛ لاختلاف مقصود الفعلين، فإن الأول منهما دعاء يراد به الإنشاء، والثاني خبر، أي: تبت يدا أبي لهب وقد تبَّ.
قال الفراء: «كما تقول: أهلكه الله وقد هلك».
وقال مقاتل: «خسرت يداه بترك الإيمان وخسر هو».
وأما قوله سبحانه وتعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن:13]، فتعديد ذلك في مقابلة تعديد الآلاء.
وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات:15]، فهي مع كل آية كأنها مع سورة مفردة، فلا تكرار، والله تعالى أعلم.
وأما قوله تعالى: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل:10]، وقوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ
(1/357)

مُدْبِرِينَ} [التوبة:25]، فكثير من النحاة يعتقدون أنَّ هذه حال مؤكدة، ويقسم الحال إلى ثلاثة أقسام: مؤكدة، ومثنية، ومقدرة، ويجعل «ولَّى مدبرًا» من الحال المؤكدة.
وهذا غلط، فإنَّ الحال المؤكدة مفهومها مفهوم عاملها، وليس كذلك التولية والإدبار، فإنَّهما بمعنيين مختلفين، فالتولية أن يولِّي الشيءَ ظهرَه، والإدبار أنْ يهرب منه، فما كل مولٍّ مدبرًا، وكل مدبرٍ مولٍّ، ألا ترى أنك إذا قلت: ولَّى ظهره وأدبر، لم يكن من باب قوله: «كذِبًا ومَيْنًا».
ونظيره قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل:80]، فلو كان أصمَّ مقبلًا لم يسمع، فإذا ولَّى ظهره كان أبعد من السماع، فإذا أدبر مع ذلك كان أشد لبعده عن السماع.
وقوله تعالى: {وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل:10]، إشارة إلى استقراره في الهرب وعدم رجوعه يقال: عقَّب فلان، إذا رجع، وكل راجع معقّب، وأهل التفسير يقولون: لم يقف ولم يلتفت، وعلى كل حال فليس هنا
(1/358)

تكرار أصلًا، بل لكل لفظ فائدة. والله سبحانه وتبارك وتعالى أعلم، وصلَّى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
(آخر الفائدة الجليلة رحم الله مصنفها وكاتبها ومالكها، والحمد لله رب العالمين، تم بحول الله وإحسانه).
(1/359)

فصل
في توبة قوم يونس
(1/361)

فصل
في توبة قوم يونس
هل هي مختصة بالقبول دون سائر من يتوب كما تابوا؟
وفي ذلك للناس قولان:
قال كثير من المفسرين -وربما قيل: قال أكثر المفسرين-: إن الله تابَ عليهم بعد معاينة بأسِه، وخصَّهم بقبول التوبة في هذه الحال دونَ سائرِ الأمم، واستثناهم من الأمم بقوله: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98]، قالوا: وكَشْفُ العذاب لا يكون إلا بعدَ معاينتِه، وذكروا قولين: هل رأوا العذابَ أو دليلَ العذاب؟
قالوا: قال أكثر المفسرين: رأوا نفس العذاب بدليل قوله: {لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
وقالت طائفة: رأوا دليلَ العذاب؛ لأن التوبة بعد معاينته لا تُقبل، ولا فرقَ في ذلك بين أمّةٍ وأمّة، بل هذا حكم عام.
(1/363)

وهذا القول يوافق قول من يقول: ليسوا مخصوصين بقبول التوبة، بل كل من تابَ كما تابوا قَبِلَ اللهُ توبتَه. وهو القول الثاني، وهو الصواب؛ لأن الله سبحانه قال: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر:84 - 85]، فأخبر سبحانه أن هذه سنته، وسنته سبحانه لن تجد لها تبديلًا ولن تجد لها تحويلًا، كما قال: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:43].
وأيضًا فإنه قال: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء:18]. وهذا نفيٌ عامّ، ولو كان أحد مستثنًى من هذا العموم لكانت أمة محمد أحقَّ بالاستثناء من قوم يونس، فإنهم أكرم الأمم على الله، ونبيُّهم نبيّ الرحمة ونبيّ التوبة، وقد وسَّع الله لهم في التوبة ما لم يُوسِّعْه لبني إسرائيل مع كرامة أولئك على الله. وهاتان الأمتان قد فضَّلهما اللهُ على العالمين، فإذا لم يقبل توبة أحدهم إذا حضره الموت فكيف يقبل توبة قوم يونس؟
وأيضًا فإن الله حكيم عدلٌ، لا يُفرِّق بين المتماثلات ولا يُسوِّي بين المختلفات، فلا يُفرِّق بين توبة قوم يونس وغيرهم إلا لافتراقِ العملَينِ، وإلا فمن تابَ مثلَ ما تابوا فحكمهُ حكمُهم، وهم إذا تابوا بعد رؤية البأس فهم كغيرهم.
(1/364)

وأيضًا فقد قال موسى في دعائه على قوم فرعون: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس:88] قال الله تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس:89]. ولم يؤمن فرعون حتى أدركَه الغرقُ فقال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:90]، قال الله تعالى: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس:91]. فدعاءُ موسى هذا الدعاءَ دليلٌ على أنه قد علم حينئذٍ أن التوبة لا تنفعُ، ولو جاز أن يُخَصَّ من هذا أحدٌ جوَّزَ موسى أن تُقبَل توبة فرعون حينئذٍ كما قُبِلتْ توبةُ قوم يونس، فعُلِم أنه كان مستقرًّا عند موسى أن هذا حكمٌ عامٌّ.
وأما ما احتجُّوا به من أن الله كشفَ عنهم العذابَ لما تابوا فهو حقٌّ كما أخبر الله، وسواء كانوا قد رأوا العذابَ أو لم يَرَوه، فإن العذاب نوعان: عذابٌ يتيقن معه الموت، وعذاب لا يتيقن معه الموت، فهذا الثاني عذابٌ أيضًا، ومن تاب كشفَ الله عنه العذابَ، بدليل قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ
(1/365)

عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:130 - 136]. وقال تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الزخرف:49 - 50].
فقد أخبر أنه كشفَ العذابَ عن قومِ فرعونَ.
وعذابُ الله ثلاثة أنواع:
نوع يكون في الدنيا قبلَ الموت، فهذا يقبل الله توبةَ من تابَ بعدَ معاينته، ويكشفه عنه.
وعذاب يكون بالهلاك عند المعاينة، فهذا لا كرَّةَ فيه، ولا تُقبَل توبتُه بعد معاينته.
وكذلك عذاب يوم القيامة، فإن الموت هو القيامة الصغرى، قال المغيرة بن شعبة: إنكم تقولون: القيامة القيامة، وإنه من مات فقد قامتْ قيامتُه. وشهِدَ علقمةُ بن قيس صاحبُ ابن مسعود جنازةً، فلما دُفِنَ قال: أما هذا فقد قامتْ قيامتُه.
وهذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين
(1/366)

وأهل السنة، الذين يُثبِتونَ في البرزخ بعدَ الموتِ وقبلَ قيام الناس من قبورِهم عذابًا ونعيمًا. وطائفة من أهل البدع تُنكِر هذا ويُنكِرون عذابَ القبر، فهؤلاء ليس عندهم جزاءٌ إلا في القيامة الكبرى. وبإزاء هؤلاء كثير من المتفلسفة والملاحدة الباطنية ومن وافقهم يُثبِتون القيامة الصغرى، وهو معادُ النفس إذا فارقت البدنَ، وليس عندهم قيامة كبرى يقوم الناس عنها من قبورهم، وإنما يُثبِتون تغيُّرَ العالم السُّفلِيّ من حالٍ إلى حال. وهذه القيامة الوسطى التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن يَستنفِدْ هذا الغلامُ أجَلَه لن يُدرِكَه الهَرَمُ حتى تقوم الساعةُ». يُريد به انخرامَ ذلك القرن، هكذا جاء مبينًا في الأحاديث الصحيحة.
وعذاب الله هو في هذه القيامات الثلاث، يُعذِّب من يشاء بعدَ الموتِ ويُعذِّب كثيرًا من الأمم بهلاكهم جميعًا، كما أهلك قومَ نوح وعادًا وثمودَ وغيرهم. وكذلك يُزيلُ الدُّوَل، وقد قال: «إذا رأيتَ الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعاءَ البَهْمِ يتطاولون في البنيان، فذلك من أشراطِها».
والقيامة الكبرى إذا قامَ الناس من القبور، وانشقَّتِ السماءُ وبُسَّتِ الجبالُ، وكان ما أخبر الله به في كتابه. والوعيد في القرآن يتناول هذا وهذا وهذا، والمفسرون يذكرون الأمور الثلاثة.
ومما يبيِّن ذلك قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا
(1/367)

يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون:76]. فدلَّ ذلك على أنه بعد أن يُصيبَ الإنسانَ العذابُ تُقبَل منه الاستكانةُ والتضرعُ، كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف:94]، وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام:40 - 41]. فهذا يُبيِّن أنه قد يكشف العذاب الذي دَعَوا الله إليه، كما قال: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر:8].
ومما يبيِّن ذلك قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة:21]، فأخبر أنه يُذِيق الناس العذاب الأدنى في الدنيا لعلهم يتوبون، وذلك أن التوبة ترفعُ العذاب الأدنى عن جميع الناس. وقال تعالى: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة:126]، وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41].
وإذا كان القرآن قد فرَّق بين العذاب الذي يستعقبه الموتُ وبين
(1/368)

غيره وجبَ الفرقُ، والمريض تُقبل توبتُه ما لم يُغرْغِر ويُعايِنْ ملك الموت، وإن كان مرضه مخوفًا. فقوم يونس إنما أخبر الله عنهم أنهم لما آمنوا كشف عنهم عذابَ الخِزي في الحياة الدنيا، فبيَّن أن العذاب المكشوف كان مما يُعَذَّب به في الحياة الدنيا لم يكن هو العذاب الموجب للهلاك، ولو لم يفسّر ذلك فلفظ العذاب مجمل، والقرآن قد فرَّقَ بين النوعين، فلا يجوز حملُ هذا العذاب على العذاب الموجب للموت الذي لا يُقبل معه توبة، فإنّ في هذا مخالفةً لسائرِ آيات القرآن ولحكمةِ الربّ وعدلِه بلا دليلٍ؛ إذ كان اللفظ المجمل لا يعين أحد النوعين، فكيف إذا كان معه ما يقتضي التعيين أنه كان العذاب الأدنى، وإن كانوا قد عاينوه وأصابهم، فالتوبة بعد هذا العذاب مقبولة، فقد أصابَ قومَ فرعون من أنواع العذاب ما ذكره الله، ومع هذا فقد كان يقبل توبتهم لو تابوا ووعدوا بالإرسال، فلما كشف عنهم العذاب نقضوا عهدهم.
وما رُوِي أنه غشِيَهم العذابُ كالغمام الأسود واسودَّتْ أَسْطِحَتُهم ونحو ذلك الله أعلم بثبوته، فإن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر ذلك إنما يأخذه المسلمون عن أهل الكتاب، وقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نصدِّقهم أو نكذِّبهم. لكن مثل هذا العذاب قد يكون تهديدًا: إن
(1/369)

تبتم وإلا أصابكم كنَتْقِ الجبل فوق بني إسرائيل، وهذا من أعظم الآيات. قيل لهم: إن أخذتم التوراة وإلّا أطبقناه.
ومما يبيِّن ذلك أن القوم لم يَطُلْ مقامُ يونسَ عندهم، بل حين كذَّبوه وعدَهم بالعذاب كما نقله هؤلاء، ومثل هذا يكون عذابَ تهديد، كما قد يُصيبُ الناسَ من الجدب والجوع ما هو أعظمُ من ذلك، ويُصيبُهم من الوباء والطاعون ما يُصيبهم، والذين عبدوا العجلَ أمرهم الله بقتلِ بعضهم بعضًا وقَبِلَ توبتَهم، ثم بعثَهم من بعد موتهم لعلهم يشكرون. وإنما الذي لا يقبل معه توبة ما يقترن به الموتُ كغرقِ فرعون ونحوه.
وأما استثناء الله قومَ يونس فهو حجة في المسألة، فإنّ الله قال: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ} [يونس:98]، وقوله: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} استثناء منقطع، وهم قد سلموا أنه منقطع، ودليل ذلك أنه منصوب، ولو كان مثبتًا لكان مرفوعًا في اللغة المشهورة، كما في قوله: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء:66]، فلما قال: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} كان منقطعًا، كالاستثناء في قوله: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود:116]، فإنه منقطع. وكذلك أهل العربية والتفسير قالوا: هو استثناء منقطع، والمعنى: لكن قليل ممن أنجينا
(1/370)

منهم من نهى عن الفساد. وقال مقاتل: لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي والشرك، إلا قليلًا ممن أنجينا من العذاب مع الرسل.
ومما يُبيِّن ذلك أن قوله: {فَلَوْلَا} بمعنى فهلَّا، وهي كلمة تحضيضٍ على المذكور وذمٍّ لمن لم يفعله، والمعنى: فهلَّا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها؟ كما قال: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ} [هود:116]، أي لِمَ لا كان فيهم مَنْ ينهى وفي القرى مَن آمن فنفعه إيمانُه؟ وهذا يقتضي أن أهل القرى لو آمنوا لنفعهم إيمانهم كما نفعَ قومَ يونس، لكن لم يؤمنوا. وعلى ما قاله المنازعون يكون معنى الآية: ما آمنت قرية فنفعَها إيمانُها إلا قوم يونس، أو ما آمن أحدٌ عند رؤية العذاب فنفعَه إيمانُه إلا قوم يونس. فبهذا فسَّروا القرآن، وليس هذا مراد الله، فإن الله لم يخبرنا أن غير قوم يونس آمنوا وما نفعَهم إيمانهم، وأن الإيمان لم ينفع إلا قومَ يونس. بل مقصوده أنه لم يؤمنْ وينتفعْ بإيمانه من أهل القرى إلا قومُ يونس.
وأيضًا فإن هذا المعنى يقال فيه: فما قرية آمنت فنفعَها إيمانُها إلا قومَ يونس بصيغة النفي والسلب، لا يقال: فهلَّا كانت قرية آمنت بصيغة التحضيض والطلب والاستدعاء والتوبيخ والملام على ترك الإيمان،
(1/371)

فإن هذه الصيغة أصل وضعها هو للتحضيض لا للنفي، ولهذا قد يُفعل المحضوضُ عليه بعد التحضيض، كما يُفعل بعد الأمر، كما قال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ} [محمد:20]، ثم قال: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} [محمد:20]، فأين هذا من هذا؟ أين إخبارُه بأنهم آمنوا ولم ينفعهم إيمانُهم من كونه وبَّخهم وذمَّهم على أنهم لم يؤمنوا فينتفعوا بالإيمان؟
ولهذا كان الاستثناء بعده منقطعًا، ولو كان نفيًا وسلبًا لكان الاستثناء معه متصلًا، كقوله: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء:66]، فلما قُطِع الاستثناء ونُصِب المستثنَى عُلِمَ أنه استثناء من نفيٍ وسلبٍ، لكن الكلام تحضيض، فلو اتصل الاستثناء لكان المعنى تحضيضهم على الإيمان إلا قوم يونس، وتحضيضهم على النهي عن الفساد إلا القليل. وهذا يوجب قلبَ المعنى، فإن الله يحضُّ الجميع على الإيمان وعلى النهي عن الفساد، لكن لما ذكر صيغة للحضّ العام بيَّن أن هؤلاء وهؤلاء فعلوا ما حُضُّوا عليه، فلا يتناولهم الذمُّ، فإن الاستثناء المنقطع قد يكون من الجنس المشترك بين المستثنَى والمستثنى منه، كما في قوله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء:157]، فاتباع الظن مستثنًى من المعنى العام المشترك بين العلم والظن، وهو الاعتقاد، فإنه لما قال: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} بقيت النفس تطلب: فهل عندهم شيء من الاعتقاد؟
(1/372)

فيقال: ما عندهم إلا اتباع الظن.
وكذلك قوله: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان:56]، فإنه استثناء من المعنى المشترك بين الجنة والدنيا، فلما قال: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} بقيت النفس تطلب: هل ذاقوه في غيرها؟ فقال: لم يذوقوا إلا الموتة الأولى. وكذلك نظائره.
وقد يكون أخصَّ من المستثنى منه، فلما قال: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} [هود:116]، و {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} [يونس:98]، كان هذا تحضيضًا للجمع، والتحضيض أمر مؤكد يقتضي ذمَّ مَنْ لم يفعل المأمور وعقابَه، ونفسُ الحضّ والأمر لا يستلزم الخبر، فإن المأمور لم يَفعل ما أُمِر به، بل قد يفعله وقد لا يفعله، وإذا لم يفعله استحقَّ الذمَّ والتوبيخ. وقد يكون في المحضوضين مَن فعلَ، فلما ذكر التحضيض والفاعل مستثنى من التوبيخ لا مستثنى من الحضّ، فلو قال: {إِلَّا قَلِيلٌ} و {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} لكان هذا استثناءً من التحضيض، وليس كذلك، وإنما هو استثناء من أخص منه وهو التوبيخ ونفي الفعل، فإنه لما حضَّ الجميع كأنه قيل: فكلُّهم لم يُنْهَ، وكلُّهم يستحقون الذمَّ والتوبيخ، فيقال: نعم إلا قوم يونس، وإلا قليلًا.
ومما يبيِّن أن مثل هذا التحضيض لا يستلزم النفي عن الجميع قولُه: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ
(1/373)

عَظِيمٌ} [النور:16]، وقوله: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور:12]. وقد كان من المؤمنين من قال لما سمعه: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. وكثير منهم أو أكثرهم ظنَّ بعائشة خيرًا، مثل أسامة بن زيد وجاريتها وغيرهما ممن زكَّاها وبرَّأها. فعُلِم أن التحضيض لا يستلزم النفي العام.
فلهذا كان قوله: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} [هود:116]، التحضيض فيه عام لم يُستثنَ منه أحد، فلم يكن الاستثناء متصلًا، ولكن الاستثناء وقعَ من ترك المحضوض عليه ولوازم الترك، من الذم والتوبيخ، وهذا الترك قد كان في أكثر المحضوضين، وقد صار يُفهم منه أن هذه الصيغة لم تُستعمل إلا إذا حصل تركٌ من جميع المحضوضين أو من بعضهم. فإذا فرَّ الجيشُ مثلًا قيل: هلَّا ثَبتُّم؟! وإذا فَرَّ الأكثر قيل: يستحقون العقوبة إلَّا فلانًا، ولا يقال: هلَّا ثبتُّم إلَّا فلان؟! فإن تحضيض على الثبات إلَّا لفلانٍ، وهذا ليس بمرادٍ، بل هو مستثنًى من الترك وسلبِ الفعل والذمّ والعقاب، لا من شمولِ الطلبِ والحضِّ له. والله أعلم.
ثم يقال: هو مستثنًى من القدر المشترك بين أنواع الحضّ والأمر، حضٌّ وأمرٌ لمن فعلَ ولمن ترك. وقد يقال مستثنى مما هو أخصُّ من الحضِّ، وهو الترك والذمّ، وكلا الأمرين واحدٌ. والله أعلم.
ومثل هذا قوله: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود:81]
(1/374)

فمن رفعَ جعلها مستثناةً من النهي، فلم تُنهَ عن الالتفات لأنها من المعذبين. ومن نصبَه جعلَه منقطعًا، فإنه لما نهاهم عن الالتفات، والالتفات مُوجب للعقوبة، فقد يكون منهم من لا يطيع فيُعاقَب، ومنهم من لا يُعاقَب، فكأنه قال: فهل تُطيع وتسلِّم؟ فقال: نعم إلا امرأتك. وقيل: إنها استثناء من قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}، وقد ذكروا الوجهين في قراءة النصب، وهي قراءة نافع وغيره.
قال ابن الأنباري: على قراءة نافع يكون الاستثناء منقطعًا، معناه: لكن امرأتك فإنها تلتفتُ، فيُصيبها ما أصابهم. فإذا كان الاستثناء منقطعًا كان التفاتُها معصية لربِّها؛ لأنه نَدبَ إلى ترك الالتفات.
وقال الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: فأسْرِ بأهلك إلا امرأتك. ومن قرأ بالرفع حمله: ولا يلتفتُ منكم أحد إلا امرأتك، وإنما أُمِروا بترك الالتفات لئلا يروا عظيمَ ما نزلَ بهم من العذاب.
فإن قيل: فإذا جعل الاستثناء منقطعًا تكون منهيَّةً عن الالتفات، وعلى قراءة نافعٍ ليست منهيةً، والقراءتانِ لا تتناقضان.
قيل: الالتفات نوعان: نوع يكون مع محبة المعذبين، كالتفاتها. ونوع يكون مع بُغضِهم، كالتفاتِ لوطٍ لو التفتَ.
(1/375)

فنُهوا عن الالتفات لئلا يروا عظيمَ العذاب، فيحصل لهم روعٌ وفزعٌ. فكلهم منهيُّون عن النوع الأول، وهي عاصية التفتتْ التفاتَ محبة، فكان الاستثناء في حقّها منقطعًا. وأما الثاني فهم نُهُوا عنه، وهي لم تُنْهَ عن هذا الالتفات الذي هو مع البغض، ليَسلَمَ صاحبُه من الفزع والروع، بل لو التفتتْ مع البغض لم تكن عاصيةً وإن حصلَ لها روعٌ، ولكن لما التفتتْ وهي مُحِبَّةٌ لهم على دينهم -والمرء على دين خليله- أصابها ما أصابَهم، لمشاركتها لهم في الذنب، لا لمجرد الالتفات لو خلا عن دين القوم. ولهذا لو التفتَ لوطٌ أو إحدى ابنتيهِ لم يُصِبه ما أصابهم. فهذا من دقائق معاني القرآن.
وقد ذكر ابن الجوزي القولين، قال:
فإن قيل: [كيف] كُشِف العذابُ عن قومِ يونس بعد إتيانه إليهم، ولم يُكشَف عن فرعونَ حين آمن؟ فعنه ثلاثة أَجوبة:
أحدها: أن ذلك كان خاصًّا لهم، كما ذكرنا في أول الآية.
والثاني: أن فرعون باشره العذابُ، وهؤلاء دنا منهم ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموتَ ويرجو العافيةَ، فأما الذي يُعاين فلا توبة له. ذكره الزجاج.
والثالث: أن الله علم فيهم صدقَ النيات، بخلاف من تقدمَهم من
(1/376)

الهالكين. ذكره ابن الأنباري.
قلت: هذا القول معناه: أن هؤلاء تابوا، وغيرهم لم يتبْ، ولو تابَ قُبِلتْ توبتُه. وهذا إنما يكون قبل المعاينة.
وقد ذكر في الكلام هل هو نفيٌ أو تحضيضٌ قولين، فقال:
وفي {لَوْلَا} قولان:
أحدهما: أنها بمعنى لم تكن قرية آمنتْ فنفعَها إيمانُها -أي قُبِل منها- إلا قوم يونس. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: لم يكن هذا لأمةٍ آمنتْ عند نزول العذاب إلا لقوم يونس.
والثاني: أنها بمعنى هلَّا. قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. قال الزجاج: المعنى: فهلَّا كانت قرية آمنتْ في وقتٍ ينفعها إيمانُها إلا قوم يونس. و {إِلَّا} ههنا استثناء ليس من الأول، كأنه قال: لكن قوم يونس.
(1/377)

وقال الفراء: نصب القوم على الانقطاع مما قبله، ألا ترى أن ما بعد {إِلَّا} في الجحد يتبع ما قبلها. ما قام أحدٌ إلَّا أخوك، فإذا قلتَ: ما فيها أحدٌ إلا كلبًا أو حمارًا نصبْتَ؛ لانقطاعهم من الجنس. كذلك كان قوم يونس منقطعين من غيرهم من أمم الأنبياء، ولو كان الاستثناء وقعَ على طائفة منهم لكان رفعًا.
قلت: هذا قول أئمة العربية، وهذا مما يُعلَم بالاضطرار من لغة العرب التي بها نزل القرآنُ. {وَلَوْلَا} تارةً يليها الاسم، كقوله {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}، فيكون حرف امتناع. وتارةً يليها الفعل، كقوله: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}. فيكون حرفَ تحضيضٍ، وهو يتضمن النفي. فالنفي لازمٌ لها، لا أنها بمعنى «لم تكن».
والمفسرون من السلف يُفسِّرون المعنى، لا يتكلمون في دلالة العربية؛ لأن العربية عادتهم وطبعُهم، لا يحتاجون فيها إلى مقاييس النحاة. وابن عباس ذكر أن الآية دلَّتْ على أنه لم تكن أمةٌ آمنتْ فنفعَها إيمانُها إلَّا قوم يونس. وهذا حق، والاستثناء المنقطع يدل عليه. لم يقل: إنها بمعنى: لم تكن. وكذا قتادة ظنَّ أن المراد أن الإيمان نفعَهم ولم ينفع غيرَهم. وليس كذلك، بل غيرهم لم يؤمن إيمانًا ينفعه، وهؤلاء آمنوا إيمانًا ينفعهم، كانوا صادقين وآمنوا قبل حضور الموت، وغيرهم
(1/378)

إما أن يكون كاذبًا في إيمانه كقوم فرعون، وإما أن يؤمن بعد حضور الموت، كالذين قال تعالى فيهم: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر:85]، والذين قال فيهم: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف:5]، وقوله: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء:12 - 15]، فهؤلاء لم يؤمنوا. وكذلك قوله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، فهؤلاء إما أنهم لم يتوبوا أو حضر الموتُ الذي لا يندفع.
وقد ذكر ابن الأنباري في الآية قولين آخرين فاسدين:
أحدهما: أن {إِلَّا} بمعنى الواو، فالمعنى: وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا. قال: وهذا مروي عن أبي عبيدة، والفراءُ ينكره.
والثاني: أن الاستثناء من الآية التي قبلها، تقديره: حتى يروا العذاب الأليم إلَّا قوم يونس. والاستثناء على هذا متصل غير منقطع.
(1/379)

قلت: هذا في غاية الفساد، فإن ذاك من كلام موسى، قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس:88]، وهو دعاء على آل فرعون، كما قال: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس:88]. ولم يَستثنِ موسى من هؤلاء أحدًا، وقوم يونس ليسوا من قوم فرعون، فأين هذا من هذا؟
والأول أيضًا في غاية الفساد، فإنَّ جَعْلَ {إِلَّا} المُخرِجة بمعنى الواو الجامعة استعمالٌ للفظ في نقيض معناه، وهذا فاسدٌ. وأبو عبيدة له من هذا الجنس أقوال فاسدة، وهذا مما يعلم أئمة النحاة أنه منكر، فالبصريون كلهم ينكرون ذلك، وقد أنكره الفراء وغيره من الكوفيين. وقد ذكر نحو هذا في قوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [البقرة:150]، وهو فاسد من وجوه متعددة، والله أعلم.
فصل
وقد دلت الآية على أن كل من آمن وتاب بعد نزول العذاب نفعَه إيمانُه، وأما من لم يتب أو تاب توبةً كاذبةً فهذا لا ينفعه. وأما التوبة عند
(1/380)

حضور الموت فهي كالتوبة يوم القيامة، قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء:18]، وقال: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} [آل عمران:86 - 91]. وقد فسَّروا ازديادهم كفرًا بأنهم أصرُّوا عليه إلى الموت، فلن تُقبل توبتُهم عند الموت، وذلك -والله أعلم- لأنه حين الموت وقع مبادئ الجزاء، فلم يكن ثمَّ زمنٌ يتسع لأنْ يرجعوا عن السيئات، فتنقص أو تذهب، بل حصلت بالإصرار في زيادة بلا نقصان. ولو تاب أحدهم قبل الموت لم يكونوا قد ازدادوا كفرًا، بل ذهب الأصل والزيادة، فإنهم بدَّلوا السيئات بالحسنات، وأما عند الموت فقد ازدادوا بالإصرار، ولم يكن هناك وقت يذهب، لا هذا ولا هذا.
فقوله: {ثُمَّ ازْدَادُوا} في معنى قوله: واستمروا على كفرهم وأصرّوا على كفرهم، ونظيرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ
(1/381)

آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء:137]، فهنا قال: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}، وهناك قال: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ}، فإنه لو آمن ثم كفر ثم آمن وتاب من رِدَّته قُبِلتْ توبتُه كما تقدَّم، فإن كَفَر وارتدَّ مرةً ثانيةً حَبِطَ الإيمان الذي غُفِر به ذلك الكفر، فيبقى عليه إثم الكفر الأول والثاني، فإذا ازداد كفرًا فأصرَّ إلى الموت لم يُغفَرْ له. وقد ذكر في أول السورة الذي ازداد كفرًا بعد الكفر الأول، فذكر الكفر الأول والمكرر إذا حصل معهما ازدياد، ولما قال هناك: لم تُقبل توبتُهم عند الموت كان هذا تنبيهًا على أن الثاني لا تُقبل توبتُه بطريق الأولى. ولما ذكر في الثاني أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا، كان مفهومه أنهم لو تابوا قبل الارتداد لَقُبِلَتْ توبتهم وإن كرروا الكفر. فدلَّ على أن قوله في الأولى: {ازْدَادُوا} أراد به الإصرار، فإنه لو لم يرد به الإصرار لكان من كفر بعد إيمانه وبقي مدةً ثم تابَ لم تُقبل توبتُه، وهذا خلاف قوله قبل ذلك: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:89]، وخلاف مفهوم آية التكرير، ولو كان كل مرتد بقي مدةً لا تُقبل توبتُه لم يحتج إلى التكرير.
فإن قيل: ازدياد الكفر أن يأتي مع الردَّة بزيادة في الكفر يغلظ به الكفر، فتكون رِدَّتُه مغلَّظةً، كردَّة مِقيَس بن صُبابة وعبد الله بن خَطَل
(1/382)

اللذين أُهدِر دمُهما يوم الفتح.
قيل: هذا من مسائل الاجتهاد، والكلام فيه مبسوط في غير هذا الموضع. والذين أتاهم العذابُ وبقي زمنًا حتى ماتوا، كقوم نوح لما شرع الماء يزيد لو تابوا كما تاب قوم يونس لقَبِلَ الله توبتَهم، لكن لم يتوبوا. وكذلك قوم عادٍ لما رأوا السحابَ فقالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف:24]، فهبَّت الريح سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام حُسومًا، لم يتوبوا. وكذلك قوم صالح لما عقروا الناقة قال: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] لم يتوبوا.
فإن قيل: فقد قال: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} [الشعراء:157 - 158].
قيل: وقد قال عن أحد ابنَي آدم: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:31]، ولم يكن هذا ندمَ توبة، كذلك أولئك قالوا: وقد يقال: كانوا موعودين بالعذاب إذا عقروها، وعذاب الدنيا لا يندفع بمثل هذه التوبة، فإن قوم موسى لما تابوا من عبادة العجل كانت توبتهم بقتل خلقٍ كثير منهم. وكذلك لما سألوا الرؤية جهرةً فأخذتهم الصاعقة وهم لم يتوبوا إلّا خوفًا من عذاب الدنيا.
أو يقال: كانت توبتهم من جنس توبة آل فرعون، إذا جاءهم العذاب
(1/383)

تابوا، فإذا رُفِع نكثوا التوبة. فقوله: {نَادِمِينَ} لا يدل على توبة صادقة ثابتة.
وكذلك قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء:11 - 15]. فهو لم يذكر عنهم توبة، ولكن إخبارهم بأنهم ظالمون، والكفار والعصاة معترفون أنهم ظالمون مع الإصرار، وإبليس معترف أنه عاصٍ لربه مع إصرارِه، وفرعون كان يعلم أن موسى صادق مع إصراره، ومجرد العلم بأنه مذنب ليس توبة، إنما التوبة رجوع القلب عن الذنب إلى الله تعالى وطاعتُه.
وكذلك قوم شعيب لما أخذتْهم الظُّلَّة لم يتوبوا، وكذلك قوم لوط لما جاءهم العذاب لم يتوبوا. والتوبة عند نزول العذاب كثيرًا ما تكون غير صادقة، بل يتوب إلى أن ينكشف، ثم يعود، كتوبة آل فرعون باللسان من غير عملٍ بموجبها، بل مع الكذب.
ولهذا لم يقبل أكثر العلماء توبةَ الزنديق في الظاهر؛ لأنه لا يُعلَم صدقُه، وهو ما زال يُظهِر الإيمان، فلم يجدِّد شيئًا يُعرَف به صدقُه، وهو منافق، ولم ينتهِ عن إظهار النفاق. وقال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا
(1/384)

يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:60 - 62]، ولو تاب قبل أن يؤخذَ، وأظهر التوبةَ بحيث تغيّر حاله وهجرَ ما كان عليه أولًا، قُبِلتْ توبتُه.
وكذلك أرجح القولين أن كل مَنْ تابَ قبلَ الرفع إلى الإمام لم يقم عليه [الحدّ]، ولو جاء إلى الإمام تائبًا فأقر لم تجب إقامة الحدِّ عليه، فلا تجب إقامته على تائب. لكن مَن جاء مقرًّا وطلب من الإمام أن يُقيمه فله أن يقيمه، لأنه من تمام تطهيره، وللإمام أن يدفع مَن جاء مقرًّا تائبًا، بخلاف من أُخِذَ قهرًا واعترف بهذا ولم تظهر منه توبة، فقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة:34] نص عام، ومَن جاء مقرًّا تائبًا فقد تابَ قبل القدرة عليه، فإن هذا قد ظهر صدقُه في توبته، بخلاف من قامت عليه البيّنةُ ثم تاب، أو أقرَّ بعد أن أخذوه، فإن هذا لا يُعرَف صحة توبته، ولو أُسقِط الحدُّ عن مثلِ هذا لأمكنَ كلَّ مجرمٍ أن يُظهِر مثلَ هذه التوبة.
وقد قال بعض العلماء عمّن تاب عند رؤية السيف: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر:84 - 85]، وهذا لأن هؤلاء قد يتوبون مثل توبة آل فرعون، وينقضون التوبة. أو يكون هذا العالم رأى معاينة القتل لم يتحتم مثل معاينة الملَك، ولكن هذا مثل من يُطعَنُ في جوفه ويجيئه
(1/385)

الموت، وهذا تُقبل توبتُه على الصحيح وتنفذ وصاياه، فإن عمر أوصى في هذه الحال، وغايته أنه أيقن بالموت بعد زمنٍ، وكلُّ أحدٍ يوقن بالموتِ بعد زمنٍ طويل أو قصير، إلا أن يقال: من هؤلاء من يضطرب عقلُه، فلا يمكنه توبة صحيحة، فإن التوبة لا بد فيها من رجوع القلب إلى الله عما فعله من السيئات، وهذا قد لا يحصل في هذا الزمان مع تغير العقل.
ومن المذنبين من لا يتوب توبة صادقة بعد معاينة عذاب الآخرة، فكيف بعذاب الدنيا، بل يَعِد بالتوبة، فإذا أُطلق عاد. قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام:27]. قال الله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]. فهؤلاء قد عاينوا العذابَ وتمنَّوا الردَّ، وقالوا: إنهم لا يكذبون بآيات ربهم ويكونون من المؤمنين، وقد كذَّبهم الله في ذلك فقال: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
وهذا يُبيِّن أن قوله: {وَلَا نُكَذِّبَ} و {وَنَكُونَ} إخبارٌ منهم عن أنفسهم، وجواب تمنيهم ليس هو مما تمنَّوه، كأنهم قالوا: يا ليتنا نُردّ فنكون حينئذٍ مؤمنين لا مكذبين. وجواب النهي في لغة العرب يكون بالواو والفاء. فما كلُّ من ذكر أنه تائب عند معاينة العذاب يَصدُق في بقائه تائبًا، كآل فرعون، وهذا موجود في الناس كثيرًا عند الشدائد يتوبون وينذرون، ثم إذا زالت الشدة منهم من يُوفي بتوبته ونذره، ومنهم
(1/386)

من لا يوفي بذلك. قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة:75 - 77].
فهذا النفاق الذي حصل في قلوب هؤلاء قد أخبر الله أنه باقٍ إلى يوم يَلْقَونه، وهذا قد يكون لأنهم لم يتوبوا منه توبةً صادقةً. ومن الناس من يقول: إن من الذنوب ما لا يزول بالتوبة، وقد روي أن منهم من جاء بصدقته فلم يقبلها، كالذين قال فيهم: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة:83]. فهؤلاء لم يُقبل منهم الجهاد لما امتنعوا عام تبوك، وهذا لم تُقبل منه الصدقة لما منعها أولًا.
وقوله في الثلاثة الذين خُلِّفوا: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة:106] دليلٌ على أن هؤلاء الذين عُذِّبوا لم يتب الله عليهم، إما لكونهم لم يأتوا بتوبةٍ تمحو ذلك الذنب، هذا قول الأكثرين. وحينئذٍ فيكون التقصير منهم، وهم ظلموا أنفسهم. وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53]، على أنه إذا تاب توبةً صادقةً، والشأن في تحقيق التوبة، ولهذا أخَّر الثلاثة الذين خُلِّفوا، وقد كانوا
(1/387)

نادمين من حين رجع الرسول والمؤمنون.
وهذا كما قد قيل: إن الله حجرَ التوبة عن كل صاحب بدعة، بمعنى أنه لا يتوب منها، لأنه يراها حسنةً، والتوبة إنما تتيسر على من عرف أن عمله سيِّء قبيح، فيكون عمله داعيًا له إلى التوبة، أما إذا اعتقد أنه حسن فيحتاج ذلك الاعتقاد إلى أن يزول، وزوال الاعتقاد لا يكون بالوعظ والتخويف، وإنما يكون بعلم وهدى يبيِّن الله له فساد اعتقادِه، وصاحب الاعتقاد الفاسد جهلُه مركب، وهو لا يُصغي إلى أدلّة مخالفيه وتفهُّمِها لوجهين:
أحدهما: أنه لا يجتمع النقيضان في القلب، فلا يجتمع ذلك ودليلُ نقيضِه، فإن دليل النقيض يستلزمه، فلا يمكن أن يتصور دليل النقيض إلا مع عُزوب ذلك الاعتقاد عن القلب، لا مع حضوره، ولأن اعتقاده لذلك القول يدعوه إلى أن لا ينظر نظرًا تامًّا في دليل خلافه، فلا يعرف الحق.
ولهذا قال السلف: إن البدعة أحبُّ إلى إبليس من المعصية. وقال أيوب السختياني وغيره: إن المبتدع لا يرجع. واحتج بقوله في الخوارج: «يمرقون من الإسلام كما يمرق السهمُ من الرميَّة، ينظر في نَصْلِه فلا يرى شيئًا، وينظر في رِصَافِه فلا يرى شيئًا، وينظر في قِدْحِه فلا يرى شيئًا، وينظر في نَضِيِّه فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفُوْق قد سبقَ الفرثَ والدمَ».
(1/388)

وهذا الذي ذكره هو كحال من {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة:77]، والذين لو {رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام:28]. لكن ليس هذا وصف جميع أهل البدع، فليست البدعة أعظم من الردّة عن الإسلام والكفر، وقد تاب خلقٌ من المرتدّين والكفار، لكن هو مظنة الخوف، كالذين أسلموا من المرتدّين كان الصحابة يحذرون منهم خوفًا من بقايا الردَّة في قلوبهم. فهذا هو العدل في هذا الموضع، وقد تاب خلقٌ من رأي الخوارج والجهمية والرافضة وغيرهم. لكن التوبة من الاعتقادات التي كثُر ملازمةُ صاحبها لها ومعرفتُه بحججها يحتاج إلى ما يقابل ذلك من المعرفة والعلم والأدلة.
ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوا شيوخَ المشركين واستبقُوا شَرْخَهم». قال أحمد وغيره: لأن الشيخ قد عسَى في الكفر، فإسلامه بعيد، بخلاف الشاب، لأن قلبه لين، فهو قريبٌ إلى قبول الإسلام.
(1/389)

ومما يناسب هذا قوله تعالى عن مسجد أهل الضرار: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [التوبة:110]، هذا قرأه الجماعة، وقرأ يعقوب «إلى أن تقطع»، وعلى هذا فالريبة باقية إلى حين التقطع. وأما قراءة الجمهور فإنه استثنى فقال: {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}، فإذا قطعت قلوبهم لم يبقَ ريبةٌ في قلوبهم. وقد قال سفيان وغيره: هو التوبة. وقال كثير من المفسرين: هو التقطع بالموت أو في القبر أو يوم القيامة. وقول هؤلاء يناسب قراءة يعقوب، فإنه لا تزال ريبة إلى حين تقطع القلوب. وأما قراءة الاستثناء فإن كانت توبتهم مقبولة كما قال سفيان وغيره فهي تحتاج إلى تقطع القلوب، تتمزق بالتوبة، فتحتاج إلى مشقة وشدة. وهكذا كثير من ذنوب أهل الاعتقاد والشبهات وأهل الشهوات القوية يحتاج صاحبُها إلى معالجة قلبه ومجاهدة نفسه وهواه. وتوبة الثلاثة قد قال الله فيها: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} [التوبة:118]، فكيف غيرهم؟ وتوبة أبي لبابة وأصحابه كانت لما ربطوا أنفسَهم في السواري، وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يدل على أنه
(1/390)

سبحانه يعلم من أحوالِ القلوب ما يناسب هذا، وهو حكيم في حكمه بأنه {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}.
وإذا أريد بتقطع القلوب تقطعها بالتعذيب فقط فيكون ذلك لأنه علمَ أن هؤلاء المعينين لا يتوبون، وإن أريد تقطعُها بالتوبة أو بالتعذيب فلا بدّ لهم من أحد الأمرين: إما أن يقطعوها بالتوبة، وإلا قطعت بالعذاب، كما قال: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة:106]. وأولئك المعينون إذا لم يقطعوها بالتوبة قطعت بالتعذيب، فالعذاب مُخرِج ما في النفوس من الريبة والنفاق، لمن لم يُخرِجه بالتوبة، والذنوبُ لا بد فيها من توبة أو تعذيب، ولو أنه ينقص الحسنات لأجلها، كما قال: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع. والله أعلم.
فصل
وقوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة:102]، نُقل عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا: عسى من الله واجب. وهذا الذي قالوه قد وُجِد بالاستقراء في مواضع، كقوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ} [الممتحنة:7]. وجعل الله المودة بين المؤمنين وبين الذين كانوا يعادونهم بعد أن نزلت هذه الآية لما فُتِحتْ مكة وآمن الطلقاءُ، كأبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن
(1/391)

أبي جهل، والحارث بن هشام وغيره.
وقوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة:52]، وأتى الله بالفتح وبأمرٍ من عنده، فأصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين.
وقوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة:102]، وتاب عليهم.
وقوله: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} [الإسراء:50 - 52]. وهذا يكون ذلك اليوم.
وقوله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد:22]، ومن تولى عن طاعة الله والرسول أفسد في الأرض وقطعَ رَحِمَه، كما فعل المشركون {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة:10].
(1/392)

مسألة
عن رجل يزعم أنه شيخٌ ويتوِّب الناس ويأمرهم بأكل الحيَّة
(1/393)

سُئِل الشيخ تقي الدين رحمة الله عليه
عن رجلٍ يَزعم أنه شيخٌ ومن أولاد المشايخ، ويَجلسُ على سجَّادةٍ ويُتَوِّب الناس، ثم إنه يأمر الفقراءَ بأكل الحيَّةِ وبمَسْكِها، وإذا قصدوا أكلَها أكَلُوها في حضرة الشيخ، ويَسِيل دمُها على لِحاهم، ثم يأمرهم بالدخول في النار ويأكلوا منها، ويأخذ الشيخ عصًا يَعصِر منها دمًا أو سَمْنًا، ويُتوِّب النساءَ حتى يخرجن مُوَلَّهين، ويُحاضِر الشيخ النساءَ ويزعم أنه من السادات العلماء المتصلين بالله تعالى، وأن ذلك كله من الكرامات الربانية، فهل ذلك كله أفعال ربانية أو شيطانية؟ وهل السلف فعلوا ذلك أم لا؟ وهل يَحِلُّ فعلُ ذلك أم لا؟ وهل يحلُّ لمسلمٍ إكرامُ من كانت هذه أفعاله أو مجالستُه أم لا؟ وكلُّ ذلك بدعة محضةٌ أو لا؟ أفتونا رحمكم الله، وأوضِحْ عن كل فصل، فإن هذه البدع قد فشَتْ في البلاد، واستحوذَ الشيطانُ على قلوب جماعة كثيرة، أفتونا مأجورين مُثابِين.
فأجاب رحمه الله تعالى
الحمد لله رب العالمين. من أَمَرَ الناس بأكل الحيَّات أو العقارب أو الزنابير أو غير ذلك من الخبائث التي حرَّمها الله ورسولُه، وجعل كلَّ ذلك من كرامات الأولياء، فهو مبتدع ضالٌّ مستحقٌّ للعقوبة التي تَزجُره
(1/395)

وأمثالَه عن ذلك، فإن المسلمين متفقون على أن أكلَ الحيّات ليس مما أمر الله به ورسولُه، ولا هو من كرامات الأولياء، بل ذلك محرَّم عند جمهور علماء المسلمين. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خمسُ فواسقَ يُقتَلنَ في الحلِّ والحرم»، وذكر منها الحية والعقرب. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الحيّات، ولم يتقدم لأحدٍ من أهل الخير أمرٌ لأحدٍ من أتباعهم بأكل الحيات.
ومن أكلَ الحياتِ والعقارب والزنابير والميتةَ والعذراتِ وغير ذلك من هؤلاء المنتسبين إلى الفقر والتولُّه، فإن الشيطان يَدخُل فيهم حتى يأكلوا ذلك، ثم يفعلوا ما حرَّمه الله ورسولُه، فلا يأكلون طيبًا ولا يعملون صالحًا. وهؤلاء خالفوا أمر الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة:172]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون:51]. وهؤلاء خالفوا أمرَ الله، فلم يأكلوا طيبًا ولم يعملوا صالحًا.
وكذلك من أمَرَ مُريديه بدخول النار فهو شيخٌ ضالٌّ مبتدع، غايته أن
(1/396)

يكون معه شياطين تلبس المريدَ حتى يدخل النار، ولهذا إنما يدخلونها عند أهل الجهل والضلال الذين ليس عندهم من الإيمان شيء واليقين ما يحضر معه الملائكة الذين يطردون الشياطين، فإذا حضر هؤلاء عند أهل العلم والإيمان بالله ورسوله، المُتَّبِعين لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، فدخلَ أحدُهم النارَ احترقَ، لأن شياطينه التي كانت تلبسه تهربُ حينئذٍ، وإذا قرأ عليهم الصادقُ آيةَ الكرسي مرّاتٍ بقلبٍ صادق هربتْ شياطينُهم وأحرقَتْهم النار، كما قد جَرى مثلُ ذلك لغيرِ واحدٍ من الصالحين معهم. هذا إن كان أحدهم يأكل الحية ويدخل النارَ بالحال الشيطاني.
وأما من يفعل ذلك بالمحال البهتاني، فهؤلاء يصنعون حِيَلًا وأدويةً كحجر الطَّلْق ودهن الضفادع وقُشور النارنج وغير ذلك من الأدوية المعروفة عند من يُعاني ذلك. وكذلك ما يُظهرونه من الدم والزعفران واللاذَن والسمن مَن يكون عن حالٍ شيطاني، ومن يكون عن حالٍ بهتاني.
وأما تَولِيْهُ النساء والصبيان والرجال بحيث يزول عقلُ أحدهم ويبقَى مسلوبَ العقل، فهذا من المحرَّمات التي يستحق فاعلُها غليظَ العقوبات. فكل من قَصَدَ أن يُزيل عقلَه بسببٍ من الأسباب فإنه آثمٌ عاصٍ معتدٍ، حتى قد حرَّم الله ما يُزيل العقلَ بعضَ يومٍ كشراب الخمر، وحرَّم قليلَ الخمر وإن كان لا يُسكِر لأنه يدعو إلى كثيرها، مع ما في
(1/397)

الخمرة من اللذة والمنفعة، فكيف إذا أزيل العقل بلا منفعة؟
ولهذا إنما يتولَّهُ أحدُهم إذا لبسه الشيطان، وإن تمكَّن منه صارَ لا يعقل، وإن كان يعتريه بعضَ الأوقات أو يعتريه في حالِ السماع كان بمنزلة المجنون الذي يُصرَع في بعض الأوقات. ولهذا يتكلم الشياطين على لسانِ أحدِهم إذا أخذه الحالُ الشيطاني وقتَ السماع، كما يتكلم الجني على لسان المصروع، ويتكلم أحدهم بكلامٍ لا يَعرِفُه بلغاتٍ لا يُحسِنها كما يسمع من المصروع، وإذا فارقَه الحالُ الشيطاني لم يَدرِ ما تكلم على لسانه، ولكن الحاضرون يقولون له: قلتَ كذا وقلتَ كذا، وهو لا يعرف بشيء من ذلك، كما يقول للمصروع: قلت كذا وقلت كذا، والمصروع لا يعرف شيئًا مما تكلم به الشيطانُ على لسانِه.
ولهذا لا تأتيهم الأحوال الشيطانية عند أمر الله به ورسوله، مثل الصلوات الخمس وقيام الليل وقراءة القرآن بالتدبر والطواف بالبيت، بل تأتيهم عند المنكرات التي لا يحبها اللهُ ورسولُه. وكلَّما كان الشرُّ أعظمَ كان الحالُ الشيطاني أقوى، فإذا سمعوا مزاميرَ الشيطان، وحرَّكوا الأردانَ، وتراقصو كالدِّباب، ومزَّقوا الثياب، وارتفعت الأصواتُ كرُغاءِ البعير وخُوارِ الثِّيران، وثارتِ الأرواحُ المنتنةُ وحَضَر النساءُ والمردان= تنزَّلت عليهم الشياطينُ وجُندُ إبليس اللعين، فسقاهم الشرابَ الشيطاني، وسَلَبَهم الحالَ الإيماني، حتى لو أراد أحدُهم أن يذكر الله ويقرأ القرآن ويصلي بخشوعٍ لما أطاقَ ذلك، بل كثير منهم يُعيِّطون في الصلوات بالشَّخير والنَّخِير والصوت الذي يُشبه نَهِيقَ الحمير، وإن
(1/398)

صَلَّوا صَلَّوا بقلوبٍ غافلةٍ لاهية، صلاةً لا يذكرون الله فيها إلا قليلًا، يَنقُرونَها نَقْرًا، كما ثبتَ في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك صلاةُ المنافق، تلك صلاةُ المنافق، تلك صلاةُ المنافق، يَرقُب الشمسَ حتى إذا كانت بينَ قَرنَي الشيطان قامَ فَنَقَرَها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا».
ثم من هؤلاء من يُباشِر النجاساتِ، ويأوي إلى القمامين والمراحيض والحمامات، ومنهم من يُعاشِر الكلاب والحيّات، وهم مُقصِّرون فيما أمر الله به ورسولُه من الطهارةِ طهارةِ الحدث والخبث، ومن قراءة القرآنِ وتدبر معانيه، ومعرفةِ حديثِ النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنتِه، وقد قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31]، فأمرَ من ادَّعَى محبةَ الله باتباعِ نبيه، وضَمِنَ لمن اتبعَ نبيَّه أن يُحِبَّه. وهؤلاء من أبعد الناس عن متابعة الرسول، وهم بأعداء الله الملحدين أشبهُ منهم بأوليائه المتقين، ووصفُ ما في هؤلاء من العيوب والقبائح لا يتسع له هذا المكتوب.
فمن اعتقد في هؤلاء أنهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجندِه الغالبين، فهو من أضلِّ العالمين، وأبعدِهم عن دين الإسلام، الذي بُعِث به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ولكن التبستْ أحوالُهم على كثيرٍ من الناس لما يرونه أحيانًا من أحدهم من نوع مكاشفةٍ وتصرُّفٍ خارج عن العادة، وهم في ذلك من جنس الكهان والسحرة التي كانت الشياطين تنزل عليهم. قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى
(1/399)

مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:221 - 222].
ولهذا لا يوجد من هؤلاء إلا من هو خارجٌ عن الكتاب والسنة، وإذا صدقَ مرةً في مكاشفته فلا بدَّ أن يكذب مرةً أخرى، وإن لم يتعمد هو الكذب لكن شيطانه الذي يُلقي في قلبه ما يُلقي وهو يكذب، كما كان يجري لمثل عبد الله بن صيَّاد الذي ظَنَّ بعضُ الصحابة أنه الدجّال ولم يكن هو الدجّال، ولكن كان من جنس الكهان، ولهذا لما خَبأ له النبي صلى الله عليه وسلم سورةَ الدخان قال: «قد خَبأتُ لك خبِيئًا»، فقال: الدُّخ الدُّخ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اخْسَأْ فلن تَعْدُوَ قَدْرَك». يريد: أنك من جنس الكهان الذي يقترن بأحدهم شيطان. وقال: «ما تَرى؟» قال: أرى عرشًا على الماء، وذلك عرش الشيطان. وقال له: «ما يأتيك؟» قال: يأتيني صادقٌ وكاذبٌ.
وهؤلاء الذين يقترن بهم الجنُّ في غير ما أمر الله به ورسوله ثلاثة أصنافٍ بحسب قُرَنائهم من الجنّ:
فمنهم: من هو كافرٌ وشيطانُه كافر، كاليونسية الذين يُنشِدون الكفريات، كقولهم:
تعالَوا نُخرِبِ الجامِعْ ... ونَجعلْ فيه خمَّارَهْ
(1/400)

نُخرِّبْ خَشَبَ المِنْبَرْ ... ونَجعلْ منه طُنبارَهْ
ونُحرِقْ وَرَقَ المصحفْ ... ونَجعلْ منه زَمَّارَهْ
ونَنْتِفْ لِحيةَ القاضِي ... ونَجعلْ منه أوتارَهْ
وقولهم:
وأنا حميتُ الحمَى وأنت سكنتَ فيهْ ... وأنا تركتُ الخلائق في بحارِ التِّيْهْ
موسى على الطور لما خرَّ لي ناجَى ... وصاحب يثرِبْ أنا جِبْتُوه حتى جا
وقولهم:
أنت إلهْ وأنا في جانبك رَبّ ... خَلقك تُعذّبْ، وخَلقي ما عليهم ذَنْبْ
وأمثال هذه الكفريات.
ومنهم: من يكون جِنُّه فُسَّاقًا، كالذين يجتمعون اجتماعًا محرمًا بالنسوان والمردان، ويتواجدون في سماع المكاء والتصدية الذي يُشبِه سماعَ عُبَّاد الأوثان، إذا كانوا مصدّقين بتحريم ما حرَّمَه الله ورسوله، وفعلوا الكبائر مع اعتقاد تحريمها، فهم فُسَّاق.
وصنف ثالث: جُهَّال مبتدعون، فيهم ديانة، فيهم زهد وعبادة
(1/401)

وتعظيم لدين محمد صلى الله عليه وسلم، لا يختارون مخالفته ولا الخروج عن دينه وشريعته، والتبست عليهم هذه الأحوال الشيطانية، فظنّوها كراماتِ الأوليات، وأن من يحصل له من هذه الأحوال يكون من أولياء الله المتقين. ولو أنهم علموا أنها مخالفة لأمر الله ورسولِه لم يدخلوا فيها، لكن جهلوا ذلك، فهؤلاء ضُلَّال.
ومن أكابر هؤلاء من تحمله الشياطين وتذهب به عشيةَ عرفةَ إلى عرفات، وتَرجِع به في تلك الليلة، وهو لم يُحرِم ولم يُلَبِّ ولم يَطُفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ولم يُفِضْ إلى مزدلفة ولا رَمَى الجمار، بل ويَقِفُ بعرفات بثيابه. ومعلومٌ أن هذا ليس من العبادات التي يحبها الله ورسولُه، بل قد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعرفةَ قومًا عليهم الثياب فطلبَ عقوبتَهم. وهذا بمنزلة من حَملتْه الشياطين إلى الجامع، فصلَّى مع الناس بلا وضوء أو إلى غيرِ القبلة.
ولو كان هؤلاء عالمين بدين محمد صلى الله عليه وسلم مُتَّبِعِين له لعَلِمُوا أن هذا الحملَ إلى عرفات على هذا الوجه من أحوال الشياطين، لا من كرامات أولياء الله المتقين. وبسط الكلام في هذا الباب وما فيه من الخطأ والصواب، والفرق بين كرامات أولياء الله المتقين وبين أحوال أتباع الشياطين، لا يتسع له هذا الجواب.
وإذا كان كذلك فهؤلاء تجب استتابتُهم وعقوبةُ من لم يَتُبْ منهم،
(1/402)

وأقلُّ عقوباتهم أن يُهجَر أحدُهم حتى يتوب، ومَن أكرمَهم لله تأليفًا لقلوبهم واستتابَهم وبيَّن لهم ضلالَهم فقد أحسن، وأما من يكرمهم معتقدًا أنهم من أولياء الله المتقين فهذا مخالفٌ لدين المسلمين، يجب عليه أن يتوب من ذلك، ويعرف الحقّ الذي بعثَ الله به رسولَه صلى الله عليه وسلم، وأنّ مَن خالفَ أمرَ اللهِ ورسوله فهو ضال، وعليه أن يتبع أمر الله ورسوله، فإن الله بعث رسولَه بالهدى ودين الحق ليُظهِره على الدِّين كله، وكفى بالله شهيدًا. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته: «خير الكلام كلامُ الله، وخير الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرُّ الأمورِ محدثاتُها، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ».
تمت بحمد الله وعونه.
(1/403)

مسألة
في النسبة إلى الخرقة
(1/405)

سُئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية عن نسبته إلى الخرقة.
فأجاب، فقال:
الحمد لله، أما بعد، فإن الله سبحانه خلق الخلقَ لعبادته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، وبعث إليهم رُسُلًا اصطفاهم يدعونهم إلى دينه الذي ارتضاه لنفسه، وهو دين الإسلام، وإن تنوعت شرائعُهم ومناهجهم، كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13].
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون:51].
قال: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف:45].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل:36].
وختمهم بسيِّد ولد آدم خاتم النبيين وإمام المرسلين إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، وشفيع الخلائق يوم القيامة محمد صلى الله عليه وسلم، بعثَه
(1/407)

بأفضل المناهج وأعلى الشرائع، وأتمَّ عليه وعلى أمته النعمةَ، وأكملَ لهم الدين، فقال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48].
وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18].
وقال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج:67]، {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة:148].
وفرضَ على أهل الأرض عربِهم وعجمِهم وإنسِهم وجنِّهم الإيمانَ به وطاعتَه، فإن النبي قبله كان يُبعَث إلى قومه خاصة، وإن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعثه الله إلى الناس عامةً، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]. وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]. وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء:69]. وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء:13 - 14].
وجعل من أُمَّتِه أولي أمرٍ يَرجعُ الناسُ إليهم في صلاح دينهم
(1/408)

ودنياهم، إذ لا يقوم الدين والدنيا إلا بولاة أمورها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} إلى قوله: {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:102 - 104].
فولاة أمور الدين [الذين] أمر الله أن يكونوا ولاة أمورهم، الدعاة إلى الخير، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} [التوبة:33]، هو الذي أرسل الله به الرسلَ، وأنزلَ به الكتب، وجعل نعت هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، كما جعلهم شهداء على الناس. فلهم الشهادة في الخبر، والإمامة في الطلب والإنشاء. والكلام إما إنشاء وإما إخبار، وذلك هو الذي وصف القرآن حين قال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58].
ثم إنه قرن طاعته بطاعة رسوله، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59]. [فوليُّ الأمر] منهم يُطاع فيما أمر الله بطاعته، وهو الأمر الذي يحتاج إليه فيه، وكان ذلك قد اجتمع في الخلفاء الراشدين الذين نصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
(1/409)

على اتباع سنتهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إنه مَنْ يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وإنّ كلّ بدعةٍ ضلالةٌ».
وأما بَعْدَ الخلفاءِ الراشدين فتفرَّق الأمرُ في أنواعٍ من ولاة الأمور، ما بين أمراء وعلماء وملوك ومشايخ ونحوهم، فأكرمهم عند الله أتقاهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].
وأولاهم بالله ورسوله أشدُّهم اتباعًا لكتاب الله وسنة رسوله، ولكلٍّ محلٌّ تنفُذُ فيه ولايتُه، وحقٌّ يجبُ فيه طاعتُه، وتَصَرُّفٌ يجب فيه طاعته، كما تنفُذُ أمورُ الجهاد فيما يتولونه من الجهاد في سبيل الله لمن خرج عن دين الله، وتنفُذُ أمورُ قضاةِ الإسلام فيما شرع له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الواقع على حدود الكتاب والسنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فَلْيُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان».
وتنفُذ فتاوي العلماء فيما يخبرون به من الأحكام الشرعية، ويأمرون
(1/410)

به من طاعة الله ورسوله.
وينفُذ أمرُ مشايخ الدين فيما يدعون إليه من طريق الله، ويرشدون العباد إليه من دين الله.
وأحقُّهم بالاتباع مَن كان بالإيمان والقرآن أَوْلى بالاطلاع، إذ لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، والويل لمن اتبع الأكابر فيما خرج عن سنن المرسلين، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي، وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان:27 - 29]، وقال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب:66 - 68].
في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصةً، وقد جعلهم الله صنفين: أهل سعادة وأهل شقاوة، وجعل السعداء صنفين: سابقين ومقتصدين، فقال تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة:27]، {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [الواقعة:9]، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة:10 - 11].
وقال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ
(1/411)

(89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة:88 - 94]، فهذا في الخلق جميعهم.
وقال تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر:32].
وقد ذكر الأصناف الثلاثة في الخلق في الإنسان والمطففين، وجعل صِنفَي السعداء أربعَ درجات في قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء:69]. فأفضل الخلق بعد النبيين الصّدّيقون. ووصف سبحانه أولياءه الذين هم أولياؤه بأن {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62]، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/412)

مسألة في الحضانة
(1/413)

مسألة في الحضانة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يسِّر
صورة كتاب كتبه الشيخ الإمام العلامة علم الأولياء تاج الأصفياء قامع البدع محيي الشريعة ناصر السنة مفتي الفرق تقي الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية -أعاد الله من بركته على المسلمين- إلى بعض الأمراء المقدَّمين. وذلك في العشرين من شهر رمضان من سنة ثلاث وسبعمئة بسبب ابنة يتيمة طلب عمها أخذها بالحضانة بحكم الشرع المطهر، وطلب معاونته على أخذ ابنة أخيه، فكتب:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من الداعي أحمد ابن تيمية إلى الأمير الكبير أسد الدين أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة، وأسبغ نعمه عليه باطنة وظاهرة، وتولاه في جميع الأمور، وصرف عنه كلَّ محذور. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على إمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
(1/415)

أما بعد، فإن الله قد منَّ على الأمير ومنَّ به لما جمعه فيه من العقل والدين والخير والسياسة والمداراة وحسن البصيرة الذي يميز بها بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وقد قدم الشيخ فلان بن فلان وهو كثير الدعاء للأمير كثير الثناء عليه، وأظهر له لسان صدق بين الدولة وأعيان الناس لما رآه من إحسان الأمير ومساعدته على مصالح المسلمين، وإظهار شعائر الإسلام التي بعث الله بها رسولَه وأنزل بها كتابه بحسب الإمكان، فإن الأمير أحسن الله إليه يعلم أن المسلمين كما اجتهدوا في طاعة الله ورسوله واتباع كتابه المنزل ونبيه المرسل الذي أقام الله به الحجة على أهل الأرض عربهم وعجمهم، وإنسهم وجنهم، وأوجب من طاعة غيره ما وافق طاعته، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والله هو المسؤول أن يجمع أمر هذه الأمة على ما يحبه ويرضاه، ويؤلف بين قلوبها على البر والتقوى.
والمولى يعلم قاعدة كلية أن الذي أوجب الله تعالى والذي يمكن المؤمن أن يعلمه هو طاعة الله بحسب الإمكان، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتُم». والله تعالى يوفق الأمير وأصحابه في هذا الشهر المبارك وسائر الأوقات لما يحبه ويرضاه في خيرٍ وعافية.
(1/416)

وقد قصد الداعيَ بعضُ الناس في امرأةٍ لم تبلغ وقد تزوجت أمُّها، وأقرب الأقارب إليها عمّها مولاهم، ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحضانة للأم ما لم تتزوج، فإذا تزوجت بأجنبي فلا حضانة لها، بخلاف ما لو تزوجت بقريب من البيت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحاكم إليه علي وزيد وجعفر في ابنة حمزة بن عبد المطلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عمرة القضية تعلقت بعلي، فقال علي لفاطمة: دونك ابنة عمك. فلما قدموا إلى المدينة تحاكم فيها الثلاثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال علي: ابنة عمي، وأنا أحق بها، يعني لأني أنا أخذتها من مكة. وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وكان جعفر مزوجًا بخالتها. وقال زيد: ابنة أخي لأن المؤاخاة كانت بين زيد وحمزة. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر، وقال: «الخالة أمٌّ»، ثم طيَّب أنفس الثلاثة، فقال لعلي: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي». وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا».
فهذه الخالة لما كانت مزوجة بابن عم الجارية لم ينتزعها منها. وقال لامرأة أخرى لما نازعت مطلِّقَها في حضانة ولدها: «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عمُّ الرجل صِنْو أبيه». ورُوي:
(1/417)

«العمُّ والدٌ في كتاب الله». قال الله تعالى عن يعقوب: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة:133]. وإسماعيل إنما كان عمَّه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخالة أمٌّ» فكذلك العمُّ أبٌ، فالحضانة لهذا العمّ الذي هو بمنزلة الأب في كتاب الله وسنة رسوله. والمسلمون متفقون على ذلك، وقد قال الله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال:75].
وهم يطلبون مساعدة الأمير على إيصال الحق إلى مستحقيه وتسليم هذه الجارية إلى من هو أحق بها في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين.
هذا أمرها في الحضانة. وأما النكاح فإذا كانت تُؤثِر أن تتزوج ولها إذن صحيح، فالأمير أحسن الله إليه يعلم حكم الله ورسوله، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأيمُ أحق بنفسها من وليها، والبكرُ تُستأذن في نفسها وإذنها صماتها»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكَح البكرُ حتى تُستأذن، ولا الأيم حتى تُستأمر». وقال الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:232] نزلت
(1/418)

في معقل بن يسار لما منع أخته أن تتزوج بزوجها الذي كان طلقها واحدة.
وروى الترمذي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا علي! ثلاث لا تؤخرهن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدتَ لها كفؤًا». فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأيم إذا وُجِدَ لها كفؤٌ أن لا تُؤخَّر. ولهذا خطب إلى الحسين بن علي بعض بنات أخيه وهو يتعرَّق لحمًا، فزوَّجه إيَّاها قبل أن يأكل لحم العرق طاعةً للحديث الذي رواه أبوه عن جدّه.
وإذا كان قد أمر بأن الأيم لا تؤخر عن وجود الكفؤ، وأمر أن لا تزوج إلا بإذنها، فدلت النصوص على أنه يجب على الولي أن يزوج المرأة إذا طلبت منه أن يزوجها بمن عيَّنتْه إذا كان كفؤًا، وألا يزوجها بغيره، والولي هو العم، وهو موافق على ذلك.
ولهذا أجمع المسلمون على أن الولي لا يجوز له عضلُ المرأة إذا طلبت النكاح من كفؤ، وأنها لا يُجبِرها مَن سوى الأب والجد إذا كان لها إذن، وفي الأب والجد تفصيل ليس هذا موضعه.
(1/419)

وهم قد طلبوا من الأمير المعاونة على ذلك باطنًا وظاهرًا، لما في ذلك من البر والقربة الذي أمر الله به ورسوله. والله يُوفق الأمير لصالح القول والعمل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى من تحيط به عنايتكم، وعلى سائر الإخوان. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا.
(كتبه محمد بن الحاج عبد الله، والحمد لله رب العالمين، من كلام شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رضي الله عنه، في الحكم في تزويج البنت اليتيمة وغيرها، واستشهاده على ذلك بالأحاديث النبوية):
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يَسِّر برحمتك يا كريم يا عظيم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكَحُ الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذن»، قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت». رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأيم أحقُّ بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتها». وفي رواية: «والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وصمتها إقرارُها». رواه مسلم في صحيحه.
(1/420)

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية يُنكِحُها أهلُها أتُستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، تُستأمر». قالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فذلك إذنُها إذا هي سكتت».
وعن خنساء بنت خِذام أن أباها زوَّجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فردَّ نكاحه، رواه البخاري.
قال الشيخ الإمام المفتي تقي الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ للإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رضي الله عنه كاتبُ الخط المنقول منه هذه الأحاديث: فالمرأة لا ينبغي لأحد أن يزوجها إلا بإذنها كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كرهت ذلك لم تُجبَر على النكاح إلا الصغيرة البكر، فإن أباها يزوجها ولا إذن. وأما البالغ الثيب فلا يجوز تزويجها بغير إذنها، لا للأب ولا لغيره، بإجماع المسلمين. وكذلك البكر البالغ ليس لغير الأب والجد تزويجها بدون إذنها بإجماع المسلمين. وأما الأب والجد فينبغي لهما استئذانها.
واختلف العلماء في استئذانها هل هو واجب أو مستحب، والصحيح أنه واجب. ويجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يُزوِّجها به، وينظر في الزوج هل هو كفؤ أم غير كفؤ، فإنه إنما يُزوجها
(1/421)

لمصلحتها لا لمصلحته، وليس له أن يزوجها بزوج ناقص لغرضٍ له، مثل أن يُزوِّج وليَّه ذلك الزوجُ بدلَها، فيكون من جنس الشغار الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، أو يزوجها بأقوام تخالفهم عن أغراض له فاسدة، أو يزوجها برجل لمالٍ يبذله له وقد خطبها من هو أصلح لها من ذلك الزوج، فيقدم الخاطب الذي بَرْطَله على الخاطب الكفؤ الذي لم يُبرطِلْه.
وأصل ذلك أن تصرف الولي في بُضْع وليته كتصرفه في مالها، فكما لا يتصرف في مالها إلا بما هو أصلح لها، فكذلك لا يتصرف في بعضها إلا بما هو أصلح لها. إلّا أن الأب له من التبسط في مال ولده ما ليس لغيره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك»، بخلاف غير الأب، والله أعلم.
وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُستأمر اليتيمةُ في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبَتْ لم تُكْرَه». رواه أحمد في مسنده.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليتيمة تُستأمر في نفسها،
(1/422)

فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها». رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي.
فإن كانت المرأة لها تسع سنين ولا أب لها فقيل: يُزوِّجها الولي بلا إذنها، وقيل: لا تُزوَّج حتى تبلغ، وقيل: يزوجها بإذنها كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا أصح الأقوال، وعليه دلَّ الكتاب والسنة.
(نقله كما شاهده من خط الشيخ الإمام العالم المفتي تقي الدين ابن تيمية رضي الله عنه، وأذن له الشيخ في نقله أيضًا العبد الفقير إلى ...).
(1/423)

مسائل مختلفة
(1/425)

سئل الشيخ أبو العباس أحمد ابن تيمية عمن تُصِيبه جنابةٌ، والماء يضرُّه، أو يكون مجروحًا، فهل يجوز له أن يصلي أو يقرأ القرآن؟ وما قدرُ المدة التي يصلي فيها ويقرأ؟ وهل نُقِل عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك أو عن السلف الصالح؟
فأجاب:
الحمد الله، إذا أصابته جنابةٌ وكان عادمًا للماء، أو يخاف الضررَ باستعماله، بحيث يجوز له التيمم من الحدث الأصغر، فإنه يتيمم للحدث الأكبر وهو الجنابة، كما يتيمم للحدث الأصغر، في مذهب الأئمةِ الأربعة وجماهير الصحابة وسائرِ أئمة المسلمين. وقد دلَّ على ذلك آيتان من كتاب الله: آية النساء وآية المائدة، وعدة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حديث عمار بن ياسر الذي في الصحيحين لما أجنبَ هو وعمر، فتمرَّغ عمارٌ كما تتمرَّغ الدابةُ ظانًّا أن التراب كالماء في الفعل فيَعُمُّ البدن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، فمسحَ بهما وجهَه وكفَّيه.
(1/427)

وحديث عمران بن الحصين الذي في الصحيح في نومهم عن صلاة الفجر في غزوة خيبر، وكرامة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير ماء المزادة، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلًا معتزلًا من القوم لم يُصلِّ قال: «يا فلان! ما منعَك أن تصلِّيَ معنا؟» فقال: إني كنتُ جُنبًا، فأخبرَه أن الصعيد الطيب يكفيه. ثم لما أُتِي بالماء أعطاه قَدَحًا فاغتسلَ.
وحديث أبي ذر في التيمم من الجنابة، وفيه: «إن الصعيدَ الطيب طَهورُ المسلم، ولو لم يجد الماءَ عشرَ سنين، فإذا وجدتَ الماءَ فأمِسَّه بشْرَتَك، فإن ذلك خير».
وحديث عمرو بن العاصي لما بعثَه النبي صلى الله عليه وسلم أميرًا في غزوة ذات السلاسل، وأصابتْه الجنابة في ليلةٍ باردةٍ فخشيَ مضرَّةَ الاغتسال، فتيمم وصلَّى بأصحابه وهو جنب، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأقرَّه عليه.
وحديث صاحب الشجَّة الذي أفتاه بعضُ الناسِ بالاغتسال حتى مات، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «قَتلوه قَتلَهم الله، هَلَّا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شِفاء العِيِّ السؤالُ».
(1/428)

وقد رُوي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود منعُ الجنب من التيمم، ولكن خالفهما جمهور الصحابة والتابعين. وإذا تنازع السلف في شيء رُدَّ ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله، فوجدَ الأئمةُ الكتابَ والسنة قد دلَّ على مذهب الجمهور، فاستقرَّت أقوال الأئمة على ذلك.
وإنما تنازعوا في حدّ الضرر الذي يُبيح التيمم، فالجمهور يقولون: إذا خاف مرضًا، أو كان مريضًا فخافَ زيادة المرض بزيادة الألم، أو يضرُّه البردُ. هذا هو الصواب، كما قالوا مثل ذلك في فطْر المريض ونحو ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في قولٍ، وفي قولٍ قال: هو أن يخاف هلاكَ نفسِه أو بعضِ أعضائه.
وتنازعوا أيضًا فيمن يتيمم لخشية البردِ، هل عليه إعادة؟ فقيل: يُعيد في الحضر والسفر، كقول الشافعي. وقيل: لا يُعيد فيهما، كإحدى الروايتين عن أحمدَ وقولِ غيره. وقيل: يُعيد في الحضر دون السفر، كقول الشافعي وأحمد. والصحيح قول الأكثرين أنه لا إعادةَ في الحضر ولا في السفر.
واتفقوا على أن من تيمم لعدم الماء في السفر أو للمرض أو الجرح أنه لا يُعيد، ولم يأمر الله ولا رسوله أحدًا بفعلِ الصلاة مرتين مع كونه فعلَها على الوجه الذي أمر به أولًا، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أينهاكم عن الربا ويقبله منكم؟».
(1/429)

وتفريقُ من فرَّق بين العذر النادر والمعتاد فرقٌ ضعيف، وإنما قاسوه على الحائض التي تُؤمَر بقضاء الصوم الذي لا يتكرر، ولم تُؤمَر بقضاء الصلاة التي تتكرر، فقالوا: ما يتكرر من الأعذار كالصلاة، وما لم يتكرر كالصوم. وهذا قياس ضعيف فإن الحائضَ لا تُؤمَر بالصوم أولًا وبقضائه ثانيًا، وإنما تُؤمَر بصومٍ واحدٍ كما يُؤمر الطاهر بصومٍ واحدٍ، ولكن أُمِرتْ بالصوم في غير وقتِ الحيض. وأما الصلاة فإن كل يومٍ وليلةٍ فيه صلوات خمس واجبة، فلو أُمِرتْ بالقضاء لكانت مأمورةً في أمر واحدٍ بعشرِ صلوات، وهذا خلاف الواجب.
فهؤلاء إذا أمروا المعذور بالصلاة مرتين فقد أمروه بعشر صلواتٍ في زمن القضاء، وهو خلاف الأصل الذي قاسوا عليه. فعُلِمَ أن المشروع في الحائض حجةٌ عليهم لا أنه حجة لهم. وقد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتُم».
فمن فَعَلَ الصلاةَ كما يستطيع فلا إعادةَ عليه، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا من أهل الأعذار بصلاتين قطُّ، فالأمر بذلك ذريعة إلى الترك، فإن المعذور حَسْبُه أن يفعلها مرةً، فإذا أُمِر بها مرتين أفضَى إلى الترك. وقد أمر الله بالصلاة في شدة الخوف رجالًا وركبانًا، وهي من الأعذار
(1/430)

النادرة، ولم يأمر بالإعادة، بل نفس صلاة الخوف الخفيف التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بإزاء العدو، وهي في غالب الأمور من الأعذار النادرة، وفيها أمورٌ تخالف صلاة الاختيار، مثل استدبار القبلة، والعمل الكبير في الصلاة، ومفارقة الإمام قبل السلام، وغير ذلك، ولم يكن فيها إعادة.
وكل من جازت له الصلاةُ فرضًا أو نفلًا جازت له القراءةُ باتفاق المسلمين، فإن الصلاة أكمل وأفضل وأوجب من مجرد القراءة، وشروطها أشد، فإذا جاز الأشد فالأسهل أولى. ولهذا يقرأ القرآن طاهرًا ومحدثًا، إلى القبلة وغيرها، قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، لابسًا وعاريًا، حاملًا للنجاسة ومجتنبًا لها، والصلاة بخلاف ذلك. وإنما اشتركا في الجنابة، فإن الجنب لا يقرأ القرآن عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وأما إذا جازت له الصلاة بالتيمم فرضًا ونفلًا فالقراءة أولى داخلَ الصلاةِ وخارجَ الصلاة. وليس لذلك زمنٌ مقدَّرٌ، بل لا يزال يعبد الله بالتيمم، كما يعبده بالوضوء والغسل، حتى يزول العذرُ المبيحُ للتيمم. والله أعلم.
(1/431)

مسألة
في رجل دخل في الصلاة وقد أحرم الإمام، ثم ركع الإمام، وقد قرأ الرجل بعض الفاتحة، ولم يتبع الإمام في الركوع حتى قرأ بقية الفاتحة، فقام الإمام من الركوع وسجد، فأتى الرجل بالركوع ولحقَ الإمام معتقدًا أن الركعة لا تتم إلا بإتمام الفاتحة.
الجواب:
أما المسبوق الذي دخل في الصلاة حين أمكنه، ولم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة، فإنه يركع ولا يُتِمُّ قراءة الفاتحة باتفاق الأئمة المتبوعين، وإن كان فيه خلاف فهو شاذ. وأما إذا أخَّر الدخول في الصلاة مع إمكانه حتى قصر القيام، [و] كان القيام متسعًا لقراءة الفاتحة ولم يقرأها، فهذا تجوز صلاته عند جماهير الأئمة. وأما الشافعي فعليه عنده أن يقرأ وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده عن المسبوق خاصة. فهذا كان حقه أن يرجع مع الإمام، ولا يُتم القراءة، لأنه مسبوق باتفاق الأئمة، فإذا تخلف عن الإمام متأوّلًا ظانًّا أن ذلك هو الواجب لم تبطل صلاته، كما يتخلف لنسيان [أو] لنومٍ أو زحمة.
ثم مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين في المتخلف المعذور مثل هذا إذا أمكنه أن يأتي بما تخلَّف عنه ويلحق الإمام، وقد
(1/432)

سبقه بركنٍ أو اثنين أو ثلاثة، وهو مدركٌ للإمام في تلك الركعة= أن صلاته تصح، فتصح صلاة هذا وهذا، كما أنه لو زاد في صلاته ركعةً نسيانًا لم تبطل، وكذلك لو زادها متأولًا جاهلًا لم تَبطُلْ، فالمخطئ في هذا الباب كالناسي. والله أعلم.
(1/433)

مسألة
في رجلٍ أدرك الصلاة مع [إمام] من المسلمين، لا يعلم فيه ما يمنع الائتمام، فلم يصلِّ معه، فقال له رجل: صَلِّ مع هذا، فقال: أنا لا أصلي إلا خلف من يكون من أهل مذهبي. فما حكم هذا الرجل؟
وفي رجلٍ سئل عن مذهبه فقال: مذهبي اتباع الكتاب والسنة، فقال له قائل: لا بدَّ لكل أحدٍ من التقليد بأحد هذه المذاهب الأربعة، فقال: أنا لا أتقيد بأحد هذه المذاهب الأربعة، وإنما أتقيد بالكتاب والسنة. فقال له: أنت مَارِقٌ. فما يجب عليه؟
وفي رجلٍ عُرِض عليه حديثٌ صحيح، فأنكره وقال: لو كان صحيحًا لما أهمله أهلُ مذهبنا، لم ينقلوه، فلو كان صحيحًا لما خفي على إمامنا. فما حكمُ هذا الكلام؟
الجواب
هذا الكلام محرَّم في دين المسلمين، وقائله يستحقُّ العقوبة التي تزجرُه وأمثالَه، فإنه ليس من أئمة المسلمين من قال: إن صلاة المسلم لا تسوغ إلا خلفَ من يوافقُه في مذهبه المعين الذي انتسب إليه، إذ هؤلاء الأئمة الأربعة ومن قبلهم وبعدهم من سلف الأمة كانوا يصلون خلف من يوافقهم على مذهبهم ومن يخالفهم فيه. وإنما تنازع العلماء في
(1/434)

مسائل: مثل إذا فعل الإمام ما يُبطِل الصلاةَ في مذهب المأموم دون مذهب الإمام، مثل من يوجب البسملةَ إذا صلى خلف من لا يقرؤها، ومن يتوضأ من الدم والرُّعاف والقيء، إذا صلى خلفَ من احتجم أو رُعِفَ ولم يتوضأ لأن ذلك مذهبه، ونحو هذه المسائل. فهذه فيها قولان.
ومع هذا فالصحيح الذي عليه جمهور الفقهاء أن صلاة المأموم صحيحة، لأن ما فعله الإمام إن كان صوابًا فقد أحسنَ، وإن كان خطأً فقد غفرَ الله له خطأه، كما قال: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]. والمأموم يعلم أنه متأوِّلٌ في ذلك، ليس هو متعمدًا لذلك، فتكون صلاته صحيحة.
وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يُصلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». وما زال الصحابة والسلف يصلي بعضهم خلف بعض مع تنازعهم في المذاهب. وتكلم العلماء أيضًا في الإمام إذا كان من أهل الفجور والبدع، وفيه تفصيل ونزاع لم يقله أحدٌ من المسلمين.
ثم إن أراد بذلك أن يوافقه على مسائل الاجتهاد الخارجة عن الصلاة، فهذا غاية الجهل. وإن أراد موافقته على مسائل الصلاة لم ينضبط أمره، وإن الطائفة الواحدة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد
(1/435)

متنازعون في واجبات الصلاة ومبطلاتها. فمن التزم هذا القول لزِمَه أن لا يصلي بعض أهل المذهب الواحد خلف بعضٍ، حتى لا يصلي أبو يوسف ومحمد خلف أبي حنيفة، ولا ابن القاسم وابن وهب ونحوهما خلف مالك، ولا بعض أصحاب الشافعي وأحمد خلفهما.
وقد قال بعض المتأخرين: إنه لا بدَّ أن ينوي المصلي أداءَ الواجب في تفاصيل الصلاة، وإنه إذا فعل ما يُوجبه المأموم دونَه ولم يَنوِ أنه واجبٌ لم يصحَّ الاقتداء به. وهذا قول محدَثٌ في الإسلام، لا أصل له عن أحدٍ من السلف. وما زال المسلمون يصلُّون ولا يُميِّزون هذا التمييز، لا اعتقادًا ولا نيةً، وكيف يمكن هذا والنزاع في واجباتها ومُبطِلاتها من أصعب مسائل الفقه، فكيف يُكلَّف كل مُصلٍّ أن يحرم باعتقادٍ لا يعلم دليله؟ ومن احتاط، فإذا ما اشتبه عليه واجب هو أو مستحب؟ وترك ما اشتبه أحرامٌ هو أم لا؟ فقد استبرأ لعِرضِه ودينِه. فكيف يُذمُّ مثل هذا؟
وأما إن كان هذا القائل أراد [بقوله] «مذهبي» مذهبًا مبتدعًا في الأصول ما يخالف الكتاب والسنة، كمذهب الرافضة والمعتزلة والخوارج ونحوهم، فهذا ضالٌّ من وجهين: من جهة اعتقاد الباطل، ومن جهة امتناعه عن الائتمام بمن يعتقد الحق. وهكذا فعل أهل الأهواء بأئمة المسلمين، كما فعلت الخوارج بعلي رضي الله عنه، ابتدعوا بدعًا ما أنزل الله به من سلطان، وطعنوا مع هذا على من خالفهم من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، حتى آل الأمرُ بهم
(1/436)

إلى تكفير الجمهور وقتالهم، فهؤلاء أهل التفرق والاختلاف والأهواء. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} إلى قوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران:102 - 106]، قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفرقة.
ومثل هؤلاء قد ذمَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الذم، بل أمر بقتالهم، مع وصفه لهم بالعبادة، حيث قال: «يحقِر أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، وقراءتَه مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يُجاوِز حناجرهم، يَمرُقون من الإسلام كما يَمْرُق السهم من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلَهم يوم القيامة».
فمن اعتقد ما يخالف الكتابَ والسنة، وذَمَّ الموافقَ للكتاب والسنة، ودخلَ في الفرقة والاختلاف لأجل ذلك، فهو من جنس هؤلاء.
وإن كان هذا القائل التزمَ بعض مذاهب الأئمة المشهورين كمذهب
(1/437)

أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فهذا إذا فعل ما يَسُوغ له لم يكن له أن يُنكِر على غيرِه إذا فعلَ أيضًا ما يسوغُ له، فإنه لم يقل أحدٌ من المسلمين: إنه يجب على الأمة كلها اتباعُ واحدٍ بعينه من هؤلاء الأربعة ولا من غيرهم، بل اتفقوا على أنه لا يجب طاعة أحدٍ في كل شيء إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي فرض الله على الخلق اتباعَه وطاعتَه مطلقًا، فعليهم تصديقه في كل ما أخبر به عن الله، وطاعته في كل ما يأمر به.
وأما العلماء رضي الله عنهم فتجب طاعتُهم فيما يأمرون به من طاعة [الله] ورسوله. وعلى الجاهل أن يسألهم ويتعلم منهم ويرجع إليهم في دينه، وله أن يسأل هذا العالم وهذا العالم، ليس عليه أن يقتصر في السؤال والاستفتاء في جميع الدين على واحدٍ بعينه.
لكنْ تَنازعَ المتأخرون من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: هل على العامي أن يلتزم مذهبَ واحدٍ بعينه من الأئمة المشهورين، بحيث يأخذ بعزائمه ورُخَصِه، على وجهين، والمشهور الذي عليه الأكثرون من [أصحاب] الشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم [أنه لا يجب] في كل شيء، كما أنه ليس له أن يقلد في كلّ مسألة بمن يوافق غرضه، وليس له أن يقلّد في المسألة الواحدة إذا كان الحق له مَن لا يقلده إذا كان الحق عليه، بل عليه باتفاق الأئمة أن يعدل بين نفسه وغيره في الأقوال، فإذا اعتقد وجوبَ شيء أو تحريمَه اعتقد ذلك عليه وعلى من يماثله.
(1/438)

مثال ذلك شفعة الجوار، فإن للعلماء فيها قولين مشهورين، فمن اعتقد أحد القولين فقد قال بقول طائفة من علماء المسلمين، وليس لأحدٍ ثبوتُ الشفعة إذا كان هو الطالب، وانتفاؤها إذا [كان] هو المطلوب، كما يفعله الظالمون أهلُ الأهواء، يتبعون في المسألة الواحدة هواهم، فيوافقون هذا القول تارةً وهذا أخرى متابعةً للهوى لا مراعاة للتقوى.
وقد ذمَّ الله من يتبع الحق إذا كان له، ولا يتبعه إذا كان عليه، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} إلى قوله: {وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور:48 - 52].
وإذا كان جماهير العلماء لا يُوجبون على أحدٍ أن يلتزم قولَ شخصٍ بعينه غيرِ الرسول في كل شيء، إذْ في ذلك تنزيلُ ذلك الشخص منزلة الرسول، وليس لأحدٍ أن يُنزِل أحدًا منزلةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قد قال الصِّدِّيق الذي هو أفضل الخلق بعده: «أطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيتُ الله فلا طاعة لي عليكم». فالرجل إذا اتبع قولَ بعض الأئمة في مسألة، وقول آخر في مسألة أخرى، إمَّا لظهور دليل ذلك له، وإما لترجيح بعض العلماء الذين يَسُوغ له تقليدُهم قولَ هذا في هذه وقولَ
(1/439)

هذا في هذه= لم يكن على فاعلِ ذلك ملامٌ، ولم يكن ذلك الذي التزمَ قولَ واحدٍ بعينه أحسنَ حالًا منه، بل هذا أحسنُ حالًا من ذلك، لأن الأئمة الذين تُوُفُّوا كأبي حنيفة ومالك والشافعيّ وأحمد وغيرهم لا يمكن كثيرًا من العامة بل ولا أكثرهم أن يعرفوا مراتبَهم في العلم والدين، بل الخاصة من العلماء الذين لا هوى لهم قد يتعذر عليهم كثير من ذلك، فكيف لمن يتبع الظن وما تهوى الأنفس؟
وجمهورُ من اتبع الواحدَ من هؤلاء إنما اتبعه من جهة دين العادة، لا من جهة دين العبادة، فإن الرجل ينشأ على مذهب أبيه أو مالكه أو أهل مدينته أو أهل خِطّته ونحو ذلك، ثم يحب ذلك وينتصر له تارة بعلمٍ وتارةً بلا علمٍ، وتارةً مع حُسنِ النية وتارةً مع فسادها. ومن المعلوم أن الله قد ذمَّ في القرآن من يتبع دينَ الآباء ويَدَعُ دينَ ما أنزل الله على الرسول، فقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة:170].
وإذا كان كذلك فثقةُ المقلِّد بمن يَثِقُ بعلمه ودينه من أهل العلم في ترجيح قولٍ على قولٍ أعظمُ من ثِقَتِهِ بترجيح ما يقوله [بعض القا] ئلين مطلقًا على ما يقوله الآخر، وكذلك ثقةُ المستدلّ [بما يقتضيه] الدليلُ أعظم من ثقته بذلك. فمن كان قادرًا على الاستدلال الذي يُوصله إلى معرفة الحق في أعيان المسائل كانت هذه الطريقُ خيرًا له، [و] هي الواجبة عليه دون تقليدِ شخصٍ واحدٍ في كل شيء، ومن يكن قادرًا على
(1/440)

التقليد، فالتقليد المفضل لمن يثق بعلمِه ودينه أقوى من التقليد العام المتضمن لفضلِ شخصٍ مطلقًا، مع أن هذا العالم ينفع إذا لم يكن أخصَّ منه. فمن علم أنه أعلمُ وأدْيَنُ كانتِ الثقةُ بأقواله أقوى، إذا لم يعلم رجحان أحد القولين. وتقليدُ الأعلم والأدين إما واجبٌ وإما مستحبٌّ.
وجماعُ هذا الأصل أن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، فمن كان من أهل الإيمان واجتهد في طاعة الله ورسوله علمًا وعملًا فلا ملامَ عليه، بل يغفر اللهُ له خطأه، ويُثيبه على صوابه.
وقد ظهر بما ذكرناه أن قول القائل: «لا بدَّ لكل أحدٍ من التقليد لأحد هذه [المذاهب] الأربعة» هو قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، لكن الجمهور على خلافه، فإن هذا لا يجب على كل أحد. ومن قال: «أنا متقيدٌ بالكتاب والسنة» لم يجز لأحدٍ أن يقول له: أنت مارِقٌ، ومن قال له ذلك أُدِّبَ على ذلك؛ فإن المروقَ هو الخروج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الخوارج: «يَمرُقون من الإسلام كما يَمرُقُ السهمُ من الرميَّة». وهؤلاء المارقون مَرَقُوا من السنة وخالفوا الجماعة، فمن تقيَّد بالكتاب والسنة كان متبعًا لا مبتدعًا، ومطيعًا لا عاصيًا.
ثم الكتاب والسنة يُوجِب عليه طاعةَ الله ورسولِه في كل وقتٍ وحينٍ، ومن أطاع الله ورسولَه دائمًا بحسب استطاعته كان من أولياء الله المتقين.
(1/441)

وقول القائل: «أنا لا أتقيد بأحد هذه المذاهب الأربعة» إذا أراد بذلك أي: لا أتقيَّدُ بواحدٍ بعينِه دون الباقين، فقد أحسن في هذا الكلام، بل هذا هو الصواب. وإذا أراد: أني لا أتقيد بها كلِّها بل أخالفُها، فهذا هو مخطئ في الغالب قطعًا، إذ الحق لا يخرج عن هذه المذاهب الأربعة في عامة الشريعة، ولكن تنازع العلماء: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين، كما قد بُسِط ذلك في غير هذا الموضع.
وكثيرًا ما يترجح قولٌ من الأقوال، ويظن الظانُّ أنه خارج عنها، ويكون داخلًا فيها، فيكون كلٌّ من القائلين معذورًا باعتبار نظره. لكن لا ريبَ أن الله لم يأمر الأمّة باتباع أربعة أشخاص دون غيرهم، هذا لا يقوله عالم، وإنما هذا كما يقال: أحاديث البخاري ومسلم، فإن الأحاديث التي رواها الشيخان وصححاها قد صححها من الأئمة ما شاء الله، بل جمهورها اتفق أهل العلم بالحديث على صحته، فإخراجها لذلك دليلٌ على أنه قد صححه أئمة الحديث، لا أنه مجرد قول شخصٍ يُفيد العلم بصحة الحديث. فهكذا عامة ما يوجد من أقوال الصحابة والتابعين أو أكثر ذلك يوجد في مذاهب الأربعة.
وأما من عُرِض عليه فأنكره، وقال: «لو كان ...
(1/442)

مسألة
في جماعة حنفية لهم إمام شافعي يصلّي بهم مدةً، فهل تصحُّ صلاتُهم خلفه أم لا؟ وهل يجب على فاعل ذلك التعزير؟
الجواب
صلاة المسلمين بعضهم خلفَ بعضٍ مع تنازعهم في موارد الاجتهاد هو الذي [عليه] سلف الأمة وأئمتُها، من غير خلافٍ بينهم في ذلك، فما زال الصحابة والتابعون يُصلِّي بعضُهم خلفَ بعضٍ، مع تنازعهم في كثير من مسائل الصلاة وغيرها. فإذا فعل الإمام ما يسوغُ فيه الاجتهاد اتبعه فيه المأمومُ، وإن كان هو لا يراه، مثل أن يصلي مَنْ لا يرى القنوت خلفَ مَنْ يقنت، فإنه يصلي خلفه ويتبعه في القنوت في أصح قولي العلماء. وكذلك من يَصِلُ الوتر خلفَ من يفصله، أو من يفصِله خلفَ من يَصِلُه، فإنه يصلي متبعًا لإمامه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به»، [و] قال: «لا تختلفوا على أئمتكم».
ولهذا مضت السنة واتفقَ المسلمون على أن المأموم يفعل لأجل
(1/443)

الائتمام ما لا يسوغ له أن يفعله منفردًا، كالمسبوق إذا أدرك الإمامَ راكعًا كبَّر وركع معه، واعتدَّ له بالركعة، وإن أدركه ساجدًا كبَّر وسجَد معه، ولم يَعتدَّ له بها، ثم إنه يتشهَّدُ عقيب الأوتار، ولو فعل ذلك منفردًا عمدًا سجد بالاتفاق. وكذلك لو سَها المأموم دون الإمام لم يسجد لسهوه، ولو سها إمامه دونَه سجد لسهوِه لأجل المتابعة.
وقد تنازع العلماء فيما إذا صلى باجتهاده فترك ما هو واجب عند المأموم، أو فعلَ ما هو محرم عند المأموم، كالشافعي والحنبلي على قولٍ، فصلَّى خلف المالكي الذي لا يقرأ البسملة، أو المالكي والشافعي إذا خرج منه دمٌ ولم يتوضأ، فصلَّى خلفه حنفي أو حنبلي يرى الوضوء من ذلك، [وأمثال] هذه المسائل. فهذا إذا تيقَّنه المأموم ففي صلاته قولانِ مشهوران للعلماء، والنزاع في ذلك في مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. وأما مذهب مالك فما أعلم فيه نزاعًا أنه يصح الصلاة خلفه. وهذا هو الصحيح المشهور عن أحمد في مسائل الاجتهاد التي تعارضت فيها النصوص. وكذلك الشافعي، وقد ثبت عنه أنه كان يصلي خلف المالكية، وهو يعلم أنهم لا يقرأون البسملة، وأبو يوسف صلَّى خلف هارون الرشيد، وقد احتجم وأفتاه مالك أنه لا يتوضأ.
وقد دلَّ على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
(1/444)

قال: «يصلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم». فصرَّح أن الإمام إذا أخطأ كان خطؤه عليه دون المأموم. وغاية هذه المسائل أن يكون الإمام فيها مخطئًا، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن خطأه عليه دون المأموم.
وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: «إن المأموم يعتقد بطلانَ صلاة الإمام، فإذا علم بطلانَ صلاتِه كانت صلاتُه خلفه كالصلاة خلفَ من لا صلاة له، كالمحدِث المتعمد الصلاة مع حدَثِه». فإن هذا القياس خطأ وذلك أن المأموم يعلم أن الإمام مجتهد، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وخطؤه مغفورٌ له، وإذا كان يعلم أنه لا إثمَ عليه فممتنعٌ أن يعتقد بطلانَ صلاته. وإن كان هو يرى بطلان صلاة نفسه، كما أنه لو فعل ما يعلم تحريمه أو ما يرى وجوبه، قدحَ ذلك في دينه وعدلِه، ولو فعل ذلك من هو مجتهد يسوغ له الاجتهاد لم يقدح ذلك في دينه وعدله.
وأما أكثر من يترك واجبًا في نفس الأمر أو يفعل محرمًا في نفس الأمر، ولم تكن قد قامتْ عليه الحجةُ، فلا يثبت في حقِّه حكم الوجوب والتحريم؛ لأن الله يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15].
ولو قيل لهذا المأموم: أنت تقول في هذا الإمام: «إن صلاته باطلة، بمنزلة من صلَّى بغير وضوءٍ وهو يعلم ذلك بخبثِه وفسقِه»، فيقول: لا. ويقال له: هو مأجور على هذه الصلاة مُثابٌ عليها، قد برئت ذمته من
(1/445)

الطلب [بها] أو هي ثابتة في [ذمته] عليه إعادتها؟ فإن قال بالثاني فقد خالف إجماع الفقهاء، وإن قال بالأول بطلَ قوله.
ويقال له: من صلى ... ... ولم يُبسمِلْ مثلًا متأوِّلًا، يَلقَى اللهَ لقاءَ من أقام الصلاةَ أو لقاءَ من لم يُصلِّ صلاةً أصلًا؟ فإن قال بالثاني فقد كفر، وإن قال بالأول عُلِمَ أن من فعل ذلك فهو مقيم الصلاة.
ويقال له: من لم يُصلِّ أصلًا هل يكون وليًّا لله؟ فإن قال: نعم، كان ضالًّا، وإن قال: لا، قيل له: فهل في هؤلاء أولياء الله؟ فإن قال: نعم، عُلِمَ أن صلاتهم صحيحة لأجل التأويل والاجتهاد.
وسِرُّ المسألة أن ما تركوه إن لم يكن واجبًا في نفس الأمر فلم يتركوا واجبًا، وإن كان واجبًا فقد سقط عنهم باجتهادهم الذي استفرغوا فيه وُسْعَهم، وبلغوا فيه إلى حدٍّ يَعجِزون معه عن معرفة الوجوب، فسقط عنهم ما عَجَزوا عن معرفته، كما أسقطوا بالعجز عن فعله حينئذٍ، فيكونون قد فعلوا الواجبَ، فتكون صلاتهم صحيحة. وقد قال الله تعالى في القرآن في الدعاء المستجاب: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، إذ قد ثبت في الصحيح: أن الله استجاب هذا الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وإذا كان الله قد رفع المؤاخذة عن المخطئ لم تَبطُلْ صلاتُه، كما لا يُؤاخَذ به.
(1/446)

وطردُ هذا إن كان ناسيًا بحدثِه، ثم علمه بعد الصلاة، فإنه لا إعادة على المأمومين عند مالك والشافعي وأحمد، كما رُوي عن عمر وعثمان وغيرهما. ونظير هذا سقوطُ الوضوءِ عمن عجز عنه لعدم الماء أو لضرورة، إذا صلَّى بالتيمم فإنه يصحُّ أن يأتمَّ به المتوضئ عند الجماهير، كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأبي يوسف، لحديث عمرو بن العاص لما صلَّى بأصحابه في غزوة ذات السلاسل، وفعلَه ابنُ عباس أيضًا. والله أعلم.
(1/447)

مسألة
في إمام مُدْمنِ الخمر، هل تصح الصلاة خلفه أم لا؟ وما صفة مُدمن الخمر؟ هل هو الذي لا يتركه دائمًا، أو من يكون أكثر أوقاتِه مخمورًا، أو من ينوي بقلبه أنه متى حصلَ خمرٌ شربَه؟
الجواب
من شرب الخمرَ يومًا ثم لم يشربْها إلى شهر، ومن نيتُه أنه إذا قدرَ عليها شرِبَها فهو مُصِرٌّ عليها ليس بتائبٍ منها. وكذلك من اعتادَ شربَها كما يشرب أمثالُه الشرابَ فهو مُدمِنٌ عليها وإن لم يكن مخمورًا أكثرَ أوقاتِه، فإن اعتياد الخمر كاعتياد اللحم، من الناس من يأكله كل يوم، ومنهم من يأكله يومًا ويومًا، ومنهم من يأكله في الاسبوع مرةً أو مرتين. وكلُّ هؤلاء مُدمنون.
ولا يجوز أن يُولَّى لا المُصِرُّ ولا المدمن إمامةَ الصلاة، لكن إذا ولَّاه القادرُ الذي لا يمكن منازعتُه الصلاةَ صَلَّى خلفه ما يحتاج منه إلى الصلاة معه، كالجمعة وكالجماعة التي لا يقوم بها غيرُه. وأما إذا أمكن الصلاةُ خلفَ البَرِّ على الوجه المشروع فهو أولى من الصلاة خلفَ الفاجر. والله أعلم.
(1/448)

سُئِل شيخنا تقي الدين أحمد ابن تيمية رحمه الله
عن رجلٍ اشترى جاريةً كافرةً، فأسلمتْ، فأعتقَها وتزوَّجها، فأنجبتْ منه ولدًا، ثم ماتت، ولم تكن تعرف تُصلِّي، ولم تكن صلَّت في الإسلام. فأين تكون من زوجها إن كان من أهل الجنة؟ وهل يتعارفون ويتساءلون؟ أو أن أحدهما يُعذَّب والآخر في راحة، وهل العذاب على النفس والبدن والروح أم على واحدٍ دون الآخر؟
فأجاب
الحمد لله. إن ماتت قبل أن تعرفَ الصلاةَ تجبُ عليها بحسب حالها، وكانت مؤمنةً بأن دينَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم هو الحق، ولو أمرها الرسول صلى الله عليه وسلم بالصلاة لصلَّت، فهذه حكمها حكمُ أمثالها ممن آمن وجهلَ بعضَ شرائعِ الإسلام، وهذا ممن يُرجى له الجنة. وإن دخلَ زوجُها الجنةَ فهي زوجتُه في الجنة، وإن لم يدخل أحدُهما لم يُغنِ عنه دخولُ الآخر الجنةَ، بل أهل الجنة في النعيم، وأهل النار في الجحيم، ولو كانا أخوين شقيقين أو زوجين، أو كان بينهما غير ذلك من الأسباب.
وإذا مات الميتُ وكان من أهل الجنة تلقَّاه أهلُ الجنة، ويسألونه عما يَعرِفونه من الأحياء، ما فعلَ فلانٌ؟ فيقول: على حال حسنة. وما فعلَ فلانٌ؟ فيقول: قد تزوج. وما فعلَ فلانٌ؟ فيقول: ألم يأتِكم؟ فيقولون: لا، فيقول: ذُهِبَ به إلى أمّه الهاوية. والأعمالُ التي تعرض على أقاربهم من الأحياء.
(1/449)

والنعيم والعذاب للروح والبدن جميعًا، فالروح تَنعَم وتُعذَّب مفردةً، وينعم ويُعذَّب البدن بواسطة الروح إذا شاء الله، وتفصيل هذا مبسوطٌ في موضع آخر.
(1/450)

سُئِل الشيخ رحمه الله ما صورته:
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين -رحمهم الله أجمعين- في عرب البادية، الذين كلَّ سنةٍ يَقصِدون إلى قربِ الحجاز في أهلهم وبيوتهم وجميع مالهم، وقتٌ يَجِدّون في السَّير، ووقتٌ يقيمون، ووقتٌ يكون سيرُهم سهلًا، فهل يَحِلُّ لهم قصرٌ في جميع ذلك أو في شيء منه؟ أو قصرٌ في وقتٍ دون وقت فيما يحل؟ وهم كلَّ عامٍ يكون هذا دأبهم، في كل سنة يكون مدة رحيلهم ثمانية شهور أو تسعة شهور، وجميع مقامهم في الشام كلَّ عام ثلاثة شهور، وإن كثر أربعة. أفتونا وبينوا رحمكم الله تعالى.
فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى بما صورته:
الحمد لله. هؤلاء إذا سافروا من أهليهم في جهادٍ أو سفر إلى السلطان أو لحملِ حنطةٍ أو غير ذلك قَصَروا الصلاة، وأما إذا كانوا مع أهليهم يطلبون الماء والمرعَى، أيَّ موضعٍ وجدوه أصلحَ لهم أقاموا به لم ينتقلوا منه إلى غيره، فهذا هو مقامهم فلا يقصرون الصلاة. مثل ذلك مثل ما يكونون منتقلين بأرض الشام أو أرض نجد، وإذا ارتحلوا من الشام إلى نجد سفرًا مستمرًّا من غير إقامةٍ كانوا مسافرين أيضًا. والله أعلم.
(1/451)

سُئِل شيخنا رضي الله تعالى عنه في مسائل:
1 - إحداها:

فيمن قتل النفسَ التي حَّرمَ الله بغير الحق، وتمكن أولياء المقتول من القَوَد، ويعفو أولياءُ المقتولِ عنه، أو يصالحوه على شيء دون الدية الشرعية، هل يعود المقتول يطالب في الآخرة أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله. نعم يطالب المظلوم المقتول حقَّه من الظالم القاتل في أحد قولي العلماء، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية.
2 - ومنها:

ما تقول برجلٍ كثير الحسنات كثير السيئات، فهل تُكتب حسناته وسيئاتُه؟ أم يُذهِبُ بعضُهن بعضًا؟
فأجاب:
تُكتَب حسناته وسيئاته، والله تعالى يَزِنُ هذه بهذه، فإن رجَحَت الحسناتُ دخل الجنة، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية.
3 - ومنها:

ما يقول سيّدنا في اليتيم والأرملة، هل هما من أهل الزكاة أم لا؟
فأجاب:
إذا كانا من الفقراء والمساكين أُعْطُوا من الزكاة، وهما أحقُّ مِن غيرهما.
(1/452)

4 - ومنها:

ما يقول سيّدنا بمن يَستمني بيده، هل هو زنا أم لا؟ وماذا يجب عليه إذا فعلَ ذلك؟
أجاب:
هذا حرام يُعزَّر صاحبُه، لكن إذا اضطُرَّ إلى ذلك وخشيَ العنَتَ، مثل أن يخاف المرضَ أو الزنا، ففيه قولانِ للعلماء.
5 - مسألة:

وما يقول سيدنا في التين هل يجب عليه عُشْرٌ أم لا؟
فأجاب:
نعم، التين يُعشر في أظهر قولي العلماء. كتبه أحمد ابن تيمية.
6 - مسالة:

وما يقول سيّدنا بمن يأكل الحرام ويترك الصلاة، هل يجوز أن يُعطَى الزكاة أم لا؟
فأجاب:
يُستتاب، فإن التزم أن يُصلِّي أُعطِيَ من الزكاة، وإن امتنع من الصلاة لم يُعطَ، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية.
(1/453)

7 - مسالة:

وما يقول سيّدنا في المسافر إذا نزلَ في موضعٍ وهو يعلم أنه يُقيم فيه عشر ليالٍ وأكثر، فهل يجوز له أن يَقصُر ويجمع؟ أو يُتِمّ؟
فأجاب:
السنة للمسافر أن يقصر الصلاةَ ركعتين ركعتين إلا المغرب، والجمع إذا احتاج إليه، وإذا كان المسافر نازلًا فالسنةُ أن يَقصُر ولا يجمع إلّا إذا احتاج إلى ذلك، وإذا كان لا يدري كم يُقيم فإنه يَقصُر أبدًا، وإن عَلِمَ أنه يُقيم عشرًا أو خمسة عشر ففيه قولان للعلماء، أظهرهما أنه يَقصُر أيضًا، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية. (صورة خطه في المواضع كلها).

فصل
إذا أقرَّ الأب في ملكٍ كان له بأنه ملكٌ لأولادِه بناءً على أنه وهبَه لهم، فله أن يرجعَ في هذه الهبة. وإذا كان الإقرار مطلقًا، فادعى أنهم إنما ملكوه بطريق الهبة لا بطريق المعاوضة، فالقول قولُه مع يمينه في ذلك، وله أن يرجعَ في الهبة، فإن الأصل عدمُ العِوَض، وقد جرت العادة بأن التمليك يكتب إقرارًا، والله أعلم. كتبه أحمد ابن تيمية.
(1/454)