Advertisement

جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد المجموعة السابعة


الكتاب: جامع المسائل - المجموعة السابعة
المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 - 728 هـ)
تحقيق: علي بن محمد العمران
الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة
الطبعة: الأولى، 1432 هـ
عدد الأجزاء: 1

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مقابل] مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذه هي المجموعة السابعة من كتاب «جامع المسائل» تضم بين دفّتيها مجموعة جديدة -على شرط هذا المشروع المبارك إن شاء الله تعالى- من مسائل ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة (ت 728) رحمه الله تعالى.
وتأتي هذه المجموعة متمّمة لما صدر من مجموعاتها الست، بتحقيق أخي الشيخ المحقق محمد عزير شمس، التي طبعت ضمن هذا المشروع المبارك (آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال) بإشراف ورعاية واضع أُسس هذا المشروع وغيره من المشاريع العلمية: شيخنا العلامة المحقق بكر بن عبد الله أبو زيد المتوفى في يوم 27 محرم سنة 1429 هـ، رحمه الله تعالى، وأجزل مثوبته، ورفع درجته في عليين.
وهذه المجموعة في مجملها لم تطبع رسائلُها من قبل، لا في الكتاب
(المقدمة/7)

العظيم «مجموع الفتاوى» لابن قاسم، ولا المستدرك عليه، ولا في المجاميع الأخرى المعروفة، وإن كان بعضها له طبعة مفردة، أو كان في الفتاوى مفرَّقًا وناقصًا.
وهذا مسرد لرسائل المجموعة على حسب ترتيبها هنا، أُبيِّن فيه عنواناتها، وموضوعاتها، والنسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، وغير ذلك مما يعرِّف بها:
1 - مسائل أهل الرَّحْبَة.
موضوعها: وهي أسئلة في موضوعات شتّى فقهية وعقدية وغيرها، سُئل عنها خطيبُ قرية عُشارا، فأجاب عنها شيخُ الإسلام ابن تيمية، وعددها واحد وأربعون سؤالًا بحسب ما وردت في أول الرسالة، وقد أجاب عنها الشيخ سؤالًا سؤالًا عدا سؤالين: الأول: في صلاة الجمعة إذا
(المقدمة/8)

لم تتم الجماعة أربعون رجلًا ويصعب تركها ... والثاني: في الرجل يشتري الدابة ويزن الثمن ويقبضها ... فلا أدري أسَقَطا من النسخة أم ذهل الشيخ عنهما. وفي المقابل في النسخة جواب على سؤالين لم يردا في قائمة الأسئلة، وهما: الأول: عن الصبي إذا مات وهو غير مطهَّر هل يقطع ختانه بالحديد ... ؟ والثاني: تارك الصلاة من غير عذرٍ هل هو مسلم في تلك الحال؟
وكانت إجابات الشيخ مختصرة في أغلبها، غير سؤالين أطال الشيخ فيهما بنحو عشر صفحات لكل سؤال.
وهذه المسائل لم تطبع في «مجموع الفتاوى»، لكن بعض مسائلها -وهي نحو خمسة عشر سؤالًا- طُبِعت موزّعة في الفتاوى بحسب موضوعاتها، وقد أشرت في بداية كلّ سؤال منها إلى موضعه من الفتاوى، وقارنت النصَّ به، وأثبتّ أهم الفروق، واستفدت من بعض القراءات.
النسخة الخطية: تحتفظ مكتبة بلدية الإسكندرية بنسخة الكتاب الوحيدة رقم (4 - فقه حنبلي)، ضمن مجموع، وتبدأ مسائل الرحبة من (ق 25 أ-إلى 85 ب). في كل صحفة خمسة عشر سطرًا، في كل سطر نحو 7 - 9 كلمات، وخطها نسخي واضح منقوط في غالبه، وهي بخط محمد بن عيسى بن أبي الفضل الشافعي، وفرغ من كتابتها في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. أي بعد وفاة المؤلف بستة وثلاثين يومًا فقط. وهي -على قِدمها- كثيرة الأخطاء والسّقْط، ويظهر
(المقدمة/9)

بعض ذلك عند مقارنة نصوصها مع ما نُشر منها في مجموع الفتاوى. وقد بعث إليّ بنسخة منها الدكتور عبد الله به صالح البرّاك جزاه الله خيرًا.
وقد طبعت هذه المسائل عام 1424 هـ في الفاروق الحديثة، بتحقيق حسين بن عكاشة، ضمن مجموع عنوانه «من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية». وهو مشكور على سبقه وجهده.
وقد ذكر هذا الكتاب أبو عبد الله ابن رُشَيّق في «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (ص 307 - الجامع) قال: رسالة جواب سؤال الرحبة، وابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص 97) قال: جواب عن سؤال ورد من الرحبة.
2 - جواب فُتيا في لبس النبي صلى الله عليه وسلم، وتسمى: القَرْمانية.
موضوعها: سؤال عن لباس النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة ما كان يلبسه في الحرب أو يقتنيه من آلة الحرب، وعن لباس أصحابه وما يحرم من الذهب والفضة والحرير. وقد أجاب الشيخ عن كل ذلك وزاد عليه، وكان جوابه مستندًا إلى الأدلة من كتب الصحاح والمسانيد، ينقل منها كأنها بين عينيه -رحمه الله-.
ولنفاسة هذه الفتيا وتحريرها البالغ نقل غالبها تلميذه العلامة ابن القيم في «زاد المعاد»: (1/ 130 - 147)، وصرّح باسم شيخ الإسلام في موضع منها. ونقل منها أيضًا تلميذه ابن مفلح في «الآداب الشرعية»: (3/ 524 - 525).
(المقدمة/10)

وتَسْميتها بـ «القَرْمانية» تعود غالبًا إلى المدينة التي ورد منها السؤال، ولعلها مدينة قَرْمان -بفتحٍ فسكون- ويقال: قرامان، وهي أكبر الإمارات التركمانية، سُمّيت بذلك نسبة إلى القبيلة التركمانية التي حَلَّت هناك.
النسخة الخطية: للكتاب نسخة وحيدة فيما أعلم محفوظة في المكتبة السليمانية بتركيا - مجموعة مكتبة شهيد علي رقم (2742)، وتقع ضمن مجموع، وهي منه في الأوراق (53 - 64) في اثنتي عشرة ورقة، في كل صحفة خمسة عشر سطرًا. وخطها نسخي واضح جميل، مضبوط بالشكل تغلب عليه الصحة، وهي نسخة قيمة نادرة الخطأ، قوبلت على أصلها كما صرح ناسخها -الذي لم يذكر اسمه ولا تاريخ نسخها- في خاتمتها. لكن دعاء الناسخ لمؤلفها بطول البقاء دليل على أنه نسخها في حياته، إلا إن كان الدعاءُ منقولًا من أصلها.
وقد ذكر هذا الكتاب ابنُ عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص 82) قال: وقاعدة تتضمن ذكر ملابس النبي صلى الله عليه وسلم وسلاحه ودوابه، وهي «القرمانية». وقد صدرت هذه الرسالة عن دار أضواء السلف عام 1422 هـ بتحقيق أشرف بن عبد المقصود جزاه الله خيرًا.
3 - قاعدة في الفناء والبقاء.
موضوعها: تكلّم المصنف في هذه الرسالة على تحقيق معنى توحيد
(المقدمة/11)

الأنبياء والمرسلين، والفرق بينه وبين ما يسميه بعض أهل البدع توحيدًا، كالجهمية وغيرهم وغلاة الاتحادية، وتكلّم على مصطلح الفناء وما المراد به عندهم وأنواعه، والكلام على كلِّ نوع وما فيه من باطل أو حق. وللمصنف عناية بهذه المسألة فقد تكلم عنها في عدد من كتبه بنظير ما كتبه هنا، انظر «مجموع الفتاوى»: (2/ 369، 313، 3/ 118، 10/ 218، 337)، و «الرد على الشاذلي» (ص 148 وما بعدها).
النسخة الخطية: لها نسخة خطية واحدة في المعهد العلمي بحائل رقم (60) - مكتبة علي اليعقوب، وقد آلت أخيرًا إلى دارة الملك عبد العزيز بالرياض، وعن طريقهم صورت المخطوط، فجزاهم الله خيرًا. وتقع النسخة في ثماني ورقات، في كل ورقة نحو ستة وعشرين سطرًا، وهي بخط راشد بن عبد الله العنزي، فرغ منها في يوم الأحد 8/رجب/1285 كما جاء في خاتمتها. وهي جيدة اجتهد ناسخها في تحريرها ومقابلتها على أصلها كما نص عليه في مواضع. إلا أنها لم تخل من إشكالات في النص أو تحريفات في عدة مواضع. وخُتمت النسخة بثلاثة عشر بيتًا لا علاقة لها بالكتاب، مطلعها:
شبيهك بدر التمّ بل أنت أنور ... وخدّك ياقوت وثغرك جوهر
ونصفك كافور وخُمْسك عنبر ... وثُمنك ماوَرْد وباقيك سكّر
وقد كتب على صفحة عنوانها هكذا: «قاعدة في الفناء والبقاء، تأليف شيخ الإسلام الإمام العلامة ...» وتحته تملّك لصاحب النسخة يعقوب بن
(المقدمة/12)

ملا بن سعد بتاريخ 1303 ثم تقييد بانتقال التملّك والنظر إلى ولديه: عمر ويوسف بتاريخ 1322.
وقد ذكر ابنُ رشيق في «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (ص 302 - الجامع)، وابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص 67) من مؤلفات شيخ الإسلام: قواعد في الفناء والاصطلام في ثلاثين ورقة. فمحتمل أن تكون رسالتنا هذه إحدى هذه القواعد. وقد طبعت هذه الرسالة عن دار ابن حزم عام 1424 هـ بتحقيق الداني آل زهوي.
4 - الرسالة في أحكام الولاية.
موضوعها: جواب على سؤال ورد في بيان سبيل حكم الولاية على قواعد بناء الشرع المطهر بسبب تهمة وقعت في سرقة. بيَّن فيه الشيخ ما يجب على ولاة الأمور في أمور الولايات من العدل، وإقامة الحدود، والحكم في الدعاوى والتُّهَم، وما يجب من تولية الأصلح وتجنب تولية أهل الرفض والتتر.
النسخة الخطية: تقع في ست ورقات، ضمن مجموعة رسائل مصورة من مكتبة المرعشي بإيران، وعلى بعض الرسائل في أولها -وبعضها في آخرها- ختم المكتبة، وقد كتب فيه: «وقف كتبخانه عمومي حضرت آية الله العظمى مرعشي نجفي (ره)». وقد حَصَلتُ على صورة من هذه
(المقدمة/13)

الرسائل من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فالشكر لهم على جهودهم في خدمة التراث، وأخصّ الصديق الشيخ عبد العزيز بن فيصل الراجحي مدير قسم المخطوطات بمزيد الثناء والشكر.
وهذه المجموعة نسَخَها محمد بن أحمد بن علي الخطيب، بتاريخ سابع عشر ورابع عشري شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة. كما صرح به في آخر الرسالتين رقم (5، 6). وخط هذه المجموعة نسخيّ واضح نفيس، وهي متقنة ومحررة ونادرة الخطأ. وقد سقطت الورقة رقم (4) من مصوَّرتي، فهل هي ساقطة من الأصل أو من التصوير؟
5 - كتاب للشيخ إلى بعض البلاد الإسلامية حول قضايا شرعية.
موضوعها: سؤال ورد إلى الشيخ سنة 704 هـ من الشيخ أحمد السراج الفقيه بقرية كفر قوق الفستق عن أناس من الصوفية وغيرهم بعضهم يصلي وله هيئات أو حركات خارجة عن الصلاة، ومنهم من لا يصلي ويعتذر بأعذار عن تركه الصلاة، فطلب مِن الشيخ أن يكتب له كتابًا إليهم. فأجاب الشيخ طلبه.
النسخة الخطية: تقع النسخة في خمس ورقات، ضمن المجموع السالف في مكتبة مرعشي بإيران، سبق وصفُه في الرسالة رقم (4).
6 - رسالة شيخ الإسلام إلى الأمير سُنْقرچاه.
موضوعها: هي رسالة من شيخ الإسلام إلى الأمير شمس الدين
(المقدمة/14)

سُنْقرچاه المنصوري (ت 707) لما تولى صفد سنة 704 هـ. أثنى الشيخُ عليه فيها بما اشتهر عنه من العدل، وحثه على الاقتداء بسيرة أئمة العدل كعمر بن عبد العزيز ونور الدين الشهيد. ثم تكلم عن أداء الأمانات وأنه في الولايات والأموال، وفَصَّل فيها تفصيلًا مختصرًا يناسب الرسالة. وهذه الرسالة عند التأمل تشبه إلى حدٍّ كبير الموضوعات الرئيسية في كتاب «السياسة الشرعية» للمصنف، الذي ألفه للأمير آقش المنصوري (ت 711) لما تولى نيابة دمشق سنة 709 هـ. ولا يبعد أن تكون هي الأساس الذي بنى عليه الشيخ كتاب «السياسة الشرعية»، خاصة وقد علمنا تقدم رسالتنا في التأليف على كتاب السياسة.
وفي آخر الرسالة أوصى شيخُ الإسلام الأميرَ بحامل هذه الرسالة وهو الشيخ تقي الدين بن الشيخ محمد بن الشيخ الكبير عثمان ... وإخوته بمساعدتهم بما لزمهم من حاجة ودين.
النسخة الخطية: تقع النسخة في تسع ورقات، ضمن المجموع السالف في مكتبة مرعشي بإيران، الذي سبق وصفُه في الرسالة رقم (4). وقد سقط من مصورتي الورقة رقم (5). وقد انتهى من نسخ هذه الرسالة في رابع عشري رمضان سنة 736 هـ.
(المقدمة/15)

7 - صورةُ كتابٍ في ابن عربي والاعتقاد فيه.
موضوعها: كتاب كتبه المصنف إلى أهل بعلبكّ عن ابن عربي الطائي وغيره من الاتحادية وما في مذهبهم من الضلال، وذلك استجابة لطلب جماعة من المشايخ (وقد سماهم الشيخ) حضروا إلى مجلس الشيخ بدمشق والتمسوا منه الكتابة في ذلك، بعد أن وقع من بعضهم نزاع في ابن عربي وغيره من الاتحادية، ثم وقع الاتفاق منهم على ضلال مقالاتهم الشنيعة في الاعتقاد. وفي آخر الرسالة كُتِبَ محضر بذلك وكتب المشايخ الحاضرون أسماءهم بالموافقة على ما في كتاب الشيخ.
النسخة الخطية: تقع النسخة في سبع ورقات، ضمن المجموع السالف في مكتبة مرعشي بإيران، الذي سبق وصفُه في الرسالة رقم (4).
8 - مسألة فيمن يقول: إن عليًّا أولى بالأمر من أبي بكر وعمر.
موضوعها: سؤال يتضمن العنوان السالف، وفيمن يزعم أنه لم يلياه إلا مغالبة، وماذا يجب على من يعتقد ذلك؟ فأجاب الشيخ بما تقتضيه الأدلة الشرعية وإجماع أهل السنة.
النسخة الخطية: تقع النسخة في أربع ورقات، ضمن المجموع السالف في مكتبة مرعشي بإيران، الذي سبق وصفُه في الرسالة رقم (4).
9 - مسألة في قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ..} وغيرها.
موضوعها: هذه المجموعة تتضمن السؤال عن خمس آيات من كتاب
(المقدمة/16)

الله وهي: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ...} [النساء: 78] و {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا} [ص: 35] و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8] و {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ ...} [المائدة: 90] و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ...} إلى قوله: {... ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3].
النسخة الخطية: تقع النسخة في ثلاث ورقات، ضمن مجموع من رسائل الشيخ مصور من مكتبة المرعشي بإيران، وعلى بعض الرسائل في أولها -وبعضها في آخرها- ختم المكتبة وقد كتب فيه: «كتبخانة عمومي آية الله العظمى مرعشي نجفي - قم». وخطها نسخي واضح، ليس عليها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، وهي من خطوط القرن التاسع تقديرًا، وهي جيدة قليلة الخطأ. وقد حصلت على صورة من هذه الرسائل أيضًا من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فالشكر لهم ثانيًا. وكل الأسئلة لم تطبع من قبل عدا السؤال الثالث فهو في «مجموع الفتاوى»: (16/ 57 - 59) وأبقيتُه ليُطَّلع عليه ضمن مجموعته.
10 - سؤال عن حديث «لا عدوى ولا طيرة» وثمان مسائل أخرى.
موضوعها: سؤال عن هذا الحديث: معناه وضبطه، ومعه ثمانية أسئلة أخرى في الفقه والحديث والقراءات، فأجاب عنها الشيخ باختصار.
النسخة الخطية: تقع النسخة في ثلاث ورقات، مصورة من مكتبة المرعشي بإيران، الذي سبق وصفها في الرسالة رقم (9).
(المقدمة/17)

وبعض أسئلة هذه المجموعة في «مجموع الفتاوى» في مواضع متفرقة: (6/ 509 - 511) (12/ 569 - 570) (20/ 205 - 206). فنشرناها في هذه المجموعة لأجل السؤال الأول الذي لا يوجد في الفتاوى، ولأجل أن المواضع الأخرى مفرَّقة في الفتاوى، والواقع أنها رسالة واحدة تتضمن عدة أسئلة.
11 - مسألة في الرمي بالنُّشَّاب والبندق.
موضوعها: سؤال عن الرمي بالنشاب والبندق وما يُعْرَف برسوم الأستاذية.
النسخة الخطية: نسخة ضمن مجموع بمكتبة بوردور بتركيا رقم (815) في الأوراق: (46 - 47 ب). وهذا المجموع يقع في (135 ورقة) وفيه رسائل متعددة لشيخ الإسلام وغيره وإن كانت أغلب مسائله لشيخ الإسلام. وهو بخط مسعود بن محمود بن يوسف بن علي الخوارزمي، انتهى من نسخه في الثالث عشر من شوال سنة سبعمائة وتسعين. وهذا المجموع على تقدم تاريخ نسخه كثير الأخطاء والتصحيفات، مع تفاوت ذلك من رسالة إلى أخرى، فلعل ذلك يعود لاختلاف الأصول أو الخطوط التي نقل عنها الناسخ، والذي يظهر لي أنه كان مجرّد ناسخ فقط لا اشتغال له بالعلم. وقد زودني أخي الأستاذ أبو الفضل القُونوي بنسخة من المخطوط على CD جزاه الله خيرًا.
وقد جعل الناسخ رسائل شيخ الإسلام تحت عنوانين رئيسين:
(المقدمة/18)

الأول: بعنوان «الجواهر المضية» لشيخ الإسلام ابن تيمية. وهو يبدأ من (ق 15 - ق 60) ويضم مجموعة من المسائل، منها رسالتنا هذه والتي تليها رقم (12) ورسائل أخرى موجودة في مجموع الفتاوى فلم ندخلها هنا.
الثاني: بعنوان «الدرة المضية من فتاوى ابن تيمية» انتقاها الإمام ابن عبد الهادي -كما جاء في أولها- وتقع في المجموع من (ق 60 - ق 120)، وسيأتي ذكر الرسائل التي دخلت في مجموعتنا هذه.
12 - مسألة في قوله: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ..} ومسائل أخرى مختلفة.
موضوعها: السؤال عن هذه الآية وثمانية أسئلة أخرى غالبها فقهية، ثم أتبعته بما بقي من المسائل المعنون لها بـ «الجواهر المضية» مما ليس في الفتاوى.
النسخة الخطية: ضمن المجموع السالف في بوردور من (ق 47 ب-60 أ).
* مجموعة مكتبة كديك أحمد باشا في مدينة (أفيون) رقم (17517)، وقد نقلت هي وبقية محتوى المكتبة إلى المكتبة الوطنية بأنقرة، وهذا المجموع بخط أيوب بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن أبي الحسن بن خالد بن وثيق بن بقاء بن مساور العامري بمدينة حمص. نسخه ما بين سنتي (732 - 736 هـ) بحسب التواريخ المقيّدة في آخر الرسائل. وهذا الناسخ من تلاميذ شيخ الإسلام، وله عناية بنسخ كتبه،
(المقدمة/19)

وله صحبة مع أبي عبد الله ابن رُشيّق، وقد عرَّفتُ به في مقدمة تحقيق «الرد على الشاذلي» -إذ كان هو ناسخها- بما يلقي بعض الضوء على ترجمته. وقد زودني أخي الأستاذ أبو الفضل القونوي بنسخة من المخطوط على CD جزاه الله خيرًا.
وهذه المجموعة فيها عدة مسائل، وهي ذوات الأرقام (13 - 19):
13 - مسألة في باب الصفات هل فيها ناسخ ومنسوخ؟ (ق 111 أ-111 ب).
14 - مسألة في قول أبي حنيفة في الفقه الأكبر في الاستواء (ق 111 ب-113 ب).
15 - مسألة في العلو. (113 ب-115 أ).
16 - مسألة في حديث «من تقرب إلي شبرًا ..». (ق 180 أ-181 ب).
17 - مسألة في إثبات التوحيد والنبوات .. (182 أ-184 أ).
18 - قاعدة مختصرة في الحُسْن والقبح العقليين .. (ق 191 أ-195 أ).
19 - مسألة في عقيدة أهل كيلان .. (ق 126 أ).
* مجموعة فتاوى من «الدرة المضية من فتاوى ابن تيمية». نسخة تركيا في مدينة بوردور، وقد سبق وصفها عند الرسالة رقم (11). وتحوي مجموعة من الفتاوى والأسئلة، وهي:
(المقدمة/20)

20 - مسألة تتعلق بالجهر بالنية والدعاء، وغيرها من مسائل الصلاة .. (ق 64 ب-66 ب).
21 - مسألة في شرائط الصلاة، وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ... (ق 66 أ-69 ب).
22 - مسألة في من ينوي زيارة القدس أوقات التعريف. (ق 70 - 77 ب).
23 - مسألة في عسكر المنصور (ق 78 ب-80 ب).
24 - كتاب الشيخ إلى الملك المنصور حسام الدين لاجين عام 698. (ق 97 أ-98 أ).
وأنبه إلى أن هذه الرسالة في «مجموع الفتاوى»: (28/ 241 - 243). وقد دعاني إلى إدخالها في المجموعة أمران: أحدهما: أنه في الفتاوى لم يُنص إلى مَنْ أرسلها الشيخ، ولا إلى تاريخ كتابتها، وهو منصوص عليه في نسختنا. وهذا له أهميته التي لا تخفى. والثاني: أن في نسختنا زيادة نحو نصف صفحة سقطت من مطبوعة الفتاوى، هذا مع قِصَر الرسالة.
25 - مسألة في الداء والدواء (ق 96 ب-97 أ).
وقد عثرت لهذه الرسالة على ثلاث نسخ خطية؛ هذه واحدة، والثانية في [الأزهرية (182 مجاميع) 4485]، والثالثة ضمن المجموع السالف وصفه في مكتبة كديك باشا في تركيا. وهي في «مجموع الفتاوى»:
(المقدمة/21)

(10/ 136 - 137) لكن سقط منها السؤال بطوله وبعض الجواب، وأُلحقت برسالة أخرى لا علاقة لها بها. ثم وجدتها ملحقة بآخر «مختصر الفتاوى المصرية» (ص 650 - 651). ثم طبعت أخيرًا ضمن «الفتاوى العراقية»: (2/ 649 - 650) لكن الشعر الوارد في السؤال كتب نثرًا مع تحريفه ونقص منه بيتان!
26 - رسالة في الكلام على الحلَّاج .. (ق 110 ب-119 ب).
27 - رسالة فيما يجمع كليات المقاصد .. (ق 119 ب-120 أ).
28 - مجموعة مسائل فقهية مختلفة.
وهذه المسائل رتبتها بحسب أبواب الفقه، لا على حسب ذكرها في المخطوط، واستثنيت منها ما طُبع في الفتاوى، أو ما هو في مجموعتنا هذه ضمن مجموعٍ آخر.
29 - مجموعة مسائل وفتاوى متفرقة.
أولها: فتوى في جماعة من النساء قد تظاهرن بسلوك الفقراء ... ، ومخطوطتها في الظاهرية ضمن «الكواكب الدراري» رقم (567)، (ق 89 أ-ب).
ثم مسائل فقهية متفرقة، ونُسْخَتها في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة
(المقدمة/22)

النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، مجموعة المكتبة المحمودية رقم (2775)، (ق 47 أ-47 ب).

...
- منهج التحقيق
وقد سرنا في تحقيق هذه المجموعة سيرتنا في تحقيق كتب هذه المشاريع المباركة إن شاء الله تعالى، وقد شرحناه مرارًا، وخلاصته: العناية بنصوصها للوصول إلى نص سليم أقرب ما يكون لما تركه مؤلفها، والتعليق عليها بما يفيد القارئ ويخدم غرض مصنفها، دون إفراط أو تفريط.
وأودّ الإشارة أخيرًا إلى أن أغلب رسائل هذه المجموعة بل والمجموعات السابقة واللاحقة ليس لها إلا نسخة واحدة، والعمل على نسخة واحدة مزلّة قدم كما يعلمه الممارس، فكيف إذا اجتمع إلى ذلك كثرة أخطاء النسخة ورداءتها كما هو الحال في كثير من رسائل مجموعتنا هذه؟! وقد بذلت جهدي في تخطي هذه العقبة، واستفدت من قراءات الشيخين الجليلين: سليمان العمير، ومحمد أجمل الإصلاحي، وبقيت مواضع قلية محل نظر وتأمل.
وفي الختام أشكر كل من أسهم في إنجاز هذا العمل، وأدعو كل
(المقدمة/23)

محبٍّ للعلم والتحقيق، ومحب لتراث شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته المباركة أن تكون له يدٌ تسهم في إنجاح هذا المشروع الكبير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتب
علي بن محمد العمران
تحريرًا في مكة المكرمة حرسها الله
10/رمضان/1431 هـ
aliomraan@hotmail.com
(المقدمة/24)

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (17)

جامع المسائل
لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
(661 - 728 هـ)

المجموعة السابعة

تحقيق
علي بن محمد العمران

دار عالم الفوائد
للنشر والتوزيع
(1/1)

مسائل أهل الرَّحبة
لشيخ الإسلام ابن تيمية
(1/3)

وسئل [شيخ الإسلام] رحمه الله ورضي عنه عن مسائل سألها أهلُ الرحبة خطيب قرية عُشارا، وهي:
* الرجل يأمرُ زوجته بالصلاة ويضربها فلا تصلي، ولا يقدر عل طلاقها لأجل الصداق وغيره؟
* وفي الرجل يشربُ الشرابَ ويأكل الحرام ويعتقد أنه حرام، هل هو مسلم أم لا؟
* والرجل يُصيبه الجنابة والوقتُ بارد يؤذيه الغسل بالماء البارد، ويعدم الحمام أو الماء الحار، هل يتيمم ولا إعادة عليه؟
* وإذا عدم الماء وبينه نحو الميل، فإن أخر الصلاة إلى الماء فات الوقت، وإن تيمم أدركه، هل يتيمم ولا إعادة عليه؟
* وفي الرجل يحلف بالطلاق الثلاث على شيء أنه لا يفعله ثم يفعله، هل يلزمه الطلاق الثلاث؟
* وفي المؤمن هل يَكْفُر بالمعصية؟
* وما في المصحف هل هو نفس القرآن أم كتابته؟ وما في صدور المقرئين هل هو نفس القرآن أم لا؟
(1/5)

* والرجل يصلي وقتًا ويتركها أكثر زمانه، والرجل لا يصلي عمره من غير عذرٍ، هل يُغَسَّل ويصلَّى عليه؟
* وفي الكفار هل يُحاسبون يوم القيامة أم لا؟
* وما شَجَر بين الصحابة: علي ومعاوية وطلحة وعائشة، هل يُطالبون به أم لا؟
* وفي أهل الكبائر والشفاعة فيهم، وهل يدخلون الجنة إذا لم يتوبوا أم لا؟
* وفي الصالحين من أمة محمد هل هم أفضل من الملائكة؟
* وفي الميزان الذي في القيامة هل له كِفَّتان، أم هو عبارةٌ عن العدل؟
* وفي المعاصي هل أرادها الله من خلقه؟
* وفي الباري تعالى هل يُضلّ عباده ويهديهم أم لا؟
* وفي المقتول هل مات بأجَلِه أم قطع القاتلُ أجلَه؟
* والغلاء والرُّخص هل هو من الله؟
* وفي الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم لما عُرِجَ به هل كان في اليقظة أم في النوم؟
* وفي المبتدعة هل هم كفار أم فسَّاق؟
* وفي مَلَك الموت هل يُذبح يوم القيامة أم لا؟
(1/6)

* وفي الرجل يعتقد الإيمان بقلبه ولم يتلفّظ بلسانه هل يصير بذلك مؤمنًا؟
* وغسل الجنابة هل هو فرض أم لا؟ وهل يجوز أن يصلي الجنب ويعيد؟
* وعن الحرام من المال والخمر، هل هو رزق الله لمن أكله؟
* وفي الإيمان هل هو مخلوق أم لا؟
* وفي القراءة إذا أُهديت إلى الأموات هل يصل ثوبها مِنْ بُعدٍ وقربٍ؟
* وفي البئر إذا وقعت فيها ميتةٌ أو نجاسة هل تنجس؟ وإذا نجست هل ينزع منها شيء أم لا؟
* وفي هلال شهر رمضان هل يُصام برؤيته أم بالحساب؟ وإذا حال دونه غيمٌ هل يُصام بالحساب؟
* [وعن الصبي إذا مات وهو غير مطهَّر هل يقطع ختانه بالحديد عند غسله أم يخلى على حاله؟]
* وفي رجل يصيبه رَشَاش البول وهو في الصلاة أو غيرها ويغفل عن نفسه، أو لم يتمكَّن من غسلها، هل يصلي بالنجاسة أو يترك الصلاة؟
(1/7)

* وفي الرجل إذا قُتل وفيه جِراح يخرج منها دمٌ، هل يُغسَّل ويُصلَّى عليه؟
* والرجل يسرق الأسيرة من بلاد العدو -ولم يُعْرَف لها أهل- وينهزم بها ويسافر ليلًا ونهارًا، فيريد التزويج بها كما يزوجه القاضي خوف الفتك، فيقول: أُشْهِدُ الله وملائكته أن صداقها عليَّ كذا. وترضى هي بالزوج والصَّدَاق، هل يجوز ذلك للضرورة وخوف الفتك، كونها معه ليلًا ونهارًا، يطّلع عليها على ما يخفى في السفر؟
* وفي الرجل يقرأ القرآن وما عنده أحد يسأل عن اللحن، وإذا وقف على شيءٍ نظر في المصحف، هل يأثم أم لا؟
* وفي صلاة الجمعة إذا لم تتم الجماعة أربعون رجلًا ويصعب تركها، هل له رخصة عند أحدٍ أن يصلي بدون الأربعين وذلك في قرًى عديدة؟
(1/8)

* وهل يجوز التقدُّم بين يدي الإمام أم لا؟ وهل تبطل صلاة من تقدّم؟
* وفي القاتل عمدًا أو خطأً، هل تَدفعُ الكفارةُ المذكورةُ في القرآن ذنبَه، أم يطالب بالقتل؟
* والمصلي إذا رأى هوامَّ الأرض هل يجوز قتله، ولو مشى إليه ثلاث خطوات وهو في الصلاة؟
* وفي السماع بالدف والشبّابة هل هو حرام؟
* ودخول النار وإخراج اللَّاذَن ومؤاخاة النساء الأجانب، هل هو حرام؟
* وفي البقر الحلَّابة تأكل النجاسة، هل ينجس لبنها ويحرم؟
* وفي الذبيحة إذا كانت الغَلْصَمة مما يلي البدن هل تحرم أم لا؟
* وفي البهيمة تُذبح في الماء وتموت فيه، هل تؤكل أم لا؟
* وفي المسجد والجامع وصلاة قوم برّا المسجد وفي طريقه هل تجوز صلاتهم؟
* وفي الرجل يشتري الدابة ويزن الثمن ويقبضها، واشترط له الخيار مدة يومين، فتموت الدابة ليلة قبضها، هل يكون من البائع أم من المشتري؟
(1/9)

* [وتارك الصلاة من غير عذرٍ هل هو مسلم في تلك الحال؟]
# # #
فأجاب رحمه الله ورضي عنه:
* أما المرأة فإنه يجبُ أمرها بالصلاة مرّةً بعد مرّةٍ، وإلزامها بذلك بالرّغْبة والرّهْبة، وإذا كان عاجزًا ـ إذا طلقها ـ عن مهرها وأمكنه أن يرغِّبها بزيادةٍ في النفقة فَعَلَ إذا صلَّت، وكذلك يعاقبها بالهَجْر مرّةً بعد مرّةٍ، فإن عَجَز عن كلّ سببٍ تصلي به لم يجب عليه ـ مع عجزه عن المهر ـ أن يطلّقها، فيحبس ويطلب منه ما يعجز عنه.
فصل

* وأما الذي يشرب الشراب، ويأكل الحرام، ويقرّ بالشهادتين هل هو مسلم أم لا؟
الجواب: إذا كان مقرًّا بالشهادتين باطنًا وظاهرًا، لم يكن معصيتُه بشُرْب الخمر وأكل الحرام مخرجًا له عن الإسلام بالكلية، ولا مخرجًا له عن جميع الإيمان، بل مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم: أنَّ مَن كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من إيمانٍ لم يخلَّد في النار، ومَن أقرَّ بالشهادتين لم يكن كافرًا بمجرَّد معصيته.
(1/10)

ولكنَّ الخوارج والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبائر ليس معه من الإيمان والإسلام شيء، وهذا القول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف من الأمة.
لكن هؤلاء إذا كانوا طائفةً ممتنعة، قوتلوا حتى يَلْزَموا شرائع الإسلام، وأما الواحد فيُقام عليه الحدود الشرعية إذا أمكن ذلك، وإلّا فيفعلُ المؤمن ما يقدِر عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان».
فصل

* في الرّجُل وقعت عليه جنابة، والوقت بارد، إذا اغتسل فيه يؤذيه، وتعذّر عليه الحمّام أو تسخين الماء، فيجوز أن يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه؟
والجواب: أنه لا يجوز لأحدٍ قطّ أن يؤخّر الصلاة عن وقتها، لا لعذرٍ ولا لغير عذرٍ، بل يجوز عند العذر الجمعُ بين الصلاتين ـ صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء ـ وأما تأخير المغرب حتى تطلع الشمس فلا يجوز بحال، وكذلك تأخير صلاة الظهر والعصر حتى تغرب الشمس. بل إذا كان عادمًا للماء أو خاف الضّرر باستعماله، فعليه
(1/11)

أن يتيمَّم ويصلي في الوقت، سواء كان جُنبًا أو مُحْدِثًا. وله أن يقرأ القرآن في الصلاة وخارج الصلاة.
ويتيمّم إذا عدم الماء في السّفَر، وكذلك إذا خاف إن اغتسل بالماء البارد يضرّه، والتسخين يتعذَّر، ولتعذُّر الحمّام أو التسخين فإنه يتيمّم ويصلي.
ولا إعادة على أحدٍ صلى في الوقت كما أمره الله تعالى، فإنّ الله لم يوجب على أحدٍ أن يصلي مرّةً في الوقت ومرّةً بعد الخروج من الوقت، بل إذا نسي وصلى بلا وضوء فإنه يؤمر بالقضاء؛ لأنه لم يفعل ما أمره الله به، فمن نسي الصلاة أو بعض فرائضها صلى إذا ذكرها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن نام عن صلاةٍ أن نسيها فليصلِّها إذا ذكرها».
وأمر مَن صلى وفي قدمه لُمْعة لم يُصِبْها الماء أن يعيد الوضوء والصلاة.
وأما مَن ترك بعض الواجبات جهلًا لا يؤاخذ، فإن عَلِم في الوقت أعاد، وإن لم يعلم إلا بعد الوقت، فلا إعادة عليه، كالأعرابي الذي صلى بلا طمأنينة، فإنه أمره بإعادة تلك الصلاة، ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل
(1/12)

ذلك مع قوله: «والذي بعثك بالحق لا أُحْسِن غير هذا». وكذلك لم يأمر المُسْتحاضة بإعادة ما تركته. ولم يأمر عُمر وعمّارًا بإعادة ما تركا مع الجنابة حيث لم يعلما التيمُّمَ الشرعيّ. ولم يأمر أبا ذرٍّ بالإعادة. ولم يأمر الذين اعتقدوا أنَّ الخيطَ الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود لمَّا أكلوا إلى أن تبينت الحال، لم يأمرهم بالإعادة. ولم يأمر الصحابة الذين صلّوا بلا ماءٍ ولا تيمّم بالإعادة لما صلوا بلا ماءٍ قبل أن يشرع التيمّم. ونظائر هذه متعددة.
(1/13)

فصل

* والذي إذا عَدِم الماء وبَيْنه نحو الميل، إذا أخَّر الصلاة خرج الوقت وإن تيمم أدركه؟
فالجواب: إذا دخل الوقت والماء بعيد أو في بئر مُجبّب لا يصلون إليه إلا بعد الوقت، يصلون بالتيمم في الوقت مع البُعْد باتفاق المسلمين، وفي مسألة البئر عند جمهورهم.
وكذلك المسافر إذا وصل إلى مكان فإن ذهب إلى الماء خرج الوقت صلى بالتيمم، فإنَّ فرضَه أن يصلي في الوقت بالتيمم، ولا يجوز له أن يؤخِّر الصلاة حتى يخرج الوقت، وإن صلى بالوضوء بعد الوقت.
وكذلك العُريان فَرْضُه أن يصلي في الوقت وإن كان عُريانًا، ولا يؤخّر الصلاة، وإن صلى بعد الوقت مكتسيًا.
وكذلك من اشتبهت عليه القبلة أو كان مربوطًا فإنه يصلي في الوقت ولو صلى إلى غير القبلة، ولا يجوز له أن يؤخِّرَ الصلاة وإن صلى إلى القبلة بعدَ الوقت.
وكذلك إذا كان عليه نجاسة في بدنه أو ثيابه لا يمكنه إزالتها إلا بعد الوقت، فعليه أن يصلي في الوقت، وإن كان عليه نجاسة فلا يؤخرها ليصلي بعد الوقت بالطهارة.
(1/14)

وكذلك المريض عليه أن يصلي في الوقت بحسب الإمكان، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حُصَين: «صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا أو مضجعًا» ولا يؤخر ليصلي بعد الوقت.
وكذلك في حال الخوف يصلي في الوقت صلاة الخوف ولا يؤخر الصلاة ليصلي بعد الوقت صلاة آمن.
والأصل الجامع في هذا: أنه لا بدّ من الصلاة في وقتها لا تُؤخَّر عن الوقت بوجهٍ من الوجوه، لكن يجوز في حال العذر أن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وإذا عَجَز [عن بعض] واجبات الصلاة صلى في الوقت بحسب حاله، والله أعلم.
فصل

* وأما الذي يحلف بالطلاق أنه لا يفعل شيئًا ثم يفعله هل يلزمه الطلاق؟
فالجواب: أنَّ كلّ من حلف يمينًا من أيمان المسلمين فإنه يجزئه كفارة يمين إذا حلف، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ
(1/15)

فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89].
وقال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] وثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في «الصحيح» من غير وجهٍ أنه قال: «من حَلَفَ على يمين فرأى غيرَها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليأت الذي هو خير». وهذا يتناولُ جميعَ أيمان المسلمين.
والأيمان نوعان: أيمان المسلمين، وأيمان غير المسلمين فالحلف بالمخلوقات كالحلف بالملائكة والمشايخ والكعبة وغيرها= مِنْ أيمان أهل الشرك لا من أيمان المسلمين.
وفي «السنن» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلفَ بغير الله فقد أشرك»، وصححه الترمذي.
وفي «الصحيحين»: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت».
(1/16)

وكذلك النذر للمخلوقات ـ كالنذر لقبور الأنبياء وقبور المشايخ ـ هو من دين أهل الشرك، فالحلف بالمخلوقات لا ينعقد، ولا كفارة فيها إذا حنثَ.
والنوع الثاني: أيمان المسلمين كالحلف باسم الله، أو النذر أو الطلاق أو العتاق أو الحرام أو الظهار، كقوله: والله لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، أو الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو العتق يلزمني لا أفعل كذا، أو إن فعلتُ كذا فأنا يهوديّ أو نصرانيّ أو بريء من دين الإسلام، أو فعلَيَّ الحج أو صيام سنة، أو فمالي صدقة ونحو ذلك، فهذا كله يجزئ فيه الكفارة في أظهر أقوال العلماء، وفيها أقوالٌ أخر.
وقد بسطنا الكلامَ على هذه المسألة في مجلدات، هذا والمجلدات منتشرات.
(1/17)

فصل

* العبد هل يكفر بالمعصية أم لا؟
الجواب: أنه لا يَكْفُر بمجرَّد الذنب؛ فإنه قد ثبَت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع السّلَف أنّ الزاني غير المحصن يُجلد ولا يُقتل، والشارب يُجلد، والقاذف يُجلد، والسارق يُقطع، ولو كفارًا لكانوا مرتدّين ووجب قتلهم، وهذا خلافُ الكتابِ والسنةِ وإجماع السلف.
فصل

* ما في المصحف هل هو نفس القرآن أو كتابته، وما في صدور القُرَّاء هل هو نفس القرآن أو حفظه؟
الجواب: أن الواجب أن نطلق ما أطلقه الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 22]، وقوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79]، وقوله: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: 3]، وقوله: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} [البينة: 2]، وقوله: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 16].
(1/18)

وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يُسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ». وقوله: «استذكروا القرآن [فلهوَ أشدُّ تفصِّيًا] مِن صدور الرجال مِن النَّعَم في عُقُلها»، وقوله: «[الجوف] الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخَرب». وقد صحّحه الترمذي.
فمن قال: القرآن في المصحف والصدور؛ فقد صدق. ومن قال: فيهما حفظه وكتابته؛ فقد صدق. ومن قال: القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور؛ فقد صدق.
ومن قال: إن المداد والورق أو صفة العبد أو فعله أو صوته قديم أو غير مخلوق؛ فهو مخطئ ضال. ومن قال: إنَّ ما في المصحف ليس هو كلام الله، أو: ما في صدور القرّاء ليس هوكلام الله، أو قال: إنّ القرآن العربي لم يتكلَّم به الله ولكن هو مخلوق أو صفة جبريل أو محمد،
(1/19)

أو قال إن القرآن في المصاحف كما أنّ محمدًا في التوراة والإنجيل؛ فهذا أيضًا مخطئ ضال، فإن القرآن كلام الله، والكلام نفسه يكتبُ في المصحف بخلاف الأعيان، فإنه إنما يُكتَب اسمها وذكرها، فالرسول مكتوب في التوراة والإنجيل ذكره ونعته وكتابة المسميات، كما أنّ القرآن في زُبُر الأوَّلين، [وكما أنّ أعمالنا في الزُّبُر، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 196]]، وقال: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 52].
فمحمد مكتوب في التوراة والإنجيل، كما أنَّ القرآن في تلك الكتب، وكما أن أعمالنا في الكتب، وأما القرآن فهو نفسه مكتوب في المصاحف، ليس المكتوب ذكره والخبر عنه، كما يكتب اسم الله في الورق، ومَنْ لم يفرِّق بين كتابة الأسماء والكلام وكتابة المسميات والأعيان ـ كما جرى لطائفة من الناس ـ فقد غلط غلطًا سوَّى فيه بين الحقائق المختلفة، كما قد يجعل مثل هؤلاء الحقائق المختلفة شيئًا واحدًا كما قد جعلوا جميع أنواع الكلام معنى واحدًا.
وكلام المتكلِّم يُسمع تارةً منه وتارةً من المبلِّغ عنه، فالنبيّ صلى الله عليه وسلم لما
(1/20)

قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوَّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
فهذا الكلام قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه، فلفظه لفظ الرسول، ومعناه معنى الرسول، فإذا بلَّغه المبلِّغ عنه بلَّغَ كلامَ الرسول بلفظه ومعناه، ولكن صوت الصحابي المبلِّغ ليس هو صوت الرسول صلى الله عليه وسلم.
فالقرآن كلامُ الله لفظه ومعناه، سمِعَه منه جبريل، وبلَّغه عن الله إلى محمد، ومحمد سمِعَه من جبريل، وبلَّغه إلى أمته، فهو كلام الله حيث سُمع وكُتب وقُرئ، كما قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6]. وكلام الله تكلَّم الله به بنفسه، تكلّم به باختياره وقدرته، ليس مخلوقًا بائنًا عنه، بل هو قائم بذاته، مع أنه تكلّم به بقدرته ومشيئته، ليس قائمًا به بدون قدرته ومشيئته، والسلف قالوا: لم يزل الله متكلِّمًا إذا شاء.
فإذا قيل: كلام الله قديم، بمعنى أنه لم يَصِر متكلّمًا بعد أن لم يكن متكلمًا، ولا كلامه مخلوق، ولا معنى واحد قديم [قائم] بذاته، بل لم يزل متكلمًا إذا شاء، فهذا كلام صحيح. ولم يقل أحدٌ من السلف: إن نفس الكلام المعين قديم، وكانوا يقولون: القرآن كلام الله منزل غير
(1/21)

مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. ولم يقل أحدٌ منهم: إن القرآن قديم، ولا قالوا: إن كلامه معنى واحد قائم بذاته، ولا قالوا: إن القرآن أو حروفه وأصواته قديمة أزلية قائمة بذات الله، [وإن كان جنس الحروف لم يزل الله متكلمًا بها إذا شاء] بل قالوا: إن حروف القرآن غير مخلوقة، وأنكروا على من قال: إن الله خلق الحروف.
وكان أحمد وغيره من السلف ينكرون على من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق. ويقولون: من قال: هو مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. فإن اللفظ يُراد به مصدر لفظ يلفظ لفظًا، ويُراد باللفظ الملفوظ به، وهو نفس الحروف المنطوقة.
وأما أصوات العباد ومداد المصاحف فلم يتوقف أحد من السلف في أن ذلك مخلوق، وقد نصَّ أحمد على أن أصوات القارئ صوت العبد، وكذلك غير أحمد من الأئمة، وقال أحمد: «من قال: لفظي بالقرآن مخلوق ـ يريد به القرآن ـ فهو جهمي».
والإنسان وجميع حركاته وأفعاله وأصواته مخلوقة، وجميع صفاته مخلوقة، فمن قال عن شيء من صفاته: إنها [غير] مخلوقة أو قديمة فهو مخظئ ضال.
ومن قال عن شيء من كلام الله أو صفاته: إنه مخلوق فهو مخطئ
(1/22)

ضال. وأما أصوات العباد بالقرآن والمداد الذي في المصحف، فلم يكن أحدٌ من السلف يتوقف في ذلك، بل كلّهم متفقون على أنّ أصوات العباد مخلوقة، وكلام الله الذي كُتِبَ بالمداد غير مخلوق، قال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].
وهذه المسائل قد بُسِطَ الكلام عليها، وذُكِر أقوال العلماء واضطرابهم فيها في مواضع أخر.
فصل

* والذي يُصلي وقتًا ويترك الصلاة كثيرًا أو لا يصلي؟
فالجواب: إن مثل هذا ما زال المسلمون يُصلون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يُصلي المسلمون عليهم ويُغسَّلون وتُجرى عليهم أحكامُ المسلمين، كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن كان من قد علمَ نفاقَ شخصٍ لم يَجُز له أن يصلي عليه؛ كما نُهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على من عَلِم نفاقَه، وأما من شكّ في حاله فيجوزُ الصلاةُ عليه إذا كان ظاهره الإسلام، كما صلى
(1/23)

النبيّ صلى الله عليه وسلم على من لم يُنْه عنه، وكان فيهم من لم يعلم نفاقه، كما قال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101]. ومثل هؤلاء يجوزُ النهيُ عنهم، ولكن صلاة النبي والمؤمنين على المنافقين لا تنفعه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ألْبَس ابنَ أُبيٍّ قميصَه: «وما يغني عنه قميصي من الله». وقال تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6].
وتارك الصلاة أحيانًا وأمثاله من المتظاهرين بالفسق، فأهلُ العلم والدين إذا كان في هجر هذا وترك الصلاة عليه منفعةٌ للمسلمين، بحيث يكون ذلك باعثًا لهم على المحافظة على الصلاة؛ تركوا الصلاة عليه، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه، والغالِّ، والمَدِين الذي لا وفاء له، وهذا شَرّ منهم.
(1/24)

فصل

* وأما الكفار هل يُحاسبون يوم القيامة أم لا؟
فالجواب: أن هذه المسألة تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم، فممن قال: إنهم لا يحاسبون: أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن، والقاضي أبو يعلى وغيرهم. وممن قال: إنهم يحاسبون: أبو حفص البرمكي ـ من أصحاب أحمد ـ، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو طالب المكي.
وفَصْل الخطاب: أنّ الحساب يُراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، أو يراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات. فإن أُريد بالحساب المعنى الأول فلا ريب أنهم يُحاسبون بهذا الاعتبار. وإن أُريد المعنى الثاني، فإن قُصِدَ بذلك أن الكفار يبقى لهم حسنات يستحقّون بها الجنة، فهذا خطأ ظاهر، وإن أُريد أنهم يتفاوتون في العقاب، فعقاب من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلَّت سيئاته، ومن كان له حسنات خُفِّف عنه العذاب، كما أنَّ أبا طالب أخفّ عذابًا من أبي لهب.
(1/25)

وقال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 1]. وقال تعالى: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: 88]. {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37]. والنار دركات، فإذا كان بعضُ الكفار عذابه أشدّ من بعض ـ لكثرة سيئاته وقلّة حسناته ـ كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخول الجنة.
فصل
* وأما ما شَجَر بين الصحابة، فقد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعليًّا وطلحة والزبير وعائشة من أهل الجنة، بل ثبت في «الصحيح» أنه «لا يدخل النارَ أحدٌ بايعَ تحت الشجرة».
وأبو موسى الأشعري، وعَمْرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، هم من الصحابة ولهم فضائل ومحاسن.
وما يُحكَى عنهم فكثير منه كذبٌ، والصدق منه إن كانوا فيه مجتهدين، فالمجتهد إذا أصابَ فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ، وخطؤه مغفورٌ له.
(1/26)

وإن قُدِّر أنّ لهم ذنوبًا فالذنوب لا توجبُ دخول النار مطلقًا إلا إذا انتفت الأسباب المانعة من ذلك، وهي عشرةٌ: منها التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها الحسنات الماحية، ومنها المصائب المكفِّرة، ومنها شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم ومنها شفاعة غيره، ومنها دعاء المؤمنين، ومنها ما يُهدى للميت من الثواب، كالصدقة والعتق عنهم، ومنها فتنة القبر، ومنها أهوال القيامة.
وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير القرون القرن الذي بُعثتُ فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وحينئذٍ فمن جزم في أحدٍ من هؤلاء أنَّ له ذنوبًا يدخل بها النار قطعًا فهو كاذب مفترٍ، فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلًا، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟ فمن تكلَّم فيما شَجَر بينهم بما نهى الله عنه من ذمِّهم أو التعصّب لبعضهم بالباطل فهو ظالم معتد.
(1/27)

قد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يمرق مارقةٌ على حين فُرْقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق». وثبت في «الصحيح» عنه أنه قال عن الحسن: «إن ابني هذا سيِّدٌ وسيصلحُ الله به بين فئتين عظيمتين [من المسلمين]». وفي «الصحيحين» عن عمَّار أنه قال: «تقتله الفئة الباغية».
وقد قال الله في القرآن: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9].
فثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف ما يدلّ على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن عليّ بن أبي طالب والذين معه كانوا أولى بالحقِّ من الطائفة المقابلة، والله أعلم.
(1/28)

فصل

* وأما الشفاعة في أهل الكبائر من أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يدخلون الجنة؟
فالجواب: أن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهلُ البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم. ولا يبقى في النار مَنْ في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمان، بل كلهم يخرجون من النار إلى الجنة ويدخلون الجنة، ويبقى في الجنة فضل، يُنشئ الله لها خلقًا آخر يدخلهم الجنة، كما ثبت ذلك في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فصل

* وأما المطيعون من أمة محمد هل هم أفضل من الملائكة؟
فالجواب: أنه قد ثبت عن عبد الله بن عَمْرو أنه قال: «إن
(1/29)

الملائكة قالت: يا ربّ جعلت بني آدم يأكون في الدنيا ويشربون ويتمتعون، فاجعل لنا الآخرة، كما جعلْتَ لهم الدنيا. قال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه: فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، فقال: وعزَّتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان». ذكره عثمان بن سعيد الدارمي.
وروى هذا عبد الله بن أحمد في كتاب «السنة» عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
وثبت عن عبد الله بن سلام أنه قال: «ما خلق الله خلقًا عليه أكرم من محمد، فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل؟ فقال للسائل: أتدري ما جبريل وميكائيل، إنما جبريل وميكائيل خلق مسخّرٌ كالشمس والقمر، وما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد».
وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، وهذا هو المشهور عن المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم،
(1/30)

وهو أن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة.
ولنا في هذه المسألة مصنف مفرد، ذكرنا فيه الأدلة من الجانبين.
فصل

* وأما الميزان هل هو عبارة عن العدل أم له كِفَّتان؟
فالجواب: أنّ الميزان ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: 8] [{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: 9]]، وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47].
وفي «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
(1/31)

وقال عن ساقَيْ عبدِ الله بن مسعود: «لهما في الميزان أثقل من أحد». وفي الترمذي وغيره حديث البطاقة، وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما، في الرجل الذي يُؤتى به، ويُنشر له تسعة وتسعون سجلًّا كلّ سجلّ منها مدّ البصر، فتوضع في كِفّة، ويُؤتى له ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فطاشت السِّجلّات، وثَقُلت البطاقة».
وهذا وأمثاله مما يبيّن أنّ الأعمال توزن بموازين يتبين بها رُجْحان الحسنات على السيئات وبالعكس، فهو ما يتبيَّن به [العدل]، والمقصود بالوزن العدل كموازين الدنيا.
وأما كيفيّة تلك الموازين، فهو بمنزلة كيفية سائر ما أُخْبِرنا به من الغيب.
(1/32)

فصل

* وأما السؤال عن الله تعالى هل أراد المعصية من خلقه أم لا؟
فالجواب: أن لفظ «الإرادة» مجمل له معنيان: فيقصد به المشيئة لما خلقه، ويقصد به المحبة والرضى لما أمر به. فإن كان مقصود السائل أنه أحبّ المعاصي ورضيها أو أمر بها، فلم يرِدْها بهذا المعنى؛ فإن الله لا يحبّ الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر ولا يأمر بالفحشاء، بل قد قال لما نهى عنه: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38].
وإن أراد أنها من جملة ما شاء الله خَلْقَه، فالله خالق كل شيء، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في الوجود إلا ما شاءه. وقد ذكر الله في موضع أنه يريدها، وفي موضع أنه لا يريدها، والمراد بالأول أنه شاءها خلقًا، والثاني أنه لا يحبها ولا يرضاها ولا أمر بها، قال الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125]. وقال نوح: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34].
(1/33)

وقال في الثاني: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].
وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6].
وقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 23].
فصل

* وأما الباري سبحانه هل يُضل ويهدي؟
فالجواب: أنَّ كل ما في الوجود فهو مخلوق له، خلقه بمشيئته وقدرته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يُعطي ويمنع، ويَخْفِض ويرفع، ويُعزّ ويُذلّ، ويُغني ويُفقر، ويُضلّ ويهدي، ويُسعد ويُشقي، ويُؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويشرح
(1/34)

صدر من يشاء إلى الإسلام، ويجعل صدرَ من يشاء ضيقًا حرجًا كأنما يَصَّعَّد في السماء، وهو مقلِّب القلوب، ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وهو الذي حبَّبَ إلى المؤمنين الإيمان وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هو الراشدون.
وهو الذي جعل المسلم مسلمًا، والمصلي مصلِّيًا. قال الخليل: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128]. وقال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40]. وقال: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة: 24].
وقال عن آل فرعون: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص: 41].
وقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 21].
وقال: {اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [المؤمنون: 27].
وقال: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} [هود: 38]، والفلك مصنوعةٌ لبني آدم، وقد أخبر الله أنه خلقها بقوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [يس: 42].
وقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا
(1/35)

وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]، وهذه كلها مصنوعات لبني آدم.
وقال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] فـ «ما» بمعنى «الذي» أي: والذي تنحتونه، ومن جعلها مصدريةً فقد غلط، لكن إذا خلق المنحوت كما خلق المصنوع والملبوس والمبني الذي دلَّ على أنه خالق كلِّ صانع وصنعته، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خالق كلِّ صانع وصنعته».
وقال: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 18].
وقال: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125].
(1/36)

وهو سبحانه خالق كلّ شيء وربّه ومليكه، وله فيما خلقه حكمة بالغة، ونعمة سابغة، ورحمة عامة وخاصة، وهو لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، لا لمجرَّد قدرته وقهره، بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته؛ فإنه سبحانه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وقد أحسنَ كل شيء خلَقَه، وقال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].
وقد خلق الأشياء بأسباب كما قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 164]، وقال: {فأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 75]، وقال: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16].
فصل

* وأما المقتول هل مات بأجله أو قَطَع القاتلُ أجله؟
فالجواب: أن المقتول كغيره من الموتى، لا يموت أحدٌ قبل أجله، ولا يتأخّر أحدٌ عن أجله، بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدَّم ولا تتأخَّر؛ فإنّ أجل الشيء هو نهاية مدّته، وعمره مدة بقائه، فالعمر مدة البقاء، والأجل نهاية العمر بالانقضاء.
(1/37)

وقد ثبتَ في «صحيح مسلم» وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قدَّرَ الله مقادير الخلائق قبل أن يَخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشُه على الماء».
وثبت في «صحيح البخاري» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذِّكْر كلّ شيء، وخلق السموات والأرض»، وفي لفظ: «ثم خلق السموات والأرض». وقد قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].
والله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن، أو ذات الجنب، أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت مقتولًا إما بالسمِّ وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل. وعِلْم الله ذلك وكتابته له، بل مشيئته لكل شيء، وخَلْقه لكل شيء، لا يمنع المدح والذمّ والثواب والعقاب، بل القاتل إن قَتَل قتلًا مما أمر الله به ورسوله كالمجاهد في سبيل الله، أثابه الله على ذلك، وإن قََتَل قتلًا حرَّمه اللهُ ورسولُه كفعل القُطاَّع
(1/38)

والمتعدين، عاقبه اللهُ على ذلك، وإن قَتَل قتلًا مباحًا كقتل المقتصّ، لم يُثب ولم يُعاقب، إلا أن يكون له نيةٌ حسنة أو سيئة في أحدهما.
والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجلٌ مقيَّد، وبهذا تبيّن قوله صلى الله عليه وسلم: «من سَرَّه أن يُبْسَط له في رِزْقه ويُنسأ له في أثره، فليَصِل رَحِمَه»، فإنّ الله أمر المَلَك أن يكتب له أجلًا وقال: إن وَصَل رَحِمَه كتب له كذا وكذا. والملك لا يعلم أيزاد أم لا، ولكن الله يعلم ما يستقرّ الأمر عليه، فإذا جاء ذلك لا يتقدَّم ولا يتأخّر.
ولو لم يُقتل المقتول فقد قال بعض القدرية: إنه كان يعيش، وقال بعضُ نفاة الأسباب: إنه كان يموت، وكلاهما خطأ، فإن الله علم أنه يموت بالقتل، فإذا قُدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون. وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه.
فلو فرضنا أنَّ الله علم أنه لا يُقتل أمكن أن يكون قَدَّر موته في هذا الوقت، وأمكن أن يكون قَدَّر حياته إلى وقتٍ آخر، فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون جَهْل. وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قُدِّر له من الرزق قد كان يموت أو يرزق شيئًا آخر. وبمنزلة من قال: لو لم يُحْبِل هذا الرجل لهذه المرأة هل كانت عقيمًا أم يُحبلها رجلٌ
(1/39)

آخر. ولم لم يزدرع هذه الأرض هل كان يزدرعها غيره أم كانت تكون مواتًا لا زرع بها؟ وهذا الذي تعلَّم القرآنَ مِن هذا لو لم يتعلّمْه هل كان يتعلّمه من هذا، أم لم يكن يتعلم القرآن البتة؟ ومثل هذا كثير.
فصل

* وأما الغلاء والرُّخْص هل هما مِنَ الله تعالى أم لا؟
فالجواب: أنّ جميع ما سوى الله من الأعيان وصفاتها وأحوالها مخلوقةٌ لله، مملوكةٌ لله، وهو ربها وخالقها ومليكها ومدبّرها، لا ربَّ لها غيره، ولا إله سواه لها، له الخلق والأمر، ولا شريكَ له في شيء من ذلك ولا مُعين، بل هو كما قال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23].
أخبر سبحانه أنَّ ما يُدعَى من دونه ليس له مثقال ذرَّةٍ في السموات ولا في الأرض، ولا شرك في ملك، ولا إعانة على شيء، وهذه الوجوه الثلاثة هي التي يثبت بها حقّ، فإنه إما أن يكون مالكًا للشيء
(1/40)

مستقلًّا بملكه، أو يكون مشاركًا فيه له فيه نظير، أو لا ذا ولا ذاك، فيكون معينًا لصاحبه كالوزير والمشير والمعلّم والمنْجِد والناصر، فبين سبحانه أنه ليس لغيره ملك مثقال ذرةٍ في السموات ولا في الأرض، ولا لغيره شرك في ذلك لا قليل ولا كثير، فلا يملكون شيئًا، ولا لهم شرك في شيء، ولا له سبحانه ظهير، وهو المظاهر المعاون، فليس له وزير ولا معين ولا مشير ونظير، وهو كما قال سبحانه: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111].
فإنَّ المخلوق يوالي المخلوق لذلّه؛ فإذا كان له من يواليه [عز بوليه]، والرّبُّ تعالى لا يوالي أحدًا لذلّته تعالى عن ذلك، بل هو العزيز بنفسه، و {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10]، وإنما يوالي عبادَه المؤمنين لرحمته ونعمته وحكمته، وإحسانه وجوده، وتفضُّله وإنعامه.
(1/41)

وحينئذٍ فالغلاء بارتفاع الأسعار والرُّخص بانخفاضها، هما من جملة الحوادث التي لا خالق لها إلا الله وحده، ولا يكون شيءٌ منها إلا بمشيئته وقدرته، لكن هو سبحانه قد جعل بعضَ أفعال العباد سببًا في بعض الحوادث، كما جعل [قتل] القاتل سببًا في موت المقتول، وجعل ارتفاع الأسعار قد يكون بسبب ظلم بعض العباد، وانخفاضها قد يكون بسبب إحسان بعض الناس، ولهذا أضاف من أضاف من القدريَّة المعتزلة وغيرهم الغلاءَ والرخصَ إلى بعض الناس، وبنوا ذلك على أصولٍ فاسدة.
أحدها: أنَّ أفعال العباد ليست مخلوقة لله.
والثاني: أنَّ ما يكون فعل العبد سببًا له، يكون العبد هو الذي أحدثه.
والثالث: أنّ الغلاء والرُّخْص إنما يكون بهذا السبب.
وهذا أصول باطلة، فإنه قد ثبت أنّ الله خالق كلّ شيء من أفعال العباد وغيرها، ودلت على ذلك الدلائل الكثيرة السمعية [والعقلية]، وهذا متفق عليه من السلف والأئمة، وهم مع ذلك يقولون: إن العباد لهم قدرة ومشيئة، وأنهم فاعلون لأفعالهم، ويثبتون ما خلقه الله من الأسباب، وما خلق له من الحِكَم.
(1/42)

ومسألة القدر مسألةٌ عظيمة ضلَّ فيها طائفتان من الناس:
طائفة أنكرت أنَّ الله تعالى خالق كلِّ شيء، أو أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما أنكرت ذلك المعتزلة. وطائفة أنكرت أن يكون العبد فاعلًا لأفعاله، أو أن يكون له قدرة لها تأثير في مقدورها، أو أن يكون في المخلوقات ما هو سببٌ لغيره، أو أن يكون الله خلق شيئًا لحكمة، كما أنكر ذلك الجهم بن صفوان ومن اتبعه من المُجْبرة الذين ينتسب كثيرٌ منهم إلى السُّنة. فالكلام على هذه المسألة مبسوط في مواضع أخر.
وأما الثاني: وهو أنّ ما كان فِعْلُ العبد أحدَ أسبابه، كالشبع والرِّي الذي يكون بسبب الأكل، وزهوق النفس الذي يكون بسبب القتل، فهذا قد جعله أكثر المعتزلة فعلًا للعبد، والجبرية لم يجعلوا لفعل العبد فيه [تأثيرًا، بل ما] تيقّنوا أنه سبب، قالوا: إنه عنده لا به. وأما السلف والأئمة فلا يجعلون للعبد فعلًا لذلك كفعله لِمَا قام به من الحركات، ولا يمنعون أن يكون مشاركًا أسبابه، وأن يكون الله جعل فعل العبد مع غيره أسبابًا في حصول مثل ذلك.
(1/43)

وقد ذكر الله في كتابه النوعين بقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120 - 121].
والإنفاق والسير هو نفس أعمالهم القائمة بهم فقال فيها: {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} ولم يقل: «إلا كُتب لهم به عمل صالح» فإنها بنفسها عمل، بنفس كتابتها يتحَصَّل بها المقصود، بخلاف الظمأ والنَّصَب والجوع الحاصل بغير الجهاد، وبخلاف غيظ الكفار وبما نيل منهم؛ فإن هذه ليست نفس أفعالهم، وإنما هي حادثة عن أسباب منها أفعالهم، فلهذا قال تعالى: {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌٌ}. فبيَّن أنَّ ما يحدث من الآثار عن أفعال العبد يُكْتب لهم بها عمل؛ لأن أفعالهم كانت سببًا فيها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوِزْر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص
(1/44)

من أوزارهم شيء».
والأصل الثالث: أنَّ الغلاءَ والرُّخْص لا تنحصر أسبابه في ظلم بعض الناس، بل قد يكون سببه قلّة ما يُخلق أو يُجلب من ذلك المال المطلوب، فإذا كثرت الرغبات في الشيء وقل المرغَّبُ فيه ارتفع سعره، وإذا كثر وقلَّت الرغباتُ فيه انخفض سعره. والقلة والكثرة قد لا تكون سببًا من العباد، وقد يكون لسبب لا ظلمَ فيه، وقد يكون بسبب [فيه] ظلم، والله يجعل الرغبات في القلوب، فهو سبحانه كما جاء في الأثر: «قد تُغْلى الأسعار والأهواء غزار، وقد تُرْخَص الأسعار والأهواء قفار».
فصل

* وأما السؤال عن المعراج، هل عُرِج بالنبيّ صلى الله عليه وسلم يقظة أو منامًا؟
فالجواب: أنّ الذي عليه جماهير السلف والخلف أنه كان يقظة، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]، وقوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ
(1/45)

الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 13 - 18].
ومعلوم أنّ قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} تعظيم لهذه الآية وتسبيح الربِّ الذي فعلها، والتسبيح يكون عند الأمور العجيبة العظيمة الخارجة عن العادة. ومعلوم أنّ عامة الخلق يرى أحدهم في منامه الذهاب من مكة إلى الشام، وليس هذا مما يُذكر على هذا الوجه من التعظيم، وهو سبحانه ذكر في تلك السورة ما يتمكّن الرسول من ذكر الشواهد ودلائله، فإنهم لماّ أنكروا الإسراء، وقد علموا أنه لم يكن رأى بيتَ المقدس، فسألوه عن صفته لِيَبِين لهم هل هو صادق، فأخبرهم عن صفته خبرَ من عاينه، وأخبرهم عن عِير كانت لهم بالطريق، ولو كان منامًا لما اشتدَّ إنكارهم له، ولا سألوه عن صفته، فإنَّ الرائي قد يرى الشيء في المنام على خلاف صفته.
{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 13 - 18] صريح في أنَّ بصره رأى ما رآه في الملأ الأعلى، وأنه ما زاغ بصره وما طغى. وقد ثبت أنّ جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء لا في الأرض، فإذا رأى بعينه ما هنالك امتنع أن
(1/46)

يكون ذلك منامًا، ودلّ ذلك على أنّ جسده كان هنالك، ولكنه سبحانه ذكر في سورة {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} لأنه مما ذكر له دلائله وشواهده [و] ذلك تمهيدًا لما أخبر به عن رؤية ما رآه عند سدرة المنتهى، والقرآن يدلُّ على ذلك حيث قال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} [النجم: 5 - 7]، كما قال في الآية الأخرى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23]، ثم قال في النجم: {وَلَقَدْ رَآهُ} أي رأى الذي رآه بالأفق الأعلى مرةً أخرى {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}.
وهذا قول أكثر السلف كابن مسعود وعائشة وغيرهما. وقالت طائفة منهم ابن عباس: إن محمدًا رأى ربه بفؤاده مرتين. ولم يقل أحدٌ من الصحابة ولا من الأئمة المعروفين كأحمد بن حنبل وغيره: إنه رآه بعينه، ولا في أحاديث المعراج الثابتة شيء من ذلك، وقد نقل بعضهم ذلك عن ابن عباس، وقد نقلوه روايةً عن أحمد بن حنبل، وهو غلط على ابن عباس وعلى أحمد، كما بُسِطَ الكلامُ على هذا في غير هذا الموضع، ولكن جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث أنه رأى ربَّه في المنام
(1/47)

بالمدينة، ولم يكن ذلك ليلة المعراج؛ فإنَّ المعراج كان بمكة.
وقد اتفق السلف والأئمة على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وفي عَرَصات القيامة، وفي الجنة. واتفقوا على أن أحدًا من البشر لا يرى الله بعينه في الدنيا، لم يتنازعوا إلا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والذي عليه الأئمة والأكابر من السلف أنه لم يره بعينه في الدنيا أحدٌ، وقد ثبت في «صحيح مسلم» وغيره عن أبي ذر أنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربَّك؟ فقال: «نور أنى أراه؟». وما يذكره بعض الناس من أنه قال لأبي بكر: «رأيته»، وقال لعائشة: «لم أره» = فهو من الأكاذيب التي لم يروها أحد من علماء الحديث، بل اتفقوا على أنَّ ذلك كذب. وثبت في «صحيح مسلم» وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واعلموا أنّ أحدًا منكم لن يرى رَبَّه حتى يموت».
وأما رؤية جبريل بعينه منفصلًا عنه يقظة؛ فهذا مما نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه المسلمون، وإنما ينازع في ذلك المتفلسفة القائلون بأن جبريل هو خيال يتخيل في نفسه، أو أنه العقل الفعَّال، ويقولون: إن هذا لا يمكن رؤيته بالعين، وهذا القولُ كفرٌ بالأنبياء،
(1/48)

وإنّ ما جاءَ به مخالفٌ لدين المسلمين واليهود والنصارى.
وقد أخبر الله عن الملائكة وصفاتهم، وتصوّرهم في صورة البشر في القرآن وغيره مما يخالف قول هؤلاء الملاحدة، وإثبات رؤيته لجبريل، وأن جبريل مَلَك عظيم ـ ليس هو خيالًا في النفس، ولا هو مما يذكره المتفلسفة من العقول التي لا حقيقة لها إلا أمورًا مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان ـ هو من أعظم أصول الإسلام والإيمان، وذلك واجبٌ، بخلاف رؤية محمد ربَّه بعينه؛ فإن هذا ليس يجب اعتقاده عند أحد من أئمة المسلمين، ولا نطق به كتاب ولا سنة صحيحة، ولا قاله أحد من الصحابة، ولا من الأئمة المشهورين، كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين.
وقد حكى غير واحد من [العلماء] إجماعَ المسلمين ـ كعثمان بن سعيد الدرامي وغيره ـ على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يرَ ربَّه بعينه.
وأما من يدّعي إجماعَ أهل السنة، أو إجماع المسلمين المثبتين للرؤية في الآخرة، على أنّ محمدًا رأى ربَّه بعينه ليلةَ المعراج، كما يذكر
(1/49)

ذلك بعض الناس، مثل ابن شُكْر المصري ونحوه، فهذا كلام جاهل بالكتاب والسنة وكلام السلف.
وقد زعم طائفة أن المعراج كان مرتين: مرة منامًا، ومرة يقظةً. ومنهم من جعله ثلاث مرات، والصواب أنه كان مرةً واحدةً، وتلك الليلة فُرِضَت الصلوات الخمس، ولم يكن هذا إلا مرة واحدة لم تُفرض مرتين، ولكن بعض الناس غلط في بعض ما نقله؛ فقيل: إنه كان قبل النبوّة منامًا، وأن تلك الليلة فُرضت الصلوات الخمس قبل فرضها بعد النبوّة، وهذا غلط.
فصل

* وأما المبتدعة هل هم كفار أو فسَّاق؟
والجواب: أنَّ المبتدعةَ جنسٌ تحته أنواع كثيرة، وليس حكم جميع المبتدعة سواء، ولا كل البدع سواء، ولا مَن ابتدع بدعةً تخالف القرآن والحديث مخالفةً بيِّنةً ظاهرةً، كَمَن ابتدع بدعةً خفيّةً لا يُعلم خطؤه فيها
(1/50)

إلا بعد نظر طويل، ولا مَن كثر اتِّباعه السنة إذا غلط في مواضع كثيرة، كمن كثر مخالفته للسنة وقل متابعته لها، ولا من كان مقصوده اتباع الرسول باطنًا وظاهرًا، وهو مجتهد في ذلك، لكنه يخفى عليه بعض السنة أحيانًا، كمن هو معرِضٌ عن الكتاب والسنة، طالب الهدى في طرق الملحدين في آيات الله وأسمائه، المتبعين لطواغيتهم من أئمة الزندقة والإلحاد وشيوخ الضلال والأهواء. فقد جعل الله لكل شيء قدرًا.
فمن كان من أهل البدع والتحريف للكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
ومن كان مفرِّطًا في طلب ما يجب عليه من العلم والسنة، متعصِّبًا لطائفة دون طائفة، لهواه ورياسته، قد ترك ما يجب عليه من طلب العلم النبوي وحُسَن القصد، ولكنه مع ذلك مؤمن بما جاء به الرسول، إذا تبين له ما جاء به الرسول لم يكذبه، ولا يرضى أن يكون مشاقًّا للرسول متبعًا لغير سبيل المؤمنين، لكنه يتبع هواه ويتكلم بغير علمٍ، فهذا قد يكون من أهل الذنوب والمعاصي وفساقهم، الذين حُكْمُهُم حكم أمثالهم من المسلمين أهل الفتن والفُرقة والأهواء والذنوب.
(1/51)

ومن كان قصده متابعة الرسول باطنًا وظاهرًا، يقدِّم رضا الله على هواه، مجتهدًا في طلب العلم الذي بعث الله به رسوله باطنًا وظاهرًا، لا يقدّم طاعةَ أحدٍ على طاعة الرسول، ولا يوافق أحدًا على تكذيب ما قاله الرسول، ولو كان من أهل قرابته أو مدينته أو مذهبه أو حِرْفته، لكنه قد خفي عليه بعض السنة، إما لعدم سماعه للنصوص النبويّة أو لعدم فهمه لما أراده الرسول، أو لسماع أحاديث ظنها صدقًا وهي كذب، أو لشبهات ظنها حقًّا وهي باطل، كما قد وقع في بعض ذلك كثير من علماء المسلمين وعُبَّادهم. وأكثر المتأخرين من العلماء والعُبَّاد لم يَخْلصوا من أكثر ذلك، فهؤلاء ليسوا كفّارًا ولا فسّاقًا، بل مخطئون خطأ يغفره الله لهم، كما قال تعالى على لسان المؤمنين: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. وقد ثبت في «الصحيح» أنّ الله استجاب هذا الدعاء.
وثبت في «الصحيح» من غير وجهٍ أنّ الله تعالى غفر للذي قال:
(1/52)

«إذا أنا متّ فأحرقوني واسحقوني واذروني في اليَمِّ، فوالله لئن قَدَر الله عليَّ ليعذّبَنّي عذابًا لا يعذّبه أحدًا من العالمين». فهذا مؤمنٌ ظنّ أنّ الله لا يقدِر على إعادته، وأنه لا يعيده إذا فعل ذلك، وقد غفر الله له هذا الخطأ بخشيته منه وإيمانه.
وقد أنكر كثيرٌ من السلف أشياء خالفوا بها السنة، ولم يكفرهم أحدٌ من أئمة الدين، فقد كان غير واحدٍ يكذِّب بأحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويغلِّط رواتها؛ لما ظنه معارضًا لها من ظاهر القرآن، أو أنكر خبرًا كما أنكرت عائشةُ عدة أخبار، وأبو بكر وعمر وعليّ وزيد وغيرهم بعض الأخبار، وأنكر غير واحدٍ بعض الآيات التي لم يعلم أنها من القرآن، وهؤلاء من سادات المسلمين، وخيار أهل الجنة وأفضل هذه الأمة، وقد اختلفوا اختلافًا آل بهم إلى الاقتتال بالسيف والتلاعن باللسان، ومع هذا فالطائفتان من أهل العلم والإيمان، مبرؤون عند أهل السنة من الكفر والفسوق.
وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث في الخوارج من وجوهٍ كثيرة، قال أحمد بن حنبل: صحَّ فيهم الحديث من عشرة أوجه.
(1/53)

وقد رواها مسلم ـ صاحب أحمد ـ في «صحيحه»، وروى البخاري قطعةً منها، فثبت بالنصّ وإجماع الصحابة أنّ الخوارج مارقون ومبتدعون مستحقّون القتال، فقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، وقراءتَه مع قراءتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرُق السهمُ من الرَّمِيَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة». ومع هذا فلم يكفِّرهم الصحابة، بل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي قاتلهم حكم فيهم بحكمه في المسلمين الجاهلين الظالمين، لا بحكمه في الكافرين المشركين وأهل الكتاب، وكذلك الصحابة كسعد بن أبي وقاص ذكروا أنهم من المسلمين، هذا مع أن الخوارج كفّروا عثمان وعليًّا ومَنْ والاهما، وكانوا يقتلون أهلَ الإسلام ويدَعون أهلَ الأوثان، وقد قتلوا من المسلمين ما شاء الله.
(1/54)

فصل

* في الدابّة كالجاموس وغيره يقع في الماء فيُذبح ويموت وهو في الماء، هل يؤكل؟
والجواب: أنه إذا كان الجرح غير موحٍ وغاب رأس الحيوان في الماء، لم يحلّ أكله، فإنه اشترك في أجله السبُب الحاظرُ والمبيحُ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعديّ بن حاتم: «إن خالط كلبَك كلابٌ أخَر فلا تأكل؛ فإنك إنّما سمّيت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره». وإن كان بدنه في الماء ورأسه خارج الماء لم يضرّ ذلك شيئًا. وإن كان الجرح موحيًا ففيه نزاع معروف.
فصل

* وأما السؤال عن غسل الجنابة هل هو فرض؟ وهل يجوز لأحد الصلاة جنبًا؟
فالجواب: أنّ الطهارة من الجنابة فرض، ليس لأحدٍ أن يصلي جُنبًا ولا محدِثًا حتى يتطهَّر، ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلًّا لذلك
(1/55)

فهو كافر، وإن لم يستحل ذلك فقد اختُلف في كفره، وهو مستحقٌّ للعقوبة الغليظة، لكن إن كان قادرًا على الاغتسال بالماء اغتسل، وإن كان عادمًا للماء، أو يخاف الضرر باستعماله لمرض أو خوف بردٍ تَيَمَّمَ. وإن تعذَّر الغسل والتيمّم صلى بلا غسل ولا تيمّم ـ في أظهر أقوال العلماء ـ ولا إعادة عليه.
فصل

* وأما السؤال عن مَلك الموت، هل يُؤتَى به يوم القيامة ويُذْبح أم لا؟
الجواب: أنه قد ثبت في الصّحاح: «أنه يُؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة. فيشْرَئبُّون وينظرون، ويا أهل النار. فيشْرَئبُّون وينظرون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت. فيُذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وذلك قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ
(1/56)

الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39].
ولكن هذا مما استشكله كثير من الناس، وقالوا: الموت عَرَض، والأعراض لا تنقلب أجسامًا، قالوا: لأن الأجناس لا تنقلب، فلا تنقلب الحركة طعمًا، والطعم لونًا، ولكن الأجسام في قولهم جنسٌ واحدٌ، فلهذا ينقلب بعضها إلى بعض، كانقلاب الماء ملحًا ورمادًا، قالوا: وإنما تتبدَّل الأعراض، وأما الأجسام فهي مركبة عندهم من جواهر منفردة متماثلة.
وأنكر ذلك على هؤلاء غيرُهم، وقال: ما ذكرتموه خطأ في المعقول والمنقول، فإنّ الصواب أن الأجسام أجناس مختلفة كالأعراض، وليس حقيقة الذوات كحقيقة الماء، وأن الله سبحانه يقلب الجنس إلى الجنس الآخر؛ كما يقلب الهواء ماء، والماء هواء، والنار هواء، والهواء نارًا، والتراب ماء، والماء ترابًا، وكما يقلب المنيّ عَلَقة، والعَلَقة مُضْغة، والمضغة عظامًا، وكما يقلب الحبة شجرة، وكما يقلب ما يخرج من الشجر ثمرًا. فهو سبحانه يخلق من الأعراض أجسامًا كما ورد بذلك النصوص في مواضع، كقوله عليه السلام: «اقرؤوا القرآن، اقرؤوا البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو
(1/57)

غيايتان أو فِرْقان من طير صوافّ يحاجّان عن صاحبهما».
وقال: «إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، دويًّا عند العرش تذكُر صاحبَها».
وقال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
وقد قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
وهذا باب متسع، يتسع الكلام فيه، قد بُسط في موضع آخر.
(1/58)

فصل

* وأما من سأل عمن اعتقد الإيمان بقلبه ولم يقر بلسانه، هل يصير مؤمنًا؟
الجواب: أما مع القدرة على الإقرار باللسان، فإنه لا يكون مؤمنًا لا باطنًا ولا ظاهرًا عند السلف والأئمة وعامة طوائف القبلة، إلا جهمًا ومن قال بقوله، كالصالحي وطائفة من المتأخرين كأبي الحسن وأتباعه، وبعض متأخر [ي أصحاب] أبي حنيفة: زعموا أن الإيمان مجرَّد تصديق القلب، وأن قول اللسان إنما يعتبر في أحكام الدنيا والآخرة، فيجوِّزون أن يكون الرجل مؤمنًا بقلبه وهو يسبّ الأنبياء والقرآن، ويتكلم بالشرك والكفر من غير إكراه ولا تأويل. وهذا القول قد كَفَّر قائلَه غيرُ واحدٍ من الأئمة، كوكيع بن الجرَّاح وأحمد بن حنبل وغيرهما.
وألزم المسلمون قائلَ هذا القول أن يكون إبليس مؤمنًا، وفرعون
(1/59)

مؤمنًا، واليهود مؤمنين، وأبو طالب وأبو جهل وغيرهما ممن عَرَف أن محمدًا حق مؤمنين. وأن يكون من قاتَل الأنبياءَ مؤمنًا، ومن ألقى المصاحف في الحشوش وأهانها غاية الإهانة مؤمنًا، وأمثال هؤلاء ممن لا يشكّ مسلمٌ في كفره.
فأجابوا بأنه كلّ من دلَّ النصُّ أو الإجماع على كفره، [عَلِمْنا] أنه كان في الباطن غير مقرٍّ بالصانع، وألزموا أن يكون إبليس وفرعون وقومه واليهود ومعاندو الفرق غير مقرّين بالصانع.
قال لهم أئمة المسلمين وجمهورهم: هذه مكابرة ظاهرة وبهتان بيِّن؛ فإن الله قد قال عن قوم فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14]. وقال موسى لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: 102]، وقال تعالى عن اليهود: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]، وقال عن قوم من المشركين: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].
(1/60)

وإبليس لم يُرْسَل إليه رسول فيكذبه، ولكن الله أمره فاستكبر وأبى وكان من الكافرين، فعُلِم أنّ الكفر قد يكون من غير تكذيبٍ بل عن كبرٍ وامتناع من قول الحق والعمل به، وعُلِم أنه قد يعلم الحق بقلبه من لا يقر به ولا يتبعه، ويكون كافرًا.
ومتى استقر في القلب التصديق والمحبة والطاعة، فلا بدَّ أن يظهر ذلك على البدن في اللسان والجوارح؛ فإنه ما أسرَّ أحدٌ سريرةَ خيرٍ أو شرٍّ إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفَلَتات لسانه، وقال تعالى عن المنافقين: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، فإذا كان المنافق الذي يجتهد في كتمان نفاقه لا بدَّ أن يظهر في لحن قوله، والمؤمن الذي يجتهد في كتمان إيمانه ـ كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون ـ يظهر إيمانه على لسانه عند المخالفين الذين يخالفهم، فكيف يكون مؤمن قد حصل في قلبه الإيمان التام بالله تعالى ورسوله، ولا ينطق بذلك من غير مانع يمنعه من النطق؟ بل هذا مما يُعلَم بصريح العقل امتناعُه، كما قد بُسِط ما يتعلق بهذه المسألة في غير هذا الموضع.
وأما الأخرس فليس من شرط إيمانه نطق لسانه، والخائف لا يجب
(1/61)

عليه النطق عند من يخافه، بل لا بدَّ من النطق فيما بينه وبين الله.
فصل

* وأما السؤال عن القرآن إذا قرأه الأحياء للأموات فأهدوه إليهم، هل يصل ثوابه سواء كان بعيدًا أو قريبًا؟
والجواب: أن العبادات المالية كالصدقة تصل إلى الميت باتفاق الأئمة؛ لأنه تدخلها النيابة بالاتفاق، وأما العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقراءة ففيها قولان للعلماء:
أحدهما: يصل ثوابها للميت، وهذا مذهب أحمد بن حنبل وأصحابه، وهو الذي ذكره الحنفية مذهبًا لأبي حنيفة، واختاره طائفةٌ من أصحاب مالك والشافعي، وقد ثبت في «الصحيح» عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه». فجعل الصيام يقبلُ النيابة.
ومنهم من قال: إنه لا يصل، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي.
ومن احتجَّ على ذلك بقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] فحجَّتُه داحضة؛ فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه ينتفع بالدعاء له والاستغفار والصدقة والعتق وغير ذلك، فالقول في مواقع النزاع كالقول في موارد الإجماع.
وقد ذكر الناس في الآية أقاويل، أصحها أن الآية لم تنف انتفاع
(1/62)

الإنسان بعمل غيره، وإنما نفت أن يستحقّ غيرَ سعيِه بقوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} وهذا حقّ، لا يستحقّ إلا سعي نفسه لا سعي غيره، لكن لا يمنع ذلك أن الله تعالى يرحمه وينفعه بغير سعيه، كما يُدْخل أطفال المؤمنين الجنة بغير سعيهم، وكما يُنشئ في الآخرة خلقًا يسكنهم الجنة بغير سعيهم، وكما ينتفع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، وكما ينتفع بصدقة غيره، فكذلك بصيامه وقراءته وصلاته.
فصل

* وأما السؤال عن البئر إذا وقع بها نجاسة هل تنجس أم لا، وإن تنجست كم ينزح منها؟
والجواب: إذا كان الماء قُلّتين ـ وهو نحو قنطار بالدمشقي ـ لم ينجس إلا بالتغيير عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وكذلك لو كانت أقلّ من قُلتين لم ينجس إلا بالتغيُّر في أظهر قولي العلماء، وهو قول أكثر السلف، وهو مذهب أهل المدينة وروايتهم عن كأبي المحاسن الروياني، وحُكِيَ قولًا للشافعي
(1/63)

ومالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه، كابن عقيل وأبي محمد بن المَنِّي وغيرهما، وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي.
فإذا لم يتغير الماء لم يُنْزح من البئر شيء، سواء تمعَّط فيها شعر الفأرة أو الهرّ أو غيرهما، أو لم يتمعَّط، فإنَّ شَعْر الميتة طاهر عند أكثر العلماء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه.
وإن تغيّر الماءُ بالنجاسة نُزح مقدار ما يطيب به الماء ويزول تغيره بالنجاسة، وليس لذلك حدٌّ مقدَّرٌ، والله أعلم.
فصل

* عن شهر رمضان هل يصام بالهلال أو بالحساب والقياس إذا حال دونه غيم أو غيره؟
والجواب: إذا رأى الناسُ الهلالَ ليلة الثلاثين من شعبان أو أكملوا عدة
(1/64)

شعبان ثلاثين، وجبَ عليهم الصوم باتفاق الصوم باتفاق العلماء أئمة الإسلام، ولا يجب الصيام قبل ذلك عند عامّة السلف والخلف، لا في الغيم ولا في الصحو.
والإمامُ أحمد لم يكن يوجب الصيام ليلةَ الغيم، ولكن استحبّ ذلك اتباعًا لابن عمر وغيره من الصحابة، ولكن أوجب صيامَه طائفةٌ من أصحابه، وهذا القول لم يُنْقَل عن أحدٍ من السلف. وآخرون من أصحابه نهوا عن صيامه نهي تحريم أو تنزيه، كأبي الخطّاب وابن عقيل وأبي القاسم بن منده وغيرهم، وهذه رواية ثانية عنه. وهذا قول مالك والشافعي.
وكثير من الصحابة والتابعين والعلماء كانوا يصومون يوم الغيم على طريق الاحتياط لا على طريق الإيجاب. ومذهب مالكٍ وأبي حنيفة: يجوز صوم يوم الشك مع الصحو والغيم. وكثير منهم ينهى عن صومه في الصحو والغيم، وكثير منهم كان يصومه في الغيم دون الصحو، وهو المشهور عن أحمد، وعنه رواية أخرى: أنه لا يصوم إلا مع الناس، وقال: لا يصوم وحده لكن يصوم مع الجماعة، يدُ الله على الجماعة. وهذه الرواية أظهر؛ لما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون».
(1/65)

والشهر اسم لما يشتهر، والهلال اسم لما يستهلّ به الناس، فما لم يشتهر ولا يستهل لا يكون شهرًا ولا هلالًا، وقد بُسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
وقد ثبت في السنة وآثار السلف أنه لو انفرد برؤية هلال ذي الحجة لم يقف بعرفات وحدَه، ولكن يقف مع الناس، فكذلك الصوم والفطر على هذه الرواية، فإذا رأى الهلال وحْدَه لم يصم، ولم يُستحبّ له الصوم وحده بل يُكره، وهذه رواية منصوصة عن أحمد بن حنبل، وهي أرجح في الدليل.
والعلماء لهم فيمن انفرد برؤية هلال الصوم والفطر ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.
أحدها: أنه يصوم وحده ويفطر وحده سرًّا، كقول الشافعي.
والثاني: أنه يصوم وحده ولا يفطر إلا مع الناس، وهو المشهور عن أحمد ومالك وأبي حنيفة.
(1/66)

والثالث: أنه لا يصوم إلا مع الناس ولا يفطر إلا مع الناس، وهذا أرجح الأقوال. ومن رجح الاستحباب زعم أن هذا القول أقيس الأقوال، فإن ما شُكَّ في وجوبه لم يجب، لكن يستحب فيه الاحتياط، كما لو شك في وجوب الزكاة أو الحج أو الكفارات أو الطهارة أو غير ذلك؛ فإن الاحتياط فيما شك في وجوبه مشروع وليس بواجب، ولكن مالك يوجب الطهارة إذا شك هل أحدث، والجمهور يستحبون الطهارة ولا يوجبونها.
لكن من هؤلاء من يجزم بنيّة رمضان، كإحدى الروايتين عن أحمد، ومنهم من يجزم بنيّة شعبان، فإن صادف رمضان أجزأه، وهو قول أبي حنيفة، ومنهم من يصومه بنيةٍ فيقول: إنه إن كان من رمضان فهو من رمضان، وإلا فهو تطوع، وهذا هو الذي نقله المرُّوذي عن أحمد، وهو اختيار الخِرَقي في «شرح المختصر»، ذكره عنه أبو يعلى في تعليقه، وهو أحد الأقوال لمن يختار صيامه.
والجمهور الذين ينهون عن صومه يجيبون عن هذا بأن النبي
(1/67)

صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا».
وقال: «لا تقدّموا رمضان بيوم ولا بيومين».
وقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العِدَّة».
قالوا: فقد نهى عن الصيام قبل الرؤية أو إكمال العدة، ونهى عن استقباله باليوم، والذي من فعله أن الاحتياط في ذلك غير مشروع؛ لأن في ذلك مفسدَة، وهي الزيادة على المشروع، والاحتياط الواجب يغير وتفرق واختلافها، وهذه المفاسد راجحة على المصلحة بالاحتياط، قالوا: لأنّ الاحتياط إنما يكون مع الشكّ في الوجوب، ونحن نجزم أنَّ الله لم يوجب علينا أن نصوم إلا شهرًا، والشهر متعلّق برؤية الهلال، فما لم يشتهر ولم يستهلّ به لم يوجبِ اللهُ صومَه، فلا احتياط مع الجزم بانتفاء الوجوب. والله أعلم.
(1/68)

فصل

* وأما السؤال عن الصبي إذا مات وهو غير مطهَّر هل يقطع ختانه بالحديد عند غسله أم يخلَّى على حاله؟
والجواب: أن الصبيَّ وغيره إذا مات مختون، لم يُخْتَن بعد الموت عند عامة أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، ولكن فيه قولٌ شاذٌّ أنه يُخْتَن، وليس بشيء، فإن هذا مُثْلةٌ بعد الموت، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المُثلة؛ ولأن المقصود من الختان منع احتباس البول في القَلْفَة، وهو بعد الموت لا يبول.
ولكن تنازع العلماء في قصّ أظفاره، وأخذ عانته وإبطه، وجزّ شاربه، منهم من استحبَّ ذلك كأحمد وغيره؛ لأنه نظافة، وسعدُ بن أبي وقّاص غسّل ميتًا فدعا بالموسى. ومنهم من لم يستحب ـ كالشافعي ـ كالختان، والله أعلم.
فصل

* وأما السؤال عن رَشاش البول وهو في الصلاة أو في غيرها ويغفل عن نفسه وعن ثيابه، ولم يتمكَّن من غَسْلها في الصلاة هل يصلي بالنجاسة أو غيرها؟
(1/69)

والجواب: أنه إن كان به سَلَس البول فهو كالمستحاضة ونحوها، فمن به الحَدَث الدائم الذي لم ينقطع مقدار الطهارة والصلاة، فهذا يتوضأ ويصلي بحسب الإمكان، ولو جرى البول في أثناء الصلاة لم يضره، لكن يتخذ حفاظًا يمنع وصول البول إلى بدنه وثيابه، فإن عجز عن ذلك فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، وأما إن لم يكن به سَلَس، فعليه أن يغسل البول من بدنه وثيابه، فإن لم يجد ماء يغسل به ذلك صلى والنجاسة في بدنه وثيابه، ولا يؤخر الصلاة حتى يفوت الوقت ويجد الماء، ولا إعادة عليه. والله أعلم.
فصل

* أما السؤال عن المقتول إذا مات وبه جراح فخرج منها الدم، فهل يُغسَّل ويُصلى عليه أم لا؟
والجواب: أنه إذا كان شهيدًا في معركة الكفار لم يُغسل بل يُدفن في ثيابه، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: «زمِّلوهم بكلومهم ودمائهم؛ فإن أحدهم يجيء يوم القيامة وجرحه يَثْعُب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك». وفي الصلاة عليه نزاع مشهور، ومن قتله المسلمون ظلمًا ففيه نزاع، وأكثر العلماء يرون غسله والصلاة عليه، وأما من قتل قِصاصًا فهذا يُغسَّل ويُصلى عليه باتفاقهم، وكذلك إذا
(1/70)

جرح وبعد الجرح أكل أو شرب -كما جرى لعمر بن الخطاب- فإن هذا يُغسَّل ويُصلى عليه.
فصل

* وأما السؤال عن رجل يسرق الأسيرة من المُغْل أو غيرهم، وما لها أحدٌ، وهو يريد أن ينهزم بها، ويخبؤها ليلًا ونهارًا ويختلي بها، ويخفيها خوفًا من المغل، فأراد الرجل أن يتزوجها، وقال الرجل: إني أُشْهِد الله وملائكته إني رضيت بها زوجة، وأن صداقها عليّ كذا وكذا. وقالت المرأة: أُشهد الله وملائكته أني رضيت بالصداق المعيّن. وأن يكون زوجها، فهل يجوز ذلك مع الضرورة والخوف من الفتك والوقوع في الزنا، لخلوته بها في طول مسافة الطريق، وانكشافه عليها ليلًا ونهارًا أم لا؟
والجواب: أنه إن أمكنه أن يذهب بها إلى مكان يزوجها به وليُّ ذلك المكان ذهب أو وَكَّل، وإن كان قاضي المكان لا يزوِّجها زوَّجها غيره ممن له سلطان، كوالي الحرب، أو رئيس القرية، أو أمير الأعراب أو التركمان أو الأكراد، فمتى زوَّجها ذو سلطان -وهو المطاع- جاز النكاح. نصّ عليه أحمد بن حنبل وغيره، نصَّ أحمد على أن والي الحرب يزوِّج إذا كان القاضي جهميًّا، وعلى أن دِهقان القرية يزوِّج إذا لم يكن هناك حاكم، وكذلك إذا وكَّلْتَ عالمًا مشهورًا أو خطيبَ القرية ونحو ذلك، جاز أن يزوّجها إذا وكّلَته. وإن تعذّر هذا كله
(1/71)

وكَّلت رجلًا من المسلمين يزوِّجها بهذا الرجل، فلا تباشر هي العقد، وإن تعذَّر هذا كله واحتاجا إلى النكاح زوَّجَتْه نفسها؛ فإنَّ ما أمر الله به في العقود وغيرها يجب مع القدرة، وأما مع العجز فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، فلا يحرم ما يحتاج إليه الناس من النكاح لعجزهم عن بعض ما أُمِر به من ذلك، بل ما عَجَزوا عنه سقط وجوبه، والله أعلم.
فصل

* وأما السؤال عن رجل يقرأ القرآن للجهورة ما عنده أحدٌ يسأله عن اللحن، وإذا وقف عليه شيء يطّلع في المصحف، فهل يلحقه إثم؟
والجواب: أنه إذا احتاج الناس إلى قراءة القرآن عليهم قرأه بحسب الإمكان، ويرجع إلى المصحف فيما يُشكل عليه، ولا يُكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يترك ما يحتاج إليه وينتفع به من القراءة لأجل ما قد يعرض من الغلط أحيانًا، إذا لم يكن في ذلك مفسدة راجحة، والله أعلم.
فصل

* وأما السؤال عن القاتل خطأ أو عمدًا هل ترفع الكفارةُ المذكورة في القرآن ذنبَه، أم يطالب بالقتل أو الدية؟
والجواب: [قتل الخطأ لا يجب فيه إلا الدية والكفارة ولا إثم فيه،
(1/72)

وأما القاتل عمدًا فعليه الإثم، فإذا عفا عنه أولياءُ المقتول أو أخذوا الدية، لم يسقط بذلك حقُّ المقتول في الآخرة. وإذا قتلوه، ففيه نزاع في مذهب أحمد، والأظهر أن لا يسقط، لكن القاتل إذا كثرت حسناته أُخِذ منه بعضها ما يرضى به المقتول، أو يعوّضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبة نصوحًا.
وقاتل الخطأ تجب] عليه الدية مع الكفارة بنصِّ القرآن واتفاق الأئمة، والدية تجب للمسلم والمعاهد كما دلَّ عليه القرآن، وهو قول السلف والأئمة، لا يُعرف فيه خلاف متقدِّم، لكن بعض متأخري الظاهرية زعم أن الذمّي لا دية له.
وأما القاتل عمدًا ففيه القَوَد، فإن اصطلحوا على الدية جاز ذلك بالنصِّ والإجماع، وكانت الدية في مال القاتل، بخلاف الخطأ، فإن ديته على عاقلته.
وأما الكفارة فجهمور العلماء يقولون: قتل العمد أعظم من أن يُكفَّر، وكذلك قالوا في اليمين الغموس، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، كما اتفقوا كلّهم على أن الزنا أعظم من
(1/73)

أن يُكفَّر، وإن وجبت الكفارة بوطء المظاهر، والوطء في رمضان، [وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: بل تجب الكفارة في العمد] واليمين الغموس. واتفقوا على أن الإثم لا يسقط بمجرّد الكفارة.
فصل

* وأما الخمر والحرام هل هو رزق الله للجهال، أم يأكلون ما قدّر لهم؟
والجواب: أن لفظ الرزق يُراد به ما أباحه الله للعبد أو ملَّكه إياه، ويراد به ما يتقوّى به العبد.
فالأول: كقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [المنافقون: 10]، وقوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، فهذا الرزق هو الحلال والمملوك، لا يدخل فيه الخمر ولا الحرام.
والثاني: كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، والله تعالى يرزق البهائم ولا توصف بأنها تملك، ولا بأنه أباح الله لها ذلك إباحة شرعية، فإنه لا تكليف على البهائم وكذلك
(1/74)

الأطفال والمجانين، لكن كما أنه ليس بملك فليس بمحرّم عليها، وإنما المحرّم الذي يغتذي به العبد فهو من الذي عَلِم الله أنَّ العبد يغتذي به، وقدَّر ذلك، ليس هو مما أباحه وملَّكه، كما في «الصحيح» عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يُجمع خلقُ أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يُبْعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقَه وأجلَه وعملَه وشقيّ أو سعيد. ثم يَنفخ فيه الروح. ثم قال: فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
فالرزق الحرام هو مما قدّره الله وكتبَتْه الملائكة، وهو مما دخل تحت مشيئة الله وخَلْقه، وهو مع ذلك قد حرّمه ونهى عنه، ولفاعله من غضبه وذمّه وعقوبته ما هو له أهل، والله أعلم.
(1/75)

فصل

* الإيمان هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟
والجواب: أن هذه المسألة نشأ النزاعُ فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين، فقد جرت فيها أمور يطول وصفها هنا. لكن لما ظهر القولُ بأن القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، وأطفأ اللهُ نار الجهمية المعطلة، صارت طائفةٌ يقولون: إن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبّرون عن ذلك بـ «اللفظ»، فصاروا يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا له مخلوقة. وليس مقصودهم مجرّد أصواتهم وحركاتهم، بل يدرجون في كلامهم نفس كلام الله الذي نقرؤه بأصواتنا وحركاتنا. وعارضهم طائفةٌ أخرى قالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة. وردَّ الإمام أحمد على الطائفتين، وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوقٍ فهو مبتدعٌ.
وتكلم الناس حينئذٍ في الإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق، وأدخلوا في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان، مثل قوله: «لا إله إلا الله»، فصار مقتضى قولهم أنّ نفس هذه الكلمة مخلوقة لم يتكلم الله بها؛ فبدَّع
(1/76)

الإمامُ أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله»، أفيكون قول «لا إله إلا الله» مخلوقًا!
ومراده أن من قال: هي مخلوقة مطلقًا، كان مقتضى قوله أن الله لم يتكلم بهذه الكلمة، كما أن من قال: ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا القرآن مخلوقة، كان مقتضى كلامه أنّ الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله، وأن القرآن المنزَّل ليس هو كلام الله، وأن يكون جبريل نزل بمخلوقٍ ليس هو كلام الله، والمسلمون يقرؤون قرآنًا [مخلوقًا] ليس هو كلام الله.
وقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله تعالى، وإن كان مسموعًا عن المبلِّغ عنه، فإنَّ الكلام قد يُسمع من المتكلِّم به، كما سمعه موسى بلا واسطة هذا سماع مطلق، كما يرى الشيء رؤيةً مطلقةً. وقد يسمعه مِن المبلِّغ عنه، فيكون قد سمعه سماعًا مقيدًا، كما يرى الشيء [في] الماء والمرآة رؤيةً مقيَّدة لا مطلقة، ولما قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 62] كان معلومًا عند جميع من خُوطب بالقرآن أنه يُسمع سماعًا مقيدًا من المبلغ، ليس المراد به أنه يسمع من الله كما سمعه موسى بن عمران، فهذا المعنى هو الذي عليه السلف والأئمة.
(1/77)

ثم بعد ذلك حدث أقوال أخر، فظن طائفةٌ أنه سمع من الله. ثم من هؤلاء من قال: إنه يسمع صوت القارئ من الله، ومنه من قال: إن صوت الرب حَلَّ في العبد، ومنهم من يقول: ظهر فيه ولم يحل فيه، ومنهم من يقول: لا نقول ظهر ولا حل، ثم منهم من يقول: الصوتُ المسموع غير مخلوق أو قديم، ومنهم من يقول: يسمع منه صوتان: مخلوق وغير مخلوق. ومن القائلين بأنه مسموع من الله من يقول: بأنه يسمع المعنى القديم القائم بذات الله مع سماع الصوت المُحْدَث، قال هؤلاء: يسمع القديم والمحدث، كما قال أولئك: يسمع صوتين قديمًا ومحدثًا. وطائفة أخرى قالت: لم يسمع الناسُ كلام الله، لا من الله ولا من غيره، قالوا: لأن الكلام لا يُسمع إلا من المتكلم. ثم من هؤلاء من قال: يسمع حكايته، ومنهم من قال: يسمع عبارته لا حكايته، ومن القائلين بأنه مخلوق من قال: يُسمع شيئان الكلام المخلوق الذي خلقه، والصوت الذي للعبد.
وهذه الأقوال كلها مبتدعةٌ؛ لم يقل السلف شيئًا منها، وكلها باطلة شرعًا وعقلًا، ولكن ألجأ أصحابَها إليها اشتراكٌ في الألفاظ واشتباه في المعاني، فإنه إذا قيل: سمعتُ [كلام] زيدٍ، أو قيل: هذا كلام زيد، فإن هذا يقال على كلامه الذي تكلم هو به بلفظه ومعناه، سواء كان مسموعًا
(1/78)

منه أو من المبلغ عنه، مع العلم بالفرق بين الحالين، وأنه إذا سُمِع منه سُمع بصوته، وإذا سُمع من غيره سُمع من ذلك المبلغ لا بصوت المتكلم، وإن كان اللفظ لفظ المتلكم.
وقد يقال مع القرينة: هذا كلام فلان، وإن ترجم عنه بلفظ آخر، كما حكى الله كلامَ من يحكي قولَه من الأمم باللسان العربي، وإن كانوا إنما قالوا بلفظٍ عِبْري أو سُرياني أو قبطي أو غير ذلك. وهذه الأمور مبسوطة في موضعٍ آخر.
والمقصود أنه نشأ بين أهل السنة والحديث نزاع في مسألتي الإيمان والقرآن بسبب ألفاظ مجملة ومعاني متشابهة. وطائفة من أهل العلم والسنة كالبخاري صاحب «الصحيح»، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما قالوا: الإيمان مخلوق. وليس مرادهم شيئًا من صفات الله تعالى، وإنما مرادهم بذلك أفعال العباد. وقد اتفق أئمة السنة على أن أفعال العباد مخلوقة، وأصوات العباد مخلوقة، وقال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة.
(1/79)

وصار بعضُ الناس يظنّ أنّ البخاري وهؤلاء خالفوا أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، وجرى للبخاري محنة بسبب ذلك، حتى زعم بعض الكذّابين أنّ البخاري لما مات أمر أحمد بن حنبل أن لا يُصلى عليه، وهذا كذبٌ ظاهر؛ فإنّ البخاري -رحمه الله- مات بعد أحمد بن حنبل -رحمه الله- بنحو خمس عشرة سنة، تُوفي أحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، وتُوفي البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، وكان أحمد بن حنبل يحبّ البخاري ويبجّله ويعظّمه، وأما تعظيم البخاري وأمثاله الإمامَ أحمد فهو أمر مشهور.
ولما صنف البخاريّ كتابه في «خلق أفعال العباد» -وذكر في آخر كتابه «الصحيح» أبوابًا في هذا المعنى- ذكر أن كلًّا من الطائفتين القائلين بأن لفظنا بالقرآن مخلوق، والقائلين بأنه غير مخلوق ينتسبون إلى الإمام أحمد بن حنبل، ويدَّعون أنهم على قوله، وكلام الطائفتين كلام مَنْ لم يفهم [دِقّة] كلام أحمد رضوان الله عليه.
(1/80)

وطائفة أخرى كأبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر بن الطيب، والقاضي أبي يعلى -وغيرهم ممن يقولون: إنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل وأئمة أهل السنة والحديث- قالوا: أحمد وغيره إنما كرهوا أن يقال: لفظت بالقرآن؛ لأن اللفظ هو الطرح والنبذ.
وطائفة أخرى كأبي محمد بن حزم وغيره ممن يقول: إنه متبع لأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة [إلى غير هؤلاء ممن ينتسب إلى السنة ومذهب] أئمة الحديث، ويقولون: إنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل ونحوه من أهل السنة، وهم لم يعرفوا حقيقة ما كان يقوله أهل السنة كأحمد بن حنبل. وقد بسطنا أقوال السلف والأئمة كأحمد بن حنبل وغيره في غير هذا الموضع.
خلا البخاري وأمثاله، فإنَّ هؤلاء من أعرف الناس بقول أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة.
وقد رأيت طائفة تنتسب إلى السنة والحديث كأبي نصر السِّجْزي وأمثاله ممن يردّون على أبي عبد الله البخاري يقولون: إن أحمد بن حنبل كان يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. وذكروا روايات كاذبة لا
(1/81)

ريب فيها، والقول المتواتر عن أحمد بن حنبل من رواية ابنيه صالح وعبد الله، وحنبل، والمرُّوذي، وفُوْران، ومن لا يُحصى= يبين أن أحمد كان ينكر على هؤلاء [وهؤلاء]، وقد صنّف أبو بكر المرُّوذي في ذلك مصنفًا، ذكر فيه قول أحمد بن حنبل وغيره من أئمة العلم، وقد ذكر ذلك الخلال في كتاب «السنة»، وذكر بعضَه أبو عبد الله بن بطّة في كتاب «الإبانة» وغيره، وقد ذكر كثيرًا من ذلك أبو عبد الله بن منده فيما صنفه في مسألة اللفظ.
وقال أبو محمد بن قتيبة الدينوري: لم يختلف أهل الحديث في شيء من اعتقادهم إلا في مسألة اللفظ. ثم ذكر ابن قتيبة -رحمه الله- أن اللفظ يراد به مصدر لفَظَ يلفظ، فاللفظ الذي هو فعل العبد يُرَاد به نفس الكلام الذي هو فعل العبد وصوته وهو مخلوق، وأما نفس كلام الله الذي يتكلم به العباد فليس مخلوقًا.
وكذلك مسألة الإيمان لم يقل قط أحمد بن حنبل: إن الإيمان غير
(1/82)

مخلوق، ولا قال: إنه قديم، بل ولا قال أحمد ولا غيره من السلف: إن القرآن قديم، وإنما قالوا: القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق. ولا قال قطُّ أحمد بن حنبل ولا أحد من السلف: إن شيئًا من صفات العبد وأفعاله غير مخلوقة، لا صوته بالقرآن، ولا لفظه بالقرآن، ولا إيمانه ولا صلاته، ولا شيء من ذلك.
ولكن المتأخرون انقسموا في هذا الباب انقسامًا كثيرًا، فالذين كانوا يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، منهم من أطلق القول بأن الإيمان غير مخلوق، ومنهم من يقول: قديم في هذا وهذا، ومنهم من يفرق بين الأقوال الإيمانية والأفعال، فيقولون: الأقوال غير مخلوقة أو قديمة، وأفعال الإيمان مخلوقة. ومنهم من يقول في أفعال الإيمان: إن المحرَّم منها مخلوق، وأما الطاعة كالصلاة وغيرها، فمنهم من يقول: هي غير مخلوقة، ومنهم من يمسك [فلا يقول هي مخلوقة ولا غير مخلوقة، ومنهم من يمسك] عن الأفعال المحرمة، ومنهم من يقول: بل أفعال العباد كلها غير مخلوقة أو قديمة، ويقول: ليس مرادي بالأفعال الحركات، بل مرادي الثواب الذي يجيء يوم القيامة، ويحتجّ هذا بأن القدر غير مخلوق، والشرع غير مخلوق، ويجعل أفعال
(1/83)

العباد هي القدر والشرع، ولا يفرق بين القدر والمقدور، والشرع والمُشَرَّع، فإنّ الشرع الذي هو أَمْرُ الله ونهيه غير مخلوقٍ، وأما الأفعال المأمور بها والمنهي عنها فلا ريب أنها مخلوقة، وكذلك قَدَر الله الذي هو علمه ومشيئته وكلامه غير مخلوق، وأما المقدَّرات والآجال والأرزاق والأعمال فكلها مخلوقة. وقد بُسِط الكلام على هذه الأقوال وقائليها في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن نبين أن الإمام أحمد ومَن قَبله من أئمة السنة ومن اتبعه كلهم بريئون من الأقوال المتبدعة المخالفة للشرع والعقل، فلم يقل أحد منهم إن القرآن قديم، لا معنى قائم بالذات، ولا أنه تكلم به في القِدَم بحرفٍ وصوتٍ قديمين، ولا تكلم به قي القدم بحرفٍ قديم. لم يقل أحد منهم لا هذا ولا هذا، وإنما الذي اتفقوا عليه: أن كلام الله منزَّل غير مخلوق، وأنَّ الله لم يزل متكلِّمًا إذا شاء، فكلام الله لا نهايةَ له، وهو بمعنى أنه لم يزل متكلمًا بمشيئته، لا بمعنى أن الصوت المعين قديم، كما قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] الآية، كما قد بَسَطتُ الكلام على
(1/84)

اختلاف أهل الأرض في كلام الله.
فمنهم من يجعله فيضًا من العقل الفعَّال في النفوس، كقول طائفة من الصابئة والفلاسفة، وهو أفسد الأقوال. ومنهم من يقول: هو مخلوق خَلَقه بائنًا عنه، كقول الجهمية والنجَّارية والمعتزلة. ومنهم من يقول: هو معنى قديم قائم بالذات، كقول ابن كُلَّاب الأشعري*. ومنهم من يقول: هو حروف وأصوات قديمة كقول ابن سالم [وطائفة. ومنهم من يقول: تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، كقول ابن كرَّام وطائفة].
والصواب من هذه الأقوال قول السلف والأئمة كما قد بسطتُ ألفاظهم في غير هذا الموضع.
ولما ظهرت المحنة كان أهل السنة يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. وكانت الجهمية من المعتزلة وغيرهم يقولون: إنه مخلوق.
وكان أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب القطان له فضيلة ومعرفة ردّ [بها] على الجهمية والمعتزلة نُفاة الصفات، وبيَّن أنّ الله نفسَه فوق
__________
* في مجموع الفتاوى: والأشعري.
(1/85)

العرش، وبَسَط الكلام في ذلك، ولم يتخلص من شبهة الجهمية كلّ التخليص، بل ظنَّ أن الربّ لا يتصف بالأمور الاختيارية التي تتعلق [بقدرته ومشيئته، فلا يتكلم] بمشيئته وقدرته، ولا يحب العبد ويرضى عنه بعد إيمانه وطاعته، ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته، بل ما زال محبًّا راضيًا أو غضبان ساخطًا على من علم أنه يموت مؤمنًا أو كافرًا، ولا يتكلم بكلام بعد كلام، وقد قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ} [آل عمران: 59 - 60]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] وقال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55]، وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 28]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4]، وهذا أصل كبير قد بُسط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع.
وإنما المقصود هنا التنبيه على مآخذ اختلاف المسلمين في مثل
(1/86)

هذه المسائل، وإذا عُرِف ذلك فالواجب أن نُثبت ما أثبته الكتاب والسنة، وننفي ما نفاه الكتاب والسنة، واللفظ المجمل الذي لم يَرِد به الكتاب والسنة لا يطلق في النفي الإثبات حتى يبين المراد به.
كما إذا قال القائل: الرب متحيِّز، أو غير متحيِّزٍ، أو هو في جهة، أو هو في غير جهة.
قيل: هذا ألفاظ مجملة لم يَرِد بها الكتاب والسنة لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا نطق أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بإثباتها ولا نفيها. فإن كان مرادك بقولك: إنه متحيّز، أنه محيط به شيءٌ من المخلوقات أو يفتقر إليها، فالله تعالى غنيٌّ عن كلّ شيء لا يفتقر إلى العرش ولا إلى غيره من الخلوقات، بل هو بقدرته يحمل العرشَ وحَمَلَتَه، وكذلك هو العليّ الأعلى الكبير العظيم الذي لا تُدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصارَ، وهو سبحانه أكبر من كل شيءٍ، وليس متحيزًا بهذا الاعتبار.
وإن كان مرادك بأنه بائن عن مخلوقاته، عليٌّ عليها فوق سمواته على عرشه، فهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، كما ذكر ذلك أئمة السنة، مثل عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل،
(1/87)

وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أعلام الإسلام، وكما دلّ على ذلك صحيح المنقول وصريح المعقول، كما هو مبسوط في موضعٍ آخر.
وكذلك لفظ «الجهة» إن أراد بالجهة أمرًا موجودًا يحيط بالخالق أو يفتقرُ إليه، فكلّ موجود سوى الله فهو مخلوق لله، [و] الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو غني عن كل ما سواه.
وإن كان مراده أن الله -سبحانه- فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، فهذا معنى صحيح، سواء عبَّر عنه بلفظ الجهة أو بغير لفظ الجهة.
وكذلك لفظ «الجبر» إذا قال: هذا العبد مجبورٌ، أو غير مجبورٍ؟ قيل له: إن أردت بالجبر أنه ليس له مشيئة، أو ليس له قدرة، أو ليس له فعل= فهذا باطل، فإن العبد فاعل لأفعاله الاختيارية، وهو يفعلها بقدرته ومشيئته. وإن أراد بالجبر أن الله خالق مشيئته وقدرته وفعله، فالله خالق ذلك كله.
وكذلك إذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه كقوله: {لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 16] وإيمانه الذي دلّ عليه اسمه «المؤمن»، فهذا غير مخلوق، أو
(1/88)

تريد به شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم؟ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المُحْدَث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصوَّر ما يقول. فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء.
ومثل هذه المسألة وأمثالها مما كثر فيه نزاع الناس بالنفي والإثبات إذا فصّل فيها الخطاب ظهر فيها الخطأ من الصواب. والواجب على الخلق: أن ما أثبته الكتاب والسنة النبوية أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثباتٍ فصَّلوا القولَ فيه، واستثبتوا القائل، فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسولُه فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه أونفى ما أثبته فقد لَبَس الحق بالباطل، فيجب أن يفصّل ما في كلامه من حقٍّ وباطل، فيتبع الحقَّ ويترك الباطل.
(1/89)

وكلّ ما خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضًا لصريح المعقول، فإنّ العقل الصريح لا يخالف شيئًا من النقل الصحيح، كما أن المنقول الثابت عن الأنبياء لا يخالف بعضُ ذلك بعضًا، ولكن كثير من الناس يظنّ تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [محمد: 16].
ونسأل الله العظيم أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا.
فصل

* وأما السؤال عن الإمام إذا استقبل القبلة في الصلاة هل يجوز لأحد أن يتقدم عليه؟ وهل تبطل صلاة الذين يتقدمون إمامهم؟
والجواب: إن السنة للمؤتمّين أن يقفوا خلف الإمام مع الإمكان، كما كان المسلمون يصلّون خلفَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإذا صلى الإمام بواحد أقامه عن يمينه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس لما قام يصلي معه بالليل، فوقف عن يساره، فأداره عن يمينه، وحديثه في «الصحيحين». وكذلك في الصحيح -مسلم- من حديث جابر: أنه أوقفه عن يمينه،
(1/90)

فلما جاء جبّار بن صخر أوقفهما جميعًا خلفه، فلهذا كانت السنة إذا كان المأمومون اثنين فصاعدًا يقفوا خلفه. وإن وقف بين الاثنين جاز؛ كما وقف ابن مسعود بين علقمة والأسود وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك.
وقد قيل: إنما ذاك لأن أحدهما كان صبيًّا.
وأما الوقوف قدام الإمام [ففي صلاة المأموم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تصح مطلقًا، وإن قيل إنها تكره] فهذا هو المشهور في مذهب مالك، والقول القديم للشافعي.
والثاني: لا تصح الصلاة مطلقًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وهو المشهور من مذهب أحمد عند كثيرٍ من أصحابنا، على ما نقل عنه من إطلاق القول، ولكن نصوصه تدلُّ على الفرق كما سنذكره.
والثالث: أنه إن تقدم لحاجةٍ صحت الصلاة وإلا فلا، وهذا مذهب كثيرٍ من أهل العلم، وهو قول في مذهب أحمد. وأهل هذا القول يقولون: إذا لم يمكن الصلاةُ خلفه لزحمةٍ أو غيرها -كما قد يحصل في
(1/91)

الجُمَع في بعض الأوقات، وكما قد يحصل في الجامع أحيانًا- فالصلاة أمامه جائزة، وقد نصَّ أحمد على ما مضت به السنة في حديث أم ورقة الأنصارية: أن المرأة تؤمّ الرجال عند الحاجة، كقيام رمضان إذا كانت تقرأ وَهُم لا يقرؤون، وتقف خلفهم لأن المرأة لا تقف في صفّ الرجال ولا تكون أمامهم، فنصَّ على أنّ المأمومين في هذا الموضع يكونون قدّام الإمام كما جاء في الحديث، وذلك لئلا تكون المرأة في صفّ الرجال أو تكون أمامهم، فهنا كان تقدم المأموم على الإمام أولى في الشرع من تقدم النساء على الرجال أو مصافة المرأة للرجال.
مع أنه سُئل عن المرأة إذا وقفت في صفِّ الرجال هل تبطل صلاة الرجال الذين يحاذونها؟ فتوقَّف في ذلك. ومسائل التوقف تخرَّج على وجهين.
(1/92)

وتنازع أصحابه في ذلك فقالت طائفة ببطلان الصلاة كمذهب أبي حنيفة، وهو قول أبي بكر وأبي حفص، وقالت طائفة: لا تبطل، كمذهب الشافعي، وهو قول أبي حامد والقاضي وأتباعه. وهذا التفريق بين حالٍ وحالٍ.
وجواز التقدّم على الإمام للحاجة هو أظهر الأقوال، فإن جميع واجبات الصلاة تسقط عند العجز وتصلَّى بدونها، وكذلك ما يُشترط للجماعة يسقط بالعجز ويُصلَّى بدونه، كصلاة الخوف التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في جماعةٍ، والتزم لأجل الجماعة أمورًا لا تجوز لغير الحاجة، مثل تخلّف الصف الثاني عن متابعته كما في صلاة عُسْفان. ومثل مفارقة الطائفة الأولى له قبل سلامه، وانتظار الطائفة الثانية القعود، كما في صلاة ذات الرِّقاع. ومثل استدبار القبلة والعمل الكثير، كما في حديث ابن عمر إلى أمثال ذلك.
(1/93)

ومن ذلك المسبوق يقعد لأجل متابعة الإمام مما لو فعله منفردًا بطلت صلاته، مثل كونه إذا رآه ساجدًا أو منتصبًا دخل معه، ومثل كونه يتشهد في أول صلاته دخل معه، فدل على أنه يجوز لأجل الجماعة ما لا يجوز بدون ذلك، ومع هذا فوقوف المأموم عن يسار الإمام للحاجة، ووقوفه وحده خلف الصف للحاجة أحقّ بالجواز من تقدُّمه على الإمام للحاجة.
وبهذا تأتَلِف النصوصُ جميعها، وعلى ذلك تدلّ أصول الشريعة، فإن جميع واجبات الصلاة من الطهارة بالماء، واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، وقراءة القرآن، وتكميل الركوع والسجود، وغير ذلك= إذا عَجَز عنه المصلي سقط، وكانت صلاته بدون هذا الواجب خيرًا من تأخير الصلاة عن وقتها فضلًا عن تركها، فكذلك الجماعة متى لم تكن إلا بترك واجباتها سقط ذلك الواجب، وكانت الجماعة مع ترك ذلك الواجب خيرًا من تفويتها وصلاة الرجل وحده.
ولهذا كان مذهب أحمد وغيره أنهم مع قولهم بالمنع من [الصلاة] خلف الفاسق والمبتدع، يأمرون بأن يُصلى خلفه ما يتعذَّر صلاته خلفَ غيره كالجمعة والعيدين وطواف الحج، ونحو ذلك من الجُمَع والجماعات، التي أنْ تُصلّى خلف ذلك الفاسق والمبتدع
(1/94)

خيرٌ من أن يصلي الرجلُ وحدَه.
وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُؤمّر الأمير ثم يتبيّن له فيما بعد أنه كان مذنبًا فيعزله، ولا يأمر المسلمين أن يعيدوا ما صلوه خلفه، كما أمَّر أميرًا فلم ينفذ أمره فقال: «ما منعكم أن تنفذوا أمري أو أن تولوا من ينفذ أمري». وإصراره على ترك تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم يقدح في دينه، ولم يأمرهم بإعادة ما صلوه خلفه، وقد أمَّر الذي أمَر أصحابه بدخول النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو دخلوها لما خرجوا منها» ولم يأمرهم بإعادة ما صلوا. والوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط ولّاه فأنزل الله: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] لما أخبره بمنع الذين أرسله إليهم بمنع الصدقة. هذا إن كان معه جماعة يصلي بهم.
وقد أخبر عن الأمراء الذين يكونون بعده أنهم يستأثرون ويظلمون الناس، وأنهم يمنعون الناسَ حقوقَهم ويطلبون حقَّهم، ومع هذا فنهى
(1/95)

عن قتالهم وأمر بالصلاة خلفهم من غير إعادة، حتى إن من كان منهم يؤخِّر الصلاة عن وقتها أمر المسلمين أن يصلوا الصلاة لوقتها، ويصلوا خلفهم ويجعلوها نافلة. فلم يأمر بالثانية لنقض الأولى لكن لتحصيل الجماعة والنهي عن الفرقة.
وقد صلى أصحابه -كابن عمر وغيره- خَلْف الحجاج بن يوسف، وخلف الخوارج، وخلف المختار بن أبي عُبيد، وأمثال هؤلاء من أهل البدع والفجور، ولم يُعِد أحدٌ من الصحابة خلفهم، مع أنه قد ثبت في «صحيح مسلم» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيكون في ثقيف كذّاب ومُبِير». فالكذاب هو المختار، والمبير هو الحجاج، وقد صلى الصحابة خلف هذا وهذا، ولم يأمر أحدٌ من الصحابة بالإعادة.
وقد سنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم للمسلمين الاصطفاف في الصلاة وأمر بإقامة الصف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاةَ لمن خلفَ الصَّف»، ورأى رجلًا يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة، ومع هذا
(1/96)

فصلى بأنسٍ مرةً والصبي اليتيم والمرأة خلفهما، فجعل المرأة وحدَها صفًّا لأجل الحاجة، إذ كانت السنة في حقِّها أن لا تقف مع الرجال، والإمام يقف وحده لأجل الإمامة؛ فمن سوَّى بين الإمام والمرأة، وبين الرجل المؤتمّ في الانفراد فقد خالف السنة، ومن جعل وقوف الفذّ لا يجوز بحال فقد خالف السنة، فعُلِم أن الاصطفاف مأمورٌ به، ونَهْيه عن وقوف الرجل وحده مأمورٌ به مع القدرة، وأما مع الحاجة فوقوف الإنسان وحده خير له من أن يدع الجماعة، ونظائر هذا كثيرة، والله أعلم.
فصل

* في قتل الهوام في الصلاة؟
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحيَّة والعقرب.
(1/97)

وقد قال أحمد وغيره: يجوز له أن يذهب إلى النعل فيأخذه ويقتل به الحية والعقرب، ثم يعيده إلى مكانه. وكذلك سائر ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال، مثل ما ثبت في «الصحيحين»: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على منبره بالناس، فكان يقوم عليه ويركع، ثم ينزل يسجد بالأرض، ثم يصعد يقوم عليه ليراه الناس ليتعلموا صلاته.
ومثل ما ثبت في «الصحيح»: أنه كان يصلي وهو حاملٌ أُمامة. ومثل ما ثبت عنه أنه تَقَهْقر في صلاة الكسوف وتقهقرت الصفوف معه، وأنه مَدَّ يده يتناول شيئًا. ومثل ما ثبت عنه في «الصحيح»: أنه أمر بردِّ المارِّ في الصلاة، وقال: «فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين». ومثل ما ثبت عنه أنه قال: «إن الشيطان تغلب عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأخذته فَذَعتُّه حتى سال لُعابه على يدي، وأردت أن أربطه إلى سارية المسجد، فذكرتُ دعوةَ أخي سليمان». ومثل ما مشى حتى فتح
(1/98)

الباب لعائشة.
ومثل ما قال لابن مسعود: «إذنك عليَّ أن يُرْفع الحجاب وأن تسمع لسوادي حتى أنهاك» رواية مسلم.
فهذه السنن تدل على جواز ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال التي ليست من جنس عمل الصلاة، لكن أُبيحت في الصلاة للحاجة، ولا تقطع الصلاة. وكان أبو برزة معه فرسه -وهو يصلي- كلما خطا يخطو معه خَشْية أن يتقدمه. وقال أحمد: إن فعل كما فعل أبو برزة فلا بأس. وظاهر مذهب أحمد وغيره أن هذا لا يقدَّر بثلاث خطوات ولا ثلاث فعلات، كما مضت به السُّنة. ومن قيده بثلاث -كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد- فإنما ذاك إذا كانت متصلة، فإذا كانت متفرقة فيجوز وإن كانت زائدة على ثلاث، إذا لم يتصل أكثر من ثلاث، والله أعلم.
(1/99)

فصل

* وأما السؤال عن سماع الغناء؟
فالجواب: أن سماع الغناء والدفوف والشبابات وما يُذْكر معه، كإخراج اللاذن ودخول النار ومؤاخاة النساء يُسأل عنه على وجهين:
أحدهما: هل هو قُرْبة وطاعة وطريق إلى الله شَرَع سلوكَه لأولياء الله المتقين وعباده الصالحين وجنده الغالبين أم لا؟
والثاني: إذا لم يكن قُربة فهل هو حلالٌ أم حرام؟
والمسألة الأولى أهم وأنفع وأظهر من الثانية؛ فإن الذين يجتمعون على ذلك من المشايخ وأتباعهم المنتسبين إلى الدين والفقر والزهد وسلوك طريق الله، لا يعدّون ذلك من باب اللعب واللهو وتضييع الزمان فيما لا ينفع، كما يلهو بعض العامة في الأفراح والغناء وغيره، بل هو عندهم طريقٌ للقوم المشار إليهم بالدين، ومنهاجٌ لأهل الزهد والعبادة وأهل السلوك والإرادة، وذوي القلوب من الرجال أهل المقامات والأحوال، فإنما يفعلونه قاصدين به صلاح القلوب، والدخول في زمرة أهل الوجد والرزق والمشروب، وتحريك وجد أهل المحبة بالمحبوب، إلى أمثال ذلك مما يطول وصفه. ويحصل لهم فيه أنواعٌ
(1/100)

من الأحوال العجيبة والموارد الغريبة، ما يعرفه من الرجال أهل المعرفة بهذا الحال.
فمنهم من يصعدُ في الهواء، ومنهم من يبقى راقصًا في الهواء، ومنهم من يصير ذاهبًا وجائيًا على الماء، ومنهم من يُؤتى بشراب يسقيه للفتى أو غيره من الجلساء، أو بزيت فيوقد به المصباح بعد مقاربة الانطفاء. ومنهم من يخاطب بعض الحاضرين بلسان الأعجمي، ويكاشفه السرّ الخفي، وإذا أفاق لم يَدْر ما قال كالمصروع بالجني. ومنهم من يشير إليه، ومنهم من يسلب بعضُ المنكرين عليه قلبه ولسانه حتى لا يستطيع قراءةً ولا دعاءً ولا ذكرًا، وقد يمسك لسانه فلا يستطيع أن يقول لا عُرفًا ولا نكرًا. ومنهم من يباشر النار بلا دهنٍ ولا حجرٍ طلق ولا غير ذلك من أمور الطبيعة، بل يبقى بالنار تتأجَّج في يديه وثيابه. ومنهم من يأتيه زعفران ولاذن من حيثُ لا يدري، وقد يأخذ بيده حصاةً فتُسْلَت من يده ويجعل مكانها سكَّرة، إلى أمثال هذه العجائب التي يطول وصفها، التي يظنها من لا يعرف حقيقةً وأنها من كرامات الأولياء الصالحين، وأنها دالة على ولاية صاحبها من الأدلة والبراهين.
وقد بُسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، لكن نذكر
(1/101)

هنا ما يليق بهذا الجواب، فنقول: يجب أن يُعرف أصلان عظيمان:
أحدهما: أنه لا طريق إلى الله يوصل إلى ولايته وكرامته ومحبته ورضوانه إلا بمتابعته رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] الآية. وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «[إن الله قال]: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموتَ وأنا أكره مساءته، ولا بُدَّ له منه».
فالطرق التي بعث الله بها رسولَه هي التقرّبُ إلى الله بالفرائض،
(1/102)

وبعد الفرائض بالنوافل، لا يُتقرَّب إليه إلا بفعل واجبٍ أو مستحب، و [يستوي] في ذلك الأمور الباطنة في القلوب والظاهرة للعيان، فحقائق الإيمان الباطنة في القلوب موافقة لشرائع الإسلام الظاهرة على الأبدان. وما ليس بواجب ولا مستحبّ عند أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ ولا عند أئمة المسلمين المعروفين ولا مشايخ الدين المتقدمين، كالفضيل بي عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي وغيرهم، فليس في هؤلاء من حَضَر هذا السماع المُحْدَث ولا أمر به، بل هذا ظهر في الإسلام في أواخر المائة الثانية، فأنكره أئمة الدين، حتى قال فيه الشافعي: خلَّفتُ ببغداد شيئًا أحدثَتْه الزنادقة يسمونه التغبير، يصدّون به الناس عن القرآن.
والتغبير الذي ذكره الشافعي هو إنما كان أن يضربوا بقضيبٍ على جلدة كالمخدّة ونحوها، لم يكن بعدُ قد أظهروا الشبابات الموصولة، والدفوف المصلصلة. ولما سئل الإمام أحمد عن هذا التغبير قال: إنه بدعة، ونهى عن الجلوس مع أهله فيه. وكذلك يزيد بن هارون وغيرهم من الأئمة.
(1/103)

وحضره طائفة من المشايخ، لكن كان من الذين حضره من رجعوا عنه وتابوا منه، وأما الجُنيد فلم يَنقل أحدٌ قط أنه رقص في السماع ولا حضر سماع دفوف وشبابات، بل قد قيل: إنه حضر التغبير في أول عمره، ولم يكن يقوم فيه، وأنه في آخر عمره تركه. وكان يقول: من تكلّف السماع فُتِنَ به، ومن صادفه استراح به. يعني: أنه يسمع آيات تناسب حاله من محبة أو حزن أو خوف، وما سمعه الإنسان بغير اقتصاد منه فهذا لا يدخل تحت الأمر والنهي، كنظر الفجأة، وشم الرائحة بغير اشتمام، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يسدّ أذنه لما سمع زمَّارة راع، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قام بسدِّ أذنيه، فإن السدَّ لم يكن واجبًا إذ ذاك؛ لأنه سماع لا استماع، وإنما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الاستحباب، هذا على قول من يُثْبت الحديث، فإنَّ مِن أهل الحديث من قال: هو منكر كأبي داود وغيره.
والكلام في مسألة السماع كثيرٌ منتشر، وقد كُتب فيه في غير هذا الموضع مما لا يتسع هذا الموضع لإعادته، وذُكِر فيه الكلام على من حضره منَّا ومن أهل الخير والدين والصدق، وأن لهم في ذلك من التأويلات ما لأمثالهم، فإنَّ المجتهدَ المخطئ يغفر الله له خطأه، ويثيبه
(1/104)

على حُسن قصده وما يفعله من الطاعة. ومن استفرغ وُسْعه في طلب رضا الله فاتقى الله ما استطاع كان من عباد الله الصالحين، وإن كان قد أخطأ في بعض ما اجتهد فيه، كالذين استحلوا الدرهم بالدرهمين من السلف، والذين استحلوا متعة النساء منهم، والذين استحلوا بعض الأنواع المسكرة، والذين استحلوا القتال في «الجمل» و «صفين» و «الحَرّة» وفتنة ابن الأشعث وغير ذلك. ولما سُئل الإمام أحمد عن التغبير فقال: إنه مُحْدَث، ونهى عن حضوره، فقيل له عن أهله: أيهجرون؟ فقال: لا يبلغ بهم هذا كله.
فيجب بيان الحق الذي بعث الله به رسوله، وبيان أنه لا حرام إلا ما حرّمه ولا دين إلا ما شرعه الله، وأن من اجتهد من أهل العلم والدين فحرّم أشياء بتأويله واجتهاده وهي مما حرمه الله، أو اتخذ دينًا باجتهاده ظن أنه من دين الله، ولم يكن في نفس الأمر من دين الله، فله حكم أمثاله من أهل الاجتهاد، ويُعطى حقّه ويُثنى عليه بما فيه من العلم والدين، وإن لم يجز اتباعه فيما أخطأ فيه وخالف فيه سنة الرسول مع اجتهاده وتأويله، فهذا أصلٌ.
والأصل الثاني: أن كرامات أولياء الله يكون سببها فعل ما أمر الله به ورسوله من الواجب والمستحب، ثم السابقون المقربون من الأولياء
(1/105)

المتبعون يستعملونها فيما يقرب إما حجة للدين، وإما حاجة للمسلمين، والمقتصدون يستعملونها في أمور مباحة، وأما استعمالها فيما حرَّم الله ورسوله كالظلم والعدوان فمحرم.
وأما ما كان سببه بدعة، كالأحوال التي تحصل لأهل السماع البدعي، فهي أمور شيطانية يضلّ بها الشيطان أهلَ الجهل، ويغوي بها أهلَ الغي، وهذا وهذا يبطل بحقائق الإيمان، كقراءة آية الكرسي وغيره مما يطرد الشيطان، والله أعلم.
فصل

* وأما الدابة إذا ذُبحت والغَلْصَمة مما يلي البدن هل يحل أكلها؟
فالجواب: أن العلماء قد تنازعوا هل شرط التذكية قطع الوَدْجَين والحلقوم والمريء، أو قطع ثلاثة منها، أو قطع اثنين فقط، وهل تجزئ التذكية إذا كان الحلقوم مع البدن وقطعت العنق من فوقه؟
والأظهر أنه لا يُشترط شيء من ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط شيئًا من ذلك ولا أوجبه، بل قال في الحديث المتفق على صحته: «ما أنهرَ
(1/106)

الدمَ وذُكِر اسم الله عليه فكُل، ليس السِّنَّ والظفر». فإذا جرى الدمُ من العنق ومات الحيوان بذلك، وقد سمَّى عليه اللهَ أبيح، سواء كان القطع فوق الغلصمة أو دونها، وسواء قطع اثنين أو ثلاثة أو أربعة.
وتنازعوا أيضًا فيما أصابه سبب الموت كأكيلة السبع، هل يشترط أن لا يتبين موتها بذلك السبب، أو أن تبقى معظم اليوم، أو أن تبقى فيها حياة مستقرة بقدر حياة المذبوح، أو أزْيَد من حياته، أو يمكن أن يزيد؟
والأظهر أنه لا يشترط شيء من ذلك، بل متى خرج منها الدم الذي لا يخرج إلا من الحي أبيحت، وهو الدم الأحمر، بخلاف الميت فإن دمه يجمد ويسودّ، وأما الأحمر الجاري فلا يخرج إلا من مذبوح كانت فيه حياة، لا يخرج من ميت قبل الذبح، بل الميت إذا مات وذُبح لم يخرج منه دم أحمر، فهذا فرقٌ معروف بين الحي والميت، وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه» فاعْتَبَر الأداة التي تُنْهرُ الدم، فَعُلِم أن المناطَ إنهارُ الدم، وهو تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] ولم يقل: ما فرى الأوداج، وما قطع
(1/107)

الحلقوم أو المريء، ولا غير ذلك، بل قال: «ما أنهر الدم»، ولو كان مع إنهار الدم يكون ميتًا لم يحلّ بذلك حتى يعلم أنه حيّ بدليل آخر.
والفروق التي ذكرها من تقدمت أقواله، ليس على شيءٍ منها دليل شرعي، ولا هو أيضًا وصف ثابت في نفس الأمر معلوم للناس، فإن في المذبوحات ما يتحرك بعد الموت حركةً عظيمة ويقوم ويمشي، وقد يقوم البدن بعد قطع الرأس يمسك قاتله، وقد يطير البدن بعد قطع رأسه إلى مكان آخر، فهذه حركات قوية، وهي من ميت مذبوح، وقد يُذبَح النائم في منامه فتتغير حركته حتى يموت، وكذلك المغمَى عليه والسكران، فعُلِم أن الحركة لا تدل على الحياة الشرعية لا طردًا ولا عكسًا.
فصل

* وأما الصلاة في طريق الجامع والناس يصلون برَّا وهو طريق مسلوك خارجه هل تجوز؟
الجواب: أن الطريق المسلوك إذا اتصلت فيه الصفوف بالجامع صحت صلاتهم باتفاق العلماء، وأما إذا لم تتصل الصفوف بل كان بينهم وبين الجامع طريق نافذ أو نهر تجري فيه السفن، فهذا فيه نزاع مشهور بين العلماء، والأظهر أن الطريق إذا لم يكن مسلوكًا وقت الصلاة أن الصلاة صحيحة؛ فإنه ليس في هذا إلا تباعد ما بين الصفين من غير اجتياز أحد بينهما وقت الصلاة.
(1/108)

فصل

* وأما تارك الصلاة من غير عذرٍ هل هو مسلم في تلك الحال؟
الجواب: أما تارك الصلاة، فهذا إذا لم يكن معتقدًا وجوبها فهو كافر بالنص والإجماع، لكن إذا أسلم ولم يعلم أن الله أوجب عليه الصلاة، أو أوجب بعض أركانها، مثل أن يصلي بلا وضوءٍ، ولا يعلم أن الله أوجب الوضوء، أو يصلي مع الجنابة ولا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة، فهذا ليس بكافرٍ إذا لم تقم عليه الحجة، لكن إذا علم الوجوب هل يجب عليه القضاء؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد ومالك وغيرهما، قيل: يجب عليه القضاء، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد.
وقيل: لا يجب عليه القضاء، وهذا هو الظاهر. [و] عن أحمد في هذا الأصل روايتان منصوصتان، فيمن صلى في معاطن الإبل، ولم يكن عَلِم النهي ثم عَلِمَ.
ومن صلى ولم يتوضأ من لحوم الإبل، ولم يكن علم النهي ثم علم، هل يعيد؟ على روايتين منصوصتين.
(1/109)

وقيل: يجب عليه الإعادة إذا ترك الصلاة جاهلًا بوجوبها في دار الإسلام دون دار الحرب، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة.
والصائم إذا فعل ما يفطِّره جاهلًا بتحريم ذلك، فهل عليه الإعادة؟ على قولين هما وجهان في مذهب أحمد، وكذلك مَنْ فعل محظورَ الحجِّ جاهلًا.
وأصل هذا أن حكم الخطاب هل يثبت في حقّ الملَّكف قبل أن يبلغه؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يثبت، وقيل: لا يثبت، وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ.
والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ؛ لقوله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، ومثل هذا في القرآن متعدد، بيَّن سبحانه أنه لا يعاقب أحدًا حتى تُبَلّغه الرسل.
ومن علم أن محمدًا رسول الله، فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به، لم يعذّبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذِّبه على ترك الإيمان إلا بعد البلاغ، فأنْ لا يعذبه على بعض شرائعه إلا بعد البلاغ أولى وأحرى.
(1/110)

وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه في أمثال ذلك؛ فإنه قد ثبت في «الصحيح» أن طائفةً من أصحابه ظنوا أنَّ قوله تعالى: {الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] هو الحبل الأبيض من الحبل الأسود، فكان أحدهم يربط في رجله حبلًا ثم يأكل حتى يتبين هذا من هذا، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بياض النهار وسواد الليل، ولم يأمرهم بالإعادة.
وكذلك عمر بن الخطاب وعمار أجنبا، فلم يُصَلِّ عمر حتى أدرك الماء، وظن عمار أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء، فتمرَّغ كما تتمرغ الدابة، ولم يأمر أحدًا منهما بالقضاء.
وكذلك أبو ذرٍّ بقي جُنبًا مدةً لم يصلِّ، ولم يأمره بالقضاء بل أُمِر بالتيمم في المستقبل.
وكذلك المُسْتحاضة قالت له: إني أُسْتَحاض حيضةً شديدة منعتني الصلاةَ والصومَ. فأمرها بالصلاة من دم الاستحاضة، ولم يأمرها بقضاء ما تركت قبل ذلك.
والله لما أمر باستقبال الكعبة كان من غاب من المسلمين يُصلون
(1/111)

إلى بيت المقدس حتى بلغهم الخبر، ولم يأمرهم بالقضاء.
ولما حَرُم الكلام في الصلاة تكلّم معاوية بن الحكم السّلَمي في الصلاة بعد التحريم جاهلًا وقال له: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين»، ولم يأمره بإعادة الصلاة.
ولما زِيْد في صلاة الحضر حين هاجر إلى المدينة كان من كان بعيدًا عنه -مثل من كان بمكة وبأرض الحبشة- يصلون ركعتين، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة.
ولما فُرض شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ولم يبلغ الخبر إلى من كان في الحبشة من المسلمين حتى فات ذلك الشهر، ولم يأمرهم بإعادة الصيام.
وكان بعض الأنصار لما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة قبل الهجرة، قد صلى إلى الكعبة معتقدًا جواز ذلك، قبل أن يُؤمروا باستقبال الكعبة -وكانوا حينئذٍ يستقبلون الشام- فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، أمر باستقبال الشام، ولم يأمر بإعادة ما كان صلى.
وثبت عنه في «الصحيحين»: أنه سُئل -وهو بالجِعْرانة- عن
(1/112)

رجل أحرم بالعمرة عليه جُبَّة وهو متضمِّخ بالخَلُوق، فلما نزل عليه الوحي قال له: «انزع عنك الجبّة، واغسل عنك أثر الخَلُوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حجك». وهذا قد فعل محظور الحج جاهلًا، وهو لُبْس الجبَّة، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بدمٍ، ولو فعل ذلك مع العلم لزمه دم.
وثبت عنه في «الصحيحين» أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصل» مرتين أو ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحْسِن غير هذا فعلمني ما يجزيني في الصلاة. فعلمه الصلاة المجزئة، ولم يأمره [بإعادة ما صلى قبل ذلك، مع قوله: «ما أُحْسِن غير هذا». وإنما أمره] أن يعيد تلك الصلاة؛ لأن وقتها باق، [فهو مخاطَب بها، والتي صلاها لم تبرأ بها الذمة ووقت الصلاة باق].
ومعلوم أنه لو بلغ صبيٌّ أو أسلم كافرٌ أو طهرت حائض أو أفاق مجنون والوقت باق؛ لزمتهم الصلاة أداءً لا قضاءً، وإن كان بعد خروج الوقت فلا إعادة عليهم، فهذا المسيء الجاهل إذا علم وجوب
(1/113)

الطمأنينة في أثناء الوقت، فوجبت عليه الطمأنينة حينئذٍ، ولم تجب عليه قبل ذلك، فلهذا أمره بالطمأنينة في الصلاة ذلك الوقت دون ما قبلها.
وكذلك أمره لمن صلّى خلف الصفِّ أن يعيد، ولمن ترك لمعة مِن قدمه أن يعيد الوضوء والصلاة.
وقوله له أولًا: «صل فإنك لم تصل» بيَّن أن ما فعله لم يكن صلاةً، ولكن لم يعرف أنه كان جاهلًا بوجوب الطمأنينة، فلهذا أمره بالإعادة ابتداءً، ثم علَّمَه إياها لما قال: والذي بعثكَ بالحق لا أُحسن غير هذا.
فهذه نصوصه صلى الله عليه وسلم في محظورت الصلاة والصيام والحج مع الجهل، وفي ترك واجباتها مع الجهل.
وأما أمْرُه لمن صلى خلف الصف أن يعيد؛ فذلك لأنه لم يأت بالواجب مع بقاء الوقت. فثبت الوجوب في حقّه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم لبقاء وقت الوجوب، لم يأمره بذلك بعد مضيّ الوقت.
وأما أمْرُه لمن ترك لمعةً من رجله لم يصبها الماء بالإعادة؛ فلأنه كان ناسيًا، فلم يفعل الواجب، كمن نسيَ الصلاة وكان الوقت باقيًا، فإنها قضيّة معيّنة لشخصٍ بعينه، لا يمكن أن تكون قي الوقت وبعد الوقت، بمعنى أنه رأى في رِجْل رَجُلٍ لمعةً لم يصبها الماءُ، فأمره أن
(1/114)

يعيد الوضوء والصلاة.
وأما قوله: «ويل للأعقاب من النار» ونحوه، فإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء، ليس في ذلك أمر بإعادة شيء.
ومن كان يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو المشايخ الواصلين، أو عن بعض أتباعهم، أو أن الشيخ يصلي عنهم، أو أن لله عبادًا سقطت عنهم الصلاة، كما يوجد كثيرٌ من ذلك في كثير من المنتسبين إلى الفقر والزهد، وأتباع بعض المشايخ، ودعوى المعرفة، فهؤلاء يُستتابون باتفاق الأئمة، فإن أقروا بالوجوب وإلا قتلوا، وإذا أصروا على جحد الوجوب حتى قُتِلوا، كانوا مرتدين، ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر قولَي العلماء، فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين وإما [أن] يكونوا مسلمين جاهلين بالوجوب.
(1/115)

فإن قيل: [إنهم مرتدون عن الإسلام، فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال الرِّدة عند جمهور العلماء، كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر باتفاق العلماء، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه، والأخرى يقضي المرتد، كقول الشافعي، والأول أظهر.
فإنّ الذين ارتدوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالحارث بن قيس، وطائفة معه أنزله الله فيهم: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ} [آل عمران: 86] الآية، والتي بعدها، وكعبد الله بن أبي سرح، والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر، وأنزل فيهم: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 110] فهؤلاء عادوا إلى الإسلام.
وعبد الله بن أبي سرح عاد إلى الإسلام عام الفتح، وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يأمر أحدًا منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا. وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا الأسود
(1/116)

العنسي الذي تنبَّأ بصنعاء اليمن، ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام، ولم يؤمروا بالإعادة. وتنبَّأ مسيلمة الكذاب، واتبعه خلق كثير، قاتلهم الصديق والصحابة بعد موته حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، وكذلك سائر المرتدين بعد موته.
وكان أكثر البوادي قد ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام، ولم يأمر أحدًا منهم بقضاء ما ترك من الصلاة. وقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] يتناول كلَّ كافر.
وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جهالًا بالوجوب، وقد تقدّم أنّ الأظهر في حقّ هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاةَ على الوجه المأمور، ولا قضاء عليهم. فهذا حكم من تركها غير معتقدٍ لوجوبها.
وأما من اعتقد وجوبَها مع إصراره على الترك: فقد ذكر عليه المفرِّعون من الفقهاء فروعًا:
أحدها: هذا يُقْتَل عند جمهورهم -مالك والشافعي وأحمد- وإذا صبر حتى يُقتل فهل يُقتل كافرًا مرتدًّا، أو فاسقًا كفسَّاق المسلمين؟ على قولين مشهورين، حُكيا روايتين عن أحمد.
وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإن كان مقرًّا بالصلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصرَّ على تركها
(1/117)

حتى يقتل وهو لا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يُعرف أن أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك، وهو يصرّ على تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يُقتل، لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة» رواه مسلم. وقوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر».
وقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة». فمن كان مصرًّا على تركها حتى
(1/118)

يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قطُّ مسلمًا مقرًّا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داعٍ تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط، عُلِم أن الداعي في حقّه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانًا.
فأما من كان مُصرًّا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا؛ لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن»: حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خمسُ صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ كان له عهدٌ عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له».
فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى. والذي يؤخِّرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة
(1/119)

الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمِّل بها فرائضه، كما جاء في الحديث].
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

# # #
__________
* جاء في آخر نسخة الأصل: «وكتب في سادس عشرين (كذا) ذي الحجة سنة (ثمان وعشرين وسبعمائة، على يد الفقير محمد بن عيسى بن أبي الفضل الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين».
(1/120)

القَرَمانية
جواب فُتيا في لبس النبي صلى الله عليه وسلم
(1/121)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربِّ أَعِن يا كريم
ما يقول أئمة الدين علماء المسلمين في رجلين تكلّما في لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي آلته، وفي آلة حَرْبه، مثل: الحياصة التي تُحزم في الوسط، والسيف، والتركاش -وهي الكنانة- والقوس، والنُّشّاب، والجِمال، والبغال، والخيل، والغنم.
وملابسه من القِماش مثل: الجَوشن، والخفّ، والمِهماز، وغيره من آلة الحرب، هل كان يتخذ ذلك؟ وهل كان يجمع من ذلك شيئًا كثيرًا؟ وفي لبَاسِهِ أصحابه أيضًا، وما يُباح ويحرُم من ذلك، من الذهب والفضة والحرير؟
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الحمد لله ربّ العالمين.
كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتّخذ السيفَ، والرّمحَ، والقوسَ، والكِنانةَ التي هي الجُعبة للنُّشّاب، وهي من جلود.
وكان يلبس على رأسه البيضة -التي هي الخُوذة-، والمِغْفَر. وعلى بدنه الدِّرْع، التي يقال لها: السّرديّة والزّرديّة.
(1/123)

ويلبس القميصَ، والجُبّة، والفَرُّوج، الذي هو نحو القَبَاء، والفَرَجيّة، ولبس القَباء أيضًا.
ولبس في السفر جُبّة ضيّقة الكُمّين، ولبس الإزار والرداء، واشترى رِجْل سروايل، وكانوا يلبسون السراويلات أيضًا بإذنه.
وكان يلبس الخُفّين، ويمسح عليهما، ويلبس النِّعال التي تسمّى: التواسم.
وكان يركب الخيل والإبل والحمير، وركب البغلة أيضًا، وكان يركب الفرس تارة عُرْيًا، وتارة مُسْرَجًا، ويطرده، وكان يُرْدِف خلفَه، وتارة يردف خلفَة وقُدّامه، فيكونون ثلاثة على دابّة.
وكان يتّخذ الغنم أيضًا.
وكان له الرقيق أيضًا.
ولم يكن يجتمع في ملكه في الوقت الواحد من هذه الأمور شيء كثير، بل لمَّا مات لم يكن عنده من ذلك إلا شيء يسير. خَلّف درعهَ وكانت مرهونة عند يهودي على ثلاثين وَسْقًا من شعيرٍ ابتاعها لأهله.
وفي «صحيح البخاري» عن عَمْرو بن الحارث -خَتَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخي جُوَيريَة بنت الحارث- قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1/124)

عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمةً، ولا شيئًا إلا بغلتَه البيضاء، وسلاحَه، وأرضًا جَعَلها صدقة».
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا، ولا شاةً، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء».
وعن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ودِرْعه رَهْنٌ عند يهوديّ بثلاثين -وروي: بعشرين- صاعًا من شعير، أخذه لأهله.
رواه أهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفي «الصحيحين» عن عائشة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهوديٍّ طعامًا إلى أجل، ورَهَنَه دِرْعًا له من حديد.
وكذلك في «البخاري» عن أنس بن مالك قال: قد رَهَن النبيّ صلى الله عليه وسلم درعَه بشعير.
فهذه الأحاديث تبيّن أنّه حين الموت لم يكن عنده خيل، ولا إبل، ولا غَنَم، ولا رقيق، وإنما ترك البغلةَ والسِّلاحَ، وبعضُ السلاح مرهون، ولكن مَلَك هذه الأمور في أوقات متفرِّقة.
(1/125)

والمعروف أنّه كان يكون عنده الواحد من ذلك، فيكون له فرسٌ واحدٌ، وناقةٌ واحدةٌ.
ولم يملك من البغال إلا بغلة واحدة، أهداها له بعض الملوك. ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب. بل لمَّا أُهْديت له البغلة، قيل له: ألا نُنْزِي الخيلَ على الحُمُر؟ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون».
وكذلك آلات السّلاح، كالسّيف والرّمح والقوس، لم يُذْكَر عنه أنه كان يقتني لنفسه أكثر من واحد.
وأما الغنم؛ فقد رُوِيَ أنه اقتنى مئة شاة، وقال: «إنّ لنا مئة شاة، لا نريد أن تزيد، فلكما ولَّدَ الراعي بهمةً ذبحنا مكانها أخرى».
وقد ذكر الله تعالى آلات الحرب في كتابه، فقال في «السيف»: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]. وقال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [العنكبوت: 61]. وهذا الضرب للأعناق وبنان الأصابع هو بالسيف.
(1/126)

وقال في القوس والنُّشّاب: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [العنكبوت: 61]. وفي «صحيح مسلم» عن عُقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} ثم قال: «ألا إنَّ القُوّة الرمي، ألا إنّ القوَّة الرمي، ألا إنّ القوَّة الرّمي».
وفي «صحيح مسلم» عنه أيضًا أنه قال: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليَّ من أن تركبوا، ومن تعلَّم الرمي ثمَّ نسيه فليس منّا». وفي رواية: «فهي نعمة جَحَدها».
(1/127)

وكذلك الرّماح، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [العنكبوت: 61]. قد فُسِّرت بالرّماح المتّصلة باليد، وفُسِّرت بالنُّشّاب أيضًا.
وكذلك الدّرع، قال تعالى في قصّة داود: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80].
وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 10 - 11]. فكان الحديد في يده بمنزلة العجين.
والسّابغات: هي الدّروع الكاملة التي تكون لها أيدي وأفخاذ.
وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81].
وقد جاء ذِكر هذه الأمور في الأحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُفرَّقًا.
فأما السيف؛ ففي «الصحيحين» عن أنس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم
(1/128)

أحسن النّاس، وأشجع النّاس، وأجود النّاس. ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة فَزَعًا، فخرجوا نحو الصّوت، فاستقبلهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد استبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، وفي عنقه السّيف، وهو يقول: «لم تُراعوا، لم تُراعو». ثم قال: «إن وجدناه لبحرًا». أو قال: «إنه لبحر».
وعن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفَّل سيفَه «ذا الفِقَار» يومَ بدر. رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي. وقال: «حديث حسن».
وأما ما يذكره بعض النّاس أنّ «ذا الفقار» كان سيفًا مُنزَّلًا من السماء، وأنه كان لعليٍّ، وكان يطول إذا قاتل به= فكلُّ هذا كذب باتفاق أهل المعرفة بهذه الأمور.
وكذلك ما يذكره بعضُ الناس من أنه كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم سبعة أسياف= لا أصل له.
(1/129)

وأما الرمح؛ فقال البخاري في «صحيحه»: ويُذْكَر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «جُعِل رِزْقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِل الذّلّةُ والصَّغَار على من خالف أمري».
رواه الإمام أحمد في «مسنده» عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْت بين يدي السّاعة بالسّيف حتى يُعْبَد الله تبارك وتعالى وحدَه لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رُمحي، وجُعِلَ الذِّلّة والصّغَار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم».
روى أبو داود بعضَه.
وقد روى الطبراني في «معجمه» حديثًا جامعًا في أسماء آلاته عن
(1/130)

ابن عباس قال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيفٌ قائمته فضّة، وقَبِيعته من فضّة، وكان يسمّى: ذا الفِقَار، وكان له قوس يسمّى: السَّداد، وكانت له كِنانة تسمى: الجمع، وكانت له درع موشَّحة بالنّحاس تسمّى: ذات الفضول، وكانت له حربة تسمى: النبعاء، وكان له مِجَنّ يسمى: الدقن، وكان له تُرْس أبيض يسمى: الموجز، وكان له فرس أدهم يُسمى: السَّكَب، وكان له سَرْج يسمى: الراح، وكانت له بغلة شهباء يقال لها: دُلْدُل، وكانت له ناقة تسمى: القَصْواء، وكان له حِمَار يسمّى: يعفور، وكان له بساط يسمى: الكرد، وكانت له عَنَزَة تسمى: النمر، وكانت له ركوة تسمى: الصادر، وكانت له مِرْآة تسمى: المرآة، وكان له مِقْراض يسمى: الجامع، وكان له قضيبُ شَوحَطٍ يسمى: الموت».
(1/131)

وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهو في قبة: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعْبَد بعد اليوم».
فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حَسْبُك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك، وهو في الدِّرْع، فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 45 - 46].
وروى أهل السنن: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهَرَ يوم أُحدٍ بين دِرْعَين».
وفي «الصحيحين» عن سهل بن سعد: أنه سُئل عن جُرْح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد؟ فقال: جُرِحَ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكُسِرت رَباعيته، وهُشِمَت البيضة على رأسه. فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم، وكان عليّ بن أبي طالب يسكُب عليها بالمِجنّ. فلما رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعةَ حصير، فأحرقته حتى صار
(1/132)

رمادًا، ألصقته بالجرح فاسْتَمْسك الدم». أخرجاه في «الصحيحين».
وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغْفَر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خَطَل متعلِّق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه». أخرجاه في «الصحيحين».
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان أحبّ الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. رواه أهل السنن، وقال الترمذي: «حديث حسن».
وروى أهل السنن أيضًا عن أسماء بنت يزيد قالت: كان يدُ كُمّ قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرُّسْغ. قال الترمذي: «حديث حسن».
وفي «الصحيحين» وغيرهما عن المِسْوَر بن مَخْرَمة رضي الله عنه أنه قال: «قَسَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أقْبِيةً، ولم يُعط مخرمة شيئًا. قال
(1/133)

مخرمة: يا بُني انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت معه. قال: ادخل فادعه لي. قال: فدعوته، فخرج إليه وعليه قَباء منها. فقال: «خَبَأتُ هذا لك». قال: فنظر إليه. قال: رضي مخرمة».
وذِكْر الإزار والرّداء له في أحاديث كثيرة مشهورة. وكذلك ذِكْر القميص.
مثل ما في «الصحيحين» عن جابر بن عبد الله قال: «أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن أُبَيّ بعدما أُدخِل قبره، فأمَر به فأُخرِج ووُضِع على ركبتيه، ونَفَث عليه من ريقه، وألبسه قميصه»، والله أعلم.
وفيهما عن عبد الله بن عُمر قال: لما توفي عبد الله بن أُبَيّ جاء ابنُه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أُكفّنه فيه، وصلِّ عليه واستغفر له. فأعطاه قميصَه، وقال: «إذا فرغتَ فآذِنَّا» فلما فرغ آذنه به، فجاء ليصلي عليه. فجذَبَه عمر فقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، فنزلت: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ} [التوبة: 84]، فترك الصلاة عليهم.
(1/134)

وأما الجُبّة الضيِّقة الكُمّين؛ ففي «الصحيحين» عن المغيرة بن شُعبة قال: كنت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر. فقال: «أمَعَك ماءٌ؟» قلت: نعم. فنزل عن راحلته فمشى حتّى توارى عني في سواد الليل. ثم جاء، فأفرغتُ عليه الإداوة، فغسَل وجهَه ويديه وعليه جُبّة من صوف، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها -وفي رواية: جبّة شاميّة، فذهب يخرج يديه من كميّه فكانا ضيّقين- فأخرج يديه من أسفل الجبّة، فغسل ذراعيه ثم مسح برأسه، ثم أهْويتُ لأنزع خفيّه. فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، فمسح عليهما.
وأما الفَرُّوج؛ ففي «الصحيحين» عن عُقْبة بن عامر أنه قال: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرُّوج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف، فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، ثم قال: «لا ينبغي هذا للمتَّقين». وإنما نزعه لكونه حريرًا.
قال البخاري: الفَرُّوج هو القَبَاء، ويقال: هو الذي له شقّ من خلفه.
وأما السراويل وغيره؛ ففي «الصحيحين» عن ابن عمر قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المُحْرم من الثياب؟ فقال: «لا يلبس القميص،
(1/135)

ولا العمائم، ولا البرانس، ولا السراويلات، ولا الخفاف».
وفي «سنن أبي داود»: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اشترى رِجْل سروايل وهناك وزَّان يَزِن بالأجر، فقال: «زِنْ وأرْجِح، فإنّ خيرَ الناس أحسنُهم قضاء». وفي لفظ: «أنه اشترى سراويل».
وقد قال العلماء: الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل، ومع الرِّداء الذي يكون على المَنكِبين يلبس الإزار؛ لأن السراويل تُبدي حجمَ الأعضاء، والقميص يستر ذلك، ولا يستره الرّداء.
وكان أغلب ما يلبسه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه ما يُنْسَج من القطن، وربما لبسوا ما يُنْسَج من الصوف وغيره. كما روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسنادٍ صحيح عن جَليسٍ لأيوب قال: دخل الصَّلتُ بن راشد على
(1/136)

محمد بن سيرين وعليه جبّة صوف وإزار صوف وعمامة صوف، فاشمأزَّ منه محمد بن [سيرين] وقال: أظنّ أنّ أقوامًا يلبسون الصوف يقولون: قد لبسه عيسى بن مريم، وقد حدثني من لا أتهم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان والقطن واليمنية، وسنة نبينا أحقّ أن تُتَّبع.
ومقصود ابن سيرين بهذا: أنّ أقوامًا يرون أنّ لبس الصوف دائمًا أفضل من غيره، فيتحرّون ذلك تزهُّدًا وتعبّدًا، كما أنّ أقوامًا يرون أنّ ترك أكل اللحم وغيره من الطيّبات دائمًا أفضل من غيره، فيتحرّون ذلك، ويحرِّمون على أنفسهم طيِّبات ما أحلَّ الله لهم، حتى يروا التبتُّل أفضل من التأهّل، ونحو ذلك.
وهذا خطأ وضلال، بل يجب أن يُعْلم أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هَدْي محمد. كما ثبت في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة بهذا فيقول: «إنّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ [ضلالة]».
وفي مثل هؤلاء أنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِيَ أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 87 - 88].
(1/137)

وفي «الصحيحين» عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثةُ رَهْط إلى بيوت أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما أُخْبِروا كأنّهم تقالُّوها. فقالوا: وأين نحن من النبيّ صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر!
فقال أحدهم: أمَّا أنا فإنيّ أصلي الليل أبدًا.
وقال الآخر: أنا أصوم الدّهر أبدًا.
وقال الآخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوَّج أبدًا.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرْقُد، وأتزوّج النساء، فمن رَغِب عن سُنتي فليس منّي».
رواه البخاري وهذا لفظه.
ومسلم أيضًا ولفظه: عن أنس أنّ نفرًا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم عن عمله في السّرّ؟
فقال بعضهم: لا أتزوّج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكنّي أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النّساء، فمن رَغِب عن سُنّتي فليس منّي».
(1/138)

وفي «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقَّاص قال: «ردّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مَظْعون التَّبَتُّل، ولو أذِن له لاخْتَصينا».
والراغب عن سنّته هو الذي يعدِل عنها إلى غيرها تفضيلًا لذلك الغير عليها، ولهذا تبرّأ منه النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما قال: «من غشَّنا فليس مِنّا، ومَن حمل علينا السّلاح فليس مِنّا».
وأما إذا لم يرغب عنها، بل فعل المفضول مع كونه مُفَضِّلًَا لهدي النبيّ صلى الله عليه وسلم باعتقاده ومحبّته، فهذا لا يأثم إلا أن يترك واجبًا أو يفعل محرّمًا.
وقد ثبت عنه في «الصحيح» أنه قال: «أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا».
وكذلك ثبت عنه في «الصحيح» أنه نهى عبد الله بن عَمْرو عن سَرْد الصيام، والمداومة على قيام الليل كله، وأخبره أنَّ أفضل الصوم وأعدله صيام يوم وفِطْر يوم.
(1/139)

فيجب أن يُعْلم أنّ هذا أفضل مما فعله كثيرٌ من السلف والخلف بصلاة الصّبح بوضوء العشاء الآخرة كذا كذا سنة، ومن صيام الدّهر حتى لا يفطروا إلا الأيام الخمسة، ومن التبتل ونحو ذلك. وإن كان كثير من فقهائنا وعُبَّادنا يرون هذا أفضل من غيره، فهذا غلطٌ منهم.
والصواب أنّ أفضل الطريق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنّها وأمر بها ورغَّب فيها، وأمر بها، والتي داوم عليها.
وكان هديه في اللباس: أن يلبس ما تيسَّر من اللباس، من قُطْن، أو صوف، أو غيرهما.
فالذي رغب عمّا أباحه الله من لباس القطن والكتان وغيرهما تزهُّدًا وتعبّدًا، هم نظير الذين يمتنعون أيضًا عن لباس الصوف ونحوه، ولا يلبسون إلا أعلى الثياب ترفُّهًا وتكبّرًا، كلاهما مذموم.
(1/140)

ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي والمنخفض.
وقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس ثوبَ شُهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوبًا مِثْلَه».
وفي رواية: «ثوب مذَلَّة ثم تلتهب فيه النار».
وهذا لأنه قَصَد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيض ذلك فأذلَّه. كما يعاقب الذي يطيل ثوبه خيلاء بأن خَسَف به الأرض ونحو ذلك، كما فعل بقارون.
وفي «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجلٌ يجرُّ إزاره خُيَلاء خَسَف الله به الأرض فهو يتجَلْجَل فيها إلى يوم القيامة».
وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن عُمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1/141)

«من جرّ ثوبَه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
وقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسبال في القميص والإزار والعمامة، مَن جرّ منها شيئًا خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
وروى أبو داود عن ابن عمر قال: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص».
وكذلك لبس الدنيء مِن الثياب مكروه، ولبسه تواضعًا محمود، كما أن لبس الرفيع تكبرًا مذموم، ولبسه إظهارًا لنعمة الله وتجمّلًا محمودٌ. ففي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خَرْدل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمان». فقال رجل: يارسول الله! إني أحبّ أن يكون ثوبي حسنًا، ونعلي حسنًا، أفَمِن الكبر ذلك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْر بَطَر الحق وغَمْط الناس».
(1/142)

وقد ذكرنا الحديث الصحيح الذي في البخاريّ وغيره: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لبس في السفرِ جُبَّةً من صوف.
وعن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعري قال: قال أبي: يا بني! لو رأيتنا ونحن مع نبيّنا وقد أصابتنا السماء، حسبت أنّ ريحنا ريح الضأن. رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: «صحيح».
وكذلك الشعر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه مِرْط مُرَحَّل من شَعْر أسود. رواه مسلم وغيره.
وفي «الصحيحين» عن أبي بُرْدة قال: دخلتُ على عائشة فأخرجَتْ إلينا إزارًا غليظًا مما يُصْنَع باليمن، وكساءً من التي يسمّونها المُلَبَّدة. فأقسَمَتْ بالله أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبِضَ في هذين الثوبين.
لكن كان المنسوج من القطن ونحوه أحبَّ إليه من الصّوف، كما
(1/143)

أخرجاه في «الصحيحين» عن قتادة قال: قلنا لأنس: أيّ اللباس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الحِبَرَة.
والحِبَرَة: برود اليمن، فإن غالب لباسهم كان من نَسْج اليمن؛ لأنها قريبة منهم.
وربما لبسوا ما جُلِب من الشام ومصر، كالقَبَاطيّ المنسوجة من الكتّان التي ينسجها القِبْط، وقد روي ذلك في «السنن».
وكذلك كانت سيرته في الطعام: لا يردُّ موجودًا، ولا يتكلَّف مفقودًا، فما قُرِّب إليه شيء من الطيّبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه. وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، كما ترك الضبّ؛ لأنه لم يكن قد اعتاد أكلَه ولم يحرِّمه على النّاس، بل أُكِلَ على مائدته وقال: «ليس بحرام، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه».
وكان يحب الحلواء والعَسَل، ويأكل القثَّاء بالرُّطَب، ويأكل لحم الدَّجاج وغيره.
(1/144)

وكان أحيانًا يربط على بطنه الحجَرَ من الجوع، ويُرَى الهلال فالهلال فالهلال لا يوقَد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار.
وكان أيضًا يلبس العمامة على القَلَنْسوة، وكذلك أصحابه، وكانوا مع ذلك يركبون الخيل ويطردونها، ويقاتلون في سبيل الله، ولهذا كانوا يديرون العمائم تحت أذقانهم، ويسمّى ذلك: التَّلَحِّي.
وفي «غريب أبي عبيد»: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالتَّلَحِّي ونهى عن الاقتعاط.
وفسَّر أبو عبيد «الاقتعاط» عن أبي نُعَيم: ولا يدير عمامته تحت ذقنه.
وقد رُوِي عن غير واحد من الصحابة والتابعين كراهة هذه العِمَّة، وكان أهل الشام لمحاربتهم للعدوّ ومقاتلتهم إيّاه محافظين على هذه السنّة، كما ذكر ذلك الإمام أحمد وغيره.
والتَّلَحِّي ليس هو التلثُّم على الفم والأنف، فإنّ ذلك مكروه في الصلاة، ولكن التَّلَحِّي: أن يشدَّ العمامة ويربطها على الحَنَك بحيث تثبت العمامة على الرأس، وهي نظير الكلاليب والخيوط التي تتخذها الأجناد في زمننا لشدِّ عمائمهم على رؤوسهم.
(1/145)

وقد استفاضت الأحاديث الصحيحةُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه مسح على عمامته، ورخَّص في المسح على العمامة، حتّى قال عمر بن الخطاب: من لم يطهّره المسح على العمامة فلا طهَّره الله.
فظنّ طائفة من العلماء أنّ ذلك كان مع مسح النّاصية، ولكن قد جاءت الأحاديث الصحيحة بمسح العمامة بلا ناصية.
وقال طائفة منهم الإمام أحمد: إنّ ذلك في العمائم التي على السنّة، وهي العمائم التي تُدَار تحت الذّقَن؛ لأنها السنة، ولأنّه يشقّ خلعها. وفي ذات الذؤابة بلا تلحِّي خلاف. وقال طائفة منهم إسحاق بن راهويه: إن ذلك في العمائم مطلقًا.
وإرخاء الذؤابة بين الكتفين معروف في السنة، كما روى مسلم في «صحيحه» وأهل السنن الأربعة عن عَمْرو بن حُريث قال: رأيت
(1/146)

النبيّ صلى الله عليه وسلم على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه.
ورووا -أيضًا- عن جابر بن عبد الله أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح مكّة وعليه عمامة سوداء. ولم يذكر في هذا الحديث ذؤابة، وذلك أنه يوم الفتح كان قد دخل وعليه أُهْبَة القتال، والمِغْفَر على رأسه، فلبس في كلّ موطن ما يناسبه.
وأما شدّ الوسط؛ فقد كان من الصحابة من يشدّ وسطه بطرف عمامته، ومنهم من كان يقاتل بلا شدّ وسط.
وقد جاء ذكر المِنْطَقة في آثار، والمنطقة: هي الحياصة، ولكن لم يبلغنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يشدّ وسطه بمنطقة.
وأما المهاميز؛ فما كانوا يحتاجون إليها، فإنَّ الخيل العربية مع الراكب الخبير بالركوب لا يحتاج إلى مِهْماز، ولهذا لم يُنقل في الحديث أنهم كانوا يركبون بمهاميز، وإنما اتخذها من اتخذها للحاجة إليها.
وكذلك -أيضًا- لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه يتّخذون الأكمام الطِّوال ولا الواسعة سَعَة كبيرة، بل قد تقدّم أنّ كمّ قميص النبيّ صلى الله عليه وسلم كان
(1/147)

إلى الرسغ، وهذه الزيادة سَرَف. وأيضًا فالمقاتل لا يتمكّن من القتال بذلك.
وبعضُ الناس يقول: إنما اتخذها بعض المنتمين إلى العلم لأجل حَمْل الكتب فيها، وما يروى عن بعض الأئمة أنّ أحد كمّيه كان واسعًا، والآخر ضيقًا فهو كذب.
وكذلك إطالة الذُّؤابة كثيرًا، فهو من الإسبال المنهيّ عنه.
واعتياد لبس الطيالسة على العمائم لا أصل له في السنة، ولم يكن من فِعْل النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة. بل قد ثبت في «صحيح مسلم» عن النوَّاس بن سَمعان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث الدّجّال أنه يخرج معه سبعون ألف مُطَيلس من يهود أصبهان.
وكذلك جاء في غير هذا الحديث أنَّ الطيالسة من شعار اليهود،
(1/148)

ولهذا كره من كره لبسها، لما رواه أبو داود وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تشبَّه بقومٍ فهو منهم».
وفي الترمذي أنه قال: «ليس منَّا من تشبَّه بغيرنا».
وأما التقنُّع الذي جاء ذكره في حديث الهجرة: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر متقنِّعًا بالهاجرة؛ فذاك فَعَله النبيّ صلى الله عليه وسلم تلك الساعة ليختفي بذلك، فَفَعَله [إذن] للحاجة، ولم تكن عادته التقنُّع.
وليس التقنع هو التطيلس، بل التقنُّع لغير حاجة يُنهى عنه الرِّجال؛ لأنّه تشبّه بالنّساء، وقد ثبت في الصّحاح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير وجهٍ: أنه لعن الرّجال المتشبّهين بالنّساء، ولعن النّساء المتشبِّهات بالرّجال.
فصل
وأما الحِلْية بالذّهب والفضّة ولبس الحرير، ففي «الصحيحين» عن حُذيفة بن اليمان أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة ولا تأكلوا في صِحافها، فإنّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
(1/149)

وفي «الصحيحين» عن أمّ سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يشرب في إناء الفضّة إنما يُجَرْجِر في بطنه نار جهنّم».
وفي «الصحيحين» عن البراء بن عازب قال: «أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم أو تختّم بالذهب، وعن شُرْب بالفضة، وعن المياثر، وعن القَسّي، وعن لُبْس الحرير والاستبرق والدّيباج».
وفي «الصحيحين» عن عمر بن الخطّاب قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلبسوا الحرير، فإنّه مَن يلبَسْه في الدنيا لم يلبَسْه في الآخرة».
وعن حذيفة بن اليمان قال: «نهانا النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ نشرب في آنية الذّهب والفضّة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والدّيباج، وأن نجلس عليه». رواه البخاري.
(1/150)

وعن عليّ -عليه السلام- قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جلوسٍ على المياثر، والمياثر شيءٌ كانت تجعله النساء لبعولتهنّ على الرَّحْل كالقطائف الأرجوان». رواه مسلم.
وعن عليّ بن أبي طالب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله ثم قال: «إنّ هذين حرام على ذكور أمتي». رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُحِلّ الذّهب والحرير لإناث أمّتي وحُرّم على ذكورها». رواه النسائي والترمذي وقال:
(1/151)

حديث حسن صحيح.
وقد ثبت في «الصحيح» عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع.
فلهذا رخص العلماء في مقدار أربع أصابع مضمومة، كالسجاف ولبنة الجيب والأزرار والخيوط ونحوهما.
وثبت -أيضًا- في «الصحيح» أنه أرخص للزّبير بن العوَّام وعبد الرحمن بن عوف لبس الحرير من حكَّة كانت بهما. فلهذا رخصوا في أصحّ القولين لبسه للحاجة كالتداوي به ونحو ذلك، وثبت عن جماعة من الصحابة.
وروي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرخصة في لبس الخَزّ، وهو صوف ينسج بالحرير. فلهذا قال العلماء: إذا نُسِج مع الحرير غيره، وكان ذلك الغير أظهر وأكثر جاز، وإن كان الحرير أقل وأظهر ففيه نزاع بين العلماء.
وتنازع العلماء في لبس الحرير حين القتال، ومن رخَّص به احتج بأن عمر بن الخطاب أذن في ذلك. قالوا: ولأنه في حال الحرب يُحبّ الله الاختيال. كما في «سنن أبي داود» عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إنّ من
(1/152)

الخُيلاء ما يحبها الله، ومن الخُيَلاء ما يبغضها الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله، فاختيال الرجل نفسه في الحرب والصدقة. وأما الخُيلاء التي يبغضها الله، فالخيلاء في الفخر والبغي».
واختال أبو دُجانة يوم أحدٍ بين الصَّفّين، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنها لَمِشْية يبغضها الله إلا في هذا المقام».
وأما الحلية؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اتخذ خاتمًا من فضة. وعن عرفجة بن أسعد أنه قُطِعَ أنفه يوم الكُلاب، فاتخذ أنفًا من وَرِق فأنتن عليه، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفًا من ذهب.
وعن أنس بن مالك قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضّة. رواهما أبو داود والنسائي والترمذي، وقال عن كلّ منهما:
(1/153)

«حديث حسن».
وفي «السنن» -أيضًا- عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن الذّهب إلا مُقطَّعًا».
وعن أنس بن مالك: أن قَدَح رسول الله صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشّعب سلسلة من فضة. رواه البخاري هكذا.
ثم رواه عن عاصم قال: رأيتُ قَدَح النبيّ صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسَلْسَله بفضة، فقيل: إنّ الذي سلسله أنس بن مالك.
فلهذه الآثار قال العلماء: يباح من الذّهب ما تدعو إليه الضرورة، كاتخاذ أنفٍ منه، ويباح خاتم الفضة، وتباح حلية السيف بفضة.
وأما حلية المِنْطقة بفضة والخُوذة والجوشن والخُودة والرّان ونحو ذلك من لباس الحرب، ففيه قولان للعلماء بخلاف لباس الخيل
(1/154)

كالسرج واللجام.
وكذلك تنازعوا في حلية الذهب، فقيل: لا يباح منه شيء، وقيل: يباح يسير الذهب مطلقًا، وقيل: يباح في السلاح، وقيل: في السيف خاصة. وهذه الأقوال الأربعة في مذهب أحمد وغيره.
وفي الترمذي حديث غريب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في سيفه ذهب وفضة.
وكذلك عثمان بن حنيف أحد أجلّاء الصحابة كان في سيفه مسمار من ذهب.
ونَهْيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن الذَّهب إلا مُقَطَّعًا يدلّ على جواز ذلك، فلذلك جَوَّزه كثير من العلماء كأحمد في الأرجح عنه وغيره. والله سبحانه أعلم.

# # #
__________
* جاء في آخرها: «تمت بحمد الله وعونه ومنّه وكرمه، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم»، ثم كتب على الهامش: «قوبل فصح».
(1/155)

قاعدة في الفَنَاء والبَقَاء
(1/157)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد، فإنا قد كتبنا في مواضع قبل هذه في تحقيق التوحيد الذي أرسل الله به رسلَه، وأنزل به كتبَه، والتمييز بينه وبين ما سمَّاه كثير من الناس توحيدًا، كما تُسمِّي الجهميةُ الفلاسفةُ، والمعتزلةُ، ومَن وافقهم نَفْيَ الصفات: توحيدًا، ويجعلون من أثبتَها ليس بموحِّد.
ويجعل غاليةُ هؤلاء القائلين بأن الوجود واحدٌ -كابن عربي وابن سبعين- التوحيدَ عبارة عن هذا الاتحاد الذي هو جامع للإلحاد، ويُسمُّون نفوسهم أهلَ التحقيق والتوحيد.
وذكرنا [توحيد الربو] بيَّة الذي أقرّ به المشركون الذين يقرّون بأن الله [خالق كل شيء وربّه ومليكه ...] لذة بلا تمييز، وهذا قلبه يلتذّ بما
(1/159)

فيه من الذِّكْر والشهود، ولكن ليس له تمييز بين نفسه وغيره، بل قد لا يبقى له تمييزٌ بين نفسه ومعبوده، فإذا لم يبق له تمييز بين هذا وهذا فقد يظن أنه هو هو، كما يحكون أن رجلًا كان يُحِبّ آخرَ، فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمّ، فألقى المحبُّ نفسَه خلفه، فقال: أنا وقعت، فما الذي أوقعك؟ قال: غِبْتُ بك عنِّي، فظننت أنّك أنّي.
وهذا إذا عاد إليه عقلُه يعلم أنه كان غالطًا في ذلك، وأن الحقائق متميِّزة في ذاتها، فالربُّ ربٌّ، والعبد عبدٌ، والخالق بائن عن المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
ولكن في حال السُّكْرِ والفناء والاصطلام لم يكن له شعور بسوى الحقِّ عن تمييز ذلك السّوى أنه عبد أو مخلوق.
وفي مثل هذا ما يُحْكَى عن أبي يزيد أنه كان يقول: «سبحاني»، أو: «ما في الجُبَّة إلا الله». وأمثال ذلك من الكلمات التي هي في نفسها كفر، ولو قالها وعقلُه معه كان كافرًا، ولكن مع سقوط التمييز يبقى
(1/160)

كالمجنون الذي رُفِعَ القلمُ عنه، [والنائم]، والسكران الذي لا ذنبَ له في السُّكْر.
ومِن الناس مَن يظنّ أن الحلَّاج كان في هذا المقام، وأنّ ما كان يتكلَّم به من الاتحاد كان في هذا الحال، حتى يحكي الكذّابون: أنه لمَّا قُتل كتب دمُه على الأرض: (الله الله)؛ لقوَّة المحبّة والفناء في المحبوب.
ويَحْكُون أن زَليخا فَصَدَتْ، فكتب دمُها على الأرض: (يوسف، يوسف).
وكل هذا باطل محض، ما كَتَبَ دمُ مُحبٍّ قطّ على الأرض اسمَ محبوبه، ولا غير محبوبه.
والحلَّاج كان يُصنّف الكتبَ في السِّحْر وغيره، ويتكلَّم بما يتكلم وهو حاضر العقل، ليس هو من باب أبي يزيد وأمثاله.
(1/161)

وهذا الحال يُحمَد منه ما كان من النوع الأول وهو حبّ الله دون ما سواه، والفناء عن محبة غيره ورجاؤه، وخوفه والتعلّق به، حتى يبقى دين العبد باطنًا وظاهرًا لله عز وجل من الأقوال: وقد يكون سببه نقص العلم؛ فإنْ كان الأول كان صاحبُه أكملَ وأصحَّ إيمانًا وأعلى منزلةً، ولم يكن عليه ذمٌّ، فإنَّ القلب إذا انصرف إلى شيء انصرف عما سواه، بحسب قوة انجذابه إلى هذا وإعراضه عن هذا.
وأما الثاني: فمثل مَن يشهد توحيد الربوبية، فيرى الله خالقَ كلِّ شيء ومليكه، ليس في الوجود إلا ما يشاء كونه. فيشهد ما اشترك فيه المخلوقات، مِنْ خَلْق الله إياها، ومشيئته لها، وقدرته عليها، وشمول القيوميّة والربوبيّة عليها. ولا يشهد ما افترقت فيه، مِنْ محبة الله لهذا وبغضه لهذا، وأمره بهذا ونهيه عن هذا، وموالاته لهذا ومعاداته لهذا، وهو توحيد الإلهية الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، فلا يشهد التفرقة في الجمع، ولا الكثرة في الوحدة.
وهذا الفناء قد يكون مع الصَّحْو وحضور العقل، وقد يكون مع السُّكْر، فإن كان مع الفناء والسُّكْر كان ناقصًا من وجهين، لكن قد يكون أَعْذَر ممن قام فيه مع الصحو.
وقد يَظُن مع ذلك أنه في حال الجمع والفناء في التوحيد، الذي
(1/162)

هو أعلى المقامات، ويَظنُّ أن مَن كان هذا المشهد مقامه يسقط عنه الأمرُ والنهي. ويقول أحدهم: إنما يسقط عنه الأمر لأنه شهد الإرادة. ولا يعلم أن مُجرَّد توحيد الربوبية قد أقرّ به المشركون، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 61].
وقال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 - 89].
وقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106].
قال ابن عباس: «إذا سألتهم مَن خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره».
فمن كان هذا التوحيد هو غاية توحيده انسلخ من دين الله وجميع رسله، ولم يتميَّز عنده أولياء الله من أعادائه، ولا أنبياؤه المرسلون من
(1/163)

المشركين به المكذِّبين، ولا أهل الجنة من أهل النار، ولا المعروف من المنكر، وسوَّى بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض، وبين المتقين والفُجّار.
ورأس الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، فتعبد الله لا تعبد معه غيره، وتحبّ ما أحبه الله ورسوله، وتبغض ما أبغضه الله ورسوله. وتُفرِّق فيما شاءه وقضاه، بين ما يسخطه الله ويكرهه، وبين ما يحبه ويرضاه.
قال تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7]. وقال: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 205]. وقال: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108].
ثم هؤلاء الذين يقولون: إنهم في توحيد الربوبية ظانّين أنهم في الجَمْع، وأنهم وَصَلُوا إلى عين الحقيقة، لا بدّ لهم من شهود التفرقة والتمييز حسًّا، فضلًا عن العقل والشرع.
فإنّ أحدهم لا بدّ ما يميِّز بين ما يؤلمه ويُلذّه، وينفعه ويضرّه، [وبين ما] يكرهه ويَضرُّ به، وبين الخبز والماء، والتراب والحجر، ونحو ذلك.
ولا بدّ أن يميل إلى ما يجلب له المنفعة، ويفرّ عما يدفع إليه المضرَّة، فيكون جسديّ التفرقة، يحبّ هذا ويبغض هذا، ويأمر بهذا وينهى عن
(1/164)

هذا. فإن لم تكن التفرقة بين الخير والشر بالتفريق الشرعي النبويّ المحمدي القرآني، وإلّا فلا بد من قانون آخر يُفرِّق، إما سياسة بعض الملوك، أو ذوقُ بعض الشيوخ، أو رأي بعض الفقهاء، أو أغراض ذوي الأغراض، بحسب تنوّعها واختلافها، ولزوم مجرّد ظنّه وهواه.
فلهذا تجد هؤلاء أتباع كلِّ ناعق، يميلون مع كلِّ صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن. وهم يُفرِّقون بين ما يُفْعَل وبين ما لا يُفْعَل، وما يُؤمَر به وما لا يُؤمَر به، وما ينبغي فعله، وما ينبغي تركه= بهذه الوجوه وأمثالها.
وربما أضافوا ذلك إلى الله من جهة الحقيقة الكونية، وشمول الربوبية. ومعلوم أن جميع الأشياء مضافة إلى الله من هذه الجهة، فلا فرق بين ما يأمرون به وينهون عنه حينئذٍ.
وهذه حال المشركين الذين أخبر الله عنهم في كتابه، أنهم يأمرون وينهون بغير كتابٍ نزل من الله، وأنهم يَحتجُّون في ذلك بقَدَر الله، فقال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28].
(1/165)

وقال: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا ...} الآية [الأعراف: 32].
وقال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} الآية [الأنعام: 148].
وأصحاب هذا النوع لا يكونون مع النوع الأول، بل يضادّونهم من وجوهٍ كثيرةٍ، ويَفوتُهم ما خَصّ الله به أولئك من تحقيق التوحيد، وكمال التحقيق، وبابه: المعرفة والإيمان، فإن أولئك صاروا مخلصين لله الدين، فيعبدونه ولا يعبدون غيره.
وهؤلاء لا فَرْقَ عندهم بين ما يوجد من عبادته ومن عبادة غيره، ولا بين الإيمان به والكفر به، ولا بين ما يُحِبّه ويأمر به، وبين ما يبغضه وينهى عنه.
فلا بدّ لهم من الفرق ضرورةً وحسًّا، فإذا لم يكن تفريقهم هو الفرق التوحيدي الإيماني صار فرقًا آخر، فيسألون غير الله،
(1/166)

ويتوكلون على غير الله، بل يعبدون غيرَ الله، ويَقَعُون في المُحرَّمات من الفواحش والمظالم، ويُعرِضون عن الواجبات، حتى عن الفرائض؛ لأن قلوبهم ليست مخلصة لله الدين، فليسوا من أهل التوحيد الأول. وأولئك هم الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]. وقال: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99]. وقال الشيطان: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82 - 83]. وقال: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [العنكبوت: 61].
وهؤلاء يَرونَ حالهم مرتفعة عن حال الذين يشهدون جمعَهم وتوحيدَهم، وهم العامة الذين تَفرّقت قلوبهم في المخلوقات، وهم أهل الفَرْق الأول، ومع هذا فَهُمْ في الحقيقة راجعون إلى فرق أولئك؛ إذ لا بد لهم من الفَرْق، فإن لم يكونوا في الفرق الإلهيّ النبويّ الشرعيّ كانوا في فَرْقٍ آخر، وهذا حال العامة، بل العامة خير منهم من وجه، وذلك أنهم يؤمنون بالجمع والفَرْق، بأنّ الله ربّ كلِّ شيء ومليكه، وبأنه يأمر بالحسنات، وينهى عن القبائح.
وإذًا تَفْرِقة العامة بحسبِ أهوائها، لم تَجْعَل ذلك دينًا، بل تعرف أنه ذنب وقبح، ولا يقولون: إنه يسقط عنهم الأمر والنهي.
(1/167)

وهؤلاء قد يَرَوْنَ سقوطَ الأمرِ والنهيِ عنهم، فتكون العامة خيرًا منهم، لكن يُمَيَّزُون عن العامة بأن الجمع لهم حالًا وشهودًا، بخلاف العامة، فإنّ لهم إيمانًا وإقرارًا، وهذا لا يقع لوجهين:
أحدهما: أنهم كاذبون في دوام شهودهم الجمع والعمل به؛ إذ لا بدّ من الفرق حسًّا وعقلًا، وذوقًا وشرعًا.
الثاني: أن صحة الإيمان مع الغفلة والسَّهْوِ خيرٌ من ذِكْرٍ وشهودٍ يَصحَبُه فساد الإيمان.
وقد يقول أحدُهم: إنّ المحبّة والتوكل ونحو ذلك من مقامات العامة السائرين في منازل الشرع إلى عين الحقيقة، وهذه الحقيقة التي انتهوا إليها هي الربوبيةُ العامةُ المطلقةُ التي أَقرَّ بها المشركون.
لكنْ كثيرٌ من هؤلاء لا يقولون بالجمع إلا مع تمييز بعض الواجبات من بعض، فيميّز بين ما يأمر به هو وينهى عنه من نفسه، لكن لا يميّز في شهوده ذلك.
وربما تأوَّلُوا قولَه تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]. وظنُّوا أن المقصود من العبادة أن يحصل له يقينٌ بالربوبية العامة ونحو ذلك، فلا يحتاج حينئذٍ إلى العبادة.
وهذا ضلالٌ باتفاق أهل العلم والإيمان، فإنّ اليقينَ هو الموت وما بعده، كما قال الحسن البصري: «لم يجعل الله لأجلِ المؤمن غايةً دون
(1/168)

الموت».
كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} [المدثر: 47 - 48]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمَّا عثمان بن مَظْعون فقد أتاه اليقينُ من رَبِّه». واتفق المسلمون على أن الأمر والنهي لازمٌ لكلِّ عبد حتى يموت.
ومن أكابر هؤلاء من يكون فيه نوع من التجهُّم والجَبْر، كالسالكين طريق ابن التُّومَرْت وأمثاله ممَّنْ ينفي الصفات أو بعضها [كالجهمية] وأمثالهم من الأشعرية ممن لا يقول: إنّ فوقَ العالم ربًّا مباينًا، ويكون مبالغًا في إثبات القَدَرِ حتى يجعل المحبةَ والرجاءَ بمعنى الإرادة، ويجعل الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ محبوبًا مرضيًّا كالإيمان والطاعة؛ إذ الجميع عنده مراد الله.
فهؤلاء إذا انتهوا إلى ما يَظُنُّونه الفناء في حقائق التوحيد كان مضمونُه سقوط الأمر والنهي، لا يُفرِّقون بين الحسنات والسيئات، ويَشهدون ربًّا مطلقًا، ويُقِرُون مجملًا أنه ليس هو المخلوقات، لكن
(1/169)

ليس في أصل عَقْدِهم وعِلْمهم وإيمانهم إقرار بمباينته للمخلوقات وامتيازه عنها، فيقعون في نوع من الإشراك والجمع بين الخالق والمخلوق، وبين المأمرو به والمنهيِّ عنه.
ومن هنا ضَلَّ مَن ضَلَّ من الاتحادية -كابن عربي وأمثاله- كأن يقول أحدهم: نشهد أولًا الطاعة والمعصية، ثم يشهدون طاعةً بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية.
فإنهم لمّا كانوا مع المسلمين مُقِرِّين بالأمر والنهي الشرعيَّيْن، كانوا يشهدون الطاعة والمعصية، فلما دخلوا في جمع القدر من غير شهود لتفريق الشرع، شهدوا طاعةً بلا معصية، كما قال بعض شيوخهم: «أنا كافرٌ بربٍّ يُعْصَى».
وقال آخر:
أصبحت منفعلًا لما تختاره ... منِّي، ففعلي كلّه طاعات
(1/170)

وقال آخر لبعض الظَّلَمَة الذين يتناول مِنْ أموالهم -لمَّا قيل: إنه مكّاس- فقال: إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة.
وأمثال ذلك.
ثم إذا صاروا عينًا لم يفرقوا بين الربّ والعبد، ولم يشهدوا لا طاعة ولا معصية، بل كما قال بعضهم:
ما الأمر إلا نسقٌ واحدٌ ... ما فيه من حَمْدٍ ولا ذمِّ
وإنما العادةُ قد خصَّصت ... والطبعُ والشارعُ بالحكمِ
وهذا هو النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن وجود السِّوَى، بحيث يجعل وجود المخلوقات عين وجود الحق، فلا يكون ثَمَّ غيرٌ يكون له وجود أصلًا. فيتكلم هؤلاء فيما يُسمُّونه مفتاح غيب الجمع والوجود.
ومضمون أمرهم: أن الوجودَ كلَّه واحد، وهو واجب الوجود بنفسه، ولا يُفرِّقون بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع، ولا بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كونها هي لله، كمن لا يُفَرِّقُ بين الشمس وبين شعاعها، ولا يميزون بين العالمين، وبين ربّ العالمين.
(1/171)

ويجعلون الأمرَ والنهيَ للمَحجُوبين عن شهودهم، وهم في هذا من أعبد الناس للمخلوق، وأخوفهم من المخلوق، وأرجاهم للمخلوق، وأعظم الناس إلحادًا في أسماء الله وآياته.
وتفصيل هذا الجمع يطول، وإنما هذا تنبيه على جوامع يَحتاجُ إليها الناسُ في هذه المسالك.
وقد رأيتُ في ذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وتشهد النفوس ما بين هذا وهذا من المشترك الجامع، ولا يشهدون ما بينهما من المميِّزِ الفارق، وهذا هو القياس الفاسد، وأول من قاس إبليس، وما عُبِدَت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.
وذو البصرِ يشهدُ الجمعَ المشترك والمميّز والجامع مع الفارق والكثرة في الوحدة، ويعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، كما شهد به القرآن والإيمان والبرهان.
قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد ابن تيمية -رضي الله عنه-:
وما يُسمَّى بالفناء والاصطلام والمَحْق والطّمْس والسُّكْر، ونحو
(1/172)

ذلك من العبارات التي تُشعِر إمّا بعدم العلم ونوعه، وإما بعدم القَصْد ونوعه، وإما بعدم الوجود ونوعه، وما يتعلق بذلك، فإن للناس في هذه الأمور أربعة أقوال:
أحدها: قولُ مَن يجعل ذلك غاية السالكين، ونهاية الواصلين إلى الله، ويقولون: الإرادة، والزهد، والتوكل، والصبر، والخوف، والرجاء، والسُّكْر، والمحبة= منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شهدوا عين الحقيقة اضمحلَّتْ فيها أحوال السائرين، حتى يَفْنَى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل.
والغاية عندهم: هو الجمع والوجود والفناء فيه.
القول الثاني: قولُ مَنْ يجعلُ هذا من لوازم سبيل الله الذي سلكه القاصدون له. ويقولون: لا بدَّ لكلّ واصلٍ إلى الله متقرِّب إليه مخصوص بولاية الله الخاصة، مِنْ أن ينزل هذه المنازل، ويقوم بهذه المقامات، لكنْ ليست هي الغاية، بل الغاية بعدها في حال الصحو والبقاء والشهود، ونحو ذلك من العبارات.
القول الثالث: قولُ مَنْ يجعلُ هذه الأمورَ مذمومةً معصيةً، ويجعلُها من عيوب القاصدين وذنوبهم، إما لكونها بدعةً في الدين، وإما لكون
(1/173)

أصحابِهَا مُفَرِّطين بترك مأمورٍ أو فعلِ محذور.
القول الرابع: قول من يجعلها من عوارض الطريق التي قد تعرض لبعض السالكين، فليست من لوازم كلّ سالك، ولا كلّ مَنْ عرضت له يكون مبتدعًا مذمومًا، أو عاصيًا مَلُومًا، بل قد تعرض لبعض السالكين دون بعض، لقوَّة ما يَرِد على قلبه، وضعفه عن التمييز في حال ورودها.
وقد يكون صاحبها مَلُومًا، وقد لازمه في حقّ ... لا يمكنه الوصول بها، وقد يكون منتهى بعض ضعفاء السالكين.
والقول في هذا كالقول في الذي يَعْرِض عند سماع القرآن من الصَّعْقِ والصياح والاضطراب، فإنّ هذا لم يكن في الصحابة، بل كانوا عند السماع يبكون، وتَوْجَل قلوبُهم، وتَقشعرُّ جلودُهم. وهذه الأمور هي التي أثنى الله على أهلها في القرآن.
فلما كان في زمن التابعين، كان في أهل البصرة ونحوهم مَنْ يَصْعَق عند سماع القرآن ويموت. فمن السلف من أنكر ذلك، إما لكون صاحبِهِ مُتصنِّعًا، أو لكونه مبتدعًا.
ويُروَى هذا عن عبد الله بن الزبير، وأسماء بنت أبي بكر، ومحمد ابن سيرين.
(1/174)

وأما جمهور العلماء فَسوَّغوا ذلك إذا كان صاحبُه مغلوبًا، حتى قال الإمام أحمد: «قُرئ على يحيى بن سعيد، فغُشِيَ عليه. فلو قَدَرَ أحدٌ أن يدفعَ هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، لكمال عقله». وهذا هو الصحيح؛ فإن زُرارةَ بن أوفى قرأ في صلاة الفجر: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر: 8] فَخَرَّ ميتًا. وكان قاضي البصرة، ومن خيار المسلمين.
وقرأ صالح المُرّي على أبي جَهير الضرير، فمات.
ومات طائفة بوعظ عبد الواحد بن زياد.
ومات عليُّ بن الفُضيل بسماع القرآن.
ومن قَتَله القرآنُ كثير، والموت لا حيلة فيه.
(1/175)

فالتحقيق: أن السبب الذي فعلوه إذا لم يكن منهيًّا عنه، لم يكن على صاحبه إثم فيما يَتولّد عنه من موت، أو سُكْر، أو غَشْي، أو نحو ذلك.
وأما إذا كان السبب محظورًا، لم يكن صاحبُه معذورًا، كما في زوال العقل بالسُّكْر، ونحوه.
فمن شَرِبَ مُحرَّمًا يُزيلُ عقلَه، كان مذمومًا على زوال عقله.
ومن أُوجِرَ الخمرَ، أو أُسْقيَ ما ظَنَّه مباحًا، فتبيَّن محظورًا، ونحو ذلك، لم يكن مذمومًا على زوال العقل.
فكما يعرض مَغِيب العقل عند السماع لِمَا يَرِدُ على القلب، فكذلك يعرضُ مَغِيبه عند مشاهدة أمور، وعند ورود أمور عليه من غير سماع ظاهر؛ إذ السماع يورث معارفَ وأحوالًا، وكذلك تحصل هذه في غير السماع.
وإذا كان زوال العقل غير مقدور وصاحبُه في الشرع معذور، لم يَجُزْ أن يُجْعلَ آثمًا بذلك، ولا مُعاقَبًا عليه، بل ولا منهيًّا عنه، ولا مذمومًا عليه.
بخلاف مَن يكون قد حصل له ذلك بسببٍ محظور، كمن يسمع السماع المنهيّ عنه، سماع المُكاء والتّصْدِية، فيُورِثُه هذه الأحوال التي يزول فيها عقله. فهذا مذموم على ذلك.
لكن إن كان متأوّلًا معتقدًا جواز ذلك، لاجتهادٍ أو تقليد، أو غير
(1/176)

عالم بما في ذلك من النهي الشرعي، كان له حُكْم أمثاله من أهل التأويل وعدم العلم.
وإذا كان مخطئًا معفوًّا له عن خطئه، عُفي له عما يترتَّب على خطئه، لكن قد يَضْمَنُ ما تلف بخطئه من حقوقِ العبادِ في أنفسهم وأموالهم، كما أوجب الله الديةَ في القتل خطأً.
وأما إذا كان الإتلافُ بتأويل من جهتين، فله حُكْم قتال الفئة من أهل التأويل، كالجَمَل وصِفِّين. والصحيح: أنه هَدْرٌ من الجانبين.
وهذا حكم ما يعتري أهل الأحوال في حال سُكْر السماع، من عدوان بعضهم على بعض، كما هو مذكور في غير هذا الموضع.
وجماع ذلك: أن الأمر والنهي مشروطان بالتمكين من العلم والعمل، فإذا كان العبد عاجزًا عن أحدهما، لم يكلَّف الكفَّ عما هو عاجزٌ عنه.
وإذا عَجَز عن حفظ عقله، أو عن حَمْل ما يَرِدُ عليه، أو عن العلم بحاله -عجزًا يُعْذَرُ فيه شرعًا- لم يكن مُعاتَبًا بما يترتّب على زوال العقل، بحسب المزيل للعقل، هل هو معفوّ عنه، أو محظور. وقد يظن صاحبه أنه مأمور به أو مباح لاجتهادٍ أو تقليد، ولكن في نفس الأمر لا يأمر الله عز وجل بما يزيل العقل، ولا يبيح ذلك.
(1/177)

ولهذا تنازع الفقهاء في المؤدِّب المأذون له في أدبٍ غير مُقدَّر، إذا تَلِف بأدبه، كالزوج إذا ضرب امرأته، والرائض إذا ضرب دابَّته، فقيل: يَضمنُ ذلك كقول الشافعي؛ لأنه يتبيَّنُ بالإتلاف أنه زاد على المأذون.
وقيل: لا يضمن كقول مالك وأحمد؛ لأن القَدْر المأذون فيه ليس محدودًا، بل هو مُوكَلٌ في اجتهاده، فإذا فعل ما اجتهد فيه لم يكن عليه دَرَك، كالمقتصّ.
فقد تبيَّن ضعف قول من يذمُّ هذه الأمور مطلقًا، ويسوِّغها مطلقًا، ويعلم أن الاعتبار في ذلك بأسبابها المأمور بها والمنهيِّ عنها.
ثم نقول في سائغها: ليس هذا لازمًا من لوازم الطريق، كفعل المأمور، وترك المحظور، فضلًا عن [أن] تكون هي الغاية التي تُناقض هذه الأمور وتضادّها مأمورًا به أمرَ إيجاب ولا أمرَ استحباب. فلا يكون من لوازم طريق الله، فإنّ اللازم لهم إما أن يكون واجبًا أو مستحبًّا. والأحوال التي تكون من لوازم أعمالهم تكون نتيجة واجبٍ أو مستحبٍّ، فما ليس بواجب ولا مستحبّ ولا نتيجة واجب ولا مستحبّ لا يلزمهم أن يفعلوه، ولا يلزمهم وجوده، فلا يكون من لوازم طريق الله وسبيله، ومنهاج القاصدين إليه، ومنازل السائرين إليه.
وإن عَرَض لبعضهم وكان له منزلًا ومقامًا لخصوص حاله؛ لم يقتضِ أن يكون لكل سائرٍ؛ بل ولا هو لازمًا لكلِّ أحد أن يفعله.
(1/178)

ولا يجبُ على أحدٍ في الشريعة أن يفعل ما يغيِّبُ به عقلَه، أو يُنْقِص به قوَّتَه، ولكن قد يفعلُ أمورًا يلزم [منها] ضعف عقله ونقص قوَّة قلبه، فتكون هذه لوازم وجود تلك الأمور؛ لا أنه يلزمه تحصيل ذلك.
فوجوبُ تحصيل ذلك لا يثبت في حق أحد، وأما وجوب وجوده فقد يَعْرضُ لبعض السالكين دون بعض، ولا يَعْرضُ إلَّا مقرونًا بصعق وعجز، والصَّعِقُ العاجزُ هو معذور على ما تركه، ليس مأمورًا بما تركه.
واعتَبِرْ هذا بالأحوال العارضة للناس في سائر ما يحبونه ويطلبونه، منهم من يعرض له في حُبِّ الصُّوَرِ والرياسة أو المال ما يُذْهِل لبَّهُ ويُزيلُ عقلَهُ.
وكذلك قد يَعْرضُ له في المخاوف ما يذهل لبَّه ويزيل عقلَه، بحيث يبقى مستغرقًا في مشهوده وموجوده.
كما يذكرون أنَّ رجلًا كان يحب آخر، فألقى المحبوبُ نفسه في اليمّ، فألقى المحبُّ نفسه خلفه، فقال: أنا وقعتُ، فما الذي أوقعك معي؟ فقال: غبتُ بك عني، فظننتُ أنك أنّي. وقد ذُكِرَتْ قَبْل.
والحكايات في مثل هذا كثيرة. لكن لا يقول عاقل: إنَّ مثل هذا كمالٌ ممدوح مأمور به، لا في حقٍّ الممدوح ولا في المذموم.
(1/179)

وأعظم الخلق محبةً لله إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، هذا خليل الله، وهذا خليل الله، ولم يعرض لأحدهما شيءٌ من ذلك.
والمحبُّون الذين ينالون مقاصدهم مع حِفْظِ عقولهم وبقاء تمييزهم أكمل عند العقلاء مِن الذين يغلب عليهم الحال حتى يصطلمهم، ويُسْكِرَهم، ويفنيهم.
وما أشبه مدح هؤلاء لعدم التمييز والعقل بمدح طائفة يمدحون مَن لم يفهم معاني القرآن، ولم يتدبره، بل قد أَقرَّ بظاهر لفظه، وجهل ما يزيد إفهامهم إياه من معناه، وقد يجعلون ذلك طريق السلف.
وهذا أيضًا غلط، فعدم صفات الكمال الممدوحة في القرآن لا يكون مدحًا ولا ذمًّا مأمورًا به، بل غاية صاحبه أن يكون معذورًا.
ولهذا قال عمر بن الخطاب: «لست بخِبٍّ، ولا يخدعني الخِبُّ».
فسلامةُ القلب المحمودةُ هي سلامتُه عن إرادة الشرِّ وقَصْدِه، لا عن علمه ومعرفته، بل من عَرَفَ الشرَّ وأبغضَه وذمَّه ونهى عنه، فهو أكمل ممن لم يعرفه، ولا أبغضه، ولا نهى عنه، ولا ذمَّه.
(1/180)

ومن أعظم كمال الرسول وأمته: أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال في صفته: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].
وقال في صفة أمته: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ المُنكَرِ} [آل عمران: 110].
والأمر بالمعروف متضمِّنٌ لمعرفته ومحبّته، والنهي عن المنكر مُتضمِّنٌ للعلم به وبُغضه.
وأمة محمد هم الشهداء، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. وقال: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [العنكبوت: 78].
والشهادة تتضمن العِلْمَ بالمشهود به، وإلا فليس لأحدٍ أن يشهد بما لا يعلم.
وقد أخبرَ عن العارفين مِن أمة عيسى عليه السلام أنهم: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83].
(1/181)

قال ابن عباس: «مع محمد وأُمَّتِه».
وهذا كما قال الحواريّون: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 110].
فهؤلاء المؤمنون هم طلبوا ما طلبه قبلهم المؤمنون، بخلاف مَن كان منهم متبعًا للدين المبدَّل المنسوخ، فإنّ أولئك فيهم رأفةً ورحمةً ورهبانيةً، فلهم عبادة وأخلاق، وليس لهم شهادة، فلهذا كانوا في الضلال، فإنَّ الضلال: عدم العلم، وهو نَعْتُهم، كما قال عنهم: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77].
فإنّ الضلال يورثه اتباع الهوى؛ لأنه إذا لم يكن معه علم بما يفعله وما يقصده، ومعه حبّ وإرادة تدعو إلى العمل، كان المحرِّك له حبه وهواه، سواء كان صادفَ الحقَّ الذي يرضاه الله، أو كان بخلاف ذلك.
وهذا الموضع غلط فيه من سالكي الطريق من لا يُحصي عددَهم إلا الله، فإن أوَّل الطريق هو إرادةٌ وحبٌّ وطلبٌ، وذلك يُثْمِرُ من أنواع العبادات والأخلاق والأعمال والأحوال والمقامات ما لا يعلمه إلا الله.
(1/182)

وقد لا يَصحَبُ هذا السالك معرفة المحبوب المعبود المراد، ولا يصحبه معرفة ما يحبّه ويرضاه مِن طاعة رسوله، فيجهل إما المعبود المقصود، وإما العبادة المأمور بها، أو كلاهما.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «المؤمنُ القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير».
فالخير عند الله هو الأفضل.
ومن هنا يظهر الوجه الثاني: وهو أنَّ العلم والعقل والشهود، ونحو ذلك، صفات كمال، كما أن القدرة والقوَّة صفات كمال.
قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]. وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} [فاطر: 19 - 21]. وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45].
وقد مدح الله جبريل بأنه شديد القُوى، وقال: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير: 20]. وذمّ سبحانه مَنْ ذمَّه بقوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود: 20].
وقوله: {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: 101].
(1/183)

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73].
وقال: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72].
وقال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف: 179].
وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].
وقال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ} [ص: 29].
وقال: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [الفجر: 5].
وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2].
وقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3].
(1/184)

ومثل هذا كثير في كتاب الله.
فالسمع والبصر والعقل والعلم، وما كان من جنس ذلك ولوازمه، هو من الصفات المحمودة، والتذكّر والتدبّر ونحو ذلك، وكذلك القوَّة. قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 61].
وفي حديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستَقْدِرُك بقدرتك، وأسألك من فضلك».
وقد أمر الله بالصبر المتضمِّن لمعنى القوَّة والثبات، وقَرَنه بالصلاة في غير موضع، كقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]. بل ذَكَره في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا.
والله تعالى موصوفٌ بصفات الكمال؛ من العلم، والسمع، والبصر والكلام، والقدرة، ونحو ذلك.
والمتصف بهذه أحبّ إليه ممن لا يتصف بها، إنما مَدَح وأحبّ المتَّصفين بها، كما تقدم التنبيه عليه.
وإذا كان كذلك، لم يكن الغَيْبَةُ عنها مما ينتهي إليه القاصدون، وذلك لوجهين:
(1/185)

أحدهما: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم أفضل القرون، وفاضلهم هو أفضل الأمة، كما ثبت في الصحاح أنه قال: «خير القرون الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
ولا ينازع في هذا الأصل إلا أهل البدع المضلَّة.
فمن ظنّ أن مَنْ بعد الصحابة من يكون أكمل في علمٍ، أو دين، أو خُلُق، مِنْ أكمل الصحابة في ذلك، فقد غلط وضلَّ، بل هو فوق مَن بعدهم في كلِّ الفضائل الدينية.
وإن كان قد يكون لمن بعدهم مِنَ الخصائص والفضائل ما ليس لبعضهم، فلا يكون مَن بعدهم أفضل من فاضلهم بلا ريب.
وإذا كان كذلك، فمن المعلوم أن الأحوال الدينية المتضمِّنة لغيب العقل، وعزوف العلم، لم يكن في الأحوال الدينية التي كانت للصحابة، فلم يكن فيهم مَن مات عن وجدٍ أو سماع.
ولا كان فيهم مَن صَعِق وغُشِي عليه.
ولا كان فيهم مَنْ فني عن معرفة الأشياء وشهودها.
ولا كان فيهم من اصطلم بحيث لا يشهد بقلبه شيئًا من الكائنات أو المخلوقات.
(1/186)

بل كان حدوث هذه الأمور في الأمة بحسب ما حدث من النقص، فكان التابعون أنقص من الصحابة، فظهر فيهم من الصَّعْق والموت ما ظهر.
كما أنَّ بني إسرائيل أنقصُ من هذه الأمة، فلهذا لم يُذْكَر عنهم من ذلك أمور.
ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم أكمل من موسى، وقد عُرِج به صلى الله عليه وسلم إلى الملكوت الأعلى، وأراه الله من آياته الكبرى ما أراه، وأصبح كبائتٍ. وموسى صلى الله عليه وسلم لما صار الجبل دكًّا خرَّ صَعِقًا.
وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم لما رأى جبرائيل أوّل مرّة أصابه ما أصابه، ولما رآه نزلةً أخرى عند سِدْرة المنتهى لم يُصِبه ما أصابه أول مرة.
وأما ما كان يعتريه عند نزول الوحي، فلم يكن في ذلك تغيّب عقله، فإنه صلى الله عليه وسلم كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، ولهذا لم يكن يتوضأ من النوم، ولم يكن يغتسل ويتوضأ بعد نزول الوحي.
ولما غُشي عليه في مرضه اغتسل مرّةً بعد مرة، فكان يغتسل في إغمائه الذي أصابه بالمرض، ولا يغتسل من هذه الأمور؛ إذ لم يكن فيها إغماء ولا مغيب عقل. بل هو عند تلقّي الوحي أكمل ما يكون عقلًا، وإن كان ضعيفًا منهوك البدن.
وإذا كان في منامه لا ينام قلبه مع أن غيبه الظاهر هو فيه كغيره في المنام، فكيف ينام قلبه عند نزول الوحي عليه، وبه يتلقّى الوحي النازل عليه.
(1/187)

والكلام ليس فيه حسه لحسن الظاهر؛ فإن هذا مع شهود القلب لا يضر، وإنما الكلام في مغيب القلب بحيث [يذهب] بعض عقله وتمييزه، أو ضعف قوَّته وقدرته، فإن العلم والقدرة صفة كمال.
والنوع الثاني: الفناء عن شهود السِّوى، فهذا هو الذي يقارنه الاصطلام، والسُّكر، والطمس، والمَحْق، فيغيب بموجوده عن وجوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمعروفه عن عرفانه، وبمشهوده عن شهادته، حتى لا يشعر بالسِّوى.
فهذا هو الذي تنازع فيه الناس، هل هو غاية السالكين، أو مقامٌ لازمٌ لهم، أو حال يعاين صاحبه، أو أمر عارض لهم؟
ومن جعل هذا غايةً فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا، وإن كان قد وقع في ذلك طوائف من الشيوخ. ولهذا شاركهم في ذلك طوائف من المتفلسفة، كابن سينا البخاري، وابن الطفيل القرطبي صاحب رسالة حيّ بن يقظان، وأمثالهم ممن يتكلم في التصوّف على طريقة الفلاسفة.
وقد عُلِم أن تصوُّفَ الفلاسفةِ من أبعد الأمور عن دين الإسلام، وخيرٌ منه تصوّف أهل الكلام المُحْدَث، مع ما فيه من البِدَع.
(1/188)

وخيرُ الصوفية صوفيةُ أهل الحديث.
وكلّ مَن كان منهم بالسنة أعلم وبها أعمل، كان أفضل من غيره، كالفُضَيل بن عياض، وسَهْل بن عبد الله التستري، والجُنيد بن محمد، وعمرو بن عثمان المكي. وأبو عثمان النيسابوري وأمثالهم فوق ذي النون المصري، وصاحبه يوسف بن الحسين الرازي، وأبي بكر الشِّبلي، وأمثالهم.
وكذلك أبو طالب المكي وأمثاله، كلامه في المقامات خير من كلام أبي حامد في «الإحياء»، وإن كان عامة كلامه مأخوذًا [منه]. بل كلام أبي طالب خير من كلام أبي القاسم القُشَيري صاحب «الرسالة».
وأصحاب هذا النوع من الفناء، تارةً يشهدون توحيد الربوبية، فلا يُفرّقون بين المأمور والمحظور، ومنهم من يجعل هذا غاية، ويجعل السلوك إليها.
ومنهم مَن يقول: مَن شهد الإرادةَ سقط عنه التكليف. وهذا
(1/189)

[كفر] بالدين، بخلاف مَن أفناه شهود الإلهيّة حتى غاب بمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته، فإن هذا لم يفسد إيمانه واعتقاده، وإنما ضعف عن حمل ما شهده. فهذا إذا أفاق عاد إلى الأمر والنهي، كما يُذكَر عن أبي يزيد.
ففَرقٌ بين فناءٍ يُفسِد الاعتقاد، وفناءٍ يغيّب الاعتقادَ ولا يُزيله ولا يُفسده.
وقدماء الصوفية الأصحَّاء إذا تكلَّموا في هذا الفناء، إنما يريدون ما يُغيِّبُ العبدَ عن شهود السِّوى، لا يريدون له أنك تُسَوِّي بين المأمور والمحظور.
لكن إذا لم يكن عند العبد فَرقٌ بين الحقيقة الكونية القدرية، والحقيقة الدينية الشرعية، لم يميّزْ بين هذا وهذا.
فسوَّوا بين الإرادةِ الدينيةِ والكونية، فقالوا: ما ثَمَّ إلا طاعةٌ بلا معصية، فإن الكائنات كلها جارية على وَفْق المشيئة العامة. ثم أخذوا عن الجهيمة نفي الصفات، وأن الصانع ليس مباينًا للعالَم خارجًا عنه. فقالوا: الوجودُ واحدٌ، وما ثَمَّ لا طاعةٌ ولا معصيةٌ.
ولهذا صار هؤلاء يُصنّفُ أحدهم في مفتاح غيب الجمع والوجود،
(1/190)

ومَن انتهى إليه صاحب «منازل السائرين». وشيخُ الإسلام أبو إسماعيل من أعظم الخلق إثباتًا للصفات ومباينة الربِّ للمخلوقات، وأبعد الخلق عن الحلول والاتحاد، لكن جاء مثل القُونوي والتِّلْمِساني ونحوهما، أخذوا ما وجدوه يناسبهم من كلامه في الفناء، والجمع، والوجود، وانتقلوا منه إلى ما يقولونه من وحدة الوجود. كما أخذوا من كلام أبي حامد الغزالي من «مشكاة الأنوار»، و «المظنون به على غير أهله»، ونحو ذلك مما فيه مشابهة لكلام الفلاسفة في نفي الصفات، مباينًا بهم في هذا النفي. وانتقلوا منه إلى الحلول والاتحاد. وأبو حامد يُكفِّر مَن يقول بالحلول والاتحاد، ويُصرِّح بأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
ولم يكن في كلامه في الأمر والنهي والأعمال مما يتعلّق به [في] الفناء، كما لم يكن لهم في كلام شيخ الإسلام في الصفات ما يتعلقون به في النفي. ولكنْ مَن في قلبه مرضٌ يأخذ من كلِّ كلام ما يُناسب مرضَه.
ولهذا كان كلام الشيخ عبد القادر في الأمر والنهي ومعاني الفناء والبقاء خيرًا من كلام شيخ الإسلام، كما أن شيخ الإسلام أعلم
(1/191)

بالحديث والصفات من الشيخ عبد القادر.
ولقد كتبنا فيما مضى قبل هذا أن الفناء يراد به في كلامهم ثلاثة أنواع:
أحدها: الفناء عن إرادة ما سوى الحقِّ، أو التوكّل عليه، أو رجائه، أو خوفه، أو حبّه. ويدخل في ذلك الفناء عن إرادة ما تهوى الأنفس، وعن تعلّق الرجاء بأعمالها، والثقة بها، حيث يكون عمله لله وبالله، فهو يعبده ويتوكّل عليه، لا للخلق ولا بهم.
وهذا الفناء يجامع البقاء، فإنه فناءٌ عن إرادة ما سواه بحبه، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن التوكل على ما سواه بالتوكل عليه، وعن الثقة بما سواه بالثقة به.
وبالجملة فتحقيق قول: «لا إله إلا الله» فناءٌ عن تألُّه ما سواه بتألّهه. فهذا أو نحوه هو الذي يذكره الشيخ عبد القادر في الفناء.
وهذه طريقة الأنبياء ومن اتبعهم، وهو حقيقة دين إبراهيم، وهو تحقيق التوحيد وإخلاص [الدين] أو بعض ما يجب منها. وهذه جملة يطول تفصيلها. ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: «مَن عَبَدَ اللهَ بغير
(1/192)

علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه».
ومن أسباب وقوعهم في ذلك: أنهم قد لا يجدون من يعلم أعمال القلوب وأحوالها على الوجه المشروع الذي جاء به الرسول، وكان عليه أصحابه، بل إن وجدوا من يتكلّم في العلم وجدوا من [يتكلم] في علم الأعمال الظاهرة، وقد يكون في كثير من كلامه مِنَ الظنّ واتباع الهوى ما ينقص حال من يتابعه، أو يضرّه فيما يطلبه من صلاح قلبه.
فإنَّ كثيرًا ممن يتكلَّم في فقه الأعمال الظاهرة، لم يكن له خبرةٌ ولا رعايةٌ لأعمال القلوب. كما أن كثيرًا ممن يتكلَّم في أعمال القلوب، لم تكن له خبرة ولا رعاية للأعمال الظاهرة. [و] كثيرٌ مما يقع من هؤلاء وهؤلاء -كأنهم أهل مِلّتين- نظيرُ ما يقع من اليهود والنصاري. وشواهد هذا وتفصيله يطول، وهي مبسوطة في غير هذا الموضع.
والحاكمُ على الطريق كلها الكتابُ والسنةُ وإجماعُ الصحابةِ، فعلى كلِّ مَن انتسبَ إلى الدين بقولٍ أو عملٍ أن يكون مُتّبِعًا للصحابة، مقتديًا بهم.
قال عبد الله بن مسعود: «إنَّ الله نظرَ في قلوب العباد فوجد قلبَ محمدٍ خيرَ قلوبِ العباد، فابتعثه برسالته، واختصَّه بوحيه. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلبِ محمدٍ فوجدَ قلبَ أصحابِهِ خيرَ قلوبِ العباد، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حَسَن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو
(1/193)

عند الله قبيح».
وقال أيضًا: «مَن كان منكم مُسْتَنًّا فَلْيستنّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا يُؤْمَن عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمدٍ أبرُّ الأمةِ قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا».
وقال حذيفة: «يا معشر القُرَّاء، استقيموا وخُذُوا طريقَ من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سُبِقْتُم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا».
وقال جندب بن عبد الله: «يا أخابث خلق الله! في خِلافنا تبغون
(1/194)

الهدى».
وقد قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].
والله سبحانه أمرنا أن نقول في كتابه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7].
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالون».
وذلك أن اليهود عَرفُوا الحقَّ ولم يَتَّبِعُوه، فكانو في الغيِّ. والنصارى عملوا بغير علم، فكانوا في الضلال.
ولهذا كان السلف يحذِّرون من العالم الفاجر، والعابد الجاهل، ويقولون: في الأول شَبَهٌ من اليهود، وفي الثاني شَبَهٌ من النصارى.
وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتركبنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم حَذْوَ
(1/195)

القذَّة بالقذَّة، حتى لو دخلُوا جُحْرَ ضبٍّ لدخلتموه». قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمَنْ»؟!
ولهذا يؤخَذ ما يَعرِض لهؤلاء بإزاء ما يعرض لهؤلاء.
فأهل النظر والعلم والكلام المُحْدَث قد يقعون في نَفْيِ ما أثبته الرسول من الأمور التي وصفها، كما يقع أهل الإرادة والعبادة والتصوّف المُحْدَث في الفناء عمّا أَمر به الرسول من الأعمال التي شَرَعها.
ثم أولئك منهم مَن يجعلُ النفيَ لما أثبته الرسول من الصفات والكلام وغير ذلك، هو غاية المعرفة والتحقيق والتوحيد، كما فَعَلَت الجهمية المَحضة.
ومنهم مَن يَجعلُ كثيرًا مما أُحْدِثَ من الكلام لازمًا لسالك الطريق، حتى يَعْرِفَ مطلوبَه بالدليل النظري، وبعدّة أمور أخرى.
وبعضهم يجعل مَنْ وقع في شيء من ذلك مُلْحِدًا خارجًا عن الدين.
والتحقيق: أن هذا أمرٌ يعرض لبعض الناس، فقد يحتاج بعض الناس لشبهةٍ عَرَضت له إلى ما يلزيلها عنه، وقد يحتاج في بعض الأمور إلى دليل مُعيَّن، وقد يقع كثير منهم في بعض البدع المحْدَثة.
(1/196)

فهذه عوارض تعرض للسالكين، واللازم للناس طاعة الرسول بما أخبر، وطاعته فيما أمر، وأخْذ ذلك مِن الطرق التي شَرَعها وبيَّنها، كما كان عليه الصحابة. فلا أحد أعلمُ بالدِّين ولا أَتْبعُ له منهم، وليس من القرون أعلم بالله من قَرْنهم، وبما يستحقّه من الأسماء والصفات له نفيًا وإثباتًا.
ثم إنه قد يعرض لبعض مَنْ اتبع الكلامَ المُحْدَث والتصوّف المحْدَث= أَنْ صار إلى طريق أهل الإلحاد، وقال بالحلول والوحدة والاتحاد.
فإنهم أخذوا نَفْيَ الجهمية َفي الصفات والفناء الذي أخذته بعض الصوفية من العبادات، فكانوا فيه حائرين، وإلى اتّباعِ شهوات أنفسهم صائرين.
__________
* في آخر الأصل: «تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وقع الفراغ من تحرير هذا الكتاب المبارك في يوم الأحد سنة 1285. بقلم الفقير إلى الله راشد بن عبد الله العنزي، غفر الله له ولإخوانه المسلمين. آمين». ثم كتب على هامشها: «بلغ مقابلة على الأصل بحسب الطاقة، ولله الحمد والمنة».
ثم كتب ثلاثة عشر بيتًا لا تعلق لها بالكتاب وذكرنا بعضها في المقدمة عند وصف النسخة.
(1/197)

الرسالة في أحكام الولاية
(1/199)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ولا حول ولا قوة إلا بالله
سأل بعضُ ولاة الأمور -وفقه الله تعالى لمعالى الأمور، وجنَّبه بفضل رحمته مواقعَ الشرور، وجمع بينه وبين أوليائه في دار الحبور- شيخَ الإسلام ومفتي الأنام، ومن عمَّت بركتُه أهلَ العراقين والشام: تقيَّ الدين أبا العباس أحمد بن الشيخ العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، أعاد الله من بركته على الطالبين، وأعلى درجته في علّيين= أن يبيَّن له سبيلَ حكم الولاية على قواعد بناء الشرع المطهَّر، بسبب تهمة وقعت في سرقة، ليكتب شيئًا في ذلك.
فكتب له الجوابَ مختصرًا، وبالله التوفيق.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا.
ولاية أمور الإسلام من أعظم واجبات الدين، وأفضل أعمال الصالحين، وأعلى القُرُبات إلى ربّ العالمين، إذا اجتهد وليّ أمرهم في
(1/201)

اتباع الكتاب والسنة، وتحرِّي العدل والإنصاف، وتجنُّب طرق الجهل والظلم، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلّهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معَلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه، ورجلٌ ذَكَر اللهَ خاليًا ففاضت عيناه بالدموع، ورجل دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله ربَّ العالمين، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينه». أخرجاه في «الصحيحين».
فانظر كيف قدّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإمامَ العادل.
وفي الحديث: «يومٌ مِن إمامٍ عادل أفضل من عبادة ستين أو سبعين سنة».
(1/202)

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المقسطون عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن -وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وما وَلُوا عليه».
وولاية الشرطة والحرب من الولايات الدينية والمناصب الشرعية، المبنيّة على الكتاب والسنة، والعدل والإنصاف، ولها قوانين صنّف العلماءُ فيها مصنّفات كما صنفوا في ولاية القضاء.
فإنّ والي الحرب يُقيم الحدودَ الشرعية على الزاني والسارق والشارب ونحوهم. ويقيم التعزيرات الشرعية على من تعدَّى حدَود الله. ويحكم بين الناس في المخاصمات والمضاربات، ويعاقب في التُّهَم المعلقة بالنفس والأموال، وينصب العُرَفاء الذين يرفعون إليه أمر الأسواق، والحرَّاس الذين يرفعون أمور المساكن، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
وكلُّ هذه الأمور من الأمور الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حدٌّ يُقام في الأرض خير من أن تُمطروا أربعين صباحًا».
(1/203)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ اللهَ في أمره، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حُبِسَ في رَدْغة الخَبال حتى يخرج مما قال، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع». رواه أبو داود.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون -رضي الله عنهم- يقيمون العقوبات الشرعية، ويُعرِّفون العُرفاء، وينقِّبون النُّقباء، ويحكمون بين الناس في الحدود والحقوق، وقد جعل الله لكلِّ شيء قدرًا.
فإذا ادَّعى الرجلُ على آخر أنه باعه أو أقرضه، أو نحو ذلك من العقود؛ لم يكن في ذلك عقوبة، بل إن أقام المدَّعي بيّنةً وإلا حُلِّف المدَّعى عليه. وإذا حَلَف بَرِئ في الظاهر وكان المدَّعي هو المفرِّط حيث لم يُشْهِد عليه.
وقد جرت العادةُ: أن ما فيه شهادات وتعديل وإثبات وأيمان فمَرْجِعه إلى القضاء.
(1/204)

وأما التُّهَم، وهو إذا ما قُتل قتيل لا يُعرف قاتِلُه، أو سُرِق مال لا يُعْرف سارِقُه؛ فالحكم في هذا على وجهٍ آخر. فإنه لو حُلِّفَ المتّهمُ وسُيِّب، ضاعت الدماء والأموال، وكذلك لو كُلِّف المدَّعي بالبينة، فإن القاتل لا يفعل ذلك غالبًا قُدَّام أحد.
ولو كان كلُّ من اتهمه صاحبُ الدمِ والمالِ يُضْرَب، لكان يُضْرَب الصالحون، وأهلُ البرّ والتقوى، والعلماءُ والمشايخ، والقضاة، والأمراء، وكلُّ أحدٍ بمجرَّد دعوى المتَّهم. وهذا ظلم وعدوان، فإنَّ الظلم لا يُزال بالظلم.
بل الاعتدال في ذلك: أن يُحبس المتّهم الذي لم تُعلَم براءتُه، فقد روى بَهْزُ بن حكيم عن أبيه عن جدِّه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَبَس في تهمة.
وهذا حديث ثابت، وقد عمل به الأئمة وأتباعُهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم -رضي الله عنهم-.
(1/205)

ثم يُنظَر في المتّهم، فإن عُرف قبل ذلك بسرقة، أو قامت أمارات تقتضي أنه قد سَرَق= فقد رخَّص كثير من العلماء في ضربه حتى يعترف بالسّرِقة.
وقد روى البخاري في «صحيحه» أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سلَّم إلى الزُّبير بن العوَّام رجلًا ليعاقبه على مال اتُّهِم بكتمانه، حتى اعترف بمكانه.
وإن شهد الناسُ لذلك المتّهم أنه من أهل الثقة والأمانة، لم يجز أن تُباح عقوبته بلا سبب يُبيح ذلك. فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ادرأوا الحدودَ بالشُّبُهات، فإنَّ الإمام أنْ يخطئ في العفو خيرٌ مِن أن يخطئ في العقوبة».
(1/206)

وأكثر ما يُفعل بمن يكون هكذا أن يضمن عليه، ويُحَلَّف الأيمان الشرعية على نفي ما ادُّعِيَ به عليه.
وقد روى أبو داود في «سننه» أن قومًا جاؤوا إلى النعمان بن بشير فقالوا: إن هذا سرق لنا مالًا فاضربه حتى يعترف به، فقال: إن شئتم ضربته، فإن ظهر مالكم عنده وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهره. فقالوا: هذا قضاؤك؟ قال: هذا قضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وإذا عُرِف أن الرجل عنده مال يجب عليه أداؤه، إما دَينٌ يَقدِر على وفائه وقد امتنع من الوفاء، وإما وديعة أو عاريَّة، وإما مال سرقَه، أو اغتصبه، أو خانه من مال السلطان الذي يجب عليه دفعه، أو من مال اليتيم، أو من مال موكِّله أو شريكه، أو نحو ذلك= فإذا عُرف أنه قادر على أداء المال، وهو ممتنع، فإنه يُضرب مرةً بعد مرةٍ حتى يؤديه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليُّ الواجِدِ يُحلّ عِرْضه وعقوبتَه».
(1/207)

الليُّ: المطل، والواجد: القادر.
وقال .........
... {[لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ] هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] وهؤلاء المهاجرون.
ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] وهؤلاء الأنصار.
ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
(1/208)

وهذا الصنف الثالث إلى يوم القيامة، وصفهم بالاستغفار للسلف وسؤال الله ألا يجعل في قلوبهم غِلًّا لهم، وهؤلاء يلعنون السلف ولا يستغفرون لهم، ولا يطلبون من الله منع الغل، بل يسعون في قوَّة الغلِّ والبغض والعداوة لخيار أهل الإيمان.
ثم إن هؤلاء يخونون ولاة أمور المسلمين في الجهاد وحفظ البلاد، وهم أعداؤهم عداوةً دينية؛ إذ كانوا يعادون خيار الأمة، وخيارَ ولاة أمورها الخلفاء الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
والذي ابتدع الرَّفْض كان منافقًا زنديقًا أظهر موالاة أهل البيت؛ ليتوسل بذلك إلى إفساد دين الإسلام، كما فعل بولص مع النصارى. ولهذا كانت الرافضة ملجأً لعامَّة الزنادقة القرامطة، والإسماعيلية، والنصيرية، ونحوهم.
فلا يصلح لولاة الأمور أن يولّوهم على المسلمين، ولا استخدامهم في عَسْكر المسلمين، بل إذا استبدل بهم من هو من أهل السنة والجماعة= كان أصلح للمسلمين في دينهم ودنياهم.
[و] إذا أظهروا التوبة والبراءة من الرفض، لم يوثق بمجرَّد ذلك، بل يُحْتاطُ في أمرهم، فيفرّق جموعهم، ويُسكنون في مواضع متفرقة
(1/209)

بين أهل السنة، بحيث لو أظهروا ما في أنفسهم عُرِفوا، ولا يتمكنون من التعاون على الإثم والعدوان. فإنهم إذا كان لهم قوَّة وعدد في مكان، كانوا عدوًّا للمسلمين مجتمعين، يعادونهم أعظم من عداوة التتر بكثير.
ولهذا يخبر أهل الشرق القادمون من تلك البلاد: أن الرافضة أضرّ على المسلمين من التتر، وقد أفسدوا مَلِك التتر وميَّلوه إليهم، وهم يختارون دولته وظهوره، فكيف يجوز أن يكون في عسكر المسلمين من هو أشدّ عداوةً وضررًا على المسلمين من التتر؟!
والتتريُّ إذا عَرَف الإسلام ودُعي إليه أحبّه واستجاب إليه، إذ ليس له دين يقاتل عليه ينافي الإسلام، وإنما يقاتل على الملك.
وأما الرافضة فإن من دينهم السعي في إفساد جماعة المسلمين وولاة أمورهم، ومعاونة الكفار عليهم؛ لأنهم يرون أهل الجماعة كفارًا مرتدِّين، والكافر المرتدّ أسوأ حالًا من الكافر الأصلي، ولأنهم يرجون في دولة الكفار ظهورَ كلمتهم وقيام دعوتهم ما لا يرجونه في دولة المسلمين، فهم أبدًا يختارون ظهور كلمة الكفار على كلمة أهل السنة والجماعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج: «يقتلون أهل الإسلام ويَدَعونَ أهلَ الأوثان».
(1/210)

وهذه سواحل المسلمين كانت مع المسلمين أكثر من ثلاثمائة سنة، وإنما تسلَّمها النصارى والفرنج من الرافضة، وصارت بقايا الرافضة فيها مع النصارى.
وأما دولة التتر؛ فقد علم الله أنَّ الذي دخل مع هولاكو ملك التتر، وعاونه على سفك دماء المسلمين، وزوال دولتهم، وسَبْي حريمهم، وخراب ديارهم، وأخْذِ أموالهم= فهم الرافضة، وهم دائمًا مع اليهود والنصارى أو المشركين.
فكيف مثل هؤلاء ولاةً على المسلمين أو أجنادًا، لهم مقدَّم منهم في عَسْكر المسلمين، يأكلون أموال بيت المال، منفردين في بلادٍ عن جماعة المسلمين؟!
فمن أعظم النُّصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم= دفع ضرر هؤلاء عنهم. والله تعالى أعلم.
تمت.
# # #
(1/211)

كتاب الشيخ إلى بعض أهل البلاد الإسلامية
(1/213)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
جزء فيه: كتاب الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية، إلى بعض أهل البلاد الإسلامية، فيما تقتضيه الشريعة المحمدية، في قضية سئل عنها من الأمور الدينية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربِّ اختم لي بخير
لما كان بتاريخ يوم الأحد رابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وسبعمائة، حضر إلى مجلس شيخ الإسلام وقدوة الأنام، الإمام العلامة، مفتي الفرق، ناصر السنة، محيي الشريعة، قامع أهل البدع، تقي الدين أبي العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، غفر الله له ولجميع المسلمين وأثابهم الجنة بمنِّه وكرمه= الشيخُ أحمد السرَّاج الفقيه يومئذٍ بقرية كفرقوق الفستق من إقليم داريَّا من أعمال دمشق المحروسة.
وذَكَر أن بقريته ومن حولها أناسًا منهم فقراء من أصحاب الشيخ حسن القطني، وعلي القطني الرفاعية وغيرهم مُوَلَّهين مكشوفي
(1/215)

الرؤوس وغير مولَّهين، وبعضهم يصلي، وبعضهم تارك الصلاة.
فأما الذي يصلي إذا قاموا خلف الإمام في الصلاة إذا سمعوا حِسًّا، كصرير بابٍ أو مشي بقبقاب قويّ أو حركة قويّة= فمنهم من يزعق، ومنهم من يقول: آه آه! ومنهم من يقول: آخ آخ! وأنه نهاهم عن ذلك فقالوا: نحن فقراء وهذه طريقنا وطريق شيخنا!
وأما الذين لم يصلوا منهم فأمَرَهم بالصلاة، فمنهم من اعتذر أن ثوبه نجس، ومنهم من يقول: أنا بردان، ومنهم من يقول: أشغال الدنيا تقطعنا عن الصلاة، ومنهم من يقول: يا فقيه إن الصلاة ما هي فرض إلا على من هو فارغ من عمل الفلاحة وأشغال الدنيا!
وسأل الشيخ أن يكتب له كتابًا إليهم، فكتب له الشيخ كتابًا إليهم وإلى غيرهم بما تقتضيه الشريعة الإسلامية، والسنة النبوية المحمدية، وهذه صورة الكتاب:
(1/216)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من الداعي أحمد ابن تيمية إلى من يصل إليه كتابه من أمراء المسلمين وولاتهم وقضاتهم ورؤسائهم، جمعَ الله لهم خير الدنيا والآخرة، وأسبغ عليهم نِعَمه باطنة وظاهرة، وتولّاهم في جميع الأمور، وصرف عنهم كلّ محذور.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهلٌ، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلِّي على إمام المتقين وخاتم النبيين: محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
أما بعد؛ فإن الله تعالى بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وجعل أمَّته خيرَ أمة أخرجت للناس، وأنزل عليه أفضل الكتب، وأكمل له ولأمته الدين، وأتمَّ عليهم النعمة.
وقد أمر الله -سبحانه- عبادَه المؤمنين بجهاد من خرج عن دينه من الكافرين والمنافقين، وأمر بجهاد من خرج عن شريعة الإسلام، حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا.
وفرَضَ على المؤمنين الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعْرَف المعروف، وعماد الدين، وأفضل الأعمال، وأول ما أوجبه الله من الفرائض، وآخر ما يبقى من الدين: هي الصلوات الخمس في مواقيتها
(1/217)

كما أمر الله ورسوله. فإنه يجب قتال الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، كما أمر الله ورسولُه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله».
وقال صلى الله عليه وسلم: «خمسُ صلوات فرضهنَّ الله على العبيد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهنَّ، كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة».
(1/218)

وقال: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة». وقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
فعلى المسلمين أن يقيموا الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله، وعليهم أن يأمر بعضُهم بعضًا بذلك من الرجال والنساء، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].
وقال عليٌّ -عليه السلام-: «علِّموهم وأدِّبوهم».
ومن امتنع من الصلوات الخمس من الرجال والنساء؛ فعليه العقوبة
(1/219)

البليغة بإجماع المسلمين، وحُكْمه أن يُسْتتاب، فإن تاب وإلا قُتل.
وهذا الكتاب كُتِب إنذارًا وإعذارًا، فمن أطاع اللهَ ورسولَه فله سعادة الدنيا والآخرة، ومن امتنع من ذلك عُوقب بما حَكَم الله به ورسوله.
وليس للمسلم أن يؤخِّر الصلاةَ عن وقتها إلا إذا كان له عذر، فإنه يجمع بين صلاتي النهار: الظهر والعصر، وصلاتي الليل: المغرب والعشاء. ولا يؤخِّر صلاةَ الليل إلى النهار، ولا صلاة النهار إلى الليل باتفاق المسلمين.
ومن كان جُنبًا أو محدِثًا وقد عدم الماء أو تضرر باستعماله لبردٍ أو مرض= فإنه يتيمّم الصعيد الطيّب ويصلي، وإذا لم يجد إلا ثوبًا صلى فيه لو كان نجسًا إذا لم يقدر أن يصلي إلا على تلك الحال، فإن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
وعلى المسلمين ملازمة السنن النبوية المحمدية، ومجانبة البدع المحدثة الجاهلية؛ فيقوموا في الصلاة لله قانتين كما أمر الله ورسوله.
ومن تكلَّم في صلاته بكلام الآدميين، أو صاح في صلاته لصرير بابٍ أو حسِّ شيءٍ من الأشياء ونحو ذلك، فقد عصى اللهَ ورسولَه، وبطلت صلاتُه. وإنما الصلاة هي القراءة والتسبيح والتحميد والتكبير والدعاء لله، كما علّمَه النبي صلى الله عليه وسلم أُمَّته.
(1/220)

وليس لأحدٍ خروجٌ عما أمر الله ورسوله به المسلمين، ولا عما شرعه الله ورسوله لعباده المؤمنين، بل جميع الأولياء والصالحين من الأولين والآخرين داخلون في ذلك، ملتزمون لذلك.
ومن خرج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته، وهو الشِّرْعة والمنهاج الذي بعَثَه به، فلم يلتزم أداء الواجبات ولا اجتناب المحرَّمات؛ فإنه يجب قتله وقتاله كائنًا من كان، كما يجب قتال التتار، وبعض هؤلاء شرٌّ منهم، سواءٌ كان منتسبًا إلى العلماء أو الفقهاء، أو العبَّاد والفقراء، أو الملوك والرؤساء، ولو طار في الهواء أو مشى على الماء!!
ليس لأحدٍ خروجٌ عما أمر الله به ورسوله، ولا هو أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر مع موسى -عليه السلام-، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «كان النبيّ يُبْعث إلى قومه خاصَّةً وبُعِثتُ إلى الناس عامة». فموسى -عليه السلام- لم يكن مبعوثًا إلى الخضر ولا كان الخضر مأمورًا بطاعته، بل قال له: «إني على عِلْمٍ مِن عِلْم الله علّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على عِلْم مِن عِلْم الله علَّمكه الله لا أعلمه».
(1/221)

وأما خاتم الرسل وسيد ولد آدم، فهو مبعوثٌ إلى جميع الثَّقَلين الجن والإنس. ولو قال أحدٌ له مثل ما قال الخضر لموسى لكان كافرًا يجب قتله، فعلى المسلمين أن يعرفوا هذا الأصل، الذي هو عصمتهم في دينهم.
ولا يمكن أحدًا من الابتداع في الدين لما لم يأذن به الله، فإن الله تعالى يقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
ومن انتسب إلى شيخ من شيوخ المسلمين، وابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، ونسب بدعته إلى ذلك؛ فهو كاذب عليه مفترٍ إن كان الشيخ مهتديًا في ذلك، وإلا كان الشيخ قد أخطأ وضلَّ إن ثبت أنه خالف السنة النبوية.
وليس لأحدٍ أن يطيع أحدًا في خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان من أكابر مشايخ الدين وأئمة المسلمين. قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. [و] قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51].
(1/222)

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61].
فكل من دُعي إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدَّ عن ذلك وأعرضَ عنه، طاعةً لبعض السادة والكُبَراء في الدين أو في الدنيا= فهو منافق أخذ بنصيبٍ من حال الذين {تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 66 - 68].
وهؤلاء الذين يبتدعون في الدين كشفَ الرؤوس، وتفتيل الشعور، وإظهار الخزعبلات، مثل اللعب بالحيَّات والنار واللاذن والزعفران والسكر والدم= هم متبدعون في ذلك ضالّون مضِلّون.
وكل من كان صالحًا وليًّا، فهو بريءٌ من هذه البدع والضلالات والأكاذيب والتلبيسات.
وأما أولياء الله تعالى فهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا
(1/223)

وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: 61 - 63]. فقد وصف الأولياء بالإيمان والتقوى.
وقد فسّر الله -سبحانه وتعالى- التقوى في قوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
والله هو المسؤول أن يجمع لكم ولسائر المسلمين خير الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.

علقه لنفسه محمد بن أحمد بن علي الخطيب، من أصل حسين بن إبراهيم بن أحمد بن سونج، وعليه خط الشيخ -رضي الله عنه-. وذلك في سابع عشر شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
# # #
(1/224)

كتاب الشيخ إلى الأمير شمس الدين سُنْقرچاه
(1/225)

كتابٌ كتبه شيخ الإسلام وقدوة الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية -رضي الله عنه- إلى الأمير شمس الدين سُنْقرچاه (1) المنصوري لما تولى صَفَد المحروسة في شهر شوال من سنة أربع وسبعمائة. وهذه نسخَتُه:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من الداعي أحمد ابن تيمية إلى أمير الأمراء شمس الدين ناصر الإسلام، أعزَّ الله به الدين وأصلح به أمور المسلمين، وأقام له وبه أمر الدنيا والدين، وأعانه على إقامة العدل في العالمين، ودَفْع أهل البدع والفجور المعتدين.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنَّا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين: محمدٍ عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليمًا.
أما بعد؛ فإنّ الله تعالى قد أنعم على الأمير وأنعم به، حيث جعل فيه من الصفات المحمودة والأخلاق الرضيَّة ما قد انتشر عنه وسَمِعَه المسلمون، ولهذا فرحوا بولايته فرحًا شديدًا عظيمًا، فالله تعالى يتمُّ نعمته عليه وعلى إخوانه المؤمنين.
__________
(1) كذا، ويقال: «سنقرشاه»، وقد ترجمت له في المقدمة عند الكلام على الرسالة.
(1/227)

فقد ثبت في «الصحيحين» أن النبي صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال: «وجَبَت وجَبَت». ومُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجَبَت وجَبَت». قالوا: يا رسول الله ما قولك: «وجبت وجبت»؟ قال: «هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض».
فأيُّ وليِّ أمرٍ من أمور المسلمين أنعمَ الله عليه بحُسْن القصد، وابتغاء وجه الله، والنُّصْح لرعيَّته، وإقامة العدل بينهم، فإنّ الله تعالى يجعل له من الدُّعاء المستجاب، والثناء المستطاب، وجميل الأجر والثواب= ما هو من أنفع الذخائر له في الدنيا والمآب.
وإذا أراد المسلم أن يتدبَّر ذلك، فلينظر كيف شُهرة عمر بن عبد العزيز، والسلطان نور الدين الشهيد، وغير هؤلاء من ولاة الأمور، أهل الصدق والعدل، والهدى والرَّشاد.
ولينظر كيف شهرة قوم آخرين، أقدمهم الحجَّاج بن يوسف الثقفي، وأمثاله من أهل الظلم والعدوان، الذين لهم سمعة سوءٍ في مَحْياهم ومماتهم؛ ما بين ذاكرٍ لمساويهم، وما بين داعٍ عليهم، وما بين مبغضٍ لهم. وأولئك لهم الدعاء والثناء، وهم في الآخرة في {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 55].
(1/228)

وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحبّ الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام ظالم».
وقد رُوي: «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين أو سبعين سنة».
وفي «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشابّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله ربَّ العالمين، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينُه».
وكان عمر بن عبد العزيز يقول عن ذي السلطان: هو كالسوق فما نَفَق فيه جُلِبَ إليه. فإذا نَفَق عنده الصدق والبر والعدل وطاعة الله
(1/229)

ورسوله= جُلِب إليه ذلك. وإن نَفَقَ فيه ضدُّ ذلك، جُلِب إليه ضدُّ ذلك.
والله -سبحانه- قد جعل قيام أمر الملّة والدولة بالمصحف والسيف، فقال في كتابه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]. فجعل سبحانه المقصود بإرسال الرسل وإنزال الكتب هو أن يقوم الناس بالقسط، وجعل قيام ذلك بكتابٍ يهدي وسيفٍ ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.
ولهذا رُوي عن جابر بن عبد الله قال: أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا -يعني السيف- من خرج عن هذا -يعني المصحف-.
(1/230)

وكان بعض الملوك العادلين يضع المصحف، ويضع «سنن أبي داود»، ويضع السيف، ثم يقول: هذا كتاب الله وهذه سنة رسوله، وهذا سيف الله. فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسول الله ضربناه بسيف الله.
وقد بَيَّن الله في كتابه آية ولاة الأمور، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58].
وأداء الأمانات هو في الولايات وفي الأموال.
فأما الولايات؛ فإنَّ الله أمر وليَّ الأمر أن يولي في كل جهةٍ أصلح من يقدر عليه، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من قلَّد رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين» رواه الحاكم في «صحيحه».
(1/231)

وأما الأموال السلطانية؛ فإن الله تعالى جعلها لمن يجلب للمسلمين المنفعة في دينهم ودنياهم، ويدفع عنهم المضرَّة في دينهم ودنياهم، ولذوي السوابق والحاجات من المسلمين.
فأهل المنفعة مثل: ولاة الأمور، [و] ولاة الحرب، وولاة الحكم، وولاة الديوان، والمشايخ والعلماء، وأئمة المساجد والمؤذِّنين، وكل من تولى في مصلحة المسلمين. ومثل الجند المقاتلة الذين ينصرونَ الله ورسولَه، ويجاهدون في سبيل الله بسيوفهم.
وذوو السوابق مثل: بني هاشم، وبني المطَّلِب من أقارب النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ومثل أولاد الجُنْد الصغار الذين مات آباؤهم [أ] وقُتلوا، فإنه يجب أن يُرْزَق أولاد الجندية حتى يبلغوا ويصيروا من المقاتلة، أو يخرجوا عن ذلك، ويُنفق على النساء حتى يتزوجن.
وذوو الحاجات هم: فقراء المسلمين، فإذا كان الرجل فيه الحاجة والمنفعة للمسلمين كان استحقاقه أوكد.
(1/232)

وأما الحكم بين الناس فهو في الحدود والحقوق:
فالحدود؛ كلُّ من تعدَّى حدودَ الله فإنه يُعاقَب بما شرعه الله ورسوله، مثل إقامة الحدود على قُطَّاع الطريق، وشُرَّاب الخمور، والمعلنين بالفواحش المحرَّمة، والمظهرين للبدع المخالفة للكتاب والسنة.
والحقوق؛ مثل ما بين الناس من الدِّماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحو ذلك.
والمقصود بذلك كلّه أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله تعالى يقول في كتابه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39].
ولهذا أوجب على المسلمين أن يقاتلوا من خرج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ادَّعى الإسلام، كما قاتل أبوبكر الصديق وأصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مانعي الزكاة.
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله». فقال له أبوبكر: فإن الزكاة مِنْ حقِّها. قال
(1/233)

عمر: فوالله ما هو إلا أنْ رأيتُ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمتُ أنه الحق.
واتفق الصحابة على قتال أقوام كانوا يصلّون ويصومون شهر رمضان إذا خرجوا عن بعض شرائع الإسلام، وقد تواتر في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الخوارج فقال: «يَحْقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه من صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السَّهم من الرَّميَّة، أينما لقيتموهم قاقتلوهم، فإن في قَتْلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الصحابة.
فإذا كان هؤلاء مع كثرة صومهم وصلاتهم وقراءتهم قد أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقتالهم، لخروجهم عن شرائع المسلمين ......
... {[وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ] لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]. وقال
(1/234)

تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
فالمسلم يفعل ذلك إيمانًا واحتسابًا؛ إيمانًا بأنَّ الله تعالى أمرَه بذلك، واحتسابًا بالأجر على الله، كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لم لا حِسْبة له».
فإن الإنسان إذا أطاع ذا سلطان أو نصح الأمة؛ للرغبة إلى الخلق والرهبة منهم= كان عبد السوط والدرهم. كما ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبد الدينار، تَعِس عبد الخميصة، تَعِس عبدُ القطيفة، تَعِس وانتكس، وإذا شِيْك فلا انتقش، إن أُعْطيَ رضي، وإن لم يُعْطَ سَخِط».
والخميصة: كساء يُلبس. والقطيفة: ما يُجْلس عليه.
فدعا على من يكون عبد النفقة والكسوة، وإنما المؤمن عبد الله،
(1/235)

يعبد الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وإذا كان ذا ولاية عدَّ ما يفعله من العدل والإحسان عبادةً لله تعالى يتقرَّب بها إليه. وإن كان من الرعية عدّ طاعتَه في طاعة الله، ونصيحتَه عبادة لله يَتَقَرَّب بها إلى الله، وذلك كله داخل في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].
وإذا كان الله تعالى قد أمر ولاة الأمور بأداء الأمانات والحكم بالعدل؛ والأمانات هي: الولايات والأموال، فالأصل في الولايات القوة والأمانة، وإذا تعذَّر ذلك عمل الممكن، فإن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعها، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم».
وأصل ذلك أن يولِّي الرجلُ أصلحَ من يقدر عليه، وإن لم يوجد الأصلح إلا وفيه نوعٌ من العجز أو الفجور؛ فهذا هو الواجب، بخلاف من قدَّم المفضول لجهلٍ أو هوى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قلَّد رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين» رواه الحاكم في «صحيحه».
(1/236)

وأما الأموال المشتركة كلها؛ من مال الفيء، والصدقات المفروضة، والصدقات الموقوفة، والأموال التي يقبضها الولاة لبيت المال من أموال الرعية بتأويل أو ظلم وتعذَّر ردُّها إلى مستحقّيها.
فمالُ الفيء الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى، مثل أكثر الأرض السلطانية الداخلة في الإقطاعات وما لها من خراجٍ قديم أو جديد هو مثل الحَكْر، ومثل مال الجِزْية، وما يُقبض من أموال أهل الحرب بصلح أو بتجارة.
والصدقات مثل عُشور الغلَّات، وزكاة الماشية التي قد كتبها العدَّاد، وزكاة أموال التجار التي تُؤخذ من المسافرين بِدُور الزكاة.
وسائر الأموال السلطانية معروفة، والأموال الموقوفة التي يتقلّدها غالبًا الحاكم أو ناظر حاضرٌ، كأوقاف المساجد والمدارس، والرُّبُط والزوايا، وما يطلق أيضًا من بيت المال لهذه الجهات.
كل هذه الأموال المشتركة تُسْتحقُّ بأحد ثلاثة أسباب: منفعة الرجل للمسلمين، أو حاجته، أو سابقته.
(1/237)

وقد ذكر عمر بن الخطاب أمير المؤمنين -رضي الله عنه- ذلك فقال: «إنه ليس أحدٌ بأحقّ بهذا المال من أحدٍ، إنما هو الرجلُ وغَناؤه، والرجلُ وبلاؤه، والرجلُ وفاقته، والرجلُ وسابقته». فهذا ذَكَرَه في مال الفيء ونحوه من الأموال السلطانية.
فالرجلُ وبلاؤه؛ هم المقاتِلَة في سبيل الله حُمَّال السلاح، يُرْزقون من مال الله تعالى -مال الفيء وغيره- ما أعطاهم اللهُ ورسولُه.
والرجلُ وغَناؤه؛ مثل ولاة الأمور، [و] ولاة الحرب، مثل نُوَّاب السلطان، ووالي الشرطة، الذين يقيمون الحدود، ويخلِّصون الحقوق، ويحفظون الطرقات، ويدفعون ظلم الظالم عن المظلوم، وهم الشادّون لأمر الله ورسوله الذي جاء به الكتاب والسنة.
ومثل ولاة الأموال الكُتَّاب والجُباة وغيرهم من العُمَّال، كما ذكرهم الله تعالى في كتابه.
ومثل ولاة الحكم والقضاة الذين يَفْصِلون الخصومات، ويتولون ما يتولونه من العقود والفسوخ، وحفظ أموال اليتامى والغائبين، والنظر في الأوقاف وإجرائها على شروط واقفيها، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
(1/238)

وكذلك أمر المساجد والمؤذنين، والمُفْتون والمعلِّمون، ومُقْرئو القرآن، ومبلِّغو الأحاديث النبوية، والمشايخ الذين يؤدِّبون الناس، ويأمرونهم بما أمر الله به ورسولُه= كلُّ هؤلاء لهم غَناء عن المسلمين، لقيامهم في مصالح دينهم ودنياهم.
والقسم الثاني: الفقراء والمحاويج، والغارمون، وأبناء السبيل، وغيرهم، فيُعْطَون لحاجتهم وفقرهم.
والثالث: ذوو السابقة الذين استحقوا بالنسب، كاستحقاق ذوي القُرْبى، قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس والفيء. واستحقاق ذرية الأجناد إذا مات آباؤهم، فإنه يُنفَق على صغار ولده، حتى يبلغ ذَكَرُهم وتتزوَّج أُنثاهم، وعلى امرأته حتى تتزوج.
ومثل الوقف الموقوف على بني فلان، إما رجل وقف على ذرّيته أو ذرّية غيره، كرجل صالح أو صاحب له أو غير ذلك.
فأهل الزكوات إما من يأخذ لحاجته كالفقراء والغارمين وابن السبيل، أو لمنفعته كالعامل والغازي.
وكذلك أهل الأوقاف الحكمية، مستحقّها إما صاحب منفعة كالإمام والمؤذن والمدرِّس، وإما محتاج كالمُوقَف على الفقراء والمساكين، وكذلك أموال الفيء وغيره من المصالح.
(1/239)

هذا هو الأصل الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يعتمده ولاة الأمور في أداء الأمانات إلى أهلها. وبذلك تنتظم مصلحتهم في الدنيا والآخرة، وما لا يُدْرَك كلُّه لا يُتْرَك كلُّه.
فهذه قاعدة كليّة جامعة لولاة أمور المسلمين، فإنَّ جميع هذه الأمور داخلة في حُكم الكتاب والسنة، وسنة الخلفاء الراشدين.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى بنفسه في المدينة المصالح العامة؛ من تعليم العلم، والقضاء والجهاد، واستيفاء الحساب على العمال، حتى ثبت عنه في «الصحيح» أنه استعمل رجلًا على الصدقة، فلما رجع حاسبه، وهو استيفاء الحساب.
وكان له من هو بمنزلة صاحب الشرطة؛ ففي «الصحيح» عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان قيس بن سعد بن عُبادة من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.
وكان له الكُتَّاب بكتبون الوحي والعلم، ويكتبون العهود والشروط، ويكتبون الرسائل والعطايا والولايات. كتب له أبو بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه، وعثمان وعلي رضي الله عنهما، وزيد بن ثابت،
(1/240)

ومعاوية وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
فكُتَّاب الوحي يُشْبِههم من بعض الوجوه كُتَّاب العلم في هذا الزمان. وكُتَّاب العهود والشروط يُشْبِهُهم كُتَّاب الشروط التي بين الناس عند الحكام وغيرهم. وكُتَّاب الرسائل والعطايا والولايات يُشْبِهُهم كُتَّاب الإنشاء.
وكان يؤمِّر الأمراء على البلاد، فلما انتشرت الرعيّة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وضَعَ الديوان ديوان العطايا والنفقات، وديوان الخراج الأول مثل ديوان المجاهدين، وديوان الذرِّية الذين ليسوا بمجاهدين من النساء والصبيان، وديوان الخراج الذي يجمع الأموال المستخرجة.
وجعل له على المصر ثلاثة ولاة: والي الحرب، ووالي المال، ووالي الحكم. كما استعمل على الكوفة ثلاثة؛ فولى عمار بن ياسر على الحرب. وأمير الحرب هو الذي كان يصلي بالناس. وعبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على الخراج، وهو المال. وكان زيد بن ثابت على ديوان الجيش والعطاء.
وهذه الولايات الثلاثة هي قوام الأمة، لكن دخل في ذلك زيادة ونقصان وتغيير، تارةً بحسب الرأي والمصلحة، وتارةً بحسب الهوى والشهوة، وتارةً بمجموعهما.
فالله تعالى يوفِّق ولاة أمور المسلمين وعامتهم لما يحبه ويرضاه
(1/241)

من القول والعمل، ويعينهم على مصالح الدنيا والآخرة.
وحامل هذه التحية الشيخ القدوة تقيّ الدين ابن الشيخ محمد بن الشيخ الكبير الشيخ عثمان ... هو وإخوته أهل بيت خير ودين ومنفعة للناس في دينهم ودنياهم، وقد لزمهم بسبب حاجتهم وبسبب خدمتهم للناس ديونٌ، ولهم حقٌّ في الأموال المشتركة الثلاثة، تارةً من جهة حاجتهم، وتارة من جهة منفعتهم، وتارة من جهة سابقتهم. فإذا عُومل هؤلاء بما لهم وأُوصِلَ إليهم ما يستحقونه= كان ذلك مما يجلب لصاحبه الدعاء المستجاب، والثناء المستطاب، وجزيل الأجر والثواب، فخير المعروف ما وافق محلّه.
والله هو المسؤول أن يعين ولاة الأمور وسائر المسلمين على مصالح الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبه لنفسه محمد بن أحمد بن علي الخطيب في رابع عِشْري شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليمًا.
# # #
(1/242)

صورة كتاب عن ابن عربي والاعتقاد فيه
(1/243)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله
صورة كتاب كتبه شيخ الإسلام وقدوة الأنام، فريد عصره، وإمام وقته، أنموذج الطِّراز الأول، ومَن عليه في زمانه المُعوَّل، الإمام العلامة، مفتي الفِرَق، تقيّ الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، فسح اللهُ في مدَّته للمسلمين، ونفع ببركته الطالبين، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته آمين.
وذلك بسبب كلام وقع في الاعتقاد بين جماعةٍ من الفقراء من أهل مدينة بعلبكّ في الاتحاد الذي أشار إليه ابن العربي في كلامه، وابن سبعين، وابن الفارض، وغيرهم ممن يعتقد مذهبهم ويوافقهم عليه، وذلك بحضرة جماعة من مشايخ دمشق، في مجلس الشيخ تقي الدين بدمشق.
واجتمع رأيُهم جميعهم على أنَّ القول بهذا الاتحاد إلحادٌ وكفر. وسألوا الشيخ -رضي الله عنه- أن يكتب بذلك كتابًا إلى أهل بعلبكّ، ليعرفوا الحقّ فيتّبعوه، والباطل ويجتنبوه.
(1/245)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من الدّاعي أحمد ابن تيمية إلى السادة الأجلّاء الأكابر من أهل بعلبك ومن حولها، جمع الله قلوبَهم على الهدى والرشاد، وأعانها على الصلاح والسداد، وجعلهم معتصمين بحبله المتين، متَّبعين لشريعة نبيِّهم خاتم المرسلين، وأصلح لهم أمرَ الدنيا والدين.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلّ شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد؛ فإنه حضر إلى دمشق المشايخ السادة: الشيخ الكبير أبو القاسم، وأخوه الشيخ محمد، والشيخ هارون المقدسي، واجتمعوا بمجلسٍ فيه أعيان المشايخ السَّادة الذين يُقتدى بهم، مثل سيدنا الشيخ عماد الدين الحزّامي، والشيخ القدوة الشيخ محمد بن قِوام البالسي، والشيخ العارف عبد الله الجزري، والشيخ تاج الدين الفارقي، والشيخ شهاب الدين ابن جبارة، وغيرهم من المشايخ.
وجرى الكلام فيما وقع الخوض فيه من أمر الاتحاديّة، كابن
(1/246)

العربي والتلمساني وابن سبعين ونحوهم، وأُحْضر كتاب «فصوص الحكم» لابن العربي، وقُرِئ منه فصول متعددة، وقُرِئ أيضًا بعض ما كُتِب من بيان حقيقة أمرهم، وكشف سرّ مذهبهم.
وظهر للجماعة حقيقة أمره، وأن حقيقة مذهبه: أنّ وجود الكائنات -حتى وجود الكلاب والخنازير، والأنتان والعَذِرات، والكفار والشياطين- هي عين وجود الحق، وأنَّ أعيان الكائنات ثابتة في القِدم، لم يخلقها الله ولم يُبدعها، بل ظهر وجوده فيها، ولا يمكن أن يظهر وجوده إلا فيها، فهي غذاؤه بالأحكام، وهو غذاؤها بالوجود، وهو يعبدها وهي تعبده.
وأن عين الخالق هو عين المخلوق، وعين الحق المُنزَّه هو عين الخلق المُشبَّه، وأن الناكح هو المنكوح، والشاتم هو المشتوم، وأن عُبَّاد الأصنام ما عبدوا إلا الله، ولا يمكن أن يُعبد إلا الله.
وأن قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] أي: حَكَم وقدَّر، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فما عُبِد غير الله في كلّ معبود، وأن عُبَّاد الأصنام وقع تقصيرهم من حيث عبدوا بعض المجالي الإلهية، ولو عبدوا كلَّ شيءٍ لكانوا عارفين كاملين، وأن العارف الكامل يعلم ما عَبَد وفي أيِّ صورة ظهر حتى عُبِد، وأن نوحًا -عليه السلام- أثنى على قومه بلسان الذمّ، وأن أعيان المخلوقات هي نفس الخالق.
(1/247)

وأن الشخص الذي ادعاه أنه خاتم الأولياء هو أكمل من خاتم الأنبياء محمد من بعض الوجوه؛ فخاتم الأنبياء موضع لبنة، وخاتم الأولياء موضع لبنتين، وأنه أعلم من خاتم الأنبياء، وهو يأخذ من المعدِن الذي يأخذ منه المَلَك الذي يوحي إلى خاتم الأنبياء، وأن موسى ما عَتَبَ على هارون لمَّا ذمَّ قومه على عبادة العجل إلا لضيق هارون حيثُ لم يعرف أنهم إنما عبدوا الله!
وأن السحَرَة عرفوا صدق قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، و {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]. إلى أنواعٍ من هذه المقالات التي لا يعتقدها المسلمون ولا اليهود ولا النصارى ولا الصابئون ولا المشركون، وإنما هي قول المُعطِّلة الذين ينكرون وجود الصانع، وينكرون أن الله رب العالمين، وأنه خالق الخلق، وهو حقيقة قول فرعون والقرامطة الباطنية الجاحدين لربّ العالمين.
وكذلك يُقِرُّ أعيان هؤلاء أنّ قولهم هو قول فرعون، ووقفوا على قوله: إن عُبِد الله ما له حقيقة، وأن أهل النار لا يتألمون فيها، بل يتنعَّمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة!
فلما وقفوا على ذلك، اجْتَمعت كلمتُهم واتفقت قلوبُهم على أن هذا كفرٌ وإلحاد، وأنهم بُرآءُ إلى الله تعالى من أهل الحلول والاتحاد، سواء
(1/248)

قالوا بالحلول أو الاتحاد في شيء معيَّن، كما تقوله النصارى في المسيح، والمغالية في عليّ وبعض أهل البيت، وكما تقوله طائفة في الحلَّاج، أو الحاكم بمصر، أو يونس، أو غير هؤلاء. أو قالوا: إن ذات الله حالَّة في كلّ مكان، كما تقوله طوائف من الجهمية. أو قالوا بمقالة هؤلاء الذين يقولون: إنه عين الموجودات، وليس للعالم خالق متميِّز عنه، ولا ربّ له وجودٌ غير وجود الخلق، بل ينكرون الصانع ويعطلون الخالق.
واتفقت كلمتُهم على أنّ ثناء من يُثني على بعض هؤلاء ممن سمع عنه أنه رجل صالح أو أنه عارف، أو وقف على بعض كلامه الذي هو حسن؛ مثل بعض كلام ابن العربي في «الفتوحات»، وبعض كلامه في «مطالع النجوم»، وبعض حكاياته في «الدُّرَّة الفاخرة» ونحو ذلك. فإن من سمع ذلك أو رآه، ولم يقف على حقيقة قوله في «الفصوص»، ولم يعرف سرَّ مذهبه= فإنه لم يوافقه على قوله، بل لمَّا تبين له كلامه بالباطل تبرَّأ إلى الله من هذه المقالات الكفرية التي في «الفصوص» ونحوه، وممن يعتقدها.
كما قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ
(1/249)

عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].
وأما نفس المتكلّم بهذا الكلام مثل ابن العربي وغيره، فيمكن أنه قد تاب منه، ويمكن أن ما تاب منه. فإن كان مات مؤمنًا بالله ورسوله فهو من المؤمنين، وإن كان على غير ذلك فهو من المنافقين، والله أعلم بسريرته، وإلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم.
ثم إنه بعد ذلك حصل بينهم من الاتفاق والائتلاف، والطيب ومكارم الأخلاق، والتواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى، كما أمرهم الله تعالى به في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 102 - 103].
وقد كُتِب هذا الكتاب بحضرة المشايخ وبأمرهم، وهم جميعًا يأمرون بما أمر الله به ورسوله، من الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة، والنهي عن التفرّق والاختلاف، قال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ
(1/250)

إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 105 - 107].
قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفُرْقة.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 159].
وقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32].
وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 19]، فأخبر سبحانه أنّ مبدأ التفرّق هو البغي. وقد قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10].
(1/251)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة فإنّ يدَ الله على الجماعة».
وقال: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «صلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».
وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضًا وشَبَّك بين أصابعه».
(1/252)

وقال: «مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائر الجسد بالحُمّى والسَهَر».
وقد قال الله تعالى في كتابه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
وقال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3].
فهذا الذي أمر الله به ورسولُه، وما كان من الأهواء المفرِّقة والأغراض الفاسدة؛ فهي مما حرَّمه الله ورسولُه، حتى إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مرةً في بعض مغازيه فتنازع رجلان فقال أحدهما: يا للمهاجرين، وقال الآخر: يا للأنصار! فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أبِدَعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها مُنْتِنة».
وقال: «مَنْ سمعتموه يتعزَّى بعزاء الجاهلية فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه ولا تكنوا». فسمع أُبيُّ بن كعب -الذي قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم سورة (لم
(1/253)

يكن) - سمع رجلًا يقول: يا آل فلان، فقال: اعْضُضْ أَيْرَ أبيك! فقالوا: يا أبا المنذر! ما كنت فَحَّاشًا، فقال: بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم». وقال: «المسلم أخو المسلم لا يُسْلمُه ولا يظلمُه». وقال: «انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قيل: يا رسول الله، أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذاك نصرُك إيَّاه».
فالواجب على المسلمين أن يكونوا مجتمعين على طاعة الله ورسوله، واتباع كتابه وسنة رسوله، واتباع سبيل السابقين الأوَّلين، وأن يكونوا مع المُحِقِّ على المُبْطل، ومع المُهْتدي على الضال، ومع الراشد على الغاوي؛ يُعَظِّمون ما عظَّمه الله ورسوله، ويوجبون ما أوجبه الله ورسوله، ويحرِّمون ما حرّم الله ورسوله، ويحبّون ما أحبّه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله، ويكْرِمون مَن أكرمه اللهُ ورسولُه.
(1/254)

وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
وقد وصف الله أولياءه بذلك فقال: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: 62 - 63].
فأخبر -سبحانه- أنَّ نَعْت الإيمان: الإيمان والتقوى، والتقوى هي ما سنَّه بقوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
جمع الله لكم ولسائر المسلمين خيرَ الدنيا والآخرة، وأسبغ عليكم نعمه الباطنة والظاهرة، وتولَّاكم في جميع الأمور، وصرف عنكم كلَّ محذور، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
(1/255)

وكتب الشيخ تقي الدين -رضي الله عنه- صورة المجلس الذي حضر فيه المشايخ عنده في دار الحديث السُّكَّريَّة التي بالقصَّاعين بدمشق، وهي سكن الشيخ تقي الدين -أدام الله علوَّ قدره- يومئذٍ في نسختين، أحدهما أخذها الشيخ أبو القاسم ابن الشيخ الشهيد عبد الله بن محمد ابن الشيخ عبد الله اليونيني. والأخرى أخذها الشيخ هارون المقدسي، وهو المنكور عليه في الاعتقاد.
وهذه صورة المحضر وصورة خطوط المشايخ مرقومة فيه:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول أحمد ابن تيمية: إني حضرت بمجلس اجتمع فيه جماعةٌ من الشيوخ وغيرهم، بسبب النظر في قضيَّة جرت لكلام ابن العربي، فلما قُرِئ كلامه المذكور في «فصوص الحكم»، وعُرف معناه وما انطوى عليه مِن اعتقادِه: أنَّ الله هو وجود الكائنات، وأن أعيانها ثابتة في القِدَم، وأنَّ الخالقَ هو المخلوق، والناكح هو المنكوح، والمتكلِّم هو المستمع.
وتفضيله خاتم الأولياء الذي ادَّعاه على خاتم الرسل من بعض الوجوه، وإنكاره حقيقة العذاب في الآخرة، وما يلزم قوله من أن الله لم يخلق شيئًا، وليس هو ربّ العالمين.
(1/256)

وأنه نفس الكلاب والخنازير، وتصريحه بأن عُبَّاد الأصنام ما عبدوا إلا الله، ولا يمكن أن يُعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر.
= اجتمعوا على أن هذه المقالات وما أشبهها كفرٌ وإلحادٌ، وتبرَّأوا إلى الله تعالى من أنواع الحلول والاتحاد. وامْتَحَى بذلك ما كان يظنه من يظن أنَّ ابن العربي من أولياء الله، حيث تبيَّن لهم أنّ كلامه شرٌّ مِن كثير مِن كلام اليهود والنصارى.
وجمع الله قلوبهم على ذلك، وأنا موافقٌ لهم على ذلك. في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الآخر سنة أربع وسبعمئة.
...
صورة خطوط المشايخ تحت خطِّ الشيخ -رضي الله عنهم أجمعين-
- كذلك يقول أبو القاسم بن عبد الله اليونيني، وكتب في التاريخ المذكور.
- كذلك يقول هارون بن إبراهيم المقدسي، وكتب في التاريخ.
- كذلك يقول الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن سُونج عفا الله عنه في تاريخه.
- كذلك يقول محمد بن عوض اللخمي.
(1/257)

- كذلك يقول أحمد بن محمد بن جُبارة.
- كذلك يقول محمد بن قوام، وكتبه في التاريخ، والحمد لله وحده.
- كذلك يقول أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، كتبه في التاريخ المذكور.
- وكذلك يقول عبد الله بن موسى الجزري، وكُتِبَ عنه بإذْنِه وحضوره.
- وكذا أقول، وكتبه محمود بن عبد الكريم الفارقي.
- كذلك أقول، كتبه محمد بن الشهيد عبد الله اليونيني.
- أشهد أن قائل هذه المقالة كَفَر بها وافترى على الله عز وجل، وحاد عن سواء السبيل، وأبْرأ إلى الله تعالى منها ومن مُعْتقدها. كتبه أحمد بن محمد الدّشْتي في التاريخ المذكور.
(1/258)

تم الكتاب والمحضر والخطوط، وذلك يوم الأربعاء عاشر جمادي الأولى من شهور سنة أربع وسبعمئة. والحمد لله وحده وصلواته وسلامه على محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.
# # #
(1/259)

مسألة فيمن يقول: إن عليَّ بن أبي طالب أولى بالأمر من أبي بكر وعمر
(1/261)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ولا حول ولا قوة إلا بالله
مسألة سئل عنها شيخ الإسلام ومفتي الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية -رضي الله عنه- فيمن يقول: إن عليّ بن أبي طالب أولى بالأمر من أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وأنهما لم يلياه إلا مُغالبةً. هل هو مصيب أم مخطئ؟ وماذا يجب على من يعتقد ذلك؟

الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، بل هذا القائل مخطئ مُبْتدع ضالٌّ، مخالف لكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، بل هو مفترٍ افتراءً ظاهرًا، يُعْرَف كذبه فيه علمًا ضروريًّا بالنقل المتواتر، وبغير ذلك من الأدلة.
بل إذا قال مثل هذا القول في عثمان وعليّ كان مفتريًا ضالًّا زاريًا على المهاجرين والأنصار، بل على أمة محمد مطلقًا.
قال أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل، والدارقطني، وغيرهم: من قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. فكيف من
(1/263)

قدَّمه على أبي بكر وعمر؟ فكيف بمن طعن في خلافة عثمان؟ فكيف بمن طعن في خلافة أبي بكر وعمر؟!
ولم يكن أحدٌ من سَلَفِ الأمة -لا مِن شِيعة عليّ ولا غيرهم- يطعنون في خلافة أحدٍ من الثلاثة، لكن أنكر بعضُهم على عثمان بعضَ الأشياء في آخر خلافته؛ فأما السّنَة الأولى من خلافته فلم ينكروا عليه شيئًا.
ولم يكن بين الشيعة الأولى نزاعٌ في تقديم أبي بكر وعمر على عليٍّ وعثمان، وإنما كان يتنازع بعضُهم في عثمان وعليّ.
وقد رُوي [من] أكثر من ثمانين وجهًا عن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: «خيرُ هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر».
(1/264)

وقد رواه البخاري في «صحيحه» من حديث محمد بن الحنفية أنه قال لأبيه علي بن أبي طالب: يا أبتِ، مَنْ خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر.
وهذا روته هَمْدان -وهم من شيعة عليّ- عن ابنه محمد بن الحنفية: أن أباه قاله له. فامتنعَ أن يكون قال ذلك تقيَّةً لابنه، مع أن الله قد نزَّهه عن الكَذِب والنفاق الذي تسميه الرافضة: تقيَّة!
بل قال: لا أوتَى بأحدٍ يفضِّلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدَّ المفتري. ولا يُجْلَد ظهر المسلم إذا قال الصِّدْقَ، وأسماه مفتريًا.
وظهور فضيلة أبي بكر وعمر على غيرهما في العلم والدين، والشجاعة والكرم أظهر من أن تحتاج إلى بسط عند من كان له أدنى خبرة بأحوال القوم. ولهذا اتفق العلماء المعتبرون على أن أبا بكر أعلم الأمة وأدْيَنها وأشْجعها وأكْرَمها، لكن وقعت لبعضهم شُبهة في عثمان وعليّ لتقاربهما.
وقد أجمع السلف على تقديم عثمان. فإنه قد ثبت في «صحيح البخاري» وغيره خبر مَقْتل عمر، وجَعْله الأمر شورى في ستة
(1/265)

وتقديمهم عثمان. وهذا مما تواتر عند الخاصة والعامة. وقد رواه البخاري وغيره مفصَّلًا.
ومُلَخَّصُه: أنّ عمر جعل الخلافة شورى في ستة؛ عثمان وعلي، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص، ولم يُدْخِل فيها ابنه عبد الله ولا ابن عمه سعيد بن زيد، مع أنه من العشرة المشهود لهم بالجنة. فلمَّا دُفِن عمر اجتمع الستة في المسجد، فقال طلحة: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزُّبير: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعليّ. وقال سعد: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف، يخرج أحدنا ويولي أحد الرجلين، وعليه عَهْد الله وميثاقه أن يولي أفضلهما، فسكت عثمان وعليّ، فقال عبد الرحمن: أنا أخرج وعلَيَّ عَهْد الله وميثاقه أن أولِّي أفضلهما، فرضيا بذلك وبقي عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليهما يشاور الأمة. وكان بالمدينة خيار الأمة من المهاجرين والأنصار وأمراء الأمصار.
قال المِسْور بن مَخْرمة: طرَقني عبد الرحمن بعد ثلاث فقال: وإنك لنائم! إن لي ثلاثًا ما اغتمضتُ بنوم، ثم قال: ادع لي عليًّا، فدعوته فناجاه طويلًا، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه طويلًا، ثم لما صلوا الفجر بعد ثلاث حلف صهيب قال عبد الرحمن: إني قد شاورت الناس حتى الأعراب والعذارى في خُدُورهن، فرأيتهم لا يعدلون
(1/266)

بعثمان، فبايعه عليٌّ وعبد الرحمن وسائر الصحابة بيعةَ طَوْعٍ واختيار، بعد مشاورةٍ واتفاق، لا بسوطٍ ولا نوطٍ ولا بذلِ عطاء.
فإن لم يكن عثمان هو الأولى بالخلافة وقدَّموا غيره، كانوا إما جاهلين بحقِّ الأفضل، وإما ظالمين بتولية مَنْ غيرُه أولى بالخلافة، كيف وفي الحديث الذي رواه الحاكم في «صحيحه»: «أنه مَنْ قلَّد رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين».
وقد ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير القرون القرن الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
وهذه القصَّة كانت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ببضع عشرة سنة، فذلك القرن الأول الذي هو أفضل قرون هذه الأمة، وقدموا عثمان، فإن كانوا مخطئين أو ظالمين كان خيار هذه الأمة مخطئين في الإمامة أو ظالمين فيها.
والرافضة تقول: إنما قدَّموا غيرَه لأحقادٍ جاهلية وأضغان كانت في القلوب عليه لأجل جهاده في سبيل الله. فإن كانوا كذلك فهم من
(1/267)

[شرّ] الخلق، وإذا كان خير هذه الأمة كذلك لم تكن هذه الأمة خير أمة أُخرجت للناس، بل تكون هذه الأمة من شرار الأمم! وهذا حقيقة قول الرافضة، وهذا خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.
وقد قال العلماء: إن الذي ابتدع الرفض كان زنديقًا قَصْده إفساد دين الأمة، قالوا: وكان يهوديًّا فأسلم اسمه عبد الله بن سبأ، وإليه تُنسب السبئيّة.
وقد رُوي أن عليًّا طلبَ قتلَه وهربَ منه. فإن عليًّا -عليه السلام- مذهبه عقوبة أصناف الشيعة الغالية: بالقتل، والمُفضِّلة: بالجلد، والسَّبَّابة: قد رُوي عنه فيهم القتل. وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع.
وأما خلافة أبي بكر وعمر وثبوت فضلهما على عثمان وعلي وغيرهما؛ فدلائله أكثر من أن تُحصر، فقد ثبت في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه الناسُ من بعدي». ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر».
وهذا الحديث المفسَّر يبين مراده بالحديث الآخر الصحيح
(1/268)

وهو قوله: «ائتوني بدواة وقرطاس حتى أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا».
وفي «الصحيح» أن امرأة جاءته فقالت: أرأيت إن جئتُ فلم أجدك؟ كأنها تعنى الموت. قال: «ائتي أبابكر».
وفي «السنن» أنه قال: «اقتدوا باللَّذَيْنِ مِنْ بعدي» يعني أبا بكر وعمر.
(1/269)

وفي «الصحيح» أنه قال: «رأيت كأني أنزع على قليب فجاء ابن أبي قُحافة فنزع ذَنوبًا أو ذَنوبين وفي نَزْعه ضَعْف، والله يغفر له، ثم أخذها ابنُ الخطَّاب فاستحالت غَرْبًا، فلم أر عبقريًّا يفري فَرِيَّه حتى صَدَر الناسُ بعَطَن».
قال الشافعي: أراد بضعف نَزْعِه: قِصَر مدّته لا ضعف هِمَّته.
وقد ثبت في الصحاح من غير وجه أنه قال: «لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض [خليلًا] لاتخذت أبا بكر خليلًا».
وفي لفظ: «ولكن أخوَّة الإسلام، لا يبقينَّ في المسجد خَوخَة إلّا سُدَّت إلا خَوخَة أبي بكر».
فقد ثبت بهذا النص المتواتر عند الخاصة أنه لم يكن عنده من أهل الأرض أرفع درجةً من أبي بكر.
وثبت في «الصحيح» عن عليّ أنه قال لما مات عمر: والله إني لأرجو أن يحشرك الله مع صاحِبَيْك، فإني كنتُ كثيرًا ما أسمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «دخلتُ أنا وأبو بكر وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر».
(1/270)

وقال الرشيد لمالك: يا أبا عبد الله أخبرني عن منزلة أبي بكر وعمر من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: منزلتها منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته. فقال: شفيتني يا مالك.
والواجب على من قالَ القولَ المذكور أن يُعاقب عقوبةً بليغةً بعد الاستتابة، إما بالقتل في أحد قولي العلماء، وإما بما دونه في القول الآخر. والله تعالى أعلم.
تمت بحمد الله وعونه، والحمد لله رب العالمين.
# # #
(1/271)

مسألة في تفسير قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ...}
وتفسير آيات أخرى
(1/273)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مسألة من كلام شيخ الإسلام وقدوة الأنام، تقي الدين -عُرِف بابن تيمية- في قول الله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78].
الجواب:
الحمد لله.
قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} نزلت في سياق الأمر بالجهاد والترغيب فيه، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} الآية [النساء: 77 - 78].
فأخبر -سبحانه- أنَّ كلَّ أحدٍ لا بدَّ أن يموت، ولو كان في بروجٍ مشيَّدة، ولا ينفع الفرار من الموت والجهاد.
ثم قال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]. كان المنافقون إذا
(1/275)

أصابهم نصر ورزق يقولوا: هذا من عند الله، وإن أصابتهم محنة تنقص في الرزق أو تخوّف من العدوّ قالوا: هذه من عندك يا محمد بشؤمِ الذي جئتَ به، فإنّك أمرتنا بمعاداة الناس وغير ذلك مما يوجب الضرر؛ فقال الله تعالى: {فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} أي: لا يفقهون القرآن الذي أُرسلتَ به، وما فيه من الخير والهدى والشفاء والبيان، وأنه لا شرَّ فيه.
ثم قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} أي: من نصر ورزق ونحو ذلك {فَمِنَ اللَّهِ} نعمةً أنعم بها عليك. {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} من خوفٍ ونقص رزقٍ واستيلاء عدوٍّ {فَمِنْ نَفْسِكَ} أي: بذنبك، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]. وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]. وقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [الأنفال: 33] ونحو ذلك.
فالمراد بالسيئات والحسنات هنا: النِّعَم والمصائب، كما قال
(1/276)

تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} [الأنفال: 33]. وكما قال: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} [آل عمران: 120]، والله أعلم.
...

مسألة من كلام الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية في قوله تعالى عن سليمان عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35]. وسليمان كان مُنَزَّهًا عن الدنيا لم يتناول منها شيئًا، فلِمَ تمنَّى الملك؟
الجواب: الحمد لله.
قد قيل: إنّ سليمان -عليه السلام- إنما سأل ذلك معجزةً وآيةً لنبوّته، كما أنّ من الأنبياء من كانت آيته الناقة، ومنهم من كانت آيته العصا، والحيَّة، وفَلْق البحر، وغير ذلك. ومنهم من كانت آيته إحياء الموتى، وإبراء الأكْمَه والأبرص، وغير ذلك. فكذلك آية سليمان هي الملك.
وقيل: إنّ سليمان سأل ذلك ليتمكَّن به من طاعة الله تعالى.
وقيل: إنَّ ذلك من باب المباح إذا لم يكن فيه معصية، كما أنّ نبينا
(1/277)

صلى الله عليه وسلم خُيِّر بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون مَلِكًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا، وهذا أعلى. وسليمان اختار أن يكون نبيًّا ملكًا، قيل له فيه: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39]. فهذا جائز والأول أفضل، وهي حال نبينا صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
...

مسألة من كلام الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8]. هل هذا اسم رجلٍ كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما معنى قوله: (نصوحًا)؟
الجواب:
الحمد لله.
قال عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة والتابعين: التوبة النصوح: أن يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود إليه.
(1/278)

ونصوح: هو صفة للتوبة، وهو مشتقٌّ من النُّصْح والنصيحة.
وأصل ذلك هو الخلوص، يقال: فلان ينصح لفلان، إذا كان يريد له الخير إرادةً خالصة لا غشّ فيها. وفلان يغشّه إذا كان باطنه يريد السوء، وهو يظهر إرادة الخير، كالدرهم المغشوش.
ومنه قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91]. أي: أخلصوا لله ورسوله قصدَهم وحبَّهم.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «الدّينُ النصيحةُ، الدّين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
فإنَّ أصلَ الدّين هو حُسْن النية وإخلاص القصد؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمور، ولزومُ جماعة المسلمين، فإنَّ دعوتهم تُحيط مِن ورائهم». أي هذه الخصال الثلاث لا يحقد عليها قلب المسلم، بل
(1/279)

يحبّها ويرضاها.
فالتوبة النصوح هي الخالصة من كلِّ غشّ. وإذا كانت كذلك كانت ثابتة، فإنَّ العبدَ إنّما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه، فمتى خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يَعُد إلى الذنب. فهذه التوبة النصوح. وهي واجبة كما أمر الله تعالى.
ولو تاب العبد ثم عاد إلى الذنب قَبِل الله توبتَه الأولى، ثم إذا عاد استحقّ العقوبة، فإن تاب تاب الله عليه أيضًا. ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يصرّ، بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة. فقد روى الإمام أحمد في «مسنده» عن عليٍّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ الله يحبّ العبد
(1/280)

المُفَتَّن التوَّاب»، وفي حديث آخر: «لا صغيرةَ مع إصرار، ولا كبيرةَ مع استغفار». وفي حديث آخر: «ما أصرَّ من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة».
ومن قال من الجهّال: إن (نصوحًا) اسم رجل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِرَ الناسُ أن يتوبوا كتوبته، فهذا رجل مفترٍ كذَّاب جاهل بالحديث والتفسير، جاهل باللغة ومعاني القرآن، فإن ّهذا امرؤٌ لم يخلقه الله تعالى، ولا كان من المتقدّمين أحد اسمه (نصوح)، ولا ذَكَرَ هذه القصة أحدٌ من أهل العلم. ولو كان كما زعم الجاهل لقيل: توبوا إلى الله توبةَ نصوحٍ، وإنما قال: {تَوْبَةً نَصُوحًا}. فالنصوح هي التوبة لا التائب.
(1/281)

ومن قال: إن المراد بهذه الآية رجل أو امرأة اسمه (نصوح)، وأنه كان على عهد عيسى عليه السلام أو غيره؛ فإنه كاذب يجب عليه أن يتوب من هذا، فإن لم يتب وجب عقوبتُه بإجماع المسلمين، والله أعلم.
تمت.
...

مسألة من كلام شيخ الإسلام وعلامة الزمان تقي الدين ابن تيمية الحراني في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90].
الجواب:
الحمد لله.
الخمر: هي المُسكر، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلُّ مُسْكر خمر وكلُّ خمر حرام»، وقال: «كلُّ مُسكر خمر وكلُّ مسكر حرام». وقال: «كل شراب أسكر فهو حرام».
فكلُّ ما أسكر كثيرُه فقليله حرام وهو خمر، سواء كان من العنب أو التمر أو الحنطة أو الشعير أو العسل أو لبن الخيل أو غير ذلك.
(1/282)

وأما المَيسِر: فهو القِمار، وهو يجمع معنيين:
أحدهما: أكْل المال بالباطل، كبيع الغرر، فإنه من الميسر.
والثاني: الأعمال التي فيها مغالبة بلا منفعة، تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء، سواء كانت بعِوَض أو بغير عِوَض؛ كاللعب بالنَّرْد والشِّطْرنج ونحوهما، فإن ذلك كله من الميسر، كما فسَّر الآيةَ بذلك علماءُ السلف من الصحابة والتابعين.
وأما الأنصاب: فهي ما يُنْصب من التماثيل التي تُعبد من دون الله.
وأما الأزلام: فهي ما يُسْتَقْسَم به، أي يَطلب العبدُ عِلم ما قَسَم الله له به، كما كانت العرب تستقسم بالحصى وبالقِداح، وهي نُشّاب لا نصل له ولا ريش. وكما يستقسم ناسٌ بالقرعة المأمونية المكتوب عليها (أب ج د) فإن خرج الفرد غالبًا قالوا: (سَعْد)، وإن خرج الزوج غالبًا قالوا: (نَحْس).
وهذا من فروع النجوم، فإن الكواكب إذا اتصلت على شكل مثلَّث أو مسدَّس، بأن يكون بين الكوكبين ستون درجة أو مئة وعشرون درجة= جعلوا ذلك علامة على السعادة.
وإن كان على شَفْع، مثل أن يكون بينهما تسعون درجة= فيقولون:
(1/283)

«ربعة»، أو مئة وثمانون درجة، فيقولون: «قابلة».
أو يكونان على درجة واحدة، فيقولون: «قارنة»، جعلوا ذلك بخلاف الوتر، حتى إذا كتب أحدهم: (ورنة) قَطَعَ حَرْفَها لتصيرَ مثلَّثة، فهذا من الاستقسام بالأزلام.
وكذلك الضرب بالشعير والحصى لطلب علم ما يكون. وكذلك النظر في الألواح. فهذا وشِبْهه من الاستقسام بالأزلام. وهذه الأربعة كما قال تعالى: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}. وقد أمرنا تعالى باجتناب هذا الرجس بقوله: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] والله أعلم.
...

مسألة من كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} إلى قوله: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3].
الجواب:
الحمد لله.
(1/284)

الميتةُ: ما مات حتف أنفه.
والدم: هو الدم المسفوح يحرم أكله.
ولحم الخنزير: أُريد به تحريم أكل الخنزير، ولهذا ذَكَر اللحم، فإنه لو قيل: (والخنزير) لظن أنه أريد تحريم قتله وأكله، كما في قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة: 96].
والمنخنقة: وهي الشاة والعنز ونحوهما تنخنق بالحبل وغيره.
والموقوذة: وهي البهيمة والطائر يضرب بمُثَقَّل، كالحجر والطُّومار ونحو ذلك مما يَقْتل بثقله لا بحدِّه.
والمتردية: هي الدابة تتردَّى من مكان عالٍ، كرأس الجبل والسطح.
والنطيحة: الدابة تنطحها أخرى، فتموت من النطح.
وما أكل السّبُع: هي الدابة يأكلها ذئب ونحوه، فلا يُباح ما بقي منها إذا ماتت بأكله.
فإن كان في شيءٍ من ذلك حياةٌ مستقرَّة، فذُكِّي، فجرى دَمُه وتحرّك بعضُ أعضائه أُبيح.
(1/285)

والأزلام: قد فُسِّرت في جواب الآية الأخرى، والله أعلم.
# # #
(1/286)

مسألة في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طِيَرة ...»
وتسع* مسائل أخرى
________
* كذا في الأصل المطبوع، والصواب: (وثمان مسائل).
(1/287)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* سئل الشيخ الإمام العالم العلامة، الورع الزّاهد أبو العباس أحمد ابن تيمية عن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عَدْوى ولا طِيَرة، ولا هامةَ ولا صَفَر» مع ضبطهما.
* وهل حديث: «مَنْ كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مَقْعَدَه من النّار» متواتر اللفظ والمعنى؟
* وهل القرآن متواتر بأحرفه؟
* وهل قراءة هؤلاء القرَّاء المشهورين متواترة أم لا؟
* وهل قراءة أبي جعفر ويعقوب متواترة؟
* وهل تُبْطِل الصلاةَ القراءةُ بالشاذِّ؟
* وهل لو حلف رجلٌ بالطلاق أن مذهبَ الشافعي خيرٌ من المذاهب الأربعة، وكذا المالكي والحنفي والحنبلي، كلٌّ منهم حَلَف أن مذهبه خير من المذاهب الأربعة، فهل يحنث واحدٌ من هؤلاء أم يحنثوا جميعًا؟ وما الحكم فيهم؟
(1/289)

* وهل النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه سبحانه وتعالى ليلةَ أُسْريَ به بعيني رأسه أم بعين قلبه، ومع ذلك جَمْع اختلاف العلماء فيه بمذاهبهم؟
* وهل تجوز اللعنة على اليهود والنصارى والرّافضة وأهل البدع؟ وهل تجوز لعنة كلّ شخص من هؤلاء بعينه واسمه؟

أجاب:
الحمد لله.

* لفظ الحديث: «ولا هامَةَ ولا صَفَرَ». ويجوز في إعرابه ما يجوز في إعراب: «ولا طِيَرة». إن شئت قلت: «ولا هامةَ ولا صَفَرَ»، وإن شئت قلت «ولا هامةٌ ولا صَفَرٌ».
والهامة: ما كان بعض الجاهلية يعتقده من أن الميّت إذا لم يُؤخَذ ثأرُه من قاتله يخرج من قبره هامة. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في بيان ما نفاه من اعتقادات الجاهلية، وهو العدوى والطِيَرة. وكذلك قوله: «ولا صَفَر ولا غُول».
وفي «الصَفَر» وجهان:
أحدهما: أنه الشيء الذي كان أهلُ الجاهليّة يفعلونه، فيؤخِّرون
(1/290)

المحرّم إلى صفر.
والثاني: أنه داء من الأدواء يصيب بطن الإنسان.

* وأما قوله: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار» فمتواتر لفظًا ومعنى، لكنه متواتر عند الخاصّة، وهم أهل العلم بالحديث، كما تواتر عندهم سجود السهو، وفرائض الصلوات ونُصُبُها، ونحو ذلك.
بخلاف الصلوات الخمس وعدد ركعاتها، وتعيُّن البيت المحجوج إليه، والشهر المفروض صومه، ونحو ذلك= فإنّ هذا من التواتر العام. كما تواتر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة، وهاجر إلى المدينة، ومات بها، ونحو ذلك.

* فصل: والقرآن الذي بين لوحي المصحف متواتر، فإنّ هذه المصاحف المكتوبة اتفق عليها الصحابة، ونقلوها قرآنًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي متواترة من عهد الصحابة، فعُلِم علمًا ضروريًّا أنها ما غُيِّرت.
(1/291)

والقراءة المعروفة عن السلف الموافقة للمصحف تجوز القراءةُ بها بلا نزاع بين الأئمة، ولا فرق عند الأئمة بين قراءة أبي جعفر ويعقوب وخَلَف، وبين قراءة حمزة والكِسائي وأبي عَمْرو و [ابن أبي] نعيم.
ولم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها: إن القراءة مختصَّة بالقرَّاء السبعة، فإن هؤلاء إنما جمع قراءاتِهم أبو بكر بن مجاهد بعد ثلاثمئة سنة من الهجرة، واتّبعه الناسُ على ذلك، وقَصَد أن ينتخب قراءة سبعة من قرَّاء الأمصار. ولم يقل هو ولا أحدٌ من الأئمة: إنَّ ما خرج عن هذه السبعة فهو باطل، ولا إن قولَ النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أُنْزِل القرآنُ على سبعة أحرف» أُريد به قراءة هؤلاء السبعة. ولكن هذه السبعة اشتهرت في أمصار لا يعرفون غيرَها كأرض المغرب، فأولئك لا يقرؤون بغيرها لعدم معرفتهم باشتهار غيرها.
(1/292)

فأما من اشتهرت عندهم هذه كما اشتهر غيرها، مثل أرض العراق وغيرها، فلهم أن يقرؤوا بهذا وهذا.

* والقراءةُ الشاذَّةُ، مثل ما خرج عن مصحف عثمان، كقراءة من قرأ (الحيّ القيَّام) [البقرة: 255]، و (صراط مَنْ أنعمتَ عليهم) [الفاتحة: 7]، و (إن كانت إلا زَقْيَةً واحدة) [يس: 29]، (والليل إذا يغشى • والنهار إذا تجلى • والذكر والأنثى) [الليل: 1 - 3]، وأمثال ذلك= فهذه إذا قُرِئ بها في الصلاة ففيها قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد:
أحدهما: تصحّ الصلاة بها؛ لأن الصحابة الذين قرؤوا بها كانوا يقرؤونها في الصلاة ولا يُنكر عليهم.
والثاني: لا؛ لأنها لم تتواتر إلينا. وعلى هذا القول، فهل يقال: إنها كانت قرآنًا فنُسِخ، ولم يَعرِف الذي قرأ بها الناسخَ. أو لم تُنسَخ ولكن كانت القراءة بها جائزة لمن ثبتت عنده دون من لم تثبت، أو لغير ذلك؟
(1/293)

هذا فيه نزاع مبسوط في غير هذا الموضع.

* وأما من قرأ بقراءة أبي جعفر ويعقوب ونحوهما، فلا تبطل الصلاة بها باتفاق الأئمة، ولكن بعض المتأخِّرين من المغاربة ذكر في ذلك كلامًا وافقه عليه بعضُ من لم يعرف أصل هذه المسألة.
* فصل: وأما حَلِف كلِّ واحد أن أفضل المذاهب مذهب فلان، فهذا إن كان كلٌّ منهم يعتقد أن الأمر كما حلف عليه؛ ففيها قولان، أظهرهما: لا يحنث واحدٌ منهم، والثاني: يحنثون إلا واحدًا منهم، فإنَّ حنثه مشكوك فيه، لجواز أن يكون صادقًا، ولجواز كونهم سواء فيحنثون كلهم.
وإذا حَنِثوا إلا واحدًا منهم وقد وقع الشكُّ في عينه؛ فهل هو كما لو قال أحدُ الرجلين: إن كان غرابًا فزوجته طالق، وقال الآخر: إنْ لم يكن غرابًا فزوجته طالق، وهذه فيها قولان في مذهب أحمد وغيره:
أحدهما: لا يقع بواحد منهما طلاق، وهو مذهب الشافعي وغيره، لكن يكفّ كلٌّ منهما عن وطء زوجته، قيل: حتمًا، قيل: ردعًا.
(1/294)

والقول الثاني: أنه يقع بأحدهما، كما لو كان الحالف واحدًا وأوقعه بإحدى زوجتيه، وعلى هذا فهل تخرج المطلّقة بالقُرْعة، أو يقف الأمر؟ على قولين أيضًا في مذهب أحمد، والوقف قول الشافعي. والصحيح: أن من حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبيَّن بخلافه؛ فلا طلاق عليه.
وأما مالك فإنه يُحَنِّث الجميع ولو تبين صدق الحالف، بناء على أصله فيمن حلف على ما لا يعلم صحته، كما لو حلف أنه يدخل الجنه. والنزاع فيها كالنزاع في أصل تلك المسألة.
وجمهور العلماء لا يوقعون الطلاق لأجل الشكّ، ومالك يوقعه لعدم علم الحالف بما حلف عليه، فهذه كما لو حلف واحد على ما لا يعلمه ولم يناقضه غيره، مثل أن يحلف أن مذهب فلان أفضل، وهو غير عالم بذلك.

* فصل: وأما الرؤية؛ فالذي ثبت في «الصحيح» عن ابن عباس أنه قال: رأى محمدٌ ربَّه بفؤاده مرتين. وعائشة أنكرت الرؤية،
(1/295)

فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مُطْلقة أو مقيَّدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمد ربَّه، وتارة يقول: رأى محمد. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه.
وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحدٌ إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعضَ كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعضُ الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين.
وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدلُّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلُّ، كما في «صحيح مسلم» عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: «نورٌ أنَّى أراه».
وقد قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الإسراء: 1]. ولو كان قد أراه نفسَه بعينِه لكان ذِكْر ذلك أولى.
(1/296)

وكذلك قوله: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 12]، {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} ولو كان رآه بعينه لكان ذِكْر ذلك أولى.
وفي «الصحيحين» عن ابن عباس في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [الإسراء: 60] قال: هي رُؤيا عين أُرِيَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسريَ به.
وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناسَ بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم حيث صدَّقه قومٌ وكذَّبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربَّه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذِكْر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذَكَره كما ذَكَر ما هو دونه.
وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة: أنه لا يرى الله أحدٌ في الدنيا بعينه، إلا ما نازع فيه بعضُهم من رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة. واتفقوا على أنَّ المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانًا كما يرون الشمس والقمر.

* واللعنة تجوز مطلقًا لمن لعنه الله ورسوله، وأما لعنة المُعَيَّن فإن
(1/297)

عُلم أنه مات كافرًا، جازت لعنته.
وأما الفاسق المعيَّن فلا تنبغي لعنته؛ لنَهْي النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُلْعن عبدُ الله حمارٌ الذي كان يشرب الخمر، مع أنه قد لعن شارب الخمر عمومًا. مع أن في لعنة المعيَّن إذا كان فاسقًا أو داعيًا إلى بدعة نزاعًا. وهذه المسألة قد بُسِط الكلام عليها في غير هذا الموضع، ولكن هذا ما وسعته الورقة، والله أعلم.
# # #
(1/298)

مسألة في الرَّمي بالنُّشَّاب
(1/299)

قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية تغمَّده الله برحمته:
مسألة في الرّمي بالنُّشَّاب والبُندُق، وما اصطلحوا عليه من الرسوم في الأستاذية:
الجواب: الحمد لله رب العالمين.
الرمي بالنُّشاب من الأعمال الصالحة التي أمر الله بها ورسوله، قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].
وثبت في «صحيح مسلم» عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ هذه الآية على المنبر وقال: «ألا إنّ القوَّة الرمي»، وفي «الصحيح» أيضًا أنه قال: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليّ [من] أن تركبوا، ومَن تعلَّم الرمي ثم نسية فهي نعمةٌ جَحَدَها»، وقال صلى الله عليه وسلم: «كلّ لهوٍ يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرسه، أوملاعبته امرأته، فإنهنَّ
(1/301)

من الحقّ». وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه يرمون بالنُّشَّاب.
فصل: ويجوز فيه الرّهان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا سَبَق إلا في ثلاث: خُفٍّ أو حافرٍ أو نصلٍ».
وأما الرّمْي بالبُنْدق، ويسمى الرمي بالجُلاهِق، فلم يكن السلف يفعلونه، ولكن أحدثه بعضُ الناس في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فنهى عنه أميرُ المؤمنين.
وذكر بعض العلماء أنه من أعمال قوم لوط.
وما قَتَله البندق فهو وقيذ، وقيل: لا يحلّ أكله باتفاق الأئمة الأربعة،
(1/302)

بخلاف ما قتله النُّشّاب، فإنه إذا سمَّى الله وقَتل به حلّ أكلُه باتفاق علماء المسلمين.
والأمور التي ابتدعها رماةُ البندق من الأيمان التي يسمّونها أيمان البندق= من البدع التي لا أصل لها في الشريعة، لا سيّما ما يُذكر عنهم أنهم يحلفون بالله ويكذبون، ويحلفون بأيمان البندق ويصدقون، فإن هذا ليس من فِعْل من يؤمن بالله واليوم الآخر. لا سيّما إذا حكم حاكمهم -حاكم الجاهلية الذين يحكمون بغير ما أنزل الله- إذا حلف بالله يمينًا فاجرةً لا يهدّدونه، وإذا حلف بالبندق يمينًا كاذبةً يهدّدونه. وهذا حكم من لا يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر.
وكذلك القوانين التي وضعوها بمنزلة الشريعة، ويقدّمون فيها أكابرهم، يسألونهم فيفتوهم، ويحكمون بينهم بغير ما أنزل الله، بل يحكم بجهالته، من جنس يساق التتر، وسوالف الأعراب، وشرّ من ذلك. وقد قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].
وحكّامهم يحكمون بالجهل وبغير ما أنزل الله، يرفعون من لم يأمر الله ورسوله برفعه، ويخفضون من لم يأمر الله ورسوله بخفضه،
(1/303)

ويُسقطون ويجرِّمون من خالف بعض قوانينهم المبتدعة.
ولم يكن السلف يرمون بالبندق، ولا يفعلون شيئًا من هذه البدع؛ لأن الاجتماع على رمي البندق كثيرُ الشرّ والضرر، قليلُ الخير والمنفعة؛ فإنه لم يُهزم عدوٌّ برمي البندق، ولا فُتِحَت به مدينة، ولا قام به دين، وقتيله لا يحلّ أكله، لا سيّما وأكثر ما يرمونه من الطير لا يحلّ أكله.
والمقصود بالرمي عدوٌّ يقتله أو صيدٌ يأكله، وهذا لا يُقْصَد به عدوّ يقتله ولا صيد يأكله، بل الافتخار بالباطل الذي [لا] ينفع.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى أن يُتَّخَذ شيء فيه الرّوح غَرَضًا، ولعن النبيّ صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك، فنهى أن يُجعل الطير والبهيمة غَرَضًا يُقصَد برمي الأغراض التي تُنْصب للرمي، فإنّ ذلك تعذيب للحيوان
(1/304)

بغير مصلحةٍ راجحة، وهذا لا يجوز، فإنَّ الله تبارك وتعالى إنما أباحَ تعذيبَ الحيوان بالذبح والركوب، لما في ذلك من مصلحة بني آدم، فإذا جُعل الطيرُ هدفًا يُرمى إليه، كان ذلك تعذيبًا له بغير مصلحةٍ راجحة.
ورُماة البندق لا يقصدون بالرّمي ذكاة الطير ليؤكل، وإنما يقصدون الإصابة، من جنس ما [يتخذ] لرمي الأغراض والأهداف، وهذا لا يجوز. بل لو قَصد قومٌ أن يرموا الطير بالنُّشّاب لمجرّد إصابة الطير من غير قصد الذكاة لم يجز ذلك.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل عصفورًا بغير حقه جاء يوم القيامة وأوداجه تشخب دمًا». ولفظه: «من قتل عصفورًا عبثًا جاء يوم القيامة وله جؤار إلى الله يقول: يا رب سل هذا فيمَ قتلني»، وفي لفظ: «من قتل عصفورًا بغير حقه سأله الله عنه يوم القيامة». رواه أحمد،
(1/305)

وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن قتل الحيوان لغير مأكَلَة». وهؤلاء يقتلون الطير لغير مأكلة وبغير حقه، بل عبثًا ولعبًا بالباطل.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في «الصحيح»: أنه نهى عن الخذف وقال: «إنه لا يصيد صيدًا ولا ينكأ عدوًّا، ولكن يفقؤ العَيْنَ ويكسر السنّ»، فدلّ ذلك على أن ما كان من الرمي لا يُقصد به الصيد ولا يُنكأ به عدوّ= فهو ينهى عنه. ورَمْي البندق لا يقصد به نِكاية عدوّ، فإنّ غالب ما يقتلونه بالبندق لا يحل أكلُه، ولا يُعرف أنه فتح مدينة برمي البندق، ولا هُزِمَ به عدوّ، ولا قام به دين، وإنما يقصد أصحابه التقدّم بأمر لا منفعة فيه للمسلمين لا في دينهم ولا دنياهم.
وأيضًا فرمي البندق تُنفق فيه الأموال لا في مصلحة دين ولا دنيا،
(1/306)

ويصدهم ذلك عما ينفعهم في الدين والدنيا، ويوقع بينهم الشرَّ، ويجرّهم إلى الاختلاء لفعل الفواحش وفساد الأولاد المسلمين، قلّ من يصحبهم من الأحداث إلا كان عند المسلمين معيبًا ناقص الحُرْمة، من جنس المجتمعين بقاعات العلاج، فإن سيرة الطائفتين مذمومةٌ عند عامة المسلمين، والله أعلم.
# # #
(1/307)

مسألة في قوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}
ومسائل أخرى مختلفة
(1/309)

مسألة:
* قوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، هل استقرار الجبل ممكن أم لا؟
* وهل هذا الكلام محظور أم لا؟ ومن قال: إن استقرار الجبل ممكنٌ، هل تلزمه عقوبة أم لا؟
* وعلى من قال: السماع بالدفّ والشّبابة وما هو الغالب على الناس، هو على الناسِ حرامٌ وعليَّ حلالٌ، هل يفسق أم لا؟ وهل يكون قليل المروءة ساقط العدالة أم لا؟
* وصلاة الرغائب والمعراج وألفية نصف شعبان وغيرها من صلوات الأيام والليالي، هل وردَ فيها حديثٌ صحيح أو ضعيف، وهل هي سنة أو بدعة؟
* وهل يُسنّ تخصيص الجمعة بقيام أم لا؟
* وهل إذا مات ضفدع في مائع كالعسل والدبس ونحوه أم هو مما لا نفس له سائلة؟
(1/311)

* ومن قال: أنت طالق إن دخل زيد الدار، فدخل زيدٌ ناسيًا، هل تطلق أم لا؟
* وإذا باعه غرارة حنطةٍ بثمنٍ نسيئةً، فعند حلول الأجل هل له أن يأخذ حنطةً بالثمن أكثر مما أعطى أم لا؟
* وهل قبل الجمعة سنة أم لا؟ فإنَّا نرى الروياني ذكر في «الحِلية» أن قبل الجمعة سنة، وذكرها صاحب «المنهاج» في منهاجه، رواها أبو محمد البغوي في «تفسيره»: أن ابن عمر كان يصلي قبل الجمعة ركعتين. ورفع الحديث. أفتونا مأجورين رضي الله عنكم.

فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه فقال:
الحمد لله رب العالمين.

* إن كان مراد القائل: على أن يجعل الجبل مستقِرًّا، وأن يُري نفسه لموسى، فالله قادر على ذلك. وإن كان مراده أن الجبل استقرّ وأن موسى رأى ربه، فهذا كاذب مفترٍ، مخالفٌ الكتابَ والسنةَ والإجماع، يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.
وقد أجمع سلف الأمة على أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، وقد أجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بعيونهم، وثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى
(1/312)

ربَّه حتى يموت».

* ومن ادّعى أنّ المحرمات تحريمًا عامًّا كالفواحش والظلم والملاهي، حرامٌ على الناس حلالٌ له، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل. وإن ادعى في الدفوف أنها حرامٌ على بعض الناس دون بعض، فهذا مخالف للسنة والإجماع ولأئمة الدين، وهو ضالٌّ من الضُّلّال، وإن أصرَّ على اتباع هواه كان فاسقًا.
* وصلاة الرغائب بدعةٌ باتفاق أئمة الدين، لم يسنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدٌ من خلفائه الراشدين، ولا استحبَّها أحدٌ من أئمة الدين كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم، والحديث المرويّ فيها كذبٌ بإجماع أهل المعرفة بالحديث.
وكذلك الصلاة التي تُذكر أول ليلة الجمعة من رجب، وفي ليلة المعراج، وألفية نصف شعبان، وكذلك الصلوات التي تذكر في يوم الأحد والاثنين وغيرهن أيام الأسبوع. وإن كان قد ذكر هذه الصلاة
(1/313)

طائفةٌ من المصنفين في الرقائق والفضائل والفقه، فلا نزاع بين أهل المعرفة بالحديث أن أحاديثها موضوعة، ولا نزاع بين أهل المعرفة بالفقه أن هذه لم يستحبَّها أحدٌ من أئمة الدين، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تخصّوا ليلةَ الجمعة بقيام ولا يوم الجمعة بصيام». والأحاديث التي تُذكر في إحياء ليلة الجمعة وليلة العيدين كذبٌ على النبي صلى الله عليه وسلم.
* والضفدع إذا مات في ماءٍ قليل، فإن كان لها دمٌ يسيل، ففي نجاسته نزاع بين العلماء، فمذهب أبي حنيفة: لا ينجس، ومذهب الشافعي وأحمد: ينجس.
وليس هذه مسألة ما لا نفس له سائلة لم ينجس عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، فإن كان هذا في العسل ونحوه لم ينجسه، وأما الأول إذا كان في العسل فإن كان جامدًا ألقي وما حوله، وإن كان مائعًا ففيه قولان للعلماء وإحدى الروايتين عن
(1/314)

أحمد ومالك، فإنّ حكم المائعات حكم الماء، وهذا هو الأظهر في الدليل.

* وإذا قال لامرأته: إن دخلت الحجرة فأنت طالق، ودخلت ناسيةً، لم يقع الطلاق في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب أهل المدينة، كعَمْرو بن دينار وابن جريج وغيرهما، وهو أظهر قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
* فأما إذا باع حنطة إلى أجل واعتاض عن ثمنها بحنطة، فهذا فيه نزاع، فمذهب مالك وأحمد أنه يجوز، والأظهر أنه إذا كان في ذلك رفق بالمشتري، مثل أن لا يكون عنده إلا حنطة يحتاج أن يبيعها ويوفّي ثمنها، وإعطاءُ الحنطة أرفق به جاز، وإن لم يكن أرفق وإلا فلا.
* وليس قبل الجمعة سنةٌ راتبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ركعتان معدودة في وقت مخصوص، بل الذي جاءت به السنة: أن يصلي قبلها ما تيسَّر من حين يدخل المسجد. ومذهب مالك لا سنة لها، وكذلك الذي عليه الشافعي وجمهور أصحابه، وكذلك المشهور عن أحمد، ولكنَّ القول
(1/315)

عن أبي حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: أن قبلها سنة، قيل: ركعتان، وقيل: أربع.
ومن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة سنة فقد كذب عليه. فإن الثابت الصحيح أنه كان لا يؤذَّن على عهده إلا أذانه على المنبر، وقبل ذلك لا أذان، ولم يصلّ سنةً قبل الخروج. والله أعلم.
# # #
(1/316)

[مسائل فقهية مختلفة]
مسألة في أهل الذمة إذا أظهر أحدٌ منهم الأكل في رمضان، وأكلَ بين المسلمين، هل يُنْهون عن ذلك أم لا؟
الجواب: بل يُنهون عن ذلك، فإنَّ هذا من المنكرات في دين الإسلام، كما يُنهون عن إظهار شرب الخمر وأكل الخنزير، والله أعلم.
...

مسألة: في الدّعاء بعد الصلوات الخمس للإمام والمأمومين جميعًا هل هو مشروع أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
دعاء الإمام والمأمومين جميعًا بعد الصلوات الخمس ليس مأمورًا به في الكتاب والسنة، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، ولا استحبَّه أحدٌ من الأئمة الأربعة. لكن لو دعا الإنسانُ في نفسه عقيب الصلاة جاز ذلك، سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا.
والدعاء قبل السلام في الصلاة هو الأفضل، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، فإن المصليّ يناجي ربّه، فإذا دعا حال إقباله كان خيرًا مِن دعائه بعد انصرافه.
(1/317)

والسنة بعد السلام أن يذكر الله تعالى، كما جاءت به الأحاديث، مثل أن يسبِّح ثلاثًا وثلاثين ويختم بالتوحيد، والله أعلم.
...

مسألة: في وقوع الفأرة في اللبن الحليب واللبن المجمَّد والزيت وغيره من المائعات هل ينجس أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
إذا وقع الفأر الميت أو غيره من النجاسات في الأطعمة والأشربة ونحو ذلك غير الماء، فإن كان جامدًا ألقاه وما حوله -باتفاق الأئمة- وأكَلَ الباقي، وإن كان مائعًا ففيه قولان، أحدهما: أنه ينجس جميعه، والثاني: أنه كالماء، فإن كان كثيرًا ألقاه وما حوله وأكل الباقي. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك، وهذا هو الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ثبت عنه في «الصحيح»: أنه سئل عن فارة وقعت في سمن؟ فقال: «ألقوها وما حولها وكلوا سَمْنكم». ولم يفرّق بين أن يكون جامدًا أو مائعًا.
والحديث الذي ورد فيه حديثٌ ضعيف، كما بُسِطَ في
(1/318)

موضعه، وإن كان المائع قليلًا فقد قيل: إنه طاهرٌ أيضًا، وقيل: إنه يضمّ إليه كثيرًا، فإذا كان الكلّ قنطارًا فالجميع طاهر. والله أعلم.
...

مسألة: في الكلب إذا ولغ في اللبن أو غيره ما الذي يجب في ذلك؟
الجواب: الحمد لله.
الكلبُ تنازع فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه طاهر حتى ريقه، وهذا مذهب مالك.
والثاني: نجس حتى شعره، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
والثالث: أن شعره طاهر وريقه نجس، وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وهذا أصح الأقوال.
فإذا أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك، وإذا ولغ في الماء أُرِيق الماء. وإن ولغ في اللبن ونحوه: فَمِن العلماء من يقول: يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره. ومنهم من يقول: يراق، كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. فأما إن كان اللبن كثيرًا فالصحيح أنه لا ينجس، كما تقدم، والله أعلم.
***
(1/319)

مسألة: في الحيّة والعقرب وذوات السّموم إذا وقعت في المجمدات والمائعات، هل تنجس أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
إذا وقعت هذه الحيوانات في ماءٍ أو مائعٍ وخرجت حيّةً لم تنجِّس ذلك، في المشهور من مذاهب الأئمة. وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره: إنه ينجس لملاقاة أدبارِها لذلك، وهذا ضعيفٌ، فإن الحيوان إذا وقع في الماء ضمَّ دُبرَه، لكن قال الأطباء: إن في ذلك سمًّا يضرّ، تُرِكَ لأجل الضّرر، وإلا فلا نجاسة فيه، والله أعلم.
...

مسألة: في لحوم الخيل هل فيها كراهيةٌ أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
لحوم الخيل حلال عند جمهور العلماء كالشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقد ثبت في «الصحيح»: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أباحَ عامَ خيبر لحومَ الخيل، وحَرَّم لحومَ الحُمُر الأهلية. وثبت أنّ الصحابة نحروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا وأكلوا لحمه.
(1/320)

وأما الوضوء من لحمها كالوضوء مما مسّته النار، وهذا ليس بواجب عند الأئمة الأربعة لكنه مستحبٌّ في أصحّ القولين، والله أعلم.
...

مسألة: في التوضؤ من لحوم الإبل هل يجب أم لا؟ وما العلة في ذلك؟
الجواب: الحمد لله.
في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم»، قيل: أنصلي في أعطان الإبل؟ قال: «لا»، قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ»، قيل: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم».
فأمر بالوضوء من لُحْمانها ونهى عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها شياطين الأنعام، وعلى كلّ ذِرْوة بعير شيطان، فأعطانها مأوى الشياطين أو الشيطان، ومن أكل لحمها ولم يتوضَّأ يبقى فيه قوةٌ شيطانية تورثه الحقد وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، فإذا توضَّأ زال شرُّها، والله أعلم.
***
(1/321)

مسألة: هل تُفعل تحية المسجد في أوقات النهي أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، فإذا دخل [وقتُ] نهيٍ فهل يصلي؟
على قولين للعلماء، لكن أظهرها أنه يصلي؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر، وبعد العصر قد خُصّ منه صورٌ كثيرة، وخُصّ من نظيره، وهو وقت الخطبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدُكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي». فإذا أُمِر بالتحية في وقت الخطبة ففي هذه الأوقات أولى. والله أعلم.
...

مسألة: في مباشرة المصلي بجبهته هل يجب أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
(1/322)

إن كان له عُذْر كبرد الأرض أو حَرِّها أو غدد بجبهته يحتاج معه إلى العصابة ونحو ذلك= كان له أن لا يباشر المصلَّى، ولا ينبغي تركه، والله أعلم.
...

قال شيخ الإسلام بحر العلوم تقيّ الدين ابن تيمية رحمه الله في «القاعدة الشرعية»:
- لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر بالبسملة، وليس في الصّحاح ولا في السنن حديثٌ صحيح صريح، والأحاديث الصريحة كلها ضعيفة بل موضوعةٌ.
- وقال أيضًا: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على صلاة الضّحى باتفاق أهل العلم بسنّته، ومن زعم من الفقهاء أن ركعتي الضحى كانتا واجبتين عليه، فقد غلط، والحديث الذي يذكرونه: «ثلاثٌ هنّ عليّ فريضة وهنّ لكم تطوع: الوتر والتحيّة وركعتا الضحى». حديث موضوعٌ.
- العارية مضمونة في حال: وهو أنّ الشخص إذا اكترى بهيمة
(1/323)

وأعارها، ثم تلفت أنه يضمن، حكاه بعضهم.
- حديث: «الحمية رأس الدّواء، وعوّدوا كلّ جسد بما اعتاد». هذا حديث موضوع وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام بعض أطباء العرب، وهو الحارث بن كلَدَة. بفتح [اللام] والدال.
- وقد روى عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أحدًا أنزع للآية من كتاب الله عز وجل من مالك، سأله رجل عن اللعب بالشِّطْرَنج؟ فقال: أمِن الحقّ هو؟ قال: لا. قال: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32]. وعن علي رضي الله عنه: الشِّطْرنج ميسر العجم. وأنَّ ابن عباس رضي الله عنه وليَ مالَ يتيمٍ فأحرقها.
(1/324)

- وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: رجلٌ صالحٌ ولا يأخذ بالحديث! فقال أبي: لا يقال لهذا صالح ولا كرامة.
- ذكر إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله: نمرُّ على قوم وهم يلعبون بالنَّرْد والشِّطرنج نُسَلِّم عليهم؟ قال: ما هؤلاء بأهلٍ أن يُسَلَّم عليهم.
# # #
(1/325)

مسألة في باب الصفات
هل فيها ناسخ ومنسوخ أم لا؟
(1/327)

مسألة: في آيات الصفات هل فيها ناسخٌ ومنسوخٌ أم لا؟ وإذا تكلم فيها الإنسان عليه إثمٌ أم لا؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين.
ليس فيها ناسخٌ ولا منسوخٌ باتفاق المسلمين، وفي سائر ما أخبر الله به عن مخلوقاته، كقَصَص الأنبياء، ومن آمن بهم واتبعهم، وأمثال ذلك من الأخبار. فإن الخبر عن ذلك لو دَخَله نسخٌ لكان كذبًا، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّه عن ذلك سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
ولكنَّ النسخ يدخل في الأمر والنهي، والخبر الذي في معنى الأمر والنهي، كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، ونحو ذلك.
وأما الخبر الذي هو بمعنى الوعيد كقوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] فقد تنازع الناس هل يدخل فيه النسخ كما نُضقِل عن كثير من السلف والخلف أو لا يدخله كما قاله طائفة من الناس؟ على قولين.
ولكن آيات الصفات فيها ما قد يَفْهم بعضُ الجُهّال منه خلافَ مراد الله ورسوله، مثل من يفهم مِنْ قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد: 4] أن الله
(1/329)

ممتزج بالخلق، أو يفهم من: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] أن الله في جوف الأفلاك، أو يفهم من قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] أنه مفتقرٌ إلى العرش لحمله، أو يفهم من صفاته ما هو مُماثل لصفات المخلوقين، مثل أن يفهم من قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] أنه كسَمْع المخلوق وبصره، أو في قوله: {غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المجادلة: 14]، أنه غَلَيان دم القلب لطلب الانتقام. وأمثال ذلك مما قد يظنّ بعض الناس أن هذا هو مدلول الخطاب وظاهره.
فيجب أن يُنسخ من قلب هذا الجاهل ما ألقى الشيطانُ في نفسه من القول الباطل الذي ظنّ أنّه مدلول كتاب الله، ثم يُبيَّن له أن هذا ليس هو مراد الله من كتابه، ولا هو مدلول خطابه، ولا مدلول هُداه وبيانه. قال الله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} [الحج: 52].
فمن كان في نفسه اعتقاد باطل من آيات الصفات، وجَبَ أن ينسخَ من قلبه ذلك الاعتقاد الفاسد، ويُبيَّن له أنّ كتابَ الله هدًى وشفاء ونورٌ وبيان، لم يدلّ على ذلك المعنى الفاسد.
(1/330)

ومن تكلم بآيات الصفات كما جاءت على طريقة سلف الأمة وأئمتها فلا شيء عليه، ومن تكلم فيها بالباطل؛ إما بالتحريف والتعطيل، وإما بالتكييف والتمثيل، فإنه يُنْهى عن ذلك، فإن لم ينته وإلا عوقب على ذلك حتى ينتهي. إذ الواجب في ذلك أن يُوصفَ الله بما وصف به نفسَه وبما وصفَه به رسولُه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
قال نُعيم بن حماد الخزاعي: من شبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جَحَد ما وصف الله به نفسَه فقد كفر، وليس ما وصفَ الله به نفسَه ولا رسولُه تشبيهًا.
فمذهب السلف بين مذهب الجهمية المعطِّلة النافية للصفات، وبين مذهب الممثِّلة التي تمثِّل الخالق بالمخلوقات.
والله تعالى بعثَ رُسُله يخبرون عنه بإثبات مفصَّل ونفي مُجمل، وأعداء الرسل من المتفلسفة ونحوهم يصفونه بنفيٍ مفصَّل وإثبات مجمل.
كما أخبر الله في كتابه: أنه {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}،
(1/331)

وأنه {غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وأنه {عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، وأنه {سَمِيعٌ بَصِيرٌ}، وأنه {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}، وأنه كلم موسى تكليمًا، وأنه يحبّ المتقين، ويغْضَب على الكافرين، وأمثال ذلك من آيات الإثبات.
وقال تعالى في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] وأمثال ذلك.
وأما أعداء الرسل فيقولون: ليس بكذا ولا كذا ولا كذا، ثم يقولون في الإثبات: إنه موجودٌ مطلقٌ لا يتميز عن غيره بصفةٍ ولا نعت، أو ذات بلا صفات.
والعقل الصريح يعلم أنّ الوجود المطلق أو الذات المجرَّدة عن الصفات لا حقيقة لها في الخارج عن الذهن، ولا يُتصوّر وجود شيء مطلق، لا آدمي ولا فرس مطلق ولا حيوانٌ مطلق! فمن قال: إنّ الربّ سبحانه وتعالى هو وجودٌ مطلق، فقد عَطَّله وأبطل أن يكون سبحانه وتعالى موجودًا، وكان في الحقيقة موافقًا لفرعون الذي قال: {وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ} [الشعراء: 23]. وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع، والله أعلم.
# # #
(1/332)

مسألة: في قول أبي حنيفة
في «الفقه الأكبر» في الاستواء
(1/333)

مسألة: فيمن أورد مسألة من «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة رحمه الله، أن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ينفي أنّ الله فوق السموات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دلَّ على أنه نفسَه فوق العرش. فأنكروا عليه وقالوا: هذا كفرٌ. وأيضًا: لا يجوز أن يقال عن الله «نفسه» فيكون تشبيهًا، فهل هو كفر أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
من كفَّر أبا حنيفة ونحوه من أئمة الإسلام الذين قالوا: إن [الله] فوق العرش، فهو أحقّ بالتكفير؛ فإنّ أئمة الإسلام الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، ولهم في الأمة لسان صدق من الصحابة والتابعين وتابعيهم، كالخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر [وعثمان] وعلي، وابن مسعود وابن عباس ونحوهم، ومثل سعيد بن
(1/335)

المسيب والحسن البصري وإبراهيم النَّخَعي وعطاء بن أبي ربَاح، ومثل مالك والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وأمثال هؤلاء= من كفَّرهم فقد خالف إجماع الأمة وفارق دينها، فإنَّ المؤمنين كلهم يعظِّمون هؤلاء ويحسنون القولَ فيهم، وتكفيرُهم هو مِن جنس قول الرافضة الذين يكفِّرون أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرًا قليلًا، ومِن جنس الخوارج الذين يكفِّرون عثمان وعلي بن أبي طالب ومَن والاهما من المسلمين، فيقتلون أهل الإسلام ويَدَعون عبَدَة الأوثان.
وهؤلاء قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيهم من غير وجهٍ، قال فيهم: «يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجِرَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهمُ من الرَّميّة، أينما لقيتموهم [فاقتلوهم] فإنّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة».
وهذا القول المذكور عن أبي حنيفة هو قول سائر أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن سمَّيناهم ومن لم نسمِّهم، كلهم متفقون على أنَّ الله فوق سماواته على عرشه. لم يقل أحدٌ منهم: إن الله بذاته في الأرض، ولا أنه ليس فوق العرش.
(1/336)

والقرآن والسنة المتواترة قد دلَّت على مثل ما أجمع عليه هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم، والعُقول والفطرة تشهد بذلك؛ فإن الله سبحانه كان قبل أن يخلق السموات والأرض ثم خلقهما، ولا يجوز أن يكون خَلَقهما ثم دخل فيهما؛ فإنه سبحانه مقدَّسٌ عن ذلك. فعُلِمَ أنه خَلَق الخلق ولم يدخل فيهم، بل هو بائنٌ عن الخلق، وهو عليم بأحوالهم، كما قال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4].
قال ابن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين أُخِذَ عنهم تفسير القرآن على أن معنى الآية: أنه مع الخلق بعلمٍ وهو فوق العرش، وما خالفهم في ذلك أحدٌ يُحتجُّ بقوله.
وأمّا قول القائل: لا يجوز أن يقال عن الله: «نفسه» فيكون تشبيهًا.
فهذا ضالٌّ مفترٍ، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل؛ فإن الله تعالى قال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ} [الأنعام: 54]، وقال لموسى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41]، وقال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 30]، وقال المسيح عليه السلام: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116].
(1/337)

وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «سبحان الله عَدَد خلقه، سبحان الله زِنَة عرشه، سبحان الله رِضا نفسه». وفي «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحدٌ أحبّ إليه المدح مِن الله، مِن أجل ذلك مدحَ نفسَه».
وفي «صحيح مسلم» أيضًا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده: «اللهم إني أعوذُ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنتَ كما اثنيتَ على نفسك».
وفي «الصحيحين» أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله: أنا عند ظنّ عبدي المؤمن، وأنا معه إذا ذَكَرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خير منهم، وإن تقرَّبَ إليّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا وإن تقرب إليّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة».
وفي «صحيح مسلم» عن أبي ذرّ الغِفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي إني حَّرمتُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تَظَالَموا».
(1/338)

وفي «الصحيحين» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لمَّا خلقَ الله الخلقَ كتب كتابًا على نفسه فهو موضوعٌ عنده فوق العرش: أن رحمتي تغلب غضبي». وجاء هذا من أحاديث لا تحصى. [وأمثال ذلك مما لا يحصى وهذا مما اتفق عليه المسلمون].
وقد ذهب طائفةٌ من المنتسبين إلى السنة: أن النفس لله كسائر الصفات الخبرية، والمشهور عند أهل السنة وجمهور الناس: [أن] نفسَه هو سبحانه، فإذا قال: (الاستواء) دلَّ على أنه نفسَه فوق العرش، فلم يُرِد بهذا اللفظ معنًى آخر بل هو سبحانه نفسه، والعرب تقول: رأيت فلانا نفسَه، وفلانا عينَه، فيكون ذلك توكيدًا له، أي رأيته هو ولم أر غيره. فإذا قال: «على أنه نفسَه فوق العرش» كان توكيدًا للكلام، أي هو فوق العرش ليس الذي فوق العرش غيرُه.
وهذا لا ينازع فيه مسلم، فمتى قال: «إن الله فوق العرش» [أراد] أنه نفسه فوق العرش، لم يقل: إن الذي فوق العرش شيء غيره. وقد قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ
(1/339)

اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3]، والذي خلق السموات هو الذي استوى على العرش، والذي خلق هو نفسُه، والذي استوى هو نفسُه.
وقد ذكر غيرُ واحدٍ إجماعَ أهل السنة والجماعة على أنّ الله نفسه استوى على عرشه موافقًا لما قاله أبو حنيفة. ومَنْ ينازع في ذلك وزعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يعرج به إلى ربه، وزعم أنه ليس فوق السموات ربٌّ يُعبَد، ولا إله يُصلَّى له ويُسْجَد، وأنه ليس هناك إلا العدم المحض والنفي الصِّرْف. وهذا قول الجهمية الضالة الذين يؤول قولهم إلى جَحْد الصانع وإنكار الخالق. تعالى الله عما يقول الظالمون عُلوًّا كبيرًا.
وأما قول الجاهل: إن هذا تشبيه. فيقال له: التشبيه المنفيّ عن الله ليس هو بالموافقة في الأسماء، فإن الله تعالى قد سمى نفسه وسمى بعض عباده فقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255]، وقال: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس: 70]، وسمى نفسه: سميعًا بصيرًا، وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، وسمى الإنسان: سميعًا بصيرًا فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]. وسمى نفسه
(1/340)

بالرؤوف الرحيم فقال: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرُءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: 65]، وسمى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرؤوف الرحيم فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، [وكذلك سمى نفسه عليمًا حليمًا] وسمَّى بعضَ [عبادِه] بالعليم وبالحليم كما قال: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101]، وفي موضع: {بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]، وسمى نفسه الملك فقال: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [الحشر: 23]، وسمى بعض خلقه بالملك فقال: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} [يوسف: 50]، وسمى نفسه بـ {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23]، وسمى بعض خلقه العزيز: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} [يوسف: 51]، وسمى نفسه بـ (المؤمن)، وسمَّى بعض خلقه بالمؤمن، فقال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ} [غافر: 28]، وأمثال هذا.
ومعلومٌ أن هذا باتفاق المسلمين لا يقتضي أن يكون مثل خلقه؛ لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3 - 4]،
(1/341)

{فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].
فإذا كانت هذه الأسماء دالة على الصفات لا توجب ما يُنفى عنه من التشبيه بخلقه، فكيف اسم «النفس» يوجب التشبيه المنفي عنه!؟
وليس في هذا الإسم من الدلالة على الصفات ما في تلك الأسماء؛ فإن هذا الإسم يقال لكلِّ موجود، لو قال: هذا الكون نفسه، وهذا الكوكب نفسه، وهذا الإنسان نفسه، فهو بمنزلة الذات والشيء ونحو ذلك من الأسماء العامة.
ومعلومٌ أن التشبيه بالأسماء التي تكون لبعض الأحياء أولى منه بالأسماء العامة التي تُطلق على كلِّ شيء، فإذا كانت الأسماء الخاصة لا يقع بالموافقه فيها من التشبيه ما يجب نفيه عن الله تعالى، فكيف بالأسماء العامة؟ والمسلمون نفوا التشبيه عن الله، مثل الشيء يجوز عليه [ما يجوز عليه]، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه؛ فلو كان لله مِثْلٌ للزم أن يجب لكلٍّ منهما القِدَم والحدوث والإمكان والوجوب والعدم، وذلك جمعٌ بين النقيضين وهو محال.
فوجب نفي التشبيه عن الله لأنه محالٌ في العقل، والله سبحانه وتعالى قد تنزَّه عنه بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].
(1/342)

وأما التشبيه بأسمائه التي سمى بها نفسه، وإن تسمَّى بها بعض المخلوقين، فهذا ليس بمحال في شرع ولا عقل. ومن قال: إنّ هذا تشبيهٌ يجبُ نفيه عن الله؛ فهو كاذبٌ مفترٍ ضالٌّ باتفاق سلف الأمة وأئمتها. والله أعلم.
# # #
(1/343)

مسألة في العلو
(1/345)

مسألة: في رجلين تكلَّما في مسألة العلو، فقال أحدهما: إن الله سبحانه وتعالى فوق العرش. وقال الآخر: مَن قال: إنّ الله فوق السماء فقد كَفَر. بينوا لنا الصواب؟
الجواب: الحمد لله.
أما القائل الأول فقد أصاب فيما قال، ولا إنكار عليه باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد، وشيوخ المسلمين، كالفُضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني والجُنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التُّسْتَري وغيرهم.
اللهم إلا أن يقترن بذلك مِنَ الاعتقاد أو القول ما لا يجوز؛ مثل أن يعتقد أن الله مفتقر إلى العرش ومحتاج إليه، أو يُمثِّل استواءَه باستواء المخلوقين، فمن قال ما يوجب افتقار الله إلى شيء من المخلوقات، فهو ضالٌّ مخطئ مخالفٌ للشرع والعقل.
والله سبحانه وتعالى خلق المخلوقات وجعل بعضَها فوق بعضٍ ولم يجعل عاليها سافلها، فإنه سبحانه -وله الحمد- خلق السماء فوق الأرض وليست السماء مفتقرة إلى الأرض، وخلق العرش فوق السموات وليس هو مفتقرًا إلى السموات، بل جعل العرش
(1/347)

فوق الجنة كما ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن». فكيف يكون ربّ السموات ورب الأرض [و] ربّ العرش مفتقرًا إلى العرش أو إلى السموات؟
بل جاء في الحديث: إن الله لما خلق العرش وأمر الملائكة بحمله، قالوا: ربنا كيف نحمل عرشَك وعليه عَظَمَتُك؟ فأمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فأطاقوا حمل العرش.
فالملائكة الذين أخبر الله عنهم أنهم يحملون العرش، كما قال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7]، وهم لا يطيقون حمله إلا بقوة الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه ربُّ كلّ شيء ومليكُه وخالقُه، وكلُّ ما سواه -العرش فما دونه- مفتقر إليه. وهو سبحانه القيّوم الصمد، القيّوم عن كلِّ ما سواه مع أنه بائنٌ عن مخلوقاته، ليس هو في مخلوقاته بل هو فوق سماواته على العرش بائنٌ من خلقه.
(1/348)

وكذلك من قال: إن استواءه على العرش كاستواء المخلوق على المخلوق، فإنه بمنزلة من يقول: إن سمعه كسمع المخلوق، وبصره كبصر المخلوق، وكلامه مثل كلام المخلوق، ويده مثل يد المخلوق. وهذا كلام أهل التشبيه والتمثيل، وهم من أهل الأباطيل.
وأما الذي قال: «من قال: إن الله في السماء فقد كفر». فقد أخطأ بإجماع سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم متفقون على أنه لا يُكَفَّر أحدٌ بإطلاق هذا القول. فإن هذا قد ثبت إطلاقه في الكتاب والسنة، واتفق على ذلك سلف الأمة، قال الله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16 - 17]. وقد ثبت في الصحيح والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية: «أين الله»؟ قالت: في السماء، قال: «مَنْ أنا»؟ قالت: رسول الله. قال: «أعتِقْها فإنها مؤمنة».
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قالت الجارية: إن الله في السماء، شهد لها بالإيمان؛ فمَنْ شهد لقائل ذلك بالكفر، فقد شاقّ الرسولَ مِنْ بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
(1/349)

وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]. وثبت في «الصحيح» أنه قال: «ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء». وصحّ عنه أنه قال: «الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء». ونظائر هذا كثير.
ولكن إن قال من قال: إن الله في السماء ويَقْرِن بذلك اعتقادًا فاسدًا وقولًا باطلًا، مثل أن يظن أن معنى ذلك أن الله في السماء كما أن الشمسَ والقمر في السماء والأفلاك محيطة به ونحوه، فمن اعتقد أن في قول الله ورسوله والمؤمنين: «إن الله في السماء» أنه في جوف الأفلاك= فهو ضالٌّ مخطئٌ؛ فإنه قد ثبت بالمنصوص والمعقول أن الله فوق العرش، فكيف تكون السماء التي تحت العرش تحيط به وتحويه؟
وقد قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، ثم يهزهنَّ ويقول: «أنا الملك أنا الملك أين ملوك الأرض؟». وفي رواية:
(1/350)

«يدحوها كما تُدْحى الكرة».
وقال ابن عباس: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلةٍ في يد أحدكم. وقد قال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] أي: لا يُثْقِله ولا يُكْرِثُه.
فإذا كان الكرسيُّ قد وَسِع السموات والأرض -وقد جاء في الحديث: أن الكرسي في العرش كحَلْقةٍ ملقاةٍ بأرض فلاة، والله فوق العرش- فكيف تحويه السموات وتحصره وتحوزه!؟
وقد قال تعالى: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 137]، وقال: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، وقال: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: 26]، ومع هذا فهؤلاء ليسوا في جوف الأرض ولا جوف الجذوع، بل هم عليها وفوقها.
ولفظ «السماء» يراد به العلوّ مطلقًا، ويراد به الأجسام المخلوقة،
(1/351)

والله تعالى فوق المخلوقات. يقول المسلمون: «إن الله في السماء»، أي فوق العلوّ فوق العرش، ليس معناه أن المخلوقات تحوزه وتحيط به، بل هو العليُّ الأعلى، وهو العليّ العظيم، وهو أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
ومن كفّر من قال: «إن الله في السماء» من غير أن يقترن هذا القائل بقوله كفرٌ؛ فهذا المُكفِّر أحقّ بالتكفير؛ فقد نصَّ الأئمةُ الكبار على كفر من أنكر ذلك، كما نصّ على ذلك أبو حنيفة في كتاب «الفقه الأكبر»، وقال: «من أنكر أن الله في السماء فقد كفر».
وقال الإمام أبو بكر بن خزيمة -وهو أجَلُّ من يُعْتَمد عليه من أصحاب الشافعي في السنّة والحديث- قال: من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل، وألقي على مزبلةٍ؛ لئلا يتأذَّى بِنَتَن رِيحِه أهلُ القبلة ولا أهلُ الذمة.
وكلامُ السلف والأئمة في تكفير من ينكر أن الله فوقَ العرش ونحو ذلك، كثير مشهورٌ منتشر، ولم ينكر أحدٌ منهم ذلك فضلًا عن تكفير قائله.
(1/352)

لكن إذا كان المُنكِر لذلك والمكفِّر لقائله ممن يُعذَر بالجهل لعدم علمه لما في ذلك من النصوص والإجماع وكلام السلف والأئمة، كونه ظنّ أن ذلك يقتضي نقصًا في حق الله لاحتياجه إلى المخلوقات، وكونها أعظم منه وأكبر ونحو ذلك، فلا يكَفَّر مثل هذا حتى تُبيَّن له الحُجّة التي يَكْفُر مخالفها، فإنّ المسلم قد يخطئ ويغلط في فهم القرآن والسنة، أو في إنكار ما لم يبلغه من ذلك، وليس كلُّ من أخطأ وغلط بكافرٍ. والله أعلم.
# # #
(1/353)

معنى حديث: «من تقرَّب إليَّ شِبرًا ...»
(1/355)

وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربّه: «من تقرّب إليَّ شِبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة».
فجوابه من وجوه:
أحدها: أن يُعلَم أولًا أنّ هذا الحديث ليس فيه إخبارٌ مطلق عن الله بمشيٍ وهرولةٍ، وإنما هو معلّقٌ بفعل العبد، مذكورٌ على سبيل الجزاء والمقابلة، فقال: «من تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة».
فتقرُّب العبد إلى ربّه [لو كان] مقدّرًا بالمساحة متضمِّنًا للمشي، أمكن أن يقول القائل: فظاهر هذا الحديث أن تقرّب الرب كذلك، وإن كان العبد يعلم أن تقرّبه إنما هو [بإيمانه]، وعمله الصالح، فكيف يظنّ في تقرّب الربّ ما لا يظنه في تقرّبه بنفسه؟!
والغرض اقتراب أحد المتقرّبين بالآخر، أو ذِكْره لأحدهما على
(1/357)

سبيل الجزاء على الآخر والثواب له، وأن الأول شرطٌ لغوي، وهو سبب معنوي، والمسبّب من جنس السبب.
فهذا التركيب والتأليف يوجب أن لا يدلّ الثاني ولا يُفْهِم ما يُعْلَم أن الأوّل لم يدلّ عليه ولم يُفْهِمه. فكيف يُظنّ أن يكون ظاهر ما حكاه عن ربّه هو ما يُنزِّه نفسَه عنه؟!
الوجه الثاني: أنا نحن فقد قدّمنا تقرُّب الله من عبده وقربه منه، وأن ذلك جائز عند السلف وأكثر الخلف من أهل الحديث والفقهاء ومتكلِّميهم، والأشعري وغيرهم، وذكرنا بعض الألفاظ في ذلك، وإتيانه ومجيئه ونزوله ودنوّه وغير ذلك، فلم يكن القُرْب عليه ممتنعًا، [وهو] عندهم في الجملة حقّ.
وإذا كان كذلك سلكوا الجوابَ المركَّب، فقالوا: أيّ نصّ فُرِض، فإما أن يكون ظاهره يدلّ على القرب، أو لا يكون ظاهره يدلّ على
(1/358)

القرب، فإن كان الأول، لم يكن حَمْله على ظاهره ممتنعًا، ولم يكن صَرْفه واجبًا. وإن كان ظاهره لا يدلّ على قربه بنفسه، لم يكن أيضًا محتاجًا إلى الصرف عن الظاهر الذي يسمونه: التأويل، فلا يَرِد عليهم نقض على التقديرين.
فيقال: هذا الحديث إن كان ظاهره قُرْب الرّب بنفسه، فذاك ممكن، فإن لم يكن هذا ظاهره، فلا حاجة إلى صرفه عن ظاهره.
ثم كثير منهم يقولون: ليس ظاهره القرب بنفسه، وإنما هو مَثَلٌ ضربه؛ لأن جزاءه أعظم من عمل العبد. وأخرج ذلك على وجه المقابلة فقال: «من تقرَّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا» والذراعُ ضِعْف الشّبْر. «ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا» والباع ضعف الذراع. «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» والهرولة ضعف المشي.
قالوا: ومعلومٌ أنَّ إتيان العبدِ ربَّه وتقرّبه إليه لا يحتاج إلى مشيه، فقد يكون بإيمانٍ وعِلْم. وهذا قول كثير ممن يفرّ عن هذا الحديث، ويقول: هذا الحديث معناه ظاهر ليس من أحاديث الصفات.
ومنهم من يخالف هؤلاء*.
__________
* كتب الناسخ في هامش الصفحة: «إلى هاهنا نقلته ووجدته من خط شيخ الإسلام رحمه الله، في .. خامس جمادى الأولى ..». ثم ترك نصف الصفحة فارغًا، وابتدأ الورقة الأخرى بما سيأتي.
(1/359)

ومن أهل العلم والكلام الناصرين للسنة من يقول في هذا الحديث ونحوه: إنه مصروفٌ عن ظاهره، كما ذكره عبد العزيز المكي في «الرد على الجهمية الزنادقة».
قال عبد العزيز: باب الأحاديث التي نزعوها من القرآن وجهلوا معناها. فمن ذلك ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما حُمِل على أليق المعاني به، ولم يُحْمَل على ظاهره: قوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، قال: فلم يُحْمَل على ظاهره؛ لأن العرب تَعْقل أنَّ الفراشَ لا ولد له ولا والد، لكن المعنى فيه عندنا: أن الولد لصاحب الفراش، لا يشكّ فيه أحدٌ.
ومثله ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: لو أتاني عبدي بقراب الأرض خطيئة أتيته بقرابها -أي ملئها- مغفرة ما لم يشرك بي شيئًا، ومن دنى منِّي شبرًا دنوت منه ذراعًا، ومن دنا مني ذراعًا دنوت منها باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». فعقلوا ما خاطبهم به النبي صلى الله عليه وسلم: أنّ العبد لا يمشي إلى ربّه، وربّه لا يهرول إليه، وإنما أريد بذلك:
(1/360)

من دنا منّي بالعمل الصالح بقدر شبرٍ أتيته بالثواب قدر ذراع، والذراع أكثر من الشبر وكذلك من الباع. وقال: «من أتاني يمشي»، يقول: يسارع إليّ بالعمل الصالح، أسرعتُ إليه بالثواب. يريد بالهرولة الثواب، لا أن الهرولة أسرع من المشي، يقول: ثوابي أكثر من عمله.
فهذا مما لا يُحْمَل على ظاهره وما كان مثله؛ فمن الحديث ما يكون معناه في باطنه، ومنه ما يكون معناه في ظاهره.
فهذا الذي قاله في معناه تقوله طائفةٌ من الناس وتُنازِعُهم فيه طوائف، فيجعلون معنى الحديث قدرًا زائدًا على الثواب، كما تقدم في القُرْب.
وأما كون ذلك وَفْق الظاهر أو خلاف الظاهر ففيه أيضًا نزاع، كما تنازعوا في أن ما ظهر معناه في العقل هل يقال: إنه خلاف الظاهر؟ كما في قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، كما ظهر معناه بالتركيب والسياق.
كذلك ما ذكره من حديث الفراش، فإنه قد ثبت في «الصحيح»: «الولد لصاحب الفراش»، وأحد اللفظين يفسّر الآخر، والمعنى من الحديث ظاهر، بل نصٌّ لا يحتمل معنيين، ولكن بعض الفقهاء اعتقد أن الفراش اسم للزوج خاصة، حتى أخرجَ السيدَ المتسرّي، وجمهور
(1/361)

الفقهاء على العموم لهما، كما جاء ذلك منصوصًا في تنازع سعد بن أبي وقاص وعَبْد بن زَمْعة في ابن وليدة زمعة، فأشهر الأحاديث وأصحها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش»، كان في سيّدٍ واطئ وليدةٍ لا في زوج، فلا يجوز إخراج ذلك من الحديث.
ولكن وجه دلالة اللفظ على المعنى هل هو من باب حذف المضاف أو من باب الاستعارة وتسمية صاحب الفراش: فراشًا، كما تسمى المرأة: إزارًا، ويسمى كلٌّ من الزوجين لباسًا للآخر؟
أو أن تكون الإضافة على ظاهره، وإضافته إلى الفراش تقتضي أن يكون لصاحبها؟ هذه الأمور مما تكلم الناس فيها من غير أن يكون ظاهر الحديث الذي يظهر للمستمعين: أنّ الفراشَ وَلَدت الولدَ.
وفي الجملة فتَنازُع الناس في مثل هذه المعاني هل هو مخالفٌ للظاهر أو موافقُه معروف؟ فإن كانت مخالفة للظاهر، فلا بدَّ أن يكون في الأدلة الشرعية ما يدلُّ على المعنى الصحيح.
وقد قدمنا غير مرة: أن ما تُرِكَ ظاهرُه من القرآن والحديث بقرآنٍ أو حديثٍ، فهذا مما لا نزاع فيه، وهو مما تسميه السلف: الناسخ والمنسوخ، فهذا هذا. والله أعلم.
***
(1/362)

قال الناسخ: نُقِل من خط الشيخ الإمام شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين أحمد ابن تيمية بحضور ترجمانه ولسان قلمه: الشيخ شمس الدين أبي عبد الله بن رُشَيِّق، والمقابلة عليه وهو مُمْسِك بأصل الشيخ رحمه الله، والشيخ سليمان يقرأ، وذلك في ثالث شهر جمادى الأولى من شهور سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
# # #
(1/363)

مسألة في إثبات التوحيد والنبوات بالنقل الصحيح والعقل الصريح
(1/365)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سئل الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني رحمه الله ورضي عنه عن العقل قبل ورود الشرائع، هل هو حجة أم لا؟ وإذا لم يكن حجة فبم تثبت النبوات؟ وبم استدل إبراهيم عليه السلام حين قال: {هَذَا رَبِّي}؟
فأجاب عنه: الحمد لله رب العالمين.
العقل يُراد به الغريزة التي جعلها الله في الإنسان، ويراد به العلوم والأعمال التي تُستفاد بهذه الغريزة. والعقل شرطٌ في الإيمان بالله ومعرفة كتبه ورسله، لا يحصل العلم والإيمان بدون العقل، ولكن الحجة التي يعذّب الله من خالفها تثبتُ بالرسل، كما قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وقال تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك: 8 - 9]. فقد أخبر تعالى أن كلَّ مَن ألقي في النار جاءه نذير.
(1/367)

والرسُل صلوات الله عليهم وسلامه إذا بلّغوا الناسَ رسالات ربهم، فإنه بما جعل الله في الناس من العقول، وبما أُتوا به من الآيات يُعرف صدق الرسل ويحصل الإيمان بهم، وبمجرّد العقل قد يعرف الإنسان أن له خالقًا، ويعرف بعضَ صفاته، وأما التفاصيل التي جاءت بها الرسل فلا تُعرف إلا من جهتهم، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءِ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50].
ومحمد صلوات الله عليه وسلامه كان أكمل الناس عقلًا، وكان مُقرًّا بربه عزّ وجل قبل النبوّة، ومع هذا فقد قال: {وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50]، وقال الله تعالى له: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52] وهو الإيمان بالغيب الذي جاء به جبريل عليه السلام، الذي لم يكن يعرفه قبل هذا.
وتعريف الرسل على وجهين: تارة تُنبِّه القلوب وترشدها وتذكِّرها بما فيها، فيعلم الإنسان بعقله ونظره واستدلاله الذي دلَّه عليه الرسول وأرشده إليه ما أخبره به الرسول، ولا يكون في هذا مقلِّدًا للمخبر ولا
(1/368)

مستفيدًا له بمجرد خبره، بل بالنظر والاستدلال العقلي الذي أرشده إليه الرسول، كما بيَّن الله تعالى في القرآن الدلائل الدالة على وحدانيته، وصِدْق رُسله، وإمكان المعاد، وإثبات صفاته.
والرسل صلوات الله عليهم وسلامه لمَّا جاءوا بالآيات والبراهين عُرِف صدقهم بالنظر والاستدلال بالعقل.
والتعريف الثاني: أن تخبرهم الرسل بما لا تهتدي إليه عقولُهم، بهذا يعرفونه بإخبار الرسول؛ لكونهم استدلوا بالعقل على صدق الرسول بالآيات الدالة على صدقه. وإبراهيم عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء والرسل استدلوا بالدلائل العقلية والبراهين اليقينية، وكانوا مرشدين للناس إلى الاستدلال بها، وهو الطريق الأول من طريق تعريف الرسل عليهم السلام.
فقول القائل في العقل: هل هو حجة؟ إن أراد به هل يُعْرف بالعقل شيءٌ من العلوم الإلهية وغيرها بدون الرسل، فلا ريبَ أن العقول يُعرَف بها كثير من العلوم مع قطع النظر عن الشرائع.
وإن أراد به هل تقوم الحجة على العباد بمجرّد عقولهم، فيعاقبهم الله على كفرهم لمخالفتهم مجرّد العقل، من غير أن يبعث الله إليهم رسولًا؟ فالذي عليه جمهور المسلمين: أن الله تعالى لا يعذِّب أحدًا
(1/369)

حتى يبعث إليه رسولًا، كما نطق بذلك الكتاب والسنة. وإذا جاء الرسول بالآيات ثبتَ الوجوب، ولزم العباد أن يؤمنوا به، واستحقّوا الذمَّ والعقاب إذا لم يؤمنوا، سواء نظروا أو لم ينظروا، فالوجوب لا يتوقف على النظر باتفاق الناس، وشرط العقاب التمكّن من العلم والعمل. والعبد متمكِّن من معرفة صدق الرسول، فإذا لم ينظر ولم يعلم كان مفرّطًا مستحقًّا للعقاب.
وقول السائل: بِمَ تثبت النبوات؟
فثبوتها في نفس الأمر بإنباء الله للأنبياء وإرساله الرسل. وأما ثبوتها في أنفسنا وعلمنا بها بالآيات والبراهين التي جاءت بها الأنبياء عليهم السلام، فاستدللنا بعقولنا بتلك الأدلة والآيات على صدقهم، كما يُستدلّ بكلّ دليل صحيح على مدلوله.
وقوله: بِمَ استدل به إبراهيم عليه السلام؟
فيقال: استدلّ بالأدلة العقيلة، لكنه استدلَّ بالأفول -الذي هو الاحتجاب والمغيب- على أنَّ مَنْ كان كذلك لا يصلح أن يُتخذ ربًّا، فإن قومَه كانوا يعبدون الكواكب والأصنام لظنهم أن ذلك ينفعهم، وكانوا يشركون بالله، ولم يكونوا منكرين للصانع.
ولا أراد إبراهيم بقوله: {هَذَا رَبِّي} أن هذا خالق السموات والأرض؛ فإن هذا لا يقوله عاقلٌ، ولم يقله أحدٌ من بني آدم، ولا استدلَّ بالحركة والانتقال على انتفاء هذا المطلوب، بل ما زال الكوكب من
(1/370)

حين رآه إلى أن أفل سائرًا وهو لا يستدل بحركته على شيء، وإنما استدل بالأفول والاحتجاب.
وكان الواحد منهم يتخذ له كوكبًا يعبده يستجلب بذلك نَفْعَه، وكانت الشياطين تتنزَّلُ عليهم وتخاطبهم، كما يحصل لأهل دعوة الكواكب. فبيَّن الخليلُ عليه السلام أنّ المعبود الذي يستحقّ العبادة هو الذي يكون حيًّا قيّومًا عالمًا قادرًا مُدبّرًا لعباده في كلّ وقت، فإنه لا يُستغنى عنه في وقت من الأوقات، والآفل المُحْتجب الذي ليس بشهيدٍ على عابده، ولا بسميعٍ لأقواله، ولا قادرٍ على تدبيره= لا يصلح لذلك. فهذا ونحوه وجه حجة إبراهيم.
ولهذا لمَّا حاجّه قومُه قال: {قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 80 - 82]، وقال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258].
(1/371)

وإنما حاجَّه إبراهيم بالدليل والنظر والعقل لا بمجرّد الخبر السمعي، ولا يقول عاقل: إنه يُعْلَم بخبر المخبر ما يُخْبِر به قبل أن يُعْلَم أنه صادقٌ في خبره، ولكن كثير من النظَّار يظنون أنّ الاستدلال بالكتاب والسنة، والاستدلال بسائر كلام الأنبياء إنما هو بمجرَّد خبرهم، قالوا: فلا بدّ أن نثبت بالأدلة العقلية قبل ذلك أنهم صادقون، وهذا كلام صحيح، لكنهم غلطوا من وجهين:
أحدهما: ظنهم أنّ الرسل لم تبيِّن للناس من الأدلة العقلية ما يعرفون به إثبات الصانع، وصِدْق رسله. وهذا غلطٌ عظيم، فإنّ الرسول إذا دعا قومًا إلى الله، فلا تتم دعوته إلا بأن يُبين ما يُعرف به صدقُه، ولا يُعرف صدقه إلا بأن يعرف الصانع، وتقوم الآيات على صدق رسله، فكيف يتوهّم أن الرسل إنما قادوا الناس بمجرّد أخبارٍ لا دليل على صدقها! وهل يَظنُّ هذا بالرسل إلا من هو مُفْرِطٌ في الجهل، بل الرسل بينوا للناس ما يُعرِّف صدقَهم، والقرآن مملوء من البراهين والآيات الدالة على صدق الرسل، بل وعلى إثبات الصانع، وقدرته وعلمه ووحدانيته وسائر المقدّمات التي يُظنّ أنّ العلم بصدق الرسول موقوفٌ عليها.
الوجه الثاني: أن هؤلاء سلكوا في إثبات الصانع وتصديق الرسول طرقًا مُتبدعَة ليست هي الطرق التي جاءت بها الأنبياء، فكانت تلك الطرق مبتدعَة في الدين ليست هي طرق المرسلين التي علموها للناس ودعوهم بها.
(1/372)

ثم إنّ تلك الطرق البدعيّة لها لوازم، فاحتاج من استدلّ بها أن يلتزمَ لوازمَها، فإنّ ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع. وكانت لها لوازم تُناقض كثيرًا مما جاء به الرسول، فصار هؤلاء يريدون إثبات صدق الرسول بما يستلزم تكذيبَ الرسول. وصار كثير من الناس الذين عرفوا أنَّ طرقَهم طرقٌ مبتدعَة في الشرع، يعتقدون أنها مع ذلك طرق صحيحة تُعرف صحتها بالعقل، وإن لم تكن طرقًا شرعية. ورأوا معارضتها لكثير مما أخبر به الرسول، فصاروا حائرين إن أبطلوا تلك الطرق ظنوا أنهم أبطلوا الأصول العقلية التي ثبت بها صدق الرسول، وإن صحَّحوها لزمهم تكذيب كثير مما جاء به الرسول.
فمن صحح تلك الطرق التزم إما تحريف ما جاء به الرسول، وإما الإعراض عن تدبّره وفهمه.
وأما من كان له خبرة بحقائق تلك الطرق المبتَدَعَة، فإنه علم أنها -كما هي بدعة في الشرع فهي باطلة- ليست أصولًا للعلم بما جاء به الرسول، بل هي مناقضة لما جاء به الرسول، مع مناقضتها لصريح المعقول، وهم زعموا أنهم أثبتوا بها أنّ الله خالق لهذا العالم، وأنه قادرٌ عالمٌ، وأنه متكلمٌ، فيكون إرساله للرسول ممكِنًا مقدورًا.
ومن كان له خبرة بحقائق الصفات علم أن العلم بكون الرب خالقًا
(1/373)

لهذا العالم، وأنه قادرٌ عالم متكلمٌ منزلٌ للقرآن مرسل للرسول، إمّا ثبت بإبطال هذه الأصول المبتدَعَة، وإما بإبطال اعتقاد صحتها، فإنه مناقضٌ للعلم الذي هو أصول الدين، التي بها يُعلم صدق الرسول.
وهذه الجملة لها تفصيل مبسوطٌ في غير هذا الموضع. والله أعلم.
# # #
(1/374)

قاعدة مختصرة
في الحُسْن والقُبْح العقليين
(1/375)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي
الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده لله فلا مضلّ له، ومن يُضْلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.

فصل في الحكم العقلي
فالأفعال إما شرعيّة وإما عقليّة، لكنَّ العقل كاشفٌ لحكمها لا مثبت له، والشارع مثبتٌ وكاشف. ومن الناس من يقول: بل هو مثبت فقط، ومنهم من يقول: بل هو كاشف فقط.
وأحكام الأفعال هي المعروفة بمسألة الحُسْن والقُبْح العقليين، فإنها من أصول المسائل التي يُفرِّعون عليها أمورًا كثيرةً. وقد اضطرب الناس فيها، فلكلٍّ من أصحاب أحمد ومالك والشافعي فيها قولان، والحنفية يقولون بها، وذكوا ذلك أيضًا عن أبي حنيفة، ولأهل الحديث فيها قولان، وقد ذكر أبو نصر السِّجْزي، وأبو القاسم سعد بن علي الزَّنجاني: أن نفيهما مما أحدثه الأشعري. وذكر أبو الخطّاب أن
(1/377)

إثبات ذلك قول أكثر الفقهاء والمتكلِّمين، وهو قول كثير من النُّظار المُثْبتة للقدر كالكرَّامية وغيرهم، وهو قول المعتزلة وغيرهم من نُفَاة القدر ومن وافقهم من الشيعة.
وتحقيق الكلام فيها يتضمن فصولًا:
أحدها: اتصاف الأفعال بصفات لأجلها كانت حَسَنة أو قبيحة سيئة.
والثاني: أن تلك الصفات هل تُدْرك بالعقل أم لا؟
والثالث: أن ذلك هل يوجب العذابَ بدون الشرع أم لا؟
وأصل المسألة الذي به تنكشف حقيقتُها: معنى كون الشيء حَسَنًا وسيئًا، هل له حقيقة غير كونه ملائمًا للفاعل ومنافرًا له؟
فإنهم قد اتفقوا على أن كون الفعل حسنًا [أ] وقبيحًا سيئًا، بمعنى كونه ملائمًا للفاعل بحيث يحصل له به فرحٌ ولذَّة، أو منافيًا للفاعل بحيث يحصل له به غمٌّ وألم، وهو مما قد يُعرف بالعقل. وزاد بعضهم: كون الفعل صفة كمالٍ وصفة نقصٍ. فجعل ذلك مما يُعلم بالعقل اتفاقًا، وجعلوا مورد النزاع في كون الفعل هل يكون سببًا للذم والعقاب عاجلًا وآجلًا؟
(1/378)

وإذا كان كذلك فيقال: كون الفعل يكون سببًا للذَّم والعقاب هو من أنواع كونه ملائمًا للفاعل ومنافرًا له، فإنّ حَمْد الفاعل وثوابه يلائمه، وذمه وعقابه ينافره.
فإذا قيل: الملائمة الطبيعية والمنافرة الطبيعية قد تُعلم بالعقل باتفاق العُقلاء.
فيقال: كلُّ ملاءمة ومنافاة للإنسان إنّما تعود إلى الملاءمة الطبيعية والمنافرة الطبيعية، لكن مِن الأفعال ما تكون فيه ملاءمة ولذّة، ويكون فيها منافرة وألم أرجح من ذلك. فيكون ملائمًا من وجه منافرًا من وجه، محبوبًا لذيذًا من وجهٍ بغيضًا مؤلمًا من وجهٍ.
وقد تكون اللذَّةُ عاجلة والألم آجلًا، فعقل الإنسان يأمره بترجيح أحبّ الأمرين إليه وهو أصلحهما وأنفعهما وأكملهما لذَّة، ويأمره بترجيح اللذة الكاملة الآجلة على اللذة القليلة العاجلة؛ ولهذا كان جميع العقلاء يحتملون ألمًا قليلًا للذَّةٍ كثيرة، ويمتنعون عن لذَّةٍ قليلةٍ لتحصيل لذَّة جليلة، ويقولون: هذا مقتضى الهوى والطبع، وهذا مقتضى العقل والشرع.
فمن ادعى حُسْنًا أو قبحًا عقليًّا أو شرعيًّا بلا فرح ولذةٍ ولا غمٍّ وألم، فقد قال ما لا يعرف، ولم يتصوَّر ما يقول، وهو مطالبٌ بتحقيق ما يقوله، فإنّ كثيرًا مِنْ نِزاع العقلاء يكون لكونهم لم يتصوَّروا تصورًا تامًّا
(1/379)

ما تنازعوا فيه، ولو تصوروه تصورًا تامًّا لارتفع النزاع.
وكذلك قول القائل: أن يكون الفعل صفةَ كمالٍ أو صفة نقصٍ، مما يُعرف بالعقل، هو يعود إلى الملاءمة، فإن الفعل الذي يكمل به الفاعل، هو الذي يلائمه ويحصل به كمال الفرح والسرور والنعيم.
وأما الفصول المذكورة:
فالأول: أن الأفعال هل هي مشتملة على صفات لأجلها كانت حسنةً وسيئةً أم لا؟
فأكثر الناس على أنها اشتملت على صفاتٍ لأجلها كانت حسنةً وسيئةً، وإلا كان أمر النزاع بأحد المتماثلين ترجيحًا بلا مرجِّح.
ونُفاة الحُسْن والقُبْح العقليين على قولين:
منهم من يقول: لم يختصّ شيء من الأفعال بما لأجله كان مأمورًا به ومنهيًّا عنه، بل الرّبّ يرجّح مِثْلًا عن مِثل بمجرد المشيئة.
وهؤلاء يقولون: عِلَل الشرع أمارات محضة، كما يقول ذلك الأشعري ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، ومَن قال من هؤلاء بالمناسبة قال: لأنّا اعتبرنا الشّرْعَ فوجدناه يثبت الحكم عند الوصف المناسب لا به.
(1/380)

ومنهم من يقول: بل الشارع لم يخصّ فعلًا على فعلٍ، فالأمر والنهي لا لاختصاص ذلك الفعل بما يقتضي ذلك، لكن كون ذلك الفعل حسنًا مأمورًا به وقبيحًا منهيًّا عنه لا يثبت إلا بالشرع، فالشارع جعل ذلك الوصف المناسب موجبًا لكون الفعل حسنًا وقبيحًا، لا أنه كان حسنًا وسيئًا.
وهذا يقوله مَنْ نفى الحُسْن والقُبْح العقليين، ويقول: إن الشارع جعل الصفات عللًا، كما يقوله الغزالي وموافقوه، كأبي محمد بن المَنّي وأبي محمد المقدسي وغيرهما.
وأما الأكثرون فيقولون: بل تلك الصفات توجب كون الفعل حسنًا وسيئًا، فتوجب كون العدل حسنًا وكون الظلم سيئًا، وأنه سببٌ لمدح صاحبه وذمّه، ولكن هل يستحق صاحبه العقاب قبل إرسال الرّسل؟ على قولين:
فمنهم من يقول: إن صاحبه يستحقّ العقاب في الدنيا والآخرة بدون الإرسال، كما يقول ذلك كثير من المعتزلة والحنفية وأبو الخطَّاب وغيره.
(1/381)

ومنهم من يقول: بل العذاب لا يستحق إلا بعد إرسال الرسل، كما دل عليه الكتاب والسنة، وإن كان الفعل في نفسه سيئا قبيحا، وهو سبب لذم صاحبه وعقابه، لكن شرط حصول العقاب هو إقامة الحجة بالرسل كما دلت عليه النصوص. وهذا أعدل الأقوال وعليه تدل نصوص الكتاب والسنة.
وقد ذكروا عن القائلين بالحُسْن والقبح العقلي، هل هذا الحكم ثابت لذات الفعل، أو لصفةٍ قائمة به، أو في الحسن لذاته وفي القبح لصفةٍ قامت به؟ ثلاثة أقوال.
ولم يقل أحدٌ: إن الحُسْن والقُبح هو وصف لازم لذات الفعل، كما تظنه طائفةٌ نَقَلَتْ قولَهم، بل يقولون: تختلف صفات الفعل باختلاف أحواله وأنواعه، فكونه حسنًا من جنس كونه محبوبًا، وكونه قبيحًا من جنس كونه بغيضًا، ويقولون: قد يقوم به المقتضي لحسنه أو قبحه، ولكن يختلف عنه مقتضاه لفوات شرط أو وجود مانع.
وهو مبنيّ على مسألة تخصيص العلة، فمن جعل العلَّة الأمرَ المستلزم للحكم لم يخصِّصها، ومن جعلها المقتضي خصَّصها. وهو نزاع لفظي.
(1/382)

وليس لنفاة الحُسن والقبح العقليين دليل أصلًا، بل جميع أدلتهم باطلة، وليس لمثبتيه دليل يدل على حُسْن وقُبْح بغير اعتبار الملاءمة للفاعل والمنافرة له، بل كلّ ما يذكرونه على إثبات حُسن وقبح بدون ذلك فهو باطلٌ.
كما أن أولئك ليس لهم دليل على أن الفاعل المختار يفعل بلا داع، وليس لهؤلاء دليل على أنه يفعل بِداعٍ لا يعود إلا إلى غيره؛ ولهذا لمّا عاد معنى الحسن والقبح إلى هذا أثبتت طائفةٌ الحُسنَ والقبحَ العقليّ في أفعال العباد دون أفعال الله. وهو اختيار الرّازي في آخر عمره.
وهو مبنيٌّ على أصلٍ، وهو مشيئة الله، وهل هي نفس محبته ورضاه وسخطه وبغضه، أو بينهما فرق؟
فذهب المعتزلة، والجهمية والقدرية الجَبْريّة، والقدرية النافية إلى أن جميع ذلك بمعنى واحد، ثم قالت النفاة: قد ثبت بالنصوص المتواترة إجماع الأمة: أنّ الله لا يحبّ الكفر والفسوق والعصيان، فلا يريده ولا يشاؤه، فيكون في ملكه ما لا يشاء.
وقالت المُجْبرة: بل ثبت بالنصّ والإجماع أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكلُّ كائن فهو بمشيئته. وجهم بن صفوان [لا] يثبت
(1/383)

لله صفة قائمة به لا إرادة ولا محبّة، بل محبّة عبده ثوابه، وبغضه عقابه، فلم يحتج أن يقول: إنه يحب كل شيء.
وأما الأشعري ومن وافقه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد فقالوا: لله إرادة واحدة تقوم به، وقالوا -في أظهر قوليهم-: إن إرادته هي حبّه ورضاه، وكل ما في الوجود فهو مرادٌ له فيكون محبوبًا له مرضيًّا.
وذكر أبو المعالي أنّ أول من قال هذا هو الأشعري وأصحابه، وقالوا: إن بغضه وغَضَبه هو إرادته لعقاب المذنب، وهو محبتّه لعقاب المذنب مع كونه محبًّا لفعله. ويقولون في قوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] أي: عباده المؤمنين. وقد يقولون: لا يرضاه دينًا، كما يقولون: لا يشاؤه دينًا. أي: لا يشاء أن يكون صاحبه مثابًا.
(1/384)

وأما السلف والأئمة وعامّة الفقهاء وأكثر طوائف النظَّار، من الكرَّامية وغيرهم، والحنفية وأئمة المالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث، وأئمة الصوفيّة، وابن كُلّاب، وطائفة من أصحاب الأشعري، فيقولون: إنه خَلَق كلَّ شيء بمشيئته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يحبّ الكفرَ والفسوقَ والعصيان، بل يحبّ ما أمر به.
وعلى هذا فهو إذا خلق شيئًا لحكمةٍ فهو يحبّ تلك الحكمة التي خلقه لأجلها، وإن كان هو في نفسه مكروهًا له لا يحبه.
وعلى هذا فالحَسَن في حقّه هو ما يحبّه والقبيح ما يبغضه. والفعل -ويراد به نفس الفعل، ويُراد به المفعول المخلوق- فهذا قد يكون محبوبًا له، وقد يكون مكروهًا له، وأما الأول فلا يكون محبوبًا، وهو لا يفعل إلا ما يحبّه، فلا يفعل إلا الحَسن، والحسنُ يقرّ به وينبهج به ويرضاه ويرضى عن صاحبه. والسيئ يبغضه ويمقته ويمقتُ صاحبَه، وهو منزّه سبحانه أن يفعل شيئًا هو قبيح مطلقًا، بل لا يفعل إلا ما له فيه حكمة لأجلها كان مرادًا له، وإن كان يبغضه من بعض الوجوه. فالخير بيديه والشرُّ ليس إليه.
وعلى هذا القول: فيجب تنزيهه عن كلِّ فعل يناقض كماله، كما يجب تنزيهه عن كلّ وصف يناقض كماله، وهو منزَّه عن الظلم،
(1/385)

والظلمُ: وضع الشيء في غير موضعه.
وعلى قول الجهمية القدرية المجبرة ومن وافقهم: لا ينزَّه عن فعل شيء ممكن، والظلم هو الممتنع لذاته، وهو غير مقدورٍ له، فإنه إما التصرُّف في غير ملكه، وإما معصية من فوقه، وكلاهما ممتنعٌ في حقه.
وعلى قول القدرية النُّفاة من المعتزلة ومن وافقهم فما حَسُنَ منه حَسُنَ من عباده، وما قَبُح من عباده قَبُح منه، وما كان ظلمًا منهم كان ظلمًا منه، وهم مُشبّهة الأفعال.
وقد ألزمهم الناس بأنه يفعل ما يقبُح في العقل، كتمكينه عباده وإمائه من الظلم والفواحش مع قدرته على المنع، واعتذروا عن ذلك بأنه عرَّضهم للثواب بالتكليف.
فأجاب الناسُ عن ذلك بأنه إذا عَلِم أنه إذا أمرهم ونهاهم لم ينتفعوا بذلك ولم يطيعوا، لم يكن الأمر حسنًا من العبد، بل يجب منعهم بالقهر، أو أنه لا يتملَّك مَنْ هذا سبيله.
فكان قياس قولهم يقتضي أن الله يقبُح منه خلقهم وتكليفهم؛ ولهذا قال من قال من الأئمة: ناظِروا القدريّة بالعلم، فإن أقرّوا به خُصِموا، وإن
(1/386)

جحدوه كفروا.
وهذا من جهة العلم بعاقبة أفعال العباد يناقض خلقهم وأمرهم إذا قيل بالمخلوق.
وقد زعم طائفة: أنه من جهة أنّ العلم يوجب امتناع وقوعٍ بخلاف المعلوم، وامتناع قدرة العبد على خلاف ذلك، كما يذكره الرّازي، وليس كذلك، فإنّ العلم بما يفعله المختار لا يناقض كونه محتاطًا، فإنّه يعلم أنه يفعل باختياره.
وأما العلم بالعاقبة فيناقض أنه أراد خلاف ما عُلِم من العاقبة أنه لا يكون. فالعلم يناقض أن يُراد بالخلق ما عُلِم أنه لا يكون، لا يناقض القدرة.
وعلى القول الأول -قول السلف والأئمة والجهمور- فإذا خَلَق ما خلق لحكمةٍ يحبّها ويرضاها، وخلق ما خلقه من الشرّ فلِما له في ذلك من الحكمة= لم يمتنع أن يكون فيما خلقه ضررٌ ما على بعض
(1/387)

المخلوقات، إذ كان ذلك من لوازم الحكمة المرادة، وامتنع وجود الحكمة المرادة بدون ذلك. وإذا كان العبد لا يقبح منه إيلام الحيوان لحكمةٍ راجحة، فالخالق أولى أن لا يقبُح منه ذلك.
وإذا قيل: فقد كان يمكن وجود الحكمة بدون ذلك.
قيل: هذا قولٌ بلا علم، فمن أين لكم ذلك؟ وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيء قدير، والممتنع ليس بشيء باتفاق العقلاء، فمن أين علمتم أن ذلك ممكن غير ممتنع حين تناوله القدرة؟ وعدمُ العلم بالامتناع غيرُ العلم بعدم الامتناع، وكذلك عدم العلم بالإمكان غير العلم بعدم الإمكان، وعدم العلم بالوجوب غير العلم بعدم الوجوب. ونظائر هذا متعددة.
ولكن كثير من الناس يشتبه عليهم هذا، فإذا لم يعلم أحدهم أنَّ الشيء موجود، أو واجبٌ، أو ممكنٌ، أو ممتنعٌ، ظنَّ أنه غير موجود، أو غير واجب ممكن، أو غير ممتنع؛ فيجعلون عدم العلم علمًا بالعدم! وهذا مما نهى الله عنه بقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].
ولهذا كان النافي عليه الدليل، وأما المانع المطالب بالدليل؛ فليس عليه دليل، لأن النافي نفى وأخبر بالنفي، فليس له أن ينفي بلا علم، كما ليس له أن يُثبت بلا علم، بخلاف المانع المطالب، فإنه لم ينف ولم يثبت، بل طالب المثبت بدليل الإثبات.
والإنسان ليس له أن يتكلم بلا علمٍ، لا في النفي ولا في الإثبات،
(1/388)

ولو سكت من لا يدري قلَّ الخلاف. فهذا هذا، والله أعلم.
وإذا قيل: خَلَق فِعل العبد ثم جازاه عليه، فإنه ظلم.
قيل: هذا غلطٌ، فإنه علم بصريح العقل واتفاق العقلاء أن مجازاة الإنسان بنظير عمله من الحكمة والعدل، وأنه لا يجوز التسوية بين العادل والظالم، والجاهل والمحسن والمسيء، بل هذا من الأمور المنزّهة المستقبحة عند العقلاء.
ولهذا قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28]، وقال تعالى: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]، وقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36]، وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 19 - 22]، وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، وقال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18].
(1/389)

وسواءٌ قُدِّر أنّ أفعالَ العباد مخلوقةٌ لله أو لم تكن، فإنّ كون العادل يستحق الإكرام، والظالم يستحقّ الذّمَّ والإهانة= أمر فُطر عليه بنو آدم، مع كونهم مفطورين على أن الله خالق كل شيء؛ ولهذا كان جماهير الأمم من العرب وغيرهم مقرين بهذا وهذا، وليس في فطرة أحد رفع الذم والعقاب عن الظالم مطلقًا، لكن فعله مخلوق لله، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. فوضع العقاب على من لم يسئ ظلم، والحكمة: وضع الشيء في موضعه، والله لا يظلم أحدا شيئا، ولا يجزي أحدًا بظلم إلا بعمله.
وكونه خالقًا لأعمال العباد من كمال قدرته ومشيئته وربوبيته، وجزاؤه بعلمه من كمال حكمته وعدله وربوبيته، وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وله في ذلك من الحكمة البالغة ما لو جُمعت عقول جميع العقلاء لم يدركوا غاية حكمته. وتوهم المتوهم إمكان حصول كمال الحكمة بدون ذلك ظنٌّ منه، وكلام بلا علم {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [السجدة:18].
...
في آخر النسخة ما نصه: «قال كاتبه: إلى هاهنا وجدت في نسخة الأصل، فاعلم ذلك، والله أعلم».
(1/390)

مسألة
في عقيدة أهل گيلان
(1/391)

ذكر من شاهد بخط الشيخ الإمام المحدّث عبد الله الإسكندري ما صورته -وقد حدثني به غير مرة-:
حَضَر الشيخ شمس الدين محمد بن الرضي خطيب گيلان* يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة خمس عشرة وسبعمائة بدمشق المحروسة، بعد قضاء نُسكه في عَوده إلى بلده، إلى بين يدي الشيخ -يعني تقي الدين أحمد ابن تيمية- فسلّم عليه، وفاتحه الشيخُ فيما يقولون عن أهل كيلان في نزول الربّ عز وجل إلى الارض والطرقات؟
فقال: والله الذي لا إله غيره هذا شيءٌ ما سمعته لا من خواصّ الناس ولا من عامّتهم.
ثم سأله عن النزول إلى السماء الدنيا؟
فقال: سمعنا عن شيخ الإسلام الأنصاري أنه قيل له: ما تقول في النزول؟ فقال: نزولٌ لا يعرفه الكروبيّون، أعرفه؟ وهذا جوابنا عن النزول.
__________
* جيلان: بالكسر اسم لبلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان. إحدى محافظات إيران الآن على حدود بحر قزوين. وليس في جيلان مدينة كبيرة إنما هي قرى في مروج بين جبال، ينسب إليها جيلاني وجيلي، والعجم يقولون: گيلان، وقد فريق قوم فقيل: إذا نسب إلى البلاد قيل: جيلاني وإذا نسب إلى رجل منهم قيل: جيلي. انظر «معجم البلدان»: 2/ 201.
(1/393)

فسأله الشيخ عن القول في المصحف؟
فقال: الورق مخلوق وكلام الله غير مخلوق.
فقال الشيخ: هكذا تقول؟
فقال: هذا اعتقادنا، نعم هكذا نقول.
فقال الشيخ: الصوت، ما تقولون فيه؟
فقال: نحن نقول: صوت القرآن غير صوت الناس.
فقال الشيخ: أنا إذا قلتُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، ما هو؟
فقال: كلام الله.
فقال الشيخ: بصوتي أم بصوت الله القائم بذاته سمعت ذلك في هذه الساعة؟
فقال: سمعت القرآن بصوت القرآن.
فقال الشيخ: بل سمعت القرآن بصوتي، الكلامُ كلام الباري، والصوتُ صوت القاري. هذا هو الحق، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم».
(1/394)

صورة خط الشيخ عبد الله الإسكندري: نعم الأمرُ على ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه. كتب عبد الله الإسكندري.
...
كتب بعده بخط الأصل: قال الشيخ تقيّ الدين أحمد ابن تيمية شيخنا رضي الله عنه: ليس لأحد أن يتكلّم في أحدٍ بلا علم، ولا بهوى النفس، فإن الإنسان مسؤولٌ عن ذنوب نفسه لا عن ذنوب غيره.
# # #
(1/395)

مجموعةُ فتاوى من:
الدُّرَّةِ المضِيَّة في فتاوى ابنِ تيميَّة
انتقاها ابن عبد الهادي
(1/397)

قال الشيخ الإمام العالم العلامة ابن عبد الهادي رحمه الله ورضي عنه: لما رأيت فتاوى الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام وناصر السنة فريد الوقت، وحيد الدهر، بحر العلوم، بقية المجتهدين، حجة المحققين، تاج العارفين، ولسان المتكلمين، رحلة الطالبين، إمام الزاهدين، ومنار المجاهدين، الإمام الحجة النوراني، والعالم الرباني، تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحراني= غايةَ المقاصد، كثيرة الفوائد، سارعت فيما سهَّل الله عليَّ به منها لتكون لي عمدةً أعتمد عليها، وحجةً أستند إليها، ورتبتها أبوابًا على أبواب الفقه، وسمّيتها: «الدرة المضيّة في فتاوى ابن تيمية» رحمه الله، وختم لنا وله بخيرٍ بمحمدٍ وآله*، إنه على كل شيء قدير.
__________
* كذا، وهذا اللفظ من التبرك الممنوع، ولعله من كاتب النسخة.
(1/399)

[مسألة: في الجهر بالنية والتكبير والدعاء، ومسائل أخرى]
مسألة: في جماعة يصلُّون بمسجد من بعض المساجد، هل على الإمام الجهر بالتكبير أو النية؟
أو على الإمام الجهر بالدعاء، أم السرّ أفضل؟
وهل المصافحة بعد العصر والصبح مستحبة، أم لا؟
وهل يجوز التبليغ خلف الإمام إذا كانوا صغيرًا وثلاثة؟
وهل تعليم الصبيان جائز في المسجد أم لا؟ أفتونا.
الجواب: الحمد لله.
ليس على الإمام الجهر بتكبيرٍ ولا لفظ نية باتفاق المسلمين، ولا يستحب له ذلك أيضًا، لكن التكبير عليه أن ينطق به، وأما النية ليس عليه أن ينطق بها أيضًا باتفاق الأئمة، وليس في ذلك نزاعٌ إلا وجهٌ ضعيفٌ لبعض المتأخرين، بل أئمة الدين متفقون على أن المأموم ليس عليه أن ينطق بالنية، لا في طهارة، ولا في صلاة، ولا صيام، ولا يجوز ذلك، بل تنازع العلماء في استحباب التلفظ بالنية، فمن أصحاب أبي حنيفة
(1/400)

والشافعي وأحمد من استحب ذلك، قالوا: بأنه أوكد. ومن أصحاب مالك وأحمد وغيرهما من كره التلفُّظ بالنية؛ لأنه بدعة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ولأن النية من أعمال القلوب فقط، ولأن ذلك من جنس العبث، وهذا أصح.
وبكل حال فأكثرهم ينهى عنه. والمصرّ على ذلك يستحقّ التعزير، والله أعلم.
* مسألة: وأما الدعاء في الصلاة، فالسنة المخافتة به إلا ما كان في ضمن القراءة في صلاة الجهر، ودعاء القنوت -حيث يجهر به- والتأمين.
وأما بعد الصلاة، فالسُّنَّة هو الذِّكْر المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعًا، فلم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من العلماء من استحبه، ومنهم من لم يستحبه بعد الفجر والعصر، كما أنَّ منهم من كره للإمام القعود بعد الصلاة، ولم يستحب القعود [و] لا الذكر، ولا الدعاء، وكلا القولين مخالفٌ للسنة، فإن السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي الدعاء في صلب الصلاة، والذكر بعد الصلاة، والداعي يناجي ربه، فدعاؤه وهو يناجي ربه أحبّ من دعائه بعد انصرافه من مناجاته.
(1/401)

ودعاء الرجل بعد الصلاة سرًّا جائزٌ، والذين استحبوا للإمام أن يدعو بعد الصلاة قالوا: يدعو سرًّا إلا أن يكون في الجهر مصلحة لتعليم بعض المأمومين، وذلك أنَّ الأصل في الدعاء أن يكون سرًّا، كما قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]. وقال تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: 3]. ولهذا قال مَنْ قال من السلف: رفع الصوت بالدعاء بدعة.
وأما الذِّكر فتارةً يُسَنُّ الجهر به، كالأذان والتلبية، وتارةً لا يُسنّ.
* مسألة: وأما المصافحة عقيب الصلاة فبدعةٌ لم يفعلها رسول الله ولم يستحبها أحدٌ من العلماء.
* وأما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة فبدعةٌ مكروهة باتفاق الأئمة، فإنه لم يكن بلالٌ يبلِّغ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان الخلفاء الراشدون يبلِّغ أحدٌ خلفهم. ولهذا اتفق الأئمة على أن الإمام هو الذي يُسنّ له الجهر بالتكبير.
كما ذكروا في كتب المذهب، قالوا: إن المأموم يبلغ للحاجة، [و] استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته لمَّا خرج فصلى جالسًا كان
(1/402)

أبو بكر يُسْمِع الناسَ التكبير؛ لأجل مرض النبي صلى الله عليه وسلم، وخفاء صوته، وهذا أصل في تبليغ بعض المأمومين لحاجة.
وأما إذا أمكن الإمام أن يجهر بحيث يَبْلُغ صوته المأمومين، فهذا هو السنة، وتبليغ المأمومين حينئذٍ مكروهٌ.
وتنازع العلماء هل تبطل صلاة المبلِّغ؟ على قولين في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، لا سيما إذا كان المبلّغ لأجل ذلك يرفع صوته قبل الإمام، ويمدّ صوتَه بحيث لا يسبِّح في الركوع ولا في السجود، ولا يطمئن في الركوع والسجود والاعتدال لأجل اشتغاله بمدّ صوته، [فمن جهر] لأجل هذه البدعة، فقد ترك ما أُمِر به من الطمأنينة المفروضة، ومن التسبيح الواجب في أحد القولين، ودخل في المسابقة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسَه رأس حمار».
وهذا مما لا يشك في أن فاعله عاصٍ آثم، بل وصلاته باطلة على أصح القولين عند العلماء.
(1/403)

وأما تعليم الإمام للمأمومين وغيرهم ما أمر الله به ونهاهم، فإنه فرضٌ على الإمام باتفاق المسلمين. وإذا غلب على ظنّ الإمام أن غيره لا يقوم بهذا الفرض صار فرض عينٍ عليه يأثم بتركه. وقد نصَّ الأئمة على مثل ذلك في الصلاة، حتى قالوا أيضًا: إذا رأى من يسابق الإمام، أو من نسي في صلاته ولم يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر صار شريكًا له في الإثم.
ولهذا جاء في الحديث: «ويلٌ للعالم من الجاهل، وويلٌ للجاهل من العالم، فويلٌ للعالم إذا سكت عن تعليم الجاهل، وويلٌ للجاهل إذا لم يقبل من العالم».
والحديث: «إن الخطيئة إذا خفيت لم تضرّ إلا صاحبها، وإذا أُعْلنَت الخطيئة فلم تُنْكر ضرَّت العامة».
فإذا لم يأمر بالصلاة التي هي عمود الدين، وإقامة واجباتها،
(1/404)

استحقَّ العذاب بذلك، فإن تضييع الصلاة من أعظم المنكرات، كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}. وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4 - 5].
فهؤلاء كانوا يصلون، لكن أضاعوا واجبها، ولَهَوا عنها، كالوقت والطمأنينة، ومتابعة الإمام وغير ذلك، كما ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تلك صلاة المنافقين، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا». فجعله منافقًا مع كونه يصلي؛ لكونه ضَيَّع الوقت والطمأنينة.
* فصل: وأما تعليم الصبيان في المسجد بحيث يؤذي المسجد؛ فيلوِّثونه ويرفعون أصواتهم فيه، ويشغلون المصلّي فيه، ويضيِّقون عليه، فهذا مما يجب النهي عنه، والمنع منه، والله أعلم.
# # #
(1/405)

[مسألة في شرائط الصلاة، وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والسنن الرواتب]
مسألة: ما تقول أئمة الدين فيما يتعلق بالنية في شروط الصلاة، والشرط السابع، وما كان يصلي مع المكتوبات.
الجواب: الحمد لله.
أما شروط الصلاة، فهي الطهارة، والستارة، واستقبال القبلة. والطهارة نوعان: طهارة الحَدَث، وهي الوضوء والاغتسال إن كان جنبًا، أو كانت امرأة حائضًا. وطهارة الخَبَث اجتناب النجاسة في بدنه وثيابه وموضع صلاته، فإن كان معذورًا مثل أن يكون قد نسيها أو جهلها فلا إعادة عليه في أصحِّ القولين للعلماء، وأما طهارة الحَدَث إذا نسيها فعليه الإعادة.
والنية محلُّها القلب، ولا يحتاج الإنسان أن يتكلم بها باتفاق العلماء، وكلّ من علم ما يريد فعله فلا بدّ له من أن ينويه.
ومن العلماء من استحبَّ التكلّم بالنية، والصحيح أن ذلك لا يستحب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يتكلمون بالنية، لا في طهارة، ولا في صيام، ولا نحو ذلك.
(1/406)

والشرط السابع: هو الوقت للمكتوبات، ولا يصلي المكتوبة إلا بعد دخول الوقت.
ووقت الفجر: من طلوعه إلى طلوع الشمس.
ووقت الظهر: من الزوال إلى أن يصير ظلّ كلّ شيءٍ مثله سِوى ظلّ الزوال عند جماهير الأئمة، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، ومالك، وغيرهم من العلماء، وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ووقت العصر: [إلى] أن تصفرّ الشمس في أصحّ قولي العلماء، وإذا صلَّاها قبل الغروب صلَّاها أداءً، وليس له أن يؤخرها إليه -يعني الغروب-.
ووقت المغرب: إلى غروب الشفَق، في أحد القولين.
ووقت العشاء: إلى ثلث الليل أو نصفه.
وأما أركان الصلاة: فالقيام، والركوع، والسجود، والذكر في أوّلها، كما يفتتح بالتكبير. وهذه أركان باتفاق الائمة.
وكذلك قراءة الفاتحة، لكن عند أكثرهم، فمن تركها أعاد، وعند بعضهم هي واجبةٌ إن تركها أساء ولا يعيد، وهذا مذهب أبي حنيفة، والأول مذهب الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
(1/407)

وكذلك الاعتدال إذا قام من الركوع، والقعدة بين السجدتين، والطمأنينةُ في جميع ذلك ركنٌ عند الشافعي وأحمد وغيرهما، وهو واجبٌ عند أبي حنيفة.
والقعود في آخر الصلاة، والتشهد والسلام ركنٌ أيضًا عند الشافعي وأحمد وغيرهما.
فصلٌ
وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: فإنه كان يقرأ في الفجر بطوال المفصَّل، مثل ق، والطور، والذاريات، ونحو ذلك. ويقرأ في الظهر بمثل سورة تبارك، والسجدة، وأقلّ من ذلك، ويقرأ في العصر بأقلّ من ذلك، ويقرأ في المغرب بأقل من ذلك، ويقرأ في العشاء بنحو صلاة العصر. وكانت صلاته معتدلة، يتم الركوع والسجود.
وكان إذا رفع رأسه من الركوع يقوم حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا قعد بين السجدتين يقعد حتى يقول القائل: قد نسي. ويسبِّح بنحو عشر تسبيحات، وقد ينقص من ذلك أحيانًا، ويزيد على ذلك أحيانًا، بحسب المصلحة.
ويقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم». يكرر ذلك. ويقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى». يكرر ذلك. ويقول بين السجدتين: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وعافني وارزقني».
(1/408)

وكان يقول إذا رفع رأسه من الركوع: «ربّنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الارض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ».
ويدعو في آخر صلاته فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال». وكان لا يدعو دعاءً إلا ختمه بقوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار».
مسألة: وكان يصلّي مع المكتوبات عشر ركعات، أو اثنتي عشرة ركعة؛ يصلّي قبل الظهر إما ركعتين وإما أربعًا، وبعد الظهر ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ركعتين، وهما أوكد هذه الصلاة، فإنه كان يأمر بذلك، ويأمر بالوتر، وكان وتره وصلاته بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وكان مجموع ما يصليه من الفرض والنفل بالليل والنهار نحو أربعين ركعة.
(1/409)

ولم يكن يصلي قبل العصر والمغرب والعشاء شيئًا، لكنه كان يقول: «بين كلِّ أذانين صلاة» ثم قال في الثالثة: «لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة، وكان أصحابه يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة ركعتين، وهو يراهم ولا ينهاهم. فمن صلّى قبل العصر أو المغرب أو العشاء، فقد أحسن، ولكنه ليس ذلك بسنة راتبة.
وكان إذا نام عن صلاة الليل صلّى بالنهار بَدَل ذلك، فإنه كان إذا عمل عملًا أثبته، وكان عمله دِيمةً.
# # #
(1/410)

مسألة
في زيارة القدس أوقات التعريف
(1/411)

مسألة جليلة كثيرة الفوائد، مبتلًى بها كثير من الناس فيمن ينوي زيارة القدس أوقات التّعْرِيف.
* مسألة:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ما تقول السّادةُ العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين رضي الله عنهم أجمعين، فيمن ينوي زيارة بيت المقدس في أوقات التعريف، ونيتُه أنها قُرْبة وطاعة؟
وفي أقوام يطوفون بصخرة بيت المقدس ويُصلّون في أماكن مشهورة هناك، مثل مهد عيسى، وقُبة المعراج، وقُبة السلسلة، وزيارة قبر الخليل، وغير ذلك؟
وما يُستحبّ للزائر وما يحرُم عليه من ذلك ونحوه؟
وهل يستحبّ للنساء أن يزرن في أوقات التعريف مُظْهِراتٍ لزينتهنّ متطيّبات، وهل على أوليائهن منعهنّ؟ أفتونا مأجورين رحمكم الله ورضي عنكم.
(1/413)

الجواب: الحمد لله رب العالمين.
أصل السفر إلى بيت المقدس للصلاة فيه، والإعتكاف فيه، وقراءة القرآن والدعاء والذِّكْر ونحو ذلك، هو مستحبٌّ مشروع باتفاق المسلمين.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أنه قال: «لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».
وفي حديث سليمان لمَّا بنى البيتَ -أي: بيت المقدس- سأل الله ثلاثًا، سأله مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وسأله حُكمًا يوافق حكمَه، وسأله أنه لا يأتي أحدٌ هذا البيت لا يريد إلا الصلاة إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
(1/414)

ولهذا كان عبد الله بن عمر يأتي بيت المقدس، فيدخل فيصلي ركعتين، ثم يخرج ولا يشرب فيه؛ كأنه يطلب دعوة سليمان. وكان لا يأتي الصَّخرة ولا يزورها.
وكذلك غيره من سَلَفَ من الأمة؛ كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان وأمثالهم، لم يكونوا يأتون شيئًا من تلك المواضع التي تُزار في المسجد لا الصخرة ولا غيرها.
ولما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس قال لكعب: أين ترى أن أبني مصلى للمسلمين أمام الصخرة أو خلفها؟ قال: خلفها. فقال: يا ابن اليهود خالطتك يهودية، بل أبنيه أمامها، إن لنا صدور المساجد.
ولم يكن على عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان على الصخرة هذه [القبة]؛ لكن بنى تلك القبة عبدُ الملك بن مروان لمَّا كان بينه وبين ابن الزبير ما كان، وكانوا إذا حجّوا بايعوا ابنَ الزبير،
(1/415)

فيقال: إنّ عبد الملك [لو] منعهم الحج فُضِحوا، فبنى القبَّة على الصخرة، وعظَّمَ أمرها، فجعل الناس يعتانون بها.
ولو نذر إتيان بيت المقدس لزمه الوفاء بما ينذره في مذهب مالكٍ والشافعيّ، [و] في قوله الآخر لا يلزم، قالوا: لأنه لا يلزم بالنذر إلا ما كان واجبًا بالشرع، وهو إتيان مكةَ خاصة؛ فإن إتيان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس مستحبٌّ ليس بواجب. والصحيح الأول، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نَذَر أن يطيع الله فلْيُطِعْه، ومن نذر أن يعصيَ اللهَ فلا يعصه».
فصل: إذا عُرف هذا فليس في بيت المقدس بل ولا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم عبادة يختصّ بها، بل العبادات المشروعة فيهما مشروعة في سائر المساجد، كالصلاة والاعتكاف والذِّكر والدعاء والقراءة ونحو ذلك. وهذا بخلاف المسجد الحرام، فإنه مشروعٌ فيه ما لا يُشْرع في غيره؛ وهو الطواف به، واستلام ركنيه اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود الذي فيه. فإن ذلك عبادةٌ تختصّ بالمسجد الحرام باتفاق المسلمين، ولا يُشرَع في غيره من المساجد لا طواف ولا استلام شيء من الأشياء.
(1/416)

فليس في بيت المقدس ما يُطاف به لا الصخرة ولا غيرها، بل وكذلك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه ما يُقَبَّل ويُستَلَم، لا الحجرة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- ولا غير ذلك.
وهذا كلّه متفق عليه بين أئمة المسلمين، ليس منهم من استحبّ ببيت المقدس أو بغير المسجد الحرام من المساجد لا طوافًا ولا تقبيلًا ولا استلامًا ونحو ذلك، ولا فَعَل شيئًا من ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولا أئمة الأمة، ولا من يُقتدى به من السلف. بل من اتخذ الطوافَ بالصخرة عبادةً أو بغير البيت فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.
والتعبّد بها بالطواف أعظم من التعبُّد بالصلاة؛ مع أنها كانت قِبْلة في أول الإسلام، فمَنْ طاف بها كان شرًّا من الصلاة إليها. وكذلك تقبيلها أو تقبيل شيء منها، أو التمسّح بشيء من ذلك. كل ذلك بدعة وضلالةٌ.
ولا فرقَ بين الموضع [المسمى] قدَمَ النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وليس في الصلاة عندها [فضيلة]، فإن خيار السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، وإن كانت قِبلة في أول الإسلام فقد نُسِخت كما نُسخ السبت، فتخصيصها بالتعظيم مع أنها قبلة اليهود فيه تخصيصُ يوم السبت بالتعظيم، ولهذا كره عمر رضي الله عنه والمسلمون أن تكون صلاة
(1/417)

المسلمين خلفها؛ لئلا يكون في ذلك تشبه باليهود.
وليس بالمسجد الأقصى مكانٌ يُقصد بعينه إلا المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الذي تسميه العامة «الأقصى»، وما سوى ذلك مثل الذي يقال له: قبة المعراج، والسلسلة، ومهد عيسى، وأمثال ذلك، فلا يستحبّ قصد شيء من هذه البقاع ولا تخصيصه بعبادة، وعامة ما يُذْكر في ذلك كذب، مثل الحَجَر الذي يقال: إنه مهد عيسى؛ فإنّ هذا كذبٌ واضح. ولكن هذا قيل إنه كان يكون فيه ماء المعمودية للنصارى لما ستولوا على بيت المقدس، فإنه بقي في أيديهم مدّة.
وأما ما يفعله بعضُ الناس من السفر إلى بيت المقدس في عيد النحر، فيعرّفون هناك، ومنهم من يذبح هناك، ومنهم من يحلق رأسه، ومنهم من يطوف بها؛ فهذا كله بدعة منهيٌّ عنه، ليس شيء من ذلك مشروعًا، ولم يستحبّ أحدٌ من أئمة المسلمين قصدَها زمنَ الوقوف للتعرِيف بها، ولا فَعَل ذلك مَن يُقْتَدى به من المسلمين في دينهم.
وكذلك السفر وقت التعريف إلى غير عرفات، مثل الذين يسافرون للتعريف عند قبر المسيح، والذين يعرِّفون عند قبر محمد بن التومرت، وأمثال هذه الأسفار، فإن هذه أسفار غير مشروعة، بل منهيٌّ عنها، بل
(1/418)

محرَّمة. [و] كان ذلك تعبُّدًا بدينٍ لم يشرعه الله، بمنزلة من يُحْرِم ويُلَبِّي إذا سافر إلى بيت المقدس! ومن تعبّد بمثل هذا فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
وإذا كان السفر للتعريف بها منهيًّا عنه، فالسفر إليها في مواسم الكفَّار، مثل خميس النصارى ونحوه أعظم من ذلك؛ فإنه لو عَظَّم الأزمان التي يعظِّمها الكفار، كعيد الميلاد وعيد الخميس، لكان ذلك من المنكرات التي يجب النهي عنها، ولو فعل ذلك في بيته. فإنه ليس للمسلم أن يعظِّم شيئًا من الأيام التي يعظِّمها الكفَّار، وليس لتعظيمها أصلٌ في دين الإسلام. ولا تعظيم البقاع التي يعظِّمها الكفار. وهذا أعظم من المواسم المبتدعة في دين الإسلام، كالرّغائب ونحوها.
فإذا سافر إلى القدس في أعياد الكفار، فقد جمع عدة منكرات، بل لو خصَّ الأيامَ التي يعظِّمها الكفار بأمر فيه مزيَّة لها لنُهِي عن ذلك، حتى كَرِه غيرُ واحدٍ من السلف صومها، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟!
ولا يُسمى بيت المقدس حَرَمًا؛ وإنما الحرم الذي حرَّم الله صيده
(1/419)

ونباته. والحرم الذي اتفق عليه المسلمون حرمُ مكة، وأما المدينة فلها حرم محرَّم عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد؛ كما استفاضت بذلك الأحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وما سوى ذلك فليس بحرم باتفاق المسلمين، إلا وادي وَجّ الذي بالطائف، فإن الشافعي قال: إنه حرم بحديثٍ رُوي في ذلك رواه أحمد في «المسند»، وأما جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد فليس ذلك بحرم عندهم، وضعّفوا الحديثَ المرويَّ في ذلك. وما سوى هذه البقاع الثلاثة فليس حرمًا باتفاق المسلمين.
والعلماء قد تنازعوا في تعريف الإنسان بمِصْره، مثل من يذهب عشيّة عَرَفَة إلى مسجد بلده يدعو فيه ويذكر الله تعالى، فكَرِه ذلك مالك وأبو حنيفة وغيرهما، ورخَّص [فيه] أحمد بن حنبل، ولكنه لم يكن يفعله ولا يأمر به، ولم يُنقل عن الشافعي فيه شيء. وأحمد إنما رخَّص فيه قال: لأنه رخَّص فيه ابنُ عباس بالبصرة،
(1/420)

وعمرو بن حُرَيث بالكوفة. فهذا من تعريف الإنسان ببلده.
فأما السفر إلى مدينة أخرى ليعرِّف بها، مثل أن يسافر إلى بيت المقدس أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما من المساجد ليعرِّف بها= فهذا حرام ليس مشروعًا باتفاق المسلمين؛ فإنه من جنس بيتٍ يُحجّ غير البيت العتيق.
وأما السفر للتعريف عند بعض القبور، فهذا أعظم من ذلك، فإن هذا بدعة وشرك؛ فإن أصل السفر لزيارة القبور ليس مشروعًا ولا استحبَّه أحدٌ من العلماء، ولهذا لو نذر ذلك لم يجب عليه الوفاء بلا نزاع بين الأئمة؛ بخلاف مَن نذر إتيان بيت المقدس، فإنه يجب إتيانُه في أحد القولين ويستحبُّ في الآخر.
ولكن تنازع المتأخرون في السفر لزيارة القبور، فرخّص فيه بعضُهم، وكرهه آخرون، كابن بطة وابن عقيل وغيرهما، حتى قالوا: إنه سَفَر معصية فلا يجوز قَصْر الصلاة فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فلا يُشْرَع شدّ الرحال لزيارة القبور؛
(1/421)

ولهذا لم يكن أحد من الصحابة والتابعين -لا بعد أن فتحوا الشام ولا قبل ذلك- يسافرون إلى زيارة قبر الخليل عليه السلام ولا غيره من قبور الأنبياء التي بالشام، ولا زار النبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك ليلة أُسري به. بل الذي ثبت في «الصحيح»: أنه صلى ليلة الإسراء، صلى ركعتين ببيت المقدس.
والحديث الذي قيل فيه: «هذا قبر أبيك إبراهيم فانزل فصلّ فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصلّ فيه» كذبٌ لا حقيقة له.
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يسكنون الشام، أو دخلوا إليه ولم يسكنوه مع عمر بن الخطاب رضي الله وغيره، لم يكونوا يرون شيئًا من هذه البقاع والآثار المضافة إلى الأنبياء، بل ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في سفر فرأى قومًا يتَّخذون مكانًا يصلون فيه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نريد الصلاة فيه. فقال: ومكان صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم! أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد! إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من
(1/422)

أدركته الصلاة فيه فليصلّ وإلا فليمض.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق، ولم يتخذ الصحابة شيئًا من آثاره مسجدًا، ولا يُزار غير ما بناه من المساجد. ولم يكونوا يزورون غار حراء الذي نزل عليه فيه الوحي، ولا غار ثور المذكور في قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40]. ولا مكان ولادته، ولا الشِّعب الذي حُوصر فيه، وأمثال ذلك.
وكذلك إبراهيم الخليل عليه السلام؛ إنما اتخذوا من آثاره ما شَرَعه الله لهم من المناسك، ومقامه الذي قال الله فيه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]. مع أنهم لم يكونوا يقبِّلون المقام ولا يتمسّحون به.
والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع، كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]. ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استلم الحجرَ الأسود: والله إني لأعلم أنك حَجَر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقبِّلك ما قبَّلتك.
(1/423)

هذا، والحديث والزيارة المنسوبة إلى علي رضي الله عنه ليست ثابتة.
وقد أنكر السلف على من سافر لزيارة الطور الذي كلَّم الله عليه موسى، وهو الوادي المقدَّس والبقعة المباركة. فكيف بغيره من مقامات الأنبياء؟ حتى إن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لفظٌ بزيارته؛ وإنما صحّ عنه الصلاةُ عليه والسلام موافقةً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في «سنن أبي داود»: «ما من رجل يُسلِّم عليَّ إلّا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام». وفي «سنن أبي داود» عنه عليه السلام أنه قال: «أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة
(1/424)

الجمعة فإن صلاتكم معروضةٌ عليَّ». قالوا: يا رسول الله كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمْتَ؟ أي: بَليتَ، قال: «إنّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».
وأما الأحاديث التي يرويها بعضُ الناس، مثل ما يروون أنه قال: «من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنتُ له على الله الجنة». و «من زارني وزار اليسع ...» ونحو ذلك= فهي أحديث مكذوبة موضوعة، وكذلك اللفظ فيه: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن زارني بعد مماتي ضمنتُ له على الله الجنة، ومن حجَّ ولم يزرني فقد جفاني». وكلُّ هذه الأحاديث ضعيفة بل موضوعة.
وقد كره مالك وغيره من أهل العلم أن يقول القائل: زرتُ قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك يبين أنّ هذا اللفظ كان بدعة عند أهل المدينة، الذين هم أعلم الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشدّهم تعظيمًا لقدره. ولهذا لم يكن
(1/425)

على عهد الصحابة والتابعين مشهدٌ يزار، لا على قبر نبيّ ولا غير نبيّ، فضلًا عن أن يُسافَر إليه؛ لا بالحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا مصر ولا المشرق، وإنما حدثت هذه الأمور بعد انقراض خيار القرون. وذلك لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن هذه الأمور، كما في «الصحيحين» عن [عائشة] عنه أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يُحَذِّر ما فعلوا». قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يُتَّخَذ مسجدًا.
وفي «صحيح مسلم» عن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: «إنّ مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد؛ ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك».
وفي «المسند» و «صحيح أبي حاتم» عنه أنه قال: «إنّ مِن شِرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد».
(1/426)

ولهذا لم يذكر الله تعالى في كتابه إلا المساجد دون المشاهد فقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]. ولم يقل: المشاهد. وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]. وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114]، وأمثال ذلك.
وأصل دين الإسلام: أنهم ليس لهم بقعة يقصدونها بالعبادة فيها؛ إلا أن يكون مسجدًا. فليس من دينهم قصد مغارةٍ بجبل ولا أثر نبي ولا غير ذلك، ولكن جُعِلت الأرضُ كلها لهم مسجدًا. وبحكم العموم والإباحة فلهم أن يصلوا حيث شاءوا من غير قصد تخصيص بقعة إلا المواضع المنهي عنها كأعطان الإبل والمقبرة والحمام.
ثم المساجد قد حرَّم الله عليهم أن يبتنوها على قبر، وأن يتخذوا القبر مسجدًا؛ فإن ذلك من أصول الشرك، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [التوبة: 18]. قال طائفة من السلف: هؤلاء كانوا
(1/427)

قومًا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوَّروا تماثيلَهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية: مقصودها السلام على الميت والدّعاء إن كان الميت مؤمنًا، وتذكّر الموت سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «استأذنتُ ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور أمي فأذن لي؛ فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة».
وكان يعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين مِنّا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية».
والزيارةُ لقبر المؤمن -نبيًّا كان أو غير نبيّ- من جنس الصلاة على جنازته، يُدعى له إذا صُلِّي على جنازته.
(1/428)

وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة النصارى المشركين، مقصودها الإشراك بالميت؛ مثل طلب الحوائج منه، أو التمسُّح بقبره وتقبيله، أو السجود له ونحو ذلك. وهذا ونحوه لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا استحبّه أحدٌ من أئمة المسلمين، ولا كان أحدٌ من السلف يفعله لا عند قبره صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره.
بل قد أجدبوا واستسقوا، ولم يكونوا يأتون إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعون عنده لا في ذلك الوقت ولا غيره. بل ثبت في «الصحيح» أنهم لما أجدبوا على عهد عمر رضي الله عنه استسقى بهم فقال: اللهم إنا إذا كنا أجدبنا توسّلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسَّلُ إليه بعمّ نبينا فاسقنا، فيُسقون.
فكانوا في حياته يتوسَّلون إلى الله عز وجل بدعائه وشفاعته، فلما مات صلى الله عليه وسلم بقوا يتوسلون بدعاء العباس.
ولم يكونوا يُقْسمون على الله بأحد من خلقه لا نبيّ ولا غيره، ولا يسألون ميتًا ولا غائبًا، ولا يستعينون بميت ولا غائب، سواء كان نبيًّا أو غير نبي. بل كان فضلاؤهم لا يسألون غير الله شيئًا؛ تحقيقًا لقوله: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7 - 8]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن
(1/429)

عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
وفي «المسند» أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحدٍ: ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناسَ شيئًا. وكذلك كان عوف الأشجعي وغيره ممن وصّاهم النبي صلى الله عليه وسلم: أن لا تسأل الناسَ شيئًا.
وهذا لأن جِماع الدين أن لا يعبدَ الناسُ إلا الله، وأن يعبدوه بما شرع، لا يعبدوه بالبدع، كما قال الفُضَيل بن عياض في قوله عزَّ وجلَّ: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] قال الفُضَيل: أخْلَصه وأَصْوَبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالصُ: أن يكون لله، والصواب: أن
(1/430)

يكون على السنَّة.
وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع.
وأما خروج النساء إلى المساجد مظهرات الزينة، فإنّ ذلك منهيٌّ عنه باتفاق الأئمة؛ إذا كانت خارجة إلى صلاة الجماعة. وأما خروجهن في المجامع المبتدَعَة، مثل التعريف ببيت المقدس وأمثال ذلك مع إظهار الزينة والطيب؛ فهذا منكر من وجوهٍ عدةٍ، وليس لزوجها ولا أبيها ولا نحوهما تمكينها من ذلك، بل عليهم أن يمنعوها من ذلك فضلًا عن إعانتها على ذلك.
وأما زيارة المرأة لبيت المقدس في غير موسم من غير سفر فلا بأس بذلك.
# # #
(1/431)

مَسْألة في عَسْكَر المنصور المتوجِّه إلى الثغور الحلبية سنة 715 هـ
(1/433)

مسألة في العسكر
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين، ما النية في هذه الغزوة التي يخرج فيها عسكر المنصور إلى الثغور الحلبية سنة خمس عشرة، وذكر وليّ الأمر أنها غزوة شرعية، فهل تكون النية سفر طاعة، فهل يستحب القصر فيه، أم لا؟ وهل يجوز الجمع في أوقات جدّ السير، بينوا لنا ذلك والحالة هذه؟
الجواب: الحمد لله.
نعم هو سفر طاعة يجوز فيه القصر، والقصر للمسافر سُنّة راتبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي في سفره إلا قصرًا، لم يصلِّ الظهر والعصر والعشاء في السفر أربعًا قط. فأما الجمع فهو رخصة عارضة، فإنه لم يكن يجمع في غالب الأوقات، وإنما يجمع عند الحاجة، كما جمع بعرفة ومزدلفة، وكما كان يجمع إذا جدَّ به السير، وكان إذا سافر قبل أن ترتفع الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فصلاهما جمعًا. وأما في حال نزوله في السفر فما نُقِل عنه الجمع إلا مرة واحدة.
وكان يصلي في السفر الوتر، وركعتي الفجر، وكان يصلي التطوّع
(1/435)

وغيره على راحلته قِبَل أيّ وجهٍ توجّهت به، سواء جهة سيره جهة الكعبة أو غيرها.
وإنما جاز القصر في السفر لأنه ليس سفرًا محرمًا، بل من كان له فيه نية صالحة، وأراد به وجه الله، وقَصَد الجهاد الشرعي= كان ذلك من أفضل أعماله، وذلك لأن جهاد العدوّ الخارجين عن شريعة الإسلام ليكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله هي العليا= من أفضل الأعمال الشرعية.
وسَعْي المسلمين في قَهْر التتار والنصارى والروافض مِنْ أعظم الطاعات والعبادات، فإنَّ هؤلاء محاربون لله ورسوله، خارجون عن شريعة الله وسبيله، وإن كان التتر والروافض يتكلَّمون بالشهادتين ويتظاهرون ببعض الإسلام، فقد أمر الله ورسوله بجهاد مَنْ هو خير منهم. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278 - 279]. والربا أحرم ما حرَّم الله في القرآن، وكان أهل الطائف قد أسلموا والتزموا الصيام والصلاة وسائر الشريعة، إلا أنهم قالوا: لا ندع الربا، فأمر الله بجهادهم، وأخبر أنهم يحاربون الله ورسوله.
(1/436)

فإن كانوا هؤلاء الذين لم ينتهوا عن الربا، قد أمر الله بمحاربتهم، مع أن الربا مالٌ يؤخذ برضا المتعاقدين، فكيف بمن يستحلُّ دماءَ المسلمين وأموالَهم، وإفساد دينهم ودنياهم؟ فطاعتهم ودين الإسلام لا يجتمعان.
ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم [و] ارتدَّ مَن ارتدَّ قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» فقال له أبو بكر: ألم يقل: «إلا بحقها» فإن الزكاة مِنْ حقِّها، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيتُ أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق.
فقد قاتل الصحابة من كان مسلمًا لكونه لا يؤدي الزكاة، وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجهٍ أنه ذكر الخوارج فقال: «يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق
(1/437)

السهمُ من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة».
فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لكونهم خرجوا عن جماعة المسلمين، واستحلّوا دماء المسلمين وأموالهم، ولا يكفرون أبا بكر وعمر، وإنما يطعنون في عثمان وعلي. والرافضة شر من هؤلاء؛ فإنهم يعاونون اليهود والنصارى، وعاونوهم مع هلاوون لما قدم إلى بغداد، فأعانوه على قتل بيت النبوة العباسيين وغيرهم من المؤمنين، وأعانوا اليهود والنصارى بالشام نوبة هلاوون وقازان، وغير ذلك، ولا ريب أن ضررهم على المسلمين أعظم من ضرر التتر.
وأما التتار فإنهم وإن أسلموا لم يلتزموا بسائر الشريعة، والله قد أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله لله، فإذا كانت الطائفة الممتنعة تتشهَّد ولا تصلي، قوتلوا حتى يصلوا، ولو قالوا: نصلي ولا نصوم،
(1/438)

قوتلوا حتى يصوموا. ولو قالوا: نصوم ولا نحج، قوتلوا حتى يحجوا البيت، ولو قالوا: نؤدي الفرائض ولا نحرِّم ما حرَّم الله ورسوله، ولا نحرم الربا أو الخمر أو الفواحش، ونحو ذلك، قوتلوا على ذلك، ولو قالوا: يُحْكَم بيننا بالياساق ولا يحكم بيننا الله ورسوله، قوتلوا على ذلك. ولو قالوا: نوالي جنسنا من الكفار، ونعادي المسلمين الذين لا يطيعونا، قُوتِلوا على ذلك.
والتتار فيهم من الخروج عن شريعة الإسلام أمورٌ كثيرةٌ، حتى إن ملكهم قد أظهر الرَّفْض وتزوج ببنت أخيه، ومثل هذا يوجب قتل مستحلِّه باتفاق الأئمة، بل من تزوج امرأة أبيه قُتِل، كما في «السنن»: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة بن نِيار إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمره
(1/439)

بقتله، وأن يأخذ خُمس ماله. فكيف بمن تزوَّج بنت أخيه؟!
ولكن الواجب في جهادهم أن تُعصَم دماء المسلمين وأموالهم وحريمهم الذين في بلادهم، ولا يقاتل إلا من كان معاونًا لهم.
ولا تجوز الإغارة على بلاد الشرق فإنهم مسلمون، كما أن أهل الشام مسلمون، ولكن يشهدهم العدو، كما قهروا أهل الشام لما دخلوا عليهم، فالواجب إنقاذهم من الدولة الخارجة عن الشريعة حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويعمل بالكتاب والسنة بحسب الإمكان، كما خرج العسكر من مصر لإنقاذ بلاد الشام منهم لما استولوا عليها.
ومَنْ أغار على المسلمين وتعرَّض لدمائهم وأموالهم بغير حقِّها، فهو ظالمٌ معتد، ولا طاعة لمن يأمر بذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، والله سبحانه وتعالى أعلم.
# # #
(1/440)

صورة مكاتبة الشيخ تقي الدين
للسلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين
سنة ثمان وتسعين وستمائة
(1/441)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من الدّاعي أحمد ابن تيمية إلى سلطان المسلمين وولي أمر المؤمنين، نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بإقامة فرض الدين وسنته، أيده الله تأييدًا يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا والآخرة، ويقيم به جميع الأمور الباطنة والظاهرة، حتى يدخل في قول الله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظله: إمام عادل، وشابّ نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ربَّ العالمين، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تَبِعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء».
(1/443)

وقد استجاب الله دعاء الأمة في السلطان، فجعل فيه من الخير الذي شهدت به قلوب الأمة ما فضَّله به على غيره، والله المسؤول أن يعينه، فإنه أفقر خلق الله إلى معونة الله وتأييده، حتى يدفع عنه كل ضر، ويجلب إليه كلَّ خير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلاحُ أمر السلطان في إقامة سلطان الله، وإنفاذ مرسوم رب العالمين الذي هو كتابه، فإنه سبحانه جعل صلاح أهل التمكين في أربعة أشياء: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
فإذا أقام الصلاة في مواقيتها جميعه هو وحاشيته وأهل طاعته، وأمرَ بذلك جميعَ الرعية، وعاقب من تهاون في ذلك بالعقوبة التي شرعها الله، فقد تمَّ هذا الأصل.
ثم إنه مضطر إلى الله تعالى، فإذا ناجى ربه في السحر واستغاث به، وقال: «يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث» أعطاه الله من المكنة ما لا يعلمه إلا الله.
ثم كلّ نفع وخير يوصله إلى الخلق هو من جنس الزكاة، فمن أعظم العبادات: سدّ الفاقات، وقضاء الحاجات، ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف، وهو: الأمر بما أمر الله به ورسوله من العدل والإحسان، وأمر نوَّاب البلاد وولاة الأمور باتباع حكم الكتاب والسنة،
(1/444)

وتعظيم حرمات الله. والنهيُ عن المنكر: النهيُ عما نهى الله عنه ورسوله.
ومما نهى الله عنه ورسوله: إتيان العراف والكُهّان والمنجم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم يقبل الله له صلاة أربعين يومًا». رواه مسلم في «صحيحه».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس [علمًا من النجوم اقتبس] شُعبةً من السحر، زاد ما زاد». رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح.
وقد تقدم إلى ولي الأمر بالشام بما يشكره الله وعبادُه المؤمنون من إبطال هؤلاء ومنعهم من الجلوس بالحوانيت والطرقات، ومن منع الخمر والحشيشة المسكرة، حتى يَعْبد الخلقُ ربَّهم ويتَّكلوا عليه ويستعينوه.
فإذا تقدم السلطان أيّده الله بذلك في عامة بلاد الإسلام، كان فيه من صلاح الدنيا والآخرة له وللمسلمين ما لا يعلمه إلا الله، والله يوفقه بما يحبه ويرضاه.
(1/445)

[مسألة في الداء والدواء]
الحمد لله.
سئل شيخ الإسلام رضي الله عنه وأثابه الجنة: ما دواء من تحكَّم فيه الداء، وما الاحتيال فيمن تسلَّط عليه الخَبَال، وما العمل فيمن غلب عليه الكسل، وما الطريق إلى التوفيق، وما الحيلة فيمن سطت عليه الحيرة؟ إن قَصَد التوجُّه إلى الله مَنَعَه هواه، وإن رام الادِّكار غلب عليه الافتكار، وإن أراد يشتغل لم يطاوعه الفشل.
غلب الهوى فتراه في أوقاته ... حيران صاحي بل هو السكران
إن رام قربًا للحبيب تفرَّقت ... أسبابُه وتواصل الهجران
هجر الأقارب والمعارف عَلَّه ... يجد الغنى وعلى الغناء يُعان
ما ازداد إلا حيرة ًوتوانِيًا ... أكذا بِهِم مَنْ يستجير يُهان
(1/446)

فأجاب رضي الله عنه:
دواؤه الالتجاء إلى الله تعالى، ودوام التضرُّع إلى الله سبحانه، والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة، ويتوخَّى الدعاء في مظان الإجابة؛ مثل آخر الليل، وأوقات الأذان والإقامة، وفي سجوده، وفي أدبار الصلوات.
ويضم إلى ذلك الاستغفار؛ فإنه من استغفر الله ثم تاب إليه متَّعه متاعًا حسنًا إلى أجلٍ مسمّى.
وليتخذ وِرْدًا من الأذكار طَرَفَي النهار ووقت النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف، فإنه لا يلبث أن يؤيّده الله بروح منه، ويكتب الإيمان في قلبه. وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه وظاهره، فإنها عمود الدين. ولتكن هِجِّيراه: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، فإنه بها يُحْمَل الأثقال، ويُكابد
(1/447)

الأهوال، ويُنال رفيع الأحوال.
ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يُستجاب له ما لم يَعجَل فيقول: قد دعوتُ فلم يستجَبْ لي. وليعلم أن النصرَ مع الصبر، وأنَّ الفَرَج مع الكرب، وأن مع العُسر يسرًا، ولم ينل أحد شيئًا من جسيم الخير -نبي ٌّفمَن دونه- إلا بالصبر.
والحمد لله رب العالمين.
# # #
(1/448)

رسالة في الكلام في الحلَّاج
(1/449)

تكلم في الحلاج وأمثاله شيخُ الإسلام -بحرُ العلوم، بقية السلف الكرام، آخر المجتهدين وقدوة المتأخرين، تاج العارفين ولسان المتكلمين، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني رحمه الله ورضي عنه وأثابه الجنة بفضل رحمته وإيانا أجمعين إنه على كل شيء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم-[و] على الفِرَق من الطوائف المختلفة كلامًا طويلًا، ثم قال في أثناء كلامه -والسياق أصله في الحلاج-:
فصل
وأما حكم الله في حقّ هذا المعيَّن، فلا ريب أن الأقوال التي ذُكِر أنه قُتل عليها؛ من الاتحاد، ودعوى الإلهية كفرٌ باتفاق المسلمين. فمن اعتقد في نفسه ما يعتقد النصارى في المسيح، فهو كافر بالله باطنًا وظاهرًا، ولو كان أعْبَد الناس وأزْهَد الناس؛ فإن أنواع العبادات والزهادات، وأنواع الرياضات والمجاهدات لا تُقبل إلا مع الإيمان بالله ورسوله.
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن اليهود والنصارى كفّار وإن كانوا من أعبد الناس. وأنَّ رهبان النصارى لا يقبل الله عباداتهم وزهاداتهم؛ لأنهم خارجون عن دين الإسلام، مع أن معهم من العبادات والزهد ما هو أبلغ.
(1/451)

وكذلك المشركون في عبادة الأصنام؛ كعبّاد الهند الذين يعبدون الأبداد وغيرهم كفار بإجماع المسلمين وإن كانوا عُبَّادًا زُهَّادًا.
وقد قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103 - 105].
وقد سُئل عن هؤلاء سعد بن أبي وقاص فقال: هم أهل الصوامع والزيارات. وسئل عنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: هم أهل حروراء. يعني الخوارج.
وقد ثبت في «الصحيح» في الخوارج: «يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة».
وهؤلاء قاتلهم أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمر
(1/452)

النبي صلى الله عليه وسلم، وقتلهم مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، فإذا كان هؤلاء يخرجونهم عن السنة والجماعة، فكيف بمن خرج عن أهل الدين بما ينافي التوحيد والرسالة، ودخل فيما عليه النصارى ونحوهم من الضلالة؟
ولو كان لمثل هذا من خوارق العادات ماذا عسى أن يكون، فإنه [إن] لم يلتزم طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا فإنه ضالٌّ مفتون. وقد اتفق أهل طريق الله على أن خوارق العادات مع الخروج عن الكتاب والسنة لا تغني عن صاحبها شيئًا، وأنَّ الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء، فلا تغتر به حتى تنظر وقوفه عند الأمر والنهي.
وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قعد أحدكم في التشهد فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال».
والدجال يدَّعي أنه الله ويقول للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخِرْبة أخرجي كنوزك فيخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل الميت ثم يعيش. ومع هذا كله فهو كافر بالله العظيم. فمن اتبع أحدًا في ضلالة لأجل ما يظهر عنه من خارق؛ فقد أصابته فتنة الدجال.
(1/453)

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد: «إني قد خَبَأتُ لك خبيئًا» فقال: الدُّخ، فقال: «اخسأ فلن تعدوَ قَدْرَك» أي: أنت كاهن. وهذه قاعدة مبسوطة في غير هذا الموضع.
وعامة هؤلاء الخارجين عن شريعة الإسلام؛ كالسهروردي المقتول الحلبي، وابن سبعين وأمثالهم كانوا يتعاطون السيمياء التي هي من السحر، وحكاياتهم في ذلك مشهورة، وهي من أنواع التخييل. وكانوا فلاسفة يميلون إلى طريقة الحلَّاج وأمثاله. ولابن سبعين خِرْقَة مجهولة الرجال متصلة بالحلَّاج.
وقد استفاض مِن نَقْل العلماء ونصوصهم أنّ الحلَّاج كانت له مخاريق، فلا يجوز لأحدٍ أن يستدل بمخارقه على أنه ولي لله، وأنه قُتِل مظلومًا. فإن كثيرًا من الجُهَّال من يفعل هذا، ويبني عليه ثلاث مقدمات باطلة:
أحدها: أنه كانت له كرامات.
والثانية: أن صاحب الكرامات التي هي خرق العادات وليّ لله.
والثالثة: وليّ الله لا يقول إلا حقًّا ولا يعمل إلا خيرًا. فهذه الثلاثة
(1/454)

باطلة في حقه وحق أمثاله.
أما الأولى، أنه كانت له كرامات، فأكثر ما يُحكَى يكون كذبًا من باب الحيل والمخاريق، كما ذكر الناس في أخبار الحلَّاج أنه كان صاحب مخاريق، فيكون ما يدعيه من خرق العادات كذبًا، وما كان منه صدقًا كان له من الأسباب، كالسحر والعين والأحوال الفاسدة، ما يخرجه عن أن يكون من جنس كرامات أولياء الله.
وبهذا يظهر فساد المقدمة الثانية، وهو أنه ليس كلّ من كان له خرق عادة يكون وليًّا لله، كالدجال وأمثاله.
وأما الثالثة، فليس من شرط وليّ الله أن يكون معصومًا، بل يجوز عليه الخطايا والذنوب، وكلّ واحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأولياء الله هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63]. والتقوى هي: أداء الواجبات وترك المحرَّمات، وقد يكون معها صغيرة بلا إصرار وكبيرة مع توبة واستغفار.
(1/455)

وإذا عُرِف ذلك، فمن اعتقد ذلك، أو قال قولًا يخالف دين الإسلام؛ من الاتحاد الذي قُتِل عليه الحلَّاج وأمثاله، مثل قوله: إني أنا الله، ونحو ذلك، إن عاقلًا يعلم ما يقول، وإن كان مخالفًا لدين الإسلام= فلا ريبَ أنه كافر باطنًا وظاهرًا. وإن كان قد غُلِب على عقله لفساد مزاجه أو حالٍ ورد عليه، فجُعِل كالسكران وأوقعه في الفتن والاصطلام= فهذا ارتفع عقله بسبب يُعْذَر فيه [و] لم يكن مأثومًا، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَ القلم عن المجنون حتى يفيق».
فإذا كان زوال عقله لسماع القرآن ونحوه، كان معذورًا، كما يكون المُغْمى عليه بالمرض معذورًا.
وإن كان زوال عقله بسبب محظور، كالسماع المنهيّ عنه؛ كمن زال عقله بشُرْب محرَّم كالخمر والحشيش. وهذا إذا تكلم بالكفر في تلك الحال فهل يكفر؟ على قولين مشهورين للعلماء في السكران، لكن الأظهر أنه لا يكفر.
(1/456)

ثم منهم من فرَّق بين من يزول عقله بسبب يُشْتَهى كالخمر، وسبب لا يُشتهى كالبنج، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة، وهو المنصوص عن أحمد، [ومنهم من لم يُفرِّق] كالشافعي، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد كأبي الخطاب. وبكلِّ حال فإذا صحا من سُكْره وتاب مما قال تاب الله عليه باتفاق العلماء.
فمن خرج في سُكْره إلى شطحٍ هو كفر، وكان زوال عقله بسبب يُعْذَر فيه فلا إثم عليه. وإن كان بسبب محظور ثم تاب تاب الله عليه. وأما من أصرَّ على ذلك في حال صحوه وحضور عقله، فهذا كافر زنديق باطنًا وظاهرًا، وهذا هو الذي ثبت في حال الحلَّاج وأمثاله. وقد عُلِم أنه قُتِل على الزندقة، فإذا تاب قبل أن يموت فيما بينه وبين الله [تاب الله عليه] باتفاق المسلمين، وهذا مما يُشكّ فيه في حال الحلّاج، فإنه يمكن أن يكون قبل الموت تاب فيما بينه وبين الله، ويمكن أنه لم يتب، فإن تاب قَبِل الله توبته على صالح عمله.
وأيضًا فالزندقة ليست صفة لازمةً للعبد، فقد يكون في حال مؤمنًا وفي حال منافقًا، ففي حال نفاقه متكلم بالكفر وفي حال إيمانه يتوب منه. وهذا الحال يشبه حال أبي العلاء المعرِّي وأمثاله ممن ثبت عنه أنه
(1/457)

تكلم بكلمات كفرية، مع تكلّمه بكلمات إيمانية تنافي ذلك.
والواحد من هؤلاء قد تكون عاقبته باعتبار أحوال إيمانه، ومن ذمّه فباعتبار نفاقه واستصحابٍ لحال نفاقه إلى الموت، وتفاصيل أحوالهم المعيَّنة إلى الله، لكن يجب الجزم بكفر الكلام المنقول عنهم الذي يخالف دين الإسلام من مقالات أهل الاتحاد ونحوها.
فإذا تبيَّن هذا فالذي لا ريب فيه أن الحلَّاج بدا منه من الأقوال ما هي محرَّمة في دين الإسلام، موجِبة للقتل باطنًا وظاهرًا، وأن الرجل لم يكن على الصراط المستقيم، ولا ملازمًا لطريقة الكتاب والسنة، ولا هو ممن يجوز الاقتداء به ولا اتخاذه إمامًا، ولا يجوز التعصُّب له والانتصار له بدعوى ضد ذلك بكون كان له عبادات وزهادات، فيمكن أنه تاب فيما بينه وبين الله مما هو كفر، فيكون قد مات على الإيمان وهو من أهل الكبائر، ويمكن أنه لم يتب من ذلك فيكون منافقًا، ويمكن أنه تاب من الكفر والبدعة والفسوق فمات تائبًا لا ذنب له، ويمكن أنه لم يتب من ذلك فيكون حكمه حكم فساق أهل الملة إن
(1/458)

شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له. ويمكن أنه بقي مصرًّا على خطأ هو ذنب أو خطأ هو مغفور.= فهذه كلها أقسام ممكنة، والجزم بواحد منها بلا دليل قولٌ بغير علم، [و] هو كلام فيما لا يعنينا. فإن الذي يجب علينا أن نثبت ما أثبته الكتاب والسنة وننكر ما أنكره الكتاب والسنة، وهذا يظهر بذكر الحكم فيما يُنْقل عنه من الأقوال نظمًا ونثرًا.
فنقول: إنه قد نُقِل عن الحلَّاج من المقالات أنواع كثيرة لا ريب أن كثيرًا منها كذب عليه، فإنه قد صار له شهرة، فمن الناس من قد يبالغ في ذمه حتى يَنْقل عنه ما لم يقله، ومن الناس من يريد ينفق المقالات الباطلة فيحكيها عنه ليقبلها من يحسن الظن.
وهذا قد فُعِل بغير الحلَّاج من علماء الدين وأئمة الهدى، نُقِل عنهم من الكلمات المكذوبة أنواع، تارةً بغرض الذمّ وتارة بغرض المدح، وتارة بغرض القبول لقول سيِّد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكذلك نُقِل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الأكاذيب ما الله به عليم، وعن جعفر بن محمد الصادق، وغير هؤلاء من أئمة الهدى.
وينقل عن يزيد والحجاج وأمثالهما من الأكاذيب في الذمِّ ما لم
(1/459)

يقولوه ولم يفعلوه، وإن كان لهما ما لهما فما الشر ما يقع مثل هذا.
وكذلك الحلَّاج نُقِل عنه نظمًا ونثرًا من مقالات الاتحاد ومقالات أهل الاتحاد ما الله به عليم، وصار ذلك فتنةً لمن يظنه من أولياء الله المتقين، وعلوم الأسرار والحقائق، بمنزلة ما نُقِل عن علي رضي الله عنه من هذه الأحاديث، وبمنزلة ما نُقِل عن أبي يزيد إما كذبًا عليه وإما غلطًا منه.
لكن إذا نُقِل عن رجل له قبول في الإسلام، كان الضلال به أكثر بخلاف ما يُنقل عن الحلاج وأمثاله، فإن القائل قد قُتل على الزندقة، ومن قُتل على الزندقة سقطت حُرمة أقواله.
وينبغي أن يكون عند المسلم من هذا قاعدة عامة، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لا يقول على الله إلا الحق، ولا يخرج من بين شفتيه إلا حق، وهو حجة الله على عباده. هذا قول مالك بن أنس الإمام رضي الله عنه: كلُّ أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنه ليس لأحدٍ من المشايخ والعلماء أو
(1/460)

الملوك أو الأمراء أو غيرهم طريق إلى الله غير اتباعه [ومن ظنَّ أن لأحدٍ من أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا فلم يتابعه] فهو كافر.
ومن زعم أن من أولياء الله من يخرج عن اتباعه وطاعته كما خرج الخضر عن اتباع موسى وطاعته فإنه كافر. فإن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر بل كان نبيًّا إلى بني إسرائيل، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى جميع العالمين عربهم وعجمهم، وجنهم وإنسهم. مع أنَّ الذي فعله الخضر لم يكن خارجًا عن الشريعة، بل كان له أسباب إذا عَلِمها العبد تبيَّن له أنه جائز في الشريعة، ولهذا لما بيَّن الخضر تلك الأسباب لموسى عَلِمَ موسى أن تلك الأفعال جائزة في الشريعة.
ومن زعم أن من [أهل] الصُّفَّة من خرج عن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو قاتَلَه أو سمع ما أُلقي إليه ليلة المعراج؛ فهو ضالٌّ مفترٍ.
ولا يكون العبدُ مؤمنًا حتى يكون كما قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
(1/461)

حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51].
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]. وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]. ومثل هذا في القرآن كثير في نحو أربعين موضعًا.
فالإسلام أصلان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله. وإذا أقرَّ بذلك فليعلم أن القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الحق وما خالفها باطل، فإنَّ هذا نقلٌ مصدَّق عن قائل معصوم، وما يخالف هذا من أقوال أو أفعال تُحكى عن بعض المشايخ أو العلماء وغيرهم فقد يكون الناقل غير مصدَّق، وإن كان الناقل صادقًا فالقائل غير معصوم في مخالفة الناقل المصدَّق عن القائل المعصوم.
فهذا القول يجب على المؤمن أن يعتصم به، ويَزِن جميع ما يَرِد عليه على هذا الأصل. فما يجده من التنازع في بعض المشايخ
(1/462)

والعلماء والملوك أو غيرهم في حمده وذمّه، فلا يخلو إما أن يكون المراد به معرفة حقيقة ذلك الرجل عند الله، فهذا لا حاجة بنا إلى معرفته، وقد لا يمكن معرفته. وإما أن يكون المراد حُكْم ما يُذْكَر عنه من أقوال وفعال. فهذا كله معروض على الكتاب والسنة، فما وافقه فهو الحق، وإن كان ذلك القائل فاسقًا أو زنديقًا، وما خالفه فهو الباطل وإن كان ذلك القائل صالحًا بل صدِّيقًا، كما كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول في وصيته: «اقبلو الحقَّ مِنْ كلِّ مَن جاء به وإن كان كافرًا واحذروا زيغة الحكيم» فقالوا: كيف نعرف أن الكافر يقول الحق؟ وأن الحكيم يزيغ؟ فقال: «إن على الحقّ نورًا». يريد: أن الحق معه مِنَ البرهان ما يتبين أنه حق، فهذا مقبول من كل قائل.
وكثير من الناس يزن الأقوال بالرجال، فإذا اعتقد في الرجل أنه معَظَّم قَبِل أقوالَه وإن كانت باطلةً مخالفةً للكتاب والسنة، بل لا يصغي حينئذ إلى مَنْ يردّ ذلك القول بالكتاب والسنة. بل يجعل صاحبه كأنه
(1/463)

معصوم. وإذا ما اعتقد في الرجل أنه غير معَظَّم ردَّ أقوالَه وإن كانت حقًّا، فيجعل قائل القول سببًا للقبول والرد من غير وزن بالكتاب والسنة.
وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للحارث بن حوط لما قال له: يا عليّ أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل وأنت على حق؟ [فقال]: لا [يا] حارِ إنه ملبوس عليك، اعرف الحق تعرف أهله، إن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يُعرفون بالحق.
وكلّ من اتخذ شيخًا أو عالمًا متبوعًا في كلّ ما يقوله ويفعله، يوالي على موافقته ويعادي على مخالفته غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو مبتدع ضالّ خارج عن الكتاب والسنة، سواء كان من أهل العلم والدين؛
(1/464)

كالمشايخ والعلماء [أ] وكان من أهل الحرب والديوان؛ كالملوك والوزراء.
بل الواجب على جميع الأمة طاعة الله ورسوله، وموالاة المؤمنين على قدر إيمانهم، ومعاداة الكافرين على قدر كفرهم، كما قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55 - 56]، وقال تعالى: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو واحد تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا وشبَّك بين أصابعه».
وفي «الصحيح» عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا
(1/465)

تفرقوا، وأن تناصحوا من ولَّاه الله أمركم». {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 105 - 107].
قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفرقة.
وهذا هو الأصل الفارق بين أهل السنة والجماعة، وبين أهل البدعة والفرقة. فإنّ أهل السنة والجماعة يجعلون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام المطلق، الذي يتبعونه في كلِّ شيء ويوالون من والاه ويعادون من عاداه. ويجعلون كتاب الله هو الكلام الذي يتبعونه كلَّه ويصدِّقون خبره كلَّه، ويطيعون أمره كلّه. ويجعلون خير الهدي والطريق والسنن والمناهج هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما أهل البدعة فينصبون لهم إمامًا يتبعونه، أو طريقًا يسلكونه، يوالون عليه ويعادون عليه، وإن كان فيه ما يخالف السنة، حتى يوالوا مَن
(1/466)

وافقهم مع بُعْدِه عن السنة، ويعادون من خالفهم مع قُرْبه من السنة.
فإذا عُرِف الصراط المستقيم لم يكن بنا حاجة إلى معرفة حقيقة هؤلاء الرجال الذين اشتهوا عنهم. وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
آخر الفصل، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
# # #
(1/467)

فصل
فيما يجمع كليات المقاصد
(1/469)

فصل فيما يجمع كليات المقاصد، لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد ابن تيمية الحراني رحمه الله ورضي عنه وأثابه الجنة بفضل رحمته، إنه على كلّ شيء قدير.
قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
والبِرّ: ما حضّ الله به من واجب ومستحب.
والتقوى: حفظ حدود الله بأن لا يتعدى الواجب والمستحب والجائز. فالبِرّ في الجنس، والتقوى في المقدار.
وضد ذلك: الإثم، وهو: جنس ما نهى الله عنه، والعدوان هو ما تعدَّى الحدود في الواجب والجائز والمستحبّ. فالعدوان ضد التقوى، كما أن الإثم ضد البر.
وفي «صحيح مسلم» عن النوّاس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: «البرّ حُسْن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهتَ أن يطلع عليه الناس».
(1/471)

وقد بسطنا القول في هذا في غير هذا الموضع، والمقصود هنا أن الله أمر بالتعاون على هذا، ونهى عن التعاون على هذا. فالإنسان فيما أُمِر به ونُهي عنه لا يخلو من أربعة أقسام:
* إما أن يفعل المأمور والمحظور جميعًا، فيعين على هذا وهذا، كمن يعاون الذين يفعلون الظلم والفجور على هذا وعلى هذا، ويدخل في ذلك أعوان الظَّلَمة من الأئمة والأمة إذا أعانوهم على البر وعلى الإثم.
* وإما أن يترك المأمور والمحظور جميعًا، فلا يعين على برٍّ ولا على إثم، كحال كثير ممن يتخلّى عن الناس إما كسلًا وإما بُخلًا وإما زُهدًا وورعًا فاسدًا، وإما لغير ذلك.
* وإما أن يعين على الإثم والعدوان دون البر والتقوى؛ كحال من يعين الظالمين والفاسقين على ظلمهم وفسقهم، ولا يعين على البر.
* وإما أن يعين على البر والتقوى ولا يعين على الإثم والعدوان. فهذا هو المؤمن التقي الذي أطاع الله ورسوله.
وهذا حالُ الناس في كل جنسٍ أَمَرَ الله بأحد نوعيه وحرَّم الآخر، بل حكمهم في أمر الله ونهيه؛ فمنهم من يأتي بالمأمور والمحظور،
(1/472)

ومنهم من يأتي بالمأمور دون المحظور.
وهذه الأقسام تعرض للإنسان الواحد بحسب أحواله، بل تعرض له في اليوم الواحد فيأتي بالأنواع الأربعة.
فأما الذي يأتي بطاعة الله دون معصيته، أو يأتي بمعصيته دون طاعته؛ فحكمهما ظاهر، وإن كان في بعض أنواعهما وأعيانهما تنازُعٌ واشتباه. لكن الجامع بين الطاعة والمعصية والتارك لهما كثيرًا ما يضطرب الناس في أمرهما. والتحقيق: أنه يوزَن ثواب طاعة الله هنا مع عقاب معصيته.
وأما التارك لهما فننظر فيما تركه من طاعة، هل كان واجبًا يستحق على تركه عقابًا؟ [و] فيما تركه من المعصية، هل قصد تركه على وجهٍ يكون فيه ثواب؟ فإن كان كذلك له ثواب وعقاب كالأول. وإن لم يكن المتروك من الطاعة واجبًا ولا المتروك من المعصية بقَصْد يُثاب عليه، فهما لا له ولا عليه. فإن رجحت حسناتُ الأولين فهما خيرٌ منه، وإن رجحت سيئاته فهو خير منهما.
(1/473)

والمقصود أن الله إذ أوجب الإعانة على البر والتقوى، فقد دخل في ذلك فِعْل كل مأمور فإنه من البر، وحِفْظ حدود الله في كل شيء فهو التقوى.
وجِماع ذلك القسط والعدل في كل شيء، فتجبُ الإعانة على حُسْن الخلق. وكما أمر الله بالإعانة على ذلك فأمر بالتناجي به فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: 9].
والإثم والعدوان جِماعُه الظلم؛ ظلم النفس أو ظلم العبد لنفسه أو لغيره مع نفسه، والظلم في حقّ الله. وقد قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32].
فالإعانة على هذه المحرمات هي الإعانة على الإثم والعدوان، والإعانة على الفواحش يدخل فيه الذي تسميه الناس: قيادة، مثلما كانت امرأة لوط -العجوز التي تُرِكت في الغابرين- تُعِينُ قومَها قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث، وكانت تدلهم على الأضياف الذين يأتون إلى لوط عليه السلام.
فالدالُّ على الفواحش من الرجال والنساء، والجامع بين
(1/474)

الناس على الفواحش بكلامه أو عمله أو مكانه أو غير ذلك له نصيب من هذا، حتى من يبيع ما يستعين به على المعصية، كما لعن النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة، لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها. حتى قال الإمام أحمد: إن بيع الخبز واللحم والفاكهة لمن يستعين به على الفاحشة والإثم من هذا الباب.
والإعانة على الإثم والعدوان أعظم من السكوت عن تغيير ذلك، فإنّ السكوت عن تغيير ذلك هو ترك لإنكار المنكر، والإعانة على المنكر أعظم من السكوت عن إنكاره. والله سبحانه وتعالى قد أوجب على الرجل أن يغار على أهله ويصونهم عن الفواحش، فإذا سكت عن تغيير ذلك كان ديُّوثًا، وهو الذي جاء فيه الحديث: «لا يدخل الجنة ديُّوث». وهو ضد الغيور. والغيرة التي يحبها الله هي الغيرة في
(1/475)

الريبة، فإذا لم يَغَرْ من فِعْل الفاحشة كان ذلك دياثة. لكن الغيرة على أهل الرجل أوجب من الغيرة على غير أهله. وكذلك الدياثة في حق أهله أعظم جرمًا. وذلك أنه مَنْع لمشاركة غيره له في أهله، وذلك أمر يختصّ به ويعود ضرره عليه ونفعه له بخلاف فعل غيره الفاحشة.
ولهذا جعل الله [في] بني آدم وغيرهم من الحيوان النُّفْرةَ من أن يُشارَك الرجل في محلّ استمتاعه بخلاف نفورهم عن فاحشة غير أهله، حتى يزني الرجل الفاجر بنساء الناس وأبناء الناس ومماليكهم، ويعظُم عليه أن يرى مثل ذلك في نسائه وأولاده ومماليكه؛ لِما في النفوس من الغيرة وكراهة المشاركة في محلّ المتعة، وإن كانت النفوس عن ذلك قد محرومة. والله أعلم.
# # #
(1/476)

[مسائل فقهية مختلفة]
مسألة: فيمن ينوي الغسل، فتوضأ، ثم اغتسل هل يجزيه، أم يتوضأ ثانيًا بعد فراغه من الغسل؟
الجواب: الحمد لله.
قد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا اغتسل من الجنابة يتوضأ أولًا، فتارةً يكمل الوضوء بغسل رجليه، ثم يغسل سائر بدنه. وتارةً يؤخّر غسل رجليه إلى آخر الغسل. ولم يكن يعيد وضوءًا آخر بعد الغسل، بل ولا يعيد الماء على أعضاء الوضوء، بل يكفي مروره عليها أولًا. فإذا نوى الجنب بالغسل أن يرفع الحدثين: الأصغر والأكبر، وتوضأ أولًا، لم يحتج إلى وضوء ثاني باتفاق الأئمة رضي الله عنهم أجمعين. والله أعلم.
...

مسألة في الصلاة: هل تجب أن تكون [النية] مقارنةً للتكبير؟ والسؤال أن يوضَّح لنا كيفية مقارنتها التكبير، كما ذكر في الشافعي؟
(1/477)

وأنه لا تصحّ الصلاة إلا بمقارنتها مع التكبير، وهذا يعسُر على الناس.
الجواب: الحمد لله، أما مقارنة النية للتكبير، فللعلماء فيه قولان مشهوران:
أحدهما: لا يجب، كما هو مذهب أحمد وغيره.
الثاني: تجب، كما هو مذهب الشافعي وغيره.
والنية الواجبة محلّها القلب باتفاق الأئمة، إلا خلافًا شاذًّا، وأما بعض المتأخرين [فـ]ـأوجب اللفظَ بها، وهو مسبوقٌ بالإجماع قبله. ولكن تنازع العلماء هل يستحبّ اللفظ بها؟ كمن استحبَّه من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ولم يستحبّه آخرون من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما، وهذا أقوى؛ فإن ذلك بدعة لم يفعلها رسول الله وأصحابه، ولو كان من تمام الصلاة لفعلوه.
والمقارنة المشروطة قد تفسَّر بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامّة الناس إنما يصلّون هكذا، بل هذا أمرٌ ضروري، لو كُلِّفوا تركه لعجزوا عنه.
وقد تفسَّر بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها
(1/478)

مع أوّله وآخرها مع آخره، وهذا لا يصحّ؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أوّل الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة.
وقد تفسَّر بحضور جميع النية مع جميع أجزاء التكبير، وهذا تُنوزِع في إمكانه؛ فمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن ولا مقدور للبشر، فضلًا عن وجوبه، ولو قيل بإمكانه فهو متعسِّرٌ، فيسقط بالحَرَج.
وأيضًا فما يبطل هذا والذي قبله: أن المكبِّر ينبغي له أن يتدبّر التكبير ويتصوّره، فيكون قلبه مشغولًا بمعنى التكبير، لا بما يشغله عن ذلك من استحضار المَنْويّ، ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدّم العبادة، ويستمرّ حكمها إلى آخرها؛ كالطهارة وغيرها. والله أعلم.
...

مسألة: في رجلٍ إذا صلّى بالليل ينوي ويقول: أصلي لله نصيب الليل. فهذا ما سمعناه من العلماء، ولا سمعنا إذا صلّى الرجل الفرائض والسنن، كقيام الليل وغيره ينوي ويقول: أصلّي لله تطوعًا. فقال له
(1/479)

الرجل: لا، ما سمعنا من الفقراء والمشايخ: «نصيب الليل»، فإنهم على الصواب.
الجواب: الحمد لله.
هذه العبارة: «أصلي نصيبَ الليل» لم يُنقل عن أئمة الدين وأئمتها، والمشروع أن ينوي الصلاة لله، سواءٌ كانت بالليل أو بالنهار، وليس عليه أن يتلفظ بالنية، فإن تلفّظ قال: «أصلي لله صلاة الليل» و «أصلي قيام الليل» ونحو ذلك جائز. ولم يستحبّ ذلك، بل الإقتداء بالسُّنة أولى. والله أعلم.
...

مسألة: ما تقول السادة سيدنا شيخ الإسلام رضي الله عنه أحمد ابن تيمية في قوله: إنما التفريط على من لم يصلّ، فإذا كان العبد نائمًا عن صلاة فريضة صلى حين يستيقظ بعد خروج الوقت، ينوي الأداء أو القضاء. مراده: الذي فاتته يعيدها، أم حط على الصلاة المستقبلة في وقتها؟
(1/480)

الجواب: فقال: الحمد لله رب العالمين.
قوله صلى الله عليه وسلم: «[من نام عن صلاة] فليصلِّها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، لا كفارة لها إلا ذلك». ومعنى ذلك: أنه الوقت الذي عليه أن يفعلها فيه، ولهذا ذهب الجمهور كأحمد ومالك وأبي حنيفة إلى أن قضاء الفوائت على الفور، ولم يكن عليه أن يفعلها في حال النوم والنسيان. بل تنازع العلماء هل وجبت في ذمته، بمعنى أنه وجب عليه أن يفعلها إذا استيقظ [كما] يجب على المدين أن يقضي الدين إذا حلَّ، أن يقال: لم يجب في ذمته، ولكن انعقد سببُ وجوبها؟ على قولين مشهورين.
والنزاعُ في ذلك بين أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم، وجمهور العلماء على أنها قضاء، ومنهم من يقول: هي أداء، والنزاع لفظي، فإن القضاء إن جُعِلَ اسمًا للعبادة المفعولة بعد خروج وقتها المقدور
(1/481)

يقدى إمامًا جاز تأخيرها، والله أعلم.
...

مسألة: فيمن نيته الذِّكْر، هل رفع الصوت أو خفضه مستحبٌّ به، أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
لا يستحب رفع الصوت بذلك، بل خفض الصوت أفضل، [و] في الحديث: «خير الذِّكر الخفيّ، وخير الرزق ما يكفي». وقد قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعراف: 205]. وكذلك الدعاء خفض الصوت به أفضل كما قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]. وقال تعالى عن زكريا: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: 3]. وقال الحسن البصري: «رفع الصوت بالدعاء بدعةٌ».
(1/482)

وكذلك قراءة القرآن؛ ففي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «جاهر بالقرآن كجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصدقة». وقد قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُكُمْ} [البقرة: 271].
ولا يستحبّ رفع الصوت بالذكر إلا في الأذان، والتلبية بالحج، وأما إذا قعد جماعة أو وحده يهلِّلون ويسبِّحون ويكبِّرون ويذكرون ويحمدون، فلا يشرع لهم رفع الأصوات، لا سيما إن كان رفع الصوت يشق على الإنسان، فإن فعله لذلك حينئذٍ يكون مكروهًا، ومن أمره بذلك كان مخطئًا، والله تعالى يسمع السرّ وأخفى. قال بعضهم: «وأخفى» هو حديث النفس للنفس. وقيل: ما يخطر في النفس من غير الكلام. والله أعلم.
وفي «الصحيح» أن الصحابة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وكانوا
(1/483)

يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، وإنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». والله أعلم.
...

مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين فيمن يدعو الله بقلبه وبنيته الخير والصواب بدعاء ملحون، فقال له قائل: الدعاءُ الملحون لا يجوز، والقرآن الملحون لا يجوز. أفتونا مأجورين مثابين.
الجواب: نعم يجوز الدعاء وإن كان الداعي يلحن في لفظه، فإن الله يعلم قصدَه ونيتَه، وإنما الأعمال بالنيات. وقول بعض الناس: إن الله لا يقبل دعاءً ملحونًا، لا أصل له. والله أعلم.
...

مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين رضي الله عنهم أجمعين في إمام مسجد يصلي فيه دائمًا، وينوب في مسجد آخر، فصلاته الثانية تكون قضاء أم إعادة؟ وما نيّته ونية من خلفه؟ وأيضًا أن يصلي مشمّرًا ذؤابته وشعره؟ وهل يجوز أن يتنفّل في المحراب؟
(1/484)

الجواب: نسخة ما أجاب عليها شيخ الإسلام البحر مفتي الفرق، الحبر العلامة أحمد ابن تيمية رضي الله عنه فقال:
الحمد لله.
أما صلاته الثانية فهي معادة نافلة، وفي صلاة المفترضين نزاعٌ معروفٌ بين العلماء. وأما كف الذؤابة والشعر في حال السجود فمنهي عنه. ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في «الصحيح»، وقال: «أُمِرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكف شعرًا ولا ثوبًا».
وأما تنفُّل الإمام في موضع الفرض بغير حاجة كرهه كثير من أهل العلم بحديث المغيرة، وهو في «السنن»، وفي إسناده كلامٌ ليس هذا موضعه. والله أعلم.
...

مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في إمام مسجد نسي سجدةً من الركعة الأولى من صلاة الصبح، فمن الجماعة من نوى
(1/485)

المفارقة، و [منهم من] أتى بالسجدة وأتم الصلاة معه، وسجد معه بسجود السهو، فأيهما المصيب والمخطئ؟ أفتونا.
الجواب: فقال: الحمد لله.
أما من أتى بالسجدة وتابع الإمام في الركعة الثانية فقد صحت صلاته، وأما الإمام نفسه فلا تسقط عنه السجدة بسجدتي السهو باتفاق الأئمة، لكن منهم من يقول: لغت تلك الركعة التي نسي سجدتها، وقامت الثانية مقامها، فعليه أن يأتي بعدها بثانية مكان الأولى. وهذا مذهب مالكٍ وأحمد.
ومنهم من يقول: يلغو ما فعله إلى أن يسجد في الثانية، فيتم الأولى بالسجدة الأولى من الركعة الثانية، ثم عليه أن يأتي بركعة ثانية، وهو قول الشافعي.
ومنهم من يقول: بل يسجد سجدةً قبل السلام غير سجود السهو، وتصح صلاته، وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه.
وأما الذين نووا مفارقة الإمام فتصح أيضًا صلاتُهم في مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.
وأما الذين لم يسجدوا كما لم يسجد الإمام، فهؤلاء حكمهم حكمه يعيدون الصلاة إذا لم يفعلوا ما ذكروا. والله أعلم.
(1/486)

[سؤال عن حراسة المكان وقت صلاة الجمعة]
سُئل رضي الله عنه عن جماعة من الفقراء مقيمون في زاوية عليها طريق اللصوص، وقد اعتادوا في يوم الجمعة أن يجعلوا منهم شخصًا يحرس المكان، حيث دخل عليهم اللصوص مرة في يوم الجمعة، والمكان له أبواب جُوَّانية، لكن يغلب على الظن إذا صاروا في ساحة المكان، واستتروا بحيطان الساحة عن العيون أن لا يعسر عليهم فكّ الأقفال وقلع الأبواب وغير ذلك. فهل هذا العذر من غلبة الظن كافٍ في جواز ترك الجمعة لذلك الحارس أم لا؟
وهل يحصل للحارس احتسابًا ما يحصل للحارس بحاضري الجمعة من الفضل العظيم، ولا يفوت من ذلك عليه شيء أم لا؟
وكيف الحكم إذا لم يتبرَّع أحدٌ بالحراسة وهناك حوائج للمكان وحوائج مشتركة لا بدَّ من حراستها، هل يُجْعَل لكلِّ شخص نوبة أم يقرع بينهم؟
وإذا سامحوا شخصًا بأن لا حراسةَ عليه، هل يجوز له أن يؤثر إخوانه بفضيلة الجمعة ويتبرع هو بالحراسة، قصده بذلك أن لا يوافقهم إذا جاءتهم النوبة مع شدة اعتنائه بفضيلة الجمعة والاغتباط بها؟ ثم هل يحصل له أجر الجمعة بكمالها أم لا؟ أفتونا مأجورين.
(1/487)

أجاب رضي الله عنه:
نعم ذلك عذرٌ في حراسة بعضهم وترك الجمعة إذا لم يمكن أن يحرسه من لا تجب عليه الجمعة، وإن كان الحارس ونحوه ممن ترك الجمعة لعذر، نيته أن يحضرها لولا العذر فله ما نواه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم» قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر».
والسُّنة في مثل هذا أن يتناوب الجماعةُ الحراسةَ كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناوبون رعية الإبل، مع أن راعيها قد يفوته الجماعةُ والجمعة.
والأفضل لكلٍّ منهم -والحال هذه- أن يحرس ولا يتخَيَّر على أصحابه، وأجره على قدر نيته. والله سبحانه أعلم.
...

مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين في رجل نوى في نفسه أن يطلّق زوجته، وطلّقها في نفسه ولم يتلفّظ بلسانه
(1/488)

بطلاق، فهل يقع طلاقٌ أم لا؟ وهل إذا تلفظ وقال لمن يفتيه في ذلك: أنا طلقت زوجتي في نفسي. إذا أراد به أنه يلفظ بالطلاق، فهل يقع عليه أم لا؟ وما حكم الله في ذلك؟ أفتونا مأجورين مثابين.
الجواب: الحمد لله. لا يقع به طلاقٌ في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وهو أحد القولين في مذهب مالك، والمشهور في مذهبه خلاف ذلك، ولا يقع أيضًا بإقراره بما فعل، حيث قال: أنا طلقت امرأتي في نفسي. ولم يتلفظ بلسانه بالطلاق، فإن هذا الإقرار بما فعل، والمُقَرّ به لا يقع به شيء، فلا يقع بإقراره. والله أعلم.
...

مسألة: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين في رجل حلف بالطلاق ثلاثًا: إن لفلان على امرأتي خسمة دراهم، وعاد غيّر الحِلفان، ونوى غير ذلك: أنها ما تدخل لي بمنزل ولا تكون لي بِمَرَةٍ. أفتونا مأجورين.
الجواب: الحمد لله. إن كان أراد بحلفه أنها ما تكون له بمرأة يطلقها مرة واحدة، أو طلّقها مطلقًا ولم يرد الثلاث؛ لأن المحلوف به غير المحلوف عليه، لم يقع به إلا ما نوى. والله أعلم.
***
(1/489)

مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في رجلٍ حلف بالطلاق ثلاثًا من زوجته أن لا تسكن بحمائه في بيته بهذه النية، فهل يجوز له أن يزورها في بستان يومين [أو] ثلاثة. أفتونا مأجورين.
الجواب: فقال: الحمد لله.
نعم يجوز أن يزورها ولو أقام أياما لم يضر ذلك، إذا لم تكن نيته دوام الإقامة.
...

سئل رضي الله عنه: جميع ما يُحْدِثه الناس في أعياد الكفار، مثل الميلاد والخميس الذي في آخر صوم النصارى، وعيد الصليب، والنيروز، والمهرجان، وغير ذلك من أعياد اليهود والنصارى والمجوس ...
[فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله.
ما يفعله اليهود والنصارى والمجوس] أو غيرهم من أنواع العادات التي فيها تخصيصٌ لذلك اليوم على غيره، فإنها من الأمور المنكرة بل المحرمة، إذا كان ذلك من جنس ما يُعَظِّمونه به. وسواء خُصَّ بإحداث أنواعٍ من الأطعمة أو الملابس أو إيقاد النيران، أو توسع النفقات أو غير ذلك.
(1/490)

ودلائل ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وكلام علماء الإسلام من جميع الطوائف كثير، ذكرنا منه جانبًا جيدًا في كتابٍ أفردناه في «بيان اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم». وذكرنا فيه من دلائل هذه المخالفة وأسرارها ما يقف به البصير على بعض حقيقة دين الإسلام، والله سبحانه وتعالى أعلم.
...

سئل رضي الله عنه: في رجل تعرَّض إلى مكان في ملك بيت المال المعمور، وأخذ أجرة المكان المذكور، وصرفه على مسجد منسوبٍ إليه إلى نفسه بغير مستندٍ شرعيٍّ، ثم توفي المذكور بعد مدة وأخذ أجرة المكان المذكور شخص من ألزامه وصرف الأجرة على مصالح المسجد المذكور على عادته القديمة، فهل يجوز ذلك أم لا؟
وهل يجب استعادة ما أخذه من أجرة المكان الذي في ملك بيت المال، بحكم أنه يتناوله بغير مستند شرعيّ ممن هو الآن متحدث فيه، وقد رسم الإمام ببيع هذا المكان المذكور، فهل يجوز لوكيل بيت المال أن يمتنع من بيعه أم لا؟ وهل يجب إجباره على ذلك إذا امتنع أم لا؟
(1/491)

وهل يلزم وكيل بيت المال المذكور أن يستعيد أجرة المكان المذكور ممن هو الآن متحدث فيه أم لا؟
أجاب رضي الله عنه:
إذا كان أمر بيت المال مستقيمًا بحيث لا يوضع ماله إلا في حقّه ولا يُمنع مِنْ مستحقه، فمَنْ صَرَف بعض أعيانه أو منافعه في جهة من الجهات التي هي مصارف لبيت المال، كعمارة طريق ونحو ذلك بغير إذن الإمام، فقد تعدَّى بذلك؛ إذ ولايته إلى الإمام، ثم الإمام يفعل الأصلح، فإن كان الأصلح للمسلمين نقض ذلك التصرّف نقَضَه، وإن كان الأصلح إقراره أقره. وكذلك إن تصرّف في ملك الوقف أو اليتيم بغير إذن الناظر تصرّفًا من جنس التصرف المشروع، بأن يعمر بأعيان ماله حانوتًا أو دارًا في عرصة الوقف أو اليتيم.
وأما إذا كان أمر بيت المال مضطربًا فقال الفقهاء: مَنْ صَرَف بعضَ أعيانه أو منافعه في جهة بعض مصالحه من غير أن يكون متهمًا في ذلك التصرف، بل كان التصرّف واقعًا على جهة المصلحة، فإنه لا ينبغي للإمام نقض ذلك التصرف، ولا تضمين المتصرِّف، مع أنه لا يجوز معصية الإمام بَرًّا كان أو فاجرًا إلا أن يأمره بمعصية الله، حُكْمُه وقَسْمُه إذا وافق الحق نافذ بَرًّا كان فاجرًا.
فالحكم في عقد هذه الإجارة وقَبْض المال وصَرْفه في مصالح المسجد مرتّب على هذا الأصل.
(1/492)

وأما إذا تصرف الرجل تصرفًا يُتَّهم فيه، مثل أن يقبض المال لنفسه متأولًا أن لي حقًّا في بيت المال، وأني لا أُعْطى حقّي فهذا ...
...
مسألة: قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه:

فصل
والتفضيل في الأشخاص والقبائل والأعمال والطرائق والأئمة قد يكون من مَوْرِد الاجتهاد، كالتنازع في الوجوب والتحريم بطريق الأولى. فإذا كان التنازع في الأمر والنهي قد يكون مجْتَهَدًا فيه، فَلَأن يكون التنازع في التفضيل من موارد الاجتهاد أولى وأحرى.
وعلى [كل] واحد من المتنازعين أن ينصف ما يعتقده أنه مفضول، فأما أن يكون مع التفضيل يترك ما يجب للمفضول من الحق فهذا ظلم وتفرق واختلاف، وإنما نشأت الفتنة لأن النفوس مجبولة على طلب الأعلى والأفضل. وقد كتبتُ قبلَ هذا مواضع من القواعد: أنّ أكثر التفضيل الذي في ذوي الديانات العادية إنما هو من عداوة
(1/493)

وهوى، لا عن علم وعدل، وأن ذلك يخرجهم إلى أنواعٍ من الظلم والتفرق والاختلاف.
وإن كثيرًا مما يتنازع الناس فيه من التفضيل قد يكون الحقّ فيه استواء الأمرين من غير رُجحان لأحدهما على صاحبه. وأن حُكْم الشريعة في ذلك جواز اتباع ذلك كله، وأن لا ينهى أحدٌ عن شيء.
من ذلك: حروف القرآن والذِّكْر والدعاء المشروع، وهذا هو الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم مِنْ تنازُعهم في حروف القرآن، وقال: «اقْرَآ فكلاكما محسن» كما ثبت في «الصحيحين» عن ابن مسعود قال: سمعت رجلًا قرأ وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافه فجئتُ به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهة فقال: «كلاكما محسن فلا تختلفوا، فإن مَنْ كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».
# # #
(1/494)

مجموعة فتاوى مختلفة
(1/495)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مسألة: في جماعة من النِّساء قد تظاهرنَ بسلوك طريق الفُقَرَاء، وصار منهنَّ شيخات يجتمع عندهنَّ الفُقَراء: الرِّجال والنِّساء، ويُقِمنَ السماع، ويحضر سماعهُنَّ الرجالُ والنساء، ويرفعن أصواتهن ويقطعن ثيابهن، ويُظهرن التولُّه بين الناس، ويزورهنَّ الرجال والنساء، ومن سائر البلاد، فهل هنّ آثمات بذلك ومخطئات أم لا؟ وما يجب عليهنّ وعلى من يحضر سماعهنّ؟
ومن الناس من يعتقد زيارتهنّ والحضور معهنّ قُربة إلى الله تعالى، فهل يأثم بذلك؟ وماذا يجب عليه؟
وهل كانت هذه طريقة أحد من السلف الصالحين أم لا؟ وهل يجب على وليّ الأمر ردعهنّ وردع من يسعى إليهنّ أم لا؟

أجاب بحرُ العلوم وبدر النجوم، سيّد الحُفّاظ، وفارس المعاني والألفاظ، علامة الزمان وترجمان القرآن، البحر الزاخر والصارم الباتر، مفتي الأمم ومستخرجُ المعاني والحكم، بقية السلف وقدوة الخلف، مفتي الأنام وشيخ الإسلام، أبو العباس، تقي الدين، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني. قدس الله روحه ونوَّر ضريحه، وتغمده برضوانه ورحمته، وأسكنه بُحْبوحة جنته، وأقرَّ أعيننا في الآخرة برؤيته:
(1/497)

الحمد لله.
كلّ من خرج عن موجب الكتاب والسنة من الرجال والنساء والمشايخ وغيرهم، فإنه يُنهى عن ذلك ويُؤمر بمتابعة الكتاب والسنة، ولو كان مِنْ حاله ما كان، فإنّ الأحوال منها ما هو شيطانيّ، كما قال الله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221 - 222]، وهذه أحوال أهل الكذب والفجور، الذين تختلط رجالهم ونساؤهم في الرقص والغناء، والشخير والنخير، والتولُّه، وفَتْل الشعور، وكشف الرؤوس، والصياح والمنكر، والرُّغاء والإزباد، وإظهار الإشارات؛ كالمسك والماورد واللاذن والجبة والنار، فهؤلاء من شرار الخلق وأبعدهم عن طاعة الله ورسوله، وليس فيهم وليٌّ لله، ولا كرامة من كرامات أولياء الله، بل هم بين حال شيطانيّ وحال بُهتاني.
وأرباب الأحوال النفسانية: قوم لهم جوع وسَهَر وخَلوة، فيحصل لهم نوع من الكشف والتأثير، وإن كانوا كفارًا، كما يحصل للرهبان.
وأما الأحوال الرحمانية، فهي لأولياء الله المتقين، الذين يتقربون إلى الله بأداء الفرائض واجتناب المحارم، ثم يتقرَّبون إليه بالنوافل حتى يحبّهم، كما ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: مَنْ عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليّ عبدي
(1/498)

بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها؛ فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يمشي، وبي يبطش، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، لا بد له منه».
فهؤلاء النساء اللواتي يجتمع عندهنّ الرجال والنساء على سماع الغناء، ورفع الأصوات، وإظهار التولُّه، وغيره من المنكرات= يجب على ولاة الأمور وغيرهم منعهنّ من ذلك، وعقوبة من لم يمتنع عقوبةً بليغة تردعهنّ وأمثالهنّ مِنْ أهل الغواية والضلالة. والله تعالى أعلم.
# # #
(1/499)

[مسألة]
وأما عادم الماء إذا لم يجد ترابًا، فإنه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه عند جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت الأرض لي مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره».
وكثير من الطرق التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسافرون فيها قد لا يجدون بها إلا الرمال، وحمل التراب بدعة لم يفعله أحد من السلف، فعلم أنه كان عندهم مسجدهم وطهورهم.
...

مسألة
في بلدة ليس فيها حمّام والمغتَسَل خارج البلد، وإذا طلع الرجل وقت صلاة الصبح يجد مشقَّة من البرد، وإن اغتسل بالماء البارد يخاف الضرر على نفسه، فهل له أن يتيمم ويصلي إلى حين يدفأ الوقت أو لا، وله وِرْد من الليل؟ وإن جاز له الصلاة بالتيمم، فهل عليه إعادة؟
(1/500)

الجواب: الحمد لله.
إذا كان الإغتسال في البيت يضرّه، وإذا أخر وِرْده إلى فتح الباب، فإنه مثل أن يكون له قيام بالليل، والباب لا يفتح إلى طلوع الفجر، فإنه يتيمم ويصلي ورده بالتيمم.
وإذا لم يمكنه الاغتسال للفريضة من خشية البرد، فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه في الصحيح من قول العلماء.
وإذا كان خروجه للاغتسال خارج البلد يضره؛ لقوة البرد، فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة في الصحيح، ولا يشترط في الضرر خوف الموت، بل متى خاف مرضًا جاز له التيمم، والله أعلم.
...

فصل
السفر الذي يُقْصَر فيه ويفطر فيه، فيه قولان:
أحدهما: أنه محدد.
والثاني: أنه ليس بمحدد.
والذين حددوه منهم من حدّه بثلاثة أيام، ومنهم من حدّه بيومين، ومنهم من حدّه بيوم، ومنهم من حدّه بميل بثلث فرسخ.
وليس على شيء من هذه الأقوال حجة، ولم يحدّ النبي صلى الله عليه وسلم له حدًّا، بل ثبت أن أهل مكة كانوا يسافرون من مكة إلى عرفة ومزدلفة ومنى،
(1/501)

ويقصرون الصلاة خلفه وخلف أبي بكر وعمر، وكان يقرُّهم على ذلك، ولم يقل لهم: أتمّوا صلاتكم إنا قوم سفر. [و] لا خليفتاه من بعده.
وإنما رُوِي أنه قال ذلك لما صلى بهم بمكة عام الفتح. وكذلك عمر قال ذلك لأهل مكة في نفس مكة.
وأما بعرفة ومزدلفة فلم ينقل أحدٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، مع توفّر الهمَم والدواعي على نقل مثل ذلك لو وقع. ولو كان أهل مكة يقومون حين السلام يصلون ركعتين آخرتين لكان هذا مما يظهر لكل الناس، وكان مثل هذا مما يمتنع في الشريعة والعادة أن لا ينقله أحد.
فهذه سنة معلومة قطعًا: أن المسافر يقصر في مقدار بريد، وهو أقل من يوم، والكتاب والسنة مطلق، فما كان في العادة سفرًا أفطر فيه وقصر، وإن أقام بالبلد أيامًا، فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الفتح عشرة أيام يفطر وهو في نفس مكة، وأقام نحو تسعة عشر يومًا يقصر، وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر، وبسط هذا له موضع آخر. والله أعلم.
وقال أيضًا:

وأما رفع اليدين في الصلاة مع كل تكبيرة حتى في السجود، فليست هي السنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، ولكن الأئمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح.
وأما رفعها عند الركوع والاعتدال من الركوع، فلم يعرفه أكثر فقهاء
(1/502)

الكوفة، كإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم.
وأما أكثر فقهاء الأمصار وعلماء الآثار، فإنهم عرفوا ذلك؛ لما استفاضت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كالأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وهو إحدى الروايتين عن مالك. فإنه قد ثبت في «الصحيحين» من حديث ابن عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك بين السجدتين.
وثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في «الصحيح» من حديث مالك بن الحويرث، وأبي حُمَيد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة، وهو معروف من حديث علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعددٍ كثير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان ابن عمر إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه في الصلاة حَصَبه.
(1/503)

وقال عُقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات.
...

[مسألة في إجبار البكر البالغ]
من كلام الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية -أيضًا- رحمه الله:
قال: البكر البالغ في إجبار الأب لها على النكاح قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: تُجْبَر، وهو قول مالك والشافعي.
والثاني: لا تُجْبَر، وهو قول أبي حنيفة، وهو الراجح في الدليل.
وعلى الأول إذا عيَّنَتْ كفوًا وعيَّن الأب كفوًا آخر، فالاعتبار بتعيينها في أظهر الوجهين من مذهب الشافعي وأحمد. فعلى هذا إذا طلبت من الأب أن يزوجها بكفؤ، واختار الأب أن يزوجها بكفؤ آخر، وجب على الأب أن يزوجها بالكفؤ الذي تختار عند أكثر العلماء، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم.
فإن امتنع الأب من تزويجها زوَّجها إما الحاكم، وإما الوليّ الأبعد. ففي مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين يزوجها الحاكم. وفي
(1/504)

مذهب أبي حنيفة وأحمد -في الرواية المشهورة عنه- يزوجها الوليّ الأبعد.
وإذا زوَّجها الحاكمُ بالكفؤ الذي اختارته ثم زوَّجها الأبُ الآخرَ بغير إذنها، فنكاح الأب باطل عند عامة العلماء، ونكاح الحاكم نافذ، ليس لحاكم آخر ولا للأب نقضُه، بل يجب تسليم المرأة إلى زوجها بمقتضى تزويج الحاكم لها من الكفؤ الذي عيَّنته.
أما على مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين فظاهرٌ؛ لأن الولاية للحاكم. وأما على قول من يجعل الولاية لغيره، فلأنّ الحاكم إذا فعل ما يسوغ فيه الاجتهاد، كان فعله حُكمًا منه في محلّ الاجتهاد في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة، وأظهر الوجهين في مذهب أحمد وغيره.
وفيه وجهٌ آخر في مذهب أحمد والشافعي: أنه إذا فَعَل مختَلَفًا [فيه] فهو كفعل غيره حتى يحكم هو أو حاكمٌ غيره بصحته، فلا يسوغ نقضه حينئذٍ بالاتفاق. فإذا قال الحاكم في مثل هذا: حكمتُ بصحة هذا النكاح، نفَذَ حكمُه باتفاق الأئمة، وكذلك إن لم يقل ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في الراجح من مذهبه. والله أعلم.
# # #
(1/505)