Advertisement

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 004

ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ
جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.

الجزء الرابع
1952 - 1954
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/1)

دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
(4/2)

آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي
(4/3)

ـ[صورة الشيخ البشير الإبراهيمي]ـ
القاهرة، 1952
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
محمد الغزالي (*)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت القاهرة- لأكثر من ثلث قرن مضى- ملتقى عدد من المجاهدين الكبار يجيئون إليها في ظل عقيدة جامعة، وأخوة وثيقة، ولغة مشتركة، وآمال واحدة.
وكان المسلمون ينظرون إلى الزعماء القادمين نظرة حب جارف وإعزاز بالغ، كانوا يرون النظر في وجوههم عبادة، والحديث معهم والأنس بهم قربى إلى الله.
أذكر من هؤلاء الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر، وقائد جهادها الأول، زارني يومًا في وزارة الأوقاف- وكنت مسؤولاً عن المساجد- فزكَّى بعض المشروعات التي أقوم بها، ورسم لي طريق إنجاحها، وشعرت كأنه يعد نفسه مسؤولًا عن مستقبل الإسلام في مصر، فهو يهتم به اهتمامي أنا به أو أكثر، ولا عجب فدار الإسلام واحدة وإن اختلفت منابت الأفراد ....
وأذكر من أولئك الزعماء اللاجئين إلى القاهرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي. عرفته، أو تعرفت إليه، في أعقاب محاضرة بالمركز العام للإخوان المسلمين ... كان لكلماته دوي بعيد المدى، وكان تمكنه من الأدب العربي بارزًا في أسلوب الأداء وطريقة الإلقاء، والحق أن الرجل رُزِق بيانًا ساحرًا، وتأنقًا في العبارة يذكرنا بأدباء العربية في أزهى عصورها.
لكن هذا ليس ما ربطنا به أو شدَّنا إليه- على قيمته المعنوية- إنما جذبنا الرجل بإيمانه العميق، وحزنه الظاهر على حاضر المسلمين، وغيظه المتفجر ضد الاستعمار، ورغبته
__________
*) وعد الشيخ محمد الغزالي بكتابة مقدمة لهذا الجزء، ولكن أجل الله سبق قبل أن يكتبها، فاخترنا هذا المقال الذي كتبه عن الإمام الإبراهيمي في مجلة الثقافة الجزائرية، عدد 87، مايو- يونيو 1985. فرحم الله الكاتب والمكتوب عنه.
(4/5)

الشديدة في إيقاظ المسلمين ليحموا أوطانهم ويستنقذوا أمجادهم، وخُيّل لي أنه يحمل في فؤاده آلام الجزائريين كلهم وهم يكافحون الاستعمار الفرنسي، ويقدمون المغارم سيلًا لا ينقطع حتى يحرروا أرضهم من الغاصبين الطغاة، وكان في خِطاباتِهِ يزأر كأنه أسد جريح، فكان ينتزع الوَجَل من أفئدة الهيابين ويُهيّج في نفوسهم الحمية لله ورسوله، فعرفت قيمة الأثر الذي يقول: "إن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء".
إن الخطيب أو الكاتب يوم يستمد توجيهاته من قلبه ويصبها في نفوس تلامذته إنما يُكوّنُ فيالق من أولي الفداء، ويصنع قذائف حية من رجال ينسفون الباطل نسفًا، وذلك ما أحسسناه ونحن نستمع إلى الشيخ البشير الإبراهيمي في القاهرة، فعرفنا لماذا ضاق به الفرنسيون وطاردوه، ومن ثَمَّ قررنا الالتفاف به والاستمداد منه.
ومن الخطإ تصوُّرُ أن الشيخ الكبير كان خطيبًا ثائرًا وحسب ... لقد كان فقيهًا ذكي الفكرة بعيد النظرة. ووقع لي معه حوار في مسألتين طريفتين. قال لي مرة: لعلك قرأت في السيرة الشريفة أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كانوا ينصرفون عن مجلسه إلَّا على ذَوَاق- وزن جمال-.
قلت: نعم.
قال: فما الذواق الذي ينالونه في مجلسه؟
فتَرَيَّثْتُ قليلاً ثم أجبت: لعلهم كانوا يتناولون بعض الأطعمة أو الأشربة كما يقع في عصرنا هذا عندما تُقَدِّم للأضياف والوافدين أقداحًا من الشاي أو غيره ...
قال لي: ظننتك أفضل من أن تجيب هذه الإجابة الساذجة، أذلك شيء ينوِّه به الأصحاب الكرام؟
قلت في تلهف: فما هذا الذواق الوارد في السنة؟
قال: إنه تذوق أرقى، ألا تذكر الحديث الشريف: «ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا».
إن المجلس النبوي تظلله الحكمة، ومقام النبي فيه ترقيق القلوب، ورفع المستوى، وتخليص الروحانية من شوائب الأرض، وجعل البشر في مصاف الملإ الأعلى ... فما ينصرف أحد عن هذا المجلس الزكي إلا وقد تذوق نازلًا من السماء، ولا يعود إلى أهله إلا بذخر يعليه ويعليهم.
الحق، ان هذا المعنى كان جديدًا علي، غير أني شعرت بأنه الحق، وأنه أولى كثيرًا من تفسير الذواق بأنه طعام أو شراب ...
(4/6)

وسألني مرة: ما تقول في هذه الذبائح التي تملأ ساحات مِنًى، يتحلل بها الحجاج والعامرون من مناسكهم؟ فلم أدر ما أقول، كل ما استطعت أن أجيب به أنها من شعائر الحج والعمرة قربة إلى الله وطعمة للفقراء، وفي الآية {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ ائأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ائبَائِسَ ائفَقِيرَ}.
قال: ليت الحجيج يحققون هذه الغاية فيأكلون ويتصدقون ويفرح بصنيعهم البائسون الفقراء، إنهم يذبحون ويدعون ذبائحهم على الثرى لا يقربها إنس ولا وحش، فتضيع سدى، وقد نُهينا عن إضاعة المال. حبذا لو وضعت خطة للإفادة من هذا الخير المبذول وتعميم النفع به ...
وما تمناه الشيخ البشير الإبراهيمي نفذ بعد ثُلُث قرن، فقد عرفت الآن أن ما يذبح يكون بقدر حاجة الفقراء، والباقي يوجه لسد ثغرات الجوع، والجفاف في أماكن أخرى ... وهذا هو الفقه الصحيح وحسن التصرف في تنفيذ أحكام الشرع الشريف.
كان لقاؤنا بالشيخ البشير الإبراهيمي مصدر متعة أدبية وعلمية تجعل أدباء القاهرة وعلماءها يهرعون إليه ويتزاحمون عليه، ولكن الرجل كان يشرد بين الحين والحين، فنحس أنه معنا وليس معنا، كان جسمه معنا وقلبه معلقًا بالجزائر يتحسس أبناءها، ويتبع العراك الدائر بين الإسلام والصليبية في هذه القطعة الغالية من دار الإسلام، وكنت أشعر بأنه يكتب إلى رجاله أو المسؤولين عن الكفاح الجزائري يشير عليهم بالرأي ... وأستطيع الجزم بأنه ما ضعف يومًا ولا استكان ولا يئس من روح الله، ولا شك في أن الله ناصر جنده، ومعز المجاهدين المسلمين.
وهناك أمر لا يعرفه الكثيرون، لقد حاول أن يسد الفجوة بين جماعة الإخوان ورجال الثورة المصرية، فإن الفريقين يقدرونه ويصغون إلى نصحه، ولكن الشر كان قد تفاقم بين الفريقين وعزَّ على العلاج، فتوقف محزونًا.
وظل الشيخ البشير، ومعه بعض الجزائريين يرتبون الأمور بين القاهرة الموالية للمجاهدين، وبين أرض المعركة التي احتدم فيها القتال وتضاعف الشهداء، ولا أنسى من بين أصحاب الشيخ الأخ الفضيل الورتلاني الذي زاملني في الدراسة وأنا في تخصص الدعوة والإرشاد قبل مجيء الإبراهيمي ببضع سنين، وكان الشيخ الفضيل عملاقًا في مبناه ومعناه ورجلًا له وزنه، وكان يتبع الشيخ البشير على أنه تلميذ وفي له، ويتعاونان على نصرة القضية الجزائرية بكل ما لديهما من طاقة ...
قال لي الشيخ البشير: إنكم بليتم بالاستعمار مثل ما بلينا، وشعرتم بضراوته مثل ما شعرنا، لكنكم لا تعرفون أن ما أصابنا نوع شاذ من الاستعمار يشبه السرطان من بين أنواع
(4/7)

العلل المهلكة، إنه كان يريد محو شخصيتنا وعقيدتنا ولغتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، ومن المستحيل الإبقاء عليه أو البقاء معه. إن معنى ذلك الموت الخسيس، وأولى بنا أن نموت جميعًا في ميادين الكفاح والتضحية من أن نموت على هذا النحو الذي يراد لنا ...
والجزائري إذا غضب تحول إلى شخص آخر، وقد كنت ألمح تغيرًا عضويًا في وجهه بل في كِيانِه كله عندما يتحدث عن ضرورة الجهاد إلى آخر رمق وعن ضرورة بقاء الجزائر مسلمة تتكلم بلغة الوحي وتحل العربية محل الفرنسية. (وها قد نصر الله الجزائر، ونضر وجوه المجاهدين وعاد الدخيل من حيث جاء، واندحر أتباعه وأعوانه).
فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم … كباطل من خلال الحق منهزم
ومعرفتي بالشيخ البشير الإبراهيمي تجعلني أتساءل عن حدود الوفاء للقيم والمبادئ التي عاش من أجلها ومات في سبيلها؟.
إني أتخيله حيًا، وأتصور أنه يسمع رجلاً يرطن بالفرنسية، ما أحسبه يتركه دون تقريع وتعنيف بالغين. وله الحق في غضبه فإن الاستعمار العسكري ذَنَبٌ والاستعمار الثقافي هو الرأس، والحية لا تموت بقطع ذَنَبِها، بل الأمر كما قال الشاعر:
لَا تَقْطَعَنْ ذَنَبَ ائأَفْعَى وَتُرْسِلَهَا … إنْ كُنْتَ شَهْمًا فَأَتْبِعْ رَأْسَهَا الذَّنَبَا
وعلى الجزائر أن تحرر ثقافتها من التبعية كما حررت أرضها من الاستعمار، والخطوات البطيئة في هذا المضمار لا ترضي شهداءها الأبرار، بل البدار، ليتأكد الانتصار، وتتضاعف الثمار.
(4/8)

السياق التاريخي (1952 - 1954)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لقد أتى على الجزائر حين من الدهر لم تكن- عند أخواتها- شيئًا مذكورًا، فَنُسِيت بعد أن كان اسمها على كل لسان، وجُهِلت بعد أن كانت معروفة لدى كل إنسان. ولو اقتصر الأمر على الجهل والنسيان لهان، ولكنه جاوز ذلك إلى تصديق كثير من العرب والمسلمين بأنها قطعة من فرنسا، وتسليمهم بأنها امتداد لها.
وقيَّض الله للجزائر من يُجَلِّي صورتها لأَخَواتِها، ويذكِّرُهُن بها، ويعرفها لهن بأجلى بيان وأفصح لسان، ذلكم هو الإمام محمد البشير الإبراهيمي، الذي كان يَرُدُّ - في المشرق- على من يَصفه بعلَّامة الجزائر بأنه "علَامة" الجزائر، وأنه علامة رَفْع، فقد جمع الله فيه "أقباسا من روح جمال الدين، ولمحات من إصلاح محمد عبده، وفيوضا من علم رشيد رضا" (1).
من عوامل نجاح أية حركة هو أن تُرتِّبَ مراحلها، وتضبط أطوارها، بحيث لا تسبق مرحلةٌ مرحلةً، ولا يجاوز طورٌ طورًا، ولا تُسْتَعْجَل نهاية فترة قبل أن تستوفِيَ أَمَدَها، ويحينَ أجلها، ولا تخترق سُنَن الله في النمو الطبيعي لأي كائن.
وكذلك كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد أعطت لكل مرحلة حقها، ولم تطلب منها ما لا تحتمله ظروفها الاجتماعية وأحوالها النفسية وأوضاعها السياسية، فلم تتجاوز مرحلة إلى التي بعدها إلا بعد الاطمئنان إلى تمام المرحلة السابقة، فأقامت كيانها طبقًا عن طبق، وأعلت بنيانها سافًا بعد سافٍ، مما جعلها تسلم من الانتكاس، وتنجو من الارتكاس.
__________
1) من حديث الأستاذ العراقي محمد عبد الله الحسو عن زيارة الإمام الإبراهيمي للعراق، «البصائر»، عدد 200، الجزائر في 8/ 9 /1952.
(4/9)

بلغت الجمعية- بعد عشرين سنة من تأسيسها- أشدها، واستوت على سوقها، واستغلظ عودها وتجذرت مبادئها في عقول الجزائريين، ورسخت في قلوبهم، بعد أن رأوا بأعينهم وأدركوا ببصائرهم حجم التغيير النفسي والتطور العلمي والوعي السياسي الذي أحدثته، فعلقوا عليها آمالهم:
جمعية العلماء المسلمين، ومَن … للمسلمين سواكِ اليوم منشود
خاب الرجآ في سواكِ اليوم، فاضطلعي … بِائعِبْءِ، مذ فرَّ دجال ورعديد
أمانة الشعب، قد شُدت بعاتقكم … فما لغيركمُ تُلقَى المقاليد (2)
وأدركت الجمعية أن المسؤولية الملقاة على عاتقها- دينيا وعلميًا وسياسيًا- أكبر من طاقتها، وأضخم من إمكاناتها، فولَّت وجهها إلى أخواتها، وقررت أن تستغل عمقها الاستراتيجي، وهو العالم العربي والإسلامي.
لقد بدأت جمعية العلماء هذه المرحلة بفتح مكتب لها في آخر سنة 1950 بالقاهرة، فهي أهم مركز حضاري وثقافي وسياسي في الشرق آنذاك، وهي مقر جامعة الدول العربية، وملتقى صفوةِ المفكرين وخِيرَةِ العلماء العرب.
ثم خطت الجمعية خطوة أخرى في خريف سنة 1951، فعينت كوكبة من العلماء ذوي السمعة الواسعة، والشهرة الذائعة، والمكانة الرائعة والمصداقية الكبيرة في أوطانهم وفي العالم الإسلامي، عينتهم رؤساء شرفيين لها (3)، ليقوموا بالتعريف بها وبالقضية الجزائرية التي تجاهد في سبيلها في أوساطهم ولدى المسؤولين في أوطانهم.
ثم اتصلت مباشرة- بواسطة رئيسها الإمام الإبراهيمي- في آخر سنة 1951 بالوفود العربية والإسلامية في مؤتمر الأمم المتحدة الذي عقد بباريس، حيث "اقترح عرض قضية الجزائر على الجمعية العامة في دورتها الحالية" (4).
ثم أوفدت رئيسها إلى المشرق في مارس 1952، سفيرًا للجزائر، وناطقًا باسم شعبها، ومعرفًا بقضيتها، ومطالبًا- وهو من لا يعجزه بيان ولا يخونه لسان- بحق الأخ على أخيه، ومذكِّرًا بواجب الأخ نحو أخيه، "وأنها- الجمعية- لا ترضى بما دون الواجب، ولا ترضى لنفسها بالتصدق والامتنان والمجاملة" (5).
__________
2) مفدي زكريا: ديوان اللهب المقدس، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1983، [ص:268]. والمعروف أن مفدي زكريا هو أحد قادة حزب الشعب الجزائري.
3) انظر أسماءهم في السياق التاريخي للجزء الثاني من هذه الآثار.
4) محمد فاضل الجمالي: الشيخ البشير الإبراهيمي كما عرفته، مجلة الثقافة، عدد 87، الجزائر، مايو، يونيو 1985. [ص:123]. وكان فاضل الجمالي آنذاك وزيرًا للخارجية في الحكومة العراقية.
5) انظر مقال "مذكرة إيضاحية" في هذا الجزء من الآثار.
(4/10)

غادر الإمام الإبراهيمي الجزائر يوم 7 مارس 1952؛ موليًا وجهه شطر المشرق العربي، وكانت سمعته العلمية والسياسبة قد سبقته عن طريق ما سَلَفَ ذِكْرُه، وعن طريق جريدة البصائر التي كان الإمام يحرص على إرسالها إلى شخصيات مرموقة في المشرق، وعن طريق كثير من الطلاب العرب الذين كانوا يدرسون في فرنسا، وكانوا على صلة بشُعَب جمعبة العلماء فيها، وأصبحوا- بعد عودتهم- مسؤولين وأساتذة مثل محمد المبارك، وعمر بهاء الدين الأميري، وصبحي الصالح، وجميل صليبا.
كانت سفارة الإمام الإبراهيمي إلى المشرق متعددة المهام، متنوعة الجوانب. وقد جرى التركيز- حتى الآن- عند الحديث عن هذه السفارة على الجوانب التربوية والعلمية، وأُهمل الجانب السياسي المحلي والعري والإسلامي، وهو جانب لا يقل أهمية عن الجوانب، التربوية والعلمية إن لم يفقها.
إن الجانب السياسي لهذه السفارة سيتجلَّى إِنْ قُدِّر للوثائق الرسمية للدول التي زارها، ولجامعة الدول العربية أن تنشر، أو ظهرت مذكرات الشخصيات السياسية التي التقى بها، أو اُطُّلعِ على تقارير السفارات والقنصليات والمخابرات الفرنسية في تلك الدول في ذلك العهد.
إنه ليس معقولًا أن يلتقي الإمام الإبراهيمي- ذو النظرة الشمولية للقضايا- ملك دولة أو رئيسها مدة ساعة أو أكثر؛ ليقتصر في حديثه معه على قبول عددٍ من الطلبة الجزائريين في معاهد وجامعات بَلَدِ ذلك الملك أو الرئيس، كما أنه ليس معقولاً أن يقبل الإمام أن تطول سفارته حولين كاملين (52 - 54) من أجل الحصول على عددٍ من المنح مهما كَثُر، لو لم يكن السعي لتحرير الجزائر هو الهدف الحقيقي لرحلته.
إن الذي يقرأ- بتمعن- بعض ما كتبه الإمام الإبراهيمي في هذين السنتين يُحِسُّ البعد السياسي لمهمته، المتمثل في السعي لتحرير الجزائر، فقد جاء في مقاله الرائع "تحية غائب كالآيب" (6)، وهو يخاطب وطنه: " ... وأما فِراقك فشدة يعقبها الفرج"، ويصف عمله في الشرق بأنه "سعيٌ في كشف غمتك"، ويَهوِّنُ عليه غيابه "فلا يَهُولَنَّك فراغك مني أيامًا، فعسى أن يكون المسك ختامًا، وعسي أن تسعد بآثار غيبتي أعوامًا"، ويبعث بتحياته إلى الشباب الجزائري ويُذَكِّر بالمهمة التي أُعِدُّوا لها " ... ومن شُبَّان ربيناهم للجزائر أشبالًا، ووترناهم لعدوها قِسِيًّا ونِبالًا، وصوَّرنا منهم نماذج للجيل الزاحف، بالمصاحف، وعلمناهم كيف يُحْيُون الجزائر، وكيف يَحْيَون فيها".
__________
6) انظره في هذا الجزء من الآثار.
(4/11)

وقد بيَّن في مذكراته إلى جامعة الدول العربية أن غاية الجمعية "هي تحرير الشعب الجزائري" (7)، و"أنها بدأت بتحرير العقول تمهيدًا للتحرير النهائي" (8)، وأنها "تربيه لا على المطالبة بحقه؛ بل أخذ حقه بيده" (9)، وذكَّر هذه الجامعة بأنها "ملزمة- بروح ميثاقها- أن تحرر كل عربي بالمستطاع من وسائلها" (10)، وأنها "إذا كانت لا تستطيع تحرير الجزائر عسكريًا لاستحالة ذلك في الوقت الحاضر، فلا أقل من أن تعاوننا بالحظ الأوفر على تحرير العقول" (11)، مع مطالبة "حكوماتنا العربية أن تقف موقف الحزم والصلابة من فرنسا المتعنتة" (12)، وفي هذا الإطار يندرج اجتماعه باللجنة السياسية لجامعة الدول العربية وطلبه منها "أن تُعْنى عناية خاصة بالقضية الجزائرية، وتساعد الشعب الجزائري على الحصول على حقه في تقرير مصيره" (83).
والذي أراه هو أنه ما مَنعَ الإمام الإبراهيمي من إبراز هذا الجانب السياسي في سفارته، والتركيز عليه في كتاباته في الصحف والمجلات، وفي ندواته الصحفية، وأحاديثه الإذاعية، وخطبه الجماهيرية، إلا خشيته من انتقام فرنسا من مدارس جمعية العلماء بإغلاقها، وبطشها بمعلمي الجمعية بسجنهم، ونتيجة ذلك كله حرمان آلاف التلاميذ، وضمهم إلى أضعاف أضعافهم المشردين في الشوارع. أما في المجالس الخاصة فكان حديثه "عن استقلال الجزائر وتحريرها من نير الاستعمار" (14).
لم يُنْس الإمامَ الإبراهيمي همُّ وطنه همومَ أشقائه في المغرب وتونس، فبعث برقيات احتجاج وتنديد إلى المسؤولين الفرنسيين على موقفهم تجاه السلطان الشرعي للمغرب محمد الخامس، الذي بعث إليه برقية يذكِّرُه فيها "أن التفريط- في الأمانة- خيانة لله وللوطن والتاريخ" (15)، وطالب الجامعة العربية "اتخاذ موقف أسرع وأجرأ وأحزم" (16)، كما أثار القضية التونسية- في رحلته إلى باكستان- مع وزير خارجيتها، وخصها بكلام مؤثر في مؤتمره الصحفي هناك (17).
__________
7) انظر مقال "مذكرة عن جمعية العلماء إلى الجامعة العربية" في هذا الجزء من الآثار.
8) نفس المقال.
9) انظر مقال "رسالة إلى الأستاذ فاضل الجمالي" في هذا الجزء من الآثار.
10) نفس المقال.
11) انظر مقال "مذكرة عن جمعية العلماء إلى الجامعة العربية" فى هذا الجزء من الآثار.
12) نفس المقال.
13) جريدة المنار، السنة الثالثة، عدد 40، الجزائر 10 أفريل 1953.
14) جميل صليبا: مقتطفات من مذكرات جميل صليبا عن الشيخ الإبراهيمي، مجلة الثقافة عدد 87، الجزائر، مايو- يونيو 1985، [ص:36].
15) انظر تلك البرقيات في هذا الجزء من الآثار.
16) نفس المقال.
17) انظر مقال "رحلتي إلى الأقطار الإسلامية، الحلقة 5" في هذا الجزء من الآثار.
(4/12)

إن الإمام الإبراهيمي يؤمن أن أكبر عللنا التي أطمعت أعداءنا فينا، وأطالت أيامهم في بلداننا هي تفرق كلمتنا، وتمزق شملنا، وتصدع صفنا؛ فقضى حياته داعيًا إلى الوحدة، جامعًا للشمل، راتِقًا للصف بين أبناء الوطن الواحد وبين أقطار الأمة. وقد صادف وجوده في المشرق بداية الخلاف بين حكومة الثورة المصرية وبين جماعة الإخوان المسلمين، فاستغل مكانته لدى الفريقين، وسعى- بوازعه الديني، وحسه السياسي- إلى رأب الصدع، فاجتهد "أن يسد- بينهما- الفجوة" (18).
لقد شغلت وحدةُ المسلمين فكر الإمام الإبراهيمي، وملكت عليه مشاعره، وأخذت نصيبًا موفورًا من كتاباته، ومحاضراته، ونصائحه للحكام ولقادة الأحزاب. وهو ينظر إليها- كما أسلفت- من زاويتين: الزاوية الدينية، فالمؤمنون إخوة، وأمة واحدة بنص القرآن الكريم، وهم جسم واحد بنص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛
والزاوبة السياسية لدرء الأخطار التي تحيط بهم، وجلب المنافع إليهم. وقد ضرب لهم المثل بالغرب الذي يفرقه كل شيء، ويوحِّدُه الكيدُ للمسلمين، حتى يصبح ذلك الكيد كَالرَّحِمِ "يرعاها الغربي للغربي" وأنه لولا- تلك الغَرْبِيَّة- ما استعبدت السبعة سبعين (19).
من أجل ذلك اعتبر الإمام الإبراهيمي "السبب الأكبر لرحلتي هذه بعد الدراسة والتعارف هو السعي في إحياء الجامعة الإسلامية التي هي خير ما يجتمع عليه الشرق وأممه وملله" (20)، فجدد- بذلك السعي- هذه الفكرة التي كان الغرب يرتعد لمجرد ذكرها، لأن معناها بروز كتلة سياسية على المسرح العالمي، تهتدي بالإسلام وتتخذه شرعة ومِنْهاجًا، ويتعاون أجزاءها للتخلص من السيطرة الأجنبية سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، بل وتقدم للبشرية مشروعًا حضاريًا قويمًا يحررها من إرهاب الشيوعية غير الفطرية، وينقذها من استغلال الرأسمالية غير الخلقية.
إن أولى الناس بالتجاوب مع الإمام الإبراهيمي في كل ما دعا إليه هم نُظراؤه من العلماء، ولكن يبدو أنه كان كمن يطرق حديدًا باردًا؛ نستشف ذلك من مقاله القيم "وظيفة علماء الدين" (2) ومقاله "متى يبلغ البنيان؟ " (22).
__________
18) انظر مقدمة الشيخ محمد الغزالى لهذا الجزء من الآثار.
19) انظر مقال "عيد الأضحى" في الجزء الثالث من هذه الآثار، ويشير بالسبعة إلى الهولندينين الذين يبلغ عددهم سبعة ملايين، وبالسبعين إلى السبعين مليون أندونيسي.
20) انظر مقال "في الموصل" في هذا الجزء من الآثار.
21) انظره في هذا الجزء من الآثار.
22) انظره في هذا الجزء من الآثار.
(4/13)

لقد وصف هؤلاء القَعدَة من العلماء بأنهم "يتناولون الأمور الكبيرة بالعقول الصغيرة، والأنظار والقصيرة" (23)، وشنع عليهم تقصيرهم في واجب النزول إلى الميدان، وأخذ عليهم التزامهم بيوتهم أو مساجدهم، منتظرين إقبال الناس عليهم، متكئين على مقولة "العلم يُؤْتَى ولا يأتي"، وهي كلمة- كما يقول- لا تصدق في كل زمان، "وإنما تصدق هذه الكلمة في علم غير علم الدين، وإنما تصدق بالنسبة إليه في جيل عرف قيمة العلم فهو يسعى إليه، أما في زمننا وما قبله بقرون فإن التعليم والإرشاد والتذكير أصبحت بابا من أبواب الجهاد، والجهاد لا يكون في البيوت وزوايا المساجد، وإنما يكون في الميادين حيث يلتقي العدو بالعدو كفاحًا" (24). وحاول أحدهم أن يبرر تقصيره بقوله: "إن هذه الكلمة قالها مالك للرشيد"، فرد عليه الإمام: "إن هذا قياس مع الفارق في الزمان والعالم والمتعلم، أما زمانك هذا فإن هذه الخلة منك ومن مشائخك ومشائخهم أدت بالإسلام إلى الضياع وبالمسلمين إلى الهلاك" (23).
ومن أَشدِّ المآخذ التي أخذها الإمام الإبراهيمي على هذا الصنف من العلماء قبولهم الإعفاء "من الجندية التي هي حلية الرجال، وإن في قبول العلماء لهذا الإعفاء، وسعيهم له لشهادة يسجلونها على أنفسهم بفقد الرجولة ... فهل يعلمون أن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الملوك الصالحين ما كانوا ليعفوا عالمًا من بعوث الجهاد والفتح؟ وما كان مسلم فضلاً عن عالم ليطلب الإعفاء أو يتسبب له، أو يرضى به لو عرض عليه، بل كانوا يتسابقون إلى ميادين الجهاد، والعالم الديني- دائمًا- في المقدمة لا في الساقة، ولقد كانوا يعُدُّون الاعتذار عن الخروج من سمات المنافقين" (26).
إن فكرة الجامعة الإسلامية التي آمن الإمام الإبراهيمي بها، ودعا إليها، وسعى في سبيلها، وحث على إحيائها قد تجسدت- فيما بعد- في "منظمة المؤتمر الإسلامي". وإذا كان أثر هذه المنظمة ضعيفًا، وعملها قليلاً، فما ذلك إلا لأن كثيرًا من المسؤولين في العالم الإسلامي يقولون فيها بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويؤمنون بها وجه النهار ويكفرون بها آخره، ويقولون للشعوب الإسلامية أشياء، وإذا خلوا إلى أسيادهم قالوا إنا معكم، إنما نحن مستهزئون. أما الإمام الإبراهيمي فما عليه- كعالم- إلا البلاغ، وقد بلغَّ، وما عليه إلا التذكير وقد ذَكَّر، وما عليه إلا البيان وقد بيَّن، لم يَتَلَجْلَجْ له في ذلك لسان.
__________
23) انظر مقال "متى يبلغ البنيان؟ " في هذا الجزء.
24) من مقال "وظيفة علماء الدين، الحلقة 3" في هذا الجزء.
25) نفس المقال.
26) نفس المرجع والمقال.
(4/14)

أما المهمة الأخرى التي قام بها الإمام الإبراهيمي في سفارته إلى المشرق، فهي السعي لدى حكوماته لقبول عدد من الطلبة الجزائريين في معاهد بلدانها وجامعاتها، وتخفيف العبء في هذا الميدان عن جمعية العلماء. ويبدو أن هدف الإمام في هذا المجال ليس- فقط- حصول أولئك الطلبة على نصيب من العلم ومقدار من المعارف، ولكنَّه- أيضًا- ربط الصلة بينهم وبين لِدَاتهم في الدول العربية الأخرى، ونَقْبُ ذلك السور الذي ضربته فرنسا بين أبناء الجزائر وإخوانهم في البلدان العربية والإسلامية، فالتعارف مدعاة للتآلف، والتناكر مدعاة للتخالف، وقد واصلت الثورة الجزائرية تنفيذ هذه الفكرة.
وقد أسفرت جهوده في هذا الميدان على قبول أكثر من 200 طالب جزائري في معاهد وجامعات مصر والعراق، وسوريا والكويت والسعودية (27).
كما استطاع أن يحصل على الاعتراف بشهادات جمعية العلماء، "ومن نِعم الله علينا- ثم بفضل مساعي الأستاذ الرئيس- أن اعترفت المعاهد الشرقية رسميًا بالشهادات التي تعطيها جمعية العلماء ومؤسساتها لتلاميذنا، وجعلها مساوية لمثيلاتها من المعاهد الرسمية التي تشرف عليها الحكومات الإسلامية تونس، ومصر، وسوريا، والعراق" (28).
إن ذلك الاعتراف لم يكن مجاملة للجمعية ولرئيسها، فما في العلم من مجاملة، وليس الإمام الإبراهيمي بالذي يقبل المجاملة في العلم. فالاعتراف- إذن- هو نتيجة اقتناع مسؤولي التربية والتعليم في تلك الدول بجهود جمعية العلماء في هذا الميدان، واعتراف بفعالية تنظيمها، وجدية نظامها والمستوى الجيد لطلابها ومعلميها.
وقد تمكن الإمام الإبراهيمي أن يزود معهد الإمام عبد الحميد بن باديس بمجموعة من الكتب، منها ألف مجلد تبرع بها الأمير سعود بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية (29). وذكر الدكتور جميل صليبا- أحد تلامذة الإمام الإبراهيمي في دمشق بين سنتي 1917 - 1920 - أنه جمع لفائدة جمعية العلماء- بطلب من الإمام- "عددًا كبيرًا من الكتب المدرسية وغير المدرسية"، ولاحظ الإمام أن ما جُمع ليس بينه مجلة واحدة فقال: "إن المجلات تهمه أكثر من الكتب، لأنها تعبر عن الحركة الأدبية والنشاط الفكري أكثر
__________
27) انظر تفصيل ذلك في مقال "مشكلة العروبة في الجزائر" في الجزء الخامس من هذه الآثار.
28) محمد خير الدين: مذكرات ج 1 [ص:224].
29) انظر مقال "مذكرة إيضاحية" في هذا الجزء من الآثار.
(4/15)

من الكتب المترجمة أو المطبوعة لغرض ثقافي معين، فجمعتُ له ما توافر لدي من أعداد مجلة الثقافة، ومجلة المعلم العربي ومجلة المجمع العلمي العربي وغيرها" (30).
وحصل الإمام على مساعدات مالية لجمعية العلماء "أُرْسلت من أقطار عربية مختلفة وفي أزمنة متفاوتة إلى مركز جمعية العلماء بالجزائر، وأرسلت الإيصالات إلى أصحابها مقرونة بالشكر" (31).
وفي أثناء هذه الفترة 52 - 54 جاب- رغم تقدم السن وآلام المرض- عددًا من الأقطار هي باكستان، والعراق، ومصر، وسوريا، والأردن، والضفة الغربية، والحجاز، والكويت، ولم يكتف في زيارة هذه البلدان بعواصمها؛ بل كان يتنقل بين مدنها، وقد تردد عليها أكثر من مرة.
فالتقى المسؤولين السياسيين في تلك الدول، واجتمع بزعماء أحزابها ورؤساء جمعياتها، وكبار علمائها، وعِئية القوم من أبنائها، وأصحاب الأقلام فيها، واحتك بجماهيرها. فرفع المذكِّرات السياسية، وقدم التقارير العلمية عن حالة الجزائر، فصوَّر معاناتها وأوضح عمق محنتها، ودرَّس في المساجد، وحاضر في النوادي والجامعات، وخطب في التجمعات والمؤتمرات، وتحدث في الإذاعات، وكتب في الصحف والمجلات، وعلى القارئ أن يتصور مبلغ الجهد الذي بذله، ومقدار العمل الذي قام به في هذين السنتين عندما يعرف أنه ألقى بباكستان وحدها- في مدة ثلاثة أشهر- 70 محاضرة (32).
إن المحاور الأساسية التي أدار عليها الإمام الإبراهيمي نشاطه هي:

1) الجزائر: فهو سفيرها، والناطق باسمها، والمصور لمحنتها، والمعبر عن آمالها، فكان يهتبل الفرص للحديث عنها، ويخلق الأجواء للتذكير بها، فهي دائمة الحضور في عقله، جارية على لسانه، حاضرة حتَّى في لباسه، وأَنَّى له نسيانها وهو "يعتقد أن في كل جزيرة قطعة من الحسن وفيك الحسن جميعه، لذلك كُنَّ مفردات وكنت جَمْعا. فإذا قالوا: (الجزائر الخالدات)، رجعنا فيك إلى: توحيد الصفة وقلنا (الجزائر الخالدة) (33)، وما كان يُهوِّن عليه أتعاب السفر، ويخفف عنه لغوب الحَضَر، إلا يقينه أن ذلك "مزيد في قيمة الجزائر"، التي "لو تبرَّجَتْ لي المواطن في حُلَلِها، وتطامنت لي الجبال بقللها، لتفتنني عنك
__________
30) جميل صليبا: مقتطفات من مذكرات جميل صليبا عن الشيخ الإبراهيمي ... مجلة الثقافة عدد 87، الجزائر، مايو- يونيو 1985. [ص:57].
31) انظر مقال "مشكلة العروبة في الجزائر" في الجزء الخامس من هذه الآثار.
32) انظر مقال "من أنا؟ " في الجزء الخامس من هذه الآثار.
33) انظر مقال "تحية غائب كالآيب" في هذا الجزء من الآثار.
(4/16)

لما رأيت لك عديلًا، ولا اتخذت بك بديلًا" (34). وكان يشيد برجولة أبنائها، واعتزازهم بنسبهم العربي، واعتصامهم بحبل الله، وكان يذكِّر الجميع بحق الجزائر عليهم، وبأن واجبهم نحوها واجب عيني لا كفائي، لأنها ثغر من ثغورهم، ورباط من رباطاتهم، وحصن متقدم من حصونهم. وقد كان يفعل ذلك في عزة المؤمن، وصراحة الإنسان الجزائري، وهمة العالم، "ولقد عشتُ معه شهرًا بالشرق، وحضرت بعض زياراته لبعض الرؤساء والملوك العرب، فكانت تتجلى فيه صفة العالم المسلم؛ يخاطبهم بأسمائهم، ويكلمهم بصراحة لم يتعودوها" (35).
وقد ظهر أثر عمل الإمام الإبراهيمي في تلك الاستجابة التلقائية للبلدان العربية والإسلامية- قادة وشعوبًا- لاحتضان الجهاد الجزائري الذي اندلع في نوفمبر 1954، ودعم المجاهدين الجزائريين بجميع أنواع الدعم المادي والمعنوي، ولولا ذلك العمل الكبير الذي ذكَّر العقول، وهيأ النفوس، وحرك الأحاسيس لما كان تحرُّك العرب لفائدة القضية الجزائرية بتلك السرعة، ولما كان دعمهم لها على ذلك المستوى. لقد بَلَّغَ الإمام والله أثبت، وقد زرع والله أنبت.

2) الإسلام وحقائقه، وعظمة تشريعه وواقعيته، ونبل مقاصده، وسمو مبادئه، وقدرته لا على حل مشكلات المسلمين فقط، بل على حل مشكلات البشرية جميعها. ولذلك كان الإمام كثير المؤاخذة للعلماء الذين يأخذون الإسلام تفاريق، ويخضعون كلياته لجزئيات مذاهبهم، ويصرفون المسلمين عن القرآن بدعوى "أنه عالٍ على الأفهام، وما دروا بأن لازم هذا المذهب كفر، وهو أنه إذا كان لا يفهم فإنزاله عبث، وأَنَّى يكون هذا؟ ومنزله- تعالت أسماؤه- يصفه بأنه عربي مبين، وأنه غير ذي عوج، وأنه ميسر للذكر، وينعته بأنه يهدي للتي هي أقوم، وكيف يهدي إذا كان لا يفهم؟ " (36).

3) حاضر المسلمين السيئ، وواقعهم المزري، وتشتتهم الفظيع، وتدابرهم المريع، مما سهل على الدول الأجنبية استعبادهم، بل وضرب بعضهم ببعض. فكان يدعو إلى توحيد الكلمة، وَلَمِّ الشمل، ورأب الصدع، ورتق الشق، فإذا فعلوا ذلك استطاعوا- رغم ضعفهم المادي- أن ينالوا من عدوهم، وأن يخدشوا إن لم يقدروا على أن يبطشوا، وأن يكونوا- بموقعهم- غصة في حلقه، وجلطة في دمه. لقد كان يصور بحق، ويعبر بصدق.
__________
34) نفس المقال.
35) حمزة بُوكُوشَة: "لحظات مع الشيخ الإبراهيمي" جريدة الشعب، عدد 2309، الجزائر في 21/ 5/ 1970.
36) انظر مقال "دولة القرآن" في هذا الجزء من الآثار.
(4/17)

4) العناية باللغة العربية، وجعلها لغة المسلمين كما كانت في صدر الإسلام، لأنها الوسيلة التي تُبقي صلة المسلمين بمصدري دينهم وبتراثهم قائمة. وكان يقول للمسلمين من غير العرب "إن اللغة العربية ليست لغة العرب حتى توضع في موازين الترجيح، وتتعاورها العصبيات بين جنس وجنس، أو تعلو إليها الأنظار الشعوبية، ولكنها لغة القرآن، وخِيَرَةُ الله لكتابه، وإذا كان للعرب عدو أو منافس ينازعهم المفاخر، أو يجاذبهم المحامد، أو يغض منهم، أو ينكر عليهم، فليس للقرآن عدو بين المسلمين، وعدو القرآن ليس من أمة القرآن، ففي هذه المنزلة أنزلوا هذه اللغة، وعلى هذه الأصل فخذوها" (37).
لقد أنزل العرب والمسلمون الذين التقوا بالإمام الإبراهيمي وتعرفوا إليه، أَنْزَلوه المنزلة اللائقة، وأحلوه الصدارة من مجالسهم، فقد رأى فيه الحكام صدق القول، وإخلاص القصد، وإباء للمشارب الكدرة، وترفعًا عن المطامع، وسموًا عن الصغائر.
ورأى فيه العلماء وأرباب الفكر- بالإضافة إلى ما سلف- علمًا غزيرًا، وفكر منيرًا، ورأيا سديدًا، وبصرًا حديدًا، وسعيًا في الخير بريئًا، ولسانًا في الحق جريئًا، واكتشفوا فيه الفقيه الذكي (38)، والعالم اللغوي (39)، والخبير الاجتماعي، والمؤرخ البعيد النظر، العميق التحليل، والأديب المتمكن، والناقد البصير، والكاتب القدير، والخطيب المصقع والسياسي البارع، فذكَّرهم- بذلك كله- بأعلام المغرب العربي وأساطينه وجهابذته، ذكَّرهم بابن رشيق المسيلى في عمدته، وبالمقري في نفحه، وبالونشرسي في معياره، وبالشاطبي في موافقاته، وبابن خلدون في مقدمته، وبابن معطي الزواوي في ألفيته، وبعبد الرحمن الأخضري في جوهره، وبابن رشد في فصل مقاله، وبابن عبد ربه في عقده وغيرهم، مما جعل "أدباء القاهرة وعلماءها يهرعون إليه ويتزاحمون عليه (40)، وأدباء العراق وعلماءه يعترفون "ونحن فى العراق هز عواطفنا وألهب أحاسيسنا في محاضراته وأحاديثه، لم نشهد أديبًا أو داعية بمقدرته وطول نفسه، وإجادته لفن القول وسعة اطلاعه" (41)، ويؤكد ذلك كله الشيخ عبد الحميد السائح، الرئيس السابق للمجلس الوطني الفلسطيني، فيقول: " ... أما العلَّامة محمد البشير الإبراهيمي فقد لقيته وخبرته، وسبرته، وكاشفني وكاشفته، حتى عرفت صدق عزيمته، وصافي طويته ... لقيته متحدثًا حديث المؤمنين الصادقين،
__________
37) انظر مقال "رحلتي إلى الأقطار الإسلامية، الحلقة 5" في هذا الجزء من الآثار.
38) انظر تعليق الإمام الإبراهيمي على ضياع أضاحي المسلمين في مِنًى، في مقدمة الشيخ محمد الغزالي لهذا الجزء من الآثار.
39) انظر مراجعته للأستاذ عبد العزيز الميمني في هذا الجزء من الآثار.
40) انظر مقدمة الشيخ الغزالي لهذا الجزء من الآثار.
41) جمال الدين الألوسي: الجزائر بلد المليون شهيد، بغداد، مطبعة الجمهورية، 1970، [ص:153].
(4/18)

وسمعته محاضرًا كالسيل الهادر، وخبرته ثائرًا لا يقر له قرار، ما دام للاستعمار أثر في ديار الإسلام، وعرفته داعية صادقًا للإسلام في صفائه وإشراقاته، ومبشرًا بسمو مبادئه، وعرفته حكيمًا حازمًا في إدارة الجلسات، وإدراك ما يدور فيها من اقتراحات ومناقشات، يضع كلا في نصابه ومكانه المناسب مما جعل له في نفسي مكانة لا تبارى، ومنزلة في الذؤابة لا تجارى ... هو المصلي في الميدان والمبرز بين الأقران" (42).
كل أولئك أهَّله لدخول المجمع العلمي بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ولو لم ينهكه المرض، ويشغله جهاد الجزائر، وما يوجبه عليه من سعي دائب لدعمه وحشد التأييد له؛ لكانت مساهمته في المجمعين متميزة، فهو "من بقايا حراس لغة العرب" (43). ورغم ذلك فقد "كنا نعول التعويل كله على مساهمته والإفادة من علمه وفضله" (44).
وإذا كانت العادة قد جرت بأن يُهَنَّأَ المختارون لعضوية مثل هذه المؤسسات، فإن الأستاذ محمود جبر- شاعر آل البيت، وشاعر جمعية الشبان المسلمين- قد خرق هذه العادة، وهنأ مصر والمجمع اللغوي بذلك الاختيار، فكتب مخاطبًا الإمام الإبراهيمي: "أَشُدُّ على يدك، فخورًا بك، وأهنئ مصر بتوفيقها إليك .. إن نسبة المجمع اللغوي إليك فخر له وذخر ... فأنت موسوعة الموسوعات، ومعهد العلماء، وحسن الأدب وحقيقته" (45).
محمد الهادي الحسني
البليدة (الجزائر)، 28 أكتوبر 1996.
__________
42) عبد الحميد السايح: عالم ثائر، مجلة الثقافة، عدد 87، الجزائر، مايو- يونيو 1985، [ص:103].
43) انظر "رسالة إلى الأستاذ خليل مردم" في هذا الجزء من الآثار.
44) إبراهيم مدكور: المرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، مجلة مجمع اللغة العربية، الجزء13، القاهرة 1962، [ص:129].
45) انظر نص الرسالة في: محمد خير الدين، مذكرات، ج 1، [ص:373].
(4/19)

في باكستان
(من مارس إلى يونيو 1952)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/21)

رحلتي إلى الأقطار الإسلامية *
- 1 -
قبل أن أشرع في نشر هذه السلسة من المقالات عن رحلتي، يتقاضاني خلق الوفاء أن أقدّم بين يديها على صفحات «البصائر» التحيات القلبية الخالصة إلى إخواني أعضاء العلماء جمعية الجزائريين، شركائي في الجهاد، وأعواني على العمل، وخلفائي على تلك الحركة المباركة الحيّة المحيية، تحيات تحفها نفحات الشرق، وتزفها لمحات البرق، وتكنفها فرحتا المؤمن الصائم حتى ما بينهن فرق، وتختمها شهادتي بأن أولئك الإخوان هم ذخري إذا أعدت الذخائر، وهم فخري إذا عدت المفاخر.
وإلى شيوخ وطلاب المعهد الباديسي الذي أوفى للأمّة الجزائرية بنذرها، وزكّى لها النبات من بذرها، وكان- بآثاره- كفّارة ماحية لسوء تقصيرها، وحسنة كفيلة بحسن مصيرها.
وإلى أبنائي المعلّمين، جنود العلم المرتبة، وكتائبه المكتبة، ففد كنت أحييهم- على القرب- في كل سنة عندما تنتهي الامتحانات، تحية أمسح بها عن نفوسهم الجاهدة نصب عامها، وأنضح بريق الأدب جفاف أيامها، وشاء الله أن أحييهم في هذه السنة وبيني وبينهم من ذرع الكرة الأرضية أكثر من ربعها، ليعلموا أني أذكر عهودهم، مبدئًا ومعيدًا، وأشكر جهودهم قريبًا وبعيدًا.
وإلى ذلك "الحرس المتنقل" في سبيل الحق، المتفرق لجمع القلوب على كلمة الحق، السائق إلى الله عباده، في شهر العبادة.
وإلى أعضاء الشُّعَب: أعضاء الجمعيات المحلية، الذين هم الجهاز المحرّك، والعصب المصرف، والجوارح المنفذة.
__________
* «البصائر»، العدد 194، السنة الخامسة، 23 جوان 1952.
(4/23)

وإلى الأمة الجزائرية الباذلة لموجودها، في سبيل وجودها، التي أقرضتُها القرض الحسن، فوفته اعترافًا، وهجرت في خدمتها الوسن، فمدّت عليّ من الحنوّ طرافًا، أعليت قدرها- ولا منّة- حاضرًا، وعرضت وجهها ناضرًا، ورفعت ذكرها غائبًا، وصيّرت مادحًا لها من كان عائبًا، وعرفت نكرها كاتبًا، وغاليت بقيمتها خاطبًا، وخلعت عليها وصفيها الخالدين: العروبة والإسلام، فزادهما بياني روعة وجلالًا، ثم جلوتها فيهما على أخواتها، فوقفت عليها العيون، وأكبرتها الصدور، وأشهد ما قارنتها بواحدة منهن في هذين فقصرت عن غاية، مع بعد الفارق، وعقوق المارق، وكيد الطارق، ولؤم السارق. فكيف لو أرخى لها الدهر من عنانه؟ وما قلت إنها عربية عريقة إلا أدّى كل حرف من هذه الجملة شهادته، وما قلت إنها كابدت البلاء في سبيل إسلامها إلا فاض الحنان، وثارت الأشجان، وما قلت إنها قهرت في المحافظة على ذينك الوصفين خصومًا لدًّا، وكسرت سواعًا وودًّا، إلا تمنّى كل سامع أن يكونها.
فمني للأمّة الجزائرية تحيات مباركات طيّبات تغمر أجزاءها، وتضمن عني جزاءها.
____

بواعث الرحلة
____
دواعي هذه الرحلة كثيرة، ولكنها ترجع إلى أصل واحد، ومثيراتها في نفسي قديمة العهد، تتصل بما ركب في طباعي من حب الاطلاع والبحث، خصوصًا في شؤون الشعوب الإسلامية، وكانت تذودني عن هذه الرحلة- كلما هممت بها- الأعمال الداخلية لجمعية العلماء، وما هي بالقليلة، وعدم موافقة إخواني عليها، حرصًا منهم على تلك الأعمال أن تختل أو تتعطّل، ونحن معشر هذه الطائفة نعدّ من سعادتنا وسرّ نجاحنا أننا لا نتحرّك إلا عن اتفاق، ولا نسكن- إذا سكنا- إلا عن اتفاق، فلما توافرت الدواعي أذن لي إخواني فكانت الرحلة.
والأصل الذي ترجع إليه تلك الدواعي يتشعّب إلى أربع شعب:
الأولى: دراسة أحوال المسلمين في مواطنهم، وبحث المقارنات والمفارقات القائمة بين تلك الأحوال، ونسبة دركات الانحطاط فيهم إلى درجات الاستعداد للنهوض، وتصحيح الميزان لما تستطيع كل طائفة منهم أن تقدّمه إلى الأخريات من العون والماعون، حتى يحصل التعاون بعد تحصيل أهم أسبابه، وهو التعارف.
(4/24)

الثانية: الاتصال المباشر بعلماء الدين، هذه الطائفة التي تجمعنا بها نسبة ووصف، وتشاركنا في العهد الإلهي المأخوذ علينا جميعًا، وفي حمل الأمانة، ولا ندري هل تشاركنا في الوفاء بذلك العهد، وأداء تلك الأمانة. وهذه الطائفة هي أحق الطوائف بقيادة المسلمين إلى السعادة، وجمع كلمتهم على الحق والخير، إذا تسلّحت بما لا ينافي الإسلام من وسائل زمنها، وأنّى يتمّ لهذه الطائفة أن تجمع كلمة المسلمين على الحق والخير، قبل أن تجمع هي نفسها كلمتها على الحق والخير؟ وقبل أن تتفق على مفهوم الحق والخير؟ وعلى كل حال فالاتصال بعلماء الدين ألزم لمثلي من الاتصال بغيرهم من الطبقات النابهة في الأمم الإسلامية، لتعرف طريقة فهمهم للدين وعملهم بالدين، وعملهم للدين، ومدى اقتدارهم البياني والاستدلالي على الدعوة إليه، ومدى استعدادهم للتضحية في سبيله، ومدى اتصالهم بطبقات الأمّة، واتصالهم بالطبقات الحاكمة، أو المستشرفة للحكم: أهو اتصال نفوذ ديني يأمر وينهى، أم اتصال مجاملات عرفية تخضع وتستخذي؟ وأن هذه النقطة هي المحك، وهي الميزان بين عالم وعالم، وأن العالم الديني الذي يعوّل عليه في هذا الباب هو الذي فهم دينه على وجهه الصحيح، وفهم نفسه بوزنها الصحيح، وفهم زمنه على وجهه الصحيح أيضًا، وعرف أمراض المسلمين، ووطن نفسه على علاجها، ونكب عن ذكر العواقب جانبًا، أما الخلاف المذهبي بين العلماء فهو أيسر من أن يقف عقبة في هذا السبيل، وعلاجه - إذا صحّت النيات وعقدت العزائم على توحيد المسلمين- في جملة واحدة: الاتفاق على المتفق عليه، والسكوت على المختلف فيه سكوتًا ينتهي مع طول الزمن إلى نسيان الخلاف، وما أرث الضغائن وأيقظ الفتن إلا الجدل واللجاج، وان المتفق عليه لشيء كثير، وان فيه لخيرًا كثيرًا، وان فيه الكفاية للإصلاح وزيادة.
الثالثة: دراسة أحوال الحكومات الإسلامية القديمة والناشئة، والأصول التي تبني عليها الحكم، والاتجاهات التي تتوجّه إليها من حيث هي حكومات، ومدى تغلغل المؤثّرات الخارجية في أجهزتها الحكومية. كل تلك الدراسة لنعرف أيها أقرب مسافة من روح الإسلام وروح الشرق، وأيها أصلح لأن تكون مثالًا قريبًا للحكم الإسلامي الصالح، حتى يسانده المصلحون بالرأي وحشد المؤهلات فيصبح في وقت قريب محقّقًا لرغائب المسلمين، رادًّا عليهم ما ضاع من أحكام القرآن التي سعد بها سلفهم وأسعد.
الرابعة: دراسة نفسية شباب الأمم الإسلامية المتباعدة الديار، ومبلغ تأثرهم بالعوامل الخارجية التي تبعدهم عن روح الإسلام، ليقدر بقدرها ما يجب لهذه الحالة من علاج، ان الشباب في جميع الأمم، وفي جميع العصور هم الدم المجدّد لحياتها، الناقل لخصائصها بالوراثة، فإذا طرأ على هذا الدم ما يفسده، أو عرض للخصائص ما يزيغها، تهوّر الشباب في عماية، وزعم التطوّر، في هذا التهوّر، فمسخ أمّته وأدغمها في غيرها، ثم لا تكون في ميزان
(4/25)

ذلك الغير إلا تابعة مسودة مستعبدة نازلة عن ذاتيتها، لأنها طارت بجناح مستعار، الطائر به واقع، وهذا هو المسخ، بل هذا هو الموت، ومن المؤلم أن يكون القاتل هنا هو الشباب مصدر الحياة والإحياء، وما ركب هذه الشنعاء إلا لأنه انحرف فغرّته التهاويل، وفتنته الأقاويل، ألا إن الشباب هم الساف الجديد في بناء الأمّة، فإذا أفرط في التأثّر رمى الجسم كله بالاعتلال.
هذه حقيقة، يجب أن تقف بجنبها حقيقة أخرى، وهي أن الشباب ليسوا هم المسؤولين عن هذه الجريمة الشنعاء، وإنما المسؤول هو المجتمع الإسلامي المنحلّ المختلّ المعتلّ الذاهل الغائب عن الدنيا، والمسؤول الأول من هذا المجتمع هم أولياء الأمر من آباء وقادة وحاكمين، وفي كلمة واحدة: المسؤول عن كل جيل، لاحق هو الجيل السابق، فإذا تداخلت الأجيال السابقة تعلّقت بهم التبعة جميعًا، ولا عذر يبرئ من هذا الذنب، وسيرى القارئ في أثناء هذه الدراسات شرح هذا الإجمال.
ومن سوء حظ الأمم الإسلامية (وهو في نظرنا وحكمنا من سوء تصرّفها إذ لا مدخل للحظ في مصاير الأمم) أن تطوّرها لا ينشأ في هذا العصر عن استعدادها الطبيعي، وليس لها في أسبابه يد حتى تبنيه طبقًا عن طبق بنظام تدريجي يكمّل فيه الأخير ما بدأه الأول، ولكنها مغلوبة على أمرها، تابعة لغيرها في كل شيء وقد أصبح تيار الحضارة الغربية جارفًا لا يمهل ولا ينتظر، وأصبح شباب الأمم الإسلامية معرضًا لهذا التيار من أول خطوة في الحياة، وقد أخذ عليه الحياة من أقطارها، فتآثر بهذه الحضارة وأعشته أنوارها فأحرقته نارها، والآباء بين غافل، لأنه جاهل، وبين متذمر يدرك العواقب ولكنه لا يصنع لاتقائها شيئًا، والحكومات الإسلامية فيما بلونا من أمرها إما مأخوذة بهذا السحر، فهي تجري وراء الساحر على غير بصيرة، وقد أوحى إليها فيما أوحى أن القيام على الحقول والبقول، ألزم لحياتها من القيام على العقول، وإما متخلفة عن قوافل الزمان، عاكفة على الدمن، معتمدة في العصر الذرّي على سيوف الهند واليمن.
لذلك كله أصبح من الواجب على قادة النهضة الإسلامية وحماتها أن يرسلوا صيحة جهيرة وراء هذا الجيل الراحل عن الديار بروحه وعقله وهواه، ليرجع إليها، وليس براجع إلا إذا عرف لماذا يرجع، وماذا يجد إذا رجع، فلنعرفه أنه سيجد ماضيًا مشرقًا يتصل بحاضره اتصال الأصل بالفرع، وسيجد تاريخًا حافلًا، وذخائر عقلية، ومجالات روحية تمكن له في الإنسالية الكاملة، وتضمن له جميع المتع العقلية والفكرية والروحية والبدنية، إلا هذه الشهوات السطحية والنزوات الحيوانية فليس لها مكان عندنا، ولا قرار في شرقنا، فإذا رجع هذا الشباب من غربته العقلية، وعاد إلى مستقرّه الشرقي، واطمأن إليه أمِنّا على تاريخنا الانقطاع، وأمِنّا على ذخائرنا الضياع، لأنه سيأخذها بقوّة الشباب، ويقين العقيدة، وتزكية
(4/26)

العلم، وصدق الشعور، وحيوية الإحساس، ويمسح عنها صدأ الإهمال، ويتناولها بآلات جديدة لم يفسدها الترك والاطراح، ولم يثلمها التقليد كما ثلمها في عقول آبائه وأرواحهم.
هذه هي النقطة التي يجب أن تبدأ منها أعمال المصلحين من حماة الإسلام، وتلتقي عليها جهودهم، وإلا فإنهم يضربون في حديد بارد، فإن كانوا فاعلين فليبدأوا العمل في ميدانين: في البيت الذي هو معمل التكوين، وفي المدرسة التي هي معمل التلوين، وليتعاهدوا البيت بالتطهير وتقوية التربية الدينية في من يلي تربية هذا الجيل من آباء وأمهات، وليحملوا القائمين على هذه المدارس التي يضطرب فيها الجيل على إقرار الدين فيها علمًا وعملًا إلى جانب الدنيا.
هذا هو الجهاد الأكبر الذي لا يعذر المصلحون في العالم الإسلامي في التخلف عن ميدانه، وهو في حقيقته وواقعه معركة بين الإيمان والكفر على شبابنا، فمن ظفر فيها غنمه، وبوادر هذه المعركة تدلّ على أن النصر ليس في جانبنا، ولئن لم نستعدّ للجولة الثانية، إنا إذًا لخاسرون، والجولة الأخيرة ستبتدئ من الصبية قبل الشبيبة، فعلى المصلحين أن يبادروا بتلقيحهم "بالمصل الواقي" وما هو إلا التربية الإسلامية الصحيحة الكاملة، فإن المحافظة على الأرواح ليست أقل شأنًا من المحافظة على الأبدان، وأن يصرفوا عنايتهم واهتمامهم كله إلى هذه الناحية، ولا يتشاغلوا بالآباء ووعظهم فإن هذا عمل لا غناء فيه في مسألتنا، وحسبهم من هذه الطبقات- التي جفّت على عوج، وانطمست فيها آية الفطرة- إصلاح يمنع انتشار العدوى، ويحول دون استشراء الداء، ودون تعطيل الإصلاح.
...

والعجب من ملوك الإسلام وكبراء الشرق، أنهم لا يلتفتون إلى هذه الناحية بل يتركون الشبان تتخطفهم ذئاب الآراء ونسور العقول، ويلهون أنفسهم بهذه الطوائف المدبرة، يهتمون بها ترغيبًا للمصلحة، أو ترهيبًا لدفع المفسدة، فأما العضو الحي الذي سيحمل الأمانة غدًا، ويضطلع بالدولة، ويقود المسلمين إما إلى جنة وإما إلى نار، فإنهم لا يلقون له بالًا، ولو اعتنوا به وأحاطوه بالرعاية لعاشوا به سعداء راضين مطمئنين، وماتوا قبله آمنين على هذه الأمانة.
...

ويح المسلمين! يولد مولودهم، فإما أن يهمل ولا يعلم- وهذا هو الأكثر- فيستقبل الحياة بلا دين ولا دنيا، وإما أن يعلم هذا التعليم الشائع فيجمد وتخمد فيه جذوة الإسلام،
(4/27)

وإما أن يسلك به المسلك الثالث وهو التعليم الأوربي أو المطبوع بالطابع الأوربي فيلحد ويحتقر آباءه وأمّته ودينه ولغته ووطنه، فمن للمسلمين؟
...

هنا شكوى متردّدة بين جنبات الشرق، وتهمة مترادّة بين شيوخه وشبابه، أولئك يشكون من هؤلاء أنهم تمرّدوا على الدين فلا يقيمون شعائره، وعلى الفضائل فلا يقيمون لها وزنًا، وهؤلاء يشكون من أولئك أنهم رجعيون جامدون لا يسيرون مع الزمن ولا يتركونهم يسيرون، تسمع هذه الشكوى، وما ثم إلا الشكوى، فأما العمل لإزالتها، والسعي في علاجها، والتقريب بين طرفيها فلا تسمع عنه خبرًا، ولا ترى له أثرًا.
وقد أتاحت لي إقامتي شهرين في باكستان أن أدرس بنفسي حالة شبانها، فرأيت الحالة مشابهة لما عندنا، ثم اجتمعت في كراتشي بنفر من رجالات الشرق النابهين فأخبروني عن أوطانهم متألمين أن حالة الشبّان واحدة، ثم شهد المؤثمر الأخير عدّة وفود من الأقطار الإسلامية، فتهيّأ لي أن أدرس عدة نواح منها هذه، فخرجت بهذه الزفرات التي بثثتها في هذه الكلمات، فإذا أطلت في هذه النقطة فعذري هو هذا، على أنني لم أنته إلى الرأي المفصّل، وسأفصله في "الرحلة" فإنني الآن إنما أكتب إلى «البصائر» وهي صحيفة.
هذه هي المقاصد الأساسية لرحلتي، وإن وراءها لنوافل كثيرة أهمها التعريف بجمعية العلماء وأعمالها للإسلام والعربية، والتعريف بالجزائر والشمال الافريقي كله، فإن إخواننا في الشرق لا يعلمون عنا إلا القليل المشوّه، وقد قمت بهذا التعريف في دواخل باكستان على أكمل وجه، فأصبحت أحوالنا وأعمالنا معروفة على حقيقتها، وأصبحت في نظر المجتمعات التي سمعت عرضها وبيانها مني مما تجب العناية به، ومن تلك النوافل المؤكّدة تصحيح أخطاء السماع بالعيان، ومنها توكيد التعارف بين أجزاء العالم الإسلامي وفتح الباب لتبادل الزيارات، ولم تزل هذه الرحلات عند أسلافنا أخذًا وعطاءً وإفادة واستفادة، وإذا يسّر الله إكمال هذه الرحلة يسّر كتابتها على النحو الذي شرعت فيه، ودوّنت المرحلة الأولى منه، فستكون رحلة عامرة بالمعلومات الصحيحة، والآراء الممحصة إن شاء الله، وسيكون أول مستفيد منها أبناء الشمال الافريقي.
إن هذه المقالات التي أكتبها متتابعة في «البصائر» هي خلاصة المذكرات التي أعددتها لكتاب الرحلة، ومعذرة لإخواننا الشرقيين إذا قرأوا فيها سردًا لتنقلاتي، أو توسّعًا في شيء معلوم عندهم، فإنني إنما أكتب لقومي ومن يليهم، وهم في حاجة شديدة إلى مثل هذه الأخبار، لانقطاعهم عن الشرق وتشوّفهم إلى كل ما يرد منه أو عنه، ومعذرة أخرى إلى قرّاء
(4/28)

«البصائر» إذا أحسّوا بتفاوت في أسلوب هذه المقالات، فإن ذلك نتيجة التأثرات المتفاوتة التي ترد على الرحّالة الدارس.
...
____

بدء الرحلة
____
خرجت من الجزائر يوم الجمعة سابع مارس 1952 وشيّعني في المطار إخواني المشائخ الأجلّة الذين أذكر أسماءهم هنا تنويهًا بفضلهم وتجديدًا لذكراهم، الأساتذة: العربي التبسي، ومحمد خير الدين، وعبد اللطيف القنطري، وأحمد توفيق المدني، وحمزة بوكوشة، وباعزيز بن عمر، وولدي أحمد الإبراهيمي، ورجال المركز كلهم، ووفد من أفاضل البليدة، ذكر الله الجميع بخير الذكر، ووصلت إلى باريس بعد زوال ذلك اليوم فتلقاني بالمطار الأستاذان المحاميان عياش ابن عجيلة، وأحمد بو منجل، ولبثت في باريس يومي الجمعة والسبت للاجتماع برئيس الشعبة المركزية لجمعية العلماء وأعضائها ورجال الحركة فيها. وفي مساء الأحد تاسع مارس على الساعة السابعة ركبت القطار السريم إلى رومة وصحبني إليها الأستاذ أحمد بو منجل فوصلناها مساء يوم الإثنين الموالي قبل قيام الطائرة إلى مصر بساعتين، فذهبنا رأسًا من محطة القطار إلى المطار، وفي المطار ودّعني الأستاذ بو منجل راجعًا إلى باريس من ليلته.
قامت الطائرة (وهي تابعة لشركة ك. ل. م. الهولاندية) من مطار رومة على الساعة الثامنة من مساء الإثنين فوصلنا مطار فاروق بالقاهرة على الواحدة بعد نصف الليل، وكانت مرحلة من أجمل المراحل، فالجو صاح والقمر مبدر، والبحر المتوسط تحتنا، مبرقع بقزع من الضباب الأبيض. إنه منظر لم أرَ في عمري أجمل منه، حتى قطعه علينا منظر أضواء المدن المصرية، وبدأت الطيارة تنحدر، وقيل هذا مطار فاروق، وكانت الساعة الواحدة بعد نصف الليل.
كنت أبرقت من باريس إلى مكتب الجمعية بالقاهرة بساعة سفري من رومة وساعة وصولي إلى مصر ورقم الطائرة، وغاب عني أن الأحكام العرفية المنصوبة في مصر تقضي بمنع التجوّل بعد العاشرة ليلًا، لذلك لم أجد في المطار أحدًا ينتظرني، فتوليت الإجراءات القانونية بنفسي، وهي كثيرة معقّدة استغرقت ساعتين من الزمن، ثم ذهبت مع المسافرين في سيارة الشركة المرخص لها إلى الفندق المرخّص له وهو فندق "هليولوليس" بمصر الجديدة،
(4/29)

وأنا على يأس من لقاء الجماعة في تلك الليلة، فما راعني إلا وهم مجتمعون في فناء الفندق ينتظرونني، لا يبرحونه حتى إلى المدخل الخارجي لأن ذلك يعدّ تجوّلًا ممنوعًا، وعرفت الأستاذ الصديق سعدي من أول نظرة وقد مرّت على افتراقنا عشرون سنة، وقد بدأت السن تأخذ من معارف وجهه، ولا تسل عما غمرني من السرور لرؤية الأستاذ الصديق، وعما داخالني من الأنس للاجتماع بالإخوان، وقد علموا أن ركاب الطائرات لا بدّ أن يقدموا إلى هذا الفندق فرابطوا فيه، من أول الليل، وأبلغوني تحية صاحب السعادة عبد الرحمن عزام باشا، وصاحب المعالي الدكتور محمد صلاح الدين باشا، وأنهما كانا عازمين على اقتبالي في المطار لو كانت الطائرة تصل نهارًا، ولكن رجال الأمن كانوا متشدّدين في تطبيق قانون منع التجوّل، وقضينا بقية الليلة في بهو الفندق في سمر وحديث إلى الصباح، فنقلوني إلى فندق جزيرة بالاس حيث اتفق مكتب الجامعة ...

- 2 * -
انتقلنا إلى فندق "جزيرة بالاس" لأن مكتب الجامعة العربية ومكتب جمعية العلماء بالقاهرة اتفقا على نزولي فيه، وحجزا لي فيه غرفة للنوم ومكتبًا للاستقبال فيه جهاز تيليفوني، وكان ذلك في الساعة السادسة من صباح يوم الثلاثاء حادي عشر مارس، وما جاءت الساعة الثامنة حتى كان أول زائر صاحب المعالي الدكتور محمّد صلاح الدين باشا، وعبد الرحمن عزام باشا، وكأنما كانا على ميعاد، وذكريات اجتماعي بهما في باريس لم تزل ندية رفافة، تَفغَم وتفعم، وكأن تبكيرهما بهذه الزيارة كان وصلًا لذلك وبقية من معانيه، جزاهما الله عن الوفاء خيرًا. ثم تواترت زيارة الإخوان فملكت الدقائق والثواني، وآنست نفسًا طال شوقها إلى مثل هذه المجالس وهؤلاء الإخوان وهذه الأحاديث وأنست الراحة والنوم مع شدة الحاجة إليهما، وما الأسير العاني اشتبهت أيامه، وطال في الأغلال مقامه، حتى إذا استيأس جاءته البشرى بالسراح، وحرية البراح، ولا الغائب المنقطع، تلقّته الأقطار بخيبة الأوطار، فلجّ في ركوب الأخطار، "ليبلغ عذرًا أو ينال رغيبة" ثم فاجأته الأقدار بالرجوع إلى الأهل والدار، مقضي المآرب، مهنأ المشارب، بأطيب نفسًا، ولا أقرّ عينًا، ولا أكثر ابتهاجًا مني في ذلك الأسبوع الذي أقمته بالقاهرة، وكأنها أرحام تعاطفت، وأرواح تعارفت فتآلفت،
__________
* «البصائر»، العدد 197، السنة الخامسة من السلسلة الثانية، 28 جويليه 1952.
(4/30)

فارتفعت الكلف، وسقط التحفظ والاحتراز، ولا أنسى- ما حييت- فضل أولئك الإخوان الذين زاروا وتردّدوا، ولم تروهم الشربة الواحدة فعدّدوا، وما منهم إلا عالم، أو نابه، أو كاتب، أو صحافي، أو ذو مكانة اجتماعية، أو تلميذ، ولله تلك الفئة المهاجرة للعلم من أبناء الجزائر، فكأنهم- والله- أبناء بررة، يلوذون مني بأب طال غيابه عليهم، ثم تيسّر إيابه إليهم ... لكم الله أيها الأبناء، وعليّ نذر لله أن أتعب لراحتكم، وأن أميط الأذى عن ساحتكم، ما عشت وانتعشت، وما أخلصتم للعلم وانقطعتم له ونويتم به نفع الجزائر ... إن الجزائر أمّكم البرة، وهي تعلّق عليكم الآمال، وترجوكم للأعمال لا للأقوال، ولستم بنيها إن هجرتموها، ولستم لها إن رجعتم إليها بالفارغ والسفساف، ولستم ورّاثها إن لم تردّوا عليها ميزاتها وأنا أعيذكم بالجزائر وهي الأم، وبالعلم وهو الأَمّ، وبالأطلس الأشم، وبابن بادبس وهو المثال الأتمّ، أن ترجعوا إليها أبعاض علماء، وأجزاء زعماء، أعلاها ثلث وربع، وأدناها سدس وسبع، فما أكثر هؤلاء فيها، ولكنهم يمسكون عليها الذماء، ولا يملكون لها النماء، فهي في حاجة إلى من يرود ويعود، فيقود ويذود، ونحن قد شرعنا لكم المشارع، ونهجنا لكل صالحة طريقًا، وصدمنا الباطل حتى تضعضع، ووضعنا لكم الأساس على صخرة، وبدأنا لتتمّموا، وليت شعري ... إذا خلت أمكنتنا منا فمن لها غيركم؟
...

لا تتسع هذه المقالات لذكر أسماء الإخوان الذين زاروني واحتفوا بي، وإن كانت مدوّنة في مذكراتي، ولا تتسع كذلك لذكر أعمالي ومقابلاتي وزياراتي للأمكنة والرجال، فإن ذلك مرجأ إلى الكتابة عن "مرحلة مصر" بعد رجوعي إليها إن شاء الله، وقد كفاني بعض المؤونة مكتب الجمعية بالقاهرة، ونشر المجملات في حينها على قرّاء «البصائر»، وإن قصر في السرد ونسي بعض الأسماء، ولكني ما زلت مملوء النفس سرورًا بشيئين: الأول درس ألقيته في المركز العام للإخوان المسلمين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} الآية. ولا قيمة للدرس في ذاته، وإنما قيمته بحاضريه وبمكانه، وبالجمعية التي دعت إليه، وبمعنى آخر أسمى من ذلك كله وهو أنه وصل بين جمعيتين تعملان لإحياء الإسلام الصحيح بإحياء روحانيته، والثاني زيارتي لجامعة فؤاد الأول، واجتماعي بمديرها سعادة عبد الوهاب مورو باشا، وبعض أساتذتها الكرام، وزيارتي لكلية الآداب، وللمكتبة الضخمة، ولقاعات المطالعة والبحث، ولقاعة المحاضرات، فأشهد مخلصًا أنني خرجت مرفوع الرأس تيهًا، مملوء النفس فخرًا، مفعم الجوانح إعجابًا بهذه الجامعة التي هي مفخرة الشرق وحجّته على الغرب، وأشهد مخلصًا لقد أحسست بعد الخروج كأن وجودي تضاعف مليون مرّة بوجود هذه الجامعة ومعذرة لمن يتّهمني بالمبالغة، فأنا من قوم يشهدون كل يوم
(4/31)

بناءً ليس لهم فخره ولا نفعه، وبناءً ليس منهم أصله ولا فرعه، ويلقون في كل ساعة خصمًا يرميهم ويرمي جنسهم بعقم الفكر، وتخلّف الذهن وخرق اليد، وقد باهوا بماضيهم، فقيل لهم: وأين حاضركم؟ فارتج عليهم، وأجرهم الواقع بما أخرسهم، فلهم في أعمال بني أبيهم حجة، ولهم بها افتخار، وقد أكسبتهم تلك الحالة تفنّنًا في المباهاة، وذوقًا لطيفًا في صوغها، فهذا من ذلك، ولا عتب ... ولقد ساءني- والله- أن تكون هذه الجامعة الفخمة حمى للعربية، ولا تكون حمى للإسلام، وإن مجد العربية من مجد الإسلام، وإن في الإسلام لكنوزًا من الفلسفة الروحية والكمالات الإنسانية، وما ان هذه الجامعة لأحق ببحثه ودراسته.
أما الجامعة الأزهرية فيؤسفني أن وقتي لم يتّسع لزيارتها زيارة تليق بمكانتها في نفسي، وإن زارني كثير من أساتذتها الأجلّاء، وإن زرت إدارتها ومديرها الأستاذ الجليل محمد عبد اللطيف دراز ردًّا لزياراته المتكرّرة، وتنويهًا بمكانه من جمعيتنا لأنه من رؤسائها الشرفيين، وسأقضي ما فاتني من حقوق الإخوان، وسأستوفي ما حرمته هذه المرّة من الزيارات والدراسات في الزورة الثانية لمصر، وقد تقاضى مني الإخوان بذلك وعدًا أنا منجزه إن شاء الله تعالى.
...
____

إلى كراتشي
____
كنت يوم خرجت من الجزائر مصمّمًا على أن أقيم في القاهرة يومين، وأواصل السفر بعدهما إلى باكستان، لأن مكان مصر من هذه الرحلة يأتي في الأخير، ولأن باكستان هي الأولى في البرنامج، ولأحضر اجتماعًا يعقد في كراتشي باسم مؤتمر العالم الإسلامي القديم، ولكن أمرين حدثا في مصر فرميا ذلك التصميم بالوهن: الأول مقابلة جميل أولئك الإخوان الذين حدّدوا المواعيد لزيارتي، بجميل مثله، والثاني ما بلغي بعد وصولي إلى القاهرة من أن اجتماع كراتشي إنما هو اجتماع اللجنة التنفيذية للمؤتمر، وأن الاستدعاء الذي بلغي إنما يراد به استجراري لزيارة باكستان، وحسنًا فعلوا، أما مؤتمر الشعوب الإسلامية فلم تبلغني الدعوة إليه إلا وأنا بالقاهرة في رسالة حملها إلي الأستاذ سعيد رمضان الذي رجع من رحلته إلى أندونيسيا وباكستان في اليوم السابق لخروجي من القاهرة، وبادر فزارني على أثر وصوله، ثم تفضل فزارني ليلًا وقضى معي ساعات، ولا أنسى فضله عليّ فيما قدّم إليّ من معلومات غالية، كانت وما زالت نورًا يسعى من بين يدي في هذه الرحلة.
(4/32)

لذلك كله امتدّت إقامتي في القاهرة إلى تسعة أيام، وأحمد الله على أنها كانت عامرة بالفوائد، وما تسعة أيام في جنب القاهرة إلا كتسع ثوان، وإن لنا في مصر لمآرب لا تقضى في الأيام، وإن لنا فيها لبعثة لم تزل نواة فهي تنتظر السقي والتعهد، ومكتبًا لم يزل ضيّقًا فهو ينتظر التوسعة والتنظيم، وإن لمصر علينا- بعد ذلك وقبله- لحقوقًا وحقوقًا توجب علينا الاتصال، ما وسع الوقت والحال.
أما اختياري لباكستان نقطة ابتداء لهذه الرحلة فهو مقصود، لما اجتمع فيها من الخصائص المحقّقة للأغراض التي ذكرتها في بواعث الرحلة، ومن تلك الخصائص ميولها الإسلامية التي هي صفة ثابتة في الشعب، ومظهر مقصود للحكومة، أعلنت عنه وجاءت بشواهده، لإيمانها بفوائده، وكان هو السرّ في اتجاه المسلمين إليها، وقد أعددنا دراسة وافية في هذه النقطة لكتاب الرحلة، ومنها اتساع صدرها لأمثالي من علماء الإسلام ومفكّريه وكتّابه، ولإقامة المؤتمرات العامة للشؤون الإسلامية من جميع الشعوب الإسلامية، ومنها حسن استعدادها لتلقّي الإرشادات والنصائح والمعونة المعنوية من كل مرشد مخلص، ومنها احتضانها لقضايا الشعوب الإسلامية السياسية، ومنها أنها أصبحت محل عطف المسلمين لما اعترضها من مشاكل داخلية وخارجية من أول يوم من تكوينها، ومنها أنها رأس مال ضخم للإسلام بتاريخها واتساع رقعتها ووفرة سكانها، ومنها أنها لجدتها وغرابة انفصالها وكثرة المذاهب الدينية فيها لم تزل مجهولة عند كثير من المسلمين، ففي الاتصال بها تعريف لها وتعريف بها، وعلم يُعطى وعلم يُؤخذ، ولا أذكر هنا ما يلوكه بعض الناس من تطلعها لزعامة الأمم الإسلامية، فإنني لم ألمح هذا ولم ألمسه مع طول إقامتي وكثرة ملابساتي لمظانه، وباكستان أول من يعلم أن الزعامة نتيجة أعمال، لا مقدّمة أقوال.
...

وبعد الساعة الثامنة من صباح يوم الخميس العشرين من مارس قامت بنا من مطار فاروق بالقاهرة طائرة من طائرات شركة ك. ل. م. الهولاندية، فنزلت بنا في مطار بغداد بعد ثلاث ساعات وربع تقريبًا، واسترحنا في المطار ساعة ونصفًا تناولنا فيها طعام الغداء في مطعم الشركة، وكان الأستاذ سعيد رمضان أبرق من القاهرة في مساء اليوم السابق إلى الأستاذ محمد محمود الصواف ببغداد ليلقاني في المطار ويؤنسني في ساعة الاستراحة، ولكن البرقية لم تصله إلا بعد عصر ذلك اليوم، وأنا إذ ذاك في سماء الخليج الفارسي، وغفل الأستاذ الصواف عن موعد الطائرة فبشّر الأصدقاء وتداعوا للخروج إلى المطار، ولكنهم انتبهوا فخاطبوا المطار فأخبرهم بفوات الموعد، وقد كتب لي إلى كراتشي يتأسف ويتسخط على تأخر البرقية، ثم ركبنا إلى البصرة فوصلناها في ساعة وعشرين دقيقة، ونزلنا فاسترحنا ساعة
(4/33)

ونصفًا واستعدّت الطائرة للمرحلة الأخيرة الطويلة، ثم ركبنا بعد العصر والشمس في الأصيل، فقطعت بنا المسافة إلى كراتشي في خمس ساعات ونصف، ووصلناها على الساعة الواحدة بعد نصف الليل بتوقيت كراتشي، والفرق الزمني بينها وبين العراق ساعتان ونصف، كالفرق بينها وبين مصر، أما الفرق بين كراتشي والجزائر فهو أربع ساعات ونصف تقريبًا، فالزوال في كراتشي يوافق الساعة السابعة والنصف صباحًا في الجزائر، وطريق الطائرة من البصرة إلى كراتشي كله فوق الخليج الفارسي وبحر عُمان، ولكننا قطعناها في ليل مظلم.
...

وصلنا مطار كراتشي، وهو مطار عظيم واسع مستكمل لجميع المرافق والشروط، وقد أصبح ذا أهمية عظيمة في وصل الشرق بالغرب، وهو يبعد عن المدينة بنحو ثمانية عشر كيلومتر، ونزلنا فوجدت في انتظاري سماحة الأستاذ الأكبر الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين، والأستاذ عمر بهاء الدين بك الأميري وزير سوريا المفوّض بباكستان، وولدنا الأستاذ الفضيل الورتلاني، وإنعام الله خان، والدكتور الزبيري وجماعة من رجال مؤتمر العالم الإسلامي، وأنزلوني في فندق "ميتروبول" أعظم فنادق باكستان كلها، وكراتشي فقيرة في الفنادق، ليس فيها من فنادق الدرجة الأولى إلا اثنان، وبقية الفنادق من الدرجة الثالثة والرابعة عندنا، والسبب في ذلك أن عمرانها المدني جديد، وقد كانت قبل الانفصال ميناء تجاريًا، وما أخذت مكانتها الجديدة إلا بعد أن أصبحت عاصمة، وأصبحت في كراتشي يوم الجمعة الحادي والعشرين، فخف لزيارتي من لم يسعه استقبالي في المطار، ومنهم الدكتور عبد الوهاب عزام سفير مصر، والسيد عبد الحميد الخطيب، وزير المملكة العربية السعودية المفوّض، والأستاذ أبو بكر حليم مدير الجامعة ورئيس مؤتمر العالم الإسلامي، والأستاذ الأكبر الشيخ سليمان الندوي أحد أعلام العلماء في باكستان ورئيس مؤثمر العلماء، والأستاذ محمد محمود الزبيري وزير المعارف في حكومة الانقلاب اليمني وشاعر اليمن الفذّ، وهو أديب رقيق حواشي الطبع، سليم دواعي النفس، جيّاش الشاعرية لو وجد لها متنفّسًا، ولكن للشاعرية رحمًا يصلها الواصلون للأرحام، ولقد وجدت شاعرية الزبيري وصالًا للرحم، وهو الشاعر الوزير عمر بهاء الدين الأميري، فجمعت بينهما خلال كثيرة: كلاهما شاعر رقيق حساس، وكلاهما يعتمد في شعره على السليقة لا على الصنعة، وكلاهما مؤمن صادق متعبد متصل بالله من طريق المحافظة على الصلاة لأوقاتها، فجمعت بينهما كراتشي بعد أن جمعت بينهما تلك الخلال، وكان كل واحد منهما أنسًا وكمالًا لوجوده، وتطارحا الشعر فكان كل واحد منهما مذكيًا لقريحة صاحبه، وصدرت عنهما بدائع في الجد والهزل والمباسطات، وقد استحكمت صلتهما بي من أول لحظة، فأطلعاني على كل ما بينهما من هذا النوع الذي كان
(4/34)

يسمّى (المراجعات) ونزلا عن ذوقهما فيها لذوقي حتى في تصحيح الكلمات والتراكيب، ثقة منهما بي، حفظهما الله، فأشهد لوجه الأدب أنهما شاعران، تتّحد في شعرهما ميزة السلاسة والرقة وخصب الخيال، وتوحّد بينهما الروحانية والمزاج الديني القوي، وقد لازماني على طول مدة إقامتي في كراتشي واقترحت عليهما تحكيك شعرهما وعدم الاكتفاء بفيض الخاطر، فإن فعلا ونشرا شعرهما بعد ذلك ليكوننّ منه مزيد في ثروة الأدب.
...

وصلّينا الجمعة في اليوم الأول في مسجد جديد قريب من الفندق مع الوزراء الثلاثة، الخطيب وعزام والأميري وسماحة المفتي الأكبر، وولدنا الفضيل، وقد كبر في صدري شأن هؤلاء الوزراء، ورأيت عز الدين كيف يعلو على عز الجاه والمنصب، وأعظمت فيهم هذا السعي الحثيث إلى ذكر الله في وقت بدأ فيه التحلل الديني من أمثالهم، ثم علمت مع طول العشرة محافظتهم الشديدة على إقامة الشعائر، وسعيهم إلى المساجد للجمعة لا يتهاونون ولا يترخصون، مع الفقه الصحيح لأحكام الدين، وما منهم إلا عالم ديني بأوسع ما يدلّ عليه هذا الوصف، وفهمت أن هذا كله نتيجة التربية البيتية الصالحة، وفي المفوضية السعودية يقام الأذان لجميع الأوقات، وفيها مصلّى مخصوص، وجميع الموظفين في السفارة المصرية والمفوضية السعودية يصلّون، وإذا صلح الرئيس صلح المرؤوس.
زارني في الأيام الثلاثة الأولى جميع القائمين بالأعمال والملحقين في المفوضيات العربية، وزارني وزيرا إيران وأندونيسيا، ووزير سيلان وهو مسلم، مع أن المسلمين في سيلان لا يجاوزون بضع مئات من الآلاف في سبعة ملايين من الوثنيين، وقد رغبني في زيارة سيلان، فأخبرته أنها في برنامج رحلتي، ففرح وعرض عليّ التسهيلات اللازمة.
كنت في الأيام الأولى لوصولي إلى كراتشي في جو عربي خالص طليق، لم أشعر فيه بشيء من الوحشة أو من غربة اللسان أو من منافرة الطبع أو من شذوذ العادة، ولم أحمل فيه نفسي شيئًا من الكلف والمجاملات، بل كان فوق ذلك كله جوًّا أدبيًا علميًّا راقيًا، يزيّنه وقار المفتي الأكبر، ودعابات الأميري اللطيفة المتتابعة، ومحفوظات عزام الغزيرة وذكرياته التاريخية، وكياسة الخطيب التي هي التفسير الصحيح للظرف الحجازي الذي ضربوا به المثل، وجِدُّ الفضيل الذي زادته التجارب رسوخًا. وكنت أجري مع كل واحد منهم في عنانه، كأننا لدات سن، وخلطاء صبا، وعشراء دار، وكانت موائد الضيافة تجمعنا كل يوم وكل ليلة في دورهم على التناوب، فتتطاير النكت الأدبية، وتشيع البشاشة والأنس، وتتجلّى الأخوّة في حقيقتها، ويشهد الكرم لنفسه: كرم الطعام، وكرم الكلام (حتى كلنا رب منزل) فلا تبدر من
(4/35)

أحدنا بادرة، إلا أتبعها الأميري بنادرة، وعلى كل مائدة من هذه الموائد العربية الكريمة يحضر الإثنان والجماعة من كرام الإخوان الباكستانيين، ويشاركون في بهجتها بما عندهم من العربية، أو بما ينقله الإخوان عزام والأميري إليهم بلغتهم الأوردية، وينقلان إلينا عنهم ما يزيد الجو إشراقًا، ويزيد الأنس امتدادًا، ويزيد الأرواح امتزاجًا، فكنت لذلك كله كأنني بين أهلي وإخواني في الجزائر، لم أفقد إلا وجوههم- لا فقدتها- بل إنني تخففت هنا من ذلك الإطراق الذي يستلزمه التفكير، ومن ذلك التفكير الذي يستدعيه العمل، ومن ذلك العمل الذي تتطلبه وظيفة جمعية العلماء، ولقد كنت أجلس مع أولادي الساعات وكأنني لست منهم وليسوا مني، وكأنني بينهم أصم لا يسمع ولا يعي، لأنني إذ ذاك أفكر في مقالة "للبصائر" أنفض عليها سواد ليلي لتكون مع الصباح في المطبعة، أو في سفرة، تثبت جواز الطفرة، أو في حفلات تزاحمت أوقاتها، وما من حضوري في جميعهن بد، أو في مشاكل المعلّمين والجمعيات، وهي صرف السوق، وملء الوسوق، أو في فثء غضب بالتحمل، وإرضاء غاضب بالتجمل، فالآن أسرح وأمرح، وألقي الهموم عن كاهلي وأطرح، فقد ألقيت تلك الأثقال على من لا يؤوده حملها لفضل علمه، ووفور عقله، وحدّة ذكائه، وشدّة حزمه، وهو الأخ الأستاذ التبسي، وإن جزاءه علي أن أمدّه بمدد من الأدعية الصالحة في مجالي الإجابة من صلواتي وخلواتي أن يعينه الله على تلك الأعمال التي بلوتها مختبرًا، واضطلعت بها مصطبرًا، فوجدتها لا تقوم إلا على اثنتين: زكانة الرجال، في ركانة الجبال، وكلتا الخلتين يجمعهما أخونا الأستاذ التبسي، وهذا تصوير غريب، لحالتي في المشهد والمغيب، أربعو أن يقع- على بعد الدار- لإخواني هناك وفي مقدّمتهم أخي الأستاذ التبسي فيعينهم جدّه على الجدّ، وتدفع عنهم دعابته سأم العمل المتشابه، وضجر النفوس المرهقة. ومن دعابته أنني تخففت من الأعمال، ولا والله ما تخففت، وإنما انتقلت من تعب مملول لاتحاد لونه إلى تعب متجدّد الألوان، وفي تجدّد الألوان مجال لتجدّد النشاط وباعث على إقبال النفس وتفتّحها للاستئناف.
وكل جمع إلى افتراق، فما تمّ ذلك الأسبوع الزاهر الذي خففت عنا مجالسه وطأة حرارته، حتى بدأت الخيام تقوض، وأصبح الذاهب من الأيام والرفاق لا يعوّض، فرجع الأستاذ المفتي إلى القاهرة، وودّعنا الوزيران عزام والأميري إلى رحلة في دواخل باكستان قرّراها وحدّدا مواعيدها قبل وصولي، وحيث أن لها مساسًا بالرسميات فلا مناص من تنفيذها، وبعدهما بقليل خرج الأستاذ الفضيل في رحلة إلى الهند وباكستان الشرقية وجاوة، وتأثّر السامر لغيبة هؤلاء الأربعة فاستوحشت مغانيه، واستبهمت معانيه، ولكن بقيت لنا من السيد الخطيب بقية تؤنسنا عند طروق الوحشة، ورأيت أن ذلك الأسبوع كان استجمامًا من نصب السفر، وقد آن لي أن أبدأ العمل الذي من أجله قدمت، وفي سبيله أقدمت، وهنا تجلّت المعضلة، وحلّت المشكلة (مشكلة اللغة)، التي هي وسيلة الفهم والتفاهم، فلنتحدّث عليها.
(4/36)

- 3 * -
____

مشكلة اللغة
____
في الهند، لغات كثيرة لعلها تبلغ المائة، والمبالغون ينتهون بها إلى المئات، وهم مخطئون، وأغلبية الهنادك كانت تصطنع اللغة الهندية، وهي تستمد معظم ألفاظها من السنسكريتية القديمة، وتستعين بشيء من الفارسية وغيرها من اللغات الشرقية، ثم خالطها شيء من الأوردية والإنكليزية، ولكنهم بعد الانفصال أخذوا ببدعة "التطهير"، تطهير لغتهم من الدخيل، وإحياء السنسكريتية الميتة للاقتصار عليها، هذه البدعة التي طاف طائفها ببعض الأمم الشرقية كالأتراك الكماليين، فلم تدلّ على قوّة، بل دلّت على ضعف، لأن لغاتهم الأصلية التي يريدون إحياءها لا تقوم بالحياة العصرية، فيضطرون إلى الأخذ عن اللغات الأوربية لا محالة، فيرقعون قديمهم بغريب، وقريبهم ببعيد، فهم إنما يطهرون لغتهم من لغة إخوانهم، فيزداد الشرقي من أخيه بعدًا، ومن الأجنبي قربًا، ويبقى الأجنبي مستعبدًا لهما معًا، وإن هذه لإحدى المعاني الجديدة التي وسوس بها الغرب في صدور الشرقيين، وزيّنها لهم.
وأغلبية المسلمين في الهند اليوم تصطنع اللغة الأوردية، نسبة إلى الأوردو، لفظة تركمانية مغولية معناها الجيش، وهي لغة حديثة، تكوّنت بين الجيوش المغولية الفاتحة من لغاتهم الأصلية أو من لغات الإسلام الشائعة إذ ذاك، وهي العربية لغة الدين والأدب، والفارسية لغة الفن والرقّة، والتركمانية لغة الجندية والحرب، وكان مبدأ تكوّنها في مناطق مخصوصة من مقاطعات يوبي ولكنو، ثم توسّعت وعمّت، ولم تكن في أول أمرها لغة الملوك والطبقات الراقية، ولا لغة العلم والأدب، بل كان الشأن الأكبر في عنفوان الدولة المغولية وعظمتها للعربية والفارسية، ولكنها تطوّرت تطوّرًا سريعًا، وانتشرت انتشارًا واسعًا في أخريات تلك الدولة حتى أصبحت لغة الدين والأدب والسياسة، ففسّر بها القرآن والحديث، وكتب بها الفقه والتاريخ، ثم أخذت حظها من الأدب والفلسفة، ونظم بها الشعر في المواضيع
__________
* «البصائر»، العدد 198، السنة الخامسة من السلسلة الثانية، 4 أوت 1952.
(4/37)

العالية، ونبغ فيها شعراء فحول، مثل حالي وغالب، وآخرهم إقبال، ولكن للفارسية أثر قوي في شاعرية هؤلاء الشعراء، فكلما سموا إلى الآفاق العلية لم يحلقوا إلا بأجنحة الفارسية.
وقواعدها التركيبية قريبة من قواعد الفارسية، ولكنها أصعب منها، وهي بعيدة جدًّا عن التركيب العربي، فتكثر فيها الروابط اللفظية مثل: هي، ومي، وكي، وكا، وكو، وتكتب بالخط الفارسي الجميل، ويزيدون على بعض الحروف علامات مخصوصة لتؤدّي المخارج القريبة الزائدة على المخارج العربية والفارسية، وهي مخارج صعبة في التقليد، وغالبها متوسط بين مخرجين، ولتعدّد هذه المخارج أصبحت حروفها نحو أربعين حرفًا، هي الحروف العربية المعروفة، ويزيدون على بعضها علامات.
وجاء الإنكليز وقضوا على الإمارات المغولية، وأصبحت لغتهم لغة الحكم والإدارة والتجارة، فدخلت منها- بحكم الضرورة- كلمات كثيرة في الأوردية، ومع أنها حديثة عهد فإنها تغلغلت وأصبحت من الأصول التي تعسر إزالتها، على خلاف المعهود في اللغات القوية إذا طرأ عليها دخيل ثم أرادت التخلّص منه، وأنا أرى أن لتهاون المتكلمين بالأوردية دخلًا عظيمًا في إقرار تلك الكلمات الإنكليزية وتمكينها. كما أن في لغتهم خميرة من القابلية لذلك، لأنها مبنية على التلفيق.
أصبحت الأوردية بعد هذه الأطوار لغة قومية، وطغت على كثير من اللغات الإقليمية، فأصبحت كلها ثانوية بالنسبة إليها، ولاعتزاز أهلها بها واعتقادهم أنها كافية في الدين والدنيا، لم يجدّوا في تعلّم العربية مع احترامهم لها وشهادتهم بأنها لغة الدين، فلا يتعلّمها إلا علماء الدين منهم، ويتعلّمونها على الكبر، فتجدهم يفهمون دقائق الحديث والفقه، ولكنهم لا يستطيعون التكلّم بها بسهولة، ولا يكتبون بها كتابة بليغة، فيجد الناقد آثارًا لعجمة بادية فيما يكتبون بها، ولم يسلم من هذا حتى كبار العلماء أمثال صديق حسن خان. ومن رأينا أن هذا آت من ضعف الملكة الأدبية الحاصلة من كتب الدراسة المشهورة بينهم، فهم يتعلّمون الأدب من المعلّقات السبع ومقامات الحريري، وليست هذه الكتب بالتي تمكّن للملكة العربية، ولقد قامت ندوة العلماء في هذه العصور الأخيرة بمجهود عظيم، وسلكت في تعليم العلوم العربية مسالك مثمرة، فتخرج منها جماعة يكتبون العربية كتابة فنية صحيحة، ومنهم صديقنا الشيخ مسعود عالم الندوي، ولقد كنا نقرأ قبله وقبل أقرانه للشيخ شبلي النعماني فكأننا نقرأ لكاتب عربي تام الملكة، فهذا دليل على أن القوم إنما قصّر بهم فساد طريقة التعليم. وسنتكلم عن طريقة التعليم العربي الموجودة الآن حين نصل إلى التعليم.
وانفصلت باكستان، فاضطرت الحكومة أن تبقي على الإنكليزية كلغة رسمية إلى حين، والحالة الآن مضطربة، ففريق يريد أن تكون الأوردية هي الرسمية، وسكان البنغال وهي
(4/38)

باكستان الشرقية- وعددهم نحو خمسين مليونًا- لا يريدون هذا، لأن لغتهم البنغالية، والأوردية ليست شائعة بينهم، فالأولى في نظرهم أن تكون لغتهم هي الرسمية، فإنْ لم تكن فالعربية، لأنها لغة الإسلام الجامعة. وأهل البنجاب- وعددهم يزيد على خمسة عشر مليونًا- يريدون لغتهم، ولكنهم لا يمانعون في رسمية اللغة العربية للاعتبار الديني المذكور، ولإقليم السند لغته السندية وإن كانت ضيّقة، ولكنهم يحسنون الأوردية، وعاطفتهم الدينية لا تجعلهم يجافون اللغة العربية، وعلى الجملة فاللغة العربية تفوز بالأغلبية الساحقة لو رجع الأمر إلى الانتخاب، ولا يحاربها إلا طائفة قليلة يسخرها الإنكليز لحربها، لأنهم لا يريدون أن تكون للعربية سيادة تزيد في توثيق الأسباب بين باكستان وبين الأمم الإسلامية، ولا يفقه أحد سرّ هذا التقارب وآثاره مثل ما يفقهه الإنكليز.
والتحمس السائد للعربية في باكستان مبني على عاطفة دينية لا على واقع، أما الواقع الذي تحادثت في تصويره مع من تحادثت معهم من رجال الحكومة، ومن المفكرين المعنيين بهذه المسألة، فهو أن جعل اللغة العربية رسمية لأمّة يناهز عددها مائة مليون أمر متعسّر ما دام هذا العدد الضخم كله يجهل العربية، بل يجهل أن في لغته الأوردية قريبًا من خمسين بالمائة من الألفاظ العربية الفصيحة، فإذا عرضت عليه كلمة كلمة لم يعرف أن أصلها عربي، وإنما يعرف أنها أوردية وكفى ... وعلى هذا فالواجب أن يمهّد لهذه الفكرة بأمرين متلازمين: الأول جعل التعليم العربي في المدارس الابتدائية إجبارًّيا، والثاني تبديل الموجود من مناهج التعليم العربي بأصلح منه، واستخدام مئات أو ألوف من المعلّمين العرب حتى ينشأ على أيديهم جيل ينطق العربية بسهولة ويفهمها، ثم يتدرّج هذا الجيل إلى الكمال مع مراتب التعليم، فإذا وصل إلى الدرجة التي وصل إليها التعليم الإنكليزي في الكم والكيف حسن بل وجب أن تكون اللغة العربية رسمية في كل مرافق الدولة، وتجب المبادرة بهذا، لأن كل تأخّر له وتراخ فيه يكون في صالح الإنكليز ولغتهم، ويكون تطويلًا لمدة استعمارهم الفكري، والحكومة لا ترى للعدول عن الإنكليزية مبرّرًا إلى أن يستقر الرأي الإجماعي على اللغة الرسمية، وأنا أستحسن أن تكون اللغة الأوردية هي اللغة الرسمية في فترة الانتقال، تقريرًا للسيادة القومية وللاستقلال، إذ ما دامت اللغة الإنكليزية هي لغة الدواوين والتعليم والاقتصاد فإن الاستقلال ناقص على أهون الاعتبارات إن لم نقل إنّه صوري.
...

ونعود إلى العنوان، وهو مشكلة اللغة بالنسبة إليّ.
يجب على زائر باكستان، كيفما كان قصده، أن يكون ملمًّا- قدر حاجته- بواحدة من لغتين: الأوردية أو الإنكليزية، فإن كان جاهلًا بهما مثلي ضاعت مصالحه في الناس،
(4/39)

ومصالح الناس فيه، ووجد نفسه أعجميًّا بين أعراب. أما العربية فإنك لا تلقى الناس بها إلا كما يلقى السميع الأصم، ولتنتظر حتى تجتمع بمولانا فلان، أو العلامة فلان، وما أقلّ هذا الصنف في هذا البحر الزاخر، وأما الفرنسية فقل من يسمع بها فضلًا عمن يحسنها، وأقرب إلى النجاح من يحسن الفارسية، فقد يجد واحدًا في الألف يحسن التفاهم بها.
وأنا لا حظّ لي في شيء من هذه اللغات، ولم يفتق الله لساني إلا بالعربية، وأنا راض بهذا، وإن كنت لا أدري أي نوع من أنواع الرضى هو: أرضى العاجزين، أم رضى المكابرين؟ لذلك وجدتني من أول لحظة في مشكلة لا تُحلّ، وفي حرج لا يدفع، حتى في طلب الماء البارد من خادم الفندق، وفي التحية مع الزائر، وضيوف كراتشي من أبناء العربية كلهم مثلي، وإن فيهم لمن يحسن الإنكليزية أو شيئًا منها، فهو بها في بعض الراحة وبعض اليسر، كالأستاذ الأكبر مفتي فلسطين، فكنت أرتفق بهم في بعض الأوقات، فإذا خلوت انسدّت عليّ المسالك، يزورني الزائر عن قصد وشوق فلا نزيد على: السلام عليكم وعليكم السلام، فإذا جاوزتها إلى المألوفات في التحية مثل: صباح الخير، وكيف أصبحتم، وكيف حالكم، لم يفهم ما أقول، وأطلب الخادم لحاجة، فيسكت وأسكت، وألتجئ إلى الإشارة فلا تفيد، ويهتف التيليفون من سائل مشتاق يريد مني تحديد وقت للزيارة جريًا على الرسوم في زيارة (العظماء) فيبدأ الخطاب بالإنكليزية، فأقول: لا أفهم، فيثني بالأوردية لأنه فهم بالقوّة أني لا أفهم الإنكليزية فأقول: لا أفهم، فيكرّر الخطاب ولا أدري أهو بالأولى أم بالثانية، فأعتصم بلا أفهم، ثم أضطرّ إلى شيء من سوء الأدب، وهو رمي آلة التيليفون، وقد حملني الغضب مرّة على أن ألقيت على واحد من مخاطبي في التيليفون خطبة عربية أنيقة، قلت له يا سيدي لست من العظماء حتى تتعب نفسك بهذه المراسيم، ولو كنت منهم لكان لي ترجمان عيناه بالشرر ترجمان، أو خادم، يدفع عني الأوادم، أو سكرتير، يعامل مثلك بالتقتير، ولكنني رجل بسيط كالسمسار أو الوسيط، فزرني من غير أعذار، أو اغزني من دون سابق إنذار، وهلم نتعانق وتقضي حواجبنا الحوائج بيننا، أو نتصارع فتشتفي وأشتفي، فقال لي كلمة فهمت منها أنه يأسف لأنه لا يفهم العربية، فكرّرت عليه السجع، وقلت له: إن من الحيف أن لا تفهم لغة الضيف، ثم تريده على أن يفهم عنك (بالسيف)، وكانت هذه الأسجاع شفاء لغيظي، ولكنني كتمتها على الجماعة لأنني ما زلت في يومي الثالث، ويشاء الله أن يزورني في ذلك اليوم رجل فاضل مهذّب ذو مقام اجتماعي، وأن يجد معي ترجمانًا، ففهمت من مجرى الحديث أنه صاحبي، واعتذر بأنه طلبني لأحدّد له الوقت وأن من الأدب مع أمثالي أن لا يفاجأوا بالزيارة، وأسف أسف المؤمن الصادق على أنه لا يفهم العربية لغة القرآن، وأنه ذاب خجلًا حين لم يفهم ما خاطبته به، فقلت له: هوّن عليك فقد كنت أدعو لك بالخير، وأشهد لله أن صاحبي هذا رجل فاضل، وأنه من أصحاب الموازين الرابعحة في الفضائل، ذكره الله
(4/40)

بخير الذكر، وأشهد لله ثانية أن القوم كانوا يزورونني بنيات صادقة، ومحبة للعلم خالصة، واحترام للعلماء عظيم، وأن جهلهم للعربية ليس نقيصة فيهم وحدهم، إذ ليس خاصًّا بهم، وإنما هو شيء عام في الأعاجم كالأتراك والفرس وجاوة.
...

أبت لي همّتي أن أجمع بين الجهل والعجز، فتعلّمت في بعض يوم ألزم ما يلزمني للضروريات، وأهمها- عندي- طلب الماء البارد في ثلاث كلمات: طاندة، باني، لاو، والأولى معناها بارد، ولكن مخرج الطاء فيها من أغرب المخارج، والثانية معناها الماء، والثالثة معناها هات، ومن هذه الجملة تعلم صعوبة التركيب وغرابته في ذوق العربي، ومن اللطائف أن أستاذي في هذه الجملة هو ولدنا الفضيل حلّ به ما حلّ بي فحفظ ثمانين كلمة من الأوردية، فألّف منها قاموسًا غير محيط، وفتح الله عليه فأصبح معلّمًا لتلميذ واحد، هو أنا، ثم حفظت زيادة عن شيخي كلمة "برف" بفتح الأولين وسكون الثالث، ومعناها الثلج، ثم حفظت ثلاث كلمات ضرورية، وهي (أو) ومعناها تعال، و "جاو" ومعناها اذهب، و "جالدي" ومعناها أسرع، وأسعفتني الذاكرة بكلمة تركية حفظتها قديمًا ووجدتها هنا، وهي "نماز" ومعناها الصلاة، وحفظت "روطي" ومعناها الخبز، و"نماك" ومعناها الملح، ومن حصل الصلاة والماء البارد والعيش والملح فقد فاز فوزًا عظيمًا، وحفظت "بهوت" ومعناها كثير، و"امروز" بكسر الهمزة ومعناها اليوم، وسألت عن أمس وغد، لأجمع بين الأزمنة الثلاثة، فقيل لي: "كل" بفتح الكاف وسكون اللام، وإنه صالح لهما معًا، وأن الفرق بينهما موكول إلى السياق، فقلت دعوا هذه إلى السياق، إلى كلمات أخرى ظهر بها شفوفي على شيخي، وكم ترك الأول للآخر، وحفظت رقم غرفتي بالإنكليزية وهو: وان، تو، فايف، يعني مائة وخمسة وعشرين، فأصبحت بهذه الكلمات في أنس واطمئنان، ولذت فيما عدا ذلك بالسكوت، فإذا دخل عليّ زائر ولم يكن مترجم، حيّا، ورددت، وبش وبششت، ثم انقلبت سلكًا أفرغ من شحنته فلا سلب ولا إيجاب، ولكي أدفع عنّي عنَت التليفون إذا خلوت حفظت جملة بالإنكليزية معناها لا أتكلّم الإنكليزية، لا أتكلّم الأوردية.
...

جرت هذه الوقائع كلها في الأيام الثلاثة الأولى فقلت في نفسي: إذا كان هذا في الخصوصيات، وما أهونها، فكيف العمل في العموميات التي قطعت آلاف الأميال من أجلها؟ ولكن الله لم يطل أمد هذه المحنة، فاجتهد الإخوان في إحضار ترجمان عرفوه، في المؤتمرات، إذ كان يترجم خطب العلماء العرب إلى الأوردية، وهو بارع فيها، معدود من خطبائها، ويفهم العربية فهمًا جيّدًا، ويترجم الدينيات على الخصوص ترجمة دقيقة، وقد
(4/41)

زادت معارفه العربية بملازمتي شهرين زيادة كبيرة. هذا المترجم هو الشيخ محمد عادل القدوسي من المتخرجين في النهضة التي أشرنا إليها، والتي مركزها مدينة ديوبند، ومن القائمين على تصحيح الكتب العربية التي طبعتها الجامعة العثمانية بحيدر أباد دكن، ثم هاجر بعد الانفصال وحلول الكارثة بإمارة حيدر أباد إلى كراتشي، فأصبح ملازمًا لي لا يفارقني إلا ساعات النوم، يتولّى الترجمة بيني وبين الزوّار ويتولّى المخاطبات التيليفوية بالأوردية، ويسفر عني إلى رجال الدولة، وقد صاحبني في الرحلة إلى كشمير وخيبر ومدن باكستان، وترجم عني جميع محاضراتي ودروسي وندواتي الصحافية وأجوبتي وآرائي وتقاريري، ورزقي الله منه بتلميذ مخلص، ومترجم حاذق ورفيق مؤنس في السفر، وقد عرف في الأوساط كلها بالنسبة إليّ فأصبحت أعطف عليه كأقرب المنتسبين إليّ، وعزّ عليّ فراقه كما عزّ عليه فراقي، وقد أوصيت به خيرًا من أثق به من الإخوان، فهو رجل حييّ عفيف شريف النفس، أتت كارثة الهندوس على ما يملك من أسباب الحياة، فنجا بدينه وبَدَنِهِ وأولاده، كان الله له ويسّر له الأسباب.
...
____

بدء الأعمال العامة
____
صلّيت الجمعة الثانية في مسجد غير المسجد الذي صلّيت فيه الجمعة الأولى، وهو مسجد جديد منسوب إلى الشيخ احتشام الحق، أحد أعضاء مؤتمر العلماء الذي انعقد في فبراير الماضي، وأحد العلماء المعروفين بالقرب من مشربنا في الإصلاح الديني، وإحياء السنن الصحيحة، وفي هذا المسجد ألقيت أول محاضرة قبل صلاة الجمعة، وكان الشيخ القدوسي واقفًا إلى جنبي يترجم عني مقطعًا مقطعًا، وكان موضوع المحاضرة وظيفة العالم الديني في الإسلام، فشرحت وفصلت، وبيّنت فأبلغت، ووسمت العلماء بالتقصير في أداء الأمانة، والتفريط في قيادة المسلمين حتى قادهم من لا يحسن القيادة، فقادهم إلى الهلاك، وبيّنت أن وظيفة العالم هي التربية والتعليم، وشرحت كيفيتهما بعمله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه بعث ليعلّمنا ويزكينا، فتأثّر السامعون تأثّرًا دلَّ عليه وجومهم، وبدت آثاره على وجوههم، ثم قام الشيخ احتشام الحق فقرأ خطبة الجمعة بالعربية من كتاب، وكان موضوعها فضائل شهر رجب وأنه يصعد إلى السماء ويسأله الله عن أعمال عباده فيعتذر بأنه أصمّ، إلى آخر تلك المحاورة التي وضعها القصاصون بين الله وبين رجب، فلم أملك إلا الحوقلة والاسترجاع،
(4/42)

وحمدت الله على خفوت صوت الخطيب وجهل السامعين بالعربية، وإن هذا لمن المواطن التي يستحب فيها الجهل والصمم وكأن حضرة الخطيب جاء بتلك الخطبة شاهدًا لما وصمت به علماء الدين من إلهائهم للعامة بالقشور، وقد سبق التعارف بيني وبين الشيخ احتشام الحق أثناء الأسبوع الأول في دعوة عشاء بداره، وهو يحسن العربية فهمًا ونطقًا، ثم لم أجتمع به بعد تلك الجمعة، ولا أدري أينا الملوم.
ثم صلّيت الجمعة الثالثة في مسجد آخر، وألقيت قبل الصلاة محاضرة طويلة ترجمها المترجم فصلًا فصلًا، وكان التأثر بها عظيمًا، ولما فرغت طلب مني الإمام الراتب أن أخطب للجمعة وأصلّي بالناس، فخطبت خطبة الجمعة من غير ترجمة، ولكن إحساس المصلّين قام مقام الترجمة، فكان تأثّر، وكان خشوع، وكان اتصال روحاني بين السامع والمسموع، كل ذلك لأن حالة السامعين الحاضرة كانت هي الموضوع.
ثم صلّيت الجمعة الرابعة من إقامتي الأولى في كراتشي في جامع الميمن، وهو جديد لم يتم بناؤه ولم يسقف وإنما هو مغطّى بـ"قلوع " تدفع الحرّ، ولئن تمّ ليكونن أوسع مساجد كراتشي، والقائمون عليه هم تجّار الميمن، وهي طائفة مواطنها في شرق الهند، وهي أنشط طوائف مسلمي الهند في التجارة والتنقل في سبيلها، وقد حاضرت المصلّين كالعادة بالمترحم، وهم آلاف، فلما حانت الصلاة رغب إلي إمامهم وكبراؤهم أن أخطب للجمعة وأصلي بالناس، وهم لا يشترطون في الإمام الاستيطان، ولا في الجامع السقف، فخطبت وصلّيت. ولما كانت هذه المحاضرات وهذه الخطب الجمعية كلها وصفًا لداء المسلمين ودوائهم، كان التأثّر بها عظيمًا، وإن حالة المسلمين اليوم قد أصبحت من شدّة الوضوح مما يستوي في معرفته العالم والجاهل، وإن مسلمي باكستان والهند عمومًا ليزيدون على طوائف المسلمين التي عرفناها بشدّة التأثّر وسخاء الدمع إذا سمعوا كلام الله أو سمعوا التذكير به، لا سيّما إذا كان بالعربية ولو لم يفهموها، لما وقر في نفوسهم من علاقتها بالوحي والنبوّة وأنها لسان محمد وهم يحبونه، ولغة الجنة وهم يحبّونها ويتمنّونها، ولا عجب في تأثّرهم بما لا يفهمون فقد يطرب سامع الموسيقى إلى حدّ الخروج عن الاعتدال، وليس فيها شيء يفهم ولا يترجم، إنما هو فيض روحاني المأتى، فهو فوق العبارات، فلا تحدّه معاني العبارات، ولا يتوقف عليها.
ألا إن مسلمي باكستان والهند لينفردون بخاصية، سمّيتها بعد التأمل والدراسة "القابلية" وأعتقد أن هذا هو اسمها الحقيقي، فقابلية الخير والصلاح والإصلاح فيهم ظاهرة السمات، فلو رزقوا الموجّه المسدّد، والمشير الحكيم، لسبقوا طوائف المسلمين كلها إلى غاية الخير التي نرجوها للمسلمين، ولَلَوَوْا الأعنة سراعًا إلى هدي القرآن، وقالوا للمتخلفين البطاء: الحقوا فقد سبقنا، والموعد بيننا وبينكم "محمد".
(4/43)

- 4 * -
____

كلمة حق
____
الأولى: كانت كراتشي قبل الانفصال ميناءً تجاريًا، تربطها بالهند كله سكة حديد مزدوجة، وتعمرها عناصر مختلفة، أغلبها من غير المسلمين، إما من الهندوس وهم الأكثر. وإما من المجوس وهم قليل، وإما من الشيعة الآغاخانية وهم الأقل، وهذه الطوائف الثلاث من أنشط خلق الله في التجارة والتمرّس بأساليبها، والتقلب في وجوه الاقتصاد، وللمجوس فيها بيوت نار، لأنهم حاملو الشعلة المقدسة من أرض فارس إلى الهند، وللهندوس فيها معابد برهمية، أما المسلمون فلم تكن لهم فيها مساجد تذكر، لأن السنود الذين هم أهلها والمحيطون بها من أبعد الناس عن التجارة وممارستها وإنما يقومون فيها بوظيفة العملاء المستهلكين، أو العمال والحمالين، والفلاحون منهم أشبه بفلاحينا في الجزائر، يكدحون لمصلحة الهندوس الذين يعاملونهم بالربا الفاحش، ومع الربا الفاحش أنواع من الرهن والاستيثاق، وكان سكانها نحو ثلاثمائة ألف، فلما انفصلت باكستان رأى بطل الانفصال محمد علي جناح وصحبه أن تكون هي العاصمة للدولة الإسلامية الجديدة، لوقوعها على البحر، ولتوسطها بالنسبة إلى العرض، ولبعدها عن الحدود الهندية، ولاعتبارات أخرى، وقد عارض السنود في ذلك لأنها عاصمتهم الإقليمية، ولولا عزمة منه- رحمه الله- لما تمّ جعلها عاصمة الدولة المركزية، فصمّم ونقل عاصمة السند الإقليمية إلى حيدر أباد السند، وكان الانفصال مصحوبًا بالمذابح التي كان الهندوس هم البادئين بارتكابها والإفحاش فيها، فتدفّقت على هذه العاصمة الجديدة وحدها نحو ثمانمائة ألف من مجموع الملايين التي هاجرت فرارًا من الموت، واستولت الحكومة الباكستانية على معابد الهندوس، ولكنها لم تصيّرها مساجد، فبدأ أهل الخير والإحسان يبنون المساجد في كراتشي حتى يجد هؤلاء المهاجرون أين يصلون، وأصبحت حركة بناء المساجد حركة شعبية كما أن حركة بناء
__________
* «البصائر»، العدد 199، السنة الخامسة من السلسلة الثانية، 1 سبتمبر 1952.
(4/44)

المساكن حركة حكومية، وهو توزيع معقول، ولكن حركة المساجد كانت على غير بصيرة، ودخلتها أغراض بعض العلماء الانتفاعيين فزادتها بعدًا عن حكمة المساجد، فكل واحد من هؤلاء يسعى لبناء مسجد يصلّي فيه هو وأتباعه، ويزين لهؤلاء الأتباع أن لا يصلوا في مسجد آخر، ولا خلف إمام آخر، وقد رأيت مسجدين بينهما عرض شارع تقريبًا، وكل واحد منهما مخصوص بطائفة، وكفى بهذا مفرقًا لكلمة المسلمين، وقد أنكرت عليهم هذا في بعض محاضراتي إنكارًا عنيفًا، وقلت لهم إن المساجد لله، وإنها جامعة لا مفرّقة، وإنه لا يحسن تعدّدها إلا تعدّد المحلّات وتباعدها، لا تعدّد العلماء واختلاف نزعاتهم، وإنه ما شتّت شمل المسلمين إلا ملوك الطوائف، ومساجد الطوائف.
هذه القضية من أكبر أسباب تشتيت المسلمين، ويزيد في شناعتها وقوعها في أمّة مقبلة على حياة جديدة ألزم شيء فيها جمع الكلمة، وسكوت علماء الدين عليها يعدّ جناية، فضلًا عن تشجيعهم لها، وهي بهذا الوضع مخالفة ومناقضة لحكمة بناء المساجد في الإسلام، ومباينة لذلك الأصل القطعي فيه، وهو أن المساجد لله.

الثانية: شاعت بين عامة مسلمي الهند من قديم الزمان عادة في تعظيم العلماء لم تقف مع طول الزمان عند الحدّ المشروع، بل جاوزت الحدّ المشروع والحدّ المعقول، والمبالغة في كل شيء مُفسدة لحكمته، مُذهبة لجماله، ونحن لا ننكر أصل التعظيم، لأنه مشروع ولأنه من البواعث على التعليم ولأنه شهادة من النقص للكمال، ولكننا ننكر المبالغة فيه، لعلمنا بأثرها السيّئ في تربية الأمّة، فهي إذا مدّت مدّها، وجاوزت حدّها، تنقلب في العامة ذلّا ومهانة وشعورًا راسخًا بالنقص حتى في الدنيويات المحضة، وتنقلب في غير الموفق من العلماء تعظّمًا وجبرية قد ينتهيان إلى التألّه، وعندنا أن السرّ في ظهور الشذوذات الغالية في الهند، واستسهال القفز إلى الحظائر المحظورة، يرجع إلى تغلغل هذه العادة في الأوساط العامية، فهي تنقلهم من المبالغة في التعظيم إلى سرعة التصديق بالمحال، وإلى قبول الدعاوى من المتنبّئين والمتألّهين، ولا يطول عمر هذه الدعاوى الشاذّة إلا بين الجماهير التي انطبعت على الغلوّ في التعظيم، فقد كان الزوال أسرع شيء إلى نحلة صالح بن طريف في برابرة المغرب، وإلى نحلة كرميته (أحمر العين) في الأحساء، وإلى نحلة الحاكم في مصر، وإلى نحلة المقنع الخراساني في الجبال، وما فيهن واحدة عاشت بعد موت صاحبها، إلا فيمن يطمع أن يكون مثل صاحبها، بل كانت تلك النحل هي سبب هلاك أصحابها.
أذكرني بمعنى هذا الكلام أنني كنت كلما خطبت في جمعة وهممت بالانصراف بعد الصلاة، اعترضني المصلّون من أول خطوة يقبّلون يدي ويضعونها على جباههم وأقفائهم ومنهم من يتمسّح بثيابي، ولقد صحت في الناس في أول مرّة، وقلت: يا قوم، هذا منكر، فلما لما يكفّوا، قلت: هذا حرام، فلم يزدهم ذلك إلا تهافتًا عليّ، ولو بقيت في المسجد
(4/45)

لبقي المصلّون كلّهم مرابطين ينتظرونني، وكان الأمر في الجمعة الثانية أشدّ، وكان في الثالثة أشنع لكثرة المصلّين في جامع الميمن، وكان صوتي بالإنكار في كلّ مرّة أعلى، ولكنه كان أضيع، وفي المرّة الأخيرة وجدت نفسي في شبه حلقة مفرغة من ورائها حلقات تزدحم وتتضاغط بحيث ما كدت أصل إلى الشارع حيث السيارة إلا والمؤذّن يؤذّن بصلاة العصر، ومن العجيب أن بعض العلماء- وكان يسايرني في تلك الضغطة- أنكر عليّ هذا الإنكار، وقال لي إنهم يحبّونكم، فهم يتبرّكون بكم، وأعجب منه أن مما ألهمته في تلك المحاضرة تقريع العلماء على تقصيرهم في التربية الاجتماعية، وسكوتهم على المنكرات حتى تعظم، وتأوّلهم للصغائر حتى تكبر، وقد فهمها هذا الأخ العالم مرّتين نصًّا وترجمة، ولما خرجنا ونجونا قلت لذلك الأخ: إن النفس لأمارة بالسوء وإن من مداخل الشيطان إلى النفس ما كنا فيه مذ الآن، إنه يصوّره بألف صورة ويزيّنه بألف معنى من معانيه، وافتتان الناس بالمرء يفضي إلى افتتانه بنفسه، ومن هنا أنكر ديننا الغلو حتى في الحب والبغض، ولو تكرّرت عليّ هذه الحالة مرّات لزالت عني مشقّتها بالارتياض والتعوّد، ولم يبق لي الشيطان منها إلا جوانبها الحبيبة إلى النفس، وهي أنها طاعة وانقياد وخضوع تلد الزعامة فالإمارة، فإن أنكرتها عجزًا أو تعفّفًا قفز بي إلى النبوّة فما فوقها، ومن عادة الشيطان أن يرتفع بعدوّه الإنسان إلى أعلى، ليكون الهبوط بقدر الصعود، وقلت لصاحبي: إن الصغائر في العامة تستحيل كبائر بالمبالغة فيها وبالسكوت عليها من العلماء وأهل الرأي.
...
____

الزيارات
____
زرت فخامة الحاكم العام لدولة باكستان السيد غلام محمد في مقرّه الرسمي، يوم 31 مارس سنة 1952 على الساعة الثانية عشرة والدقيقة العشرين، وكان المترجم هذه المرّة الأستاذ محمود أبو السعود من نوابغ الاختصاصيين المصريين في علوم الاقتصاد، ويحمل عدة شهادات عالية في علوم أخرى وله اطلاع واسع على الفقه الإسلامي، وفهم دقيق له، وهو يتولّى منصب مستشار بنك الدولة الباكستانية، وكانت الترجمة بيني وبين الحاكم العام بالإنكليزية، وفهمت من أول الحديث أنه مشغول الخاطر بالدستور الباكستاني الذي لم يتحرّر ولم يتقرّر إلى الآن، مع اشتغال المجلس التأسيسي به عدة سنوات، وما زالت الدولة جارية على بقايا القوانين الإنكليزية، والرأي العام ينادي بدستور إسلامي كامل تنبني عليه أحكام
(4/46)

إسلامية في الشخصيات والماليات والجنائيات، ومنها إقامة الحدود، ينادون بهذا ويتصوّرونه تصوّرًا مجملًا، والفقهاء منهم وعلماء الدين يتشدّدون في هذا ويشرحونه شروحًا نظرية تختلف باختلاف النزعات المذهبية من تقليد واستدلال، وهم يرون أن الرجوع إلى الأحكام الإسلامية هو الفرق بين العهدين، وما دامت الأحكام إنكليزية فلا استقلال، وهو كلام حق، ورأي سديد لو لم يكن مستندًا على النظريات، ونحن نقول ما هو أبلغ من هذا، نقول ما دام التعليم والكتابة في الرسميات بالإنكليزية فلا استقلال، فكيف بالدساتير والقوانين؟ والمثقفون يريدونه دستورًا مدنيًّا مقتبسًا من حالة الأمّة وتقاليدها، محقّقًا لرغائبها وضروراتها، ولا يتحمّسون فيما بدا لي للاستعارة من الدساتير الأجنبية كما فعل المصريون والأتراك الكماليون، ولا أدري هل هم مجمعون على هذا الرأي، لأنه لم يتح لي أن أحادث كل من لقيت منهم في هذا الباب، فإن كانوا مجمعين على هذا فهو من محامدهم، وسداد تفكيرهم، والذي عرفته- على الجملة- أن هذه الطبقة المثقّفة في باكستان ما زالت على شيء من التماسك مع الأجيال السابقة في الخصائص الموروثة، وما زالت على بقية من احترام الدين، فهي لذلك لا تجرؤ على مناهضة الرأي العام الإسلامي، ومما يختلفون به عن مثقّفينا أو مثقّفي اللغة الفرنسية أن روحهم إسلامية، وأنهم مطّلعون على أصول الإسلام وتاريخه وأبطاله، ولا سيّما السيرة النبوية والصحابة وآثارهم وخصائصهم، والحكومة حائرة بين الرأي العام والعلماء وبين ما يقتضيه الزمان من تساهل، والمجلس التأسيسي سائر بالقضية في تؤدة وبطء، ولعل من معاذير الحكومة في التروّي كثرة المذاهب الإسلامية، وأن أهل كل مذهب يريدون صوغ الدستور والقوانين التي تنبني على قواعده على قالب مذهبهم، والمسألة بسيطة إذا حكّم أهل المذاهب كتاب الله والمتّفق عليه من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعقّدة من جهة الواقع وهو أن مقلّدة المذاهب متعصبون لمذاهبهم، وإن خالفت الكتاب والسنّة بالاجتهادات المحضة.
فاتحني فخامة الحاكم العام بالكلام في هذه القضية، وقال: إن أقدر رجل على وضع قانون أساسي صالح للأمم الإسلامية كلها هو جمال الدين الأفغاني، لأنه عالم وحكيم وسياسي، وأنه درس تاريخه فلم يجده- سامحه الله- اعتنى بهذه القضية العظيمة، ثم تلميذه محمد عبده، وهو كذلك لم يصنع شيئًا، وتمنّى فخامة الحاكم العام لو أنني أكتب شيئًا في هذه القضية الجليلة وأعرضه عليه، وأن هذا يعدّ مني خدمة ذات قيمة للقضية، وإعانة للمشتغلين بها، فعلمت من حديثه على طوله أنه عامر الجوانح اهتمامًا بهذه المشكلة، فاعتذرت عن الشيخين بأنهما صرفا عنايتهما إلى الأهم من أحوال المسلمين في زمنهما، وهو التقريب بينهم، وإصلاح خللهم، وإعدادهم لينقذوا أنفسهم من أمرائهم المستبدين، ومن أعدائهم المتسلّطين، ولو تمّ هذا في زمنهما ولو في جهة مخصوصة، لكانت الخطوة الثانية الطبيعية هي هذا الدستور الإسلامي الذي تقصدونه، ولعلهما كانا يريانه أسهل مما نتصوّره
(4/47)

نحن الآن، وهو كذلك إذا خفّ تأثير المذاهب المفرّقة، واجتمع المسلمون على هدي الكتاب والسنّة، وهو ما كان يعمل له الإمامان.
...

وزرت رئيس الوزراء دولة خواجه ناظم الدين في مكتبه بالمجلس التأسيسي، فكان الحديث كله عن باكستان والإسلام والمسلمين، والجزائر وجمعية العلماء، وكان المترجم في هذه الزيارة أيضًا الأستاذ محمود أبا السعود بالإنكليزية، وقد زرت رئيس الوزراء بعد الرجوع من رحلة كشمير مرّتين، مرّة مع أعضاء مؤتمر الشعوب الإسلامية بعد أن أزلنا ظواهر سوء التفاهم بين الداعين إليه وبين الحكومة، وقدّمني إخواني المؤتمرون للكلام أمامه فتكلمت وترجم عني الأستاذ سليم الحسيني، ومرّة أخرى رفعت له فيها تقريرًا مفصّلًا مترجمًا إلى الأوردية في الشؤون الدينية، وكان المترجم بيننا الأستاذ أبا السعود أعانه الله، كفاء لما قدّمه لي من عون تزيد في قيمته حاجتي إليه، وجزاه عن أخيه الذي لا ينسى فضله خير الجزاء.
...

وزرت قبل الرحلة وزير الدعاية، ووجّهت له كتابًا باسم الأمم العربية على نزارة الحصص التي يعطيها راديو باكستان للغة العربية، وعلى قصر حصة القرآن وعدم تعدّدها، وقلت له: يسوء إخوانكم المسلمين والعرب أن تكون حكومة الهند أحذق منكم في فنون الدعاية، وأحرص على اجتذاب العرب بتوسيع البرنامج العربي، واجتذاب المسلمين بتعدّد حصص القرآن، فاعتذر بكثرة اللغات التي تحتّم عليهم الظروف السياسية أن يذيعوا بها إرضاء لطوائف داخلية، أو مجاورة، وقد وعدته بتسجيل أحاديث دينية واجتماعية استجابة لرغبة إدارة الإذاعة، ولكن الرحلة وما تبعها من أعمال وأشغال حالت بيني وبين إتمامها فسجّلت بعضها بصوتي، وأنا عازم على إرسال بعضها من العراق إلى الأستاذ كاظم الحيدري مدير القسم العربي ليلقيها نيابة عني، وقد وعدني الوزير بأنه يتدارك ذلك النقص الذي عاتبته فيه بالتدريج، بعد أن سلم بملاحظاتي وآمن بسدادها.
وزرت- قبل الرحلة أيضًا- حضرة محمد ظفر الله خان وزير الخارجية، في دار سكناه، وجدّدنا ذكريات اجتماعنا في باريس، وشكرته على مواقفه من القضايا الإسلامية، وسردت عليه الحوادث الدامية بتونس، وما يقوم به الاستعمار الفرنسي من استباحة وانتهاك وترويع، فوجدته حافظًا للوقائع والأماكن والأشخاص كأنه شاهدها، وأبدى لي تأثّره الشديد من مكتب الجامعة العربية بالقاهرة، وقال إنه طلب منهم أن يمدّوه بواحد أو باثنين من التونسيين المقيمين بمصر، العاملين في القضية، ليسترشد به مندوب باكستان في مجلس
(4/48)

الأمن في تنظيم التقارير وملفات القضية التونسية، وقال إن مكتب الجامعة وعده ذلك ولم يفِ، وحدّثته عن بعثة جمعية العلماء إلى مدارس باكستان- وهو حديث بدأته مع حضرته في باريس وأربعأناه إلى الاجتماع في كراتشي- فاتفقنا على الاجتماع بوزير المعارف وبحث المسألة معه، وكذلك كان، والوزير ظفر الله خان يفهم عني بالعربية ولا يغمض عليه إلا القليل، فنرجع فيه وفيما يجيبني به إلى الترجمان بالأوردية، وهو في هذه المرّة الشيخ القدوسي.
...

وزرت- بعد رجوعي من الرحلة- وزير المعارف، وكنت درست التعليم في الثانويات والكليات والجامعات في بشاور وفي لاهور (وهما مدينتا العلم) فبحثت مع وزير المعارف مسألة البعثة على ضوء تلك الدراسة، وبيّنت له الفائدة المرجوّة لأبناء الجزائر من الدراسة في باكستان، وما تستفيده الحكومة الباكستانية من الفوائد المعنوية، وما يستفيده التلامذة من الامتزاج، وكان ظفر الله خان حاضرًا معنا فدرسنا المسألة مجتمعين، وطلب مني وزير المعارف أن أكتب له بمعنى ما دار بيننا تقريرًا مختصرًا يتخذه أساسًا لعرض القضية على مجلس الوزراء بصفة رسمية، فكتبت التقرير في يومه وترجمته إلى الأوردية، وقدّمته له يوم 6 جوان 1952.
...

وزرت في نهاية الأسبوع الأول من وصولي إلى كراتشي صاحبة العصمة السيدة فاطمة جناح أخت المرحوم بطل الانفصال محمد علي جناح، قائد باكستان الأعظم، في دار أخيها التي كان يسكنها، فرحّبت وأهّلت، وسألتني عن الجزائر، وعن الإسلام فيها، وعن المرأة الجزائرية وحظّها من التعليم، وسألتني عن رأيي في المرأة المسلمة عمومًا، وأية الطرق التي يجب أن تسلكها للحياة بعد أن تبيّن أن حالتها الحاضرة فساد لها وإفساد لأمتها، ووبال عليهما معًا، فأجبتها بما خلاصته: إن المرأة المسلمة يجب أن تتعلّم، ويجب أن تتهذب، لكن بشرط أن يكون ذلك في دائرة دينها وبأخلاق دينها، وأن الإسلام ضمن لها حقوق الإنسان كاملة، وحاطها من جميع الجهات بما يجبر ضعفها الطبيعي، وأقرّها في أحضان البرّ والتكرمة بنتًا وزوجًا وأمًّا، وهي أطوارها التي تجتازها في الحياة، وحدّد لها الوظيفة التي حدّدتها لها الفطرة، وهي أشرف الوظائف الإنسانية بل هي الإنسانية في أول مراتبها، وأعطاها من الماديات والمعنويات ما لم تعطها شريعة سماوية ولا قانون وضعي، وألزمها أن
(4/49)

تتعلّم كما ألزم الرجل أن يتعلّم، لأنه سوّى بينهما في التكاليف، والتكاليف لا تؤدّى إلا بالعلم، وأوجب عليهما العشرة، والعشرة لا تصلح إلا على العلم وجعلها مغرسًا للنسل، وغارسة للخصائص فيه، ومتعهّدة له بالسقي والإصلاح، وكل هذا لا يتمّ إلا بالعلم، وإذا كانت تربية النحل والدود تفتقر إلى العلم، فكيف لا تفتقر إليه تربية الإنسان؟ فإذا جهلت المرأة أتعبت الزوج، وأفسدت الأولاد، وأهلكت الأمّة، وكان منها ما ترين، وهل يسرّك ما ترين؟ فقالت لا، وقد توسّعت في هذه المعاني ومثلت، فأعجبها الحديث فأحسنت الإصغاء، وظهر لي من تنازع الحديث أنها مهتمة بشؤون المرأة المسلمة، وأنها مطّلعة على التشريع الإسلامي المتعلّق بالمرأة، وكان رفيقي في هذه الزيارة إنعام الله خان، والمترجم الشيخ محمد عادل القدوسي.
...

وزرت في الأسبوع نفسه قبر المرحوم محمد علي جناح محرّر باكستان، ومعي جماعة كبيرة من أعضاء مؤتمر العالم الإسلامي، ومعنا السيد غلام رضا سعيدي، ممثّل المؤتمر في إيران، ومعتمد بنك الحكومة في طهران، وكان ضيفًا في كراتشي، وتعارفنا فلازمني أيامًا، وهو رجل فاضل عارف باللغة العربية مطّلع على آدابها محسن للنطق بها، ويحسن الإنكليزية جيّدًا والفرنسية قليلًا، وزرنا بعده قبر لياقت علي خان، وهما متقاربان في ساحة واحدة مسيّجة وفي أحد جوانبها ماء ومواضع للوضوء، وليس على واحد منهما قبة، وإنما هما مسنمان في ارتفاع نصف القامة، وعليهما ستور خفيفة من القماش الملوّن، وعلى كل واحد منهما مظلّة مستطيلة تقي الزائرين حرّ الشمس، وقد وضع الزوّار على كل قبر عددًا كبيرًا من المصاحف القرآنية.
انتابتني حين وقفت على قبر جناح حالة غريبة، لعلّ منشأها ما في نفسي للرجل من إكبار زادته دراستي لتاريخ حياته ولأعماله في تلك الأيام القليلة، فإنني ما زرت قبره حتى استكملت علم ما كنت أجهل من حياته، فجاش خاطري بأبيات، وأنا واقف على قبره، وأنشدتها بصوت متهدّج، فتأثّر الحاضرون، وكتبوا ما علق منها بالذهن على إثر الانصراف، وما ذكرت منها حين كتابة هذا الفصل إلا هذه الأبيات الثلاثة:
هنا شمس تَوارت بالحجاب … هنا كنز تغطّى بالتراب
هنا علم طوته يد المنايا … هنا سيف تجلّل بالقراب
هنا من معدن الحق المصفّى … يتيم في الجواهر ذو اغتراب
(4/50)

- 5 * -
____

بقية أعمالي في كراتشي
____
عقدت في أول الأسبوع الثاني ندوة صحافية في دار الأخ الأستاذ أبو بكر حليم، مدير جامعة كراتشي الآن، وجامعة "علي كرة" الشهيرة سابقًا، وهو من أعلى من رأيت في باكستان ثقافة، وله قيمة علمية ممتازة، واعتبار في جميع الأوساط الثقافية والحكومية، وهو رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر العالم الإسلامي، وهو الذي اختار أن تكون الندوة في داره، وأحضر الشاي والحلوى، ووجّه الدعوة باسمي إلى الصحافيين ونواب وكالات الأنباء، فلما اجتمعنا وزّعت عليهم منشورًا مطبوعًا مترجمًا إلى الإنكليزية بقلم الأخ محمود أبي السعود، وبيّنت فيه الوضع السياسي في شمال أفريقيا عمومًا وفي الجزائر على الخصوص، وقضية الإسلام وأوقافه ومساجده وأحكامه في الجزائر، ثم شرحت لهم بلساني تلك المجملات وخصّصت تونس بكلام مؤثّر، وفتحت الباب للأسئلة فسألوا وأجبت، وكان الأستاذ أبو السعود يتولّى الترجمة عني إلى الإنكليزية، ومن لطائفه- حفظه الله- أنني سقت في معرض الحديث آية من كلام الله لها مرمى بعيد، وفيها للعقل مجال، فصاح بي: يا أخي إنني هنا أترجم عنك لا عن الله، إنني أستطيع ترجمة كلامك وإن علا، فأما كلام الله فلا، ومما استحسنته في أصحاب الجرائد ومندوبيها- وكلهم من الشبان- أن معظمهم يحسن الاختزال، فقد كتبوا أجويتي مع طولها في أسطر قلائل، ويظهر لي أن وكالة الأنباء الباكستانية الداخلية على حظ وافر من التنظيم، فقد كانت تنشر أخبار رحلتي من راولبندي أو بشاور فتقرأ في اليوم الثاني في جميع جرائد باكستان، وهي مئات.
...
__________
«البصائر»، العدد 200، السنة الخامسة من السلسلة الثانية، 8 سبتمبر 1952.
(4/51)

أقام لي معهد اللغة العربية حفلة تكريمية، واستدعت إدارته جميع تلامذته وتلميذاته فجلسن من وراء حجاب، واستدعت كثيرًا من العظماء والوجهاء وحضرها مدير الجامعة الأستاذ أبو بكر حليم والسيد غلام رضا سعيدي الإيراني، وتكلّم أربعة من التلامذة في الترحيب بي باللغة العربية فكان نطقهم صحيحًا فصيحًا، يدلّ على صحة رأيي الذي صرّحت به في جميع المجالس بباكستان، وهو أن تعلّم العربية في الكبر لا يأتي بالفائدة المطلوبة وهو الذي جعل أكابر العلماء لا يحسنون النطق بها مع فهمهم الدقيق لها، وأن تعلّمها في الصغر هو الذي يمكّن لها في الألسنة، ثم يأتي الفهم بعد ذلك، وكان في التلامذة الذين تكلّموا تلميذ بورماوي مهاجر، وتلميذ جاوي، ومما يلاحظه الدارس للهجات الموازن بينها أن الجاوي أقرب إلى اللهجة العربية من غيره، فهو ينطق الحاء العربية والعين من مخرجهما الصحيح كما ينطقهما العربي الأصيل، بخلاف الباكستاني فإنه لا يستطيع النطق بهما البتة، بل ينطق العين همزة، وينطق الحاء هاء في غير الألفاظ المتداولة كالحمد لله، والكلمات العربية في الأوردية أكثر من الكلمات العربية التي في الجاوية، ولكن الجاوي إذا نطق بالكلمة العربية في أثناء حديثه، تدرك من أول سماعها أنها عربية لوضوح مخارجها في لسانه بخلاف الباكستاني، وأنشد التلامذة مجتمعين عدة أناشيد بالعربية منها نشيد إقبال مترجمًا فأجادوا، وأعلن مدير المعهد أن هذه الليلة عربية، ولا حظ للأوردية فيها، وكان الحماس للعربية متأجّجًا في التلاميذ فأعدى الحاضرين كلهم، وطلبنا من السيد غلام رضا سعيدي أن يلقي كلمة بالعربية ففعل فجاءت صحيحة فصيحة بليغة، وقال إن هذه هي المرّة الثانية من مرّتين خطبت فيهما بالعربية، وخطبت في الأخير في موضوع التعليم ومنزلة العربية بين الأمم الإسلامية، وأملى علي الجو كلامًا قويًّا عاليًا، وهي أول خطبة عاودتني فيها عادتي من الانطلاق بعد خطب الجمعة، إذ لم أكن فيها مقيّدًا بترجمان، والترجمة المقطعة- وإن كانت تريح وتعطي الوقت للتفكير- تذهب بجمال الارتجال، وتقف في طريق الاسترسال، فهي لفرسان الخطابة تبريد وكبح، ومما قلته في هذه الخطبة: إن اللغة العربية ليست لغة العرب حتى توضع في موازين الترجيح وتتعاورها العصبيات بين جنس وجنس، أو تعلو إليها الأنظار الشعوبية، ولكنها لغة القرآن، وخيرة الله لكتابه، وإذا كان للعرب عدوّ أو منافس ينازعهم المفاخر، أو يجاذبهم المحامد، أو يغضّ منهم، أو ينكر عليهم، فليس للقرآن عدوّ بين المسلمين، وعدوّ القرآن ليس من أمّة القرآن. ففي هذه المنزلة أنزلوا هذه اللغة، وعلى هذا الأصل فخذوها، فكان لهذه الكلمة نفوذها وأثرها في نفوس من فهموها.
يدير هذه المدرسة الأستاذ محمد حسن الأعظمي (من مدينة أعظم كره بالهند، لا من أعظمية بغداد كما يُتوهم) وهو رجل نشيط في أعماله وممّن يحسنون العربية فهمًا وكتابة، وقد جاور في الأزهر سنوات، ومازج الأدباء والكتّاب، ولو قُدّر له أن يرحل إلى الأزهر وهو
(4/52)

صغير لكملت فيه ملكة النطق وظاهرت ملكة الفهم والكتابة، فكان منه عربي كامل، وقد انتقدت عليه تسمية هذه المدرسة بالكلية، لأنها لم ترقَ إلى هذه الدرجة، وإنما اسمها الصحيح معهد اللغة العربية، وأن التساهل في الأسماء كالتساهل في الأفعال كلاهما قبيح وكلاهما يحدث سوء القدوة، وما أحقّنا بالتزام الواقع واحترامه وتسمية الأشياء بأسمائها، وأن الاسم لكالثوب، إن قصر شان، وان طال شان.
____

حفلة جمعية علماء باكستان
____
وهي غير جمعية العلماء التي أقامت مؤتمر شباط الماضي في كراتشي، فهذه التي نتحدّث عليها أقدم في التأسيس، ولكنها لا عمل لها، ويوشك أن تكون الجديدة مثل القديمة، فليس لواحدة منهما برنامج إيجابي واقعي واضح الحدود، وليس في واحدة منهما عالم نشيط يتبع المقرّرات بالتنفيذ، ويجعل الجمعية حيّة تتحرّك دائمًا.
يرأس هذه الجمعية القديمة الشيخ عبد الحامد البدايوني القادري، ولها فرع أو أصل في لاهور اجتمعت برئيسه وهو خطيب في جامع وزير خان وله رسائل كثيرة بالأوردية، أهداني نسخًا منها، وهو يصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه (مالك الناس) وجمعيتهم نائمة لا تستيقظ إلا في الموالد أو في بعض المناسبات التي تصحبها ضجة عامة، وقد دعت الجمعية الجديدة إلى مؤتمر شباط الذي أشرنا إليه (ولم يقدر لي الحضور فيه) وكان مؤتمرًا قويًّا إلا في المناسبة التي جعلوها سببًا للدعوة إليه، وهي مضيّ سنتين على وفاة العالم البطل الشيخ شبير أحمد العثماني- رحمه الله- فإنها مناسبة ضعيفة كان الأولى أن تكون ثانوية تابعة لا سببًا، وأقوى ما في ذلك المؤتمر إسناد رئاسته إلى الشيخ سليمان الندوي، وهو عالم جليل يجمع بين العلم ووقار العلم، ولكنه شيخ مسنّ، يشرف ولا يصرف، وقد حرّك ذلك المؤتمر الجمعية القديمة فدعت هي أيضا إلى مؤتمر ينعقد في شهر ديسمبر الآتي. وسنتكلم على الجمعيتين في حديثنا عن الجمعيات، وعن المؤتمرين في كلمتنا عن المؤتمرات فليرتقبهما القرّاء.
استجبت الدعوة إلى هذه الحفلة في مركزها، وقرأ مقرئهم آيات من كلام الله، فكان أحسن أداء وأشجى نغمة من كل من سمعتهم في باكستان، وأنشد شاعر مسنّ قصيدة بالأوردية في الترحيب بي وفي تمجيد جمعية العلماء الجزائريين بأعمالها، ووزعوا على الحاضرين خطبة مطبوعة بالعربية في الترحيب بي، ثم تلاها الرئيس، وفيها أن جمعيتهم تحتفل بالموالد، وتحتجّ في مثل قضيتي فلسطين وتونس، وفي هذه الخطبة الدعوة إلى مؤتمر
(4/53)

ديسمبر الآتي، ورجاء أن أرأس جلسته الثانية (أو إحدى جلساته) وأن سماحة مفتي فلسطين قبل أن يرأس الجلسة الأولى، الخ.
أثّر فيّ ذلك الشاعر المسنّ بسنّه وشيبته وصوته المتهدّج، وشجاني منه ما شجا أبا تمام من الغناء الأعجمي، فشكرته شكرًا معتصرًا من قلبي وإن لم يفهم هو أيضًا ما أقول، وتخلّصت إلى المعاني العامة التي هي سرّ رحلتي، وشرحت وظيفة العالم بما تفهم منه أعمال الجمعيات ووظائف العلماء، وأعرضت عن تلك الجزئيات التي تضمّنتها خطبة الترحيب، لأن زمنها غير قريب، ولأنه ليس من العدل ولا من العقل أن يقطع علماء الإسلام الآلاف من الأميال، وينفقوا عشرات الآلاف من الأموال، ليحضروا مؤتمرًا يقرّر عليهم إقامة حفلات الموالد، كأنه لم يبقَ للمسلمين من المصالح إلا هذا ... ويا ضيعة الأعمار ...
...
____

رحلتي إلى كشمير والدواخل
____
كانت هذه الرحلة غاية التقت عندها رغبتي ورغبة الحكومة، فأنا رحّالة دارس لأحوال المسلمين، ومن أراد أن يعرف باكستان فلا يعرفها من كراتشي. إن كراتشي لا تبلّ غليلًا، ولا تشفي عليلًا، وفيها ما في العواصم مما يضلّ ويزلّ، وفي باكستان عواصم تاريخية، وجوامع أثرية، وجامعات علمية، ودور كتب، وآثار مجد قديم، وعلماء، وآراء وطبائع، وعادات، وأجناس، ولغات، وعناصر أخرجها الاحتكاك عن مجاريها، ومناظر تسحر، وأودية تزخر، فلا يتمّ الغرض من الرحلة إلا بالتقصّي والاستيعاب، وهناك مشكلة كشمير، والآراء في حلّها مختلفة، والنقد متطاير من عدّة جهات إلى الحكومة، وهناك مشكلة الحدود، والخلاف عليها مستحكم بين دولتين إسلاميتين، ولكلتيهما آراء، فيهمني أن أدرس المشكلتين في موضعهما من الأرض، وفي موضوعهما من الناس، فأستفيد شيئًا لنفسي، تتّسع به مداركي، وتزيد به معارفي، وشيئًا آخر لقومي إذا كتبت لهم أو تحدّثت، وشيئًا آخر يثقل به ميزاني عند الله، من كلمة نصح أقدمها للحكومتين، وكلمة حق أنشرها للأمم الإسلامية، ولي لسان ولي عقل ولي قلم، أربعو أن لا أضرّ بها إذا لم أنفع.
وحكومة باكستان يسرّها أن يطّلع أصحاب الأقلام والأفكار من المسلمين على الحقائق، فينشروا دعايتها، وينصروا دعواها، ويكونوا إلى جانبها في قضية كشمير، ووسطاء خير على الأقل في قضية قبائل الحدود، وهي على حق في هذا كله.
(4/54)

والحكومة الباكستانية خصّصت لكشمير إدارة مدنية كاملة، رئيسها في مظفر أباد، العاصمة الجديدة لكشمير الحرّة، ولها نيابة في كراتشي، وأخرى في راولبندي التي هي باب كشمير، وقد قامت نيابة كراتشي بتنظيم رحلتي وترتيب الإجراءات اللازمة لها، واتصلت بنيابة راولبندي، وبالعاصمة (مظفر أباد)، فكان كل شيء من لوازم الرحلة منظّمًا مرتّبًا بصفة رسمية، وخيّروني بين الطائرة والقطار، فاخترت القطار وأنا أعلم ما فيه من عناء ومشقّة، مع بعد الطريق، ولكنني آثرته لآخذ في ذهني بواسطة الرؤية صورة من هذا الوطن الطويل، لا تتأتّى لراكب الطائرة، واتفقنا على اليوم والساعة فكان كل شيء في ميعاده.

- 6 * -
____

بقية أعمالي في كراتشي
____
خرجت من كراتشي- ومعي الشيخ محمد عادل القدوسي المترجم- على الساعة السادسة من صباح يوم الثلاثاء خامس عشر أفريل، فتكون مدة إقامي في كراتشي خمسة وعشرين يومًا صحيحة، مضى أسبوع منها في أنس ومطارحات أدبية مع الإخوان الأستاذ المفتي الأكبر والوزراء العرب: الخطيب وعزام والأميري وولدنا الأستاذ الفضيل، ثم افترقوا ولم يبقَ إلا الخطيب وولده الأستاذ فؤاد، وكفى بهما أدبًا وجاذبية وكرم نفس ورقّة شمائل، وحسن افتقاد لي، ومضت الأيام الأخرى في الاجتماعات والمقابلات وكتابة المذكّرات، ولم أتبرم فيها بشيء ما تبرّمت بشدّة الحرّ، ولولا أن ليل كراتشي يصلح ما يفسده يومها لكانت الحياة فيها مزعجة، هذا ونحن في الربيع، فكيف إذا هجم الصيف؟ وقد رأيناها في الصيف فكنا نترقّب الليل وطراوته كما يترقّب الصائم المغرب، وكنت أتربص بالكتابة الليل فأجد في برودته وهدوه وخلوه من الطارقين أعوانًا على النشاط لها وصفاء الذهن.
__________
* «البصائر»، العدد 201، السنة الخامسة من السلسلة الثانية، 15 سبتمبر 1952.
(4/55)

كان الجو في يوم السفر حارًّا كعادته وزادته رمال "السند" السافية حرارة وشدّة، فلما جاوزنا إقليم السند بعد نحو سبع ساعات قابلتنا أتربة إقليم "الملتان" فلما جاوزناها واجهتنا أتربة إقليم "البنجاب" ولقينا في يومنا وليلتنا العناء من هذه السوافي التي ليست من صنع الريح، وإنما تثيرها سرعة القطار، وليست سرعة القطار إلا السرعة المعتادة عندنا أو أقلّ، ولكن تهيُّل هذه الأتربة وخفّتها بسبب الحرّ هي التي سهّلت اثارتها بأدنى محرّك، بدليل سكونها في آخر الليل حينما بردت فثقلت، ولا دواء لهذه العلّة إلا تشجير هذه السهول الواسعة بالغابات المثمرة وغير المثمرة وبالبقول والبرسيم، والإلحاح عليها بماء السقي حتى تسكن وتستقرّ، ثم زرع نبات "النجم" على حفافي السكة، فلا يقهر هذه الأتربة غيره، وليست هذه العميلة الأخيرة بالشيء العسير، ولقد رأينا هذا النبات (وهو النجم) مزروعًا في حدائق كراتشي العامة، وفي حدائق القصور الخاصة فرأيناه مستحلسًا كعادته يجمل الأرض بخضرته وتناسبه، ويمسك التراب أن يثور.
مررنا بحيدر أباد، وبهاولبور، ولاهور، ولم نقف فيها إلا بمقدار ما وقف القطار، لأن غايتنا كشمير، أما هذه المدن فهي في آخر البرنامج.
ومررنا ببعض أودية البنجاب العظيمة النابعة من سفوح جبال كشمير، وسنتحدّث عنها وعن هذه المدن في محلّها من هذه الحلقات.
وصلنا إلى راولبندي على الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الأربعاء سادس عشر أفريل، فنكون قد قطعنا المسافة في ثلاث وثلاثين ساعة متتابعة لم يتخلّلها نزول ولا راحة، وقطعنا فيها باكستان طولًا إلى قرب حدود الهند من الشمال الشرقي، وكنا محاذين لحدوده الجنوبية على طول الطريق نقرب منها ونبعد عنها بنسب متقاربة، ولقد كانت السكة الحديدية متصلة بالهند من عدّة جهات، ولكنها انفصلت مع الانفصال، فضاعت بذلك فوائد اقتصادية عظيمة على الوطنين.
قطعنا ألفًا وخمسمائة كيلومتر في سهل واحد ليس فيه جبال ولا روابٍ إلى مدى ما تنتهي إليه العين، ومما يؤسف له أن هذه السهول كلها خصبة التربة وتشقّها أنهار البنجاب العظيمة وترعها المنفصلة عنها، وكل ترعة تكون نهرًا عظيمًا، ومع ذلك كله ... فإن المساحات الواسعة منها ما زالت بورًا، والحقول القليلة المزروعة قمحًا أو قصب سكر أو برسيمًا تظهر فيه كالنقط، وكيفية الفلح ما زالت بدائية عتيقة تعتمد على الجاموس في الحرث والنقل والدِّرَاس، ومع ضعف الفلاحة وقدم أساليبها فإن إقليم البنجاب ينتج مقادير عظيمة من القمح والأرزّ تزيد كثيرًا على الاستهلاك المحلّي، وقد رأيناهم يحصدون القمح في أواسط أفريل، فهم سابقون حتى لإقليم بسكرة عندنا، فلو ترقت الفلاحة عندهم وانتظمت
(4/56)

المواصلات التجارية لغمروا أسواق العالم بالقمح قبل أن تحضر قموح روسيا وشمال إفريقيا بشهور، ومن هيّأ الله له أدوات السبق ولم يسبق فهو محروم.
...

وصلنا راولبندي ووجدنا ممثلي كشمير في انتظارنا، وبتنا بها ليلتين، ألقيت في الثانية منهما درسًا في المسجد قبل صلاة الجمعة، واجتمعت بصديقنا على الغيب الأستاذ مسعود عالم الندوي، وفي صباح يوم السبت ركبنا سيارة خاصة لحكومة كشمير، وصحبنا ضابط اتصال شاب من الإدارة الخاصة بكشمير، وقد قرّروا أن نذهب من طريق، ونرجع على طريق آخر، لنشاهد جهتين من جبال كشمير الشاهقة ومن السلاسل المتصلة بها، واختاروا الذهاب على طريق "مرى" والرجوع على طريق "ايبت أباد" وهي أطول الطريقين.
سرنا بضعة عشر كيلومترًا في سهل قبل أن نصل إلى سلسلة جبال جرداء، تظهر للعين من راولبندي، وليست هي من جبال كشمير ولا قريبة منها، ثم دخلنا واديًا فيه قليل من الماء والأشجار المثمرة، وأخذنا في الصعود، وبدأت المناظر تختلف وتتلوّن، والمتعرّجات تتقارب وتتصاعد، ونحن ننتقل في كل خطوة من صحيفة تطوى إلى صحيفة تنشر، فننتقل من جميل إلى أجمل: شعاب وأودية وغابات من الصنوبر منقطعة، وقرى متناثرة هنا وهناك، متصاعدة مع الجبل، تحيط بها حقول من الشعير قليلة العرض جدًّا، ولكنها مستطيلة لأنها تابعة لوضعية الجبال، وإن الناظر ليعجب لهذه القرى كيف يتأتّى لها الصعود والهبوط والاتصال بالعالم، ولعلهم لارتياضهم على هذه الحياة تعوّدوا الاستقلال فيها، وقد يرتفقون ببعضهم فيما تدعو الضرورة إلى الارتفاق فيه، وان جبالهم لمتناوحة، يكاد إذا صاح أحدهم أن تردّد الجبال صدى صياحه فيسمعه الناس كلهم، وما زلنا مأخوذين بهذا السحر حتى انتهينا إلى قمة "مرى" بعد سير أربع ساعات كلها صعود ومنعرجات مدهشة مَخُوفة.
وقمة "مرى" ترتفع عن سطح البحر بسبعة آلاف قدم، فيما أخبرني به ضابط الاتصال (ألفان ومائتا متر وزيادة) وتحيط بهذه القمة غابات عظيمة من الصنوبر، وقد بني فيها من عهد الإنكليز عدة مرافق للمسافرين من فندق تتبعه مقهى ومطعم، وبها بيوت خاصة لسكنى الأسر، وغالبها من الخشب، ولكنها جميلة، فاسترحنا بها قليلًا وشربنا الشاي، وتمتعنا بالماء البارد بالطبيعة، وقد ذكرني بماء سطيف وشريعة البليدة وقنزات، ثم واصلنا السير وبدأنا في الانحدار من أول خطوة، كأننا كنا على مثل روق الظبي كما يقول المعرّي، واستدبرنا الصفحات التي كنا نراها، واستقبلنا صفحات أخرى من قمم وغابات متقطعة وقرى متقاربة وحقول قمح وشعير تظهر كالسطور في اللوح لضيقها واستطالتها، وتدرّجها من أعلى
(4/57)

إلى أسفل، وقد يبتدئ أول سطر من أعلى جبل وينتهي آخر سطر في حافة الوادي، وما أعجب هذا المنظر وما أجمله، لكأنك ترى فيه ميزانًا "تيرمومتر" إلهيًا بديعًا لِدَرَجات الحرارة، فترى- في صفحة واحدة- السطر الأخير على ضفة الوادي أصفر السنابل، علامة النضج والافراك، ترى الذي هو أعلى منه أقل منه في ذلك، وترى ما هو أعلى منهما لأول ما بدت سنابله وامتازت من الورق، وترى الذي هو أعلى منها دونها في ذلك، حتى تقع عينك على الحقل الأعلى فإذا هو أخضر نضر لم تتكوّن فيه القصبات ولا الكعوب، كأظهر ما يكون الفرق بين منطقتين متباعدتين عندنا في الجزائر، أو كمن يستدبر بسكرة ويستقبل باتنة في سني تبكيرها وخيرها، وهذا كله وأنت لم تعد مرمى بصر، في صفحة جبل، ولعمري إن هذا لأجمل منظر رأته عيناي في حياتي كلها.
وتراءت لنا- ونحن في هذه المنحدرات العجيبة- قطعة من وادي مظفر أباد، الذي يفصل باكستان عن كشمير، ويمرّ على قرية "جهلم" فيسمّى باسمها، فإذا هو كالثعبان ينساب ويلتوي بين تلك الجبال الشاهقة قوّيًا هدّارًا، ففرحنا بقرب الخروج من تلك المنحدرات، كما أخبرني ضابط الاتصال، ثم وصلنا القنطرة الحديدية الهائلة، وسلكنا من الوادي ضفّته اليسرى بالنسبة إلينا حتى وصلنا قرية مظفر أباد، وهي واقعة على ضفة هذا الوادي، لأول ما خرج من الجبال مغربًا واتجه إلى شبه الجنوب، وقد اتصل به واديان عظيمان أحدهما من الغرب والآخر من الشرق، تحت مظفر أباد، أحدهما على بعد نحو ميل منها أو أقلّ، والغربي على أبعد من ذلك قليلًا، فأصبح بهما نهرًا ذا غوارب، وزاده الانحدار روعة بالهدير والتراكب.
...

قد سلكت طرق الجزائر الجبلية بالسيارة، وإن منها الرائع المخيف، فما داخلني من الخوف ما داخلني في طريق "مرى" صعودًا وهبوطًا، فما أدرى أللغربة والغرابة دخل في ذلك؟ أم هو الحرص على الحياة، يقوى فيمن تتقدم به السن فتدنو من الآخرة مراحله.
(4/58)

أخوة الإسلام *
بسم الله والحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
أيها المستمعون الكرام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
أنا سفير من سفراء الإسلام، الناطقين بكلمته، الناشرين لدعوته، المسيرين باسمه، المضطلعين بأمانة الله في أهله، وهي التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر والرحمة.
وأنا بحكم هذه السفارة أحمل تحيات أهله في المغرب الإسلامي، إلى إخوانهم في المشرق الإسلامي، وما أجمل كلمة "أخوة الإسلام" وما ألذّ وقعها في نفوس المؤمنين الصادقين، وما أشدّ شوقهم إلى تحققها في عالم الواقع، وما أضيع حقيقتها بين جمهرة المسلمين، وما أبعدها عن قلوبهم وبصائرهم، وما أكثر دورانها على ألسنتهم لغوًا ورياءً وليًا بغير الحق، في هذا الوقت الذي ضعفت فيه سيطرة القلوب على الألسنة، فانقطعت الصلة بينهما، فأصبح اللسان في حل مما يقول.
إن المسلمين إخوة بحكم الله، ولكنهم اتّبعوا خطوات الشيطان، فكان جزاؤهم أنه كلّما تقاربت بهم الديار باعد بينها الاستعمار، وأن يناموا في الزمان اليقظان فلا ينتبهوا إلا على طروق الغارات، والتداعي لأخذ الثارات، وها هم أولاء قد تأخروا عن قوافل الحياة، فهم من حياتهم في مفازة طامسة الأعلام، يعملون للغاية وهم مستدبرون لها، ويلتمسون الهداية من مطالع الضلال، ويطلبون الشفاء بأسباب المرض، ويبحثون على الدليل الهادي وهو معهم، ولكنه على ألسنتهم لا في قلوبهم، فما أحوجهم- وهم في هذه الحالة- إلى سفراء يسفرون بينهم بتحية الإسلام والتحية بريد الأمان والاطمئنان، ثم بالتعارف، والتعارف
__________
* كلمة أُلقيت بإذاعة باكستان، أفريل 1952.
(4/59)

وسيلة التعاون، ثم بالتوحيد والاتحاد رائد القوة، ثم بالتوجيه السديد إلى الغاية المنشودة وهي العزة والسعادة.
إن المسلمين كثير، ولكن التفرّق صيّرهم قليلًا مستضعفين في الأرض، يشقون لإسعاد غيرهم، ويموتون في سبيل إحياء عدوّهم، وانها لخطة من الهوان يأباها أكثر الحيوانات العجماء، فكيف الخلائق العقلاء.
لو صدقت نسبة المسلمين إلى الإسلام، وأشربوا في قلوبهم معانيه السامية ومُثله العليا، واتّخذوا من كتابه ميزانًا، ومن لسانه العربي ترجمانًا، واتّجهوا إلى هذا الكتاب الخالد بأذهان نقية من أوضار المصطلحات، وعقول صافية لم تعلق بها أكدار الفلسفات، لسعدوا به كما أراد الله، ولأسعدوا به البشر كما أمر الله، ولأصبح كل مسلم بالخير والصلاح سفيرًا، ولكان المسلمون في أرض الله أعزّ نفرًا وأكثر نفيرًا، ولكان التقاء المسلم بالمسلم كالتقاء السالب بالموجب في صناعة الكهرباء ينتج النور والحرارة والقوة.

أيها المستمعون الكرام:
أنا في رحلة استطلاعية إلى الأقطار الإسلامية، وقد مررت بمصر وأنا على نية العودة إليها إن شاء الله.
والغرض الأول الأهم من هذه الرحلة هو دراسة أحوال المسلمين في مواطنهم، والتعرّف إلى قادة الرأي فيهم بالعلم والحكم، والامتزاج بمجتمعاتهم، حتى أتبيّن الحقائق مشاهدة وعيانًا، لأن الأخبار التي تصلنا عن إخواننا النائين عنا تصلنا غامضة مختصرة، أو مطوّلة مستفيضة، وكلا الطريقين مشوه للحقيقة، مصوّر لها بغير صورتها، خصوصًا في هذا الزمان الذي أصبحت الأخبار فيه سلعًا تُباع وتُشترى على أيدي سماسرة يعوجون المستقيم، ويروّجون للسقيم، تبعًا لأغراض ليس شيء منها في مصلحتنا.
والغرض الثاني من هذه الرحلة هو التعاون بجهد المقل مع أولئك القادة في شخيص أمراض المسلمين المشتركة، والبحث عن وسائل علاجها، ورد الآراء المتفرقة فيها إلى رأي جميع وكلمة سواء، حتى يكون العلاج أسهل وأقرب نفعًا، ثم تمكين أسباب التعارف بين قادة المسلمين، وإن أشبه هؤلاء القادة لي، وأقربهم مسافة فكر مني هم علماء الدين الإسلامي، فهم محل الرجاء في إصلاح أحوال المسلمين إذا صلحوا، وهم أنفذ أثرًا في هدايتهم وإرجاعهم إلى هدي محمد وأصحابه وإلى التخلّق بأخلاقهم المتينة التي سعد المسلمون بالتخلّق بها قديمًا، وشقوا بالتخلّي عنها حديثًا، حتى وصلوا إلى هذه الدركة التي لا يحمدون عليها ولا يحسدون، وما دخل عليهم الشر إلا من هذه الثغر الأخلاقية التي فتحها التحلّل من القيود، ووسعها الاسترسال في شهوات العقول والجوارح.
(4/60)

إن هذه الطائفة الحاملة لِلَقب "رجال الدين الإسلامي" هي من الأمة الإسلامية كالقلب من الجسد، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، كما ورد في التمثيل النبوي البليغ.
وإن عليهم قسطًا عظيمًا من تبعة هذا الانحطاط الشامل للشعوب الإسلامية، لأنهم فرّطوا- من قرون- في القيام بواجبات العالم الديني في الإسلام، وأول تلك الواجبات وأولاها حراسة هذا الدين أن تزيغ عقائده عن مستقرّها من القلوب فتخلفها الوثنية، وأن تختل هدايته السماوية، فتسف بها المادة إلى الحيوانية، وأن تخضع أخلاقه للشهوات فتضيع معانيها وآثارها.
إن العالم الديني في الإسلام حارس، والحارس إذا نام دخل اللص، والعالم الديني راع، والراعي إذا غفل هجم الذئب، والعالم الديني ربّان، والربّان إذا لم يأخذ الحيطة غرقت السفينة، والعالم الديني قائد كتائب فإذا عداه الضبط اختلّت الصفوف وحلّت الهزيمة.
أكبر مُناي في هذه الرحلة أن ألقى من يتيسّر لي لقاؤه من إخواني وزملائي، وأن نتبادل الرأي بأمانة الإسلام وإخلاص المسلم، في علاج هذه العلل التي خصّت المسلمين وأصبحوا فيها مضرب المثل في هذا العصر الذي أصبحت العزّة فيه دينًا يعتنق، وتنافس فيه الوثني والكتابي على سيادة الأرض، والمسلم القرآني راضٍ بالذلة والقلة والعبودية لهما أو لأحدهما، موزّع القوى، مختلف المشارب، مختلف حتى في الحق الذي لا يختلف فيه الناس، جامد العقل راكد القوى، غافل عن العواقب، مضيع لوقته بين سفاسف الأقوال وتوافه الأعمال، كأنه هيولى لم تتكيّف أو حقيقة ذهنية تجول في الذهن، لا شجرة مباركة تنبت بالدهن، حتى أصبح الجسم الإسلامي العام معرّضًا للفناء والانهيار، مستعدًّا للانحلال والذوبان، والإلحاد متربّص بالباب، والأهواء غالبة، والشهوات متبرجة، والحصانة التي جاء بها الإسلام مفقودة.

أيها المستمعون الكرام:
أنا الآن في باكستان وقد لقيت من أهلها، حكومةً وشعبًا، إجلالًا وكرم وفادة هم أهله ومحله، وقد صيّرتني أخوة الإسلام أهلًا لبعضه، فلا ينسيني الدلال بهذه الأخوة أن أحييهم تحية المسلم الصادق لإخوانه الصادقين، جزاء لما أنزلوني من منازل الكرامة والبر، وكفاء لما قابلوني به من التأهيل والترحيب، ومهرا لما تخيلته فيهم من مخايل صادقة تبشّر بأنهم أمة تُدعى إلى الحق فتجيب، وإعلانًا مني بأن ما وهب الله لهذه الأمة الباكستانية من الفطر السليمة، والاعتزاز بالإسلام، وجعل الاعتماد على الله أساسًا للأسباب، كل أولئك سيحقّق رجاءها ورجاء المسلمين فيها.
(4/61)

فسلام على باكستان شعبًا وحكومة، سلامًا أؤدي به حقوق البر عن نفسي وعن قومي في المغارب الثلاثة، وإننا لقوم يقوم بذمّتنا أدنانا.
وتحيات مباركات طيّبات دونها عبير السحر، وإن كان قريبًا، وعنبر البحر وإن كان غريبًا، أحملها أمانة وأؤديها تكليفًا من إخواني أعضاء جمعية العلماء الجزائريين، ومن أبنائي جنودها العاملين للإسلام، الهادين لقرآنه المحيين للسانه، ومن أنصار جمعيتنا المجاهدين في سبيل الإصلاح، ومن الأمة الجزائرية التي تعد زيارتي لباكستان والأقطار الإسلامية واجبًا أقوم به عنها، ومغنمًا أجلبه إليها، ودينًا يؤدى لباكستان التي وضعت أساسها على الإسلام، وفتحت صدرها للإسلام، ورفعت رأسها اعتزازًا بالإسلام.
وإذا كان من حق باكستان على مثلي أن يتقدّم إليها بالنصيحة فإن من حق مثلي عليها أن تتقبّل منه النصيحة. وإن الإسلام قد جمعت أطرافه في النصيحة، وسنفعل وسنفعل مأجورين إن شاء الله.
وليهنأ باكستان أن للمغرب العربي كله قلوبًا تدين بالحب لباكستان، وعواطف تفيض بالحنان لباكستان، وأماني تجيش بالخير لباكستان، ونفوسًا تعلّق الآمال على باكستان، وألسنة رطبة بالدعاء لباكستان، ولتشكر الله باكستان على أن هيّأ لها من الصنع الجميل ما جعل لشعبها في قلب كل مسلم مكانًا، ومهّد لها في نفس كل مسلم مكانة، والسلام عليكم.
(4/62)

الرجوع إلى هدي القرآن والسنّة *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها المستمعون الكرام في مشارق الأرض ومغاربها:
اجتمع المسلمون في أول أمرهم على هداية إلهية عامة، وهي هداية الدين التي جاء بها القرآن، وشرحها محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، ودعا إليها المستعدين وحضّ عليها المستجيبين، ونفّذها في أمة الإجابة.
وكانت تلك الدعوة جامعة بطبيعتها لموافقتها للفطرة، وجمعها بين مطالب الجسم والروح، وانطوائها على حفظ المصالح، وضبطها لنزوات النفوس.
تجتمع تلك الهداية على عقائد صحيحة، وتحفظ علائق العبد بربّه وتحددها، وأخلاق متينة تحفظ العلائق بين العباد وتجددها، وتزن المصالح بالميزان القسط، وتقرر للفضيلة وزنها وقيمتها، وللرذيلة وزنها وقيمتها، وتجعل بينهما حدًّا كأنه منطقة حياد، فيه للمؤمن خيار وله فيه روية وأحكام عادلة، تحفظ حقوق العباد وتفصل في مواطن مظانّ الشقاق. وتجمع أطراف الأمة من غني وفقير على العدل والإحسان.
وكان مرجعهم للقرآن وهو محفوظ مفهوم يتلونه آناء الليل وأطراف النهار.
ثم فرطوا في سنن الله في دينه، فغفلوا بسبب ذلك عن سنّته في كونه وفي خلقه، فانحدروا من تلك الدرجة التي رفعهم إليها الإسلام، إلى هذه الدركة التي هم فيها الآن، وتماروا بالنذر فسلّط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم.
إننا نعد من معجزات محمد الخالدة، تلك النذر التي كان ينذر بها أصحابه، ليبلغها الشاهد منهم إلى الغائب، وقد بلغتنا وفيها أوصافنا التي نحن عليها الآن في
__________
* من حديث في إذاعة باكستان، أفريل 1952.
(4/63)

القرن الرابع عشر للهجرة، وكأن الواصف لها يصف ما رأت عيناه لا ما تخيلته خواطره.
وأبلغ ما في تلك النذر المحمدية قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله: أو من قلة فيها يا رسول الله؟ ... لَا بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل لا منفعة فيه ولا غناء. نحن خمسمائة مليون فيما يعدّ العادّون، ولكننا مع هذه الوفرة الهائلة في العدد مستعبدون، قد نزع منّا البأس على أعدائنا ونزعت الرهبة منا.

أيها المستعمون الكرام:
قد وصلنا من الانحطاط إلى قرارته، ولم تبق في التدلي دركة أخرى نخشى أن ننحدر إليها، فلم يبق إلّا أن نقيم على هذه الحالة إلى ما شئنا وشاءته لنا المهانة والرضى بالدون. أو نرتفع إلى المنزلة التي أهّلنا الله لها بالإسلام.
إن البشائر تدل على أننا اخترنا الثانية، وان المخايل تنبئ بأن شواعر الخير تنبّهت فينا، وان الوظيفة القرآنية التي خالطت أردام سلفنا فرفعتهم من الحضيض إلى الأوج توشك أن تخالط منا نفوسًا خدرتها الأحداث ولم تصل بها إلى الموت، وان تلك النفحات التي هبّت على القلوب الغلف فحركتها، وعلى العيون العمي ففتحتها قد داعبت نفوسنا، فبدأنا نشعر ونحسّ، وأصبحنا نعي ونفكر، وان التفكير هو أول مراتب العمل، وما هذه الأصداء المترددة في الأقطار الإسلامية، وهذه الأصوات المتجاوبة من علماء الإسلام بلزوم التعارف فالاتحاد فالتعاون، إلا بشائر خير وتباشير صبح بعدها السَّنى والنور.
(4/64)

أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم
هو الإسلام *
وقد يبدو هذا العنوان مدهشًا وغريبًا، ومثيرًا لتأثّرات مختلفة، في كثير من النفوس المختلفة، ولشيء من السخرية في النفوس الساخرة.
أما الدهشة فإنّ صاحبها معذور مهما كان، وأما الغرابة فكل وارد جديد على السمع أو على الذهن يُسْتَغْرَب، ولكنه إذا تكرّر وكثر ترداده أصبح مأنوسًا، وأما السخرية فلا تأتي هنا إلّا من رجلين: رجل انطوت نفسه على بغض للإسلام وحقد على بنيه، واحتقار لتعاليمه، ورجل لم يفهم الإسلام إلّا من حالة المسلمين اليوم، ولم يعلم أن بين حقائق الإسلام وبين حالة المسلمين اليوم بُعْدَ المشرقين، والذي في العنوان إنما هو الإسلام لا المسلمون.
العناوين لا ذنب لها لأنها دوالّ على ما وراءها، فاسمعوا ما وراء هذا العنوان، ثم ليندهش المندهشون إن لم يقتنعوا، وليسخر الساخرون إن شاءوا.
...

تولّى الإسلام في أوّل مراحله قيادة العالم الإنساني العامر للأقاليم المعتدلة، فضاده إلى السعادة والخير بأصلين من أصوله وهما القوة والرحمة، وبوسيلتين من وسائله في القيادة وهما العدل والإحسان، وبأحكامه المحققة لحكمة الله في عمارة هذا الكون.
والقوة والرحمة صفتان موجودتان في كل زمان، ولكنهما متنابذتان لم تجتمعا قط في ماض ولا حاضر، حتى جاء الإسلام فجمع بينهما وزاوج، وخلط بينهما ومازج، فجاء منهما ما يجيء من ائتِقاء السالب بالموجب في عالَم الكهرباء: حرارةٌ وضوءٌ وحركة. وما زال
__________
* كلمة كتبت بباكستان، ماي 1952، ولم نعثر على الصفحة السابعة من مجموع ثَمانِ صفحات.
(4/65)

معروفًا عند العقلاء، قريبًا من مدارك البسطاء، أن القوة وحدها لا خير فيها لأنها جبرية واستعلاء، وأن الرحمة وحدها لا خير فيها لأنها ضعف وهُوَيْنا، وان الخير كل الخير في اجتماعهما، ولكن الجمع بينهما ليس من مقدور الإنسان المسخّر للأهواء والعوائد، المنساق للأماني والمطامع، المنجذب إلى مركز الأنانية، فلا تجمع بينهما على وجه نافع إلّا قوة سماوية تتجلّى في نبوّة ووحي وخلافة راشدة واتّباع صادق مشتق من هذه.
ومن حكمة الإسلام العليا أنه وضع الموازين القسط للمتضادات فإذا هي متآلفة، والمتنافرات إذا تآلفت صلح عليها الكون لأنها سرّ الكون وملاكه، فوضع الحدود لهذه المتنافرات، وأعطى كل واحدة حقّها، ووجّهها إلى الخير في مدارها الطبيعي، فإذا هي أشياء في الاسم والذات والوظيفة، ولكنها شيء واحد في الغاية والفائدة والأثر، وكلها خير ونفع وصلاح وجمال.
وضع الحدود بين المرأة والرجل فائتلفا، وأطفأ بالعدل والإحسان نار الخلاف بينهما، والخلاف بينهما هو أصل شقاء البشرية، ولا يتم إصلاح في المجتمع ما دام الخلاف قائمًا بين الجنسين، وما زالت الجمعيات البشرية من الرجال مختلفة النظر إلى المرأة، فبعضهم يرفعها إلى أعلى من مكانها فيُسقِطها ويسقط معها، ويعطيها أكثر من حقّها ومن مقتضيات طبيعتها فيفسدها ويفسد بها المجتمع، وبعضهم يحُطها عن منزلتها الإنسانية فيعدّها إمّا بهيمة وإما شيطانًا حتى جاء الإسلام فأقرّها في وضعها الطبيعي وأنصفها من الفريقين.
كذلك وضع الحدود بين الآباء والأبناء، وكم أزاغت الشرائع والقوانين الوضعية هذه القضية عن الاعتدال إلى طرفي الإفراط والتفريط.
كذلك وضع الحدود للسادة والعبيد، وللحاكمين والمحكومين، وللأغنياء والفقراء، وللجار وجاره، وللإنسان والحيوان، وللروح والجسم، فألّف بين السادة والعبيد بقانون الرفق، والترغيب المتناهي في العتق، وألّف بين الحاكمين والمحكومين بقانون العدل والمساواة، وبين الأغنياء والفقراء بنظام الزكاة والإحسان، وبين الجيران بوجوب الارتفاق والحماية، حتى اعتبر الجيرة لحمة كلحمة النسب أو أشد، ومَحا من المجتمع نظام الطبقات والأجناس والعناصر، فلا فضل لعربي على عجمي إلّا بالتقوى، ولا عزّة للكاثر، ولا تعظّم بالآباء، ولا عصبية بالقبيلة، ولا تفاضل بالجاه والمال، وجعل لليتيم حرمة تدفع عنه غضاضة اليتم، ولابن السبيل حقًا يحفظه من الضياع وفساد الأخلاق، وللغريب حقًا يُنسيه وحشة الاغتراب، وجعل ميزان التفاضل روحيًا لا ماديًا، فالغني أخو الفقير بالإسلام، وليس الغني أخًا للغنيّ بالمال، وقرّر للحيوان الأعجم حق الرفق والتربيب، وحماه من الإعنات والتعذيب، وأشركه مع الإنسان في الرحمة، ففي كل ذات كبدٍ حَرَّى أَجْرٌ، وحلّ مشكلة الروح والجسم، وعدل ما
(4/66)

كان يتخبّط فيه فلاسفة الأمم من أن العناية بأحدهما مضيعة للآخر، فوفّق بين مطالب الروح والجسم، وحدّد لكلٍّ غذاءه وقِوامَه، فإذا هما متآلفان متعاونان على الخير والنفع.
...

ساس الإسلام الأرض بقانون السماء، فأشاع إشراقَه في غسقها، وأدخل نسَقَه في الإحكام على نسَقها، وقيّد الحيوانية العارمة في الإنسان بقيود الأوامر والنواهي الإلهية التي لا خيار معها ولا مراجعة فيها، وبذلك نقل الأمم التي دانت به من حال إلى حال، نقلها من الفوضى إلى النظام، ومن التنابذ إلى التآخي، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الاضطراب إلى الاستقرار، ومن نزعات نفسية متباينة إلى نزعة واحدة أقرّها فيهم، ثم أقرّها في الأرض بهم، ونقل الأمم المتبدية إلى حال وسط من الحضارة المتأنية المقتصدة، ونقل الأمم المتحضرة إلى حال من الحضارة العقلية تأخذ بالحُجّة، وتمنع من التضخّم والتهافت، ونقل الأمم المؤلهة للملوك والكبراء إلى حال من عرفان القدر وفهم الكرامة، جعلتهم هم الملوك.
...

قاد الإسلام أهله بقانونه السماوي الشامل لأنواع التدابير المحيطة بمصالح البشر من حرب وسلم، وخوف وأمن، وسياسة وإدارة، وقضاء في الأموال والدماء والجنايات، وفي بناء الأسرة.
قاد بهذا القانون أعقل سكّان الأرض إذْ ذاك في أعمر بقاعها، فما شكا أحد ظلمًا ولا هضمًا، فإنْ وقع شيء من ذلك فهو من حاكم حادَ عن صراطه، أو شخص أخلّ بأشراطه، وقد أخذت الأمم الخارجة منه كثيرًا من قوانينه العادلة في فترات احتكاكهم بالمسلمين محاربين أو معاهَدين في الشام والأندلس وافريقية، كما أخذوا كثيرًا من العادات الصالحة في تدبير المعاش وفي الحياة المنزلية، وما زال كثير من تلك الأصول بارز العين أو ظاهر الأثر في المدنية الحالية.
...

جاء الإسلام أوّل ما جاء بإصلاح الأسرة وبنائها على الحب والبرّ والطاعة: الحبّ المتبادل بين أفراد الأسرة، والبرّ من الأبناء للآباء، والطاعة في المعروف من الزوجة للزوج، وحاط ذلك كله بأحكام واجبة وتربية تكفُل تلك الأحكام، وتجعل تنفيذها صادرًا من نفس الإنسان، والرقابة عليها من ضميره، فلا تحتاج إلى وازع خارجي، وجعل تقوى الله والخوف منه حارسين على النفس والضمير، فكلما همّ الإنسان بالزيغ تنبّها فيه، فنبّهاه إلى لزوم الجادّة.
وإن يقظة الضمير الذي سمّاه النبي- عليه الصلاة والسلام- وازع الله في نفس المؤمن، ومراقبته لأعمال صاحبه لَهي أعلى وأسمى ما جاء به الإسلام من أصول التربية النفسية، وهي
(4/67)

أقرب طريق لتعطيل غرائز الشرّ في الإنسان، وفرق عظيم بين من يمنعه من السرقة مثلًا خوف الله، وبين من لا يمنعه منها إلّا خوف القانون: فالأوّل يعتقد أنه بعين من الله تراقبه في السرّ والعلن، فهو لا يسرق في السرّ ولا في العلن، والثاني لا يمنعه من السرقة إلّا قانون يؤاخذ على الذنب بعد قيام البيّنات عليه، وفي قدرة الإنسان أن يتحاشى كلّ أسباب المؤاخذة الظاهرة، فإذا أمن ذلك قارف الشر مُقْدِمًا غير محجم، فالخوف من الله يَجْتَثُّ السرقة وجميع الشرور من النفس حتى لا تخطر على بال المؤمن الصادق، وبذلك يأمن الناس على أعراضهم ودمائهم وأموالهم، أما الخوف من القانون فربّما زاد الناس ضراوة بالشرّ بما يتفنّنون فيه من الحِيَل التي تجعلهم في مأمن من مؤاخذة القانون، فكأنّ هذه القوانين الأرضية تقول للناس: لا سبيل لي عليكم ما دمتم مستترين منّي، غائبين عن عيني، ولذلك فهي لا تمنع الفساد في الأرض بل تزيده تمكّنًا فيها، وانتشار الشرور في هذا العصر أصدق شاهد على ذلك.
...

نقول ونعيد القول بأن أصلح نظام لقيادة العالم الإنساني هو الإسلام، ولا نلتفت لسخر الساخر، ولا نأبه لدهشة المندهش، ونأتي بالحجّة على لون آخر، وهو أن الإسلام عقائد وعبادات وأحكام وآداب، وكل هذه الأجزاء رامية إلى غرض واحد، وهو إصلاح نفس الفرد الذي هو أصل لإصلاح النفسية الاجتماعية، فعقائد الإسلام مبنية على التوحيد، والتوحيد أقرب لإدراك العقل الإنساني من التعدد، وأدعى لاطمئنانه وارتكازه وتسليمه، والعقل إذا اطمأن من هذه الجهة انصرف إلى أداء وظيفته مجموعًا غير مشتّت.
والعبادات غذاء وتنمية لذلك التوحيد وعون على تزكية النفس وتصفيتها من الكدورات الحيوانية، والأحكام- ومنها الحدود- ضمان للحقوق، وحسم للشرور، وزجر للثاني أن يتّبع الأوّل، ومَن تأمّل القواعد التي بنيت عليها أحكام المعاملات في الإسلام علم ما علمناه، وهي: لا ضَرَرَ ولا ضِرَار، الضرورات تبيح المحظورات، ما أبيح للضرورة يُقدر بقدرها، درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، الحدود زواجر وجوابر، القصاص حياة.
والآداب تزرع المحبّة بين الناس، وترقق العواطف، فتقوي عاطفة الخير والتسامح والإيثار والكرم والشجاعة والصبر، وتضعف عاطفة الشر والتشدّد والأثرة والبخل والجبن والجزع.
...

العالم اليوم في احتراب وحبله في اضطراب، وقد ملكتْ عليه المادة أمره، وقد جفّت الروحانية فيه فضؤلتْ، فلم يبق لها سلطانها الآمر الناهي، وانطمست فيه البصائر الهادية فهو يتخبّط في ظلمات، وتجسّمت المطامع الشوهاء فتولت القيادة، وقد جرّ على نفسه في ثلاثة عقود من السنين حربين عاتيتين أهلكتا الحرث والنسل وهو يتحفَّز للثالثة، وقد كان قبل اليوم
(4/68)

إذا اختلف اثنان وجد بينهما ثالث يدعو إلى الإصلاح أو ينتصر للمظلوم، فما زالت به المطامع وفشوّ الإلحاد، وشيوع الفلسفة المادية، والاغترار بالعقل، حتى أصبح مقسّمًا إلى كتلتين قويتين عظيمتين متضادتين، تدورُ كل واحدة منهما على مبدإ اتخذتْه دينًا ودعت الناس إليه، فانضم كل ضعيف إلى واحدة مُكرَهًا كطائع، وكلا المبدأين لا رحمة فيه ولا خير، وكلاهما ينطوي على شرور، وكلاهما يعتمد على الظفر والناب (1) ...
... ذلك فيهم نشروا أحكامه وتعاليمه حتى نَعم العالم، ويومئذ يشهدون انقلابًا فكريًا يقضي على هذا الجنون الذي ابتُليَ به العالم.
والإسلام دين اقتناع، فلا أقول إنه يجب على العالَم أن يصبح مسلمًا كاملًا يصلي ويصوم وإنما أقول: إن دواءه مما هو فيه هو الإسلام، فليأخذْ أو فليَدَعْ.
...

لا يضير الإسلام في حقائقه ومثله العليا أن لم ينتفع به أهله في تحسين حالهم، فما ذلك من طبيعته ولا من آثاره فيهم، وإنما ذلك نتيجة بُعدهم عن هدايته، وهو كدين سماوي محفوظ الأصول يهدي كل من استهداه، وينفع كل مستعدّ للانتفاع به، ولو أن أمّة وثنية اعتنقته فأخذتْه بقوة فأقامتْه على حقيقته- من العقائد إلى الآداب- لسادت به هذه المآت من الملايين من أهله الأقدمين الذين أضاعوا روحه ولبابه، وأخذوا برسومه والنسبة إليه، ولم يزحزحها عن السيادة أنها جديدة في الإسلام، كما لا ينفع تلك المآت من الملايين أنها عريقة في الإسلام.
ولا حجّة علينا ببعض الشعوب الإسلامية التي استبدلت القوانين الأوروبية بأحكام القرآن، لأنّ تلك الشعوب ما فعلت ذلك إلّا بعد أن لم يبق فيها من الإسلام إلا اسمه، ومن لم ينتفع بقديمه لم ينتفع بجديد الناس، وأحوال تلك الشعوب المستبدِلة شاهدة عليها، فهي لم تزدد بهذا الاستبدال إلّا شقاء وبلاء.
...

وبعد، فلو أن علماء الإسلام أحسنوا الدعاية إلى دينهم، وعرفوا كيف يغزون بحقائقه الأذهان، لكان الإسلام اليوم هو الفيصل في المشكلة الكبرى التي قسّمت العالم إلى فريقين يختصمون، ولكانوا هم الحكم فيها، ولكنهم غائبون، فلا عجب إذا لم يُشاوَروا حاضرين، ولم يُنتظروا غائبين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________
1) هنا تنتهي الصفحة السادسة من المخطوط، والصفحة السابعة مفقودة.
(4/69)

تقرير مرفوع إلى صاحب الدولة
رئيس وزراء الحكومة الباكستانية *
يا صاحب الدولة،
أرفع إليكم بيد الإخلاص، وبدافع النصيحة التي أوجبها الله علينا لعامّة المسلمين ولأولياء أمورهم خاصّة، فقابلوه بما يجب له من الاهتمام والتقدير.
إنّي أرى أنّ هذه الناحية التي يشرحها التقرير جديرة بالتقديم على غيرها من مصالح الدولة، لأنّها هي الناحية النفْسيّة التي تقوم عليها الأمّة، والنواحي النفْسيّة الروحية هي قوام الأمم والدول، وإنّي لأعْجَبُ ويعجب معي كلّ مفكّر مسلم يحبّ أن تُبْنَى هذه الدولة الإسلامية الناشئة على أساس صحيح- كيف لم يَكن لهذه الناحية اعتبار أوّلي من أوّل لحظة قامت فيها هذه الدولة.
لا نشكّ أنّه يومَ يوضع الدستور الباكستاني تكون أوّل مادّة فيه هذه الجملة بهذا النصّ: "دين الدولة الرسمي هو الإسلام"، وهذه المادة لا تكون حقيقة واقعة صادقة مؤثّرة إلّا إذا سبقتها تمهيدات، واتخذت لها وسائل عملية تضمن تحقيقها على الوجه الكامل الصحيح.
والحقيقة التي يجب عليّ أن أصارحكم بها هي أنّ الأمّة الباكستانية- وإنْ كانت مسلمة- تلتقي فيها المذاهب الإسلامية المختلفة المتعارضة، التي يحملها علماء لا يخلون من بعض التعصّب للآراء الاعتقادية، ولا يخلون من الجمود على الآراء المذهبية في جزئيات العبادات والأحكام، ويقابل هذا الجمود جهل مطبق بالدين في العامة، وتحلّل فاش في الجيل الجديد من الشبّان، وهذا شيء لَمسْنا حقيقته في هذه الرحلة، ودرسناه بالعقل الممحّص والبحث المدقّق، ووازناه بالمقارنات التاريخية في الماضي والحاضر، فإذا هو أخطر شيء على هذه الأمة وعلى هذه الدولة، ومن واجب الحكومات الحازمة الرشيدة
__________
* تقرير أُرسل إلى رئيس حكومة باكستان السيد خواجة ناظم الدين، ماي 1952.
(4/70)

أن تحتاط لمثل هذا الأمر من بعيد، وتعالجه بالحكمة والتدريج، قبل أن يستفحل فينفجر عن فتن لا قِبَلَ للحكومة بإطفائها، أو يكون عائقًا لها عن التقدّم، أو يكون مشوّشًا للنظام، مخلًّا بالاستقرار.
...

والتدبير الموصل إلى المقصود هو أن تكوّن في أقرب وقت وزارة تسمّى "وزارة الشؤون الإسلامية"، وتحاط هذه الوزارة بنوع من التحصين يجعلها آمنة من التقلّبات الحزبية والتيارات السياسية، كما تفعل بريطانيا في بعض مصالحها التي لا تقوم إلا على الاستقرار، وهذه الوزارة متعلقة بالدين، والدين لا يتبذل ولا يتغير، ويختار لهذه الوزارة رجل يجمع بين الثقافة الدنيوية الضرورية وبين الثقافة الدينية علمًا وعملًا.
تقوم هذه الوزارة بتحقيق الأمور الآتية على الترتيب:

أوّلًا: ضبط الأوقاف الإسلامية المشتّتة بالتسجيل وكفّ الأيدي العادية عليها، وإعدادها للاستغلال العصري الصحيح الكامل حتّى تثمر وتغل فتصبح موردًا ماليًا قارًّا وعمادًا لنشر العلم والدين الصحيح، وإن ضبط الأوقاف الإسلامية القديمة وحفظها من عدوان العادين، وإرجاعها إلى ما يحقق رغبات الواقفين- كل هذا مما يحيي في المسلمين من جديد نزعة الوقف في سبيل الله وتشجيعهم عليه، فالمسلمون اليوم ما قبضوا أيديهم عن الوقف إلّا لأنّهم رأوْا بأعينهم مصير الأوقاف القديمة وضياعها وعدم صيانتها بالقوانين الصارمة، فضاعت بذلك مقاصد الواقفين، وإن حكومة باكستان إذا قامت بهذا الضبط لا تكون مبتدئة ولا مبتدعة، فهذه حكومة مصر فيها وزارة للأوقاف خصوصية وكأنّها حكومة مستقلّة لكثرة أعمالها، وهذا الأزهر الشريف نفسه قائم على الأوقاف الإسلامية بإدارته العظيمة ومنشآته وعلمائه وتلامذته الذين يعدون بعشرات الآلاف.

ثانيًا: تنظيم التعليم الديني على برنامج قوي محكم حكيم ينطوي على تمتين الأخوة الإسلامية الجامعة، وعلى التقريب بين المذاهب، وإرجاع المسلمين بالتدريج إلى الأصول المتفق عليها، فلا يمرّ عليهم جيل حتى يكون هذا التعليم الموحّد المنظم قد أثر في نفوسهم وجمع بينهم، وأزال ما بينهم من خلاف في الدين، أو أزال على الأقل آثار الخلاف بينهم، ويتضمّن هذا التعليم إعداد تلامذته ليكونوا معلّمين ووعّاظًا وأئمّة وخطباء مساجد، وتخصّص لهم جميع الوظائف الدينية حينما يحصلون على شهاداته العالية، ولذلك فيجب أن توضع لهم الدرجات وتبيّن لهم الوظائف في البرنامج ليرغبوا في هذا التعليم وينشطوا له، وتقوى آمالهم في الحياة ووثوقهم بالمستقبل، وليكن هذا التعليم في المساجد بصورة وقتية حتى
(4/71)

تتمكّن الوزارة من بناء معاهد خاصة به لائقة بجلالته، وليكن الإنفاق عليه من ريع الأوقاف، فإن لم تف فتحت له الاعتمادات من الخزينة العامة، وكل درهم تنفقه الحكومة في هذا السبيل يعود عليها بالربح الجزيل.

ثالثًا: تنظيم الحالة في المساجد القديمة، وإزالة هذه الفوضى الضارلة فيها، ولا يتم ذلك إلّا بوضع نظام شامل للأئمة والخطباء والمؤذنين والقوَمة، وتحسين حالتهم المادية إلى أقصى حدّ، ومراقبتهم برجال أعلى منهم قدرًا في العلم والتديّن ليشعروا أن الرقابة عليهم منهم، وأنها نافذة، فيخضعوا إلى النظام، ولا ينفروا من المنظّم، فإذا تمّ هذا في المساجد القديمة التي هي وقف عام، حمل أصحاب المساجد الخاصة على الدخول في النظام العام الموحّد إن لم يرجعوا من تلقاء أنفسهم، وإن ضعفاء الإيمان والعلم تحتّم عليهم أسباب الحياة أن يجعلوا من بيوت الله وسائل للمعيشة، فتفقد روحانيتها وتصبح متاجر لا معابد، ومفرقة على الهوى لا جامعة على الحق، وفي هذا خطر على تربية الأمة ستظهر آثاره بعد حين، فئتحرص هذه الوزارة على معالجته بالحكمة ومعها القوة، وبالمطاولة ومعها الحزم.
رابعًا: تنظيم أحوال علماء الدين وتقريبهم من هذه الوزارة وجمعهم من حولها، وإفهامهم أنها وزارتهم الطبيعية يتصلون بها اتّصال الجندي بوزارة الحربية، والمعلم بوزارة المعارف، وأنها المرجع الوحيد لمصالحهم، ثم تعمل الوزارة على تكليفهم بوظائف دينية علمية من إمامة وخطابة ووعظ، وتلزمهم بالمحافظة على برنامج عام تضعه الوزارة ويكون لأهل الرأي منهم فيه رأي استشاريّ حتى لا يتشتت الرأي، وتختار الوزارة الأكفاء منهم للعضوية في مجلسها الإداري تدريبًا لهم على الأعمال العامة، ويجب على الوزارة أن تهتمّ بتحسين أحوالهم المادية قبل كل شيء، فإن لهذه الطائفة نفوذًا قويًا على العامة، فإذا تُرِكوا على هذه الحالة من الفوضى والإهمال وعدم ضمان الحياة المعيشية- فربّما يصبحون في وقت من الأوقات مصدر خطر على الدولة، وسببًا في الاضطراب والفتنة، وفارغ البال من الخير يعمره الشيطان بالشر، وهذه سنّة الله في الطباع البشرية، أما إذا كلفوا بالوظائف، وضمِن لهم الرزق، فإنهم يشعرون بالعزة والمسؤولية معًا، ويشعرون بأنهم جزء من الحكومة، وبأن لهم شركة في هيكلها الأساسي، وأن لهم مكانة في الدولة ورأيًا في تسييرها، وأن لهم حظًا في الحياة يجب أن يحافظوا عليه، وأن عليهم واجبات للدولة والأمة يجب أن يقوموا بها. إن أوّل فائدة لهذه الطريقة هي تعويدهم على العمل النافع وعلى النظام في العمل، وعلى تقديس النظام واحترامه، وإخراجهم من الكسل والجمود والفراغ، ويومئذ يعاونون الحكومة بنفوذهم الديني على إقرار النظام، وعلى إنشاء الدستور المنتظر المستمدّ من دين الأمّة ومن دنياها.
أما إذا وفّقت هذه الوزارة إلى وضع "كادر" للدرجات والترقيات للأكفاء من علماء الدين يتسابقون إليها بالأعمال النافعة، فإنها تعجل بالخير لها وللأمة، لأنهم يعلمون حينئذ
(4/72)

أن الدرجات عند الله تقابلها درجات عند الحكومة، وأنه لا تنافي بينهما، وأن خدمة المرء لوطنه هي خدمة لدينه أرفع من كل خدمة.
إن إصلاح هذه الطائفة وتبديل عقليتها أنفع بكثير من تركها على هذه الحالة، وإذا تمّ هذا العمل على هذا الأساس، وسايره التعليم الديني الصحيح، تكون الحكومة قد أمّنت الحاضر بهؤلاء الكبار، وأمّنت المستقبل بذلك الجيل المتعلّم، ووضعت يدها على الفريقين، وسيكون الجيل الجديد المتعلم أفقه لحقائق الدين وبموافقتها التامة للمصالح الدنيوية العامة، فيرتفع هذا التصادم الصوري الماثل في أذهان الجيل القديم، ويرتفع هذا التنافر بين عقلية الآباء وعقلية الأبناء، وما عطّل رقيّ الأمم الإسلامية الحاضرة إلّا هذا التنافر.

خامسًا: تنظيم برنامج للوعظ الديني على أساس صحيح واسع، وطريقة فنية تقتبس من حقائق الدين وحقائق النفس وسنن الله الواقعة في كونه، وتمتزج فيها روحانية الدين بأرواح البشر، فتؤثّر فيها وتقودها إلى الخير، لا على هذه الطريقة الموجودة اليوم في المساجد في أيام الجمع، فإنها ترغيب لا يرغب، وترهيب لا يرهب، وإنما هو كلام معتاد يتركه السامعون في الجامع إذا خرجوا من الجامع، بدليل أن هذه المواعظ لم تبدل حالة العامة ولم يظهر عليهم منها أثر، فهم في كل جمعة يسمعون التحذير من الخمر مثلا والخمر لا تزداد إلّا فشوًّا، ومن الكذب وهو لا يزداد إلّا كثرة، وأكبر الأسباب في فشل الوعظ الديني بصورته الحاضرة أنه لا يصدر عن تأثر من قائله، وإنما تعوّد قائلوه أن يقولوه قولًا من غير حكمة، وتعوّد سامعوه أن يسمعوه حُكمًا من غير حكمة، والوعظ كالطعام يقدّم ألوانًا وبقدر الحاجة، ولا يؤثر في السامعين إلّا إذا كان خطابًا من القلب إلى القلب، ومن الروح إلى الروح، وكان الشيء المأمور به أو المنهي عنه مقرونًا ببيان آثاره وحكمه، فإذا كان تحذيرًا من الخمر قُرن ببيان آثاره من إتلاف المال وإذهاب العقل الذي هو سرّ الكرامة الإنسانية، وقضائه على الصحّة، وجلبه للخصام وتكديره للحياة الزوجية، وانتقال آثاره بالعدوى إلى الذرية، وهوان صاحبه على نفسه وعلى الناس.
والواجب على الوزارة إدخال الوعظ في مناهج التعليم الديني وتمرين الطلّاب عليه من الصغر، حتى تخرج بعد أعوام طبقة عالمة بكيفية الوعظ وشروطه قادرة على تأديته على أكمل صوره.
والواجب أن توزّع الوعّاظ على الأقاليم، وتأمرهم بأن لا يقتصروا على المسائل الدينية فقط، بل يتناولون المسائل الدنيوية التي يعمر بها الوطن وتسعد بها الأمة والحكومة، مثل التحريض على العمل، والتنفير من البطالة والكسل، ومثل تحبيب الفلاحة والتجارة والقراءة، ومثل الأخوة والاتحاد والتعاون على الحق، ومثل إصلاح العائلة التي هي أساس الأمة، ومثل تحسين العلاقة بين الغني والفقير، ومثل الطاعة للحكومة في المعروف.
(4/73)

والواجب أن تدخل هذا النوع إلى الجيش في ساعات معينة من الأسبوع، فإن الجيش هو أحوج الناس إلى التربية الدينية وإلى تقوية الإيمان في نفوس أفراده وإلى تصحيح بصائرهم في الدفاع عن الوطن، فيجب أن يفهم الجيش أن دفاعه عن الوطن إنما هو دفاع عن دين الله الحق، وأن الاعتماد على جيش لا دين له ولا حَميّة كالاعتماد على الأعواد الرخوة التي لا قوة لها، وما انتصرت الجيوش الإسلامية في التاريخ إلا بالإيمان والحميّة الدينية، وما انتصرت الجيوش العثمانية على أوروبا إلّا يوم كانت مسلحة بقوة روحية من الإسلام، فلمّا فقدت هذه الصفة خذلها الله، فالواجب تسليح الجيش الباكستاني بهذه القوّة التي لا يفلُّها طمع ولا يُغريها متاع الدنيا ولا ترهبها قوة العدو.

سادسًا: يدخل في اختصاص هذه الوزارة قبض الزكاة الشرعية من الحبوب والعين والأنعام والتجارة. بعد وضعها لذلك برنامجًا محكمًا مضبوطًا بالاتفاق مع الحكومة، ولها أن تدفع منها قسطًا إلى الخزينة العامة، والزكاة في الإسلام هي العنصر الأساسي لبيت مال المسلمين، ومنه كانت تتغذّى المصالح العامة، ومنها بناء المساجد والمدارس والقناطر والحصون والثكنات، ومنها كانت تشترى الأسلحة وبها كانت تحفظ الثغور، أمّا الأموال الأخرى كالأنفال والمغانم والخراج فتارة تكون وتارة لا تكون، ولكن الزكاة هي الركن الدائم، وإذا خصصناها بوزارة الشؤون الدينية فلكي يطمئن الناس إلى دفعها بجاذبية الدين.

سابعًا: يدخل في اختصاص هذه الوزارة أيضًا ترتيب الحجّ وتنظيمه والوقوف على راحة الحجّاج بتسهيل الإجراءات هنا، وبتعيين رئيس يصحب الحجّاج في كل سنة، ومسألة الحجّ حقيقة بمزيد الاهتمام من الحكومة.

ثامنًا: يدخل في اختصاص هذه الوزارة أيضًا تنظيم الإحسان الديني من التبرعات والصدقات، فعليها أن تصدر قوانين صارمة حازمة وتتكفّل بتنفيذها، لضبط الصدقات والتبرعات على وجوه الخير مثل صيانة اليتامى والفقراء وتعليمهم، فإن هذه المعاني كلّها تدخل في ضمن الدين. وإهمال هذه القضية يؤدّي إلى خطرين عظيمين: الأوّل ضياع أموال الأمة في غير نفع بسبب عدم الضبط، والثاني فتح باب السرقة باسم الإحسان، ويترتب على هذا الأخير فساد أخلاق الشبّان العاطلين، وقد رأينا ورأى الوافدون إلى هذا الوطن العزيز مثالًا من هذا النوع، رأينا في كراتشي وفي غيرها- حتى في القطارات- طوائف من الشبّان يحملون قسائم مطبوعة باسم مدرسة أو جمعية تعلم يتامى المهاجرين، ويعرضون تلك القسائم بإئحاح على كل من يلقونه، وليس فيها ما يدل على ضبط أو نظام، وليس فيها اسم جمعية محترمة ولا رئيس مشهور، ومثل هذه الفوضى تزعزع ثقة المحسنين وتخلط الخبيث بالطيب وتفسد أخلاق هؤلاء الأحداث المباشرين لهذه الأعمال، فلو كانت هناك وزارة دينية لتولّت
(4/74)

بنفسها هذه الأعمال وسدّت الباب على المفسدين، وساعدتها وزارة الداخلية بوضع قانون مضيق للجمعيات ومراقبتها، وبذلك يشتغل بكل شيء أهله.
هذا ما دفعني الإخلاص والحب لهذه الحكومة إلى تقديمه لدولتكم، راجيًا أن تحلوه محل الاهتمام، وإنه ليسرّني كعالم ديني أن أعينَ هذه الحكومة الشابة ولو بكلمة طيبة، كما يسرّ جميع المسلمين أن يروا هذه الدولة الناشئة كل يوم في تقدّم وترق، وأن يروها في كل ساعة تخطو خطوة إلى الأمام.
يا صاحب الدولة، نحن نعلم مشاغلكم السياسية، ونشارككم الألم النفسي الذي تتحمّله حكومتكم من المشاكل المحيطة بها، ونقدّر جهودكم المبذولة في ترقية التعليم والجندية والصناعة والفلاحة، ولكننا نرى أن ما تضمنته هذه اللائحة يجب أن يكون الأهمّ المقدم، لفائدته المحققة التي لا يختلف فيها اثنان، ولئلا يقال إن حكومة باكستان لا تهتم بالشؤون الدينية، ولذلك لم تخصّص لها وزارة كما خصصتها أندونيسيا المسلمة وإسرائيل اليهودية من أوّل يوم لتأسيسهما.
نعتقد جازمين أنكم إن خطوتم هذه الخطوة الجديدة تكونون قد جمعتم قلوب الأمة، وأسْكَتُّم كل معارض، وأرضيتم الله ورسوله والإسلام. ووضعتم في أساس باكستان صخرة من الحق تمسكها وتثبتها.
وتقبّلوا- يا دولة الرئيس- مني كل احترام وكل تقدير.
محمد البشير الإبراهبمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين
(تُرجم هذا التقرير إلى اللغة الأوردية، وقدمته بنفسي إلى رئيس الوزراء "خواجة ناظم الدين" ليعرضه على مجلس الوزراء، ووعد بأنه يخبرني بالنتيجة أينما كنت).
(4/75)

في مؤتمر العالم الإسلامي
- 1 - *
كلمة في المؤتمر
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أيها الإخوان المؤتمرون على خير الإسلام، المجتمعون على عهده وميثاقه، الجامعون لأجزائه التي بدّدتها أحداث بنيه قبل أحداث الدهر، المؤتمنون على تراثه من العلم والحكمة، وعلى جواهره من العقل والفكر، المستجيبون لحضور هذا المؤتمر الذي ثوّب داعيه فأسمع، وسمع واعيه فأهطع، المتوافون كالقطا على مترع عذب ليس بالنزر ولا البكي، ولكن هجره ورّاده فما غار ولا أسن، وإنما ازداد صفاءً لأن منبعه السماء.
أحييكم عن جمعية العلماء الجزائريين التي لها في عنق العالم الإسلامي منّة تجل عن المكافآت، وهي صيانة الإسلام في دار يوشك أن يحيلها الاستعمار الفرنسي دار كفر، ولها في ذمة العالم العربي عارفة تجل عن الشكر، وهي إحياء البيان العربي في وطن رماه الاستعمار الفرنسي برطانات غريبة، غمرت لسان يعرب، وطمرت فصاحة يعرب، وغيّرت مجرى الضاد إلى غير واديه.
وأحييكم باسم الجزائر، ذلك القطر العربي المسلم الذي حافظ على العزيزين من ميراث السلف، ورضي في سبيل تلافيهما بالتلف، وصبر على سوم الشقاء وجهد البلاء دون أن يصيبهما حيف أو يلحقهما ضيم، وخُيّر بين الخطتين فاختار التي هي أقرب لرضى الله ورضى نبيّه، وهان في دُنياه ولكنه لم يهن في دينه، ولم يهن في عزيمته، وما زالت تنتابه الحادثات تباعًا فيخرج منها أصلب قناة ممّا كان، وأقوى إيمانًا بالله ممّا كان، وأثبت تمسّكًا بالإسلام ممّا كان.
__________
* مسوّدة وُجدت في أوراق الإمام المرحوم من كلمة ألقاها بباكستان، ماي 1952.
(4/76)

وأحييكم باسم الشمال الأفريقي، تلك الأقطار التي جمعتها يد الله وأنبتت فيها النبات الحسن من السلائل البشرية حتى ختمتها بالجنس العربي وأورثته إياها، كما ختمت الرسالات السماوية برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، تلك الأقطار التي نظمها عُقبة وصحبه في ممالك الإسلام جواهر، وغرسوها في منابته أزاهر، ومكنوا فيها للبيان العربي حتى رست قواعده في الأرض وعلت شرفاته في السماء.
أحييكم عن الشمال الأفريقي من مخارم الأطلس الأشمّ بالسوس إلى منقطعاته على عتبات برقة، لا مفتاتا على إخواني الحاضرين في هذا المؤتمر من أبنائه، ولكن من آثار النبؤة فينا أننا قوم يسعى بذمتنا أدنانا، وأنا لسانُهم المعبّر عن أمانيهم فيكم، والمخبر عن مآسيهم لكم.

أيها الإخوان: إن هذا المؤتمر يحمل اسمًا عظيمًا ينطوي على معنى أعظم، فمعناه عند التحليل والشرح هذه الأربعمائة مليون المتفرقة كالحصى في قرارات أودية الحياة، فهذا هو المعنى الذي عناه الواضع لهذا الاسم.
ولكن هذا الاسم يثير فينا وفي كلّ مهتمّ حركة فكرية تستجمع أطراف هذا الاسم وحواشيه من ماضيه القوي العزيز إلى حاضره الضعيف الذليل، وفي كل حاشية من حاشيتيه وقفة وعبرات وعبر، وجملة من مبتدإ وخبر.
فهذا الاسم في ماضيه كان قليلًا، وكان عزيزًا لا ذليلًا.

أيها الإخوان: إن أكبر آية على أن هذا الشمال شيء واحد وكلٌّ طبيعي هو أن المغيرين من قديم الزمان كانوا يقصدونه كلًا: فكل مغير استولى على بعض أجزائه إلّا ورمى ببصره إلى الأجزاء الأخرى وعمل على ضمّها إلى بعضها لأنها مكمّلة لبعضها.

أيها الإخوان: أنا رسول العروبة والإسلام بالشمال الأفريقي إلى العروبة والإسلام المتمثلين في هذا المؤتمر، أناجيكم بأمانيه وأبثّكم بعض ما هو فيه، وأشكو إليكم- فأشكو إلى السميع الواعي- ما يلقاه من عنت الظالم وبغي المستعمِر، فإن لم تدركوه بنصرة الأخ ونجدة النصير وغوث الحامي، ضاع على الإسلام حصن من أمنع حصونه وعلى العروبة جزء من أهم أجزائها.
إننا ندافع دفاع المستميت حتى يدرك الغوث، ونصابر مصابرة الغريق حتى تتأتى وسائل النجدة، ولكم علينا أن نبقى كذلك محافظين على الثغر المطروق بالغارة مثبتين لأهله. ولنا عليكم أن تبادروا بتعبئة القوى، وإن أول بوارق الرجاء فيكم وبوادر النجدة منكم طلائع هذا المؤتمر الجامع لقوى الإسلام.
***
(4/77)

أيها الإخوان:
إن الإسلام ما زال في أوروبا المسيحية في حرب صليبية لم تنطفئ نارها، وإنما غطى عليها رماد المدنية والعلم اللذين غزوا بهما عقولنا، وسحروا بهما عيوننا، وخدروا بهما مشاعرنا، تحيلًا ومكرًا ليصرفونا عن الاستعداد، وما هذه المدنية وهذا العلم إلّا سلاح جديد أفتك من سلاح الحديد: فإن سلاح الحديد يقتل الأجساد فينقل الأرواح إلى مقام الشهادة، أما هذا السلاح فإنه يقتل الأرواح ويجرّدها من أسباب السعادة.

أيها الإخوان:
إن العالم في اضطراب، لأن أهله في احتراب، وقد جرب المناهج والأدوية وتداوى بكل ما يخطر على البال، وتداوى بالمال وسحره فلم يشف من مسّه، واسترقى بجميع الرقى، فلم يبرأ من لمحه، وعالجه بالدواء الأحمر، فكان الداء الأصفر.
ويمينًا برة لا حنث فيها ولا تأول، لو أن الإسلام فهم على حقيقته، وطبّق على وجهه الذي جاء به من عند الله محمد بن عبد الله لكان هو الدواء النافع الذي يحل العقد ويرفع الإشكال، ولكان هو الحكم في معترك الخلاف، والجالب بقوانينه وأخلاقه لسعادة العالم.
ولكن الإسلام جمد فذهبت خواصه، وتفرّقت مذاهبه فزهقت روحه وذهبت ريحه.
والذنب في ذلك كله في عنق علمائه: تعصّبوا للمذاهب المفرقة فبعدوا عن المذهب الجامع وهو كتاب الله وهدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفهموا الدين قشورًا وصدفوا عن اللباب، وتركوا قيادة الأمّة فأضاعوا الأمانة، وصرفوا الأمة بتعليمهم عن معاني الدين الجليلة، فأصاروها إلى الألفاظ، فهي تسبح منذ قرون في بحر من الألفاظ لا ساحل له، وإن الناظر في كتب المذاهب الإسلامية من الفقه والكلام يجد مجموعة يقصر ... ...
(4/78)

- 2 - *
خلاصة خطبة الإبراهيمي جوابًا لرئيس مؤتمر العالم الإسلامي
في الحفلة التي أقامها تكريمًا لوفود العالم الإسلامي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الإخوان:
إذا هيّأ الله أمة للسعادة جرّ إليها الخير بأسباب من الشرّ، وساق إليها النفع بوسائل الضرّ، ومرّ بها إلى الحق على قنطرة من الباطل، وجعل الخلاف فيها ممكّنًا للوفاق، والتضاد في أعمالها مثبّتًا للائتلاف، وذلك بتوفيق المتخالفين، إلى أن يكون الخلاف خلافًا في الوسائل لا في الغايات، والاتجاه إلى هدف واحد.
الرباط الجامع للأمم هو المحبّه، فإذا خلصت المحبّة بين أفراد الأمّة تمحض الخلاف إلى أحسن ثمراته، واختلاف الرأي- كما يقول شاعرنا شوقي- لا يفسد للودّ قضية.
كل ما هو موجود بين المسلمين من خلاف وفتن وشرور هو مرحلة طبيعية للأمم في الأطوار الأولى من نهضاتها، فلا يهولننا أن هذا الشيء خصصنا به، ولا يثبطننا هذا عن الاستماتة في علاجه والعمل متضافرين على إزالته بالتدرّج، لأن أول مراحل النهضة هو آخر مراحل الانحطاط.
ما دام هذا القرآن موجودًا بين المسلمين، يقرؤونه ويجلّونه ويضعونه في مكانه من التقديس، فإن الأمل في إصلاح المسلمين لا ينقطع، لأن أوائلهم ما صلحوا إلّا به، فلا يصلح آخرهم إلّا به، وما هي إلّا هبة من هباته ونفحة من نفحاته تهب على نفوس هذا القطيع المبدّد وإذا قلوبهم مجتمعة، ونوافرهم متآلفة، وأمرهم جميع، وإذا بالمعجزة القرآنية التي جمعت العرب بعد ما كانوا عليه من تشتّت وتدابر، تعود ثانية فتنقل هذه الأمم من حال إلى حال.
الوحدة الإسلامية التي ننشدها تتوقّف على شيء واحد لا ثاني له وهو أن يوجد لها محور، وقد وجد هذا المحور وهو باكستان، وهي نعمة يجب أن نشكر الله عليها وأن نعرف قيمتها وأن نستغلّها.
__________
* مسوّدة وُجِدَت في أوراق الإمام المرحوم.
(4/79)

يجب على طرفين أن يشكرا الله على هذه النعمة الجليلة شكرًا عمليًا: الطرف الأول هو حكومة باكستان وشعب باكستان، والطرف الثاني هو الأمم الإسلامية.
أما شكر الأمم الإسلامية فقد تحقّق وتجلّى في هذه العناية التي رأيتموها من العالم الإسلامي في استجابته لدعوة ترسلونها مع رسول أو في البريد، وإذا هو مقبل عليكم مرسل إليكم بأفلاذ كبده وخلاصة علمائه وقادته وخطبائه وزعمائه، كأنه متحنث عابد سمع أذان الصلاة، وهذه وحدها نعمة عليكم لم تظفر بها أمة من الأمم الإسلامية ولا حكومة من حكوماتها.
وأما نوع الشكر العملي الذي يجب أن تؤديه باكستان حكومة وشعبًا فهو مقسّم عليها لتحفظ به هذه النعمة وتحصنها من الزوال.
فالحكومة يجب عليها أن تشكر الله على هذه النعمة بمحافظتها على الإسلام عقيدةً وعملًا وحكمًا وأدبًا ولغةً، وأن تفرض على رجالها أن يكونوا قدوة للناس في هذا.
والشعب يجب عليه أن يشكر الله على هذه النعمة بعدم الاختلاف، وعرفان قدر هذه النعمة، والسعي الحازم في توجيه الرأي العام إلى الاتحاد بتوحيد طوائفه المختلفة إليه، فعلماء الدين يتقاربون فيقف كل واحد عند قدره الذي وضعه فيه القدر ويُسَلِّم العالِم للأعلم، والكبير للأكبر.
إن المسلمين بدأوا يرتابون فيكم من هذه المؤتمرات المتعاقبة التي وجّهت الدعوات من باكستان وبعضها يحمل اسمًا واحدًا، وإنني أعرف بالأمم الإسلامية منكم أيها الباكستانيون، فلا تغرّنكم هذه الاستجابات السريعة من إخوانكم، فيومَ يعلمون عنكم اختلافًا أو اتباعًا لهوى مطاعًا سينفضّون عنكم وينبذونكم، ويومئذ تدعون فلا يستجيب لكم أحد، فترجعون إلى أسوأ مما كنتم عليه، فاستديموا هذه النعمة بالمحافظة عليها، والنعمة إذا عَظُمت عَظُمت تبعاتها ومسؤولياتها.
أنا لا يرضيي أنني في وطني كلٌّ، لأنني مرجع لإخواني العلماء، ومطاع من أتباع جمعيتي، لأن هذا الكلّ مهما قَوِيَ ضعيف، ولكن يسرّني أن أكون جزءًا من هذا الكل العظيم وهو علماء الإسلام، بل أفخر بهذا وأعلم ما له من الآثار النافعة للأمم الإسلامية.
كلنا جند النبي، ليس فينا أجنبي.
أربعوكم أن نتأدب بأدب جديد وهو الاقتصاد في المجاملات والألقاب وتقارض الثناء.
(4/80)

وحدة الصوم والعيد *
هذا العنوان موضوع عملي جليل من المواضيع التي تجهد جمعية العلماء في تحقيقها والوصول بها إلى الغاية التي ترضي الله ورسوله، وتعين على تضييق دائرة الخلاف بين المسلمين.
دعت جمعية العلماء إلى هذا وعملت له في الجزائر ثم في شمال افريقيا كله وأرشدت إلى طريقته العملية، وهي قبول شهادة أي قطر إسلامي بالرؤية والاعتماد في تعميم الخبر بالإذاعات الرسمية التي يذيعها قضاة معينون من حكومة إسلامية، ولم تستثن إلا قضاة الجزائر لأنهم معينون من حكومة مسيحية بصورة ترفع الثقة بهم، ولأن من مقاصد الاستعمار بقاء هذا الخلاف الشنيع بين المسلمين في شعائرهم الدينية.
فجمعية العلماء وأتباعها في الجزائر ومقلّدوها في الشمال الأفريقي كله يصومون ويفطرون- إذا لم ير الهلال عندهم- على رؤية أي قطر إسلامي، تثبت وتزكى وتبلغ من قاض مسلم بصفة رسمية على طريق الإذاعة الرسمية. والإذاعات الرسمية اليوم لا يتطرق إليها أي خلل، وجمعية العلماء ترى أن عدم العمل بالرؤية الثابتة على هذه الصورة هو قدح في مصدرها، فهو قدح في أمانة المسلمين بلا حجة ولا بيّنة. وما شتت شمل المسلمين وأرث بينهم العداوة والبغضاء إلا قدح بعضهم في أمانة بعض، في الإمامة والشهادة، وهما حجر الأساس في بناء الأخوة الإسلامية، لأن الإمامة من دعائم الدين، ولأن الشهادة من مقاطع الحقوق في الدنيا.
تعمل جمعية العلماء هذه الأعمال وتعدها من أهم الوسائل لجمع كلمة المسلمين، لأن الخلاف كله شر، وشره ما كان في الدين وأشنعه ما اتصل بالعامة وأثر فيها التعصّب الباطل.
__________
* جزء من مقال عثرنا على مسودته في أوراق الشيخ، كُتبت بباكستان.
(4/81)

فإن الخلاف في العلميات مقصور على العلماء محصور منهم في دائرة ضيّقة فلا تظهر آثاره ولا أعراضه في العامة، أما الخلاف في الصوم والعيد وما جرى مجراه فإنه يسري في العامة فيتناولونه بعقولهم الضيّقة فلا يثير إلا التشنيع والتعصّب والعداوة.
أضاع المسلمون بهذا الخلاف كل ما في الأعياد من جلال روحي ومعان دينية واجتماعية، وأصبحت أعيادنا تمرّ وكأنها مآتم. لا تنبّه في النفوس سموًا ولا تشيع فيها ابتهاجًا، ولا تثير فيها حركة إلى جديد، ولا سعيًا إلى مفيد، ولم يبق فيها إلا معان ثانوية مغسولة فاترة تظهر في هذه الصغائر من ترفيه تقليدي على الصبيان أو توسعة شهوانية على العيال، أو تزاور منافق يتولّاه اللسان ولا يتولّاه القلب، وقد يلتقي الإخوان أو الصديقان أو الجاران وأحدهما مفطر والآخر صائم. فلا تستعلن البشاشة في الوجهين، ولا تنطلق التهنئة من اللسانين، ولا يشعّ الأنس من أسارير الجهتين، وإنما ينقدح في النفسين أن كل واحد منهما مخالف للآخر فهو خصمه، فهو عدوّه. وفيمَ الخصام؟ وفيمَ العداوة؟ إنهما في الدين ...
إن هذا الخلاف الفاشي بين المسلمين في الصوم والعيدين هو التفرّق في الدين، ومن سمّاه بغير هذا فهو جاهل أو كاتم للحقيقة عمدًا. والتفرّق في الدين حذّر منه القرآن فقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}، وقال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. وكيف يرجو المسلمون الخير وهم متفرقون في دينهم، مخالفون لكتابهم، معرضون عن وصايا نبيّهم، ناكبون عن صراط سلفهم.
إن هذا الزمان هو زمان التكتّل والتجمّع وكأن الأفراد هم الذين تحتّم عليهم الحياة أن يتكتّلوا ليدفعوا عنهم البلاء الذي لا يستطيع الفرد أن يدفعه وحده.
إن من أشنع أنواع آثار التفرّق بين المسلمين اختلافهم في صوم رمضان وفي العيدين، ولو كان هذا الخلاف خلافًا صامتًا لا يصحبه تشهير لكان شرًا مقدرًا بقدره، ولكن خلافهم في هذا يصحبه تشهير من الصائم على المفطر ومن المفطر على الصائم وتشنيع ينتهي إلى سبب الخلاف فيثير الأحقاد الدفينة والحزازات الطائفية.
أصبح الخلاف في الصوم والإفطار تجديدًا للأحقاد الدينية فنكءٌ لجراحها وإثارة للفتن النائمة، ولا مبرّر له من اجتهاد أو خلاف مذهي، أو اختلاف مطالع، فكل هذه الاعتبارات لا وزن لها في باب العلم، ولا محل لها في حقيقة الدين.
الإسلام دين الاتحاد والوفاق بكل عقائده وعباداته. وآدابه ترمي إلى الوفاق وتربّي على الوفاق وتدعو إلى الوفاق.
(4/82)

خماسيات عمر الأميري *
الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري- وزير سوريا المفوّض في باكستان- شاعر موهوب، رقيق الحس، وجداني النزعة، خصب الشاعرية، مستجيب الطبع، متدفق الطبع، صادق التأمل، واسع التخيّل، نظم كثيرًا ولم ينشر شيئًا، وله في هذه الضنانة بالنشر أعذار بعضها معقول، وبعضها غير مقبول.
يختص كثير من شعر الأميري الذي سمعناه منه بوصف سرائر النفس وانفعالاتها ونشدان الصداقة الصادقة والود الخالص، ويفيض بالذاتية المستعلية بالله، المترفعة عن الاسفاف، المتعففة عن الشهوات إذا نافت الكمال، أو وقفت في الطريق إلى الله، ويسمو في كثير من أغراضه إلى صلة الروح بخالقها، وترقّيها في مجالي التقوى والإيمان فيدلّك حين تقرأه على قرب صاحبه من الله، والاعتزاز بعبوديته له، وقد تبدو في بعض شعره حيرة ولكنها حيرة المؤمن المسلم وجهه لله، لا حيرة الشاك المضطرب، فهو مع شبابه وإلمامه بمعارف عصره، وملابساته لفتن عصره، متين الإيمان بالله، صادق التعبّد له، قوي الخوف منه، وقاف عند حدود آداب الدين والمحافظة على شعائره محافظة دقيقة، ولكنه- مع ذلك- مرح طروب، مطلق اللسان في اصطياد النكت، بارع الذهن في استخراجها من مكامنها اللفظية، لا يتحرج في ذلك ولا يتحفظ، وقد تنزل به هذه البوادر عن منزلته الحقيقية عند من لم يعرفه إلا من طريقها، ولكن هذا الظن به لا يجاوز لحظات.
ولو رزق الأميري أناة في نظمه للشعر وصبرًا على تحكيكه وصقله واستفتاء أساليب البلغاء فيه لجاء منه شاعر أي شاعر، وقد أرشدته إلى هذا وعسى أن يفعل.
__________
* تقديم لخماسيات الشاعر عمر بهاء الدين الأميري، «البصائر»، العدد 195، 7 جويليه 1952 (بدون إمضاء).
(4/83)

وللأميري عادة خاصة برمضان، وهي أن يصلّي الصبح مغلسًا، ثم يتلو جزءًا من القرآن تلاوة متدبّر، ثم ينام قليلًا بعد طلوع الشمس، فإذا استيقظ نظم الخاطر الذي يصحب تلك اللحظة في خمسة أبيات، فإن تعددت الخواطر نظم كل خاطر في خماسية، حتى لينظم في الصباح الواحد ثلاث خماسيات أو أربعًا، وقد اجتمع له من هذه الخماسيات ديوان صغير، ورأى لإعجابه بـ «البصائر» أن تتولى نشرها تباعًا، كل خماسية في عدد، و «البصائر» ترحّب بالشعر والشاعر، وبهذا اللون الجديد العامر، وترى أن أحكم الشعر ما صوّر خواطر صاحبه، وأن خواطر الشعراء هي مادة لشعرهم كيفما كان وزنها ولونها.
...

وللأميري صلة وثيقة بجمعية العلماء، فهو متّصل بمبدئها الإصلاحي اتصال العقيدة والعمل، وهو متّصل برجالها منذ كان طالبًا في باريس قبيل الحرب الأخيرة، وهو معجب بـ «البصائر» مواظب على قراءتها من ذلك الحين، وهو يرتفع برئيسها الأول عبد الحميد بن باديس، ورئيسها الحالي محمد البشير الإبراهيمي إلى الصفوف الأولى من قادة الإسلام، وهو معجب بشاعر الجزائر محمد العيد، يحفظ كثيرًا مما نشر من شعره في «البصائر» ويتغنّى بمطالعه وغرره. وها نحن أولاء ننشر خماسية في كل عدد وقد ننشر له قصائد كاملة في مناسبات خاصة.
وما زال الأدب العربي يظفر في كل عصر من عصوره بهذا الطراز من الشعراء الوزراء، وإن لم يكن بين الوصفين تلازم عقلي ولا عرفي، عرف منهم تاريخ الأندلس عشرًا، وعرف منهم عصرنا الحاضر فؤاد الخطيب وخليل مردم وعبد الوهاب عزّام وعمر الأميري، فهل يطمع كل الشعراء أن يصبحوا وزراء؟ أم أن دولة الأدب ستضن برجالها؟
(4/84)

ديوان «مع الله» *
للشاعر عمر بهاء الدين الأميري
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قرأت هذا الديوان الصغير، الذي احتوته هاتان الدفتان ... ثم جاد الزمن علي بمعاشرة الشاعر ... عمر بهاء الدين الأميري ... في كراتشي، أسابيع، وتلطف فأسمعي كثيرًا من شعره، مكتوبًا ومحفوظًا، فدهشت لهذه الشاعرية الجيّاشة، التي وهبتها الفطرة الصافية لهذا الوزير الشاعر، وهذا الخيال الخصب الذي يفيض بالمعاني فيضًا ...
... وأقوى ما تبدع هذه الشاعرية، فيما لاحظت، حين تتصل نفس شاعرنا بالله، وبمجالي آياته في الكون، وبأسرار النفس البشرية وغوامضها، وصلاتها بما يجاورها من مخلوقات، ونسبتها إلى هذه العوالم، المنظورة والمغيبة.
كذلك حين تتصل أو تماس الآلام أو الآمال، فهنا ترى نوعًا غريبًا من الإبداع في الوصف، ونوعًا آخر من التحليق، وتسمع خفقات تتبعها زفرات ... تتبعها أنّات ... تنبعث منها آهات ... يمزجها الشاعر في مقاطيع صغيرة، من البحور القصيرة، سهلة السبك، سهلة القافية، فتأتي مؤدية لمعانيها، وكأنها بين الآهات انقطاع واستراحة ...
ولشاعرنا "خماسيات" تعوّد منذ سنين أن ينظمها في أيام "رمضان" وكأنها تجليات من روحانية هذا الشهر المبارك، على نفس الشاعر الرقيقة، التي يذكيها الاتصال بالله.
إن لإيمان صاحبنا الوزير الشاعر، وتقواه، وتربيته الدينية، ومحافظته على الشعائر، دخلًا كبيرًا في تلوين شاعريته، واضفاء جلال الدين عليها ... وهو في هذا شبيه بمثله من الشعراء الأتقياء- وقليل ما هم- ومنهم شاعر الجزائر محمد العيد. ولكن للأميري نفسًا مرحة، وشأوًا في الأحماض بعيدًا، ولكنه لا يجاوز لسانه، وهيامًا بالجمال في أكمل معانيه، لا يتدلى إلى المعاني التافهة، التي يسف إليها أصحاب النفوس الصغيرة ... وللشعراء في فهم
__________
* ديوان «مع الله»، دار الفتح، بيروت (لبنان)، 1392هـ، [ص:216].
(4/85)

الجمال وفي معانيه، وفي مجاليه، وفي تذوقه، مشارب متفاوتة، تبتدئ من "الملإ الأعلى" وتنتهي إلى "الغرائز السفلى"!
الشاعرية في شاعرنا الأميري قوية، حية، موهوبة، مشبوبة، جيّاشة، وهي مستندة على حظ من البيان العربي غير قليل، وثروة من اللغة محيطة بالمعاني التي راض الشاعر قريحته على النّظم فيها، وتبدو لسلاستها وسهولتها فطرية سليقية، لا تكلف فيها ولا عسر، مفصّلة على المعاني، موزّعة على الأغراض، كأنها لم تخلق إلا لها!
ولكم تمنيت لهذه الشاعرية القوية لو صحبها توسّع لغوي، وقراءة متأنية لفحول البلاغة، وإذن، لجاء من هذا الشاعر، نادرة العصر، ولَتكشّف عن فحولة تخمل الفحول.
أنا آسف جد الأسف، أن لا تنشر هذه المقاطيع الجميلة، وأن تبقى هذه القصائد من غير نشر، وقد لمت الشاعر، في دلال الأبوّة على هذا التقصير، وقلت له: إن هذا إزراء بالأدب الرفيع، ووأد لكرائم الشعر، وهي من عمرها في الربيع، وفهمت من ملابساتي للشاعر أن هذه النزعة منه راجعة إلى طبعه المتأصّل في الصلاح والتقوى، وأنا أطمع أن يكون لكلامي تأثير في نفسه، فيتحف الأدب العربي بهذه العرائس المخدرة في القريب. ولئن جاد بذلك، لَيجدنّني في طليعة المنوّهين بهذا العمل الجليل ...
كراتشي، باكستان في 14 رمضان 1371.
(4/86)

جواب على أسئلة ثلاثة *
ـ[السؤال الأول]ـ:
ما هو الموقف الحاضر في الجزائر، وهل هناك حركة إيجابية من الشعب للاتجاهات الاستعمارية الحديثة؟

ـ[الجواب]ـ: الاستعمار الفرنسي في الجزائر وفي شمال افريقيا عامة، هو أفظع أنواع الاستعمار التي عرفها البشر في مراحل التاريخ، لأنه ظلم صريح الأثر وحشي الأسلوب حيواني النزعة متوقح الوجه، ولأنه لا يتصل بالنفوس بحبل أو بخيط من الإحسان إليها ينتهك حرمات الله وحرمات الإنسان على السواء، وهو يحمل للإسلام والعربية حقدًا دفينًا يستره بأقواله، فتكفر به الأفعال القبيحة والمعاملات الشنيعة وانتهاكه لحرمات المساجد وابتلاعه لأوقاف المسلمين واحتكاره التصرّف في الشعائر الدينية كالحج.
لذلك لم يبق في الجزائر كبير ولا صغير إلا وهو واقف من هذا الاستعمار موقف العداوة، متربّص به دوائر السوء، عامل بما استطاع- ولو بالنية- على قطع دابره.
فالموقف في الجزائر بين الأمة الجزائرية والاستعمار موقف مكهرب بلغ النهاية في الحدة والشدة، فالحكومة تمعن في الظلم وتتصامم عن سماع كلمة الشكوى والحق وتتظاهر بالقوة، والأمة تقابل كل ذلك بالسخرية والتصميم على نيل حقّها الذي آمنت به وبأن هذا هو وقته وأنها تستحقه، وبأنها إن لم تنله اليوم سلمًا تناله غدًا غلابًا وهي تترقب الأيام وتتحيّن الفرص والحكومة تعلم هذا، وتعلم أن سلطان الاستعمار تزعزع وأن أيامه معدودة ولكنها تطاول وتعلّل النفس، وأسخف ما أصابها من خلق طارئ هو
__________
* استجواب لصحيفة باكستانية، 1952.
(4/87)

تظاهرها بالقوة على العزل، وبالقدرة على العجز في وقت لم تعد تنفع فيه القوة الحقيقية فضلًا عن الوهمية.
والمقاومة الحقيقية الموجودة في الجزائر هي مقاومة أهداف الاستعمار، وقد نجحت إلى أقصى حدود النجاح. فهو قد عمل في مئة سنة على محو آثار الإسلام من النفوس بقتل أخلاقه المتينة وعقائده الصحيحة، وعلى محو عزة العروبة من النفوس، ومحو بيانها من الألسنة والقرائح، وقد كاد ينجح، ولو نجح لتمّ له ما يريد بعد مئة سنة أخرى من فرنسة الجزائر وجعلها مسيحية الدين لاتينية الجنسية. ولكن جمعية العلماء هي التي وقفت له في هذا السبيل وسدّت عليه منافذ أغراضه الخبيثة فنبتت للإسلام قواعده وأحيت العربية ورجعت بها إلى أسبابها، فالجزائر اليوم عربية مسلمة على أصحّ ما تكون قواعد العروبة وأصدق ما يكون الإسلام، ولا نبالغ إذا قلنا ان جمعية العلماء انتصرت في هذا الميدان بجهادها وعملها المتواصل في تحرير الإسلام بالجزائر من عدوين متعاونين عليه، عدو من أبنائه الذين شوّهوا حقائقه بالضلال والتخريب، وعدو من خارجه، وهو هؤلاء المستعمرون الذين غزوه بالجندي والمبشّر، والسياسي والحاكم. وان الاستعمار هو أول الشاعرين بهذه الحقيقة، وهي أن جمعية العلماء هي التي قطعت عليه الطريق إلى هذه الغاية، وان عداوته لجمعية العلماء موزونة بهذا الميزان، فهو لا يخاف من الحركات السياسية المحضة خوفه من حركة جمعية العلماء، لأنه يستطيع أن يقمع تلك الحركات بالقوة أو بغيرها من الأساليب، ومنها الإرضاء والمساومة على الكل بالجزء وعلى الكثير بالقليل، أما حركة جمعية العلماء فقد غرزت في الأرواح ورسّخت في مستقرّ الإيمان، وهي بعد ذلك كلّ لا يتجزأ فإذا لم تنجح فهي لا تستسلم.
وليست حركة جمعية العلماء حركة دينية محضة بالمعنى المفهوم من أمثالها في الشرق الإسلامي، وإنما هي حركة كلية لها طرفان: أحدهما الدين بعقائده وأخلاقه وفضائله وروحانيته، والثاني الدنيا بقوّتها ومالها وعزّتها وسيادتها وعلومها، ولا فاصل بين الطرفين، ولا وجود لأحدهما بدون الآخر.
ولقد تشابهت السبل على الاستعمار في فهم هذه الحركة لعدم فهمه لحقائق الإسلام ولقياسه إياها على أمثالها في الشرق الذي ضعف فيه سلطان الدين. بهذا الاضطراب في الفهم حكم عليها بأنها حركة سياسية متسترة بالدين، وحاربها على هذا الأساس، وهو واهم في هذا أو متعمّد للكذب، فما كنا يومًا متسترين بالدين وإنما نحن عاملون على إحياء الإسلام بجميع ما فيه، فإذا كان في الإسلام كل شيء فنحن لذلك عاملون، وعلى ذلك فنحن لا نقف عند هذه الوطنيات الضيّقة المحدودة التي هي من آثار الاستعمار لا من آثار الإسلام، بل نعمل على قدر الإمكان لجمع هذه الأوصال الممزقة على كلمة الإسلام، وجمعها في حظيرة واحدة كما هي غاية الإسلام. ولسنا نتأرك في هذا أو نتستر.
(4/88)

ـ[السؤال الثاني]ـ:
ما رأيكم في الحركات التحريرية القائمة في تونس ومراكش، وهل من سبيل إلى توحيدها جمعيًا؟

ـ[الجواب]ـ: مراكش وتونس جزءان من وطننا المحبوب الشامل تسلّط عليهما الاستعمار الفرنسي بعد الجزائر بمدة تبلغ الخمسين عامًا بالنسبة إلى تونس وثمانين عامًا بالنسبة إلى مراكش وما تسلّط عليهما إلّا ليحصن بهما الجزائر.
وحركتهما اليوم حركة متحدة الأهداف متفجرة من صميم الأمة، متّقدة الشعور عميقة الجذور ملتهبة الوطنية. وهيهات أن تخبو أو تفتر كما يطمع الاستعمار غرورًا وكما يقدر جهلًا، وكما يقيس باطلًا. فإن حركة اليوم نتيجة يأس من جميع الطرائق والأساليب التي مرّت عليها الحركة، ونتيجة اعتقاد بأن الاستعمار الفرنسي أصمّ أعمى أبكم مجنون.
وأما توحيد هذه الحركات، فقد مرّ بثلاثة أطوار يوم كان سلمًا ومطالبة بالكلام: الطور الأول: توحيد الأحزاب المراكشية في طنجة على يد البعثة الصحافية المصرية المباركة. والثاني الجبهة الجزائرية على يد جمعية العلماء، والثالث ميثاق الأحزاب السياسية لشمال أفريقيا الذي تمّ في باريز على يد جمعية العلماء في شهر ديسمبر 1951.
وسيكون لهذه الأعمال أثرها في توحيد الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي.

ـ[السؤال الثالث]ـ:
نرجو إعطاءنا ملخصًا موجزًا عن تاريخ حياتكم.

ـ[الجواب]ـ: ولدت في بادية تابعة لمدينة (سطيف) من مقاطعة قسنطينة، وأعانني على تحصيل علوم العربية والدين أمران: طبيعي وهو توقّد الذهن وقوة الحافظة، واجتماعي وهو أن بيتنا بيت علم نتوارث رئاسته منذ قرون، فأخذت كل ذلك في بيتنا عن أبي وعمّي فحفظت القرآن وأنا ابن تسع سنين، وحفظت في هذه السن من لغة العرب وشعر العرب الشيء الكثير. ثم هاجر أبي بعد موت عمّي إلى المدينة المنوّرة سنة 1908 هجرة دينية سببها ضغط الاستعمار وظلم الحاكمين، ولحقت به سنة 1911 فأتممت دراسة الحديث والتفسير بالحرم المدني على أمثل من أدركته من علمائهما، وألقيتُ دروسًا كثيرة للتلامذة المهاجرين بالحرم.
وفي أثناء سنة 1916 خرجت إلى دمشق في من خرج من أهل المدينة بسبب حصار الشريف حسين لها فأقمت فيها إلى أواخر سنة 1919، ولي فيها معارف وأصدقاء وتلاميذ من الطبقة النابهة اليوم.
(4/89)

في أول سنة 1920 رجعت إلى الجزائر، رغم إلحاح الملك فيصل على بقائي بالشرق ورجوعي إلى المدينة المنوّرة لتولّي إدارة المعارف بها. ولدى عودتي وجدت النهضة التعليمية قد بدأت أصولها على يد الإمام عبد الحميد بن باديس العالم المفكر الذي لم ينبت الشمال الأفريقي مثله إلى اليوم. فاتصلنا على التفكير والعمل لخير الإسلام في الجزائر، وبدأ عدد المفكرين يكثر في هذا السبيل والفكرة تنتشر وتلامذة الإمام ابن باديس يتزايد عددهم ويتدربون على الخطابة والاستدلال إلى أن جاءت سنة 1931 وهي السنة الموالية للاحتفال بمئة سنة للاستعمار الفرنسي. وفيها تأسست جمعية العلماء الجزائريين تأسيسًا رسميًا قانونيًا وشرعت في أعمالها الأولية وهي محاربة الآفات الاجتماعية التي أفسدت المجتمع الإسلامي كالخمر والميسر والزنا، بواسطة الدروس الوعظية في المساجد، فأحسّت الحكومة بأن هذه الدروس تفسد عليها خطتها في إفساد العقول بالخمر وإتلاف الأموال بالميسر. فاستصدرت قرارًا بمنع العلماء الأحرار من التدريس بالمساجد لأنهم مشوّشون، ورأت جمعية العلماء أن الأمة هي محل النزاع بينها وبين الحكومة، فالحكومة تريد أن تتركها جاهلة فقيرة، والجمعية تريد تعليمها وإرشادها إلى سواء الصراط في الدين والدنيا، فصمّمت على مواصلة سيرها ومضاعفة عملها في الاتصال بالأمة فانتقلت من المساجد إلى الأسواق والقرى والبوادي، ثم إلى الشوارع والبيوت ودور السينما والمقاهي. وقلنا للأمة منعتنا الحكومة من الاجتماع بك في بيوت الله فلنتصل بك في كل شبر من أرض الله. وتقدمت الكتائب الأولى وما منهم إلا الخطيب المفوّه والواعظ المؤثر فاتصلت بالأمة وحرّكت أوتار النفوس وغزت مكامن العقائد وأفضت إلى مستقرّ اليقين فاجتثت الباطل من العقائد والتأثرات والأخلاق والتصوّرات وغرست فيها الحق من ذلك كله. وهذه أولى مراحل النجاح في عمل الجمعية.
(4/90)

في العراق
(من يونيو إلى أغسطس 1952)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/91)

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها *
إلى القرآن من جديد
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم إلله اِلرَ اجّمىدرَّحِيم
أيها الإخوان المسلمون:
أبعث إليكم على أمواج الأثير بواسطة راديو بغداد تحية الإسلام المباركة الطيّبة الزكية التي هي رمز الأمان، وعنوان الإيمان، والتي يسمعها المسلم من أخيه، فينبعث معها الروح إلى القلوب، ويتفشّى معها الاطمئنان في الجنوب، وينبثّ بسببها الأنس والبشاشة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية تقرّبني منكم، فأجد في نفسي حديث رجعها عنكم. وحسبي وحسبكم هذا صلة جامعة تمهّد لما وراءها من نصح وحث، أو من شكوى وبث.

أيها الإخوان:
عنوان هذا الحديث الذي تسمعونه الليلة هو: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وهذا العنوان جملة ان لم تكن من كلام النبوّة فإن عليها مسحة من النبوّة، ولمحة من روحها، وومضة من إشراقها.
والأمة المشار إليها في هذه الجملة أمّة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، وصلاح أول هذه الأمة شيء ضربت به الأمثال، وقدمت عليه البراهين، وقام غائبه مقام العيان، وخلّدته بطون التواريخ، واعترف به الموافق والمخالف، ولهج به الراضي والساخط، وسجّلته الأرض والسماء، فلو نطقت الأرض لأخبرت أنها لم تشهد- منذ دحدحها الله-
__________
* مجلة "الاخوة الإسلامية"، العدد 1، 21 نوفمبر 1952، ثم نقلته «البصائر»، العدد 218، السنة الخامسة، 20 فيفري 1953، مع التقديم الآتي: موضوع حديث قيّم للأستاذ الرئيس كان ألقاه بدار الإذاعة في بغداد، واختصّ به مجلة "الأخوة الإسلامية" الصادرة بعاصمة الرشيد بتاريخ 4 ربيع الأول 1372 لصاحبها الأستاذ محمد محمود الصوّاف. وقد رأينا إثباته هنا نقلًا عن المجلة المذكورة تعميمًا لفائدته، وتجديدًا لعهد الاتصال بالأستاذ الرئيس عن طريق ما يُذاع لسماحته وينشر من الأحاديث القيّمة. وهو يتنقل في ربوع الشرق العربي والإسلامي.
(4/93)

أمة أقوم على الحق وأهدى به من أول هذه الأمة، ولم تشهد منذ دحدحها الله مجموعة من بني آدم اتّحدت سرائرها وظواهرها على الخير مثل أول هذه الأمة، ولم تشهد منذ دحدحها الله قومًا بدأوا في إقامة قانون العدل بأنفسهم. وفي إقامة شرعة الإحسان بغيرهم مثل أول هذه الأمة، ولم تشهد منذ أنزل الله إليها آدم وعمرها بذريته مثالًا صحيحًا للإنسانية الكاملة حتى شهدته في أول هذه الأمة. ولم تشهد أمّة وحّدت الله فاتّحدت قواها على الخير قبل هذه الطبقة الأولى من هذه الأمة.
هذه شهادة الأرض تؤدّيها صامتة فيكون صمتها أبلغ في الدلالة من نطق جميع الناطقين ثم يشرحها الواقع ويفسّرها العيان الذي لم تحجبه بضعة عشر قرنًا. بل إن هذه الأمة استقامت في مراحلها الأولى على هدي القرآن وعلى هدي من أنزل على قلبه فبيّنه بالأمانة، وبلغه بالأمانة وحكم به بالأمانة وحكمه في النفوس بالأمانة وعلم وزكى بالأمانة ونصبه ميزانًا بين أهواء النفوس وفرقانًا بين الحق والباطل، وحدًا لطغيان الغرائز وسدًا بين الوحدانية والشرك. فكان أول هذه الأمة يحكمونه في أنفسهم ويقفون عند حدوده ويزنون به حتى الخواطر والاختلاجات، ويردون إليه كل ما يختلف فيه الرأي أو يشذ فيه الفكر، أو يزيغ فيه العقل، أو تجمح فيه الغريزة، أو يطغى فيه مطغى النفس.
فالذي صلح به أول هذه الأمة، حتى أصبح سلفًا صالحًا، هو هذا القرآن الذي وصفه منزله بأنه إمام وأنه موعظة، وأنه نور وأنه بيّنات، وأنه برهان وأنه بيان، وأنه هُدًى، وأنه فرقان، وأنه رحمة، وأنه شفاء لما في الصدور، وأنه يهدي للتي هي أقوم، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأنه قول فصل، وما هو بالهزل.
ووصفه من أنزل على قلبه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، بأنه لا يخلق جديده ولا يبلى على الترداد ولا تنقضي عجائبه، وبأن فيه نبأ من قبلنا وحكم ما بعدنا، ثم هو بعد حجة لنا أوعلينا.
القرآن هو الذي أصلح النفوس التي انحرفت عن صراط الفطرة وحرّر العقول من ربقة التقاليد السخيفة وفتح أمامها ميادين التأمّل والتعقّل ثم زكّى النفوس بالعلم والأعمال الصالحة وزيّنها بالفضائل والآداب، والقرآن هو الذي أصلح بالتوحيد ما أفسدته الوثنية، وداوى بالوحدة ما جرحته الفرقة واجترحته العصبية، وسوّى بين الناس في العدل والإحسان فلا فضل لعربي- إلا بالتقوى- على عجمي، ولا لملك على سوقة إلا في المعروف، ولا لطبقة من الناس فضل مقرّر على طبقة أخرى.
والقرآن هو الذي حل المشكلة الكبرى التي يتخبّط فيها العالم اليوم ولا يجد لها حل، وهي مشكلة الغنى والفقر، فحدّد الفقر كما تحدد الحقائق العلمية، وحث على العمل كما
(4/94)

يحث على الفضائل العملية، وجعل بعد ذلك التحديد للفقير حقًا معلومًا في مال الغني يدفعه الغني عن طيب نفس لأنه يعتقد أنه قربة إلى الله، ويأخذه الفقير بشرف لأنه عطاء الله وحكمه، فإذا استغنى عنه عافه كما يعاف المحرم. فلا تستشرف إليه نفسه ولا تمتد إليه يده.
والقرآن هو الذي بلغ بهم إلى تلك الدرجة العالية من التربية، ووضع الموازين القسط للأقدار فلزم كل واحد قدره فكان كل واحد كوكبًا في مداره، وأفرغ في النفوس من الأدب الإلهي ما صيّر كل فرد مطمئنًا إلى مكانه من المجموع، فخورًا بوظيفته منصرفًا إلى أدائها على أكمل وجه، واقفًا عند حدوده من غيره عالمًا أن غيره واقف عند تلك الحدود، فلا المرأة متبرمة بمكانها من الرجل لأن الإسلام أعطاها حقّها واستوقن لها من الرجل واستوثق منه على الوفاء، ولا العبد متذمّر من وضعه من السيد لأن الإسلام أنقذه من ماضيه فهو في مأمن، وحدّد له يومه فهو منه في عدل ورضى، وهو بعد ذلك من غده في أمل ورجاء ينتظر الحرية في كل لحظة وهو منها قريب، ما دام سيّده يرى في عتقه قربة إلى الله وطريقًا إلى الجنة وكفّارة للذنب.
كذلك وضع القرآن الحدود بين الحاكمين والمحكومين، وجعل القاعدة في الجميع هذه الآية: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}، وان في نسبة الحدود إلى الله لحكمة بالغة في كبح أنانية النفوس.
القرآن إصلاح شامل لنقائص البشرية الموروثة، بل اجتثاث لتلك النقائص من أصولها. وبناء للحياة السعيدة التي لا يظلم فيها البشر ولا يهضم له حق على أساس من الحب والعدل والإحسان. والقرآن هو الدستور السماوي الذي لا نقص فيه ولا خلل: فالعقائد فيه صافية، والعبادات خالصة، والأحكام عادلة، والآداب قويمة، والأخلاق مستقيمة، والروح لا يهضم لها فيه حق، والجسم لا يضيع له مطلب.
هذا القرآن هو الذي صلح عليه أول هذه الأمة وهو الذي لا يصلح آخرها إلا عليه ...
فإذا كانت الأمة شاعرة بسوء حالها، جادة في إصلاحه، فما عليها إلا أن تعود إلى كتاب ربّها فتحكمه في نفسها، وتحكم به، وتسير على ضوئه وتعمل بمبادئه وأحكامه، والله يؤيّدها ويأخذ بناصرها وهو على كل شيء قدير.
(4/95)

تعارف المسلمين مدعاة لقوّتهم وعزّتهم *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها المستمعون الكرام:
أبعث إليكم على أمواج الأثير بواسطة راديو بغداد تحيات الإسلام الطيبات الزكيات، وأعرفكم في جمل قصيرة بمغزى رحلتي، وبشيء من أعمال الجمعية التي أوفدتني، وسأحدثكم بعد الليلة بشيء من أحوال الشمال الأفريقي الذي هو قطع عزيزة من أوطان الإسلام.
الغرض الأساسي من رحلتي هو التعرّف إلى إخواني المسلمين بالوصف الجامع بيننا وهو أخوة الإسلام. ودراسة أحوالهم في مواطنهم، والاتصال بعلمائهم وزعمائهم وقادة الفكر والرأي فيهم، لننظر ونتبادل الرأي في إصلاح الفاسد من أحوالهم، وإكمال الناقص من أعمالهم، والتعاون على تبديل حالتهم بما هو أحسن منها، وإزالة هذا التناكر الذي يسود مجتمعاتهم، وتهيئة الوسائل الممكنة لتعارف الأخ بأخيه.
بدأتُ بباكستان، وأطلت فيها لأن لها من مركزها ونشأتها وأحوالها الداخلية ما يقتضي هذا التطويل، وسأنشر آرائي فيها بواسطة الصحافة إن شاء الله، ليعرف إخواننا البعيدون عنها أشياء من حقائقها.
وأنا الآن في العراق، وسأواصل رحلتي لبقية الأقطار الإسلامية لهذا الغرض الشريف، وهو الدراسة والتعرّف، فإن من النقائص التي لازمت المسلمين قرونًا وفوّتتْ عليهم خيرًا كثيرًا وكانت سببًا في إطالة آلامهم وأمراضهم، هذا التناكر الذي يسود مجتمعاتهم، وقد آن الأوان لأن تتعارف هذه الوجوه المتناكرة، وتتقارب هذه النفوس المتنافرة، ووجب على كل مسلم مخلص لدينه، مالك لوسيلة من وسائل التأليف بين مسلم ومسلم أن يسعى في ذلك
__________
* من حديث في إذاعة بغداد، يونيو 1952.
(4/96)

بإخلاص، وأن يوجه كل مسلم إلى أخيه، وأن يؤذن فيهم بالتعارف الذي هو بريد التعاون، الذي هو بريد القوّة والعزّة، وأن ينذرهم بأن هذا التقاطع بينهم ليس من روح دينهم، وإنما هو من آثار البُعد عن دينهم، وأنهم أضاعوا حقيقتهم يومَ أضاعوا هذه المعاني التي كانت تربط أجزاءهم، وتحفظ عزتهم، وتمكّن لسيادتهم في الأرض، حتى أصبحوا كلهم- بتفرقهم- في حكم العبيد، ولم تُغنِ عنهم كثرتهم العددية شيئًا حينما أضاعوا تلك الكثرة المعنوية.
آن الأوان لأن تتعارف، وآن الأوان لأن تجتمع هذه الأجزاء المتنافرة من الجسم الإسلامي الكبير، ووجب على كل مخلص لدينه أن يسعى في جمع هؤلاء الإخوة المتقاطعين في مصلحة غيرهم.

أيها المستمعون الكرام:
في العالم الإسلامي مؤسسات كثيرة وجمعيات وأحزاب وجرائد ومجلات، وهذه المؤسسات هي التي يجب عليها أن تتعارف بتبادل الزيارات والجرائد والكتب والنشريات، وأن تقف جهودها كلها من نقطة ارتكاز وهي: تعريف المسلم بأخيه المسلم، وتقريب وسائل استفادة المسلم من أخيه المسلم، حتى يكون التعارف مثمرًا ثمرات كاملة.
وإنني أحدّثكم اليوم بمثال من هذا فأعرّفكم بجمعية العلماء الجزائريين وبشيء من أعمالها للإسلام، فإذا عرفتم عنها الكليات، كان ذلك مدعاة لكم إلى البحث عن الجزئيات من أعمالها. وإن هذه المعرفة تفيدكم نشاطًا وتبعث في الجمعية تنشيطًا حينما تعلم أنها بعين من إخوانها أهل الفكر والرأي في العالم الإسلامي.
جمعية العلماء الجزائريين لفظ معناه جماعة من العلماء المصلحين جمع بينهم العلم الواسع بحقائق الإسلام المستمدّة من الكتاب والحديث، والاطّلاع الواسع على التاريخ الإسلامي والحظ الوافر من الاطّلاع على أسرار اللسان العربي الذي هو لسان الإسلام وترجمان حقائقه، وجمع بينهم- زيادة على ذلك- نسق من الأخلاق المحمدية منها الإخلاص في الذود عن حقائق الإسلام وتطهيره من كل ما علق به من ضلال العقائد وبدع العبادات، وزيغ الأخلاق، ومنها الألم لحالة المسلمين الحاضرة مع العلم بأن منشأها الأول آت من هجرهم للقرآن وبُعدهم عن فهمه فبعدوا عن هدايته، ومع اعتقاد أنهم لا يعودون إلى ماضيهم العزيز إلّا إذا عادوا إلى القرآن فأحيوه، وأن هذه الجيوش من الرذائل التي تهاجم الإسلام في إيراد الشبه وفي تزيين الإلحاد، لا تُدفع إلّا بالاعتصام بالعروة الوثقى وهي القرآن.
إن في الجزائر ذلك القطر الذي هو قطعة من وطن العروبة الأكبر، وفلذة من كبد الإسلام، معاني من الدين وكنوزًا من الأخلاق الإسلامية الشرقية لاذت بنفوس عربية،
(4/97)

وتوارثتها الأجيال عن الأجيال، ومرّت بها فترات من الجهل والضلال، ونزعات من الظلم الأجنبي والاعتلال، فلم تفسدها ولم تفض إلى مكامنها حتى ظهرت في هذا العصر وتجلّت، أظهرتها الحركة الإصلاحية القائمة على يد جمعية العلماء الجزائريين.
إن في المغارب الثلاثة تونس والجزائر ومراكش قريبًا من ثلاثين مليونًا من المسلمين العرب الأشداء في إسلامهم وعروبتهم، وطالما انتابتهم الأحداث التي تنسي الإنسان جميع مقوّماته، ولكنهم لم ينسوا عروبتهم ولم يضيعوا إسلامهم، وآخر الأحداث التي حلّت بهم هذا الاستعمار الفرنسي الجاثم على شمال أفريقيا (1).
...
__________
1) لم نعثر على بقية الحديث، ولعله أكمله ارتجالًا.
(4/98)

في الموصل *
ها أنا ذا رجعت من جولة قصيرة في هذه القطعة العزيزة من وطني الإسلامي الأكبر، والفلذة الحية من كبد العراق، وهي الموصل وما جاورها عن الشمال والشرق، وأنا آسف أن لم يتّسع وقتي لزيارة ما جاورها عن الغرب، مع أنّ لي في تلعفر وسنجار جولات ذهنية تاريخية لا تقلّ عمّا لي من تلك الجولات الذهنية التاريخية في الموصل وإرْبيل، كعادتي في هذه الرحلة.
زرتُ هذه القطعة دارسًا في الدرجة الأولى لنفوس أبنائها، وممحصًا لأخلاقهم، ومستجليًا لما أبقت تصرفات الزمن وتقلبات الأحداث فيها من معاني الإسلام التي غرسها القرآن، وسقاها علماء القرآن الذين أنبتتهم هذه البقعة الخصيبة، فأفاءوا عليها الكثير الطيب زكاء وريعًا ونماء وبركة، وقد كانت هذه القطعة من شمال العراق منبت عظماء ومعدن علماء ومطلع فنّانين، ناهيكم بالموصل التي نبّهت في أهلها الحنين إلى الرحم المجفوة بينهم وبين شمال افريقيا ... تلك الرحم التي بدأت في باب البطولة بعبد الله بن الحبحاب، وختمت في باب الفن بزرياب.
وعبد الله بن الحبحاب الموصلي هو الذي اختط جامع الزيتونة بتونس سنة 114 قبل أن يختط جوهر الصقلّي الجامع الأزهر في القاهرة المعزية بأكثر من قرنين، والزيتونة والأزهر هما منذ قرون منارتا العلوم الإسلامية في الشرق والغرب.
وزرياب نفحة فنية من نفحات الموصليين تصدقت به بغداد مكرهة على الأندلس، فبقي عطره وشذاه ساريين في الفنّ الموسيقي بالشمال الأفريقي إلى الآن.
__________
* كلمة ألقيت بالموصل الحدباء، يوليو 1952، ونشرت «البصائر» ملخصًا لها ووصفًا لاستقبال الموصل في عدد 200، 8 سبتمبر 1952.
(4/99)

فإذا جاوزنا هذين، فما أحلى وما أغلى ما أهداه شمال العراق إلى شمال إفرلقيا من فلسفة أبي عثمان ابن جني في لسان العرب التي هي روحانية العربية تجلّت لطائفها على لسان ابن جني، ومن الآداب الرقيقة التي سالت بها قرائح السري الرفّاء والخالديين والتلعفري، وكأنّ الله تعالت كلمته ادّخر لأخيكم هذا منقبة أداء الواجب عن الأموات في الأندلس وعن الأحياء في المغارب الثلاثة، وما هذا الواجب إلّا ثناء كعرف المسك يُهدى لأهل الموصل، وان ديون الأدب لا يسقطها مرُّ القرون.
وزرتُها دارسًا في الدرجة الثانية بما يسعه وقتي لآثار الأقدمين الذين عمروا العراق، منتفعًا بالعِبر، واصِلًا للمبتدإ من شأنهم بالخبر، مهتديًا بهدي القرآن الذي يأمرنا بالسير في الأرض والنظر في عواقب ومصائر مَن قبلنا، وان العراق من أغنى الأقطار بهذه الآثار، فهو يكاد يكون متحفًا لآثار الحضارات والشرائع القديمة، وما كان متحفَ الحضارات والشرائع إلا لأنّه كان مدفن الحضارات والشرائع، وما كان مدفن الحضارات والشرائع إلّا لأنّه كان منبتًا للحضارات والشرائع، وكان لذلك مساحب للفاتحين، ومجالًا للطامحين، ففي سهول اربيل ائتَقَى الشرق والغرب ممثلين في الاسكندر وداريوس متصاولين متطاولين إلى جعل الممالك مملكة واحدة، وعلى تلك السهول مرت موجات الهجرة الآرية من الشرق إلى أوروبا في أحقاب التاريخ البعيد.
...

وما لي لا أصدقكم- أيها الإخوان- جلية نفسي، وهي أن دراسة الآثار كانت من نوافل أعمالي ومن التوابع الثانوية للباعث الأصلي، وهو الالتقاء بإخواني الذين هم أبعد أجزاء العراق عنّا، ووزن حالتهم بحالة جنوب العراق ووسط العراق، ثم وزن الجميع ببقية أجزاء العالم الإسلامي، ووزن الجميع بقومي الأدنين وعشيرتي الأقربين من تفاوت واتفاق، في الأخلاق.
وما لي لا أصدقكم ثانية، بأنني وجدتُ العلة واحدة والأحوال متشابهة، حتّى كأننا سلالة أبوة قريبة العهد، ففي بعضنا من بعض مَشابه- على بُعد الدار-: جمود وخمود وركود، جمود في فهم الحياة، وخمود في القوى السائقة إلى الحياة، وركود في الأعمال التي يتفاضل بها الأحياء، والغايات التي يتسابق إليها الأحياء.
وإن تشابهنا جميعًا في هذه الأحوال العامّة، وتقاربنا جميعًا في الأحوال الخاصّة، وقعودنا جميعًا عن مراتب الرجولة، وتجردنا جميعًا من فضائل الشجاعة والغيرة على الحمى، والحفاظ والغضب للعرض وحماية الحقيقة، ورضانا جميعًا بالذل والضيم والمهانة والتعبّد للأجنبي، والخضوع له في كلّ شيء، والسعي في مرضاته حتّى فيما يهدم ديننا ويضيع
(4/100)

قوميّتنا، واحتقار بعضنا لبعضنا، كلّ هذا التشابه الذي يجده الباحث المستقرئ في أحوال المسلمين بارزًا في جميع المسلمين من أقصى السوس في المغرب الأقصى إلى أقصى الشرق في أندونيسيا- هو الذي جرّأ أعداء الإسلام على أن يجعلوا سببه الأصلي هو الإسلام، وبنوا على هذه المقدّمة الخاطئة أن الإسلام دين خمود وركود وجمود وخضوع وخنوع، ثم أوهموا الجاهلين منا بحقائق الإسلام وتاريخ الإسلام وأمجاد الإسلام أن هذا هو الحق المبين، وأن هذه هي النتيجة المنطقية، فأضلّوهم وأصبحوا يردّدون معهم هذه الكلمات، كما تردّد الببغاء ما تسمع من غير فهم ومن غير عقل، وان مصيبتنا بالجاهلين منا أعظم من مصيبتنا بالأجنبي، فالأجنبي يحتلّ ويستغلّ وهو يعلم أن الدار ليست داره وأنه خارج منها لا محالة، ولكنه لكيده للإسلام وعداوته للمسلمين لا يخرج حتّى يفسد على أصحاب الدار شأنهم بما ينفثه في عقولهم من المعاني الخبيثة المفرقة، وحتّى يترك فريقًا من أهل الدار يسبّحون بحمده، وفريقًا يحنّون إلى عهده، وقد أصبحنا من هذه الحالة على قاعدة، وهي أن كلّ أجنبي لا يخرج من أرض شرقية إلا وهو على نيّة الرجوع.
إن أَمْضَى سلاح قاتلنا به فقتلنا هو التضريب بين صفوفنا حتّى أصبح بعضنا لبعض عدوًا، والتخريب لضمائرنا حتّى أصبحت خيانة الدين والوطن بيننا مَحْمَدَةً نتمادح بها، والتمزيق لجامعتنا حتى أصبحنا أممًا متنابذة نتعادى لإرضائه، ونتمادى في العداوة بإغوائه، والتوهين لقوانا المعنوية حتّى أصبحنا كالتماثيل الخشبية لا ترهب ولا تخيف، والاستئثار بقوّاتنا المادية حتّى أصبحنا عالةً عليه، والتعقيم لعقولنا وأفكارنا حتّى أصبحنا نتنازل عن عقلنا لعقله وإن كان مأفونًا، وعن فكرنا لفكره وإن كان مجنونًا، وتلقيح فضائلنا برذائله حتّى انحطّت فينا القيم المعنوية، وبخست موازين الفضيلة عندنا، وأخيرًا ترويضنا على المهانة حتّى أصبحنا نهزأ بماضينا افتتانًا بحاضره، ونسخر من رجالنا الذين سادوا العالَم وساسوه بالعدل إعجابًا برجاله، وننسى تاريخنا لنحفظ تاريخه، ونحتقر لساننا احترامًا للسانه، ووَاذُلّاه! أيرفع الشرق كبراءَه ليكونوا أدوات لانحطاطه، ويُعزّهم ليكونوا آلات لإذلاله!
هذا الاستعمار لعقولنا وأفكارنا هو أخطر أنواع الاستعمار علينا، وإن مصائبه منزلة علينا من إجلالنا للفكر الذي يأتي من أوروبا والكتاب الذي يأتي من أوروبا، وتقديسنا للأستاذ الذي يأتي من أوروبا والفنون المسمومة التي تأتينا من أوروبا.
هذا النوع الخطر من الاستعمار العقلي هو الذي مهّد للطامّة الكبرى التي هي مأرب الاستعمار منّا، وهي هذه الوطنيات الضيّقة المحدودة التي زيّنها لنا كما يزّين الشيطان للإنسان سوء عمله، وحبّبها إلينا كما يحبّب الطبيب الغاشّ للمريض تجرّع السمّ باسم الدواء، ولو كانت خيرًا لَسبقنا إليها في أممه وأوطانه، ولكنه يتزيد بالعناصر الأجنبية ليقوى في نفسه، ويفرّقنا لنضعف، فيكون ضعفنا قوّة فيه.
(4/101)

أليست هذه الوطنيات الضيّقة هي التي أضعفت الحمية الإسلامية حتى قتلتها في النفوس، أليست هذه الوطنيات الضيّقة بمثابة تقسيم الخبزة إلى لقم يسهل مضغها وازدرادها وهضمها؟
والذي روحي بيده لو كان العرب أمّة واحدة لما ضاعت فلسطين.
والذي روحي بيده لا تقوم لنا قائمة حتّى نرجع إلى الوطنية الكبيرة الجامعة الواسعة اللامعة النافعة وهي وطنية الإسلام.
...

أيها الإخوان:
إن السبب الأكبر لرحلتي هذه بعد الدراسة والتعارف هو السعي في إحياء الجامعة الإسلامية التي هي خير ما يجتمع عليه الشرق وأممه وملله.
وقد كان الاتصال بيننا قريبًا من المحال، لأنّنا تناكرنا وماتت ملكة التعاطف والتعارف في نفوسنا من قرون، فلمّا فتحنا آذاننا على رجّة الأحداث، وفتحنا أبصارنا على أشلائنا الممزقة، وفتحنا بصائرنا على بُعدنا من الدين وهدايته، وتخبّطنا في ظلام مما كسبت أيدينا، وحاولنا صلة رحم الإسلام ووصل أجزاء الشرق، جَعَلَ الاستعمار بيننا ردمًا، وأوسع معالم الاتصال بين الشرقي والغربي منا رغمًا، وضرب بيننا بسور ليس له باب.
وقد كانت الخواطر تمثل لي هذا الاتصال فتبعث في جوانب نفسي بهجةً وسرورًا، فكيف لا أبتهج وقد أصبح حقيقة واقعة، وإنّني أعتبر رحلتي هذه فتحًا لباب، وعنوانًا لكتاب، ومقدّمة لنتائج، وإذا رجعنا إلى الفال نستفتح به أقفال الغيب، ونسِمُ به إغفال المستقبل رأينا أن صبيب المزن مبدؤه قطرة، وأن عصف الريح مبدؤه نسمة، وأن صادق الوحي أوّله رؤيا منام، ثم بعد تلك البدايات ينهمر الغيث وتعصف الأعاصير ويتواتر الوحي.
...

أيها الإخوان:
هذه الحركات المرجوّة تحتاج إلى قائد من طراز علوي سماوي الروح، وهذه الحركات المرجوّة مفتقرة إلى حكومة تحتضن وتحمي الحريّة، وإلى وطن- ولو ضيّق الأرجاء- يؤوي وينفق.
لا نصدق بعد اليوم الأمثال فينا، ولا نثق بزخرفة القادة الملحدين، فمحال أن يقودنا إلى الجنّة مَن هو مِن أهل النار، وهيهات أن يقودنا إلى الحريّة مَن هو عبد شهواته، ومحال على كرامتنا أن نبقى بعد اليوم كمونًا يسقيه وعد، وإبلًا يوردها سعد.
(4/102)

بغداد تكرّم المغرب العربي *
أيها الإخوان:
التحايا مفاتيح القلوب، وذرائع الأمل المطلوب، وأشرف التحايا ما مازج النفوس، وخالط الأرواح، ووافق الأمزجة، وأيقظ العواطف النائمة، وحرّك الأوتار الحية بما يشجي ويطرب، ووصل خصائص الأجداد بخصائص الأحفاد فكان بينهما ما يكون من التقاء السالب بالموجب في القوانين الكهربائية: حركة وضوء وحرارة.
فلا أحييكم بما حيّا به المعرّي الحبيب وربعه، مخالف دينه وطبعه، إذْ يقول:
تَحِيَّةُ كِسْرَى فِي السَّنَاءَ وتُبَّعِ … لِرَبْعِكَ لَا أَرْضَى تَحِيَّةَ أَرْبُعِ
ولا أحيّيكم بما حيّا به ابن الرومي مأوى تشيّعه، ومهوى تسبّعه، حين يقول:
سَلَامٌ وَرَيْحَانٌ وَرَوْحٌ وَرَحْمَةٌ … عَلَيْك، وَمَمْدُودٌ مِنَ الظِّلِّ سَجْسَجُ
بل أرتقي صعدًا إلى تلك التحية الفطرية التي جاء بها دين الفطرة رمزًا للأمان، وعنوانًا للإيمان، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كلمات مفصّلة، ومعان محصّلة، تبعثها الروح إلى الروح، وتنضح الكبد المقروح بالبثّ المشروح.

أيها الإخوان: أحييكم بهذه التحية عن نفسي كما ينفح العطر من الجليس إلى الجليس، وعن أخويّ الكريمين ممثلي تونس المجاهدة الصابرة الحاضريْن في هذا الحفل الحافل: الأستاذين محمد بدرة وعلي البلهوان.
__________
* من الكلمة التي ألقاها الإمام في حفل ببغداد أُقيم على شرفه بحضور الزعيمين التونسيين محمد بدرة وعلي البلهوان، يوليو 1952.
(4/103)

إن نفسي تحدثني ولا تكذبني أن هذا التكريم الذي تفتنّ فيه بغداد ليس مصروفًا لشخصي، إنما هو موجّه إلى وطني وأبناء وطني الذائدين عن حماه.
وأحييكم عن جمعية العلماء الجزائريين التي أتت بما يُشبه معجزة موسى في إنقاذ أمّة، وبما يُشبه معجزة عيسى في إحياء ميّت، وكانت هي في نفسها من معجزات محمّد - صلى الله عليه وسلم - في خدمة دينه وإحياء لسانه.
وأحييكم باسم الشمال الافريقي الجبّار على الأعداء وعلى العوادي، الثائر على الهوان والظلم منذ برأه الله، مقبرة الطغاة، وجحيم البغاة، لا مقصرًا إن شاء الله في جزائه، ولا مفرّقًا لأجزائه، ولا معترفًا بالحدود التي خطتها يد الظلم والعدوان.
أحييكم عن تلك الأقطار التي فرّقت بينها وبينكم الأقدار وأسمعكم من ألحانها الحزينة نجواها، وأبثّكم من أحوالها المؤلمة شكواها، بلسانها الحرّ الأصيل المعرب، وبيانها العذب الشجي المطرب، تحياتٍ تصافح مواطن الإحساس من نفوسكم، وتخالط معاقد الإيمان من قلوبكم، وتحرّك أوتار الحمية في صدوركم، وتنتظر رجع الصدى بإرواء الصادي، ودلالة الهدى من الدليل الهادي، ونعرة الفدا من الشقيق الفادي.
فحيّاكم الله وأحياكم وأدامكم وأبقاكم، وذخركم للعروبة تصلون أسبابها، وتردّون عليها نضرتها وشبابها، وللإسلام ترفعون أعلامه وتدفعون ظلّامه، وللشرق تؤدّون فرضه، وتردّون قرضه، وتصونون عرضه، وتصعدون سماءه فتحفظون أرضه.

أيها الإخوان:
إن الشمال الأفريقي كله فلذة من كبد الإسلام، وقطعة من وطن العروبة الكبير، وبقية مما فتح عقبة والمهاجر وحسّان، وإنّ هذا الوطن هو أحد أجنحتكم التي تطيرون بها إلى العلاء، وانه لامتداد لوطنكم الأكبر، وانه متصل بكم اتصال الكفّ بالساعد، تصلون إليه كما وصل أجدادكم مشيًا، ويصل إليكم كما وصل أسلافه حبوًا، فريشوا هذا الجناح المهيض حتى تقوى قوادمه على الطيران، وصونوا حماه فإنه حماكم، وذودوا عن حوضه فإنه حوضكم. إنّه يحمل أمانة الأجداد التي تحملونها فأعينوه على التحرير، وأنقذوه من سوء المصير.
إن في هذا الشمال الذي يحدثكم لسانه كنوزًا من تراث العربية والإسلام طمرها الاستعمار برطاناته عمدًا، وطمس محاسنها بحضارته قصدًا، فأعينونا بقوة تستخرج هذه الكنوز بإحياء الأخلاق والآداب والتاريخ.
إن بينكم وبينه صلات من اللغة والدين، وأرحامًا من الجنس والخصائص، فصلوا هذه الأرحام يكنْ بعضنا لبعض قوة.
(4/104)

إنكم لنا أئمة في الخير، وإنّا بكم مؤتمّون في الحق، فحقّقوا شروط الإمامة فيكم، وطالبونا بتحقيق شروط الاقتداء، وَئنُقِمِ الصفوف في معترك الحتوف تحت ظلال السيوف، وإلّا هلك الإمام والمأموم.
أما والله لن نفلت من مخالب الاستعمار فُرادى، ولا نفلت منه إلا يوم نصبح أمة واحدة تلقى عدوّها برأي واحد وقلب واحد، فإن لم نفعل، ولم نكفر بهذه الفوارق التي وضعها الشيطان بيننا، فلا نلم الاستعمار وَئنَلُمْ أنفسنا.

أيها الإخوان:
إن أضعف سلاح رَمانا به الاستعمار هو سلاح الحديد والنار. إن سلاح الحديد يقتل الأجسام فينقل الأرواح إلى مقام الشهادة، أما السلاح الفتّاك الذي رمانا به فهو يقتل الأرواح ويجردها من أسباب السعادة، هذا السلاح هو حضارته وعلومه التي اتخذها رمادًا يغطي به الصليبية الحقيقية التي لم تنطفئ نارها في هذه القرون كلها.
(4/105)

في المملكة العربية
السعودية
(من أغسطس إلى أكتوبر 1952)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/107)

وظيفة علماء الدين *
- 1 -
لا توجد في الإسلام "وظيفة" أشرف قدرًا، وأسمى منزلة، وأرحب أفقًا، وأثقل تبعة، وأوثق عهدًا، وأعظم أجرًا عند الله، من وظيفة العالم الديني! ذلك لأنه وارث لمقام النبوّة وآخذ بأهم تكاليفها وهو الدعوة إلى الله وتوجيه خلقه إليه وتزكيتهم وتعليمهم وترويضهم على الحق حتى يفهموه ويقبلوه، ثم يعملوا به ويعملوا له.
فالعالم، بمفهومه الديني في الإسلام، قائد ميدانه النفوس، وسلاحه الكتاب والسنّة وتفسيرهما العملي من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعل أصحابه، وعونه الأكبر على الانتصار في هذا الميدان أن ينسى نفسه ويذوب في المعاني السامية التي جاء بها الإسلام، وأن يطرح حظوظها وشهواتها من الاعتبار، وأن يكون حظه من ميراث النبوّة أن يزكي ويعلم وأن يقول الحق بلسانه ويحققه بجوارحه، وأن ينصره إذا خذله الناس، وأن يجاهد في سبيله بكل ما آتاه الله من قوّة.
أما الوسيلة الكبرى في نجاحه في هذه القيادة فهي أن يبدأ بنفسه في نقطة الأمر والنهي فلا يأمر بشيء مما أمر به الله ورسوله حتى يكون أول فاعل له، ولا ينهى عن شيء مما نهى الله ورسوله عنه حتى يكون أول تارك له ... كل ذلك ليأخذ عنه الناس بالقدوة والتأسي أكثر مما يأخذون عنه بوساطة الأقوال المجرّدة والنصوص اللفظية، لأن تلاوة الأقوال والنصوص لا تعدو أن تكون تبليغًا، والتبليغ لا يستلزم الاتّباع، ولا يثمر الاهتداء ضربة لازم ولا يعدو أن يكون تذكيرًا للناسي وتبكيتًا للقاسي، وتنبيهًا للخامل، وتعليمًا للجاهل وإيقاظًا للخامل وتحريكًا للجامد ودلالة للضال ... أما جر الناس إلى الهداية بكيفية تشبه الإلزام فهو في التفسيرات العملية التي كان المرشد الأول يأتي بها في تربيته لأصحابه، فيعلمهم بأعماله،
__________
* مجلة "المنهل"، محرم 1372هـ / أكتوبر 1952م، جدة.
(4/109)

أكثر مما يعلمهم بأقواله ... لعلمه- وهو سيد المرسلين- بما للتربية العملية من الأثر في النفوس، ومن الحفز إلى العمل بباعث فطري في الاقتداء، وقد رأى مصداق ذلك في واقعة الحديبية حين أمر أصحابه بالقول فتردّدوا، مع أنهم يعلمون أنه رسول الله، وأنه لا ينطق عن الهوى، ثم عمل فتتابعوا في العمل اقتداءً به وكأنهم غير من كانوا.
كان الصحابة لاستعدادهم القوي لتحمّل الإسلام بقوة يحرصون على أخذ همات العبادات من فعله - صلى الله عليه وسلم -، كما يحرصون على التمثّل بأخلاقه والتقليد له في معاملته لله ومعاملته لخلقه، وعلى التأسي به في الأفعال والترك في شؤون الدين والدنيا، لعلمهم أن الفعل هو المقصد والثمرة، وأن الأقوال في معظم أحوالها إنما هي أدوات شرح، وقوالب تبليغ وآلات أمر ونهي، ووسائل ترغيب وترهيب، وأن في قول قائلهم: "أنا أشبهكم صلاة برسول الله" لدليلًا على تغلغل هذه النظرة في مستقرّ اليقين من بصائرهم، وأنهم كانوا يتشدّدون في أخذ الصور العملية من أفعاله - صلى الله عليه وسلم - كما هي، ويتحرجون من التقصير فيها، ومرماهم في ذلك أن العمليات المأخوذة من طريق العيان أقرب إلى اليقين وموافقة مراد الله منها، وبذلك تتحقق آثارها في النفوس، وقد كانوا يفهمون العبادة بهذا المعنى: أن تعبد الله كما شرع على الوجه الذي شرع، فالكيفيات داخلة في معنى التعبّد، لذلك لم يحدث السلف زوائد على العبادات من أذكار وغيرها بدعوى أنها زيادة في الخير، كما عمل الخلف، وكانوا يفهمون يسر الدين بمعناه السامي وهو أنه لا إرهاق فيه ولا إعنات، وأنه ليس في المقادير الزائدة عن إقامة التكاليف أو في المعاذير الصحيحة العارضة للتكاليف، لا كما نفهمه نحن تساهلًا وتطفيفًا. فهم علماء السلف الإسلام كاملًا بعقائده وعباداته وأحكامه وأخلاقه وفهموا ما بين هذه الأجزاء من الترابط والتماسك ووحدة الأثر والتأثير، وأنها- في حقيقتها- شيء واحد، هو الدين، وهو الإسلام، وأن ضياع بعضها مؤذن بضياع سائرها، أو هو ذريعة له، فلا يقوم دين الله في أرضه إلا بإقامة جميعها، وإذا قال القرآن: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ...
فمعناه إقامة جميعها، وأنه ليس من هذا الدين أن يصلي المسلم ثم يكذب، ولا أن يذكر الله ثم يحلف به حانثًا باللسان الذي ذكره به متقرّبًا إليه، ولا أن يمسك عن الطعام ثم يأكل لحوم الخلق، ولا أن يخاطب ربّه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ثم يتوجّه إلى غيره عابدًا ومستعينًا فيما هو من خصائص الألوهية، ولا أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، ولا أن يأمر الناس بالجهاد ثم يرضى لنفسه بأن يكون مع الخوالف، أو ببذل المال في سبيل العلم ثم يقبض يديه كأنه خارج من التكليف، أو بالبر وينسى نفسه، ولا أن يترخّص في الحق إرضاءً لغوي أو غني ولا أن يؤخّر كلمة الحق عن ميقاتها حتى يضيع الحق.
وكان كل واحد منهم يرى أنه مستحفظ على كتاب الله، ومؤتمن على سنّة رسوله، في العمل بها وتبليغها كما هي، وحارس لهما أن يحرفهما الغالون أو يزيغ بهما عن
(4/110)

حقيقتهما المبطلون، أو يعبث بهما المبتدعة، فكل واحد منهم حذر أن يُؤتَى الإسلام من قبله، فهو- لذلك- يقظ الضمير، متأجج الشعور، مضبوط الأنفاس، دقيق الوزن، مرهف الحس، متتبع لما يأتي الناس وما يذرون من قول وعمل، سريع الاستجابة للحق، إذا دعا داعيه، وإلى نجدته، إذا ريع سربه أو طرق بالسر حماه.
وكانوا يأخذون أنفسهم بالفزع لحرب الباطل لأول ما تنجم ناجمته، فلا يهدأ لهم خاطر حتى يوسعوه إبطالًا ومحوًا، ولا يسكتون عليه حتى يستشري شرّه، ويستفحل أمره فتستغلظ جذوره، ويتبوّأ من نفوس العامة مكانًا مطمئنًا.
وكانوا يذكرون دائمًا عهد الله، وأنّه أخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق، وأن الحق هو ما جاء به محمد عن ربّه لهداية البشر وصلاح حالهم.
وكانوا يزنون أنفسهم دائمًا بميزان الكتاب والسنّة، فما وجدوا من زيغ أو عوج قوّموه في الحال بالرجوع والإنابة، كما يفعل المفتونون بالجسمانيات في عصرنا هذا في وزن أبدانهم كل شهر ...

- 2 * -
وكان العلماء يردّون كلّ ما اختلفوا فيه من كل شيء، إلى كتاب الله وسنّة رسوله، لا إلى قول فلان، ورأي فلان، فإذا هم متّفقون على الحق الذي لا يتعدد. ولقد أنكر مالك على ابن مهدي- وهو قرينه في العلم والإمامة- عزمه على الإحرام من المسجد النبوي، فقال ابن مهدي: إنما هي بضعة أميال أزيدها، فقال مالك: أوَما قرأت قوله تعالى: {فَئيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وأية فتنة أعظم من أن تسوّل لك نفسك أنك جئت بأكمل مما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو كلامًا هذا معناه ... ثم تلا قوله تعالى: {ائيَوْمَ أَكْمَئتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية، وقال كلمته الجامعة التي كأن عليها لألاء الوحي، وهي قوله: "فما لم يكن يومئذٍ دينًا فليس اليوم بدين".
وكانوا يحكمون دينهم في عقولهم، ويحكمون عقولهم في ألسنتهم، فلا تصدر الألسنة إلا بعد مؤامرة العقل، ويعدون العقل مع النص أداة للفهم معزولة عن التصرّف، ومع المجملات ميزانًا للترجيح، يدخل في حسابه المصلحة والضرورة والزمان والمكان والحال،
__________
* مجلة "المنهل"، صفر 1372هـ / نوفمبر 1952م، جدة.
(4/111)

ويميّز بين الخير والشر، وبين خير الخيرين، وشر الشرّين، لذلك غلب صوابهم على خطإهم في الفهم وفي الاجتهاد، ولذلك أصبحت فهومهم للدين وسائل للوصول إلى الحق، وآراؤهم في الدنيا موازين للمصلحة، وما هم بالمعصومين ولكنهم لوقوفهم عند الحدود وارتياض نفوسهم على إيثار رضى الله وشعورهم بثقل عهده، وفقهم الله لإصابة الصواب.
وكانوا يزنون الشدائد التي تصيبهم في الطريق إلى إقامة دين الله بأجرها عنده ومثوبتها في الدار الآخرة، لا بما يفوتهم من أعراض الدنيا وسلامة البدن وخفض العيش وراحة البال، فكل ما أصابهم من ذلك يعدّونه طريقًا إلى الجنة ووسيلة إلى رضى الله.
وكانوا ملوكًا على الملوك، واقفين لهم بالمرصاد، لا يقرونهم على باطل ولا منكر ولا يسكتون لهم على مخالفة صريحة للدين، ولا يتساهلون معهم في حق الله، ولا يترضونهم فيما يسخط الله.
بتلك الخلال التي دللنا القارئ عليها باللمحة المنبّهة قادوا الأمة المحمّدية إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة ... وبسير الأمراء المصلحين على هداهم سادوا أغلب الجزء المعمور من هذه الأرض بالعدل والإحسان، إذ كان الأمير في السلم لا يصدر إلا عن رأيهم، والقائد في الحرب لا يسكن ولا يحرّك إلا بإشارتهم في كل ما يرجع إلى الدين، فجماع أمر العلماء إذ ذاك أنهم كانوا "يقودون القادة". وما رفعهم إلى تلك المنزلة بعد العلم والإخلاص إلا أنهم كانوا "حاضرين" غير "غائبين" ... كانوا يحضرون مجالس الرأي مبشّرين شاهدين وميادين الحرب مغيرين مجاهدين، طبعهم الإسلام على الشجاعة بقسميها: شجاعة الرأي وشجاعة اللقاء، فكانوا يلقون الرأي شجاعًا فيقهر الآراء، ويخوضون الميادين شجعانًا فيقهرون الأعداء ... وللآراء اقتتال يظفر فيه الشجاع القوي، كما للأناسي اقتتال يظفر فيه الشجاع القوي. والعالم الجبان في أمة عضو أشل، يؤود ولا يذود، ولعمري ان في اتحاد صف الصلاة وصف القتال، في الاسم والاتجاه والشرائط، لموقف عبرة للمتوسمين.
صدق أولئك العلماء ما عاهدوا الله عليه، وفهموا الجهاد الواسع فجاهدوا في جميع ميادينه، فوضع الله القبول في كلامهم عند الخاصة والعامة، وأن القبول جزاء من الله على الإخلاص يعجله لعباده المخلصين، وهو السر الإلهي في نفع العالم والانتفاع به، وهو السائق الذي يَدع النفوس المدبرة عن الحق إلى الإقبال عليه. ونفوذ الرأي وقبول الكلام من العالم الديني الذي لا يملك إلا السلاح الروحي، هو الفارق الأكبر بين صولة العلم وصولة الملك، وهو الذي أخضع صولة الخلافة في عنفوانها لأحمد بن حنبل، وأخضع صولة الملك في رعونتها للعز بن عبد السلام ... وان موقف هذين الإمامين من الباطل لعبرة للعلماء لو كانوا يعتبرون، وان في عاقبتهما الحميدة لآية من الله على تحقيق وعده بالنصر لمن ينصره.
(4/112)

نصر الله أولئك الرجال الذين كانوا يوم الرأي صدور محافل، ويوم الروع قادة جحافل، وفي التاريخ محققين لنقطة الاقتراب، بين الحرب والمحراب، فلقد كانوا يقذفون بكلمة الحق مجلجلة على الباطل، فإذا الحق ظاهر، وإذا الباطل نافر، ويقذفون بعزائمهم في مزدحم الإيمان والكفر، فإذا الإيمان منصور، وإذا الكفر مكسور، ووصل الله ما انقطع منّا بهم، بإحياء تلك الخلال، فما لنا من فائت نتمنى ارتجاعه أعظم من بعث تلك الشجاعة، فهي أعظم ما أضعنا من خصالهم، وحرمناه- بسوء تربيتنا- من خلالهم ... ولعمري ان تلك القوى لم تمت، وإنما هي كامنة، وإن تلك الشعل لم تنطفئ، فهي في كنف القرآن آمنة، وما دامت نفحات القرآن تلامس العقول الصافية، وتلابس النفوس الزكية، فلا بدّ من يوم يتحرّك فيه العلماء فيأتون بالأعاجيب.
وما زلنا نلمح وراء كل داجية في تاريخ الإسلام نجمًا يشرق، ونسمع بعد كل خفتة فيه صوتًا يخرق، من عالم يعيش شاهدًا، ويموت شهيدًا، ويترك بعده ما تتركه الشمس من شفق يهدي السارين المدلجين إلى حين.
وما علمنا فيمن قرأنا أخبارهم، وتقفينا آثارهم من علماء الإسلام، مثلًا شرودًا في شجاعة النزال بعد الحافظ (الربيع بن سالم) عالم الأندلس، بل أعلم علمائها في فقه السنة لعصره، فقد شهد وقعة تعد من حوامد الأعمار، فبذ الابطال المساعير، وتقدم الصفوف مجليًا ومحرّضًا، والحرب تقذف تيّارًا بتيّار، حتى لقي ربّه من أقرب طريق ... ولا علمنا فيهم مثالًا في شجاعة الرأي العام أكمل من الإمام أحمد بن تيمية- وعصراهما متقاربان- فقد شنّها حربًا شعواء على البدع والضلالات، أقوى ما كانت رسوخًا وشموخًا، وأكثر اتباعًا وشيوخًا، يظاهرها الولاة القاسطون، ويؤازرها العلماء المتساهلون المتأوّلون.
وقد ادّخر الله لهذا العصر الذي تأذن فجر الإسلام فيه بالانبلاج، الواحد الذي بذ الجميع في شجاعة الرأي والفكر وقوة العلم والعقل، وجرأة اللسان والقلب، وهو محمد عبده، فهزّ النفوس الجامدة، وحرّك العقول الراكدة، وترك دويًا ملأ سمع الزمان، وسيكون له شأن ...
أما علماؤنا اليوم ...
(4/113)

- 3 * -
... أما علماء الخلف فهم أقل من أن تسمّيهم علماء دين، وأقل من أن تسميهم علماء دنيا. أما الدين فإنهم لم يفهموه على أنه نصوص قطعية من كلام الله، وأعمال وأقوال تشرح تلك النصوص من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله، ومقاصد عامة تؤخذ من مجموع ذلك ويرجع إليها فيما لم تفصح عنه النصوص، وفيما يتجدد بتجدّد الزمان، لم يفهموه على أنه عقائد يتّبع العقل فيها النقل، وعبادات كملت بكمال الدين. فالزيادة فيها كالنقص منها، وأحوال نفسية صالحة هي أثر تلك العقائد والعبادات وآداب تصلح المعاملة وتصحّحها بين الله وبين عباده وبين العباد بعضهم مع بعض، بل فهموا الدين وأفهموه على أنه صور مجرّدة خالية من الحكمة، وحكموا فيه الآراء المتعاكسة والأنظار المتباينة من مشايخهم، حتى انتهى بهم الأمر إلى اطّراح النصوص القطعية إلى كلام المشايخ، وإلى سدّ باب الفكر بالتقليد، وتناول حقائق الدين بالنظر الخاطئ والفهم البعيد، والفكر كالعقل نعمة من نعم الله على هذا الصنف البشري، فالذي يعطله أو يحجر عليه جانٍ مجرم، كالذي يعطل نعمة العقل، ولعمري ان سدّ باب الاجتهاد لأعظم نكبة أصابت الفكر الإسلامي، وأشنع جريمة ارتكبها المتعصبون للنزعات المذهبية.
وأما الدنيا فليسوا علماء دنيا بالمعنى الأعلى لهذه الكلمة، وهو أن يعالجوا الكسب بطرق علمية، ويدرسوا وسائل الثراء بعزائم صادقة، ويضربوا في الأرض لجمعِ المال بكد اليمين، وعرق الجبين، أما المعنى السخيف لهذه الكلمة فهم أوفر الناس حظًا منه، فهم يطلبون المعيشة بأخس وسائلها، فيحصلون منها على فتات الموائد يشترونه بدينهم وماء وجوههم، هانوا على أنفسهم فهانوا على الله وعلى الناس فرضوا بالدون والهون.
نعني بعلماء الخلف هذه العصابة التي نشهد آثارها ونسمع أخبارها، ونحدّدها تحديدًا زمنيًا بمبدإ المائة العاشرة للهجرة من يوم بدأت الشعوب الإسلامية في التفكّك والانهيار، ولم يظهر لهؤلاء العلماء أثر في دفع البلاء، قبل إعضاله، بل كانوا أعوانًا له وكانوا بعض أسبابه، وإنما نحدد هذا التحديد متساهلين ... وإن كان المرض ممدود الجذور إلى ما قبل ذلك الحد من القرون، ولكن المرض لم يصل إلى درجة الإعضال إلا في المائة العاشرة وما
__________
* مجلة "المنهل"، ربيع الأول 1372هـ / 1952م، جدة.
(4/114)

بعدها، أما عصرنا فهو آخر الدن، وآخر الدن دردي، كما في المثل. وإن الناظر في تاريخ العلم الديني الإسلامي يرى أن طوره الأول كان علمًا متينًا، وعملًا متينًا، وأن طوره الوسط كان علمًا سمينًا وعملًا هزيلًا، أما طوره الثالث والأخير فلا علم ولا عمل، إنما هو تقليد أعمى ونقل أبكم، وحكاية صمّاء، وجفاف جاف، وجمود جامد، وخلاف لا يثبت به حق، ولا يُنفى به باطل، ولا تتمكن به عقيدة، ولا تثبت عليه عزيمة، ولا تقوى عليه إرادة، ولا تجتمع معه كلمة، ولا ينتج فيه فكر ولا تستيقظ معه عزة، ولا تثور كرامة، ولا تتنبّه رجولة ولا نخوة، لأن الشخصية فيه موءودة، والروح المستقلة معه مفقودة، إنما هو تواكل يسمّونه توكّلًا، وتخاذل يسكنونه بالحوقلة والاسترجاع، وخلاف ممزّق لأوصال الدين يسمّونه رحمة، وإننا لا نعني بالعمل الذي جرى في كلامنا ما يفهمه المتخلفون الفارغون، ولكننا نعني به العمل لإعزاز الدين واعتزاز أهله به، والأمر بالمعروف حتى يتمكّن، والنهي عن المنكر حتى لا يكون له بين المسلمين قرار، وحراسة المجتمع الإسلامي أن يطرقه طارق الاختلال، أو يطوف به طائف الضلال وجمع المسلمين على هداية القرآن.
أذل الطمع أعناق علماء الخلف، وملكت "الوظيفة" عليهم أمرهم، وجرت عليهم الأوقاف المذهبية كل شر، فهي التي مكّنت لنزعة التقليد في نفوسهم، وهي التي قضت على ملكة النبوغ واستقلال الفكر فيهم، وهي التي طبعتهم على هذه الحالة الذميمة وهي معرفة الحق بالرجال، وهي التي ربطتهم حتى في أحكام الدنيا وأوجه الحياة- بالقرن الثاني لا في قوّته وعزّته وصولته بل في حبس ركاب عنده، وتعطيل دوران الفلك العقلي بعده، ولذلك لم يسايروا الزمن ولم يربطوا بين حلقاته فعاشوا بأبدانهم في زمن، وبأذهانهم في زمن، وبين الزمنين أزمنة، تحرّكت وهم ساكنون، ونطقت وهم ساكتون.
لو أن صلاح الدين يوسف بن أيوب كان مصلحًا اجتماعيًا أو دينيًا- مع ما تهيأ له من القيمة الحربية- لما نقل حالة الأزهر من مذهب واحد إلى مذاهب أربعة، بل كان ينقله من ذلك المذهب الواحد الفرعي إلى أصل الأصول وهو الكتاب والسنّة، ولو فعل لأراح المسلمين من شرور الخلافات المذهبية، ولو وجد جميع ملابساته أعوانًا له على ذلك، لأن مصر كانت بمكان صلاح الدين فيها هي كل شيء وقد سئمت من المذهب الشيعي لغموضه وتناقضه، ولما تكشّف عنه الحاكم من سوءات، ولأن بغداد كانت مشغولة بنفسها عن نفسها، ولأن الشام وعواصمها كانت مغمورة بالحملات الصليبية، ولأن الأندلس والمغرب لم يتغلغل فيهما التعصّب المذهبي كما تغلغل في الشرق، فلو أن صلاح الدين ضرب الضربة القاضية ورجع بالناس إلى المذهب الجامع ثم جاءت انتصاراته المدهشة على الصليبيين، لأصبح بذلك صاحب مذهب متّبع في الإسلام، ولكنه- عفا الله عنه- لم يكن رجل هذا الميدان فلم يزد على أن وسع "التكية" للقعدة، وشيّد الضريح للفكر، وأبعد القافلة عن
(4/115)

صراط السنّة السوي، ومكّن للخلاف، وأنقذ الأزهر من شيعة ليسلّط عليه شيعًا، ويا ليت كاتبه ووزيره القاضي الفاضل المفتون بالتجنيسات والمزاوجات والمطابقات أشار عليه بما يشبه مذهبه في الأدب، وهو أن ينقل الأزهر من الباطنية إلى الظاهرية ...
نقرأ في سيَر العلماء من السلف أن فلانًا عرض عليه الخليفة أو الأمير منصب القضاء فأبى وألحّ في الإباء، فلجّ الوالي في العرض فلجّ العالم في الإباء حتى ينتهي به إلى غضب الخليفة وما يتبع الغضب من آثار منها الضرب والحبس، أو ينتهي به الحال إلى الفرار والاختفاء، يأتي كل ذلك فرارًا من فتن الولاية ولوازمها كالتردد على أبواب السلاطين، وتعريض سلطان العلم لسلطان الحكم، وفرارًا من المطاعم الخبيثة التي مهما تتسع لها دائرة الإباحة فإنها لا تطهرها من شوب الشبهات، فهل من يدلّنا اليوم على عالم تعرض عليه ولاية القضاء أو ما دونها في المنزلة فيأباها تعففًا وتحوّلًا مسوقًا إلى ذلك بخوف الله وخشيته، أو بترفّع عن الشبهات؟ كلا، انهم لا ينتظرون عرض الولاية عليهم بل يخطبونها ويبذلون فيها الغالي من المهور وهو الدين والشرف والكرامة ويتوسلون إلى نيلها بالدنيء من الوسائل كالتوجّه بالكافر والفاجر، والتشفّع بالمهين والعاهر ودفع الرشى وهي أشنع الجميع، لأنها شهادة مقدمة على أنه سيرتشي ليسدّد الدين ...
ونقرأ في سيرهم أيضًا أنهم كانوا حين يتولّون الولاية يؤدونها كما أمر الله أن تؤدى، ويوفون بعهد الله فيها من العدل والتحري في الحق، وكانوا لا يقبلون الولاية إلا على اعتقاد أن قبولهم إياها واجب متعيّن شرعًا لإقامة القسط بين الناس وإنصاف الضعفاء من الأقوياء، فهم دائمًا في أداء واجب يؤجرون عليه لا في أداء وظيفة ينتفعون بها.
وارجع إلى وظائف العالم الديني الأخرى غير الولاية، فلتجدنهم فرّطوا فيها وأضاعوها، معتذرين بتأويلات ما جاء بها الدين ولا عذر بها، فهم قد هدموا ركنًا من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، راضين لأنفسهم بأضعف الإيمان، وأنا لا أصدقهم حتى في هذه، إذ لا يخطر الباطل ولا المنكر لهم على بال حتى يغيروه بقلوبهم، وكيف يخطر المنكر ببالهم، وقد أصبح المنكر عندهم معروفًا، والباطل حقًا والشرك توحيدًا والبدعة سنّة، وعميت عليهم السبل واختلطت الحقائق؟
هم لا يذكّرون أمّة محمد، وإذا ذكروها لا يذكرونها بالقرآن كما أمر الله نبيّه، بل يذكرونها بمرغبات ومرهبات لم تأتِ على لسان صاحب الشريعة، ولم تتفق مع مقاصد شريعته، يزهدونها في العمل للآخرة بما شرعوه لها من أعمال بدعية، ويزهدونها في العمل للدنيا بما يفترون على رسول الله من أحاديث في ذم الدنيا وبما أثر عن شواذ الصوفية الهادمين لحقائق الدين ببدع التبتل الدعي، والانقطاع الكاذب عن الدنيا، وبذلك أضاعوا على الأمة
(4/116)

دينها ودنياها وأوصلوها إلى هذه الحالة التي نشاهدها اليوم، وما زال كثير منهم مصرًّا على تذكير الأمة بما ينسيها الله، وعلى علاج حمّاها بالطاعون.
أرأيت لو كان علماء الدين قائمين بواجب التذكير بالقرآن، مؤدّين لأمانة الله، راعين لعهده في أمة واحدة، أكانت الأمة الإسلامية تصل إلى هذه الدركة التي لم تصل إليها أمّة؟ فهي كثيرة العدد تبلغ مئات الملايين، ولكنها غثاء كغثاء السيل.
واجب العالم الديني أن ينشط إلى الهداية كلّما نشط الضلال وأن يسارع إلى نصرة الحق كلّما رأى الباطل يصارعه، وأن يحارب البدعة والشر والفساد قبل أن تمدّ مدّها، وتبلغ أشدّها، وقبل أن يتعوّدها الناس فترسخ جذورها في النفوس ويعسر اقتلاعها.
وواجبه أن ينغمس في الصفوف مجاهدًا ولا يكون مع الخوالف والقعدة، وأن يفعل ما يفعله الأطباء الناصحون من غشيان مواطن المرض لإنقاذ الناس منه، وأن يغشى مجامع الشرور لا ليركبها مع الراكبين بل ليفرّق اجتماعهم عليها.
وواجبه أن يطهّر نفسه قبل ذلك كله من خلق الخضوع للحكّام والأغنياء وتملّقهم طمعًا فيما في أيديهم، فإن العفة هي رأس مال العالم فإذا خسرها فقد خسر كل شيء وخلفها الطمع فأرداه.
إن علماء القرون المتأخرة ركبتهم عادة من الزهو الكاذب والدعوى الفارغة، فجرّتهم إلى آداب خصوصية، منها أنهم يلزمون بيوتهم أو مساجدهم كما يلزم التاجر متجره، وينتظرون أن يأتيهم الناس فيعلموهم، فإذا لم يأتهم أحد تسخّطوا على الزمان وعلى الناس، ويتوكأون في ذلك على كلمة إن صدقت في زمان، فإنها لا تصدق في كل زمان وهي: "إن العلم يؤتى ولا يأتي" وإنما تصدق هذه الكلمة في علم غير علم الدين، وإنما تصدق بالنسبة إليه في جيل عرف قيمة العلم فهو يسعى إليه، أما في زمننا وما قبله بقرون فإن التعليم والإرشاد والتذكير أصبحت بابًا من أبواب الجهاد، والجهاد لا يكون في البيوت وزوايا المساجد، وإنما يكون في الميادين حيث يلتقي العدو بالعدو كفاحًا، وقد قال لي بعض هؤلاء وأنا أحاوره في هذا النوع من الجهاد، وأعتب عليه تقصيره فيه: إن هذه الكلمة قالها مالك للرشيد، فقلت له: إن هذا قياس مع الفارق في الزمان والعالم والمتعلم، أما زمانك هذا فإن هذه الخلة منك ومن مشائخك ومشائخهم أدّت بالإسلام إلى الضياع وبالمسلمين إلى الهلاك. فالشبهات التي ترد على العوام لا تجد من يطردها عن عقولهم ما دام القسيسون والأحبار أقرب إليهم منكم، وأكثر اختلاطًا بهم منكم، والأقاليم الإفرنجية تغزو كل يوم أبنائي وأبناءك بفتنة لا يبقى معها إيمان ولا إصلاح، ففي هذا الزمن يجب علي وعليك وعلى أفراد هذا الصنف أن نتَجَنَّد لدفع العوادي عن الإسلام والمسلمين، حتى يأتينا الناس، فإنهم
(4/117)

لا يأتوننا وقد انصرفوا عنّا وليسوا براجعين، وإذا كان المرابطون في الثغور يقفون أنفسهم لصدّ الجنود العدوّة المغيرة على الأوطان الإسلامية، فإن وظيفة العلماء المسلمين أن يقفوا أنفسهم لصدّ المعاني العدوة المغيرة على الإسلام وعقائده وأحكامه، وهي أفتك من الجنود، لأنها خفية المَسَارِب، غرّارة الظواهر، سهلة المداخل إلى النفوس، تأتي في صورة الضيف فلا تلبث أن تطرد رب الدار ...
فقد علماء الدين مركزهم يوم أضاعوا الفضائل التي هي سلاح العالم الديني، وأمهاتها الشجاعة والقناعة والعفة والصبر، وإن تجرّدهم من هذه الفضائل ليرجع في مبدإ أمره إلى خدعة من أمراء السوء المتسلطين حينما ثقلت عليهم وطأة العلماء وقيامهم بالواجب الديني في الأمر والنهي، وعلموا أن العامة تبع للعلماء، وأن سلطان العلماء أقوى من سلطانهم وأن كلمة مؤثرة من عالم مخلص تقع في مستقرّ التصديق من العامة قد تأتي على السلطان الحاكم المتسلّط، فسوّلت لهم أنفسهم أن يحدّوا من هذا التأثير الواسع القوي، فأخذوا يروّضون علماء الدين على المهانة، وألصقوا بهم الحاجة إلى ما في أيديهم من متاع الدنيا، ليجعلوا من ذلك مقادة يقودونهم بها إلى ما يهوون، ثم ربّوهم على الطمع والتطلعّ إلى الاستزادة ومدّ الأعين إلى زهرة الحياة الدنيا، فزلّوا ثم ضلّوا ثم ذلّوا، وتعاقبت الأجيال وتقلبت الأحوال، فإذا العالم الديني تابع لا متبوع، ومقود بشهواته لا قائد، يراد على العظائم فيأتيها طائعًا، يتحيّل على دين الله إرضاءً للمخلوق، ويحلّل ما حرّم الله من دماء وأموال وأعراض وأبشار، يشتري بذلك جاهًا زائلًا، وحائلًا حائلًا، ودراهم معدودة.
ومن الكيد الكبار الذي رمى به الأمراء المستبدّون هؤلاء العلماء الضعفاء في العصور الأخيرة أنهم يعفونهم من الجندية التي هي حلية الرجال، وأن في قبول العلماء لهذا الإعفاء وسعيهم له لشهادة يسجّلونها على أنفسهم بفقد الرجولة، وقد استطابوا هذا الإعفاء وأصبحوا يعدّونه تشريفًا لهم وتنويهًا بمكانتهم ومعجزة خصّوا بها، ودليلًا تقيمه الحكومات الإسلامية على احترامها للعلماء ... فهل يعلمون أن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الملوك الصالحين، ما كانوا ليعفوا عالمًا من بعوث الجهاد والفتح؟ وما كان مسلم فضلًا عن عالم ليطلب الإعفاء أو يتسبّب له أو يرضى به لو عرض عليه، بل كانوا يتسابقون إلى ميادين الجهاد. والعالم الديني- دائمًا- في المقدمة لا في الساقة، ولقد كانوا يعدون الاعتذار عن الخروج من سمات المنافقين.

أيها العلماء:
هذا قليل من مساوينا، فلا تظنّوا أني متجنٍّ أو متزيِّد، كونوا منصفين للدين من أنفسكم، إني أحاكمكم إلى ضمائركم حين تستييقظ فيها معاني الإرث النبوي والاستخلاف المحمدي. أليس من الحق أن هذه المساوئ وأمثالها معها مجتمعة فينا؟ ألسنا نأمر الناس
(4/118)

بالجهاد ثم نكون مع الخوالف؟ ونأمرهم ببذل المال في سبيل البر ثم نقبض أيدينا؟ كأن الجهاد بالنفس والمال- وهو ثمن الجنة- لم يكتب علينا.
إنني- يا قوم- أعتقد أن أقسى عقوبة عاقبنا بها الله على خذلنا لدينه هي أنه جرّد كلامنا من القبول والتأثير، فأصبح كلامنا في اسماع الجيل القديم مستثقلًا وفي أسماع الجيل الجديد مسترذلًا، ومن ظن خلاف هذا فهو غر أو مغرور أو هما معًا.
أصبحنا في أمتنا غرباء تزدرينا العيون، وتتقاذفنا الظنون، لأننا أصبحنا كالدراهم الزيوف، فيها من الدراهم استدارتها ونقوشها، وليس فيها جوهرها ومعدنها.
(4/119)

الشباب المحمّدي *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الشباب في كلّ أمّة هم الدم الجديد الضامن لحياتها واستمرار وجودها، وهم الامتداد الصحيح لتاريخها، وهم الورثة الحافظون لمآثرها، وهم المصحّحون لأغلاطها وأوضاعها المنحرفة، وهم الحاملون لخصائصها إلى من بعدهم من الأجيال.
كنا شبابًا فلما شبنا تلفّتنا إلى الماضي حنينًا إلى الشبيبة فرأينا أن الشباب هو الحياة التي لا يدرك قيمتها إلا من فارقها، ورأينا أخطاء الشباب من حيث لا يمكن تداركها، وسيصبح شباب اليوم شيوخ الغد، فيشعرون بما نشعر به نحن اليوم، وليت شعري إذا كان شيوخ اليوم هم شباب الأمس وشباب اليوم هم شيوخ الغد، فعلام هذه الشكوى المترددة بين الفريقين؟ ... وهذا التلاوم المتبادل بين الحبيبين؟ ... يشكو الشيوخ نزق الشباب وعقوقهم ونزواتهم الكافرة، ويشكو الشباب بطء الشيوخ وترددهم وتراجعهم إلى الوراء ونظرتهم إلى الحياة نظرة الارتياب.
مهلًا أيها المتقاربان المتباعدان، فليس التفاوت بينكما كسبيًا يعالج، وليس النزاع بينكما علميًا يحكم فيه الدليل، ولكنه سنّة وتطوّر. كنا حيث أنتم، وستصبحون حيث نحن بلا لوم ولا عتاب، هما مرحلتان في الحياة ثم لا ثالثة لهما طويناهما كرهًا، وستطوونهما كرهًا، والحياة قصيرة وهي أقصر من أن نقطعها في لوم أو نقطعها بنوم. ليحرص الشباب على أن يكونوا كمالًا في أمّتهم لا نقصًا، وأن يكونوا زينًا لها لا شينًا، وأن يضيفوا إلى تليد مكارمها طريفًا، وإلى قديم محاسنها جديدًا، وأن يمحوا كل سيئة لسلفهم بحسنة.
__________
* كلمة صدرت في كتاب "وصايا أساطين الدين والأدب والسياسة للشبّان" للشيخ عبد الله المزروع، دار المنارة، جدّة، 1992.
(4/120)

والشباب المحمّدي أحقّ شباب الأمم بالسبق إلى الحياة، والأخذ بأسباب القوة، لأنّ لهم من دينهم حافزًا إلى ذلك، ولهم في دينهم على كل مكرمة دليل، ولهم في تاريخهم على كل دعوى في الفخار شاهد.
أعيذ الشباب المحمدي أن يشغل وقته في تعداد ما اقترفه آباؤه من سيئات أو في الافتخار بما عملوه من حسنات، بل يبني فوق ما بنى المحسنون، وليتق عثرات المسيئين. وأعيذه أن ينام في الزمان اليقظان، أو يهزل والدهر جادّ، أو يرضى بالدون من منازل الحياة.
يا شباب الإسلام، وصيتي إليكم أن تتصلوا بالله تديّنًا، وبنبيّكم اتّباعًا، وبالإسلام عملًا وبتاريخ أجدادكم اطّلاعًا، وبآداب دينكم تخلّقًا، وبآداب لغتكم استعمالًا، وبإخوانكم في الإسلام ولِداتكم في الشبيبة اعتناءً واهتمامًا، فإن فعلتم حزتم من الحياة الحظ الجليل، ومن ثواب الله الأجر الجزيل، وفاءت عليكم الدنيا بظلها الظليل.
مكّة المكرمة في 1 صفر الخير 1372هـ.
(4/121)

الشيخ محمّد نصيف *

أيها الإخوان:
إن هذه الحفلات التي تقام لتوديع الأصدقاء أو لاستقبالهم، وغير هذا من المناسبات الاجتماعية، هي من دواعي الفِطر السليمة والنفوس الكريمة، وإن الصداقة قد تخمد والمودة قد تركد وإنما يصقلها ويجددها مثل هذه الحفلات ... وإن إقامة هذه الحفلات ليست من ابتكار المدنية الغربية، وإنما قد سبقتهم إليها مدنية الإسلام، وإن الذين ابتكروها هم الأسلاف من أهل الأندلس، وقد سمّوها "صنيعًا".

أيها الإخوان:
رؤوس الأموال أنواع، وحظوظ الناس منها متفاوتة: منها المادي الذي يُقدّر بخصائص الماديات من الكيل والوزن، أو بالذرع والمسح، أو بالعدد الذي كلّما انتهى صارت ملايينه آحادًا، ومنها المعنوي الروحاني الذي يقاس بالموازين الروحية، وُيوازَن بالقيم العلوية بمعرفة صيارفة من طراز سماوي يتسامى عن المادة وأوضارها وأكدارها وشرورها وآثامها، ولو خُيِّر موفق بين الجنسين لما اختار المادّة وإن تعرّضت بزخارفها، وعرضت بقطوفها الدانية لخارفها، وإنما يختار أقوات الروح من المعنويات، ولكن الأذواق كالأرزاق منها الحلال ومنها الحرام، ومنها السالم والمعتلّ، ومنها السديد والممتل، إن الموفقين لَيعرفون أن رؤوس الأموال المادية كرؤوس الشياطين، تتحرّك قرونها للفتنة والشرّ، ويستمس حرونها للفساد والضرّ، وقد صرنا إلى زمان أصبحت فيه رؤوس الأموال المادية مبعث شقاء للإنسانية، وكفى بحال العالَم اليوم شاهدًا أدّى وسجل وأمن التجريح.
__________
* من الكلمة التي أُلقيت في الحفل العلمي التكريمي الذي أقامه الشيخ محمد نصيف ببيته في جدّة، في أكتوبر 1952، بمناسبة انتهاء زيارة الإمام الإبراهيمي للمملكة العربية السعودية. ونشر ملخص منها في مجلة "المنهل"، العدد 4، ربيع الثاني 1372هـ، يناير 1953م.
(4/122)

أيها الإخوان:
من سعادة أخيكم هذا أنّ حظّه من هذه الثروة المعنوية موفور، وأنه يكاثر بها ويفاخر، ويعتزّ بها ويغالي، ويعتدّ ويقالى، وحَسْبُه من الحظوظ في الحياة أن يكون له أصدقاء أصفياء من هذا الطراز، يصدقونه المحبّة، والمحبّةُ ملاك، ويصدقونه الهوى، والهوى مساك، ويمحضونه التقدير، والتقدير مسنّ، ويشاركونه في المبدإ، والمبادئ أرحام عند أهلها، وما لي لا أكون موفور الحظ من هذه الثروة وهؤلاء الإخوان الّذين أجتلي غررهم، وكأنّما أستشف من وراء الغيب سرائرهم، ما اجتمعوا إلّا بسائق واحد ليس من حدائه نغم الرغبة والرهبة، ولا هرج الرياء والنفاق، وإنما هو الوداد الخالص والصفاء الصافي، والتكريم لأخ أحبّهم وأحبّوه في المشهد والمغيب، والتقوا به في ميدان القلم بعيدًا وفي ميدان اللسان قريبًا، فكان بين أرواحهم وروحه تجاوب هو من أثر يد الله في الأرواح المتعارفة.

أيها الإخوان: إن من مذاهبي التي انْتَهتْ بي تجارب الحياة إليها أنني لا أفهم الصداقة كما يفهمها الناس، وإنما أفهمها امتزاجًا فكريًا سَبَّبتْهُ عوامل خفية المسارب في الجبلة الأولى، ولذلك فأنا أفهم أنّ الصداقة لا تزول ولا تنتهي بعداوة من الجانبين، فإن انتهت بعداوة من الطرفين دلّ ذلك على أنها ليست صداقة، وإنّما هي شيء مقنّع يُسمّيه العرف المنافق المتساهل صداقة وليس بها، إنما هو تجارة انتهت بانتهاء المصلحة، أو زواج متعة انتهى بانتهاء الأجل، أما الصداقة الطاهرة البريئة فهيهات أن تنتهي بعداوة، ولقد يعرف منّي إخواني الملابسون لي أنّي لم أعاد في عمري صديقًا، فإذا بادأني بالعداوة لم أجاره في ميدانها خطوة، ووكلته إلى الزمان الذي يقيم الصعر، فإذا هو تائب منيب أو خجلان متستر، وقد يسبّني أقوام بما ليس فيّ، فلا أقطع عنهم عادة من عوائد البر والرفق لعلمي أنّهم إنما يسبون غيري بعد أن يلبسوه اسمي، وإن هذا لمن طوابع التربية المحمّدية، بين أتباع سنّته، عبّر عنها بجُملة من جوامع كلمه: إنهم يقولون مذمم وأنا محمّد.

أيها الإخوان: لقد سمعت كلمات من بعض خطباء هذا الحفل وأنا غير راض بها ولا عنها، وأنا كنتُ- وما زلتُ- أحارب هذه الألقاب، وقد سمعنا من شوقي قوله: "إذا كثر الشعراء قلَّ الشعر"، وعلى هذا الوزن يصحّ أن نقول: إذا كثر المجاهدون قلَّ الجهاد.
إن المجاملات لا تكون إلا حيث يكون الضعف، وإن هذه الألقاب لا تتمكن إلا حيث تفقد المناعة الخلقية المتينة، ولذلك لا نجدها عند أسلافنا الذين قوي في نفوسهم سلطان الأخلاق، وما نبتت هذه المجاملات إلا في العصور الإسلامية المتأخرة حينما وقف تيار العلم والخلق، وضعفت دولة السيف والقلم، قادتهم هذه الحالة إلى التمَجُّد الأجوف بالكلمات الضخمة الجُوفِ، ولذلك كثرت الألقاب وصرنا نسمع هذه "الطغراء": الكاتب الكبير، المجاهد العظيم، الزعيم الكبير ...
(4/123)

إنني لم أكن مجاهدًا، وإذا كنتُه ففي شيء واحد هو محاربة البدع والضلالات ومحو الأمية، وتعليم الأمة، وهذه الأمور عادية لا ترفع القائم بها إلى مستوى الجهاد. وحقًا إن الألقاب التي اعتدنا استعمالها إنما هي "طغراءات" جوف لا تحقق أمنية ولا تؤدي إلى غاية شريفة. إن عبد الحميد بن باديس كان إمامًا في العلم والتواضع ومع ذلك فما كان إخوانه يخاطبونه بشيء من ألقاب الزعامة الفضفاضة.
والذي أستحسنه هو أن يتخاطب المسلمون فيما بينهم بكلمة "الأخ"، أخْذًا من قوله تعالى: {إِنَّمَا ائمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.
...

أيها الإخوان: إنّ مِن بين الأصدقاء الذين جمعتهم الصداقة في هذا الحفل الصادق ثلاثة قدم عهدي بصداقتهم فلم يزدد إلّا جدة: هم الأصدقاء المخلصون محمود شويل، وحسونة البسطي، ومحمد نصيف، فقد جمعنا الشباب الطامح والأمل اللامح بالمدينة المنورة منذ أربعين سنة، وتجاذبنا ملاءة العلم فضفاضة، وتنازعنا كأس الأدب روية، وزجّينا الأيام بالآمال العذاب، ولكننا نمنا في يقظة الدهر فما استيقظنا إلّا وبعضنا مشرّق وبعضنا مغرّب، وبعضنا في مدار الحوادث يُدارُ به ولا تدور، وها نحن أولاء اجتمعنا بعد بضع وثلاثين سنة، وكأنّ خاتمة الفراق وفاتحة التلاق خميس وجمعة لهما ما بعدهما، وكأنّ ما بينهما من هذه المدّة الطويلة انطوى ومحي، وكأنّ الذكريات بينهما حبال ممدودة أو سلاسل مشدودة، وكأننا لم نفترق لحظة، وكأنّ تلك الصداقة الصادقة بيننا شباب أمن الهرم، كما أمن الصيد حمام الحرم.

ايه أيها الرفاق، هل تذكرون ما أذكر من تلك الليالي التي كانت كلها سمرًا كما قالوا في ليل منبج؟ هل تشعرون بما أشعر به من تفاوت بين تاريخ الفراق وتاريخ التلاق؟ هل تشعرون كما أشعر بأننا كنا في هذا الفراق الطويل أشبه بالميت أغمض عينيه عن الدنيا وفتحهما على الآخرة؟ هل تحسّون كما أحسّ بأنّ مدّة الافتراق كانت صفحات كلها عبر ووخز إبَر، وجُمَل من الحوادث سمعنا بمبتداها وما زلنا في انتظار الخبر؟ .. هل أنتم شاعرون مثلي بأنّ آمال المسلمين، من يوم تركناها بالافتراق إلى يوم لقيناها بالاجتماع، تحققت ولكن بالخيبة، وأن أعمالهم نجحت ولكن بالفشل، أما آمالهم فما زالت كموتًا يسقيه وعد، وأما أعمالهم فما زالت إبلا يوردها سعد {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

ايه أيها الرفاق: إن الزمان فرّقنا شبابًا وجمعنا شيبًا، ولئن أساء لي هذا فلقد أحسن في أننا اجتمعنا أصلب ما كنّا قناةً في عقيدة الحق، وأجرى ما كنّا أئسِنَةً في كلمة الحق، وأجرأ
(4/124)

ما كنا رأيًا في تأييد الحق، وأثبت ما كنا عزيمةً في الدفاع عن الحق. إنّ الهمم لا تشيب وإن العزائم لا تهرم، وليس هذا البياض غبار وقائع الدهر كما يقول الشاعر، وإنما هو غبار الوقائع مع الدهر، فلا تهنوا ولا تفشلوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.
...

أيها الإخوان: إنّي أتوسّمُ في هذه الوجوه وأتلمّحُ ما وراءها من علم ومكارم، لا أقول فيهما بالتقليد ولكنني خبرت وبلوت فاجد مصداق الحديث، هذه مكّة رمت إليكم بأفلاذ كبدها، بل أقول هذا الحجاز رمى إليكم بأفلاذ كبده، ومَن غير أستاذنا الجليل محمد نصيف يستطيع أن يجمع العالم في دار، أو يدّخر كنزًا ثمينًا تحت جدار، ومن عجب أن القضيتين متعاندتان: فالذي يستطيع أن يجمع عالمًا في دار لا يستطيع أن يجمع كنزًا تحت جدار، وما دامت الموائد تُنصب، واللقم ترفع، والصحون تُجرّ، والأفواه تفتح وتضم، والطعام كرات، والملاعق مخاريق بأيدي لاعبينا، فإن حال أستاذنا معنا حال أبي دلامة من شيوخ بني تميم إذ يقول:
نحن شيوخ بني تميم ... وأنت- يا أستاذنا- أبو دلامة، فاجهد جهدك، وان شيوخ بني تميم موفون بعهدهم فاوفِ بعهدك، وإن هذه الدار مهدنا فإنْ برمت أو ضجرت فاجعل غيرها مهدك. وإن دار الشيخ نصيف لم تبرم بنا ولم تضجر، فأعانك الله على هذا الجند أيها الشيخ الحصيف الكريم.

أيها الإخوان: إذا ما لم ينصف الحجاز شيخه ومخلد مجده ورافع رايته أستاذنا الشيخ نصيفا، فإن العالم الإسلامي كله ينصفه، فكلنا أَئسِنة شاهدة بأنّه مجموعة فضائل نعدّ منها ولا نعدّدها، وانه مجمع يلتقي عنده علماء الإسلام وقادته وزعماؤه فيردون ظماء ويصدرون رواء، وإنني أقولها بصيحة صريحة وأؤدّيها شهادة للحق والتاريخ بأنّه محيي السنّة في الحجاز من يوم كان علماؤه- ومنهم أشياخنا- متهورين في الضلالة، وأنه صنع للسلفية وإحياء آثارها ما تعجز عنه الجمعيات بل والحكومات، وانه أنفق عمره وماله في نصرها ونشرها، في هدوء المخلصين وسكون الحكماء، وسيسجّل التاريخ العادل آثاره في عقول المسلمين، وسيشكر له الله غزوه للبدع بجيوش السنن المتمثلة في كتبها وعلوم أئمتها، وجمعية العلماء نفسُها مَدِينة له، فإن الكتب السلفية لم تصلنا إلا عن يده، وسيسجّل أنه مفخرة من مفاخر الإسلام وأنه كفّارة عن تقصير العلماء، وانه زهرة فوّاحة في أرض الحجاز وأنه جماله الذي يغطّي كل شين. إني كنتُ قلت في الشيخ نصيف أبياتًا منها:
قُئ لِلَّذِي عَابَ ائحِجَا … زَ وَجَانَبَ ائمَثَلَ ائحَصِيفَا
هَيْهَاتَ لَسْتَ بِبَالِغِ … مُدَّ ائحِجَازَ وَلَا "نَصِيفَا"
(4/125)

إلى علماء نجد *
قال- رحمه الله- مخاطبًا بعض علماء نجد:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
إِنَّا إِذَا مَا لَيْلُ نَجْدٍ عَسْعَسَا … وَغَرَبَتْ هَذِي ائجَوارِي خُنَّسَا 1
وَالصُّبْحُ عَنْ ضِيَائِهِ تَنَفَّسَا … قُمْنَا نُؤَدِّي ائوَاجِبَ ائمُقَدَّسَا
وَنَقْطَعُ ائيَوْمَ نُنَاجِي الطُّرُسَا … وَنَنْتَحِي بَعْدَ ائعِشَاءِ مَجْلِسَا 2
مُوَطَّدًا عَلَى التُّقَى مُؤَسَّسَا … فِي شِيخَةٍ حَدِيثُهُمْ يَجْلُو ائأَسَى 3
وَعِئمُهُمْ غَيْثٌ يُغَادِي ائجُلَسَا … كَأَنَّنَا شَرْبٌ يَحُثُّ ائأَكْؤُسَا 4
مِنْ خَمْرَةِ ائآدَابِ عَبًّا وَاحْتِسَا … خَلَائِقٌ زُهْرٌ تُنِيرُ ائغَلَسَا 5
وَهِمَمٌ غُرٌّ تَعَافُ الدَّنَسَا … وَذِمَمٌ طُهْرٌ تُجَافِي النَّجَسَا
يُحْيُونَ فِينَا مَالِكًا وَأَنَسَا … وائأَحْمَدَيْنِ وَائإِمَامَ ائمُؤْتَسَا 6
قَدْ لَبِسُوا مِنْ هَدْيِ طَهَ مَئبَسَا … ضَافٍ عَلَى ائعَقْلِ يَفُوقُ السُّنْدُسَا 7
فَسَمْتُهُمْ مِنْ سَمْتِهِ قَدْ قُبِسَا … وَعِئمُهُمْ مِنْ وَحْيِهِ تَبَجَّسَا 8
...
__________
* وضع هوامش هذه الأرجوزة والتي تليها الأستاذ الشيخ الجيلالي الفارسي رحمه الله وهو من أعضاء جمعية العلماء الجزائريين.
1) عسعس الليل: مضى؛ أظلم. الجواري: الكواكب السيارة. الخنس: الرواجع، ج. خانس أي راجع.
2) الطروس، ج. طِرس: الصحيفة، والمُراد بها الكتب، وحذف الواو للضرورة.
3) الشَيخة، ج. شيخ. الأسى: الحزن.
4) الشَّرْبُ، ج. شارب: كصحب وصاحب.
5) العَبُّ: الشرب بلا تنفس. الاحتساء: الشرب شيئًا بعد شيء. الغَلَسُ: ظُئمَةُ آخر الليل.
6) يريد بالأحمدين: الإمام أحمد بن حنبل (780 - 855م.) والإمام تقي الدين أحمد بن تيمية (1263 - 1328م.) والإمام المؤتسى هو الإمام محمد ابن عبد الوهاب (1703 - 1787م.) وهو مؤسس الحركة السلفية الوهابية. المؤتَسى: المقتدى به.
7 (السندس: نوع من الحرير.
8) السمت: هيئة أهل الخير. تبجَّس: تفجر.
(4/126)

بُورِكْتِ يَا أَرْضًا بِهَا الدِّينُ رَسَا … وَأَمِنَتْ آثارُهُ أَنْ تَدْرُسَا
وَالشِّرْكُ فِي كُلِّ ائبِلَادِ عَرَّسَا … جَذْلَانَ يَتْلُو كُتْبَهُ مُدَرِّسَا 9
مُصَاوِلًا مُوَاثِبًا مُفْتَرِسَا … حَتَّى إِذَا مَا جَاءَ جَئسًا جَلَسَا 10
مُنْكَمِشًا مُنْخَذِلًا مُقْعَنْسِسَا … مُبَصْبِصًا قِيلَ لَهُ اخْسَأْ فَخَسَا 11
شَيْطَانُهُ بَعْدَ ائعُرَامِ خَنَسَا … لَمَّا رَأَى إِبْلِيسَهُ قَدْ أَبْلَسَا 12
وَنُكِّسَتْ رَايَاتُهُ فَانْتَكَسَا … وَقَامَ فِي أَتْبَاعِهِ مُبْتَئِسَا
مُخَافِتًا مِنْ صَوْتهِ مُحْتَرِسَا … وَقَالَ إِنَّ شَيْخَكُمْ قَدْ يَئِسَا
مِنْ بَلَدٍ فِيهَا ائهُدَى قَدْ رَأَسَا … وَمَعْلَمُ الشِّرْكِ بِهَا قَدْ طُمِسَا
وَمَعْهَدُ ائعِئمِ بِهَا قَدْ أُسِّسَا … وَمَنْهَلُ التَّوْحِيدِ فِيهَا انْبَجَسَا 13
إِنِّي رَأَيْتُ "وَائحِجَى لَنْ يُبْخَسَا" … شُهْبًا عَلَى آفَاقِهِ وَحَرَسَا
فَطَاوِلُوا ائخَئفَ وَمُدُّوا ائمَرَسَا … وَجَاذِبُوهُمْ إِنْ أَلَانُوا ائمَئمَسَا 14
لَا تَيْأَسُوا: وَإنْ يَئِسْتُ: فَعَسَى … أَنْ تَبْلُغُوا بِائحِيلَةِ ائمُئتَمَسَا
وَلَبِّسُوا إِنَّ أَبَاكُمْ لَبَّسَا … حَتَّى يَرَوْا ضَوْءَ النَّهَارِ حِنْدِسَا 15
وَالطَّامِيَاتِ الزَّاخِراتِ يَبَسَا … وَجَنِّدُوا جُنْدًا يَحُوطُ ائمَحْرَسَا 16
مَنْ هَمُّهُ فِي ائيَوْم أَكْلٌ وَكِسَا … وَهَمُّهُ بِاللَّيْل خَمْرٌ وَنِسَا
وَفِيهِمُ حَظٌّ لَكُمْ مَا وُكِسَا … وَمَنْ يَجِدْ تُرْبًا وَمَاءً غَرَسَا 17
تَجَسَّسُوا عَنْهُمْ فَمَنْ تَجَسَّسَا … تَتَبَّعَ ائخَطْوَ وَأَحْصَى النَّفَسَا
تَدَسَّسُوا فِيهِمْ فَمَنْ تَدَسَّسَا … دَانَ لَهُ ائحَظُّ ائقَصِيُّ مُسْلِسَا 18
وَأَوْضِعُوا خِلَالَهُمْ زَكًى خَسَا … وَاخْتَلِسُوا فَمَنْ أَضَاعَ ائخُلَسَا 19
تَئقَوْنَهُ فِي ائأُخْرَيَاتِ مُفْلِسَا … أَفْدِي بِرُوحِي التَّيِّهَانَ الشَّكِسَا 20
__________
9) عرّس بالمكان: نزل به لاستراحة من السفر والمراد هنا أقام.
10) جَئسٌ: بلاد نجد (قاله في القاموس).
11) المقعنسس: من خرج صدره ودخل ظهره. بصبص الكلب: حرّك ذنبه. اخْسَأْ: اذْهَبْ؛ اُبْعُدْ.
12) العُرام: الشراسة والأذى. أَبْلَسَ: يئس.
13) انبجس: انفجر.
14) المَرَسُ، ج. مَرَسَةٍ: الحبل- فالمرس: الحبال.
15) الحِنْدِسُ: الظلمة، ج. حنادس.
16) الطاميات: الممتلئات. الزاخرات: المرتفعات، وهما وصفان لموصوف محذوف تقديره: والبحار الطاميات الخ. المحرس: مكان الحراسة، وأراد به الشخص المحروس مجازًا من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه، وقد أبدل منه قوله: مَنْ همه الخ.
17) الوكْس: النقص، ما وكس: ما نقص.
18) دسّ عليه وتَدَسَّسَ: اعمل المكر فيه.
19) أوْضَعَ: أسرع. الزَّكَا: العَدَدُ الزوجُ. الخَسَا: العَدَدُ الفردُ.
20) التيهان: المتكبر. الشكس: الصعب الخلق.
(4/127)

يَغْدُو بِكُلِّ حَمْأَةٍ مُرْتَكِسَا … وَمَنْ يَرَى ائمَسْجِدَ فِيهِمْ مَحْبِسَا 21
وَمَنْ يُدِيلُ بِائأَذَانِ ائجَرَسَا … وَمَنْ يَعُبُّ ائخَمْرَ حَتَّى يَخْرَسَا 22
وَمَنْ يُحِبُّ الزَّمْرَ صُبْحًا وَمَسَا … وَمَنْ يَخُبُّ فِي ائمَعَاصِي مُوعِسَا 23
وَمَنْ يَشِبُّ طِرْمِذَانًا شَرِسَا … وَمَنْ يُقِيمُ لِئمَخَازِي عُرُسَا 24
...

يَا عُمَرَ ائحَقِّ وُقِيتَ ائأَبْؤُسَا … وَلَا لَقِيتَ "مَا بَقِيتَ" ائأَنْحُسَا 25
لَكَ الرِّضَى إِنَّ الشَّبَابَ انْتَكَسَا … وَانْتَابَهُ دَاءٌ يُحَاكِي ائهَوَسَا 26
وَانْعَكَسَتْ أَفْكَارُهُ فَانْعَكَسَا … وَفُتِحَتْ لَهُ ائكُوَى فَأَسْلَسَا 27
فَإِنْ أَبَتْ نَجْدٌ فَلَا تَأْبَى ائحَسَا … فَاقْسُ عَلَى أَشْرَارِهِمْ كَمَا قَسَا 28
سَمِيُّكَ ائفَارُوقُ (فَالدِّينُ أُسَى) … نَصْرُ بْنُ حَجَّاجٍ ائفَتَى وَمَا أَسَا 29
غَرَّبَهُ إِذْ هَتَفَتْ بِهِ النِّسَا … وَلَا تبَالِ عَاتِبًا تَغَطْرَسَا
أَوْ ذَا خَبَالٍ لِئخَنَا تَحَمَّسَا … أَوْ ذَا سُعَارٍ بِالزِّنَى تَمَرَّسَا 30
شَيْطَانُهُ بِائمُنْدِيَاتِ وَسْوَسَا … وَلَا تُشَمِّتْ مِنْهُمُ مَنْ عَطَسَا 31
وَلَا تَقِفْ بِقَبْرِهِ إِنْ رُمِسَا … وَلَا تَثِقْ بِفَاسِقٍ تَطَيْلَسَا
فَإِنَّ فِي بُرْدَيْهِ ذِئْبًا أَطْلَسَا … وَإنْ تَرَاءَ مُحْفِيًا مُقَئنِسَا
فَسَئ بِهِ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ ائأَمْلَسَا … تَأَمْرَكَ ائمَئعُونُ أَوْ تَفَرْنَسَا 32
...
__________
21) الحَمْأة: الطين الأسود، والمراد بها: الرذائل والأوساخ. المرتكس: المنتكس المنغمس.
22) يَعُبُّ: يشرب بلا تنفس.
23) يخُب: يهرول. مُوعِس: سارَ في الرمل.
24) الطَرْمِذَانُ: المباهي، المفاخر.
25) الأبؤُس، ج. بؤس: الشدة والفقر. الأنحُس، ج نحس: ضد السعد.
26) الهَوَسُ: ضرب من الجنون.
27) أسْلس: انقاد.
28) الحسا: بَلَدٌ بنجد.
29) ائأُسَى، ج. أسوة: وهي القدوة.
نصر بن حجاج الخ. يشير إلى قصة عُمر - رضي الله عنه - مع هذا الشاب الجميل الذي فتن الحسناوات بجماله، فقد رُوي أن عمر بن الخطاب كان ذات ليلة يعُسُّ بالِمدينة المنوّرة فسمع امرأة تقول:
أَلَا سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا … أَمْ لَا سَبيلٌ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاج
فلمَّا أصبح استدعاه، فإذا هو أصبحُ الناس وجهًا وأحسنُهم شَعَرًا. فأمر بقصّ شعره. فبدا حسنه. فأمر أن يُعْتَمَّ فازداد حسنًا. فقال عمر: والله لا يقيم بأرض أنا فيها. وأمر له بما يُصلحه وسيَّره إلى البصرة.
30) الخبال: الفساد. الخَنَا: الفُحْشُ. السُّعار: الحرُّ، شدة الجوع والعطش.
31) المُنْدِيات، ج. مُنْدِيةٍ: الكلمة القبيحة يندى لها الجبين حياءً.
32) ذو الطفيتين: نوع من الحيات الخبيثة. تأمرك: صار امريكيًا. تفرنس: صار فرنسيًا.
(4/128)

يَا شَيْبَةَ ائحَمْدِ رَئِيسَ الرُّؤَسَا … وَوَاحِدَ ائعَصْرِ ائهُمَامَ ائكَيِّسَا
وَمُفْتِيَ الدِّينِ الَّذِي إِنْ نَبَسَا … حَسِبْتَ فِي بُرْدَتِهِ شَيْخَ نَسَا 33
رَاوِي ائأَحَادِيثِ مُتُونًا سُلَّسَا … غُرًّا إِذَا الرَّاوِي افْتَرَى أَوْ دَلَّسَا
وَصَادِقَ ائحَدْسِ إِذَا مَا حَدَسَا … وَمُوقِنَ الظَّنِّ إِذَا تَفَرَّسَا
وَصَادِعًا بِائحَقِّ حِينَ هَمَسَا … بِهِ ائمُرِيبُ خَائِفًا مُخْتَلِسَا
وَفَارِسًا بِائمَعْنَيَيْنِ اقْتَبَسَا … غَرَائِبًا مِنْهَا إِيَاسُ أَيِسَا
بِكَ اغْتَدَى رَبْعُ ائعُلُومِ مُونِسَا … وَكَانَ قَبْلُ مُوحِشًا مُعَبِّسَا
ذَلَّئتَهَا قَسْرًا وَكَانَتْ شُمُسَا … فَأَصْبَحَتْ مِثْلَ الزُّلَالِ ائمُحْتَسَا 34
فَتَحْتَ بِائعِئمِ عُيُونًا نُعَّسَا … وَكَانَ جَدُّ ائعِئمِ جَدًّا تَعِسَا 35
وَسُقْتَ لِئجَهْلِ ائأُسَاةَ النُّطُسَا … وَكَانَ دَاءُ ائجَهْلِ دَاءً نَجَسَا 36
رَمَى بِكَ ائإِئحَادَ رَامٍ قَرْطَسَا … وَوَتَرَتْ يَدُ ائإِلَهِ ائأَقْوُسَا 37
وَجَدُّكَ ائأَعْلَى اقْتَرَى وَأَسَّسَا … وَتَرَكَ التَّوْحِيدَ مَرْعِيَّ ائوَسَا 38
حَتَّى إِذَا الشِّرْكُ دَجَا وَاسْتَحْلَسَا … لُحْتَ فَكُنْتَ فِي الدَّيَاجِي ائقَبَسَا 39
وَلَمْ تَزَئ تَفْرِي ائفَرِيَّ (سَائِسَا) … حَتَّى غَدَا اللَّيْلُ نَهَارًا مُشْمِسَا 40
يَا دَاعِيًا مُنَاجِيًا مُغَلِّسَا … لَمْ تعْدُ نَهْجَ ائقَوْمِ بِرًّا وَائْتِسَا 41
إِذْ يُصْبِحُ الشَّهْمُ نَشِيطًا مُسْلِسَا … وَيُصْبِحُ ائفَدْمُ كَسُولًا لَقِسَا 42
كَانَ الثَّرَى بَيْنَ ائجُمُوعِ مُوبِسَا … فَجِئْتَهُ بِالغَيْثِ حَتَّى أَوْعَسَا 43
__________
33) شيخ نسا: يريد الإمام النسائي صاحب السنن (215 - 303هـ).
34) قسرًا: قهرًا. الشُّمُس، بضم الشين والميم، ج. شموس، بفتح الشين: وهو الفرس الصعب الذي لا يُمكِّن من الركوب.
35) الجَدّ، بالفتح: الحظ.
36) الأساة، ج. آس: الطبيب. النطس: الحذاق الماهرون.
37) قرطس: أصاب المرمى. وتر القوس: جعل لها وترًا، شَدَّ وترها، الأقوس: ج. قوس.
38) جدك الأعلى: لعله يريد به محمد بن عبد الوهاب؛ اقترى البلادَ: تتبّعها وطاف فيها؛ الوَسَا: أراد الوسائل فحذف للضرورة.
39) دجا الليل: أظلم، استحلس: اشتدّ ظلامه.
40) يقال فلان يفري الفرى: أي يأتي بالعجب في عمله؛ ومنه قوله تعالى {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} أي شيئًا يتَحَيَّرُ فيه ويُتَعَجَّبُ منه؛ وسائسًا: كلمة تممنا بها الشطرَ وليست من كلام الشيخ وهي مناسبة.
41) الغلس: ظلمة آخر الليل؛ أي داعيًا مناجيًا بالأسحار، البر: الخير والصلاح، الائتساء: الاقتداء.
42) الشهم: السيد الذكي الفؤاد؛ المسلس: اللين السهل، الفدم: البليد العَيِيُ، اللَّقِس: الغث النفس خبيثها.
43) أوعس: صار سهلًا ليّنًا، والوعس: الرمل اللين الذي تسوخ فيه الاْقدام.
(4/129)

قُئ لِئأُلَى قَادُوا الصُّفُوفَ سُوَّسَا … خَلُّوا الطَّرِيقَ لِفَتًى مَا سَوَّسَا 44
وَطَأْطِئُوا ائهَامَ لَهُ وَائأَرْؤُسَا … إِنَّ النَّفِيسَ لَا يُجَارِي ائأَنْفَسَا
...

وَيَا رَعَى اللهُ ُسُعُودًا وَكَسَا … دَوْلَتَا ائعِزَّ ائمَكِينَ ائأَقْعَسَا 45
أَحْيَى ائمُهَيْمِنُ بِهِ مَا انْدَرَسَا … مَنِ ائحُدُودِ أَوْ وَهَى وَانْطَمَسَا
وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ ائمَدَى تَنَفَّسَا … حَتَّى أَرَاهُ بَالِغًا أَنْدَلُسَا 46
أَعْطَاهُ مُئكًا مِثْلُهُ لَمْ يُؤْنَسَا … لَمْ يُعْطِهِ كِسْرَى وَلَا ائمُقَوْقِسَا
مِنْ دَوْحَةٍ غَرَسَهَا مَنْ غَرَسَا … فَبَسَقَتْ فَرْعًا وَطَابَتْ مَغْرِسَا
لَاذَ بِهِ ائعُرْبُ فَوَاسَى وَأَسَا … وَبَذَلَ ائمَالَ وَحَاطَ ائأَنْفُسَا
غَيْثٌ إِذَا قَطْرُ السَّمَاءِ انْحَبَسَا … لَيْثٌ إِذَا اللَّيْثُ انْثَنَى وَانْخَنَسَا 47
وَأَيْنَ لَيْثٌ لِئوُحُوشِ انْتَهَسَا … مِمَّنْ حَبَا الآلَافَ مَالًا وَكَسَا 48
وَقَاهُ رَبِّي كُلَّ مَا ضَرَّ وَسَا … وَدَامَ مَا قَرَّ ثَبِيرٌ وَرَسَا 49
__________
44) الألى: الذين؛ سُوَّسَا، ج. سائس، وسوَّس الأخير: فعل ماض، يقال: سوّس الطعام: وقع فيه السوس، وتسويس الشخص: كِنايَة عن كبره وهرمه، يقول: خلوا الطريق لفتى لا يزال جلدًا قويًا لم يبلغ من الكبر عتيًا ولم ينخر السوس عظمه من الهرم.
45) الأقعس: الثابت المنيع.
46) المدى: الغاية والمنتهى؛ تنفس الصبح: أشرق وأضاء؛ وتنفس العمر: طال. يقول- رحمه الله-: أتمنى لو أن حياتي تطول حتى أرى ملكه قد بلغ الأندلس.
47) انخنس: رجع.
48) انتهس الليثُ: أخذ اللحم بمقدّم أسنانه؛ حبا: أعطى.
49) وسا: أصله وساء فقصره ضرورة؛ ثبير: اسم جبل.
(4/130)

تعليم البنت *
قَدْ كُنْتُ فِي جِنِّ النَّشَاطِ وَائأَشَرْ … كَأَنَّنِي خَرَجْتُ عَنْ طَوْرِ ائبَشَرْ 1
وَكُنْتُ نَجْدِىَّ ائهَوَى مِنَ الصِّغَرْ … أَهِيمُ فِي بَدْرِ الدُّجَى إِذَا سَفَرْ
وَأَتْبَعُ الظَّبْيَ إِذَا الظَّبْيُ نَفَرْ … أَنْظِمُ إِنْ هَبَّ نَسِيمٌ بِسَحَرْ
مَا رَقَّ مِنْ شِعْرِ ائهَوَى وَمَا سَحَرْ … وَأَقْطَعُ اللَّيْلَ إِذَا اللَّيْلُ اعْتَكَرْ
فِي جَمْعِ أَطْرَافِ ائعَشَايَا وَائبُكَرْ … وَإنْ هَوَى نَجْمُ الصَّبَاحِ وَانْكَدَرْ
لَبَّيْتُ مَنْ أَعْلَى النِّدَاءَ وَابْتَدَرْ … ثُمَّ ارْعَوَيْتُ بَعْدَ مَا نَادَى ائكِبَرْ 2
وَأَكَّدَتْ شُهُودُهُ صِدْقَ ائخَبَرْ … وَكَتَبَ الشَّيْبُ عَلَى الرَّأْسِ النُّذُرْ
بَاكَرَنِي فَكَانَ فِيهِ مُزْدَجَرْ … فَلَسْتُ أَنْسَى فَضْلَهُ فِيمَا حَجَرْ 3
وَلَسْتُ أَنْسَى وَصْلَهُ لِمَنْ هَجَرْ … أَكْسَبَنِي مَا يُكْسِبُ ائمَاءُ الشَّجَرْ
حُسْنًا وظِلًّا وَلحَاءً وَثَمَرْ … طَبَعَنِي عَفْوًا وَمِنْ غَيْرِ ضَجَرْ 4
عَلَى صِفَاتٍ أَشْبَهَتْ نَقْشَ ائحَجَرْ … عَقِيدَتِي فِي الصَّالِحَاتِ مَا أُثِرْ
عَنْ أَحْمَدٍ وَمَا تَرَامَى وَنُشِرْ … مِنْ سِيَرٍ أَعْلَامُهَا لَمْ تَنْدَثِرْ
وَسُنَنٍ مَا شَانَ رَاوِيهَا ائحَصَرْ … قَدْ طَابَقَتْ فِيهَا ائبَصِيرَةُ ائبَصَرْ 5
وَمَا أَتَى عَنْ صَحْبِهِ الطُّهْرِ ائغُرَرْ … وَالتَّابِعِينَ ائمُقْتَفِينَ لِئأَثَرْ
وَقَائِدِى فِي الدِّينِ آيٌ وَأَثَرْ … صَحَّ بِرَاوٍ مَا وَنَى وَلَا عَثَرْ
__________
* أرجوزة موجّهة لبعض علماء نجد، استنهاضًا لهم على تعليم البنت، واستئلافًا لقلوبهم حتى تقبل بهذا الأمر "المنكر" في رأيهم.
1) الأشر: المرح والتبختر والاختيال.
2) مَن أعلى النداءَ: يريد المؤذنَ. ارعوى: كَفَّ ورجع.
3) حَجَرَ: منع.
4) اللِّحَاء: قشر العود أو الشجر.
5) الحَصَرُ: العيُّ في النطق.
(4/131)

وَمَذْهَبِي حُبُّ عَلِيِّ وَعُمَرْ … وَائخُلَفَاءَ الصَّالِحِينَ فِي الزُّمَرْ
هَذَا وَلَا أَحْصُرُهُمْ فِي اثْنَيْ عَشَرْ … لَا وَلَا أَرْفَعُهُمْ فَوْقَ ائبَشَرْ
وَلَا أَنَالُ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِشَرْ … (وَشِيعَتِي فِي ائحَاضِرِينَ) مَنْ نَشَرْ
دِينَ ائهُدَى وَذَبَّ عَنْهُ ونَفَرْ … لِعِئمِهِ وَفْقَ الدَّلِيلِ ائمُسْتَطَرْ
حَتَّى قَضَى مِنْ نُصْرَةِ ائحَقِّ ائوَطَرْ … هُمْ شِيعَتِي فِي كُلِّ مَا أَجْدَى وَضَرْ
وَمَعْشَرِي فِي كُلِّ مَا سَاءَ وَسَرْ … وَعُصْبَتِي فِي كُلِّ بَدْوٍ وَحَضَرْ
أَمَّا إِذَا صَبَبْتُ هَذِهِ الزُّمَرْ … فِي وَاحِدٍ يَجْمَعُ كُلَّ مَا انْتَثَرْ 6
(فَخُلَّتِي مِنْ بَيْنِهِمْ أَخٌ ظَهَرْ) … فِي الدَّعْوَةِ ائكُبْرَى فَجَلَّى وَبَهَرْ 7
وَجَالَ فِي نَشْرِ ائعُلُومِ وَقَهَرْ … كَتَائِبَ ائجَهْلِ ائمُغِيِرِ وَانْتَصَرْ
(عَبْدُ اللَّطِيفِ) ائمُرْتَضَى النَّدْبُ ائأَبَرْ … سُلَالَةُ الشَّيْخِ ائإِمَامَ ائمُعْتَبَرْ 8
مِنْ آلِ بَيْتِ الشَّيْخِ إِنْ غَابَ قَمَرْ … عَنِ ائوَرَى خَلَفَهُ مِنْهُمْ قَمَرْ
فَجَاهُمْ نَقَّى التُّرَابَ وَبَذَرْ … وَلَقِيَ ائأَذَى شَدِيدًا فَصَبَرْ
عَلَى ائأَذَى فَكَانَ عُقْبَاهُ الظَّفَرْ … وَائإِبْنُ وَالَى السَّقْيَ كَيْ يَجْنِي الثَّمَرْ
(وَإنَّ أَحْفَادَ ائإِمَام) لَزُمَرْ … (مُحَمَّدٌ) مِنْ بَيْنِهِمْ حَادِي الزُّمَرْ
تَقَاسَمُوا ائأَعْمَالَ فَاخْتَصَّ نَفَرْ … بِمَا نَهَى مُحَمَّدٌ وَمَا أَمَرْ
وَاخْتَصَّ بِالتَّعْلِيمِ قَوْمٌ فَازْدَهَرْ … يَبْنِي عُقُولَ النَّشْءِ مِنْ غَيْرِ خَوَرْ 9
قَادَ جُيُوشَ ائعِئمِ لِلنَّصْرِ ائأَغَرْ … كَالسُّورِ يَعْلُو حَجَرًا فَوْقَ حَجَرْ
وَائجَيْشُ مَحْلُولُ الزِّمَامَ مُنْتَثِرْ … مَا لَم يُسَوَّرْ بِنِظَامٍ مُسْتَقِرْ
وَلَمْ يَقُدْهُ فِي المَلَا بُعْدُ نَظَرْ … مِنْ قَائِدٍ سَاسَ ائأُمُورَ وَخبَرْ
مُحَنَّكٍ طَوَى الزَّمَانَ وَنَشَرْ … وَائجَيْشُ فِي كُلِّ ائمَعَانِي وَالصُّوَرْ
تَنَاسُقٌ كَالرَّبْطِ مَا بَيْنَ السُّوَرْ … وَائجَيْشُ أُسْتَاذٌ لِنَفْعٍ يُدَّخَرْ
وَائجَيْشُ أَشْبَالٌ لِيَومٍ يُنْتَظَرْ … وَائكُلُّ قَدْ سِيقُوا إِلَيْكَ بِقَدَرْ
صُنْعٌ مِنَ اللهِ ائعَزِيزِ ائمُقْتَدِرْ … خَلِّ ائهُوَيْنَى لِلضَّعِيفِ ائمُحْتَقَرْ 15
وَارْكَبْ جَوَادَ ائحَزْمِ فَائأَمْرُ خَطَرْ … فَيَا أَخًا عَرَفْتُهُ عَفَّ النَّظَرْ
عَفَّ ائخُطَى عَفَّ اللِّسَانِ وَائفِكَرْ … وَيَا أَخًا جَعَئتُهُ مَرْمَى الشَفَرْ
__________
6) الزمر، ج. زمرة: الجماعة.
7) الخلة بضم الخاء: الصديق. وتكون بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع. جلى: سبق، والفرس المجلي هو السابق في الميدان.
8) الندب: السريع إلى الفضائل.
9) الخور: الضعف.
10) الهوينى: التؤدة والرفق.
(4/132)

وَغَايَةَ ائجَمْعِ ائمُفِيدِ فِي ائحَضَرْ … تَجْمَعُنِي بِكَ خِلَالٌ وَسِيَرْ
مَا اجْتَمَعَتْ إِلَّا ثَوَى ائخَيْرُ وَقَرْ … وَلَيْسَ فِيهَا تَاجِرٌ وَمَا تَجَرْ 11
وَلَيْسَ مِنْهَا مَا بَغَى ائبَاغِي وَجَرْ … وَمَا تَقَارُضُ الثَّنَا فِينَا يقَرْ 12
إِنَّ فُضُولَ ائقَوْلِ جزْءٌ مِنْ سَقَرْ … فَلَا أَقُولُ فِي أَخِي لَيْثٌ خَطَرْ
وَلَا يَقُولُ إِنَّنِي غَيْثٌ قَطَرْ … وَإنَّمَا هِي عِظَاتٌ وَعِبَرْ
عَرَفْتَ مَبْدَاهَا فَهَئ تَمَّ ائخَبَرْ … وَبَيْنَنَا أَسْبَابُ نُصْحٍ تُدَّكَرْ
كِتْمَانُهَا غَبْنٌ وَغِشٌّ وَضَرَرْ … لَا تَنْسَ (حَوَّا) إِنَّهَا أُخْتُ الذَّكَرْ 13
تَحْمِلُ مَا يَحْمِلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرْ … تُثْمِرُ مَا يُثْمِرُ مِنْ حُئوٍ وَمُرْ
وَكَيْفَمَا تَكَوَّنَتْ كَانَ الثَّمَرْ … وَكُلُّ مَا تَضَعُهُ فِيهَا اسْتَقَرْ
فَكَيْفَ يَرْضَى عَاقِلٌ أَنْ تَسْتَمِرْ … مَزِيدَةً عَلَى ائحَوَاشِي وَالطُّرَرْ 14
تَزْرَعُ فِي النَّشْءِ أَفَانِينَ ائخَوَرْ … تُرْضِعُهُ أَخْلَاقَهَا مَعَ الدِّرَرْ 15
وَإنَّهَا إِنْ أُهْمِلَتْ كَانَ ائخَطَرْ … كَانَ ائبَلَا كَانَ ائفَنَا كَانَ الضَّرَرْ
وَإنَّهَا إِنْ عُلِّمَتْ كَانَتْ وَزَرْ … أَوْلَا فَوِزْرٌ جَالِبٌ سُوءَ الأثَرْ 16
وَمَنْعُهَا مِنَ ائكِتَابِ وَالنَّظَرْ … لَمْ تَأْتِ فِيهِ آيَةٌ وَلَا خَبَرْ
وَائفُضْلَيَاتُ مِنْ نِسَا صَدْرٍ غَبَرْ … لَهُنَّ فِي ائعِرْفَانِ وِرْدٌ وَصَدَرْ 17
وَانْظُرْ هَدَاكَ اللهُ مَاذَا يُنْتَظَرْ مِنْ أُمَّةٍ قَدْ شَلَّ نِصْفَهَا ائخَدَرْ 18
وَانْظُرْ فَقَدْ يَهْدِيكَ لِئخَيْرِ النَّظَرْ … وَخُذْ مِنَ الدَّهْرِ تَجَارِيبَ ائعِبَرْ
هَئ أُمَّةٌ مِنَ الجَمَاهِيرِ ائكُبَرْ … فِيمَا مَضَى مِنَ ائقُرُونِ وَحَضَرْ
خَطَّتْ مِنَ ائمَجْدِ وَمِن حُسْنِ السِّيَرْ … تَارِيخَهَا إِلَّا بِأُنْثَى وَذَكَرْ؟
وَمَنْ يَقُئ فِي عِئمِهَا غَيٌّ وَشَرْ … فَقُئ لَهُ هِيَ مَعَ ائجَهْلِ أَشَرْ
وَلَا يَكونُ الصَّفْوُ إِلَّا عَنْ كَدَرْ … وَإِنَّ تَيَّارَ الزَّمَانِ ائمُنْحَدِرْ
لَجَارِفٌ كُلَّ بِنَاءٍ مُشْمَخِرْ … فَاحْذَرْ وَسَابِقْ فَعَسَى يُجْدِي ائحَذَرْ 19
__________
11) ثوى: أقام. قَرَّ: ثبت.
12) التقارضُ: التبادل.
13) أي لا تنس البنتَ في التعليم فإنها أختُ الابن. وهذا هو المقصود الذي مهّد له الأستاذ- رحمه الله- بكل ما سبق.
14) الطرر، ج. طُرة: وهي طَرَفُ الشيء وحاشيته.
15) الدِّرر، ج. دِرّة بالكسر وهي اللبن.
16) الوَزَرُ: الملجأ. الوِزْرُ: الإثم. الحمل الثقيل.
17) غبر: مضى. الورد: الذهاب إلى الماء. الصدر: الرجوع عنه.
18) الخَدَرْ: تشنج يصيب العضوَ فلا يستطيع الحركة. خَدِرت رِجْلُه.
19) المشمخر: العالي.
(4/133)

وَاعْلَمْ بِأَنَّ ائمنْكَرَاتِ وَائغِيَرْ … تَدَسَّسَتْ لِئغُرُفَاتِ وَائحُجَرْ
… مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ وَمِنْ شَطِّ هَجَرْ …
وَأنَّهَا قَارِئَةٌ وَلَا مَفَرْ … إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْكَ فَعَنْ قَوْمٍ أُخَرْ
وَاذْكرْ فَفِي الذِّكْرَى إِلَى ائعَقْل مَمَرْ … مَنْ قَالَ قِدْمًا (بِيَدِي ثُمَّ انْتَحَرْ) 20
حُطْهَا بِعِئمِ الدِّينِ وائخُئقِ ائأَبَرْ … صَبِيَّةً تَأْمَنْ بَوَائِقَ الضَّرَرْ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ نَشْأَنَا إِذَا كَبِرْ … عَافَ الزَّوَاجَ بِابْنَةِ ائعَمِّ ائأَغَرْ
يَهْجُرُهَا بَعْدَ غَدٍ فِيمَنْ هَجَرْ … لِأَنَّهَا فِي رَأْيِهِ مِثْلُ ائحَجَرْ
وَيَصْطَفِي قَرِينَةً مِنَ ائغَجَرْ … لِأَنَّهَا قَارِئَةٌ مِثْلُ البَشَرْ
خُذْهَا إِلَيْكَ دُرَّةً مِنَ الدُّرَرْ … مِنْ صَاحِبٍ رَازَ الأُمثورَ وَخَبَرْ
صَمِيمَةً فِي ائمُنْجِبَاتِ مِنْ مُضَرْ … نِسْبَتُهَا ائبَدْوُ وَسُكْنَاهَا ائحَضَرْ
__________
20) بيدي ثم انتحر: يشير إلى مَثَل مشهورٍ أرسلته الزَّبَّاءُ. وخلاصةُ قصته أن الزباء قتلتْ جذيمةَ الأبرشَ خالَ عمرو. فدبَّر وزيرُ جذيمةَ (واسمه قَصِيرٌ) مكيدةً لأخذِ الثأر منها. فجَدَعَ قَصِيرٌ أنفَه وذهب إليها باكيًا مدَّعيًا أن عمرًا جَدَعَ أنفَه. فصدّقته ومكث عندها مدة. ثم أتى بالرجال ومعهم عمرو ليقتلوها.
وكان لها نَفَقٌ أعدته لوقت الحاجة. فلما أرادت أن تهرب من النفق وجدتْ عمرًا على بابه. فمصَّت خاتمًا مسمومًا كان بيدها وقالت: (بيدي لا بيدِ عمرو) وقد أشار محمد بن دُريد في مقصورته إلى هذه القصة فقال:
وَقَدْ سَمَا عَمْرٌو إِلَى أَوْتَارِهِ … فَاحْتَطَّ مِنْهَا كُلَّ عَاليِ ائمُسَمَّى
فَاسْتَنْزَلَ الزَّبَاءَ قَسْرًا وَهْيَ مِنْ … عُقَابِ لُوحِ ائجَوِّ أَعْلَى مُنْتَمَى
(4/134)

في مصر
(من أكتوبر 1952 إلى مايو 1953)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/135)

صوت من نجيب، فهل من مجيب؟ *
حصرت قبل أسابيع حفلة تكريم للقائد الشعبي العظيم محمد نجيب أقامتها جمعية من الجمعيات العاملة للإسلام وسمعت خطبًا عادية في المعنى الذي أُقيمت له الحفلة، وسمعت قطعة من الشعر أشهد أنه شعر حي صادق في تصوراته وتصويراته، وأنه مسّ مكامن الإحساس مني حينما مسّ فلسطين، وكأنما غمز من قلبي جرحًا مندملًا على عظم. ثم سمعت في الأخير كلمة القائد البطل: وكان أقلّها عن مصر وحركة الجيش وأسبابها وأهدافها، وأكثرها عن فلسطين وحربها وحالة أهلها المشرّدين.
وأقول: القائد ولا أقول: الرئيس لأنني كنت أسمع كلام قائد لا كلام رئيس، وكنت أسمع كلامه فأفهمه بمعنيين: معنى هو الذي تفيده الألفاظ والتراكيب، وينتقل بالسامع من خبر إلى خبر ومن وصف إلى وصف، ومعنى آخر مساوق له ممتد معه، وهو أن هذا الكلام نفسه قائد ... فيه من القيادة أمرها ونهيها وحزمها وصدقها وواقعها وتوجيهها ومضاؤها وجرأتها وجميع خصائصها، فأفهم من ذلك كله أن القيادة هي صفته الذاتية، خلقت معه مستسرة معه في روحه ودمه، ولوّنتها فطرته السليمة، وكوّنتها تربيته الشعبية كما أن الإقدام هو صفة الأسد الذاتية التي خلقت معه، فلما أدّت قيادته العسكرية رسالتها وبلغت مداها انقلبت قيادة عسكرية شعبية سمّاها العرف رياسة، وما هي- في الحقيقة- إلا امتداد لقيادته العسكرية، والقائد القوي الخصائص في الأمة الكثيرة النقائص، لا يزال يخرج من حرب إلى حرب ويدخل من قتام في قتام.
سمعت كلمة القائد متئدة رزينة فلما لمست فلسطين ظهرت شجية حزينة فنطق بالصدق ولا أصدق من شهادة العيان. ومحمد نجيب إذا تكلم عن حرب فلسطين، وصوّر نكبة
__________
* مجلة "الرسالة"، عدد 1018، ثم نقلتها «البصائر»، العدد 214، السنة الخامسة من السلسلة الثانية، 23 جانفي 1953.
(4/137)

فلسطين كان الراوية الثقة والضابط العدل. وقد حلّل تلك السبة الخالدة وعلّلها باثنتين: قبول الهدنة وفقد السلاح. ثم برأ الشرف العسكري العربي كله من وصمة التخاذل، ولم يعرج على التخاذل السياسي بين ملوك العرب وساستهم، ولكن عده لقبول الهدنة أحد سببي النكبة أبلغ من التصريح في الاتهام والتجريح، فإن الراضين بالهدنة هم رؤساء الحكومات العربية من ملوك وساسة لا قادة الجيوش.
كانت كلمات القائد البطل عن فلسطين تمسّ نفسي- وهو يلقيها- مسّة الكهرباء فتحرق ولا تضيء، لأنني- يشهد الله- كنت وما زلت من أشدّ الناس اهتمامًا بالحادثة، ثم من أشدّهم التياعًا بالكارثة، فإذا فاتني- لشقوتي- أن أشارك في وقائعها بجسمي، فلم يفتني أن أشارك فيها بقلمي، فكتبت مقالات نارية المعنى قاسية الألفاظ تكاد ترسل شواظًا من نار ونحاسًا على المتسببين في تلك الهزيمة المنكرة بغير أسبابها المعقولة عند الناس، ولكن بسبب لا يستسيغه عقل عاقل وهو قبول الهدنة ... لذلك كانت كلمات القائد تفيض من نفسه الجريحة وكأنما تفور من نفسي. حتى إذا سكت عن ساسة العرب أحسست بانفعال كنت أتمنّى أن أسكنه بشهادة حق من القائد الصادق عليهم تؤيد عقيدتي فيهم، فإن شهادة الحق تولّد الحق حتى لكأنه حقّان.
وتكلّم القائد البطل عن أولئك البائسين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: وطننا فلسطين، والذين نسمّيهم مشردين ونحن شرّدناهم بما كسبت أيدينا، ووصف وصف المعايشين ما يلقونه من شقاء وما يتجرّعونه من غصص، وبدأ صوته يرتفع ويتهدج وعيناه تغرورقان بالدموع فتشهد بأنه يغالب أسًى كمينًا وهمًا دفينًا. وكانت الجمل العبقرية التي تساوي الدم الذي خرج من جسمه على ثرى فلسطين هي قوله: "كيف نلتذ بالطعام، وننعم باللباس والدفء، وان إخواننا ليتضورون من الجوع ويفترشون الغبراء؟ لماذا لا نصوم يومًا من الأسبوع عن اللحم، أو أسبوعًا من الشهر عن هنة من هذه الكماليات، ثم نرصد ثمنها لإطعام إخواننا الفلسطينيين وكسوتهم؟ إن الإمساك عن اللحم يومًا من الأسبوع أو عن الكماليات أسبوعًا من الشهر لا تميتنا ولكنها تحيي إخواننا". ثم رمى السامعين بالآبدة التي ظننت أن الجباه تندى لها عرقًا، إن لم تنخلع القلوب منها فرقًا، وهي قوله: "ان من العار أن نطلب لهم الحياة ممن أماتهم ونسأل لهم القوت من الدول العاتية التي حكمت عليهم بالموت جوعًا، وحكمت علينا بالانحناء ذلًّا ومهانة".
حقائق جلاها القائد على مئات من السامعين وما منهم إلا من له نباهة وذكر ومقام. جلاها في جمل حاكية، تحتها معانٍ باكية، وشرحها الوافي ينتزع مما يتصوّره المتصوّرون. ويصوّره المصوّرون من حال أولئك البائسين، وينتزع من تخاذل العرب ملوكًا وحكومات وسادة وكبراء وشعوبًا حتى ضاعت فلسطين وجاع أهلها، وتنتزع من حالة المسلمين المغفلين الذين ما زالوا- وهم ذوو عدد-:
(4/138)

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة … ومن إساءة أهل السوء إحسانا ...
وما زالوا يطلبون الصدقة ممن سلبهم وما زالوا يفزعون كلما لطمهم اليهود إلى الاحتجاج، وما زالوا يطرقون أبواب هذا الهيكل الخرب الذي يسمّى جمعية الأمم المتحدة.
أنا لا أتحدث عن قلوب السامعين ومواقع كلام القائد منها، ولا أملك لها أن تكون خلية أو شجية، وإنما أتحدث عن قلبي. فوالذي خلق القلوب مضغًا سوداء وبث فيها شعلًا من النور، لكأنما كانت تلك الكلمات نبالًا على قلبي تنثال على هدف، ونصالًا تتوالى على جريح. يا للعجب العاجب! أفيؤمن المسلم بأن المسجد الأقصى هو قبلته الأولى وأنه ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، وأنه كان في ليلة من الدهر سلم الأرض إلى السماء، ومطار البشرية المتمثلة في محمد، إلى الملكية المتمثلة في الملإ الأعلى، أفيؤمن بذلك كله ثم لا يقدم، لحماية هذا الحرم وجعله آمنًا، مهجته وماله؟
إن فلسطين إرث النبوّة الخاتمة، من النبوّات المتقادمة. نفذ فيه عمر وصية الإسلام، وحرّره أبو عبيدة وأصحابه في الأولين من رق الرومان ورجس الأوثان، وأدّت وقائع اليرموك وأجنادين شهادتها على استحقاقنا لهذا الإرث واقتدارنا على حمايته.
إن أعمال أجدادنا في فلسطين وإرثها وحمايتها هي وصية صريحة لنا بالمحافظة عليها وحجة ناطقة علينا إن نحن قصّرنا فيها أو فرّطنا في جنبها، فيا لتراث نبوي حماه الأسلاف الصالحون، وأضاعه الأخلاف المفرطون.
ما أضاع فلسطين إلا العرب، وقد جاءتهم النذر فتماروا بها، ثم حق الأمر وهم غارون فاندهشوا، ثم وقعت الواقعة فأبلسوا، وعمد خطباؤهم إلى الخطب ينمّقونها وشعراؤهم إلى القصائد يزوقونها، وساستهم إلى الدعاوى يلفّقونها، وعامّتهم إلى الخرافات يصدّقونها، بينما عمد ملوكهم إلى الأمداد يعوقونها وإلى الأهواء ينفقونها، وعمد خصومهم اليهود إلى الغايات يحقّقونها، وإلى العهود يمزقونها، وقضي الأمر وأوسعناهم سبًا وراحوا بالإبل! وبعد أن كنا نقول: أهل فلسطين، أصبحنا نقول ما قالته الجرهمية في مكة: بلى نحن كنا أهلها! ولا أدري كيف تنتصر أمة تقطعت بسوء صنيعها أممًا ثم تدلّت في الذل ثم صارت تطلب الرحمة من معذبها، وتعطي الدية لقاتلها، ثم ارتكست في السقوط حتى أصبح نصف ملوكها صبيانًا وأكثر أدلائها عميانًا.
...

مضت على كلمات القائد البطل أسابيع، وأنا أتحسّس وقعها في النفوس، وأترقب ثمرتها، من صوم المسلمين عن الطعام يومًا في الأسبوع أو هجرهم لبعض الكماليات أسبوعًا
(4/139)

في الشهر ورصد أثمانها لدفع الغوائل عن مشرّدي فلسطين أو لغير ذلك مما تتفتق عنه العقول من أفكار، وتتمخّض عنه الهمم من آثار. فلم يظهر لها أثر إلا تلك الهزّة التي حرّكت الأيدي للتصفيق، ورسمت التأثّر على الوجوه، ونشرت شيئًا من التهلل على الأسارير ثم لا شيء.
إن تلك الكلمة العبقرية ليست كلمة من الكلام، وإنما هي فكرة عبّرت عنها ألفاظ، ومبدأ ترجمته عبارات، ولو كانت نفوسنا- معشر سامعيها- حية مستجيبة لفهمنا الكلمة بهذا المعنى، ولخرجنا من الحفلة منادين بها، داعين إليها، شارحين لمراميها، ناشرين لها في العالم الإسلامي، بادئين بأنفسنا في تنفيذها. ولكننا قوم بنينا أمرنا على اللعب واللهو، والخطإ والسهو، لا على الجد والصرامة، والعزة والكرامة، واطمأننا إلى عادة لا تطمئن عليها الحياة، فكل ما في أحزاننا عويل وبكاء، وكل ما في أفراحنا تصدية ومكاء، وكل استجابتنا لداعي الحق تشقق الحناجر بهتاف، والتقاء الأيدي على تصفيق.
ونبتت بعد تلك الكلمة التي لم تعها أذن واعية، فكرة قُطُر الرحمة، وهي فكرة جميلة صحبها العزم فكانت جليلة، ورافقها التنفيذ فكانت نبيلة، وحيّا الله مصر ولَقَّى أهلها نضرة كما كسى أرضها خضرة، ولكن قطر الرحمة ما هي إلا قطر من الرحمة، والمشرّدون أصبحوا بقعة إنسانية عطشى لا ترويها إلا الروائح والغوادي من سحب الخير، وأين الفكرة التي تختصّ بمصر من الفكرة التي تعمّ العالم الإسلامي؟ إن فكرة "الصوم" لو تمّت وانتشرت وصحّت العزائم على جعلها عادة وموسمًا لم تقف عند استحياء المشردين وكفكفة دموعهم، بل كانت تغسل الخزي وترحض العار، وتسلّح جيشًا لاسترداد فلسطين.

أيها العرب: ها هم أولاء إخوانكم المشرّدون على غلوة سهم منكم لو تسمعتم لسمعتم أنينهم من الألم يتردد. وحنينهم إلى الديار يتجدد، ودعاءهم إلى الله يرتفع على كل من أضاعهم وأجاعهم.
إنهم إخوانكم، وإنها أعراضكم، والقرابة موضع الثواب والعقاب عند الله. والعرض محل المدح والذم عند الناس. وإنهم انسلخوا من الزمان، فلا ماضي ولا حال ولا مستقبل. فهل تأمنون أن يبقى أبناؤهم الناشئون في هذه الحالة على الإسلام والعروبة؟ وهل تأمنون أن يطول عليهم الأمد، ويستحكم فيهم اليأس منكم، فيبايعون اليهود على العبودية المؤبّدة؟

أيها العرب: ساء مثلًا من أفهمكم من معاني العروبة أنها نسبة إلى جنس واعتزاء إلى جد والتصاق برقعة من الأرض، فعاجلوا هذا السطر الخاطئ بالمحو والشطب وخذوا العروبة على أنها ليست جلدة تسمَرُّ أو تصفَرُّ ولا بلدة تغبر أو تخضرّ، وليست متاعًا مما يرث الوارثون ولا أرضًا مما يحرث الحارثون وإنما هي بناء مآثر وإعلاء أمجاد، وإنما هي خلال تتفتّح عن أعمال، وإنما هي عزائم لا تعرف الهزائم، وانما هي طموح وجموح: طموح
(4/140)

لمواطن العز وجموح عن قيود الذل، وإنما هي رأي أصيل وفكر جزيل ولسان بالبيان بليل وعقل هو على الحكمة دليل وقلب للجرأة خليل. فجميع هؤلاء هو العروبة وجامع هؤلاء هو العربي، وما عدا ذلك فهو تعلّل بخيال وتعلّق بضلال، وتخفق يكذبه الخلق وخيانة للعروبة في اسمها وعقوق لآباء كأنّما عناهم المعري بقوله:
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم … بعد الممات جمال الكتب والسير

أيها المسلمون: إن اليهود طامحون إلى أكثر من فلسطين، وإنهم يستعدّون بعد أن غمسوا أرجلهم في ماء البحر الأحمر لاحتلال مكة والمدينة، فماذا أنتم صانعون؟ إن كنتم تعتمدون على أن للبيت ربا يحميه فهذا إرهاص لا يتكرر مرتين. وهو عذر لا يقوم بعد أن أخذ عليكم العهد بحماية البيت. إنه لا حجة لنا على الله بل الحجة علينا وإننا لسنا من العزة على الله بحيث يخرق سننه الكونية لأجلنا وقد رفع يده عنا فلا يبالي في أي واد نهلك، وحكّم سنّته فينا فحكمت بأن نُمْلك ولا نَمْلِك، فعودوا يعُد وغيّروا يغير وحققوا الشرط يحقق الجزاء.
(4/141)

في ذكرى المولد النبوي الشريف *
- 1 -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها المسلمون:
ليس هذا المولد النبوي الذي تحيون ذكراه في كل عام ميلاد رجل محدود الوجود بطرفي الحياة، ولو كان كذلك لكان محدود المعنى لأن وراء كل حياة موتًا، ولكان كبقية الموالد التي تتحكم فيها الأعراف فتغالي فيها أو تتوسّط، واحتفال رجل بعيد ميلاد ولده الوحيد العزيز لا ينقل شعور الفرح والابتهاج من الوالدين إلى الجيران إلّا على نمط من المجاملة والمقارضة العرفية.
ولكن ميلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي جاء بالهدى ودين الحق، هو مولد لكل ما جاء به محمد من الهدى ودين الحق، فهو مولد للصلاح والإصلاح والهداية والرحمة والخير والعدل والإحسان والأخوة والمحبة والرفق، وهو مولد لجميع الشرائع السمحة التي غيّرت الكون، وطهّرت النفوس، وصحّحت الحدود بين الناس فوقف كل واحد منهم عند حدّه، ووضحت المعالم المطموسة بين الخلطاء فوقف كل خليط من خليط موقف المعاون، لا موقف المعاكس: فالمرأة والرجل، والأمير والمأمور، والحر والعبد، والكبير والصغير، والأب والابن، والجار وجاره، والعربي والأعجمي، والأجير والمستأجر، والغني والفقير، كل أولئك أصبح راضيًا بحاله، ناعمًا في عيشه، سعيدًا في حياته آمنًا من ظلم خليطه.
ومولد محمد هو الحد الفاصل بين حالتين للبشرية: حالة من الظلام جللها قرونًا متطاولة، وحالة من النور كانت تترقبها، وقد طلع فجرها مع فجر هذا اليوم، فميلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - كان إيذانًا من الله بنقل البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية، ومن الوثنية إلى التوحيد، ومن العبودية إلى الحرية، وبعبارة جامعة من الشر الذي لا خير فيه إلى الخير الذي لا شر معه.
__________
* مسودة وجدت في أوراق الشيخ لكلمة ألقاها في الحفل الذي أُقيم بالقاهرة في شهر نوفمبر 1952 بمناسبة ذكرى المولد، بحضور الرئيس محمد نجيب رئيس جمهورية مصر.
(4/142)

مولد محمد - صلى الله عليه وسلم - هو مولد تلك التعاليم التي حرّرت العقل والفكر وسمت بالروح إلى الملإ الأعلى، بعدما تدنت بالمادة إلى الحيوانية، وبالشهوات إلى البهيمية، وبالمطامع إلى السبعية الجارحة.
ومولد محمد - صلى الله عليه وسلم - هو مولد الإسلام والقرآن وذلك الفيض العميم من المعاني التي أصلحت الأرض ووصلتها بالسماء وفتحت الطريق إلى الجنة.
فقولوا لمن جاء بعد محمد من زاعم يزعم الانتصار للحق، وزعيم يهتف بالحق وداع يدعو إلى الحرية، ودعيّ يكذب على الحرّية، وعاقل يبكي على العقل، ومفكّر يجهد في تحرير الفكر، وروحاني يعمل لسمو الروح، وأخلاقي يضع الموازين للمثل العليا، وحاكم يحاول إقامة العدل في الأرض، وحائر لا يدري من أين يبتدئ ولا أين ينتهي، قولوا لهم جميعًا: قد سبقكم محمد إلى هذا كله، وقد نصب لكم بقرآنه وسيرته أعلام الهداية في كل مصعد وكل منحدر، ولكنكم قوم لا تفقهون أو لا تصدقون، فارجعوا إليه إن كنتم صادقين تجدوه منكم قريبًا.
هذه هي المعاني التي يجب أن نستشعرها حينما نذكر المولد، وحينما نحتفل به، أما ما عدا ذلك مما نفعله ونقوله فزوائد لا قيمة لها في العقول ولا أثر لها في النفوس.
وهذه هي المعاني التي يجب أن نعدّ أنفسنا للتأثّر بها حتى نلين قيادها للخير وندمّث وعورتها لتلقيه وللعمل به، ولا يكون ذلك إلّا إذا مررنا بها على مواطن العبرة فيها، واستدرجناها لحسن الاقتداء بها وإتقان الاحتذاء لها.
لو فهمنا المولد المحمدي بهذه المعاني لكان إظلاله لنا في كل عام تجديدًا لهممنا، وإيقاظًا لشواعرنا، وصقلًا لأذهاننا، وجلاءً لأرواحنا، ولكانت آثار ذلك سموًّا في أرواحنا، وسدادًا في آرائنا، وتحوّلًا إلى الخير في أحوالنا، وجمعًا لكلمتنا على الحق، وتوحيدًا لصفوفنا في النوائب.
ولكننا فهمناه على قياس من عقولنا وهي جامدة، وعلى نحوٍ من هممنا وهي خامدة، وعلى نمط من عاداتنا وهي سخيفة، وقصرناه على هذه التوافه: لعب للصغار ليس فيها فائدة وخطب للكبار ليس فيها عائدة.
فعلنا بمولد محمد - صلى الله عليه وسلم - ما فعلناه بسيرته فاقتصرنا في كليهما على أضعف جانبيه، فنحن في مولده نلهو ونلعب، وقد نفرح ونطرب، ونعمر يومه وأسبوعه بحفلات تقليدية ليس فيها روح، كذلك نحن نتدارس سيرته التي هي التفسير العملي للإسلام فلا ندرس إلّا جانبها البشري من كيفية أكله ولباسه ونومه، لا جانبها الملكي من صبره وجهاده وتربيته لأُمّته، وبناء الدولة الإسلامية.
(4/143)

يختلف الفقهاء في هذه الحفلات المولدية وهل هي مشروعة أو غير مشروعة، ويطيلون الكلام في ذلك بما حاصله الفراغ والتلهي وقطع الوقت بما لا طائل فيه، والحق الذي تخطّاه الفريقان أنها ذكرى للغافلين وإنما لم يفعلها السلف الصالح لأنهم كانوا متذكرين بقوة دينهم وطبيعة قربهم، وعمارة أوقاتهم بالصالحات.
أما في هذه الأزمنة المتأخرة التي رانت فيها الغفلة على القلوب، واستولت عليها القسوة من طول الأمد واحتاج فيها المسلمون إلى المنبّهات، فمن الحكمة والسداد أن يرجع المسلمون إلى تاريخهم يستنيرون عبره، وإلى نبيّهم يدرسون سيره، وإلى قرآنهم يستجلون حقائقه، وإن من خير المنبّهات مولد محمد لو فهمناه بتلك المعاني الجليلة.

أيها المسلمون: قبل أن تقيموا حفلات المولد أقيموا معاني المولد، وتدرّجوا من المولد المحمدي الذي هو مولد رجل إلى البعثة المحمدية التي هي مولد دين نسخ الأديان لأنه أكمل الأديان، وهنالك تضعون أيديكم على الحقيقة التي تهديكم إليها هذه الذكرى.
حاسبوا أنفسكم في كل عام من أين انتقلتم وإلى أين وصلتم، أشيعوا بينكم في هذه الذكريات المحبة والأخوة والاتحاد على الحق. واذكروا أن صاحب هذه الرسالة بعث بالعزّة والكرامة والعلم والقوة، فكونوا أعزّة وكونوا أحرارًا وكونوا أقوياء، واعرفوا محمدًا بدينه وقرآنه وسيرته لا بمولده، وأقيموا دينه، ولا عليكم بعد ذلك أن تقيموا مولده أو لا تقيموه.
إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يطالبكم بإقامة الدين لا بإقامة المولد، وإن دينكم دين الحقائق والأعمال والنُظم فارجعوا إلى تلك الحقائق وانصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.

- 2 -
من الخير للمسلمين أن يسيروا إلى الأمام دائمًا بأبدانهم وعقولهم مع الأمم الزاحفة إلى الحياة، المتزاحمة على مواردها، أو أمام الأمم الزاحفة المتزاحمة، مندفعين بحداء القرآن إلى الحق الذي تؤيّده القوّة، وإلى القوّة التي يؤيّدها الحقّ، ليعمروا هذا الكون بالعدل والصلاح والإحسان والخير والمحبّة، ويتحقّق وعد الله إياهم بالاستخلاف في الأرض، وتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم فيها، وتبديل خوفهم أمنًا إذا آمنوا وعملوا الصالحات وعبدوا الله ولم يُشركوا به شيئًا.
(4/144)

من الخير العميم لهم أن يفعلوا ذلك في جميع العام، إلّا في ليلة واحدة منه وهي الليلة الموافقة لليلة ميلاد محمد - صلى الله عليه وسلم -، فالواجب عليهم أن يرجعوا فيها القهقرى، وأن يطووا فيها هذه المراحل الأربع عشرة التي نسمّيها قرونًا، وأن يمحوها من أذهانهم بخيرها وشرّها حتّى كأن لم تكن، ليتصّلوا في ليلة من العام بالآفاق التي انفجر منها ماؤه العذب الزلال، فأروى النفوس وغسل أكدارها، وطهّر الأرض وأحيا مواتها، والواجب أن يتبعوا السبب حتّى يبلغوا مطلع الحقيقة- حقيقة السعادة التي جلاها الله على هذا الكوكب الأرضي، كوكب الشقاء والشرّ والفساد والتناحر، والواجب أن يفعلوا هذا ليجتمعوا بمحمد في ليلة من كلّ عام، فيأخذوا عنه كيف كان يزكّي وكيف كان يعلّم، وكيف كان يجاهد الكفر قبل أن يجاهد الكفّار، ويحارب المعاني الفاجرة قبل أن يحارب الفجّار، وكيف كان يغرس الفضيلة ويتعهدها بالسقي والرعاية حتى تنمو وتورق وتُظلّ وتثمر، وكيف كان يقلع الوثنية ليزرع التوحيد، ويهدم الضلال ليبني الهدى، وكيف كان يهدي بالقرآن للتي هي أقوم، وكيف كان يمهّد للحقّ بالقوّة، ويضع القوّة في خدمة الحقّ، وكيف كان ينتصف للروح من الجسم حتّى إذا بلغ المعدلة أذن لسلطان الروح بالاستيلاء على العرش من غير أن يضار الجسد أو يضيمه، وكيف كان يؤلّف بين سنن الله في الدين وبين سننه في الكون ليربط الأسباب بالمسببات والدين بالدنيا، ويزاوج بين السعادتين فيهما.
هذه المعاني- وهي قطرة من بحر- هي التي يجب أن يذكرها المسلمون، وأن يتذاكروها كلّما أظلتهم هذه الليلة من كل عام، وأن يحتفلوا لذكرها باللسان وذكراها بالقلب وتحقيقها بالعمل، وأن يتواصوا بالتخلّق بها في أنفسهم ثم فيمن يليهم من أهل وجيران وأقارب، وأن يتنافسوا في البلوغ إلى غاياتها، وأن يعتبروا هذه الليلة حدًّا فاصلًا بين مرحلة مقطوعة ومرحلة مستأنفة، وموقف محاسبة على عام مضى، واستعداد لعام يأتي ...
أما والله لو أننا نظرنا إلى هذه الليلة بهذه النظرة، ووزنّاها بهذا الميزان، وبنينا إقامة الحفلات فيها على هذه الحكمة، لما أُصبنا بهذا الوهن القاتل، ولما أُصيبت جدة الدين بيننا بالأخلاق، ولما تفرقنا شيعًا فيه ومذاهب، ولما تكدّرت مشاربنا منه بالضلال والابتداع، ولا تنوسيت تلك السنن العظيمة بالغفلة والإضاعة.

أيها الإخوان: إن نبيّنا منا لقريب لو جعلنا الصلة بيننا وبينه حبل الله القرآن، فقد تركه فينا ليكون النور الممتد بيننا وبينه، وقد كان خُلُقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه ويقف عند حدوده ويصنع أفعاله وتروكه من أوامره ونواهيه، وينحت من معدنه تلك الآداب التي ربّى بها نفسه وراض عليها أصحابه، ثم تركها كلمة باقية فينا وحجّة بالغة لنا أو علينا، وقد شرّفنا - صلى الله عليه وسلم - تشريفًا يبقى على الدهر، وشهد لنا شهادة نتيه بها على الغابرين إذ قال لأصحابه: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِيَ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي».
(4/145)

ولكننا تركنا هذا المرجع الإلهي المعصوم في اقتباس سيرة نبيّنا كما هجرناه في كل ما جاء به من عقائد وعبادات وأحكام وآداب، وأصبحنا نتلمّسها من كتب فيها الموضوع وفيها المصنوع وفيها الصحيح الذي لا يثير عبرة ولا يحصي نزعة من نزعات الخير فينا، ولا يحملنا على التأسّي بتلك السير التي هي كنوز معارف ومعادن فضائل وأعلام اقتداء، ومنازل نقلة بالفكر إلى المثل الأعلى، وبالروح إلى الملإ الأعلى ...
ألستم ترون أن أكثر المؤلفين في السير يصرفون اهتمامهم إلى الجهات التي لا محلّ فيها للاقتداء الذي يزكّي النفس- أكثر مما يصرفونه إلى الجهات التي تزكي النفس وتطبعها على الخلال النبوية، يهتمّون بالمواطن السطحية البشرية مثل كيفية لبسه وأكله وشربه ونومه وملابسة أهله، ويغفلون المكامن الروحية الملكية مثل تعلّقه بالله ومراقبته له وتأديته الأمانة الشاقة وصبره وشجاعته وتربيته لأصحابه، وتدريبهم على جهاد أنفسهم حتّى تكمل وعلى السمع والطاعة للحق وفي الحق، وعلى التعاون والتناصح والتحابب والتآخي والاتحاد ...
(4/146)

الأستاذ الفضيل الورتلاني *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان:
ما فكرتُ في هذا الموقف، ولا دبرتُ طريق الخلاص من مفاجآته إلّا بعد أن دخلت القاعة وتراءت وجوه الإخوان وسبقني بعضهم بالحديث، فوجدت نفسي بين عاملين قويين متعاكسين: عامل الأدب العرفي الذي يعلو حتّى يصل إلى الغلو والاغراق، وينزل حتّى ينتهي إلى الإسفاف والعامية، وعامل الحقيقة الواقعة الذي هو دائمًا ميزان اعتدال.
تواضع الناس على أن مدْحَ المرء لنفسه ذمّ، وتندر العرب في ذلك بالكلمة الساخرة: مادِحُ نفسه يُقرئك السلام، وتواضعوا على أن إطراء المرء لولده ذمّ، فإن لم يكن ذمًّا فهجنة، وإن اعتذر عن ذلك بعض الناس الخارجين عن القياس بأن هذا من مقتضيات الفطرة، فهو تنفس بشيء من معاني العواطف التي تنطوي عليها كلّ نفْس، والفطريات الوجدانية لا تخضع لهذه القوانين التي يسنها المجتمع، ومن كلمات العرب السائرة في هذا الباب: المرء مفتون بابنه، وزاد البحتري: وبشعره، وهو صادق: فإن فتنة الشاعر بشعره أعظم من افتتان الوالد بولده.
وأنا أرى أنه ما أكّد هذا القانون العرفي في نفوس الناس إلا غلوّهم في الإطراء، ومبالغتهم في المدح والثناء، حتّى لا يكون المدح عندهم مدحًا إلا هكذا، ولا يكون أدب المواجهة أدبًا إلّا إذا كان من هذه الآداب الزائفة المنافقة التي أصبحت مادّة لحياة الناس لا يتعارفون إلّا بها ولا يتعايشون إلّا عليها ولا يديرون ألسنتهم إلّا بها، من تحية الصباح إلى أن يخيط النوم أجفانهم، وأصبحت عمارة المجالس وبضاعة الأندية وقاعدة السلوك، يعدّون الخارج عنها خارجًا عنهم، ولو أنهم سلكوا القصد والتزموا الحق ووزنوا كلامهم بميزان
__________
* كلمة أُلقيت في الحفل الذي أُقيم في فندق "سميراميس" بالقاهرة تكريمًا للأستاذ الفضيل الورتلاني، في شهر نوفمبر 1952.
(4/147)

الصدق لسقط تسعة أعشار هذه اللغة الرائجة في المقابلات والتحايا والتمادح، ولسقط مثلها من قاموس التواضع الزائف مثل العبد الضعيف، العاجز، الفاني.
فإذا لم نُئغِ هذا العامل فالأستاذ الفضيل الورتلاني الذي يحتفي به إخوانه وعارفو فضله من أهل العلم والأدب والوجاهة والقلم واللسان- هو ولدي روحيًا وتلميذي فكريًا، وهو ثمرة طيبة من بواكير الحركة الإصلاحية العلمية التي أنا أحد المحركين لها والغارسين لبذورها، زكاه الله صبيًا ويافعًا وشابًا وآتاه من المواهب في الصغر ما شارك به أساتذته في وضع الأساس لهذه الحركة المباركة، بحيث لم يزيدوا عليه فيها- وأنا أحدهم- إلّا بالسنّ، فإذا أطريته الليلة تمشيًا مع أدب التكريم أكون قد مدحت نفسي وانحرفت عن الأدب العرفي.
لكلٍّ من الإخوان الحاضرين علاقة بالأستاذ الفضيل هي التي حركته لحضور الحفلة، وهي التي تُملي عليه إذا تكلّم فيها معلنًا أو ناجَى مخافتًا، ولكن علاقتي به تزيد على ذلك كله: هي علاقة الوالد بالولد، وهو لِوَفائه وانصافه يفخر بها، وأنا به أشد فخرًا وأكثر مباهاة وأكثر اعتزازًا.
ونحن- بفضل الله وتوفيقه- قد بنينا حركتنا من أوّل يوم على قواعد، منها القصد في الآداب المرعية بين التلاميذ وشيوخهم، لأن القصد أقرب إلى الصدق حتّى كأنه مقلوبه كما يقول علماء البديع، ومنها تفصيل الاحترام الظاهري على مقدار ما تكنّه النفس من معانيه وأسبابه، ومنها تنزيل الاحترام والتقدير على الأعمال لا على المرتبة ولا على السنّ، ومنها تسمية الأشياء بأسمائها من غير محاباة ولا إجحاف، ومنها اعتبار الوقت رأس مال فهو أجلّ من أن ينفق إلّا في المفيد.
...

أما العامل الثاني وهو عامل الحقيقة والواقع فهو المقدم عندي وعند جميع العقلاء في الاعتبار، ولذلك فأنا أقتحم الموضوع من غير استئذان للأدب العرفي ولا توقف عليه، وأقول في ولدي وتلميذي وخالصتي الأستاذ الفضيل الورتلاني ما يقوله الوالد العاقل الحساس في ولده البرّ، وما يقوله الشريك الأمين في شريكه الأمين، وما يقوله الزميل الشريف في زميله الشريف، وأقول فيه في المشهد ما أقوله في المغيب، ولا أقول- إن شاء الله- إلّا حقًا.
أقول: إنه رجل أي رجل، أو إنه الرجل كل الرجل، بالمعنى الذي تعرفه العرب من هذين التركيبين القصيرين الجاريين مجرى لغة البرقيات في زمننا، تجمع ضيق اللفظ واتساع الدلالة، ولعلّ من الإحسان إلى الإخوان الذين عرفوا الورتلاني في الشرق وهو في أواخر
(4/148)

شبيبته وأوائل كهولته- أن أعرّفهم بشيء من نشأته، فإن ملكات القوة إنما تثبت إذا كان وضعها صحيحًا وعلى أصل صحيح، وإن العئم بهذا شيء أنفردُ به دون الإخوان، فمن الجوامع بيني وبين الورتلاني قرب البلدين وقرب الميلادين، بين ميلادي وميلاده في الزمان بضع عشرة سنة، وبين مولدي ومولده في المكان مسافة لا تزيد على ثمانين ميلًا.
وأقول إنه رجل تضافر على تكوينه قوة الاستعداد للخير، وحسن الإعداد له، أما الاستعداد للخير فهو من أثر يد الله في عبده إذا أراد به خيرًا، وقد خلق الرجل مستعدًا للعظائم، مهيّأً لمعالي الأمور، مرشحًا للقيادة، يَلمح فيه المتفرس- وهو صغير- ملامح البطولة، ومخايل الاعتداد بالنفس والاعتزاز بالذاتية، والذكاء الذي يكاد يحتدم في جوانب صاحبه، ويرى فيه المتوسّم- وهو شاب طرير- جرأة على المكاره يصحبها رأي عاقل وعزم صادق، وجرأة على الطغيان والظلم يصحبها قول مسدّد وعمل دائم، وحركة غير معتادة في لداته من الشبان، وطموحًا نزّاعًا إلى العُلى، وعزّة نفس متسامية إلى الكمال، وثورة على الذين يصفون للأمّة الجزائرية سعادة الآخرة ولا يسلكون بها سبيلها، وعلى الذين يصفون لها سعادة الدنيا ويسلكون بها غير سبيلها.
وأما الإعداد فيبدأ من البيت الذي فيه وُلد، والقرية التي فيها درج، والمحيط الذي فتح فيه عينيه، والمضطرب الذي اضطرب فيه طفلًا وشارخًا، والنشأة التي عليها نشأ.
نشأ الأستاذ الفضيل في بيت يجمع حاشيتي النسب والحسب، والخلق الموروث والمكتسب، ويتصل سند العلم فيه إلى أجداد، نبغ منهم في القرون الثلاثة الأخيرة آحاد، ويمتاز هذا البيت بالتدين المتين والروحانية المتألقة والتربية الربانية والاتّصال القويّ بالله والتقلّب في مراضيه، والجري على الفطرة السليمة التي لم يمسسها زيغ، والاستقامة الشرعية التي لم يلابسها عوج، يحوط كلَّ ذلك علم متسع الجوانب بالنسبة إلى زمانها ومكانها.
ثم درج أول ما درج في قرية تحيط بها قرى، تحيط بهنَّ مجاميع من القرى لم يطرقها دخيل منذ دخل الإسلام، وكلّها متساندة على حماية الدين والعرض والخلق والمال في نظام ذي نزعة جمهورية يقوم بتنفيذه في كل قرية جماعة منتخبون من أهل الفضل والعقل والعدل، ويسمونهم العقلاء أو الأمناء، ولهم في كل قرية دار الأمناء يجتمعون فيها كل يوم ثلاثاء لدرء المفاسد وجلب المصالح، فلا يلمُّ بالقرية شرّ، ولا تنجم فيها بدعة، ولا يقع اعتداء من شخص على شخص، ولا تشم رائحة مما يمسّ عرض الغائب أو الحاضر، إلّا بادروا ذلك بالصلح أو بالحسم أو بالعقاب، ولهم في ذلك أحكام نافذة السلطان تقوم بالمصلحة ولا تجافي أحكام الدين ولا تدع المجال لِتَدَخُّل الحكومة الاستعمارية وأعوانها،
(4/149)

وان سبعين في المائة من قضاياهم لا تسمع بها الحكومة، وقد أدركتُ وأدرك الأستاذ بقية من شيوخ تلك القرى عاشوا الثمانين والتسعين من أعمارهم ولم تَرَ أعينهم فرنسيًا واحدًا في ذلك العمر المديد، ويعاون هؤلاء الأمناء على تربية الجمهور أن في كل قرية جامعًا للجمعة ومساجد للخمس وخطباء من أنفسهم يختارونهم بأنفسهم، وفي كل مسجد حلقًا لتحفيظ القرآن وأخرى لدروس الدين والعربية، لا سلطان للحكومة على هذه المساجد ولا على هذا التعليم المسجدي في هذه القرى دون سائر القطر الجزائري: فإن الحكومة الفرنسية استولت على جميع مساجده وأوقافه واحتكرت لنفسها التصرف في أئمته وخطبائه، وان هذا لموضوع طويل جاهدت جمعية العلماء في ميدانه عشرين سنة وما زالت تجاهد.
في هذه القرى السالمة يتزوّج الرجل الصالح بالمرأة الصالحة فيلدان الولد الأصلح، وإذا كان الطفل يتقلّب بين أحضان الصالحين وحجور الصالحات، ويرجع من أخدان صباه وعشراء داره وزملاء ملاعبه إلى طفولة طاهرة راشدة تحرسُها أعين المجتمع كله، فأخلق به أن يكون مثالًا للإنسان الكامل.
ثم فتح الأستاذ عينيه أول ما فتح على شماريخ الأطلس الأصغر وقممها الشمّاء، وشناخيبها المتناوحة وغاباتها الطبيعية التي تكسو سطوحها، وغابات الشجرتين المباركتين- التين والزيتون- التي تجلل سفوحها، وعلى الوديان العميقة التي تخترقها هدارة السيول، وعلى مناظر الثلوج التي تكسو تلك القمم ثلث السنة، فاكتسب من كل ذلك هدوء التأمل، ومتانة الفكر، وصلابة العقيدة، وركانة العقل، وثبات الصبغة، ووعورة الجدّ حتّى لا محلّ معه لهزل ولا لهزال، وإنّ التوعّر لَألزم الخلال للرجل، لا سيّما في هذا العصر الهازل المتخنث.
...

ثم انتقل من ذلك المحيط بعد أن أتقن القرآن الكريم حفظًا، وألمّ بمبادئ العلوم إلى مدينة قسنطينة، وهدتْه بصيرته النيّرة وقريحته العطشى إلى الاتصال بباني النهضة الجزائرية بجميع فروعها ومربّي الأجيال الحديثة فيها على هدي القرآن وخُلُق محمد عليه السلام، أخطب علماء الإسلام في عصرنا وأقواهم بيانًا لمحاسن الإسلام المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس، سليل تلك الأسرة التي خلفت الفاطميين على مملكة افريقية، وللمرحوم طريقة غريبة في وصل تلامذته بالله وتفقيههم في حقائق سُنَنه في الأنفس والآفاق، وله قدرة عجيبة في استلال النقائص من نفوسهم، وفي ترويضهم على الكمالات النفسية واللسانية والبدنية، وفي إعدادهم لمراتب الرجولة التي لا تخضع إلّا لله، وفي تعويدهم على أساليب الدعاية وتزويدهم بدلائل الحق.
(4/150)

وجد التلميذ أجنيته في الشيخ ووجد الشيخ بغيته في التلميذ، فقطع به مراتب التربية والتعليم في سنوات، وحضر عليه معظم دروس التفسير، وقد ختم الشيخ القرآن الكريم كله تفسيرًا في خمس وعشرين سنة، ولم يختمه- فيما نعلم- في مغاربنا الثلاثة إلّا أبو عبد الله الشريف التلمساني، في أوائل المائة الثامنة.
غبر الأستاذ الورتلاني في وجوه السابقين فأصبح مساعدًا لأستاذه في إلقاء الدروس للتلامذة وكانوا يجاوزون ثلاثمائة طالب هم عماد الحركة اليوم، وفي تلك المدّة كان يقضي الصيف جوّالًا صوالًا في القطر، واعظًا مذكرًا، مثيرًا للهمم الراكدة.
وله في الجزائر اليوم تلامذة وزملاء ما زالوا يحملون الذكريات العاطرة لعهده (1).
...
__________
1) لم نعثر على بقية الكلمة.
(4/151)

الأستاذ سيد قطب *
تمتزج فكرة الوطن الإسلامي الأكبر بنفس الأستاذ سيد قطب امتزاج الروح بالجسد، والعقيدة بالعقل، فهو حفظه الله لم يفتأ يدعو المسلمين في الشرق والغرب بكتاباته الضافية إلى السير على ضوء هذه الفكرة في حركاتهم التحريرية وكفاحهم العام، والاعتصام بأخوتهم الإسلامية التي هي المهيع الأمين لتحقيق أمانيهم وآمالهم في الحياة، كمسلمين لهم من تعاليم دينهم ومجد تاريخهم كل ما يهديهم سواء السبيل، إذا غشيتهم الظلمات وألمت بساحتهم خطوب وملمّات.
وقد وجد الأستاذ في صحيفة «البصائر» التي هي اللسان المعبّر عن كفاح الجزائر في سبيل المحافظة على إسلامها وعروبتها وربط نهضتها بالعالَم الإسلامي صدى دعوته الصارخة، فأحبّها وبادر بإرسال هذه الكلمة البليغة الجامعة إليها، وهي إذْ تحلي صدرها بها إنّما تنشر صفحة من جهاد أحد العلماء العاملين من أعلام هذه النهضة التي لن تقف دون أن تصل بالإسلام والمسلمين إلى أهدافهم السامية في طريق كفاحهم من أجل الوحدة والحرية والاستقلال.
__________
* «البصائر» العدد 214، السنة الخامسة، 23 جانفي 1953 (بدون إمضاء): وهي الكلمة التي قدّم بها مقال الأستاذ سيد قطب الذي خصّ به «البصائر» تحت عنوان "كفاح الجزائر" وهو الأوّل من سلسلة مقالات كتبها الأستاذ سيد قطب خصيصًا لـ «البصائر».
(4/152)

اِغتيال الزعيم التونسي فرحات حشّاد *
برقيات
ــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - إلى "الاتحاد العام التونسي للشغل"، تونس
إن الجريمة الفظيعة، جريمة اغتيال رئيسكم العظيم المرحوم فرحات حشّاد، قد تركتْ في أنفسنا ألمًا شديدًا، ونحن نقاسمكم آمالكم وآلامكم، وقضيّتكم قضيتنا، وتقبّلوا باسم الشعب الجزائري أحرّ التعازي.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين

2 - إلى جلالة باي تونس، تونس
إننا نستنكر تلك الجريمة الشنعاء، جريمة اغتيال المرحوم الزعيم فرحات حشّاد، ونعبّر لكم وللشعب التونسي الحرّ عن أحرّ تعازينا.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين

3 - إلى الأستاذين صالح بن يوسف ومحمد بدرة، نيويورك
إننا نقاسمكم الألم والحزن العظيمين اللذين ألمّا بتونس الشقيقة على إثر اغتيال المرحوم فرحات حشّاد ضحيّة القضية الوطنية، والله معكم في كفاحكم من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين
__________
* أرسلت هذه البرقيات من القاهرة، على إثر اغتيال الزعيم فرحات حشّاد، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، على يد عصابة "اليد الحمراء" الفرنسية، وكان ذلك يوم 5 ديسمبر 1952.
(4/153)

4 - إلى السيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، نيويورك
إن الشعب الجزائري مهتمّ كل الاهتمام بخطورة الوضع بتونس، وهو يستنكر اغتيال الزعيم النقابي المرحوم فرحات حشّاد، ويطالب الأمم المتحدة أن تجعل حدًا للأعمال الوحشية التي يرتكبها المستعمرون الفرنسيون، والتي تهدّد السلام والأمن في العالَم.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين

5 - إلى السيد فوستر دالّلس وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية- واشنطن
أمام الحوادث الدامية التي تعيشها تونس الشقيقة، وأمام الاغتيال الفظيع الذي ذهب ضحيته الزعيم النقافي المرحوم فرحات حشّاد، تلك الجريمة التي ارتكبها المستعمرون الفرنسيون، نلفت أنظار حكومة أمريكا البلد الحرّ إلى خطورة الوضع في تونس، ونؤكّد لها باسم الشعب الجزائري أن الحالة الراهنة تهدّد السلام والأمن في العالم.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين

6 - إلى اتحاد نقابات العمّال الأمريكي- نيويورك
إن تونس العاملة فقدت إبنًا من أبرّ أبنائها من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، ألا وهو الزعيم النقابي فرحات حشّاد الذي اغتالته أيادي المستعمرين الفرنسيين، ونحن باسم الشعب الجزائري نناشد تضامن عمال أمريكا البلد الحرّ، وأن يلفتوا نظر حكومتهم إلى خطورة الوضع الراهن بتونس ونتائجه التي تهدّد السلام والأمن في العالم.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين
(4/154)

تحية الجزائر *
للإجتماع المنعقد يوم 8 ديسمبر بباريس
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الإخوان المتلاقون على هَوَى الوطن الجامع وحبّه، العاملون على إعلاء شأنه وجمع أجزائه.
بلغتنا أخبار اجتماع أبناء الشرق العربي بأبناء المغرب العربي في دار، فعجِبنا حتى انتهى العجب إلى أقصاه، وطربنا حتى أخرجَنا الطرب عن طور الاعتدال، ثم رجعنا إلى الفال، نُزْجي به الآمال.
عجبنا لاجتماع الإخْوة بعد أن جعل الاستعمار بينهم رَدْمًا، وأوسع معالم الاتصال بين الشرقيّ والغربيّ منهم تحطيمًا وهَدْمًا، وضرب بينهما بسور ليس له باب، حتى نَسِيَ الواحد منهما أخاه أو كاد، وحتى تنكر له كأن لم تَكُ بينهما أشياءُ من نسب وتاريخ، ومواريثُ مقسومة من دين وأدب.
وطربنا لأن اجتماع الإخْوة بهذه الصورة الجميلة، ولهذا الغرض النبيل وهو التعارف- هو شيء كانت تمثِّلُه لنا الخواطر الطائرة، والتمنيات الخيالية، فتمتلئ نفوسنا سرورًا، وتَشِيعُ في جوانبنا البهجة والانشراح، ثم يتقضَّى ذلك كله في لمحة الطرف كأحلام النائم، وإذا بذلك الخيال الطارف يصبح حقيقة مجسّمة.
ثم رجعنا إلى الفال، نستفتح به أقفال الغيب، ونَسِمُ به أغفالَ المستقبل، ونقول: صَبيبُ المُزنِ أوّلُه قطرة، وعَصْفُ الريح مبدؤه نَسمة، وصادق الوحي أوّله رؤيا منام، وبعد تلك البدايات ينهمر الماء، أو تعصِفُ الأعاصير، أو يتواتر الوحي، فلا عجب إذا كان هذا الاجتماع فتحًا لباب، وعنوانًا لكتاب، ومقدمة لنتائج.
__________
* مسودة رسالة وُجدت في أوراق الإمام، ولكننا لم نهتدِ إلى طبيعة هذا الاجتماع.
(4/155)

أيها الضيوف الأعزة، أيها المقتبلون الكرام:
يَعِزُّ عليّ- والله- أن أنادي منكم اثنين، وإنما أنتم واحد، ولكن غَلبتْ عليّ النزعة العربية في إجلال الضيف، وإكرام مثواه، ومضاحكته قبل إنزال رحله، واعتبارِه عالَمًا مستقلًّا في مدة الضيافة، فناديتُ الضيفَ وحدَه لآخذَ بحظّي من البرّ به. وناديتُ أبا المَثْوَى وحدَه لأساهمه في أداء واجب الضيافة ولو بالحديث، والحديث من القِرى في مذهب العرب، وها أناذا أعود فأخاطبكم بالوصف الجامع:

أيها الإخوة:
إن أضعف سلاح رمانا به الاستعمار جمعيًا هو هذا السلاح المادي من الحديد والنار، وأن أمضى سلاح قاتلنا به فقَتَلَنا لَهو التضريب بين صفوفنا حتى أصبح بعضنا لبعض عدوًّا، والتخريب لضمائرنا حتى أصبحتْ خيانة الدين والوطن بيننا مَحْمَدةً نتمادح بها، والتمزيق لجامعتنا حتى أصبحنا أممًا متنابذة، والتوهينُ لقوانا المعنوية حتى أصبحنا كالتماثيل الخشبية لا ترهب ولا تخيف، والاستئثارُ بقُوَّاتنا المادية حتى أصبحنا عالةً عليه، والتعقيمُ لعقولنا وأفكارنا حتى أصبحنا نتنازل عن عقلنا لعقله وإنْ كان مأفونًا، وعن فكرنا لفكره وإنْ كان مجنونًا، وتلقيحُ فضائلنا برذائله حتى انحطتْ فينا القِيَمُ الإنسانية وبُخِست موازين الفضيلة، وترويضُنا على المهانة حتى أصبحنا نهزأ بماضينا افتتانًا بحاضره، ونحتقر لسانَنا احترامًا للسانه.
هذا الاستعمار لعقولنا وأفكارنا هو أخطر أنواع الاستعمار علينا، وهو الذي مهّد للطامة الكبرى التي هي مأْرَب الاستعمار، وهي هذه الوطنيات الضيّقة المحدودة التي زّينها لنا وحبّبها إلينا، ولو كانت خيرًا لَسَبقَنا هو إليها في أممه وأوطانه، ولكنه يتكتَّلُ ليقْوَى في نفسه، ويفرّقُنا لنضعفَ زيادةً في قوّته.
أليس من العار أن يكون للعرب عشْر وطنيات؟ أليست هذه الوطنيات الضيّقة بمثابة تقسيم الخبزة الواحدة إلى لُقَم، ليسهلَ ازدِرادُها لقمةً لقمة؟ أما والله لو كان العرب أمّة واحدة لما ضاعت فلسطين، ولما حلّت بالأقطار العربية هذه النكبات المتوالية.

أيْ أبناء العمومة: إن الجزائر والشمال الأفريقي كله فَئذَة من كبد الإسلام، وقطعة من وطن العروبة الكبير، وبقيّة مما فتح عقبة والمهاجر وحسّان، وإن هذا الوطن هو أحد أجنحتكم التي تطيرون بها إلى العلا، وإنّه متصل بكم اتصال الكف بالساعد، تصلون إليه مشْيًا، ويصل إليكم حبْوًا، فَريشوا هذا الجناحَ المهيض حتى تقوى قوادمه، وصونوا حماه فإنه حماكم، وذودوا عن عِرضه فإنه عرضكم.
إن هذا الوطن امتداد لوطنكم الأكبر، وإنه يحمل أمانة الأجداد التي تحملونها، فأعينوه على التحرير، وأنقِذوه من سوء المصير.
(4/156)

إن في هذا الشمال بأقطاره الثلاثة كنوزًا من تراث العربية والإسلام، طمرها الاستعمار برذائله عمدًا، وطمس محاسنها بحضارته قصدًا، فأعينونا بقوة نستخرج هذه الكنوز بإحياء الأخلاق والآداب والتاريخ، لا لخيرنا بل لخير الإنسانية.

أيْ أبناء العمومة: إن بيننا وبينكم صلاتٍ من اللغة والدين، وأرحامًا مرعيّة من الجنس والخصائص، فقوّوا هذه الصلات، وصلوا هذه الأرحام، يكنْ بعضنا لبعض قوة.
إنكم لنا أئمة في الخير، وإنّا بكم مؤتمّون في الحق، فحققوا شروط الإمامة، وطالبونا بتحقيق شروط الاقتداء، وئنُقِمِ الصفوف، في معترك الحتوف ... وإلّا هلك الإمام والمأموم.
أما والله لن نُفلِت من مخالب الاستعمار فرادى، ولن نُفلت منه إلّا يوم نصبح أمّة واحدة تلقى عدوّها برأي واحد، وقائد واحد، وقلب واحد، فإن لم نفعل فلا نَلُمِ الاستعمار، وئنَلُم أنفسنا.

أيْ أبناء العمومة: ليتني كنت معكم، فأحييكم من قريب، تحية الأخوين، فرَّقتْ بينهما الأقدار، ثم جمعتهما الدار، وأسمعكم من الجزائر الحزينة نجواها، وأبثّكم شكواها، بلسانها الحر الأصيل المعرب، وبيانها العذب الشجيّ المطرب، ولكن الأقدار الغالبة عاقت عن الاتصال بكم، والجدّ العاثر حرمني من التشرّف بلقائكم في هذا اليوم الأغرّ، فها هي ذي تحيات العروبة الكامنة في الجزائر كُمونَ النار في الحجر- توافيكم من وراء البحر، وتتنفّس في ناديكم بمسك دارين وعنبر الشحر، فحيّاكم الله وأحياكم، وأبقاكم للعروبة تصلون أسبابها، وتعيدون عليها نضرتها وشبابها، وللإسلام ترفعون أعلامه وتدفعون ظلّامه، وللشرق تؤدّون فرضَه، وتردون قرضه، وتصونون عرضه، وتطهرون سماءه وتحفظون أرضه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم
محمد البشير الإبراهيمي
(4/157)

منزلة الأدب في الحياة *
هدرت شقاشق أبنائي أدباء الجزائر العزيزة ثم قرّت، في موضوع لم أستطع أن أسمّيه أدبًا، إنما أسمّيه تلاومًا على الركود والسكون الذي عمّ الجزائر كلها في السنة الماضية باستثنأء حركة التعليم التي يقوم بها المعلمون حيّاهم الله عني، وحركة التنظيم التي تقوم بها لجنة التعليم العليا جزاها الله عني خيرًا، ومن ورائها المكتب الدائم لجمعية العلماء بارك الله فيه.
شغل الأدباء وقتًا طويلًا وملأوا صحائف من «البصائر» في ذلك التلاوم، أو في جذب وشدّ بين العتاب والعذر، وكنتُ أقرأ وأتتبعّ وأقول: هي حركةٌ أقلّ صفاتها أنها خير من الركود، وانتظر حتّى تجف الشعاب وتفرغ الجعاب، ولا أقول إني لم أشأ أن أكدر صفوهم، بل أقول إنّي لم أشأ أن أصفّي كدرهم، لأن تنازع الحبل صيّر الموضوع قضية تحتاج إلى حكم، وأنا ذلك الحكَم، ولا آتّهم أبنائي بأن يبلغ بهم العقوق إلى أن لا يرتضوا حكومتي، أو يهتبلون غيبتي، فينفضون عيبتي، ويلعنون شيبتي: أعتقد أنني أكرم عليهم من ذلك.
كان أبناؤنا الأدباء فريقين: فريقًا لوامين، وفريقًا معتذرين، واللوّامون يبنون أمرهم على أن الأدباء في الجزائر ساكتون لا ينطقون وخاملون لا يُنتجون، وكان الأوجه الأشبه أن يلاموا على أنهم ناقصون لا يُكمِلون وكسالى لا يقرأون، وقانعون لا يدرسون، وأن خير ما زيّن به امرؤ نفسه الإنصاف، وأن من الإنصاف أن نقول إن الأدب عندنا في الجزائر لم يكمل ولم يزل بينه وبين الكمال مراحل، والذي عندنا إنما هو استعداد للأدب ولكنه بدون أدوات، فهو يعتمد على المواهب التي وزّعها الله على عباده وجعل حظوظهم منها متفاوتة،
__________
* مسودة مقال بدأه الإمام المرحوم ولم يتممه، مساهمة في النقاش الطويل العريض الذي ملأ صفحات «البصائر» من نوفمبر 1952 إلى الأشهر الأول من سنة 1953 حول الأدب الجزائري وقضاياه، لذا نعتقد أن هذه المسودة كتبت في بداية سنة 53.
(4/158)

فَمَن آتاه الله من أبنائنا حظًا من الموهبة وقف عندها وأخذ يعصر المواهب عصرًا، فتبض له بشيء وتشحّ بأشياء، لأنه لم يرفدها بالأمداد التي تفتقر إليها، والمواد التي تتغذّى منها من المحفوظ والمقروء المهضوم والمدروس المفهوم، فالملكات الأدبية لا تكفي فيها القريحة والطبع حتّى تمدّها الصنعة بأمدادها، وأوّلها متن اللغة غير مأخوذ من القواميس اللغوية لأنها لا تنتهي بصاحبها إلى ملكات لغوية ولا أدبية، وإنما يجب على من أراد أن يربّي ملكته على أساس متين أن يأخذ اللغة من منثور العرب ومنظومهم، فيستفيد بذلك فائدتين: الأولى الكلمة ومعناها، والثانية وضعها في التركيب وموقعها منه وموقعه من النفوس، وحسن التركيب هو سر العربية، ويسمّيه علماء البلاغة حسن التأليف، ومن كلماتهم التي سارت مسير الأمثال قولهم: ولكل كلمة مع صاحبتها مقام.
أما أخذ الألفاظ متناثرة من كتاب لغة كالقاموس المحيط ثم وضعها في تركيب كيفما اتفق، فإنه عمل بعيد عن التوفيق مجانب للصواب لأن صاحب القاموس لم يُرد أن يُكوّن بكتابه أديبًا، وإنما أراد أن يخلق مدرّسًا، وقد ذكر كلمة في خطبته دلّت على مقصوده كلّه، فهو يقول في كتاب الصحاح: ولما رأيتُ اقتصار الناس عليه بخصوصه، واعتماد المدرّسين على ألفاظه ونصوصه ... الخ، فهو إنما يريد كتابًا يعتمد عليه المدرّسون بدلًا من صحاح الجوهري، وهو يريد بالمدرّسين مدرّس القواعد العلمية في زمنه الذي هو زمن انحطاط الأدب ونزوله إلى الدرك الأسفل وفساد مقاييسه حتّى يصبح ابن حجر حافظ السنّة وأفقه فقهائها في عصره شاعرًا، وما هو بشاعر.
وإذا ذكرنا قاموس الفيروزابادي فما كلّ القواميس مثله: فلسان العرب كتاب يعلّم اللغة، وكتاب المقاييس لابن فارس كتاب لغة يعلّم الأدب، وكتاب المخصّص لابن سيده كتاب لغة وأدب معًا، أمّا اللغة الحقيقية فهي أشعار العرب وأحاديثهم وخطبهم ومحاوراتهم، وأما كتب الأدب المحض فهي كتب الجاحظ والمبرد وابن قتيبة وكتب المحاضرات من مثل عيون الأخبار ومحاضرات الأدباء والعقد الفريد ولباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ وكتب النقد ككتابي قدامة بن جعفر على صغر حجمهما والصناعتين للعسكري والعمدة لابن رشيق حتّى تنتهي إلى المحيط الهادي: الأغاني وما أدراك ما الأغاني.
محالٌ أن تكمل ملكة في الأدب لِمَن لم يقرأ هذه الكتب كلّها قراءة تأنّ ودرس، ويحفظ لكل شاعر مجل جاهلي أو إسلامي أشرف شعره وأجزله، ثمّ يأتي كمال الأدب وهو أن يعرف طبقات الشعراء وموازينهم وخصائصهم، وأن يعرف من السير والأخبار ما يحلي به أدبه نظمًا أو نثرًا، فإن الأدب بدون هذه النكت كالطعام بلا ملح، وما سمعتُ قطعة من الشعر لأديب ولا قرأتُ له قطعة نثرية إلّا عرفتُ منها ما قرأ من الكتب، ولقد وعكتُ مرّة فأرسل إليّ أديب يُسليني بقطعة من الشعر، منها:
(4/159)

أيها الحاكي أبا شبرمه … إذ رماه الدهر بالضر ورامه
ليتني جئت كيحيى عايدًا … ناذرًا عتق غلام وغلامه
والحكاية متكررة في كتب المحاضرات، فلقيته بعد زوال الوعكة وسألته عن غفلة: هل استوعبتَ قراءة عيون الأخبار؟ فأجاب نعم، والعقد الفريد؟ وكذا وكذا الكتب سماهنّ من كتب الأغذية العقلية، وهو صادق، فإنّ آثار القراءة العميقة بادية على شعره كما تبدو آثار الأغذية الصالحة على الجسم فراهةً وقوة وحيوية.
أبناءنا الأدباء فقراء في هذه الناحية التي لا يكون الأديب أديبًا إلّا إذا ألمّ بها إلمام المتدبّر، لا المتحيّر المتغيّر، فهم لا يقرأون وإذا قرأوا فقمش من ههنا وههنا.
وكلّ ما يستعمله الشعراء والكتّاب اليوم كلمات متداولة محدودة، لا تجاوز مجموعها خمسة عشر ألف كلمة، وهي بضاعة السودق، فإذا كانت كافيةً للاستهلاك اليومي الضروري، على لغة الاقتصاديين، فإنها لا تكفي للمطالب الكمالية والتحسينية في الأدب، والمواضيع تتجدّد، والمعاني تتوارد وتتشابه ثم تتمازج ثم تتمايز، فمن الواجب أن ننحت من هذا المعدن القديم كل يوم جوهرة ونصقلها.
لا أرى حالة من الركود، ولو كانت ركودًا لقلنا عسى أن تهبّ الريح، ولكنها قناعة بالموجود، وهذا هو الخطر.
ومن قرأ كتب الدنيا ولم يظهر لها في شعره ولا في كتابته أثر، فكأنه لم يقرأ شيئًا.
... ...
(4/160)

مذكرة إيضاحية *
(للمذكرات التي قدّمتها لوزارة المعارف المصرية ولمشيخة الأزهر الشريف وللأمانة العامة لجامعة الدول العربية في يناير الماضي 1953)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رفعت في الشهر المذكور مذكّرات لوزارة المعارف المصرية ولمشيخة الأزهر الشريف وللأمانة العامة لجامعة الدول العربية عرضت فيها أعمال جمعية العلماء الجزائريين إجمالًا، وما تمّ على يدها في داخل القطر وفي خارجه، ومنها توجيهها بعثات من تلامذتها إلى الشرق العربي ليدرسوا في معاهده على نفقة حكوماته، وفتحها لمكتب في القاهرة ليشرف على هذه البعثات وليحقق الغاية من إرسالها، وهي اكتساب التربية الصالحة وتحصيل العلم النافع، ثم الرجوع إلى الجزائر لحمل الأمانة التي اضطلعت بها جمعية العلماء.
وقد استعرضت- بعد تقديم تلك المذكرة- جميع الاتصالات التي تمّت بيني وبين المسؤولين في الحكومات العربية في شأن جمعية العلماء والتعريف بها، وشرح أعمالها التي كانت نتيجتها تثبيت عروبة الجزائر وتصحيح إسلامها. واستعرضت الاتصالات التي تمت بيني وبين الهيئات وقادة الرأي في هذا الشرق العربي، مقرّرًا لهم وللحكومات لزوم إمداد هذه الجمعية بالعون المادي والمعنوي لأنها في الحقيقة عاملة لهم، مجاهدة في سبيلهم، محافظة لهم على رأس مال عظيم، ومؤتمنة على ذخيرة من ذخائرهم وهي العروبة والإسلام. فلولا هذه الجمعية لضاع على العرب نصف عددهم، وهو ثلاثون مليونًا هم سكّان المغرب العربي، وجرفهم تيّار الاستغراب والبربرة، ولولا هذه الجمعية لضاع على المسلمين هذا العدد من الملايين.
استعرضت كل ذلك التعريف بالجمعية، وذلك الشرح لأعمالها وآمالها وتحسّست وقعه في نفوس الإخوان الذين حادثتهم، فرأيت أنني مهما عرّفت بهذه الجمعية وشرحت من
__________
* مذكرة مطبوعة، وزّعت على الهيئات المذكورة أعلاه وعلى أجهزة الإعلام.
(4/161)

أعمالها، ومهما صوّرت من حال الأمّة الجزائرية وتطلعها إلى الشرق العربي ليعرف حقيقتها ثم يأخذ بيدها- مهما فعلت من ذلك- فإن تعريفي لم يزل قاصرًا لا يوصل إلى إخواننا في الشرق الصورة الحقيقية لهذه الجمعية ولهذا الوطن. وخشيت أن يتصوّر إخواننا جمعية العلماء الجزائريين على قياس الجمعيات والأحزاب المتشابهة في المشرق والمغرب ... أشخاص ودوران حول أشخاص، وشخصيات وسعي وراء الشخصيات، وهدم من دون بناء، وأقوال مردّدة، ومقدمات من دون نتائج، ودعاوٍ لا دليل عليها، وغايات تطلب من غير إعداد لوسائلها.
فدفعًا لهذا التقصير عن نفسي، ولهذا الوهم الذي ربّما ساور بعض الأذهان فلبس عليها شيئًا كله حق بشيء بعضه باطل، ثنيت (بهذه المذكرة الإيضاحية)، أصوّر فيها جمعية العلماء الجزائريين تفصيلًا، والجزائر وأحوالها إجمالًا، حتى أؤدّي الأمانة كاملة، واستبرئ لله وللحقيقة والتاريخ، وأنا أحرص الناس على أن يبنى تاريخ الجزائر الحديث بأحجاره الأصيلة، ويؤلف من مواده الصميمة لا الدخيلة، وأنا وافد إخوان إلى إخوانهم، فمن حق الفريقين عليّ أن أعرف بعضهم إلى بعضهم حتى يكون غائبهم كالشاهد.
____

الشعب الجزائري
____
الشعب الجزائري فرع من فروع الدوحة العربية الموروثة، لم ينسَ أبوّته، ولم يتنكّر لنسبه على وفرة قواطع الأرحام، ولم يبت صلته بسلائله الأولى المتحدّرة من قحطان وعدنان، ولم تنحرف الضاد عن مجراها في لسانه على كثرة أسباب الاستعجام.
وهو- مع ذلك- عضو في الأسرة الإسلامية الكبرى لم يبتغ بدينه بديلًا منذ هداه الله إليه، ولم تختلف به المذاهب فيه، فَقَلَّتْ بينه أسباب الخلاف والعصبية، ومن سدّ الله عليه بابًا من أبواب الخلاف، فقد فتح له بابًا من أبواب الوفاق.
وقد جرى هذا الشعب من أجياله الأولى على خير ما في العروبة من خلال وعلى أمهات الفضائل الإسلامية، وحافظ عليها محافظة الوارث الصالح على التراث، إن لم يزد فيه لم ينقصه، وامتاز هذا الشعب بخصائص إنسانية، حظ غيره منها قليل، منها الصلابة في الحق، والكرم والصدق والصبر على الشجاعة والجد، والحفاظ للعرض والدين والكرامة، ومنها الاعتزاز بالعروبة والإسلام والشرف، حتى أنه يرضى- عند الضرورة- بإضاعة كل شيء إلا
(4/162)

هذه الثلاثة، وقد حلّ به من كوارث في تاريخه الطويل ما ينسي المرء دينه ونسبه وموطنه، ولكن عقيدته في هذه الثلاثة لم تتزلزل، وأصيب منذ مائة واثنتين وعشرين سنة بالاحتلال الفرنسي، وهو في شتات من أمره، واضطراب في أحواله، لعوامل سبقت ذلك الاحتلال وكانت تمهيدًا له، فدافع عن كرامته وكرامة دينه ووطنه كما يدافع العربي الخالص والمسلم المخلص، ووقف المواقف الخالدة عشرات السنين في حماية حقيقته والذود عن حماه، مع فقد الأنصار وانقطاع الوسائل، فلما غلب على أمره خسر الدنيا وما يتبعها من مال وسلطان، ولم يخسر الدين وما معه من رجاء الله يطرد اليأس، ويحفظ الصبر، ويستنزل النصر ويبقي على الأمل، ويغري بمعاودة الكرة، ولكن عدوّه كان أنفذ بصيرة في مكامن القوة، فعلم أن سلاح المسلم هو دينه ويقينه، ثم علمه وماله، فسلّط على دينه عوامل المحو الظاهرة والخفية، ورمى يقينه بأسباب الشك الحسية والمعنوية، وحارب علمه بالتجهيل ومحق حاله بالتفقير، وضرب بينه وبين مأرزه في الشرق سورًا محكمًا، فما أفاق على صوت الدعوة الجهير من جمعية العلماء- وهو أول صوت صك آذانه وفتح أذهانه- إلا وهو فقير من دينه ودنياه، جاهل بدينه ودنياه، مفلس من عقله وفكره، مسلوب من عزيمته وإرادته، ولكن بقي فيه مكمن لم تمتدّ إليه يد الاستعمار وهو مكمن الإيمان بالله وبالنفس، والعلاقة باللغة وبالجنس، وفي هذه المعاني عوض عن كل فائت وسلوى عن كل ضائع، وعلى هذه المعاني وضعت جمعية العلماء أساس أعمالها ومن هذه النقطة بدأت السير إلى غاياتها.
____
جمعية العلماء
____
ليس بمبالغ من يقول: إن جمعية العلماء الجزائريين هي أعظم جمعية من نوعها في العالم الإسلامي، على شرط أن يكون ميزان المقارنة هو العمل ومادته ونتيجته، والزمان والمكان وملابساتهما، ثم الموضوع ... فإذا اعتبرنا هذه المعاني في المقارنة وجدنا جمعية العلماء الجزائريين تبذ جميع الجمعيات العاملة في الإصلاح الديني والاجتماعي، والدين يستتبع العلم، والاجتماع يستتبع السياسة، وقد وضعت الجمعية الخطوط الأولى لهذه العصور المتشابكة المتلازمة من أول يوم ثم أتبعتها في الخطوات السديدة فيها جميعًا، على نظام لا ينقض آخره أوله.
وجمعية العلماء صاحبة رسالة مقرّرة ومبدأ ثابت وهدف واضح، ومن خصائصها أن تقول وتعمل وتهدم المتداعي لتبني على أساس صحيح، وتسعى إلى الغايات بوسائلها الطبيعية
(4/163)

أو المعقولة، وتراعي سنّة الله في الأنفس والآفاق، وتجري مع أوليائها وخصومها على الجدد الواضح. فلا تسلك بُنَيَّات الطرق، ولا تتبع مضلات العقول ولا خيالات الخياليين، ولما كانت تأوي إلى الركن الشديد من الدين فهي لا تتكثر بغير المؤمنين ولا تعتمد على غير الصادقين المخلصين؛ ولما كان موضوعها الأمة بنت أمرها معها على الصدق والثقة، تعمل للأمة بصدق، وتعمل معها بثقة؛ ولما كان الاستعمار الفرنسي هو الذي قضى على دين الأمة الجزائرية ودنياها، فقد جاهرته بالعداوة وتتبعته في كل ميدان، وفضحت مكايده، وكشفت عن مخازيه، وتحدت قوانينه بالرفض.
والعلاقة بين الجمعية والأمة علاقة روحية، ولذلك فهي تزداد مع كل حادث قوة وتماسكًا، لأن أول الدين وآخره سواء، وزاد هذه العلاقة متانة وتوثقًا أن الجمعية تعمل للأمة في النهار الضاحي وتعاملها على المكشوف، وتبني لها قبل أن تطالبها بالثمن، وتشركها في العمل. فالأمة هي التي تأخذ وهي التي تعطي، ويد الأمة هي التي تقبض وهي التي تدفع، فإذا مرّ شيء من المال بيد الجمعية مرّ عليها وهو منطلق إلى مصلحة شاركت الأمة الرأي المقرر لها والوسيلة المحققة لوجودها.
ونثبت لإخواننا الشرقيين في هذا الموضع حقيقة تاريخية، وهي أن كل ما يوجد اليوم في الجزائر من حركات فهو مدين لجمعية العلماء بوجوده، وكل ما يعلو فيها من أصوات فهو صدى مردد للكلمات النارية التي كان يقذفها لسان مبين يترجم عن علم مكين ودين متين، وهو لسان المرحوم باني النهضات الجزائرية من غير منازع الإمام عبد الحميد بن باديس في دروسه الحية وخطبه المثيرة من يوم انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى أن توفّاه الله في أوائل الحرب العالمية الثانية.

نشأة هذه الجمعية:
أطوار نشأة هذه الجمعية كأطوار نشأة الإنسان، فقد كانت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فكرة تجول في خواطر جماعة قليلة من أصحاب الشواعر الحية والتأمّل العميق من علماء الجزائر، ثم استقرّت في ذهنين متجاوبين، أحدهما ذهن جبّار وهو ذهن عبد الحميد ابن باديس، ثم تناولها الذهنان بالإشاعة حتى أصبحت عقيدة ثم تتابعت الدواعي من انتشار الوعي في الأمة فأصبحت حقيقة، وكأن المتلاحق من أحوال الأمة قال لها: كوني فكانت، وجلاها الله لميقاتها، بلا بطء ولا إسراع.
تكوّنت في شكلها القانوني في أواسط عام 1931 ميلادية، وكأن الله جعلها تنقيصًا للاستعمار، فقد كان نشوانًا بخمرة الفرح لمرور مائة سنة على استقراره في الجزائر وقد قضى
(4/164)

السنة التي قبلها في مهرجانات صاخبة دعا إليها العالم كله فما لبّى إلا قليل، فما دخلت السنة الثانية حتى فوجى بتكوين جمعية العلماء في غمرة من ابتهاج الأمة بهذا المولود الجديد، ووجم لها الامشعمار وظنّ الظنون، ولأمر يعلمه الله لم يعارض في القانون الأساسي المجمل، ولم يتشدّد في الإجراءات القانونية، أما الإرهاصات التي أفضت إلى هذه المعجزة فقد سبقتها بأكثر من عشر سنوات، هي فترة استعداد بمقدّمات، وتمخّض عن حقائق واحضار للوسائل، وتجاوب بين العقول وتفشِّ للخير في السرائر، وتقويم للأخلاق بواسطة القرآن، وتوجيه صحيح للعناصر الصالحة التي بقيت محتفظة بشيء من سلامة الفكرة ليكونوا أساسًا للدعوة، وألسنة للدعاية.

تشكيلات الجمعية في الوقت الحاضر:
تتكوّن جمعية العلماء- كسائر الجمعيات- من مجلس إداري يتركّب من سبعة وعشرين عضوًا من العلماء، ينتخبهم اجتماع عام، من جميع العاملين في التعليم والتدرش! والوعظ، وشعقد هذا الاجتماع في مدينة الجزائر في شهر سبتمبر من كل سنة إلا لضرورة، ثم ينتخب المجلس الإداري من أعضائه مكتبًا دائمًا، يتوثى تسيير الأعمال، وتنفيذ القرارات، وشقسم بقية الأعضاء على لجان فرعية مسؤولة للمكتب الدائم وتتخصّص كل لجنة بفرع من فروع الأعمال، وهي لجنة التعليم العليا وهي أوسع اللجان وأكثرها أعمالًا، لأنها تنظر في البرامج والكتب والمعلمين والتفتيش والتدريب، والامتحانات الابتدائية، ولجنة الفتيا الدينية، ولجنة الوعظ والإرشاد، ولجنة المراقبة العامة، ولجنة الدعاية، ولجنة تسيير جريدة «البصائر» وهي لسان حال الجمعية، ولجنة ضبط الحسابات المالية، ولجنة البعوث إلى الخارج، ولجنة الاتصال بالشُّعَب المنتشرة في القطر، ولجنة الاتصال بالجمعيات المحلية للمدارس بم ولكل لجنة لائحة داخلية تحدّد اختصاصها، زيادة عن اللوائح العامّة للجمعية، وكلّها شرح للقانون الأساسي، ومن وراء هذه التشكيلات مجلس المسؤولين عن المقاطعات الثلاث قسنطينة والجزائر ووهران، ومن وراء الجميع الشُّعب المنتشرة في مدن القطر وقراه، وعددها الآن يزيد على ثلاثمائة شعبة، وكلها مرتبطة بالمركز العام بواسطة لجنة الشّعب ارتباطًا وثيقًا، ولهذه الشعب نظام وتقسيمات إدارية، فلكل مجموعة من الشعب شعبة مركزية ترجع إليها لتسهيل العمل، وتعقد مؤتمرًا إقليميًا في كل شهر أو شهرين، ثم تعقد الشعب المركزية مؤتمرًا في عاصمة المقاطعة في كل ستة أشهر أو في أقل إن دعا الحال، ثم يعقد رؤساء الشعب كلهم مؤتمرًا سنويًا في مدينة الجزائر قبيل انعقاد الاجتماع العام لتنظيم ومراقبة قوائم الانتخابات ثم ينعقد مؤتمر المعلمين قبيل ابتداء السنة الدراسية للنظر في شؤون التعليم كلها بحضور ممثلين للجنة التعليم
العليا.
(4/165)

وتأتي بعد ذلك تشكيلات الجمعيات المحلية، وهي بعدد المدارس، لكل مدرسة جمعية محلية من أهل البلد التي بها المدرسة، وتقوم هذه الجمعيات بالجانب المادي للمدرسة، فهي التي تجبي المال وتؤثث المدرسة وتدفع رواتب المعلّمين شهريًا ثم تقدم الحساب في آخر السنة الدراسية للمكتب الدائم.

العضوية في الجمعية:
أعضاء الجمعية غير الإداريين ثلاثة أقسام: العاملون، وهم أهل العلم، والشرط الأساسي فيهم أن تكون لهم قيمة علمية تؤهّلهم للتسجيل في قوائم الانتخاب على وفق القانون الأساسي، وعدد هؤلاء بضعة آلاف؛ والمؤيدون، وهم الملتزمون بدفع اشتراك سنوي حدّده القانون الأساسي، ولا حق لهؤلاء في الانتخاب، وعدد هؤلاء يبلغ في بعض السنين مئات الآلاف، والأنصار وهم الأتباع العاملون بمبدإ الجمعية في الإصلاح الديني، المعتنقون لفكرتها ... المناصرون لها في الأزمات، وعدد هؤلاء يبلغ الملايين.

جرائد الجمعية:
في طور الاستعداد والتمهيد كان لسان حال الفكرة الإصلاحية هو جريدة «المنتقد» وقد أسّست لهذا الغرض، على قاعدة أن الباطل إذا استحكم ورسخ فمن الحزم أن تصدمه صدمة عنيفة تضعضع أركانه، لذلك كانت شديدة اللهجة قاسية الأسلوب صريحة التجريح، فضاق بها الاستعمار وأعوانه فعطّلوها، وخلفتها مجلة «الشهاب» الشهرية داعية إلى الحق في الدين والدنيا، صادقة الحملة على الضلال في الدين والسياسة، متحدية للاستعمار وهو في عنفوان طغيانه، وكانت حليتها الفاخرة إعلانها لآراء الإمام عبد الحميد بن باديس في الدين والسياسة أو في فصول من تفسيره للقرآن بقلمه البليغ، و «الشهاب» مجلة ولدت راقية، ويقل نظيرها في المجلات العربية في حرارة الدعوة وجرأة الرأي، وقد حماها الله من التعطيل، بما كانت تحمله من دعوة الحق، فهي أطول صحف الجمعية عمرًا، وعاشت ماهدة للدعوة سنوات، ولما تشكّلت الجمعية كانت لسانها المبين، إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية فعطّلناها اختيارًا، ثم لم تعد إلى الصدور.
ولما اتسعت الحركة عزّزتها الجمعية بجريدة أسبوعية اسمها «السنة» فعطلتها حكومة الجزائر، لأنها- إذ ذاك- لم تتعوّد سماع تلك اللهجات الحارّة، فأصدرت الجمعية في الأسبوع نفسه جريدة «الشريعة» وكانت أشدّ على الاستعمار من سابقتها فعطّلتها الحكومة بعد أسابيع من صدورها، فأصدرت الجمعية في الحين جريدة «الصراط» أحدّ لسانًا وأقوى بيانًا من أخواتها، فعاجلتها الحكومة بالتعطيل، وكان تعطيلها بقرار وزاري من باريس، وفي هذا
(4/166)

القرار من العجائب أنه صرّح بأن اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، وأن كل جريدة تصدرها جمعية العلماء فهي معطلة من قبل أن توجد، ولا يشبه هذا القانون المجنون إلا الحكم بالإعدام على من لم يخلق. وسخرت الجمعية من هذا القرار، وأصدرت- بعد مدة- جريدة «البصائر» فسكت الاستعمار ومحا قراره بيده، وبقيت «البصائر» سائرة في طريقها، ناصرة لفريقها إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية، فعطلناها باختيارنا، لأننا لا نستطيع أن نقول ما نريد، ولا نرضى أن نقول ما يراد منّا، فلما انتهت الحرب وما استتبعته من نفي واعتقال أعدنا صدورها، وهي سائرة على منهاجها القويم إلى الآن، فخورة بالمواقف المشهودة التي وقفتها في قضايا الجزائر ومراكش وتونس وليبيا وفلسطين، وقد شهد الموافق والمخالف بأنها مواقف لم تقفها جريدة عربية على الإطلاق، ومجاميعها بلغت تسعة مجلدات، مسجّلة لأعمال جمعية العلماء.
من علم ما في هذا الفصل- وهو الواقع - علم مصدر الصيحة الأولى في وجه الاستعمار الفرنسي.

مالية جمعية العلماء:
ليس لهذه الجمعية الكبيرة الأعمال، الكثيرة المشاريع، مورد مالي قار وهي تعتمد في تسيير مشاريعها الضخمة على الأمة من طريق اشتراكات سنوية يدفعها الأعضاء العاملون والمؤيدون أو تبرعات الأنصار أو زكوات يدفعها الموسرون المؤمنون، وفرنسا واقفة بالمرصاد: فكل من بلغها إعانته لجمعية العلماء انتقمت منه بتعطيل مصالحه حتى رخصة الحج، أو بفرض ضرائب ثقيلة على مورد رزقه.
وصندوق جمعية العلماء يموّن عدّة مشاريع متمايزة بميزانيتها. فـ «البصائر» تعيش معيشة ضيّقة على أثمان الاشتراكات والمبيع، والعجز السنوي ملازم لميزانها كما هو الشأن في جرائد المبادئ، والمكتب الدائم ينفق على موظفيه وكتابه وسائر ضرورياته من حساب الاشتراك السنوي الذي تجمعه الشُّعب، والمعهد الباديسي له ميزانية خاصة على التفصيل الآتي، تتغذّى من الزكوات التي يدفعها المؤمنون بالله، ومن اشتراكات سنوية تشترك فيها طبقات كثيرة.
هذه الأمة الفقيرة التي أجاعها الاستعمار هي التي بنت بِدُرَيْهِمَاتِهَا صروحًا للعلم وحصونًا لأبنائها، وهي التي تعهّدت بتعمير تلك الحصون والإنفاق عليها.
(4/167)

أعمال الجمعية لحفظ الإسلام على مسلمي فرنسا:
في فرنسا جاليات إسلامية مختلفة تبلغ مئات الآلاف، وفيها من العمّال الجزائريين وحدهم نحو أربعمائة ألف، وهم في ازدياد مطرد، بسبب ما ضيّق الاستعمار على الجزائر من سبل المعيشة، فهاجرت هذه الجالية تطلب العيش من طريق العمل واستقرّت في مراكز الصناعات في فرنسا، وتزوّج كثير منهم من أوربيات عاملات وولد لهم في أرض مسيحية من زوجات مسيحيات، فكانت النتيجة اللازمة لهذا أن الآباء أضاعوا دينهم بتأثير البيئة فضلًا عن الأبناء الذين اجتمعت عليهم البيئة والأمهات والقانون، إنهم بلا شك ينشأون مسيحيين خالصين.
هال جمعية العلماء هذا الخطر الذي يسلخ من الأمة الجزائرية على التدريج أجيالًا، فيكون ذلك نقصًا منها وزيادة في عدوّها، فصمّمت على أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من هذا العدد الضخم، فندبت أحد شبابها المجاهدين، وهو الاستاذ الفضيل الورتلاني للقيام بهذا العمل في باريس سنة 1936، فأسّس في سنة واحدة ثمانية عشر مركزًا تعليميًا في باريس وأطرافها، ثم وسّع الحركة إلى المدن الكبيرة في جنوب فرنسا وشمالها، وتعددت المراكز وأمدّته الجمعية بالمعلّمين، فكانت تلك المراكز تعلّم الأطفال العربية والدين ساعات من النهار، فإذا جاء الليل أقبل الكبار فتلقّوا دروسًا سهلة في أصول الدين وفروعه ومارسوا العبادات العملية، فكانت هذه المراكز كخلايا النحل لا تنقطع منها الحركة، وكان الإقبال عظيمًا، وقد أثمرت تلك الحركات ثمرات ما زالت حديث الناس، وتردّد على تلك المراكز عظماء العرب من الزوّار وأبناء العرب من التلامذة فأعجبوا بالعمل ونظامه وأعظموا نتائجه، وكانت جمعية العلماء الجزائريين مضرب المثل بينهم، ولكن الحرب الأخيرة قضت على ذلك العمل المثمر فلم تبق إلا الأحاديث والأماني والحسرات، وحاولت جمعية العلماء الجزائريين إطلاقه مجددًا، فأوفدت منذ عامين رئيسها ووكيلها إلى باريس ليدرسا المشروع ويحاولا إحياءه بقدر المستطاع، فاعترضتهما عقبة أخرى بعد عقبة المال وهي استحالة وجود الأماكن إلا بأثمان فاحشة، ولم يحصلا من رحلتهما إلا ما يثير العبر، ويسيل العبرات، وهو أن عدد العمّال الجزائريين في باريس وأطرافها جاز مائة وخمسين ألفًا، وأن عدد الأولاد الذين نسلوهم من أمهات مسيحيات يزيد عن عشرين ألفًا من بنين وبنات، وهذا في باريس وحدها، وهو قليل من كثير ... وما زاد وفد الجمعية على أن اشترى مركزًا متواضعًا ليكون رمزًا للمشروع ونقطة بدء في تحقيقه.
إن هذا المشروع لا تقوم به إلا حكومات إسلامية متضامنة تمدّه بالمال وإن هذا الواجب ليس مقصورًا على جمعية العلماء الجزائريين وحدها، بل على المسلمين كلهم، وفي طليعتهم الحكومات العربية، فهل يبلغ آذانهم هذا الصوت؟ وهل يحرّك هممهم إذا بلغها؟
(4/168)

ليت شعري ... لو يشعر هؤلاء المترفون من إخواننا الشرقيين الذين ينفقون مئات الملايين في ملاهي باريس، وعلى شياطين باريس وموبقات باريس ... لو يشعرون بأن في باريس التي يهرعون إليها في كل عام عشرات الآلاف من أطفال المسلمين يسبيهم الكفر في غير حرب، وأنهم مسؤولون عنهم يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه. أم أن الهوى أصمّهم وأعمى أبصارهم؟

مواقف مشهودة لجمعية العلماء:
ولهذه الجمعية- بتوفيق الله- في كل حادثة غريبة موقف مشهور، ولها في كل ملمة تلمّ بالمسلمين في الشرق أو في الغرب موقف مشهود، ومن تتبّع مجاميع صحفها وقف على الكثير من ذلك، ولكننا نقتصر على المواقف ذوات الغرر والشيات.

موقفها من المبشّرين المسيحيين:
الجزائر مركز ممتاز لجمعيات التبشير المتعددة التي يصبّ عليها المال هباءً والتي تتخذ من المال أدوات للتنصير، والاستعمار الفرنسي مسيحي بالطبع، وإن غطَّى ذلك بألف ثوب، ولذلك نجده من وراء كل حركة تبشيرية يحميها وييسّر لها ويمهّد السبل للانتشار، ومن هذه السبل الشيطانية خلقه للمجاعات في وطن كله خير وفير، ليحمل العراة الجياع على الالتجاء إلى رسل الرحمة المبشّرين، وان الحاكم المدني العام في الجزائر، لرهن بإشارة من إشارات رئيس الكنيسة الكاثوليكية، بل ان هذا الرئيس المسيحي هو الحاكم في الحقيقة.
وجمعية العلماء عملية واقعية، فرأت أن تيّار التبشير المؤيّد بأسباب القوة لا يقاوم بالأقوال وأنه لا يقاوم إلا بتقوية المعاني الدينية في النفوس، ومنها القيام بحق الله في البائس الفقير والرحمة باليتيم، والبر بالمساكين، وشرحت للأمة المنافذ التي يتسلّل منها هؤلاء المبشّرون. وما كادت آثار تربية جمعية العلماء تظهر وتأخذ مأخذها من النفوس حتى أحسّ المبشّرون بالشرّ يطرق ساحتهم وحتى تنادوا مصبحين واستَعْدَوا الحكومة على جمعية العلماء، وكانوا أقوى الأسباب فيما نالها من عنت، وجَدَّتْ الجمعية في حرب التبشير بالعمل فلا تواتيها فرصة لفتح مدرسة عربية إسلامية، في مركز من مراكز سلطانهم، إلا بادرت إلى تشييدها تحت أسماعهم وأبصارهم، إغاظة لهم وسدًّا دون أمانيهم وإبطالًا لكيدهم وما أغنت قوّتهم ولا حماية الحكومة لهم شيئًا.
ونحمد الله على أننا خفّفنا من شرور هذه الفتنة، وعلى أن في الجسم الجزائري مناعة تدفع عنه غوائل هذا البلاء، والمبشّرون أنفسهم يشهدون أنهم لم تستنزل رقاهم إلا واحدًا أو اثنين في الآلاف من جرائمهم، وأن جمعية العلماء هي أقوى خصم لهم في هذا الباب.
(4/169)

موقفها من الإلحاد:
دخل داء النزعات الإلحادية إلى الجزائر في ركاب الاستعمار، يتمشّى مع الحضارة الغربية ويتفشّى في علومها وآدابها، وأمدّه الاستعمار بالقوّة، ليغالب به العقائد الثابتة وليضلّ به المهتدين، أو يحول به بين الضالين وبين الهداية، وقد حالت جمعية العلماء بينه وبين الانتشار بما أفاضت على العقول، وأشاعت في النفوس من الهدي المحمدي، وحاصرته بحقائق الإسلام فحصرته في أضيق الأمكنة، وفي نفوس كأنها رموس.

موقفها من الخمر:
يعترف بائعو هذه المادة الخبيثة أن كل بلدة تمكّنت فيها دعوة جمعية العلماء بارت فيها سوق الخمر، وقد أفلس كثير منهم بهذا السبب، وهذه حقائق ملموسة لا يختلف فيها اثنان.

موقفها من تعليم المرأة:
كان الجمود واقفًا في سبيل المرأة ومانعًا من تعليمها، فجاءت جمعية العلماء وأذابت الجمود وكسرت السدود وأخرجت المرأة من سجن الجهل إلى فضاء العلم في دائرة التربية الإسلامية والمنزلة التي وضعت المرأة فيها، والجمعية تبني أمرها على حقيقة، وهي أن الأمة كالطائرة لا تطير إلا بجناحين، وجناحاها هما الرجل والمرأة. فالأمة التي تخصّ الذكر بالتعليم تريد أن تطير بجناح واحد، فهي واقعة لا محالة، ولجمعية العلماء جولات موفّقة في هذا الميدان، فالنساء أصبحن يشهدن دروسًا خاصّة بهن في الوعظ والإرشاد ويفهمن ما للمرأة وما عليها، وشهد الرجال بتبدّل الحال وظهور النتائج في المحافظة على العرض والمال وفي إحسان تدبير المنزل وتربية الولد، وفي مدارس جمعية العلماء نحو ثلاثة عشر ألف بنت، يشاركن الأولاد في السنوات الثلاث الأولى من المرحلة الابتدائية، ثم ينفردن ببرنامج محكم، وينعزلن في صفوف خاصة مع الشدة في التربية الإسلامية، والدقة في المراقبة.

موقفها من السياسة الجزائرية:
إذا كان الإسلام دينًا وسياسة، فجمعية العلماء دينية سياسية، قضية مقنعة لا تحتاج إلى سؤال ولا إلى جواب، وجمعية العلماء ترى أن العالم الديني إذا لم يكن عالمًا بالسياسة ولا عاملًا لها فليس بعالم، وإذا تخلّى العالم الديني عن السياسة فمن ذا يصرفها ويديرها؟ لا
(4/170)

شك أنّه يتولاها الجاهل المتحلل فيغرق السفينة ويشقي الأمة، وكثيرًا ما غلطنا الاستعمار حين يضيق ذرعًا بنا، فيقول أنتم علماء دين فما لكم وللسياسة؟ إن الدين في الإسلام سياسة، وإن السياسة دين، فهما- في اعتباره- شيئان متلازمان، أو هما شيء واحد، وقد جاراه في النغمة الممجوجة بعض ضعفاء الأميين من سماسرة السياسة منّا، والغرضان متقاريان: فالاستعمار يريد أن يزيحنا عن طريقه فيزيح خصمًا عنيدًا يمنعه العلم أن يخدع ويمنعه الدين أن يساوم في حق قومه، وضعفاء الإيمان من قومنا يريدون أن يخلو لهم الجو فيعبثوا ما شاء لهم العبث ولا علم يصدع ولا دين يردع.
لجمعية العلماء في كل نقطة من السياسة الجزائرية رأي أصيل، تجهر به وتدافع عنه وتذيعه في الناس وتخالف رأي غيرها بدليل، وتوافقه بدليل، لأنها لا تقبل التقليد في الدين وكيف تقبله في الدنيا؟ وصفوة رأي الجمعية في السياسة الجزائرية تحرير الجزائر على أساس العروبة الكاملة والإسلام الصحيح والعلم الحي، وعلى ذلك فهذه الجهود الجبّارة التي تبذلها جمعية العلماء في سبيل العربية والإسلام والتعليم كلها استعداد للاستقلال، وتقريب لأجله، ولكن كثيرًا من قومنا لا يفقهون، أو لا يريدون أن يفهموا، ولو أرادوا أن يفهموا لحكموا المحسوس الذي لا يرتابون فيه، وهو أن جمعية العلماء حرّرت العقول وصقلت الأفكار وأيقظت المشاعر. والنتيجة الطبيعية لذلك كله هي تحرير الأبدان، لأن الأول مدرجة إلى الثاني.
إن أوربا ما استعبدت الشرق إلا بعد أن أفسدت أخلاقه وأضعفت روحانيته، وهيهات أن ينقذ الشرق نفسه من العبودية لأوربا إلا بعد أن ينقذ نفسه من نفسه، وقد مرّت على مصر سبعون سنة وهي في كفاح متواصل مع خصمها، ولو أن قادة الرأي فيها ربوا جيلًا واحدًا على الروحانية القوية لما قامت للخصم قائمة مع الجيل الثاني.
هذه حقيقة عريانة من أنكرها فهو ساعٍ إلى الحقيقة على جسر من الخيال.

موقف فرنسا من الجمعية:
تعتقد فرنسا أن أعدى عدو لها هو جمعية العلماء الجزائريين لأنها كشفت عن مكايدها الخفية، وناقضت كل عمل لها بضده، فهي تهدم وجمعية العلماء تبني، وهي تُجهّل، والجمعية تعلم، وهي تنوم والجمعية توقظ، وكفى بهذا سببًا للعداوة التي لا صداقة معها، ويمنعنا الخجل أن نذكر ما لقيته الجمعية من فرنسا ... فإنه في سبيل الله.
(4/171)

أمهات أعمال جمعية العلماء
____

أولًا- مقاومة الأمية:
صنعت جمعية العلماء في هذا الميدان ما لم تصنعه الحكومات. والأمية هي شلل الأمم، وتفشّيها في الأمة الجزائرية هو الذي أقعدها عن مجاراة الأحياء في الحياة، وهو أقوى الأسباب التي مكّنت للاستعمار، فكأنه اتّفق معها على أن يخدمها لتخدمه فوفى ووفت.
حاربت جمعية العلماء هذا الداء الوبيل الذي يقتل الفكر والضمير، ويقضي على العقل والروح، ويطفئ المواهب، ويخدر المشاعر، ويضعف الاستعداد، وشدّدت العزائم على حربه، وفتحت دروسًا ليلية للكبار لا تزاحم البرامج المقررة، وعمّمت تلك الدروس بالتدرّج في نواديها وكثير من مدارسها، وجنّدت لهذا الميدان مئات من معلّميها، وراجت هذه الدروس واشتدّ إقبال الأميين عليها حتى بلغوا في بعض الأحيان عشرات الآلاف، فيما بين سنتي 1937 و 1939، ولم تمضِ سنتان حتى أصبح الكثير منهم يقرأ قراءة صحيحة ويكتب كتابة صحيحة، وكأنهم عميان تفتّحت عيونهم على النور وسمت همم بعضهم إلى المزيد فبلغوا درجات لا بأس بها وأغرتهم الكتابة على الحفظ فحفظ بعضهم أجزاء من القرآن، وتشوّقوا إلى الفهم فأصبحوا يفهمون كثيرًا من حقائق الدين القريبة، ومعاني الحياة البسيطة، والتسلسل المجمل للتاريخ الإسلامي، وإن هذا الربح عظيم لأصحابه وللمجتمع، ولقد رأينا بأعيننا من معجزات العزيمة أن أميًّا مسنًا أصبح معلّمًا، معلّمًا للأميين وإمامًا لهم يدينون له بالاحترام، وكانت هذه البوادر من النجاح دعاية قوية للتعليم، ونصيرًا عامًا لتحطيم الأمية وتهجينها فزاد الناس إقبالًا على تعليم أولادهم، يرون ذلك كفّارة عمّا كان لهم من الجزء الاختياري في جريمة الأمية، وما جاءت سنة 1943 حتى تجلّت آثار هذا التفكير واغتنمتها الجمعية فأسّست في سنة واحدة سبعين مدرسة في أنحاء القطر.

ثانيًا- المحاضرات الدينية والاجتماعية:
بدأت الجمعية أعمالها في التعليم العام بالمحاضرات العامة في المساجد والنوادي والقاعات العمومية والميادين الجامعة والأسواق، فكلّفت طائفة من رجالها الكفاة في العلم والبيان بالطواف في مدن القطر وقراه وسهوله وجباله، يزرعون الحماس بواسطة هذه المحاضرات، ويبيّنون الحقائق، ويثبّتون العزائم، ويحرّكون الهمم، ويضربون الأمثال، ويربطون للأمة حاضرها بماضيها، ويذكرونها بما نسيته من أمجاد سلفها، ويهيّئونها لنهضة
(4/172)

شاملة في العلم والسياسة والاقتصاد، وكانت هذه المحاضرات هي البذر الأول لهذه المبادئ في الجزائر، وتحريك الأفكار لفهم الحياة على حقيقتها، وقد استغرق هذا الأسلوب سبع سنوات، كان أولها بدءًا للصراع بين الجمعية وبين الحكومة. وقارن هذا الهجوم على الجمهور بالمحاضرات هجومًا آخر على الشبّان بدروس علمية منظّمة المواقيت والمواضيع، محذوفة اللغو والفضول؛ ومن أولئك الشبّان تكوّنت الطلائع الأولى لجيش النهضة العلمية، وكانت الطريقة التي بنت عليها جمعيتنا أصول هذه النهضة هي الجمع بين التربية والتعليم، لأن العلم الخالي من التربية ضرره أكثر من نفعه، وما أصيب المسلمون في عزّتهم إلا يوم فارقت التربية الصالحة العلم، وكم شقي أصحاب العلم المجرّد بالعلم وأشقوا أممهم، والسعادة غاية لا يسلك إليها طريق العلم وحده من غير أن تصاحبه التربية، وأن الجمع بين التربية والتعليم هو وظيفة النبوّة التي بيّنها الوحي في آية {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ائكِتَابَ وَائحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}.
فعلت تلك المحاضرات فعلها في الجمهور الجزائري، وآتت أكلها سائغًا هنيئًا وأصبحت غذاء لذلك الجمهور، ومادة من مواد تعليمه، وصلة بينه وبين الجمعية، وفي أصداء تلك المحاضرات أوصلت الجمعية نداءها إلى القلوب، وأصبحت تخاطب الضمائر لا الآذان، وفي إشراق تلك المحاضرات وصلت إلى الغاية التي ترمي إليها وهي توثيق التعاون بينها وبين الأمة على تعليم النشء وتكوين جيل صالح للحياة متّحد النزعات متجاوب الخواطر والمقاصد، يحرّر الوطن من الاستعمارين الروحي والمادي، ومحال أن تحرّر أمة أبدانها قبل أن تحرّر عقولها وأفكارها.

ثالثًا- تأسيسها للنوادي العلمية:
المقصد الأول لجمعية العلماء هو التربية والتعليم، وطبقات الأمة ثلاث متفاوتة الشعور والإدراك، ولكنها مشتركة في القابلية والاستعداد وهي: الشيوخ والشباب والأطفال، فرأت الجمعية أن تصرف عنايتها على الطبقات الثلاث في آن واحد كل طبقة على قدر استعدادها، ولكن أين تلتقي بهذه الطبقات؟ فإذا التقت بالشيوخ والكهول ورقاد المساجد في المساجد، والتقت بالأطفال في المدارس التي شيّدتها للالتقاء بهم فيها، فأين تلتقي بالشبّان الذين فاتتهم المدرسة والمسجد معًا؟ ولكن عزيمة الجمعية لا تقف في طريقها الصعاب، فأنشأت مشروع "النوادي" لتكون وسطًا طبيعيًا بين المساجد والمدارس، وتلتقي فيها بالشبّان الذين هم وسط طبيعي بين الشيوخ والأطفال.
أنشأت الجمعية في مدة قصيرة عشرات النوادي في المدن والقرى، وَدَعَت إليها الشبّان فاستجابوا وأقبلوا عليها لأنها أقرب إلى أمزجتهم ولأن فيها شيئًا من التسلية والمرح، ولأن
(4/173)

فيها قليلًا من جو المقهى ... وفي ظل هذه الجواذب التقت الجمعية بالشبّان وقامت بحق الله فيهم فنظّمت لهم فيها محاضرات تهذب بها أخلاقهم وتعرّفهم بأنفسهم وقيمتهم ومنزلتهم في الأمة وتجمع قوّتهم، ودروسًا تعلّمهم بها دينهم ولغتهم وتاريخهم، فكان لمشروع "النوادي" آثار في الشبان تساوي آثار المدرسة في الأطفال وتفوق آثار المساجد في الشيوخ والكهول، ومن النوادي خرج الشبّان إلى المسجد يؤدّون حق الله، وإلى ميادين العمل يؤدون واجبات المجتمع.
ولكن الاستعمار كعادته ضاق ذرعًا بهذه الثورة الفكرية التي أحدثتها في الشيوخ والكهول دروس الوعظ والإرشاد في المساجد، وأشعلتها في الشبّان محاضرات النوادي، ولم يطق على هذه الحالة، فأصدر الحاكم العام أمرًا بمنع رجال جمعية العلماء من إلقاء الدروس في المساجد (الحكومية) لأنها- في رأيه- دروس سياسية، وبعد مدة أصدر أمرًا آخر بحرمان النوادي من بعض الامتيازات كبيع القهوة والشاي لأعضائها وبالتسوية بينها وبين المقاهي العمومية في الخضوع لإشراف العمومية ... ومغزى هذا القرار- الذي له في الجزائر نفوذ القانون- هو إغلاق النوادي لأنها لا تقوم إلا على أثمان المشروبات التي تقدمها لأعضائها، فإذا حرمت منها لم يبق لها مورد إلا اشتراكات الأعضاء وهي لا تكفي.
أما الجمعية فإنها قابلت هذه القوانين الشديدة بعزائم أشدّ، ونقلت دروس الوعظ من بيوت الله التي تسلّطت عليها فرنسا إلى حيث يمكن من أرض الله، في البيوت وفي القاعات، وفي المدارس، وفي المدارس الحرة التي أنشأتها الأمة بإرشاد جمعية العلماء وعددها نحو المائة وهي منتشرة في القطر. وأما النوادي فقد تحدّت الجمعية القرار المتعلق بها واستمرّت على إلقاء المحاضرات فيها واستعانت بعزائم الشبّان التي لم تتأثر بآثار ذلك القرار السخيف، والأمر على ذلك إلى الآن، والحرب بيننا وبين الحكومة في شأنها سجال، والمخالفات والتغريمات تملأ السجلات.

رابعًا- بناء المدارس:
وهذا الفصل- وإن أخّرنا الحديث عليه- هو الغرة اللائحة في أعمال جمعية العلماء، وهو سجل الفخار في تاريخها وتاريخ الجزائر الحديث، وسيلتقي المؤرّخ المنصف والمؤرّخ الجائر في الحكم عليها، لأنها أبنية ومآثر، ولأنها همم وعزائم ولأنها قوة ولّدها الضعف.
كانت الجزائر كلها خالية من المدارس العربية النظامية الحرة إلا كتاتيب قرآنية كلها فوضى مهدّدة بالإغلاق في كل حين، ولو بأمر أحقر موظف حكومي، وتعليم العربية في المدارس الحكومية اسم بلا مسمّى وعلم بلا علم. ثم قامت جمعية العلماء منادية بإحياء
(4/174)

العربية على رغم أنف الاستعمار، وكان عملها في السنوات الأولى ما وصفنا وكانت المدارس في تلك السنوات لم تنته إلى العشر، ولكنها بعد حملة المحاضرات وتأثّر الأمة بها وتأجج حميتها للغتها، ثارت الرغبات الكامنة فيها واحتدّ التنافس في هذا الميدان في المدن والقرى، فقفز عدد المدارس من عشرة إلى عشرات وفيها الفخم الضخم الذي يقلّ نظيره في مدارس الحكومة، وفيها ما يحتوي على ثمانية عشر فصلًا، وجميعها مستوفٍ للشرائط كلها على أحدث طراز، ومعظم هذه المدارس شيّدتها الأمة بأيديها وبأموالها والقليل منها مؤجّر، ووضعت المناهج الابتدائية مقتبسة من مناهج وزارة المعارف المصرية، وبينما الحركة في اشتدادها وامتدادها قامت الحرب العالمية الأخيرة فأوقفت كل شيء وعطّلت فرنسا جميع مشاريع جمعية العلماء بصورة كلها تشفٍ وانتقام، وأبعدت كاتب هذه المذكّرة إلى صحراء "وهران" بعيدًا عن العمران في صورة إقامة جبرية إلى انتهاء الحرب، ومات باني هذه النهضة العلمية المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس في أوائل سنة أربعين، فلما أطلق سراح كاتب هذه السطور بعد ثلاث سنوات من اعتقاله، استأنف العمل من أول يوم وبدأ يبعث الحركة من جميع جهاتها: فمن تحريك الشعور السياسي وتنظيم حركة سياسية، إلى مجاراة فورة الأمة في سبيل التعليم. وكان الاحتلال الأمريكي جاثمًا على الجزائر، والأحزاب السياسية تعيث وتعيث، وهو يسعى في جمعها فتفرّقها الأهواء والرعونات، فرأى أنه إذا ضاعت على الأمة الفائدة السياسية بسبب الوضع الحاضر، فلن تضيع عليها الفائدة العلمية، والعلم تسليح، وفي تلك السنة نفسها شيّدت الأمة سبعين مدرسة. وهالت تلك الحركة المتجددة فرنسا فأسرتها في نفسها إلى يوم انتهاء الحرب، فكان حقدها على جمعية العلماء أحد الأسباب في تلك البطشة الرعناء التي بطشتها بالجزائر يوم 8 ماي سنة 1945 فقتلت فيها عشرات الآلاف من أنصار جمعية العلماء واعتقلت مثلهم، وأغلقت مدارس الجمعية كلها بدعوى أنها قلاع للعمل ضدها، ومزارع لغرس بغضها في قلوب الجزائريين، وهذان الوصفان رسميان من كلام الحكومة في تبرير عملها الفظيع، وسجنت كاتب هذه السطور في السجن الحربي تمهيدًا لمحاكمته عسكريًا بتهمة الثورة، وقد كان رجال جمعية العلماء آخر من سرّحتهم من المعتقلات نكاية فيهم وحقدًا عليهم.
ما كادت هذه الغمرة تنجلي حتى رجعت الجمعية إلى عملها أقوى مما كانت صلابة وعزيمة وإيمانًا، ونشطت حركة تأسيس المدارس حتى بلغت الآن مائة وبضعًا وأربعين مدرسة. وبلغ مجموع ما أنفقت الأمة عليها من مالها بل من ثمن خبزها تشييدًا وتعميرًا ما يقرب من ألف مليون فرنك، وبلغ مجموع تلامذتها الابتدائيين في الوقت الحاضر نحو خمسين ألف تلميذ من بنين وبنات، وبلغ عدد التلامذة المتخرّجين منها من مبدإ الحالات نحو مائتين وخمسين ألف تلميذ، وبلغ مجموع المعلّمين في هذه المدارس نحو أربعمائة معلم
(4/175)

كلهم من تلامذة جمعية العلماء وجنودها الحاملين لفكرتها، وبلغ ما تنفقه الأمة سنويًا على هذه المدارس في أجور المعلّمين وغيرها خمسة وسبعين مليونًا من الفرنكات.
مع هذا الجهد العظيم الذي تبذله جمعية العلماء والأمة من ورائها في التعليم العربي، ومع أن حركة بناء المدارس كل سنة في ازدياد، فإنها لم تستوعب إلا جزءًا من ثلاثين جزءًا من أطفال الجزائر المحرومين من التعليم، وما زال في الجزائر مليون ونصف مليون من أطفال الأمة العربية المسلمة مشرّدين في الشوارع محرومين من التعليم العربي والفرنسي معًا. ومع ذلك ترفع فرنسا صوتها بأنها معلّمة العالم، ثم تشعوذ على إخواننا الشرقيين الذين لم يعرفوا دخائلها بمثل هذه المزاعم، ويصدّقها بعض الضعفاء وهي في دعوة التعليم أكذب من سجاح في دعوى النبوّة.

خامسًا- المعهد الباديسي:
هذا العدد الذي ذكرناه من المدارس كله ابتدائي، ولكن التعليم فيه متين لأنه عمل العقل والإخلاص والمنافسة لعدو حقود، حتى أن التعليم الابتدائي في مدارس الجمعية يساوي في نتائجه العملية نصف التعليم الثانوي في المدارس التي تبني أمرها على الرسميات وتعد نتائج الامتحان بالنقط ... وهذا هو القدر الذي اتّسع له حال الجمعية وهي في نهاية العقد الثاني من عمرها، وتطلبته حالة الأمة وهي في الخطوة الأولى من نهضتها. لكن حب العلم والتطلعّ إلى غاياته أحدث في عشرات الآلاف من حملة الشهادات الابتدائية الذين أخرجتهم مدارس الجمعية، أحدث فيهم ثورة عليها وإلحاحًا يطلبون الانتقال بهم إلى التعليم الثانوي، ورأت الجمعية أن تبريد هذه الرغبة في نفوس أبناء الأمة الناشئين يعد إجرامًا في حقّهم وفي حق اللغة التي أصبحوا يدينون بها وفي حق الإسلام الذي تفتّحت نفوسهم على حقائقه.
فماذا تصنع هذه الجمعية والموارد المالية محدودة، والأمة فقيرة، والتعليم الثانوي يكلّف أموالًا وفيرة، والرجال الذين يقومون بتعليمه مفقودون؟
هنا العقبة ... وهنا الموقف الذي يجب على إخواننا العرب شعوبًا وحكومات أن ينقذونا منه ... هنا نظرت الجمعية إلى الداخل وإلى الخارج.
أما الداخل فقد دعت الأمة إلى أن تخطو هذه الخطوة الجريئة وأن تضع البذرة الأولى لهذا الغرس الجديد، فاستجابت الأمة، فأقدمت الجمعية على إنشاء معهد ثانوي ذي خمس سنوات، وهو "المعهد الباديسي" بمدينة قسنطينة، منبع الثقافة الإسلامية في القطر كله، وأطلقت عليه اسم إمام النهضة المرحوم الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس.
(4/176)

أنفقت هذه الأمة الفقيرة على هذا المعهد بطريق التبرعات في أبنيته ومرافقه أكثر من مائة مليون فرنك، وهي تنفق في كل سنة على شيوخه والقائمين بتسييره نحو عشرة ملايين من الفرنكات.
والمعهد اليوم يحتوي على ألف تلميذ، يدرسون- على المناهج الحديثة- علوم الدين وعلوم اللسان العربي، ومنها الأدب وتاريخ الإسلام والجغرافيا والرياضيات، ويأخذون فيه أصول الدعوة وأصول الخطابة مع التمرّن عليها عمليًا. وفيه أقسام إضافية للفرنسية خاصة بحاملي شهادتها الابتدائية، لإرسالهم إلى أوربا للتخصّص في العلوم الصناعية، وستكون بعثات جمعية العلماء إلى الشرق كلها من تلامذة هذا المعهد.
يقوم بالتدريس في هذا المعهد خمسة عشر أستاذًا كلهم من حاملي الشهادات العليا من جامع الزيتونة، ومعهم طائفة من المعاونين والكتبة ولجان للمراقبة والمالية والألعاب الرياضية، وقد اشترت الجمعية منذ عامين دارًا لسكنى طلبة المعهد في أجمل موقع من المدينة تكفي لإسكان خمسمائة تلميذ مجتمعين، لكل تلميذ سرير للنوم ودولاب للأمتعة، مع المرافق التامة من المغتسلات ومطاهر الوضوء، ومجموع ما أنفق على هذه الدار وحدها ثلاثون مليون فرنك.
____

مشروع جامعة عربية إسلامية في الجزائر
____
في تونس جامع الزيتونة، ولا يصحّ أن يسمّى جامعة بالمعنى العصري إلا مع التسامح، ولو تناوله الإصلاح الناجز في مناهجه والقلب والتغيير في كتبه ونظامه، والتوجيه السديد للروح المسيطرة عليه، لأصبح جامعة المغرب العربي كله، وهو- مع ذلك- مهاجر الجزائر للعلم، وفي فاس جامع القرويين وهو دون جامع "الزيتونة" نظامًا واتّساعًا في الدراسات، وأبعد عن التجديد والإصلاح، لأن أصابع الاستعمار الفرنسي تدسست فيه أكثر من جامع الزيتونة، لذلك فكّرت جمعية العلماء منذ سنوات في تكوين جامعة عربية إسلامية بمدينة الجزائر تبنى الدراسات العالية فيها على الروح الإسلامية الشرقية الصافية وعلى غايات العلوم الحديثة النافعة، فتكون تكميلًا للجامعين وعونًا لهما في إحياء الثقافة الإسلامية وحفزًا لهما على الإصلاح، وقطعت الجمعية مراحل في التفكير والتخطيط وهي تأمل أن لا يبلغ التعليم الثانوي في مدارسها حدّه حتى تكون الجامعة قد فتحت أبوابها، ولكن المال دائمًا هو العقبة الكأداء.
(4/177)

خلاصة النتائج الإيجابية من أعمال جمعية العلماء وتوجيهاتها
____

في المعنويات
أولًا: استقرار الإصلاح الديني الإسلامي بمعناه الصحيح الواسع، وأساسه الرجوع إلى القرآن.
ثانيًا: إذكاء النزعة العربية في النفوس.
ثالثًا: تقوية الشعور السياسي وتكوين رأي عام له.
رابعًا: التوجيه إلى الشرق والتنويه بتاريخه وأمجاده.
خامسًا: إحياء الفضائل والأخلاق المتينة وعقد جملتها بالقلوب لا بالألسنة.
سادسًا: خطوات سديدة في بناء الأسرة على المحبّة، وبناء المجتمع على التعاون.
سابعًا: وضع المرأة المسلمة في موضعها من الفطرة ومنزلتها في الإسلام.
ثامنًا: التقليل من الافتتان بالحضارة الغربية.
تاسعًا: قمع الإلحاد والتحلّل.
عاشرًا: إيقاف التبشير عند حدّه.
حادي عشر: التخفيف من ويلات الأمية.
ثاني عشر: نظام للوعظ والإرشاد تظهر روعته في كل رمضان على الخصوص، قوامه 140 واعظًا.

وفي الماديات
ثالث عشر: تشييد سبعين مسجدًا حرًّا على نماذج مما كان يؤديه المسجد من التربية.
رابع عشر: مائة وبضع وأربعون مدرسة ابتدائية مجهّزة أحسن تجهيز تتسع لخمسين ألف تلميذ.
خامس عشر: معهد ثانوي كامل الأدوات والمرافق يحتوي على ألف تلميذ.
(4/178)

سادس عشر: بعثات إلى جامع الزيتونة تبلغ ألفًا وخمسمائة تلميذ.
سابع عشر: بعثات إلى جامع القرويين تبلغ مائتي تلميذ.
ثمان عشر: هذه البعثات التي بدأت طلائعها تزحف إلى مصر والعراق وسوريا والكويت.
تاسع عشر: حركة مباركة لحفظ العروبة والإسلام على العمّال النازحين إلى فرنسا.
العشرون: مكتبة جديدة حافلة في المعهد تهيّئ للباحثين مراجع البحث وتعوّض ما أتلفته يد الاستعمار من كتبنا ومكتباتنا، وقد زوّدها سموّ الأمير سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية في السنة الماضية بألف مجلد.
الحادي والعشرون: إنشاء مكتب ثقافي للجمعية في القاهرة ليكون صلة بين الجزائر والشرق وليشرف على البعثات الحاضرة والمنتظرة، وستجني العروبة والإسلام منه خيرًا كثيرًا.
____

خاتمة
____
هذه هي الأعمال الجليلة التي قدّمتها جمعية العلماء للأمة الجزائرية، بل قدّمتها الأمة الجزائرية، بل قدّمتها الجمعية والأمة معًا للعروبة والإسلام، فحفظت للعرب طائفة من رأس مالهم وربحت للمسلمين جزءًا كبيرًا من مجموعهم كاد يضيع منهم.
قامت جمعية العلماء بهذه الأعمال مستعينة بالله، معتمدة على الأمة، مع كيد المستعمرين وخذلان الضالين، وتشويش الجاهلين الذين يخربون بيوتهم بأيديهم.
لم تتوجّه الجمعية في هذه المراحل القاسية إلى خارج الجزائر، لأن من مراميها البعيدة تربية الأمة على الاعتماد على نفسها، وعلى التكافل في المصلحة العامة، وهو باب من أبواب التربية الاستقلالية المفضية إلى الاستقلال الحقيقي. ولكنها بعد أن وصلت إلى هذه المرحلة التي بيّناها في الفصول السابقة أجهدها الإعياء ووقفت مبهورة، والتفتت إلى إخوانها في الشرق وإلى حكوماتهم تلتمس العون والمدد، وتحمل صحيفة أعمالها بيمينها، ولا مجال للتراجع لأن معناه الموت، ولأن نتيجته شماتة الأعداء وهي أنكى على الحر من الموت، وأنا رائدها إلى الروض، وفارطها على الحوض، وقد بلّغت.
ليست القضية قضية شخص أو أشخاص، فلا نحن ولا الأمة من ورائنا نرضى بهذا ولا ندين به، فقد ربيناها بعد أن ربّينا أنفسنا على تقديس المبادئ ونسيان الأشخاص
(4/179)

والشخصيات إلا في مقام التأسي والوزن، وإنما هي مسألة أمّة تعد أحد عشر مليونًا من صميم العروبة، مصمّمة على تصحيح نسبتها وتثبيت إسلامها لتبني عليهما استقلالها لأنها تؤمن بأن الاستقلال على غير أساس العروبة والإسلام هو استقلال على غير أساس، فهو منهار من ساعته. فإذا تمّ فهو استقلال لأمة لا تعرفها العروبة ولا يعرفها الإسلام، ولا ينفع استقلالها العروبة ولا الإسلام.
قد وجب حق الأخ على أخيه، ووجب على حكومات العرب أن تقف موقف الجد والتضحية والواجب من هذه الحركة حتى تصل إلى غاياتها، وأن كل ما تنفقه الحكومات العربية في هذا السبيل فهو قليل، وهو ضربة في الصميم، وهو عائد عليها في القريب بأرضه وثمراته.
إن جمعية العلماء واسطة بين الطرفين وترجمان صادق بينهما وإنها لا ترضى بما دون الواجب، ولا ترضى لنفسها بالتصدّق والامتنان والمجاملة، وللحكومات العربية عليها حق المحاسبة الدقيقة، فقد أخذت بذلك في جميع أعمالها.
قد بلغت ... اللهمّ اشهد.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
القاهرة في 3 رجب 1382هـ
الموافق 20 مارس 1953 م.
(4/180)

تحية غائب كالآيب ... *
حيّ الجزائر عني يا صبا ... واحمل إليها مني سلامًا تُباري لطافته لطافتك، وتُساري إطافته إطافتك، فقديمًا حمّلك الكرام الأوفياء مثلَ هذه التحية إلى من يكرُم عليهم، أو ما يكرم عليهم، فحملتها رَوحًا، وأدّيتها بَوحًا، وأعلنتها شذً ى وفوحًا، وكنت بريد الأرواح إلى الأرواح، بألفاظ غير مكتوبة، ومعانٍ غير مكذوبة، وقديمًا أفضى إليك الشعراء بشجونهم، وائتمنوك على جدهم ومجونهم، فاحتملت غثًّا وسمينًا، وكنت على الأسرار أمينًا، فكأنّك كنت لهم محطة إرسال واستقبال معًا، يحمّلونك الرسائل تخيّلًا، ويتلقّون أجوبتها إحساسًا، وما عرف واش ولا شعر رقيب، وما كنت لديهم الثقة الأثير، إلا لأنك "ابن الأثير". وكأنّ محطات الحقيقة اليوم وُضعت بإشارتك وتأثّرت بأثارتك، وكأن شأنك وشأنهم في ذلك إرهاص بحقيقة حوّموا عليها ولم يردوا، وجمجموا عنها ولم يفصحوا، وادّخَر الله تحقيقها لهذا الزمان، ولا عجب فكل حقيقية مبداها خيال.
لي إليك وسيلة مرعية المتات بما أسلف أوائلي فيك من مدح، وبما أذاعوا لك من فضل، وبما رفعوا لك من ذكر، فالذي تؤدّيه عني اليوم هو "ثمن الإعلان" ورثتُه عن سلف، ولم يُسقِط حقّي فيه تقادم الزمان.
أنتَ يا صبا ريح، وكأنّ فيك قطعةً من كل رُوح، يجد فيك كل غريب أنسًا، وكل حبيب سلوى، وكل مكروب تنفيسًا، خلال كلّها جلال، وما ذلك الروح الذي يجده الواله في أنفاسك، إلا أنفاس المحبّين تمتزج بأنفاسك، فيجدونها بردًا على الأكباد، وبشاشةً في الأسارير ورضًى في السرائر. فلعمرك ... لئن كان في الرياح لواقح للأشجار، ففيك وحدك لقاح النفوس، ولئن كان فيها ما يُحرق الورق، ففيك وحدك ما يطفئ الحُرَق.
__________
* نشرت في العدد 229 من جريدة «البصائر»، 15 ماي سنة 1953.
(4/181)

حسبك شرفًا- يا صبا- أن التقى الناس فيك على وصف، وإن اختلفت بهم المنازع: جهل الجاهلون آثارك فقالوا: ما أسراك! وكل ريح سارية، وعرف العارفون فضلك وكرمك فقالوا: ما أسراك! وما كل شجرة وارية، وبين السُّرى والسرو مفاوز هي مسافة ما بين الحسن الكثيف والحسّ الشفّاف.
سِر- يا صبا- طاب مسراك، وصفا مجراك، في جو ضاحك الصفحة، وفضاء سافر الغرّة، لا جبلا نعمان يعترضان مهبّك، ولا عواصف الدبور تعارض مدبّك، فإذا لاحت لك بواذخ الأطلس فاسلك منها ما سلك بنو هلال، فرقة عن اليمين وفرقة عن الشمال، وخذ من آثارهم بما يُجدي، فكلاكما نجدي، وستقع في شمالك على الخؤولة، وفي يمينك على العمومة، فابثُثْ أسرارك، وانثُثْ أخبارك، فهنالك محطة الهوى والشوق.
أدِّ التحية عني للجزائر التي غذت وربّت، وأنبتت القوادم في الجناح، وأسلفت الأيادي البيضاء، وأسدت العوارف الغر، وأشربت من الطفولة حب العروبة والإسلام، وأخذت باليد إلى رياضهما، ففتقت اللسان على أشرف لغة وسِعت وحي الله ووحي العقول، وفتحت القلب لأكمل دين جمع الروح والمادة، ثم أورثت- فيما أورثت من مآثر العرب وفضائل الإسلام- أنفًا حميًّا، وفؤادًا ذكيًّا، ولسانًا جريئًا، وهمة بعيدة، وإباءً للمشارب الكدرة، وقناةً لا تلين إلا للحق، وذيادًا عن حُرمات الحِمى والدين، ونفسًا لو تراءت لها زخارف الدنيا من وراء الدنايا ما خاضتها إليها، وروحانيةً أحدُ طرفيها في الأرض، والآخر في السماء تأمر في ذلك كله وتنهى.
ثم عمّم التحية إلى كل من تديّر الجزائر من إخوان الصدق، وأحلاف الحق: من علماء جلاهم الإسلام سيوفًا، وبراهم سهامًا، وقوّمهم رماحًا، ثم وحّدتهم العقيدة على غاية، وجمعهم الحق على بساط، وألف بينهم الجهاد في ميدان، فاجتمعت قلوبهم على هداية بها وألسنتهم على دعاية إليها، وأيديهم على بناء لها. ومن أنصار كانوا للدعوة السلفية الإصلاحية خزرجها وأوسها، وكانوا للنهضة الجزائرية عمادها وأُسَّها، وكانوا الأحجار الأولى لبناء الجزائر الجديد، والكتائب المبكّرة لإحياء مجد العرب بعز الإسلام.
ومن شبّان ربيناهم للجزائر أشبالًا، ووتّرناهم لعدوّها قسيًّا ونبالًا، وصوّرنا منهم نماذج للجيل الزاحف، بالمصاحف، وعلّمناهم كيف يُحيون الجزائر، وكيف يَحيَون فيها.
...

قُل للجزائر الحبيبة هل يخطر ببالك من لم تغيبي قط عن باله؟ وهل طاف بك طائف السلو، وشغلك مانع الجمع وموجب الخلو، عن مشغول بهواك، عن سواك؟ إنه يعتقد أن في
(4/182)

كل جزيرة قطعةً من الحُسن، وفيك الحُسنُ جميعُه، لذلك كنَّ مفردات وكنت جمعًا، فإذا قالوا: "الجزائر الخالدات" رجعنا فيك إلى توحيد الصفة وقلنا "الجزائر الخالدة"، وليس بمستنكر أن تُجمع الجزائر كلها في واحدة.
لن أنسى- يا أمّ- أنك كنت لي ماخِطة الغِرس (1)، وماشطة العِرس، فلا تنسي أني كنت لك من عهد التمائم إلى عهد العمائم، ما شغلت عنك إلا بك، ولا خرجت منك إلا عائدًا إليك، لا تنسي أنني ما زلت ألقى الأذى فيك لذيذًا، والعذاب في سبيلك عذبًا، والنصب في خدمتك راحة، والعقوق من بعض بنيك برًّا، والحياة في العمل لك سعادة، والموت في سبيلك شهادة، ولا تنسي أنني عشت غيظًا لعداك وشجًى في حلوقهم، وكدرًا لصفوهم، وأنني ما زلت أقارع الغاصبين لحقّك في ميدان. وأكافح العابثين بُحُرماتك في ميدان، وأعلّم الغافلين من أبنائك في ميدان، ثلاثة ميادين، استكفيتني فيها فكفيت، ورميت بي في جوانبها فأبليت، ولا منّة لي يا أمّ عليك، وإنما هي حقوق أوجبتها شرائع البر، قام بها الكرام، وخاس بعهدها اللئام.
خطت الأقدار في صحيفتي أن أفتح عيني عليك وأنت موثقة، فهل في غيب الأقدار أن أغمض عيني فيك وأنت مطلقة؟ وكتبت الأقدار عليّ أن لا أملك من أرضك شبرًا، فهل تكتب لي أن أحوز في ثراك قبرًا؟
...

لله في تقدير السنين أسرار، فبها تحسب الأعمار، وفيها تُؤتي الأشجار الثمار، وفيها يتجدد الحنين والادِّكَار، وفيها يهِيج الشوق بين المتجانسات فينشأ بين الفعل والانفعال وجود، ولقد غبتُ عن الجزائر سنةً وبعض السنة، فكنت أغالب الشوق فأغلبه، فلما قيل: هذا يوم 7 مارس- وهو موفِّي سنة الفراق- هجم عليّ من الشوق ما لا يُغلب، فتمثّلتُ بقول الوزير ابن الخطيب السلماني:
وجاشت جنودُ البين والصبر والأسى … عليّ فكان الصبر أضعفها جندا
غبت عن الجزائر بجسمي سنةً وبعض السنة، ولكنني ما غبت عنها بروحي وفكري دقيقة ولا بعض الدقيقة، وما عملت لغيرها عملًا ولا جزءًا من عمل، فلساني رطب بذكرها، وشخصي عنوان عليها ورمز إليها، وأحاديثي تعريف بها وإغلاءٌ لقيمتها، ومحاضراتي في
__________
1) الغرس بكسر الغين: شيء من الجنين تمخطه القابلة، والعرس بالكسر: الزوجة، يريد أنه ولد فيها وتزوّج، والولادة والزواج هما بابا الحياة.
(4/183)

المحافل الحاشدة في الشرقين هي فضائلها شائعة، ومفاخرها ذائعة، ومباخرها ضائعة، وأعمالي تمجيد لها ورفع لشأنها، وتنويه بنهضتها وتشريف "لجمعية علمائها"، وما الجزائر إلا جمعية العلماء، لولاها لكانت الجزائر مثل جزائر واق الواق اسمًا يجري على اللسان، ومسمّى معدومًا في الوجود، لا يُنكِر هذا إلا صبيٌّ أو غبيٌّ، أو عقل وراءه خبي.
أشهد لقد كنت ألقَى في أسفاري أنواعًا من التعب فلا يهوّنها عليّ ولا يغريني بالإقدام على غيرها إلا يقيني أنها مقلد في قيمة الجزائر وقيمة جمعية العلماء، وكنت ألقى من إخواني في العروبة والإسلام إقبالًا عليّ واحتفاءً بي على نسق من فضلهم وتكرّمهم، فلا يزدهيني من ذلك إلا أنه احتفاء بالجزائر وبجمعية العلماء، وسعدت بلقاء كثير من عظماء الشرق وعلمائه وأمرائه وقادة الرأي فيه، فما عددت ذلك إلا من سعادة الجزائر وجمعية العلماء، ووالله ما أنسانيهما تبدّل المناظر، وتنوّع الأشخاص، ولا لفتني عنهما تعاقب المحاسن على بصري، وتوارد معانيها على بصيرتي، بل كانتا دائمًا شغلَ خواطري، ونجوى سرائري، وطالما طرقتني منهما أطياف، كأنها أسياف، فأرتاع وألتاع، وأكاد أطير شوقًا، ثم يمسح ذلك كلّه عن نفسي أن في سبيلهما سكوني واضطرابي، ولو خرجت تاجرًا لكنت في الأخسرين صفقة، ولو خرجت متروّحًا لكنت كمن هجر الجام ومديره، والروض وغديره، إلى جفاة السَّفْر (2)، وجفاء القفر.
...

أيها الوطن الحبيب:
رضيت من قسمة الله أن لم يجعلني أبًا لأبناء الصلب وأفلاذ القلب وحدهم، ولو خُلقتُ لهم لحبوت وأبَوْت (3)، وعثرت في مصلحتهم وكبوت، ولصنعت لهم ما تصنع الطير لأفراخها ... بل جعلني أبًا لأبنائك كلهم، يلوذون من علمي بكنف رعاية، ويعوذون من حلمي بسور حماية، فأسوق ضالَّهم ليهتدي، وأحثّ مهتديهم ليزداد هداية.
ورضيت فوق الرضى بأبوّتك لي أن رضيت ببنوّتي لك، ويمينًا لو تبرّجت لي المواطن في حُللها، وتطامنت لي الجبال بقُللها، لتفتنني عنك لما رأيت لك عديلًا، ولا اتخذت بك بديلًا، وإذا كانت أوطان الإسلام كلها وطن المسلم بحكم الدين، فإن اختصاصك بالهوى والحب من حكم الفطرة السليمة، ولنا في رسول الله أسوة حسنة في حبّه لمكّة وحنينه إليها.
__________
2) السفر: المسافرون.
3) أبوت أولادي: صنعت لهم ما يصنع الآباء لأبنائهم.
(4/184)

ورضيت أكمل الرضى أن كان جهد المقل مني يرضيك، وما هو إلا لبنة في بنائك، وقطرة في إنائك، ورعيٌ لذمّتك، وسيٌ في كشف غمّتك، ورضيت من الجزاء على ذلك كله برضى الله وقبوله، فلا يهولنَّك فراغك مني أيامًا، فعسى أن يكون المسك ختامًا، وعسى أن تسعد بآثار غيبتي أعوامًا.
...

أيها الوطن الحبيب:
إخوتُك في الوطن العربي الأكبر رفاق سفر، ولكنهم ساروا بالأمس وخلفوك، وذكر بعضهم بعضًا ونسوك، فلتهنأ اليوم أن واحدًا من أبنائك ألحقك بالسائرين، ثم جلّى بك فأصبحتَ في المقدّمة، وذكّر بك الناسين، فلهجت باسمك الألسنة، وإنهم شركة مساهمة لم يكن لك فيها سهم، فلتقرّ عينًا بابنك الذي أصبحت به في الشركة ذا سهم رابح، كما كنت به في موقف النضال ذا سهم مصيب وأنت تدري من هو ذلك الابن.

أيها الوطن الحبيب:
أما الشوق إليك فحدّث عنه ولا حرج، وأما فراقك فشدّة يعقبها الفرج، وأما الحديث عليك فأزهار تضوّع منها الأرج، وأما ما رفعتُ من ذكرك فسئ من دب ودرج، وأما الانصراف عنك فإرجاف بالغيّ لم يجاوز صاحبه اللوى والمنعرج، وأما الأوبة فما زلت أسمع الواجب يهتف بي: أن يا بشير، إذا قضيت المناسك، فعجّل الأوبة إلى ناسك ... وسلام عليك يوم لقيت من "عقبة" وصحبه بِرًّا، فكنت شامخًا مشمخرًّا، ويوم لقيت من "بيجو" وحزبه سرًّا، فسلّمت مضطرًّا، وأمسيتَ عابسًا مكفهرًّا، وللانتقام مسرًّا، وسلام عليك يوم تصبح حرًّا، متهللًا مفترًّا، معتزًّا بالله لا مغترًّا.
ومعذرةً إليك إذا كنت ارتخيت، ثم انتخيت، فإنما هي نخوة الأُباة الأشاوس، يدفعون بها وساوس الصدور، ويدفعون بها في صدور الوساوس.
(4/185)

من هو المودودي؟ *
هو الأستاذ العلّامة أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان؛ أصفه وصف العارف الذي قرأ وشاهد، فهو رجل لم ترَ عيناي كثيرًا من مثله، بل لم أرَ مثله في خصائص امتاز بها عن علماء الإسلام في هذا العصر، منها الصلابة في الحق، والصبر على البلاء في سبيله، والعزُوف عن مجاراة الحاكمين فضلًا عن تملّقهم، وهو أفقه من رأيته أو سمعت به في باكستان والهند في حقائق الإسلام تشريعًا وتاريخًا، واسع الاطّلاع، دقيق الفهم، بارع الذهن، نيّر الفكر، كبير العقل، مشرق الروح على تجهّم في ظاهره، سديد التصرّف في المقارنة والموازنة والاستنباط، مستقلٌّ في الاستدلال إلى حد، يمضي من الشريعة إلى مقاصدها العامة، دون احتفال بالجزئيات إلا بمقدار ما يدخل من هذه إلى تلك، عميق الغوص في استخراج النكت، متين العقيدة، تظهر آثارها على أعماله ومواقفه قوة وثباتًا، كما تظهر آثار الغذاء الصالح على البدن فراهةً ونعمة، فلسفي النزعة العلمية لا العقلية، يذوده افتتانه بالنص والواقع عن أن يكون فيلسوفًا عقليًا، ولولا ذلك لكانه، فهو يؤمن بالنص، ويؤمن بعمل العقل في النص، ثم لا يزيد إلا بمقدار، جمهوري العشرة ولكنه خصوصي الزعامة، يرى أن لها- لا للزعيم- حقوقًا تحفظ النظام، وتوزّع الأعمال على الكفاءات، وتقف بالمتطفلين عند حد، فهمت هذا من مجموع أحواله ومن ملابستي لبعض أنصاره، فصورته بهذه العبارات، وأنا أرى أن الفرق بين الزعامة والزعيم شيء دقيق، ودقته هي التي غرّت الزعماء بأنفسهم، وغرّت الأتباع بهم.
وهو هيوبة للتحدّث بالعربية، مع دقة فهمه للقرآن والحديث وكتب الدين، واقتداره على تطبيقها، ويرجع سبب ضعفه في الكلام بالعربية إلى قلة استعماله لها في الحديث والكتابة، فهو مع كثرة مؤلفاته التي تبلغ العشرات لم يكتب كتابًا واحدًا بالعربية وكل
__________
* نُشرت في العدد 232 من جريدة «البصائر»، 5 يونيو سنة 1953.
(4/186)

مؤلفاته بالأوردية والإنكليزية، وكلها في المواضيع الإسلامية الخطيرة، التي تقتضيها النهضة والتجديد، ويكثر الخوض فيها في هذا العصر، ويتناولها الغربيون بالنقد والتشويه، وللأستاذ مشاركة قوية في معارف العصر واطّلاع على حضارته، وهو يزنها بالميزان القسط، فلا إنكار ولا اندفاع، بل إنه يقف منها موقف الحذر والانتباه، وقد ترجم أحد أعضاء الجماعة طائفةً من كتبه إلى العربية فمكّن بذلك أبناء العرب من الاطّلاع على أفكاره، وهذا العضو هو صديقنا الوفي الشيخ مسعود عالم الندوي، وقد أهدى لي جميعها منذ سنوات وأنا في الجزائر، فلمحتُ فكرًا شفّافًا، ورأيًا حكيمًا، وفكرًا عميقًا، وتساوقًا بين الألفاظ ومعانيها، لا ينم على أن هناك انتقالًا من لغة إلى لغة، وتبيّنت السرّ في ذلك، وهو أن الموضوعات إسلامية، واللغتان إسلاميتان، والمؤلف والمترجم سليلا فكرة، فعملت الروح عملها العجيب في ذلك، وصديقنا مسعود- لطف الله به- ثاني اثنين في القارة الهندية يحسنان الكتابة بالعربية كأبنائها، والآخر هو الأستاذ أبو الحسن الندوي.
والعلّامة المودودي وثيق الصلة بجمعية العلماء الجزائريين، من طريق جريدة «البصائر»، متتبع لحركتها، معجب بها وبأعمالها، قويّ الشعور بقرب المسافة بين مبادئها ومبادئه. وهو يحمل بين جنبيه قلبًا عامرًا بالاهتمام بأحوال المسلمين، والأسى لحاضرهم، والإعجاب بماضيهم، والتنويه بالنظام الحكومي في الإسلام، يراه أعدلَ نظام إنساني، وأضبط نظام للنزوات البشرية، وأحفظ نظام للمصالح المتشابكة، ومن هنا نشأت فكرته في الحكومة الإسلامية، وقد سرّ كثيرًا بالمعاني التي تنطوي عليها رحلتي، لأن تقارب المسلمين بالتعارف يُفضي بهم إلى التعاون على إصلاح شؤونهم، وهو ينعى عليّ شيئًا واحدًا وهو أنني لم أشتغل بتأليف كتب على أحوال المسلمين على النمط الذي سمعه من كلامي، فأجبته بما لم يقتنع به لأنه يعتقد أن هذه الأحاديث العادية التي سمعها مني كتب لا ينقصها إلا التدوين، ورأيه في التأليف أن تكون الكتب صغيرة الحجم حتى تسهل قراءتها وتصريفها، وهذا هو المسلك الذي سلكه في كتبه فكلها كراريس مستقلّة بموضوعات.
...

لقيي جماعة من أصحابه لأوّل نزولي بكراتشي، واتصلوا بي اتصالَ الأخوة والمشرب، فوجدتهم يعرفون عن جمعية العلماء ما يمكن أن يستفاد من جريدة «البصائر»، وسمع الأستاذ المودودي بوصولي وهو بمقامه من مدينة لاهور عاصمة البنجاب، فانتظر زيارتي لها فلما عزمت على الرحلة إلى الداخل وكان نظام الرحلة يقتضي أن أسافر إلى كشمير أولًا وأن لا أنزل في لاهور، كتبت إليه أن يلقاني بمحطة لاهور، حرصًا مني على التعارف الشخصي،
(4/187)

قبل زيارتي للاهور، ولكن الرسالة لم تصله في حينها لأن الحكومة تعطل رسائله للمراقبة، لما بينها وبينه من الانحراف الذي سنتعرّض له، ولما بلغته الرسالة أسف وأرسل من ورائي رسولًا إلى راولبيندي التي هي منتهى رحلتي بالقطار وبينها وبين لاهور مئات الأميال فأدركني الرسول بها وبلّغني سلامه واسفه وانتظاره.
فلما رجعت من كشمير وبشاور لم أشأ أن أزعجه فلم أخبره إلا بعد نزولي بالفندق في لاهور، فزارني. وتعارفت الأجساد بعد تعارف الأرواح فإذا هو رجل رَبعة، مهيب الطلعة، ممتلى صحة وحيوية، يغلب السوادُ البياض على لحيته الكثة المهيبة، ثم استدعاني إلى داره، وهي مركز الجماعة، فاجتمعنا على الشاي في ثُلّة من أعضاء الجماعة، وطلبوا مني كلمة ونحن على موائد الشاي، فخطبت وأفضت في المواضيع الإسلامية الشاغلة للأفكار، وكان- خفّف الله محنته- يستوقفني كلّما علت لغتي وتخللتها الإشارات والكنايات، ليترجم له أحد تلامذته البارعين في العربية ما غمض عليه، تقصيًا منه للمعاني وحرصًا على أن لا يفوته منها شيء.
...

أما ما بينه وبين حكومة باكستان، فأكبر أسبابه وأظهرها أن مبدأ الجماعة الإسلامية هو إقامة حكومة إسلامية في باكستان بالمعنى الصحيح الكامل الذي لا هوادة فيه ولا تساهل، يتضمن دستورها الحكم بما أنزل الله في المعاملات والحدود والقصاص، وللأستاذ المودودي في ذلك آراء بعيدة المدى ومناهج وتخطيطات مدروسة لا تقبل الجدل، بل له دستور كامل مهيّأ وقد نقلت منه مجلة "المسلمون" الغرّاء التي تصدر بمصر قطعًا دلّت على ما ذكرناه وعلى انفساح ذرع العلّامة المودودي في فهم النظام الإسلامي، وحجة الجماعة في ذلك أن المسلمين ما رضُوا بالانفصال عن الهند وما هانت عليهم التضحيات الجسيمة التي لم تضحّ بها أمةٌ في الدماء والأموال إلا في سبيل إقامة دينهم على حقيقته، أما إبقاء ما كان على ما كان فهو لا يساوي تلك التضحيات ولا جزءًا منها.
وحكومة باكستان- وإن كانت إسلامية المظهر- مدنيةُ المخبر، لم تزل تسير على النُظم التي وضعها الإنكليز للهند، وهي تريد أن يكون دستورها إسلاميًّا لأن الشعب يريد ذلك، أو لأن معظم الشعب يريد ذلك، ولكنها تريده تدريجيًّا ومع التسامح والتسهّل، ومراعاة مقتضيات الأحوال؛ وهناك طائفة من المستغربين لا تريد الدستور الإسلامي، ولكنها تعمل في الخفاء غالبًا لقلّتها بالنسبة إلى الشعب، ويعتقد المتبصّرون أن هذه الطائفة تلقى تأييدًا أجنبيًّا قويًّا، ولا تتّسع هذه الكلمة لترجيح إحدى الفكرتين، وإن كان لنا في ذلك رأيٌ صارحنا به بعض المسؤولين في ذلك الحين.
(4/188)

لهذا الذي شرحناه ضاقت الحكومة ذرعًا بالمودودي وتشدّده، وصلابته، وصراحة آرائه، وتسرّعه (في نظرها) فكانت تحبسه كلما ظهرت آراؤه المؤثرة، أو فتاواه في الحوادث الخاصة، وتنظر إليه بعين الحذر دائمًا، وقد نسبت إليه فتوى في قضية كشمير أيام اشتدادها والاصطدام المسلّح فيها، ووصفت بأنها سلاح في يد العدو، ومَدَد للدعاية الهندوسية، وقد كنتُ كثير الاهتمام بهذه الفتوى، شديد الحرص على أن أطّلع على حقيقتها، لأنها حكيت لي على وجه لو صحّ لكنت أول المخالفين لها، وقد ألقيت السؤال عنها في مجلس الأستاذ في داره، ولكن السؤال ضاع في معمعة المواضيع التي كان الحديث يتشقق عنها. ثم أنستني أحاديث المجلس إعادة السؤال، ولم تزل في نفسي حزة من فوات تلك الفرصة، ولا أدري هل تعود. وكل ذلك الحرص مني لآخذ الحقيقة من مصدرها ولأتباحث مع الأستاذ فيما يُنتقد عليه إن كانت حقًّا.
ومع احتفاظنا برأينا في الخلاف بين المودودي وبين الحكومة في إقامة حكومة على أساس دستور إسلامي، فإننا نقول كلمة صريحة لوجه الحق وهي أن المودودي وحده أقدر رجل على وضع الدستور الإسلامي المنشود لدولة باكستان، وأبرعُ عالم في انتزاع ذلك الدستور من القرآن والحديث، ومن المقاصد العامّة في التشريع الإسلامي والأصول المتّفق عليها بين الأمة، وأنا مع هذا مؤمن بأن العقبة الكأداء في طريق المودودي ودستوره ليست هي الحكومة وحدها بل العقبة التي تنبهر فيها الأنفاس هي جمود فقهاء المذاهب، وما أكثر المذاهب في باكستان! ...
...

وفي الأشهر الأخيرة حدثت اضطرابات في باكستان، وسالت دماء، وأمسكت كثير من الجرائد العربية عن شرحها، فلم نتبيّن دواعيها بالتفصيل ولا أغراضها، وأغلبُ الظن أنها تدور على "إسلامية الحكومة". ولعلّ الحكومة رأت آثار المودودي وأصحابه فيها بارزة فسجنته وسجنت كثيرًا منهم، ثم أحالته على محكمة عسكرية عقدت بمدينة لاهور فحكمت عليه بالإعدام وجاءت الأخبار بأنها خففت حكم الإعدام بالسجن أربعة عشر عامًا، فاهتزّ المسلمون بباكستان لهذا الحكم القاسي بنوعيه الثقيل والخفيف، وانصبّ على الحكومة تيّار من الاحتجاج والتظاهر بالغضب، ولا نشك أن تخفيف الحكم أثر من آثار تلك الغضبة.
ثم قامت الهيئات الإسلامية القوية بالاحتجاج والاستنكار من مصر وسوريا والعراق والكويت، وتأكّدت عندي الأخبار وأنا بالكويت فامتعضت- علم الله- لذلك وحزنت لما بيني وبين الرجل من صلات ولما بينه وبين جمعية العلماء من تقدير. ولأن الرجل ليس رجل
(4/189)

إقليم أو قطر، إنما هو للمسلمين كلهم، فمن بعض حقّه علينا جميعًا أن نسعى في خلاصه من السجن بعد أن تراجعت الحكومة عن حكم الإعدام.
لذلك أبرقتُ البرقية المنشورة بعد هذه الكلمة لكل من حاكم باكستان العام ورئيس حكومتها باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أمثلها أنا وولدها ومفخرتها الأستاذ الفضيل الورتلاني وباسم المغرب العربي كله لأن حظه في الإسلام والانتصار لحُماته ليس بقليل، وإن عسى أن تراعي حكومة باكستان المسلمة هذا الشعور الإسلامي المتدفق بالأمس فرحًا بوجودها، والمتدفق اليوم غيرة على سمعتها أن يقال عنها إنها تحارب حرّية الرأي بل حرية الدين، وأن تدرك أنّ ما ينادي به المودودي وتعدّه هي جريمة يستحقّ عليها الإعدام أو السجن، هو رأي جميع المسلمين فيها. فكلهم يتمنّى ويطالب بأن تكون حكومة باكستان إسلامية لتكون فخرًا للمسلمين ومرجعًا وملاذًا وعزًّا للإسلام وملجأً ومعاذًا.
...

كان من تمام الواجب عليّ لصديقي- بعد أن انتصرت له بجهد المقل- أن أعرّف به بني وطني وقرّاء «البصائر»، ليعرفوا أي رجل غضبتُ له هذه الغضبة. ولعلّ البشائر تحمل إلينا نبأ الإفراج عليه، فينقلب غضب المسلمين رضى، وحزنهم فرحًا، وحسب المودودي جزاء في الدنيا على جهاده للإسلام أن يجمع المسلمون على الانتصار له هذا الإجماع، وما عند الله خير وأبقى.
وسلام على المودودي طليقًا وسجينًا.
(4/190)

نص البرقية التي أرسلناها إلى حاكم باكستان
وإلى رئيس وزرائها في قضية المودودي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حضرة صاحب الفخامة السيد غلام محمد حاكم باكستان العام- كراتشي،
حضرة صاحب الدولة السيد محمد علي رئيس الوزارة الباكستانية- كراتشي:
شاع في أنحاء العالم أن المحكمة العسكرية بمدينة لاهور حكمت بالإعدام على عالم من أكبر علماء الإسلام ومن أعظم دعاته، وهو الشيخ أبو الأعلى المودودي، ثم شاع الخبر بأن الحكومة الباكستانية خففت هذا الحكم إلى السجن أربع عشرة سنة.
إن هذه الأخبار أحزنت مئات الملايين من المسلمين في العالم، وسرّت أعداء الإسلام كلهم، ومهما تكن الدواعي لهذه الأحكام القاسية فإن المسلمين في جميع الدنيا لا يرضون لحكومة باكستان الإسلامية أن يسجّل عليها التاريخ قتل علماء الدين أو سجنهم، لأنها لا تعدم بإعدام المودودي شخصًا، وإنما تحطّم سيفًا من سيوف الإسلام، وتسكت صوتًا من أصوات الإسلام، وتطمس مفخرة من مفاخر الإسلام، ويا فرحة أعداء الإسلام بذلك.
إننا باسم جمعية العلماء الجزائريين وباسم ثلاثين مليون مسلم في المغرب العربي نتوجّه في شدة وإلحاح إلى دولة باكستان الرشيدة التي نفخر بها ونعلّق عليها الآمال في إعلاء كلمة الإسلام أن ترجع عن هذه الأحكام التي تزعج نفوس المسلمين، وتطلق سراح المودودي عاجلًا لتردّ الاطمئنان إلى نفوس جميع المسلمين.
إن فرح المسلمين بنشأة باكستان، وعطفهم عليها، وانتصارهم لقضاياها، هو رأس مال عظيم للدولة الباكستانية، الواجب أن تزكيه بإطلاق حرية رجل من أكبر رجال الإسلام مهما كانت جريمته السياسية فإنها لا تعدو أن تكون جريمة رأي.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
ورئيس تحرير جريدة «البصائر»

الفضيل الورتلاني
عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
والداعية الإسلامي
(4/191)

في الكويت وبغداد
ودمشق وعمّان ومكّة
(من ماي إلى أغسطس 1953)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/193)

حكمة الصوم في الإسلام *
يسمّي الناس هذا الشهر العظيم بشهر الصوم، أو شهر الإمساك فيقتصرون على الظاهر من أمره، فيبتدئ التقصير منهم في جَنْبِه من تسميته بأهون خصائصه ووصفه بأيسر صفاته، ووزنه بأخفّ الموازين، وشيوع هذه المعاني السطحية بين الناس يُفضي بالنفوس إلى تأثّرات باطنية، تبعدُها عن الحقائق العليا وتنزل بها إلى المراتب الدنيا، وقد توجّهها إلى جهات معاكسة للوجهة المؤدية إلى الله، ومن نتائج ذلك أن الناس أصبحوا يتعاملون مع الله على نحو من معاملة بعضهم بعضًا، فالنفوس الراهبة تخاف الله خوفًا تفضله على قياس الخوف من الملوك والأقوياء، مع أن الخوف من المخلوق يقتضي البعد عنه، والحذر منه والبغضَ له، أما الخوف من الله فإنه يقرب إليه، ولا يبعد عنه، ويثمر الحبّ والرضى والسكينة والاطمئنان، فأنّى يقاس أحدهما على الآخر! ولكنه الضلال في فهم العبادة جر إلى الضلال في فهم آثارها ومعانيها، ثم إلى الحرمان من آثارها ومعانيها؛ والنفوس الراغبة تطمع في الله طمعًا تقيسه بمقياس الطمع في المخلوق، فتلحف في السؤال ثم تضجر، وتعبده تملّقَا لا تعلّقًا، وكأنها تعطيه لتأخذ منه، وكأن العبادة عملية تجاريّة بين طرفين، مبنى أمرها على المصالح والمعاوضات، ومن غريب أمر هذه النفوس أنها تستأنس لهذا المعنى بعبارات القرآن مثل قوله تعالى: {هَئ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} الآية، وقوله: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} الآية، وقوله: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ}، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ ائمُؤْمِنِينَ} الآية، ولم تدرِ أن هذه أمثال ضربها الذي لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، بالمُحَسّات المدركة لجميع الناس، ليستدرجهم منها إلى المعقولات العليا التي لا يعقلها إلا العالمون.
ما مسخ العبادات عندنا وصيّرها عادمة التأثير، إلا تفسيرُها بمعاني الدنيا، وتفصيلُها على مقاييسها، فالخوف من الله كالخوف من المخلوق، والرجاء في الله على وزن الرجاء في
__________
* نشرت في العدد 232 من جريدة «البصائر»، 5 جوان 1953.
(4/195)

غيره، ودعاؤه كدعاء الناس، والتوكّل كالتوكّل، والقرب كالقرب، والعلاقات كالعلاقات، وعلى هذه الأقيسة دخلت في المعاملات مع الله معاني التحيّل والمواربة والخلابة، فدخلت معها معاني الإشراك، فذهبت آثار العبادات وبقيت صُوَرُها. فلم تنهَ الصلاة عن الفحشاء والمنكر، ولم يهذّب الصوم النفوس، ولم يكفكف من ضراوتها، ولم يزرع فيها الرحمة، ولم يغرها بالإحسان.
ولو أن المسلمين فقهوا توحيد الله من بيان القرآن، وآيات الأكوان، لما ضلّوا هذا الضلال البعيد في فهم المعاملات الفرعية مع الله- وهي العبادات- وتوحيد الله هو نقطة البدء في طريق الاتصال به ومنه تبدأ الاستقامة أو الانحراف فمن وحّد الله حق توحيده، قدره حق قدره، فعرفه عن علم، وعبده عن فهم، ولم تلتبس عليه معاني الدين بمعاني الدنيا، وإن كانت الألفاظ واحدة، وإن أَدْرِي أمن رحمة الله بنا، أم من ابتلائه لنا أن جعل لغة الدين والدنيا واحدة؟
أما شهر رمضان عند الأيقاظ المتذكّرين، فهو شهر التجليات الرحمانية على القلوب المؤمنة، ينضحها بالرحمة، وينفح عليها بالرّوح، ويخزها بالمواعظ، فإذا هي كأعواد الربيع جدّةً ونضرة، وطراوة وخضرة، ولحكمة ما كان قمريًا لا شمسيًا، ليكون ربيعًا للنفوس متنقلًا على الفصول، فيروّض النفوس على الشدة في الاعتدال، وعلى الاعتدال في الشدة.
إن رمضان يحرّك النفوس إلى الخير، ويسكّنها عن الشر، فتكون أجود بالخير من الريح المرسلة، وأبعد عن الشر من الطفولة البلهاء، ويطلقها من أسر العادات. ويحرّرها من رقّ الشهوات، ويجتثّ منها فساد الطباع، ورعونة الغرائز، ويطوف عليها في أيّامه بمحكمات الصبر، ومثبّتات العزيمة، وفي لياليه بأسباب الاتصال بالله والقرب منه.
هو مستشفى زمانيّ، يستطبّ فيه المؤمن لروحه بتقوية المعاني الملكية في نفسه، ولبدنه بالتخفّف من المعاني الحيوانية.
...

لكل عبادة في الإسلام حكمة أو حِكَم، يظهر بعضُها بالنصّ عليه أو بأدنى عمل عقليّ، ويخفى بعضها إلا على المتأمّلين المتعمّقين في التفكير والتدبّر، والموفّقين في الاستجلاء والاستنباط، والحكمة الجامعة في العبادات كلّها هي تزكية النفس وتطهيرها من النقائص الروحية، وتصفيتها من الكدرات، وإعدادُ ها للكمال الإنساني، وتقريبها للملإ الأعلى، وتلطيف كثافتها الحيوانية، وينفرد الصوم من بين العبادات بأنه قمعٌ للغرائز عن الاسترسال في الشهوات التي هي أصل البلاء على الروح والبدن، وفطم أمهات الجوارح عن أمهات الملذات، ولا
(4/196)

مؤدب للإنسان كالكبح لضراوة الغرائز فيه، والحدّ من سلطان الشهوات عليه، بل هو في الحقيقة نصر له على هذه العوامل التي تبعده عن الكمال، وكما يحسن في عرف التربية أن يؤخذ الطفل بالشدة في بعض الأحيان، وأن يعاقب بالحرمان من بعض ما تميل إليه نفسه، يجب في التربية الدينيّة للكبار المكلّفين أن يؤخذوا بالشدة في أحيان متقاربة كمواقيت الصلاة {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ائخَاشِعِينَ}، أو متباعدة كشهر الصوم، فإنه لا يأتي إلا بعد أحد عشر شهرًا، كلها انطلاق في المباحات، وإمعان فيها، واسترسال مع دواعيها، وإن شهرًا في التقييد الجزئي بعد أحد عشر شهرًا في الانطلاق الكلي لقليل، وإن جزءًا من اثني عشر جزءًا ليسير في حكم المقارنات النسبية، فهو يسر في الإسلام ما بعده يُسر، وسماحة ما بعدها سماحة.
لو أن مسرفًا في تعاطي الشهوات، يطاوع بطنه في التهام ما حلا من المطاعم وما مرّ، وما برد منها وما حرّ، ويطاوع داعيته الأخرى باستيفاء اللذة إلى أقصى حد، لكانت عاقبة أمره شقاءً ووبالًا، ونقصًا في صحته واختلالًا، ولكانت الحمية منه في بعض الأوقات واجبًا مما يأمر به الطبيب الناصح، تخفيفًا على الأجهزة البدنية، وادّخارًا لبعض القوّة إلى الكبر، وإبقاءً على اعتدال المزاج، وتدبيرًا منظمًا للصحة، بلى ... وإن ذلك لهو الحكمة البارزة في الصوم، تطبيقًا للتدبير في شهر، وإرشادًا إليه في بقية الأشهر: وإذا كان كثير من المسلمين قد أفسدوا اليوم هذه الحكمة بالإفراط في التمتّع بالشهوات في ليالي رمضان حتى كأنها واجبات فاتتهم، فهم يقضونها مضاعفة مع واجبات الليل، وأفسدوا أجر التعب فيه بنوم نهاره، وسهر ليله في غير طاعة، فإن ذلك لا يقدح في الحكمة الدينية، لأن من كمال هذه الحكمة أن يقتصد المسلم في كل شيء وفي كل وقت، وأن يجمع بين سنّة الدين وبين سنّة الكون في جعل الليل لِباسًا والنهار مَعاشًا.
...

إن هذا الاستعداد المتناهي الذي يستعدّه مسلمو اليوم لرمضان بالتفنن والاستكثار من المطاعم والمشارب مخالف لأوامر الدين، منافٍ لحفظ الصحة، مناقض لقواعد الاقتصاد. ولو كان هؤلاء متأدّبين بآداب الدين لاقتصروا على المعتاد المعروف في طعامهم وشرابهم، وأنفقوا الزائد في طرق البر والإحسان التي تناسب رمضان، من إطعام الفقراء واليتامى والأيامى، والغالب أن يكون لكل غنيّ مسرف في هذا النوع جارٌ أو جيران من الفقراء والأيامى واليتامى، وهم أحقّ الناس ببرّ الجار الغني، ولو فعل الأغنياء والمسرفون ذلك لأضافوا إلى قربة الصوم قربة أخرى ذات قيمة عظيمة عند الله، وهي الإحسان إلى المعدمين، وذات مزية في المجتمع، لأنها تقرّب القلوب في الشهر المبارك، وتشعر الصائمين كلّهم بأنه شهر إحسان ورحمة وتوكيد للأخوة الإسلامية.
(4/197)

وإذا كان من لطائف الحكم المنطوية في فريضة الصوم قمع الغرائز، فمنها أيضًا إمرار العوارض الجسمية على من لم يتعوّدها، ففي الناس مترفون منعّمون، يستحيل في العادة أن يذوقوا ألم الجوع لما تيسّر لهم من أسباب الشبع، فكان في هذا التجويع الإجباري بالصوم إشراك لهم مع الفقراء في الجوع حتى يذوقوا طعمه، ويتصوّروه على حقيقته، إذا وقف أمامهم سائل جائع يشكو الجوع ويشكو آلامه ويطلب العون بلقمة على دفعه، ومن ذاق الألم من شيء رقّ للمتألمين منه.
وتصوّر أنت غنيًّا واجدًا ميسّر الأسباب لا يطلب شيئًا من شهوات البطن إلا وجده محضرًا، ثم يقف أمامه فقير عادم لم يذق الطعام منذ ليال، فهو يتفنن في وصف الجوع وآلامه، والمضطر حين يطلب الإحسان، أخطب من سحبان، فهل ترى نفس هذا الغني المنعّم تتحرك للخير، وتهتزّ للإحسان، كما تتحرّك وتهتزّ، وتسرع إلى النجدة نفس من سبق له الحرمان من الطعام والتألّم لفقده؟
...

ومن مزايا هذه العبادة في غير هذا الباب أنها عبادة سلبيّة، بمعنى أنها ليس فيها عمل إيجابي من أعمال الجوارح، كالصلاة والحج، وحتى الزكاة فإن فيها نقلًا ودفعًا، وإخراجًا، وإنما الصّوم إمساك عن شيء كان مباحًا في أيام غير رمضان، ثم يعود إلى أصله بعد خروج رمضان، والإمساك وإن كان عملًا إلا أنّه سلب وانتفاء، وسرّ هذه المزيّة أنه أبعد العبادات عن الرياء الماحق للأعمال، حتى إن التسميع فيه- وهو قول الصائم: إني صائم- لا يحمله السامع على أنه تمدّح بالصوم، وليس فيه عمل يُرى، ولا أثر حقيقي أو مصطنع كأثر السجود في الجباه، إلا الشحوب الذي يكون من المرض كما يكون من الصوم، ولهذا البعد من الرياء ورد في حديث قدسي: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».
ومن عظم منزلة الصوم عند الله أن شرعه عقوبةً وكفارةً عن ارتكاب بعض المخالفات كالحنث في اليمين، والتمتعّ بالعمرة إلى الحج، والظهار، وقتل الخَطإ، وفطر العمد في رمضان، ولم يجعل هذا لغيره من العبادات والأركان، فلا تكفير عن ذنب بصلاة ولا حجّ ولا مال من جنس الزكاة.
...

وفي التعريف الفقهي للصوم بأنه إمساك عن شهوتين اقتصارٌ على ما يحقق معناه الظاهري الذي تناط به الأحكام بين الناس، وتظهر الفروق، فيقول الفقيه: هذا مجزئ، وهذا غير
(4/198)

مجزئ ويقول العامي: هذا مفطر وهذا صائم، أما حقيقة الصوم الكامل التي يناط بها القبول عند الله، فهو إمساك أشدّ وأشقّ لأنه يتناول الإمساك عن شهوات اللسان أيضًا، من كذب وغيبة ونميمة وشهادة زور وأَيْمان غموس وخوض في الأعراض، وغير ذلك مما يسمّى حصائد الألسنة. فالصائم الموفّق هو الذي يفطم لسانه عن هذه الشهوات الموبقة، وأشدّها ضررًا الغيبة وإشاعة الفاحشة.
وهذا النوع من الإمساك يدخل في معنى الصوم لغة وفي مفهومه شرعًا، ونصوص الدين تدل على أنه شرط في القبول، مثل: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ ائجُوعُ وَائعَطَشُ»، ومن اللطائف القرآنية أن الله تعالى وصف المغتاب بأنه {يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ} وهذه الكناية البديعة تصوّر هذا النوع من الإفطار الخفيّ أبشع تصوير، يستشعر السامع منه أن المأكول لحم إنسان، وكفى به شناعة، وبأنه ميت، والميت يذكّر بالميتة، وذلك أشنع وأبلغ في التنفير.
أما هذه الحالات التي أصبحت لازمةً للصوم بين المسلمين، ويعتذرون لفاعلها بأنه صائم، مثل سرعة الغضب، والانفعال، واللجاج في الخصومة على التوافه، والاندفاع في السباب لأيسر الأسباب- فكلها رذائل في غير رمضان، فهي فيه أرذل، لأنها تذهب بجمال الصوم وبأجره، وكل قبيح اقترن بجميلٍ شانه، وأذهب بهاءه ورونقه، وكم رأينا من آثار سيئة ترتّبت على ذلك، والجاهلون بسرّ الصوم وحكمه يعتقدون أن ذلك كلّه من آثار الصوم وعوارضه، وكذبوا وأخطأوا ... فإن الصوم يؤثر في نفوس المؤمنين الضابطين لنزواتهم عكسَ تلك الآثار: هدوء واطمئنان وتسامح وتحمّل، وورَد لدفع ذلك من آداب النبوّة أمرُ الصائم إذا شارّه غيره أن يقول: «إِنِّي صَائِمٌ».
فعلى الدعاة إلى الحق والوعّاظ المذكّرين وخطباء المنابر أن يحيوا آداب الصوم في نفوسهم، ثم يذكّروا الناس بها حتى تحيا في نفوس الناس، ومن صبر على الصوم المديد، في الحر الشديد، ابتغاء القرب من الله فليصبر على ما هو أهون ... ليصبر على الأذى المفضي إلى اللجاج المبعد عن الله.
(4/199)

تصدير لمجلة «الإرشاد» الكويتية *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وهو المستعان، ولا إله غيره، ولا رب سواه، ونسأله الهداية في الختم وفي البداية، ونصلي ونسلم على رسوله الداعي إلى الدين القويم، والمرشد إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وأصحابه قالة الحق، وحاصة الشق، وألسنة الصدق، ورتقة الفتق، ونعوذ بالله من زيغ العقيدة، وضلال الرأي، ومرض الفهم، وطغيان الوهم، ومن القول على الله بغير علم.
اللهمّ اجعلنا هادين مهديين، ومتّبعين لا مبتدعين، وواقفين عند حدودك لا معتدين، واجعل ألسنتنا تابعة لقلوبنا، وقلوبنا متصلة بك، حتى نكون قائلين بالحق، عاملين له، واصلين بالقول والعمل إلى مرضاتك.
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَئتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.
...

وهذه صحيفة أخرى من صحائف الأبرار، تدعو إلى الحق- إن شاء الله- على بصيرة، وتظاهر أخواتها المتفرقات في العالم الإسلامي، اللواتي سبقنها إلى الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، ونشر دينه الحق، ونشر سنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، كصحيفة «البصائر» في الجزائر، ومجلتَي "الدعوة" و "المسلمون" في مصر، ومجلة "الأخوة الإسلامية" في بغداد، فهذه هي الصحائف التي رفعت الصوت بالحق، في زمن عمّ فيه الباطل، وبثّت النور في أفق غمره الظلام، وأن عسى أن يكون لها من مجلة "الإرشاد" ولي ونصير، ومنجد وظهير، وأن عسى أن تلتقي بهذه الأخوات، وتجتمع هذه الأصوات على بعث الأموات، وإحياء الموات، وتدارك الفوات، وأن عسى أن تنسخ هذه الصحائف أحكام الزمن الحائف وتصدّ بحزم القائد العارف، تيّاره الجارف، ما دامت من ورائها عقائد ثابتة، وعزائم مصمّمة، وألسنة
__________
* مجلة "الإرشاد"، أوت 1953، الكويت.
(4/200)

مبينة، ومن أمامها جماعات تحسن الإصغاء، وتستجيب للدعاء، ومن وراء الجميع عون من الله يحيل الضعف قوة، وعناية منه تنير الطريق، ومدد من توفيقه يأخذ باليد إلى الحقيقة، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
...

الدعوة إلى الله وظيفة أهل الحق من أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهي أثمن ميراث ورثوه عنه، وهي أدقّ ميزان يوزن به هؤلاء الورثة ليتبين الأصيل من الدخيل، فإذا قصر أهل الحق في الدعوة إليه ضاع الدين، وإذا لم يحموا سننه غمرتها البدع، وإذا لم يجلوا محاسنه علتها الشوائب فغطّتها، وإذا لم يتعاهدوا عقائده بالتصحيح داخلها الشك، ثم دخلها الشرك، وإذا لم يصونوا أخلاقهم بالمحافظة والتربية أصابها الوهن والتحلّل، وكل ذلك لا يقوم ولا يستقيم إلا بقيام الدعوة واستمرارها واستقامتها على الطريقة التي كان عليها محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الهداة من العلم، والبصيرة في العلم، والبيّنة من العلم والحكمة في الدعوة، والإخلاص في العمل، وتحكيم القرآن في ذلك كله.
ولا يظنن ظان أن الدعوة إلى الله ختمت بالقرآن، وأنه أغنى عنها فقطع أسبابها، وسدّ أبوابها، بل الحقيقة عكس ذلك فالقرآن هو الذي وصل الأسباب، وفتح الأبواب، وجعل الدعوة سنّة متوارثة في الأعقاب، وما دامت عوارض الاجتماع البشري وأطوار العقل الإنساني تدني الناس من القرآن إلى حد تحكيمه في الخواطر والهواجس وتبعدهم منه إلى درجة الكفر به - فالقرآن ذاته محتاج إلى دعوة الناس إليه- بل الدعوة إليه هي أصل دعوات الحق، ولم يمر على المسلمين زمن كانوا أبعد فيه عن القرآن كهذا الزمن، فلذلك وجب على كل من امتحن الله قلبه للتقوى، وآتاه هداه أن يصرف قوّته كلها في دعوة المسلمين إلى القرآن ليقيموه ويحقّقوا حكمة الله في تنزيله، ويحكموه في أهواء النفوس ومنازع العقول، ويسيروا بهديه وعلى نوره فإنه لا يهديهم إلا إلى الخير ولا يقودهم إلا إلى السعادة.
...

الحق والباطل في صراع، منذ ركّب الله الطباع، وإنما يظهر الحق على الباطل حين يحسن أهله الدعوة إليه على بصيرة، والدفاع عنه بقوة وقد قام الإسلام على الدعوة، فقوّته- يوم كان قويًا- آتية من قوة الدعوة، وضعفه- يوم أصبح ضعيفًا- آت من ضعف الدعوة.
وقد حييت الدعوة إلى القرآن في زمننا هذا على صورة لم يشهد تاريخ الإسلام لها مثيلًا بعد الصدر الأول وقرونه الفاضلة، وارتفعت الأصوات بها في جوانب العالم الإسلامي، متعددة النواحي متّحدة الغايات والمناحي، فمن دعوة إلى عقائد القرآن وعدم الحيدة عنها في توحيد الله، وتنزيهه وتصحيح المعاملة معه، وتجديد الصلة به، ومن دعوة إلى إحياء آدابه في
(4/201)

النفوس، ومن دعوة إلى إحياء أحكامه وجعلها أصولًا للقوانين الدنيوية، ومن دعوة إلى درس حقائقه العليا وآياته في الأنفس والآفاق، ومن دعوة إلى الاهتداء بإرشاده إلى أسرار الكون التي كشفت عنها العلوم التجريبية في عصرنا هذا، وغفل عنها المسلمون ففاز باكتشافها واستثمارها غيرهم، وستفضي هذه الدعوة المتجددة إلى ما أفضى إليه أصلها من خير وعزّ وقوة وسيادة، وإذا جرت الأخيرة على سنن الأولى في الجد والقوة والحزم فستكون مثلها في سرعة ظهور الآثار وقرب الجني من أيدي القاطفين.
لا نقص في هذه الدعوات إلا أنها لم تزل متفرقة المسالك، متباعدة المواطن، فعلى قادة هذه الحركات أن يوحّدوا الأعمال والوسائل، وأن يجمعوا هذه القوى المتفرقة لتكون أقوى، ويوحّدوا القيادة العامة ليكون ذلك أدعى لرهبة الخصوم المتألبين، وأجمع لشمل الأتباع والجنود، وإذا كنّا نرى أصحاب الباطل يجتمعون على باطلهم ليدحضوا به الحق، فكيف لا يجتمع أهل الحق على حقّهم؟ ومن طبيعة الحق أن يجمع الناس على أنفسهم، وعلى أولئك القادة أن يبنوا أمرهم على العلم الصحيح والتربية الرشيدة، وعليهم أن يبدأوا بإنشاء جيل قويم يبنونه على التربية الإسلامية القويمة ليكون أساسًا لمن بعده، وأن يغرسوا فيه العقائد والأخلاق القرآنية من الصغر، وأن يروّضوه على الصبر والعفة والجد مع طراوة العود، وأن يوجّهوه الوجهة السديدة في الدين والحياة، ويرشّحوه للعظائم حتى ينشأ مستعدًا لها مستخفًّا بأثقالها.
إن شيوع ضلالات العقائد وبدع العبادات والخلاف في الدين هو الذي جرّ على المسلمين هذا التحلّل من الدين، وهذا البعد عن أصليه الأصليين، وهو الذي جرّدهم من مزاياه وأخلاقه حتى وصلوا إلى ما نراه.
وتلك الخلال من إقرار البدع والضلالات هي التي مهّدت السبيل لدخول الإلحاد على النفوس، وهيّأت النفوس لقبول الإلحاد، ومحال أن ينفذ الإلحاد إلى النفوس المؤمنة، فإن الإيمان حصن حصين للنفوس التي تحمله، ولكن الضلالات والبدع ترمي الجد بالهوينا، وترمي الحصانة بالوهن، وترمي الحقيقة بالوهم، فإذا هذه النفوس كالثغور المفتوحة لكل مهاجم.
...

نصيحتي للقائمين على هذه المجلة أن يسلكوا بها الطريق الواضح إلى الدعوة، وأن يستفيدوا منها من تجارب من سبقهم، وأن يحشدوا لها الأقلام المتينة، والعقول الرصينة، وأن يعتنوا بتصحيحها، فالتصحيح نصف الجمال.
(4/202)

الأستاذ كامل كيلاني *
الرجل الذي انتهت إليه حكمة التربية
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعث الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من بغداد إلى الأستاذ كامل كيلاني بالقاهرة الكتاب الآتي بعد الديباجة:
"أكتب إليكم مهنئًا بالعيد، وإن كانت معانيه البليغة ممسوحة من نفسي، لأنني أفهمه موقف حساب وعرض، لم يعرض فيه العرب من أعمالهم إلا المخزي، ولم يحاسب فيه المسلمون من عباداتهم إلا بغير المجزي، ولكن التهنئة أصبحت كلامًا يدور على الألسنة برغم الضمائر الحية والشواعر اليقظة!
زرت الكويت ورأيت ما رأيت، وألقيت عدة محاضرات كانت- بتوفيق الله- غيثًا على جدب، وفراتًا على ظمإٍ، ولم أنس في لحظة أخي "كاملًا". وهل ينسى الإنسان جزءًا من نفسه كاملًا؟!
الحركات عند إخواننا العرب بطيئة جدًا، يحتاج المتعرّض لها إلى صبر متين وأناة، وإلى لطف احتيال، أو إلى ما جمعه الشاعر الذي يقول: ليس للحاجات، الخ، وأنتم أعرف بالبقية!
أنا- فيما أعدّ نفسي- مبشر بالمبادئ الصالحة والكتب الصالحة، لأن التجارب انتهت بي إلى أنه ما أفسد العلم ورجاله إلا الكتب الفاسدة.
وبما أن الحرص على استقامة الإنسان يبدأ بتقويم الطفل، ولا يستقيم الطفل إلا إذا غرس عقله في "مكتبة الأطفال"، وقد تكون هذه التعبيرات نافرة أو متنافرة، ولا يعنيني أمرها، فإن المعنى الذي أقصده هو هذا:
__________
* صحيفة "منبر الشرق"، عام 1953.
(4/203)

إنني أُشهد الله، وأشهد أمام خلقه، بأن الرجل الذي انتهت إليه حكمة التربية من طريق كتب التعليم هو الأستاذ "كامل كيلاني".
وستشهد هذه النهضة بهذا يوم يمدّ مدّها، ويجد جدّها. أحييكم وولدنا "رشادًا" وأدعو لكم بالتوفيق، وسأكاتبكم من الشام.
(4/204)

في نادي القلم ببغداد *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوة الكرام:
نادي القلم! اسم شعري لطيف، عليه من السماء صفاؤه، ومن الربيع أنداءه، وفيه من آثار الله وصقله، ومن مساوقة الفطرة وبساطة التركيب، وفيه من الغمام ما يحكي ودقه، وفيه من الواقع ما يحقق صدقه.
أسماء النوادي والجمعيات كأسماء الأناسي، فيها الصادق والكاذب، ولكن الفارق الجوهري بينهما أن أسماء الأناسي توضع من غير اختيار أصحابها ولا مشورتهم، ومن غير ترقّب لتحقق معنى الاسم في المسمّى، وتوضع في غمرة من الفرح بالكائنات الجديدة، فيدخل فيها- أوّل ما يدخل- عنصر التفاؤل المبني على الأماني، أو عنصر التوقي من العين أو من الموت، وهذا يرجع إلى المزاعم التي لم تفارق الإنسان بدويًا وحضريًا، ولم يفارقها وثنيًا ومتألهًا.
أما أسماء النوادي والجمعيات والأحزاب فإنها توضع بعد تحديد معانيها وتبيين مقاصدها، فكان الواجب أن تكون صادقة دائمًا وأن لا يدخلها الزيف، ولكن الناس يحبّون الاغراب والانحراف، لذلك نراهم يغربون في الأسماء، فيغرقون في الإيهام والتغرير، وإن أحبّ الأسماء في هذا الموضوع ما كان طبيعيًا وما كان منتزعًا من الموضوع كاسم نادي القلم، فإنه اسم مفصّل على موضوعه، ومن ثم فهو أصدق شيء في الدلالة على موضوعه، لا يشبهه في أسماء الأناسي إلّا اسم "عبد الله"، فإن هذا الاسم لا يغرّ ولا يكذب، فالإنسان، آمن أو كفر، وبَرَّ أو فَجَر، فهو عبد الله. بخلاف أسماء الفأل التي لا يحتاط فيها للعواقب كصلاح الدين لمن أفسد
__________
* نشرت جريدة "التحرير" البغدادية (جوان 1953) ملخّصًا من هذه الكلمة، نقلته جريدة «البصائر»، العدد 236، السنة السادسة، 10 جويلية 1953، ثم وجدنا في أوراق الإمام مسودّة منها، ننشرها اليوم.
(4/205)

الدين، وبرهان الدين لِمَن هو برهان لأعداء الدين على الدين، ولا يشبهه في أسماء الكتب إلا اسم "إصلاح المنطق" و "لسان العرب" و "كتاب النبات".

أيها الإخوان:
لي من الصلات الطبيعية بنادي القلم أنني أحد هذه العصبة التي تتّخذ من القلم أداة جهاد في زمن لغة بنيه أبعد ما تكون عن القلم، والحَكَم فيهم السيفُ لا القلمُ، فكأنهم من تلامذة المتنبّي حين يقول:
حَتَّى رَجَعْتُ وَأقْلَامِي قَوَائِلُ لِي … ائمَجْدُ لِلسَّيْفِ لَيْسَ ائمَجْدُ لِئقَلَمِ
أُكْتُبْ بِنَا أَبَداً بَعْدَ ائكِتَابِ بِهِ … فَإِنَّمَا نَحْنُ لِئأَسْيَافِ كَائخَدَمِ
ولي من الصلات المتينة بهذا النادي أن الرجال الذين هم عمده ودعائمه من أصدقائي الذين أعتزّ بصداقتهم، وأعدّ لقاءهم والتعرّف إليهم فصلًا حافلًا بالفخر من تاريخ حياتي، كالأستاذ الجليل شاعر العروبة محمد رضا الشبيبي، والأستاذ الأديب محمد بهجة الأثري، والأستاذ الدكتور محمد فاضل الجمالي، والدكتور أحمد سوسة، والدكتور جواد علي، وجمهرة أعضاء نادي القلم.

أيها الإخوان:
القلم بين أهله رحم يجب أن تبل ببلالها، وغير كثير على ذويها أن يتعارفوا وأن يتنازعوا أمرهم بينهم فيمحوا القطيعة بالوصال، وعلى ذلك فغير بعيد منّي أن أقول كلمة في نادي القلم، وأن أتحدث إلى أبناء أسرةٍ أنا واحد منهم فيما يجب لهذه الرحم من حقوق وفيما يجب على أبنائها البررة من أعمال، يقوّيها التعاون ويضعفها التهاون، وأن أول الواجبات عليهم أن يلمّوا ما أصابها من شعث، ويقوّوا ما انتابها من وهَن، وأن يردّوا على هذه الحرفة التي يُباشرها القلم هيبتها في القلوب وتأثيرها في النفوس ومكانتها بين الناس، وأن يثلموا بهذه الأدوات الضعيفة قوّة الأقوياء، ويلينوا بها قسوة القساة، وأن يردّوا بها حجّة السيف داحضةً والسيف مفلولًا، وأن يتسامَوْا بهذه الطائفة من حملة الأقلام عن تدنيس نفسها بالمطامع وتسخير قواها للشهوات الدنية، فتتجافى عن الهزل في الزمن الجادّ، وعن الإسفاف في حين احتياجنا إلى السمو، وعن التدلّي في عصر الترقّي، وعن الطمع في وقت أحد أسلحتنا فيه التعفّف عما تقدمه لنا يد العدوّ من مطاعم كلها مطاعن، ومشارب كلها إلى الموت مسارب، وملابس كلها محابس، وأفكار كلها للموبقات أوكار، وعلوم كلها في ديننا ومقوّماتنا كلوم.

أيها الإخوان: حملةُ الأقلام فينا كثير، ولكن المصيب المسدّد منهم قليل، وكما يحتاج السيف إلى ساعد قوي يحتاج القلم إلى فكر مسدّد، وإن أقلامنا اليوم كالسيوف التي قال فيها الأول:
(4/206)

فهذي سيوف يا عدي بن مالك … كثير ولكن أين بالسيف ضارب
وإن كثيرًا ممن يحترف هذه الحرفة بيننا اليوم ممن يصدق عليهم قول الشاعر:
تبًّا لدهر قد أتى بعجاب … ومَحا فنونَ الفضل والآداب
وأتى بكُتَّاب لو انبسطت يدي … فيهم رددتهمُ إلى الكُتَّاب
وإن منهم لأدعياء يتقحمون عرينًا نامت آساده، فكأنّ القائل عَناهُم بقوله:
لقيط في الكتابة يدّعيها … كدعوى آل حرب في زياد
فدع عنك الكتابةَ لستَ منها … ولو لَطَّخْتَ ثوبك بالمداد

أيها الإخوان: شتّان ما بين السماء والسماوة، فمن السخافة في عقل العقلاء أن يقال إنهما واحد لأنّ النسبة إلى كليهما في حكم اللغة واحدة.

أيها الإخوان الزملاء، لا يفهم الناس من نادي القلم أنه متحف للأقلام يضم أنواعها وأشكالها وتطورات جواهرها على الزمن من القصب إلى الذهب، وإنما يفهمون- على الأقل - أنه شيء غير ذلك، فما هو هذا الشيء؟ لقد أحسنتم وهُديتهم إلى الطيب من العمل حيث لم تقيدوه بمكان، فرفعتم بذلك أوهامًا منها أنّه نادٍ كالنوادي، وجئتم بكمال يظنّه الناس نقصًا، وهو أنه فكرة محلّها القلوب الواعية، ومظهرها الهمم الساعية، وبقي أن يعرف الناس آثارها الظاهرة.
إنّ على هذا النادي الفكري عهدًا مسؤولًا، إنْ غفل عنه قبل اليوم فلن تغفر له غفلته عنه بعد اليوم، ذلك العهد المسؤول هو أن يوجّه بطريق القدوة هذه القوافل الخابطة في غير هدى إلى الصراط القويم، يوجّهها إلى خدمة هذه الأمّة التي منها خلقهم وعليها رزقهم، يفهمها أن هذا الوطن مسلم منذ غرس فيه الفاتحون من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - شجرة الإسلام وسقوها بدمائهم، فكيف يعلو فيه صوت ملحد أو صوت وثني؟
إنّ من السماجة بل من الخيانة أن يوكل خبر المسلمين بالتنقص من دينهم، وأن تطمس بينهم حضارة العرب- وأسبابها ما زالت في الأيدي- بحضارات قامت على الظلم والتسخير والوثنية، كل هذه الأدران لا ترحض إلّا بما تنضحه الأقلام الطاهرة القوية من حقائق وحكم وتوجيهات.
إنّ في العراق جفافًا لا تُحييه إلّا غيوث المداد من الأقلام الراشدة، وَوَاعجبًا كيف يُصيب العراق جفاف الثرى حتّى تجلب القوت الغالي من الخارج، وفيها الرافدان؟ أم كيف يُصيب العراقيين جفافُ الفكر والعقل حتّى يستعيروا المبادئ الضارة من الأجنبي، وفيهم القرآن يهدي، والعربية تُجدي، والتاريخ الإسلامي يُعيد ويُبدي؟
(4/207)

وواعجبًا لأبنائنا يتنكّرون لدينهم- وهو حق- وهم يعلمون أنّ اليهود حقّقوا حلمًا دينيًا صبروا له عشرات القرون، وأنّ الهنود يغارون للبقرة تُهان فتطيح الرقاب، وقد بنوا على ذلك دولة، فكيف لا يغار المسلم على حقائقه وحقوقه الدينية؟ وكيف لا يبني عليها دولةً تطاول الدول؟

أيها الزملاء الكملة: يجب عليكم أن توجّهوا بأقلامكم الهادية هذه الأقلام الضالّة، ثم تتوجّهوا جميعًا إلى الوجهة السديدة التي تنفع وتدفع وترفع وتسْفع وتشفع، واسمعوا منّي معمولات هذه العوامل: إن الوجهة السديدة هي التي تنفع القريب، وتدفع الغريب، وترفع القناع عن المريب، وتشفع للمنيب، وتسفع المعتدين بالناصية.

أيها الإخوان: إن القلم الذي نسبتم ناديكم إليه ذو نَسَب عريق في دينكم وفي آدابكم، فأيّ دين من الأديان السماوية مجّد القلم كما مجّده الإسلام أو وضعه في منزلة مثل المنزلة التي وضعه فيها القرآن؟ فقد وضعه في منزلة لا يرقَى إليها المتطاول، ولا تنالها يَدُ المتناول، نَسَبه الله إلى نفسه وجعله أحد الرواميز الأربعة إلى قوته وكمال قدرته وإحاطة علمه: العرش واللوح والكرسي والقلم، ثم زاده تشريفًا فأقسم به عزّ وجلّ فقال: {ن وَائقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، ولا يُقسم الخالق العظيم إلّا بمخلوق عظيم، وعظمة المخلوقات من عظمة آثاره في النفع والخير، ثم زاده رفعًا فجعله أداة تعليمه لخلقه: {عَلَّمَ بِائقَلَمِ، عَلَّمَ ائإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.
إن الأشياء كلها في هذا الوجود تروج وتكسد وتصلح وتفسد وتقبح وتحسن إلّا القلم، فإن سوقه دائمًا إلى رواج، ولا يصحّ في الأذهان أن يأتي يوم تستغني فيه الأمم عن القلم، إلّا إذا صحّ في تلك الأذهان أن يأتي يوم تقلب فيه الأوضاع والحقائق، وتنتكس العقول إلى الوراء، ويخرج فيه الكون من تدبير الله إلى تدبير الشيطان، والإنسان من تدبير العقل إلى تدبير البطن، وينعكس فيه الفهم من نطق اللسان إلى نطق الدبر، ويومئذ يكون أفضل الذِّكر أن يقال كلّما ذُكِر الشيطان: رضي الله عنه.

أيها الإخوان: القوة اليوم بالأقلام، وبالجواري المنشآت في البحر كالأعلام، فإذا فاتتكم القوة الثانية فلا تفوتنكم القوة الأولى.
لقد سمعنا شوقي يخاطب الترك بقوله:
نحنو عليكم ولا ننسى لنا وطنًا … ولا سريرًا ولا تاجًا ولا عَلَما
هذي كرائمُ أشياءِ الشعوبِ فإنْ … ماتَتْ فكل وجودٍ يشبهُ العَدَما
وأنا أقول: إن كريمة كرائم الشعوب هي القلم المحرّر، واللّسان المعبّر، والعقل المدبّر، فإذا ضاعت هذه فالوجود هو العدم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(4/208)

حركتنا حركات أحياء *
جوانب من الخطبة الفيّاضة المرتجلة التي تفضّل بإلقائها سماحة الشيخ محمد البشير
الإبراهيمي على شباب الإخوان في المركز العام لخّصها مندوب المجلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا موقف الشكر على النعمة التي أنعمها الله على جمعية الأخوة الإسلامية إذ اجتمعت بأعضائها بعد فترة غياب. وهناك فرق- أيها الإخوة- بين المقيم والغائب وهو أن المقيم لا يشعر بالتبدّل والتغيّر إلا قليلًا، أما الغائب فإنه يشعر بهذا التبدّل ويحسّ بالفرق بين الحالة الماضية والحالة الحاضرة. وأخوكم هذا قد غاب عنكم السنة أو فوق السنة فاسألوه ينبئكم: ماذا رأيت لما فارقتنا وأقبلت إلينا؟
لا شك أن حركتكم حركة ناجحة وإني شعرت بهذا التبدّل وهذا التقدّم المحسوس الذي تلمسه اليد، فقد تركتكم في مسجد ورجعت فوجدتكم في دار ومسجد.
إن حركاتنا حركات حق، ودعوة إلى الحق، فالواجب أن تكون في تقدم واستمرار على غرار الدعوة المحمدية الأولى ... بدأت قليلة العدد بطيئة الأثر. فالإسلام في بداية أمره استند على أربعة ثم توسّع وشمل العالم، فالله سبحانه وتعالى يخرج من الضعف القوّة، فالإسلام قام على أكتاف أربعة: على امرأة هي خديجة، وعلى شيخ هو أبو بكر، وعلى صبي هو علي، وعلى مولى هو زيد بن حارثة. فهذا ضعف باعتبار الناس، وهذه الأركان الأربعة الضعيفة التي عددتها هي التي قام عليها الإسلام، وهؤلاء الأربعة هم الذين حملوا عرش الإسلام. ثم ان الإسلام أخذ يسري كما تسري النار في الهشيم، غير أن سريانه في النفوس ضعيف في الظاهر قوي في الباطن.
لما سأل هرقل أبا سفيان- وإن هرقل داهية زمانه-: أيكم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل؟ (يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)، فأشير إلى أبي سفيان، فسأله أسئلة تعد دستورًا في علم النفس، وكان من ضمنها: أيزيد أتباعه أم يقلّون؟ فأجاب أبو سفيان: بل يزيدون ...
__________
* مجلة "الأخوة الإسلامية"، السنة الأولى، العدد الثالث عشر، بغداد، 2 رمضان 1372هـ الموافق لـ15 ماي 1953م.
(4/209)

وإني فرح بهذه الجمعية التي هي قطعة من قلبي وهي امتداد للحركة التي دعوت إليها، وكلما سمعت أنها ملكت شيئًا من أرض أو امتدّت شبرًا فإني أشعر بالسرور والغبطة، بل إذا بلغني أن الشيخ أمجد الزهاوي يشعر بقوّة في جسمه وفكره ازددتُ فرحًا، وقد أراد الله أن يكون هو سبب وجودي بينكم الآن. وقد التقيت مع الأستاذ الصواف في القاهرة فجرّني أو جررته أو تجاررنا. فأشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة وأسأله لهذه الجمعية التي تمثّل الإسلام بكامله أو أنها تمثّل السياسة الإسلامية وهي إصلاح بين المرء وربّه، وهيهات أن يصلح المرء ما لم يصلح المعاملة مع الله وما لم يعمل لله وحده.
وما أخّر المسلمين إلا هذا الشرك الذي أبعد المسلمين عن عبادة الله. لأن الإنسان إذا تلفّت إلى جهات متعددة فإنه يصبح بلا إرادة، وما الإنسان إلّا إرادة وعزيمة فإذا صلحت إرادته صلحت عزيمته، وإذا أراد الإنسان شيئًا وسعى لتحقيقه فإن إرادته تؤدي به إلى نيل مبتغاه، ومن أصبح بلا إرادة أصبح مسيّرًا مثل ما هو حالنا اليوم.
فانظروا ذات اليمين وذات الشمال تجدوا المسلمين مسيرين متأخرين في كل شيء، فإن أرادوا أن يكونوا كغيرهم من الأمم فعليهم بأن يقتدوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكم أن تطلقوا على هذه الدعوة ما تشاؤون من تعابير: فسموها بحركة أخوة أو حركة إحياء، لا إحياء الإسلام لأن الإسلام حي بل إحياء الإسلام في نفوسنا، وإن الإسلام لا يقوم بالكم بل بالكيف، وتدبروا آيات سورة الأنفال حول المؤمنين الصابرين الذين رغم قلة عددهم يغلبوا أضعاف ذلك العدد من الكافرين وينتصروا عليهم. ولم يرد الله سبحانه وتعالى إرهاقنا بل أراد أن يثبتنا على القوة الحقّة التي هي قوة النفوس التي تستكن في الإرادات.

أيها الأبناء:
إن أمتكم تعول عليكم شرط أن تعدّوا أنفسكم إعدادًا روحيًا لا بدنيًا، فإذا أشرقت أنوار الإسلام وغمرت هدايته كل المجتمع البشري، فإن هذا المجتمع سينعم بالخير العميم، وتتحقّق له السعادة في الدنيا والآخرة، والإعداد الروحي يجعل المسلم موقنًا بأنه إذا مات في سبيل الله ينتقل من حياة بعضها شقاء إلى حياة كلها سعادة، فكونوا مسلمين كاملين، أي كونوا عاملين في سبيل الله، وإياكم أن تكونوا أنصاف أو أرباع مسلمين وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا واقتدوا بالقدوة الصالحة، وإن الواحد منّا يستطيع أن يقود الملايين بشرط أن تكون النفوس مستعدة. وإن هذا الشباب إذا تدرّب على الإقدام وقوّة العزيمة وعدم الخوف إلا من الله فإنه يأتي بالأعاجيب.
وإن الله يأتي بعبارات الحصر والخوف {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}، وإن المسلمين لم يؤخذوا إلا من الابتعاد عن خشية الله ... فإذا كان المسلم لا يرهب إلّا الله فإنه لا يعبد وثنًا ولا
(4/210)

يهاب ظالمًا مهما بلغ طغيانه. ويوم كان المسلمون كذلك سادوا الدنيا وملكوها بالعدل، ولما انتقلوا إلى اعتقادهم بالمخلوق واعتمادهم على المخلوق استعبدوا.
فحسبكم أن في الأرض خمسمائة مليون مسلم كلهم مستعبدون، وحياة المسلمين لا تحتاج إلى ترجمة لأنهم كلهم خاضعون لهذا الاستعباد.
فلو أقمنا لجنة لامتحان المسلمين لسقط 99% منهم، لأننا مسلمون باللفظ وإلّا فكيف نُغلب بالكَفَرة، أيكذب القرآن؟ حاشا لله: بل نحن كاذبون، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِئعَبِيدِ}، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، وقد كرّر الله سبحانه هذا المعنى بأساليب مختلفة، فنحن إذن بين أمرين: فإما أننا كاذبون في إسلامنا، أو أن الله قد جار علينا، والله نزيه عن الجور. إذن فنحن كاذبون في إسلامنا ظالمون لأنفسنا فعلينا أن نتوب والتوبة تكون بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى واتّباع أوامره ونواهيه، والإقلاع عن الخضوع لغيره، وبمواجهة الحياة والاستهانة بها.
أتدرون لماذا ملكنا الغربيون؟ لقد ملكونا لأننا انغمسنا في الكماليات السخيفة التي غمرونا بها والتي تملأ الشوارع والمحلات ليضعفوا بها اقتصادنا ويمتصّوا ثرواتنا، وانظروا إلى حكوماتنا التي لا تهتم إلّا بالشيء التافه والوضيع من الصناعات الوطنية.
إن العلماء يقسمون الحاجيات إلى: أولًا ضروري، ثانيًا حاجي، ثالثًا كمالي، رابعًا تحسيني. فالضروري هو الذي يستر الجسم ويصونه، أما نحن فننتقل من لبس الكتّان إلى القطن إلى الصوف ثم إلى المحرمات كالحرير، ومن استعمال الساعة النحاسية إلى الفضية إلى الذهبية، وهذه أموالنا تخرج من جيوبنا إلى خزائن الدول الغربية لتعود لنا بحبال نشنق بها وأسلحة نقتل بها، وأصبح كثير مما نستورده من الكماليات كالضروريات لا نطيق العيش بدونه، فصرنا نأكل الحلوى ونحن في البلوى.

أيها الأبناء:
بدأت بالشكر على هذه النعمة- نعمة الاجتماع- وعرضت لكم أشياء مؤلمة عن واقعنا كمسلمين، وأرجع بكم إلى حياة الاستئثار فأدعوكم إلى العمل والنظر إلى الحياة نظر تفاؤل، واعلموا أن الفجر قريب، وأن شمس الإسلام لا تغيب والله أكبر ولله الحمد.
(4/211)

حركة جمعية العلماء الجزائريين
وواقع العالم الإسلامي *
وجّه أحد أعضاء أسرة مجلة "الأخوة الإسلامية" سؤالين عن جمعية العلماء وواقع العالم الإسلامي إلى سماحة العلّامة الأكبر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بمناسبة نزوله في العراق، وها هو ذا سماحته يجيب عليهما مشكورًا وفيهما العبر الغالية والتوجيهات العالية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
حركة جمعية العلماء:
الحركة التي قامت بها جمعية العلماء في الجزائر منذ ثلاثين سنة تقريبًا وعرفت بالحركة الإصلاحية الدينية هي في حقيقتها دعوة القرآن والسنّة الصحيحة فهمًا وعملًا ورجوع بالمسلمين إليهما لأنهما أصل الدين ومنبعه ولأنهما سبب سعادة المسلمين وسيادتهم في العصور الأولى، وفي القرآن ما فيه من هداية وتوجيه صالح وتمكين للمقوّمات التي لا تعتز الأمم إلا بها ولا تقوم إلا عليها.
ولذلك كان من آثار جمعية العلماء يقظة همم المسلمين وتنبيه شعورهم وتذكر أمجادهم تاريخًا، فهبّوا بذلك التأثر مطالبين بحقوقهم عاملين بما يثبت تلك الحقوق من علم واستعداد، بعد ما أنساهم الاستعمار بكيده كل ذلك ففرّق جامعتهم وجرّدهم من أسباب القوة وما عرفت الجزائر قيادة روحية رشيدة قبل جمعية العلماء، وكل ما جاء بعدها من الحركات السياسية المحضة فهو في الدرجة الثانية من الاعتبار وفي آخر الدرجات من التأثير. أزعجت حركة جمعية العلماء الدولة الفرنسية إزعاجًا ظهر أثره في المعاملات الجائرة التي تعامل بها الجمعية من يوم منشئها إلى الآن، لأن الدول الأوربية المستعمرة تهدف لتميت
__________
* مجلة "الأخوة الإسلامية"، السنة الأولى، العدد الثالث عشر، بغداد، 2 رمضان 1372هـ الموافق لـ 15 ماي 1953م.
(4/212)

الدعوات الروحية وآثارها في النفوس لأنها أثبت صبغة وأسد خطى وأصدق نتيجة، وزاد في انزعاجها منها أنها حركة بناء للعقول وللمدارس التي تربي العقول، وأنها تعنى بالتربية والتعليم والتكوين والإعداد، وأنها تبني النتائج على مقدّمات صحيحة، وأن الغاية الطبيعية لعملها هي إيجاد أمّة تعرف كيف تطالب وممن تطالب وبماذا تطالب، ثم تصرّ على المطالبة وتعرف كيف تأخذ وكيف تحافظ على ما أخذت، ولا تنكس في مرحلة من مراحلها ولا تنتكس ولا تصالح لأنها تفكّر وتقدّر ولا يزعج الاستعمار شيء مثل الإعداد والتربية والرجوع إلى منابع القوة والعزة من دين ولغة وتاريخ، ولذلك نراه يعمد إلى مقوّمات الأمم بالتشويه والمسخ والطمس حتى تنسى الأمة مقوّماتها فيسهل عليه ابتلاعها والقضاء عليها، وهكذا فعل بالجزائر منذ احتلالها، وهكذا فعل بتونس ومراكش بعدها، وما ابتلى الله الأمة الإسلامية به إلا بعد أن ضعفت فيها تلك المقوّمات بالإهمال والجهل واستبدال الضلالة بالهدى والرق في الدين ومحال أن تتسلّط أمة، وإن بلغت من القوة ما بلغت، على أمة محتفظة بمقوّماتها المعنوية والروحية المستمدّة من دينها، وبمقوّماتها الذاتية المستمدّة من لغتها وتاريخها وخصائصها الجنسية وأمجادها الموروثة، ولا يرهب الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي هذه الحركات السياسية المحضة مثلما يرهب حركة جمعية العلماء التي بدأت في الجزائر وسرت عدواها بالتأثّر والاحتذاء إلى الجناحين مراكش وتونس، ومن خصائص القرآن إذا فهمه الناس وعملوا به أنه يجمع بنيه على مبدإٍ واحد ويوجّههم وجهة واحدة. وسلاح الاستعمار الذي رمى به الشرق هو تفريق المجموع، فليفهم المسلمون أنهم إذا أحيوا القرآن وتعاليمه في نفوسهم أبطلوا جميع مكائد الاستعمار، وأنه لا سلاح لهم بعد أن وصلوا إلى هذه الحالة من الضعف إلا ما يقتبسونه من القرآن من الأخذ بأسباب القوة الروحية والقوة المادية.

واقع العالم الإسلامي:
واقع العالم الإسلامي اليوم أنه مستعبد مسخّر يتعب ليسعد عدوّه ويموت ليحيي غيره ولا درجة في الخزي والهوان أحط من هذه، ولا ينكر هذا إلا مغرور بالظواهر أو مخدّر من الاستعمار أو جاهل لا فكر ولا عقل له فلا يقبل له رأي ولا يصحّ منه حكم. عداد المسلمين في العالم يزيد على خمسمائة مليون ولكن أي شعب من شعوبه يعدّ مستقلًا استقلالًا حقيقيًا بريئًا من شوائب التدخّل الأوربي كاملًا مستوفيًا لشرائطه وعناصره من السياسة والعلم والاقتصاد؟ الواقع المشهود للعيان أنهم عالة على غيرهم وفي كل شيء، فسياستهم العامة مسيّرة على هوى غيرهم لا على مصالح شعوبهم، ووراء كل حكومة من حكوماتهم أشباح خفية تأمر فتطاع وتنهى فتمتثل وتغضب فيقرأ لها حساب، والعلم يأخذونه على أعدائهم كما يملونه سمًا أو ترياقًا، وخيرات بلادهم وهي أساس قوّتهم محتكرة للأجنبي، حظّهم منها
(4/213)

الحظ الأوكس والتجارة والصناعة لا يد لهم فيها ولا رجل: يبيعون القنطار من نتاج أوطانهم رخيصًا ثم يشترون الداني منه غاليًا، فإذا أغلق صاحب السوق سوقه في وجوههم أفلس غنيّهم ومات فقيرهم جوعًا وهلك عريًا وهم مع هذا مشغولون بالتوافه مفتونون بظواهر السلطة مقدّرون لأسباب الخلاف والتباعد بينهم، لا يفكّرون بالاتحاد الذي يحمي جميعهم ولا في التعاون الذي يحرّرهم ويأتيهم بالقوة ويدفع عنهم استغلال الأجنبي لمرافقهم ولا يتحاكمون في حلّ مشاكلهم إلى العقل الذي يقرر قاعدة: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" ثم يحكم لواحد من الأولين ليحرم الذئب. أما علة هذه الحالة فهي متشعبة المسالك متعددة النواحي ولكنها ترجع كلها إلى سبب الأسباب وهو ضعف الأخوة الإسلامية إلى درجة قريبة من العدم، حتى أصبحت كلمة تقال على الألسنة ولا قرار لها في القلوب، ولو كان لها معنى يخالط النفوس ويؤثر فيها لرجعت حكوماتهم كلها إلى حكومة واحدة أو إلى حكومات متحدة في الرأي واعتبار المصلحه العامة، ولرجع علماؤهم إلى الكلمة الجامعة في الدين وشعوبهم إلى المنفعة الجامعة في الدنيا ولرجع أهل الرأي منهم إلى المنزلة التي وضعهم فيها القرآن وهي منزلة بعد الله ورسوله مباشرة. وأما دواء هذه العلة فهو معروف من العلة نفسها ومبدؤها من علماء الدين، فالواجب المتعيّن عليهم أن يتداعوا إلى نبذ الخلاف في الدين واللياذ بالمتفق عليه وهو القرآن، ثم يحملوا الحاكمين على إقامته والاهتداء بما أرشد إليه ويحملوا المحكومين على التخلّق بآدابه والوقوف عند حدوده والإذعان لأحكامه.
(4/214)

هل لمن أضاع فلسطين عيد؟ *
للناس عيد ولي همّان في العيد … فلا يغرنّك تصويبي وتصعيدي
همّ التي لبثت في القيد راسفة … قرنًا وعشرين في عسف وتعبيد
وهمّ أخت لها بالأمس قد فنيت … حماتها بين تقتيل وتشريد
كان القياض لها في صفقة عقدت … من ساسة الشر تعريبًا بتهويد
جرحان ما برحا في القلب جسهما … مود وتركهما- لشقوتي- مود
ذكرت بيتًا له في المبتدا خبر … في كل حفل من الماضين مشهود
إن دام هذا ولم تحدث له غير … لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
ويح إحياء القلوب وإيقاظ الإحساس ماذا يتجرّعون من جرع الأسى في هذه الأعياد التي يفرح فيها الخليون ويمرحون، أيتكلفون السرور والانبساط قضاء لحق العرف ومجاراة لمن حولهم من أهل وولدان وصحب غافلين وجيران، أم يستجيبون لشعورهم وينزلون على حكمه فلا تفتر لهم شفة عن ثغر ولا تتهلّل لهم سريرة ببشر ولا تشرق لهم صفحة بسرور.
ويح النفوس الحزينة من يوم الزينة، إنه يثير كوامنها ويحرّك سواكنها فلا ترى في سرور المسرورين إلا مضاعفة لمعاني الحزن فيها ولا ترى في فرح الفرحين إلا أنه شماتة بها.
__________
* مجلة "الاخوة الإسلامية"، العدد الخامس عشر، بغداد، 1 شوال 1372هـ الموافق لـ 12 جوان 1953م، مع التقديم الآتي: ما زال سماحة الحبر الجزائري العلّامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي يحلّ بين ظهرانينا، ولما وجد أن رمضان المبارك قد استعدّ للرحيل وأن هلال شوّال أخذ يقترب سريعًا، والعالم الإسلامي لا يزال كما عهده يستقبل عيدًا ويودّع آخر لا يلتفت إلى قلبه الجريح فلسطين الشهيدة وشرفه المثلوم ودينه المضيع، ولما أيقن سماحته أن العالم الإسلامي لا يزال في لهوه وغفلته اعتصره الألم فنفث ذلك القلب الذكي الكبير ما سطره اليراع في هذه الكلمة القيّمة الموجّهة إلى العالم الإسلامي في مناسبة عيد الفطر المبارك، وقد اختصّ بها "الأخوة الإسلامية" فجزاه الله أحسن ما يجزى عامل عالم مؤمن عن عمله.
(4/215)

مرّت عليّ وأنا في الجزائر عدة أعياد من السنوات الأخيرة التي صرح الشر فيها للعرب والمسلمين عن محضه فكنت ألقى تلك الأعياد بغير ما يلقاها به الناس، ألقاها بتجهّم اضطراري وانقباض نفسي وكان الرائي يراني وأنا معه وأراه وكأنه ليس معي، فقد كانت تظللني في العيد سحائب من الكآبة لحال قومي العرب وإخواني المسلمين وأنا كثير التفكير فيهم والاهتمام بهم والاغتمام من أجلهم، فأغبطهم تارةً لأنهم في راحة مما أنا فيه وأزدريهم حينًا لأنهم لم يكونوا عونًا لي على ما أنا فيه، وما أشبههم في الحالتين إلا بالغنم تُساق إلى الذبح وهي لاهية تخطف الكلأ من حافتي الطريق لأنها لا تدري ما يُراد بها.
وجاءت نكبة فلسطين فكانت في قلبي جرحًا على جرح وكانت الطامة والصاخة معًا وكانت مشغلة لفكري بأسبابها ومآسيها وعواقبها القريبة والبعيدة، فلا تصوّر لي الخواطر إلّا أشنع ما في تلك العواقب، وكأن أحزان السنة كلها كانت تتجمّع عَلَيّ في يوم العيد وكنت أغطّي باطن أمري بالتجمّل، فإذا عدمت المتنفس من الرجال والأعمال والأحوال رجعتُ إلى العيد الذي هو مثار أشجاني فجرّدت منه شخصًا أخاطبه وأناجيه وأشكوه وأشكو إليه وأسأله وأجيبه وأبثّه الشكاية من قومي غيظًا على القادرين وتأنيبًا للغادرين، حتى اجتمعت لي من ذلك صحائف مدوّنة نشرت القليل منها على الناس وطويت الكثير إلى حين. ثم رحلت عن الجزائر في السنة الماضية فكانت بيني وبين الأعياد هدنة عقد أوّلها العراق ومخايل الرجاء فيه وعقدت آخرها مكة ومخايل الرجاء في الله وهذا هو العيد الثالث يظفي فبماذا أستقبله؟
أنا الآن أشدّ تأثّرًا بنكبة فلسطين مني في الماضي.
فقد لمست يدي الجرح وهو بالدم يثعب، ورأت عَيْنايَ العربي وهو على البركان يلعب، وسمعت أذناي غراب البين وهو بالفراق ينعب، ثم سمعت أنين اللاجي وعذر المداجي وتفسير الأحاجي. فيا عيد أقبل غير نحس ولا سعيد، واذهب غير ذميم ولا حميد، وإن لم يجد حساب ولا أغنى عتاب، لك علينا حق التجلّة التي أوجبها الله لك شكرًا على إتمام العبادة لا على مألوف العادة، ودعنا معشر المنتظرين لهلالك المستعدّين لاستقبالك، نتحاسب أو نتعاتب، وإن لم يجد حساب ولا أغنى عتاب، ليس لك ولا لأمثالك من الأيام ذنب إنما أنت وهي قوارير تلوّنها أعمالنا وتلوّثها سيّئاتنا وآثامنا، فإذا لوّناك بالسواد أو لوّثناك بالشر فمعذرة وغفرًا، إن هي إلا مناظر تشهدها كلما أظللت وتراها كلما أطللت.

أيها العرب: ها هوذا عيد الفطر قد أقبل وكأني بكم تجرون فيه على عوائدكم وتنفقون المال بلا حساب على الحلل يرتديها أولادكم وعلى الطعام والشراب توفّرون منه حظ بطونكم، وكأني بكم تسيرون فيه على مأثوركم من اللهو واللعب وإرخاء الأعنّة لمطايا
(4/216)

الشهوات من جوارحكم فتركبون منها ما حلّ وما حَرُمَ، كل هذا وأمثاله معه سيقع، فماذا أعددتم للأخرى من الواجبات التي هي أدنى لروح العيد، وأجلب لسرور الرجال في العيد، وأقرب لرضى الله وهي حقوق فلسطين وأهل فلسطين ومشرّدي فلسطين ويتامى فلسطين وأيامى فلسطين والمسجد الأقصى من فلسطين، أم قست قلوبكم فأنتم لها لا تذكرون؟
ويحكم ... إن هذا العيد يغشاكم في نهاية كل عام، فاعتبروه رقيبًا يقدّر الثواب أو مفتّشًا يوقع العقاب أو حسيبًا يصفّي الحساب، فماذا أعددتم له احتياطًا لهذه الافتراضات كلها؟
هبوه رقيبًا- وأيقنوا أنه رقيب عتيد- فهل تداركتم أخطاءكم بالرجوع فيها إلى الصواب، وتداركتم خطاياكم بالتوبة منها والإقلاع عنها، أو تداركتم تضييعكم لفلسطين بالاستعداد الصادق لاسترجاعها أو تداركتم تعريضكم يتامى القدس للتنصّر بالنظر لهم والسعي لإنقاذهم، أو تداركتم إعراضكم عن اللاجئين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بالمساعي الجدية لإرجاعهم، أو تداركتم إهمالكم للمسجد الأقصى الذي أصبح تحت رحمة صهيون بالحفاظ في حمايته وإعداد وسائل تلك الحماية، وهيهات هيهات ... ضاع المسجد الأقصى يوم ضاعت فلسطين ولا مطمع في إنقاذه إلا بإنقاذ فلسطين كلها.
وهبوه مفتّشًا- واعتقدوا أنه مفتّش لا تجوز عليه المغالطة- فهل أعددتم له شيئًا على قياس مما تعرفون في هذا الباب وأيسره: جواب محرّر لكل سؤال مقدّر؟
وهبوه حسيبًا- واعلموا أنه حسيب يناقش حتى في ذرة جرت ذرة- فهل استعرضتم جداول أعمالكم في السنة كلها وضبطتم ما لكم وما عليكم؟
ليس هذا ولا ذاك ولا ذلك بواقع منكم، وسيغشاكم فيجد السفينة غارقة في أوحالها ودار ابن لقمان باقية على حالها. لقد عوّدتموه ذلك وعوّدكم تضييق المسالك وحلول المهالك (وأول راضٍ سيرة من سيرها).

أيها العرب: إن الواحد منكم يموت له الطفل الصغير فيلتزم الحداد ويتدثّر السواد ويمر عليه العيد فلا تزدهيه ملابسه ولا تستهويه مجالسه، ولا ينزع لباس الحزن إلى وفاء السنة، يتحدّى بذلك نصوص الدين المنصوصة وأحوال الدنيا المخصوصة وقد ماتت فلسطين وهي أعزّ شهيد وأحقّه بالحزن عليه فويحكم أهي أهون مفقود عليكم؟ أم أن نخوتكم ماتت معها، إنها والله لأولى بالحزن عليها من كل محزون عليه وإنها والله لأولى بعدم الصبر ممن قال فيه القائل:
والصبر يحمد في المواطن كلها … إلا عليك فإنه مذموم
(4/217)

وإن مما يذكي نخوتكم ويزيدكم حرارة حزن على القتيل، وخفة طيرة للأخذ بثأره خسة القاتل فأين أنتم يا هداكم الله؟

أيها العرب: إن الذنب في نفسه ذنب، وإن عدم الاعتراف به يصيّره ذنبين، ولكن التوبة الصادقة المصحوبة بالعمل تمحوهما معًا، فتعالوا نعترف بما يعلمه الله منّا فإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة.
ألستم أنتم الذين أضعتم فلسطين، بجهلكم وتجاهلكم مرة، وخذلكم وتخاذلكم ثانية، وباغتراركم وتغافلكم ثالثة، وبقبولكم للهدنة رابعة، وباختلاف ساستكم وقادتكم خامسة، وبعدم الاستعداد سادسة، وبخيانة بعضكم سابعة، وبما عدوّكم أعلم به منكم ثامنة؟ وفي أثناء ذلك كتب الحفيظان عليكم من الموبقات ما يملأ السجلّات.
كانت نتيجة النتائج لذلك كله أن أضعتم فلسطين وأضعتم معها شرفكم ودفنتم في أرضها مجد العرب وعزّ الإسلام وميراث الإسلام وضاعفتم البلاء على نصف العرب في المغرب العربي كانوا ينتظرون انتصارهم في المعترك السياسي على إثر انتصاركم في المعترك الحربي، ولكنهم باؤوا من عاقبة خذلانكم بشد الخناق وشدة الإرهاق وكان من النتائج المخقلة تشريد مليون عربي عن ديارهم، ولو أن عشرهم كان مسلّحًا لما ضاع شبر من فلسطين، ولو أن العشر وجد السلاح اليوم لاسترجع فلسطين، وها هم أولاء يتردّدون على حافات فلسطين تتقاذفهم المصائب ويتخطفهم الموت من كل جانب ولكنه موت الجوع والعري والحر والبرد لا موت الذياد والشرف.
وكان من النتائج المحزنة أن وضع صهيون رجله في ماء العقبة. أتدرون موقع الحزن من ذلك؟ إنه قطع لأوداجكم إذ لم يبق لكم بعد العقبة شبر من اليابسة تتواصلون عليه أو تمدّون فوقه سكة حديدية تصل أجزاءكم أو طريقًا للسيارات أو سلكًا للمخاطبات، وإنه بعد ذلك إيذان بغزوه لمكة والمدينة وتهديد صارخ لمواني الحجاز. وكان من النتائج الفرعية أن عشرات الآلاف من يتامى المجاهدين دفعهم الجوع إلى التنصر في مدينة القدس تحت سمع وبصر بقية المسلمين الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلًا.
وكانت خاتمة النتائج أننا قرّبنا من صهيون ما كان بعيدًا وأدنينا منه أمانيه، فالقدس محطة الإسراء وموطئ أقدام محمد - صلى الله عليه وسلم - وفتح عمر، أصبح لقمة متردّدة بين لهواته والمسجد الأقصى كاثرته البيع والكنائس وتعاونت على إخفاء مآذنه وإسكات أذانه.

ويل للعرب من شر قد حلّ ولا أقول قد اقترب.
(4/218)

حالة المسلمين *
تتردّد على أقلام الكتّاب العرب وعلى ألسنة خطبائهم منذ عهد قريب كلمات: الوعي، اليقظة، النهضة، منسوبة إلى الإسلام أو مضافة إلى المسلمين، والكلمة الأولى منهن حديثة الاستعمال في المعنى الاصطلاحي المراد منها وإن كانت عريقة النسبة في معناها الوضعي، والوعي في معناه الاجتماعى الذي يعنيه هؤلاء الكتّاب والخطباء إدراك بعد جهل، واليقظة في قصدهم تنبّه بعد غفلة، والنهضة معناها حركة بعد ركود.
فهل هذه الأقلام والألسنة متهافتة على هذه الكلمات تصف حقيقة أم تصوّر خيالًا؟ فإن الصفات لا تتحقق إلا بظهور آثارها في الخارج وبشهادة الواقع الذي لا يمارى فيه لها، والوعي الحقيقي يصحبه رعي ويعقبه سعي واليقظة الحقيقية يصحبها علم لا هوينا فيه ويتبعها عمل لا تردّد فيه.
والنهضة الحقيقية يصحبها حزم لا هوينا فيه ويتبعها عزم ويسوقها إقدام لا إحجام فيه إلى غاية لا اشتباه فيها. وهل هذه الآثار وهذه الدوال موجودة حقيقة في المجتمعات الإسلامية؟ لا نثبت فنكون متفائلين في موضوع لا ينفع فيه التفاؤل، ولا ننكر فنكون مثبطين في مقام ينفر فيه التثبيط، إنما نقول مقرّرين للواقع إن شاء الله، إن المعاني الحقيقية للألفاظ الثلاثة لا تظهر إلا إذا سبقتها إرهاصات أو أمارات كما يسبق الفجر طلوع الشمس وأدلّها تقارب القلوب وتعارف الشخوص أو تجاوب الشعور وتجانس الأفكار وتعاطف الأرواح وتهيؤ الطباع إلى الاستحالة من صبغة إلى صبغة، وإلى الانسلاخ من جلدة إلى جلدة، وصدق التوجيهات من النتائج إلى المقدمات ومن الوسائل إلى الغايات، وسهولة التغلّب على
__________
* مجلة "الاخوة الإسلامية"، العدد السابع عشر، بغداد، 28 شوال 1372هـ الموافق لـ 10 يوليو 1953م.
(4/219)

المضائق وسرعة الاستجابة إلى داعي الحق إذا دُعيَ إليه، وخفّة الإقدام إلى الأمام وتلمّس القيادة الرشيدة والشعور بالحاجة إلى توحيدها وغير ذلك من العوارض التي تظهر لمثل هذه الأطوار من حياة الأمم، وهل هذه الإرهاصات موجودة؟ نعم يوجد بعضها القليل ولكن آفته الكبرى أنه متّجه إلى غير القبلة المشروعة وإن الرياح تسوق سحبه إلى غير أرضنا.
لنخرج من النفاق الغرار الخادع إلى الصدق والصراحة فنقول: الموجود من تلك الأشياء الثلاثة هو الأسماء مفسّرة في الغالب بغير معانيها مصوّرة بغير صورها الحقيقية، وإذا فسد التصوّر فسد التصوير، لأننا ما زلنا نبني تصوراتنا على أُسس من الأماني ونزجّها بالفال ومعاني الفال، فلا تنتهي بنا إلى الأعمال وإنما تنتهي إلى الخيال ثم إلى الخبال، وما زلنا على بقية من الافتتان بالتفسيرات القاموسية التي تقول لنا مثلًا ان اليقظة هي الصحو من النوم ولو أن نائمًا صحا من نومه صحوًا كاملًا ولم يبق في أجفانه فتور ولا ترفيف ولكنه بقي في مضجعه لم يعمل عملًا ولم يأت شيئًا من مستلزمات الصحو ونواقض النوم لكان هذا كافيًا في تحقيق المعنى القاموسي، ولكنه لا يفيد المعنى الاجتماعي بل يعد كما لو كان يغط في نومه، وكذلك تقول في معنى اليقظة ومعنى النهضة. تصحيح معاني هذه الكلمات يستلزم إصلاحًا شاملًا للمفاسد النفسية ويتغلغل إلى مكامن الأمراض فيها فيطهّرها ليبني العلاج على أصل صحيح وإلى عروق الشرّ منها فيمتلخها ليأمن النكسة، ومردّ ذلك كله إلى الأخلاق فهي أول ما فسد بيننا فتكون أول ما أفسد علينا كل شيء. فلتكن هي أول ما نصلح إن كنّا جادّين في تثبيت الوعي واليقظة والنهضة ... لأن الأخلاق إذا استقامت تفتّحت البصائر للوعي وتهيّأت الشواعر لليقظة وانبعثت القوى للنهضة. فكان الوعي بصيرًا وكانت اليقظة عامّة وكانت النهضة شاملة وكانت الحياة لذلك كله كاملة.
نعترف أن نومنا كان ثقيلًا وبأن عمر أمراضنا كان طويلاً. نعرف أن النوم الثقيل لا يصحو صاحبه لا بصوت يصخّ أو بضرب يصكّ وأن المرض الطويل لا يشفى المبتلى به إلا بتدبير حكيم قد يفضي إلى البتر أو القطع، وقد أصابنا من القوارع ما لو أصاب أهل الكهف لأبطل المعجزة في قصتهم ومما كانوا به مثلًا في الآخرين. ولكننا لم نصح من نوم إلا لنستغرق في نوم ولم ننفلت من قبضة منوّم؛ إلا لنقع في قبضة منوّم. صحونا من نوم الاتكال فنقلنا إلى نوم التواكل. وخرجنا من نوم الجهل ومن نوم الركود إلى طفرة تدقّ الأعناق وانفلتنا من تنويم تجّار الدين فوقعنا في تنويم تجّار السياسة. أولئك يمنوننا بسعادة الآخرة من دون أن يسلكوا بنا سبيلها الواضحة، وهؤلاء أصبحوا يغنون لنا ... بسعادة الدنيا دون أن يدلّونا على نهجها الصحيح، وكانت العاقبة لذلك كلّه ما نرى وما نحسّ وما نشكو.
وما أضلّنا إلا المجرمون الذين يدعونا بعضهم إلى الجمع بوسيلة التفريق ويدعونا بعضهم إلى النجاة بطريقة التغريق، والأولون هم رجال الدين الضالون الذين فرّقوه إلى مذاهب
(4/220)

وطوائف، والآخرون رجال السياسة الغاشون الذين بدّلوا المشرب الواحد فجعلوه مشارب ... فهل هبة من روح الإسلام على أرواح المسلمين تذهب بهؤلاء وهؤلاء إلى حيث ألقت، وتجمع قلوبهم على عقيدة الحق الواحدة وألسنتهم على كلمة الحق الجامعة وأيديهم على بناء حصن الحق على الأُسس التي وضعها محمد - صلى الله عليه وسلم -. ولا مطمع لنا في الوصول إلى هذه الغاية إلا إذا أصبح المسلم يلتفت إلى جهاته الأربع فلا يرى إلا أخًا يشارك في الآلام والآمال ... فهو حقيق أن يشاركه في العمل.
إن الوسائل إلى هذه الغاية كثيرة وأقربها نفعًا وأجداها أثرًا أن تربى الأحداث من الصبا على غير ما ربّانا آباؤنا وأن نحجب عليهم نقائصنا، فإن اطّلعوا عليها سمّيناها باسمها وأنها نقائص وأنها سبب هلاكنا وحذّرناهم من التقليد لنا فيها. فإذا شبّوا على هذه الهداية سلكنا بهم سبيل الحق الواحدة ووجّهناهم بتلك القابلية إلى وجهة واحدة وحميناهم من هذه التيارات الفكرية التي تتجاذبهم ومن الذئاب الغربية التي تتخطفهم.
إن شبابنا اليوم يتخبّط في ظلمات من الأفكار المتضاربة والسبل المضلّة، تتنازعه الدعايات المختلفة التي يقرأها في الجريدة والكتاب ويسمعها في الشارع وفي المدرسة ويرى مظاهرها في البيت وفي المسجد. وكل داع إلى ضلالة فكرية أو إلى نحلة دينية مفرّقة يرفع صوته ويجهر ويزين ويغري ويعد ويمني ونحن ساكتون. كأن أمر هؤلاء الشبّان لا يعنينا وكأنهم ليسوا منّا ولسنا منهم، ولا عاصم من تربية صالحة موحّدة يعصمهم من التأثّر بهذه الدعايات ولا حامي من مذكّر أو معلّم أو مدرسة أو قانون يحميهم من الوقوع في هذه الأشراك.
إن شبابنا هم هدف هذه الدعايات وهم ميدان الصراع وموضوع النزاع بين دعاة الفكرة الجامعة وصوتهم ضعيف وعملهم ضئيل، وبين دعاة الشيوعية والإلحاد والوطنيات الضيّقة والعنصريات المحدودة وأصواتهم عالية وأسنادهم قوية ومحرّكهم الأول واحد، وإن لم يشعروا به أو غالطوا أنفسهم وغالطونا فيه وما هم إلا أسلحة في يده موجّهة إلى شبابنا، إن لم يصب بواحد منها أصاب بالآخر، وهو الظافر على كل حال، إن لم تعالجه بما يبطل كيده ويفل أسلحته كلها. وهو حماية هذا الشباب وتحصينه بالمعوذات من فضائل الإسلام وأخلاقه وروحانيته وإن فيه العوض المضاعف عن كل ما تمنيه به الدعايات الخارجية.
إذا كان الشباب لا يفهم الدين من البيت ولا من المسجد ولا من المدرسة ولا من المجتمعات فإن فهم شيئًا منه في شيء منها فهمه خلافًا وشعوذة وتخريفًا، ففي أي موضع يفهم الإسلام على حقيقته طهارة وسموًا واتحادًا وقوة وعزّة وسيادة؟ إن عاملناه بالإنصاف نقول انه معذور إن زلّ وضلّ بالانسياق مع هذه التيارات الخاطئة التي تختلف بالأسماء والمبادئ وتتفق في الغاية وهي حرب الإسلام في أبنائه لتحاربه بعد ذلك بأبنائه ...
(4/221)

وإذا كان الشاب يجلس إلى أبويه وذويه فلا يسمع إلا المذهب والخلاف ولمز المخالفين بالمذهب قبل المخالفين بالدين ثم يجلس إلى العالم الديني فلا يسمع إلا "عندنا وعندهم"، ثم يجلس في المدرسة فلا يسمع ذكرًا للإسلام ولا تمجيدًا لمبادئه وعظمائه وتاريخه، ولا يرى فيها شيئًا من مظاهره بل لا يسمع إلا تحقيرًا لماضيه وغضًا من أمجاده. إذا كان لا يسمع في مضطربه إلا هذا ولا يرى إلا هذا فكيف نطمع أن ينتصر مع هذه الدعايات الجارفة؟ إننا حين نطمع في هذا لفي غيّ بعيد ...
إن شبابنا لجهلهم بالإسلام أصبحوا لا يثقون بماضيه، وكيف يثقون بماض مجهول وهذا حاضره؟ أم كيف يدافعون عن هذا الماضي المجهول إذا عرض لهم الطعن فيه في الكتاب الطاعن؟ أم سمعوا اللعن له من الأستاذ اللاعن؟ أم كيف يفخرون بالمجهول إذا جليت المفاخر الأجنبية في كتاب يقرّره قانون ويزكيه أستاذ؟ اعذروا الشبّان ولا تبكوا على ضياعهم فأنتم الذين أضعتموهم ولا تلوموهم ولوموا أنفسكم. أهملتموهم فذوقوا وبال الإهمال وأنزلتموهم إلى اللجة وقلتم لهم إياكم أن تغرقوا ... ثم استرعيتم عليهم الذئاب ومن استرعى الذئب ظلم ...
لا أحمق منا: نلقّن أبناءنا الخلاف في الدين والدنيا بأعمالنا ونقول لهم بألسنتنا اتّحدوا، وإن صالحة يأخذها الابن عن أبيه بطريق القدوة خير من ألف نصيحة باللسان.
النهضات الصادقة تبدأ من الأخلاق وتنتهي إلى الأخلاق، وما زادت بحوث الفلسفة ماضيها وحاضرها في الأخلاق شيئًا على ما جاء به الإسلام وأقرّته الفطر السليمة، ويزيد الإسلام على هذه الفلسفات ويشقّ بقوة العرض للفضيلة والتشويق لها وشرح آثارها في الفرد والجماعة وبيان صلتها الوثيقة بالأقانيم الثلاثة الحق والخير والجمال، وإن شعراء العرب الفطريين لأدق تصويرًا للفضائل وأصدق تعبيرًا عليها وتفسيرًا لآثارها وحثًا على التحلّي بها من جميع الفلاسفة النظريين، وقد أثرت الماديات في هذا العصر على عقول فلاسفته ورانت عليها العصبيات الجنسية والإقليمية حتى انعكس نظرهم في فهم الفضيلة فسمّوها بغير اسمها فأصبحت القوة فضيلة يدعى إليها بدل الرحمة، والظلم فضيلة يتمجد بها بدل العدل، والاستعباد فضيلة يتغنّى بها بدل الحرية، وكل هذا يدلّ على أن الفضيلة في نظر الفلسفة العملية الجديدة هي لباس للعقل لا نبع منه وأنها خاضعة للحكم لا للحكمة، أما الفضائل في نظر الإسلام وحكمه فإنها صبغة لا تتحوّل وحقيقة لا تتغيّر ولا تتبدّل، فالصدق في معناه الإسلامي هو الصدق لا تتصرّف في معناه المصالح والمنافع ولا تتلاعب به الأهواء والمطامع والوفاء هو الوفاء، والعدل والإحسان والرفق والعفو عند القادر، كل أولئك من الفضائل الثابتة ثبوت الحقائق لا تنال منها تصاريف الأيام ولا يتصوّر أن يأتي على الناس يوم تجمع فيه عقول العقلاء على أن الصدق مثلًا رذيلة تصِمُ صاحبها بالذم إلا إذا جوزنا مجيء يوم يخرج
(4/222)

فيه الكون من تدبير الله إلى تدبير الشيطان ويكون أفضل الذكر فيه أن يقال كلما ذكر الشيطان: رضي الله عنه.
فالموازين القرآنية للفضائل هي التي يجب أن تحكم في العقول حتى تأمن على الفضيلة ما يجري بيننا على "الأوراق النقدية". ونحن أهل القرآن أحق الناس بالدعوة إلى هذا وتبيّنه ونشره في هذا العالم المضطرب الذي فقد الفضائل الإنسانية فانحدر إلى حيوانية عارمة توشك أن تفضي به إلى الفناء.
نحن أهل القرآن- الذي وضع الموازين القسط للفضائل وحثّ عليها وجعلها أساسًا للسعادة وسلّمًا للسيادة- أولى الناس بأن نزن النهضات بحظوظها من الفضائل وأن نبني بأيدينا أساس نهضتنا على صخرة الفضائل طبقًا عن طبق، ونحن- لو أجلنا بصائرنا في القرآن- أبعد الناس عن فساد التصوّر في تسمية هذه الحركات المتهافتة في المجتمعات الإسلامية نهضة.
(4/223)

في مجمع اللغة العربية بدمشق *
أيها الإخوان الأصفياء:
لي من الصلات الطبيعية بهذا المجمع العتيد أنّني واحد من هذه العصابة الحاملة لتراث الإسلام العلمي، ولتراث العرب الأدبي، ولخصائص الشرق الروحية، وأنّني أحد الغالين المتشدّدين في المحافظة على علوم الإسلام وآداب العرب وخصائص الشرق، المؤمنين بأنّها كانتْ في فترة من التاريخ منبع إسعاد وإعزاز وقوّة، فإذا كانتْ قد نضبت في فترة أخرى فَبِما كسبتْ أيدي أهلها من تفريط وإضاعة، وهي بعد ذلك أهلٌ أن تدِر حلائبها، وتثر سحائبها، حين يعود الإحساس ويجود الإبْساس.
وإنني واحد من هذا الصنف الجديد الذي لا يرى العلم علمًا حتّى يكون مفيدًا، ولا يرى الرأي رأيًا حتّى يكون سديدًا، ولا يرى الكتاب وسيلةً للعلم حتّى يظهرَ عليه أثر العقل المستقلّ، ويلوحَ عليه ميسم الفكر الولود، وينفض عليه صبغ القريحة الحيّة.
وإنّني واحد ممن لا يرى الخلَف برًّا بسلفه حتى يكون برًّا بزمنه وحتّى يزيد في بناء السلف سافا، وفي تاريخهم صحيفة، وفي عددهم رقمًا، وفي متحفهم تحفة، وحتّى يغمر نقصهم بتمامه، ويُقَوِّمَ فوضاهم بنظامه، ويُجمِّلَ بَدْأَهم بختامه.
وأنا- بعد ذلك كلّه- واحد من هذه العصبة التي تتخذ من القلم أداة جهاد، حين فاتها أن تتّخذ السيف من أدوات الجهاد، وفاتها أن تصطنع الحديد ذا البأس الشديد، فاصطنعت اليراع للقراع، واكتفتْ من أعمال الإيمان بأضعف الإيمان، عقوقًا لسيّدنا إبراهيم الذي راغ على أصنام الكلدانيين ضربًا باليمين، في هذا الزمن الذي أصبحت لغة بَنِيهِ مشتقّة من قعقعة الكتائب لا من جعجعة الكتب ولا من عجعجة الألسنة.
__________
* فقرات من الكلمة التي أُلقيت في مجمع اللغة العربية بدمشق ارتجالًا، يونيو 1953.
(4/224)

ولي- أيها الإخوان الكرام- من الصلات المكتسبة بهذا المجمع أن أكثر الأعضاء الذين هم عُمَدُه ودعائمه من أصدقائي الذين أعْتزُّ بصداقتهم، وأعتدّ بعلمهم وإدراكهم لحقائقه، فأستاذنا المرحوم محمد كرد علي، وأستاذنا الشيخ الإمام عبد القادر المغربي، والأستاذ الشاعر خليل مردم بك، وصديقنا العالم الشيخ محمد بهجت البيطار، والأستاذ الدكتور جميل صليبا، وغيرهم، كلّهم من الجواهر التي عرفت قِيَمها، وكلّهم من الدوائح التي استمطرتُ دِيَمها، بل كلهم من السلائل التي عرفت خيمها قبل أن أعرف خِيمَها. ولم لا، وأنا مجنون هذه الأمّة العربية، المفتون بماضيها وحاضرها، فإذا كنت أفخر بأنّني أعرف من قبائلها الغابرة حتّى السكوف والسكاسك، وأعرف من منازلها الدائرة حتّى اللّوى والدكادك، فكيف لا تزدهيني معرفة رجالها الحاضرين الحاملين لراياتها ورواياتها، وكيف لا أفخر بصداقة أعلامها في الوقت الحاضر، وما منهم إلّا مَن نظم فيها ونثر، وما كبا في ميادينها ولا عثر، وأَحْيَا مِن معالمها ما اندثر، وانبط العين بعد أن خص الأثر.
لو سألتموني- أيها الإخوان- ماذا أحبْبتُ من الأمّة العربية ولماذا أحببتُها هذا الحبّ الذي بلغ درجة الافتتان، وأوّلها جاهلي وآخرها جاهلي، لَأَجبتُ جوابًا يأكل الأجوبة كلّها ويُسكت الشقاشق الهادرة، وهو أنني أحببت منها ما أحبَّ الله منها يوم أنزل وَحْيَه الكامل بلسانها، واختار رسوله الخاتم من أبنائها، وحسبي شرفًا وتوفيقًا أن أحبّ ما أحبّ الله، وإذا كانتْ في أوّلها ضالّة فقد هداها القرآن يوم عرفته، وإذا رجَعتْ إلى ضلالها القديم فسيرجع القرآن بها يوم تعرفه إلى الهداية، رغم أنف أوروبا وتلامذتها المغرورين بها، ورغم أسواقها العامرة بكل شيء إلّا الهدى، وأبواقها الفارغة من كل شيء إلّا الصدى.

أيها الإخوان: إنّ العلم بين أهله رحم يجب أن تبل ببلالها، وغير كثير على ذويها أن يتعارفوا وأن يتلاقوا على صلة تلك الرحم، وأن يتعاونوا على البر بها، وأن يتعاهدوها بالإشاعة بعد الإضاعة، وأن يتنازعوا أمر العلم بينهم، فينفوا عنه تحريف الجاهلية وانتحال المبطلين.
(4/225)

دولة القرآن *
القرآن كتاب الكون، لا تفسّره حق التفسير إلا حوادث الكون. والقرآن كتاب الدعوة، لا تكشف عن حقائقه العليا إلا تصاريف الدهر. والقرآن كتاب الهداية الإلهية العامة، فلا يفهمه إلا المستعدّون لها. والقرآن «لا يبلى جديده، ولا تنقضي عجائبه».
ــــــــــــــــــــــــــــــ
جاء القرآن لهداية البشر وإسعادهم، والاهتداء به متوقف على فهمه فهمًا صحيحًا، وفهمه الصحيح متوقف على أمور: منها فقه أسرار اللسان العربي فقهًا ينتهي إلى ما يسمّى ملكة وذوقًا، ومنها الاطّلاع الواسع على السنة القولية والعملية التي هي شرح وبيان للقرآن، ومنها استعراض القرآن كله عند التوجّه إلى فهم آية منه أو إلى درسها، لأن القرآن كل لا يختلف أجزاؤه، ولا يزيغ نظمه، ولا تتعاند حججه، ولا تتناقض بيّناته، ومن ثم قيل: إن القرآن يفسّر بعضه بعضًا، بمعنى أن مبيّنه يشرح مجمله، ومقيده يبيّن المراد من مطلقه، إلى آخر الأنحاء التي جاء عليها القرآن في نظمه البديع، وترتيبه المعجز، ومنها الرجوع في مناحيه الخصوصية إلى مقاصده العامة، لأن خصوصيات القرآن وعمومياته متساوقة يشهد بعضها لبعضها، وكل هذه الأمور لا تتهيأ إلا لصاحب الفطرة السليمة، والتدبّر العميق، والقريحة اليقظة، والذهن الصافي، والذكاء الوهّاج.
والقرآن حجة على غيره، وليس غيره حجة عليه، فبئس ما تفعله بعض الطوائف الخاضعة للتمذهب من تحكيم الاصطلاحات المذهبية، والآراء الفقهية، أو العقلية فيه، وإرجاعه بالتأويل إليها إذا خالفته. ومن الخطل، بل من الخذلان المفضي بصاحبه إلى ما يستعاذ منه أن يجعل الرأي الاجتهادي غير المعصوم أصلًا، ويجعل القرآن المعصوم فرعًا، وأن يعقد التوازن بين كلام المخلوق وكلام الخالق، إن هذا لهو الضلال البعيد.
ما أضاع المسلمين ومزّق جامعتهم ونزل بهم إلى هذا الدرك من الهوان إلا بعدهم عن هداية القرآن، وجعلهم إياه عضين، وعدم تحكيمهم له في أهواء النفوس ليكفكف منها،
__________
* مجلة "المسلمون"، السنة الثانية، العدد العاشر، ذو الحجة 1372هـ / أغسطس 1953م. كما نشرت هذه الكلمة كمقدمة لكتاب الأستاذ عبد العزيز العلي المطوع في "تفسير سورة العصر".
(4/226)

وفي مزالق الآراء ليأخذ بيدهم إلى صوابها، وفي نواجم الفتن ليجلي غماءها، وفي معترك الشهوات ليكسر شرتها، وفي مفارق سبل الحياة ليهدي إلى أقومها، وفي أسواق المصالح والمفاسد ليميّز هذه من تلك، وفي مجامع العقائد ليميّز حقّها من باطلها، وفي شعب الأحكام ليقطع فيها بفصل الخطاب، وان ذلك كله لموجود في القرآن بالنص أو بالظاهر أو بالإشارة والاقتضاء، مع مزيد تعجز عنه عقول البشر مهما ارتقت، وهو تعقيب كل حكم بحكمة، وكل أمر بما يثبته في النفس، وكل نهي بما ينفر عنه، لأن القرآن كلام خالق النفوس، وعالم ما تكن وما تبدي، ومركب الطبائع، وعالم ما يصلح وما يفسد، وبارئ الإنسان وسطًا بين عالمين: أحدهما خير محض والآخر شر محض، فجعله ذا قابلية لهما من غير أن يكون أحدهما ذاتيًا فيه، ليبتليه أيشكر أم يكفر، وليمتحنه أي الطريقين يختار، كل ذلك ليجعل سعادته بيده، وعاقبته باختياره، وتزكيته أو تدسيته من كسبه، وحتى يهلك عن بيّنة، أو يحيا عن بينة.
...

ما كان الصدر الأول من سلفنا صالحًا بالجبلة والطبع، فالرعيل الأول منهم وهم الصحابة كانوا في جاهلية جهلاء كبقية العرب، وإنما أصْلَحَهم القرآن لما استمسكوا بعروته واهتدوا بهديه، ووقفوا عند حدوده، وحكموه في أنفسهم، وجعلوا منه ميزانًا لأهوائهم وميولهم، وأقاموا شعائره المزكية، وشرائعه العادلة في أنفسهم، وفيمن يليهم، كما أمر الله أن تقام، فبذلك أصبحوا صالحين مصلحين، سادة في غير جبرية، قادة في غير عنف، ولا يصلح المسلمون ويسعدون إلا إذا رجعوا إلى القرآن يلتمسون فيه الاشفية لأدوائهم، والكبح لأهوائهم، ثم التمسوا فيه مواقع الهداية التي اهتدى بها أسلافهم. وإذا كان العقلاء كلهم مجمعين على أن المسلمين الأولين صلحوا فأصلحوا العالم، وسادوه فلم يبطروا، وساسوه بالعدل والرفق، وزرعوا فيه الرحمة والحب والسلام، وأن ذلك كله جاءهم من هذا القرآن، لأنه الشيء الجديد الذي حوّل أذهانهم، وهذّب طباعهم، وثبّت الفضائل في نفوسهم، فإن الإجماع على ذلك ينتج لنا أن سبب انحطاط المسلمين في القرون الأخيرة هو هجرهم للقرآن، ونبذه وراء ظهورهم واقتصارهم على حفظ كلماته، وحفظ القرآن- وإن كان فضيلة- لا يغني غناء ما لم يفهم، ثم يعمل به.
وهجر المسلمين للقرآن يرد إلى أسباب، بعضها آتٍ من نفوسهم، وبعضها آتٍ من خارجها. فمن الأول افتتانهم بآراء الناس، وبالمصطلحات التي تتجدد بتجدد الزمان، ومع طول الأمد رانت الغفلة، وقست القلوب وطغت فتنة التقليد، وتقديس الأئمة والمشايخ، والعصبية للآباء والأجداد، وغلت طوائف منهم في التعبّد فنجمت ناجمة التصوّف والاستغراق
(4/227)

فاختلّت الموازنة التي أقامها القرآن بين الجسم والروح، وغلت طوائف أخرى في تمجيد العقل فاستشرف إلى ما وراء الحدود المحددة له، وتسامى إلى الحظائر الغيبية فتشعبت به السبل إلى الحق في معرفة الله وتوحيده، ونجمت لذلك ناجمة علم الكلام، وما استتبعه من جدل وتأويل وتعطيل، وتشابهت السبل على عامة المسلمين لكثرة هذه الطوائف، فكان هذا التفرّق الشنيع في الدين أصوله وفروعه. وفي غمرة هذه الفتن بين علماء الدين ضاع سلطانهم الديني على الأمة، فاستبدّ بها الملوك وساقوها في طريق شهواتهم فأفسدوا دينها ودنياها وكان ما كان من هذه العواقب المحزنة.
ومن الثاني تلك الدسائس الدخيلة التي صاحبت تاريخ الإسلام من حركات الوضع للأحاديث، إلى هجوم الآراء والمعتقدات المنافية للقرآن، إلى ما ادّخر لزماننا من إلقاء المبشّرين والمستشرقين للشبهات في نصوص القرآن عن عمد ليصدّوا المسلمين عن هديه، وان خطر هذه الفتنة الأخيرة لأعظم مما يتصوّره علماؤنا، ويقدّره أولياء أمورنا.
هذه العوامل مجتمعة ومفترقة، وما تبعها أو لازمها من عوامل فرعية هي التي باعدت بين المسلمين وبين قرآنهم، فباعدت بينهم وبين الخير والسعادة والعزة، وأصبحوا- كما يرى الرائي- أذلة مستعبدين، ولا يزالون كذلك ما داموا مجانبين لسنن القرآن، معرضين عن آياته وإرشاداته، غافلين عما أرشد إليه من السنن الكونية. ولو أنهم تواردوا على الاستمساك به في هذه القرون الأربعة عشر لكانوا هم السابقين بإرشاده إلى اكتشاف أسرار الكون، واختراع هذه العجائب الآلية، ولم يكن موقفهم منها موقف المكذب أولًا، المندهش آخرًا. ففي القرآن آيات للمتوسمين، وإرشاد للعقل البشري يتدرّج مع استعداده، وفيه من الكشف عن غرائب النفوس وألوانها، وعن حقائق الكون وأسرار مواليده ما يسير بمتدبّره رويدًا رويدًا حتى يضع يده على الحقيقة، ويكشف له عن وجهها، ويكاد يكون من البديهيات فيه ما يقرره في أطوار الأجنة، وتزاوج النبات، وتكوّن المطر، وتصاريف الرياح، وتكوير الليل على النهار، وإثبات الصلة بين علويات هذا الكون وسفلياته، ولكن المسلمين ظلّوا غافلين حتى عن هذه البديهيات، إلى أن جاءتهم من غير طريق قرآنهم، ثم دلّهم القرآن على نفسه فلاذوا بالفخر الكاذب، وربّما دلّهم على مواقع هذه الأشياء في القرآن مَن ليس من أهل القرآن، وأن هذا لهو الخذلان المبين.
وما زاد المسلمين ضلالًا عن منبع الهداية وعماية عنها إلا فريق من العلماء وضعوا أنفسهم في موضع القدوة والتعليم، وطوائف من غلاة المتصوّفة انتحلوا وظيفة التربية والتقريب من الله. فهم الذين أبعدوهم عن القرآن، وأضلوهم عن سبيله بما زّينوا لهم من اتباع غير سبيله، وبما أوهموهم أنه عالٍ على الأفهام، وما دروا بأن من لازم هذا المذهب كفر، وهو أنه إذا كان لا يفهم فإنزاله عبث، وأنى يكون هذا؟ ومنزله- تعالت أسماؤه-
(4/228)

يصفه بأنه عربي مبين، وأنه غير ذي عوج، وأنه ميسر للذكر، وينعته بأنه يهدي للتي هي أقوم، وكيف يهدي إذا كان لا يفهم؟ ومن عجيب أمر هؤلاء وهؤلاء أنهم يصدرون في شأن القرآن عن هوى لا عن بصيرة، فبينما يسدّون على الناس باب الاهتداء به في الأخلاق التي تزكي النفس، والعقائد التي تقوّي الإرادات، والعبادات التي تغذي الإيمان، والأحكام التي تحفظ الحقوق، وكل هذا داخل في عالم التكليف، وكله من عالم الشهادة، بينما يصدّون عن الاهتداء في ذلك بالقرآن نراهم يتعلّقون بالجوانب الغيبية منه، وهي التي استأثر الله بعلمها، فيخوضون في الروح والملائكة والجن وما بعد الموت، ويتوسّعون في الحديث عن الجنة والنار، حتى ليكادون يضعون لهما خرائط مجسّمة، وسبيل المؤمن القرآني العاقل في هذه الغيبيات أن يؤمن بها كما وردت، وأن يكل علم حقيقتها إلى الله، ليتفرّغ لعالم الشهادة الذي هو عالم التكليف.
...

وما زلنا نرى من آيات حفظ الله لدينه أن يقوم في كل عصر داعٍ أو دعاة إلى القرآن، وإمام أو أئمة يوجّهون الأمة الإسلامية إليه، ومفسّر أو مفسّرون يشرحون للأمة مراد الله منه، ويتناولون تفسيره بالأدوات التي ذكرناها في أول هذه الكلمة، ويجعلونه حجة على المذاهب والاصطلاحات ومنازع الرأي والعقل، وحكمًا بينها، وأصلًا ترجع إليه ولا يرجع إليها، ومن المبشّرات بالخير ورجوع دولة القرآن أن الدعوة إليه قد تجددت في هذا الزمان على صورة لم يسبق لها مثيل، وأن أصوات الدعاة المصلحين قد تعالت بذلك وتجاوبت وتلاقت على هدى، تدعو إلى دراسته واستخراج ذخائره وإحياء دعوته إلى الفضيلة والخير والمحبة وأخذ العقائد والعبادات وأحكام المعاملات منه، والاستعانة على ذلك بمفهوم السلف الصالح وتطبيقاتهم، وتحكيمه في كل ما يشجر من خلاف في الدين والدنيا، وكان من آثار ذلك أن أصبح العلماء المستعدّون للعمل، والعوام المتهيّئون للعلم يردّدون الجمل الآتية، وتجول في نفوسهم معانيها، وهي: "لماذا نهجر دستور القرآن وهو من عند الله، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتبذل ولا يتغيّر، ثم نلتجئ إلى دساتير الغرب وقوانينه وهي من أوضاع البشر القاصرة، يظهر في كل حين تناقضها ومنافاتها للمصلحة، فتبدل وتغيّر، ولا تزال تبدّل وتغيّر، مع أن واضعيها والموضوعة لهم من جنس واحد، وعلى طبيعة واحدة ومصلحة واحدة؟ لقد بؤنا بالصفقة الخاسرة مرتين.
إن هذا الغليان في أفكار المسلمين وكثرة حديثهم عن القرآن، وإقبالهم على دعاته ومدارسه، وتحدّي أساليبه في الوعظ وفي الكتابة، كل ذلك بشائر برجوع دولته وإصلاح البشرية به من جديد، واتخاذه مرجعًا وملاذًا للأمم الأجنبية التي لم يستقرّ لدساتيرها
(4/229)

الوضعية قرار، فاضطربت حياتها، واستشرفت نفوسها إلى قانون سماوي يحفظ حقوقها، ويحدّد للفرد حقّه، وللجماعة حقّها. ولعمري ان هذه المطالب كلها لفي القرآن، لو وجد القرآن من أهله من يقيمه ويبلغ دعوته وينشر هدايته.
...

ثم ما هذه النغمات الناشزة عن هذا الايقاع اللذيذ، إيقاع الدعوة إلى إقامة الدستور القرآني؟ ما هذه النغمات الممجوجة المترددة التي تصور أن الدستور القرآني يتحيف حقوق الأقليات المساكنة للمسلمين أو يجحف بها؟ ... إنها نغمات صادرة عن مصدرين: أعداء القرآن ينصبون بها العواثير في طريق الدعوة إليه، وضعفاء الصلة بالقرآن الجاهلين آثاره وتاريخه في إصلاح الكون كله، فليقل لنا الفريقان: متى ظلم القرآن غير المؤمنين به؟ ومتى أضاع لهم حقًا، أو استباح لهم مالًا، أو انتهك لهم عرضًا، أو هدم لهم معبدًا، أو حملهم على مكروه في دينهم، أو أكرههم على تغيير عقيدة من عقائدهم، أو حمّلهم في أمور دنياهم ما لا يطيقون؟ ... بلى، إنه عاملهم في كل ذلك بما لم يطمع في معشاره الأقليات ولا الأكثريات من شعوب اليوم الواقعة تحت حكم الدول العالمة المتحضرة الخاطئة الكاذبة التي تزعم لنفسها الفضائل كلها ولا تتخلق بواحدة منها.
من أصول الإسلام أنه لا إكراه في الدين، وأين موضع هذا عند هذه الدول الباغية؟
ومن أصول الإسلام الوفاء بالعهد في السلم والحرب، وأين هذا مما تفعله هذه الدول الطاغية؟ ومن أصول الإسلام أن لا يكلف من دخل في ذمته بالدفاع الحربي، وأين هذا مما تفعله هذه الدول الظالمة التي تجند المحكومين بالإكراه ليموتوا في سبيلها من دون جزاء ولا شكر؟ ومن أصول الإسلام أن لا يقتل في الحرب إلّا المقاتل، وأن لا يقتل الأعزل المعتزل والشيخ الكبير والمرأة والطفل والمنقطع للعبادة، وهذه الأصناف هي ثلثا الأمم المحاربة، فأين هذا مما ترتكبه الأمم المتمدنة في حروبها اليوم من الإبادة للكبير والصغير والمرأة والرجل والطفل والجنين، وما تتفنن فيه من وسائل الاستئصال؟ وكفى بواقعة "هيروشيما" اليابانية شاهدًا لا يكذب.
إن الإسلام يعامل المخالفين بالرحمة، لأن قرآنه هو دستور الرحمة، ويضعهم في أربع مراتب، لكل مرتبة حكمها العادل: الذمي المقيم في وطن الإسلام له كل ما للمسلم، وليس عليه كل ما على المسلم، فهو محمي النفس والمال والعرض، حر في التصرفات المالية، آمن في الظعن والإقامة، وليس عليه ما على المسلم من أعباء القتال والدفاع، والمستأمن آمن على حقوقه حتى يبلغ مأمنه، والمعاهد موفى له بعهده من غير ختر ولا غدر، والحربي يعامل
(4/230)

بما رضيه لنفسه من غير أن يجاوزه إلى غيره من أهله أو بني ملته، فإذا شذ أمير مسلم أو قائد عن هذه القواعد الأساسية في الإسلام وظلم طائفة من هذه الطوائف أو فردًا من أفرادها فقد خرج عن حكم الإسلام، وإذا حكى التاريخ عن ملوك مسلمين ظلمة فهؤلاء بطبيعة حالهم يظلمون المسلمين قبل أن يظلموا المخالفين، وليست أعمالهم حجة على القرآن، بل للقرآن الحجة عليهم، وأيسر أحكام الإسلام فيهم أن يعزلوا وأعلاها أن يقتلوا.
أين هذا من قوانين اليوم ومعاملة اليوم أيها الناطقون بغير علم، الصادرون عن غير فهم؟ وأين عدل القرآن من جوركم أيها الجائرون في الحكم، المحاربون للحقيقة في الحرب والسلم، البانون لحياتهم في الظلام على الظلم؟ وأين تجدون الرحمة والعدالة إذا لم تجدوها في ظلال القرآن، أيتها الأقليات غير الوفية، المدفوعة من الخلف بالأيدي الخفية؟
...

أثمرت الحركات الإصلاحية منذ أكثر من مائة سنة ثمرات زكية، وفتحت الأذهان لحقيقة، وهي أن القرآن يفهم، وأنه ميسر للفهم، فانفتحت للدارسين أبواب كانت مقفلة، وكثر جريانه على ألسنة الخطباء والمرشدين منزلة آياته في منازلها من الأحداث الطارئة متجاوبة مع العلم، مقسمة على المواضيع المتجددة، وكثر جريانه على أقلام الكتاب في المباحث الدينية والأخلاقية والاجتماعية والكونية، يقيمون منه شواهد على كل حقيقة، وأدلاء على كل طريق، وأعلامًا هادية إلى كل غاية، فإذا هو يفسر نفسه بنفسه وتتسابق معانيه الواضحة إلى الأذهان، وأعان على ذلك هذه النهضة الأدبية التي لم ترَ العربية أعمق منها غورًا، ولا أوسع منها دائرة، فأصبح بها القرآن قريبًا إلى الأفهام، مؤثرًا في العقول، وأصبحنا نسمع من تلامذتنا الذين ربيناهم على القرآن حفظًا وفهمًا وعملًا، ورضناهم على الغوص وراء معانيه- آراء في الاجتماع الإنساني سندها القرآن ما كانت تزيغها أفكار الشيوخ، وآراء في الدستور القرآني وتطبيقه على زماننا ومكاننا ومصالحنا، ما كانت تسيغها عقول الأجيال الماضية. وهؤلاء التلامذة لم يزالوا بعد في المراحل العلمية المتوسطة، فكيف بهم إذا أمدتهم الحياة بتجاربها، وأمدهم العلم باختباراته؟ لعمر أبيك انه القرآن حين تتجلى عجائبه على الفطر السليمة، والعقول الصافية.
...

وولدنا المسلم القرآني الشيخ عبد العزيز العلي المطوع القناعي الكويتي رجل مسلم، سليم الفطرة، متين التدين، صحيح العقيدة، صليب العروبة، نعده من مفاخر هذا الجيل
(4/231)

وأثبتهم صبغة في التمسك بدينه والغيرة عليه والوفاء للقرآن تلاوة لِلَفظِهِ، وتدبرًا لمعانيه، والدعوة إلى الحق به، والعمل على نشره، والتشجيع على فهمه، والصلة بعلمائه، والشدة على خصومه والمنافرين له، وهو مع ذلك رحيب أفق التفكير، سديد النظرة، حاضر الذهن، صافي القريحة، وقد تضافرت هذه العوامل على توفير حظه من فهم القرآن وعلى تزويده بملكة أهلته لأن يطارح العلماء فهمه، فيسبقهم في بعض الأحيان إلى اكتشاف نكته وغرائبه، وقد عرض علينا طائفة من فهومه لآيات متفرقة، فرأينا فهمًا سديدًا واتجاهًا حميدًا، وتفطنا للدقائق الكامنة في الألفاظ والآيات، بصرًا بما بين الآي والسور في ترتيبها التوقيفي من المناسبات والصلات.
رأينا في هذا الرجل مجموعة من المؤهلات الكسبية، والمواهب الفطرية، هي النموذج الصحيح للعقل الذي يفهم القرآن على أنه هداية عامة للبشر، وأنه كتاب الكون، وأنه الدستور الكامل لإصلاح الأفراد والجماعات، وأنه صالح لكل زمان ومكان بمجاراته للعقل، ودعوته إلى العلم، وجمعه بين مطالب الروح والجسم.
وقد قدم لنا في اجتماعنا الأخير بالقاهرة قطعًا من خواطره المتفرقة في معاني سورة "العصر" وغيرها، ونظرنا فيها فاقترحنا عليه أن لا يضيع أمثال هذه الفوائد، وأن يجمعها في كراريس ويحفظها بالطبع، لتكون في جملة ما يقدم لهذه الأجيال السائرة إلى القرآن على شعاع القرآن، وقد استجاب- حفظه الله- لرأينا، وقدم للطبع هذه القطعة الصغيرة من خواطره في سورة "العصر" وصدرناها نحن بهذه الكلمة المقتضبة في الدعوة إلى القرآن، وعسى أن تكون مشجعة له على مواصلة السير في هذا النهج القويم مع ترديد النظر، وتمحيص الفكر، وتقليبه على وجوهه، وإحسان التأليف بين أطرافه وعدم الاقتناع بأول خاطر، وأوصيه بأن يعرض كل خاطرة تخطر له على القرآن كله ثم على الآيات الخاصة بموضوع الخاطرة، مع خلوص النية وصدق المعاملة مع الله في كتابه، وتوخي نفع المسلمين بدلالتهم على طرق الانتفاع بهذا الكنز الثمين، وأوصيه ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، وتوقي مساخطه التي تطفئ نور البصيرة، وتردي مجترحها في المهلكات.
ونحن معشر الدعاة إلى هداية الكتاب والسنة نستبشر بهذه المقدمات، ونتمنى أن تكون مؤدية إلى نتائجها الجليلة، ونرحب بهذه الطلائع الفكرية، ونرتقب ما وراءها من كتائب أنصار القرآن.
(4/232)

في مصر
(من أغسطس إلى ديسمبر 1953)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/233)

برقيات احتجاج
على خلع الملك محمد الخامس
وعلى المعاهدة الليبية البريطانية *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تلقّى مركز جمعية العلماء في الجزائر من مكتب الجمعية بالقاهرة نص البرقيات الآتية التي كان أبرق بها إلى الجهات المختصّة بها وهذه نصوصها:
1 - السيد رئيس الجمهورية الفرنسية (باريس)،
السيد رئيس الوزارة الفرنسية (باريس)،
السيد رئيس مجلس النواب الفرنسي (باريس).
أعمال حكومتكم الاستعمارية في المغرب الأقصى أثارت غضب العالم الإسلامي كله على فرنسا وحرّكت فيهم روح الانتقام لأن كل ما تفعله حكومتكم ضد جلالة السلطان يعد تعديًا شنيعًا على سلطة دينية شرعية، ونقضًا حتى لاتفاقات الحماية المفروضة الجائرة. كل عقلاء العالم يعتقدون أن هذه الأساليب الاستعمارية المفضوحة ليست في مصلحة فرنسا بل هي هدم لسمعتها في العالم.
إلى متى تعمل فرنسا لصالح شرذمة من الاستعماريين الذين لا تهمّهم إلا مصالحهم الشخصية؟
الخير كل الخير لكم في تقديركم للعواقب الوخيمة وللظروف العالمية الخطيرة.
عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة
محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني
__________
* «البصائر»، العدد 240، السنة السادسة من السلسلة الثانية، 11 سبتمبر 1953.
(4/235)

2 - جلالة الملك مولاي محمد بن يوسف (الرباط).
حيّاكم الله ونصركم وثبّت أقدامكم على الحق.
المسلمون كلهم معكم بأرواحهم وعقولهم في موقفكم الشريف أمام الاستعمار الباغي وأساليبه المفضوحة، فاثبتوا ينصركم الله.
إن أمانة الله في أعناقكم لا ينزعها منكم إلا ظالم ولا يؤدي الأمانة إلا أمثالكم من المؤمنين الثابتين. وأنتم تعلمون أن التفريط فيها خيانة لله وللوطن والتاريخ، أعانكم الله وأيّدكم بروح منه.
عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة
محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني

3 - جلالة الملك ادريس السنوسي (بنغازي).
الشعوب العربية والإسلامية كلها ساخطة على المعاهدة التي يُراد عقدها بين الانكليز وبين الحكومة الليبية، ويعدّونها أشأم على الوطن من كل استعمار مضى.
وإخوانكم في المغرب العربي يحتجّون بشدّة على هذا الارتباط المشؤوم لأنه قاطع لأوصال الوطن العربي وقاضٍ على ما يعلّقونه من آمال على استقلال ليبيا.
فباسم الجزائريين كلهم نطالبكم باستخدام نفوذكم لإبطال هذه المعاهدة المخزية أعانكم الله.
عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة
محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني

4 - حضرة السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية (القاهرة).
العالمان العربي والإسلامي في هذه اللحظة تشتعل أطرافهما وينصبّ عليهما البلاء من كل جانب، فمن المعاهدة الليبية- الانكليزية المكبّلة إلى الخطوة المجرمة التي تريد أن تخطوها فرنسا في المغرب العربي ضد جلالة السلطان وشعبه.
(4/236)

نرى أن هذه اللحظة هي أحرج اللحظات في تاريخ العروبة وفي حياة الإسلام، ونعتقد أن أول واجب تفرضه عليكم مسؤولياتكم الجسيمة هو دعوة اللجنة السياسية للجامعة العربية لاجتماع سريع حازم واتخاذ موقف أسرع وأجرأ وأحزم قبل فوات الأوان وحصول قاصمة الظهر بالأمة العربية.
أنتم أول من يفهم أن هذا الأسلوب الجديد من فرنسا هو القضاء على أماني المغرب العربي كله، وأن مغزى الأسلوب الانكليزي في ليبيا هو قطع أوداج الأمة العربية، وأن الأسلويين مدبّران يلتقيان على عاقبة فظيعة لمصر أولًا بالتطويق، وللعالم العربي ثانيًا بالتعويق.
نسألكم بشرف العروبة أن تبلغوا صورة هذه البرقية إلى الحكومات العربية كلها.
عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة
محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني
(4/237)

كلمة إلى الشعب الليبي *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان الليبيون الكرام:
حيّاكم الله وبصّركم بالعواقب، وجعل لكم في الماضي عبرة للحاضر وعظة للمستقبل، ونصركم في معارك الرأي كما نصركم في معارك الحرب، وأراكم الخير خيرًا لتتبعوه، والشر شرًا لتتقوه وتجانبوه، ووقاكم شر تحكّم الأفراد وزلل الساسة، وأخرجكم من ظلمات الاستبداد إلى نور الشورى، ووفّق قادتكم إلى التي هي أحسن عاقبة، وجعل لكم في كل مسلك ضيّق فرجًا عاجلًا ومخرجًا حسنًا.
وسلام عليكم بما جاهدتم في سبيله، وناضلتم عن دينه، وبما حافظتم على هذه القطعة الثمينة من الوطن العربي العزيز التي هي ميراث مشترك بينكم وبين إخوانكم العرب بالفرض وإخوانكم المسلمين بالتعصيب.

أيها الإخوان:
لم يعرف العصر الحديث شعبًا غيركم دافع عن حريّته كما دافعتم، ولا شعبًا دفع من أثمان الحرية مثلما دفعتم، فقد قدمتم من دمائكم وأموالكم ما لم يقدّمه غيركم من الأمم التي ابتُليت بتسلّط الأقوياء عليها ... قدمت الأمم شبّانها فداء لأوطانها، أما أنتم فقدمتم الشبّان والكهول والشيوخ، وناهيكم بشيخ المجاهدين وإمام الشهداء عمر المختار، فضربتم الأمثال وملأتم التاريخ بالأعمال، وصبرتم في سبيل وطنكم على الجوع والعطش والعري والتشريد، ولم تهن لكم عزيمة ولا ضعف إيمان ولا تزعزعت عقيدة، ولم تخطئوا كما أخطأ غيركم في فهم الحقيقة الكاملة للحياة، وهي أن يحيا الإنسان كريما أو يموت كريمًا، وان الحياة بلا حرية موت أفظع من الموت.
__________
* كلمة أُلقيت بإذاعة "صوت العرب" بالقاهرة، 1953.
(4/238)

كذلك لم يبتلِ الله فيمن ابتلى من خلقه بمثل ما ابتلاكم به من استعمار حيواني شرِه أذاقكم لباس الجوع، ولم يستطع أن يذيقكم عذاب الخوف، ولكنكم أذقتموه الهزائم التي سجّلها التاريخ، وقاوم ضعفكم الذي يمدّه الإيمان قوّته التي يمدّها الطغيان، وصدقتم ما عاهدتم الله عليه فمنكم من قضى نحبه ومنكم من ينتظر وما بدّلتم تبديلًا.

أيها الإخوان:
لم تتفق جمعية الأمم على قضية مثلما اتفقت على استقلالكم، على ما شاب ذلك الاستقلال من شوائب، وعلى ما حفّه من مصائب، وعلى ما سبقه وتبعه من مناورات وألاعيب، فكل ذلك يشفع له أنه مولود، والمولود يولد ضعيفًا ثم تقوّيه العناية والرعاية والحياطة والمحافظة، وكذلك قال الناس عنكم وبذلك استقبلوا استقلالكم مع الرحمة بكم والإشفاق عليكم.

أيها الإخوان:
فرح إخوانكم العرب والمسلمون باستقلالكم لأنهم يعدّونه جزءًا من استقلالهم أو تثبيتًا له أو وسيلة لاستقلال غير المستقلّ منهم، بل لأنهم يرون فيه تحقيقًا لأكبر حاجة في نفوسهم وهي الاتصال بين شرقهم وغربهم. فقد كانت ليبيا- وما زالت- كما وضعها الله جسرًا بين الشرق والغرب مرّ عليه الفاتحون من أسلافنا يحملون إلينا الهدى ودين الحق، ومرّت عليه مواكب العروبة ممثلة في بني هلال بن عامر بن صعصعة يحملون إلينا الخصائص الجنسية والبيان، ومرّ عليه الدعاة إلى الحق من أئمة الدين، والحاملون للعدل والإحسان من الغزاة المجاهدين، فعلى سهول أرضكم مرّ عقبة فاتحًا وأبو المهاجر منبتًا وحسّان معمرًا ومطهّرًا للبقعة وطارقًا موسّعًا للرقعة، وعليها مرّ إدريس ليغرس في المغرب شجرة النبوّة وعبد الرحمن ليقيم فيه الخلافة المروانية.
فكان أول الواجبات على مليككم وحكومتكم أن يحافظوا على هذا الاستقلال وأن يقدّروا الأثمان التي اشتُري بها وأن يسوسوه بالحكمة والحذر، وأن يحفظوا ذمة الشهداء الأبرار من بنيه، وأن يرعوا حرمة ما أريق على جوانبه من دموع ودماء، وأن يديجوه على الذلل السماح من الطرائف، وأن يجنبوه وهو في خطواته الأولى مزالق المعاهدات مع من لا عهد له ولا ميثاق، وأن يربطوا مستقبله بالشرق لا بالغرب، وبالقريب لا بالغريب.
ولكنهم- مع الأسف- جاءوه بالكفن وهو في ثياب العرس، وعرضوا النوائح في مواكب الفرح، وأرادوا أن يعالجوه من الفقر فعالجوه بالفقر ومعه الذل، وأن يداووه فداووه من الحمّى بالطاعون، وقيّدوه بقيد من حديد مع مستعمر عتيد وجبّار عنيد وعدوّ لدود عرف
(4/239)

بنقض العهود وتجاوز الحدود، ومع مفترس ما زالت أظافره حمراء من دماء المسلمين والعرب، وما زال واضعًا قدميه النجستين على البقاع الطاهرة من أرضنا في "القناة" من مصر وفي "الحبانية" من العراق وفي "المفرق" من الأردن، وما زال ممتدًا كالسرطان على الشواطئ الشرقية لجزيرة العرب، وما زال في السودان يماطل بالوعد الباطل.
كل هذه الأوصاف تعبير لجنس اسمه الانكليز، وكل تلك البلايا وأمثالها معها، شرح للمعاهدة التي تريد حكومة ليبيا أن تعقدها مع الانكليز.

أيها الإخوان الليبيون:
إنها ليست معاهدة ... إنها استعمار جديد أشنع من الاستعمار الإيطالي الذي بلوتم مره وعانيتم شرّه، إنها في مآلها تضييع للوطن واستعباد لبنيه ... إنها تمكين اختياري للعدو من رقابكم. إنكم ستصبحون بسببها غرباء في أوطانكم مستعبدين لأعدائكم ... إنها مكيدة خفيت حتى اتّضحت، واستترت حتى افتضحت، ودبّرت بليل لتغطية ما فيها من الويل.

أيها الإخوان:
سلوا إخوانكم وجيرانكم في مصر ماذا لقوا من العدو الغادر في مدة سبعين سنة. سلوهم هل صدق له معهم عهد أو بر له يمين. سلوهم هل جلا عن أرضهم في المواعيد الكثيرة التي قطعها على نفسه بالجلاء، وهل وقف عند نصوص المعاهدات التي أبرمها ووقع عليها؟
العاقل من اتّعظ بغيره فاتّعظوا ولا تقدموا على أمر فيه هلاككم وهلاك إخوانكم، فإن معاهدته معكم معناها الكيد لمصر وتطويقها. فبينما تجاهد لإخراجه من القناة الضيّقة إذا به يحادها بكم وبوطنكم الواسع الغني.

أيها الإخوان:
إذا نفّذت هذه المعاهدة فسترون بأعينكم بعد سنوات قليلة سماءكم وقد ملئت بطيّاراته، وأرضكم وقد غصّت بجنوده ومطاراته، وخيرات أرضكم مما على ظهرها وبطنها، وهي في قبضته يصرفها بمشيئته وفي قبضته، والاتصالات بينكم وبين إخوانكم في الشرق وفي الغرب وقد أصبحت مقطوعة ممنوعة.

أيها الإخوان:
إننا نخاطب الليبيين، وإن حكّامكم منكم فهم داخلون في الخطاب فليراجعوا بصائرهم، وليرجعوا إلى أمّتهم يستهدونها ويسترشدون بها، وإلى إخوانهم العرب يستعينونهم ويستنجدون بهم، وليخافوا عذاب الله وحساب التاريخ.
(4/240)

أيها الإخوان:
إن الضرورة الدافعة إلى هذه الصفقة الخاسرة مليون جنيه، ولكنكم ستبيعون فيها الوطن كله، وشرف الوطن كله، وحرية الوطن كله، وإن هذا الثمن البخس الذي تبيعون به وطنًا كاملًا وشعبًا كاملًا تستطيع كل حكومة عربية أن تسدده عنكم في كل سنة، ومن حدّثكم بغير هذا فهو مخدوع أو خادع.

أيها الإخوان:
قفوا كلكم صفًا واحدًا في طريق هذه المعاهدة المخسرة حتى تمزّقوها قبل أن تمزّقكم.
(4/241)

تقارب العرب ... بشير اتحادهم *
سماحة العلّامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي كبير علماء الجزائر ذو قلم ناطق بالصدق قائل بالحق، فضلًا عن فصاحة اللسان وحلو البيان، وقد تفضّل مشكورًا فحلّى جيد هذا الكتاب بالكلمة التالية:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
"لم يمر على العرب عهد كانوا أحوج فيه إلى الاتحاد وجمع الكلمة من هذا العهد، لأن المصائب التي جرّها عليهم التفرّق كانت تأتي متفرقة المواقع متباعدة الأزمنة، بحيث لا يحسّ بوقعها المؤلم جميع العرب إلى أن وقعت واقعة فلسطين، وسود عارها وجوه العرب كلهم، وزاد في افتضاحهم بها أن القارعة حلّت بهم وهم مجتمعون، فكانت صاخة خرقت الآذان ونفذت إلى مواقع الإحساس من العرب جميعًا.
...

لا يجمع القلوب شيء كالمصائب ولا يعمّ التنبّه والإحساس إلا بعمومها، ولا أعم ولا أطم في تاريخ العرب من واقعة فلسطين، فهل جمعت قلوب العرب؟ وهل رجعت بعقولهم إلى مستقرّ الإدراك؟ وهل غسلت ما كان فيهم من أنانية وأثرة وما كان بينهم من تنافس لا ينفع إلا عدوّهم؟ إنها إن أثمرت هذه الثمرة ستصبح نعمة علينا، نكافئ عليها صهيون بالشكر الجزيل، فقد ساق إلينا الخير من حيث أراد بنا الشر، وأية نعمة أعظم من نعمة تجمع شمل العرب، وتوحّد كلمتهم بعد هذا التفرّق الذي ترك الجزيرة رقعًا ملوّنة بألوان شتى!
__________
* بمناسبة زيارة الأمير عبد الله الجابر الصباح إلى مصر سنة 1953 صدر كتاب "المدينة الفاضلة أو سويسرا الشرق" جمع مواده الأستاذ عبد الكريم محمد الذي طلب من الإمام الإبراهيمي أن يساهم فيه، فكانت هذه الكلمة.
(4/242)

التقارب بريد الاتحاد، والتزاور دليله، والتحاور بشيره، والتشاور مفتاح بابه، وكل هذا يقع في هذه الأيام بين رؤساء العرب وأولي الرأي فيهم ويتكرر وتصحبه مبشرات مؤذنة بقرب تبلّج فجر من الاتحاد تعقبه الوحدة الشاملة التي ترهب أعداء العرب ويقول معها صهيون عن جزيرة العرب: إن فيها قومًا جبّارين.
...

كانت زيارة الأمير عبد الله الجابر الصباح رئيس معارف الكويت لمصر حدثًا له آثاره الجلية في تقارب العرب، لأن لبلاده مكانة في تاريخ الجزيرة العربية الحديث، ولبيته مكانة في البيوتات العربية البارزة، ولشخصه منزلة مستمدّة من فطرة العربي وهمّته وشهامته ونبله وبساطته وسماحة نفسه، ومن أدب المسلم وتواضعه وصدقه في القول والفعل والحال، وكان لاحتفاء مصر بزيارته وافتنانها في تكريمه مزاج لطيف من الرسمية والشعبية جمع لأول مرة بين روح الشعب وروح الحكومة، ودلّ لأول مرة على أن حكومة مصر من شعب مصر، وقد كانت أمثال هذه الاحتفالات تقوم على المجاملة والنفاق، لا على الإخلاص والمحبة، وعلى الرهبة والملق، لا على الرغبة والصدق. وأن هذا المزاج اللطيف الذي ظهر على حفاوة مصر برجل عربي له منزلته، لوسط بين الرسمية المتكلفة والشعبية المتخلفة، وهو- في حقيقته- وصل لأرحام كانت مجفوة والرحم إذا تنبهت أسبابها تأتي بكل عجيب وتجرف كل ما كان يحجبها من حجب وما كان يغطّي عليها من عقوق وقطيعة.
...

نحن لا نرى في ملوك العرب وأمراء العرب وقادة الرأي في العرب- وإن تعددوا واختلفت مشاربهم وأهواؤهم- إلا أنهم مستحفظون على مجد العرب، وأن عليهم عهدًا أن يعيدوه، ووسائل هذه الإعادة ممكنة لهم، ميسورة عليهم، لا تكلفهم عناء إلا اطّراح الأنانية، وإننا لا نحاسبهم على أسباب الإضاعة، لأنها قديمة، وليسوا مسؤولين عنها، وإنما نطالبهم بإعادة ما ضاع من ذلك المجد. وليس تعددهم بمنافٍ لذلك ولا مانع منه إذا اتحدت الوجهة واتّحد العمل واشتركت الأيدي في البناء على منهاج صحيح. فليتعددوا بالشخص، وليتّحدوا بالمعنى يفوا بحق الله وحق العروبة ويعيدوا المجد الضائع والحق المنهوب.
...

ويقولون: إن المال هو الذي وجّه الأفئدة إلى الكويت، وإن الغنى هو الذي صرف الوجوه والآمال إلى البيت الصباحي، وكأنهم يقولون ان احتفاء مصر بالأمير الكويتي هو أثر
(4/243)

من ذلك المعنى، أو شعبة من تأثيره، وأنا أقول إن العرق الكريم كريم في ذاته، وإن الكويت والبيت الصباحي فيه ... اختصّا برأس مال معنوي، وهو الخلال العربية الصميمة ومنها الجد، والآداب الإسلامية القويمة، ومنها حب الخير ثم فعله، وهذا هو الاستعداد الفطري السليم الذي لا يزيد المال فيه، ولا ينقص العدم منه، فهذا هو رأس مال الكويت الحقيقي الذي لم تفسده العوامل الدخيلة ولم تهدمه المعاول المختلفة المتعددة لهدم العرب بهدم أخلاقهم وإفساد أذواقهم، ولو سلمت هذه الأخلاق للعرب وللمسلمين لسلم لهم كل شيء وكانت منبهة لهم إلى تلافي الخلل قبل الفوات، وضمّ الشمل قبل الشتات.
هذه الخلال في الكويت وفي غيرها من أمهات القرى العربية السالمة هي التي نعدّها رأس المال، قبل المال، فلما فاض عليها المال فاضت معه تلك الأخلاق وقادته إلى الصالحات ولم يقدها إلى المهلكات ونِعِمّا المال الصالح للعبد الصالح، والمال- منذ كان المال- لا يفسد الصالحين، بل يزيدهم صلاحًا. ولا يصلح الفاسدين بالطبع والجبلة، والمال كالماء إنما يحيي الأرض الخصبة. وأقرب الطبائع من المثل العليا في سياسة المال طبيعة العرب الذين يقول أولهم:
إذا حال حول لم يكن في بيوتنا … من المال إلا ذكره وفضائله
...

نحن مستنون- إن شاء الله- بسنة القرآن في تنزيله الأحكام على الأعمال لا على العاملين، لأن العاملين يفنون، والأعمال تبقى ببقاء آثارها. ولم نعوّد ألسنتنا ولا أقلامنا مدح شخص لذاته أو للقبه أو لبيته أو لمنصبه، فإذا أثنينا على شخص كان الثناء منصبًا على عمله الصالح النافع وعلى هذا الأصل القرآني، فنحن نثني مسرورين مبتهجين على هذه الأعمال الصالحة التي قامت بها إمارة الكويت على يد أميرها وآل بيته، وإعانة علمائها وسراتها وأهل الرأي فيها، من تشييد المدارس التي هي حصون العلم، ومستشفيات العقول؛ وتجهيز القوافل من شباب العرب إلى مصر ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، وليدرسوا الحياة فيأخذوا بأقوى أسبابها إلى أشرف غاياتها، ومن فتح الباب لأبناء العرب من الخليج العربي إلى الجزائر العربية ليقطعوا مرحلة من مراحل التعليم في الكويت، فيتلاقى أبناء العمومة من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق على بساط العلم الجامع وفي ثرى الأخوة الندي، وتتلاقى الأفكار التي شتتها تباعد الديار، وكيد الاستعمار، ومن شحن اللغة العربية إلى أبنائها المغتربين في باكستان والهند لتبقى صلتهم بإخوانهم ووطنهم ممدودة ومن تحقيق أسباب العمران والتمدين في تلك الصحراء الجرداء. وإنها لأعمال جليلة في ذاتها، محمود فاعلها بالتبع لها، ونحمد الله لأمراء الكويت أن وفّقهم إلى أداء زكاة المال بهذه الصورة النافعة وأن وفقهم إلى شكره على النعم بهذه الصيغة العملية البليغة".
(4/244)

افتتاح دار الطلبة بقسنطينة *
وفاءً بالوعد، يسرّنا أن نحلي جريدة «البصائر» بالكلمة القيّمة التوجيهية، التي سجّلها حضرة الأستاذ الرئيس الجليل بالقاهرة، وأُلقيت في حفلة افتتاح دار الطلبة بقسنطينة. ولهذا الخطاب العظيم الأهمية، مقدّمة للأستاذ الكبير الشيخ الفضيل الورتلاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
سجّلت هذه الكلمة للعلّامة الجليل حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي- حفظه الله- بمكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقاهرة في
أغسطس 1953، مشاركة من المكتب ورجاله للأمة الجزائرية في أفراحها بفتح "دار الطلبة" التابعة لمعهد خالد الذكر الأستاذ الإمام عبد الحميد بن باديس رضي الله عنه، أحيا الله الأمة الجزائرية مسلمة عربية مجاهدة وتحية لها عاطرة زكية مباركة طيّبة من ابنها الداعي لها بالتوفيق.
الفضيل الورتلاني

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلّا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيّدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.

أيها الإخوان من مشائخ وتلاميذ وأنصار: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحياته الطيبات تغشاكم، وتعطر موقفكم في هذا المشهد الكريم وممشاكم، والدعوات الصالحات ترتفع إلى الله جلّ جلاله، أن يصل توفيقكم، ويجعل السداد رفيقكم، وأن يجعلكم دائمًا بهذه الخطا في الصالحات، سراع الأيدي إلى البذل في الباقيات، مجتمعي الكلمة على الحق والخير والنفع، مسددي الرأي فيما تأتون وما تذرون.

أيها الإخوان:
ما زالت تلوح في خيالي تلك الصور المشرقة من ماضيكم في الاحتفالات بفتح المدارس فأنتزع منها صورة مكبرة للاحتفال بفتح "دار الطلبة"، وما زلت أنثر الأزهار من ذكركم الطيّب
__________
* «البصائر»، العدد 250، السنة السادسة من السلسلة الثانية، 11 ديسمبر 1953.
(4/245)

في المجالس والأندية، ومن أعمالكم الجليلة في ميدان العلم، وما زلت أقرن هذه المعجزة بالتحدي، هذه المعجزة التي أظهرها الله على أيديكم، بل هذه المنقبة التي خصّكم الله بها، فما رأى الناس قبلكم أمة في مثل حالكم من الضعف والفقر والجهل والهوان تثب هذه الوثبة، بباعث من إيمانها، وتستيقظ فجأة على صوت الدعاة المخلصين من أبنائها فتبني نهضتها من أول يوم على أساس من الإسلام مكين، وحائط من العروبة متين، وعلى سبب من الحكمة رزين، وسند من العقل رصين، وتطوي العصور طيًا لتتصل بالقرآن فتتخذه دليلًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - فتتخذه إمامًا، وبالشرق في روحانيته النقية فتتخذه موئلًا، وبالتاريخ المحمدي في صحائفه الطاهرة فتتخذ منه مرشدًا. وما رأى الناس قبلكم أمة في مثل حالكم من ظلم الغريب، وجفاء القريب، وإضلال الهادي، وبغي العادي، ثم تُكوِّن في عشرين سنة من الحصا جبلًا شامخًا، ومن الأوشال بحرًا زاخرًا، وتبني بالفلس المقدّر، والعيش المقتّر، هذا العدد العديد من المدارس الضخمة ثم تتوّجها بهذا المعهد الفخم الذي تلوح عليه من مخايل عبد الحميد بن باديس سمات، وتهب عليه من روحه الطاهرة نسمات، ثم تهزّكم أريحية العرب، وسماح الإسلام، ونخوة الأجداد، فتكملون المفخرة بهذه الدار التي تجمع روعة الحرم إلى قوة الهرم.

أيها الإخوان الكرام:
إن لهذه الدار على قرب العهد من تشييدها لتاريخًا متصل الحلقات، ومن حلقاته التفكير والتقدير والرأي والتدبير، واليد واللسان، وان من عجائب الدهر تتابع هذه الحلقات بسرعة، وان أظهر صنع الله في هذا لباد، ولولا صنعه لما تمّ شيء من هذه الأعجوبة التي لم تستند على شيء من الوسائل المادية يوم تكوينها وإنما صحبها الإيمان والإرادة والعزيمة والحزم والتصميم، وهي وسائل ما اجتمعت في شيء إلا أتت بالعجائب وما تعاونت على شيء إلا أضفت عليه الوجود والخلود.
هذه الدار ذات تاريخ، بل أصبحت اليوم فاصلًا بين تاريخ وتاريخ. بين تاريخ مؤلف من حالة الطالب البائسة المضطربة التي كان عليها بالأمس، وبين تاريخه اليوم وقد أصبح شمله جميعًا، وحياته منظّمة، وأحواله مرتّبة، وسكنه نظيفًا، وستصبح هذه الدار تاريخًا قائمًا بنفسه، يوم يؤتي النظام والاطمئنان آثارهما في حياة التلميذ.
إن بدايتكم هذه وأنتم الضعفاء، هي نهاية الأقوياء ذوي الطول والحول والدولة والصولة والعراقة والأصالة في العلم وأسبابه، فما بدأوا في التفكير والاهتمام بحال التلميذ وإقراره فيما يناسب شرفه، إلا منذ عقود قليلة من السنين، وإذا كانت الغاية هي راحة طالب العلم، وتسهيل السبيل في طريقه إلى العلم، وتمهيد الوسائل له فإنهم لم يصلوا إلى تحقيق هذه الغاية إلا بعد مرور قرون على نهضتهم العلمية.
(4/246)

أما أنتم فقد حقّقتم شيئًا منها في أوائل النهضة، وان نهضة تقترن مبادئها بتحقيق بعض الغايات منها لنهضة حقيقة بالتمجيد والاحترام.
افخروا أيها الإخوان الشاهدون ما شئتم بهذه الدار: فقد بنيتم بأيديكم وبمالكم ولوطنكم، ودينكم، ولغتكم، ولأبنائكم، ونرجو أن يوزعهم الله شكران هذه الأيادي ويجنبهم كفرانها. افخروا فقد حزتم الفخار من أطرافه، انكم لم تبنوا دارًا، وإنما بنيتم أجيالًا، وأقمتم دينًا، وكتبتم تاريخًا وثبتم نهضة، ولا منة عليكم إلا لله.
إن النهضات أيها الإخوان، كيفما كان لونها، هي بناء وتعمير، وهذا لعمري هو البناء وهذا هو التعمير، وفي مثل هذا فليتنافس المتنافسون، إن نهضة تبتدئ بمثل ما بدأتم لحرية أن تنتهي إلى الأمد الذي تنتهي إليه النهضات الخالدة.
هذا هو البناء الذي فيه من كل كبد فلذة، وفيه من كل كيس فلس، وفيه من كل عقل رأي، وفيه من كل فكر شعبة من شعب الفكر، وفيه من كل عزيمة أثر من آثار العزائم. أعيذكم أيها الإخوان الكرام، أن تقنعوا في نهضتكم بغاية، أو تقفوا عند حد. إن القناعة إنما تحصل فيما يقيم الجسم لا فيما يقيم الأمة، وان آية الأمة المهيأة للخير أن لا تفرغ من مأثرة، إلا لتبدأ مأثرة، ولا تنفض أيديها من عمل إلا لتضعها في عمل، فكونوا دائمًا مستعدّين، واجعلوا هدفكم دائمًا العظائم لا الصغائر، وقد جرّبتم الإيمان وماذا يصنع، وجربتم التعاون وأنه ينفع، وجرّبتم الثقة بالله فأتت بالعجائب. شدّوا الحيازيم واعتمدوا على الله وثقوا بعونه وما أنفقتم من خير فهو يخلفه وهو خير الرازقين.
الحاجة يا إخواني إلى العلم ملحّة والخصم في القضية لدود، فلا ترهبوا الظالمين ولا تسمعوا للمرجفين ولا تلتفتوا إلى الناعقين، فإن فيهم الحسود وفيهم الحقود وفيهم المسخر وكلهم عدو لكم فأغيظوهم بالعمل الصالح واحذروهم كما تحذرون الشيطان.

أيها الإخوان الكرام:
عهدتكم مستجيبين لدعوة الحق، لبّيتموها يوم كانت دعوة إلى توحيد الله، ويوم كانت تثويبًا بتوحيد الصفوف في سبيله، ويوم كانت ترغيبًا في العلم ويوم كانت أذانًا بتشييد المدارس، ويوم كانت حداء بالأجيال الناشئة إليه، ويوم أصبحت سباقًا إلى التغالي فيه والتعالي به، ويوم أمست مساعي حثيثة في قطع مراحله وصعود درجاته، إلى هذا اليوم الذي استحالت الدعوة فيه إلى بناء العظائم والآثار وتمهيد العقبات في طريق طلّابه.

أيها الإخوان في العلم، اليوم قضيت الحاجة واطمأن المشفقون، فلتهنأ جمعية العلماء بهذا النجاح، وليهنأ المعهد العظيم بهذه التكملة بل بهذا الكمال، ولتهنأ الأمة بهذه
(4/247)

الثمرات لجهودها الخالصة المخلصة وئيَهْنَأ التلاميذ بهذا القرار المكين الذي أعدته لهم الأمة، وليجعلوا حمد الله على هذه النعمة اجتهادًا في العلم وإخلاصًا لله فيه واعترافًا للجمعية بالجميل وموثقًا يعطونه على أنفسهم للأمة، ليخلصن في خدمتها ونفعها ولينصرن دينها وليقيمن عقائده وعباداته وأحكامه وفضائله ولغته وليصدقن الله ما عاهدوه عليه في ذلك كله.

أيها الإخوان:
يعزّ علي أن أكون غائبًا عنكم بشخصي ويسلّيني أن أشارككم بصوتي فاعجبوا للغائب الحاضر واعجبوا للعلم الذي قرب البعيد، وأتى بالعجيب، ونقل الصوت إليكم في سلك. أما روحي فهي حاضرة معكم في كل حين، وأما سمعي فهو مرهف دائمًا لتلقّف أخباركم حتى كأني معكم أرى وأسمع وما أنا بالنامي ولا أنا بالجاحد.
وحيا الله إخواني أعضاء جمعية العلماء وقد وفوا بالعهد وأدّوا الأمانة وأحسنوا المناب، وما كنت يوم كنت بينهم إلا بهم، وما أنا اليوم إلا ناشر فضلهم، ومذيع مفاخرهم. فجزاهم الله عن دينهم وأمّتهم ووطنهم أفضل ما يجزي عاملًا عن عمله.

أيها الإخوان:
كأني أراكم بعيني كعهدي بكم تتسابقون إلى البذل في سبيل العلم، وتجودون بالغالي في سبيل الأغلى وبالثمين قيمة للأثمن وبعرض الدنيا قيمة لما عند الله من منازل الكرامة، فحقّقوا ظني أيها الإخوان ولا تفترقوا إلا والدار داركم ودار أبنائكم حسًا ومعنى، وقولًا وفعلًا، واعرفوا قيمة صفقةٍ الله فيها هو البائع، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم.

أيها الإخوان الشاهدون:
عطّروا سمعتكم في الداخل بمثل هذه الأعمال، ومكّنوا صلتكم بجمعية العلماء، بإمدادها بالعون المادي وطاعتها في المعروف والائتمام بها في العلم والدين والفضيلة. أما في الخارج وأعني بالخارج الشرقين: العربي والإسلامي، فالله أرحم بالجزائر من أن يتركها نهبًا للظنون وعرضًا لقالة السوء، فقد رزقها الرحمن الرحيم ابنًا شرّفها بعد الضعة وعرفها من التنكير، وصرفها الجمود وكان عليها عنوانًا مطرزًا ولها رمزًا موشّى وعليها دليلًا هاديًا، ذلكم فاعرفوه هو الأستاذ العبقري الفضيل الورتلاني الذي خدم الجزائر ولم يمنّ عليها وأعطاها من دون أن يأخذ منها والذي عرف الشرق كله عجمه وعربه قيمته وفضله واعترف باستحقاقه للأستاذية واستكماله لشرائط الزعامة؛ ولعمر الحق أنه لأذكى نبات جزائري جنى الشرق ثمراته حينما حرمته الجزائر وانه لأزكى زهر ضوع شذاه في الشرق بعد ما تفتّح في الجزائر، وأن مواهبه وتجاربه تجارتا فيه إلى غاية واحدة فجاء منه رجل، أي رجل وتضافرتا على
(4/248)

إحلاله مقامًا تقصر عنه أعناق المتطاولين للزعامة، وإني حين أهنئ به الجزائر صادقًا مخلصًا أحجم عن تهنئته بالجزائر لأنني أعتقد صادقًا مخلصًا أنها لم تعرف ما عرف الشرقان له من مكانة وتقدير.
إنني أحييكم باسمه وباسمي تحية تكافئ ما نكنّه للجزائر معًا من حب وما نحمله معًا لجمعية العلماء من إعظام وأشهد لنفسي وله أننا لم نمن عليها ذكرًا لها رفعناه، ولا فضلًا لها كان كامنًا فأذعناه.
وتحيّاتنا العاطرة بأنفاس الريحان تهب على جمعكم هذا ودعواتنا إلى الله في مظان الإجابة تتنزل وتصعد إلى معارج القدس بالتوفيق، وبسلوك أحسن طريق، وننصر دين الله في أرجائها، ولينصرن الله من ينصره والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(4/249)

نصيحة وتحذير *
رأيت في القاهرة عددًا كثيرًا من شبّان الجزائر، معظمهم وصل إليها في هذه السنة والتي قبلها بوسائل كلها أتعاب ومشاق، والتحقوا كلهم بالقسم العام في الأزهر، وهذا القسم هو الذي يحشر فيه كل مبتدئ كما يدل عليه اسمه، وزارني كثير من هؤلاء الطلبة الجزائريين يطلبون الإعانة المالية مني أو من الأزهر بوساطتي، وسألتهم وتقصيت، فسمعت من أقوالهم، وعلمت من مظاهرهم ما يحزن ويؤسف، وجر شيء إلي شيء، فعلمت بالقرائن القريبة أنهم منحدرون إلى هاوية لا قرار لها من البؤس لا يحصل معها علم، ولا يبقى عليها خلق، ولا تشرف منسوبًا ولا منسوبًا إليه. فحملتني الشفقة عليهم وعلى سمعة الجزائر على أن أكتب هذه الكلمة محذّرًا من لم يقع، لكيلا يقع، فعسى أن تكون تبصرة لمن قرأها أو بلغته ممن قرأها في الجزائر، وعسى أن تكون موعظة للعابثين بهؤلاء الضحايا هنا في مصر، فبعض الناس يكونون عونًا للمصيبة على المصاب، وبعض الناس يكونون لبعض {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِئإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ}.
كنت أسألهم واحدًا واحدًا: لماذا قدمت من الجزائر؟ فيجيبونني واحدًا واحدًا: جئت لطلب العلم، فأسألهم: وهل استرشدتم برشيد عارف بالأحوال؟ فيقولون: لا. فأعلم أنهم مغرورون بالأوهام الشائعة التي تصوّر أن العلم في مصر مبذول، ولا تصوّر أن الخبز فيها غير مبذول، وأعلم أن لهم قصدًا حسنًا، ولكن حسن القصد لا يشفع لصاحبه ولا يكون عذرًا في المخاطرات التي لا تستند إلى بصيرة.
وطلب العلم شيء محمود بل واجب، والرحلة إليه شيء مستحسن، وسنة قديمة سنّها أوائلنا وكانت عندهم شرطًا في كمال العالم، وشهادة خاصة يعطيها المترجمون للرحّالة حين
__________
* «البصائر»، العدد 240، السنة السادسة من السلسلة الثانية، 11 سبتمبر 1953.
(4/250)

يقولون في ترجمته: رحل ولقي الرجال. ولكن الرحلة في القديم كان لها غرض صحيح وهو استكمال العلم لا بدايته، فبعد أن يحصل الأندلسي- مثلًا- كل ما هو موجود في بلده من أنواع، ويستوعب الأخذ عن جميع علمائه تسمو نفسه إلى بقية من العلم غير موجودة، أو إلى التوسّع في الموجود منها فيرحل لذلك، ثم يرجع إلى وطنه بالمقلد، والعلم الجديد.
أما أبناء الجزائر الذين نكتب هذه الكلمة من أجلهم فإنهم يرحلون من الجزائر ويقطعون المراحل مشيًا على الأقدام في بعض الحالات عجزًا عن ثمن الركوب، كل ذلك ليدرسوا (الأجرومية) في الأزهر، ثم إذا وصلوا إلى مصر وضاقت بهم سبل المعيشة انقطعوا حتى عن الاجرومية وطلبوا العمل فلم يجدوه، لأن أهل الوطن أنفسهم يشكون البطالة، أو طلبهم العمل فلم يجدهم، لأنهم لا يحسنون عملًا فنيًا.
لا نصف صنيع هؤلاء بأنفسهم إلا بأنه غفلة واغترار وجهل بحقائق الأشياء، والجاهل يجب عليه أن يتعلم طريق العلم ووسائله قبل العلم، وأيسر وسيلة يستطيعها كل أحد هي الاستشارة، فما لهم لا يستشيرون؟ ولو أنهم استشاروا النصحاء العارفين لصدوهم عن هذا النوع من الهجرة، ولنصحوهم بتعلّم المبادئ في الجزائر أو في تونس وهي تكاد تكون قطعة من وطنهم، فإذا حصلوا كل ما في جامع الزيتونة كانت رحلة الراحل منهم إلى مصر أو غيرها معقولة مقبولة، وكانت الإعانة عليها واجبة وذات قيمة.
الواجب على أبناء الجزائر أن يتبصّروا في هذه القضية وأن يتدبّروا عواقبها، وأن يعرفوا - قبل كل شيء- أن سماء مصر لا تمطر الذهب والفضة ولا الورق النقدي، وأن مصر قامت بما فوق الواجب مع أبناء الأقطار العربية والإسلامية، وتساهلت حتى أدّاها التساهل إلى الفوضى، وأعانت بالكثير، ولكن فوضى الهجرة صيّره قليلًا غير مفيد، والإعانة التي لا تفيد هي خسارة مرتين.
إن قطع آلاف الأميال، وركوب المخاطر والأهوال، في سبيل الدراسة الابتدائية أمر لا يفعله عاقل ولا يجيزه، فهو سفه في الرأي وتبديد للقوة في غير منفعة، وهو سبّة للوطن الذي هاجر منه الطالب، لأنه شهادة على أنه لا علم فيه ولا تعليم، فليتدبّر هذا أبناؤنا المجازفون، فإذا زاد على ذلك تقدّم السن كان من أفحش الخطإ، فقد لاحظنا في جميع من رأينا أنهم جاوزوا العشرين من أعمارهم وفيهم ابن الثلاثين. وأمثال هؤلاء فاتهم وقت التحصيل المنظّم، ومتى يحصلون وهم في هذه السن؟ وكيف يحصلون وهم على هذه الحالة من البؤس؟ وكيف يطمئن الذهن للتحصيل، إذا كان العقل والجنب والبطن كلها غير مطمئنة ولا مستقرّة؟
لعلّ أبناءنا يحتجون اليوم بتلك الفلتات التي يسمعون بها من أن فلانًا هاجر إلى الأزهر وهو لا يملك فتيلًا ثم حصل وأصبح عالمًا، وفاتهم أن تلك فلتات كما سمّيناها فهي شذوذ
(4/251)

فردي جاء من قوة الصبر والاحتمال أو من أسباب أخرى تبنى عليها الشذوذات ولكنها لا تصبح قاعدة عامّة في جميع الناس، ونحن الذين سبقنا هذا الجيل نعرف أفرادًا من هؤلاء، ونعرف أنهم لم يحصلوا التحصيل الحقيقي الذي ينفعون به قومهم إذا رجعوا إليهم، وإنما حصلوا النسبة الأزهرية، وهي في كثير من أصحابها تغرّ ولا تسرّ.
...

لا ينفع الجزائر ويشرّفها، ولا يرفع مصر ويعرفها، إلا اثنان:
يافع عمره أربعة عشر عامًا يحمل الشهادة الابتدائية من مدارس جمعية العلماء أو الشهادة الابتدائية الفرنسية مع حظ في العربية يكون في قوّتها، ومن ورائه من ينفق عليه انفاقًا منظّمًا، فهذا تؤهله سنّه ومعارفه الضرورية للدخول في المدارس الثانوية المصرية، فيمرّ على مراحل التعليم الثانوي إلى البكالوريا العربية، ثم إلى التعليم الجامعي إلى آخر شهاداته، كما تؤهله شهادته العربية لدخول الأزهر فيبني تعلّمه حجرًا عن حجر إلى تمام البناء، بشرط أن يكون عليه إشراف حكيم ورقابة شديدة تحفظ عليه نظام دروسه ونظام حياته وأخلاقه.
وشاب في العشرين أو فوقها بقليل يحمل شهادة التحصيل من جامع الزيتونة أو شهادة المعهد الباديسي في منهاجه الجديد، فهذا تؤهله سنّه ومعارفه الثانوية لدخول عدة معاهد كلها مفيدة، ومنها كلية أصول الدين التابعة للأزهر وكلية دار العلوم وكلية الآداب التابعتان للجامعة المصرية، ويكون من ورائه من ينفق عليه إنفاقًا منظّمًا ومن يشرف عليه كذلك.
هذان الصنفان هما اللذان ينفعان الجزائر، ويشرّفان سمعة مصر، وتكون إعانتهما وضعًا للشيء في محله.
أما أن يفارق الشاب الجزائري وطنه، وسنّه مرتفعة، وعقله فارغ من العلم وجيبه فارغ من المال، فهذه الحالة هي التي نحذر منها وننصح من لم يقع أن لا يقع فيها، وحسبه أن يتعلّم في وطنه ما يرفع عنه الجهل أو ما ينفع به الناس نفعًا محدودًا وهو لا يعدم ذلك في وطنه.
في الجزائر جمعية العلماء وهي تجاهد في هذا السبيل، فتفتح المدارس وتهيّئ البعوث وتشرف عليها، وهي متخصصة في الاطّلاع على وسائل العلم، فما لهؤلاء القوم لا يستشيرونها؟ وما لهم حين يستشيرونها لا يعملون بنصائحها وتوجيهاتها؟
ألا ان جمعية العلماء لا تقرّ هذه الفوضى التي لا تعود على الجزائر إلا بسوء الأحدوثة، وقد بذلت جهودًا في تنظيم بعثاتها والجري بها على الشروط الواجبة، ومع ذلك فما زالت
(4/252)

أمامها أشواط دون الوصول إلى الغاية في كمال النظام، وهي لا تستطيع أن تعين بشيء من جاهها أو من مالها إلا من أعانها على نفسه باستيفاء الشروط والتزام النظام وقبول النصيحة والتوجيه، أما من خالف شيئًا من ذلك، أو انقاد لدعاوى المغررين فلا سبيل له عليها، ولا حجة بينه وبينها.

يا أبناءنا: إن جمعية العلماء تريد لكم العلم، وقد عملت ما استطاعت، ولكنها لا ترضى لكم الفوضى والتعب الفارغ والسعي الضائع، ولا ترضى- أبدًا- لابن الجزائر أن يهاجر إلى مصر في سبيل العلم من غير استعداد علمي يؤهل، واستعداد مالي يسهل.
إن الرحلة في طلب العلم كالرحلة لأداء الحج، كلتاهما مشروطة بالاستطاعة، وإن شرط الاستطاعة في طلب العلم لأوكد، لأن مناسك الحج تقضى في أيام ومناسك العلم لا تقضى إلا في أعوام.
هذه كلمة محذرة، فعلى قرّائها أن يبلغوها حتى يكون الغائب كالشاهد.
(4/253)

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين *
جمعية العلماء هذه جمعية دينية علمية عملت للعروبة والإسلام ثلاثين سنة أعمالًا عظيمة جليلة فأحيت العربية في الجزائر على صورة قل أن يوجد لها نظير في الأقطار العربية وأحيت الإسلام الصحيح بإحياء علومه فأنقذت بذلك أمّة تعد أحد عشر مليونًا من الكفر والانعجام بعد ما عملت فرنسا مائة سنة كاملة لمحو العربية وطمس الإسلام.

المشاريع التي أنجزتها هذه الجمعية:
أولًا: مائة وخمسون مدرسة ابتدائية تضمّ خمسين ألفًا من بنين وبنات يدرسون مبادئ العربية وعلوم الدين وعلوم الحياة العامة على أحسن منهاج وأقوى نظام؛ وقد قامت الأمّة الجزائرية بإرشاد جمعية العلماء بتشييد هذه المدارس بأيديها وأموالها التي تقتطعها من القوت الضروري فأصبحت هذه المدارس كلها ملكًا للأمّة وذخيرة لأبنائها ثم قامت بالإنفاق الواجب لتعميرها؛ وليس لها معين على هذا المحمل الثقيل إلا الله وليس لها أوقاف لأن فرنسا استولت من يوم احتلالها للجزائر على جميع الأوقاف الإسلامية ووزعت أراضيها على المعمرين وحوّلت المساجد إلى كنائس وهي اليوم تعاكس حركة جمعية العلماء وتعتبر تعليم الإسلام ولغته جريمة تعاقب من يباشرها أو يعين عليه. ولولا قوة الإيمان وتوفيق الله وما أفرغه على هذه الجمعية من صبر وثبات لم تثبت للفتن يومًا ولم تصنع في هذا السبيل شيئًا.

ثانيًا: معهد ثانوي يضم ألفًا وثلاثمائة تلميذ يدرسون علوم اللغة والدين والتاريخ الإسلامي والرياضيات وعلوم الحياة على المناهج الثانوية الواسعة.
__________
* تعريف بجمعية العلماء وُزِّع على وسائل الإعلام بالقاهرة.
(4/254)

ثالثًا: خرجت الجمعية من مدارسها الابتدائية نحو مائتين وخمسين ألف تلميذ ولكنها لم تستطع أن تعلمهم التعليم الثانوي الضروري ولا سبب لذلك إلا فقد المال لأن استيعاب هذا العدد يستلزم تشييد سبعين مدرسة ثانوية كبيرة على الأقل كما أنه يوجد من أبناء الأمة مليون ونصف مليون محرومين من التعليم بجميع أنواعه وفرنسا لا تريد أن تعلمهم والجمعية لا تستطيع أن تعلمهم دفعة واحدة أو دفعًا متقاربة لأن القيام بهذا العمل العظيم يستلزم إحضار ألفي مدرس على الأقل ولكن الجمعية سائرة إلى هذه الغاية بالتدريج مستعينة بالله.

رابعًا: من أعمال هذه الجمعية مشروع (محو الأمية) وقد أنقذت بأعمالها وإرشادها نحو سبعمائة ألف وخمسين ألفًا من مصيبة الأمية.

خامسًا: لهذه الجمعية بعثات إلى جامع الزيتونة في تونس تبلغ في بعض السنين ألفًا وسبعمائة تلميذ ولها في جامع القرويين بمدينة فاس من المغرب الأقصى بعثات تصل في بعض السنين إلى المائتين وتزيد.

سادسًا: لهذه الجمعية في الشرق العربي بعثات، فلها في مصر بعثة مركبة من أربعين تلميذًا ولها في العراق بعثة مركبة من أحد عشر تلميذًا ولها في سوريا بعثة مركبة من عشرة تلاميذ. وهي ساعية في إرسال البعثات الأخرى إلى الأقطار العربية والإسلامية.

سابعًا: وقد أنشأت هذه الجمعية في القاهرة مكتبًا واسع الأعمال ليشرف على هذه البعثات الحالية وما يتجدد بعدها، وليراقب دراستها وسلوكها وليكون أداة اتصال بين الشرق العربي والمغرب العربي.

ثامنًا: كما أنشأت هذه الجمعية من مدة طويلة مكتبًا إسلاميًا في باريس وزوّدته بمعلّمين ليحفظوا على العمّال المسلمين الجزائريين دينهم وعددهم أكثر من خمسمائة ألف، وليحفظوا على أبنائهم المولودين بفرنسا لغتهم وتربيتهم الإسلامية وهؤلاء الأطفال أكثر من ثلاثين ألفًا، وهذا مشروع ضخم لا تقدر عليه إلّا الحكومات، ولكن جمعية العلماء قائمة بما تستطيع من واجب وقد بلغت مراكز التعليم الإسلامي التي أنشأتها جمعية العلماء في فرنسا في بعض الأوقات خمسة وثلاثين مركزًا، منها سبعة عشر في باريس وحدها، وقد زارها كثير من المصريين والسوربين وغيرهم فأُعجبوا بها.

تاسعًا: ومن أعمال هذه الجمعية القيام بالوعظ والإرشاد على أكمل وجه ولها جند منظم يشتمل على نحو مائتي واعظ ديني.

عاشرًا: أنشأت هذه الجمعية في تاريخها نحو سبعين مسجدًا في المدن والقرى وعمرتها بالأئمة الصالحين والمدرّسين النافعين لأن المساجد العتيقة العظيمة استولت عليها
(4/255)

فرنسا من يوم الاحتلال وما زالت تحت تصرفها حتى الآن، وما زالت هذه الجمعية تطالب بإرجاعها إلى المسلمين.

حادي عشر: مشروع النوادي، فقد أنشأت جمعية العلماء في كثير من المدن والقرى نوادي للتهذيب والتربية الإسلامية بلغت في بعض الأحيان ثمانين ناديًا لتبلغ دعوتها بواسطة هذه النوادي إلى الشبّان فتنقذهم من المقاهي وتجرّهم إلى النوادي والمدارس والمساجد.
أما مالية جمعية العلماء فكلها من الأمة المؤمنة الفقيرة تحصّله عن طريق الاشتراكات الشهرية الطفيفة.
ولجمعية العلماء في الأمور المالية قانون صارم وهو أنها لا تقبض درهمًا إلا بإيصال ولا تخرجه إلا بإيصال وتعلن في جريدتها كل ما يدخل وكل ما يخرج. ثم تذيع حساباتها التفصيلية على رؤوس الأشهاد في اجتماع سنوي عام. ولكل مشترك مهما قلّ شأنه حق المناقشة والاطلاع.
وجريدة جمعية العلماء المعبّرة عن مبادئها، القائمة بدعوتها، هي جريدة «البصائر» المعروفة في العالمين العربي والإسلامي وقد عطلت فرنسا قبلها أربع جرائد لهذه الجمعية. هذه الأمة الجزائرية المسلمة العربية الصميمة قامت بواجبها بإيمان وقوة وشجاعة وحافظت للعرب والمسلمين على رأس مال عظيم وهو أحد عشر مليونًا من صميمهم ولكنها وقفت في منتصف الطريق فتوجّهت إلى إخوانها في العروبة ترجو منهم المدد المعنوي والمادي لتواصل سيرها إلى الغاية التي تشرفهم جميعًا ولتؤدي أمانة الله وتقوم بعهده المسؤول.
القاهرة، سبتمبر 1953.
رئيس جمعية العلماء الجزائريين
محمد البشير الإبراهيمي
(4/256)

في صميم القضية الصينية
بداية النهاية *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيظن الخليون الغافلون من الفريقين أن المعارك بيننا وبين الحكومة الاستعمارية في قضية المساجد والأوقاف انتهت بهذه الطريقة الهازلة الشوهاء التي تمخّض بها المجلس الجزائري ووضعها لأقصى أمد الحمل سقطًا بعد آلام وأوجاع زاد في فظاعتها أن حمله بها كان عن سِفاح؟ ولا عجب إذا حملها كرهًا أن يضعها كرهًا.
إنما هذه نهاية طور من أطوارها الغريبة التي صاحبتها العقلية الفرنسية منذ كان الاستعمار في الجزائر، وقد تعوّدنا من هذه العقلية المذبذبة بين الدين والإلحاد، الملفحة بجراثيم اليهودية والمادية أنها كلّما عرضت لقضية الدين الإسلامي في الجزائر جالت بها في مثل هذه المجالات الملتبسة وعالجتها بنصوص لا يعرف فيها عموم من خصوص وتركت القضية دائرة والعقول معها حائرة، ولكنها لم تحشد لها في مرة من المرات مثل هذا الحشد.
كنا نقدّر هذه النهاية ونحن في مراحل العراك ونصوّرها بقريب مما وقعت عليه مما دلّتنا عليه التجارب ومما استقيناه من مقاصد هذه الحكومة وأنها نذرت على نفسها فوفت بالنذر أن تكون عدوًا للإسلام ما دام لها وجود، وخصمًا للمسلمين ما امتدّت بها الحياة، وحربًا على الحق في أي ميدان ظهر، ومن عجيب صنع الشيطان في هذه الحكومة أنها كلما ضعفت فيها النزعة الدينية بكثرة المذاهب العقلية وتيار الحضارة المادية أمدّها الشيطان بلقاح من اليهودية المعادية للإسلام والنصرانية معًا فأذكت فيها ما برد، وضربت منهما ما
__________
* كتبت هذه الكلمة في القاهرة في أغسطس 1933 بعد اطلاع الشيخ على موقف المجلس الجزائري من قضية فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الفرنسية، وعلى البرقية التي أرسلتها جمعية العلماء في الجزائر للحكومة الفرنسية بباريس والمنشورة في «البصائر»، العدد 235، 3 يوليو 1953، وهي كلمة غير منشورة، ويمكن إضافتها إلى سلسلة المقالات التي نشرت في الجزء الثالث من الآثار تحت عنوان: "فصل الدين عن الحكومة".
(4/257)

ضعف بما قوي وشفت غيظها من الفريقين. أليس حاكم فرنسا اليوم والمتحكّم في مصائرها يهوديًا ومن ورائه يهود العالم؟
كنا نعلم هذه النهاية لقضية الإسلام في الجزائر من يوم عرفنا اليمين من الشمال، وبلونا أحزاب اليمين في فرنسا وأحزاب الشمال، لأننا عاصرناهم جميعًا وعاشرناهم قائلًا وسميعًا فما وجدنا منهم في جانبنا منصفًا، ووجدناهم يختلفون إلى درجة الشقاق ويشتجرون إلى نهاية اللجاج، حتى إذا لاح شبح من أشباحنا لعيونهم وعرضت قضية من قضايانا تحت أيديهم تألفت الأحزاب وتآلفت الآراء وتألبت الجموع لأننا نحن وديننا عدو مشترك في نظرهم، وكأن منافرة الضاد للهواتهم مستلزمة لمنافرة أهله لهم ومنافرة دينه لأذواقهم، واللهاة هي نهاية المقاطع الحرفية كما أنها نهاية الحاسّة الذائقة.
...

جاهدنا في سبيل هذه القضية عشرين سنة أو تزيد لم يفل لنا فيها رأي ولم تفل عزيمة، ولم يكل لنا فيها قلم ولا لسان ووقفنا فيها مواقف صادقة خالصة لله ولدينه ولهذه الأمة التي كتب الله عليها أن يكون بعض أبنائها وبالًا عليها وعلى دينها وأعوانًا عليها مع الغاصب، وألجأنا الاستعمار مرات إلى إبرازها بعد أن كان حريصًا على إضمارها، وإلى الحديث عنها بعد أن كان الحديث عنها محرّمًا، وإلى نقلها من ميدان إلى ميدان، ومن وراء البحر إلى ما دون البحر، وشغلناه بها عن كثير من مهماته، ونقضنا شبهاته فيها بالحجج والبيّنات وأفادنا الاشتغال بها والاهتمام بالبحث فيها فوائد أقلّها الاطّلاع على الوثائق الأصلية التي أملاها التعصب الديني والحقد الصليبي، وأجلها افتضاح المارقين منّا الذين باعوا جوهر الدين بعرض الدنيا، وظنّ الاستعمار أنه يغالبنا بهم وبأسمائهم وألقابهم فخذله الله بهم وفضح بعضهم ببعض، وحصلنا من ذلك كله على ذخيرة مادية وأخرى معنوية، وسنترك القضية للأعقاب المجاهدين واضحة المعالم كاملة الوثائق، ناطقة بالحق على الأعوان والخوان، وكأن هذا الدور أخير- وما هو بالأخير- ولكنه انفرد بمظاهر هي التصميم والحزم منّا، والعناد والكيد من خصمنا. فقد بالغنا في التحدي فبالغ في التداهي والتحايل فلفّ القضية بلفافتين من الدستور الجزائري والمجلس الجزائري ونقلها ملفوفة بهما من فرنسا إلى الجزائر وحملت المجلس الجزائري على أن يحمل هذا الحل الأخير نَتْنًا ويضعه يَتْنًا.
وكان في هذا المجلس كثير ممن اسمه محمد وهو عدو لمحمد ودين محمد، وإننا لنجزم بأن هذا الحل المشوّه موضوع مع الدستور الجزائري في آن واحد، وإنما أخّروه
(4/258)

ليخرجوه إلى الناس باسم مجلس يجمع المذبح والمسبح، ويجمع السيد والعبد والزبد بلا زبد، وفيه جماعة ينطقون بالعين من مخرجها- مع علمنا بالنتائج قبل سوق مقدماتها-.
دعانا إلى خوض تلك المعارك وإلى إثارة ذلك النزاع المحتدم، عهد الله في نصرة دينه يجب أن نفي به، وعهد من محمد - صلى الله عليه وسلم - في الجهر بكلمة الحق في وجه من يثقل عليه سماعها، وقد جمجم بها الجبناء من أسلافنا فأضاعوا الحق وبَاءُوا بإثم الإضاعة، والجبناء من معاصرينا فكانوا حجة الباطل علينا ولله الحجة البالغة، وشيءآخر جعلنا نلج في خصومة الاستعمار وهو أنه يعد سكوت الساكت رضى بالمسكوت عليه، فيصبح حقًا مكتسبًا ثلاث مرات: مرة بالقوة التي يملك أسبابها، ومرة بالحيلة التي يفتح أبوابها، ومرة بسكوت أهل الحق على حقّهم. فأردنا أن لا يسجّل التاريخ علينا ما سجّله على الأقدمين من سلفنا من مهانة السكوت بعد الإضاعة أو السكوت الذي سبب الإضاعة، ومن وقاحة الاستعمار أنه يسمّي الحقوق المغتصبة حقوقًا مكتسبة، وقد أفحمناه مرارًا بأن أملاك الدولة المغلوبة قد تصبح بحكم السيف والمدفع أملاكًا مكتسبة للدولة، ما دام السيف سببًا رابعًا من أسباب الميراث، أما أملاك الله التي هي الأوقاف الدينية، وبيوته التي هي المساجد فهي ميراث للدين وأهله لا تغتصب ولا تكتسب، إلا لعدو لله يحاربه كما يحارب المخلوقين ثم يلجّ في طغيانه فيعتقد أنه انتصر عليه.
...

أما جمعية العلماء فلم يجدّ عليها جديد وما رأت من نتائج جهادها إلا أنها كشفت الستر عن حقيقة الاستعمار للمغرورين فيه، وجرأت المكافحين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان على الأخذ بتلابيبه حتى لا يستريح ولا يهدأ له بال، وعلى زعزعة أركانه إن لم يقدروا على إتيانها من القواعد. ولا ترى جمعية العلماء إلا أن المسألة ما زالت في النقطة التي منها بدأت وأن هذه الأصباغ الحائلة لم تنقل خطأ إلى صواب ولم تقر حقيقة في نصاب.
ولا نقول ربحنا أو خسرنا، فالربح والخسارة من مفردات قاموس التجّار، أما الجهاد الذي غايته تثبيت الحقائق الإلهية في الأرض وغرس البذور الروحية في الوجود فلغته سماوية لا تحمل معاني التراب، متسامية لا تسفّ إلى ما تحت السحاب، وأما المجاهدون في ذلك السبيل، فلا يعدون الربح والخسارة في آرابهم، ولا يدخلون الوقت- طال أم قصر- في حسابهم.
ولو كانت فرنسا تتقايض مع الناس بالضمائر والعقول والقيم والمثل والغايات لقلنا إنها - بتصرفها في القضية الإسلامية- خسرت تاريخها ومبادئها ومقوّماتها ودعاويها التي تذيعها في الناس وبضائعها المزوّرة التي تعرضها على العالم، ولكنها لا تتقايض- فيما تكشفت عنه
(4/259)

في العهد الأخير- إلا بالتنمّر للضعفاء والتذلل للأقوياء، والكيد فيما بين ذلك، ووالله لو أنها تركت في قلوبنا مكانًا للشفقة لأشفقنا عليها من هذا التخبّط الذي تعانيه، ومن هذا الإفلاس الذي أصابها في الرأي والرجال حتى أصبح أعداؤها هم الذين يسيرونها، والموثورون لها هم الذين يتحكمون في مصائرها.
إن فرنسا اليوم تتحرّك في سياستها معنا بطريقة الاحتراق الداخلي، ووقود ذلك الاحتراق هو الحقد، فهل ينفعها هذا الوقود؟ أم يعود فيحرق المحرِّك والمحرَّك، وهل تحفظ لها الحياة هذه الحركة؟ أم هي ذاهبة بها إلى الزوال؟ الحكم لله العلي الكبير.
...

وما ظن الاستعمار بجمعية العلماء؟ أيظن أنها تمل وتكل فتضعف فتستكين؟ لا والله، ولقد خاب ظنّه وطاش سهمه، إنما يكل من كان في ريب من أمره وفي عماية من عمله، أما من كان من أمره على بيّنة ومن عمله على بصيرة، ومن ربه على عهد فهيهات لما يظنّه به الظانون، وان جمعية العلماء لفي موقعها الثابت، وعلى عقيدتها الراسخة، وفي ميدانها الفسيح من الكفاح، ولقد جاهرنا هذه الحكومة مرارًا بأن هذه القضية دينية محضة فلتنفض يدها منها ولتبقِ المجل خالصًا لسياستها معنا ولنا مع سياستها، فأما إذا أبت إلا أن تجعل ديننا جزءًا من سياستها، فسننتقل معها إلى الميدان الذي أرادته واختارته لنفسها ولنا، وسنقود كتائب السياسة في أضيق موالجها جالبة علينا ما جلبت، وسوف تجدنا- إن شاء الله- عند سوء ظنّها، وسوف تجدنا- كما عرفتنا- حيث تكره لا حيث تحب، وسوف نعلمها فقهًا جديدًا وهو أن أرض الجزائر حتى سجونها مساجد لإقامة الصلوات، وأن كل عود فيها حتى المشانق منابر خطبة ومطية خطيب، وأن كل صخرة فيها مئذنة ينبعث منها "الله أكبر"، وسوف يريه بنا أن عاقبة المعتدي على الإسلام وخيمة.
1 - نحن سياسيون منذ خلقنا، لأننا مسلمون منذ نشأنا، وما الإسلام الصحيح بجميع مظاهره إلا السياسة في أشرف مظاهرها، وما المسلم الصحيح إلا المرشح الإلهي لتسيير دفّتها أو لترجيح كفّتها، فإذا نام النائمون منا حتى سلبت منهم القيادة ثم نزعت منهم السيادة، فنحن- إن شاء الله- كفّارة الذنب، وحبل الطُّنْب.
2 - نحن سياسيون طبعًا وجبلة، ونحن الذين أيقظنا الشعور بهذا الحق الإلهي المسلوب، فما سار سائر في السياسة إلا على هدانا، وما ارتفعت فيها صيحة إلا وكانت صدى مرددًا لصيحاتنا، ولكننا كنّا لا نريد أن نخلط شيئًا كل وسائله حق، بشيء بعض وسائله باطل، وأن نميّز بين ما لا جدال فيه ممّا فيه جدال، وكنّا نريد أن نبدأ بأصل
(4/260)

السياسات كلّها وهو الدين لنبني عليه كل ما يأتي بعده، فنسالم ونحن مسلمون ونخاصم ونحن مسلمون ونصادق أو نعادي ونحن مسلمون، فيكون في إسلامنا ضمان للمعدلة حتى مع خصومنا، فمن كان من أبنائنا في ريب من الحكمة في سلوكنا فلينظر تشدد الاستعمار معنا، وشدة "تمسّكه"، إنه لا يعاديكم فيسرف في العداوة، ويظلمنا فيمعن في الظلم إلا لأنكم مسلمون، ولأن هذا الإسلام منبع قوة تقتل الضعف، ومبعث روحانية تقهر المادة، فهل لكم أن تقابلوا "تمسّكه" بالمعنى الذي يريده، بتمسّك من جهتكم بالمعنى الذي يريده الله؟
3 - نحن سياسيون لأن ديننا يعد السياسة جزءًا من العقيدة، ولأن زمننا يعتبر السياسة هي الحياة، ولأنها آية البطولة، ولأن وضعها يصير السياسة ألزم للحياة من الماء والهواء، ولأن السياسة نوع من الجهاد ونحن مجاهدون بالطبيعة فنحن سياسيون بالطبيعة، ولأن الاستعمار الفرنسي بظلمه وعسفه لم يغرس في الجزائر إلا ثمرتين: بغض كل جزائري لفرنسا حتى الأطفال، وصيرورة كل جزائري سياسيًا حتى الأئمة.
ليت الاستعمار يأخذ من هذه الصراحة ما يغريه بزيادة التشدّد ظنًا منه أنه يشغلنا بجانب عن جانب ويلهينا بديننا عن دنيانا، حتى يعلم أننا أصبحنا- والفضل له- لا يلهينا شيء عن شيء، وأننا إذا لم نستطع شيئًا استطعنا أشياء، وأننا إذا لم نستطع أن نكون عطشًا لخصمنا كنا كدرًا في الماء، وأننا إذا حرمنا قمح الأرض زرعناها أشواكًا، وأنه لم يبقَ قلب في الجزائر يتّسع لذرة من حب فرنسا، أو يتّسع لخيط أمل فيها، وليعلم أخيرًا أن الله للظالمين بالمرصاد.
...

إن كانت مهزلة المجلس الجزائري وقراراته في قضيتنا هي نهاية البداية في ظنّه، فإنها بداية النهاية في يقيننا، وان درسها الأول كلمتان: شحذ الرأي وتصميمه ومواصلة الكفاح وتعميمه ...
إن الاستعمار الفرنسي استعمار صليبي بنى أمره من أول يوم على ابتلاع الأوقاف الإسلامية ليجرّد الإسلام من السلاح المادي فيتسلّط على معابده ورجاله ويقودهم بزمام الحاجة إلى حيث يريد، ولولا فهمنا لهذه الحقائق لما تشددنا كل هذا التشدّد في قضية الأوقاف.
(4/261)

المرأة المسلمة في الجزائر *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان المسلمون، أيتها الأخوات المسلمات:
مواضيع الحديث عن المسلمين كثيرة لأن أمراضهم كثيرة، ومن قضى الله عليه بأن يتحدث في شؤون المسلمين اليوم أو يكتب عنهم، فقد ساق له نوعًا من الغنى لا يعرفه الناس ولا تعرفه القواميس، أما الناس فإنهم يعدّونه غنى خير منه الافلاس، أما القواميس فإنها لا تعرف من الغنى إلّا ما عرفته العرب، والعرب- وإن اتسعت لغتهم وتشقّقت ألفاظها عن بحر زاخر من المعاني- لم يكونوا مسلمين، وإنما كانوا مسوقين بفطرة الله في أول أمرهم، وبهداية الدين في آخره، وكانوا مخلصين للإثنين كل في دولته، كانوا مشركين فوحّدوا، ومشتّتين فاتحدوا، وكانوا رعاء غنم فأصبحوا رعاة أمم، وكانوا مجدبين فأمرعوا، ومدلجين فأصبحوا، وكانوا شجعانًا فثبّت الإسلام فيهم الشجاعة، وأجوادًا فحثّهم الإسلام على السماحة، وتمّم بنبيّه مكارم الأخلاق فيهم، فرجعت خيالاتهم إلى الحقيقة.
أما المسلمون اليوم فليسوا من ذلك في شيء، بل ليسوا من معنى الأمة في شيء إلّا بضرب من التجوز والتساهل، هم جسد يثبت وجود الواسطة بين الموت والحياة كما أثبتها القرآن لأهل جهنّم، هم جسد بعض أجزائه أشل معطل، وبعضه مصاب بعاهة تمنعه العمل فهو كالأشل المعطل، وبعضه مستعمل في غير ما خُلق له فهو كالكلمة المحرفة عن وضعها في اللفظ أو المنحرفة عن موضعها في الجملة، فهي لا تحدث إلّا التشويش والالتباس وفساد المعنى.
لذلك كثرت المواضيع أمام المتحدث عليهم أو الكاتب عنهم وتعدّدت إلى غير حدّ، وتكاثرت عليه الضباب حتى لا يدري ما يصيد، ولا يدري بأيها يبدأ ولا بأيها يختم، وهو
__________
* من محاضرة عن "المرأة" أُلقيت في "جمعية الشبّان المسلمين" عام 1953م.
(4/262)

لذلك كله لا يطمع في ضبط ولا إحاطة إلّا كما يطمع الغريق في بحر جياش القوارب في الدنو من الساحل.
المرأة المسلمة موضوع ذو شعب: جهلها، تربيتها، تعليمها، حجابها، وظيفتها في البيت، والرجل المسلم موضوع أكثر تشعبًا، والشاب المسلم موضوع، والطفل كذلك، والعرب موضوع والعجم موضوع، والمغرب موضوع والمشرق موضوع، والغني موضوع والفقير موضوع، والملوك موضوع، والسوق موضوع، ونسبة الجميع إلى الإسلام هي موضوع المواضيع، وهنالك تتشعّب المذاهب كتشعّب المذاهب، وتنطمس المسالك على السالك، والأمراض إذا كثرت ولدت الضُّعف، وولد الضعف أمراضًا أخرى.
وإن مما زاد المواضيع كثرة وتوعّرًا على المتكلم في شؤون المسلمين هذا التفاوت الفاحش بين أطراف الشعب الواحد منهم، فتجد الغني الواسع الغنى والفقير الواسع الفقر وتجد المثقف الواسع الثقافة يقابله الأميّ الجاهل بما تحت مواقع سمعه وبصره، وإن أمم هذا الزمان قد تقاربت خصوصًا في باب الثقافة فنجد جميع الأفراد مشتركين في القراءة والكتابة وفي البدائيات من المعارف العامة، فإذا قفز منهم أفراد إلى ذروة العلم بقي الحبل متصلًا بينهم بمبادئ العلم والمعرفة، خلافًا لما عندنا فإن الحبال مقطوعة بين الطبقات، ولذلك نجد الموضوعات عندهم قليلة ومحصورة، فإذا تحدث المتحدث أو كتب الكاتب فإنما يتحدث أو يكتب عن شيء مضبوط محدود أو عن شيء ناقص يفتقر إلى الكمال.
هم لا يتحدثون عن الحرية لأنها حاصلة، ولا عن التعليم لأنه مضمون، ولا عن العمل لأنه مكفول، ولا يتحدثون كثيرًا- إلى ما قبل سنوات- عن الطبقات لأنها متقاربة ولها حدود تقف عندها، ولا عن المرأة لأنها استقرّت في الموضع الذي حدّدته لها حضارتهم.

أيها الإخوان: أهمّ الموضوعات- وإن كثرت وتشعبت- ما يتعلق بالأحياء الناطقين، بل هي أصل الموضوعات كلها، وعليها يتوقف كل شيء، وعلى إصلاحها يتوقف كل إصلاح، وإن لهؤلاء الأحياء حدودًا رسمتها الطبيعة والواقع، فمَن تحدث عنها فهو مُتحدث عن أصل الخير والسعادة، أو عن أصل البلاء والشقاء، فالواجب على خطبائنا وشعرائنا وكتّابنا أن يديروا الألسنة والأقلام في هذا المدار الضيّق، وليناولوه بالتحقيق وليعالجوه بالإصلاح، وإن أركانه لأربعة فلا يزيدون الخامس ولا ينقص الرابع: هي الرجل والمرأة والشاب والطفل.
كانت المرأة المسلمة في الجزائر إلى عهد قريب، لا يجاوز أربعين سنة، محرومة من كل ما يسمّى تعليمًا إلّا شيئًا من القرآن يؤدي إلى معرفة القراءة والكتابة البسيطة، وهذا النوع على تفاهته خاص ببعض بيوت العلم، ولا يجاوزون بالبنت فيه الثانية عشرة من عمرها.
(4/263)

هذه هي الحالة السائدة في الجزائر منذ قرون وتشاركها فيها جميع الأقطار الإسلامية على تفاوت بسيط بينها، والسبب في هذه الحالة نزعة قديمة خاطئة راجت بين المسلمين وهي أن تعليم البنت مفسدة لها، ويلوك أصحاب هذه النزعة آثارًا مقطوعة الأسانيد، مخالفة لمقاصد الشريعة العامة وتربية محمد - صلى الله عليه وسلم - العملية لنسائه ونساء المسلمين العالمات، ثم يؤيّدون تلك الآثار الضعيفة الإسناد بأقوال الشعراء الذين يستمدّون شعورهم من شريعة العواطف المتباينة، لا من شريعة الله الجامعة، ومتى كان الشعراء مصدر فتوى في الدين؟
هذه هي علة العلل في الحالة التي أفضت بالمرأة المسلمة إلى هذه الدرجة التي ما زالت عقابيلها سارية في المجتمع الإسلامي، وما زالت لطخة عار فيه، وان المرأة إذا تعطلت عطّلت الرجل وإذا تأخرت أخّرته، ولا سبب لانحطاط المرأة عندنا إلا هذا الضلال الذي شوّه الدين وقضى على المرأة بالخمول فقضت على الرجل بالفشل، وكانت نكبة على المسلمين. وما المرأة المسلمة الجزائرية إلا جزءًا من المجموعة الإسلامية.
بعد تلك السنوات التي جعلناها حدًا لقديم المرأة الجزائرية، جاء طورها الجديد ويبدأ من نحو أربعين سنة، وقد يستقيم للباحث أن يسمّيه الفجر الكاذب ليوم تعليم المرأة المسلمة الجزائرية، ويصدق هذه التسمية أمران، الأول: أنه بدأ بتعلّم اللغة الفرنسية وهي لغة ليست من روحها ولا من تقاليدها، واللغة الأجنبية إن حسنت فإنما تحسن بعد اللغة المتصلة بالروح والتاريخ والمقوّمات الأصيلة فهي بالنسبة للجزائرية ربح، أما رأس المال فهو اللغة العربية، والثاني: أنها بدأت في المدن الحديثة الحضارة، ونعني المدن التي عمرت في عهد الاستعمار الفرنسي مثل سكيكدة وسطيف وسيدي أبي العبّاس.
ونقصد بكونها حديثة الحضارة أن عمارها طارئون وليست فيها بيوتات عريقة تمثّل حضارتها الإسلامية وتحفظ تاريخها العلمي. ثم سرى هذا التعليم الفرنسي بعد سنوات قليلة إلى المدن التاريخية ذات التقاليد الموروثة والماضي العلمي العتيد، وهي تلمسان وبجاية وقسنطينة والجزائر وما هو من نوعها، وانساق أولياء الفتيات المسلمات إلى هذا التعليم الأجنبي انسياقا غريبًا بعد أن كانوا معرضين عنه بضع سنوات حتى إنك لتجد للواحد منهم بنتًا كبيرة حرمها من هذا التعليم وفوّته عليها ثم سمح به طائعًا مختارًا لأختها الصغيرة أو لأخواتها الصغيرات، وما تغيّر الشخص ولكن تغيّرت فكرته وشعوره، وليس هذا من أثر الدعاية للتعليم الفرنسي، فإن الدعاية قديمة العهد وأبو البنت هو أبو الولد، وقد سمح لولده بالتعليم الفرنسي قبل سماحه لبنته بعشرات السنين، وقد رأى في ولده حسنات هذا التعليم وسيئاته، وإنما السبب الأول لهذا الإقبال على تعليم البنت باللغة الفرنسية هو تقليد من أغرب أنواع التقليد (يصح أن نسمّيه تقليد المنافسة) وغرابته أنه تقليد من الأعلى للأدون، وهو في موضوعنا تقليد الحضري العريق للمتحضر الجديد، ومن أمثلته تقليد الغني الأصيل لغني
(4/264)

الحرب، فهو منافسة في صورة تقليد، ومن أمثلته البارزة شعور بعض المسيحيين في الشرق بضرورة وطن قومي مسيحي، فإن هذه الفكرة ما نبتت إلا بعد وجود الوطن القومي اليهودي، والمسيحي أعز من اليهودي نفرًا وأكثر نفيرًا.
إذن فإقدام البنت المسلمة على العلم باللغة الفرنسية بدأ من العهد الذي حدّدناه تقريبًا، ونرجّح أن لإقبالها على هذا النوع من التعليم المخالف لبيئتها وتقاليدها سببًا آخر ظاهريًا غير ما ذكرنا من تقليد المنافسة، وهو أنه لا يوجد إذ ذاك تعليم رسمي ولا حر باللغة العربية يسبق هذا التعليم، ولا تنسَ أن للتطوّر الفكري أثره في هذه المسألة.
فلننظر الآن ماذا أتى به هذا التعليم من النتائج في أمة تبلغ عشرة ملايين أو تزيد، ونصف هذه الملايين نساء.
إنه لم يأتِ بنتيجة تذكر، لأن معظم المتتبعات لهذا التعليم يقفن عند حد الشهادة الابتدائية ثم يلزمن بيوتهن، وفي الغالب يقبلن على الحرَف النسوية اليدوية وقليلات منهن ينتقلن إلى التعليم الثانوي، وأقلّ من القليل يجاوزنه إلى العالي. وكانت النتيجة إلى هذا العهد أن بضعة آلاف لا تجاوز جمع القلة من البنات المسلمات يحملن الشهادة الابتدائية الفرنسية، وعشرات يحملن شهادة الكفاءة للتعليم فهن معلّمات في المدارس الابتدائية الحكومية وعدد قليل منهن- فيما بلغت إليه تحرياتنا- يحملن ليسانس الآداب وإحداهن أستاذة في مدرسة ثانوية هي شريفة قزّال، وتوجد بالجزائر كلها دكتورة واحدة ممتازة في الطب هي علجية نور الدين ولها عيادة ناجحة في عاصمة الجزائر، واثنتان- فيما علمنا- صيدليتان، وواحدة محصلة على شهادة التبريز في الآداب الفرنسية (اقريقاسيون) بأطروحة قدمتها عن الغزالي وهي حليمة بن عابد، وهي الآن تعمل في الرباط أستاذة، والصنف الوحيد من أصناف العلم الذي كثرت حاملات شهادته من الجزائريات هو القبالة. فالقوابل المسلمات كثرن في العهد الأخير ولعلهن جاوزن المئة، وهذا النوع يرضى عنه حتى المحافظون لحاجتهم إليه ولعلاقته بالنساء والبيوت، فهم أكثر اطمئنانًا إليه دون غيره، ولعلّ هذا هو السبب في كثرة القوابل المسلمات وأعان على هذا الميل العام للتطبيب الفنّي.
ليست البنت الجزائرية مدفوعة عن الذكاء بل الأمر بالعكس، فقد شهد لها الرجال القائمون على التعليم الفرنسي بالذكاء الخارق، ولكن الذي أخّرها عن السبق عوامل اجتماعية ودينية ما زال لها شأن عظيم في المجتمع الجزائري.
هذا هو ما سمّيناه بالفجر الكاذب لتعليم المرأة الجزائرية، وقد أتى رغم ذلك هذه النتائج الطفيفة، ويقيننا أنه يأتي بنتائجه الكاملة بعد أن جاء الفجر الصادق.
(4/265)

أما الفجر الصادق لتعليم الفتاة الجزائرية فهو يبتدئ من سنة 1931، أي منذ اثنتين وعشرين سنة يوم تكوّنت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لإحياء العروبة والإسلام بالقطر الجزائري ومغالبة الاستعمار عليهما، وخطت خطواتها المشكورة في التعليم العربي الإسلامي على نظم عصرية، وكانت خطوتها الأولى تحبيب العلم إلى الجماهير بواسطة الدروس الدينية والمحاضرات الاجتماعية ليساعدهم الجمهور على الغاية المقصودة وهي تعليم الناشئة وإحياء الدين في نفوسها والعربية في ألسنتها، وحارب الاستعمار رجالها فصمدوا له حتى قهروه ولهم اليوم نحو مئة وخمسون مدرسة عربية حرة تحتوي على نحو خمسين ألف تلميذ من بنين وبنات، ولهم معهد ثانوي يحتوي على ألف وخمسمئة تلميذ، وقد رأينا نتاجه في القاهرة فرأينا آثار الحزم والجرأة والإخلاص.
...
(4/266)

إلى الشباب *
أوجّه طلائع الحديث في هذه الليلة إلى الشباب الذين هم الساف الجديد في بناء الأمة، والدم المجدّد لحياتها، والامتداد الطبيعي لتاريخها، وهم الحلقات المحققة لمعنى الخلود الذي ينشده كل حيّ عاقل ويتمناه حتى إذا فاته في نفسه التمسه في نسله، وقربت له الأماني معنى من معنى، فتعلّل بالخيال عن الحقيقة، وتسلّى بشبه الشيء عن الشيء، ودأب جاهدًا في تدنيته وتوفير الراحة والهناء والسعادة له، ويعلّل نفسه بأنه سيرث اسمه وماله وهو لا يعلم أنه سيموت اسمه ويُبدّد ماله، وما زالت التعلات صارفة عن اليأس منذ طبع الله الطباع.
وأقول: الشباب. ولستُ أعني بهذا اللفظ معناه المصدري في عرف اللغة، ولا ذلك الطور الثالث من عمر هذا الصنف البشري في مقاييس الأعمار، وإنما أعني بهذا اللفظ طائفة من الأناسي انتهوا في الحياة إلى ذلك الطور الثالث بعد الطفولة واليفاعة، فجمعتهم اللغة على شبيبة وشبّان، ووصفتهم بالمعنى في نحو لطيف من أنحائها فقالت: شباب وشبيبة، كما وصف القرآن محمّدًا بأنه رحمة، وكما وصفت الخنساء الظبية بأنها إقبال وإدبار، ثم جمعتهم سنّة التكامل على القوة والفتوة، وجمعهم اتحاد السنّ أو تقاربه على التعاطف والأخوّة، وجمعهم الدين على التكاليف والواجبات، ووقفت بهم الحياة على جددها، تعرض عليهم السعادة في صور ملتبسة بالشقاء، والشقاء في صور ملتبسة بالسعادة، واكتنفتهم الملائكة والشياطين، أولائك يدعونهم إلى الجنّة محفوفةً بالمكاره، مسوقة بالصبر والألم، وهؤلاء يدعونهم إلى النار ملفوفة بالشهوات، مسوقةً بالإغراء والتزويق والتزيين- ووقفنا نحن معاشر الآباء من ورائهم، نتمنّى لهم ونتجنّى عليهم، ونقترف في حقهم ولا نعترف بظلمنا إياهم، ونُرخي في تربيتهم أو نشدّد، ولكننا لا نقارب ولا نسدّد، ونعطيهم من
__________
* محاضرة ألقاها الإمام في أحد أندية الشباب بالقاهرة.
(4/267)

أفعالنا ما نمنعهم منه بأقوالنا: ننهاهم عن الكذب ونكذب أمامهم الكذب الحريت، وننهاهم عن الرذائل جملة وتفصيلًا، ثم نخالفهم إلى ما ننهاهم عنه، فيأخذون الرذيلة عنا بالقدوة والتأسّي، ويحتقروننا لأننا قبحنا لهم الكذب بالقول ثم أشهدناهم بالعمل على أننا كاذبون.
إلى هؤلاء الشباب الوارثين لحسناتنا وسيآتنا، المهيئين لخيرنا وشرنا، الحاملين لخصائصنا وألواننا إلى مَن بعدهم من أبنائهم، المتبرمين هنا بحالة هم مقدمون عليها كرهًا، فقد كنا مثلهم شبابًا وسيصبحون مثلنا شيوخًا، وسيلقون من أبنائهم ما لقينا نحن منهم، وسيلقى منهم أبناؤهم ما لقوه هم منّا، جزاءً وفاقًا وقصاصًا عدلًا، وسنّة أجراها الواحد القهّار، وجرى بها الفلك الدوار- إلى هذا الجيل الذي عودتنا الحياة المدبِرة أن نشفق عليه، وعوّدته الحياة المقبِلة أن يشفق منا، أتوجه وإياه أعني وإليه أسوق الحديث، داعيًا له بما دعا له شوقي في قوله:
إن أسأنا لكم أو لم نُسئ … نحن هلكى فلكم طول البقاء
متمنيًا له ما تمنّاه له شوقي في قوله:
هل يمدّ الله لي العيشَ، عَسَى … أن أراكم في الفريق السعداء
لا أخالف شوقي إلّا في التخصيص فقد خاطب بهذا شباب النيل، وأنا أهتف بشباب العرب، وبشباب الإسلام، أهتِفُ بشباب العرب أن يرعوا حق العروبة وأن يكونوا أوفياء لها، وأن يعلموا أنها ليست جنسية تميز، ولا نسبة تعرف، وأنها ليست جلدة تسمّر أو تحمّر، ولا بلدة تعمر وتقفر، وأنها ليست جزيرة يحيط بها البحر ولا قلادة تحيط بالنحر، وأنها ليست متاعًا ممّا يرث الوارثون، ولا أرضًا مما يحرث الحارثون، وإنما هي خلال وخصال، وهمم تتشقّق عن فعال، وإنما هي بناء مآثر، وتشييد أمجاد ومحامد، وإنما هي مساع من الكرام إلى المكارم، ودواع من العظماء إلى العظائم، وإنما هي عزائم، لا تعرف الهزائم، وإنما هي عزّة وكرامة، وشدّة في الحفاظ وصرامة، وإنما هي طموح وجموح: طموح إلى منازل العزّ وجموح عن مواطن الذلّ، وإنما هي رجولة وبطولة، وأصالة وفحولة، وإنما هي طبع أصيل ورأي جليل، ولسان بالبيان بليل، وعقل على الحكمة دليل، فمجموع هؤلاء هو العروبة، وجامع هؤلاء هو العربي، وما عداه فهو تعللّ بباطل، وتعلق بضلال، وتخلق يكذبه الخلق، وخيانة للعروبة في اسمها وفي وسمها، وعقوق للأجداد، كأنما عناهم المعزي بقوله:
جَمالَ ذي الأرضِ كانوا في الحياة وهُمْ … بَعْد المماتِ جَمالُ الكُتْبِ والسِّيَرِ
ثم أهتف بشباب الإسلام ليعلموا أن الإسلام ليس لفظًا تلوكه الألسنة المنفصلة عن القلوب، وتتناوله قوانين التعريف بموازينها الحرفية، وتقلّبه اشتقاقات اللغة على معانيها
(4/268)

الوضعية فينزل به إلى المعاني الوضيعة من السلم إلى الاستسلام ... إلّا أن في الإسلام الشرعي نوعًا من معنى الإسلام اللغوي، ولكنه أرفع تلك المعاني وأعلاها، هو معنى تتقطع دونه الأفهام والأوهام، معنى لو طاف طائفه بعقول العرب أهل اللغة قبل الإسلام لَرفع هممهم عن عبادة الشجر والحجر، ولَسَما بهم حينما بُعث محمد - صلى الله عليه وسلم - عن الجدل بالباطل ليدحضوا به الحق: هو إسلام الوجه لله عنوانًا لإسلام القوى الباطنة له، هو المعنى الذي خالطت بشاشته قلب نبي التوحيد إبراهيم فقال: أسلمتُ وجهي، وتذوقته بلقيس حين هداها الله فقالت: وأسلمت، ألا وإن في الاستسلام نوعًا من المعاني لم يتخيله وضع ولا عرف، ولم يتداوله نقل ولا استعمال حتى جاء محمد بالهدى ودين الحق، ونقل اللغة من طور إلى طور، هو استسلام الجوارح- وسلطانها القلب- لله ولعظمته وقدرته وعلمه حتى توحّده وحده، وتعبده وحده، وتدعوه في النائبات وحده، وتنيب إليه وحده، وتذعن إلى سلطانه وحده، وتخشاه وحده، فتستقل عن الأغيار بقدر ذلك الاستسلام إليه، وتتحرّر بقدر العبودية له، وتتوحّد قواها بقدر إفراده بالألوهية، وتعتزّ بقدر التذلّل لعظموته، وتنجح في الحياة بقدر اتباعها لسننه، وتصفو من الكدرات الحيوانية بقدر اتّصالها به، وتتزكى سرائرها بقدر إيمانها به، وتبعد عن الشرور والآثام بقدر قربها منه، ثم تسود الكائنات بأمره، وتخضع الكون لسلطانها بسلطانه، وتكشف أسرار الوجود بصدق التأمّل في آياته والتفكر في بدائع ملكوته.
هذه بعض معاني هذا الدين العظيم دين الله السماوي الذي بلّغه محمد - صلى الله عليه وسلم - وفسّره بأقواله وشرحه بأفعاله، ووسعته لغة العرب، وحمله إلينا الأمناء الهداة، وعصمه القرآن آية الله الكبرى ومعجزة الدهر الخالدة وكتاب الكون الأبدي، وكنز الحكمة المعروض على العقول والأفكار وعلى الأسماع والأنظار لتأخذ منه كل جارحة حظها من الغذاء.

أيها الشباب: شاع بين الناس مبدأ فطري توارد عليه المحدثون والقدماء، ونصره الحس، وهو أن الكبير قريب من الموت يغذّ إليه السير مكرهًا كمختار وعجلان كمتريث، ومن ثم فهو قريب من الله، والقرب من الله مدعاة عند العاقل المتأله إلى الاستعداد لِلقائه، والتزوّد للدار الآخرة بأهبها وليوم الفاقة العظمى بالأعمال الصالحة، وقد قال شاعر حكيم يصوّر هذا القرب:
وإن امرءًا قد سار خمسين حجّة … إلى منهل من وِرْدِهِ لَقَرِيبُ
تواضعوا على هذا وأكثروا فيه القول، وأداروا عليه النصائح والمواعظ للجماعات المتدينة، يزجونها للشيوخ المسرعين إلى الموت، الذين طووا المراحل ودنوا من الساحل- حتى أوهموا الشبّان أن الشباب عصمة لهم من الموت، وأنتج لهم القياس الفاسد أنهم بعيدون عن الله، ولا يبعد في نظر المتوسم في غرائب النفوس أن يكون تخصيص الشيوخ
(4/269)

الهرمين بتلك المواعظ بعض السبب في اغترار الشبّان وانهماكهم في الشهوات واسترسالهم مع النزوات، وبعض السبب في إبعادهم عن الله مضافًا إلى جنون الشباب وسلطان الهوى وتنبه الغرائز الحيوانية.
وأنا أرى أن الشبّان أحق الناس بذلك الوعظ وبالتوجيه إلى الله والتقريب منه، وبالتعهّد المنظّم والحراسة اليقظة حتى تكون أقوى الملكات التي تتربّى فيهم ملكة الخوف من الله، في وقت قابلية الملكات للثبوت والاستقرار في النفوس، وفي وقت تنازع الخير والشرّ للنفوس الجديدة، وإنها لكبيرة أن ينشّأ الشاب على الخير والاتصال بالله من الصغر، ولكن جزاءها عند الله أكبر، لما يصحبها من مغالبة للهوى في لجاجه وطغيانه، ومجاهدةٍ للغريزة في عنفوانها وسلطانها، ولهذا السرّ عدّ - صلى الله عليه وسلم - الشاب الذي ينشأ في طاعة الله أحد السبعة الذين يظلّلهم الله بظلّه يوم لا ظلَّ إلّا ظلّه، وعدّ الشيخ الزاني أحد الثلاثة الذين يلعنهم الله واللاعنون من عباده، لأن المعصية من مثله خالصة لوجه الشيطان لم تصحبها داعية ولم يخفّفها عذر، ولم تسبقها مغالبة ولا جهاد.

أيها الشباب: ساءَ مَثَلًا من أوهمكم أن بينكم وبين الموت فسحة وإمهالًا، لقد علمتم أن الموت لا يخاف الصغير ولا يعاف الكبير، وأسوأ منه نظرًا من توهّم أنكم لذلك أبعد عن الله من حيث المعاد، فإنكم أقرب إلى الله من حيث المبدأ، وان أثر يد الله فيكم لَأظهر، وان المسحة الإلاهية على شبابكم لأوضح، وان أغصانكمِ الغضّة المورقة لمطلولة بانداء السماء وقد وخزتها خضرته من كل جانب، وان نفحات الله لتشمّ من أعطافكم وشمائلكم، فلئن كنا قريبًا من لقاء الله بالموت فلَأنتم أقرب إليه بالحياة، ولئن صحبكم الاتصال به في جميع المراحل فيا بشراكم، ولئن كنا نقبل عليه كارهين متَسَخِّطين على الموت، فأنتم مقبلون من عنده فرحين بالحياة مستبشرين، فصلوا حبلكم بحبله واحفظوا عهده، وحذار أن تقطعكم عنه القواطع.

أيها الشباب: إن الشباب نسب بينكم ورحم وجامعة، ولا مؤثِّر في الشباب إلّا الشباب، فليكن بعضكم لبعض إمامًا، وئيعلّم المهتدون الضُلّال.
دينكم- أيها الشباب- لا يفتننكم عنه ناعق بإلحاد، ولا ناع بتنقّص.
وربّكم- أيها الشباب- لا يقطعنكم عنه خنّاس من الجنّة والناس.
وكتاب ربّكم- أيها الشباب- هو البرهان والنور، وهو الفَلَج والظهور، وهو الحجّة البالغة، والآية الدامغة، فلا يزهّدنكم فيه زنديق يؤول وجاهل يعطل ومستشرق خبيث الدخلة، يتخذه عضين، ليفتن الغافلين، ويلبّس على المستضعفين.
(4/270)

إن دينكم شوّهتْه الأضاليل، وإن سيرة نبيّكم غمرتها الأباطيل، وإن كتابكم ضيّعته التآويل، فهل لكم يا شباب الإسلام أن تمحوا بأيديكم الطاهرة الزيف والزيغ عنها، وتكتبوهُ في نفوس الناس جديدًا كما نزل وكما فهمه أصحاب رسول الله عن رسول الله، إنكم قد اهتديتم إلى سواء الصراط فاهدوا إلى سواء الصراط، إنكم لو عبدتم الله الليل والنهار لكان خيرًا من ذلك كله عند الله وأقرب زلفى إليه أن تجاهدوا في سبيله بهداية خلقه إليه.
إن تلك الفئة القليلة من أصحاب محمد ما فتحوا الكون بقوة العَدد والعُدد ولكن بقوة الروح، فانفخوا في هذه الأرواح الضعيفة التي أضعفها الضلال عن طريق الحق تنقلب نارًا متأججة.
حيّاكم الله وأحياكم وأبقاكم للإسلام تذودون عن حياضه وترودون في رياضه، وللغة العرب تصلون أسبابها، وتردون عليها نضرتها وشبابها، ولمواطن الإسلام تصونون عرضها وتردون قرضها، وتحفظون سماءها وأرضها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(4/271)

تكريم الأستاذ مسعود الجلّالي *
تقديم:
أقام مكتب جمعية العلماء بالقاهرة حفلة شاي للأخ الأستاذ مسعود الجلّالي بمناسبة نيله للشهادة العالية من كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، وقد حضرها جمع حافل من الشخصيات الإسلامية الكبرى نذكر منهم حضرات السادة: الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر، وأحمد حلمي باشا، وعلي المؤيد سفير اليمن بالقاهرة، ونجيب الراوي سفير العراق بالقاهرة، والدكتور منصور فهمي، ومحمد أمين بوغرا حاكم التركستان الشرقية سابقًا، والأستاذ محي الدين القليبي، والأستاذ صالح عشماوي وغيرهم. وكان في استقبال الضيوف الكرام سماحة الشيخ البشير الإبراهيمي والأستاذ الفضيل الورتلاني وطلاب البعثات العلمية لجمعية العلماء بمصر والشرق العربي، وقد كانت فرصة سعيدة جمعتْ بين بعثات جمعية العلماء بمصر وسوريا والكويت بمناسبة مرور الأخيرتين بمصر في طريقهما إلى معاهد سوريا والكويت العلمية، فالتقى فيها شباب آمن بالله، ثم بحياة أمته وتحرير وطنه من كل نير واستعباد، فهاجر يبغي العلم ويطلب الحكمة، وكله غيرة وحماس وتطلع إلى مستقبل سعيد لأمته ووطنه العزيز، وفّقه الله وحقّق آماله.
ولما اكتمل عقد الحاضرين وقف سماحة الشيخ البشير الإبراهيمي فألقى خطابًا رائعًا حيّا فيه الضيوف الحاضرين حسب اقتراح سماحة الشيخ، وبعدئذ تطرق الشيخ في الكلام إلى الجزائر فأبان كيف عمل الاستعمار منذ وطئت قدماه أرض الجزائر على محو الشخصية الإسلامية والقضاء على اللغة العربية فيها وأنه بذل أقصى ما يستطيع بذله في هذا الميدان من فرض القوانين الجائرة، وتحريم التعليم باللغة العربية، والاستيلاء على الأوقاف الإسلامية، وتحويل المساجد والمدارس إلى كنائس نصرانية، وتشجيع البعثات التبشيرية ومدّها بالعون المادي والأدبي، مستغلة في ذلك حالة الفقر واليتم والترمل التي تركتها الحروب الطويلة التي خاضها المجاهدون الجزائريون ذودًا عن بلادهم ودفاعًا عن كرامة دينهم وقوميتهم، أمام المستعمر الغاصب، ثم ضربه أخيرًا نطاقًا حديديًا بين الجزائر وشقيقاتها في الشرق حتى لا يعرفوا ما يجري فيها وما يدبره الاستعمار من دسائس ومكائد للإسلام والعروبة حتى يسهل عليه تحطيم كل قواها المعنوية والأدبية بعد ذلك.
ت. ر. ع.
__________
* «البصائر»، العدد 249، 4 ديسمبر 1953م.
(4/272)

ثم قال:
أيها السادة: كانت هذه الأعمال الفظيعة التي صبّها الاستعمار على الجزائر حافزة لنا على مضاعفة العمل، ودافعة لطائفة من العلماء الغيورين على أن يقاوموها بكل ما يستطيعون من قوّة مهما كلفهم ذلك من تضحيات وجهود حتى لا يتركوا للمستعمر أية فرصة ينفذ فيها أغراضه المنكرة للقضاء على شخصية الأمة ومقوماتها- لا قدّر الله-، ويتضح هذا جيدًا في خطاب ألقاه أحد الخطباء في احتفال كبير أقامته فرنسا بمناسبة اكتمال قرن من الزمان لاحتلالها للجزائر، قال بعد أن عدد عظمة فرنسا وقوة جيشها الحربية في ذلك الحين: إننا أيها السادة لم نقم هذا الحفل في الواقع لأجل مرور قرن كامل لاحتلالنا للجزائر فحسب، لأن مائة سنة لا قيمة لها في عمر الأمم، فقد بقي الرومان في هذه البلاد عدّة قرون ثم ذهبوا، وبقي العرب في إسبانيا سبعة قرون ثم ذهبوا أيضًا، ولكننا أقمنا هذا الاحتفال لتشييع جنازة الإسلام في الجزائر، فكانت هذه الكلمة من فم هذا المستعمر الباغي كشعلة من النار في أنفس الوطنيين الأحرار، ألهبت فيهم الحماس ودفعتهم إلى توحيد الصفوف وتكتيل الجهود وتنظيم الأعمال لما يجب أن يعمل، ثم كانت لنا أخيرًا بمثابة النذير القوي لما يراد بالإسلام والعروبة في بلادنا العزيزة إن لم نقابل أعمال المستعمرين ومكرهم بأعمال إيجابية وطنية تحبط كل ما يبيّتون من نيات سيئة لهذا الوطن الإسلامي العزيز، {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. فاجتمعت القلوب، وتجاوبت الأرواح، وتلاقت العواطف كلها على العمل والفداء والتضحية، وفي هذا الجوّ - أيها السادة- تكونت جمعية العلماء وبرزت للوجود لتحمل الراية، وتنشر لواء الكفاح الإسلامي بين المواطنين، ثم لِتَقِفَ حجر عثرة في طريق المستعمر، فتكون شجى في حلقه وغصّة في نفسه، وحارسًا قويًا على إسلام الجزائر وعروبتها وتاريخها المجيد من كل سوء وكل مكروه، وعلى ضوء هذا الاتجاه من الاستعمار في محاربة الإسلام في الجزائر، اتجهت أعمال جمعية العلماء إلى تقوية الإسلام في النفوس، وغرسه في القلوب، وطبع حياة الأمة كلها بطابعه، ونشر اللغة العربية بين مختلف طبقات الشعب، وبذلك أحبطنا ما كان يبنيه المستعمرون من آمال في كل من تشييع جنازة الإسلام وقبر اللغة العربية في الجزائر- لا قدّر الله- {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ائكَافِرُونَ}.
وقد أصبحت للجمعية الآن عشرات المدارس والنوادي ومراكز الوعظ والإرشاد في كل أنحاء الجزائر، كما أنَّ شُعَبَ الجمعية منتشرة في كامل القطر، وهي تقوم بمهمتها الإسلامية الوطنية بهمّة ونشاط، وللجمعية معهد ثانوي يضم بين جنباته الآن قرابة الألف طالب، يضارع أرقى المعاهد الثانوية المصرية، ومنه ترسل الجمعية بعثاتها إلى الشرق العربي، وإنّ
(4/273)

إقبال الأمّة على بناء هذه المدارس الضخمة- أيها السادة- التي لا تقوم بها إلّا الحكومات، ليس معناه دليلًا على غنائها وسعة ثرائها لأنّ فرنسا لم تترك سبيلًا إلى إفقارها وسلب ثروتها منها إلا سلكته، ولكنه دليل على قوة إيمان هذه الأمّة وصلابة عقيدتها في الله وعظمة روحها المعنوية مما جعل كل المحاولات الاستعمارية الظالمة تتحطم على صخرة إيمانها العتيد، وتبوء بالتالي بالفشل الذريع.
(4/274)

القدس وعمّان ودمشق
وبغداد ومصر
(من ديسمبر 1953 إلى أكتوبر 1954)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/275)

رسالة إلى الأستاذ فاضل الجمالي *
الشيخ محمد البشير الإبراهيمي
يوجّه التعليم في خدمة العروبة والإسلام في الجزائر
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان العلّامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين من كبار المجاهدين الذين عملوا على حماية العروبة والإسلام في الجزائر، وكان له الفضل في تعريف المشرق العربي بكفاح الجزائر من أجل الحرية والاستقلال. كان لي شرف التعرّف عليه لأول مرة في باريس سنة 1951 حيث اجتمعت الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وقد وجدت فيه آنذاك ينبوعًا فيّاضًا من ينابيع العلم والإيمان وكان يترجم علمه وإيمانه إلى لغة الجهاد والعمل، وما زلت أتذكّر الخطاب الذي ألقاه في حفل أقمته على شرف نيل ليبيا للاستقلال في باريس في بداية سنة 1952 حيث قال ما مآله ان الجزائر سوف تلحق بجهادها شقيقاتها وسوف تظهر من البطولات وتقدم من التضحيات من أجل حريتها واستقلالها ما سيرفع رأس العروبة والإسلام عاليًا، ومن باريس توطدت بيني وبين العلّامة المجاهد صلة أخوية متينة فكنت أقوم باستقباله والحفاوة به في بغداد كلّما قدم إليها وصار يعتمد عليّ في العراق ويعتبرني كسفير لحركة الكفاح الجزائري لدى الحكومة العراقية، وهذا ما حاولت القيام به بكل همة وأمانة، وقد وجدت بين أوراقي هذه الرسالة الموجّهة إلي والتي تعتبر من جهاد العلّامة في سبيل حماية العروبة والإسلام في الجزائر عن طريق نشر التعليم والثقافة، وها أنا أقدّمها كوثيقة تاريخية تفسّر لنا نهضة الجزائر المباركة اليوم في حماية العروبة والإسلام.
الدكتور محمد فاضل الجمالي
__________
* مجلة "جوهر الإسلام"، السنة الرابعة، العدد 6، تونس، مارس 1972.
(4/277)

بغداد في 6 كانون الثاني (جانفي) سنة 1954.
حضرة صاحب الفخامة الدكتور محمد فاضل الجمالي
رئيس الوزارة العراقية ورئيس مجلس الجامعة العربية في دورتها الحالية المحترم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو من فخامتكم أن تقرأوا هذا البيان بإمعان وأن تعرضوه على مجلس الجامعة وأن تتولوا بيانه والدفاع عنه مشكورين.
كاتب هذا البيان إلى فخامتكم وإلى مجلس الجامعة الموقّر هو رسول أمة عربية مسلمة في الجزائر تعد أكثر من عشرة ملايين من النفوس وتجاهد الجهاد العنيف في سبيل عروبتها وإسلامها.
وهو قائد حركة ثقافية علمية أساسها العروبة والإسلام.
وهو رئيس جمعية منظّمة حقّقت في عقدين من السنين أشياء تعد من خوارق العادات في هذا العصر فشيّدت مائة وخمسين مدرسة ابتدائية عربية ومعهدًا ثانويًا فخمًا كامل الأدوات وعلمت مئات الآلاف من مجموع مليوني طفل محرومين من التعليم بجميع أنواعه، كل ذلك بمال طفيف تدفعه أمة فقيرة ولكن مؤمنة بمعاني الجهاد ونتائج الجهاد.
رسالتي التي أحملها من الأمة الجزائرية العربية إلى أخواتها العربيات في الشرق العربي هو شرح الحالة على حقيقتها وطلب النجدة السريعة بإعانات مالية تحفظ الموجود في الجزائر وتدفعه خطوات إلى الأمام وتعين هذه الجمعية على إكمال رسالتها التي لا تتم إلا بمئات أخرى من المدارس تستوعب أكبر عدد من الأطفال المحرومين الذين يريد لهم الاستعمار أن يبقوا مشرّدين، وبإيفاد مئات من الطلبة الحاصلين على الشهادة الابتدائية العربية إلى معاهد الشرق العربي ليكملوا دراساتهم فيها على نفقة حكوماتها وليرجعوا إلى أوطانهم معلّمين مجاهدين.
بلغت الرسالة على أكمل وجه وأدّيت الأمانة غير منقوصة وكرّرت وأعدت وكانت النتيجة أن استجابت معظم الحكومات العربية فقبلت أعدادًا محدودة من تلاميذ جمعية العلماء في معاهدها وعلى نفقتها.
وأنا مع شكري لهذه الحكومات فإنني ما زلت أطلب المزيد. ولو أن حكوماتنا العربية أنفقت على ألف تلميذ جزائري لما كان ذلك كثيرًا عليها ولا على الجزائر، ولو أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أنفقت على ألف أخرى لما كان ذلك كثيرًا عليها ولا على الجزائر، وبرهان كلامي يتركّب من عدة مقدّمات يقينية يجب على كل عربي في الشرق أن
(4/278)

يفهمها وأن يؤمن بها، لا سيّما الحكومات والساسة وقادة الرأي، وأنا كفيل بشرحها وبيانها لأنه من أصول رسالتي:

الأول: إن الشعب الجزائري مؤلف من عشرة ملايين وزيادة كلهم عرب أصلاء، وكلهم مسلمون متصلبون، والاستعمار الفرنسي عامل على مسخهم وإخراجهم من عروبتهم وإسلامهم، ولولا خصال فطرية في التصلّب والاعتزاز بجنسيتهم ودينهم وشرقيتهم، ولولا جمعية العلماء وجهادها عشر سنين في التمهيد وعشرين سنة في العمل لبلغ الاستعمار منهم ما أراده، ولو ضاعوا لكان ضياعهم مصيبة على المجموعة العربية لأنه نقص في رأس مالها من الرجال المتشددين في عروبتهم، والزمان زمان تكتّل وتكاثر في العدد ونحن نرى أقوياءه يتكاثرون بمن ليس منهم ولا تجمعه بهم جامعة، فكيف بالأخ الأقرب المشارك في الدم واللسان والخصائص الجنسية.

الثاني: إن جامعة الدول العربية ملزمة بروح ميثاقها العام أن تحرّر كل عربي على وجه الأرض بالمستطاع من وسائلها التدريجية، ولا نشك أن للشعب الجزائري مكانته في نفس الجامعة، وقيمته في تقدير الجامعة و"خانته" في برنامج الجامعة، فإذا كانت الجامعة لا تستطيع أن تحرّر القطر الجزائري كوطن فهي تستطيع أن تحرّر العقول والأفكار بالعلم والمعرفة من الجهل والضلال اللذين هما أساس الاستعمار. والجامعة أول من يعلم أن الشعب الذي لم تتحرّر عقوله وأفكاره من قيود الجهل والوهم يستحيل أن تتحرّر أبدانه أو يعسر أن تتحرّر، وقد هيأت جمعية العلماء هذا الشعب للاستقلال بما لقّنته من معاني الحياة الشريفة وبما بثّت فيه من معاني العروبة والوطنية والحرية وبما ربطته بالشرق ربطًا محكمًا، وهي تُرَبّيهِ لا على المطالبة بحقّه بل أخذ حقّه بيده، كل ذلك بالفعل الذي قامت عليه الشواهد لا بالأقوال الفارغة التي لا عليها شاهد، وان هذه الجمعية تعلم أن ركب العرب لا يُحْدَى إلا بلغة العرب، ولا يطرب إلا على أغاني العروبة، وتعلم أن قافلة الإسلام لا تهدى إلا بدلالة القرآن، وكل هذا فعلته جمعية العلماء وما زالت تفعله، وقد صحّت التجربة وصدقت النتيجة، وعلى هذا فلجامعة الدول العربية من جمعية العلماء الجزائريين سند قويم ودليل هاد ومعين أمين.

الثالث: ان الشعب الجزائري العربي غريب في وضعه لا يقاس بشعب ولا يقاس به شعب عربي آخر لأن لكل شعب من الشعوب العربية المستقلّة رأس مال من الحرية والحكم والمال ومواريث الأسلاف من مدارس ومساجد ومعاهد وأوقاف. تونس ومراكش المحيطتان بالجزائر ما يزال فيهما شيء من تلك المواريث، ففيهما المساجد الكثيرة الضخمة، فيهما بقية أوقاف دارة وفيهما صور من الحكم وأنواع من الوظائف العليا، وفي تونس جامعة الزيتونة ثانية الجامعات الإسلامية بعد الأزهر، وفي مراكش جامعة القرويين ثالثة الجامعات الإسلامية بعد الأزهر والزيتونة ولكل واحدة من الجامعتين ميزانية ضخمة من الأوقاف ومن
(4/279)

الخزانة العامة، وكل واحدة منهما محفوظة ومسيّرة بميزانيتها القارة، أما الجزائر فلم يبق فيها أثر ولا عين من تلك المواريث، فالأوقاف الإسلامية العظيمة صادرها الاستعمار في السنة الأولى لاحتلاله والمساجد العظيمة صيّرها كنائس ومرافق عامة في السنوات العشر الأول انتقامًا من المقاومة التي كان يلقاها في الشعب الجزائري، وبقية المساجد هي ووظائفها تحت يده وسلطانه وهي كذلك إلى الآن وصيّر من وظائفها وسائل تجنّد للجوسسة، ومن رجالها ألسنة للتسبيح بحمد فرنسا، حتى يكون المسلمون بعضهم لبعض عدوًا، وهم الآن حرب على التعليم العربي وعلى جميع الحركات المناهضة لفرنسا وفي مقدمتها جمعية العلماء، وفرنسا ترصد مئات الملايين من ميزانيتها لحرب العربية والإسلام في الجزائر، وتجنّد الآلاف من أذنابها لمقاومتها والتزهيد فيها.
وفي هذا التصوير، وهو قليل من كثير، تتضح عظمة الأعمال التي قامت بها جمعية العلماء الجزائريين وفي وسط هذه الظلمات المعكرة بالظلم والجهل والفقر، وان جمعية توجد شيئًا من لا شيء لحقيقة بالتقدير والإعانة العملية ... ان جمعية تشيد مائة وخمسين مدرسة ابتدائية وتعمرها بنحو خمسين ألف تلميذ من بنين وبنات يدرسون العربية والإسلام ثم تنشئ معهدًا ثانويًا يحتوي على ألف وخمسمائة تلميذ وتشيد سبعين مسجدًا لإقامة الشعائر الإسلامية، وتؤسّس مائة ناد وزيادة للمحاضرات العلمية والاجتماعية، وتنظّم البرامج الفعّالة لمكافحة الأمية ثم تمدّ نظرها إلى ما هو أعظم من ذلك، فهي عازمة مصمّمة إن تيسّرت لها الوسائل المادية أن تشيد ألف مدرسة تستوعب مئات الآلاف من الأطفال المشرّدين، وهذا المقدار من المدارس هو القدر الضروري الذي يفتقر إليه الشعب الجزائري ويستتبع ذلك عدة معاهد ثانوية ينتقل إليها الآلاف من المحصلين على الشهادة الابتدائية وعدة معاهد لتخريج المعلمين لهذا الجيش الجرّار من المتعلمين. كل هذا من الآمال التي تسعى جمعية العلماء لتحقيقها، وان جمعية تعمل مثل تلك الأعمال وتأمل مثل هذه الآمال لحقيقة بأن يؤخذ بيدها وأن تعان على تثبيت أعمالها وتحقيق آمالها.
وهذا مجمل من حقيقة هذه الجمعية كنت قدمت تفصيله في مذكّرتين للأمانة العامة لجامعة الدول العربية من نحو سنة مضت، كما بيّنته أبلغ بيان لإخواني العرب شعوبًا وحكومات في هذه الرحلة التي استغرقت من وقتي ما يقرب من السنتين، وقد برأت بهذا التبليغ إلى الله وإلى التاريخ وإلى ضميري وأمانتي، ولم يبق إلا واجب الإخوان لإخوانهم، وقد بدأت بوادره في هذه العشرات من الطلّاب الذين قبلتهم الحكومات العربية في معاهدها على نفقتها وفي مبلغ مائة وعشرين جنيهًا مصريًا قرّرته الأمانة العامة إعانة لمكتب جمعية العلماء في القاهرة، وذلك المكتب الذي أسّسته ليكون واسطة بين الشرق العربي وغربه، وسفيرًا أمينًا بين الجزائر وأخواتها العربيات شعوبًا وحكومات.
(4/280)

أنا راجع إلى الجزائر بعد مدة تطول أو تقصر ... راجع إلى ميدان جهادي وأعمالي وهو الميدان الذي يعزّ علي أن أفارقه، وأتمنّى أن أموت فيه إن شاء الله مقبلًا غير مدبر ... وآكد أمل يعمر خاطري أن يفهم إخواننا العرب شعوبًا وحكومات حقيقتنا كما هي كأنهم يرونها بأعينهم، وأن يتبيّنوا أعمالنا وآمالنا، فيكون سرورهم بالأعمال مدعاة لإعانتنا على تحقيق الآمال، فإذا فهمونا على حقيقتنا علموا أن هذا الشعب المجاهد لا زال في حاجة إلى مئات من المدارس الابتدائية تنقذ ذلك العدد المعرض للكفر والاستعجام من أبنائه، وما زال مفتقرًا إلى عدد من المدارس الثانوية ترضي رغبات الآلاف من الحاملين للشهادة الابتدائية، وما زال في حاجة إلى عدة معاهد من صنف دور المعلمين.
وليس كثيرًا على جامعة الدول العربية أن تبني باسمها وبمالها دارًا للمعلّمين وأخرى للمعلّمات في الجزائر ومعهدًا ثانويًا أو معهدين تخفيفًا للعبء الثقيل الذي تحمله جمعية العلماء والأمة من ورائها.
وليس كثيرًا على الحكومات العربية أن تعلم في معاهدها وعلى نفقتها بضع مئات من أبناء الجزائر ليصبحوا معلّمين لأبناء شعبهم ورسل ثقافة بين المشرق العربي والمغرب العربي.
إن مكتب جمعية العلماء بالقاهرة هو جمعية العلماء ممثلة في القاهرة، فهو لسانها الناطق بأعمالها، المصوّر لحقيقتها وأمانيها، وهو السفير الأمين بين الشعب الجزائري وبين الشرق العربي كله، وهو المبلغ الصادق بين الطرفين، وهو الذي يشرف على هذه البعثات الرسمية المنظّمة مهما كثر عددها، وهو متحمّل في هذا السبيل لأعباء لا قبل له بها ولكنها واجبات، وهو في هذا اليوم مسؤول عن نفقات عشرات من الطلّاب لم يلتحقوا بالهيئات الرسمية، وهو كأصله لا ينفق فلسًا من المال ولا دقيقة من الوقت في الشخصيات، وانه منفق كل جهوده في نفع المجموع الجزائري، وهو يمد رجله على قدر الكساء فإن وجد السعة توسّع في البعوث.

أيها الإخوان: إنني أعتقد أنني لا أملك إلا التبليغ وقد بلّغت، ولا أستطيع إلا الإفهام وقد أفهمت، ولي من خصائص العروبة حظ في البيان وقد بيّنت، ولي من حقيقة العالم المسلم النصح وقد نصحت، فاللهمّ اشهد.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين
(4/281)

أضعنا فلسطين *
دعاة الحركة الإسلامية يقولون:
____
دعت جمعية الأخوة الإسلامية الشعب العراقي الكريم إلى الحفلة الخطابية التي أقامتها في جامع الإمام الأعظم احتفاءً بضيوف العراق الكرام سماحة العلّامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس علماء الجزائر، وفضيلة المجاهد الكبير الأستاذ الفضيل الورتلاني وفضيلة الأستاذ السيد مجتى نواب صفوي زعيم جمعية فدائيان إسلام، وما إن أزفت الساعة السابعة من مساء الخميس 7 - 1 حتى غصّ الجامع والفناء على سعتهما بالحاضرين وأعلن عن ابتداء الحفلة فافتتحت بخير ما يفتتح اجتماع مبارك بآيات من الذكر الحكيم، ثم نهض فضيلة الأستاذ محمد محمود الصوّاف وألقى كلمة ترحيبية بالضيوف المجاهدين وقال: وما هذا الاجتماع المبارك إلا ثمرة من ثمرات المؤتمر الإسلامي، وكانت كلمة بليغة عبّر فيها عن مشاعر المسلمين الذين يتحرّقون أسى على ما وصلت إليه حالة العالم الإسلامي وخاصة فلسطين.
ثم قدّم سماحة الحبر الجزائري العلّامة محمد البشير الإبراهيمي فألقى كلمة بليغة استهلّها بحمد الله والشكر ثم حيّا المسلمين جميعًا وقال:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
إن معرفة كارثة فلسطين لا تعدو أن تكون أسئلة وأجوبة، فإن استطعنا أن نعرف الأجوبة استطعنا أن نعرف الداء ثم نعالجه ...
أما السؤال الأول فهو: هل أضعنا فلسطين؟
الجواب: نعم.
السؤال الثاني: هل أعطيناها أم أخذوها منّا؟
الجواب: أعطيناها نحن ...
__________
* مجلة "الأخوة الإسلامية"، السنة الثانية، العدد الرابع، بغداد، 30 جمادى الأولى 1373هـ الموافق لـ 5 فيفرى 1954م.
(4/282)

السؤال الثالث: هل يمكن استرجاعها؟
الجواب: يمكن استرجاعها ...
ثم قال: بماذا أضعنا فلسطين؟
الجواب: أضعناها بالكلام.
فقد كان الشعراء ينظمون القصائد الطويلة العريضة في مديح العرب وتسفيل اليهود، والكتّاب يكتبون والساسة يصرّحون. فبين النظم والتصريح والكتابة والخطابة ضاعت فلسطين ...
ثم قال: الرجل البطل يعمل كثيرًا ولا يقول شيئًا ...
(4/283)

الصراع بين الإسلام وأعدائه *
الصراع بين الحق والباطل قديم، كان منذ خلق الله البشر وجعل للأهواء حظًا من السلطان على نفوسهم. ومن فروع هذا الصراع، الصراع بين الإسلام والكفر، فقد صرع الإسلام في عنفوان قوّته السماوية الأولى كل ما كان قائمًا من الأديان والنحل الباطلة ومزّق بنوره وبرهانه الضلالات التي كانت مغطّية على العقول حتى استقرّ في قراره من النفوس والأقطار وضرب بجرّانه في القطعة العامرة من أرض الله.
وأصبح برهانه لائحًا وبيّناته واضحة وقوّته غالبة فإما مسلم وإما ملق بالسلم، ومن كلمته العالية أنه جعل فريضة الدعوة إليه كلمة باقية في أهله تتوجّه إلى الضال ليهتدي وإلى المهتدي كي لا يضل.
فلما ضعفت الدعوة إلى الإسلام في المسلمين بما شاب هدايتهم من ضلال وما خالط عزائمهم من وهن، ثم تلاشت بتفرّقهم فيه واشتغالهم بالجدل الداخلي وغفلتهم عن فوائد الدعوة فيهم وفي غيرهم وبعدهم عن منبع هدايته الأولى هاجت عليهم دعايات الأديان الأخرى وما تفرّع عنها من مذاهب مادية تغري بالمادة وتؤلّهها ومن مذاهب فكرية تغري الفكر المسلم بالمروق من الدين وخلع ربقته ثم تشعّبت هذه المذاهب الفكرية إلى شعبتين: واحدة تسعى سعيها وتبذل وسائلها لفتنة المسلم عن دينه وإدخاله في دين آخر، وهذه الشعبة تجعل هدفها أطفال المسلمين الأحداث والأخرى تريد المسلم أن يخرج من الإسلام إلى الإلحاد المحض الذي يكفر بالأديان كلها، وهذه الشعبة تجعل هدفها شباب المسلمين لما يصحب الشباب من قوّة الإحساس وسرعة التأثّر وتأجّج العاطفة والميل إلى الانطلاق.
__________
* مجلة "الأخوة الإسلامية"، العدد العاشر، السنة الثانية، بغداد، 1 شوّال 1373هـ الموافق 2 جوان 1954م.
(4/284)

والشعبتان معًا تلتقيان عند غاية واحدة هي فصل المسلمين وهم قوة في العدد عن دينهم وهو مناط قوّتهم الروحية ليتم للقائمين على الشعبتين استعباد أبدان المسلمين واستغلال خيرات أوطانهم. ومن ظن من عقلاء المسلمين وعلمائهم أن هذه الحملة عليهم وعلى دينهم ليستْ مدبرة وليست منظّمة وليست متعاونة متساندة وليست مرصدة لوقتها ورامية إلى هذا الهدف، من ظنّ هذا فأقل درجته أنه مغفل جاهل مغرور.
ولو حافظ المسلمون على فريضة الدعوة في دينهم وكانت لهم دعاية منظمة يمدّها الأغنياء بالمال والعقلاء بالرأي والعلماء بالبرهان المثبت للحقائق الإسلامية وبالتوجيه لغاية الغايات فيه وهي إسعاد الانسانية وتحقيق السلام بين البشر والقضاء على الطغيان والعدوان والظلم، وإقامة العدل بين الناس ونشر المحبة بينهم، لو فعلوا ذلك وحافظوا عليه في كل أطوار الزمن لكانوا اليوم فيصلًا بين الكتلتين المتطاحنتين وحاجزًا حصينًا بين البشرية وبين الكارثة المتوقعة التي لا تبقي على بر ولا فاجر ولا مؤمن ولا كافر، بل إنني أعتقد اعتقادًا جازمًا انه لو كان للإسلام دعاة فاهمون لحقيقة الإسلام محسنون للإبانة عنها ولعرضها على العقول لرجعت إليه هذه الأمم الحائرة في هذا العصر، الثائرة على أديانه وقوانينه وأوضاعه لأن أديانه لم تحفظ لهم الاستقرار النفسي والطمأنينة الروحية، ولأن قوانينه الوضعية لم تضمن لهم المصالح المادية ولم تقم الموازين القسط بين طبقاتهم، ولأن الأوضاع العامة لم تحقن دماءهم ولم تغرس المحبة بينهم، فهم لذلك تائهون متطلعون إلى حال تغيّر هذه الأحوال، وفي الإسلام ما يقوم بذلك كله ويرجع بالناس إليه وإلى اختياره حكمًا ترضى حكومته لو وجد من يدعو إليه على بصيرة ويبيّن حقائقه ويحسن عرضها على العقول ببرهان الواقع والمعقول.
لم يمضِ على المسلمين في تاريخهم الطويل عهد كهذا العهد في قعودهم عن الدعوة إلى دينهم وفي هجوم الدعاية الأجنبية عليهم والقضيتان متلازمتان في الطباع البشرية الغالبة وفي طبيعة الاجتماع الذي هو أملك لأحوالهم.
فمن سننه أن من لم يدافع دوفع وأن من لم يهاجم هوجم وأن من سكت على الحق أنطق غيره بالباطل، ولم يَمْضِ عليهم زمن تألّبت فيه قوى الشرّ عليهم وتألّفت جنوده على ما بينها من دعوات ومناقضات كما تألّبت في هذا الزمن، فالأديان كاليهودية والمسيحية الغربية الاستعمارية والبوذية والوثنية بجميع ألوانها والمذاهب الاجتماعية المادية كلها أصبحت أَئبًا على المسلمين والإسلام، متداعية إلى ذلك عن قصد واتفاق صادرة في ذلك عن عهد وميثاق يسند بعضها بعضًا ويقرض بعضها بعضًا العون والتأييد، وأن العقلاء من هذه الأمم المتعاونة على حرب الإسلام مسوقون بأيدي الساسة الطامعين والقساوسة المتعصّبين والملاحدة المستهترين حتى أصبح باطن أمرهم كظاهره وهو أنهم قوة متحدة لحرب الإسلام
(4/285)

يشارك فيها ذو الدين بدينه وذو المال بماله وذو العقل بعقله. ويشارك فيها الساكت بسكوته ... لا نلوم هؤلاء الأقوام على ما يسرون من عداوة الإسلام وما يعلنون ولا على ما صنعوا بأهله وما يصنعون، فما اللوم برادّهم على ما هم ماضون فيه بعد أن ابتلوا سرائرنا وامتحنوا ضمائرنا، فوجدوها عورات ومنافذ خالية من الحراسة التي يعرفونها عنّا، ومن المناعة التي يتوقّعونها منَّا فسدّدوا الغارة على ديارنا فاكتسحوها، وشدّدوا الحملة على خيرات أوطاننا فاستباحوها، ثم شنّوا غارة أفجر وأنكر على عقولنا ليمسخوها، إذ بذلك وحده يضمنون التمتعّ بخيراتنا والتلذذ باستعبادنا.
لا نلومهم على ذلك، فما منهم إلا موتور من هذا الإسلام في ماضيه وأحد أطوار تاريخه فهو حاقد عليه يتخيّل في شبحه مفوّتًا للعز والسلطان، ومقيّدًا للشهوات في اتّباع الشيطان، أو مانعًا من الانطلاق الحيواني في بغي الإنسان على الإنسان، وما ينقمون من الإسلام إلا أنه يقيّد الغريزة الحيوانية عن الظلم والتسلّط والشهوة ويفيض عليها من النور السماوي ما يرفعها إلى أفق أسمى، وهم بعد ذلك عمون عما وراء ذلك الذي ينقمونه من خير في الإسلام ونفع، ولا نملك لهم أن يهتدوا إلى ما في الإسلام من عز بالله وعدل في أحكامه بين عباده رحمة بهم وإحسانًا وإلى ما فيه من انطلاق ولكن إلى الآفاق العليا الملكية.
إنما نلوم أنفسنا ونلوم قومنا على التفريط والإضاعة وعلى إهمال الدعوة لدينهم والعرض لجماله ومحاسنه وعلى التخاذل في وجه هذه القوة المتألبة المتكالبة عليهم وعلى دينهم حتى أصبح سكوتنا وإهمالنا عونًا لها على هدم ديننا ومحو فضائلنا والقضاء على مقوّماتنا، فأغنياؤنا ممسكون عن البذل في سبيل الدعوة إلى دينهم، وكأن الأمر لا يعنيهم وكأن الدين ليس دينهم، وكأنهم لا يعلمون أن هذا التكالب إن استمرّ لا يبقي لهم عرضًا ولا مالًا ولا متاعًا، وقد بلغت الغفلة ببعضهم أن يعين الجمعيات التبشيرية المسيحية بماله وكأنه يقلّد عدوّه سلاحًا قتّالًا يقتل به دينه وقومه، ولم يبق عليه من فضائح الجهل إلا أن يقول لعدوّه اقتلنى به. إننا لا نكون مسلمين حقًا ولا نستطيع أن ندفع هذه الجيوش المغيرة علينا وعلى ديننا تارة باسم العلم وتارة باسم الخير والإحسان وأخرى باسم الرحمة بالإنسان إلا إذا علمنا ما يراد بنا وفقهنا الغايات لهذه الغارات وتحديناها بجميع قوانا المعنوية والمادية وحشدها في ميدان واحد هو ميدان الدفاع عن حياتنا الروحية والمادية، ولا يتم لهذا الشأن تمام إلا إذا أقمنا الدعوة إلى الله وإلى دينه الإسلام على أساس قوي من أحجار العالم الربّاني والخطيب الذي يتكلم بقلبه لا بلسانه والكاتب الذي يكتب بقلمه ما يمليه عقله والغني المستهين بماله في سبيل دينه، ثم وجّهنا هذه الدعوة إلى القريب قبل الغريب، إلى المسلم الضالّ قبل الأجنبي، فإذا فعلت الدعوة فعلها في نفوس المسلمين وأرجعتهم إلى ربّهم فاتصلوا به فتمسّكوا بكتابه وهدي نبيّه وتمجّدوا بتاريخه وأمجاده وفضائله ولسانه كنا قلّدناهم سلاحًا لا
(4/286)

يفلّ وأسبغنا عليهم حصانة روحية لا تؤثر عليها هذه الدعايات المضللة وحصانة أخرى مادية ملازمة لها لا تهزمها الجموع المجمعة ولو كان بعضها لبعض ظهيرًا.
المسلمون في حاجة أكيدة إلى دعاية داخلية تهدي ضالهم وتصلح فاسدهم تبتدئ من البيت وتجاوزه إلى الجار والقرية حتى تنتظم المجتمع كله. فإذا عمرت القلوب والبيوت والمجتمعات بمعاني الإسلام الصحيحة أعطت ثمراتها الصحيحة وجاء نصر الله والفتح ربطًا للوعد بالإنجاز ووصولًا إلى الحقيقة على المجاز، ويومئذ تزول هذه الفوارق البغيضة من تلقاء نفسها، فلا مذهب إلا مذهب الحق ولا طريقة إلا طريق القرآن ولا نزعة إلا نزعة المجد والسمو ولا عاطفة إلا عاطفة المحبة والخير ولا غاية إلا نشر السلام والطمأنينة في هذا العالم المضطرب.
لا يأس من روح الله ... فهذه مخايل نصر وهذه مبشرات القطر وهذه طلائع الزحوف الحاملة لراية الدعوة الإسلامية، وهؤلاء عصب من علماء الإسلام قائمون بإحياء هذه الفريضة بصدق وإخلاص وتضحية ومن ورائهم كتائب من شباب الإسلام تفتّحت بصائرهم على نوره يحملون ألسنة قوّالة للحق وعقولًا جوّالة في ميدان الحق وإن عددهم كل يوم لفي ازدياد، وإن نجاحهم فيما يمارسونه من الدعوة إلى الله لفي اطراد، فما على القاعدين إلا أن ينضمُّوا وما على الغافين إلا أن يهتموا ولا على المستيئسين إلا أن يستبشروا ويؤيّدوا وما على الغافلين عن ذاك الشر المستطير إلا أن ينتبهوا إلى هذا الخير فيعملوا على نمائه وبقائه، وإن أثمن هدية يقدّمها المسلم إلى هؤلاء الدعاة هي الاهتداء إلى الحق والاقتداء بأهل الحق.
(4/287)

معنى الصوم *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
للإسلام في كل عبادة من عباداته حكم تستجليها العقول على قدر استعدادها، فمنها حكم ظاهرة يدركها العقل الواعي بسهولة، ومنها حكم خفية، يفتقر العقل في اجتلائها إلى فضل تأمل وجولان فكر.
ولكلّ عبادة في الإسلام تؤدّى على وجهها المشروع وبمعناها الحقيقي آثار في النفوس تختلف باختلاف العابدين في صدق التوجّه واستجماع الخواطر واستحضار العلاقة بالمعبود، والغرض الأخصّ للإسلام في عباداته التي شرعها، وهو تزكية النفس وتصفيتها من شوائب الحيوانية الملازمة لها من أصل الجبلة وترقيتها للمنازل الإنسانية الكاملة، وتغذيتها بالمعاني السماوية الطاهرة، وفتح الطريق أمامها للملإ الأعلى، لأن الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه كائن وسط ذو قابلية للصفاء الملكي والكدر الحيواني، وذو تركيب يجمع حمأ الأرض وإشراق السماء، وقد أوتي العقل والإرادة والتمييز ليسعد في الحياتين المنظورة والمذخورة، أو يشقى فيهما، امتحانًا للعقل من خالق العقل والمنعم به، ليظهر مزية العاقل على غير العاقل من المخلوقات. والعبادات إذا لم تعط آثارها في أعمال الإنسان الظاهرة، فهي عبادة مدخولة أو جسم بلا روح.
والصوم في الإسلام عبادة سلبية، بمعنى أنها إمساك مطلق عن عدة شهوات نفسية في اليوم كله لمدة شهر معيّن، فليس فيها عمل ظاهر للجوارح كأعمال الصلاة وأعمال الحج مثلًا، ولكن آثار الصوم في النفوس جليلة، وفيه من الحكم أنه قمع للقوى الشهوانية في الإنسان، وأنه تنمية للإرادة وتدريب على التحكم في نوازع النفس، وهو في جملته امتحان سنوي يؤدّيه المسلم بين يدي ربّه، والنجاح في هذا الامتحان يكون بأداء الصوم على وجهه
__________
* حديث في إذاعة بغداد، ماي 1954.
(4/288)

الكامل المشروع، ولكن درجة النجاح لا يعلمها إلا الله لتوقف الأمر فيه على أشياء خفية لا تظهر للناس، ومنها الإخلاص، ولذا ورد في النصوص الدينية: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».
والصوم مشروع في جميع الأديان السماوية، وحكمته فيها واحدة، ولكن هيئاته وكيفياته تختلف، واختلاف المظاهر في العبادة الواحدة لا يقدح في اتحاد حقيقتها ولا في اتحاد حكمها، لأن المظاهر قشور والحقائق هي اللباب.
وهذا الإمساك يشمل في اعتبار الدين الكامل عدة أشياء جوهرية تمسك المسلمون بالظواهر منها كالإمساك عن شهوة البطن، وغفلوا عن غيرها وهي سر الصوم وجوهره وغايته المقصودة في تزكية النفس، وأهمّها الإمساك عن شهوة اللسان من اللغو والكذب والغيبة والنميمة، ومنها اطمئنان النفس وفرحها بالاتصال بالله، ومنها تعمير النهار كله بالأعمال الصالحة، ومنها الحرص على أداء العبادات الأخرى كالصلاة في مواقيتها، ومنها كثرة الإحسان إلى الفقراء والبائسين وإدخال السرور عليهم بجميع الوسائل، حتى يشترك الناس كلهم في الخير فتتقارب قلوبهم وتتعاون أنواع البر على تهذيب نفوسهم وتصفية صدورهم من عوامل الغل والبغضاء، وتثبيت ملكات الخير فيهم.
ومن المقاصد الإلهية البارزة في ناحية من نواحي الصوم أنه تجويع إلزامي، يذوق فيه ألم الجوع من لم يذقه طول عمره من المنعمين الواجدين، وفي ذلك من سر التربية ما هو معروف في أخذ الطفل بالشدة في بعض الأوقات، ومن لوازم هذا التجويع ترقيق العواطف وتهيئة صاحبها للإحسان إلى الفقراء المحرومين، فإن مَن لم يذق طعم الجوع لا يعرف حقيقة الجوع ولا يحسّ آثاره ولا يتصوّره تصوّرًا حقيقيًا، ولا يهزّه إذا ذكّر به، فالغي الذي لم يذق آلام الجوع طول عمره لا يتأثر إذا وقف أمامه سائل محروم يشكو الجوع ويصف آلامه ويطلب الإحسان بما يخفّف تلك الآلام، فيخاطبه وكأنما يخاطب صخرة صمّاء، لأنه يحدّثه بلغة الجوع، ولغة الجوع لا يفهمها المترفون المنعّمون وإنما يفهمها الجياع، فكيف نرجو من هذا الغي أن يتأثر وأن يهتزّ للإحسان، وهو لم يَجُع مرة واحدة في عمره، فهو لا يتصوّر ألم الجوع، ومن لم يتصوّر لم يصدق، ومن لم يحسّ بالألم لم يحسن إلى المتألمين. ولو أن المسلمين أقاموا سنة الإحسان التي أرشدهم إليها الصوم لم ينبت في أرضهم مبدأ من هذه المبادئ التي كفرت بالله وكانت شرًّا على الإنسانية.
وأنا فقد عافاني الله من وجع الأضراس طول عمري فانعدم إحساسي به، فكلما وصف لي الناس وجع الأضراس وشكوا آلامه المبرحة سخرت منهم وعددت الشكوى من ذلك نقيصة فيهم هلعًا أو خورًا أو ما شئت، وفي هذه الأيام غمزني ضرس من أضراسي غمزة
(4/289)

مؤلمة أطارت صوابي، وأصبحت أؤمن بأن وجع الأضراس حق، وأنه فوق ما سمعت عنه، وأن شاكيه معذور جدير بالرثاء والتخفيف بكلّ ما يستطاع.
هذه هي القاعدة العامة في طبائع الناس، فأما الذي يحسن لأن الإحسان طبيعة قارة فيه، أو يحسن لأن الإحسان فضيلة وكفى، فهؤلاء شذوذ في القاعدة العامة.
وشهر الصوم في الإسلام هو مستشفى زماني تعالج فيه النفوس من النقائص التي تراكمت عليها في جميع الشهور من السنة، ومكّن لها الاسترسال في الشهوات التي يغري بها الإمكان والوُجْد، فيداويها هذا الشهر بالفطام والحِمْية والحيلولة بين الصائم وبين المراتع البهيمية، ولكن هذه الأشفية كلها لا تنفع إلا بالقصد والاعتدال.
لو اتّبع الناس أوامر ربّهم ووقفوا عند حدوده لصلحت الأرض وسعد من عليها، ولكنهم اتبعوا أهواءهم ففسدوا وأفسدوا في الأرض وشقوا وأشقوا الناس.
والسلام عليكم أيها الصائمون ورحمة الله وبركاته.
(4/290)

أعيادنا بين العادة والعبادة *
كلمتا العادة والعيد تجتمعان في أصل الاشتقاق اللفظي وتلتقيان على الاشتراك في المعنى الوضعي، ولكن الإسلام حينما شرع عيديه العظيمين بين بناء مشروعيتهما على معانٍ دينية جليلة وأبقى اللفظ للدلالة على الزمن الموقّت لتلك المعاني كما هو شأنه في جميع حقائقه وأحكامه القدرية والتكليفية والكونية المشهودة والمغيبة، يدل عليها بمفردات وتراكيب عربية مما يعرف الناس ويبقي لها جزءًا من المعنى يتصل بالمعاني الدينية أي اتصال أو يكون جزءًا منها ثم يصرف بقية الأجزاء من المعاني إلى الغرض الديني الكامل حتى لا يكون اللفظ منقولًا من معنى قديم أفرغ منه إفراغًا إلى معنى جديد شحن به شحنًا. وما كاد الإسلام يظلّل العرب بلوائه حتى كانت للألفاظ التي تصرف في معانيها الوضعية بالتخصيص أو التعميم أو غيرها من وجوه التصرّف مفهومة لا يلتوي فيها ذهن ولا يجافيها إدراك، وانتقلت مع الإسلام إلى الأمم الأخرى فإذا اللغة العربية قائمة بهذا الدين كأنما أعدّت له إعدادًا ووضعت وضعًا أوليًا خاصًا لمعانيه الدينية الجديدة، وكانت بذلك أحسن مؤد لحقائقه وأعظم حامل لأسراره، ويتلطف علماء البيان حينما يسمّون هذا النوع من التصرّف "الحقائق الشرعية"، يقابلون به الحقائق الوضعية. وهنا يتجلّى لطف الله وسماحة دينه إذ لم يجعل للدين لغة خاصة وللدنيا أخرى، بل جعل لغة الدنيا هي لغة الدين مع أن لغة الدنيا لا تتسع- في العادة- لحمل الحقائق العليا كصفات الله ولا لوصف الغيبيات المطلقة كالعوالم الروحانية وما بعد الموت ودار الجزاء.
لم يبقَ من معنى كلمة العيد في الإسلام إلا أنه يعود في زمن مقدّر، أما ما عدا ذلك فصرفه إلى معانٍ دينية مما ينفع الناس، ففي العيدين المشروعين أحكام تقمع الهوى، من
__________
* مجلة "الأخوة الإسلامية"، العدد الحادي عشر، السنة الثانية، بغداد، 17 شوّال 1373هـ الموافق لـ 18 جوان 1954م.
(4/291)

ورائها حكم تغذّي العقل، من تحتها أسرار تصفي النفس، من بين يديها ذكريات تثمر التأسي، في الحق والخير، وفي أطوائها عِبَر تجلي الحقائق وأمثلة عملية في الإحسان وتقوية ملكته وقواعد متينة في التربية الفاضلة وموازين تقيم المعدلة بين الأصناف المتفاوتة من البشر ومقاصد سديدة في حفظ الوحدة وإصلاح الشأن ودروس تطبيقية عالية في التضحية والإيثار والرحمة والمحبة، وهما مع ذلك كله ميدان استباق إلى الخيرات ومنافسة في المكرمات.
قرن الإسلام كل واحد من العيدين بشعيرة من شعائره العامة لها جلالها الخطير في الروحانيات، ولها خطرها الجليل في الاجتماعيات ولها ريحها الهابّة بالخير والبر والإحسان والرحمة، ولها أثرها العميق في التربية الفردية والجماعية التي لا تكون الأمة أمة صالحة للوجود نافعة في الوجود إلا بها.
هاتان الشعيرتان هما شهر رمضان الذي جاء عيد الفطر مسك ختامه، وكلمة الشكر على تمامه، والحج الذي كان عيد الأضحى بعض أيامه، والظرف الموعي لمعظم أحكامه، وناهيك بالشعيرتين منزلة بين شعائر الإسلام. وإنهما مظهر الامتحان الذي هو أساس التكليف وان كليهما سوق امتيار يمتار منه الموفقون طرائف الخير والعاملون لله فيه بالصدق والوفاء، وما كل تاجر رابح، وما كل متجر ربيح وما كل بضاعة من أعمال العاملين تروج عنه الله، وان شر ما باء به تاجر في تجارة أن يجتمع عليه التعب والخسارة.
هذا الربط الإلهي بين العيدين وبين الشعيرتين كافٍ في الحكم عليهما وكاشف عن وجه الحقيقة فيهما، وأنهما عيدان دينيان بكل ما شرع فيهما من سنن حتى ما ندب إليه الدين وهو في ظاهر أمره دنيوي كالتجمّل والتحلّي والتعطّر والتوسعة على العيال وإلطاف الضيوف والمرح واختيار المناعم والأطايب واللهو، مما لا يخرج إلى حد السرف والتغالي والتفاخر المذموم.
فمن تحرّر المحاسن في الإسلام أن المباحات إذا حسنت فيها النية وأريد بها تحقيق حكمة الله أو شكر نعمته انقلبت قربات، إلى الغاية التي نطق بها الحديث الصحيح: «حَتَّى اللُّقْمَةَ تَضَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ».
كِلا طرفي العيد في معناه الإسلامي جلال وجمال، وتمام وكمال، وربط واتصال، وبشاشة تخالط القلوب، واطمئنان يلازم الجنوب، وبسط وانشراح، وهجر للهموم واطراح، وكأنه شباب وخطته النضرة، أو غصن عاوده الربيع فوخزته الخضرة. فلو وصف العيد نفسه وصف الخائل المزهو وخلع على نفسه كل ما انتهى إليه خيال الشعراء لكان مقصّرًا عن الغاية مما وصفه الإسلام به ولكان نازلًا عن المنزلة التي وضعه فيها، وليس السر في يومه الذي يبتدئ بطلوع شمس وينتهي بغروبها، وإنما السرّ فيما يعمر ذلك اليوم من أعمال، وما يغمره من إحسان وافضال، وما يغشى النفوس المستعدّة للخير فيه من سموّ وكمال.
(4/292)

العيد في نظرة الإسلام ملتقى عواطف تتقارب، بين طوائف كانت في أمسه تتحارب، ففيه يتنزل الغني المترف ويصعد الفقير المترب فيلتقيان في عالم من عوالم المثال كما يقول الصوفية، هو خير ما ظلّت الإنسانية تنشده فلا تجده، يتجلّى العيد بجلاله على الغني فينسى تألهه بالمال، ويذكر أن كل من حوله إخوانه أولًا وأعوانه ثانيًا فيمحو إساءة عام بإحسان يوم، ويتجلّى على الفقير بجماله فينسى متاعب العام ومكاره العام وتمحو بشاشة العيد من نفسه آثار الحقد والتبرّم والضيق ولا تتفتح أمام عينيه إلا الطريق الواصلة بالله المؤدية إلى الخير وتنهزم في نفسه دواعي اليأس على حين تنتصر بواعث الرجاء ...
هذه بعض معاني العيد كما نفهمها من الإسلام وكما حقّقها المسلمون الصادقون يوم كانوا، فكان هذا اليوم من العام زاد الرحلة بآثاره ثم بانتظاره للعام كله، وكانت آثاره في النفوس كآثار الحمّام في الأبدان رحضًا للأبدان وبعثًا للنشاط. فأين نحن اليوم من هذه الأعياد، وأين هذه الأعياد منّا؟ وأين آثار العبادة فيها من آثار العادة؟
...

آفة محاسن الإسلام- وما محاسن شيء كله حسن- هذه الظواهر المتقلبة التي يسمّون مجموعها عادة، فهي التي تتسلّط على تلك المحاسن بالطمس والتشويه حتى تمسخ الجمال ثم تنسخ التأثير ثم تفسخ العقد، فلا يبقى للجمال استهواء للنفوس ولا تأثير فيها ولا سلطان عليها، وقد تبدأ بالإلف يعقبه أنس، يعقبه تأثر، يعقبه اعتبار، يعقبه تحكّم، يعقبه تحكيم ثم ينتهي بأسوإ ما ينتهي إليه تعاقب الأطوار، وهو النزول عن حكم الدين في ثبوته والعقل في تقبيحه وتحسينه والفكر في تأنيه ووزنه وقياسه وترتيبه وتقديره لحكم العادة المضطربة المتقلبة، فتصبح هي الحاكمة المقبحة المحسنة المقدرة وهي صاحبة الاعتبار الأول في تقدير الحياة، ثم تتسامى إلى المسلّمات اليقينية فتمسّها بالتشكيك ثم إلى الحقائق الدينية فتبتليها بالتزهيد فيها أو بالتبغيض، وهذا هو شرّ ما وصل إليه المسلمون بالنسبة إلى شعائر دينهم: تهجر بين أقوام فيصبح هجرها عادة تخشى مخالفتها والخروج عنها، ويقيمها أقوام بحكم العادة لا بحكم الدين، وآية ذلك أن فاعلها يأتي بها متبرّمًا متثاقلًا مقدّرًا لعتاب الناس لا لعذاب الله، وهذا التناقض في آثار العادة واقع بين المسلمين مشهود مشهور ...
ونحن لا ننكر أن عوائد الناس تابعة لأحوال الناس رقيًّا وانحطاطًا. فالأمة الراقية ترقى عاداتها في الغالب لأن عاداتها تتشعّب من مقوّماتها، والأمة المنحطة تنحط عاداتها، والمسلمون اليوم في أحط دركات الانحطاط، فلا عجب إذا كانت عاداتهم المتحكّمة فيهم من نوع حالتهم العامة. فمناشئ العادات فيهم هي أخصّ أحوالهم من الجهل والأمية والفقر والذلة والهوان وموت الشعور بالكرامة والشرف، ويقظة الشعور بالمهانة والنقص في النفس
(4/293)

وفي الجنس والنفور من القريب والخضوع لحكم الغريب، فقل ما شئت في عادات تتكوّن من هذه الأمشاج الخبيثة، ثم حدث ولا حرج عن الآثار السيئة لتحكّم هذه العادات في حياة المسلمين، ثم ابكهم مع الباكين، حينما تمدّ هذه العادات السخيفة مدّها فتنصبّ على الدين، فتصبح موازينه مأخوذة بالاعتبارات العادية، وأحكامه خاضعة للاعتبارات العادية، وأعماله تابعة للاعتبارات العادية، وواقعنا اليوم هو هذا. فليسلّم العقلاء منا بهذا الدافع وليعالجوا الحالة على ضوئه، وحذار من المكابرة فيه، فشرّ الخلال أن نركب الكبيرة ثم نكابر فيها فنصيرها كبيرتين وتحجبنا المكابرة عن العلاج فنكون من الهالكين.
...

بلونا أمر المسلمين في القرون الأخيرة شهادة للحاضر وتلقّفًا لأخبار الغائب، وبدأنا بأنفسنا فوجدنا أَنَّا ما أوتينا إلا من ضعف سلطان الدين على نفوسنا، ووزننا للأشياء كلها بالميزان العادي، وتحكيمنا للعادات السخيفة التي نبتت فينا في عصور الانحطاط.
هذه شعيرة الحج على جلالتها أصبحت متآثرة بالعوائد، فلا يحفز معظم المسلمين إليها ذلك الحافز الديني ولا تدفعهم إلى تحمّل لأوائها تلك الغاية السامية التي شرع الحج لتحقيقها، وإنما يحفز معظم الناس إليها الافتتان الشائع بالتلقيب، كأنهم يتبرمون بأسمائهم المجرّدة من كثرة التبذّل والاستعمال، فيسعون في إضافة لقب أو وصف كما يتهالك الخليون الفارغون على الألقاب الحكومية الزائفة ويبذلون فيها الجعائل، وإن ذلك لمن هذا، وفي الأمم إذا تداعت للسقوط مشابه من البناء إذا تداعى للانهيار.
وهذه شعيرة الصوم خلت بين المسلمين من روحها التي تزكي وتجلب الروْح والاطمئنان، وأصبحت وظيفة عادية يقوم بها القائمون تأثّرًا بالعادة لا انسياقًا للدين، ويتركها المنتهكون لحرمات الله فيشيع الترك فيكون هو العادة الجارية ويكون الصوم شذوذًا خارقًا للعادة، وكلا الأمرين واقع في الأقطار الإسلامية، فالمحافظة على الصوم تغلب في الجزائر مثلًا اتّباعًا لعادة المجتمع المتشدد مع المفطرين، وهذا المجتمع المتشدّد في الصوم متساهل إلى أقصى الحدود مع تاركي الصلاة، فلو كان للشعائر سلطانها الديني على النفوس لما أفطر في رمضان أحد، ولما ترك الصلاة أحد، ولما كان للعادة دخل في هذا المجال، ولو كان المتشددون مدفوعين بدافع ديني لكان تشدّدهم مع تاركي الصلاة أقوى وأشد وأولى وأوكد.
...

وعمود هذه الكلمة هو الأعياد ولكن ضرورة التمثيل خرجت بنا عن الجدد إلى الحيد بعض الشيء، فلنعد إلى العيد، ولنقل ان المسلمين جرّدوا هذه الأعياد من حليتها الدينية، وعطّلوها من تلك المعاني الروحية الفوّارة التي كانت تفيض على النفوس بالبهجة مع تجهّم
(4/294)

الأحداث وبالبشر مع عبوس الزمن، وأصبحوا يلقون أعيادهم بهمم فاترة وحس بليد وشعور بارد وأَسِرَّة عابسة وكأنها عملية تجارية تتبع الخصب والجدب وتتأثر بالعسر واليسر والنفاق والكساد، لا صبغة روحية ذاتية تؤثر ولا تتأثر. ولولا نفحات فطرية تهب على نفوس الصغار القريبين من الفطرة فتتجلى فيها بعض معاني العيد فتطفح بشرًا على وجوههم وتنبعث فرحًا في شمائلهم ونشاطًا في حركاتهم واجتماعًا على المحبّة في زمرهم واتجاهًا إلى المبهجات في مجتمعاتهم، لولا ذلك لكانت المآتم أعمر بالحركة وأدلّ على الحياة من أعيادنا.
...

العادات محكمة ... كلمة يقولها فلاسفة الاجتماع وفقهاء التشريع، ويريدون فيها أن للعادات الثابتة الصالحة دخلًا في تكييف أحكام المعاملات وقوانين الاجتماع البشري بحيث تبلغ من القوة والاستمرار أن تصبح مرجعًا للقضاة في أحكامهم على ما يشجر بين الناس من خلاف في أسباب معايشهم، ومرجعًا للباحثين في أحكامهم على الظواهر الاجتماعية في الشعوب، ويقيّد الفقهاء إطلاق العادة بأن تكون محققة لمصلحة أو دافعة لمفسدة وبأن لا تنقض نصًا شرعيًا ولا تعاند حكمًا إجماعيًا، فإن لم تكن كذلك كانت باطلة مردودة ونحن نقول: إن عاداتنا مع سخافتها، أصبحت حاكمة يرجع الناس إليها عن عقولهم وأفكارهم ومصالحهم وعن دينهم أيضًا.
لو أوتينا الرشد لكان لنا من أعيادنا الدينية الجليلة مواقف لتصحيح الانتساب، ومواقيت لتصفية الحساب، ولعلمنا أن نفس المؤمن تتّسع للدين والدنيا، وأن وجودها مرتبط بعضه ببعضه، وأن وجود أحدهما رهن بوجود الآخر، وأن كمال أحدهما كفيل بكمال الآخر، وأن طروق الضعف لأحدهما مؤذن بطروقه للآخر. ويوم كان الدين كاملًا في النفوس كانت الدنيا مملوكة لتلك النفوس، ويوم أضعنا الدين أضعنا الدنيا. فلا يذهب الخرّاصون مذاهبهم في العلل والأسباب؛ فهم بعض تلك الأسباب، ولا يتعبوا أنفسهم في "الوصفات" لدواء أمراضنا فهم بعض أمراضنا، ونحن أعرف بدائنا ودوائنا. ومن آداب النبوّة فينا "ائحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ" فأنجع الأدوية لأدوائنا الحمية ... الحمية من المطامع والشهوات فهي التي أفسدت علينا ديننا ودنيانا، وإذا فعلت هذه الحمية فعلها خفّت الأخلاط فخفّت الأغلاط، فتجدد النشاط، فهدينا إلى سواء الصراط.
الحمية رأس الدواء والحمية لا تفتقر إلى إرشاد طبيب. فلنخرس هذه الببغاوات المرددة لفرية أعداء الإسلام بأن الداء آتٍ من الإسلام وأن الدواء في التحلّل منه، وليربع كل ناعق من هؤلاء على خلعه، وليعلم أنه فينا كالضرس المؤوف كل الخير في قلعه.
(4/295)

متى يبلغ البنيان *
كان العقلاء منّا يظنّون أن المؤتمر الإسلامي الأخير الذي انعقد بالقدس في 3 ديسمبر 1953 لبحث قضية فلسطين نجاد الساعين بالرأي والنفوذ والمال لتحريرها ولإيقاظ الشعور الإسلامي والعربي فيها من جديد، كانوا يظنون أنه سيكون أقوى المؤتمرات الإسلامية التي سبقته في هذه القضية وغيرها، لا لأنه متعلّق بقضية لها في قلب كل مسلم جرح، ولها في قلب كل مسلم غمة، ولها في ضمير كل عربي وخزة، ولها في وجهه وسمة عار ولها في عرضه وصمة نبز، لا لذلك فإننا معشر العرب بمواقفنا في قضية فلسطين وسكوتنا على حكوماتنا المتخاذلة في قضيتها ومُمَالَأَةِ بعضنا لليهود إلى الآن بالتهريب والتجسس، بذلك كله أقمنا الدليل الذي لا يكذب على أننا لم نرث من قبيلة امرئ القيس التي هي إحدى أصولنا إلا الخلق الذي مدحها به الشاعر إذ قال:
فأمْثُلُ أخلاق امرئ القيس أنها … صلاب على طول الهوان جلودها
كلا ما كان هذا هو الذي يطمع العقلاء في أن يكون لهذا المؤتمر شأن وقيمة غير شأن وقيمة المؤتمرات القديمة، ولكن الذي يطمعهم في ذلك خصال أخرى من أنه جاء بعد تجلّي جميع الحقائق، وبعد تصفية الحساب الذي ظهرت فيه خسارة العرب والمسلمين، وبعد أن صدق المفتري، وافتضح المجتري، وبعد أن أيقن كل شاك أن دويلة كانت لا تعد في الأرض غلبت ست دول، وإن زهاء مليون عربي نبتوا في فلسطين كتينها وزيتونها اقتلعتهم شراذم اليهود بأيسر محاولة، فأخرجوهم من ديارهم وذادتهم كالأغنام الضالة عن المدن والأرياف إلى حواشي الصحراء، وأستغفر الله ألف مرة من قولي "أخرجهم اليهود"، فإن
__________
* مجلة "الأخوة الإسلامية"، العدد الحادي عشر، السنة الثانية، بغداد، 17 شوّال 1373هـ الموافق لـ 18 جوان 1954م.
(4/296)

حكوماتنا هي التي أخرجتهم وظاهرت اليهود على إخراجهم، و {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}.
...

كنّا نظنّ هذا مع العقلاء أيام الدعوات إلى المؤتمر وأيام التحضيرات ويوم تراءت الوجوه في المسجد الأقصى فإذا هي أحق بقول المتنبي ممن قال فيهم:
فَمَا تُفْهِمُ ائحُدَّاثَ إِلَّا التَّرَاجِمُ
ولكنهم كانوا على قلب رجل واحد إيمانًا ويقينًا وصدق قصد وقوة عزيمة.
وهنا بدأت المخايل تكذب ذلك الظن وواأسفاه. فما كاد المؤتمر ينظّم اجتماعاته ويقسم الأعمال على شُعبه حتى بدأت الدسائس تدسّ لإحباطه، وكان الدسّاسون منا بالطبع لا من اليهود ولا من النصارى، وكانوا من أهل فلسطين ومن مرعيهم لا من الهمل، ومن وجوههم- شاهت الوجوه- التي جفت من الحياء، وأقبح القبح أن يرتكب المأثم أصحاب المأتم، وأحسّ المؤتمرون بالدسائس فوقف المسؤولون فيه منها موقف الحزم، وألقموا كل أفّاك حجرًا، وكان أصحاب هذه الوجوه ممن يحضرون بعض جلسات المؤتمر في بعض لجانه، فلحظ المراقبون عنهم أنه كلّما جدّ جِدّ المؤتمر رموا في نفسه قذاة وشغلوه بالنافلة عن الفرض، فذكروا مسجد الصخرة وهوّلوا من تداعيه للسقوط ما هوّلوا حتى كأن القدس - وهي في لهوات الضيغم العادي- لا تستحق في نظرهم من العناية بإنقاذها عشر ما يستحقّه هذا المسجد من العناية بترميمه وتزويقه، وهم يرون بأعينهم أن القنبلة اليهودية التي رمت المسجد ما زالت آلتها مسدّدة، وأنها كانت واحدة فأصبحت معددة، وكانت قديمة فاصبحت مجددة، ويرون بأعينهم استعدادات اليهود لا تزال قاصمة الظهر بنا، ويعتقدون بأنهم فاعلون، وكان خطباء المؤتمر يتألفون الشارد ويقولون لهؤلاء الوجوه: يا إخواننا نحن أعوانكم فكونوا أعواننا، نحن مجتمعون لإقامة فرض فلا تشغلونا عنه بنافلة، ونحن نريد للإسلام العالية فلا تنزلوا به إلى السافلة؛ نحن معكم في احترام المسجد ولزوم ترميمه وإن سقوطه إضاعة مضاعفة للمال وخسارة خاسرة للفن، ولكننا في حالة توجب علينا أن نستعمل النظر البعيد، وان السقوط أخف وقعًا على نفس الحر من عار الإسقاط، لأن اليهود مصمّمون على احتلال القدس وهدم الأقصى لإعادة هيكل سليمان وعلى هدم مسجد الصخرة ونسف الصخرة. أفتمارون في هذا؟!
إن اليهود بنوا أمرهم على كلمة وهم واصلون إلى تطبيقها ما دمنا على هذه الحالة، فلنبنِ نحن أمرنا على عكسها إن كنّا رجالًا ونعمل على تحقيقها متساندين. هم يقولون: لا
(4/297)

معنى لفلسطين بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل المطمور تحت الأقصى، فلنعكس نحن لهم القضية ما دامت الأقدار قد أوقفتنا منهم هذا الموقف، ولنقلها صريحة مجلجلة يفسّرها العمل: لا فائدة لنا في الصخرة والأقصى بدون القدس، ولا فائدة لنا من القدس بدون فلسطين، فالثلاثة واحد وليس الواحد ثلاثة، فإذا قبلنا هذا وقرنّاه بالتصميم وعرف اليهود تصميمنا أقلعوا عن غيّهم وقالوا ما قال أسلافهم: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ}، أما إذا علموا عنّا هذه الأنظار القصيرة- وقد علموا وسيعلمون- فإنهم لا يزيدون منّا إلا احتقارًا ولا يزدادون بنا إلا تمرّسًا، وأي عقل يستسيغ التفكير في الترميم والإصلاح لمسجد معرّض لخطر النسف في كل حين وبينه وبين العدو رمية سهم مسترخي الوتر، واذكر حق الذكر أن المجاملة لإخواننا أصحاب هذه الوجوه زادت فوق هذا الحدّ، فوعدهم المسؤولون عن المؤتمر وكنت أحد المصرّحين بهذا الوعد بأنه سيكون لمسجد الصخرة حظ مما يجمعه المؤتمر من المال لإجراء الترميم الضروري الذي يحفظه إلى حين، وتفرّق المؤتمرون على هذا بعد أن قلّدوا طائفة منهم أعمالًا أثقلها جمع المال لفلسطين ...
هذه الكلمة التي اصبحت تقابل بالوجوم والإطراق لكثرة ما لابسها من الشكوك وأحاط بها من التهم. ما كاد المكتب الدائم الذي انتخبه المؤتمر يباشر أعماله واللجنة المالية تنظّم وفودها للطواف على العالم الإسلامي حتى أعلنت الجرائد تشكيل لجنة من أصحابنا أنفسهم أعينهم لجمع الأموال لترميم مسجد الصخرة ... وكان ظهور هذه اللجنة في الميدان مقرونًا بالحزم والإصرار والعجلة وتأييد الحكومة الأردنية برصد المال اللازم لتطوافها وبالتوصيات الرسمية، وكشفت الحقيقة المخبوءة عن نفسها وهي أننا قوم لا نصلح لصالحة، وأننا هازلون على جد الحوادث، لا نأتي في أعمالنا وتصرفاتنا إلا ما يقرّ أعين أعدائنا ويجرئهم علينا ويقلّل معانينا في صدورهم. فبينما فريق منفعل مثلًا يبكي على فلسطين ويحترق حسرة عليها ويقول: أضاع الله من أضاعها، ويوقف أوقاته وجهوده على تحريرها وينعش ولو بالقول آمال البائسين منها، إذا فريق منا يتباكون على مسجد متداع إن لم يُنقض اليوم نُسف غدًا بالمدافع المنصوبة والقنابل المصبوبة، ثم يهتمون به إلى حد أن يجمعوا أموال المسلمين ليرمّموه ويزخرفوه حتى إذا نسف نسفت معه تلك الأموال التي أبت أن تنفق في الدفاع عن فلسطين والقدس وفي طيّه الدافع عن مسجد الصخرة، فتذهب هي ومسجد الصخرة هباء منثورًا نتيجة الطيش وقصر النظر. وكنّا يوم إعلان الخبر عن هذه اللجنة وعملها في القدس في اجتماع رسمي لمكتب المؤتمر، فهالنا الأمر وقصدنا رئيس هذا الوفد في داره في جماعة من أعضاء مكتب المؤتمر، وقلنا له كلمة الحق في وفد الضرار هذا وفي نتائجه وآثاره في عقول الأعداء والأصدقاء. قلنا له إن العالم حكم علينا بالسفه والخطل في نكبة فلسطين، وأقام على حكمه البيّنات والشواهد فما بالنا نقيم له كل يوم دليلًا جديدًا على عدالة هذا الحكم
(4/298)

علينا، من يقيم للعالم المتفرّج علينا حجة على أن ترميم مسجد الصخرة في هذا الوقت وعلى هذا الحال مصلحة راجحة، ومن يقنعه بأن هذا العمل مقدّم على الدفاع عن فلسطين، ومن يقنعه بأن ترميم مسجد أجدى على فلسطين ومدينة القدس من شراء دبّابات ومدافع؟ وقلنا له ان الناس رجلان: رجل يائس من فلسطين والقدس، فهذا لا يجيز له يأسه أن ينفق فلسًا واحدًا على شيء ميؤوس منه، ورجل راجٍ لتحرير القدس وفلسطين من ورائها فهذا لا يبيح له رجاؤه أن يبدأ بما بعد الأخير، وأن يبدأ بزخرفة الدار قبل تحرير الدار، بل يبدأ بالاستعداد ثم بالإعداد لطرد العدو الغاصب. وللترميم وقت معروف عند جميع الناس وهو انتهاء المعركة واندمال جراحها، وكلا الرجلين لا يفكّر فيما فكّرتم فيه ولم يشغل فكره فيما شغلتم أفكاركم به ولم يضع برنامج الإصلاح والترميم والزخرفة في مكان برنامج الاستعداد والدفاع عمّا يريد أن يصلحه ... فأي الرجلين أنتم؟ أم أنتم قسم ثالث مما لا يعرفه العقلاء، أم أنتم قسم رابع ممن يعرفون بسيماهم وأعمالهم؟ وهم سخنة أعين العرب والمسلمين وقرة أعين اليهود والمستعمرين يعاونونهم بأعمالهم الطائشة أكثر مما تعاونهم انكلترا بالرأي وأمريكا بالمال، وأي عون أعون لليهود على احتلال القدس والنكاية في المسلمين بهدم مقدساتهم ممن يزهد المسلمين في الدفاع، وينزل في نفوسهم الأمن والطمأنينة على القدس ومقدساته، فلا يشك عاقل أن هذا الوفد الصخري سيطوف بالمسلمين طالبًا المال لترميم المسجد الفلاني بالقدس وسيخطب ويتحدث عن ذلك فيكون من آثار الخطب والأحاديث في نفوس المسلمين ان القدس لا خوف عليها ما دامت همة العلماء حملة العمائم منصرفة إلى ترميم المسجد وفي ضمن الترميم إعادته إلى سابق جماله من زخرفة بالفسيفساء والأصباغ، وهذه مظاهر عرس لا مظاهر مأتم. هذا هو الذي يقع في أذهان الناس حين تهدر شقاشق الخطباء بالترهيب من سقوط المسجد والترغيب في إقامته وبماذا؟ بالمال ... ؟ وأين المال ... ؟ هاتوا ... وكم؟ ها هي الخرائط تنطق والأرقام تصدق أنها بعض مئات من آلاف الجنيهات ...

أيها السادة الوافدون، أيها المسلمون السامعون: إن النغمة العبقرية المقدّسة التي يجب أن تتفجّر بها كل حنجرة وتهدر بها كل شقشقة ويتحرّك بها كل لسان هي أن فلسطين ضاعت بالبخل والتخاذل والمطامع السخيفة في المغانم السخيفة، وأن السرائر بليت والدفائن نبشت وصحائف المجرمين نضرت فلم تبق منها خافية، وسينصب ميزان حسابهم في الدنيا قبل الآخرة، ومن أنقذه الموت من حساب الدنيا فحساب الآخرة أشقّ، وأن عذاب الآخرة أشدّ وان استرجاع فلسطين ممكن وميسور بالبذل والاتحاد والتعفّف عن المطامع، فإذا ظاهر الرأي الرأي في المعقول وشاركت اليد اليد في البذل وطهّر المجتمع العربي والمجتمع الإسلامي من المخذلين والمعذلين ومن الذين يتناولون الأمور الكبيرة بالعقول الصغيرة
(4/299)

والأنظار القصيرة ويعارضون تشييد الحصون بتزويق المساجد، إذا وقع هذا فأبشروا باسترجاع فلسطين ومحو العار. وإلّا فإن فلسطين ضاعت ضياع الأبد بقدسها وأقصاها وصخرتها وكأنكم بأرض العرب كلها قد ضاعت وبهؤلاء القادة وقد أصبحوا عبيدًا لليهود وبهؤلاء الطاعمين الكاسين النائمين وقد أيقظتهم الأحداث على الدواهي الدهياء، وكأنكم بأصحابنا الصخريين قد أصبحوا لاجئين لا في عين السلطان بل في عين الشيطان.
...

من ذا الذي لا يعتقد أن إثارة فكرة وفد الصخرة في هذا الوقت بالذات هي معاكسة للمؤتمر وضرار له وتعطيل لسيره وإبطاء لنتائجه، ولو كانت طفيفة، ومجموعها الدفاع العملي عن فلسطين، ومن ذا الذي لا يعتقد أن هذا في صالح اليهود لا في صالح المسلمين؟ وأنه زيادة في يقينهم بأننا قوم نلهو ونلعب، ومن الذي لا يستخرج من اشتمال وفد الصخرة على العمائم الكبيرة، ان علماء الدين هم الذين تولّوا كبر هذه الزلة؟ ومهما تكن لحكومة الأردن من يد بالنيابة في تنشيطه وتمويله فإن ذلك لا يدفع الغضاضة عن علماء الدين والسخرية بهم من الناس أجمعين، وهل يعتقد أعضاء الوفد الصخري أن المسلمين بلغوا في البذل والتضحية أن يبذلوا لوفد المؤتمر ولوفد الصخرة؟ كلا، إن المسلمين لَيعجبون- ولهم الحق- بوفدين في وقت معًا، هذا يجمع لتحرير فلسطين وهذا يجمع لترميم مسجد في القدس، ويقولون: هل اتحد الوفدان وسيّرا لغرض واحد أو في الحساب أول وأخير؟ وفي الأشياء ضروري وكمالي، وفي المقاصد مهم وأهم، وفي القضايا جزئيات وكليات. أَفلم يكن في المؤتمرين وإخوانهم الصخريين من يفرّق بين قضيتين ويعطي لكل واحدة مكانها ومكانتها وظرفها واعتبارها؟ هذا ما يتصوّره المسلمون ما داموا على التكريب العقلي الانساني ثم يختمونه بحكم القرائن القريبة والبعيدة بأن وراء الأكمة شيئًا أو أشياء، ووراء هذه النفوس نوازع تختلج وأهواء تعتلج، ومتى تطرق الشك في البعض سرى إلى الكل، نعم وهذا منطق سليم. أليست هذه الأعمال التي تزيد النفوس المضطربة بالشكوك اضطرابًا، أليست هذه جريمة؟

أيها الإخوان الصخريون ...
إنكم ومن أعانكم على مشروع الصخرة بالمال أو نشطكم عليه بالرأي لم تزيدوا على أن أحييتم في الإسلام سنّة من سنن المصريين القدماء في قصة عروس النيل: كانوا يزيّنون فتاة للموت وأنتم تزيّنون مسجدًا للهدم.
(4/300)

اتحاد المغرب العربي الكبير *
مرّ الأستاذ الشيخ البشير الإبراهيمي في هذه الأيام الأخيرة ببغداد حيث اجتمع بالطلبة الجزائريين هناك، وقد اغتنم مراسلنا ببغداد هذه الفرصة فطلب من الشيخ البشير الإبراهيمي هذا الحديث الذي ننشره اليوم شاكرين ومؤملين أن يجد فيه قرّاؤنا الأفاضل دليلًا آخر لا على ضرورة الاتحاد فحسب بل على إمكانية تحقيق هذا الاتحاد بالفعل.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المغرب العربي وحدة لا تتجزّأ، جمعها الإسلام على تعاليمه الروحية السامية وجمعتها العروبة على بيانها وآدابها وجمعها الشرق على النور الذي بعثه مع كتائب الفتح الأول ومع اللغة التي وجّهها مع قوافل بني هلال.
المغرب العربي جمعته يد الله وربطته برباط واحد هو الإسلام والعروبة ومع الإسلام القوة ومع العروبة الإباء والشمم فلا تفرّقه يد الشيطان، وكل من سعى في التفرقة بين أبنائه - ولو من أبنائه- فهو شيطان لا يدفع باللعن والاستعاذة كما يدفع شيطان الجن وإنما يدفع بالطرد من الحظيرة فإن لم يندفع فبإعدامه من الوجود.
من العجز والإضاعة أن نردّ كل لومنا على الاستعمار ومن الخور والضعف أن نتراد الملامة وأن نتعلّل في كل واجب ندعى إلى إقامته وفي كل مكروه ندعى إلى دفعه، بالاستعمار وآثار الاستعمار وما الاستعمار إلا كالشيطان فيما أنبأنا الله من أخباره {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُئطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}. إن تعلّلنا بالاستعمار هو خدمة للاستعمار وتعظيم لشأن الاستعمار إلى هذا الحدّ الذي صيّرنا نذكره مئات المرّات في اليوم وهو نوع من التأليه له والتفخيم لشأنه والعدو لا يغلب بكثرة ذكره مقرونًا باللعن والتأفف وإنما يطرد بالتفكير في التخلص منه ثم طرده ولو لم تذكره مرّة في العمر.
الواجب كله مقصور على أبناء المغرب العربي فهم مطالبون به مطالبة لا يمنعها عنهم إلا القيام بهذا الواجب ففي أيديهم السلاح الذي يستطيعون به التخلص من الاستعمار لو أحسنوا استعماله ففي إمكانهم أن يتحدوا فلماذا لم يتّحدوا؟ وفي إمكانهم أن يصلحوا
__________
* جريدة "صوت الجزائر"، عدد 7، 13 فبراير 1954، تحت عنوان "الشيخ البشير الإبراهيمي يتحدّث عن الاتحاد".
(4/301)

مفاسدهم الداخلية وأكثرها نفسية فلماذا لم يصلحوها؟ وفي إمكانهم أن يستغلوا ما أفاء الله به عليهم من دين وفضائل فلماذا لم يستغلوها؟
محال أن يستقل جزء من المغرب العربي وحده ولتكن لنا في هذا عظة ألقاها علينا الاستعمار لو فقهناها وهو أنه يوم احتلّ الجزائر كان يضمر احتلال تونس ثم مراكش، ومن يوم احتلّ الجزائر وهو يستعد للخطوة الثانية فلما رأى الفرصة ممكنة خطا خطوته ونحن في غفلة ساهون، ويوم رأى إمكان الخطوة الثالثة لم يقصر وقد بلغ في الخطوة الثالثة من استخفافه بنا واستهتاره بشأننا ان سخّر الجزائري ليقتل أخاه المراكشي.
ولو كان أجدادنا على شيء من فهم معنى التضامن الإسلامي لما ترك المراكشي والتونسي الجزائر تتخبط وحدها في المقاومة ولنبّهتهم ضمائرهم أن هذا الغول ان تغذّى بالجزائر فسيتعشى بتونس ومراكش، ولكنه كان مستيقظًا وكانوا نائمين حتى انتهى الأمر إلى الغاية المحزنة.
صيحتي إلى أبناء المغرب العربي أن لا يضيّعوا الوقت في التلاوم والتعلات الفارغة، فإن الزمن سائر وإن الفلك دائر وإن الوقت أضيق من أن نقضيه في مثل هذه التوافه، فإذا لم يزعنا دين فلتزعنا المروءة، وإذا خلونا منهما معًا فلتكن الثالثة المرعية بالعين وهي هذه الذلة التي غمرتنا وهذا الاسترقاق الذي أوصلنا إلى سوء غاياته وهي أننا أصبحنا في درجة نخجل أن نسمّيها عبودية ...
وإذا كان الاستعمار قويًا كما نتخيّل فإننا نزيده قوة بتخاذلنا وتفرّقنا وتطاحن هيئاتنا وإضاعة أوقاتنا الثمينة في الجهل الفارغ والانسياق مع الأهواء المضلّلة التي أضاعت علينا استغلال الكفاءات الموجودة، وهيهات أن يحيا وطن أو يستقل بالهتافات المتردّدة من الحناجر بين يحيا فلان ويسقط فلان.
إن عدوّنا واحد فلنلقه في ميدان واحد برأي واحد وصف واحد، ولو فعلنا وأخلصنا لسعت إلينا الحرية ركضًا، ولكن عدوّنا أعلم بهذه النقائص فينا منا فهو نائم ملء عينيه ما دام يرانا على هذه الحالة. أزعجوه وأقضوا مضاجعه باتحاد لا يتزعزع وعزائم لا تتزلزل وأخلاق يذعن لها الجبابرة، ويومئذ تجدون الاستعمار وقوّته وأساليبه وتخيلاتكم فيه كلها باطلًا في باطلٍ وتجدون منها جميعًا ما يجدع الخائف من الغول الذي لا حقيقة له.
إن العقلاء ليعجبون منا كيف نرضى الهوان من المستعمر وهو هوان حقيقي من عدوّ حقيقي ثم لا نرضى بعشر معشاره من الأخ المشارك في السرّاء والضرّاء.
(4/302)

أيها المغاربة، إن عدوّكم عرف من دينكم أكثر مما تعرفون بل عرف منه ما لا تعرفون وهو أنه منتج للقوّة والفضائل فلذلك حاربه عالمًا به وكنتم عونًا له على حربه جاهلين بما يعلمه منه، فهل لكم أن تراجعوا بصائركم في هذه النقطة على الخصوص فتعلمون أي ذخائر من القوّة أضعتم وأي كنز فرطتم فيه واستغله عدوّكم.
أفما آن لكم أن تتوبوا إلى بارئكم وتثوبوا إلى المراشد التي تركها لكم محمد بن عبد الله؟
إنكم إن فعلتم فضضتم المعركة بينكم وبين عدوّكم بضربة وكنتم المنتصرين.
(4/303)

رسالة إلى الأستاذ خليل مردم بك *
حضرة معالي الوزير شيخ أدباء هذا العصر الأستاذ الكبير خليل مردم بك المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بلغتني رسالتكم البرّة فدلتني على موطن مأهول من مواطن كرمكم وفضلكم، وما هو بالمجهول عندي ولكنه كان مغمورًا في نفسي بأشياء من جنسه، وإنما نقلتني هذه اللفتة الكريمة منكم من الشك إلى اليقين بأنه ما زال من أئمة الأدب من يكرم الأدب، ومن أساطين العلم من يُجلّ العلم بعدما كنت على شفا يأس من ذلك.
أنا أعدّ نفسي طبيعيًا في مجمعكم العلمي الموقّر والطبيعيات في غنى عن الرسميات، وقد كنت أتغطى وأتوارى في ذلك خجلًا من نفسي ألّا أستطيع الوفاء بحقوق المجمع عليّ لا لعجزي فأنا بحمد الله بقية من بقايا حرّاس لغة العرب، بل لكثرة أشغالي وتنوّع ميادين جهادي، أما إذا أبى فضلكم إلا أن أكون عضوًا رسميًا فأنا نازل عند رغبتكم، سعيد بعطف إخواني واهتمامهم بي، مقدّر للمنزلة التي تجمعني بإخواني شيوخ الأدب وتلامذتي الأعزة من أعضاء المجمع، بل أنا أرى أن للفتتكم هذه من الآثار الجليلة ما إن أيسره وصل رحم بيني وبين إخوان أجلّاء وتلامذة أعزاء كانت شبه مجفوّة، وصلكم الله به وأحاطكم برعايته وأجرى على أيديكم كل خير للعربية وتاريخها وعلومها.
أما ما طلبتموه من ترجمة حياتي وصورتي فسيأتيكم بعد أيام، وسلامي إلى أستاذنا الجليل الشيخ عبد القادر المغربي وإلى جميع الإخوان.
واسلموا جميعًا لأخكيم المعتزّ بكم:
محمد البشير الإبراهيمي
__________
* أُرسلت هذه الرسالة من القاهرة بتاريخ 17 يوليو 1954.
(4/304)

حديث رمضان
تصحيح الجهاد *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تبتذل كلمة عربية مثل ما ابتذلت كلمة "الجهاد" على ألسنة هذا الجيل في الشرق الإسلامي، فلعلّها أصبحت أكثر الكلمات دورانًّا على الألسنة، وسيرورة في الأفواه، ووصفًا بها لكل غاد ورائح، ومع هذا الدوران الكثير لا توجد كلمة أفرغ من معناها منها.
والكلمات الفارغة من المعاني كالأجساد الفارغة من الأرواح: تلك كلمات ميتة وهذه أجساد ميتة، وما كانت الأجساد نافعة إلا بالأرواح، ولا تكون الكلمات صادقة إلا بتحقيق معانيها في الخارج، والأرواح في الأجساد، والمعاني للألفاظ هما معنى الحياة وما تستتبعه من آثار.
تساهلنا في هذه الكلمة ومشتقاتها حتى أصبحنا نطلقها على كل عمل سخيف، ونصف بها كل عامل ضعيف، واستطابها العجزة القاعدون منّا فأصبحوا يطربون لوصفهم بها، ويبذلون الكرائم لتحليتهم بوصفها، وملك التساهل على الألسنة والأقلام أمرها فأصبحت تضع هذه الكلمة وغيرها في غير موضعها وتجود بها على غير مستحقّيها.
أتدرون لماذا يغضب الناس من وصفهم بالمكروهات ولو كانت موجودة فيهم، ولا يغضبون لوصفهم بالمحبوبات إذا كانت مفقودة منهم؟ فالبخيل المسيك يأنف أن يوصف بالبخل ويطرب إذا وصفته بالكرم، والجبان الرعديد يغضب أن يوسم بالجبن، ويرتاح إذا وصفته بالشجاعة.
علّة العلل في ذلك هي ضعف التربية الأخلاقية فينا معشر الشرقيين، وبعد المسافة بين القول والعمل عندنا، واختلال الموازين العقلية في تقديرنا، ونسياننا للواقع حين نتناول
__________
* مجلة "المسلمون" السنة الثالثة، العدد السابع، رمضان 1373هـ / ماي 1954م.
(4/305)

الأشياء بالوزن والمقارنة. إن هذه النقائص تبتدئ في الفرد فلا يظهر أثرها، ثم تنتقل إلى المجموعات فتبرز آثارها السيّئة، فتكون بلاء وشرًا وخضوعًا واستسلامًا.
ولقد مرّت من تاريخ الإسلام حقب صالحة كان السلطان فيها للفضيلة، فصحّت الموازين، وعرفت القيم، فكان الواحد من أولئك القوم يرى من أبلغ السب أن تمدحه بما ليس فيه، ثم هجمت علينا الرذائل يقودها الغرور والأنانية والمبالغة فأفسدت علينا تربيتنا النفسية، وجرّ شيء إلى أشياء حتى انتهينا إلى هذا الانحطاط الخلقي الذي نرى آثاره، ونتجرعّ مرارته.
الجهاد- أيها المسلمون- لفظ قليل، تحته معنى جليل. هو صرف القوى الروحية والعقلية والفكرية، تظاهرها القوى المادية، إلى تحقيق غرض مما ينفع الناس؛ ويتفاوت شرف الجهاد بتفاوت ذلك الغرض في النفع، فإذا لم يكن للجهاد غاية ولم يكن فيه نفع كان جهدًا ضائعًا وسعيًا عقيمًا، أما إذا كان وصفًا تطلقه الألسنة كما هو واقع في زماننا هذا فهو نفاق يصطنعه الطامعون، وتزوير يتعلل به الفارغون.
وشوقي يقول: إذا كثر الشعراء قلّ الشعر، ونقول على وزنه: إذا كثر المجاهدون قل الجهاد.
تكررت في النصوص القرآنية كلمة "الجهاد بالنفس" في معرض الأوامر التكليفية. والأوامر الدينية بمعانيها الكاملة إنما تتوجّه إلى أصحاب النفوس الكاملة التي اطمأنت للإيمان بالله، والإيقان بالحق الذي يدعو إليه، والرضا بأحكامه الدينية والقدرية. وجعل الحياة المحدودة مطية للحياة الخالدة. وما وصل أصحاب هذه النفوس إلى هذه الدرجة من الكمال إلا بعد جهاد في النفس، هيّأها للجهاد بالنفس ثم دفعها إليه.
فأعلى مراتب الجهاد وأصله الذي تتفرّع منه فروعه هو الجهاد في النفس حتى تستقيم على صراط الحق والفضيلة، وتستعدّ لما بعد ذلك من أنواع الجهاد الخارج عن النفس. والنفس البشرية كسائر الكائنات الحية يجب أن تتعاهد بالتربية الصالحة، وتراض على الفضائل والكمالات وإن شقّت، حتى ترجح قابليتها للخير على قابلية الشر، وكل هذا يفتقر إلى جهود، فهو جهاد فيه كل خصائص الجهاد بمعناه الخاص الضيّق، ويزيد عليه بأنه أصله وأساسه، وقد وردت الآثار بتسميته "الجهاد الأكبر". والمعلم والمربي لا يغنيان في هذا الباب ما يغني صاحب النفس، فهو أقدر على كبح جماحها، ومراقبة دخائلها، وضبط أنفاسها، وتنظيم خواطرها، وقمع نزعاتها الباطلة وحظوظها السافلة ونزواتها الشهوانية، وإفاضة النور المبدّد للظلام في جوانبها.
(4/306)

أيها المسلمون:
إننا لا نصدق الجهاد في عدوّنا الخارجي إلا إذا صدقنا- قبل ذلك وتوطئة لذلك- الجهاد في نفوسنا التي بين جنوبنا، جهادًا يصفي أكدارها، ويطهّرها من المطامع الدنية والأغراض السخيفة، والشهوات الحيوانية، حتى إذا لقينا العدو الخارجي لقيناه بنفوس مطمئنة، وبصائر مستنيرة، وعزائم مصمّمة، وقلوب متّحدة على غاية واحدة يسوقها سائق نفساني واحد قبل سائق العلم والنظام، وتدفعها قوة نفسية واحدة قبل دافع المادة والآلة. إن النظام والآلة والعلم كلها مكملات تأتي بعد إعداد النفوس.
وإننا لا ننتصر على العدو الخارجي حتى ننتصر على العدو الداخلي وهو نفوسنا، فلنبدأ بها، فمن سنّة القتال {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ}.
الطمع وحب الجاه والغرور والحسد والأنانية والبغضاء والحقد والبخل ... كلها نقائص في نفوسنا يجب أن نطهرها منها، وكلها مداخل لعدوّنا يأتينا منها، فيجب أن نسدّها عليه، ولهي- والله- أضرّ علينا من ثغورنا المفتوحة في وجه العدو.
إن أعداءنا الذين ملكوا رقابنا واحتلّوا أوطاننا وسامونا الذلة والهوان واستعبدونا شر استعباد، إنما استعلوا بأخلاقهم القوية على أخلاقنا الضعيفة، ثم استعانوا بنا علينا، فمتى طلبوا خائنًا لوطنه منا وجدوا العشرات، ومتى التمسوا جاسوسًا يكشف لهم عن أسرارنا ويدلهم على عوراتنا وجدوا المئات، ومتى التمسوا ناعقًا بالفرقة فينا أو ناشرًا للخلاف بيننا وجدوا الآلاف، ومتى أرادوا حاكمًا منّا على أن يسمع لهم ويطيع ويبيعهم مصالح بلاده وجدوه فوق ما يريدون، وما ذلك إلا لأن نفوسنا أنهكتها الرذائل وتحيفتها النقائص.

أيها المسلمون:
هذا شهر رمضان وهو المدرسة الإلهية التي تعلم الجهاد في النفس، وهو الميدان الذي تجري فيه التمرينات القاسية والإعداد الكامل والامتحان الشامل، فإما نجاح في جهاد النفس يخرج صاحبه بشهادة "قوة الإرادة" و "صدق العزيمة"، وإما إخفاق يحمل صاحبه شارة العبودية والهزيمة.
إن قوة الإرادة هي التي ملكت زمام العالم فيما ترون وتسمعون، وإن قوي الإرادة هو الذي لا يدع المجال لشهوات النفس وملذاتها الزائلة أن تنزل به عن مقامات العزة والسيادة والشرف، إلى مواطن الذل والعبودية والضعة.
وإن صوم رمضان جهاد أي جهاد في النفس التي هي مصدر الملكات كلها، لأنه هجر للشهوات المستولية على البطون والفروج والألسنة، وقمع لأضرى الغرائز الحيوانية، وترويض على الإحسان والبر والرحمة، واشتراكية سلبية بين الأغنياء والفقراء في أخصّ
(4/307)

خصائص الفقر وهو الجوع، وتجويع جبري يذوق به الناعم طعم الخشونة، والواجد طعم العدم، والمبطان ألم الجوع، ليعرف من هذا الدرس العملي السنوي ما يقاسيه الجياع الطاوون. ولو أن مواعظ الوغاظ كلها سكبت في أذن الغني المنعم الذي لم يجع في حياته، واصفة له الجوع وآلامه وما يلقاه الجائع المحروم من ذلك، لما بلغت من نفسه عشر ما تبلغه جوعة يوم طويل، لأن كلام الوغاظ مهما يبلغ من التأثير لا يَعْدُ أن يكون تصويرًا ينتج التصوّر، أما الجوع الحقيقي فإنه تطبيق وتصديق، ومن لم يذق لم يعرف.
ليس لله حاجة في أن ندع الطعام والشراب في هذا الشهر وإنما له في ذلك حكمة عالية، وهي أن نجاهد أنفسنا ونروّضها على تحمّل المكاره، ونرغمها بهجر شهواتها المألوفة وقمع نزواتها الطاغية لترقى من كثافة المادة إلى لطافة الروح، وأن نقوّي بذلك إرادتنا في شهر لنستعملها قوية في جميع الشهور.
إن الصوم يقوّي الروحانية ويغذّي الفضائل ويشدّ العزائم، ويغري الفكر بالسداد والإصابة، ويربّي الإرادات على الحزم والتصميم. وإن حياتكم اليوم حرب لا تنتصر فيها إلا الأخلاق المتينة، فاجعلوا من رمضان ميدانًا زمنيًا للتدريب على المغالبة بالأخلاق تنتصروا على عدوّكم، فتخرجوا هيبته من قلوبكم، ووسوسته من صدوركم، وجيوشه من بلادكم.
إن عدوّكم يعتمد على متانة الأخلاق قبل اعتماده على الحديد والنار، فأعدّوا له أخلاقًا أمتن تفلوا حديده وتطفئوا ناره.
إن عبيد الشهوات لا يتحررون أبدًا، فلا تصدّقوا أن من تغلبه شهواته يستطيع أن يغلب عدوًا في موقف.
ابدأوا بتحرير أنفسكم من نفوسكم وشهواتها ورذائلها، فإذا انتصرتم في هذا الميدان فأنتم منتصرون في كل ميدان.
(4/308)

داء المسلمين ودواؤهم *
الباحث في أحوال المسلمين بحث تقصٍ واستقراء رجل من اثنين، رجل من أنفسهم ورجل من غيرهم، وكلا الرجلين يجتمع بصاحبه في نقطة تبعث الحيرة وهي: كيف يسقط المسلمون هذا السقوط المريع وفيهم كل أسباب الصعود وبين أيديهم كل ما ارتقى به أسلافهم، فأصول الدين من كتاب وسنّة محفوظة لم يضع منها شيء، وأسباب التاريخ واصلة لم ينقطع منها شيء، واللغة إن لم ترتق لم تنحدر، والعرب الذين هم جذم الإسلام ما زالوا يحتفظون بكثير من الخصائص الجنسية ومعظمها من المكارم والفضائل، والأرحام العربية ما زالت تجد من بين العرب من يبلها ببلالها، فلم تجف الجفاء كله وإن لم توصل الوصل كله، والتجاوب الروحاني الذي تردّد صداه كلمة الشهادة في نفوس المسلمين وكلمة التلبية في جنبات عرفات لم يتلاشَ تمامًا، والأرحام المتشابكة بين المسلمين لم تجف الجفاف الذي يقطع الصلة، ومن السنن الكونية المقرّرة في سقوط الأمم وعدم امتداد العزة والرقي فيها أن ينسى آخرها مآثر أوّلها فينقطع التيّار الدافع فيتعطّل التقدّم. والمسلمون لم ينسوا مآثر سلفهم، بل هي بينهم مدوّنة محفوظة مقطوع بها بالتواتر، بل هم أكثر الأمم احتفاظًا بمآثر السلف وتدوينًا لها، ولا يعرف بين أمم الأرض أمة كتب علماؤها فيما يسمّونه الطبقات والسير مثل ما كتب المسلمون في ذلك.
والباحث الأجنبي معذور إذا تحيّر، وقد يخفّف عنه ألم الحيرة ابتهاجه بهذا السقوط، وان بحثه عن الداء ليس بقصد الدواء، فقد عوّدنا كثير من هؤلاء الباحثين الأجانب أنهم لا يبحثون لذات البحث ولا يدرسون هذه المواضيع لوجه التاريخ الخالص، فضلًا عن أن نجد عندهم ما يطلب من العالم المخلص، وهو أن يرمي ببحثه وبإعلان نتائج بحثه إلى تنبيه الضال ليهتدي والمريض ليسعى في الاستشفاء والساقط ليأخذ بأسباب الصعود والنهوض،
__________
* مجلة "المسلمون "، السنة الثالثة، العدد 9، ذو القعدة 1373هـ / يوليو 1954 م.
(4/309)

وإفهامه أن الأيام دول وأن من سار على الدرب وصل، بل نرى أكثرهم يتعمّد إضلالنا في تعليل الأشياء، كي لا يقف المريض على حقيقة دائه فيغفل مغترًا، أو يعالج داءه بداء أضرّ، أو يضع الدواء في غير موضعه، وقد نرى منهم من ينتهي من بحثه بنتيجة وهو أن سبب انحطاط المسلمين هو الإسلام نفسه ... وأن من يستطب لدائه بإشارة عدوّه لحقيق بأن يسمع مثل هذه النصيحة ...
أما الباحثون في أحوال المسلمين من المسلمين فهم ينقسمون إلى فريقين- بعد اتفاقهم على أن الجسم الإسلامي مريض وأن مرضه عضال- فريق منهم هدي إلى الحق فعرف أن الجسم الإسلامي لا مطمع في شفائه إلا إذا عولج بالأشفية القديمة التي صحّ بها جسم سلفه، وغذي بالأغذية الصالحة التي قوي عليها سلفه، وذلك أنه أقام الدين فاستقامت له الدنيا، وانقاد إلى الله فانقاد له عباد الله، وأخذ كتاب الله بقوة، فمشى على نوره إلى السعادة في الدارين، وأرشده إلى أن سعادة الدنيا عز وسلطان، وعدل وإحسان، وأن سعادة الآخرة حياة لا نصب فيها ولا نهاية، واطمئنان لا خوف معه ولا كدر في أثنائه، ورضوان من الله أكبر.
وفريق ضلّ عن الحق في الدواء، لأنه ضلّ قبل ذلك في تشخيص الداء، وضلّ من قبل ذلك في طريقة البحث فتلقّاها من أعداء الإسلام زائغة ملتوية، وضلّ من قبل أولئك في أسلوب التفكير، فهو يفكّر بعقل ملتاث بلوثات هذه الحضارة الخاطئة الكاذبة المستمدّة من أصول الاستعمار الذي يسقي الأقربين ما يرويهم، ويغذي الأبعدين بما يرديهم، ثم يجتثهم من أصولهم ولا يلحقهم بأصوله، ويتركهم متعلقين بأسباب هذه الحضارة مفتونين بها، مهجورين منها، وقل ما شئت في العاشق المهجور، الذي لا يملك من أسباب الحب إلا القشور، ولا يملك من أسباب الوصل شيئًا. وقد علمنا من سنن الحب أن أعلاه ما كانت معه كبرياء تزع، واعتداد بالنفس يأخذ ويدع، وقوّتان إحداهما تدلل، والأخرى تذلل، أما هؤلاء العشاق المتيّمون بحضارة أوربا وعلومها وتهاويلها فقد فقدوا الشخصية التي تحفظ التوازن في ميدان العشق وتحفظ لصاحبها خط الرجوع.
هذا الفريق المزوّر على الإسلام، الذي لا صلة له به إلا بما لا كسب له فيه كاسمه ولقبه، يرى أنه لا نجاة للمسلمين إلا بالانسلاخ عن ماضيهم ودينهم، والانغماس في الحضارة الغربية ومقتضياتها من غير قيد ولا تحفظ، وهو يعمل لهذا جاهدًا، يُسِرُّهُ المسر كيدًا، ويعلنه المعلن وقاحة، وانك لتعرف ذلك منهم في لحن القول، وفي مظاهر العمل، وفي إدارة الكلام على أنحاء معينة، وفي البداوات الخاصة، وفي اللفتات العامة، حتى لتعرفه في أسباب معيشتهم الشخصية، ولكنهم يتناقضون ويتهافتون، فيبتدئون من حيث انتهى سادتهم، فسادتهم يرون أن اللعب إنما يحلو بعد الجد، وأن القشور إنما يلتفت إليها بعد تحصيل اللباب، وان
(4/310)

الكماليات تأتي بعد الضروريات، وأن الوقت رأس مال لا يجوز تبديده في غير نفع، ولكن هذه الطائفة منا تفعل عكس ذلك كله وتختصر الطريق إلى اللهو، لأنه يروي شهواتها، وإلى الكماليات والمظاهر لأن لها بريقًا هو حظ العين وان لم يكن للعقل منه شيء، وأن عصارة رأيهم في علاج حالة المسلمين تترجم بجملة واحدة، هي: أن النجاة في الغرق.
هؤلاء الدارسون لعلل المسلمين منهم هم علة علل المسلمين، وهم أنكى فيهم من المستعمرين الحقيقيين، فلقد كان دهاة الاستعمار في القرن الماضي يباشرون الشعوب الإسلامية كفاحًا ووجهًا لوجه، صراعًا في الحرب، وحكمًا في السلم، فيمارسون منها خصمًا شديد المراس، قوي الأسر، متين الأخلاق، فلم ينالوا منها إلا ما تناله القوة من الضعف، وهو محصور في التسلّط على الماديات، أما القلوب والعقول والعقائد والاعتزاز بالقوى والخصائص فلم تستطع أن تخضعها، ولم يستطع سلطانهم أن يمتدّ إليها، وهي عناصر المقاومة، المدّخرة ليوم المقاومة، ولن تجد فيما ترى وما تقرأ أمة قاومت الغاصب فدحرته ولو بعد حين إلا لأن هذه العناصر بقيت فيها سليمة قوية وبقيت هي عليها محافظة، ولكن أولئك الدهاة أتونا من جهات أخرى فهادنونا على دخن، وحبّبوا إلينا مدنيتهم من جهاتها القوية، ثم أعشونا ببريقها وابتلونا بما يلائم النفوس الضعيفة الحيوانية من شهواتها، وقالوا: إن وراء هذه المدنية علمًا هو أساسها، وأن وراء العلم ما وراءه من سعادة، وفتحوا لناشئتنا أبوابًا أمامية يدخلون منها، وأبوابًا خلفية يخرجون منها إلى عالم غير عالمهم الأصلي، وجاءت البلايا تزحف، فنقلتها تلك الناشئة تجري ركضًا، ودعت الكأس الأولى إلى ما بعدها وأصبحنا نتنافس في تقديم هذا القربان من ناشئتنا للاستعمار، وما زدنا بسفهنا على أن جهّزنا له جيشًا من أبنائنا يقتل فيه خصائصنا وروحانيتنا، ليقاتلنا به، وليوليه ما عجز عنه لصعوبة مراسنا وشدة احتراسنا، وليرجع إلى أهليه مملوء النفس باحترام أستاذه، مصمّم العزم على التمكين له، وقد كنّا لا نحترمه ولا نصادقه ولا نصافيه ولا ندمث له موضع الإقامة.
ما هو موقع الغلط في أبنائنا؟ انهم بتعلّمهم في الغرب، بلغة الغرب وبلباسهم لباس الغرب، وانتحالهم رسومه في الأكل والشرب، ظنّوا انهم أصبحوا كالغربيين، فانسلخوا في مظاهرهم ومخابرهم عن خصائصهم الأصلية الموروثة، فخسروها ولم يربحوا شيئًا، إذن لم يقع في تقديرهم ان جلّ الأحوال التي قلّدوا فيها الأوروبي هي ألوان إضافية اصطبغ بها بعد أن استكمل وسائل عزّه وقوّته، فلا تحسن في العين، ولا ترجح في الوزن إلا ممن وصل إلى درجته، وقطع المراحل التي قطعها في الحياة، وأنهم ظنّوا غلطًا في الفهم أن هذه الحضارة غربية، وأخطأوا فإن الحضارات ليست شرقية ولا غربية، وإنما هي تراث إنساني متداول بين الأمم تتعاقب عليه فيزيد فيه بعضها، وينقص منه بعضها، ويبتكر بعضها بعض الفروع فينسب إليه، ويلونها بعضهم بألوان ثابتة فتبقى شاهدة له حتى تضمحلّ.
(4/311)

إن جلّ أبنائنا الذين التقطتهم أوربا لتعلّمهم عكسوا آية فرعون مع موسى. ففرعون التقط موسى لينفعه ويتّخذه ولدًا وربّاه صغيرًا وأحسن إليه، فكان موسى له عدوًا وحزنًا وسخنة عين، أما أبناؤنا فقد التقطتهم أوربا وعلّمتهم وربّتهم فكانوا عدوًا لدينهم، وحزنًا لأهله، وسخنة عين لأهليهم وأوطانهم، إلا قليلًا منهم دخل النار فما احترق، وغشي اللج فأمن الغرق.
والسبب في هذا البلاء هو استعداد فينا كاستعداد المريض للموت، وشعور بالنقص في أنفسنا، لبعد عهدنا بالعزّة والكرامة، ولموت أشياء فينا تصاحب موتها في العادة يقظة أشياء، ففقد الإحساس بالواجب تصحبه يقظة الشهوات الجسدية، وقوة الإحساس بالواجب هي التي أملت على بعض خلفائنا أن يعتزل النساء كلما هم بالغزو، وهي التي حملت كثيرًا من قضاة سلفنا على أن يقمعوا شهوتهم الجسدية بالحلال قبل أن يجلسوا للخصوم في مجالس الحكم، وموت النخوة تصحبه سرعة التقليد وعادة الخضوع للغالب وسرعة التحلّل والذوبان.
إن الغرب لا يعطينا إلا جزءًا مما يأخذه منّا، ولا يعطينا إلا ما يعود علينا بالوبال، وقد أعنّاه على أنفسنا فأصبح المهاجر منّا إلى العلم يذهب بعقله الشرقي فينبذه هناك كأنه عقال على رأسه لا عقل في دماغه، ثم يأتيتا يوم يأتي بعقل غربي، ومنهم من يأتي بعقل غربي، ومعه امرأة تحرسه أن يزيغ ...
(4/312)

مساعي جمعية العلماء
في قضية الزعيم الحبيب بورقيبة *
___
ننشر فيما يلي برقيتي الأستاذ الرئيس والأستاذ الفضيل الورتلاني، في الاحتجاج والاستنكار لما يعانيه الزعيم الحبيب بورقيبة في معتقله من معاملة قاسية وعذاب مهين.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
السيد سفير فرنسا بالقاهرة
"باسم الشعوب التي تجمعها العروبة ويظلّلها الإسلام في المغرب العربي وتوحّد بين قلوبها المظالم المنصبّة عليها من حكومتكم، نرفع احتجاجنا الصارخ واستنكارنا العميق للمعاملة القاسية التي يعامل بها الزعيم الحبيب بورقيبة لا لشيء إلا لأنه يطالب بحقوق بلاده، ونعدّ هذه المعاملة قتلًا بطيئًا، إن أباحته قوانينكم الجائرة فستعاقبكم عليه قوانين الله العادلة".
محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني

وأرسل المكتب أيضًا برقية الشكر التالية إلى أمانة الجامعة العربية:
"سيادة الأمين العام لجامعة الدول العربية- القاهرة،
علمنا الحالة السيئة التي وصل إليها الزعيم الحبيب بورقيبة في معتقله فحزنا الحزن العميق لما يلقاه هذا المجاهد من عذاب الاستعمار الفرنسي الوحشي على سمع العرب
__________
* «البصائر»، العدد 279، السنة السابعة من السلسلة الثانية، 16 جويليه 1954.
(4/313)

وبصرهم، ثم قرأنا عن مساعي الجامعة العربية وخطواتها في أداء الواجب نحو هذا المكافح فكان هذا السعي تخفيفًا لحزننا وسلوى وعزاء لنا.
إننا حين نضيف صوتنا إلى أصواتكم في الاحتجاج والاستنكار لتعذيب هذا الزعيم، نقدم لكم شكرنا بلسان المغرب العربي كله، معلنين للعالم أن هذا العمل من الجامعة زيادة عن كونه واجبًا هو منّة طوّقتم بها رقاب ثلاثين مليون عربي كلهم مستنكر ومتألم للمعاملة التي يعامل بها الظالمون هذا المجاهد".
محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني
(4/314)

من عاذري؟ *
يعز علي أن أنقطع عن الكتابة في «البصائر» هذه المدة الطويلة وأن أهجر أحبّ ميدان من ميادين العمل إلى نفسي وهو صفحات «البصائر»، فلقد كنت أجد من اللذة في ذلك العمل ما لا أجده في غيره من أعمالي العمومية وأحسّ للكلمة أكتبها في «البصائر» من حسن الوقع والارتياح ما لا أجده للمحاضرة تهزّ الجمهور وتصيب مواقع التأثير منه، وكأن الاتصال الروحاني بيني وبين القارئين أوثق وأعمق منه بيني وبين السامعين.
ويعزّ علي- أكثر من ذلك- أن أتلقّى سهام العتب من قرّاء «البصائر» في الشرق والغرب على هذا الهجر الطويل، فلقد لقيت في مطار القاهرة، قبيل رمضان الماضي، أخوين فاضلين من شيوخ جامع الزيتونة متوجّهين إلى المدينة المنوّرة، وكانا لا يعرفانني إلّا من طريق قراءة «البصائر»، ففرحا بلقائي وفرحت بلقائهما، وما كاد ينتهي تنازع التحية بيننا حتى وجّها لي العتاب الشديد على حرمان القرّاء من مقالاتي في «البصائر» ووصفاها بما هما أهله من كرم النفس. ورجعت من المطار إلى القاهرة فتلقّيت في بريد ذلك اليوم عدة رسائل تَنْعَى علي هذا الهجر وهي في ذلك بين مخفف ومشدّد، ثم تلقّيت في الأسبوع الأول من رمضان عدة رسائل لم تخل واحدة منها من عتاب ومن بينها رسالة من الأخ الأستاذ أحمد توفيق المدني، شاب فيها العتاب بالمطالبة بالحق المدني، وصنع معنى بمعنى، فكانت حجّته داحضة لأنه سدّ عليّ أبواب المعاذير. ثم سافرت في سابع رمضان إلى بيروت وسمر حولي جماعة من الأصدقاء فكدروا عليّ صفو السمر بالعتاب، وسافرت بعد يومين إلى دمشق، فسمعت العتاب المر من جماعة من الأصحاب، ثم وردت بغداد في صبح ثالثة فلقيني بعض المستقبلين وفي يده العددان الأخيران من «البصائر» - وكنت لم أرهما بعد- ووجّه إلي على خلاف عادته أقسى ما سمعته من اللوم بأسلوب شعري وكأنه عاذل يعذل على الهجر، والعذال إنما يعذلون على الوصل.
__________
* «البصائر»، العدد 278، السنة السابعة من السلسلة الثانية، 9 جويليه 1954.
(4/315)

وقع هذا كله في أسبوعين وكأن القوم كانوا فيه على تواطؤ مع تباعد الديار، فقلت: أتواصوا به أم هم قوم مخلصون؟ جمع بينهم التقدير لهذه الصحيفة المجاهدة فعز عليهم أن تخلو من قلم عرف بها وعرفت به، ولم يزل اسم صاحبه في صدرها يلوح للأعين كباقي الوشم في ظاهر اليد.
إن هذا الإجماع العجيب على لومي ألجأني إلى كثرة المعاذير، والمعاذير إذا كثرت أصبحت كبعض هذه الأدوية الكيماوية التي تبطل خاصيتها بالتعوّد، وقد أصبحت لكثرة ما اعتذرت أشعر كأن أعذاري منتحلة، وإن كانت قائمة بي وقائمة حولي، وأهمها عجزي عن الكتابة بمعناها الصناعي، أعني تحريك اليد بالقلم على القرطاس، فقد أصبح هذا أشق شيء أعانيه بسبب هبوط عام في قواي الجسمية، والبصر إلى كلال، والهمة إلى خمود، وتلك الذاكرة الواعية الصيود أضحت (كشنة خرقاء واهية الكلى) تضيع أكثر مما تمسك، ولم أتعوّد الإملاء فأملي، وطالما حاولت فلم آت بشيء، والعادة التي ملكتني هي أن قريحتي لا تجود بشيء إلا إذا وضعت سن القلم على القرطاس، فهنالك تنثال شآبيب القول ولكل امرئ ما تعوّد.
طال هذا الهجر مني لـ «البصائر» ولكنه لم يثمر ثمرة الهجر الطويل وهي النسيان، فلا أنا نسيت «البصائر»، وإن بي من الحنين إليها ما لا أجده لأقرب الأشياء إلى قلبي، ولا القرّاء نسوني، وإنني لألقى من عتابهم البَرْح الذي لم تلطف منه المعاذير، وإن كانت حقًا وكانت واقعًا وكانت حرية بالقبول.
...

إن إخوان العشرة والنشأة والعمل والتجربة يسرفون في اللوم إلى حد التجنّي، لأنهم يعتقدون أن الكتابة لا تسهل لأحد مثل ما تسهل لي ولا تؤاتي أحدًا مؤاتاتها لي والمادة من اللغة والفكر والطبع والمواضيع في نظرهم موفّرة لدي، وأكثرهم يستدلّ على هذا بسهولة الكلام علي وتأتيه وانقياده في المحاضرات الطويلة المرتجلة والدروس العلمية، ويقولون ان تلك المحاضرات والدروس لو وجدت من يكتبها كما تلقى لكانت مقالات أو كتبًا لا تحتاج إلى تنقيح ولا إلى إعادة نظر، وهم مخطئون في هذا الحكم لأنهم يتناولونه بميزان غير قار، فإن الحالات التي يكون معها التأتى والانقياد والاسلاس هي حالات نفسية وأصباغ وجدانية تخصّ الكاتب أو الخطيب وليس الناس فيها بمتساوين ولا القياس فيها بمطرد، وعن نفسي أتحدث، فإنني أجد من السهولة ومؤاتاة الكلام في مواقف الخطابة ما لا أجده في مواضيع الكتابة، ثم جاءت العادة والمران فأحكما ذلك في طبعي، ومردّ ذلك في نفسي وفي حكمي
(4/316)

إلى أنني أجدني في الخطابة مأخوذا بالمغافصة وهي لا تدع المجال للروية والتحكيك وعرض الأساليب واختيار أحسنها، وقد يعين المرتجل على الارتجال شعوره بأن الارتجال مصحوب بالعذر، وأن صور الكلام وألفاظه أعراض تنقضي فلا يستطيع السامع أن يحاسب على دقائقها، ولا تبقى من المحاضرة إلا الصورة الكلية المجملة، وليست الكتابة كذلك.
ومن عيوبي التي لازمتني من الصغر أنني حين أكتب تحفل شعاب فكري بمعان في الموضوع الواحد، وأريد تصويرها فتنثال على القلم صور متعددة من التراكيب والألفاظ ويحملني الافتتان بالكثير منها على تدوينه، وأجد نفسي بين صور كثيرة للمعنى الواحد أو للمعاني المتقاربة، ويوزّع إعجابي بها ما يوزّع الحنان على الأبناء المتعددين، وألقى العناء في ترجيح واحد منها. ثم أرجح بدافع يخضع للقواعد المحكمة بين الناس، وقد يكون في الصور التي أطرحها ما هو أبلغ وأوعب للموضوع وأرضى للقرّاء ولكن هذا عيبي، وقد اعترفت به وهو بعض السر في التفاوت الذي يدركه القرّاء في أسلوبي، وما أريد أن أخرج من هذا بعذر وإنما أريد أن أردّ به زعم الزاعمين أن الكتابة ميسّرة لقلمي، وأقول ان الكتابة أصعب علي بكثير، وإذا كانت الركية البكية متعبة للماتح بنزورها، فالجزور متعبة له بثرورها.

أيها اللائمون: لا هجر ولا قلى قبل اليوم، ولا لوم ولا عتاب- إن شاء الله- بعد اليوم، فإن كان ثمة هجر فهو هجر بلا سلو، وكيف أسلو «البصائر»، وقد كانت سلواي في المحن، وميداني في قراع المستعمرين والمتّجرين بالدين. وكانت سلاحي في الحملة على من أضاعوا فلسطين، وكانت مجلى حجّتي في جدال الظالمين للعربية والدين، وكانت مشرق النور الذي فجّرته من النصائح على أبنائي الطلبة والمعلّمين، وكانت الحلبة التي سبقت فيها الكتاب في قضايا العرب أجمعين.
وبعد، فإنني أشكر لإخواني العاتبين أن عتبهم كان سببًا في أوبة من جوبة، وتوبة من حوبة، وكم جرّ العتاب إلى متاب، وحسن مآب.
(4/317)

رسالة الأستاذ الورتلاني
في الدستور الإسلامي المنشود *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الأستاذ الفضيل الورتلاني رجل وهبه الله أوفر الحظوظ من قوة العقل وبراعة الذهن، وصفاء القريحة، وسداد الفهم، وعمق التأمّل، ودقة الملاحظة، ومتانة العقيدة، وطهارة الضمير، وبُعد النظر، ونصاعة البيان وجراءة اللسان، ثم وفّقه إلى البحث الممحص في حقائق الإسلام وتاريخه، ثم في دقائق شؤون المسلمين ثم في الفروق بين تلك الحقائق وبين واقع المسلمين، ثم يسّره للعمل في هذا الميدان، فخطب وكتب في هذه المواضيع المتشعّبة الأطراف، وانتهى به الرأي إلى غايات أصبحت عنده جزءًا من عقيدة الحق، ثم طلبت تلك المواهب كمالاتها فيه بالاختلاط بجميع الطوائف من المسلمين وغيرهم، فهو مع غير المسلمين حرب على ظلمهم وظلامهم، ودحض لدعاويهم وأوهامهم، ونقض لحججهم وتوهين، وهو مع المسلمين غير ذلك: يشجّع عاملهم، ويحرّك خاملهم، وينصح ملوكهم وأمراءهم ورؤساءهم وقادة الرأي والسياسة والاقتصاد فيهم، يعرض على كل واحد منهم الرأي صريحًا غير مجمجم، واضحًا غير مبهم، جريئًا غير متردّد، خالصًا غير مشوب، وله مع كل طبقة من طبقات المسلمين موقف وأسلوب، ومن عجيب أمره أنه يتّسع للعامي بما يناسب طبقته، ثم يتدرّج مع الطبقات واحدة واحدة إلى أكبرها شأنًا أو أرقاها علمًا، وأعلاها درجة في أوضاع المجتمع، فتجده مع كل طبقة وكأنه لا يحسن إلا سياستها، ولا يجيد إلا أسلوبها، فإذا وصلت معه إلى الطبقات العليا تجلّت لك براعته في الأسلوب الخاص بها بيانًا وإقناعًا ومتانة حجة ولطف مدخل إلى النفوس، وتستند تلك القوة فيه إلى ملكات ثانوية من صلابة لا تلين، وذاكرة لا تخون وعزة لا تهون؛ وقد يشتدّ لموجب، وقد يغلو في رأيه وقد يتعصّب فتخال ذلك منه شدة وغلوًا وتعصّبًا مما يعرف الناس، فإذا بلوته واستقرأت سوابق الرأي ولواحقه، واستبرأت علله وغاياته حكمت بأنها
__________
* «البصائر»، العدد 282، السنة السابعة من السلسلة الثانية، 27 أوت 1954.
(4/318)

شدة المؤمن الموقن وغلو الجاد المتقصي، وتعصّب الدارس الذي يقطع أقصى مراحل التفكير وأقساها، حتى إذا خلصت له الفكرة من شوائب الشك قذف بها في الناس وحامى دونها وتعصّب لها، ليكون التعصّب نصيرًا وشاهدًا عليها، فالتعصّب للفكرة عند هذا الصنف من المفكرين ليس تعصّبًا إلا في مظهره، أما حقيقته فهو توكيد معنوي للفكرة وذود عنها وتمكين لها، وما أكثر جنايات الأسماء على الحقائق.
ومعرفة الأستاذ الورتلاني لا تتم إلا بمعرفة نشأته وتربيته الأولى، فقد نشأ على مقربة من الفطرة السليمة وتربّى تربية دينية يتعاهدها المربي من والدين ومعلّمين بالمحاسبة على الصغيرة والكبيرة والمناقشة في الجليلة والحقيرة، فأيفع وشبّ مرتاض الطبع على المحاسبة والمناقشة والاهتمام والجد مع توهّج الإحساس وإشراق الروح وسموّ الغاية، يعاون ذلك كله ذكاء متوقّد وبديهة مطاوعة في مجالات القول ولسان كالسيف المأثور إذا لاقى الضريبة صمم، وما زالت تلوح على تفكيره ورأيه آثار من تلك التربية يعرفها من يعرفها وينكرها من يجهلها.
والأستاذ الورتلاني إنساني النزعة ثم إسلاميها، ثم عربيها، ثم جزائريها، تتزاوج هذه النزعات في نفسه من غير أن تتغاير ولا أن تتضارر، وهو يحسن التأليف بينها ويلبس كل واحدة لبوسها ويبرزها في زمانها ومكانها فلا تتناقض ولا تتعاند، ولكن أبينها سمة هي النزعة الإسلامية، فهي التي تستبدّ بمعظم تفكيره ثم تأتي النزعة العربية، فله في كل قضية من قضايا المسلمين رأي، وله في كل حدث من أحداث العرب حكم، وله في كل جو من أجواء زمنه متنفّس، ولكن آفاته التي أضاعت على الجمهور القارئ الاستفادة من آرائه وأحكامه أنه لم يدوّنها خصوصًا في هذه الحقبة التي اختلّ فيها استقراره وامتحن فيها بما يمتحن به الأحرار، وقد وقَفْتُ بحكم الصلة الطبيعية الوثيقة بيني وبينه على عدة آراء له مدوّنة في قضايا العرب الخاصة وقضايا المسلمين العامة أصاب في معظمها وقرطس وربط المعلولات بعللها وكشف عن خبايا لا يتأتى الكشف عنها إلا للأقل من القليل من رجالنا، فألححت عليه أن ينشرها على الناس، مع توسّع في بعضها بالشرح والتحليل، ما دام للتاريخ عند كل مفكّر ذمام، وقد وعد بنشر ما تسمح الظروف العامة بنشره ويسمح له وقته الخاص بإعادة النظر فيه وتقويم كل أسلوبه، أما مذكراته في الأحداث العربية فهو يتربّص بها ساحل الأمان واعتدال الزمان ...
...

من أمتع ما كتب الأستاذ الورتلاني رسالة وجّهها إلى حكومتي باكستان وأندونيسيا يحثهما على إقامة الدستور الإسلامي ويشرح لهما أصوله واضطلاعه بالحياة السعيدة لتكونا
(4/319)

قدوة لغيرهما فيه. ويبيّن لهما ما يجب عليهما من حقوق للشعوب الإسلامية الضعيفة أو المستعمرة، وكان السبب المباشر لكتابة هذه الرسالة أن حزب الرابطة الإسلامية الذي سعى في تكوين باكستان وفصلها عن الهند، أرسل وفدًا من أعضائه إلى الأقطار الإسلامية لأوائل العهد بنشأة باكستان يستطلع آراء أهل الرأي فيما يجب أن تقوم عليه هذه الدولة الناشئة، وفيما يحسن أن يكون بينها وبين الحكومات الإسلامية من الصلات وفيما يجب أن تقدّمه لتلك الحكومات أو تتقاضاه منها من العون، واتصل الوفد بالأستاذ الورتلاني في إحدى مدن لبنان فأفضى إليه برأيه الكامل في تلك النقط فطلب منه الوفد أن يكتب خلاصة تلك الآراء التي سمعها وآمن بها ليقدموها إلى حكومتهم بعد ترجمتها إلى الانكليزية أو الأوردية ففعل، فجاءت هذه الرسالة المفيدة التي نقرضها اليوم، وقد قدم الأستاذ نسخة منها في ذلك الحين إلى حكومة أندونيسيا بواسطة أحد سفرائها، لاشتراكها مع حكومة باكستان في الافتقار إلى تلك الآراء الصائبة وفي جدة النشأة وفي اتساع الرقعة وفي النزعة الإسلامية العميقة وفي الغنى بالعدد والموارد الطبيعية، وإنهما أقرب الدول الإسلامية إلى الاتحاد الذي يعمل له العاملون المخلصون وهما- مع ذلك كله- تظللان ثلث المسلمين المنتشرين في العالم، وإنها تميّزات تجعلهما محط أنظار المفكّرين الإسلاميين كما جعلتهما هوى أفئدة الطامعين المادينين.
...

حثّ الأستاذ الورتلاني الحكومتين في آخر الرسالة على لزوم الاتصال الوثيق بالهيئات الإسلامية الحرة العاملة لإحياء الروح الإسلامية وإثارة النخوة الإسلامية وبيان الحقائق الإسلامية العليا بالتربية والتعليم وبعث المجد الإسلامي من جديد، وسمّى الموجود الصالح من تلك الهيئات، ومنها جمعية العلماء الجزائريين وجمعية الإخوان المسلمين، وأن ما ذكره الأستاذ في هذا الصدد هو محض النصيحة للحكومتين، فإن استعانتهما بالهيئات المذكورة في تحقيق المعاني الإسلامية تجلب لهما الخير وتخفّف عنهما العناء وتهديهما للتي هي أقوم، لأن هذه الجمعيات تعمل في خدمة الإسلام بنية صادقة وقصد صالح، وهي على بيّنة من أمرها، وعلى بصيرة في دعوتها بعيدة عن تلوّنات السياسة لا تدفعها رغبة في جاه أو منصب ولا تثنيها رهبة من ظالم أو قوي لأن مبنى أمرها على أن القوة لله، والله أكبر. ومن مزايا هذه الهيئات أنها غربلت المعاني الإسلامية ونخلتها علمًا وعملًا، فهي بمثابة المواد المحضرة لمن يريد الخير من الحكومات الإسلامية، وهي نعم العون لها إذا استعانت بها أو استرشدتها.
ولم يوصِ الأستاذ تينك الحكومتين الناشئتين بالاستعانة بالحكومات الإسلامية الموجودة قبلهما، وهو مصيب شاكلة الحقيقة في ذلك، فإن معظم تلك الحكومات إسلامي في اسمه
(4/320)

ومظهره فقط، أما في حقيقتها فهي متنكرة للإسلام مجاهرة بمنابذته عاملة على إزهاق روحه في مدارسها وعلى إشاعة الإلحاد بجميع الوسائل، وإني لأعجب لهذه الحكومات المتنكّرة للإسلام ولتناقض أعمالها، فبينما هي تجهد في حرب الشيوعية وتمعن في عداوتها وترصد للقضاء عليها المقادير الوفيرة من أموال المسلمين، إذا بها تقف موقف العداوة والخصومة من أكبر عدو للشيوعية وهو الإسلام. ولو أن هذه الحكومات عمدت إلى تقوية المعاني الإسلامية الصحيحة في النفوس بواسطة المدارس والدعاة والوعّاظ والجرائد لسدّت جميع المنافذ على الشيوعية ولضمنت لنفسها النتيجة الصالحة من أقرب الطرق، ولوفّرت جهدًا ومالًا ووقتًا هي في حاجة إليها، ولو أن هذه الحكومات فهمت حقيقة الإسلام وحقيقة الشيوعية لآمنت بأن القلوب العامرة بمعاني الإسلام لا تجد الشيوعية فيها مكانًا، وما هو إلا أن يدخل الإيمان الكامل بالله فتخرج الشيوعية ... يدخل الإسلام بعدله وإحسانه ورحمته واطمئنانه فتخرج الخيالات والأماني الباطلة والاضطرابات النفسية مذمومة مدحورة، ولو علمت حكوماتنا الإسلامية ذلك لعلمت أن الشيوعية لا تدفع بسد منافذ الحدود، وإنما تدفع بسد منافذ النفوس. ولكن من مصائبنا وبلايانا أن وراء كل حكومة من حكوماتنا شيطانًا من الأجانب يغري ويوسوس، وإرادة منهم تحرّك وتسكن، ولسانًا يملي ويلقّن، ويدًا تقيم وتقعد، وخيالًا يرغب ويرهب، ونفوذًا يرجى ويخاف، وإن افتتان حكّامنا بالكراسي، صيّر الجاري منهم كالراسي، وإننا سمحنا للأجنبي بالوقوف في الفناء فاقتحم الدار ثم أخرجنا منها ...
وضربنا لهم الأمثال بالواقع الملموس فلم يعقلوا ...
قلنا لهم: هذه حكومة الهند لم تبنِ أمرها الجديد على التنكّر للبرهمية ولا على التنصّل من الدين، بل بنت دولة تجمع مئات الملايين على دين أساسه الوثنية وعبادة البقر، وقد أصبحت- مع هذا- دولة مرهوبة السطوة عزيزة الجانب، تخطب ودّها أعظم دول العالم بأسًا وعلمًا، فما بالكم لا تبنون دولكم الضعيفة على دين التوحيد وعبادة الواحد وعلى تاريخ مشرق كفلق الصبح مملوء بالمآثر والمفاخر وعلى سلف لهم في كل صالحة أثر واضح ولهم إلى كل موقف عزّة خطى حثيثة، وعلى قرآن وصل بين السماء والأرض، وآخى بين الروح والمادة، وحرّر الفكر والعقل، وحلّ المشكلات الاجتماعية بالعدل والإحسان، أم أنتم لا تعقلون؟
وقلنا لهم: هؤلاء اليهود الذين ظهروا عليكم وقهرت قلتهم كثرتكم وأخرجوكم من دياركم صاغرين، بنوا دولة في أرضكم على الدين، وأذكوا الحماس لها باسم الدين، ولفتوا العالم إليها باسم الدين، وزعموا أنها حق لهم بشواهد الدين، وسمّوها باسم ديني تبجحًا وافتخارًا برغم أنف العالم الملحد. فنسبوها إلى إسرائيل بذرة نُجارِهِم، ومعقد فخارهم، فويحكم ... إن كلمة "دولة اسرائيل" هي كلمة اليهود وان كلمتكم العبقرية التي تساويها- لو
(4/321)

وجدت منكم ناطقًا- هي "دولة محمد" وأنه لا نسبة بينهما في عين ولا أثر، ولكن أصحاب تلك الكلمة قالوها عقيدة وتحديًا وإصرارًا فانتصروا، وسكتم أنتم عن كلمتكم جبنًا وتنكّرًا وعقوقًا فانكسرتم وتعالوا نتكاشف ... أيستطيع أحدكم أن يقولها؟ لا ... وان أكثركم ليخجل من ذكرها، ويتأفّف من سماعها، ولولا شعوبكم المرزوءة فيكم المغلوبة على أمرها بكم، ولولا بقية خشية منها فيكم لأنها سلعة التجارة ومادة المساومة فإذا لم تكن لم تكونوا. لولا ذلك لخشينا أن تطمسوا تاريخ الإسلام ومعالمه الباقية طمسًا حتى لا يذكره ذاكر ولا ينظر إليها ناظر.
...

وفي العالم الإسلامي اليوم رجال أولو رأي وإيمان وعقيدة، وفيه هيئات منظمة تلتقي على مبادئه الرشيدة، وترمي إلى غاياته السديدة، ولكن أولئك الرجال وتلك الهيئات مشتتة ليس لها مساك، وهي شاعرة بلزوم التلاقي والتعارف والتعاون، عاملة لها، لتكون أقوى على حمل الأمانة، وأسرع في الوصول إلى الغاية، ولو تيسّرت لها وسائل التلاقي والتعاون لكانت أعمالها في خدمة الإسلام أوسع وأنفع، ولا يتيسّر لها ذلك إلا إذا أسندتها حكومة من هذه الحكومات المنسوبة إلى الإسلام وآوتها ونصرتها فنفعتها وانتفعت بها، ثم عاد ذلك النفع على المسلمين حكومات وشعوبًا، وان من بلايانا أن الحكومات الاستعمارية التي تملك أمر جمهرة المسلمين تنصب العواثير في طريق هذا التلاقي، وأن الحكومات الإسلامية تقلّد الحكومات الأجنبية في هذا المذهب فتتنكّر لهؤلاء الرجال وهذه الهيئات العاملة لخير المسلمين، وتطاردهم، وتعطّل وسائلهم، ولو أنها فتحت صدرها واحتضنت العاملين وأعمالهم لكان ذلك مزيدًا في قوّتها وعزّتها، ولو أن هذه الحكومات اجتمعن تحت الكلمة الجامعة "دولة محمد" لكانت بذلك أرهب لعدوهنّ وأجلب لعزتهنّ وأدوم لسلطانهن.
توسّع الأستاذ الورتلاني في هذه النقطة من رسالته، وضرب لها الأمثال وأقام الشواهد من الواقع ونصب الميزان بين الدستور الإسلامي والدساتير الوضعية الرائجة، ووضع اليد على الرجال الذين يعوّل عليهم في تنظيم الدستور الإسلامي الكافل لمصالح البشر كلهم لا المسلمين وحدهم، ولو أن حكومة باكستان وحكومة أندونيسيا عملتا بهذه الجزئية التي شرحتها الرسالة لكوّنتا أعوانًا على تثبيت دعائمهما، وعلماء استدلاليين يهدونها سواء السبيل في نظم الدستور الإسلامي الذي هو أسمى مطلب للشعب الباكستاني العريق في إسلامه، والشعب الأندونيسي المخلص لإسلامه المعتزّ به، ولكنهما غفلتا عن هذه النصيحة، وتركتا القوانين الكافرة تتحكّم في الأمة المسلمة، فطغت عليهما الأمواج ولفتهما الأعاصير، بعد خمس سنوات من هذا النذير فتلك حكومة باكستان تصاممت حتى أسمعتها الحوادث،
(4/322)

فهبّت تداوي الحمى بالطاعون وتحاول أن تخرس ألسنة الحق، وأن تقتل أعلى العلماء المسلمين صيتًا، وأنداهم صوتًا، أبا الأعلى المودودي. وحكومة أندونيسيا تسبح إلى الآن في بحر لجي من الأحزاب والنزعات المناهضة للإسلام، ونسأل الله أن يرزقهما توفيقًا إلى سبل النجاة، وأن يبعد عنهما شياطين الشر التي تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف وأن يفتح آذانهما لمثل النصائح التي تضمنتها هذه الرسالة.
هذه كلمتنا في الرسالة وصاحبها، فإذا كانا غنيين عنها فإننا قلناها للحق الذي هو فوقنا جميعًا، ويوم تطبع الرسالة نزفّها إلى القرّاء بقلادة وقرط، وجرة ومِرْط، وجواب للشرط.
(4/323)

المطبعة والمدفع! *
"إذا كان المدفع قد انتزع من سيف البطل صولته، فإن المطبعة قد انتزعت من قلم الورّاق دولته".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لو عاش ذلك النوع اللطيف من أنواع الأدب وهو عقد المناظرات والمفاخرات بين الصوامت المتضادة أو المتقابلة أو المتقاربة الأثر كالليل والنهار والسيف والقلم، لكان هذا أوان ازدهاره، ولأتى فيه أدباء العصر بالغرائب في مفاخرات بين مبتكرات هذا العصر، وأثرها في حضارة العصر، وبين أشباهها من أدوات الحضارة في الماضي، كالمدفع والسيف، والقنبلة الذرية مع المدفع، وكالمطبعة مع القلم، وإذا لكان الفَلْج للمدفع على السيف، وللمطبعة على القلم.
...

المطبعة هي الغرة الشادخة في مخترعات هذا العصر وعجائبه، بل هي أشرف المخترعات قدرًا وأوسعها أثرًا، يُستغنى عن غيرها في بعض الأوقات وعند طوائف من الناس، ولا يُستغنى عنها في وقت من الأوقات، ولا في حالة من الحالات، ولا عند أحد من الناس، فإذا قورنت بالمدفع في عموم النفع بزّته، لأن المدفع أداة حرب، والحرب دمار، والمطبعة أداة علم، والعلم عمار، ولولا المطبعة ما ارتقى علم ولا فن ولا صناعة ولا تجارة ولا عمران، ولولا المطبعة ما تمّ للنهضات العقلية والفكرية والفنية تمام، ولولا المطبعة لما أحيا الخلف مآثر السلف فوصلوا بها حلقات التاريخ العلمي.
والمطبعة- اليوم- ضرورة من ضرورات الحياة في كل فرع من فروعها، تقرّب البعيد من رغائبها، وتيسّر العسير من مطالبها، تسرع بالبطاء إلى غاياتها ولو أن نهضة كنهضة جمعية العلماء صاحبتها مطبعة راقية كاملة الأدوات لتقدّمت بها خطوات فساحًا، ولكانت أعود عليها بالنفع والخير من عشرات المدارس.
__________
* «البصائر»، العدد 283، السنة السابعة من السلسلة الثانية، 3 سبتمبر 1954.
(4/324)

وما زالت جريدة «البصائر» منذ نشأت تتطلب من قرّائها وأنصارها أن ينشئوا لها العنصر الضروري الذي لا تعيش ولا تنمو إلا به وهو مطبعة كاملة تتلاءم مع سمعتها ومنزلتها في نفوسهم، ومع كرامة اللغة التي هي حارسة بيانها، ورافعة بنيانها، وما زالت مطبعة «البصائر» دَيْنًا في ذمة الأمة الجزائرية العربية وفي ذمة كل من يعرف لـ «البصائر» قيمتها ويربأ بها أن تكون كابن السبيل: له في كل ليلة مأوى.
وما زالت قضية المطبعة شغلنا الشاغل منذ نشأت «البصائر»: كانت أمنية، فأصبحت فكرة، فأضحت عقيدة، فأمست شيئًا ضرورًيا لا بدّ منه، وطالما قلبنا وجوه الرأي في إبرازها إلى حيّز التنفيذ، وافترصنا المناسبات الصالحة لذلك، وأشهد- وأنا أول المهتمّين بهذه القضية- أن ضعف الرأي أضاع علينا فرصتين في وقتين مناسبين، واننا لو ركبنا الحزم ونبذنا الآراء المثبطة لكانت المطبعة اليوم قد آتت ثمراتها كاملة وولدت عدة مشاريع نافعة.
ولو أن مدوّنًا دوّن المحاولات التي حاولناها لتحقيق هذه الفكرة لكانت تاريخًا قائمًا ذا فصول وأبواب ومراحل، ويوم تصبح مطبعة «البصائر» في منزلة تستحقّ التأريخ لها، يصبح شرح هذه المحاولات أساسًا لذلك التأريخ، وسنشرحها في فرصة أخرى ليكون ذلك نورًا يسعى بين يدي ذلك المؤرّخ الذي لا ندري من هو ولا متى يكون.
...

ما الذي يدفع «البصائر» عن المنزلة التي تستحق بها أن تكون لها مطبعة مستقلّة؟
لقد شهد لها الموافق والمخالف أنها أعظم جريدة ظهرت في المغرب العربي، وأنها أرقى أسلوبًا وأسمى بيانًا من كثير من جرائد الشرق العربي، وحسبها شرفًا في الموضوع أنها أحيت العروبة والتمجّد بها في النفوس، وأحيت العربية وبيانها في الألسنة والأقلام، وأنها تناضل عن أشرف مبدإٍ وهو الإصلاح بقسميه الديني والدنيوي، ووجّهت المسلم إلى أعظم هداية نزل بها كتاب وجاء بها رسول وهي هداية القرآن، وحاربت أخبث عدوّ طرق البشرية، وهو الاستعمار، فكيف لا تستحق مع هذا كله- ومثله معه- أن تقدم لها الأداة التي تتوقف عليها حياتها، وأن تقلّد السلاح الذي يضمن لها النصر في المعترك الذي تقتحمه، وأن يدفع عنها أنصارها غضاضة الإيجار عند الغريب أو عند الجار، وهجنة الانتقال من دار إلى دار، فيتألف من ذلك برهان على أن الجزائر أصبحت تقيم الموازين القسط لما ينفعها فتنشطه ولما يضرّها فتثبطه.
هذه الكلمات مقدّمة بين يدي نجوى ... أناجي بها إخواني في الجزائر وأوجّهها إلى جميع أنصار «البصائر» في العالم العربي، ان المطبعة أصبحت واقعًا، فيجب أن يكون العمل لها جدًا، فقد أقدم إخواني وشركائي في الاهتمام بهذه القضية على شراء أكبر آلة في جهاز
(4/325)

المطبعة، وهي آلة التصفيف من نوع "أنترتيب" وما هي- على عظمتها وقيمتها بين آلات المطبعة- إلا جزء من أجزاء، وما غناء الجزء الواحد إذا لم تتلاحق الأجزاء المكمّلة للهيكل؟
...

أنا- على بعد الدار- أدعو الأمة الجزائرية إلى القيام بهذا الواجب المشرف، وهو أن تنشئ لـ «البصائر» مطبعة كاملة تتلاءم مع منزلة الجريدة في الجهاد، ومنزلة الأمة في التعاون وعرفان الواجب والقيام بالعظائم.
أدعو إلى اكتتاب عام يشترك فيه كل جزائري وجزائرية لقضاء دين طال أمده في عنق كل جزائري وجزائرية، وأن يبذل كل واحد منهم ما تسعه طاقته في هذا المشروع العظيم، ومتى عظم المشروع وجب أن تكون الهمم أعظم.
وأنا شهيد على الأمة الجزائرية أنها أمة كريمة، دعوناها إلى تشييد المدارس العلمية فلبّت، وأيقظناها على صوت العلم فهبّت، وسرنا بها إلى الحياة السعيدة فأوضعت وخبت، أفندعوها بعد هذا إلى واجب له خطره، وله قيمته في نهضتها فلا تجيب؟ الظن بها، بل اليقين فيها أنها تستجيب لداعيه وأنها تتسابق إلى تحقيقه بأسرع مما نتوقع وأكمل مما نتخيّل.
إن الأمم الجادة في نهضاتها لا تقف عند حد، فلا تنتهي من عمل عظيم إلا وتبدأ فيما هو أعظم، وإذا وزنا الأمة الجزائرية بهذا الميزان رأينا ما يبشّر بأنها سائرة وأنها لن تقف لأنها شيّدت في مبدإ هذه النهضة عشرات من المدارس الفخمة، ثم شيّدت المعهد الباديسي الثانوي وملحقاته، ثم دار التلميذ العظيمة، وهي أعظم مفاخر الأمة حتى الآن، وبقي عليها من العظائم أن تنشئ لـ «البصائر» مطبعة كاملة فإذا أنجزتها انتقلت إلى تكميل المعهد بإنشاء قسمين لسنتيه الأوليين بتلمسان أو وهران لتخفيف العناء على تلامذة المقاطعة الوهرانية في السنتين، وإنشاء سنتين خامسة وسادسة في الجزائر العاصمة، وبهاتين السنتين يصير المعهد ثانوية حقيقية ذات ستة أقسام، وكل هذا- إن شاء الله- تمهيد لإنشاء معهد ثانوي كامل بتلمسان، وآخر بالبليدة، وثالث للبنات بإحدى مدن القطر ودار لتخريج المعلّمين وأخرى لتخريج المعلّمات، ومدرسة خاصة لتخريج الوعّاظ والدعاة، فإذا تمّت هذه المشاريع على ترتيبها كانت الأمة قد بنت بيدها وبمالها ما يضمن لها الحياة العلمية الكاملة الأجزاء والأدوات.
...

لا أختم هذه الكلمة حتى أبعث تحية خالصة إلى إخواني أعضاء المكتب الدائم الذين سبقوني إلى الاكتتاب لمشروع مطبعة «البصائر» وفتحوا بابه، وإنني أتشرّف بأن أكون آخرهم في العمل إذا كنت أوّلهم في البذل، فأعلن أنني أتبرعّ لمشروع المطبعة بثلاثين ألف فرنك.
(4/326)

النظام ملاك العمل والحزم مساك النظام *
الابتعاث عمل جديد من أعمال جمعية العلماء، وهو- في ظاهره الذي يراه الناس- نتيجة لازمة لتقدم الحركة التعليمية التي تديرها الجمعية، وتشبعها واتساعها واحتياجها إلى كفاءات علمية تباشرها، وكفاءات فنية تديرها، أما في واقعه وحقيقته المستمدة من روح جمعية العلماء ومبادئها- فهو تفسير عملي لقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.
جمعية العلماء ليست حكومة تبعث البعثات لتسد بهم- بعد الرجوع- حاجتها فى الوظائف التي يقوم عليها الجهاز الحكومي الآلي، فلا تشترط على تلميذ صناعة ما إلا أن يرجع إليها بشهادة في تلك الصناعة، وإنما جمعية العلماء جمعية دينية قبل كل شيء، وبعد كل شيء، تبتديء بالدين وتنتهي إلى الدين، وتنقلب بين البداية والنهاية في الدين، حتى لو كان الدين حرفة ووظيفة لقلنا وقال الناس: إن حرفتها ووظيفتها الدين، آية ذلك وصفها: (جمعية العلماء المسلمين) فهذا الوصف هو الجزء الذاتي الأكبر من حقيقتها، وليس قيدا لاخراج العلماء غير المسلمين، والجزآن معاهما حقيقتها الكاملة، وآية أخرى أربعح وزنا وأعدل شهادة على أن الجمعية جمعية دينية، هي أن الدافع الوحيد لنشأتها هو تصميم الاستعمار الفرنسي على محو الإسلام من الجزائر، فكان من خيرة الله لدينه وغيرته عليه أن حرك لحمايته عقولا سددها وعزائم شددها، ونفوسا ملأها خشية منه، وغيرة على حرماته واستقامة على سننه في الدين والكون، وأرواحا أشرق عليها بنوره، أولئك هم رجال جمعية العلماء الذين رفعوا منارها، وأعلوا على صخرة الدين جدارها، وأولئك الذين تقاسموا على إحياء الإسلام أو الموت دونه، {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.
__________
* «البصائر»: العدد 284 - السنة السابعة من السلسلة الثانية- 10 سبتمبر 1954.
(4/327)

غير أن هذا الوصف الذاتي لجمعية العلماء اشتهر حتى خفي، وعلم حتى كاد يُجهل، وبدأ بعض أبناء هذا الجيل المرشّح للوراثة يغفل عنه أو يتغافل، كما يغفل الانسان عن كونه انسانًا فيتردّى في الحيوانية، ويكون سبب الغفلة عن الحقيقة هو الحقيقة نفسها، ومكّن لغفلة هؤلاء أو تغافلهم عدة عوارض زمنية، منها أنهم من جيل مخضرم لم يتخرّج كله في تربيته وسلوكه وعلمه على أيدي رجال جمعية العلماء، ومنها افتتان هذا الجيل من أبناء الأمة العربية بكلمات: العلم، والتعليم، والثقافة، والعرب والعروبة، والوطن، والوطنية، وهي كلمات تشعّ شعاعات تخطف البصر، وتنفض على النفس أصباغًا ذات أثر، وهي- على عمومها- سمات هذا العصر المتحلّل، ومواد الفصل الأول من قاموسه، يستعملها الأقوياء تعاليًا واجتهادًا، ويستعملها الضعفاء تعلّلًا وتقليدًا؛ ولما كانت معانيها عند الأولين مادية جافّة منقطعة الصلة بالروح، فمن الطبيعي أن ينقلها المقلّدون بجفافها وانقطاعها عن الروح.
بدت آثار هذه الغفلة من سنوات مضت، وبدأت ضعيفة خفية لم يدركها إلا قادة الجمعية الأيقاظ، ولكن السكوت عن الخطر هو أقوى أسباب استفحاله، لذلك وجب علينا أن نحارب هذا الخطر الجديد في بعض أبنائنا قبل أن يسري إلى جميعهم، وأن نكفكف من غلوائهم فيه بحزم لا تشموبه هوينا، وأن نأخذ بحجزهم عن التهوّر فيما يخالف مبدأ جمعيتهم، وأن نفهمهم أن المادة نافعة ولكن الروح التي تصرفها وتتصرف فيها أنفع، وأن العلم جميل، ولكنه مع الدين أجمل، وأن الثقافة كمال، ولكنها مع الفضيلة أكمل، وأن العروبة شرف، ولكنها زادت بالإسلام شرفًا على شرف، وأن الوطنية مكرمة، ولكن وطنية الإسلام اأكرم وميدانها أوسع، وصاحبها أعزّ نفرًا، وأقوى ناصرًا، وأكثر عديدًا.
وطاف طائف هذا الخطر بالشرق العربي، وزيّنه دعاة ينطوون للإسلام على حقد دفين، فهم ينتقمون منه بإفساد أجياله، والشرق العربي هو مسرح آمالنا، ومنتج طلّابنا وروّادنا، وسوق امتيارنا، فماذا يكون موقفنا منه، وهل نغض عن الشر لأنه نبت في الشرق، وان إخواننا المصلحين حرّاس الإسلام في الشرق يحاربون هذه المعاني العدوّة للإسلام حربًا لا هدنة فيها، فلننجدهم في حربها لئلا تطغى فتفسد عليهم وعلينا كل تدبير، وهبهم سكتوا عنه، أفنقلدهم في السكوت ونفتح الباب لأبنائنا أن يجنوا عواقب هذا السكوت؟ إن من أصول الفطرة أن نقلّد في الخير ولا نقلّد في الشر، ونأتمّ في الكمال ولا نأتم في النقص، وليس من كرامة الشرق علينا أن نقلّده في حرفين من اسمه.
...

جمعية العلماء حقيقة جلية، والسابقون الأولون من علماء الجمعية هم حرّاس هذه الحقيقة ووظيفتهم الأولى إبراز هذه الحقيقة إلى الوجود، والصورة المشخّصة لها هي إحياء
(4/328)

الإسلام بمعناه الكامل في النفوس، ومعناه الكامل هو عقائده النقية، وعباداته المأثورة، وفضائله المصلحة للبشر، وآدابه المقوّمة للنفس، وأحكامه الحافظة للحقوق حين يقدر على ذلك، ويكمل ذلك كله معرفة بسيَر رجاله تصحّح القدوة، ودرس لتاريخه يصوّر المجد.
ومن عهود جمعية العلماء مع الله أن تنشئ مجتمعًا إسلاميًا يشارف السلف في عقائده وعباداته وأخلاقه وصلته بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقربه من الله، وأن تسلك لذلك طريق التربية قبل طريق التعليم، لأنها تعلم أن العلم المجرد من التربية الصالحة لا ينفع، وقد يكون بلاء على صاحبه ووبالًا على الناس، كما هو مشهود في آثار العلوم الغربية في أصحابها وفي مقلديهم منّا.
وصفوة التفسير لمبدإ جمعية العلماء أن العلم وسيلة من وسائل الدين، وحسبه شرفًا أن الإسلام دعا إليه، ونوّه به، وحضّ عليه، وأن العربية لسان الدين المترجم من حقائقه، وحسبها شرفًا أن الله اختارها لغة لقرآنه، فلم تبقَ بعد ذلك لغة للعرب، ونحن نحبّها لأن الله أحبّها، وأن العرب قوم محمد والمجلي الأول لدعوته ولولا محمد لم يكونوا شيئًا مذكورًا، ولا نزيد على ذلك، وإذا كنا منهم اتصالاً في الأنساب، وتحدّرًا من الأصلاب، فما ذلك من كسبنا حتى يكون قربة تجر الأجر، أو مفخرة ترفع الذكر، وإنما يثاب العامل على كسبه ويفخر الفاخر بعمله.
هذا هو المنهج الذي نسير عليه، وهذا هو الغرض الذي نرمي إليه، لا غالين ولا مقصّرين، وإجماله- للتوضيح- أننا نطلب العلم لإحياء الإسلام، ونقرأ العربية لفهم الإسلام، ونلوذ بأكناف الشرق العربي لأنه مطلع النبوّة ومنبت الإسلام، ولأنه القطعة المتّصلة من الأرض بالسماء، فالبدء- كما ترى- من الإسلام، والانتهاء إلى الإسلام، وبين البدء والنهاية مجالات لنفوس عامرة بالإيمان وآثار الإيمان.
أما المفردات التي أصبح أبناؤنا يلوكونها مجردة من الإضافة إليه، من علم، وثقافة، وعروبة، ووطن، فنحن نعدّها وقوفًا على "ويل للمصلّين".
وأما النتائج المحققة- التي نكاد نراها بالعين ونلمسها باليد- لهذا السلوك الذي وفّقنا الله إليه، فقد تضمّنها الوعد الكريم في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}.
...

يحزننا أن ينحرف الفهم عن الإصابة فينحرف العمل عن الإفادة، ويحزننا- أكثر من ذلك- أن يبدأ الانحراف من هذا الجيل الذي كوّناه بأيدينا وصنعناه على أعيننا، ورجونا أن
(4/329)

يرثنا فيزيد في التراث، ويخلفنا فيحسن الخلافة، ويتعلم فيكون أوسع منا علمًا، ويعمل فيكون أضخم منّا أعمالًا، ويحامي عن الإسلام وفضائله فيكون بعمله وقوله أصدق منّا محاماة، فإذا تهاونّا في شأنه وغلبتنا عليه العوامل الدخيلة، جنينا جناية نبوء بخزيها في الدنيا قبل الآخرة، وخنّا الأمانة التي استحفظنا عليها وحملناها طائعين، وأعطينا للأمة عليها صفقة أَيْماننا مختارين، لأننا حرّكنا القافلة إلى السير، ولم نوجّهها في الطريق القاصد إلى الغرض السديد، فلجت في بيداء طامسة فكانت غنيمة باردة للصوص العقول والأفكار.
أما بعد، فنحن في أشد الحاجة إلى الاتصال بإخواننا في الشرق لأن بيننا وبينهم أرحامًا يجب أن تتعاطف، وأسبابًا يجب أن تتلاقى، وحبالًا من التاريخ رمتها الأيدي العادية بالوهن والارتخاء حتى أوشكت أن تتقطع، ونحن في حاجة شديدة إلى إمدادهم إيانا بما نحن أفقر فيه منهم، وهم في حاجة إلى التنبيه على موقعهم منّا وموقعنا منهم، وإلى معرفة أحوالنا، حتى نتعارف على بصيرة، وقد فعلنا كل هذا وأربينا فيه على الغاية والحمد لله.
وان أوثق أسباب هذا الاتصال هو هذه البعثات العلمية التي نجهزها للشرق العربي كما نجهز البعوث ليمتزج أفرادها بإخوانهم فتتقارب الأمزجة، ويتحد الشعور، وتنمو الفضائل الأصلية في الفريقين وهي فضائل الإسلام، وتمحى الرذائل الدخيلة التي ابتلانا بها الغرب ليهلكنا ويملكنا، وليقول أحدهما للآخر: أنت أخي في الإسلام والعروبة فهلمّ نطر إلى المجد بجناحين، ولا يقول له: أنت أخي في العروبة فقط، فكأنما يقول له: هلم نطر بجناح واحد ... فيكونان كالقاضيين الأعورين في شعر الشاعر البغدادي ...
أكبر جوالب الامتزاج من جهتنا أن يكون العنوان الذي يقرأه إخواننا من صحيفتنا دالًا دلالة صادقة على حقيقة ما وراءه، وأن تكون الطلائع الأولى من طلّابنا هي ذلك العنوان، وأن يكون صورة مصغرة من جمعية العلماء في إيمانها وجهادها وثباتها وصبرها وصلاحها وإصلاحها، وصورة أخرى من الأمة الجزائرية في جدّها وسلامة فطرتها، وتصلبها في إسلامها وعروبتها وصبرها على المكاره في سبيلهما، وفي شجاعتها وكرم شمائلها والمحافظة على مقوّماتها وخصائصها، وتشوّفها لحياة سعيدة تبنيها بأيديها على منوالها، بأحجارها، على هدى تاريخها. كل ذلك ليرجعوا يوم يرجعون بإيمان أقوى وإسلام أكمل وعقيدة في الله أثبت، وإرادة في العمل أصلب، ونزعة في الأخوة أعرق، وعزيمة في التعاون أصدق ... ومع ذلك كله شيء من العلم مهما يقل فإنه أنفع.
إن مجتمعنا- كغيره من المجتمعات- فيه الصالح والطالح، والطيّب والخبيث، وهذا شيء نعلمه عن إخواننا كما يعلمونه عنّا، لأنه قدر مشترك بين الجماعات البشرية، ولكن الذي يندب إليه الدين، وتقتضيه المصلحة ويستحليه الذوق السليم في مثل هذه القضايا التى
(4/330)

تجمع معاني السفارة والدعاية أن يختار لها الأصلح، فالصالح فالقابل للإصلاح بالسمع والطاعة لأوامر الجمعية واحترام نظمها والتأثّر بنصائحها وأن يطرح ما عدا هذه الأصناف ويبقى في بلاده مستورًا لأن الناقص الفاسد عورة في المجتمع، وعورات المجتمع أحق بالستر من عورات الأفراد.
وجمعية العلماء لم تغفل ذلك، ولم تنسَ أن حسن الاختيار مفتاح السداد، وأن ميزان الكمال دائمًا هو الدين، وأن الجانب الديني والخلقي له الاعتبار الأول في تلميذ البعثة لأنه سفير أمة، فهو إما رافع لقدرها وإما خافض؛ وهو شاهدها، فإما لها وإما عليها، وهو وجهها فإما شائه مشوّه، وإما جميل مجمّل.
ولكن احتياط جمعية العلماء في هذا الباب لم يخلُ من ثُغر سببها حسن الظن وإنها خطوة بداية مصحوبة بالتعجّل، وتجربة لم يسبق لها مثال، فلذلك وقع من بعض تلامذة البعثات إخلال متفاوت، وظهرت على بعضهم أمراض خلقية وفكرية، منها الشديد ومنها الخفيف وأشدها وأبعدها ما يمسّ الدين، وأشدّ الشديد منها ما يرجع إلى صميم الدين كالعقائد والشعائر، فوجب عليها أمران اثنان لمعالجة هذه الحالة ومعاجلتها بما يمنع استشراءها ويقطع دابرها: أحدهما أن تبالغ في الاحتياط وتتشدّد في حسن الاختيار، وأن تجعل التقدير الأول للدين والأخلاق والسلوك الاجتماعي، لا للذكاء والحرص على التحصيل، والأمر الثاني الفصل الناجز لكل تلميذ يخرج عن سنن الجمعية ويشوّه سمعتها ويصوّرها بقوله أو بفعله بغير صورتها، ولا يحقّق غاياتها التي وضحناها وقرّرناها في هذه الكلمة.
أما الأمر الأول فإنه موكول إلى المكتب الدائم بالجزائر وإلى من يستعين بهم من اللجان والأشخاص، وأما الأمر الثاني فقد تولّاه كاتب هذه السطور بما له من حق الرياسة المسؤولة المؤتمنة، وبما عليه من واجب المحافظة على مبادئ الجمعية وصيانة شرفها، وعلى سمعة الأمة الجزائرية وكرامتها وثقة الشرق بها، وعلى حق الله قبل ذلك كله في استرعاء بعض عباده على بعض.
...

إنني فصلت طائفة من أفراد البعثات بعد أن تعاهدتهم أنا وغيري من عباد الله الصالحين بالنصائح المتنوّعة، فلم ينتفعوا بها، وبالإنذارات المتكررة فلم يرتدعوا عنها، وأصبح السكوت عليهم إقرارًا للشرّ، واعترافًا بالمنكر، وغبنًا لذوي الاستقامة منهم حينما يرون أنه لا فضل لمستقيم على معوجّ، وغشا للأمة بهم إذا رجعوا إليها بعقول مريضة وأخلاق شاذة وأفكار ملحدة عن صراط الله ناكبة عن مبادئ جمعية العلماء ثم تولّوا تعليم أبنائها فبثّوا فيهم
(4/331)

تلك السموم من الأفكار الزائفة والآراء الضالّة والأخلاق الفاسدة. انه لغش ما بعده من غش، وتغرير بالأجيال التي ستأخذ عن مثل هؤلاء.
والله يعلم أننا بذلنا الجهد في تقويم أخلاق هؤلاء الشواذ من التلامذة بالنصح والموعظة الحسنة اللطيفة، ثم بالخُشْنَة الشديدة وبتفهيمهم الغاية التي جاؤوا من أجلها، وذكرناهم بحق الله عليهم، وبحق الأمة التي أوفدتهم وحاطتهم بالعطف وعلّقت آمالها بمستقبلهم وبحق الجمعية التي هيّأت لهم طريق العلم وسخّرت لخدمتهم الشعوب والحكومات ... توليت ذلك بنفسي، ثم طلبت من الأستاذ الفضيل الورتلاني أن يتولّاه عنّي، وعنده من لطف التوصّل إلى مسالك النفوس وجرّها إلى الخير إن كان فيها استعداد له طرائق عجيبة، فتولّى- حفظه الله- ذلك عني بعزيمة صادقة وضحّى في سبيله بمصالح عامّة من هذا النوع كانت أنفع وأشمل، وعقد لبعثة مصر مجالس وعظ وإرشاد وحكمة دامت أشهرًا وسمعوا منه في باب التذكير الديني المتّصل بالأرواح ما لم يسمعوه من أحد، ثم سافر لأجل ذلك إلى الكويت وإلى بغداد وإلى دمشق في الشتاء الأخير، وعقد للبعثات المجالس المتعددة، فأما الصالحون والمستعدّون للصلاح فزادتهم تلك المجالس صلاحًا، وكانت لأرواحهم غذاء، وأما هؤلاء الشواذ الذين فصلتهم أخيرًا فلم تؤثر فيهم فتيلًا، وما زادهم ذلك إلا مرضًا وكفرًا بأنعم الله ثم بأنعم الجمعية والأمة عليهم وحرصًا على إفساد الصالحين.
...

هذا التصرّف بسيط وواجب وحكيم، أما بساطته فهو أنه تصرّف رئيس مسؤول لله فيما استرعاه عنه، ومسؤول للأمة التي اختارته لقيادة هذه الحركة وائتمنته عليها، وأما وجوبه فهو أنه قيام بحق الله الذي أمر بالصلاح ونهى عن الفساد، وأما حكمته فهو أنه تأديب بعد أن لم تنفع النصيحة والاعذار والإنذار، وإصلاح للتلميذ المفصول إن كانت فيه بقية استعداد للصلاح وإصلاح لبقية التلامذة الذين بدأت عدوى المرض تسري إليهم وإفهام لهم أنه لا يستوي المحسن والمسيء في الجزاء، فربّما سرى إلى أذهانهم أنه لا فضيلة للمحسن على المسيء ما دام لم يمسّه التأديب، وأنه بعد ذلك إرضاء للأمة الجزائرية التي تحرص على الفضيلة، وتعاون الجمعية على إقرارها وقمع عوامل الفساد حماية للصالحين من أبنائها، وحكمته الأخيرة أنه إنذار معجّل لتلامذة البعثات المقبلة.
ما كانت هذه القضية البسيطة تحتاج إلى هذا التبسّط في الحديث عنها على المتعارف في أوضاع الجمعيات، ولكن وقوعها لأول مرة في تاريخ الجمعية سوّغ هذا البيان والتحليل
(4/332)

ليكون دستورًا للمستقبل وبلاغًا عامًا للطلبة وأوليائهم ومعلّميهم، وزيادة في الاستبصار وقطعًا للألسنة التي تسدي في الباطل وتلحم وقمعًا للنزعات العاطفية التي تغشى القضية.
...

والكلمة الأخيرة من هذا الفصل الطويل أوجّهها إلى أولياء التلامذة المفصولين، لأنني أعلم أن فصل أبنائهم سيقع منهم موقعًا سيئًا وأعلم من تربيتنا العامة أننا ما زلنا نُحكّم العواطف الدنيا حتى في المقاصد العليا، وتعمينا عن النظر إلى المصلحة العامة.
فليعلموا- أرشدهم الله- أن هؤلاء المفصولين هم أبناء الأمة لا أبناؤهم، وقد فارقوهم يوم اختاروا لهم هذا المسلك، فكأنهم حكموا عليهم "بالتأميم" وأسلموهم إلى أيدٍ أمينة تتعب ليستريح الآباء والأبناء، وتسهر ليناموا جميعًا، وتقضي بالنظر البعيد على أنظارهم القصيرة، وتزنهم ضررًا ونفعًا بميزان المجتمع لا بميزان الفرد، فالمجتمع هو الذي يتلقّى خيرهم أو شرّهم يوم يرجعون إليه، وما الآباء إلا جزء من الشعب يجب أن يذوّب مصلحته الشخصية في مصلحة مجتمعه، فالمجتمع أولى بهؤلاء الأبناء، ومحال أن يرضى مجتمع صالح بمن يشوّه سمعته أو يلوّث شرفه، فإذا رضيت لهؤلاء الأولياء مذهب الأنانية، فهل يرضون مني أن ينقلب إليهم أبناؤهم ملاحدة أو فجّارًا أو فسقة أو حملة أفكار هدّامة للدين والدنيا؟ إنهم سيحملونني تبعة التفريط الذي أدّى إلى ذلك، وسيحاسبونني حسابًا عسيرًا أنا حقيق به، زيادة على حساب الله وتسجيل التاريخ.
وليعلم هؤلاء الأولياء- كتبهم الله في أوليائه- أني أرحم منهم بأبنائهم وأكثر شفقة عليهم من الأم على ولدها، ولكنني أنظر منهم إلى غير ما ينظرون، ومن الرحمة بهم وبأوليائهم وبالأمة أنني فصلتهم فأحسنت إلى الجميع، والغصن الأعوج الذي لا يقوّمه الثقاف يقومه الفصل من الشجرة.
وإن في الأقطار العربية إخوانًا لنا في الصلاح والإصلاح يفرحون لفرحنا ويستاءون لمساءتنا ويغضبون لسمعة الجزائر أن تشوّه من قريب أو من غريب، وقد اعتمدت في كل قطر عربي لنا فيه بعثة طائفة من هؤلاء الإخوان يتعاهدون أبناءنا ويرشدونهم إلى التي هي أقوم ويراقبونهم في السر والعلن، احتياطًا مني لدفع الشرور المتربّصة بأبنائنا، وأعطيتهم من الحق أن يأمروا وينهوا وأن يشيروا علي فأنفّذ إشارتهم مشكورين، فالواجب على أفراد بعثاتنا السابقة واللاحقة أن ينزلوا هؤلاء الإخوان الأفاضل منزلة المسيّرين للجمعية وأن يحترموهم احترامًا قلبيًا وأن يعتبروهم أساتذتهم الحقيقيين، وأن يقفوا عند أمرهم ونهيهم فيما يرجع إلى التديّن والتخلّق وحسن السلوك، ويعلموا أن جمعية العلماء ذات مبدإٍ جليل، فالأقربون إليها
(4/333)

في كل قطر إسلامي هم أصحاب مبدئها قبل غيرهم فلا ترضى لأبنائها المبعوثين إلا أن يحذوا حذوها في هذا الباب، وتوجب عليهم أن يتّصلوا بمن هو على شاكلتهم.
والله سبحانه وتعالى يتولانا جميعًا بهداه وتوفيقه، ويجنبنا فتن الغرور والزيغ والضلال، ويقينا شرور أنفسنا، ويعصمنا من الآراء المضلّة، ويثبّتنا على الحق والهداية حتى نلقاه لا وانين ولا مقصّرين، ولا مبدلين ولا مغيرين.
(4/334)

تعليق على كلمة الأستاذ الكبير
الشيخ محمد عبد اللطيف دراز *
- 1 -
الأستاذ الكبير محمد عبد اللطيف دراز عالم من غير ال