Advertisement

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 003

ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ
جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.

الجزء الثالث
عيون البصائر
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(3/1)

1997 دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
(3/2)

آثَارُ الإِمَام
مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي
(3/3)

ـ[صورة]ـ
باريس
1951
(3/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة الطبعة الثالثة من "عيون البصائر"
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه صور من الإبداع الأدبي، وسمو البيان العربي- وقد نحتت كلماتها من لآلئ النثر الفني، ورسمت عباراتها بروائع الذوق الشعري- نقدمها لقراء العربية، ودارسي خطابها، عساهم يكتشفون من خلالها نسجًا فريدًا في منهج الخطاب العربي المعاصر، هو ما أصبح يعرف عند فلاسفة اللغة الغربيين- اليوم- "بسلطة النص".
إنها مدرسة، ذات "أسلوبية" قل مثيلها في منهجية خطابنا العربي المرسل. فهي تضرب بجذورها في أعماق التراث العربي القديم، في الوقت الذي تبسط فيه أغصانها المتعددة على فروع المعرفة الحديثة. وهي نسج فريد من الأدب. يجمع بين حكمة قُسِّ ابْنِ سَاعِدَةَ الأيَادي وفصاحة سَحْبَانَ، وَعَقْلانيَّة أبي عُثمان الجاحظ، وإشارات أبي حَيَّان التوحيدي، إلى جانب رشاقة أسلوب عبد الحميد الكاتب، وأناقة عبارة أحمد حَسَن الزيات، ورمزية مصطفى صادق الرَّافعي، غير أنها تزيد على ذلك كله، بخصوصيات أخرى هي أنها جزائرية العزيمة في التصدي للاستعمار، ومغاربية الالتزام في الدفاع عن الحرية، وعروبية الانتماء في التأصيل الحضاري، وإسلامية المنهج في علم التصحيح العقدي.
تلك هي مدرسة "عيون البصائر"- وقد كحل الله بنور الحق بصيرة كاتبها - فراعت بالحكمة العقلية في معناها، وطرزت بالعبارة البلاغية في مبناها، فجاءت معلمة معرفية جامعة مانعة. سيجد- فيها - فقهاء الألسنية، وفلاسفة التاريخ السياسي، وعلماء الاجتماع، والعارفون بالفقه وأصوله، الحق المنشود وقد فصَّلته، والمنهج المقدود، وقد برهنته، فيستنطقون بذلك الحوادث التاريخية التي وضعت لها مُقدماتها ويستجوبون أبطال التاريخ، بالموضوعية التي حددت خصائصها ومميزاتها.
(3/5)

على أن ما يجب التنبيه إليه منذ البداية هو أن لقراءة هذا الكتاب ودراسته، قواعد وشروطًا، لابد من توفرها لمن أراد القيام بهذه الرسالة العلمية. فمضمون الكتاب يحتوي على رموز قرآنية، وإيحاءات معرفية، وألغاز سياسية، واستعارات مجازية، ولا بُدَّ لمن رام الإقدام على هذه المهمة من التحلي باستعداد فكري خاص، والتسلح بأدوات معرفية معينة، تُمكِّن من تخطِّي الصعاب، وكشف أسرار الحجاب. ولعل من أهم الأدوات المعرفية المطلوبة في فنَّ قراءة "عيون البصائر" التزود بما يمكن من فهم الرموز التالية:

1 - الرمز القرآني:
إن في مقدمة الرموز التي يحيل إليها الإمام محمد البشير الإبراهيمي في خطابه، الآية القرآنية، التي يدمجها ببراعة وسط عباراته، ويوظفها توظيفًا رائعًا في الدفاع عن قضاياه، فلا يدرك كنهها وبعدها، إلا العارفون بالقرآن المتضلّعون في فن إعجازه البياني.
ولا يكاد يخلو مقال من هذه الرمزية القرآنية التي غَدت سمة من سمات الخطاب الإبراهيمي والتي أضفت عليه سُمُوًّا، تجلَّى على الخصوص في حسن تصريفه للأفعال والمصادر، في اقتباس عجيب من الآيات، ولجوء حكيم إلى مرجعية القرآن- وهل "البصائر في حقيقتها [إلا] فكرة استولت على العقول، فكانت عقيدة مشدودة العقد ببرهان القرآن".
"وإن الصحف في لسان العُرْف، كالصحائف في لسان الدِّين، منها: "صحائف الأبرار" و "صحائف الفجار" لذلك كان من حظ الأولى الابتلاء بالتعطيل والتعويق".
إن الصحف والصحائف إحالات إلى رموز قرآنية لا يدرك أبعادها إلامن ذاق حلاوة العربية بحلاوة القرآن.
وجاءت القضية الوطنية الجزائرية، فوجد الخطاب الإبراهيمي في القرآن خير ينبوع، يغرس فيه ريشته ليصوغ عباراته القذائفية، ويرسلها على الاستعمار وأذْنابه.
يأخُذُ الإبراهيمي أحد الأمثلة في مقارنة الاستعمار الإنجليزي بالاستعمار الفرنسي في علاقة كل منهما بالشعوب الرازحة تحت نيرهما ... فيقول: "قرأنا سير الإنجليز في الهند فوجدناهم بالغوا في إعطاء الحرية للأديان ... [حتى] سووا في تلك الحرية بين "قراء البقرة" بالحق [وهم المسلمون] وبين "عبَّاد البقرة" بالباطل [وهم الهندوس] " [ص:104].
وعندما يشير الإبراهيمي إلى من يسمون برجال الدين الحكوميين آنذاك، يتجه إلى قطبهم وهو الشيخ محمد العاصمي "المفتي الحنفي" الذي عينته الحكومة الفرنسية، فيأخذ من القرآن وصف الأصنام، ومقارعة الأنبياء لها، ويقف على الخُصوص عند قصة إبراهيم عليه السلام مع
(3/6)

كبير أصنام قومه ليستخلص النتيجة من انتصار النُّبوة- وهي حق- على الصنم- وهو باطل-. فيرسم لنا الصورة التالية: "ما أشأم العاصمي على نفسه! فقد سكتنا عنه فأبى، بعد أن جارانا فكبَا، وما تحدثنا عَنه في الماضي إلا باعتباره أداة لا شخصًا، وما سكتنا عنه بعد ذلك إلا لأننا أوسعنا تلك الأدوات تحطيمًا وتهشيمًا و"رغنا عليها ضربًا باليمين" ويضيف: "هاج هذا المخلوق الشر بتماديه في الشر .. لأن هذه الطريقة هي التي تُظهره وتقربه زُلفى إلى آلهته .. إنه لهم مولى شؤم، وعشير سوء، لبئس المولى، ولبئس العشير" [ص:150].
ثم يعمد إلى الاستعمار فيقارن بينه وبين المستضعفين المبتلين بحكمه ليقول "ألا إن في الاستعمار لفحة من جهنم، وإن في المستضعفين سِمات من أهلها أظهرها أنهم لا يموتون ولا يحيون" [ص:220].
وفي موضع آخر نقرأ له: "يا هؤلاء! إن الاستعمار شيطان، وإن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًّا " [ص:288].
وعند توعيته الأحزاب الجزائرية بواجب الوحدة، ومغبة الافتراق يمهد لذلك بالقرآن أيضًا فَيُعرِّضُ بالفرقة قائلاً: "ما ذكر القرآن الأحزاب بلفظ الجمع إلا في مقام الخلاف والهزيمة {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} [الآية 37 السورة مريم]، {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ} [الآية 11، سورة ص] وإن حزب الله في الأمة الجزائرية هو جمعية العلماء [ص:66].
ثم يتجه مباشرة إلى قادة الأحزاب فيخاطبهم- مُستخدمًا نفس الرمزية القرآنية- "يا قادة الأحزاب! إن في صفوفكم دساسين مدخولين من الرجال لهم أغراض في المنافع والكراسي، ولهم مقاصد في الإفساد، وإنَّكم لتعرفونهم بسيماهم وتعرفونهم في لحن القول فأخرجوهم من الصفوف" [ص:302].
وفي ردّ الإبراهيمي على الزعم الاستعماري الفرنسي بأن "الجزائر فرنسية" ينبري لهذا الزعم بالبراهين القرآنية الرائعة، ومنها قوله: "ولو أن الاستعمار شرعها زجلًا بالتسبيح في ناشئة الليل، وجعل كفاء سماعها جزاء الأبرار، لكان في آذاننا وقر من سماعها، ولعددناها غثّة مرذولة، ممزوجة مملوءة، ولهدينا بالفطرة إلى الطيب من القول، وهي أن الجزائر ليست فرنسية، ولن تكون فرنسية، كلمات قالها أولنا، ويقولها آخرنا، ومات عليها سلفنا، وسيلقى الله عليها خلفنا" [ص:349].
أما عن فلسطين السليبة، فإن الإبراهيمي جعل منها قضية كل جزائري وكل عربي، وكل مسلم ... فخصها بسلسلة من المقالات حاول فيها استنهاض الهمّة العربية، والعزة الإسلامية، فاستعان على ذلك بنفس الإعجاز القرآني، خصوصًا "وأن فلسطين وديعة محمد
(3/7)

عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا فلئن أخذها اليهود منا ونحن عصبة. إنا إذًا لخاسرون" [ص:445].
وضاعت فلسطين منا حين "قسمت بالتصويت وهو أضعف صدى، وعلى الأوراق وهي أنزر جدًا، وبالأغلبية السائرة على غير هُدى تحديًا للعرب الذين كانوا في ذلك المجلس أضعف ناصرًا، وأقل عددًا " [ص:453].
ما أبرع الإبراهيمي، وما أروع أسلوبه الرمزي القرآني هذا في التأثير على قارئه ... وأنّى لهذا القارئ أن يدرك كنه هذه الرموز وأبعادها، إن لم يكن مدركًا للقرآن، معتادًا على إعجازه البياني، وبرهانه الرَّبَّاني! ... تلك إذن هي الأداة المعرفية الضَّرورية الأولى لمن يروم قراءة "عيون البصائر".

2 - الإبداع البياني:
إن في البنيوية اللغوية، للخطاب الإبراهيمي، لَسرًا عميقًا، هو الذي يجليه السحر البياني، الذي يأخذ من النحو العربي شروحَهُ، ومن المجاز البلاغي وضوحه ومن الفقه الديني طروحَه، ليبعَثَ الكل في سمو إشارة، ودقة عبارة.
وهل يستطيع القارئ العادي أن يدرك هندسة هذه العبارات، وفلسفة تلك الإشارات، إن لم يكن معدًا إعدادًا ثقافيًا دقيقًا عميقًا؛
ذلك هو العائق المعرفي الذي يصطدم به فاقد التكوين الثقافي، في قراءته للنص الإبراهيمي في "عيون البصائر"، فمن أول استهلال تطالعنا به "عيون البصائر"، إلى آخر التسابيح الشعرية ممثلة في "سجع الكهان"، ومرورًا "بالقضية ذات الذَّنب الطويل"، و"عادت لعترها لميس"، و"الشك في الإيجاب نصف السلب"، "وإبليس ينهى عن المُنكر"، و"كلمات مظلومة" ... إلخ. كلها مقالات يجب أن تقرأ بعقل مفتوح، وقريحة وقادة، مزودة بزاد ثقافي خاص. وإن من متطلبات هذه الاستعدادات، ضرورة استحضار قاموس موسوعي متعدد الاختصاصات للتغلب على عقَبة الفهم.
وإنَّنا لنتساءل- بكل موضوعية: لمن كان يكتب الإبراهيمي هذه المقالات، إذا علمنا المستوى الثقافي السائد آنذاك، في الجزائر على الخصوص، وحظ الجزائر من العربية في ذلك الحين!!؛؛
وإنه لممَّا يبعث فينا النخوة، والعزة، أن ردود فعل هذه المقالات، فاقت كل تصور في داخل الجزائر وخارجها، مما يدلل على تفوق النوع الثقافي على الكمي، وهو ما يمثله علماء
(3/8)

الجزائر ومعلموها وطلابها في عهد جمعية العلماء، وبذلك تتحقق أولى البراهين على عمق الأصالة العربية والعروبية في الجزائر.
واقرأ معي براعة الاستهلال، التي استهلّت «البصائر» بها عودتها في سلسلتها الثانية بعد تعطيلها بسبب الحرب العالمية من سنة 1939 إلى 1947م.
يستهلّ افتتاحيته بهذا الدعاء المؤثر في بيان ندر مثيله: "اللهم يا ناصر المستضعفين انصرنا ... واجعل لنا في كل غاشية من الفتنة، ردءًا من السكينة، وفي كل داهمة من البلاء درعًا من الصبر، وعلى كل داجية من الشك علمًا من اليقين، وفي كل نازلة من الفزع واقية من الثبات، وفي كل ناجمة من الضلال نُورًا من الهداية، ومع كل طائف من الهوى رادعًا من العقل، وفي كل عارض من الشبهة لائحًا من البرهان ... ومع كل فرعون من الطغاة المستبدين موسى من الحماة المقاومين" [ص:41].
إن من هذا البيان لسحرًا، ففيه العقيدة، والحكمة، والبلاغة، والمنطق، والتاريخ، والتصوف، وكل ذلك في عبارات قلَّت فدلَّت.
وفي نفس السياق التاريخي يمضي الكاتب في زرع حكمه، فيلقي على قارئه هذه الحكمة البالغة "كذلك حملة الألسنة والأقلام [من العلماء والمثقفين في الأمة] .. فلتأتهم المصائب من كل صوب، ولتنزل عليهم الضرورات من كل سماء، وليخرجوا من كل شيء إلا من شيئين: القلم واللسان. إن بيع القلم واللسان، أقبح من بيع الجندي لسلاحه" [ص:43].
إن هذا لهو ميثاق الشرف يَضعهُ الإبراهيمي لكل عالم ولكل مثقف في تعامله مع قضايا وطنه، ذلك أن أخطر شيء على المثقف، هو بيع الذمة، إذ تكون في ذلك نهايته، وإن عُدَّ من الأحياء.
وفي التذكير بعراقة الإنسان الجزائري، في أعماق الحضارة العربية يسوق كاتب "عيون البصائر" هذا التصوير البلاغي الفني لجهود جمعية العلماء في تثبيت أصالة الجزائر، فيقول: "وجاءت جمعية العلماء على عبوس من الدهر، وتنكر من الأقوياء فنفخت من روح العروبة في تلك الأنساب فإذا هي صريحة، وسكبت من سر البيان العربي في تلك الألسنة فإذا هي فصيحة، وأجالت الأقلام في كشف تلك الكنوز فإذا هي ناصعة بيضاء لم يزدها تقادم الزمان إلا جدة ... جمعية العلماء هي التي حققت للجزائري نسبه العربي الصريح بريئًا من شوائب الإقراف والهجنة [ص:57].
إن في كل لفظة من هذه العبارات، يكمن إيحاء يحيل إلى قضية معينة ... فإضافة إلى سحر البيان، وبراعة التصوير، وهندسة اللفظة، تضاف خُصوبة المرجعية التاريخية والعقدية، والفكرية ...
(3/9)

واستمع إليه وهو يحاجج الاستعمار بقوله:
"ياحضرة الاستعمار! إننا إذا حاكمناك إلى الحق غلبناك، وإذا حاكمتنا إلى القوة غلبتنا، ولكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق، لا للقوة" [ص:63].
إنها مقدمة بيانية سليمة، لنتيجة دينية قويمة.
هكذا نرى إذن، أن من خصوصيات "الإبداع البياني" في الخطاب الإبراهيمي، هذا الربط المحكم البديع بين المبنى والمعنى، أو بين الموسيقى التصويرية والدلالة التعبيرية، وكل ذلك في سجع مقل، وإيجاز غير مخل ... "إن هذه الأمة أنجبت الجندي الذي يحرس الحق لا الجندي الذي يخرس الحق". وما هذا الراهب الذي جاءتنا به فرنسا إلا أنه "ليبارك على القاتل، ويدني الصيد من الخاتل، ويعاون المُعمِّر على امتلاك الأرض، والحاكم على انتهاك العرض" [ص:98].
وقوله: "أتطلبون الفص من اللص، وتقيسون في مَوْرِد النص" [ص:358].
"والمرأة الجزائرية تنتحب، والحكومة الجزائرية تريد لَها أن تنتخب" [ص:131].
"وإن بعض القضاة أعوان للقضاء على القضاء" [ص:132].
أمثلة كثيرة وُشِّيت بها مقالات "عيون البصائر"، تشد الدارس إليها فلا تدع عقله يسهو، أو عينه تغفو، لأن متابعة التسلسل البياني تحول دون ذلك ...
فمن لا يعرف الاستعارة لا يدرك العبارة في أدب الإمام الإبراهيمي، ومن لم يحظ بقواعد العربية، لا يستطيع فقه الصورة التمثيلية ...
والإحاطة بالبلاغة والنحو وسيلة ضرورية من وسائل معرفة التاريخ السياسي للجزائر، وبدون ذلك، يبقى الفهم مبتورًا، وتعال معي إلى هذا التصوير البياني السياسي، الفني، في عبارة لجنة "فرانس- إسلام " التي دعا إلى تكوينها المستشرق الفرنسي، لوي ماسينيون، كمحاولة، لتجسيد الدمج السياسي للجزائر المسلمة في الكيان الفرنسي، تحت اسم ثقافي و"حضاري" هو تجسيد الصداقة بين فرنسا المستعمِرة والجزائر المسلمة المستعمَرة.
يتصدى الإبراهيمي لهذه الأحبولة الاستعمارية فيجمع لها كل الأدوات المعرفية البيانية، ليحكم بتهافتها مثبتًا ذلك بالبراهين العقلية، والقواعد النحوية، والمنطقية الصورية ... مطبقًا على ذلك كله منهجه التحليلي البلاغي الرهيب.
فيقول عن "فرانس- إسلام":
"كلمتان أكرهتا على الجوار في اللفظ والكتابة، فجاءت كل واحدة منهما ناشزة على صاحبتها، نابية عن موضعها منها، لأنهما وقعتا في تركيب لا تعرفه العربية ولا يقبله الذوق العربي" [ص:350].
(3/10)

لقد اهتدى الإبراهيمي بفطرية الوطنية الأصيلة، وذوقه العربي السليم إلى أن التراكيب العربية النحوية ترفض إسناد فرنسا للإسلام في تركيبتها المقترحة، فلا تركيب الإسناد ولا التركيب الإضافي، ولا التركيب الوصفي ولا التركيب المزجي هنا بقادر على تأدية دوره الوظيفي.
يقول الإبراهيمي:
"في العربية تركيب الإسناد، والإسلام لا يرضى أن يسند إلى فرنسا الاستعمارية، ولا أن تسند هي إليه، وفي العربية التركيب الإضافي والإسلام لا يسمح أن يُضاف إلى فرنسا ولا أن تضاف هي إليه، وفي العربية التركيب المزجي، والإسلام وفرنسا كالزيت والماء لا يمتزجان إلا في لحظة التحريك العنيف، ثم يعود كل منهما إلى سنته من المباينة والمنافرة" [ص:350].
مقدمات نحوية سليمة، لنتائج منطقية سليمة، وتصوير بياني بارع يفضي في النهاية إلى هذه الحقيقة العقلية القائمة على البرهنَة العقلية، والتدليل التاريخي: "وفي الشرائع الاستعمارية الفرنسية بالجزائر مذهب كانوا يسمون جانبه التأثيري "الإدماج " وجانبه التأثري "الاندماج" ومعناه قريب من معنى التركيب المزجي، ولكن هذا المذهب التحق بالمذاهب البائدة التي ولدها العتو عن أمر الله والعُلو في أرض الله، فتلك آراؤه سخرية الساخر وأولئك رجاله لعنة الأول والآخر" [ص:350].
تصوير رائع وَرَبْطٌ محكم بين المقولات الفكرية كفرنسا والإسلام، والإدماج والاندماج، وبين المقدمات العقلية المستوحاة من القواعد النحوية، كالتركيب المزجي، والزيت والماء، والمعاني التاريخية، كالعتو، والعُلو، والمذاهب البائدة، والتناسخ ... إلخ. وتلك هي عبقرية النص، في الخطاب الإبراهيمي من خلال الإبداع البياني.

3 - العمق العرفاني:
وفي "عيون البصائر"، صور إِبداعية أُخرى، هي التي يجليها ما اصطلحنا على تسميته "بالعمق العرفاني".
وهذا اللون المعرفي عند الإبراهيمي، يمثل مزيجًا من أصول الفقه، وفقه اللغة، والتصوف، والفلسفة، مقرونًا بالفكر السياسي الجزائري، في محاولة للإفحام بالإلهام. فانظر إلى توظيفه للعبارات الفقهية الدينية في القضية المصيرية التي يمثل الاستعمار رأس مقدمتها:
"ولو أن الاستعمار كان فقيهًا في سنن الله في الأمم والطبائع لأنصف الأمم من نفسه، فاستراح وأراح، ولعلم أن عين المظلوم كعين الاستعمار كلتاهما يقظة" [ص:47] استدلال رائع في الربط بين فقه الاستعمار، وسنن الله في الأمم، وبين عين الاستعمار [الظالم] وعين المظلوم [المستعمَر] ووجه الشبه بينهما هي اليقظة مع البون الشاسع بين اليقظتين.
(3/11)

ولا أدلّ على ظلم الاستعمار الفرنسي بالذات من جمعه بين المتناقضات في تسلطه على الجزائر "حكومة لائكية في الظاهر مسيحية في الواقع، جمهورية على الورق، فردية في الحقيقة، تجمع يديها على دين المسلمين ودنياهم، وتتدخل حتى في كيفية دفن موتاهم" [ص:60].
وما ذلك كله إلا من وضع يدها على أوقاف المسلمين، وتعيين موظفين عملاء لها، تدير بهم شؤون المسلمين. لذلك لا نستغرب قسوة الخطاب الإبراهيمي وحدته في مخاطبة ووصف من كان عقبة في طريق تحرير أوقاف المسلمين، وخلاصهم من ربقة الاستعمار، ويركز الخطاب على "المفتي الحنفي" بالجزائر فيأتي الخطاب في شكل صاعقة. "ما زلنا نتتبع أخبار هذا الرجل منذ سنين، ونتوسم من حركاته أنه عامل نصب وخفض معًا، وأنه مهيأ من الحكومة لأن يكون "حلقة مفقودة" لقضية ما، في يوم ما" [ص:86] "وفي الإدارة الجزائرية العليا مطبخة- ليست كالمطابخ- تطبخ فيها الآراء والأفكار في كل ما دقّ وجلّ من شؤون المسلمين ...
وفي هذا المعمل صنع العاصمي [المفتي الحنفي] وامتحن فكشف الامتحان عن استيفاء الخصائص والصلاحيات للاستعمال، وأصبح موظفًا في إحدى هذه الوظائف وهي الإفتاء الحنفي بالجزائر، أي مفتي الجامع الحنفي بالجزائر، إذ لم يبق من الحنفية بالجزائر إلا جامع يحمل هذه النسبة ... وإن وجود وظيفة مفتي حنفي في الجزائر تزوير على المذهب الحنفي، وأين العاصمي ومَنْ جرى مجراه من فقه أبي حنيفة ودقائقه وقياسه؛! " [ص:88].
وينتهي الخطاب الإبراهيمي بعد هذه المقدمات العرفانية الفقهية في التعريض بقضية الاستعمار للدين الإسلامي في الجزائر، إلى هذه النتيجة الخطيرة: "إن نسبة الحنفي تشترك في بني حنيفة وأبي حنيفة، فلينظر العاصمي [المفتي الحنفى] أشبه النسبتين به ... وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الذين آووه ونصروه، ومن غرائب الشبه أن مسيلمة الحنفي كان تشويشًا على النبوة الحقة، وأن المفتي الحنفي كان تشويشًا على مطالب المسلمين الحقَّة" [ص:88].
إنها لبراعة في التخريج هذه التي يربط فيها بين قوم مسيلمة الكذاب في عصر إسلام النبوة وبين المفتي الحكومي العاصمي، في عصر إسلام الصحوة والفتوة .. وإن في ذلك لدلالة على سعة الثقافة العرفانية التي يتسم بها مؤلف "عيون البصائر" فيوظف مقولاتها في تاريخ الصراع الفكري والعقدي بين الظالمين والمظلومين.
إن هذه الثقافة الموسوعية العرفانية لدى الإمام الإبراهيمي، هي التي نجدها في امتداد القضية السالفة وهي قضية فصل الدين عن الحكومة أو فصل الحكومة عن الدين.
فمن العنوان ذاته يتخذ الخطاب الإبراهيمي مدخلًا للعرض والتحليل، فيأتي بتجليات عرفانية لا نعثر على مثلها في غير هذا الخطاب، يقول بهذا الخصوص:
(3/12)

"ولكننا نغير العنوان في هذه المرة أكان العنوان السابق: فصل الدين عن الحكومة، ونقول: فصل الحكومة عن الدين، قلبًا في الوضع لا في الموضوع، تفاؤلًا للحالة بعدم الاستبقاء كما يتفاءل بقلب الرداء في الاستسقاء، وإن بين التركيبين الإضافيين لفرقًا دقيقًا في لغتنا العربية، تخيله الفقهاء في بحث ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة، وحققه البيانيون في بحث: سلب العموم وعموم السلب .. فدين الإسلام في منزلته من النفوس، وفي منزلته من المعابد وفي مظهره من الأشخاص والمعاني، ثابت أصيل، لم يرد على شيء حتى يفصل عنه، وإنما وردت عليه هذه الحكومة ورود الغاصب الذي يحتل بالقوة لا بالحق" [ص:118].
أليس في هذه الاستعارة التمثيلية ما يُؤكد صحة ما ذهبنا إليه من قبل، وهو أن فاقد الثقافة الفقهية لا حَظَّ له في غوص أعماق الدلالة التي يرمي إليها الخطاب الإبراهيمي، فقلب الرداء في الاستسقاء، وورود الماء على النجاسة، وسلب العموم وعموم السلب، كلها مصطلحات ومفاهيم عرفانية لا يدركها إلا من كان له رصيد من الفقه، والبيان، والحياة الروحية الإسلامية.
ولو شئنا لأثبتنا من الأمثلة في هذا الباب ما لا يسمح به تقديم محدود الكلمات والصفحات، ولكننا لا نستطيع مهما حاولنا، مقاومة إيراد نموذج آخر للعمق العرفاني، في "عيون البصائر"، في محاولة منا لمساعدة القارئ والباحث على توجيه عقله- منهجيًا - نحو بعض الرموز المعرفية في هذا الخطاب، لنشجعه على الغوص أكثر في طريق الحفر والتنقيب عن الجواهر وما أكثرها ..
والمثال نأخذه من نفس الموضوع الطويل الحلقات، وهو موضوع فصل الحكومة عن الدين .. ونركز فيه على إحداث أوسمة ونياشين "تمنحها الحكومة الفرنسية للأئمة والمفتين".
يعالج الشيخ الإبراهيمي هذه القضية بأسلوبه العرفاني البليغ فيقدمها في هذه الصورة الفنية. "نجحت [الحكومة الفرنسية في الجزائر] بهذا الجند العاطل المرتزق الذي جندته واصطادته بشبكة المطامع، من الأئمة، والمفتين، والخطباء، والمؤذنين، والقَوَمَة، والحزابين، وأتباع "شريعة يوسف" أجمعين .. كوَّرتهم وصوَّرتهم، ونقَّحتهم، وحوَّرَتْهُم، وعلى المنوال الحكومي دوَّرتهم، حتى أصبحوا جزءً أصيلاً من الأدوات الحكومية".
"ومن المضحكات أو المبكيات في هذا الباب .. باب إدماج شيء في شيء غريب عنه، واعتبارهما شيئًا واحدًا .. إنعام الحكومة بنياشينها على أصحاب الوظائف الدينية" [ص:122].
(3/13)

"وإن لهذه النياشين لأسماء ونسبًا إلى أعمال، فهل فيها أسماء دينية أو نسب إلى أعمال دينية؛؛ " [ص:122].
ويخترع الإبراهيمي بخياله الأدبي الفسيح، وثقافته العرفانية الواسعة، عناوين استحقاق للأوسمة الدينية مستوحاة من حقيقة الفقه، والثقافة الإسلامية، فيجيب على سؤاله المطروح بقوله:
"لا تتم المهزلة على وجهها الأكمل إلا إذا وضعت لنياشين رجال الدين أسماء دينية وعناوين فقهية، لمعان يتفاضلون فيها؛؛ كنيشان (إطالة الغرة والتحجيل)، ونيشان (كثرة الخطى إلى المساجد)، ونيشان (التهجير إلى الجمعة)، ونيشان (الطمأنينة والاعتدال)، ونيشان (وإن تشاح متساوون) وتختم القائمة بشيء خاص بأمثال العاصمي كنيشان (وقبل خبر الواحد)، ونيشان (واشترك طارد مع ذي حبالة) [ص:123].
إن كل مصطلح من هذه المصطلحات يحيل إلى قضية فقهية أصولية في الثقافة الإسلامية، وأنى لغير المتضلعين في هذه الثقافة من فهم مرامي الخطاب هنا، وتقبيح حاملي النيشان، بغير استحقاق من "رجال الدين".
لذلك كان ضروريًا، الاستعانة على دراسة الخطاب الإبراهيمي، بإحداث القابلية والاستعداد، ولن يتأتى ذلك إلا بالأخذ بنصيب من فنون الثقافة الإسلامية، وملء الوطاب بمفاتيح الدخول إليها، مما سبق ومما سيأتي ذكره.

4 - الفكر العقلاني:
قد نظلم الخطاب الإبراهيمي، لو أننا قصرناه على الجانب المعرفي الفقهي، الصوفي، البياني، البلاغي، وفصلنا عنه الجانب الفلسفي، العقلي، العلمي ... ذلك أن هذا الخطاب يأبى إلا أن يأخذ حظه من هذه الجوانب المعاصرة كلها، وفي براعة لا تقل عما ألفناه عنده في مجال الذوق الأدبي، والبيان البلاغي، والتبحر الفقهي، والذكاء السياسي ...
فقد جاء الخطاب حسب دراستنا له، معاصرًا لاهتمامات العقل آنذاك، فاتسم بالحكمة الفلسفية من حيث المعنى، وبالنزعة العقلية من حيث البرهنة، فكان خطابًا متوازنًا ذا تعادلية، تجمع بين الفلسفة والدين، دونما غلو أو إفراط.
ونعتقد أن ذلك كان ضروريًا من حيث المنهج، إذ أنه مطلب أمْلَتْه الظروف السياسية والفكرية، والثقافية المحيطة، فكان لابد- إذا أريد للخطاب أن يحقق هدفه- من ركوب المنهج الفلسفي والعقلي لإكساب القضية الكبرى، قوة الحجة، ومنطقية الدليل.
(3/14)

وما أبلغ الإبراهيمي وقد رأينا قوته في توظيف الرمزية الدينية في وصفه للاستعمار، وما أبلغه اليوم وهو يوظف الأساليب العلمية والعقلية في إعطاء حكمه على الاستعمار- فإذا كان الاستعمار في الرمز الديني- شيطانًا - كما رأينا- فإنه بلغة العلم "سلّ يحارب أسباب المناعة في الجسم الصحيح" [ص:47]. وعملية "التلقيح بمادة الاستعمار وهي مادة من خصائصها تعقيم الخصائص" [ص:97] وإذا الطب الاستعماري لم يقض على المرض، وإنما قضى على الصحة.
بعد هذا، نلتقي بالمعادلات العقلية في منهج الخطاب الإبراهيمي، ففي قضية فصل الحكومة عن الدين دائمًا، وهي المقدمة الصغرى، لتحقيق النتيجة الكبرى، فصل الجزائر عن الحكومة الفرنسية- في هذه القضية يتناول الخطاب أسلوب التسويف والمماطلة الذي تسلكه الحكومة الفرنسية مع الجزائريين ليطول الأمد فتنسى العقول، وتقسو القلوب، وتتشعب المسالك على المطالبين بحقوقهم ... لذلك يعمد الخطاب إلى هذه المعادلة العقلية: "أما الأمد فقد طال مئة وعشرين سنة، فتناسى أولنا ولم ينسَ أخيرنا ... وأما تشعب السبل فقد أعددنا له- من أول يوم- دليلاً لا يضل وهو الحق. وجانبًا لا يزل وهو الصبر، وسيفًا لا يكل وهو الحجة، ونصيرًا لا يذل، وهو العقل، وميزانًا لا يختل، وهو الرأي، فلا تتشعب علينا السبل إلا رميناها بهذه الأدوات مجموعة فتنزوي وتتجمع كقضبان الحديد في محطة القطار، مآلها بحكم الهندسة إلى خطين متوازيين" [ص:142].
بهذا البرهان المنطقي، أبطل الإبراهيمي المعادلة الفاسدة التي أقام عليها الاستعمار مقدماته، وهي "البطلان بالتقادم" كما يقول رجال القانون: وأقام عليها حجة علمية هندسية وهي مآل الكثرة إلى خطين متوازيين، ثم إلى محطة واحدة هي محطة الوصول، إنه برهان عقلي يقوم على الدليل العلمي.
وهناك نموذج آخر للمعادلة العقلية، يوردها في علاقة الحكومة الفرنسية بأتباعها من علماء الدين وهي أن هذه الحكومة تبقي على السحنة، وتفرغ الإنسان من الشحنة: "وواعجبًا لما تصنع هذه الحكومة ببعض الرِّجال مِنّا، تعمد إلى الواحد منهم، فتبقيه على سحنته، ولكنها تفرغه من شحنته" [ص:149]. ويقول في مكان آخر: "وما زالت [الحكومة] بهم [رجال الدين] تروضهم على المهانة وتسوسهم بالرغبة والرهبة، حتى نسوا الله ونسوا أنفسهم ... وأصبحوا في العهد الأخير كالأسلاك الكهربائية المفرغة من الشحنة، ليس فيها سلب ولا إيجاب". [ص:162 - 163].
وفي معادلة منطقية أخرى يوظف صاحب "عيون البصائر" صورة عقلية رهيبة لمأساة 8 مايو 1945، فيقول: "اثنان قد خلقا لمشأمة، الاستعمار والحرب، ولحكمة ما، كانا سليلي
(3/15)

أبوة لا يتم أولهما إلا بثانيهما ولا يكون ثانيهما إلا وسيلة لأولهما. وقد تلاقت يداهما الآثمتان في هذا الوطن، هذا مودع إلى ميعاد، فقعقعة السلاح تحيته، وذلك مزمع أن يقيم إلى غير ميعاد فجثث القتلى من هذه الأمة ضحيته" [ص:333].
إن ما يتميز به الخطاب الإبراهيمي، إذن، هو: استعانته بكل المناهج، كالتاريخية التحليلية، والفلسفية النقدية، والرياضية البرهانية، وهي تترجم كلها مدى أهمية الموسوعية المعرفية التي تطبع ثقافة الإمام البشير، وخصوصًا مدى تفتحه على ثقافة عصره، وهو الذي ورث تكوينًا على يد علماء "تقليديين".
والأهم في كل ذلك أنه بهذا الأسلوب يرفع أية قضية من قضايا مجتمعه وشعبه- مهما صغرت- إلى درجة التحليل المعرفي ليجعل منها قضية عقلية كبرى. وكما يقول هو عن إحدى هذه القضايا، وهي تضييق الحكومة الفرنسية على المدارس القرآنية، ومطاردة معلميها، وإخضاعهم للمساءلة، والنفي، والمحاكمة: "قضية بسيطة، أساسها ظلم، وحائطها بغي، وسقفها عدوان، وأصلها الأصيل ((فتح مكتب قرآني بدون رخصة حكومية)) تتدحرج من محكمة إلى محكمة، ومن حاكم إلى حاكم حولا كاملاً": [ص:226]. "وما أغرب شأن الجزائريين مع الاستعمار الفرنسي: فئة تدرس في جامعة، وملايين ترسف في (جامعة) - وهي القيد الذي يجمع اليدين والرجلين- ويا بعد ما بين الطرفين" [ص:231].
وما أبرعه من عقل، يضفي على كل قضية طابع الاستنباط العقلي، ليلفت الانتباه، فيقابل بين فكرة صحيحة وأخرى فاسدة، وبين خاطرة أصيلة، وأخرى وافدة، ليبني النتيجة على المقدمات وتلك- والله- مهمة الفيلسوف القدير، والمحامي الخبير. إن هذا المنهج المقارن الذي نلتقي به في أدب الإمام الإبراهيمي، ليعد نسجًا فريدًا في الخطاب العربي المعاصر، حيث يستخدم فن "التوليد اللغوي" و "التصوير المعنوي" في رسمه لحدود القضايا، فيضفي بذلك على تلك القضية طابع الأهمية المفقود، وعامل الخطورة المقصود، ويجعل القارئ أو السامع الموجه إليه الخطاب، مأسور العقل، مشدود البصيرة.
لنستمع إليه في هذه الصورة الرائعة في مقابلة الدين السماوي، بالسماء لننتهي معه إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي مسؤولية علماء الدين. في طريقة عرض الدين وجناية جهلهم عليه: "والدين السماوي، علو وصفاء، وظهور بلا خفاء، وحقائق ثابتة، ونسب غير متفاوتة، وحركات منظمة، وأحكام مقوّمة، فإن خفيت السماء فمن الغيم، وهو من الأرض، وإذا خفيت حقائق الدين فمن الجهل أو من الضيم، وهو من سوء العرض" [ص:183].
وعندما يتوجه الكاتب بالخطاب إلى طلاب العلم من أبناء الجزائر في تونس، والمغرب، يرسم لهم صورة عقلية دامغة الحجة في إيجاد التفرقة بين المعرفة المطلوبة،
(3/16)

والسياسة المنكوبة ليربط الشباب في النهاية بالوطنية في أظهر صورها، وأنبلِ مبادئها "إن الوطنية لَعَقيلَةُ كرام، لا يساق في مهرها بهرج الكلام، وكريمة بيت، لا تنال بِلوْ ولا بِلَيْت، وإن العلم كبير أناس لا يصاحب إلا بضبط الأنفاس" [ص:315].
"العلم ... العلم ... أيها الشباب، لا يلهيكم عنه سمسار أحزاب، ينفخ في ميزاب، ولا داعية انتخاب في المجامع صخاب، ولا يلفتنكم عنه معلل بسراب، ولا حاو بجراب، ولا عاو في خراب يأتَمُّ بغراب، ولا يَفْتِنَنَّكُمْ منزو في خنقة ولا ملتو في زنقة، ولا جالس في ساباط، على بساط يحاكي فيكم سنة الله في الأسباط، فكل واحد من هؤلاء مشعوذ خلاب، وساحر كذاب" [ص:316].
أرأيتم هذه الإيحاءات، والإحالات على تعددها، كيف أنها تشير، منفردة ومجتمعة، إلى آفات المجتمع الجزائري آنذاك، وهي آفات فيها الحزبي المخادع باسم السياسة، وفيها الطرقي المضلل باسم الدين، وفيها المشعوذ، والحاوي، وكلها ظواهر مقيتة في حياة المجتمع الجزائري، ولقد وفق الخطاب الإبراهيمي في توظيف هذه الآفات، بمخاطبة العقل الطلابي وتحذيره باسم العلم من مخاطرها.
إن الفكر العقلاني لطافح، بمنهجه، وأدلته، وبراهينه في خطاب "عيون البصائر"، وسيؤسر القارئ بصوره الخلابة الجذابة، بما أوتي هذا الخطاب من حكمة وفصل خطاب. وحسبنا أن ننبه القارئ والدارس إلى هذه الجوانب المضيئة في الخطاب، حتى يملأ منها النفس والوطاب.

5 - السياق التّارِيخاني:
تبارك الذي خلق محمد البشير الإبراهيمي، فجعله كاتب الجزائر الأصيل، وابن العروبة السليل، وحامي حمى الإسلام المثيل. أمده بالإلهام فكان عقله ناطقًا بسمو الفكر، ولسانه ذاكرًا لله بالشكر، وضميره طافحًا بحب الأمة، إلى حد السكر.
لقد وضع لنا "عيون البصائر"، فجاءت جامعة للبيان، والعرفان، ومدونة لسيرة الأعداء والخلان يجد فيها القارئ الموسوعة الثقافية، والأدبية، والتاريخية، والسياسية للجزائر بثوابتها في غير تعصب، وبطموحاتها واستعداداتها للتوثب.
إن الشباب الجزائري، ومن ورائه الشباب العربي والإسلامي، الدارس، سيجد في "عيون البصائر" أبرز حوادث العصر، بتموجاتها، وصراعاتها، وتحدياتها، وردود أفعالها ... وهي كافية لمن اقتصر عليها، بشرط فك رموزها الكثيرة. وتجاوز ألغازها وإيحاءاتها العسيرة وهو ما يمثل السياق التاريخي أو التاريخاني للجزائر والعالم الإسلامي، في عصر الإبراهيمي.
(3/17)

ولا أحب أن أنتهي من هذا التقديم دون إشراك القارئ معي، في تذوق حلاوة بعض النماذج الفريدة التي تعكس روح تاريخ العصر، بدءًا بالمحلية، وانتهاءً بالعالمية.
ولعل من ألغاز "عيون البصائر"، "سجع الكهان" و"كلمات مظلومة" وغيرها، وأكتفي بتقديم نماذج من هذه الألغاز ليدرك القارئ أية حلاوة متضمنة في هذه الألغاز.
يقول الإبراهيمي عن عنوانه كلمات مظلومة: كالعدل، والاستعمار، والإصلاحات، والديمقراطية ... وغيرها "إن ظلم الكلمات بتغيير دلالتها، كظلم الأحياء بتشويه خلقتهم، كلاهما منكر، وكلاهما قبيح، وإن هذا النوع من الظلم، يزيد على القبح بأنه تزوير على الحقيقة، وتغليط للتاريخ" [ص:506].
وعن "الاستعمار" يقول: بأن أصل هذه الكلمة في لغتنا طيب ففي القرآن {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} "ولكن إخراجها من المعنى العربي الطيب إلى المعنى الغربي الخبيث ظلم لها "والذي صير هذه الكلمة بغيضة إلى النفوس ثقيلة على الأسماع ... هو معناها الخارجي- كما يقول المنطق- وهو معنى مرادف للإثم، والبغي، والخراب، والظلم، والتعدي، والفساد، والنهب، والسرقة، والشر، والقسوة، والانتهاك، والقتل والحيوانية ... إلى عشرات من مئات من هذه الرذائل تفسرها آثاره، وتتجلى عنها وقائعه" [ص:506].
أما عن "الديمقراطية": "هذا الرأي اليوناني النظري الجميل" فقد أصابها الظلم هي الأخرى "لم تظلم هذه الكلمة ما ظلمت في هذه العهود الأخيرة، فقد أصبحت أداة خداع في الحرب وفي السلم، جاءت الحرب فجندها الاستعمار في كتائبه وجاء السلم فكانت سرابًا بقيعة، ولقد كثر أدعياؤها ومدعوها والداعون إليها، والمدعي لها مغرور، والداعي إليها مأجور، والدعي فيها لابس ثوبي زور ... لك الله أيتها الديمقراطية ... " [ص:508].
وعن الإرهاب يقول الشيخ: "ودع عنك حديث الإرهاب فما هو إلا سراب" [ص:436].
هذه إذن هي الكلمات المظلومة في قاموس "عيون البصائر" ولقد جاءت الممارسة العربية والغربية المعاصرة، لتدلل على صحة ما ذهب إليه الإمام البشير، وصدقت تنبؤاته فكان كأنما يرى بنور الله ...
فإذا انتقلنا إلى "سجع الكهان" فإننا نجد لونًا آخر من الخطاب السياسي الأدبي، لم تعهده مجامعنا، إنه خطاب يجمع بين الرشاقة اللفظية، والخفة المعنوية، بين الذكاء السياسي، والتوظيف التاريخي، في صور تمثيلية ما عرف مثلها في خطابنا المعاصر، فهذه
(3/18)

الفصول "فيها الزمزمة المفصحة والتعمية المبصرة، وفيها التقريع والتبكيت، وفيها السخرية والتنكيت ... وفيها العسل للأبرار وما أقلهم، وفيها اللسع للفجار وما أكثرهم ... فلعلها تهز من أبناء العروبة جامدًا أو تؤز منهم خامدًا، فتجني شيئًا من ثمرة النية، وتغير أواخر هذه الأسماء المبنية" [ص:518].
هل نحن مع طلاسم كاهن؛ لا، بَلْ إنها رموز للواقع التاريخي المشين في عالمنا العربي والإسلامي آنذاك، آثر الكاتب هذا الأسلوب الرمزي الإشاري، للدلالة عليه ويمضي "كاهن الحي" وهو الإسم المستعار الذي أمضيت به الفصول، فيعمد إلى الوقائع التاريخية من خلال آثارها، ويسوق هذه الصور عنها:
"أيتها البُحيرة [المقصود بحيرة طبرية] مالك في حيرة؛ لقد شهدت لبدر بن عمار بالفتوة، فهل تشهدين لأبي الطيب بالنبوة؛ وحدثي الولي (ياولية) أيهما كان عليك بلية، ذاك الذي وردك زائرًا، أم هذا الذي وردك خائرًا؛ إنهما لا يستويان! ذاك أسد غاب رزقه في الناب، وهذا حلف وِجار، رزقه على الجار ... ذاك ورد الفرات زئيره، وهذا جاوز الفرات تزويره" [ص:520].
"أيها الخاذل للغزى [جمع غاز] ما أنت لها شم، إنما أنت لعبد العزى، أغضبت سراة الحي، وأزعجت الميت منهم والحي، من لؤي إلى أبي نمي ... فويحك، أما تخاف أن تهلك، يوم يقال: يا محمد إنه ليس من أهلك" [ص:521].
وفي نفس السياق التاريخي يسوق كاهن الحي صورة أخرى يبدؤها هكذا: "أيها العربي: الحق سافر، والعدو كافر، والقوي ظافر، فعلام تنافر، خصمك إلى خنافر [كان كاهنًا في حمير ثم أسلم على يد معاذ بن جبل] ويلك إن المنافرة لا تكون إلا في المشكوك، وإن الحق تحميه السيوف لا الصكوك ... مجلس الأمن مخيف، والراضي بحكمه ووضعه ذو عقل سخيف، إنهم ليسوا من شكلك، وإنهم متفقون على أكلك" [ص:523].
"أيها الأعارب ... هل فيكم بقايا من حرب أو من محارب، دبت بينكم العقارب، وأنتم أقارب، فتكدرت المشارب وتقوضت المضارب، وغاب المسدد في الرأي والمقارب" [ص:524]. "أقسم بالذئب الأطلس، والثعبان الأملس، إن المتجر بالأحرار لمفلس، وإن العاقل بين الأشرار لمبلس، وإن العربي لزنيم إذا بقي في المجلس" [ص:532].
ويسوق الإبراهيمي في قضايا العروبة، قضية ليبيا وموافقة مجلس الأمم المتحدة على استقلالها عن الإيطاليين، فيعجب المؤلف كيف وافقت روسيا على استقلال ليبيا، ويعلل ذلك بقوله: "ولولا العملاق [أي أمريكا] الذي يضع رجله على طهران، ويده على الظهران وعينه على وهران، لما صادقت روسيا على ذلك القرار" [ص:406].
(3/19)

بهذه الرموز، والألغاز، والإيحاءات، والإحالات دشن كاتب "عيون البصائر" هذا الفن الرمزي الجديد في الأدب العربي، في محاولة منه لاستنهاض الهمم وتبرئة الذمم، وسيجد الدارسون فيها دلالات على التاريخ وأبطاله، وإحالات على التاريخ العربي وأفعاله على أن هذا كله إنما كان موصولًا بالصراع الحضاري، والسياسي الدائر في الجزائر، ومنطقتها، بين الأحرار، والاستعمار الفرنسي.
لذلك كان حظ المثبطين، والمتقاعسين، والعملاء المندسين، حظ الأسد من كتابات الإمام الإبراهيمي ولا تكاد هذه المقالات تغفل فئة، أو تغطي على شخص، وإنما هي تجمع الجميع ضمن خندق واحد هو الخندق الاستعماري المضاد، لتضربهم في نفس الحجر الاستعماري الذي رضوا لأنفسهم أن يكونوا فيه ... ولقد وجدنا في الخندق المعادي أسماء، وعناوين، وسمات لأشخاص، وأحزاب، وتنظيمات، تباعدت مواطنها، واختلفت مشاربها، من الزوايا الحادة، إلى الأحزاب المنفرجة، ومن التنظيمات الدالة "إلى الشخصيات الضالة" ولكنها التقت جميعًا على محاربة الجزائر الحضارية الأصيلة كما جسدتها جمعية العلماء.
ففي مقال له عن مؤتمر الزوايا، بعد مؤتمر الأئمة، بقيادة الشيخ عبد الحي الكتاني المغربي، يختار المؤلف عنوانًا ذا إيحاءات عديدة هو: أفي كل حي ... عبد الحي؛ فيقول عن طائفة أهل الزوايا: "وعرفنا عن هذه الطائفة أنها كانت في تاريخ الاستعمار طلائع لجنوده، وأعمدة لبنوده، وشباكًا لصيده، وحبائل لكيده" [ص:392].
ثم ينحو إلى زعيمها عبد الحي الكتاني فيقول عنه "وعرفنا في قائدها الجديد، وحامل رايتها عبد الحي الكتاني أنه كان كالدرهم الزائف لا يدخل في معاملة إلا كان الغش والتدليس واضطراب السوق" [ص:393].
ولعل خير ما نختم به هذه المقدمة، النموذج الرائع للشباب الجزائري كما تمثله رائد الفكر الإسلامي مؤلف "عيون البصائر" فلقد رسم للشباب الجزائري مبادئ مضيئة، طالبهم أن يتخذوها قواعد لحياتهم فقال: "أتمثله مصاولاً لخصومه بالحجاج والإقناع، لا باللجاج والإقذاع، مرهبًا لأعدائه بالأعمال لا بالأقوال ...
أتمثله بانيًا للوطنية على خمس كما بني الدين على خمس، السباب آفة الشباب، واليأس مفسد للبأس، والآمال لا تدرك بغير الأعمال، والخيال أوله لذة وآخره خبال، والأوطان لا تخدم باتباع خطوات الشيطان ... يا شباب الجزائر هكذا كونوا ... أو لا تكونوا" [ص:517].
هذه إذن، سبحات فكرية، في خطاب "عيون البصائر" كما تراءى لنا، ولعل القارئ سيلحظ أننا لم نشر بالنقد للكتاب، لأننا وقعنا أسارى الجوانب الإيحائية الطافحة في
(3/20)

الكتاب، وهي حقيقة! وللموضوعية، فإني حاولت أن أسلط بعض مناهج النقد على الكتاب، فما أفلحت، ولعل ذلك مَرَدُّهُ- في نظري- إلى قصور في القلم، وحسب هذا القلم شرفًا، أن يطول بالحق والوفاء قصره، وأن يتخذ لنفسه الشعار الذي رفعه محمد البشير الإبراهيمي عندما كتب ذات مرة "بأن هذا القلم قد براه الله لينضح العسل المصفى للمقسطين، وينطف الصاب والحنظل للقاسطين، ويرسل الحمم مدرارًا على المستعمرين".
وكفى به شعارًا، يتخذه المثقفون، والكتاب، والمفكرون، مبدأ خالدًا لهم.
وإذن فإن ما يمكن استخلاصه في تقديمنا لكتاب "عيون البصائر" أن نستعير من الرافعي مقولته الرائعة في تقديم كتابه "وحي القلم": "إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ، وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع، وإن لم تكن شجرة الورد، فلا تنتظر الورد، وإن لم يكن الكاتب البياني فلا تنتظر الأدب" ونحن نضيف، إذا لم تكن "عيون البصائر" هي الجزائر في عمقها الحضاري، فلا ننتظر إلا جزائر الواق الواق.
د. عبد الرزاق قسوم
(3/21)

السياق التاريخي (1947 - 1952)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تعدو أطماع فرنسا في الجزائر إلى ما قبل سنة 1830 بوقت طويل، فقد بعث الملك الفرنسي شارل التاسع رسالة في 11 مايو 1572 إلى سفيره في استانبول فرانسوا دو نواي ( F. de Noailles) يأمره فيها أن يطلب من السلطان العثماني سليم الثاني أن يتخلَّى - مقابل مبلغ مالي سنوي- عن الجزائر ليعيِّنَ عليها أخاه دوق أنجو ( le duc d'Anjou) - ( الملك هنري الثالث فيما بعد) (1).
وإذا كانت هذه المحاولة قد فشلت، فإن فرنسا لم تيأس من تحقيق أمنيتها في الاستيلاء على الجزائر، فتعددت- منذ ذلك الوقت- خططها، وتنوّعت مشروعاتها، التي تتحدث جميعها عن استعادة هذه البلاد- الجزائر- للمسيحية (2).
وحقّق الفرنسيون أملهم باحتلال مدينة الجزائر سنة 1830، وبدأوا تنفيذ خطة مَحْوِ خصائص الجزائر الحضارية، من دين ولغة ومعالم تاريخية، ليسهل- زعموا- استعادة الجزائر للمسيحية، ولم يتوقفوا عن تنفيذ تلك الخطة- ساعة من نها ر- طيلة وجودهم بالجزائر. ولذلك اعتبر الإمام الإبراهيمي احتلال فرنسا للجزائر "حلقةً من الصليبية الأولى" (3)، وأنه "قَرْنٌ من
__________
1) يزعم الفرنسيون أن طلَبَ مَلِكِهِمْ شارل التاسع كان بناءً على رغبة من الجزائريين!! وهو زَعْمٌ لا برها ن لهم عليه، ولا يصمد أمام أدنى نقد. انظر ذلك الزعم فى: Revue africaine, 5e année
N° 25, janvier 1861, pp.1 - 13
2) أحمد عزت عبد الكريم: دراسات في تاريخ العرب الحديث، بيروت، دار النهضة العربية، 1970، [ص:305].
3) انظر مقال "قضية فصل الدين .. لمحات تاريخية" في هذا الجزء من الآثار.
(3/23)

الصليبية نَجَم، لا جيش من الفرنسيين هَجَم" (4)، وأن هذه الصليبية لم تخف حِدَّتها، ولم يتغيّر لونها، ولم تضعف فَوْرَتُها بتعاقب السنين وتطور الأفكار؛ بل بقيت هي هي "تَجَمْهَرت فرنسا أو تَدَكْتَرت، أو اختلفت عليها الألوان بَياضًا وحمرة" (5).
كانت مواقعت علماء الجزائر من الوجود الفرنسي ببلادهم (1830 - 1962)، ومن خطة الفرنسيين لتنصيرها وفَرْنَستها مختلفة، ويمكن تقسيمهم إلى أربعة أقسام.
1 - فريق منهم لم يستطيعوا صبرًا على محنة بلادهم، فغادروها إلى البلدان العربية والإسلامية، مثل المغرب، وتونس، ومصر، والحجاز، والشام، وتركيا. وهؤلاء إن لم ينفعوا بلادهم؛ فقد خدموا إخوانهم المسلمين في البلدان التي استقرّوابها، وأسهموا بنصيب طيب في نهضة تلك البلدان.
2 - وفريق انعزلوا عن الناس، وابتعدوا عن المجتمع، وراحوا يتفرجون على محنة وطنهم، ويتَحَسَّرون على مأساة شعبهم، ويتأوَّلون في سلوكهم السلبي ذاك آية كريمة، هي قوله تعالى: { .. لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ .. }. فمَثَل هؤلاء العلماء كَمَثَل العضو المشلول من الجسد؛ يراه الناس ولا يحسُّون أثره.
3 - وفريق غلبت عليهم شِقْوَتهم، وضلوا عن علم، وهلكوا عن بَيِّنَة، فانْسَلَخوا من آيات الله التي آتاهم، واشتروا بها ثمنًا قليلًا، وخانوا الله ورسوله والمؤمنين، وتَحَيَّزوا إلى الفرنسيين الذين اتّخذوهم سُخْرِيًّا ضد شعبهم، ووطنهم، ودينهم.
4 - وفريق فقهوا دين الله عزّ وجل، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يخونوا أماناتهم، فوقفوا إلى جانب شعبهم في مأساته، وحفظوا له خصائصه من الذَّوَبان، وثَبَّتُوا له مقوّماته الحضارية التي استردّ بها سيادته، واسترجع بفضلها استقلاله.
ومن هذا الفريق الإمام محمد البشير الإبراهيمي- رضي الله عنه وأرضاه- الذي ما إن استكمل تحصيله العلمي حتى عاد إلى وطنه، ليضع علمه وجهوده في خدمة شعبه، وليقود جهاده الحضاري وصراعه الفكري ضد الفرنسيين.
كان في مُكْنَةِ الإمام الإبراهيمي أن يعيش دنياه منَعَّمًا، وأن ينال منها نصيبًا موفورًا؛ لما آتاه الله من بسطة في العلم، واستبحار في المعرفة؛ كان في مستطاعه أن يبقى مكرَّمًا في مكة بالقرب من البيت المعمور؛ أو أن يَتَدَيَّر طيبَة الطيبة بجوار خير الخلق كلهم؛ أو أن يستقرّ معزَّزًا بدمشق؛ أو أن يستوطن القاهرة ويحوز في أزهرها مكانًا عليًا، أو أن يقيم
__________
4) نفس المرجع.
5) نفس المرجع.
(3/24)

بتونس أو المغرب قريبًا من مسقط الرأس، وما كان- لو فعل- مَلُومًا ولا مَذْمومًا؛ ولكنه رفض ذلك كله، وفَضَّل الأَوْبَةَ إلى الجزائر، ليُحْيِيَ مواتها، ويبعثها من مَرْقَدِها، وُيزيل ظُلمَتَها، ويضيء ليلها، رغم معرفته بما كان ينتظره من معاناة، وما سيلاقيه من أذى مادي ومعنوي على يد الفرنسيين، الذين لا يترددون في البطش بمن يقف في طريق مخططهم الإدماجي التنصيري، وخاصة إذا كان هذا الواقف من نوع الإبراهيمي ووزنه وقيمته.
إن معظم هذه المقالات تعرض جوانب من مواقف الإمام الإبراهيمي في وجه ذلك المخطط، وتبيّن مدى شراسة الفرنسيين في تطبيقه، كما تعكس مدى استماتة الإمام في مقاومته، حتى إنه لَيُخَيَّل إلى القارئ أن الإمام مُقاتِلٌ يقاتل لا كاتب يُجادِل.
ومما يدل على تلك الاستماتة، وإدراك الإمام أن القضية قضية حياة أو موت، أن المرض أقعده، وألزمه الفراش أكثر من شهرين، وتشدَّدَ الطبيب في تعليماته له بلزوم الإخلاد إلى الراحة (6)؛ ولكنه تحدّى المرض، وألقى بتعليمات الطبيب وراء ظهره، وكتب "عشر مقالات في معاملة الحكومة (الفرنسية) للتعليم العربي، حتى سمّاه الأستاذ التبسي "المرض المنتِج"، وقال لبعض من ثقُلَت عليه وطأة تلك المقالات من صنائع الحكومة ما معناه: إنني لا أَرْضَى للإبراهيمي أن يُشاك بشوكة، ولكن هذه المقالات حَبَّبَت إليَّ طول مرضه مع سلامة العاقبة" (7).
إن هذا الجزء يضم صفوة المقالات التي كتبها الإمام افتتاحيات لجريدة البصائر أو مقالات رئيسية فيها فيما بين سنتَي 1947 - 1952. وهي مقالات اختارها الإمام نفسه، وأشرف على طبعها أول مرة سنة 1962، وقد حذفنا منها بعض المقالات (8) وأدرجناها في الجزء الرابع من هذه الطبعة، وهو الجزء الذي يحتوي على ما عثرنا عليه من مقالاته التي كتبها بين سنتَي 1952 و 1954، بعد سفره إلى المشرق العربي، كما حذفنا منه مقالة "مناجاة مبتورة .. " وألحقناها بالجزء الثاني، لأنه كتبها في أثناء اعتقاله بآفلو. وننبّه إلى وجود قصيدة للشيخ أحمد سحنون ضمن هذا الجزء، ولكن الإمام الإبراهيمي اعتبرها من "عيون البصائر"، وضمّها إلى مقالاته، وفي ذلك إشارة إلى عدة معانٍ منها:
* تقدير الإمام للشيخ أحمد سحنون، واعتراف بدوره في خدمة «البصائر».
* تَوَسُّم الإمام الثبات في الشيخ أحمد سحنون، وهو ما أكَّدَتْه الأيام والحوادث.
* اعتبار الإمام أن القصيدة بنتُ فكره وإن لم تكن بنت قلمه.
__________
6) انظر نهاية مقال "التعليم العربي والحكومة- 3" في هذا الجزء من الآثار.
7) انظر مقال "البصائر في سنتها الثالثة" في الجزء الثاني من هذه الآثار.
8) هذه المقالات هي: تحية غائب كالآيب- حكمة الصوم في الإسلام- من هو المودودي؛
(3/25)

* موضوع القصيدة، الذي هو الإشادة بالمركز العام لجمعية العلماء في الجزائر العاصمة، الذي أصبح محورَ النشاط الديني، والثقافي، والسياسي.
لقد تناولت هذه المقالات العَيْناء عدة قضايا كانت وما تزال موضع اهتمام، ومجال صدام إلى يوم الناس هذا، ولم يتغيّر منها إلا الأسلوب والوسائل.
تناول قضية فصل الدين عن الحكومة، وبرهن في مقالاته أنه لا حق لفرنسا في الإشراف على الدين الإسلامي، لأنها ليست دولة إسلامية، ولأن دستورها يُحرِّم عليها الإشراف حتى على دينها. فأي منطق يخوِّلُ لها الإشراف على الدين الإسلامي؛ ويصل الإمام إلى لُبِّ القضية؛ وهو أن إشراف فرنسا على الدين الإسلامي إنما هو بقصد محوه، ويستوي في هذا القصد جميع الفرنسيين، فـ"إلى الآن لم يرزقنا الله حاسّة ندرك بها الفرق بين فرنسي وفرنسي .. بل الذي أدركناه وشهدت به التجارب القطعية أنهم نُسَخٌ من كتاب؛ فالعالم، والنائب، والجندي، والحاكم، والموظف البسيط، والفلاح كلهم في ذلك سواء، وكلهم جَارٍ على جِبِلَّةٍ كأنها من الخَلْقيات التي لا تتغير، ومَن زَعَم فيهم غير هذا فهو مخدوع أو مخادع" (9). وننبّه هنا إلى أن بعض دعاة اللائكية في بلادنا يخدعون الشعب وُيوهِمُونه بأنهم إنما يدعون إلى مادعا إليه الإمام الإبراهيمي من فصل الدين عن الدولة. وكذبوا، وصدق الإمام الإبراهيمي. وهم في كذبهم كأسلافهم الذين تقوَّلُوا على الله، فقالوا إنه يقول: "لا تقربوا الصلاة .. "، ويقول: "فويل للمصلين .. ".
إن الإمام الإبراهيمي دعا إلى فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية، لأنها دولة نصرانية في الجوهر، لائكية في المظهر، وفي كلتا الحالتين لاحق لها في الإشراف على الدين الإسلامي. أما اللائكيون عندنا فهَدَفُهُم هو القضاء على الإسلام في الجزائر، ودعوتهم هذه مرحلة من مراحل تحقيق ذلك الهدف.
وفي تناوله لهذه القضية المحورية، راغ الإمامُ الإبراهيمي على مخططيها ومنفّذيها ضَرْبًا باليمين، وسَقاهُم حميمًا وغسَّاقًا، جزاء وفاقًا.
وعلى رأس مخططيها المستشرق الفرنسي "لويس ماسينيون "، مهندس السياسة الفرنسية في الشؤون الإسلامية، ولا شك أن الإمام يعلم- منذ كان في الشام- مَدى تورُّط "ماسينيون" في المشروع الاستعماري، حيث عمل فترة في القنصلية الفرنسية ببيروت، وكان مكلَّفًا بمهمة قَذِرة؛ وهي شراء ذِمَم مَن لا ذمّة لهم، واستنزال هِمَم من لا همّة لهم، حتى سُمِّي "الصندوقْجِي"، كما كُلِّف سنة 1919 - من طرف وزارة الخارجية
__________
9) انظر مقال "هل دولة فرنسا لائكية؛ " في هذا الجزء من الآثار.
(3/26)

الفرنسية- "بوضع نظام أساسي سوري بالاتفاق مع الأمير فيصل بن الحسين- ملك العراق لاحقًا - وقد استمرّ عمله ستة أشهر" (10).
ومن المعروف أن الإمام الإبراهيمي كان على علاقة طيبة مع الأمير فيصل، الذي دعاه إلى العودة إلى الحجاز للإشراف على شؤون المعارف، فاعتذر الإمام.
وقد كان ماسينيون يحقد على الإمام الإبراهيمي، لأنه كان يتصدّى لمخططاته ويكشفها، وقد وصل هذا الحقد إلى درجة لم يستطع ماسينيون معها كتمانه، فقال للدكتور جميل صليبا: "إن هذا الرجل- الإبراهيمي- من ألدّ أعدائي" (11).
ومن منفذي السياسة الفرنسية في الميدان الديني الطرقيون المنحرفون ورجال الدين الرسميون، وفي مقدمتهم "محمد العاصمي"، الذي أنْعَمتْ عليه فرنسا بمنصب مفتي الحنفية في الجزائر، وبما أن المذهب الحنفي لم يَبْقَ له وجود في الجزائر، فقد رأى الإمام الإبراهيمي أن هذه النسبة- المفتي الحنفي- ليست لأبي حنيفة، وإنما هي لبني حنيفة، قوم مسيلمة الكذاب.
وتناولت هذه المقالات قضية التعليم العربي ومعاملة الدولة الفرنسية له ولأصحابه، وكشف الإمام في هذه المقالات نية الفرنسيين، وهي أنهم يريدون تجريد الجزائريين من "وطنهم الفكري"، كما سلبوهم "وطنهم الجغرافي"، وكما يريدون سَلْبَهم وتجريدهم من "وطنهم الروحي".
من أجل ذلك جعل الإمام التعليمَ العربيَّ شُغلَه الشاغل، وهمَّه الدائم، وكان يعتبره قضية حياة، لا بقاء للشعب الجزائري إلّا به.
وفي هذا الإطار تناول الإمام قضية اللهجة البربرية التي لم تطرح في الجزائر منذ أشرقت أرضها بنور الإسلام، رغم أن كل الدول الإسلامية التي نشأت في الجزائر بربرية. وكشف الإمام الهدف الفرنسي من وراء الدعوة إلى البربرية، وتخصيص إذاعة لها، وهو أنه "سلاح مبتكر لحرب العربية ومكيدة مدبرة للتقليل من أهميتها، وحجة مصطنعة لإسكات المطالبين بحقّها في وطنها" (12)، "ومن عادة الاستعمار أن يحيي المعاني الميتة ليقتل بها المعاني الحية"، كما يقول الإمام الإبراهيمي.
__________
10) عن أعمال ماسينيون في الشام، انظر: حسني سبح، خواطر وسوانح وعِبر، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ج 3، مجلد 59، يوليو 1984، وج 4، مجلد 59، أكتوبر 1984، وانظر مقال: "لجنة فرانس- إسلام" في هذا الجزء من الآثار.
11) مجلة الثقافة، ع 87، الجزائر، مايو- يونيو 1983، [ص:37].
12) انظر مقال "موجة جديدة" ومقال "اللغة العربية في الجزائر عقيلة حرة .. " في هذا الجزء من الآثار.
(3/27)

وكما نال أعوان فرنسا وآلاتها المسخرة لضرب الدين الإسلامي قسطهم من تشنيع الإمام الإبراهيمي؛ نال أعوانها في حرب اللغة العربية نصيبهم من هجومه، خاصة وأن كثيرًا من هؤلاء الأعوان من أدعياء الوطنية ومحتكريها.
وتناول الإمام في بعض هذه المقالات بعض المشاكل الاجتماعية بالجزائر كمسألة الزواج، والطلاق، وقضية اتحاد الأحزاب الجزائرية.
لقد حثَّ الإمامُ الشباب على الزواج ورغَّبَهم فيه، وحذَّر من مزاحمة المرأة الفرنسية للمرأة الجزائرية في هذا الأمر "فحذار أن يكون شبابنا فرائس هذا الاستعمار الضعيف القوي" (13)، لأن الزواج عنده أشرف خدمة للوطن "إنكم لا تخدمون وطنكم بأشرف من أن تتزوّجوا، فيصبح لكم عرض تدافعون عنه، وزوجات تحامون عنهم، وأولاد يوسعون الآمال، إن الزوجة والأولاد حبال تربط الوطني بوطنه وتزيد في إيمانه ... ولمَن تُخدم الأوطان، إذا لم يكن ذلك لحماية من على ظهرها من أولاد وحُرُم، ومَن في بطنها من رفات ورِمَم" (14). وتحدث عن الطلاق لا كما يتحدث عنه الفقهاء التقليديون. ودعا الإمام إلى التشدّد في إيقاع الطلاق لما ينجز عنه من مآسٍ، ويعقِّبُ على مبدإ "العصمة بيد الزوج" بأن "الإسلام لا يعطي هذه الحقوق أو هذه الامتيازات إلا المسلمَ الصحيح الإسلام القوي الإيمان ... أما إعطاء هذه الامتيازات إلى الجاهلين المتحللين من قيود الإسلام فهو لا يقل شناعة وسوء أثر عن إعطاء السلاح للمجانين ... إن العصمة امتياز لرجالكم، ما لم تطغوا فيه وتظلموا، فإذا طغيتهم فيه وجُرتم عن القصد، كما هي حالتكم اليوم، انتزعه منكم القضاء الإسلامي لو كان" (15).
أما مسألة اتحاد الأحزاب (16) الجزائرية لمواجهة الاستعمار الفرنسي فقد أبدأ الإمام فيها وأعاد، وقال فيها وأجاد، وسعى في سبيلها سعيًا كثيرًا، لأن ذلك الاتحاد هو المعقل الوحيد
__________
13) انظر مقال "الشبّان والزواج" في هذا الجزء من الآثار.
14) المرجع نفسه.
15) انظر مقال "الطلاق" في هذا الجزء من الآثار.
16) لا يعني الإمام في الحقيقة إلا حزبين هما حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وحزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، أما الحزب الشيوعي الجزائري فلم يكن له تأثير على الشعب الجزائري، وذلك بسبب إلحاده، ولكثرة الأوروبيين فيه، ولتنكره للقضية الوطنية، حيث لم يكن يؤمن بالانفصال عن فرنسا، وكل ما كان يعمل له هو أن تتخلص الجزائر من الاستعمار الفرنسي الأزرق لترتمي في أحضان أخيه الاستعمار الفرنسي الأحمر. بل لقد دعا الشيوعيون الجزائريون- في فترة من تاريخهم- إلى إلحاق الجزائر بالاتحاد السوفياتي. وحول هذه النقطة انظر ما جاء في جريدة "النضال الاجتماعى" ( La lutte sociale) - الناطقة باسمهم- في عددها الصادر يوم 12 يناير 1923 في المقال المعنون « Que sera l'Algérie en 1950» ( ماذا ستكون الجزائر سنة 1950).
(3/28)

للقضية الجزائرية، والوسيلة الوحيدة لنجاحها، ومن أجل ذلك توجّه إلى الشعب الجزائري ودعاه إلى حمل الأحزاب على الاتحاد.
وينبغي الإشارة هنا إلى ما يردّده بعض المغرضين من أن الإمام الإبراهيمي كان يوالي حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري؛ الذي كان في مواقفه بعضُ اللين تجاه فرنسا، ويناوئ حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الداعي إلى الانفصال عن فرنسا.
والحقيقة هي أنه ما كان الإبراهيمي "بيانيًا " ولا "انتصاريًا "، ولكنه كان يعتبر نفسه والجمعية التي يرأسها "فوق الأحزاب"، ليكونا حَكَمًا بينها، إن تنازعت في شيء أو اختلفت في شأن.
كان الإمام الإبراهيمي يعلم أن مواقف أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري من ثوابت الشعب الجزائري يشوبها بعض الضعف، وأن مواقفهم السياسية يطبعها بعض اللين، وكل ذلك بسبب الثقافة الفرنسية التي تلقّوها (17)، وكان يعلم- أيضا- أن فيهم كفاءات علمية، وطاقات فكرية كان الشعب الجزائري في أمسّ الحاجة إليها، فكان الإمام بين أمرين: إمّا أن يهمل تلك الكفاءات، ويفرط في تلك الطاقات فلا تستفيد الجزائر منها، وإمّا أن يعمل على كسبها، ويجتهد في أن يعيدها إلى شعبها، ويُنقذها من ضلالها، فتصير أكثر إيمانًا بثوابت شعبها، وأَصْلَب في مواقفها السياسية، وهذا ما فعله الإمام. إنّ مَثَلَه في ذلك كَمَثَل الطبيب الذي يغشى المواطن الموبوءة لعلاج الناس وإنقاذهم من الوباء الفاتك. وقد أثبتت الأيام حِكمة تصرّف الإمام، وسدادَ رأيه، إذ اعترف كثير من أعضاء ذلك الحزب بأخطائهم، وتراجعوا عن مواقفهم السياسية، وانضموا إلى الثورة التحريرية.
وتحدّث الإمام عن سياسة القمع والإرهاب الفرنسية في الجزائر، فكشف دسائسها، وصوَّر فضائعها، وفضح وسائلها، فتناول ذلك الدستور في وصفه بـ"الأعرج" الذي فُرِض على الشعب الجزائري، وسَخِر من ذلك "البرلمان" الأخرس، ومن أعضائه، إذ رفض أن يسمّيهم نوّابًا، "مادامت الانتخابات بِالعِصِيِّ"، وندَّد بتلك الحملات الوحشية التي كانت تُرْعِبُ الآمنين، وتبطش بالمستضعفين. وفي هذا الإطار تندرج تلك المقالات المُعَنْوَنة بـ"ويح المستضعفين- حَدِّثونا عن العدل فإننا نسيناه 1، 2، 3 - ويحهم ... أهي حملة حربية"، وهي مقالات لا يعلم كثير من الناس أنها كُتِبَت إثْر "الاعتقال للمئات من شباب
__________
17) الحقيقة هي أن بعض أعضاء "حزب الشعب الجزائري"، الذي صار يسمى "حركة انتصار الحريات الديمقراطية" كانوا هم أيضًا - وما يزالون- مُسْتَلَبين، ولم تكن نظرتهم إلى الدين الإسلامي واللغة العربية، والاستقلال الحضاري، أفضل من نظرة أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري.
(3/29)

الأمة"، بعد اكتشاف مصالح الأمن الفرنسية- في مارس 1950 - المنظمة الخاصة ( l'organisation spéciale)، وهي منظمة سرية، أُنشئت سنة 1947، لتدريب الشبّان الجزائريين على الأعمال العسكرية، استعدادًا لإعلان الجها د من أجل تحرير البلاد.
وقد أنهى الإمام هذه المقالات بتأكيد ما دعا إليه سنة 1936 من "أن الحقوق التي أخذت اغتصابًا لا تسترجع إلا غلابًا " (18)، فقال مخاطبًا الشعب الجزائري: "إن القوم - الفرنسيين- لا يدينون إلا بالقوة، فاطلبها بأسبابها، وأْتِها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوسع أبوابها العمل، فخُذْهُما بقوة تَعِشْ حميدًا وتَمُتْ شهيدًا " (19).
إن الإمام الإبراهيمي ليس رجُلَ قطر مهما اتّسعت أرجاؤه، وليس رجُلَ إقليم مهما امتدّت أطرافه، ولكنه رجُل أمّة برَّحت به مِحَنُها، وصهرت جوانحه آلامها، وأمَضَّه هوانُها على الناس، فحمل أثقالها مع أثقال وطنه، فأجال فكره في قضاياها، وأسال قلمه في مشكلاتها، وعمل على أن يعيدها - كما شاء ربّها - {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. وكان لها في كل ما كتب وقال وعمل من الناصحين.
وكانت قضية القضايا عنده هي فلسطين، التي صَوَّرها فأحسن صُوَرها، وجادل عنها فأتقن الجدال، إذ دَبَّج عنها مقالات لم يُبْلِها تعاقبُ الأيام، وعَنَت لها أئمة الكلام، وأعْجَزَت حَمَلَة الأقلام، وخضعَتْ لها كَمَلَةُ الأحلام، فقد جاء فيها بما لم يأت الأوائل من بيان رائع، وبرهان ساطع، ودليل قاطع، حتى قال عنها الأستاذ فايز الصائغ- أستاذ الفلسفة بالجامعة الأمريكية ببيروت، إنه "لم يُكتَب مِثلُها من يوم جَرَت الأقلام في قضية فلسطين" (20).
لقد كانت تلك المقالات آية في صدق لهجتها، وعُمْق معاناة كاتبها، فلم تترك خائنًا إلا كَشَفَته، ولا جَبانًا إلّا عيَّرَتْهُ، ولا بَخيلًا إلا وبَّخَته، ولا مقصِّرًا إلا عنَّفَتْه، ولا متقاعسًا إلا وَخَزَتْه، ولا خاذلًا إلا فضَحَتْه.
لقد دفع الإمامَ إلى الاهتمام بالقضية الفلسطينية أمران أساسيان هما:
1 - إنها قضية دينية، ففلسطين هي أرض النبوّات التي لا إيمان لمن لا يؤمن بها، وهي موطن كثير من الرسُل الذين أُمِر المسلمون أن يؤمنوابهم جميعًا، وأن لايفرِّقوا بين
أحد منهم، وهي تضم ثالِث أقداس المسلمين، وهي قبلتُهم الأولى، والمستهدَفُ فيها - بَدْءًا وختامًا - هو الإسلام.
__________
18) انظر مقال "الإصلاح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي" في الجزء الأول من هذه الآثار.
19) انظر مقال "ويحهم أهي حملة حربية"، [ص:379].
20) انظر مقال "كيف تشكلت الهيئة العليا لإعانة فلسطين- 1" في الجزء الثاني من هذه الآثار.
(3/30)

- إنها تشبه القضية الجزائرية، فاليهود يريدون استئصال الفلسطينيين من فلسطين، كما يريد الفرنسيون استئصال الجزائريين من الجزائر.
من أجل ذلك، لم يكتفِ الإمامُ الإبراهيمي في قضية فلسطين بالقول، ولكنه سارع إلى الفعل، فشكَّل هيئة عليا لإعانة فلسطين (21)، وتبرَّع لها بأنفس ما يملك العالِمُ، وهو مكتبته (22)، وخَرَج من مالٍ اقترضه، ليُؤْثِرَ به- رغم خصاصته- مَن جاءه يستعينه على السفر إلى فلسطين للجها د (23).
ويضم هذا الجزء مقالات تناولت شخصيات مدحًا أو قدحًا. والإمام الإبراهيمي عندما يمدح شخصًا لا يمدحه لذاته مهما علت منزلته، أو غلت قيمته، ومهما عظم جاهه أو كَثُر ماله، أو غزُر عِلْمُه، ولكنه يمدح ما يجسده ذلك الشخص من وفاء لمبادئ الإسلام، وجهادٍ في سبيلها، وولاءً للأوطان وسعي في تحريرها، وهو عندما يذم شخصًا لا يذمّه لذاته، ولكنه يذم فعاله، ويُقَبِّح خِلالَه من انعدام مروءة، وسفالة همة، وخيانة الإسلام، وولاء لأعدائه، وتنكّر للأوطان وسعي في إذلالها.
لقد أشاد بالإمام ابن باديس، وكيف لا يستحق الإكبار والتمجيد من "أحيا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغِيَرُ، ودينًا لابَسَتْه المحدثات والبدَعُ، ولسانًا أكلته الرطانات الأجنبية، وتاريخًا غطّى عليه النسيان، ومجْدًا أشاعه ورثةُ السوء، وفضائل قتلتها رذائل الغرب" (24)؛ وأشاد بالإمام محمد الطاهر بن عاشور، لأنه عَمِل لإصلاح "الزيتونة" التي أطفأ نُورها التقليدُ الأعمى، والكسلُ العقلي، والشلل الذهني، وسعى إلى إعادتها شجرة مباركة، يُضيءُ زيتُها، وتؤتي أكلها. ورَثَى "المنصف باي"، لأنه نَهَج لأمته نهْجَ الكرامة، وشرع لها سنن التضحية، وعلَّمَها "كيف تموت الأسود جوعًا وظمأ، ولا تطعمُ الأذى ولا تَرِد القذى". وأثْنَى على محمد خطاب، ذلك الرجل العصامي الذي أنفق من مال الله الذي آتاه، فبنى صروحًا للعلم، وشاد قلاعًا للدين، ولم يُلْهِه التكاثر في الأموال عن حقوق الأوطان. وانتصر للسلطان محمد الخامس في محنته، وفي الدفاع عن حقوق وطنه، لأنه أبَى أن يعطي الدنية في دينه، ورفض أن يكون عَبْدًا في صورة مَلِك ...
__________
21) انظر مقال "الهيئة العليا لإعانة فلسطين" في الجزء الثاني من هذه الآثار.
22) انظر مقال "أما عرب الشمال الافريقي" في هذا الجزء من الآثار.
23) شهد بذلك الأستاذ حمزة بوكوشة- رحمه الله- في مقاله "لحظات مع الشيخ البشير الإبراهيمي"، جريدة الشعب، عدد 2309، الجزائر، 21 مايو 1970.
24) انظر مقال "الرجال أعمال" في هذا الجزء من الآثار.
(3/31)

أما الذين أساءوا بما علموا، فقد كان لهم الإمامُ بالمرصاد، ومنهم عبد الحي الكتّاني، الذي "هو مكيدة مدبَّرة، وفتنة محضَرَة .. " اتّخذه الاستعمار الفرنسي سُخْرِيًّا، يفرِّقُ به الصف، ويشتت به الرأي، ويوهن به العزم، ويُضِلُّ به عن سواء السبيل، ويسوق على يده الويل.
...

يقول الإمام الإبراهيمي:
لا نرتضي إمَامَنا في الصَّفِّ ... ما لم يكن أَمَامَنا في الصَّفِّ
وإن هذه المقالات تؤكد أن الإمامَ كان في مقدمة صفوف أمّته وشعبه، يقود أنصار الحق، ويضرب الأمثال للناس في الصدع بالحق، والثبات عليه، وعدم التفريط فيه مهما تكن الابتلاءات، وتتوالَ الامتحانات.
إن من أهمّ أسباب نجاح الإمام الإبراهيمي في أداء الأمانات الثقيلة التي حَمَلَها، ولم يَؤُدْه حِفْظُها، أنه لم يكن يسعى لدنيا يصيبها، أو لزعامة زائفة ينالها، ولكنه كان يجاهد في سبيل رفعة الإسلام، وفي سبيل استعادة سيادة الجزائر، وفي سبيل عزة المسلمين.
إن هناك "زعماء" ادّعوا الجهاد في سبيل تلك المبادئ، ولكن الأيام سرعان ما كشفتهم، وتبيّن أنهم يقولون فيها بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وظهر للناس أنهم ما كانوا يعملون إلا لتحقيق أغراض شخصية، ونيل مآرب آنية، بل إن منهم من قضى بقية حياته في حماية أعداء شعبه، ولذلك لفظهم الناس، وأهملهم التاريخ، فلم يُرفع لهم ذكر، ولم يكتب في فضلهم سطر، ولم يُخلَّد لهم اسم.
تمتاز هذه المقالات بالأسلوب الجميل، والمعنى الجليل، والهدف النبيل، والرأي الأصيل، وعمق التحليل، ودقة التعليل، فاستحقّت أن تُسَمَّى "عُيُونًا"، واستحقّ مُنْشِئُها أن يقال فيه:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
وأن يقال أيضًا:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
سمَّى الإمام الإبراهيمي هذه المقالات "عيون البصائر"، وإن لكلمة "العين" في لغة يعرب لَمَعانٍ كثيرة، منها: العين، نبع الماء، والماء هو مصدر الحياة، فكأن "عيون البصائر"
(3/32)

"ماءً فكريًا"، تحيا به العقول، كما تحيا بالماء الحقول، وقد كانت عيون البصائر "ماءًا حيويًا" ضد "الأفكار الميتة" التي يشيعها الطرقيون والضُّلّال، وضد "الأفكار القاتلة" التي يبثّها أرباب "المَخابِر الفكرية" الفرنسية، وأتباعهم من "المسلمين".
والعين، هي آلة الإبصار التي تمنع المرء من الوقوع في المطبات، والاصطدام بالأشياء، وقد كانت هذه المقالات "عيونًا " أبصر بها الجزائريون طريقهم، ورأوا بها عدوَّهم، وأبصروا بها حقائق دينهم ودنياهم. والعين هو النفيس من كل شيء، وقد كانت هذه المقالات وستبقى من أنفس ما دَبَّجَتْه الأقلام، وأبدعته الأحلام، من معاني فحْلَة في عبارات جزلة.
وقديمًا قيل:
وقلَّما أبصرتْ عيناك ذا لَقَب ... إلا ومعناه- إن فكَّرْتَ- في لقبه
وإن صاحب هذه الآثار هو "محمد البشير طالب الإبراهيمي".
فـ"محمد"، اسم مفعول من "التحميد"، والإمام يستحق ذلك لعظيم فِعالِه، وجَليل خِلاله. و"البشير"، فقد كان الإمام بشيرًا لوطنه وقومه، زرع فيهم الأمل، ودعاهم إلى العمل، وأخرجهم من اليأس، وجعل لحياتهم هدفًا نبيلًا يسعون إلى تحقيقه، ويكدحون في سبيله. و"طالب"، وقد كان الإمام طالبَ حق لوطنه، وطالب كرامة لقومه، وطالب عز وسؤدد لأمته. و"الإبراهيمي"، وقد قَبَض الإمام قَبْضَةً من جهاد أبيه إبراهيم (25) - عليه السلام- ضد الشِّرْك والضلال، فعاش داعيًا إلى التوحيد، دالًّا على الله بآيات كتابه المسطور، وعجائب كتابه المنظور.
رحم الله الإمام الإبراهيمي، وجزاه عن جهاده الجزاء الأوفى، وجعلنا أهلًا لحمل تراثه.

محمد الهادي الحسني
البليدة (الجزائر)، 16 أفريل 1997.
__________
25) اقتباسًا من قوله تعالى: { .. مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} سورة الحج، الآية 78.
(3/33)

مقدمة الطبعة الثانية من "عيون البصائر"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 1 -
حين طلبت إليّ الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الإذن بإعادة طبع كتاب "عيون البصائر" لوالدي المرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بعد أن نفدت طبعته الأولى واشتدّ الطلب عليه، متمنية عليّ أن أقدم لهذه الطبعة الثانية، وجدتني أمام هذا الموقف المزدوج: الموافقة على تجديد الطبع من نحو، والتردد في التقديم من نحو آخر.
وأملت أن أعهد بذلك إلى أحد الخُلّص من إخوانه الذين رافقوه على هذه الطريق الطويلة، أمد الله في أعمارهم، وشاركوه أعباءها والتقوا معه في كثير من أحداثها وكانوا معه إخوة جهاد ورفقة كفاح .. تهيبًا مني للحرج الذي سأشعر به حين أكتب عن والدي.
وقد وجدت في شخص الأستاذ محمد العيد أمير شعراء الجزائر- كما كان يحلو للشيخ أن يطلق عليه- الإنسان الذي تمنيت أن ينهض بهذا العبء. فقد كانت بينهما هذه الألفة الجامعة وهذه المودة المتمكنة وهذا التواصل المتصل .. وكان الأستاذ محمد العيد من أوائل الذين نذروا أنفسهم للإصلاح تعليمًا للناشئة، وتوعية للجماهير، وتسخيرًا لفنه الرفيع في سبيل الأهداف الوطنية الغالية. ونهض شعره بهذه المهمات النبيلة فكان نورًا للشعب يضيء جوانب الطريق وكان نارًا متأججة يحترق بها المستعمر.

- 2 -
ولكن الأستاذ الشيخ العيد غلب عليه طبعه الشعري وكأنما أثارت هذه المناسبة ذكرياته الطويلة فإذا هو يؤثر الشّعر على النثر، لأن "الموضوع متسع الأطراف متشعب الجوانب يستدعي بسطة في القول ومزيدًا من التحري والتدقيق في حياة فقيدنا الجليل وصديقي الوفي والدكم الكريم رحمه الله وأنعم عليه بمغفرته ورضاه. وعلمت يقينًا أنني أعجز عنه وأقف دون إتمامه. ولم أجد بدًّا
(3/35)

من العدول عن النثر إلى الشعر الذي هجرني هجرًا غير جميل فاستعطفته واستنجدته وإذا به يبضّ للخاطر الكليل بهذا القدر الضئيل. وهو على ضآلته ما كنت أظن أنني أظفر بمثله وقد بعثته إليكم، لتروا فيه رأيكم، فإن كان عندكم صالحًا كما أردتم فذلكم ما تقر به عيني وينشرح به صدري، وإن كان دونه أو بخلافه فحسبي أني بذلت فيه قصارى الجهد وحاولت أن أبلغ فيه غاية القصد" (1).

- 3 -
أمام هذا، كان عليّ أن أتناول الحديث ولكن وجدتني أتهيب ذلك مرة أخرى من نحو آخر وأتساءل في ما بيني وبين نفسي هل في وسع الإنسان أن يكتب عن أقرب الناس إليه وأمتّهم رحمًا به وأشدهم تواصلًا معه؛ هل في وسع الإنسان أن يكتب عن والده؛ وما عساه أن يقول عنه وعن آثاره؛ ألا يجد أنه في موقف حرج يصعب أن يتفاداه؛
كانت حراجة الموقف لا تنبع من سعة الموضوع، ولكنها تكمن في أننا نخشى أن تغلب علينا ذاتيتنا وأن تستبد بنا محبّتنا وأن يحول التقدير الأبوي بيننا وبين موضوعية الحديث، أو على النقيض أن يكون الإسراف في التحرر من الذاتية ونشدان الموضوعية سبيلًا إلى تغييب بعض الحقائق أو السكوت عنها أو الاجتزاء بطرف منها دون طرف، إيثارًا للتواضع وبعدًا عن الإشادة في مواجهة هذا الموقف الذي يشبه الإبرة الممغنطة في اتجاه أحد قطبيها إلى الشمال واتجاه الآخر إلى الجنوب وعودتها إليهما كلما زحزحت عنهما. أوشكت أن أنتهي إلى أن أترك هذه الطبعة الجديدة من غير مقدمة نثرية، ووجدت في القصيدة الشعرية وفي الرسائل التي يعدها بعض طلبة الدراسات العليا ما يجلو شخصية الشيخ وسيرته في حياته وأسلوبه.

- 4 -
إنه عسير عليّ أن أعطي هذه المجموعة مكانها من سير البيان العربي .. ذلك أن الذين كانوا يقرأونها في المشرق والمغرب كانوا يواجهون أسلوبًا هو أشد ما تكون الأساليب رصانة وأقوى ما تكون جزالة وأقدر ما تكون على التفنن في المعالجة .. كان له من المشارقة صفاء البيان ومن المغاربة منطقية العرض وكان من أسلوب القرآن الكريم- تنوعًا وأصالة- استمداده واستلها مه.
إن هذه المقالات لا تصور الشيخ في أبعاده كلها. ويحتاج الدارس الأدبي إلى أن يصطنع قدرًا كبيرًا من التخيل حتى يستطيع أن يستكمل تقديرها حق قدرها .. فقد كتبت في ظروف صعبة شديدة الصعوبة كان فيها للاستعمار عيون مبثوثة وسيوف مصلتة وقدرة على الشر تخطيطًا وتنفيذًا .. ولكن هذا لم يحجب نصاعة الأسلوب ولا وضوح القضايا ولا براعة العرض.
__________
1) من رسالة خاصة قدم بها للقصيدة.
(3/36)

- 5 -
إن بعض قيمة هذه المقالات أنها أرادت تأكيد معنى أساسي كان أبرز المعاني الجوهرية في حركة الإصلاح وفي حركة الثورة .. ذلك هو الرجوع إلى الأصالة: الدفاع عن دين الجزائر ولغتها وشخصيتها، وتثبيت ذلك في نفوس الأجيال الجزائرية التي كانت في المعركة أو التي كانت في الظل .. التي كانت تخوض المعركة ضد الاستعمار والتي كانت تتأهب لخوضها.

- 6 -
ثم هي استمدت من الإسلام، روحه وعقيدته ونظامه، صفتها الكلية .. ولذلك فإنها لم تقتصر على الجزائر وإنما تجاوزتها إلى أكثر أقطار العالم الإسلامي التي كانت تكتوي بنار الاستعمار وتنزل بها نوازله .. فقد كتب عن تونس والمغرب، وكتب عن فلسطين سلسلة المقالات التي يقرأها الإنسان العربي الآن فيحس كأنما هي ابنة اليوم بهذا الذي صاحبها من صفاء وبعد نظر وعمق معاناة .. إنها تبدو بنت الأحداث في الستينات كما كانت بنت الأحداث في الأربعينات. لأن صاحبها تجاوز الجزئيات العارضة فيها إلى المشكلة الكبرى، واستبان له، في وضوح البصيرة، الأبعاد التي كانت تخفى آنذاك على الكثيرين.
ومثل ذلك ما كتب عن اليمن تحت حكم الأئمة، وما كتب في مواجهة الاستعمار أو في التهكم على عملائه أو في كشف عوراته وفضح نياته.

- 7 -
إننا في العادة نتطلع إلى هذه الطائفة من رجالنا وعلمائنا الذين قادوا حركة الإصلاح وقدحوا شرارات الثورة الأولى وضمنوا لشعلة الثورة زيتها ووقودها من إيمان الشعب ومن اندفاعه ومن مشاركته الكاملة، على أنهم أبرز ما في التاريخ الجزائري الحديث .. ومن المؤكد أن شيئًا من ذلك لم يكن ليتوافر لهم لولا معنى الصمود الذي كان يملأ حياتهم .. إنهم لم يبدأوا المعركة ليتخلوا عنها وإنما بدأوها ليتابعوها بهذا العزم والتصميم واعتبار الاستشهاد غاية النصر .. ولذلك شُرّد منهم من شُرّد وقتل من قتل وأوذي من أوذي بدون أن يرهب عدوًا أو يلين لغاصب أو يخضع لتهديد أو وعيد .. وقد كان الشيخ رحمه الله أحد هؤلاء الذين شردوا وأوذوا وهددوا فما لانت له قناة .. وظل يجوب الجزائر طولًا وعرضًا، مثيرًا ومحركًا للجماهير ومصلحًا ومقربًا بين القادة، وداعيًا إلى التآخي الذي يهدر الجزئيات والذاتيات في سبيل الهدف الكبير .. وكان العلم هو المشعل الذي حرص على أن يتقد في كل مدينة، وإصلاح النفس هو الذي يجب أن يخالط كل جزائري، ونظافة المجتمع من الخرافات والبدع والضلالات التي
(3/37)

كان يغذيها الاستعمار أو يشجعها، هي التي يجب أن تسود كل بيئة جزائرية.

- 8 -
ما أكثر ما ترددت في سياقة هذا الحديث، وما أكثر ما قاد التردد إلى إغفال جوانب منه لم يحن بعد أوان الحديث عنها. لقد قصدت إلى أن يكون حديثًا مجردًا من غير ذكر للأحداث ولا تسجيل للمواقف .. وأحسبني لا أخالف ذلك إذا أنا أشرت إشارة خاطفة إلى الجانب الذاتي الإنساني من حياة الشيخ رحمه الله .. فقد كان أحلى ما عنده وأيسره أن يجاوز ذاته في سبيل رغبات إخوانه وكان يؤثر أصدقاءه وتلامذته بما يختارون، لا وفاء لهم فحسب بل ولاء كذلك للفكرة التي كانت تجمعه بهم .. ما أغضى عن يد امتدت إليه، ولا أشاح بوجه عن طالب عرف ولا ضن بجاه أو جهد على مستجير، ولا برأي على مستشير ولا بعون لصاحب حاجة .. كان إذا أعوزه الأمر استدان ليفك ضائقة إخوانه، وكان يتابع حاجات الناس ومشاكلهم حتى تقضى أو تحل من غير غفلة ولا نسيان.

- 9 -
لقد آثرت أن أتجاوز عن كثير من النقاط حرصًا على موضوعية هذه الكلمة أو مغالاة في هذا الحرص. إن ذلك يجرد الكلمة من جوها العاطفي الذي كان يجب أن يخالطها وأن يغلّفها، ويحجب كثيرًا من الجوانب التي كان عليها جلاؤها من حياة الشيخ ويسكت عن جوانب أخرى، ويوجز غيرها .. إن هذه الكلمة ليست إلا وقفة قصيرة ومجردة .. لم أنظر فيها بعين الابن، ولا بعين الرفيق في بعض مراحل العمر، ولا بالعين التي ينظر بها الطالب والمريد إلى الأستاذ والرائد .. وإنما نظرت بعين هذا الجيل إلى واحد ممن كانوا في مقام القيادة منه: القيادة الروحية والقيادة الفكرية على السواء.

- 10 -
وبعد، فمن الخير أن أفسح لقصيدة الشاعر الكبير الأستاذ محمد العيد حفظه الله. وأتوجه إلى الله العلي القدير أن يوفقنا ويسدد خطانا على الطريق المستقيم، إنه سميع مجيب.
الجزائر في 21 ماي 1970
أحمد طالب الإبراهيمي
وزير التربية الوطنية
(3/38)

مشاعل حكمة
قصيدة الشاعر الكبير الأستاذ الشيخ محمد العيد آل خليفة التي كتبها كمقدمة للطبعة الثانية من "عيون البصائر".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب لمن أملاه بالعلم يشهد ... يطالعنا بالعود والعود أحمد
يتوجه باسم الإله وحمده ... نصير لمن يدعو إليه مؤيد
"عيون " بها تجلو «البصائر» نورها ... علينا كما يجلو الكواكب مرصد
تجلى بها نور الهداية فاجتلى ... بها هدف الإصلاح من هو أرمد
وأطلعها فكر "البشير" بأفقه ... فما هي إلا أنجم تتوقد
ولا أدَّعي أني أقدم سفره ... فذلك شأو عن بياني يبعد
أراه اكتفى عن كل حلى بذاته ... فأغناه عن حلى جمال مجرد
وكنت بشعري "للبشير" مواكبا ... على سمعه في موكب العلم أنشد
وقد يسمع البيت البليغ فينتشي ... وقد يسمع البيت المسفَّ فينقد
وما هو إلا كاتب ثاقب الحجى ... ورائد فكر مصلح ومجدد
جرى حبره في الصحف كالبحر زاخرا ... بغيرته للحق يرغي ويزبد
روائعه أرض الجزائر مهدها ... ولكن لها في أرض عبقر مولد
لقد رئس الأعلام مجدًا وسؤددا ... وهل كان كالعرفان مجد وسؤدد
وكان منارًا للعقول ومعلما ... يشير إلى تحريرها ويمهد
ينادي إلى حرية الفكر لاهجًا ... بها، منكرًا ما يدعي المتقيد
له قلم إن رام دفع الأذى به ... فرمح رديني وسيف مهند
وإن رام إذكاء العقول فمشعل ... وإن رام إرواء القلوب فمورد
وإن رام وصفًا فهو أجمل ريشة ... لأبرع رسام على الفن تُسعد
(3/39)

وإن رام جدًا فهو صور مجلجل ... رهيب يقيم الهازلين ويقعد
وإن رام مزحًا فهو للقلب بلسم ... من الهم شاف للشقاء مبدد
وإن رام إرهاف الشعور بفنه ... فعود به يشدى ولحن يردد
لقد كان للفصحى أباها وأمها ... ومرجعها إن ندّ أو شذ مغرد
وكان صديقًا لابن باديس مخلصًا ... وصاحب شوراه الذي لايفنَّد
وقام جديرًا بالرئاسة بعده ... قديرًا عليها فضله ليس يجحد
فيا لهما من فرقدين بأفقنا ... أنارا وغارا فرقد ثم فرقد
سلام على الأعلام ما طاب ذكرهم ... وآثارهم في العلم والعلم يخلد
لقد زرعوا زرعًا فأخرج شطأه ... كأخصب محصول لمن هب يحصد
وأبقوه للأجيال ذخرًا مباركًا ... وزادًا من الذكرى لمن يتزود
وأقبل جيل بعدهم غرس ثورة ... عصامية يرجو النمو ويَنشُد
ويبني على أرض الجزائر أمة ... مثالية في وعيها ويشيّد
شباب تبارى دارسًا ومدرسا ... بميدان مجد أيهم فيه أمجد
يشد على الفصحى يدًا ويمدها ... يدا باللغات النافعات ويسند
فيا فتية الجيل الجديد إلى العلى ... إلى العلم فامضوا كلكم وتجندوا
أرى غدنا المرجو تُلقى فروضه ... عليكم وآمال الجزائر تعقد
وهذا كتاب فيه تبصرة لكم ... وتوعية مُثلى وقول مسدد
نصوص معانيها ينابيع فُجّرت ... لكم ومبانيها كؤوس تُنضَّد
خذوها وصايامن حكيم مُجرّب ... تمنى عليكم أن تسودوا وترشدوا
وأملى عليكم مُنفِسات من المنى ... كعهد فمن منكم بها يتعهد؛
تمنى عليكم أن تكونوا وعاتها ... وأكفاءها أو لا تكونوا وتوجدوا
وغاب وأبقاها مشاعل حكمة ... فقودوا بها الركبان تهدوا وتهتدوا

بسكرة، 2 ربيع الأول 1390هـ الموافق 7 ماي 1970م.
محمد العيد آل خليفة
(3/40)

إستهلال *
اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ نَبْتَدِي، وبِهَدْيِكِ نَهْتَدِي، وَبِكَ يَا مُعِينُ، نَسْتَرْشِدُ وَنَسْتَعِينُ، وَنَسْأَلُكَ أَنْ تُكَحِّلَ بِنُورِ الْحَقِّ بَصَائِرَنَا، وَأَنْ تَجْعَلَ إِلَى رِضَاكَ مَصَائِرَنَا، نَحْمَدُكَ عَلَى أَنْ سَدَّدْتَ فِي خِدْمَةِ دِينِكَ خُطُوَاتِنَا، وَثَبَّتَّ عَلَى صِرَاطِ الْحَقِّ أَقْدَامَنَا.
وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّكَ الَّذِي دَعَا إِلَيْكَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَتَوَلَّاكَ فَكُنْتَ وَلِيَّهُ وَنَصِيرَهُ، وَعَلَى آلِهِ الْمُتَّبِعِينَ لِسُنَّتِهِ، وَأَصْحَابِهِ الْمُبَيِّنِينَ لِشَرِيعَتِهِ.
اللَّهُمَّ يَا نَاصِرَ الْمُسْتَضْعَفِينَ انْصُرْنَا، وَخُذْ بِنَوَاصِينَا إِلَى الْحَقِّ، وَاجْعَل لَّنَا فِي كُلِّ غَاشِيَةٍ مِنَ الْفِتْنَةِ رِدْءًا مَنَ السَّكِينَةِ، وَفِي كُلِّ دَاهِمَةٍ مِنَ الْبَلَاءِ دِرْعًا مِنَ الصَّبْرِ، وَفِي كُلِّ دَاجِيَّةٍ مِنَ الشَّكِّ عِلْمًا مِنَ الْيَقِينِ، وَفِي كُلِّ نَازِلَةٍ مِنَ الْفَزَعِ وَاقِيَّةً مِنَ الثَّبَاتِ، وَفِي كُلِّ نَاجِمَةٍ مِنَ الضَّلَالِ نُورًا مِنَ الْهِدَايَةِ، وَمَعَ كُلِّ طَائِفٍ مِنَ الْهَوَى رَادِعًا مِنَ الْعَقْلِ. وَفِي كُلِّ عَارِضٍ مِنَ الشُّبْهَةِ لَائِحًا مِنَ الْبُرْهَانِ، وَفِي كُلِّ مُلِمَّةٍ مِنَ الْعَجْزِ بَاعِثًا مِنَ النَّشَاطِ، وَفِي كُلِّ مَجْهَلَةٍ مِنَ الْبَاطِلِ مَعَالِمَ مِنَ الْحَقِّ الْيَقِينِ، وَمَعَ كُلِّ فِرْعَوْنَ مِنَ الطُّغَاةِ الْمُسْتَبِدِّينَ مُوسَى مِنَ الْحُمَاةِ الْمُقَاوِمِينَ.
*ــــــــــــــــــــــــــ*ــــــــــــــــــــــــــ*
وهذه جريدة «البصائر» تعود إلى الظهور بعد احتجاب طال أمدُه، وكما تعود الشمسُ إلى الإشراق بعد التغيب، وتعود الشجرة إلى الإيراق بعد التسلب، فلا يكون اعتكارُ الظلام، وإن جلل الأفقَ بسواده، إلا معنًى من معاني التشويق إلى الشمس، ولا يكون صر الشتاء،
__________
* نشرت في العدد 1 من جريدة «البصائر»، 25 جويلية سنة 1947.
(3/41)

وإن أعرَى الأشجار باشتداده، إلا خزنًا لقوة الحياة في الأشجار، والشمس موجودة، وإن غابت عن نصف الكون، والشجرة حية، وإن أفقدها الصرّ جمالَ اللون، كذلك صحيفة «البصائر»، احتجبتْ صورتها عن العيان، وإن كانت حيةً في النفوس، ممثلة في الأفكار، وإن في احتجابها لصُنعًا إلهيًّا، يدركه أيقاظ الشواعر، وأحياء الضمائر، وهو إذكاءُ الشوق إليها، فقد كان الشوق إليها يتجدد في أخريات كل أسبوع، فتطفئه قعقعة البريد، واتصالُ المراد بالمريد، فأصبح الشوق إليها- بعد احتجابها- يتجدد في كل يوم.
ولقد اشتدّ شوقُ العالم الإصلاحي إلى جريدته، واتصل حنينه، وطال انتظاره، وأصبح - لتعلقه بها- يوجه العتابَ القاسي إلى المسؤولين عنها. لأنه كان يرى فيها مددًا من النصرة وفيضًا من القوة، وكانت أعدادُها تحمل إليه حقائقَ الدين الإسلامي، ونفحات البيان العربي، وكان يرى من مقالاتها صواعق مرسلةً على المبتدعة والظالمين، ويجدُ في قراءتها سلوةَ الظاعن وأنسَ المقيم.
إن «البصائر» في حقيقتها فكرةٌ استولت على العقول، فكانت عقيدةً مشدودةَ العقد ببرهان القرآن، ثم فاضت على أسلات الألسنة فكانت كلامًا مشرقَ الجوانب بنور الحكمة، ثم جاشت على أسنة الأقلام، فكانت كتابةً في صحيفة، والذي تعطل من «البصائر» إنما هو المظهر الأخير من مظاهرها، وما كان للظلم وإن مَدّ مده، وجهد جهدَه، ولا للحوادث وإن بلغت الغايةَ من الشدة أن تنال من العقائد نيلًا، وإنما تصيب الألسنة بالسكات إلى حين، وتبتلي الأقلامَ بالتحطيم إلى أوان، وإن الصحف في لسان العرف كالصحائف في لسان الدين، منها صحائف الأبرار، وصحائف الفجار، لذلك كان من حظ الأولى الابتلاءُ بالتعطيل والتعويق.
...

جريدة «البصائر» هي أحد الألسنة الأربعة الصامتة لجمعية العلماء، تلك الألسنة التي كانت تفيض بالحكمة الإلهية المستمدة من كلام الله وكلام رسوله، والتي كانت ترمي بالشرَر على المبطلين والمعطلين، وكانت كلما أغمد الظلمُ لسانًا منها سل الحق لسانًا لا ينثلم ولا ينبو، وتلك هي: السنة، والشريعة، والصراط، والبصائر: أسماءٌ ألهم القرآنُ استعمالها، وفصَّلت القرائح الملتهبة، والأقلام المسددة إجمالها، وصدق واقعُ العيان فالها، وما زالت جمعية العلماء تتلمح العواملَ الإلهيةَ في كل ما تأتي وما تذر، وتستند على الإلهامات الربانية حتى في أسماء صُحفها، ولا مكذبةَ فما أخطأها التوفيق ولا مرة.
وإذا كُتبَ للصُحف الثلاث الأولى أن تستشهدَ في المعترَك، وهي في ميعة الصبا، مقبلةً غيرَ مدبرة، لم تخِس بأمانة، ولم تُزَنّ بخيانة، فقد قدر "للبصائر" أن تعمر وأن تحتك بالزمن
(3/42)

وأحداثه سنين، فكمُلت الخبرة واستحكمت التجربة، وكان تعطيلها لأوائل هذه الحرب مثلًا شرودًا في الحفاظ والإباء، ومنقبةً بكرًا في الكبرياء والعزة، ذلك أنه لما تجهَّمت الأيام، وتنكرت الأحداثُ، واستبهمت المسالك، ولوّح لها أن تجريَ على ما يراد منها، لا على ما تريد، قالت ما قالته الزباءُ قبلها "بيدي لا بيد عمرو"، وخار الله للقائمين عليها في ذلك التعطيل، كما خار لهم من قبل في تقرير السكوت (1)، ولعمري ان التعطيل لخيرٌ من نشر الأباطيل.
إذ "تقرير السكوت" من غرر أعمال جمعية العلماء، ومن آرائها التي تشظَّتْ عنها صدَفةُ الحكمة، ومن شواردها التي لا تضاد إلا ببعد النظر، فقد وقاها ذلك التقرير مزالقَ لا يتلاقى فيها رضا الله برضا المخلوق، ولقد كانت الجمعية تعلمُ أن القوةَ التي تستطيع الإسكاتَ لا تستطيع الإنطاق، ولأنْ يسكتَ العاقل مختارًا، في وقت يحسن السكوت فيه، خير من أن ينطق مختارًا في وقت لا يحسن الكلام فيه، وكل نَطْقة تمليها الظروف لا الضمائر تثمر سكتةً عن الحق، ما من ذلك بدّ.
ألا إن فرسانَ الكلام والأقلام، كفرسان النزال والعراك في كثير من الخصائص، وكما أنّ الكمي المعلم يضيق بالفاقة ذَرعه، فتهون عليه بيضته ودرعه، وهيهات أن يهون عليه سيفه ورمحه، لأن وظيفة البيضة والدرع أن يحفظا على الكميّ في ساعة الروعْ مهجته، وهي أهونُ مفقود في تلك الساعة. أما وظيفة السيف والرمح فهي الإنكاءُ في العدو، والإنكاء في العدو هو الغاية التي تنتهي إليها شجاعة الشجاع. كذلك حملةُ الألسنة والأقلام يجبُ أن يكونوا، ليحققوا التشبيه الذي تواطأت عليه آداب الأمم، فلتأتهم المصائب من كل صوب، ولتنزل عليهم الضرورات من كل سماء، وليخرجوا من كل شيء إلا من شيئين: القلم واللسان ... إن بيع القلم واللسان أقبحُ من بيع الجنديّ لسلاحه.
إن جمعية العلماء حين قررت السكوتَ حافظت على هذين ولم تتسامح في تسخيرهما لأحد، وتركت أحداثَ الدهر تعملُ عملها، على أنها ما سكتتْ عن درس ديني أو علمي، ولا عن نصيحة رشيدة، ولا عن موعظة حسنة، وإنما قررت السكوتَ عن كل ما يقال لها فيه: قولي.
__________
1) لما أعلنت الحرب العالمية الأخيرة اجتمع أعضاء المجلس الإداري لجمعية العلماء ليقرروا ما يلزم لمستقبل الجمعية احتياطًا لأنهم خشوا أن تمنعهم التدبيرات العسكرية من الاجتماع واللقاء في أثناء الحرب فيكون كل عضو محبوسًا في بلدته وربما كلف كل عضو بتصريح أو بإبداء رأي لا يتفق مع مبادئ الجمعية، فاتفقوا على تقرير السكوت سدًّا للباب بمعنى أن كل من سئل وحده أو كلف بشيء مما يرجع إلى الجمعية سكت ولم يجب بشيء.
(3/43)

ولقد جاذبني أطرافَ هذه القضية في الأشهر الأولى من بداية الحرب كبير من رجال الحكم، كان يضم يديه على سلطة واسعة، مدنية وعسكرية، وألحّ عليّ، في صراحة- أن أخرج من الصمت إلى الكلام باسمي أو باسم الجمعية- (وهو يعني سكوتًا خاصًّا وكلامًا خاصًّا) فقلت له من كلام طويل: إننا كنا في السلم نتكلم فيُقلقُكم كلامُنا، وإننا سكتنا في الحرب فأقلقكم سكوتنا، ففي أيّ موضع نكون بين هذين؛ وتنبه ضميره الإنساني عند سماع هذا الكلام فلمحتُ عليه آثارَ الاقتناع، ولكن ضميره العسكري أبى عليه إلا أن يجرِيَ بالمسألة إلى آخر الشوط.
وإن الإنصاف ليتقاضاني- وقد مرت على المحاورة سبعُ سنين- أن أذكر له لطفَ الحديث وأدبَ الخطاب وتمجيد الصراحة، ولا أحاسبه على الضمير العسكري، لأنني أعلم أن الاستعمار يشرك بين الأقوياء والضعفاء في إفساد الضمائر.
...

هذا فصل قصير تحكيه «البصائر» من تاريخ حياتها الأولى ومن حسن الختام لتلك الحياة، فخورةً مزهوةً بأنها بذَّتْ أخواتها الشهيدات بما جلتْ من محاسن الإسلام والعربية، وبما جاهدتْ في سبيلهما، وبما مهدتْ للإصلاح الديني من عقبات، وبما لقيت في صراع الاستعماريْن الروحي والبدني من مكاره، وبما حوته حقيبتها من ذخائر العبر والتجاربب، وبما قدمتْ من صالحات لحياتها الثانية.
...

كنا نعلم مبلغ تشوّف الأمة إلى جريدتها، وكنا معها نعلل النفسَ بالآمال، فلما أحيينا سنةَ الاجتماعات العامة السنوية في السنة الماضية أعلنا للأمة وعدًا بإصدار «البصائر» أولًا، و"الشهاب" ثانيًا، وضربنا لذلك موعدًا محدودًا قدرناه بإعداد العدد اللازمة.
فتهللت أسرّةُ السامعين، وطفح البشرُ على وجوههم، وتنوقلت الأحاديث بتلك البشرى في القطر كله، فانتعشت الآمال، وجليت الأقلام التي علاها الصدأ من طول ما أغمدت، وما كنا حين وعدنا بهازلين ولا معللين، وإنما كانت دواعي الرجاء عندنا غالبة، وقوة التصميم والحزم فينا متوفرة، وما تجلت لنا الحقائق من أول مرحلة، وهي الحصول على الرخصة، إلا بعدَ أن شرعنا في إعداد العدة لإنجاز الوعد، فكذبتنا الظنون، واعترضتنا المعاكسات القانونية، ولما ألغي اشتراط الرخصة أبقت بعدها ما يقوم مقامها في التعسير والإرهاق، وهو الورق الذي لا يعطى إلا (برخصة) فحاولنا الحصولَ عليه ولكن بغير جدوى،
(3/44)

ثم جاءت ثالثة الأثافي، وهي المطبعة، وفي هذه المحاولات التي حاولناها بحرص ونشاط انقضت سنة كاملة، ومن العبث أن نطيلَ القولَ فيها، وأن نعيدَ الحديثَ عنها والتشكي منها.
...

ها إن نومة «البصائر» - على طولها- أصبحتْ كإغفاءة المهموم في قصرها وفائدتها بفضل الصبر والأناة، وها هي ذي عادت إلى الحياة، ووخزتها الخضرة من جوانبها، فسلوها كيف تركت جمعية العلماء وكيف وجدتها؛ وسلوها حين فتحت عينيها عن الوجود الثانى، ماذا عرفتْ وماذا أنكرتْ من الناس والأحوال؛
أما عن الناس وأحوالهم فقد عرفتْ هذا الشعورَ الفياضَ من الأحياء المستضعفين بحقهم في الحياة، وهذا الإصرارَ الدائبَ على المطالبة به، وهذا المنطقَ الحكيمَ الذي يترجم تلك المطالبة، وهذا البغضَ المتأججَ للاستعمار وحماته، والاستعباد ودعاته، وهذا الإجماعَ المنعقدَ بين الضعفاء على الأخذ بتلابيب الأقوياء، حتى يؤدوا الحق إلى طلابه، كأن الضعف رحمٌ شابكة بينهم، فهم يتباروْن في وصلها والبر بها، إلى كيت وكيت مما أيقظته المصائب بعد همود، وأذكتْ نارَه الحوادث بعد خمود، وكان ليد الله فيه الأثر الذي لا ينكر.
وأنكرتْ هذا الجفاف الذي انتهى بعواطف الأقوياء إلى درجة التحجر، وهذا التنمر الحيواني الذي يظهره الاستعمار ليخيف به الفرائسَ حتى تسكنَ إلى حين، وهذه الديمقراطية الزائفة التي اتخذها أدعياؤها حبالة صيد، ووسيلة كيد. ولاكوها بألسنة مقطوعة الصلة بالقلوب، وأصبحت في أفواههم كالعلك يمضَغ ولا يزدرد، وهذا النفاقَ السياسي الذي غطى على فضيلة الصراحة، فلم يصفُ معه ضمير، ولم يصدق معه لسان، ولم تثبت عليه ثقة، وهذه الأساليب الإدارية العوجاء التي فضحها الحق فما زادت في مقاومته على أن فضحتْ نفسها، وأنكرتْ- آخرَ ما أنكرت- هذا الجو القاتم الذي منع الراحةَ والهدوءَ، وسلب السكونَ والاطمئنان، وبعث القلقَ والاضطراب إلى هنات وهنات، أسخفها معاملة الإدارة الجزائرية لجريدة «البصائر». فقد مرت سنةٌ و «البصائر» تطالب بحقها في الحياة، وحظها من الورق، ولم تحصُل بعدَ هذا الزمن الطويل على طائل.
هذا بعض ما عرفت «البصائر» وأنكرتْ من الناس وأحوالهم؛ فأما جمعية العلماء وكيف كانت وكيف هي الآن، وما هي مواقفها في مبادئها وما يمس مبادئها، فهي الميادين التي حَييتْ جريدة «البصائر» لاقتحامها، فانتظروا فستُجلّي لكم الحقائق كما هي، وستفضح المخبآت التي كثر فيها لغط اللاغطين، وستكشف الدعاوى الزائفةَ التي تجري بها ألسنة المضللين.
(3/45)

من الحقائق العريانة *
في هذا الوطن الجزائري شعبٌ عربيٌّ مسلم، ذو ميراث روحاني عريق، وهو الإسلام وآدابه وأخلاقه، وذو ميراث مادي شاده أسلافه لحفظ ذلك التراث، وهو المساجد بهياكلها وأوقافها، وذو نظام قضائيّ مصلحي، لحفظ تكوينه العائلي والاجتماعي؛ وذو منظومة من الفضائل العربية الشرقية منتقلة بالإرث الطبيعي من الأصول السامية، إلى الفروع النامية، لحفظ خصائصه الجنسية من التحلل والإدغام، وذو لسان وسع وحي الله، وخلد حكمة الفطرة، وجرى بالشعر والفن، وحوى سرّ البيان، وجلا مكنونات الفكر، ثم خدم العلم، وسجل التاريخ، وشاد الحضارة، ووضح معالم التشريع، وحدا بركب الإنسانية حينًا فأطرَب.
حافظ هذا الشعب على هذا التراث قرونًا تزيد على العشرة، وغالبته حوادثُ الدهر عليه فلم تغلبه، وما كان هذا الشعب بدْعًا في الاحتفاظ بهذه المقوّمات الطبيعية؛ بل كل شعوب الدنيا قائمة على أمثال هذه المقوّمات، لا يستنزلها عنها إلا من يريد أن يهضمها (1) قبل الأكل، ليهضمها (2) بعد الأكل؛ كما يفعل وعاظ الاستعمار، ومشعوذو السياسة، لتخدير الأمم المستضعفة، فيقبحون لها العنصرية، وهم من حماتها، ويزهدونها في الجنسية، وهم من دعاتها.
جاء الاستعمارُ الفرنسي إلى هذا الوطن، كما تجيء الأمراضُ الوافدة، تحمل الموتَ وأسباب الموت، فوجد هذه المقوّمات راسخةَ الأصول، نامية الفروع، على نسبة من
__________
* نشرت في العدد 1 من جريدة «البصائر»، 25 جويلية سنة 1947.
1) من الهضيمة التي هي الكلم.
2) من هضم الأكل المعروف.
(3/46)

زمنها، فتعهد في الظاهر باحترامها، والمحافظة عليها، وقطع قادته وأئمته العهودَ على أنفسهم وعلى دولتهم ليكونُنَّ الحامين للموجود المشهود من عقائد ومعابد وعوائد، ولكنهم عملوا في الباطن على محوها بالتدريج، وتمّ لهم- على طول الزمن بالقوة وبطرائق من التضليل والتغفيل- جزءٌ مما أرادوا؛ والاستعمارُ سلٌّ يحارب أسبابَ المناعة في الجسم الصحيح؛ وهو في هذا الوطن قد أدار قوانينه على نسْخ الأحكام الإسلامية، وعبث بحرمة المعابد، وحارب الإيمانَ بالإلحاد، والفضائلَ بحماية الرذائل، والتعليمَ بإفشاء الأمية، والبيانَ العربي بهذه البلبلة التي لا يستقيم معها تعبير ولا تفكير.
ومهما يكنْ نجاحُ الاستعمار في هذا الباب فما هو بالنجاح الذي يشرّفُ فرنسا، أو يمجد تاريخها، بعد أن أبقى جروحًا دامية في نفوس المسلمين، وبعد أن كان من نتائجه هذا الجو المتغير الذي يتمنى له كل عاقل الصفاءَ والإشراق، وهذه الحالةَ المحزنة التي يود كل منصف أن تزولَ، وأن يخلفها طور سرور واطمئنان.
...

لبثت عواملُ الاستعمار تهدم من هيكل الإسلام ولا تبني، وترمي المقوّمات الإسلامية والخصائصَ العربية في كل يوم بفاقرة من المسخ، إلى أن تكونت جمعيةُ العلماء المسلمين الجزائريين منذ خمسةَ عشرَ عامًا، تكونًا طبيعيها كأنه نتيجة لازمة لتلك الحالة، وقامت تعمل لإصلاح الإسلام بين المسلمين، وللمطالبة بحقوقه المغصوبة، وبحرية لغته المسْلوبة، وسمع الاستعمارُ لأول مرة في حياته بهذه الديار، نغمةً جديدةً لم تألفها أذُناه، تدعو إلى الحق، في قوّة، وتطالب بالإنصاف في منطق؛ وأحسّ دبيبَ الحياة والشعور في الجسم الإسلامي؛ فلم ينظر إلى ذلك كله على أنه حق طبيعي معقول، ضاع بين حيلة المحتال، وغفلة الغافل، في وقت؛ فمن المعقول أن يرجعَ إلى نصابه بين إنصاف المنصف، وحزم الحازم، في وقت آخر؛ ولكنه نظر إلى ذلك على أنه شذوذ في قاعدة، وخرق لإجماع، وتطاوُلٌ من عبد على مالك؛ ورتب على مقدّمات الدعوة الإصلاحية نتائجَ لا ترتبط بها؛ فقاومها ونصب المكايد للعلماء العاملين، وبثّ المصائد للمغرورين والمذبذبين، وكان ما كان، ولكنّ ذلك كله لم يزد حركةَ الإصلاح إلا تغلغلاً في الأمة، ولم يزد الأمةَ إلا قوةَ شعور بحقها المهضوم؛ فتعالت الأصوات من كل ناحية وتداعى طلابُ الإصلاح في كل ميدان؛ ولو أن الاستعمارَ كان فقيهًا في سنن الله في الأمم والطبائع لأنصفَ الأمم من نفسه فاستراح وأراح، ولعلم أن عين المظلوم، كعين الاستعمار، كلتاهما يقظة.
***
(3/47)

كانت جمعية العلماء تقوم في كل مناسبة- كتبديل الجهاز الإداريّ هنا أو الجهاز الحكوميّ الأعلى في باريز، وفي اجتماعاتها العامة، وفي مقابلاتها لرجال الحكومة- باحتجاجات عن المعاملات الشاذة التي يعامل بها الإسلام في داره، وتعامل بها العربية في موطنها، وكانت تقوم بتظلمات وبيانات، ولكنها كانت تقابل دائمًا بالسكوت والإهمال، إلى أن كان شهر أغسطس من سنة 1944، وكانت الحكومة الفرنسية (3) إذ ذاك ممثلةً هنا بالجزائر فقدمت الجمعية مطالبها بصورة أوضحَ وأصرحَ من جميع ما تقدّمها في كراسة مفصّلة (4)، تشتمل على مطالب الأمة في التعليم العربيّ، وفي المساجد وأوقافها، وفي القضاء الإسلامي وإصلاحه، وقد لقيتْ تلك المطالب ما لقيه ما قبلها من سكوت وإهمال.
...

واليوم وقد عادت جريدة الجمعية إلى الظهور، وجب أن نحمل العددَ الأولَ على وجه التذكير خلاصةً من مواقف جمعية العلماء ومن مطالبها التي هي مطالب الأمة العربية الجزائرية، في أعزّ عزيز عليها، وهو دينها ولغتها.
وإنّ ما نقدمه هنا هو صورة من الحقيقة والواقع، وتصويرٌ لما تعانيه هذه الأمة من افتئات عليها، واستخفاف بمقدراتها، وإذا وُجد في ما نكتبه تنديد مرّ، فإن سوء المعاملة والتصامّ عن سماع صوت الحق هو الذي أملاه علينا.

التعليم العربي ...
اللغة العربية هي لغة الإسلام الرسمية، ومن ثمّ فهي لغة المسلمين الدينيةُ الرسمية، ولهذه اللغة على الأمة الجزائرية حقان أكيدان، كل منهما يقتضي وجوبَ تعلمها، فكيف إذا اجتمعا، حق من حيث انها لُغةُ دين الأمة، بحكم أنّ الأمة مسلمة، وحق من حيث إنها لغة جنسها، بحكم أن الأمة عربية الجنس؛ ففي المحافظة عليها محافظةٌ على جنسية ودين معًا، ومن هنا نشأ ما نراه من حرص متأصّل في هذه الأمة على تعلم العربية، وما نشهده من مطالبة إجماعية بحرّية تعليمها، وما نشاهده من قلق واضطراب في أوساط الأمة لموقف الحكومة المخجل من اللغة العربية، وما نراه من سخط عميق على القرارات والقوانين التي تعرقل تعليمها، وذلك كله لأنها مفتاحُ الدين، أو جزءٌ من الدين.
__________
3) الحكومة الفرنسية في الجزائر: هي حكومة فرنسا الحرة برئاسة الجنرال دوغول.
4) نُشرت في الجزء الثاني من آثار الإمام، [ص:138 - 146].
(3/48)

وجمعية العلماء التي تعد أشرفَ أعمالها تعليمَ العربية، قد أقامت خمسة عشر عامًا تطالب في غير ملل بحرية التعليم العربي الذي هو أساسُ التعليم الديني، وما زالت تصارع العوارض الحائلةَ، وهي عوارض القرارات الإدارية، والقوانين الموضوعة لخنق العربية وقتلها؛ وما زالت الجمعية تنكر تلك القرارات وتقول عنها في صراحة: إنها قراراتٌ جائرة أنتجتها ظروف خالية من الرحمة ومن الكياسة، وأملتها أفكار خالية من الحكمة والسداد، وبواعثُ من الغرض والهوى؛ يؤيد ذلك كله وحيٌ من شيطان الاستعمار المريد، فجاءت في مجموعها لا تستند على منطق ولا نظر سديد، وإنما تستند على القوة أولاً، وعلى الحيلة ثانيًا، وعلى العنصرية البغيضة ثالثًا.
إن جمعية العلماء، باسم الأمة الجزائرية المسلمة عمومًا، تطالب الحكومة الجزائرية (3) الاستعمارية- في إلحاح- بإلغاء جميع القرارات القديمة المتعلقة بالتعليم العربيّ، واستبدال قانون موحد عادل بها، لا يكون من طرف واحد، كالقرارات القديمة، بل يكون للأمة رأيٌ فيه، ولجمعية العلماء اشتراك في وضعه، ويكون واضحَ الدلالة، بيِّنَ المقاصد، صريحَ المعاني، لا إبهام فيه ولا غموض.
وجمعية العلماء ترى أن التعليمَ العربي الذي تسعى لحريته وترقيته هو جزء من التعليم العام الذي هو وسيلة التثقيف، والتثقيف هو أشرف مقاصد الحكومات الرشيدة، وإن الحكومات الرشيدة لتلتمس المعونةَ على تثقيف شعوبها من كل من يستطيعه من جمعيات وأفراد، وتبذُل لهم من التنشيط والتيسير ما يحقق ذلك، فما بالُ الحكومة الجزائرية الاستعمارية تعاكسُ وتضَع العراقيلَ في طريق التثقيف مع أنها عاجزة- باعترافها- عن تعميمه ونشره؛
أليست تلك المعاكسات كلها لأن التعليم عربى إسلامي؛
أليست النتيجة المنطقية أن تلك المعاكسات كلها حرب على الإسلام والعربية؛
بلى ... وإن ذلك لهو الحق الذي لا تغطيه مجاملات الخطب، ولا تزويق الألفاظ ولا أكاذيب رجال الحكومة، إن جمعية العلماء تشكوُ مر الشكوى من تلك القرارات بأجمعها، وتستنكر بنوع خاصّ ذلك القرار المتضمن لإيجاب الرخصة على المعلم، لأن هذا القرارَ إن سهل تنفيذُه في عمل شخصيّ، كمعلم، في مكتب، فإنه لا يسهُلُ العملُ به على جمعية عظيمة، تدير عشرات المدارس وتُشرف على مئات المعلمين، لأنها قد تنقل معلمًا في كل يوم، وقد ينفصل عنها معلمٌ في كل يوم وقد يموت. ففي تكليفها العملَ بهذا القرار تكليف بما لا يُطاق ولا يتم معه عمل.
__________
5) الحكومة الجزائرية: هي الولاية العامة الفرنسية في الجزائر.
(3/49)

وقد يتأتى للحكومة أن تقول: إن عملية الرخصة بسيطة، وما هي إلا طلب وإيجاب، وقد امتحنا هذا القولَ فوجدْنا الحكومة تيسّر على من رضيتْ عنه، وتعسّرُ على المغضوب عليهم، وتدخل بهم في بحر من الإجراءات لا ساحلَ له، حتى ييأسَ الآمل، ويفتر العامل.
إن الحكومة التي لا يعجزُها أن توجد للحق ضرائرَ من الباطل، ولا يعجزُها أن تثيرَ الغبارَ في وجوه العاملين للخير، ولا يعجزُها أن تمنعَ المسلمَ من الحج- لانتسابه إلى جمعية العلماء أو لمشرَبه السياسي- لا يعجزُها أن تجعلَ من طلب الرخصة وسيلةً للمنع.
وجمعية العلماء تستنكر كذلك هذا التجاهلَ الممقوت من الإدارات الحكومية، للعلاقات الوثيقة بين المدارس والجمعية، وللإشراف الفعلي من الجمعية على المدارس، بل للتأسيس العملي من الجمعية لكثير من المدارس، تطبيقًا للفصل السادس من قانونها، فالحكومة تتجاهل كل هذا ولا تريد أن تفهمه ولا أن تعترف به؛ يدل على ذلك ما وقع من التعطيل لمدرستي "بني منصور" و "سيدي عيسى" من عمالة (6) الجزائر، ولمدرستيْ "قايس" و "عزّابة" من عمالة قسنطينة، وكل ذلك وقع في هذه الأيام، أيام الجمهورية الرابعة، والتفاصيل عند الإدارة، وما المظلوم فيها بأعلم من الظالم.
والحقيقة التي يجب أن تفهمها الحكومة، هي أن المدارسَ التي تشرف عليها جمعية العلماء وحدةٌ لا تتجزأ، والجمعية هي المسؤولة عن جميعها من حيث التعليم؛ فمن حسن الذوق، إن لم يكن من حسن النظام، أن تعتبرَها الحكومة على حقيقتها، فإذا حدث ما يوجب تدخلها، خاطبتْ في ذلك الجمعيةَ، لا المعلمَ ولا الجمعيةَ المحلية.
وخلاصة رأي جمعية العلماء في التعليم العربي، أنه أصبح ضرورةً من ضرورات الأمة، وأن القرارات المتعلقةَ به كلها ترمي إلى التضييق عليه وقتله، وأن تنفيذها موكول إلى عمال يتولونه بالغرض والهوَى، وقد كثرتْ هذه القرارات وملحقاتها وشروحها. حتى أنسى آخرها أولها؛ وأن الحكومة قد تشككت عن تنفيذها لمكيدة، ولكنها تبقى كالأسلحة المدسوسة لوقت الحاجة، وأن الأمة فهمت هذا فأصبحتْ لا تثق بوعد، ولا تطمئن إلى سكوت، حتى تلغى هذه القرارات، وتتلاقى الأمة والحكومة على قرار واحد معقول، لا ينفرد بوضعه عقل واحد بل عقول.

... والصحافة العربية
لا تزال آثار ذلك القرار "الشّوطاني" (7) باديةً في معاملة الصحافة العربية واعتبار لغتها أجنبيةً
__________
6) عَمالَة: مُحافَظة- وِلاية.
7) شوطان أحد رؤساء الوزارات الفرنسية وأحد أقطاب الاستعمار وهو الذي أصدر قانونًا بمرسوم يصرح باعتبار العربية لغة أجنبية في الجزائر.
(3/50)

في وطنها، ولا تزال الأمةُ العربيةُ الجزائرية تنكره وتتحداه، فهل آن الأوان لإلغائه والتنفيس على الصحافة وإعطائها حقوقها الطبيعية، وهل آن للإنصاف أنْ يلامسَ هذه الأفكارَ الرجعيةَ؛

والنوادي ...
إن جمعية العلماء ترى أن النواديَ الإسلاميةَ التي تؤسسها، أو تشرف عليها، هي وسط جامع، بين المدرسة وبين الجامع، لأن هناك طائفة عظيمة من شباب الأمة لا تجدُ الجمعية وسيلةَ لتبليغه دعوة الدين والعلم إلا في تلك النوادي، وإن وضعية النوادي تعتمد على دخل ماليّ خاصّ من المشروبات المباحة التي تباع فيها، فكان من حلقات تلك السلسلة الموضوعة لتطويق التعليم العربي من جميع نواحيه، ذلك القرار الغريبُ الذي يمنعُ بيعَ المشروبات المباحة في النوادي، ونتيجته هي إفقار النوادي من روّادها، لعدم ما يجذبهم إليها، وما يحببهم فيها، وجمعية العلماء تعد ذلك القرارَ في غايته ملحقًا بالقرارات الموضوعة للتضييق على التعليم العربي.

... والمساجد وأوقافها
ابتلاع أوقاف المسلمين، والاستيلاءُ على مساجدهم، وإحالةُ بعضها كنائس ومتاحف ومستودعات، كل ذلك من أصول الاستعمار، وكل ذلك وقع في القطر الجزائري، واحتكارُ التصرف في المساجد والسيطرةُ على موظفيها أسلوبٌ من أساليب الإدارة الجزائرية، حافظتْ عليه في جميع عهودها لمعانٍ معلومة، ومقاصدَ مفهومة، وكلّ ما كتب في عهد الاحتلال من عهود، وكل ما بذل بعد ذلك من وعود، فهو شيء يكذّبه الواقع.
وفصل الدين عن الحكومة مبدأ جمهوري فرنسي، ولكنه من أكذب المبادئ بالنسبة إلى دين الإسلام في الجزائر، فما زالت الإدارة الجزائرية في جميع عهودها متمسكة بما أوْرثها الاستعمار من مساجدنا أكثرَ وأشدّ من تمسك المتديّن بدينه، لا تبالي بحقوق طبيعية، ولا بمبادئ جمهورية، ولا بمفارقات دينية، ولا بعواطفَ إنسانية، ولا سبب لهذا الإمعان في التسلط والاحتكار إلا استضعاف المسلمين واحتقارهم، وإلا فما بالُ هذه الحكومة لم تتسلطْ على معابد اليهود، ولا نقول عن معابد المسيحيين، لأننا لسنا ممن يعتقد (لائكية) الحكومة الجزائرية الاستعمارية.
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين باسم الأمة الجزائرية تريد بكل توكيد فصلَ الدين الإسلامي عن الحكومة، تحقيقًا للمبدإ الجمهوري وتسوية بين الأديان الثلاثة المتجاورة في الوطن الذي لو تساوَى أهله في حرية الأديان، وفي حرية الحياة، لكان أسعدَ الأوطان بأهله، ولكان أهله أسعد الناس به.
(3/51)

تريد الأمة فصلَ الدين عن الحكومة فصلًا حقيقيها واقعيًّا لا مواربة فيه ولا تعمية ولا تضليل، وأن تنفضَ الحكومة يدَها من الدين الإسلامي، وتبرئ ذمتها من أوقافه، فتسوّي مع ممثلي الأمة الذين تختارهم هي، لا الحكومة، مسألةَ الأوقاف، بالعدل والإنصاف، وتُسلم لهم المساجد تسليمًا مطلقًا، ليتصرفوا فيها تصرفًا مطلقًا، بحيث لا تتدخل لهم بعد الآن في تعيين إمام ولا غيره، ولا في ما يستحقونه من جراية ولا في تكوين جمعية دينية.
وأن تتركَ الحكومة هذه المناورات التي طالما رأيناها سابقًا، وما زلنا نراها، من التفاهم مع شخص في مسألة خطيرة كهذه، أو اختيار هيئة من دون استشارة الأمة ولا رضاها، وإن أقرب هذه المناورات الحركةُ القائمة في هذه الأيام لتأسيس جمعيات دينية من الموظفين الرسميين، والأشخاص الحكوميين، الذين لا تثق بهم الأمة، ولا تطمئن إليهم في دينها ولا في دنياها.
إن الأمة الإسلامية ترى أن المساجدَ والأوقافَ هما مسألة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، كالشخص وظله، وإن الأمة لا ترضَى أن تستلم مساجدَها فقيرةً عريانة، ولا ترضَى أن يتولى المفاوضةَ عنها شخص أو هيئة تختارها الحكومة، ولا جمعيات دينية تكوّنها الحكومة؛ وتعد ذلك كله من باب نزع الشيء من اليد اليمنى، ووضعه في اليسرى، وإن الأمة أصبحتْ يقظةً حذرة من هذه المناورات، متفطنة لمراميها، لا تؤخذ في دينها بالخدَع.
لا ترضى الأمة إلا بأن تختار هي الجمعيات الدينيةَ، بعيدةً عن المؤثرات الحكومية؛ وأن تنتخبَ تلك الجمعياتُ مجلسًا إسلاميًّا يتولى تسويةَ الأوقاف ويُولي وَيعزل، ويتصرف بعيدًا من المؤثرات الحكومية أيضًا، ولا يستمد قوّته إلا من المؤتمر السنوي للجمعيات الدينية.
إن الأمة أصبحتْ لا تثق بشيء مما تمسه يد الحكومة من كل ما له علاقة بالدين، ولا سببَ لسوء الظن بالحكومة، وارتفاع الثقة بها إلا الحكومة نفسها، بسياستها الدينية المضطربة وتدخلها في ما لا يعنيها من شؤون الدين، وإصرارها على العناد في الحق، وتحدّيها لشعور الأمة؛ باختيارها من الحلول أبعدَها عن رضا الأمة، وفي الأخير بفرضها على الأمة طائفةً لا تبالي بمصلحة الأمة، كأن الأمة بعلمائها وعقلائها ودهمائها كلها سفيهة، ولا رشيد إلا هذه الفئة من المرتزقة الانتفاعيين.
في السنة الماضية قرأت الأمة منشورَ الوالي العام المؤرخ بيوم 22 مارس سنة 1946 وفي أوله ما ترجمته بالحرف: "إن فصل الدين عن الدولة حسب القانون الذي نفذ على الجزائر سنتي 1905 و 1907 لم يمكن إلى يومنا هذا تطبيقه بدقة، وأهم سبب لهذا هو أن المسلمين أنفسهم تباطأوا في أمر الجمعيات الدينية التي نص على وجوبها القانون، فهم لم يؤسسوا في الكثير من الجهات جمعيات دينية، ولم يعملوا عملًا منظمًا في الجمعيات التي وقع تأسيسها، إلخ".
(3/52)

قرأت الأمة هذا فعجبتْ كيف يتهَم المسلمون بأنهم السببُ في تأخر فصل الدين عن الحكومة مع أن ذلك القانونَ الذي ذكره المنشور قيّد في حينه بقيد من حديد، وهو قرار تفويض التصرف في المساجد إلى الوالي العام لمدة معينة، ثم ما زالت تتجدد.
وعجب المسلمون كيف يتهمون بالتراخي في تأسيس الجمعيات الدينية، وهم يرَوْن أن ما أسس منها بقيَ بلا عمل، حتى قتله الملل، لأن السيد "البريفي" (8) يولي ويعزل، ويتصرف بإرادته، بدون توقف على الجمعيات الدينية، فماذا تصنع هذه الجمعيات؛ إنها إذا أرادتْ أن تعملَ عملًا لا يرضي حاكمًا بسيطًا، خلق لها ضرّةً من جمعية أخرى، فإذا طالبتْ إحداهما بشيء قيلَ لها إنكما اثنتان فاتفقا، ومحالٌ أن تتفقا.
ثم قرأت الأمة في آخر المنشور أمرَ السلطات الحكومية بأن تدفع الناس إلى تأسيس الجمعيات الدينية، وأن يوقظوا الجمعيات النائمة، إلخ.
لماذا لم يوجهْ هذا الأمر إلى الأمة مباشرة، وتضمنُ لها الحريةُ التامةُ والأمان من تدخل الحكومة.
ثم قرأت الأمة صورةَ عقد رسمي وُزّع على جميع الإدارات ليُمضيه حاكم البلدة المسيحي ورئيس جمعيتها الدينية المسلم، وفيه العجب العجاب، من بواعث القلق والاضطراب.
ومنذ سنتين تقريبًا تأسست إدارة الإصلاحات، ولكنها إلى الآن لم تصلح شيئًا في دين ولا دنيا، وما زادت إلا أنها أقامت الدليلَ على أنها بنتُ إدارة الشؤون الأهلية، ورثتْ عن أمها كل خصائصها، ولم تخالفها إلا في الاسم.
وفي هذه السنة رأت الأمة أن أعوان الحكومة من أوربيين آمرين، وأهليين مؤتمرين، منهمكون جميعهم في تكوين جمعيات دينية في كثير من البلدان، فما معنى هذا؛ معناه واضح مكشوف عند الأمة وغايته معروفة.
لو جرى هذا وما أشبهه في مسألة من مسائل الدنيا، لفهمت الأمة أنه أسلوب من أساليب الحكومة الاستعمارية، تعذر فيه لأنها حكومة، ولكنه يجري في مسألة دينية، لا رأيَ فيها إلا لصاحب الحق وهو الأمة.
إن هذه الحيل أصبحت مكشوفة، وإنها شواهد على سوء النية، وإن الأمة أصبحت على بيّنة من هذه المهازل، فلا تنام عن حق ولا تسكت عنه، وإن الأمة الإسلامية الجزائرية لا ترضى ببقاء الحالة على ما هي عليه، ولا ترضى بشيء من هذه الحلول التي تدبر في الظلام، ولا يرضيها إلا فصل صريح، تعلنه الحكومة في وضوح، وتترك المجالَ الحر للأمة لتنظم جمعياتها وتؤلف مجلسها الديني بحرية، ثم تتقدم للمحاسبة والاستلام.
__________
8) البريفي: كلمة فرنسية معناها المحافظ- الوالي.
(3/53)

جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها *
- 1 -
لجمعية العلماء أعمال ومواقف؛ لها أعمال في الميدان الديني، لا يتطرق إليها التبديل والتغيير؛ لأن المرجع فيها إلى نصوص الدين من كتاب الله، وصحيح السنة وإجماع السلف.
ولها أعمال في ميدان التعليم العربي، لا يعتريها الفتور والتخاذل، ولا النكوص والتراجع؛ لأن الدافع إليها طبيعي وحيوي، والجمعية في هذين الميدانين إمام لا يقلد، وقائدٌ لا يستوحي، وحارسٌ لا يؤامر ولا يستشير.
ولها في الحياة السياسية والاجتماعية للأمة الجزائرية آراء محصتها التجربة، وأيدها المنطق؛ ومواقف لم تراع فيها إلا المصلحة المحققة أو الراجحة، ولم تبال في مواقفها بمن طار ولا بمن وقع؛ فالطائر قد تصدمه نواميس الخفة والثقل، فينقلب مضعضعًا أو مكسورًا، والواقع قد تزعجه الحوادث فيتحرك مختارًا أو مقهورًا.
ولجمعية العلماء أضداد في أعمالها، يقصرون جهودَهم على التنقيص منها، والزّراية بها؛ وخصومٌ في مواقفها، يلوون ألسنتهم بانتقادها واتهامها، ويُشيعون عليها قالة السوء والعيب؛ وأعداءٌ يقفون لها بالمرصاد في كلا الميدانين، فلا تعمل عملًا إلا تقوّلوا، ولا تقفُ موقفًا إلا تغوّلوا، وقد تجمع الغايةُ بين هؤلاء جميعًا، فيتكون منهم مزيج غريب، يجمعه قولك "أعداء العروبة والإسلام ". نسميهم بهذا على رغم أنوفهم، لأن أعمالهم وأقوالهم شاهدة عليهم بذلك.
__________
* نشرت في العدد 2 من جريدة «البصائر»، 1 أوت سنة 1947.
(3/54)

من أعداء الجمعية الاستعمار وأنصاره وصنائعه، يعادونها لأنها وقفت بينهم وبين الأمة سدًّا، وفضحت سرائرهم في ما يبيتون للإسلام والعربية من كيد.
ومن خصومها رجال الأحزاب السياسية من قومنا من أفراد وأحزاب، يضادونها كلما جروا مع الأهواء فلم توافقهم، وكلما أرادوا احتكار الزعامة في الأمة فلم تسمح لهم، وكلما طلبوا تأييد الجمعية لهم في الصغائر- كالانتخابات- فلم تستجب لهم، وكلما هاموا بالشعريات والخيالات، فردتهم إلى الحقائق، وكلما أرادوا تضليل الأمة وابتزاز أموالها فعارضتهم.
الواقع أن جمعية العلماء لم تزل في نزاع وصراع مع هؤلاء جميعًا، وأن محل هذا النزاع وهدف هذا الصراع هو الأمة الجزائرية، فالجمعية تريدُها أمةً عربيةً مسلمةً كما هو قسمها في القدر، وحظها في التاريخ، وحقها في الإرث، وحقيقتها في الواقع والمصطلح- تريدها كذلك، وتعمل لتحقيق ذلك؛ والاستعمار يريدها هيكلًا لا تترابط أجزاؤه، ولا تتماسك أعضاؤه، يوجه وجهه إلى الغرب، ويمكن في أفكاره لأهواء الغرب، وفي لسانه لرطانات الغرب؛ بل يريد الاستعمار أن يقتلع جذور هذه الأمة من تربة، ويغرسها في تربة، فتأتي مضعوفة هزيلة، لا من هذه ولا من هذه.
ورجال السياسة من قومنا يريدونها متبوَّأ لزعامتهم المزعومة، وسيادتهم الموهومة، فيعللونها بالأباطيل، ويروضونها على التصفيق والتهليل، ويسوسونها بطرقية سياسية، لا تختلف عن تلك الطرقية الدينية- التي حاربناها حتى قتلناها- في كثير ولا قليل.
...

هذه هي الحقيقة طال عليها الكتمان حتى شابتها شوائب من الباطل، وأحاطت بها شبهات من الظنون الخاطئة، ولو كان هذا التشويه للحقائق مقصورًا علينا، ودائرًا في المدار الضيق من مجتمعاتنا، لهان الأمر؛ ولكن رياح الإعلان حملته إلى ما وراء الحدود، وأوصلته إلى إخوان لنا يسوءنا أن يفهمونا على غير حقيقتنا، وأوترتها في آذان يسوءنا أن تسمع عنا غير الحق، ويسوءنا بعد ذلك كله أن يبنى تاريخ نهضة الجزائر بغير أحجاره.
إن جمعية العلماء لا يخرجها عن وقارها لغو اللاغين، فتجاريهم في الدعوى والإعلان، ولكنها تفخر بأعمالها ومواقفها ولا تقول إلا حقًّا.
وإن «البصائر» بعد هذا السكوت الطويل يسرها أن تسجل للجمعية غرر أعمالها للإسلام والعروبة والجزائر، ومواقفها المشرفة لها ولهذه الثلاثة.
(3/55)

عملها في توجيه الأمة:
لا تستطيع هيئة من الهيئات العاملة لخير الجزائر أن تتعلق بغبار جمعية العلماء في هذا المضمار، أو تدعي أن لها يدًا مثل يدها في توجيه الأمة الجزائرية للصالحات، وتربيتها التربية العقلية والروحية المثمرة، ورياضتها على الفضيلة الشرقية الإسلامية، وتصحيح نظرتها للحياة، ووزنها للرجال، وتقديرها للأعمال.
كل ذلك من اختصاصات جمعية العلماء، وكل ما تم منه فهو من صنع يدها، لا فضل فيه لأحد سواها، وأوّل يد بيضاء لها في هذا الباب تحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا، وتحرير النفوس من تأليه الأهواء والرجال، وإن تحرير العقول لأساسٌ لتحرير الأبدان، وأصْلٌ له، ومحال أن يتحرّر بدَنٌ يحمل عقلًا عبدًا.
إن هذا النوع من التحرير لا يقوم به، ولا يقوَى عليه، إلا العلماء الربانيون المصلحون، فهو أثر طبيعي للإصلاح الديني الذي اضطلعت بحمله جمعية العلماء، عرف ذلك من عرَفه لها إنصافًا، وأنكره من أنكره عنادًا وحسدًا. فما زادها اعتراف المعترف إلا نشاطًا، وما زادها جحودُ الجاحد إلا حزمًا وثباتًا.
بذلك التحرير العقلي الذي أساسه توحيدُ الله، تمكنت الجمعية من توحيد الميول المختلفة، والمشارب المتباينة. والنزعات المتضاربة.
وبذلك التحرير أيقظت في الأمة قوة التمييز بين الصالح من الرجال والصحيح من المبادئ، وبين الطالح والزائف منهما.
وبذلك التحرير أراحت الأمة من أصنام كانت تتعبدها باسم الدين أو باسم السياسة. وبذلك التحرير زرعت البذرة الأولى لما يسمى الرأي العام في الجزائر، وتكوُّن الرأي العام بمعناه الصحيح هو بلوغ الرشد بالنسبة إلى الجماعات.
إن الأمة الجزائرية، كغيرها من الأمم الإسلامية، ما سقطت في هذه الهوّة السحيقة من الانحطاط إلا حين فقدت القيادة الرشيدة في الدين، تلك القيادة التي هي قبس من شعلة الوحي، وشعبة من قوة النبوّة، والتي تنبثق عنها جماعات المسلمين، حينما يضرب الفساد والنخر في أصول مجتمعهم.
فإذا وجدت الأمة هذه القيادة التي لا يسفهُ في يدها زمام، ولا تضطرب مقادة، وجدت نفسها، ومن وجد نفسه وجد الحقيقة.
(3/56)

عملها للعروبة:
ها هنا معاقد الفخار لجمعية العلماء، وها هنا معارج الصعود إلى التي لا فوقها، وها هنا تنمحي الغضاضة من المدح، فيكون تقريرًا من الحقيقة لنفسها، لا مدحًا من مادح؛ وإذا ملأت جمعية العلماء ماضيها فخرًا، وهزَّت أعطافها تيهًا، فلا حرج في ذلك.
دع الطنطنة لعشاق المظاهر والتهاويل، ودع الأصداء الفارغة تجب نفسها، ودع الدعوى للمتشبعين بما ليس فيهم، وهات الحقيقة التي لا تدحض، والحجة التي لا تنقض.
إن العروبة جذم بشري من أرسخها عرقًا، وأطيبها عذقًا، عرفه التاريخ باديًا وحاضرًا، وعرف فيه الحكمة والنبوّة، وعرفته الفطرة لأول عهودها فتبنَّتْهُ صغيرًا وحالفته كبيرًا.
وإن العربية هي لسان العروبة، الناطق بأمجادها، الناشر لمفاخرها وحكمها؛ فكل مدع للعروبة فشاهده لسانه، وكل معتز بالعروبة فهو ذليل، إلا أن تمده هذه المضغة اللينةُ بالنصر والتأييد، فلينظر أدعياء العروبة، الذين لا يديرون ألسنتهم على بيانها، ولا يديرون أفكارهم على حكمتها، في أي منزلة يضعون أنفسهم.
إن الشعب الجزائري فرع باسق من تلك الدوحة الفينانة وزهرة عبقة من تلك الروضة الغناء، عَدَت عليه عوادي الدهر، فنسي مجد العروبة، ولكنه لم ينس أبوتها، وابتلاه الاستعمار- عن قصد- بالبلبلة، فانحرفت فيه الحروف عن مخارجها إلا الضاد؛ ولم يبق من العروبة مع هذا وذاك إلا سماتٌ وشمائل، ولا من العربية إلا آيات ومخائل. وجاءت جمعية العلماء، على عبوس من الدهر، وتنكر من الأقوياء، فنفخت من روح العروبة في تلك الأنساب، فإذا هي صريحة، وسكبت من سر البيان العربي في تلك الألسنة، فإذا هي فصيحة، وأجالت الأقلام في كشف تلك الكنوز فإذا هي ناصعةٌ بيضاء لم يزدها تقادم الزمان إلا جدة.
جمعية العلماء هي التي حققت للجزائري نسبه العربي الصريح، بريئًا من شوائب الإقراف والهجنة، وأحيت في نفسه شعور الاعتزاز بنفسه، وفي لسانه شعور الكرامة للغته، وفي ضميره شعور الارتباط بين المقومات الثلاثة: الجنس واللغة والوطن، يمدّها الشرق بسناه، ويغذّيها الإسلام بروحانيته.
وجمعية العلماء هي التي أثبتت للاستعمار أن الدماء البربرية التي مازجت الدم العربي أصبحت عربية بحكم الإسلام، وبحكم العمومة والخؤولة الممتدتين في سلسلة من الزمن، ذرعها ثلاثة عشر قرنًا، مزاجٌ فطري، أحكمت القدرة تداخل أجزائه، والتحامٌ نسبي وصل التاريخ أطرافه مرتين ..
(3/57)

كأن الجزيرة العربية أم رؤوم لهذا الشمال، تعدّه فلذةً من كبدها، فهي تعطف عليه وتحن إليه، وتجعل منه مراوح لِقَيْظها، وضفافًا لفيضها، حنت إليه في حقبة غابرة من التاريخ، فرمته بقبائل يمانين، من بنيها الميامين، ينقلون إليه الدماء والخصائص، والمكارم والمفاخر، وحنت إليه بعد الإسلام، فأوفدت إليه الغر البهاليل من أصحاب محمد، يحملون الرحمة والسلام والبيان، ويفتحون الأذهان والعقول والأفكار؛ وما كانت غارة هلال بن عامر في المائة الخامسة للهجرة- على ما فيها من الهنات- إلا تلقيحًا لتلك الدماء التي أثَّرت فيها مؤثرات الهواء والتربة، وطول الثواء والغربة، وعمل فيها تداول الأمم الفاتحة، وتعاقبُ الدِّلاء الماتحة.
هذا بعض ما قدمته جمعية العلماء للعروبة من صنائع لهذا الوطن، تفخر به من غير منّ، وتجود به من غير ضنّ، ولولا الحياءُ لقالت أكثر من ذلك، ولَتَحَدَّتْ كل العاملين في الشرق العربي لرفعة العربية وإعلاء شأنها بين اللغات، بأنها عملت لها أكثر مما عملوا، عملوا لها وهم أحرار آمنون، في بلد لسانه وجنسه عربيان وحاكمه ومحكومه عربيَّان، وعملنا لها تحت زمجرة الاستعمار ودمدمة أنصاره، وأنقذناها من بين أنيابه وأظفاره.
رفعنا منارها في وطن لم يبقِ الاستعمار من عروبته إلا "اسم الجنس"، يضربه مثلًا للدناءة والخسة وللجهل والانحطاط، ولم يبق من عربيته إلا "اسم الفعل" يجعله رمزًا للبذاءة والسباب والشتم.
وفي أمة أشاع الاستعمار في جوانبها جاهليةً بلا مكارم، وأميةً بلا شعر، وفي جيل مخضرم مفتون، أعرضهم في العروبة دعوى هو أكبرُهم عقوقًا للعربية، وأشدّهم بالقومية تبجحًا هو أشدّهم نكايةً فيها، ومقاومةً لتعليمها ونشرها.
(3/58)

جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها

موقفها من السياسة والساسة *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 2 -
للسياسة في جميع بلاد الله وعند جميع خلقه معنىً محدودٌ قارٌّ في حيزه من الإدراك، إلا في هذا البلد وعند حكومته الاستعمارية وساسته المقلدين، فإن معناها غير
محدود ولا مستقرّ، يتسع إلى أقصى حدود الاتساع، فيحمل ما قارب وما باعد، وما جانس وما خالف، وما اطّرد وما شذَّ، ويضيق إلى أقصى حدود الضيق، فتلتوي مسالكه، وتنسدّ مجاريه، وتتهافتُ أقيسته، ولا يتبين فيه مورد من مصدر، كل ذلك بالتبع لأهواء الاستعمار المتباينة، وأهويته المتناوحة، والاستعمار كله رجسٌ من عمل الشيطان، فغيرُ غريب أن يكون من خصائصه تغيير الأوضاع والمعاني، ليصحح لنفسه الألوهيّة المزوّرة ولو إلى حين.
على أن معنى السياسة عندنا- في تردده بين طرفي السعة والضيق- يتسفّل دائمًا ولا يعلو، ويتبذل أبدًا ولا يسمو، ويوشك هذا اللفظ بسوء تصريف الاستعمار له أن يصبح بلا معنى كالألفاظ المهملة، وكما جازف الاستعمارُ قبل اليوم بكلمة "عدو فرنسا" يرمي بها قي غير هدف، ويسم بها كل مَن هبّ ودبّ، فكان من آثار ذلك أن نبه الناس إلى عداوة فرنسا، وفتح لهم بما يردّد من لفظها، وبما يُبدع من أسبابها، أبوابًا وطرائق، كذلك جازف بكلمة السياسة، يرمي بها حتى المصلين والحجاج، فكان من آثار ذلك أن غمرت الناس هذه الموجة المكتسحة من السياسة، ولا يجني الظالم إلا على نفسه، وإذا أراد الله بأمة خيرًا جعل يقظتها على أيدي أعدائها.
أما إن السياسة تكون خيرًا لأقوام، وشرًّا لآخرين، وتكون عقود حلية كما تكون عُقَدَ خنق، فهذا ما قرأناه في قاموس الاستعمار وعلمناه من مذاهبه، وهو- على علاته- مقبول،
__________
* نشرت في العدد 3 من جريدة «البصائر»، 8 أوت سنة 1947.
(3/59)

إذا كان للسياسة معناها المعقول، ولكن السخافة كلها في هذا التبذّل الذي أصبحت معه كلمة السياسة كلفظ "البعبع"- هذا يخوف به الصغار، ولا حقيقة له، وتلك يخوَّف بها الكبار، ولا معنى لها؛ وما جاء هذا البلاء إلا من الوضعية الشاذة التي بني عليها نظام الحكم الاستعماري على المسلمين في الجزائر- حكومةٌ "لائكية" في الظاهر، مسيحية في الواقع، جمهوريةٌ على الورق، فردية في الحقيقة؛ تجمع يديها على دين المسلمين ودنياهم، وتتدخل حتى في كيفية دفن موتاهم؛ وما دامت هذه السيادة سائدة، وما دامت العنصرية موجودة، فإن هذه اللفظة (لفظة السياسة) تبقى ذليلةً مهينة، مجردةً من جلالها وسُموها، نجدها في باب الإجرام والاتهام، أكثر مما نجدها في باب الإكبار والاحترام.
إن أعلى معاني السياسة عند الحاكمين هو تدبير الممالك بالقانون والنظام، وحياطة الشعوب بالإنصاف والإحسان، فإذا نزلوا بها صارت إلى معنى التحيل على الضعيف ليؤكل، وقتل مقوّماته ليهضم، والكيد للمستيقظ حتى ينام، والهدهدة للنائم حتى لا يستيقظ.
وهذا المعنى الأخير هو الذي جرى عليه الاستعمار، ووضعه في قواميسه، وأقرّه في موضعه من نفوس رجاله ودُعاته؛ بحيث إذا أطلق بينهم لفظ السياسة لا يفهمون منه إلا هذا؛ وتراهم يحرّمون على الشعوب الخاضعة لهم- الخوض في هذا المعنى السافل، لئلا يجرّهم إلى الخوض في المعنى العالي، وتراهم يهيئون لتلك الشعوب من قشور ذلك المعنى وفتاته تعلات يلهونهم بها إذا بلغ بهم التبرم حده، ومن هذه التعلات الانتخابات الناقصة التي فتح الاستعمار للجزائريين كوّةً منها، فلم تدخل عليهم إلا الشر وضياع الأموال وتمزيق الوحدة.
هذا معنى السياسة عند الحاكمين، عاليًا ونازلًا، أما عند المحكومين فأعلى معانيها إحياءُ المقومات التي ماتت أو ضعفت أو تراخت، من دين ولغة وجنس وأخلاق وتاريخ وتقاليد، وتصحيحُ قواعدها في النفوس، ثم المطالبةُ بالحقوق الضائعة في منطق وإيمان، ثم الإصرارُ على المطالبة في قوة وشدة، ثم التصلبُ في الإصرار في استماتة وتضحية، مع اختيار الفرص الملائمة لكل حالة؛ درجاتٌ بعضها فوق بعض؛ فإذا نزلوا بها صارت إلى هذا التحاسد على الرياسة، وهذا التهافت على كراسي النيابة، وهذه المناقشات الفارغة في القشور، وهذا الجدل الشاتم السباب، وهذا الافتتان المزري بالأشخاص، وكل ذلك نراه على أقبح صوره في المجتمع الجزائري، في حين أن ذلك كله ليس من مصلحة الأمة الجزائرية، ولا في فائدة قضيتها، بل هو كله في مصلحة الاستعمار.
إن هذه السفاسفَ لم تبنَ على مقاصدَ صحيحة، فلم تأت بنتائج صحيحة، ولم تنشأ عن إيمان راسخ، فلم تظهر لها ثمرةٌ ناضجة، ولما بليت السرائر تبين أن سياسيينا كلهم
(3/60)

يتسابقون إلى غاية واحدة، هي كراسي النيابات وما يتبعها من الألقاب والمرتبات، وإذا كل شيء مبدأُه السياسة فنهايته التجارة؛ والأعمال بخواتمها.
هذه هي السياسة في الجزائر بين الحاكم والمحكوم؛ يجعلها الأولُ أداة مساومة، وفخ اقتناص للمذبذبين، وسلاح ترهيب وتخويف للمخلصين، ويجعلها الثاني وسيلة جاه، وذريعة تضليل للأمة، وقد بلوناها، وخبرناها، وحاولنا إصلاحها في رجال السياسة منا، إشفاقًا على هذه الأمة الصالحة، فبحت الأصوات، وأَكْدَت الوسائل، فلا يقولن قائل فيها وفينا غير هذا فأهل مكة أدرى بشعابها.
أما جمعية العلماء فليست من أولئك ولا من هؤلاء، ولكنها- بطبيعة الحال وبمكانتها من الأمة- متهمة من أولئك وهؤلاء.
يقول عنها الاستعمار في معرض التبرم بها والتسخط عليها: إنها جمعية سياسية في ثوب ديني، وإنها تستر القومية بستار الدين، وتخفي الوطنية بخفاء (1) العلم والعربية؛ ويتنطع في بعض نوباته العصبية فيقول عنها: إنها تخدم سياسةً أجنبية، ويجاري الطبيعة أحيانًا فيقول: إنها تعمل للجامعة العربية أو الإسلامية، ويلبس مسوح الرهبان تارةً أخرى فيشوب التهديد بالوعظ، ويقول لنا: إن جلال العلم لا يتفق مع أوساخ السياسة، وتغلب عليه طباع السوء فيقذف بأعضاء الجمعية في السجون، ويُلقي بهم في المعتقلات مع المجرمين.
ويقول عنها ساسة الانتخاب منا والمسحورون بكراسي النيابات، أقوالًا تختلف باختلاف أهوائهم فيها، وتباين مبادئهم ومبادئها، فيقول الموتورون في الانتخاب: إنها نصرت فريقًا على فريق، ويحملهم الغلوّ في الحزبية على القول بأنها رجحت مبدأ على مبدإ.
ويقول آخرون قطعت الطريق بينهم وبين الأمة: إنها تدخلت في السياسة وما ينبغي لها، لأنها لا تحسن السياسة ولا تنطقُ بلسانها؛ لسان السياسة أعجميٌ، ولسانها عربيّ مبين ...
آراء وأقاويلُ لا يراد بها وجه الحق، ولا مصلحة الوطن، وإنما يراد بها إرضاء النزعات الحزبية المبنية على التحاسد في ما لا يتحاسد عليه العقلاء.
ثم يلتقي هؤلاء جميعًا مع الاستعمار في نقطة اتصال، تلجئهم إليها الضرورة إلجاء، حتى يصير المختار فيها كالمكره؛ وهي حرب الجمعية، لا لأنها سياسية، ولا لأنها تدخلت في السياسة، بل لأنها أثبتت للعروبة حقها في هذا الوطن، وأثبتت للعربية حظها في ألسنة بنيه، وأثبتت للإسلام سلطانه على مهجهم وأرواحهم.
__________
1) الخفاء بالكسر: الستر الذي يخفي.
(3/61)

وجمعية العلماء تقول لهؤلاء مجتمعين:
تجمعتم من كل أَوْبٍ وبَلْدَةٍ … على واحد، لا زلتمُ قِرنَ واحد
ثم تقول لكل فريق على انفراد ما يلجم فاه، وإن لم يردعه عن هواه، تقول للاستعمار: إنه لا يصدُقك جلية الجمعية إلا الجمعية، لأن دينها يأبى عليها الكذب والرياء والنفاق، وهي الأقانيم الثلاثة التي يقوم عليها الاستعمار.
إن جمعية العلماء أشرف من أن تعمل لغير مبدئها، أو تسخر مواهبها في خدمة الغير كائنًا من كان، ولو كانت فاعلة للانت لترغيبك وترهيبك.
(يا حضرة الاستعمار) إن جمعية العلماء تعمل للإسلام بإصلاح عقائده، وتفهيم حقائقه، وإحياء آدابه وتاريخه، وتطالبك بتسليم مساجده وأوقافه إلى أهلهما.
وتطالبك باستقلال قضائه.
وتسمي عدوانك على الإسلام ولسانه ومعابده وقضائه، عدوانًا بصريح اللفظ. وتطالبك بحرية التعليم العربي.
وتدافع عن الذاتية الجزائرية التي هي عبارة عن العروبة والإسلام مجتمعين في وطن.
وتعمل لإحياء اللغة العربية وآدابها وتاريخها، في موطن عربي وبين قوم من العرب.
وتعمل لتوحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا.
وتعمل لتمكين أخوّة الإسلام العامة بين المسلمين كلهم.
وتذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم وسيَر أعلامهم وأمجاد تاريخهم.
وتعمل لتقوية رابطة العروبة بين العربي والعربي، لأن ذلك طريق إلى خدمة اللغة والأدب.
فإذا كانت هذه الأعمال تعدّ- في فهمك ونظرك- سياسة، فنحن سياسيون في العلانية لا في السر، وبالصراحة لا بالجمجمة.
إننا نعد كل هذا دينًا على الحقيقة لا على التوسع والتخيل، ونعدّه من واجبات الإسلام التي لا نخرج من عهدتها إلا بأدائها على وجهها الصحيح الكامل.
ولتعلم أننا نفهم الإسلام على حقيقته، وأننا لا نستنزل عن ذلك الفهم برقية راق، ولا بتهديد مهدِّد، ولتعلم سلفًا، ولتسلم منطقيًّا وواقعيًّا أننا حين تختلف الأنظار بينك وبين
(3/62)

الإسلام، فنحن مع الإسلام، لأننا مسلمون، ولتعلم أن تلك الأعمال تقزيدنا مع جلال العلم جلال العمل.
لتعلم أنه ما دام الإسلامُ عقيدةً وشعائر، وقرآنًا، وحديثًا، وقبلة واحدة، فالمسلمون كلهم أمة واحدة، وما دامت اللغة العربية لسانًا وبيانًا وترجمانًا فالعرب كلهم أمة واحدة؛ كل ذلك كما أراد القدر المقدور، والطبيعة المطبوعة، والأعراق المتواصلة، والأرحام المتشابكة، فلا "إسلام جزائري" (2) كما تريد، ولا عنصرية بربرية كما تشاء.
ولتعلم- آخر ما تعلم- أن زمنًا كنتَ تسلط فيه المسلم على المسلم ليقتله في سبيلك، قد انقضى وأنه لا يعود ...
ولكن ما قولك- أيها الاستعمار- في تدخلك في ديننا، وابتلاعك لأوقافنا، واحتكارك للتصرف في وظائف ديننا، وتحكمك في شعائرنا، وتسلطك على قضائنا، وامتهانك للغتنا؛ ما قولك في كل ذلك، أهو من الدين أم من السياسة؟
وكيف تبيح لنفسك التدخل فيما لا يعنيك من شؤون ديننا، ثم تحرم علينا الدخول فيما يعنينا من شؤون دنيانا؟
وهبنا وإياك فريقين، فريق أخضع الدين للسياسة ظالمًا، وفريق أدخل السياسة في الدين متظلمًا، فهل يستويان؟ إننا إذا حاكمناك إلى الحق غلبناك، وإذا حاكمتنا إلى القوة غلبتنا؛ ولكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق لا للقوة.
__________
2) الإسلام الجزائري هو غاية كان يعمل لها الاستعمار بجميع الوسائل ليفصل على مر الزمن بين مسلمي الجزائر وبين بقية المسلمين، ولكن الله خيبه.
(3/63)

جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها *
- 3 -
ثم نقول لبعض إخواننا وساستنا الذين يناوئون جمعية العلماء، وهي مادّة قوتهم، وعماد أعمالهم، وأصل فروعهم، ومجمع غاياتهم التي يعملون لها إن كانوا صادقين، نقول لهم على اختلاف نزَعاتهم من أفراد وجماعات: إن السياسة لباب وقشور، وإن حظ الكثير منكم- مع الأسف والمعذرة- القشورُ دون اللباب.
أما لباب السياسة بمعناها العام عند جميع العقلاء فهو عبارة واحدة: إيجاد الأمة، ولا توجد الأمة إلا بتثبيت مقوّماتها من جنس، ولغة، ودين، وتقاليدَ صحيحة، وعادات صالحة، وفضائلَ جنسية أصيلة، وبتصحيح عقيدتها وإيمانها بالحياة، وبتربيتها على الاعتداد بنفسها، والاعتزاز بقوّتها المعنوية، والمغالاة بقيمتها وبميراثها، وبالإمعان في ذلك كله حتى يكون لها عقيدةً راسخة تناضل عنها، وتستميت في سبيلها، وترَى أنّ وجود تلك المقومات شرط لوجودها، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض عليها من مجموع تلك الحالات إلهام لا يغالب ولا يردّ، بأن تلك المقوّمات متى اجتمعت تلاقحت، ومتى تلاقحت ولدَت " وطنًا".
فاسمحوا لنا حين نفتخر بأن هذا اللُّبابَ من حظ جمعية العلماء، له عملت، وفي ميدانه سابقت فسبقت، وفي سبيله لقيت الأذى والكيد والاتهام، وفي معناه اصطدم فهمها بفهم الاستعمار، هي تفهمه دينًا، وهو يفهمه سياسة، اسمحوا لنا حين نعتقد أن حظ بعضكم من هذا اللباب صفر في صفر، فإن لوَوْا ألسنتهم بشيء من ذلك كذبتهم أعمالهم، وصدمهم الواقع، وإذا حاولوا شيئًا من ذلك شفّ ثوبُ التصنع عما تحته فافتضحوا.
إن جمعية العلماء تبني المقوّمات التي لا تكون الأمة أمةً إلا بها، ولا تكون وحدةً متماسكة الأجزاء إلا بالمحافظة عليها، فواجب على كل سياسي مخلص أن
__________
* نشرت في العدد 4 من جريدة «البصائر»، 29 أوت سنة 1947.
(3/64)

يعينها على ذلك، وينشطها، ويعرف لها أعمالها، لا أن يخذلها ويئبطها ويبسط لسانه بالسوء فيها.
وان الاستعمار ما عكف على هدم تلك المقوّمات قرنًا كاملًا إلا لأنه كان يعلم أن سيأتي يوم يصيح فيه صائح بكلمة "حقي"، فقدّرَ لذلك اليوم، ولذلك الصائح، أنهما لا يأتيان، حتى لا تكون هذه الأمة في موضعها من الأرض لأنها أضاعته، ولا في موضعها من التاريخ لأنها نسيته؛ ولعمري إذا لم توجد الأمة فما صياحُ الصائحين إلا نفخ في رماد.
إن جمعية العلماء تعمل لسياسة التربية لأنها الأصل، وبعض ساستنا- مع الأسف- يعملون لتربية السياسة، ولا يعلمون أنها فرع لا يقوم إلا على أصله؛ وأيُّ عاقل لا يدرك أن الأصول مقدَّمةٌ على الفروع، وإن الاستعمار لأفقه وأقوى زكانة، وأصدقُ حدْسًا، من هؤلاء حين يسمي أعمالَ جمعية العلماء سياسة، وما هي بالسياسة في معناها المعروف ولا قريبة منه، ولكنه يسميها كذلك لأنه يعرف نتائجها وآثارها، وأنها اللُّباب وغيرها القشور؛ ويعرف أنها إيجاد لما أعدَم، وبناء لما هدَم، وزرعٌ لما قلع، وتجديد لما أتلف، وفي كلمة واحدة، هي تحد صارخ لأسلوبه، وما خدعناه في ذلك- والله- ولا ضلّلناه، وإنها لنقطة اصطدام على الحقيقة بين نظر الجمعية وبين نظر الاستعمار؛ فلا الإسلام يسمح لنا أن نعمل غير ما عملناه، ولا الاستعمار يرضى عن ذلك العمل، وقد أجبناه وانتهينا، ومضَينا وما انثنينا.
أَيُريد هؤلاء أن يبنوا الفروع على غير أصولها، فيبوءوا بضياع الأصل والفرع معًا؟ أم يريدون أن يجعلوا الفروع سلمًا للأصول، على طريقة أبي دلامة (1)، فيبوءوا باختلال المنطق وفساد القياس؟!
إننا نعدّ ضعف النتائج من أعمال الأحزاب في هذا الشرق العربي كله آتيًا من غفلتهم أو تغافلهم عن هذه الأصول، ومن إهمالهم لتربية الجماهير وتصحيح مقوّماتها، حتى تصبحَ أمةً وقوةً ورَأيًا عامًّا وما شاء الحق؛ ومن ترويضهم إياها على لفظ الحق قبل اعتقاد استحقاقه، وعلى لفظ الخصم قبل إحضار الحجة، وعلى لفظ العدو قبل أخذ الحيطة؛ ومن اغترارهم بالظواهر قبل سبْر البواطن، وبالسطحيات قبل وزن الجوهريات، وبالأقوال قبل أن تشهد الأفعال، ففي الوقت الذي كان فيه جمال الدين الأفغاني يضع أساس الوطنية الإسلامية على صخرة الإسلام الصحيح، ويهيب بالمسلمين أن ينفضوا أيديهم من ملوكهم ورؤسائهم وفقهائهم، لأنهم أصل بلائهم وشقائهم، وفي الوقت الذي كان محمد عبده يطيل ذلك البناء ويعليه كان مصطفى كامل- على إخلاصه لدينه ووطنه- يوجه الأمة المصرية إلى مقام
__________
1) حكايته مع بعض الخلفاء مشهورة حين حكمه في الجائزة فاقترح كلب صيد ثم ترقى منه إلى طلب خادم وزوجة تطبخ الصيد ودار تؤوي الجميع، إلخ.
(3/65)

الخلافة العظمى المتداعي، ويخيف الاستعمارَ بشبح لا يخيف، ثم جرَت الأحزابُ المصرية إلى الآن على ذلك المنهج: إهمال شنيع لتربية الأمة وتقوية مقوماتها، وتطاحنٌ أشنع على الرياسة والحكم، وترديدٌ لكلمة الوطنية دون تثبيت لدعائمها، وتغن بمصالح الوطن وهي ضائعة، وترام بالتهم، والجريمةُ عالقة بالجميع، وتقديسٌ للأشخاص، والمبادئ مهدورة، والاستعمار من وراء الجميع يضحك ملءَ شدقيه، وينام ملءَ عينيه.
ليت شعري: إذا كان من خصائص الاستعمار أنه يمحق المقوِّمات ويميتها، ثم يكون من خصائص أغلب الأحزاب أنها تهملها ولا تلتفت إليها، فهل يلام العقلاء إذا حكموا بأن هذه الأحزابَ شر على الشرق من الاستعمار، لأن الاستعمار يأتيه من حيث يحذَر، والحذر- دائمًا- يقظ، أما هذه الأحزاب فإنها تأتيه من حيث يأمن، والآمن أبدًا نائم، فإذا انضم إلى هذا الداء المستشري خلاف الأحزاب ومنازعاتها، كانت النتيجة الطبيعية ما نرى وما نسمع، وقد أصبح هذا الشرق في تعدّد أحزابه السياسية كعهده في الخلافة العباسية يوم كان كل خلاف جدليّ في لفظة يسفر عن فرقة أو فرق، وكل مجلس مناظرة بين فريفين ينفضّ عن ثالث ورابع، ونراهم يقولون: إن كثرة الأحزاب في أمة عنوان يقظتها وانتباهها، وضمانُ وصولها إلى حقها، ولكننا لم نرَ من تعدد الأحزاب إلا نقصًا في القوة، ونقضًا للوحدة، وتنفيسًا على الخصم، واشتغالًا من بعضهم ببعضهم؛ وتعالتْ كلمة القرآن، فإنه لا يكاد يذكر الأحزابَ بلفظ الجمع إلا في مقام الخلاف والهزيمة {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ}، ولا يكاد يذكر الحزب بلفظ المفرد إلا في مقام الخير والفلاح {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وإن حزبَ الله في الأمة الجزائرية هو جمعية العلماء، وانها لمفلحة لا محالة.
إن من الغفلة والبله أن نقيس أحزابنا بالأحزاب الأوروبية، فإن تلك الأحزابَ ظهرتْ في أمم استكملتْ تربيتها وصححتْ مقوماتها، بدعوة دعاة جمعوا الكلمة، وعلماءَ أحيوا اللغة، ومعلمين راضوا الأجيال على ذلك، وأينَ نحن وأحزابنا من ذلك؟
يا إخواننا- خطاب عطف وتشريف- لسنا والله نبغضكم، فما أنتم إلا جزء منا، ولسنا والله نحتقركم فما أنتم إلا رأس مال هذه الأمة الفقيرة، ولسنا والله نتهمكم بممالأة الاستعمار فأنتم عندنا أجلّ من ذلك، ولكننا نعدّ مقاومةَ المقاومين منكم لجمعية العلماء ناشئةً عن بعدهم عن التربية الإسلامية والثقافة العربية، ونجد في كل عيب من عيوبهم أثرًا بارزًا من آثار الاستعمار في تربيتهم.
إن أقبح ما في أساليبكم أنكم تقسرون المبادئ على الخضوع للشخصيات في أمة حديثة عهد بعبادة الأشخاص، فتعرضونهما معًا للضياع، وأن أسوأ أعمالكم احتقاركم للسواد الأعظم من الأمة- وهي أمتكم- فلا تفكرون في إعدادها، ولا في درجة استعدادها، ولا
(3/66)

تلتفتون إلى تصحيح الأسس فيها، ولا تعبأون بدينها ولا بلغتها، ولا تظهرون بالمظاهر التي تقربكم منها، ولا تنيرون أمامها السبلَ ببرامجَ واضحة ومبادئ معقولة، ولا تشركونها في رأي ولا مشورة، ولا تتصلون بها إلا حين ينعق غراب الانتخاب.
إن منكم من يحتقر لغةَ الأمة فلا يقيم لها وزنًا، وفيكم من يحتقر دينها فلا يقرأ له حسابًا، وفيكم من يحتقر بناتها فلا يتزوج منهن، وفيكم من يأنف من خؤولتها لأبنائه فيختار لهم أخوالًا غرباء، وإن بعض ذلك لقدْح محسوس في أمتكم الحاضرة، وإن بعضه لسم مدسوس في أعراق أمتكم المقبلة؛ فيا ويحكم هل هذا كله إلا من آثار الاستعمار في نفوسكم، شعرتم أم لم تشعروا؟
يا إخواننا! إنكم أحرجتمونا بأعمالكم وأقوالكم وأحوالكم، فأخرجتمونا من مقام التلطف في النصيحة إلى مقام الإيجاع في التنديد؛ وأردتم أن تثلموا سيفًا من سيوف الحق، فلا تلوموه إذا خشن متنه وآلم جرحه، فتجرّعوا هذه النصائح على مرارتها في لهواتكم، فما نحن- بمكاننا في الدين- أقل من أن ننصح، ولا أنتم- بمكانتكم في أنفسكم- أجل من أن تنتصحوا.
يا إخواننا! إن الدعوى والزعم وسفاسف الأقوال وتوافه الأعمال وتصغير الكبائر وتكبير الصغائر، كلّ ذلك مما لا تقوم عليه عقيدةٌ سياسية ولا تربيةٌ وطنية.
إننا لو جمعنا كل آرائكم في السياسة، وفرضنا تحقيقها لما أفادت الأمة شيئًا وهي بهذه الحالة من التربية فكيف وأنتم متباينون؛ وكيف وأنتم مع الخلاف يكفر بعضُكم ببعض، ويلعنُ بعضُكم بعضًا؟
إن وراء السياسة شيئًا اسمه الكياسة، وهي خلق ضروري للسياسي، وإن السياسي الذي يحترم نفسه، يحترم غيره مهما خالفه في الرأي، ومهما كان الخلاف جوهريًّا، فإذا لزم النقد، فلا يكون الباعث عليه الحقد، وليكن موجهًا إلى الآراء بالتمحيص، لا إلى الأشخاص بالتنقيص.
إننا لا نتصور كيف يخدم السياسي أمته بتقطيع أوصالها، وشتم رجالها، وتسفيه كل رأي إلا رأيه، ولا نتصوّر أن مما تخدم به الأمة هذه الدروس (العالية) في أساليب السبّ التي يلقنها بعض الأحزاب لطائفة من شباب الأمة في (معاهد) المقاهي والأزقة؛ إن تضرية الشبان على الشتم والسباب جريمة لا تغتفر ...
إن شباب الأمة هو الدم الجديد في حياتها؛ فمن الواجب أن يصان هذا الدم عن أخلاط الفساد؛ ومن الواجب أن يتمثَّل فيهم الطهر والفضيلة والخير، ومن الواجب أن تربى ألسنتهم على الصدق وقول الحق، لا على البذاء وعورات الكلام.
(3/67)

يا قومنا! إننا نخشى أن تفسدوا على الأمة (بهذه الدروس) جيلًا كاملًا كنا نجهد أنفسنا في تربيته على طهارة الإسلام، وهمم العرب، ومجد العروبة، والإيمان بحقوق الوطن، والعمل على تحقيق استقلاله وحرّيته، ونبنيه طبقًا عن طبق، ونعلي أخلاقه خلقًا عن خلق، نخشى أن تضيّعوا على الأمة هذا الجيل، وتفسدوا مواهبه، وتلهوه بالمناقشات الحزبية عن الحقائق القومية.
نخشى ذلك ... ونخشى أكثر منه على هذه الطائفة المقبلة على العلم المنكبّة على تحصيله ... هذه الطلائع التي هي آمال الأمة، ومناطُ رجائها، والتي لا تحقّق رجاءَ الأمة إلا إذا انقطعت إلى العلم وتخصّصت في فروعه، ثم زحفت إلى ميادين العمل مستكملة الأدوات تامة التسلّح، تتولى القيادة بإرشاد العلم، وتحسن الإدارة بنظام العلم، فتثأر لأمّتها من الجهل بالمعرفة، ومن الفقر بالغنى، ومن الضعف بالقوة، ومن العبودية بالتحرير، وتكتسح من ميدان الدين بقايا الدجالين، ومن ميدان السياسة والنيابة بقايا السماسرة والمتّجرين، ومن أفق الرياسة بقايا المشعوذين والأميين.
هذه الطائفة الطاهرة، الطائفة بمناسك العلم، قد ألهبتم في أطرافها الحريق بسوء تصرفكم، فبدأت تنصرف من رحاب العلم إلى أفنية المقاهي، ومن إجماع العلم إلى خلاف الحزبية.
إن من طلّاب العلم هؤلاء من يدرسُ الدين، وإن الدين لا يجيز لدارسه أن يفتي في أحكامه إلا بعد استحكام الملكة واستجماع الأدلة حذرًا من تحليل محرم، وإن منهم الدارسَ للطبّ، وإن قانون الطب لا يجيزُ لدارسه أن يضعَ مبضعًا في جسم إلا بعد تدريب وإجازة خوفًا من إتلاف شخص ... فهل بلغ من هوان الأمة عليكم أن تضعوا حظها في الحياة في منزلة أحطّ من حظ امرأة في طلاق، وأن تجعلوا حقّها في الدواء أبخسَ من حق مريض على طبيبه؟ ..
إنها- والله- لجريمة يقيم بها مرتكبوها الدليلَ على أنهم أعداء للعلم، وقطّاع لطريقه، أم يقولون: "لا علم بدون استقلال" فيعاكسون سنّة الله التي تقول: "لا استقلال بدون علم"، أم يقولون ما قاله كبير منهم: "إن محمدًا لم يأت بالعلم وإنما أتى بالسياسة" و "إن روسيا لم تفلح بالعلم وإنما أفلحت بالسياسة"؟ ...
يا قومنا! إن الأمة تنظر إلى الأعمال لا إلى العقائد، وإننا لنتوقّع أن تشعر الأمة بما في سلوككم من اضطراب وتناقض بين المبادئ والأعمال فتتزعزع ثقتها بالأحزاب جميعًا، ويذهب الحق في الباطل، وإننا- والله- لا نرضى لكم هذه العاقبة، ولا نرضى لأمة فقيرة من الرجال أن يسوء ظنّها برجالها.
(3/68)

هذه نصائح مريرة، وحقائق شهيرة، لم نسمّ فيها أحدًا، فمن استفزّه الغضب منها، أو نزا به الألم من وقعها، فهو المريب، يكاد يقول: خذوني.
وبعد، فإن جمعية العلماء فوق الأحزاب كلها، ما ظهر منها وما بطن، وإن مبدأها أعلى من المبادئ كلها، ما استسرّ منها وما علن، ولقد اتصلت بجميع الأحزاب فرادَى ومجتمعين في المصالح العامة، فأرتْهم بأقوالها وأعمالها أنها فوق الأحزاب، وقد احتكّت بها جميع الأحزاب، من خاطب لوُدّها إجلالًا، إلى رائم من نفوذها استغلالًا، إلى عامل على الكيد لها احتيالًا، فأرتْهم بمعاملاتها لجميعهم أنها فوق الأحزاب، ودعت الأحزاب إلى الصلح والاتحاد، وجمعتهم للاشتراك في العمل، فكانت في ذلك كله فوق الأحزاب.
وما دامتْ تعمل في ميدان لا يختلف فيه الرأيُ، ولا يتشعّب الهوى، فإن منطق الواقع لا يسمح لها بغير ذلك، وإن تاريخها يشهد بأنها تنصر الحق حيثما وجد، وتدور معه حيث دار؛ وأنها تزنُ الرجالَ بأعمالهم الصحيحة، ومبادئهم الثابتة، وتزن الأحزاب ببرامجها الواضحة وآرائها العملية، وأنها تقارب الجميع وتباعدهم على قدْر قربهم من الإسلام والعروبة وبعدهم عنهما.
هذه هي الحقيقة لا يماري فيها إلا ذو دخلة سيئة وهوًى مضلّ.
أما حين تمتدّ الأيدي الآثمة إلى حمى الدين أو حمى القومية العربية، أو حين يتساهل السياسيون في حقّهما، فإنّ للجمعية في ذلك كلمتها الصريحة التي لا جمجمة فيها، وموقفها المشرّف الذي لا هوادة فيه.
حاربتْ سياسةَ الاندماج في جميع مظاهرها، فقاومت التجنيس، ونازلت أنصاره الحُمْس ودعاته المقاويلَ، حتى قهرتهم وأخرستهم، وقطعت الحبلَ في أيديهم، ثم أفتتْ فتواها الجريئة فيه، يوم كانت الجرأة في مثل هذه المسائل بابًا من العذاب، فكان ذلك منها تحديًا للاستعمار، وإبطالًا لكيده، وتعطيلًا لسحره، وأثبتتْ بتلك المواقف للجزائر إسلاميتها.
وحاربت العنصرية التي كان الاستعمار يغذّيها ويعدّها من أمضى أسلحته لقطع أوصال الأمة، فقطعت دابرها، والاستعمارُ خزيانُ ينظر، وأثبتت بذلك للجزائر قوميتها العربية. وحاربتْ- آخرَ ما حاربتْ- لائحة 7 مارس بشدّة وقوة، وشنعتْ بها في دروسها وخطبها، وبيّنتْ للأمة الدسائسَ التي تنطوي عليها اللائحة، وأنها وسيلة "شيطانية" إلى الاندماج جيء بها بعد خيبة الوسائل التي تقدمتها.
(3/69)

هذه هي الميادين التي تفردت فيها جمعية العلماء بالبطولة في حرب الاندماج ودعاته والمروِّجين له، وهذه أعمالها فيه قائمة بشواهدها، داحضةً لافتراء المفترين، وأقاويل المتقوّلين، بأنها أيّدت أو تؤّيد سياسة الاندماج، ولو كانت الجمعية تحارب الاندماجَ باسم السياسة وبأسلوب السياسيين لجاز أن يقال: "قد بدا لها بداء"، وما أكثر البدَوات في السياسة، ولكنها حاربته باسم الدين، والدين كلّه يقين لا يتزعزع، وبصائر لا تزيغ.
(3/70)

جمعية العلماء وجهادها فى:

فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الفرنسية فى الجزائز.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مطالب الجمعية في:
تحرير المساجد برفع يد الحكومة عنها.
تحرير الأوقاف الإسلامية بإرجاعها إلى المسلمين.
تحرير رجال الدين الإسلامي من الحكومة المسيحية.
تحرير القضاء الإسلامي برفع جميع القيود عنه.
تحرير الحج بعدم تدخل الحكومة في أي شأن من شئونه.
تحرير الصوم، بحيث تبتعد الحكومة عن كل شئونه.
(3/71)

قضية فصل الدين
ومن فروع هذه القضية:
الحجّ *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
سكتنا - متعمّدين- عن المهازل التي جرَتْ في حجّ هذه السنة، فلم نبادرها بالنقد جزئية، ولم نعالجها بالتجريح واحدة واحدة، مع أنها حقيقة بذلك، ومع علمنا بأن أصلها باطل، فهي باطلة: ولكننا سكتنا حتى ينتهي الشريط وتتمّ الرواية التي ابتدأت فصولها يوم أعلنت الشروط والأسعار والمواقيت إلى يوم سافرت السفينة في بحرين: بحر من الماء وبحر من الفوضى والاختلال.
سكتنا- مع مرارة السكوت- لا رضى بما تصنع الحكومة في شعيرة إسلامية محضة، ولا إقرارًا لعبثها بديننا، ولكننا سكتنا انتظارًا لانسدال الستار حتى تقوم الحجة وتنقطع المعاذير، فنضيف قضية الحج إلى قضايا المساجد والأوقاف والتعليم الديني، ونحمل الحملات الصادقة في سبيل تحريرها، فلتعلم هذه الحكومة السائرة على منهج لا يتبدّل في احتكار أمور ديننا أننا سائرون على منهج لا يتبدّل في المطالبة بحقّنا الديني الطبيعي، وفي التظلّم منها والتشنيع عليها، وأننا لها بالمرصاد.
كان المتفائلون يظنّون- وبعض الظن إثم- أن الحكومة تنفض يدها من مسألة الحج في هذه السنة. فإن لم تنفض يدها بالمرة صحّحتْ أخطاءها القديمة، وعدّلت آراءها السقيمة، ووسعت الدائرة وخفّفت الشروط، ولم تتمسّك إلا بما هو حق لا ينتقده أحد مثل التلقيح وتحديد العوض النقدي.
وكانوا يظنّون أنها اتعظت بأحداث الدهر وتقلباته، واستعادت بعض رشدها الذي فارقها يوم كانت (تحجج) في كل سنة بضعة من صنائعها على طيارة، ترسلهم دعاة ليسبحوا
__________
* نشرت في العدد 11 من جريدة «البصائر»، 20 أكتوبر سنة 1947.
(3/73)

بحمدها، ويوافوها بالأخبار والتقارير؛ تظهر لهم الثقة بهم، وهي تسيء الظن بجميعهم لأنهم مسلمون، تفعل ذلك كله لتقيم الدليل- في زعمها- على تسامحها في الدين واعتنائها بالإسلام والمسلمين؛ وما اهتمامها- والله- إلا بنفسها وسيادتها وباستعمارها. تُدعمه ولو بالأوهام، وتثبته ولو بالتلبيس والإيهام؛ وما ذلك النوع من "التحجيجِ" في نظر الإسلام والمسلمين إلا هزءٌ مكشوف، وسخرية مفضوحة، فهمها المسلمون شرقًا وغربًا، وأوسعوها انتقادًا وقدحًا، ووصفوها بأنها حبالة صيد للأغرار، ووسيلة كيد للإسلام.
خاب ظنّ الظانين وكذب فأل المتفائلين، ورأينا دار الحكومة الجزائرية كدار ابن لقمان باقية على حالها، ورأينا من غرائب التصرفات في حج هذه السنة أشياء جديدة مبتكرة لم يسبق لها مثيل، وعلمنا أن ذلك الطراز الذي نعرفه من حماة الاستعمار لا يهدأ لهم بال، ولا يطيب لهم منام إلا إذا أدخلوا أصابعهم في شعائرنا الدينية وأجروها كما يريدون لا كما نريد ويريد ديننا، فكأن السيادة على الأبدان والتحكم في الماديات لا تتم لذته عندهم ولا يرضي أهواءهم الطاغية إلا بفرض السيادة على الأرواح والتحكّم في ما بين العباد وبين خالقهم، وكفى بهذا محادة لله، وحربًا للدين من حيث هو دين، ويا ما أسخفَ تلك الجمل التقليدية التي تجري على ألسنة حكّام الاستعمار في خطبهم حينما يريدون التخدير والتضليل، وهي: ان فرنسا تحترم الإسلام.
إن حماة الاستعمار يعدون من الأركان القومية في دعايتهم ضد الشيوعية أنها لا تحترم الأديان، وأنها تحاربها، وأنها تنتهك حرماتها ومقدّساتها؛ وليت شعري ماذا أبقوا هم للشيوعية من حرب الأديان وانتهاك حرماتها ومقدّساتها بعد الذي رأينا، والذي شهدنا.
...
الحجّ في الإسلام ركن من أركانه التي بُنيَ عليها، يشاركها في الركنية والروح والمعنى العام للتعبّد، ويزيد عليها بمعانٍ اجتماعية حكيمة من السير في الأرض، والاطلاع على الأحوال، والاستزادة من العلم، والاختبار لأحوال الأمم، والاعتبار بها، والامتزاج بالأمم المشتركة في الدين، والتعارف بين الإخوة المتباعدين في المواطن: فهو مؤتمر اجتماعي للمسلمين، تحصن بالفرضية المحتّمة ليضمن له البقاء والاستمرار، واختار الله له من الأماكن تلك الصحراء الطاهرة بلعاب الشمس، المصهورة بحرارتها، المهيأة لرسالة التوحيد بدءًا وختامًا ليذكر المسلمين بالفطرة التي هي من خصائص دينهم.
والحجّ في نظر الاستعمار أداة مهيّأة لاستعباد الأمم الإسلامية التي أوقعها القدر في قبضته، يصرفهم بها في مصالحه، ويستخدمهم بسببها في أغراضه، ويسخّرهم بها كما تشاء
(3/74)

أهواؤه لا كما يشاء الإسلام وتقتضيه حكمته، ويجعل من وجوبه عليهم وسيلة لإخضاعهم وإذلالهم واستنزالهم على حُكمه، ويجعل من خشيته من اتصال المسلمين وتعارفهم مبررًا للتضييق عليهم.
نتحدَّث عن الاستعمار الفرنسي لأنه بأعيننا، ولأنه أخبث أنواع الاستعمار، إن لم يكن في جميع المعاملات ففي ما يتعلق بالدين الإسلامي على القطع والجزم، فقد رأينا رأي العين ما تتمتّع به الأمم الإسلامية من حرية واسعة مَرنة في دينها تحت الحكومات الاستعمارية ولا نستثني روسيا القيصرية.
يتحكّم الاستعمار الفرنسي في الحجّ ويجري عليه ألاعيبه حتى يخرج عن حقيقته الدينية التي هي معاملة بين المسلم وربّه إلى مساومة تجارية سياسية أحد طرفيها الدين والضمير، وإلى معاملة استبدادية بين حاكم مسيحي مستبدّ، بيده الباب ومفتاحه والرخصة والذهب والمركب وطرُق السفر في البر والبحر والجو، وبين مسلم مغلوب على أمره ليس له إلا إيمان في قلبه، وامتثال لأمر ربّه، ورجاء في أن يمحو بالحجّ ما تقدّم من ذنبه، وشوق يتجدّد كلما سمع قول الله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} وتذكيه أهلة تلك الأشهر، واستطاعة بدنية هي من نعمة الله عليه، واستطاعة مالية اختزلتها الأزمات فعوّرتْ عينها ولم تبقِ منها إلا أسماء ممنوعة من الصرف، وأخيلة لا يستقرّ عليها الطرف.
رأى الاستعمار أن شرط الاستطاعة الذي هو شرط ديني وطبيعي لكل شيء في الدنيا لا يكفي في التثقيل على المسلم، فأضاف إليه شروطًا من عنده تثقل الكواهل، وتجرح الضمائر، وتنافي الروح الديني، وتشوب الإخلاص القلبي، وتصير المستطيع غير مستطيع، وغير المستطيع مستطيعًا ...
وانظر ما تشترطه الحكومة في الحاج تتبيّن صدق ما قلناه وتعلم أننا غير متجنين عليها ولا مبالغين في نقدها، تقول الحكومة في أول شروطها ما نصه:
أولًا: البراءة من التهم والإجرامات المدنية والسياسية. يا للعجب! أيكون الإجرام المدني مانعًا من الحج؟! أيكون الإجرام السياسي مانعًا من الحج؟!
وما هو الإجرام المدني؟ إنه السرقة وأكل أموال الناس بالباطل وشهادة الزور، إلخ. ولا نقول الزنا وشرب الخمر والقمار، لأن قوانين الاستعمار تبيحها وتعدها من الحلال الطيب، ولا تعاقب عليها ولا تعدها من "الإجرامات المدنية" مع أنها أمهات الرذائل وأصول الخبائث، وكيف يمنع هذا المجرم من الحجّ وتعاكس عقيدته بأن الحج يمحو خطاياه.
(3/75)

إن في الإسلام شيئًا لا يعرفه الاستعمار ولا يفقه له معنى لأنه لم يتصف به ولا مرة، وهذا الشيء هو "التوبة": فالمسلم إذا تاب من كبيرة يعتقد أن من كمال التوبة أن يُكثر من الطاعات ومنها الحج، وعلى هذا فالمذنبون هم أحق الناس بالحج.
ثم ما معنى الإجرام السياسي؟ إنه حبّ الوطن، والعمل على نفع أبنائه، وبغض الاستعمار، والعمل لمقاومته: فهذا هو الإجرام السياسي الذي تعتبره الحكومة الجزائرية مانعًا من أداء واجب ديني، ولا ندري لماذا لم تجعله مانعًا من أداء الصلاة والصيام؛ فإن كانت تعتبره في الحج خوفًا من تشهير الحاج السياسي بسياستها والتنديد بها بين المسلمين، فقد أخطأت التقدير، فإنّ مسلمي الشرق لا يحتاجون إلى من يندّد بسياسة فرنسا وظلمها ولا يحتاجون إلى من يكشف لهم عن مساوئ الاستعمار الفرنسي؛ فهم يعلمون من ذلك كله فوق ما نعلم. لأن من ذاقه منهم ذاق السمّ الزّعاف، ومن سمع عنه سمع ما يصمّ الآذان ويسيل العبرات.
إننا مع الاستعمار على طرفي نقيض في تفسير كلمة "الجرم"، فنحن نعد الخمر والزنا من أعظم الجرائم، وهو يعدّهما من المباحات ومن موارد الاستغلال الغزيرة، ولا يعدهما قادحين في سيرة ولا منصب، حتى في مناصبنا الدينية الشريفة كالقضاء والإمامة، ونحن نعد السياسة عملًا طبيعيًّا معقولًا ووسيلة من وسائل خدمة الوطني لوطنه ولبني جنسه، وهو يعدّه كذلك بالنسبة إلى الأوروبي السيّد، أما بالنسبة إلى المسلم فهي جرم يمنع صاحبه من الحج، وما زال هذا الخلاف بيننا وبين الاستعمار في معنى لفظة "الجرم" يتطلب حكمًا ولا يجده.
وزاد الحمأة امتدادًا ما صحب حجّ هذه السنة من فوضى في الإجراءات واختلاف بين الإدارات، فهذه تعطي وتلك تمنع، وهذه توسّع وتلك تضيّق، وهذه تنقض ما أبرمته تلك، والحاج المسكين بين هذه الإدارات المختلفة التي كأنها إمارات مستقلّة- كالكرة تتقاذفها اللجج، وتتلقفها الصوالجة؛ وكل كاتب في إدارة، وكل مكلف بعمل مما يتعلّق بالحجاج قلّ أو جلّ، فهو حاكم بأمره، يعد ويمني، أو يتوعّد ويتشدّد. والإجراءات تحبو من مكتب إلى مكتب، ومصالح الطالبين متعطلة، وأوقاتهم ضائعة، وآمالهم في الحج معلّقة بين الرجاء واليأس. حتى ظنّوا أن ليست هنا حكومة مسيطرة ولا نظام متّبع، ولا قانون نافذ؛ ونقول مؤكّدين: إن كثيرين منهم لم يستيقنوا، إلى ساعة السفر، أنهم مسافرون أو غير مسافرين- مع أن الرخص والنقد في جيوبهم وآثار التلقيح في جنوبهم- لكثرة ما سمعوا من الوعود المتناقضة مرّة بالإعطاء، ومرة بالحرمان، ولكثرة ما شاهدوا من الخلاف بين الإدارات العليا وبين الإدارات السفلى؛ وقد رأينا في بعض البلدان في الأيام الأخيرة رجالَ البوليس يبلغون أمرًا حكوميًّا صادرًا من دار العامل يقضي بإلغاء الترخيص لمن حجّوا في العام الماضي، ثم رأينا طائفة منهم استعادت رُخصها وسافرت بالفعل، لأنها عملت بقاعدة "العب كما يلعب صاحبك".
(3/76)

والمرأة ... فقد كان لها في حج هذا العام شأن عجيب. قالت الحكومة لا يحج في هذا العام من النساء إلا عدد محدود، مع أن النساء المسلمات ليس فيهن مجرمات مدنيات ولا سياسيات، وأنهن لا يقتلن أزواجهن ولا يضربنهم كما تفعل سيداتهن الأوروبيات، ولا يعرفن ما الجرائد وما السياسة وما الأحزاب.
تقول الحكومة: لأنها خصّصت لهن أسرّة محدودة. ولماذا؛ ...
وقد أجيلت تلك الأسرّة المحدودة على طالبات الحجّ الكثيرات كما تجال القداح، فكانت من نصيب المحظوظات.
وقد كان يوم السفر واليومان السابقان له، أيام حشر في مدينة الجزائر، حشر فيه المحرومون والموعودون، وكل واحد متعلق بشفيع أو شفعاء من النواب وذوي الجاه و "وسطاء الخير" من مسلمين ومسيحيين ويهود، فكان منظرًا مزرًيا بشرف الإسلام، وجلال الحج وبسمعة الحكومة أيضًا.
ونقول الحق. إنه لم تظهر أعراض الجنون بالحج على عوام الجزائريين في سنة، مثلما ظهرت في هذه السنة، ولو عقل هؤلاء المتهافتون على الإدارات المتقرّبون إليها بالشفاعات في أمر ديني، وعرفوا قيمة أنفسهم، وقيمة دينهم، لعلموا أن هذه المأساة تكررت وتكررت في كل عام، وأنها لا تعالج بمثل هذه التضرعات والتوسلات ما دام أصلها ثابتًا. وإنما نستأصل جرثومتها بشيء واحد وهو فصل الدين عن الحكومة. فليسعوا إليه متساندين وليعملوا له متّحدين، فإذا حصّلنا الفصل رجعنا إلى الأصل، وإذا نقضنا الأساس لهذه القضية، انتقضت فروعها.
(3/77)

الأديان الثلاثة في الجزائر *
تتجاور في الجزائر أديان ثلاثة، أصلها من السماء وإن أخلد أتباعها إلى الأرض، وأساسها التوحيد وإن شانها أهلها بالتثليث أو الوثنية، وكتبها وحي إلهي، ولكن وصمها بعضهم بالتحريف والتبديل، وخلطها بعضهم بالأجنبي والدخيل، وعاملها بعضهم بالتأويل والتعطيل.
أما الإسلام فهو أوثقها اتصالًا بالأصول السماوية، وأوسعها امتدادًا مع التاريخ، وأبقاها أثرًا في صحائفه، وأعمقها تأثيرًا في نفوس معتنقيه لملاءمة روحه روحهم، ولمناسبة الفطرة فيه وفيهم، ولأن تأثرهم به كان عن اقتناع لا عن إكراه، ولأن الجانب الإنساني الاجتماعي هو أرحب الجوانب فيه، وكان الإسلام- لأول انتشاره- يتتبع مواقع الفطرة الإلهية، وينتجع مساقطها، لذلك نرى الأمم التي دانت به فأخلصت له هي الأمم القريبة العهد بالفطرة وسماحتها، على حين أن الأمم التي عبدتها المادة، وعقدتها الحضارة، وغمرتها شهوات العقل- أو شهوات الجسد- لم تدن بالإسلام إلّا على حرف، ولم تخلص سرائرهم إليه الإخلاص المذعن العميق، وفي أمة البربر وأمة فارس شاهد لا يكذب في ذلك.
جاء الإسلام إلى هذا الشمال فوجد من اليهودية عرقًا ناشزًا منتبرًا، ومن النصرانية عرقًا سائسًا نخرًا، فقضى عليهما بسماحه، ولم يقض على أهلهما لسماحته، وأعانه على ذلك بعدهما عن الفطرة، وحرج مدخلهما إلى النفوس، فاليهودية دين لا يدخل إلّا في النفوس الفارغة أو التي أجمت (1) الوثنية، فهي تتطلب ما يسد الفراغ أو يدفع الملل، زيادة عن كونها لم تصحبها دعاية ولا إقناع. والنصرانية دخلت هذا الوطن في ركاب الغزاة الرومانيين
__________
* نظرت في العدد 13 من «البصائر»، 10 نوفمبر 1947.
1) عافت وكرهت.
(3/78)

وفي ظل سيوفهم، بعيدًا عن روحانيتها السامية، مصطبغة بالعنجهية الرومانية والعتو الروماني، فكان مقامها واستقرارها تابعين في الطول والتمكن للاستعمار الروماني.
وقد كان للتشريع الإسلامي المتعلق بمعاملة أهل الكتاب ورعايتهم والرفق بهم أكبر الأثر في الإبقاء على الكتابيين واحترام ما يدينون به فعاشوا متمتعين بالحقوق، معفين من الواجبات، وكانوا كلما ضامهم أمير جائر لم يسلم من جوره مسلم ولا كتابي، وجدوا في القرآن وفي الوصايا النبوية وفي عهود الخلفاء الراشدين ما يرد عنهم الشرور والغوائل؛ حتى أصبح هذا الشمال ملاذًا عاصمًا لكل من ترجف به راجفة في أوربا من اليهود، وللمسيحية عند اليهودية تِرَاتٌ لا يزيدها القدم إلّا جدة، كما أصبح مقيلًا لكل من تبوأه من المسيحيين، يجدون فيه- تحت ظل الإسلام- العيش الرغيد، والأمان المنيم، والعدل الشائع، والجوار الذي لا يخفر. ولولا تلك النزوات التي كانت تبدو من ملوك المسيحية من وراء البحار، وتلك الغارات التي كانوا يشنونها على سواحل أفريقيا الشمالية طمعًا في الفتح، لما ريع لمسيحي في هذه الديار سرب ولا مسه أذى.
فالإسلام، في إبان قوته وعنفوان فورته، تعرف إلى الدينين بالخير والحق والعدل والإحسان، وأبقى على الدماء والعقائد والمعابد، بل حماها وحافظ عليها أكثر من محافظة الدول المسيحية، ولما جاز البحر إلى الأندلس لينشر الهداية والنور ووجدهما هناك يضطهد أقواهما أضعفهما، رفع الضيم عن المضيم وسوّى بينهما في عدله وعاملهما بتلك المعاملة نفسها، ولم يشهد التاريخ أنه أكره يهوديًّا أو مسيحيًّا على الإسلام، على نحو ما فعلت (إيزابيلا) و (فرديناند) ومن خلفهما مع المسلمين يوم دالت دولتهم وزالت صولتهم؛ أو كما فعلت الحكومات الإسبانية بعدهم في وهران وبجاية وتونس، من انتهاك حرمات الإسلام، وكل تلك الفظائع وقعت في بدء الإرهاصات المبشرة بالحضارة الغربية السائدة الآن.
إن الإسلام ضَرَب الخراج على الأرض ولكنه لم يخرج أهلها غصبًا، وضرب الجزية على الرقاب، ولكنه حماها من الظلم، وفتح لها باب العلم، وأعفاها من تكاليف الجندية والتسخير، فأين تلك المعاملة السمحة الرحيمة مما تعامل به الحكومات المسيحية والمؤسسات اليهودية الإسلام اليوم؟ وأين تلك الصراحة المتجلية في أحكام الإسلام، والمقاصد السامية في سياسته من هذا النفاق المتستر، والرياء المدسوس، والسموم الماثلة في سياسة الدول المسيحية وقوانينها، وفي برامج الجمعيات اليهودية ونظمها؟ إن الإسلام لا يرى الكتابيَّ إلّا ذميًّا له كل ما للمسلم من حقوق، وليس عليه كل ما على المسلم من واجبات، أو معاهدًا يوفى له بعهده، أو مستأمنًا يبلغ به مأمنه، أو محاربًا ينبذ إليه على سواء، بلا ظلم في الأولى، ولا نقض في الثانية، ولا نكث في الثالثة، ولا غدر في الرابعة.
***
(3/79)

هذه هي معاملة الإسلام للدينين حيثما جمعتهم أرض، يوم كانت له السيادة والسلطان، ولو كنا نكتب دراسة لموضوع أو فصلًا من كتاب لأقمنا الشواهد وضربنا الأمثال، ولكننا نكتب مقالًا لجريدة؛ فحسبنا أن نلمح ونشير، وأن نوازن ونقارن بين معاملتين في وطن محدود، وأن نضع الميزان للجزاء الذي لقيه الإسلام من دينين مُجاورين له في دار.
جاء الاستعمار الدنس الجزائر يحمل:
السيف والصليب، ذاك للتمكن، وهذا للتمكين، فملك الأرض واستعبد الرقاب، وفرض الجزى، وسخر العقول والأبدان؛ ولو وقف عند حدود الدنيويات لقلنا: تلك هي طبيعة الاستعمار الجائع تدفعه الشهوات إلى اللذات، فيجري إلى مداها ويقف، وتدفعه الأنانية إلى الحيوانية فيلتقم ولا ينتقم، ولكنه كان استعمارًا دينيًّا مسيحيًّا عاريًا؛ وقف للإسلام بالمرصاد من أول يوم، وانتهك حرماته من أول يوم؛ فابتز أمواله الموقوفة بالقهر، وتصرف في معابده بالتحويل والهدم، وتحكم في الباقي منها بالاحتكار والاستبداد، وتدخل في شعائره بالتضييق والتشديد، كل ذلك بروح مسيحية رومانية تشع بالحقد وتفور بالانتقام، ولم يكتف بذلك حتى احتضن اليهودية، وحمَى أهلها، وأشركهم في السيادة، ليؤلبها مع المسيحية على حرب الإسلام، ويجندها في الكتائب المغيرة عليه.
وقد تبدلت الأوضاع بعد ذلك في فرنسا، وتطورت الأفكار، وترقت المعارف، واستوسقت الحضارة، وضاقت النفوس بالكنيسة، فزوتها عن الحكم ونزعت من يدها المقاليد، ولكن ذلك كله كان مقصورًا على فرنسا، ومحدودًا بحدودها، أما هنا في الجزائر ... وحيث يوجد الإسلام وكتابه ولسانه، فإن المسيحية معدودة من عُدد الاستعمار وأسلحته لحرب الإسلام وقرآنه ولغته، لا يختلف في ذلك رأي، ولا يضيق به صدر، ولا يسمع فيه قول مجرح ولا منتقد، ولا تُقبل فيه دعوى أنه مناف لمبادئ الجمهورية أو الإنسانية أو اللادينية، وما أحمق من يقيس الجزائر بفرنسا! ... أيها الأحمق، إن الثوب مفصل على قدر لابسه، ولست بذاك، أنت من هنا لا من هناك ...
...

إن الجزائر اليوم ميدان صراع، لا أقول بين الأديان الثلاثة كل على انفراده، وإنما أقول بين الإسلام وحده من جهة، وبين المسيحية واليهودية مجتمعتين من جهة أخرى.
أما المسيحية فهي حاملة اللواء، وقائدة الرعيل، ومن ورائها الاستعمار بخيله ورجله، وجيوشه، ومدافعه، وقوانينه، وأمواله، وجرائده، يحمي حماها، وينافح عنها، والحكومة برجالها، وأدواتها، ووسائلها، تمدها بالعون، وتبذل لها المساعدة والتنشيط، وتمهد لها
(3/80)

سبل العمل، وتوسع لها في مجال الحرية لبثّ دعايتها التبشيرية إلى أقصى حد، ومن ثم فهي تؤسس مراكز التبشير، وتعمرها بالدعاة والأطباء والمعلمين، وتجهزها بكل وسائل الإغراء والإغواء، وتغتنم المجاعات والأوبئة فرصًا لاصطياد الجُوّع واليتامى والمرضى لتفتنهم عن دينهم بلقمة أو ثوب أو جرعة دواء، وما مهد لها تلك الأسباب إلا الاستعمار، فهو الذي أجاع وأعرى، وهو الذي أفقر وأمرض، وهو الذي مكن للجهل والجمود؛ كل ذلك عن عمد وقصد، وكل ذلك ليذل، ويقل، ويهيئ للمبشرين وسائل التنصير، وقد بلغ من تأييد الحكومة الجزائرية للتبشير أنها أوكلت للمبشرين في الكثير من مراكزهم توزيع المؤن المخصصة على المسلمين لتحببهم إلى الناس ولتيسر لهم سبل الاختلاط، حتى يجر حديث حديثًا، وتتسرب الدعاية التبشيرية بينهما، وإن توزيع التموين في زمننا هذا لسلطة تعلو على جميع السلط، وجاذب من أعظم الجواذب.
وأما اليهودية فهي تناصر الاستعمار على الإسلام بوسائل أخرى منها "التفقير"، وتظاهر المسيحية على الإسلام في نواح أخرى غير التبشير، لأن من تقاليد اليهودية أنها لا تمتهن بالعرض، ولا تكاثر بالأتباع، لأنها دين طائفة مخصوصة، ولأنها جنسية ودين معًا، فمن صونها أن لا يزاحم بها في أسواق التبشير، كما أن من تقاليد اليهودية أيضًا أنها لا تضيع أية فرصة للمقايضة بالمصالح الجنسية، والمنافع القومية المادية، لا تراعي في ذلك قديمًا مأثورًا، ولا تاريخًا محفوظًا، وإنما تقدر المصلحة بالحاضر وإن كان زائفًا أو مدخولًا، وقد جاءت قضية فلسطين فرصة ملائمة لسلسلة من هذه المقايضات مع أمم وحكومات، تنوسيت فيها الأحقاد الموروثة، وأهدرت الحقوق القائمة، وأنكرت الآداب والمجاملات المرعية، وما حمل النائب اليهودي "مايير" في مجلس النواب الفرنسي حملته المشهورة على المسلمين الجزائريين، وكان فيها فرنسويًا أكثر من الفرنساويين، بل مسيحيًّا أكبر من المسيحيين، إلّا مقايضة شهد الناس آثارها في تسهيل الحكومة الفرنساوية سبيل الهجرة والتهريب إلى فلسطين، وشهدنا نحن هنا سوابقها ولواحقها من كل ما يبذله يهود الجزائر في سبيل فلسطين، من أموال طائلة، وتجهيزات سخية، وتسهيلات ميسرة للمهاجرين إلى فلسطين.
...

ما الذي ألب على الإسلام هذه القوات المتظاهرة؟ وما الذي جمع على حربه تلك القلوب المتنافرة؟ إنه- بلا شك- الخشية من قوته الروحية الرهيبة أن تنبعث كرة أخرى فتصنع الأعاجيب، وتغير وجه الدنيا كما غيرته قبل ثلاثة عشر قرنًا، وإن الدين الذي يطوي المناهل بلا سائق ولا حاد، ويقتحم المجاهل بلا دليل ولا هاد، وينتشر بين أقوام عاكفين على أصنامهم، أو مغرورين بأوهامهم، لا يمده ركاز، ولا يسنده عكاز- لحقيق أن يخشى
(3/81)

منه، وأن تمتلئ من رهبته قلوب ذئاب البشرية رُعبًا، ولو أن للدعوة المحمدية عُشر ما للدعوة المسيحية من أسناد وأمداد، وهمم راعية، وألسنة داعية، لغمر المشرقين، وعمر القطبين، ولو أن دينًا لقي من الأذى والمقاومة عُشر ما لقي الإسلام لتلاشى واندثر، ولم تبق له عين ولا أثر، وإن من أكبر الدلائل وأصدق البراهين على حقية الإسلام بقاءه مع هذه الغارات الشعواء من الخارج ومع هذه العوامل المخربة من الداخل، وإن هذه لأنكى وأضر، فلكم أراد به أعداؤه كيدًا تارة بقوّة السيف، وتارة بقوة العلم، فوجدوه في الأولى صلب المكسر، ووجدوه في الثانية ناهض الحجة، وردوا بغيظهم لم ينالوا خيرًا، ولكنهم عادوا فضللوا أبناءه عنه، ولفتوهم عن مشرقه، وفتنوهم بزخارف الأقوال والأعمال ليصدوهم عن سبيله، وإن أخوف ما يخافه المشفقون على الإسلام جهل المسلمين لحقائقه وانصرافهم عن هدايته، فإن هذا هو الذي يطمع الأعداء فيهم وفيه، وما يطمع الجار الحاسد في الاستيلاء على كرائم جاره الميت إلّا الوارث السفيه.
...

إن الإسلام في الجزائر ثابت ثبوت الرواسي، متين القواعد والأواسي، قد جلا الإصلاح حقائقه فكان له منه كفيل مؤتمن، واستنارت بصائر المصلحين بنوره فكان له منهم حارس يقظ، وعاد كتابه (القرآن) إلى منزلته في الإمامة فكان له منه الحمى الذي لا يطرق، والسياج الذي لا يخرق.
(3/82)

فصل الدين عن الحكومة *

طلائع ومقدمات
ــــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الواجب على أعضاء المجلس الجزائري المسلمين أن يطلبوا إدخال الدين المسيحي بكنائسه وأمواله ورجاله، تحت سلطة الحكومة دخولًا عمليًّا، بحيث تكون هي التي تتصرف في الأموال، وتولي من يكون جاريًا على هواها، وتعزل من يدعو إلى نزعة سياسية أو إلى حزب أو إلى انتخاب، وأن يطلبوا إدخال الدين اليهودي ببيعه وأحباره وأوقافه تحت سلطتها أيضًا، بحيث لا يجري شيء من التصرفات في ذلك الدين إلّا بأمرها وعلى ما يرضيها، فتسمي الموظفين الدينيين، وتقوم لهم بأجورهم، وتحاسبهم على الأنفاس، وتعزل كل من يستحق العزل، كل ذلك على ما يشهد "الدوسي" (1) المبارك.
يجب على النواب أن يطالبوا بهذا ويتشددوا فيه، لأنه هو الديموقراطية، وحكومة الجزائر ديمقراطية، ولأنه إنصاف وعدل، وحكومة الجزائر منصفة عادلة- تبارك الله أحسن الخالقين- ولأنه المظهر الواضح لقوة الحكومة وسلطتها، ولأنه زيادة في تلك القوّة وتلك السلطة.
فإذا أبى عليهم ذلك زملاؤهم من النواب الفرنسيين واليهود، وقالوا: إنهم لا يتدخلون في الأديان، أو أبت الحكومة، وقالت: إنها حكومة لائكية، فليقل النواب المسلمون في صراحة وحق: والإسلام؟ ... لماذا يبقى غريبًا شاذًا بعيدًا عن هذه اللائكية؟ إن الأديان في الوطن ثلاثة، فمن الواجب أن تعامل معاملة واحدة، وإن المسلمين ومعابدهم أكثر عددًا، فمن الإنصاف أن يكونوا هم القاعدة في المعاملة، والأصل في وضع الأحكام، وما دام دينهم "مستعمَرًا" فمن العدل أن يكون الدينان مستعمَرين أيضًا، فإذا لطفنا العبارة قلنا: ما دام الإسلام في قبضة الحكومة، فليكن الدينان الآخران في قبضتها أيضًا.
__________
* نشرت في العدد 57 من «البصائر»، السنة الثانية، 22 نوفمبر سنة 1948.
1) الدّوسي: كلمة فرنسية معناها الملف.
(3/83)

هذا هو المنطق المعقول الحكيم الصائب المتزن، فليتمسك به النواب المسلمون، وليكونوا رجالًا، فإذا رضيت الحكومة (واستطاعت) ضمّ الدينين إلى حوزتها، ووضعتهما تحت تصرفها، كما ضمت الشركات المالية مثلًا، فإن الأمة الإسلامية من وراء النواب ترضى ببقاء مساجدها وأوقافها بيد الحكومة، ونحن نكسر الأقلام، ونكم الأفواه، ونحبس الألسنة، فلا نتحرك في هذه المسألة بحرف ولا نفس، لأن هذه الحالة الخاصة بنا إن كانت خيرًا فنحن لا نرضى أن نستأثر بها دون جيراننا المسيحيين واليهود، وإن كانت شرًّا فلماذا نختص بها وحدنا، ونحن نريد أن يشاركونا فيها حتى يخف ثقلها، ويهون وقعها، والمصيبة إذا عمت هانت، ومن معاني الديمقراطية الاشتراك في الخير والشر.
إن المسألة خطيرة، وإنها مسألة تهم تسعة ملايين من المسلمين، وإن النواب مسؤولون عنها عند الله، محاسبون عليها من الأمة، وإن حجة الأمة فيها أوضح من الشمس، وإننا سنشرحها للنواب حتى يكونوا على بصيرة، وحتى لا يغتروا بالآراء المسخرة من الطوائف المسحرة.
...

2 - لو كانت الحكومة الفرنسية صادقة في فصل الإسلام عن حكومة الجزائر، مجتهدة فيه غير مقلدة للإدارة الجزائرية، ولا متأثرة بأفكارها الاستعمارية الضيقة، لو كانت كذلك لتولت بنفسها ذلك الفصل قبل تقرير دستور الجزائر، ولنفذت الفصل بأصوله وفروعه، حتى يكون الدستور- كدساتير الأمم الديمقراطية- خالصًا للدنيويات التي يشترك فيها جميع الناس، خاليًا من الدينيات التي تخص الطوائف، وبذلك يكون دستورًا لأمة جزائرية منسجمة، حرة في أديانها مقيدة بدستور واحد في دنياها، ولكن الحكومة الفرنسية- في ما بلونا من أمرها- يدركها الغرق في تيار المستعمرين وأعوانهم من الحكام الإداريين كلما اعترضتها مشكلة من مشاكل الجزائر، فلا تسنّ إلّا ما يرضيهم وإن أغضبت الحق والإنسانية، وهدمت الجمهورية والديمقراطية ولا ندري أذلك كله دلال أم هيبة أم هما معًا؟
وفي فصل الدين عن الحكومة وإيكاله إلى أهله شرف عظيم للحكومات الديمقراطية، وأيُّ شرف أعظم لفرنسا- مثلًا- من أن يعلن رئيس جمهوريتها أو رئيس وزرائها- بموافقة برلمانها- أنها فصلت الإسلام بمساجده وأوقافه وقضائه عن حكومة الجزائر وتركته لأهله، يتصرفون فيه بحرية كما يتصرف إخوانهم في المغرب وتونس والهند والصين، فتفوز فرنسا وبرلمانها بالذكر الحسن والثناء الطيب في العالم الإسلامي أولًا، وفي العالم الديمقراطي ثانيًا، لأن التسلط على الأديان بالصورة التي في الجزائر ليس من الإسلام ولا من
(3/84)

الديمقراطية ولا من الإنسانية، فلا عجب أن يطرب لتحرير دين عظيم من ربقة الاستعباد في ناحية من الأرض، كل مسلم على وجه الأرض وكل ديمقراطي وكل إنسان.
ولكن الحكومة الفرنسية تتنازل عن هذا الشرف العظيم، وهو إعلان الفصل القطعي تشريعًا وتنفيذًا، للمجلس الجزائري، وهو محجور البرلمان الفرنسي، وللحكومة الجزائرية، وهي فرع الحكومة الفرنسية؛ فهل كان هذا التنازل تواضعًا وزهدًا وإيثارًا للمجلس الجزائري ومحبة؟ لا لا.
... ونحن نعرف السر في هذا التنازل ونعرف أن حكومة فرنسا وحكومة الجزائر كانتا على اتفاق فيه، ونعرف أن من تقاليد الحكومة الجزائرية التمسك الشديد بهذه السلطة المطلقة على مساجد المسلمين وأوقافهم، وما هي سلطة، بل هي ملك مديد، رعاياه هذا العدد العديد من المفتين والأئمة والمؤذنين و"رجال الدين"، وإن لحكومة الجزائر في بقاء هذا الجيش تحت يدها مآرب أخرى تفوتها بانفلاته من يدها، وما زالت هذه الحكومة منذ عشرات السنين تعارض في قضية الفصل وتطاول وتمدّ الآجال، إلى أن أرهقتها المطالبة وحدثت فكرة "دستور الجزائر" فأوحت إلى حكومة فرنسا أن تنص على الفصل، وتكل تنفيذه إلى المجلس الجزائري الذي ولده الدستور، لتصل عن طريقه إلى فائدتين: الأولى بقاء ما كان على ما كان، والثانية إفهام العالم بأن نواب المسلمين هم الذين رضوا بل طلبوا إبقاء ما كان على ما كان، وما فعلت هذا إلّا لاعتمادها على نفسها وعلى وسائلها المعروفة في تكوين المجلس الجزائري وتشكيله على الكيفية التي تضمن لها ما تريد؛ وقد فعلت كل ذلك وكونت لنفسها وسائل الفوز، ولم تبق إلّا غيرة السادات النواب على كرامة دينهم وتقديمها على كل اعتبار؛ فليفهم النواب المسلمون هذا جيدًا، وليحاسبوا ضمائرهم، وليعلموا أن الدين لا مساومة فيه ولا مهاودة، وأن جميل الحكومة مع بعضهم في الأول لا يكون على حساب الدين في الأخير.
...

3 - ووقع الفصل في باريز لفظًا وكتابة ونصًّا في الدستور. فهل يقع الفصل هنا في الجزائر؟ وهل يقع على ما تريده الأمة، أو على ما تبغيه الحكومة؟ والنواب المسلمون مهما يبلغ ببعضهم التأثر فإنهم لا يوافقونها على إبقاء ما كان على ما كان، لأن ذلك مناقض للفصل الذي نص عليه الدستور نصًّا صريحًا ...
أما الحكومة الجزائرية فإنها تحلف برأس كل عزيز عليها أنها قادرة على الجمع بين الفصل والوصل في آن واحد، وأنها زعيمة بالجمع بين المتناقضات، ولا عجب من حكومة
(3/85)

كاثوليكية لائكية، أن تضيف لهما نقيضًا ثالثًا، هو (التمسك بالإسلام) ...
قال الراوي: وكيف يتم ذلك؛ ...
...

4 - ذلك أن الحكومة الجزائرية معروفة بالحزم في مثل هذه القضية من شؤون المسلمين، ومعروفة بادخار الرجال لأوقات الشدة وبوضع الإحسان عند من يشكره ولا يكفره، ومن بين من ادخرتهم لهذه القضية، وجربتهم فكشفت التجربة عن إخلاص وطاعة، واصطنعتهم فكان الاصطناع في محله- رجل طموح إلى المناصب، يركب لأجلها الصعب والذلول، ويستسهل في سبيلها إخراب البصرة وإحراق روما، وهو الحاج، الحاج فعلًا، الحاج نية، أمير الحج الجزائري في إحدى الحجات، الشيخ محمد العاصمي المفتي الحنفي بالجزائر.
ما زلنا نتتبع أعمال هذا الرجل منذ سنين، ونتوسم من حركاته أنه عامل نصب وخفض معًا، وأنه مهيأ من الحكومة لأن يكون "حلقة مفقودة" لقضية ما في يوم ما، حتى أوقفنا حسن حظنا أو حظه في هذه الأيام على تقرير مطول في هذه القضية، مرفوع باسمه إلى المجلس الجزائري، مقدم إلى بعض أعضائه دون بعضهم، ومما يلفت منه نظر القاصرين (أمثالنا) - ويبين لهم أن الأمر مدبر من زمان بعيد- أن التقرير مؤرخ بيوم 21 مارس سنة 1948، مع أن المجلس الجزائري لم ينتخب أعضاؤه إلّا يوم 4 أبريل سنة 1948.
وقرأنا التقرير من أوله إلى آخره، وأعدنا قراءته استجلاء أو استحلاء، فوالذي خلق العاصمي- وقدر أن يكون مفتيًا في العاصمة- ما وجدنا فيه من العاصمي إلّا اسمه وختمه. أما ما عدا الاسم والختم فهو من وضع إدارة غير إدارة الفتيا ورجال غير (رجال الدين)، وقد فهمنا التقرير ومراميه، والمحور الذي يدور عليه، وسنشرحه شرحًا يفك معضلاته، ويفتح مقفلاته. ومعذرة إلى القراء، فهذه طلائع يتبعها الجيش العرمرم، ومقدمات بعدها الحكم المبرم ...
(3/86)

التقرير الحكومي العاصمي *
ملاحطات عامة
ــــــــــــــــــــــــــــــ

في الإدارة الجزائرية العليا مطبخة- ليست كالمطابخ- تُطبخ فيها الآراء والأفكار في كل ما دق وجل من شؤون المسلمين، والقائمون على هذا المطبخ طهاة يُحسنون الفن، ودهاة يحكمون بأول الظن، وهم منتخبون من طراز خاص، أول الشروط فيهم أن يكونوا قد أفنوا أعمارهم في حكم المسلمين، واجتازوا المراتب الإدارية من أدناها إلى أعلاها، وتمرسوا بمحكوميهم، وفهموا ميولهم واتجاهاتهم، ودرسوا مواطن الضعف والقوّة فيهم، وآخر الشروط فيهم أن يكونوا استعماريين قبل كل شيء، والسيد السند من هؤلاء هو الذي يُثبت أنه حكم المسلمين حكمًا استبداديًّا وعرف كيف يرهقهم، وكيف يُذلهم وكيف يضرب بعضهم ببعض ويمزق شملهم، وكيف يديرهم على أن يكونوا آلات صماء لا أناسًا، وكيف يستلب منهم العقل والإدراك، وكيف يروضهم على أن يقابلوا اللكم بالبكم، والصفع بالشكر ... حتى يكتسب من كل ذلك ملكة فيما يسمونه "السياسة الأهلية"، بحيث لو كانت لها درجات كالدرجات العلمية لمنحوا صاحبها لقب أستاذ في الشيطنة، كما يقال أستاذ في الفلسفة.
في هذا المطبخ طبخ التقرير العاصمي ملفوفًا بتوابله، وفيه وُلد محفوفًا بقوابله، فجاء كما رأيناه وفيه طعم الإدارة ولونها وريحُها، ولو نطق لشهد بالمطبخ والطابخ.
...

وفي تلك الإدارة نفسها معمل لصنع الرجال على أشكال ومقادير مخصوصة، لا يشترط في المادة الخام إلّا أن تكون ذات قابلية واستعداد، وطوع وانقياد، وفي المعمل جهاز
__________
* نشرت في العدد 58 من «البصائر»، 29 نوفمبر عام 1948.
(3/87)

كيموي من خصائصه إحالة الأعيان معاني، والمعاني أعيانًا فيحيل الرجال مكائد، والمكائد رجالًا ... وفي هذا المعمل صُنع العاصمي وامتحن، فكشف الامتحان عن استيفاء الخصائص والصلاحية للاستعمال، وأصبح- بعد استكمال التجربة والاختبار- موظفًا في إحدى هذه الوظائف (المدّخرة لوقت الحاجة ولمن تدعو إليهم الحاجة) وهي الإفتاء الحنفي بالجزائر، أي مفتي الجامع الحنفي بالجزائر، إذ لم يبق من الحنفية فيها إلّا جامع يحمل هذه النسبة، وكان من دهاء الاستعمار أن استغل هذه النسبة المجردة، ورأى أن الجامع يجمع ولا يفرق، فوضع فيه رجلًا- أيًّا كان- ليفرق به ولا يجمع، وحفظ به هذه الوظيفة لهذه الغاية، ومن دأب الاستعمار فينا أن يُعمر الرجال بالوظائف، لا الوظائف بالرجال، وإذا لم يبق في الجزائر من يتعبد على مذهب أبي حنيفة أو يتعامل عليه، فأيُّ معنى لوجود مفت حنفي أو قاض حنفي، لولا أن للاستعمار مأربًا في إبقاء هذه المعالم الصورية من بقايا العهد التركي، على أن نسبة المساجد إلى المذاهب ليست من الإسلام في شيء، إذ هي منافية لروح الإسلام، ومناقضة لحكمته في المساجد.
إن وظيفة المفتي من أساسها تزوير على الإسلام، لأن الفتيا في الحلال والحرام حق على كل عالم بالأحكام مستوف للشرائط المقررة في الدين ... وإن وجود وظيفة مفت حنفي في الجزائر تزوير على المذهب الحنفي، وأين العاصمي ومن جرى مجراه من فقه أبي حنيفة ودقائقه وقياسه؛ إن نسبة الحنفي، تشترك في بني حنيفة وأبي حنيفة، فلينظر العاصمي أشبه النسبتين به، وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الذين آووه ونصروه، ومن غرائب الشبه أن مسيلمة الحنفي كان تشويشًا على النبوة الحقة، وأن المفتي الحنفي كان تشويشًا على مطالب المسلمين الحقة.
...

والتقرير محبوك الأطراف حبكًا استعمارًّيا، مسبوك الألفاظ سبكًا إدارًّيا، يبدأ من الحكومة وينتهي إليها، يلوح من خلال ألفاظه ومعانيه حرص الحكومة على أن لا يفلت هذا الصيد من يدها، فهي تستنجد التاريخ وتستشهد بعوائد المسلمين ونظم الأقطار الإسلامية.
وهو ينطوي على تلك الروح التي نعرفها في المعاهدات السياسية من دس الحيلة، وإخفاء الغرض، والاستهواء بالمصلحة، والتزوير على التاريخ، والقياس مع الفارق.
وهو يدور على أصل واحد، ولكنه أصل فاسد، يفسد كل ما انبنى عليه، وهو أن أولى الناس بالتصرّف في المساجد هم الموظفون الرسميون، ويسميهم التقرير "رجال الدين"، كأن الأمة كلها نساء الدين، وليس من رجاله إلّا العاصمي وآله وصحبه، ويستشهد على ذلك بأن
(3/88)

الحالة كانت على هذا في العهد التركي وهي على هذا في الأقطار الإسلامية، وهذا كله افتراء على الحقيقة وعلى التاريخ سنكشف أمره، ويستنتج التقرير من هذا أن المسألة كانت إدارية، ويجب أن تبقى إدارية، ويبدئ في هذا ويعيد، لأنه هو بيت القصيد ...
وهو يقبح الانتخاب (يعني انتخاب الجمعيات الدينية في تكوينها، وانتخابها هي للمجلس الإسلامي الأعلى الذي أجمع عليه كل المطالبين وأهل الرأي)، ويغالط في الأمر بأن انتخاب تسعة ملايين هو الفوضى بعينها، ويقدح في الجمعيات الدينية بأن وظيفتها الترميم والإصلاح والفرش، ويهوّل بأن الانتخاب مدخل من مداخل السياسة إلى المساجد. كما يقدح في الجمعيات والهيئات المطالبة بحقوق الأمة في دينها- بأن وراء كل واحدة منها حزبًا سياسيًّا يؤيدها، إلى غير ذلك مما سننقله عند المناقشة التفصيلية.
...

يا هذا أو يا هؤلاء، أعني البارز منكم والمستتر، إن الإسلام دين (ديمقراطي) سمح، وليس فيه نظام ... "أكليريكي" متسلط كبقية الأديان، وإنما هو دين روحي، تقوم بمصالحه المادية الخلافة إن كانت، فإن لم تكن فالحكومة القائمة، فإن لم توجد فجماعة المسلمين، وإن من تسمونهم رجال الدين، تعينهم- في غير الجزائر- الحكومات الإسلامية أو جماعة المسلمين، والحكومات الإسلامية وجماعة المسلمين لا تكيد لدينها بل تنصح وتسدد وتقارب، ولا تختار للوظائف الدينية إلّا أصحاب المؤهلات العلمية، المستكملين للشروط الدينية، لأن وراء الجميع رقيبًا عتيدًا من الدين، وأمام الكل حسابًا شديدًا يوم الدين، وأما "رجال الدين" عندنا فقد اختارتهم حكومة لائكية متسلطة، وما اختارتهم إلّا بعد أن ارتضتهم ووزنتهم بميزانها لا بميزان الإسلام، وراعت فيهم شروطها لا شروط الإسلام، وما رأيناها تحفل في هذه الوظائف بالعلم، ولا بالكفاية الدينية، وإنما تحفل بشيء واحد هو ما يشهد به "الدوسي"، وما عهدنا موظفًا من هؤلاء جاءته الوظيفة وهو في داره من غير أن يسعى لها سعيها، بل ما وصلت الحكومة حبلهم بحبالها إلّا بعد أن اتخذوا لها الأسباب، وطافوا بالأبواب، وما زلنا نقول: إن الحكومة تحتفظ بهذه الوظائف الدينية لأصحاب الخصائص المطلوبة لها، وإنها في حقيقتها مصائد لا وظائف، وإنها لا تدفع لهم الأجور على الصلاة والأذان والفتيا فسواء عندها أصلّى المسلمون أم لم يصلوا، إنما تدفعها لغايات ومقاصد يجمعها قولك: "القيد والصيد" ومحال على الحكومة أن تُطعم ثمرها من يعصي أمرها، وقد قرأنا في محاضر المجلس المالي القديم أسماء عجيبة لأجور هذا النوع من الموظفين.
(3/89)

أليس تسليم الحكومة المساجد إلى هؤلاء الموظفين تسليمًا من الحكومة إلى الحكومة؛ وهل يستطيع واحد من هؤلاء أن يعصي لها أمرًا ولو كان فيه خراب الكعبة.
أما ما يغالط به التقرير من أن الانتخاب يجر السياسة إلى المساجد، وما يتهمنا به معشر المطالبين برفع سلطة الحكومة على الدين وتسليمها للأمة، من أن وراءنا أحزابًا سياسية، فهو سلاح من أسلحة الحكومة المفلولة، ما زالت تحارب به كل عامل، وكلمة من كلماتها المعلولة، ما فتئت تسكت بها كل قائل، ونحن نرد عليها هذه التهمة بالحقيقة، وهي أن تسلطها على مساجدنا وأوقافنا- وهي لائكية- هو عين السياسة، وإسنادها الوظائف الدينية إلى من تختاره وترتضيه هو رأس السياسة، ووضع هذا التقرير باسم العاصمي هو ذنب السياسة، ولولا السياسة ما كان للمفتي الحنفي وجود، ولولاها ما تيسرت حجاته المتعددة، ولا قضيت حاجاته المتجددة، وإذا كان غير العاصمي منسوبًا إلى السياسة، أو متهمًا بها، أو لصيقًا فيها، فالعاصمي ابن السياسة لصلبها ولرحمها، ولكنه ولد من غير السبيل المعتاد، على رأي عبد الحي الكتاني.
وبعد فقد قرأ القراء تمهيد التقرير في العدد الماضي، وتبينوا من كل جملة منه رمية إلى هدف، وقذفة بالدين إلى جدف (1)، وسننقل لهم ما يتعلق به غرض المناقشة في الأعداد الآتية، وإنما هذه ملاحظات عامة.
__________
1) الجدف هو الحدث، وهو لغة فيه مما تعاقب فيه الثاء والفاء وهو القبر.
(3/90)

كتاب مفتوح إلى رئيس الجمهورية الفرنسية *
أيها الرئيس:
نحييكم- على كثرة الحوائل بيننا- كما يحيي العربي الكريم ضيفه. ويسوءنا ويسوء الحقيقة أن تزوروا الجزائر فتروا كل شيء إلّا الجزائر.
يسوء الحقيقة أن تزوروا الجزائر زيارة تعدّ من أعمالكم وتسجل في تاريخكم، وتشغل نقلة الأخبار ومستمعيها أيامًا، ويسيل فيها نهران من مال ومداد، وأنتم لم تروا الجزائر الحقيقية بما فيها من مآس وبلايا وجهل وفقر وظلم، وشعب كامل يتألم، وطائفة قليلة تتحكم، وإنما رأيتم زُمرًا لم يحدها إليكم أمل واسع ولم يحفزها إلى لقائكم ضمير حر، ولم يعرضها أمامكم سائق من عقيدة، ولا داع من اختيار، وإنما جمعت بوسائل كالتجنيد الإجباري، وسيقت بأسباب من الترغيب والترهيب ليس فيها إيمان ولا وجدان.
يسوء الحقيقة والواقع أن تزوروا الجزائر هذه الزيارة التقليدية التي تقابل بالمظاهر المصطنعة، والخطب المصنوعة، وأن تحاطوا بالمواكب الرسمية التي تحجب عنكم الحقائق كما يحجب الضباب نور الشمس، وأن تصافح سمعكم أصوات ليس فيها صوت حر، فلو كنتم أجانب عن الجزائر وعما يجري فيها لخشينا أن تصدروا عن الجزائر وفي ذهنكم منها صورة غير صورتها.
كل الذي ترونه وتسمعونه في زيارتكم هذه مجموعًا ومتفرقًا ليس هو الجزائر ولا صوت الجزائر، وإنما هو شيء مألوف في الجزائر لا يثير اهتمامًا من عاقل، ولا حركة من مجنون!
أما حقيقة الجزائر فاستجلوها- إن كنتم تريدون الحقيقة- مما وراء المظاهر تجدوها في جملة: وطن تسعة أعشار من فيه رقيق زراعي وخدم صناعي مفروض عليه الحرمان من
__________
* نشرت في العدد 81 من جريدة «البصائر»، 30 ماي سنة 1949.
(3/91)

كل حق، وعشره العاشر سادة مفروض لهم التمتع بكل حق، وبين الفريقين فريق انفصل عن الأول ولم يصل إلى الثاني، وهو الذي ترونه.
...

تغير الكون وما فيه، ولم تتغير الحكومة الجزائرية في نظرتها إلى الدين الإسلامي والمسلمين، فالدين الإسلامي مملوك للحكومة الجزائرية، تحتكر التصرّف في مساجده ورجاله وأوقافه وقضائه، وقضية فصل الدين عن الحكومة معلقة بين السماء والأرض، لا يهبط بها إنصاف، ولا يصعد بها عدل، وواقفة بين حكومة فرنسا وحكومة الجزائر موقف التنافس، تلك تحكم بالفصل قولًا وهذه تحكم بالوصل عملًا، وهي تماطل في الفصل لأنها لا تريده، وهي تهيئ الوسائل لتعطيل تنفيذه، أو لجعله صورة بلا حقيقة، وجسدًا بلا روح، وهي تملك من وسائل التعطيل مجلسًا يقدم البحث في مرتباته وألقابه على البحث في مصالح الأمة التي لم يكن لها في تكوينه رأي، ولا في انتخابه حرية.
والتعليم الديني في هذا الوطن المسلم معطل بتعطيل المساجد، ومئات الآلاف من شباب المسلمين تتشوق إلى تعلم دينها، ولكن مساجدهم الموقوفة لذلك مغلقة في وجوههم، والدين الإسلامي وتعلمه وتعليمه حق طبيعي وضروري لتسعة ملايين من المسلمين، ولكنهم محرومون منه، والتعليم العربي في هذا الوطن العربي جريمة يعاقب مرتكبها بما يعاقب به المجرم من تغريم، وتغريب وسجن؛ ومدارسه تعاني من التضييق والتعطيل ألوانًا متجددة، ورجاله عرضة في كل حين للمحاكمات في المحاكم الجمهورية التي تتسم بوسمكم، والمحاكمات على التعليم جارية على قدم وساق في هذه الأيام، التي تسبق زيارتكم، كأنها إعداد لها، وابتهاج بها؛ ولو كانت قضايا المحاكم، وسجلات البوليس، وأعمال الحكام، مما يعرض عليكم، أو كان عمار السجون ممن يمثلون بين يديكم- لرأيتم من الأولى عشرات القضايا المتعلقة بالتعليم العربي في ضمن الجرائم والمخالفات، ولرأيتم من بين الآخرين كثيرًا من المعلّمين في عداد المجرمين! وإن قانونًا يمنع التعليم كيفما كان لونه، ويعاقب المعلم كيفما كان جنسه لهو قانون عدو للعلم!! فكيف تسيغه فرنسا (العالمة) وكيف تشرعه فرنسا (المعلمة)؟ ...

أيها الرئيس:
إن الشعب الجزائري قد أصبح- من طول ما جرب ومارس- في حالة يأس من العدالة، وتسفيه للوعود والعهود، وكفر بهذه الديمقراطية التي يسمع بها ولا يراها، وإنه أصبح لا يؤمن إلّا بأركان حياته الأربعة، ذاتيته الجزائرية، وجنسيته ولغته العربيتين، ودينه
(3/92)

الإسلامي، لا يستنزل عنها برقى الخطب والمواعيد، ولا يبغي عنها حولًا، ولا بها بديلًا.
وإن الشعب الجزائري لا ينتفع بنتائج شيء لا رأي له في مقدماته، وإن الدستور الجزائري على نقصه واختلاله لم يكن للأمة فيه رأي، فكيف يجني منه ثمرة؟ أو ينتفع منه بنتيجة؟ وإن المجلس الذي انبثق منه ناقص بنقصه، مختل باختلاله، وقد جالت الأيدي في تكوينه، فجاء كالمولود سقطًا، ليس فيه شيء من خصائص الحياة، فكيف ترجى منه الحياة؟
وإن الشعب الجزائري مريض متطلع للشفاء وجاهل متوثب إلى العلم، وبائس متشوق للنعيم، ومنهوك من الظلم، مستشرف إلى العدالة، ومستعبد ينشد الحرية ومهضوم الحق يطلب حقه في الحياة، وديمقراطي الفطرة والدين، يحن إلى الديمقراطية الطبيعية، لا الصناعية؛ ولكنه ليس كما يقال عنه: جائع يطلب الخبز، فإن وجده سكت.

أيها الرئيس:
إن حكومات الجزائر تعاقبت في ألوان من المذاهب، ولكن الشعب الجزائري لم ينل على يدها خيرًا، ولم يصل إلى قليل ولا كثير من حقه المهضوم، لا في دينه ولا في دنياه، وإنما هي مظاهر تتبدل بلا فائدة، وسطحيات تغير بلا جدوى، وأسماء بلا معان، والحقيقة هي هي!! ...
وان هذه الحكومات المتعاقبة تجري- من يوم كانت- على أسلوب من شر أساليب الاستعمار وأقبحها، فهي تتخذ الدين الإسلامي آلة لخدمة السياسة، ولذلك تتمسك هذا التمسك بمساجده وأسبابه، وهي تجعل السياسة آلة لهدم الدين الإسلامي، وهي تحارب اللغة العربية والتعليم العربي لتجعل من ذلك وسيلة إلى محو الجنسية العربية، وهي تسد أبواب العلم في وجوه المتعلمين بوسائل شتى ليبقى الشعب أميًّا جاهلًا، فينسى نفسه وتاريخه، ويقنع بأخس الحظوظ في الحياة، وإن بقاء نحو من مليونين من أبناء الشعب محرومين من التعليم بجميع أنواعه لأصدق دليل على ذلك.
إن حكومة توسع السجون، وتضيق المدارس، حكومة سيئة الظن بنفسها قبل أن تكون سيئة الظن بالشعب.

أيها الرئيس:
ظهرت في عهد هذه الجمهورية الرابعة نغمة جديدة أنكرناها وكفرنا بها لأنها لا تنسجم مع ماضينا، ولا تتناسق مع حالنا ولا مستقبلنا، وانتقدها الرأي العام العالمي العاقل اليقظ المنطقي لأنها ناشزة عن قرارها، مخالفة للواقع المحسوس؛ هذه النغمة هي نغمة "الوحدة الفرنسية". ولا يشك عاقل في أن كلمة الوحدة هذه مقطوعة الصلة من معناها، وكأن
(3/93)

واضعها هازئ بنفسه، أو بالناس، أو بهما معًا، وكأنها سخرية ساخر، لم تسبقها روية، ولم يحكمها منطق، ولم يَحكها تدبر.
لا يسيغ منطق ولا عقل كيف تكون الوحدة بين سيد وبين مسود، وكيف تتصور بين حاكم مزهو بعصبية جنسية تظاهرها عصبية دينية، وبين محكوم؟ وكيف تتفق في وطن ساكنوه صنفان، وقوانينه صنفان؟ وكيف تتم في بلد كنيسته حرة، وبيعته حرة، ومسجده مستعبد؟ وكيف تتجاور في عقيدة أو لسان مع كلمة السيادة الفرنسية التي تلوكها الألسنة، وتنضح بها الأقلام خصوصًا في هذه الأيام؟!
...

إنكم أقمتم في الجزائر في عهدها الأخير عامين، وأحطتم رؤية وعلمًا بما يجري فيها، وإنها باقية حيث تركتموها، ما تقدمت إلّا في التأخر، وما ترقت إلّا في الانحطاط، فنعيذكم بشرف الحرية، وحرمة الضمير الإنساني، وكرامة العلم- أن تغتروا بما تسمعونه من خطب، وبما ترونه من مظاهر، فكل ذلك مهيأ لتغطية الحقيقة والتضليل عنها، فالتمسوها في جدب العقول لا في خصب الأرض، وفي فوضى الحياة لا في نظام المواكب، وفي بؤس البادية لا في نعيم المدينة- تجدوها ماثلة للعيان، ناطقة بالبرهان، صادقة في البيان.
(3/94)

هل دولة فرنسا لائكية *
(تعليق على كلمات في خطبة م. نيجلان في عين صالح)
ــــــــــــــــــــــــــــــ

لم نتعرّض في يوم من الأيام لأعمال الوالي العام الحالي، ولم نعلّق على خطبه بحرف، لأننا قوم نعمد في مقاومتنا إلى المبادئ لا إلى الأشخاص، ولا نتوجّه في حربنا إلى رجال الاستعمار، بل إلى الاستعمار الذي يتكلمون باسمه، فإذا زال الاستعمار رجع هؤلاء الرجال نَاسًا كالناس، أو ماتوا كمدًا عليه؛ ولأننا نرى أنه والٍ كالولاة في باب السياسة الجزائرية، وفي باب معاملة العربي الجزائري، وفرنسي كالفرنسيين في باب الاستعمار وفهمه والمحافظة عليه. وكلّ والٍ في الجزائر فهو مبعوث برسالة، ومتلق الوحي من فرنسا، فهو مبلغها، فعامل بها، فمنفّذ لها؛ وكل فرنسي معمر في أرض الجزائر، أو ممثل للاستعمار فيها، أو موظف في حكومتها، فهو جبّار في الأرض مفوّض عليها، معتقد أنه ملك بين رعايا، ومالك بين عبيد، فالمعمر كله أنانية واستئثار، والحاكم كله ترفّع واحتقار، والموظف كله سخرية وانتهار، والحالة هي الحالة، تختلف مشارب الولاة ونزعاتهم الحزبية، فإذا جاءوا هنا كانوا شيئًا واحدًا! لذلك قلنا قديمًا:
لا يقتضي تحوّل الأحوال … ذهاب والٍ ومجيء وال
وإلى الآن لم يرزقنا الله حاسّة ندرك بها الفرق بين فرنسي وفرنسي من الطراز الذي ذكرناه، بل الذي أدركناه، وشهدت به التجارب القطعية أنهم نسخ من كتاب، فالعالم، والنائب، والجندي، والحاكم، والموظف البسيط، والفلّاح، كلهم في ذلك سواء، وكلهم جار فيه على جبلة كأنها من الخلقيات التي لا تتغير، ومن زعم فيهم غير هذا فهو مخدوع أو مخادع.
وأخرى زهدتنا في الحديث عن هذه الخطب وهذه الأعماللإوهي أنها شرح للاستعمار، وقد عرفناه، وتغنٍّ بالقوّة، وقد آمَنَّا بأن الله أقوى، وصدى من كلام
__________
* نشرت في العدد 103 من جريدة «البصائر»، 16 جابفي سنة 1950.
(3/95)

الاستعماريين القدماء، وقد مللناه. فأمّا عدل ينشر، وصلاح يُؤثر، وأعمال تجمع القلوب على الصفاء، ومواعيد مقرونة بالوفاء وعلاج للعلل، وترقيع للخلل- فإننا لم نرَ من ذلك شيئًا- وأما معجزات من الأعمال، التي يتفاضل بها الرجال، فإننا لم نرَ في ناحية الإيجاب إلا اغتصاب الحكومة لأوراق الانتخاب، واستلابها لإرادة الناخبين بالقوّة المسلّحة، وبناء مجلس لا يتصل بالديمقراطية من قريب ولا من بعيد؛ ولم نرَ في ناحية السلب إلا سكوتها العميق عن القضايا التي أحالها البرلمان الفرنسي على المجلس الجزائري، ومنها قضية "فصل الحكومة عن الدين" ...
...

لم نتعرّض لأعمال الوزير الوالي وخطبه المتكررة، حتى سمعنا خطبته الأخيرة (بعين صالح)، وقرأناها في الصحف، فلفتتنا كلمات منها، جلَّى فيها مقاصد الاستعمار بالجزائر، ونبّهنا على السر في تشدّد حكومته في قضيّتنا الدينية، وتصامِّها على سماع كلمة الحق فيها، تلك الكلمات هي ثناؤه- في معرض الامتنان على الجزائر- على الجندي، والمعلّم، والطبيب، والراهب، وقرنه إياهم في قرن. ومعنى هذه الكلمات عندنا أن فرنسا قذفت هذا الوطن بأربعة أنواع من القوى مختلفة التأثير، متّحدة الأثر، متباعدة الميادين، ولكنها تلتقي على هدف واحد، وهو التمكين للاستعمار؛ وأنها حاربته بأربعة أصناف من الأسلحة البشرية، أخفّها فتكًا وأقصرها مدى، الجندي ...
جاءت فرنسا إلى الجزائر بالراهب "الاستعماري" لتفسد به على المسلمين دينهم، وتفتنهم به عن عقائدهم، وتشككهم بتثليثه في توحيدهم، وتضار في ألسنتهم كلمة "الهادي" بكلمة "الفادي". ذلك كله بعد ما أمدّته بالعون، وضمنت له الحرية، وكفرت به هناك لتؤمن به هنا.
وجاءت بالمعلّم "الاستعماري" ليفسد على أبناء المسلمين عقولهم، ويلقي الاضطراب في أفكارهم، ويسْتَنْزِلَهم عن لغتهم وآدابهم، ويشوّه لهم تاريخهم، ويقلّل سلفهم في أعينهم، ويزهدهم في دينهم ونبيّهم، ويعلّمهم- بعد ذلك- تعليمًا ناقصًا: شر من الجهل.
وجاءت بالطبيب "الاستعماري" ليحاري على صحة أبنائها قبل كل شيء، بآية أنه لا يكون إلا حيث يكون الأوربيون، لا في المداشر التي يسكنها الألوف من المسلمين وحدهم، ولا في القبائل المتجاورة التي تعد عشرات الألوف منهم. أما هذا الطبيب الاستعماري بالنسبة الى المسلمين فكأنما جاء ليداوي علة بعلل، ويقتل جرثومة بخلق جراثيم، ويجرّب معلوماته فيهم كما يجرّبها في الأرانب؛ ثم يعيش على أمراضهم التي مكّن
(3/96)

لها الاستعمار بالفقر والجهل، مما جعل الجزائر كلها- إذا استثنينا الحواضر- بستان المشمش في نظر ابن الرومي (1). هذا هو المعنى الذي نفهمه من مجيء هؤلاء، ومن ثناء السيد الوزير الوالي عليهم.
...

وبعد، فهل تتّسع الصدور لمناقشة هذه الكلمات الصريحة، بكلمات صريحة؟
جاءت فرنسا إلى الجزائر بالجندي ففتح بالقوة، ومهّد بالقوة، وسجّل لها في تاريخ الإنسانية صحائف لا ندري ما لونها، إلا إذا قرأنا "رسائل سانت أرنو"، وتقرير لجنة البحث البرلمانية سنة 1833، وكتاب "كريستيان" وكلام النائب المنصف "روجي" في مجلسى الأمة الفرنسي شهر جانفي سنة 1834.
ثم جاءت بعده بالمعلّم والطبيب والراهب، بعد أن أجرت لهم عملية التلقيح بمادة "الاستعمار"، وهي مادة من خصائصها تعقيم الخصائص، فلم يبق المعلم معلمًا علميًّا، ولا الطبيب طبيبًا إنسانيًّا، ولا الراهب أبًا روحيًا، وإنما جاءوا في ركاب الاستعمار ليخدموه ويثبتوا أركانه.
ونظر الناس بعد مرور مائة وعشرين سنة على هذه "الرحمات" الثلاث المرسلة إلى الجزائر من سماء فرنسا، فإذا تسعة وتسعون في المائة من أبناء الأمة الجزائرية أميّون، لم يرَوْا مدرسة، ولم يسمعوا بمعلم، فقدوا قديمهم ببركة الاستعمار، ولم يجدوا الجديد! وإذا الطب الاستعماري لم يقضِ على المرض وإنما قضى على الصحة، فأربعمائة ألف من مجموع الأمة مسلولون، والباقون معلولون، وعشرات الآلاف من الأجنّة تسقط لفقد العناية، ومثلها من الصبيان يموت لسوء التغذية، ومثلها من الأحداث يذبل عوده لفقد وسائل التنمية، وإذا الراهب المبشّر ذئب فلاة، يتربّص اليتم لينصِّر الأبناء، والمجاعات ليفتن الآباء، فكأن من وصايا المسيح عنده أن لا يطعم البطن إلا إذا أخذ القلب، وأن لا يكسو الظهر إلا بالتجريد من الدين، ولا ينشر تعاليم المسيح إلا باستغلال أزمات الضعفاء والبائسين! ... حاشا لدين المسيح عليه السلام وكلمته التي ألقاها إلى مريم أن يكون هذا طريقه إلى النفوس، وهذه طريقته في الانتشار. إن المسيح كان عدوًّا للظلم والباطل، وإن الاستعمار أقبح باطل وأشنع ظلم على وجه الأرض، فهل يُعدّ من أتباع المسيح وورثة هديه من ينصر الاستعمار؟
__________
1) يقول ابن الرومي:
إذا ما رأيت الدهر بستان مشمش … فأيقن بحق أنه لطبيب
يغل له ما لا يغل لربّه … يغل مريضًا حمل كل قضيب
(3/97)

إن الاستعمار القائم على الجندي والمعلّم والطبيب والراهب هيكل حيواني يمشي على أربع ... وإن الاستعمار قد قضى بواسطة هؤلاء الأربعة على عشرة ملايين من البشر، فرمى مواهبهم بالتعطيل، وعقولهم بالخمود، وأذهانهم بالركود، وأفكارهم بالعقم، وأضاع على الإنسانية بضياعهم عشرة ملايين من المواهب والعقول والأذهان والأفكار وهي رأس مال عظيم كانت تستعين به- لولا الاستعمار- على الخير العام والمنفعة، وتنتفع به في إقامة دعائم المدنية، فما أشأم الاستعمار على الإنسانية! ...
إن هذه الأمة كانت قبل الاستعمار ذات مقوّمات من دينها ولسانها، وذات مقومات من ماضيها وحاضرها، وكانت أرقى عقلًا، وأسمى روحًا، وأوفر علمًا، وأعلى فكرًا من أمم البلقان لذلك العهد، بدليل أن هذه الأمة كان لها حظ من حكم نفسها بنفسها لم تصل إليه تلك، ولو سارت سيرها الطبيعي ولم يعترضها الاستعمار بعوائقه وبوائقه لأنجبت المعلم الذي يملي الحكمة، لا المعلم الذي يمالئ الحكومة، ولأنجبت الجندي الذي يحرس الحق، لا الجندي الذي يخرس الحق، ولأنجبت المتأله الذي يؤمن بمحمد وعيسى ويوحّد الناس على هديهما، لا المتألّه الذي يسخر الاستعمار لإحياء فريق بإماتة فريق.
...

إننا أمة علم ودين، لم ينقطع سندنا فيهما إلى آبائنا الأولين، وإننا أمة شكران لا أمة نكران، فلو أن المعلّم الذي جاءتنا به فرنسا علّم ناصحًا، وربّى مخلصًا، وثقّف مستقلًا، وبثّ العلم لوجه العلم، ونشر المعرفة تعميمًا للمعرفة، وزرع الأخوة الصادقة في سبيل الإنسانية الكاملة، ولم يقيده الاستعمار ببرامجه، ولا سيّره على مناهجه، لظهرت آثاره الطيبة في الأمة، ولأنطقتنا تلك الآثار بالاعتراف والثناء بالجميل، ولكنّه علّم متحيزًا إلى فئة، وأورد على غير مشربنا، وغرس في نفوس أبنائنا التنكّر لماضيهم، والتسفيه لتاريخهم، والنسيان للغتهم ودينهم. أفهذه هي النعمة التي تمنها فرنسا علينا وتتقاضانا شكرها؟ ...
ولو أن الراهب الذي جاءتنا به فرنسا جاء لينشر تعاليم عيسى بين أتباعه، ويبث تسامحه بين أشياعه وغير أشياعه، للقي منّا التبجيل والاحترام، لأننا أعلم الناس بتعاليم المسيح، ولأننا لا نفرّق بين أحد من رسل الله، ولأننا نعتقد أن النبوات كلها حق وهداية وخير، وأن لاحقها ينسخ سابقها بما هو أكمل وأفضل وأجمع لشمل البشر، وأنفى للشرّ والفساد بينهم، ولكن الراهب الذي جاءتنا به فرنسا إنما جاء ليبارك على القاتل، ويدني الصيد من الخاتل، ويعاون المعمر على امتلاك الأرض، والحاكم على انتهاك العرض، وإنما جاء ليغفر للذين
(3/98)

يسفكون دماء الأبرياء ما اقترفوه من ذنوب وآثام. أفهذه هي المنقبة التي تفخر بها فرنسا، وتعدّها من وسائل التمدين، وتتقدّم بها إلى التاريخ؟
...

هناك المظهر، وهنا المخبر ... هناك يقولون إن فرنسا حاملة لواء الحرية وحادية الأمم إليها، وإنها حامية حقوق الإنسان، وإنها زعيمة التحرير في العالم، وإنها أستاذة المثل العليا للإنسانية، وإنها منارة العدل التي يهتدي بها المظلومون، يبدئون القول في ذلك ويعيدونه وينشرونه في العالم، ويكتبونه في كل سطر من صحفهم ومؤلفاتهم ... وهنا يفرضون علينا العبودية، ويمنون بها علينا، ويريدون منّا أن نسمّيها بغير اسمها، وأن نكافئهم عليها حمدًا وشكرًا ... ويزور بلادنا من سمع تلك الدعاية وتأثّر بها فتصوّرنا بها أحرارًا في ملكوت وأبرارًا في نعيم، فلا تقع عينه إلا على عهود بائدة من الأشخاص والأحكام والمعاملات، لا تصلح إلا لمتاحف الأثريات، ولا ترى من هذه الأمة إلا عظامًا معروقة، وجموعًا مفروقة، وأشكالًا من الجحيم مسروقة، ويتردّد بين تكذيب السماع وتصديق العيان، ... ولكن الحقيقة أن ذلك مظهر، وهذا مخبر، ويا بعد ما بينهما.
وقبل وبعد، فهل حكومة فرنسا بعد إعدادها للرهبان، واعتمادها على الرهبان، دولة لائكية؟
(3/99)

فصل الدين عن الحكومة ... *

- 1 -
ما زالت هذه الحكومة تمزج الصلف بالتصلّب، والتردّد بالتقلّب، وتخلط الممانعة بالمدافعة، وتؤيّد التحيّل بالتخيّل، وتكمل الإصرار على الباطل بالعناد فيه، في قضية حقّنا فيها أوضح من الشمس، وباطلها فيها أعرق من الإدبار من أمس.
وما تزال تهيم في أودية من الضلال، وتتصامّ عن الأصوات المتعالية من أصحاب الحق، بطلب الحق، وتتعامى عن الحقائق التي بينّاها لها، وعن النذر التي جلتها عليها الأيام، وتحن إلى تقاليدها الاستعمارية البالية في التسلّط على ضمائر المستضعفين ومعنوياتهم لتفسدها عليهم، فهي تظهر في كل يوم بجديد، في مسألة لا قديم لها فيها ولا جديد ... ونحن لا نستغرب هذا ولا أكثر من هذا من حكومة تدين بالهوى لا بالعقل، وترتجل الأحكام حيث يجب التروّي، وتتروّى حيث يجب الارتجال، وتدور على قطب قلق من المكاتب المتعاكسة، ورؤساء المكاتب المتشاكسين، وعلى تواطؤ في التباطؤ، يُفني الآمال، ويُضني الآملين، ويضلّ الأعمال، ويملّ العاملين، لا على شورى تعصم الرأيَ من الضلال، ولا على استبداد يحرم الرأي من الظهور! ولعمري ... إن هذه الحالة هي شرّ ما تُساس به الأمم وتُدار به الحكومات، ويصاب به الحاكمون حين يصابون بالأزمات النفسية، والقلاقل الفكرية، والزعازع الحزبية، والأمراض العنصرية، وهو أسوأ ما تبتلى به الشعوب التي تدور عليها كواكب النحس، فتوزن بموازبن البخس.
كأني بهذه الحكومة اللايكية المسيحية- معًا- الديمقراطية الديكتاتوربة- معًا- ترمي ببصرها إلى ما وراء حدود الجزائر من الأقطار الإسلامية الحرة في ديانتها، المدبرة لشؤونها الدينية بنفسها وبحكوماتها، فترى أن حكومات تلك الأقطار هي القائمة على شؤون الدين،
__________
* نشرت في العدد 75 من جريدة «البصائر»، السلسلة الثانية، 11 أفريل سنة 1949.
(3/100)

والمسيّرة لنظمه، فتجعل البابين بابًا واحدًا، وتقول: هذا من باب ذاك ... هن حكومات، وأنا حكومة، وهنّ يتصرفن في الدين، فأنا أتصرف في الدين ... فتقيس مع الفارق، وتقف على "ويل للمصلين" ... ويغيب عليها في هذا البُحران أن تلك الحكومات إسلامية، فهي تمارس شؤون الدين، بحكم الدين، وتجري هي تصرفاتها فيها وتسييرها لها على أحكام الدين، وترجع في ما يشكل عليها إلى رجال الدين، وهم- بالطبع- ليسوا كعلماء دين الحكومة الجزائرية ...
علمنا هذا مما علمناه من أعمال الحكومة، وبلوناه من سرائرها، وجلوناه من جرائرها، واستنبطناه من تمسكّها الشديد، وتشدّدها الأعمى، وحيرتها واضطرابها في هذه القضية، ثم مما قرأناه في السطور (وبين السطور) في تقريرها الذي وسمته بالتقرير العاصمي.
وإذا ذكرت أن الشيء الواحد يتفق مصدرًا فإذا هو شيء واحد، كما تعقله وتفهمه، وتعرفه وتعلمه، ثم يختلف مظهرًا فإذا هو شيئان أو أشياء، كما تشاء الأهواء، إذا ذكرت ذلك فاذكر أن العاصمي في تقريره المملوء بالمنطق الأعوج، المبني على التاريخ الأعرج، معناه أن الحكومة استعملت المساجد (ورجالها) يوم استلمتها من يد المفتيين الحنفي والمالكي. فمن العدل (ومن المطابقة) (ومن مراعاة النظير) أن ترجعهما إلى المفتيين (يعني الحاليين) أو (يعني مفتيًا واحدًا من الحاليين).
واسأل العرّافين: لو لم يكن العاصمي مفتيًا، أو لو عُزل عن الإفتاء، أكان يرى هذا الرأي؟ يقول كل عرّاف: لا. ويقولون أيضا: إن العاصمي لا ينطق عن هواه وإنما ينطق عن وحي ساداته ومواليه. وليس هذا الرأي ابن يومه، ولا ابن التقرير، وإنما هو ابن سنين. فقد زارني العاصمي مبكرًا متنكّرًا منذ سنوات، وكان يومئذٍ يحضر جلسات نادي الترقّي، ويشايع الأستاذ العقبي ظاهرًا على آرائه في القضية، فأفضى إليّ بهذا الرأي على أنه من بدائعه، وقال لي: إن مساعي العقبي ضائعة، وإنها ضرب في حديد بارد، وإن هذا الرأي هو الرأي المقبول المعقول. فقلت له ما معناه: إن المفتيين اللذين سلّما المساجد، سلّما ما لا يملكان. فعملهما ليس بحجّة علينا، وسلّما، وسيف الاستعمار مصلت على رأسيهما، فتسليمهما ليس بحجة علينا، وفعلا تلك الفعلة الشنعاء استسلامًا للجبن، واحتفاظًا بالوظيف والرغيف، وفعل المستسلم ليس بحجة علينا، وقلت له إن استلامكما لها لا يقل شناعة، ولا يختلف مقاصد وأغراضًا عن تسليمهما، وإذا تنازلنا قلنا: إننا لا نأمن أن تستلماها، فيأتي مفتيان آخران فيسلّماها، ما دامت حجتك دائرة على: مفتٍ يسلّم، ومفتٍ يستلم، وكلا عمليهما غير مشروع، وقلت له: إن الرأي في القضية للعلماء الأحرار وإن الحق فيها للأمة المسلمة، وإن المفتي الأول لا حق له في التسليم، وإن المفتي الأخير لا حق له في الاسْتلام، والأول
(3/101)

مبطل في العطاء والأخير مبطل حين يأخذ. وكلاهما موظف مأجور، أقلّ ما يقال فيه إنه متهم؛ ولو كان المفتيان اللذان سلّما المساجد والأوقاف إلى الحكومة مسلمين يخافان الله ويرجوان لقاءه لما أقدما على ذلك، ولآثرا الموت شنقًا على ارتكاب ما ارتكباه وأقلّ ما كان ينتظره الإسلام منهما- إن أكرها على ذلك- أن يسلّما الوظيفة لا المساجد؛ ولكنهما كانا أحرص على الوظيفة منهما على دينهما.
وقلت له: أتظن أن عملكما في الاستلام يعد تكفيرًا عن إجرامهما في التسليم؛ أم تظن أن عمل الحكومة في التسليم لكما يُعدّ توبة لها، من الغصب؛ أنتما موظفان لا تملكان لأنفسكما حرية، فكيف تُحرّران المساجد والأوقاف؛ إن الأمر متشابه الأواخر بالأوائل، وبعضه من بعضه، وإن تسليم الحكومة شيئًا لموظّفيها لا يكون معناه البديهي إلا تسليم الحكومة لنفسها؛ ومن القواعد المقرّرة في الفقه: العبد وما ملك لسيّده، ولا يتم تحرير المساجد إلا على أيدي الأحرار.
...

وهذه القضية هي أخت التي فرغنا من الحديث عنها بالأمس، كلتاهما مما تشتدّ جمعية العلماء والأمة في المطالبة بتحريره، لأن كلتيهما من صميم الدين، وقد كانت لنا في هذه مواقف مشهودة، كالتي كانت لنا في تلك، بل كنا نقرن بينهما دائمًا كشهادتي الإسلام إحداهما مكمّلة للأخرى، فلا نريد أن تبقى للحكومة يد ولا إصبع في تعليمنا العربي الديني، ولا في شعائرنا الدينية ولا في مساجدنا، ولا نريد إلا أن تكون الأمة حرة في دينها، مطلقة التصرّف في مساجدها وأوقافها وشعائر دينها.
وللحكومة في هذه القضية قوانين وقرارات متشابكة متناقضة كالتي في تلك، وفيها الظاهر، وفيها الباطن، وفيها ذو الوجهين، وفيها الصريح في الفصل، وفيها ما يقيّده، ولا نتشاغل بمناقشتها لأن الدستور الجزائري الأبتر قضى عليها جميعًا، وحسم القضية فصرّح بالفصل، ولم يبقَ إلا التنفيذ فوكّله إلى المجلس الجزائري فأبت حكومة الجزائر إلا أن تعكّر الصفو فركبت العظائم في تكوين ذلك المجلس، حتى جاء كما تهوى، ويهوى لها الهوى. وهي بعد ذلك دائبة على إبقاء هذه القضية وأخوات لها كما كانت؛ فأوعزت بالتقرير العاصمي لتوهم به النوّاب، ولكون أحد الأسباب؛ ثم عمدت إلى ألاعيب أخرى في الجمعيات الدينية؛ وليست مهزلة الانتخاب التكميلي للجمعية الدينية بالجزائر بآخرة المهازل، وسنناقش هذه المهازل وأصحابها الحساب. والأمة لا ترضى إلا بالفصل الحقيقي على الوجه الذي يسطره العلماء الأحرار، والمسلمون الأبرار.
(3/102)

فصل الدين عن الحكومة

- 2 - *
سلّمنا أن فرنسا دولة مستعمرة من ذلك الطراز الاستعماري اللاتيني الأزرق، وأنها تمتاز بادّعاء أنها ممدّنة العالم ومعلّمته وناشرة لواء الحرية فيه، وأنها السابقة إلى نبذ
الأديان، وقطع الصلة بين الله وعباده، وأنها واضعة نظام اللائكية التي معناها وضع سور بين الحكومات وبين الأديان كيفما كان نوعها، ومعناها أيضًا تقوية السلطة المادية، وتوهين السلطة الروحية، وأنها الأستاذة الكبرى لكلّ من سلك هذا السبيل، وتأسّى بهذه الشرعة، وأنها مرجع كل إباحي، وقدوة كل ملحد، وأنها شيخة مصطفى كامل في الأولين ومصطفى كمال في الآخرين، ما هتف الأول في الوطنية إلا بشعارها، وما تغنّى في الحرية إلا على مزمارها؛ وما استدبر الثاني مشرق الشمس إلا ليستقبل مغرب أنوارها، وما نبذ حروف العرب إلا ليستبدل راءَه بغَيْنها (1) وطورانه بنارها.
كل هذا مما تدعيه فرنسا وتغري به البله منّا وتغرّ المغفلين.
ولكن ما بالها خالفت العالم الاستعماري كله، وخرقت إجماعه، وشذّت عن قاعدته، فهو يسالم الأديان حتى الباطل منها وغير المعقول، ويترك أهلها أحرارًا في شعائرهم ومعابدهم، ويوليها شيئًا من الرعاية والاحترام، ويكتفي بالتسلّط على الجانب الدنيوي من حياتهم؛ أما هي فتضايق الإسلام في الجزائر وتحتكر معابده وشعائره، وتمتهن رجاله، وتبتلع أوقافه، فلا مسجد إلا ما فتحته ولا إمام إلا من نصبته، ولا مفتي إلا من (حنفته) أو (ملّكته)، ولا شيخ طريق إلا من (سلّكته) ولا حاج إلا من حجّجته أو نسّكته، ولا صائم ولا مفطر إلا على يد (لجنتها)، ولا هلال إلا ما شهد برؤيته (قاضيها)! ...
...
__________
* نشرت في العدد 83 من جريدة «البصائر»، 13 جوان سنة 1949.
1) بغينِها: كثير من الفرنسيين ينطقون الرّاء غينًا.
(3/103)

قرأنا سِير الإنكليز في الهند فوجدناهم بالغوا في إعطاء الحرية للأديان حتى بلغوا حد السخافة، وسوّوا في تلك الحرية بين (قرّاء البقرة) بالحق، وبين (عباد البقرة) بالباطل، ويسّروا سبيل الحج حتى اتّسع معنى الاستطاعة.
وقرأنا عن تلك الدويلات الاستعمارية- وشهدنا- أنها تحترم الأديان الموجودة في مستعمراتها حتى الوثني منها، والمضاد لحضارة الإنسان، والواقف في طريق الرقي العقلي. ولو أنها خصّت الوثني منها بالاحترام والحرية لقلنا: إنها مكيدة تجعل بها حرية الدين وسيلة لاستعباد المتدينين به. ولكنها أرخت عنان الحرية للإسلام الذي هو أعظم خصوم الاستعمار، وأقوى عامل للتخلّص منه.
ثم ما بالها خالفت نفسها، وناقضت مبدأها؛ فهي في فرنسا تدين باللائكية وحرية الأديان، ينصّ على ذلك دستورها، ويجري عليه تعليمها، وتتأثّر به أمّتها، وهي في الجزائر "تتمسّك" بالإسلام هذا التمسّك، وتتشدّد في "القيام" به هذا التشدّد، وتتعنّت في الانفصال عنه هذا التعنّت.
...

في الدول المستعمرة مَن هي أبرع من فرنسا في فقه الاستعمار، ومَن بلغت فيه رتبة الاجتهاد المطلق، وهي- مع ذلك- تعامل الإسلام بما يليق به من كرامة، وبما يستحقه من حرية، فهل هي في هذا جاهلة لأصول الاستعمار؟ وهل هي في هذا غافلة عما في حريته من خطر؟ لا ... وإنما هي في هذا أوسع نظرًا وأكثر تبصّرًا بالعواقب من فرنسا. وهي ترى أن إعطاء الحرية للإسلام جلب للهناء والسعادة وحسن العشرة ولو إلى حين، وهي تعتقد في قرارة نفسها أن الاستعمار لصوصية، واللصوصية أحوج الأشياء إلى الحذق، وهي قد جرّبتْ فعلّمتها التجارب أن حرية الأديان لا خطر فيها، وإنما هي خير وراحة ورضىً واطمئنان؛ ولو أن فرنسا السيّئة الظن بالإسلام، والموجسة من حريته خيفة، رمتْ ببصرها إلى ما وراء الحدود الجزائرية، ولو أنها كانت ممن ينتفع بالتجارب، لرأت في المغرب وتونس ما ينقض عليها عقيدتها في الإسلام، ولغيّر نظرتها إليه، وحكمها عليه، فالإسلام في القطرين حرّ، وإدارته بيد أهله ولم يأتها الخطر من تلك الحرية، بل إن حرية الدين في القطرين سدّت عليها أبوابًا من الخطر والإقلاق. وإذا قلنا إن الإسلام حرّ في المغرب وتونس فإننا لا نعني من الحرية معناها الواسع الصحيح لأن الاستعمار الفرنسي لا ينسى عوائده. ولا يخالف أصوله وما زال يتخذ من أعماله في الجزائر- على شناعتها- نموذجًا يحتذيه في الأقطار التي ابتليت به: لا ينتفع بالعظات، ولا يتطور مع الأوقات، وفي تدخله في الأوقاف الدينية بتونس
(3/104)

ومراكش، واستهوائه لأكابر رجال الدين، وامتداد نفوذه إلى السلطة القضائية، أكبر دليل على ما قلناه.
...

الاستعمار كله رجس من عمل الشيطان، يلتقي القائمون به على سجايا خبيثة، وغرائز شرهة، ونظرات عميقة إلى وسائل الافتراس، وإخضاع الفرائس، وأهمّ تلك الوسائل قتلُ المعنويات وتخدير الإحساسات الروحية؛ ولكن هناك تفاوتًا بين استعمار واستعمار، فاستعمار يباشر وسائله بالحقد ويشربها معاني من الانتقام؛ وآخر يباشرها بنوع من التسامح واللين؛ والاستعمار الفرنسي من النوع الأول، وبين النوعين فرق، وإن كانا بغيضين ممقوتين، لأنهما استغلال للأموال، واستعباد للأجساد، ويزيد أحدهما بأن فيه ترويحًا على الأرواح، ولولا ما بلوناه من شر الاستعمار الفرنسي على ديننا ولغتنا، وما تجرعناه في سبيل إحيائهما من غصص، وما كابدنا في إنقاذهما منه من بلاء، لما ذكرنا الاستعمار بخير، ولما أجريناه على ألسنتنا إلا مقرونًا باللعنة مصحوبًا بالسخط، ولكن في الشر خيارًا لا يقدره قدره إلا المبتلى بالأشد من أنواعه.
ساء مثلًا الاستعماران: ما يُقعد منهما الروحانيات المقعد الخشن، وما يُقعدها المقعد الوطيء، وما يتعمدها بالقتل الوَحِيِّ، وما يبتليها بالموت البطيء؛ وسيسوآن- وإن طال أمدهما- مصيرًا، وسيخذلهما القاهر الذي يُمهل ولا يُهمل، ولا يجدان من دونه وليًّا ولا نصيرًا.
...

أكثرنا من ذكر الاستعمار في المعارض التي يلتقي بنا أو نلتقي به فيها حتى كدنا نألفه فتأنس له نفوسنا، ويشغلنا ترداد اسمه عن الاستعداد للتخلص منه، كما يشغلنا الإكثار من لعن الشيطان عن الاحتراس من وساوسه، والتحفظ من مكايده؛ فلنرجع إلى أنفسنا وإلى أمّتنا، ولنناقشها الحساب: ماذا أعدت لتحرير الدين؟ وبماذا استعدت؟
لنخرج من الأقوال إلى الأعمال، ومن الافتراق إلى الاجتماع، ومن التفريط إلى الحزم، ومن المهاودة إلى التصميم، ومن المطاولة إلى الإنجاز، ومن التخاذل إلى التناصر، ومن الجمجمة إلى الصراحة، ومن السلب إلى الإيجاب.
إن المسألة خطيرة، وإن الأمّة الجزائرية المسلمة في قلق عظيم، وإن أصحاب الأغراض والمنافع من حكومة وحكوميين يعبثون بديننا ونحن ننظر.
فلنقف الوقفة الحازمة التي توقف كل عابث عند حدّه.
(3/105)

فصل الدين عن الحكومة

- 3 - *
شهر رمضان ظرف زماني للدين، فكلّ حديث فيه عن الدين عبادة، والمساجد ظروف مكانية للعبادة، بينها وبين رمضان صلات وكّدها الله الذي كتب الصوم وجعله له، وشرّف المساجد فجعلها بيوته، وشرع لهما حُرُمات متشابهة، ومنها هجر اللغو، والتزام الصدق، وحبس الأنفاس على طاعة الله؛ فالمسلم في المسجد مواجه لربّه، واقف بين يديه، وفي رمضان مكبوت عن شهواته، مأخوذ بناصيته إلى الحق.
فالحديث عن المساجد من الدين، والتنديد بأعمال الظالمين لها والغاصبين لحقوقها من الدين، وانتقاد القائمين فيها من الدين أيضًا! فنحن- من رمضان والمساجد- في دائرة مغناطيسية من الدين، لا نفلت منها إلا لنقع فيها، وداعي الدين هو الذي يحرّك ألسنتنا إلى النطق، وأقلامنا إلى الكتابة، وعقولنا إلى التفكير في هذه المسألة؛ ونحن نعتقد أننا حين نكتب حرفًا، أو ننطق بكلمة، أو نرسل رأيًا في هذه القضية، ننطق بحق ونكتب حقًّا، ونرى حقًّا، ولو كرّرنا ذلك ألف مرة، وأننا حين نسكت- نسكت عن باطل لا يجوز إقراره ولا السكوت عليه- ونعتقد أن الأمة حين تسكت، أو تقصر، أو تتخاذل في هذه القضية، مجمعة على محرم، مأخوذة به عند الله، يوم يطالب كل ذي حق بحقّه ويطالب رب العباد بحق دينه، وويل لمن كان ربّه خصمه يوم القصاص.
ونعتقد أيضًا أن هذه الحكومة المسيحية مصرّة على باطل أبطلته الأديان والقوانين والمدنيات والعوائد، وأنها عجزت عن دينها المسيحي أن تحرّره من احتكار روما، وعن دين موسى أن تنتزعه من مجامع الأحبار، فجاءت إلى ديننا تتحكّم فيه، وتلصّ أوقافه وتسخر رجاله الضعفاء لمصالحها، وتجعل من معابده ميادين لاحتفالاتها بالنصر والكسر،
__________
* نشرت في العدد 87 من جريدة «البصائر»، 18 جويلية 1949.
(3/106)

ومن أئمته ألسنة تجهر بالدعاء لها، وما دعاء الظالمين إلا في ضلال.
نعتقد أن كل ما قرّرته هذه الحكومة المسيحية، وكل ما تقرره في شؤون ديننا باطل منقوض دينًا وعقلًا وقانونًا، حتى تسمية الأئمة والمؤذنين فهي باطلة وطلب هذه الوظائف من هذه الحكومة باطل، والرضى بها باطل، لأن شرط نصب الإمام أن يكون من حكومة مسلمة، أو من جماعة المسلمين، لا يختلف في هذا مسلمان، ولا يخالف فيه إلا "العاصمي" في قياسه لحكومة الجزائر على حكومة ابن سعود، وهو قياس لا يشبهه في الفساد إلا قياس مسيلمة على محمد في شهادة الإخلاص!!
وإن هذا القياس لدرجة في العلم لا تبلغ إلا بخذلان من الله، ودرجة في العمل لا تُرتقَى إلا بتوفيق من الحكومة.
...

ونحن قد قمنا في هذه القضية مقامات يحمدها الدين، وأبلينا في هذا الميدان بلاء الثابتين الصابرين، ما نكص لنا فيه بطل، ولا وهنت لنا فيه عزيمة، ولا تغيّر لنا فيه رأي، ولا التبس علينا من وجوه الرأي فيه مذهب.
ألححْنا في المطالبة بتحرير المساجد والأوقاف، وسقنا على ذلك من الحجج ما لا يدحض، وكشفنا عن المستور من مقاصد الحكومة، وقلنا لها (بالقلم واللسان): إن سكُوت مَنْ قبلنا لا يكون حجة علينا، وإن تخاذل من معنا لا يكون مسوغًا لبقاء هذا الوضع الجائر واستمراره، بل قلنا لها: إنها هي السبب الوحيد لهذا التخاذل، وهي التي صيّرت طوائف منّا مبطلة تخذل الحق وأهل الحق، وإن بقاء الوظائف الدينية في يدها هو أصل هذا البلاء، وإن هذا البلاء لا ينقطع حتى يُنزع حبل الدين من تلك اليد ويوضع في أيدي أهله. وقلنا لها: إن الواجب المعجل المحتّم، والعمل السديد المنظّم، هو إعلان رئيس الحكومة أمرين متلازمين؛ أولهما تنفيذ قانون الفصل الذي تضمنه الدستور الجزائري الأعرج، وثانيهما حياد الحكومة التام في تأسيس الجمعيات الدينية التي تنتخب المجلس الإسلامي الأعلى.
وقلنا لها: إن ابتلاعها لأوقافنا الدينية والخيرية ظلم، والظلم لا يدوم، ولصوصية، واللصوصية لا تتأتى إلا في الغفلة أو النوم أو الظلام، فأما في الانتباه واليقظة والنور فافتراس تبرره القوة والعتو، وليسا من صبغة هذا الزمان.
وكأني بقائل يقول: ما لكم تُبدئون في هذه القضية وتعيدون؟ مع أن الفصل واقع في الأمر نفسه، واقع في بنود الدستور الجزائري ... فقد قضى ذلك الدستور على جميع القرارات التي كانت تحدّد سلطة الحكومة على المساجد حينًا، وتمدّدها أحيانًا. ونحن نقول
(3/107)

لهذا القائل: لو كنت تعرف ما تقول عذرناك، ولو كنت تعرف ما نقول عذرتنا في الإبداء والإعادة. فقد بُلينا بحكومةٍ جُمع فيها كل ما تفرّق في غيرها ... وقد بلوناها في جميع حالاتها وألوانها، فإذا هي هي، تُغطّي الشمس بالغربال، وتطاول العماليق بالتنبال، وترصد لكل كلمة من الحق كلمات من الباطل تنسخها أو تمسخها، ولكل صوت من الخير أصواتًا من الشر تشوشه أو تلغو فيه، ولكل صلاة إلى الله مُكاء وتصدية من الشيطان، ولكل داع إلى الجنة دعاة إلى أبواب جهنّم، ولكل مطالب بتحرير المساجد مطالبين بإبقائها في العبودية، وقد رصدت قبل ذلك لكل مطلق في قوانينها قيودًا وسلاسل وأغلالًا، فلا يطمع الطامع في فتح باب إلا أوجدت له قفلًا ...
وما الدستور الجزائري الأبتر إلا أحبولة من تلك الأحابيل، وما المجلس الجزائري إلا سليل للمسلول، فإذا كان الدستور قد جعل فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الجزائرية أحد بنوده، فقد أيّد حكومة الجزائر من المجلس الجزائري بأحد جنوده، وحكومة الجزائر لا تريد الفصل، ولن تريده، ولا ترضاه، ولا ترضى على من يرضاه؛ والدستور حكم بالفصل، ولكنه وكل تنفيذه إلى هذا المجلس الذي صنعته الحكومة بيدها، ونفخت فيه من روحها، ومعنى ذلك أن الدستور ترك للحكومة منفذًا تستطيع هي بأساليبها أن تجعل منه بابًا واسعًا، وقد فعلت ...
...

ونحن نعلم أن المسألة من أولها إلى آخرها سفسطة وتضليل، ولا ندري كيف يتأتى لهذا المجلس المصنوع، المحدود السلطة، المقصور على الماليات، أن ينفّذ قضية ليس المال إلا جانبًا من جوانبها الكثيرة، ومعظم الجوانب خارجة عن دائرة نفوذه. وهبْ أنه اتسع نظره للأوقاف الإسلامية، فماذا يصنع في الجوانب الأخرى؟ أيبقي ما كان على ما كان؟
وكنا نرجو أن يكون المجلس أكمل من الدستور، ينتخب أعضاؤه انتخابًا حرًّا، وتظهر فيه النيابة عن الأمة بمظهرها الحقيقي، ويكون النوّاب نوّابًا حقيقيين يؤثرون مصلحة الأمة على مصلحة الحكومة، ولو وقع ذلك لكانت جمعية العلماء أول المطمئنين إلى أعمال النوَّاب في مطالبها الدينية، كيفما كانت أعمالهم الأخرى.
وقد مرّت على هذا المجلس سنتان، وعرفنا من أعماله وبرامجه اليد التي توجّهه والريح التي تسيّره، والجهة التي يتّجه إليها، وصدق كل ما قلناه فيه، وأن عسى أن يهبط عليه الوحي في لحظة فيتناول مسألة فصل الدين الإسلامي بآراء مسيحية، وأفكار لائكية، وعقول بين ذلك ... ثم ينتخب لدراسة الموضوع مقررين مسيحيين أو لائكيين أو ما شاء الهوى ... ويا ضيعة الإسلام بين الأهواء!
(3/108)

فصل الدين عن الحكومة

- 4 - *
... ونظرنا نظر المستقلّ، الذي يبني أحكامه على الواقع المحسوس، فوجدنا هذا الوليد الناقص الذي يسمّونه الدستور الجزائري لم يشرّع جديدًا، ولم يزرع مفيدًا، ولم يزد على أن نقل هذه القضية من ميدان إلى ميدان، ومن يد إلى يد، نقلها من فرنسا إلى الجزائر، ومن برلمان يسيطر على الأفراد، إلى شبه برلمان يسيطر عليه فرد ... ليدفع الغضاضة عن فرنسا اللائكية، ويلصقها بفرنسا (المسلمة) التي تتمسّك من الإسلام بمعابده ورجاله، وتعرف كيف تسيره وتسيرهم. فكأنه يقول لحكومة الجزائر: لنتُ قليلًا فاشتدي، ورضيت قليلًا فاحتدي، وتركت لك ما إن عملت به لن تضلي من بعدي، ولم أضع لك قانونًا بل شبكة كلها خروق، فاخرجي من أيها شئت ... وكأنه يقول لها "بدأت فتممي" وخصصت فعمّمي، وصدعت الحائط فرمّمي، وتساهلت فصمّمي، وأشرت بالترياق وأنت ... فسمّمي، وجملت الوجه قليلًا فدمّمي، وقالوا إن فرنسا تغضب الإسلام، فأقيمي الدليل على أن المسلمين راضون، وشدّدي اللام من صفتهم فإذا هم "مسلِّمون". ففهمت حكومة الجزائر هذه الإشارة، وتلقتها كأنها بشارة؛ وكيف لا تستبشر؟ والدستور برمّته (لامركزية) من النوع الذي يسيل عليه لعابها، وبنود القضية الدينية منه إطلاق ليدها في التصرف المطلق، لذلك فهي قد فهمت من الدستور أشياء غير ما فهم الناس، ولذلك قامت بالتنفيذ على حسب مفهومها لا على حسب فهم الناس، فبدأت بالمجلس الجزائري فصاغته على ما يوافق هواها، وظفرت منه بمفرد يأتي بجمع، ولها من ورائه مدد من (رجال الدين)، وعدد من المرتزقة المجنّدين، وبدد من الظلمة المعتدين، وأوزاع من العوام غير المهتدين، وأشياع من الزملاء (المنتدين) (1)، فإذا اتحد هؤلاء بهؤلاء اتحادًا كيماويًّا تمّ المطلوب،
__________
* نشرت في العدد 88 من جريدة «البصائر»، 25 جويلية 1949.
1) المنتدون في اصطلاحنا هم كل من دخل "النادي الفرنسي الإسلامي". وهو نادٍ أنشأته حكومة الجزائر وزوّدته بمال ورجال وبرامج للاصطياد والتنويم والتلفيق.
(3/109)

وكان حزب الحق هو المغلوب، ومن هذا ولهذا وضع التقرير العاصمي، وكأنه مقدّمة لكتاب، أو طليعة لكتائب، ومن هذا ولهذا رأى الناس مفتي الجامع الحنفي مترددًا دائمًا على مقر المجلس، متصلًا بأعضائه مداخلًا لهم، متطارحًا عليهم، متملقًا إياهم، لا يفارق أحدهم إلا ليتصل بآخر. كأنه المعني بقول القائل: لا يرسل الساق إلا ممسكًا ساقًا، وكأنه آنس منهم صاغية، فهدّد في بعض ما كتب بأن (سعيه سوف يرى) ...
...

ونظرنا نظرة أخرى فإذا هذه القضية قد خرجت من يد الحكومة- بالمعنى الذي نعرفه للحكومة- وأنها لا تملك فيها رأيًا، ولا تهتدي سبيلًا، على ما استباحت في سبيلها من حرمات، وارتكبت من محرّمات، وأن القضية أصبحت كرة تتلاعب بها الأهواء المتعاكسة، والمكاتب المتشاكسة. ففي الولاية العامة مكاتب، لكل مكتب في القضية نظر ووجهة هو موليها، ولكلّ مكتب غاشية من (رجال الدين) تطرق الأبواب خلسة، وتقنع من البخت السعيد بالجلسة، وفي إدارة عامل الجزائر مكاتب أخرى تُزاحم وتُلقي دلوها في الدلاء، ويلوذ بها جماعة من (رجال الدين)، ولكل واحد من عمّال العمالات (2) رأي في القضية ومنهاج عملي يجري عليه، وعلى الدستور الجزائري العفاء، ولكل واحد منهم (محاسيب) من رجال الدين، يفيدون ويستفيدون، وإن اهتبال العمّال بهذه القضية لأمر طبيعي، لأنها سلطة مجدودة، وسلطنة غير محدودة، فهم يخشون أن تفلت منهم، فهم الذين يولون رجال الدين ويعزلون، فكيف عن هذه العروش ينزلون؟ وكيف لا يعذرون إذا جاحشوا عنها إلى آخر رمق؟
وإن هذا هو الذي يفسّر لنا موقف عامل قسنطينة من الوفد الذي فاوضه في قضية الجامع الكبير منذ أشهر.
ذلك أن طائفة من أعيان مدينة قسنطينة وفضلائها هالهم ما رأوا من إقبال طلبة الآفاق على معهد عبد الحميد بن باديس، وهالهم أن يضيق المعهد بهم، فيرجعوا خائبين، ورأوا أن في ذلك مسًّا بكرامتهم، وخدشًا لسمعة بلدتهم، فعقدوا اجتماعًا في المعهد، وحضرناه معهم لنبلى في العذر، وقرّروا إيفاد وفد إلى عامل العمالة باسم مدينة قسنطينة ليفاوضه في فتح الجامع الأعظم في وجوه هذه المئات التي ضاق عنها المعهد ولم تجد أماكن لدراسة دينها ولغتها، وتألف الوفد من رئيسي أكبر الأسر القسنطينية، وأعرقها في العلم والشهرة، وأطولها امتدادًا مع التاريخ، وأقربهما لرضى الحكومة، وهما الحاج محمد المصطفى بن
__________
2) عُمّال: جمع عامِل وهو "المحافظ أو الوالي". والعَمالة: المحافظة- الولاية.
(3/110)

باديس، والحاج الخوجة بن الشيخ الفقون، ومن نائبين في البرلمان الفرنسي وهما السيدان الهاشمي بن شنوف وعبد القادر قاضي، ومن محاميين مشهورين هما الأستاذان الحاج إدريس، والحاج مصطفى با أحمد، ومن ثلاثة من رجال الإصلاح الحافِّين من حول المعهد، والتقى الوفد بالعامل على ميعاد، وشرح له القضية، وما من رجاله إلا منطيق مبين، وكان مما قالوا له: إن هذه المسألة لا تهم شخصًا معينًا، ولا هيئة معينة، وإنما تهم الأمة وأبناءها بصفة عامة، ثم تهم- بوجه خاص- مدينة قسنطينة التي يأبى لها شرفها وسمعتها أن ترى أبناء الأمة الجزائرية يؤمونها لطلب العلم، ثم يرجعون كالمطرودين منها، لا لشيء إلا لأنهم لم يجدوا أمكنة للدراسة، ومساجد الأمة خاوية على عروشها، معطلة من أعظم وظائفها وهو التعليم، وتكلم ابن باديس على سنّه ومقامه وبيته فأقنع، وتكلّم النائبان بما لهما من حق النيابة وقوتها فأحسنا، وتكلم المحاميان بما لهما من المكانة في القانون فأفحما، ولكن حضرة العامل كان قيصري النزعة في الخطاب والجواب، فلم يزد على أن رد عليهم بكلمات جوفاء من الطراز المألوف، وبوعود من الطراز المألوف أيضًا ... وبتنصّل من أوائل القضية وأواخرها مألوف أيضًا ... وبإحالة على مرجع أعلى منه، وهذا من المألوف أيضًا، ثم ضرب للوفد موعدًا بإرجاع الخبر، وهذا من المسكنات المألوفة أيضًا ... ولعلّ السادة ما زالوا ينتظرون رجوع الخبر إلى الآن ...
ولم يخلُ هذا الاجتماع- على ما بلغنا- من تلك العادة الممقوتة التي تفننت هذه الحكومة فيها، وبرعت في استخدامها، وهي التلويح بشق معارض ... فقد تعوّدت أن ترصد لكل حق معارضًا من الباطل، تقيمه وتنصبه، وتدّخره من يوم الاستغناء ليوم الحاجة، أو ترتجله ارتجالًا، إذا حفزها الأمر، ولهذه الغاية نراها تُكوِّن جمعية دينية، في كل بلدة فيها جمعية دينية حرّة لتضار هذه بتلك، فكلّما طالبت جمعية العلماء بحق، أو وقفت موقفًا يغيظ الحكومة أوحت إلى جمعيتها: أنْ عارضي، وقولي: لا، فيما قالت فيه الجمعية الحرة: نعم، وكم تجرّعنا من هذه العادة من صاب، وكم لقينا فيها من أوصاب.
ويلوح لنا أن لعامل قسنطينة على الخصوص هوى غالبًا مبرحًا في الجامع الأعظم، وأنه حريص على إبقائه في يده، ولو حكم المجلس الجزائري، ولو تصافت المكاتب، ورجع إلى الحق (المعتوب) والعاتب؛ وكأن له فيها غرضًا بديعًا، وذوقًا لطيفًا وهو أن يجعل منه مزارًا للزوّار من العظماء، ومتحفًا عامرًا بالتحف الآدمية المتحركة، والدمى البشرية الحية، فكلما زار قسنطينة عظيم من فرنسا ذو حيثية، طيف به على الجامع الكبير والبيعة الكبرى، والكنيسة العظمى، ليرجع الزائر إلى وطنه بصورة رائعة من امتزاج الأديان، وإيمان جديد بقدرة الرجال على المزج والعجن، وبشهادة صادقة للعامل بأنه لا يفرّق (بين أحد من رسله) ... ومن عاش في الجزائر رجبًا، رأى عجائب لا عجبًا.
(3/111)

فصل الدين عن الحكومة (5)
أو فصل، رمضان والأعياد عن
قاضي الجزائر ... *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

... وما ظنُّ الناس؟ أيظنون أننا نقصد في ما كتبنا ونكتب من هذه الأسماء والألقاب أصحابها المعروفين؛ لا والله، فهم عندنا أقل من أن يجول لنا فيهم خاطر، أو يثور لنا فيهم اهتمام، وإنما نقصد من هذه الأسماء والألقاب- التي تجري على أقلامنا في هذه المواضيع- معاني خبيثة، وفكرًا شيطانية أصبحت هذه الأسماء دوال عليها، وأعلامًا لها، ومرتبطة بها ارتباط اللفظ بمدلوله الوضعي.
إن هذه الأسماء والألقاب التي فرضت علينا كلمة الحق تناولها بالنقد والتجريح، ليست أعلام أشخاص، ولا ألقاب أشخاص، وإنما هي أعلام أجناس لمعانٍ استعمارية، كما قالوا في فجار، إنه علم للفجرة، ... فإذا حاربنا اسمًا من هذه الأسماء فإنما نحارب الفكرة التي رضي صاحبه أن يمثّلها، والصوت الذي رضي أن يكون بوقًا له، لا الشخص الذي تحده الحدود، وتنمّيه الجدود، والفِكَر إنما تتمثل في المظاهر ذات القابلية. والناس يحملون من طبائع الأرض ألوانًا شتى، ففيهم القار المكين، وفيهم القابل للانخساف، والمتداعي للانهيار؛ وما ذنبنا إذا رضي أصحاب هذه الأسماء والألقاب أن يكونوا مظاهر للفكرة التي ينكرها الإسلام، ويمقتها المسلمون، وتحاربها منا الألسنة والأقلام؟ وما ذنبنا إذا رضي هؤلاء أن يتمثّلوا أفكارًا خبيثة لا رجالًا، ومبادئ لعينة لا أشخاصًا، وظلالًا من يحموم لا باردة ولا كريمة؟ ... لا ذنب لنا في ذلك وإنما الذنب لمن جعل نفسه عرضة لوطء الأقدام ووخز الأقلام.
نحن نريد- جادّين- فصل ديننا بجميع شعائره وعلائقه عن حكومة الجزائر اللائكية المسيحية فصلًا ناجزًا حاسمًا، لا تلكؤ فيه ولا هوادة؛ ونريد بتّ حباله من حبالها في المعنويات والماديات، ونعمل لذلك متساندين في الحق، مستندين على الحق، والحكومة
__________
* نشرت في العدد 89 من جريدة «البصائر»، 8 أوت 1949.
(3/112)

تريد بقاء حبالها بحباله مربوطة، ويدها في التصرّف فيه مبسوطة، وتحاور فلا تصدق في محاورة، وتشاور فلا تخلص في مشاورة، فإذا أعشاها الحق بنوره، وأفحمها البرهان بظهوره عمدت إلى شخص من هذه الشخوص فغطّت به مقصدًا من مقاصدها المفضوحة وسترت باسمه الإسلامي وصبغته الإسلامية مكيدة من مكائدها المكشوفة، فبالأمس غطت فضيحة استعباد المساجد باسم المفتي العاصمي، واليوم تستر مكيدة تدخلها في الأعياد الإسلامية باسم القاضي، ولا مفتي، ولا قاضي، وإنما هي الحكومة متسترة بهذه الأسماء التي لا تستر، متقنعة بهذه الأسماء والصفات والثياب، لابسة لها لِبسة الممثل ... كأنها تقصد ما يقصده (القالب الحيران) (1).
هذه أهدافنا نسدد إليها سهام التجريح، وهي مبادئ ظهرتْ بمظهر رجال، أو رجال صيّرتهم قابلية الاستعمال مبادئ؛ ولكن ما بالهم كلّما مسّهم النقد بحرارته صاحوا وناحوا، وثاروا وخاروا، وتظلموا وتألموا؟ أنا لا أصدق أن ذلك كله انتصار للكرامة الشخصية، وإنما هو إغراء لنا بموالاة الحملات عليهم، ليزداد شأنهم نباهة عند مسخّريهم، وليتّخذوا بذلك وسيلة وزلفى لأسيادهم، وذريعة لنيل الممتنع من مرادهم، وإن شأنهم في التظلّم منا شأن القائل:
أدعو عليه وقلبي … يقول: يا رب لا لا
...

ولم ننتقل بالقرّاء من ميدان إلى ميدان، وإنما حدث في القضية ما أوجب تغيير العنوان، ... فقد كان الصوم والإفطار والأهلة والأعياد كلها بعيدة عن تدخّل الحكومة، وكانت كالناحية المستقلّة من الوطن المستعمر، لم يصبها من تسلّط الحكومة ما أصاب المساجد والأوقاف والحج، فالأعياد لا تقام مسايرة لمقصدها، والأهلة لا تُرى بعينها، ولا بمرصدها، ولم يكن ذلك استعفافًا منها، وإنما كان استخفافًا بها، لعدم وجود المال فيها ... فرمضان ليس له أوقاف تنفق عليه، ولا سفينة تحمل إليه، والأعياد، عاطلة الأجياد، آمنة من طروق زياد، وطارق بن زياد ... وكان المسلمون يصومون ويفطرون متفقين أو مختلفين، لا يتبعون في ذلك إلا أحكام الدين أو تأويلات لا تخرج في الأغلب عن الدين، ولا ينقادون إلا لعوائد إن كان بعضها قبيحًا، فليس منه الانقياد للحكومة.
__________
1) من مزاعم العرب أن من حار ولم يتبين له وجه الصواب فدواؤه أن يلبس ثوبه مقلوبًا لتزول عنه الحيرة، يقول شاعرهم:
جدت جداد بلاعب وتبدلت … في الحي لبسة قالب حيران
(3/113)

ولما جد جد القضية الدينية بيننا وبين الحكومة انتهى بنا الأمر إلى إمعان في الذياد، وانتهى بها إلى غلو في الكياد، فرأت أن (تُلحق) الصوم والأعياد الدينية بالمساجد والحج، حتى يعمّها الاستعمار، ويشملها الاحتكار، وبنت الجديد في القضية- وهو لجنة الأهلة والأعياد الإسلامية- على القديم، وهو لجنة الأهلة التي كانت وبانت واستصدرت قانونًا يجعل الأعياد الإسلامية رسمية، تعطل فيها الأعمال والمصالح الحكومية، لتفتن العمّال والموظفين بذلك، فيكون صغوهم إليها، وهواهم معها، ولها في ذلك مآرب أخرى، وعمدت إلى قاضٍ من قضاتها المخلصين في ابتغاء مرضاتها، فنصّبته رئيسًا لتلك اللجنة، وشدّت عضده بعصبة من طرازه، لتحرّك النار بأيديهم، وتعمل ما شاءت بأسمائهم وألقابهم، وبدأت التجربة العملية المفضوحة في العام الماضي.
ومن أغرب المتناقضات في شؤون هذه الحكومة أنها تقتل الشيء، ثم تحاول استغلال خصائص الإحياء منه، فهي التي مسخت هذه الألقاب الإسلامية وامتهنتها، وجرّدتها من كل احترام، باحتكارها للتصرّف فيها، ووضعها في غير مواضعها، وإلباسها لغير مستحقّيها، ثم بدت لها بدَوات، فجاءت الآن تريد أن تستغل آثار هذه الألقاب في نفوس المسلمين، وهيهات ... إن المسلمين لا يحترمون هذه الألقاب إلا إذا كانت من وضعهم في اللغة الدينية، وما زالت فيهم بقية من الرشد الديني يُفرقون بها بين ما يريدونه لأنفسهم وبين ما يراد بهم، وبين ما يحوكونه بأيديهم، وبين ما يُحاك لهم ...
...
وفي هذا العام ... جاءت ليلة الثلاثين من شعبان، فباتت جمعية العلماء مرابطة بمركزها الذي لا يغلق حتى تغلق مراكز التليفون، تتلقّى الأخبار وتوزّعها، وباتت الأمّة متّصلة بها، اتصال من يهمّه الأمر بمن يعنيه الأمر، وأصبحت الأمّة صائمة في شبه إجماع على الثبوت، وعلى إلهام واحد من الحق، لا يد لهذه اللجنة فيه.
أما لجنة الأهلة فباتت نائمة ملء جفونها من غير علة ... لم تمتثل من سنن الله إلا جعل الليل لباسًا ... وإنما أرادت أن تثبت وجودها، وتعلنَ عن نفسها، فأوعزت من أول الليل إلى الإذاعة- كما بلغنا من مستمعيها- أن تدعو بالشفاء لرئيسها المريض، وأن تقول على لسانها: إن الصوم ثبت عندها ثبوتًا شرعيًا ... ولم تُبين وجه الثبوت، أهو بالرؤية، أو بحساب المرصد؟ ... ففهمنا من ذلك الإجراء البسيط أن شهر رمضان خفيف الوزن عند الحكومة لأنه لا عطلة فيه، بقدر ما هو ثقيل على اللجنة، وفهمنا أن هذه اللجنة ترتجل هذه الإعلانات ارتجالًا من غير تثبّت ولا عناية، لتفيد البسطاء أنها حية كإفادة حياة المتكلّم من
(3/114)

وراء جدار، وفهمنا أنّ آخرَ ما يعني هذه اللجنة هو دين الأمة وصومها وإفطارها.
وجاء العيد فوقعت الواقعة ...
جاءت ليلة الثلاثين من رمضان، فجرَتْ جمعية العلماء على عادتها من السهر والاحتياط، وجرَت الأمة على عادتها من الاتصال بها للإخبار والاستخبار، وجرت اللجنة على عادتها من الارتجال وعدم الانتظار، وما كنا ندري أن الأمر دُبِّر بليل بين الحكومة وبين اللجنة- قبل ذلك بيوم أو بأيام- على (جعل) العيد يوم الأربعاء، وقطع النظر عن الرؤية والرائين، والمسلمين أجمعين، حتى المحاكم الأخرى ووثائقها وشهودها، كأن الحكومة ولجنتها لا يعنيها في أمر العيد وعطلته إلا العاصمة، ولا يعنيها من المسلمين إلّا سكّان العاصمة، ولا يعنيها من إفساد شؤون الدين إلا ما كان في العاصمة؛ فإذا نجحتْ في شيء من ذلك فيها فذلك هو النجاح ... وكأن هذا القاضي على الأهلة والأعياد ظن أنه رقي أسباب السماء بسلّم، فتوهّم أن (تصويم) المسلمين (وتفطيرهم) أصبحا من مشمولات نظره وحكمه، كما يحكم في طلاق امرأة، أو زواج رجل، أو مال محجور، وسكت عنه الناس فيما يوافق الحق، فتمادى فيما يخالفه، وقال: ما دمتُ أحكمُ على الأهلة فلأقل لها كوني فتكون، ولا تكوني فلا تكون، وما دام المرصد طوعَ إشارتي، والإذاعة تؤدّي- بالأمانة- عبارتي، فلآخذ من هنا، وأضعْ ههنا، ولأخرج عن طاعة الخارج، فهنا المُحُّ وهناك (المارج) ...
وهكذا أصبح يقدم على العظائم في الدين، وأصبح (يحكم) بالصوم في شوال والفطر في رمضان، ولعلّه لو قيل له: إن حكم القاضي لا يدخل هنا، يجيب بأنه يدخل بصفته رئيسًا للأهلة أو رئيسًا عليها ... وينسى أنه لو لم يكن قاضيًا لم يكن رئيسًا على الأهلة ... وأن القضاء هو الذي رقّاه إلى الرياسة على مخلوقات ليست من جنسه، وليس من جنسها.
أعلنت اللجنة قبيل العيد بأيام، بواسطة الإذاعة تقول لمستمعيها: انتظروا هلال شوال ليلة الثلاثاء. ومن رآه، فليخبر اللجنة، ومقتضى هذا البلاغ أن تنتظر اللجنة في مركزها، وتتلقى الأخبار والشهادات طول الليل، لأن القطر متباعد الأطراف، والراءون في الغالب بعيدون عن مراكز الأخبار، ومكاتب البريد.
ولكن اللجنة احتاطت في ذلك البلاغ لنومها، فحدّدت الإخبار الرسمي بالساعة العاشرة ليلًا، وهي مدة لا تكفي لإفطار الشهود واتصالهم بمراكز الأخبار أو تأدية الشهادات. وجاءت الليلة الموعودة، فكان القاضي بين عاملين، أهونهما الوفاء بوعده، وأجلّهما ما قالت حذام ... فقذف الإذاعة ببلاع محضر، أعلن فيه الرأي المدبر، وهو أن العيد يوم الأربعاء، لأن مرصد "بوزريعة" قال إن الهلال لا يُرى، ولأن الشيخ بخيت الفقيه قال كذا، ولأن الفلكي التونسي قال كذا، وكل هذا تجديد في عالم البلاغات من اللجنة المجددة،
(3/115)

وكل هذا تغطية لقول حذام، هالا فالقول ما قالت حذام ...
والناس كلهم يعلمون أنه إذا ذكرت اللجنة أو رئيسها القاضي فقد ذكرت الحكومة، كما يطلق الخاص، ويراد به العام. ويعلمون أن من لا يُعجزه أن يُرغم نتائج الانتخابات على الظهور عشية السبت، من غير اعتبار لشهادة الصندوق، لا يعجزه أن يعكس القضية فيرغم الهلال على عدم الظهور إلى يوم الأربعاء، من غير التفات إلى شهادة الرؤية.
... وقذفت اللجنة ذلك البلاغ المدبّر إلى الإذاعة، ومن يدرينا؟ فلعلّها أرسلته في النهار، وأوصتْ أن لا يُذاع إلا في الميقات المحدود، تغطية لذنب الفضيحة، وإلا فما الذي منع اللجنة أن تنتظر حتى تسمع وثائق القضاة الرسميين على الأقلّ؟ إن كانت لا تقيم وزنًا لشهادة غيرهم ... بل بلغنا أن اللجنة تلقّت أخبارًا بالرؤية، ولكنها تصامَّت عن سماعها، وأغلقت الباب واستسلمت للنوم والهدوء.
أما جمعية العلماء فقد انتظرت إلى الساعة الثالثة صباحًا، وأما الأمّة فقد اتصلت بها مخبرة مستخبرة بقدر ما وسع الإمكان، وسمح التليفون، فكانت النتيجة أن الهلال رُئي بالشهادة العادلة في بلدان متعددة منها: الغزوات، وندرومه، وفرنده، من عمالة وهران، ومنها: برج بوعريريج، وبني ورتيلان، وبريكة، وورقلة، وتمرْنة، وبعض نواحي الميلية، وعنابة، من عمالة قسنطينة، ومنها فحص الجزائر.
استوفينا الشهادات من البلدان المذكورة بتلقّي السماع من عدلين إلى عدلين فأكثر، وكانت الأصوات معروفة من الطرفين معرفة قطعية، وتمّ ذلك عندنا نصف الليل، وأدّى إلينا قاضي قسنطينة بنفسه ما ثبت لديه منها؛ فشرعنا في الأداء والتبليغ على الوجه الشرعي السابق، ونشرنا الخبر وعمّمناه في معظم القطر بعد أن عمّمناه في العاصمة وأحوازها بكل واسطة، وأخبرْنا نادي الترقّي بهذه الشهادات كلها بواسطة عدلين، فبلغني أن بعضَ الناس ما زالوا مفتتنين ببلاع الراديو المحفوف بشهادة الفلك والعلم وفتوى الشيخ بخيت، فخشيت أن تأخذ هذه الفتنة الجديدة مأخذها في بعض النفوس فيضيع الحق، ونفقد جلالة الإجماع عليه، وتضيع فرصة من فرص اجتماع الأمة على شعيرة من شعائرها فيفرح المبطلون الذين يعيشون على الافتراق والتفريق، فذهبتُ بنفسي إلى النادي، وأعلنتُ في الملأ كل ما تأدَّى إليّ من الشهادات، فآمن المؤمنون، وأجمعوا على إقامة سنته في وقتها بمراكز الإصلاح من العاصمة، ببلكور، وسلام باي، وحي السانتوجين، والجزائر، وأردنا أن نبلغ صوت الحق لهذه اللجنة الهاجعة، ونوقظ أعضاءها النائمين أو المتناومين، فنقيم عليهم الحجة إبلاغًا في النصيحة، ومبالغة في جمع الكلمة، وقمعًا لفتنة الراديو وفتنة المشوّشين الذين رأيناهم يدخلون في صفوف الأمة المتراصّة، يوسوسون بالباطل، ويغرون بالخلاف، وقلنا: نبلغ القوم
(3/116)

ما ناموا عنه، فإما رجوع إلى الحق ونسخ لإذاعة الراديو بضدها، وإما مكابرة وعناد في الشمس وضحاها فيفتضحون وتتكشّف للأعين تلك اليد التي تسيرهم.
وذهبت أنا والأستاذ الشيخ الطيب العقبي وجماعة كثيرة من العقلاء، فبدأنا برئيس اللجنة. وتقدم من العقلاء من طرق الباب، وأفهم القضية من وراء حجاب، فتوارى ولم يرد الجواب، فتقدّم الشيخ العقبي بنفسه وخاطبه بالصوت الذي يعرف ففعل مثل ذلك، ففهم من لم يكن يفهم، وعلم من لم يكن يعلم، حقيقة هذه اللجنة، وأنها أداةُ إفساد للدين وتفريق لأهله، ورجعنا في السحر- بعد أن أفشينا العيد على أهل الحي- فأعلمنا الجماهير المحتشدة بالعيد وحثثناهم على إقامة سنّة الصلاة واستماع خطبتها، فانصرفوا يعلوهم جمال الإجماع وجلاله، مبشّرين بالعيد، محذّرين من هذه اللجنة، داعين لجمعية العلماء، هاتفين باسمها، ذاكرين لفضلها على الدين، شاكرين للعلماء الأحرار لطف مداخلهم في إقامة الحجة على أعوان الباطل وأدوات الحكومة.
وما طلعت الشمس حتى كانت الألوف من المصلين رجالًا ونساءً في الأماكن التي عيّنتها جمعية العلماء للصلاة، وعيّنت أئمتها، وأقيمت صلاة العيد وخطبته في أربعة مواضع من العاصمة على صورة لم يسبق لها نظير، روعة وجلالًا وسلفية.
صلّى وخطب في بطحاء جامع "بيلكور"، كاتب هذه السطور، وعيّن للإمامة والخطبة بمدرسة الحراش- الشيخ ربيع أبو شامة، وللإمامة والخطبة بجامع "سانتوجين "- الشيخ أحمد سحنون، وللإمامة والخطبة بمدرسة سلام باي- الشيخ سعيد صالحي.
...

وأحقَّ الله الحق، وأبطل الباطل، وفرح المؤمنون بنصر الله لدينه، ولاذ اللطيم بأمّه يشكو وينتصر، فأصبحت المساجد محاطة بشراذم من البوليس تحمي بيوت الله من عباد الله، وكانت هذه الفعلة أكبرَ سيئات اللجنة البغيضة، ورجحت العاصمة- التى هي ميدان الصراع- كفة الحق على كفة الباطل، وأوقف السائق الإلهي الأمور عند غايتها.
ثم كانت خاتمة الفضائح ما كتبه رئيس اللجنة في ذلك اليوم في جريدة "آخر ساعة" ... وقد تناولته الجرائد الإفرنسية وأفاضت فيه، وقد لفت الناس إليه اعتراف القاضي بأن المرصد قرّر أن هلال شوّال يولد ليلة الثلاثاء ويبقى ثماني عشرة دقيقة ... ولكنه قد لا يُرى لعوامل جوية. وسخّر الله صاحب الجريدة لنصرة الحق، فاستخرج من شهادة المرصد أن الهلال يبقى أكثر من خمسين دقيقة. وقرأ الذين سمعوا بلاغ الإذاعة هذا التناقض فقالوا: سبحان من يطبع على القلوب، ليجعل للحق أنصارًا من خصومه وأعدائه ...
(3/117)

فصل الدين عن الحكومة (6)
ونعود إلى فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 1 -
... ولكننا نغيّر العنوان في هذه المرة، ونقول: فصل الحكومة عن الدين قلبًا في الوضع لا في الموضوع، وتفاؤلًا للحالة بعدم الاستبقاء، كما يُتفاءل بقلب الرداء في الاستسقاء، وأن بين التركيبين الإضافيين لفرقًا دقيقًا في لغتنا العربية، تخيله الفقهاء في بحث ورود النجاسة على الماء، وورود الماء على النجاسة، وحققه البيانيون في بحث: سلب العموم، وعموم السلب، فدين الإسلام- في منزلته من النفوس، وفي منزله من المعابد، وفي مظهره من الأشخاص والمعاني- ثابت أصيل، لم يردْ على شيء حتى يُفصل عنه، وإنما وردت عليه هذه الحكومة ورود الغاصب الذي يحتل بالقوة لا بالحق، أو ورود الواغل الذي لا يحترم نفسه، فكأنه يقول للناس: لا تحترموني، أو ورود الدخيل الذي يندس ويتدسس، وأحد سلاحيه الحيلة منه، وثانيهما الغفلة عنه، فإذا انكشفت الحيلة، وانقشعت الغفلة- أخرج مذمومًا، وَعُتِلَ ملومًا، أو ورود الجار الجنب الذي يجاورك على الكراهة لا على الكرامة، فيجور ولا يجير، تلين معه إدلالًا، فيشتدّ معك إذلالًا، وتتسمح معه في الظواهر، فيتوقح بمدّ اليد إلى السرائر، وترخي له المقادة في علاقته بك، فيجاوزها إلى علاقتك بالله.
...

نقول نحن- بلغة الحق والواقع-: إن الجزائر عربية مسلمة، فيشهد لنا التاريخ والدم، والأدب، والرُّفات، والأسماء والسمات، وجولان "الضاد" في اللهوات.
ويقول المتكلمون بلسان القوة والجبروت، المجانبون للمنطق والعقل، المتجانفون للإثم والحوب: إن الجزائر فرنسية، فتتهافتُ الحجج، وتعقم الأشكال، وتتبرأ المقدمات من نتائجها.
ويقول الأجنبي العاقل هازئًا بهم: ما لهذه الفئة تتناقض؟ وما لها تستجلب السخرية منها بهذا التناقض؟ تزعم أن الجزائر فرنسية، فيسخر منها العقلاء، ثم لا تنفذ فيها أصل الأصول
__________
* نشرت في العدد 104 من جريدة «البصائر»، 23 جانفي 1950.
(3/118)

في القوانين الفرنسية، وهو فصل الدين عن الحكومة؟ مع أنه من أساس الدستور الفرنسي، فتهدم دعواها بعملها، ويسخر منها العقلاء والمجانين.
أما القانون الدولي فهو- في هذا الباب- شاهد زور لا تقبل شهادته، لأنه- دائمًا- يشهد للقوة على الضعف، وللباطل على الحق.
...

وتحلف هذه الحكومة بالله إن أرادت إلا الحسنى بدين الإسلام، وإن قصدت بوضع اليد عليه إلا المحافظة على معابده من الضياع، وعلى شعائره خشية الترك والنسيان، وتستشهد على ذلك بأتباعها وصنائعها، فيشهدون؛ ولو كانت صادقة في هذه الدعوى، بارة في هذا القسم، وكانت المحافظة على الأديان بهذه الطريقة من طبيعتها- لكان الدينُ المسيحيّ أولى برعايتها، وأحق باهتمامها ومحافظتها، لأن رجال الحكم فيها كلهم مسيحيون، فهم أحرص الناس على حفظ دينهم (بهذه الطريقة)، وهي أحرص الناس على مسايرة عواطفهم، والأخذ بخواطرهم.
وهذه الحكومة لائكية في الزعم والمظهر، وإن كانت مسيحية في الحقيقة والجوهر، وعلى أي الحالتين كانت فلا يُصدقها أحد في دعوى المحافظة على الإسلام، لأنها إن كانت "لائكية"، فاللائكية لا هم لها بل لا معنى لها إلا محو الأديان، لأنها خطر على سلطتها الزمنية في زعمها، وإن كانت مسيحية فالمسيحية همها محو الإسلام على الخصوص، فأين تقع دعوى المحافظة عليه؟ ..
وتعالوا نسلم جدلًا أنها صادقة في دعواها، ومخلصة في نيتها، فبماذا تفسر المحافظة على الإسلام؟ أبابتلاع أوقافه، وأكلها أكلًا لمًّا؟ والأوقاف هي الأساس المادي للدين؛ أم بتحويلها للمساجد الكبيرة كنائس؟ أم بحسن اختيارها لرجال الدين؟ أم بأعمالها (المشكورة) في حرية الحج؟ أم بتدخلاتها المعروفة في الصوم والإفطار والأعياد؟ أم بتنشيطها على الزرد و (أعراس الشيطان)؟
إن مائة وعشرين سنة تشهد بشهورها وأعوامها، ولياليها وأيامها، وساعاتها ودقائقها بأن هذه الحكومة، على اختلاف رجالها ونزعاتها، لم تعمل عملًا إيجابيًّا يسمى- ولو مجازًا- محافظة على الإسلام، بل ما عملت إلا على إضعافه ومحوه.
إن أول شرط لتحقيق اسم المحافظة هو التعليم الديني، وهي تُحاربه وتشتد وتنشط في التضييق عليه، وإن آخر شرط لتحقيق تلك المحافظة هو إنشاء مدرسة أو مدارس لتخريج الأئمة والخطباء والوعاظ والمؤذنين، كما يتخرج رهبان المسيحية من مدارس اللاهوت وكلياته، أو كما يتخرج رجال الدين الإسلامي في الأقطار الإسلامية من معاهد العلوم الدينية،
(3/119)

فهل فعلت حكومة الجزائر شيئًا من هذا؟ كلا، إنها تجتلب رجال الدين من أوساط الأمة، وتشترط فيهم شروطها لا شروط الدين، وتجريهم على طريقتها لا على طريقة الإسلام، وتقدم أطوعهم عنانًا، وأسرعهم استجابة على غيره، وتعتبر فيهم ما تعتبره في عون (البوليس)، من القدرة على أداء (السربيس) (1). ولو كانت تُنفق عليهم في التخريج، أو تجلبهم من مكة أو الأزهر، لما كانت لها شبهة صدق في دعوى المحافظة على الإسلام، ولما كان لنا عذر في الرضى والسكوت لأن الدين ليس دينها، ولا هي أهله. فكيف وهي تأخذهم (جاهزين) بلا تعب ولا معاناة، وتمتحنهم في اللياقة الحكومية، لا في الكفاية والاستحقاق الديني.
إنما يحافظ على الدين أهله، الذين أشربوا في قلوبهم حبه، واختلطت أرواحهم بروحه، وامتزجت عقولهم بعقائده، وطبعت أخلاقهم على مقاييسه، وارتاضت جوارحهم على عباداته، وتغلغل الإيمان به إلى مستقر اليقين من نفوسهم، وأصبحت شعائره جزءًا من حياتهم وصورة من أدبهم.
إن سرّ تسلط الحكومة الجزائرية على الإسلام بدءًا، وتمسكها به استمرارًا ليس من حيث إنه دين يجب أن تحافظ عليه وعلى معابده وشعائره، ولكن ذلك لغاية أخرى غير المحافظة وهي أنها تعد ذلك جزءًا من العمل الاستعماري الذي يتسلط على الأبدان، ثم يعد التسلط على الأديان تكميلًا لا يتم المعنى بدونه، فلما استعبدت أبدان المسلمين مدت يدها إلى دينهم، وأبت عليهم أن يكونوا أحرارًا فيه، ليتم لها التسلط على الجانبين الروحي والمادي، ولم تستطع التسلط على الدين الموسوي لأن أهله ملوك لا مماليك، ولا نذكر الدين المسيحي لأنه دين الحكومة الرسمي، بل دين فرنسا (بنت الكنيسة البكر). وعلى هذه الحقيقة فوضعية رجال الدين الإسلامي عند هذه الحكومة ليست وضعية رجال الدين، وإنما هي وضعية الجزء المكمل للجهاز الحكومي كالجند والبوليس، فالإمام والضابط والمفتي والكوميسير (2)، و (البراح) (3) والمؤذن والبواب والحزاب، كل أولئك سواء في نظر الحكومة وفي اعتبارها، وفي نظر أنفسهم بعد أن راضتهم على ذلك، وكل أولئك موظف عندها، مفروض عليه السمع والطاعة في تأدية أعماله، وكل أولئك تجري عليه التحريات البوليسية قبل تعيينه، ويمتاز الموظف الديني بقابلية التسخير لكل عمل ... وبحرمانه من ثمرات التقاعد ... وبأنه ذنب لكل ذي سلطة حكومية كيفما كان مقامه، لأنه ليس له مرجع ديني معين يرجع إليه، ولا رئيس مخصوص يكون مسؤولًا لديه، فأصبح المسكين مرؤوسًا لجماعة من البوليس، إلى شيخ المدينة، إلى المتصرف، إلى قاضي الصلح، إلى أصغر كاتب في إدارة.
__________
1) السربيس: كلمة فرنسية معناها: الخِدمة.
2) الكوميسير: كلمة فرنسية معناها: محافظ الشرطة.
3) البرّاح: المُنادي في الأسواق.
(3/120)

فصل الدين عن الحكومة (7)
ونعود إلى فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 2 -
ومن المعروف عند أهل الأديان، وأصحاب القوانين، أن رجال الدين إنما يستمدون سلطانهم ويرجعون في تصرفاتهم إلى سلطة دينية تكون هي مرجعهم الوحيد، كما أن رجال الجندية والحكم والأمن يستمدون سلطتهم من مراجع تناسب وظائفهم وتتصل بها، لأن لكل سلطة مرجعًا من جنسها، يكون أصلًا لها، وتكون هي مكملة له، وإن هذا هو الواقع في الديانتين: المسيحية التي مرجعها الفاتيكان، ولو كانت في أرض غير فرنسية، والموسوية التي مرجعها إلى مجالس الأحبار في أية أرض كانت.
أما الواقع في الجزائر- بالنسبة للإسلام وحده- فإن رجال الدين والجمعيات الدينية، كلها تشكيلات حكومية بحتة، ولا تستمد سلطتها إلا من الحكومة، ولا تستند في أعمالها إلا على الحكومة، ولا صلة لها بالشعب المسلم الذي هو صاحب الحق الأصلي، وإنها لَحالةٌ من الباطل والمنكر يمقتها العقل، وتبرأ منها العدالة، ويمجها المنطق وينكرها الدستور الفرنسي الأصيل ...
...
سلكتْ هذه الحكومة الاستعمارية- منذ كانت- إلى محو الإسلام من الجزائر مسالك شتى، فلما أيقنت أن ذلك لا يتم لها من طريق الشعوذة والترغيب عمدت إلى تشويهه بهذه الأساليب التي ما زالت محتفظة بها، دائبة عليها إلى الآن، وغايتها من هذه الأساليب ثلاثة أمور: تكوين إسلام جزائري مقطوع الصلة بماضي الإسلام الحقيقي، وتكوين مسلمين مقطوعي الأسباب من جميع المسلمين، وتكوين طائفة تقوم لها بذلك ممن تسميهم رجال
__________
* نشرت في العدد 103 من جريدة «البصائر»، 30 جانفي 1930.
(3/121)

الدين، تنشئهم على الشروط (الوظيفية)، وتروضهم على الأساليب الحكومية، حتى ينسوا أنفسهم، وعلاقتهم بالدين وصلتهم بالأمة، وتمتهنهم في مهن أخرى غير الدين، حتى يعتقدوا أنهم يُؤدون عملًا للحكومة ورجالها لا لله ودينه، وأنهم يُصلون الركعة لمائة الفرنك لا للواجب الديني، وأنهم يقرأون الحزب (للبايليك) لا للتعبد بالتلاوة.
خابت الحكومة في الأولى والثانية خيبة ذريعة، أما في الثالثة فقد نجحت بهذا الجند العاطل المرتزق الذي جندته واصطادته بشبكة المطامع، من الأئمة والمفتين، والخطباء والمؤذنين، والقومة والحزابين (1)، وأتباع "شريعة يوسف" أجمعين ... كوّرتهم وصورتهم، ونقحتهم، و "حوّرتهم" (2)، وعلى المنوال الحكومي دورتهم، حتى أصبحوا جزءًا أصيلًا من الأدوات الحكومية، لا يفرق بينهم وبين سائر الموظفين الحكوميين فارق حتى في التبديل والنقل من بلدة إلى بلدة، فإن حكمة النقل إنما تظهر في الموظف العسكري أو الإداري، أما رجل الدين فأية حكمة في نقله؟ ... لولا اعتباره موظفًا حكوميًّا يُنقل لمعانٍ إدارية، وحكم حكومية ... أما إن كان نقله لنقص أو تقصير في الواجب الديني فإن الدين يعزله ولا ينقله ...
هذا أكبر دليل، وأنهض حجة على أن هذه الوظائف فارقت الدين، والتحقت بالحكومة ...
ومن المضحكات أو المبكيات في هذا الباب ... باب إدماج شيء في شيء غريب عنه، واعتبارهما شيئًا واحدًا- برغم اختلاف الطبيعتين والمزاجين- إنعام الحكومة بنياشينها (3) على أصحاب الوظائف الدينية ... أية علاقة أو أي نسب بين الوظيفة الدينية وبين النيشان؟ إن الأصل في هذه النياشين أنها تشريفات، أو مكافآت من الحكومات لرجالها العسكريين والإداريين، ومنشطات لهم على العمل الحكومي الذي يتفاضل فيه العاملون، فيحملهم الإنعام بها، أو التشوّف لها على المنافسة والاستباق، وتتجدّد فيهم الرغبة في أداء الواجب والإخلاص فيه، وبلوغ الحد الأقصى منه؛ وما هو حظ المفتي والإمام مثلًا من هذه المعاني؟ وما هو التفاوت بين إمام وإمام، حتى يستحقّ أحدهما هذا الوسام؟ وما هو العمل الذي يؤذيه الإمام إلى الحكومة حتى يظفر منها بهذا الإنعام؟ وما هي "المسابقة" التي تعقدها بين رجال الدين حتى يتبيّن لها المصلّي من المجلّي؟ ...
وإن لهذه النياشين لأسماء ونسبًا إلى أعمال، فهل فيها أسماء دينية، أو نسب إلى أعمال دينية؟
__________
1) الحزَّاب: موظّف مُكلَّف بقراءة الورد اليومي (الحزب) من القرآن الكريم في المسجد.
2) حوَّرتْهُم: نحت من اسم قاضٍ يسمّى "ابن حُورَة"، كان مواليًا لفرنسا.
3) نياشينها: جمع نيشان، وهو الوِسام.
(3/122)

لا تتم المهزلة على وجهها الأكمل إلا إذا وُضعتْ لنياشين رجال الدين أسماء دينية وعناوين فقهية، لمعان يتفاضلون فيها؟ كنيشان (إطالة الغرة والتحجيل) ونيشان (كثرة الخطى إلى المساجد)، ونيشان (التهجير للجمعة)، ونيشان (الطمأنينة والاعتدال)، ونيشان (وإن تشاح متساوون)، وتختم القائمة بشيء خاص بأمثال العاصمي كنيشان (وقبل خبر الواحد)، ونيشان (واشترك طارد مع ذي حبالة).
...

يا قوم: إن هذه الحكومة تقدّم الارتياد، على الاصطياد؛ وقد ارتادت سلفكم القريب، فوجدتهم أصلب منكم عودًا، وأعلى منكم همة، وأوفر حظًّا من الشجاعة، لأنهم كانوا على بقية من إيمان، وعلى فضلة من شهامة، وعلى شيء من الاعتزاز بالشرف الديني، وعلى نسبة ما من القرب من الله، والاتصال بالأمة، فحماهم ذلك كله من تأثير سحرها واستهوائها. وإن هذه الحكومة تقدم التجريب على التخريب، وقد جربتكم فوجدت منكم جدارًا متداعيًا للسقوط، فما أقامته بل خرّبته، لأنه لم يكن لغلامين يتيمين في المدينة، ولا كان تحته كنز لهما، ولا كانت هي تنظر بعين صاحب موسى ...
وإن وسمها لكم بالنياشين، يعرّ ويشين، لأنكم- كما تزعمون- رجالُ دين، لا رجالَ ميادين، وأصحاب نسبة لها شَان، أعلى من النيشان، فإن كانت هذه النياشين مجازاة على الصلاة، فجزاء الصلاة على الله، وإن كانت لنفع في الدنيا، فالدنانير أنفع لكم من الزنانير.
إن أمّتكم ما زالت على بقية من عقل تُميز بها الأشياء، وعلى أساس من دين تَزنُ به العمل والثواب، وفهم تُدرك به الخطأ والصواب؛ وإنها لا تفهم هذه المكافآت إلا أنها على أعمال- غير الدين- أنتم لها عاملون، فهل أنتم عاملون بما يراد منكم، ثم بما يراد بكم؟ أم أنتم لا تبصرون؟
لو كنتم تحملون سمة الآثار التاريخية، وكان استبقاءُ هذه الحكومة عليكم في معنى المحافظة على التحف، لكان ذلك أشرف لكم، لأن في هذا النوع من المحافظة احترامًا للتاريخ، وإجلالًا للقديم، ولكن في احتفاظ هذه الحكومة بكم كل معاني الاحتقار لكم ولدينكم ولماضيكم، وفيه كلّ معاني التسفيه لأمّتكم، وفيه- مع ذلك- سدٌّ لباب الحرية الدينية، وأنتم السداد.
***
(3/123)

واضيعتاه! ... وواذلاه! ... أفي الوقت الذي تتشوّق فيه الأمم المحكومة كلها إلى نيل حقوقها السياسية، وحريتها وحقّها في الحكم الذاتي والتصرّف المطلق، وفي الوقت الذي يتفق فيه مجلس الأمم المتحدة على تحرير سبعين مليونًا من جزر الهند الشرقية من الاستعمار الهولندي، وعلى تحرير القطر الليبي، وفي الوقت الذي تسمح فيه إنكلترا (شيخة الاستعمار) بأغلى جوهرة في تاجها، وبأغنى مزرعة من مستعمراتها، وهي الهند وباكستان، وقد كانتا أمس بمنزلة القلب الذي هو سر الحياة واستمرار الوجود لبريطانيا كلها ... في هذه الظروف التي أصبح فيها طعم الاستعمار المادي الحلو اللذيذ مرًّا كريهًا حتى في حلوق غلاة الاستعمار، يبقى الدين الإسلامي بمعابده وأوقافه ورجاله مستعمرًا مستعبدًا في الجزائر وحدها؟
(3/124)

فصل الدين عن الحكومة (8)
فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 1 -
... وما هي هذه المسيحية المستظلة بلواء الاستعمار في وطننا؟ وأي جامع جمع بينهما؟ آلخير أم الشر؟ وهل تعمل منفصلة عنه، أو مؤتمرة بأمره؟ وماذا صنعت في قضية الإسلام مع الاستعمار في الجزائر؟ وهل أمرتْ بمعروف أو نهتْ عن منكر في هذه القضية كما هو شأن الأديان السماوية الصحيحة النسبة إلى السماء، التي لا تختلف في معنى المعروف والمنكر؟
أسئلة غير متناسقة، نرسلها إرسال من لا يريد عنها جوابًا، لأن أجوبتها تُنتزع من الواقع الذي يشهده كل واحد، فلا يجهله واحد.
وإنما نقول تمهيدًا لكلام يجول في الخواطر: إن هذه هي مسيحية أوروبا المادية التي قطعتْ (روما) صلتها بروحانية الشرق، وجفّفتها من مائيته، واتخذها الطغاة سلمًا إلى الملك والتسلط، ثم لعبت بها تصاريف الدهر حتى زاحمت الماديين على مادتهم فتنكّروا لها ثم أنكروها، وضايقت العقل في تفكيره فكفر بها، وتنورها العلم فلم يجد على نارها هدى؛ فلما طغت عليها مذاهب العقل في أوروبا، وضاقت بها مسالك الفكر، ولم تساوقها وسائل الحضارة من علم وسياسة واقتصاد وفن واجتماع، قفزت إلى أوطان غير أوطانها، ووقعت قي منابت غير منابتها، للتبشير بالمسيح ودينه، بين أقوام يعرفون المسيح ويؤمنون به ويعتقدون فيه الحقّ، وتوسلتْ إلى غايتها بالاستعمار الذي يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، فقطعتْ معه البحار، وأوغلت معه في البراري والقفار، تخدم ركابه، وتصل بأسبابها أسبابه، وتستجديه الحماية والرعاية، لتسترجع هنا ما فقدته هناك، ولتربح هنا ما خسرته هناك، ولكنها بعد بذل الجهود، وتوطيد المهود، باءت بالفشل، وعند الراهب "زويمر" وخلفائه الخبر اليقين ...
__________
* نُشرت في العدد 106 من جريدة «البصائر»، 6 فيفري سنة 1950.
(3/125)

أما أن للأديان السماوية في أصلها النقي أسبابًا واصلة إلى الله، وأن بينها أرحامًا متشابكة على الحق والخير، ونسبًا مرفوعة إلى الملإ الأعلى تتقاضاها التعاون والتناصر على الحق والخير، فذلك ما نعلمه قبل غيرنا، ونعمل به أكثر من غيرنا، لأن ذلك مما غرسه فينا الإسلام الذي كشف عن معاني الألوهية والنبوة والوحي، وأبان حكمة إنزال الكتب، وبيّن أن النسبة إلى الله هي الرابطة الوثقى بين عباده، إذا ارتبطوا بها سعدوا.
وأما أن الإسلام أقام الحجة على الأديان وأهلها بعدله وتسامحه وفضائله، وبذَّها بعقائده المبنية على توحيد الوجهة، وعباداته المثمرة لتزكية النفس، وأحكامه الكافلة للمصلحة، وبمسايرته للفطرة وصلاحيته لجميع الأزمنة والأمكنة، فذلك شيء يشهد به أعداؤه حين تتغلب عقولهم على أهوائهم.
ولكن هناك ديونًا من الإحسان والبر للإسلام على المسيحية، سجّلها التاريخ، وأقام عليها من الواقع شهودًا لا ينالها التجريح، فهل كافأته هذه المسيحية وأمها اليهودية إحسانًا بإحسان، وجميلًا بجميل، وعهدًا بعهد، ورعاية برعاية، وحرية بحرية؟ وهل شكرتا له تلك المنن التي طوّقها بها في التاريخ الطويل المتعاقب؟ ...
جاورت المسيحية الإسلام في العراق، وهو مستقر قوته، متمثلة في مذاهبها القديمة، مغلوبة على أمرها، ذليلة الجوار للمجوسية، فرعى لها نسبتها إلى عيسى وإنجيله، وأرخى لها في عنان الحرية والظهور، وعاملها معاملة الغالب الكريم، لم يمتهنها بتحفظ، ولم يشن حريتها بتدخل، ولم يشب معاملته لها بتدسس، وأهَّل أهلها للمناصب الجليلة، وأحلّهم المراتب النبيهة، وسوّغهم الهبات غير مكدّرة ولا ممنونة، وقاد إحساسهم بالإحسان، ولم يجرّهم- كما يفعل الاستعمار المسيحي- بالأرسان ...
وجاورته في مصر، جارة بيته، وجوهرة فتوحه، فلم ترَ جارًا أوفى ذمامًا، ولا أمنع جوارًا، ولا أرحم قوة، ولا أعف جوارح منه. ووجدت في فسطاط عمرو من ظلال الأمن، وأفياء الحرية ما لم تجده في قصور القياصرة من الرومان والبطالسة من يونان، ثم تغيّر الزمن، ودالت الملوك والممالك، ولكن رحمة الإسلام بالمسيحية لم تتغيّر لأن وصايا نبي الإسلام بأهل ذمته لم تتغير، ولأن من طبيعة الإسلام رعي الذمام.
ثم غزا الأندلس ظافر الألوية، فغزا ظلم الملوك، وطغيان الطواغيت، وفساد المجتمع وتفاوت الطبقات، وأنانية الرؤساء، ولم يغزُ المسيحية ... وجاورته قرونًا كثيرة، فحمدت منه الجوار، وتبوّأت في ذمّته قرار الأمن والحرية، ولم تلق إلا الرفق واللين والرحمة، ومن آثار تلك الحرية اشتراك المسلم والمسيحي في اقتطاف ثمرات الحضارة الإسلامية من علم وأدب وفن وصناعة، ومن آثار ذلك الاشتراك كثير مما تنعم به أوروبا اليوم.
(3/126)

وبمثل تلك المعاملة عامل اليهودية في جميع الأقطار التي بسط فيها ظله، ونشر فيها عدله وفضله، عاملها بالحسنى، وحفظ فيها رحم إبراهيم، وأخوة موسى، فكانت الأقطار الإسلامية مأرزًا تأرز إليه اليهودية كلما مسّها ضيم من المسيحية؛ واليهود كلما انفجر عليهم تعضب من المسيحيين، فلا تجد ولا يجدون إلا الظل الظليل، والملجأ والمقيل، كل ذلك لأن الإسلام- مع نسخه للأديان، ومع اعتباره أن البشرية لا يصلحها إلا دين واحد- خصّ السماوية منها بالاعتبار، وخصّ أهلها بأحكام تقرّبهم من المسلم، وسماهم أهل الكتاب، تنويهًا بالعلم وإرشادًا إليه.
...

ودالت دولة الإسلام! ... وزالت قوّة المسلمين! ... ووفدتْ على أوطانهم وافدة الاستعمار ... وفتح المسلمون أعينهم على السلاح، وآذانهم على قعقعته، فإذا اليهودية التي حموها بالأمس، والمسيحية التي أحسنوا إليها بالأمس، من عداد الأسلحة المختارة لحرب الإسلام والمسلمين ... والله أكبر.
...

لو أن المسيحية كانت تسير برشد وبصيرة، وتجري على شيء من بقايا هدي المسيح، لاتخذت من الإسلام صديقًا لا عدوًّا، وحليفًا لا منابذًا، ولو كانت على شيء من الوفاء وحفظ الجميل لذكرت له مواقفه في الإبقاء عليها، وفي تحريرها من سلطة المستبدين من ملوكها، وقد كان من القوّة بحيث يستطيع محوها من دياره، ولو ذكرت ذلك لأرضته في جميع الأقطار بإعانته على التحرير في الجزائر، ولو فعلت ذلك لخدمت مصلحتها قبل مصلحة الإسلام، ولكن روحانية عيسى جفّت ... ولكن موازين الأحلام خفّت ... ولكن مغريات الاستعمار حفت ... فأصبح دين المسيح خادمًا للاستعمار، وأصبح أصحابه في غفلة يعمهون، لا يدرون أن هذا الاستعمار من عمل الشيطان ومن أعداء المسيح، وأنه يستخدم المسيحية لهدم الأديان، ثم يعود عليها هي فيهدمها، وإن هذا لهو الحق المبين.
تقف المسيحية في الجزائر من عمل حكومتها في استعباد الإسلام، وقفة المتفرج في الظاهر، ووقفة المعين للحكومة في الباطن، فهل يهنؤها أن تكون هي حرة طليقة، وأن يكون الإسلام في سلاسل الحكومة وأغلالها؟
إن الطليق الذي لا يمدّ يده لإنقاذ الأسير، وهو قادر على إنقاذه، يوسم بواحدة من اثنتين: إما أنه راض مغتبط، وإما أنه شامت متشفّ، ففي أية منزلة تضع المسيحية نفسها
(3/127)

من هاتين، إن تبرّأت من الثالثة ... فإذا قالت: إن الإسلام خصمها، قلنا لها، إن الخصم الشريف القوي الشجاع لا يرضى لخصمه أن يكون أسيرًا في يد غيره، ولا يرضى له إلا أن يكون حرًّا طليقًا مثله، حتى إذا نازل، نازل كفؤًا، وإذا غلب، غلب كفؤًا؛ أما رضى الخصم الشجاع لخصمه بالأصفاد والأغلال فهو غميزة في الشجاعة، ونقيصة في الكفاءة، وقادح في دعوى الخصومة ... فإذا قالت: إنه أسير في يدي ... قلنا لها: هذا هو المراد، ويهنيك الحلول والاتحاد ...
تشكو المسيحية من طغيان الإلحاد وكثرة أسبابه، ولكنها تعمل على تمكين الإلحاد وتقوية أساسه، فهي تنصر الاستعمار، وهو أبو الإلحاد وأمه، وهو فاتح أبوابه، ورابط أسبابه، وهي تحارب الإسلام، وهو الحصن الذي يتحطم الإلحاد على صخوره، ولعمري ليس في التناقض أغرب من هذا.
من أراد الحقيقة في كلمة فهي: إن المسيحية هي الاستعمار، وسيأكلها يوم لا يجد ما يأكله!
...

يا قوم ... إن الأيام دول؛ وان دين الله لا يثبت بالمزامير، ولا بالمسامير، وإنما يثبت بحقائقه وفضائله، وستفترقون على ضلالة، كما اجتمعتم على ضلالة، وسيأتي يوم تنتصرون فيه بالإسلام ... ثم لا تُنصرون.
(3/128)

فصل الدين عن الحكومة (9)
فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 2 -
ينزغ شيطان الاستعمار الحكومة، فتحرك مسائل كانت نائمة، ارتجالًا بلا باعث من الحكمة، ولا داع من الضرورة، ولا مناسبة من الوقت، ولا اقتضاء من المصلحة، ونسكت نحن على مضض حتى ينفد الصبر، ثم نتحرك للكلام ...
يوحي شيطان الاستعمار إلى الحكومة وحيًا متتابعًا لا فترة فيه، فإذا تلقّت الوحي ونزل به الروح الخبيث على قلبها نجمته على فترات، وأوحت في كل فترة إلى أوليائها ما يثير شرًّا، أو يوقظ فتنة، وقد أصبح المجلس الجزائري اليوم متنزل وحيها، فلا تمضي فترة إلا أوحت إليه شيئًا من ذلك النوع الذي يثير الشرور، أو يوقظ الفتن.
أي داع من الحكمة، أم أي مقتضٍ من المصلحة لإثارة قضية إعطاء المرأة المسلمة حق الانتخاب؛ كأننا فرغنا من جميع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وحصّلنا جميع الحقوق والمصالح، ولم تبق إلا هذه القضية، وكأن الرجل المسلم استوفى جميع الحقوق، ومنها حق الانتخاب، وجنتْ يداه جميع الثمرات، ومنها ثمرة الانتخاب، ونال جميع الحريات، ومنها حرية الانتخاب ... وبقيت المرأة المسلمة محرومة من ذلك كله، فوجب على الحكومة العادلة، وعلى المجلس الرحيم، أن ينصفاها، وأن يرفعا عنها هذا الإجحاف، وأن يعجّلا لها بالحق الضائع والثمرة المغصوبة، والحرية المسلوبة. إذن فلتحيَ العدالة ... ولتحيَ المساواة ...
إن الرجل المسلم لم يملك إلى اليوم حق الانتخاب، وكل ما حصل عليه في هذا الباب، أن يسجّل اسمه في قوائم الانتخاب، كما يسجَّل في قوائم المواليد، وأن يحمل ورقة اسمها ورقة الانتخاب، كما يحمل ورقة التعريف، فإذا جاء أجل الانتخاب سيق بالكره إلى الجهة التي تريدها الحكومة، فإن أبى فهو عدو للحكومة، فإن غاب ... أكمل به
__________
* نُشرت في العدد 108 من جريدة «البصائر»، 20 فيفري سنة 1950.
(3/129)

النصاب، وإن المسلم الجزائري لغائب عن كل شيء ومنسيّ في كل مشهد. ولم نر مشهدًا يعتد فيه بغيبته إلا مشاهد الانتخاب، أفيريدون بإعطاء المرأة المسلمة ورقة الانتخاب أن يشركوها مع الرجل في هذه "النعم"؟ أم هم يحسدونها على السلامة من نهر القائد وتهديده، ومن زمجرة الحاكم ووعيده، ومن عصا البوليس وسياطه، ومن رؤية المزعجات من الدبابات والرشاشات، فهم ينتقمون منها- بدافع الحسد- ويجرّونها إلى هذا العذاب، بإعطائها ورقة الانتخاب، وما لهم لا يعطونها حق (التوظف)؟ إن قالوا: إنّها لا تحسن العمل، قلنا: وهي كذلك لا تحسن الانتخاب، وهل أجدى على الأمّة إعطاء حق الانتخاب للرجال الأميين شيئًا؟ إنه ما جرّ عليهم إلا الوبال، وإن القانون الأخير الذي عمّم هذا (الحق) على سكان الدواوير (1) والصحارى الأميين، ما سُنّ لمصلحة المسلم الأمّي ولا القارئ، وإنما سنّته الحكومة لتغمر القلة القارئة بالكثرة الأميّة، والفئة العالمة بالفئات الجاهلة، فتضمن الفوز لمرشّحيها، وقد كان ذلك، فاستمرأت الطعم، فأرادت أن تفتح الباب للمرأة المتعلمة، ثم للجاهلة، ليكون لها رديف منهن تدّخره لوقت الحاجة.
وكل ما قلناه عن الانتخاب فهو القاعدة، فإن شذّ عنها شيء فهو (تعويذة) يُدفع بها النقد، وستار تغطّى به الحقيقة.
أما حكم الإسلام فسندمغ به حجج الجاهلين به في مناسبة أخرى. وإنما نقول إن الإسلام في جملته لا يزجّ بالمرأة في هذه المضايق، وفي كل ما يجُرُّ إليها، رفقًا بها وإبقاء على شرفها ورعاية لرقة شعورها، ولطافة جوهرها، لا احتقارًا لمنزلتها، ولا استخفافًا بشأنها، وإنه ليسوّي بينها وبين الرجل في كثير من منازل الكرامة والاعتبار، حتى إنه ليجيز إجارتها للجاني وللفارّ بخربة، بدليل حديث «ويسعى بذمّتهم أدناهم»، وحديث «أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ».
وقد جرت الأديان والحضارات الأصيلة على هذا المنهاج الذي نهجه الإسلام في المرأة، إلى أن جاءت هذه الحضارة القائمة فأرخت للمرأة العنان، فزاغت الحرية المفرطة عن الاعتدال، فتعدّت طورها الطبيعي، فأصبحت مشكلة يعسر حلّها، لا إنسانًا يعسر إقناعه. وسيندم الفاتحون لهذا الباب، المنادون بإعطاء المرأة حق الانتخاب، يوم تصبح ظبية الوعساء أسد غاب، وتصبح النوائب مناهضات للنواب.
وإذا كانت أوروبا، على عراقتها في الحضارة والعلم- وتدرّج المرأة فيهما مساير للرجل- لم تفكّر بعض أممها في إعطاء هذا الحق للمرأة إلا في السنوات الأخيرة، وفي ظروف استثنائية كما يقولون، فكيف تُقدِم حكومة الجزائر ومجلسها على هذه الطفرة بالمرأة العربية المسلمة ... وهي ما زالت في الدرك الأسفل من الانحطاط. وهلّا فكّروا في تقوية
__________
1) الدواوير: جمع دَوَّار، وحدة إدارية تشمل عدة قرى.
(3/130)

عقلها بالعلم، وفي تقوية جسمها بالغذاء، وفي حفظ صحتها بالعلاج، وفي حفظ نسلها بالرعاية، وفي تخفيف ويلاتها بالاهتمام، أم هم يعتبرون المرأة العربية المسلمة في الجزائر قطعة من المرأة الفرنسية في أوروبا؟
المرأة الجزائرية تنتحب، والحكومة الجزائرية تريد لها أن تنتخب ... والفرق بسيط، ما دام الفارق نقطة ... وقاتل الله هذه الخاء، فما أعسرها في المخرج. وما أسعد من لا ينطق بالخاء ... وصدق المثل: عسى الغويرُ أيؤسا ...
وإذا كانت نظرةُ الإسلام إلى القضية هي هذه، فهي من الدين الذي يجب فصل الحكومة عنه.
...

والقضاء الإسلامي أيضًا من الدين، فما لهم يجهلون؟ ... فقد أثيرت في هذه الدورة للمجلس الجزائري قضية القضاء الإسلامي، نزل بها الوحي المفاجئ، مستورة بجلباب شفاف، وهو كلمة الإصلاح التي عنونوها بها، وتلهّى المجلس أسبوعًا أو يزيد، ووع النقاش في حواشيها وفي صميمها، واختلف الرأي واشتدّ الجدال، وافترق المجلس فيها معسكرين، يحرّك كل واحد منهما الدالان وقالت النظارة: إن الأمر جد، وإذا بالوحي ينزل مرّة أخرى بالنسخ أو بالفسخ، والنسخ قبل إمكان العمل جائز عند الأصوليين، قائم الشواهد من الواقع، وإذا القضية كأنها تدريب على لعبة لا بحث في قضية جدّية.
وقبل هذا الوحي كان إرهاص ... فقد أُثيرت قبل هذه القضية بأسابيع قضية أخرى من سلالتها، أو تشير إليها، أو تدل عليها، أو تنذر بها، أو كأنها مقدّمة لكتاب، أو طليعة لكتيبة، أو ما شئت أن تجيل فيه فكرك! تلك القضية هي: الاكتفاء بشاهدين في عقود الأنكحة الإسلامية، وعدم اشتراط التسجيل عند القاضي ... وقد شغل بها المجلس وزجّى بها الفراغ أيامًا، ثم بردت الحرارة ونامت التقارير، وكانت كلها شقشقة هدرت ثم قرّت!
إن للحكومة- بلا ريب- نية مبيّتة في إلغاء القضاء الإسلامي بالتدريج، فهي تمهّد الأسباب لذلك وتهيّئ من زمان بعيد، ولكنها لا تريد أن يجيء ذلك الإلغاء مباشرة، ولا أن تُقدِم عليه في دفعة واحدة، وإنما تعمل له بالحيلة والمطاولة حتى يتم وكأنه أمر طبيعي، لا يثير لغطًا ولا يحدث تشويشًا.
نلمح هذه الحقيقة في ظل الأعمال التي تأتيها الحكومة باسم التنظيم للقضاء الإسلامي، وفي ظل الأقوال التي تقولها فيه، ونفهم أن تعقيد الإجراءات القضائية وتكثير اللوائح
(3/131)

والبلاغات فيها، والبطء المملّ في سير النوازل، والتغاضي لبعض القضاة عن الهنات الأخلاقية المخلّة بشرف القضاء، المشوّهة لسمعته، وإبعاد مراكز القضاء عن المتقاضين، وإرادة فتح باب التخيير للمتقاضين بين القاضي المسلم وبين القاضي الأوروبي، كل ذلك وما أشبهه يرمي إلى تنفير المسلم من القضاء الإسلامي وتزهيده في التحاكم إلى القاضي المسلم، واختياره للقضاء الفرنسي، وإن مسألة الأسابيع الماضية التي سمّيناها إرهاصًا لنذير من النذر، لأن الآثار اللازمة لها كثيرة منها تطفيف المنفعة المادية للقضاة والتضييق لدائرة نفوذهم، والتقليل للتردّد عليهم والاتصال بهم، وهذا باب من أبواب التزهيد فيهم، فإذا أضفت إلى هذا الباب فصل السلوك والسيرة كان زهدُ المسلم في القاضي زهدًا محقّقًا، وكان إلغاء هذا القضاء المتمثّل في هذا القاضي أمرًا مرغويًا فيه.
إننا نريد لقضائنا حرمة ومكانة، ونريد لرجاله سمعة ومنزلة، ونغار عليهما، وندافع عنهما بحمية وحماسة، ونطالب بإصلاح القضاء ثم باستقلاله، ونرى أنه لا عزّ لأمة إلا بعزة قضائها وقضاتها، ولكن بعض القضاة كانوا بأقوالهم وأعمالهم عونًا علينا، وكانوا مع الاستعمار إلبًا على مطالبنا، وكأنهم ضمنوا لأنفسهم الخلود في هذه الوظائف المهينة، فاطمأنوا لهذه (الخبزة) الذليلة، فذاقوا وبال أمرهم حين سيموا الخسف بالأمس، وحملوا على خطة الهوان، فلم يجدوا وليًّا ولا نصيرًا.
حقيقة ... إن بعض القضاة أعوان للقضاء على القضاء ...
وبعد ... فنحن لا يهمنا أن يشغل المجلس الجزائري نفسه بالتوافه، ولا أن يعمر أوقاته بالفراغ، ولا أن تنجلي معاركه عن غير فتح ولا غنيمة، فإن كل واحد ميسر لما خلق له، وإن كثيرًا من الأشياء المنسوبة إلينا، المحسوبة علينا، هي من باب كلمة " Stop" في البرقية، تدخل في حساب جيوبنا، لا في حساب مصلحتنا، فندفع ثمنها من غير أن نستفيد منها شيئًا.
وإنما يهمّنا أن القضية من صميم الدين، فكان الواجب أن يُرجع فيها إلى أهل الدين وهم المسلمون وحدهم، وكان من اللياقة والحكمة أن يُستشار فيها أهل العلم بالدين، لأنهم أدرى بالخلل وبوجوه إصلاحه، وما شأن النواب غير المسلمين في هذه القضية الإسلامية البحتة؟ مع أن المجلس مبني من أول يوم على التفريق بين جنسين لكل منهما صندوق انتخاب، لأن لكل منهما مصالح تخصه، أم أن أولئك النواب يعتقدون أن القضاء الإسلامي ليس من الدين؟
(3/132)

فصل الدين عن الحكومة (10)
فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 3 -
ولعل رجال هذا المجلس- حين كانوا يخوضون في قضية (إصلاح القضاء الإسلامي) - كانوا يظنون أو يعتقدون أن القضاء في الإسلام ليس من الدين، وإنما هو تشريعات زمنية، يأخذ منها الزمان ويدع، وهم في هذا بين اثنتين: الجهل بقيمة الإسلام، أو التجاهل، والإسلام يراعي المصالح الزمنية ويبني أحكامه على تطوراتها، ويكل إلى علمائه الراسخين في فقه الكتاب والسنّة أن يُراعوا لكل وقت أحواله، وأن يقيموا الموازين على أساس جلب المصلحة ودرء المفسدة، وأن يضعوا بين أيدي قضاة الإسلام من القواعد ما يعصمهم من الخطإ في التنفيذ، ولكن هذا التسامح كله إنما هو في غير ما (يعمر القلب، ويعمر البيت)، في غير ما يعمر القلب من توحيد وعبادة ناشئة عن التوحيد، وفي غير ما يعمر البيت ويكوّن الأسرة، من النكاح وتوابعه ولوازمه من حقوق الزوجية والنفقات وأحكام الطلاق والعدّة والصدقات والحمل والإرضاع، فكل أولئك من صميم الدين، بيّن الكتاب أصولها وحِكَمَها وأحكامها، وشرحت السنة القولية والعملية فروعها ودقائقها، ولم يتركها الله سدى ولا وكلها إلى الآراء والأزمنة، لأن دينه دين الفطرة ... ومن لي بأن يفهم الناس والعلماء منهم معنى هذه الكلمة الجليلة، كلمة الفطرة؟ إنها لا تفهم من القواميس، وإنما تفهم بتفهم أسرار كلام الله، وكلام محمد بن عبد الله.
إن أحكام النكاح وتوابعه تعدّ من مفاخر التشريع الإسلامي المستند على الوحي الإلهي، ولا يوجد دين من الأديان السماوية أو الوضعية- ولا أستثني- اعتنى بهذه الأحكام وفضل القول فيها وبنى أصولها على الفطرة وما تحتمل وما لا تحتمل، إلا دين الإسلام، وحكمة ذلك كله أن هذه الأبواب هي التي تُبنى عليها الأسرة التي هي نواة الأمّة، وإن صلاح الأمّة
__________
* نُشرت في العدد 159 من جريدة «البصائر»، 27 فيفري سنة 1950.
(3/133)

وفسادها، تابعان لصلاح الأسرة وفسادها، فعناية الإسلام بهذه الأبواب أكبر برهان على عنايته بإصلاح الأمّة وإسعادها.
ولو أن العالم النفسي من علماء العصر يدرُس التشريع الإسلامي في منابعه الأولى وبلغته الأصلية، ثم يقابل بينه وبين قواعد علم النفس لآمن بالله وبدينه الحق. إن الطبائع الفردية في البشر تختلف وتتباين، وعوارض الحب والبغض تتغيّر وتزول، فمن الخطإ في التشريع أن تُجعل أساسًا لحكم عام، أو قاعدة اجتماعية، فالخلطة الطائرة القصيرة، المصحوبة بنزوات الشباب، التي يجعلها الأوروبيون شرطًا في الزواج، ويزعمون أنها ضامنة لدوام العشرة وسعادة البيت، قلما تصدُق، لأنها لا تكشف عن الجواهر الأخلاقية الأصلية، مع ما يصحبها من الغش والتصنع، وكثيرًا ما نرى الزوجين منهم بعد نُصول الصبغ الكاذب، وانكشاف الحقائق الطبيعية، يرجعان إلى حالة من المعاكسة والخلاف هي العذاب بعينه، والإسلام لا يبني على هذه الاعتبارات الزائلة، وإنما يبني على اعتبارات عُليا، إن لم تُلائم هوى طاغيًا في الفرد فإنها تلائم مصلحة المجموع. وإن كل ما قلناه ونقوله في هذا الموضوع إنما هو حال الإسلام، لا حال المسلمين.
...

نعتقد أن المثقفين من أعضاء المجلس المسلمين كانوا يعتقدون في القضية خلاف ما يعتقده زملاؤهم، كانوا يعتقدون أن هذه المسألة دينية، يجب الرجوعُ فيها إلى أهل العلم بالدين، ولكن صوت الحق في هذا المجلس تعلوه أصوات الباطل والجهل، فلا تدع قائل الحق يقول، ولا تسمعه إذا قال، لأن المجلس كان مأخوذًا بسحر الوحي ورهبته، فلم يُفق من غشيته حتى نزل الوحي الثاني بالمجلس، وقيل له: قف ... فإن القضية ليست من خصائصك، وإنما هي من خصائص وزير العدل الإفرنسي في باريس.
ليت شعري ... هل كان هذا مجهولًا يوم وُضعت القضية في جدول الأعمال؟
لا نعني أعضاء المجلس بهذا السؤال، فقد قرأنا في الأمثال أن الحائط قال للوتد لمَ تشقني؛ فقال له: سل من يدقني ...
...

وإذا كان أعضاء المجلس الجزائري يعتقدون ويقولون: إن القضاء ليس من الدين، فقد قالها قبلهم حاكم مسؤول منذ سبع سنوات، وكان هدفه في كلامه إثبات عدم "دينية" القضاء
(3/134)

ليمهّد للحكومة بقاء يدها مبسوطة عليه كالمسائل الإدارية، تبدّل وتغيّر و ... وتلغى، فتناول هذه المسألة الدينية بمنطق استعماري، وفكر عنصري، ولم نستطع الردّ عليه إذ ذاك لعدم وجود صحيفة تنشر لنا، فاكتفينا بتوضيح المسألة في تقريرنا الذي قدّمناه للحكومة في رمضان 1363 ونص ما قلناه:
"القضاء بين المسلمين في أحوالهم الشخصية والمالية والجنائية جزء لا يتجزأ من دينهم، لأن الحكمَ بينهم فيها حكم من الله، ولأن أصولَ تلك الأحكام منصوصة في الكتاب والسنّة، وكل ما فيها فهو دين، ولأنهم ما خضعوا لتلك الأحكام إلا بصفة كونهم مسلمين.
والدولة الفرنسية نفسها تعترف بهذه الحقيقة اعترافًا صريحًا، فقد كانت إلى العهد القريب تعارض مطالبة الجزائريين بحقوقهم السياسية لتمسّكهم بالقانون الأساسي في الأحوال الشخصية. والحقيقة أن الحكومة الجزائرية منذ الاحتلال بَترت القضاء الإسلاميّ فانتزعت منه أحكام الجنايات والأحكام المالية، ولم تُبق له إلا أحكام النكاح والطلاق والمواريث، ولا ليتها أبقتها له حقيقة، ولكنها مع المطاولة احتكرت تعليمه واحتكرت وظائفه لمن يتخرجون على يدها وبتعاليمها، وجعلت نقض أحكامهم وتعقّبها بيد القضاة الفرنسيين، وأصبح القضاء الإسلامي حتى في هذا القدر الضئيل خاضعًا للقضاء الفرنسي وأصبح القضاةُ بحكم الضرورة لا يرجعون في أحكامهم إلى النصوص الفقهية، وإنما يرجعون إلى اللوائح التي يضعها وكلاء الحق العام الفرنسيون، وفي هذا من الإجحاف وظلم القضاء الإسلامي ما لا يرضى به المسلمون.
ولا ننسى أنها وقعت محاولات واستفتاءات في بعض الأحيان، يُراد منها إلغاء القضاء الإسلامي بالتدريج، وإرجاع مشمولاته إلى القضاء الفرنسي، إن المسلمين يشكون هذه الحال، ويشكون نتائجها السيّئة من الاضطراب والفوضى في المحاكمات، والضعف والجهل في القضاة، ويعلمون أن ذلك كله ناشئ من سوء التعليم القضائي وعن إهمال التربية الإسلامية الفاضلة التي هي الشرط الأساسي في القضاة، وعن استبداد القضاء الفرنسي على القضاء الإسلامي، وعن عدم شعور القضاة بمراقبة الأمّة لهم مراقبة دينية.
وجمعية العلماء والأمّة الإسلامية معها تطالب الحكومة الجزائرية بوضع حدّ لهذه الحالة الشاذة المضطربة".
ثم أجملنا رأينا في نقط الإصلاح اللازمة التي لا بدّ منها لمن يريد الإصلاح وله فيه قصد صالح ونية حسنة، ولو أن الحكومة أعارت مطالبنا الدينية التفاتًا من ذلك الحين، وقد مرّت بعده سبع سنوات، لأحسنت إلينا وإلى نفسها، ولخفّفتْ عنا وعن نفسها كثيرًا من هذه
(3/135)

الأعباء والمتاعب، ولوَجدتْ نفسها اليوم خالية الذرع من هذه المشاكل، ولكن أين الاستعمار من الإحسان؟ إن طالب الإحسان من الاستعمار كطالب النسل من العقيم ... قلنا- إذ ذاك- في بيان نقط الإصلاح ما نصّه:
"وها هي ذي أصول الإصلاح نقدّمها بكل إخلاص:

التعليم القضائي:
يجب توسيع برامج التعليم القضائي في مادة العربية والفقه والأصول ودراسة التفسير والحديث ومآخذ الأحكام منها وتاريخ القضاء في الإسلام وفلسفة التشريع وعلم النفس. كذلك يجب فتح الباب لقبول علماء مدرّسين لتلك العلوم من المتخرّجين من جامع الزيتونة أو غيره، لا تعتبر فيهم إلا الكفاية لما يراد منهم.

الوظائف القضائية:
كذلك يجب إدخال عناصر من المتخرجين من جامع الزيتونة أو غيره من المعاهد الأخرى في الخطط القضائية.

السلطة العليا:
كذلك يجب تكوين مجلس قضائي أعلى من القضاة المسلمين يتولّى اختيارَ القضاة وتسميتهم ومراقبتهم والنظر في سلوكهم وتحديد عقوباتهم، وتكون سلطة هذا المجلس مستقلة عن القضاء الفرنسي.

محاكم الاستئناف:
كذلك يجب تكوين محاكم استئناف إسلامية، تستأنف إليها الأحكام الأولية وتكون سلطتها إسلامية محضة، وهذه النقطة من أهم نقط الإصلاح من حيث الاعتبار، لأن حكم القاضي المسلم لا ينقضه إلا قاض مسلم".
هذا ما قلناه منذ سبع سنوات خلتْ في إصلاح القضاء الإسلامي، وما زلنا نقوله، وما زلنا نرفع أصواتنا بأن المسلم لا يجوز له دينًا أن يتحاكم إلى حاكم غير مسلم، ولا يجوز له أن يستبيح نكاحًا أو إرثًا من أية جهة كان أو دمًا بأية شبهة كانت، إلا بحكم قاض مسلم.
(3/136)

الدين المظلوم *
كان الإسلام عزيز الجانب، منيع الحمى، يوم كان يدافع عن نفسه بروحانيته القوية، وحقائقه الواضحة، وعقائده الصافية، وأحكامه السمحة، وآدابه القويمة، وحكمه المتحكمة في العقول، وكان يُدافع عنه جند من أبنائه، عرضهم على ميزانه فرجحوا، واستعرضهم فنجحوا، وامتحن قلوبهم للتقوى فتكشفوا عن الطيب والطهر، وتلاقت العقائد الصريحة والقواعد الصحيحة على إنارة غسق الأرض بإشراق السماء، فظلّل الإسلام الكون بعدله وسماحته، وكان له في المشارق والمغارب مستقر ومستودع، وعلا بذلك على الأديان فجلّلها بالأمان، وأجارها من النسيان، وجاورها بالإحسان، فلما ضعف سلطانه على نفوس أبنائه ضعف سلطانهم على الأرض فاختلّ فتلاشى، ذلك يومَ أصبح قرآنه أغاني على الألسنة، لا أشفية للصدور، وأحاديثه أحاديث للتلهية والتغرير، لا معادن للأحكام والأخلاق، ويومَ قُفي على عقائده بالخرافات، ونسخت أحكامه بالعادات، وبدّلت آدابه بالتقاليد؛ فلما اطمأن المسلمون إلى هذا المهاد الذليل هانوا على الله وهانوا على أنفسهم فهانوا على الناس، فأصبحوا بهذه المنزلة لا يحمدون عليها ولا يُحسدون، وأصبح دينهم هدفًا لكل رام، ونهزة لكل عاد، وفريسة لكل مفترس.
دفع الإسلام أبناءه بتلك الروحانية العنيفة إلى ميادين الحياة، بعد أن عرّفهم بمعاني الحياة: دفع الأبطالَ إلى الفتح، وجعل الرفق رديفه، ودفعَ أولي الهمم إلى الملك، وجعل العدلَ حليفه، ودفعَ العلماء إلى التربية، وجعل الإصلاح غايتها، ودفع الأغنياء إلى بناء المآثر، وجعل عزةَ الأمّة نهايتها، فسدّ كل واحد ثغرة وأبقى فيها الآثار الخوالد: أبقى الأبطالُ تلك الفتوحات التي هي مفاتيح ملك الإسلام، وأبقى الخلفاء تلك السير التي هي
__________
* نُشرت في العدد 122 من جريدة «البصائر»، 5 جوان سنة 1950.
(3/137)

جمال الأيام، وأبقى العلماء تلك الأسفار الكريمة التي هي عطر التاريخ وأزهاره، وأبقى الأغنياء هذه المعاقلَ الباذخة التي هي بيوت الله.
...

والدين المظلوم في زماننا هو الإسلام في الجزائر: مظلوم من أهله، إذ لم يدافعوا عنه، ولم يأخذوا له بحقه من ظالمه، ومظلوم من هذه الحكومة ذات الألوان التي تحكم الجزائر بما تمليه القوّة، لا بما يُوحيه الحق والعدل، وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة، وأشنع غضاضة؛ ولا نتحدث عن الغابرين الذين فرطوا في جنب دينهم حتى أضاعوه من أيديهم فأضاعوا الرشد، ورضوا بالحجر، كمن أضاع بالسفه أرضه، وقنع بأن يبقى فيها أجيرًا؛ لا نتحدث عن هؤلاء الذين أضاعوا التراث، وتركونا نحاول انتزاعه من بين الأنياب والبراثن فهم أمّة خلت: إلى الله إيابها، وعليه حسابها.
ولكن نتحدث عن جمعية العلماء وعصرها وأهل عصرها، بعد ما تجلّت الحقائق، وزالت حجب الغفلة، ودنت الحقوق من طالبيها، وخالط حب الحرية العامة شغاف القلوب، وأصبحت أنشودة العصر، ونشيدة السود والحمر.
أما جمعية العلماء فلم تنم عن حق من حقوق الإسلام، ولم تفرط في قلامة ظفر منها، بل قامت بواجبات الدفاع عنه في ثلاثة ميادين في وقت واحد:
دافعت عنه في الميدان الخارجي بما ردّت من شُبه الطاعنين، وكفكفت من غلواء المبشّرين، وبما أقامت من حصون في وجوه الملحدين، وما منهم إلا من يريد أن يطفئ نوره ويقطع ظهوره.
ودافعتْ عنه في الميدان الخاص بالحكومة الجزائرية في قضية (فصل الدين عن الحكومة) فقد تناولتْ هذه القضية بالشرح والتحليل منذ عشرين سنة خلتْ، وتناولها هذا القلمُ بالبيان والتدليل من ثلاث سنوات، ولم تهن لها عزيمة ولا خارت لها قوّة في المطالبة، ولم يخدعها وعد، ولا ردّها وعيد عن تقبيح سلوك الحكومة وموقفها من هذه القضية، ولا رَمتها المطاولة بالملل، الذي يرمي العاملين بالفشل، بل ما زادتها المطاولة إلا مراسًا وإقدامًا، لعلمها بأن العاقبة للمتّقين، وأن الله مع الصابرين العاملين المثابرين، وقد مرّت عليها ثلاث سنوات متوالية وهي من القضية في عمل دائم وقول مستمر، وسيل من الكتابة منهمر، فلا هي سكتتْ، ولا الحكومة نطقتْ، ومن البلية خطاب من لا يجيب.
ودافعتْ عنه في الميدان الداخلي، بينها وبين قومها وأبناء ملّتها، حتى علم الجاهل واهتدى الضال، وفاء إلى الرشد الغوي؛ وسيعلم المتمادون على العناد أننا محضنا النصح،
(3/138)

والدين النصيحة، وأننا وفينا، والدين أمانة، وأن الذي أوجب علينا النصح، أوجب عليهم الانتصاح، وقد قمنا بالواجب، فهلّا قاموا به كما قمنا؟ وهلّا فاءوا إلى الحق ورجعوا إلى كلمة سواء بيننا وبينهم أن نتعاون على نصر ديننا، وإنقاذه من اليد الغاصبة! وسيعلمون جميعًا قيمة أعمالنا ونصائحنا يومَ ترفع الحكومة يدها عن معابدنا وشعائرنا وأوقافنا، وتسدل الستار عن هذه البوارق المعشية، من الوظائف والألقاب والنياشين، فيجد المسلم نفسه معتزًّا بالله، قويًّا بإيمانه، أهلًا لما أهله قومه، عامر الباطن بالشرف يلبس المملوكَ لا المستعار، ويومئذ يستيقنون أن هذه الحكومة كانت تغري بيننا العداوة والبغضاء لمصلحتها لا لمصلحتنا جميعًا، ولا لمصلحة فريق، وأنها تعد وتمني وما تعد إلا غرورًا.
ولو أن إخواننا أنصفوا الحق وأنصفونا لكان حظنا منهم الإعانة والتنشيط على هذا الجهد الذي نبذله، وهذا الجهاد الذي نقوم به، فإن لم يكن هذا فعدم الوقوف في صف الحكومة، وهو أضعف الإيمان.
ولو ذهبنا نصفي الحساب مع هؤلاء الإخوان لكانت الفذلكة هكذا:
لا ذنب لنا عندهم إلا كلمة الحق نقولها صريحة فتشرح وتجرح، مجلجلة فتصك وتصخ، موجّهة إلى المبادئ والمعاني، فيتصايح الأشخاص ويتظلمون؛ وما ذنبنا إذا كانت كلمة الحق هي كلمة الله لا كلمتنا ومن عند الله لا من عندنا؟ وما ذنبنا إذا كان الحكم الذي نحكمه هو حكم محمد بن عبد الله؟ بل ما ذنبنا إذا رضي بعض الأشخاص أن يكون تفسيرًا لتلك المبادئ ودريئة لوقاية الخصم؟!
أمن الحق أن يكون التصرف في ديننا بجميع أركانه موكولًا إلى غيرنا فنسكت عنه ثم نرتقي إلى أسفل فنعينه على ذلك؟ أمن البرّ بأمّتكم أن تسجّلوا عليها السفه والعجز حتى في أخصّ مميزاتها؟ أمن الشرف أن ترضوا لدينكم ولأمّتكم بهذه المهانة؟ أمن كرامة الموظف الديني أن يكون تابعًا لحكومة لائكية، ومسخرًا لشركاء متشاكسين؟ إن هذه- والله- هي الدنية، التي أباها عمر يوم الحديبية.
وتتم الفذلكة بأن لا ذنب لإخواننا عندنا إلا لشيء واحد، وهو هذا التهافت على مغريات الحكومة المباشرة وغير المباشرة، وهذا الانخداع بمكايدها الظاهرة والمضمرة، وهذا التسليم المطلق لها في أمور الدين.
احذروا- يا قوم- أن يكتب لكم التاريخ سيئة تأكل جميع حسناتكم، وهي: أننا نريد تحرير الدين وأنكم تريدون بقاءه في العبودية ...
***
(3/139)

أما بعد، فإننا قدّمنا في الأسبوع الماضي إلى الوالي العام، وإلى رئيس المجلس الجزائري، وإلى جميع أعضائه، مذكرة بطلب تنجيز فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الجزائرية، وببيان رأينا في كيفية الفصل، لم نحدْ فيها عن آرائنا القديمة، ولم نزد إلا ما جدّ في القضية من حكم البرلمان الفرنسي في المادة السادسة والخمسين من القانون الأساسي للجزائر، وهو التصريح بأن الفصل مضمون، أسوة بالدينين المسيحي والموسوي، وأن النظر في التنفيذ موكول إلى المجلس الجزائري.
وقد نشرنا المذكرة في العالم وصحفه ليرى مُبصر ويسمع واع، وسئمت الأمّة القلقة من هذا التباطؤ المقصود من الحكومة، وقرأ المذكّرة من وصلت إليه، فعرضت علينا تأييدها لنا في طلب التنفيذ، فقلنا لها: إنك أبطأت عن الخير، كما أبطأت الحكومة في التنفيذ، فانهالت برقيات الاستنجاز على الوالي العام، وعلى رئيس المجلس، وعلى أعضائه من دوائر انتخابهم، حتى التجأ الرئيس إلى نوع من الكياسة، فأصدر بلاغًا أذاعه الراديو ونشرته الصحف، وحدّد فيه عرض القضية في الفترة الجامعة بين سنتي 1950 - 1951.
إننا لا نرى رأي الرئيس في أن القضية متشعبة متعصبة، بل نراها في غاية البساطة والسهولة، وما شعّبها وصعّبها وعقّدها إلا نظرُها بالمنظار الاستعماري، ومن نظرها بغير هذا المنظار، وتبيّن وجه الحق فيها، تسهّلت له ولانت وانحلت من تلقاء نفسها.
إن الدِّين- يا حضرة الرئيس- كالدَّيْن، قاعدته: "مطلُ الغني ظُلم"!
...

وهناك نقطة كانت تتعلّل بها الحكومة، وتعدّها من معاذيرها، وطالما سمعناها من المسؤولين من رجال الحكومة، وهي أننا مختلفون، وأنها إذا أرْضت طائفة منا أغضبت طائفة، وإرضاؤنا جميعًا من المحال.
أما نحن فقد آذناها مرارًا بأننا لا نريد أن نحتكر هذه القضية لأنفسنا، لا في المطالبة، ولا في الرأي، ولا في التصرف، وإنما نطالب بإرجاع حق المسلمين إلى المسلمين، وأما غيرنا فنعتقد أن الحكومة هي التي تحرّكهم للخلاف وتشير عليهم به، لا نقول هذا رجمًا بالغيب وتجنّيًا على الحكومة، بل لنا عليه شواهد حسّية في الجمعيات الدينية وغيرها.
ولقطع هذه التعلات والمعاذير، قدّمنا للحكومة اقتراحًا ملحقًا بالمذكّرة يتضمن جريدة بأسماء الأشخاص الذين يتألف منهم المجلس الإسلامي المؤقّت، يمثّلون طبقات الأمّة، ولم نراع فيها إلا الحظ الكافي من الثقافة العامة والشعور بالمسؤولية الدينية، وأنهم غير
(3/140)

مرتبطين بالحكومة بوظيفة دينية أو غير دينية، وفيهم العالم وشيخ الزاوبة والفلاح والتاجر والطبيب والمحامي.
هذا كله في المجلس المؤقّت الذي هو ذريعة إلى المجلس الأصيل المنتخب، على ما بيّناه في أصل المذكّرة، فإذا جاء الانتخاب، سدّ علينا وعلى غيرنا الباب، وبقيت الكلمة خالصة للأمّة.
وإننا نتحدّى الحكومة بأكثر من هذا، نتحدّاها بأننا إذا رأينا صدقها في الفصل، وإخلاصها في التنفيذ، ونفض يدها من كل ما يتعلّق بالقضية، وأقامت لنا الدليل على أن باطنها في ذلك كظاهرها، فإننا مستعدون لتسليم القضية إلى أي قادر على تسييرها من جماعات المسلمين، وللتنازل الخالص عن حظوظ جمعية العلماء في القضية.
فهل في التحدي أبلغ من هذا؟
(3/141)

فصل الدين عن الحكومة (11)
أهذه هي المرحلة الأخيرة من:
فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 1 -
أتظن هذه الحكومة أنها تسوِّف ما شاء لها الهوى في هذه القضية، وتسخر منا ومن ديننا ما شاء لها الغدر والطغيان، ليطول علينا الأمد فننسى، أو تتشعب علينا المسالك فنقل، أو تتكاثر علينا الخصوم فيضيع صوت الحق في أصوات الباطل؟
أما الأمد فقد طال مائة وعشرين سنة، فتناسى أولنا ولم ينس أخيرنا، وما زاد طول العهد إلا تذكرًا ويقظة واستمساكًا بالحبل على طوله وامتداده، ومن طبيعة المسلم التي لا تفارقه في جميع أطوراه أنه ينسى المصيبة في دنياه لإيمانه باللطف الرباني معها، واعتقاده للأجر الأخروي فيها، ولا ينسى المصيبة في دينه لاتهامه نفسه بالتقصير في دفعها، واعتقاده لزوم التكفير عن التقصير.
وأما تشعب السبل فقد أعددنا له- من أول يوم- دليلًا لا يضل، وهو الحق؛ وجانبًا لا يزل، وهو الصبر، وسيفًا لا يكل، وهو الحجة، ونصيرًا لا يذل، وهو العقل، وميزانًا لا يختل، وهو الرأي؛ فلا تتشعب علينا السبل إلا رميناها بهذه الأدوات مجموعة فتنزوي وتتجمع كقضبان الحديد في محطة القطار، مآلها بحكم الهندسة إلى خطين متوازيين. وأما الخصوم فليكثروا ما شاؤوا، فإن كثرتهم إلى قلة، وإن مرجعهم إلى واحد وهو الحكومة، فكل خصم لنا في هذه القضية فهو إما جزءٌ من هيكل الحكومة، أو ناطق بلسانها، أو عامل بإرادتها، أو مسخر لمصلحتها، وهاتوا المنطق ... فهل يُعقل أن مسلمًا صحيح النسبة إلى الإسلام يرضى ببقاء دينه في قبضة حكومة لا تدين به؟ وهل يُعقل أن يكون هذا المسلم خصمًا لمن يطالب بتحرير دينه؟ ... إن كلمة حرية وحدها أصبحت تهزّ الشعوب
__________
* نشرت في العدد 137 من «البصائر»، 15 جانفي عام 1951.
(3/142)

هزًّا، وأصبحت مقادة في أيدي الدعاة- حتى المشعوذين منهم- يقودون بها الجماهير، ولو إلى السعير، فكيف بمن يطالب مخلصًا بتحرير دين عظيم، من بلاء عظيم؟ وهاتوا المنطق ثانيًا، فهما في قضيتنا أمران: فصل صريح وهو ما نطالب به، أو إبقاءٌ للحال على حاله، وهو ما تريده الحكومة، ولا واسطة بين الطرفين، ولا منزلة بين المنزلتين؛ فأي مجال يسع الخصوم؟ وعلى أي بساط تقع الخصومة؟
أما ما تصوره الحكومة- ولا نقول تتصوره- من وجود خصوم لنا في القضية، فلا وجود له إلّا حيث توجد هي، ولا مكان له في التعقل إلّا إذا زيد في مقدمات علم المنطق- مع التصوّر والتصديق- قسم ثالث، وهو (التصوير)؛ فهؤلاء الخصوم صوَّرتهم الحكومة، فأساءت تصويرهم، وقالت لهم: كونوا خصومًا للحق فكانوا، وقولوا إفكًا وزورًا فقالوا. وإن الفارق الأكبر بيننا وبين هؤلاء الخصوم المصورين المزوَّرين أن الحكومة تستطيع إسكاتهم بكلمة بل بإشارة، ولا تستطيع إسكاتنا بملء الجو كلامًا، وهل في الفوارق بين الأشياء ما هو أوضح من هذا؟ وهاتوا المنطق ثالثًا. فهذه الأمة الجزائرية المسلمة لو اجتمعت في صعيد واحد، وقيل: امتازوا اليوم أيها المجرمون؛ فبقيت خالصة من الدغل، نقية من الدخل، ثم عرض عليها الأمران على جليتهما، فماذا كانت تختار؟ وإلى جانب من تنحاز؟ ... لا نحن نشك في النتيجة ولا الحكومة تشك، لولا أنها تماري في الشمس، ولولا أنها تعتمد على حذقها في (التصوير)، واقتدارها عليه، وحوزها لأدواته وأصباغه، وبختها الخارق في العثور على "الهيولَى" القابلة.
أما ما تقوله الحكومة، ويقوله هؤلاء الخصوم (المصوّرون)، من أن الخلاف بيننا وبينهم اختلاف في حال؛ يعنون في الكيفية التي يقع عليها الفصل، والأيدي التي تتناول الشيء المفصول، فهو قول يُقصد منه معنى ستر العورة بسربال، فيفهم معنى تغطية الشمس بغربال!
...

كتبنا في هذه القضية ما إن مداده لَيُكَوِّنُ عدة غُدران، وما إن صحائفه لتغطي بضعة جدران، ولكن كنا مع هذه الحكومة المتصامَّة- من عتو، ومن استعلاء- كمن يحرق البخور لأصحاب القبور.
ونحن نعلم أن الحكومة تترجم كل ما نكتب، وتقرأه فتفلي الحروف وتحدد مواقعها من الكلمات ومواقع الكلمات من الجمل، ومقام الجمل من المواضيع، وتفسر وتحلل على قدر ملكتها في العربية وحظها من بيانها، وتستعرض الاحتمالات القريبة والبعيدة في المعاني، وتحمّل الكلام من المقاصد وحظها ما يطيق وما لا يطيق، وتجاوز أنواع الدلالات المعروفة، من مطابقة وتضمن والتزام، إلى الإشارة والإيماء والاقتضاء- تفعل كل ذلك لا لتمحص
(3/143)

الحق ثم تفيء إليه عند ظهوره، بل لتؤلف قاموسًا من الجمل- التي هي لباب الحق- فتنسقها في ملفات، فتحاسبنا عليها متى عرضت دورة فوق العادة، أو فورة فوق القانون.
ونحن لا يهمنا هذا، لعلمنا أنها ما كانت حكومة إلّا لهذا، وإنما يهمنا أن تتمادى على السكوت، والسكوت لا يثبت حقًّا، ولا ينفي باطلًا، وأن تعطل القوانين التي ما كانت حيث هي إلّا لتنفيذها، وأن تصر على الحنث العظيم، وهو التصرّف المطلق في دين ليس منها، وليست منه، مع وجود أهله المستوفين لشروط القيام به، والقدرة عليه، والمعرفة بآدابه، والائتمان على أعماله، ونعني بهذا (الأهل) الأمة الجزائرية المسلمة بمجموعها، لا فردًا بعينه، ولا طائفة بوصفها، ولا جماعة بنسبتها.
لم نسمع من هذه الحكومة لأن بيننا وبينها حجابًا من غضبها علينا، وإعراضها عنا، واستخفافها بنا، وإنما سمعنا ممن سمع منها- أنها تحتج حين يفحمها الجدل، وتلحمها الحجة، بأنها لم تجد من تسلم له المساجد، أو تضع القضية بحذافيرها في يديه، لأن المسلمين- زعمت- مختلفون، فإذا ما اتحدوا على رأي، أو تواطأوا على جماعة، دفعت إليهم (دينهم).
وقد قلنا لها في صراحة المحق الجريء: إنك أنت أصل الشقاق، ومنبع الخلاف، وكيف يمكن قطع خلاف أنت فاتحة أبوابه، وأنت مسببة أسبابه؟ فما جعل المسلمين مختلفين في قضية دينية محضة إلّا أنت، وما بذر الشقاق بينهم إلّا يداك. كان الدين الإسلامي بطبيعته لا يتأثر بالمصالح الدنيوية، فلم تزالي برجاله حتى أفسدتِ فطرتهم الدينية وصيرت الإمام في المحراب كالجندي في الميدان، والبوليس في الشارع، والقائد في الدوار، يسابق في الخدمة وينافس في الزلفى، ويزاحم على الدرجة ويتطلع إلى النيشان، تلوحين بالمطامع والوظائف لطائفة فتلتفّ حولك، وتمدين لها في جاه زائف ورتب نازلة فتزداد تعلقًا بك، وتنقضين شروط الكفاءة الدينية بالكفاءة الإدارية، فتنقضين بذلك أصلًا من أصول الإسلام، وتتساهلين حيث يجب التشدد في اعتبار الشهادة العلمية، والقيمة الأخلاقية، وتُروّضينهم على أسوإ ما يُربى عليه رجل الدين في الإسلام، وهو التوجه إلى الحكومة والوقوف بأبوابها، ثم أشعرتهم بأن أمرهم كله إليك، وأن رزقهم كله في يديك، وتفاقم الأمر حتى أصبح عادة، فوصلوا أسبابهم بك وقطعوها من الدين، وآمنوا بأن الأمر إليك فكفروا بجماعة المسلمين، فلما انتهى الأمر إلى هذا الحدّ، وآتت أعمالك ثمارها المرة، سلطت بعضًا على بعض، لتشغلي بعضًا ببعض وتستريحي.
الحكومة تخلق الخلاف لتتخذ منه عذرًا لإبقاء ما كان على ما كان؛ هذه هي الحقيقة، فإذا كان في بيانها إغضاب الحكومة فإن فيه إرضاء الحق.
(3/144)

فصل الدين عن الحكومة (12)
أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضية:
فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 2 -
قطعت هذه القضية في تاريخ الاستعمار مراحل عدة، لا نعدّ منها مرحلة التسليم، ولا مرحلة الاستلام، وإنما نعد منها مراحل المقاومة والمطالبة، التي جاءت بعد أن
نام الاستعمار ملء جفنيه، اطمئنانًا إلى أن القضية تمت كما يريد ويتمنى، ونامت نومة الأبد، وكيف لا يطمئن من يشرع المنكر، ويسن الباطل، فلا يسمع نأمة اعتراض؟ كيف لا تطمئن حكومة مسيحية تنصب مسيحيًّا على رأس جمعية دينية إسلامية، فلا ترى من المسلمين غضبًا ولا استنكارًا؟ وهل في باب النكاية بالإسلام وأهله أبلغ من هذا؟ وهل هذا إلّا صورة مقنعة مما أصاب الإسلام في إسبانيا؟ وهل هو إلّا مقدمة لمحوه وترحيله من هذا الوطن؟ وهل هو إلّا ميراث لاتيني تتسلمه أمة منهم من أمة؟ لعمر الحق ... إنها لوخزة مؤلمة للمسلمين، ولكنها وخزة مقصودة للتجربة الأخيرة لهذا الجسم، لينظر أيتحرك ويتألم؟ أم يسكت فلا يتكلم؟ ولكن هذه التجربة أسفرت كما ترى وتسمع عن نار كانت كامنة فاشتعلت، وصرخات كانت مكبوتة فانفجرت، ومقاومة زعزعت عرشي "ميشال" و"دورنو" وزلزلت الأرض بمن ظاهروهما بالسكوت والرضى، ولكن الحكومة- وقد أفلت منها رأس الحبل- أبت إلّا أن تمسك بوسطه، فأصبحت تشكل الجمعيات الدينية الإسلامية بالوحي السري، أو بالعمل العلني، وتقيم عليها رجالًا ليسوا مسيحيين ولكنهم أطوع لها، وأسرع في تنفيذ أغراضها من المسيحيين.
ولقد فاوضني- منذ سنتين- رجل مسؤول من رجال الحكومة في تجديد الجمعية الدينية الصورية القائمة بالعاصمة، على أساس أن نتقاسم، فنختار رجالًا وتختار الحكومة رجالًا تتألف الجمعية من جميعهم، فأسلست له لأرى ما عنده، وتسهّل معي ليرى ما
__________
* نشرت في العدد 138 من «البصائر»، 22 جانفي عام 1951.
(3/145)

عندي، وكان البساط يقتضي ذلك مني ومنه، فلما وصلنا إلى الأعضاء القدماء ومسستهم بالنقد الديني لهم وللحكومة في تعيينهم تظاهر لي باستعداد الحكومة للتنازل في شأنهم، وبقدرته هو- بشخصه- على إقناع بعضهم بالتنازل، إلّا واحدًا سماه فإن الحكومة تتمسك ببقائه، ولا تتنازل في شأنه بحال، واستعرضت في ذهني خصائص هذا الرجل- وأنا أعرفه- فلم أجده في دين ولا دنيا، فسألت محدثي عن السر المودع في ذلك الرجل فلم يُجبني؛ فعلمت أن الرجل الذي لا يصلح منا لدين ولا دنيا، هو الذي يصلح للحكومة، وفهمت يومئذ ميزانًا جديدًا من موازين الحكومة للرجال، ومعنى جديدًا من معاني اصطناعها لهم.
...

ومن المراحل التاريخية الأخيرة لهذه القضية حكم البرلمان الفرنسي فيها سنة 1947، واثباتها في الدستور الجزائري مادة من مواده بتلك الصورة التي نراها تطويلًا في محل التقصير ونعدها روية في مقام الارتجال، ونعتبرها نقلًا للقضية من ميدان إلى ميدان بلا موجب، وتقليبًا لها من يد إلى يد بلا فائدة، وسعيًا بها بين باريس وبين الجزائر ذاهبة وآيبة بلا حكمة؛ وليس في القضية ما يستدعي هذا التشعب كله، لو لم يكن الأمر فيها مبيتًا على (تنويمها)، لا على تقويمها، وعلى إفساد الحالة لا على إصلاحها، وعلى الإمعان في الظلم، لا على الكف عنه، وليس في القضية ما يقتضي إركابها البحر أربع مرات، مع القدرة على إرسالها بالطيارة مرة واحدة- لولا الأهواء الغالبة والنزعات الغالية، والشهوات الطامحة، والمطامع المستحكمة.
إن الحق في القضية أبين من أن تكثر فيه المشاورات، أو تتعدد فيه المداورات، أو تختلف فيه الآراء؛ وما هو إلّا قطع وانفصال، وفطام وفصال، وسل للثياب من الثياب.
وقد كتبنا في هذه الصحيفة على هذه المرحلة، وعلى الدستور الجزائري، وموقع هذه القضية منه، وأوسعناه شرحًا وبيانًا واحتجاجًا عليه في مواطن النقص واحتجاجًا به في الألفاظ الصريحة منه، وكشفًا عن الخبايا فيه، كما كتبنا عن المجلس الجزائري الذي ولده الدستور لينفذه فعطله وأوسعناه نصحًا خالصًا ونقدًا واضحًا، وطالبناه بالتنفيذ السريع مع تحرّي الحق والصواب؛ ووصفناه بما هو أهله لم نقصر ولم نتقلد؛ وما زلنا في موقفنا من الدستور ومن المجلس في قضيتنا الخاصة لم يختلف لنا فيهما رأي، ولم يتبدل لنا موقف، وما زلنا نطالب بالحق، ونندد بالباطل حتى يبلغ الكتاب أجله، وإن الله لمع الصادقين.
***
(3/146)

وكانت آخر المراحل العملية في القضية مذكرة جمعية العلماء التي قدمتها في شهر ماي 1950 وشرحت فيها نظرها في حل القضية؛ قدمتها للمجلس الجزائري والحكومة الجزائرية، ونشرتها للرأي العام، وإلى من يتولون قيادته من نواب وصحافيين.
كل ما في تلك المذكرة من صميم الموضوع ليس بجديد، بل هو مما لاكته الألسن، وجرت به الأقلام وعرفه الخصمان والشهود، والحق يتغير لبوسه ولا يتغير سوسه (1)، ولا جديد فيها إلّا اقتراحنا للأسماء التي يتألف منها المجلس الإسلامي المؤقت، وليس بهذا الجديد كبير شأن، كما توهم بعض الناس، لا كما توهمت الحكومة؛ فقد وردت علينا على أثر إعلان المذكرة رسائل كثيرة ينتقد أصحابها حشر بعض الأسماء في المجلس، ويقول لنا كثيرون: إننا قرأنا الأسماء فعرفنا وأنكرنا ...
إلخ؛ أما نحن فقد عرفنا الأسماء كلها، وذكرناها عن قصد مخلص، من غير أن نستشير واحدًا من أصحابها، لأننا في مقام اقتراح وشهادة، لا في مقام فرض وإلزام؛ ونشهد أنه لم يرد علينا استنكارٌ أو تبرؤ من واحد ممن ذكرت أسماؤهم؛ وما قصدنا بذكر تلك الأسماء المختلفة المشارب إلّا دحض تلك الشبهة التي تتمسك بها الحكومة، وتشيعها علينا ألسنتها العييّة المأجورة، وهي أننا نريد احتكار القضية لأنفسنا قبل الفصل، واحتكار استغلالها بعد الفصل؛ وقد قطعنا على الحكومة وأتباعها كل سبيل، وسددنا عليها مسالك العذر، وتحديناها التحدي البليغ بأننا إذا علمنا إخلاصها في الفصل، وسلوكها السبيل القويم فيه، فإننا نتنازل- مخلصين طائعين فرحين- لكل جماعة حرة من إخواننا المسلمين، ممن لا ينخدعون لمكايد الحكومة، ولا تلهيهم بالقشور عن اللباب، ولا تصيدهم بالرغبة، ولا تصدهم بالرهبة؛ ولو كنا نريد ذلك لأنفسنا لقلناه فصيحًا صريحًا، ولو قلناه لما كنا مدفوعين عنه إلّا من هذه الحكومة ومريديها المسخرين لها، الناطقين باسمها؛ ولو حملتنا الأمة إياه لاضطلعنا به، حملًا له، واقتدارًا عليه، وسدادًا في توجيهه، وكفاءة لتسييره؛ وهل نحن أعجز في العلم أو في العمل أو في الاضطلاع من هؤلاء المتهافتين؟
وهل يستوي الذين ينادون بتسليم القضية إلى جماعة من المسلمين بواسطة جماعة من المسلمين، والذين يريدون تسليمها إلى الحكومة، بواسطة رجال ... من الحكومة؟
...

وماذا كان من الحكومة بعد نشر المذكرة؟ إنها عكفت على تلك الأسماء توازن وتقارن، وتستعيد الذكريات الماضية، وتراجع الملفات المدخرة، وتتشمم النسمات، وتضع
__________
1) السوس: هو الأصل.
(3/147)

الموازين وتميز من لها ممن عليها، وتضع علامات التعجب والاستفهام، ثم تجمع وتطرح وتقسم، ثم توعز إلى دوائر استعلاماتها في المدن والقرى لتحقق وتستنطق وتبحث كل (مشبوه)، وكانت الإجابات- بالطبع- لا باختلاف الأنظار والعقول، ولكن باختلاف الحظوظ من الرهبة من الحكومة والخوف من غضبها، ثم عمدت في الأيام الأخيرة بواسطة بوليسها إلى نوع غريب من الاستفتاء لا نشك أن له صلة بقضية فصل الدين، هذا النوع من الاستفتاء هو استدعاء بعض رجال جمعيات المدارس، وحصبهم بعدة أسئلة يدسّون في أثنائها: هل أنتم من أتباع جمعية العلماء؟ أو من أتباع فلان ... أو أتباع فلان ... أو أتباع العاصمي؟ ...
واعجبًا لما يفعل الزمان! ... آلعاصمي ... أصبح من ذوي الأتباع؟ وإنا لا ندري أي نوع من الأتباع يريدون؟ آلْأَتْبَاع في المذهب الحنفي الذي هو مفتيه؟ أم الأتباع في التدجيل الديني الذي أصبح يأتيه؟ أم في المذهب الحكومي الذي أصبح يتطاول به ويتيه؟ ...
(3/148)

فصل الدين عن الحكومة (13)
أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضية:
فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 3 -
... وواعجبًا لما تصنع هذه الحكومة ببعض الرجال منا، تعمد إلى الواحد منهم فتبقيه على سحنته، ولكنها تفرغه من شحنته ... تفرغه من معاني الإسلام، والغيرة عليه، والطيرة له، والدفاع عنه، والاعتزاز به، وتملأه بمعان أخرى منها الإفك والزور، ومنها الأنانية والغرور، ومنها الاستخفاف بالإسلام، والاحتقار للمسلمين، ومنها الانقياد للحكومة، والاعتماد عليها، والاعتزاز بها، والتعالي بقوّتها على عباد الله، والتغني بمدحها حتى في بيوت الله؛ فيصبح ذلك الواحد لا يأبه لنقض الإسلام، ولا يغضب لنسخ الأحكام، ولا يبالي بغضب المسلمين؛ كل ذلك لأن الحكومة شاءت ذلك! وإن أباه الله ورسوله والمؤمنون من عباده، وكل ذلك لأن الواحد من هؤلاء راض نفسه على التنكر للإرادة والعزيمة وما جرى مجراهما من الفضائل الشخصية، وعلى الذوبان في الغير، والاستطاعة بالغير، ثم لا يكون هذا الغير إلّا الحكومة بالطبع، لأنها هي التي زرعت الزرع، فهي التي تجني الثمرة.
...

وكل ما ذكرناه من الصور هو تحقيق لا تخيّل، وهو مشخص على أكمله في هذا الشيء الذي يقال له العاصمي، فهو المثال الموضح للقاعدة العامة، وهو الجامع لما تفرق في غيره من جزئياتها، وآية ذلك أنه وصل إلى ما هو فيه بغير الوسائل التي يسلكها الناس لمثل ذلك في المتعارف عندهم، وكأنه يضع قدمه حيث ينتهي طرفه، وما هو إلّا طالب كآلاف الطلبة (1)، من مثل طبقته، فلماذا تقدم وتأخروا؟ ولماذا أصبح رأسًا بعد أن كان بالأمس ذنبًا؟ أهو الحظ؟ لا بل
__________
* نشرت في العدد 139 من «البصائر»، 29 جانفي عام 1951.
1) طالب كآلاف الطلّاب: الطالب هو معلّمُ الصبيان القرآن الكريم.
(3/149)

هو شيء آخر غير الحظ، هو شيء تشمه الحكومة الجزائرية بحاسة زائدة فيها، فتميز به السابق من أدواتها من المقصر، ودع عنك المؤهلات العلمية، ودع عنك الموازين الصحيحة، ودع عنك القيم المعقولة، فذلك كله لا قيمة له، ولا عبرة به في هذا الباب، ودع عنك حُرمة الدين، فلو كان للإسلام حرمة في نفس هذه الحكومة لما خاض هذا القلم في هذه المستنقعات، ولو كان له في نفسها اعتبار، لاشترطت في طلاب وظائفه أقل ما تشترطه في طلاب وظائفها. إننا لنعلم السر في هذه النغمة الجديدة، وهي إدماج العاصمي في ذوي الأتباع، فهي تريد إيهام البسطاء بأن له أتباعًا، حتى تقيم منه ومنهم معارضة في سبيل الحق، ومن زين له المنطق أن يجعل الشاذ قاعدة، فكيف لا يهون عليه أن يجعل من الفرد أمة، ومن الخيال حقيقة، ومن المحال ممكنًا؛ ونقول للذين يتوهمون وبوهمون أن للرجل أتباعًا: إن أتباع هذا الرجل من جنس مذهبه، وإن المقدمة الأولى لنتيجتكم هذه قد ممبقتها بأعوام، يوم أمسى ناسخًا في محكمة موجودة. فأصبح رئيسًا لمذهب معدوم، فتباعد طرفي القضية يقدح في هذا الإنتاج؛ فإذا سوغ لكم منطقكم أن تقولوا: هذا مفتي مذهب، وكل مفتي مذهب له أتباع، فلا تأمنوا أن يقول قائل: إنه مفتي مذهب غير موجود، فله أتباع ... غير موجودين ... فإن قلتم: إنكم لا تريدون المذهب الفقهي، وإنما تريدون المذهب (الصناعي)، قلنا: إن هذا المذهب لا يتبع العاصمي فيه إلّا الأخسرون أعمالًا، الأضلون سعيًا.
...

ما أشأم العاصمي على نفسه! فقد سكتنا عنه فأبى، بعد أن جارانا فكبا، وما تحدئنا عنه في الماضي إلّا باعتباره أداة لا شخصًا، وما سكتنا عنه بعد ذلك إلّا لأننا أوسعنا تلك الأدوات تحطيمًا وتهشيمًا، ورُغنا عليها ضربًا باليمين، ولكن هذا الرجل (المصنوع) يأبى علينا إلّا أن نعتبره ثميئًا قائمًا بذاته، ولذلك فهو لم يسكت حين سكتنا، وتمادى على السب والشتم ليشغل العاملين بهذا الفراغ، وليؤدي عملًا كعمل الإفتاء، في وظيفة كوظيفة الإفتاء، وليكون في هذا الزمان (ذا الوظيفتين)، كما كان يقال في أيام عز الإسلام: ذو الرياستين وذو الوزارتين. هاج هذا المخلوق الشر بتماديه في الشر، وجنى على نفسه وعلى شركائه الراضين بصنعه، وقديمًا فهمنا أن له أربًا في اللجاج والمراء، لأن هذه الطريقة هي التي تظهره وتقربه زلفى إلى آلهته، ولكن هل لشركائه مثل أربه حتى يعرضهم لما كانوا منه في أوسع عاقبة؛ إنه لهم مولى شؤم، وعشير سوء، لبئس المولى، ولبئس العشير!
وها نحن أولاء نعود للحديث عنه مكرهين، ولا نخوض من جديد في شبهاته التى يظنها حججًا، وضحضاحه الذي يراه لججًا، إذ بعض المحظور في ذلك أننا نحقق له بعض مناه،
(3/150)

وهو أن نتعمق معه في جدل يشغلنا عن المفيد بغير المفيد، ويستفرغ جهدنا في المفروع منه، وإننا نقولها مرة أخرى في صراحة وصدق: إننا لا نعني بما نقول ذلك الرجل المدعو محمد العاصمي الذي شب في (قصير الحيران)، واكتهل معلمًا للصبيان، وشاب خادمًا لقاض في ديوان، وماشانا في بعض أطواره، وصاحبنا- على حرف- في بعض أطوراه وكان حذرًا منا في جميع أطواره، لغرابة أدواره، وبعد أغواره، وغموض أسراره، فكل ما في ذلك الرجل لا يعنينا، لأنه رجل مات، وحال فات، وإنما يعنينا هذا الشيء المسمى محمد العاصمي المفتي الحنفي، الذي وسع الشق، بتنكره للحق، والذي نصب نفسه عونًا للمعتدين على الدين، والذي استطال بقوّة الأجانب على ضعف الأقارب، والذي سود وجه الإسلام بمؤازرة الظلام، والذي جعل الإفتاء ذريعة للافتيات، وإساءة الأحياء حجة على إحسان الأموات، والذي أقام نفسه عرضة في طريق مطالبة الأمة بحق من حقوقها، والذي تولى من لم يجعل له الله على الإسلام سلطانًا، والذي قاس حكومة مسيحية على حكومة مسلمة، في تصرّف ديني محض، فأغضب الله، وأفسد العلم، وافترى على التاريخ، والذي يتوقح في الإصرار على إفساد عبادات المسلمين بتولي الإمامة ممن لا يدين بدينهم، والذي يرضى لطائفة جعلهم الله شفعاء لخلقه- أن يكون هو شفيعهم في نيل هذه الوظيفة الشريفة إلى (معمر) مسيحي، والذي يطرب لحكاية المذيع لتنقلاته في المسجد في وقت يحرم فيه الكلام، ثم يجمع بين ذلك وبين رواية أثر: ومن مس الحصا فقد لغا، إلخ، والذي يسعى جاهدًا بأقواله وأعماله في إبقاء الشعائر الدينية الإسلامية لعبة في يد من لا يعظم شعائر الله؛ والذي غير دين الله فجعل الكذب والسباب والوقيعة والقذف ومدح أهل الحكم والجاه- كلها "من صوت المسجد" ومما يجوز أن يخطب به على منابر الجمع.
فهذا هو العاصمي الذي لا نزال نذكره بمثل ما يُجزى به إبليس عن فعلته، ونثني عليه بمثل ما أثنى به الأعرابي على بعلته ...
...

وبعد فإن الحق في القضية أن كلام العاصمي وأمثاله- ممن يطالبون بإبقائها على ما هي عليه- هو من الباطل الذي لا يجوز لمسلم السكوت عنه، لأن فيه تماديًا على بطلان عبادات المسلمين وعلى تعطيل المعنى الذي شرعت له الشعائر؛ وإن الحق الذي حومنا عليه مرارًا ولم نقع- حتى خشينا أن يصيبنا الله بقارعة من عنده، جزاء على كتمانه- هو أن تولي الإمامة من حاكم مسيحي باطل، وإن طلب الإمامة من ذلك الحاكم قريبة فوق الباطل، وعليه فالصلاة وراء إمام معين من ذلك الحاكم باطلة، ومن ادعى خلاف هذا فهو يكذب بالقرآن، كما هو كاذب على أبي حنيفة النعمان.
(3/151)

فصل الدين عن الحكومة (14)
أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضية:
فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 4 -
... وكأني ببعض خواص العامة، وبعض عوام الطلبة، يستغربون هذا الحكم الحاسم ببطلان العبادات التي يأتمون فيها بهذا الصنف من الأئمة، أو يعدونه جرأة جرها التلاحي معهم أو مع كبيرهم، الذي زين لهم مقاومة الحق والاستمرار على الباطل.
وكأني بهم يستعظمون الحكم ببطلان عبادات المسلمين التي درجوا عليها أحقابًا وينكرون علينا أن نبطل ما أقره (الأوائل) وسكتوا عليه، وفيهم العلماء، وفيهم الفقهاء، أفكانوا كلهم على ضلال في هذه القضية؟ ونحن نتحقق هذا الاستغراب وهذا الاستعظام منهم لأنه من النزعات العامية المستولية على عقولنا، ومن تناولنا للأشياء الكبيرة بالأنظار القصيرة، وهذا أصل بلائنا في الدين، وشقائنا في الدنيا؛ ومرجع ذلك كله في هؤلاء تعوُّد المنكر حتى يصير معروفًا، والإلف له حتى تسكن إليه النفوس، وهذه هي علتنا فيما فشا بيننا من بدع ومنكرات وضلالات: يسكت عليها الأول فتصير عادة، وتستحكم فتصير سنة، وتتكاثر أنواعها فتغطي على الدين الصحيح، وعلى السنن المأثورة فيه، وعلى المناهج القويمة في شؤون الدنيا.
ويا طالما سمعنا هذه النغمات في مواقفنا الإصلاحية، فكلما شددنا الحملة على منكر لنزيله أو نزلزله، تعالت الصيحات بالاستعظام والاحتجاج بسكوت (الأوائل)؛ فنمضي على الحق، لا نلوي على أول ولا أخير، ثم لا تكون العاقبة إلا للحق وأهله.
فيا قوم ... اعلموا- علمكم الله- أن سكوت الأوائل على المنكر لا يكون حجة على الله، وأن إقرار الأواخر له لا يكون حجة على دينه، بل لله الحجة البالغة على عباده، ولرسوله البينة القائمة على أمته؛ {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وهل مما آتانا الرسول أن نعطي الدنية في ديننا، ونرضى باختيار المسيحيين لأئمتنا، ونصلي خلف من يطلب الإمامة
__________
* نشرت في العدد 140 - 141 من «البصائر»، 5 فيفري عام 1951.
(3/152)

منهم، ومن يدفع ثمنها طاعة لهم، ورجوعًا في الدين إليهم، وكيدًا لقومه وإعانة عليهم، وتمكينًا لنفوذهم وسلطانهم على الإسلام؛ أهذا هو الواقع أم أنتم لا تبصرون؟
إن سكوت علماء الأرض كلهم على الباطل في الدين لا يصيره حقًّا، وإن تواطؤهم جميعًا على منكر فيه لا يصيره معروفًا، وإننا لسنا من الكرامة على الله أن ينسخ أحكام دينه لأجلنا، أو ينسخ صواب دينه لأجل خطئنا فيه، وما ثَمَّ إلّا ما ختمت به الرسالة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فما لم يكن يومئذ دينًا فليس اليوم بدين، كما قال مالك- رضي الله عنه- وقد بطلت عقائدنا يوم زغنا فيها عما جاء به القرآن، فكيف لا تبطل عباداتنا المسجدية يوم رضينا بتولية أئمتها من حكومة مسيحية، ويوم رضينا بتصرّف تلك الحكومة فيها، ويوم نظرنا إلى الظواهر، وعمينا عن الحقائق، ويوم غلبنا على الماديات فتبرعنا بالروحيات: غلبنا على الأوقاف، ولكننا تبرعنا بما عداها، بسكوتنا وتخاذلنا ومطامعنا؛ ولو أن أوائلكم (وفيهم العلماء وفيهم الفقهاء) تفطنوا للمكيدة لعلموا، يوم أخذت أوقافهم كرهًا، أنها ما أخذت إلّا لتجر معها المساجد، وأن المساجد لا تؤخذ إلّا لتجر معها الأئمة، وأن الأئمة لا يجلبون إلّا ليجروا معهم الأمة، ولو تفطنوا لذلك لأنفقوا على المساجد من أموالهم الخاصة، وتركوها حرّة منعزلة عن التدخل الحكومي حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ولكنهم جعلوا الدين تبعًا للدنيا، فضاع الدين والدنيا؛ وها أنتم أولاء ترون أن (الأوائل) هم الذين أبطلوا عبادتكم بسكوتهم عن كلمة الحق في وقتها، ولو لم يسكتوا لكفونا وإياكم مؤونة السؤال والجواب ...
يا قوم ... لئن كان الحكم ببطلان عبادات المسلمين كبيرة عندكم فأكبر منها عند الله وعند عباده المستبصرين في دينهم أن يتولى الإمام الإمامة من حكومة مسيحية، ولو كان ذلك إكراهًا لكان له وجه من التأويل، لكنها قضية لا يتصور فيها الإكراه بحال، وإن أكبر منها عند الله أن يتعمد المسلم طلب الإمامة من حكومة مسيحية، وحسبكم بالطلب وحده قادحًا في الدين، فكيف بالرضى بعد ذلك والاطمئنان، فكيف بالاستهانة بغضب الله في جنب غضب الحاكم المسيحي؟ فكيف لي ما وراء ذلك مما نسمعه ونشهده؟
...

إن إمامة الصلاة استخلاف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن مكانتها من الدين هي مكانة الصلاة نفسها، فإذا هانت في نظركم إلى هذه الدرجة فقد أهنتم الدين، ومن أهان الدين فهو غير حقيق بالانتساب إليه؛ وقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - كلما غاب عن المدينة استخلف من ينوب عنه في الصلاة، كما يستخلف- أو قبل أن يستخلف- من ينوب عنه في الحكم بين الناس، وكان إذا جهز سرية أو بعث بعثًا فأهمّ ما يوصي به قوله: وليصل بكم فلان؛ ولم
(3/153)

يشغله مرض الموت عن الاهتمام بإمام الصلاة، فاختار لها أبا بكر، وقال: مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس؛ ولم يَكِل هذه المسألة العظيمة للصحابة، وفيهم جبال العلم وأفذاذ التقوى والدين، ولم يثنه عن اختيار أبي بكر رأي عائشة وحفصة في اختيار عمر؛ وإن الصحابة- رضي الله عنهم- كانوا يعتبرون إمامة الصلاة درجة فوق الخلافة العظمى، بدليل استدلالهم على استحقاق أبي بكر للخلافة بتقديم رسول الله إياه لإمامة الصلاة، وقال قائلهم: أفلا نرتضي لدنيانا من ارتضاه رسول الله لديننا؟
والحقيقة الجامعة في الإسلام أنه لا يولي الإمام إلّا من كان صالحًا- هو نفسه- للإمامة، مثل الخليفة أو نائبه، وقد كان الخلفاء يتولونها بأنفسهم، ولا يُنيبون عنهم فيها إلّا حيث تبعد الجماعات، فينزلون عن هذا الحق لجماعات المسلمين.
ومن أصول الإسلام ومناهج تربيته الحكيمة أن الإمامة لا تطلب، وأن أمير المسلمين، أو جماعة المسلمين هم الذين يختارون لها من يرتضون دينه وأمانته، وقد يُلزمونه بها إلزامًا، كما يلزمون بالقضاء، لأن أهل الخير والصلاح الذين مُلئت قلوبهم من خشية الله كانوا يتهيبونها ويرونها من العهود الثقيلة، وأين هؤلاء من أولئك؟ إن كثيرًا من هؤلاء لا يطلب الإمامة لذاتها، ولا لإقامة الشعيرة، ولا حرصًا على تعمير بيوت الله، وإنما يطلبها ويرتكب الموبقات في طلبها، لأجل المرتب الشهري، ولولا المرتب لما رأيتم أحدًا منهم يدخل المساجد، وافهموا وحدكم السر في تباعدهم عنا، وهروبهم منا، وممالأتهم للحكومة علينا، فكل ذلك من أجل المرتب ... كل هذا ونحن لا نريد لهم قطع المرتب، وإنما نريد لهم تثبيته واستحقاقه بشرف على يد إخوانهم المسلمين، لا على يد حكومة مسيحية؛ ولو كان للإسلام سلطان على النفوس، لما أقدم واحد منهم على هذه العظيمة، ولما تابعه عليها أحد إن هو فعلها.
قال الأول: أذل الحرص أعناق الرجال.
ونحن نقول: أذل "الخبز" أعناق أشباه الرجال، فلو أن هذه الحكومة- على عُتوّها وإضمارها الشر للإسلام- رأت منا زهدًا في هذه الوظائف، وعزوفًا عنها، ورأت مع ذلك إجماعًا منا على كلمة الحق فيها، وتسليمًا من الخاملين للعاملين منا- لو أنها رأت ذلك منا لكان موقفها من القضية غير موقفها، ولكنها نثرت الحبّ، فتساقطت العصافير، وطرحت الأب، فتهافتت اليعافير، وسقط عليها العاصمي فوجدت (الضالة) في الضال، وفهمت (دلالة الالتزام) من الدال، وتعاقدت الرفقة على الصفقة.
...

لو كان من أقسام الإضافة في النحو ما هو بمعنى (على) لخلعنا على العاصمي لقب "حجة الإسلام".
(3/154)

فصل الدين عن الحكومة (15)
أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضية:
فصل الحكومة عن الدين *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 5 -
... ولو أن أفراد هذه الطائفة رُزقوا بصائر ينظرون بها الأشياء على حقيقتها، وعقولًا يُدركون بها الأمور باعتبار غاياتها وعواقبها- لعلموا كما علمنا أن هذه الحكومة سائرة على مذهب استعماري دوّنه (أئمتها) الأولون، وهذبه (شراحها) المتأخرون، وإنها بالغة من ذلك المذهب إلى غايته، أو ملاقية حتفها دونه كما يقول العرب؛ وأنها من قساوة القلب وجمود العاطفة بالدرجة التي لا تؤثر فيها الأحاديث البليغة، ولا الأحداث البالغة- ذلك المذهب هو ترحيل الإسلام من المحراب، ليتسنى لها ترحيله من الجامع، ثم الوطن.
هذا نص المتن، وجاء (شرّاح) هذا المذهب (المحققون) فأرشدوا إلى وسائل تلك الغاية، وبينوا السبل المؤدية إليها، فأفاضوا وأطنبوا، إلى أن جاء بعض حذاقهم البارعين في بناء فقه السياسة على علم النفس- على غير طريقة فقهائنا الجامدين- فأرجع الوسائل الكثيرة المتشعبة إلى وسيلة واحدة، وهي ترحيله- أولًا وقبل كل شيء- من نفوس هذه الطائفة القائمة بالدين في نظر الناس، لأنها هي المباشرة للمساجد، والقائمة بالشعائر فيها، والمسجد هو مرجع المسلم ومتقلبه، فهو الذي يُغذي الإسلام في نفسه، بما يتردد عليه خمس مرات في اليوم والليلة، وبما يسمعه فيه من قرآن وخطب ودروس، وهو الذي يكوّنه ويوجهه، بما يصبغه به من ألوان ثابتة، وبما ينفض عليه من روحانية قوية، وبما يغشى في جوانبه من فضائل أصيلة، وبما يُشيع في دخائله من أنوار وهاجة، وبما يغرسه فيه من آمال شريفة، وبما يطبعه عليه من أخلاق قويمة، وبما يخطه له من سبل للسعادة، وبما يركبه فيه من استعداد للعزة والسيادة، وعليه فالواجب الاعتناء بهذه الطائفة، وإعدادها (للتفريغ) من هذه المعاني كلها، وجرها بعاملين من الرغبة والرهبة حتى تستشعر أن مرجعها الوحيد في مصالحها الشخصية هو الحكومة، وتتدرج من ذلك إلى الشعور بأن مرجع الدين وشعائره هو
__________
* نشرت في العدد 142 من «البصائر»، 12 فيفري عام 1951.
(3/155)

الحكومة أيضًا، فإذا أوغلت في ذلك ودخل الزمان بطوله في القضية- تراخت علائق هذه الطائفة بقدر ما اشتدت بالحكومة، وانحلت روابطها بالإسلام بقدر ما استوثقت مع الحكومة؛ والحاجة زمام، فليكن وكد الحكومة إلصاق الحاجة بهؤلاء الرهط حتى يسهل انقيادهم، وقد قال حكيمهم محمد عبده: أكبر أعوانك الحاجة إليك؛ ويومئذ يُصبحون في الفراغ من المعاني الإسلامية كمدافع المتحف، كل ما فيها من مظاهر الروعة: الإسم والصورة ...
هذا كلام الشارح الحاذق، نقلناه إلى هؤلاء باصطلاحات الفقهاء، لنقربه إلى أذهانهم - إن أبقت لهم هذه التربية أذهانًا يدركون بها هذه الحقائق- وليعلموا أنهم على هذا الغرار طُبعوا من حيث لا يشعرون، وأنهم إلى هذه الغاية يُساقون وهم ينظرون، وأن الحكومة وجدت فيهم الآلة القابلة، فعرضتهم سوأة مكشوفة للسابلة.
ولو أنهم- عافاهم الله- فهموا أن ما يتقاضونه من الحكومة هو غلة وقف أجدادهم، لما جعلوه علة لعقوق أجدادهم ... ولما باؤوا إليها بالمنة به، ولعلموا أي جليل أعطوا عن العوض، وأي خسيس أخذوا من العرض، فإن هذه الحكومة إنما تشتري بذلك منهم هممهم وذممهم، والخضوع لها، والخوف منها، والتصريف في مطالبها.
أما والله لو علموا ذلك كما نعلمه، وفهموا سره كما نفهمه، ثم كانوا- مع ذلك- من الغضب لكرامتهم وكرامة دينهم بالمنزلة التي يرضاها منهم الدين- إذن لاستعفوا من هذه الوظائف بالجملة لا بالتفصيل ... ولو أنهم فعلوا ذلك لانحلت المشكلة في لحظة، ولجردوا هذه الحكومة من سلاح طالما جردته في وجوه العاملين لخير هذا الدين؛ ولتحرر الإسلام من هذا الاستعباد الذي هم أحد أسبابه، بل هم أكبر أسبابه ... ولكنهم لا يفعلون، لموت الكرامة الدينية في نفوسهم، ولاستمرائهم هذا المطعم الخبيث المصدر، الذي لا يأكله إلّا الخاطئون، وما هو- والله- بالحلال ولا بالطيب؛ وقبح الله خبزة أبيع بها ديني، وأعقّ بها سلفي، وأهين بها نفسي، وأهدم بها شرفي، وأكون بها حجة على قومي وتاريخي؛ ولكن ... أين من يعقل أو من يعي؟
...

رأينا بأعيننا كيف يتهافت رجال الدين على إدارة الحاكم في مدينة تلمسان، وكيف يتعبدون بزيارته بكرة وأصيلًا، وكيف يتسابقون إلى التحكك بأعتابه، والتردد على أبوابه، فلا هم يرجعون إلى همة تزع، ودين يردع، فيَرْعوُون، ولا الحاكم يرجع إلى حكمة فيجعل لعلاقته بهؤلاء وعلاقتهم به حدًّا يُبقي على شرف منصبهم الديني، ونحن نعرف أي الوظائف أدعى لملازمة أصحابها للحاكم الرئيس أو لكثرة ترددهم عليه؛ ولكننا لا ندري علاقة رجال الدين الإسلامي بالحاكم المسيحي، حتى يتردّدوا عليه كل هذا التردد، أليأخذوا عليه أحكام الصلاة؟ كلا، ولكن ذلك مصداق قول الشارح المتقدم.
(3/156)

ورأينا بأعيننا كيف يتهافتون على مكتب مدير الاستعلامات (رئيس المكتب الثاني) بقسنطينة، وكيف يرجعون إليه حتى في فتح المسجد وإغلاقه، وكيف يرجون رحمته ويخافون عذابه، وكيف يتقربون إليه بما هو من جنس صنعته، وكيف يصرّفهم بالكلمة والإشارة كما يُصرف قائد الفرقة الموسيقية فرقته، ثم نتساءل: ما هي علاقة رجال الدين بإدارة الاستعلامات؟ فإن كان فيها سر ديني إلهي، فلماذا لا يتردد عليها رجال الدينين المسيحيّ واليهودي؟ والجواب عند ذلك الشارح الحاذق المحقق ...
كذلك ما زلنا نجهل معنى (السانديكة) (1) التي سموها جمعية رجال الدين، ونتساءل: لماذا لا تكفي رجالها مؤونة التردد على هذه الإدارات، أو تكفهم عنها؟ إلّا أن يكون معنى وجودها محصورًا في مقاومة العاملين لتحرير الدين ورجاله، والواقفين بالمرصاد للحكومة فيها، والمعترضين كالشجى في حلقها، بآية أن هذه (السانديكة) لم تعمل من أعمال (السانديكات) إلّا تقريرها الأول، ومذكرتها الأخيرة وكلاهما محقِّق لذلك المعنى الذي فهمناه من تكوينها، وإن العمال، وبعض طبقات الموظفين الدنيويين لأشرف قصدًا، وأعلى همة، وأنبل غاية من رجال الدين، لأنهم لا يرضون المهانة لبني حرفتهم، فإذا ظلم واحد منهم، انتصروا له بالإضراب والاحتجاج، حتى ينتصفوا له من ظالمه، وسلوا رجال الدين: لو أن واحدًا منهم لحقته مظلمة أو إهانة، أكانوا ينتصرون له ويحتجون، ولو ... بالاستعفاء الإجماعي؟ ... إنهم لا يفعلون ذلك ولو سقطت السماء على الأرض، وحالف بطن الراحة الشعر، لأن زأرة واحدة من مدير الاستعلامات تكفي لانخذال الأعضاء، وانخلاع القلوب، وجفاف الريق في اللهوات، فما أشأم هؤلاء على الإسلام، وما أتعس جد الإسلام بهؤلاء!
...

وانا لنعلم أن أنصار «البصائر» يربأون بها أن تنزل من عليائها للعاصمي وشيعته، وإن من شيعته لأبا فلان، وأبا فلان، ويعدون هذا كله غميزة في مقامها الأدبي، وزراية بمكانتها المعنوية، ولكنهم لا يعلمون ما نعلم من أثر هؤلاء مجتمعين ومفترقين في قضية الأمة، ولا يفهمون ما نفهم من أنهم أصبحوا متاريس وقاية لهذه الحكومة، وأنها نصبتهم ليكونوا لها حجة حين أعوزتها الحجج ... ولماذا ذكر الله إبليس، وكرر اسمه في القرآن؟ ...
...

من ينصب نفسه دريئة، فلا يرجُ أن تكون عيشته مريئة، ولا يَدَّعِ أن ذمته بريئة! ...
__________
1) السانديكة: كلمة فرنسية معناها النَّقابَة.
(3/157)

فصل الدين عن الحكومة (16)
... نظرتنا إليها *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

نعود إلى قضية الفصل، كما يعود التلميذ إلى الفصل ... معتقدًا أنه خلق له، وأن سعادته مرتبطة به، فهو- لتلك العقيدة- لا يسأم من الرّواح والغدوة، وهو- من تلك العقيدة- يستمد القوّة والنشاط، وكذلك نحن، نطوِّف ما نطوّف، ثم نرجعُ إلى هذه القضية، ولا يقعدنا عنها سكوت الساكتين ولا تخذيل المخذّلين، ولا جهل الجاهلين بقيمتها وبالآثار السيئة التي غرستها في الأمة، منذ كانت، وبالآثار الحسنة التي تكون لها يوم تستقر في نصاب الحق، ونحن قوم خلقنا لهذا، وأخذ علينا عهد الله أن نقف فيه المواقف الصادقة، وأن لا نزال به حتى نثبت حقه الأصيل، وننفي باطله الدخيل، وأن لا تغلب ضعفنا فيه قوّة الشيطان، لأننا أقوياء بالحق، أشدّاء بالإيمان، أعزّة بالله، وإننا إذا لم نوفِّ بعهد الله بؤنا بتبعة التقصير، ومهدنا للباطل سبيل التمكن والاستمرار، وما زلنا- منذ هدانا الله لهذا- نتلمح من عناية الله بهذا الدين، وتكفّله بحفظه، نجمًا يسايرنا في ظلمات الظلم، ونتنور منها نورًا يهدينا السبيل، ويكشف لنا عن نيات السوء المبيتة، ويعرفنا بشياطين الشر الراصدة، ويُنير لنا جوانب العمل، حتى كأننا منه دائمًا في نهار ضاح، وما زال لله جندٌ ميسر لنصر دينه، تجهزه العناية الإلهية لحين الحاجة إليه، فكلما بسط العادون أيديهم إليه بالسوء وظنوا أنها الفاقرة- قام بنصره منهم معشر خشن ... ومن آية الله في هذا الجند أنه لا يتراءى إلّا حين تزيغ الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر، ولا تظن نفس بنفس خيرًا، ومن آيته أنه هو الذي يستولي على الأمد، ولظفر بالعاقبة.
...

عاهدنا الله أن نطهر دينه، من الداخل ومن الخارج، وأن ننصره على أنفسنا حتى يكون له عليها سلطان، قبل أن ننصره على الأجنبي حتى لا يكون له عليه سلطان ... لذاك حملنا
__________
* نشرت في العدد 154 من جريدة «البصائر»، 7 ماي سنة 1951.
(3/158)

حملتنا المشهورة على البدع والضلالات حتى قوّضنا أركانها، وأتينا بنيانها من القواعد؛ فتلك بيوتها خاويةً بما أقر أهلها من منكر، وما هجروا من معروف، وقد أصبح من أكبر أعواننا عليها ربائب حجورها، ولسائب (1) جحورها، وأفراخ وُكُورِهَا، ممن هداهم الله وأنار بصائرهم بالحق، وإن سائرهم لسائر في طريق الهداية، ومن لم يهده القرآن، وكلناه إلى الزمان، ونعم المربي هو ...
فلما بلغنا الغاية من ذلك التطهير- أو كدنا- انكفأنا إلى هذه الضلالة الناعمة بالأمن، النائمة في ظلّ القوّة، وهي بقاء مساجد الإسلام ورجاله وأوقافه وشعائره في يد غير يد أبنائه، تصرفه على ما تريد، لا على ما يريد الإسلام، وإنها لكبيرة عند الله وعند صالحي عباده أن يعطي المسلم الدنية في دينه، وها نحن أولاء نعمل- في غير كلل- على تطهير الإسلام من هذه الضلالة كما طهرناه من الأولى، وإنا لمتبعو أخراهما بأولاهما؛ وإن لاذت بالفرقد، أو عاذت ببقيع الغرقد، وإننا لا نبالي في عملنا بطول الزمن، وتوالي المحن؛ فما الزمن إلّا من أعواننا، وما المحن- وإن توالت- إلّا مسانّ لعزائمنا، وما أعمارنا في عمر الإسلام إلّا دقيقة من دهر، فلننفقها في ما يعليه ...
وهذا المنهج الذي سلكناه وقدرناه من أول خطوة، هو الذي يجلي عذرنا في السكوت عن بعض الباطل إلى حين، مثل سكوتنا عن الصلاة خلف أئمة الحكومة، وتلامذة الفقه المعكوس، فلا يقولن قائل: ما عدا مما بدا، وإنّ لنا في رسول الله لأسوةً حسنة، فقد كان يسكت عن أهون الشرين إلى حين، لخفة ضرره، أو عن أعظم الشرين إلى حين، ليرصد له القوى ويستجمع الوسائل، وكلاهما شر، وكلاهما باطل من يوم جاء الحق، ويا ليت قومنا يعلمون السر في مناجزته للشرك، وإرجائه للخمر، أو في تقديمه للتبني، وتأخيره للاسترقاق.
...

وهذه القضية هي الجزء الأهم من أعمال جمعية العلماء لأهميتها في ذاتها، ولأثرها البليغ في نفسية الأمة، شرًّا في طورها القديم الذي نريد تخليصها منه، وخيرًا وبركة في طورها الجديد الذي نريده لها ونريدها له، ولمنزلتها الرفيعة في القضية الوطنية العامة، وتشاركها في هذه المزايا كلها- قضية التعليم العربي؛ والقضيتان متلازمتان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ونظرتنا إليهما نظرة واحدة ... نرى فيهما شيئًا لا تتم حياة هذه الأمة إلّا به، فالإسلام والعروبة دعامتان تمسكان هذا الوطن أن يزول، وفي فصل الإسلام عن
__________
1) اللسب هو اللدغ، لسبته الحية: لدغته.
(3/159)

الحكومة تثبيتٌ للدعامة الأولى، وفي التعليم العربي تمكين للجنسية العربية؛ ولا يقدر قدر هاتين الدعامتين، ولا يعمل جاهدًا في تثبيته، إلّا من يعلم- كما نعلم- أن الاستعمار جاء إلى هذا الوطن بثلاثة أشياء، ليمحو بها ثلاثة أشياء: جاء باللاتينية ليغمُر بها العروبة، وجاء باللغة الفرنسية ليقضي بها على اللغة العربية، وجاء بالمسيحية لينسخ بها الإسلام، يبدأ بالمجاورة، ثم المضارّة، ثم ترحيل الأقوى للأضعف، وكل أعماله وشرائعه- بعد ذلك- حياطة لهذه المبادئ وتقوية لها، وما عمله في إحياء النزعات البربرية إلّا مثال من المبدإ الأول، وما ضغطه على التعليم العربي إلّا مثال من القاعدة الثانية، وما تشجيعه للضلالات والبدع، وتلكؤه في فصل الإسلام عن الحكومة، ومشروع الإسلام الجزائري إلّا أمثلةٌ من المبدإ الثالث، وما مشروع الاندماج الذي باء بالخيبة والبوار، ولقب "مسلم فرنساوي" الذي يعرفنا به- وغيرهما من مبتكراته- إلّا عناوين على كتاب طويل عريض، مقدمته "مسلم فرنساوي" وخاتمته " فرنسوي مسيحي".
لعمري ... إن أنكر وأشنع ما في اللغات، من تزاوج الصفات، هذا التزاوج بين صفتين "مسلم فرنسوي"! إنها مزاوجة لا يرتضيها عقل ولا دين ولا ذوق، فإن الإسلام دين، والتفرنس جنس ليس من الأجناس التي اعتنقت الإسلام دينًا، فالتزاوج بين الصفتين محكوم فيه بالتفريق والتحريم المؤبد "بعد العقد وقبله" كما يقول الفقهاء، ولهذا التزاوج صيغٌ، كلها نكر وشناعة وبُعد عن الواقع، فمنها "مسلم مسيحي" و "عربي فرنساوي" وما قول فقهاء الاستعمار (دام فضلهم) لو قبلنا هذا التزاوج، وقلنا لواحد من فرنسيي الجزائر: "فرنسوي مسلم"؟
إن هذا التزاوج على هذا الوضع صيغة مختارة لترويض النفوس النافرة على غاية مقصودة، وتهيئة تدريجية لقبولها، ولا ليت قومي يعلمون ...
أما الكلمة العبقرية التي اختارها الله لنا، فهي "مسلم عربي جزائري" ...
...

نظرتنا إلى قضية الموضوع أنها أساس متين من أسس الوطنية، ووزننا لأعمالنا فيها أنها أعمال وطنية أولية، فإن الوطن مسلم عريق في الإسلام، عربي أصيل في العروبة، وعلى كل وطني مخلص في خدمة وطنه أن يبدأ من هنا، وإلّا فهو مغموز في وطنيته: إما مدسوس فيها، أو متاجر بها، أو مخدوع عنها، أما الوطني الصميم فهو المدافع عن دين وطنه ولغة قومه، حتى يثبت أن هناك وطنًا يشرّف الانتساب إليه، وقومية يحسن الاعتزاز بها، وما بذَل الاستعمار هذا الجهد كله في حرب الإسلام والعربية بهذا الوطن، إلّا ليجرده من اسم
(3/160)

"الوطن " ويجرد أهله من صفة "الوطنيين"، لأن الوطن إذا جرد من هذين، لم يعدُ أن يكون "قطعة أرض موات" يحوزها من طلب أو من غلب.
وما زالت فرنسا- على جمهوريتها ولائكيتها- تعد المبشرين بالمسيحية من أكبر الوطنيين، وتعد الناشرين للغتها في الأوطان الأخرى في طليعة الخادمين لوطنهم، لعلمها أن الوطن كل، أثمنُ أجزائه اللغة والدين، فكيف بمن يخدم دينه في وطنه، ويزرع لغته في أرضها؟
ويا ليت قومي يعلمون! ...
إننا لنعلم أن للحكومة في هذه القضية أبوابًا ومخارج، وتقارير وبرامج، وأنها تدير الرأي في أيها أصلح، وأيها أضمن لبقاء سلطتها على الدين الإسلامي، وإنّ لها في ذلك أعوانًا، ضربت عليهم الأزلام، فكانت لنا منهم الأسماء، ولها منهم كل شيء، وإن قطع الوتين أهونُ عليها من انقطاع سلطتها على هذا الدين، ولو تقاضتها الظروف أن تلبس العمامة- لتنتحل شبه الإمامة، وتحفظ لنفسها شيئًا من هذه السلطة- لما تردّدت في لوثها، وتكويرها، وزيادة عذَبة أطولَ من عذَبة "الهندي".
أما نحن فلا نرضى في القضية إلّا بالحق كاملًا، وهو أن يرجع ميراث محمد إلى أمة محمد، فإن كانت رشيدة فهي أحق به، وإن كانت سفيهة لم تخسر رأس المال، وهو تصحيح العبادات والشعائر؛ ومهما تبلغ من السفه فلن تبلغ فيه إلى درجة الاستعمار الذي ابتلع الآف الملايين من قيمة أوقافها، وجاد عليها ببضع "كيلوات" من الزلابية، وبدار سماها بأدل الأسماء على المهانة والسخرية وهي "دار الصدقة (2) ".
لتتلوّن الحكومة ما شاء لها التلون، ولتطاول ما وسعتها المطاولة، ولتتصامم عن سماع صوت الحق ما شاءت أن تتصامَّ، فما بد لها من أن تعترف بالحق، وتفيءَ إلى الحقيقة، وما بد لصوت الحق أن يخرق الآذان الصمّ، وإذا كانت- كما عهدناها- تعد صوت الحق طنين ذباب، فلتعلم أن منه ما يكدر الراحة، ويذود النوم عن الجفون.
__________
2) دار من بقايا الأوقاف الإسلامية بمدينة الجزائر أبقاها الاستعمار يجتمع بها طائفة قليلة من الفقراء في بعض الأوقات وتوزع عليهم بعض فرنكات، بعد أن كانت في هذه المدينة عقارات موقوفة على سبل الخير كلها، شملت أصحاب العاهات كلهم وشملت تزويج الفقيرات وتجهيزهن كسوة وحلية وفرشًا.
(3/161)

فصل الدين عن الحكومة (17)
... لمحات تاريخية *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

احتلت فرنسا هذا الوطن بالقوّة، وبينها وبينه بحر فاصل، وبينها وبينه دينان متخالفان، وجنسان متضادان، ولسانان متباينان، وبينهما- مع ذلك كله- أخلاق متنافرة، واجتماعيات متغايرة، بل بينهما شرق وغرب بكل ما بين الشرق والغرب من فروق، وإذا تباينت المقومات بين جنسين كل هذا التباين، كان تسلط أحدهما على الآخر غير مضمون الاستمرار، فإن استمر فغير مضمون الاستقرار، لأنه يعتمد دائمًا على القوّة المادية وحدها، والقوّة المادية ليست سلاح كل وقت.
سبيل المتسلطين لدوام السلطة أحد أمرين: إما الإحسان الذي يملك النفوس، والعدل الذي يحفظ الحقوق، والتساهل الذي يستهوي الأفئدة، والرحمة التي تأسر العواطف، وإما المحق لمقومات المغلوب الروحية والمادية مغافصة، أو تدريجًا، وتحطيم عناصر المقاومة فيه جهرة أو اغتيالًا، فأيّ السبيلين سلكت فرنسا في الجزائر؟
إنها آثرت الأمر الأخير من أول يوم، ووضعت له الأصول، ورتبت الوسائل، وآثرت من أنواعه التدريج المغطى بالكيد والاحتيال، وبدأت من المقوّمات بالدين، لأنها تعرف أثره في النفوس والإرادات، وتقدر ما فيه من قوّة التحصن من الانحلال، وقوّة المقاومة للمعاني الطارئة، فوضعته نصب عينيها، ومدت يدها إليه بالتنقص، فالتهمت أوقافه المحبوسة على مصالحه، لتجرده من القوة المادية التي هي قوامه، وتلصق برجاله الحاجة إليها فتخضعهم لما تريده منهم، فتصيرهم أدوات تأتمر بأمرها لا بأمر الدين، وتخضع لسلطانها لا لسلطان الدين، وما زالت بهم تروضهم على المهانة، وتسوسهم بالرغبة والرهبة، حتى نسوا الله ونسوا أنفسهم، ونسوا الفوارق بين رجل الدين الذي يدين بطاعة الله، وبين موظف الحكومة
__________
* نشرت في العدد 156 من جريدة «البصائر»، 21 ماي سنة 1931.
(3/162)

الذي يدين بطاعة الحكومة، وأصبحوا في العهد الأخير كالأسلاك الكهربائية المفرغة من الشحنة ... ليس فيها سلب ولا إيجاب ...
غاب عن فرنسا- وهي تحوك هذا التدبير- ما يغيب عن كل مستكبر جبار، وهو درس القابليات في الأشياء، ولو درست لهداها الدرس إلى الحقيقة، وهي أن الإسلام والعروبة شيئان ليست فيهما قابلية الذوبان والانمحاء، لأن فيهما من أثر يد الله ما يعصمهما من ذلك، وعليهما من أصباغ الشرق الخالدة ما يحفظهما من التآكل والتحاتّ، ولو أن فرنسا امتهنت الإسلام في ثورة التغلب الأولى ثم فاءت إلى الرشد لكان لها شبه العذر لأن الإجراءات العسكرية دين على حدة ليس فيه حلال وحرام، وليس فيه عبادة ولا معبد، وليس فيه حدود ولا حرمات، ولكنها تمادت على امتهانه إلى اليوم في أطوار كلها سلم، وكلها اطمئنان، فأفصح الأخير من أعمالها على الأول من مقاصدها، وإنها لشواهد لا تستطيع فرنسا تكذيبها ولا نقضها، ولا نحتاج نحن إلى توضيحها وتزكيتها.
...

احتلت فرنسا هذا الوطن فوجدت فيه دينًا قائمًا بأهله، تقوم به هيأة دينية، تشرف عليها حكومة إسلامية بصفتها مسلمةً لا بصفتها حكومة؛ وللأمير المسلم حق الإشراف على الدينيات باسم الإسلام، فخيل إليها التعصب- وهي مسيحية- أن دينًا ينسخ دينًا، وإن كانت لا تعتقد أن نبؤة تنسخ نبوة، وأنها- بقوّتها وجبروتها- تستطيع أن تغالب الله وتعانده في أحكامه، فتنسخ لاحق الأديان بسابقها، ففعلت فعلتها بهذه النية، وبهذا القصد، ولهذا الغرض، ووجدت في هذا الوطن نوعين من الأملاك العامة: أملاك الحكومة من قصور للأمراء وإدارات لمصالح الدولة وثكنات لجندها، وأملاك الدين من مساجد تقيم الشعائر، وأوقاف تقيم المساجد، وتحقق وجوه البر والإحسان، وقد حبسها المسلمون على المسلمين لا على الدولة، ولكن فرنسا المنحرفة على الجمهورية الأولى، المتطلعة إلى الجمهورية الثانية - اعتبرت كل ما وجدته في الجزائر من النوعين إرثًا عن الدولة التركية، وغنيمة من غنائم الحرب معها، وليت شعري ... حين عمرت الثكنات بجنودها المقاتلين، وعمرت الإدارات بحكامها الإداريين، لِمَ لمْ تعمر المساجد برجال الكنيسة المسيحيين؟ لا ... بل يجب أن ننصفها ... فقد حوّلت بعض المساجد الكبرى كنائس، وعمرتها برجال الكنيسة المسيحيين ... وناهيك بمسجد "كيتشاوة" العظيم الذي صيرته "كاتدرائية" عظمى في العاصمة وكأنها فعلت ذلك لتجعله عنوانًا لما تبيته للإسلام من شر، ونذيرًا للمسلمين بما يترقبهم في دينهم من وبل، ودليلًا ماثلًا على أن احتلال فرنسا للجزائر كان حلقة من الصليبية الأولى، ولا غرابة في ذلك، فإن فرنسا الاستعمارية كانت- وما زالت- تفور باللاتينية
(3/163)

والمسيحية، تصارع بالأولى الجنسيات، وتقارع بالثانية الأديان، وإن معاملتها للإسلام هذه المعاملة- التي ابتدأت من يوم الاحتلال ودامت إلى هذه اللحظة- كانت مدبرة من قبل الاحتلال جريًا على تلك الطبيعة، ولقد جاء قواد الاحتلال وفي أيديهم الأسلحة القاتلة، وعلى ألسنتهم الوعود الكاذبة، وفي حقائبهم القوانين التى يعاملون بها الإسلام، وكل ذلك مدبر من وراء البحر، قبل خوض البحر.
...

اقرأ قرار 7 ديسمبر 1830 (أي سنة الاحتلال بعينها) فإذا وصلت إلى المادة الثالثة منه فإنك تجد فيها: "إن القائمين بأملاك الأوقاف ملزومون بأن يقدموا في ظرف ثلاثة أيام من تاريخ القرار تصريحًا يبيّن صفة ووضع وحالة عقارات الأوقاف التي يستغلونها بالكراء أو غيره، ومحصول الكراء أو الغلة وتاريخ الدخل الأخير".
وإذا وصلت إلى المادة الرابعة منه فإنك تقرأ فيه: "إنه يجب على القضاة والمفتين والعلماء- وغيرهم من القائمين على إدارة الأوقاف- تسليم العقود والكتب والسجلات والسندات المتعلقة بتدبير شؤون تلك الأملاك وقائمة أسماء المكترين مع بيان مبلغ الأكرية السنوية وزمن الأداء الأخير- يسلمون كل ذلك إلى مدير الأملاك".
وإذا وصلت إلى المادة السادسة منه فإنك تجدها هكذا: "إن كل شخص خاضع للتصريح المذكور في المادة الثالثة من هذا القرار، ولا يدلي بما عنده، يحكم عليه بغرامة لا تقل عن المدخول السنوي للعقار الذي لم يسجله".
وإذا وصلت إلى السابعة فإنك تجد تقرير مكافأة لكل من يكشف عن عقار غير مسجل، واطوِ بعد ذلك ثلاث عشرة سنة فقط، فإنك تجد قرارًا من وزير الحربية مؤرخًا بيوم 23 مارس سنة 1843 ينص على "أن مصاريف ومداخيل المؤسسات الدينية تضم إلى ميزانية الاستعمار".
ألا تؤمن بعد هذا بما شرحته لك من أن احتلال الجزائر إنما هو قرن من الصليبية نجم، لا جيش من الفرنسيين هجم.
...

شغلت قضية فصل الدين عن الحكومة، الأمة الفرنسية أحقابًا، ويرجع التفكير فيها إلى الثورة الأولى سنة 1789، ويرجع التأثير فيها إلى الجمهورية الثالثة 1871، إلى أن تم
(3/164)

الفصل العملي النهائي فيها سنة 1905، بالرغم من احتجاج البابا المتواصل، ووصول العلاقات بينه وبين حكومة فرنسا إلى أسوأ الأحوال، وقد قال مقرر مشروع الفصل كلمته السياسية البليغة: "الحكومة الفرنسية ليست ضد الدين، ولكنها لادينية L'Etat français"
"n'est pas antireligieux, il est a-religieux وهي كلمة ذات وجوه ومخارج، نفهمها نحن كما شئنا ونفهمها كما شاء قائلها، ويفهمها كل ذي عقل بعقليته الخاصة، وتفهمها المستعمرات من شرح الواقع لها، ويتم الفصل في فرنسا على تلك الصورة الحاسمة بين ضجيج المتطرفين في تأييده والمتطرفين في مناهضته، وفي بقايا الغبار الثائر من قضية الضابط "دريفوس". كل ذلك والدين المفصول دين فرنسا، اقترن تاريخه بتاريخها قرونًا، واتحد مزاجه بمزاجها، وعرفت فيه بأنها "ابنة الكنيسة البكر"، ومقتضى ذلك كله أن يكون الإسلام في الجزائر مفصولًا عن حكومتها مع أو قبل فصل المسيحية عن حكومة فرنسا، لأن الإسلام ليس دين الحكومة، وليس منها، وليست منه بسبيل.
ولكن ذلك الفصل بقي مقصورًا على فرنسا وحدها، ولم يقطع البحر إلى الجزائر ... لأن الدين في الجزائر الإسلام ... والثورة وآثارها، والجمهورية ومبادئها، كل أولئك لم ينشئ العقل الفرنسي اللاتيني المسيحي إنشاء جديدًا، ولم ينزع منه ما وقر فيه من آثار الصليبية ضد الإسلام، والعقلية الغالبة في أيام احتلال الجزائر، هي الغالبة في أيام نضج المبادئ الجمهورية وهي المسيطرة عليه في هذه الأيام التي نسخ العلم فيها كل عهد وفسخ الزمن بأحداثه كل عقد، وأصبحت فيه الحرية أنشودة كل لاغ، ونشيدة كل باغ، والتمس ما شئت مجالًا آخر لتطور هذه العقلية، فأما في الإسلام ... وأما في الجزائر ... فلا ... ومكلف هؤلاء القوم ضد طباعهم، متطلب في الماء جذوة نار، كما يقول التهامي الشاعر، لذلك بقيت قضية فصل الإسلام عن حكومة الجزائر منظورة بالعين الاستعمارية، وموزونة بالميزان الصليبي، ومفهومة بالعقل المتحجر، "تجمهرت" فرنسا أو "تدكترت" أو اختلفت عليها الألوان بياضًا وحمرة، فالاستعمار في الجزائر هو هو في نظرتها، والإسلام في الجزائر هو هو في حكمها واعتقادها، ولاستقرار هذه العقيدة في مستقر اليقين من نفس الحكومة الفرنسية، نراها حين تلجئها الأحداث إلى تغيير في الوضعية، أو يكثر عليها الإلحاح في تبديل الحالة، تدور حول نفسها ولا يزايل قدمها موضعه، فتصدر القوانين بالفصل، ولكنها تقيدها بالتحفظات التي تجعل الفصل تأكيدًا للوصل، أو تفتح فيها من المنافذ ما يجعل المنفذ- وهو استعماري طبعًا- في حلّ من كل ما يفعل، كما فعلت في قانون 1907 وفي دستور الجزائر الأخير ... والدارس لهذه القوانين بعقل مجرد، يراها بعيدة من الصراحة والحسم، دائرة على المداورة والمطاولة والاستبقاء.
(3/165)

فصل الدين عن الحكومة (18)
... ومن فروعها صوم رمضان *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

... وما زلنا نحن والحكومة الجزائرية ننظر إلى هذه القضية بعينين، إحداهما حولاء ... ونتناولها بعقلين، أحدهما مؤوف.
أما أحد العقلين فيتلقى الوحي من القوّة التي تعمي عن الرشد، ويمتص الغذاء من الحقد المتأصل الذي يضل عن الهدى، وينحط إلى الغرائز الحيوانية يأخذ عنها مثله السفلى، ويبني العلائق بين الناس على العنصرية والتفوق والسيادة، ويرجع بطبقات البشر كلها إلى قسمين، قوي آكل، وضعيف مأكول، ولا ثالث، ويذهب في الألفاظ ومعانيها ولوازمها مذاهب غريبة عن متعارف اللغات، فظلم القادر لا يسمى ظلمًا، لأنه صدر من قادر، وقتل الأرواح لا يسمى قتلًا، ما دامت الأجساد تتحرك، واهتضام الأديان السماوبة لا يسمى كفرًا، لأنّ القوّة إله ثان، نبيُّه هذا العقل، وكتابه ينحصر في آية: لا صلة بين السماء والأرض، وشريعته مبنية على قاعدة: كن قويًّا واصنع ما شئت. ثم يستشهد منطق العقل العام، وسنن الكون وطبائع البشر فتخذله.
وأما العقل الآخر فتؤيده حكمة الله العليا في الأديان، وهي أن لكل طائفة دينها الذي ربطتها به الوراثة والاختيار، ولكل دين أهله الذين عقدت بينهم وبينه الفطرة والذوق، يصرفونه بأنفسهم، لأنهم أعرف بعقائده، وأعلم بآدابه، وأبصر بشروطه وأسبابه، وأفقه في وسائله ومقاصده، وأقوم على أحكامه، فهم لذلك أملك به وأجدر بتصريف شؤونه، وتظاهره سنة التطور التى انتهت ببعض الأمم إلى أن تعد من الرشد ابتعاد الحكومات عن سياسة الدين، ولو كان أصيلًا فيها، وكانت أصيلة فيه، وإيكاله إلى رجاله المنقطعين له، واقتصارها على سياسة الدنيا، ويشهد له أن أعظم حكومات هذا العصر، وهما أمريكا وانكلترا، تعدان من أسباب عظمتهما حرية الأديان والمعتقدات، وتفسران ذلك بترك
__________
* نشرت في العدد 157 من جريدة «البصائر»، 28 ماي سنة 1951.
(3/166)

الشؤون الدينية لأهلها، وتوزيع اختصاصات الدنيا والدين بحيث لا تختلط إحداهما بالأخرى، وإننا لنجد بذورًا من ذلك في أساس تكوين الدولة الإسلامية، وإن اختلفت الحالتان في الدواعي والمرامي، ونلمح ذلك في تخصيص الإمامة برجال، والقضاء برجال، وإمارة الحج برجال، ونعتقد أنه لو طالت بعمر حياة وتمهد له ما يريد من إعداد الأمة وتربيتها- لخطا خطوات في توزيع الأعمال، وتقييد سلطة العمال، حتى ينتهي ذلك بطبيعة الحال إلى انفراد رجال الحكم بسد الثغور، وهو عمل عسكري، وتأمين السابلة وهو عمل اقتصادي، وإقامة الحدود، وهو عمل قضائي، وترك أمور الدين المحضة إلى علماء الدين المنقطعين له علمًا وعملًا، وليس معنى هذا سقوط التكاليف الدينية عن الطبقات الأخرى، ولا التساهل فيها، كما تفيده كلمة "حرية التدين" في هذا العصر، وإنما كلامنا في تسيير شؤون الدين، وهو موضوع الحديث، كذلك ليس من معناه أن لا تساس الأمة باسم الدين، كما هو مفهوم "حكومة تيوقراطية"، فالإسلام أضمن للعدل والمساواة، وأحفظ لمصالح البشر الخاصة والعامة من أن يتبرم به متبرم، أو يعد الحكم باسمه "تيوقراطيًّا".
وهذا صوم رمضان ... عبادة دينية محضة، وهي أبعد العبادات عن الماديات التي تغري بتدخل الطامعين في شؤونه، فهو أشبه بالفقير الذي ليس معه من المال ما يغري اللصوص بالاعتداء عليه، إذ ليس له من الأوقاف ما يقيمه كالصلاة والمساجد، ولا يفتقر في إقامته وأدائه إلى سفينة أو طائرة تنقل إليه، ولا إلى رخصة انتقال تثير غريزة التحكم، ومع ذلك كله فإن الحكومة الجزائرية عزّ عليها أن تفلته، وعز عليها أن لا تشارك فيه إلّا ببضع كيلوات من "الزلابية" ... فألحقته في العهد الأخير، بالحج والمساجد، كما ألحقت "فزّان" بمستعمراتها، وتلك شنشنة الاستعمار- واللاتيني منه على الخصوص- يعتبر الأوطان والأديان والأرواح والأبدان- وما هو لله وما هو للشيطان- شيئًا واحدًا يجب أن يخضع لجبروته ويدخل في سلطانه.
حَلَا لهذه الحكومة المسيحية اللائكية معًا، الجمهورية الديكتاتورية معًا، الجامعة بين الأضداد، الضاربة دون حرية الجزائر بالأسداد- أن تحارب الله في دينه الإسلام، فتنتهك حرماته، وتأكل تراثه أكلًا لمًّا، وتتخذ رجاله خَوَلًا لها، تستخدمهم في أغراضها بماله، وتنصب من نفسها مرجعًا لهم دون أهله، ثم تعمد إلى الحج فتبيحه لمن تشاء، وتحرمه على من تشاء، وتضع العواثير في طريقه، وتكوّن جمعية من أتباعها باسم "أحباس الحرمين"، بعد أن لم تبقِ منها أثرًا ولا عينًا، إمعانًا في السخرية بالإسلام وأهله، وتشارك المسلمين في أداء هذا الركن "بجهد المقل" من حاكم مسيحي وخليفة وقائد وكاتب وجاويش وجماعة من الجواسيس، يحصُون على الحجاج أنفاسهم، ويُلقون في أذهانهم أن البحر والسفينة، ومكة وشعابها كلها مستعمرات لهذه الحكومة.
(3/167)

عزّ عليها أن تنقض أركان الإسلام ركنًا ركنًا ويبقى هذا الركن- وهو الصوم- خارجًا عن نفوذها، ورأت نقصًا في سمعتها، وغميزةً في كرامتها أن تفلت شعيرة الصوم من قبضتها، واهتبلت الوقت الذي اشتدت فيه مطالبتنا بالأوقاف والمساجد وحرية الحج، فمدت يدها إلى الصوم، تعبث فيه بالكيد، وتُفسده بالحيلة، وكأنها تريد أن تلهينا بشيء عن شيء، وكأنها تقول لنا: يا طالبي النهاية، ارجعوا إلى البداية ...
دبت حركتها إلى صوم رمضان دبيبًا خفيًّا من هذه الثغرة التي أصبحت شرًّا على المسلمين، ووبالًا على دينهم، وهي وظيفة الفتوى والقضاء، فكونت من رجالها فيهما "لجنة الأهلة" فأصبحوا يتحكمون في هلال رمضان المسكين وحده يثبتونه وهم في جحورهم، أو يخفونه وهو في كبد السماء، اتباعًا لوحي مرسوم لا يتعدونه، ثم أمدّت تلك اللجنة بسلاح من القانون وهو اعتبار الأعياد الإسلامية رسمية، تعطل فيها الأعمال الحكومية والمهنية والصناعية، وما شرعت ذلك القانون حبًّا في الإسلام، واحترامًا للمسلمين، وإنما شرعته لتلجئ الموظفين والعمال المسلمين إلى اتباع رأي لجنتها في الصوم والإفطار، إذا اختلفت الآراء، وتهيّئ الجزائر للانقطاع عن الأقطار الإسلامية، وتتوصل بذلك إلى بسط نفوذها على هذا الركن، وتقطع العلاقة بين الجزائر وبين العالم الإسلامي، وتحاول- من جديد- تكوين "إسلام جزائري"، بعد أن أخفقت التجارب القديمة.
تدخلٌ مفضوح أضافته الحكومة إلى أعمالها القديمة، وتدخلاتها الأثيمة في شؤون ديننا، لتثبت به سلطتها عليه، وأضفناه نحن إلى قائمة ما نكشف عليه من كيدها، وما نقاومه من ظلمها، فلا هي ترعوي، ولا نحن نسكت، فعلى الأمة أن تتفطن لهذه المكايد الشيطانية، وتزنها بآثارها، وتعتبرها بعواقبها، فإن هذه الحكومة لا تعمل عملًا إ، وله غاية وعاقبة، ثم لا تكون الغاية إلّا هدمًا لركن من أركان ديننا، ولا تكون العاقبة إلّا ريحًا لها وخسارًا لنا، وإن الحزم أن نبت هذه الحبال التي تمدها منا إلينا، وأن نعاملها بالقطيعة وأن نتولى صومنا بشهادتنا وأعيننا، وبالاتباع لإخواننا المسلمين حيثما كانوا، إذا بلغتنا أخبارُهم على وجه شرعي صحيح ... وبكل ما نملك من الوسائل.
إن آثار الاستعمار فينا هي التي جعلتنا سريعي التأثر بدواعي الفرقة، وقد نجح في تفريقنا في الدنيويات لأنه يملك أسبابه، فرجع إلى الدينيات يزيدنا فيها تفريقًا على تفريق، فعلى الأمة أن تحذر هذه الفخاخ المنصوبة، وأن ترجع في مسألة الصوم والأعياد إلى أحكام دينها وحِكَمه، وأن ترفع الخلاف بالرجوع إلى الحق.
(3/168)

فصل الدين عن الحكومة (19)
... خصمان، فمن الحكم؟ *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 1 -
قضية شاذة، لا يجد الباحث فيها والمؤرخ لها نظيرًا فيما تباشره حكومات الدنيا من شؤون أممها، مؤمنها وملحدها، ولا يجد للقوانين التي تصرفها نظيرًا في قوانين الدنيا، سماويها ووضعيها، وقد يستسيغ العاقل من أعمال الحكومات أن تراقب كل شيء حذرًا واحتياطًا، ولكنه لا يستسيغ منها أن تتصرف في كل شيء تحكمًا واستبدادًا.
تقوم هذه القضية على خصمين: الأمة بحقها في دينها، وحجتها الناهضة في الإرث والاستحقاق، والحكومة بمصلحتها المادية، وشبهتها الواهية في التغلب والاستلحاق؛ وتحامي عن الأمة جمعية العلماء، بما لها من حق في الدين، وبما عليها من عهود في الدفاع عنه، ويحامي عن الحكومة جهازُها الإداري المتركب من الرجال الذين شابت مفارقهم في تنفيذ مآرب الاستعمار، وشبوا على بغض الإسلام، واحتقار المسلم، واستباحة دمه وبدنه وماله وعرضه، وإنكار ذاتيته وإنسانيته، ومن "رجال الدين" المتهافتين على وظائفه، المشترين لها من الحكومة بأغلى ثمن وهو شرفه والغيرة عليه، والذين أعمت الأطماع بصائرهم فتنكروا لدينهم، وأصبحوا أعوانًا عليه، وآلات لهدمه.
فالقضية- في حقيقتها- صراع بين الحق وبين المصلحة، فإذا كان صاحب الحق لا يتنازل، ومدعي المصلحة لا يسلم، لم تزدد القضية إلّا تعقدًا؛ وإذا تمادى هذا الإصرار من الطرفين، إصرار المحقّ على حقه، وإصرار المبطل على باطله، فمن الحَكم؟ ...
الواقع- برغمنا- أن خصمنا في القضية هو الحَكم، ما دام يملك ما لا نملك من المال الذي يوجه وجوه أصحاب المطامع إليه، والنواب الذين يعولون في الوصول إلى كراسي النيابة عليه، وهذه الطائفة التي تقبل الأرض بين يديه؛ ولكننا- على ذلك كله-
__________
* نشرت في العدد 158 من جريدة «البصائر»، 4 جوان سنة 1951.
(3/169)

مصرون على المطالبة بحقنا، لا يثنينا تهديد ولا وعيد، ولا مراوغة ولا مطاولة، إلى أن تفصل القضية على وجه يرضي الإسلام ويرضي الأمة، ونحن نتجاهل كل حل لا يفي بالرغبة كاملةً، ونواصل كفاحنا ما دمنا وما دامت هذه الحكومة مصرّة على باطلها، تنتحل له في كل يوم أسباب البقاء، وتلتمس وجوه الحيل، وتستنجد هذا الفريق منا ليكون عونًا لها علينا.
...

كلا الخصمين غضبان على الآخر: الحكومة غضبى علينا إلى حدّ التمزق، ما عندنا في ذلك شك، ونحن غضاب عليها إلى درجة التميز، ما عندها في ذلك ريب، وآية غضبنا هذا الشرر المتطاير في «البصائر»، فما هي دواعي هذا الغضب؟
أما غضب الحكومة علينا فمنشؤه واضح عندنا، فهي تعتقد أننا أول من أطار من عينيها نوم مائة سنة نومًا هادئًا مطمئنًا، وأوّل من نبه الأمة من غفلتها عن هذه القضية، وأول من كشف الغطاء وشنع وقبح وأقام الحجة وضرب المثل وسدّ منافذ التعلّات، وأول من وقف في وجهها من هذا الصنف مطالبًا ملحًّا، لم يردعه تخويف، ولم يثنه تسويف، ولم ينخدع بمغالطة، وجماع هذه الأسباب أنها ترى فينا شبح من يريد خلع الحلة من لابسها، بعد أن طال بها استمتاعه، وخلع الإمرة من صاحبها بعد أن استحكم فيها اضطلاعه، وهي ترى في انفصال الدين عنها زعزعةً للاستعمار، وحرمانًا له من مال وافر، وجاه عريض، وسلطان ممتد، وجيش كان رهن الإشارة، وإذا كانت هذه هي أسباب غضبها علينا ... فلا زالت غضبى!
وأما غضبنا نحن عليها فهو غضب لديننا أن تمتهن كرامته، وأن يبقى هو ورجاله آلةً مسخرة لغير أهله، ولم نغضب إلّا لحق غصب، وطالبنا الغاصب بالنصفة فيه فلم يستجب، لم نغضب إلّا لهذه المهانة التي لحقت الإسلام دون الأديان، والأمة المسلمة دون بقية الأمم، وقد عرفنا استعباد الإنسان، وتسخير الحيوان، فأما استعباد الأديان فلم نعرف منه ولم يعرف منه الناس إلّا هذا المثال الفرد في الجزائر، ومع الإسلام خاصة.
...

مواقفنا المشهودة في هذه القضية هي مبعث الشر بيننا وبين الحكومة، فنحن لا نسكت حتى تنصف، وهي لا ترضى حتى نسكت، أفتريد أن نبقى في هذا الدور الذي لا انفكاك منه؟ وإن القضية لأهوَن من هذا كله، لو كان لهذه الحكومة قليل من التدبر وحسن القصد، خصوصًا بعد أن أرحناها من أنفسنا، وتحديناها بأن تسلم الحق إلى أهله كاملًا لا نقص فيه
(3/170)

ولا غش ولا مواربة ولا حيلة ولا تغطية بموظفيها وأذنابها، ولا تفرقة بين المساجد وأوقافها؛ ونحن نتخلى عن حقنا كجمعية، ولا نتمسك إلّا بحقنا الطبيعي الذي لا تستطيع هذه الحكومة ولا غيرها أن تجردنا منه، وهو أننا أفراد من الأمة، لنا رأي في كل ما يضرها وما ينفعها، أما مع ما نعلمه ونستيقنه من أن في مطابخ الحكومة آراة تطبخ وتكون، وفي مكاتبها برامج تخطط وتحضر، وأنها- كلها- ليست في مصلحة الأمة ودينها، وإنما هي مصلحة الحكومة بالذات، وفي صالح رهط من أصحاب المطامع والأغراض بالتبع، فإننا نثبت في موقفنا، ونواصل التشهير بالظلم والتشنيع عليه حتى يموت الظلم أو نموت.
...

قضية فصل الدين، وقضية حرية التعليم العربي، هما مبدأُنا الذي لا نحيد عنه، وهما ميداننا الذي لا نبرح منازلين الحكومة فيه، ومواقفنا فيهما هي التي أثارت- وما زالت تثير- سخط الحكومة وغضبها علينا؛ وعناد الحكومة فيها هو الذي يُلجئنا إلى التوسل بكل وسيلة في الوصول إلى غايتنا فيهما، حتى خيل إلى هذه الحكومة أننا جمعية سياسية متسترة بثوب الدين، وأشاعت ذلك على ألسنة سماسرتها ودعاتها حتى ملأت به الدنيا، وهي مخطئة في هذا الفهم، أو متعمدة له، لتستبيح به كل ما تعاملنا به من عسف وإرهاق، فلتعلم هذه الحكومة أننا في سبيل مبدئنا احتككنا بالسياسة وشاركنا في مؤتمرها، واتصلنا برجالها، واصطلينا بنارها، وفي سبيل مبدئنا نأخذ بجميع الأسباب إلّا سببًا يحرّمه ديننا، أو يأباه علينا شرفنا؛ ومن ابتلي بمثل هذه الحكومة في عنادها للحق، وتصلبها على الباطل، أدركه الإعياء فملّ، أو اشتبهت عليه السبلُ فضلّ، أو خانه الصبر فزل، أما نحن فوالله ما زلت لنا قدم، ولا زاغ لنا بصر، ولا ضعفت لنا عقيدة، ولا غامت لنا بصيرة، وإننا نأتي ما نأتي وعقولنا في مستقرها ... وطالما صارحنا هذه الحكومة- في غير خلابة- بأنها هي التي خرجت من وضعها فأدخلت الدين في السياسة، فاضطرتنا إلى أن نقابلها بالمثل فندخل السياسة في الدين؛ والبادئ أظلم، على أن تدخلنا في السياسة أدنى إلى الشرف، وأبعدُ عن الاستهجان من تدخلها في الدين.
...

لا ندري في أيّ قسم تعد هذه الحكومة مساجدنا التي استبدت بها، وأوقافنا التي احتجنتها؟
(3/171)

إن كانت تعدها غنائم حرب، فهي قد حاربت الحكومة التركية وأخذت أموالها، ولم تحارب الله حتى تأخذ ماله ... وإن كانت تعدها ميراثًا، فقد أفهمناها أن الدين لا يرثه الأجنبي عنه مع وجود الوارث الأصيل، وإن كانت تعدّها مال يتامى فقد كبر اليتامى ورشدوا، وإن كانت تعدها مال مفقود، فقد رجع المفقود، قبل الأجل المحدود، فالأحجى بها أن تقول: هو مالٌ مغصوب، لنسألها: ومن المغصوب منه؟ لتقول: هو الله ... فإذا قالت ذلك ألقت إلينا بالمعاذير ...
(3/172)

فصل الدين عن الحكومة (20)
... خصمان، فمن الحكم ... ؟ *
(تتمة وخاتمة)
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 2 -
زين للاستعمار سوء عمله فطغى وبغى، وكفر وعتا، وأتى من الشر ما أتى، فلو تصور إنسانًا لأربى على فرعون الذي نازع الله ربوبيته، وحدثته نفسه أن يطلع إلى إله موسى، وعلى عاقر الناقة الذي جرّ العذاب على قومه، ولو تصور حيوانًا لكان وحشا (إن لا يلغ في الدماء ينتهس) ولو تصور ماءً لكان ملحًا زُعاقًا، وحميًا وغساقًا، أو ريحًا لكان إعصارًا يدمر كل شيء بإذن الشيطان، ولكنه حقيقة، والحقائق- كما يقول المناطقة- توجد في ضمن أفرادها، فالاستعمار هو هذه الأخلاق المتفشية في المنتسبين إليه، والآخذين بدينه، وهذه الأفكار التي لا تفكّر إلّا في استعباد الناس، وصوغ القيود لبقاء ذلك الاستعباد، وهذه العقول المحدودة، التي تسخر العلم للصناعة، والصناعة للإبادة والتدمير، وهذه الضمائر الجافة من الرحمة بالمستضعفين، بل الاستعمار هو هذه الأجهزة المتناقضة التي يلعن بعضها بعضًا، من ألسنة تنطف العسل، وتنطق بالحرية والإخاء والسلام، ونفوس من ورائها تضمر خلاف ذلك، وأعمال من ورائهما تشرح "باب التناقض" بـ"باب العكس" وتنتهك حرمات الله وأديانه، وتسوس البشر بشرائع البحر: حوت يلقم حوتًا، وبقوانين الغابة: ضار يفترس وادعًا ...
إن الاستعمار لا يؤمن بالله حتى نسأله الإنصاف لدينه الحق، ولكنه يؤمن بالقوّة، فلنحذره عواقب الاغترار، فإن هذه الأمة في مجموعها قوّة ... قوّة بعددها، وبالمعاني التي استيقظت فيها، وبإيمانها بحقها، وبتصميمها على استرجاعه؛ فإذا تعامَى عن هذه القوات كلها فإن تقلبات الدهر ستفتح عينيه منها على ما يكرَه، وإن الله للظالمين لبالمرصاد.
...
__________
* نشرت في العدد 159 من جريدة «البصائر»، 11 جوان سنة 1951.
(3/173)

وفي العالم قضايا وخصومات، بين الشعوب والحكومات، وما كانت الشعوب في يوم من الأيام أقل من أن تخاصِم. وما كانت الحكومات أجل من أن تحاكَم، بل إن الشعوب في هذا الزمان هي مصدر السلطان، وهي التي تقيم الحكومات وتسقطها، وهي التي تبني العروش وتقوّضها؛ والقضاء في حال الاستقرار والسلم هو الميزان العادل بين الفرد والفرد، وبين الشعب والحكومة، فإن اختلّ مزاج أحدهما لجأت الحكومة إلى الجيش، ولجأ الشعب إلى الثورة، وانجحر القضاء في غرفة؛ ولكن وضعنا مع هذه الحكومة وضع شاذ غريب، ليس له نظير في العالم كله، فلا نحن منها، ولا نحن أجانبُ عنها ... لا نحن منها فنحاكمها إلى قضاء مشترك بيننا وبينها، لنا شطر الرأي في وضعه، ولنا شطر العمل في تنفيذ أحكامه، فإذا تحاكمنا إليه حكم بيننا بالسوية، وكانت يدنا فيه أكبر ضمان لحقنا؛ ولا نحن أجانب عنها فنحاكمها إذا ظلمتنا وهضمت حقنا إلى محكمة دولية مثل محكمة العدل، أو جمعية الأمم.
حقيقة إن وضعنا شاذ غريب إلى أقصى حدود الشذوذ والغرابة، وإن علاقتنا بهذه الحكومة لا يوجد لها نظير فيما بين الشعوب والحكومات، لا في عصور الظلام، ولا في عصور النور؛ فقد ألجأتنا بظلمها واعتدائها على مقدساتنا إلى حالة من الغضب لا اعتدال فيها، وألجأناها بمطالبتنا وإصرارنا إلى نوع من العناد لا عقل معه؛ وما قول العقلاء المنصفين في شعب يعد زهاءَ عشرة ملايين من أشرف العناصر البشرية، ويتحلى بخلال إنسانية قلّ أن توجد في أرقى الأمم، ويلتفت إلى تاريخ كله إشراق ونور، وإلى ماض كله مآثر ومحامد، ويرتبط في عقائده وآدابه بمئات الملايين من البشر يشاركون في سياسة العالم ومعارفه وعمرانه بأفكار وعقول وأيد لا تقصر عن شأو، ولا تقصِّر في إحسان، ويعتز بجيران من جنسه إن لا يكن كمالًا فيهم، لم يكن نقصًا منهم ... ثم لا يكون له- مع ذلك كله- شرك في الحكومة التي تحكمه، ولا رأي في القوانين التي تسيره، ولا ممثل في المجالس التي تدير وطنه ... وما قول أولئك العقلاء المنصفين في حكومة ... في حكومة ... جمهورية فيما تدعي، ديمقراطية فيما تزعم، تحكم هذا الشعب الذي وصفناه بقوانين لا رأي له فيها، ولا يد له في تنفيذها، وتغالط العالم فيه بنواب منه، لا حرية له في انتخابهم، وليس له منهم ولا لهم منه إلّا الاسم والزّي ... لكأن وضعيتنا صورة من أطوار بائدة، لحكومات وشعوب خالية، احتفظ بها الدهر لشقوتنا، لتكون حجته للعصور الآتية على زيغ هذه الحضارة وزيف شرائعها وكذب دعاويها، وأنها طلاءٌ ظاهري ليستر القبح والشين والعرّ، وما هو بساترها ...
...

ومجموع القضية الجزائرية بجميع أطرافها الدينية والسياسية والاقتصادية، كلها من هذا القبيل في الشذوذ والغرابة، لأن جميع القوانين التي تسيرها شرعت من طرف واحد،
(3/174)

وينفذها طرف واحد، لأ صلة بينه وبين الشعب في مزاج ولا تاريخ ولا دين إلّا قوّته وطغيانه، وإن هذا لهو أصل شقاء الجزائر وبلائها، وإنه لأضر ما تشكوه الجزائر، وأفظع ما تعانيه، وإنه لأكبر الأسباب في هذا الغضب المتزايد في الأمة، وهذا القلق المنتشر بينها، وإنه- والله- لوضع غريب، وقبيح أن يكون الحاكم الفرنسي هو المشرّع والمنفذ والمرجع في كل شيء، وأن يكون المسلم الجزائري من هذا الوضع في دائرة مفرغة، يبتدئ من حيث ينتهي، وينتهي من حيث يبتدئ، ويشتكي من الظلم إلى الظالم، ويستعدي عليه القوانين المكتوبة في الأوراق، فيجدها منسوخةً بقوانين أخرى في النفوس، ويفزع إلى ما يفزع إليه أفراد الأمم من قضاة ومحاكم، فلا يجد في ذلك شيئًا يمت إليه بنسب أو يعلق به بسبب، ويلجأ إلى ما تلجأ إليه الشعوب من حماتها الذين اصطنعتهم لنفسها ونصبت منهم رقباء على حكوماتها، وهم النواب، فلا يجد منهم من يعترف له بمنة سابقة، أو يدخر عنده يدًا لاحقة ...
إن الأمة التي ليس لها على نوابها سلطان يحملهم على ترضيتها والخوف من غضبها، وليس لها على قضاتها وحكامها يد تشعرهم بمكانها منهم، ومكانهم منها، هي أمة سوائم، تساق إلى الموت وهي تنظر، ومن مارَى في وجود مثال منها في هذا العصر فالأمة الجزائرية هي المثال الشاهد المشهود.
...

وخُض في حديث غير هذا فللحديث شعاب، وقد كررنا هذا الحديث حتى ملّ، فاطرد عنا سأم التكرار بطريف، وإن كان غير ظريف، وهلم بنا إلى أمثال العرب، وقعْ منها على قولهم: "رمتني بدائها وانسلت"، وجاوزْ مورده البعيد إلى مضرب قريب، وحاول فإن التوفيق لك حليف.
أرأيتك هذا الاستعمار الذي نمارس منه الشقاء ونتجرع بسببه العلقم ... إنه يجهد نفسه في عيب الشيوعية، ويقيم من نفسه عدوًّا لها، ومن أعماله حربًا عليها، وما هو- في الواقع- إلّا داع لها بتلك الأعمال التي هي أبلغ من الأقوال، فهو بذلك يزرعها من حيث يريد اقتلاعها، ويُثبتها من حيث يريد زعزعتها، وليس في السفه ولا في الخطل ولا في التناقض أشنع من هذا، وإنه ليعد أمضى سلاح يسدده في الدعاية ضدها، أنها عدوة للأديان وأنها عاملة على محوها ... وليت شعري ماذا أبقى الاستعمار الفرنسي "الديمقراطي" للشيوعية من حرب الأديان ومنها الإسلام؟ ... إننا نشهد ونُشهد الله على أن الشيوعية إن حاربت الأديان، أو الإسلام خاصة، فهي تلميذة للاستعمار الفرنسي في ذلك، فهو الذي خطط لها الخطط وفتح لها الباب وضرب الأمثلة، ومن البعيد أن يساوي التلميذ الناشئ شيخه المحنك المحكك، ومن العيب أن يعيب الأستاذ على تلميذه اتباع خطواته ...
(3/175)

القضية ذات الذنب ... الطويل *
- 1 -
تعوّد الناس إطلاق الوصف على الكواكب السماوية ذوات الأذناب، لأنهم تعوّدوا رؤيتها بالعين في بعض الأطوار الفلكية، وسماعَ أخبارها والمزاعم التي تعقد حولَ أسبابها وآثارها، وأجمعوا- قبل معرفة أسبابها الطبيعية- على التشاؤم منها، واعتقاد أنها ستلف هذا الكوكب الأرضيّ بذنبها في يوم من الأيام فتطوّح به، كما يلفّ الفيل قطعة الخشب بخرطومه ويطوح بها.
ولكنهم لم يتعوّدوا إطلاق هذا الوصف على القضايا الأرضية، مع أن منها ما يفرَع الكواكب ذوات الأذناب طولًا، ويفوقها خطرًا وشؤمًا وتفزيعًا، واذكر الآن- بعد أن نبّهناك- ما شئت من القضايا ذوات الأذناب، فإنك ستنسى واحدةً هي أطولهن ذنبًا، لأنها دقت في الغرابة حتى خفيتْ على الأذهان، وتعاصت عن الحل لأن الذي أحكم عقدَها هو الشيطان، وللشيطان ولوع بالإسلام لأنه موتور له، بما فضح من مكائده، وبما. بالغ في التحذير منه، وبما حصّن النفوس منه من المعوّذات، فلا عجب إذا كانت آثارُ يده بارزة في هذه القضية على يد أعظم أعوانه في المعاني وهو الاستعمار، وأكبر أعوانه من الأشخاص وهم دعاة الاستعمار، فلندُلّك على هذه القضية متبرّعين: هي قضية فصل الإسلام عن حكومة الجزائر ...
...

عد ما شئت من القضايا ذوات الأذناب الطويلة، واخترْ منها أشدّها تعقيدًا، وأكثرها تشعّبًا وعواملَ خلاف، وتناقض مصالح، وقلْ- مع ذلك كله- إن حلّها قريب، ممكن،
__________
* نُشرت في العدد 175 من جريدة «البصائر»، 26 نوفمبر سنة 1931.
(3/176)

ميسور، إلا قضيتنا هذه فإن تعصب الشيطان وأعوانه فيها صيّر حلّها قريبًا من المستحيل، ولعل قضية "الزيت" بين الفرس والإنجليز تحلّ في ساعة أو ساعتين، ولعلّ قضية "الجلاء" بين مصر وانجلترا تفصل في يوم أو يومين، ولعلّ الصراع بين "الكتلتين" ينتهي في شهر أو شهرين؛ أما فصل الدين الإسلامي عن حكومة الجزائر فهو- بما يحيط به من مقاصد الحكومة، وما يكتنفه من ظنونها- بعيدُ التصوّر في الذهن، بعيدُ الوقوع في الحسّ، غير ممكن التحديد بسنة أو سنتين، فإذا جال التحديد في خاطر الحكومة جاوزتْ به عشرات السنين، إلى القرن والقرنين، أو إلى ما يقدّر الاستعمار لنفسه من العمر، فكأن هذه القضية- في نظره- من أسباب طول العمر، فامتدادها امتداد لعمره، وليس كل هذا منه لأن القضية في نفسها صعبة، فهي- لو خلص القصد- من أسهل القضايا؛ وليس كل ذلك لأن أحدَ الطرفين فيها ضعيف، فهذا قدر مشترك في كثير من القضايا العالمية، وليس كل ذلك لأننا أصررْنا على المطالبة بالفصل إصرارًا لا تسامحَ فيه، فإن إصرارنا على الحق نتيجة لإصرار الحكومة على الباطل، وليس كل هذا لأن حق الأمّة في القضية غير واضح ... بل كل ذلك ... لأن حق الأمّة فيها أوضح من الشمس ... ومن طبائع هذا الاستعمار، التي عرف بها وعرفتْ به، أنه يعمد إلى الحق فيصوّره باطلًا وإلى الوضوح فيلبسه مدارع من اللبس.
إن عقلية هذا الاستعمار الذي بلينا به- حين تتصل بالإسلام- عقلية "لاتينية" أولًا، صليبية ثانيًا، فهي تتخبّط بين لجّتين، لا تنحسرُ إحداهما حتى تجلّل الأخرى وترين، وتتغذّى من عنصرين، لا ينضب أحدهما حتى يثرّ الآخر ويفور، وهو بهذين الدافعين احتلّ الجزائر، ولهذين الباعثين عامل الإسلام فيها هذه المعاملة الشنيعة؛ ولعمرُ الحق إنهما لوَسْمان في الاستعمار الفرنسي للإسلام، متأصّلان فيه، مؤثران في أعماله، سائقان إلى جميع تصرفاته، يظهرهما لحاجة، أو يظهرُ أحدَهما لمصلحة؛ وقد يخفيهما لكيد، فتعرب عنهما هذه البوادر التي تبدر حينًا بعد حين من ساسته وقساوسته، فيصرّحون بأن الجزائر كانت لاتينيةً في القديم، ومفهومه الموافق أن تكون لاتينيةً في الحديث، وأنها كانت مسيحية في الغابرين، وفحواه أنها مسيحية في الآخرين، وعلى هذه القوالب صُبّت القوانين التي تساس بها الجزائر، وبهذه الروح نفذت، ولهذه الغاية يعمل العاملون من رجال الاستعمار في أيّ مظهر ظهروا، وبأيّ اسم تكلّموا، ولا عبرة بهذه الأغشية التي يموّهون بها أعمالهم من العلم والفن والمدنية والديمقراطية والإنسانية، فتلك ألوانٌ غير قارة ولا ثابتة، تخدع العينَ والأذن، ولكنها لا تخدع الحقيقة.
...

هذا هو مدد الاستعمار الفرنسي الأصيل، وهذا هو ميراثه غير المدّعى ولا الدخيل، وهو مثار هذه النزعات التي يجهد في إحيائها في الشمال الأفريقي كالنزعة البربرية، ويُعميه
(3/177)

الهوى فيحاول أن يصلَ آخر الحبل الممدود بأوله وينسى أو يتناسى ثلاثة عشر قرنًا طبعت فيها العروبة والإسلام هذا الشمال بالطابع الذي لا يمحى، ووسمه بالسمة التي لا تزول ...
طرأتْ على فرنسا عدة مؤثّرات في القرون الأخيرة، من العلوم والفنون والصنائع، وانبثقتْ منها عدة مذاهب اجتماعية، واتسعتْ لعدة جنسيات وأديان، وكل واحدة من هذه المؤثّرات كافية لتحويل النظرة من أفق إلى أفق، ونقل الاتجاه من سبيل إلى سبيل، وتبديل العقلية من نزعة إلى نزعة، وقد فعلتْ هذه المؤثرات فعلها في العقلية الفرنسية فتغيّرتْ في كل شيء إلا في الاستعمار وما يتبعه من آثام، فإنها بقيت- كما كانت- "لاتينية"، وفي معاملة الإسلام فإنها بقيت- كما كانت- "صليبية"، ومن ناقضَنا في هذا جئناه بالدليل الذي لا ينقض، وهو حالة الإسلام في الجزائر، ومن رمانا بالمبالغة والتهويل رميناه بالحجّة المسكتة، وهي أن في الجزائر ثلاثةَ أديان يتمتع اثنان منها بالحرية الكاملة والاحترام الشامل، ويخص الإسلام- وحده- بهذه المعاملة الشاذّة التي هي في واقعها استعباد واضطهاد، وفي مغزاها احتقار وانتقام، وإن في هذا وحده لمقنعًا حتى للمكابرين.
...

لا يجد الباحث عناء في العثور على مصداق ما قلناه من تمكّن النزعة الصليبية في هؤلاء القوم، فهذه باريس منبع الثقافات والفنون والصنائع، التي استطاعت أن تجمع المتناقضات، وثوقف الإلحادَ بجنب المسيحية المتشدّدة، والإباحية العارية بجنب الحشمة المتزمتة، واللهو المعربد بجنب الوقار الساكن، تضم فيما تنضم عليه بيئة "صناعية" لصنع العقول، يديرها رجالُ دين، ويُدبّرها مستشرق شهير، وتقف جهودَها ونشاطها على تغذية النزعة البربرية في نفوس أبناء الجزائر والمغرب، من التلامذة الدارسين للعلم، أو العوام العاملين للقوت، وتغريهم بالتنكر للإسلام لأنه دينُ العرب، وبالتنصل من العربية لأنها جنسية طارئة غريبة، وتحاول إقناعهم بأن هذا الوطن بربري، وأن العقلية البربرية أقرب إلى اللاتينية منها إلى العربية، بسبب قرب الجوار، وصلة البحر المتوسط المتقارب الشاطئين، وبما تركه الاستعمار اللاتيني القديم فيها من آثار وتلاقيح، ولم يظلم الماريشالَ "ليوتي" من نسب إليه وضع الحجر الأول لبناء هذه المدرسة، وأن أول المتخرّجين فيها نابغة من أبناء المغرب، ولكن خلفاءَه في تلك النزعة وسعوا الدائرة، ولم يعودوا يقنعون بصيد المثقفين من أمثال ذلك النابغة، ونقلهم من صميم الإسلام إلى صميم المسيحية، بل أصبحوا يأنفون أن يكون للمسلم أو العربي مكانة ممتازة في المسيحية، كما يأنفون أن يكون لأحدهما مكانة ممتازة في العلم أو في السياسة أو في الجندية، وإنما يعملون اليوم للذبذبة والتشكيك حتى يتنكر العربي لعروبته، والمسلم لإسلامه، ولخلق جنسين يسهل عليهم ضربُ أحدهما بالآخر،
(3/178)

فيستريحوا منهما معًا، ذلك لأنهم يعلمون أن الإسلام هو مساك الأخوة الروحية، فإذا وهى وضعف تأثيره على النفوس، نجمت النعرات المفرقة، ووجد دعاة التفريق مداخلَ للإغراء واللإغواء.
وليس في هذا الوطن بربري وعربي كما يوهمون، وإنما هم جزائريون، جمعهم الإسلام على تعاليمه، ووحدتهم العربية على بيانها، كما أوضحناه بالأدلة في مقال "عروبة الشمال الأفريقي" المنشور بعدد 150 من هذه الجريدة، ولكن من عادة الاستعمار أن يحصي المعاني الميتة ليقتل بها المعانيَ الحيّة، ويزيّن للناس الباطلَ ليدحض به الحق، وقد أكثر من هذا حتى أشعر الأمم به، فأصبحت لا تفهم من كلماته إلا عكس معانيها.
...

وتعصبْ- أيها المسلم- لدينك التعصبَ الطبيعي المعقول، وزد على ذلك القسط الطبيعي جميعَ ما يرمونك به من أنواع التعصب المرذول، فإنك لست ببالغ معشار ما عند هؤلاء من التعصب للمسيحية، ولكن تعصّبهم منظّم تحرسه القوّة، فأصبح معدودًا في حسناتهم، وتعصّبك فوضى يخمده الضعف، فأصبح مزيدًا في سيئاتك، وقد أوهموك أن التعصب مذموم، واستعانوا عليك بجهلك، ففرطت في محموده ومذمومه، وتجرّدت من أنفذ سلاح تحفظ به دينك، وما زلت تفرط في حقه خوفًا من أن ينبزوك بباطله، حتى أمسيتَ تعيش بلا عصبية لدينك، ولا عصبية لدنياك، وان هذا لسر ما ناله الاستعمار منك، لأنك بسببه أضعتَ الدينَ، وبسببه أضعت الدنيا، وخسرت الصفقتين.
إننا لا نلتمس دليلًا على انطواء هؤلاء القوم على النزعة الصليبية، وان هذه القرون لم تضعفها فيهم ولم تنسهم إياها- أكبر ولا أكثر إقناعًا من قول القائد العسكري الذي احتلّ دمشق على إثر الحرب العالمية الأولى، فقد وقف على قبر صلاح الدين الأيوبي، وقال يخاطبه: قد زعمت أننا لا نعود، وها نحن أولاء عدنا ولا نخرج ...
...

وقد نعلم أن بعض رجال الإدارة الاستعمارية، وبعض الجارين في أعنّتهم من رجال الدين المسيحي، يتهمون صاحب هذا القلم بأنه ينشره لهذه الحقائق يثير الفتن، ويحصي كوامن الإحن، وانه يتهجّم على المسيحية، ونعلم أن كلامهم هذا نمط من التخويف بالباطل للصدّ عن الحق، ولا والله الذي أوحده، وكتبه التي أؤمن بها جميعًا، ورُسله الذين لا أفرّق بين أحد منهم، ما هاجمت دينًا بالباطل، وإنما نعيت على رجال الأديان أن يكونوا
(3/179)

أعوانًا للاستعمار الظالم الذي لا يقبله دين، وعبتُ على رجال المسيحية أن يمالئوا السياسة على اهتضام الإسلام، وأن يمارسوا التبشير في ظل الحكومة وفي حماية قوّتها، فإن هذا غمزٌ في كرامة الدين الذي يدْعون إليه، لأن سبيل الأديان إلى النفوس هو الإقناع، لا الحيلة والقوّة، وبيّنت لهم أن دينَ السياسة إلحادٌ في دين الله، وأنها إن أكلتْ بهم اليوم فستأكلهم غدًا، فتعالوا يا قومُ إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن نتعاونَ على تحرير الأديان، ثم لكم علينا أن نتعاونَ على ما فيه خير الإنسان.
...

وفي الأخير ... وضعت حكومة الجزائر هذه القضية في جدول أعمال المجلس الجزائري لهذه الدورة. فهل عزمت على قطع الذنَب؟ لا نظن ... وسنرى، وسنقول ...
(3/180)

القضية ذات الذنب ... الطويل *

- 2 -
... وها هم أولاء قد وضعوا القضية في جدول أعمال المجلس الجزائري، ولا نبحث عن الدواعي لهذا (الاستعجال) لأننا نعلمها، وخطب رئيس المجلس في جلسة الافتتاح فذكرها، وهو- في هذه الدورة- مسلم، فهل يرجو الراجون أن يكون من اسمه ودينه وجنسه أعوانٌ لرئاسته على فصل هذه القضية على وجه يرضي هذه العناصر الأربعة فيه؟ وخطب الوالي العام في ذلك الافتتاح فذكرها وخصها بالتنويه من بين أعمال المجلس، ونحن نعلم أن الخطبتين تحدّرتا من غمام واحد، أو نحتتا من معدن واحد، وأن ما تمنع الكياسةُ ذكرَه في خطبة الوالي يُباح ذكره في خطبة الرئيس، لذلك قرأنا في خطبة الرئيس من التعريض بنا ما لم نقرأه في خطبة الوالي، ونشهد أنه تعريض لطيف في ذوقنا، وإن كان خشنًا في قصد الرئيس.
وبادر المجلسُ فألّف اللجنة التي تنظر القضية وتبحثها، ونشر أسماءَ رجالها من القسمين (1)، وتسامح في هذه المرّة فأدخل في اللجنة رجالًا كانوا مذودين عن حياض اللجان، فكأن طائفًا من الديمقراطية طاف بهذا المجلس، أو كأن خاطرةً من الوحي تنزّلت عليه، أو كأن هاتفًا من وراء الغيب هتف به: أنْ أثبتْ وجودَك ... فإن استطاع المجلس أن ينقل القضية من ذيل الجدول إلى رأسه، اتّحدت القرائن على أن هناك اتجاهًا جديدًا ولو في هذه القضية بخصوصها، وكل الفضل في هذا الاتجاه راجع إلى الظروف.
...
__________
* نشرت في العدد 176 من جريدة «البصائر»، 15 ديسمبر سنة 1931.
1) من القِسْمَين: كان المجلس الجزائري مؤلفًا مناصفة من الجزائريين والفرنسيين.
(3/181)

ولكل عاقل أن يسأل: لماذا يتوقف هذا المجلس في هذه القضية على تقديم الحكومة إياها وعرضها عليه؟ مع أن البرلمان الفرنسي وكل تنفيذها إليه لا إلى الحكومة، ولماذا يتربّص بها هذه المدّة الطويلة؟ مع أنها أهم من جميع القضايا التي عُرضت عليه في خلال السنوات الثلاث الماضية، والجواب معلوم، يكاد لوضوحه أن يحكمَ على السائل بأنه ... غير عاقل.
ومع كل هذه البوادر فإننا لا نظن أن الحكومة جادّة في فصل القضية فصلًا نهائيًّا تبتّ فيه الحبال، وتقطع العلائق، وتقيم به العدل في نصابه، وتسوّي به بين الأديان، وتُرضي به أمة كاملة مطالبة بحقها، جادّة في الحصول عليه ... لا نظن ذلك بها ... لأن لها طبعًا غير الطبائع، ولأن لها في هذه القضية تاريخًا حافلًا بالمداورات، ولأن لها سمعًا ألف التصامّ عن سماع كلمة الحق حتى صمّ بالفعل؛ ومن أراك من نفسه الإصرار على الباطل، وهو يعلم أنه باطل، فقد أرشدك إلى عدم الثقة به إن ادّعى أنه رجع إلى الحق، ولا نظن أن المجلس يستطيع أن يفعل في القضية شيئًا، ما دام زمامه في يد الحكومة، وما دام غيرَ مستقل الإرادة.
...

إن الأصلَ في هذه المجالس أنها تصارع الحكومات، وتناقشها الحساب، وتردّها إلى الصواب، وتحارب النزعات الفردية، كل ذلك لأنها تأوي من الأمّة إلى ركن شديد، أما المجلس الجزائري فإن شأنه غريب، وأمره عجيب.
إننا- مع احترامنا لأشخاص هذا المجلس- لا نسكت عن الانتقاد لوضعه ولأعماله، ولا نمسك عن سوْق النصائح إليه، وإن كانت مرّةً في ذوقه، ثقيلةً على سمعه، ولا نتملّقه ليكون في جانبنا أو يجريَ على هوانا، فإننا قوم لا نرضى أن تكون لنا منّة على الحق، ولا نرضى أن تكون لأحد علينا منّة في الإعانة على خدمة الحق، لأن الحق للجميع، وفوق الجميع، وإنه لا خصم لنا في هذه القضية نحاول الانتصارَ عليه، وإنما نحاول نزع حق من غاصب وهو الحكومة، وإرجاعه إلى صاحبه وهو الأمّة، فمن أعاننا في هذا السبيل فقد أعان الحق وأعان الأمّة وأعان نفسه.
...

أصبحنا لا ندري أهما شيئان أم شيء واحد. هذه الحكومة بصبغتها وأعمالها، وهذا المجلس بوضعه وتشكيله، وأسباب تشكيله، ووسائل تشكيله، الأسماء تختلف، والعلائق تأتلف، والأوضاع غريبة، واللبيب يفهم.
(3/182)

ولقد كنا نسأل فصلَ الحكومة عن الدين، فطوّحتْ بنا التصاريف إلى حالة أوشكنا معها أن نسأل فصل الحكومة عن المجلس، لأن تحرير المجلس من سيطرة الحكومة عليه هو الخطوة الأولى في فصل الدين عن الحكومة.
إن الشرط الأساسي للفصل أن لا يكون للحكومة برنامج خاص في القضية، وأن لا يكون للموظفين الدينيين برنامج خاص فيها، لأنهم أبناء الحكومة، وللأب حق الاعتصار في بعض أموال بنيه، أو لأنهم عبيدُها، والعبد وما ملك لسيّده.
أما إذا كانت الحكومة تقدّم للمجلس ملف القضية، وفيما هو (ملفوف) فيه برنامجها الخاص، وعلى أحد وجهيه طابع الرغبة، وعلى الآخر طابع الرهبة، وكأنه لباسُ جندي، يزعج بشارته، قبل أن يزعج بإشارته، وكأنه يقول للمجلس: "نفذني لأني برنامج الحكومة" ثم يستشهد ببرامج الأنصار التي تشهد له (وقد قرأنا منها ثلاثة). أما إذا كان الأمر هكذا فهو أكبر دليل على أن الحكومة لا تنوي الفصل، وإنما تنوي ضده، وما هذه الحركة الجديدة منها إلا فعلة من فعلاتها المعروفة التي تذرّ بها الرماد في العيون، وتطيل بها العلل، حتى تجلب للعاملين الملل.
نذكّر المجلس بأن الفصل مقرّر في صُلب الدستورين الفرنسي والجزائري، فليس له ولا من وظيفته النظر فيه، ونحذّره من هذه الأحابيل التي تلبس الحق بالباطل، فتخيّل إليه أن هذه الكيفية فصل، وما هي إلا الوصل القديم أعوزته شهادة رسمية قانونية، فجاء يلتمسها من المجلس بالحيلة ...
...

أما نحن فما زلنا في هذه القضية على مذهبنا القديم، لم يتغيّر لنا فيها رأيٌ، ولم يتجدّد لنا فيه نظر، وأنَّى يتغيّر الرأي أو يتجدّد النظر في قضية دينية إلهية، تضفي على كل ملابساتها لبوس الدين الذي لا تغيّره الأزمنة، ولا تؤثّر فيه الأحداث، ولا تتجدّد فيه النظريات، والدين السماوي كالسماء: علو وصفاء، وظهور بلا خفاء، وحقائق ثابتة، ونسب غير متفاوتة، وحركات منظّمة، وأحكام مقوّمة، فإن خفيت السماء فمن الغيم، وهو من الأرض، وإذا خفيتْ حقائق الدين فمن الجهل أو من الضيم، وهما من سوء العرض، وكما أن السماء نور تحجبه الأرض عن نفسها، فالدين السماوي رحمة يحيلها البشر نقمة وشرًّا بما تكتسب أيديهم من موبقات، وتبتكر عقولهم من ضلالات.
وقد شرحْنا هذه القضية فيما رفعناه إلى الحكومة من مذكرات، وآخرها مذكّرة ماي سنة 1950، وفيما كتبناه على صفحات هذه الجريدة، وإنه لكثير، وبينا الحقائق، وأقمنا
(3/183)

الأدلّة، وضربنا الأمثال، وبسطنا الحلول وقرّبناها إلى الأذهان، فكنا في ذلك كله كمن ينادي صخرة صمّاء، فإذا دلّت هذه الحركة القائمة اليوم على أن الآذان تفتّحت لسبب ما فإننا سنلقي فيها اليوم ما ألقيناه أمس.
لم نزل واقفين عند حدود مذكّرتنا في ماي سنة 1950 لم نتقدم عنها ولم نتأخر، فإن كان عندنا جديد، فهو أن كل حلّ يبقي للحكومة أثرًا في شؤون ديننا فهو حل باطل، وأن كل فصل ينطوي على الحيلة فهو- في نظرنا- لغو، لا يقنعنا ولا يرضي الأمّة، وأن كل تشريك للموظفين الدينيين في الرأي والنظر فهو تشريك للحكومة، كما حققناه في تلك المذكّرة.
...

إن الفصل الحقيقي الذي نريده هو تسليم الدين الإسلامي إلى أهله المسلمين، فإن أحسنوا فيه فلأنفسهم، وإن أساؤوا فعلى أنفسهم، كما يفعل المسيحي في دينه، واليهودي في دينه، وكذَب وفجر من زعم أننا دعاة فوضى، وهل في العالم من يمجّد النظام مثل المسلم الذي راضه الإسلام على آدابه وتعاليمه؟ وهل يوجد أحكمُ من ذلك النظام الذي بينّاه وأشرنا به في مذكّرتنا؟ وكذَب وفجر من ادّعى أننا مختلفون في أصل ديننا، فإن كان بيننا خلاف فهو من آثار الاستعمار، لا من آثار الإسلام، والحكومة الاستعمارية هي زارعة الخلاف بيننا، وهي التي تسقيه كلما ذبل، وتغذّيه كلما ضعف، وكذَب وفجر من قال إن جمعية العلماء تريد احتكار القضية لنفسها، وما جمعية العلماء إلا الأمّة المسلمة، وما أعمالها إلا تثبيت الإسلام، والدفاع عنه، فإن وُجد في الأمّة من يخالفها اليوم فسيوافقها في الغد القريب، لأنها تدعو إلى القرآن، وأي مسلم يخالفها في هذا؟ وتدعو إلى سنة محمد، وأيّ مسلم ينكر عليها هذا إلا من ينطق بلسان الاستعمار؟
...

كلّ فصل على دغل فنحن ننكره ونحاربه، وسنتمادى على مقاومتنا له، وسنبقى- كما كنا- عاملين على تحرير ديننا، ننتقل مع خصومنا من ميدان إلى ميدان، حتى نلقى الله أو يحكم بيننا وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين.
(3/184)

كتاب مفتوح
إلى الأعضاء المسلمين بالمجلس الجزائري *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

أيها السادة:
اسمحوا لنا حين سمّيناكم أعضاء ولم نسمّكم نوابًا فإننا ممن لا يكذب على الحقيقة؛ وكل عاقل يعرف الوسيلة التي تذرّعتم بها إلى هذا المنصب، يستحي أن يسمّيكم نوابًا بمعنى النيابة الذي يعرفه الناس؛ وإنما أنتم أعضاء تألف منها هيكل غير متجانس الأجزاء لا يجمع بينها إلا معنى بعيد، وعاملٌ غريب، ومصلحة ليس لكم ولا للأمّة منها شيء: وإنما أنتم موظّفون، لكم من النيابة لفظها وحروفها، ولكم من الوظيفة معناها وحقيقتها، وما دامت الانتخابات بالعصيّ فأبشروا بطول البقاء في هذه الكراسي.
النيابة وكالة عن جمهور؛ والشرط في الموكل أن يكون حرًّا مختارًا مطلق التصرّف. ولا أجرح عواطفكم بذكر شروط الوكيل؛ فليت شعري إذا قال النوّاب الأحرار: نحن وكلاء الأمّة، ونحن اختارتنا الأمّة. فماذا تقولون؟ ...
إن لكل عيب سترًا يغطّيه. وقد ستروكم بكلمة "مستقل" فما زاد العيبُ إلا افتضاحًا، لأن هذه الكلمة قد وُضعت في غير محلّها.
إن من المناظر التى تثير العبر وتُسيل العبرات في هذه الانتخابات أنكم كنتم تروْن كما يرى الناس صندوقين للانتخاب في قرية واحدة أو شارع واحد يدخل الأوروبي إلى أحدهما منشرحَ الصدر باسمَ الثغر حرّ التصرّف مطلقَ الإرادة والاختيار، فيعطي ورقته لمن شاء، معتقدًا أنه أدّى شهادة خالصة للحق لم يراع فيها إلا مصلحة جنسه ورضى ضميره.
__________
* نُشرت في العدد 33 من جريدة «البصائر»، 26 أفريل سنة 1948.
(3/185)

ويدخل العربي إلى الآخر خائفًا وجلًا منزعجًا مسلوبَ الإرادة والحرية لا يرى حوله إلا إرهابًا وسلاحًا وألسنةً تتوعّد، وأيديًا تتهدّد، وأعينًا ترمي بالشرر، ويعطي ورقته لمن يُراد منه لا لمن يريد، إن من يرى هذا المنظر لا يعجب إذا رأى بعد ذلك أن الفائزين في الصندوق الأول نوّاب وإن اختلفوا في المبادئ، وان الفائزين في الصندوق الثاني نوائب وإن سمّوا أنفسهم "مستقلّين".
...

يا قوم: نحن وأنتم من أمّة جرى عليها القدر بأن يفرض عليها الاستعمار كل شيء فرضًا، وأن لا يعتبر رأيها حتى في أمسّ الأشياء بحياتها، وأن لا يسمع لها صوتًا ولو ردّد صداه المشرقُ والمغرب. آية ذلك أن الأحزاب الفرنسية من اليمين إلى اليسار- وشأنها الاختلاف في كلّ شيء- اتفقت على احتقارنا وعدم المبالاة بنا في شيء يخصّنا وهو دستور الجزائر، فوضع كلّ حزب للجزائر دستورًا بنى أصوله وفروعه على ما يوافق هوى حزبه لا على ما يوافق مصلحة الجزائر ورغبة أهلها؛ كأن الوطن موات، وكأن أهله أموات، وكأن تسعة ملايين مسلم كلهم أطفال قاصرون يتحكم في مصالحهم الأوصياء والقضاة وليس فيهم رجل رشيد.
وبين تنازع الأحزاب ومعاكسة الحكومة وُلد هذا الدستور الأبتر الذي أنتم ومجلسكم من ثمراته. ولم يوجد في الدنيا شيء يجمع بين كونه مسخوطًا عليه كأنه نقمة، ومحسودًا عليه كأنه نعمة، إلا هذا الدستور، فما أشبه هذه الأمّة بقول القائل:
"حتى على الموت لا أنجو من الحسد"
وبين سخط الساخط وحسد الحاسد جرت أمور، ونُصبت جسور، وصلتم منها إلى هذه المقاعد؛ فهل أنتم- بعد خمود الفورة والصحو من نشوة الفوز- شاعرون بواجبكم، ومقدّرون لمسؤوليتكم؟
لا نطالبكم بما هو خارج عن نصوص الدستور، فما أنتم لذلك بأهل. وما نحن بالذين نكلّفكم الشطط، أو نطالبكم بما ليس في الطاقة، وأنتم رجال، للوطن عليكم حق الأبوّة، وللأمّة عليكم حق الأمومة؛ فهل أنتم عارفون بحقوق الأبوين؟
إن مَنْ لم يكن منكم عالمًا لن يخطئه أن يكون عاقلًا، ومهما بلغتم من المكانة عند أنفسكم، أو بلغ بكم الحظ عند غيركم، فلن تستغنوا عن وعظ واعظ، ونصيحة ناصح، ولو شئنا أن نلقّنكم درسًا مختصرًا في معنى الشرف والرجولة لقلنا لكم: إنه لا شرف في الوصول إلى ما وصلتم إليه بمثل الوسائل التي وصلتم بها، ولا رجولة لمن يرقص على
(3/186)

الأشلاء والدماء والسجن والتغريم؛ ولكننا نعلم أن زماننا أملكُ بأحوالنا، وأن أحوالنا أشبهُ ببعضها من الغراب بالغراب، فلا نستنكر على مَن فرض الدستور أن يفرض رجاله، ولا على من ضيّق نصوصه أن يضيّق مجاله، ولا على من استعمل الإكراه في الدين، أن يستعمل الإكراه في الدنيا؛ وقبل النيابة كانت الإمامة، وقبل جحا كان أبو دلامة، ولعلّكم تعلمون ما ورد في من أمّ قومًا وهم له كارهون، وعلى الائتمام به مكرهون ...
إن هذا كله لا يمنعنا من تأدية ما في ذممنا من واجب النصيحة. فاذكروا قبل كل شيء أن "الأصوات" التي وصلتم بها إلى هذه المقاعد هي أصوات إخوانكم المسلمين. تقولون إنها جاءت عفوًا من غير ظلم، وتقول الحقيقة إنها كانت عدْوًا بغير علم. وليست أصواتَ اليهود والإسبان، والفرنسيين والطليان، فكل جنس ألزم طائرَه في عنقه؛ ولو أن أحب الناس فيكم، وأحوجهم إليكم، وأعظمهم مصلحةً في وجودكم، أراد أن يرفعكم على أعناق غير أمّتكم لما استطاع، ولو استطاع لما سمحتْ نفسه بذلك، لأنكم- وأمّتكم معكم- أحطّ قدرًا في نظره من ذلك، فاذكروا حقوق أمّتكم عليكم في النهايات، إن لم تذكروها في البدايات، واذكروها في النتائج وإن أغفلتموها في المقدّمات، واذكروها عند اقتسام المصالح لعلّها تغفر لكم بعض السيّئات.
...

إن دينكم ودين أمّتكم الإسلام، وقد عدَتْ عليه عوادي الاستعمار، فابتلع أوقافه، واحتكر التصرّف في مساجده ورجاله، وتسامح مع الأديان كلها فبت حبلها من حباله إلا مع الإسلام، وقد طالبت الأمّة بفصل دينها عن الحكومة كما انفصلت الأديان، وبتسليم مساجدها وأوقافها إلى يدها لأنها أحقّ بتسييرها والتصرف فيها، ولأن الإسلام نفسه يوجب عليها ذلك، كما طالبت بفصل القضاء الإسلامي- وهو جزء من دينها- عن القضاء الفرنسي، لأنه لا يتحاكم إليه إلا المسلمون فيما هو من خصائصهم، كما طالبت بحريّة الحج لأنه ركن من أركان دينها لا تتمكّن من إقامته على وجهه إلا إذا كان مطلقًا من القيود.
طالبت الأمّة بهذا الأصل الذي هو "الفصل" وبجميع فروعه المذكورة، وألحّت في الطلب، واختارت المناسبات، واستعملت الوسائل، فما كانت تلقى إلا الآذان الصمّاء، والوعود الجوفاء، إلى أن فرض عليها "دستور الجزائر"، فجاء بمادة صريحة في فصل الإسلام عن الحكومة الجزائرية، وكان النص على ذلك صريحًا لا يقبل التأويل، ووكل تنفيذ ذلك إلى المجلس الجزائري، ونحن نعلم أن هذه القضية ستعرض على المجلس، وأنه صاحب الاختصاص فيها، والمسؤولية عنها، وأن الحكومة ستريدكم على إبقاء ما كان على ما كان،
(3/187)

أو تعرض عليكم حلولًا لا تحقق رغائبَ الأمّة، أو برنامجًا من سلالة الدستور، فيه من مشابهه النقص والتشويه، فماذا أنتم صانعون؟ إن المسألة مسألة دين وأمّة، وإن الأمّة بالمرصاد، وإن جميل الحكومة معكم لا يكون ثمنه مقتطعًا من حساب القضية الدينية.
وإن لغتكم العربية مصفدةٌ بالسلاسل والأغلال من القوانين والقرارات، وإن مدارسها- على ضعفها وقلّتها- معرّضة للإغلاق. وإذا كانت اللغة سائرةً إلى المحو والاندثار بسبب هذه التضييقات فإن النتيجة الحتمية لذلك هي محو الدين واندثاره لأنها الوسيلة الوحيدة التي يتوتف عليها حفظه وبقاؤه.
أتدرون لماذا أوقف البرلمان الفرنسي تنفيذَ قانون الفصل عليكم، مع أنه لو تولّى تنفيذه لأراح واستراح؟ إنها لعبة شيطانية بكم من دهاة الاستعمار، إنها توريط لكم، إنهم يريدون أن يحرّكوا النار بأيديكم، إنهم كانوا على اتصال بالحكومة الجزائرية، وكانوا على ثقة من أن المجلس الجزائري سيتمّ كما يريدون- وقد تمّ كما أرادوا- وأنهم لا ينتخبون له إلا كل سامع مطيع، وأن الحكومة الجزائرية ستوحي إليهم بأن لا يرضوا بفصل الدين عنها فتكون النتيجة التي تذيعها فرنسا في العالم أن المسلمين هم الذين لم يرضَوا بانفصال دينهم عنها، فتفوز مرّتين، ويخسر المسلمون شيئين: الدين والسمعة.
إن هذه المكيدة ستلصق بكم سبة الدهر وستجعلكم أشأمَ على جنسكم ودينكم من عاقر الناقة.
...

إن أقوامًا قبلكم وصلوا إلى ما وصلتم إليه، وارتقوا على اكتاف الأمّة إلى كراسي النيابة ولكنهم خانوا العهد وأضاعوا الحقوق، فسجّل عليهم التاريخ خزي الأبد وكلة المقت، فحذار حذار أن تكونوا مثلهم.
وفي الماضي لمن بقي اعتبار، وإن أيام النيابة معدودة فاعمروها بالصالح الباقي.
(3/188)

كلمتنا عن الأئمة *
كتبنا في العدد 139 من «البصائر» كلمةً عن الأئمة الحكوميين، وبينا حكم الله- المبني على حكمته- فيهم، ثم شرحنا تلك الكلمة بكلمة ثانية في العدد 140، ثم وضّحناها بكلمة ثالثة في العدد 142، ثم سمعنا هيعةَ المغرب الأقصى فطرنا إليها خفافًا، ووافيناها مع الصبح سراعًا، وشغلنا عن واجب مهم بواجب أهمّ، ووصلنا جهادًا بجهاد، من غير أن نخرج عن دائرة الدفاع عن الدين، ومن غير أن نخسر واحدة من الحسنيين، وإذا كانت «البصائر» قد لقيتْ مصرعها في المغرب فتلك غاية الجهاد، وتلك عاقبة كنا نقدّرها، ولا نحذرها؛ وحسب هذا القلم شرفًا أن يطولَ بالحق قصرُه، وأن تحشرَ مع سيوف الفتح كِسَره، ولا نامت أعينُ الجبناء.
وها نحن أولاء نعود إلى الميدان الأول أوفرَ ما نكون نشاطًا، وأكثر ما نكون اغتباطًا، فقد كانت هذه الفترة كافيةً لاختمار تلك الكلمات عن الإمامة في الأذهان، ولتعرف المدى الذي وصلتْ إليه هذه الأمّة من تفهّم الحقائق الدينية العليا، فطالما شغلتهم الظواهر عن تلك الحقائق، وطالما ألهتهم القشور عن اللباب، وطالما غرّهم بالله ودينه الغرور، وطالما دسّ لهم الاستعمار السم في الدسم.
وانتهى إلينا من تسقط الأخبار، وقصّ الآثار، أن الأمّة كانت بعد تلك الكلمات أزواجًا ثلاثة: فأما الذين استنارت بصائرهم، وآمنوا بأن الدين لله، وأن بيوته لا يعمرها إلا من خشي الله، وأن تراث الإسلام لا يرثه إلا المسلمون فزادتهم تلك الكلمات إيمانًا بذلك واستبصارًا فيه وثباتًا عليه؛ وأما العوام المغرورون بالمداورة، والأتباع المجرورون بالمجاورة، فقد نقلهم صدى تلك الكلمات من رتبة اليقين بصحة الباطل، إلى رتبة
__________
* نُشرت في العدد 153 من جريدة «البصائر»، 30 أفريل سنة 1951.
(3/189)

الشك فيه، فهم يتساءلون، ثم تغلبهم العادة فيتساهلون، وأما الذين في قلوبهم مرض من الأئمة وأتباعهم، والمتشوفين إلى الوظائف من أشياعهم، فزادتهم مرضًا إلى مرضهم، وأصبحوا يخطبون بسبنا، والعاقل فيهم من يعرّض بذلك ولا يصرّح، وفزعوا إلى الفقه اللفظي، يقلّبون أوراقه ويستنجدونه ويستذرون منه بالكنف الذي لا يحمي، كأننا حين كتبنا تلك الكلمات كنا نجهل كلام الفقهاء في صفات الإمام وشرائط الإمامة وجوبًا وكمالًا، وكأننا كنّا غافلين عن أئمة صقلية والأندلس في فورات التغلّب، أو جاهلين بمعنى العبارة التي يردّدها المؤرّخون وهي "أن العدو أبقى لهم دينهم"، فإن معناها أنه أبقى لجماعة المسلمين التصرّف التام في دينهم، ومنه تولية الأئمة، وكأننا كنا بمنزلتهم في الجهل بأن الفقهاء إنما يذكرون الشروط الجزئية (الشخصية) وأما الكليات فتفهم من فعله - صلى الله عليه وسلم - وعمله، ومن مقاصد الشريعة العامة، ومن الحكم المنطوية في تلك المقاصد، ومن تلك الكليات أن الإسلام شرطٌ أولي في المولي (بالكسر) وفي المولّى (بالفتح) وأن الأول يكون أعلى قدرًا وأرفع منزلة في الإسلام من الثاني، ذلك أن المولّي للإمام هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو نائبه وهو الخليفة، أو نائب الخليفة وهو الأمير، أو نائب الأمير، وهم جماعة المسلمين مجتمعين، وهؤلاء كلهم أعلى منزلة في الإسلام من الإمام، وما كانوا كذلك إلا بحكم الإسلام، فهل هؤلاء الأئمة مع من ولّاهم بهذه المنزلة؟ وهل يرضى منهم الإسلام أن يكونوا بهذه المنزلة؟
إن الإسلام لا يرضى للإمام الذي نصبه "شفيعًا" للمصلّين أن ينقلب فيصبح "متشفّعًا" لنيل الإمامة بمن لا يدين بالإسلام، بل بمن يهين الإسلام.
على أن الشرائط التي يذكرها الفقهاء في الإمامِ كلها حجة على هؤلاء الأئمة بألفاظها ومعانيها وحقائقها ومراميها، وكلّها عناوين على معادن من قوّة النفس والروح والعقل، ورموز إلى مراتبَ عليا مما يتفاوت فيه الناس حتى تصحّ إمامة واحد منهم، ولا تصحّ إمامة الآخر.
فهم يشترطون الإسلام، وهم يعنون به نوعًا يناسب هذه المرتبة الشريفة، وهو بالضرورة أعلى مما يشترط في الشاهد أو المذكي أو راعي الغنم، وهم يشترطون الذكورة، وهم يعنون بها الرجولة، ومغزاها في لغة الدين وفي لغة التخاطب مغزًى بعيد، يرجع إلى كمال الإنسانية، وهم يشترطون الفحولة، وهي تكميل لصفة الرجولة وقوّة لها، وهم يشترطون الحرية، ومعناها الجامع يتألّف من مجموعة فضائل، من استقلال الفهم واستقلال العلم واستقلال الفكر واستقلال الإرادة، والخلو من أنواع الاسترقاق كلها، وإن منها لما هو شرّ من استرقاق البدن بدركات، وحسبك باسترقاق الروح نقصًا، وحسبك به قادحًا في الإيمان فضلًا عن الإمامة.
(3/190)

فهل توفّرتْ هذه الشروط الفقهية في هؤلاء الأئمة حتى تكون إمامتهم صحيحة؟ أم هم يحسبون أن دين الله ألفاظ مما يتعايش به الناس في البيع والشراء، أو مما يتحاسبون به من الأعداد المسرودة، تعد عشرةً فإذا هي عشرة؟
إن في الفقه فقهًا لا تصل إليه المدارك القاصرة، وهو لباب الدين، وروح القرآن، وعصارة سنة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو تفسير أعماله وأقواله وأحواله ومآخذه ومتاركه؛ وهو الذي ورثه عنه أصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين؛ وهو الذي يسعد المسلمون بفهمه وتطبيقه والعمل به؛ وهو الذي يجلب لهم عز الدنيا والآخرة، وهو الذي نريد أن نحييه في هذ الأمّة فتحيا به، ونصحّح به عقائدها، ونقوّم به فهومها، فتصحّ عباداتها وأعمالها، فإن العبادات هي أثر العقائد، كما أن الأعمال هي أثر الإرادات، وما يبنى منها على الصحيح يكون صحيحًا، وما يبنى على الفاسد فهو فاسد.
إن الإسلام إنما شرع العبادات لتكون شواهدَ وبيّنات على العقائد الإيمانية، ثم جعل المسجد بيته ليكون مظهرًا لتلك الشهادة، فكل ما يقع فيه من صلاة واجتماع لها، ومجالس مدارسة وخطب، فهو إعلان لتلك الشهادة، وكل ما يتصل به من محراب ومنبر ومئذنة وإمام فهو مؤدّ لتلك الشهادة، فيجب أن تتظاهر هذه الأشياء كلها على الحق، وأن يكون بناؤها على أساس الحق، حتى تكون شهادتها حقًّا على عقائد الحق.
وإن كل ما يؤدّيه المسجد- في حكمته الإسلامية- هو إقامة لدولة القرآن، وتشييد لمدرسة القرآن، ورفع لمنارة القرآن، وكل مختلف إلى المسجد مقيم لحقّه وحق الله فيه، فهو "خرّيج" مدرسة القرآن، و"خرّيجو" هذه المدرسة هم الذين قوّموا عوج الكون، وعدلوا ميل الزمان، وكانوا في هذه الدنيا نورًا ورحمة.
وإن المسجد لا يؤدّي وظيفته، ولا يكون مدرسةً للقرآن، إلا إذا شاده أهل القرآن، وعمروه على مناهج القرآن، وذادوا عنه كل عادية، وما جعل القرآن المساجد لله إلا لتكون منبعًا لهدايته، وما وصف الذين يعمرون مساجد الله بأنهم لا يخشون إلا الله، إلا ليقيم الحجة على ضعفاء الإيمان ويعزلهم عن هذه المرتبة.
وصدق الله، وصدق رسوله الذي وصف القرآن بأنه "لا تنقضي عجائبه". فوالله لكأنَّ هذه الجملة: {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} من هذه الآية، بهذا الأسلوب، المفيد للحصر بأبلغ صيغه، نزلت اليوم، وهّاجةً بأنوار الرسالة، مطلولةً بأنداء الوحي، لتكون حجّتنا القاطعة على هذا النمط من عمار المساجد، الذين يخشوْن المخلوق، ولا يخشوْن الله، ولو كانت شرائط الإمامة- حتى التي يذكرها الفقهاء- متوفرةً فيهم، لما أسخطوا الله بإرضاء الاستعمار ... وليكذبونا بموقف واحد أرضَوا به ربهم، وأسخطوا الحكومة ... إنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا، ما دام أمر توليتهم في يديها.
(3/191)

إن هذه الظواهر الغرّارة التي أبقاها الاستعمار من الأسماء والصفات والهيئات، لا تحجب عنا الحقيقة، ولا تسكتنا عن كلمة الحق فيها، وهي أن تولية حكومة غير مسلمة لأئمة المسلمين، إفسادٌ للدين، وإبطالٌ للعبادات، لأنها نسخٌ لأحكام القرآن، وتعطيل لحكمته، وإطفاءٌ لروحانية الإسلام في نفوس طائفة أخذ عليها العهد أن تنشرَ هدايته، وتنطق باسمه، وتتقدّم الصفوف للدفاع عنه، وإن الرضى بهذه الحالة إقرار للإفساد، وإعانة عليه.
إن للاستعمار في إفساد العقائد والأديان طريقةً هو فيها نسيج وحده. يعمد إلى الأسماء فيبقيها ويثبتها، وإلى الظواهر فيسبغ عليها ألوانًا تجعلها قائمة الذات في رأي العين، جميلة الوضع في حكم الذوق، محتفظة بالمقوّمات السطحية في لمس اليد، ثم يعمد إلى الحقائق والمعاني بوسائل المنوّم والساحر فيمسخها ويغيّرها ... هل رأيت الجوزة المؤوفة (1)؟ ... إن رأيتها رأيت ظاهرًا جميلًا، وقشرةً صلبة، ثم تكسرُها فتجد نخالة مما أسأر الدود، أو سوادًا مما فعل الماء المتسرّب، وهي- مع ذلك- جوزة تشترى، ويُدفع فيها الثمن، وتُقدّم تكرمةً للضيف ... وذلك شأن الاستعمار في رجال الدين منا ...
أيها القوم، لسنا لكم خصومًا، وإنما نحن نصحاء، ولا خصم لنا في القضية إلا الاستعمار. إننا نريد تحريركم، وتصحيحَ بنائكم، وإرجاعكم إلى الله، وتقويةَ صلتكم بالأمّة التي تصلّي وراءكم، حتى تكونوا شفعاءها إلى الله، وإن نزاعنا مع الاستعمار في ميدان من صميم الدين، فلا تقفوا في طريقنا، ولا تكونوا عونا له علينا، وإننا لا نسكت حتى نؤدّيَ حق الله فيه، وفيكم إن أبيتم إلا ذلك ...
أنصفونا ولو مرّة واحدة، أيكون شفيعًا للمسلمين عند ربّهم من يصلّي (للبايليك) (2) ويقرأ الحزب (للبايليك) ويتردّد على أبواب الحكام ... لغير حاجة؟ ...
(3/192)

وشهد شاهد *
شهادة الشيخ بيرك على "رجال الدين"
ــــــــــــــــــــــــــــــ

في أيام الحملة الكبرى على الحكومة، وكتابة تلك السلسلة الوثيقة الحلقات من المقالات، في قضية فصل الحكومة عن الدين، ظهر "رجال الدين" بمظهر مناقض للدين، فكشفوا الستر عن حقيقتهم المستورة، ووقفوا في صف الحكومة مؤيّدين لها، خاذلين لدينهم وللمدافعين عن حرّيته، مطالبين بتأبيد استعباده، عاملين بكل جهدهم على بقائه بيد حكومة مسيحية تخرّبه بأيديهم، وتشوّه حقائقه بألسنتهم، وتلوّثُ محاريبه ومنابره بضلالتهم ... وتمسخ أحكامه بفتاويهم، وقد أخذوا في الزمن الأخير ببعض مظاهر العصر، وتسلّحوا ببعض أسلحته بإملاء من الحكومة للدفاع عن الباطل، فكوّنوا جمعية، وأنشأوا مجلة، وجهّزوا كتيبةً من الكتاب يقودها أعمى، خذلانًا من الله ليشترك عاقلهم وسفيههم في هذه المخزيات، بحكم العضوية في الجمعية، والاشتراك في المجلة، بعد ما كانوا يعملون فرادَى، فيمتاز البريء منهم من المجرم، ولو في دائرته الضيّقة وبين أهله وجيرانه.
دافعناهم- عندما ظهروا بذلك المظهر- بالحق فركبوا رؤوسهم، فتسامحنا قليلًا إبقاءً على حرمة المحراب والمنبر التي انتهكوها، فتشدّدوا إبقاءً على "حرمة" الخبزة، فكشفنا عن بعض الحقائق المستورة فلجّوا وحاصُوا، وثاروا وخاروا، فلما عتوا عن أمر ربّهم رميناهم بالآبدَة ... وهي أن الصلاة خلفهم باطلة ... لأن إمامتهم باطلة ... لأنهم جواسيس ...
...
__________
* نشرت في العدد 177 من جريدة «البصائر»، 17 ديسمبر سنة 1951.
(3/193)

فعل ذلك الحكم الصادر فعله في نفوس القوم، وكان وقعه فيها أليمًا، وهم أول من يعلم أنه حق، ولكنهم كانوا يسترونه بظواهرَ كاذبة، معتزّين بقوّة الحكومة مغترّين بغفلة الجمهور الذي يغشى المساجد، آمنين أن تقال فيهم كلمة الحق الفاصلة.
وكان تأثير ذلك الحكم في طبقات الأمّة بحسب درجاتها في الفهم ذكاءً وغباءً، وبحسب حالاتها في الحكم على الأشياء صراحةً ونفاقًا، وعلى قدر تأثّرها بالدين احتياطًا وتساهلًا، فأما الأذكياء الصرحاء المحتاطون فأقلعوا عن ائتمام يقودهم إلى غضب الله، واستشفاع يجرّهم مع الشفعاء إلى الدرك الأسفل، وأما غيرهم فقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمّة، ووجدناهم يأتمون بهذا الصنف من الأئمة، وأما بعض القَعَدة من الفقهاء الذين لا ينصرون حقًّا، ولا يخذلون باطلًا فلبسوا لبوس القاضي أبي الحسن النباهي الأندلسي في موقفه من لسان الدين ابن الخطيب حين ألّف كتابه في ذم الوثيقة والموثقين ... فتناجَوا بالإنكار علينا، ودافعوا عن هذه الطائفة بما هو أنكى فيها، وأشنع من السب الصريح، وهو "إبقاء الستر مسدولًا على الختر" وهم يعلمون أنه لا تستر إلا العورات، فالقوم- في نظر أنصارهم من الفقهاء- عورات يجب أن تستر، وهكذا تكون النصرة، وهكذا يكون الدفاع.
وما كانت تلك الآبدة التي رميناهم بها من آثار لجاج الجدل المحتدم، ولا كانت سلاحًا مدخرًا لآخر المعركة، ولا كانت منا خطرةً عارضة، ولكننا كنا فيها على يقين من أمرنا، وعلى بيّنة من ربنا، وعلى علم ضروري بما يجري من الفضائح التي رتّبنا عليها ذلك الحكم، فالوظيفة الدينية الإسلامية أصبحتْ عند الحكومة- بتهافت هؤلاء القوم عليها- مشروطةً بالجوسسة، والقوم أصبحوا بها جواسيس على الأمّة على حساب دينها، إلا القليل، ولا حكم للقليل.
ونحن لم نستثن هذا القليل من ذلك الحكم، لأنه إذا حافظ على شرف نفسه في نظرنا ونظر الناس، وعُرف بتوفر شروط الكمال عندنا وعند الناس، فبماذا يتحصن أمام الحاكم حين يريده على شيء مما ينافي الشرف، ما دام عزله وولايته بيده؟
إن كلامنا على عمومه، في الوظيفة على عمومها، لا في الموظف، وما دامت الجوسسة في حكم الحاكم من لوازم هذه الوظيفة، وفي ترجيح طالب على طالب، فلا معنى للاستثناء، ولا قيمة عند الله لاستقامة لم تربأ بصاحبها عن طلب وظيفة دينية من حكومة معتدية على دينه.
كلامنا في أصل القضية، وهو غير قابل للاستثناء، ولا كلام لنا في الفضل والعلم والاستقامة، فنحن أعرفُ الناس بأهلها، وبحظوظهم من العلم أو الفضْل، ولكنهم مغمورون بهذه الطائفة كلها، فليقصر اللائمون لنا على التعميم، وليعرفوا هذه الحقيقة، ولينصفوا الدين قبل الأشخاص إن كانوا مؤمنين، ونحن نرى أن هذه القلّة المحتمية بالفضل غير محمية من غضب الحاكم عليها، واحتقاره لها، ومن إهماله إياها في الاعتبار والمنزلة.
(3/194)

ولحا الله هذه الوظائف، فكم كانت سببًا في إفساد الدين، وفي تخريب الدنيا، وكم جرّ التكالب عليها إلى تفريق شمل، وتمزيق وحدة، وإذا كان هذا في الوظائف الدنيوية سيئًا، فهو في الوظائف الدينية أسوأ، وإن البلاء المنصبّ على جامع الزيتونة لآتٍ- في معظمه- من هذا الوادي.
...

وما زلنا نشهد من صنع الله في نصر الحق أنه يأتي ببيّناته وحججه من حيث لا يحتسب أهله، وينتزع الشهادة له من أعدائه من حيث لا يشعرون، كما ينزل النصرَ على عباده المؤمنين بعد أن يستيئسوا؛ فقد عثرنا في الأسابيع الأخيرة على مقال للشيخ "بيرك" مدير الشؤون الأهلية بالولاية العامة بالجزائر أثناء الحرب الأخيرة، نشرته مجلة "البحر المتوسط" الفرنسية التي تصدر بالجزائر في جزئها الحادي عشر، الصادر عن شهري جويليه- أوت من سنة 1951 شهد فيه كاتبه المتخصص في شؤون هذه الطائفة بحقيقتها، ووصفها بصفات أهونها هذه الصفة، وهي الجوسسة، التي كنا نستحي من وصفهم بها لو لم يحرجونا.
والشيخ "بيرك " رجل إداري، شابَ قرْناه في الوظائف الإدارية الخاصة بالمسلمين، وكانت خاتمة تلك الوظائف إدارة الشؤون الأهلية المعروفة في تاريخ الاستعمار بأقطابها: لوسياني، وميرانت، وميو، وبيرك، وما منهم إلّا له فيها مقام معلوم وتصرف مذموم، وله من تمكين أوضاعها جزء مقسوم ... وهذه الإدارة هي مرجع رجال الدين في التوْلية والعزل، والتيسير والتوجيه، ومنها يتنزّل الرضى والسخط عليهم، فالشيخ "بيرك" كان رئيس القوم وموجّههم ومربّيهم ومكمّلَ ما كان ناقصًا فيهم من رسوم الخضوع والامتثال المطلق، وقد لابسهم ولابسوه، وعرف مداخلهم ومخارجهم، وأكمل تربيتهم و"تسليكهم"؛ فإذا شهد عليهم بشيء فهي شهادة عيان، وإذا وصفهم بنقيصة فهي من صنع يده فيهم.
عنوانُ هذه القطعة التي قرأناها من كلامه، واقتطفنا منها هذه الشهادة "العلماء والمرابطون" (1) وقد كتبها سنة 1946، فهو قد كتبها في أخريات أيامه، وضمّنها شيئًا من
__________
1) هذه الكلمة شائعة في المغرب العربي وقصرها في الجزائر، وأصلها منحدر من مرابطة الثغور يوم كان لهم شأن في سداد الثغور التي يطرق منها العدوّ، وكانوا لا يرجعون إلى حكومة ولا نظام، وإنما كانوا يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ثم انتقل هذا الاسم إلى العباد المنقطعين لعبادة الله في الجبال والمغاور، وفي هذه الأزمنة المتأخرة أجمعت العامة على أن تطلق هذا الوصف على كل درويش وكل دجّال وكل مشعوذ بالنسب أو بالدين، ولا يطلقها العوام على العلماء، ولما قامت جمعية العلماء استنجد بهم الاستعمار لحرب الجمعية ولكن الله خذلهم جميعًا.
(3/195)

تاريخ حركتنا، وآراءه، فينا وفي غيرنا، فجاءت هذه الشهادة التي نقلناها من كلمته وكأنها وصية محتضر، يعترف بالخطأ، وينعى على حكومته سوءَ تصرّفها، ويُنذرها عواقب هذا التصرف، ويقول كلمة الحق في هذه الطائفة، وكأنه يقول كلمة الحق في نفسه ...
لا يهمّنا ما قاله عنا وعن حركتنا، ولا تهمّنا أغلاطه العلمية في أطوارها التاريخية، ولا تهافُت استنتاجه في القضايا الإسلامية، ولا جعله للجزئيات كليات، شأن الكتّاب الغربيين حين يكتبون عنا، وإنما يهمّنا من "مقاله" رأيه في أصحابه وصنائعه رجال الدين، الذين ذمّهم بما كان يمدحهم عليه، ووضعهم في مرتبة دنية، بالأعمال التي كان يرشّحهم بها للمقامات العلية.
قال ما ترجمته الحرفية:
"إن خطأنا الفاحش في سياستنا الدينية منذ عشرين سنة، هو أننا تساهلنا في وجود موظفين دينيين في المساجد، يسيطر عليهم الجهل المركّب والطمع وعدم التهذيب، ولا حدّ لرغباتهم في أن يُحمدوا بما لم يفعلوا.
فعدم الكفاءة، والمبالغة في الخضوع والانقياد، هي الشهادات الوحيدة التي يمكن لهم أن يعتزّوا بها.
لقد رأينا مفتيًا يستفتي الطيب العقبي في موضوع صبياني، حكم فيه علماء الدين أكثرَ من مائة مرّة، لكن هذا المفتي كان جاسوسًا مخبرًا للبوليس، كما سمعنا أحد الموظفين الدينيين في مؤتمر عام يظهر فكرًا من الأفكار البالية التي يمجّها الذوق، حتى انفجر زملاؤه التونسيون والمغاربة ضحكًا لم يستطيعوا له دفعًا، لكن هذا الموظف الديني ممن لا يكادون يفارقون مكاتب البوليس، ورأينا أحد الحزابين لم تمكّنه معلوماته القرآنية التافهة من اتقاء أغلاط في الحفظ والتجويد لا تصدُر عن أقلّ المسلمين علمًا، لكن هذا الحزاب كان عونًا مأجورًا للانتخابات.
وهكذا ظهرَ في "الإسلام الجزائري" مراؤون لا همّ لهم سوى الامتثال إلى الظاهر من الأوامر، وزنادقة (يدافعون عما احتكروه من امتيازات)، ولا يقيمون لكبريات المشاكل وزْنًا، فأغلبيتهم مارقون من الدين جهلًا أو قلة إدراك.
وهكذا شاركنا في انحطاط "هيئتنا الدينية الإسلامية" معجّلين بإذلالها ... هذا هو الخطأ الكبير، والذنب الذي لا يغتفر، وإنا لنؤدّي اليوم ثمنه غاليًا".
(مقتطف من مجلة "البحر المتوسط"، جزء11، جويليه - أوت 1951).
هذه شهادة الرجل في أصحابه، ولا يستطيع أحدٌ تجريحها، لأنها شهادة صاحب في أصحابه، في شيء من صميم الصحبة الجامعة بينهم، ومن صلب الموضوع الذي كانوا مصطحبين عليه، ويا ليته زاد في التمثيل للوقائع الشخصية سرقة أكفان الموتى يوم كانت
(3/196)

الأكفان "مقسطة"، فقد سرق إمام قماش الأكفان، فلما تحقّقت التهمة رفعته الحكومة من منصب إمام إلى منصب مفتٍ ...
...

نعجب- أولًا- لاختيار القائمين على المجلة نشر هذا المقال في هذا الوقت، وفيه هذه الشهادة الصريحة، ونعجب- ثانيًا- كيف لم ينشره الكاتب في حياته؟ وكيف لم يسعَ في إصلاح هذه الحالة التي صوّرها، يوم كان يملك الإصلاح؟ وكيف لم يغيّر هذا المنكر حين كان قادرًا على تغييره بعد ما عرف الخطأ وغلاءَ ثمنه؟ ... ولقد عرفْنا هذا الرجل ولقيناه وفاوضناه مفاوضات رسميةً- بحكم منصبه- في قضية فصل الدين، وفي حرية التعليم العربي، فلم نر منه إلا مدافعًا عن الاستعمار وأوضاعه، ولم نجد منه تساهلًا في القضيتين، ولا اعترافًا بحقنا فيهما، وإن كان يحسنُ الإصغاء لكلامنا، ويُظهر التسليم لحججنا.
إننا نرسل إليه- وهو في العالم الآخر- شكرنا، لا على هذه الفضيحة التي نخجل منها قبل أن يخجل هؤلاء القوم الذين صلبتْ على عضّ الهوان جلودهم، وإنما نشكره على أن وضع في أيدينا الحجة القاطعة على ما نتهم به هذه الحكومة- صراحةً- من أنها عاملة على إفساد الإسلام بإفساد رجاله ... وكفى بكلام هذا الرجل دليلًا لنا، وحجّة عليها.
وإن في الجمل التي نقلناها من مقاله كلمتين، كل واحدة منهما حجة لنا في جميع ما كتبناه، وأدرنا عليه كلامنا في الحكومة وفي هذا الموضوع، الأولى تصريحه بالإسلام الجزائري: L'Islam algérien، والثانية نسبته الهيئة الدينية الإسلامية إليه وإلى حكومته، في قوله: Notre clergé musulman ومن قرأ مقالاتنا في الموضوع، عرف موقع هاتين الكلمتين، وأثرهما البليغ في تصديق اتهاماتنا للحكومة، وأننا لم نكن متجنّين ولا مبالغين.
...

والآن أوجه الخطاب إلى المشهود عليهم، وكأنه ليس في الميدان إلا أنا وهم، فأقول:
أيها السادة: لقد أقمتم عليّ القيامة يوم كتبت فيكم ما كتبت، ولم أصفْكم إلا ببعض ما وصفكم به الشيخ "بيرك"، وثارت ثائرتكم عليّ، ورميتموني بالعظائم، وأطلقتم العنان لألسنتكم العيية، وأقلامكم المفلولة، فنضحتْ بسبي، ورشَحت بثلبي، ولم تتركوا سبيلًا للتأليب عليّ والإغراء بي إلا سلكتموه، فأين أنتم اليوم؟ وأين حميتكم في الانتصار للكرامة الشخصية؟ ولا أقول: لكرامة الإسلام، فقد برّأتم أنفسكم منها.
(3/197)

كنت وصفتكم ببعض هذه الصفات تفاريق، وقد جمعها الشيخ "بيرك " ووصفكم بها جملة، وإن التفاريق لأخف وقْعًا من الجملة، وأنا اليوم حي وهو ميت لا ترجون رحمته ولا تخافون بطشه؛ فما لكم لا تثورون عليه بعضَ ثورتكم علي؟ وما لكم لا تحشدون الأنصار للرد عليه ونقض كلامه؟ ...
الحجة قائمةٌ عليكم، ولكن أحد مقيميها اسمه "محمد البشير" والآخر اسمه "أوغستان بيرك " وهذا وحده عند الجبناء أمثالكم كاف في ثورتكم عليّ، وسكوتكم عليه.
لتعلموا أن قعودكم عن نقض شهادته عليكم، هو آخر الشهادات وأقطعها على أن كل ما قاله فيكم حق وواقع، وأنكم جواسيس ... وأن الصلاة خلفكم باطلة ...
(3/198)

جمعية العلماء

وحرية التعليم العربي
وحرية الصحافة العربية
ورفع القيود والقرارات الموضوعة للتضييق عن التعليم العربي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(3/199)

إلى أبنائي الطلبة
المهاجرين في سبيل العلم *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

أوجه النداء إلى جميع أبنائنا المهاجرين إلى الشرق العربي، أو إلى أطراف المغرب العربي، أو إلى أوربا، ثم أخصّص المهاجرين إلى تونس لأنهم كثرة، ولأن في أحوالهم لغيرهم عبرة.
إنكم يا أبناءَنا مناطُ آمالنا، ومستوح أمانينا، نعدكم لحمل الأمانة وهي ثقيلة، ولاستحقاق الإرث، وهو ذو تبعات وذو تكاليف، وننتظرُ منكم ما ينتظره المدلج في الظلام من تباشير الصبح.
وإنكم يا أبناءَنا فارقتم الأهل، وفيهم الآباء والأمهات، وفارقتم الديارَ التي خلعتم فيها التمائم، وفارقتم الوطن الذي له على كل حرّ كريم دَين! وفاؤه الحب، وكفاؤه النفع والجميل، وما هوّن فراقكم على آبائكم وهوّن فراقهم عليكم إلا الآمالُ اللائحة لكم ولهم في مستقبلكم، ولما تعودون به من علم يصحبه فخر، وحسنُ ذكر، وطيبُ أحدوثة.
إن آباءَكم يتخيّلون من وراء هجرتكم ما يعود به المجاهد المقدام من أجر وغنيمة، وما يرجع به التاجر المخاطر من أرباح وطرائف.
وإنكم لتتخيلون من وراء هجرتكم- وأنتم في ربيع الحياة- ما يفوق أفوافَ الربيع حُسنًا وجمالًا، ويفوق أزهارَه أريجًا وعطرًا.
وإن الوطن- وهو أبو الجميع- يتطلع من وراء هذه الهجرة إلى إحياء وتعمير وإعادة مجد وبناء تاريخ؛ نحن نعلم أن الأب العامي الفقير حين يرضى بفراق ولده، ويزوّده ببعض ما يملك من قوت العيال الصغار طائعًا مختارًا مطمئنًّا، إنما يفعل ذلك اعتقادًا بأن فعله تكفير
__________
* نُشرت في العدد 9 من جريدة «البصائر»، 3 أكتوبر سنة 1947.
(3/201)

عن جريمة الجهل، ومحو لوصمة الأميّة، وتنصّل من ضَعة الخمول، وأن الأب العالم الذي يرضى بذلك ويهون عليه، إنما يفعله معتقدًا أن ولده سيكون أعلمَ منه، وأوسع اطلاعًا، وأنفذ بصيرة على نسبة من زمنه، وتطورات زمنه؛ ولا يعتقد غير ذلك منهم إلا مغرور بنفسه، الجاهلُ أحسن إدراكًا للزمن منه؛ وأن الوطن حين يرضى بخلوّه من أبنائه أنهم ما أخلوْه إلا ليعمروه، وما قطعوه إلا ليصلوه، وما فارقوه شبانًا عزلًا إلا ليعودوا إليه كهولًا مسلّحين بقوة التفكير، تظاهرها قوة العلم، تظاهرها قوة العمل.
يا أبنائي، إذا عرفتم هذا، وعرفتم واجبَ أنفسكم التي تحمّلت الأتعاب، وتجرّعت مرارة الاغتراب، وذاقت طعم الحاجة والشدة، وواجبَ آبائكم الذين غذَوا وربَّوا، وأجابوا داعيَ العلوم فيكم ولبّوا، وواجب الوطن المجدب الذي جعلكم روّاده إلى القطر، وأرسلكم وانتظر، ورجا من إيابكم الحيا والحياة؛ إذا عرفتم ذلك كله، فماذا أعددتم لهذه الواجبات؟
إنكم لا تضطلعون بهذه الواجبات إلا إذا انقطعتم لطلب العلم، وتبتلتم إليه تبتيلًا، وأنفقتم الدقائق والساعات في تحصيله، وعكفتم على أخذه من أفواه الرجال وبطون الكتب، واستثرتم كنوزَه بالبحث والمطالعة، وكثرة المناظرة والمراجعة، ووصلتم في طلبه سوادَ الليل ببياض النهار.
إن أسلافكم كانوا يعدّون الرحلة في سبيل العلم من شروط الكمال فيه، بل كانوا، في دولة الرواية، يعدّون الرحلة للقاء الرجال من شروط الوجوب؛ فكانوا يقطعون البراري والصحارى والقفار، ويلقون في سبيله المعاطب والأخطار، وكانوا يجوعون في سبيله ويعرون، ويظمأون ويضحون، لا يتشكّون الفاقة والنصَب، ولا يعدّون الراحة إلا التعب، ولكنهم لا يضيّعون أوقاتهم- إذا وصلوا إلى أمصار العلم ولقوا رجاله- في مثل ما تضيّعون فيه أوقاتكم من إسفاف ولغو، بل كانوا يحاسبون أنفسهم على الدقيقة أن تضيع إلا في استفادة وتحصيل.
فتعالوا نقارن سيرتكم بسيرتهم، وتحصيلكم، ثم نتحاسب على النتيجة!
كانوا يقيّدون وأنتم لا تقيّدون، وكانوا ينسخون الأصولَ بأيديهم ويضبطونها بالعرض والمقابلة حرفًا حرفًا وكلمة كلمة؛ وأنتم أراحتكم المطابع، ويسّرت لكم الكتب؛ ورُبّ تيسير جلب التعسير؛ فإن هذا التيسير رمى العقول بالكسل، والأيدي بالشلل، حتى لا تجريَ في إصلاح الأغلاط المتفشية في تلك الكتب.
وكانوا يرجعون بالرواية الواسعة والمحفوظ الغزير، وينقلون الجديد من العلم، والطريف من الآراء والمفيد من الكتب، من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، فانظروا بماذا ترجعون أنتم اليوم؟
(3/202)

وكانوا ينقطعون عن أهليهم وديارهم انقطاعًا متصلًا يدوم سنوات، وأنتم تزورون أهلكم ودياركم في كل موسم، وفي كل عطلة، ويزورونكم، وتخاطبونهم في اليوم الواحد ويخاطبونكم.
الحقيقة أننا لا نسمّي رحلتنا اليوم رحلةً إلا بضرب من التوسع، كما نسمّي السفر بالطائرة سفرًا، ونضعه بجنب السفر على الإبل.
...

يا أبناءنا، إن الحياة قسمان: حياة علمية، وحياة عملية، وإن الثانية منهما تنبني على الأولى قوّة وضعفًا، وإنتاجًا وعقمًا، وإنكم لا تكونون أقوياء في العمل إلا إذا كنتم أقوياء في العلم، ولا تكونون أقوياء في العلم إلا إذا انقطعتم له، ووقفتم عليه الوقتَ كله، إن العلم لا يعطي القياد إلا لمن مهره السهاد، وصرَف إليه أعنّة الاجتهاد.
لا تعتمدوا على حلق الدروس وحدها، واعتمدوا معها على حلق المذاكرة، إن المذاكرة لقاحُ العلم، فاشغلوا أوقاتكم حين تخرجون من الدرس بالمذاكرة في ذلك الدرس، إنكم إن تفعلوا تنفتح لكم أبواب من العلم، وتلحْ لكم آفاق واسعة من الفهم.
لا تقنعوا بالكتاب المقرّر، واقرأوا غيره من الكتب السهلة المبسوطة في ذلك العلم، تستحكم الملكة ويتسع الإدراك، وسينتهي الإصلاح الذي تقوم به إدارات جامعاتنا إلى اختيار كتب سهلة ممتعة في كل علم، تفرض عليكم قراءتها ومطالعتها، ثم كتب أخرى، في المعارف العامة، كالتاريخ، والأدب، والحكمة، والأخلاق، والتربية، فوطّنوا أنفسكم على ذلك من الآن، وروّضوها على اختيار النافع المفيد من الكتب؛ ومن العار الفاضح أن لا نرى في الكثير من أبنائنا الذين تخرّجوا من الزيتونة، واتّجهوا بفطرتهم إلى الأدب، من استوعب كتاب الأغاني قراءة، ولا في من اتجهوا إلى علوم الدين من استوعب قراءة الصحيحين والسنن؛ ولعمري ما سلاح الأديب إلا الأغاني وأمثاله، ولا سلاح الفقيه إلا تلك الكتب وأشباهها.
لا تقطعوا الفاضل من أوقاتكم في ذرع الأزقة إلا بمقدار ما تستعيدون به النشاط البدني، ولا في الجلوس في المقاهي إلا بقدر ما تدفعون به الملل والركود، ولا في قراءة الجرائد إلا بقدر ما تطلعون به على الحوادث الكبرى، وتصلون به مجاري التاريخ.
خذوا من كل ذلك بمقدار، ووفّروا الوقت كله للدرس النافع والمطالعة المثمرة.
(3/203)

لا تعتمدوا على حفظ المتون وحدها، بل احفظوا كل ما يقوّي مادتكم اللغوية، وُيُنمّي ثروتكم الفكرية، ويُغذّي ملكتكم البيانية؛ والقرآن القرآن! تعاهدوه بالحفظ وأحيوه بالتلاوة، وربّوا ألسنتكم على الاستشهاد به في اللغة والقواعد، وعلى الاستشهاد به في الدين والأخلاق، وعلى الاستظهار به في الجدل، وعلى الاعتماد عليه في الاعتبار بسنن الله في الكون.
اتركوا المناقشات الحزبية والخلافات السياسية لأهلها، المضطلعين بها، المنقطعين لها، ودعوا كل قافلة تسير في طريقها، وكل حامل لأمانة من أمانات الوطن مضطلعًا بحملها، قائمًا بعهده فيها، حتى تنتهي تلك الأمانات بطبيعتها إلى جيلكم، فتأخذوها بقوة واستحقاق، واعلموا أن كل مَن يدعوكم إلى ذلك إنما يدعوكم ليضلّكم عن سبيل العلم فهو مضلّ، وكل مضلّ مضرّ؛ أو ليتكثر بكم فهو غاشّ، وكل غاشّ ممقوت، أو ليلهيكم بما لا تحسنون عما تحسنون، فهو ماكر، وكل ماكر ممكور به؛ إن من يريد أن يتكثر بكم لا يتكثر إلا ليقللكم، ولا يتقوّى بكم حسًّا إلا على حساب إضعافكم معنى، فالحذر الحذر! فإن الوطن يرجو أن يبني بكم جيلًا قويّ الأسْر، شديد العزائم، سديد الآراء، متين العلم، متماسك الأجزاء، يدفع عنه هذه الفوضى السائدة في الآراء، وهذا الفتور البادي على الأعمال، وهذا الخمول المخيّم على الأفكار، وهذا الاضطراب المستحكم في الحياة، وهذا الخلاف المستمر على السفاسف، فإذا جاريتم هذه الأهواء المتباينة، واستجبتم لهذه الأصوات المتنافرة، ضيّعتم على الوطن جيلًا، وزدتم في بلائه ومحنته، وأطلتم مدة المرض بتأخير العلاج.
لا يعذلكم في حب وطنكم إلا ظالم، ولا يصرفكم عن إتقان وسائل النفع له إلا أظلم منه، أنتم اليوم جنود العلم فاستعدّوا لتكونوا غدًا جنود العمل.
إن وطنكم مفتقر إلى جيل قويّ البدن، قويّ الروح، مستكمل الأدوات من فضائل وعزائم، وإن هذا الجيل لمنتظرٌ تكوينه منكم، ومحال أن تخرج الحالة التي أنتم عليها جيلًا بهذه الصفات.
إننا نعلم أنكم تنطوون في أيام الطلب على خيالات وأماني من الراحة ورُفهنية العيش، وعلى آمال فسيحة في المستقبل، يوم تنتقلون إلى العمل، وتنتقلون إلى أهليكم تحملون الشهادات والألقاب.
وإن هذا هو منشأ القلق والاضطراب في نفوس الكثيرين من إخوانكم الذين يزاولون التعليم الآن.
فادفعوا عنكم هذه الخيالات، ووطنوا النفوس على أنكم تلقوْن من البلاء والمجهدة في الحياة العملية أضعاف ما تلقون منهما في الحياة العلمية.
(3/204)

لا أقول لكم هذا تهويلًا، ولكن أقوله ترويضًا، ومن وطّن نفسه على المكروه هانت عليه الشدائد، ووجد كل شيء ضاحكًا باسمًا جميلًا محبولًا.
ومن تخيّل الراحة وحكم أخيلتها في نفسه، ثم كذبته الآمال كان بين عذابين، أمضّهما كذب المخيلة.

يا أبنائي!
إن الزمن قد وضعكم وضعًا صيّركم جديرين بأن تطلبوا العلم لوجه الله، ولوجه العلم، لا للوظائف ولا للشهادات.
تطلبون الوظائف في تونس، فيحول بينكم وبينها نظام الاحتكار، وتطلبونها في الجزائر فتمنعكم منها سياسة الاستعمار! وربّ ضارّة نافعة!
إذا كانت السياسة الاستعمارية تجعل منكم جزائريين في تونس، ثم تجعل منكم تونسيين في الجزائر، فاطغوا عليها بقوة الإرادة، وبقوة العلم، وبقوة الشباب؛ وكونوا وسطًا عامرًا لا تظهر فيه الجزائرية ولا التونسية، ولا تفترق فيه الأنساب، وإنما تجمعكم فيه العروبة والإسلام، ووطنيتهما العامة؛ وإن هذا الوسط هو الذي يسود في المستقبل القريب، وهو الذي تمحى معه الخطوط الجغرافية، والحدود الوهمية.
لا تستشعروا الغربة فأنتم في وطنكم وبين أهليكم، وفي وطنكم الجامع.
وإن دم الجيل ومزاجه ليتعاطفان بالإلهام، فاجروا على إلهام الخير مع إخوانكم الشبان تَنْمُ المحبة وتقوَ بواعث الخير.
إن في تونس تيارات مختلفة اقتضتها مقتضيات زمانية ومكانية خاصة، فإياكم أن تنغمسوا فيها، أو تكونوا في جانب دون جانب.
وإذا دعاكم منها داع فاعتصموا بالعلم الذي هاجرتم لأجله، وبالمعهد الجليل الذي تذوب بين جدرانه جميع الاعتبارات.
(3/205)

اللغة العربية في الجزائر
عقيلة حرّة، ليس لها ضرّة *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبةً ولا دخيلة، بل هي في دارها، وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل، ممتدة مع الماضي لأنها دخلتْ هذا الوطن مع الإسلام على ألسنة الفاتحين ترحلَ برحيلهم وتقيم بإقامتهم. فلما أقام الإسلامُ بهذا الشمال الأفريقي إقامةَ الأبد وضربَ بجرانه فيه أقامتْ معه العربية لا تريم ولا تبرَح، ما دام الإسلام مقيمًا لا يتزحزح، ومن ذلك الحين بدأت تتغلغل في النفوس، وتنساغ في الألسنة واللهوات، وتنساب بين الشفاه والأفواه. يريدها طيبًا وعذوبة أن القرآن بها يُتلى، وأن الصلوات بها تبدأ وتُختم، فما مضى عليها جيل أو جيلان حتى اتسعتْ دائرتها، وخالطت الحواس والشواعر، وجاوزت الإبانة عن الدين إلى الإبانة عن الدنيا، فأصبحت لغة دين ودنيا معًا، وجاء دور القلم والتدوين فدوّنت بها علوم الإسلام وآدابه وفلسفته وروحانيته، وعرف البربر على طريقها ما لم يكونوا يعرفون، وسعتْ إليها حكمة يونان، تستجديها البيان، وتستعديها على الزمان، فأجدت وأعْدت. وطار إلى البربر منها قبس لم تكن لتطيره لغة الرومان، وزاحمت البربرية على ألسنة البربر فغلبتْ وبزت، وسلّطت سحرها على النفوس البربرية فأحالتها عربية، كل ذلك باختيار لا أثر فيه للجبر، واقتناع لا يد فيه للقهر، وديمقراطية لا شبح فيها للاستعمار. وكذَب وفجَر كل من يسمّي الفتح الإسلامي استعمارًا. وإنما هو راحة من الهم الناصب، ورحمة من العذاب الواصب، وإنصاف للبربر من الجوْر الروماني البغيض.
من قال إن البربر دخلوا في الإسلام طوعًا فقد لزمه القول بأنهم قبلوا العربية عفوًا، لأنهما شيئان متلازمان حقيقة وواقعًا، لا يمكن الفصل بينهما، ومحاول الفصل بينهما
كمحاول الفصل بين الفرقدين.
__________
* نُشرت في العدد 41 من جريدة «البصائر»، 28 جوان سنة 1948.
(3/206)

ومن شهد أن البربرية ما زالت قائمة الذات في بعض الجهات، فقد شهد للعربية بحسن الجوار، وشهد للإسلام بالعدل والإحسان، إذ لو كان الإسلام دين جبرية وتسلط لمَحا البربرية في بعض قرن فإن تسامح ففي قرن.
إذا رضي البربري لنفسه الإسلام طوعًا بلا إكراه، ورضي للسانه العربية عفوًا بلا استكراه، فأضيعُ شيء ما تقول العواذل، واللغة البربرية إذا تنازلت عن موضعها من ألسنة ذويها للعربية لأنها لسان العلم وآلة المصلحة، فإن كل ما يزعمه المبطلون بعد ذلك فضول.
إن العربي الفاتح لهذا الوطن جاء بالإسلام ومعه العدل، وجاء بالعربية ومعها العلم، فالعدل هو الذي أخضع البربر للعرب، ولكنه خضوع الأخوة، لا خضوع القوة، وتسليم الاحترام، لا تسليم الاجترام. والعلم هو الذي طوّع البربرية للعربية، ولكنه تطويع البهرج للجيدة، لا طاعة الأمَة للسيدة.
لتلك الروحانية في الإسلام، ولذلك الجمال في اللغة العربية، أصبح الإسلام في عهد قريب صبغة الوطن التي لا تنصُل ولا تحول. وأصبحت العربية عقيلةً حرّة، ليس لها بهذا الوطن ضرّة.
...

ما هذه النغمة الناشزة التي تصك الأسماعَ حينًا بعد حين، والتي لا تظهر إلا في نوبات من جنون الاستعمار؟
ما هذه النغمة السمجة التي ارتفعت قبل سنين في راديو الجزائر بإذاعة الأغاني القبايلية. وإذاعة الأخبار باللسان القبايلي (1). ثم ارتفعت قبل أسابيع من قاعة المجلس الجزائري بلزوم مترجم للقبايلية في مقابلة مترجم للعربية؟
أكل هذا إنصاف للقبايلية، وإكرام لأهلها، واعتراف بحقها في الحياة، وبأصالتها في الوطن؟
كلا. إنه تدجيل سياسي على طائفة من هذه الأمّة، ومكر استعماري بطائفة أخرى، وتفرقة شنيعة بينهما، وسخرية عميقة بهما.
إن هاتين النغمتين وما جرى مجراهما هي حداء الاستعمار بالقوافل السائرة على غير هدى، لتزداد إمعانًا في الفيافي الطامسة، فحذار أن يطرب لها أحد. وإن النغمتين من آلة
__________
1) اللسان القبايلي: نسبة إلى "القبائل"، وهي لهجة بربرية.
(3/207)

واحدة مشوّشة الدساتين، مضطربة الأوتار، ومغزاهما واحد، وهو إسكات نغمة أخرى تنطق بالحق وتقول: إن هذا الوطن عربي، فيجب أن تكون لغته العربية رسمية. فجاءت تلك النغمات الشاذّة ردًّا على هذه النغمة المطردة، ونقضًا لها وتشويشًا عليها، ولتُلقي في الأذهان أن هذا الوطن مجموع أجناس ولغات لا ترجحُ إحداهن على الأخرى، فلا تستحق إحداهن أن تكون رسمية.
لا يوجد قبائلي يسكن الحواضر إلا وهو يفهم عن الفرنسية. ولا يوجد في "قبائل" القرى - وهم السواد الأعظم- إلا قليل ممن لا يحسن إلا القبايلية، ولكن ذلك السواد الأعظم لا يملك جهاز راديو واحدًا لأنهم محرومون من النور الكهربائي كما هم محرومون من نور العلم، وكل ذلك من فضل الاستعمار عليهم. فما معنى التدجيل على القبائل بلغتهم؟
ولا يوجد عضو قبايلي في المجلس الجزائريّ إلا وهو يحسن الفرنسية، فما معنى اقتراح مترجم للقبايلية؟
أما نحن فقد فهمنا المعنى. وأما الحقيقة فهي أن الوطن عربي.
وأن القبائل مسلمون عرب، كتابهم القرآن يقرأونه بالعربية، ولا يرضَون بدينهم ولا بلغته بديلًا. ولكن الظالمين لا يعقلون.
(3/208)

حقائق *
أقربُ الأعمال إلى التمام والنفع والإثمار ما بني منها على التجربة الاستقرائية الممحّصة، ومن بنى عمله على غير هذه القاعدة فهو مخادع أو مخدوع، وهذا زمن "اجتماعي" لا يؤمن للفردية بوجود، ولا يخضع لها في حكم، ولا يعوّل عليها في عمل، وقد انتقلت فيه الأعمال العامة من أيدي الأفراد إلى أيدي الجماعات والجمعيات، فازدادت تلك القاعدة تمكنًا وتأكّدًا؛ ووجب على الجماعات العاملة أن تراعيها في أعمالها حتى لا تفشل وتخيب؛ وإن فشل الأفراد أهون وأبعد عن ردّ الفعل من فشل الجماعات.
من أراد أن يخدم هذه الأمّ فليقرأها كما يقرأ الكتاب وليدرسها كما يدرس الحقائق العلمية. فإذا استقام له ذلك استقام له العمل، وأمن الخطأ فيه، وضمن النجاح والتمام له؛ فإن تصدّى لأيّ عمل يمسّ الأمّة من غير درس لاتجاهها ولا معرفة بدرجة استعدادها كان حظه الفشل.
وأنا رجل ممن هيّأتهم الأقدار لخدمة هذه الأمّة في نواح دقيقة شريفة لا يقبل فيها الزيف، ولا يتسمح فيها مع الباطل؛ من هذه النواحي ما هو أمانة تؤدّى بلا تصرّف، وما علينا إلا أن نقول ونُبلغ، وما على الأمّة إلا أن تسمع وتطيع؛ وهذا هو الدين في سلطانه الأعلى، ومنها ما يقتضي المسايرةَ والمجاراةَ لاستعداد الأمّة، وهذا هو الجانب الاجتماعي، ومنه التعليم.
فأزعم أنني جرّبت ودرست، وأنني قرأت هذه الأمّة وفهمتها كما أقرأ الكتاب وأفهمه، وما هذا ببعيد ولا كثير على من خدم أمّةً ولابسها عشرات السنين معلّمًا مدرّسًا واعظًا خطيبًا، محاضرًا ينتزع مواضيعَ محاضراته من وجوه الجمهور قبل أعمالهم؛ وقد خرجتُ من
__________
* نُشرت في العدد 47 من جريدة «البصائر»، 30 أوت سنة 1948.
(3/209)

هذه الدراسة الطويلة بنتائج جليلة يجب أن تدوّن وأن تكون دستورًا للعاملين، ولست بصدد تدوينها هنا، وإنما أسجل واحدة هي بسبيل مما نحن فيه؛ وهي أن هذه الأمّة أصبحت كالتاجر الحذر من تقلب الأسواق، لا يصارف إلا يدًا بيد؛ ومرجع ذلك فيها إلى أسباب معقولة، فقد ألحّ عليها الدجّالون باسم الدين قرونًا، وراضوها على أن تعطيَ ولا تأخذ، ولا تسأل لماذا؛ حتى قامت حركة الإصلاح الديني واكتسحت التخريف فحرّرت الأمّة من أولئك الدجّالين؛ ثم ظهر في الميدان دجّالون في صورة أخرى وباسم آخر وهو السياسة؛ والصنفان يلتقيان في نقطة، وهي أن بضاعتهما وعود غرارة، وبروق كاذبة، وخيالات لا حقيقة لها، وأماني لم تسلك لها وسائلها. ومقدّماتٌ لم تربط بها نتائجها؛ لا إصلاح لما فسد من الأخلاق، ولا تقوية لما ارتخى من عرى الأخوّة، ولا بناءٌ لكيان الأمّة بالتربية الصالحة والتعليم النافع؛ ويلتقيان أيضًا في نقطة أخرى وهي محاربة العلم ورجاله، ومقاومة التعليم بجميع أنواعه؛ والباعث للفريقين على هذا واضح، وهو أن العلم نور، وهم يعملون في الظلام، والعلم إيقاظ للأمّة، وهم يريدون بقاءها في النوم لينالوا منها ما يريدون؛ وقد فات كلًّا من الفريقين أن الإلحاح على الفريسة يخلق منها مفترسًا، وأن كثرة الوخز تثير الإحساس الكامن؛ وقد أصبحت هذه الأمّة على كثرة الوخز حسّاسةً مهتاجةً لا تصدّق إلا بالواقع، ولا تؤمن إلا بالمحسوس لما ألحّ عليها التدجيل الذي يعد ولا ينجز، والدجّالون الذين يأخذون ولا يعطون؛ وإن هذا الخلق ليزداد فيها تمكّنًا على الأيام؛ وسينتهي بها إلى أن تصفّي حسابها مع من لم يصفِّ حسابه معها، ولا يغترّ المغترّون بهذه الظواهر الهادئة، فما هي إلا أواخر فورة، وأوائل ثورة، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
(3/210)

بوركت يا دار *
نصّ القصيدة التي ألقاها الشاعر أحمد سحنون في حفلة افتتاح دار العلماء (المركز العام)
ــــــــــــــــــــــــــــــ

بوركت يا دارُ، لا حلّتك أكدار … فأنتِ معقل جند العلم يا دار
قد كنت حلمًا جميلًا رفّ طائره … بالوهم، حتى اجتلتك اليوم أنظار
قد كنت واجبَ شعب هبّ مندفعًا … كالسيل، تحدوه للأوطان أوطار
قد كنت حاجةَ نفس للعلا طمحت … فحقّقت حاجة في النفس أقدار
قد كنت فكرةَ بناء لأمّته … واليوم أنت بناءٌ ليس ينهار
وهكذا العزم لا تثنيه عاديةٌ … عن المضيّ ولا يطفيه إعصار
عزمُ "البشير" (1) أحال العجزَ عاصفة … والعزمُ كالسيف للأخطار بتار
"جمعيةُ العلماء" اليومَ إن طفرَت … نشوى فكم نالها من قبلُ أكدار
قد هزّها من وناها واستقلّ بها … نسرٌ تعوّد خوضَ الجوّ جبّار
فاليومَ نستقبل الدنيا بأفئدة … شعّتْ بها من أماني المجد أنوار
واليوم نهتف بالبشرى مردّدةً … نشيدَها الحلوَ أرجاءٌ وأقطار
واليوم نفرغ للأعمال في ثقة … والكل للكل أعوانٌ وأنصار
نمضي لتحقيق غايات مقدّسة … فيها يحاربنا باغ وغدّار
سلاحنا الحق، والإيمانُ قائدنا … وجندنا الصبر لا يعروه إدبار
"جمعيةُ العلماء" اليوم قد وجدتْ … اداتها، فلتسرْ لم تبقَ أعذار
فجرُ الحياة بدا في الأفق مؤتلقًا … تهفو قلوبٌ لمرآه وأبصار
يا دارُ فيك جمال الفن قد ظهرت … آياته، كل جزء فيه آثار
وشى مبانيك ذوق من بنيك سما … كما توشي حواشي الروض أزهار
__________
* نُشرت في العدد 54 من جريدة «البصائر»، 25 أكتوبر سنة 1948.
1) عَزْمُ "البشير": هو الإمام محمد البشير الإبراهيمي.
(3/211)

يا دارُ يهنيك ما تجنيه من ثمر… فيك البلادُ، وللأعمال أثمار
يا دار فيك تعيد الضادُ عزّتها … وكل قلب به للضاد إكبار
وفيك يبعثُ ماض طالما حييت … على مآتيه أجيال وأعصار
وتستعاد "عكاظ" فيك ثانيةً … بها تدوّي أناشيدٌ وأشعار
تفديك دُورٌ لغير الهدم ما بنيت … بل تفتديك من الأسواء أعمار
يفديك جيرانُ سوء منك أكمدَهم … جيشٌ عتيدٌ من الأحرار جرّار
غصّوا بهم حنقًا عنهم، ولا عجب … ليسوا بأول جيران لنا جاروا
يا فتيةَ الضاد حان الوقت فاطرحوا … هذا الونى وانهضوا، فالناس قد طاروا
سيروا على نهج آباء لكم سلفوا … فإنهم في طريق المجد قد ساروا
شقّوا الزحامَ إلى العلياء واقتحموا … أخطارَها، إنما العلياءُ أخطار
اسعوا لتحيوا حياة العز، أو فَرِدُوا … حوضَ الردى، فالردى يُمحى به العار
أرواحُ آبائكم في الخلد قد هتفت:… تحرّروا، فجميع الناس أحرار
(3/212)

المعهد الباديسي *
فتح المعهد الباديسي في الشهر الماضي أبوابه، واستقبل بالبِشر والترحيب مدرّسيه وطلّابه، ومدّته شعاب القطر بسيل من التلاميذ ملأ رحابه. تعرف في وجوههم الرغبة في العلم والأمل في تحصيله، وتستبين من صغر الأسنان، وطراوة الأفنان، وتباعد الديار، أن وراءهم نفوسًا من الآباء والأمهات نذرتهم للعلم وقرّبتهم له، وتحملت ألم البعد والغربة، في سبيل هذه القربة.
كأن تلامذة السنة الماضية أذّنوا في جهات القطر أذانًا عاليًا، ونادَوا في جنباته نداء متواليًا: حيّ على المعهد، حيّ على خير العمل، فتلاحق المدد، وتضاعف العدد، وكأن فترة الصيف كانت كلها تهيئةً وإعدادًا لم تقرأ إدارة المعهد حسابه، حتى فاض عليها السيل؛ والمتتبع لهذه النهضة العلمية التي هبّت ريحها عاتيةً في القطر الجزائري، يحسن به أن يؤرّخ لأطوارها بهذه الفواصل الزمنية التي يسبقها الفتور، وتصحبها الحرارة، ويعقبها النشاط؛ فالمدارس تتزايد في كل سنة، وتلامذة المعهد يتزايدون في كل سنة. فالنهضة العلمية إلى امتداد، وعمل العاملين لها إلى نجاح إن شاء الله.
بدأ المعهد في سنته الأولى على خلاف ما تبدأ به مشاريعنا، قويًّا جيّاشًا بالحركة والنشاط، ولكنه نشاط من جهة واحدة، من المدير والمدرّسين، ولم يبدُ النشاط من الجهة
الثانية، جهة التلامذة، إلا في النصف الأخير من السنة الدراسية حين فهموا ما قرأوا، وبدأوا يهضمون ما فهموا، على تفاوت أسنانهم، وحين سيقوا بالحزم والكياسة إلى الانسجام في المظاهر، والاستقامة في الأخلاق، حتى تمّت السنة، وجاء الامتحان بأحسن النتائج التي شهدها كل محتك بالمعهد، متصل بأسبابه. ووفتْ هيئة الإدارة والتدريس بما نذرتْ، ففازت بالريع الزكيّ مما بذَرتْ.
__________
* نُشرت في العدد 59 من جريدة «البصائر»، 6 ديسمبر عام 1948.
(3/213)

أما في هذه السنة فقد غمر النشاط المدرّسين والتلامذة، وبدأت الحركة مملوءة بالحياة والنشاط، وسرَت العدوى من القدماء إلى الجدد. وأصبح النشاط والنظام سمةً ثابتة للمعهد، يؤخذ بها كل من اتصل به، وكان الإقبالُ عظيمًا مع تضييق الإدارة في شروط الالتحاق، فتلقّت لجنة القبول ثمانمائة طلب في شهر سبتمبر وحده. وامتازت هذه السنة الثانية بالميزات الآتية:
1 - زيادة عدد المقبولين بضعف ما كانوا في السنة الماضية، إذ بلغ عددهم ستمائة تلميذ.
2 - إنشاء السنة الرابعة التي يحصل التلميذ في نهايتها على الشهادة الأهلية.
3 - زيادة ثلاثة مدرّسين أكفياء، وهم المشايخ عبد القادر الياجوري، وعبد اللطيف القنطري، وعبد الرحمن شيبان. والثلاثة محرزون لشهادة التحصيل من الكلية الزيتونية. وما زال المعهد في حاجة إلى ثلاثة آخرين.
4 - تحسين برنامج الرياضيات وعلوم الحياة بإسناد تعليمها إلى مدرّسين أكفياء مثقفين بالثقافتين.
5 - تحسينات واسعة ذات أثر في النظامين الداخلي والدراسي.
6 - تشديد المراقبة على التلاميذ في الناحية الأخلاقية، ولا نبالغ إذا قلنا: إن التربية الفاضلة هي الغرّة اللائحة في جبين المعهد الباديسي، وهي الميزة التي يمتاز بها على
جميع معاهدنا من أعلاها إلى أدناها، ولو تكاملت وسائلها- ومنها توحيد السكنى- لأخرج المعهدُ في بضع سنين للأمّة الجزائرية جيلًا مسلّحًا بالفضائل، زعيمًا بإحياء
الدين والدنيا، ولقدَّم لجامع الزيتونة نموذجًا من خرّيجي السنة الرابعة يجمع بين حياة الفكر ومتانة الخلق.
7 - اشتراء ثلاث بنايات حبسًا على المعهد، اثنتين منها لسكنى المشايخ المتأهّلين، وواحدة لسكنى الطلبة، وهي تسع مائة وستين طالبًا. وقد بلغت قيمة جميعهن شراءً وإصلاحًا أحد عشر مليونًا من الفرنكات.
...

هذه الميزات هي الخطوات الواسعة التي تقدّم بها المعهد إلى الأمام في هذه السنة، وهي خطوات جريئة حازمة، لا يقوم بها إلا جريء حازم مثل جمعية العلماء، ولولا ثقة الأمّة بجمعية العلماء، وثقة جمعية العلماء بنفسها وبأمانتها، ما أقدمت على هذه العظائم، في مثل هذه الظروف العصيبة. وما أقدمها على هذه المخاطر إلا أمر خطير، وهو إسكان الطلبة، فقد
(3/214)

لقيت إدارة المعهد ولجانه العناءَ المضني في حل مشكلة الإسكان، وبذلت الغالي من الجهد والوقت والمال، فلم تجد من الأماكن ما يكفي، ولم تجد في الموجود ما يشرّف المعهد والعلم، وما زالت مشكلة المساكن قائمة تتطلب حلّها. ومحالٌ أن تحلّ إلا ببناء حيّ كامل للطلبة، يحمل اسمهم، ويتّسم بسيماهم؛ وما ذلك على الأمّة الجزائرية بعسير، وما هو في جنب المعهد الجليل بكثير، وإن لجمعية العلماء لأملًا يلوح من خلال المستقبل، تعتمد على الله وعلى الأمّة في تحقيقه، وإن في نفسها لصورةً كاملة للمعهد، سيبرزها للوجود اطّراد النهضة، وعزيمة الجمعية، وهمّة الأمّة، وثقتها المتينة بالجمعية.
...

ومن شأن النهضات إذا استحكمت أسبابها في الأمم، وقويت دواعيها من إلحاح الزمان، وحفز الضرورة، أن تظهر متساوقةً في الأسباب والمسبّبات. غير أن الناظر إلى نهضتنا نظرة استبصار، يرى فيها نشوزًا في بعض جوانبها؛ فإن هذا الإقبال الذي نشاهده من أمّتنا على العلم لا يقابله إقبال آخر على البذل يكافئه ويقوم به؛ وهذه هي علة العلل في ما تعانيه مشاريعنا العلمية من ضيق ورهق، والحقيقة الواقعية هي أن مشاريعنا قائمة في الجانب المالي على الفقراء ومتوسطي الحال. أما الأغنياء- إلا من رحم ربّك- فلم يقوموا بما يجب للنهضة من بذل إلا بمثل ما يقوم به الفقراء أو بقريب من منزلتهم.
وإلى هؤلاء المتقاعسين عن البذل، المتصامّين عن العذل، نرسلها صيحة إنذار، ليس معها إعذار، ونقول لهم: إن كل ما يصيب هذه الحركة المباركة من شلل، أو يعتريها من خلل، فأنتم المسؤولون عنه عند الله وعند الناس، فلتنفقوا مما جعلكم الله مستخلفين فيه، ولتعلموا أن كل ما تنفقونه في هذا السبيل يعلي ذكركَم، ويزكّي أموالكم، ويعود عليكم وعلى أمّتكم بالنفع، وإن قبض الأيدي عن الإعانة مسبّة، وسوء مغبّة، وأن مقادير الأموال هي أقدار الرجال، و"أن الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة إلا من قال هاء وهاء" كما جاء في الحديث الصحيح.
أما الفقراء والمتوسطون فقد أبلوا، وأما قادة الحركة فقد شادوا وأعلوا، وأما أمثالكم فقد جاءوا بالوشل، وأما المثبطون فقد باءوا بالفشل، وأما القافلة فهي تسير، فيها المعيي وليس فيها الكسير.
...

أما قيمة المعهد المعنوية عند الأمّة فهي القيمة الغالية، وأما منزلته فهي المنزلة العالية، وأما الثقة به فهي المثل الشرود، والزرد المسرود، إلا فئةً عُرفت بسيماها، إذ أضلّها الله وأعماها، جرت من الخبث على نسق، وسرَتْ من الجهل في غسق. تحارب الله ورسوله
(3/215)

وكتابه، وتعادي العربية والعلم والتعليم، وتهدم دعائم الوطنية باسمها، وتتبع في ذلك كله ما يلقي الشيطان وأولياؤه وعابدوه ... هذه الفئة هي التي تحارب المعهد، وقبله حاربت المدارس والتعليم وزهدت فيهما، وقبل ذلك حاربت الدين وقلّلت من شأنه ... وهذه الفئة هي التي تشيع قالة السوء فيه، وقبل ذلك أشاعتها في مؤسسيه وفي من يتشرف باسمه، فما باءت إلا بالخذلان والخسران ... هذه الفئة التي لم تجد في الجزائر من يستمعُ لوساوسها، وينقاد لدسائسها، فشحنت بضاعتها الكاسدة إلى تونس ونشرت في بعض جرائدها المريضة بداء هذه الفتنة، والتي لا تتحفظ في رواية، ولا تتثبت في خبر، أن المعهد الباديسي يحاسب التلامذة على أفكارهم ... وكل هذا افتراء وزور وبهتان عظيم، وإن المعهد ليربّي أبناءه على حرية الفكر في حدودها، وعلى حرية القول ما لم تصل إلى الدركة التي عليها هذه الفئة العابدة للشيطان. وتربّيهم على الوطنية الحقيقية التي تستند على الدين والعلم والفضيلة، لا على الوطنية الزائفة، وطنية التزوير والتضليل، والتزمير والتطبيل. وقبل وبعد، فللمعهد نظامه الصارم في تربية أبنائه على الدين وفضائله، وليخسأ كل أفاك أثيم.
ومن خسّة هذه الفئة ونذالتها أنها أرصدت رجالًا منها متجرّدين من العقل والدين، وأجرتْ لهم أجرًا معلومًا ليجوبوا أزقة قسنطينة ويختلفوا إلى مقاهيها ويختلطوا بطلبة المعهد، ليفتنوهم عن العلم، ويصدّوهم عن سبيله، ويزيّنوا لهم الجهل والبطالة ...
إن الاستعمار- وهو العدو اللدود للعربية والدين وتعليمهما- لم يبلغ في حربها ما بلغته هذه الفئة العابدة للشيطان. ومن يدري؛ فلعلّ هذه الفئة بعضُ أسلحته. وما لنا نرتاب؟ فهم أمضى أسلحته ...
...

ويمينًا بالذي طهر المعهد، وأنزل في كتابه {أَلَمْ أَعْهَدْ}، لنقطعنّ من هذه الفتنة دابرَها، ولنقعن من هذه الفئة مقيمها وعابرَها ...
(3/216)

التعليم العربي والحكومة *

- 1 -
كلُّ الوسائل التي تتذرعّ بها حكومة الجزائر لمقاومة التعليم العربي هي: إما قوانين أصدرها مجلس الأمّة في فرنسا في أوقات مختلفة، ولأسباب متنوّعة، وإما قرارات إدارية فردية، مصدرها الجزائر، ومبناها على إيعازات بوليسية، توجبها الروح الاستعمارية، والنوع الأول غالبه عام مطلق، يشمل كل تعليم حرّ لم تباشره الحكومة، بأية لغة كان، ومن أية جمعية صدر، والثاني خاص بنا معشر المسلمين، مصبوبٌ علينا وحدَنا، موضوع بالقصد المباشر للتضييق على لغتنا وديننا، وقد كثر هذا النوع وتوالد، حتى أصبح بعضه ينسي بعضه عند المنفذين، مع اجتهادهم وحرصهم، وكلما زادت الأمّة إقبالًا على تعلّم لغتها ودينها، زادت الحكومة في القيد تضييقًا، حتى لو أنها نفّذت تلك القرارات بحذافيرها لما بقي في الجزائر من يكتب حرف هجاء عربيًّا، ولكنها تضع القرارات وتسكت، لتكون عند تنفيذها قديمة عتيقة، ومن (صنع الأوائل)؛ والعتق أصل من أصول الحسن والاستكرام، وصنع الأوائل موضع للاعتبار والاحترام.
كلا النوعين شرٌّ على التعليم العربي وبلاء وإرهاق وتضييق، أما القرارات فإنها لم توضع إلا لذاك. ولم تركب موادّها إلا للإهلاك، لأنها صادرة عن نفوس متشبعة بالاستعمار القاتم، حتى إن الدولة المؤقتة التي تشكلت بالجزائر سنة 1943 لم تنسنا- وهي في أشدّ أوقاتها ضيقًا وحرجًا- فزادت في حبل تلك القرارات طاقة، ليس للمدارس بها طاقة، وأما القوانين فإن شارعها وواضعها لم يراع فيها وضعية الأمّة الجزائرية ولا موضع تعليم العربية من دينها، ولا نشكّ في أنه لم يتصوّر ذلك في ذهنه، ولم يخطر له على بال، وإنما لاحظ حين الوضع- شأن المشرعين وواضعي القوانين- الحالة الغالبة، وهي حالة أمّته الفرنسية،
__________
* نُشرت في العدد 65 من جريدة «البصائر»، 31 جانفي سنة 1949.
(3/217)

لاحظ تعليمًا حرًّا في أمّة حرّة، ذات حقوق مقرّرة، وقوانين محترمة، وحرية للفرد والجماعة مكفولة. فإذا وسّع فذلك ما تقتضيه الحرية، وإذا ضيّق فلأن التعليم الحرّ في نظره يعدّ افتياتًا على الحكومة التي تكفّلت بالتعليم قبل الخبز والماء؛ والأمّة الفرنسية لا تحتاج إلى هذا النوع الذي نسمّيه التعليم الحرّ، أو التعليم الشعبي، لا سيّما في قسمه الابتدائي؛ لأن التعليم عندها إجباري إلزامي للذكور والإناث، وتقوم به الحكومة مجانًا، فما حاجتها إلى جمعية أو مكتب للتعليم الابتدائي؟ ولم يبقَ خارجًا عن دائرة الإلزام والوجوب إلا التعليم الديني، والتعليم الثانوي والعالي؛ والنوعان الأخيران لا يتناولهما قانون، لأن طلابهما كبار وأحرار؛ والنوع الأول تمارسه الهيئات الدينية أو الكنائسية. وهو الذي يمكن أن يمسّه القانون اللائكي بالتضييق، ولكننا نرى الحكومات هنا وفي فرنسا تعطف عليه، وتعينه أدبيًّا بالتسهيل والتيسير، وماديًّا بالمال والهبات العقارية، وأنف اللائكية راغم. أما إن جاوز هذا التعليم البحر للتبشير والتنصير، فالحكومة الجزائرية تصبح له هي المولى وهي النصير.
أما نحن فإن حالتنا تناقض حالة الأمّة الفرنسية مناقضةً تامة في جميع تلك الخصائص التي لاحظها مشرّع تلك القوانين وبنى عليها أحكامه؛ ديننا مخالف لدينها، تعلّمًا وعلمًا وعملًا، ولساننا مخالف للسانها، وضعًا ونطقًا وكتابة، وطبيعتنا العامة مخالفة لطبيعتها، وأوضاعنا مباينة لأوضاعها، وليست لنا حقوق مقرّرة، ولا نساس بقوانين قارّة، وليست لنا حرية في الحياة مكفولة، ولا تعليم إلزامي. وللمتحكمين فينا قصد مصمّم في القضاء على ديننا ولغتنا، وفي بقائنا على الجهل والأميّة، وفي حرماننا من جميع أنواع العلم الذي مفتاحه التعليم، بدليل أن الحكومة الاستعمارية لم تشأ- ولا أقول لم تستطع- أن تعلم منا في قرن وخمس قرن تعليمًا ابتدائيًّا أبتر إلا أقل من العشر ممن هم في سن التعليم، ولم تشأ أن تخلط أبناءها بأبنائنا فيه، لتقيم الدليل الواضح الفاضح على أن تعليمها لأبنائنا تعليم ناقص.
إذا كانت تلك حالتهم، وهذه حالتنا، وهذه مسافة التباين بيننا وبينهم، فكيف يصحّ عند العقلاء أن يجري علينا في التعليم الحرّ قانون واحد، وهو عندهم نافلة، وهو عندنا من أوكد الفروض؟ وكيف يراد منا أن نذعن لذلك القانون الذي لم نخطر- بوضعيتنا الشاذة- على بال شارعه؟ وكيف تلزمنا هذه الحكومة الاستعمارية بأن نبني أمرًا على غير مضارعه؟ وبأية وسيلة نتوسل إلى تعليم أبنائنا دينهم الحافظ لأخلاقهم، ولغتهم الحافظة لدينهم؟ إذا لم نعتمد على جهودنا الخاصة، وعلى ما هدانا إليه العصر من نظم وجمعيات.
وافرضْ أن رجلًا فرنسيًّا فتح مكتبًا حرًّا للتعليم الابتدائي، فهل تظن أن الحكومة تعارض أو تعاكس أو تعطّل، أو تعامله بأقل من القليل مما تعاملنا به؟ تقول الحكومة- هنا- إن الفرنسي مهذّب لا يدوس القانون، ومنها طلب الرخصة، ولا يأنف منها كما تأنفون. ونقول نحن هنا: لا لا. ولكن الفرنسي حرّ عزيز لا يستطيع (كوميسير) أن ينهره، ولا بوليس أن
(3/218)

يقهره، ولا حاكم أن يحتقره، ولا هم جميعًا أن يماطلوه أو يعطلوه. فإذا طلب الرخصة صباحًا فإنه يعطاها مساءً، أما المسلم فإنه يقدّم طلب الرخصة إلى أصغر مكلّف فيدخل به في بحر من الإجراءات لا ساحل له، حتى يفرغ جيبه، وتحفى قدماه، ويكل ذهنه، زيادة على السخرية والاحتقار. فإذا قدّر لذلك الطلب أن يخرج من مكتب الصغير إلى مكتب الكبير، تجدّدت الإجراءات، وتعدّدت التحرّيات، وكثرت المراجعات، وانفتح للصغير باب الاعتذار، واتسع للطالب أفق الانتظار، حتى يمل وييأس؛ والمحظوظ هو الذي يحصل على الرخصة في سنة؛ وما المحظوظ إلا من قامت الشواهد على إخلاصه للحكومة، وأثبتَ الفحص الإداري براءته من العيوب صغيرها وكبيرها؛ وأكبرها أن فيه وسمًا من جمعية العلماء ونسبة إليها، أو أنه يحمل فكرتها الإصلاحية؛ وأصغرها أن يكون اشترك في جمعية علمية، أو حضر في حفل أدبي، أو استمع لنشيد قومي أو انتسب إلى حركة سياسية، فكل هذا مما يسجّل في الصحائف، وكل هذا مما يوجب لصاحبه الحرمان من رخصة التعليم، أضف إلى ذلك أن كل طالب للرخصة تصك أذنيه، من أول موظف مكلف، هذه الجملة: "احذر أن تفتح المدرسة قبل أن تأتيك الرخصة"، وهو يعلم أنها لا تأتي؛ فقدر- أنت- أن هذا الطالب المسكين إنما يفتح المكتب ليتعيش بأجرة تعليم القرآن، أو ليقوت عياله بأجرة تعليم القواعد البسيطة من العلم، فهل يعامله الجوع والحاجة هذه المعاملة البطيئة؛ وهل يعذره الجوع والحاجة إلى أن تتم الإجراءات؟
هذا هو ما يجري في الجزائر في هذه المسألة البسيطة، وهذا قليل مما يقاسيه طالب الرخصة المسلم، زيادة عما لم نصوّره من إرهاق بالأسئلة، وحساب عسير عما تكنه الضمائر من الميول، وجرح للكرامة الإسلامية العربية، وازدراء للهيئة والشكل، وإلجاء إلى المواقف المهينة. وهذا ما جعلنا نمقتها ونسترذلها ونكفر بها، فما هي- والله- رخصة تطلب فينالها المجدود، ويحرمها المحدود، وإنما هي غضة يعسر ابتلاعها، وقصة يثقل سماعها، ورهصة لا تحتمل أوجاعها؛ وإن للحكومة فيها من وراء ذلك لسرًّا، وهو أنها تجعل منها أداة تصرف بها الطالبين. وليت المتاع بها طويل، ولكنه متاع قليل، بل هي أحط وأقل من رخصة "فتح مقهى" مثلًا؛ ولا تبقى نافذةً إلا بقدر ما يبقى صاحبها مغفولًا عنه أو مستقيمًا في نظر الحكومة؛ فإذا زاغ عن الصراط، أو قصر في الاشتراط، فنزعها منه أهون عليها من قصّ القلامة.
(3/219)

التعليم العربي والحكومة *

- 2 -
لا معنى للشمول في القوانين، ما لم يصاحبه شمول في التطبيق والتنفيذ؛ وإذا كان واضع القانون ليس منا، ومنفذه ليس منا، فمن البلاء تطبيقه علينا.
ألا إن في الاستعمار لفحةً من جهنم، وإن في المستضعفين سمات من أهلها، أظهرُها أنهم لا يموتون ولا يحيون.
وكما أن جهنم تتقى بالأعمال الصالحة، وأساسها الإيمان، فإن الاستعمار يتقى بالأعمال الصالحة، وأساسها العلم، وإذا كان العدو الأكبر لجهنم، هو العمل الصالح، فإن العدو الأكبر للاستعمار هو التعليم.
يحرّم الاستعمار الفرنسي التعليم على مسلمي الجزائر، ويفرضه على أبنائه وفي وطنه، فاعجبْ لشيء واحد يحرَّم في وطن، ويُفرض في وطن؛ ومن عرف الاستعمار معرفتنا به لم يعجب ولم يندهش، خصوصًا في وطن كالجزائر، لغته العربية، ودينه الإسلام، وطنٌ أنهكه الاستعمار، فلم يبقِ منه لحمًا إلا تعرّقه، ولا عظمًا إلا هشمه، فانتزع خيراته الطبيعية من أيدي أهله، ثم تسلل إلى مكامن النفوس لينزع الإيمان من قلوبهم، بهذه الوسائل التي منها تسيير مساجدهم على هواه، وحرمانهم من تعلم دينهم ولغتهم، فلما رآهم هبّوا ودبّوا، وأيقن أنهم ربما أوضعوا وخبوا، رماهم بهذه القوانين التي بعضها يشلّ، وبعضها يغلّ، وجميعها يقتل.
...
__________
نُشرت في العدد 66 من جريدة «البصائر»، 7 فيفري سنة 1949.
(3/220)

قلنا للحكومة مرّات- في صدق وإخلاص-: إن هذه الأمّة رضيتْ لأبنائها سوء التغذية، ولكنها لا ترضى لهم- أبدًا- سوء التربية: وإنها صبرت مكرهة على أسباب الفقر، ولكنها لا تصبر- أبدًا- على موجبات الكفر.
وقلنا لها: إن هذه الأمّة أصبحت منك بمنزلة الهرّة التي دخل صاحبها النار بسببها، لأنه لم يطعمها، ولم يدعها تأكل من خشاشِ الأرض؛ فلا أنت علمت الدنيا، ولا أنت سمحت لنا بتعليم الدين.
وقلنا لها: إن هذه الأشياء الروحية التي تسمّى الدين والعقيدة والضمير، هي أشياء طبيعية، بل هي أجزاء من الوجود الإنساني، فمقاومها كمصادم الجبل الأشم، لا يبوءُ إلا بالزعزعة والضعضعة؛ أفتسمحين للإباحية بالإباحة، ولتحلل الأخلاق بالتحليل، حتى تراخت الأواصر، وانحلت العناصر، وفي ذلك البلاءُ العظيم، ثم تتشدّدين في الدين وتعليمه هذا التشدّد؟
وقلنا لها: إن تعطيل المدارس العربية بالأوامر الإدارية- لأن المعلم الذي يعلّم، أو الجمعية التي تدير، غير مرضيّ عنهما- يعد عقوبةً للأطفال الصغار الذين لم يرتكبوا ذنبًا، ولو أنها عقوبة لهم في أبدانهم لقلنا: جرح ويندمل، ولكنها عقوبة لهم في دينهم وشواعرهم وعقولهم. إننا نريدهم أَنَاسِيَ وأشياءَ نافعة لنفسها وللمجتمع، وأنت تريدينهم لصوصًا وحيوانات ضارّة وبلاءً على أنفسهم وعلى الأمّة.
وقلنا لها: إن هذه المدارس التي شيّدتها الأمّة لأبنائها بأموالها ولم ترزأ خزانتك فيها درهمًا ولا دينارًا، قد أصبحت تضاهي مدارسك سعةً ونظامًا وجمالًا واستكمالًا لشرائط الصحة، واسترحنا واسترحت. فلو كان الأمر بيننا جارًيا على المنطق، مبنيًّا على حسن النية، لكنت- إذا لم تنشطي- لم تخذُلي، وإذا لم تعيني، لم تعارضي، وإذا لم تعتبرينا أعوانك على تهذيب هذا الشعب، لم تعتبرينا أعداءً ومشوّشين على سياستك الاستعمارية، فما زالت الدول عاجزةً عن تعليم أممها وعن تهذيبها، وما زالت الجمعيات تعاونها في ذلك، وما زال الفريقان متآزرين على التهذيب العام، في عصر التهذيب العام. أفلا تنتج القضايا المنطقية في هذه القضية أنك مصممة بأعمالك على قتل التعليم وقتل العربية وقتل الإسلام؟
وقلنا لها: إننا قوم لا نفرّ من المسؤولية بل نتحملها مسرورين. ولا نعمل أعمالنا في ليل دامس، بل نعملها في وضح النهار، وإن لكل مدرسة من مدارسنا جمعيةً جاريةً في تكوينها على القوانين العامة، مسؤولة عن أعمالها، مستوفيةً للإجراءات الرسمية، وأول المواد في قوانينها الأساسية أنها جمعيات تعليم ديني عربي؛ فإذا كان في مدرستها معلم أو معلمون فهي "الضامنة" فيهم والمسؤولة عنهم. فمن العدل أن يكون الترخيص في تشكيل الجمعية ترخيصًا
(3/221)

لها في التعليم ما دامت هي المسؤولة عن المدرسة والمؤسسة لها. ومن الشطط، بل من الظلم، بل من التناقض، بل من المحال العادي، أن تطالب بعد ذلك بترخيصات شخصية لكل معلم.
أما أن هذا من الشطط الذي لا يطاق احتماله، فلأن المعلم قد ينفصل عن الجمعية في أيام، لأنه لم يرضها، أو لأنها لم ترضه، وقد يمرض أو يموت، فتضطر إلى معلم آخر، وقد يتكرر هذا المعنى في الشهر الواحد مرّات، وفي كل مرّة تتكرّر الإجراءات اللازمة للرخصة، وفي كل إجراء ما قدّمنا في المقال السابق من التعقيدات المقصودة.
وأما أنه ظلم، فلأن تلك العمليات تستلزم- طبعًا- تعطيل المدرسة، وتشريد الأطفال بناء على قاعدة "لا تفتح المدرسة حتى تحصل الرخصة".
وأما أنه تناقض، فلأن مؤدّاه أن الترخيص الأول في تكوين الجمعية عبث ولغو، ولا معنى له، ولا قيمة لتسجيله في الدفاتر الرسمية، ولا لاعتراف القانون بها، ولا لتعليق المسؤولية على أعمالها، لأن المسؤولية تتعلق بالأعمال، وعمل الجمعية إنما هو التعليم، واشتراط الرخصة الخاصة في المعلم تعطيل لها عن مباشرة هذا العمل الذي اعترف لها القانون به يوم اعترف بها.
وأما أنه من المحال العادي فلأن نظر الجمعية ونظر الحكومة في المعلم متباينان بل هما كالخطين المتوازيين في الهندسة، لا يلتقيان مهما امتدّا، فالجمعية تشترط في المعلم كفاءته العلمية والأخلاقية، أو تزكية جمعية العلماء له، ولا تشترط غير ذلك. والحكومة تشترط شهادة "الدوسي البوليسي"، ولا تشترط غير ذلك. وشتان ما بينهما عندنا في الجزائر، لاختلاف النظرين في أصل الميزان الذي يوزَن به المعلم، ولاختلافهما- إلى حدّ التضاد- في معنى المؤهلات والمواقع.
قلت لرجل من رجال الإدارة الحكومية الجزائرية، وهو يفاوضني في هذه القضية مفاوضة رسمية، وكنا يومئذ نتناقش ونبحث الأسباب التي توجب حرمان المعلم من إعطاء رخصة التعليم، فقلت له: يظهر لي أنه لا يمكن أن نتلاقى معكم في نقطة، ما دام مقياس الفضيلة عندنا وعندكم متفاوتًا إلى هذا الحدّ، فنحن نرى- مثلًا- أن السياسة ليست جريمة ولا ما هو أهونُ من الجريمة، وإنما هي حق طبيعي يمارسه كل عاقل، وتزيد عندنا بمعنى، وهو أنها لم تعدُ أن تكون أنةً يستريح إليها المظلوم ... وأنتم ترونها- بالإضافة إلينا فقط- جريمة أية جريمة، وتعاقبون عليها بالسجن والنفي فضلًا عن الحرمان من رخصة التعليم ... ونحن نرى أن الزنا والخمر وما أشبههما كبائر تسقط العدالة والشهادة، ولا نرتضي مرتكبها معلمًا لأبنائنا ... وأنتم لا ترونها جرائم، ولا تعاقبون عليها. فللقاضي- مثلًا- أن يسكر
(3/222)

ويعربد ويفسق ويكفر، ولا حرج عليه لأنه حرّ ... ولا نعتقد أن ميزان الفضيلة اختل عندكم إلى هذه الدرجة، ولكن شيطان الاستعمار يزيّن لكم كل ما تستقبحه الأديان، وتستهجنه العقول، إذا كان ذلك في المستعمرات. قلت له: وأنا أؤكّد لك أن كل ما زرعتموه في المستعمرات من خبائث ورذائل، وسقيتموه بماء الحرية لينمو ويترعرع، فتفسدوا به أهلها وتهلكوهم، ستجنون ثمراته المرّة في أبنائكم وفي وطنكم. فأنتم تسخرون الشيطان للإفساد من حيث يشعر، ولكنه يعود فيسخركم للفساد من حيث لا تشعرون ...
جرّنا إلى هذا كله حديث "الرخصة" فلها الويل: أهي رخصة تعليم، أم غصّةٌ وعذاب أليم؟
(3/223)

التعليم العربي والحكومة *

- 3 -
قضية واحدة من بين عشرات القضايا، يتجلّى فيها كل ما صرّحنا به، ولمّحنا إليه، من معاملة الحكومة للتعليم العربي، وتصميمها على محوه، بالتضييق والمعاكسة، واتخاذها من هذه القوانين والقرارات سبلًا إلى ما تريد من ذلك؛ وهذه القضية تشهد بكثرة الإجراءات وتعقيدها، وتكشف عن مقاصد الحكومة منها، وتقيم لنا العذر فيما نبديه من تألّم، وما نجهر به من تنديد بالحكومة ومعاملاتها، وتشهير بقوانينها وقراراتها، وفيما نصارحها به من أننا لا نرضى بهذه القوانين لأنها مفروضة علينا فرضًا في أمر يتعلق بنا وحدنا، وهو ديننا ولغتنا، ولا نحترمها، لأنها باطل،، والباطل لا يحترم، ولا نقرّها، لأنها حرب على ديننا ولغتنا، ولا نحتملها ولو أدّتْ إلى إغلاق جميع المدارس دفعة واحدة. وأننا لا نرضى إلا بالحرية الصريحة، فإن لم تكن فالموتة المريحة. وإنما يقبل العقلاءُ المقبول، وإنما يعقلون المعقول، وإذا كان للقويّ مأربٌ في قتل الضعيف، فمن السماجة أن يسنّ لقتله قانونًا، بل من الشهامة أن يسن لذبحه سكينًا.
وقبلُ وبعدُ فإن هذه القضية التي نصفها اليوم، شهادة قاطعة على ظلم الاستعمار، ونموذج من تعنّته ومصادرته للحق، وبيانٌ واضح لطريقة من طرائقه في حرب الدين والعلم، ووسيلةٌ من وسائله في قتل معنويات الشعوب، وعنوان على مخازيه التي منها أن يعتبر الإسلام غريبًا وهو في داره، والعربية أجنبية وهي في منبتها.
...
__________
* نُشرت في العدد 67 من جريدة «البصائر»، 14 فيفري سنة 1949.
(3/224)

هناك على مقربة من الحدود الفاصلة بين مقاطعتي الجزائر وقسنطينة، قرية صغيرة من قرى بني منصور، تدعى "تيغيلتْ" تابعةً في التصرّف الاستبدادي لحوز (مايو) (1). طاف بأهلها منذ سنوات طائف من الشعور الديني، واخترقت آذانهم الأصوات المتعالية من جمعية العلماء في الدعوة إلى التعليم العربي، فأنكروا حالتهم وحالة أبنائهم من الجهل والأميّة، إذ كانوا محرومين من كل ما يسمّى تعليمًا، فأجمعوا أمرهم وكوّنوا جمعية، وأسّسوا كتّابًا لتعليم أبنائهم، على قدر حالهم، ومبلغ مالهم، واتصلوا بنا اتصال المسلم المسترشد، بأخيه المرشد. فعينّا لها معلمًا لم نأت به من مصر، ولا من العراق، بل من عمالة قسنطينة، وشرع في تعليم الأولاد تعليمًا ابتدائيًا بسيطًا ليس فيه كيفية تحطيم الذرّة، ولا كيفية تحضير القنبلة الذريّة؛ وإنما هو تعليم لأشكال الحروف العربية وتركيب الكلمات منها؛ وما مضت أسابيع حتى هاجت الحكومة وماجت، ونشط ممثّلها متصرف حوز "مايو" (2) وأعوانه نشاطًا، ما نظنهم يبذلون معشاره في تتبع المجرمين وقطّاع الطرق ومحترفي السوق الأسود؛ واستدعى المعلم وأعضاءَ الجمعية إلى إدارته مرارًا، وأمرهم بإغلاق المدرسة، وطرد المعلم، وهدّدهم في كلامه بكل ما تمليه الغطرسة على جبار مستبد، ولما رأى أن كلامه لم يؤثّر التأثير الذي يرضي فرعونيته، وأن المعلم لم يذهب، وأن المدرسة لم تغلق- جلب الجميع بقوة "الجندرمة" (3)، وأحالهم على دائرة البوليس السرّي متهمين بتهم لفّقها أعوانه- وهي تهم محضرة جاهزة في كل إدارة وبيد كل مدير، يستعملها كلما خانه القانون، وخذله الحق، فيرجع إلى تلك التهم لينتقم بها، فاستنطقهم البوليس السرّي لا باللسان بل بالعصا (والكرباج)، وأدخلهم السجن "رهن الاستنطاق" كما يقولون.
أما المعلم فقد نفاه حاكم (مايو) نفيًا شفويًّا، وهدّده- إن بقي في حوزه- بالعقوبات الرادعة وبإخراجه بقوة الجندرمة مشيًا على رجليه إلى بلاده (لأنه أجنبي) ... يعني أنه من قرية تسمّى (تاملوكة) تابعة لنانكين، من بلاد الصين، لا لقسنطينة. وكَذَبَ الجغرافيون ولو صدقوا ...
تعاقبت التحقيقات في هذه المسألة "الخطيرة"، فلمّا تمّت- وما كادت- أحيلت إلى قاضي الصلح بمايو، وحمل أولئك المساكين ثباتهم على دينهم، ورغبتهم في تعليم أولادهم، على أن ينفقوا النفقات، ويضحّوا بالمصالح، ويأتوا بالمحامين من الجزائر. ثم رفعت المسألة بعد حكم قاضي الصلح فيها إلى محكمة الاستئناف بالعاصمة، فتضاعفت على المساكين الأتعاب، وتعطّلت الأعمال، وانفتح عليهم بابٌ لا يسدّ من نفقات الذهاب
__________
1) حَوْز "مايو": الحَوْز وحدة إدارية يسكنها فرنسيون وجزائريون. و"مايو" هي مدينة "مشَدَّالَة".
2) اسم إفرنجي لقرية استعمارية واقعة في شرقي مقاطعة الجزائر في الحدود الداخلة بينها وبين مقاطعة قسنطينة.
3) اسم للحرس الوطني الفرنسي، وهم أدوات الترويع، وزبانية الإرهاب للجزائريين.
(3/225)

والإياب وأجور المحامين، وعلى ذلك كله فهم صابرون، محتسبون عند الله ما نالهم من أذىً في أبدانهم، ونقص في أموالهم، معتقدون أن العاقبة للمتقين ...
ونودي على القضية في محكمة الاستئناف في الأسبوع الماضي بعد حول كامل وزيادة من يوم نشأت، ولكنها لم تفصل بل تأجّلت، ولا يعلم إلا الله بماذا تنتهي؟
...

من لي بمن يسجّلها ويعجّلها لعنةً خالدةً على الاستعمار؟ ومن لي بمن يزجيها ولا يرجيها سبةً تالدةً له ولأنصاره في العالمين؟ ومن لي بمن يصبّها ولا يغبّها دموعًا سخينة على جدث الإنصاف وعلى رُفات المنصفين؟ ومن لي بمن يرسلها صارخةً صاخَّةً في آذان أدعياء الديمقراطية ودُعاتها والمدّعين لها، أينما حلّوا، أن يتصدّقوا علينا مشكورين بالكفّ من هذه الدعوة الدعية، فقد غثت ورثت، وسمُجت و (خمجت) (4)؟
قضية بسيطة، أساسها ظلم، وحائطها بغيٌ، وسقفها عدوان، وأصلها الأصيل "فتح مكتب قرآني بدون رخصة حكومية" تتدحرج من محكمة إلى محكمة، ومن حاكم إلى حاكم، حولًا كاملًا: أفي الحق هذا؟ ... كلا.
وفي كل دور من أدوارها يتجشم المتهمون فيها قطع مائتي ميل ذهابًا وإيابًا، وإنفاق ما هم في حاجة إليه لقوت عيالهم في الركوب وأجور المحامين. أمن الإنصاف هذا؟ ... كلا.
إن حولًا كاملًا ليكفي لفضّ مشكلة برلين وما أشبهها من مشكلات العالم الكبرى، ولكنها لم تكف لفصل قضية جمعية بني منصور، المتعقدة المتشعبة التي ظهر فيها وجه الحق لرجال الإدارة فاتهموا وطالبوا وحرّروا التقارير واستعدوا فيها المحاكم العدلية. وخفي وجه الحق فيها على غيرهم. ولعل الذنب في هذا التطويل الذي استغرق حولًا كاملًا، محمول على الزمان الذي أصبح ... ولا بركة فيه ...
وسلني أنبئك عمّن جندت الحكومة لهذه القضية التي نزعم نحن أنها بسيطة. إنها جنّدت كبير الجماعة، والحارس، والجندرمة، والبوليس السرّي والعلني، والمتبرع والمتصرّف، وأعوانه ورئيسه، وعامل عمالة الجزائر، وقاضي الصلح بمايو، وقضاة الاستئناف بالجزائر، كلّ هؤلاء مرّت بهم هذه القضية، وكلهم نظروا فيها وفي أوراقها وملفاتها.
__________
4) هذه اللفظة عامية، ولعل لها أصلًا من قول العرب "ماء خمجرير" أي متغير منتن.
(3/226)

أما الجانب الإداري من هؤلاء فيقول: إن هؤلاء المتهمين مجرمون، معتدون على القانون، وإن من العدل، ومن المحافظة على الأمن ردعهم وزجرهم، وأما الجانب العدلي فلم نسمع كلمته الأخيرة، وأما نحن ... فقد قال ديكتاتور (مايو) فينا كلمة ذهبية إذ قال لبعض الجماعة: لو أنكم جئتم بمعلم من طلبة الزوايا (5) - من بلاد القبائل- لما عارضتكم في شيء، ولوَجدتم مني المساعدة والإعانة. ولكنكم اتصلتم بجمعية العلماء وجئتم بالمعلم من تلامذتها وأنصارها. وأنا لا أسمح أن يدخل إلى وطني (هذا الميكروب).
...

أنا مريض، والموضوع طويل عريض، وقد أصبحتُ بين عاملين: همّ يتجدّد وطبيب يتشدّد، وإن حق الضمير لأوكد عندي من حق الجسد، وليقع الاستعمار أو ليطرْ فإننا نتعلم لغتنا وديننا، ولو في سمّ الخياط، أو على مثل حدّ الصراط.
__________
5) جمع زاوية، وهي مراكز مشايخ الطرق الصوفية، وقد كانت قبل الاستعمار الفرنسي تقوم بجانب من التعليم الديني والعربي، ولكن الاستعمار سخّرها حتى أصبح معظم القائمين عليها مطاياه يرتكب الموبقات باسمهم، وهذه الطوائف هي الأسلحة التي كان يحارب بها جمعية العلماء، ولكن الله نصرها على التابع والمتبوع.
(3/227)

التعليم العربي والحكومة *

- 4 -
لم تقف الحكومة في حرب التعليم العربي ومضايقته عند تلك الحدود التي شرحناها وقبحناها، وتلك القوانين والقرارات التي جرّحناها وفضحناها، بل أتتْ في هاتين السنتين الأخيرتين بما هو أقبح وأدلّ على سوء النية في التضييق على مدارسنا والتعطيل لها، وابتكرت أنواعًا من العرقلة، أخرجت بها القضية من باب القانون، والنظام، والمحافظة على الصحة، إلى باب العناد السخيف، والمعاكسة اللئيمة، التي تربأ كل حكومة محترمة لنفسها أن ترتكبها مع خصم لها، وإن لجّ في الخصومة، فضلًا عمن ليس بخصم، وإنما هو طالب حق، فضلًا عن كون المطلوب شريفًا لا ينازع في شرفه حتى الشيطان الرجيم، وهو العلم ...
منذ سنتين، أو منذ جدّت الأمّة الجزائرية في الحركة التعليمية بقيادة جمعية العلماء، ورأت الحكومة أنها عزمة دينية إجماعية لا تفلها القوانين، ولا تشلّها القرارات المكتوبة، عمدت هذه الحكومة إلى قرارات أخرى (شفاهية)، لم تصدُر بها المراسيم، ولم تصبغ بالصبغة الرسمية وإنما هي إيعازات إلى المديرين والمعلمين بمكاتبها الرسمية الابتدائية، ليقوموا على تنفيذها بالضبط والدقة. وهي إذا نفذت كانت أنكى وأضرّ بالتعليم العربي من تلك القوانين المكتوبة.
ونحن فقد أصبحنا مفتوحًا علينا في فهم هذه الحكومة ومقاصدها واتجاهاتها، وأصبحنا من المبرّزين في تأويل تصرفاتها وأعمالها، وأصبحنا نتدسَّس إلى مدبّ السرائر من نياتها وخواطرها، كما تفعل هي معنا، وهذا بذاك ولا عتب ... ففهمنا بالقرائن الصادقة، والشواهد الناطقة، أن هناك برنامجًا عمليًّا واسعًا عميقًا ذا شُعب متعدّدة ومرام بعيدة، لحرب التعليم العربي، يعتمد على التنفيذ الصامت لا على القرارات المعلنة التي تثير النقد والاعتراض، وأن اعتماد الحكومة في تنفيذه، على المديرين ورجال التعليم؛ ومن أشنع ما تتسم به الحكومات
__________
* نُشرت في العدد 68 من جريدة «البصائر»، 21 فيفري سنة 1949.
(3/228)

الاستعمارية، التسلط على رجال العلم، ورجال القضاء، وتصريفهم في أغراضها المنافية لشرف العلم وشرف القضاء؛ والعلم رمز الإنسانية والكمال، والقضاء رمز العدل والمساواة؛ ومن رشد الحكومات الصالحة أن تكفل للعلم والقضاء الحرية والاستقلال، وتبعد برجالهما عن جميع المؤثّرات، فإذا سخرهما الاستعمار في أغراضه، واتخذ من رجالهما أدوات لتنفيذها، فذلك هو الفساد في الأرض؛ ولذلك تجدنا لا نثق ببعض علماء المشرقيات الذين يتخذ منهم الاستعمار مستشارين في وزارات الخارجية، فيجعل من العلم، معينًا على الظلم.
...

رأينا من آثار هذه البرامج في كثير من القرى تساهلًا عظيمًا في قبول التلامذة بالمكاتب الابتدائية الفرنسية، خلافًا للسنة المقرّرة عند الحكومة، وخلافًا لعملها المطلق ... الذي طالما نعيناه عليها وأنكرناه، وهو عدم عنايتها بتعليم أولاد المسلمين؛ وما كان هذا التساهل رحمةً منها بهم، ولكن لتصُدّ أكبر عدد منهم من غشيان المدارس العربية الحرّة، ثم تجريهم على برنامج فارغ إلا من التوافه، مضطرب الساعات، فمنهم من يأخذ ساعتين، ومنهم من يأخذ أربعًا، فيخسر التعليم العربي، ولا يحصل على التعليم الفرنسي. والعذر الذي تسمعه منهم على هذا الاضطراب هو عدم وجود الأماكن! ... ونقول نحن: إذا لم تكن الأماكن كافية لهم، فلماذا تقبلونهم من أول يوم؛ ولو أنصفوا لقالوا: إن قصدنا الوحيد هو معاكسة التعليم العربي وكفى ...
إن مدارسنا عامرةٌ بهذا الصنف من الأطفال. وهو هذا الصنف المتشرد الضائع الذي لم يجد إلى التعليم الحكومي سبيلًا؛ وان عدده لكثير، إنه ليقارب التسعين من المائة من أبناء الأمّة التي تدفع الضرائب، وتقوم بواجبات الجندية ... وما كنا في يوم من الأيام حربًا للتعليم الفرنسي على تفاهته؛ بل نحضّ عليه، ونعدّه باباً من أبواب الثقافة، وسلاحًا من أسلحة الحياة. وإنما نريد أن نجمع لأبنائنا بين التعليمين، جمعًا للمصلحتين، وما داموا محرومين من التعليم الفرنسي، فمن حقنا ومن واجبنا ومن الإحسان إلى أبنائنا أن نشغلهم النهار كله بتعلّم دينهم ولغتهم؛ بدليل أننا لا نقبل في مدارسنا تلامذة الفرنسية إلا بعد الرابعة والنصف مساء، لئلا يحرموا من أحد التعليمين، على ما في هذه الساعات الزائدة من إرهاق للمعلّمين والتلامذة عندنا.
هذا ما نراه نحن؛ أما الحكومة فإنها ترى أن بقاء أبنائنا هائمين في الأزقة معرضين للشر والفساد، خير من تعليمنا إياهم تعليمًا عربيًّا وإسلاميًّا، فلما صمّمنا على أداء الواجب علينا لديننا وأمّتنا، صمّمت على المعاكسة والتضييق، فلما لججنا في المقاومة، لجأت إلى مثل هذا العناد الذي لو تمّ وعمّ لكان مفسدًا لتعليمها، قبل أن يكون مفسدًا لتعليمنا.
(3/229)

قد أصبح من عقائدنا الراسخة، بل أصبح من الحقائق الواقعة أن هذه الحكومة عاملة على إفساد تعليمها الرسمي لأبنائنا، وتصييره هيكلًا بلا روح، وحرمانهم في الأخير من مفتاح التعليم الثانوي. وهو "الشهادة الابتدائية". فهي تتعهد البرامج بالتنقيص من المفيد والزيادة من السفاسف. وهي تكثر بزعمها من التعليم الصناعي الآلي لتبعد أبناءنا عن منشطات الفكر والروح، وهي تكل تعليم أبنائنا- بدعوى الضرورة- إلى طائفة ليست لهم كفاءة المعلم، ولا شهادته، ولا مؤهلاته، ومن أغرب ما وقفنا عليه في أول هذه السنة الدراسية نسخةٌ من هذه الأوامر ... التي توجّه إلى مديري المكاتب الفرنسية، ومما فيها: الأمرُ بالتقدم إلى طلبة العربية الذين يعرفون القراءة والكتابة البسيطتين، وترغيبهم في تعليم العربية بالمكاتب الفرنسية. فما معى هذا؟ ومتى كانت المكاتب الحكومية الابتدائية تعلّم العربية؟ لا معنى لذلك إلا أن المطبخة دائبة على الطبخ.
ورأينا من آثار ذلك البرنامج، في كثير من المدارس الفرنسية، تمديد ساعات الدراسة المسائية إلى الساعة الخامسة، خلافًا للقانون السائر في جميع المدارس. ولا موجب لهذا إلا تفويت ميقات المدرسة العربية على التلميذ، وليتهم يعمرون له تلك الساعة بنافع مفيد، لكنهم يعمرونها بلهو فارغ أو بعمل شاق؛ ولقد مررتُ في شتاء السنة الماضية بقرية "بريكة" فرأيت بعيني تلامذة المكتب الفرنسي (المسلمين طبعًا) يجمعون الزيتون من بستان تابع للمكتب أو لإدارة المتصرف، وكان ذلك في الساعة الخامسة إلا ربعًا بالضبط.
وما يسّر على الحكومة وأعوانها تنفيذ هذه الأمور الشاذة، وتطبيقها بسهولة، إلا أصل أصلته. وهو عزل التلامذة المسلمين من زملائهم الأوروبيين في التعليم الابتدائي في مكاتب خاصة بهم، يطلقون عليها اسم " Ecole indigène" (1). ولو كانوا مع أبنائها لما عاملتهم هذه المعاملة. ولقد كانت الشهادة الابتدائية إلى وقت قريب تقسم على نمطين: أحدهما يعرف بنمط Titre indigène وكلمة (أنديجان) هذه في قاموس الاستعمار وفي ألسنة حماته الطغاة هي نبز وتحقير لهذا العنصر الشريف الذي أوقعته الأقدار، وتصرفات الفجار، في قبضة الاستعمار الفرنسي. فإن كذبتنا الحكومة وقالت إن التعليم واحد، والبرنامج واحد، فلتخبرنا: ما هي العلة في تخصيص أبناء المسلمين بمكاتب منبوزة بهذا النبز؟ أم هي تعد هذا من الديمقراطية الفرنسية؟ وقد عرفنا- بفضل الله- هذا الطراز من الديمقراطية، فعرفنا أنه مرادف للعنصرية السوداء اللون، العنيفة التأثير.
...
__________
1) " Ecole indigène": مدرسة أهلية، أي خاصة بالجزائريين الذين كانت فرنسا تسمّيهم "أهالي" احتقارًا لهم.
(3/230)

بعد هذا كله- وأمثاله معه- تمنّ فرنسا على مسلمي الجزائر، وتقول: إنها علمتْ، وما علمت، ولكنها قلمت ... وما أغرب شأن الجزائريين مع الاستعمار الفرنسي: فئةٌ تدرس في جامعة، وملايين ترسف في (جامعة) (2) ويا بُعدَ ما بين الطرفين!
__________
2) الجامعة هي القيد الذي يجمع اليدين والرجلين.
(3/231)

التعليم العربي والحكومة *

- 5 -
يرجع تاريخ هذه المشادّة القائمة بيننا وبين الحكومة في قضية التعليم العربي إلى خمس عشرة سنة، فهي مقارنة لظهور جمعية العلماء تقريبًا، ولكنها تشتد وتتعقّد في كل سنة، تبعًا لنمو الحركة الإصلاحية واستفحالها وتطوّرها، فكلما اشتدّت حركة التعليم وامتدّت، ظهر للحكومة فيها رأي فسنّت لشلّها قانونًا أو قرارًا. وسكتت عن تنفيذه إلى حين؛ كما كانت متسامحة مع الجمعية لأوّل ظهورها، في إلقاء دروس التذكير في المساجد؛ فلما استفحل ذلك ورأت أنه مضرّ بسياستها الاستعمارية، وأنه تحنيثٌ لها في اليمين الذي قطعته على نفسها: لتحاربن الإسلام في الجزائر، ولتحصرنه في مثل جحر الضبّ من الضيق، ولتقطعن صلته بماضيه وصلته بمطلعه، حتى يتكون لها إسلام جزائري جغرافي محصور في حدود أربعة، خال من روحانية الإسلام وفضائله، لما رأتْ ذلك أصدرت القرارات بمنع أعضاء الجمعية من إلقاء الدروس الدينية في المساجد، وقصر إلقاء الدروس في المساجد على الموظفين الرسميين، أو "رجال الدين" كما يسمّيهم تقريرها الأخير، فمنعت كاتبَ هذه السطور من إلقاء دروس التفسير بالجامع الأعظم من تلمسان، ببرقية من الوالي العام إلى عامل وهران، وكان ذلك في أواخر سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة؛ ثم منعت الأستاذ العقبي من إلقاء دروسه بمساجد العاصمة بقرار (ميشال) المعروف.
ابتدأت المشادّة من ذلك الحين، وكانت في مبدإ أمرها مشادّةً في حرية المساجد، لأن الحركة التعليمية نشأت بعد ذلك، بعد أن تغلغلت دعوةُ جمعية العلماء في النفوس فحرّكتها، وفي الآذان ففتحتها؛ فأنت ترى أن تاريخ المشادّة طويل، وأن هذه القوانين والقرارات كان يتنزّل بها الوحي الاستعماري منجمة حسب المصالح ...
__________
* نُشرت في العدد 69 من جريدة «البصائر»، 28 فيفري سنة 1949.
(3/232)

وقد تعاقب على الجزائر في هذه الحقبة سبعة ولاة مختلفي الميول السياسية، متنوعّي الحزبية، ولم يستطعْ واحد منهم أن يحلّ هذه المشكلة بوجه يرضي المسلمين، أو يبرقع - على الأقل- وجه الاستعمار البغيض في مسألة دينية كهذه. بل ما صدرت القرارات الخانقة إلا في عهد كثير من هؤلاء السبعة. ومن لم يضرّ منهم في السلب لم ينفع في الإيجاب. وكم ترك الأول للآخر.
كما تعاقب أربعة مديرين على إدارة الشؤون الأهلية، أو "الأنديجانية" بالتعبير الصحيح، فلم يستطع واحدٌ منهم فضّ المشكلة، لأن الطبيعة الاستعمارية واحدة في الجميع، بل كانوا بتلك الطبيعة يضعون في طريق حلّها العقاب، ويُمدّون نار الاستعمار فيها بالثقاب. وهذه الإدارة هي النافذة الوحيدة التي تشرف منها الحكومة على المسلمين الجزائريين، وهي المعمل المختص بحبك المكائد، وفتل الحبال، وهي المطبخ الذي تُطبخ فيه الآراء على حسب الشهوات، وهي "البورصة" التي كانت تباع فيها الضمائر وتشترى. وهذه الإدارة في جميع أدوارها كانت تجهز برجال استعماريين من الطراز الأول، وأول الشروط فيهم أن يمضوا درجات التدريب الإداري في الأحواز المختلطة (1) "الأنديجانية". وقد رأس هذه الإدارة رجل عالم قانوني وهو السيد (ميو) عميد كلية الحقوق في الجزائر، ولولا الاستعمار وتسخيره للعلماء كما ذكرنا في المقال السابق، لكان أقربَ الرؤساء الحكوميين إلينا، وأحسنهم فهمًا لقضيتنا، ولكن الاستعمار لا يعرف علمًا ولا قانونًا، لأنه لا دين له ولا ضمير، فلم يستطع الرجل أن يتغلّب بعلمه وقانونه على صبغته الإدارية، ولا على روحه الفرنسية، وما تقتضيانه من تقليد استعماري متّبع، ولا نحن سلّمنا في شعرة من مطالبنا، أو تساهلنا في قلامة ظفر منها.
فمرّت أيامه كأيام زملائه الآخرين ودخل وخرج وهو فرنسي في الحالتين، وقد بلوْنا هؤلاء الفرنسيين فوجدناهم يختلفون في المبادئ إلى حدّ التناقض، ولكنهم حين يصلون إلى الاستعمار، ودوْس الضعفاء، وسيادة فرنسا، يتغلب فيهم صوت الدم على صوت الضمير، واتفاق الروح على اختلاف المبادئ، وهذه هي الجرحة القادحة التي لا تنفع معها تزكية في علمائهم ومفكريهم وفلاسفتهم؛ وفي كل ما يدعون ويذيعون في العالم من جمهورية وديمقراطية.
وقد اتصل بنا الأستاذ (ميو) هذا لأول عهده بالإدارة، وطلب الاجتماع بنا لفضّ المسألة الدينية وقضية التعليم، فاستجبنا، وكان الاجتماع الأول حافلًا بالوعود
__________
1) هي أقضية أو نواح غالب سكانها عرب مسلمون، يعيّن لها حكام فرنسيون يحكمونها بأحكام استثنائية، يحبس المرء من غير سب ويغرب بغير سب، ولا حق له حتى في السؤال بكلمة: لماذا.
(3/233)

والمجاملات، وكان اجتماعًا غاب عنه الاستعمار بوجهه الجهم، وحفه العلم برعايته للحرمات؛ وكان مما صارحنا به أننا على حق في قضيتنا وأنه منتدب من الحكومة لحلّها معنا بالمفاوضات الهادئة؛ وأن الحكومة قلقة جدًّا من هذه القضية؛ وقال: إنه لشرف للعلم الذي يجمع بيننا أن يحل أحد رجاله مشكلةً عجز عن حلّها أقدرُ الإداريين وأقدمهم، وانتظرنا، فإذا وعود الرجل تثبيط، واذا صعوده تهبيط، وإذا علمه من ذلك النوع الموضوع "تحت الطلب". فلما استيأسنا منه كتبنا إليه رسالة المستيئس، وسننشرها في العدد الآتي نقلًا عن العدد الحادي والعشرين من السلسلة الأولى لجريدة «البصائر»، ليقرأ القرّاء منها صفحة من جهادنا في هذه القضية التي لا نسلّمها حتى نسلّم الأنفاس، لرب الناس.
...

لم نكن في يوم من الأيام مغترّين بهذه المفاوضات التي كانت تتجدّد كلما تجدّد مدير، أو أشار على الحكومة بها مشير، أو جاءها من الأحوال العامة نذير؛ ولا كنا بانين عليها شيئًا إيجابيًّا تطمئن إليه النفس، وتستقرّ عليه الحالة، وينطفئ به هذا الضرام المشبوب في الأمّة، تحرّقًا على دينها ولغتها، وسخطًا على الاستعمار الواقف لهما بالمرصاد؛ بل كنا جارين على سنتنا في التعليم، وتأسيس مدارسه وجمعياته، موفين بعهد الله في خدمة دينه ولغة كتابه.
لم نكن نغترّ بتلك المفاوضات لأننا نعرف قيمتها، ونعرف مقصد الحكومة منها، ونعرف نيّتها التي لا تتبدّل في شأن التعليم العربي؛ ونعلم أن مقصدنا منه ومقصدها فيه متباينان، وأن كلًّا منا متمسّك برأيه التابع لمصلحته، ورأينا في التعليم مبني على عقيدة دينية ومصلحة قومية اجتماعية، ورأي الحكومة مبني على أصول استعمارية، غايتها هدمُ الإسلام والعربية، فأنَّى نلتقي في نقطة؟ ما دمنا نرمي إلى غايتين مختلفتين، وإذا كان خصمك لا يتفق معك في مفهوم الخير والمصلحة والمنفعة، وفي مفهوم الشرّ والمضرّة والمفسدة، بل لا يتفق معك في معنى الحق والباطل، فمن المحال أن تلتقيا على نتيجة، أو تجتمعا على مفيد، أو تفترقا على طائل، ومن العبث أو من سخرية أحدكما بالآخر تضييع الوقت في أمثال هذه المفاوضات، أو تعليق الأعمال والآمال عليها.
إن المفاوضات لا تكون إلا لتجلية الجوانب الغامضة من القضية، أو تبيين النقط المجهولة، أو فهم المقاصد الخفية، أو حلّ المواضيع المشكلة؛ وشرط نجاحها حسنُ النيّة وطهارة القصد من الجانبين. وقضيتنا نيّرة الجوانب، معلومة المذاهب، مفهومة المقاصد، واضحة المعالم، بيّنة الحق؛ ولكن المفاوضات فيها لا تنجح ولن تنجح لفقدان شرط النجاح، وهو حسن النيّة وطهارة القصد في أحد الجانبين ...
(3/234)

التعليم العربي والحكومة *

- 6 -
... ودعانا بعد ذلك منذ سنتين آخر مدير لتلك الإدارة أو ذلك المطبخ. وهو السيد (باي) إلى المفاوضة وحلّ المشكلة بأمر من الوالي العام، وعيّن المفاوضين رسميًّا، وعيّنت جمعية العلماء الأساتذة: العربي التبسي، وأحمد بوشمال، وعبد القادر محداد، واجتمع المفاوضون مرّتين، تبيّن منهما البعد السحيق بين وجهتي النظر؛ وكان الحديث في الجلستين خاصًّا بحرية التعليم العربي، وهو أهون المشاكل وأقربها إلى الحل، فكيف لو جاوزوها إلى حرية المساجد والأوقاف وحرية القضاء الإسلامي؛ وهي المشاكل التي تجهد جمعية العلماء في حلّها، وتسعى لتحريرها، ولقد كنا في كل مفاوضة أو محادثة نشترط إعلان إلغاء جميع القوانين والقرارات القديمة المتعلّقة بقضايانا، ثم صياغة قانون واحد صريح نتفق عليه، وتكون مادّته الأولى حرية الدين وجميع متعلقاته، ولكن هذه الحكومة لم تشأ أن تلغي حرفًا واحدًا من تلك القرارات والقوانين. فلما خابت المفاوضات الأخيرة جاءني الشيخ (باي) يومًا إلى منزلي وبيده نسخة مشروع وضعه دهاقين الإدارة بالحكومة الجزائرية لتستصدر الحكومة على نمطه من مجلس الأمّة الفرنسي "قانونًا" أو من الوزارة "ديكري" (1) وكان ذلك المشروع خاصًّا بالتعليم العربي فقط ليس فيه ذكر للمساجد والأوقاف والقضاء، وفيه النص على إلغاء جميع القوانين والقرارات المتعلقة بالتعليم العربي واستبدال هذا القانون الموحّد بها. وترجمت لي تلك النسخة فإذا فيها كل ما في تلك القوانين والقرارات من روح ومعنى مع تبديل في الألفاظ ونقص لحرف وزيادة لآخر، وإذا هو هي، غير أن القديم متفرّق، والجديد مجموع. وطلب مني بكل إلحاح تجديد المفاوضة على هذا الأساس "المتين" وضرب لي أجلًا ضيّقًا، لأن الضرورة- بزعمه- تقتضي الاستعجال، فلم أقبل منه الأجل،
__________
* نُشرت في العدد 70 من جريدة «البصائر»، 7 مارس سنة 1949.
1) "دِيكري": كلمة فرنسية معناها مَرْسُوم.
(3/235)

وقبلت المفاوضة بنفسي مع مندوب عيّنه، ولبثنا نتحدث ثلاث ساعات من كل يوم، لمدة أسبوع، حديثًا فارغًا مكرّرًا معادًا وكان محدّثي يقتنع بالحجة، ويسلم بالبرهان، ويتحرك ضميره للاعتراف بالحق أحيانًا، ولكنه لم يكن يملك التفويض اللازم لإنهاء المشاكل، فكان لا بد له من سلوك المداورات الإدارية التي تزيد المشكل إشكالًا.
ومن الأمانة في تبليغ الأعمال للرأي العام، أن ننشر ترجمة تلك النسخة، ليشاركنا القرّاءُ في علم ما نعلم من تقمّصها للقوانين والقرارات القديمة. فكأنه مجموع متون متفرّقة، أحسن الطابع جمعها ونشرها. وإن الحسنة الوحيدة فيها هي تصريحها بإلغاء القوانين القديمة في المادة الأولى التي هي أول ما يطالع القارئ، ولا حرج إذا تضمنت بقية المواد ما يناقض أولها، والإماتة والإحياءُ في آن واحد، من المعجزات التي لا تجري إلا على أيدي نمط من الرجال مخصوص. والأستاذ (باي) عمل في الإدارة الاستعمارية بالمغرب، ثم عمل في مثلها بالجزائر، وهو الآن بتونس، ولا ندري أهو مشتغل بالحل أو بالعقد.
وهذا نصّ النسخة:
"مشروع قانون يخصّ المدارس الابتدائية الحرّة والمدارس الدينية الحرّة في الجزائر.
رئيس مجلس الوزراء:
"تبعًا لتقرير من وزير التعليم الوطني. وبناء على رأي وزير الداخلية. وبناء على قانون 23 أوت 1898، وقوانين 23 أكتوبر و21 فيفري 1936 المتعلقة بالولاية على الجزائر، وإدارتها العليا.
وبناء على قانون 18 جانفي 1887 الخاص بتنظيم التعليم العام.
وبناء على قانون 18 أكتوبر 1892 الخاص بتعليم الأهالي الجزائريين الابتدائي العام والحرّ.
وبناء على المادة 29 من قانون 27 سبتمبر 1907 التي تشرح تنفيذ القانون والتي تحدّد شروط تنفيذ قوانين الفصل بين الدولة والكنيسة (2) في الجزائر، وشروط مزاولة الأعمال الدينية العامة.
وبناء على قانون لجنة التحرير القومي الفرنسي، بتاريخ 6 أوت 1943 الخاص بفتح المدارس الحرّة الإسلامية ذات الصبغة الدينية.
وبناء على قانون 27 نوفمبر 1944 الخاص بسير التعليم الحرّ في الجزائر. وبعد سماع المجلس الدولي الاستشاري. وبإيعاز من الوالي العام على الجزائر يقرّر ... إلخ ".
...
__________
2) هو قانون فصل الدين عن الدولة، وأصله وُضع في فرنسا من أيام الثورة الفرنسية لمنع الكنيسة من الحكم واستقلالها بالدين، فطالبنا نحن بتنفيذه في الجزائر مع الإسلام.
(3/236)

هذا سجل واف للقوانين والقرارات المشتبكة حول مسألة واحدة، وهي التعليم العربي بالجزائر، وهي كما ترى من الكثرة بحيث أصبح القانون الأصلي معها كثوب الفقير، كله رُقع، وكله خروق.
ولعل القارئ تهوله هذه الكثرة، وهو لم يقرأ إلا تواريخها وبعض أرقام موادها، وكيف به لو قرأ نصوصها وموادها؟ وما وُضع عليها من الشروح، والحواشي، والتعاليق، والملحقات، والاستدراكات، والزوائد، والإحالات، والتقارير، والبيانات، ولو قرأ كل ذلك لرأى العجب العجاب. وأنسته هذه الكثرة- التي ينسي آخرها أولها- ما نشكو منه من كثرة الشروح والحواشي في كتب فقهائنا المتأخرين ...
وآخر ما يسترعي انتباه القارئ الغافل، من هذا الثبت الحافل، هو تواريخ هذه القوانين والقرارات وتعاقبها وتشابكها وكثرة الإحالات فيها، ففي خمسين سنة وضعت هذه النصوص كلها لمسألة واحدة، وكان أول نصّ منها بسيطًا، ثم تعاهده رجالُ السياسة- بإيعازات من رجال الحكم والإدارة- بالتنقيح والزيادة والتوضيح، حتى وصل إلى هذه الصورة وهذه الكثرة التي تستدعي وضع (كشف ظنون) جديد خاص. ومن يدري؟ فلعلّ واضعه الأول أوصى ببعض ما أوصى به الشيخ خليل في خطبة مختصره بقوله: "فما كان من نقص كملوه" ...
وأنا أشهد أنني اجتمعتُ بجماعة من المحامين، ورجال القانون، وطائفة من العلماء الباحثين، وفئة من أهل الاطلاع الواسع في الشؤون الإدارية، وثلة من المباشرين للمكاتب العامة، وهواة مجاميع الجرائد والمجلّات العلمية والرسمية، وسألت كلًّا منهم عن هذه القوانين وأين توجد مجموعةً، فما عرفوا شيئًا من ذلك، ولا أرشدوني إلى شيء من ذلك، ما عدا ما هو متفرّق في الجريدة الرسمية تفرّقًا شنيعًا، تنفق في جمعه أوقات وجهود، ثم سألت رجال القانون عن فقه هذه القوانين، فأجابني المنصفون منهم بأنه لا فقه لها إلا في أدمغة الإداريين المقلّدين، إذ الشأن في فقه القوانين أن يكونَ (مدهونًا) بالفلسفة الاجتماعية، مطابقًا لروح الزمان والمكان. وهذه القرارات الفردية وهذه القوانين البوليسية لم توضع لإصلاح شيء، وانما وضعت لإفساد شيء، فإذا احتيج فيها إلى شيء فيرجع فيه إلى الفقهاء المفسدين ... قالوا: وهي قبلُ وبعدُ قوانينُ استعمار. قلت لهم: ولا تزول إلا بزوال الاستعمار. قالوا: ولا يبنى على الصالح إلا الصالح. قلت: وكل ما بني على الفاسد فهو فاسد.
(3/237)

التعليم العربي والحكومة *

- 7 -
هذه هي مقدّمة المشروع الذي وضعه الشيخ (باي) بمعونة الرجال الاختصاصيين في الإدارة وتقدّموا به إليّ، كأساس للمفاوضة، على أننا إذا اتفقنا على ما فيه قدّم للوزارة لتصدر بنصوصه (ديكري) ينسخ "الديكريات" ويأكل القرارات، ولا أدري، بماذا مهّدتْ إدارة الجزائر لهذا المشروع عند الوزارة، وفي الديوان الجزائري هناك؟ وإنما الذي ندريه أن الوزارة وكل ما تفرّع عنها من اللجان والإدارات (ذات الاختصاص) خاضعةٌ في كل ما يتعلّق بنا للإدارة الجزائرية، ترجع إليها، وتتلقّى الوحي منها، وتصدُر عن رأيها، ولا تنقض ولا تبرم إلا بإشارتها. ألم ترَ أن المقدّمة التي نشرناها خُتمت بهذه الجملة: "وبإيعاز من الوالي العام على الجزائر".
وبعد هذه الديباجة التي تشير إلى جميع القوانين، وتعتمد عليها، و (تأخذ بخاطرها) وتنبّهنا إلى مواقعها، وترمز بكثرتها إلى أن العبء الذي سيخفّف عنا بسببها عظيم، وأن المنّة علينا بها جسيمة، بعد ذلك تأتي مواد المشروع مبنية بأحجار القوانين القديمة، موضوعةً على أساسها، على هذا النسق.
"المادة الأولى: قد أُلغي العنوان الثالث وهو: (التعليم الخاص بالأهالي الأنديجان) من قانون 18 أكتوبر 1892 المتعلّق بالتعليم الابتدائي الحرّ عند الأهالي الجزائريين، وكل النصوص التي كمّلته أو غيّرته".
وهذه المادة هي الجملة الوحيدة المغرية من المشروع، لأن قانون 18 أكتوبر 1892 هو أصل البلاء كله على التعليم العربي في جملته وتفصيله، وكل ما جاء بعده فهو فرع عنه أو تكميل له، ويقول الشيخ (باي) في أول حديث له معنا في المشروع: إن هذه المادة
__________
* نُشرت في العدد 71 من جريدة «البصائر»، 14 مارس سنة 1949.
(3/238)

محقّقة لشرطنا الأساسي، وهو إعلان إلغاء جميع القوانين القديمة وتعويضها بقانون واحد جديد؛ ونحن لا نصدّق بذلك ولا نعدّه محقّقًا لشيء ولا مفيدًا لشيء، لأن ذلك القانون وجميع القوانين التي تشبهه، مصوغة كالسلسلة كلها حلق متشابكة، أو كالشبكة كلها خروق لا تسدّها إلا بقلب وضعها؛ وهي غير محقّقة للإلغاء، لأننا اقترحنا على الحكومة أن يكون الإلغاء معلنًا من جانبها. وعرَض هذا الاقتراح مفاوضو جمعية العلماء على مفاوضي الإدارة في المرّة الأولى بصورة أوسع، وهي أن يُعلنَ الإلغاء في الجرائد ويُعلن معه الشروع في المفاوضات، فأبى ذلك مفاوضو الحكومة، وقالوا لممثّلي الجمعية: أعلنوا أنتم إن شئتم ...
"المادة الثانية: يجب على المعاهد الدينية على اختلافها، والتي لا يشتمل برنامج تعليمها سوى الدروس الدينية وبعض مبادئ القراءة والكتابة ولا تعلم المواد الأخرى التي تُدرس في المدارس الابتدائية، وهي المواد المشار إليها في المادة 27 من قانون 18 جانفي 1887 الخاص بالتعليم الابتدائي العام: على هذه المعاهد أن تخضع للنظام الآتي:
أولًا: على المدير الذي يريد فتح مدرسة من هذا النوع أن يخبر- كتابيًّا- نائب عامل العمالة (1) في منطقته، وإذا كان في المناطق الجنوبية العسكرية فليخبر رئيس تلك المنطقة العسكرية. ويستطيع أحد المعلّمين أن يقومَ بهذا الإخبار بدلًا من المدير.
ويجب أن يتضمن هذا الإخبار بصفة خاصة عدد التلاميذ الذين سيدخلون المدرسة.
كما يجب أن يرسل مع الإخبار الأوراق التالية:
1 - تصميم المحل.
2 - شهادة ولادة المدير أو المعلم تثبت أن صاحبها ذو جنسية فرنسية.
3 - شهادة براءة من الأحكام الجنائية لا يزيد تاريخها عن ثلاثة أشهر.
4 - شهادة استقامة وحسن أخلاق.
فإذا لم يجب عامل العمالة أو رئيس المنطقة الجنوبية في ظرف شهر من يوم إرسال هذه الأوراق المشروطة فيمكن فتح المدرسة دون توقف. ولا يرفض طلب فتح مدرسة إلا إذا كان السبب يرجع إلى دواعي الصحة في المحلات، أو سيرة المدير أو المعلمين.
ثانيًا: يجب على المدير أو المعلم أن يسجّل في دفتر خاص أسماءَ التلاميذ وتاريخ ولادتهم وتاريخ دخولهم المدرسة وأسماءَ آبائهم ووكلائهم الشرعيين وعناوينهم. وهذا السجّل يجب أن يكون دائمًا تحت طلب الحكومة".
...
__________
1) نائب عامل العَمالة: نائب الوالي أو المحافظ.
(3/239)

ثم يذكر المشروع منع العقوبات البدنية، واشتراط التلقيح، وإبعاد المصابين من التلاميذ بالأمراض المعدية، واستكمال المدرسة للشرائط الصحية، وهي شروط تقوم بها مدارسنا دون اشتراط، لأن ديننا يهدي إلى النظافة والصحة والنظام.
ويرى القارئ لهذه المواد، التي نشرناها بنصها من المشروع، أنها تذكر المدير والمعلم ولا تذكر الجمعية، مع أن مدارسنا كلها تديرها جمعيات لا أفراد، والجمعية أقوى على تحمل المسؤولية، وأقرب للقيام بالتعهدات والشروط، وأدنى أن تحقّق النظام المطلوب في مصلحة اجتماعية كهذه؛ ولكن الحكومة لا تعنيها المصلحة ولا النظام، وإنما يعنيها أن تكثر من أسباب التعطيل، وما يسهّل أسباب التعطيل، لذلك تعترف بالمدير وتتجاهل الجمعيات. لتكون أعمال التعليم كلها فردية، وليكون المسؤولون عنها أفرادًا، وقلع الأفراد أهون عليها من قلع الجماعات؛ واستهواءُ الفرد، أو أخذه بالترغيب والترهيب والمساومات أسهل وأمكن.
وقد ناقشتُ محدّثي الرسمي في هذه النقطة وشرحت له معنى ما ذكرت هنا بإسهاب، وبيّنتُ له ما نعتقده من مقاصد الحكومة فيها، فاقتنع ولم ينكره بذوقه الخاص؛ وإن لكل واحد من رجال الحكومات في كل نازلة ذوقين: ذوقًا إنسانيًّا كأذواق الناس يميّزون به المعقول من غير المعقول، والحلو من المرّ، والحسن من القبيح، لا يخرجون فيه عن طبائع الأشياء وخصائصها وأشكالها ومقاديرها؛ وذوقًا حكوميًّا يتكيّف بالاعتبارات الحكومية، وينعكس وينتكس، بالتعمل والتأثّر، حتى يصير الحلو عند صاحب هذا الذوق مرًّا، والحسن قبيحًا.
اقتنع صاحبي بأن حركتنا التعليمية حركة جمعيات، وأنها هي المسؤولة، وأن الخطاب يجب أن يكون معها، وأن المدير أو المعلم إنما هو موظف عندها، وأن تكليفه بهذه الشروط مدرجة إلى تعطيل أعمال الجمعيات؛ ولكن ذوقه الحكومي لم يسمح له بتجرع هذا ...
وفي المادة الثانية وجوب الإخبار بفتح المدرسة، إلخ. والإخبار المجرّد أمر بسيط، نقبله ولا نتحرج منه؛ ولكننا نقبله على أنه إخبار مجرّد مقرون بالشروع في التعليم؛ أما الحكومة فتسمّيه إخبارًا، وتفسّره استئذانًا، لأنها تقول: إذا لم يجب عامل العمالة أو رئيس المنطقة في ظرف شهر من يوم الإخبار فللطالب أن يفتح المدرسة. إذن فهو استئذان، وترخيص، لاإخبار؛ ولو كان إخبارًا فقط لما توقف على إذن ولا تأجيل؛ وما دام التأجيل مقرّرًا فمعناه أن لعامل العمالة أن يجيب بالرفض، وأن يتعلّل بتلك العلل المستثناة.
هذه واحدة من بقايا المعاني القديمة في هذا المشروع.
(3/240)

التعليم العربي والحكومة *

- 8 -
ثم يقول هذا المشروع الذي هيّأوه للوجود، وجرّدوه من خصائص الوجود وعناصره، وأرادونا على أن ننفخ معهم الروح في جماد، فأبينا، واستدرجونا إلى أن نقبل القديم، ملفوفًا في ثوب جديد، معنونًا بعنوان جديد، فأبينا، وأن نتجرّع السم في زجاجة دواء، فامتنعنا، يقول المشروع في تفصيل المادة الثانية:
"رابعًا: يمكن لعامل العمالة بإيعاز من السلطة البلدية، ولحاكم المنطقة العسكرية بإيعاز من السلطة التي تحت نظره، أن ينزع رخصة التعليم مؤقّتًا، أو مؤبّدًا من المدير أو المعلم إذا وقعت منه خطيئة في مزاولة عمله، أو ارتكب ما يفسد أخلاقه وسيرته، ويجب على المدير أو المعلم الذي يخلفه أن يقدّم الأوراق اللازمة المشار إليها في القسم الأول من هذه المادة بحروف: أ، ب، ج، من هذا القانون.
ويستطيع الوالي العام على الجزائر أن يعطّل- بصورة استثنائية- سير أي مدرسة في حين وقوع حادث ذي صبغة خطيرة، وبإيعاز من عامل العمالة أو حاكم المنطقة الجنوبية العسكرية".
كنا وما زلنا نعلن للملأ، ونقول للحكومة: إن البلاءَ المنصبّ على تعليمنا آت أقلّه من القوانين وأكثره من كيفية تنفيذها، ومن القائمين على تنفيذها، وما القائمون على تنفيذها إلا صغار الشرط ومن فوقهم من حكام الأحواز المدنية، والمناطق العسكرية، لأن هؤلاء الجبابرة حين يتولّون تنفيذ القوانين المتعلقة بنا، وبديننا وتعليمنا، لا يباشرون ذلك على أنه تنفيذ لقانون يقف الطرفان عند حدوده ونصوصه، ولا يأتون ذلك بشيء من روح العدل، وإنما يباشرون ذلك على أنه انتقام من العربي المسلم (الأنديجان)، وبروح التشفي والمكر وإطفاء الحقد
__________
* نُشرت في العدد 72 من جريدة «البصائر»، 21 مارس سنة 1949.
(3/241)

الكامن، فالتنفيذ عندهم في هذا الباب، تنفيذ عقوبة لا تنفيذ قانون، وقد بلوْنا ذلك وخبرناه فإذا هو هو في جميع صوره ومظاهره وملابساته، حتى في ردّ الجواب، وهيئة الخطاب.
هذا الذي جأرنا بالشكوى منه هو الذي تقرّره وتثبته هذه الفقرة من هذه المادّة من هذا القانون، فتبنّي الرخصة ونزعها وتعطيل سير المدارس (على الإيعازات) من هذا الصنف الذي ما خلق إلا ليكون شرًّا على ديننا ودنيانا، والذي لا يوعز في حقنا إلا بالهضم والظلم، والشر والتضييق، والذي لا يرضيه عنا شيء، إلا أن ننسلخ من كل شيء، فإلى هؤلاء الذين لا يحكمون فينا بالعدل والقانون، وإنما يحكمون بالعاطفة والشهوة، يكل "المشروع" أمرًا حيويًّا، وعلى إيعازاتهم يبني حياتنا وموتنا.
ونرجع الآن إلى مقارنة بين الفقرة التي نقلناها، وبين ما قبلها. فهذه الفقرة تفاجئ بأن لعامل العمالة أن ينزع الرخصة بإيعاز ... وأية رخصة هذه؟ ولم يجر لها ذكر وإنما جرى ذكر الإخبار المجرّد محفوفًا بالإبهام وما يشبه التناقض، وقد ناقشناه في المفاوضة وأشرنا إليه في المقال الماضي.
ثم تتعثّر هذه الفقرة في إجمال للإيعاز وللسبب الذي ينبني عليه وهو (الذنب الخطير) وقد ناقشت المفاوض الحكومي في هذا التناقض وشرحت له في هذا الموضع رأي الجمعية في أصل (الرخصة) وبيّنت له فسادها وأضرارها، وأبواب التحكمات التي تفتحها علينا، وسجّلنا كل شيء ولكن الرجل مفاوض غير مفوّض ... ثم ألزمته بتحديدات لهذه النقط المظلمة، والعبارات المبهمة، ومنها الذنب الذي يستوجب مرتكبه نزع الرخصة منه، فأجاب على الإجمال بإجمال، فشرحت له مراد الحكومة من هذا الإجمال، ومرادها (بالذنب الخطير) وأنها تطلق وتعمّم ليبقى باب التأويل مفتوحًا لرجالها، ولكنها- على كل حال- لا تريد من الذنب شرب الخمر ولعب الميسر، والزنا، وكبائر الإثم والفواحش، لأن هذه كلها مشمولة بحمايتها، وكلها- ولو اجتمعت- أخفّ في الإجرام من جريمة التعليم العربي، وإنما تريد الحكومة من الذنب شيئًا واحدًا، تسمّيه إذا شاءت بأسماء عديدة، وتحصره إذا شاءت في اسم واحد وهو السياسة، ولو كان هذا الوصف الشريف منطبقًا على كل من (تتّهمه) به لهان الأمر، ولكنها تكل إلى عمالها رمي من شاؤوا به. فإذا غضبوا على شخص ما، لأمر ما، ولم يجدوا في أعماله مطعنًا، ولا في حياته مغمزًا، ولا في سيرته معلقًا للتهم، رموه بهذه النقيصة التي لا كمال معها، لينتقموا منه، ويطفئوا نار غضبهم عليه، وما دامت حكومتهم تضع المتون، وتكل إليهم الشروح، فهذا هو الشرح الوجيه التي يتفق مع مراد الشارع، ويؤدّي مراد الشارح.
هذا هو المقصود من الذنب، وضعته الحكومة قصدًا ونيّةً وبيّنه رجالها عملًا وتطبيقًا، وعرفناه نحن مشاهدة وتجريبًا، فكل إجمال فيه ضائع، وكل تفصيل له عبث ولغو.
(3/242)

فإذا جاوزنا من المشروع (رابعًا) كما يجاوز الحاج رابغًا، وجدنا (خامسًا) لا يفهمه إلا الراسخون، ولا يضعه إلا الماسخون، وهو:
"خامسًا: في المدن التي لا تكفي مدارسها (الحكومية) العامة لإيواء كل التلاميذ الذين هم في سن الدارسة- يسمح عامل العمالة بإذن كتابيّ منه، بفتح مدارس حرّة ذات صبغة دينية، لمدة لا تتجاوز سنة واحدة دراسية. لتعلّم في ساعات التعليم بالمدارس العامة دون مراعاة للمسافة التي بين المدرستين. ويمكن أن تجدّد هذه الرخصة".
ومعنى هذه المبهمات أن قوانين الحكومة تمنع فتح مدارس (أجنبية) بجنب مدارسها الرسمية وتمنع كل تعليم أجنبي في الساعات التي تكون فيها مدارسها مشغولة بالتعليم الرسمي، كل ذلك بالنسبة للأولاد الصغار الذين يكون سنهم دون الرابعة عشرة، ولكن هذا كله لا يعقل تطبيقه إلا إذا كان التعليم إجبارًّيا، ومدارسه كافية لكل طالب، أما حالتنا مع هذه الحكومة فكلها شذوذ في شذوذ، فالتعليم ليس إجباريًّا، والموجود لفظ بلا معنى، وجسم بلا روح، وتعب بلا فائدة، وللحكومة في جعله كذلك حكم وأسرار، ولعلها من المفيد لنا لا الضار، والمكاتب غير كافية حتى لعشر المعشار، وإدارتها لا تقبل من أبنائنا إلا بمقدار، فلما رأت الحكومة إقبال الأمّة على تعليم أبنائها، تعليمًا عربيًّا دينيًّا، وتصميمها على ذلك، ورأتْ من جهة أخرى تنبّه الأمّة لتقصير الحكومة في التعليم المدني، وعدم قيامها بالواجب له، واحتقارها للمسلمين في كل ما يجب لهم منه، وبخسها لحظّهم منه، لما رأت الحكومة ذلك وتدّبرت عواقبه، أدمج مشرّع هذا المشروع هذه الفقرة، ليلفتنا من جهة إلى هذا القانون المدسوس فيخيفنا به، وليمنّ علينا بأن للعامل أن يرخص: في الدراسة الدينية، للأطفال الصغار، في ساعات التعليم الرسمي، إذا كانت المدرسة لا تكفي لإيوائهم ... وليت شعري، إذا وجدت هذه الأمور كلها، واجتمعت، ثم جاء شخص أو حكومة أو أي كائن يريد منع الناس من التعليم حتى يستأذنوه، وحتى يرخص لهم، ولمدة عام واحد فقط، ثم يعاد الاستئذان ويعاد الترخيص أو يُرفض، إذا جاء إنسان أو حكومة بمثل هذه الموبقات، مع وجود هذه المقتضيات كلها، فماذا يقال فيه؟ الحق أن أقلّ ما يقال فيه: إنه عدوّ لدود للعلم والتعليم، ووليّ حميم للجهل والأميّة، وهذا هو ما قلناه- في صراحة- لهذه الحكومة. وما قلنا لها هذا إلا لما تعاملنا به من مثل هذه التشريعات.
ومن المضحكات قول هذا المشرع: دون مراعاة للمسافة بين المدرستين ...
إن هذه الأمور إذا اجتمعت صيّرت العاقل بين أمرين: إما أن يضع جميع الاعتبارات والقوانين تحت رجليه ويعلم، وإما أن يجنّ ...
(3/243)

التعليم العربي والحكومة *

- 9 -
ثم ماذا؟ ...
ثم يقول هذا المشروع الذي لم يرزَق براعة الاستهلال، ولا دليل الحياة من الاستهلال:
"المادة الثالثة: تخضع المعاهد التي يشمل برنامج تعليمها كل أو بعض مواد التعليم الابتدائي المشار إليها في المادة 27 من قانون 1887، لنصوص المادتين الثانية والثالثة من قانون 27 نوفمبر 1944 الخاص بنظام التعليم الحرّ في الجزائر، ولا يطلب من المعلّمين أي شرط ليعلّموا في هذه المعاهد مواد غير مذكورة في المادة 27 من قانون 18 جانفي 1887".
ولسنا بصدد شرح هذه المواليد المختلفة في الأعوام، المتجمعة في أنها ظلم وظلام؛ مقنّعات بقناع النظام. وإن هذه الإحالات المتكرّرة لتكفي وحدها في التعقيد، وخفاء المراد عن المريد، وكلها قوانين كانت نائمة، وكانت الحكومة عنها صائمة، فلم توقظها في وقت من الأوقات، مثل ما أيقظتها في هذه السنوات الأخيرة. لأنها كانت تظن أنها سلاح لغير قتال ولا معركة، لأن الأمّة كانت تغطّ في النوم أيضًا، فما حاجة الحكومة إلى تلك القوانين؛ وإنما وضعتها للاحتياط وقطع الشك ... فلما جدّ جد الأمّة في هذه السنين، وفتحت أعينها على تراث منهوب، وحق مغصوب، ومدّت أيديها للاسترجاع والتجديد، مدّت الحكومة يدها إلى تلك القوانين تحرِّكها وتوقظها، وتغذّيها بالزيادات والملحقات؛ ومن أشنع هذه الزيادات ما وُلد في طالع النحس، وهو ما قرّرته لجنة التحرير القومي يوم كانت الدولة الفرنسية كلها في الجزائر، وكانت فرنسا كلها تضطرم ثورةً وحربًا. ففي ذلك الوقت الحرج الذي ينسى فيه الخليل خليله، لم تنسنا لجنة التحرير القومي، وكافأت الأمّة
__________
* نشرت في العدد 73 من جريدة «البصائر»، 28 مارس سنة 1949.
(3/244)

الجزائرية على الإحسان بالإساءة، وعلى المعونة بالخذلان، وعلى الدم بالهدم والهضم؛ وكان الهضم عامًّا لجميع الحقوق، ولكن التعليم العربي نال الحظ الأوفر من هذه الهضيمة، إذ رمته لجنة التحرير القومي بقانونين، وإن لم تكن لها قوّة "التقنين": أحدهما قانون 6 أوت 1943، والثاني قانون 27 نوفمبر 1944؛ وقد ذكرا في هذا المشروع، وأدرجا في مقدّمته، مع القوانين التي يجب الاعتماد عليها، والرجوع إليها: وإن التشريع في أيام الحرب للأمور الاجتماعية، كالتعليم مثلًا يخطئه التوفيق ويحالفه السفه والخطل، لأن زمن الحرب زمن ضرورة وترخص واستثناء، فما يصلح فيه لا يصلح في غيره، وحالة الحرب حالة اضطراب في العقول والأفكار، ليس معها هدوء ولا استقرار، فما شرعته تلك العقول، أو أنتجته تلك الأفكار، لا يكون إلا شدّةً أو انتقامًا أو بلاءً مبينًا. بل نقول: إن عمل لجنة التحرير القومي، أو عمل الحكومة الفرنسية في تلك الأيام في مثل هذه الشؤون، يعد كالعمل يوم القيامة، لا ينفع الأبرار، ولا يضرّ الفجّار.
إن أوجع الضربات المسدّدة للتعليم العربي، من هذا التشريع "الحربي" ما فرضه على المدارس العربية من تعمير خمس عشرة ساعة في الأسبوع بتعليم اللغة الفرنسية.
سألني المفاوض الرسمي- وهو يحاورني في هذه النقطة من المشروع- عن رأي في هذه الساعات الخمس عشرة، وعما يمكن أن نقبله منها، فقلت له: إننا لا نرضى في هذا الباب بشيء يزاحم لغتنا، ويضايق تعليمنا، وبيّنت له في تعليل ذلك الأسباب الآتية:
أولًا: إن مدة التعليم عندنا هي خمسة أيام في الأسبوع، فإذا قسمنا عليها خمس عشرة ساعة كان حاصل القسمة ثلاث ساعات لكل يوم؛ فماذا يبقى لتعليمنا العربي؟
ثاينًا: إن تعليمنا ديني، وفيه حفظ القرآن، وحفظ حصّة من القرآن يستغرق ثلاث ساعات من اليوم، فماذا يبقى لتعليم الدين والعربية؟
ثالثًا: إن أولياء تلامذتنا إنما جاؤونا بأولادهم لتعلّم العربية والدين، ولا نحقّق رغبتهم إلا بتعليم أبنائهم ست ساعات كاملة.
رابعًا: إن أغلب تلامذتنا يتركّب من المطرودين من المكاتب الفرنسية بدعوى مجاوزة السن القانونية، أو بدعوى ضيق الأمكنة عنهم، وفي الجمع لهم بين تعليمين إضاعةٌ للتعليمين معًا.
خامسًا: إن تعليمنا ابتدائي، وما عهدنا تعليمًا ابتدائيًّا يجمع بين نوعين من التعليم.
سادسًا: إن مدارسنا تنفق عليها الأمّة، وهي محدودة الموارد المالية. فمن أين ننفق على طائفة تساوي عدد معلّمي العربية؟ لا نقدر نحن على الإنفاق، ولا نرضى بأن تنفق
(3/245)

الحكومة على هؤلاء المعلّمين، إذا رضيت هي بذلك، لأننا نعلم مقاصدها من ذلك، ونعرف عواقب ذلك، ومن عواقبه التدخل والتحكم والتسلّط والإفساد.
سابعًا: إن أولادنا الذين يتعلمون في المكاتب الفرنسية ست ساعات في اليوم لا ينجح منهم تسعون في المائة، لفساد مقصود في البرنامج، واختلال متفق عليه في النظام، فكيف ينجحون أو يستفيدون من ثلاث ساعات في اليوم؟ إلا إذا كان المقصود مضارّة كل من اللغتين للأخرى، وهو ما نقوله ونعتقده ونؤّيده بالشواهد.
ثامنًا: إن للّغة الفرنسية مدارسها وحكومتها وملايينها وقوّتها، فما معنى هذه المضايقة؟ وما معنى هذه المزاوجة التي لا تفيد واحدةً منهما؟
ولتحقيق السبب الخامس من هذه الأسباب وتيسيره علينا جاء المشروع بعد كلامه السابق متصلًا بقوله:
"يستطيع عميد جامعة الجزائر بصفته مديرًا عامًّا للتعليم الوطني في القطر كله أن يضع تحت تصرّف مديري المدارس، حين يطلب منه ذلك، المعلّمين الذين ينقصونهم لتعليم المواد التي تدرس إجباريًّا باللغة الفرنسية" ...
لم نسمع كلمة (إجباريًّا) إلا هنا، وفي مدارسنا التي شدناها بأيدينا، وأنفقنا عليها أموالنا، ونعلم فيها ديننا ولغتنا؛ أما في مدارس الحكومة فلم نسمع كلمة إجباريًّا أبدًا؛ وإلى الآن، وبعد قرن وزيادة، لم تشرع فرنسا قانونًا يقضي بتعليم المسلمين تعليمًا إجباريًّا كما هو الشأن في أبنائها، وكما هو الشأن عند جميع الأمم، وبقيت هذه المنقبة مدّخرة لدور لجنة التحرير، فتقرّر جعل تعليم اللغة الفرنسية إجباريًّا، ولكن في مدارسنا لا في مدارس الحكومة ...
ثم يختم المشروع بهذه المادة التقليدية وهي:
"المادة الرابعة: وزير التعليم الوطني ووزير الداخلية مكلّفان كل في ما يخصّه بتنفيذ هذا القانون الذي سينشر في الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية، وفي الجريدة الرسمية لحكومة الجزائر".
ولكن المشروع أدركه الغرق، ولم يعدُ أن يكون حبرًا على ورق؛ وقد رضيت المفاهمة فيه، مع أنه لا يتضمن إلا جزءًا من مطالبنا لئلا يقال: إننا متعنّتون، وكنت على يقين من أول خطوة بأن المفاهمة ستخفق. كما أخفقت قبلها المفاهمة التي تولّاها الأستاذ التبسي وصاحباه، لأننا انتهينا من فهم الإدارة الجزائرية إلى الدرجة التي لا يطلب بعدها علم. ولكنني ناقشت صاحبي في نقط المشروع الأساسية وهي: الرخصة، وسلطة الحاكم في
(3/246)

التعطيل، وأسباب التعطيل، وفرض خمس عشرة ساعة في الأسبوع للفرنسية، وبيّنت له رأينا فيها بشدة وصراحة، ثم رفضت المفاهمة في المشروع بحذافيره، وفي جملته وتفصيله، وأبى لي ديني أن أعطي الدنية فيه، وأبت لي عروبتي أن أقرّ الضيم للغتي، وأبى لي شرف الجمعية وشرف العلم، أن أتمادى في مفاهمة ضالة عقيمة في حق طبيعي ثابت، وأن أجاري الاستعمار في الهبوط إلى هذه التوافه في وقت تطلعت فيه الشعوب التي هي أقل منا شأنًا وأحطّ درجة إلى التحرّر من قيود الاستعمار.
رفضتُ المفاهمة ونفّذت قرارات الجمعية في سير التعليم إلى نهايته، وللحكومة أن تسقط السماء علينا كسفًا، وأن تتجنّى علينا ما شاء لها التجنّي والظلم.
وبعد، فهذه صورة من هذه القضية كلها حقائق. وليست هي كل القضية، وإنما هي جوانب منها تأكدت الحاجة إلى بيانها فبينّاها على النمط الصحفي الذي يفيض على نزوات، الألم، ودواعي الضغط، لا على النسق التاريخي الذي يبيّن الأسباب ويبني عليها النتائج، ويشرح ويتقصّى؛ وإذا كانت في هذه الكلمات كلمة شديدة فإنما ذلك لشدة الدافع إليها، ولعلّ القرّاء الغضاب الساخطين لا يقنعهم هذا الأسلوب الليّن المتساهل، وعذري إليهم أنني لم أقصد إلى الإثارة والاستفزاز، وإنما قصدت أولًا إلى التنبيه الهادئ، وعمدت إلى تقرير الواقع لا إلى إقراره.
أما النتيجة ... وأما رأيي فـ ...
(3/247)

التعليم العربي والحكومة *

- 10 -
وأما بعد، فهذه فصول، بعض أجزائها حكاية صادقة، وبعضها تجريح مؤلم، وبعضها رأي صريح، وبعضها نقض هادئ. وفيها جمل ثائرة، وكلمات بالغضب فائرة، وليس فيها تجنّ ولا تعنّت، وليس فيها تساهل في الحق ولا تنازل عن بعضه. فإن عابها البعض بأن فيها تطويلًا في مسألة قصيرة، أو بكاءً في غير مأتم، أو تباكيًا يُشمت العدو، أو أخذًا بقديم من التشكي ينافي روح العصر الذي شبّ عن طوق الصغائر، وخبّ في طلب العظائم والكبائر. فعذر هذا العائب أنه نائم أو غائب، أو جاهل للحال، أو جار مع الخيال.
وكل هؤلاء لم يبتلِ بمثل ما ابتلينا به، من أمّة خدّرها الاستعمار، حتى صيّرها آلات استثمار، ورماها بالجهل وكله علل، وراضها على الأميّة وهي شلل، فنسيتْ نفسها وماضيها، وجهلت حاضرها ومستقبلها، وعميتْ عليها الأنباء، وثقُلت عليها الأعباء، ومن حكومة غلب عليها العناد، وغاب عنها الرشاد، ومن حكام يحكمون العاطفة، وهي غضب وحقد، ويجرون مع الهوى، وهو تشفّ وانتقا، ويخدمون مبدأ، وهو استعمار واستعباد، ومن ابتُلي بمثل ما ابتُلينا به حمد منه الإكثار، واستحسن التطويل، فإن أفاد فهو بيان وتوكيد، أو لا فهو بثّ يريح، ونفث يشفي.
...

أما الحقيقة التي يجب أن تعرفها أمّتنا من هذه المعركة، ويجب أن تشيع فيها شيوع الحقائق المسلمة، ويجب أن يأخذ كل فرد منها حظه من معرفتها، فهي أنها صراع بين الإسلام والمسيحية، ظهرت آثاره في جانبين: في جانبنا بهذا الصبر المستميت، وهذا
__________
* نُشرت في العدد 74 من جريدة «البصائر»، 4 أفريل سنة 1949.
(3/248)

التصلب الشديد، وفي هذه المقاومة العنيفة التي يعدّها الخوالف تهوّرًا منا وجنونًا، وظهرت آثاره في الجانب الحكومي بهذا التصامّ عن الحق، وهذا التصميم على الباطل، وهذه البرامج التي تظهر كل يوم لحرب التعليم العربي- الإسلامي، ومن فروع هذا البرنامج الواسع- الانهماك في تشييد مئات المكاتب وفتح مئات الأقسام، لتسع أولادنا فتشغلهم بتعليمها عن تعليمنا، وتُعطّلهم عن تعليم مفيد بتعليم ناقص لا يؤهّلهم لشيء من طرق الحياة ووسائلها، وإنما يؤهّلهم لشيء واحد وهو الاستعباد المريح للسيد ... إذ لا يحصلون من وراء هذا التعليم إلا على كلمات يلوكونها بالفرنسية ويفهمون بها عن الحاكم إذا أمر، وعن المعمّر إذا زمجر، ومن فروعه هذه الأقسام الليلية التي فتحتها الحكومة في هذه السنة، بعد ما مهّدت لها في التي قبلها، وجنّدت فيها جيوشًا من المعلّمين بمرتبات إضافية، لتفتن بها الشبان منا والأحداث عن تعلّم لغتهم ودينهم؛ ومن فروعه هذه المكائد التي تنصبها لطلبة العربية الذين يعرفون القراءة والكتابة لتستهويهم بالوظائف وتُغريهم بالمرتبات.
فهذه- ومثلها كثير- كلها حيل تحوكها الحكومة لتقطع بها الطريق على التعليم العربي الديني، وتسدّ المنافذ على طلّابه. وأين كانت هذه الحكومة بالأمس القريب يوم كان تسعون في المائة من أبنائنا يهيمون في أودية الأميّة؟ أكانت عاجزة بالأمس عما قدرت عليه اليوم؟ إنها كانت بالأمس أقدر منها اليوم على التثقيف العام، وعلى فرض التعليم الإجباري، وكانت أقوى وأقوم، وكانت أنعم بالًا، وأكثر فراغًا. ولكنها كانت مغتبطة بحال المسلم من الجهل والأميّة، وكانت تمهّد له سبيلها، وكانت تتمنّى أن لا يفتح عينه على العلم، وأن لا يفتح عقله للعلم؛ فلما أفاق من غفوته، ونهض من كبوته، وأقبل على الحلم، جاءت تخادعه بهذه البرامج التي ذكرنا بعض فروعها لتلهيه بالقشور عن اللباب، وتُريه النافذة وتمنعه من ولوج الباب.
فلتحذَر الأمّة هذه المظاهر الغرّارة فإنها كالسراب، يخدع الظامئ ولا يرويه. وإن مثل الحكومة كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر، فلما كفر قال إني بريء منك.
إن الحكومة تعتمد، في الوصول إلى غايتها في هذا الباب على الساحر الأكبر وهو المال، تغوي به وتُغري وتغرّ، وتخيّل إلى الناس من سحره أنها تنفع وهي تضرّ، وإذا رجع الأمر إلى المال فالحكومة هي الفائزة بلا شك. لأن المال بيدها لا بيدنا. فلم يبق للأمّة من سلاح تدافع به الحكومة وتُبطل به سحر المال إلا الإيمان والكرامة والعزيمة والإصرار، وهذه كلها من أوائل ما يغرسه الإسلام في نفس المسلم.
...

إن الذين ينظرون من الأشياء إلى ظواهرها، ويقفون عند السطحيات، ويرون أن هذا الصراع أمر عاديّ مما يقع بين الحاكم والمحكوم، إذ كان أمر الأول لا يقوم إلا على
(3/249)

القوّة، وعلى العنف في تلك القوّة، وكان أمر الثاني لا يستقيم لحاكمه إلا بالخضوع والانقياد؛ فإن خرج عن هذا الطور فإلى المقاومة، ما أمكنت المقاومة؛ فإن تمرّد أحيانًا فلكي يستريح من العذاب النفسي؛ فإن زاد فذلك عرق الحرية ينبض في القلب أو في اللسان، لتثبت وجودها، ولتدل على نفسها بنفسها.
أما المتعمّقون في التفكير فيرون أن هذه المعركة غير عادية، وإنما شأنها ما ذكرناه، وهو أنه صراع بين الإسلام والمسيحية. فالحكومة- وإن كانت لائكية في الاسم- مسيحية في المعنى والنسبة والأعمال والمظاهر، والاستعمار كله مسيحي، يخفي ذلك ما يخفيه فتفضحه الشواهد والشهود؛ والعنصر اللاتيني في هذا الباب هو إمام الأئمة وقطب الأقطاب.
إن إلحاحنا في المطالبة بحرية التعليم العربي، وبحرية المساجد وإرجاعها مع أوقافها إلى أهلها، وباستقلال القضاء الإسلامي عن القضاء الفرنسي، لأن هذه الثلاثة هي بعض حقوقنا في الحياة، ولا يكمل الجانب الديني منها إلا بهذه الثلاثة مجتمعةً متلازمةً؛ وحرية التديّن حق طبيعي لكل إنسان، وليست الحياة الدينية هي كل حقوقنا. بل هناك الحياة الدنيوية، أو الحقوق السياسية، وهي حق طبيعي أيضًا لنا ولكل إنسان. أثبته الله، ويريد الاستعمار محوه. وما أثبته الله فما له من ماح.
هذه الحقوق السياسية هي نقطة الإشكال في نظر الاستعمار، فهي التي تقضّ مضجعه، وتفسد عليه تخيلاته، وترميه بالمقعد المقيم؛ حتى أصبح يتوهم أن كل صيحة هي دعوة إليها، وأن كل لفظة كناية عنها. وأن كل طريق مؤدّية إليها؛ وحكومة الجزائر سادنةُ الاستعمار، بهذه الديار، مصابة بعارض مزمن، من هذا الخيال المزعج، فهي تصرفنا عن حقوقنا السياسية بكل صارف، وهي تود- بجدع الأنف- أن تمنعنا من التفكير فيها؛ ولو استطاعت لمنعت طيفها أن يلمّ بنا في المنام؛ وهي لذلك تسدّ الذرائع الموصلة إليها، وتحاربنا في الوسائل، لتصدّنا عن المقاصد؛ وهي لذلك تتعمّد إقحام السياسة في كل أعمالنا، وتسمّي كل شيء مما نقول ونعمل سياسة، حتى قراءة القرآن وتأدية الصلاة والصوم والحج، وهي لذلك تدُسّ أنفها في كل أمر ديني، فتتمسّك بالمساجد وأوقافها، وتتحكّم في رجالها، وتسيطر على الحج ووسائله، و (تحجّج) كل عام متصرّفًا فرنسيًا وقائدًا نصف فرنسي وعدة أعوان جواسيس، لتشكّل منهم في سفينة الحج (حوزًا ممتزجًا) (1) بجميع خصائصه وأشخاصه، حتى يشعر المسلم الجزائري أن يد الاستعمار لا تفلته في البر والبحر، وفي مكة والمشاعر ...
__________
1) الحوز الممتزج، هو كل ناحية في القطر الجزائري، سكانها مسلمون، أو معظم سكانها مسلمون، ويُسَمّيه الفرنسيون: Commune mixte، والمتصرّف هو الحكم المستبد الذي يحكم هذه الناحية ويسمّونه: Administrateur، والقانون الذي يستمد منه أحكامه هو قانون الأخذ بيمينه الذي يبيح له أن يضرب الأهلي ويسجنه بغير محاكم.
(3/250)

إن الحكومة تسمّي أعمالنا الدينية سياسة لتحاربنا بذلك، كما يلبس القوي خصمه الضعيف لباس الجندي، ويقلّده شبه سلاحه ليقول للناس: إنه جندي، وإنه شاكي السلاح، وإنه مقاتل. وإنه يريد أن يقتلني فيستبيح بذلك قتله ...
ووقفنا عند حدود المطالبة بالحقوق الدينية الطبيعية فلم يعن ذلك شيئًا، وتدرّجنا من اللين إلى الشدّة، فلم ينفعنا ذلك فتيلًا، وجارينا الظروف أحيانًا، فلم يجدِ ذلك نقيرًا، وجاوزنا الحدود أحيانًا، لنستعين بشيء على شيء ولنتخذ من الأشدّ وسيلةً للأخفّ فلم يفد ذلك قطميرًا، وتطوّر الزمان وتطوّرت الأمّة، وتعدّدت المقتضيات، ولكن الحكومة جامدة ودار ابن لقمان على حالها؛ ورجعنا إلى تجارب ربع قرن ندرسها، ونعتصر منها ما نجعله أساسًا لأعمالنا من جديد، وقاعدةً لمستقبلنا ومستقبل ديننا ولغتنا وأبنائنا، فكانت نتيجة الدرس أنه لا أظلم من الظالم إلا من يخضع لظلمه ويحترم قوانينه الظالمة.
أما الرأي الشجاع العاقل الحصيف الموزون بميزان العدل والحق، ولا يضيره أن يكون هو الرأي الأخير، ولا أن يكون رأيَ (العبد الفقير). فهو أن نجمع ونصمّم، ونعتمد على أنفسنا، ونتوكّل على ربّنا، ونتعلّم ديننا ولغتنا وكل ما يخدمهما من علوم وفنون، من البدايات إلى النهايات. لأن ذلك ألزم لحياتنا ووجودنا من الطعام والشراب. ولا نبالي بمخلوق يقف في الطريق، ولا بحقود يغصّ من حقده بالريق.
واذلّاه ... واذلّاه ... أما يكفينا ضعةً وهوانًا أن نستجدي ونمد أكف (الشحاتين) في شؤون ديننا؟
لا استجداء في الدين بعد اليوم- أيتها الأمّة- إن كنت مؤمنة بالله واليوم الآخر، وبمحمد وبالقرآن، وعفا الله عما سلف من ذلك.
أما نحن فقد كنا علماءَ دين، ودعاة علم وتربية، وزرّاع خير ورحمة، ولكن الحكومة تعدّ هذا كله سياسة، وتعتبرنا لأجله سياسيين: فليكن ذلك، ولنكن علماءَ وسياسيين، ولنكن كل شيء ينفع أمّتنا ويحمي ديننا ولغتنا.
ما دمتَ لا تجد صاحبك إلا حيث تكره، فمن العدل أن لا يجدَك صاحبك إلا حيث يكره.
(3/251)

معهد عبد الحميد بن باديس *
((عذري فيما يراه قرّاء هذا المقال من نقص في الإبانة، وتشويش في البناء، وتفاوت بين الأجزاء، وبُعد عن المعهود من مثلي في مثله، أنني كتبته في أثناء أسفار، في عشرات من القرى، وفي عشرات من الحالات التي تعتري المسافر، المنهوك الأعصاب من المحاضرات والأحاديث، فجاء المقال وعليه نفض من روح كاتبه، وفيه رُقع ولمع وألوان شتى، وجاء كصاحبه يلهث تعبًا، وكأنه مريض بالسكر، وقد حاولت تنقيحه فأبت الشواغل، وزاحم الواغل ... فتركته كما هو)):

أيتها الأمّة: وإليك يُساق الحديث. هذا موقف الحساب على الأموال والأعمال، وهذا سجله الحافظ للدقائق والجلائل، يُمليها على الأجيال الحاضرة، ويحدّث بها الأجيال المقبلة، متصلة الإسناد، مؤّيدة بالشهود والشواهد، ويسوءنا- والله- أن يتحدّث عنا بتقصير في الواجب، أو يشهد علينا بتضييع للحق، وإضاعة للفرصة، أو يسجّل علينا نقص القادرين على التمام.
إن المرء حديث بعده، وإن الأمّة أحاديث متسلسلة؛ وفيما يتركه الأول للأخير المال والمتاع، وفيه العلم والفضائل وفيه الأحاديث ... وإن الأحفاد وأحفادهم لا ينسون نقصنا لكمالهم، ولا يغضون عن مقابحنا لمحاسنهم، ولا يصفحون عن زللنا لبرّهم بنا؛ ولكنهم سيحاسبون فيناقشون الحساب، وإن هذه النهضة التي بدت مخايلها لا يغطّي كمالها الأخير نقصها الأول، وإن ترعرع في مثل رونق الضحى شبابها، وتفرّعت في أزكى المنابت أفنانها.
إن أحفادنا- يوم تتصل أسبابهم بأسباب هذه النهضة- سيتحدثون عنها وعنا، وسيوفوننا الحساب على أعمالنا لها، وعلى آثارنا فيها حمدًا وذمًّا، كما نتحدّث نحن عن أجدادنا الأدنين والأبعدين، ونذكر ما بنوا وشادوا، وما نقضوا وتبَّرُوا.
__________
* نُشرت في العدد 90 من جريدة «البصائر»، 5 سبتمبر سنة 1949.
(3/252)

فاخْشَي- يا أمّة- يومًا يعرض فيه هذا الطور من أطوارك على أخلافك، ويُمتحن هذا الساف (1) الأول من بنائك، بأيدي أبنائك؛ فيجدون النقص هنا، والعوج هناك، والتهافت هنالك، ثم ينظرون فيجدون الأساس قد وُضع على دِمنة ... ذلك هو الفضوح، وتلك هي سخنة العين.
إن التاريخ سيكتب عن يومك هذا أنه ميلاد نهضة، وفجر انقلاب، وبدء تجديد ستنتزع منه هذه الشهادة انتزاعًا لا خيرة فيه، لما في طبيعة يومك هذا من الغلوّ والإسراف، والإخلاء (2) والإسفاف، ولما فيه من الدعاوى الدعية، والشهادات غير المرعية؛ فاحرصي على سدّ الخلل وتقويم العوج ما استطعت، وأكثر مما تستطيعين، حتى تكون الشهادة قريبة من الصدق.
إن عمل الأجداد للخير والنفع، وبناءهم الباقيات الصالحات للعلم، مفخرةٌ للأحفاد، وحفز لهممهم، وتقصير للمسافة عليهم، وتقليل من الجهد والنصَب، وغرس وتمهيد؛ فضعي- أيتها الأمّة- في أيدي أبنائك ما يفاخرون به، وابني لهم ما لا يحتاجون معه إلى الترميم.
إن برّ الآباء للأبناء أساسٌ لبرّ الأبناء للآباء فأقرضوا أبناءكم البرّ الحسن تجدوه مضاعفًا ويؤدّوه إليكم ومعه فائدته وريعه.
ولو أن آباءنا وأجدادنا الأدنين بنوا لنا المدارس لأراحونا من هذه المتاعب التي نلقاها في بناء المدارس، ولصرفنا هذه الجهود في ما بعد البناء من تثمير وتعمير؛ ولكنهم- عفا الله عنهم- عاشوا لأنفسهم في شبه غيبوبة عن زمنهم، يتعلّلون بالخيال، ويلوذون من الحرور بالظل الزائل، ولم يعيشوا لنا، ولا فكّروا فينا، ولا أقرضونا شيئًا يذكّرنا بهم، فماتوا غير مذكورين، ولا مشكورين، وتركونا نمشي بأجرد ضاح؛ ولولا بقية من مساجد القدماء في الأمصار لوجدنا آباءنا يصلّون في الشوارع والأسواق؛ إن أسلافنا الصالحين كانوا مسلّطين على هلكة أموالهم في المصالح العامة، وفي بناء المآثر للأعقاب، وكانوا كلهم بمقربة من قائلهم:
إذا حال حولٌ لم يكنْ في بيوتنا … من المال إلا ذكره وفضائله
يلتقون معه في الذكر والفضائل؛ أما نحن فإن أموالنا تذهب في أعراس الإنسان، وأعراس الشيطان، وفي المآتم والخصومات، وفي المواخير والحانات، وفي فضول الحياة وقشورها، وفي خسائس اللذات والشهوات، ولو أن هذه الأمّة أوتيتْ رشدَها، وأنفقت جزءًا مما تنفقه
__________
1) الساف هو السطر من البناء يضعه البنّاء حجرًا بجنب حجر ثم يملأ الفراغ بالطين أو الكلس وصغار الحجارة ثم ينتقل إلى ما فوقه وهو الساف الثاني.
2) الاخلاء من الشاعر هو خلو شعره من المعاني المبتكرة، فإذا كان الشاعر كذلك قيل هو يخلي.
(3/253)

في شهواتها على المصالح العامة، لم يبق في هذا الوطن أمّي ولا مريض ولا عاطل ولا فقير. ولكن الخذلان الذي لا غاية وراءه أن غنيّنا ينفق مئات الألوف على لذّاته وشياطينه، فإذا سُئل بذل القليل، في مشروع جليل، أعرض ونأى بجانبه.
...

هذا المعهد أمانة الله بيننا وبينك- أيتها الأمّة- وعهد العروبة والإسلام في عنقنا وعنقك، وواجب العلم علينا وعليك، وحق الأجيال الزاحفة إلى الحياة من أبنائنا جميعًا، فأيّنا قام بحظه من الأمانة، ووفى بقسطه من العهد، وأدّى ما عليه من الواجب، واستبرأ لذمّته من الحق؟
لا منّة لنا ولا لك على الله ودينه، وما عظم من حرمات العلم، وما أوجب من رعاية الأبناء، وإنما علينا أن نتعاون جميعًا، كل بما قسم الله له، وقد اقتسمنا الخطتين، فقمنا وقعدت، واجتهدنا وقصرت، قمنا بقسطنا من الواجب حق القيام، فدعوْنا ما وسعت الدعاية، وبينا ما وسع البيان، وعلمنا ما أمكن التعليم، ونظّمنا إلى حيث تبلغ غاية التنظيم، ووعدْنا فأنجزنا الوعد، وأخذنا الأمر بقوّة، لأن زمنك قويّ لا يرضى بصحبة الضعفاء.
نحن إنما نبني لك، ونفصّل على مقدارك، ونرشدك إلى ما يجب أن تكوني عليه لتستبدلي حالةً بحالة، ولبوسًا بلبوس.
عصرُك عصر نهوض، ومن لم يجارِ فيه الناهضين كان في الهالكين؛ وقد بدت عليك مخايل النهوض وقال الناس قد نهضت، فحق القول، ولم يبق للنكوص مجال، وما عن هوى نطقنا، ولا عن غشّ صدرنا، حين قلنا لك: إنك لا تنهضين إلا بالعلم، وإن نهضة لا يكون أساسها العلم هي بناء بلا أساس ولا دعامة.
إن النهضات الأصيلة لا تعرف القناعة، ولا تدين بها، ولا ترضى بالتقلّل والتبلّغ، وإنما هي القوّة والفوران، والتأجّج والجيشان، والبناء والرم، والأكل اللم، وصدْم ثابت بسيار، ودفع تيار بتيار.
إن قليلًا للنهضة- في باب العلم- معهد يضم ستمائة تلميذ، في أمّة تعدّ بعشرة ملايين، تسعة أعشارها ونصف عشرها أميّون.
وإن قليلًا للنهضة مائة وثلاثون (3) مدرسة ابتدائية في قطر واسع الأرجاء مترامي الجنبات.
__________
3) كان هذا عدد المدارس الحرّة التي أنشأتها جمعية العلماء بمال الأمّة في السنة التي صدر هذا العدد في شهورها، وقد بلغ عدد تلك المدارس في سنة 1955 قريبًا من أربعمائة مدرسة. وبلغ عدد تلامذة تلك المدارس قريبًا من خمسة وسبعين ألفًا بين ذكور وإناث.
وبلغ عدد المعلمين في السنة المذكورة الأخيرة قريبًا من سبعمائة.
(3/254)

وإن قليلًا للنهضة- ولو كانت في مبدئها- أربعون ألف تلميذ يتعلّمون المبادئ الأولية من لغتهم ودينهم من مجموع من الأطفال يبلغ مليونين لا يعرفون منها ولا من غيرها شيئًا.
وان قليلًا للنهضة عشرات من الملايين تنفق على العلم، بجانب مئات من الملايين تصرف في الشهوات والكماليات والمحرّمات.
دعوْنا هذه الأمّة- بعد تحقّقنا للقابلية فيها- إلى التعليم العربي الابتدائي، لأنه الخط الذي تبتدئ منه النهضات العلمية، فلبّتْ لا وانيةً ولا عاجزة، وشادت له من المدارس ما يفخر به الفاخر، ويغصّ به الشانئ الساخر، وتمكّنت منها الرغبة في هذا النوع من التعليم إلى درجة أمنَّا معها الانتكاس والرجوع إلى الوراء؛ ولكن هذا العدد من المدارس لا يتناسب مع النسبة العددية للأمّة، ولا مع طول الركود السابق للنهضة، ولا يفي بالحاجة اللازمة، ولا بدّ من مضاعفة السير لمن تأخر كثيرًا عن القافلة.
ثم خطوْنا بها خطوة ثانية ثابتة إلى الأمام، لأن التعليم الابتدائي وحده لا يكفي همًّا ولا يشفي ألمًا، وإنما هو مفتاح للعلم، وارتفاع عن الأميّة، وإنّ وراءه لدرجات إن لم يؤدّ إليها كان عقيمًا وكان عاطلًا؛ وإن للوقوف عنده والقناعة به لآفات، منها زهد الجيل في العلم، وفتور هممه فيه، وفساد تصوّره له؛ فكانت هذه الخطوة هي المعهد الباديسي.
وهذا المعهد- على عظمته، وظهور نتائجه من أول يوم- ليس إلا معهدًا تجهيزيًّا يحتضن المتخرّجين من السنة الخامسة الابتدائية، ومن ماثلهم من ذوي الجهود الخاصة، فيقوّيهم في الدينيات علمًا وعملًا، وفي القرآن حفظًا وفهمًا، ويروّض ألسنتهم على القراءة والخطابة، وأقلامهم عن الإنشاء والكتابة، وعقولهم على التفكير الصحيح، ويصوغهم صياغة أخلاقية متقاربة، ويشرف بهم على علوم الحياة من باب الرياضيات والطبيعيات، ويهيّئهم تهيئة صحيحة قوية للتعليم العالي، هذه هي حقيقته، لا نغلو في بيانها ولا نقصر، وإن أوائله في ذلك لمنبئة بأواخره.
وأقلّ ما يجب لنهضتنا التعليمية- إن كنا نريد النهوض جادّين- أن تكون لهذه المرحلة التجهيزية منها ثلاثة معاهد: بقسنطينة والجزائر وتلمسان، نجهّزها بالرجال، ونزوّدها بالمال، حتى يؤوي كل واحد منها ألف تلميذ؛ ولو تكافأت جهود جمعية العلماء في هذا السبيل، وجهود الأمّة، وتوافتْ على هدف واحد منه، لبرز هذا العمل الجليل في سنة واحدة من الزمن؛ وإنه لعمل جليل حقًّا، نراه نحن ويراه ذوو العزائم معنا قريبًا، ويراه المثبطون والعاجزون بعيدًا، وما هو ببعيد إلا عن هممهم ...
مرّت على المعهد سنتان نما فيهما وترعرع أضعاف ما كان مقدّرًا لوليد سنتين مثله، في أمّة كأمّتنا، وظرف كهذا الظرف، فما هي الأسباب في هذا النمو السريع؟
(3/255)

السبب يرجع إلى عدة عناصر: منها إخلاص القائمين عليه من رئيس ومرؤوس، وجدّهم وثباتهم، ومنها إيمان الباذلين للمال بالعلم، وإنه المنقذ الوحيد للأمّة، ومنها كون التعليم الابتدائي بلغ حدّه، وأصبحت مدارسه تُخرج العشرات من تلامذة السنة الخامسة، فيجدون أنفسهم- بعدما ذاقوا لذة العلم- محرومين من مواصلة التعليم، فوجدوا في المعهد شفاء من ألم الحرمان.
وسبب آخر نفساني، وهو قوّة المقاومة من عناصر الإصلاح لعناصر الإفساد، ومن قوى الخير لقوى الشر، فنشأ من ذلك مزيج من التأثر والتأثير، كان خيرًا وبركة على المعهد، وكان بعض السبب في هذا النمو السريع.
ظهر نجاح المعهد في الناحية المعنوية، فقد استولى على الأمد الأقصى من السمعة الصالحة، في الأوساط الصالحة من الأمّة، وأصبحت تنظر إليه نظر الإعجاب والتقدير، وتُعلّق عليه الآمال الكبار.
وظهر نجاحه في نتائج التعليم، فقد أتى في هذه السنة بالعجب العجاب، وكانت النتائج فوق المستوى العادي، في جميع السنوات، بل كان النجاح منقطع النظير في السنة الثانية، والسر في هذا النجاح هو أن شياطين الوسوسة صُفّدت في هذه السنة، وانقطع ما كانوا يزّينونه للطلبة ويروِّضونهم عليه من تلهية بالباطل، وتدلية بالغرور، ففاء الطلبة إلى الرشد، وأقبلوا على العلم، وباء الشياطين بالخزي والخذلان.
وظهر نجاحه في صحة التوجيه العقلي والفكري والخلقي لتلاميذه، فقد رأيناهم يأتون متأثّرين بأفكار ونزعات شتّى، فلا تمضي عليهم الأشهر الثلاثة الأولى حتى تلين مقادتهم للعلم، ويصبحوا منسجمين في الاتجاه، متقاربين في الأخلاق، معرضين عن اللغو، إلا النادر الذي لا حكم له.
وظهر نجاحه في الإدارة، فقد كانت مثالًا عاليًا في الضبط والحزم والنظام.
...

يعنى المعهد بالرياضيات والطبيعيات، ويجعل منها ذريعة إلى مقاصد سامية، كان التلميذ العربي محرومًا منها، لأن المعاهد العربية خالية منها، وقد قام المعهد في هذه السنة بتجربة موفّقة بلغت الغاية من النجاح، إذ تطوّع الدكتور عبد القادر بن شريف بإلقاء دروس في حفظ الصحة على تلامذة المعهد، مستعينًا بأشرطة سينمائية، فلقيتْ من الطلبة إقبالًا يفوق الحدّ، وتطوّع الصيدلي الأستاذ علاوة عباس بإلقاء دروس أسبوعية في علم وظائف الأعضاء
(3/256)

وتركيب الجسم، فكان لها من التأثير والإقبال مثل ذلك، وتطوّع الأستاذ محمد الجيجلي من أساتذة التعليم الثانوي الفرنسي بإلقاء دروس في الجغرافيا، وتطوّع الأستاذ محمد بن عبد الرحمن بإلقاء دروس في الحساب، فكان لهذه الدروس من الآثار الشيء الكثير، وإدارة المعهد عازمة على أن توسّع هذا البرنامج، وتزيد في حصصه الأسبوعية في السنة المقبلة، وهي تشكر هؤلاء الأساتذة على ما قدّموه للمعهد من معونة قيّمة صادقة.
أما السنة الآتية فنحن نعلم من الآن أنها ستكون أكمل وستكون أثقل: تكون أكمل بالتلامذة المدرّبين، والشيوخ المجرّبين، والإدارة المحنّكة، والنظام المحنّك، وتكون أثقل بالتكاليف المالية الجديدة، فالمعهد كما يقرأ القرّاء في تفاصيل الحساب من هذا العدد مدين بما يقرب من ستة ملايين من الفرنكات، وستؤدّى إلى أصحابها في أولّ السنة الدراسية إن شاء الله، ومفروض عليه أن يعمر السنة الأولى التي انتقل أبناؤها إلى السنة الثانية، بأربع طرائق لا تقلّ عن مئتي تلميذ، ومعنى ذلك أنه مضطر إلى إحضار مساكن لنصف هذا العدد على الأقل، وإلى إحضار أربعة أقسام للدراسة، وإلى إحضار أربعة مشايخ جدد للتدريس، وإنها لضرورة لا محيد عنها وعن تحمّل أثقالها، فعلى الأمّة أن تسمع وتعي، وعلى الذين عوّدونا إمداد المعهد بالمال، أن يضاعفوا إمدادهم، وعلى أصحاب البصائر الثاقبة، المفكّرين في المصير والعاقبة، أن يفكروا معنا في إيجاد وسائل للدخل القار، لحفظ حياة هذه المشاريع العلمية، فإن قيامها على ما تقوم عليه اليوم غير مضمون الاستمرار، ولا ضامن للاستقرار، ولنا في هذا الموضوع آراء أنضجتها الروية، ومخضها التمحيص، شرحناها للأمّة في المجامع الحاشدة، وسنجلّيها في «البصائر» لذوي البصائر.
(3/257)

مدارس جمعية العلماء *
نجوم متألقة في ليل الجزائر الحالك، منها الكبيرةُ ومنها الصغيرةُ؛ ولكل واحدة حظها من اللألاء والإشراق، وقسطها من الإضاءة لجانب من جوانب هذا الوطن الذي طال في الجهل ليله، وأقام بالأمية ويله.
حياةُ الأمم في هذا العصر بالمدارس، ما في هذا شك، إلا في قلوب ران عليها الجهل، وغان عليها الفساد؛ ونفوس ختم عليها الضلال، وضرب على مشاعرها المسخ، وطال عليها الأمد في الرق، فصدئت منها البصائر، وعميت الأبصار، فتغير نظرها في الحياة ووسائلها؛ فرضيتْ بالدون، ولاذت بالسكون.
الحياة بالعلم، والمدرسة منبع العلم، ومشرَع العرفان، وطريق الهداية إلى الحياة الشريفة؛ فمن طلب هذا النوع من الحياة من غير طريق العلم زل، ومن التمس الهدايةَ إليه من غيرها ضل؛ وحياة الأمم التي نراها ونعاشرها شاهد صدق على ذلك.
تبني الأممُ ما تبني من القصور، وتشيد ما تشيد من المصانع، وتنسق ما تنسق من الحدائق، وتحف ذلك كله بالسور المنيع، فإذا ذلك كله مدينة ضخمة جميلة، ولكنها بغير المدرسة عقد بلا واسطة، أو جسم بلا قلب؛ وإذا ذلك كله إرواء للغرائز الحيوانية، وإرْضاء للعواطف الدنيا بالمتع واللذّات، والتباهي وطلب الذكر؛ أما إرْواء العقل والروح، وإرضاء الميول الصاعدة بهما إلى الأفق الأعلى، فالتمسهما في المدرسة لا في القصر ولا في المصنع، ولو تباهت الأبنية المشيدةُ بغاياتها، وتفاخرتْ بمعانيها لأسكتت المدرسةُ كل منافس.
__________
* نشرت في العدد 93 من جريدة «البصائر»، 31 أكتوبر سنة 1949.
(3/258)

تغالى خلفاءُ بني العباس في تشييد قصورهم، وعمروها بأسباب الترَف المادّي، ووسائل اللذات الجسمانية، وأسبغوا عليها كل ما يستهوي من جمال وفن، وتسامت همم الخلفاء إلى إظهار جلال الخلافة في البناء والتشييد، فما قصرَ في ذلك منهم أوّلٌ ولا أخير، وباهتْ بغداد بتلك القصور أمصارَ العالم كله، ولكنهم لم يهتدوا إلى البَنِيّة التي تخمل كل بناء، ولم ينفقوا في تشييد المدرسة بعض ما ينفقون في تشييد القصر من مال وعناية وذوق، إلى أن جاء أحد وزرائهم فسبق للمنقبة التي تغطّي المناقب، وشاد المدرسة النظامية، هنالك علمتْ بغداد أنّ كلّ ما حازَته من جمال كانت تنقصه نقطة الجمال، وأن كل ما وصلتْ إليه من عظمة كان ينقصه سر العظمة، وأن كل ما كتب عنها التاريخ، ودون وصفها الشعرُ خيالٌ أيدته هذه الحقيقة، وأن كلّ ما حوى "الجانبان" (1) بناءٌ تنقصه لبنة التمام.
كانت تلك القصور تزخر بالترف الذي يفضي إلى الرذيلة، وتؤوي في أكنافها أممًا من الجواري والغلمان والفجرة والغدرة، وتخفي في أقبائها الموت والظلم، وتحاك في أرْوقتها المكائدُ والحيل، وتهدر في ساحاتها الأعراض والدماء والفضائل، ويقرّب إليها ناسكوها قرابين المصانعة والنفاق.
أما مدرسة الوزير نظام الملك فقد أصبحتْ تزخر بطلاب العلوم، ويَسطَع في آفاقها من أئمة الإسلام نجوم، ويشع شعاعها فيجاوز النهر إلى خراسان، والبحر إلى الأندلس. ناهيك بابن الصباغ، وأبي حامد الغزالي، وأبي إسحاق الإسفرائيني.
...

تبارك الذي أسند البناء إلى نفسه، فأرشدنا بذلك إلى أنّ البناء من صفات الكمال، ودلنا على أنّ العظيم يبني العظيم، فقال: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} وقال: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} وقال: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا} وقال: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} ... تبارك الباني، وجل المبنى؛ فهذا الكون كله بناء وتركيب، ونظام وترتيب، وهذه الحياة كلها بناء تحسه الحواس، أو تعقله العقول، أرأيتَ عملَ الإنسان؟ إنه يتكامل حجرًا على حجر في البناء، وحرفًا بعد حرف في الكتابة، وكلمةً بعد كلمة في الحديث، وخيطًا على خيط في النسج، وخطوةً بعد خطوة في المشي؛ أرأيتَ عمله العقلي؟ إنه بناء فكرة على فكرة، وخاطرة على خاطرة، ونتيجة على مقدمات، أرأيتَ صنع الله في العوالم النامية من نبات وحيوان؟ إنها أطوار ودرجات، وأحوال متلاحقة،
__________
1) جانبا بغداد هما العهد والرصافة.
(3/259)

وطبقات مترامية إلى غايات، فلا يزاحم طوْرٌ طورًا، ولا تسبق غايةٌ وسيلتها؛ وكل ذلك بناءٌ بديع، وتركيبٌ معجز.
...

والأمم إنما تتفاضل وتتعالى بالبناء للخير والمنفعة والجمال والقوة، وما عدا هذه الأربعةَ فهو فضولُ عابث، لا يدخل في قصد العقلاء؛ وقد بنى أسلافنا لكل أولئك مجتمعةً ومفترقة، بنوا المساجد مظهرًا للخير، وشادوا المدارس مظهرًا للمنفعة، وأعلوا الحصون مظهرًا للقوّة، وسمَكوا القصور مظهرًا للجمال، فضموا أطراف الفخر، وجمعوا حواشي المجد، وحازوا آفاق الكمال، وقادوا الحياة بزمام، وأنشأوا بذلك كله للحضارة الإنسانية الشاملة نموذجًا من المدينة الفاضلة التي تخيلها حكماءُ اليونان، ولم يحققها ساسة يونان، وإنما حققها من ساد بالعدل، وقاد بالعقل؛ وأولئك آبائي!! ...
...

يُعذَر النائم، ولا يعذَر المستيقظ، والأمة نامت نومًا طويلًا ثقيلًا، فإذا عدَدْنا حركتنا القائمةَ اليومَ يقظةً فغير كثير عليها أن تبني بضع مئات من المدارس في بضع سنين، وغير كثير على المستيقظ أن يشتد عدْوًا للحاق بالسابقين، لأن اليقظة استئناف حياة، والحياة المستأنفة ليستْ وجودًا من عدم، وإنما هي تجديد لما انهدم؛ فلها تكاليفُ ثقيلة، ولها صُعدَاء مطالبها طويلة.
أفاقت الأمة الجزائرية إفاقةً غيرَ منتظمة، لأن الأحداث التي سببتْ لها النوم حقنتها بأنواع شتى من المخدارات، منها ما يفسد الدين، ومنها ما يشكك في اليقين، ومنها ما يزلزل العقل، ومنها ما يشل الإرادة، ومنها ما ينسي الماضي، ومنها ما يغير الاتجاه، ومنها ما يزيغ النظر إلى الخير والشر فيغيرُ مفهومهما، ومنها ما يفسد الفطرة، فلما أفاقت وجدت نفسها على مراحل من ماضيها، وعلى قاب قوسين من الاضمحلال والتلاشي؛ ووجدت من الدين عقائدَ لابسها الضلال في الفهم، والضلال في العمل، ومن المال أرزاقًا مقترةً يبض بها الكد المضني، والعرَق الصبيب، ومن الصناعة صنعةَ الجمل التي لا تفيء عليه إلا النقبَ في الظهر، والوجى في الخفّ، والتحجر في الثفنات، ومن العلم ألفاظًا بلا معان، وقشورًا بلا لباب؛ ومن التاريخ معالمَ طامسة، وظلمات دامسة، ومن قيم الحياة الحظ المغبون، والأجر الممنون، ومن المنازل الإنسانية منزلة المضيعة والهوان.
(3/260)

ووجدت بعد ذلك العذاب الواصب فئةً منها، يلبسون جلدتها، وبتسمون بأسمائها، ويتكلمون بلغتها، يدعونها إلى جهنم!! ... فمنهم الذي يزين لها الشرّ، ومنهم الذي يقبحُ لها الخير! ... فيهم من يهدِّئها، وليس فيهم من يهديها! كلهم ينوّمها، وليس فيهم من يقوّمها!
وها هي ذي تعبِّد العقاب (2)، وتمهد الصعاب، وتبني لنفسها، وبيدها، وبمالها، على إلهام الخير من ربها، واستلهام الحق من كتابه وسنة نبيه، هذه المدارس التي تنشر «البصائر» في هذا العدد صورَ بعضها لتنشط العاملين، وتغيظ الخاذلين، وتوسع الأمل في نفوس الآملين.
وهذه المدارس التي أربتْ على المائة بالعشرات كلها من آثار جمعية العلماء ومن ثمرات إرشادها وإعدادها للأمة؛ وستسفر هذه الحركة المباركة- إن شاء الله- في بضع سنين أخرى عن مئات من المدارس؛ لأن هذه الرغبة المتأججة في صدور الصالحين من الأمة لا يطفئها تعنت الظالمين، ولا وسوسةُ الدجالين، ولا كيدُ المفسدين.
وإن من لئيم المكر أنْ يحاول بعض الأشرار، المسخرين من الاستعمار، لحرب هذه الحركة، التسلط على بعض هذه المدارس باسم التعليم وهم لا يحسنونه، وباسم النظام وهم لا يتقنونه، وهم يسرّون في أنفسهم التوصّل بتسييرها إلى تدميرها، وبفتحها إلى إغلاقها، وقد فضح الله كيدهم في واحدة أو اثنتين وضعوا أيديهم عليها فعمروها ولكن بالتخريب، وكانوا في ذلك كمسيلمة الكذاب، تفل في بئر حلوة فأصبح ماؤها أجاجًا! ...
...

أما دعائم هذا البناء التي تمسكه أن يزول، وتصونه أن يختل أو يحول، فهم أشبال الغاب، وحماة الثغور، عمار المدارس، وسقاة المغارس، مربو الجيل وأئمته، أبناؤنا المعلمون المستحقون لأجر الجهاد، وشكر العباد، الصابرون على عنت الزمان، وجحود الإنسان، وكلب السلطان، المقدمون على كثرة الخوّان، وقلة الأعوان، جيش الحق، وحاصة (3) الشق، وألسنة الصدق.
أي طلائعَ الزحوف، وأئمة الصفوف، سلام عليكم بما صبرتم، وتحيات من الله مباركات طيبات بما آويتم لغة الضاد ونصرتم، وثناء عليكم يأرج كالمسك من والد برٍّ بكم، شفيق عليكم، نصحه لكم هدى، وروحه وجوارحه لكم فدى ...
__________
2) العقاب جمع عقبة.
3) جمع حائص، وحاص الثوب خاطه وجمع أطرافه بالخيط.
(3/261)

إلى أبنائنا المعلمين الأحرار *
أيها الأبناء البررة!
وصفناكم- في العدد الخاص بالمدارس- بما أنتم أهله، وذكرناكم- ذكركم الله في الملإ الأعلى- بالخير والجميل، وأرسلنا إليكم تلك التحية الأبوية الخالصة صادرةً عن قلب يكن لكم الحب والتقدير والشفقة، راجين أن يكون رجع التحية منكم واجبًا يؤدى على أكمل وجوهه، وعملًا يحقق على أحسن حالاته، وغايةً توصَل بأسبابها من أقرب الطرق، وبأنفع الوسائل، لا كلامًا يذهب مع الريح، ولا قشورًا من الأعمال تضيع الوقت، وتبعد الغاية، ولا أنينًا من الشكوى والتسخط يذهب بالصبر ويوهن العزيمة، وهما حلية الأبطال.
ها أنتم هؤلاء تبوأتم من مدارسكم ميادين جهاد، فاحرصوا على أن يكون كل واحد منكم بطل ميدان، وها أنتم هؤلاء خلفتم مرابطة الثغور من سلفكم الذين حموا الدين والدنيا، ووقفوا أنفسهم لإحدى خطتين: الدفاع المجيد، أو موت الشهيد، فاحذروا أن تؤتى أمتكم من ثغرة يقوم على حراستها واحد منكم، فيجلب العار والهزيمة لجميعكم، واعلموا أنكم عاملون، فمسؤولون عن أعمالكم، فمجزيُّون عنها من الله ومن الأمة ومن التاريخ ومن الجيل الذي تقومون على تربيته كيلًا بكيل، ووزنًا بوزن.
إننا- يا أبنائي- كنا أوّل من نام، وآخر من استيقظ، فمن الحزم أن لا نقطع الوقت في العتاب والملام، والحرب بالكلام، فإن ذلك إطالة للمرض، وزيادة في البلاء على المريض، ومن الحزم أن نتحاسب على الدقائق، إذا تحاسب غيرنا على الساعات، وعلى الأيام إذا تحاسب غيرنا على الأعوام.
إنّ وراءَنا من الزمن سائقًا عنيفًا، وإنّ معنا من العصر وروحه زاجرًا مخيفًا، وإن أمامنا
__________
* نشرت في العدد 94 من جريدة «البصائر»، 7 نوفمبر سنة 1949
(3/262)

سبلًا وعرة، وصراطًا أرق من الشعرة، وإنّ عن أيماننا وعن شمائلنا عوائقَ من الدهر، ومعوّقين من البشر، وإنّ في طيّ الغيوب، من القدر المحجوب، بوائق في أكمامها لم تفتق، وإنْ أدري أقريب أم بعيد ما أوعد الله الظالمين، ولكنّني أدري أنّ العاقبة للمتقين، وأننا لا نغلب العوائق، ولا نتقي البوائق، إلا بإيماننا بالله، ثم بديننا، ثم بلغتنا، ثم بأنفسنا ثم بالحق الذي جعله الله ميزانًا للكون، وقيومًا على الكائنات، ترجع إليه صاغرة، وتقف عنده داخرة.
إن التقصير في الواجب يعدّ جريمة من جميع الناس، ولكنه في حقنا يضاعف مرتين، فيعدّ جريمتين، لأن المقصر من غيرنا لا يعدم جابرًا أو عاذرًا، فقد يغطي على تقصيره عمل قومه أو حكومته، وقد يقوم له بالعذر حاله الجاري على كمال مقنع؛ أما نحن فحالنا حال اليتيم الضائع الجائع، إذا لم يسعَ لنفسه مات. فإذا قصرنا في العمل لأنفسنا ولما ينفع أمتنا ويرفعها، فمن ذا يعمل لها؟ آلحكومة؟ وقد رأينا من معاملتها لنا أنها تمنع الماعون، وتداوي الحمى بالطاعون، وتبارز الإسلام بالمنكرات، وتجاهر العربية بالعدوان. فمن ضل منا مع هذا فقد ضل على علم، ومن هلك فإنما هلك عن بينة.
وإن لما يبوء به المقصرون من الندامة لمرارة، تجتمع في العقبى مع الخسارة، فيكون منها حال من الحسرة يحلو معه بخع النفوس، وإتلاف المهج؛ وتلك هي الحالة التي نعيذ أنفسنا ونعيذكم بالله من تسبيب أسبابها، وتقريب وسائلها؛ وقد نهى ديننا الإسلام عن التقصير في الواجبات، ونعى التفريط في الحقوق، وبيّن آثاره وعواقبه، وحضّ على الأعمال في مواقيتها، وقبح الكسل والتواكل والإضاعة، فشرع لنا بذلك كله من شرائع الحزم والقوة وضبط الوقت والنفس ما لم يشرعه قانون، ولم تأت به عقلية، وما أخذنا بذلك إلا ليأخذ بحُجَزِنا عن التهور في الكسل والبطالة، ويقينا تجرّع مرارة الندم، وحرارة الحسرة.
قصر آباؤنا وأجدادنا في واجبات اقتضاها زمانهم، وفرطوا في حقوق تقاضاها منهم مكانهم؛ بعد ما لاحت لهم النذر، وقامت عليهم الحجج، ودمغتهم البينات، فغالطوا في الحقائق، وكذبوا بالنذر، وموهوا بالزيف، وغشوا أنفسهم بالأماني والأحلام، وغشونا بالضلالات والأوهام؛ حتى مات من استيقظت شواعرُه منهم بحسرات الندم، ومات الغافلون منهم كما يموت الغفل من النعم، فلا حسرةُ أولئك أجدَت علينا شيئًا، ولا غفلة هؤلاء أفادتنا نقيرًا؛ وإنما أضاف تفريطهم المخجل واجباتهم إلى واجباتنا، فأصبحت حملًا ثقيلًا، هو هذا الذي ننوء به وينوء بنا، هو هذه الأعباء المركومة التي نحاول النهوض بها فيقيمنا الإيمان والأمل، وتُقعدُنا الكثرةُ والثقل، وإن من الظلم تكليف جيل بواجبات أجيال، وإن من الجور أن يحمل القرن الأخير أوزار القرون الماضية. ولو أنهم- سامحهم الله- قاموا بواجباتهم أو ببعضها، لخففوا عنا الكثير، وهوّنوا علينا العسير، كما خففنا نحن وهوّنا على الجيل الآتي؛ ولو أنهم غرسوا الشجرة، لقرّبوا منا جني الثمرة.
(3/263)

هذه هي حالتنا- يا أبنائي- نهدم ونرفع الأنقاض ونبني ونعمر في آن واحد، ونؤدّي فريضة الوقت ونقضي الفوائت على غيرنا في آن واحد، ثم نؤدّي الكفارات على ذنوب لم نجترحها ... كل ذلك مع محاربة من الجار، ومشاغبة من الشريك في الدار، ومع وشل من المال لا يتمّ به العمل، ومثبطات من سوء الحال يتضاءل معها- لولا الإيمان- الأمل، وإنها لحالة لا يثبت معها إلا المؤمنون الصابرون الصادقون المخلصون المحتسبون، المؤيَّدون بروح من الله، ونحن وأنتم كل ذلك، إن شاء الله.
...

ها أنتم هؤلاء تربعتم من مدارسكم عروش ممالك؛ رعاياها أبناء الأمة وأفلاذ أكبادها؛ تديرون نفوسهم على الدين وحقائقه، وألسنتهم على اللسان العربي ودقائقه، وتسكبون في آذانهم نغمات العربية، وفي أذهانهم سر العربية، وتدبرون أرواحهم بالفضيلة والخلق المتين، وتروضونهم على الاستعداد للحياة الشريفة بعد أن تجتثوا من نفوسهم بقايا آثار المنزل الجاهل، والأب الغافل، وتقودونهم بزمام التربية إلى مواقع العبر من تاريخهم، ومواطن القدوة الصالحة من سلفهم، ومنابت العز والمجد من مآثر أجدادهم الأولين، فقفوا عند هذه الحدود، واجعلوها مقدّمةً على البرنامج الآلي في العمل والاعتبار، وفي السبر والاختبار، واحرصوا كل الحرص على أن تكون التربية قبل التعليم، واجعلوا الحقيقة الآتية نصب أعينكم، واجعلوها حاديكم في تربية هذا الجيل الصغير، وهاديكم في تكوينه، وهي: أن هذا الجيل الذي أنتم منه لم يؤتَ في خيبته في الحياة من نقص في العلم، وإنما خاب أكثر ما خاب من نقص في الأخلاق، فمنها كانت الخيبة، ومنها كان الإخفاق.
ثم احرصوا على أن يكون ما تلقونه لتلامذتكم من الأقوال، منطبقًا على ما يرونه ويشهدونه منكم من الأعمال؛ فإن الناشئ الصغير مرهف الحس، طُلَعَة إلى مثل هذه الدقائق التي تغفلون عنها، ولا ينالها اهتمامكم، وإنه قويّ الإدراك للمعايب والكمالات، فإذا زينتم له الصدق، فكونوا صادقين، وإذا حسنتم له الصبر، فكونوا من الصابرين، واعلموا أن كل نقش تنقشونه في نفوس تلامذتكم من غير أن يكون منقوشًا في نفوسكم فهو زائل، وأن كل صبغ تنفضونه على أرواحهم من قبل أن يكون متغلغلًا في أرواحكم فهو- لا محالة- ناصل حائل، وأن كل سحر تنفثونه لاستنزالهم غير الصدق فهو باطل؛ ألا إن رأس مال التلميذ هو ما يأخذه عنكم من الأخلاق الصالحة بالقدوة، وأما ما يأخذه عنكم بالتلقين من العلم والمعرفة فهو ربح وفائدة.
(3/264)

أوصيكم بتقوى الله فهي العدّة في الشدائد، والعون في الملمات، وهي مهبط الروح والطمأنينة، وهي متنزل الصبر والسكينة، وهي مبعث القوة واليقين، وهي معراج السمو إلى السماء، وهي التي تثبت الأقدام في المزالق، وتربط على القلوب في الفتن.
وأوصيكم بالرفق والأناة في أموركم كلها، وبخفض الجناح للناس كلهم، وباتقاء مواطن الشبه، واجتناب مصارع الفضيلة، وما أكثرها في وطنكم هذا؛ وبإجرار الألسنة عن مراتع الغيبة والنميمة، وفطمها عن مراضع اللغو واللجاج؛ فهي- لعمري- مفتاح باب الشر، وثقاب نار العداوة والبغضاء.
وأوصيكم بالابتعاد عن هذه الحزبيات التي نجم بالشر ناجمها، وهجم- ليفتك بالخير والعلم- هاجمها، وسجم على الوطن بالملح الأجاج ساجمها؛ إنّ هذه الأحزاب، كالميزاب، جمع الماء كدرًا، وفرّقه هدرًا، فلا الزلال جمع، ولا الأرض نفع.
وأوصيكم بحسن العشرة مع بعضكم إذا اجتمعتم، وبحفظ العهد والغيب لبعضكم إذا افترقتم؛ إن العامة التي ائتمنتكم على تربية أبنائها تنظر إلى أعمالكم بالمرآة المكبرة، فالصغيرة من أعمالكم تعدها كبيرة، والخافتة من أقوالكم تسمعها جهيرة، فاحذروا ثم احذروا ...
أي أبنائي! إن هذا القلب الذي أحمله يحمل من الشفقة عليكم، والرحمة بكم، والاهتمام بشؤونكم، ما تنبت منه الحبال، وتنوء بحمله الجبال، وهو يرثي لحالكم من الغربة وإلحاح الأزمات ويودّ بقطع وتينه لو أزيحت عللكم، ورقع بالسداد خللكم، ولكنكم جنود، ومتى طمع الجندي في رفهنية العيش؟ وأسود، ومتى عاش الأسد على التدليل؟ وهو يشعر أن التدليل تذليل.
إنكم- يا أبنائي- رجالُ حركة، فلا تشينوها بالسكون، وأبطال معركة، فلا يكنْ منكم إلى الهوينا ركون.
وإنكم رجال جمعية العلماء، فشرفوا جمعية العلماء.
(3/265)

كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين الأحرار *

- 1 -
أيها الأبناء الأعزّة!
إن هذه الحركة العلمية المباركة أمانةٌ في أعناقنا جميعًا، وعهد إلهي محتم الوفاء علينا جميعًا، فنحن في تحمله وفي وجوب الوفاء به سواسية، ليس صغيرنا بأقل تبعةً ولا أخف حملًا من كبيرنا؛ ونحن في تحمل هذه الأمانة وأدائها أمام ربّ يعلم ما نخفي من النيات وما نعلن من الأعمال، وأمام أمة تعين على الوسائل، وتنتظر النتائج، وتحاسب على ما بينهما، وأمام تاريخ لا يغادر سيئةً ولا حسنةً إلا أحصاها، وأمام خصوم أشداء يحصون الأنفاس ليوقعوا العقوبة ويترقبون العثرة ليعلنوا الشماتة، فلنحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الناس، ولنقدّر موقع أقدامنا قبل أن نضع الأقدام، ولنجعل من ضمائرنا علينا رقيبًا لا يغفل ولا يتسامح.
إننا نزيد عليكم- بعد الاشتراك في حمل الأمانة العامة- باستحكام التجربة، وعرك الأيام، وعجم الحوادث، والتمرّس بالخصوم، والصبر على المكاره، والاستخفاف بالحساد الذين أكل الحسد أكبادهم، فما بالينا أطاروا أم وقعوا، وملابسة الأمة على البر والجفاء، وعلى الإحلاء والإمرار، وعلى الخشونة واللين، وبأننا الغرض المنصوب للسهام، لأننا- دائمًا- في مكان القيادة في الصفوف، فلا تصل الرمية إلى أحدكم إلا بعد أن نثخن ولا يبقى فينا موضع لسهم! فإذا رأيتمونا نمسكم بالشدة أحيانًا، ونقسو عليكم في التثقيف، فذلك لكي يخلص لنا من عَشَراتِكُمِ آحادٌ يخلفوننا في هذه الخلال، إذا خلتْ أمكنتنا في المراكز الأمامية، بعد أن يقطعوا من مراحل العمر ومقامات التدريب ما يؤهلهم لذلك.
...
__________
* نشرت في العدد 132 من جريدة «البصائر»، 9 أكتوبر سنة 1950.
(3/266)

أنتم في ميادين التعليم فرسان سباق، منكم المبتدي، ومنكم الشادي، وفيكم المغبر، وفيكم المتخلف، ولا يكشف عن جواهر الأصالة والعتق فيكم إلا هذه الأعمال، التي واجهتكم في أطوار الحداثة والاقتبال، خيرةً من الله، فيها الخير واليمن، وتوجيهات منه، فيها السداد والنجح، وامتحانًا من زمنكم، فيه التربية والتمحيص، وفيه التمرس والاحتكاك، فإذا تكشف هذا الامتحان عن نتيجة صادقة كنتم غريبةً في الأجيال، وفلتةً في السنن، وعذركم الشفيع في هذا التفاوت أنكم لستم أبناء مدرسة واحدة، تجمع وتوحد، وتقارب وتسدّد، وأنكم لا ترجعون جميعًا إلى تربية منزلية، أحكمتها العادات الرشيدة، وأقرّتها المصطلحات المفيدة، ولا إلى توجيه حكومي، يهيئكم للحياة، ويسوسكم بالمصلحة، ويروضكم على الرجولة، ويجمعكم على المنفعة، وإنما أنتم أبناء زمن عقه آباؤكم فعقكم، وأضاعوا حقه، فأضاع حقكم، وتنكروا له فتنكر هو لكم، فما افترّت شفاهكم له عن ابتسامة إلا قابلها بالتجهم، ولا أزلفتم إليه بتحقّق إلا عاملكم بالتوهم، ولا مددتم إليه كف رغبة إلا ردّها بالحرمان.
أنتم- في وضعكم الاجتماعي- أبناءُ حياة ليس لكم في تسييرها يد، ووطن ليس لكم في أرضه مستقرّ، وجيل ليس لكم في تكوينه أثر، وتاريخ ليس لكم في تسطيره قلم، وقانون ليس لكم في وضعه شرْك، وحاضر ليس لكم في تدبير مستقبله رَأيٌ، فجئتم على هذه الصورة التي لا تأتي إلا في فترات مجنونة من الزمن، وفي فلتات شاذة من الطبيعة، أو انعكاسات غريبة من نظام الخلق.
وأنتم- في وضعكم العلمي- أبناء مدارس (1)، وجودها في زمان، وروحها في زمان، فهي من يقظتها في حلم، وهي مع جدّة الزمان في قدَم، وهي لا تعطي من الحياة إلا صورَها الميتة، وهياكلها العظمية، وألوانها الحائلة، هذه المدارس التي بنيت بإرشاد القرآن، فأصبحت وهي أبعدُ شيء عن القرآن، وهدْي القرآن، وخلق القرآن، بل لا يُبعد من يقول: إنها أصبحتْ معاول لهدم القرآن، لأنها لم تخدم القرآن، بهذه العلوم التي قالوا: إنها خادمة للقرآن، فلم تزكِّ النفوس التي جاء القرآن لتزكيتها، ولم تهيئها لسعادة الدنيا، ولا لسعادة الآخرة، ولم ترفع العقل من درجة الحَجر إلى درجة الاستقلال في التعقل، ولم تصحح موازينه في إدراك الحياة وفقه أسرارها، وليت شعري: هل صححت دراسةُ المنطق في هذه المدارس- بهذه الطريقة اللفظية العقيمة- إدراكات العقول ومقاييسها، كما صححت دراسته العلمية إدراكات القدماء أو كما صححت إدراكات المعاصرين لماضي الأمم الأخرى؟ وهل طبت هذه المدارس لأخلاق أبنائها الذين أذووْا زهرات أعمارهم فيها؟ وهل أفاضت البيان في قرائحهم وألسنتهم وأقلامهم؟
__________
1) يشير إلى الحالة السيئة التي كان عليها التعليم الديني والعربي لأوائل هذا العهد.
(3/267)

ليس الذنب في هذه الحالة الأليمة ذنبكم، وليست التبعة فيها واقعة عليكم. بل أنتم فرائس هذه الأخلاط القاتلة، وأنتم المجني عليكم لا الجناة، وإنما التبعة على الذين يملكون القدرة على التغيير، ثم لا يغيرون، وتواتيهم الفرص إلى الإصلاح، ثم لا يصلحون.
...

إن كثيرًا منكم في حاجة إلى الاستزادة من التحصيل لو تيسرتْ لهم أسبابه، وانفتحت في وجوههم أبوابه، ولكنهم انقطعوا عن التعلم اضطرارًا، فشغلناهم بالتعليم اضطرارًا، لأن حالتنا جميعًا- وأمتنا معنا- حالةُ اضطرار لا اختيار معه، وحالة شذوذ لا قاعدةَ له، وإن التعليم لإحدى طرق العلم للمعلم قبل المتعلم، إذا عرف كيف يصرّف مواهبه، وكيف يستزيد وكيف يستفيد، وكيف ينفذ من قضية من العلم إلى قضية، وكيف يخرج من باب منه إلى باب؛ فاعرفوا كيف تدخلون من باب التعليم إلى العلم، ومن مدخل القراءة إلى الفهم؛ وتوسّعوا في المطالعة يتسع الاطلاع، ولا يصدنكم الغرور عن أن يستفيد القاصر منكم من الكامل، والكامل ممن هو أكمل منه.
إن حاجتنا إليكم هي أن تنقذوا هذا الجيل الناشئ من الأمية التي ضربت بالشلل على مواهب آبائهم، وكانت نقصًا لا يعوَّض في إنسانيتهم، ثم كانت سببًا في كل ما يعانونه من بلاء وشقاء؛ وأن تحببوا إليهم العربية، وتزينوها في قلوبهم، وأن تطبعوهم على التآخي والتعاون على الخير، وأن تربُّوهم على الفضيلة الإسلامية التي هي مناط الشرف والكرامة والكمال، وأن تأخذوهم بممارسة الشعائر الدينية صغارًا، حتى نأمن تضييعهم لها كبارًا، وأن تزرعوا في نفوسهم حب العلم والمعلم، وحب الأب والأم، وحب بعضهم بعضًا، وحب الله ورسوله والإسلام قبل ذلك ومعه وبعده.
لا يضيركم ضعف حظكم من العلم إذا وفر حظكم من الأخلاق الفاضلة، فإن أمتكم في حاجة إلى الأخلاق والفضائل؛ إن حاجتها إلى الفضائل أشد وأوْكد من حاجتها إلى العلم، لأنها ما سقطت هذه السقطة الشنيعة من نقص في العلم، ولكن من نقص في الأخلاق.
أخشى أن تغيب عن بصائركم حقيقةٌ ثابتة، وهي أنكم معلمون للصغار، وأئمةٌ للكبار، أولئك يأخذون من أخلاقكم وعلمكم، وهؤلاء يأخذون من أخلاقكم؛ فإذا راعيتم الجانب الأول، واعتقدتم أنكم معلمون للصغار، وحسبُ المعلم أن يؤدّي وظيفته أداءً آليًّا، وأغفلتم الجانب الثاني فلم تبالوا بما يأخذه منكم استقامةً واعوجاجًا، كان
(3/268)


ضركم أكثر من نفعكم؛ وإن الذي يلوح لي من تتبع أعمالكم، وتقصّي أحوالكم، أن كثيرًا منكم عن هذه الحقيقة غافلون.
يسوءني أن أرى في كثير مما يرجع إليّ من شؤونكم، هنات يهوّنها عليكم الترخص واتساع مجال الإباحة، وتغضّون النظر عن عواقبها إذا استشرتْ، وسرَت عدواها من بعض إلى بعض، وأصبحت وسمًا لكم وتعريفًا بكم، وتزنونها بمعانيها عندكم لا بآثارها في الأمة، مما يدخل في معنى "الاستهانة بشعور الأمة".
(3/269)

كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين الأحرار

- 2 -
إنّ هذه الأمة- يا أبنائي- هي أمتنا، وهي رأس مالنا شئنا أو أبينا، وهي عوننا على العلم، وهي مدَدُنا وملاذنا، وهي نصرتنا ومعاذنا، وهي مناط قوتنا، ومظهر أعمالنا، فعلينا أن نراعي شعورها في غير واجب يترك، أو محرم يؤتى، وأن نسير بها إلى الغاية في رفق وأناة، لا أقول لكم: سايروها على الباطل، وجاروها في البدع، وواطئوها على الضلال، فذلك ميدان وقفنا فيه قبلكم موقف المنكر المتشدّد، ونازلنا أبطال الباطل حتى زلزلنا أقدامهم، ونكسنا أعلامهم، وقد أرحناكم ومهدنا لكم السبيل، وإنما حديثنا فيما دون ذلك، مما مرجعه العادة لا الدين، وسبيله العرف لا السنة، ودرجته الكمال لا الضرورة، ولنا في نبينا- صلى الله عليه وسلم- القدوة الحسنة، فقد كان يجاري العرف الجاري، ما لم يناقض عقيدة دينية أو حكمًا شرعيًّا، وإذا توقف إصلاح الأمة على هجر الشهوات، والإمساك عن بعض المباحات، فمن الواجب أن يقدم حظ الأمة على حظ النفس.
...

أنتم جنود العلم، ولكلمة "جندي" معنى يبعث الروعة، ويوحي بالاحترام، ويجلب الشرف، ويُغلي القيمة، لأنه في غاية معناه حارس مجد، وحافظ أمانة، وقيّم أمة، لذلك كان من واجبات الجندي الصبر على المكاره واللزبات، والثبات في الشدائد والأزمات، والسمع والطاعة فيما يغمض على الأذهان فهمه من العلل، ويعسر على العقول هضمه من الحكم؛ فإذا استرسل الجندي في الجزع والشكوى، أو خانه الصبر فلاذ بالضجر،- أخطأ النصر، وضاع الثغر، وإنما أنتم حراس دروب، ومرابطة ثغور، فاصبروا واثبتوا، وقد كفيناكم سداد الرأي، فهاتوا سداد الإرادة وسداد العمل.
__________
* نشرت في العدد 133 من جريدة «البصائر»، 23 أكتوبر سنة 1950.
(3/270)

وأنتم ممثلو جمعية العلماء في ناحية من أهم أعمالها، وهي التربية والتعليم، فكل واحد منكم صورة مصغرة من الجمعية في نظر الأمة، وجمعية العلماء هي رمز الدين الصحيح، وهي حارس الفضيلة الإسلامية، وهي المثال المفسر للحكمة المحمدية بأحسن تفسيراتها، وهي المثل المضروب في مقاومة الباطل والمبطلين، وهي مظهر القدوة الدينية اعتقادًا وعملًا؛ فهي- لذلك كله- ملءُ سمع الأمة وبصرها، وهي الأريج المتضوّع بسمعة الجزائر في العالم الإسلامي، فكونوا- في مظهركم ومخبركم- أمثلةً صحيحةً منها، واعلموا أن كل زلة منكم- وإن صغرت- محسوبةٌ على جمعية العلماء، منسوبةٌ إليها.
وفي وطنكم موجة من الإلحاد، جاءت في ركاب الثقافة الغربية، ومكن لها القصد الصحيح من غايات الاستعمار، ومهد لها في نفوس هذا الجيل جهله بحقائق الإسلام، وضعف صلته بالله، وإنّ تساهلكم في إقامة شعائر الدين، أو استخفافكم بأحكامه، معين على تفشي الإلحاد في الجيل الجديد الذي تقومون على تربيته، فاحذروا الظهور بمظهر المستخف بالدين، ولو في فلتات اللسان، فإن لكل فلتة ولكل كلمة تصدر منكم أثرًا في نفوس تلاميذكم؛ لأنكم محل القدوة عندهم، ولأن زمنهم يتبرع بالباقي، فإذا وجد العون منكم كان أجود بالشر من الريح المرسلة.
وفي زمنكم عارض من انحلال الأخلاق، بعض أسبابه في الواجدين الاسترسال في الشهوات، وبعض أسبابه في المعدمين التشوّف إليها، وأكبر أسبابه في الجميع الاستعمار وأساليبه في علاج المرض بالموت، وغسل النجيع بالرجيع، فعالجوا هذا الداء قبل حلوله في نفوس الصغار بتقوية العزائم والإرادات فيهم، وبتعويدهم الصوم عن الشهوات، وبتحبيب العمل إليهم، حتى إذا انتهوا إلى الحياة العملية اقتحموا ميادينها بنفوس غير نفوسنا، وهمم غير هممنا، وعزائم غير عزائمنا، وإرادات غير إراداتنا، وقدرة على كبح الغرائز الشهوانية غير قدرتنا.
أنتم حراس هذا الجيل الجديد، والمؤتمنون عليه، والقوّامون على بنائه، وأنتم بناة عقوله ونفوسه، فابنوا عقوله على أساس من الحقيقة. وابنوا نفوسه على صخرة من الفضائل الإنسانية، وأشربوه عرفان قيمتها؛ فإن من لم يعرف قيمة الثمين أضاعه؛ وقد غبنت هذه القيم في عصركم فكان ما ترون من فوضى واختلاط.
ربوهم على ما ينفعهم وينفع الوطن بهم، فهم أمانة الوطن عندكم، وودائع الأمة بين أيديكم.
ربوهم على التحابّ في الخير، والتآخي في الحق، والتعاون على الإحسان، والصبر إلا على الضيم، والإقدام إلا على الشر، والإيثار إلا بالشرف، والتسامح إلا في الكرامة.
(3/271)

ربوهم على استخدام المواهب الفطرية من عقل وفكر وذهن، وعلى صدق التصور وصحة الإدراك ودقة الملاحظة والوقوف عند حدود الواقع.
هناك حدود مشتركة بين الضار والنافع من أعمالكم، فتبينوها ثم اعملوا على قدرها، ولا تجاوزوا حدًّا إلى حد، فتضروا من حيث قصدتم إلى النفع، فمدح المجتهد من تلامذتكم مذكٍ للنشاط، كما هو مدعاة إلى الغرور، والفصلُ بينهما رهينُ لفظة مدح مقدرة أو مبالغ فيها منكم؛ ولأن تخمدوا نشاطًا، خيرٌ من أن تُشعلوا غرورًا في نفس التلميذ، إن النشاط قد يعاود، ولكن الغرور لا يزايل، وإن الغرور لأعضلُ داء في عصركم، وإن صنفكم لأكثر الأصناف قابليةً لهذا الداء، لما فيه من إيهام بالكمال في موضع النقص، وتمويه للتخلف بالتقدم، وتغطية للسيّئ بالحسن، وهذه محسنات الغرور في نفوس المغرورين، والغرائز ضارية، والتجارب فضَّاحة، والصراع بينهما كان وما زال ولا يزول، فاحذروا الزّلة في هذا المزلق، وحذّروا تلامذتكم منها بالقول والعمل.
ربوهم على بناء الأمور على أسبابها، والنتائج على مقدماتها علمًا وعملًا، واعلموا أن العلم يبدأ مرحلته الأولى من هذه البسائط التي تقع عليها حواسكم في الحياة كل لحظة فتحتقرونها ولا تلقون لها بالًا، مع أن مجموعها هو العلم إذا وجد ذهنًا محللًا، وهو الحياة إذا وجدت عقلًا مفصّلًا.
بيّنوا لهم الحقائق، واقرنوا لهم الأشباه بالأشباه، واجمعوا النظائر إلى النظائر، وبيّنوا لهم العلل والأسباب، حتى تنبت في نفوسهم من الصغر ملكة التعليل، فإن الغفلة عن الأسباب هي إحدى المهلكات لأمتكم، وهي التي جرّت لها هذه الحيرة المستولية على شواعرها، وهذا التردد الضارب على عزائمها، وهذا الالتباس بين المتضادات في نظرها.
امزجوا لهم العلم بالحياة، والحياة بالعلم، يأتِ التركيب بعجيبة، ولا تعمروا أوقاتهم كلها بالقواعد، فإن العكوف على القواعد هو الذي صير علماءنا مثل "القواعد"، وإنما القواعد أساس، وإذا أنفقت الأعمار في القواعد فمتى يتمّ البناء؟
ربوهم على أن يعيشوا بالروح في ذلك الجو المشرق بالإسلام وآدابه وتاريخه ورجاله، ذلك الجو الذي يستوي ماضيه ومستقبله في أنهما طرفا حق لا يشوبه الباطل، وحاشيتا جديد لا يبليه الزمن، وعلى أن يعيشوا بالبدن في هذا الزمن الذي يدين بالقوة، ويُدلّ بالبأس، وعلى أن يعيشوا بالروح في ذلك الزمن المشرق العامر بالحق والخير والفضيلة، وعلى أن يلبسوا لبوس عصرهم الذي يبني الحياة على قاعدتين: "إن لم تكن آكلًا كنت مأكولًا"! و"كن قويًّا تحترم".
(3/272)

حقوق الجيل الناشئ علينا * ...
للجيل الآتي علينا حقوق أوّلية مؤكّدة، لا تبرأ ذممنا منها عند الله، ولا تسقط شهادة التاريخ علينا بها، إلا إذا أدّيناها لهم كاملةً غير مبخوسة؛ وملاك هذه الحقوق أن نعدّهم للحياة على غير الطريقة التي أعدّنا بها آباؤنا للحياة.
الأخلاق والآداب والأفكار والإحساسات والاتجاهات العامة والمشخّصات الخاصة، هي "الأمتعة" التي يرثها جيل عن جيل، ومنها يتكوّن مزاجه صحةً واعتلالًا، فماذا ورثنا عن آبائنا؛ وماذا نورّث أبناءنا منها؟
ليس من العقوق أن نقولَ: إن آباءنا لم يورثونا شيئًا نافعًا من هذه الأمتعة، وليس من العقوق أن تقول: إن أباك خلفك فقيرًا ... إذا كان عاش فقيرًا، ومات فقيرًا. بل من الإنصاف لهم أن نقول: إنهم ورثونا هذه الصفقة الخاسرة التي هي رأسُ مالنا اليوم، من أخلاق لا تزنُ جناحَ بعوضة، وآداب لا تستقيم عليها حياة، وأفكار بدائية لا تجول في المدار الواسع من الحياة، وعقول تقدّر فتخطئ، وتدبِّر فتبطئ، وإحساسات مذبذبة، واتجاهات خاطئة مدبّرة؛ وغير ذلك مما تركنا غرباءَ عن عصرنا وأهل عصرنا، وصيّر الحياةَ منا في غير دار إقامة ... فهل يحسن بنا أن نورّث بنينا هذا السقط من الأمتعة بعد شعورنا ويقيننا بعدم كفايتها للحياة؟
يعذر هذا الجيل الذي نحن منه، بأنه استلم التركة العامة أدوات معطلةً، وأسلحةً مفلولة، وأجهزةً بالية، من جيل انتهى به زمنه إلى درجة من الإفلاس المادّي والأدبي، صيّرته في غير زمنه، ولكنه لا يعذر إذا سلّمها- كما هي- إلى الجيل الآتي ويقترف جريمةَ غش لا تغتفر إذا حمل أوزاره وأوزار أجيال قبله على الجيل الآتي، بعد أن كشف عررها، وتبيّن ضررها.
__________
* نشرت في العدد 145 من جريدة «البصائر»، 5 مارس سنة 1951.
(3/273)

فتح جيلنا هذا عينه، في ظلمات متضرّبة، بعضها فوق بعض، تتخللها بروق معشية، ورعود صاخة، ثم رجع بصره فإذا ذئاب تتخطف، وصوالجة تتلقّف، وطفيليات أنبتها الدهر في دمنته، ثم رجع البصر كرتين فإذا أمامه مسافاتٌ مما قطع السائرون؛ ثم طلب الحياة، فإذا سبلها وعرة، والصراط إليها أرقّ من الشعرة، وما زال هذا الجيل يتعثّر في أذيال الماضي، ويتخبّط في ظلمائه، ويحمل من أثقاله ما يقعد به كلّما رام النهوض، وإن أثقل ما يعانيه من تلك الأوزار، اختلافُ الرأي حتى فيما تبينت طريقته، ولجاج الفكر حتى فيما ظهرت حقيقته.
حرام علينا أن نرضى للجيل الآتي بما لم نرض به لأنفسنا، وأن نجرّعهم هذا الحنظل الذي تجرّعناه، وأن نلوّث نفوسهم البريئة بهذه القاذورات، وأن نبتليهم بما ابتلانا به آباؤنا من أدواء التفرّق المهلك، والأنانية الكاذبة، والغرور المدلي، والتنكّر للقريب، والخضوع للغريب.
حرام علينا أن نقلّدهم هذه الأسلحة المسمومة فيتفانون كما تفانينا، ويذوق بعضهم بأسَ بعض، ويشقون جميعًا ويسعد بشقائهم الغير.
حرام علينا أن نسلم إليهم شيئًا من هذه التركة التي يجب أن تنفقَ في جهاز الميت فتدفنَ معه ويأمن الأحياء شرّها، إذا لم ينالوا خيرَها.
...

السبيل القويم الذي يؤدي إلى حفظ الجيل الجديد من هذه الشرور المتوارثة، وإلى توثيق عرى الأخوة بين أفراده، وإلى توحيد أفكاره ومشاربه واتجاهاته، وإلى تصحيح فهمه للحياة، وتسديد نظرته إليها، وتشديد عزيمته في طلبها- هو المدرسة العربية التي تصقل الفكر والعقل واللسان وتسيطر عليها، وتوجيه الجيل الناشئ إلى الإسلام والعرب، وإلى الشرق والروحانية، فعلى هذه المدرسة يتوقّف جزء كبير من ذلك الواجب الثقيل، وعليها يتوقف حظ كبير مما نرجوه لهذا الجيل؛ وبهذه المدرسة نستطيع أن نبرئ ذممنا من حقوق أبنائنا وأن نكفر عن سيئات اجترحتها أجيالنا الماضية.
لا نغالط أنفسنا فنزعم لها أن هذه اليقظة البادية الآثار، المتفشية في الجيل القديم، كافية في توجيه الجيل الجديد إلى الخير، وفي توحيد ميوله على الخير؛ أو نزعم لها أن هذا الحظ التافه الذي حصلنا عليه من التعليم الأجنبي يغنينا أو يعيننا في هذا الصدد؛ أو نزعم لها أن الحالة الحاضرة للمدرسة العربية توصل إلى هذه النتيجة المرغوبة.
(3/274)

فاليقظة موجودة، ولكنها لم تصل- بعدُ- إلى الصحو الصاحي، وما زالت تغالبها بقايا من النوم الثقيل الطويل، والتعليم الأجنبيّ- على تفاهته في الكيف وقلته في الكمّ، وعلى اضطرارنا إليه وإقبالنا عليه- يسبقه جهل، وتقترن به آفات، وتعقبه مفاسد، وهو- على ذلك كله- يفتح عينًا، ليعمي عينًا ومن بلغ إلى غايته منّا أصبح بالطبيعة متنكّرًا لماضيه ودمه وقومه، لأن ذلك التعليم وجده فارغًا فملأه بما يشاء هو، لا بما نشاء نحن ...
وأما حالة المدرسة العربية الحاضرة فهي محل الشاهد.
ما هي الغاية من المدرسة العربية الحديثة؟
ما دُمنا من بناة هذه المدرسة، ومن أول الداعين إليها، والقائدين لحركتها، والواضعين لبرامجها، والمشرفين على كل دقيقة وجليلة فيها، والمعرّضين للبلاء في سبيلها، ففينا من الجرأة ما يدفعنا إلى الجواب عن هذا السؤال.
الغاية من هذه المدرسة هي تربية هذا الجيل وتعليمه.
وغاية الغايات من التربية هي توحيدُ النشء الجديد في أفكاره ومشاربه، وضبط نوازعه المضطربة، وتصحيحُ نظراته إلى الحياة، ونقله من ذلك المضطرَب الفكري الضيّق الذي وضعه فيه مجتمعه، إلى مضطرَب أوسعَ منه دائرة، وأرحب أفقًا، وأصحّ أساسًا، فإذا تمّ ذلك وانتهى إلى مداه طمعنا أن تخرج لنا المدرسة جيلًا متلائمَ الأذواق، متّحدَ المشارب، مضبوط النزعات، ينظر إلى الحياة- كما هي- نظرةً واحدة، ويسعى في طلبها بإرادة متحدة، يعمل لمصلحة الدين والوطن بقوة واحدة، في اتجاه واحد.
غاية التعليم هي تفقيهه في دينه ولغته، وتعريفه بنفسه بمعرفة تاريخه، تلك الأصول التي جهلها آباؤه فشقوا بجهلها، وأصبحوا غرباء في العالم، مقطوعين عنه، لم يعرفوا أنفسهم فلم يعرفهم أحد.
فهذه هذه الغاية السامية التي في تحقيقها نجهد ونكدح، وللوصول إليها نعمل، وفي العمل لها نلقى الأذى، وفي الأذى فيها نلقى راحة الضمير واطمئنان النفس، وببلوغها- إن شاء الله- نكون قد أدّينا الأمانة، وقضينا المناسك، وكفّرنا عن جريمة التقصير، وفزنا بالعاقبة فحمدنا السرى.
وبماذا يتم تمامُ هذه الغاية؟
لا يتم هذا على وجهه المثمر إلا بتوحيد منهاج التربية وبرنامج التعليم، ولا يتم توحيد المنهاج والبرنامج إلا بتوحيد الإدارة، ولا يتمّ توحيد الإدارة إلا بتوحيد الإشراف العام، درجات متلازمة سبقتنا بها الأمم التي بنتْ حياتها على تجربة النافع والأخذ بالأنفع، فقطعت الأشواط البعيدة في الزمن القريب.
(3/275)

وهذه هي المعاني التي دعتنا إلى جمع المدارس العربية تحت إدارة واحدة، وإشراف واحد، وإلى حشر المعلمين تحت لواء واحد، لِعِلْمنا أن توحيد الغايات لا يأتي إلا بتوحيد الوسائل.
يسوءنا- والله- ويسوء الحق، أن تكون الحقيقة في هذه القضية أوضحَ من الشمس، وأن يكون رأينا فيها بعيدًا من اللبس، ثم يتمارى بعض الناس فيها فيشاقّوننا في الرأي والعمل، وتأبى بعض الهيئات إلا أن تنفرد بمدرسة أو بضع مدارس، ويأبى بعض أبنائنا الطلبة أن يكونوا إلا ملوكَ طوائف: إمارة بلا عمارة، وزعامة بلا دعامة: كلّ ذلك لدواع من الجبن، أو بواعثَ من الحسد أو دوافعَ من الغرور والأنانية، أو كلّ ذلك مضروبًا بعضُه في بعضه؛ ومن ادّعى منهم خلافَ هذا فلا يصدّقه الناس، لأن قاعدة السبر الأصولي لا تقتضي إلا هذا، لو رزق الله إخواننا هؤلاء عقولًا تزن الأمورَ بعواقبها، وإخلاصًا يذيب الحسد، ويذهب بالأنانية، لعلموا أن الخير كل الخير في الاجتماع، وأنّ القوة كلّ القوة في الاتحاد، وأن الخروج على الجماعة أهلكَ من قبلنا وهم في نهاية القوة. فكيف لا يهلكنا ونحن في نهاية الضعف؟ وأن الثمرات التي نرجوها من المدرسة للجيل الجديد لا تأتي مع هذا التفرّق والتشتيت، وأن من يريد الإصلاح فليدخل فيما دخل فيه الناس، وليعالج- مخلصًا- من الداخل، أما محاولته للإصلاح وهو خارج فليست إلا هدمًا وتخريبًا، وأن الجيل الذي تخرجه هذه المدارس المتغايرة المتنافرة لا يأتي إلا متغايرًا متنافرًا، لا يزيد شيئًا عن خرّيجي الزوايا في العهد القديم، لا يجمعهم من الخلال إلا أبلغها في تفريقهم وهو تعصّب كل تلميذ لزاويته، والحلفُ برأس شيخها، وبئس الجيل جيل يكون هذا مبلغه من التربية والعلم، وبئس المربّون نحن إن رضينا لهم هذه المنزلة.
...

اثنتان يجب توحيدهما وإصلاحهما بحزم وشجاعة وإخلاص، وإلا كنّا جانين على النهضة ومستقبلها، غاشين للأمة في أطفالها وشبابها، متسببين لها في خسارة رأس مالها الضخم، والثنتان هما: هيئات المدارس، وهيئات الكشافة ...
(3/276)

حقوق المعلّمين الأحرار على الأمّة *
ونعني بالمعلّمين هذه الطائفة المجاهدة في سبيل تعليم أبناء الأمة لغتهم، وتربيتهم على عقائد وقواعد دينهم، وطبعهم على قالب من آدابه وأخلاقه.
نعني هذه الطائفة الصابرة على مكاره الحياة كلها، المحرومة من الراحة والاطمئنان في جميع أوقاتها، فهي في الشتاء تشقى وتتعب، وفي الصيف تضحى وتنصب، وفيما بين ذلك تكابد وتعاني؛ على ضيق من العيش، وتنكّر من الدهر، وتجهّم من الولاة، وفقدان للحافز من الرغبة والتنشيط. فلا مسكن مريح، ولا شمل مجموع، ولا مرتّب كافٍ يسدّ الضرورة، ويقوّي الضعيف، ويخفّف الهم، ويصونُ الهمة عن التبذل.
هذه الطائفة هي عماد جمعية العلماء في أجلّ وظائفها، وهي التربية والتعليم، وهي العصب المدبر لحياة هذه الحركة المباركة؛ فعليها- بحكم الأمانة والدين- واجباتٌ تشرعها الجمعية بالنظام والقانون، وتؤكّدها بالدعوة والإرشاد، وتستعين على تحقيقها بالمراقبة والتفتيش؛ ولها حقوق تتقاسمها الجمعية والأمة أمرًا وتنفيذًا، فهل قامت الجمعية والأمة متعاونتين بهذه الحقوق على أكمل وجه؟
أما جمعية العلماء، فإن واسطتها إلى الأمة هي هذه الجمعيات المحلية المشرفةُ على المدارس، القائمة مباشرةً بتصريف شؤونها المالية، وهذه الجمعيات هي المرجع الوحيد في ماديات المدارس، وهي الحاملة للحمل الثقيل فيها، ولما كانت جمعية العلماء تبني كل أمورها على الواقع المشهود، وتُراعي الظروفَ وشدّتها ورخاءَها، لتضمن لهذه المدارس الدوام والبقاء، كانت تتقدم إلى الجمعيات المحلية في باب المادّيات بما يحتمل الطاعة، وتتحمّله الطاقة، لأن من الحكمة اجتذاب الجماهير بالترغيب والمسايرة، لا بالإثارة والسوْق
__________
* نشرت في العدد 149 من جريدة «البصائر»، 2 أفريل سنة 1951.
(3/277)

العنيف، فهما من دواعي الانتكاس، والانتكاس أخطرُ ما يعرض للحركات في مراحلها الأولى، لذلك كانت تعتبر في مرتبات المعلّمين الحد الأدنى مما يقوم بالضروريات، وهي تعلم ما يقاسيه المعلم من آلام في حياته، وتُشفق عليه وترثي له، ولكنها تعلم مع ذلك حالة الموارد المالية للمدارس، وأهمّها ما يؤخذ من آباء التلامذة مشاهرة؛ وأغلب الآباء فقراء، ولو كان لمدارسنا مدد ثابتٌ من الأغنياء وحقّ الله في أموالهم، لجعلناه بعض ما نبني عليه في التوسيع على المعلمين وإزاحة بعض عللهم، ولكننا هزَزْنا هؤلاء الأغنياء بما يهتزّ له الكرام، فلم تسقط منهم ثمرة، ورقينا لعاهة الشحّ فيهم باسم الله وباسم الدين والوطن، وناشدناهم الله في هذا الجيل المقبل أن يحلّ به ما حلّ بهم من جهل، يصحبه هوان، يصحبه شر مستطير؛ فلم ينزل عفريت بخلهم لرقية، وبقيت مواردُ المدارس- لغيبة الأغنياء عن ميدان البذل- محدودةً مقترة، تتراجع ناضبة، حتى أصبحت لا تبلّ من جفاف، ولا تقوم بكفاف، وإذا لم يكن الغيث هاميًا، فلا ترجُ أن يكونَ النبت ناميًا.
...

نوجّه بعضَ العتب إلى رجال جمعياتنا المحلية، ولا نبرئهم من تبعة التقصير، ونعيب فيهم خلةً كادت تكون غالبةً عليهم، وهي أنهم يؤثرون المصالح الخاصة على المصلحة العامة عند التعارض، ولو أنهم- سامحهم الله- وجّهوا بعضَ اهتمامهم إلى حالة المدارس المادية، وبعضَ تفكيرهم إلى ابتكار مواردَ أخرى للمال، لكان لعملهم أثرٌ يذكر في حلّ هذه الأزمة التي شغلنا التفكير فيها عن التفكير في توسيع دائرة الحركة وتكميل نقائصها، ولو أنهم كانوا أكثرَ جرأة مما هم عليه لما توقفوا عند كل فترة يأنسونها من الجمهور؛ فليعلموا- علمهم الله- أن كل تقصير يقع منهم في هذا الواجب، فمصيبته تقع على المعلّمين البائسين، وأننا لا نسمح بأن يكون تفريطهم على حساب هذه الطائفة المجاهدة، ولا نرضى أن تكون خاتمة أعمالهم فشلًا وخيبة، ولا أن يكونوا هم السبب أو بعضَ السبب فيما يصيب هذه النهضة العلمية من خمود أو تراجع.
إن الموانع لكثيرة، وإن العوائق عن الخير لوفيرة، وشرّها ما عاق عن العلم والدين، ووقف عثرةً في طريقهما، ولكنها عند الرجال مصاعب سهلةُ التذليل، لأنهم يعتبرونها عوارض تزول، وأحوالًا تتحوّل؛ فيكون فهمهم لها وتصوّرهم إياها على حقيقتها أكبر أعوانهم عليها، فيلقونها بالهمم النافذة، والتصميم الخارق، والصبر الثابت، حتى تنقشع غماؤها، وتسلم المقاصد الذاتية؛ وإذا هاج البحر وعصفَتْ عواصفه، فالغرق عارض، والسلامة هي الأصل، وما على الربّان الحاذق المتأثّر بهذه الحقيقة إلا أن يعالجَ الشدّة
(3/278)

بدوائها، فيعالج الفزع بالصبر، والعواصف بحسن التصريف لها، وإلحاحَ الأمواج بإلحاح العزيمة، فإذا هو ناجٍ سالم محرز لمهجته وسفينته.
...

ولكنّ هذا كله كلام لا يجلب المنام، ولا يغني عن الطعام، ولا يكسو العظام، ولا ينعل الأقدام، والحقيقة التي تجب مواجهتها كفاحًا، هي أن الأزمة خانقة، وأسعار الضروريات والحاجيات، كسعود الأقوياء، كل يوم في ارتفاع، ووجه المستقبل يطلّ من خلل الأيام كالحًا باسرًا ينذر بالسوأى وزيادة ... وأصوات العمّال الكادحين وأجراء المشاهرة والمياومة تصمّ الآذان بطلب الزيادة في الأجور، لأن الزيت- وهو الإدام- أصبح بقيمته شجًى في الحلوق، ولأن الثياب الساترة أصبحت بسبب الغلاء فاضحة، ولأن ورقة (الألْف) بورك فيها فأصبحتْ (كالشين) في حساب الجُمَّل (1). في (الجزم الصغير) عند (اليقاشين) (2) ...
وهذه الطائفة المجاهدة الصابرة عندنا تتوقّع الموت، ولا ترفع الصوت، ولا مرجع لها - بعد الله- إلا جمعية العلماء التي حبّبتْ إليها التعليم، وزيّنته في قلوبها، ثم ساقتها إلى ميادينه، وجنّدتها في كتائبه، فإذا لم تبذلْ كل مجهود في تخفيف البلاء وتهوين الغلاء عليهم بالزيادة في المرتبات، فإن العاقبة تكون وخيمة، وإذا كنا لا نخشى أن يفرّوا من الزّحفْ، ثقة بهم، واعتمادًا على متانة دينهم، وصدق وطنيّتهم، وركونًا إلى شهامتهم واعتزازهم بمهنتهم، فإننا نخشى ما هو أسوأ عاقبةً من ذلك ... نخشى أن يعلموا أبناءنا بلا قلوب ولا عقول، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى صلة القلوب بالقلوب، وتأثّر العقول بالعقول، واستقاء الأرواح من الأرواح؛ فإذا حصل ذلك جاء التعليم وفيه أثرُ الجوع والهزال، وعليه سيما الفقر والخصاصة، ويأتي هذا الجيل وعلى عقله من هذه الآثار ما على أجسام مواليد الحرب التي نشأتْ في فقر من المواد المغذية؛ وإذا كنتم تسمعون عن الأمم الحية أنها توفر أرزاقَ القضاة حتى لا تلجئهم مطالب الحياة إلى الرشوة، فكذلك يجب توفير أرزاق المعلّمين حتى لا تطمحَ نفوسهم إلى ... هجر التعليم.
أما والله لو استطعتُ لأعطيتُ المعلّم جمًّا، ثم لأوسعت العطاء ذمًّا، حتى تقوى فيه نزعة الكرامة وشرف العلم، والشعور بأن العلم كالعبادة، وكفاؤه الأجرُ من الله لا الأجرة من المخلوق، ولكن التمنّي تعلّق بخيال ...
...
__________
1) الشين في ذلك الحساب يحسب بألف في اصطلاح المغاربة، ولكن ألفه كألف الفرق بعد واو الجماعة لا يساوي شيئًا.
2) اليقّاشين: الذين يكتبون التّمائِم. و "اليَقْشَة": حِرْفَتُهم.
(3/279)

هذا نذير من النذر الأولى لرجالنا القائمين على المدارس، والحاملين معنا للعبء المادي، فعليهم أن يقدُروا قدرَه، ويفكّروا في مغزاه، ويتعاونوا على إيجاد موارد جديدة، ليتوفّر لنا مال نرفع به مرتبات المعلّمين، ونرفع به أقدار العلم والتعليم؛ وإن هذه الأزمة إلى انفراج، فليثبتوا لها، وليكسروا حدّتها بالتدبير الذي يفل الحدّة، ويخفّف الشدة، وإننا قد قرّرنا الريادة في المرتبات، ولكننا تربّصنا حتى لم يبقَ مصطبر، وانتظرنا حتى يبلغهم هذا الخطاب السافر، فإذا تمارَوْا بالنذير، فسنقنعهم بسوء الحال، ووخامة العقبى، وإن ظننا فيهم- على ذلك- لجميل ...
(3/280)

اختلاف ذهنين في معنى التعليم العربي *
لغةُ الأمة هي ترجمان أفكارها، وخزانة أسرارها، والأمة الجزائريةُ ترى في اللغة العربية- زيادةَ على ذلك القدر المشترك- أنها حافظة دينها، ومصخحة عقائدها، ومدوّنة أحكامها، وأنها صلةٌ بينها وبين ربّها، تدعوه بها وتعترف، وتبوءُ بها إليه فيما تقترف، وتؤدّي بها حقوقه، فهي لذلك تشدّ عليها يدَ الضنانة، وما تودّ أن لها بها لغات الدنيا، وإن زخرتْ بالآداب، وفاضتْ بالمعارف، وسهلتْ سبلَ الحياة، وكشفتْ عن مكنونات العلم؛ فإن أخذتْ بشيء من تلك اللغات فذلك وسيلة إلى الكمال، في أسباب الحياة الدنيا؛ أما الكمال الروحاني، والتمام الإنساني، فإنها لا تنشده ولا تجدُه إلا في لغتها التي تكون منها تسلسلها الفكري والعقلي، وهي لغة العرب، ذلك لأنّ لغة العرب، قطعةٌ من وجود العرب، وميزةٌ من مميزات العرب، ومرآة لعصورهم الطافحة بالمجد والعلم والبطولة والسيادة؛ فإذا حافظ الزنجي على رطانته، ولم يبغ بها بديلًا، وحافظ الصيني على زمزمته، فلم يرضَ عنها تحويلًا؛ فالعربي أولى بذلك وأحقّ، لأن لغته تجمع من خصائص البيان ما لا يوجد جزء منه في لغة الزنج أو لغة الصين، ولأن لغته كانت- في وقت ما- لسانَ معارف البشر، وكانت - في زمن ما- ترجمانَ حضاراتهم، وكانت- في وقت ما- ناقلةَ فلسفات الشرق وفنونه إلى الغرب، وكانت- في وقت ما- هاديةَ العقل الغربيّ، الضالّ إلى موارد الحكمة في الشرق، وكانت- في جميع الأوقات- مستودَعَ آداب الشرق، وملتقى تياراته الفكرية، وما زالت صالحةً لذلك، لولا غبارٌ من الإهمال علاها وعاق من الأبناء قلاها، وضيمٌ من لغات الأقوياء المفروضة دخل عليها؛ وهي قبل وبعدَ كلّ شيء حاضنةُ الإسلام، ودليله إلى العقول، ورائدُه إلى الأفكار، دخلتْ به إلى الهند والصين، وقطعتْ به البحارَ والفلوات،
__________
* نشرت في العدد 152 من جريدة «البصائر»، 23 أفريل سنة 1951.
(3/281)

وفيها من عناصر البقاء ومؤهلات الخلود ما يرشحها للسيطرة والتمكّن، فقد احتوشتها الرطانات من كل جانب، ودخلتْ عليها دخائل العجمة واللكنة، فما نال كل ذلك منها نيلًا، وإن لغةً يصيبها أقلّ مما أصاب اللغة العربية من عقوق أبنائها، وحرب أعدائها، لحقيقة بالاندثار والفناء، ولكنها لغة العرب ...
والأمة الجزائرية من أوفى الشعوب العربية لهذه اللغة، وأكثرهم برًّا بها وتمجّدًا واعتزازًا، وأقواها شبهًا بها في الشدة على العوادي، والصبر على المكاره، والثبات على المقاومة، فالعربية غالبتْ في هذا الوطن عدة لغات، فلم تهن ولم تغلَب، والأمة الجزائرية ناهضَتْ عدة استعمارات روحية وماديّة، فلم تقهر ولم تخذل.
جاهدت هذه الأمة في سبيل لغتها جهادًا متواصلًا، كان من ثمرات النصر فيه هذه النهضة التعليمية التي ولدت الكتّاب والشعراء والخطباء والوعّاظ، وهي نهضة لم تعتمد الأمةُ فيها إلا على ما في نفسها من حيوية موروثة، ولم تلتمس فيها عونًا من أجنبيّ، بل لم تلقَ من الأجنبي إلا المعارضةَ الحادة والتثبيطَ القاتل؛ وكان من نتائج هذه النهضة إلحاح الأمة في المطالبة بمظهر سياسيِّ وطني للغتها، وهي أن تكون رسميةً في المدارس والدواوين والأقلام والأحكام، وأن يعترف لها بمكانتها في وطنها، وأن تمحَى عنها تلك الوصمة التي لم تسبّ بأشنعَ منها، وهي أنها "أجنبيةٌ في دارها"؛ وتكرّر الإلحاح في هذا، وارتفعت الأصوات به من كل جهة، ودَخلت الجرائد في المعمعة، واقتحمت القضية المجالسَ النيابية، وأذن النوّابُ بها على المنابر، ووقفت السياسة الاستعمارية عرضةً تصُدّ وتسدّ، وتطاول وتمدّ، وتتغابى وتتجاهل، وتطبخ الآراء- كعادتها- فلا تنضج رأيًا حتى يلوحَ لها خلافه، فتتركه فجًّا (1)، وتسلك غيره فجًّا؛ وكلّ تلك الآراء لا تبلغُ الأمةَ أمنيةً في لغتها، ولا ترمي إلى سداد ينفع الطرفين، إلى أن طلع علينا القرار المتعلّق بالتعليم العربي، الذي ختم به الوالي السابق أعماله وموبقاته في الجزائر، مؤرّخًا بيوم 26 فيفري من هذه السنة، ومقدّمًا إلى المجلس الجزائري لينظر فيه ويضعه موضعَ التنفيذ.
ونظرنا في ذلك القرار، قبل أن ينظر فيه المجلس الجزائري، فإذا هو تحطيم لا تنظيم، كما يسمّي نفسه، ولو أن العربية كانت موجودةً بالمدارس العليا أو السفلى، لكان هذا القرار إعدامًا لها، فكيف وهي معدومة، ونقول: معدومة، ونكرّر القول، ولا يردّنا عنه أن "كتاب المفصّل" للزمخشري يدرس في الأقسام العليا، فإن ذلك بعضُ شواهدنا على أنها معدومة، من غير أن نضيفَ إلى هذا الكتاب، من يدرّس الكتاب ...
...
__________
1) الفجّة: غير الناضجة.
(3/282)

بيننا وبين الحكومة خلاف ينتهي إلى التضاذ في فهم معنى التعليم العربي، سببه اختلافُ أداة الفهم فيها وفينا، فهي تفهمه بالذهنية الاستعمارية العنصرية المتأثّرة بالسيادة والاستعلاء، وتراه بالعين التي لا ترى إلا مصلحتها فتحتاط وتبالغ في تقدير العواقب، وتعمى عن مصالح غيرها وإن كانت كالجبال ضخامةً، وكالشمس وضوحًا، وكالعقليات ثبوتًا، ونحن نفهمه بالذهنية القومية الوطنية، ونراه حقًّا لا يعمى عنه ذو بصر، ولا يدفع بالمغالطة، ولا يتحقّق بمثل ما احتوى عليه هذا القرار الفارغ المتناقض الذي هو كالشبكة، كله خروق، يستطيع المنفذ أن يخرج من أيها شاء.
...

شهد التاريخ الحديث- الأمة الجزائرية العربية غضبَى ثائرة لتلك المعاملة المهينة التي كان الاستعمار يعامل بها لغتها، وشهدها تبني لنفسها، وتشيد نهضتها التعليمية بيدها، وتحكّ جلدها بظفرها، وشهدها- مع ذلك- تزعج الاستعمار وتصارعه، وتطالب وتغالب، فليشهدها الآن غضبى ثائرة على هذه البوادر التافهة التي يسمّيها "ملوك الجمهورية" تنظيمًا وإصلاحًا، ويمنونها عليها، ويعدّها المضللون نتيجةً للمصابرة والجهاد.
إن الأمة لا ترضى ولن ترضى بهذا الجزاء البخس كفاءً لما أجمع عليه رجالها من علماء وساسة من المطالبة بحق العربية في وطنها، وحقّها على الخزينة التي تتغذّى بأموالها، وقد كانت هذه الأمة تظن أن عصرَ القرارات المطاطة- ذات المسامّ والمنافذ- قد انقضى، وجاء عصر الحقائق وتفتّح الأذهان والعقول و ... العيون، ولكنّ هذا القرار الأخير بيّن لها أن الاستعمار ما زال في ضلاله القديم.
إن هذه الأمة المؤلفة من عشرة ملايين، هي صاحبة الحق في هذا التعليم، لها غنمه، وعليها غرْمه، فيجبُ أن تكونَ هي صاحبة الرأي الأول في بداياته، وصاحبة الفصل الأخير في نهاياته، وأن تكونَ هي القائمة به، والقيّمة عليه، بمعنى أن يكون المعلّم له من أبنائها المتضلعين في لغتهم، والحارس الرقيب عليه من رجالها المؤتمنين عليها، وأن لا يكون حظها في التعليم الثانوي أوكسَ من حظ الإنكليزية والإسبانية.
فالأمة تريد من التعليم العربي الحكومي الذي يحقّق للعربية صفة "الرسمية" أن يكون تعليمًا كاملًا في جميع مراحله، يبنى على أساس صحيح في المرحلة الابتدائية، وصحةُ الأساس تكون بالمعلم الكفء، والكتاب الوافي، والبرنامج الكافي، ثم ينتقل- صحيحًا- إلى الدرجتين الثانوية والعليا.
والأمة تريد تعليمًا عربيًّا يساير العصر وقوّته ونظامه، لا تعليمًا يحمل جراثيم الفناء، وتحمله نذُر الموت.
(3/283)

والأمة تريد تعليمًا عربيًّا عليه طابعها، وفيه أثرُ يديها، وله ما لها من روح، وعليه ما عليها من سمات.
إن هذه الأمة تعتقد- وتموت على اعتقادها- أنّ لغتها جزء من كيانها السياسي والديني، وشرط في بقائها، وقد التقى على الكفاح في سبيلها الدينُ والسياسة، فلم يختلفْ لهما فيه رأيٌ، ولم يفترق لهما قصد، وما هذا القرار بالذي يشفي من مرض، أو يوفِّي بغرض.
(3/284)

دروس الوعظ في رمضان *
أظلّنا شهر رمضان المبارك، وهو شهر تتفتّح فيه أبواب الرحمة، وتتفتّح فيه قلوب المؤمنين المستعدّين لتلقّي تلك الرحمة، فتصوم ألسنتهم وجوارحهم عن الفواحش المجترحة بها، ويتقرّبون إلى الله ببعدهم عنها. وتنبسط أيديهم بالإحسان إلى الفقراء، والبر باليتامى، والتوسعة على العيال، فلم يبقَ على هذا الإعداد الحافل بالخير، الذي يهيئ شهر رمضان النفوس إليه إلا المحرّك للنفوس، المنبّه للشواعر، المذكّر بالواجبات، الدالّ على مواضع الرحمة وعلى السُبل الموصلة إليها، البصير بعلل الأمة وطُرق علاجها، وهو الوعظ الديني.
والوعظ الديني هو رائد جمعية العلماء إلى نفوس الأمّة، جعلته مقدمة أعمالها، فمهّد واستقرّ، وذلّل الصعاب، وألان الجوامح، وعليه بنت هذه الأعمال الثابتة من إصلاح للعقائد، ونشر للتعليم، ومنه جنت كلّ ما تحمد الله عليه من نجاح.
والوعظ الديني هو الذي حرّكت به جمعية العلماء الهمم الراكدة، وشدّت به العزائم الواهية، واجتثّت به الرذائل الموبقة، فكان هو معينها على غرْس الإصلاح الديني، وتثبيت جذوره، وامتداد أصوله وفروعه.
ولم تُخِلّ الجمعية بهذه الوظيفة الشريفة يومًا، ولا قصّرت فيها، ولا كان النجاح المتواتر مزهدًا فيها، أو مقلّلًا من أهميتها، ولكن التجارب المتكررة هدتها إلى أنّ أشد الأزمنة ملاءمةً للوعظ الديني الأوقات الفاضلة- وأفضلها شهر رمضان- لتلاقي عدة عبادات فيه، من الصوم والصدقة والتراويح والتهجّد، وكل عبادة منها ذاتُ أثر في النفس؛ فكيف إذا اجتمعن؟ ولأنه أطول ظرف من ظروف العبادة، فاتصالُ الوعظ في أيامه ولياليه خليق أن ينقل السامعين من
__________
* نشرت في العدد 156 من جريدة «البصائر»، 21 ماي سنة 1951.
(3/285)

حال إلى حال، وأن يمكن لعادات الخير في نفوسهم، فإذا كان صومهم حقيقيًّا جامعًا لمعاني الصوم وآدابه مشركًا للجوارح كلها في تلك المعاني، كانوا أكثر تأثرًا بالوعظ، وأدنى إلى الانتفاع به في تزكية نفوسهم، وعلاج عللها، وإن شهرًا كاملًا يقضيه المؤمن في الاستشفاء بأنواع من الأشفية الروحية والبدنية، لحقيق أن يضمن به راحة السنة.
ولجمعية العلماء في هذا السبيل سنّة حميدة جرت عليها منذ سنوات، وهي توزيعها لعشرات من رجالها العاملين في ميدان التعليم على المدن والقرى، في شهر رمضان، ليحيوا لياليه بدروس الوعظ بعد نافلة التراويح، ويمتزجوا بالأمة في سائر الأوقات ناصحين مذكّرين، وقد تجلّت آثار هذه الدروس في التربية العامّة للأمّة، بارتفاع قيمة الفضائل في مجموعها، وبتفهّمها لحقيقة الصوم وحكمته، وبهجرها لكثير من فواحش الألسنة فيه، وبمعرفتها للإحسان وحسن اختيارها لمواطنه، وبقوة المعنويات فيها قوةً مشهودة، وبنماء التآخي والتعاون بين أفرادها، وبإلمامها بالسيرة النبوية، وتفطنها لمنابع العِبر منها، وبانتشار الثقافة الفقهية بينها.
...

بعد هذه الكلمة يقرأ القارئ قائمة طويلة بأسماء المشايخ الذين عيّنتهم جمعية العلماء للوعظ في رمضان المقبل، وأسماء المراكز التي عُيّنوا فيها.
فعلى المشايخ الواعظين أن يتّعظوا في أنفسهم قبل أن يعظوا غيرهم، فإن الوعظ إذا لم ينفع صاحبه لم ينفع الناس، ومن لم يكن متأثّرًا بقوله، لم يكن مؤثرًا به في الناس. وعليهم أن يقوموا بما انتدبناهم فيه خيرَ قيام، وأن يؤدّوا حق الله عليهم في النصح والتذكير، وأن يعتمدوا في تذكيرهم على صرائح الآيات القرآنية، وما صحّ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يضربوا الأمثال بسيرته وسيرة أصحابه- رضي الله عنهم- وأن يجلوا حدود القدوة في ذلك كله، وأن يقرّبوا المعاني من أذهان العامّة، فإن ذلك وسيلة إلى تحبيب العلم إلى نفوسهم زيادة على تشريكهم في الخير وتقريبهم من الهداية.
وعليهم أن يجاوزوا ما لا يعلمون من دقائق الوعظ الخفية، إلى ما يعلمون من حقائقه الواضحة، فإن كلامهم في الدين، فليحذروا أن يقعوا في مزلقة القول على الله بغير علم، وهو من الكبائر التي يأمر بها الشيطان، وفي الهدي النبوي مجال واسع للمذكّرين، وفي الواضح مندوحةٌ عن المشكل.
إن لجمعية العلماء منكم جندًا لهذا الميدان، تفخر به وتُباهي، ولكن هذا الجند متفاوت الحظوظ والأقدار، فمنهم الفوارس المتمرّسون بالمنابر والجموع، العارفون بمداخل
(3/286)

الوعظ إلى النفوس، لكثرة المران والتجربة، ومنهم حديثو العهد بالحياة العملية وبالمجتمعات، وإلى هذا الفريق من رجالنا مهّدنا بالكلمة السابقة.
وعليهم أن يمكّنوا- ما استطاعوا- في نفوس السامعين معاني الشرف والرجولة، وشرف النفس والاعتزاز بالإسلام والعروبة، فإن الإسلام جاء لجميع ذلك، وإن سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دائرة على ذلك، فالإسلام دين العزّة والكرامة والشرف والفضيلة، فمن لم يكن بهذه الصفات فإسلامه ناقص بقدر نقصانه فيها، وإن صلّى وصام وحجّ البيت ماشيًا.
وعليهم أن يشرحوا للأمة "مظلمة القرن العشرين"، وهي هذه المعاملة المهينة التي تعامل بها الحكومة دين الإسلام ومعابده وأوقافه وشعائره من حج وصوم، وإن أحقّ محلّ بهذه الدروس المباركة- وما فيها من خير ورحمة وسلام- هي بيوت الله، لولا ظلم الاستعمار.
ولينوّهوا بالمواقف التي وقفتها جمعية العلماء في هذه القضية، وعليهم أن يوجّهوا عنايتهم إلى علاج الأمراض المتأصلة في الأمّة، ومحاربة المنكرات الفاشية فيها، كالكذب، والغيبة والنميمة والسعاية بالأخ والتجسّس عليه، وكالسرقة والخمر والميسر، وكالأيمان الفاجرة وشهادة الزور، ويمين الطلاق، وكالقطيعة والخصام والخلاف، وكالركون إلى الكسل والبطالة والسؤال مع القدرة على الكسب، وكنقض العهد وخلف الوعد وخيانة الأمانة والبخل والإسراف في غير محلّه، وكانتهاك الحرمات والاستخفاف بالمحرّمات، والجبن والخوف من غير الله.
وعليهم أن يجتنبوا الحديث في مثارات الفتن، وفي البدع التي فرغتْ جمعية العلماء منها، فقد ضعف شأنها، وفي إعادة الحديث عليها تقوية لها وإحياء.
فهذه عهود أتقدّم بها إلى نفسي وإلى إخواني وأبنائي المشايخ الوعّاظ، فعلينا جميعًا أن نلتزمها في هذا الشهر المبارك الذي التزمنا أن ننفع فيه أمّتنا بالموعظة الحسنة.
وعلى السامعين أن يكون همّهم من حضور مجالس الوعظ نصيحةً تزكِّي النفس، أو فائدةً علمية تكملها، لا قطع الوقت و "تقصير الليل". وأن يقبلوا على هذه المجالس بآذان مصغية، وقلوب واعية، ونيّات خالصة، ومقاصد صالحة، فبذلك ينفعهم الله بما يسمعون ... وأن يفرّقوا بين هذه المجالس التي أنعم الله بها عليهم، وبين المجالس التي يزيّنها لهم الشيطان ليقطعوا الليل بها في سمر صاخب، ولهو ماجن، ومال ضائع، وحرمات منتهكة.
وفّقنا الله جميعًا إلى ما يقرّبنا إليه، وجنّبنا ما يبعدنا عنه، وأرانا ما يسرنا في هذه الأمة، ويسّرنا جميعًا لخدمة هذا الوطن وإخراجه من الظلمات إلى النور.
(3/287)

الكلمة الأخيرة للأمّة *
أما آن لعشّاق سلمى أن يقولوا: صحا القلب عن سلمى؟
أما آن للحالمين بالوحدة الفرنسية أن ينفضوا عنهم الأحلام؟
أما آن للمنتظرين أن يقطعوا حبل الانتظار؟
أما آن للمستعصمين بالأمل أن يُريقوا صُبابة الأمل؟
يا هؤلاء! إن الاستعمار شيطان، وإن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوًّا، وإن الاستعمار شر، ومحال أن يأتي الشر بالخير، ومحال أن يُجنى من الشوك العنب.
إن فرنسا نبية في الاستعمار، وإنها ترى أنه شرع لا ينسخ وعقد لا يفسخ، فدعوها وشرعها لله وسنن الله، وللزمان وتصاريف الزمان.
إن الإلحاح في المسألة ذلة وإن اليأس إحدى الراحتين.
والله والله، ألِيَّةَ المسلم البر، لا يرجو الخير من الاستعمار إلا من خولط في عقله فرجَا من الصخر أن يبضّ بالقطر، وما كنا نرجو منه أن يسترجع ما غصب من دنيانا، والدنيا مادة يملكها الغاصب؛ بعد تسلّطه على ديننا، والدين روحاني لا يسلبه إلا من يسلب الروح، ولكننا كنّا نظن أن تلك القلوب القاسية ترققها الشدائد، وأن تلك النفوس العاتية تلطّفها المصائب، وأن تلك الإحساسات الغليظة ترهفها مناظرُ البؤس الذي نزل بها، وتوقظها أصوات القوارع التي حلّت بدارها، من اكتساح "الألمان" لها، واجتياحها لديارها في يوم وبعض يوم، فقطع علينا هذا الظنّ يومَ حجر الحقد تلك القلوب على مسلمي الجزائر حتى أبتْ عليهم أن يشاركوها في فرحة فنغصتها عليهم بمناظر الدماء (1) والأشلاء.
__________
* نشرت في العدد 4 من جريدة «البصائر»، 29 أوت سنة 1947.
1) إشارة إلى حوادث 8 مايو 1945 التي قتلت فيها فرنسا 45 ألف جزائري.
(3/288)

واضيعتاه! أفي الوقت الذي تطمح فيه أنظار الأمم الضعيفة إلى الاستقلال التام، يرسلها رئيس وزراء فرنسا صيحة إنذار، بأن لا حق لنا حتى في استقلال ديننا؟!
واخيبتاه! أبعدَ مداورات دامت سنوات يُفرض على الأمة الجزائرية دستور أعرج أبتر، لا يسمع ولا يبصر، لم يؤخذ رأيها في وضعه، ولم يُسمع صوتها في دفعه؟!
واذلّاه .. ! أبَعْد البراهين اللائحة كفلق الصبح على حق هذه الأمة في السياسة وفي الحياة، وعلى استحقاقها لجميع الحقوق في السياسة والحياة، تعامل بالدون، وتحمل على خطة الهون؟!
أيها المتردّدون على قصر البوربون، إنه لا طارد كاليأس، وقد أيأسوكم فكأنهم طردوكم، فارجعوا ارجعوا وتداعوا إلى الاتحاد على الحق الواضح بالمنطق المعقول، فإن القوم قد اتّحدوا على هضمكم بالمنطق المسلّح، ارجعوا واجتمعوا واجمعوا الأمة في مؤتمر، واشرحوا لها الحقيقة، ودعوا لها الكلمة الأخيرة في تحديد الموقف وتقرير المستقبل.
لا اندماج إلا لبعضكم في بعضكم، ولا اتحاد إلا لأجزائكم الطبيعية بعضها مع بعضها.
(3/289)

جمعية العلماء والمشاكل
الإجتماعية بالجزائر
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مشكلة الزواج
مشكلة الطلاق
مشكلة الصداق
مشكلة الأحزاب
دعوات مكررة إلى اتحاد الأحزاب والهيئات
(3/291)

من مشاكلنا الاجتماعية (1)
الشبّان والزواج *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تعاني الإمة الجزائرية وجاراتها المتّحدة معها في الدين والجنس، المقاربة لها في العادات والمصطلحات، عدة مشاكل اجتماعية، لا يسع المصلحين إغفالها، ولا السكوت
عليها بعد ظهور آثارها، وتحقّق أضرارها، وستعالج «البصائر» طائفة من أمهاتها، ببيان نتائجها، وبيان وجه الرأي في علاجها، سائلة من حملة الأقلام وحملة الألسنة وذوي الرأي أن يظاهروها في هذا العلاج، ومن الأمة أن تقوم بواجبها من السمع والطاعة والتنفيذ، فإن من بعض هذه المشاكل ما لو تمادى وامتدّ لأتى بنيان الأمة من القواعد، وقضى عليها بالمسخ أولًا، والتلاشي أخيرًا.
أعضل هذه المشاكل، وأعمقها أثرًا في حياة الأمة، وأبعدها تأثيرًا في تكوينها مشكلة الزواج بالنسبة إلى الشبّان، فالواقع المشهود أنّ الكثير من شبابنا- وهم أملنا وورثة خصائصنا- يعرضون عن الزواج إلى أن يبلغ الواحد منهم سن الثلاثين فما فوق، ويترتب على ذلك أنّ الكثيرات من شوابنا يتعطلن عن الزواج إلى تلك السن، فيضيع على الجنسين ربيع الحياة ونسماته وأزهاره وبهجته وقوّته، ويضيع على الأمة نبات ذلك الربيع، وثمر الخصب والنماء والزكاء فيه، ثم تضيع بسبب ذلك أخلاق وأعراض وأموال، وإذا زادت هذه الفاشية فشوًّا، واستحكم هذا التقليد الفاسد، فإن الأمة تتلاشى في عشرات من السنين.
إن أمّتنا ليست منسجمة العوائد في أمورها الحيوية، وليست مطبوعة على قالب واحد في تكوينها الاجتماعي؛ ولذلك نجد البُداة المتّصلين بالفطرة لا يحسّون بهذه المشكلة بل تؤدّي بهم البساطة إلى الخروج عن حد الاعتدال تفريطًا، فيزوّجون أولادهم قبل سنّ البلوغ، وهو تفريط شائن مَعيب، وخيرُ الأمور الوسط.
__________
* نشرت في العدد 6 من جريدة «البصائر»، 12 سبتمبر سنة 1947.
(3/293)

إننا نتحدّث عن شبابنا الذين يُطاولون بالزواج وهم ينوونه، وأما أولئك الشبّان الذين أركسوا في الدرك الأسفل من الحيوانية، فانطلقوا مع الشهوات، واستمرأوا التحلّل من قيود الدين والعقل، ورأوا أن الزواج قيد لحريتهم البهيمية، فتحالفوا مع الشيطان على بتّ حباله، فأولئك قوم مجرمون.
شبابنا الأعزاب المتأولون نوعان، من حيث الئقافة وعدمها.
فأما المثقّفون الذين يستغلّون ثقافتهم، ويعيشون بها، فيبالغون كلما ذُكر الزواج في الاحتياط للمستقبل، والاستعداد لتكاليف النسل، ومنهم من يعتذر للعزوبة بأنه لا يجمل به أن يتزوّج من الجاهلات الأميات، وعذرهم هذا يطوي أشياء يلوحون لها تارة، ويصرّحون بها أخرى؛ وقد يزيغ بعضهم الزيغة الكبرى فيتزوّج بأجنبية، يُنفق عليها ما ينشئ ابنة عمّه خلقًا جديدًا متعلّمًا مهذبًا مدبرًا منظّمًا، ولا نلوم أولئك ولا هؤلاء، لأن الحضارة الغربية أفسدت أذواقهم، وأزاغت نظرهم إلى الحياة، فجعلت البعض يحتاط للمستقبل احتياطًا مفرطًا، وجعلت البعض يأنف من الفضيلة إذا كانت أمية، ولا يأنف من الرذيلة إذا كانت متعلّمة، لا نلومهم وإنما نلوم أنفسنا، إذ لم نأخذ للأمر عدته، ولم نحتط لعواقبه البعيدة، فنعلم البنت تعليمًا إسلاميًا قويًا بروحه، قائمًا بفضيلته، واسعًا بمعانيه، ترغم به هذا الشباب الأخرق على الرجوع إلى أصله، ولا يفلّ الحديد إلا الحديد.
وأما غير المثقفين وهم الذين يعتمدون على العمل الجسماني، ولم يصلْ بهم فساد الذوق إلى احتقار الجنس، فهم يعتذرون عن تأخير التزوّج أعذارًا أخرى منها المقبول ومنها المردود؛ ولئن سألتهم ليقولن: كيف نتزوّج مع هذه الشروط المرهقة، وهذه العوائد التي تجلب الإفلاس على الأغنياء، فكيف بالفقراء أمثالنا، وإن كثيرًا منهم لصادق في كثير من هذه المعاذير، وإن عذرهم لبيّن ولا تلحقهم في هذا ملامة، وإنما اللوم على هذا المجتمع الفاسد الذي نبذ هداية الدين، وإرشاد العقل، وشهادة الواقع، وحكم العوائد، وتناول هذه المسائل الكبيرة بالنظر القصير، وإلى هذا المجتمع نسوق كلمتنا هذه:
إن الأمّة الرشيدة هي التي تحرس شبّانها في طور الشباب من الآفات التي تصاحب هذا الطور، فتحافظ على أفكارهم أن تزيغ، لأن هذا الطور طور له ما بعده من زيغ أو استقامة، وتحافظ على أهوائهم أن تتجه اتجاهًا غير محمود، وتحافظ على عقولهم أن تعلق بها الخيالات، فتنشأ عليها، ويعسر أو يتعذّر رجوعهم عنها، وتحافظ على ميولهم وعواطفهم أن تطغى عليها الغرائز الحيوانية، لأن هذا الطور هو طور تنبّهها ويقظتها.
راعى الإسلام- وهو دين الفطرة- كل ذلك فندب إلى الزواج، وحضّ عليه وسمّاه إحصانًا، وشرع له من الأحكام ما هو أقرب إلى التيسير والفطرة والتسامح، كلّ ذلك
(3/294)

ليحفظ على الشاب والشابّة دينهما وعرضهما ويضبط عليهما عواطفهما فلا تمتدّ العين إلى محرم، ولا تهفو النفس إلى محظور، ولا يجاوزان بالفطرة حدود الله.
ولو أننا وقفنا عند حدود الله، ويسّرنا ما عسرته العوائد من أمور الزواج، لما وقعنا في هذه المشكلة، ولكننا عسرنا اليسير، وحكمنا العوائد، والعجائز القواعد، في مسألة خطيرة كهذه، فأصبح الزواج الذي جعله الله سكنًا وألفة ورحمة- سبيلًا للقلق والبلاء والشقاء، وأصبح اللقاء الذي جعله الله عمارة بيت وبناء أسرة- خرابًا لبيتين بما فرضته العوائد من مغالاة في المهور، وتفنّن في النفقات والمغارم.
هذه العوائد بدّلت حكم الله، ونسخت سنّة رسوله، فأصبح الزوج لا ينظر من الزوجة إلى دينها وحسبها وجمالها، وإنما ينظر إلى شيء واحد ... إلى مالها، فلتكن من خضراء الدمن، ولتكن دميمة الخلقة، كلّ ذلك لا يضيرها عند الزوج الطامع إذا كان لها مال، وولي الزوجة لا ينظر من خاطب بنته إلى أصله ودينه وأخلاقه، وإنما ينظر إلى شيء واحد ... إلى ماله وما يقدّمه من المهر الغالي والحلي النفيس، وبعد هذا لا نعجب إذا رأينا كلّ زواج يبتدئ بهذا الاعتبار، ينتهي بالطلاق والعدواة والخصام بعد أشهر وأيام.
إن الصدقات التي يتغالى فيها هؤلاء الحمقى يكتفي فيها الإسلام بأقل متموّل، وقد زوّج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمة مؤمنة على أن يعلمها زوجها سورًا من القرآن، واكتفى في تزويج أخرى بخاتم من حديد (لو وُجد) ليرشد إلى أن المال ليس له من الاعتبار في باب الزواج إلا ما لخاتم الحديد.
إن مقاصد الإسلام في هذه السنّة أعلى من كل ما يعمله الناس، فهو يرمي بما شرع إلى بناء البيوت على المحبة والتعاون على تربية النسل وتعليمه وتقوية الأمة به.
وعلى هذا فالرجل الذي يُزوّج ابنته على هذا الأصل الواهي، ولا يراعي في زوج بنته إلّا جانب المال، رجل لا عقل له ولا ضمير، فقد يفلس ذلك الزوج، ويرجع على صداق زوجته وثروتها حتى يفلسا معًا، ويكون عاقبة أمرهما الطلاق، وكم رأينا من غني زوّج بنته بسكّير لما قدّم من حلي وساق من مهر، فعاشت بنته في نكد، ولم تتمتعّ بزوج ولا ولد؛ وكم رأينا مَن باع داره التي تُظلّه وتُظلّ أطفاله لإهداء بنت من بناته إلى زوجها، فلما جاء دور الثانية لم يجد، ووجد الشيطان فسوّل له أن يعضلها حتى تموت.
هذه بعض الموبقات التي قرّرتها العادة الفاسدة في مجتمعنا، فأدّت إلى بقاء الشبّان والشّابات أعزابًا ساخطين على الحياة متبرمين بها.
ثم ماذا كانت العاقبة؟ فساد أخلاق وتهوّر في الفسق وأول الغيث قطر.
(3/295)

أيها الآباء! يسّروا ولا تعسروا! وقدّروا لهذه الحالة عواقبها وارجعوا إلى سماحة الدين وشره، وإلى بساطة الفطرة ولينها. إن لبناتكم مزاحمات في السوق على أبنائكم، وإن معهن من الإغراء والفتون ما يضمن لهنّ الغلبة في الميدان؛ فحذار أن يغلب ضعفهن قوّتكم، وإن هذه الحرب التي أفنت ملايين من الشبّان، أبقت عديدهم من النساء، وإنهن يُجلن الآراء والأعين في مستعمرات من الشبّان، أو في شبّان من المستعمرات، وإنهن مسلّحات بأفتك من أسلحة الحرب، فحذار أن يكون شبابنا فرائس هذا الاستعمار الضعيف القوي.
إنكم لا تغالبون الطبيعة البشرية إلا غلبتكم، ولا تشادّون سنن الله إلا قهرتكم وإن الدواء في أيديكم، فيسّروا ولا تعسروا.
أيها الشبّان! إنكم لا تخدمون وطنكم وأمّتكم بأشرف من أن تتزوّجوا، فيصبح لكم عرضٌ تدافعون عنه، وزوجات تحامون عنهن، وأولاد يوسعون الآمال، هنالك تتدربون على المسؤوليات، وتشعرون بها، وتعظم الحياة في أعينكم، وبذلك تزداد القومية قوة في نفوسكم، إن الزوجة والأولاد حبال تربط الوطني بوطنه، وتزيد في إيمانه، وإن الإعراض عن الزواج فرار من أعظم مسؤولية في الحياة، ولمن تُخدمُ الأوطان؟ إذا لم يكن ذلك لحماية من على ظهرها من أولاد وحُرَم، ومن في بطنها من رفات ورمم.
قد كان أجدادكم العرب يضعون نساءهم وذراريهم خلف ظهورهم في ساعة اللقاء لئلّا يفرّوا ... وهذا هو الحفاظ.
(3/296)

من مشاكلنا الاجتماعية (2)
الطلاق *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الطلاق حلّ عقدة، وبتّ حبال، وتمزيق شمل، وزيال خليط، وانفضاض سامر، فيه كلّ ما في هذه المركبات الإضافية التي استعملها شعراء العرب، وجرت في آدابهم العاطفية مجرى الأمثال، من التياع وحرارة، وحسرة ومرارة، ويزيد عليها جميعًا بمعنى آخر، وهو ما يصحبه من الحقد والبغض والتألّم والتظلّم.
لهذه الملابسات التي هي من مقتضيات الفطر السليمة، والطباع الرقيقة، شرعه الإسلام مقيدًا بقيود فطرية حكيمة، وقيود شرعية قويمة، اعتمد في تنفيذها بعد فهم المراد منها على إيمان المؤمن، وشرع له من المخففات ما يهون وقعه كالتمتيع ومدّ الأمل بالمراجعة، وتوسيع العصمة إلى الثلاث، حتى تمكن الفيئة إلى العشرة؛ وما وصْفه في القرآن بالسراح الجميل والتسريح بالإحسان، إلا تلطيف إلهي في أسلوب معجز يبعث في النفوس المؤمنة نفحات تلطف وما تزال تلطف من غلظ الإحساس وعرام الحيوانية حتى يصير الطلاق "عملية بلا ألم".
والزواج عقد بين قلبين، ووصل بين نفسين، ومزج بين روحين- وفي الأخير- تقريب بين جسمين، فإذا تراخت عراه بين القلبين ضاعت حكمة الله في السكون والرحمة والعطف، وهنا يدخل العقل مصلحًا بلغة المصلحة والتعاون والإحسان، وشفاعة النسل (إن كان)، فإذا زاغت الفطرة من أحد الزوجين عن محورها، أو طغت الغرائز الحيوانية على الفضائل الإنسانية في أحدهما أو كليهما، ولم يقم العقل وحده أو مع الحكمين، بإصلاح ذات البين، فالله أرحم من أن يكلف عباده تحمّل هذا النوع من العذاب النفسي، وهو الجمع بين قلبين لم يأتلفا، وطبعين لم يتّحدا، وروحين لم يتعارفا؛ لذلك شرع لهما الطلاق
__________
* نشرت في العدد 7 من جريدة «البصائر»، 19 سبتمبر سنة 1947.
(3/297)

ليستريح إليه من ضاق ذرعًا بصاحبه ضيقًا معقولًا بدواعيه وأسبابه؛ ولما كان من بعض أسباب الطلاق ما يزول فتتجاوب النفسان من جديد، وتتراجعان الحنين إلى العشرة، شرع الإسلام تلك الملطفات التي ذكرنا بعضها، والتي تُبقي على أصل الصلة، وتحفظ "خط الرجعة".
جهل المسلمون حقائق دينهم، وجهلوا الحكم المنطوية تحت أحكامه، ومن أسباب ذلك جفاف الفقه عند الفقهاء لأخذهم إياه من كتب تُعلّم الأحكام ولا تُبيّن الحِكَم، فأثر ذلك في نفوس المتفقهة- وهم مرجعُ العامة في سياسة الإفتاء- آثارًا سيّئة، منها اعتبار تلك الأحكام تعبدية تُحفظ ألفاظها، ولا يتحرّك الفكر في التماس عللها، وطلب حكمها، وتعرف مقاصد الإسلام منها، وتصفّح وجوه المصلحة والمفسدة فيها.
أنا لم أسمع مدةَ دراستي للفقه في بعض تلك الكتب إلا كلمتين تثيران في النفس شيئًا من الإحساس الحي، وتنبّهان على خيال من الحكمة، وتبثّان في المشاعر بصيصًا من النور، إحداهما في باب النكاح، وهي قولهم: "النكاح مبنيٌّ على المكارمة"، والثانية في باب الطلاق، وهي تناقلهم لأثر "أبغض الحلال إلى الله الطلاق ".
ولو أن فقهاءنا أخذوا الفقه من القرآن، ومن السنّة القولية والفعلية، ومن عمل السلف، أو من كتب العلماء المستقلّين المستدلين التي تقرن المسائل بأدلّتها، وتبيّن حكمة الشارع منها، لكان فقههم أكمل، وآثاره الحسنة في نفوسهم أظهر، ولكانت سلطتهم على المستفتين من العامة أمتن وأنفذ، ويدهم في تربيتهم وترويضهم على الاستقامة في الدين أعلى.
إن من يأخذ فقه الطلاق من آية: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، ومما بعدها من الآيات الآمرة بالوقوف عند حدود الله، الناهية عن تعديها، أو من آية: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}؛ أو من آية الحكمين ووعد الله بالتوفيق عند الإصلاح، وبالإغناء من واسع فضله عند التفرّق؛ أو من آية تخيير النبي أزواجه بين حالين: أحدهما التمتيع والسراح الجميل، مَن أخذَ فقه الطلاق من هذا المنبع العذب يعلم أيّ حكم مبثوثة تحت كل كلمة وكل جملة، ومن تفقه هذا الفقه ونشره في الناس يبعد جدًّا أن يتلاعب بتلك العقدة الإلهية التي عقدها الله بين الزوجين، فيضعها في موضعها المعروف بين المسلمين الآن.
هذا الجمود في الفقه والفقهاء، وذلك الخلاف الواصل بين طرفي الإباحة والحظر في المسألة الواحدة، هما اللذان سهّلا على المسلمين تعدّي حدود الله في الطلاق، وأفضيا بهم إلى هذه الفوضى الفاشية في البيوت، وإلى ارتفاع الثقة بين الأزواج والزوجات، وزاد الطين
(3/298)

بلة وضْعٌ منحرف لمكان الزوجة من زوجها، حتى أصبح متخلخلًا متزلزلًا لا استقرار له، وما جاء هذا التخلخل إلا من سوء فهم من الرجل، انبنى عليه سوء تصرّف منه في الحق الذي خوّله الشارع، وهو أنه يملك العصمة، وما جاء سوء الفهم إلا من سوء التفهيم من الفقيه، فالفقيه لا يعرفُ إلا أن العصمة بيد الزوج، لأنه لا يجد في كتب الفقه إلا هذا، وهو حق في أصل الشريعة، ولكن الإسلام لا يُعطي هذه الحقوق أو هذه الامتيازات إلا للمسلم الصحيح الإسلام، القويّ الإيمان. فهو يكل إليه عهدًا ويستحفظه على أمانة، اعتمادًا على رشده، وثقة بإيمانه، أما إعطاء هذه الامتيازات إلى الجاهلين المتحلّلين من قيود الإسلام فهو لا يقلّ شناعة وسوء أثر عن إعطاء السلاح للمجانين.
...

يخرج الرجل إلى السوق، أو يجلس في المقهى، ويختلف مع آخر في شأن جليل أو حقير فيحلف أحدهما أو كلاهما بالطلاق حانثًا فتكون النتيجة خراب بيت، وتمزيق أسرة، وتشريد بنين.
ويتناقش آخر مع صهره في زيارة أو استزارة فيحلف أحدهما أو كلاهما بالطلاق، وتكون النتيجة تقطيع أرحام، وتكوين فتنة.
ويتنازع اثنان الحديث في السياسة أو التفضيل بين شخصين أو في الغيم والصحو، فتجري ألفاظ الطلاق متناثرة متعددة، كأنها لازمةُ الحديث، وكأن الكثير منهم لم يتزوّج إلا ليجعل الزوجة أداة يمين، أو ليصدقه الناس حين يحلف لعلمهم أنه متزوّج.
وكثيرًا ما تطلق الزوجة بهذه الأيمان والالتزامات العابثة، وهي لا تعلم من ذلك شيئًا ولم تتسبّب فيه.
وكثيرًا ما تكون آمنة في بيتها سعيدة بزوجيتها، فتفاجأ بالطلاق من زوج أحمق مأفون، لخلاف شجر بينه وبين جار أو بائع أو مشتر على أتفه الأسباب.

أيها المسلمون: إن عقدة الزواج عقدة مؤكدة، يحافظ عليها الأحرار، ويتلاعب بها الفجّار، وإن العصمة امتياز لرجالكم، ما لم تطغوا فيه وتظلموا، فإذا طغيتم فيه وجُرتم عن القصد، كما هي حالتكم اليوم، انتزعه منكم القضاء الإسلامي العادل لو كان. فإذا لم يكن عاقبكم الله بعذاب الخزي.
ما هذه الفوضى وهذا الاضطراب إلا عقوبة من الله لكم، وغيرة منه على أحكامه أن تتولوها بالهوى المطاع، والجهل القالب للأوضاع.
(3/299)

أيها المسلمون: إنه لا أشقى من ابن المطلقة، وإن أباه يُشقيه أولًا، ويشقى به أخيرًا، فإذا ربيَ في حضن أمّه المطلقة شقي ببعده عن أبيه، وشقي أبوه بما تغرسه أمّه في نفسه من بغض له وحقد عليه.
إن الأمة لا تنعم بأطفالها صغارًا، ولا تنتفع بهم كبارًا، إلا إذا نشأوا متقلبين في أحضان الآباء والأمهات، متلقّين لدروس العطف والحنان من قلبين متعاطفين، لا من قلب واحد.
ليت شعري أيدري المتساهلون في الطلاق ماذا جنوا على أنفسهم وعلى أبنائهم وعلى أمتهم؟
(3/300)

دعوة صارخة إلى إتحاد الأحزاب والهيئات *
إلى كل عامل مخلص للقضية الجزائرية من أحزاب وهيئات وأفراد
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها القوم:
ها هي ذي الانتخابات البلدية على الأبواب، وهي مقدمة لانتخابات متتابعة وحلقة من سلسلة طويلة من النيابات، وإن من طبيعة الانتخابات في الأمم التي لم تنضج آراؤها في الحياة، ولم يتّضح منهاج الحياة لها، أن تشتّت الشمل المجموع وتفرّق الكتلة المتراصّة الأجزاء، فكيف بالشمل الممزق والرأي المفرق؟
وها نحن أولاء نرى خصوم القضية الجزائرية من أئمة الاستعمار قد جمعوا صفوفهم وأجمعوا أمرهم على حرب قضيتنا في منبتها أشدّ مما حاربوها في فرنسا، وها هم أولاء أعدّوا من رجالهم للمراكز العليا في هذه النيابة كل ذي سابقة سوداء في القضية، وكل بطل من أبطال الكيد لها، وكل ذي نية خبيثة في القضاء عليها، وكل ذي دخلة سيئة للإسلام، وكل ذي يد ملوثة بدماء أبنائه.
إنهم قد تداعوا جهرة إلى الاتحاد هنا كما اتّحدوا هناك. اتّحدوا هناك على إحباط برامجكم فنجحوا، وعلى تخييب مطالبكم فأفلحوا، وإنهم قد اتّحدوا هنا على إسكات أصواتكم، وإخماد حركاتكم، وبيدهم أزمة القوة من حُكم ومال، ومطابع وجرائد وقسيسين.
إن ضعف الضعيف لا يكون- في سنّة الله- إلا زيادة في قوة القوي، وإن اختلافكم ضعف، فهو لا يكون إلا زيادة في قوة خصومكم وخصوم قضيتكم.
لا تستيئسوا. إن لم يكن لكم بعض ما لديهم من القوة المادية، فعندكم من القوة المعنوية ما لو أحسنتم تصريفه واستغلاله لغلب ضعفكم قوّتهم.
__________
* نشرت في العدد 10 من جريدة «البصائر»، 13 أكتوبر سنة 1947.
(3/301)

إن قوّتكم في الاتحاد فاتّحدوا.
إن الأمة من ورائكم، وهي مختلفة باختلافكم، فإذا اتحدتم اتحدتْ، وإنها متألمة من اختلافكم في مثل هذا الوقت، وفي مثل هذا الموقف، وإن هذا التألّم قد يفضي بها إلى اليأس وانعدام الثقة بكم، فأنعشوا آمال أمّتكم باتحادكم وقوُّوا معنوياتها بجمع كلمتكم.
إن خصومكم يتقدّمون إلى الميدان بقائمة واحدة مختارة من أهل الكفاءات في حربكم وبغضكم، ومن أهل السوابق في الكيد لكم، يؤيّدها الموافق المتحمّس، ويرجع إليها النافر والشارد والمحايد، فتكتسب من وحدتها قوة الاتحاد، ومن التفاف الفرق قوة الإجماع. وإن هذه القوة تُصيّر الباطل حقًّا في نظر القانون.
أما أنتم فتتقدمون- ما دمتم مختلفين- بقوائم مختلفة متعددة مبنية على عصبية الحزبية، لا على أساس الكفاءة، ولا على اعتبار المصلحة الوطنية، تصحبها دعايات يلعن بعضها بعضًا، ولا تنتهي حتى تقطع ما بقي من أوصال هذه الأمة الضعيفة، وتأتي على ما بقي من وشائج القربى وصلات الأخوة، ثم تترك بعدها نيرانًا من العداوة لا يطفئها ماء البحر، وندوبًا من الحزازات والأضغان لا يمحوها كرّ الزمن، وتصيّر الأخ ينظر إلى أخيه وكأنما ينظر إلى قاتله، فهي كالأمراض المستعصية إن لم تقتل تركت الضعف والارتخاء والفتور والنحول، ثم تبرز القوائم الناجحة فإذا هي هزيلة مضعوفة، مرقّعة الأطراف، خالية من الكفاءات خالية من روح النضال خالية من القيادة الصحيحة، وإذا بتلك الحمية قد بردت، لأن باعثها هو الانتخاب، وعصبية الأحزاب، لا مصلحة الوطن وحقوق الأمة، ومن المحزن أننا ما زلنا نعتبر الانتخاب غاية لا وسيلة في حين أنه في حقيقته وفي نظر الأمم الحية وسيلة لا غاية، وهذه إحدى نقط الضعف في عقليتنا العامة، فليعتبر بها رجالنا وأحزابنا، تضاف إليها أخرى من نقائصنا وهي أن الانتخابات في نظر الأمم الحية كميدان المصارعة الرياضية، لا ينتهي المتصارعان حتى يتصافحا على الوفاء للفن، أما عندنا فهي مجال خصام، تبتدئ بالسباب، وتنتهي بالعداوة، وما ذلك إلا لأن حظ النفس لم يزل عندنا مقدمًا على حظ الوطن وعلى المصلحة العامة.
يا قادة الأحزاب! إن في مبادئكم دسائس دخيلة من الأفكار، تؤرّث العداوة الحزبية بين الإخوة بحجّة المحافظة على المبدإِ، فانبذوها بضرورة الاتحاد ومراعاة الظروف، وادحضوا شبهتها بحجة الوطن الصريحة، وإن في صفوفكم دساسين مدخولين من الرجال لهم أغراض في المنافع والكراسي ولهم مقاصد في الإفساد، وإنكم لتعرفونهم بسيماهم وتعرفونهم في لحن القول، فأخرجوهم من الصفوف، ولا تسمعوا لهم كلمة ولا تطيعوا لهم رأيًا، وإن إخراجهم لا ينقص عددًا ولا يقطع مددًا، بل يقطع دابر الفساد من صفوفكم ويسأصل مادة الضعف من أتباعكم.
(3/302)

يا قادة الأحراب! إنكم مسؤولون أمام الله وأمام التاريخ وأمام الوطن وأمام الأمّة، فاعرفوا قيمة هذه المسؤولية الثقيلة، واشتركوا في تحمّلها بإخلاص تخف ويخف عليكم ثقلها.
إن العمل النافع للجزائر يبتدئ من الجزائر، وإن الانتخابات باب للمرور، لا دار للاستقرار، فاعبروه متكاتفين، ولا تعبروه متخالفين، واجعلوا مصلحة الوطن قبل مصلحة الحزب، ومصلحة الحزب قبل مصلحة الشخص.

أيّتها الأمة الجزائرية! إن هذه الأحزاب تستمدّ قوّتها منك، وأنت الزاد والمدد، والعدّة والعدد؛ فاحمليها- بجميع الوسائل- على الاتحاد؛ إنها متكلمة باسمك، فاحمليها على الاتحاد باسمك، إنها إن اختلفت كنت أنت الخاسرة على كل حال، وقضيتك هي المهضومة على كل حال، ويومئذٍ لا ينفعك نجاح الناجح منهم؛ أما إذا اتحدوا وتقدّموا للانتخاب بقائمة واحدة، فإن نجاحهم في النيابة عنك محقق، ونجاح قضيتك قريب، فإذا لم تربحي الحق ربحت الاتحاد وكفى به ربحًا.

أيتها الأحزاب! أيها النوّاب! ...
دعوْناكم إلى "اتحاد أجزائكم الطبيعية بعضها مع بعضها" في تلك الكلمة المدوية في العدد الرابع من «البصائر»، واتصلنا بكثير من المسؤولين منكم وبينّا لكم ضرورة الاتحاد في هذا الوقت الحرج، فوجدنا بعضكم يقول في الاتحاد بلسانه، ما ليس في قلبه، ويسارع إليه بالقول ويبطى عنه بالعمل، ووجدنا بعضكم لا يفهم من الاتحاد إلا أن يكون اندماجًا وإلحاقًا، لا كما يفهمه الناس من حفظ كل حزب لكيانه، والاتحاد والتعاون على ما فيه مصلحة الوطن، ووجدنا بعضكم لا يرضى إلا بأن تكون جمعية العلماء جزءًا من هذا الاتحاد. وجمعية العلماء- كما هي في حقيقتها، وكما أعلنت- فوق الأحزاب. ومن مصلحة الأحزاب أن تكون جمعية العلماء فوق الأحزاب.
(3/303)

دعوة مكررة إلى الإتحاد *
دعوْنا بالقلم مرّات أحزابنا السياسية الجزائرية إلى الاتحاد؛ وبينّا لهم ما يجهلونه من ثمراته وفوائده. ودعونا إليه باللسان في مجالس لا تحصى، نوّعنا فيها العبارات، وشرحنا الأسباب الداعية إليه من واقعة ومتوقعة؛ وخاطبنا بذلك جماعة من المسؤولين وذوي الرأي من أحزابنا، وتلطفنا في التحيّل، فاخترنا للدعوة كثيرًا من المناسبات التي يسهل معها الدخول إلى النفوس النافرة، والتأثير على العواطف الفائرة، والتغلّب على النزعات الحادة، واتخذنا من الإسلام والعروبة الجزائرية محورًا للدعوة إلى الاتحاد، وموئلًا نسوق إليه المتفرقين من أهله، لا تحريكًا للعصبية الدينية أو الجنسية، ولكن لأنها الجوامع الطبيعية لرجالنا العاملين، والصفات التي تربطهم بالأمة، والأصول التي ائتمنتهم الأمة على المطالبة بحقوقها فيها، ولأن الاستعمار إنما يسومنا الخسف والظلم لأجل هذه الثلاثة ويغالبنا عليها منذ قرن ونيف؛ ولو أن الشعب الجزائري كان مسيحي الدين عربي الجنس لَلقي من الاستعمار بعضَ العطف بمقدار ما تقتضيه أخوّة الدين، وإن تقاضى منه ثمن ذلك العطف تسخيرًا في تذليل بني العمومة من العرب والمسلمين كما هي عادة الاستعمار التي عرفها العرب وتفطنوا لخباياها، ولو كان هذا الشعب غير عربي ولا مسلم للقي من عطف الاستعمار المسيحي الشيء الكثير، بشرط أن تبقى العنجهية الأوربية هي السائدة فوق الجميع.
ولو أننا قصدنا في الدعوة إلى الاتحاد على تلك الأصول الثلاثة، إثارة النعرة الدينية أو الجنسية، لما توجّه إلينا لوم من عاقل في هذا الزمن الذي أصبح من مميزاته وخصائصه التجمّع العنصري في أعرض الأمم دعوى في الإنسانية والديمقراطية، والتكتّل الديني في أعرقها نسبًا في الإلحاد واللايكية.
...
__________
* نشرت في العدد 13 من جريدة «البصائر»، 1 ديسمبر سنة 1947.
(3/304)

كلّ مسلم عربي جزائري مخلص يُؤيّدنا في الدعوة إلى هذا الاتحاد. ويود منه ما نود، ويعتقد فيه ما نعتقده من أنّه المعقل الوحيد للقضية الجزائرية والوسيلة الوحيدة لنجاحها، ويرى ما نرى من آثار هذا التفرّق الشنيع الذي شتّت شمل هذه الأمة الضعيفة فزادها ضعفًا على ضعف في وقت تطلعتْ فيه إلى المطالبة بحقّها، فهي فيه أحوج ما تكون إلى جمع القوى والتئام الشمل واتحاد الكلمة.
ترد علينا رسائل كثيرة من عقلاء الأمة المخلصين لها السالمين من عصبية الحزبية، وكلها حضّ على السعي في الاتحاد بين الأحزاب وجمع الكلمة المتفرقة في هذا الوقت التي تجمعت فيه جموع الاستعمار على دحض حقّنا بباطله، وفي هذا الجو الذي كله نذر ومخاوف، والرسائل على كثرتها بحيث لا يخلو منها بريد يومي وخصوصًا في الأسابيع الأخيرة- كأنما كتبت بقلم واحد في أمور ثلاثة: التشهير بضرر الخلاف، والتنويه بضرورة الاتحاد، وتعليق الأمل في جمع الكلمة على كاتب هذه السطور وجمعية العلماء. وقد تغالى بعض الكاتبين فعصب قضية الاتحاد برأس كاتب هذه الكلمة، وجعلها عهدة في عنقه، وبالغ بعضهم- وهو من ذوي الآراء النيّرة والعلم الواسع والإخلاص المحقّق- فقفز إلى غاية الغايات وهي جمع الكفاءات في حزب واحد.
أما ضرر الخلاف على القضية الجزائرية فهو أمر يستوي في إدراكه جميع الناس، وأما ضرورة الاتحاد فهي أمر لا يختلف فيه عاقلان، وهو أمنية كل مسلم مخلص لدينه وجنسه ووطنه، وقد شعر به المسؤولون من رجال الأحزاب فتداعوا إليه جهرة في حين حدّة الخلاف وعنفوانه، ووجود أقوى أسبابه. ولا يماري في لزوم الاتحاد إلا قصير النظر في العواقب، أو خادم لركاب الاستعمار من حيث يدري أو لا يدري، أو مدخول النسب في الوطنية، أو مغطى البصر في العصبية الحزبية، أو سمى العقيدة في الإسلام والعروبة، أو متّهم في إخلاصه لهما، نقول هذا بكل صراحة لأننا نعتقده، ونعتقد معه أن كل الأحزاب في جميع الأمم لا يخلو أتباعها من أخلاط، كما لا تخلو أعمالها من أغلاط. وأما تعليق الأمل بكاتب هذه السطور وبجمعية العلماء فهو في محله، لأن الكاتب خلق لذلك، وعمل لذلك، وأنفق عمره في ذلك، وحلّ أصعب عقدة عقدها الاستعمار فجمع الكراغلة والحضر (1)، على ما جمع
__________
1) قبيلان يتكوّن منهما سكّان مدينة "تلمسان"، المدينة التاريخية القريبة من الحدود الغربية للجزائر، والكراغلة هم بقايا العنصر التركي الذي كان يحكم الجزائر، والحضر هم من عدا الكراغلة من عرب وبربر، وقد كانت بين القبيلين عداوة مستحكمة منذ الحكم التركي، وزاد بها الاستعمار الفرنسي ثباتًا واستمرارًا. ولما استقرّ كاتب هذا المقال بتلمسان ممثّلًا لجمعية العلماء وناشرًا لمبادئها في العمالة الوهرانية كانت أول مشكلة اعتنى بحلّها هذه المشكلة بين هاتين الفرقتين، وقد وفّقه الله في ذلك، فتآخى الفريقان على رغم أنف الاستعمار.
(3/305)

عليه الإسلام ربيعة ومضر. وتمّ بسعيه وسعي إخوانه العلماء- في وقت لا يقل حرجًا وضيقًا عن وقتنا هذا- جمع الأحزاب في هيئة أحباب البيان، يوم كان البيان هو مسألة الوقت ومحلّ الإجماع، وكان يصرّح هو وإخوانه في كل جلسة كما يصرّح الآن بأن جمعية العلماء "فوق الأحزاب" لا فوقية التعالي والترفّع، إذ لو كانت كذلك لما رضيت بالدخول في هيئة، ولا بالحضور في مجمع، وإنما هي فوقية الإرشاد والنصيحة والمحافظة على الوحدة، بحيث تكون الحَكَم والمرجع كلّما شجر خلاف في رأي، أو نجمت فرقة في مبدإٍ، ولكن بعض رجالنا- سامحهم الله- لم يفهموا هذا المقصد الصالح، وأرادوا الجمعية على أن تكون قسيمًا ثالثًا وطرفًا في النزاع، وحملوها على غير حقيقتها ومبادئها، وأوّلوا بالهوى بعضَ مواقفها الضرورية على غير وجهها، وأراد كل فريق أن تكون ألعوبة في يده، أو مسخّرة لأغراضه، أو أداة يهدم بها خصمه، والجمعية فوق ما يظنون، وفوق ما يتوهمون، ليست عاملَ تفريق، وإنّما هي عامل جَمْع، وليست أداة هدم، وإنما هي أداة إصلاح، ولو استبطن رجالنا السياسيون بواطنَ الأمور، وتدبروا عواقبها، لعلموا أن المصلحة الوطنية أولًا، والمصلحة الحزبية ثانيًا، تقتضيان وتتقاضيان من العاملين لهما أن تكون جمعية العلماء فوق الأحزاب، لتكون حكمًا بين الأحزاب، ولو جرت الجمعية على ما أرادوا لكانت حزبًا سياسيًّا ثالثًا يزيد الطين بلّة، وفي الأمراض علة؛ وفي صفوف الأمة صدعًا، ولانهارت دعامة الاستقلال الأولى وهي العلم والتعليم، أما كفى الأمة ما تعاني من حزبين حتى نزيدها ثالثًا؟
...

لا بدّ في الاتحاد من تذكّر بعض الماضي، ولا بدّ من نسيان بعضه، يُذكر الصالح من الماضي ليبنى عليه الحاضر، وينسى غيره لأن السياسة تتلوّن بالظروف، والظروف رهينة التحوّل والتغيّر؛ إنما يستثار التراب الساكن للبحث عن شيء نافع؛ أما إثارته لغير معنى ولا فائدة، فهو عمل يقذي ويؤذي فنرجو من رجالنا- ونلحّ في الرجاء- أن يتّحدوا على الأصول المسلمة، لأننا نعلم جميعًا أن الغاية واحدة، وأن الخلاف إنما هو في الوسائل الموصلة إلى تلك الغاية، وإذا كان الأمر كذلك كان الاتحاد من أيسر الأمور، زيادة على كونه من ألزم الأمور، وما ضاق الرأي والتدبير يومًا عن تقريب المتناقضات، فضلًا عن جمع المتقاربات. وإذا صدقت النيات، وصفت الضمائر، وأخلصت القلوب في خدمة الوطن- فكل صعب يهون، وكل عسير يتيسّر.
على رجالنا أن يعلموا أنه إذا كان الاتحاد لازمًا في كل وقت، وحسنًا في كل وقت، فهو في هذا الوقت ألزم وأحسن.
(3/306)

وأن أمامهم ثلاثة أمور توجب عليهم الاتحاد العاجل المخلص، ليواجهوها مجتمعين متكاتفين صفًّا واحدًا يعمل لغاية واحدة.
أمامهم التكتّل الاستعماري، واقفًا بالمرصاد للقضية الجزائرية، متحفّزًا للقضاء عليها، وما جمعَ جموعه إلا من أجلها؛ وما طوى أحزابه في حزب إلا للقضاء على أحزابنا، أفنعينه على أنفسنا بالتفريق؟
وأمامهم الانتخابات للمجلس الجزائري إحدى الثمرات المرة لذلك الدستور الأعرج الذي وضع من غير إرادة الأمة ولا استشارتها، ولا نشك في أن أحزاب الاستعمار ومن ورائها الحكومة تعد العدّة للاستيلاء على جميع مقاعده بكل الوسائل؛ ولا نشك في أن الخطط دبرتْ، وأن الدوائر فصلت على قدر الأذناب والأنصار، لضمان الفوز للأذناب والأنصار، فإذا لم تواجهها أحزابنا باتحاد متين، وقائمة واحدة، خسرت القضية مرتين: مرة بتمهيد السبيل لفوز الاستعمار وأذنابه وأنصاره، ومرة بتوسيع خرق الشقاق والتفرّق بين أجزاء الأمة الذي هو أثر من آثار الانتخاب.
وأمامهم الحالة العالمية العامة بغيمها وظلماتها، لم يضطرب حبلها يومًا اضطرابه في هذه الأيام. وإن في جوّها لبوارق، من ورائها صواعق؛ وإن في طيها لبوائق لم تتفتّق عنها الأكمام. فإذا لم نعالج أحداثها باتحاد عتيد، ولم نقف في وجهها صفًّا واحدًا، وأظلّتنا ونحن متفرّقون متخاذلون، أضعنا الفرصة وخسرنا الصفقة؛ ويا ليتها خسارة تبقي الرجاء وإن أطالت المدة. ولكنها خسارة للقضية وللرجاء فيها معًا.
إن في أحزابنا كفاءات، وفيها رجال، وفيها كنوز من الإخلاص، وقد غطى الخلاف على جميع ذلك، فهل من يد جريئة تُزيح ذلك الغطاء البغيض؟

أيّتها الأمّة: أنت تلك اليد، وأنت- وحدك- القادرة على توحيد الأحزاب. إن قوة الأحزاب مستمدّة من قوّتك، فاعرفيهم متّحدين، ولا تعرفيهم مختلفين، أما كيف تؤدّين هذا الواجب، فإن عليّ بيانه إذا لم يتّحدوا. وسيكون البيان آخر ما يمليه الواجب من محض النصيحة.
أما أنا فقد بلغت ... اللهم اشهد.
(3/307)

عواقب سكوت علماء الدين عن الضلال في الدين *
للقوة والسلطان أثر في الأبدان، وأثر في الأرواح؛ وأقوى الأثرين تأثيرًا وأظهرهما وسمًا، وأبقاهما على المدى، ما كان في الأرواح، لأن التسلّط على الأبدان يأتي من طريق الرهبة، والرهبة عارض سريع الزوال، أما التسلّط على الأرواح فبابه الرغبة، والدافع إليه الاقتناع والاختيار.
ولعلماء الإسلام سلطان على الأرواح، مستمدّ من روحانية الدين الإسلامي وسهولة مدخله إلى النفوس: تخضع له العامة عن طواعية ورغبة، خضوعًا فطريًّا لا تكلّف فيه، لشعورها بأنهم المرجع في بيان الدين، وبأنهم لسانه المعبّر حقًّا عن حقائقه، والمبين لشرائعه، وبأنهم حُرّاسه المؤتمنون على بقائه، وبأنهم الورثة الحقيقيون لمقام النبوّة، وكان العلماء يجمعون بين وظيفة التبيين في التعبديات، وبين وظيفة التقنين في المعاملات؛ أما الخلفاء فلم تكن وظيفتهم- في الحقيقة- إلا التنفيذ لما يراه العلماء من مصلحة في المعاملات الفردية أو الاجتماعية.
كان هذا السلطان ظاهرًا على أشدّه، متجليًا في سطوعه في صدر الإسلام يوم كان العلماء قوّامين على الكتاب والسنّة، جارين على صراطهما، واقفين عند حدودهما، قائمين بفريضة الأمر بما عرفاه، والنهي عما أنكراه، لا يهدون الأمة إلا بهديهما، فكان سلطانهم نافذًا حتى على الخلفاء، وألسنتهم مبسوطة بالنقد والتجريح لكل من زاغ عن صراط الدين كائنًا من كان، وكان رأيهم هو المرجع في مصالح الدين والدنيا. لا جرم أن كان خلفاء الدنيا من معاوية وهلم جرًّا يعرفون لهم هذا السلطان الواسع، فيتّخذ منه الموفقون منهم عونًا على الخير والإصلاح فلا يقطعون دونهم رأيًا ولا حكمًا، ولا يتبرّم به المستبدّون منهم،
__________
* نشرت في العدد 36 من جريدة «البصائر»، 17 ماي سنة 1948.
(3/308)

لأنهم يرون فيه سلطانًا على سلطانهم، فيأخذون في توهينه، تارةً بالمصانعة المرائية والاستيلاف المخادع، وتارة بالمنابذة المكشوفة والتجنّي المعاند.
بايع معاوبة لابنه يزيد، وحمل الأمة على البيعة له بالترغيب والترهيب والمطاولة، فتمّ له ذلك؛ ولكنه كان يرى تلك البيعة كاللغو، ما لم يبايع العبادلةُ والحسن، لمكانتهم في العلم ومكانهم من الأمة، فعمد إلى الحيلة المستظهرة بالسيف، وكذلك فعل بنو مروان كلما تخلّف مثل سعيد بن المسيب عن البيعة، وكذلك فعل الخلفاء بعدهم في قضية البيعة أيام اشتداد سلطان العلماء وامتداده، حتى انتقل أمرها إلى طور آخر، وأصبحت في أيدي الأمراء والقوّاد والأجناد، وخرجتْ من يد الخلفاء والعلماء معًا، وكأنما كان ذلك عقوبة من الله للخلفاء على تعاليهم، وللعلماء على تنازلهم؛ وما وقع في البيعة وقع في غيرها من مصالح الأمة التي يتنازعها السلطانان.
بقي العلماء- مع ذلك- ظاهرين على الحق، يتولّون القيادة الحقيقية للأمة في غير ما يمسّ السلطان المادي الزائف، وكانوا أيقاظًا لكل حدث يحدث في الإسلام، وكانوا كلّما رأوا شبحَ بدعة خفّوا إلى إزالتها، وكلّما أحسّوا بضلالة ومنكر في الدين بادروا إلى تغييره بالفعل والقول: يُجسم لهم الاحتياط الصغائر فيعاملونها معاملة الكبائر؛ لا يتساهلون ولا يترخّصون، سدًّا لذرائع الفتنة والضلال، وكانوا يصدُرون في أعمالهم وأحكامهم عن الكتاب والسنة، فيصدرون عن الدليل الذي لا يضلّ، ويستندون إلى الحجة التي لا تدحض؛ وكانت الأمة ترجع إليهم، فترجع إلى وحدة متماسكة في الدين لا تتفرّق بها السبل، ولا تتشعّب الآراء؛ إلى أن فتنتهم المذاهب والخلافات الجدلية في أصول الدين وفروعه، وغطّت عليهم العصبيات المذهبية وجه الحق، فرأت منهم العامة غير ما كانت ترى من وحدة في الدين، عاصمة لوحدتها في الدنيا، ووحدة في العلم، عاصمة من تفرّقها في المصالح، وجرّوها إلى ما هم فيه من خلاف، فجرّتهم إلى ما هي فيه من فساد، وضعف لذلك سلطانهم عليها، فتوزّع أمرَها أمراء السوء الظالمون، وقادة السوء الجاهلون، واجتمع هؤلاء على قصد واحد وهو استغلال العامة فاصطلحوا.
لم يزلْ أمراءُ السوء يكيدون للعلماء حتى زحزحوهم- مع تطاول الزمن- عن مكان القيادة الروحية للأمة، وصرفوهم عنها، واستبدلوا بهم في استمالة الدهماء والعامة قادة لبسوا لبوس الدين ليغروا باسمه، وزهدوا في العلم إذ ليسوا من أهله، واستمدّوا قوّتهم من قوّة الأمراء، وتقارض الفريقان الشهادات بالتزكية والتراضي على المنافع والسكوت عن المنكر، هؤلاء يُضلونها، وهؤلاء يُذلونها، والإضلال في الدين وسيلة الإذلال في الدنيا؛ واستنامت الأمة على الهدهدة باسم الدين، وعلى الاغترار بما يزيّنون لها من الجهل، وما يقبحون لها من العلم، وما يقرّبون لها من طرق الجنّة، وهم في ذلك كلّه لا يقربونها إلى الله إلا بما
(3/309)

يبعدها عنه من بدع ومحدثات، والعلماء في هذه المرحلة غافلون يغطون في نومة أرْبتْ في الطول عن نومة أصحاب الكهف والرقيم، إلى أن فتحوا أعينهم على دين غير الدين، فشبه لهم، وأصبحوا تابعين، بعد أن كانوا متبوعين، وأصبحوا يُزكون بعلمهم ذلك الجهل ويشهدون لأولئك القادة الجاهلين بالكمال والفضل، ولأولئك المبتدعين بما انتحلوه لأنفسهم من الولاية والكرامة، على المعنى الذي اخترعوه، لا على المعنى الذي جاء به الدين، ثم لم يكتفوا منهم بذلك حتى نحلوهم خصائص الألوهية. وشعر أولئك المبتدعة بتهوّر العلماء للمطامع الخسيسة، وسقوطهم على المطاعم الخبيثة، فقادوهم بزمامها، ثم شعروا بإقرارهم للمهانة والذل في نفوسهم، فأمعنوا في تحقيرهم وإغراء العامّة بهم، وأهان العلماء أنفسهم، فسهِل الهوان عليهم، فأصبحوا أذلّ من وتد بقاع، وصاروا عبيدًا وخولًا لهؤلاء المبتدعة الضُلَّال، يعيشون عالة عليهم، ويتساقطون على فتات موائدهم، ويتطوعون لهم حتى بأخس شهواتهم، ويشهدون لهم الزور على الله ودينه، ويحلون لهم من اللذائذ ما حرّم الله، وعلى هذه الحالة أدركنا عصرنا وأهلَ عصرنا. والشرب مشوب من قديم، ولكن آخر الدنّ دُرْدي.
ولقد رأيت بعينيّ معًا منذ سنين في طريق باب منارة من تونس، عالمًا يُعدّ في الطبقة الممتازة في علماء جامع الزيتونة، يهوي بالتقبيل على يد مخرف مبتدع جاهل متعاظم، لو حُكِّمتُ لحكمتُ بأن يكون عبدًا لذلك العالم، فرأيت يومئذٍ كيف تُعبد الأصنام، وعلمتُ كيف يكون العالم سبَّةً للعلم، وخطر ببالي قول المتنبّي:
وَقَدْ ضَلَّ قَوْمٌ بِأَصْنَامِهِمْ … فَأَمَّا بِزِقِّ رِيَاحٍ فَلَا
وسقط ذلك العالم من حسابي، فما ذكرته بخير حيًّا، ولا ترحمتُ عليه ميتًا، ولا عددت موته- كموت العلماء- ثلمة في الإسلام! ...
ما ظلم الله العلماء، ولكن ظلموا أنفسهم، ولم يشكروا نعمة العلم، فسلبهم الله ثمراته من العزة والسيادة، والإمامة والقيادة، وكان لخلوّ ميدان السلطة والأمر منهم أثر فاتك في عقائد المسلمين وأخلاقهم؛ وكان من نتائجه إلقاء الأمة بالمقادة إلى مَن يُضلّ ولا يهدي من المشعوذين الدجّالين. فأضلّوها عن سواء السبيل، ومكّنوا فيها للداء الوبيل، وأعضلُ أنواعه الاستعمار، الذي وجد منهم مطايا ذُللًا سماحًا إلى غاياته الخبيثة في الإسلام والمسلمين؛ ولو كان العلماء هم القادة، وكانوا أحياء الضمائر والمشاعر، وكانوا- كما كانوا- شداد العزائم والإرادات، لوجد منهم الاستعمار في مشارق الإسلام ومغاربه حصونًا تصدّ، ومعاقل تردّ.
***
(3/310)

أما والله- ألية المسلم البر، وسريرة الضمير الحر- لا ترجع هيبة العلماء إلى مستقرّها من نفوس الأمة حتى يقوموا بعهد الله في بيان الحق، ويتضافروا على حرب البدع والضلالات التي لابست الإسلام، ولبست عقائده ففسدت، وآدابه فكسدت، ولبست على المسلمين دينهم فأصبحت حقائقه في واد، وعقولهم في واد، وحتى يجلوا على الأمة تلك الكنوز الدفينة في كتاب الله كتاب الإنسانية العليا، وفي سيرة محمد دستور الحق والخير والكمال؛ وإن ذلك في صميمه هو ما تقوم به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في دعوتها وعملها الإصلاحيين، وإنها لا تفتأ جاهدة في الإصلاح الديني حتى تؤدي أمانة الله منه، وتبلغُ الغاية من إقراره في النفوس، وتمكينه في الأفئدة؛ وقد بلغت دعوتها للمقصورات في خدورهن، وللرُّحل في قفارهم، وللبداة في بواديهم، وللحضر في نواديهم، حتى أصبحت آثارها بادية في العقول والأفكار والإرادات وقد رجع للقرآن بعض نفوذه وسلطانه، وحجّته وبرهانه، وللسنّة النبوية مكانها علمًا وعملًا، وللعلماء المصلحين قوّتهم في التوجيه، ومكانتهم في التدبير، وقدرتهم على القيادة.
وإن هذه النتيجة لدعوة جمعية العلماء لمعجزة ادّخرها الله لهذا القطر الجزائري، فلا يوجد قطر من أقطار الإسلام تأثّر أهله بالفكرة الإصلاحية الدينية كما تأثّر مسلمو الجزائر، ولا يوجد في علماء الإسلام جماعة قاموا بهذه الدعوة الجريئة، متساندين مجتمعين، يجمعهم نظام وانسجام، كما قام رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، على كثرة اللدد في الخصوم ووفرة اللجاج في المعارض؛ وكم وددنا لإخواننا علماء الأقطار الإسلامية، لو قاموا بمثل ما قمنا به من تطهير عقائد المسلمين، وتوجيههم التوجيه الصحيح النافع في الدين والحياة، والرجوع بهم- في صراحة وجرأة- إلى كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، وإنقاذهم بذلك من عصبيات المذاهب والطرق التي فرّقت شملهم، ومصائب التفرّق والخلاف التي أذهبت ريحهم؛ ومع أن إخواننا علماء الإسلام يملكون ما لا نملك من وسائل الاجتماع، وأسباب القوة، فإن جهودهم في الإصلاح الديني لم تزل فردية محدودة، وخطواتهم في السير به لم تزل بطيئة متثاقلة.
أما والله، لو أنهم اجتمعوا وتذامروا، وشنّوها- كما شنناها- غارة شعواء على البدع والضلالات التي مهّدت للانحلال وفساد الأخلاق بين المسلمين، ومكّنت للضعف والخور في نفوسهم، وللوهن والفشل في عزائمهم، وللزيغ والاعوجاج في فطرتهم، وللرثاثة والنكث في روابطهم، ثم صيّرتهم- لذلك- حمًى مستباحًا، ونهبًا مقسمًا، لو فعلوا ذلك لأعادوا للإسلام قوّته وكماله، ونضرته وجماله، وللمسلمين مكانهم في البشر ومكانتهم في التاريخ.
(3/311)

ثلاث كلمات صريحة * ...
1 - إلى الأمة:
هذه الحركة العلمية الجليلة القائمة بالقطر الجزائري، هي الأساس المتين للوطنية الحقيقية، وهي التوجيه الصحيح للأمة الجزائرية، فغايتها التي ترمي إليها هي تصحيح القواعد المعنوية من عقل وروح وفكر وذهن، وتقوية المقوّمات الاجتماعية من دين ولغة وفضائل وأخلاق، وتلك وهذه هي الأُسس الثابتة التي بُنيت عليها الوطنيات في الأمم، هذه حقيقة لا يماري فيها إلا مكابر أو جاهل.
وهذه الحركة العلمية لم يضع أصولها العملية، ولم ينظّم قوافلها، ولم يحم حماها من كل دسّاس وكل خنّاس، إلا جمعية العلماء، ولا يعلي بناءها ويرفع سمكها في المستقبل إلا جمعية العلماء. وهذه حقيقة أخرى لا يكابر فيها إلا حسود، أو متّبع لهواه، أو مسخَّر للاستعمار.
وهذه الحركة لا تبلغ مداها، ولا تؤتي ثمراتها، ولا تتمخّض عن نهضة ثابتة إلا إذا استندتْ على عمادين قارين من علم وعمل. واعتمدت على سندين قويين من جمعية العلماء والأمة. وهذه حقيقة ثالثة أوضح من الصبح.
فجمعية العلماء والأمة شريكتان متضامنتان في احتضان هذه الحركة، والقيام عليها، والعمل على نمائها، حتى تتشقّق عن نهضة شاملة تفرّع النهضات رسوخًا وتمكّنًا، ولا يشترك اثنان في عمل إلا كان العمل بينهما كالطائر لا ينهض إلا بهما، ولا يقصر أحدهما إلا كان الجناح الذي يمثّله مهيضًا. فالواجب على الشريكين أن يقوم كل واحد منهما بقسطه على
__________
* نشرت في العدد 54 من جريدة «البصائر»، 25 أكتوبر سنة 1948.
(3/312)

أكمل وجه، وإلا باء بجريمتين: الإساءة إلى العمل في صميمه، والإساءة إلى الشريك العامل بالفتّ في عضده.
أما جمعية العلماء فقد قامت بقسطها وبرئت إلى الله من تبعة التقصير، وإلى الأمة من خيانة الأمانة، وما زالت دائبة في ترقية الحركة، جاهدة في حياطتها بالنظام، تنتقل بها في كل عام من عالٍ إلى أعلى، ومن نافع إلى أنفع، لا تريد من الأمة على ذلك جزاء ولا شكورًا، ولا تبغي منها إلا أن تقوم بقسطها من العمل، وهو بذل الماعون من مال لا تقوم الحركة إلا به، وتصميم لا تتمّ الأعمال إلا به، وإجماع على التعليم لا تخرقه الحزبيات والانتخابات، فهل قامت الأمة بذلك؟ وهل بذلت من مالها ما يكافئ ذلك الجهد الذي بذلته جمعية العلماء؟ يسوء الأمّة أن نقول الحقيقة، ويسوءنا أن نكتمها.
هذا معهد عبد الحميد بن باديس هو الخطوة الثانية إلى النهضة العلمية العتيدة بعد المدارس الابتدائية، ومنزلته منها منزلة من يأخذ ليعطي؛ يأخذ منها المتعلّمين، ويعطيها المعلّمين؛ وقد لقينا في تأسيسه من العقبات المالية ما لم نجتزه إلا بالصبر وتوفيق الله، وقد صفّت اللجنة المالية للمعهد حسابها للسنة الماضية وسينشر فيقرأ القرّاء أن المعهد مدين، وها نحن أولاء في السنة الثانية من إنشائه، وقد حفز نجاح التعليم الأمة وأطربها الحادي، فتضاعف عدد التلاميذ، فتضاعف عدد المدرّسين، فتضاعفت النفقات الشهرية حتى زادت على نصف مليون من الفرنكات. وإن ألزم الضروريات السكنى للمدرّسين والتلامذة، والسكنى عقبة كأداء لا يذللها إلا المال الوفير. وقد اشترينا في الأيام الأخيرة دارًا لسكنى شيخين من شيوخ المعهد، بلغت قيمتها مليونًا ونصف مليون، ووضعنا أيدينا على دار عربية تسع مائة وخمسين تلميذًا، وتبلغ قيمتها ونفقاتها أكثر من خمسة ملايين. ولجنة الإسكان جاهدة في إحضار الأماكن بالكراء أو بالشراء، ومن ورائها ستمائة تلميذ يطلبون السكنى ومن أمامها أصحاب أملاك يطلبون الملايين، ولكن أين الملايين؟
قد بلغنا في الاحتياط أبعدَ حد، وقرأنا لكلّ شيء حسابه قبل أوانه، وكشفنا للأمة عن كل شيء ولكن الأمة لم تقدّر الأمر كما قدّرناه، فقمنا بواجبنا، ولم تقم بواجبها، فاللهمّ اشهد.
لا نُنكر أن عشرات من المدارس العظيمة قد شيّدتها الأمة بعشرات من الملايين تولّت الجمعيات المحلية قبضها وصرفها، ولا نُنكر أن الأمة في أوائل نهضة من شأنها أن تكثر فيها الجمعيات، ويكثر فيها طلاب المال، وأن نتيجة ذلك الإفقار أو الملل، ولكننا نعلم أن من لوازم النهضات يقظة الفكر، وأن من آثار يقظة الفكر التنبّه لتدجيل الدجّالين، والموازنة بين شعب النهضة وتقديم الأهمّ منها على المهم ...
***
(3/313)

وهذا عدد يناهز مائتين وستين معلمًا وزّعتهم الجمعية على المدارس وعلى المعهد وكلهم جنود منقطعون للعلم، يأتمرون بأوامر الجمعية، وتسعة أعشارهم فارقوا أهليهم وتغرّبوا، ليقوموا بالواجب ويؤذوا الأمانة وينفعوا الأمة في أجدى الجهات عليها وهي أبناؤها الصغار، ويتحمّلوا التعب وضيق العيش. وقد كانت السكنى هي مشكلة السنين الماضية، فزادت عليها مشكلة غلاء المعاش، وإن الواحد منهم لينفق نفقة مضاعفة: ينفق على نفسه مثل أو أكثر مما ينفق على أسرته. وقد أصبحت المرتبات المقرّرة في الماضي لا تكفي لنصف الضروريات. فهل تقدّر الأمة أن المعلّم ملك لا يأكل ولا يشرب؟!
إن جمعية العلماء تعطف كل العطف على أبنائها المعلّمين، وتعترف لهم بأنهم مغبونون في الناحية المادية، وإنها لا يقرّ لها قرار إلا إذا أصبحت حقوق المعلّمين المادية مكافئة لما يقومون به من واجبات، إن المجلس الإداري للجمعية قد درس في اجتماعه الأخير هذه المسألة بكل اهتمام وعطف، وقرّر رفع الأجور بحسب الدرجات ابتداء من أول أكتوبر الجاري، وسينشر القرار في منشور خاص مع الدرجات واللوائح والبرنامج، وهي الأعمال التي أنجزتها لجنة خاصة كوّنها المجلس الإداري تحت إشرافه من قدماء المعلّمين وأصحاب الكفاءات وسمّاها "لجنة التعليم العليا" وأسند إليها كل ما يتعلّق بالتعليم توزيعًا للأعمال والمسؤوليات.
والجمعية تحرّض الجمعيات المحلية المتعهدة بمالية المدارس على أن تقوم بتنفيذ ما قرّرته الجمعية في تقدير مرتبات المعلّمين، وعلى أن تبتكر من الوسائل لجمع المال ما يقوم بذلك الواجب، وتحذّرها من الركون إلى عادة قديمة سيّئة، وهي: أن تراخي الجمعيات المحلية وتهاونها وتخاذلها وتقصيرها في العمل، كل ذلك يُحسب على الأمة تقصيرًا في الواجب، وعلى المعلّمين ضياعًا للحقوق؛ وأن هذه العادة هي أم النقائص المخلة بجهازنا التعليمي، وأن الجمعيات المحلية هي الوسيط بين جمعية العلماء ومعلّميها، وبين الأمة، فلتحرص هذه الجمعيات على أن تكون صلة متينة، وواسطة أمينة، ولتؤدِّ الأمانة على أتمّ وجه، ولتكن حازمة في الحق والخير معينة عليهما.

2 - إلى تلامذة الزيتونة والقرويين! ...
أنتم- يا أبناءنا- نتاج هذه الحركة العلمية المباركة، وأنتم غلة سنة خضراء بين سنين يابسات، وأنتم الركاز الذي أظهرته هذه الرجة العنيفة التي أيقظت جمعية العلماء أمتكم على دويّها ... أفاق آباؤكم من تلك الهزّات، وصكّت آذانهم أصوات تنادي: إلى الإسلام ... إلى القرآن ... إلى سنّة محمد ... إلى لغة العرب ... إلى أمجاد السلف ... إلى تاريخ الإسلام ... إلى العلم ... فوجدوا كتائب الأمم المدلجة في طلب العلم قد حمدت السرى،
(3/314)

فأقسموا ليكفرن عن خطيئة النوم والغفلة بكم، وليقدمنكم قُربانًا للعلم، وليمسحنّ بأيديكم الكاتبة آثار الأمية وأوضارها. وهم يودّون- بكل مفروح به- لو يزاد من أعمارهم في أعماركم، فوجّهوكم هذا التوجيه الصادق للعلم، ومهّدوا لكم سبل الهجرة إلى منابعه. وإن منهم لمن يبيع قوتَ العيال ليزوّدكم، ويمتهن الأعزة منهم ليسودكم، وما كانوا قبل جمعية العلماء يوجّهون أبناءهم لمفيد، أو لمحمود من المقاصد سديد.
وأنتم- يا أبناءنا- بواكير نهضة علمية قد أظلّ زمانها، وجاء إبّانها، وظهرت تباشير فجرها الصادق، ولمعت مخايل مُزنها الوادق، والعلم- إن كنتم لا تعلمون- هو أساس الوطنية، وقطب رحاها، ومركز دائرتها، ودليل سيادتها.
لا حق لكم على الوطن، بل الحق كله للوطن عليكم، وإن أوْكد حقوقه عليكم أن تحقّقوا بالعلم مطالبه، وتعمروا بالعلم جوانبه، وتنيروا بالعلم غياهبه.
أعيذكم بالله وبشرف العلم وبأمانة الوطن أن تُنفقوا دقيقة من أوقاتكم- بعد قوام الدين والحياة- في غير الطلب والتحصيل للعلم، والقراءة والمذاكرة في العلم.
وأعيذكم بالله وبشرف العلم أن تعودوا إلى الوطن كما فارقتموه بنصف قارئ وربع قارئ، وعشر قارئ.
وأعيذكم بالله وبشرف العروبة أن تسري إليكم العدوى من ممتهني الوطنية فتمتهنوا العلم، فلقد توهّموا- ضلة- أن الوطن يُخدم بالدعاوى الجوفاء، فحذارِ أن تتوهّموا أن العلم ينال بالدعاوى الجوفاء. كلا ... إن الوطنية لعقيلة كرام، لا يساق في مهرها بهرج الكلام، وكريمة بيت، لا تنال بلَوْ ولا بِلَيْت. وإن العلم كبير أناس، لا يُصاحب إلا بضبط الأنفاس.
أعيذكم بالله وبشرف الأبوة أن تعقّوا آباءكم ووطنكم وأن تكونوا سخنة عين لهما، فترجعوا بعد طول الغيبة بالخيبة، وصفر العيبة، وأن اللباب من الشباب هم الذين يكونون كفارة وطهرة لوالديهم، لا كفارًا فجرة بأياديهم.
إن طريق العلم محفوف بالعوائق، من مقت يحيق، ووقت يضيق، وإن الأقدار قد وضعت في طريقكم إلى العلم عائقًا جديدًا هو شر العوائق وأضرّها ... هو هؤلاء الدعاة الغاشون، والسماسرة المضلّون، يدعونكم إلى السياسة ليصدّوكم عن العلم، وإلى الحزبية ليفرّقوكم من الجماعة، وإلى الوطنية ليشغلوكم باسمها عن حقيقتها، ويلهوكم بلفظها عن تحصيل أقوى وسائلها، وهو العلم، إنهم يملأونكم بالخيالات صغارًا، لتفرغوا من الحقائق كبارًا، وإنه لنوع من التسميم المرجأ لا يشعر به المصاب إلا بعد فوات الوقت.
(3/315)

العلم ... العلم ... أيها الشباب لا يلهيكم عنه سمسار أحزاب، ينفخ في ميزاب، ولا داعية انتخاب، في المجامع صخاب، ولا يلفتنكم عنه معلّل بسراب، ولا حاوٍ بجراب، ولا عاوٍ في خراب، يأتم بغراب، ولا يفتنّنكم عنه منزوٍ في خنقة، ولا ملتو في زنقة، ولا جالس في ساباط، على بساط، يحاكي فيكم سنّة الله في الأسباط. فكل واحد من هؤلاء مشعوذ خلّاب وساحر كذّاب.
إنكم إن أطعتم هؤلاء الغواة، وانصعتم إلى هؤلاء العواة، خسرتم أنفسكم، وخسركم وطنكم، وستندمون يوم يجني الزارعون ما حصدوا، ولات ساعة ندم ...
...

3 - إلى أولياء أولئك التلامذة ...
لكم الحق- أيها السادة- دينًا وعقلًا وعادة أن توجّهوا أولادكم ما داموا صغارًا حيث تشاءون من وجهات الخير، ما لم يكن في ذلك مأثم أو قطيعة رحم. فإذا بلغوا الرشد تقاضيتموهم برًّا ببر، وإحسانًا بإحسان، فإذا خرجتم في سلطتكم عن حدود الدين، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهؤلاء التلامذة أبناؤكم وجّهتموهم للعلم واخترتم لهم طريقه، فكان ذلك منكم نهاية البر بهم والنظر لهم، وكان في ذلك رضى أنفسكم ورضى الله ورسوله وصالحي المؤمنين، وكان ذلك منكم معدودًا عند المفكّرين في ما يخدم به الرجال أوطانهم، لأن أبناء اليوم هم ذخائر الوطن في المستقبل، وكل ما نزوّدهم به من تربية صالحة، وأخلاق وعلم فهو إعداد وتجنيد وتسليح للوطن.
ولكن ما قولكم- يرحمكم الله- إذا اعترض أبناءكم وهم في طريقهم إلى العلم لصوص يحاولون أن يقطعوا عنهم طريقه، أتسكتون وتقعدون عن نجدتهم؟ وتتركونهم للصوص يعبثون بهم، فتضيع آمالكم وأموالكم، وتخيب نيّاتكم ومقاصدكم؟ أم تهبون سراعًا إلى استخلاصهم من أيدي اللصوص؟
الدين والعقل والعادة، كل هؤلاء يفرض عليكم أن تصونوا أبناءكم وتحفظوهم من هؤلاء اللصوص.
إلا أن لصوص العقول أفتك من لصوص الأموال وأشدّ منهم عبثًا وإفسادًا، وإن اللصوص الذين أعنيهم لصوص عقول يتحكّمون بأبنائكم في مطارح هجرتهم إلى العلم. وفي
(3/316)

مسارح غيبتهم عنكم، فيضلونهم عن سواء السبيل، ويوجّهونهم لغير الجهة التي أردتم، ويأتونهم- كالشيطان- من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ويصدّونهم عن ذكر الله وعن الصلاة وعن العلم إلى أحاديث يزوقونها لهم، تملأ السمع، ولا تملأ العقل، ويصرفونهم عن كتب العلم ودروس العلم إلى جرائد حزبية مملوءة بالكذب والنقائص والمهاترات والسباب.
إن هؤلاء اللصوص المأجورين بأموالكم قد نالوا مأربهم في إفساد عقول أبنائكم في غفلة منكم، وصدّوهم عن العلم، وشغلوهم بالسفاسف الحزبية، حتى أصبح المقهى أحبّ إليهم من الجامع، والجريدة أحب إليهم من الكتاب، والمناقشات الحزبية أشهى إليهم من المذاكرات العلمية، وقد فرّقوهم شيعًا وأوزاعًا، بعد أن جمع العلم بين قلوبهم وأفكارهم، وأيسر ما في هذا الداء أنهم يزيّنون لهم عقوقكم، ويهونون عليهم حقوقكم.
إن هؤلاء اللصوص يغدون على أبنائكم ويروحون، ويقعدون لهم بكل صراط، ويتنقلون بهم في الإفساد وتضييع الأوقات وتعطيل المواهب من منزلة إلى منزلة، ومن مرحلة إلى مرحلة، وآخر مرحلة لمن تمّ تسليكه على أيديهم أن يقتلعوه من حلقة الدرس ويبعثوا به من تونس إلى الجزائر داعية انتخاب، وخطيبًا يدعو لذلك الصنف الذي تعرفونه من النوّاب. أفلهذا أرسلتم أبناءكم إلى تونس؟ أم أنتم لا تبصرون؟
أليس من المبكيات أن لا ينجح في شهادة التحصيل من جامع الزيتونة إلا ستة أو سبعة من ألف تلميذ وبضع مئات من أبنائنا؟ وما السبب؟ السبب يرجع بالخصوص إلى هؤلاء اللصوص.
...

أيها الآباء- وكلنا آباء- إن جمعية العلماء هي الهيئة الوحيدة التي تحضن حركة التعليم العربي في داخل القطر، تقوم بها وتحوطها وتناضل عنها، وتقوم بأمانة الله في توجيه هذا الجيل للدين والعلم. وهي- بطبيعة عملها- المؤتمنة على عقول الصغار حتى لا تضل ولا تطغى، وعلى عقائدهم حتى لا تفسد ولا تزيغ، وإن من أداء الأمانة أن تتقدّم بهذه الحقائق إلى الأمة. كما تقدّمت بالنصائح السالفة إلى التلامذة.
وجمعية العلماء تعتقد أنه لا يتمّ إصلاح التعليم في الداخل إلا إذا تمّ إصلاحه في الخارج، لشدة الاتصال بينهما، ولأن التعليم في الخارج هو الذي يغذّي التعليم الداخلي بالمعلّمين، ومحال أن ينال التعليم الداخلي خيرًا من معلّمين يتخرّجون من المقاهي، ويحصلون معلوماتهم من الجرائد الحزبية، ويتدرّبون في الميادين الحزبية على السباب،
(3/317)

وتنقص التعليم، والتنكّر للعلم، والترويج للأميّة بتمجيد الأميين والسير في ركابهم والتمسّح بأعتابهم، أفيرجى من أمثال هؤلاء المعلّمين خير؟ اللهم لا! ...
إن جمعية العلماء مصمّمة على أن تحوط التعليم في الخارج برقابة تمدّها على التلامذة، ونصائح تشتد فيها، ليحذروا أولئك اللصوص، ولينقطعوا إلى العلم، وليضعوا بين أعينهم الواجب الذي ينتظرهم في وطنهم، وهو التعليم.
فأعينوها- أيها الآباء- بقوة تجعل بين أبنائكم وبين أولئك اللصوص رَدْمًا، وما هذه القوة بزبر الحديد، ولكنّها بالإعانة والتأييد، وبالمراقبة والتشديد، وبالوصايا الحازمة للتلامذة أن يعرفوا قيمة ما هاجروا إليه، فيقصروا جهودهم وأوقاتهم عليه.
(3/318)

من مشاكلنا الإجتماعية (3)
أعراس الشيطان *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كنّا نفهم أن الشيطان يطوّف ما يطوّف ثم يأوي إلى قلوب أوليائه، لينفث فيها الشر، ويزيّن لها معصية الله، ويحرّكها إلى الفساد والمنكر، ويذكرها بسننه المنسية لتتوب إليه من إهمالها وإضاعتها؛ وما كنّا نعلم أن للشيطان مراجَ خاصة لا يبرحها في فصلين من السنة، ومعظمها في "العمالة الوهرانية"، وما ذلك لطيب في هوائها، أو عذوبة في مائها، أو اعتدال في جوّها، فالشيطان غني عن هذا كله، ولا يعبأ بهذا كله، وإنما ذلك للذة يجدها الشيطان في هواها ... وسهولة انقياد يجدها في أوليائه بها، وقابلية للتسويل والتزّين قلّما يجدها في غيرهم من رعاياه، وصدق الله العظيم، فإن الشياطين لا تنزَّلُ إلا على كل أفّاك أثيم.
والشيطان حقيقة روحية، لا تدرك بالحواس، ولا تُعرف بالحدود، ولا تُقاس بالموازين البشرية؛ وإنما نعرفه بآثاره في أوليائه، من القابلية للشر والفساد، والاستجابة للمنكر والباطل، والتهوّر في الفسوق والعصيان، والمسارعة إلى المساخط، والعكوف على الضلال، وسرعة التلقّي لوحي الشيطان وتلبيسه، والمحادة لله ورسوله فيما أمرا به أو نهيا عنه.
ويجتمع في مجموع صفاته أنه درب مفتن متمرّس بسلائل آدم، خالي الذرع من الهم إلا بهم، من يوم قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، فهو يتفنّن في تزيين الفواحش لهم، ويعرضها عليهم مزركشة ذات تهاويل، ويضع الأسماء على غير مسمّياتها، ليغرّ بالزركشة ويغري بالاسم، فيضع للأغرار من أتباعه اسم الدين على ما ينقض الدين ويهدمه، واسم الخير على ما يمحو الخير ويعدمه، ويوحي إلى أوليائه بالفواحش مغيّرة العناوين، فيأتونها مبتدرين، ويجترحونها مخلصين، كما يأتي المؤمن القانت فرضَ ربّه، ويستقبل أمره.
__________
* نشرت في العدد 95 من جريدة «البصائر»، 14 نوفمبر سنة 1949.
(3/319)

ولكن يبدو لنا أن الشيطان المكلّف بالعمالة الوهرانية بليد القريحة، جامد الفكر، خامد الذوق، جافي الطبع، كثيف الحسّ، خشن المسّ، بدوي النزعة، وحشي الغريزة، فكلّ ما يأمر به أولياءه وأتباعه فهو من جنس طبعه، سمج غث خال من الجمال والفن والذوق، وقد عهِدنا الشيطان "المتمدن " لطيف الإحساس، فنيّ الذوق، وعهدنا أعماله فنية الأسلوب فاتنة المظهر؛ والفتنة هي سلاح الشيطان الأحدّ، يكسو بها أعماله فيصبي الحلماء، ويستنزل النسّاك إلى مواطن الفتاك، أما هذه الأعمال التي نشاهدها من أولياء الشيطان في عمالة وهران فهي سخيفة باردة حيوانية وحشية.
...

هذه "الزرد" التي تقام في طول العمالة الوهرانية وعرضها هي أعراس الشيطان وولائمه، وحفلاته ومواسمه، وكلّ ما يقع فيها من البداية إلى النهاية كله رجس من عمل الشيطان، وكلّ داع إليها، أو معين عليها، أو مكثر لسوادها فهو من أعوان الشيطان، ألم ترَ إلى ما يركب فيها من فواحش ومحرمات؛ وما يُهتك فيها من أعراض وحرمات؟ كلّ ذلك مما يأمر به الشيطان "البدوي"، وكلّ ذلك مما ذكرنا به القرآن، وبيّن لنا أنه من أمره ووعده، وتزيينه وإغوائه.
كلّما انتصف فصل الربيع من كل سنة تداعى أولياء الشيطان في كل بقعة من هذه العمالة إلى زردة يُقيمونها على وثن معروف من أوثانهم، يسوّله لهم الشيطان وليًّا صالحًا، بل يصوّره لهم إلهًا متصرفًا في الكون، متصرفًا في النفع والضرّ والرزق والأجل بين عباد الله، وقد يكون صاحب القبر رجلًا صالحًا، فما علاقة هذه الزرد بصلاحه؟ وما مكانها في الدين؟ وهل يرضى بها لو كان حيًّا وكان صالحًا الصلاح الشرعي؟ وقد كانت هذه الزرد تقام في أيام الجدوب للاستسقاء غير المشروع، فأصبحت عادة مستحكمة، وشرعة محكمة، وعبادة موقوتة، يتقرّب بها هؤلاء المبتدعة إلى أوثانهم في أوقات الجدوب والغيوث على السواء، يدعوهم إليها شيطانهم في النصف الأخير من كل ربيع، فإذا جاء الغيث نسبوه إلى أوثانهم، وإذا كان الجدب نسبوه إلى الله، عكس ما قال الله وحكم، ثم إذا جاء الصيف فَاءُوا إلى الأعمال الصيفية مضطرين، فإذا أقبل الخريف عادوا إلى تلك العادة النكراء فأنفقوا فيها كلّ ما جمعوه، وتداينوا بالربا المضاعف بما لا تقوم به ذممهم ولا أموالهم؛ فإذا ثَقُل الدين وألحّ الدائن، باع من يملك قطعة أرض أرضه، وباع من يملك دابة دابته، وتلك هي الغاية التي يعمل لها الشيطانان، شيطان الجن، وشيطان الاستعمار! ..
(3/320)

جُلْ ما شئت في عمالة وهران في النصف الأخير من الربيع، والنصف الأول من الخريف، فإنك تسمع في كل سوق أذانًا بزردة، وترى في كل طريق حركة إلى زردة، وركابًا تشد إلى وعدة.
وسرْ ما شئت في جميع الأوقات، وفي جميع طرق المواصلات ترَ القبابَ البيضاء لائحة في جميع الثنايا والآكام ورؤوس الجبال، وسلْ تجد القليل منها منسوبًا إلى معروف من أجداد القبائل، وتجد الأقلّ مجهولًا، والكثرة منسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني. واسأل الحقيقة تجبك عن نفسها بأن الكثير من هذه القباب إنما بناها المعمّرون الأوربيون في أطراف مزارعهم الواسعة، بعد ما عرفوا افتتان هؤلاء المجانين بالقباب، واحترامهم لها، وتقديسهم للشيخ عبد القادر الجيلاني، فعلوا ذلك لحماية مزارعهم من السرقة والإتلاف. فكل معمر يَبني قبة أو قبّتين من هذا النوع يأمن على مزارعه السرقة، ويستغني عن الحرّاس ونفقات الحراسة، ثم يترك لهؤلاء العميان- الذين خسروا دينهم ودنياهم- إقامة المواسم عليها في كل سنة، وإنفاق النفقات الطائلة في النذور لها وتعاهدها بالتبييض والإصلاح، وقد يحضر المعمر معهم الزردة، ويشاركهم في ذبح القرابين، ليقولوا عنه إنه محبّ في الأولياء خادم لهم، حتى إذا تمكّن من غرس هذه العقيدة في نفوسهم راغ عليهم نزغا للأرض من أيديهم، وإجلاء لهم عنها، وبهذه الوسيلة الشيطانية استولى المعمرون على تلك الأراضي الخصبة التي أحالوها إلى جنات، زيادة على الوسائل الكثيرة التى انتزعوا بها الأرض من أهلها.
وكأن هؤلاء القوم يعتقدون أن أرواح الأولياء كالثعابين والحيات، تتخذ من الحجارة المجموعة مقرًّا وملجأً، فكلّما وجدوا حجارة مجموعة اعتقدوا أنها مباءة لولي واتخذوها مزازًا. ولقد مررتُ في إحدى جولاتي في تلك المقاطعة بقطعة أرض موات، كأنها مقبرة أموات، مرصّعة بالحجارة، مغطاة بالسدر والدوم، تحفها قطع متجاورات، غُرست زيتونًا وكرومًا وفواكه شتّى، فكأن تلك القطعة من بينها جنة الرجاز التي تخيّلها أبو العلاء المعرّي في رسالة الغفران؛ فشهدت كل واحدة بصاحبها، ثم مررتُ بعد سنة بتلك القطعة، فدلّني تبدّل الأرض غير الأرض على أن صاحبها الأول قامت قيامته، ووجدت تلك الحجارة قد رُكمت على حافة الطريق، ثم مررت بها مرة أخرى في تلك السنة فإذا تلك الحجارة المركومة قد رشّت بالجير الأبيض، وإذا فيها كوى للبخور والشمع، قلت، سبحان من يحي قلوبًا ويميت قلوبًا، سبحان من جعل التوحيد مفتاح السعادة في الدارين.
ولقد ماتتْ هذه العوائد الشيطانية قبل الحرب الأخيرة أو كادت تموت، بتأثير الحركة الإصلاحية المطهّرة للعقائد، ثم قضي عليها بتأثّر الناس بالحرب ولأوائها، وقد عادت في السنتين الأخيرتين إلى ما كانت عليه، ودعا داعي الشيطان إليها فأسمع، وكأنّما أذن في
(3/321)

القانتين بصلاة، أو ثوّب في المستطيعين بحجّ، فإذا هم في اليوم الموعود مهطعون إلى الداعي، رجالًا ونساءً وأطفالًا، يُزجون الرواحل، ويسوقون القرابين، ويحملون الأدوات، تراهم فتقول إن القوم صُبِّحوا بغارة، تسيل بهم الطرق، وتغصّ بهم الفجاج، حتى إذا وصلوا إلى الوثن نُصبت الخيام، وسالت الأباطح بالمنكرات والآثام.
وإن لعودة هذه المنكرات لسببًا جديدًا غير العقيدة، فقد ضعفت، وغير المنفعة المادية لدعاة الشيطان، فقد نزرت، وإنما هو تنشيط الحكومة لها، وتحريضها على إحيائها، لأن في بقائها قوّة للاستعمار، ومقاومة للحركة الإصلاحية، وإلهاء لرجال الإصلاح عن البناء والإصلاح، وإنا- إن شاء الله- لهذه المكائد لمتفطنون، وإنا على إحباطها لعاملون، وإنا للحديث عن هذه المخزيات لعائدون.
...

يا قومنا، أجيبوا داعي الله، ولا تجيبوا داعيَ الشيطان، يا قومنا إن أصول هذه المنكرات مَفسدة للعقيدة، وإن فروعها مُفسدة للعقل والمال، وإنكم مسؤولون عند الله عن جميع ذلك، يا قومنا إنكم تنفقون هذه الأموال في حرام وإن الذبائح التي تذبحونها حرام لا يحلّ أكلها، لأنها مما أهل به لغير الله؛ فمن أفتاكم بغير هذا فهو مفتي الشيطان، لا مفتي القرآن.
(3/322)

من مشاكلنا الإجتماعية (4)
الصداق ... وهل له حد؟ *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
من أمراضنا الاجتماعية التي تنشر في أوساطنا الفساد والفتنة، وتعجّل لها إلى الدمار والفناء - عادةً- المغالاة في المهور، وما يقابلها من المغالاة في الشورة (1)، وقد أفضت بنا العوائد السيّئة فيها إلى سلوك سبيل منحرف عمّا تقتضيه الحكمة، وعما تقتضيه المصلحة، وهو تنزّل الأغنياء للفقراء رفقًا بهم، وتيسيرًا عليهم، فأصبح الفقراء يتطاولون إلى مراتب الأغنياء ويقلدونهم، تشبّهًا بهم، ومجاراة لهم، والضعيف إذا جارى القوي انبتّ فهلك.
وقد كانت هذه القضية- وما زالت- أهمّ ما تضمنه منهاجنا في الإصلاح الاجتماعي، فعالجناها بالترغيب والترهيب، وبيان ما تقتضيه الحكمة الشرعية، وما يقتضيه الحكم الشرعي: تناولناها في الخطب الجمعية، وفي دروس التفسير والحديث، وفي المحاضرات العامة، وفي المقالات المكتوبة، وحملنا الحملات الصادقة على العوائد التي لابستها فأفسدتها، حتى صيّرت الزواج الذي هو ركن الحياة، أعسر شيء في الحياة، وبينّا بالشواهد الواقعية ما تجرّه هذه الحالة على الأمة- إذا تمادت- من وخامة العاقبة وسوء المصير، ولكن أعمالنا في هذه القضية لا تظهر نتائجها الكاملة إلا في جيل يكون أقوى إرادة من هذا الجيل الذي ملكت العوائد عليه أمره، فأعمته عن مصالحه، وأفسدت عليه دينه ودنياه، وإن المرأة لنعم العون في هذا الباب، وما دام عقل المرأة لم يرتق إلى معرفة الحقائق، وتبين وجوه المصالح، فإن أملنا في إصلاح هذه الحالة ضعيف والمرأة هي نصفنا "الضعيف القوي" شئنا أو أبينا.
وقد حاول بعض أهل الشعور الحي نوعًا من التطبيق العملي لإصلاح هذه القضية، في منطقة مخصوصة تجمعها وحدة قبلية، فحدّدوا للمهر مبلغًا يستوي فيه الفقير والغني، بلا
__________
* نشرت في العدد 123 من جريدة «البصائر»، 12 جوان سنة 1950.
1) الشُّورة: ما تُجَهَّز به العروس من ثياب وأثاث.
(3/323)

نقص فيه، ولا زيادة عليه، ولكنهم غفلوا عن أمرين: الأول أنهم مهما هبطوا بالمبلغ المحدود فإن في الفقراء من لا تصل قدرته إليه، فيصبح هذا التحديد إرهاقًا له وتعنيتًا، والثاني إن إصلاحًا مثل هذا لا يتم إلا إذا سبقه إصلاح في الأخلاق، وإصلاح في التربية، وتقوية للوازع الديني في النفوس، حتى يتغلّب على العوائد المستحكمة؛ ولو أنهم وضعوا حدًّا أعلى للأغنياء بعد إقناعهم بالتزامه، وتركوا للفقراء مجالًا واسعًا يبتدئ من الواحد وينتهي إلى العشرة مثلًا، ليقف كل فقير عند الدرجة التي تنتهي إليها قدرته، ولو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرًا وأحسن تأويلًا، ولكان أقرب إلى النظرة العمرية في إيقاف المغالاة عند حد.
وقد سُئلنا أن نكتب كلمة في هذا الموضوع تبيّن الحكم الشرعي على وجهه وتجلي الحكمة الشرعية على حقيقتها، فكتبنا هذه الكلمة في بيان الحكم العام، في الحالة العامة، ولم نوجّهها إلى جماعة خاصة، وإنما وجّهناها إلى الأمة كلها لأن مرضها واحد، ولأننا نراعي في أعمالنا- إن شاء الله- الفائدة العامة.
...

الصداق نحلة شرعية مشروطة في عقدة النكاح، يعجلها الزوج للزوجة أو يعمر بها ذمّته إلى أجل، ولا نقول ما يقوله الفقهاء المسارعون إلى التعليلات السطحية التي لا تتفق مع الحكمة: إن الصداق عوض عن البضع أو ثمن له، فإن هذا التعليل يدخل بهذه العلاقة الشريفة في باب البيع والشراء والمعاوضات المادية، وحاشا لهذه الصلة الجليلة التي هي سبب بقاء النوع الإنساني أن تكون كصلة الثوب بمشتريه، أو صلة المتاع بمقتنيه! بل إن معناها أعلى وأجلّ؛ إنها إكرام من الرجل القوام، للمرأة الضعيفة، ووصلة بين قلبيهما، وتوثيق لعرى المحبّة بينهما، وتأنيس يسبق العشرة المستأنفة، وبريد يحمل البشرى بالقرب؛ فإذا أدخلناها في باب الأثمان والقيم لم يبقَ إلا أن نسمّي الزوجة بائعة، والزوج مشتر، والخاطب سمسارًا؛ وإننا نتلمّح من الحكمة الإلهية العليا العامة في الجنس كله أن الصداق في الإسلام جبر لما نقص المرأة من الميراث، فمن عدل الله أن نقص لها في ناحية، وزادها في ناحية، وكرمها فأعفاها من تكاليف النفقة في أطوارها الثلاثة، بنتًا وزوجًا وأمًّا، وهذه هي الحكمة التي ندمغ بها الطاعنين في الإسلام، الهازئين بأحكامه، المتعامين عن حِكَمه.
وليس للصداق في أصل الشريعة ونصوصها القطعية، وتطبيقاتها العملية، حد منصوص يوقف عنده لا في القلة ولا في الكثرة، وإنما هو موكول إلى أحوالهم في العسرة واليسرة، وطبقاتهم في الغنى والفقر، ولو كان له حد منصوص في القلة لما اختلف الأئمة في حدّه الأدنى، فقال مالك ثلاثة دراهم أو رُبع دينار، وقال أبو حنيفة عشرة دراهم، وقال غيرهما
(3/324)

خمسة؛ ولما اختلفت مداركهم في المقيس عليه ما هو؟ أهو ما يجب فيه القطع في السرقة؟ أم ما تجب فيه الزكاة في رأي بعض أئمة المالكية؟ وإن كان القياس في الرأيين واهيًا لخفاء أو لبعد العلة الجامعة بين المقيس وبين المقيس عليه.
ولو كان له حد منصوص في الكثرة لوقف عنده عمر، ولم يعزم على تحديده، وإن كانت الروايات لا تفيد أنه عزم على التحديد، وإنما نهى عن المغالاة فيه، فرواية أصحاب السنن لقول عمر: لا تغالوا في صدُقات النساء؛ وأن امرأة قالت له: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله تعالى يقول: وآتيتم إحداهن قنطارًا من الذهب (وهذا الحرف من قراءة ابن مسعود)، وأن عمر قال: امرأة أصابت، ورجل أخطأ.
فتسليم عمر للمرأة يدلّ على أنه لا حد للأكثر، وهو الحق، وهو الواقع ونهيه عن المغالاة سداد ونظر بالمصلحة، وتأديب للمغالين، وعمر خليفة مصلح حريص على حمل الأمة على القصد في كل شيء، وعلى عدم الاندفاع في التطوّر، وقد فاضت الأموال في عهده من الفيوء والمغانم؛ والمال المفاجئ عامل من عوامل سرعة التطوّر ومجاوزة حدود القصد؛ ومن نظر في وصاياه لعتبة بن غزوان في تخطيط البصرة، شهد ببعد نظره في بناء الأمة على أساس متين، ومن تأمّل نهيه عن المغالاة في الصداق، وعزمه على إلزام المطلق ثلاثًا في اللفظ، علم حرصه على أخلاق الأمة أن يدركها التحلّل والانهيار؛ وإنه لا يعزم تلك العزائم إلا حين يرى الناس تتايعوا (2) في أمر كانت لهم فيه أناة، كما قال هو في قضية الثلاث، ولله در عمر!
...

نرجع إلى الشواهد العلمية من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعمل أصحابه رضي الله عنهم، نجدها لا تدل على تحديد في الأدنى ولا في الأعلى، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصدقَ نساءَه كما في الصحيح اثنتَيْ عشرة أوقية ونشًّا، والأوقية أربعون درهمًا، والنش نصف الأوقية، فتلك خمسمائة درهم، وتزوّج عبد الرحمن بن عوف على نواة من ذهب، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فأقرّه، والنواة وزن معروف عندهم، قالوا في تفسيره إنه ربع النش، فهو خمسة دراهم.
وفي حديث الواهبة نفسها لرسول الله أنه قال لخاطبها: التمس ولو خاتمًا من حديد ثم زوّجه إياها بما معه من القرآن، يعني بأجرة تعليمها سورًا من القرآن سمّاهنّ.
__________
2) التتايع بالياء المثناة معناه في المحسات السقوط وعدم التماسك.
(3/325)

أما خمسة الدراهم، وخمسمائة درهم، فهي مال معدود، ولكنه لا يقتضي التحديد للأقل ولا للأكثر، وأما أجرة التعليم فهي مال، ولكنه مجهول في قضية الواهبة، وأما خاتم الحديد فليس بذي بال، وكيفما قدّرت قيمته كانت أقلّ مما جعله الأئمة حدًّا أدنى، ورأيُنا فيه، وفهمنا لحكمته أنه رمز نبوي بعيد المغزى، عالي الإشارة، إلى أن ما يفتتن به الناس بمقتضى طبيعتهم من اعتبار المال في الزواج ليس مقصدًا شرعيًّا، وإن أحقر شيء مما يُسمّى مالًا كافٍ فيه؛ أما القصد الحكيم فهو من وراء ذلك: هو في الإحصان، وقمع الغرائز الحيوانية، وسكون القلب إلى القلب، وتحقيق حكمة الله في التناسل وتسلسل النوع، إلى غير ذلك من الحكم التي ليس منها المال، وإنما المال هنا جاذب مادي موصل يسدّ رغبة سطحية، وما أغلى صداق الواهبة في حكم العقل، إذ سيق إليها علمًا بسور من القرآن يزكيها، لا دراهم معدودة يُفنيها إنفاق يوم أو يومين، ولو وجد ذلك الخاطب خاتمًا من حديد فأصدقها إياه لانتقلت الحكمة إلى باب آخر، وهو إنزال الناس منازلهم في الفقر والغنى بحيث يتزوّج كل واحد بما يملك.
وقضية الواهبة- على كل حال- قضية عين، لا تقوم بها حجة، زيادة عن كونها خرجت مخرج التفسير، في أسلوب بليغ من التعبير، ومعتاد في كلام من أوتي جوامع الكلم، كقوله في أحاديث الحث على الصدقة: "ولو بظلف محرق" "ولو بفِرْسِنِ شاة" "ولو بشق تمرة".
هذا ولا ننسى أننا نستروح من كلمة الطَّوْل الذي جعله الله موجبًا للانتقال من نكاح الحرائر إلى نكاح الإماء، أن الصداق مال له بال بالنسبة إلى أحوال الرجال.
...

والخلاصة أن الشريعة المطّهرة الحكيمة لم تحدّد في الصداق حدًّا أدنى، ولا حدًّا أعلى، لأن الناس طبقات، فقراء وأغنياء وبين ذلك، فإذا انساقوا بالفطرة القويمة، والشريعة الحكيمة، وجروا على منازلهم في المجتمع، صلح أمرهم واستقامت لهم الحياة، وإذا زاغوا عن الفطرة، وحادوا عن الشريعة، وخرجت كل طبقة عن مداها المقدّر لها، هلكوا وشقوا.
والدين إنما يخاطب المؤمنين به، المتّبعين لأحكامه، المتأدبين بآدابه، الواقفين عند حدوده، فإذا ترك الأمر مطلقًا كالصداق فإنما يفعل ذلك اعتمادًا على إيمانهم وأمانتهم، وعرفانهم لما تقتضيه مصلحتهم، واعتبارهم للحِكَم قبل الأحكام.
واذا صلح المجموع وكان بهذه المنزلة من فهم الدين ومعرفة مقاصده العامة، فبعيد أن يتورّط في العسر والإرهاق والحرج، وبعيد أن يتطاول الفقير إلى منزلة الغني فيقع الفساد في الأرض.
(3/326)

والدين مع هذا الإطلاق في الصداق، قد ندب الناس إلى التيسير، ونهاهم عن التشديد والتعسير، في الزواج والمهر، حتى تتيسّر إقامة هذه السنّة الفطرية على جميع الناس. نحن لا نبدّل أحكام الله، ولا نقول بتحديد الصداق، ولكننا نقول ونكرّر القول: إن المغالاة في المهور أفضت بنا إلى مفسدة عظيمة، وهي كساد بناتنا وإعراض أبنائنا عن الزواج، واندفاعهم في رذائل يعين عليها الزمان والشيطان، فعلى المسلمين أن يذلّلوا هذه العقبات الواقعة في طريق زواج بناتهم وأبنائهم، وأن يقتلوا هذه العوائد الفاسدة المفسدة، وأن ييسّروا ولا يعسروا وأن يعتبروا في الزواج حسن الأخلاق، لا وفرة الصداق، وفي الزوجة الدين المتين، لا الجهاز الثمين.
(3/327)

جمعية العلماء والسياسة
الفرنسية بالجزائر
(3/329)

ذكرى 8 ماي *

- 1 -
ذكراك يا يوم … تحزّ في الأحشا
إذا أقبل القوم … وحش تلا وحشا
...
يا يوم لم تشرق … شمس على مثلك
أَل الضحى مُغرق … والملتجَى مُهلك
...
ذكراك يا يوم … لا تأتَلي حوما
تعتاد في النوم … فتطرد النوما
...
رِيع الحمى فيكا … والأهل في غفله
لم يُعف عافيكا … طفلًا ولا طفله
...
فيك اعترت لمه … رهطًا من الشُّمس
فقتلوا أمّه … أحيتهم أمس
ساقت لهم نصرًا … جازَوْه بالكسر
__________
* نشرت في العدد 119 من جريدة «البصائر»، 15 ماي 1950.
(3/331)

كمن فدى الأسرَى … فبات في الأسر
...
لهفي على هاوٍ … على شفا العمر
قد تلّه غاو … فخرّ للصدر
...
لهفي على مرضَع … قد عُفِّرت أُمُّه
ما خب أو أوضع … إلا الشقا أَمَّه
...
الشعب مسّته … فيك اليدالعَسرا
أضحى فمستّه … بالضرّ والعُسرى
...
يا يوم، ذكراكا … لم تبرح البالا
لو طاف مسراكا … بالليث ما صالا
...
زرعت أحساكا … منبتها الصدر
فكيف ننساكا … إنّا إذن غدر
(3/332)

ذكرى 8 ماي *

- 2 -
يوم مظلم الجوانب بالظلم، مطرّز الحواشي بالدماء المطلولة، مقشعرّ الأرض من بطش الأقوياء، مبتهج السماء بأرواح الشهداء؛ خلعت شمسه طبيعتها فلا حياة ولا نور، وخرج شهره عن طاعة الربيع فلا ثمر ولا نوْر، وغبنت حقيقته عند الأقلام فلا تصوير ولا تدوين.
...

يوم ليس بالغريب عن (رزنامة) الاستعمار الإفرنسي بهذا الوطن، فكم له من أيام مثله، ولكن الغريب فيه أن يجعل- عن قصد- ختامًا لكتاب الحرب، ممن أنهكتهم الحرب على من قاسمهم لأواءها، وأعانهم على إحراز النصر فيها؛ ولو كان هذا اليوم في أوائل الحرب لوجدنا من يقول: إنه تجربة، كما يجرّب الجبان القوي سيفه في الضعيف الأعزرل.
...

إثنان قد خلقا لمشأمة الاستعمار والحرب؛ ولحكمة ما كانا سليلي أبوّة، لا يتم أولهما إلا بثانيهما، ولا يكون ثانيهما إلا وسيلة لأوّلهما؛ وقد تلاقت يداهما الآثمتان في هذا اليوم في هذا الوطن، هذا مودع إلى ميعاد، فقعقعة السلاح تحيّته، وذلك مزمع أن يقيم إلى غير ميعاد، فجثث القتلى من هذه الأمّة ضحيته.
...
__________
* نشرت في العدد 33 من جريدة «البصائر»، 15 ماي 1948.
(3/333)

تستحسن العقول قتل القاتل، وتؤيّدها الشرائع فتحكم بقتل القاتل، ولكن الاستعمار العاتي يتحدّى العقول لأنه عدوّها، والشرائع لأنها عدوّه، فلا يقوم إلا على قتل غير القاتل ... ويغلو في التألّه الطاغي، فيتحدّى خالق العقول، ومنزل الشرائع، وينسخ حكم الله بحكمه، ورحمة الله بقسوته، فيقتل الشيوخ والزمنى والنساء والأطفال.
أين النعمان بن المنذر ويوماه من الاستعمار وأيامه؟ كان للمنذر يومان: يوم بؤس ويوم نُعمى، وبينهما مجال واسع للبخت، وملعب فسيح للحظ، فإذا طار طائر النحس في أحد يوميه وقع على حائن أتت به رجلاه، أو محدود لم يلتق مع السعد في طريق، أما الاستعمار فأيامه كلها نحسات، بل دهره، كله يوم نحس مستمر، مُحيت الفواصل بين أيامه ولياليه، فكلّها سود حوالك، يطير طائر النحس منها فلا يقع إلا على أمم آمنة مطمئنة؛ وأين قتلى ضمختْ دماؤها الغريين (1)، من قتلى ضمخت دماؤها أديم الأرض، وخالطت البحار حتى ماء البحار أشكل.
...

أمة كالأمم حلّت بها ويلات الحرب كما حلّت بغيرها، وذاقت لباس الجوع والعري والخوف، وتحيّفت الحرب أقواتها وأموالها، وجرّعت الثكل أمهاتها واليتم أطفالها، وأكلت شبابها، وقطعت أسبابها، وصليت نار الحرب ولم تكن من جُناتها، وقدمت من ثمن النصر مئات الألوف من أبنائها قاتلوا لغير غاية، وقتلوا من غير شرف؛ في حين كانت الأمم تقتتل على الملك، والملك مجد وسيادة، وعلى الحرية، والحرية حياة وعزة، أما هذه الأمة فكانت تقاتل لخيال من أمل، وذَماء من حياة، وصبابة من رجاء، وخُلب من وعد علا نداؤه، وتجاوبت في الخافقين أصداؤه، من ديمقراطية زائفة كذبَ نبيّها مرتين (2) في جيل واحد، فلما سكن الإعصار وتنفّست الأمم في جوّ من السلم، وتهيأت كل أمة أن تستقبل بقايا النار من شبابها، وكلّ أم أن تعانق وحيدها، عاودت الاستعمار ألوهيته وحيوانيته في لحظة واحدة، يحادّ الله بتلك، ويغتال عباده بهذه، وعاد بالتقتيل على من كانوا بالأمس يمدّون حياته بحياتهم، ليريهم مبلغ الصدق في تلك الوعود، ويحدّثهم بلغة الدم ومنطق الأشلاء أنه إنما أقام سوق الحرب ليشتري حياته بموتهم، وليرمّم جداره بهدم ديارهم، فإذا بقي منهم كلب بالوصيد، أو من ديارهم قائم غير حصيد، قضى ذلك المنطق فيه بالإبادة والمحو، وجعل أيامه خاتمة لأيام الدم والحديد، وعطَفه على عدوّ الأمس المشترك عطفًا
__________
1) الغريان: بناءان قرب الكوفة كان النعمان يلطخهما بدماء قتلاه.
2) نبيُّها: هو الولايات المتحدة الأمريكية. مرّتين: إشارة إلى وعود أمريكا في الحربين العالميتين.
(3/334)

بالفاء لا بثم، وكَذلك كان، فقد فتح الناس أعينهم في يوم واحد على بشائر تدقّ بالنصر، وعلى عشائر من "المنتصرين" تُساق للنحر؛ وفتحوا آذانهم على مدافع للتبشير، وأخرى للتدمير، وعلى أخبار تؤذن بأن الدماء رقأت في العالم كله، وأخرى تقول: إن الدماء أريقت في جزء صغير من العالم، هو تلك القرى المنكوبة من مقاطعة قسنطينة. وفي لحظة واحدة تسامع العالم بأن الحرب انتهت مساء أمس ببرلين، وابتدأت صباح اليوم بالجزائر، وفيما بين خطرة البرق، بين الغرب والشرق، أعلنت حرب من طرف واحد، وانجلت في بضعة أيام عن ألوف من القتلى العزّل الضعفاء، وإحراق قرى وتدمير مساكن، واستباحة حُرُمات ونهب أموال، وما تبع ذلك من تغريم وسجن واعتقال؛ ذلكم هو يوم 8 ماي.
ومن يكون البادئ يا ترى؟ آلضَّعيف الأعزل، أم القوي المسلّح؟
...

لكَ الويل أيها الاستعمار! أهذا جزاء من استنجدته في ساعة العسرة فأنجدكَ، واستصرخته حين أيقنتَ بالعدم فأوجدك؟ أهذا جزاء من كان يسهر وأبناؤك نيام، ويجوع أهله وأهلك بطان، ويثبت في العواصف التي تطير فيها نفوس أبنائك شَعاعًا؟ أيشرّفك أن ينقلب الجزائري من ميدان القتال إلى أهله بعد أن شاركك في النصر لا في الغنيمة ولعلّ فرحه بانتصارك مساوٍ لفرحه بالسلامة، فيجد الأب قتيلًا، والأم مجنونة من الفزع، والدار مهدومة أو محرقة، والغلة متلفة، والعرض منتهكًا، والمال نهبًا مقسمًا، والصغار هائمين في العراء؟
...

يا يوم! ... لله دماء بريئة أُريقت فيك، ولله أعراض طاهرة انتُهكت فيك، ولله أموال محترمة استُبيحت فيك، ولله يتامى فقدوا العائل الكافي فيك، ولله أيامى فقدن بعولتهن فيك، ثم كان من لئيم المكر بهنّ أن مُنعن من الإرث والتزوّج، ولله صبابة أموال أبقتها يد العائثين، وحُبست فلم تُقسم على الوارثين.
...

يا يوم! ... لك في نفوسنا السمة التي لا تمحى، والذكرى التي لا تُنسى، فكنْ من أية سنة شئت فأنت يوم 8 ماي وكفى. وكل ما لك علينا من دَين أن نُحي ذكراك، وكل ما علينا لك من واجب أن ندوّن تاريخك في الطروس لئلا يمسحه النسيان من النفوس.
(3/335)

الأسابيع في عرف الناس *
يعرف الناس من الأسابيع المضافة إلى معانيها ما يتعلق بمصالحهم، ويتّصل بحياتهم والدورية مثل أسبوع العرس، وأسبوع المأتم، وأسبوع الحصاد، وأسبوع الذباب، وأسبوع طَكُّوك، وغير ذلك من الأسابيع المختلفة.
هذه الأسابيع وأشباهها يعرفها عامة الناس ويطلقونها إطلاقًا واسعًا لا يتقيّد بالمعنى اللغوي الذي هو سبعة أيام، بل يفهمون منها الظرف الزمني الذي يعمره العمل أو الحادث. ولكن الاستعمار أبا العجائب، وأم الغرائب، يحدث في بعض الأحايين أسابيع ليست في حساب الناس، وليست مما يتصل بمصالحهم وحياتهم، وإنما هي أسابيع ذات معان من مُصاص الشر وعُصارة الظلم، يخفيها أزمانًا ويوري بأضدادها أحيانًا، ثم يُجلِّيها لوقتها المقدّر، فإذا هي الظلم والوحشية والقسوة وما شاء الهوى من قتل الأبرياء، وسجن الضعفاء وتغريبهم وتغريمهم.
من هذه الأسابيع الجديدة الوقوع- القديمة المعاني- أسبوع الإرهاب الذي بدأ قبيل انتخاب المجلس الجزائري، ولم ينته إلى الآن، وهو أسبوع لا نذهب بعيدًا عن تسميته، فقد أرشدنا الاستعمار وكفانا المؤونة وسمّاه أسبوع "سبّ فرنسا" لأن التهمة التي بنيت عليها المحاكمات وكانت ذريعة للقتل والسجن والتغريب والتغريم، هي التهمة بسبّ فرنسا! ...
فتساءلنا: هل هناك نسب بين سبّ فرنسا والانتخاب؟ وهل هناك تلازم عقلي بينهما؟
فإن لم يكن هذا ولا ذاك فما معنى كون سب فرنسا لا يكون إلا في أيام الانتخاب؟ وما معنى كون العقوبة عليه لا تكون إلّا في أيام الانتخاب؟ كأن مسلمي الجزائر يسكتون عن هذا النوع
__________
* نشرت في العدد 37 من جريدة «البصائر»، 31 ماي سنة 1948.
(3/336)

من السباب تعففًا أو رضى، فإذا جاء موعد الانتخاب، ركبهم عفريت السباب، وكأن القوانين المسنونة للعقاب على السب تعطل وتُطوى تلك السنين، حتى إذا جاء وقت الانتخاب بُعثت ونُشرت وشحذت بعد الكلال.
إن أذكى الأذكياء ليعجز عن حلّ هذا اللغز.
أيها الاستعمار، لا تجعل الشرائع ذرائع للانتقام، ولا تجعل القوانين كوانين للإحراق.
(3/337)

أفي كلّ قرية حاكم بأمره؟ *
كأن في القطر الجزائري حكومات متعددة لا حكومة واحدة. بل كأن كل قرية فيها متصرف بسيط - حكومة مستبدة ترجع في النقض والإبرام إلى رأي المتصرف لا إلى
القانون العام، وكأن القوانين التي يُساس بها هذا القطر ليست مسطرة في الدفاتر، بل في أدمغة أولئك الحكّام المحليين.
وذلك كلّه لأن الذين تطبّق عليهم تلك القوانين والأحكام عرب ومسلمون وأنديجان، وتظهر تلك التصرفات الشاذة جلية في معاملة جمعية العلماء ورجالها، والتعليم العربي ومعلّميه ومدارسه وجمعياته، فزيادة على الصفة اللازمة لحكومة الجزائر الاستعمارية، وهي المقاومة للتعليم العربي والدين الإسلامي ولجمعية العلماء القائمة بهما، ترى أن عمّال الحكومة لا يرجعون في ذلك إلى طبيعة حكومتهم لأنها تبرد حقدهم على الإسلام والعربية، بل يرجعون إلى آرائهم الفردية وطبائعهم الخاصة، لأنها هي التي تُطفئ الغيظ وتطفئ نار الحقد. وحكومتهم تسمع وكأنها لا تسمع، وترى وكأنها لا تبصر، لأن أعمالهم ليست شذوذًا في قاعدة ولا خرقًا لإجماع، وإنما هي قيام بفرض لم تأمر به الحكومة، ولا يسوءها القيام به.
...

في العام الماضي عطّل متصرف خنشلة مدرسة قاييس بأمره الخاص وإرادته، وما زالت معطلة إلى الآن برغم ما بذلناه من الاحتجاجات الصارخة، وعطل حاكم سور الغزلان مدرسة "سيدي عيسى" بلا سبب، ولم يأذن بفتحها إلا بعد ترضية بسيطة قدّمتها الجمعية المحلية للمدرسة اختصارًا للإجراءات، وعطّل حاكم مايو مدرسة "بي منصور"، ونفى معلّمها من دائرته، وجرّ أعضاء جمعيتها إلى محاكمات مزوّرة أعدّ لها كل ما سوّلته له نفسه الطاغية من
__________
* نشرت في العدد 50 من جريدة «البصائر»، 20 سبتمبر سنة 1948.
(3/338)

وسائل باطلة، وقال للجمعية بصراحة إنه لا يرضى أن ينتقل "مكروب" جمعية العلماء إلى "مملكته"، ونبّهنا رؤساءه إلى أعماله فلم يسكنوا متحركًا. واعتدى "نصف شيخ" قرية "ايغيل علي" على حرمة المسجد فاقتحمه بالسلاح، وعلى كرامة خطيبه ومدرّسه فأهانه، واسم هذا النصف شيخ اسم مسلم، ولكن أفعاله ليست أفعال المسلمين؛ بل هو يأتمر بأوامر المبشّرين أو يتطوّع لتنفيذ رغباتهم، وعطّل حاكم "فج مزالة" مدرسة "الربع" من دوار "راس فرجيوه" وأمر القائد أحمد بن عاشور أن يأتيه بمفاتيح المدرسة ففعل ... طاعة لسيّده.
...

طالما أفهمنا الحكومة أن هذا التعطيل للمدارس العربية يعد عقوبة للأطفال الصغار الذين لم يقترفوا ذنبًا، وبرهانًا قاطعًا على سوء القصد في معاملة الإسلام والعربية في دارهما، ودليلًا على بعض ما يضمره الاستعمار لهذه الأمة من بقائها تتخبط في الأمية، وإ