Advertisement

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 002


ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ
جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.

الجزء الثاني
1940 - 1952
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(2/1)

1997 دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى

دار الغرب الإسلامي
ص. ب. 5787 - 113 بيروت
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية، أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
(2/2)

آثار الإمام
محمد البشير الإبراهيمي
(2/3)

ـ[صورة الشيخ البشير الإبراهيمي]ـ
الجزائر 1949
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(2/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث هداية ورحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا كان من العظماء من لا يقدره معاصروه حق قدره، وإنما تنتصر له الأيام عندما تؤكّد مصداق ما نادى به ودعا إليه، فإن من العظماء من ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في حياتهم ومن بعد مماتهم، ومن هؤلاء الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله.
إن التقديم لآثار شيخنا يضطر صاحبه إلى الحديث عن مجالات كثيرة، نظرًا لِغِنَى مواهبه، وسعة علمه واطلاعه وقوة شخصيته من جهة، ونظرًا لتعدد اهتماماته وطول جهاده وامتداد تأثيره من جهة أخرى، ولكن المجال لا يسمح بالتطويل.

خلل ذاتي:
عرفت الجزائر ثورات وأعمالًا كثيرة، من عهد المقاومة الأولى بقيادة الأمير عبد القادر، لكنها جميعًا لم تحظ بالانتصار الحاسم على العدو، وليس السرّ في تلك النتائج السلبية خللًا في القيادة: إيمانًا وإخلاصًا ومهارة حربية، ولكنّ السرّ كان في أمور كثيرة، منها ما يرجع للظروف العالمية التي كانت في تلك العهود، تعمل على بسط العدوان والاحتلال والاستغلال لا على نشر الحرية والعدل والاستقلال. على أن الخلل الأكبر في الخيبات التي مُنيت بها الجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية، خلل ذاتي يتمثل في تدهور البنية الاجتماعية للشعوب الإسلامية، بما تفشى فيها من خمول وأنانية، وتوأكل وتخاذل وفهْمٍ سيىء لمعاني القضاء والقدر، وطاعة أولي الأمر والنجاة والتهلكة، والجهاد والاجتهاد إلى غير ذلك من الأمراض التي لا تساعد على تعبئة كل الطاقات لمواجهة العدو المشترك والاحتلال المخيم بكلَاكِلِه على
(2/5)

البلاد والعباد، وهو ما سمّاه مالك بن نبي "القابلية للاستعمار"، وهي الحقيقة التي عبّر عنها القرآن الكريم- كسُنّة من سُنَن الله في خلقه- في قوله عزّ وجل في الآية الحادية عشرة من سورة الرعد: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، وهو الشعار الذي رفعه دعاة الإصلاح الديني والاجتماعي في العالم الإسلامي على لسان جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، وشكيب أرسلان، وعبد العزيز الثعالي، وحسن البنا، ومولاي محمد العربي العلوي، ورجال جمعية العلماء في الجزائر.
لقد أدّى الفهم السيى للإسلام ببعض العلماء الجامدين المتخاذلين- في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- إلى إصدار فتاوي تُجَرِّم وتُحرِّم كل ثورة أو انتفاضة ضد الأعداء المحتلين، وهذا من الأسباب التي أدّت إلى ظهور الإصلاح لتصحيح العقيدة وتقويم الانحراف. ونعني بالإصلاح هنا المفهوم القرآني الأصيل الذي فهمه علماؤنا المصلحون فهمًا صحيحًا وطبّقوه تطبيقًا سليمًا، لا المفهوم الغربي الحديث الذي تسرّب إلى أذهان بعض المفكرين السياسيين المقلدين للغرب في حقّه وباطله، حتى أصبح من المسلّم به عند كثير من أبنائنا اليوم أن الثورة أعمّ وأشمل وأعمق من الإصلاح الذي يرادف في الغرب معنى التغيير الخفيف الذي يحدث بتدرّج ومن دون عنف، بينما الثورة هي عندهم انقلاب جذري دون تدرّج، عنيف ومفاجئ، وما دروا أن الإصلاح بالمفهوم القرآني الصحيح له معنى أشمل وأعمّ وأكبر من الثورة، فهو دائمًا نحو الأحسن والأكمل، بينما الثورة قد تكون من الصالح إلى الفاسد أصلًا، ويتم ذلك بمجرد تغيير سلطة بسلطة وحاكم بحاكم.

في رحاب الآثار:
لعل من المفيد أن نتعرّض في تقديمنا هذه الآثار إلى غايات الحركة الإصلاحية، التي كان الهدف منها العمل على النهوض بالجزائر لاسترداد سيادتها، ومواكبة ركب الحضارة مع الأمم المالكة زمام أمرها، الساعية إلى ما فيه سعادتها ومجدها.
وكانت الوسيلة إلى تحقيق ذلك هي الإصلاح الديني والاجتماعي الذي اضطلعت به جمعية العلماء بأمانة وكفاءة. وكان للإمام الإبراهيمي في جهاد الجمعية مع الرَّئِيسُ الأول ابن باديس وبعده الأثر الأكبر فيما حقّقته الجمعية من غايات، أهمّها افتكاك الجزائر حريتها واستقلالها.
ومن الخسارة التي لا تُعَوّض أن كثيرًا مما كتبه شيخنا قد ضاع في خضمّ جهاده وجهاد الشعب الجزائري نتيجة أعمال العدو الفرنسي الذي لم يقتصر على نهب الخيرات وتدمير المكتسبات المادية لشعبنا، بل امتدّت يده الآثمة إلى إتلاف الذخائر العلمية والآثار الفكرية لعلمائنا، وهذا ما يفسّر عدم العثور على كثير من آثاره وآثار غيره من علمائنا.
(2/6)

من ذلك أن الشيخ بلقاسم بن روَّاق- مدير مدرسة جمعية العلماء بمدينة بعلباس- أطلعني على رسالة جاءته من الشيخ البشير الإبراهيمي من أفلو، يعلن فيها أنه بصدد تأليف كتاب عن حياة ابن باديس في ثلاثة وعشرين فصلًا، وأنه يحتاج- لأجل ذلك- إلى مراجع يرجوه أن يزوّده بما يتيسر له منها، وقد كان من فصول الكتاب فصل خصّصه لعقد مقارنة بين ابن باديس وابن العميد الذي كان يُلَقَّب بالأستاذ الرَّئِيسُ كما يقول المتنبي:
فدعاك حسّادك الرَّئِيسُ وأمسكوا … ودعاك خالقك الرَّئِيسُ الأكبرا
وقد كان القصد من هذه المقارنة توجيه أبناء الحركة الإصلاحية إلى أن يطلقوا على إمامهم عبد الحميد بن باديس لقب الأستاذ الرَّئِيسُ عوضًا عن الأستاذ الإمام، الذي كانوا ينعتونه به في تلك الحقبة، وذلك لاعتبارين:
أولًا: أن لقب الأستاذ الإمام قد شاع إطلاقه في المحافل الإصلاحية- مشرقًا ومغربا- على الشيخ محمد عبده.
ثانيًا: أن لقب الأستاذ الرَّئِيسُ أَدْعَى لتذكير الناس بجمعية العلماء التي أنشأها ورأسها ومات مجاهدًا في تحقيق أهدافها.
غير أن هذا الكتاب لم نعثر له على أثر، لأنه قد يكون من جملة ما اندثر من آثاره.

فلسفة الإصلاح:
إن الإصلاح- كما يفهمه المسلمون الصادقون لا كما يروّج أعداء الإسلام- هو الغاية من إرسال الله تعالى الرسل إلى الناس، قال شعيب لقومه الغارقين في الضلال والفساد في العقيدة والسلوك: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} الآية 88 من سورة هود.
ويضطلع بمهمة الإصلاح لشؤون البشر- بعد مصلح الإنسانية الأعظم محمد- صلوات الله عليه وسلامه- وخلفائه الراشدين- علماءُ الأمة الإسلامية، عملًا بما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما: «العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (شرح السنّة للبغوي، ج1، ص 276).
والإصلاح الديني المنشود هو عمل وقائي وعلاجي، أي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أمانة في ذمة المؤمنين والمؤمنات ما دامت السموات والأرض. قال
(2/7)

تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} الآية 71 من سورة التوبة.
ومعنى هذه الآية الكريمة الجامعة أن الإصلاح وقبول الإصلاح واجب على كل مؤمن ومؤمنة.
لكن قيادة العمل الإصلاحي للجماعات والشعوب والأمم لا يتولاه إلا من أوتي الأمانة والكفاءة أسوة بما جاء في القرآن الكريم على لسان يوسف عليه السلام، إذ رشّح نفسه ليتحمّل مسؤولية شؤون المالية والاقتصاد بأرض مصر بعد أن أحس بتقدير الملك لمواهبه. قال الله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} الآيتان 54 - 55 من سورة يوسف.
وقد أوتي القائد الثاني للحركة الإصلاحية في الجزائر الأستاذ الإبراهيمي- مثل سلفه ابن باديس- من شروط القيادة ما يجعله بحق يحظى بمكانة مرموقة في فقه الإسلام وعلومه، وملك ناصية اللغة وأدبها وفنونها، واستيعاب تاريخ الأمة الإسلامية ومذاهبها، في شؤونها الدينية والاجتماعية، فاستحق بكل ذلك وغيره من الكمالات، العضوية في المجامع العلمية واللغوية بدمشق والقاهرة وبغداد، وتقدير الأوساط العلمية والأدبية والسياسية في بلده الجزائر وفي المغرب والمشرق.
وقد قال فيه الفيلسوف المرحوم الأستاذ منصور فهمي حينما استمع إلى محاضراته: "إن هذا المنبر الذي يقف فيه الشيخ ساحة مقدسة، ينبغي أن يدخلها الناس كما يدخلون الحرم، وقال: إنه لم يسمع ولم يرَ- في حياته- من هو أفصح أو أبلغ من الشيخ الإبراهيمي، ودعا جميع العلماء والأدباء في الوطن العربي إلى أن يلقوا إليه مقاليد اللغة والبيان، ثم خاطب الشيخ قائلًا: "أنت ملك العربية لهذا العصر، ملكت ناصيتها ونواصينا"، وبعد ذلك أعلن الأستاذ كامل الكيلاني المبايعة.
وكتب الإمام الشهيد سيد قطب في البصائر- العدد 214، في 7 جمادى الأولى 1372هـ/ 23 يناير 1953م- مقالًا ينوّه فيه بجهاد جمعية العلماء ورئيسها الشيخ الإبراهيمي، جاءفيه:
"لقد وجّه الاستعمار همّه في الجزائر إلى سحق العقيدة وسحق اللغة، وعن هذا الطريق كاد يصل إلى غايته، فلما انتفضت الجزائر بالحياة كانت العقيدة هي المشعل الذي أضاء لها الطريق، وكانت اللغة هي الحبل الذي تتماسك به الجموع الشاردة في الظلام.
(2/8)

وإني لأكتفي اليوم بهذه الكلمات القلائل تحية لجمعية علماء الجزائر وشيخها الجليل الذي يجاورنا اليوم، فيبعث فينا من روحه القوي شعاعًا حارًا، ويشعرنا بأن في العالم الإسلامي رجالًا .. رجالًا من طراز فريد ولن يموت هذا العالَم وهو يبعث من أعماقه بمثل هؤلاء الرجال".

الإصلاح وجمعية العلماء:
لم يكتب أحد عن الإصلاح الديني والاجتماعي بعد الإمامين المصلحين: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والعالم السوري الشيخ عبد القادر المغربي- فيما سجله في كتابه "البيّنات" الصادر في القاهرة سنة 1925 - أبلغ وأشمل وأعمق مما كتبه أستاذنا الإمام الإبراهيمي في وثيقة قدّمها في المؤتمر الخامس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بنادي الترقي بالعاصمة، في سبتمبر 1935، حيث تناول فيها بالتفصيل تاريخ الإصلاح الديني والاجتماعي، في الجزائر والمشرق والمغرب، وسجل بتحليل عميق أدواء الجزائر والأمة الإسلامية قاطبة، في شتى المجالات الدينية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فأرجع كل تلك الأدواء إلى "علة العلل" فيما حلَّ بالأمة الإسلامية من تخلّف وتيه وتفرّق وضعف، واستكانة، واستغلال، واحتلال، فيقول: "كيف يشقى المسلمون وعندهم القرآن الذي أسعد سلفهم؟ أم كيف يتفرّقون ويضلّون وعندهم الكتاب الذي جمع أوّلَهم على التقوى؟ فلو أنهم اتّبعوا القرآن وأقاموا القرآن لما سخر منهم الزمان، وأنزلهم منزلة الضّعة والهوان، ولكن الأولين آمنوا فأَمِنُوا واتبعوا فارتفعوا، ونحن ... فها قد آمنّا إيمانًا معلولًا، واتّبعنا اتّباعًا مدخولًا، وكل يجني عواقب ما زرع".

خصائص أدب الإبراهيمي:
إن الأستاذ الإبراهيمي قبل أن يكون إمامًا مصلحًا، وفقيهًا أصوليًا، ومربيًا حكيمًا، وسياسيًا محنكًا، كان أديبًا شاعرًا، وخطيبًا مفوّهًا، يهزّ القلوب ببيان ساحر، يعيد إلى الأذهان ما كان للخطابة العربية من مكانة وسلطان في عهودها القديمة الزاهرة.
وهو محدّث بارع لطيف، يعمر مجالسه بالحكمة، ويجمّلها بالنكتة، ويعطرها بأريج اللطف، ينعش الأرواح، ويؤنسها بشعاع من الفكر يهدي العقول.
وهو ديوان لأيام العرب وآدابهم وتقاليدهم، في أفراحهم وأحزانهم، في حربهم وفي سلمهم، يروي عن فهم وبصيرة، ويصدر عن حافظة واعية خارقة للعادة، وذاكرة تحت الطلب ملبية منجدة.
(2/9)

وهو شاعر فحل في الفصيح والملحون، يذكّرك بالمعرّي في لزومياته، وأبي الطيب في حكمه وأمثاله، وشوقي في ملاحمه وبدائعه.
أما أسلوبه في الكتابة فمتنوّع بحسب الموضوعات وأحوال المخاطبين والمناسبات، فتخاله أحيانًا ابن بسّام في ذخيرته، أو ابن العميد في إخوانياته، أو الزّيات في لوحاته، وتحسبه في بعض الأحيان محررًا في جريدة يومية، بساطة وواقعية، من غير إسفاف أو حشو أو سوقية، فهو بحق معجزة من معجزات الثقافة العربية الإسلامية والبيان العربي في القرن العشرين.
ومن الأنماط الكتابية التي تكاد تجمع هذه الأساليب كلها رقة وجزالة، وقربًا وسموًا وسطحية وعمقًا، هذه الفقرة عن قضية فلسطين التي تهمّ العرب والمسلمين كلهم على اختلاف مداركهم واهتماماتهم، من أول نكْبَتِها إلى اليوم، وذلك إذ يقول كأنه يخاطبهم في ساعتنا الحاضرة:
"أيها العرب، إن قضية فلسطين محنةٌ امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم، وإنما هي للعرب كلهم، وليست تُنال بالشعريات والخطابيات، وإنما تنال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوّة".
"إن الصهيونية وأنصارها مصمّمون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه، وقابلوا الاتحاد باتحاد أمتن منه".
"وكونوا حائطًا لا صَدْع فيه … وصفًا لا يرقع بالكسالى"
وإلى جانب هذه الثروة الزاخرة، والمهارة الفنية الزاهرة، فهو يَحْيا بإيمان يجعله دائمًا في اهتمام واقعتمام بقضية بلده الكبرى مع الاحتلال الطويل البغيض، وقضايا الأمة العربية الإسلامية المبتلاة كلها بالاحتلال والاستغلال على اختلاف في الدرجات والمظاهر، وقد عبّر عن هذه المعاني في جملتها بعبارات موجزة صارخة مؤثرة الإمامُ الراحل المرحوم الشيخ محمد الغزالي، صديق الجزائر وشريكها في عهد جهادها، في ليل الاستعمار، ومساعِدُها ومنير دربها ومربّي جيلها في عهد الحرية والاستقلال، ومقاسمها آلامها وجروحها في عهد محنتها وفتنتها، إذ يقول رحمه الله:
" ... وأذكر من أولئك الزعماء اللاجئين إلى القاهرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، عرفتُه، أو تعرّفت إليه، في أعقاب محاضرة بالمركز العام للإخوان المسلمين ... كان لكلماته دوّي بعيد المدى، وكان تمكّنه من الأدب العربي بارزًا في أسلوب الأداء وطريقة الإلقاء، والحق أن الرجل رزق بيانًا ساحرًا، وتأنقًا في العبارة، يذكّرنا بأدباء العربية في أزهى
(2/10)

عصورها، لكن هذا ليس ما ربطنا به أو شدّنا إليه- على قيمته المعنوية- إنما جذبنا الرجل بإيمانه العميق وحزنه الظاهر على حاضر المسلمين وغيظه المتفجّر ضد الاستعمار، ورغبته الشديدة في إيقاظ المسلمين ليحموا أوطانهم، ويستنقذوا أمجادهم، وخُيّل لي أنه يحمل في فؤاده آلام الجزائريين كلهم وهم يكافحون الاستعمار الفرنسي، ويقدمون المغارم سيلًا لا ينقطع حتى يحرّروا أرضهم من الغاصبين الطغاة، وكان في خطبته يزأر كأنه أسد جريح، فكان ينتزع الوجل من أفئدة الهيّابين، ويهيّج في نفوسهم الحمية لله ورسوله، فعرفت قيمة الأثر الذي يقول: "إن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء" (1).
من الصفات البارزة التي يعرفها العاملون والعاملات في ميدان التربية والتعليم والوعظ والإرشاد عن إمامهم وقائدهم الإمام الإبراهيمي أنه كان يحنو ويعطف عليهم عطف الأب على أبنائه، ويبذل أقصى ما في وسعه لإرشادهم وتوجيههم إلى أحسن السبل لأداء مهمتهم على الوجه الأكمل، مع حرصه الشديد على حل مشكلاتهم المادية والأدبية مع الجمعيات المحلية القائمة بشؤون المدارس والمساجد والنوادي، والدفاع عن كرامتهم وحقوقهم أمام السُّلَط الاستعمارية الباغية.
وكان آخر واجب أدّاه هذا الأب الشفوق نحو أبنائه والقائد الأمين نحو جنده حرصه على أن ينالوا حقوقهم- في عهد الاستقلال- من دولتهم التي كانوا في طليعة بناة أركانها، وذلك بتولّيه- عام 1964 - رئاسة اللجنة الوطنية لإدراج الأساتذة والمعلمين الأحرار في سلك الأسرة التعليمية الكبرى للتمتعّ بجميع ما يمنحه قانون الوظيفة العمومية من حقوق للموظفين المرسمين، ماديًا وأدبيًا. وتمكّن بهذا الإجراء العادل عدد كبير من المعلمين والمربين والمرشدين الأحرار من أخذ حقوقهم كاملة، وكانت شهادات الحصول على هذه الحقوق موقعة كلها بتوقيع الإمام الإبراهيمي. وقد سجّل هذه المكرمة الوطنية في إبانها، الكاتب، الشاعر الأستاذ المرحوم حمزة بوكوشة بقصيدة عنوانها "نصر وفتح"، إذ يقول:
نصرٌ به استبشرتْ في الخلد قحطان … وهنّأت تَغْلِبًا في العرب عدنان
فتْحٌ به الدين والفصحى قد ارتفعا … فوق السماك، وقبل اليوم قد هانوا
كان الجزاءَ لمن وفوا بعهدهمُ … إن الوفاء لدين الله قربان
لفتية كسيوف الهند مصلتة … لا يُعقَد العز إلا حيثما كانوا
ففي النوادي لهم ذكرى وموعظة … وفي المساجد تذكير وقرآن
وفي المدارس تعليم وتربية … لِصِبْيَةٍ حظهم علم وإيمان
فهم رصيد به كانت جزائرنا … -رغم الزواج- لم يضعف لها شان
__________
1) مجلة الثقافة الجزائرية، ع 87، مايو- يونيو 1985. وانظر مقدمة الجزء الرابع من هذه الآثار.
(2/11)

إن خير ما نختم به هذه الكلمة عن هذا العبقري، الذي لا يجود بمثله الزمان إلا نادرًا، هو ما جاء في ابتهالات له ناجى بها ربّه العزيز الرحيم في تقريره الأدبي عن جمعية العلماء سنة 1951، بعد خمس سنوات من استئناف نشاطها إثر الحرب العالمية الثانية، وهو دعاء ينطبق على أوضاعنا في الجزائر وفي الأوطان العربية والإسلامية جمعاء:
"اللهم ارزق أمة محمد التفاتًا صادقًا إليك، والتفافًا محكمًا حول كتابك، واتّباعًا كاملًا لنبيّك، وعرفانًا شاملًا بأنفسهم؛ فقد جهلوها، وتعارفًا نافعًا بين أجزائهم فإنهم أنكروها، وبصيرة نافذة في حقائق الحياة فقد اشتبهت عليهم سبلها الواضحة؛ وهب لهم من لدنك نفحة تصحّح الأخوة السقيمة، وتصل الرحم المجفوة، وتمكن للثقة بينهم، واتحادًا يجمع الشمل الممزّق، ويعيد المجد الضائع، ويرهب عدوّك وعدوّهم، ورجوعًا إلى هديك يقربهم من رضاك، ويسبّب لهم رحمتك، ويزحزحهم عن عذاب الخزي، فإنه لا يذل من واليت ولا يعزّ من عاديت" (2)
ونسأل الله عزّ وجلّ أن يتغمّد برحمته ورضوانه صاحب هذه الآثار الذي قال، بحق وصدق، عن جهاده من أجل الجزائر: "إنني ما زلت أقارع الغاصبين لحقّك في ميدان، وأكافح العابثين بحرمتك في ميدان، وأعلم الغافلين من أبنائك في ميدان" (3).
وصلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار.
عبد الرحمن شيبان
__________
2) انظر التقرير الأدبي في هذا الجزء من الآثار.
انظر مقال "تحية غائب كالآيب" في الجزء الرابع من هذه الآثار.
(2/12)

السياق التاريخي (1940 - 1952)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رأينا في السياق التاريخي للجزء الأول من هذه الآثار بعض ما قام به الإمام الإبراهيمي من أعمال قبل تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأهم نشاطاته بعد تأسيسها، وأشرنا إلى بعض ما جاء في تقارير المسؤولين الفرنسيين عن نشاطه في تلمسان التي تمكن "أن يكسب نصف سكانها" (1)، وأن يسيطر منها على الناحية الغربية للجزائر (2)، وعرفنا محاولة الفرنسيين لشراء ذمته واستنزال همته، وأنهم لما استيأسوا منه خلصوا إلى نفيه، وعلمنا كيف تلقى الإمام- بصبر أولي العزم- ذلك النفي والتفريق بينه وبين صاحبته وبنيه، فما وَهن لما أصابه في سبيل الله ولا هان، ولا ضعف لما ناله في سبيل الجزائر ولا استكان، فلم يضرع للطاغين، ولم يذل للباغين.
وبعد بضعة أيام من نفيه تلقى خبرًا فَاجعًا هزه من الأعماق، وبرّح بقلبه، وأسال عَبَراته - وهو العصي الدمع-؛ ذلك الخبر هو وفاة أخيه الإمام عبد الحميد بن باديس يوم 16 أفريل 1940.
لم يكن الموت هو الذي أَجزع الإمام الإبراهيمي، فله من متانة العقيدة وحصانة الإيمان واستبحار العلم ما يحول بينه وبين الجزع من قضاء الله وقدره، ولكن الذي آلمه وهَيَّجَ أشجانه هو عدم تمكنه من وداع رجل كان يعتبره "العَلَم الفرد"، وكان يراه "أمة في رُمَّة"، لأنه "أحيا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغِيَر، ودينًا لآبَسَتْه المحدثات والبدَعُ، ولسانًا أكلته
__________
1) عبد الكريم بو الصفصاف: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ... قسنطينة، دار البعث 1981، [ص:393]، وهو ينقل عن تقرير فرنسي مؤرخ في 4 - 1 - 1941.
2) شارل أندري جوليان: افرلقيا الشمالية تسير، تعريب المنجى سليم ... الجزائر، ش. و. ن. ت 1976، ص 135.
(2/13)

الرطانات الأجنبية، وتاريخًا غطى عليه النسيان، ومجدًا أضاعه وَرَثَةُ السوء، وفضائل قتلتها رذائل الغرب" (3).
كان الفرنسيون متأكدين أن رئاسة جمعية العلماء ستؤول إلى الإمام الإبراهيمي، فسعوا جهدهم لمنع ذلك، وبذلوا من زخرف القول وخُلَّب الوعود ما بذلوا لكي تُصْرَف رئاسة الجمعية إلى غيره، وقد "اقترح علينا الكولونيل شون ( Shoen) وابن حورة- المبعوثان من طرف الوالي العام الفرنسي- تقديم شخصٍ معَيَّنٍ لرئاسة الجمعية خلفًا للشيخ ابن باديس، نظرًا لما يتمتع به من مرونة وبُعد نظر، وستجدون من السلطات كل عون ومساعدة" (4). ولكن إخوان الوفاء عزموا وصمموا أن ليس للجمعية من دون الإبراهيمي رئيس، وأنه أحق بها وأهلها، فانتخبوه- وهو غائب- لرئاستها، وقدَّموه- وهو المغضوب عليه من فرنسا- لقيادتهم. إن مثَل الرجل العظيم كَمَثَل المغناطيس، هذا تنجذب إليه المعادن لقوة جاذبيته، وذاك يلتف حوله الرجال الكُمَّلُ لقوة شخصيته، وعلو همته، وكمال مروءته.
إن من آيات الله التي أراها الناس في هذه الجمعية أن رئيسَيْها الأول والثاني اصطفاهما إخوانهما لرئاستها من غير أن يسعيا إليها، واختاروهما لقيادتهم وهما غائبان، في الوقت الذي كان أعضاء الأحزاب والجمعيات الأخرى يصطرعون على رئاسة أحزابهم وجمعياتهم، ويكيد بعضهم لبعض، بل وبقتل بعضهم بعضًا لَهْثًا وراء رئاسة أو تشبُّثًا بها. إن العظيم الحق هو من تطلبه الرئاسة، ويقدمها إليه الخِيَرةُ من الرجال.
وهنا ملاحظة ينبغي الإشارة إليها لما لها من دلالة، وهي أن الفرنسيين لم يحاولوا فرض رئيس على حزب أو جمعية، أو إبعاد شخص عن رئاسة حزب أو جمعية إلا بالنسبة لجمعية العلماء؟ فقد ساوم مِيرَانْتْ- مدير الشؤون الأهلية بالولاية العامة- الإمام ابنَ باديس على ترك الجمعية (5)، وضغطوا لإبعاد الإمام الإبراهيمي عن رئاستها. كل ذلك لأنهم كانوا مستيقنين
__________
3) انظر مقال "الرجال أعمال" في الجزء الئالث من هذه الآئار.
4) الشيخ محمد خير الدين: مذكرات، الجزائر، مطبعة دحلب، 1985، ج1، [ص:345]. ولم يذكر الشيخ اسم الشخص المُعَيَّن الذي اقترحه مَبْعُوثا الوالي العام. وانظر أيضًا الشيخ عبد الرحمن شيبان: في الذكرى المائوية لميلاد الشيخ الإبراهيمي، جريدة الشرق الأوسط، عدد 3827، لندن في 21/ 5/ 1989.
5) يذكر تلاميذ الإمام ابن باديس أن ميرانت استدعاه، وعندما حضر وجد والده عند ميرانت الذي قال للإمام: إن والدك معرَّضٌ للإفلاس ولا ينقذه منه إلا فرنسا، وشرطها لإنقاذ أبيك أن تتخلى عن الجمعية. انظر أنور الجندي: الفكر والثقافة المعاصرة في شمال افرلقيا، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، 1965، [ص:57]. وقد رفض الإمام هذه المساومة رغم حراجة موقفه أمام والده ... وعندها قال الإمام: اليوم- فقط- أدركت سِرَّ يُتْم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إشارة إلى موقفه مع أبي طالب، إذ لو كان والده في مكان عمه لكان موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكثر حرجًا ...
(2/14)

"أن العلماء يمثلون أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر" (6)، وكانوا مدركين أن الأحزاب الأخرى- وإن رفع بعضها شعار الاستقلال السياسي- كانت تتبنى أفكار فرنسا الحضارية، وتستلهم قِيَمَها المادية، وتستوحي مبادئها اللائكية، وإذا كان بعض مناضلي تلك الأحزاب تبنوا القيم الحضارية للجزائر من دين ولغة وأخلاق فقد تبنوها عن عاطفة، لأنهم كانوا يجهلونها، ومن جهل شيئًا عاداه، وإن لم يعاده لم يخلص في خدمته والتمكين له، وإن أخلص في خدمته ضره- بجهله- من حيث يريد نفعه ... وقد دلت الشواهد والتجارب على ذلك ... وهذا ما نفسر به دفاع بعض الفرنسيين عن الحركة الوطنية الجزائرية في المجال السياسي، ونضالهم معها قبل إعلان الثورة وفي أثنائها، في حين لم نجد فرنسيًا واحدًا دافع ويدافع عن مبادئ جمعية العلماء إلا أن يكون ممن شرح الله صدورهم للإسلام، وأحسن مثال على هذا ذلك الصمت الذي قابل به الفرنسيون- أحزابًا، ومنظمات إنسانية، ونقابات، وشخصيات، وصحافة- عملية اختطاف الشيخ العربي التبسي- نائب رئيس جمعية العلماء- سنة 1957، الذي لم يظهر له أثر إلى يوم الناس هذا، وهذه هي الحقيقة التي أكدها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}.
لبِثَ الإمام الإبراهيمي في المنفى بِآفْلُو ثلاث حِجَج، وكانت السلطات الفرنسية في أثنائها تراقبه مراقبة صارمة، حيث "منع (حاكم البلدة الفرنسي) الناس من الاتصال به، وبَثَّ بواسطة عملائه في الجمهور أن هذا الرجل عدو لأولياء الله الصالحين، وهو يحاربهم، ولا يعترف بهم ولا بفضلهم وكرامتهم ... وأمر هذا الحاكم من جهة أخرى الموظفين والأعيان بأن يقاطعوه تمامًا لأنه عدو لفرنسا ( Anti-Français)) (7)، ولكن ذلك كله "لم يمنعه من متابعة نشاطه الإصلاحي بصورة خفية" (8)، وتحت هذه المراقبة الصارمة كان الإمام يسَيِّر شؤون الجمعية- بقدر ما تسمح به ظروف الحرب- عن طريق زواره من آله وصحبه، الذين تأذن لهم السلطات الفرنسية بزيارته.
ولم يشغله همه الخاص عن التفكير في همِّ وطنه ومعاناته، وكان يتمنى أن تأتيه الأخبار بما يثلج صدره، وهو قيام ثورة تعصف بالوجود الفرنسي في الجزائر، فقد سأل ذات مرة
__________
6) أبو القاسم سعد الله: الحركة الوطنية الجزائرية ط 3، الجزائر، م. و. ك. 1986، ج 3 ص 151، وهو ينقل عن تقرير أمْني فرنسي بعنوان: "الجزائر في نصف قرن".
7) أحمد قصيبة: الشيخ الإبراهيمي في منفاه ... مجلة الثقافة، عدد 87، الجزائر، مايو- يونيو 1983، صص 278 - 279.
8) أحمد الخطيب: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ... الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1983، ص 134، وهو ينقل عن تقرير فرنسي رقمه 31، وتاريخه 4 مارس 1941، وهو موجود بمصلحة الوثائق بولاية وهران، بالجزائر.
(2/15)

الأستاذ أحمد قصيبة: "هل بلغك أو سمعت شيئًا؟ هذا هو الوقت الذي يجب أن يستغله الشعب الجزائري" (9)، كما كان يفكر في بعث نشاط الجمعية بعد الحرب، ويفكر في الرجال الذين يدفع بهم إلى الصفوف المتقدمة في المعركة الحضارية الشرسة، التي تخوضها الجمعية لإفشال المشروع الفرنسي في الجزائر، ومن ذلك قوله للأستاذ أحمد قصيبة: "إن قدر الله أن نستأنف حركتنا فإنني لن أتركك بالأغواط" (1).
استغل الإمام الإبراهيمي ذلك الفراغ الذي فرضه عليه العدو، فسلَّى نفسه بكتابات كثيرة، تدل بقيتها على قيمتها، وكان يسلِّم ما يكتبه إلى تلامذته الذين كانوا يزورونه، وللأسف الشديد فإن أكثر هذه الكتابات قد ضاع، فأما ما استعاده الإمام من هذه الكتابات فقد "سطا على بعضها الجيش الفرنسي في إحدى مداهماته لبيت الشيخ فمزقها شر ممزق" (11)، وأما ما بقي عند تلامذته فقد أحرق كثير منهم أوراقهم- في أثناء حرب التحرير مخافة بطش الفرنسيين- أو خزنوها تحت الأرض (12) مما عرضها للتلف.
ومن أهم ما كتبه الإمام في هذه الفترة عدة فصول من كتاب عن أخيه الإمام عبد الحميد بن باديس، فقد روى فضيلة الشيخ عبد الرحمن شيبان أنه اطلع على رسالة بعثها الإمام الإبراهيمي من منفاه إلى الشيخ بلقاسم بن رواق- المشرف على الحركة الإصلاحية تعليمًا وإرشادًا في مدينة بَلْعبّاس- يخبره فيها بانكبابه على تأليف ذلك الكتاب. ولا شك أن خسارة العلم والتاريخ بضياع هذا الكتاب لا تعوَّض، لأنه ليس هناك من هو أعرف بالإمام ابن باديس، وأقدر على الكتابة عنه مثل أخيه الإمام الإبراهيمي.
وقد ذكر الأستاذ محمد الغسيري أن الإمام الإبراهيمي - عندما كان في المنفى- "وضع برنامجًا حافلاً للتعليم العربي بجميع أنواعه، وضمنه أصولاً عظيمة من علم التربية، وقد سألناه أن يُجَرِّدَ لنا منه فصولاً عملية تتعلق بالسنوات الست الابتدائية، ففعل وسلَّمه لنا لنطبعه ... (و) عاقنا عن طبعه عدم استعداد مطابعنا لطبع مثله ... وها نحن نتعجل بنشر المقدمة التي صدره بها استاذنا الجليل" (13). ولا نعلم- لحد الآن- إن كان هذا البرنامج ما يزال ضمن أوراق الأستاذ محمد الغسيري- رحمه الله- أم لعبت به يد الأيام كغيره من آثار الإمام.
__________
9) أحمد قصيبة، مرجع سابق، صص 283 - 284.
10) نفس المرجع، [ص:284].
11) عبد الرحمن شيبان: في الذكرى المائوية لميلاد الشيخ الإبراهيمي، جريدة الشرق الأوسط، عدد 3827، لندن في 21 - 5 - 1989.
12) أحمد قصيبة ... مجلة الثقافة عدد 87، [ص:290].
13) انظر مقدمة مقال: "مرشد المعلمين" في هذا الجزء من الآثار.
(2/16)

أما القليل من إنتاج الإمام في مرحلة آفلو؟ الذي نجا من الضياع فهو موجود في هذا الجزء، وهو ذو طابع أدبي، ومنه رواية الثلاثة، التي يقول عنها الشيخ محمد الصالح رمضان: "وأما رواية الثلاثة الشعرية الهزلية النقدية فقد نسخ منها الشيخ الجيلالي الفارسي فصلين فقط وسحبها ... وهي غير تامة إذ ينقصها الفصل الثالث والأخير" (14).
في أوائل سنة 1943 - وبعد نزول قوات الحلفاء في الجزائر في نوفمبر 1942 - حدث نوع من الانفراج السياسي، فعاد الإمام الإبراهيمي من المنفى، ولكنه وُضِع تحت المراقبة الإدارية حتى انتهاء الحرب، وفي تلك السنة- 1943 - تمكنت الجمعية بقيادة الإمام الإبراهيمي من تشييد سبعين مدرسة (15)، وهو عدد ضخم، نظرًا لظروف الحرب المقيدة للحركة، وللمسغبة التي كان يعانيها الشعب الجزائري.
ومن أهم مواقفه في هذه الفترة ردُّه على ما تقدم به الجنرال دوغول في شهر مارس 1944 من إصلاحات، وأهمها ما سُمِّي آنذاك بحق المواطنة الفرنسية للجزائريين، الذي "ندد به الشيخ الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء، على أنه خطوة نحو إدماج لا يرضى به الشعب المسلم بأي ثمن" (16).
كما أسهم الإمام مساهمة كبيرة في لَمّ شمل السياسيين الجزائريين، لتكوين هيئة سياسة تجادل عن حقوق الشعب الجزائري، حيث "تَمَّ بسعيه- وسعي إخوانه العلماء- في وقت لا يقل حرجًا وضيقًا عن وقتنا هذا جمع الأحزاب في هيئة أحباب البيان" (17)، التي ضمت جميع القوى الوطنية في الجزائر باستثناء الشيوعيين.
إذا كانت مؤامرة فرنسا لإفشال المؤتمر الإسلامي سنة 1936 قد استهدفت أفرادًا، فإن مؤامرتها لإفشال تجمع "أحباب البيان" قد استهدفت الشعب الجزائري كله، فكانت حوادث 8 مايو 1945، و"هي حوادث محكمة التدبير، مبيتة، مجمع عليها من جامعة المعمرين بإملاء رجال الحكومة أو مُمَالَأتِهِم" (18).
لقد قُتل في هذه الحوادث- في بضعة أيام- أكثر من خمسة وأربعين ألف جزائري، "ودمَّرت الطائرات (بأمر من وزير الطيران شارل تيون الشيوعي) 44 مَشْتَى (قرية) " (19)، واعتقل
__________
14) محمد العيد تَاوَرْتَه: نثر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ج 2، ملحق 2، وهي رسالة ماجستير غير منشورة.
15) انظر مقال "مذكرة إيضاحية" في الجزء الرابع من هذه الآثار.
16) شارل أندري جوليان: افرلقيا الشمالية تسير ... [ص:326].
17) انظر مقال "دعوة مكررة إلى الاتحاد" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
18) انظر مقال "وَيْحَهم ... أهي حملة حربية" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
(2/17)

آلاف الجزائريين، و"كان الإبراهيمي على رأس القائمة" (20)، الذي سيق إلى السجن العسكري بمدينة الجزائر، حيث وضِع في زنزانة انفرادية تحت الأرض لمدة سبعين يومًا، لا يخرج منها إلا ربع ساعة في اليوم، ثم نُقل إلى قسنطينة ليوضع في زنزانة أخرى- في انتظار محاكمته- حتى ساءت حالته الصحية، فكان ينقل منها إلى المستشفى العسكري ويعاد إليها طيلة أحد عشر شهرًا، مما أدى إلى تدهور صحته، وإصابته بأمراض بقي يعاني منها إلى أن توفاه الله.
ومن أعمال فرنسا عقب حوادث 8 ماي 1945 سَنُّ قانون لا يوجد فيما عرف الناس من قوانين أكثر قسوة ووحشية منه، والغريب العجيب أن المؤرخين وشهود تلك الحوادث أهملوا الإشارة إلى هذا القانون رغم بشاعته، ولم يشِر إليه ويندد به- فيما نعلم- إلا الإمام الإبراهيمي، الذي ذكر أن فرنسا "سنَّتْ قانونًا مَتْنُه من وحي الرومان، وشرْحُه من فقه الإسبان يقضي بمنع أيَامَى القتلى من التزوج، وبعدم قسم المواريث المتخلفة عنهم، وبعدم السماح لأهل البر والإحسان بتبني يتاماهم" (21).
أُعلن العفو العام! وأُفرِج عن المساجين، فخرج الإمام الإبراهيمي من السجن يوم 16 مارس 1946، وقبل أن يستعيد جزءًا من قوته، ويسترد شيئًا من صحته عاود النشاط بعزيمة أمضى، وإرادة أقوى، فملأ بنشاطه المكان والزمان، وجاب الجزائر كلها: سهلها وحَزْنَها، تلَّها وصحراءها، حواضرها وبواديها، يؤسس المدارس، ويشيد المساجد، ويفتح النوادي، ويصلح بين الناس، ويؤلف بين القلوب، ويشحذ النفوس، وبفضل ذلك النشاط الدائب والعمل الهادف صارت جمعية العلماء تمثل ضمير الأمة، وحافظة شخصيتها، وحامية كيانها، ومُحْيِيَةَ مقوماتها، دمالى هذه المعاني أشار الشاعر مفدي زكريا- أحد قادة حزب الشعب الجزائري-:

جمعية العلماء المسلمين ومَنْ … للمسلمين سواكِ اليوم منشود؟
خاب الرجآ في سواكِ اليوم، فاضطلعي … بالعبء، مُذْ فرَّ دجال ورعديد
سيروا، ولا تهنوا، فالشعب يرقبكم … وجاهدوا، فَلِواءُ النصر معقود
أمانة الشعب، قد شُدَّت بعاتقكم … فما لغيركمُ، تُلقَى المقاليد (22)
وأصبح الإمام الإبراهيمي زعيمًا لهذه الأمة، تُلقي السمع لقوله، وتسترشد برأيه، وتهتدي- فيما تأتي وتترك- بفكره، وتنزل في قضاياها على حُكمِه، وتتخذه أسوة حسنة لها
__________
20) عبد الرحمن بن العقون: الإبراهيمي فقيد العروبة والإسلام، مجلة الثقافة، عدد 87، [ص:406].
21) انظر مقال "وَيْحَهم ... أهي حملة حربية؟ " في الجزء الثالث من هذه الآثار، والمقصود بالتبني هنا هو الكفالة.
22) مفدي زكريا: ديوان اللهب المقدس، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1983، [ص:268]، والقصيدة بتاريخ 25 أكتوبر 1953.
(2/18)

في الاستمساك بشخصيتها وقدوة طيبة في الدفاع عن ذاتيتها.
إن أجملَ ما في هذه الزعامة أنها لم تكن قائمة على دعاية حزبية زائفة، ولكنها كانت ذاتية في الإمام، مظاهرها التدين الصادق، والعلم الغزير، والعمل الوفير، والإعراض عن السفاسف، والترفع عن التوافه، والإخلاص في العمل، وقد أشار الشاعر مفدي زكريا إلى بعض هذه الأعمال، فقال محييًا الإمام الإبراهيمي:
التحيات، باعث الرجة الكبـ ... رى، تهاوى حيالها الأصنام
والذي ألهب العزائم فانْفَـ ... ضَّت تَبَارى، يسوقها الإقدام
والذي فكَّ طلسم الشعب فارتـ ... دَّ بصيرًا، وانجاب عنه الظلام
والذي أنقذ العروبة لما ... نصبت للعروبة الألغام
وحمى (دولة الكتاب) وكانت ... في الحمى (دولة الكتاب) تضام (23).

إذا كان حصر نشاط الإمام الإبراهيمي واستقصاء منجزاته على رأس جمعية العلماء في هذه الفترة (1946 - 1952) من الصعوبة بمكان، فلا أقل من الإشارة إلى أهم تلك المنجزات، وهي:
أولًا: في ميدان التربية والتعليم:
1) تأسيس معهد الإمام عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة:
أهمَّ الإمام الإبراهيمي مصيرُ التلاميذ الذين أنهوا مرحلة التعليم الابتدائي بمدارس الجمعية، ففكر في تأسيس معهد يكون عنوان مرحلة جديدة في جهاد الشعب الجزائري الحضاري، يستكمل فيه أولئك التلاميذ دراستهم، ولكن إخوانه العلماء "كانوا متفقين على أن الزمن غير صالح للشروع في العمل نظرًا لحالة الأمة المالية، وتوالي الأزمات عليها" (24).
ولكن الإمام- إيمانًا منه بربه، وثقة في الأمة التي رباها على البذل في الصالحات، وثقة بمكانته في قلوب أبنائها- صمَّم على إنجاز المشروع، ولم يخيب الله مسعاه، فاستجابت الأمة، ودفعت قليل موجودها في سبيل وجودها، فتم تأسيس معهد أطلق عليه اسم الإمام عبد الحميد بن باديس، فكان تكوينه "أعجوبة من أعاجيب الفجاءة" (25).
وأوحى ربك إلى الإمام الإبراهيمي أن يسعى لربط المعهد الوليد بجامع الزيتونة العَهيد، وللإمام من وراء ذلك الربط هدفان:
__________
23) نفس المرجع، ص 240 - 241.
24) انظر مقال "معهد عبد الحميد بن باديس: ما له وما عليه" في هذا الجزء من الآثار.
25) انظر مقال "المعهد والمدارس" في هذا الجزء من الآثار.
(2/19)

• ايجاد علاقة ثقافية علمية بين المؤسسات العلمية العربية، وهي فكرة نحسب أن الإمام الإبراهيمي حائز فيها بالسبق تفضيلاً؛ فأنشأ الأزهر فرعًا له في لبنان، وأنشأت جامعة القاهرة فرعًا لها في السودان.
• تمكين حاملي شهادة المعهد من الالتحاق بالمؤسسات التعليمية العليا في المشرق العربي، لأنه "ينوي توجيه النوابغ إلى استكمال معلوماتهم في جهة أخرى غير الزيتونة" (26).
وهذان الفكرتان تدلان- وغيرهما- على النظرات المستقبلية للإمام الإبراهيمي، وما أكثرها عنده، فقد كانت بصيرتُه أحَدَّ من باصرته.
ورغم كثرة أعمال الإمام وتعدد مشاغله، فقد كان يولي المعهد عناية خاصة، يزوره باستمرار، ويسهر على حسن سيره، ويذلل ما يعترضه من عقبات، ويوفر له الإمكانات، ويختار له الكفاءات، ويكثر عنه الكتابات، ولم يكتف بجهوده الخاصة؟ فأسس له حركة سماها "حماة المعهد" (27).
إن الأعمال العظيمة والمنشآت الكبيرة لا تقاس بما أُنفق فيها من أموال، وما بذل في سبيلها من مجهودات؛ ولكنها تقاس بالظروف التي أُنجزت فيها، والأهداف التي رسمت لها، والنتائج التي حققتها.
من أجل ذلك كان الإمام الإبراهيمي يعتبر المعهد إنجازًا عظيمًا، لأنه أُنجز في ساعة العسرة، وأُسِّسَ في ظروف مادية قاسية، وفي بحر من العراقيل الإدارية الشديدة؛ ولأنه عُهِد إليه تكوين جيل صحيح العقيدة، متين الخُلق، سليم التفكير، رِسالي المهمة، وأما النتائج فقد كان الإمام مطمئنًا إليها من أول يوم في حياة المعهد، بما وفَّر له من برامج سليمة، وتربية صالحة، وإدارة حازمة، وأساتذة أكفاء، ثم جاءت الأيام فصدَّقت ذلك كله، وأخرج المعهد للجزائر رجالاً في جميع المجالات، ولم يُكتب في تاريخ أحد منهم خيانة للوطن، أو تفريطًا في ثابت من ثوابته، أو ركونًا إلى عدوه.

2) بناء المدارس:
يعتقد الإمام الإبراهيمي أن التعليم "نوع من الجهاد"، ويرى المدارس "ميادين جهاد"، ويعتبر المعلمين "مجاهدين"، مستحقين لأجر الجهاد، لأن "التعليم هو عدو الاستعمار الألد".
__________
26) انظر مقال "معهد عبد الحميد بن باديس: ما له وما عليه" في هذا الجزء من الآثار.
27) العربي التبسي: مقالات في الدعوة إلى النهضة الإسلامية في الجزائر، جمع: شرفي أحمد الرفاعي قسنطينة، دار البعث 1981، ج1 [ص:171].
(2/20)

إن هدف الجزائر في تلك المرحلة هو التحرر من الاستعمار، وقد كان الإمام مقتنعًا أن ذلك التحرر لن يتم إلا إذا هيِّئت وأُعِدَّت وسيلته، فلا يمكن أن "تسبق غايةٌ وسيلتها"، وما الوسيلة- في رأيه- إلا العلم بأوسع معانيه، "فهذه الجهود الجبارة التي تبذلها جمعية العلماء في سبيل العربية والإسلام والتعليم كلها استعداد للاستقلال، وتقريب لأجله" (28)، وذلك ما يهوِّن عليه وعلى إخوانه العلماء ما يلاقونه من محاكمات وسجون، "ولكننا سندخل هذه المحاكم برؤوس مرفوعة، وسنتلقى هذه الأحكام بنفوس مطمئنة بالإيمان، وسندخل السجون بأعين قريرة" (2). ومن أجل ذلك حمَّل الإمام الإبراهيمي جسمه المريض ما لا طاقة له به من أسفار كثيرة، وترحال دائم، وتنقل مستمر، ليضع حجر أساس مدرسة في الشرق، ثم ينتقل لتدشين مدرسة في الغرب، وهكذا دواليك ... وعلى القارئ أن يقدر الجهد الكبير الذي بذله الإمام طيلة ستة أعوام -1946 - 1952 - ، إذا عرفنا أنه في سنة 1948 وحدها بُدئ بناء 37 مدرسة عبر التراب الوطني (30).
وللإمام الإبراهيمي من وراء هذه التنقلات الكثيرة المضنية فلسفة اجتماعية، وهي معرفة مدى انتشار الوعي وارتفاعه في الأمة، وتعويدها على التجمعات الهادفة بدل تلك التجمعات الحزبية أو البدعية، ونزع رهبة السلطات الفرنسية من قلوب أفرادها.
ويلاحظ في هذه الفترة التوسع في تعليم البنت الجزائرية، في مجتمع كان يعتبر تعليم البنت إحدى الكبر، وقد جادل الإمام الإبراهيمي جدالًا كبيرًا عن حقها في التعليم، بل عن واجبه عليها، إذ الإسلام يجعل العلم فريضة على المسلم ذكرًا كان أو أنثى، وبذلك وصل عدد الإناث في مدارس الجمعية إلى 5696 بنت سنة 1951، ليقفز إلى ثلاث عشرة ألف بنت سنة 1953، وهو عدد ضخم نظرًا لظروف ذلك العهد الاجتماعية والنفسية والمادية. وقد كان الإمام يخطط لإنشاء دار للمعلمات، ومعهد للبنات على غرار معهد ابن باديس للذكور، وجامعة عربية إسلامية تجمع بين الروح الإسلامية الشرقية والعلوم الحديثة النافعة (31).
__________
28) انظر مقال "مذكرة إيضاحية" في الجزء الرابع من هذه الآثار.
29) انظر مقال "عادت لعترها لميس" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
30) انظر مقال "جناية الحزبية على التعليم والعلم" في هذا الجزء من الآثار.
31) بدأ التفكير في هذه الجامعة في حياة الإمام ابن باديس الذي طلب من أخيه الإمام الإبراهيمي "أن يضع برنامجًا لدروس الكلية وكتبها ودرجاتها ومناهج التربية فيها وطرائق التعليم العالي ... ففعلتُ وجاء البرنامج حافلًا بالتدقيقات الفنية في التربية، والاعتبارات العملية في التعليم، والكتب القيمة للدراسة، ومعه تخطيط للكلية ومرافقها. فلما قرأه قال لي: كأني أرى بعيني ما خطه قلمك حقيقة واقعة". انظر مقال "ذكرى عبد الحميد بن باديس الثامنة وموقع معهده منها" في هذا الجزء من الآثار، وقد يكون هذا البرنامج ضمن أوراق الإمام ابن باديس.
(2/21)

ساء الاستعمار الفرنسي أن تُقْبِل البنت الجزائرية على مدارس جمعية العلماء، حيث تتلقى العلم النافع، وتتربى التربية الصالحة، وتتخلق بالخلق القويم، فأوحى إلى شياطينه أن يثيروا الغبار حول ذلك التعليم، ويشيعوا قالَةَ السوء عن مدارس الجمعية التي "عرضت الأعراض للتمزيق".
وسلَّ الإمامُ قلمه البتار على أولئك الرهط، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وكشف هدف تلك الحملة، وهو أن الاستعمار "متشائم بتعليمها- الجمعية- للبنت المسلمة، لأن نتيجته تكوين بنت صالحة، تصبح غدًا زوجة صالحة، وبعد غد أُمًّا صالحة، وهاله أن تعمر البيوت بالصالحات فَيَلِدْن جيلاً صالحًا صحيح العقائد متين الإيمان، قويم الأخلاق، طموحًا إلى الحياة، فتطول به غصته ثم تنتهي به قصته ... (ولأن) الاستعمار بعيد النظر، عارف بما للمرأة في أمتها من الأثر، فهو- لذلك- حرَّكَهُم، وما زال يحركهم لإثارة هذا الغبار الأسود في وجه جمعية العلماء، (لـ) زعزعة ثقة الأمة بالجمعية في خصوص تعليم البنت" (32).
وقد عانت مدارس جمعية العلماء كثيرًا من عراقيل السلطات الفرنسية، وأصاب معلميها كثيرٌ من الأذى، لأنهم كانوا يقومون بعملية "تحصين" و "تطعيم حضاري" ضد الفَرْنَسَة والتنصير، ولذلك كانت تلك السلطات تعتبر تلك المدارس "عبارة عن خلايا سياسية، والإسلام الذي يمارسونه- العلماء- هو مدرسة حقيقية للوطنية" (33).
وللتقليل من تأثير مدارس جمعية العلماء على الأطفال الجزائريين وإفسادًا لذلك التطعيم الحضاري والتحصين المعنوي حاولت السلطات الفرنسية فرض تدريس اللغة الفرنسية لمدة خمس عشرة ساعة أسبوعيًا في مدارس الجمعية، فـ"رفضتُ المفاهمة في المشروع بحذافيره، وفي جملته وتفصيله، وَأَبَى لي ديني أن أعطي الدنية فيه، وأبَتْ لي عروبتي أن أقر الضيم للغتي، وأبى لي شرف الجمعية وشرف العلم أن أتمادى في مفاهمة ضالة عقيمة في حق طبيعي ثابت ... وللحكومة أن تسقط السماء علينا كِسَفًا، وأن تتجنى علينا ما شاء لها التجني والظلم" (34).

3) تكوين لجنة التعليم العليا:
يؤمن الإمام الإبراهيمي أنه "إذا اختلفت الأصول والمناهج في أمة كانت كلها فاسدة، لأن الصالح كالحق لا يتعدد ولا يختلف" (35)، و"أن توحيد الغايات لا يأتي إلا بتوحيد الوسائل" (36)،
__________
32) انظر مقال "في كل ناد أثر من ثعلبة" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
33) أبو القاسم سعد الله: الحركة الوطنية الجزائرية، الجزائر ط 3، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986، ج 3، ص 151، وهو ينقل عن تقرير أمني فرنسي عنوانه "الجزائر في نصف قرن".
34) انظر مقال "التعليم العربي والحكومة رقم 9" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
35) انظر مقال "مرشد المعلمين" في هذا الجزء من الآثار.
36) انظر مقال "حقوق الجيل الناشئ علينا" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
(2/22)

ولذلك قرر- مع إخوانه قادة الجمعية- إنشاء لجنة خاصة بالتعليم، فأنشئت في 13 سبتمبر 1948، و"كانت بمثابة وزارة تربية شعبية" (37)، وعهِد إليها بوضع البرامج، وتقرير كتب الدراسة، وإصدار اللوائح التنظيمية، وتعيين المعلمين، ووضع الدرجات لهم، واختيار المفتشين، وتنظيم ملتقيات تربوية وندوات بيداغوجية لمناقشة قضايا التعليم، وتحسينه، ورفع مستواه. ويدل إنشاء هذه اللجنة على التطور الذي أحرزته الجمعية، وعلى الروح التنظيمية التي أصبحت تطبع أعمالها.

4) إنشاء الشهادة الابتدائية:
انسجامًا مع ذلك التطور الذي أشرنا إليه آنفًا، أنشأت الجمعية شهادة تثبت لحاملها متابعة الدراسة الابتدائية، وتسمح له بمتابعة المرحلة التعليمية الموالية.
ولا شك أن الجانب المعنوي النفسي لهذه الشهادة أكبر من جانبها المادي. ويظهر هذا الأثر المعنوي في محتوى هذه الشهادة، حيث كتِب في ركنها الشمالي الأيمن عبارة "الشعب الجزائري"، اعترافًا- من جهة- بمجهوده في ميدان الإنفاق على التعليم، وإقرارًا- من جهة أخرى- بسيادته العليا إلى أن يحين الوقت لاستعادة دولته، وتفويض ممثليه المنتخبين بممارسة هذه السيادة التي اغتصبت منه سنة 1830. وتحت كلمة الشعب الجزائري كتب "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، إشارة إلى أنها الممثلة لهذه السيادة، وتحت كلمة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كتب "لجنة التعليم"، وهي الهيئة التنفيذية لسياسة الجمعية في ميدان التربية والتعليم، والتي سماها فضيلة الشيخ عبد الرحمن شيبان "وزارة تربية شعبية".
أما في الركن الشمالي الأيسر فيوجد رسْمٌ لمدرسة يعلوها لواءٌ مسطور عليه "الإسلام- العربية- الجزائر"، إشارة إلى ثلاثية الشعب الجزائري المقدسة المعارِضة لسياسة التنصير، والفَرْنَسَة اللُّغوية، والإدماج السياسي للشعب الجزائري في الدولة الفرنسية.

5) إرسال البعثات الطلابية إلى الدول العربية:
بدأت جمعية العلماء التفكير في إرسال بعثات طلابية إلى المشرق سنة 1938، ولكن الحرب العالمية الثانية حالت دون تنفيذ ذلك. فلما وضعت الحرب أوزارها، واستأنفت الجمعية نشاطها، وانتهت من عملية تنظيم شؤونها، فكرت- مرة أخرى- في مسألة البعثات، وبدأت بأقرب البلدان إلى الجزائر وهما تونس والمغرب، حيث بلغ عدد الطلاب فيهما- سنة 1953 - ألفًا ومائتي طالب، ئم تمكنت من إرسال الفوج الأول إلى مصر في السنة الدراسية 1951 -
__________
37) عبد الرحمن شيبان: في الذكرى المائوية لميلاد الشيخ الإبراهيمي، جريدة الشرق الأوسط، عدد 3827، لندن 21 - 3 - 1989.
(2/23)

1952، وكان ذلك الفوج يضم خمسة وعشرين طالبًا وطالبة واحدة- هي زوجة أحدهم-، وفي السنة التي بعدها حطت ثلاثة أفواج رحالها في كل من العراق وسوريا والكويت، "بفضل مساعي الرَّئِيسُ الجليل- الإبراهيمي- وزميله في الكفاح الأستاذ الفضيل الورتلاني" (38).
وإذا كانت الحكومات العربية في المشرق قد تحملت تكاليف إيواء أولئك الطلبة، فإن جمعية العلماء هي التي تولَّتْ إيواءهم في تونس والمغرب، حيث اكترت دارين- في تونس- لإسكانهم (39)، واكترت مركزًا لِجَمعية الطلبة (40)، هذه الجمعية التى تأسست في الثلاثينات "بتحريض من الإمام الإبراهيمي إثر اجتماع عقده مع العمال والطلبة في أحد أحياء العاصمة التونسية، وهو حي الحجامين" (41).

ثانيا: في ميدان التنظيم:
1) المركز العام:
لم يكن للجمعية قبل سنة 1947 مقر خاص بها، وبعد أن استأنفت نشاطها عقب الحرب العالمية الثانية قررت أن يكون لها في العاصمة مقر خاص يتناسب ومكانتها الدينية وقيمتها العلمية وأهميتها السياسية، وقد اختير هذا المركز في حي القصبة التاريخي- قلب العاصمة- لما يمثله هذا الحي من أمجاد وأبعاد في تاريخ الجزائر. ومَنْ أعلم من جمعية العلماء ورئيسها بإيحاءات التاريخ ودوره في شحذ همم الشعوب، وشحن نفوسها، ودفعها إلى استعادة دورها في صنع التاريخ والإسهام في الحضارة، وهو ما أشار إليه فضيلة الشيخ أحمد سحنون في قصيدته التي ألقاها بمناسبة افتتاح هذا المركز، فقال:
وفيك يُبعث ماض طالما حييت … على مآتيه أجيال وأعصار
يا فتية الضاد حان الوقت فاطرحوا … هذا الْوَنَى وانهضوا، فالناس قد طاروا
سيروا على نهج آباء لكم سلفوا … فإنهم في طريق المجد قد ساروا
شقوا الزحام إلى العلياء واقتحموا … أَخطارها، إنما العلياء أخطار
اسعوا لتحيَوْا حياة العز، أو فَرِدُوا … حوض الردى، فالردي يمحى به العار
أرواح آبائكم في الخُلد قد هتفت: … تحرروا فجميع الناس أحرار (42).
__________
38) محمد خير الدين: مذكرات ... 1/ 232.
39) انظر مقال "محمد خطاب" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
40) انظر مقال "السيد محمد خطاب الفرقاني" في هذا الجزء من الآثار.
41) محمد صالح الجابري: التواصل الثقافي بين الجزائر وتونس، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1995، [ص:37].
42) انظر القصيدة "بوركت يا دار" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
(2/24)

2) التوسع في تأسيس الشُّعَب:
الشُّعبة هي أصغر مؤسسة في هيكلة جمعية العلماء ومهمتها تأطير الحركة الإصلاحية والإشراف على تأسيس المدارس والمساجد في المدن والأحياء، وقد كان عدد هذه الشُّعَب- عشية اندلاع الحرب العالمية- 58 شعبة، ثم وصل العدد- سنة 1953 - إلى 300 شعبة (43)، مما يدل على الانتشار الواسع الذي حققته الجمعية، والمكانة الكبيرة التي أصبحت تتمتع بها لدى الشعب الجزائري، مما يؤكد مقولة "إن جمعية العلماء عبارة عن دولة داخل دولة" (4).

3) توسيع المجلس الإداري وتنقيح القانون الأساسي للجمعية:
كان الاجتماع العام لجمعية العلماء الذي عقد بالجزائر العاصمة يومي 30 سبتمبر 1 أكتوبر 1951 اجتماعًا متميزًا، حيث جُدِّدت فيه مبايعة الإمام الإبراهيمي لقيادة الجمعية، ووُسِّع مكتبها الإداري، ووُزِّعت أعمال الجمعية على لجان، ونُقِّح القانون الأساسي الذي وضع سنة 1931، حيث تقرر أن يكون للرئيس نائبان بدل نائب واحد، وللكاتب العام ثلاثة نواب بدل نائب واحد، ولأمين المال نائبان، ورُفِع عدد المستشارين إلى ستة عشر بدل أحد عشر مستشارًا.
ومن أهم ما اتخذه المجلس الإداري الجديد هو منح لقب رئيس شرفي لجمعية العلماء لبعض العلماء غير الجزائريين مِمَّن عرف بحمل الفكرة السلفية الإصلاحية والدفاع عنها. ولا نعلم جمعية- غير جمعية العلماء- في العالم العربي والإسلامي اتخذت مثل هذه الخطوة، وهذا دليل آخر على النظرة الإسلامية والاستراتيجية لقيادة جمعية العلماء، ولا ريب في أن صاحب هذه الفكرة هو الإمام الإبراهيمي نفسه.
أما العلماء الذين تقرر منحهم هذه الرئاسة الشرفية فهم: محمد بن العربي العلوي (المغرب)، أحمد بن محمد التجاني (المغرب)، عبد العزيز جعيط (تونس)، عبد اللطيف دراز (مصر)، محمد أمين الحسيني (فلسطين)، عبد القادر المغربي (طرابلس الشام)، محمد بهجت البيطار (دمشق)، محمد نصيف (الحجاز)، تقي الدين الهلالي (بغداد)، مسعود الندوي (باكستان) (45).

4) بعْثُ النشاط في فرنسا:
بدأ نشاط الجمعية في فرنسا سنة 1936، وتوقف بسبب الحرب العالمية، وبانتهائها عادت الجمعية إلى النشاط هناك، فاشترت "مركزًا متواضعًا ليكون رمزًا للمشروع ونقطة بدء
__________
43) انظر مقال "مذكرة ايضاحية" في الجزء الرابع من هذه الآثار.
44) مقدمة الدكتور أبي القاسم سعد الله لكتاب الأستاذ مازن صلاح مطبقاني: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، دمشق، دار القلم، بيروت، دارة العلوم، 1988، [ص:15].
45) جريدة البصائر، عدد 172 - 173، الجزائر 15 أكتوير 1951.
(2/25)

في تحقيقه" (46)، وأسست شُعَبًا في أمهات المدن الفرنسية كمرسيليا، وليون، وباريس، وليل وغيرها. وأوفدت بعض أعضائها يعلمون المغتربين دينهم، ولغتهم، وتاريخ أمتهم. وكانت الجمعية تعتبر "هذه المسألة كبيرة، ومسؤوليتها عند الله وعند الناس ثقيلة" (47)، ولذلك أولاها الإمام ما تستحقه من عناية، وتردد على فرنسا عدة مرات، تفقدًا للحركة، وتشجيعًا للقائمين عليها. ولو توافر المال لحققت الجمعية في ميدان هداية المسلمين الضالين نتائج طيبة، ولأَتَتْ في مجال دعوة غير المسلمين إلى الإسلام بنتائج باهرة.
إن جمعية العلماء هي الهيئة الوحيدة التي نقلت جزءًا من نشاطها من الجزائر إلى فرنسا لإنقاذ تلك الجالية من الذوبان والانسلاخ من دينها ولغتها ووطنها، أما حزبا نجم شمال افريقيا وحزب الشعب الجزائري فقد نشآ هناك، ولم يكن لهما نشاط يذكر في ميدان الصراع الحضاري، واقتصر نشاطهما على عقد تجمعات، وتوزيع منشورات، بل لقد كانا يجدان- أحيانًا- تعاطفًا وتعاونًا من بعض الفرنسيين.

5) فتح مكتب القاهرة:
أسست جمعية العلماء في أواخر سنة 1950 "مكتبًا رسميًا متألفًا من ثلاثة من أبناء الجزائر المقيمين في القاهرة" (48) ليكون "سفيرًا أمينًا بين الجزائر وأخواتها العربيات شعوبًا وحكومات" (49)، و "إن أشرف ما قام به السعي في قبول بعثات من أبناء الجزائر باسم جمعية العلماء في المعاهد العلمية الكبرى على نفقة الحكومة المصرية وبعض الحكومات الشرقية" (50). وقد ازدادت أهمية هذا المكتب وتكثَّف نشاطه بعد سفر الإمام الإبراهيمي إلى المشرق سنة 1952.

ثالثًا: في ميدان التوجيه والإعلام:
1) إعادة إصدار جريدة البصائر:
صدرت البصائر أول مرة سنة 1935، وفي بداية الحرب العالمية الثانية قررت الجمعية توقيفها حتى لا تجبرها السلطات الفرنسية على قول ما لا تريد. وفي سنة 1947 أعاد الإمام
__________
46) انظر مقال "مذكرة إيضاحية" في الجزء الرابع من هذه الآثار.
47) انظر مقال "التقرير الأدبي" في هذا الجزء من الآثار.
48) نفس المرجع.
49) انظر رسالة الإمام الإبراهيمي إلى السيد فاضل الجمالي، رئيس الوزراء العراقي في الجزء الرابع من هذه الآثار.
50) انظر مقال "التقرير الأدبي" في هذا الجزء من الآثار.
(2/26)

الإبراهيمي إصدار جريدة البصائر رغم المصاعب المادية الحادة التي كانت تعانيها الجمعية والشعب الجزائري.
وقد حمَّل العلماء رئيسهم مسؤولية إدارة البصائر ورئاسة تحريرها، فحمَّلوه- بذلك- أثقالاً مع أثقاله، ولكنه قام بالمهمة أحسن قيام، ولم يَؤُدْه حفظها والارتقاء بها إلى أعلى مستوى.
لقد دبَّج الإمام الإبراهيمي في البصائر أروع المَقالات، وأبدع التحليلات، وخاض على صفحاتها أصدق الهجمات على الاستعمار وسياسته، وأعنف الحملات على الذين خانوا أمانة الإسلام والأوطان، ولولا ذلك القلم السيال والفكر الجوَّال والعزم الصوال لكانت جريدة البصائر كبقية الجرائد. لقد كان الإمام الإبراهيمي للبصائر كالأم لطفلها، يمتص حليبها وهو أزكى ما في جسمها، وكالزهرة للنحلة، تمتص رحيقها وهو ألذ وأشهى ما فيها، وهو ما جعل الناس في داخل الجزائر وخارجها يُقبلون عليها إقبال الظمآن على الماء، ويستعجلون يوم صدورها، لما يجدونه فيها من مقالات إبراهيمية تقنع العقول وتُحْيِي القلوب، وتشفي الصدور، في أسلوب بديع وبيان رفيع يُذَكِّر بأزهى عصور اللغة العربية، حتى أصبحت البصائر لكثير من أصحاب الأقلام سُلمًا إلى المجد وسبيلاً إلى الشهرة. وقد كان يصيب البصائر ما يصيب الجرائد ذات الفكر الرشيد والرأي السديد والمبدإ العتيد من أزمات مالية تكاد تخمد صوتها وتطفئ نورها فيتداركها الإمام الإبراهيمي- بجهوده الخاصة- فتعود سيرتها الأولى ناطقة بالصدق، صدَّاعة بالحق شاهدة بالعدل، قاذفة بالشهب المحرقة على الطغاة والبغاة ومن ألقى إليهم بالمودة.
كان الإمام الإبراهيمي يعتبر البصائر هي صوت الجزائر، لا صوت جمعية أو حركة فقط، ولذلك كان حريصًا أشد الحرص على أن يكون هذا الصوت معبرًا أصدق تعبير عن حقيقة الجزائر المسلمة الدين، العربية الانتماء، المجاهدة لاسترجاع كيانها السياسي، والعاملة لاستئناف دورها الحضاري، وكان أشد حرصًا على أن تصل البصائر إلى خارج الجزائر، فوصلت إلى الشرقين العربي والإسلامي، وإلى الأمريكتين الوسطى والجنويية (51).
لقد كانت السلطات الفرنسية تدرك قوة جريدة البصائر في كشف حقيقة سياستها، وتعرف قدرة البصائر على إقناع الناس بحق الجزائر في استعادة سيادتها، فكانت تلك السلطات تتدخل مباشرة فتمنع- أحيانًا- دخول البصائر إلى الأقطار التي- تسيطر عليها، وتُوعِزُ - أحيانًا- إلى إدارة البريد لكي تحجزها فلا تصل إلى من تُرسَل إليهم في الأقطار الأخرى.
__________
51) انظر مقال "البصائر في سنتها الرابعة" في هذا الجزء من الآثار.
(2/27)

2) وفود الوعظ والإرشاد:
من سُنن جمعية العلماء الحسنة أنها كانت توزع أعضاءها على مُدن الجزائر وقراها في شهري أغسطس وسبتمبر من كل سنة، وفي شهر رمضان المعظم؛ يُثَبِّتُون- بدُرُوسِهِم- المهتدي، ويَهْدُون الضال، ويذَكِّرون الجميع بواجباتهم الدينية والدنيوية. وقد كانت جريدة البصائر تنشر أسماء أولئك العلماء، والمناطق التي عُيِّنُوا فيها، وتحض الشعب على الإقبال على هذه الدروس. وقد حدَّد الإمام الإبراهيمي في أحد مقالاته مهمة أولئك الوعَّاظ والمرشدين قائلاً: "عليهم أن يمَكِّنوا- ما استطاعوا- في نفوس السامعين معاني الشرف والرجولة، وشرف النفس، والاعتزاز بالإسلام والعروبة، فإن الإسلام جاء لجميع ذلك، وان سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دائرة على ذلك، فالإسلام دين العزة والكرامة، والشرف والفضيلة، فمن لم يكن بهذه الصفات فإسلامه ناقص بقدر نقصانه فيها وإن صلى وصام وحج البيت ماشيًا" (52). وقد وصف المؤرخ الفرنسي شارل روبير آجرون تلك الوفود بالوفود "السياسية- الدينية" (53)، لأنها لم تكن تقتصر في دروسها على القضايا الدينية بمعناها المتعارف عليه، ولكنها كانت تتجاوز ذلك إلى القضية الوطنية، فتنَبِّه العقول، وتوقظ الشواعر، وتهيِّءُ النفوس ليوم لا ريب فيه يحق الحق ويبطل الباطل. وقد كانت السلطات الفرنسية تراقب- بواسطة عملائها- أولئك العلماء، وتسجل أقوالهم، وترصد الأفكار التى ينشرونها بين الناس، ومن ذلك ما سجلته مصالحها الأمنية من أن الشيخ عباس بن الحسين - عضو المكتب الإداري لجمعية العلماء- ألقى خطابًا يوم 3 سبتمبر 1954 بمدينة نَدْرومة جاء فيه: "لا تعتقدوا أن الجزائر نائمة، إنها تناضل في سرية، كما ناضلت تونس والمغرب، وخلال شهر أو شهرين- وفي جميع الأحوال قبل سنة- ستنهض مثل جميع الدول العربية ... وأنه من هذه المساجد سيخرج جنرالاتنا، وقادتنا الحربيون، وجيشنا" (54).
ولذلك فكثيرًا ما كانت السلطات الفرنسية تمنع أولئك العلماء من إلقاء الدروس، وتقود بعضهم إلى مخافر الشرطة للاستجواب الذي ينتهي ببعضهم إلى السجون.

رابعًا: المجال الديني:
إن القضية التي صال فيها الإمام الإبراهيمي وجال، وكتب فيها وقال هي قضية تحرير الدين الإسلامي من سيطرة الدولة الفرنسية، التي كانت تعتبر إشرافها على الدين الإسلامي "مسألة جوهرية"، خرقت لأجلها دستورها الذي ينص على أن فرنسا دولة لائكية.
__________
52) انظر مقال "دروس الوعظ في رمضان" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
Ch. R. Ageron: Histoire de l'Algérie Contemporaine. Paris. P.U.F. T. 2. 1979, P. 582 (53
Jacques Carret: l'Association des Oulamas d'Algérie (p.21 et 23, S.D., S.E.) (54
(2/28)

وقد لبَّت الدولة الفرنسية بعض مطالب الجزائريين الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، ولكنها أصَمَّتْ أذنيها وأغمضت عينيها عن مطلبهم في القضية الدينية إلى أن طُرِدت من الجزائر.
لقد أكْثر الإمام الإبراهيمي جدالَ فرنسا في هذه القضية، وساق لها من الحجج الدينية والقانونية والتاريخية ما يُقْنِع لكي تنفض يديها من القضية، وتعيد الحق إلى أصحابه، ولكن القوة المادية جعلتها لا تُلقي السمع لأية حجة، ولا تقتنع بأي منطق، ولا تخضع لأي دليل.
وكما هاجم الإمام الإبراهيمي السياسة الفرنسية في هذا الميدان وكشف حقيقتها؛ صبَّ حِمَمَه وأرسل صواعقه على أدوات تلك السياسة، وما أدواتها إلا أولئك الأئمة الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وأعطوا الدنية في دينهم، واختاروا أن يكونوا حجة عليه وعلى قومهم، ورَدُّوا مكانة الإمام أسفل سافلين، وهو ما أدى بالإمام الإبراهيمي أن يفتي بأن الصلاة وراءهم باطلة، خاصة بعد أن كشف أوغسطين بيرك- مدير الشؤون الأهلية في الولاية الفرنسية العامة في الجزائر- أن تعيين أولئك الأئمة لا يراعى فيه إلا خدمتهم للدولة الفرنسية (5).

خامسًا: في الميدان السياسي:
حاول- وما يزال يحاول- الجَهَلَةُ والحَسَدَة أن ينكروا على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إسهامها الكبير في العمل الوطني لاستعادة الاستقلال واسترجاع السيادة، ويتمثل هؤلاء المنكرون في الشيوعيين، وفي المتعصبين من حزب الشعب الجزائري- حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وفي بعض الكتاب والصحفيين من جيل الاستقلال الذين يحتطبون في حبال هؤلاء وأولئك.
إن الحقيقة هي أن جمعية العلماء اهتمت- كما يقول الإمام الإبراهيمي- بـ"لباب السياسة" "لأن ديننا يعد السياسة جزءً من العقيدة ... ولأن السياسة نوع من الجهاد، ونحن مجاهدون بالطبيعة، فنحن سياسيون بالطبيعة" (36).
وإذا كانت المعركة في الجزائر في جوهرها- منذ الاحتلال إلى استعادة الاستقلال-هي معركة بين "الفَرْنَسَة" وبين "العروبة"، وبين "النصرانية" وبين "الإسلام"؛ فإنه لم يكن لغير جمعية العلماء عمل دائب وفكر صائب في تلك المعركة، وذلك لسبب بسيط هو أن ذلك "الغير" لم يكن يملك أدوات تلك المعركة ووسائلها، فضلاً عن أن يدرك أبعادها،
__________
55) انظر مقال "شهادة الشيخ بيرك على رجال الدين- وشهد شاهد" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
56) انظر مقال "بداية النهاية" في الجزء الرابع من هذه الآثار.
(2/29)

وأن يَسْتَبين أهدافها، وما وسائلها إلا "العقيدة الصحيحة"، و "العلم الواسع"، ولذلك اعتبر الفرنسيون "أن العلماء يمثلون أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر" كما أشرنا إلى ذلك آنفًا.
من أجل ذلك أسهمت جمعية العلماء- في عهد الإمام الإبراهيمي- في الأنشطة السياسية الجادة، بل لقد كان لها ولرئيسها الدور الريادي والرَّئِيسُي في بعضها، ومن هذه الأنشطة:
1) سعي الإمام الإبراهيمي في جمع الأحزاب والشخصيات الوطنية في هيئة أحباب البيان.
2) رفضه المشروع الذي تقدم به الجنرال دوغول سنة 1944، القاضي بإدماج الشعب الجزائري في فرنسا، وهو "ما لا يرضى به الشعب المسلم بأي ثمن".
3) دعوته لتوحيد الأحزاب الجزائرية، وسعيه في ذلك طيلة "ستة أشهر كاملة" (57).
4) رسالته القوية إلى رئيس الجمهورية الفرنسية سنة 1949، حيث أكَّد له فيها أن الشعب الجزائري "أصبح لا يؤمن إلا بأركان حياته الأربعة: ذاتيته الجزائرية، وجنسيته، ولغته العربيتين، ودينه الإسلامي، لا يستنزل عنها ... ولا يبغي عنها حِوَلاً، ولا بها بديلًا" (58).
5) إسهام جمعية العلماء في تأسيس "الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها".
6) اتصاله بالوفود العربية والإسلامية في مؤتمر الأمم المتحدة الذي عُقِد بباريس في آخر سنة 1951، واقترح عليها "عرض قضية الجزائر على الجمعية العامة في دورتها الحالية" (59). وقد أقام الإمام الإبراهيمي لتلك الوفود مأدبة ألقى فيها خطابًا قويًا، شرح فيه لتلك الوفود قضية الجزائر والمغرب العربي عمومًا. كما أَوْعَد فيه الاستعمار الفرنسي بأن وراء اللسان خطيبًا صامتًا هو السنان، وأن الشبان الجزائريين سينطقون بما يخرس الاستعمار، وأن بقايا دماء أجدادنا فينا سيجلِّيها الله إلى حين. ودعا فيه إلى احتقار الاستعمار وتقليم أظافره وهَتْمِ أنيابه، وشبَّه الطامعين في توبة الاستعمار بالخروف الطامع في توبة الذئب (60).
__________
57) انظر مقال "كيف تشكلت الهيئة العليا لإعانة فلسطين (2) " في هذا الجزء من الآثار.
58) انظر مقال "كتاب مفتوح إلى رئيس الجمهورية الفرنسية" في الجزء الثالث من هذه الآثار.
59) فاضل الجمالي: الشيخ البشير الإبراهيمي كما عَرفته، مجلة الثقافة عدد 87، الجزائر، مايو- يونيو 1985، [ص:123].
60) انظر مقال: "خطاب أمام الوفود العربية والإسلامية في الأمم المتحدة" في هذا الجزء من الآثار.
(2/30)

ومما تجدر الإشارة إليه أن ميصالي الحاج- رئيس حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية- أقام هو الآخر مأدبة لتلك الوفود، وألقى كلمة طلب فيها من الفرنسيين "أن يعيدوا إلينا حريتنا، ويعاملونا على قدم المساواة والأخوة" (61).
والمفارقة هي أن الجمعية المتهمة زورًا بأنها لم تعمل للاستقلال، ولم تؤمن بالكفاح المسلح، يدعو رئيسها إلى عدم الثقة في الاستعمار، ويهدد هذا الاستعمار في عُقْرِ داره بأن الشباب الجزائري سينطق بما يخرسه، وأن دماء آبائنا فينا سيجلِّيها الله، ويحرِّض على تقليم أظافر الاستعمار وهَتْمِ أنيابه، وأن حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الذي يحاول بعض مناضليه احتكار الوطنية، ويدَّعون أنهم الوحيدون الذين عملوا للاستقلال، يدعو رئيسه الفرنسيين إلى "أن يعيدوا إلينا حريتنا، ويعاملونا على قدم المساواة والأخُوَّة".
لقد كان لخطاب الإمام الإبراهيمي أثر قوي في عقول تلك الصفوة من رجال العرب والمسلمين، الذين لم يتعودوا أن يسمعوا من علماء الدين مثل الذي سمعوه من الإمام الإبراهيمي: فصاحة لسان، وقوة بيان واهتِمامًا بما يحدث، ومتابعة لما يجري، وتفطُّنًا لمكائد الأعداء، وإدْراكًا لوسائلهم، وظهر تأثرهم فيما علَّقوا به على ذلك الخطاب، حيث قال الزعيم التونسي محي الدين القليي واصفًا الإمام الإبراهيمي بأنه "إمام هذا الزمان، المصلح، المجدد، مفخرة علماء الإسلام" (62)، وقال الزعيم فارس الخوري، رئيس الوفد السوري: "أنا وقفت لِأداءِ شهادة، فقد سمعت كثيرًا من الخطباء في هيئة الأمم المتحدة، وهم- لا شك- النخبة المختارة من دولهم للتأثير على السامع، وغيرهم كثير، ولكن أشهد- فَثِقوا بشهادتي- أنني لم أتأثر مثل تأثري الليلة بكلمة فضيلة الشيخ الإبراهيمي، وليس تأثري راجعًا إلى فصاحته وبلاغته فقط، وإنما تأثرت بذلك، ولكونه يتكلم من عقله وروحه، ويخرج الكلام مساوقًا لشعوره، ومسوقًا بصدقه وفضيلته خاطبنا الليلة بنبضات قلبه، وفيض من إيمانه وعقيدته" (63).

7) دعوته إلى تشكيل "اتحاد أحزاب الشمال الإفريقي"، ونجاحه في تحقيق ذلك، بهدف متابعة الكفاح ومضاعفته في سبيل تحرير افريقيا الشمالية، ولتنسيق عملها داخل افريقيا الشمالية، وفي الميدان الفرنسي والدولي وقد شارك في ذلك الاتحاد:
من الجزائر: حزب البيان الجزائري، وحزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية.
__________
61) انظر خطاب ميصالي الحاج كاملاً في جريدة المنار عدد 11، الجزائر 8 ديسمبر 1951، [ص:3].
62) جريدة البصائر عدد 183، الجزائر 18 أفريل 1952.
63) عبد الرحمن بن العقون: الكفاح القوي والسياسي ... الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986، ج3، [ص:224].
(2/31)

ومن تونس: الحزب الحر الدستوري الجديد، والحزب الدستوري التونسي.
ومن المغرب: حزب الاستقلال، وحزب الإصلاح، وحزب الشورى والاستقلال، وحزب الوحدة.
وقد أُنْهِيَ نص الميثاق بين هذه الأحزاب بالعبارة التالية:
"دعا إلى هذا الميثاق وسعى فيه، وشهد به محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" (64).
تلك- باختصار شديد- هي أهم أعمال الإمام الإبراهيمي ونشاطاته على رأس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في فترة قصيرة من الزمن، وسلسلة طويلة من المحن، وبحر متلاطم من الفتن، وقد شهد إخوانه وتلاميذه الذين عملوا تحت قيادته "أنه لولا علمه ولسانه وصبره وتأثيره الذي يشبه السحر لما كانت جمعية العلماء، ولولا براعته في التصريف والتسيير لما سار لجمعية العلماء شراع في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن" (63)، وأنه "يتفقد إخوانه ويتعهدهم، ولا يهدأ باله حتى يطمئن عليهم، وإذا التقى بواحد من تلامذته أو إخوانه ومعارفه فإنه لا يفارقه حتى يكون على اطمئنان من حالته المادية والاجتماعية ... فإذا وجد خلة سدها إن استطاع، ويبذل في ذلك رأيه وَجَاهَهُ، فيقترض من هذا ليقرض هذا، وإذا عوتب في ذلك يقول: أنا أجد من يقرضني، وهؤلاء لا يجدون من يقرضهم، ولقد يكون في حاجة إلى الشيء فيُؤْثِرُ به غيرَه، فهو من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ولقد رأيته يومًا في حاجة إلى المال فاقترض شيئًا، فما كاد ذلك النصيب يدخل جيبه حتى جاءه من طلب منه الإعانة على السفر إلى تونس ليذهب ويحارب في فلسطين فدفع إليه أكثر المبلغ الذي اقترضه منذ دقائق وهو منبسط الوجه والجبين، وأنا أكاد أتميز من الغيظ، ولما فارقنا الرجل أنكرت عليه ذلك فقلت له: وما يدريك أن هذا مدجل؟ فقال لي: وما يدريك أنه صادق؟ ... وكان لا يخرج من بلدة دخلها إلا بعد أن يصلح ما فيها من خصومات ... وكان يقول: إن اتحاد هذه الجماعات ضمان لبقاء المشاريع ... وان القضية الجزائرية لا تنجح إلا بالاتحاد" (66).
__________
64) محمد خير الدين: مذكرات ... ج 1، صص 366 - 368. وانظر أيضًا أحمد بن سودة: أيام مع إمام مسجد باريس، جريدة الشرق الأوسط، عدد 3826، لندن في 20/ 5/ 1989 و Ch. R.
Ageron: Histoire de l'Algérie Contemporaine. Paris, P.U.F. T.2/ 581
65) انظر مقدمة محمد الغسيري لمقال "مناجاة مبتورة لدواعي الضرورة" في الجزء الثاني من هذه الآثار.
66) حمزة بوكوشة: لحظات مع الشيخ البشير الإبراهيمي، جريدة الشعب، عدد 2309، الجزائر 21 مايو 1970.
(2/32)

إن المتصفح- بموضوعية- تاريخ الجزائر في هذه الفترة (1940 - 1952) سيجد- دون عناء- أن الشخصية المحورية فيها هي شخصية الإمام محمد البشير الإبراهيمي، فقد كان المرشد الأبرز، والموجه الأكبر للشعب الجزائري في جميع الميادين: الدينية، والتعليمية، والسياسية، وهو ما جعل الجزائريين يولونه ثقتهم ويلقون السمع لتوجيهاته، ويعلقون عليه أملهم؛ فقد رأوا فيه ناصحًا أمينًا، وقائدًا حكيمًا، وموحدًا للصفوف التي فرقتها الأهواء، وجامعًا للكلمة التي شتَّتَتْها المصالح الشخصية والمآرب المادية، ولاحظوا أنه لا يأمر بمعروف حتى يكون أول عامل به، ولا ينهى عن منكر حتى يكون أول تارك له، وأن أفعاله تسبق أقواله، وأن المبادئ عنده ليست قابلة للمساومة، وليست خاضعة للمناورات السياسية، والمغانم النيابية التي أصبح أغلب السياسيين يلهثون وراءها.

محمد الهادي الحسني
البليدة (الجزائر)، 18 أكتوبر 1996
(2/33)

في المنفى
أو
من وحي آفلو
(1940 - 1943)
(2/35)

رسالة إلى الأستاذ أحمد توفيق المدني*
الأخ الأستاذ أحمد توفيق المدني حفظه الله،
أخي:
أعتقد أن الراحل أخي العزيز لم يكن لأحد دون أحد، بل كان كالشمس لجميع الناس، وأعتقد أن فقده لا يحزن قريبًا دون بعيد، وأن أوفر الناس حظًا من الأسى لهذا الخطب هم أعرف الناس بقيمة الفقيد وبقيمة الخسارة بفقده للعلم والإسلام، لا للجزائر وحدها.
فلهذا بعثتُ أعزيكم على فقد ذلك البحر الذي غاض، بعد أن فاض، ببقاء آثاره في الحياض، وأنهاره في الرياض، كما يعزى على مغيب الشمس بشفقها وعن ذبول غضارة الشباب ببقاء رونقها، وإن كانت التعازي تعاليل، لا تطفئ الغليل، ولكنها على كل حال تحمل بعض الروح من كبد تتلظى شجنًا، إلى كبد تتنزى حزنًا.
وظنّي في أخي أنه لو كان يعرف عنواني لكان أوّل معزٍّ لأول معزَّى.
واحسرتاه! رحم الله الراحل العزيز، جزاء ما بثّ من علم وزرع من خير، وثقف من نفوس، ولله ذلك اللّسان الجريء، وذلك الْجَنَّانُ المشعّ، وذلك الرأي الملهم، وإنّا لفقدك يا عبد الحميد لمحزونون.
أخوكم الحزين
الإبراهيمي
__________
* نشرت في كتاب "حياة كفاح" (مذكرات أحمد توفيق المدني) الجزء الثاني، [ص:337]، (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1977)، وقد أرسلت من أفلو في شهر أفريل 1940، على أثر وفاة الإمام عبد الحميد بن باديس.
(2/37)

تساؤُل نفس*
سؤال: أين- يا أخت- الحسام المنتضى … لصروف الدهر في اليوم العصيب
أين- يا أخت- الإمام المرتضى … ذو البيان الحرّ والرأي المصيب
أين؟ من أن أمحل الفكر مضى … يرحض الأمحال بالفكر الخصيب
جواب: جاءه المحتوم من صرف القضا … فقضى، لم يرض بالدنيا نصيب
سؤال: أين- يا أخت- هلال الداجيه … فارس الحلبة كشاف الكرب
كان نورًا في الليالي الساجيه … ويل قومي إن توارى أو غرب
أين- يا أخت- إمام الناجيه … وأمين الله عن مجد العرب
جواب: حُرِمتْ منه النفوس الراجيه … وتملت حظها منها الترب
سؤال: أين حامي الدين من شوب الضلال … ومجير الحقّ من إِفك الهوى
أين- يا أخت- حواري الجلال … صيقل الأذهان إكسير القوى
عاف خفض العيش في برد الظلال … وامتطى للمجد نزاع الشوى
جواب: خبر الأظعان والحي الحلال … أن نجم الدين فيهم قد هوى
سؤال: أين ليث كان بالأمس هنا … خادرًا قد ملأ الدنيا زئير
أغلبا في لبدتين ارتهنا … عن عرين الدين يرمي ويجير
ما ونى عن فرصة أو وهنا … هل رأيت المخذم العضب الطرير
جواب: هجر الغيل وأسرى موهنا … والحمى أصبح نهبًا للمغير
سؤال: أين منا اليوم- يا أخت- الرَّئِيسُ … كم به قد رفع القوم الرؤوس
ما له غاب؟ فما منه حسيس … ما له أقصر واليوم عبوس
من رمى الأمّة بالجد التعيس … وسقاها جرع الغم كؤوس
جواب: غاله من خاتل الموت دسيس … فهو قد أصبح رهنًا في الرموس
... والسلام عليكم مجتمعين على الحق ومتفرّقين في خدمة الحق.
آفلو، يوم السبت 13 رجب الفرد 1359هـ، الموافق 18 أغسطس1940م.
أخوكم المعتد بوجودكم وعطفكم
محمد البشير الإبراهيمي
__________
* ذكر هذا النصّ أحمد قصيبة في مجلة "الثقافة"، عدد 87، الجزائر، مايو- يونيو 1985.
(2/38)

رسالة إلى الأستاذ أحمد قصيبة*
بسم الله والله أكبر،
ولدنا الأستاذ أحمد بن أبي زيد يسّره الله لليسرى:
وصلتني رسالتكم الكريمة فأحمد الله لي ولكم على نِعَمه المتواترة، ونسأله التوفيق والإعانة وحسن العاقبة وتيسير الصالحات.
قد جاءت رسالتكم وأنا أكتب رسالة بالفرنسية إلى ولدنا الشاذلي ورفاقه، فسطرت فيها سلامكم عليهم.
رجاؤنا في الله قوي ولكنه رجاء الموحدين العارفين بسننه الكونية، فلا نرجو أن نحيا من غير أن نستعدّ للحياة، وإنما نرجو أن يوفّقنا الله إلى هذا الاستعداد.
أوصيكم باستكمال هذا الاستعداد الكَسْبِي من نفوسكم، وأوصيكم بأن تكونوا بررة بهذه اللغة الشريفة لتُحيوها فتَحْيوا بها، وما ذلك إلّا بالتعمّق في فقهها والاصطباغ بآدابها وحِكَمها، وسبيل ذلك كلّه المطالعة المنظّمة.
لم تأت هذه الوصية عفوًا، ولكنني أرى من مجرى الأحوال والحوادث أنّ هذه اللغة لا تزال في ليل مظلم مما تلقّاه من حرب أعدائها وجفاء أبنائها، وأنّ ميدان العراك بينها وبين الحوادث لم يزل فسيحًا، فاستعدّوا للذود عن حياضها، والنضح عن حقيقتها، وستكون العاقبة لها إن استعددتم لهذا الدفاع الجديد.
إنّ في الجوّ غبرة، يثيرها الفجرة، ولا يطفئ وهجها إلّا الأبناء البررة، وإياكم أعني، وإنّ في الأرض أحابيل منصوبة، لذوي الحقوق المغصوبة، تُنسي جميع ما سبقها من الأحابيل، والجور الوبيل، فكونوا رجال اليوم والغد، وتسلّحوا بالأخلاق الإسلامية الحقيقية، لا هذه المظاهر التي غرّنا بها الغرور، وإنّ اعتماد هذا الدّين وهذه اللّغة في هذا الطور على هذا الجيل الذي تتوسطونه، وتتولّون زعامته، فانظروا ما أنتم فاعلون.
سلامي إلى جميع الإخوان.
آفلو، في 1 شعبان المبارك 1359هـ، الموافق 4 سبتمبر 1940م.
والدك: الإبراهيمي
__________
مجلة "الثقافة"، عدد 87، الجزائر، مايو- يونيو 1985.
(2/39)

رسالة الضبّ*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حضرة الفيلسوف ولدنا الأستاذ أحمد بن أبي زيد قصيبة حفظه الله ...
وما زلت أنعتكم في رسائلي إليكم بالفيلسوف تنادرًا ومباسطة وتظرفًا، وأنا لا أجهل أنكم تنطوون على شمائل فيلسوف أو تحملون روحه بالتعبير العصري، حتى جاءت هديتكم لأحمد على يدي وهي عبارة عن ضبّ وورل محنطين بالنخالة لا بالموميا، فعاتبتكم- فيما أذكر- عتاب مغفل بما معناه:
أني شببت عن طوق هذه الأحناش، وما كان ذلك العتاب إلا عنوانًا على غفلتي في ذلك الوقت- على الأقل- ثم فاء علي عازب عقلي وضائعُ فكري، ووضعت الضبّ أمامي وتأملت خلقته مرّات في أيام، فوالذي خلق الضبّ والدب، وأنبت النجم والأبّ، فخلق النوى والحب، لقد أذكرني ضبّكم بما كنت أحفظه عما قيل في الضبّ وعلى لسانه، وما ضرب من الأمثال المتعلقة به، ما لو خلعت عليه أيام الصبا جددًا، ونفضت عليه ماء الشباب مدادًا ومددًا، لم أكن لأذكره.
فقد كان هذا الحيوان محظوظًا عند العرب دون كثير من الحيوانات الجزرية فدرسوا ظاهره وباطنه، وعرفوا طباعه فأكثروا فيه القول حتى بلغ هيامهم به، وتمنطقهم بذكره أن نحلوه بعض الخصائص الإنسانية، وزادوا فنحلوه فضيلة لا توجد في الإنسان ولا في غيره من الحيوان كما ستسمع.
__________
* وجّه الإمام هذه الرسالة إلى تلميذه الأستاذ أحمد ابن أبي زيد قصيبة في مدينة الأغواط، بعد أن أهدى هذا الأخير ضبًا محنّطًا للطفل أحمد نجل الإمام، وكان ذلك بتاريخ 11 شوال 1359هـ. (نوفمبر 1940).
(2/40)

والحق أن الضب حيوان عربي جزري، ولا تقل إنه صحراوي وأن الصحراء ليست خاصة بالعرب، فإن هذه الصحراء التي هي آية من آيات الله. في أرضه، أو هي باب الفلسفة من هذا الكتاب الأرضي لم يعمرها الله بأمة تشرّبت معانيها، وتغلغلت في دقائقها، ولاءمت روحُها روحَها مثل الأمة العربية، وسل التاريخ ينبئك، فهو لم يعرف أمة خلعت عليها الصحراء فطرتها وأفرغت عليها إفراغًا سابغًا غير الأمة العربية.
ومن ههنا جاشت نفوس العرب وتفتقت قرائحهم عن روائع الفلسفة الوصفية للصحراء وأرضها وسمائها وليلها ونهارها وأغوارها وأنجادها وبراريها القاحلة وشجراتها ومعايشها وقيظها وصرّها وحيوانها ونباتها، وليس لأمة من الأمم ما للعرب في وصف النجوم حتى قربتها تشبيهاتهم إلى الإدراك البشري، واعتبر ما قالوه في سهيل والجوزاء والسماكين الأعزل والرامح والثريا والخضيب والدبران والنسرين الواقع والطائر على كثرة النجوم وكثرة ما قالوه فيها، وإذا كانت النجوم لا تحصى عدًا، فقل ذلك فيما قالته العرب فيها. ومن بدائع تشبيهاتهم في النجوم أخذ المعري تلك المنازع الغريبة وتلك النظرات الفلسفية البعيدة الغور المنبثة في لزومياته، وهي باب على حدة من فلسفته الكونية وما نبع ذلك الزلال ونبغ ذلك السحر الحلال إلا مما تركه العرب من تشبيهاتهم لها وتخيلاتهم فيها. وانظر أوصافهم البديعة لظلمة الليل وروعته وأثرها في نفوسهم وقارن ذلك بوصفهم للنجوم ينكشف لك بعض السر من تلك النفوس وارتباطها بكونها وامتزاجها به، ولا أبعد إذا قلت إنه ليس للأمم مجتمعة ما للعرب في هذا الباب.
وليس لأمة من الأمم ما لهم في وصف الحيوانات الضارية، وأن أمم الحضارة على وفرة أدواتها لم تدرس الضواري إلا بعد أن دجّنتها، وفاتهم أن التدجين يذهب بكثير من الخصائص الطبيعية لها فيفوت بذلك على الدارس كثير من النتائج، واعتبر ذلك بِتدجيننا- ونحن بشر- كيف اغتال خصائصنا ومقوّماتنا، ومسخ معنوياتنا حتى أصبحنا أحط من بعض أنواع الحيوان. أما العرب فخالطوا الضواري في أغيالها واقتحموا مآسد خفان والثرية وترج وغيرها وذللت أرضها أقدامهم، ومنهم من عايش الضواري حتى ألفها وألفته وجمع بينهما عالم كعالم المثال عند الصوفية، فلطفت في السبع سورة السبعية وشرتها وامتدت في العربي الميزة الحيوانية، وتقاربت الغرائز في الجو الحيواني الوسط فصدق الوصف وحق التصوير. ولو لم يكن العربي أميًا وكان ممن يدرس الأشياء على المناهج العلمية، لأتى العالم بالمعجزات.
وليس لأمة من الأمم ما للعرب في وصف الحشرات والزواحف والإلمام بطبائعها ووجوه تصرفاتها وسعيها في معائشها وتناسلها ودراسة ما بينها من امتزاج وتنافر، وصف عن عيان ودراسة في الجو الطبيعي.
(2/41)

وليس لأحد ما لهم في وصف النبات والشجر، وتحليل مكاسرها بالعجم والغمز، وتحقيق طعومها وخصائصها وتقسيم أنواعها وتسمية مفرداتها من شَثّ وطباق وآء وتنوم وثمام وشيح وقيصوم ثم غرب وشويط ونبع وسراء ومرخ وعفار، إلى غير ذلك مما بلغوا في تصويره في أشعارهم درجة تقرب من تصويره بالألوان، وقد اضطرّ رواة اللغة ونقلتها في عهد التدوين إلى إفراد هذا النوع- وهو النبات والشجر- خاصة بالتأليف، فلأبي عبيدة والأصمعي ولأبي حاتم والنضر بن شميل ولكراع النمل ولأبي زيد الأنصاري ولكثير غيرهم كتب خصّوها وسمّوها باسم النبات والشجر.
ولإمام هذا النوع أبي حنيفة الدينوري كتاب "النبات"، وهو البحر الذي لا ساحل له، وهو مفخرة اللغة العربية بلا منازع، وهو الكنز الذي لم يرزأنا الدهر بأنفس منه ولا أثمن، ولا أغلى، وان مصيبتنا به لتفوق مصائبنا في الأعلاق الثمينة، وإن خسارتنا له لخسارة يعز عنها العوض، لولا سلوة بتلك الشذرات التي ينقلها عنه أصحاب المعاجم مباشرة أو بواسطة، وان هذه الكتب الخاصة بالنبات والشجر لبرهان مستقل قائم على مقدار اتساع هذه اللغة الشريفة وإحاطتها، ودليل من جهة أخرى على فضلها على المعارف البشرية وجواب مسكت للذين يهرفون بتنقص هذه اللغة ويرمونها بضيق العطن والقصور عن استيعاب المعارف، وتوبيخ مر لزعنفة من أبناء العرب العاقين الذين يلوون ألسنتهم بمثل هذا الكلام ويشايعون لجهلهم وفسولة أخلاقهم وانحراف أمزجتهم العربية، أعداءها على ذمها والزراية بها والتقليل من خطرها، وأنا لا أرى دواء لهذه الزعنفة التي ضلّت عن جهل إلا الاحتقار فما بفقدهم ينقص عديد العرب، ولا برطانتهم يقل شأن العربية ويخف وزنها.
وانهم عندي لأهل للرحمة بما جهلوا، لا للحسد على ما علموا، ولو علموا أو حفظوا فصلاً واحدًا مما وضعته العرب لجماعات الحيوان وطوائفه، كالأجل والرجل والسرب والعانة والقطيع إلى آخر هذا النوع أو لأصواتها- وما أكثرها- لأشرفوا على بحر لجي يجدون عنده رطانتهم ضحضاحًا غمرًا، لا يغمر كعب إنسان، ولو علموا أن العرب تقول: خطيب وَعُوع فيكون مدحًا، وخطيب وعواع فيكون ذمًا، ولهم في كل كلمة مرمى من الاشتقاق مصيب، لو علموا ذلك ونحوه من أسرار الاشتقاق، وهو باب من أبواب وفصل من كتاب وقزعة من سحاب، لأقلعوا عن غيّهم وكفّوا من غلوائهم، ولكنه الجهل يعمي ويصمي.
واذا أردت أن تفهم بعض السر في خصيصة العرب في الوصف، فاعلم أنّ الصحراء لبستهم- ولبسوها- حتى أصبحت حياتهم جزءًا منها فأورثتهم ملكة التأمّل، ولو سمّيناها ملكة الحواس لكان هذا هو الصحيح ومنها جاءتهم دقة الحسّ ولطافة الشعور وصدق التصوير، ولا نشترط على التاريخ أن يأتينا بأمة أمية من أممه يطاول بها أمة العرب في هذا
(2/42)

الباب، بل نتنازل وندعوه لأن يأتينا بأمة من أمم الحضارة تستطيع أن تقف بجانب العرب في هذا الميدان.

((فصل))
ونعود إلى الحديث عن الضبّ، فأنا أعترف أني ما حققت معنى المثل العربي المشمهور "أعقد من ذنب الضبّ" إلا بعد دراستي لضبّكم، وأن هذا المثل لأشهر من "قفا نبك ... " وانه لممضوغ بكل لسان، ممجوج على سن كل قلم، تقرأه في كل صحيفة وفي كل كتاب، وما أكثر العقد- والتعقيدات- في زماننا التي يحسن ضرب هذا المثل لها، ولو أن الذين يضربون هذا المثل تقليدًا واتّباعًا رأوا الضبّ ورأوا ذنبه وتحسّسوا تلك العقد الشائكة في ذنبه، لكان تمثلهم أوقع في نفوسهم ولكانت نفوسهم أشدّ تأثّرًا به، وعلى مقدار التأثر يكون التأثير، ولعلموا مع ذلك إصابة العرب في مواقع التمثيل ومراميهم في مضارب الأمثال، وأن في المخلوقات أشياء كثيرة ذات عجر أو عقد أو أبن، ولكن العرب آثروا الضبّ في التمثيل لأنه حيوان صغير مسالم ليّن المجسّة كليل الظفر إلّا عن حفر الكدى ليتّقي لا ليتّقى، ومع هذه الصفات الرخوة فذنبه معقّد ذاك التعقيد العجيب، وهو شائك، وهو لحامله شكة وحامله منه شاكي السلاح، وقد حكى لي بعض من رآه يضرب به الأفعى حتى يقتلها.
وقد أكثرت العرب من ضرب الأمثال بهذه الزواحف والحشرات الحقيرة، فكان ذلك تنويهًا بشأنها وتنبيهًا للمتوسمين والباحثين في مخلوقات الله ليزداد المؤمن إيمانًا بالخالق ويزداد المتفقّه فقهًا في حقائقها، ويزداد الباحث توسّعًا في المعرفة، والمعرفة ميزة هذا الجنس.
وقد قالوا ضلّ دريص نفقه، وهو تصغير درص اسم لجرو الفار، وقالوا: "تخلصت قائبة من قوب" للفرخ من البيضة، وهذا باب واسع في أمثالهم يقبح بالمتأدبين من ناشئتنا أن لا يجعلوا له حظًا من حفظهم وبحثهم، وأنا فقد رأيت الضبّ سلوخًا ومطبوخًا- وإن لم آكل لحمه- عند البدو في نجد الغربية مما يلي المدينة المنورة، ورأيته عند دافة من أعراب الحجاز دفت على المدينة في عام ممحل فما أثارت رؤيته في نفسي إلا ذكرى أنه عرض على مائدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع يده فقيل له: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: «لا أحرم ما أحلّ الله، ولكنه ليس بأرض قومي- وإن نفسي لتعافه-» وفي هذا الجواب روايات، وان خالد بن الوليد حين سمع هذا الجواب تناوله من بين يدي رسول الله فأكله، ويؤخذ من جوابه - صلى الله عليه وسلم -، أن الضبّ غير موجود بمكة في زمنه، ولم أوفق إلى سؤال أهل مكة عنه في زمننا هذا، ولو سألت لكان زيادة في العلم واليقين، لأن الحديث ظني، وان تعددت طرقه واشتهر بإخراج الصحاح له.
(2/43)

وهذا التقصير الذي شاهدته وشهدت به على نفسي ناشئ عن قصور في ملكة التأمّل والبحث إذ ذاك، لأنها كانت مزاحمة بالأبحاث الدينية، وان رواية هذا الحديث في مجالس الرواية لا تثير في النفس أكثر من الاهتمام بحكم أكل لحمه شرعًا، وهو اهتمام له حظ واعتبار في موضوعه وجوّه الخاص، ولكن المثال البارد الفج "الصامط" (1) الذي لا يثير في النفس اهتمامًا بل يثير فيها اغتمامًا هو المثال الذي تعلّمناه من كتب النحو، وهو قولهم: " ... هذا جحر ضب خرب" يمثلون به للجر بالمجاورة أو بالتوهّم لا أدري، وانما الذي أدريه هو أن هذا النوع من الجر مسموع عن العرب، وهو من شذوذاتهم اللغوية وانحرافاتهم عن مقاييس لغتهم، وهو مقبول منهم لكنه مقصور على ما سمع منهم، فلا يسوغ لنا نحن طرده من كلامنا حتى لا نفسد اللغة على أنفسنا بهدم القواعد الصحيحة والجري على غير منهاج، ولهذه الشذوذات في العربية فلسفة خاصة لم يشبعنا أحد بالحديث عنها حتى الآن، ولو وجدت متسعًا من الوقت لكتبت فيها ما يصحّ أن يكون نواة في الموضوع، إذا تعاهده الباحثون أصبح شجرة ذات أكل شهي. ولفيلسوف هذا الفن أبي الفتح عثمان بن جني جمل متفرقة في هذا الموضوع لكنها تنطوي على نظرات سديدة وتدلّ على انفساح ذرع الرجل في هذا العلم، وإذا كان هذا النوع من الجر مسموعًا موقوفًا على السماع فلست على ثقة من أن مثال النحاة مسموع من العرب وإنما هو مثال سوقي انتحلوه، ثم قلّد آخرهم أولهم فيه على عاداتهم، وهل يصحّ لهم أن يمثلوا لمسألة سماعية بمثال مصنوع؟ لا. ودليلي على أن المثال مصنوع أمران:

ـ[الأول]ـ: أن نطق العرب لا يساعد على ما ادّعاه النحاة فيه، لأن كلمة خرب التي يدّعي النحاة جرّها جاءت مقطعًا في الجملة لم تعقبها كلمة أخرى، فإذا نطق بها عربي نطق بها ساكنة الآخر بلا شك، فمن أين يظهر الجر الذي ادّعوه فيها؟ ووددت لو ذاكرت بعض نحاة العصر المفتونين بالمباحث اللفظية العقيمة في هذا التوجيه لأسمع رأيهم، وما عسى أن يأتوا به من حجج فارغة، وكم في كلام الفارغين من تسلية للهم وتزجية للوقت وترويح للخواطر المكدودة بشرط أن يكون السّامع موفور الحظ من الصبر.

ـ[والثاني]ـ: أن معنى المثال على برودته وجفافه لا يتفق مع ما يعرف العرب عن الضبّ من أنه لا يحفر جحره إلا في الكدى (جمع كدية) وهي جبيل صلب الأرض متماسك التراب، ولذلك يضيفونه إليها كثيرًا فيقولون: ضب الكدية، وضب الكدى، يستعملون هذا كثيرًا في كلامهم، وفي مقصورة ابن دريد، بيت مختومة بضب الكدى ولا أذكرها الآن وليس عندي ما أراجعها فيه، وقد قال الشاعر:
__________
1) كلمة عامية معناها ثقيل الظل.
(2/44)

سقى الله أرضًا يعلم الضبّ أنها … بعيد عن الأدواء طيّبة البقل
بنى بيته فيه على رأس كدية … وكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل
فقد وصف هذه الأرض التي اختارها الضبّ لسكناه، بأن الضبّ- وهو الاختصاصي في هذه الهندسة- كأنه يعلم أنها بعيدة من الآفات، وأكبر الآفات في نظر الضبّ السقوط والانهيار والخراب.
وقال الشاعر الآخر فزاد المعنى المراد توضيحًا، وهو يتحدث عن الضبّ:
ويحفر في الكدى خوف انهيار … ويجعل بيته رأس الوجين
والوجين: هو الأرض الصلبة الغليظة، ومن هذه الكلمة جاء قولهم: رجل موجّن، قوي عظام الأضلاع والصدر. ومنها ميجنة الثياب، آلة تدق بها، ومنها جلد موجّن: مضروب بعد الدبغ حتى تتداخل أجزاؤه وتلطف فيلين مع القوة. فهذا البيت شاهد على أنه "ليس جحر ضب خربًا"، ولهذه الخاصية في اختيار الضبّ للكدى، تصفه العرب بصفة ملازمة فيقولون "ضب دامي الأظافير" جمع أظفور. قال الشاعر:
تَرَى الشرّ قد أفنى دوائر وجهه … كضبّ الكُدَى أفنى أنامِلَه الحَفْرُ
ومن تهكّمات المعري وهمزاته، أن صاحبه أبا القاسم المغربي المشهور في علم التاريخ والأدب بالوزير المغربي، اختصر في حداثة سنّه كتاب "إصلاح المنطق" ليعقوب ابن السكيت، وأهدى منه نسخة إلى صفيّه المعرّي، وكانت بينهما أسباب متينة العرى، فكتب له المعرّي جواب الإهداء رسالة من أبدع رسائله، وفيها نقد لكتاب ابن السكيت على طريقة المعرّي الغريبة في سخريته العجيبة يقول فيها، إن لم تخني الذاكرة.
"وقد أكثر يعقوب من الاجتهاد، في إقامة الأشهاد- يعني الشواهد- حتى ذكر رجز الضبّ وانّ مَعَدًّا من ذلك لجِدُّ مُغْضَب، أعَلَى فصاحَتِهِ يُسْتَعانُ بالقَرْض، ويُسْتَشْهَدُ بأحناش الأرض، ما رُؤبَةُ عنده في نفير، فما قَوْلُكَ في ضبّ دامي الأظافير ... ".
وهذه الرسالة الرائعة مطبوعة مصحّحة فيما طبع "كامل كيلاني" مع رسالة الغفران، فإن كانت عندك فراجعها، فلعلّ الحافظة لم تضبط ألفاظها، ومحل الشاهد فيها لموضوعنا وصفه الضب بما كانت تصفه العرب من أنه "دامي الأظافير" ولا سبب لذلك إلا حفره لجحره في الكدى الصلبة، وهذه كلها دلائل على فساد مثال النحاة إعرابًا ومعنًى. ولا ننكر أن بعض جحر الضِّباب تخرب، وقد خربت مدائن الرومان والفراعنة فضلًا عن جحور الضباب، ولكنه
(2/45)

بارد جاف متخاذل خاذل لحافظه، إذ يوهمه خلاف الواقع، ومنه ومن أمثاله خذل المتأدبون بكتب النحو الذين قعدت بهم همّتهم عن التأدب بلغة العرب من شعرهم وخطبهم، ولم يحصل واحد منهم ملكة صحيحة في هذه اللغة ولا ذوقًا صحيحًا في أدبها، والواجب في الأمثال أن تكون جملًا حكيمة ذات معان مستقيمة وألفاظ قويمة حتى يحصل الحافظ لها فائدتين: الحكم اللفظي والمعنى الذي يترك أثرًا في النفس، ومن مجموع هذه الأمثلة يتكوّن الأدب والأديب. وقد نعى ابن خلدون في زمنه هذا الذي نعيناه وانتقد من مزاولي النحو ما انتقدناه- وهو لعمري- نقد صريح ما عليه غبار.
وانظر قولهم "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" كيف لعب به الزمن وتعاوره الاستعمال حتى أصبح ما ليس بصحيح فيه صحيحًا وأصبح قاعدة طبية، وما هو من الطب ولا قاله طبيب ولا هو بصحيح في الواقع والتجربة ولا بمُطّرِدٍ ضرره على فرض وقوع ضرر منه في جميع الأمزجة، وقد استعمله النحاة مثالًا لحكم لفظي فأدّوا مرادهم به على أكمل وجه، ولكن لما لم يكن معناه صحيحًا أوقع أممًا وأجيالًا في الخطأ، فحفظه الناس ونقلوه من الاحتجاج به على حكم أعرابي إلى الاستشهاد به على حكم حيوي، وأصبح الناس يتحامون الجمع بين اللبن والحوت عن عقيدة قرّرها في نفوسهم هذا المثال، وإذا كانت في المِعَدِ معدة ضعيفة تتأثر من الجمع بين غداءين، فمحال أن تكون حجة على معد بني آدم في علم أو عالم الكروش.
أما أنا وحياتك- كما يقول الزاهري- فإنني ما رأيت أصلح لمعدتي من الجمع بين السمك واللبن والفضل لهذه الطبيعة التي لا تقلد في السفاسف.

((فصل))
ورجز الضبّ الذي أشار إليه المعرّي وانتقد على ابن السكيت الاحتجاج به أصله مزعم من مزاعم العرب التي لا حقيقة لها، إذ زعموا أن الحيوانات كانت كلها تتكلّم ونحلوا بعضها كلمات وجملًا وأبياتًا من الشعر، وليس وضعهم لما وضعوا من هذا من ذلك النوع المعروف عند جميع الأمم، وهو وضعهم أشياء على ألسنة الحيوانات إيغالًا في الحكمة وتطرقًا لتربية النفوس البشرية وسوقها لفضيلة أو صدّها عن رذيلة، فإن هذا النوع من الأدب السامي هو نمط من التربية الصالحة كما في كتاب "كليلة ودمنة"، ولكن العرب كانوا يعتقدون هذا اعتقادًا، وإن لم يكن عامًا فيهم. وفي شعر أمية بن أبي الصلت المتأله بيت في تقرير هذا المعنى، ولم أتذكر الآن ألفاظ هذا البيت، وقد سمعت من العوام وشاهدت من يعتقد هذه العقيدة.
(2/46)

ومن فروع هذا المزعم عند العرب أنهم زعموا أن السمكة قالت للضب: وردًا يا ضب. فقال الضب:
أصبح قلبي صَردَا … لا يشتهي أن يَرِدَا
إلا عَرادًا عرِدَا … وصِلِيّانًا بَرِدَا
فهذا هو رجز الضب وهو مبني على اعتبار صحيح، وهو أن الضب لا يشرب الماء، ولعلّه يكتفي عنه برطوبة الهواء الذي يستنشقه والعشب الذي يأكله، كما قالوا في الظباء التي تجتزي عن الماء بما تأكله من حشيش رطب، ولذلك سمّى العرب هذه الظباء جوازي واحدتها جازية. ولهذه الكلمة ذكر مستفيض في كلامهم، وبها سمّيت الجازية المرأة التي بنيت عليها قصة بني هلال أو بطلة الرواية.

((فصل))
ومن مزاعم العرب في الضب أنه أول من دلّ على نفسه، إذ كانت الحيوانات كلّها تتكلّم، فزعموا أن صائدًا مرّ بوادٍ فيه ضب فلم يتوجّه إلى صيده، فخاطبه الضب بقوله: انك لو ذقت الكُشى بالأكباد .. لما تركت الضب يعدو بالواد: والكشى جمع كشية وهي شحمة مستطيلة في الضب يقول آكله إنه لا ألذ منها، ومعنى قوله- لو ذقت الكشى بالأكباد- لو أكلتها ملفوفة بالأكباد أو ممزوجة بها فهو- زيادة عن كونه دلّ على نفسه- أرشد إلى كيفية ونوع من أنواع الملفوف- وتذكّرنا كلمة الكشى بكلمة للزمخشري من كَلِمَهِ النوافي وهي: ما الأعراب بالكشا- أولع من القضاة بالرشا. وأنا أرى أنّ دعوى العرب لدلالة الضب على نفسه أو تزيينه للناس أكله بطيب شحمه، أرى هذه الدعوى ترجمة غامضة لحقيقة كونية تكلّم عنها الحكماء الباحثون في أسرار الكون والمستشرفون لحكمة الخالق في مخلوقاته، وهي أن الحكمة العليا في ألوان الفواكه الزاهية ذات التّلاوين والتهاويل كالخوخ والإجاص والتفّاح وغيرها في مقاديرها وأشكالها هي الدعاية إلى أكلها بمجرّد النظر إليها من الإنسان والحيوان، فإن الرؤية بالعين تسبق الذوق باللسان وتبين الطعم واللذاذة. فتلك الألوان والأشكال هي دعايات تستهوي من فيه قابلية الأكل وتدعوه إلى التجربة، فإذا تمّت التجربة صارت عادة في العقلاء وغريزة فيمن سواهم، ولولا هذه الدعاوى المستهوية في الألوان والتهاويل لما أقدم عاقل ولا غيره على تجربة شيء لم يعرفه لاحتمال أن يكون فيه داؤه لا غذاؤه، والحي إذا عرض له خيال الموت ذابت كل الاعتبارات في نفسه، ويعد هؤلاء العلماء والحكماء وجود هذا المعنى في الفواكه بمثابة المحافظة على بقاء نوعها وتسلسل نسلها، وهي السنة المعروفة في عالم الحيوان بنظام التوالد النوعي والتلاقح
(2/47)

الجنسي، فلو فرضنا وجود تينة واحدة في العالم في بقعة لا يوجد بها آدمي لكان من المترتب على هذا الفرض انقراض صنف التين بعد موت تلك الشجرة، ولكن تلك التينة قد أودعت فيها الحكمة ما يحفظ بقاءها النوعي بعد فنائها الشخصي، وذلك أن ألوان ثمرها تستهوي الطيور إلى أكلها ثم تزرع بذورها التي تخرج مع الفضلات في الصخور أو الأودية، فتنبت منها شجيرات صغيرة ثم تنمو وتثمر دواليك، وقل مثل ذلك في النخلة وغيرها. وكم رأينا في شقوق الصخور الشاهقة- حيث لا تصل يد إنسان- أشجارًا من التين عظمت حتى صارت دوحًا وما نبتت إلا من البذور الخارجة مع رجيع الطيور.
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون قومنا العرب أدركوا ذروا من هذه الحكمة- وليس ذلك بعجيب منهم- فجعلوا دلالة الضب على نفسه تعبيرًا بلسان الحال عن هذه الحكمة، ولا شك أن الآكل الأول للضب ما أكله إلا بعد أن استهواه شيء فيه من سماته الظاهرة كالكشية، وكم لله من سر خفي!

((فصل))
وكما يستطيب العرب لحم الضبّ حتى صار لهم أثرًا وخبرًا، كانوا يستطيبون أكل بيضه ويسمّى في لغتهم "المكن".
يقول المتنبي في وصف قوم من الأعراب:
خُرَّابِ بَادِيَةٍ غَرْثَى بُطُونُهُمُ … مَكْنُ الضِّبَابِ لَهُمْ زَادٌ بِلَا ثَمَنِ.
والمتنبي ممن يحسن التبدي والتعاريب، ويحسن وصف البدو مدحًا أو ذمًا، وهذا البيت من هذا الطراز.
وقال شاعر آخر، وأظنّه إسلامي يتعارب، ولست أتذكر اسمه الآن:
أكلت الضباب فما عفتها … واني لأهوى لحوم الغنمْ
وركّبت زبدا على تمرة … فنعم الطعام ونعم الأدم
وقد نلت ذاك كما نلتم … فلم أرَ فيها كضبّ هرم
وما في البيوض كبيض الدَّجَا … جِ وبَيْضُ الجراد شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العُرَيْبِ … ولا تشتهيه نفوس العجم
وكيف لا يستطيب لحم الضباب ومكن الضباب من يقول شاعرهم، وهو عروة بن الورد:
عشية رحنا سائرين وزادنا … بقية لحم من جَزورٍ مُمَلَّحِ
(2/48)

إننا نعرف العرب ونعرف أنهم قوم يزنون الحياة بغير ما تزنها به أمم البطون والفروج، وموازينهم في الحياة تدور على قطب واحد وهو المحمدة والذكر الحسن، وفي ذلك يقول أولهم- وما هو بالأول في هذا الباب- وهو يخاطب زوجته:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له … أكيلًا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقًا أو جار بيت فإنني … أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
ويقول آخرهم، وما هو بالآخر في هذا الباب:
وإنما المرء حديث بعده … فكن حديثًا حسنًا لمن وعى

((فصل))
وتضرب العرب المثل بالضب في عدة غرائز، فيضربون به المثل في الحيرة فيقولون:
أحير من ضب، ويزعمون- وهم أعرف الناس به- أنه إذا بَعُدَ عن جحره خبل ولم يهتد إليه على خلاف المعهود في أمثاله من سكّان الأجحار، وهو على خلاف المعهود في الطيور ذوات الأوكار، ويضربون به المثل في العقوق فيقال: "أعق من ضب"، ويفسّرون عقوقه بأنه يأكل حُسُولَهُ، جمع حِسْل وهي جراؤه الصغار وهو لَحِمٌ ونباتي معًا، واللحم هو الذي يأكل اللحم وجمع على لواحم. يقولون لا آتيك سِنَّ الحسل يعنون التأبيد إذ يزعمون أن الحسل لا تسقط له سن.

((فصل))
ويزعمون أن الضب له نزكان، أي ذكران واحدهما نزك، ويعدون هذا من فضائله وخصائصه، وكثيرًا ما فكرت في هذا الزعم، ما يصنع بالنزكين؟ أَيَكُوم بهما معًا في آن واحد؟ ويلزم من هذا أن يكون لأنثاه فرجان، أم يستعمل أحدهما حتى إذا كَلّ وفتر استعمل الآخر؟ كما يستعمل البطل سيفين على التعاقب احتياطًا لكلال أحدهما أو انثلامه، وإذا كان حقًا ما يقولون فلا نشكّ أن الخالق لم يخلقهما عبثًا، ولم أزل في ريب حتى قرأت حكاية عامل لخالد القسري، أهدى إليه في يوم نيروز سلة مملوءة ضبابًا وكتب معها أبياتًا في وصفها منها قوله:
ترى كل ذيّال إذا الشمس عارضت … سما بين عرسيه سمو المخايل
حِسْلٌ له نزكان كانا فضيلة … على كل حافٍ في البلاد وناعل
فوقعت في جرة أخرى من قوله: سما بين عرسيه لما يفهم منه أن له زوجتين، ولعلّ من خصائصه- ما دام محلًا للخصائص- أنه خلق بنزكين لِيَكومَ كل عرس بنزك،
(2/49)

ويكون اختصاصه بالنزكين مرتبطًا باختصاصه بالعرسين، وزاد في الحيرة أن في غيره من الحيوان بما فيه الإنسان من له أكثر من عرس، وذكر الحمام والدجاج يسافد العشرات من إناثها، وليس لجميعها إلا نزك أو ذكر واحد، وما دمنا لم نجرّب ولم ندرس دراسة استقراء. فلنقل ما قالته العرب إنها خصوصية أو فضيلة، ومن أحبّ شيئًا نحله ما شاء من الكمالات، ثم قرأت في بعضِ كتب اللغة: أن ذكر الضب يسمّى نزكًا، وأن لكل ضبّ نزكين وأن فرج أنثاه يسمّى قُرْنة، ولأنثى الضب قرنتان، فإن صحّ هذا ظهرت الحكمة في النزكين.

((فصل))
ولما ذكرناه من علاقة العرب بالضبّ سمّوا به على عاداتهم في التسمية بالأشجار والنبات والأحجار والحيوان، ولهذه الأسماء العربية المنقولة من أسماء الجماد والنبات والحيوان فلسفة خاصة كنت أمليت فيها دروسًا عديدة على تلامذة دار الحديث بتلمسان في 1357هـ، وكتبها عنّي التلاميذ وجعلتُها مقدّمة لدرس أنساب العرب، وقد سئل بعض العرب، ما لكم تسمّون أبناءكم بأسماء قبيحة جافية، وتسمّون عبيدكم بأسماء حسنة كسرور ورباح؟ فأجاب العربي: إننا نسمّي عبيدنا لأنفسنا، أما أبناؤنا فهم لعدوّنا. يعني أن العبيد للخدمة والمهن المنزلية أو للقيام على الماشية، وكلها سلم واطمئنان، فكان المناسب هذه الأسماء المفرحة التي تجري مجرى الفأل.
وأما الأبناء فمرمى العرب من كثرة النسل الاعتزاز بهم والاعتماد عليهم في الغارات والانتصاف من الأعداء، وأليق الأسماء بهذه المواقف: "جندل" و "نهشل" و "صخر" و "ليث" و "فهد" و "عوسجة" و "حرب" لأنها تثير في نفوس الأعداء خيالات من معانيها، ومن الغريب أن العرب لم تُسَمِّ ضبًّا بلفظ المذكّر إلا قليلًا، وأغلب ما سمّت به ضبة بلفظ المؤنث وهو علم على عدة قبائل يطلقون عليها الضباب.
ومن أشهر من تسمّى بهذا الاسم ضبة بن أذ بن طابخة وهي قبيلة مشهورة يعدّها النسّابون الجمرة الثالثة من جمرات العرب، وجمرات العرب هي قبائل استقلّت ولم تحالف غيرها لعزّها ومنعتها، ولفظها مأخوذ من التجمّر، وهو التجمّع، وهذه الجمرات هي نمير بن عامر وضبة بن أدّ والحارث بن كعب، ويقول علماء النسب إن الجمرتين الأخيرتين انطفأتا بالمحالفة لأن ضبة بن أد حالفت الرباب والحارث بن كعب حالفت مذحج، وبقيت نمير بن عامر جمرة متّقدة لم تحالف أحدًا إلى أن جاء الإسلام، وكما تسمّى هذه القبائل جمرات تسمّى جمارًا.
(2/50)

يقول الفرزدق: خطرت ورائي دارمي وجماري. ونسيت الشطر الأول. ومما يطربني من كلام الشعراء في ذكر الجمرة والجمار قول مهيار الديلمي تلميذ الشريف الرضي في إحدى قصائده:
يا ابنة (الجمرة) من (ذي يزن) … في الصميم العِدِّ والبيت الرحيب
وبا بني: إن مما آسف عليه أسفًا لا ينقضي، ضياع هذا العلم من بيننا، علم أنساب العرب وأيام العرب وأمثال العرب، وإنها لكنوز من المعارف وأجزاء كاملة من التاريخ والأدب ومحال أن يزدهر الأدب العربي ويؤثر آثاره المرغوبة في ناشئتنا إلا إذا استكمل الأدباء هذه الأجزاء المفقودة.
وعلى ذكر اختيار العرب في التسمية ضبّة دون ضب، أذكركم بكلام كنت قرأته لبعض علماء اللغة المتبحّرين في فهم أسرارها، وهو أن العرب يلحقون تاء التأنيث بصفات المذكّر كثيرًا كـ"علامة" و"فهامة" و"تكلامة " و"تلقامة" و"رحلة " و"هزأة"، وهي كثيرة في كلامهم، قال: وهم يرون فيما هو منها مدح إلى معنى الداهية، وفيما هو منها ذم إلى معنى البهيمة العجماء، وهو كلام فقيه في العربية محيط بأسرارها ومقاصد واضعيها وخلجات نفوسهم، وأظن أن صاحب هذه النظرية هو ابن الأعرابي أحد فقهاء اللغة المبرزين، ولا أقطع بذلك.

((فصل))
وقد جرى في هذه الرسالة ذكر الوزير المغربي، وهو رجل يقبح بمتأدب أن يجهله، وهو رجل غريب الأطوار بعيد الهمة عجز المؤرّخون أن يحلّلوا سيرته تحليلًا صحيحًا، ولم يقل لنا التاريخ إلا أنه مغربي، كان أبوه من رجال الدولة الفاطمية بمصر ومن دعائمها وخواصّها، ثم قتله الخليفة الحاكم بأمر الله وهرب ولده هذا إلى القدس وأثارها شعواء على الحاكم بدهائه وكيده، ثم تقلبت به الأحوال ودخل بغداد فأقام الخلافة العبّاسية وأقعدها خوفًا منه وتقلب فيها في عدة ولايات من كتابة ووزارة لبعض ملوك الطوائف فيها، ولا نشكّ في أن أصله من القيروان أو من هذه النواحي، ودخل أسلافه في ركاب الخلفاء الفاطميين إلى مصر حين فتحوها، وكان شعلة ذكاء وحفظ للآداب وأصناف المعارف، واجتمع بالمعرّي وهو صغير بحلب، فانعقدت بينهما ألفة متينة تستشفّ مما تراسلا به بعد الفراق، وحسبك شهادة المعرّي دليلًا على مكانته في العلم والأدب، وقد غمض الكثير من تاريخه وتاريخ أوليته بغموض تاريخ الفاطميين. وكثيرًا ما أذكر هذا الرجل فأذكر بذكره أبا علي الملياني، أحد كتّاب الدولة المرينية وأصله من مليانة، فقد كان يشبه الوزير المغربي في الطموح إلى العلا وفي الاستبداد وركوب العظائم، نوّه به ابن الخطيب في كثير من كتبه ووصفه في كتابه
(2/51)

"التاج المحلى" بقوله: الكاتب الباتك والصارم الفاتك، ثم ذكر من أفعاله الدالّة على بعد همّته مكيدة كادها لبعض أعدائه، وفتكة فتكها بهم ظهر فيها دهاؤه وإقدامه، واشتهر بها تاريخ حياته وقال في آخر الترجمة:
وتركها شنعاء على الأيام وعارًا في الأقاليم على حَمَلَة الأقلام.
هذا ما جرى به القلم مما جر إليه ذكر الضبّ الذي أهديتموه لولدي الصغير، فأحسنتم بذلك إلى شيخ كبير، فقد تذكّر بسببكم بعض ما كان ناسيًا، وأبى إلا أن يشكر إحسانكم بكتابة هذا القدر إليكم عسى أن تستفيدوا منه فائدة، فيكون جزاء على تسبّبكم في الخير، ولو كان هذا لِحَدَثانِ في المطالعات الواسعة أو في وقت الحداثة وامتلاء الحافظة، لكانت هذه الرسالة مزاحمة لرسائل القدماء في الإحاطة وجمع الأطراف.
ولكن عذري عندكم وعند من يطّلع على هذه الرسالة فيجد فيها قصورًا أو وضعًا لبعض الأسماء في غير موضعها أنني أمليتها في ليلة، وما أملاها إلا فكر كليل عن حافظة مختلّة نسيت أكثر ما وعت وضيّعت كثيرًا مما استودعت، مع اضطراب الحال واشتغال البال، وعسى أن تكون هذه الرسالة تذكرة بالحال الذي كتبت فيه والبلدة التي صدرت عنها والزمان الذي أنشئت فيه؟
(2/52)

مقامة في رثاء الإمام ابن باديس

مناجاة مبتورة لدواعي الضّرورة*
تقديم محمد الغسيري
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الوفاء قليل في البشر، وأوفى الأوفياء من يفي للأموات، لأن النسيان غالبًا ما يباعد بين الأحياء وبينهم، فيغمطون حقوقهم، ويجحدون فضائلهم.
وما رأينا في حياتنا رفيقين جمع بينهما العلمُ والعمل في الحياة، وجمع بينهما الوفاء حين استأثر الموت بأحدهما، مثلما رأينا إمامي النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، رحمَ الله الميت، ومدّ في عمر الحي حتى يحقق للجزائر أمنيتها.
من أعلى ما امتاز به أستاذنا الجليل، ورئيسنا الأكبر، محمد البشير الإبراهيمي من شرف الخلال (نكرانُ الذات) فهو لا يزال يعمل الأعمال التي تعجز عنها الجماعات وتنوءُ بها العصَب، وهو مع ذلك لا ينسب الفضل إلا لإخوانه ورفقائه الأموات والأحياء.
يصرّح بذلك في خطبه الدينية، ومحاضراته الجامعة، ويقول: إن كل فضل في هذه الحركة العلمية النامية يرجع إلى جمعية العلماء، وإنه لولا جمعية العلماء لما كان هو. ونحن أبناؤه نشهد، وإخوانه يشهدون أنه لولا علمه ولسانه وصبره وتأثيره الذي يشبه السحر، لما كانت جمعية العلماء، ولولا براعته في التصريف والتسيير لما سار لجمعية العلماء شراع في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن.
...

مات ابنُ باديس، في حين كان رفيقه، في الجهاد وقسيمه في العلم والعمل محمد البشير الإبراهيمي منفيًّا في قرية "آفلو" من الجنوب الوهراني، بحيث لم يحضر دفنه، ولم
__________
" نُشرت في العدد 76 من جريدة "البصائر"، 18 أفريل 1949م، وقد كتبت في أفريل 1941م.
(2/53)

يؤبّنه بكلمة، فعوّض ذلك برسائل تعزية كتبها إلى إخوانه بثَّ فيها حزنه للمصيبة، وصوّر فيها آثارها، ولم تنسه الفجيعة ما يجب من النصائح بالثبات، واستمرار السير، فجاءت رسائلَ من ذلك الطراز الساحر الذي لا يحسنه إلا الإبراهيمي، ولا أدري أيحتفظ إخواني بتلك الرسائل الفنية أم ضيّعوها؟!
ولما مضت على موت الأستاذ سنة، ورفيقه لا يزال في المنفى، أرسل الرَّئِيسُ الجليل من منفاه هذه المقامة إلى مقيمي الذكرى الأولى لابن باديس وتلاها في حفل مختصر كاتب هذه الكلمة، فأبكت العيون، وجدّدت الأسى.
رغبنا إلى أستاذنا أن ننشر هذه المقامة في ذكرى هذه السنة، إذْ كان عاجزًا عن كتابة كلمة خاصة بها لمرضه واشتغاله، فأذن- أبقاه الله- بعد امتناع لأن أستاذنا- حفظه الله- لا يرى السجعَ معبّرًا عن النوازع العميقة، وإن كان هو، إمامَ العصر بلا منازع في هذه الطريقة الأندلسية البديعة التي لا يحسنها إلا من جمع بين الطبع والصنعة، وملك أزمة اللغة والغريب ... وحلّت في الأخير رغبتنا منه محل القبول، حرصًا على هذه المقامة أن تضيع إن لم تسجّل، وكم من نفائس مثل هذه المقامة، وكم من رسائل، وكم من تحف فنية من أدب الهزل والنكتة، وكم من ملاحم شعرية، بلغت الآلاف من الأبيات! ما زالت مطمورة في أوراق الأستاذ، وفي حافظته العجيبة، وإذا لم يحرص أمثالنا من تلامدة الأستاذ على استخراجها ونشرها ضاعت، وخسر الأدب والعلم خسارة لا تعوّض، وها هي ذي المقامة الباديسية، وننبِّه إلى أن الأستاذ حذف منها كثيرًا مما لا تسمح الظروف بنشره.
تلمسان
محمد الغسيري
...

سلام يتنفس عنه الأقاح بإزهاره وايراقه، ويتبسم عنه الصباح بنوره وإشراقه.
وثناءٌ يتوهج به من عنبر الشجر عبيره، ويتبلج به من بدر التمام، على الركب الخابط في الظلام، منيره.
وصلوات من الله طهورها الروح والريحان، وأركانها النعيم والرضوان. وتحيات زكيات تتنزل بها- من الملإ الأعلى- الملائكة والروح، ونفحات ذكيات تغدو بها رسل الرحمة وتروح، وخيرات مباركات يصدّق برهانُ الحق قولها الشارحَ بفعلها المشروح.
(2/54)

وسلام من أصحاب اليمين، وغيوث من صوادق الوعود، لا صوادق الرعود، لا تخلف ولا تمين. وسحائب من الرحمات تنهل سواكبها، وكتائب من المبشرات تزجى مواكبها.
وسوافح من العبرات تنحلّ عزاليها، ولوافح من الزفرات تسابق أواخرها أواليها.
على الجدث الذي التأمتْ حافتاه على العلم الجم والفضل العد، ووارَى ترابه جواهر الحجا والذكاء والعزم والجد، وطوَى البحر الزخار في عدة أشبار، فأوقف ما لا حدّ له عند حد، واستأثر بالفضائل الغزْر، والمساعي الغرّ، والخلال الزهر، فلم يكن له في الأجداث ند، وأصبح من بينها المفردَ العلم كما كان صاحبه في الرجال العلمَ الفرد.
وسلام على مشاهدَ كانت بوجوده مشهودة، وعلى معاهد كانت ظلال رعايته وتعهّده عليها ممدودة، وعلى مساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، وعلى مدارس كانت بفيضه الزاخر، ونوره الزاهر، مغمورة، وعلى جمعيات كان شملها بوجوده مجموعًا، وكان صوته الجهير، كصوت الحق الشهير، مدوّيًا في جنباتها مسموعًا.
مشاهد كان يراوحها للخير والنفع، وكانت آفاقها بأنواره مسفرة.
ومعاهد كان حادي زُمَرها إلى العلم، وهادي نُزَّاعها إلى الإحسان والسلم، فأصبحت بعده مقفرة.
ومدارس، ما مدارس، مهدها للعلم والإصلاح مغارس، ونصبها في نحور المبطلين حصونًا ومتارس، وشيّدها للحق والفضيلة مرابطَ ومحارس.
وسلام على شيخه الذي غذّى وربّى، وأجاب داعيَ العلم فيه ولبّى، وآثر في توجيهه خير الإسلام، فقلّد الإسلام منه صارمًا عضبًا، وفجّر منه للمسلمين معينًا عذبًا، فلئن ضايقته الأيامُ في حدود عمره. فقد أبقت له منه الصيت العريض، والذكر المستفيض، ولئن سلبته الحلية الفانية فقد أَلْبستْه من مآثره حُلل التاريخ الضافية، ولئن أذاقتْه مرارة فقده، فقد متّعته بقلوب أمّة كاملة من بعده، ولئن حرمته لذة ساعات معدودة، فقد أسعدته به سعادةً غير محدودة.
وسلام على إخوان كانوا زينة ناديه، وبشاشةَ واديه، وكانوا عمَّار سامره، والطيبَ المتضوع من مجامره، والجوارحَ الماضيةَ في تنفيذ أوامره.
وسلام على أعوان كانوا معه بناة الصرح، وحماة السرح، وكانوا سيوف الحق التي بها يصول، وألسنة الصدق التي بها يقول، أبتْ لهم عزة الإسلام أن يضرَعوا أو يذلّوا، وأبتْ لهم هداية القرآن أن يزيغوا عن منهاجه أو يضلّوا، وأهلك العالمَ زللُ العلماء فتقاسموا بشرف
(2/55)

العلم أن لا يزلوا، تشابهت السبل على الناس فاتخذوا سبيل الله سبيلًا، وافترق الناس شيعًا فجعلوا محمدًا وحزبه قبيلًا.
...

ولقد أقول على عادة الشعراء- وما أنا بشاعر- لصاحبين من تصوير الخيال أو من تكييف الخَبال، تُمثِّلهما الخواطر تمثيلَ صفاء، وتقيمهما في ذهني تمثالَ وفاء: بكِّرا صاحبي فالنجاح في التبكير، وما على طالب النّجْح بأسبابه من نكير، تنجحا لصاحبكما طِيةً، لا تبلغ إلّا بشد الرحل وتقريب المطية، فقد خُتِمت- كما بُدئت- الأطوار، بدولة الرحال والأكوار، فادفعا بالمهرّية القود، في نحر الوديقة الصيخود، ولا تخشيا لذْع الهواجر، وإن كنتما في شهريْ ناجر، ولا يهولنَّكما بعد الشُّقة، وخيال المشقَّة، ولا الفلَوات يصمّ صداها، ويقصر الطرف عن مداها، ولا السراب يترجرج رقراقُه، ويخدع الظامئ المحرور مُراقه.
سيرا- على اسم الله- في نهار ضاح، وفضاء منساح، ضاحك الأسرة وضّاح، وتخلّلا الأحياءَ فستجدان لاسم من تنتجعانه ذكرًا ذائعًا في الأفواه، وثناءً شائعًا على الشفاه، وأثرًا أزكى نماءً وأبقى بركةً على الأرض من أثر الغمام المنهل، فإذا مسّكما الملال، أو غشّى مطيّكما الكلال فاحدوا بذكراه ينبعث النشاط، وينتشر الاغتباط، وتغْنيا بها عن حمل الزاد، وملء المزاد، وتأمنا غوْل الغوائل، من أفناء دراج ونائل (1).
سيرا- روحي فداؤكما من رضيعيْ همة، وسليليْ منجبة من هذه الأمّة- حتى تدفعا في مسي خامس، له يوم الترحل خامس، إلى الوادي الذي طرّز جوانبه آذار، وخلع عليه الصانع البديع، من حَلْي الترصيع، وحلل التفويف والتوشيع، ما تاه به على الأودية فخلع العذار.
وأتِيا العُدوة الدنيا فثمَّ المنتجعَ والمرَاد، وثمّ المطلب والمراد، وثمّ محلة الصدق التي لا يصدر عنها الوُرّاد، وثمّ مناخ المطايا على حُلّال الحق، وجيرة الصدق، وعشراء الخلود، الذين محا الموت ما بينهم من حدود، اهتفا فيها بسكان المقابر عني:
ما للمقابر لا تُجيب الداعي … أوَ ما استقلَّت بالسميع الواعي
__________
1) أولاد دراج، مجموعة قبائل ترجع أصولها إلى هلال بن عامر جد القبائل العربية التي أغارت على شمال أفريقيا، فخربوا، ولكنهم عربوا، ومواطن أولاد دراج إلى الآن هي ما بين المسيلة (المحمدية) وطُبْنة من مقاطعة قسنطينة، وأولاد نائل مثلهم ولكنهم أكثر منهم عددًا، ومواطنهم تتصل بمواطن إخوانهم أولاد دراج ولكنها تتسع في مقاطعة الجزائر، ولا تزال المخايل والسمات العربية ظاهرة في هذه القبائل.
(2/56)

وخصّا القبر الذي تضمّن الواعيَ السميع، والواحدَ الذي بذّ الجميع، فقولا له عني:
يا قبر، عزَّ على دفينك الصبر، وتعاصى كسرُ القلوب الحزينة على من فيك أن يُقابَل بالجبر، ورجع الجدال، إلى الاعتدال، بين القائلين بالاختيار والقائلين بالجبر.
يا قبر، ما أقدر الله أن يطويَ عَلمًا ملأ الدنيا في شبر!
يا قبر، ما عهدنا قبلك رمسًا، وارَى شمسًا، ولا مساحة، تكال بأصابع الراحة، ثم تلتهم فلكًا دائرًا، وتحبس كوكبًا سائرًا.
يا قبر، قد فصل بيننا وبينك خطّ التواء، لا خطّ استواء، فالقريب منك والبعيد على السواء.
يا قبر، أتدري من حويت؟ وعلى أي الجواهر احتويت؟ إنك احتويت على أمّة، في رُمّة، وعلى عالم في واحد.
يا قبر، أيدري من خطّك، وقارب شطّك، أيّ بحر ستضُم حافتاك؟ وأيّ معدن ستزن كفتاك؟ وأيّ ضرغامة غاب ستحتبل كفتاك؟ وأيّ شيخ كشيخك وأيّ فتى كفتاك؟ فويح الحافرين ماذا أودعوا فيك حين أودعوا؟ وويحَ المشيّعين من ذا شيّعوا إليك يوم شيّعوا؟ ومن ذا ودّعوا منك إذ ودّعوا؟ إنهم لا يدرون أنهم أودعوا بنَّاء أجيال في حفرة، وودّعوا عامر أعمال بقفرة، وشيّعوا خدن أسفار، وطليعة استنفار، إلى آخر سفرة.
يا قبر، لا نستسقي لك كل وطفاء سكوب، تهمي على تربتك الزكية وتصوب، ولا نستدعي لترويض ثراك المثقلات الدوالح، والغوادي والروائح، ولا نحذو في الدعاء لك حذو الشريف الرضي، فنستعير للنبت جنينًا ترضعه المراضع، من السحب الهوامع، تلك أودية هامت فيها أخيلة الشعراء، فنبذتهم بالعراء، وزاغوا بها عن أدب الإسلام ومنهاجه، وراغوا عن طينته ومزاجه. بل تلك بقية من بقايا الجهل، ما أنت ولا صاحبك لها بأهل.
...

قولا لصاحب القبر عني: يا ساكنَ الضريح، نجوى نضو طليح، صادرة عن جفن قريح، وخافق بين الضلوع جريح، يتأوبه في كل لحظة خيالك وذكراك، فيحملان إليه على أجنحة الخيال من مسراك، اللهب والريح، وتؤدّي عنهما شؤونه المنسربة، وشجونه الملتهبة، وعليهما شهادة التجريح.
إن من تركت وراك، لم يحمد الكرى فهل حمدت كراك؟ وهيهات، ما عان كمستريح!
يا ساكن الضريح، أأكني؟ أم أنت كعهدي بك تؤثر التصريح؟ إن بُعدك، أتعب من بَعدك. لقد كانوا يلوذون من حياتك الحية بكنف حماية، ويستذرون من كفاءتك للمهمات
(2/57)

بحصن كفاية، ويستدفعون العظائم منك بعظيم، وأيم الله لقد تلفتت بعدك الأعناق واشرأبت، وماجت الجموع واتلأبت، تبحث عن إمام لصفوف الأمّة، يملأ الفراغ ويسد الثلمة، فما عادت إلا بالخيبة، وصفر العيبة.
يا ساكنَ الضريح، مت فمات اللسان القوّال، والعزم الصوّال، والفكر الجوّال، ومات الشخص الذي كان يصطرع حوله النقد، ويتطاير عليه شرر الحقد، ولكن لم يمت الإسم الذي كانت تقعقع به البرد، وتتحلّى به القوافي الشرُد، ولا الذكر الذي كانت تطنطن به الأنباء، وتتجاوب به الأصداء، ولا الجلال الذي كانت تعنو له الرقاب، وتنخفض لمجلاه العقاب، ولا الدوي الذي كان يملأ سمعَ الزمان، ولا يبيت منه إلا الحق في أمان.
مات الرسم، وبقي الإسم، واتفق الودود والكنود على الفضل والعلم.
وعزاء فيك لأمّة أردت رشادَها، وأصلحت فسادَها، ونفقت كسادَها، وقوّمت منآدها، وملكتَ بالاستحقاق قيادَها، وأحسنتَ تهيئتها للخير وإعدادَها، وحملتها على المنهج الواضح، والعلمَ اللائح، حتى أبلغتها سدادَها، وبنيت عقائدها في الدين والحياة على صخرة الحق، ومثلك مَن بنى العقائد وشادها، أعليت اسمها بالعلم والتعليم، وصيّرت ذكرها محل تكريم وتعظيم، وأشربتها معاني الخير والرحمة والمحبة والصدق والإحسان والفضيلة فكنت لها نعم الراحم وكنت بها البر الرحيم.
ولقد حييتَ فما كانت لفضلك جاحدة، ومتّ فما خَيَّبتْ من آمالك إلا واحدة (2).
وهنيئًا لك ذخرك عند الله مما قدّمت يداك من باقيات صالحات، وعزاء لك فيمن كنت تستكفيهم، وتضعُ ثقتك الغاليةَ فيهم، من إخوانك العلماء العاملين، الصالحين المصلحين. فهم- كعهدك بهم- رُعاة لعهد الله في دينه، وفي كتابه، وفي سنّة نبيّه، دعاةٌ إلى الحق بين عباده، يلقَوْن في سبيله القذى كحلا، والأذى من العسل أحلى.
وسلام عليك في الأوّلين، وسلام عليك في الآخرين، وسلام عليك في العلماء العاملين، وسلام عليك في الحكماء الربّانيين، وسلام عليك إلى يوم الدين.
آفلو (3)، 22 ربيع الأول 1360هـ/ 9 أفريل 1941.
__________
2) هي القيام بثورة جارفة تكتسح الاستعمار الفرنسي، وتنتزع بها منه حريتها واستقلالها، فهذه هي الأمنية التي كنا نتناجى بها ونعمل لتصحيح أصولها، وقد حقّقت الأمّة الجزائرية الماجدة هذه الأمنية بعد نحو أربع عشرة سنة على أكمل وجه.
3) آفلو: قرية نائية في جبل العمور من الجنوب الوهراني، وهذه القرية هي التي اختارتها السلطة العسكرية الفرنسية منفى لكاتب هذه الكلمات في أول الحرب العالمية الثانية قضى فيها ثلاث سنوات.
(2/58)

رواية الثّلاثة*
هَذِهِ -أَكْرَمَكَ اللَّهُ- رِوَايَةُ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ أُرْجُوزَةٌ أَكْثَرُهَا ((لُزُومُ مَا لَا يَلْزَمُ)) تُمَثِّلُ حَالَةَ ثَلآثَةٍ مِنَ الْأَسَاتِذَةِ، لَا يُدْفَعُونَ عَنْ فَضْلٍ وَلآ أَدَبٍ وَلآ ذَكَاءٍ وَمَا فِيهِمْ إِلَّا بَعِيدُ الْأَثَرِ فِي الْحَرَكَةِ الْإِصْلآحِيَّةِ، وَاسِعُ الخُطَى فِي مَيْدَانِ تَعْلِيمِ النَّاشِئَةِ وَتَرْبِيَّتِهَا.
وَكَانَ لَهُمْ شَيْخٌ يُقَارِضُونَهُ بِرًّا بِبِرٍّ، وَتَكْرِمَةً بِتَكْرِمَةٍ، وَكانَ لَهُمْ كَالْوَالِدِ يَأْبُوهُمْ وَيَحْبُوهُمْ (1)، وَكَانَتْ لَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ مَنْزِلَةٌ خَاصَّةٌ، يُعَامِلُهُمْ بِحَسَبِهَا حَنَانًا وَلُطْفًا وَتَثْقِيفًا، وَكَانُوا يَعُدُّونَ أَيَّامَ اجْتِمَاعِهِمْ بِهِ- وَهِيَ قَلِيلَةٌ - غُرَرَ أَعْمَارِهِمْ يَتَسَبَّبُونَ لَهَا الْأَسْبَابَ، لِمَا يُفِيضُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَرائِفِ الْأَدَبِ، وَلَطَائِفِ الْحِكْمَةِ وَيُطَايِبُهُمْ بِهِ مِنْ بَارِعِ الُّكَتِ، وَمُلَحِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَفَاكِيهِ، وَغَرَائِبِ اللُّغَةِ وَالْأَخْبَارِ، فَكَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ لَا يَخْتَلِفونَ فِي تَرْجِيحِ وَزْنِهِ فِي الْمَوَازِينِ وَالْمُغَالَاةِ بِقِيمَتِهِ إِلَى أَبْعَدِ الْغَايَاتِ.
ثُمَّ طَرَقَ الدَّهْرُ بِحَادِثٍ حَالَ بَيْنَهمْ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، إِلَّا رَسائِلَ تَنْفُضُ عَلَيْها القاوبُ مَا تُكِنُّ، وَتُودِعُهَا النُّفُوسُ والْعَوَاطِفُ مَا تُجِنُّ (2)، فَكَانَ الظَّنُّ بِالثَّلَاثَةِ، أَنَّهُمْ يُجَلُّونَ فِي هَذَا الْمِضْمَارِ، وَيَسْبِقُونَ جَمِيعَ النَّاسِ فِيهِ.
وَلَكِنَّهُمْ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ نَسُوهُ، وَكَأَنَّهُمْ التُّرَابِ دَسُّوهُ، وَقَطَعُوا حَبْلَ الاِتِّصَالِ الْكِتَابِي بِهِ الْبتَّةَ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ الشَّيْخِ، أَوْ أَلْقَى هُوَ عَلَى لِسَانِ الشَّيْطَانِ، هَذِهِ الْأُرْجُوزَةَ الطَّوِيلَةَ، وَنَحَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ فُصُولٍ وَمَعَانٍ فِي صُوَرِ مَجَالِسَ، يَتَجاذَبُونَ
__________
* آفلو، 1941م.
1) يأْبُوهُم: يُعاملهم معاملةَ الأبِ لأبنائه. يَحْبُوهم: يُعطيهم.
2) تُكِنُّ: تستر. تُجِنُّ: تُخفى.
(2/59)

فِيهَا أَطْرَافَ الْحَدِيثِ عَنْ هَذِهِ الزَّلَّةِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا، فَرَادٌّ وَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَسَائِلٌ وَمُجِيبٌ وَهَاجِمٌ وَدَافِعٌ، وَبَانٍ وَهَادِمٌ، وَتَنْعَقِدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ مُنَاسَبَاتٌ وَأَشْبَاهُ مُنَاسَبَاتٍ، فَتَتَوَالَدُ مِنْ بَيْنِهَا أَغْرَاضٌ فِي الْأَدَبِ، وَمَنَاحٍ فَي النَّقْدِ وَخَبَايَا الْأَنْفُسِ وَالطَّبَائِعِ، وَقَدْ أَلْبَسَ الشَّيْخُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ لَبُوسًا خَاصًا فِي كُلِّ مَا نَحَلَهُ مِنْ قَولٍ، وَسَلَكَ بِهِ مَسْلَكًا خَاصًّا لَمْ يَحِدْ عَنْهُ عَلَى طُولِ الرِّوَايَةِ. نَظَمَ الشَّيْخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَتَخَيَّلَ مَعَانِيَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُتَضَارِبةٍ، كَانَتِ الْوَحْشَةُ وَالْمَلَلُ أَلْزَمَ صِفَاتِهَا، فَجَعَلَهَا مِذَبَّةً لِلْوَحْشَةِ، وَمَجْلَبَةً لِلْأُنْسِ وَأَدَاةً لِلتَّسْلِيَةِ. الثَّلَاثَةُ هُمْ: الشَّيْخُ السَّعِيدُ بْنُ حَافِظٍ مُدِيرُ مَدْرَسَةِ التَّرْبِيَّةِ وَالتَّعْلِيمِ الحُرَّةِ بِقَسَنْطِينَةَ، وَالْأُسْتَاذَانِ: عَبْدُ الْحَفِيظِ الْجَنَّانِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَابِدِ (الجَلَّالِي)، الْمُعَلِّمَانِ بِهَا، وَشَيْخُهُمْ هُوَ مُؤَلِّفُ الرِّوَايَةِ.
كَانَتِ الْفِكْرَةُ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الرِّوَايَةُ أَنَّهُ لَا سَبَبَ لِانْقِطَاعِ الثَّلَاثَةِ وَجَفَائِهِمْ لِلشَّيْخِ إِلَّا الْفَرَنْكُ، أَعْنَي قِيمَةَ طَابَعِ الْبَرِيدِ الَّذِي يَحْمِلُ الرِّسَالَةَ إِلَيهِ، وَهُوَ لَا يَطْمَعُ مِنْهُمْ فَي أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الصِّلَةِ، وَهُوَ فِي مِحْنَتِهِ الَّتِي هُوَ بِهَا أَحْوَجُ إلَى الْمُقَوِّيَاتِ الرُّوحِيَّةِ مِنْهُ إِلَى الْمُقَوِّمَاتِ الْمَادِّيَّةِ، وَكَانَ يَبْلُغُهُ عَنْهُمْ مَا يَعْتَقِدُهُ فِيهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُكْثِرُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ- وَهُمْ بِحُكْمِ وَظِيفَتِهِمْ مُجْتَمِعُونَ دَائِمًا- الْحَدِيثَ عَنْهُ وَالشَّوْقَ إِلَيْهِ، وَيَضِيقُونَ ذَرْعًا بِالرِّسَالَةِ مِنْهُ يَأْتِي لِغَيْرِهِمْ.
وَلَكِنَّهُمْ إِذَا حُدِّثُوا بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ، أَوْ حَدَّثَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، جَمَدَتِ الْعَوَاطِفُ وَجَفَّتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّ الرِّيقُ، وَانْتَصَبَ خَيَالُ الْفَرَنْكِ اللَّعِينِ، فَقَضِى عَلِى كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُمْ يَتَأَلَّمُونَ تَأَلُّمًا نَفْسَانِيًّا، وَتَخِزُهُمْ ضَمَائِرُهُمْ، وَلَكِنْ شَبَحُ الْفَرَنْكِ يَمْسَحُ كُلَّ ذَلِكَ مَسْحَةَ السُّلُوِّ.
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ كَاتِبٌ، فَلَا تُعْطِي عَمَلِيَّةُ السَّبْرِ عِنْدَ الْاُصُولِيِّينَ إِلَّا عِلَّةً وَاحِدَةً لِهَذَا الْجَفَاءِ وَهَذَا الْجَفَافِ، وَهِيَ (الْفَرَنْكُ)، وَيَطُولُ الْأَمَدُ فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُحِسُّ بِلُصُوقِ هَذَا الْعَارِ، وَقُبْحِ أَثَرِهِ، هُوَ الْمُدِيرُ، وَيَرَى أَنَّ الْعَارَ لَحِقَ الثَّلَاثَةَ مُشْتَرِكِينَ، فَيَجِبُ أَنْ يَغْسِلُوهُ مُشْتَرِكيِنَ، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا وَمَا زَالُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ أَمْرينِ: حُبِّ الشَّيْخِ، وَحُبِّ الْفَرَنْكِ، فَلْيَجْتَمِعُوا لِيُرَجِّحُوا أَحَدَ الْحُبَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ. وَيَكْتُبُ اسْتِدْعَاءً إِلَى رَفِيقَيْهِ لِلْحُضُورِ وَالْمُفَاوَضَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ الْخَطِيرِ.
وَفِي هَذَا الاِسْتِدْعَاءِ مَخَايِلُ مِنْ تَنَطُّعِ الْإِدَارِيِّينَ وَغَطْرَسَةِ الْمُدِيرِينَ وَسَخَافَةِ الْمُعَلِّمِينَ وَيَصِلُ الاِسْتِدْعَاءُ إِلَى الرَّفِيقَيْنِ مُجْمَلًا، لَا بَيَانَ فِيهِ لِغَرَضٍ، إِلَّا تَهْوِيلًا وَتَطْوِيلًا فَأَلْهَمَهُمَا سِرُّ الْفَرَنْكِ، أَنَّ فِي هَذَا الْجَمْعِ شَرًا سَيَذْهَبُ بِفَرَنْكٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ بِأَبْعَاضِهِ وَأَجْزَائِهِ، وَهُمْ يَحْفَظُونَ مِنْ تَفَارِيقِ الْأَدَبِ قَوْلَ الْأَعْرَابِي لِابْنَتِهِ: (الدِّرْهَمُ عُشُرُ الْعَشَرَةِ، وَالْعَشْرَةُ عُشُرُ الْمِائَةِ، وَالْمِائَةُ عُشُرُ الْأَلْفِ، وَالْأَلْفُ عُشُرُ دِيَتِكِ)، وَلِذَلِكَ تَرَاهُمَا عَلَى طُولِ الرِّوَايَةِ حَذِرَيْنِ
(2/60)

يَقِظَيْنِ لِمَكَايِدِ الْمُدِيرِ يُوجِسَانِ خِيفَةً مِنْ عَرْضِ الْمَقْصُودِ، وخُصُوصًا ابْنَ الْعَابِدِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِرَفِيقَيْهِ مِنْ بَابِ إِلَى بَابٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَيَسْتَطْرِدُ لِيَبْعُدَ بِالْجَلْسَةِ عَمَّا عُقِدَتْ لِأَجْلِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْرٌ مِنْهُ، وَغَطْرَسَةٌ وَشَيْطَنَةٌ، وَهُرُوبٌ مِمَّا كَانَ يَتَخَيَّلُهُ مِنَ الشَّرِّ وَمَا الشَّرُّ عِنْدَهُ إِلَّا مَا عَلِمْتَ.
عَقَدُوا الْجَلْسَةَ الْأُولَى، وَخَطَبَ الرَّئِيسُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ بِصِفَةِ الْبَشِيرِ، لِيُنَبِّهَ الْجَمَاعَةَ إِلَى مَا يُقّرِبُهُمْ مِنَ الْحَقِيقَةِ بَرَاعَةَ اسْتِهْلَالٍ، كَمَا يَرْكَبُهَا النَّظَّامُونَ لِلْمُتُونِ، وَكَمَا يُسَمُّونَهَا، فَجَرَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْهُ إِلَى كَلِمَاتٍ، وَجَاءَتْ مُشْكِلَةُ رِئَاسَةِ الْجَلْسَةِ، فَاحْتَلَّتْ مَكَانَ الْمُشْكِلَةِ (3)، وَتَبارَى الْأُسْتَاذَانِ فِي الْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ لِلْكَلَامِ، حَتَّى انْتَهَتِ الْجَلْسَةُ الْأُولَى "الطَّوِيَلةُ" بِحَلِّ الْمُشْكِلَةِ الْفَرْعِيَّةِ وَاتَّفَقُوا- بَعْدَ مُحَاوَرَاتٍ وَمُدَاوَرَاتٍ - عَلَى رِئَاسَةِ "الْمُدِيرِ".
وَجَاءَتِ الْجَلْسَةُ الثَّانِيَّةُ، وَالرَّئِيسُ يَحْمِلُ إِحْسَاسًا قَوِيًّا، بِأَنَّهُ لَاقٍ، وَلَا بُدَّ- دُونَ الوُصُولِ إِلَى عَرْضِ الْمَقْصُودِ- عَقَبَاتٍ مِنَ اسْتِطْرَادَاتِ ابْنِ العَابِدِ وَافْتِتانِهِ فِي النَّقْدِ وَالْهُجُومِ وَالْخُرُوجِ. وَأَنَّهُ لَاقٍ أَكْبَرَ مِنْهُمَا، إِذَا هُوَ وَصَلَ إِلَى الْمَقْصُودِ وَعَرَضَ الْقَضِيَّةَ، وَوَقَفَتْ مُشْكِلَةُ الفَرَنْكِ فِي الطَّرِيقِ، وَانْتَهَوْا فِي حَلِّهَا إِلَى طَرْقِ حِمَاهُ (4)، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الإِنْصَافَ الكَامِلَ يقْتَضِيهِمْ أَنْ يَتَحَمَّلُوهُ أَثْلَاثًا، وَلَكِنَّ الْفَرَنْكَ الْمَلْعُونَ لَا يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةٍ انْقِسَامًا صَحِيحًا، فَمَنْ ذَا يَدْفَعُ الْكُسُورَ "الصَّانْتِيمَاتِ"؟ وَهَذِهِ مُشْكِلَةٌ عَلَى حِدَةٍ. وَالْإِنْصَافُ النَّاقِصُ يَقْتَضِي أَنْ يَدْفَعَ الفَرَنْكَ ابْنُ الْعَابِدِ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ أَعْزَبُ، وَهُمَا مُتَأَهِّلَانِ وَلَهُمَا أَطْفالٌ، وَكَانَ الرَّئِيسُ نَفْسُهُ يَتَمَنَّى الْحَلَّ الثَّانِي، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّانَ لَا يُوَافِقُ بِسُهُولَةٍ عَلَى الْحَلِّ الْأَوَّلِ، بِمَا فِيهِ مِنْ مُشْكِلَةِ الْكُسُورِ، وَأَنَّ ابْنَ الْعَابِدِ لَا يُوَافِقُ عَلَى الْحَلِّ الثَّانِي، فَلْيَلْتَجِئْ إِلَى الْحِلِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْإِنْصَافُ الْكَامِلُ، وَتَقُومُ مُشْكِلَةُ الْكُسُورِ. لِذَلِكَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِ الْجَلْسَةِ مَسْأَلَةُ "الْصَّوْتَيْنِ" لِلرَّئِيسِ، وَجَعَلَهَا فِي مُقَدِّمَةِ الْأَعْمَالِ، وَانْتَقَلَ مِنْهَا بَعْدَ مَعَاسَرَةِ الْجَمَاعَةِ لَهُ فِيهَا إِلَى أُخْرَى وَهِيَ زِيَادَةُ عُضْوٍ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى الرَّفِيقَيْنِ، لِيَتَغَلَّبَ رَأْيَهُ عَلَى رَأْيِهِمَا فِي الْخِلَافِ، وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْحَلِّ الْأَوَّلِ كَانَ الْعُضْوُ الرَّابِعُ مُصَحِّحًا لِلِقِسْمَةِ، وَمُزِيلًا لِمُشْكِلَةِ الْكُسُورِ، لِأَنَّ الفَرَنْكَ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ انْقِسَامًا صَحِيحًا.
وَقَدْ عَاسَرَهُ الرَّفِيقَانِ (وَخُصُوصًا ابْنُ الْعَابِدِ) فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْتَيْنِ، وَزِيَادَةِ العُضْوِ، مُعَاسَرَةً شَدِيدَةً، فَاحْتَالَ عَلَى عَوَاطِفِهِ بِقَصِيدَةٍ قَافِيَةٍ، بَلِيغَةِ الْمَعَانِي، تُؤَثِّرُ عَلَى الْأُدَبَاءِ، أَمْثَالِ ابْنِ الْعَابِدِ، فَلَانَ بَعْدَهَا وَمَالَ إِلَى الْمُيَاسَرَةِ.
__________
3) فاحتلّت مكانَ المشكلة: يريد بها المشكلة الأصلية وهي مشكلة فَرنْكِ الْمُكَاتبةِ.
4) ضَمِيرُ حِمَاهُ يَعُودُ عَلَى الفرنكِ.
(2/61)

وَانْتَهَتْ مَسْأَلَةُ الْعُضْوِ بِمُوَافَقَةٍ تَامَّةٍ بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْقَصِيدَةُ، وَالثَّانِي إِعْلَانُ الرَّئِيسِ لِاسْمِ الْعُضْوِ الْمَزِيدِ، وَاسْمُهُ مَحْبُوبٌ مِنْهُمْ جَمِيعًا، وَقَدْ تَوَسَّمَ الْخَيْرَ فِي ابْنِ الْعَابِدِ، وَطَالَتِ الْجَلْسَةُ، وَتَعَدَّدَتْ مَشَاهِدُهَا، وَضَاقَ ذَرْعُ الْجِنَّانِ بِهَذَا التَّطْوِيِلِ، فَثَارَ ثَائِرَهُ، وَأَسْمَعَ الرَّفِيقَيْنِ قَوَارِصَ التَّأْنِيبِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَلِّهِ، فَقَدْ بَقِيَ الْمَوْضُوعُ سِرًا مَطْوِيًّا فِي صَدْرِ الرَّئِيسِ، يُرِيدُ أَنْ لَا يُفْشِيَهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْعُضْوُ الْجَدِيدُ.
وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْجَلْسَةِ، وَتَقْرِيرِ التَّالِيَةِ فِي الْغَدِ، كَتَبَ الرَّئِيسُ اسْتِدْعَاءً مُطَوَّلًا إِلَى الْأُسْتَاذِ بُوشْمَال، وَهُوَ الْعُضْوُ الْجَدِيدُ، يَدْعُوهُ إِلَى الْحُضُورِ فِي الْجَلْسَةِ الثَّالِثَةِ، وَيَبُثُّ شَكْوَاهُ الْمُرَّةَ مِنْ رَفِيقَيْهِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِالْقَصْدِ مِنَ الاِجْتِمَاعِ، بَلْ طَوَى السِّرَّ عَنْهُ كَمَا طَوَاهُ عَنْ رَفِيقَيْهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ.
جَاءَتِ الْجَلْسَةُ الثَّالِثَةُ، وَحَضَرَ أَبُو شِمَالِ، وَفِيهَا كَشَفَ الرَّئِيسُ الْغِطَاءَ عَنِ الْحَقِيقَةِ، بَعْدَ مُقَدِّمَةٍ مُؤَثِّرَةٍ، وَتَمْهِيدٍ بَلِيغٍ، فَشَرَحَهَا الرَّئِيسُ، وَسَلَّمَهَا الْجَمَاعَةَ، وَاعْتَرَفُوا بِالْمُشْكِلَةِ وَالدَّاءِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْحِلِّ وَالدَّوَاءِ، جَاءَ الفَرَنْكُ، وَقَعَدَ فِي السَّاقِيَةِ.
وَهُنَا يَشْتَدُّ الْخِلَافُ، وَتَحْتَدُّ الْمُنَاقَشَةُ، وَتَقُومُ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ وَتُعْرَضُ الْحُلُولُ، فَيَكُونُ بوَشْمَالَ مِنْ أَنْصَارِ الْحَلِّ الْأَوَّلِ، وَلِهَذَا يَقُولُ لِلرَّئِيسِ:
أَهْمِسُ في أُذْنِ الرَّئِيسِ هَمْسَهْ … نَقْسِمُهَا لِكُلِّ فَرْدٍ خَمْسَهْ
وَيَكُونُ الرَّئِيسُ وَالْجَنَّانُ مِنْ أَنْصَارِ الْحَلِّ الثَّانِي، وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى ابْنِ الْعَابِدِ.
وَيَنْبَرِي ابْنُ الْعَابِدِ لِنقْضِ هَذَا الْحُكْمِ الْجَائِرِ، وَالدِّفآعِ عَنْ نَفْسِهِ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمَشْهَدُ الْأَخِيرُ، فَيَقِفَ ابْنُ الْعَابِدِ، وَيَرْتَجِلَ ذَلِكَ الْفَصْلَ، فِي الدِّفَاعِ عَنْ فَرَنْكِهِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ سِوَاهُ، وَيَفْتَنَّ فِي وَصْفِهِ وَإِطْرَائِهِ، لِيُبَرِّرَ ضَنَانَتَهُ بِهِ، وَمِنْ أَبْلَغِ مَا يَقُولُ فِيهِ:
أَعَزُّ عِنْدِي مِنْ وَحِيدِ أُمِّهِ … كُلُّ الْمُنَى فِي ضَمِّهِ وَشَمِّهِ
وَيَخْتِمُ الْفَصْلَ بِنُكْتَةٍ، يُحَتِّمُ عَلَيْهِ الِاعْتِذَارُ الاِعْتِرَافَ بِهَا، وَهِيَ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلشَّيْخِ ... وَيَصِفُ هَذِهِ الْعَدَاوَةَ أَبْلغَ وَصْفٍ، لِيَشْرَحَ سَبَبَهَا فَيَقُولُ:
وَهَلْ أَتَاكُمْ- وَالْكِذَابُ يُرْدِي- … أَنِّي سَلَلْتُ بُرْدَهُ مِنْ بُرْدِي
لِأَنَّهُ قَدْ سَبَّنِي سَبًّا شَنِيعْ … مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ كُنْتُ كَالْحِصْنِ الْمَنِيعْ
وَنَالَ مِنِّي سَجْعُهُ الْقَبِيحُ … مَا لَمْ يُبِحْهُ فِي الْوَرَى مُبِيحُ
(2/62)

وَعَدَّنِي مِنْ عُصْبَةِ الْيَهُودِ … وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ شُهُودِي
قَدْ قَرَأُوا كِتَابَهُ إِلَيَّا … وَأَثْبَتُوا تَشْنِيعَهُ عَلَيَّا

مَظاهر الأبطالِ الثلاثةِ في الرِّوايةِ:
بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ مَظْهَرٌ، ظَهَرَ بِهِ فِي جَمِيعِ مَوَاقِفِ الرِّوَايَةِ، تَحْقِيقًا لِشَخْصِيَّتِهِ فِيهَا، وَيَسْتَطِيعُ الْمُحَلِّلَ لِلرِّوَايَةِ، أَنْ يَسْتَخْرِجَ مَنَاحِيَ أُخْرَىَ غَيْرَ مَا نَذْكُرُهُ وَإِنَّمَا نَذْكُرُ الْأُصُولَ:

1 - فَالرَّئِيسُ يَظْهَرُ بِمَظْهَرِ الْمُدِيرِ الَّذِي لَمْ تُفَارِقْهُ رُسُومُ الْإِدَارَةِ. 1) الْمُحَافَظَةِ عَلَى تِلْكَ الرُّسُومِ حَتَّى فِي الْمَوَاقِفِ الَّتِي يَجِبُ إِلْغَاؤُهَا فِيهَا.2) الْخَائِفِ الَّذِي لَا يَلْتَمِسُ الْقُوَّةَ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُهَا مِنْ غَيْرِهِ. 3) السَّيِّئُ الظَّنِّ بِالرَفِيَقِيْنَ يَحْكُمُ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا يَحْمِلَانِ لَهُ حِقْدًا، وَيَنْطَوِيَانِ لَهُ عَلَى ضَغِينَةٍ، مِمَّا يَحْمِلُهُ الْمُعَلِّمُونَ لِلْمُدِيرِينَ، فَهُوَ يُدَاوِرُهُمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ مُدَاوَرةَ الْكَيْدِ، وَيَسْعَى كُلَّمَا لَاحَتْ لَهُ الْفُرْصَةُ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَكُونَ أَحَدُهُمَا ظَهِيرًا لَهُ عَلَى الْآَخَرِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُفْلِحْ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْالْتِحَامَ بَيْنَهُمَا شَدِيدٌ وَلِأَنَّهُمَا عَلَى حَذَرٍ دَائِمٍ مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَصَغُوهُ فِي الْغَالِبِ لِلْجَنَّانِ. وَالْجَنَّانُ يُبَادِلُهُ بُعْضَ ذَلِكَ إِخْلَاصًا فِي مَحَلِّ الْإِخْلَاصِ، وَمُكَايَدَةً فِي مَحَلِّ الْكَيْدِ.

2 - وَالْأُسْتَاذُ ابْنُ الْعَابِدِ يَظْهَرُ بِمَا يَأْتِي لِجَمَالِهِ: 1) (مُتَوَقِّعٌ لِلشَّرِّ وَالْخَسَارَةِ الْمَالِيَّةِ) مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الاِجْتِمَاعَاتِ. 2) مُعَارِضٌ لِلرَّئِيسِ فِيمَا يَقُولُهُ حَقًا أَوْ بَاطِلًا. 3) بَاذِلٌ جُهْدَهُ
فِي إِبْعَادِ هَذِهِ النَّكْبَةِ، وَتَأْخِيرِهَا بِقَدَرِ الْإِمْكَانِ. 4) غَيْرُ وَاثِقٍ بِالْجَنَّانِ إِلَى النِّهَايَةِ، فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى النَّكْبَةِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا. 5) مُوَلِّدٌ لِلْأَعَاجِيبِ مِنَ الْهَنَاتِ الْيَسِيرَةِ. 6) وَاقِفٌ بِالْمِرْصَادِ لِنَقْدِ مَا يَجِبُ نَقْدُهُ، وَقَدْ أَجَادَ فِي الْكَثِيرِ.

3 - وَالْأُسْتَاذُ الْجَنَّانِ يَظْهَرُ فِي الْمَظَاهِرِ الْآتِيَةِ: 1) الْمُسَالَمَةُ وَالْمُلَايَنَةُ إِلَّا فِي مَوَاقِفِ الْجِدِّ. 2) اللَّعِبُ عَلَى حَبْلَيْنِ وَلَوْ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ. 3) السَّعْيُ فِي الْإِصْلَاحِ كُلَّمَا تَفَاقَمَ خِلَافٌ. 4) الْمَيْلُ إِلَى الشِّرْعَةِ وَالْحَزْمِ.

أسلوب الرواية
أَمَّا أُسْلُوبُهَا فَهُوَ سَهْلٌ مُنْسَجِمٌ، مُتَلَاحِمُ النَّسْجِ، مَتِينُ التَّرْكِيبِ، فَصِيحُ الْمُفْرَدَاتِ، لَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وَلَا رُكُوبُ الضَّرُورَاتِ، الَّتِي أَلِفَ الرَّاجِزُونَ رُكُوبَهَا، بَرِيءٌ مِنَ التَّكَلُّفِ
(2/63)

وَالْحَشْوِ الَّذِي أَلِفُوا أَنْ يَخْتِمُوا بِهِ الْأَبْيَاتَ، ضُعْفًا مِنْهُمْ، وَضَيْقَ عَطَنٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَقِصَرَ بَاعٍ فِي مُفْرَدَاتِهَا وَتَرَاكِيبِهَا، وَفِي أَكْثَرِ أَبْيَاتِهَا "لُزُوُمُ مَا لَا يَلْزَمُ" مِنَ الْتِزَامِ حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِي الرَّوِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكُلُّ مَا فِيهَا مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَقْبُولٌ مُتَمَكِّنٌ. وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّجْنِيسِ، وَكُلُّهَا مِنَ النَّوْعِ الْعَالِي، الْمُتَمَكِّنِ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ الْبَرِيءِ مِنْ التَّكَلُّفِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ اسْتِرْسَالِ الطَّبْعِ، وَقُوَّةِ الْأَسْرِ، وَرُوحِ الْمَلَكَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَفِيهَا أَبْيَاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِمَعَانِيهَا، تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْثَالِ، وَفِيهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ، الَّتِي لَمْ يَأْلَفِ الْكُتَّابُ وَالشُّعَرَاءُ اسْتِخْدَامَهَا، وَحَبَّذَا لَوْ اسْتَعْمَلُوهَا وَأَكْثَرُوا مِنْهَا، فَإِنَّهَا زِيَادَةٌ فِي ثَرَاءِ اللُّغَةِ وَتَوْسِيعٌ لَهَا، وَلَيْسَ فِي الْأَرَاجِيزِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي امْتَلَأَتْ بِهَا الدُّنْيَا شَيْءٌ سَهْلٌ مُسْتَسَاغٌ إِلَّا قَلِيلًا مِنْ أَرَاجِيزِ فُحُولِ الْبَيَانِ، مِثْلُ رَقْمِ الْحُلَلِ لِابْنِ الْخَطِيبِ، وَدُوَلِ الْإِسْلَامِ لِشَوْقِي، وَمَا رَأَيْتُ قَوْمًا طَاعَ لَهُمُ الزِّجَزَ وَانْقَادَ كَعُلَمَاءِ شَنْقِيطْ، مَعَ السُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ فِي النَّظْمِ، وَمَتَانَة السَّبْكِ.
وَبَعْدُ، فَقَدْ دَاعَبْنَا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، ثَلَاثَةَ أَسَاتِذَةٍ، هُمْ لَنَا أَبْنَاءٌ، وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِخْوَةٌ كُلُّهُمْ أُدَبَاءُ، فَعَسَى أَنْ تَكُونَ حَافِزَةً لِهِمَمِهِمْ فِي التَّدْرِيبِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ الرَّاقِي مِنَ الْأَدَبِ الْهَزْلِيِّ. وَلَوْ نُظِّمَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي عُصُورِ الْإِقْبَالِ عَلَى الْأَدَبِ، لَطَارَتْ كُلَّ مَطَارٍ، وَتَلَقَّاهَا الرُّوَاةُ وَالنَّقَلَةُ بِمَا تَسْتَحِقُّهُ مِنْ إِجْلَالٍ.

محمد البشير الإبراهيمي
(2/64)

صورة الاستدعاء من المدير
إِلَى الْفَتَى عَبْدِ الْحَفِيظِ الْجَنَّانْ … أَدَامَهُ الْمَوْلَى الْحَفِيظُ الْمَنَّانْ
مُؤَدِّبِ الصِّبْيَانِ فِي مَدْرَسَتِي … وَحَامِلِ الْأَثْقَالِ مِنْ غَطْرَسَتِي
مَسْكَنُهُ فِي زَنْقَةٍ لَا تُعْرَفُ … إِذْ طُمِسَتْ مِنْ جَانِبَيْهَا الْأَحْرُفُ
وَوَسْمُهُ إِمْسَاكُ قَرْنِ الثَّوْرِ (5) … فِي يَدِهِ كَنَافِخٍ فِي الصُّورِ
وَهَذِهِ عَلَامَةٌ مُنْفَصِلَهْ … تَتْبَعُهَا عَلَامَةٌ مُتَّصِلَهْ
...

ثُمَّ إِلَى الشَّيْخِ الْأَدِيبِ الْكَاتِبْ … الْمُرْتَقِي لِأَسْفَلِ الْمَرَاتِبْ
الْمُرْتَضَى مُحَمَّدِ بْنِ الْعَابِدْ … لَا زَالَ فِي جُهْدِ الشَّقَا يُكَابِدْ
مُفَسِّرِ الْقُرْآنِ لِلْأَطْفَالِ … مِنْ سُورَةِ الرَّعْدِ إِلَى الْأَنْفَالِ
مُقَرِّرِ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَهْ … وَحَافِظِ الْمَسَائِلِ الْمُكَرَّرَهْ
مَقَرُّهُ أَنْ لَيْسَ ذَا مَقَرِّ … يَقِيهِ مِنْ حَرِّ لَظَى وَالْقَرِّ
وَوَسْمُهُ الْإِقْعَاءُ فِي مَنَاخِرِهْ … وَفَتْحَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي آخِرِهْ
بَعْدَ سَلَامٍ مُحْكَمٍ مَرْبُوطِ … وَقَهْوَةٍ بِالتِّينِ وَالْبَلُّوطِ
وَسُكَّرٍ مِنَ الرِّمَالِ مُجْتَلَبْ … وَلَبَنٍ مِنَ الْجِمَالِ مُحْتَلَبْ
وَسُفْرَةٍ قَدْ جَمَعَتْ حُبُوبَا … الْفُولَ وَالْخُرْطَانَ وَالْكُبُوبَا
وَقِدْرَةٍ قَدْ ضُمِّنَتْ أَخْلَاطَا … اللِّفْتَ وَالتَّرْفَاسَ وَالْبَطَاطَا
فِي غُرْفَةٍ تُضَاءُ بِالنُّجُومِ … أَوْ شُرْفَةٍ تُقْذَفُ بِالرُّجُومِ
أَرْجُوكُمَا أَنْ تَحْضُرَا سَريعَا … لِتَدْفَعَا خَطْبًا دَهَى مُرِيعَا
فِي السَّاعَةِ الَّتِي اُكَونُ فِيهَا … مُرَفَّهًا فِي عِيشَتِي تَرْفِيهَا
فِي يَوْمِ تِسْعٍ مِنْ شُبَاطَ الْمَاضِي … لِأَنَّنِي أَكُونُ فيهِ (فَاضِي) (6)
فِي مَكْتَبِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ النَّاسِ … مِنْ أَرْضِ قَجَّالٍ إِلى مَكْنَاسِ
فَإِنْ جَهِلْتُمْ فَاسْأَلَا أَيَّ صَبِي … يُرِحْكُمَا مِنَ الْعَنَا وَالتَّعَبِ
وَاعْطِيَاهُ خَمْسَةً مَنْقُوبَهْ … وَقَدْ تَفَصَّى قَائِبٌ مِنْ قُوبَهْ
حَاشِيَةٌ - والشَّرْطُ أَنْ تَتَّفِقَا … قَبْلَ المَجِيءِ ثُمَّ لَا تَفْتَرِقَا
__________
5) قرن الثَّوْر: يستعمله بعض الناس لوضع مسحوق التبغ الذي يُسْتَنْشَق.
6) فاضي بالفاء وليس بالقاف. في اللسان العامي معناه: مستريح من الشغل.
(2/65)

وَتَتْبَعَا الْأَوَامِرَ الْمَسْطُورَهْ … هُنَا كَإِبْلٍ فِي الْفَلَا مَقْطُورَهْ
لَا تَصْحَبَا الْعِصِيَّ وَالدَّبَابِسَا … وَالْحَجَرَ الصَّلْدَ الثَّقِيلَ الْيَابِسَا
وَالْمُوسَ وَالْقَادُومَ وَالْفُؤُوسَا … وَكُلَّ شَيْءٍ يَشْدَخُ الرُّؤُوسَا
وَلْتَخْلَعَا نَعْلَيْكُمَا فِي الْخَارِجِ … فِي الْخُطْوَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعَارِجِ
وَتَطْرُقَا الْبَابَ الصَّغِيرَ طَرْقَا … طَرْقَ دُهَاةِ الْأَنْكَلِيزِ الشَّرْقَا
وَبَسْمِلَا وَكَبِّرَا وَحَوْقِلَا … وَالْتَزِمَا الصَّمْتَ وَلَا (تُشَقْلِلَا) (7)
فَإِنْ أَذَنْتُ فَادْخُلَا عَنْ عَجَلِ … وَإِنْ سَكَتُّ فَاذْهَبَا فِي خَجَلِ
وَلْتَدْخُلَا بِحَسَبِ الْحُرُوفِ … وَالْمِيمُ قَبْلَ الْعَيْن فِي (الْمَعْرُوفِ)
هَذَا وَمَنْ كَانَ طَوِيلَ الْأَنْفِ … فَلْيَتَرَبَّصْ سَاعَةً فِي الْكُنْفِ
يَرْتَاضُ بِالتَّنَفُّسِ الْعَمِيقِ … وَيَصِلُ الزَّفيرَ بِالشَّهِيقِ
وَهَذِهِ وَرَقَةُ اسْتِدْعَاءِ … كَأَنَّهَا شَهَادَةُ اسْتِرْعَاءِ
أَمْضَيْتُهَا مِنْ تَحْتُ لَا مِنْ أَعْلَى … كَمَا لَبِسْتُ فِي الْأَخِيرِ النَّعْلَا (8)
وَالْحَقُّ لَا يَحْتَاجُ لِلتَّرْقِيعْ … لَا سِيَّمَا مِنْ صَاحِبِ التَّوْقِيعِ
وَلَمْ أُطِلْ خُنْفُسَتِي كَالْحَافِظِي … وَإنَّمَا خُنْفُسَتِي (ابْنُ حَافِظِ) (9)

الجلسة الأولى:
(مَكْتَبُ الْمُدِيرِ: أَوْرَاقٌ مُبَعْثَرَةٌ، أَقْلَامٌ مُغْبَرَّةٌ، وُصُولَاتٌ مُعَلَّمَةٌ بِالْأَحْمَرِ، الْمُدِيرُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ، الْجَنَّانُ وَاقِفٌ، ابْنُ الْعَابِدِ مْقَعْمزٌ).
الْمُدِيرُ: حَمْدًا لِمَنْ جَمَعَكُمْ (في الْبِيرُو) … وَهْوَ بمَا تَنْوُونَهُ خَبِيرُ
وَصَلَوَاتُهُ عَلَى الْبَشِيرِ … مَا صَفَّرَ الْقِطَارُ فِي أَشِيرِ
وَمَا جَرَى الْمِحْرَاثُ فِي الْهَنْشِيرِ … وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ فِي أَمْشِيرِ
وَهَذِهِ بَرَاعَةُ اسْتِهْلَالِ … مُنِيرَةٌ فِي الْقَصْدِ كَالْهِلَالِ
وَالشُّكْرُ لِي إِذْ كُنْتُ فِي الْجَمْعِ سَبَبْ … وَكَانَ لِي فيهِ وَجِيفٌ وَخَبَبْ
__________
7) تُشَقْلِلا: كلمة عامية معناها لا تُثَرْثِرا.
8) من تحت الخ: كان بعض القضاة يضع خاتم توقيعه في أعلى الوثيقة.
9) الخنفسة الأولى أراد بها نوعًا من التوقيع المعقد يشبه الطغراء. والثانية هي تلك الدويبة السوداء الكريهة الرائحة وهذه مداعبة لابن حافظ. والشيخ الحافظي: هو رئيس جمعية الطرقيين في الماضي.
(2/66)

يَا أَيُّهَا الْإِخْوَانُ أَهْلًا (بِيكُمْ) … إِنِّي قَبْلَ الِابْتِدَا أُنْبِيكُمْ
بِوَاجِبَاتٍ اسْمُهَا النِّظَامُ … قَدْ سَنَّهَا الْأَمَاثِلُ الْعِظَامُ
يَجِبُ أَنْ تَنْتَخِبُوا رَئِيسَا … لَكُمْ وَحَاشَوا الْمُمْلِقَ الْبَئِيسا
ابْنُ الْعَابِدِ: أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْ ذِي الْكَلِمَهْ … فَإِنَّهَا تَصُخُّ سَمْعِي ...
الْمُدِيرُ: ... وَلِمَهْ؟
ابْنُ الْعَابِدِ: لِأَنَّهَا ذَاتُ مَعَانٍ مُؤْلِمَهْ … وَأَنَّهَا تُثِيرُ ذِكْرَى مُظْلِمَهْ
الْمُدِيرُ: بِيِّنْ لَنَا الْمَعْنَى وَخَلِّ الذِّكْرَى … فَجَمْعُنَا يُحْدِثُ مِنْهَا ذِكْرَى
ابْنُ الْعَابِدِ: إِنَّ الرَّئِيسَ فِي كَلَامِ الْعُرْبِ … مَنْ شُجَّ فِي يَافُوخِهِ بِالضَّرْبِ
الْجَنَّانُ: دَعْنَا مِنَ اللُّغَةِ وَالْإِغْرَابِ … فِيهَا فَتِلْكَ شِيمَةُ الْأَعْرَابِ
وَانْظُرْ إِلَى التَّنْكِيتِ فِي قَوْلِ الْخَطِيبْ … فَإِنَّ ذِكْرَ الْبُؤْسِ شَيْءٌ لَا يَطِيبْ
وَلَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ … تَعْرِيضُ ذِي الْغِنَى بِذِي الْإِمْلَاقِ
الْمُدِيرُ: لَا تَبْتَئِسْ فَكُلُّنَا بَئِيسُ ...
الْجَنَّانُ: ... قِيَاسُهُ وَكُلُّنَا رَئِيسُ
ابْنُ الْعَابِدِ: انْظُرْ إِلَيْهِ كَيْفَ قَالَ لَكُمُ … وَلَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ فَمَاذَا تَحْكُمُ؟
الْجَنَّانُ: أَنَا أَرَى أَنَّ الرَّئِيسَ قَدْ حَكَمْ … لِنَفْسِهِ وَمَا لَنَا إِلَّا الْبَكَمْ
أَوْحَى لَهُ الْمَكْتَبُ وَالْكُرْسِيُّ … مَنْزِلَةً مَا نَالَهَا إِنْسِيُّ
وَكُلُّ حَالٍ لِلْمَالَ يَرْمُزُ … فَانْظُرْ فَأَنْتَ الْقَاعِدُ (المْقَعْمِزُ) (10)
الْمُدِيرُ: اِلْتَزَمُوا النِّظَامَ يَا إِخْوَانِي … فَأَنْتُمُ فِي الْخَيْرِ مِنْ أَعْوَانِي
وَنَحْنُ جَمْعٌ ...
الْجَلَّالِي: ... بَلْ أَقَلُّ الْجَمْعِ … كَمَا أَتَى بِهِ الدَّلِيلُ السَّمْعِي
الْمُدِيرُ: وَالْجَمْعُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَائِدْ … يَقُودُهُ لِتَحْصُلَ الْفَوَائِدْ
الْجَلَّالِي: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْقِيَادَهْ … وَإِنْ غَدَتْ فِي عَصْرِنَا سِيَادَهْ
قَدْ كُنْتُ عِنْدَ قَائِدٍ مَأْفُونِ … فِي مَاءَةٍ تُنْسَبُ لِلفَكْرُونِ (11)
دَرَيْتُ مِنْهُ الْفِعْلَ وَاشْتِقَاقَهْ … كَمَا عَلِمْتُ السُّمَّ وَانْتِشَاقَهْ
__________
10) مقمعز: قاعدٌ على قدميه فقط، قِعْدَة المستوفز.
11) القائد في النظام البائد مثل رئيس البلدية في النظام الحالي. المأفون: ضعيف الرأي. تنسب للفكرون الخ: يريد قرية "عين الفكرون" الواقعة في الطريق ما بين قسنطينة وعين البيضاء، العرب تسمي الماء: ماءَةً، يَعنون بها الماء ينزلُ الناسُ به للورد وتكونُ مباءَةً لاستيطانهم.
(2/67)

الْمُدِيرُ: اِنْتَقِلُوا بِنَا إِلَى الْمُفيدِ … مِنْ عَمَلٍ مُوَفَّقٍ سَدِيدِ
وَعَيِّنُوا الرَّئِيسَ حَتَّى نَشْرَعَا … فِي الْقَصْدِ مِمَّا رُمْتُهُ وَنُسْرِعَا
فَالْأَمْرُ مُحْتَاجٌ إِلَى التَنْجِيزِ … بِسُرْعَةٍ فِي زَمَنٍ وَجِيزِ
وَلَيْسَ فِي زِيَادَةِ الْكَلَامِ … إِلَّا الزِّيَادَةُ مِنَ الْمَلَامِ
فَاجْتَهِدُوا فِي غَسْلِ هَذَا الْعَارِ … مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَدَ فِي الْأَشْعَارِ
وَقَبْلَ أَنْ تَدْهَمَنَا الْقَوَافِي … بِوَطْأَةٍ شُرُورُهَا ضَوَافِي
فَتَغْتَدِي رُبُوعُنَا عَوَافِي … تَجْرِي بِهَا الرَّوَامِسُ السَّوَافِي
الْجَلَّالِي: تُخِيفُنَا بِالْعَارِ وَالْأَشْعَارِ … وَلَسْتُ مِنْ حَلْيِهِمَا بِالْعَارِ (12)
وَلَيْسَ فِيهِمْ شَاعِرٌ سَوَاءِي … وَالشُّعَرَاءُ كُلُّهُمْ وَرَائِي
أُخِيفُهُمْ طُرًّا وَلَا أَخَافُ … وَطَالَمَا سَاجَلْتُهُمْ فَخَافُوا
الْمُدِيرُ: أَنَا النَّذِيرُ فَاسْمَعُوا نَصِيحَتِي … وَأَرْهِفُوا أَسْمَاعَكُمْ لِصَيْحَتِي
فَالشَّرُّ لَا يُدْفَعُ بِالتَّعَاجُزِ … عَنْ دَفْعِهِ وَالْبُعْدِ وَالتَّحَاجُزِ
وَالدَّمُ لَا يُغْسَلُ بِالْأَبوَالِ … وَالنَّارُ لَا تُطْفَأُ بِالْأَقْوَالِ
قُومُوا جَمِيعًا مُتَنَاصِرِينَا … مُسْتَبْصِرِينَ مُتَظَافِرِينَا
لِتَتَّقُوا مَسَبَّةً وَبَهْدَلَهْ قَدْ جَلَّلَتْ ...
الْجَنَّانُ: ... أَنَا أَفُضُّ (الشَّقْلَلَهْ) (13)
بِكَلْمَةٍ تَثْني الْفَصِيحَ مُفْحَمَا … الْحَقُّ سَدَّى وَالْبَيَانُ أَلْحَمَا
إِنَّ الْجَمَاعَةَ وَمَا أَسْعَدَهُمْ … وَعَنْ سَبِيلِ السُّوءِ مَا أَبْعَدَهُمْ (14)
أَعْنِي بِهِمْ جَمَاعَةَ التَّعْلِيمِ … وَعُصْبَةَ التَّهْذِيبِ فِي الْإِقْلِيمِ
قَدْ وَضَعُوكَ أَيُّهَا الْمُدِيرُ … فِي رُتْبَةٍ أَنْتَ بِهَا جَدِيرُ
وَفِيهِمُ لِعَارِفِ الْفَضْلِ أُسَى … وَمَنْ يَحِدْ عَنْ نَهْجِهِمْ فَقَدْ أَسَا
الْمُدِيرُ: صَرِّحْ أَبِنْ فَالْخَيْرُ فِي التَّصْرِيحِ … قَدْ تَبْرَأُ الْعِلَّةُ بِالتَّشْرِيحِ
الْجَنَّانُ: أَقُوُلهَا فَصيحَةً صَرِيحَهْ … قَاطِعَةً لِصَاحِبِي مُرِيحَهْ
أَنْتَ امْرُؤٌ تَصْلُحُ لِلرِّئَاسَهْ… وَأَنْتَ أَهْلُ الْحِذْقِ وَالْكِيَاسَهْ
__________
12) هذا اعتراف منه بأنه غير عارٍ من العار.
13) الشقللة: كلمة عامية استعملت تملحًا. وتوجد من نوعها كلمات في الرواية، وكلها متمكنة في مواضعها (ش).
14) يعني جماعة التربية والتعليم وهم أهل لكل مدح.
(2/68)

وَأَنْتَ تَدْرِي بِالْقَضَاءِ الْفَصْلِ … مِنْ أَيْنَ يُؤْكَلُ (الدِّمَاغُ الْمَصْلِي) (15)
وَهَذِهِ فَرْعٌ عَنِ الْإِدَارَهْ … فَخُذْهُمَا بِالْحَقِّ عَنْ جَدَارَهْ
وَهَكَذَا فَلْيَكُنِ الْمُدِيرُ ...
الْجَلَّالِي: ... وَهَكَذَا فَلْيَكُنِ البَنْدِيرِ
الْمُدِيرُ: مَا لَكَ لَا تَفْتَأُ تَزْدَرِينِي … وَبِكَلَامِ السُّوءِ تَعْتَرِينِي
أَمَا عَلِمْتَ أَنَّنِي أَمِيرُكْ … وَأَنَّنِي مِنْ قَبْلِهَا مُديرُكْ (16)
الْجَلَّالِي: كَذَبْتَ بَلْ يَمِيرُنِي لِسَانِي … وَالْعِلْمُ نِعْمَ الذُّخْرُ لِلْإِنْسَانِ
أَمَّا تَرَانِي كُلَّ يَوْمٍ أَكْدَحُ … بِهِ كَأَنِّي فِي صَفَاةٍ أَقْدَحُ
لَوْلَاهُ مَا رَقَقْتُمُ عَلَيَّا … وَلَا تَرَامَى خُبْزُكُمْ إِلَيَّا
وَأَنْتَ لَوْلَاهُ لَمَا عَامَلْتَنِي … وَلَا بِقَوْلٍ طَيِّبٍ جَامَلْتَنِي
بَلْ أَنْتَ لَوْلَاهُ لَمَا عَرَفْتَنِي … وَكُنْتَ فِي بَعْضِ الزُّبَى جَرَفْتَنِي
وَأَنْتَ لَوْلَا حِرْفَتَي حَذَفْتَنِي … وَمِنْ صُخُورِ رَاشِدٍ قَذَفْتَنِي (17)
وَأَنْتَ لَا تَمِيرُ حَتَّى هِرَّهْ … يُشْبِعُهَا مِنَ الطَّعَامَ بُرَّهْ
وَأَنْتَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَمِيرَا … حِمَارَةً تُعْلِفُهَا الغَمِيرَا (18)
الْجَنَّانُ: وَهِمْتَ حَقَّا فِي الَّذِي فَهِمْتَ … وَفِي خَيَالِ الشُّعَرَاءَ هِمْتَ
__________
15) هذا تصرّف منه في المثل وهو: "يعرف مِنْ أَيْنَ تُؤكلُ الكَتِفُ".
16) كلمة أَمِيرُك صالحة بلفظ واحد أن تكون وصفًا من الإمارة. والضمير مضاف إليه. وهذا هو الذي قصد إليه المدير. وأن تكون مضارعَ المتكلمِ. من مَارَ يَمِيرُ إذا جَلَبَ الميرةَ وهي القُوتُ. ومنه قوله تعالى: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا}. وهذا المعنى هو الذي فهمه الْجَلَّالِي وسبق إلى ذهنه، لأنه أقرب إلى تصوّره، وأسبقُ إلى إحساسه. فبنى عليه ذلك الافتنانَ العجيبَ ولله دَرُّهُ. وهذه الكلمة تُستخرج منها عِدة تجنيساتٍ. تقول: أَمِيركَ أعُولُكَ. وتقول: أنا لِعِيَالي أمير. قال الراجز:
وَلي عِيَالٌ وَأَنَا أَمِيرُهُم … أَقُوتُهُمْ في الْمَحْلِ أَوْ أَمِيرُهُمْ
وقال: أَميرُنَا يَمِيرُنَا بِخُبْزَهْ … فَإِنْ طَلَبْنَا غَيْرَهَا فَدَبْزَهْ (*)
وقال: إِنَّ أَبَا عَمْرو غَدَا أَميرَنا … لَكِنَّهُ في الْمَحلِ لَنْ يَمِيرَنَا
وقالَ: لَقَدْ أَطَعْنا أَيُّهَا الأَمِيرُ … بِالصِّدْقِ إِنْ كُنْتَ لَنَا تَمِيرُ
وقال: إِنِّي إذا مَارَ السَّحَابُ مَوْرَا … وَأَصْبَحَ الْمَاءُ الْقَرَاحُ غَوْرَا
أَمِيرُ جِيرَانِي وَأَهْلِي مَيْرا … مُجْتَهِدًا وَلَا أَمِيرُ الطيْرَا
وهذه الأراجيز في الكلمة كلها جاهلية، لراجز في آفلُو مَنْفَاهُ، وهو صاحبُ الروايةِ.
(*) دَبْزة: لَكْمَة.
17) من صخور راشد الخ: هو سيدي راشد الذي تُنسبُ إليه القنطرةُ العجيبة في قسنطينة.
18) الغَمِيرُ: الحشيشُ الدقيقُ الملتفُ حَوْلَ النباتِ الكبير، ولا زالت مستعملةً حتى الآن، وقد أدخلناها في كتاب "بقايا فصيح العربية في اللسان العامي".
(2/69)

إِنَّ الرَّئِيسَ يَا أَبَا عُمَارَهْ … لَمْ يُرِدِ الْمَيْرَ بَلِ الإِمَارِهُ
سِيَاقُهُ عَلَى الْمُرَادِ مُشْتَمِلْ … وَلَفْظُهُ لِلْمَعْنَيَيْنِ مُحْتَمِلْ
الْجَلَّالِي: وَاحَرَبَا فَهَذِهِ أَكْبَرُ مِنْ … تِلْكَ وَبِادُعَائِهَا أَنَا قَمِنْ
فَانْظُرْ تَجِدْ مَخَايِلَ الإِمَارِهْ … فِي هَيْأَتِي وَاضِحَةَ الأَمَارَهْ
وَلَوْ صَحَا الدَّهْرُ لَكُنْتُ مَلِكَا … وَمَا نَهَجْتُ شَرَّ نَهْجٍ سُلِكَا (19)
وَأَرْضُنَا ضَمَّتْ رُفَاتًا لِنَبِي … فَإِنْ طَلَبْتُ الْمُلْكَ لَمْ أُؤَنِّبِ (20)
أَمَّا الْمُدِيرُ فَأَرَاهُ يَدَّعِي … مَا لَا يُوَاتِيهِ كَدَعْوَى الضِّفْدَعِ (21)
أَغَرَّهُ أَنْ كَانَ مِنْ قَجَّالِ … وَأَنَّهَا بِالْقُرْبِ مِنْ أَقْجَالِ (22)
وَهْيَ مَجَالُ النَّزْعَةِ الدَّعِيَّهْ … وَمُسْتَرَادُ الدَّعْوَةِ الشِّيعِيَّهْ
جِبَالُهَا كَانَتْ كَمِثْلِ الْمَهْدِ … لِحِفْظِ مُلْكِ الْفَاطِمِيِّ الْمَهْدِي
هَيْهَاتَ مَا أَقْجَالُ مِنْ قَجَّالَ … إِلَّا كَجَزْلِ الشِّعْرِ فِي الْأَزْجَالِ
وَأَهْلُ قَجَّالٍ إِذَا تَسَامَوْا … لِلْمَجْدِ عَنْ مِنْهَاجِهِ تَعَامَوْا
يَأْتُونَ فِي فَخَارِهِمْ بِمَسْعُودْ … كَمَنْ أَتَى الْوَغَى بِسَيْفٍ مِنْ عُودِ (23)
وَذِكْرَهُ فِي الذِّكْرِ غَيْرُ مَشْهُودْ … وَلَيْسَ فِي تَارِيخِنَا بِالْمَعُهُودْ
يَدْعُونَهُ يَا قَالِعَ الْفُرْسَانِ … وَجَالِبَ الْأُسُودِ فِي الْأَرْسَانِ
لَغْوٌ مِنَ الْمَيْنِ الصُّرَاحِ قَدْ جَرَى … عَلَىَ لِسَانِ الْجَاهِلِينَ قَدْ سَرَى (24)
وَلَمْ يُزَحْزِحْ أَكُفَلًا عَنْ سَرْجِهِ … وَلَا اسْتَفَزَّ ثَعْلَبًا مِنْ حَرْجِهِ (25)
وَفَخْرُهُمْ فِي عَصْرِنَا بِاثْنَيْنِ … مِنْ خِيرَةِ الرِّجَالِ دُونَ مَيْنِ
__________
19) شر نهج في نظره هو التعليم، ولم يدر أن التعليم كثيرًا ما كان طريقًا إلى الإمارة ووضع صاحبها المطرقة ليرفع الصولجان.
20) النبي الذي يعنيه هو خالدُ بنُ سِنَان العَبْسي الذي تقول الأساطير إن قبرَه على أميال من قرية "أولاد جلّال".
21) دعوى الضفدع أقصوصة من أقاصيص الرافعي.
22) أقْجَال قرية قرب سطيف، لا تزال أطلالُها ماثلةً وهي التي اختارها أبو عبد الله الشيعيّ، الداهيةُ لِبَدْءَ دَعْوتِهِ بين برابرة كتامة، وكانوا يُسمّونها "دار الهجرة" تسميةً ذاتَ مَغْزىً سياسي.
23) سيدي مسعود ينسب إليه الجامع الأعظم بقرية قَجَّال، ويقول عنه العامة والطلبة: أن سيدي عبد الرحمن الأخضري تَخَرّج منه. والقَجَّالون يحلفون به من دون الله ويقولون: "وحقّ سيدي مسعود قلَّاع الفُرْسان".
24) المين: الكذب (ج).
23) الأكْفَلُ: هو الذي لا يتمالك في ركوب الخيل.
(2/70)

لَكِنَّهُمْ شَانُوهُمَا بِالْإِسْمِ … وَالْإِسْمُ لِلرِّجَالِ مِثْلُ الْوَسْمِ (26)
فَفَارِسُ الْخَيْلِ دَعَوْهُ الْكُسْكُسَا … كَأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ كُسْ كُسَا (27)
وَفَارِسُ الْعِلْمِ نَمَوْهُ عَمْدَا … لِأَحْمَدُوشَ وَعَدَوْهُ الْحَمْدَا
الْمُدِيرُ: أَسْرَفْتَ فِي النَّبْزِ وَلَمْ تَرْعَ الْأَدَبْ … وَالْمَرْءُ إِنْ أَجْدَبَ عَقْلُهُ جَدَبْ
وَأَنْتَ وَغْدٌ مِنْ بَنِي جَلَّالِ … فَهَلْ سَأَلْتَ الْعُرْبَ عَنْ جَلَّالِ؟
وَهْوَ الَّذِي يَقْتَاتُ مَحْضَ الْعَذِرَهْ … وَالْفَضَلَاتِ النَّجِسَاتِ الْقَذِرَهْ
وَمِنْهُ جَاءَتْ صِفَةُ الْجَلَّالَهْ … وَأَكْلُهَا يَحْرُمُ فِي ذِي الْحَالَهْ
وَطُولُ أَنْفِكَ مِنَ الشُّهُودِ … عَلَى امْتِدَادِ الْعِرْقِ ...
الْجَنَّانُ: ... فِي الْيَهُودِ
الْمُدِيرُ: مَا قُلْتُهَا أَنَا وَلَكِنْ قَالَهَا … زَمِيلُكَ الغِرُّ وَمَا اسْتَقَالَهَا
الْجَنَّانُ: مَا قُلْتُ إِلَّا مَا رَمَى إِلَيْهِ … مَعْنَاكَ أَوْ دَلَلْتَنِي عَلَيْهِ
وَالطُّولُ وَالْأَنْفُ مَعًا وَالْقَافِيَهْ … قَرَائِنٌ بِالْقَصْدِ مِنْكَ وَافِيَهُ
الْجَلَّالِي: الشِّرْكُ لَا يَدْفَعُ عَنْكُمَا الدَّرَكْ … وَالذَّنْبُ بَيْنَ الْقَائِلَيْنِ مُشْتَرَكْ
وَلَا أَشُكُّ أَنَّ ذَا الْأَمِيرَا … قَدْ كَانَ يَرْعَى الْمَعْزَ وَالْحَمِيرَا
فَمِنْهُمَا اكْتَسَبَ هَذَا اللُّطْفَا … حَتَّى ثَنَى مِنْهُ الدَّلَالُ الْعِطْفَا
الْمُدِيرُ: الْجَهْلُ قَدْ يُبْدِي مِنَ السَّفِيهِ … كُلَّ الَّذِي مِنَ الْعُيُوبِ فِيهِ
فَقُلْ لَنَا يَا حَارِسَ الْمَرَابِدِ … أَأَنْتَ لِلْعَبِيدِ أَمْ لِلْعَابِدِ!
الْجَلَّالِي: زَنَنْتَنِي (28) ...
الْجَنَّانُ: ... فَاطْلُبْ لَهُ الْحُدُوْدَا … وَاسْتَصْرِخِ الْقَاضِيَ وَالشُّهُوَدَا
وَزُجَّهَا قَضِيَّةً فِي الْمَحْكَمَهْ … جَارِيَةً عَلَى النُّصُوصِ الْمُحْكَمَهْ
وَحَرِّرِ التُّهْمَةَ فِي مَقَالِ … وَاذْهَبْ بِهَا لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْعَالِي
وَخُذْهُ بِالْعَزْمِ عَلَى التَّسْجِيلِ … وَبِصُدُورِ الْحُكْمِ بِالتّعْجِيلِ
فَإِنْ أَخَذْتَ فَالْجَزَاءُ الْجَلْدُ … يُشَانُ مِنْهُ عَظْمُهُ وَالْجِلْدُ
__________
26) الوَسْمُ: العلامة.
27) نشأ في قجّال في هذه العهود الأخيرة رجلان أحدهما اشتهر بالرئاسة والفروسية والشجاعة والكرم، وهو الذوادي بن الكسكس. والآخر بالفقه والخير وهو الشيخ بن الصديق بن حمادوش، ولم أدركهما وإنما أدركت أولادهما يعني ابن العابد.
28) الزَّنُّ هو الرمْي بالريبة، وهو أوسع دلالة من كلمة القذف في معناها الشرعي.
(2/71)

وَإِنْ عَفَوْتَ فَاطْلُبِ (الدُّومَاجَا) (29) … وضَمِّنَ الْخُبْزَةَ (وَالْفُرْمَاجَا) (30)

هُنَا يَتَشَاغَلُ الْمُدِيرُ بِقِرَاءَةِ أَوْرَاقٍ مُسْتَعْجَلَةٍ فِيَتَهَامَسَانِ:
الْجَنَّانُ: وَهَاكَ مِنِّي كَلْمَةً فِي سِرِّكْ … أَقْضِي بِهَا مَا فَاتَنِي مِنْ بِرِّكْ
إِنَّ الْخَبِيثَ يَكْنِزُ الدَّرَاهِمْ … وَإِنْ بَدَا مِثْلَ الْخَرُوفِ الرَّاهِمْ
الْجَلَّالِي: مِنْ أَيْنَ يَأْتِي الْمَالُ لِلْقَجَّالِي … وَحَالُهُ فِي الْهَمِّ مِثْلُ حَالِي؟
الْجَنَّانُ: لَقَدْ قَضَى زَمَانَهُ حَزَّابَا … مِثْلِيَ مُذْ كُنَّا مَعًا عُزَّابًا
ثُمَّ عُزِلْتُ وَاسْتَمَرَّ يَمْرِي … جِرَايَةً تُجْرَى لِكُلِّ شَهْرِ
وَهْوَ بَخِيلٌ لَا يَكَادُ يُنْفِقُ … كَالدُّودِ يَقْتَاتُ الثَّرَى وَيُشْفِقُ (31)
الْجَلَّالِي: ذَكَّرْتَنِي بِهَذِهِ الْوَظِيفَهْ … فَإِنَّهَا فِي وَضْعِهَا سَخِيفَهْ
وَلَوْ حَبَوْنِي قَرْطَةً وَالزَّابَا (32) … مَا كُنْتُ فِي أَحْزَابِهِمْ حَزَّابَا (33)
الْجَنَّانُ: لَوْ ذُقْتَ مَا ذُقْنَا مِنَ الْحَلَاوَهْ … لَزِدْتَ عَمَّا رَتَّبُوا عِلَاوَهْ
وَلَقَرَأْتَ خَمْسَةً بِفَلْسِ … وَالسِّرُّ فِي قَبْضِ الرِّقَاقِ الْمُلْسِ (34)
إِنَّ الْوَظِيفَ قَهْوَةٌ بِالسُّكَّرِ … أَوْ خَمْرَةٌ إِنْ لَمْ تُمَوِّتْ تُسْكِرِ
الْجَلَّالِي: لَكِنَّهَا مَجْلَبَةٌ لِلذُّلِّ … وَلِلْمَهَانَةِ الَّتِي تُدَلِّي
وَلِخُضُوعِ الرَّأْسِ للْأَذْنَابِ … وَلاِتِّضَاعِ الْأَسْتِ لِلْأَطْنَابِ
وَأَنَّهَا مَخْرَسَةٌ لِلْأَلْسُنِ … عَنْ كَلْمَةِ الْحَقِّ وَقَوْلِ الْأَحْسَنِ
الْجَنَّانُ: إِذَا قَبَضْتَ الرَّاتِبَ الشَهْرِيَّا … نَبَذْتَ مَا ذَكَرْتَهُ ظِهْرِيَّا
وَعُدْ لِمَا سِيقَ لَهُ الْحَدِيثِ … مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْتَبِهَ الْخَبِيثُ
الْجَلَّالِي: لَأَفْعَلَنَّ فَاحْفَظِ الشَّهَادَهْ … حَتَّى يُقِضَّ حِفْظُهَا مِهَادَهُ
وَادِّهَا فِي الْوَقْتِ كَالْعِبَادِهْ ...
الْجَنَّانُ: ... بِذَاكَ أَوْصَى رَبُّنَا عِبَادَهْ
الْجَلَّالِي: وَقَدْ عَرَفْنَا خَصْمَنَا اللَّدُودَا … فَأَوْلِهِ الْإِعْرَاضَ وَالصُّدُودَا
وَجَازِهِ قَطِيعَةً وَهَجْرَا … فَإِنَّ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْهُ أَجْرَا
__________
29) الدُّوماجا: كلمة فرنسية معناها الخسارة.
30) الفُرْماجا: كلمة فرنسية معناها الجُبْن ...
31) كالدود الخ مثل عامي معرب. ويُشفق مستعملة في معنى عامي غير فصيح.
32) قرطة: اسم قسنطينة القديم. والزاب: منطقة في صحراء الجزائر.
33) حزَّابا: قارئ ورد الحزب القرآني في المسجد بأجرة.
34) الرقاف الملس: أوراق النقد.
(2/72)

مَا زَالَ مِنْ دَلَالِهِ عَلَيْنَا … يُجْهِدُ فِي جَرِّ الْأَذَى إِلَيْنَا
حَتَّى رَمَاهُ اللهُ مِنِّي بِخَصِمْ … لَا يَنْثَنِي عَنْ خَصْمِهِ أَوْ يَنْقَصِمْ
الْجَنَّانُ: دَاكُورُ (35) ...
الْجَلَّالِي: ... يَا أَخِي وَمَا مَعْنَى دَاكُورْ؟ فَإِنَّنِي لِلَفْظِهَا غَيْرُ ذَكُورْ
الْجَنَّانُ: إِنْ لَمْ أُعِنْ أَخِي أَكُنْ غَيْرَ شَكُورْ … لِفَضْلِهِ وَكُنْتُ لِلْعُرْفِ نَكُورْ
وَكُنْتُ أَهْلًا لِلْجَفَاءِ وَالْمَلَامْ … وَالِاحْتِقَارِ الزُّمَلَاءِ ...
الْجَلَّالِي: ... وَالسَّلَامْ
وَعِشْتَ يَا جَنَّانُ وَانْتَعَشْنَا … وَإنْ عَلَا السِّنُّ فَلَا ارْتَعَشْنَا

يَفْرَغُ الْمُدِيرُ فَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِمَا:
الْمُدِيرُ: وَيْحَكُمَا أَتَجْهَلَانِ النَّحْوَا؟ … وَتَسْأَلَانِ بِالثُّبُوتِ الْمَحْوَا
وَتَفْهَمَانِ الْأَمْرَ بِالْمَقْلُوبِ … وَالْجَهْلُ حَظُّ الْخَاسِرِ الْمَغْلُوبِ
فَأَيْنَ مِنْكُمْ صَنْعَةُ الْبَيَانِ … وَسِرُّهَا الْمُودَعُ فِي الْأَذْهَانِ؟
وَأَيْنَ مَا صَرَفْتُمَا مِنْ زَمَنِ … فِي جَدَلٍ مِثْلَ الْمَخَاضِ الْمُزْمِنِ؟
وَأَيْنَ مَا تَسْتَفْرِغَانِ فيهِ … جُهْدَكُمَا مِنْ غَرَضٍ نَبِيهِ؟
وَأَيْنَ مَا ضَيَّعْتُمَا مِنْ عُمْرِ … فِي ضَرْبِ زَيْدٍ لِأَخِيهِ عَمْرِو؟
وَلَوْ دَرَسْتُ عُشْرَ مَا دَرَسْتُمَا … لَمْ أَجْرُشِ الشَّرْيَ الَّذِي جَرَشْتُمَا
أَخْطَأْتُمَا مَوَاقِعَ الْإِصابَهْ … وَوَضْعَهَا فِي النُّطْقِ وَالْكِتَابَهْ
وَأَنْتَ يَا ابْنَ الْعَابِدِ اخْتِصَاصِي … تَشِيمُ بَرْقَ الْفَهْمِ مِنْ خَصَاصِ
وَأَنْتَ مِنْ حَمَلَةِ الْأَقْلَامِ … وَأَنْتَ لَا تُحْسِنُ رَسْمَ اللَّامِ (36)
الْجَنَّانُ: أُحْجِيَّةٌ جَاءَ بِهَا الرَّئِيسُ … لَا يَسْتَطِيعُ حَلَّهَا إِبْلِيسُ
الْمُدِيرُ: قَدْ قُلْتُ ذَاكَ الْقَوْلَ في أَدِيبِنَا … وَمُسْتَحِقِّ الْفَضْلِ فِي تَأْدِيبِنَا
جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةِ الْإِنْشَاءِ … تَحْبيرَ طَرَّازٍ لَهَا وَشَاءَ
وَلَمْ أُرِدْ بِالْجُمْلَةِ الْإِخْبَارَا … وَإنَّمَا أَرَدْتُ الِاسْتِخْبَارَا
فَهْوَ كَلَامُ السَّائِلِ الْمُسْتَفْهِمِ … عَنْ غَرَضٍ فِي ذِهْنِهِ مُسْتَبْهِمِ
__________
35) داكور: كلمة فرنسية معناها موافق.
36) اللّام: الشخص. واللّام: الحَرْفُ. وكل منهما تأتي معه كلمة الرسم. ورسمُ الشخص: هو تصويرُه. ولذلك جاء الإلْغاز متمكنًا، فالمدير يريد أن ابن العابد، وإن كان كاتبًا، لكنه لا يُحسن التصوير اليدوي للأشخاص، لأنه لكل فن رجاله. فجاء بهذه التورية البديعية التي تفطن لها الْجَنَّانُ.
(2/73)

وَحُجَّتِي فِيهِ كَلَامُ الْعَرَبِ … وَنَحْوُهُمْ وَالضَّرْبُ غَيْرُ الضَّرَبِ (37)
الْجَلَّالِي: يَا عَجَبَا تَقْذِفُنِي بِالرَّيْبِ … وَتَنْتَحِينِي بِعَظِيمِ الْعَيْبِ
ثُمَّ تَجِي بِالْعُذْرِ وَالتَّأْوِيلِ … فِي مَنْطِقٍ مَا فِيهِ مِنْ تَعْوِيلِ
وَفِي كَلَامِكَ مِنَ التَّغْرِيرِ … لِلْقَذْفِ مَا جَلَّ عَنِ التَّبْرِيرِ
وَالْحُرُمَاتُ بَيْنَنَا قِصَاصُ … وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَهُ اخْتِصَاصُ
الْمُدِيرُ: أُطلُبْ وَطَالِبْ وَاجْتَهِدْ وَخَاصِمِ … فَعَاصِمِي مِنْ شَرِّكَ ابْنُ عَاصِمِ
أَمَا قَرَأْتَ قَوْلَهُ فِي الْبَابِ … عَنْ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ الْأَنْجَابِ
(وَيُدْفَعُ الْحَدُّ بِالِاحْتِمَالِ … فِي قَالَةِ الْقَذْفِ وَبِالْإِجْمَالِ)
(وَبِالْكِنَايَةِ وَبِالْإِبْهَامِ … وَمِثْلُهُ الْإِنْشَا بِالِاسْتِفْهَامِ)
(وَشِدَّةُ الْخَفَاءِ فِي الدِّلَالَهْ … كَيَا غُرَابُ أوْ كَيَا ثُعَالَهْ)
(وَكُلُّ ذَا لِمَا رَوَى الْجُدُودُ … بِالشُّبُهَاتِ تُدْرَأُ الْحُدُودُ)
الْجَنَّانُ: يَا سَادَتِي يَا إِخْوَتِي يَا زُمَلَا … أَمَا تَخَافُونَ افْتِضَاحًا فِي الْمَلَا؟
هَذِهِ الْمُلَاحَاةُ إِذَا مَا شَاعَتْ … بَيْنَ الْوَرَى وَاشْتَهَرَتْ وَذَاعَتْ
فَإِنَّهَا حَيَاتُنَا تَدَاعَتْ … أَرْكَانُهَا وَخَسِرَتْ وَضَاعَتْ
أَمَّا إِذَا انْتَهَتْ إِلَى التَّدَاعِي … تَرْفُلُ فِي ثَوْبٍ مِنَ الْإِقْذاعِ
وَأُعْلِنَتْ بِمَا بِهَا مِنْ فُحْشِ … فِي مَنْطِقِ الْإِنْسِ وَفِعْلِ الْوَحْشِ
فَالْقَبْرُ خَيْرٌ وَأَخَفُّ وَقْعَا … مِنَ الْحَيَاةِ وَافْتِرَاشِ الدَّقْعَا
إِنِّي أَرَى شَرًّا يُطِيرُ شَرَرَهْ … وَسَوْفَ نَجْنِي غِبَّهُ وَضَرَرَهْ
وَأَوَّلُ النَّتَائِجِ الْمُحَقَّقَهْ … تَضْيِيعُنَا لِلْخُبْزَةِ الْمُرَقَّقَهْ
وَنَحْنُ قَوْمٌ عَيْشُنَا بِالذِّكْرِ … وَلَا كَعَيْشِ الْفُقَرَا (بِالذِّكْرِ)
وَعَيْشُنَا رِبْحٌ وَرَأْسُ الْمَالِ … فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَالِاحْتِمَالِ
فَإِنْ عَدَتْنَا السِّيرَةُ الْحَمِيدَهْ … فَكَيْفَ نَغْدُو قُدْوَةً رَشِيدَهْ
وَأَنْتُمُ مُسْتَوْدَعُ الْفَضَائِلِ … وَحَامِلُو تَرِكَةِ الْأَوَائِلِ
وَأَنْتُمُ النُّورُ لِهَذِي الْأُمَّهْ … فَمَنْ يُنِيرُ إنْ عَرَتْكُمْ ظُلْمَهْ؟
أَنْتُمْ سِمَاتُ الْحَقِّ فِي أَغْفَالِهَا … وَأُمَنَاءُ اللهِ فِي أَطْفَالِهَا
وَالْجِيلُ عَنْ مِرْآتِكُمْ يَنْعَكِسُ … فَسَابِقٌ لِلْفَضْلِ أَوْ مُرْتَكِسُ
أَخْلَاقُكُمْ فِي النَّاشِئِينَ تَنْطَبعْ … فَحَاذِرُوا مِنْ أَنْ يُرَى فِيهَا طَبِعْ
__________
37) في الأبيات الثلاثة احتجاجٌ من المدير مُفْحِمٌ. والضرْب بالسكون معروف، والضرَب بفتح الراء: العسل، وشتّان ما بينهما وهذا تمثيل.
(2/74)

وَإنَّمَا صِغَارُهَا أَمَانَهْ … نَبْغِي لَهَا الصِّدْقَ وَنَحْنُ مَانَهْ
وَفِيهِمُ الْحَصَاةُ وَالْجُمَانَهْ … وَرُشْدُهُمْ في عُنْقِنَا ضَمَانَهْ
وَإنَّمَا بَقَاءُ هَذِي الْأُمَّهْ … مَا بَقِيَتْ بِفَضْلِكُمْ مُؤْتَمَّهْ
وَإِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ بِالْخُلُقِ … يَنْشَقُّ فِي ظَلْمَائِهَا كَالْفَلَقِ
فَرَاقِبُوا الرَّحْمَنَ وَالْعِيَالَا … وَنِعْمَةً نَخْشَى لَهَا الزِّيَالَا
وَرَاغِمُوا إِبْلِيسَ بِالتَّسَامُحِ … وَالْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ والتَّصَافُحِ
وَكُلُّ شَرٍّ جَرَّهُ الْعِتَابُ … بَيْنَكُمُ فَسِتْرُهُ الْمَتَابُ
وَرَاجِعُوا نُفُوسَكُمْ حَتَّى تَفِي … لِنُقْطَةِ الْحَقِّ وَبِالْعَهْدِ تَفِي
الْمُدِيرُ: فَلْنَسْتَعنْ بِرَبِّنَا الْمَنَّانِ … وَلْنَتَّبِعْ نَصِيحَةَ الْجَنَّانِ
فَإِنَّهَا نَصِيحَةٌ مُفيدَهْ … تَجْتَثُّ تِلْكَ النفْرَةَ الْمُبِيدَهْ
الْجَلَّالِي: وَإنَّها كَالتِّبْرِ فِي التُّرَابِ … وَإنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي الخَرَابِ
وَإنَّها دِلَالَةُ الْغُرَابِ … وَإنَّهَا رَقْرَقَةُ السَّرَابِ
الْمُدِيرُ: بَلْ إِنَّهَا كَبَارِدِ الشَّرَابِ … لِلْكَبِدِ الْحَرَّى مِنَ الْحِرَابِ
أَوْ هِيَ سَيْفٌ سُلَّ مِنْ قِرَابِ … لَمْ يَنْثَلِمْ مِنْ كَثْرَةِ الضِّرَابِ
أَوِ الْغَوَانِي الخُرَّدِ الْعِرَابِ … جُلِيْنَ لْلْعُرْسِ عَلَى الزَّرَابِي
الْجَلَّالِي: لَسْتُ أُرِيدُ الحَطَّ مِنْ قَدْرِ الزَّمِيلْ … وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ مَحْبُوبٌ جَمِيلْ
بَلْ تِلْكَ مِنْهُ عَادَةٌ وَمِنِّي … أُغْضِبُهُ عَمْدًا وُيُغْضِي عَنِّي
وَوَعْظُهُ كَانَ لَهُ الْوَقْعُ الْحَسَنْ … قَدْ قَادَ نَفْسِي لِلرَّشَادِ بِرَسَنْ
الْمُدِيرُ: أَنَا سَحَبْتُ كَلْمَتِي وَأَنْتَا؟ ...
الْجَلَّالِي: ... أَنَا سَمَحْتُ وَالرَّئِيسُ أَنْتَا
لَكِنَّنِي لَا أَتْرُكُ الْمُعَارَضَهْ … وَلَا أُجِيزُ فِي الثَّنَا المُقَارَضَهْ
الرَّئِيسُ: بُورِكْتُمَا فَانْصَرِفَا وَسَجِّلَا … رِئَاسَتِي وَأَسْرِعَا وَعَجِّلَا
وَالْحَمْدُ للهِ خِتَامُ الْجَلْسَهْ … فَقَدْ مَضَتْ مَعَ طُولِهَا كَالْخُلْسَهْ
أَرْفَعْهَا الْيَوْمَ لِأَجْلِ الصُّلْحِ … وَفي غَدٍ أَنْصِبُهَا بِالْفَتْحِ
فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ وَالتَّارِيخِ … كَأنَّنَا فِي عَالَمِ الْمَرِّيخِ
(2/75)

الجلسة الثانية
الْمَشْهَدُ الثَّانِي: الثَّلَاثَةُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ:
الرَّئِيسُ: الْحَمْدُ للهِ افْتِتَاحُ الْعَمَلِ … وَالشُّكْرُ للهِ بُلُوغُ الْأَمَلِ
الْجَلَّالِي: لَا تَتْرُكِ الْمَأْثُورَ مِنْ قَوْلِ السَّلَفْ … فَكُلُّ شَرِّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
وَابْدَأْ بِبِسْمِ اللهِ فِي الْإِقْبَالِ … أَلَيْسَ فِي اجْتِمَاعِنَا ذُو بالٍ؟
الْجَنَّانُ: بَلْ فِيهِ ذُو بَالٍ وَذُو مَبَالِ … وَحَبَّذَا لَوْ كُنْتَ ذَا سِبَالِ
يَاضَيْعَةَ الْأَوْقَاتِ تَمْضِي فِي الْجَدَلْ … وَالْوَقْتُ إِنْ ضَاعَ فَمَا عَنْهُ بَدَلْ
اِبْدَأْ بِذِكْرِ اللهِ مُطْلَقًا وَلَا … تَسْمَعْ كَلَامَ الشَّيْخِ فِيمَا أَوَّلَا
الرَّئِيسُ: وَبَعْدَ ذَا نَشْرَعُ فِي الْمَقْصُودِ … مِنْ عَمَلٍ مُرَتَّبٍ مَرْصُودِ
وَأَوَّلُ الْمَرْسُومِ فِي ذَا الْجَدْوَلِ … تَوْضِيحُ شَيْءٍ نَافِعٍ لَكُمْ وَلِي
فَلْتَعْلَمُوا وَلَسْتُ ذَا افْتِتَانِ … أَنَّ الرَّئِيسَ صَوْتُهُ صَوْتَانِ
الْجَلَّالِي: نَعَمْ نَعَمْ وَمَوْتُهُ مَوْتَانِ … وَقُوتُهُ بَيْنَ الْوَرَى قُوتَانِ
نَعَمْ لَوْ أَنَّ حَلْقَهُ حَلْقَانِ … وَخَلْقَهُ فِيمَا نَرَى خَلْقَانِ
الْجَنَّانُ: تَثَبَّتُوا فَلَسْتُمُ تَلَامِذَهْ … وَحَكِّمُوا الْمَنْطِقَ يَا أَسَاتِذَهْ

يَلْتَفِتُ إِلَى الرَّئِيسِ
يَا سَيِّدِي أَنْتَ الرَّئِيسُ حَقَّا … وَإنَّمَا أُعْطِيتَ هَذَا الْحَقَّا
لِيَحْصُلَ التَّرْجِيحُ فِي حَالِ اللَّدَدْ … مَعَ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ فِي الْعَدَدْ
أَمَّا هُنَا فَإِنَّنَا وِتْرٌ وَلَا … دَاعِيَ لِلتَّرْجِيحِ عِنْدَ الْعَدَدْ
فَإِنْ عَرَضْتَ صُورَةً فَقُلْتُ (وِي) (38) … وَقُلْتُمَا مِثْلِي فَرَأْيٌ مُسْتَوِي
وَإنْ أَبَاهَا صَاحِبِي فَقَالَ (نُو) (39) … فَبَيْنَنَا فِيهَا خِلَافٌ مُعْلَنُ
فَصَوْتُكَ الْوَاحِدُ قَدْ يُؤًيِّدُ … رَأْيًا مِنَ الرَّأْيَيْنِ أَوْ يُفَنِّدُ
وَرَأْيُكَ الثَّانِي اطْوِهِ فِي الْحَوْصَلَهْ … وَاجْعَلْ لِعَقْلِكَ بِمَنْ صَحَوْا صِلَهْ
إِلَّا إِذَا كَانَ لَكُمْ رَأْيَانِ … فِي الْمَطْلَبِ الْوَاحِدِ يُرْعَيَانِ
وَكُنْتَ تَنْفِي الْأَمْرَ ثُمَّ تُثْبِتُهْ … أَوْ تَقْلَعُ الْعُسْلُوجَ ثُمَ تُنْبِتُهْ
فَهَذِهِ سُخْرِيَّةٌ وَهَزْلُ … وَالرّفْضُ حَقٌّ بَعْدَهَا وَالْعَزْلُ
الرَّئِيسُ: دَعْنَا مِنَ الْهَزْلِ وَمِنْ عَزْلٍ وَمِنْ … سَفَاسِفٍ لَسْتُ بِهَا فِيكُمْ قَمِنْ
__________
38) وي: كلمة فرنسية معناها نَعَم.
39) نو: كلمة فرنسية معناها لا.
(2/76)

وَإنَّنِي أَحْبُوكَ بِاسْمِ الْمَجْلِسِ … شُكْرًا كَمَا انْشَقَّ الضِّيا فِي الْغَلَسِ
وَقَدْ أَفَدْتَنَا بِهَذا الدَّرْسِ … وَقَدْ غَرَسْتَ الْعِلْمَ أَيَّ غَرْسِ
وَقَدْ شَرَحْتَ، (بَارَكَ اللهُ عَلَيْكْ) … حَقَائِقًا لَمْ نُلْفِهَا إِلَّا لَدَيْكْ
الْجَلَّالِي: أَمَّا أَنَا فَلَا أَقُولُ حَرْفَا … فِي شُكْرِهِ، وَالْمُرْسلَاتِ عُرْفَا
فَمَا سَمِعْتُ غَيْرَ تَطْوِيلِ الْجُمَلْ … فِي مِثْلِ مَاقَالُوهُ فِي حَرْثِ الْجَمَلْ
وَأَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ السَّفَاسِفْ … حَتَّى يَؤُودَ حَمْلُهَا الشَّرَاسِفْ؟
وَأَيُّ عِلْمٍ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ … وَكُلُّ الْأَغْمَارِ لَهَا حُفَّاظُ؟
وَأَيُّ فَضْلٍ لِلَّذِي يَعْرِفُ مَا … يَفْغَرُ كُلُّ نَاطِقٍ بِهِ الْفَمَا؟
صَغَائِرٌ يَعْرِفُهَا النُّوَّابُ … قُلِّيُّهُمْ وَالتَّيْسُ وَالْغُرَابُ (40)
مِنَ اْنِتَخَابَاتٍ وَأَغْلَبِيَّهْ … وَكُلُّهُمْ فِي الشَّكْلِ لَوْلَبِيَّهْ
مَصَائِدٌ لِلْأَنْفُسِ الْأًبِيَّهْ … وَخُدَعٌ لِلْأُمَمَ الْغَبِيَّهْ
وَآفةٌ لِلْعَقْلِ وَالضَّمِيرِ … أَلْحَقَتِ الْإِنْسَانَ بِالْحَمِيرِ
وَقَدْ أَضَلَّتْ أُمَمًا فَزَلَّتْ … وَمِنْ عُلَا سَمَائِهَا تَدَلَّتْ
يَخْتَالُ كُلُّ مَنْ لَهُ افْتِتَانُ … بِحُبِّهَا وَهْوَ بِهَا يَخْتَانُ
خِبَاؤُهَا لَيْسَ لَهُ تِمْتَانُ … وَعَيْثُهَا لَا غَيْثُهَا هَتَّانُ
وَرُوحُهَا التَّضْلِيلُ وَالْبُهْتَانُ … وَقَدْ مَحَاهَا شَيْخُنَا (بِيتَانُ) (41)
لَوْ لَمْ يَجِئْ بَعْدَ خَرَابِ الْبَصْرَهْ … وَفَقْدِ كُلِّ أَمَلٍ فِي النُّصْرَهْ
وَمَحْوُهَا أَرَاحَنَا مِنْ قَوْمِ … مِنَّا غَلَوْ فِي اللُّؤْمْ لَا فِي السَّوْمِ
قَدْ مَلَكَتْهُمْ فِتْنَةُ الْكَرَاسِي … فَأَصْبَحَ الْجَارِي بِهِمْ كَالرَّاسِي
وَمَحْوُهَا أَثْبَتَ أَنَّ الشَّرَّا … فِيهَا وَفِي أَصْحَابِهَا اسْتَقَرَّا
الْجَنَّانُ: ذَهَبْتَ مِنِّي مَذْهَبًا بَعِيدَا … وَصَارَ وَعْدِي كُلُّهُ وَعِيدَا
أَنَا شَرَحْتُ الْحَقَّ بِالْإِيضَاحِ … وَلَمْ أُبَالِ مَا يَقُولُ اللَّاحِي
وَأَنْتَ فِي بَابِ الحُقُوقِ مُلْحِدُ … تَسْتَيْقِنُ الْفَضْلَ وَلَكِنْ تَجْحَدُ
لَكِنْ ...
الْجَلَّالِي: ... أَنَا لَمْ أَسْتَفِدْ نَتِيجَهْا … صَادِقَةً كَالْغَرْسِ في مَتِّيجَهْ (42)
__________
40) القلي: نائب تقلّب في عدة مناصب بسطيف. والتيس نائب أيضا ويدعى بومعزة. والغراب نائب آخر يسمّى معمر بن غراب.
41) بيتان: هو الماريشال بيتان رئيس فرنسا في أثناء الحرب العالمية الثانية.
42) متيجة: سهلٌ قريب من مدينة الجزائر.
(2/77)

فَهَلْ أُفَدِّي مُنْبِطًا لَمْ أَجْنِ … مِنْ مَائِهِ غَيْرَ صَرَى وَأَجْنِ؟ (43)
وَهَلْ أُزَكِّي بَانِيًا لَمْ يَبْنِ … إِلَّا بِرَمْلٍ هَائِرٍ وَتِبْنِ؟ (44)
وَهَلْ أُهَنِّي زَارِعًا بِمَا زَرَعْ … مِنْ حَنْظَلٍ إِنِّي إِذًا نِكْسٌ وَرَعْ؟ (45)
الرَّئِيسُ: لَكِنْ ...
الْجَلَّالِي: ... أُهَنِّيكَ عَلَى التَّبْكِيتِ … لِرَأْسِنَا وَبَارِعِ التَّنْكِيتِ
وَرَأْسُنَا الرَّئِيسُ لَيْسَ يَفْقَهُ … شَيْئًا عَدَا فِي الِارْتفَاعِ أُفْقَهُ (46)
الرَّئِيسُ: لَكِنْ ...
الْجَلَّالِي: ... وَأَنْتَ يَا أَخِي مَعْذُورُ … لَوْ لَمْ يَكُنْ يَشْمَلُنِي الْحُضُورُ
الرَّئِيسُ: دَعْ ذَا وَلَكِنْ ...
الْجَلَّالِي: ... أَنْتَ دَعْ وَلَكِنِ … فَإِنَّهَا مَأْوَى اللِّسَانِ الْأَلْكَنِ
وَإنَهَا مِنْ أَضْيَقِ الْمَسَاكِنِ … وَإنَهَا مِنْ أَخْبَثِ الْمَرَاكِنِ
الرَّئِيسُ: لَكِنْ بَدَا لِي أَنْ نَزِيدَ عُضْوَا ...
الْجَلَّالِي: ... أَثْقَلُ. قَبْلَ ذِكْرِهِ. مِنْ رَضْوَى
الرَّئِيسُ: لَا بَلْ أَرَقُّ مِنْ نَسِيمِ السَّحَرِ … هَبَّ بِأَنْفَاسِ الْعَبِيرِ الشَّحَرِي (47)
الْجَنَّانُ: مَسْأَلَةُ الصَّوْتَيْنِ عَادَتْ جَذَعَهْ … أَوْ لَا فَمَا مَعْنَاهُ فِيمَا ابْتَدَعَهْ (48)
لِأَنَّنَا إِذَا غَدَوْنَا أَرْبَعَهْ … أَجَالَ. إِنْ جَدَّ الخِلَافُ أَصْبَعَهْ
الْجَلَّالِي: كَأَنَّهُ يَحْسِبُنَا أَمْوَاتَا … فَإِنْ سَكَتْنَا عَدَّهَا أَصْوَاتَا
الْجَنَّانُ: أُذَكِّرُ الرَّئِيسَ بِالذِّكْرِ الْحَكِيمْ … فَفِيهِ لِلنَّفْسِ الحَرِيصَةِ شَكِيمْ
وَفِيهِ سِرٌّ لَيْسَ كَالْأَسْرَارِ … إذَا انْجَلَى لِأَنْفُسِ الْأَبْرَارِ
فَكُلَّمَا تَنَاوَلَ الْأَعْدَادَا … بِالذِّكْرِ كَيْ يُذَكِّرَ الْعِبَادَا
تَنَاوَلَ الوِتْرَ وَخَلَّى الشَّفْعَا … هِدَايَةً لِخَلْقِهِ وَنَفْعَا
__________
43) استعمال الجنْي على الماء تمثيل، وحقيقته في الثمار والأزهار والكمأة. والصَّرى والأجْن وصفان للماء معناهما المتغير الكدر.
44) هائر وهار واحد. الأول هو الأصل والثاني مقلوب عنه ومثله عائق وعاق.
45) النِكس والوَرَع معناهما الجبان. وورع بفتح الراء من أبنية المصادر. والعرب كثيرًا ما يصفون بالمصدر كما قالوا: ثوب خلَق والقياس ورع وخلِق، وأئمة اللغة يسمّونه وصفا بالمصدر.
46) عدا أفقه: جاوز حدّه.
47) نسبة إلى مكان معروف بهذا الاسم.
48) تفطن من الْجَنَّانُ لحيلة ابن حافظ.
(2/78)

وَآيَةُ النَّجْوَى لِقَصْدِي مَاهِدَهْ … وَآيَةُ الْكَهْفِ عَلَيْهِ شَاهِدَهْ (49)
الرَّئِيسُ: وَلَمْ نُخَالِفْ- أَبَدًا- طَرِيقَهْ … وَلَمْ ونُنَابِذْ- أَبَدًا- فَرِيقَهْ (50)
فَنَحْنُ بِالْعُضْوِ الْجَدِيدِ أَرْبَعَهْ … وَنَحْنُ فِي الْأَصْوَاتِ خَمْسَةٌ مَعَهْ
أَنَا وَنَحْنُ أَنْتُمَا وَالْغَائِبْ ...
الْجَلَّالِي: ... وَهَذِهِ نِهَايَةُ الرَّغَائِبْ
إِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَزِدْ عُضْوَيْنِ … وَإنْ يَكُونَا فِي الشَّقَا نِضْوَيْنِ
الرَّئِيسُ: إِذَنْ نَصِيرُ سِتَّةً بِصَوْتِي … فَلَا تُضِعْ حَقِّي بِهَذَا الصَّوْتِ
الْجَلَّالِي: لَوْ كَانَ هَذَا الصَّوْتُ صَوْتَ الْمَوْصِلِي … قَدْ زَلْزَلَ الْأَرْضَ بِضَرْبِ زَلْزَلِ (51)
أَوْ أَنَّهُ فِي السَّابِقينَ الْأَوَّلِ … صَوْتُ طُرَيْحٍ فِي الثَّقِيلِ الْأَوَّلِ
أَوْ حَكَمِ الْوَادِي أَوِ ابْنِ عَائِشَهْ … يَلْعَبُ بِالْأَلْبَابِ فَهْيَ طَائِشَهْ
أَوْ أَنَّهُ صَوْتُ الغَرِيضِ يَطْرَحُهْ … عَلَى الْجَوَارِي وَالْعَقِيقُ مَسْرَحُهْ
أَوْ أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ قَدْ كَانَ امْتَزَجْ … بِنَبَرَاتِ مَعْبَدٍ حِينَ هَزَجْ
لَمَا صَرَفْتَ فِيهِ كُلَّ الْجَهْدِ … وَلَزَهِدْتَ فِيهِ بَعْضَ الزُّهْدِ
لَكِنَّا صَوْتٌ بِالِاسْتِعَارَهْ … جَاءَتْ بِهِ سَخَافَةُ الْحَضَارَهْ
وَلَفْظًا لَيْسَ يُفِيدُ مَا وُضِعْ … لَهُ وَلَكِنْ قَدْرُنَا بِهِ وُضِعْ
قَدْ تَرْجَمَتْهُ فِئَةُ التَّقْلِيدِ … وَجَهْلُ شَعْبٍ خَامِلٍ بَلِيدِ
__________
49) هذه النكتة من أسرار القرآن التي لا يفسّرها إلا الزمان بفعل حوادثَ مِنْ عقولِ البشر وتأثيره فيها، والقرآن كتاب الدهر.
50) ننابذ: نخالف.
51) ما أبرعَ هذه اللفتة من الْجَلَّالِي وما أبدع هذه القطعة. إنه نقل كلمة الصوت من معناها الاصطلاحي الغث الذي كان الكلام دائرًا عليه في الجلسة إلى معناها الفنّي الساحر وبنى على ذلك التنكيت العميق. فهو يقول للرئيس: لو أن هذا الصوت الذي تسعى جهدك لتحصيله كان صوتًا من أصوات أئمة الغناء من أقطاب هذا الفن لما حرصت هذا الحرص على تحصيله، واسحاق الموصلي وطريح الثقفي وحكم الوادي وابن عائشة والغريض ومعبد. هؤلاء من مشاهير بناة هذا الفن العربي الخالد، وأخبارهم وحدها تاريخ عامر. وزلزل ضارب نابغة ملهم وقد أصبحت هذه الأسماء مضارب أمثال في الأدب العربي الخالد. ولا أروَحَ لنفسي في كل ما قرأتهُ من قول البحتري في لاميته التي وصف فيها الفَرَسَ:
هَزِجُ الصَّهِيلِ كَأَنَّ فِي نَغَمَاتِهِ … نَبَرَاتِ مَعْبَدَ فِي الثَّقِيلِ الْأًوَّلِ
(2/79)

الرَّئِيسُ: أَعْطُوا الرِّئَاسَةَ حَقَّهَا … أَعْطُوا الرِّئَاسَةَ حَقَّهَا (52)
إِنَّ الْعُقُوقَ مَزَلَّةٌ … تَعِسَ امْرُؤٌ قَدْ عَقَّهَا
الْحُرُّ يُعْلِي شَأْنَهَا … وَالْغِرُّ يَبْغِي مَحْقَهَا
إِنَّ الرُّؤُوسَ رَئِيسَةٌ … لَمْ تَعْدُ فِينَا أُفْقَهَا
اللهُ أَحْسَنَ صَوْغَهَا … وَأَجَلَّهَا وَأَدَقَّهَا
أَوَ مَا تَرَاهَا أَشْرَفَتْ … لَا شَيْءَ يَعْلُو فَوْقَهَا
مَا الْقَوْلُ فِيمَنْ حَطَّهَا … مَا الْقَوْلُ فِيمَنْ دَقَّهَا؟
أَوْ هَدَّهَا أَوْ قَطَّهَا … أَوْ شَجَّهَا أَوْ شَقَّهَا
حَقٌّ عَلَى الرُّؤَسَاءِ أَنْ … يُعْطُوا الجَمَاعَةَ شِقَّهَا
هُمْ مَعْشَرٌ لَا يَمْلِكُو … نَ مِنَ الْجَمَاعَةِ رِقَّهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يُحْسِنُوا … تَصْرِيفَهَا أَوْ سَوْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَحْمِلُوا … مَا قَدْ تَجَاوَزَ طَوْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَجْنُبُوا … مَا لَا يُلَائِمُ ذَوْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَرْهَبُوا … رَبًّا تَوَلَّى خَلْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَفْلِقُوا … رَأْسًا يحَاوِلُ فَلْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَسْحَقُوا … خَلْقًا يُسَبِّبُ سَحْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَقْتُلُوا … بُرْغُوثَهَا أَوْ بَقَّهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَحْفَظُوا … أَبَدًا عَلَيْهَا رِزْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَجْرَعُوا … مَحْضَ الْحَيَاةِ وَمَذْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَتْبَعُوا … يُسْرَ الْأُمُورِ وَرِفْقَهَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَجْمَعُوا … بِعَصَا الْكِيَاسَةِ فَرْقَهَا
وَعَلَى الْجَمَاعَةِ أَنْ تَفِي … لَهُمُ وَتُعْطِي صَفْقَهَا
تَعْنُو لَهمْ وَتَمُدُّ فِي … الطَّاعَاتِ دَأْبًا عُنْقَهَا
إِنْ كنْتَ كَبْشَ كَتِيبَةٍ … فَاغْشَ الْكَتِيبَةَ وَالْقَهَا
فَالْخَيْلُ فِي الْهَبَوَاتِ تَعْـ … ـرِفُ هُجْنَهَا أَوْ عُتْقَهَا
إِنَّ البُرُوقَ كَوَاذِبٌ … وَالغَيْثُ يُظْهِرُ صِدْقَهَا
__________
52) هذه القطعة على لسان الرَّئِيسُ هي أعمق ما في الرواية من معان قد بناها على بيان ما للرؤساء وما عليهم، وهي محتاجة إلى قليل من التنقيح.
(2/80)

وَالسُّحْبُ لَا تُحْيِي الثَّرَى … مَا لَمْ تُتَابِعْ وَدْقَهَا (53)
إِنَّ الفَخَارَ مَعَارِجٌ … مَنْ يَخْشَهَا لَا يَرْقَهَا
وَالنَّخْلَةُ الْقِرْوَاحُ لَا … تَجْنِي التَّنَابِلُ عِذْقَهَا (54)
إِنَّ الفَضِيلَةَ خَمْرَةٌ … فَأْتِ الْمَحَامِدَ تُسْقَهَا
هِيَ خَمْرَةُ الْأَرْواحِ لَا … أَعْنِي المُدَامَ وَزِقَّهَا
إِنَّ الْعَوَالِمَ أَفْصَحَتْ … وَوَعَى الْغَيَالِمُ نُطْقَهَا
الْمَجْدُ حِصَّةُ مَنْ سَعَى … بِالْجِدِّ يَنْفُضُ طُرْقَهَا
خَاضَ الصَّوَاعِقَ لَمْ يَهَبْ … فِي جَوِّ جَرْبَةَ صَعْقَهَا
وَمِنَ الذَّوَابِلِ سُمْرَهَا … وَمِنَ الأَسِنَّةِ زُرْقَهَا
يَلْقَى الْخُطُوبَ عَوَابِسًا … بَشَّ الْأَسِرَّةِ طَلْقَهَا
أَسْرَارُ رَبِّكَ بَعْضُهَا … عَقْلٌ تَوَلَّى خَرْقَهَا
الْعِلْمُ يَسَّرَ فَتْحَهَا … وَالْجَهْلُ عَسَّرَ غَلْقَهَا
إِنْ شِئْتَ تَفْقَهْ سِرَّهَا … فَاقْرَا الْحَوَادِثَ وَافْقَهَا
لَا تَسْتَجِيبُ لِقَاعِدٍ … فَالْقَ الْمَكَارِمَ تَلْقَهَا
وَالْأَرْضُ لَا تُعْطِي الْغِنَى … إِنْ لَمْ تُجَوِّدْ عَزْقَهَا
إِنَّ الْحَيَاةَ مَوَارِدٌ … لِلْحَقِّ صَابَتْ غَدْقَهَا
فَالذِّمْرُ يَشْرَبُ صَفْوَهَا … وَالْغُمْرُ يَضْرِبُ رَنْقَهَا
إِنَّ اللَّيَالِيَ لُجَّةٌ … وَالْكُلُّ يَحْذَرُ غَرْقَهَا
تُزْجِى إِلَى كُرَمَائِهَا … دُهْمَ الخُطُوبِ وَبُلْقَهَا
ذُو اللُّبِّ يَلْبَسُ لِلَّيَا … لِي كَيْسَهَا أَوْ حُمْقَهَا
خَيْرُ الرِّجَالِ السَّابِقِيـ … ـن فَتًى يُجَارِي شَبْقَهَا
نَسَقَ الْأُمُورَ قَلَائِدًا … غُرًا فَأَحْسَنَ نَسْقَهَا
وَسَقَ الْعَظَائِمَ مَحْمَلًا … خِفًّا فَأَجْمَلَ وَسْقَهَا
مَا هَابَ فِي غَمَرَاتِهَا … رَعْدَ الْخُطُوبِ وَبَرْقَهَا
شَرُّ الْخَلَائِقِ أُمَّةٌ … عَلِمَ الْمُهَيْمِنُ فِسْقَهَا
فَأَذَلَّهَا وَأَقَلَّهَا … عَدًّا وَقَتَّرَ رِزْقَهَا
__________
53) الودق: المطر.
54) النخلة القرواح: الملساء الطويلة. قال سويد بن الصامت الأنصاري:
أَدِينُ وَمَا دَيْنِي عَلَيْكُم بِمَغْرَمٍ … وَلَكِنْ عَلَى الشُّمِّ الجِلَادِ القَرَاوِحِ
(2/81)

ضَاعَتْ وَإنْ كَثُرَ الْحَصَا … أُمَمٌ أَضَاعَتْ خُلْقَهَا
أَوَ مَا تَرَى أَنْ قَدْ عَلَا … غَرْبُ الْمَمَالِكِ شَرْقَهَا
إِنَّ الْأَكَارِمَ عُصْبَةٌ … نَمَتِ الْمَكَارِمُ عِرْقَهَا
فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُسُّهَا … أَوْفَى فَعَفَّى شَقَّهَا
ثُمَّ انْبَرَى الْإِسْلَامُ يَرْ … تُقُ بِالْفَضِيلَةِ فَتْقَهَا
النُّورُ منْبَعِثُ السَّنَا … يَهْدِي الْعَوَالِمَ (رَشْدَهَا)
وَالْعِلْمُ يَقْتَادُ الْحِجَى … لِلْحَقِّ يُذْكِي سَوْقَهَا
حَذِقَتْ فُنُونَ الْعِلْم وَالتَّـ … ـارِيخُ سَجَّلَ حِذْقَهَا
خَفَقَتْ بُنُودُهُم عَلَى … كُلِّ الْمَمَالِكِ خَفْقَهَا
سَلْ طَارِقًا وَسَلِ الْمَدَا … ئِنَ إِذْ تَوَلَّى طَرْقَهَا
وَإلَى الْفُتُوحَ جَلَائِلًا … غُرًّا وَمَهَّدَ طُرْقَهَا
سَلْ بِالْمَشَارِقِ عَنْهُمُ … بَغْدَانَهَا وَدِمَشْقَهَا
مَهْدُ الْمَعَارِفِ مِنْهُمَا … نَشَقَ الْأَعَاجِمُ نَشْقَهَا
عَبِقَتْ بِرَيَّاهَا الْمَشَا … رِقُ وَالْمَغَارِبُ عَبْقَهَا
حَتَّى انْبَرَى التَّفْرِيقُ يَفْـ … ـتِقُ بِالرَّذِيلَةِ رَتْقَهَا
رَشَقَتْهُم نَبْلُ الْعِدَا … وَالدَّهْرُ سَدَّدَ رَشْقَهَا
مَشَقَ السُّيُوفَ لِحَرْبِهِمْ … جَهْرًا وَوَاصَلَ مَشْقَهَا
يَا سَاخِرًا بِي كُلَّمَا … سَمِعَ الْحَقِيقَةَ قَهْقَهَا
ألْخَيْر مَا بيَّنْتُهُ … وَالشَّرُّ أَنْ لَا تَفْقَهَا
الْجَنَّانُ: أَمَا تَرَى أَنَّ الرَّئِيسَ قَدْ عَجَزْ … فَأَخْرَجَ الْمِيزَانَ عَنْ بَحْرِ الرَّجَزْ
الْجَلَّالِي: مَهْ وَأَبِيكَ إِنَّه لَشَاعِرْ … وَإِنَّهُ يَسْتَوْقِفُ الْمَشَاعِرْ
فَمَا عَرَفتُهُ وَلَا غَيْرِي عَرَفْ … بِأَنَّهُ يَمْلِكُ هَذِهِ الطُّرَفْ
فَلْنَتَنَازَلْ عَنْ مِكَاسِ السِّعْرِ … فِي الْعُضْوِ إِكْرَامًا لِهَذَا الشِّعْرِ
الْجَنَّانُ: وَمَنْ يَكُونُ الرَّجُلُ الْمَزِيدُ … حَتَّى نَرَى نَنْقُصُ أَوْ نَزِيدُ؟
الرَّئِيسُ: هُوَ أَبُو الْأَعْمَالِ وَالْكَمَالِ … صَفِيُّنَا الْفَذُّ أَبُو الشِّمَالِ
الْجَنَّانُ: يَا حَبَّذَا وَمَرْحَبًا وَأَهْلَا … وَتَكْرِمَاتٍ وَمَقَامًا سَهْلَا
الْجَلَّالِي: نِعْمَ الْفَتَى هُوَ وَلَسْتُ أَدْفَعُهْ … عَنْ رُتْبَةِ الْفَضْلِ وَلَكِنْ أَرْفَعُهْ
عَنْ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ الْمَهِينَهْ … فَهْيَ بِكُلِّ ذِلَّةٍ رَهِينَهْ
وَرُبَّمَا كَانَتْ لَهُ أَعْمَالُ … يَطْرُقُهَا التَّعْطِيلُ وَالْإِهْمَالُ
(2/82)

أَوْ كَانَ لَا يَشْرَكُنَا فِي الْمَعْنَى … وَالْغَرَضِ الَّذِي لَهُ اجْتَمَعْنَا
وَإنَّنِي أَعْرِفُهُ أَرِيبَا … قَدْ مُلِئَتْ حَيَاتُهُ تَجْرِيبَا
تُعْطِي لِكُلِّ حَالَةٍ مِقْدَارَهَا … وَرَيْثَهَا بِالقِسْطِ أَوْ بِدَارَهَا
يَقُومُ بِالْحُقُوقِ فِي أَوْقَاتِهَا … لَا يَنْسَأُ الآجَالَ عَنْ مِيقَاتِهَا
أُجِلُّهُ عَنْ أَنْ يَكونَ مِثْلَنَا … وَيَسْتَطِيبَ خَمْطَنَا وَأَثْلَنَا
يُدْعَى إِلَى مُسْتَتِرٍ مَجْهُولِ … وَيَسْتَعِيضُ الْقَفْرَ بِالْمَأْهُولِ
أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّنَا لِلسَّاعَهْ … لَمْ نَتَبَيَّنْ هَذِهِ الْبِضَاعَهْ
وَلَمْ تَزَلْ بِضَاعَةً مَلْفُوفَهْ … وَبِالْغُمُوضِ وَالْخَفَا مَحْفُوفَهْ
فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تَتَّقُوا ذَا الْبُطْئَا … فَإِنَّ قَتْلَ الْوَقْتِ كَانَ خِطْئَا
الْجَنَّانُ: تَعِيبُنِي وَالْبُطْءُ مِنْكَ جَاءَا … فَهَلْ تَرَى لَكَ مِنْهُ وِجَاءَا
الْجَلَّالِي: رَمَيْتَنِي بِدَائِكَ الْعَيَاءِ … وَجِئْتَ بِالْبَهْتِ بِلَا حَيَاءِ
يَا عَجَبًا يَثْنِي الْحِجَى مُفَكِّرَا … إِبْلِيسُ أَمْسَى وَاعِظًا مُذَكِّرَا
إِنِّي أَجَبْتُ الشَّيْخَ عَنْ مُلَاحَظَهْ … وَهْوَ حَلِيفُ الْحَقِّ فِيمَا لَاحَظَهْ
إِنَّ الْأَخَ الْجَدِيدَ لَا يَشْرَكُنَا … لَكِنَّهُ فِي النَّصْرِ لَا يَتْرُكُنَا
وَإِنَّهُ يَنْفَعُنَا بِحَزْمِهِ … وَرَأْيِهِ وَحِرْصِهِ وَعَزْمِهِ
وَإنَّنَا نُرِيدُهُ لِلْحَرَكَهْ … وَالْعَمَلِ الْمُثْمِرِ لَا لِلْبَرَكَهْ
وَفِيهِ بَعْدَ الرَّأْيِ وَالْإِشَارَهْ … عَوْنٌ عَلَى نُفُوسِنَا الْأَمَّارَهْ

(الْمَشْهَدُ الثَّالِثُ: يَدْخُلُ تِلْمِيذٌ صَغِيرٌ بِيَدِهِ طُبْسِي (55) فَطَائِرٌ بَارِدَةٌ).
الرَّئِيسُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْخَيْرُ يَا تِلْميذُ؟ ...
الْجَنَّانُ: ... هَلَّا بِجَدْيٍ لَحْمُهُ حَنِيذُ
التِّلْمِيذُ: جَاءَ بِهَا أَسْوَد ُكَالْوَصِيفِ … مِنْ بَاعَةِ الْخُبْزِ عَلَى الرَّصِيفِ
وَقَالَ قَدْ بَارَتْ وَطَالَ مُكْثُهَا … وَلَمْ تَكُنْ كَالصُّوفِ يُجْدِي نَكْثُهَا
فَاذْهَبْ بِهَا صَدَقَةً لِلطَّلَبَهْ … فَالْفَقْرُ فِيهِمْ عَلَمٌ بِالْغَلَبَهْ
قُلْتُ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: ذُو الْأَنْفِ الْأَشَمْ … وَطَالِبٌ فِي عُلْبَةِ الْقَرْنِ يَشَمْ
وَثَالِثٌ رَأَيْتُهُ فِي الْمَدْرَسَهْ … يَجُولُ فِي أَرْجَائِهَا كَالْحَرَسَهْ
الرَّئِيسُ: جَنَى عَلَيْكُمْ وَصْفُكُمْ يَا سَادَهْ ...
__________
55) طُبْسي: صحن.
(2/83)

الْجَلَّالِي: ... إِنَّ الْمَرِيضَ يَأْلَفُ الْوِسَادَهْ
الْجَنَّانُ: جَنَتْ عَلَيْكُمْ عُصْبَةٌ بِالْبَادِيَهْ … مَخَايِلُ الذُّلِّ عَلَيْهَا بَادِيَهْ
قَدْ أَرْشَدُوا النَّاسَ إِلَى احْتِقَارِهِمْ … بِذُلِّهِمْ لِلنَّاسِ وَافْتِقَارِهِمْ
الْجَلَّالِي: جَنَى عَلَيْنَا أَنَّنَا بَيْنَ سَوَادْ … لَمْ يَفْرِقُوا بَيْنَ التَّوَالِي والْهَوَادْ
الرَّئِيسُ: لِنَعْتَصِمْ بِالحَقِّ وَلْنُصَابِرْ … حَتَّى تَضُمَّ نَشْرَنَا الْمَقَابِرْ

(يَضَعُونَ الطُّبْسِي عَلَى الْمَكْتَبِ وَيَلْتَفُّونَ عَلَيْهِ).
الرَّئِيسُ: كُلُوا عَلَى اسْم اللهِ وَاسْتَرِيحُوا … وَاسْتَمْتِعُوا إِنَّ الْحَيَاةَ رِيحُ
الْجَلَّالِي: الرَّقْصُ رَقْصُ (طَنْقُو) (56) … وَالزَّيْتُ زَيْتُ (صَنْقُو) (57)
قَدْ ذُقْتُهُ فَآذَى … مُذْ كُنْتُ فِي (مَرَنْقُو) (58)
الرَّئِيسُ: مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَكَ لَنْ يُصِيبَكْ … قُلْ لِي فَهَلْ تَهَبُ لِي نَصِيبَكْ؟
الْجَلَّالِي: أَهَبُهُ لِصَاحِبِي الْجَنَّانِ … فَطَالَمَا بِحَظِّهِ وَاسَانِي
الْجَنَّانُ: أَحُطُّ فِيهَا بِالْبَنَانِ الْخَمْسِ … إِنَّ لَهَا فَرْقَعَةً كَالْهَمْسِ
يَا حُسْنَهَا دَائِرَةً كَالشَّمْسِ … لَوْ لَمْ تَكنْ بَارِدَةً فِي اللَّمْسِ
الْجَلَّالِي: تَشَابَهَ الْمَأْكُولُ وَالْمَقُولُ … لَدَيْكَ وَالْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ
الرَّئِيسُ: لَعَلَّنَا يَا قَوْمُ لَوْ فَصُحْنَا … لَمْ نَقُلِ الطُّبْسِي وَقُلْنَا الصَّحْنَا
الْجَلَّالِي: الصَّحْنُ قِدْرٌ جُدْرُهُ قَصِيرُ … شِعْرُ ابْنِ كُلْثومٍ لَه نَصِيرُ
وَالرِّفْدُ وَالْعُسُّ مَعًا وَالْجُنْبُلُ … وَالْقَعْبُ أَنْوَاعٌ رَوَاهَا قُنْبُلُ
وَقَدَحُ الشُّرْبِ بِفَتْحَتَيْنِ … وَالْجَمْعُ أَقْدَاحٌ بِغَيْرِ مَيْنِ
وَالْقِدْحُ فِي الْأَزْلَام بِالْكَسْرِ عُرِفْ … وَعَنْ قِدَاحٍ جَمْعُهُ لَا يَنْحَرِفْ
وَالْقَدْحُ فِي الذَّمِّ بِفَتْحٍ فَسُكُونْ … وَمِثْلُهُ لِلزَّنْدِ إِنْ أَوْرَى يَكُونْ
وَفِي الْجِبَالِ قَرْيَةٌ تُدْعَى الطَّبَسْ … لَعَلَّ هَذَا الْإِسْمَ مِنْهَا مُقْتَبَسْ

(يَدْخُلُ تِلْمِيذٌ آَخَرٌ فِي يَدِهِ قُرْعَةُ شَمَّةَ (59) مَلْفُوفَةٌ فِي قِرْطَاسٍ)
التِّلْمِيذُ: هَدِيَّةٌ مِنْ رَجُلٍ بَرَّانِي … مثْلُ حِمَارِ جَارِنَا الْحَرَّانِي
__________
36) طنقو: اسم رقصة. والقاف تُنطق كالجيم المصرية.
37) صنقو: نوع من الزيت. والقاف تُنطق كالجيم المصرية.
38) مرنقو: اسم مدينة، تسمّى الآن حَجُّوط.
39) قرعة شمة: قنينة يوضع فيها مسحوق التبغ الذي يُسمّى (شَمَّة) لأنه يُشَمُّ.
(2/84)

كَلَّفَنِي مِنْ بَعْدِ مَا مَنَّانِي … بِحَمْلِهَا لِشَيْخِنَا الْجَنَّانِي
الْجَلَّالِي: قَدْ كَذَبَ الطِّفْلَ وَلَوْ قَدْ صَدَقَهْ … لَكَانَتِ الشَّمَّةُ أَيْضًا صَدَقَهْ
الْجَنَّانُ: أَحْسَنْتَ يَا مُهْدِيَ هَذِي الْقَرْعَهْ … وَوَرَّثَ الْأَصْلُ السَّمَاحَ فَرْعَهْ
لَمْ أَدْرِ مَنْ أَنْتَ وَلَكِنْ لِلْكَرَمْ … مَزِيَّةٌ تُرْعَى كَمَا تُرْعَى الْحُرَمْ

(يَفْتَحُهَا وَيَذُوقُهَا بِأَنْفِهِ)
بُورِكَتِ الْأَيْدِي اللَّوَاتِي حَكَّتْ … دُخَانَهَا وَفَرَّكَتْ وَفَكَّتْ
مَا ضَرَّهَا وَهْيَ بِهَذِي النَّشْوَهْ … لَوْ أَوْدَعَتْهَا الْغَانِيَاتُ القَشْوَهْ
وَبُورِكَ التُّرْبُ الَّذِي أَخْرَجَهَا … وَفِي خَفَا أَطْوَارِهِ أَدْرَجَهَا
وَبُورِكَ الظَّرْفُ الَّذِي حَوَاهَا … وَبُورِكَ الْمَاءُ الَّذِي قَوَّاهَا
وَبُورِكَ الْقِرْطَاسُ حِينَ لَفَّهَا ...
الْجَلَّالِي: ... وَبُورِكَ الْخَيْشُومُ حِينَ نَفَّهَا (60)
وَبُورِكَ الْفَمُ الَّذِي قَدْ سَفَّهَا … وَلَمَّهَا بِالْأَكْلِ حَتَّى اسْتَفَّهَا
الْجَنَّانُ: (صَمَّطْتَهَا) (61) عَنِّي بِذِكْرِ الأَكْلِ … إِذْ لَيْسَ شَكْلُ الْآكِلِينَ شَكْلِي
الْجَلَّالِي: أَعْذِرْ أَخًا تُطْرِبُهُ هَذِي النُّكَتْ … وَلَوْ جَدَعْتَ أَنْفَهُ لَمَا سَكَتْ
لَمَّا رَأَيْتُ قَرْعَةً قَدْ لُفَّتْ … وَبِيَدَيْكَ الرَّطْبَتَيْنِ حُفَّتْ
كَأَنَّ فِكْرِي جَرَّهُ بِمِقْوَدِ … قَوْلٌ قَدِيمٌ فِي نَصِيبِ الْأَسْوَدِ
(كَأَنَّهُ لَمَّا بَدَا لِلنَّاسِ … ...... لُفَّ فِي قِرْطَاسِ)
الْجَنَّانُ: قُبْحًا لِأَشْيَاءٍ بِهَا تَرْمِينَا … وَلِنِبَالٍ رِيشُهَا يُصْمِينَا
الرَّئِيسُ: الْجَمْع لَا يُثْمِرُ إلَّا خَيْرَا ...
الْجَلَّالِي: ... وَالطَّرْحُ لَا يُثْمِرُ إِلَّا ضَيْرَا
الرَّئِيسُ: لَسْتُ أُرِيدُ الْجَمْعَ فِي فَنِّ الْحِسَابْ … وَلَيْسَ لِي إِلَى جُمُوعِهِ انْتِسَابْ
وَإنَّمَا أَرَدْتُ الِاجْتِمَاعَا … لِلْخَيْرِ وَالرُّشْدِ وَالِاسْتِمَاعَا
فَمِنْ ثِمَارِ الْجَمْعِ فِيمَا تَشْهَدُونْ … جَاءَتْ هَدَايَا الْخَيْرِ مِمَّنْ تَعْهَدُونْ
الْجَلَّالِي: غَلِطْتَ إِذْ سَمَّيْتَ بِالْهَدِيَّهْ … فَطَائِرًا فِي صُنْعِهَا رَدِيَّهْ
وَشَمَّةً مُنْتِنَةَ الْأَنْفَاسِ … جَالِبَةً لِلْقَيْءَ وَالْعُطَاسِ
وَصَاحِبُ الْأُولَى دَعَاهَا صَدَقَهْ … بِنِيّةٍ مِنْ قَصْدِهِ مُحَقَّقَهْ
__________
60) نَفَّها: كلمة دارجة معناها استنشق.
61) صمَّطتها: كلمة عامية معناها "لقد أَثْقَلْتَ".
(2/85)

تَبًّا لَهُ فَإِنَّه قَدْ جَعَلَا … للهِ مَا يَكْرَهُهُ وَافْتَعَلَا
تَقْدِيمَهَا مِنْهُ خَرَابُ ذِمَّهْ … وَأَخْذُكُمْ لَهَا سُقُوطُ هِمَّهْ
وَالثَّانِي خَصَّ أَقْرَعًا بِقَرْعَهْ … فَمَا تَرَى لَوْ خَصَّهُ بِصَرْعِهْ؟
وَلَا مِرَاءَ أَنَّ بَيْنَ الْمُهْدِي … وَ (شَيْخِنَا) تَوَاثُقًا بِعَهْدِ
وَصِلَةً أَنْفِيَّةً قَوِيَّهْ … قَدْ عَقَدَتْهَا الشَّمَّةُ الْغَوِيَّهْ
إِنَّ الْأُنُوفَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ … وَثَائِقٌ بِالْحِلْفِ وَالْوَلَاءِ
تَرَاهُمُ إِنْ جَمَعَتْهُمْ حَضْرَهْ … تَفَاهَمُوا بِغَمْزَةٍ وَنَظْرَهْ
وَسَافَرَتْ بَيْنَهُمُ تِلْكَ الْعُلَبْ … وَبَذَلَتْ أَعْلَاقَهَا قَبْلَ الطَّلَبْ
وَكُلُّ شَمَّامٍ رَأَى شَمَّامَا … هَشَّ لَهُ مَهْتَبِلًا هَمَّامَا
كَالْأَصْفِيَاءِ حَفِظُوا الذِّمَامَا … وَتَرَكُوا الْإِغْبَابَ وَالْإِلْمَامَا
وَكُلَّمَا تَكَتَّمَ الشَّمَّامُ … فَعَرْفُهَا عَنْ حَالِهِ نَمَّامُ
وَمَا رَأَى النَّاسُ كِرَامًا غَيْرَهُمْ … فِي الْمَحْلِ مَارُوا الْمُعْوِزِينَ مَيْرَهُمْ
وَعِنْدَهُمْ مصْطَلَحَاتُ الصَّرْفِ … ظَاهِرَةً فِي فِعْلِهِمْ وَالظَّرْفِ
النَّقْلُ وَالتَّحْرِيكُ وَالتَّسْكِينُ … وَالْفَتْحُ وَالتَّشْدِيدُ وَالتَّمْكِينُ
وَالضَّمُّ وَالصِّحَّةُ وَالْإِعْلَالُ … وَالْحَذْفُ وَالتَّعْوِيضُ وَالْإِبْدَالُ
وَالْقَلْبُ وَالتَّرْخِيمُ وَالْإِدْغَامُ … وَالْفَكُّ وَالتَّخْفيفُ وَالْإِشْمَامُ
وَفِيهِم الْأُصُولُ وَالزَّوَائِدُ … وَعِنْدَهُمْ فِي شَمِّهَا عَوَائِدُ
أَمَّا الدُّخَانُ وَلَه أَسْمَاءُ … كُثْرٌ فَلَمْ تَأْتِ بِهَا السَّمَاءُ
وَهَلْ سَمِعْتَ مَا يَقولُ الرَّاوِي … فِي وَاحِدٍ مِنْهَا اسْمُهُ الطَّهْرَاوِي
الرَّئِيسُ: عَجِبْتُ مِنْ خُرْطُومِكَ الْأُشَمِّ … كَيْفَ حَرَمْتَهُ لَذِيذَ الشَمِّ
وَلَوْ غَدَا حَامِلُهُ مِنْ هَاشِمِ … كَانَ أَمِيرَ أُمَّةِ الْخَيَاشِمِ
وَلَوْ غَدَا حَامِلُهُ شَمَّامَا … كَانَ لَهمْ بِأَنْفِهِ إِمَامَا
لَوْ كُنْتَ فِي زُمْرَتِهِمْ دَخَلْتَا … كَرُمْتَ فِي النَّاسِ وَمَا بَخِلْتَا
وَإنَّ لِي فِيكَ اعْتِقَادًا جَازِمَا… أَقُولُهُ مُسْتَبْصِرًا وَجَازِمَا
الْجَلَّالِي: طُولُ الْعَرَانِينِ دَلِيلُ الشَّرَفِ … لَا تَنْتَحِلْ عِرْفَانَ مَا لَمْ تَعْرِفِ
أَجْدَادُنَا الْعُرْبُ بِهِ تَفَاخَرُوا … وَقَالَ فيهِ أَوَّلٌ وَآخِرُ
وَقَدْ يَتِيهُ الرَّجُلُ الْأُنَافِي … بِالْأَنْفِ لَا بِالْأَصْلِ مِنْ مَنَافِ
ولَيْسَ فِي الشَّمَّةِ مَا يَزِيدُ … إِلَّا ادِّعَاءً فِعْلُهُ مَزِيدُ
ثمَّ لَهَا بَعْدُ ذُنَانٌ قَذِرُ … كَأَنَّهُ مِنَ الرَّجِيعِ يَقْطُرُ
(2/86)

أَصْحَابُهَا فِي الْحَيْضِ طُولَ الدَّهْرِ … وَالْحَيْضُ يَأْتِي مَرَّةً فِي الشَّهْرِ
وَقَدْ حَوَتْ مِنَ الْعُيُوبِ الْكُبَرِ … مَا يَقْتَضِينِي أَنْ أَرَى مِنْهَا بَرِي
تَنْسَابُ بَيْنَ أُنُفٍ تَشُمُّ … وَأَلْسُنٍ مِنْ تَحْتِهَا تَذمُّ
وَلَيْسَ فِي الْعَيْبِ كَهَذِي الْخَلَّهْ … أَنْ يَشْهَدَ الْجَارُ بِسُوءِ الدَّخْلَهْ
إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الْأَنْفِ وَاللِّسَانِ … إِلَّا زُهَا ذُبَابَةِ السِّنَانِ
الرَّئِيسُ: هَلْ لَكَ يَا جَنَّانُ أَنْ تُقَارِعْ … زَمِيلَكَ الشَّيْخَ الْأَدِيبَ الْبَارِعْ
فَقَدْ دَهَاكَ بِقَوَافٍ مُحْكَمَهْ … كَأَنَّهَا وَثَائِقٌ فِي الْمَحْكَمَهْ
وَقَالَ فِي ذَاتِ السُّعَاطِ الْخَمْرِي … مَا لَمْ يَقُلْهُ مَالِكٌ فِي الْخَمْرِ
أَذَلَّهَا وَهْيَ الْعَزِيزَةُ عَلَيْكْ … وَذَمَّهَا وَهْيَ الْحَبِيبَةُ لَدَيْكْ
وَنَالَهَا بِالْعَيْبِ وَالتَّحْقِيرِ … وَهْيَ تُجَلُّ عَنْ سِوَى التَّوْقِيرِ
أَلَا تَغَارُ عَنْ حَبِيبِ الشَّمِّ … فَتَنْتَحِي مَنْ ذَمَّهُ بِالذَّمِّ
وَمَنْ أَحَبَّ هِرَّةً حَمَاهَا … وَذَادَ عَنْهَا الطَّارِقِي حِمَاهَا
فَكَيْفَ بِالْمَعْشُوقَةِ الْمِمْرَاحِ … جَالِبَةِ الْبَسْطِ وَالِانْشِرَاحِ؟
طَارِدَةِ الْغَمِّ وَالِاكْتِئَابِ … نَاقِلَةِ الرَّوْحِ لِشَهْرِ آبِ
فَصُنْ حِمَاهَا بِالدِّفَاعَ فَقَلِيلْ … فِي صَوْنِ مَنْ تُحِبُّهُ بَذْلُ الْجَلِيلْ
وَعَارِضِ الْقَوْلَ بِقَوْلٍ يُفْحِمُهْ … تُسْدِيهِ مِنْ مَدِيحِهَا وَتُلْحِمُهْ
وَشَنِّفِ الْآذَانَ مِنَّا بِالذُّرَرْ … وباللّآلِئِ الثَّمِينَةِ الْغُرَرْ
وَالشَّيْخُ فِي هُجُومِهِ الْمُجْتَاحِ … كَأَنَّه يَدْعُوكَ لِلْكِفَاحِ
وَقَدْ وَقَفْتَ مَوْقِفًا يُؤَرِّخُ … فِيهِ عَلَيْكَ أَوْ لَكَ الْمُؤَرِّخُ
وَفِيهِ كَشْفٌ لِلضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرْ … مِنْ نَسَبٍ فِي الْعُرْبِ وَالْعُجْمِ بُتِرْ
فَإِنْ بَلَغْتَ مِنْ كِفَاحِهِ الْأَرَبْ … فَأَخْضَرُ الْجِلْدَةِ مِنْ بَيْتِ الْعَرَبْ
وَإنْ تَخِمْ وَقَسْوَرُ الْغَابِ هَجَمْ … فَأَصْفَرُ الْجِلْدَةِ مِنْ بَيْتِ الْعَجَمْ
وَمَنْ يَكُنْ فِي غَرْبِهِ وَضُوخُ … حَقَّ عَلَيْهِ الرَّضْخُ لَا الرُّضُوخُ
وَهَذِهِ هِيَ الْمَيَادِينُ الَّتِي … قَدْ رَاضَهَا أَسْلَافُنَا فَذَلَّتِ
فَمِنْ قَدِيمٍ عُرِفَ السِّجَالُ … وَكَانَ كَالْحَرْبِ لَهُ رِجَالُ
وَكَانَ فِي الشِّعْرِ لَهُ مَجَالُ … رَوِيَّةٌ يَغْمُرُهَا ارْتِجَالُ
مَشَاهِدٌ لِلْغَابِرِينَ الْأُوَّلِ … لِغَيْرِهِمْ فِي الدَّهْرِ لَمْ تُنَوَّلِ
مَفَاخِرٌ عَلَوْا بِهَا عَلَى الْأُمَمْ … وَأَحْرَزُوا الْفَخْرَ الصَّمِيمَ مِنْ أَمَمْ
مَوَاقِفٌ بَيَّضَتِ الْوُجُوهَا … وَانْصَرَمَتْ وَمِنْكُمَا نَرْجُوهَا
(2/87)

فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ فِي الْآدَابِ … فِي عَصْرِنَا رَهِينَةُ الإِجْدَابِ
فَأَشْقِيَاهُ مِنْ حَيَا الْقَرَائِحِ … صَوْبَ الْغَوَادِي الدُّلَّجِ الرَّوَائِحِ
وَأَحْيِيَاهُ فَحَيَاةُ الْأَدَبِ … عِنْدَ النُّهَى إِحْيَاءُ مَجْدِ الْعَرَبِ
وَجَدِّدَا أَرْسُمَهُ الْبَوَالِي … كَمَا ازْدَهَتْ فِي الأَعْصُرِ الْخَوَالِي
هَيْهَاتَ مِمَّنْ سَامَهَا انْتِسَافَا … مَنْ زَادَ فِي أَصْلِ الْبِنَاءَ سَافَا
الْجَنَّانُ: يَا قَوْلَةً قَدْ قَالَهَا أَبُو لَهَبْ … تَبًّا لَهُ فِي الْغَابِرِينَ وَذَهَبْ
كَاذِبَةً خَاطِئَةَ الْمَسَاقِ … صَادِقَةً فِيكَ عَلَى اتِّسَاقِ
كَأَنَّهَا وَدِيعَةٌ مُدَّخَرَهْ … لَكَ وَقَدْ قَبَضْتَهَا بِأَخَرَهْ
دَعَوْتَنَا لِغَرَضٍ مُهِمِّ … كَمَا زَعَمْتَ أَوْ لِهَذَا الرِّمِّ
فَمَا قَضَيْنَا وَطَرًا مُذْ أَمْسَا … وَقَدْ قَضَى فِي اللَّهْوِ سَاعًا خَمْسَا
وَقَدْ أَضَعْنَا جَلْسَةً خَطِيرَهْ ...
الْجَلَّالِي: ... وَقَدْ أَكَلْتَ بَعْدَهَا فَطِيرَهْ
الْجَنَّانُ: وَقَدْ خَسِرْنَا حِصَّةً مُهِمَّهْ ...
الْجَلَّالِي: ... بَلْ قَدْ رَبِحْتَ قَرْعَةً مِنْ شَمَهْ
أَمَّا أَنَا فَلَمْ أُحَصِّلْ فَائِدَهْ … وَلَمْ تَعُدْ مِنْكُمْ عَلَيَّ عَائِدَهْ
فَلَا لِذِي الصَّحْنِ عَلَيَّ أَجْرُ … وَلَا لِذِي الشَّمَّةِ مِنِّي شُكْرُ
الْجَنَّانُ: لَا تَقْطَعِ الْكَلَامَ عَنِّي … حَتَّى أَحُتَّ هَذَا الْهَمَّ عَنِّي حَتَّا
وَأَفْثَأَ الْغَمَّ الَّذِي فِي صَدْرِي … فَقَدْ غَلَى كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ
مِنْكَ وَمِنْ رُؤَيْسِكَ الْخَرْنَانِ … فَأَنْتُمَا قَوْسٌ بِلَا إِرْنَانِ (62)
أَضَعْتُمَا الْوَقْتَ النَّفِيسَ فِي حَقِيرْ … مِنْ غَرَضٍ لَمْ نَسْتَفِدْ مِنْهُ نَقِيرْ
أَطَلْتُمَا الْقَوْلَ بِدُونِ طَائِلْ … أَوْلَا فَمَا هَذَا الْعُبَابُ السَّائِلْ؟
قُبِّحْتُمَا مِنْ مَاضِغَيْ كَلَامِ … (وَمُسْتَحِقِّي الْعَذْلِ وَالْمَلَامِ)
أَسْرَفْتُمَا فِي اللَّغْوِ وَالْمِرَاءِ … وَفِي الْكَلَامِ الْفَارغِ الْهُرَاءِ
وَجِئْتُمَا بِمَا يَضِيقُ الصَّدْرُ … بِهِ وَلَا يَقْوَى عَلَيْهِ الصَّبْرُ
وَحَالَةٌ تُبْدَا بِهَذَا النَّشْرِ … مَوْصُولَةُ الْحَبْلِ بِيَوْم الْحَشْرِ
وَأَنْتَ غِرًّا أَبْلَهٌ مُغَفَّلُ … بَابُ الذَّكَا دُونَكَ بَابٌ مُقْفَلُ
قَدْ جَرَّكَ الرَّئِيسُ فَانْجَرَرْتَا … وَبِدَوَاعِي مَكْرِهِ اغْتَرَرْتَا
__________
62) الخَرنان: كلمة عامية وهو الذى يكرر الكلام الفارغ، وأرنان القوس صفة مدح لها وهو تصويتها عند صدور السهم عنها، ويوصف السهم بالأرنان أيضًا.
(2/88)

وَقَدْ بَدَا أَنَّ لَا شَيْطَانَا … يَمُدُّ فِي الْكَيْدِ لَنَا الْأَشْطَانَا
يَلْهُو بِنَا فإِنْ رَأَى إِغْضَاءَا … مِنِّي وَمِنْكَ أَرَّثَ الْبَغْضَاءَا
وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَمُدَّ الشَّبَكَهْ … لِي فِي اقْتِرَاحٍ صَاغَهُ وَسَبَكَهْ
لَكِنْ قَطَعْتُ الْحَبْلَ فِي يَدَيْهِ … إِذْ كُنْتُ عَنْ عِلْمٍ بمَا لَدَيْهِ
وَعَدِّ عَنْ رَئِيسِنَا وَمَكْرِهِ … وَمَا أَتَى فِي صَحْوِهِ وَشَكْرِهِ (63)
وَقُلْ هَدَاكَ اللهُ لِلصَّوَابِ … أَمَا لِهَذَا الشَّرْطِ مِنْ جَوَابِ؟
وَهَلْ لِهَذَا الْمُبْتَدَا مِنْ خَبَرِ؟ … وَإنْ تَعُدْ فَإِنَّنِي مِنْكَ بَرِي
الْجَلَّالِي: مِنِّي؟ ...
الْجَنَّانُ: ... نَعَمْ مِنَ ابْنِ أُخْتِ خَالَتِكْ … فَمَا رَأَيْتُ حَالَةً كَحَالَتِكْ
تَفْتَنُّ فِي الْهُزْءِ بِنَا وَتَعْبَثُ … وَقَدْ تَطيِبُ تَارَةً فَتَخْبُثُ
وَتَارَةً تَلْبَسُ فَرْوَةَ فَقِيهْ … وَتَارَة تَجْتَابُ بُرْدَةَ سَفِيهْ
وَتَارَةً تَبْتَزُّ جِلْدَ لُغَوِي … فِي لَغْوِهِ إِنَّكَ فِينَا لَغَوِي
كَأَنَّمَا أَوْقَاتُنَا أَهْمَالُ … فِي الْبِيدِ أَوْ لَيْسَتْ لَنَا أَعْمَالُ
نَلْهُ وَحَقُّ الْوَقْتِ جِدٌّ وَنِضَالْ … وَاللَّهْوُ فِي أَمْثَالِنَا دَاءٌ عُضَالْ
أَمَّا الرَّئِيسُ فَهْوَ قَدْ دَعَانَا … أَمْسِ فَلَبَّيْنَا الدُّعَا سُرْعَانَا
دَعَا دُعَاءً مُجْمَلًا فَأَشْعَرَا … نُفُوسَنَا أَنَّ هُنَا خَطْبًا عَرَا
كَأَنَّ خَيْلًا طَرَقَتْ حِمَانَا … وَأَنَّ جَيْشًا بِالْبَلَا رَمَانَا
أوْ أَنَّهُ بَيَّتَنَا عَدُوُّ … وَامْتَنَعَ الرَّوَاحُ وَالْغُدُوُّ
هَا أَنَّنَا جِئْنَا فَأَيْنَ الْخَطْبُ … وَهَذِهِ الرَّحَى فَأيْنَ الْقُطْبُ؟
وَقَدْ مَضَى يَوْمَانِ فِي بَحْثٍ عَقِيمْ … وَجَدَلٍ فِي الرَّأْيِ غَيْرِ مُسْتَقِيمْ
لَمْ يَضْبِطِ الْجَلْسَةَ أَيَّ ضَبْطِ … وَلَمْ يُحَقِّقْ شَرْطَهَا بِالرَّبْطِ
وَكُلَّمَا انْدَفَعْتَ فِي السُّخْفِ انْدَفَعْ … وَمَا انْتَفَى مِنْ عَبَثٍ وَلَا انْتَفَعْ

(يُوَجِّهُ الْخِطَابَ إِلَى الرَّئِيسِ)
فَقُلْ لَنَا وَالْعَهْدُ عَهْدُ اللهِ … أَمَاكِرٌ أَنْتَ بِنَا أَمْ لَاهِي؟
كَأَنَّمَا دَعَوْتَنَا لِنَشْهَدَا … لَكَ بِرُتْبَةِ الْعُلَى وَنَعْهَدَا
كَأَنَّ كُلَّ الْخَطْبِ فِي خُلُوِّكَا … مِنْ لَقَبٍ يَزِيدُ فِي عُلُوِّكَا
__________
63) السُكر أنواع منها سُكر الجاه وسُكر المنزلة والمكانة وحاشا الرَّئِيسُ من سُكر الخمر.
(2/89)

أَنْتَ كَمَا قَدْ قِيلَ فِي الْأَلْفيَّهْ … ذَاتِ الْحُلَى وَالنُّكَتِ الْوَصْفِيَّهْ (64)
فِي رَجُلٍ ذِي دَخْلَةٍ سَقِيمَهْ … لَيْسَ لَهُ بَيْنَ الرِّجَالِ قِيمَهْ
(لَا يَزْدَهِيهِ مِنْ حُلَى التَّقْدِيرِ … لَفْظٌ سِوَى الرَّئِيسِ وَالْمُدِيرِ)
الرَّئِيسُ: الْخَطْبُ خَطْبٌ فَادِحُ … وَالْعَيْبُ عَيْبٌ فَاضِحُ
وَعَارُنَا فِي النَّاسِ لَا … تَحْمِلَا النَّوَاضِحُ (65)
وَالذَنْبُ فِي التَّطْوِيلِ لَيْسَ مِنِّي … بَلْ ذَنْبُ هَذَا الشَّيْخِ شَيْخُ الْفَنِّ
فَكُلَّمَا دَنَوْتُ مِنْ مُرَادِي … دَفَعَنِي عَنْهُ بِالِاسْتِطْرَادِ
وَوَلَّدَ الْقَوْلَ بِلَا مُنَاسَبَهْ … وَاعْتَرَضَ الرَّأْيَ بِلَا مُحَاسَبَهْ
وَكُلَّمَا صَمَّمْت أَنْ أُعَارِضَهْ … عَاجَلَنِي بِالنَّقْضِ وَالْمُعَارَضَهْ
كَأَنَّ بُعْدَ الْقَصْدِ مِنْ آرَابِهْ … فَهْوَ يَرَى الْخَيْبَةَ فِي اقْتِرَابِهْ
وَإنَّمَا أَطَلْتُ فِي الصَّوْتَيْنِ … وَالْعُضْوِ لِلْإِصْلَاحِ فِي هَاتَيْنِ
لِأَّنني أَحْسَسْتُ بِالْمُخَالَفَهْ … فَالْعُضْو لِي فِي النَّفْعِ كَالْمُخَالَفَهْ
حَتَّى إِذَا أَجْمَعْتُمَا خِلَافِي … رَجَعْتُ مِنْهُ لِلْمُعِينِ الْكَافِي
رِعَايَةً لِلْخَيْرِ وَاحْتِيَاطَا … لِلنَّفْعِ لَا ظُلْمًا وَلَا اشْتِيَاطَا
وَمَنْ دَرَى خَلَّ امْرِئيٍ مِنْ خَمْرِهِ … دِرَايَتِي يَحْتَطْ لِكُلِّ أَمْرِهِ
وَإِنَّنِي أَعْلَمُ حَقَّ الْعِلْمِ … أَنَّكُمَا تَجْتَرِحَانِ ظُلْمِي
فَكُلَّمَا عَرَضْتُ مَا فِيهِ صَلَاحْ … وَإنْ يَكُنْ كَالصُّبْحِ فِي الْمَشْرِقِ لَاحْ
وَإِنَّنِي أَعْرِفُ مِنْ تَجْرِيبِي … رَأْيَكُمَا فِي الْقَصْدِ بِالتَّقْرِيبِ
فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِظْهَارِي … بِصَوْتٍ أَوْ بِرَجُلٍ قَهَّارِ
وَالْأَمْرُ إِنْ رُمَّ عَلَى اعْتِرَاضِ … لَمْ يَفْتَرِقْ ذَوُوهُ عَنْ تَرَاضِ
وَاللهِ لَوْلَا شَرَفُ الْمَوْضُوعِ … وَنَفْعِهِ لِلْفَرْدِ والْمَجْمُوعِ
وأَنَّ عَارًا لَجَّ فِي انْدِلَاعِهْ … فَوَجَبَ الْعَوْنُ عَلَى اقْتِلَاعِهْ
لَكُنْتُ فِيمَا اعْتَدْتُمَاهُ مِنِّي … فِي حَافِظٍ كَالدِّرْعِ وَالْمِجَنِّ
شَقِيتُ فِيكُمْ وَاسْمِيَ السَّعِيدُ … فَلَيْتَنِي أَوْ لَيْتَكمْ بَعِيدُ
وَلَيْتَ لِي بِكُمْ مِنْ الْعُرْبَانِ … إِثْنَيْنِ أَسْوَدَيْنِ كَالْغِرْبَانِ
__________
64) الألفية: أرجوزة للمؤلف بديعة نظمها تفسيرًا لمشكلة موظف هو عبد لوظيفته وعبد للشيطان. هي من أبدع ما قال (لعنه الله) يصف فيها أولياءه، وقد وصف المشكلة وشرحها بلسانها مترجمة عن نفسها. وفيها فصول طوال في شخصين اثنين منهم، أحدهما المشكلة وهي وإن كانت في شخص فهي صادقة فيهم جميعًا.
65) النواضج ج ناضح وهو جمل السانية أو الركوب وقد يستعمل وصفًا عامًا له.
(2/90)

وَلَيْتَ حَظِّي كَانَ فِي أَنِيسِ … فَرْدٍ وَلَوْ كَالطَّاهِرِ الْوَنِيسِ
الْجَنَّانُ: ظَلَمْتَ إِذْ ضَمَمْتَنِي لِهَذَا … وَهْوَ الَّذِي جَرَّ الْبَلَا وَهَاذَى
وَجُرْتَ إِذْ حَشَرْتَنِي فِي زُمْرَتِهْ … وَخَمْرَتِي فِي الشُّرْبِ غَيْرُ خَمْرَتِهْ
فَهْوَ زَمِيلِي وَالدُّرُوسُ تَشْهَدُ … لَكِنَّنِي بِالزُّورِ لَسْتُ أشْهَدُ
وَلَا أُدَارِيهِ وَلَا أَعْبُدُهْ … يَوْمًا وَلَوْ أَنَّ الْوَرَى أَعْبُدُهْ
وَإنَّنِي إِذَا غَدَوْتُ فِي كَبَدْ … فَلَا أُبَالِي عَابِدًا وِإنْ عَبَدْ
الْجَلَّالِي: عَجِبْتُ مِنْكُمْ وَالْأَصَحُّ مِنْكُمَا … وَيْلِي عَلَيْكُمْ ثُمَّ وَيْلِي مِنْكُمَا
لَمْ أَدْرِ مِمَّا سُقْتُمَا إِلَيَّا … أَلِى يَكُونُ الْمَيْلُ أَمْ عَلَيَّا؟
فَتَارَةً أَسْمَعُ مَدْحًا صَادِعَا … وَتَارَةً أَسْمَعُ قَدْحًا رَادِعَا
وَتَارَةً تَتَّفِقَانِ لِغَرَضْ … وَتَارَةً تَخْتَلِفانِ لِمَرَضْ
تَلَوِّيٌ يَمْقُتُهُ الْحُرُّ الْأَبِي … وَلَا يُغَرِّرُ سِوَى التَّيْسِ الْغَبِي
يَا قَوْمُ ذُو الْوَجْهَيْنِ لَوْ يُزْجِيهَا … شَمْسَ نَهَارٍ لَمْ يَكُنْ وَجِيهَا
يَا لَيْتَكمْ حِينَ عَرَفْتُمُونِي … عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَا صَرَفْتُمُونِي
فَإِنَّنِي صِرْتُ عَدِيمَ الْفَائِدَهْ … فِي كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ لَحْسِ الْمَائِدَهْ
أَصْبَحْتُ كَالْحِمَارِ لَا يُذَكَّى … فَيَدْفَعَ الْجُوعَ وَلَا يُزَكَّى (66)
وَانْعَكَسَتْ وَظَائِفُ الْأَعْضَاءِ … عِنْدِي فَإِسْخَاطِيَ مِنْ إِرْضَائِي
أَشُمُّ مِنْ عَيْنِي وَأَنْفِي يَسْمَعُ … أَسْعَى عَلَى بَطْنِي وَرِجْلِي تَدْمَعُ
لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَكُنْتُ أَفْتَدِي … بِالْمَالِ مِنْ هَذَا الرَّئِيسِ الْمُعْتَدِي
فَمَا عَرَفْتُ الْخَيْرَ مُذْ عَرَفْتُهْ … وَلَوْ بَدَا لِي كَلِمًا حَرَفْتُهْ
وَلِي قَرُونَةٌ إذَا مَا هَجَسَتْ … هَوَاجِسُ الْإِلْهَام فِيهَا انْبَجَسَتْ (67)
فَيْضًا مِنَ الْحَدْسِ الَّذِي لَا يَكْذِبُ … وَذُو الشُّكُوكِ دَائِمًا مُعَذَّبُ (68)
وَحَدَّثَتْنِي الْيَوْمَ أَنَّ الْأَمْرَا … رَمَادُ إِيهَامِ يُغَطِّي الْجَمْرَا
وَأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ فِيهِ سِرُّ … سَيَنْجَلِي لِلْعَيْنِ وَهْوَ شَرُّ
وَأَنَّ هَذَا السَّيِّدَ الرَّئِيسَا … لَا بُدَّ أَنْ يَرَى رَأْيًا نَفِيسَا
__________
66) الحمار لا تجب فيه الزكاة ولا تعمل فيه الذكاة وفي كل من الزكاة والذكاة فائدة. فمن حُرِمَهُما فلا فائدة فيه ولكن فات الأستاذ أن الحمارَ وإن كان لا يذكى ففيه فائدة الركوب.
67) القَرونة: النفس.
68) الشطر الأخير مثل ضربه الأستاذ وليس راجعًا إليه هو لأنه على يقين.
(2/91)

يَا عَالِمَ الْغَيْبِ اكْفِنَا الْعَوَاقِبَا … وَوَاقِعًا تَحْتَ الدُّجَى وَوَاقِبَا (69)
الْجَنَّانُ: يَا أَيُّهَا الرَّئِيسُ فُضَّ الْجَلْسَهْ … وَحُطَّ مِنْ فُلْكِ الْمَسِيرِ قَلْسَهْ
قَدْ نَالَ مِنَّا الْجُوعُ وَاللُّغُوبُ … وَقَدْ تَجَافَى الْغَرَضُ الْمَرْغُوبُ
الرَّئِيسُ: لَا أرْفَعُ الْجَلْسَةَ أَوْ تَتَّفِقُوا … عَلَى انْتِخَابِ مَنْ بِهِ أَرْتَفِقُ
الاِثْنَانِ مَعًا: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ … وَلَا يُزَكَّى وَقَصٌ مِنَ النَّعَمْ (70)
نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ قَدِ اتَّفَقْنَا … ثُمَّ بِدُونِ إِذْنِكَ افْتَرَقْنَا
(إِنْتَهَتِ الْجَلْسَةُ الثَّانِيَّةُ)

صُورَةُ الاِسْتِدْعَاءِ مِنَ الرَّئِيسِ إِلَى السَّيِّدِ أَحْمَدَ بُوشْمَال
إِلَى الأَخِ الْبَرِّ الصَّفِيِّ الْأَمْجَدِ … آلْعُمْدَةِ الْحُرِّ الْأَبِيِّ الْأَسْعَدِ
أَبِي الشِّمَالَيْنِ إِذَا مَا كُنِّيَا … وَطَاهِرٍ بِضِدِّ هَذَا عُنِيَا
أَمَّا اسْمُهُ فَخَيْرُ الْأَسْمَاءِ اسْمُهُ … وَكُلُّ نَفْعٍ لِلْعِبَادِ وَسْمُهُ
حِرْفَتُهُ إِدَارَةُ الْجَرَائِدْ … كَانَ وَمَا زَالَ لَهَا كَالرَّائِدْ
إِنْ بَرَزَتْ كَانَ بِهَا مُخْتَالَا … أَوْ عُطِّلَتْ كَانَ لَهَا مُحْتَالَا
مَقَرُّهُ حَيْثُ يَكُونُ الْجُرْنَانْ … مُقَرَّرًا وَلَوْ بِغَابِ الْفَرْنَانْ
وَاطْلُبْهُ فِي إِدَارَةِ الشِّهَابِ … تَجِدْهُ كَالْجَمْرَةِ ذَا الْتِهَابِ
وَاطْلُبْهُ بَيْنَ أَدَوَاتِ الْمَطْبَعَهْ … تَجِدْهُ ثَمَّ رَابِعًا لِأَرْبَعَهْ
وَكُلَّمَا تَأَسَّسَتْ جَمْعِيَّهْ … تَسْعَى إِلَى الْمَقَاصِدِ النَّفْعِيَّهْ
فَاطْلُبْهُ فِي دِيوَانِهَا تَجِدْهُ … مُهَيَّئًا مَنْ يَسْتَفِدْ يُفِدْهُ
وَإِنْ تُرِدْ لِقَاءَهُ يَوْمَ الْأَحَدْ … فَفِي مَكَانٍ لَيْسَ يَدْرِيهِ أَحَدْ
لَكِنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ … أَيَّامِ فَقْدِ الزَّيْتِ وَالطَّعَامِ
مُعْتَكِفٌ فِي سَيِّدِي الْمَبْرُوكِ … مِثْلَ اعْتِكَافِ السَّاحِرِ الْمَرُّوكِ (71)
يَبْحَثُ فِي الْخَرَائِبِ الْقَرِيبَهْ … وَيَدْرُسُ الْعَقَاقِرَ الْغَرِيبَهْ
وَيَقْتَنِي دَجَاجَةً وَعَنْزَا … لِيُحْضِر الْجِنَّ وَيُبْدِي الْكَنْزَا
بَعْدَ السَّلَامِ يَا أَخِي وَالرَّحْمَهْ … وَاللَّحْمِ لَمَّا أَنْ غَلَا وَالشَّحْمَهْ
__________
69) البيت دعاء من الأستاذ لم يتقبله الله.
70) البيت كله هزء بالرَّئِيسُ والشطر الأخير لابن عاشر.
71) المَرُّوك: المغربي.
(2/92)

وَالشَّمْعِ وَالْقَهْوَةِ وَالصَّابُونِ … وَغَيْرِهَا مِنْ سِلْعَةِ (الْجَابُونِ) (72)
مَطْلَبُ كُلِّ مُفْلِسٍ مَغْبُونِ … قَدْ زَادَهُ هَمًّا ضَيَاعُ (الْبُونِ) (73)
فَإِنَّنَا فِي حَالَةٍ لَا تُرْضَى … بَيْنَ الْأَصِحَّاءَ وَبَيْنَ الْمَرْضَى
وَلَا يَخُصُّنَا سِوَى اجْتِمَاعِ … بِكَ وَلَوْ في أَنْجَسِ الْبقَاعِ
وَنَظْرَةٍ فِي وَجْهِكَ الْعَزِيزِ … تَدْفَعُ هَمَّ الْبُونِ وَالْكَرِيزِ
وَإنْ ذَكَرْتَنِي وَلَوْ بِالْفِكْرِ … ذَكَرَكَ اللهُ بِخَيْرِ الذِّكْرِ
وَإنْ سَأَلْتَ عَنْ صَدِيقِكَ الْقَدِيمْ … فَإِنَّنِي لِلْبُؤْسِ وَالْهَمِّ نَدِيمْ
وَزَادَنِي هَمًّا عَلَى هُمُومِي … أَنْ يَدْخُلَ الْخُصُوصُ فِي الْعُمُومِ
وَجُلُّ مَا أَلْقَى وَمَا أُكَابِدْ … مِنْ صُحْبَةِ الْجَنَّانِ وَابْنِ الْعَابِدْ
هُمَا صَدِيقَايَ بِرَغْمِ أَنْفِي … وَلَمْ يَكُنْ صِنْفُهُمَا مِنْ صِنْفِي
وَالرَّهْطُ مَهْمَا اشْتَرَكُوا فِي عَمَلِ … أَوْ جَمَعَتْهُمْ وَحْدَةٌ فِي أَمَلِ
فَمِنْ أُصُولِ الْأَدَبِ التَّعَاوُنُ … بَيْنَهُمُ وَالسِّتْرُ وَالتَّصَاوُنُ
لَكِنَّ صَاحِبَيَّ مِنْ لُؤْمِهِمَا … لَمْ يَفْقَهَا هَذَا وَمِنْ شُؤْمِهِمَا
وَقَدْ بَدَا شُؤْمُهُمَا عَلَيْهِمَا … وَجَرَّنِي لِشِقْوَتِي إِلَيْهِمَا
وَكَانَ قَدْ لَزِمَنَا مِنَ الْحُقُوقْ … حَقٌّ فَأَشْرَفْنَا بِهِ عَلَى الْعُقُوقْ
حَتَّى أَضَعْنَا فَرْضَهُ وَنَفْلَهْ … فِي غَمْرَةٍ مِنْ غَمَرَاتِ الْغَفْلَهْ
وَقَدْ تَلَطَّفْتُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ … حَتَّى جَمَعْتُ الصَّاحِبَيْنِ حَوْلِي
لِنَغْسِلَ العَارَ بِمَا يَرْحَضُهُ … وَنَصِلَ الشَّرَّ بِمَا يَدْحَضُهُ
وَلِي عَلَيْهِمَا مِنَ الْإِدَارَهْ … مَا يُشْبِهُ السُّلْطَةَ وَالْإِمَارَهْ
ثُمَّ هُمَا عِنْدَ ذَوِي الْأَفْهَامِ … مِنْ أُمَّةٍ تُقَادُ بِالْأَوْهَامِ
كَلِمَةُ الْخِزْيِ عَلَيْهَا حَقَّتْ … تَخْضَعُ لِلْأَشْبَاحِ مَهْمَا دَقَّتْ
وَالْفَرْدُ يَقْفُو فِي الْمَخَازِي الْجَمْهَرَهْ … وَالسَّيْفُ إِنْ جَرَّبْتَ فَاخْبُرْ جَوْهَرَهْ
لَكِنْ بَدَا لِي مِنْهُمَا تَصَلُّبُ … يَعْسُرُ عَنْ ضَوْضَائِهِ التَّغَلُّبُ
وَأَظْهَرَا فِي جَلْسَةِ افْتِتَاحِ … فَوْضَى طَغَتْ كَالْعَارِضِ الْمِمْتَاحِ
فَاحْتَلْتُ حَتَّى أَجْمَعَا رِئَاسَتِي … بِحِيلَةٍ تُنْبِئُ عَنْ كِيَاسَتِي
وَقَدْ عَقَدْنَا جَلْسَتَيْنِ مَرَّتَا … كَالْقُرْحَتَيْنِ شَانَتَا وَعَرَّتَا
__________
72) الجابون: بلد إفريقي.
73) الْبُون: كلمة فرنسية معناها قسيمة التموين.
(2/93)

فَكُنْتُ كَالْغَائِصِ وَسْطَ بَحْرِ … مُرْتَطِمًا فِي غَمْرِهِ لِلنَّحْرِ
يَنْتَابُنِي الشَّيْخَانِ بِالنَّوَائِبِ … فِي كَلِمٍ كَالْأَسْهُمِ الصَّوَائِبِ
وَبَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ بِالْمُعَايَنَهْ … مَا بَيْنَنَا فِي الْفِكْرِ مِنْ مُبَايَنَهْ
أَلْحَحْتُ حَتَّى قَرَّرَا إِلْحَاقَكْ … بِجَمْعِنَا وَسَلَّمَا استِحْقَاقَكْ
لِأَسْتَعِينَ بِكَ فِي الْمُرَادِ … عَنْ مَارِدَيْنِ أَمْحَلَا مَرَادِي
فَكُنْ ظَهِيرِي يَا ظَهِيرَ الضُّعَفَا … فُكُلُّ مَنْ خَذَلْتَهُ رَبْعٌ عَفَا
وَإِنَّنِي أَدْعُوكَ لِلْحُضُورِ … عَنْ عَجَلٍ فِي مَكْتَبِي الْمَشْهُورِ
لِجَلْسَةٍ نَعْقِدُهَا غَدَاةَ غَدْ … وَإنْ تَكُنْ أَحْسَسْتَ جُوعًا فَتَغَدْ
فَرُبَّمَا طَالَتْ إِلَى الزَّوَالِ … وَأَنْتَ تَدْرِي أَنَّنِي (زَوَالِي) (74)
فَالْخُبْزُ بِالرُّؤُوسِ لَا بِالْأَرْجُلِ … كَمَا تَرَى فِي (بُونِهِ) الْمُسَجَّلِ
أَوْ فَاصْحَبِ (الْبُونَ) فَخَيْرُ مَا صُحِبْ … هُوَ إِذَا الْمَرْءُ مِنَ الدَّارِ سُحِبْ
وَالْبُونُ أَوْ وَرَقَةُ التَّمْوِينِ … ترْمِي حُقُوقَ الضَّيْفِ بِالتَّهْوِينِ
وَهُوَ عَلَى الْجُمُودِ وَالتَّصْرِيفِ … أَلْزَمُ مِنْ وَرَقَةِ التَّعْرِيفِ
وَإنَّنِي بِالرَّغْم مِنْ إِمْلَاقِي … أُحْضِرُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ ذَوَاقِ
هَذَا وَإِنَّ الْغَرَضَ الْمَنْوِيَّا … مَا زَالَ سِرًّا عَنْكُمُ مَطْوِيًّا
فَلْتَحْتَفِظْ أَنْتَ بِمَا أَبْثَثْتُكْ … فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَهُ حَثَثْتُكْ
لَا تُفْشِ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْهُ لَفْظَا … وَلَا تُذِعْ وَاللهُ خَيْرٌ حِفْظَا
وَدُمْتَ لِابْنِ حَافِظٍ مُعِينَا … وَللْأَدِيبَيْنِ مَعًا مُهِينَا
وَدُمْتَ لِلْحَقِّ الصُّرَاحِ عَاضِدَا … وَدُمْتَ لِلْكُفْرِ الْبَوَاحِ نَاقِدَا
إِلَى غَدٍ وَمَا غَدٌ بَعِيدُ … وَإنْ أَجَبْتَ فَأَنَا السَّعِيدُ

(إِنْتَهَتْ بِطَاقَةُ الاِسْتِدْعَاءِ وَتَأْتِي بَعْدَهَا الْجَلْسَةُ الثَّالِثَةُ وَبِهَا الْخِتَامُ).
__________
74) زوالي: معناها فقير.
(2/94)

الجلسة الثالثة
(الْمَشْهَدُ: الثَّلَاثَةُ فِي مَكْتَبِ الرَّئِيسِ وَمَعَهُمْ بوَشْمَال وَصِحْنُ فَطَائِرٍ وَإِبْرَيقُ أَتَايْ).

إِفْتِتَاحُ الْجَلْسَةِ:
الرَّئِيسُ: أَبْدَأُ بِأكْلِ مُصَلِّيًّا عَلَى … كَأْسٍ مِنَ التَّايِ اللَّذيذِ قَدْ حَلَا
وَأَفْتَحُ الْجَلْسَةَ بِالْفَطَائِرِ … مِنْ وَاقِعٍ فِي صَحْنِهِ وَطَائِرِ
جِئْتُ بِهَا تَشْوِي اللِّسَانَ وَاللَّهَا … كَفّارَةً عَمَّا مَضَى ضِدًّا لَهَا
فَأَشْبِعُوا بُطُونَكُمْ فَالْبِطْنَهْ … كَمَا أَتَى عَنْهَا تُثِيرُ الْفِطْنَهْ
وَأَكْثِرُوا الأَكْلَ فَإِنَّ الْمَعِدَهْ … لَيْسَتْ إِذَا مَا فَرَغَتْ بِالْمُسْعِدَهْ
وَالْعِلْمُ قَدْ أَثْبَتَ أَنَّ الْعَقْلَا … فِي عَصْرِنا أَضْحَى يُضَاهِي الْبَقْلَا
فَتَارَةً يَثْبُتُ فِي الرُّؤُوسِ … وَتَارَةً يَنْبُتُ فِي الضُّرُّوسِ
ثمَّ يَمُدُّ عِرْقَهُ فِي الْبَطْنِ … وَيَغْتَذِي وَلَا أَزِيدُ قَطْنِي
لِذَا تَرَوْنَ الْمَرْءَ يَعْرُوهُ الْغَضَبْ … حَتَّى تَرَوْا مَاءَ الرِّضَى مِنْهُ نَضَبْ
حَتَّى إِذَا مَا أُطْعِمَ الطَّعَامَا … حَامَ الرِّضَى بِوَجْهِهِ وَعَامَا
وَهَلْ رَأَيْتُمْ وَالْعُيُونُ ثَكْلَى … أَنَّ الْغِضَابَ يَهْجُرُونَ الْأَكْلَا؟
وَإنْ أَرَدْتمْ أَنْ تُداوُوا الْغَضْبَى … فَأَطْعِمُوهُمْ عِنَبًا وَقَضْبَا
وَهَذِهِ فَوَائِدٌ عِلْمِيَّهْ … أَشْهَى إِلَيْكمْ مِنْ وِصَالِ مَيَّهْ
فَأَعْلِنُوا الْأَفْرَاحَ بِالْعُضْوِ الْجَدِيدْ … ذِي الْمَنْطِقِ الْخَلَّابِ وَالرَّأْيِ السَّدِيدْ
الْجَنَّانُ: مَا لَكَ عَنْ ذِكْرِ الْإلَهِ تَغْفُلُ؟ ...
الْجَلَّالِي: ... النَّاسُ تَرْقَى وَالرَّئِيسُ يَسْفُلُ
الرَّئِيسُ: لَا تَجْهَلَا فَالْيَوْمُ يَوْمُ مَلْحَمَهْ … وَيُذْكَرُ اسْمُ اللهِ عِنْدَ الْمَرْحَمَهْ
وَسَائِلُوا أَئِمَةَ الْقِرَاءَهْ … هَلْ ذُكِرَ اسْم اللهِ فِي بَرَاءَهْ؟
لِأَنَّهَا قَدْ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ … لِكَسْرِهِ الشِّرْكَ وَمَحْقِ الْحَيْفِ
وَيوْمُنَا يَوْمُ نِزَالٍ وَصِرَاعْ … يَوْمُ الْتِحَامٍ وَجَلَادٍ وَقِرَاعْ
يَوْمُ (حِرَابٍ لَيْسَ يَوْمَ حَفْلَهْ) … وَلَا يُنَادِي فِي النِّزَالِ طِفْلَهْ
يَوْمٌ كَيَوْمِ رَحْرَحَانَ الْأًوَّلِ … (وَلَيْسَ عَنْ غِمَارِهِ مِنْ مَعْدِلِ)
يَوْمُ وَغَى غَاسِقُهُ قَدْ وَقَبَا … كَيَوْمِ ذِي قَارٍ وَيوْمِ الْعَقَبَا
الْجَنَّانُ: قَدْ قَفَّ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ شَعْرِي … وَجَفَّ مِنْ ذِكْرِ الصِّرَاعِ بَعْرِي
(2/95)

فَمَعَ مَنْ هَذَا الصِّرَاعُ يَا تُرَى؟ … أَمْ ذَاكَ إِفْكٌ وَحَدِيثٌ مُفْتَرَى؟
وَلِمَ ذَا كُنْتَ رَئِيسًا فِينَا … إِنْ لَمْ تَكُنْ لِمِثْلِهَا تَكْفِينَا؟
وَكَيْفَ لَمْ تَحْتَطْ لِهَذَا الْأَمْرِ … مِنْ قَبْلِ أَنْ يُحْرِقَنَا بِالْجَمْرِ؟
وَكَيْفَ لَمْ تُعْقِدْ لَهُ مُعَاهَدَهْ … بِالسِّلْمِ لَا فِي السِّرِّ بَلْ مُشَاهَدَهْ
وَكَيْفَ لَمْ تَبْعَثْ لَهُمْ سَفِيرَا … يَرُدُّ عَنَّا الْجَيْشَ وَالنَّفِيرَا
وَكَيْفَ لَمْ تَرْضَ بِفَرْضِ الْجِزْيَهْ … تَدْفَعُهَا عَنْ ذِلَّةٍ وَخِزْيَهْ
وَكَيْفَ تَرْمِي فِئَةً قَلِيلَهْ … لَيْسَ لَهَا غَوْثٌ وَلَا قَبِيلَهْ
فِي هُوَّةٍ لَيْسَ لَهَا قَرَارُ … وَلَيْسَ يُجْدِي عِنْدَهَا الْفِرَارُ
يَا أَيهَا الرَّئِيسُ (دَبَّرْ رَاسَكْ) … أَوْ فَادْعُ لِلْحَرْبِ الضَّرُوسِ نَاسَكْ
أَمَّا أَنَا وَصَاحِبِي وَصَاحِبُكْ … فَلَيْسَ فِينَا أَحَدٌ يُصَاحِبُكْ
وَهَا هُنَا يَخْذُلُكَ الصَّوْتَانِ … وَالْحَقُّ لَا يُدْفَعُ بِالْبُهْتَانِ
الْجَلَّالِي: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي الْخُنْفُسَا … أَفْلِقُ الْهَامَ وَأُرْدِي الْأَنْفُسَا
إِنِّي إِذَا مَا حَمِيَ الْوَطِيسُ … لَا أَنْثَنِي أَوْ يَنْثَنِي الْفَطِيسُ
أَحْمِي الْحِمَى وَأَمْنعُ الْعَشِيرَهْ … وَالْحُرُّ يَعْصِي فِي الْوَغَى مُشِيرَهْ
وَكَيْفَ قَدْ مَنَعْتَنَا الدَّبَابِسَا … وَالْحَجَرَ الصَّلْدَ الثَّقِيلَ الْيَابِسَا
وَأَنْتَ إِذْ جَرَّدْتَنَا مِنَ السِّلَاحْ … عَدُوُّنَا الْأَكْبَرُ مِنْ غَيْرِ تَلَاحْ
وَلَوْ سَمَحْتَ بِهِمَا لَكَانَتْ … نُفُوسُنَا اشْتَدَّتْ وَمَا اسْتَكَانَتْ
وَعِنْدَنَا مِنَ الْعِصِيِّ عَدَدُ … إِنْ لَمْ تُفِدْ فَفِي الْجِبَالِ مَدَدُ
وَعِنْدَنَا حِجَارَةٌ بِالْوَادِي … وَعِنْدَنَا الْأَنْصَارُ فِي الْبَوَادِي
وَعِنْدَنا الشَّيْخُ أَبُو الشِّمَالِ … لَيْثُ الْوَغَى كَمُصْطَفَى كَمَالِ
هَلْ تَذْكُرُونَ إِذْ عَلَا بِدَبْزَهْ … شَخْصًا فَخَلَّى وَجْهَهُ كَالْخُبْزَهْ
وَهَكَذَا الْأبْطَالُ فَلْيَكُونُوا … لَيْسَ لَهُمْ إِلَى الْعِدَا رُكُونُ
مَنْ لَمْ يَمُتْ فِي الْعَزَمَاتِ هُونَا … وَعَاشَ فِي أَسْرِ الشَّقَا مَرْهُونَا
هَيَّا بِنَا هَيَّا بنَا هَيَّا بِنَا … لِلْحَرْبِ لَا نَامَتْ عُيُونُ الْجُبَنَا
لَا تَذْكُرِ الْجَنَّانَ فَالْجَنَّانُ … كَلِمَةٌ تَصْحِيفُهَا جَبَانُ
أَمَا تَرَى اللَّفْظَيْنِ فِي رَسْمِ الْحُرُوفْ … تَشَابَهَا وَسَلْ بِذَا أَبَا الْحُرُوفْ
الرَّئِيسُ: مَلَأْتُمَا الدُّنْيَا عَلَيَّ هَوْلَا … مِنْ قَبْلِ أَنْ تُرَاجِعَانِي الْقَوْلَا
فَهَوِّنَا الْخَطْبَ يَهُنْ عَلَيْكُمَا … فَالْحَرْبُ غَادٍ مِنْكُمَا عَلَيْكُمَا
(2/96)

الْجَلَّالِي: مَا هَذِهِ الْأَلْغَازُ يَا جَنَّانُ؟ ...
الْجَنَّانُ: ... إِنَّ الرَّئِيسَ دَائِمًا (خَرْنَانُ) (75)
كَرَاهِبِ الدَّيْرِ يُوَالِي الْغَمْغَمَهْ … فَإِنْ أَرَادَ غَيْرَهَا فَالْجَمْجَمَهْ
بُوشْمَال: مَا هَذِهِ الْفَوْضَى وَهَذِي الْحَرَكَهْ …كَأَنَّنَا قَبْلَ اللِّقَا فِي مَعْرَكَهْ
أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ سِرَّ الْجَمْعِ … حَتَّى أُصِيخَ لِلْكَلَامِ لَسَمْعِي
وَأَعْرِفَ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْكَلَامْ … أَوْ لَا فَإِنِّي ذَاهِبٌ بِلَا سَلَامْ

(يَنْهَضُ قَائِمًا)
الْجَمِيعُ: بِتُرْبَةِ الشَيْخِ الرِّضَى قَمُّوشِ … وَبِيعَةِ الْحِبْرِ الْجَلِيلِ مُوشِي
وَرَحْمَةِ الْمُنَغَّمِ الْعَمُّوشِي … وَقَائِلٍ لِلشَّيْخْ (مَا لِمُوشِي؟)
إِلَّا جَلَسْتَ وَاسْتَرَحْتَ مَعْنَا … حَتَّى يَبِينَ لِلْكَلَامِ مَعْنَى
الْجَلَّالِي: وَلَوْ دَعَوْتُمْ حَاتِمًا أَوْ مَعْنَا … وَهْوَ مِنَ الْجُودِ كَمَا سَمِعْنَا
لَمْ يَحْبُكُمْ فِي الدَّهْرِ إِلَّا لَعْنَا … فَفِي سَبِيلِ الدَّجْلِ مَا أَطَعْنَا
وَفِي سَبِيلِ الرِّيحِ مَا أَذَعْنَا … وَفِي سَبِيلِ اللَّهْوِ مَا أَضَعْنا
بُوشْمَال: مَنْ ضَيَّعَ الْوَقْتَ اسْتَحَقَّ الْمَقْتا … (وَبَاءَ بِالْوِزْرِ وَسَاءَ سَمْتَا)
الْجَنَّانُ: قَدْ ذُقْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا قَدْ ذُقْتَا … لَكِنْ وَسِعْتَ رَحْمَةً وَصَمْتَا
وَمِنْ قَدِيمٍ بِالذَّكَاءَ فُقْتَا … وَلَيْتَنِي أَفَقْتُ إِذْ أَفَقْتَا
لَا تَحْتَمِلْ إِلَّا الَّذِي أَطَقْتَا … فَإِنَّ لِلصَّبْرِ الْجَمِيلِ وَقْتَا
لَوْ كُنْتَ مُذْ يَوْمَيْنِ قَدْ أَشْرَقْتَا … لَقُدْتَنَا إِلَى الْهُدَى وَسُقْتَا
الْجَلَّالِي: مَا ضَرَّ يَا أَحْمَدُ لَوْ أَعْتَقْتَا … إِخْوَانَ صِدْقٍ بِهِمُ الْتَحَقْتَا
مُقَدِّرِينَ كُلَّ مَا وَسَقْتَا … مِنْ حِكَمٍ غُرٍّ وَمَا نَسَقْتَا
وَلَوْ فَعَلْتَ كُنْتَ قَدْ أَنْطَقْتَا … أَلْسُنَهُمْ بِشُكْرِهَا أَغْدَقْتَا
وَمَا ثَوَابٌ مُنْفِسٌ أَنْفَقْتَا … فِي طِفْلَةٍ يَتِيمَةٍ أَصْدَقْتَا
أَوْ حُرَّةٍ أَسِيرَةٍ أَطْلَقْتَا … أَوْ وَالِدٍ عَنْ رُوحِهِ صَدَّقْتَا
أَوْ بَائِسٍ عَنْ حَالِهِ رَقَقْتَا … أَوْ دَمَ هَدْيٍ فِي مِنًى أَرْقَتَا
أَوْ قَوْلَ حَقٍّ فِي الْمَلَا نَفَّقْتَا … أَوْ بَاطِلٍ بَيْنَهُمُ مَحَقْتَا
أَجَلَّ مِنْ عِتْقٍ لَنَا حَقَّقْتَا … وَفَتْقِ مَا مِنْ أَمْرِنَا رَتَقْتَا
أَصَبْتَ فِي الْبَابِ الَّذِي طَرَقْتَا … وَجِئْتَ بِالْبُرْهَانِ إِذْ نَطَقْتَا
__________
73) خرنان: الذي يُكثر الكلام ويصرّ عليه.
(2/97)

يَا زُمْرَةً إِنْ بَاعَدُوكَ اشْتَقْتَا … لَوْ كُنْتَ عَبْدًا لَهُمْ أَبَقْتَا
بُوشْمَال: لَكِنَّنِي لَمْ أَفْهَمِ الْمَقْصُودَا … كَأَنَّ فِيهِ طِلْسَمًا مَرْصُودَا
وَلِي مَآرِبٌ مَعَ الزَّوَاوِي … مَعْطُوفَةٌ بِالْفَاءَ لَا بِالْوَاوِي
وَكُلُّ مَآرَبٍ لَهُ ثَوَانِ … مَحْدُودَةٌ يُضِيعُهُ التَّوَانِي
فَيَا رَئِيسَ الْقَوْمِ هَاتِ الْمَسْأَلهْ … حَتَّى يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ مَوْئِلَهْ
الرَّئِيسُ: عُدْنَا وَقَدْ هَدَأَتِ الشَّقَاشِقْ … مِنْ نَابِلٍ بِقَوْلِهِ وَرَاشِقْ
وَصَاحِبٌ دَعَوْتُهُ لِي نَاصِرَا … عَلَى الْعِدَا أَضْحَى لَهُمْ مُنَاصِرَا
لَكِنَّنِي أَكْظِمُ غَيْظِي وَأَفِي … إِلَى الرِّضَى لِمَقْصَدٍ مُشَرِّفِ
وَهَلْ تَعُونَ مَا يَقُولُ النَّاصِحْ … وَالنُّصْحُ يَقْتَضِي الْكَلَامَ الْقَاسِحْ (76)؟
انَّ الصِّرَاعَ الْيَوْمَ يَا إِخْوَانِي … مَعَ طِبَاعِ الْعَجْزِ وَالتَّوَانِي
إِنَّ الصِّرَاعَ الْيَوْمَ مَعْ طَوَايَا … قَدْ أَقْفَرَتْ كَأَنَّهَا زَوَايَا
إِنَّ الصِّرَاعَ مَعَ عَدُوٍّ دَاخِلِي … أَدْخَلَنَا فِي أَضْيَقِ الْمَدَاخِلِ
نُصَارِعُ الْكُفْرَانَ وَالْجُحُودَا … وَاللُّؤْمَ وَالْخُمُولَ وَالْجُمُودَا
نُصَارِعُ الشُّحَّ الذَّمِيمَ المُرْدِي … فَقَدْ لَبِسْنَاهُ كَمِثْلِ الْبُرْدِ
نُصَارِعُ التَّفْرِيطَ وَالْإِضَاعَهْ … لِوَاجِبٍ يَسْتَوْجِبُ الْإِطَاعَهْ
نُعَالِجُ الْجَفَافَ فِي الْعَوَاطِفْ … (لِتَأْلَفَ الْبَذْلَ بِذِي الْمَوَاقِفْ)
نُقَاتِلُ التَّقْصِيرَ وَالْعُقُوقَا … فِي حَقِّ مَنْ وَفَّى لَنَا الْحُقُوقَا
نُقَاتِلُ الْجَفَاءَ فِي نُفُوسِنَا … (وَمَانِعِ الْخَيْرِ عَلَى غُروسِنَا)
نُفُوسُنَا يَا قَوْمُ لَا سِوَاهَا … هِيَ الَّتِي أَعْيَا الأُسَاةَ دَاهَا
وَطَالَمَا النَّفْسُ دَعَتْنَا لِلْهَوَى … فَضَلَّ مَنْ لَهَا اسْتَجَابَ وَغَوَى
وَهِيَ الَّتِي (نَرْجُو لَهَا الْحَيَاتَا … وَهَا هُنَا لِنَغْرِسِ النَّوَاتَا)
وَتَرَكَتْنَا فِي الْوَرَى أُضْحُوكَهْ … بفِعْلَةٍ مِنْ خُبْثِهَا مَحْبُوكَهْ
فَهَلْ أَتَاكُمْ وَالْحَدِيثُ يُذْكَرُ … أَنَّا فَعَلْنَا فِعْلَةً لَا تُشْكَرُ؟
جِئْنَا بِهَا شَوْهَاءَ لَا تُبَارَى … شَنْعَاءَ تُزْجِي الْعَارَ وَالْعُوَّارَا
إِنْ ضَاعَ فِي الْحَجِّ الدُّخُولُ مِنْ كَدَا … فَقَدْ أَضَعْنَا وَاجِبًا مُوكَّدَا
الْجَلَّالِي: قَتَلْتَنَا يَا شَيْخُ بِالتَّطْوِيلِ … وَبِالْإِشَادَةِ وَبِالتَّهْوِيلِ
__________
76) القاسح: القاسي ... الشديد.
(2/98)

فَاشْرَحْ لَنَا الْمَقْصُودَ مِنْ أَلْغَازِكْ … وَاعْجَلْ فَقَدْ أَسْعَطْتَنَا بِغَازِكْ
وَخَلِّنَا نَكْوِ الْحَشَا بـ (قَارُو) (77) … وَنَسْتَمِعْ لِقَارِئِي (الْفِقَارُو) (78)
إِنَّ الدُّخَانَ رُقْيَةٌ مُهِمَّهْ … لِلْهَمِّ وَالنَّفْثُ بِهَا تَتِمَّهْ
وَالْهَمُّ لِلشَّيْطَانِ لَيْسَ يُقْطَعُ … إِلَّا بِنَارٍ وَدُخَانٍ يَسْطَعُ
وَالْعَاسِلُونَ يَطْرُدُونَ النَّحْلَا … بِهِ فَيَجْنُونَ الرَّحِيقَ الْأَحْلَى
وَنَنْتَشِي بِقَهْوَةٍ مُرَوَّبَةْ … كَأَنَّهَا زِنْجِيَّةٌ مُذَوَّبَهْ
تَخَالُهَا إِذَا طَفَا عَنْهَا الْحَبَبْ … صَرْحًا مِنَ الْعَنْبَرِ تَعْلُوهُ الْقُبَبْ
أَمَّا الْأَخُ الْجَنَّانُ فَهُوَ كَالْقَرِمْ … لِنِفَّةٍ تَشْفِي الدِّمَاغَ الْمُضْطَرِمْ
وَكُلَّمَا هَمَّ بِهَا كَالْمُبْلِسِ … يَصُدُّهُ عَنْهَا وَقَارُ الْمَجْلِسِ
الرَّئِيسُ: أَتَذْكُرُونَ شَيْخَنَا الْمَنْفِيَّا؟ … (سَكْتَةٌ طَوِيلَةٌ وَوُجُومٌ)
الْجَنَّانُ: ... نَعَمْ وَقَدْ كَانَ بِنَا حَفِيَّا
وَكَانَ بَرًّا كَامِلًا صَفِيَّا … وَكَانَ حُرًّا عَامِلًا وَفِيَّا
كَانَ إِذَا مَا زَارَنَا فِي مَرَّهْ … أَحْلَى لَنَا هَذِي الْحَيَاةَ الْمُرَّهْ
وَنَالَنَا مِنْ عَطْفِهِ وَحَدَبِهْ … مَا نَالَنَا مِنْ عِلْمِهِ وَأَدَبِهْ
كُنَّا نَلُوذُ مِنْ حِمَاهُ بِكَنَفْ … فَيُبْدِلُ النَّحْسَ بِسَعْدٍ مُؤْتَنَفْ
وَكَانَ ...
وَكَانَ ...
وَكَانَ ...
وَكَانَ ...
عَهْدِي بِهِ يَخُصُّ هَذِهِ الْفِئَهْ … بِالأَلْفِ مِنْ حِبَائِهِ لَا بِالْمائَهْ
الْجَلَّالِي: هَيَّجْتَ يَا رَئِيسَنَا الْأَشْجَانَا … وَقَدْ نَثَرْتَ الدُّرَّ وَالْمَرْجَانَا
لَا زِلْتَ تَبْغِي خَيْرَنَا مَجَّانَا … وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا
بُوشْمَال: ذَكَرَهُ اللهُ بِخَيْرِ الذِّكْرِ … فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَفَضْلِ الشُّكْرِ
وَرَدَّهُ ...
وَرَدَّهُ ...
وَرَدَّهُ ...
الْجَنَّانُ: لَا تَخْشَ مِنْ نَفْيٍ وَمِنْ تَغْرِيبِ … فَلَسْتَ بِالْجَانِي وَلَا الْمُرِيبِ
__________
77) قارو: معناها سيجارة، والقاف تنطق كالجيم المصرية.
78) الفِقارو: هي الجريدة الفرنسية المعروفة Le Figaro.
(2/99)

ذُقْنَاكَ لِلتَّمْحِيصِ وَالتَّجْرِيبِ … فَكُنْتَ عَيْنَ الْحَاذِقِ الْأَرِيبِ
وَكُنْتَ فِي التَّشْرِيقِ وَالتَّغْرِيبِ … أَشْطَرَ مِنْ جَمَاعَةِ التَّهْرِيبِ
الْجَلَّالِي: رَمَيْتَنِي بِدَائِكَ الْغَرِيبِ … فَجِئْتَ بِالتَّوبِيخِ وَالتَّثْرِيبِ
وَلَسْتُ عِنْدَ مَا ظَنَنْتَهُ بِيَهْ … وَلَسْتَ مِثْلِي فِي سَدَادِ التَّرْبِيَهْ
الرَّئِيسُ: فَهَلْ ذَكَرْنَا فَضْلَهُ عَلَيْنَا … وَهَلْ شَكَرْنَا بِرَّهُ إِلَيْنَا؟
وَهَلْ وَصَلْنَا رَحِمَ الْأُبُوَّهْ … وَهَلْ سَلَكْنَا مَسْلَكَ الْفُتُوَّهْ؟
وَهَلْ نَهَجْنَا مَنْهَجَ الْوَفَاءَ؟ … (فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبِ الْأَبْنَاءَ)
وَهَلْ عَرَتْنَا الدَّهْرَ أَرْيَحِيَّهْ؟ … تُبْلِغُهُ عَنَّا وَلَوْ تَحِيَّهْ
وَهَلْ كَتَبْنَا مَرَّةً إِلَيْهِ؟ … رِسَالَةً تَنْفِي الْأَسَى عَلَيْهِ
كَلَّا وَلَمْ نَسْتَعْمِلِ الْأَقْدَامَا … فِي شَأْنِهِ يَوْمًا وَلَا الْأَقْلَامَا
فَلَا بِمَكْتُوبٍ أزَلْنَا كُرْبَتَهْ … وَلَا بِوُصْلَةٍ مَسَحْنَا غُرْبَتَهْ
وَلَا كَشَأْنِ الصَّاحِبِ الْأَبَرَّ … جِئْنَا بِمَعْنَى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ
بُوشْمَال: أَهْمِسُ فِي أُذْنِ الرَّئِيسِ هَمْسَهْ ...
الرَّئِيسُ: ... نَقْسِمُهَا لِكُلِّ فَرْدٍ خَمْسَهْ
الْجَنَّانُ: حَافِظْ عَلَى التَّفْخِيمِ فِي حَرْفِ الرَّا…وَحَاذِرِ الثِّيرَانَ أَنْ تَفِرَّا
الْجَلَّالِي: الشَّيْخُ قَدْ تَرَادَفَتْ زَلَّاتُهْ ...
الرَّئِيسُ: ... وَهَكَذَا قَدْ حَنْظَلَتْ نَخْلَاتُهْ
بُوشْمَال: لَا تُحْضِرُوهُ فِي مَقَامَ الْجِدِّ … فَلَسْتُ مِنْكُمْ فِي مَقَامَ الْجَدِّ
وَالجَدُّ جَدُّ أُسْرَةٍ مَشْهُورَهْ … كَانَتْ لَهَا مَآثِرٌ مَأْثُورَهْ
وَالْجَدُّ مَالٌ لَيْسَ لِي مِنْهُ نَقِيرْ … وَالجَدُّ حَظٌ وَأَنَا مِنْهُ فَقِيرْ
وَجُدَّةٌ بِالضَّمِّ فَرْضَةُ الْحِجَازْ … وَإنْ حَجَجْتَ فَلْيَكُنْ مِنْهَا الْمَجَازْ
الرَّئِيسُ: وَهَكَذَا يَصْرِفُنَا الْأُسْتَاذُ عَنْ … مَقْصُودِنَا (وَهْوَ الْعَلَامَةُ الْمِفَنْ)
الْجَلَّالِي: أَوْسَعْتَنَا يَا شَيْخُ سُخْفًا وَعَبَثْ … لَأَنْفِيَنَّكَ كَمَا يُنْفَى الْخَبَثْ
الْجَنَّانُ: النَّفْيُ خَيرٌ أُحْمَلَنْ عَلَيْهِ … مِنْ غَرَضٍ تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
وَلَيْسَ فِيهِ لَكُمُ مِنْ مَنْفَعَهْ … وَقَدْ يُعِيدُهَا عَلَيْكُمْ جَذَعَهْ

(الْمَشْهَدُ الْأَخِيرُ: الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ جَالِسُونَ وَابْنُ الْعَابِدِ وَاقِفٌ يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ).
كَلَامُكُمْ يَا حَضْرَةَ الْمُدِيرِ … لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ التَّقْدِيرِ
لَوْ كَانَ لِلْكَلَامِ لَوْنٌ يُبْصَرُ … لَكانَ فِي لَوْنِ السَّوَادِ يُحْصَرُ
(2/100)

أَوْ كَانَ لِلْأَقْوَالِ رِيحٌ يُنْتَشَى … لَكَانَ فِي رِيحِ الْحَشَا بَعْدَ الْعَشَا
كَأَنَّمَا خَاضَتْ بِهِ الرِّيَاحُ … أَحْشَاءَ قَوْمٍ مِلْؤُهَا رِيَاحُ
قَدْ آكَلوُا دَشِيشَةً بِالْحَرْمَلِ … وَشَرِبُوا مُخَلَّلًا بِالْخَرْدَلِ
فِي دَارِ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخٍ الطُّرُقِ … يُخَادِعُ اللهَ بِبَيْعِ الْمَرَقِ
لَمَسْتَنِي فِي نُقْطَةِ الْإِحْسَاسِ … وَسُمْتَنِي فِي صَخْرَةِ الْأَسَاسِ
وَرُمْتَ أَن أَدْفَعَ حَقَّ (التَّنْبَرِ) (79) … فِي غَرَضٍ مِنْ عَرْضِهِ أَنَا بَرِي
قَدْ رُمْتَ يَا هَذَا مَرَامًا صَعْبَا … مُلِئْتُ مِنْهُ دَهْشَةً وَرُعْبَا
إِذْ رُمْتَنِي أَنْ أَدْفَعَ (الصَّوَارِدَا) (80) … وَتَجْتَنِي الشُّكْرَ الْجَزِيلَ بَارِدَا
وَلَيْسَ لِي مِنْهَا سِوَى فَرَنْكِ … أَعْدَدْتُهُ لِحَادِثٍ ذِي ضَنْكِ
فَاسْمَعْ أَحَادِيثَ الْفَرَنْكِ مِنِّي … وَارْوِ غَرَائِبَ الْغَرَامِ عَنِّي
لَمْ تُلْفَ فِي مَصَارعِ الْعُشَّاقِ … وَلَا حَوَتْهَا زِينَةُ الْأَسْوَاقِ
لَكِنَّهُ فِي الصَّوْتِ غَيْرُ رَنَّانْ … وَإنْ نَقَدْتَهُ بِرَأْسِ (الزَّنَّانْ)
قَدْ طَبَعَتْهُ غُرْفَةُ التِّجَارَهْ … وَجَعَلَتْ ضَمَانَهُ الْحِجَارَهْ
وَنَقَشَتْ شِعَارَهُ فِي وَجْهِهِ … فَجَاءَ نُورًا يَزْدَهِي فِي أَوْجِهِ
وَكَتَبَتْ فِي وَسْطِهِ رَقْمًا فَدَلْ … عَنْ أَنَّهُ الْوَاحِدُ مَا مِنْهُ بَدَلْ
وَسَجَّلَتْ مَوْلِدَهُ وَعَصْرَهُ … وَقَدْرَهُ وَجِنْسَهُ وَمِصْرَهُ
يَا حُسْنَهُ مُدَوَّرًا مُنَوَّرَا … لَا مُدْمَجَ الْخَلْقِ وَلَا مُكَوَّرَا
مَا مِثْلُهُ (مَرْكٌ) (81) وَلَا (دِينَارُ) … وَلَا أَخُو الْخَيْلِ وَلَا (الدُّولَارُ)
لَمْ يَحْوِهِ فِي تُرْبَةٍ رِكَازُ … وَلَا احْتَفَى بِنَبْشِهِ عُكَّازُ
أَعَزُّ عِنْدِي مِنْ وَحِيدِ أُمِّهِ …كُلُّ الْمُنَى فِي ضَمِّهِ وَشَمِّهِ
إِذْ سَاقَهُ الْحَظُّ إِلَيَّ وَحْدِي … (بَعْدَ اشْتِيَاقٍ وَشَدِيدِ وَجْدِي)
وَفَّرتُهُ مِنْ مَطْعَمِي وَمَلْبَسِي … وَغَدْوَتِي وَرَوْحَتِي وَمَحْبَسِي
وَفُزْتُ في هَذا الزَّمَانِ الْخَانِقِ … بِجَمْعِهِ الدَّانِقَ بَعْدَ الذَانِقِ
لَفَفْتُهُ كَالْحِرْزِ في كَتَّانَهْ … في غَايَةِ الْجَوْدَةِ وَالْمَتَانَهْ
وَخِطْتُهُ عَنْهَا بِخَيْطِ قُطْنِ … (لِصَوْنِهِ مِنْ غُفُلٍ وَفَطْنِ)
__________
79) التَّنْبَر: كلمة فرنسية معناها طاج البريد.
80) الصَّوارِدا: الدَّرا هِم.
81) مَرْك: العملة الألمانية (المارك).
(2/101)

وَزِدْتُ عَنْهَا قِطْعَةً مِنْ صُوفِ … أَخَذْتُهَا عَنْ تَاجِرٍ مِنْ سُوفِ (82)
عَرَفْتُهُ بِالصِّدْقِ وَالْكَمَالِ … فِي فُنْدُقٍ مِنْ رَحْبَةِ الْجِمَالِ (83)
وَزِدْتُ عَنْهَا قِطْعَةً مِنْ أَدَمِ … كَأَنَّهَا مَقْدُودَةٌ مِنْ قَدَمِي
ثُمَّ لَفَفْتُ الْكُلَّ فِي قَصْدِيرِ … مُلَيَّنٍ كَجِلْدَةِ الْبَنْدِيرِ
لَم تَسْتَطِعْ مَطَالِبِي إِخْرَاجَهْ … مِنْ حِرْزِهِ يَوْمًا وَلَا إِحْرَاجَهْ
هَذا وَكَمْ بِتُّ حَلِيفَ الْجُوعِ … وَطَارَ مِنْ تَأْثِيرِهِ هُجُوعِي
وَرَاوَدَتْهُ الْقَهْوَةُ اسْتِسْلَامَا … عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ اسْتِعْصَامَا
هَذَا وَكَمْ أَجْنَبْتُ بِاحْتِلَامِ … وَلَزِمَتْنِي أُجْرَةُ الْحَمَّامِ
فَلَمْ تُطِعْ نَفْسِي بِهِ وَلَا سَخَتْ … وَلَا لِعَهْدِ الاِحْتِفاظِ نَسَخَتْ
وَحَتَّمَتْ عَلَيَّ (أَنْ أُكَرْدِي) (84) … وَأَنْ أُقَاسِيَ أَلِيمَ الْبَرْدِ
فَإِنْ تَجَرَّدْتُ مِنْ الثِّيَابِ … (أَوْ كُنْتُ فِي زِيَارَةِ الْأَحْبابِ)
خِفْتُ عَلَيْهِ مِنْ يَدٍ تَمْتَدُّ … بِالسُّوءِ حَيْثُ لَا يَدُ تَصُدُّ
أَفْدِيهِ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ الَّتِي … مَا فَتَرَتْ فِي حُبِّهِ أَوْ مَلَّتِ
وَالْأَهْلِ وَالْأَحْبَابِ وَالْعَشِيرِ … وَنَاصِحٍ بِعَدْلِهِ مُشِيرِ
وَمَا حَوَتْ زَاوِيَةُ الْمُخْتَارِ … مِنْ حُرْمَةٍ مَهْتُوكَةِ الْأَسْتَارِ
وَمَا احْتَوَتْ زَاوِيَةُ الْحَمْلَاوِي … عَلَيْهِ مِنْ ... وَمِنْ ......
وَالرَّكْبِ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ خَالِدْ … مِنْ طَارِفٍ فِي حُبِّهِ وَتَالِدْ
قَدْ أَقْبَلُوا فِي السَّبْعِ وَالْعِشْرِينَا … شَكَكْتُ مِنْ رَمْضَانَ أَوْ تَشْرِينَا
وَمَا حَوَتْ صَنَادِقُ النُّذُورِ … مِنْ دِرْهَمٍ مُحَرَّمٍ مَحْذُورِ
وَسَادِنٍ يَأْتِيَكَ بِالْخَوَارِقْ … حَتَّى دَعَاهُ الْمُصْلِحُونَ سَارِقْ
وَشَادِنٍ هُنَاكَ فِي الصَّحْرَاءَ … قَدْ نَبَذَ الْحِشْمَةَ بِالْعَرَاءِ
أَبَعْدَ ذَا تَطْمَعُ فِي الْمُحَالِ … وَتَغْتَدِي لِلنُّصْحِ ذَا انْتِحَالِ؟
أُعِيذُهُ بِكَوْكَبٍ يَجْلُو الْغَسَقْ … وَقَمَرٍ فِي نَهَرٍ قَدِ اتَّسَقْ
وَاللَّيْلِ فِي إِظْلَامِهِ وَمَا وَسَقْ … وَالنَّخْلِ فِي أَكْمَامِهِ إِذَا اتَّسَقْ
مِنْ شَرِّ كُلِّ سَارِقٍ إِذَا سَرَقْ … وَطَارِقٍ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ طَرَقْ
وَظَالِمٍ يَبْذُلُهُ فِي (التَّنْبَرِ) … وَإنْ تَكُنْ أَصْبَاغُهُ مِنْ عَنْبَرِ
__________
82) سُوف: مدينة جزائرية.
83) رَحْبَة الجِمَال: سوق شعبي بمدينة قسنطينة.
84) أُكردي: كلمة أجنبية معناها أقترضُ.
(2/102)

هذه "العزيمة"
تقديم الحسن القادري
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أنشئت هذه "العزيمة" على طريقة مشاهير "اليقَّاشِين" المعروفين من طلبة علم الجدول والأوفاق، وأصحاب التمائم والعزائم، للتحكم في أمر الجانّ، وإخراج العفريت من جسد الإنسان، والتغلّب عليه لتصريفه في كل شان، بأسماء القهر والزجر للإذعان، وتذليله بكل ما يُرعب ويُخيف، من كل أمر سخيف، وكل شرّير خبيث، في العالَم القديم والحديث.
وهذه "العزيمة" حَوَت من ذلك طائفة من أسماء الإنسان والحيوان، والأماكن والبلدان، والأشياء الملعونة، والمعاني المعفونة، في الجزائر وغير الجزائر، والأشخاص من عرب وعجَم، ممّنْ يُقدح فيه أو يُذمّ، وبذلك جاءت "العزيمة" تحفة أدبية، ومُلْحة طريفة من إنشاء الأديب المبدع حامل لواء البلاغة والبيان، الحافظ العلّامة أستاذنا الكريم فضيلة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي حفظه الله، أملاها علي يوم زرته بمنفاه في بلدة "افلو" بالجنوب الوهراني سنة 1941، وقد بعث بها يَوْمَذاك إلى أخيه العلّامة فقيد الجزائر الشهيد العظيم فضيلة الشيخ العربي التبسّي رحمه الله رحمة واسعة، وكان شيخنا- رعاه الله- راسله بها إلى "تبسّه" جوابًا فكاهيًا وتسلية ممتعة عن تذمّره وحيرته من عدم وصول مكاتيبه التي كانت كثيرًا ما تضيع بالبريد، فلم تصل إلى الشيخ بأَفْلُو، ولما أشعره بذلك كتب إليه متسائلًا في حيرة: "مَن هو هذا الذي يتسلّط على رسائلي فيُتلِفها ولا يتركها تصل؟ " إلى آخر الحكاية التي أُنشئت من أجلها هذه "العزيمة".
وإلى إخواني الأعزاء الذين يروق لهم هذا الضرب من الأدب الرفيع المنتزع من صميم حياة المجتمع الجزائري في ذلك العصر المظلم من عهد الاستعمار البائد إلى غير رجعة- أقدّمها لهم بنصّها الكامل، نزولاً عند رغبة منشئها شيخنا الكريم- شفاه الله وأطال بقاءه- وقد كنتُ كتبتُ منها عدّة نسخ بأفلو سنة 1941 ولم تبق بيدي إلّا نسختي الخاصّة، فأعود إلى انتساخها مرّة أخرى بوهران بخطّى الفاني بتاريخ 13 يونيو 1963.
الحسن بغدادي القادري
(2/103)

أيها العفريتُ النفريتْ، الذي هو أنتَنُ من الحلْتيتْ، وأثقل من الكبريتْ، وأهدى إلى رسائلي من الدليل الخِرّيتْ، وأمضى في تمزيقها من السيف الإِصْليتْ، مالَك؟ عُرِّيتَ وهُرِّيتْ، وقطِّعتَ وفُرِّيتْ، إن كنتَ إِنسًا فعُصِرتَ وخُرِّيتْ، أو جنًّا فأُحرِقْتَ وذُرِّيتْ، وأُذِبْتَ كالزئبق وأجرِيتْ. ويْلكْ! أغريتَ بالشرّ أم أُغرِيتْ؟ وضرِيتَ على المكْر أم ضُرِّيتْ؟ وتطوَّعتَ لهذا العمل أم كُرِيتْ؟ والتَزمتَهُ مياومَةً أو على حول كَرِّيتْ؟
أقسمت عليك بصَرْخَدَ وتكْريتْ، وأمبابة وشَبْرَخيتْ، وعانه وهيتْ، وبكل امرأة قالت لرجل هيتْ، فأبى وقال إني نُهِيتْ، فإن كنتَ لا تعرف هذا فأقسمُ عليك بالمسلولَة والكباريتْ، وآفلو وتعَظْميتْ (1)، وانْ كنت لا تحسن إلّا "تَرُومِيتْ" (2)، فأعزّم عليك برومْيو وجوليتْ، وعُطيل وهَمْليتْ، وماري أنْطوَنيتْ، وفيكتوريا وإليزابيت، وسكّان التوابيتْ، وقُطّان الحوانيت، وانْ كنتْ لا تعرف الّا تَيْهودِيتْ (3)، فأقسم عليك بِدَلَادِيتْ، ومانْدِيليتْ، والبيض المصَاليتْ، والابطال المفاليتْ، الذين خرّبوا البَيْتْ، وكسّروا الجرّة وأراقوا الزَّيتْ، أنْ تَكُفَّ وتَعِفّ، وتُسرع في إيصال رسائلي وتَخِفّ، ولا تدَرِّرْ ولا تَلُفّ، ولا تُرَوِّنْها (4) ولا تَسُفّ.
وأُقسِمُ عليك بالصور والطور، والقانون المسطور، والقايد (5) والمسطراطور (6)، الذي شبع فانتفخ فأصبَح إِمبراطورْ، وبالناطور الحامل للساطور، وبالجمل المقطور، في عربات الحنطور، والشيخ أي طرطور، الذي هو على المكر مفطورْ. وأسألك بالبور والتور، والشيطان المستور، وشيخ الدستور، في مَكثر وتستور، وبأمشير وهاتور، وكل دكتورْ، يسمّى باستور، وكل دكتاتور، سيفه باتِر ورأيه مبتور، وكل من في رعيتك من فكتورْ، وكل من على يدك من رزق موسّع أو مقتورْ.
يا عفريت! إنْ كنتَ من الجنّ، فأسألك بمن مضى من عالم الحِنّ، وبمريديك غُواة الفنّ، وهُواة الدنّ، وأبطال القذف والزنّ، والرنِّ والطن، وكل مُغِنّ، بمحاسن الظبي الأَغنّ، وكل متلئِبٍ مُكتَئِنّ، تحت السحاب المزجَحِنّ، وكل مِفَنّ، يتقى بالراح لا بالمِجَنّ، وكل من في سبيل الدرهم يَسْتَنّ، وفي جلبه يفتَنّ، فِي الخلوة يكتنّ، وبالصوف يَجْتَنّ وَلَا يَدينُ بالآخرة الّا بالظنّ، وبأصحابك الذين طرقوا الكنّ، وقرعوا السّنّ، وقعقعوا الشنّ، واستخبثوا الطيب واستطابوا الصِّنّ، وبأتباعك الذين سفُّوا السكر واشتفُّوا البُنّ،
__________
1) تَعَظْميت: منطقة بالصحراء الجزائرية.
2) تَرُوميت: أي اللغة الرَّومية، أي إحدى اللغات الأوربية. و"تَرُوميت" باللهجة البربرية.
3) تَيْهُوديت: باللهجة البربرية ومعناها اللغة اليهودية. وتطلق عادة على الخُبْثِ والمَكر.
4) تُرَوِّنْها: كلمة دارجة معناها تخلطها.
5) القايَد: شخص مسؤول عن القرى. يقابله شيخ البلدية في المدينة.
6) المِسْطْرَاطُور: من الكلمة الفرنسية administrateur أي المتصرّف.
(2/104)

ولعقوا العسل وتركوا المنّ، وأذلّوا في سبيل ذلك كل حرٍّ وقِنّ، وقيل لهم وإنْ، فقالوا وإنْ، ولم يقنعهم برهان اللّمّ ولا برهان الإنّ.
وإنْ كنتَ من الإنس- وما الانس هكذا تفعل- فأسألك باسم الجنس، وعلم الجنس، ولام الجنسْ، والفصل والجنسْ، ولا التبرئة النافية للجنسْ، وأسألك بعربات الكنس، والأب "لامَنْسْ"، وما في كلامه من دنْسْ، وبكل أمون عنْسْ، لها في سلالة شدقَمَ قنْسْ، أنْ تهجر هذه الفعالْ، وتهتم بتصريف الأفعالْ، وتنظيف الكعالْ وتجفيف النعالْ، وتلطيف السعالْ، والتأدب بأدب جُعال، وكل من اسمه فُعالْ، حتى نقول: إنّك قاثم بوظيفتك عالْ وفوق العالْ.
يا عفريت! أسألك بذِمَّتك الخربَه، ورِمَّتك الجربَه، فإني أتصوّركَ أبشع على الأحوال، إذْ دَلّت على ذاتك الفعال، وبكل من اتّبعكَ من الغاوين، الكلاب العاوين، وما منهم الّا ذو ضمير معروض في الرحبَه، للبيع بحبَّه.
وإنْ لم تُصغِ لكلامي، فإني أُسَلِّط عليك "مامي" (7)، وسامي، وجيرولامي، والشيخ الحمّامي، والشيخ أبي الشامات الشامي، ثم أغزوك بالجيش النظامي، من المذهب الكلامي، وحواشي الجاربردي ومُلَّا جامي.
وأسألك شرقي ساباطْ، وغربي الأغواطْ، وجنوي الرباطْ، وشمالي الفسطاطْ، مواطن الخنا والزنَى واللواطْ، وبكل مناسك الفُسَّاقْ، من نهج الملاحف بتونس إلى عشش الترجمان ببولاقْ.
وأسألك بشيخ مَزْغَنَّهْ (8)، وأحلاف بُوكَرْدَنَّهْ (9)، وكل مَنْ فيها مِن كَنَّهْ، مِعَنَّةٍ مِفَنَّهْ، سِمْعَنَّةٍ نِظْرَنَّهْ، إِلَّا تَرَهْ تَظُنَّهْ، وبحمداوَه ودرقاوه، وعيساوه وعليواه وحملاوَه (10)، وكل من أخذ الإِتَاوَه، وأكل الشوك كالبقلاوَه، وازدرد الزجاج كالحلاوَه، وبمطوِّشات قدّور، وماهتك من خذور، إلى أن عميَ كالجادور (11). وبأضغان الصدور، ومحاق البدور، وأوضار القُدور، التي عليها أمر المعاش يدور. وأسألك بغلام الحيّ، وعبد الحيّ (12)، وعير الحيّ، الثالوث الذي صبر على الكيّ، فانتهى به الحال إلى الشيّ.
__________
7) "مامي": هو شخص يسمّى "مامي اسماعيل ".
8) مَزْغَنَّة: الاسم القديم للجزائر.
9) بوكرْدَنَّة: هو عبد الرحمن بوكردنَّه صيدلي بالجزائر العاصمة.
10) حمداوة، درقاوة، عيساوة، عليواه وحملاوه: أسماء طرق صوفية.
11) الجادور: الحصان.
12) عبد الحي: لعله عبد الحي الكتاني.
(2/105)

يا عفريت! إن كنتَ متألِّهًا فأسألك بالمذاهب الساسانِيَّه، والنحل الخراسانِيَّهْ، والفرقة الكِسانِيَّهْ، والخمور البيسانِيَّهْ، التي اغتالت الإنسانِيَّهْ، وبما في "يتيمة الدهر" من القصائد الواسانِيَّهْ، وبكل دجّال، وبكل محتال، من مسيلمة الكذّابْ، إلى البها والبابْ، ومن صالح ابن طريفْ، إلى أحمد القادياني، ومن المقَنَّع الخراساني إلى أحمد التيجاني.
وإن كنتَ فقيهًا فأسألكَ بكل من شرع الحيلهْ، وفرَّق بها بين الحليل والحليلَه، وترخص في الدماء والفروجْ، وأباح للنساء التبرج والخروجْ، وبكل من عطل الحدودْ، وأرخَى العنان للشهودْ، وتساهل في الأموالْ، وقلّد يحى بن أكتم في بعض الأحوال، وبكل قاضٍ بالنهار يرتشي، وباللّيل ينتشي، وبكل عدل يسرق في الصباح ويفسق بالعشِيّ.
وإن كنتَ شاعرًا عزّمنا عليكَ بشعر والبة بن الحُبابْ، وأبي نواس المرتابْ، والخليع وأولائك الأصحابْ، وابن سُكَّرةَ وابن حجّاج، وابن العفيف والحلّاجْ، وبالأعمى المخزومي ولسانه المرهوبْ، وبالأعمى الخنقي (13) وما قاله في ابن الموهوبْ (14).
وإنْ كنتَ صحافيًّا قرأنا عليك مجلّة الصباحْ، وجريدة النجاحْ (15)، وأضحكناك بجريدة جحجوح وصاحبها الجحجاحْ، وأتحفناك بصحيفة الروح وما يُدبّرها من أرواحْ، وتلَونا عليك السعادة والودادْ، والبلاغ والرشادْ (15)، وشددنا عليك الوثاقْ، بجريدة الوفاقْ (15)، المنفِّقَة للنفاقْ، الملفِّقَة للكذب والاختلاقْ، وبصاحبها الملّاقْ، المخلوق بلا خلاقْ، وعزمنا عليك بمجلّة البدائع، وفحشها الذائعْ، وذكّرناك بجريدة المعيارْ (15)، وكُتّابها الأعيارْ، وبجريدة الجحيمْ (15)، وربّك غفور رحيم.
يا عفريت! إنْ كنتَ عربيًا فصيحًا قلنا لك: لا يعتدي على حُرمة البَريدْ، إلّا كلّ شيطان مَريدْ، وإنْ كنتَ جزائريًا قلنا لك: تعطيل البراواتْ (16)، ما يفعلوه الَّا الخراواتْ، وإن كنتَ تونسيًا قلنا لك: ما هوش اصوابْ، تعطَّل لنا كل جوابْ، وإنْ كنتَ مغربيًا قلنا لك: ما يتجوسَسْ شاي (17) على البْرا غير المرا (18)، وإنْ كنتَ فرنسيًا
__________
13) الأعمى الخَنْقي: هو الشيخ عاشور المنسوب إلى مدينة "خنقة سيدي ناجي".
14) ابن الموهوب: هو الشيخ المولود بن الموهوب الذي كان مفتي مدينة قسنطينة.
15) النجاح، البلاغ، الرشاد، الوفاق، المعيار والجحيم: أسماء صحف جزائرية وكلها كانت ضد جمعية العلماء ما عدا جريدة الجحيم.
16) البْرَاوات: جمع "بْرِيَّة" كلمة دارجة معناها الرسالة أو الجواب.
17) ما يَتْجَوْسَسْ شاي: باللهجة المغربية ومعناها لا يَتَجَسَّس.
18) البْرا- المْرا: الرسالة- المرأة.
(2/106)

قلنا لك: يامِيطْرْ (19)، تعطيل الِلّيطرْ (20)، ليس ممّا يُشرِّفُ الطيطرْ (21).
يا عفريت! لا أسألك بالرجل المذّاء، ولا بخالد الحذّاء، ولا بمن جرى مجراهما، واستمسك بعُراهما، ذلك نُسب إلى طبع كان يغلب عليهْ، وهذا إلى رجل كان يجلس إليهْ، ذلك حقّق عدالة الحكمْ، وهذا أدّى أمانة العِلم، ولست منهما ولا كرامَهْ، الخ ...
وهي طويلة فارجعْ اليها إنْ شئتَ في كتاب "بَرْد العزائم في سَرْد العزائم"، أو في كتاب "إتقان النقشة، في علم اليقشَه"، تَجِدها بنصّها الكامل.

حاشية:
قرأتُ في بعض كتب الفنّ أن من شروط هذه العزيمة: أن تُقْرأ في جوف اللّيل، عند ارتخاء عُرَى الذيْلْ، عند اقتران الثريا بسهَيْلْ، فمن الاحتياطْ، أنْ لا تُغفِل هذه الأشراط.
__________
19) مِيْطر: كلمة فرنسية معناها أستاذ، وتطلق على المحامي.
20) اللِّيطر: كلمة فرنسية معناها الرسالة.
21) الطِّيطر: كلمة فرنسية معناها العنوان، ويعني المكانة والقيمة المعنوية.
(2/107)

مرشد المعلّمين*
تقديم: محمد الغسيري
ــــــــــــــــــــــــــــــ
وضع أستاذنا الجليل محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء منذ سنوات، برنامجًا حافلًا للتعليم العربي بجميع أنواعه، وضمّنه أصولًا عظيمة من علم التربية. وقد سألناه منذ عامين أن يجرّد لنا منه فصولًا عملية تتعلّق بالسنوات الست الابتدائية، ففعل- حفظه الله- وسلّمه لنا لنطبعه وننتفع به، وطالعناه فلم نجده كالبرامج المعتادة، وإنما هو "معلّم مكتوب". فهو يأخذ بيد المعلّم ويسير به خطوة خطوة إلى الغاية، لا يضلّ عنها ولا يجور، وكأنما هو "ملقّن" من وراء المعلم يملي عليه الكلام ويرشده إلى كيفية العمل. لذلك آثر جماعة من قدماء المعلّمين تسميته "مرشد المعلّمين".
عاقنا عن طبعه عدم استعداد مطابعنا لطبع مثله، فعزمنا على أن نطبعه أمثلة خطية "كليشيات" وها نحن أولاء نتعجل بنشر المقدّمة التي صدرها به أستاذنا الجليل ليقرأها إخواننا المعلّمون ويستفيدوا ما فيها من إرشادات.
__________
* وضع الشيخ الإمام هذا المرشد بقرية "آفلو" في رجب 1361هـ (يوليو 1942م)، ونشر في "البصائر"، العدد 67، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 14 فيفرى 1949م.
(2/108)

- 1 -
مقدمات:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تقسم مواد التعليم العربي الابتدائي في مدارس جمعية العلماء، المفضلة في هذا البرنامج، على ست سنوات متوالية، هي المراحل الأولى في عمر التلميذ الناشئ، ويحصل حين يتجاوزها بنجاح على شهادة تسمّى "شهادة التعليم العربي الابتدائي"، صحيح التأدية للقراءة، طيّع اليد والقلم بالكتابة، محصلًا لمبادئ الدين الإسلامي علمًا وعملًا، ولمبادئ التاريخ الإسلامي الذي هو جزء من الدين، وأول تلك المبادئ، السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين وذوي الآثار الخالدة في الإسلام من الصحابة والتابعين. ويحفظ في هذه المراحل أجزاء من القرآن حفظًا متقنًا مع فهم المفردات الغريبة وخلاصة المعنى، ومبادئ التجويد دراية، بكيفية تؤهّله للتوسع في هذه المواد وبلوغ الدرجات العليا فيها إن لم ينقطع عن التعليم. فإن انقطع عن التعليم استطاع، بمعونة حظه من العربية أن يبلغ ما شاء بالدراسة والمطالعة، لأنه يقرأ قراءة صحيحة، ويفهم فهمًا صحيحًا، وخرج- على الحالين- برأس مال عظيم من دينه وفضائل دينه، وقوميته ولغته وتاريخه. ونتيجة هذا أن يكون عضوًا حقيقيًا من أمّته، صالحًا للحياة لها وبها ومعها، نافعًا محبًّا محبوبًا، حريصًا على ذلك، عاملًا له، داعيًا إليه. وهذه هي الغاية من التربية الصالحة، والتعليم النافع.
...

يجتاز التلميذ الناشئ هذه المراحل الست- إن لم يعقه عائق- حينما يجتاز العقد الأول من عمره بقليل، فيكون غذاؤه العقلي مسايرًا لغذائه الجسمي، ويكون تكوينه الروحي جاريًا مع تكوينه البدني في عنان واحد، ويكون نموّ مداركه العقلية بالعلم والمعرفة مقارنًا لنمو إحساساته النفسية بالطبع والفطرة، فيتلقى العقد الثاني من عمره- وهو عهد الإحساس بجمال الحياة- مزوّدًا بإحساس آخر، وهو الإحساس بجمال العلم وشرف الفضيلة والدين. ويتلقى هذا العهد الذي هو أيضًا، عهد النزوات وتنبه الغرائز الفطرية، مسلّحًا بما يدفع غوائلها، ويشذب زوائدها، ويهذب حواشيها.
مراحل التعليم الابتدائي هي- بالأصول- مراحل التكوين الأول للناشئة وعلى أساسها يُبْنَى مستقبلهم في الحياة، فإن كان هذا التكوين صالحًا كانوا صالحين لأمّتهم ولأنفسهم. وإن كان ناقصًا مختلًّا زائفًا بنيت حياة الجيل كله على فساد، وساءت آثاره في الأمّة، وكانت الأميّة أصلح لها منه وأسلم عاقبة.
(2/109)

إن تبعة ذلك كله تلقى على المعلمين الكرام. فلينظروا أي موقف أوقفتهم الأقدار فيه، وليشدّوا الحيازيم لأداء الأمانة على وجهها، وليجعلوا من أخلاقهم وعزائمهم مرآة للناشئة وقدوة صالحة لها، لينطبع هذا الجيل الذي هو باكورة النهضة على أخلاق متينة، وعزائم قوية ودين صحيح، وليعلموا أنهم إنما يبنون للأمة من كل جيل سافًا حتى يعلو البناء ويشمخ. وإن البناء لا يعلو قويًّا صحيحًا متماسك الأجزاء متعاصيًا على الهزات والزلازل إلا إذا كان الأساس قوّيًا متينًا، متمكنًا ركينًا، وإن هذا الجيل الذي بين أيديهم هو حجرة الأساس في بناء هذه الأمّة من جديد. فليثبتوا الأساس، ليثبتوا الأساس.
...

ليعلم أبناؤنا معلّمو هذا الجيل، أننا- ولا منة عليهم- مهّدنا لهم كثيرًا من العقاب، وذلّلنا لهم كثيرًا من الصعاب، وحللنا كثيرًا من العقد الاجتماعية التي عقدها البعد عن هداية الدين، والجهل بحقائقه، ووطأنا لهم أكناف النفوس المستعصية عن العلم، المستعصمة بالجهل، فأقبلت على العلم بعد أن كانت عنه معرضة، وجادت في سبيله بالمال بعد أن كانت به شحيحة، واستمرأت القراءة فآمنت بها وأنِسَتْ، واستوبلت الأميّة فكفرت بها واستوحشت منها، وعرفت القرآن بعد أن هجرته وتنكرت له، وأصبحت تهتز لسماع لغة القرآن اهتزاز النشوة والطرب، وفتحنا أذهانها على حقائق الإسلام فأدركتها وجدّت في طلبها بعد أن كانت تتلهّى عنها بقشور تسمّيها الإسلام، ووصلنا ماضيها المشرق بحاضرها المظلم لينعكس عليه إشراقه بعد أن قطعت الصلة بينها وبينه بجهلها ورعونتها، ووجّهناها إلى سعادة الحياة وشرف الحياة وجدّ الحياة بعد أن كانت قانعة منها لهزلها وسفاسفها وتوافهها. وكل ذلك مما يعين المعلّمين لهذا الجيل، ويخفف عنهم المشقّة.
فليعلموا أننا تعبنا في هذه المرحلة لينعموا ولو بقليل من الراحة، وأن على مقدار تعبهم في تربية هذا الجيل وتعليمه وإعداده للحياة ومطالبها تكون الراحة لمن بعدهم من المعلّمين والعاملين لخير هذه الأمّة في جميع الميادين.
إن زمانكم بطل فقاتلوه بالبطولة لا بالبطالة. وإن البطل هو الذي يتعب ليستريح غيره.
...

إن هذا البرنامج الذي أضعه بين أيدي أبنائي المعلّمين، والبرنامج الذي وضعته للتعليم التجهيزي، والذي وضعته لتعليم البنت المسلمة، كلها مرشدة لهم إلى أحسن الطرائق في التعليم، ومعينة لهم على تنسيق المسائل في هذا الوقت الذي تعسّرت فيه الكتب وكادت
(2/110)

تتعذر، وكلها تمهيدات تخفّف عنهم المشقّة، فليجتهدوا في تنفيذها وليحقّقوا غاياتها ومراميها، وليجعلوها دستورًا يقفون عند نصوصه، ويجمعون ما تفرّق من أساليبهم الخاصة في التعليم عليه بخصوصه، وليتبيّنوا أن الغاية من توحيد البرنامج هي توحيد التعليم والتربية، حتى ينشأ هذا الجيل مطبوعًا بطابع واحد في لسانه وبيانه وقلمه، وفي تفكيره ومشربه، وفي آرائه في الحياة ونظرته إليها وأحكامه عليها.
إن الذبذبة التي شهدنا آثارها السيئة في هذا الجيل الذي نحن في آخره، معظم السبب فيها آت من قارئيه ومتعلميه- على قلّتهم- فهم على تفاهة معلوماتهم وقلة محصولهم من المعرفة، لا يرجعون إلى أصل واحد في التعليم ولا إلى منهج واحد في التربية. وإذا اختلفت الأصول والمناهج في أمّة واحدة كانت كلها فاسدة، لأن الصالح كالحق لا يتعدد ولا يختلف. وخير المناهج لأمّة كأمّتنا في ظرف كظروفنا ما خرج سالكه بفكر صحيح وإن لم يخرج بعلم كثير ... وإن رجائي أن يكون هذا "المرشد"- إن وقفتم على تنفيذه- سببًا في توحيد أفكار هذا الجيل وفي تصحيح اتجاهه إلى العلم والحياة.
...

أعيذكم بالله يا أبنائي المعلّمين أن تجعلوا كل اعتمادكم في تربية الصغار للرجولة على البرامج والكتب. فإن النظم الآلية لا تبني عالمًا ولا تكون أمّة ولا تجدّد حياة، وإنما هي ضوابط وأعلام ترشد إلى الغاية، وتعين على الوصول إليها من طريق قاصد وعلى نهج سويّ. أما العمدة الحقيقية في الوصول إلى الغاية من التربية فهي ما يفيض من نفوسكم على نفوس تلاميذكم الناشئين من أخلاق طاهرة قويمة يحتذونكم فيها ويقتبسونها منكم، وما تبثّونه في أرواحهم من قوة وعزم، وفي أفكارهم من إصابة وتسديد، وفي نزعاتهم من إصلاح وتقويم. وفي ألسنتهم من إفصاح وإبانة. وكل هذا مما لا تغني فيه البرامج غناء. ولو كانت البرامج تكفي في التربية لكان كل عالم مربّيًا، ولكن الواقع خلاف هذا.

أي أبنائي المعلّمين:
هناك أمم تقدّمتكم في العلم والمعرفة والنظام، فخذوا من مباديها العبرة، وخذوا من مصايرها العظة، وإن عبرة العبر لكم فيها أن العلم وإن تشعبّت عندها أغصانه، وتفرّعت أفنانه، وأسلس لها عَصِيُّهُ حتى فتحت به مغلقات الكون، لم يغن عنها فتيلًا مما تغني الأخلاق والفضائل.
إن العلم لم ينه مفسدًا عن الإفساد، ولم يزع مجرمًا عن الإجرام، ولم يمت في نفوس الأقوياء غرائز العدوان والبغي على الضعفاء، بل ما زاد المتجرّدين من الفضيلة إلا ضراوة بالشر، وتفنُنًا في الإثم. فاجعلوا الفضيلة رأس مال نفوس تلامذتكم واجعلوا العلم ربحًا.
(2/111)

- 2 - *
أي أبنائي المعلّمين:
إنكم في زمن، كراسي المعلّمين فيه أجدى على الأمم من عروش الملوك، وأعود عليها بالخير والمنفعة. وكراسي المعلّمين فيه أمنع جانبًا وأعزّ قبيلًا من عروش الملوك: فكم عصفت العواصف الفكرية بالعروش، ولكنها لم تعصف يومًا بكرسي المعلم.
إنكم تجلسون من كراسي التعليم على عروش ممالك، رعاياها أطفال الأمّة، فسوسوهم بالرفق والإحسان، وتدرجوا بهم من مرحلة كاملة في التربية إلى مرحلة أكمل. إنهم أمانة الله عندكم، وودائع الأمّة بين أيديكم، سلّمتهم إليكم أطفالًا، لتردّوهم إليها رجالًا، وقدّمتهم إليكم هياكل لتنفخوا فيها الروح، وألفاظًا لتعمروها بالمعاني، وأوعية لتملأوها بالفضيلة والمعرفة.
إنكم رعاة، وإنكم مسؤولون عن رعيتكم. وإنكم بناة، وإن الباني مسؤول عما يقع في البناء من زيغ أو انحراف.
إن من الطباع اللازمة للأطفال أنهم يحبّون من يتحبب لهم، ويميلون إلى من يحسن إليهم، ويأنسون بمن يعاملهم بالرفق، ويقابلهم بالبشاشة والبشر. فواجب المربّي الحاذق المخلص، إذا أراد أن يصل إلى نفوسهم من أقرب طريق، وأن يصلح نزعاتهم بأيسر كلفة، وأن يحملهم على طاعته وامتثال أمره بأسهل وسيلة، هو أن يتحبب إليهم، ويقابلهم بوجه متهلل، ويبادلهم التحية بأحسن منها، ويسألهم عن أحوالهم باهتمام، ويضاحكهم، ويحادثهم بلطف وبشاشة، ويبسط لهم الآمال، ويظهر لهم من الحنان والعطف ما يحملهم
__________
* "البصائر"، العدد 68، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 21 فيفري 1949م.
(2/112)

على محبته، فإذا أحبّوه أطاعوه وامتثلوا أمره، وإذا أطاعوا أمره وصل من توجيههم في الصالحات إلى ما يريد، وتمكّن من حملهم على الاستقامة وطبعهم على الخير والفضيلة. فإذا ملك نفوسهم بهذه الطريقة- طريقة الترغيب- حبّب إليهم المدرسة والقراءة والعلم. وإن الصغير لا يفلح في التربية ولا ينجح في القراءة إلا إذا أحبّ معلّمه كحبّه لأبويه أو أعظم، وأحبّ المدرسة كحبّه لبيت أبويه أو أشدّ. وكثيرًا ما رأينا الصغار الذين يربيهم معلّموهم على هذه الطريقة الحكيمة يباهي أحدهم تربه بقسمه وبمعلّمه، ويباهي زميله في مدرسة أخرى بمدرسته، كما يتباهون في العادة بالآباء والبيوت. وما ذلك إلا أثر من آثار المعاملة من المعلم.
حدّثني الأمير عبد القادر بن الأمير علي الجزائري- رحمهما الله- بدمشق، قال: كانت لنا بنت في الخامسة من عمرها، فقدّمناها إلى مدرسة من نوع رياض الأطفال بمدينة "بروسه" من الأناضول (وكانوا مقيمين بها في الحرب العالمية الأولى). قال: فكانت دايتها لا تذهب بها إلا في حالة من الحرد والصراخ تخشى معها على حياتها، وكانت الداية تذهب إلى المدرسة بها وتجيء مرّات في اليوم، قال: وما هي إلا أيام حتى جذبتها المعلمة بلطف مدخلها إلى نفسها، فأصبحت تفعل حين تريدها الداية على الرواح أكثر مما كانت تفعل حين تريدها على الغدو من البكاء والإعوال، وزاد بها الحال حتى اضطرّت المعلمة إلى اصطحابها معها إلى بيتها فلا تأتينا بها إلا نائمة، فإذا أفاقت أنكرت أمها وفراشها وذعرت حتى لنضطر أحيانًا إلى إرجاعها إلى المعلمة ليلًا. قال: وكان من أثر تلك المعاملة أن حذقت البنت كل ما لقنته في الروضة، وانبنى مستقبلها على ماض متين.
ليحذر المعلّمون الكرام من سلوك تلك الطريقة العتيقة التي كانت شائعة بين معلّمي القرآن، وهي أخذ الأطفال بالقسوة والترهيب في حفظ القرآن، فإن تلك الطريقة هي التي أفسدت هذا الجيل وغرست فيه رذائل مهلكة. إن القسوة والإرهاب والعنف تحمل الأطفال على الكذب والنفاق، وتغرس فيهم الجبن والخوف، وتُبغض إليهم القراءة والعلم. وكل ذلك معدود في جنايات المعلّمين الجاهلين بأصول التربية.
وليدرس المعلم ميول الأطفال بالاختلاط بهم، وليكن بينهم كأخ كبير لهم يفيض عليهم عطفه، ويوزّع بشاشته ويزرع بينهم نصائحه، ويردّ الناد منهم عن المحجة برفق. إن درس الميول يمكّن المعلم من إصلاح الفاسد منها، ومن غرس أضدادها من الفضائل في نفوسهم. وإن المعلم لا يستطيع أن يربّي تلاميذه على الفضائل إلا إذا كان هو فاضلًا ... ولا يستطيع إصلاحهم إلا إذا كان هو صالحًا، لأنهم يأخذون منه بالقدوة أكثر مما يأخذون منه بالتلقين.
(2/113)

أيها المعلّمون الكرام:
إن البيت عند الأمم الحية هي أخت المدرسة. كلتاهما مكمّلة للأخرى، فالتلميذ بينهما يتقلّب بين عاملين من عوامل التثقيف والتهذيب. أما البيت عند أمّتكم فهي ضرة المدرسة، ما تبنيه هذه تهدمه تلك، وما تزرعه هذه تقلعه تلك. لأن قعائد البيوت جاهلات. وقعائد البيوت هنّ قواعدها، وويل لبيوتنا من هذه القواعد ما دمن جاهلات. ووارحمتا لكم من هذه الحالة وهذا الموقف، ولا أب يؤيّد ويناصر، ولا أم تعين وتؤازر. ولا بؤس للإسلام والعربية بهذه الديار. ولا عجبًا لا ينقضي من بعض الأمهات عندنا، فقد أصابهن- مع جهلهن- من الاستعمار مسّ، فنرى الواحدة منهن تُعنى بولدها في ميقات المكتب الفرنسي، فتحافظ على الوقت بالدقيقة، وترجل شعره، وتغسل أطرافه، وتنظف ثيابه، أما في ميقات المدرسة العربية فترسله أشعث مغبرًا مختل الهندسة، متأخرًا عن الوقت لأنها سخرته في أغراضها، أو متقدّمًا عنه لتستريح من شيطنته.
وإذا كانت بيوتنا على ما نرى من فساد في الأخلاق، وجهل بالتربية الصالحة، وإهمال وفوضى، وكانت ناشئتنا في هذا الطور- طور التكوين- تتقلب بين بيوت هذا حالها، وبين مكاتب فرنسية لائكية- إن قدّر لهم الوصول إليها- وهي ذات برنامج استعماري يوجّههم إلى غايات استعمارية، ولبعدهم عن دينهم ولغتهم وقوميتهم، إذا كان الأمر كذلك فانظروا - يا رعاكم الله- أي عبء ألقته المقادير على كواهلكم، وأي واجب تؤدّونه لدينكم ولغتكم وأمّتكم، وأي عهد في أعناقكم يجب أن توفوا به لها.
ههنا توقظ الليالي هاجعها، وههنا تجافي الجنوب مضاجعها، وههنا تسمو نفوس، وتسف نفوس، وههنا تنسى المادة الخسيسة حتى كأنها ليست من هذا الوجود ...

أي أبنائي المعفمين:
إن الأطفال مفطورون على غرائز ناقصة يزيدها الإهمال وفقدان التربية الصالحة نقصًا وشناعة، وتعالجها التربية الحكيمة كما تعالج الأمراض. فإذا لم تعالج في الصغر اندملت نفوسهم عليها كما يندمل الجرح على فساد، وجفّت كما يجفّ العود على عوج، فضعوا أيديكم على تلك النقائص وتعمدوها بالإصلاح والتقويم، أو بالتشذيب والتعديل.
فمن النقائص اللازمة للصغار: الخوف والغضب والحسد وسرعة التأثر والانفعال وسرعة التصديق بكل شيء وإفشاء كل ما تسمعه آذانهم وتراه أعينهم.
أما الخوف فمنشؤه أوهام تحوكها الأم الجاهلة لصغيرها منذ الرضاعة تستعين بها على إسكات الطفل أو تسكين حدّته، وهي لا تدري ماذا تجني عليه من تلك الأوهام، ولا أي مرض عضال ابتلته به صغيرًا ليتجرّع غصصه كبيرًا. فاجتثوا هذا الغرس الخبيث
(2/114)

من نفوسهم بتقوية الإرادة فيهم وبتنمية الحقائق في أذهانهم. وداووا كل نقيصة من تلك النقائص بتقوية ضدها في نفوسهم، وببيان أضرارها بالتصوير العملي على قدر ما تحتمله عقولهم. وأنجع الأدوية ترويضهم على الصبر والصدق والتسامح والشجاعة. ربّوهم على الفضائل- وأكرّر القول وأعيده- وقدّموها على العلم. إن الأخلاق العالية هي الأصل، وإن العلم لا يغني عنها، ولا يأتي بها، وكم رأينا من عالم يعظ الناس وينهاهم عن المنكر ثم يخالفهم إلى ما نهاهم عنه. وكم رأينا من طبيب يبيّن مضار الخمر للناس وهو يعاقرها.
ربّوهم على الرجولة وبعد الهمّة، وعلى الشجاعة والصبر، وعلى الإنصاف والإيثار، وعلى البساطة واليسر، وعلى العفة والأمانة، وعلى المروءة والوفاء، وعلى الاستقلال والاعتداد بالنفس، وعلى العزة والكرامة، وعلى التحابب والتسامح، وعلى حب الدين والعلم والوطن والوالدين والمعلم.
أفهموهم من الصغر معنى الأسرة وروابطها وواجباتها، وتدرّجوا بهم من معنى الأسرة إلى معنى الأمّة، وأشربوا قلوبهم أنهم فروع من دوحة واحدة ذات خصائص طبيعية ليحافظوا عليها.
كونوا لتلاميذكم قدوة صالحة في الأعمال والأحوال والأقوال. لا يرون منكم إلا الصالح من الأعمال والأحوال، ولا يسمعون منكم إلا الصادق من الأقوال. وإن الكذب في الأحوال أضرّ على صاحبه وعلى الأمّة به من الكذب في الأقوال. فالأقوال الكاذبة قد يحترز منها، وأما الأحوال الكاذبة فلا يمكن منها الاحتراز. وقد يقول لكم قائل: إنه رجل صالح، فتحتقرونه لأنه مُزَكٍّ لنفسه، ولكون الاحتقار، مانعًا من الاغترار. ولكنه يأتيكم من طريق أخرى فيلبس لبوس الصالحين ويتظاهر بأحوالهم من الصمت والسمت فتغترون به، وهو هو بعينه. وكم أهلك هذه الأمّة المتظاهرون بالصلاح، والمتظاهرون بالزعامة، والمتظاهرون بالإمامة.

أي أبنائي المعلّمين:
إنكم جنود الإصلاح، فأصلحوا نفوسكم وداووها من داء الأنانية والغرور وتلاقوا على الحرفة الجامعة بالأخوّة والتعاون، والتساند والتضامن.
إنكم من جيل فتح آذانه على نغمة متردّدة كثر لوكها حتى أصبحت دعوى كل مدّع، وشعوذة كل مشعوذ، وهي خدمة الأمّة، وخدمة الوطن. وإن أشرف خدمة يقدّمها العاملون المخلصون لأمّتهم ولوطنهم هي التعليم والتربية الصالحة، فهما سلّم الحياة وإكسير السعادة.
(2/115)

إن أستاذ العاملين الأكبر هو الاستعمار نفسه. يدلّهم بفضائحه البادية، وأعماله الباغية العادية، على طريقة العمل. فإن أردتم أن تعرفوا الطريقة المثلى لخدمة أمّتكم، وتتبيّنوا الطريق القاصد، فانظروا إلى الاستعمار، واعرفوا الطرق التي سلكها لقتل أمّتكم فاسلكوا ضدّها لإحيائها. وادرسوا الوسائل التي تذرع بها لاستعباد أمّتكم فاستخرجوا منها وسائل تحريرها.
أنتم معاقد الأمل في إصلاح هذه الأمّة، وإن الوطن لا يعلّق رجاءه على الأميّين الذين يريدون أن يصلحوا فيفسدون، ولا على هذا الغثاء من الشباب الجاهل المتسكع الذي يعيش بلا علم ولا عقل ولا تفكير، والذي يغط في النوم ما يغط، فإذا أفاق على صيحة تمسّك بصداها وكرّرها كما تكرّر الببغاء.
كان الله لكم، وجعلكم عند حسن ظننا بكم، وأجرى على أيديكم الفتح والنجح.
آفلو، رجب عام 1361هـ.
(2/116)

رئيس جمعية العلماء
يتكلم
(1943 - 1947)
(2/117)

لقاء ووفاء *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الاخوان:
هذا أول اجتماع نعقده بعد أربع سنوات ونصف، مرّتْ كليالي الهجر على المحبّ العميد، بين اعنات الليالي بخطوبها السود، وقسوة الأيام بأحداثها الصم، وتجنّي الخصوم بكيدهم الجبّار ومكرهم الكبّار، وبين الفتن المتلاحمة التي تطير فيها الألباب، وتتناكر في ظلماتها الأحباب، ويتنكب فيها الرأي واللسان جادّة الصواب، والمواقف التي زلّت فيها أقدام وضلّت أحلام، ونكص على العقب أقوام وأقوام.
فنحمدُ الله على أن ثبَّتَ هذه الفئة القليلة بالقول الثابت، وأخذ بأيديها إلى ساحة اليقين وساحل النجاة، فلم تزغ لها في الحق عقيدة، ولم تَهِنْ لها في قوله وفعله عزيمة، ولم تَلِنْ لها في مصارعة الباطل والمبطلين شكيمة، ولم يَثْنِها عن مبدئها الحق ما لقيتْ من أذى وظلم وهضيمة، ولا فتن لها في مداحض الشبهات رأي ولا طانت روية، ولا لاذتْ في معترك القوة والحق بالمداورة ولا بالتقية، ولا خضعتْ لطواقعيت الجور مهما طغت وبغتْ، وبلغتْ من العتوّ والجبروت ما بلغتْ، بل ما زادها ذلك إلّا إيمانًا بربّها، واعتدادًا بنفسها، واعتمادًا على حقّها، واعتزازًا بإسلامها، وثباتًا على مبدئها، وثقةً بخالقها، ووفاءً بعهدها، وقيامًا بواجبها، وبرًّا برجالها، ووفاءً لإمامها.

أيها الاخوان: إن الإسلام لَمفتقر في هذا الطور الأخير من حياته إلى ذلك الطراز العالي من البطولة التي عهدها في أبنائه الأولين، وإلى ذلك النوع السامي من التضحية في سبيله واستحلاء الأذى في الدعوة إليه، ومواصلة الكفاح للكائدين له، وهي الخلال التي قام بها بناؤه حينما قام
__________
* نص الخطاب الذي ألقاه الشيخ في أول اجتماع للمجلس الإداري لجمعية العلماء بعد إطلاق سراحه من منفى آفلو، وذلك سنة 1943، ووجدنا مسودته في أوراق الشيخ.
(2/119)

بها أبناؤه، فكانت فئتكم القليلة في العدد، الكثيرة بما تستمدّه من عون الله وحده من المدد، هي طلائع الجهاد، والعوامل الممهّدة للمهاد، في ميدان التضحية والاستشهاد.

أيها الاخوان: إن بُعْدَ المسلمين عن روح القرآن وهدي القرآن غَرَسَ فيهم خصالًا من الخَوَر والفسولة أدّتْ بهم إلى ما ترون وانتهتْ بهم إلى ما منه تشكون، وإن هذه الخصال التي تمكنتْ من النفوس لا تزول جراثيمها المميتة إلّا بصاخّة من الأحداث وقارعة من المصائب، تخرجها من حبس الخمول إخراجًا، وتزعجها إلى ميدان العمل إزعاجًا، فمرحبًا بالتطريد والتشريد، والإرهاق الشديد، والحبس ولو على الدوام والتأبيد، والنفي ولو إلى القرار البعيد، إذا كان كل ذلك يذيب زيف الأخلاق الخادعة، ويجتثّ غشّ النفوس الخامدة، ويشدّ وهن العزائم الراكدة، ويرحض عنا أوضار الضعف والخَوَر والانحلال، ويجمع القلوب بعد ذلك على الإيمان بالحق، والوفاء للحق، والتناصر بين أصحاب الحق.

أيها الإخوان: إن الرؤوس التي رفعها الإسلام تأبى أن تخضع إلّا للإسلام، وإن الألسنة التي استقامت أسلاتها على قولة الحق تأبى أن يَلْوِيَها لَاوٍ لغير الحق، وإن القلوب التي انطوتْ سويداؤها على معنى التوحيد تأبى أن تحمل معنى من معاني التفريق، ويشهد الله أنكم كل أولائك، على إقبال الأيام وإدبارها، واحلائها وإمرارها، فما عَنت وجوهكم لغير الله، ولا خضعتْ أعناقكم لظالم، ولا لويتْ ألسنتكم بكلمة باطل، ولا نزعتم إلى تفرق، ولا تهوّرتم في تأويل، ولا دنتم بتعطيل.
يشهد الله والتأريخ والواقع أن الحق ألّف بين هذه الفئة القليلة حتى أصبحوا وكأنهم ليسوا أعضاء جمعية بل أعضاء جسد واحد، يألم جميعها لمصيبة الواحد منها، شهد لكم التاريخ وشهد لكم الواقع بذلك في الأحداث الملمة بكم على ما بينها من تفاوت في الجسامة والوقع: يومَ مات الإمام الرَّئِيسُ، ويومَ أن أُبعد بعضكم، ويوم أن سجن بعضكم، شهد الله أنكم حققتم معنى الوفاء الإسلامي في أيام الهزاهز والفتن، كما حقّقتم معاني الإسلام بأكملها في أيام الأمن.
وها قد عاد المُبْعَد، وأطلق السجين، وكل ذي غيبة يؤوب، وغائب الموت لا يؤوب، فأين قمر هذه الحقبة ومبعث ما كان يلوح عليها من هيبة وجلالة، أين فارس هذا الميدان المعلم، وبطله المشيح، أين ذلك الفكر الجوّال؟ وأين ذلك العزم الصوّال؟ وأين ذلك اللسان القوّال؟ أين إمام الصفوف، وقائد الزحوف، ومنتضى الآراء قاطعة كالسيوف، ماضية كالحتوف؟ أين- لا أين- ذلك الإمام الذي كانت تصعد الأبصار وتصوب فلا تقع إلّا عليه، وتمتدّ أيدي الالتماس فلا تشير الأصابع إلّا إليه؟ أين ذلك المفرد العلَم الذي شأى من قبله وأتعب من بعده؟
(2/120)

فقدناه- أيها الإخوان- بل فقدته الأمة الجزائرية، بل فقده الإسلام، أحوج ما كان الجميع إلى علمه وآرائه، وإلى عزمه وإقدامه، وإلى شجاعة قلبه ولسانه، وإلى ثباته ووَثَباتِه. إن فقد إمامنا جرح لا يندمل، وإن ذكره وذكراه كلما جال على اللسان أو جاش به الخاطر جراحات تتنزى ألمًا وإن لم تثغب دمًا، وإن نَكْءَ الجرح بالجرح أوجع، نعم، نعم، وإن أنكى من هذه الجراحات أن يموت الإمام في مثل هذه الزعازع الهوج التي أجرت الألسنة فعاقتها عن البَوْح، وكبتت الخواطر المعتلجة بالثناء العاطر فسدّتها عن الفَوْح. ولولا الرجاء في يوم تتجلّى عنه الغيوب، فتفيض فيه العبرات المحبوسة والزفرات المكبوتة، وتجيش فيه الألسنة بما فيه الوفاء للراحل والكفاء للتاريخ، وتقوم الأمة بما عليها من حق التمجيد المشروع، لولا ذلك الرجاء لَذهبتْ منا النفوس حسرات.
فيا يومُ عمْ صباحًا، وأشرق على الخابطين لمّاع الجبين وضّاحًا، ويا يوم، من لي بك من يوم! كن بعض أيام عمري أكن نائحة المأتم وغراب الندبة على من لم تشرق أمثالك على أمثاله منذ أزمان.

أيها الإخوان: إن من حق إمامنا علينا أن نترحّم عليه وأن نستغفر له قيامًا بحق السنّة، وأن نمضي متآزرين في تنفيذ أعماله وتحقيق آماله، وأنتم أعلم الناس بأعماله وآماله، فقد شاركتموه في حمل الأمانة وتأديتها في حال حياته، فعليكم أن تضطلعوا بتتميمها بعد وفاته.

أيها الإخوان: لو كنتُ غير مَن أنا وكنتم غير مَنْ أنتم، لفاض لساني في هذه الجلسة بشكر أيادٍ سلفت منكم لأخيكم العاجز، ولكنكم في جلالة أقداركم أغنياء عن الإطراء، كما أنني في بساطتي غني عن المجاملة، وإنما أجدني مضطرًا إلى الإشادة بالثناء عليكم في موقفكم يوم مات الأستاذ الرَّئِيسُ وأرجف المرجفون بالجمعية، فوقفتم موقفًا صارمًا أرغم الأعداء وسرّ الأوداء، وأبنتم للمفترين أن من يتهمونهم بالقصور رشداء.
(2/121)

واجب المثقّفين نحو الأمة*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الاخوان:
رغب إليَّ جماعة من إخواني الأساتذة الذين يعز علي رد رغبتهم أن أحدثكم في هذه الليلة المباركة في هذا النادي العامر، وما عهد نجد عندنا بذميم، ولكنهم حددوا لي موضوع الحديث في جملة صاغها أخي الأستاذ العامل عبد السلام مزيان بلفظه وهي (كيف يؤدي المثقفون واجبهم نحو الأمة) وزعم الأخ الأستاذ سامحه الله أنه لا يضطلع بتفصيل هذا الموضوع وإعطائه حقه غيري، ولولا حسن ظني بالأخ الأستاذ ومتانة ثقتي بأخوّته لقلت إن اختيار هذا الموضوع توريط لي زينه بذلك الزعم المغري. ولكن يشفع عندي للأستاذ مواقفه التي أذكرها فأشكرها في التقريب بين ألوان الثقافات الرائجة بهذا الوطن وفي التأليف بين أفراد المثقفين المتنافرين بطبيعة الحال لا بل أغنم فأعد الأستاذ من أمثلة القاسم المشترك عند علماء الرياضة اذ هو من الأفذاذ الذين تذوّقوا ثقافتين تصطرعان بهذه الديار وعملوا للتوفيق بينهما للخير العام.
وإذا خرجنا من الدعابة للأستاذ إلى الجد معه فإن هذا الموضوع أثار اهتمام الأمة بطرفيها في هذه السنة وكثر خوض الخائضين فيه وهب في الرأي العام تيار شديد من المعاني المتصلة بهذا الموضوع عبرت عليها الأفعال قبل الأقوال وغمرت المجالس والمجتمعات سحب المناظرة والجدال والجواب والسؤال، وكثر التحكك بين الطرفين المقصودين فيه وهما الأمة والمثقفون من أبنائها.
وأنا أزعم أني من المشتغلين بمراقبة هذه الحركات في الأمة والمعتنين بتسجيلها لأنها متعلقة بأعمالي الفكرية والتعليمية والإرشادية، ولأنني متصل بالطرفين اتصالًا وثيقًا وعالم بما
__________
* من محاضرة ألقاها الإمام في أحد نوادي تلمسان في 1943، ووجدت مسودتها بين أوراقه.
(2/122)

لكل منهما على الآخر من واجبات، وعامل بجهدي في تقريب ما بينهما من مسافة وإزالة ما بينهما من تنافر.
فحكمي على هذا الشعور الجديد في هذه الأمة أنه وليد التطورات والحوادث المفاجئة التي تعمل في تكوين العالم كله تكوينًا جديدًا، وأن أول ما تفعله الحوادث طبع الأفكار والعقليات طبعًا جديدًا.
وان الأمم إذا اضطرم شعورها بالحاجة إلى الشيء اتجهت أنظارها إلى قادتها وتحركت ألسنتها بالتساؤل عن رجالها، فإذا كانت سعيدة مهيأة للخير لبّاها رجالها من أول دعوة ووجدت قادتها في مقدمة الصفوف، وإذا كانت شقية مقدّرًا لها الذل والخذلان وجدتهم لاهين لاعبين أو متنابذين مضطربين منعزلين في أخريات القوافل منتشرين على هوامش ركب الحياة قانعين بالمدار الضيق الذي يدورون فيه مثقلين بالقيود المرهقة التي قيدتهم المعيشة بسلاسلها وأغلالها. فتفوت الفرص ويفوز السابقون المبكرون وتقسم مغانم الحياة وتبدل الأرض غير الأرض، والأمة ورجالها متباعدون مع قرب الدار، متقاطعون مع حرمة الجوار، يتصاممون والألم شامل ويتعامون والبلاء محيط، ويتمارون والنذير عريان ويمارون في الشمس وهي طالعة ثم يصبحون وقد فات العمل وخاب الأمل وحقت الكلمة، وهذه حالتنا وحالة أمتنا معنا والأمر لله.

أيها الاخوان:
إن هذا الموضوع الذي أرغمت على التحدث فيه موضوع شائك لا يجري اللسان فيه إلا على أطراف مجددة وجثث ممددة وعوائق مما يقف بين الحلق واللسان، وعواثر مما يفصل بين الإنسان والإنسان وإن الانصاف فينا لقليل.
إن الحديث في هذا الموضوع يؤدي إلى تحريك أوتار طال العهد بسكونها، وإلى نفض غبار اطمأنت النفوس إلى ركوده، وإلى نقد خصال من الضعف والفسولة والخور عششت في نفوسنا حتى ألِفْناها وركنّا إليها وأصبح الفطام عنها صعبًا، وألبسناها خلاف لبوسها من الأوصاف والنتائج حتى أصبح الدخول في خلافها دخولًا فيما لا يعني والتلبس بها إلقاء بالنفس إلى التهلكة. ونحلناها ما لا تستحق من الأسماء حتى أصبح المتصف بها يسمى بيننا حكيمًا وعاقلًا وخيرًا ومسالمًا ومدارًيا ومتجنبًا للشبهات من الخمول والانكماش.
ولقد كانت هذه الخصال موجودة في طائفة من سلفنا وكانت محمودة في عرفهم ولغة عصرهم لأنها كانت من الكماليات في حياة الأمة لأن كلمة الأمة إذ ذاك مجموعة وجانبها عزيز ومقوماتها ثابتة ومكانتها محترمة ومقامها بين الأمم مرفوع وميادينها عامرة بالرجال وخزائنها زاخرة بالأموال. فماذا عسى يضيرها بعد ذلك إذا جاءت منها طائفة مسالمة وطائفة
(2/123)

متجنبة للشبهات وطائفة متصوفة وطائفة متقشفة وطائفة متمزهدة وطائفة متعبدة وطائفة تسكن الخلوات وطائفة تعمر حلق الذكر. كان المأمون في عصره قائمًا بعز الخلافة وفي عزها عزّ الإسلام وكانت يده تفيض بالعطاء للناقلين والمترجمين لثمرات العقل البشري فماذا يضير الإسلام في زمنه أن يكون في الأمة طائفة آثرت الخمول والانزواء والتستر والانكماش؟ وماذا يضر السفينة إذا كان ربانها ماهرًا ساهرًا أن ينام جميع الركاب؟
وكان أحمد بن حنبل وطبقته في عصرهم يحملون الشريعة ويقومون بتحقيقها وفلسفتها ونشرها، وكان البُخاري وطبقته يقومون بالرحلة لجمعها وتحريرها وتصفيتها.
وكان طاهر بن الحسين وأمثاله من القواد يقومون بحماية الثغور وتنظيم القوّة، وكان الحسن بن سهل وأمثاله يقومون بتدبير المصالح العامة وجباية الأموال، وكان أبو يوسف وأحمد بن أبي دؤاد يقومون بتنفيذ القضاء وإقامة الحدود.
وكان ثمامة بن أشرس وأضرابه يقومون ببيت الحكمة في الأمة وتكوين الفضائل.
وكان الأصمعي ويونس وأبو عبيدة وأضرابهم يقومون بتدوين اللغة وحفظها، وكان الخليل وسيبويه وابن جني وأمثالهم يقومون بتفريعها وتخطيط مقاييسها، وكان الجاحظ وأضرابه يقومون بجلاء البيان العربي وترويضه للمعارف العقلية والنقلية، وكان النظّام وواصل وبشر بن المعتمر وأضرابهم يقومون بتوسيع المدارك العقلية وتلقيحها بلقاح المنصف وتربيتها على أفانين الجدل والحجاج والاستدلال. وكان الآلاف من غيرهم يقومون بشعب الحياة الأخر ويعمرون ميادينها المتشعبة؛ فهل يضر الأمة أن تختار طائفة منها ما تستحقه من خمول وانكماش وغيرهما مما هي أمراض المثقفين اليوم من هذه الأمة؟
على أن الواقع الذي يجهله الناس وأنا أعرّفكم به لأنني أعرفكم به، هو أن تلك الطوائف التي شذت واعتزلت الحياة العامة في أيام عز الإسلام ليست إلا طوائف لا تستحق الحياة وأنها لم تجد في ميدان الحياة متسعًا لأن تلك الميادين كانت عامرة بالأصلح، فتلك الطوائف لم تعتزل الحياة عن طوع واختيار بل عن قهر واضطرار هي طوائف اعتزلتها الحياة وليست هي التي اعتزلت الحياة، هي طوائف منفية من الحياة لا منتفية منها.
يوجد رجل من مشائخ الطرق الدجالين في عصرنا هذا ولكنه حاذق في معاريض الكلام جاءه مريد من مريديه فقال له: إني طلقت الدنيا لأنقطع إليك وإلى خدمتك، فقال له الشيخ: وماذا طلقت من الدنيا هل لك غنم؟ قال لا، قال هل لك تجارة هجرتها لأجلي؟ قال لا، قال: هل لك فلاحة تركتها لأجلي؟ قال لا، قال هل لك زوجة وأولاد؟ قال لا، قال إذن فالدنيا هي التي طلقتك وأنت المطلق لا هي. وكذلك حال تلك الطوائف التي ورثنا من آثارها السيئة هذا الخمول وهذا الانكماش وهذا الجهل بحقيقة الحياة، وبئس الميراث وبئس الوارثون.
(2/124)

طاف الإمام أبو إسحاق الأسفرائيني في بدء انحطاط الإسلام جبل لبنان وكان عامرًا بالعباد المنقطعين عن الدنيا، فقال يخاطبهم: يا أكلة الحشيش تهربون ها هنا وتتركون أمة محمد تعبث بدينها المبتدعة، وان اقتصاره على ذكر الدين يدل على أن دنيا الأمة كانت محفوظة، ولو بعث في مثل زماننا لَأضَافَ الدنيا إلى الدّين فقد ضاع كلاهما بخمول المثقفين.

أيها الاخوان:
هذه مقدمة كالمفتاح للكلام في المقصود وهي متصلة به معدودة من تمهيداته مشيرة إلى كثير من أصوله مرشدة إلى ما فيه الأسوة من المحدثين بالقدماء، وإذا طالت فعذري إليكم أن المرتجل لا يستطيع ضبط لسانه كما يستطيع الكاتب ضبط قلمه فلنحول هذا اللسان عن مجراه، ولنحاول حمله على الجري في المقصود ومن حقكم على هذا اللسان أن يَنْطِق بالحق ولو على نفسه: واذا كان الحق يغضب أقوامًا فحسبه أن يرضي الحقيقة، وما وقفت بينكم موقف القائل ووقفتم في موقف المستمعين إلّا وقد أخذ الحق علينا عهدًا أن يكون الخطاب من الضمير للضمير وان لا نؤثر العواطف على العقول وان لا نتقارض الثناء المكذوب، وان لا نخون الفضيلة في اسمها، إننا مرضى ومن بلاء المريض رفق الطبيب به، ان رفق الطبيب خيانة لفنه وقدح في أمانته وزيادة في البلاء على مريضه، وما خير رفق ساعة يتجرع المريض بسببه آلام السنين.
أعيد الموضوع على أذهانكم وهو كيف يؤدي المثقفون واجبهم نحو الأمة؟ كلمة المثقف آتية من تثقيف الرمح وهو تقويم قناته بغمزها وتشذيب زوائدها الناتئة وإزالة الاعوجاج من كعوبها، ويقولون للغلام المتدرب على اللعب بالسلاح وعلى الرمي بالحراب والتلاعب بالرماح، غلام مثاقف وهو وصف قريب الصلة بكلمة التثقيف، ولم تكن العرب تستعمل كلمة مثقف بالمعنى الذي نعرفه الآن. وإنما كانوا يقولون في مثله رجل لقن وزكن ويقولون في معنى الثقافة عندنا اللقانة والزكانة، ولما جاءت نهضتنا الحاضرة اختارت للدلالة على هذا المعنى كلمة الثقافة وجعلتها ترجمة لكلمة افرنجية.
فالمثقف هو الرجل المُهَذّب المستنير الفكر المجوهر العقل المستقل الفكر في الحكم على الأشياء، الجاري في تفكيره على قواعد المنطق لا على أسس التخريف، المطلع على ما يمكن من شؤون العالم وتاريخه، الملم بجانب من معارف عصره.
وقد تتسع الثقافة بوفرة الحظ من الأخلاق وكثرة المعلومات وقد تضيق بقلتهما وقد تنقسم باعتبارات جنسية أو لغوية أو دينية. فيقال: الثقافة العربية أو الفرنسية ويقال الثقافة الإسلامية أو المسيحية مثلًا، وإني محدثكم عنها على حسب ما أتذوقه من روح الكلمة في مدلولها العربي وعلى ما أعلم من تطبيقها في العرف الشرقي الراقي في نهضته الفكرية الحالية، فإن رأيتم في
(2/125)

كلامي بعض المخالفة لمعناها الافرنجي فعذري أني لا أعلم مدى ما يراد منها في ذلك الاصطلاح، وإنما أنبهكم إلى أن معنى الكلمة في الذوق العربي يرمي إلى أن أساس الثقافة هو حسن التربية وصحة الإدراك والتقدير للأشياء، وسلامة التفكير والاستنتاج العقلي واستقامة السلوك في معاملة الناس، ويرمي كذلك إلى اعتبار الاخلاق الفاضلة قبل كثرة المعلومات، ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي يختلف فيها النظران الشرقي والأوروباوي.

منزلة المثقفين في الأمم الحية:
والمثقفون في الأمم الحية هم خيارها وسادتها وقادتها وحرّاس عزها ومجدها. تقوم الأمة نحوهم بواجب الاعتبار والتقدير، ويقومون هم لها بواجب القيادة والتدبير، وما زالت عامة الأمم، من أول التاريخ تابعة لعلمائها وأهل الرأي والبصيرة فيها، تحتاج إليهم في أيام الأمن وفي أيام الخوف. تحتاج إليهم في أيام الأمن لينهجوا لها سبيل السعادة في الحياة، ويغذونها من علمهم وآراثهم بما يحملها على الاستقامة والاعتدال، وتحتاج إليهم في أيام الخوف ليحلوا لها المشكلات المعقدة ويخرجوها من المضائق محفوظة الشرف والمصلحة.
والمثقفون هم حفظة التوازن في الأمم وهم القومة على الحدود أن تهدم وعلى الحرمات أن تنتهك وعلى الأخلاق أن تزيغ، وهم الميزان لمعرفة كل إنسان حدّ نفسه، يراهم العامي المقصر فوقه فيتقاصر عن التسامي لما فوق منزلته، ويراهم الطاغي المتجبر عيونًا حارسة فيتراجع عن العبث والاستبداد. إذا كانوا متبوعين فمن حق غيرهم أن يكون تابعًا، أو كانوا في المرتبة الأولى فمن حق غيرهم أن يكون في الثانية، ولا أضر على الأمم من الفوضى في الأخلاق والفوضى في مراتب الناس، ولكن هل عندنا مثقفون بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة؟ وما دام حديثنا في دائرة محدودة وهي الأمة الجزائرية بصفتها الحاضرة، وتفصيلنا للقول إنما هو على مقدارها فلنقل مخلصين: هل فينا مثقفون بالمعنى الصحيح الكامل لهذه الكلمة؟ ولنكن صرحاء إلى أبعد حدّ.
الحق أنه يوجد في الأمة الجزائرية اليوم مثقفون على نسبة حالها وعلى حسب حظها من الاقبال على العلم وعلى مقدار الوسائل التي تهيأت لها في ذلك- ولكن المثقفين منا قليل جدًا لا في الكمّ والعدد ولا في الكيف والحالة، ولا نطمع في زيادة عدد المثقفين إلّا إذا زاد شعور الأمة بضرورة التثقيف، وتهيأت أسبابه أكثر مما هي متهيئة الآن- ولا نطمع في زيادة الكيفية إلّا إذا توحدت طرائق التثقيف وجرت على ما يوافق روح الأمة في دينها وعقائدها الصحيحة وتاريخها ولغتها وجميع مقوماتها، واتحدت الأهواء المتعاكسة واتفقت المشارب المختلفة في الأمة وصحت نظرتها للحياة وصح اختيارها لطرقها المناسبة لوجودها.
ولكن آفة الآفات وعلة العلل في ثقافتنا على ما هي عليه من النقص في العدد وفي الحالة أن عندنا ثقافتين مختلفتين تتجاذبان الأمة من أمام ومن خلف، إحداهما ثقافة إسلامية أساسها
(2/126)

دين الأمة وقوامها اللسان العربي تقوم بها طائفة، والثانية ثقافة أوروباوية أساسها اطّراح الأديان وقوامها اللسان الفرنسي تقوم بها أخرى، وبين الثقافتين تفاوت يكاد يصيرنا أمتين لا أمة واحدة، ولو اشترك الفريقان في اللسان المعبر لهان الأمر ولحصلت بعض الثمار المطلوبة من الثقافة، ولكن في كلا الفريقين عيوبًا وأكبر عيوب المثقفين بالثقافة الإسلامية جهل مطبق بأحوال العصر ولوازمه، وأكبر عيوب المثقفين بالثقافة الأوروبية جهل فاضح بحقائق الإسلام وأخلاقه وآدابه وبتاريخ الأمة وهو مصباحها المضيء، وبلسانها وهو ترجمانها الصادق. ونشأ عن اختلاف الثقافتين ما لا يحصى من المضار والمفاسد التي صيّرت الثقافة فينا عديمة الفائدة، ومن أكبر مفاسدها الاختلاف في وجهات النظر فتختلف الآراء في المصلحة الواحدة على رأيين متناقضين وفي المفسدة الواحدة كذلك، وهنالك تنقلب الحقيقة ويصير المثقفون بلاء على الأمة ويصيرون داءها بعد أن كانوا دواءها. وأعداءها بعد أن كانوا أولياءها، ولا مخرج لنا من هذا إلا بالجمع بين الثقافتين في معين واحد.
وقد كانت الحالة قبل أعوام أدهى وأمر مما هي الآن، إذ كان أمر الدين في الأمة موكولًا إلى طائفة من الفقهاء الجامدين لا يفهمون من حقائق الدين ولا من أسراره شيئًا ولا يعلمون من لغته إلا قشورًا، فكانوا يسيئون الظن بالمثقفين ثقافة أوروبية ويحكمون عليهم بالخروج من الدين ويشوهون سمعتهم عند الأمة. يتولد من ذلك في نفوس جمهور الأمة نفور مستحكم منهم وسوء ظن بأعمالهم، وذهب خيرهم في شرهم وحقهم في باطلهم، فلا يرضون على أعمالهم ولو كانت صالحة لقيام التهمة، ولا يثقون بأقوالهم ولو كانت سديدة لعروض الشبهة. ولكن منذ قامت الحركة الإصلاحية على أيدي رجال مثقفين ثقافة إسلامية حقيقية عالية عارفين بمقتضيات الحياة في كل عصر قادرين على تطبيق الدين مع الاجتماع مع الحضارة عارفين بأقدار الرجال وقيم معارفهم مطلعين على أسباب التقدم والانحطاط مشاركين في معارف العصر، وناهيكم بإمام النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس رحمه الله فمنذ ذلك الحين خفت تلك النزعة البغيضة بخذلان الداعين إليها وتولد في الأمة شعور جديد بقيمة المثقفين بالثقافة الأوروبية وبأنهم من أبناء الأمة وأن الواجب الانتفاع من آرائهم والاستفادة من مواهبهم.

كيف يؤدي المثقفون واجبهم نحو الأمة
أيها الإخوان
أما إذا صارحناكم بما نعتقده الحق في قيمة ثقافتنا ومثقفينا وفي مقدار انتشار الثقافة بيننا وفي آفات الثقافة والمثقفين منا ونقائصها ونقائصهم وعيوبها وعيويهم فإننا نصارحكم برأينا في كيفية أداء المثقفين لواجبهم.
(2/127)

إن أول واجب على المثقفين إصلاح أنفسهم قبل كل شيء، كل واحد في حدّ ذاته، إذ لا يصلح غيره من لم يصلح نفسه، ثم إكمال نقائصهم العلمية واستكمال مؤهلاتهم التثقيفية حتى يصلحوا لتثقيف غيرهم، إذ ما كل مثقف يكون أهلًا لأن يثقف، واذا كان المثقفون قبل اليوم في حالة إهمال فحالتهم إذا هيأوا أنفسهم لتأدية الواجب تستلزم اهتمامًا آخر واستعدادًا جديدًا، وثاني واجب هو إصلاح مجتمعهم كل طائفة مع كل طائفة بالتعارف أولًا وبالتقارب في الأفكار ثانيًا، ومن طبيعة الاجتماع أنه يحذف الفضول واللغو، وبالتفاهم في إدراك الحياة وتصحيح وجوه النظر إليها ثالثًا، وبالاتفاق على تصحيح المقياس الذي تقامى به درجة الثقافة رابعًا.
وهذه النقطة الأخيرة من ألزم اللوازم فإن التباعد بين المثقفين وخصوصًا بين أهل الثقافة العربية والثقافة الأوروبية، أدّى إلى فتح الباب وكثرة المتطفلين، فأنا من جهتي لا أرضى بحال أن أحشر في زمرة المثقفين كل من يكتب بالعربية الصحيحة مقالة في جريدة ولا كل من يستطيع أن يخطب في مجتمع، وهو مع ذلك عَارٍ من الأخلاق أو لا يحسن الضروريات من المعارف العصرية، وما أكثر هذا الصنف فينا، وهم يعدون في نظر الناس وفي نظر أنفسهم من المثقفين، وأنا أشهد الله أن هذا ظلم للثقافة ما بعده ظلم، كما أنه يوجد في قراء الفرنسية عدد كثير من حملة الشهادات يزعمون لأنفسهم أو يزعم لهم الناس أو يزعم لهم العرف الخاطئ أنهم من المثقفين، وهذا كذلك ظلم للثقافة لا أرضاه. وان أمثال هؤلاء من الطرفين ما دخلوا في عمل إلا أفسدوه لنقص معلوماتهم أو فساد أخلاقهم وقصر أنظارهم وجهلهم بالتطبيق، ولا نستريح من هؤلاء إلّا إذا جاء وقت العمل فإن القافلة إذا سارت وشدت الرّحال تخلف العاطل وظهر الحق من الباطل.
ولعل بعض السامعين يتشوف إلى معرفة السِّرّ في هذا التفاوت بين طبقات المثقفين منا، وأنا أشرح لكم بعض السبب وهو أن قراء العربية لم يخرجهم معهد واحد ولا معاهد متحدة التعليم موحدة البرامج مرتبة الدرجات منظمة الشهادات على التحصيل، وانما هم متخرجون من معاهد مختلفة لا تجمع بينها جامعة إلّا كونها عربية ومعظمها غير منظم ولا مرتب ومعظمهم تلقى تعليمه كيف ما اتفق ولم يكمل دراسته ولا أتم تحصيله، أما تربيتهم فجاءت ملونة بألوان تلك المعاهد.
ثم ألقى بهم الدهر إلى أمة متعطشة في أول عهدها باليقظة فهي لا تفرق بين صفو وكدر فكانت استفادتها منهم قليلة وربما ضروا أكثر مما نفعوا.
كذلك نعلم أن للثقافة الفرنسية في وطننا ثلاثة معاهد متباعدة الغايات متفاوتة الدرجات: الأولى الكليات الجامعة وما يوصل إليها، الثانية دار المعلمين، الثالثة المدارس الثلاث (1)،
__________
1) هي المدارس التي أنشأتها فرنسا في الجزائر سنة 1857 في تلمسان وقسنطينة والجزائر العاصمة لتخريج القضاة والمترجمين والأئمة.
(2/128)

ومن المؤسف حَقًّا أن أبناءنا في التعليم الجامعي انكبوا على الجانب المادي أكثر من الروحي والأخلاقي، فتخرج في جيلين بضع عشرات تناهز المائة من الأطباء والصيادلة ومثلها من المحامين، ودون العشرة من المهندسين، وإلى جانب ذلك كله دون العشرة في الآداب، ولم نر إلى جنب هذا العدد واحدًا تخصص في الفلسفة أو في علم النفس أو في الأخلاق أو في فلسفة الاجتماع والتشريع، وتعليل هذا الاتجاه معقول من روح الأمة وحالتها المادية وليس من المناسب شرحه في هذه المحاضرة، وإنما نقول إن للتقليد أثرًا كبيرًا في هذا الاتجاه شأن الأمم التي تكون في درجتنا من الانحطاط.
وإني أذكر لكم على سبيل العبرة حكاية اتفقت لي: مرض والدي رحمه الله مرض الموت في دمشق وتسامع أصدقاؤه فزاره في بضعة أيام نحو عشرين طبيبًا فسهرت ليلة عند صديقي الدكتور عزت أفندي شموط وهو شاب أديب مع براعته في فنه فأكبرت دمشق إذ كان فيها فوق المائتين من الأطباء من أبنائها ومن اللاجئين إليها أيام الحرب فقال صديقي الدكتور شموط: إن كثرة الأطباء في بلدة تدل على كثرة الأمراض والأوساخ فيها، وأنا أختار بلدة فيها عشرة مرشدين دينيين وعشرة أدباء وعشرة أطباء على بلدة فيها ثلاثمئة طبيب، لأن الأدباء يرققون عواطفها فتميل إلى الروحيات فتقل الأمراض، والمرشدون يعلمونها القصد في الأكل واللذات ويحضونها على النظافة، فهؤلاء أطباء ولكنهم يداوون المرض قبل وقوعه فإذا أفلت واحد، دَاوَاهُ الأطباء المعروفون، فأكبرت كلامه إذ كنت لا أنكره بذوقي.
ومن المؤسف أيضًا أن دار المعلمين تهيئُ خريجيها لأعمال خصوصية محدودة مقيدة يدور المعلم فيها طول عمره فلا يجد الوقت لتوسيع ثقافته بالمطالعة والكتابة والتطبيق، وكذلك القول في خريجي المدارس الثلاث وهذه القيود تشمل الثقافة وتحصرها في المدار الضيق.
واذا تمت الإصلاحات الأربعة جاء الخامس والأخير وهو الامتزاج بالأمة والاختلاط بطبقاتها والتحبب إليها ومشاركتها في شؤونها الاجتماعية والدخول في مجتمعاتها ومعابدها ومشاركتها في عبادتها وفي الصالح من عوائدها، فبذلك تحصل الثقة منها وتنقاد لكل ما نريده منها، وبذلك يسهل على المثقف أداء واجبه على أكمل وجه، وثقة الأمة بالمثقفين هي رأس المال في هذا الباب.
أما الواجب في حدّ ذاته فهو في الجملة إيصال النفع والخير إلى الأمة ورفع الأمية والجهل عنها، وحثها على العمل وتنفيرها من البطالة والكسل، وتصحيح فهمها للحياة وتنظيف أفكارها وعقولها من التخريف، وتنظيم التعاون بين أفرادها وتمتين الصلة والثقة بين العامة والخاصة منها، وتعليمهم معاني الخير والرحمة والإحسان لجميع الخلق.
(2/129)


هذه أمهات المعاني التي تجهلها الأمة أو تغلط في فهمها وواجب المثقفين- بعد أن يستوثقوا منها بالمخالطة- أن يرفعوا عنها الجهل بها أو الغلط فيها. وكيف يكون ذلك؟ يكون بتنزل المثقف في مخاطبة العامي واستدراجه في كل اجتماع إلى بيان ما يجهله أو يغلط فيه، ويتخير لذلك المناسبات وأوقات الفراغ، وقد شاهدنا المثقفين إذا اجتمعوا بعوام الأمة وسمعوا سخافاتهم يقابلونهم بالضحك أو بالاحتقار، وهذه نقطة من نقط تضييع الواجب حيث يجب أداؤه. فما ضرهم- سامحهم الله- لو عملوا بما ذكرناه؟ إذا لقاموا بالواجب وأوصلوا للعامي خيرًا ما بعده خير وأحسنوا إليه إحسانا يستحقه.
(2/130)

الدروس العلمية بتبسة*
بسم الله الرحمن الرّحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله.
الدروس العلمية بالجامع الأخضر وسيدي قموش وسيدي بومعزة بقسنطينة والآن بتبسة.
قسنطينة في 20 شوال 1362هـ / 19 أكتوير 1943م.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بيان من المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى الأمة الجزائرية الكريمة.
إن المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بمكتب الرئاسة بقسنطينة يوم 17 أكتوبر الحاضر، قد قرّر استمرار التعليم المسجدي الديني لتلامذة الجامع الأخضر بتبسة كالعادة الجارية في السنتين الماضيتين لدواع ضرورية قاهرة. وأسند- كالمعتاد- القيام بذلك التعليم إلى كفاءة الأستاذ النفّاع الشيخ العربي التبسي الكاتب العام لجمعية العلماء مع التنويه بذكره، والإفصاح عن شكره على ما قام به في السنتين الماضيتين من المواظبة على تلك الدروس النافعة لأبناء الأمة في دينهم ولغتهم، وما بذله من جهد وأظهره من حزم وعزم في استمرارها على أكمل وجه.
فالمجلس الإداري يعلن لشباب الأمة المتعطش إلى تلك الدروس الحية في علوم الدين ووسائله، المتشوّف إلى أوان افتتاحها وموسم أفراحها أن الشروع فيها سيكون- إن شاء الله- يوم 15 نوفمبر الآتي ضمن برنامج محكم مضبوط يقوم بتنفيذه الأستاذ العربي التبسي وجماعة من الاساتذة تحت إشرافه.
كما يعلن المجلس للأمة أنه كان حريصًا أشدّ الحرص على إرجاع تلك الدروس إلى قسنطينة- مهدها الأول ومركزها الأصلي- رفقًا بالطلبة وجمعًا لهم بين الغرض القريب.
__________
* من كتاب "نفح الأزهار عما في مدينة قسنطينة من الأخبار" للأستاذ سليمان الصيد، [ص:200].
(2/131)

والسفر القاصد. ولكن المجلس نزل على حكم الضرورة فأخّر تنجيز هذه الرغبة إلى السنة الدراسية المقبلة، وهو يُعِدّ لذلك عدّته من الآن.
ويعلن للأمة أيضًا أن "صندوق الطلبة" بنظامه الخاص باق بقسنطينة بيد أمينه الحاج كرماني حموش بعنوانه المعروف، وتحت نظر لجنته الخاصة التي تديره، وأنه ما زال قائمًا بواجباته التي أنشئ لتحقيقها من كِراء المأوى للتلامذة وتوزيع الإعانات عليهم وصرف جرايات للأساتذة المعاونين للأستاذ التبسي. أما هو فلم يزل مُصرًا على التبرّع بأعماله خالصة لله وللعلم.
وإن لجنة الصندوق تجري على عاداتها في نشر حسابات السنة الماضية دخلًا وخرجًا على الأمة، وترفع رجاءها طالبة من المحسنين أن يكونوا في هذه السنة أندى يدًا وأسخى كفًّا منهم في السنوات الماضية، لأن دائرة الإنفاق قد اتّسعت ووجوهه قد تعددت، وحق التدارك لما فات في السنة الماضية قد وجب، وتوفير مبالغ الإعانة للطلبة قد تعين، وترقية المشروع من جميع جوانبه قد لزمت.
والمجلس الإداري يضم رجاءه إلى رجاء اللجنة ويهيب بالكرام الخيّرين- العارفين لقيمة هذا المشروع العلمي الجليل- أن لا تَهِنَ لهم همّة ولا تكز لهم يد في إمداده بالمال، وإنه إنما وسّع دائرته في هذه السنة اتكالًا على هِمَمهم التي كانت عونًا له في كل مشروع علمي، وتنشيطًا له دائمًا على المضي إلى الأمام في ترقية التعليم الديني العربي، وإن الله لمع المحسنين.
رئيس جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين
محمد البشير الإبراهيمي
(2/132)

تقرير إلى لجنة الإصلاحات الإسلامية بالجزائر*
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تتشرّف بحمل لواء الإصلاح الديني بالدعوة إلى نشره وتحقيقه، ذات برنامج عملي في تعليم الإسلام على حقيقته من أصليه- الكتاب والسنّة-، وفي نشر الفضائل الإسلامية والأخلاق القرآنية، وما يقتضيه ذلك من محاربة البدع والخرافات والجمود والرذائل والمحرّمات، وفي تعليم اللغة العربية الفصحى على أنها لغة الدين ومفتاحه، لا تفهم حقائقه وحكمه إلّا بها، وما يقتضيه ذلك من إحياء الآداب العربية الراقية، وهي دائبة في تنفيذ برنامجها بقدر ما يثسع له الإمكان ومغالبة العراقيل.
ومع أن دائرة أعمال الجمعية قاصرة على الدين والعربية، فإنّ لها في السياسة الإسلامية الجزائرية رأيًا مقررًا لم تضع له برنامجًا، ولم تصبغه بصبغة حزبية، وإنما هو ثمرة الصفات الثلاث التي تصف الجمعية بها نفسها وهي العلم والإسلام والجزائر، وطالما صرّح رجال الجمعية بهذا الرأي في خطبهم، ونشروه بأقلامهم، وذكروه في المناسبات لرجال الإدارة المسؤولين، حتى صارت الجمل المعبّرة عن ذلك الرأي كألفاظ القانون لا تحتمل غير معناها، وهذه الجمل هي: إن الأمّة الجزائرية أمة مسلمة عربية تربطها بالمسلمين رابطة الإسلام العامة، وتربطها بالعرب رابطة العروبة العامة، وتصلها بفرنسا صلة المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة، فيجب عليها بحكم دينها أن تَحْيَى مع كل من يساكنها حياة الإحسان والخير والرحمة، فتحسن وتطالب غيرها بالإحسان، وتبذل الخير والرحمة وتطالب غيرها بالخير والرحمة، فإذا قامت بواجب حيوي مشترك كان من الإنصاف لها أن تتمتع بالحقوق الحيوية المترتبة على ذلك الواجب، وأن تساوي غيرها في
__________
* استُدْعيَ الإمام من طرف لجنة الإصلاحات الإسلامية الجزائرية- التابعة للحكومة الفرنسية- للاستماع إلى رأيه، فتقدم بهذا التقرير يوم 6 محرم 1363 الموافق لِ 3 جانفي 1944.
(2/133)

الحياة كما ساوته في الواجب، مع الاحتفاظ التام بمقوّماتها الطبيعية التي منها الإسلام والعروبة وعدم التنازل عن الشخصية التي هي بها أمة، وهذا هو ما تقتضيه قواعد الإنسانية وقوانين العدل والإنصاف.
وأنا بصفتي جزائريًا من حقّه الطبيعي أن يفكّر في الحالة التي عليها وطنه وأبناء وَطَنِه، ومن حقّه أن يبدي رأيه بكل صراحة في ما يجب أن يناله من الإصلاحات، وبصفتي عالمًا مسلمًا من واجبه أن يدافع عن الإسلام وأحكامه ولغة دينه، وأن يغضب لحظهما المغبون مع الإدارة الجزائرية الاستعمارية، وبصفتي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من واجبه أن يعبّر عن رأيها في المشكلات الإسلامية الجزائرية الخطيرة، ويشارك برأيه في ما يجب من الإصلاح السياسي والتعليمي إذْ هما أخوان للإصلاح الديني،- فبهذه الصفات الثلاث أقدم شكري للجنة المحترمة، لجنة الإصلاحات الجزائرية التي هيّأت لي الفرصة لإعلان رأيي بكل حرية في الإصلاحات التي تقتضي الظروف الإسراع بتنجيزها بكل إخلاص في مصلحة فرنسا وفي مصلحة الأمة الجزائرية الإسلامية معًا.
أصارح اللجنة المحترمة بأن كل ما فهمته إلى حدّ الآن من التصريحات الرسمية في هذه المسألة هو شيء مجمل لا يمكن معه تكوين رأي مفضل كامل يتناول من الإصلاحات أصولها وفروعها، إذْ مسألة الإصلاحات الإسلامية الجرائرية ليست من الأمور الهيّنة التي تحلّ بالعبارات المجملة والآراء المقتضبة.
وأصول هذه الإصلاحات الثلاث- وهي الإصلاح السياسي والإصلاح التعليمي والإصلاح الاقتصادي- لكل واحد منها فروع تحتاج إلى شرح وتفصيل، ومتى توفّر في الساعين فيها والقائمين على تنفيذها الإخلاص والإنصاف وبعد النظر سهل عليهم الوصول إلى نتيجة عاجلة وثمرة مرضية، وإذا رأت اللجنة المحترمة إجمالًا في رأيي فسببه الإجمال في الرسميات.
أنا أعتقد أن هناك أنواعًا من الإصلاحات تجب المبادرة بتنفيذها بصورة حازمة حاسمة، لأنها زيادة عن كونها معقولة في نفسها، لا يكثر حولها الجدل والاعتراض: وهى القضاء الإسلامي، والمساجد وأوقافها وموظفوها، والتعليم العربي الحرّ، وها هو رأيي مجملًا في الثلاثة:

أولًا- ـ[إصلاح القضاء الإسلامي]ـ: نرى أن مما تجب المبادرة به من الإصلاحات الخاصة إصلاح القضاء الإسلامي لأنه على غاية من الاختلال، لا من الجهة العملية ولا من الجهة العلمية، وان الأحوال الشخصية الإسلامية التي أعلن تصريح الجنرال "ديغول" المحافظة عليها وجعلها أساسًا للإصلاحات هي في الحقيقة والواقع لا وجود لها، أو هي بفعل القرارات أصبحت أمرًا وهميًا ولم يبق منها إلّا الخيال، لأنّ مظهرها العملي منحصر في النكاح والطلاق والميراث، وهي في الظاهر موكولة إلى قضاة مسلمين، ولكن أحكامهم
(2/134)

قابلة للنقض حتى من قاضي الصلح، وهي في الظاهر أيضًا مستندة إلى الفقه الإسلامي، ولكنها في الواقع خاضعة لقرارات الوكيل العام تتصرف فيها وتوجّهها كما شاءت.
وهذا الخلل الفاحش في القضاء العملي ينضم إليه خلل أسوأ منه أثرًا في القضاء العلمي، وهو أن تعليم فقه المعاملات الإسلامية التي يتكوّن منها علم القضاء ناقص جدًا بل هو في حكم المعدوم، لأن برنامجه وأسلوب تعليمه لا يفيان بغرض ولا يوصلان المتعلّم إلى الكفاءة اللازمة، فكيف يجعل قضاء مثل هذا في الأحوال الشخصية أساسًا للإصلاحات وهو في نفسه فاسد يحتاج للإصلاح، وإصلاح هذا الخلل يكون بتوسيع برامج التعليم القضائي، وتكميلها بإتقان دراسة الأصول ومآخذ الأحكام وحكمة التشريع الإسلامي، والتوسّع في الغرض التطبيقي، وعدم الاقتصار على كتاب أو كتابين في الفقه، وإسناد وظائف التعليم القضائي إلى فقهاء أكفاء، يختارون الكتب ويقرّرون البرامج، ويقومون بتنفيذها ويتدرّجون بالتلميذ إلى الكفاءة لا إلى الشهادة وحدها، ويجعلون للأخلاق والتربية حظًا من عنايتهم واجتهادهم.
فإذا أُجري الإصلاح على هذه الصورة من الآن رجونا أن يخرج لنا هذا التعليم قضاة أكفاء صالحين يتمّون إصلاح القضاء علميًا وعمليًا، كما أرى لزوم النظر من الآن في تشكيل مجلس قضائي إسلامي أعلى يتولّى- أو يستشار على الأقل- في تعيين القضاة وتعقب أحكامهم، وبهذا لا بغيره يتحقق الإصلاح العملي للقضاء الإسلامي، ويخرج من الدائرة الضيّقة- دائرة الحجر والاختلال- إلى الدائرة الواسعة وهي دائرة التمكّن والاستقلال، أما إذا بقي الأمر على ما هو عليه فإن قانون الأحوال الشخصية اسم بلا مسمّى، وقشور بلا لباب، وهيهات أن يُبنى الإصلاح على أصل فاسد.

ثانيًا- ـ[مسألة التعليم العربي الحرّ]ـ: الموجود من التعليم العربي في المدارس الحكومية لا قيمة له، والموجود منه في المدارس الحرة مضغوط عليه إلى درجة الإزهاق، مطوق بالقرارات الإدارية الجائرة، وقد احتجّت الأمة العربية الجزائرية على هذه القرارات وأثبتت بالقول والفعل أنها متمسكة بلغتها التي هي ترجمان دينها وآدابها وماضيها، وأنه لا يصدّها عن هذا الحق الطبيعي إرهاق ولا تزهيد، فممّا يرضيها الآن أن تكون مسألة التعليم العربي في طليعة الإصلاحات، وأن تعطى الحرية المطلقة في تعليم أبنائها لغة دينهم وآدابهم، خصوصًا وهي في هذه الحالة لا تكلف الحكومة شيئًا من المال ولا غيره من التكاليف، بل هي مستعدّة في هذا السبيل بمالها ومعلّميها، وإنما تطلب لتحقيق هذا الإصلاح شيئًا واحدًا وهو إلغاء تلك القرارات القديمة وتلك التشديدات والعراقيل واستبدالها بحرية ثابتة صريحة مكفولة مع المراقبة القانونية.

ثالثًا- ـ[المساجد وموظفوها وأوقافها]ـ: النظام الذي تدير به الحكومة الجزائرية مساجد المسلمين، وتعيّن بمقتضاه الموظفين الدينيين، لا يوجد نظام مثله في شذوذه وبُعده عن
(2/135)

أصول العدالة والحق، والأمة الإسلامية الجزائرية لا تجهل المعنى الذي يحمل الإدارة الجزائرية على التمسّك بإدارة المساجد واحتكار تعيين الموظفين الدينيين، مع مخالفتها الصريحة لقانون فصل الدين عن الحكومة، ولا يخفى عليها أن ذلك أسلوب من أساليب الإدارة الاستعمارية التي تسمّي معاكسة الإسلام محافظة على الإسلام.
والمساجد ملك للإسلام والمسلمين لا للحكومة، والمسلم الذي يصلّي في المسجد هو أعرف الناس بآداب المساجد، والمسلم الذي يُصِّلي وراء إمام هو الذي يعرف مَن يصلح للإمامة، فما معنى تدخّل الحكومة الفرنسية في دين قوم مسلمين؟ وما معنى فرض الحكومة على المسلم أن يصلّي وراء رجل تعيّنه هي؟ وما معنى أن تخترع حكومة لائكية كهنوتًا في دين ديموقراطي لا كهنوت فيه؟ فمن حق الأمة الإسلامية أن تُسلّم لها مساجدها، وُيوكّل إليها تعيين مَن تختاره من الأئمة والمؤذنين، وتنفيذ ذلك من أيسر الأمور، وذلك أن تتأسّس في كل قرية لها مسجد جمعية دينية تشرف على مسجدها، وتختار له من يعمره من إمام ومؤذّن وغيرهما، وأن تنتخب كل عمالة أو كل دائرة عدة أعضاء من جمعياتها الدينية يتكوّن من مجموعهم مجلس ديني أعلى يجتمع في العاصمة في أوقات معيّنة للنظر في مصالح المساجد العامة وموظّفيها، وهذا المجلس هو الذي يتفاهم مع الحكومة في مسألة ريع الأوقاف.

الإصلاح السياسي:
لعلّه ليس من غرض اللجنة المحترمة أن تسألني عن المسائل السابقة، فأكون قد تبرّعت ببيان رأيي مجملًا فيها، أما الإصلاح السياسي فهو المقصود بالسؤال بلا شك، لأن التصريحات الرسمية دائرة عليه، فأصارح اللجنة المحترمة للمرّة الثانية بما أعتقده الحق، وهو أن التصريح الرسمي بإدخال عشرات الآلاف من المسلمين الجزائريين في الجنسية الفرنسية، من غير استفتاء الأمة ولا مشورتها، قد أثار في أذهان الجمهور الأعظم من الأمة ذكرى شروع "فيوليت" الذي ثارت حوله عواصف من المناقشات بين الأمة وبين الدوائر الاستعمارية سنة 1936، ثم حكم عليه الزمن بالاندثار والموت لعدم صلاحيته، ونسيته الأمة حتى رأت صورته واضحة في ما يراد أن تبنى عليه الإصلاحات الجديدة. ونقول بكل صراحة إن هذا المشروع ليس مما يرضي الأمة الإسلامية الجزائرية التي لا تريد أن تكافأ اليوم بمشروع لم يف برغائبها سنة 1936، ولا تريد أن يحيا بعد أن حكم الدهر عليه بالموت، ولا تريد أن تُذكَّر به بعد أن نسيته غير آسفة عليه.
فمن الإنصاف لهذه الأمة المسلمة- بعدما سبق منها من إلحاح في المطالبة بحقها وبعدما قدمته من تضحيات من الأنفس ومن الأموال- أن تُعطى حقّها في الحرية والحياة كاملًا غير منقوص، كما أدّت واجبها كاملًا غير منقوص، وأن تُساوي غيرها في الحياة كما ساوته في الموت، وأن لا تُرغم على الدخول في الجنسية الفرنسية لا أفرادًا ولا جماعات.
(2/136)

والأمة الإسلامية الجزائرية تعتقد أن إدخال طائفة منها في الجنسية الفرنسية هو خطوة إلى إدماجها في جنس غير جنسها، وهي لا ترضى بجنسها بدلًا ولا بدينها بديلًا، وتعتقد أن هذا الاندماج محو لشخصيتها العربية وذاتيتها الإسلامية، وأنه مخالف لسنّة الله الذي خلق الناس أجناسًا لكل جنس خصائص ومميزات، ومخالف لسنن الاجتماع البشري ومخالف للتاريخ وللاعتبارات الجغرافية المبنية عليه، ومخالف لمصلحة فرنسا نفسها التي جربت هذا الاندماج مع غيرنا فلم يأتها بالفائدة المطلوية.
إننا نرى أن المصلحة المشتركة بين جميع المتساكنين بالقطر الجزائري والنظر السديد في بناء مستقبله على أساس تؤمن معه غائلة استعمار جنس لجنس وامتياز عنصر علي عنصر واستعباد طائفة لطائفة، كل ذلك يقتضي بناء هيكل الإصلاح الجديد على الاسس الآتية:
أولًا: إنشاء جنسية جزائرية تشمل جميع الطوائف التي تعيش بهذا الوطن بغير تمييز بين أصولهم وأديانهم، يتساوون بموجبها في الحقوق والواجبات.
ثانًا: تستبدل جميع التشكيلات الاستعمارية بحكومة تسمّى "الحكومة الجزائرية" تكون مسؤولة أمام مجلس تشريعي جزائري (برلمان).
ثالثًا: الوظائف الإدارية تُعطى لجميع الجزائريين على أساس الكفاءة الشخصية.
رابعًا: تعتبر اللغة العربية لغةً رسمية في المعارف والإدارات بجانب اللغة الفرنسية.
خامسًا: يحفظ لأهل كل دين حقّهم في إقامة شعائر دينهم، وتصوفهم المطلق في معابدهم وأوقافهم بواسطة تشكيلات حرّة يرتضونها لأنفسهم.
سادسًا: الأحوال الشخصية للمسلمين خاصة، تجري على التفصيل السابق في إصلاح القضاء الإسلامي.
هذه آرائي التي أعتبرها بحق آراء الجمهور الأعظم من الأمة الإسلامية الجزائرية، أقدّمها للجنة المحترمة بكل إخلاص واحترام، وأنا أرجو لها توفيقًا ونجاحًا في أعمالها، وأن يتم على يديها ما فيه خير الجزائر وفرنسا معًا، وأتمنى أن توضع العلاقات الجزائرية الفرنسية على أساس متين من الثقة والتعاون الصادق.

الجزائر في 3 جانفي 1944.
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
(2/137)

التقرير* الذي قدّمه مجلس إدارة
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
إلى الحكومة الجزائرية (1)
(بعد اجتماعه المنعقد في 5 أوت سنة 1944 في المسائل الدينية الثلاث: المساجد، التعليم، القضاء)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بحكم أمانة الدين وعهد الله، وشهادة الواقع تعتبر نفسها مسؤولة عند الله وأمام الأمّة الجزائرية عن الإسلام ومعابده وتعليمه ولغته وجميع شعائره الحقيقية وأحكامه القضائية.
وتعلم أن الحكم القاطع في الإسلام في مسألة المساجد هو أن التصرف فيها لجماعة المسلمين دون سواهم، وأن أئمة المساجد ومن جرى مجراهم يجب أن يكون أمرهم راجعًا إلى جماعة المسلمين دون سواهم في الاختيار والتولية والعزل والمراقبة وتقرير الجرايات، وما شرع الوقف الخيري في الإسلام إلا ليقوم بواجبات دينية واجتماعية أهمها هذه، فينفق منها على المساجد وعلى القائمين بها من غير احتياج إلى الخزينة العامة (بيت المال)، وعلى هذا الأساس تعتبر جمعية العلماء كل تدخل حكومي في هذه الأمور الدينية ظلمًا وتعديًا وهدمًا لمبدإ احترام الأديان وحرية الضمائر كيفما كان نوع الحكومة: لا دينيًا أو متدينًا بغير الإسلام.
وكما يعتبر الإسلام تدخل غير المسلم في شؤون الدين الإسلامي ظلمًا وتعديًا كذلك يعتبر تدخل المسلمين في شؤون الدين الموسوي أو العيسوي تعديًا وظلمًا، وعلى هذا المبدإ جرت الحكومات الإسلامية في التاريخ، فكانت تكل شؤون الأديان الأخرى إلى أربابها وإلى علمائها، وكانت مجالس الأحبار ومجالس الأساقفة هي التي تتحكم بكل حرية في المعابد وأوقافها وفي القضاة وأحكامهم، ولا يتدخل القضاء الإسلامي الأعلى في شيء من شؤونهم الدينية.
__________
* تقرير نشرته الجمعية، طبع بالمطبعة الجزائرية الإسلامية، أوت 1944، 26 صفحة حجم صغير.
1) الحكومة الجزائرية: الولاية العامة الفرنسية في الجزائر.
(2/138)

هذه هي الحقيقة في النظر الإسلامي الذي لا يتغير بتغير النظريات الزمنية، وعلى هذا فالأمة الجزائرية المسلمة بواسطة علمائها هي صاحبة الحق المُطلَقِ دينًا وعقلًا وعرفًا معقولًا في إقامة دينها وادارة معاهده واختيار من يصلح لوظائفه من خطابة وامامة وقضاء وتعليم بما تقتضيه قواعد الدين، وتصح به عبادته وأحكامه، وبما أنها هي التي تصلي في المساجد فحقها الطبيعي المحعقول أن تختار من تقدمه للصلاة، كما أن من حقها الطبيي أيضًا أن تختار قضاتها الذين تضع في أيديهم ركنًا من أركانها الاجتماعية الخطيرة وهو النكاح، وركنًا من أركانها المالية الخطيرة وهو الميراث، وأن يكون لها من الإشراف على تعليمهم، ومن النظر في توليتهم وعزلهم، ما يمكنها من رقابتهم، وبضمن لها الانتفاع بهم وتحقق مصلحتها فيهم، وقيامهم بالعدل والإنصاف فيما يوكل إليهم على ما تقتضيه قواعد الدين.
وجمعية العلماء والأمة الإسلامية الجزائرية من ص ورائها يرون جميعًا بأعينهم ان الدينين المتجاورين مع الإسلام في قطر واحد يتمتع أهلوهما ومعابدهما بالحرية التامة والاستقلال الكامل دون المسلمين ودينهم ومعابدهم، فتكون هذه الحقيقة المحسوسة، اعتقادًا جازمًا في قلب كل مسلم بأن هذا ظلم من أقبح الظلم، وتعد على الإسلام من أقبح أنواع التعدي، واحتقار للمسلمين من أقبح أنواع الاحتقار، وإذا كان هناك ما هو أقبح منه فهو غضب الإدارة الجزائرية على كل من يشرحه بلسانه أو يطالب بالعدلما فيه، وهنا تقدم جميعة العلماء التي يفرض عليها الدين أن تقول كلمة الحق بعد اعتقاده، فتعبر بلسان الأمة جمعاء بهذه الحقائق التي أشرنا إليها وخلاصتها أنه:
"ليس من العدل ولا من الحق أن تتدخل الإدارة الجزائرية في شؤون الدين الإسلامي وانما الحق في ذلك للمسلمين وحدهم، لأن الإسلام يفرض عليهم القيام بذلك ".
ثم تبسط الجمعية للحكومة الجزائرية النقط الآتية مبينة رأيها فيها بكل حرية وكل إخلاص، معلنة أن أول نقطة يجب أن يفمها الطرفان على حقيقتها- إذ على فهمها يتوقف حل الاشكال- هي أن الدين هو ما يفهمها علماء الدين، لا ما يفهمه عامة المسلمين الجاهلة ولا ما تفهمه الإدارة بواسطة أعوانها الجاهلين أو الخادمين لأغراضهم الخاصة.
واذا كان المرجوع إليه في شؤون الدينين الموسوي والعيسوي هو احبار الأول وأساقفة الثاني وهم أحرار في معايشهم، فلماذا يذاد علماء الإسلام الأحرار في معايشهم عن هذا الحق؟ ولماذا يرجع فيه إلى غير أهله أو إلى بعض أهله المرتبطين مع الحكومة برباط المصلحة الشخصية؟ - وإذا قلنا علماء الإسلام فإنما نعني كل عالم فقيه بحقائق الكتاب والسنة. إذ هما منبع الإسلام- عالم بتاريخ الإسلام العملي عامل فيما يصلح المسلمين من
(2/139)

هديه وآدابه، وإن جمعية العلماء لا تحتكر هذا الحق لنفسها، وإنما تزن الأمور بالواء المشهود، وهو أنها هي الهيأة الدينية الوحيدة التي قامت بشرائط الإسلام، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعاهدت الله على الدفاع عن عقائد الإسلام بالبرهان، وعن حقائق الإسلام بالعلم، وعن شعائر الإسلام بالعمل، ووقفت المواقف الثابتة في ذلك كله. لياذا كانت الجمعية قد لقيت في تاريخها خلافًا مع بعض الأشخاص أو الهيآت الإسلامية فما ذلك بخلاف في الدين، وما ذلك بخلاف بين دينين، وإنما هو خلاف بين العلم والجهل، وإنما هو خلاف داخلي لو لم يلق تشجيعًا من خصوم الجمعية لرجع المخالفون مسلمين لأن الرجوع إلى الحق فريضة إسلامية، ولأن الحق في الإسلام واحد لا يتعدد.
مقاصد الجمعية ترجع إلى ثلاث نقط هي:
1 - المساجد وموظفوها وأوقافها
2 - التعليم العربي ومدارسه ومعلموه
3 - القضاء الإسلامي وتعليمه ورجاله.

المساجد وأوقافها:
تمهيد: كانت الحكومة الفرنسية لأول عهدها باحتلال الجزائر وضعت يدها على مساجد المسلمين وأوقافهم، ووضعت سلطتها على أئِمة المساجد وموظفيها باسم نظام جائر زينته للناس بعهود كتابية ووعود شفاهية صدرت من بعض رجالها العسكريين والمدنيين، مضمونها أنها تحترم الإسلام ومعابده وشعائره وقد حكم التاريخ على تلك العهود والوعود، وبَيَّنَ قيمتها للناس أجمعين.
فهذا هو الدور الأول
ثم جاءت الجمهورية الثالثة فكانت قواعدها الكلمات الثلاث:
الحرية، الأخوة، المساواة
وكان من أصولها فصل الدين عن الحكم ليكون ذلك محققًا للكلمات الثلاث، وكان من مقتضى ذلك الفصل أن يكون عامًا لجميع الأديان، وفي جميع الأقطار التي تخضع للسلطة الفرنسية، وإن يكون قاضيًا على النظام الخاص بالإسلام في الجزائر، ولكن شيئًا من ذلك لم يقع، وبقي الإسلام ومعابده في الجزائر لا تحظى باحترام كما شرطته العهود والوعود، ولا تحظى بانفصال عن الحكومة كما قررته أصول الجمهورية.
(2/140)

وهذا هو الدور الثاني
ثم جاء قانون 27 سبتمبر 1907 فكانت فصوله صريحة في فصل الدين عن الحكومة وفي إعطاء الناس حرياتهم كاملة في كل ما يتعلق بدياناتهم، وفهم الناس جميعًا أن ذلك القانون إنما يعني المسلمين دون غيرهم أو قبل غيرهم، لأنهم هم الذين كانوا محرومين من تلك الحرية، ولكن الواقع، بعد ذلك، أن ذلك القانون لم ينفذ منه ولا حرف فيما يتعلّق بالدين الإسلامي، وبقيت الإدارة الجزائرية تتصرّف في المساجد وأوقافها وموظفيها، وتقبض بيد من حديد على الوظائف الدينية، وتصرفها حسب شهواتها وأهوائها السياسية، وتضع حبائل الترغيب والترهيب في طريق الطالبين لتلك الوظائف، وتزن أقدارهم لا بالإجازات العلمية ولا باختيار الأمة المسلمة لهم، ولا بحسن السيرة بين أوساطها بل (بالدوسي) (2) الإداري الذي لا يعرف الدين، والذي يزكي ويجرح بقواعد غير قواعد الإسلام وأصول الفضائل، ويشترط في الإمام ما لا يشترطه الإسلام. أدّت هذه السياسة التي يراد منها هدم الإسلام في دياره بالمطاولة إلى سخط عام ملأ جوانح المسلمين وأثار غضب العلماء الأحرار، فرفعوا أصواتهم بطلب بعض الحق في لين ورفق فاتهموا وعوقبوا بالمنع من تعليم دين الله في بيوت الله.
وجرت بعد حرب 14 - 1918 حوادث في تاريخ الوظائف الدينية ظهر فيها عامل جديد وهو: إرصاد بعض الوظائف لبعض الجنود المحاربين إرضاء لهم لا لخصوصية سوى أنهم جنود، وجرت الإجراءات على أشكال لا يرضاها الإسلام ولا يرضاها المسلمون، ولا يرضاها أحرار الفكر من الأوروبيين ولا يرضاها المتدينون منهم، وإنما ترضي رغائب استعمارية ونزعات إدارية انتفاعية، معروفة في تاريخ الاستعمار الجزائري لم يخل منها دور من أدواره، ومبنى أمرها على ملك الأبدان بالقوّة والتسلط، لا على ملك القلوب بالعدل والتسامح، وهي سياسة ظهر خطأها وفشلها منذ قرون، وكفرت بها كل الحكومات وجميع الأمم إلا الحكومة الجزائرية في الجزائر فإنها بقيت مؤمنة بها عاملة بمقتضاها آخذة بأسبابها.
قلنا إن قانون 27 سبتمبر سنة 1907 لم يطبق منه حرف بل وقع من الإدارة ما يناقضه من تشكليها لبعض هيآت دينية لا يد للأمة في اختيار أفرادها، وقد أسندت رئاستها في بعض الأوقات إلى مسيحيين، وان هذا لمن أقبح ما وقع في هذه المسألة منذ نشأت إلى الآن. ولو طبق قانون 27 سبتمبر 1907 تطبيقًا صحيحًا بنصوصه الصريحة على الدين الإسلامي في الجزائر لما حدثت المشاكل المقلقة التي أثارت الخواطر وَهَيَّجَت الأفكار في هذه السنين الأخيرة.
__________
2) الدّوسي: كلمة فرنسية معناها المِلَف.
(2/141)

وهذا هو الدور الثالث
ثم جاء تصريح الجنرال كاترو الوالي العام على الجزائر المنشور في الجرائد يوم 4 أوت سنة 944 1 فكان صريحًا في إرجاع القضية إلى قانون 27 سبتمبر سنة 1907 تحقيقا لأصل فصل الدين عن الحكومة، والأمة بعد صدور القرار متشوفة إلى تطبيق قانون 1907 تطبيقًا كاملًا وقد ساءها وهي في حرارة الانتظار أن تعين الحكومة مفتي الجزائر تعيينًا على النمط القديم، وفي ذلك مخالفة بيِّنة لما فهمته من قرار الجنرال كاترو.
ونحن الآن باسم الدين وباسم الأمة نتمسك بعبارة (فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الجزائرية). ونريد تطبيقها على الكيفية الآثية:
أولًا: فصل الدين الإسلامي عن الحكومة الجزائرية فصلًا حقيقيًا بحيث لا تتدخل في شيء من شؤونه لا ظاهرًا ولا باطنا، لا في أصوله ولا في فروعه.
ثانيًا: تسليم ذلك كله إلى أيدي الأمة الإسلامية صاحبة الحق المطلق فيه، وتقرير سلطتهم على أمور دينهم تقريرًا فعليًا خالصًا لا التواء فيه، وإنما يتحقق ذلك ويصير نافذًا بما يأتي:

أ- تشكيل مجلس إسلامي أعلى مؤقت بعاصمة الجزائر يتركب من:
1 - بعض العلماء الأحرار المعترف بعلمهم وأعمالهم للدين الإسلامي.
2 - وبعض أعيان المسلمين المتدينين البعيدين عن المناصب الحكومية.
3 - وبعض الموظفين المتدينين بشرط أن يكونوا أقل من النصف، ويتسلم هذا المجلس جميع السلطة التي كانت للحكومة في الشؤون الدينية.

ب- من أهم أعمال المجلس أن يتولى تشكيل جمعيات دينية بالطرق الممكنة انتخابًا أو تعيينًا، وله أن يكتفي بما يراه صالحًا من الجمعيات الدينية الحرة السابقة.

ج- فإذا تمت تلك التشكيلات ينعقد مؤتمر ديني من المجلس الأعلى ورؤساء الجمعيات الدينية وبعض أعضائها البارزين، وفي هذا المؤتمر يوضع النظام العام للمستقبل طبق قانون الفصل.

د- كل ما يقرره هذا المؤتمر يعتبر قانونًا نافذًا يجب الخضوع له ولا ينقضه إلا مؤتمر سنوي آخر.

ج - بعد انعقاد المؤتمر الأول ينحل المجلس الأعلى المؤقت وتنتخب الجمعيات الدينية مجلسًا على النظام السابق وإلى المدة التي يقررها المؤتمر.
(2/142)

ويملك المجلس الإسلامي الأعلى المنتخب، السلطة التنفيذية لمقررات المؤتمر الدينية السنوية، أما السلطة التشريعية فيملكها المؤتمر، وليس للمجلس الأعلى إلّا تقديم الارشادات ووضع التقارير والدفاع أمام المؤتمر.

التعليم العربي الحر ومدارسه ومعلموه
كانت الإدارة الجزائرية إلى ما قبل حرب 1914 تتظاهر بشيء من التساهل مع التعليم العربي الحر لأنه كان- إذ ذاك- قاصرًا لا يفتح ذهنًا ولا يغذي عقلًا ولا يربي ملكة لغوية، فلما هب شعور الأمة وقوي باحتياجها إلى فهم لغتها لتفهم دينها، وتطور التعليم الحر في العقدين الأخيرين كسائر الكائنات الحية، وأصبح على شيء من النظام والحياة وخصوصًا بعد ظهور جمعية العلماء، قلقت الإدارة الجزائرية لذلك، ولما لم تجد الإدارة الجزائرية بيدها من القوانين العامة ما تتخذه سلاحًا التجأت إلى القرارات الإدارية. فأنشثت عدة منها ترمي إلى غرض واحد، وهو قتل اللغة العربية بالتضييق على تعليمها ومطاردة رجالها وإلجام صحافتها.
ومن أسوإ ما في تلك القرارات شرًا وأشده إيلامًا وجرحًا لعواطف المسلمين عامة وللعرب خاصة ما جاء في بعض بنود تلك القرارات من اعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في بلاد عربية وهي الجزائر، وجاء دور تنفيذها على يد صغار الإداريين فبالغوا وأسرفوا في التنكيل والمحاكمة، وسيق معلمو العربية إلى مجالس القضاء كما يساق المجرمون، وفرضت عليهم العقوبات المالية والبدنية من سجن وتغريب ولا زالت بقاياهم في المنفى إلى الآن.
احتجت جمعية العلماء على تلك المعاملات الاحتجاجات المتوالية فلم تسمع لها شكوى ولم يرجع إليها جواب، وطلبت المفاهمة الشفاهية فاجيبت بالمماطلة والتسويف، وعطلت الجرائد وأغلقت النوادي وكل ذلك بعضه من بعض.
ومن الغريب أن جمعية العلماء صرحت للحكومة مرارًا بأنها تقبل بكل سرور مراقبة مدارسها من طرف مفتشي المعارف الرسميين، ولكن لم تر في هذه السنين الطويلة مفتشًا واحدًا زار مدرسة من مدارسها، وما كانت ترى إلّا عون البوليس يزورها لتبليغ الأمر بالإغلاق أو العون الشرعي يزورها لتبليغ الاستدعاء للمحاكمة.

مطالب جمعية العلماء: في قضية التعليم العربي
أولًا: إلغاء جميع القرارات السابقة المتعلقة بالتعليم إلغاء صريحًا سواء كانت إدارية أو وزارية.
(2/143)

ثانيًا: نسخ جميع تلك القرارات بقانون صريح يقرر حرية التعليم العربي وعدم تقييده بشيء، ويلاحظ في وضع ذلك القانون المسائل الآتية:
أ- جمعية العلماء أو الجمعيات العلمية الأخرى يكون لها الحق بمقتضى ذلك القانون أن تنشىء ما تشاء من المدارس فيما تشاء من البلدان.
ب- ليس على تلك الجمعيات إلّا إعلام الإدارة باسم المدرسة ومحلها وبأسماء المعلمين فيها، ثم تشرع في العمل بلا توقف على إجراءات أخرى.
ج- يتضمن القانون ضمانات كافية مقنعة في عدم الالتجاء إلى تعطيل المدارس العربية للأسباب السياسية أو غيرها من الاعتبارات، لأن تعطيل المدارس العربية في نتيجته يعد عقوبة للأولاد المتعلمين لم يقترفوا أسبابها، وهذا ظلم لهم.
د- كما لا تتدخل الإدارة في اختيار المعلمين ولا تتدخل في وضع البرامج التعليمية ولا في اختيار الكتب المدرسية.
هـ- على جمعية العلماء أو الجمعيات العلمية الأخرى أن تخضع للمراقبة الصحية العامة في دائرة قوانينها ولمراقبة التفتيش الرسمي.

القضاء الإسلامي وتعليمه ورجاله:
القضاء بين المسلمين في أحوالهم الشخصية والمالية والجنائية يتجزء لا يتجزأ من دينهم، لأن الحكم بينهم فيها حكم من الله، ولأن أصول تلك الأحكام منصوصة في الكتاب والسنة، وكل ما فيهما فهو دين، ولأنهم ما خضعوا لتلك الأحكام إلّا بصفة كونهم مسلمين.
والدولة الفرنسية نفسها تعترف بهذه الحقيقة اعترافًا صريحًا، فقد كانت إلى العهد القريب تعارض مطالبة الجزائريين بحقوقهم السياسية لتمسكهم بالقانون الإسلامي في الأحوال الشخصية.
والحقيقة أن الحكومة الجزائرية منذ الاحتلال بترت القضاء الإسلامي فانتزعت منه أحكام الجنايات والأحكام المالية، ولم تبق له إلّا أحكام النكاح والطلاق والمواريث، ويا ليتها أبقتها له حقيقة، ولكنه مع المطاولة احتكرت تعليمه واحتكرت وظائفه لمن يتخرّجون على يدها وبتعاليمها، وجعلت نقض أحكامهم وتعقبها بيد القضاة الفرنسيين، وأصبح القضاء الإسلامي حتى في هذا القدر الضئيل خاضعًا للقضاء الفرنسي، وأصبح القضاة بحكم الضرورة لا يرجعون في أحكامهم إلى النصوص الفقهية، وإنما يرجعون إلى اللوائح التي
(2/144)

يضعها وكلاء الحق العام الفرنسيون، وفي هذا من الاجحاف وظلم القضاء الإسلامي ما لا يرضى به المسلمون.

ولا ننسى أنها وقعت محاولات واستفتاءات في بعض الأحيان يراد منها إلغاء القضاء الإسلامي بالتدريج وإرجاع شمولاته إلى القضاء الفرنسي. إن المسلمين يشكون هذه الحال، ويشكون نتائجها السيئة من الاضطراب والفوضى في المحاكمات، والضعف والجهل في القضاة، ويعلمون أن ذلك كله ناشئ عن سوء التعليم القضائي وعن إهمال التربية الإسلامية الفاضلة التي هي الشرط الأساسي في القضاة، وعن استبداد القضاء الفرنسي على القضاء الإسلامي، وعن عدم شعور القضاة بمراقبة الأمة لهم مراقبة دينية، وجمعية العلماء والأمة الإسلامية معها تطالب الحكومة الجزائرية بوضع حد لهذه الحالة الشاذة المضطربة.
وجمعية العلماء وإن كانت ترى أن القضاء الإسلامي في الإسلام جزء من الدين ترى في هذه النقطة لزوم التدريج في إصلاح القضاء، والدين لا هوادة فيه.

وها هي أصول للإصلاح نقدمها بكل إخلاص:
التعليم القضائي:: يجب توسيع برامج التعليم القضائي في مادة العربية والفقه والأصول ودراسة التفسير والحديث ومآخذ الأحكام منها وتاريخ القضاء في الإسلام وفلسفة التشريع وعلم النفس. كذلك يجب فتح الباب لقبول علماء مدرسين لتلك العلوم من المتخرجين من جامع الزيتونة أو غيره لا تعتبر فيهم إلّا الكفاءة لما يراد منهم.

الوظائف القضائية: كذلك يجب إدخال عناصر من المتخرجين من جامع الزيتونة أو غيره من المعاهد الأخرى في الخطط القضائية.
السلطة العليا: كذلك يجب تكوين مجلس قضائي أعلى من القضاة المسلمين يتولى اختيار القضاة وتسميتهم ومراقبتهم والنظر في سلوكهم وتحديد عقوباتهم، وتكون سلطة هذا المجلس مستقلة عن القضاء الفرنسي.
محاكم للاستئناف: كذلك يجب تكوين محاكم استئناف إسلامية تستأنف إليها الأاحكام الأولية وتكون سلطتها إسلامية محضة، وهذه النقطة من أهم نقط الإصلاح من حيث الاعتبار لأن حكم القاضي المسلم لا ينقضه إلّا قاض مسلم.
وفي الختام نلفت نظر الحكومة إلى مسألتين أخريين عاملتهما إلى الآن بالتشديد، وكان ينبغي لها أن تتساهل فيهما لصلتهما القوية بخدمة الدين وهما تجول العلماء للوعظ والارشاد، والنوادي العربية.
(2/145)

التجول:
أول واجب على علماء الدين نشر الهداية الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكبر وسيلة إلى ذلك دروس الوعظ والإرشاد، وجمعية العلماء ما سنت سنة التجول في البلدان للوعظ والإرشاد إلّا قيامًا بهذا الواجب، ولكن الإدارة ضايقتهم في هذا الواجب فمنعتهم من التجول لاعتبارات وهمية هم يتبرؤون منها، وآخر ما وقع من هذا النوع منع رئيس جمعية العلماء من التجول ولا زال هذا المنع جارًيا إلى الآن. إن تجول العلماء للوعظ والإرشاد من وسائل نشر الدين وتعليمه، ومن القواعد المسلمة أن ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.

النوادي:
جمعية العلماء ترى أن النوادي التي أسستها أو تؤسسها هي في حكم مدارس التعليم ومكملة لوظائفها. لأن طبقات الأمة ثلاث: صغار تضمهم المدارس الابتدائية، وكبار تجمعهم المساجد، وشبان تتخطفهم الأزقة وأماكن الخمر والفجور، فإذا أرادت الجمعية أن تقوم بواجبها الديني معهم لم تجدهم في المساجد ولا في المدارس، فمن واجب الجمعية أن تنشط النوادي لتقوم بمهمتها التهذيبية فيها، وعلى الحكومة أن لا تضايقها فيما يقوم بحياتها فتمنعها من المشروبات المباحة كما وقع في قرار مارس سنة 1938.
نرجو بكل تأكيد أن يلغى هذا القرار وبقية القرارات الجائرة فتتمتع المدارس والمساجد والنوادي بالحرية التامة.

عن المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين
الرَّئِيسُ: محمد البشير الابراهيمي
(2/146)

في السجن العسكري
بالعاصمة ثم قسنطينة
(1945 - 1946) *
__________
* بعد حوادث 8 ماي 1945، قُبض على الإمام، وسُجنِ فشُلَّ نشاطه، ولم يطلق سراحه إر في شهر مارس 1946.
(2/147)

رسالة إلى الأستاذ إبراهيم الكتاني*
هذه - أطال الله بقاء أخي- قطعة من فصل طويل من ملحمة أطول، نُظمتْ في أوقات الفراغ في شهري ناجر من الصيف الماضي، وقد اشتملت على أفانين من الجدّ والهزل، والشخْت والجزل، ووصف الرخاء والأزْل، والولاية والعزل، والنكْث والغزْل، وتراجم لرجال سَواسِيَة في الحس كأسنان الحمار، قد أبصروا بعَماهم، وعرفوا بسيماهم، فإذا رأيت أحدَهم رأيتهم جميعًا، وإذا سمعت اللغو كنت لكلامهم سميعًا، وبذلك أراحوا الناقد والواصف، إذْ يجمعهم قولك: أُشَابَة ومَنَاصِفْ. وان الطائفة من الناس لتشترك في خلال حتى لا يكون خطأً أن تشير إليها بهذا مكان هؤلاء، وكثيرًا ما أفكر في قومي ويذهب بي التفكير إلى أقصاه، فأجدهم كما قال ذو الرُّمَّة في وصف قبيلة تعرف بامرئ القيس:
فَأَمْثَلُ أَخْلاَقِ امْرِئ الْقَيْسِ أَنَّهَا … صِلاَبٌ عَلَى طُولِ الْهَوَانِ جُلُودُهَا
فهذا من ذلك، وإذا طردنا القياس فما زال الناس كالناس، ولقد تسامى الخيال إلى وصف رجل من طائفة ممتازة وترجمته بأسلوب هزلي ليتسع القول وتتزاحب آفاقه، لأن الحقيقة في هؤلاء أضيق من أفحوص القطاة، فاتسع القول حتى ناهز ألف بيت، ثم عرضتُ جميع أفراد الطائفة على تلك الصفات فوجدتهم نسخًا من كتاب.
ولئن تمتْ هذه الملحمة لتكوننّ أكبر ملحمة عرفت في تاريخ العربية، فقد قرأنا في تاريخ أدب هذه اللغة أن لَأبَان بن عبد الحميد أرجوزة في الحكم والأمثال بلغتْ آلاف الأبيات، وقرأنا منها قطعًا صالحة، وأكثر ما نظم أدباء العربية الملاحم أو شبه الملاحم في
__________
* أرسلت هذه الرسالة من تلمسان في بداية سنة 1945، وبعض أبيات الأرجوزة نُشرت في "البصائر" (أنظر الجزء الثالث (عيون البصائر، [ص:484]).
(2/149)

بحر الرجز، وانّي لَأستعذبه رغمًا عن عدّ المعرّي إياه من سفساف القريض، قصَّرتم أيها النفر فقصَّر بكم.
وأنا لا أستعذب من الرجز إلّا ما سلس وسهلت أجزاؤه كرجز ابن الخطيب في "نظم الحلل" ورجز شوقي في "دول الإسلام"، ولم أسمع ولا قرأت رجزًا أعذب ولا أسلس من رجز الشناقطة.
حاولت أن أنظم تاريخ الإسلام- وأنا في المنفى- وهيأتْ لي خواطري ملحمة تبلغ عشرات الألوف من الأبيات، وقد رضت القوافي في عدّة وقائع شهيرة كبدر واليرموك والقادسية في أول الإسلام والارك والعقاب بالأندلس، ونظمتُ في دخول الإسلام إلى افريقية وبناء القيروان وموت عقبة ووصف مرابطة الثغور وفي طارق وموسى وطريف عدة فصول أبلغها وصف في جبل طارق لمحت فيه إلى الأحداث التاريخية التي كان سببًا فيها، ولكن القريحة جمدت من عيد الفطر فلم أصنع بيتًا واحدًا.
إذا قرأتم هذا الفصل وأعجبكم فإني أوافيكم مع كل رسالة بفصل، وستجدون في فصول الشيطان ما يضحككم في هذا الزمن العابس.
...

يَا دِينُ إنَّ الدَّيْنَ ليس ينْسَى … بَلْ يُقْتَضَى مُعَجَّلًا أَوْ يُنْسَا
يَا دينُ إنَّ الصّبغَ لَنْ يَحُولَا … وإن عندك لهم ذُهولَا
وعندك التِّراث والطوائِلْ … مما قَرى الأوائِلُ الأوائلْ
وهذه أَخلافهم تداعتْ … بصورة قد أفظعتْ وراعتْ
تألَّبوا عنك لأخذ الثار … وأجلبوا في القسطل المُثار
ونَصبوا لكيدك الأشراكَا … من ألف عام لم تَزلْ دِراكا
يا كَيْدةً كادوا لهذا الدينِ … مجتاحةً لولا صلاحُ الدينِ
ووقعةٌ بالسهل من حِطِّينِ … دماؤهم في تُربها كالطينِ
تكوّنوا من بعد ما استكانوا … واخشوشنوا من بعدِ ما استلانوا
واتصلوا من بعد ما فصَلْتا … ونبتوا من بعد ما استأصَلْتا
لم يُنْسِهِم طولُ المدى السيوفَا … لَامعةً والخيلَ والزُّحوفَا
ونظروا في أصلك اعتبارا … ليفقهوا الحِكمَ والأَسرارا
واقتبسوا منك الأصول والسُّنَنْ … ففرعوا بها الهضابَ والفُنَنْ
(2/150)

وأخذوا في الكون بالأسبابِ … وإنْ غدوا في الدين في تَبَابِ
كأنّهم في الرأي والإعدادِ … من عُصْبة الزبير والمقدادِ

ومنه:
قد تحركتَ فقالوا: حيُّ … كما استجاش للنذير الحيُّ
فحذروا أنْ تستعيدَ الكره … وأن تعيد للعوالي الجره
وأن هذي الثَّورةَ الروحيَّه … تُعيدُ تلك الفَوْرَةَ النوحيَّه
وذكروا آثارك الخوالدَا … ومَجْدَك الفذَّ الصريحَ التالدَا
وذكروا أنَّهُم في القِدَمِ … لم يدركوا شأوك في التقدمِ
وذكروا ما فيك من إصلاح … للجمع والفرد ومِنْ فَلاِحِ
وذكروا كيف طويتَ المغربَيْن … في فجّك الأغرّ بعد المشرقيْن
وكيف خرَّجتَ رُعاةَ الأمَمِ … من أمَّة كانت رُعاة غَنَمِ

ومنه:
ثم استعانوا من بنيك بثُبَاتْ … ليس لهم في موقف الحق ثَبَاتْ
استجلبوهم بِالدَّها والَكَيْدِ … واستدرَجوهم للزُّبَى كالصيدِ
استضعفوهم واستخفوا شَانَهُمْ … وألبسوهم- ضلَّةً- ما شَانَهُمْ
وسحَروا أعينَهم واسترهبُوا … ورغَّبوا بعاجل ورهَّبوا
(2/151)

رسالة إلى الطلبة الجزائريين بالزيتونة*
بمناسبة ذكرى الإمام ابن باديس
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أحيي بتحيات الله المباركة الطيبة أبنائي المهاجرين في سبيله، لا أخص بتحيتي من ينتسبون إلى وطن، أو تجمعهم جمعية، بل أعم من يظلهم دين ويربطهم لسان، ويجمعهم جامع، أولئك كلهم أبنائي؛ يستوون في حيي لهم، وعطفي عليهم، وآمالي فيهم، آحادهم وجموعهم.
وأحيي بأحسن منها إخواني العلماء من حضر منهم في هذا المشهد وَمَن غاب عنه- أولئك الذين طبعتهم يد الرحمن على أن يكونوا أَلْسِنَةَ العروبة وحرسة الإسلام بهذا الشمال الإفريقي- تحية تحرك النفحات سواكنها وتثير المناسبات كوامنها، في هذه المناسبة التي حقيقتها ومغزاها إعلان الفضل من أهله، ووصل لرحم علمية لو أتى عليها النسيان لأضحت مجفوة، وبر بإمام لو لم تعمر الأفئدة ذكراه والألسنة ذكره لأصبح حقه مكفورًا.

أيها العلماء الخِيَرة، أيها الأبناء البررة:
حيّكم الله وبيّاكم، وأبقاكم عوامل رفع لهذا الوطن وأحياكم، وأطال أعماركم للعربية تعلون صروحها وتنقشون في الأنفس لا في الأوراق شروحها، ولهذه الأمة تضمدون جروحها وتداوون قروحها، وللملة الحنفية تحمون حماها وترمون من رماها.
إن الإسلام والعروبة- يا إخواني ويا أبنائى- إذا ذكرا ذابت القيود، وتلاشت الحدود، واجتمعت الأقطار على رحبها في بيت. وأن أخوة الإسلام والعروبة لا تقوم على الأقوال وإن طالت وكثرت، وإنما تقوم على الأعمال والحقائق. ولو أوتينا رشدنا لأقمنا كلمتي المسلم
__________
* بعث الإمام الإبراهيمي هذه الكلمة إلى الطلبة الجزائريين بالزيتونة (تونس)، مشاركة لهم في إحياء الذكرى السابعة لوفاة الإمام ابن باديس (أفريل 1947م) ونشرت في جريدة "العبقرية"، ع3، تلمسان- الجزائر، 1366هـ.
(2/152)

العربي مقام هذا النسب المعروف إلى البلدان والقبائل، فما هذا النسب إلا ثُغَر ومداخل لشيطان الوطنيات الضيقة التي ليست من ديننا ولا من ميراث سلفنا، فتواصوا جميعًا بتحقيق هذه النسبة الإسلامية العربية وتثبيت أصولها في نفوس أبناء هذه الأمة.

أيها الإخوان، أيها الأبناء:
لا نكون مُبالِغين إذا قلنا إن لفقيدنا العزيز عبد الحميد بن باديس مِنَّة على كل من يحمل بين جنبيه روحًا جديدة أو فكرة سديدة من أبناء الجزائر أينما كانوا، لا فرق في ذلك بين طلاب العلم وبين غيرهم من طلاب الحياة في جميع فروعها، وإن من دلائل الوفاء وشكر الصنيع في نفوس أولئك الطلاب أن ينهجوا نهجه في التفكير وطرائق الإصلاح، ويتعاونوا على إكمال ما بدأ بوضعه من أسس العلم والحياة ويشاركوا في هذه الذكريات التي تقام كل سنة لعرض أعماله واستخراج العبر من تلك الحياة التي ليست حياة فرد وإنما هي حياة أجيال؛ إذ كامل الوفاء لفقيدنا العزيز هو الذي عمل عمله في نفوس أبنائنا، وحَدَا بهذه الطائفة المهاجرة في سبيل العلم بجامعة الزيتونة المعمورة إلى إحياء هذه الذكرى في هذه السنة بتونس.
وإن في كون الذكرى بتونس، وفي مشاركة الأفذاذ النوابغ من رجال العلم والأدب للطائف دقيقة ومغازي سامية وإلهامات رقيقة؛ هي من آثار الروحية والوجدان والضمير، لا من آثار المجاملة والتدريس، فإذا جاوزنا الصلة العلمية الروحية العربية جاءت الصلة الزيتونية الوثيقة، وإنها لصلة مرعية الأنساب مبرورة العهود محكمة الوثائق.

أيها الإخوان:
أشكركم شكرًا تثقل موازينه، يطرزه الحب ويزيّنه برّكم بأخيكم وأخي، الذي نَفِي بعهده الثقيل، وأرجو أن تتضافر الأيدي وتتوافر الهمم وتتعاون الألسنة والأقلام على خدمة هذا الدين وتاريخه ولسانه بهذا الوطن الذي هو قطعة من ملك الإسلام ورُكن من حصن العروبة الأشم.
أحي- على بعد الدار- تونس العزيزة علي، الحبيبة إليَّ، فكم لي بها من علاقات
يبلى الزمن وهي جديدة، وأعلاق تنحط القمم وهي- أبدًا- عالية، وذخائر من صداقة وأصدقاء هي مع أعمالي كل رأس مالي.
وواشوقاه إلى تونس، وواشوقاه إليكم أيها الإخوان الخِيَرة والأبناء البررة.
(2/153)

كتاب مفتوح لسعادة وزير الداخلية
للجهورية الفرنسية*
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يا سعادة الوزير:
إن الأصداء المتجاوبة عن زيارتكم للقطر الجزائري أفهمت الأمة الجزائرية المسلمة أنها زيارة تمهدون بها لإصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي يفتقر إليه هذا الوطن. فالتفتت هذه الأمة إلى الماضي واستعرضت الزيارات الوزارية المتعاقبة وآثارها فهبطت درجة التفاؤل فيها إلى حد بعيد، ولكن ما جاء في بعض خطبكم (إن الظروف غير الظروف) أمسك فيها رمق الأمل.
كان من تمنيات الأمة أن يقال عن زيارتكم إنها استجابت للصرخات المنبعثة من أعماقها. وإنها تمهيد لتحقيق مطالبها. وسترون بأعينكم وتدركون بعقلكم- إن لم تحل الحوائل بينك وبين الحقيقة- ما يقنع ضميركم الحي وعاطفتكم الإنسانية وفكركم الديموقراطي أن القضية الجزائرية لا تداوى بإصلاحات مهما كانت سريعة وإنما تداوى بحقوق تعطى ورغائب تحقق. فارم بعينيك- يا سعادة الوزير- إلى ما وراء الصفوف الأمامية التي تقابلك في هذه الزيارة تر الحقيقة. وأرهف سمعك إلى الأصوات المنبعثة من تلك الجهة تسمع الحقيقة، وإن الطبيب لا يبني العلاج على أقوال الأصحاء وشهادتهم للمريض، وإنما يرتب العلاج على كلام المريض لأنه ينير له سبيل الحكمة. وعلى أناته وصرخاته لأنها تثير فيه عاطفة الرحمة. وإذا اجتمعت الحكمة والرحمة في نفس الطبيب ضمنا سداد الدواء وعاجل الشفاء.
وإننا نتمنى لكم في زيارتكم هذه توفيقًا يرفع ذكركم. ويقرن بحل القضية الجزائرية اسمكم.
__________
* جريدة "النهضة" التونسية، 30 أفريل 1947، وجريدة "الإصلاح"، عدد 48، 8 ماي 1947م.
(2/154)

بقيت جهة أخرى تمسّ إحساس المسلمين وتحزّ في نفوسهم وهي الدين الإسلامي من أوقافه المهضومة إلى معابده المظلومة إلى تعاليمه المعدومة إلى قضائه المشوّه، وقد أغفلتم هذه الجهة في تصريحاتكم فقال قوم إن الدينيات لا تدخل في السياسات. وقال المسلمون إذا كان الأمر كذلك فما بال الحكومة الجزائرية احتكرت لنفسها كل ما يتعلق بديننا منذ قرن وزيادة فاستولت على أوقافنا ومساجدنا وأمسكت في يدها مقاليد رجال الدين منا. وضايقت التعليم الديني بالقرارات، ومسخت القضاء الإسلامي في الأحوال الشخصية وهي من صميم الدين.
إن الأمة الجزائرية المسلمة تعتقد أن حقها الديني لا ينبغي أن يكون محل جدال ومطل لأنه لا يتعارض مع مصلحة دين آخر. وترى أن من حقها- كأمة ذات مقومات حيوية- أن تطالب بفصل الدين الإسلامي عن الحكومة فصلًا رسميًا عاجلًا وأن تسلم لها أوقافها الدينية ومساجدها تتصرف فيها تصرّفًا حقيقيًا مباشرًا وأن ترفع القيود الإدارية عن تعليمها الديني العربي وأن تتمتعّ في أحوالها الشخصية الدينية بقضاء نافذ صريح مبني على تعليم إسلامي واسع صحيح.

يا جناب الوزير:
إذا سمعتم صيحات طلاب الحقوق السياسية والاقتصادية فاسمعوا هذه الصيحة المنبعثة من طلاب الحقوق الدينية. وان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعبّر في هذا عن رأي كل مسلم جزائري. وهي تحمل- مع هذا- لسعادتكم كل تقدير واحترام.

رئيس جمعية العلماء
محمد البشير الإبراهيمي
(2/155)

رسالة إلى الأستاذ أحمد توفيق المدني*
حضرة الأديب الفاضل الأستاذ أحمد توفيق المدني أسعده الله،
سلام عليكم وتحيات مباركات.
أما بعد ... فقد بلغني بواسطة الشيخ إبراهيم بيوض نسخة بخطّكم من القانون الأساسي للمجلس الإسلامي الأعلى وما يتّصل به وما يتفرّع عنه، لأطّلع عليها وأرى رأيي فيها.
غير أنّي لا أستطيع أن أبدي أيَّ رَأْيٍ في الموضوع الأصلي قبل أن أطّلع على نصّ رسالة الوالي العام للشيخ الطيب العقبي المتضمنة لهذه المسألة بصفته عضوًا في لجنة الإصلاحات العليا، وقبل أن تطلعوني على حقيقة لا بدّ من الاطلاع عليها وهي هل هذا القانون المسطّر بخطّكم من قبل المطالب التي تُعرض على الحكومة، ولها بعد ذلك حق القبول أو الرفض لكلّه أو لبعضه، أو حق التعديل لبعض ألفاظه ومواده، أو هو قانون أساسي نهائي لقضية فرغ منها وسلّمتها الحكومة تسليمًا نهائيًا لا رجوع لها فيه ولا تدخّل في تشكيلها وتكييفها وتسييرها في المستقبل.
وإذا كان هذا الأخير هو الحقيقة فما هي الضمانات التي أخذتموها على الحكومة لتحقيق هذا البرنامج حتّى تطمئن الأمّة إلى هذا الحلّ.
قد دعيتُ أنا والشيخ العربي التبسي برسالتين بإمضاء الشيخ الطيب العقبي للحضور في اجتماع كأنّه تمهيدي للمسألة، وإنّ إجابتنا تتوقّف على اطّلاعنا على رسالة الوالي العام للشيخ العقبي وعلى إجابتكم لنا عن السؤال المذكور.
ودمتم لأخيكم
محمد البشير الإبراهيمي
__________
* جريدة "الإصلاح"، العدد 60، 6 سبتمبر 1947م.
(2/156)

رئيس جمعية العلماء
ومدير «البصائر»
ومؤسس «معهد ابن باديس»
يتكلم
(1947 - 1952)
(2/157)

بلاغ من جمعية العلماء *
يتردد في بعض المجالس الخصوصية منذ عام كلام إذا جرّد من إطار الدعاية وحذفت حواشيه بقيت منه جملتان، وقد حفظهما الناس وتناقلتهما الألسن وافتتن بهما بعض المغفلين وهما: "إن الاستقلال الديني قد حصل، وإن حرية المساجد قد تمّت" ويأتي من وراء هاتين الجملتين كلام إذا جرّد من ألفاظ التعريض واللمز، ومقدّمات التظلّم والأنانية بقيت منه جملة واحدة وهي: إن جمعية العلماء- بتصلبها وعنادها وامتناعها من المشاركة بالتبعية للعاملين- كانت سببًا في تعطيل حلّ القضية الدينية.
هذه جمل تقال وتحكى وتكتب بألفاظ لا تتغيّر حتى أصبحت كمواد القانون تفسدها زيادة حرف ونقصان حرف.
ونحن نقول في الجملتين الأوليين ما قيل في الرؤيا: إنها تسرّ ولا تغرّ، ولو كان ذلك حقًا لكنّا أول المستبشرين وأول المبشّرين لأنه تحقيق لآمال جمعية العلماء ونتيجة لمساعيها المتكررة.
ونقول في الجملة الثالثة إنها مناقضة لما قبلها، لأنه إذا حصل الاستقلال الديني وتمّت حرية المساجد فلا معنى لذكر جمعية العلماء ولا معنى لمشاركتها في أمر فرغ منه إذ من العبث سعي العقلاء في تحصيل الحاصل.
والحقيقة التي يجب أن تعرفها الأمة هي أن قضية المساجد وما يتبعها بل جميع مطالب جمعية العلماء لم تزل على الحالة القديمة التي يعرفها الناس لم يتم فيها شيء.
وأن الحكومة لم تزل في موقفها الذي يعرفه الناس لم تتزحزح عنه ولا شبرًا.
__________
"البصائر"، العدد 1، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 25 جويليه 1947م. (بدون إمضاء).
(2/159)

وأن جمعية العلماء لم تزل متمسّكة بمطالبها التي يعرفها الناس لم تتساهل ولم تتنزّل.
وأن كل ما ذاع في الموضوع من كلام وكل ما أحاط به من إشاعات، وكل ما فتح فيه مع غير جمعية العلماء من مفاوضات فهو من المناورات الحكومية التي يراد بها تطويل المدة وبث التفرّق وإقصاء جمعية العلماء وإلهاء الأمة بالقشور عن الحقائق.
والفروق بين جمعية العلماء وبين غيرها تظهر في أمور منها:
إن جمعية العلماء تعتبر هذه القضية قضية أمة لا تحلّ إلا بعلمها ورضاها، والحكومة ومن لفّ لفها لا يرونها بهذه العين ولا يزنونها بهذا الميزان.
وأن جمعية العلماء بما شرحت من هذه القضية وبما درست مدة خمسة عشر عامًا ترى أنها لا تحتاج إلى إعادة نظر وفتح مفاوضات جديدة وإنما تحتاج إلى التنجيز على الصورة التي شرحتها الجمعية وفصلتها.
وإن جمعية العلماء ترى أن أوقاف المساجد هي بيت القصيد في القضية فلا يجوز التساهل فيها ولا الاغترار فيها بالوعود ولا الاكتفاء بالحلول السطحية، ولا خير لأمة فقيرة عريانة في استلام مساجد فقيرة عريانة، والحكومة- فيما اختبرنا وعلمنا- لا تريد أن ترد شيئًا من الأوقاف، أو تريد الإرضاء بصورة كلها إجحاف، وقد سمعنا منها نغمة جديدة وهي أن تسليم أوقاف المسلمين يفتح عليها باب مطالبة المسيحيين بأوقافهم، ونحن نرى أن القضيتين لا تجتمعان في سبب ولا غاية لأن الأوقاف المسيحية أخذت عقب ثورة من الأمة المسيحية على الدين ورجال الدين وعلى الحكم ورجال الحكم وانتهت بقلب نظام الحكم من ملكي إلى جمهوري، وبفصل الدين عن الحكومة بصورة حاسمة، وثورة الأمة المسيحية على نظامها تعني رضاها بكل ما ينتج عن الثورة.
أما في الجزائر فإن الحالة مخالفة لذلك تمام المخالفة فالدين غير الدين والأسباب غير الأسباب، والدولة الفرنسية تعهّدت للمسلمين في هذا الوطن بالمحافظة على كل ما ينتسب إلى الدين وأنزلت نفسها منزلتهم في التصرّف فوضعت يدها على أوقافهم ومساجدهم ووظائفهم الدينية، وأوهمتهم بهذه الظواهر أن كل شيء على أصله، وفي ظل تلك العهود والمظاهر احتوت على كل شيء فقلبت أعيان الأوقاف وبقيت تنفق على المساجد سترًا لذلك التصرّف الجائر، وأن إنفاق الحكومة على المساجد طول هذه المدة هو الفارق الأكبر بين أوقاف الجزائر وأوقاف فرنسا، وهو نفسه حجّتنا الكبرى في المطالبة بأوقافنا على الصورة التي لا حق للفصل فيها إلا للمجلس الإسلامي المنتخب من الجمعيات الدينية.
إن جمعية العلماء لا تفهم من معنى الاستقلال الديني وحرية المساجد إلا المعنى الصريح الذي تطالب به وهو إعلان الحكومة فصل الدين الإسلامي عن الدولة وأن تترك
(2/160)

المسلمين وشأنهم في تأسيس جمعيات دينية حرة بعيدة عن المؤثرات الحكومية السرية والعلنية، فإذا تمّ ذلك انتخبت تلك الجمعيات مجلسًا إسلاميًا يستمدّ سلطته من الأمة لا من الحكومة وهو الذي يتولى إدارة الأوقاف وإدارة المساجد بسلطة غير مقيّدة بشيء.
أما ما دام عامل العمالة هو الذي يولي رجال الدين ويعزل استنادًا على "الدوسي البوليسي" لا على الكفاءة الدينية، وما دامت الجرايات تقبض من الخزينة العامة وما دام العالم الديني لا يستطيع أن يلقي درسًا في كلام الله إلا بعد الترخيص من رئيس جمعية دينية حكومية غير منتخبة من الأمة، مع العلم اليقين بأن ذلك الرَّئِيسُ لا يرخص إلا بعد أن يسترخص ولا يأذن إلا بعد أن يستأذن وأنه (واسطة خير) فقط- ما دام الأمر كذلك وهو الواقع الذي لا ريب فيه- فنحن نعترف بأننا لم نرزق عقولًا نفهم بها معنى هذا الاستقلال.
إن جمعية العلماء تعلن لمروّجي هذا الاستقلال الديني، وللمغترين به أنه لا حقيقة له وأنها لا تشاركهم في الانخداع للمناورات والتشكيلات، فقد عرفنا حق المعرفة ان الحكومة الجزائرية كلما أرادت دفن شيء أكثرت من تشكيل اللجان، وانتقلت به من ميدان إلى ميدان.
إن جمعية العلماء سبقت إلى المطالبة بالحقوق الدينية وفاوضت فيها ودرست وحقّقت لأن ذلك كله من وظيفتها الطبيعية، ومن واجب كل مسلم صحيح النية في خدمة الإسلام أن يضمّ صوته إلى صوتها ويجعل مطالبها المقدّمة في أوت سنة 1944 هي الأصل والقاعدة، ولا يعين الحكومة على التشتيت وتفريق الكلمة وتكثير الهيئات والشيع، ولا يسايرها في تجاهلها لجمعية العلماء، فليس في هذا كله خير للقضية الدينية.
ألا فليعلم كل مسلم جزائري أن جمعية العلماء لا تريد أن تحتكر لنفسها هذه القضية بوسائلها ونتائجها، وأنها تطالب باسم الأمة للأمة، وأنها ترى أن هذه القضية ليست من التفاهة بحيث تحل على يد فرد أو أفراد كما تقول الحكومة وتريد، وأنها لا تضلل الأمة فتسمّي لها الأشياء بغير أسمائها.
ألا فلتعلم الأمة حق العلم أن كل شيء في القضية على حاله القديم فلا "الاستقلال الديني حصل ولا حرية المساجد تمّت".
ألا فلتعلم الحكومة أن الأمة لا ترضيها هذه المناورات ولا تلهيها هذه الدعايات ولا يرضيها إلا فصل الدين الإسلامي عن الحكومة فصلًا صريحًا مطلقًا من كل قيد وأن تترك لها الحرية التامّة في انتخاب جمعياتها الدينية ومجلسها الإسلامي.

المجلس الإداري لجمعية العلماء.
(2/161)

نصيحة دينية
تقدّمها جمعية العلماء للأمة الجزائرية الإسلامية*
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيتها الأمة ...
إن التفرّق شرّ كله، وشرّ أنواع التفرّق ما كان في الدين، وأشنع أنواع التفرّق في الدين ما كان منشؤه الهوى والغرض، ونتيجته التعادي والتباغض وأثره في نفوس الأجانب السخرية من الدين والتنقّص له واتخاذ أعمال أهله حجة عليه، وما أعظم جناية المسلم الذي يقيم من أعماله الفاسدة حجة على دينه الصحيح، وما أشنع جريمة المسلم الذي يعرض- بسوء عمله- دينه الطاهر النقي للزراية والاحتقار.

أيها المسلمون الجزائريون ...
في كل عام تفتنون في دينكم مرّتين، فتختلفون في الصوم اختلافًا شنيعًا وتتفرّقون في الإفطار تفرّقًا أشنع، وكلّما جاء شهر رمضان الذي تصفد فيه الشياطين، انطلقت من بينكم شياطين تدعوكم إلى التفرّق في شعيرة لم تشرع إلا للجمع، وتزيّن لكم الاختلاف في الدين باسم الفقه في الدين.
ولو كان تفرّقكم في الصوم والإفطار مبنيًا على اعتبار صحيح وعلى أسباب ضرورية- كعدم العلم بالرؤية مثلًا- لهان الأمر وكان لكم بعض العذر ولكنه في الأغلب مبني على جمود، وعناد مقصود، وتمحلات فقهية لا ترجع إلى مستند صحيح من نص، ولا إلى برهان صريح من علم، ثم انتهى بكم العناد واللجاج إلى شر ما تقع عليه العين من تفرّق واختلاف، وهو أن البيت الواحد يضمّ صائمين ومفطرين فضلًا عن القرية الواحدة، والصائم يرمي المفطر بالموبقات والمفطر يرمي الصائم بالشناعات وبين هذين ضاعت الحرمة الحقيقية والحكمة الحقيقية، وبين البطون الخماص والبطان تتلاشى المعاني العالية التي طواها
__________
* "البصائر"، العدد 1، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 23 جويلية 1947م.
بيان نشر مستقلًا ووزع على الشعب قبل رمضان من نفس العام 1366هـ.
(2/162)

الإسلام فيما شرع من صوم وشرع من إفطار وبضعف إحساس الرحمة والإحسان وتنطفئ بشاشة العيد وبهجته وإشراقه، ويجف ما يفيض به على المسلمين من خير وأنس وتسامح وحب، فانظروا- رحمكم الله- إلى ما يبقي ذلك الخلاف في نفوسكم من حزازات وعداوات وتقطيع لما أمر الله به أن يوصل من أخوة الإسلام.
إن التفرّق في الصوم يذهب بجلال الصوم وحكمته.
وإن التفرّق في العيد يذهب بجمال العيد وبهجته.
وإن الله تعالى ما شرع هذه الشعائر عبثًا وإنما شرعها لحكم جليلة أعلاها جمع الأمة على الدين، لتجتمع في شؤونها الدنيوية، وتوحيدها في عبادة الله، لتتربى على الاتحاد في مصالحها العامة المشتركة.
يا للعجب أيكون الشهر الذي جعله الله مقوّيًا للإرادات، ومشددًا للعزائم ومطهرًا للأرواح ومهبًّا لنفحات الخير والرحمة والمحبة سببًا للفتور والضعف ومدبًّا للبغضاء والعداوة؟ أتجعلون من هذا الشهر الذي جعله الله جامعًا للقلوب على الأخوة وللأرواح على الطهر وللمشاعر على الإحسان وسيلة إلى التفريق والتشتيت؟

أيها المسلمون ...
هذا شهر رمضان على الأبواب فأحيوا في نفوسكم جميع معانيه الدينية والاجتماعية وابدأوا لتحقيق ذلك بالاتحاد في صومه والاتحاد في الخروج منه وأظهروا في هذين اليومين بالمظهر المشرف لدينكم ولجماعتكم، واجتمعوا على السرور بمقدمه وعلى الابتهاج بوداعه، واعلموا أن للاتحاد هيبة، وأن في الاجتماع قوة وسطوة فاستجلوا هذه المعاني في مظاهر دينكم، واستغلّوا ثمراتها في ظواهر دنياكم.
لا عذر لكم في الاختلاف في هذا الزمن الذي قارب بين أجزاء الأرض وقرب بين أفراد البشر وسهل نقل الأخبار وصحّح مقاييس العلم وضبط موازين الأشياء وأحكم الاتصال بين الناس وأعان على فهم حقائق الدين.
لا تجعلوا الحدود الإقليمية التي وضعها المخلوق، حدودًا فارقة في الشعائر التي وضعها الخالق، ولا ترتابوا في أخبار التليفون إذا عرف الصوت وتعدد الناقل، ولا ترتابوا في أخبار الإذاعة فإنها أمنع من أن يتطرق إليها الخلل في هذا الباب وأنها لا تذيع إلا ما تقدّمه لها الهيئات الشرعية.
لا تلتفتوا إلى شبهة تباعد الأقطار فكثيرًا ما يكون يوم عيد الأضحى بمنى هو يوم عيد الأضحى عندنا بشهادة الحجّاج منكم، وبينكم وبين منى آلاف الأميال، صوموا
(2/163)

وافطروا على الأخيار التليفونية من الثقات المعروفين إلى الثقات المعروفين من جميع أجزاء الشمال الإفريقي.
صوموا وافطروا على أخبار إذاعة تونس، فما تونس إلا جارة قسنطينة، وعلى أخبار إذاعة الرباط فما الرباط إلا جار وهران، وعلى أخبار إذاعة الجزائر فما الجزائر إلا قلب هذا الشمال الإسلامي العربي.
لا تتراخوا في أداء الشهادة برؤية الهلال وتعميمها بجميع الوسائل وأقواها وأسرعها التليفون.
لا تسمعوا كلام الجاهلين الذين يسوّلون لكم الخلاف في الدين باسم الدين ويطعنون في رؤية تونس أو فاس أو قسنطينة ويضيقون عليكم ما وسع الله، لا تقلدوا بعض الفقهاء الجامدين الذين يريدون أن يحتكروا التصرّف في الصوم والإفطار ويفرّقوا كلمة الأمة بِجُمودِهِم وجهلهم، واعلموا أن الله تعالى لم يكل هذا الأمر إليهم في كتاب ولا سنة ولا ورثوه عن سلف وإنما الشأن كله لجماعة المسلمين ولكن جماعة المسلمين أضاعوا هذا الحق من أيديهم فتسلّط عليه قوم لم يجعل الله لهم الحكم فيه فجعلوا لأنفسهم التحكّم عليه.
إن جمعية العلماء ستقوم بواجبها كالعادة فتتلقّى الأخبار وتعمّمها بما تملك من وسائل التعميم، وتتعاون مع جميع الهيئات في القيام بهذا الواجب.

رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
محمد البشير الإبراهيمي
(2/164)

المسلمون في جزيرة صقلية*
تقرأ هذا العنوان فتقول:
هذه جملة مفيدة ... فقد كان المسلمون في صقلية حقًا، فتحوها بسيوفهم ونشروا فيها كلمة التوحيد ونقلوا إليها قبسًا من حضارة الإسلام وتعاليمه، وشادوا فيها المساجد والمدارس، ومكّنوا فيها للغة العرب وآدابهم إذ كان ركاب الفتح من القيروان وكان قائد الحملة علمًا من أعلام التشريع والقضاء هو أسد ابن الفرات، ولبثوا فيها قرونًا اصطبغت في خلالها الجزيرة بالصبغة الإسلامية العربية حتى أخرجت من سلائل الفاتحين والداخلين أئمة في الفقه والدين ونوابغ في الطب والحكمة وقادة في الفكر والتدبير وفحولًا في الأدب والشعر وزوّدت المكتبة العربية بذخائر لم يبق من الكثير إلا أسماؤها.
تلك هي صقلية المضطجعة في عباب البحر الأبيض يفصلها عن (البر الكبير) نهر من المالح في مقدار غلوة رام، ويفصلها عن تونس مضيق في مقدار عشرات الأميال، فهي بذلك قريبة الموقع من أفريقيا وهي بانفصالها عن أوروبا كأنها تريد الفرار منها إلى تونس والاتصال بها فيقعدها العجز وكأن الفاتحين أدركوا ذلك فأتوها إذ لم تأتهم ووصلوها حين لم تصل إليهم.
وتلك الجملة المفيدة التي تقرأها في العنوان هي التي ألهم الأستاذ أحمد توفيق المدني تسمية كتابه المفيد، وهو كتاب جلّا فيه مؤلفه صحيفة من صحائف الفتح الإسلامي لأطراف أوروبا وجزائرها، وسد به نقصًا طالما شعر به الباحثون في تاريخ الإسلام كلما انتهى بهم البحث إلى تلك الحقبة من الزمن في تلك القطعة من الأرض، فأعوزتهم الوثائق والمستندات، لأن الموجود منها في تواريخنا العامة- مع صحته وصدقه- مشتت غير منظم ومضاف غير مستقل.
__________
* "البصائر"، العدد 2، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 1 أوت 1947م. (بدون امضاء).
(2/165)

والحق كأن البلدان كالأناسي منها المحظوظ ومنها المحروم، وأن الأندلس من بين أجزاء أوروبا الإسلامية أوفرها حظا من عناية المؤرخين، وأن صقلية وقبرس وكريت وما أشبهها أقلها حظًا من ذلك، وإذا كان الحظ والحرمان يخضعان للتعليل فإن علل ذلك واضحة.
وعسى أن يكون كتاب الأستاذ المدني حافزًا لهمم الباحثين حتى يصلوا ما انقطع من هذه المباحث المتعلقة بامتداد الفتح الإسلامي إلى جزائر البحر الأبيض وضفافه الشمالية، فإن هذه المباحث أصبحت- لبعدنا عن زمانها- كالخرائب الدفينة تحتاج إلى رفع الأتربة والأجحار قبل استجلاء الحقائق والأسرار.
وبعد فقد تلطف الأستاذ المدني فأهدى نسخة من هذا الكتاب اللطيف إلى مكتبة جمعية العلماء فوجب التعجل بهذا القدر من التنويه مراعين في ذلك حق المؤلف وخدمته للتاريخ آملين أن يتسع الوقت لنقد الكتاب وتحليله فنوفي بذلك حق الكتاب.
(2/166)

السيد محمد خطّاب الفرقاني*
هذا الرجل من أبناء الجزائر الذين رفعوا رأس الجزائر، ومن أبناء هذا الشمال الذين أوسعوه برًا وتكرمة وجعلوا من مالهم ومواهبهم وسائل لغرس الأخوة بين أبنائه، ولم يعيشوا لأنفسهم بل عاشوا لإخوانهم وأوطانهم وما أقل هذا الصنف من الرجال فينا ويا للأسف!
ولد السيد محمد خطاب في جبال (الميلية) الشماء، ونشأ بين صخورها الصماء، وفتح عينيه على آثار من الشمم والهِمم والعزة والكرم، وعلى عصامية في الحياة امتاز بها أبناء الجبال، فكان لذلك كله في حياته وتكوينه أثر غير قليل، وفتح عينيه- كذلك- على آثار الاستعمار في أرض أجداده وفي نفوس قومه، فكان لذلك في عقله وفكره أثر غير قليل، ثم هاجر إلى المغرب سنة أربع وعشرين ميلادية بعد هجرة أخيه الأديب الكاتب الأستاذ رابح الفرقاني المترجم الحر بفاس، واتخذ الأخوان من المغرب وطنًا لهما وكونا بكرم أخلاقهما ولطف شمائلهما مكانة ممتازة بين أهله.
والسيد محمد خطاب عصامي النفس عربي النزعة لا يسير في الحياة إلّا على وحي الفطرة وهداية الاستعداد ومسايرة القومية، لذلك اختار الفلاحة حرفة فنجح فيها وبارك الله في أعماله، فتأثل منها ثروة عريضة رأى من شكر الله عليها أن يفىء بجزء منها على المشاريع العلمية النافعة لوطنه الكبير، وللسيد محمد خطاب في مبراته العلمية ومكارمه رأي هو فيه نسيج وحده، فهو يرى تمام المكرمة وكمالها أن تكون على يد جمعية العلماء، وله في جمعية العلماء اعتقاد مصمم وله بها صلة وثيقة الأسباب تمتد أوائلها إلى أوائل الحركة التعليمية بقسنطينة، وله ولأخيه الأديب علائق متينة مرعية بإمام النهضة المرحوم عبد الحميد
__________
"البصائر"، العدد 4، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 29 أوت 1947م. (بدون امضاء).
(2/167)

ابن باديس، وكان لهما في حياته اشتراك مالي سنوي مقرر في كل مشاريع جمعية العلماء من جرائدها إلى صندوق الطلبة إلى مدرسة التربية والتعليم.
وفي السنة الماضية قرر السيد محمد خطاب مبرتين ماليتين يدفعهما مسانهة على يد جمعية العلماء: أولاهما تصرف في ترقية التعليم بمدارس الجمعية وقدرها نصف مليون فرنك، وقد أدخلت الجمعية هذا المبلغ في العام الماضي في شراء المركز بإذن من صاحب المبرة، والثانية تصرفها الجمعية باجتهادها في مصلحة الطلبة الجزائريين بجامع الزيتونة وقدرها ماثة ألف فرنك، وقد اكترت بها جمعية العلماء في العام الماضي مركزًا لجمعية الطلبة. وللسيد محمد خطاب مبرة ثالثة خاصة بمسقط رأسه (الميلية) وهي مدرسة خطاب إحدى المدارس التي تديرها جمعية العلماء، بناها بماله منذ سنوات ورأى الآن أنها لا تكفي أبناء القرية، ففوض إلى جمعية العلماء أن تتولى توسيعها أو تجديدها من ماله الخاص بالغة ما بلغت النفقات.
زار السيد محمد خطاب الجزائر في أوائل رمضان الماضي لتفقد إخوانه وأصدقائه ومشاريعه المالية الكثيرة لأنه في السنوات الأخيرة جاوز أفق الفلاحة إلى الصناعة والتجارة، فشارك في عدة شركات وطنية بماله وبإرشاده ورأيه، وزار مركز جمعية العلماء وإدارة "البصائر" وذاكرَ رئيس الجمعية في عدة مشاريع علمية وفي حال الطلبة الجزائريين الذين يطلبون العلم بالقرويين وما يجب لهم من عناية ورعاية، ووصل على يده جماعة من فقراء أهل العلم بإعانات وصدقات مستورة، وتبرع على جريدة "البصائر" بمبلغ خمسين ألف فرنك.
إننا كما نعدّ أخانا السيد محمد خطاب عصاميًّا مجددًا في أعماله آخذًا بالنظام الدقيق في مشاريعه، محافظًا في إيمانه ووطنيته، نعده أيضًا حجة قائمة على أمثاله من أبناء الوطن الذين تأثلوا الثروات فيه أو في خارجه، فلم ينفعوا وطنهم بشيء يرفع الذكر ويجلب الفخر ويعظم الأجر، ولو أنهم كانوا مثل هذا الرجل أو قريبًا منه لم يبق في الوطن ولد بلا تعليم ولا فقير بلا قوت، ولا مريض بلا دواء، فإذا قلنا لهذا الرجل: كثر الله من أمثالك، فلسنا ندعو له وإنما ندعو للوطن.
إن جريدة "البصائر" لا تمدح أحدًا إلّا حيث يكون المدح دعاية إلى حسن التأسي والاقتداء ولا تثني إلا على عمل يتصل بمبدئها الديني التعليمي أو يؤيده، ولا تطري إلّا المناقب المذكرة بأمجاد الأوائل، المحيية لمكارمهم وآثارهم في سبيل العلم والخير العام، وأخونا السيد محمد خطاب يجمع ذلك كله.
(2/168)

كوارث الاستعمار*
فات "البصائر" بسبب عطلة المطبعة أسبوعين في آخر رمضان- أن تشارك الأمة التونسية العزيزة في إعلان الحزن على ما أصابها في العهد الأخير من كوارث الاستعمار التي تجلت في الحادثتين الداميتين، حادثة (جبل الجلود) وحادثة (صفاقس).
أما التألم والامتعاض من قتل الأبرياء المسالمين، وأما الحزن والأسى لإخواننا الذين ماتوا مظلومين، ولأطفالهم وزوجاتهم الذين بقوا بلا مال ولا عائل فإن حظنا منها لا يقل عن حظ إخواننا التونسيين، ومحال أن يتألم عضو من جسد ولا تتألم له سائر الأعضاء، وقد ألّفت هذه المصائب المتوالية، وهذه المظالم المتحدة المصدر، بين قلوبنا تأليفًا جديدًا محكم النسج، وأرهفت إحساسنا وصيرتنا كتلة من لحم مرضوض، في لجة من الدموع المرفضة، فلا يمتاز في مصائبنا معز من معزى.
عذرنا إلى إخواننا أننا لم نخسر في باب التعزية إلّا سطورًا سوداء في أوراق بيضاء تقرأ وتهجر، وعوضنا الغالي عنها إحساسات مضطرمة في نفوس متألمة.
__________
* "البصائر"، العدد 3، السنة الأولى من السلسلة الثاتية، 3 سبتمبر 1947م. (بدون امضاء).
(2/169)

إحياء التعليم المسجدي بمدينة قسنطينة*
(إعداد المركز، برنامج أربع سنوات، تعيين المشائخ والمدرّسين، الارتباط بجامع الزيتونة)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أجمعت جمعية العلماء أمرها وصمّمت على إحياء تلك السنة التي سنها إمام النهضة الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس- رحمه الله-. وهي التعليم المسجدي. ونعني بالتعليم المسجدي ذلك التعليم الذي تلتزم فيه كتب معيّنة في العلوم الدينية من تفسير وحديث وفقه وأصول وأخلاق. والعلوم اللسانية من قواعد ولغة وأدب. والعلوم الخادمة للدين من تاريخ وحساب وغيرهما، ويقوم به مشائخ مقتدرون في تلك العلوم محسنون لتعليمها، ونسمّيه مسجديًا لأنه كان من فجر الإسلام إلى الآن وما زال يلقى في المساجد. وما زالت تقوم به من غير انقطاع ثلاثة من أقدم مساجدنا وأعظمها، الأزهر والزيتونة والقرويين، على تفاوت بينها في التوسع والنظام والكتب والأسلوب. وهذا التعليم ضروري للأمّة الإسلامية في حياتها الدينية لأنها مفتقرة دائمًا إلى من يفتيها في النوازل اليومية ويبيّن لها أحكام الحلال والحرام. وما بقي الإسلام محفوظًا إلا بهذا النوع من التعليم الذي من أصوله تفسير القرآن والحديث النبوي. وإذا كنا نشهد ضعف هذا التعليم وركوده وعقمه في هذه الأزمنة المتأخرة فما هي إلا من عوارض جاءته من سوء الاختيار للكتب، أو فساد الأسلوب في التأدية أو من قصور الملكة في المدرس أو من ذلك جميعًا، ثم تأصل بمرور الزمن. والضعف دائمًا يجرّ بعضه إلى بعضه.
وقد شعرت معاهدنا المذكورة منذ سنوات بهذه النقائص فاجتهدت في إصلاحها وتكميلها. وعملت على سدّ الخلل وتوسيع الدائرة ومجاراة الزمن وسنراها عما قريب واصلة إلى الغاية إن شاء الله، فتخرج لنا فرسان منابر يهدون هذه الجماهير المتثائبة، وأعلام أدب
__________
* "البصائر"، العدد 7، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 19 سبتمبر 1947م.
(2/170)

يحرّكون هذه المشاعر المخدّرة، وعلماء استنباط يحلّون هذه المشكلات الحيوية التي عاقت الأمم الإسلامية عن مجاراة السابقين في الحياة.
أما الجزائر فقد بدأت في نهضتها القائمة بهذا النوع من التعليم وقام إمامها الشيخ عبد الحميد بن باديس في ذلك المقام المحمود فسلخ من عمره خمسًا وعشرين سنة على التعليم الحي المثمر المنظم. وتخرّج من دروسه جيل كامل هو عماد النهضة اليوم بما أعده للحياة وهيّأه للقيادة. وان الكثيرين من تلامذته هم اليوم، المجلون في ميدان التعليم المكتبي الذي تقوم به جمعية العلماء، وقد كان- رحمه الله- يرمي بتعليمه مع تحصيل العلم إلى ثمرات العلم ويرمي إلى أشياء كان يقصدها قصدًا ويلحّ فيها إلحاحًا، منها تقوية الإرادة والعزيمة في تلاميذه، فكان يفيض عليهم من روحه القوية فيضًا مِن القوة يعدهم بها للعمل في أمّة مفتقرة إلى العاملين.
ولما مات الأستاذ- رحمه الله- اضطلعت جمعية العلماء بذلك التعليم وأسندته إلى الكفء المجمع على كفاءته في هذا الباب وهو الشيخ العربي التبسي ونقلت مركزه من قسنطينة إلى تبسة نقلًا مؤقتًا نزولًا على حكم الضرورة، فقام الأستاذ التبسي وأعوانه خير قيام بما أسند إليهم، ثم جاءت الحوادث المحزنة فطوي البساط بما فيه. كان من آثار ذلك التعليم المثمر الذي دام سنوات في تبسة ومن آثار ما تقوم به جمعية العلماء من مرغبات في العلم وأعمال جليلة في التعليم المكتبي أن لجّت الرغبة بشباب الأمّة في الاندفاع إلى العلم والرحلة في طلبه حيث ما كان. فرحلت المئات منهم إلى جامع الزيتونة والعشرات إلى القرويين وأبعد القليل منهم النجعة فرحل إلى القاهرة. وقد أنساهم الحرص ما يجب للرحلة من احتياطات فوقع الكثير منهم في المحذور.
وجمعية العلماء- وهي التى أنشأت هذه الرغبة المتأججة في نفوس الشباب- لا تلومهم ولا تثبطهم على هذا الاندفاع، وإنما ترى أن الرحلة وقطع آلاف الأميال في سبيل التعليم الابتدائي ليست من العقل ولا من السداد. وما دامت معاهدنا الثلاثة كليات فالواجب أن لا يرحل إليها إلا من استكمل التعليم الابتدائي في وطنه وقطع مراحله في مكاتبه أو مدارسه أو زواياه واستعد للتعليم الثانوي، فهناك تحسن به الرحلة وتكون لها فائدة، وهذا واجب تشترك فيه الأمّة والجمعية والطلبة.
أما جمعية العلماء فلا تدّعي أنها تقوم بواجبها كاملًا في هذه السنة وحسبها أنها فكّرت وقدّرت وأنها تبتدئ في هذه السنة بتحقيق بعض الواجب. أما الواجب الكامل فلا تستطيع تأديته إلا يوم يتيسّر لها فتح معهد في تلمسان وآخر في الجزائر وثالث في قسنطينة. وقد وُضعت الخطط والبرامج لذلك كله. والعقبة الكأداء في سبيلها هي المال والأماكن.
(2/171)

أما بعض الواجب الذي عقدت العزم على تنفيذه في هذه السنة، فهو البدء بقسنطينة أولًا، وقد اشترت دارًا كبيرة من دور آل الشيخ بن الفقون لتتخذها مركزًا لإدارة التعليم وتتخذ من بعض حجراتها مساكن للطلبة المعوزين. وأسندت الإشراف على التعليم والدروس العالية للأستاذ النفاع الشيخ العربي التبسي وعيّنت للتدريس مشائخ أكفاء ممتازين بماضيهم وعملهم وتحصيلهم. وهم المشائخ: السعيد الزموشي، أحمد حماني، عبد القادر الياجوري، نعيم النعيمي، عبد المجيد حيرش، العباس بن الشيخ الحسين، أحمد حسين، وستنقلهم إلى قسنطينة تباعًا متى تمّ إعداد الدار وإحضار الوسائل وقد التزمت الجمعية أن يكون هذا التعليم متناسقًا مع القسم الابتدائي بجامع الزيتونة في سنواته والكثير من كتبه وفي أسلوبه وفي امتحانه حتى كأن معهد قسنطينة فرع من فروع جامع الزيتونة.
وستتصل الجمعية بمشيخة الجامع الأعظم وتعمل معها على التناسق بين التعليمين وعلى اعتبار الشهادة التي تخوّل للجزائريين الالتحاق بالتعليم الثانوي بجامع الزيتونة، وبهذا إن شاء الله نصل إلى الغاية المطلوبة وهي أن لا يرحل إلى تونس ولا إلى غيرها إلّا من استكمل معلوماته الابتدائية في الجزائر، وفي ذلك شرف للجزائر لقيامها بالواجب ونفع لأبنائها بتقصير المسافة ورفع التكاليف.
أما بعد، فإن التعليم بفرع قسنطينة لا يتمّ إلا بعد إعداد المحل وإصلاحه، ونحن جادّون في ذلك ومجتهدون ولعلّ الشروع يكون في أواخر أكتوير الآتي وما هو ببعيد، وليرتقب أبناؤنا الطلبة الذين يريدون الالتحاق بهذا المعهد شروط الالتحاق مفصلة في العدد الآتي.
(2/172)

معهد قسنطينة*
(إدارته، برنامجه، شروط الالتحاق به)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يسمّى المعهد معهد عبد الحميد بن باديس.
تتألف الإدارة العامة للمعهد من ثلاث هيئات متضامنة، وكل واحدة منها مسؤولة فيما يخصها من الأعمال للمجلس الإداري لجمعية العلماء.
الأولى الهيئة العلمية، والثانية الهيئة المالية، والثالثة هيئة المراقبة والضبط، ويرأس المدير العام جميع الهيئات، وللمجلس الإداري الإشراف الأعلى على الجميع وإليه المرجع في الكليات، وهو الذي يفصل الخلاف بين الهيئات أو بين أفراد الهيئة الواحدة.
فالهيئة العلمية تتألّف من المشائخ المدرّسين، ووظيفتها وضع البرنامج وتنفيذه واختيار الكتب وامتحان التلامذة، وتوزيعهم على السنوات حسب الأهلية والاستحقاق.
والهيئة المالية تقوم بجمع المال وضبطه وصرفه في مصالح المعهد التي تقرّرها الهيئات الثلاث مجتمعة، وأول ما تبدأ به لتحقيق غرضها إعادة فتح صندوق الطلبة باسم (صندوق التعليم) وتفتح له حسابًا جاريًا في البريد تسهيلًا على المتبرّعين المحسنين.
وهيئة المراقبة والضبط تقوم بتسجيل أسماء التلامذة ومراقبتهم خارج المعهد مراقبة دقيقة، وملاحظة سلوكهم من استقامة واعوجاج، وتطبيق لائحة المعهد الداخلية عليهم، ولوكل إليها النظر في النظافة والصحة والعلاج والفصل بين التلامذة فيما يشجر بينهم من خلاف.
كل هيئة من الهيئتين الأخيرتين تتألف من رئيس وثلاثة أعضاء.
__________
* "البصائر"، العدد 8، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 26 سبتمبر 1947م.
(2/173)

مدة الدراسة بالمعهد أربع سنوات تبتدئ بالسنة الأولى وينتقل التلميذ إلى الثانية ثم الثالثة بامتحان: وتنتهي السنوات الأربع بشهادة تساوي في القوة مثلها في جامع الزيتونة، وتخوّل تلك الشهادة لحاملها الدخول في القسم الثانوي من الجامع المذكور.
الدروس اليومية ستة: ثلاثة في الصباح وثلاثة في المساء، وكل درس يستغرق ساعة إلا عشر دقائق.
برنامج الدراسة وكتبها هو برنامج السنوات الابتدائية في جامع الزيتونة، فإن خولف في بعض الجزئيات فإلى كمال وسداد إن شاء الله.
وسيحرص المعهد على تكميل البرنامج بدروس في مبادئ الرياضيات والطبيعيات والجغرافيا والتاريخ وحفظ الصحة وأصول الأشياء، يقوم بها طائفة ممتازة من الأساتذة والأطباء والصيادلة والمحامين ويؤدّي فيها التلامذة الامتحانات السنوية.
يقوم بفحص التلامذة وأماكن الدراسة والسكنى جماعة من الأطباء يومًا من كل أسبوع، وتخصّص لفحص التلامذة حجرة خاصة مجهّزة بالضروريات اللازمة.

شروط قبول التلامذة
أولًا: أن لا ينقص عمر التلميذ عن ست عشرة سنة.
ثايًا: أن لا يكون مصابًا بمرض مُعْدٍ بشهادة طبيب المعهد.
ثالثًا: أن يقدّمه أبوه أو وليّه- ما دام قاصرًا- بتعريف كتابي يتضمن علمه ورضاه ويتعهد فيه بلوازم التلميذ وضرورياته.
رابعًا: أن يكون حافظًا لجزء معتبر من القرآن كالربع ولا يقبل من يحفظ أقل منه. وحافظ القرآن كله يقدّم في القبول وفي جميع الامتيازات.
خامسًا: القدرة على نفقات الأكل والسكنى بحسب حال التلميذ، والمعهد لا يلتزم بشيء من ذلك نظرًا لضيق موارده المالية. ولا يعين في هذه السنة إلا عددًا محدودًا من المعوزين إعانات متفاوتة. وله الحق في تقديرها، واختيار مستحقيها وهو يؤثر في القبول والإعانات تلامذة مدارس الجمعية الذين أنهوا برنامج السنة الخامسة، وفازوا في امتحاناتها بتفوّق.
سادسًا: كسوتان للشتاء على حسب حال الطالب، وفراش وغطاء.
(2/174)

تنبيهات وتوضيحات:
1 - طلبات الالتحاق تقدم من الآن إلى لجنة المراقبة بعنوانها المؤقّت وهو بالفرنسية: رقم 17، شارع عبد الحميد بن باديس، ويكتب على ظهر الغلاف بالعربية: لجنة المراقبة لمعهد عبد الحميد بن باديس: وكذلك المخابرات والاسترشادات كلها تكون بهذا العنوان.
2 - على الطالب أن يوضح عنوانه غاية التوضيح ليضمن رجوع الجواب إليه.
3 - للمعهد لائحة داخلية مفصّلة لواجبات المدرّسين والتلامذة، مبيّنة لحدودهم، محدّدة للصلات بينهم.
4 - ينشر المعهد في كل شهرين- على الأكثر- نشرة صغيرة داخلية، تشرح أعمال المعهد وسير التعليم فيه. وتسجّل حركته بإنصاف وتسمّي كتبه ودروسه وتلاميذه، وتعلن مداخيله ونفقاته حتى تكون الأمّة على بصيرة من ذلك كله، وستحلى النشرة بقطع قصيرة من إنشاء التلامذة أنفسهم في مواضيع يرشدهم إليها معلموهم تدريبًا لهم على التفكير والكتابة.
5 - هذه السنة مرحلة أولى، والمرحلة الأولى دائمًا شاقة، ويخفّف من مشقّتها تنظيم العمل وتوسيع الأمل. وهي سنة ابتداء- والابتداء لا يخلو من نقص وخلل- والعذر قائم. والعمل على التكميل متواصل.
6 - هذا واجب جمعية العلماء، أدّته بحسب ما وسعه جهدها وستؤدّيه كاملًا بتعديد الفروع وتكثير الطلاب وترقية التعليم. وهذه بعض أعمالها في خدمة العلم والدين والعربية. وبقي واجب الأمّة وهو بذل المال لصندوق التعليم، وقد عوّدتنا أن تجود بإخلاص وتبذل عن بصيرة، وعوّدناها أن نأخذ بحساب ونعطي بحساب. وما نحن وهي إلا شركاء في واجب محتّم للدين وهو دين الجميع- وحق مؤكّد للعلم والعربية وهما فخر الجميع- علينا العمل والتعليم، والإرشاد والتنظيم، وعليها الإمداد بالمال وبذلك يؤدّي كل واحد منا قسطه من هذا الواجب. ويلتقي الجميع إن شاء الله في ما عند الله من أجر، وفيما عند الناس من محمدة وذكر. وفيما يسجّله التاريخ من مجد وفخر.
7 - إذا تمّ هذا التعاون على ما نريد ونرجو فسيقدّم المعهد لجامع الزيتونة في أول كل سنة عددًا ممتازًا من أبناء الجزائر، تفخر بهم الزيتونة قبل الجزائر.
8 - المدرّسون أكفاء بارعون، والإدارة رشيدة، والدروس حيّة مفيدة، والمراقبة على الأخلاق- وهي رأس المال- شديدة، والخطوات- إن شاء الله- موفّقة سديدة، والعزائم على تعليم أبناء الأمة مشدودة، والنيّات ببلوغ الآمال معقودة. والله المستعان.
(2/175)

جريدة (العَلَم) الخفاق أو (العلم) الشامخ*
لكلم (العَلَم) في لغة العرب معان أشهرها في الاستعمال القديم الجبل، وأشهرها في الاستعمال الحديث: الراية، وزميلتنا العلم جديدة، وصاحبها الفاضل مجدد. فلا شك أنه يعني باسمها المعنى الثاني الذي أصبح رمزًا للمجد وشارة للاستقلال وشيئًا من كرائم الشعوب التي يقول فيها شوقي:
هَذِي كَرَائِمُ أَشْيَاءِ الشُّعُوبِ فَإِنْ … مَاتَتْ فَكُلُّ وُجُودٍ يُشْبِهُ العَدَمَا
بل قد كان لها بعض ذلك في قديم العرب من يوم سمّاها الشاعر (خرق الملوك) إلى يوم عقدت أول راية في الإسلام.
إن الأسماء إذا ذُكرت استحضر الذهن مسمياتها وخصائصها الذاتية والعرضية ولوازمها القريبة والبعيدة، وانتزع- في مثل إيماضة البرق- من بين تلك الخصائص أقواها وأسماها وأبرزها وأبقاها. وصحيفة (العلم) تحمل من معنى اللفظ أجمل الخصائص وأقرب اللوازم. فهي شامخة كالجبل تبعث الروعة والقوّة والإعجاب، خافقة كالراية ترمز إلى الوحدة وتوحي بالمجد وتشعر بالحرية.
لم تلق صحيفة من صحف المملكة المغربية ما لقيته جريدة (العلم) من عنت الرقابة حتى ليوشك أن يغلب الأبيض فيها على الأسود. ولكن قارئها يستجلي في بياضها من معاني الاعتبار أبلغ مما يفهم في سوادها من معاني المقالات والأخبار.
سلخت الزميلة سنة من حياتها فأصدرت عددًا خاصًا عامرًا بالمفيد، مسجّلًا للمرحلة الأولى من السفر البعيد، ولليوم الأول من العمر المديد، ونحن نعلن إعجابنا بثبات الزميلة
__________
* "البصائر"، العدد 8، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 26 سبتمبر 1947م. (بدون إمضاء).
(2/176)

وتقديرنا للجهود التي يبذلها صاحبها القباج، ونتمنى له ولها كل ما نتمناه لرجالنا العاملين من صبر على المقاومة، ولصحافتنا الصادقة من استمرار على الكفاح.
لا نطري الزميلة ذلك الإطراء المقلّد، بل نقول فيها ما هي أهله، وما أحق صحافتنا العربية بهذا الشمال، وهي متوافية على قصد واحد من خدمة الأمّة أن تتوافى على منهج واحد في التحسين والتهجين، وعلى أسلوب متقارب من البيان والتبيين، وأن تقتصد في التحلية والتلقيب، فإن كثرة الحلى والألقاب تدلية بغرور وتلهية بفراغ.
وما أحوجنا إلى تضامن صحفي بهذا الشمال يدفع الضيم، ويمكن الأخوّة ثم يصفّي اللغة ويقوّي الأساليب، ثم يوسّع المادة ويرقّي المواضيع، ثم يكتسح اللغو ويعَرّي التقليد. وإنّا للحديث عن ذلك التضامن لعائدون.
(2/177)

عزاء للأستاذ التبسي*
ترفع "البصائر" إلى الأستاذ الشيخ العربي التبسي، نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أحرّ التعازي على مصيبته بفقد أخيه الشاب البشير فرحات، وتتمنّى أن تكون هذه المصيبة خاتمة المحن التي شغلت بال الأستاذ مدة تقرب من السنة، وعاقته عن القيام بأعمال جليلة، كان يقدّمها لجمعيته وأمّته.
وقد عزاه بالحضور إلى تبسة في اليوم الثالث لموت الفقيد وفد عظيم يمثّل الجمعيات والهيئات، فعن جمعية العلماء رئيسها، وعن معهد عبد الحميد بن باديس وفد من مدرّسيه ورجاله، وعن جمعية التربية والتعليم رئيسها وبعض أعضائها، وعن هيئة التعليم العامة بعض كبار المعلمين، وعن قسنطينة بعض أعيانها، وتوالت وفود التعزية من جميع نواحي العمالة القسنطينية.
ويقول الملازمون للأستاذ التبسي من تلامذته والحاضرون لجميع الاقتبالات والأحاديث من خلصائه المقرّبين: إن أحاديث الأستاذ مع الوفود كانت أحاديث المؤمن القوي، الواثق بالله، الراضي بقضاء الله وكانت أحاديث معز لا معزى.
وإن أحاديثه في الدين والاجتماع كانت كدأبه إذا تكلّم في الدين، تجلية حقائق، في نصوع بيان، وإن حديثه في السياسة إذا انجرَّ الحديث إليها كان كله حملات على الاستعمار ومكائده، وإنه لا يرجى منه خير، وإن حديثه عن السياسيين والنوّاب، كان حديث المحايد الحرّ الذي لا يتحيّز لفريق دون فريق، ولا يرضى لنفسه ولمقامه أن يكون بوق دعاية لمبدإ دون مبدإ، لأن مبدأه أسمى منها جميعًا، وكان حديث العالم الذي يزن الرجال بأعمالهم، وحيث لا أعمال فلا رجال، ويزن الأحزاب بوضوح مباديها، وحيث لا وضوح في المبادئ فلا أحزاب.
__________
* "البصائر"، العدد 10، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 13 أكتوبر 1947م. (بدون إمضاء).
(2/178)

هذه خلاصة الأحاديث، وهؤلاء رواتها- وهي بعد وقبل- أحاديث مجالس تتناوبها الألسنة، ويقطعها الانتقال، وتقتضيها المبادهات، ويبتدئها متكلم فيكملها سامع، ووحدة المتكلم شرط في الكلام، وليست تصريحات يتهيّأ لها الفكر، ويوزن لها الكلام، ويشترط فيها التسلسل.
وبعد، فإن أضلّ الناس كيدًا من يمدح الأستاذ التبسي فلا يزيد في مدحه على أنه إِمَّعة في الرأي، وأضلّ منه سعيًا من يكون له في المشهد حامدًا، وفي الغيب كائدًا ...
(2/179)

ذكرى الأمير شكيب أرسلان*

الأستاذ محمد علي الطاهر، أخ نعتزّ بأخوّته ومجاهد نعترف بجهاده وصدق بلائه، لا في سبيل فلسطين المظلومة فقط- التي عرف بها وعرفت به ووقف قلمه ولسانه ومواهبه على نصرها في محنتها من يوم طرقها البلاء إلى الآن- بل في قضية العروبة أينما وجد أبناؤها، وجريدته الشورى كانت آية الجهاد، وميدان فوارس الطراد، وقد كان من عجيب صنع الله في تجلية إخلاص المخلصين، أن ينال الجريدة المجاهدة في فلسطين، ما نال فلسطين من الظلم والحيف، وإن كان ظلم القريب أنكى على الحر من ظلم الغريب.
وصلتنا من ذلك الأخ المجاهد رسالة تطفح سرورًا بالبصائر وعودتها إلى الظهور. وبما سنى الله لرجال جمعية العلماء من السلامة من الأيدي الظالمة وللجمعية من السير والتقدم في الظروف المظلمة. وتفيض أسى لما يعانيه مغربنا العربي من ويلات الاستعمار وكل ما في الرسالة يدلّ على أن قلب الأخ الأستاذ معلّق بهذا الشمال. وما زال الشمال مستقرّ القلوب.
وأرسل لنا الأستاذ الطاهر مع الرسالة نسختين من كتابه (ذكرى الأمير شكيب أرسلان) هدية، خصّص إحدى النسختين بنا والأخرى أمانة أبلغناها إلى مأمنها، والكتاب جزء حافل جمع فيه الأستاذ دموع الباكين على صديقه وأستاذه في الجهاد الأمير شكيب أرسلان، وحسرات المتفجعين على مصاب العروبة والإسلام لفقده. وما أكثر الباكين على الأمير شكيب وما أكثر المتحسرين. وإننا نعتقد أن ما جمعه الأستاذ الطاهر من المراثي والتحليلات هو ما وصلت إليه يده مما نُشر في الصحف، وان ما لم يصل إليه من ذلك شيء كثير.
قرأنا الكتاب فلم نعجب لوفاء الرجل لصديقه ورفيقه أكثر مما عجبنا لصبره على جمع هذه الأشتات. في وقت تقطعت فيه الصلات وتباعدت الأقطار. وهمته في إخراجه في هذه
__________
* "البصائر"، العدد 13، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 15 نوفمبر 1947م. (بدون إمضاء).
(2/180)

الظروف العابسة الشحيحة، لم نعجب لوفاء الرجل لصديقه لأن العلاقة بينهما في الحياة كانت وثيقة العرى لم يتخلّلها فتور. وكانت مساندة في الجهاد تسمو عن الأغراض والأهواء. وعلاقة هذا شأنها في الحياة لا يزيدها الموت إلا متانة واستمساكًا، خصوصًا إذا كان لها من صفاء الجوهر النفسي ظهير، وإن حظ الأستاذ الطاهر من ذلك الصفاء لكبير.
نشكر للأستاذ هديته ونرجو أن تسامحه الأيام في كتابة تاريخ الأمير بقلمه، وتحقّق وعده لأبناء العروبة بقضاء دَيْن في أعناقهم لأميرهم، ومثله من يضطلع بذلك.
(2/181)

ديكتاتور (مايو) *
هو متصرف حوز "مايو" (1) الممتزج له مع مدرسة "تيغيلت" من قرى بني منصور صولات من الباطل وأنواع من الظلم والتعدي والخروج عن القانون بلغ فيه إلى نفي المعلّم بالمدرسة من حوز مايو. كأن حوز مايو مملكة لهذا الديكتاتور يحكم فيها بأمره، وكل من يدخلها فهو أجنبي عنها ولو كان من عمالة قسنطينة كالشيخ محمد الطاهر التاملوكي.
قد رفعنا أمر هذا الديكتاتور باسم جمعية العلماء مرة ثانية إلى رؤسائه عسى أن يوقفوه عند حدّه.
أما نحن فسنشرح معاملاته الطاغية لمدرسة بني منصور مدة عامين، وظلمه لجمعيتها ومعلمها وجزهم إلى المحاكمات بتهم باطلة. وسنفضح عداوته للتعليم العربي ولحركة الإصلاح الديني وتدخّله فيما لا يعنيه من ذلك. ونقيم منه الدليل على أن من أمثاله من الموظفين من هو بلاء على الأمّة والقانون قبل أن يكون بلاء على الأمّة.
أما ذلك المرابط، الطالع الهابط، فنحن له مرابطون، فليرتقب إنا مرتقبون ...
__________
* "البصائر"، العدد 22، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 9 فيفري 1948م. (بدون إمضاء).
1) "مايُو" اسم فرنسي لبلدة كانت تُسَمَّى "مشدالة"، وإليها ينسب العلَّامة أبو الفضل المشدالي. وقد أعيد إليها اسها بعد استعادة الاستقلال.
(2/182)

مبارك الميلي*
حياة كلها جدّ وعمل، وحي كله فكر وعلم، وعمر كله درس وتحصيل، وشباب كله تلقّ واستفادة، وكهولة كلها إنتاج وإفادة، ونفس كلها ضمير وواجب، وروح كلها ذكاء وعقل، وعقل كله رأي وبصيرة، وبصيرة كلها نور وإشراق، ومجموعة خلال سديدة، وأعمال مفيدة. قلّ أن اجتمعت في رجل من رجال النهضات، فإذا اجتمعت هيّأت لصاحبها مكانه من قيادة الجيل، ومهّدت له مقعده من زعامة النهضة.
ذلكم مبارك الميلي الذي فقدته الجزائر من ثلاث سنين ففقدت بفقده مؤرّخها الحريص على تجلية تاريخها المغمور، وإنارة جوانبه المظلمة، ووصل عراه المنفصمة، وفقدته المحافل الإصلاحية ففقدت منه عالمًا بالسلفية الحقة عاملًا بها، صحيح الإدراك لفقه الكتاب والسنّة واسع الاطلاع على النصوص والفهوم، دقيق الفهم لها والتمييز بينها والتطبيق لكلياتها. وفقدته دواوين الكتابة ففقدت كاتبًا فحل الأسلوب جزل العبارة لبقًا بتوزيع الألفاظ على المعاني، طبقة ممتازة في دقة التصوير والإحاطة بالأطراف وضبط الموضوع والملك لعنانه. وفقدته مجالس النظر والرأي ففقدت مدرهًا لا يبارى في سوق الحجة وحضور البديهة وسداد الرمية والصلابة في الحق والوقوف عند حدوده. وفقدته جمعية العلماء ففقدت ركنًا باذخًا من أركانها لا كلًا ولا وكلًا، بل نهاضًا بالعبء مضطلعًا بما حمل من واجب، لا تؤتى الجمعية من الثغر الذي تكل إليه سده ولا تخشى الخصم الذي تسند إليه مراسه. وفقدت بفقده علمًا كانت تَسْتَضِيءُ برأيه في المشكلات فلا يرى الرأي في معضلة إلا جاء مثل فلق الصبح.
تشوب هذه الذكريات التي نقيمها لرجالنا في هذا العهد شائبة نقص، إلّا تحسب علينا في باب فساد الذوق تعد من سوء الصنيع، وهي أن المتكلمين فيها والكاتبين يقيمون منها
__________
* "البصائر"، العدد 26، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 8 مارس 1948م.
(2/183)

مناحة مأتم، فيتفجعون للمصيبة، ويبكون على الفقيد ولو غبرت عليه السنون، ويثيرون أشجان السامعين بتهويل المصيبة فيه، وتجد الشعريات سبيلًا إلى ألسنتهم وأقلامهم ومنفذًا إلى نفوسهم وعواطفهم فتفسد على الحكمة أمرها. وكل فجيعة لم يمسحها السلو، تحكم فيها الغلو، لأن السلو يفرغ المجال للاتعاظ والتأمل، والغلو يفتح الباب للانتحال والتعمل. ولا أكذّب الواقع فأنا أجد في نفسي هذا الميل كلما قمت متكلمًا في حفل من هذه الذكريات، وأجدني في حالة من التأثّر أتمثل فيها الفجيعة حاضرة فأقول في البكاء والاستبكاء أكثر مما أقول في التأسي والاعتبار. وإني أتخيّل أن منشأ ذلك في نفسي حالة واقعية وهي الفراغ الذي يتركه في الصفوف كل راحل من رجالنا وأن كل من خلا موضعه في الميدان منهم عزّ عنه العوض. ولو كنا من قوم القائل: (إذا مات منا سيد قام سيد) لكانت حالتنا النفسية غير ما هي.
والجانب المفيد في هذه الذكريات أن تكون درسًا لخصائص الرجال، وتجلية لمناشئ ذلك فيهم، ووضعًا للأيدي على الذخائر الخلقية المودعة في نفوسهم الكبيرة وإعلانًا للميزات العالية التي كانوا بها رجالًا، وإذاعة لما يجهله الناس أو يغلطون فيه من موازين الرجولة أو يبخسونه من قيمها، كل ذلك بتصوير يبيّن موقع التأسي ويسوق إليه ويحمل عليه.
وجوانب العظمة في حياة أخينا مبارك كثيرة، ومآخذ العظات والأسى من تلك الحياة أكثر. ولعل الكاتبين لسيرته والدارسين لحياته اليوم أو غدًا يستوفون البحث في نواحي تلك العظمة ويستخرجون تلك العظات يدلون بها قوافل شبابنا المغذة في صحراء الحياة على خضرائها، وينصبون منها أعلامًا هادية للضُّلَّال، ومنارات مرشدة للآتي من الأجيال. وأنا سائق لناشئتنا العلمية من حياة هذا الرجل عظة واحدة وقائل فيها ما تحتمله كلمة قصيرة في صحيفة صغيرة: تلك العظة هي طريقته في تحصيل العلم ووسيلته إلى تلك الدرجة التي وصل إليها في اتقان التحصيل وسعة الاطلاع وانفساح الذرع وإحسان الاستثمار.
فالرجل تلقّى التعليم البدائي في "ميلة" والمتوسط في قسنطينة والنهائي في الزيتونة. وليس في هذه المراحل ما يفوق به القرين أقرانه. فكثير من المحصلين بيننا سلكوا هذا السبيل: البداية في الوطن، والنهاية في الزيتونة، وقليل من يبعد النجعة إلى الأزهر، هذا هو الشأن. إن أبعدنا فمنذ خراب أمصار العلم كتلمسان وبجاية، وإن قربنا فمن رحلة أسرة الشيخ المختار الشوثري العياضي إلى هجرة قريبنا الشيخ سعد قطوش السطيفي في العقد الثالث من هذا القرن الهجري.
(2/184)

شارك مبارك أقرانه وشاركه السابقون له في الطلب واللاحقون في كل شيء، شاركهم في البداية والنهاية وفيما بينهما، وشاركهم في الأساتذة والكتب والمدّة والشروط. ولم ينفرد دونهم بذكاء مفرط خارق للمعتاد المألوف، وإن كان حظه من الذكاء موفورًا، ولا بقريحة شفافه تنكشف لها المحجبات ويعد فيها واحد الآحاد، وإن كان نصيبه من استنارة القريحة نصيبًا مذكورًا. ولا بحافظة واعية تصطاد كل ما تسمع، كما يؤثر عن حفاظ اللغة والحديث والشعر والأنساب، وإن كانت حافظته فوق المستوى العادي. فما الذي بلغ به ما بلغ من الشفوف على أقرانه في كثير مما لا يسمّى العالم عالمًا إلا به؟
إن الذي بلغ به تلك المكانة من العلم أربعة أشياء ما اجتمعت في طالب علم إلا رفعته بالعلم إلى تلك المنزلة: استعداد قوي، وهمّة بعيدة، ونفس كبيرة، وانقطاع عن الشواغل الفكرية والجسمية يصل إلى حدّ التبتل. وهذه الأخيرة- لعمري- هي بيت القصيد.
يشهد كل من عرف مباركًا وذاكره أو ناظره أو سأله في شيء مما يتذاكر فيه الناس أو يتناظرون أو يسأل فيه جاهله عالمه، أو جاذبه الحديث في أحوال الأمم ووقائع التاريخ وعوارض الاجتماع أنه يخاطب منه عالمًا أي عالم، وأنه يناظر منه فحل عراك وجدل حكاك، وأنه يساجل منه بحرًا لا تخاض لجّته وحبرًا لا تدحض حجّته، وأنه يرجع منه إلى عقل متين ورأي رصين ودليل لا يضلّ ومنطق لا يختل، وقريحة خصبة وذهن صيود وطبع مشبوب وألمعية كشافة. هكذا عرفنا مباركًا وبهذا شهدنا، وهكذا عرفه من يوثق بمعرفتهم ويرتاح إلى إنصافهم ويطمأن إلى شهادتهم، لا نختلف في هذا وإنما نختلف في مردّ ذلك إلى أسبابه وأبوابه. فيقول الخليون الفارغون: "إنها مواهب وحظوظ". ويقول المسدّدون المقاربون: "إنه استعداد أعانه الدرس وقوته القراءة" ويقول المعللون الباحثون -ونحن منهم-: "إن كل ما شاهدناه في أخينا مبارك وشهدنا به هو نتيجة لأسباب مترتبة في نفسها وفي نفسه وهي استعداده للعلم وإيمانه به واعتقاده لشرفه ومنزلته واجتهاده في تلقّيه وانقطاعه لتحصيله وإخلاصه في طلبه وحبس الدقائق والأنفاس عليه وحده حتى ما يضاره بشاغل ولا يزاحمه بعائق ثم صرف الهمة كلها إلى الاستزادة منه بالمطالعة والقراءة".
هذه هي الأسباب التي كوّنت لنا من مبارك الميلي عالمًا مستكمل الأدوات يملأ معناه لفظه. وهي أسباب- كما نرى- كسبية يستطيع كل طالب للعلم أن يقلّل منها فيقل أو يكثر منها فيعظم ويجل. وإنما يتفاوتون بالطبيعة في شيئين: الاستعداد وبُعد الهمّة، وإن الثاني منهما أصل لجميع ما ذكرنا. وكأين من طالب قوي الاستعداد ميسّر الأسباب ولكنه بارد الهمّة ضعيف الإرادة فلا يعود عليه استعداده بغناء.
(2/185)

ليس في هذه الأجيال التي أظلّها زمننا إلا عصابة معدودة اتفق لها ما اتفق لأخينا مبارك من أسباب النبوغ في العلم والتمكن من التحصيل، وإن لم يتفق لجميعهم ما اتفق له من الشهرة وذيوع الإسم لأن للشهرة أسبابًا أخرى منها العمل والإفادة والإنتاج والتضحية والصدوف عن قيود الوظائف والانغماس في المجتمع لخدمته ونفعه. ونحن نعرف هذه العصابة العصامية ونعرف مبلغها من العلم وحظها من العمل. ومنهم المقصر فيه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق. وبها نقيم الحجّة على شبابنا الذي نعدّه للميراث والاستخلاف، والذي فتنته الفتن وألهته الملهيات عن التحصيل للعلم. وبهم نضرب الأمثال ليذكر الغافل وينشط الخامل. وإن في سير الكاملين لذكرى للمقصّرين والخاملين.
(2/186)

نداء إلى الشعب*
إذا أصيبت الأمّة بكارثة من كوارث الزمان ووجد فيها من يتألم لتلك الكارثة ويهتز لها فذلك دليل قوي على حيوية الأمّة ورشدها ومقياس صحيح لتقدّمها ونهوضها.
وهي بذلك تقيم، لأصدقائها وخصومها، البراهين القاطعة على أنها خليقة بحرّيتها، جديرة بأن تتبوّأ مكانتها بين الأمم الحزة.
أما إذا كانت الأمّة غافلة عن واجبها نحو المجموع لا يفكّر أفرادها إلا فيما حولهم ولا تنظر جماعاتها إلا إلى محيطها الخاص، فهي أمّة غبية ليست خليقة بالاحترام ولا جديرة بما تصبو إليه من حرية.
نقول هذا بمناسبة الكارثة العظمى التي حلّت بساحة "الشريعة" ونواحيها من أحواز "تبسّة".
ففي ليلة 28 من شهر فيفري، دهمت سكان تلك الجهة سيول جارفة وحملت عليهم الأودية الهائلة من كل صوب، فلم تترك شيئًا من الأبنية والعباد والفلاحة والحيوانات والأقوات إلا أتت عليه وتركت أراضيهم وعمارتهم قاعًا صفصفًا.
وقد قُدّرت الخسائر المالية بعشرات الملايين، أما الضحايا من الأنفس البشرية فإنها تزيد على المائة. وما زالت عمليات الاكتشاف مستمرة، وأما الأفراد الذين بقوا بلا مأوى ولا قوت فعددهم يزيد على الألف.
فواجب الأمّة أن تهتز لهذا الحادث وتتكثل حوله وتعيره جانبًا كبيرًا من الأهمية فتسرع بتشكيل لجان، وفتح اكتتابات في أهم مدن القطر وقراه لإسعاف من نكبوا بهذه الكارثة الجسيمة وتخفيف الوطأة عنهم، وذلك من أول مظاهر وجود الأمّة.
__________
* "البصائر"، العدد 28، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 22 مارس 1948م. (بدون إمضاء).
(2/187)

وفي طليعة من نوجّه إليهم هذه الصرخة، شُعَب جمعية العلماء في جميع أنحاء القطر لأنهم الممثلون لجمعية العلماء وهي الهيئة الوحيدة التي تعبّر عن شعور الأمّة تعبيرًا صحيحًا وتحسّ بآلامها وتعمل على تحقيق رغائبها قبل كل هيئة. وهي التي ما وُجدت إلا لتضمّد جراح الأمّة وتداوي كلومها وتقودها إلى المستوى الذي يشرّفها ويليق بكرامتها.
وقد شاهدنا أمثال هذه الكوارث إذا نزلت بالأمم الراقية كيف تتكتّل الشعوب والحكومات حولها.
شاهدنا الزلازل التي حلّت بتركيا وإيطاليا وشاهدنا حوادث الطوفان الذي دهم فرنسا في وقت من الأوقات كيف تكتّلت حكوماتهم وشعوبهم حولها وقاموا وقعدوا من أجلها وملأوا الدنيا صراخًا وعويلًا وشاهدناهم لا يكتفون بجهود حكوماتهم وشعوبهم بل يستعطفون الحكومات والشعوب النائية.
أما نحن الجزائريين فأصواتنا مكبوتة وحرّيتنا مصفدة فلا نعوّل إلا على أنفسنا ولا نستنجد في مثل هذه الكوارث إلا بأمّتنا، فهي- وحدها- عليها الاتكال ومنها المعونة.
وواجبنا في مثل هذه المواقف أن نضرب المثل الأعلى للإحساس المشترك والشعور الإنساني والقيام بما يقتضيه منا الواجب الديني والوطني، وبذلك نضرب الرقم القياسي للأجيال الآتية بأننا أناس نشعر بالمسؤولية ونتحمل أعباءها مهما عظمت.
وبهذا نحمل الخصوم والأصدقاء على احترامنا والإعجاب بنا.
أيتها الأمّة الكريمة، إن إسعاف هؤلاء المنكوبين أمر أكيد يقتضيه منا الدين وحقوق المواطن على مواطنه فلا يليق بأمّة تحترم نفسها وتحرص على أن يحترمها غيرها أن تغض الطرف عن قيامها بالواجب في مثل هذه المآسي التي يلين لها الجماد.
وما دمت، أيتها الأمّة مؤمنة بالقرآن الكريم فتذكّري قول الله تعالى: {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} و {مَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}.
وما دمت تؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فتذكري قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وقوله: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقوله: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ».
(2/188)

أيتها الأمّة الكريمة إنك إذا قمت بواجبك في أمثال هذه المآسي تكونين قد أرضيت الله ورسوله وحملت خصومك على احترامك وبرهنت على أنك جديرة بما تطمحين إليه من عزّة وسيادة.
وفي الختام، أرجوك أن تسنّي هذه السنّة الحسنة، فإن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
هذا وقد افتتحت جمعية العلماء هذا الاكتتاب بإعانة قدرها 10000 فرنك.
(2/189)

بلاغ إلى الأمّة العربية الجزائرية*
(من المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الدستور الذي وضعته الحكومة الفرنسية للجزائر ووافق عليه برلمانها في أكتوبر 1947 هو دستور ناقص من جميع جهاته لم يحقق رغبة واحدة من الرغائب الوطنية للجزائر.
وآفته أنه فرض عليها فرضًا، ولم يُؤخذ رأيها فيه. والدستور النافع هو الذي يكون للأمة رأي في وضعه، واختيار لمنهاجه، ويد في تشريعه ويكون ناشئًا عن رغائبها ليكون محقّقًا لرغائبها.
ولتلك الآفة لم يرضه حزب من أحزاب الأمّة ولا نائب من نوّابها على اختلاف مشاربهم الحزبية وعلى تفاوت حظوظهم في الوطنية، بل قابله جميعهم بالاستنكار.
والمجلس الجزائري الذي ينفّذ ذلك الدستور هو مجلس ناقص أيضًا من جهات كثيرة، بعضها في أصل وضعه كعدم اعتبار النسبة العددية في السكان، وبعضها في وسائل تشكيله كاستبداد الحكومة بتخطيط الدوائر الانتخابية، وتدخّلها في توجيه الانتخاب إلى جهاتها وضغطها على حرية المنتخبين كما عهدناه منها فيما هو أقل من هذا الانتخاب قيمة وأحط منه اعتبارًا.
ومع تلك النقائص كلها فإن مصلحة الأمّة الحقيقية توجب عليها أن تجاري الظروف وأن تستغل ما في هذا الدستور من خير ولو كان كقطرة من بحر.
وجمعية العلماء التي هي جمعية الأمّة كلها تفرض عليها حقيقتها ووضعيتها أن تكون فوق الطوائف والأحزاب لتكون حكمًا بينهم إذا اختلفوا على مصلحة، وهي لا تستمد حكمها إلا من منطق الواقع والحكمة والمصلحة العامة والنظر البعيد.
وعليه، فهي تتقدّم إلى الأمّة العربية الجزائرية بأحزابها وهيئاتها وأفرادها بالحقائق الآتية:
__________
* "البصائر"، العدد 29، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 29 مارس 1948م.
(2/190)

أولًا: إن اختلاف الأحزاب، وما جرّه الخلاف من سباب، وما جرّه السباب من أحقاد، وما جرّته الأحقاد من تضييع للمصلحة، كل ذلك استنكرته الجمعية بالاعتقاد، وأنكرته بالقول الصريح، وسعت في إزالته بالعمل الجدّي، لأنها تعلم أن عواقبه وخيمة، وأن أدنى عواقبه تمزيق الشمل وإضعاف القوّة: وأنه- أولًا وأخيرًا- ليس من مصلحة الوطن والأمّة، وإنما هو من مصلحة خصوم الوطن وأعداء الأمّة. وقد قامت الجمعية في أوقات ومناسبات شتّى بمساع جدّية صريحة للتقريب بين الأحزاب وإقرار روح الأخوّة والتسامح في النفوس لتصل من ذلك إلى اتحاد متين يوجّه الجهود والكفاءات إلى خدمة المصالح الحقيقية للوطن. وآخر جهودها ما قامت به في هذه الأسابيع الأخيرة المتصلة بكتابة هذه السطور ... وهي- وإن لم تصل إلى غايتها من جمع الكلمة- لم تيأس من ذلك ولم تفشل وما زالت تفترص الفرص لتجديد السعي في جمع الكلمة على الحق وتوحيد الأحزاب على المصلحة العامة للوطن. وهي تعتقد أن الاتحاد الذي تنشده الأمّة وتعلّق آمالها على جمعية العلماء في تحقيقه إذا لم يتم اليوم فسيتمّ غدًا. والجمعية تعلن أنه ليس من مصلحة الأمّة ولا من مصلحة الأحزاب ولا من مقتضيات الذوق أن تشرح مساعيها للاتحاد في هذه الظروف.

ثانيًا: يجب على الهيئات الداعية للانتخابات باسم الحزبية أن تجرّد دعايتها من السب والقدح وجرح العواطف وإثارة الأحقاد، وأن تبني تلك الدعاية على أشرف ما تُبنى عليه الدعايات في الأمم الحيّة وهو المبادئ والبرامج ووسائل تحقيقها. وعلى القادة والمترشحين أن لا يقولوا ولا يعملوا إلا ما يبقي على الأخوّة ويعين في المستقبل على جمع الكلمة، وعلى عقلاء الأمّة أن يلزموا أولئك الدعاة عند حدود الاعتدال، ويفهموهم أن في مكافحة الاستعمار ما يستنفد أقوال القائلين وأعمال العاملين. وليعلموا جميعًا أن هذه النقطة من أسس تربية الأمّة تربية رشيدة.

ثالثًا: يجب على الأحزاب التي تجعل رائدها مصلحة الوطن العليا أن تجري في الدورة الثانية على قاعدة متبادلة وهي أن تسلم الأقلية منهم للأكثرية وأن تعاونها على الفوز لكي يسدوا الطريق في وجه الحكوميين والانتفاعيين الذين لا يمثّلون إلا أنفسهم.

رابعًا: يجب على الناخبين أن يقدّروا هذه الانتخابات حق قدرها، وأن لا يستخفوا بها، ولا يقاطعوها، وأن لا يتخلف أحد عن الانتخاب، وأن لا يتأثّر بتهديد الإدارة وتخويفها وليعلم أن إعطاء ورقته شهادة للوطن أو عليه. فليعرف أين يضع ورقته ولمن يعطي شهادته. وأن المقاطعة وإعطاء الورقة لغير الرجال العاملين هو تضييع لحقوق الوطن يعود عليه بأشأم العواقب.
(2/191)

خامسًا: يجب على الأمّة أن تميز بين أصحاب المبادئ وأصحاب الأغراض والمنافع الشخصية، وأن تفرّق بين من يقدّمه حزب أو جماعة من الأمّة وبين من يقدّم نفسه. والواجب عليها بعد أن تميّز هؤلاء من هؤلاء أن تعطي أصواتها لأصحاب المبادئ، وتنبذ الفريق المستغل المستعمر المفتون بكراسي النيابة لا ليخدم الأمّة بل ليخدم نفسه. وقد جرّبت الأمّة هذا النوع من النواب، ولا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. وأن أخزى الرجال رجل يتوصل إلى النيابة عن الأمّة بوسائل سخيفة وأوراق مسروقة وحريات مغصوبة.

سادسًا: يجب على الأمّة أن تحذر كل الحذر من المرشّحين المستقلّين، فإن هذا الوصف خداع يلوذ به كل حكومي وينتحله كل انتفاعي ولا يصدق منه إلا القليل وإذا وجد من هذا القليل مترشح فأهل دائرته أعلم به: فليستوثقوا منه ومن صلاحيته وخدمته للمصلحة الوطنية ..

أيتها الأمّة!
إننا نعرف الإدارة الجزائرية الاستعمارية. ونعرف أنها لم تغيّر شيئًا من عاداتها القديمة. ونعلم أنها تجهد جهدها لتقيم من هذا الانتخاب دليلًا على أن نوّاب الجزائر لا يطلبون لها إلا الخبز والثياب، وأن هذا هو كل ما تطلبه الأمّة الجزائرية وكل ما تستحقه. فَكَذِّبي هذا الدليل بدليل يدحضه بحسن اختيارك للرجال ذوي المبادئ المطالبين بحقوقك السياسية المثبتين لاستحقاقك الحرية الكاملة التي ترفعك إلى المكانة العالية بين الأمم الحية.

عن المجلس الإداري
الرَّئِيسُ: محمد البشير الإبراهيمي
(2/192)

الأستاذ محمد بن العربي العلوي*
تاريخ الرجال علم برع فيه مؤرخو الإسلام، وتفننوا في تقسيمه وتفريعه. ولا نظن أن أمّة من أمم العلم والحضارة كتبت جزءًا يسيرًا مما كتب علماء الإسلام في تاريخ رجاله وطبقاتهم. وقد خمدت تلك الشعلة من عهد السخاوي والسيوطي وأضرابهما في الشرق ومن عهد أقرب منه وهو عهد ابن القاضي في المغرب. ومرّت هذه القرون ورجالها أغفالًا لم توسم بتعريف. ولعل هذه النهضة تحيي- فيما أحيت من الرسوم الدائرة- هذا النوع الجليل من تاريخ الرجال.
والأستاذ الأكبر الشيخ محمد العربي العلوي، إمام سلفي وعالم مستقل واجتماعي جامع. وهو- في نظرنا- أحق برتبة الإمامة من كثير ممن خلع عليهم المؤرخون هذا اللقب. ونحن في أخص الصفات التي تربطنا به وهي السلفية والإصلاح نجاوز درجة الإعجاب به إلى الفخر والتعاظم.
وهذه مقالة للأستاذ علال تكشف عن بعض نواحي عظمة هذا الإمام. ولعل الأقدار تقيض من يكتب له ترجمة حافلة تكشف عن مواقع الأسوة بذلك الرجل خصوصًا في سلفيته وجراءته في تلك السلفية، وهي نقطة التلاقي الحقيقية بينه وبين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
ولو أن هذه النهضة وصلت في أطوارها إلى كتابة معلمة لرجالها لكان من تمامها أن لا يكتب ترجمة ابن العربي إلا علال.
وهذه مقالته نقلًا عن جريدة "الإخوان المسلمون".
__________
* مقدّمة مقال نُشر بالجريدة للأستاذ علال الفاسي عنوانه "علم من أعلام النهضة الإسلامية"، "البصائر"، العدد 30، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 5 أفريل 1948م. (بدون إمضاء).
(2/193)

ذكرى عبد الحميد بن باديس الثامنة
وموقع معهد منها*
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أظلتنا الذكرى الثامنة لموت فقيد العروبة والإسلام ومحييهما بهذا القطر عبد الحميد بن باديس، ونحن في بحر لجي من الفتن المحيطة بالعروبة والإسلام، نغالب
تيارها، ونروّض بالعزيمة زخارها، ونقاوم بالإيمان والثبات إعصارها. وكأنها توافت على ميعاد لتمتحن وفاءنا للفقيد وتلهينا بأباطيلها عن القيام بحقه، وتحملنا بقسوتها على النسيان لفضله، فما وجدت إلا ما يشجيها بالغم، ويزجيها على الرغم.
وقد كانت إقامة هذه الذكرى في السنين الماضية لا تعدو إثارة الشجون الراكدة وتعديد فضائل الفقيد وتهويل المصيبة فيه. فإن زادت فبتجلية مواقع الأسوة للشباب المتعلم من سيرته، ومع اتساع آفاق تلك السيرة وانفساح مجال القول فيها فقد أصبح الحديث عنها من المكرّر المعاد.
أما ذكرى هذه السنة فإنها تمتاز بشيئين جديدين يحلو الحديث عنهما ولا يتطرق إلى سامعيه الملل، ويأتي المتحدث فيهما بالحكمة السائرة في هذا الباب وهي ذكر العظماء بأعمالهم، وحثّ الأمّة على تحقيق آمالهم.
هذان الشيئان هما: عودة "البصائر" إلى الظهور وتأسيس معهد ابن باديس بقسنطينة.
مات الفقيد في السادس عشر من أبريل سنة 1940 وفي نفسه حسرة من تعطيل "البصائر". وكان معتزًّا بها أيما اعتزاز.
وكان في السنة الأخيرة لتعطيلها هو الروح المقوّم لها، فكان يغذيها بنفحات من روحه ونفثات من قلمه. وكان يعلّق آماله في ترقيتها على رفيقه كاتب هذه السطور، وكان الكاتب
__________
* "البصائر"، العدد 32، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 19 أفريل 1948م.
(2/194)

لا يتسع وقته لذلك، لأن الهبّة التعليمية كانت في عنفوانها، ورغبة الأمّة في درس القرآن والحديث كانت متأججة مضطرمة، فكان الكاتب يرى أن من الإجرام تبريد تلك الفورة بالتقصير وإنفاق الوقت في غير التعليم. وكان- رحمه الله- يشتد عليّ في اللوم ويصمي بالتقصير في حق "البصائر"، فإذا زارني بتلمسان ورأى الدروس تنتظم الساعات وسمع درس التفسير بالليل ودرس الموطأ في الصباح الباكر ورأى إقبال الجماهير وتأثّرهم، ابتهج ابتهاج الظافر، ونسي "البصائر" والحديث عنها. واسترحت من لومه وعتابه.
وأذكر أنه صادف في ليلة من تلك الليالي الزاهرة بحياته درسًا في دار الحديث من تلمسان في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}، فقال لي- رحمه الله- بعد تمام الدرس ما معناه: (إن هذا الدرس وحده كاف لإحياء أمة مستعدة. ولقد زادني هذا الدرس إيمانًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن: "لا تنقضي عجائبه". وإن ما سمعته منك في معنى اتخاذ البيوت قبلة هو ما حوم عليه علماء الاجتماع في مبدإ تكوين الوحدة الاجتماعية للأمم. وأين هداية التجارب من هداية كلام الله؟ ولوددت لو أن المسلمين كلهم يسمعون مثل هذه الدروس). فقلت ممازحًا له: و"البصائر" ... فقال لي: ما عليك بعد هذا الجهد أن لا تكتب في البصائر. ولو أن التلاميذ أوتوا حظًا من النشاط والتوفيق لما ضاعت هذه الدروس ولنشرت كما هي ففزنا بالحسنيين. فقلت له: عزائي عن هذا أن دروسك لم تكتب وقد شارفت ختم القرآن وأين هذا الوشل من ذلك البحر؟ وما قلت له هذا مجاملًا ولا متواضعًا. وما كان مبنى الأمر بيننا- ما عشنا- على الرياء والمجاملة: رحمه الله رحمه الله. فعودة "البصائر" إلى الظهور بهذه الديباجة وبهذا الأسلوب أمل من آمال الفقيد قد تحقّق، ودين له على جمعية العلماء وفت به في وقته. وما أرهق الدائن ولا مطل الغريم، ولو عاش- رحمه الله- لقرّ بهذا العمل عينا. فليكن هذا العمل هو زين هذه الذكرى وجمالها وشارتها الممتازة ووشيها الفني.
ثم هات الحديث عن المعهد. إنه- والله- الغرة اللائحة في هذه الذكرى. فقد كان من آمال المرحوم أن تكوّن جمعية العلماء في الجزائر كلية- بالمعنى الحقيقي للفظ الكلية- وكان يرى أن هذه الكلية هي العلة الغائية لوجود جمعية العلماء وهي الثمرة للتعليم الذي تجهد فيه وتلاقي في سبيله العنت والنصب، وكنا معشر إخوانه نشاركه في الأمنية والعمل. والغاية من الكلية، وهي أن تخرّج للأمّة علماء اختصاصيين في فهم الدين على حقيقته، وفي فقه أسرار الشريعة مأخوذة من كتاب الله والصحيح من سنّة نبيّه، وفي طرائق الدعوة والإرشاد التي بُني عليها الإسلام، وفي الخطابة التي هي سلاح تلك الدعوة، وفي الأخلاق والآداب الإسلامية التي هي لباب الدين، وفي فقه أسرار اللسان العربي وآدابه، مع المشاركة في علوم الحياة التي هي سلاح العصر، بحيث يخرج المتخرّج منها كامل الأدوات.
(2/195)

وكان- رحمه الله- كثير التحدّث عن هذه الكلية، تصوّر له خواطره منها أكمل مثال، فتجيش تلك الخواطر حديثًا ممتعًا لذيذًا ننازعه إياه ونجاذبه حبله فنذكي خياله في التصوّر وبراعته في التصوير ونحدو آماله إلى التحقق، وكان كلما اجتمعت ثلة من إخوانه تشاركه في الأمنية والرأي يجري حديث الكلية ويقول لإخوانه: أنا أستكفيكم في كل أمر يتعلّق بالكلية إلا الاستعمار فأنا أكفيكموه فخلوا بيني وبينه. يقول ذلك إيمانًا بربّه، واعتدادًا بنفسه، واعتزازًا بدينه. وكان منقطع النظير في هذه الثلاثة.
وقد اقترح على كاتب هذه السطور أن يضع برنامجًا جامعًا لدروس الكلية وكتبها ودرجاتها ومناهج التربية فيها وطرائق التعليم العالي، فقلت له: إن هذا شيء يأتي في الدرجة الثانية أو الثالثة، وقبله التمهيد ثم التشييد، فقال لي: إن البرنامج يذكي النشاط ويغري الهمم بالعمل. ففعلت. وجاء البرنامج حافلًا بالتدقيقات الفنية في التربية والاعتبارات العملية في التعليم، والكتب القيّمة للدراسة، ومعه تخطيط للكلية ومرافقها. فلما قرأه قال لي: كأني أرى بعيني ما خطّه قلمك حقيقة واقعة. وما ذلك على الأمّة الجزائرية الماجدة بعزيز. وما ذلك على رجالها المخلصين بكثير.
مات الأستاذ الرَّئِيسُ والأمنية تختلج في نفسه وتعتلج مع خواطره. ولقد مات وعواصف الفتن تعصف، ومدافع الحرب تقصف، وأعضاء الجمعية مشتتون بسبب تلك الهزاهز التي تُذهل الخليل عن خليله. فلما تنفّس الخناق قليلًا رأت جمعية العلماء التى كان يعمل الفقيد لها وباسمها وهي الوارثة لمعنوياته والمؤتمنة على مبدإ الإصلاح المشترك، أن تتمّ أعماله وتُحقّق آماله، وأن تبرز الكلية من الخيال إلى الحقيقة، فوجدت أن ذلك- كما هو الواقع- يستلزم اجتياز مراحل متتابعة: توسيع التعليم العربي الابتدائي بتكثير مدارسه وتصحيح مناهجه وإعداد رجاله، وقد بلغت الجمعية من هذا في السَّنوات الأخيرة- رغمًا عن العراقيل- ما تُغبط عليه، وما لو اطلع عليه المرحوم من وراء حجاب الغيب لسرّه ولعدّه من الخوارق. ثم خطت إلى المرحلة الثانية خطوة بتأسيسها لمعهد قسنطينة في أواخر السنة الماضية. ولسنا نعدّ المعهد مدرسة ثانوية فضلًا عن كونه كلية لأننا نسمّي الأشياء بأسمائها ولا نزور فيها. ولأننا نعلم أن تفخيم مثل هذه الأشياء مزلقة إلى الكذب فيها والتزوير على الحقيقة بها، ومدعاة إلى غشّ الأمّة في أبنائها. وما وجد التفخيم إلا كان سببًا في الترخيم. والترخيم حذف ونقص. وإنما المعهد مدرسة دينية ابتدائية أرقى من مدارس البنين تهيّئ للتعليم الثانوي الذي يهيّئ للتعليم العالي. وما ربطناه بجامع الزيتونة إلا تمهيدًا لذلك، وإلّا تدريبًا لطلّابه من أوّل مرحلة على المناهج التي تفضي بهم إلى آخر مرحلة، حتى ينتقلوا من الأشبه إلى الأشبه، فلا تشتبه عليهم المسالك ولا يضلّ بهم الدليل، والنية معقودة- إذا يسّر الله الأسباب- على إحداث معهد في الجزائر وآخر في تلمسان تسهيلًا على الطلاب واستيعابًا لعددهم المتزايد.
(2/196)

وسنربط الجميع- على التدريج والاقتضاء والاستعداد- بالزيتونة والقرويين، بل ستكون هذه المعاهد إحدى وسائل التقريب بين الكليتين. فإننا نعتقد أن الزمن سائر بكليتينا إلى الإصلاح الذي يتطلبه الزمن والبلوغ من الإصلاح إلى أعلى ذروة، وسائر بهما حتمًا أو اختيارًا إلى توحيد المناهج والكتب. وسيكون آخر ما ينتهي إليه الإصلاح بطبيعته إلغاء التعليمين الابتدائي والثانوي من الكليتين وقصرهما على التعليم العالي للعلوم الإسلامية العربية - بالمعنى الواسع لهذه العلوم- وما تتطلّبه من علوم الحياة وإيكال ذينك التعليمين إلى مدارس في الآفاق موحّدة البرامج، موحّدة الإدارة والإشراف.
فأَما كلية وتدرس الاجرومية فلا، ثم لا، ثم لا. إن كل واحد من اللفظين يتبرّأ من صاحبه وأخشى أن يتبرآ معًا منا لسوء ما تصرفنا فيهما.
إن هذا النوع من المجازفة بالأسماء مما تساهلنا فيه فسهل علينا فصار لنا عادة فَعَمَّمنَاهُ فأصبح لنا سبة. ولو شئنا لضربنا الأمثال. وإن هذا التساهل هو الذي جرّأ المفترين على تسمية المدارس الابتدائية كليات وما أخذوا ذلك إلا من أن جامع الزيتونة يدرس الأجرومية وهو كلية. فكل مدرسة تدرّس الأجرومية فهي كلية، ويا ويلنا إذا تفطّن هؤلاء لكلمة (جامعة) التي تجري على بعض الألسنة والأقلام وصفًا للزيتونة والقرويين. إذًا، لأصبحت كتاتيب ألف با كليات، ومدارس الأجرومية وابن عاشر جامعات. وسيعينهم على ذلك أن لفظ الجامعة أخفّ وأجرى على اللسان وأسير لقربها من الجامع حتى كأنها مونَّثُهُ، وأرجو أن لا يكون في النهي عن المنكر دلالة عليه.
إننا نبني أساس نهضة فلنضع الأساس على صخرة وإلا انهار البناء، ولا والله لا نجاري الأمم في ميدان الحياة حتى تكون كلياتنا ككلياتهم في أسمائها ومسمّياتها. فإن لم يكن هذا فنحن هازلون في جدّ الزمان، ومغترّون في الخوف بعهد الأمان، وسائرون إلى الوراء بهدي الشيطان. ومن تطلّع إلى ثوب المجد فليحكه بأنامله ومن تشوّف إلى رفع الذكر فليجلبه بعوامله. أو لا فالشاعر (1) صارخ في واد. وسيبويه نافخ في رماد.
...

إن معهد ابنَ بادِيس تفسير لرؤيا ابن باديس. فعلى الأمّة التي تحبه وتحيي ذكراه في مثل هذا الأسبوع من كل سنة أن تعلم أن البكاء والأقوال لا يزيدان في تاريخه ولا في تاريخ الأمّة بابًا ولا فصلًا ولا صحيفة. وإن الذي يزيد ويفيد هو أن تلتفّ حول معهده بقلوبها
__________
1) هو القائل: "ما حك جلدك ... الخ".
(2/197)

وعقولها وأموالها حتى يكبر ويترعرع، وتبسق أفنانه وتتفرّع، وحتى تكثر أمثاله في القطر. فما نزعم أنه غاية، وإنما هو بداية.
إن الواجبات علينا تلقاء هذا المعهد موزّعة بطبيعتها. فعلى الأمّة بذل المال من المرتخص والغال. وعلى الطلبة أمران: إقبال على العلم يصحبه إيمان بضرورته وتحمّل لمتاعبه. وانقطاع إليه يصحبه اعتقاد جازم بشرفه وأنه نور الحياة وأساس الوطنية ورائد الحرية. فمن لم يكن من الطلبة على هذه الصفات فليلزم داره، وليقطع في الأماني ليله وفي الغرور نهاره. وعلى جمعية العلماء الرأي والتنظيم، والتربية والتعليم، وما من رجالها إلا من هو بحظه زعيم.
إن الأمّة حين تزرع على يد جمعية العلماء ستحصد العلم وستجني الثمرات الطيّبة وتستغل الريع المبارك. لا يتخلّف شيء عن ميعاده ولا نتيجة عن مقدّماتها. وإنها حين تضع أموالها في هذا المعهد تؤدّي واجبًا عليها لنفسها وتقضي حقًا مؤكد القضاء لدينها ولوطنها. وإنها حين تضع المال في أيدي القائمين على المشروع، تضعه في الأيدي التي لا تخون ولا تختر، بل تربّه وتربّيه للأمّة. وقد رأت الأمّة مصادر المال منشورة معلنة. وسترى مصارفه كذلك موضحة مبنية، كدأب الجمعية في كل مشروع تمسّ فيه يدها مال الأمّة. وإننا نتحدّى جميع القائمين بالمشاريع العامّة أن يفعلوا كفعلنا. ونحن نبتهج بكل عامل للعلم ساع في تعليم الأمّة معتقد أن العلم وحده هو سلاح الحياة وسبيل النجاة. ولكننا أعداء للاتجار بالعلم والتزوير على الأمّة باسمه. خصوم للعيسوية الراقصة المرقصة بجميع مظاهرها.
...

هذه هي الكلمة التي نقدّم بها هذه الذكرى وهي بيت القصيد فيها. ولم ننح فيها منحى البكاء والتحسّر وتعداد المناقب، وإنما نحونا المنحى العملي الذي وجدت أسبابه، وفتحت أبوابه.
(2/198)

ذوق صحفي بارد*
تعاني فلسطين "المجاهدة" محنة لا تحلّ إلا بعزائم وعقائد وإيمان تظاهرها أموال ورجال، على كثرة مصائبها وتفاوت تلك المصائب في الشدة والنكاية والإيلام، فإن أشد تلك المصائب وأوجعها إيلامًا تحذلق بعض الأقلام في تسميتها بـ "الشهيدة" كأنما تنعاها قبل الموت ونعيق بعض الغربان البشرية بأخبار الهزائم وتسويد بعض الصحف لأطرافها حدادًا عليها.
ما هذه التفاهة في الذوق أيها الصحفيون! أماتت فلسطين حتى تصفوها بـ "الشهيدة" وتجلّلوا صحفكم بالسواد حدادًا عليها.
إن لم يكن فعال فليكن حسن فال ... إن فلسطين حية ولكنها تجاهد ومأزومة ولكنها تكابد ولفألكم الخيبة ...
أتدرون أن ذوقكم هذا لا يحلو إلا لخصوم فلسطين؟
__________
* "البصائر"، العدد 35 السنة الأولى من السلسلة الثانية ماي. (بدون إمضاء).
(2/199)

"البصائر" وأزمتها المالية

- 1 - *

تعاني جريدة "البصائر" أزمة مالية خانقة، بعض أسبابها الرَّئِيسُية غلاء الورق والطبع، غلاءً فجائيًا لم نقرأ له حسابًا في ظرف واسع. وبعض أسبابها الثانوية تضييع البريد لكثير من الطرود، فلا تصل إلى الباعة ولا تبقى عندنا، وتخسر "البصائر" نفقاتها. ومنها تهاون بعض الباعة في إرجاع المخلفات على الفور لتصرف إلى جهات أخرى، ومنها كثرة ما يرسل منها هدايا.
و"البصائر" جريدة البيان الحرّ، فلا تجعل الإسفاف منجاة من الكساد، وصحيفة الحق المر، فلا يكون المال مسكتًا لها عن حرب الفساد، ثم هي لا تطلب الرواج من طريق أخبار الولادة والزواج.
إن الجرائد لا تقوم بدخل البيع والاشتراك وإنما تقوم بالإعلانات والإعانات. أما الإعلانات فلا يتفق مع مشرب "البصائر" منها إلا القليل، وأجره ضئيل. وأما الإعانات فليس في أغنيائنا من تهزّه الأريحية فيجود على "البصائر" بمئات الآلاف فيشحذ بماله سلاحًا من أسلحة الحق، ويُطلق به لسانًا من ألسنة الصدق، فالتجأنا إلى صميم الأمّة من أنصار البيان العربي والدين الحنيف، واخوان الدفاع عن الخير والفضيلة. وها نحن أولاء نعلن للأمّة فتح باب الاكتتاب، راجين منها أن تمدّ اليد وتحسن العون، وأن تعلم حق العلم أن "البصائر" تتعفّف ولا تتكفّف. ولولا الضرورة لما قالت كلمة في هذا الباب.
قد طبعنا أوراق الاكتتاب ووزّعناها على الشعَب والأشخاص الذين نعتمدهم ونخصّهم بالثقة والإخلاص فليعمروها بأسماء المكتتبين ومقدار ما تبرّعوا به وليرسلوا ما تجمع بواسطة الشيك باسم المدير كما هو مرقوم في أوراق الاكتتاب ويرجعوا الأوراق إلى إدارة "البصائر" ممضاة بإمضاء القابض.
وللمبالغة في الاحتياط ختمنا كل ورقة في أعلاها بختم المدير باللون الأحمر، فكل ورقة ليس عليها ذلك الختم فهي مزوّرة.
__________
* "البصائر"، العدد 36، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 17 ماي 1948م. (بدون إمضاء).
(2/200)

- 2 - *

جريدة "البصائر" هي لسان حال جمعية العلماء ولسان العروبة والإسلام بهاته الديار، وخادمة العلم والتعليم وسائر الحركات الفكرية والأدبية في ميدان الثقافة الشرقية، وحاملة راية الجهاد المستمر في ميدان الكفاح الوطني، وبهذه الاعتبارات فهي جريدة كل مسلم جزائري يحمل بين جنبيه الغيرة على وطنه ولغته ودينه.
ولكن رغم ذلك- ويا للأسف- فإن هاته الجريدة توشك أن تتعطل عن القيام بواجبها مكرهة، إذ هي لا تعتمد في مواردها المادية إلّا على اشتراكات المشتركين ودخل الباعة، وليس لها اعتمادات أو إعانات أو إعلانات تقوّي ميزانيتها، وإذا كان المشتركون يتهاونون في دفع ما بذمتهم أو لا يدفعونه حتى نرسل إليهم مَن يأخذه منهم، والباعة يتقاعسون عن تصفية حساباتهم بانتظام وفي كل شهر، فإن نظام سير هذين الموردين الوحيدين للجريدة يختلّ، وإذا اختلّ فهي لا شك سائرة إلى الهاوية، لا قدّر الله، وذلك ليس في مصلحة الدين ولغة الدين ولا في مصلحة قضايا الوطن الهامة.
لهذا تعطلت "البصائر" عن الصدور هاته المدة الأخيرة، وانها لتعتذر لحضرات المشتركين الذين سدَّدُوا ما بذمتهم، وترجو من غيرهم أن يدفعوا ما عليهم، ومن الباعة أن يصفّوا حساباتهم ويرسلوا ما لديهم من مال "البصائر" في أقرب وقت لكي تعود "البصائر" إلى الصدور بانتظام.
غير أننا فتحنا اكتتابًا عامًا لإعانة الجريدة للاختصار من مدّة احتجابها ووجّهنا قوائم الاكتتاب للمشائخ مديري المدارس وبعض رؤساء الشّعَب بجميع جهات القطر، وإننا لنرجوهم أن يعجّلوا بإرسال ما جمعوه بواسطة "شيك" البصائر، ونحثّ أنصار "البصائر" وأحبابها على مساعدة جريدتهم وإغاثتها من هاته الحالة السيئة التي تجتازها، ونقدّم لهؤلاء وهؤلاء تشكراتنا الخالصة. وعلى من يرغب في المشاركة في هذا العمل أن يطلب من المركز قوائم الاكتتاب.
__________
* "البصائر"، العدد 134، السنة الثالثة، 11 ديسمبر 1950م. (بدون إمضاء).
(2/201)

هدية ذات مغزى جليل*
أهدى الأخ العربي الحرّ محمد جعفر مال الله ملاحظ الأوراق بمديرية المساحة العامة ببغداد، إلى إدارة "البصائر" رسمًا فنيًا بديعًا لاسم "البصائر" وملحقاته من خط الفنان مهدي صالح أحد خطاطي "دار الخط العربي" ببغداد، وقد حلينا بهذا الرسم اللطيف، صدر العدد 37 وصدر هذا العدد تنويهًا بهذه الهدية الفنية واعترافًا بلطف موقعها منا، وإنها "عربون أخوّة صادقة بين بغداد وبين الشمال الإفريقي أحد مواطن العروبة التي يريد الاستعمار أن يفصل بعضها من بعضها" كما يقول الأخ محمد جعفر مال الله في رسالته اللطيفة التي أرسلها إلينا مع الهدية.
ليهنأ الأخ محمد جعفر، فهذا الشمال الإفريقي كله قلوب تهفو إلى الشرق العربي والشرق الإسلامي، وكله نفوس تتطلع إلى ما يأتي منه من أنوار، وكله عقول تعرف ما أنبت ذلك الشرق من علوم وفنون وحضارات، وتعترف لبغداد بما أفاءت على العروبة والإسلام من خير وفضل، وتنتظر اليوم الذي تنمحي فيه الحواجز المزيّفة فتتصل الأجزاء كما اتصلت القلوب.
إن كل عربي بهذا الشمال يقرأ "البصائر" ليذكر- كلما وقعت عينه على اسمها ماثلًا في الصدر- أن ذلك الرسم قطعة من بغداد وطرفة من طرفه، ترمز إلى الأخوّة الصادقة والتعاون الوثيق على خدمة العروبة في جميع مواطنها.
و"البصائر" تحمل التحيات الزكيات والشكر الخالص من أسرتها وقرّائها وأنصارها إلى الأخ محمد جعفر مال الله وإلى الأخ مهدي صالح وإلى رجال إدارة المساحة ودار الخط العربي وإلى جميع الهيئات العاملة للعروبة والإسلام ببغداد، وإلى الأخ الواصل لرحم العروبة
__________
* "البصائر"، العدد 38، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 7 جوان 1948م. (بدون إمضاء).
(2/202)

الدكتور تقي الدين الهلالي الجزائري الذي بشّر بـ "البصائر" في العراق ودلّ عليها دلالة النسيم اللطيف على الزهر العبق. تحمل "البصائر" هذه التحيات على بعد الدار كفاء لتحية الأخ مال الله في رسالته، فقد عمّمها لكل مستحق من أبناء العروبة في هذا الوطن، وحيّا الله دجلة وجانبيها مواطن الفن والشعر ومواطى العزّ والفخر. ولا زالت الرصافة، منبت حصافة، ولا زال الكرخ، زندًا يوري بالمرخ. وليهنأ "البصائر" هذا التقدير الذي تفيض به رسائل أنصار البيان العربي في الشرق.
أما تلك العين التي رسمها الفنان فوق اسم "البصائر" فيقيننا أنه لم يصوّرها وهمًا وإنما فوقها سهمًا. والعين البصيرة لا تدرك إلا بنفاذ البصيرة.
(2/203)

نداء وتحذير
إلى الشعب الجزئري المسلم العربي *
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الشعب العربي المسلم:
في هذه الظروف الدقيقة التي تجتازها فلسطين العربية وفي هذا الصراع العنيف الذي حمل عليه إخوانك العرب حملًا وأُلجئوا إليه إلجاء لا خيار فيه، وفي هذه الحرب المستعرة التي يوشك أن تضيق بها الرقعة فيتطاير شررها إلى جوانب العالم فتحرقه أو تغرقه، وفي هذه الأزمة التي عقدها الطمع فعجز عن حلّها العالم الذي لم يعرف القناعة، وأنشأها الباطل فلم يستطع التغلب عليها الرؤساء الذين لم يعرفوا الحق، وفي هذه المعركة التي قسمت كلًا من العالمين الملحد والمتديّن إلى معسكرين: بعض أسلحتهما الحديد والنار، وبعضها الرأي والمكيدة، وبعض أسبابهم إليها الحق الذي لا شبهة فيه، وأكثرها الباطل الذي لا مرية فيه. في هذه الظلمات المتراكمة نتوجّه إليك مخلصين بنصيحة تضمن استمرار السير، وحفظ الاتجاه، وسلامة العاقبة.
نحن نعتقد أن ميدان القتال بين العرب وبين اليهود هو فلسطين. أما الجزائر وغيرها من بقية أقطار العروبة فهي ميادين شعور وعطف وأخوّة وتضامن، يشعر فيها العربي بمحنة أخيه في فلسطين فيعطف عليه وبحمله العطف على مواساته بما استطاع مما يخفف محنته أو يعينه على ظالمه. ويعتقد أن فلسطين وطن عربي كل الحق فيه للعرب، فيردّ دعوى المدّعين ودعاية الداعين بالحجة والمنطق، ويسمع كلمة الباطل في قومه فينقضها بكلمة الحق، ويرى مواطنه اليهودي يزوّد إخوانه في فلسطين أو يجهّز مقاتلتهم فيفعل مثل ما فعل، وكما أننا لا نلوم يهود العالم على إظهار عواطفهم نحو إخوانهم في فلسطين. لا نقبل اللوم من شخص أو من حكومة على إظهار عواطفنا نحو إخواننا عرب فلسطين، ولا نقبل التحجير علينا فيما
__________
* "البصائر"، العدد 40، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 جوان 1948م. (بدون إمضاء).
(2/204)

نستطيع إعانتهم به، ولا نرضى أن يكون حرامًا علينا ما هو حلال لليهود. ومن أنصفنا أنصفناه وزدنا.
ونحن نعتقد أيضًا أن العربي بطبيعته رزين ساكن، وأن المسلم بطبيعة دينه مسالم متسامح، وأن الطبيعتين بعيدتان عن الشر لا تقبلانه ولا تقبلان عليه إلا مكروهتين أو مغرورتين، ونعلم مع ذلك أن الاستعمار بطبيعته كائد ماكر، وأن له في الكيد والمكر طرائق تعجز الشياطين أن تأتي بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. وأن للحكومات الاستعمارية جواسيس وأعوانًا ربّتهم على افتراص الفرص لتلك المكائد وعلى اختيار الظروف لها وخلق الأسباب. فكلما عنّ لهم سبب تافه، أو جرت حادثة بسيطة مما يجري كل يوم، أو تحرّك شعور في الأمّة ولو لمعنى ديني محترم أو طبيعي محتوم، شرحوه للحكومة وأولوه، وجسموه وهوّلوه، وصرفوه عن معناه الطبيعي إلى مجرى آخر يوافق هوى الحكومة لتبني عليه مكائدها، وتتخذ منه ذريعة للانتقام.
إننا لا نشكّ بما في أذهاننا من الشواهد، وبما عوّدتنا الحكومة من العوائد أن قضية فلسطين من القضايا التي يتخذ منها خصوم العرب والمسلمين وسيلة كيد لهم في كل أرض فيها للاستعمار سلطان وعلى الخصوص في شمال إفريقيا.
إن أعظم ذنوبكم في نظر الاستعمار هو أنكم رفعتم أصواتكم بطلب حقوقكم الوطنية من دينية ودنيوية: فهو لا يفكر في إنصافكم ولا في الرفق بكم، وإنما يفكر فيما يسكت هذا الصوت من ترغيب أو ترهيب. وهو قادر أن يجعل من مثل قضية فلسطين وسيلة إلى ذلك الإسكات. فإياكم أن يستفزكم هو وأعوانه حتى يحرجكم فيخرجكم عن وقاركم. وإياكم أن يجعل لكم من قضية فلسطين مشغلة عن قضيتكم الوطنية.
إن الجزائر وطنكم الصغير، وإن إفريقيا الشمالية وطنكم الكبير، وإن فلسطين قطعة من جزيرة العرب التي هي وطنكم الأكبر، وإن الرجل الصحيح الوطنية هو الذي لا تلهيه الأحداث عن القيام بواجبات وطنيه الأصغر والأكبر.
قد ترون في هذه الظروف ما يستفز أعصابكم وتسمعون ما يجرح شعوركم وتقرأون ما يؤلم ضمائركم، فلا تقابلوا ذلك بالغضب ولا تجعلوه مثارًا للشر، بل قابلوا كل ذلك بالسكون والهدوء وضبط الأعصاب، واعملوا من الصالحات لكم ومن النافعات لفلسطين ما يطفئ الغضب ويدفع الشر، فإن ذلك يزيل غضب الشيطان، ويزيد حرارة الإيمان. إن الدعاية الصهيونية والاستعمارية تنسب لجنسكم العربي كل نقيصة من الفوضى والطيش وحب الفتك والسفك وخلق الوحشية والجفاء فكذّبوا أقوالهم بأفعالكم.
(2/205)

ندعوكم- ناصحين مخلصين- إلى السكون والهدوء وضبط الأعصاب، فقد كانت حادثة 5 أوت سنة 1934 وليدة تحريض من أجنبي لم يرد بكم خيرًا، وكانت واقعة وجدة بالأمس نتيجة استفزاز من أجنبي لم يرد بكم خيرًا، فقابلوا التحريض بالرفض، وقابلوا الاستفزاز بالصبر. وان العقل نعم السلاح، وان العاقبة للصابرين.

محمد البشير الإبراهيمي
فرحات عباس
إبراهيم بيوض
الطيب العقبي
(2/206)

إمتحانات المعهد والمدارس *
بدأت الامتحانات السنوية لتلامذة معهد عبد الحميد بن باديس يوم السبت الثاني عشر من شهر جوان الحالي، وستخفّ بها موازين وتثقل موازين. والشواهد السابقة تدلّ على أن النجاح سيكون عظيمًا، وأن التجربة ستكون موفّقة، وسننشر أسماء الناجحين كلها.
إن لمدير المعهد الأستاذ الجليل الشيخ العربي التبسي عينًا فاحصة وذهنًا واعيًا هيّآ له تراتيب جديدة في الكتب والدراسة، وشرائط مفيدة في القبول والانتساب وسيبني على تجربة هذه السنة وعلى نتائج الامتحانات قواعد تنهض بالمعهد في السنة الثانية من عمره نهضة عظيمة، وسننشر هذه التراتيب في العشر الأول من شهر سبتمبر الآتي.
وتبتدئ الامتحانات في المدارس الابتدائية يوم 20 من شهر جوان الحالي كما أعلمنا به في العدد الماضي.
وسيكون يوم الأحد الخامس من شهر جويلية الآتي هو يوم الاحتفال بتوزج الجوائز على الناجحين، فعلى أهل الفضل والإحسان وأنصار العلم أن يتبرّعوا بكتب وأدوات كتابة ومحافظ لتكون جوائز لأولئك الناجحين من أبناء الأمّة.
أما الاحتفال العام لختم دروس التعليم فسيكون يوم 29 جويلية في جميع المدارس. والمشاهدات والتقارير متظافرة على أن المشائخ المعلمين أدّوا الأمانة على أكمل وجه مع كثرة المثبطات وتنوّعها من الاغتراب إلى أزمة السكنى إلى عجز الأجور عن القيام بالضروريات، وهي- لعمري- مثبطات لا تغالب إلا بالصبر والإخلاص، وان حظ أبنائنا
__________
* "البصائر"، العدد 40، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 جوان 1948م. (بدون إمضاء).
(2/207)

المعلّمين منهما غير قليل، وإن تقديرنا لأعمالهم لتقدير جزيل. وإن كان التقدير، لا يغني المعلم ولا يغني المدير، وقد كانت مشكلة المرتبات في هذه السنة ناشئة في القليل عن الأزمة المالية، وفي الكثير عن أزمة أخرى نفسية ممقوتة، هي أزمة الخلافات الحزبية على الانتخابات التي هبّت ريحها من أول السنة الدراسية على كثير من الجمعيات المحلية، ثم عصفت في أواسط السنة وأواخرها فلفّت في أذيالها بعض المعلمين، ولم يدر هؤلاء ولا هؤلاء ماذا يجني ذلك المظهر المتنافر على التعليم من خراب واضطراب، وسنشرح تلك الأضرار بالبراهين في مقالات رمضان إن شاء الله حين تقرّ شقاشق التعليم وتخبو حمية الحزبية ويكون الجميع على استعداد لتذوّق الحق.
إن أبعد الناس عن الفلاح والنجاح من يبني الأمور الشريفة، على الاعتبارات السخيفة. وحرام أن نبني تعليم السنة الآتية على تلك النقائص من التنافر القلبي والتشاكس الحزبي، بل نبنيه على تعاون وثيق بين المشائخ والجمعيات.
(2/208)

الهيئة العليا لإعانة فلسطين *
إعانة فلسطين فريضة مؤكّدة على كل عربي وعلى كل مسلم، فمن قام به أدّى ما عليه من حق لعروبته ولإسلامه، ومن لم يؤدّه فهو دين في ذمّته لا يبرأ منه إلا بأدائه.
ومن سبق فله فضيلة السبق ومن تأخر شفعت له المعاذير القائمة حتى تزول، فإذا زالت تعلق الطلب ووجب البدار.
وقد قامت الأمم العربية والإسلامية بهذا الواجب: كل أمّة على قدر استعدادها وعلى حسب الظروف المحيطة بها لا على حسب الشعور والوجدان، فالشعور قدر مشترك بين الجميع لا يفضل فيه عربي عربيًا ولا يفوق فيه مسلم مسلمًا لأن مرجعه إلى العروبة، والعروبة رحم موصولة. وإلى الدين، والدين عهد إلهي لا ينقض. وقد يكون الشعور عند الأمم العربية أو الإسلامية البعيدة الدار، أو التي تحول بينها وبين فلسطين الحوائل أقوى منه عند الأمم القريبة الجوار، المتصلة الأسباب، الميسّرة المآرب، لقاعدة يعرفها علماء النفس وهي أن الحرمان يذكي الشعور. والأمّة الجزائرية العربية المسلمة من هذا القبيل فهي بعيدة الدار أسيرة في قبضة الاستعمار. يعد عليها الآهة تتأوهها والكلمة تقولها والبث تستريح إليه فضلًا عما فوق ذلك. ولكن الاستعمار لم يستطع أن يصل بكيده وقهره إلى مقرّ الإيمان بعروبة فلسطين ومستودع الشعور نحو عرب فلسطين. وهذان هما كل ما تملك الأمّة الجزائرية من ذخيرة معنوية.
وإذا تأخرت الأمّة الجزائرية عن إعانة فلسطين بالممكن الميسور فعذرها أنها كانت منهمكة في المطالبة بحقها في الحياة، وكانت من أجل ذلك في صراع مستمر مع الاستعمار وكانت- بتدبير الاستعمار- موزّعة القوى بين أحزاب متناحرة صارفة أكثر همّها إلى الفوز في الإنتخابات والحظوة بكراسي النيابات. صمّاء عن الدعوة إلى التآخي والاتحاد. إلى أن لعب الاستعمار
__________
* "البصائر"، العدد 41، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 جوان 1948م. (بدون إمضاء).
(2/209)

بجميعهم وضربهم تلك الضربة في انتخابات المجلس الجزائري الأخيرة. تلك الضربة التي لا يحمل وزرها ومسؤوليتها إلا من هيّأ للحكومة أن تقدم على تلك الفضيحة.
كانت هذه الجريدة كتبت فصولًا متتابعة مؤثرة في قضية فلسطين فشرحت فيها كثيرًا من الخفايا وكشفت عن كثير من الخبايا وقامت عن الجزائر بالحق الأدبي لفلسطين كاملًا. وحق لهذه الصحيفة أن تفخر بأنها شاركت أخواتها العربيات في الشرق بجهد لا يقلّ عن جهودهن، وبجهاد قلمي لا يقصر عن جهادهن.
وكانت هذه الجريدة تكرّر دعوة الأحزاب إلى الاتحاد في الشؤون الداخلية ومنها الانتخابات ليتخذوا من ذلك ذريعة إلى القيام بعمل جليل مشترك في إعانة فلسطين يشرّف الجزائر العربية ويرفع رأسها ولكن خابت الدعوة. وكان مدير هذه الجريدة وإخوانه العلماء بذلوا من الجهد العملي في سبيل الاتحاد ما تفرضه عليهم عروبتهم ودينهم ووطنيتهم. ولكن خابت أعمالهم، وإن لم تخب آمالهم. ومرّت قضية فلسطين في أطوار سريعة غبنت فيها العروبة والإسلام أفحش غبن، وظُلِمَا أقبح ظلم وصرح الاستعمار بشواهد الأقوال والأحوال أنه أخو الاستعمار وناصره ومقيم قواعده، ووصلت فلسطين إلى الدرجة التي يجب فيها العون على كل عربي وعلى كل مسلم وان بعدت الدار وتكالب الاستعمار. فجدّدنا الدعوة إلى الاتحاد منذ أسابيع وكنا البادئين بالدعوة لا كما تزوره بعض البلاغات الحزبية. واتخذنا من قضية فلسطين وسيلة جديدة للاتحاد عسى أن يجتمع عليها ما تشتّت من القلوب النافرة. وكان للأخ الشيخ الطيب العقبي مساع محمودة في هذا السبيل. وكانت الأمّة التي أضناها الخلاف وكادت بسببه- تكفر بالأحزاب ورجالها- مستبشرة بهذه المساعي راجية أن تكون الحوادث لقّنت رجال الأحزاب درسًا قاسيًا يردّهم إلى الصواب فيما دعوناهم إليه هذه المرّة. ولكن رجال "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية" لم يكونوا ديمقراطيين. فبعد أن قبلوا الدعوة وحضر ممثّلهم لا يحمل قيدًا ولا يشترط شرطًا. أفهمنا في اليوم الثاني باسم حزبه أنهم لا يرضون إلا بأن يكون كل شيء تحت رئاستهم. وأنه إذا لم يكن ذلك فلا يكون شيء.
وقد تشكّلت الهيئة العليا من أربعة على الصورة الآتية: ولعل التاريخ الذي غبناه مرارًا ينتقم منا هذه المرّة فيلجئنا إلى نشر كل شيء بشواهده وشهوده وأيامه ولياليه.
وهذا تركيب الهيئة العليا:
محمد البشير الإبراهيمي: رئيس
عباس فرحات: كاتب عام
الطيب العقبي: أمين مال
إبراهيم بيوض: نائبه
***
(2/210)

ثم تألّفت لجنة تنفيذية بالعاصمة من رجال العلم والثقافة ورجال الأعمال والاقتصاد وشباب العمل. وبدأت الهيئة العليا بإرسال برقية تأييد لسعادة عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية وبرقيات احتجاج واستنكار للحكومات المسؤولة، وقد جاءنا منها نصوص البرقيات مع بلاغ. ونحن ننشر الجميع- كما يراه القارئ- في هذا العدد.
(2/211)

"البصائر" ومعهد ابن باديس *
للبصائر أن تفخر- في غير من- بما قدّمته لمعهد عبد الحميد بن باديس من خدمة له وتنويه بشأنه. وتعدّ ذلك من أعمالها الصالحات لأنها تعتقد أن هذا المعهد هو المرحلة الثانية من مراحل النهضة العلمية التي بنى دعائمها رجال جمعية العلماء في عقد ونصف عقد من السنين.
وللبصائر أن تبتهج بهذا النجاح الباهر الذي تجلّت عنه اختبارات الانتقال في سنة المعهد الأولى، وبهذه النتائج المدهشة التي حصل عليها تلاميذ المعهد في الكمية والكيفية، وبهذه الكفاءة الممتازة من مدير المعهد وأساتذته.
حضرت بنفسي معظم أيام الاختبار التي دامت عشرة أيام، وعجبت للنظام والضبط قبل أن أعجب للنتائج، وأشهد أن لجان الامتحان كانت متشدّدة لا متساهلة ومع ذلك فقد أبى العمل الجليل إلا أن يعرب عن نفسه، وأبى العرق الأصيل إلا أن يبين عن عتقه. والحمد لله الذي وفّق وأعان، والفضل لأخينا الشيخ العربي التبسي مدير المعهد ولأبنائنا الأساتذة المدرّسين بالمعهد، فقد كشف الاختبار، عن صدق الاختيار وحقّقوا رجاءنا فيهم. وان التوفيق في اختيار الكفاءات هو أول مراتب النجاح.
والبصائر حين تقدّم للمعهد هذه المعونة الأدبية الثمينة، تتمنى لو أن حالتها المالية تسمح لها بتعزيز هذه المعونة بأخرى مادية هو أحوج ما يكون إليها، وإذًا لجادت عليه بكل فواضلها غير بخيلة ولا منانة، ولضربت المثل الشرود للأمّة في البذل للمشاريع النافعة، ولأقامت الدليل المحسوس على أن هذه العصابة القليلة من العلماء تري للأمّة مالها وتربّيه،
__________
* "البصائر"، العدد 41، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 جوان 1948م.
(2/212)

وتبديه ولا تخفيه، ثم تحيله كيمياء التدبير علمًا وبناءً ومشاريع ورجالًا وحقائق وأعمالًا تنفع الناس وتمكث في الأرض.
وقد رأت "البصائر"- بمناسبة انتهاء دروس المعهد- أن تشارك في إمداده بالمال، وتساهم في تحقيق برنامجه الواسع للسنة المقبلة، فأجمعت الرأي على أن تتبرعّ عليه بعدد في القريب، فتعدّه إعدادًا خاصًا وتحلي صدره بصورة عبد الحميد بن باديس الذي يتشرّف المعهد بالانتساب إليه وبصور المدير والأساتذة ورجال لجنة المالية والمراقبة وبكلمات للأساتذة، وتنشر أسماء التلامذة الناجحين في الاختبار تنشيطًا لهم ولأوليائهم.
ولكن هل يجمل بـ "البصائر" أن تنفرد بهذه المكرمة البكر دون قرّائها؟ وهل يجمل بقرّاء "البصائر" أن يشتروا هذا العدد الذي هو سجلّ شرف بالقيمة الاعتيادية التي لا تشرّفهم ولا تغني عن المعهد غناء؟ لا والله ... لا يجمل بـ "البصائر" أن تنفرد، ولا يجمل بقرّائها أن يتمسكوا بحقهم المشروع. ومَن الفيصل في القضية؟ الفيصل هو "البصائر". فقد حكمت بأن تكون قيمة هذا العدد الخاص بالمعهد "خمسين فرنكا": وهي تتقدّم بالرجاء الخالص إلى الأمّة أن لا يثقل عليها هذا المبلغ في هذا السبيل، وإلى الباعة أن يتنازلوا عن حقهم المعلوم، وإلى المشتركين أن يتسامحوا ويدخلوا مع الجمهور في سوق الشراء فيشتروا ذلك العدد الخاص من الباعة كسائر القرّاء لتظهر الأمّة كلها بمظهر واحد في السماحة والبذل. وسيبدأ مدير الجريدة وأسرتها وعمّالها فيشترون الأعداد الأولى حين تخرجها المطبعة، ثم يتولّون البيع بأنفسهم. وعلى أبنائنا الأساتذة والمعلّمين وجميع الإخوان المصلحين أن يقتني كل واحد منهم عددًا وأن يتولّى بنفسه بيع ما يستطيع من النسخ وأن يتباروا في هذا المضمار، فإنه مضمار شرف وميدان استباق إلى الخيرات.
ويد بالمال للعلم تجود … مزنة بالغيث تهمي وتجود
رب صرح شيد للعلم غدا … وهو للأمّة كون ووجود
(2/213)

معهد عبد الحميد بن باديس:
ما له وما عليه *
أخذت القلم لأكتب كلمة عن المعهد في هذا العدد الخاص به من "البصائر" فاستعرضت ماضيه منذ كان فكرة إلى أن أصبح حقيقة مبصرة، فرجع الصدى
قريبًا لقرب العهد كما ترجع ومضة "الرادار" حين تصطدم بجسم في فراغ الأثير. ثم استعرضت مستقبله فمثّلته الخواطر آمالًا كلها حلاوة وطيب، وغايات كلها نسيم بليل وزهر رطيب، وانفتحت آفاقه عن مثل رونق الضحى وإشراق الأصيل. فتفتحت نفسي للكتابة وهممت- على كلال الذهن والجوارح- أن أكتبها في نفس، وقلت لتكونن كلمة ذات أثر، تملأ السمع والبصر. ولأثأرن بها لنفسي من العوائق التي رمت طبعي بالجفاف وقريحتي بالركود. ولكن نفسي وقفت موقف الرقيب، بين المحب والحبيب، وأبت إلا أن أكتب عليها ... قلت لها إن هذا ليس لي ولا لك بعادة. وأنا امرؤ- كما تعلمين- ركب في طباعي نوع من الخمول والزهد في كل ما يتعلق بك. وأشهد كما تشهدين- أنه ليس من الخمول المصطنع ولا من الزهد المكتسب وإنما هو نوع لا ثواب فيه ولا محمدة، كالطول في الطويل، والسواد في الأسود، والبلادة في الجمل. فلجت في التعرض، فقاطعتها بكتابة كلمات صادقة عن الشيخين اللذين يقوم المعهد على اسميهما: ابن عاشور وابن باديس ولكنها لم تقنع وشوّشت كل ما في ذهني من صور جميلة وأخيلة بارعة لمستقبل المعهد، وطال اللجاج حتى خشيت أن أفوّت على العدد الخاص ميقاته. ومن عادتي في هذه الكلمات التي أفتتح بها أعداد "البصائر" أن أكتبها- في الغالب- في النصف الأخير من آخر
__________
* "البصائر"، العدد 44، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 جوان 1948م.
(2/214)

ليلة في الأسبوع، ولا أكتبها إلا بعد مضايقة من المطبعة لحمزة (1)، ومضايقة من حمزة لي: وحمزة- فيما يتراءى لي- أجرأ أسرة البصائر علَيّ، وقد أكتب الكلمة وأنا مسافر فأحسّ في باطن نفسي راحة من مضايقة حمزة لي. وأن مضايقات حمزة لأعود بالخير على "البصائر" من ضيقي وتبرمي، ولعلّي كشفت عن بعض السبب في التفاوت الذي يلمسه القرّاء في تلك الكلمات في الأسلوب والموضوع والطول والقصر.
سلكت مع نفسي في المدافعة والمساومة فجًا آخر فقلت: سأرضيك- نسيئة لا نقدًا- بالكتابة على صحيفة سخيفة، تدعو إلى دين بني حنيفة. أو على صحافي حافي شره ليس بالخافي. فقالت: لست مسيئة، حتى أرضى النسيئة. ولا يكتب عن صحافي أو صحيفة في عدد خاص، إلا رجل (باص). ونفسي- كما يعلم بعض القرّاء- جزائرية سطيفية، فكلمة باص بتشديد الصاد من لغتها. ومعناه: لا عقل له. فقلت: أو قد بلغت بي إلى هذا الحدّ يا أمة الله؟ فقالت: ولا بدّ من الكتابة عليّ في هذا العدد. فقد كتبتَ على بعض النفوس فقال الناس أحسنت التصوير، وقالوا أبدعت. وأنا أعلم من هنياتك أنك ستكتب على نفوس أخرى. وأعلم من خفاياك أنك ستسلك بها شعابًا من التصوير لم تسلكها إلا في ملاحم أفلو (2) التي سيقرؤها الناس بعد موتك- وأنا نفسك التي بين جنبيك، وأنا أقرب الأشياء إليك، وأنا وأنا ... ومضت تتجنّى وتتعنّت. فقلت فضحتني فضحك الله. وإنك لمملوءة الوطاب، من سوء أدب الخطاب. ولست في هذه المرّة أمة الله وإنما أنت أمة الشيطان، وسأكل الكتابة عليك إلى فلان ... قالت: بائع مدح وقدح. يعرف القيم الفلسية، لا القيم النفسية. وأحر به أن لا يشرف إذا مدح، ولا ينكى إذا قدح. وهنا فلسفة أنت عن معرفتها غني، قلت: فإلى فلان ... قالت: يتسرع، ويتبرع، ولا يتورع. فإذا مسّته الحاجة يتضرّع، وإذا مسّته الكلمة يتجرّع من الغمّ ما يتجرّع. وأخلق بكتابته أن تكون صبغة من نفسه. قلت: فإلى فلان ... قالت ذاك طائش السهام، راكد الإلهام. ثائر الأوهام، فأية منزلة تبلغنيها كتابته؟ وعرضت عليها نسقًا من الكتاب الراضين عليها والساخطين فأبت إلا أن تكون الكتابة مني عني.
وقعت من نفسي- لأول مرّة منذ اصطحبنا- على باقعة، فجنحت للسلم. ولولا حرمة الشهر وعهد المعهد لأخرجت للقرّاء من هذه المحاورات بين رجل ونفسه ما يضحكهم في الزمن العابس، ويسيرهم إلى السرور والركب حابس.
وقد اتفقنا بعد طول الجهد على أن أكتب عليها وعلى المعهد من الجهة التي يتصلان فيها. وهي أثرها في تكوينه- فإذا قرأ القرّاء لي هذه الكلمة المهلهلة ورأوا فيها حديثًا عن
__________
1) هو الشيخ حمزة بوكوشة عميد "البصائر".
2) "أفلو" قرية بالجنوب الوهراني، نفت السلطة الاستعمارية إليها كاتب المقال في أوائل الحرب فنظم في أيام الفراغ ملحمة رجزية في شجون من الحياة.
(2/215)

نفسي فليعلموا أنني مغلوب على أمري من عجوز. ولم يغلبك مثل مغلب. وليصدقوا الله كما صدقتهم، فما منهم إلا من غلبته عجوز بأحد معانيها، ولا أستثني أم الخبائث فقديمًا سمّتها العرب عجوزًا.
وهل أنبئ القرّاء بسرّ وهو أنني أضمرت الخديعة لنفسي، وقلت أعطيها قليلًا وأكدي، فانتقمت مني كما انتقمت بعوضة توت من كاشف قبره، وفاضح سرّه. فنثرت كل ما كان في خاطري منظومًا من الصور الفنية عن المعهد ومستقبله وما ننوي له من أعمال وما نعلق عليه من آمال. وجاءت المقالة عادية النمط، عليها ميسم الصدق، وليس عليها جلاله، وفيها مخيلة الحق، وليس فيها جماله.
...

معهد عبد الحميد بن باديس:
والمعهد تجمعه ثلاث كلمات: مكان، وإدارة، وتعليم.
أما المكان فهو دار منسوبة إلى أسرة عريقة في المجد، وهي أسرة ابن الشيخ الفقون التي يعرفها التاريخ بأعلامها في العلم والأدب.
شاركت الأمة الجزائرية كلها في بذل الأموال التي اشترت بها الدار، وأنفقت على إصلاحها وإعدادها، وشارك كاتب هذه السطور بكل ما يملك وما يملك إلا اللسان القوال، والعزم الصوال، والجثمان الجوال. ولولا هذه الثلاثة لما اشتري المعهد ولا عمر في هذه السنة ولتأخر وجوده في التاريخ سنة أو سنتين أو سنوات. وان في تأخير هذا المشروع إطالة لمرض الجهل وتأخيرًا لشفاء هذه الأمّة، وأن في التعجيل به تعجيلًا لشفائها ونقصًا من المرض ومدّته.
فقد كان جميع إخواني ومن ورائهم أنصار العلم متفقين على ضرورة إنشاء المعهد، وأنه الخطوة الثانية بعد التعليم الابتدائي الذي وصلنا فيه إلى نتيجة صالحة وغاية متمكنة. ولكنهم كانوا متفقين على أن الزمن غير صالح للشروع في العمل نظرًا لحالة الأمة المالية وتوالي الأزمات عليها.
وجزى الله إخوان الصدق أصدق الجزاء فما أن رأوا تصميمي وعزيمتي على شراء المكان حتى انشرحت صدورهم للذي انشرح له صدري. واستسهلنا الصعوبات فسهلت، وهززنا الأمة للتعاون على الخير والعلم فاهتزت. وقطعنا في الأسابيع مراحل ما كانت تقطع في الشهور والسنوات. وكان الشراء والإصلاح جاريين في جهة، والتنظيم والاستعداد للتعليم
(2/216)

جاربين في ناحية، والمقاومات الخفية والعلنية ممن لا يخافون الله جارية في ناحية ثالثة إلى أن غلب الحق على الباطل والعزيمة على التخذيل. وفتح المعهد أبوابه بعد شهرين من بداية العمل، والحمد لله الذي وفق وأعان، والشكر للأمّة التي شبّت على الحق، وعرفت العاملين للحق فأيّدت ونصرت.
...

وأما الإدارة فقد كانت- في رأيي- وما زالت أصعب من المال. لأن الصورة الكاملة التي يتصوّرها ذهني للإدارة الرشيدة الحازمة اللائقة بهذا المعهد العظيم، نادرة عندنا. ونحن قوم نقرأ لكل شيء حسابه. ولا نقدّم لجلائل الأعمال إلا الأكفاء من الرجال. وقد كنت مذخرًا لإدارة المعهد كفؤها الممتاز وجذيلها المحكك الأخ الأستاذ العربي التبسي الذي كانت تمنعه موانع قاهرة من تولّي الإدارة ومن الانتقال من بلده إلى قسنطينة، وكنت أقدّر تلك الموانع، وأزنها بميزانها الصحيح، وأراها بمثل العين التي يراها بها. فكيف العمل؟ العمل هو جعل تلك العوامل كلها عاملًا واحدًا وتفتيته حتى يصير ذرات، أرضينا سكان تبسة الكرام الذين كانوا يعدون انتقال الأستاذ التبسي عنهم كبيرة يرتكبها من يتسبّب فيها، وأقنعناهم بأن الشيخ العربي رجل أمّة كاملة لا بلدة واحدة. ورجل الأعمال العظيمة لا الأعمال الصغيرة. فاقتنعوا. وأمنا لهم مشاريعهم العلمية والدينية، بإيجاد من يخلف الأستاذ فيها فرضوا مخلصين. وقد كنت قبل ذلك كله تلطفت في الحيلة على أخي الشيخ العربي لما أعتقده من إخلاصه الكامل في خدمة أمّته، ومن تقديره لجهود أخيه هذا. وذلك أنه لما هوّل عليّ قضية المال الذي يتطلبه المعهد في شرائه وتعميره، هوّنت عليه القضية وهوّلت عليه شأن الإدارة إذا لم يقبلها هو، فلم يجد بدًّا من تهوينها عليّ إخلاصًا منه ومقاسمة للعبء مع أخيه. وإن أنس فلا أنس قوله لإخوانه المشائخ المدرّسين يوم اجتمعنا لنقرّر منهاج السير في التعليم.

أيها الإخوان:
"إن التعليم بوطنكم هذا، وفي أمّتكم هذه ميدان تضحية وجهاد، لا مسرح راحة ونعيم. فلنكن جنود العلم في هذه السنة الأولى، ولنسكن في المعهد كأبنائنا الطلبة، ولنعش عيشهم: عيش الاغتراب عن الأهل. فانسوا الأهل والعشيرة ولا تزوروهم إلا لمامًا. أنا أضيقكم ذرعًا بالعيال للبعد وعدم وجود الكافي، ومع ذلك فها أنا فاعل فافعلوا. وها أنذا بادئ فاتبعوا". فكانت كلماته هذه مؤثّرة في المشائخ، ماسحة لكل ما كان يساورهم من قلق ... ومضت السنة الدراسية على أتمّ ما يكون من النظام الإداري، وعلى أكمل ما يكون من الإلفة والانسجام بين المشائخ بعضهم مع بعض، وبينهم وبين
(2/217)

مديرهم، حتى كأنهم أبناء أسرة واحدة، دبّوا في حضن واحدة، وشبّوا في كنف واحد، وربّوا تحت رعاية واحدة، توزّع الحنان بالسوية، وتبني الحياة على الحب. وأن مرجع هذا كله إلى الأخلاق الرضية التي يجب أن يكون مظهرها الأول العلماء. حي الله الأخلاق. وأحيا الله الأخلاق.
وأنا أصدق القراء، فقد نجح المعهد في جميع نواحيه، ووالله ما اغتبطت بجميع ذلك ما اغتبطت بهذا الانسجام بين مشائخه، وهذه الرحمة المظللة لهم، وهذه المياسرة المتبادلة بينهم. وما كان اغتباطي موفورًا إلا لما قاسيته وأقاسيه من المعضلات النفسية والمشكلات الأخلاقية والتعاكس والتشاكس بين بعض أبنائي المعلمين، وما هي إلا بقايا من آثار التربية المضطربة لم يهذّبها العلم وسيهذّبها التأسي.
إن هذا الانسجام البديع بين مشائخ المعهد سيكون درسًا عمليًا نافعًا لتلاميذهم يأخذونه بالتأسي لا بالتلقين. وسيكون أثبت أساس لتربيتهم الأخلاقية وأعزّ ميراث يرثونه عن مشائخهم، وان الانسجام بين التلامذة سبب خطير من أسباب النجاح. فليعلم أبناؤنا التلامذة هذا وليفقهوه.
والأستاذ التبسي- كما شهد الاختبار وصدقت التجربة- مدير بارع، ومربّ كامل خرجته الكليتان الزيتونة والأزهر في العلم، وخرجه القرآن والسيرة النبوية في التديّن الصحيح والأخلاق المتينة، وأعانه ذكاؤه وألمعيته على فهم النفوس، وأعانته عفّته ونزاهته على التزام الصدق والتصلب في الحق وإن أغضب جميع الناس، وألزمته وطنيته الصادقة بالذوبان في الأمّة والانقطاع لخدمتها بأنفع الأعمال، وأعانه بيانه ويقينه على نصر الحق بالحجة الناهضة ومقارعة الاستعمار في جميع مظاهره. فجاءتنا هذه العوامل مجتمعة منه برجل يملأ جوامع الدين ومجامع العلم ومحافل الأدب ومجالس الجمعيات ونوادي السياسة ومكاتب الإدارات ومعاهد التربية.
والأستاذ التبسي في إدارته يتساهل في حقوق نفسه الأدبية إلى درجة التنازل والتضييع، ولا يتساهل في فتيل من النظام أو الوقت أو الأخلاق أو الحدود المرسومة، ولقد كان- زيادة على الدروس التي يلقيها بنفسه- يطوف على الأقسام كلها بالتناوب متفقدًا، فيسمع المشائخ يلقون أو يسألون، والتلامذة يجيبون، ولقد كان بين المشائخ في أول السنة تفاوت، وبين التلامذة تباين عظيم، وكنت أنا ألمح هذا في الشهرين الأولين كلما اختلفت إلى المعهد، فما مضى شهران حتى رأيت بعيني أن ذلك التفاوت صار انسجامًا، وأن ذلك التباين انقلب اتحادًا ظهرت آثاره في آداب التلامذة وأخلاقهم وشمل هيئات الدخول والخروج والنوم والأكل وسائر التصرفات، وما جاء ذلك إلا من ضبط المدير وحزمه
(2/218)

وجاذبيته. وأشهد ... لقد حدّثني المشائخ في الأشهر الأخيرة فرادى ومجتمعين بأنهم انجذبوا إلى العلم انجذابًا جديدًا، وحببت سيرة الأستاذ التبسي التعليم إليهم على ما فيه من مكاره ومتاعب وأنهم أصبحوا لا يجدون بعد جهد سبع ساعات متواصلة يوميًا، نصبًا ولا لغوبًا.
وليس الأستاذ التبسي جديدًا في سياسة التعليم والارتياض على الإدارة. فقد باشر التعليم المدرسي سنين عددًا بمدرسة "سيق" وباشر الإدارة والتعليمين المسجدي والمدرسي سنين بمدرسة تبسة ومسجدها اللذين أنشأهما بجهده ونفوذه. ثم اضطلع بالتعليم المسجدي وإدارته لتلامذة الجامع الأخضر، بعد موت الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس وانتقال التلامذة إلى تبسة في أيام الهزاهز والفتن. وأن من تلامذته في ذلك العهد رجالًا هم زينة مدارسنا اليوم، ومنهم من هاجر إلى الشرق ليكمل علمه فأوفى وبرز.
...

وأما التعليم فهو الغرض والغاية من المعهد وأن معهدنا ليعنى من أول يوم بالتربية التي تهملها المعاهد كبيرها وصغيرها أو تتساهل فيها مع أنها هي الأصل والأهم المقدّم. كما يعنى باهتمام بغرس العقائد الصحيحة في أذهان التلاميذ وبتعويدهم على العبادات البدنية حتى ينشأوا مؤمنين عاملين للصالحات. وما قام الإسلام إلا على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ونقول آسفين: إن معاهدنا الإسلامية في الشرق والغرب فرطت في جنب هذا الأصل العظيم وأهملت الأصلح واقتصرت على الصالح. ولعل موجة الإصلاح الآخذة في الامتداد تأتي على النقاثص وتأتي بالكمالات.
وقد صدق الاختيار في المشائخ الذين وسدنا إليهم أمر التعليم في هذه السنة، فما منهم إلا من جلا وجلى وأحرز الغاية وحقّق الظن. وقد بنينا اختيارهم على أساس التجربة والمعرفة اليقينية بدرجة التحصيل، لا على اعتبار الشهادات الجامعية، وان كنا نقدّرها حق قدرها ولا نستخف بها. فالشيخان أحمد حماني وأحمد حسين يحملان شهادة "العالمية" من الزيتونة والشيخان عبد المجيد حيرش والمولود النجار يحملان شهادة التحصيل من الزيتونة أيضًا. والشيخ العباس بن الشيخ متخرج من القروبين. ولأكثرهم دربة بالتعليم ومران عليه وعلى أساليبه حيث قضوا فيه سنوات في ظل الحركة الإصلاحية وفي ميدان النهضة التعليمية، أما الشيخ نعيم النعيمي فهو عصامي في العلم، وحجة على أن الذكاء والاستعداد يأتيان مع قليل من التعليم بالعجائب. والرجل مجموعة مواهب لو نظّمت في الصغر ووجّهت لجاءت شهادة قاطعة على أن لا مبالغة في كل ما يروى عن أفذاذ المتقدمين. فهو يحفظ الأحاديث
(2/219)

بأسانيدها (لا على طريقة عبد الحي) ويحفظ عدة ألفيات في السير وعلوم الأثر والنحو وغيرها، ويحفظ كثيرًا من متون العلم ويجيد فهمها وتفهيمها، ويحفظ جزءًا غير قليل من اللغة مع التفقه في التراكيب، ويحفظ أكثر مما يلزم الأديب حفظه من أشعار العرب قديمها وحديثها ومن رسائل البلغاء قريبًا من ذلك ويقرض قطعًا من الشعر كقطع الروض نقاء لغة، وصفاء ديباجة، وحلاوة صنعة. وقد أسلس له الرجز قياده فهو يأتي منه بالمطولات لزومية منسجمة سائغة في روية تشبه الارتجال. وهو ثاني اثنين من رجاز العرب في عصرنا هذا، ولو شئت لذكرت الأول كما يقول الصاحب ابن عباد. وإنما آثرت نعيمًا بهذه الكلمات لأنه ليست له "شهادة" فجئته بهذه الشهادة.
والنية معقودة على إلحاق الثلاثة الذين خلفتهم الأعذار الغالبة بالمعهد في سنته الثانية.
وهم المشائخ المدرّسون: محمد السعيد الزموشي، وعبد القادر الياجوري، ومحمد الجيلاني المجاجي الأصنامي، وكلهم متخرجون من جامع الزيتونة، وثالثهم يمتاز بالتلقي عن الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس ومعدود في الطبقة الأولى من تلامذته، وقد باشر التعليم في حياة الأستاذ وتحت إشرافه. وكل من الثلاثة مبرز في صناعة التدريس.
...

الفرع وأصله:
والمعهد وإن كان فرعًا عن جامع الزيتونة لا يخرج عن برامج أصله في الجملة. ولكنه قد يزيد عليها لفائدة محقّقة أو راجحة. وهو ينوي التوسع في مبادئ علوم الحياة وينوي توجيه النوابغ فيها إلى استكمال معلوماتهم في جهة أخرى غير الزيتونة على نفقته وتحت إشرافه ورقابته ليأخذوا من العلوم التطبيقية بنصيب فينتفعوا وتنتفع الأمّة بهم. وسيخرج المعهد عن نظام جامع الزيتونة في نقطة تحديد السن فيأخذ بالتحديد جريًا على السنة المأثورة عند جميع الأمم، ولعل جامع الزيتونة سينتهي بالتدريج إلى الأخذ بالتحديد.
...

ومطالب المعهد:
كان العبء المالي في السنة الماضية ثقيلًا جدًّا، لأن ثمن الشراء والإصلاح- وهو يناهز سبعة ملايين من الفرنكات- زاحم النفقات الشهرية من أكرية وأجور وإعانات، والتقى معها في شهر واحد، فأدّى ذلك إلى أن المعهد ما زال مدينًا ببعض قيمته. أما السنة الآتية
(2/220)

فسيكون العبء أثقل لأن عدد المدرّسين سيزيد، وعدد التلامذة سيتضاعف وسنجد أنفسنا مضطرين إلى زيادة أقسام في السنة الأولى، وزيادة قسمين على الأقل في السنة الثانية، وزيادة قسم في السنة الثالثة. وإحداث سنة رابعة، ويترتّب على ذلك كله مضاعفة الأجور والإعانات وأجور السكنى.
وان إدارة المعهد، ومعها اللجنة المالية، ومعهما جميع المصلحين وأنصار العلم باذلون جهودهم في إحضار السكنى للمشائخ وللتلاميذ. لأن المشائخ- ومنهم المدير- لا يستطيعون أن يعيشوا بعداء عن أهليهم سنة أخرى. وقد آذنوني بذلك من السنة الماضية واشترطوا فقبلت اعتمادًا على الله وعلى الأمّة. والشرط أملك، فلتعلم الأمّة هذا ولتعلم معه أننا قمنا بالواجب وبنينا لأبنائها صرحًا شامخًا، ومعهدًا للعلم باذخًا، وأبرأنا ذممنا من كل ما نستطيع الوفاء به. وأننا واثقنا الأمّة على التعليم فوفينا، وعاهدناها على السير بها إلى الأمام فبررنا. فإن وقع تقصير بعد الآن عن الغاية أو تراجع إلى الوراء فتبعته ملقاة على الأمّة وحدها.
وإذا كانت هذه الأمّة تريد الحياة حقًا فقد شرعنا لها سننها، وفتحنا بابها وخططنا خطتها وبنينا أساسها، وقد قمنا في هذا الباب بواجبنا كاملًا، فليقم كل فرد من أفراد الأمّة بواجبه، حتى تحفظ هذه المشاريع وتقوى وتتكامل.
...

النجاح يقوّي الأمل:
نجح المعهد في السنة الأولى من عمره نجاحًا فوق المأمول. وأحسّ بذلك المشائخ والتلامذة، وأنصار العلم المتتبعون لسيره، والخصوم المتربصون به الدوائر وكل زائر له، وجاءت الامتحانات مصدقة لذلك. ولقد قرأت في أيام الامتحان ثلاث قطع من إنشاء تلاميذ السنة الثالثة، فوالله ما كدت أصدّق أنها من إنشائهم، لولا الأدلّة القاطعة على ذلك. ولولا أني توصلت بلطف الاستدراج إلى اليقين.
إن هذا النجاح قوّى الرجاء في تحقيق الغاية من المعهد، وبسط الأمل، وهوّن العسير من الوسائل بما بثّه في نفوسنا ونفوس الأمّة من اطمئنان، وبما أكّد بيننا وبينها من ثقة، وأننا سنعمل على توسيع الميدان في هذه السنة بما ذكرناه من زيادة المشائخ والتلامذة والأقسام، وإحداث السنة الرابعة التي يحصل التلميذ فيها على الشهادة الأهلية ويخطو منها إلى جامع الزيتونة. وإدارة المعهد منهمكة في إعداد التراتيب الجديدة، على ضوء التجارب القديمة،
(2/221)

وستعلن ذلك مع الشروط في أوائل سبتمبر الآتي. وسنستدعي من يمكن استدعاؤه من أبناء الجزائر المغتربين في طلب العلم، الناهلين من ينابيعه الصافية العذبة المحصلين على أعلى درجاته علمًا وشهادة، لينفخوا في المعهد من أرواحهم القوية. ويبثوا فيه نشاطًا أقوى من نشاطنا، ونظامًا أكمل من نظامنا.
هذا وإن الشرط الأساسي لنجاح المعهد وسيره من كامل إلى أكمل هو استقلاله في إدارته ونظامه وماله، وقد حقّقنا له هذا الشرط من أول يوم، فلا يتدخل في إدارته غير مديره ومستشاريه من المشائخ، وسيتكوّن منهم في المستقبل القريب مجلس إدارة بمعناه الصحيح. وكوّنا لجانه العاملة في النظام والمالية من رجال الإصلاح بقسنطينة. فالمعهد يجمعه قولك: فرع باسق بقسنطينة لأصل ثابت بتونس.
...

همسة في أذن الأمّة:
بوركت أيتها الأمّة، وبورك فيك الكرم وعلوّ الهمّة. إن معهدًا واحدًا لا يكفي لأمّة شارف عددها عشرة ملايين، فماذا أنت صانعة؟
أنت أمّة ولود للذرية. فالواجب أن تكوني ولودًا لأسباب الحياة لهذه الذرية. وفي مقدمة أسباب الحياة المدارس والمصانع. فإن كنت تلدين الأحياء ولا تلدين الحياة فبئس الأمّة أنت.
إننا ننظر النظر البعيد في صالحك وما فتحنا معهد قسنطينة حتى عقدنا العزم على فتح معهد في مدينة الجزائر وآخر في مدينة تلمسان. يأوي كل واحد منها ألف تلميذ، لنغسل عنك لطخة عار سجّلته عن نفسك بهجرة أبنائك إلى الشرق والغرب في طلب مبادئ الفقه والعربية.

أيتها الأمّة:
قلنا لك ان العلم هو عمارة الوطن وأساس الوطنية ومنشئ الوطنيين. وأرشدناك إلى أن العلم بالتعلم. وحثثناك على تكثير مدارسه. وما غششناك في نصيحة، ولا دليناك بغرور. ولا استهويناك بخيال. في حين تألب عليك الغاشون والغارون والمستهوون.
لك علينا البناء والتشييد، ولنا عليك العون والتأييد، وهذه مائة مدرسة وبضع عشرات من المدارس الابتدائية شدتها بإرشادنا، وبذلت فيها الملايين لم يلامس أيدينا منها درهم
(2/222)

واحد، بل أنت الدافعة، وأنت القابضة، وأنتِ الصارفة، وأنت المتصرفة، كل ذلك بواسطة الجمعيات الممثّلة لك. فلا تكذبي الحق المبين، وكذبي دعاوي المدّعين. وعاقدي العاملين لك على أمرين متلازمين: الأعمال الإيجابية، والعمليات الحسابية. لا على قاعدة: دع الحساب، ليوم الحساب.

أيتها الأمّة:
إن المشاريع التي بنيتها فأعليت بناءها ما زالت تعتمد على الإحسان المشتّت من الاكتتاب والاشتراك. وان هذه الحالة إن نفعت في هذه المرحلة، لا تنفع في جميع المراحل، فهل فكرت فيما يحفظ بقاء هذه المشاريع وحياتها؟
إن بقاء المشاريع وحياتها لا يكون بالسؤال ومدّ الأيدي في كل يوم. وإنما يكون بمداخيل قارة من أوقاف، أو مؤسّسات للدخل، أو زكوات شرعية. فعودي إلى ما كان عليه سلفك من وقف الرباع والعقارات على مدارس العلم. وحصني الأوقاف ما استطعت حتى لا تعبث بها الأغراض، ولا تتلاعب بها الأيدي.

كلمة الختام:
لعلّي أرضيت نفسي بذكرها مرات وإن ضحّيت في مرضاتها بالأسلوب والنسق، ولعلّي - بما ذكرته من إنفاق سنة كاملة من عمري في سبيل المعهد- قمت بالعذر عما وقع مني من تقصير وإخلال بالواجب في الأعمال العلمية العامة، ومع الأشخاص والجمعيات التي ترجع في أمورها إليّ وخصوصًا مع أبنائي المعلمين. فأشهد أني قصرت فيما تعوّدوه مني من إجابة مطالبهم وإزاحة عللهم. وعذري هو ما ذكرت. فليعلموا أنني- في الحقيقة- ما شغلت عنهم إلا بهم. وسينتهي هذا التقصير بانتهاء موجباته.
(2/223)

لجنة الأهلة والأعياد الإسلامية *
ما هذه اللجنة التي فرضت نفسها على المسلمين، أو فرضتها الحكومة على دين المسلمين؟ وعلى أي سند تستند؟ أعلى الدين؟ والدين لم يجعل للقضاة ولا لِلِّجَانِ سلطانًا على شعائره. أم على التاريخ؟ والتاريخ لم يعرف في جميع عصوره جماعة بهذا الإسم. أم على التقليد الموروث المتلقى من الأمّة بالقبول عن طوع واختيار؟ والتقاليد لا تعتبر إلا إذا عركتها الأزمنة وأصبحت جزءًا من حياة الأمّة، جارية منها مجرى الضروريات التي لا غنى عنها.
يقول الشيخ قاضي الجزائر في بلاغه الذي نشره بالجرائد الفرنسية قبيل رمضان ما معناه: إنه رئيس للجنة الأهلة والأعياد الإسلامية الكبيرة، وإن هذه اللجنة أصيلة، وإنها لا صلة لها بالحكومة، ولا مدخل للحكومة فيها، هذا معنى كلامه. ونحن وجميع الناس لا نعرف إلا أنها حكومية لحمًا ودمًا ووضعًا. وأنها حديثة عهد بالولادة والتسمية. سبقتها لجنة أخرى مبتدعة كانت تسمّى لجنة الأهلة. لم يطل عمرها كبقية الأوضاع المزوّرة على الدين والتاريخ. ولا نعرف عمن ورثها الشيخ القاضي لولا الحكومة؟ ولا ندري من قلّده إياها لولا الحكومة؟ ولا من أي طريق توصّل إليها لولا القضاء؟ ولا من أي طريق توصل إلى القضاء لولا الحكومة؟ فالحكومة هي الأولى والأخيرة في الموضوع ولا معنى لإنكار ذلك. ولم يتوصل بها الشيخ بانتخاب من الأمّة، ولا بمؤهّلات علمية أو دينية.
وإذا كان من بعض تراتيب الحكومات الإسلامية في القديم نصب قاض خاص بالأهلة، منقطع طول العام لتتبع مطالعها ومغاربها فإن ذلك سند انقطع، وسنة ماتت. على أن مفهوم "قاض" للأهلة غير مفهوم رئيس للأهلة والأعياد الإسلامية الكبيرة. فإن إدخال الأعياد هنا يشعر بأنها لجنة احتفالات بالأعياد تقيمها وتنظمها.
__________
* "البصائر"، العدد 45، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 جوان 1948م.
(2/224)

ويقول الشيخ القاضي فيما ردّ به على زميله المفتي الحنفي ونشره بجريدة "الوزبر": إن لجنة الأهلة والمواسم الإسلامية في جميع أقطار الإسلام من خطط القاضي المالكي. ونحن نعرف أقطار الإسلام، ولكننا لا نعرف هذه الخطة. ونعرف تاريخ القضاء ولا نعرف أن هذه الخطة من خصائصه ولو كان مالكيًا. ثم ما معنى خطط القاضي؟ لقد كانت للقاضي خطط يوم كانت في يده الحدود والمظالم والتعزيرات والحسبة والأموال. أما قضاة (ما تحت الاستعمار الفرنسي) فهم كمسائل (ما وراء الطبيعة) وإنما ينظرون في الأنكحة والمواربث وأموال المحاجير نظرًا مقيّدًا بالقانون الفرنسي، وبسلطة القاضي الفرنسي.
ويقول أيضًا: إن لجنته لا تقلّ قيمتها عن الهيئات الموجودة في الأقطار الإسلامية الأخرى. ونحن لا نسلم هذا إلا إذا سلّمنا أن هيأة قاضي الجزائر مساوية للهيئات الإسلامية في العلم والدين والمحافظة على الشعائر والذب عنها ولا نستطيع التسليم بذلك إلا إذا رزقنا جرأة كجرأة الشيخ القاضي.
ويقول أيضًا: إن أعضاء هيأته كلهم متضامنون متحدون متفقون على ما فيه الخير والصلاح ودرء الخلاف والشقاق بين إخوانهم المسلمين الخ ... وبعض هذا صحيح، وهو التضامن، فقد تضامنوا في ليلة الشك على النوم من الساعة التاسعة ونصف- العاشرة، وتركوا الأمّة تنتظر.
...

إن سلطة القاضي في الإسلام مقصورة على أحكام المعاملات الدنيوية ولا صلة لها بالعبادات، البتة، ومن أحكام المعاملات سماع الشهادة وتعديلها أو تجريحها، لأنها أساس في إيصال الحقوق إلى أهلها. أما الشهادة على الرؤية، رؤية الهلال، فهي من باب الخبر، لا من باب الشهادة. إذ لا حق للمخلوق هنا: وكل من سمع الخبر تعلّق به الحكم، وهو وجوب الصوم. والفرق بين الشهادة والخبر معروف عند الفقهاء. ولكن قضاتنا صيروا الخبر - رغم أنفه- شهادة، ودخلوا من بابها إلى رمضان الذي هو عبادة محضة لا يدخل فيها حكم الحاكم، فابتدأ تدخّلهم في مسألة الصوم بتلقّي الشهادات وتسجيلها ثم توسعوا في المسألة لهذا العهد حتى توهموا- بسكوت العامة- أنها من مناطق نفوذهم. ثم ترقت المواصلات الإخباربة بالتلفون والراديو، فأصبحت المسألة مصدر شهرة، فنافسهم فيها المفتون، ونازعوهم حبل النفوذ والظهور ثم ازدادت عناية الأمّة بدينها، فازداد الفريقان بها تعلّقًا. يتخذ منها المفتي مشغلة لوظيفته العاطلة، وتعميرًا لوقته الفارغ. ويتخذ منها القاضي أداة ظهور وزلفى للأمّة، وعلالة بالنفوذ الديني، ومظهرًا من مظاهر العناية بالدين يتجدد في
(2/225)

كل عام. ومن فاتته السلطة النافذة في صميم وظيفته، التمسها بالتصنع والانتحال، وانتجعها في المراعي البعيدة.
ثم جاءت الحكومة في الأخير لتستغل ما زرعت بذوره، وغرست جذوره. وكان صوم هذا العام هو مصنع التجربة ...
هذه هي وظيفة القاضي مقيّدة محدودة. أما المفتي فإنه لم يذكر في الكتاب. ولا مفتي في الإسلام بهذه الصورة. وإنما الفتوى في الدين واجب مشاع بين علماء الدين، وإذا كان خلفاء بني أمية يقيمون في مواسم الحج الأكبر مناديًا ينادي لا يفتي في الناس إلا عطاء، أو لا يفتي في الناس إلا طاوس، وإذا كانوا يقولون لا يُفتى ومالك بالمدينة، فما ذلك إلا أنه عطاء وطاوس ومالك ...
ونحن نسمّي حادثة هذا العام مهزلة حكمًا بالظاهر، وقياسًا على ما كان يقع في الأعوام الماضية من التلاعب وتقوية أسباب الخلاف بين جماعات هذه الأمّة المسكينة. أما في هذا العام فهي مهزلة ومكيدة معًا. فقد دلّت القرائن على أنها مكيدة مدبّرة محبوكة الأطراف، اشتركت فيها عدة هيئات وأشخاص أولها الهيئة الحكومية، وآخرها هيئة الأهلة والأعياد، وبينهما ما شاء الهوى من وسائط وأدوات. منها راديو الجزائر الذي بادر إلى النوم، كأنما كان هو واللجنة فيه على ميعاد، ولا نبرئ راديو تونس في هذا العام، فقد رأيناه يتثاءب ويتمطّى ويتناوب ويضيق به الصبر فتسكت نامته، وآذان سامعيه معلّقة به. كأنما سرت إليه نفحة من وحي الجزائر.
وهكذا تقوم الشواهد كل يوم على أنه لا ثقة بهذه المصالح والهيئات التي لا تتحرك ولا تسكن إلا بالوحي والإيعاز، ومنها مرصد (بوزريعة) الذي يعتمد عليه الشيخ القاضي ويقول عنه لسان حاله: إنه حيث لا هلال في المرصد، فلا هلال في السماء. ونحن لا نثق ببوزريعة ولا بمكبراته، ومتى كان بوزريعة مصدر شريعة؟ ومتى كان مصدر وحي بالصوم والإفطار؟
إن الرصد علم. لم يبلغ بنا الجمود أن ننكره. ولكن الاستعمار يفسد العلم بإفساد العلماء. ويوم يجمع علماء الإسلام على الرجوع في الصوم إلى الحساب والترحيل يكون لهم في علماء الفلك منهم مندوحة عن مراصد الاستعمار التي يشيّدها، ويقيّدها. وعن علمائها الذين لا يسميهم حتى يسممهم.
أصل هذه المهزلة أو المكيدة، وعفتها التي سهّلت على مرتكبيها ارتكابها مهزلة أخرى صنعها الاستعمار صنعًا ليذرّ بها الرماد في العيون، فقد شرع في العام الماضي قانونًا يقضي باعتبار الأعياد الإسلامية أعيادًا رسمية تعطل فيها المصالح والأعمال. ومن ذلك اليوم زيد في اسم (لجنة الأهلة) سطر وهو (والأعياد الإسلامية الكبيرة).
(2/226)

وإلى الآن لم ندر ما مرادهم بالكبيرة؟
لم تبلغ بنا البلاهة إلى حدّ أن تخفى علينا المقاصد الحقيقية من هذه الترهات. فقد فطنا من أول لحظة للقصد من هذا التشريع التافه. وسبق الشيخ أبو القاسم البيضاوي فكتب مقالة في العدد الثامن عشر من "البصائر" كشف فيها الغطاء عن هذه اللعبة، ونبّه الأمّة إلى ما ينطوي عليه هذا القانون من كيد. وأن الغاية منه التوصل إلى العبث بأعيادنا والتحكم في شعائرنا بواسطة لجنة كلجنة الأهلة والأعياد.
كانت المكيدة مفضوحة بنفسها وبأيدي رجالها الذين غفلوا عن موطن النقد فافتضحوا ودلونا على أن الأمر كله وحي وإيعازات.
ذلك أن ليلة الأربعاء هي ليلة الشك. فكان الواجب على لجنة الأهلة أن تنسى الأعياد، وأن تأخذ للأمر حيطته بأربعة أمور:

الأول: أن تبقى مجتمعة في مكتبها إلى ما بعد منتصف الليل لتتلقّى الأخبار لاسيّما وبلاغ الشيخ القاضي يتضمن هذا.

الثاني: أن تتقدم إلى إدارة البريد بإبقاء المكاتب البريدية في القرى الصغيرة مفتوحة إلى ذلك الوقت.

الثالث: أن تتقدم إلى إدارة الراديو بمثل ذلك.

الرابع: أن تكون على اتفاق مع جميع قضاة القطر بأن يتصلوا بها إلى ذلك الوقت. ولو شاءت اللجنة لفعلت ذلك من دون مانع ولا عائق، أولًا لأن للقضاة جمعية ورئيسها
هو رئيس اللجنة. وثانيًا لأن هذه الأشياء الأربعة حكومية، فهي أخوات من الرضاع وقد سمعنا أن جمعية القضاة اجتمعت مرات، ولم نسمع أنهم ذكروا هذه المسألة الخطيرة بكلمة.
غير أن لجنة الأهلة والدعاية لم تفعل شيئا من ذلك، بل فعلت نقيض ذلك. فما جاءت الساعة التاسعة ونصف- العاشرة حتى كانت مكاتب القاضيين والمفتيين بالجزائر كلها مغلقة، وأهلها نائمون. وسرى النوم منهم إلى الراديو فغطّ، كأن الليلة ليست ليلة شك. وكأن الأمّة ليست في انتظارهم وانتظاره وكأن الشيخ القاضي لم يكتب في ذلك بلاغا. ولو أنه انتظر إلى نصف الليل، لَقام عن نفسه بالعذر سواء صدّق خبر قسنطينة أو كذّبه.
وقد طلب مركز جمعية العلماء مكاتب القاضيين والمفتيين مرارًا إلى ما بعد نصف الليل، فلم يجبه أحد، وجاءتنا الأخبار من الآفاق بأن عشرات من الناس طلبوا مكتب اللجنة
(2/227)

عشرات المرات فلم يجبهم أحد. وأن محكمة قسنطينة خاطبته بعد العاشرة لتبلغه الخبر الذي تلقّته بالرؤية فوجدته نائمًا. وبلغتنا الأخبار الصادقة بأن كثيرًا من المحاكم لم تفتح ليلة الأربعاء ولا دقيقة، وأن قاضي سطيف استيقظ في الساعة الثامنة من صباح الأربعاء فبلغه أن الرؤية ثبتت عند قاضي قسنطينة، فأمر مناديًا ينادي في الناس بالإمساك فقابله مفتي البلد به بمناد آخر ينادي بالفطر. وكانت فتنة، وكان تشويش، وكانت سخرية بالغة من الأجانب. وما كان القاضي ولا المفتي يريد بما صنع وجه الله ولا نصر الحق، وإنما هو تنازع على نفوذ موهوم ورياسة زائفة.
ومما يزيد في الحسرة والألم أن جريدة "ديبيش قسنطينة" نشرت صباح الأربعاء خبرين متناقضين في إطار واحد، أحدهما بالحرف الدقيق ومعناه أن قاضي قسنطينة أثبت الصوم، والآخر بالحرف الغليظ ومعناه أن قاضي الجزائر يقول: لا رؤية، ولا هلال، ولا صوم. وجريدة "الديبيش" من ألسنة الاستعمار الحادة، ومن معامل الكيد للإسلام والمسلمين، ومصانع الاستخفاف بهما، والاحتقار لهما. ولها في كل حرف تنشره عنهما حكمة وغرض. ففي نشر الخبرين معًا في إطار واحد بنوعين من الحروف أحدهما يلفت النظر، معان لا تخفى علينا ومغاز لا نستغرب منها، ودلالة على دعايتها لأحد الخبرين، وترجيحًا له. وإننا لا نلومها على شيء خلقت له، فقامت به أحسن قيام. وإنما نلوم هذه الهيئة القضائية المتشاكسة على إدخالها الأغراض الشخصية في مسائل الدين، وعلى هذا التلاعب الذي مهّدت به السبيل للسخرية من الإسلام والمسلمين.
...

أصبحنا لا نثق بهذه الهيئات المسيرة، ولا بهذه الآلات المسخرة. فهل للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن ينظروا لدينهم، ويجمعوا على أمر يشرف الإسلام وينقذه من هذه الفوضى المخزية. وسندلي برأينا في ذلك ونشارك في وضع خطة الإنقاذ.
وقد كنا نشرنا على الأمة منشورًا في العام الماضي، وأعدنا نشره في هذا العام مكنا فيه للثقة بمراكز الإذاعة في تونس والجزائر والرباط، وبالأخبار التي تأتيها من الهيئات الشرعية، حملًا لها ولهم على محمل الأمان والائتمان. ولم نراع في ذلك كونهم قضاة ولا مفتيين. وإنما راعينا كونهم عمالًا مؤتمنين. أما الآن ... وبعد اطلاعنا على هذه الخائنة منهم فقد بدا لنا فيهم بداء. وما على الأمة بعد هذا إلا أن تعتمد على نفسها، وأن تتبادل الأخبار التلفونية من شاهدين إلى شاهدين، وأن تجتهد في تعميم الأخبار بالوسائل الممكنة.
(2/228)

سنة من عمر "البصائر" *
بتاريخ هذا العدد تسلخ "البصائر" السنة الأولى من سلسلتها الثانية حامدة لله تعالى على ما وفق وأعان ويسر، شاكرة للكتاب والقراء ما بذلوا من عون وتنشيط. فخورة بهذه الأسرة المخلصة المتعاونة، وبهذا الجيش اللجب من العلماء والكتاب والشعراء، وهذا المدد المتلاحق من القراء والأنصار. معتزة بهم، معتقدة أن الله سبحانه لم يقيض لجريدة مثل ما قيض للبصائر من أعوان وأنصار. وأنه ما قيض لها ذلك حتى وفقها للإخلاص، ويسرها لليسرى، وجملها بالصدق، وهيأها لحمل أمانة الحق.
سلخت "البصائر" هذه السنة من عمرها مرفوعة الرأس موفورة الكرامة، نقية العرض، طاهرة اللسان. لم تتنازل من حقوق الأمة في دينها ودنياها على شعرة، ولم تعش على خبيث المطاعم، ولم تبع لقرائها ما حرم الله من كذب وسب، ولم تعودهم عوائد السوء من التضليل وقلب الحقائق، ولم تتنزل لمسافهة السفهاء الذين تحركهم المطامع الدنية والأيدي الخفية. إلى مناوشتها والتحرش بها ليشغلوها بالباطل عن الحق، وبغير المفيد عن المفيد، وليفتحوا معها واجهة من الخصام الداخلي ليس من مصلحة الأمة ولا من مصلحتهم لو كانوا يعقلون. ولكن "البصائر" تفطنت لكيدهم وما يضمرون، فأعرضت عنهم فلجوا، فاحتقرتهم. ثم وزنتهم فوجدت الغش والتزوير والتضليل والتدجيل وإنكار الحقائق الملموسة، ووزنت جمعية العلماء التي يحاربونها فوجدت العلم، والأعمال المفيدة، والمدارس المشيدة، فتركت البصائر الكلمة لهذه الأعمال، لتدمغ بنفسها تلك الأقوال. ولو شاءت البصائر لأوقفت كل سفيه عند حده، ولسقته من الرد حميمًا وغساقًا. ولئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون بجمعية العلماء ليكونن للبصائر معهم موقف جديد، في عامها الجديد.
__________
* "البصائر"، العدد 45، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 2 أوت 1948م.
(2/229)

ومن الغريب في أمر هؤلاء أنهم يعمدون إلى سيئاتهم التي صارت طبيعية فيهم فيحاولون - عمدًا- إلصاقها بجمعية العلماء. وهذا نوع من التضليل وتغطية الإجرام لا يطول أمده ولا يلبث أن يفتضح صاحبه.
وهم يجهدون في أن يقلبوا حسنات جمعية العلماء سيئات، وأنهم لا يستطيعون ذلك، وكيف يستطيعون؟ ومن حسناتها القرآن تهتدي به وتهدي، ومن حسناتها الإسلام تنوه به وتنشر محاسنه، ومن حسناتها هذا البيان العربي الذي أحيته في الألسنة والأقلام، ومن حسناتها هذه المدارس العديدة المتوجة بهذا المعهد الباذخ، ومن حسناتها عشرات الألوف من أطفال الأمة فتحت أعينهم على النور ونهجت لهم نهج الحياة.
والبصائر سجل للحركة العلمية والأدبية بهذا القطر، وثبت حافل بأعمال جمعية العلماء، وكنز من البيان العربي تشد عليه أيدي الضنانة وأعدادها تكون في كل سنة مجلدًا نفيسًا تزان به الخزائن، فعلى قرائها أن يحتفظوا بها، وقد أبقت إدارة البصائر مجاميع ستجلدها وتبيعها لمن فاته جمعها أو قراءتها، وكان النظام يقتضي أن تكون المجموعة مؤلفة من خمسين عددًا، ولكن عطلة الأعياد وعوائق أخرى اعترضتنا في أثناء السنة حتمت علينا أن تكون مجموعة هذه السنة مؤلفة من خمسة وأربعين عددًا هذا آخرها.
وأما ما بذلته أسرة البصائر من جهد ظهرت آثاره في الأسلوب وجمال الطبع، ودقة التصحيح- فهو شيء تحتسبه الأسرة في خدمة العربية ولا تمنه، وإنها لترجو فوق ذلك مظهرًا.
أما المواضيع التي تخصها البصائر في عامها الثاني بالعناية- زيادة على العموميات- وتحمل فيها الحملات الصادقة: ففي مقدمتها فصل الدين عن الحكومة وما يتفرع عن الفصل، كالمساجد والأوقاف، وحرية الصوم والحج وحرية التعليم العربي، ومنها دراسة مناهج التعليم في المدارس الحرة والمعاهد، ومحاربة الجراثيم التي داخلت الجهاز التعليمي، وستبتدئ من العدد الآتي بنشر سلسلة بعنوان (جناية الحزبية على التعليم) تفضح فيها هؤلاء الذين يوحون إلى التلاميذ ما يزهدهم في العلم، ويعوق سيرهم فيه، ويقلل تحصيلهم له، حتى يرمينا الزمان- بسببهم- بجيل أشل، يزيد في بلاء الأمة، ويحقق الأمنية الكبرى من أماني الاستعمار التي عجز عن تحقيقها بنفسه فاستعان عليها بهؤلاء، ويصدق التهمة العظمى التي يرمينا بها الاستعمار، وهي أننا شعب بليد لا استعداد فينا للعلم، وأنها- والله- لجريمة يرتكبها هؤلاء الدساسون للتلامذة، والمندسون في صفوفهم، وإن أول واجب على الأمة أن تتفطن لهذه الجريمة ولهؤلاء المجرمين، وأن تتصورها بعواقبها، وأن لا تستخف بها فتضيع عليها رغائبها وأموالها وجيلًا كاملًا من أبنائها.
(2/230)

سنة "البصائر" الجديدة *
تستقبل "البصائر" بهذا العدد عامًا جديدًا من عمرها المديد بالأعمال لا بالأقوال، العامر بالحقائق لا بالخيالات، وبالجد لا بالهزل، وبالبناء لا بالهدم، سائلة من
الله تعالى- في اخبات المؤمن، وخشوع القانت- توفيقًا ينير السبيل، وإعانة تسهل العسير، وتأييدًا يشد الأزر، ومددًا روحانيًّا يقوى العزائم ويغذي اليقين، ويثبت الأقدام.
تستقبل "البصائر" هذه المرحلة الجديدة من مراحل جهادها، وهي على أشد ما كانت عليه من الإيمان واليقين والاستبصار والحزم والثبات والصبر، وهي الخلال التي اتسمت بها من يوم نشأت، ولم تزدها ممارسة الأيام والحوادث إلّا شدة فيها، واستمساكًا بها، فكانت عدتها في الشدائد، وسلاحها في مواطن البأس واليأس، حين تهفو الأحلام وتطيش الآراء، وتزيغ البصائر، ولا تظن نفس بنفس خيرًا.
...

قطعت البصائر عامها الأول من عهدها الجديد في مقارعة الاستعمار، في الميدان الديني والعلمي كثيرًا، وفي الميدان السياسي قليلًا. كشفت نياته وألاعيبه في قضايا فصل الدين الإسلامي عن الحكومة، وحرية التعليم العربي والحج، وفضحت مكايده في وضع الدستور الجزائري ومهازل الانتخاب، ولم تعف أعوانه في الميدانين، المتسترين منهم والمجاهرين، ثم شاركت بجهد المقل في قضية فلسطين بتلك المقالات التي أمدها اللسان العربي بقبس من بيانه، وأمدها البلاغ الإسلامي بقوّة من برهانه، وأمدها التاريخ الصادق بفواصل من فرقانه، ثم طافت في فترات العام المتقطعة بموانع الاهتمام من شؤون الجزائر، فوضعت في
__________
* "البصائر"، العدد 46، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 23 أوت 1948م.
(2/231)

كل جرح دواء، ورفعت لكل غادر لواء، وأعطت في كل حدث رأيًا، ولكل مشكلة علاجًا، ونصبت في كل ميدان جنديًّا، كل ذلك بقدر ما وسعه جهدها، وانفسح لعمله ذرعها، ثم لم تغفل يومًا عن وظيفتها الأصلية وهي خدمة التعليم العربي ومدارسه ورجاله.
...

والبصائر حين تضع تلك الشارة الثمينة على صدرها، بل ذلك التاج اللامع على رأسها، وهو كلمتا: العروبة والإسلام- لا تضعها رمزًا بلا حقيقة، ولا عنوانًا بلا كتاب، ولا حلية على عجوز، بل هي حقيقة صادقة، ومزنة وادقة، وأعمال مبرورة للعروبة والإسلام. لا تزيد فيها ولا مبالغة. فالبصائر هي مجلى البيان العربي بهذا القطر، وهي حارسة الهدي المحمدي بهذا القطر، وهي المؤتمنة على الفضائل الشرقية بهذا الوطن في وقت أجلب فيه الاستعمار بخيله ورجله على هذه الثلاثة، ينتقّصها ليزهد فيها، وينقصها ليبيدها. تمالئه على ذلك نزعتان خبيثتان، كلاهما من غرس يده: نزعة الالحاد التي هي شر ما نسلت الحضارة الغربية، ومن آثارها قطع الصلة بيننا وبين الشرق وروحانيته، ونزعة أخرى تلبس باسم الشرق العربي، وتأكل الخبز باسمه، زخرف القول غرورًا، ولكنها لا تعمل ما يرضيه، ولا تبني ما يعليه، وإنما ترفع العقيرة باسمه فتفضحها رطانة الأنباط، وتربط نفسها معه بمثل خيط العنكبوت فينحل الرباط، وتمتحن بخصائصه فإذا هي ... كما قيل في حجام ساباط.
والبصائر ترى أن الشرق العربي شركة مساهمة، للمغرب العربي حق المساهمة فيه برأس مال، ليس منه الأقوال ولا الخيال، وأن جمعية العلماء التي تمثلها جريدة البصائر هي الهيأة الوحيدة التي قدمت حصتها كاملة للشركة العربية من رأس المال، بما أصلته للعروبة من أصول، وبما فصلته لها من فصول، وبما أقامته لها من معالم. نقول هذا ولا نبخس الهيآت العاملة أشياءها، وإنما نقول: ان رأس المال الذي نعتبر به شركاء في هذه الشركة العظمى- لا يتحقق بالبرقيات، ولا باحتفالات يوم العروبة. إذ غاية ما يدل عليه ذلك إثبات أننا عرب، وهذا تحصيل حاصل، وليس فيه في حدّ ذاته حاصل، وإن تأسيس مدرسة عربية، لأفصح في الدلالة على الاتصال من ألف برقية.
إن هذه التهاويل والقشور هي من أسوأ ما جلبه إلينا الاستعمار من ضلال الحضارة الغربية. يلهينا بها عن الواجبات، ويحجب علينا بها الحقائق، وقبلها رمانا بالسم القاتل من فكرة الوطنيات الضيقة، ليضيع علينا الوطنية العامة. فلما ضاعت من أيدينا وأفكارنا- ابتلعنا لقمة، ولو حافظنا على الوطنية الكبرى العامة لما مزق أوصالنا هذا التمزيق الشنيع. فهل نعتبر؟ وهل نذكر؟
(2/232)

إن أعظم فائدة نجنيها من الجامعة العربية هي استبدال الوطنيات المحدودة بالوطنية الجامعة الواسعة، ولا تضع الجامعة العربية رجلها في طريق الفلاح إلّا يوم توحد التعليم ووسائل الثقافة والقضاء والنقد والجيش والتمثيل السياسي، ولو وفقت إلى ذلك من قديم لوجد "وسيط" الأمم الظالمة صفًا واحدًا، وإمامًا واحدًا، ولسانًا واحدًا، ولما رأيناه يطير كالديك من غصن إلى غصن ويؤذن على كل غصن بأذان ... ويا ويح فلسطين، إذا كان يدافع عنها شركاء متشاكسون.
و"البصائر"- بعد هذا كله- ستعالج في عامها الجديد مشكلة التعليم العربي في أقطار العروبة وستمد يدها وبصرها إلى ما وراء الحدود، وستدلي برأيها- بكل إخلاص- في التعليم الجامعي بجامعاتنا الدينية العزيزة وستتوسع في القول بضرورة توحيد المناهج، والعناية بالتربية الخلقية في جامعاتنا ومدارسنا الابتدائية ولها في هذا الاستعداد القوي الذي استحكم في نفوس رجال العلم والعمل- أكبر أمل في النجاح.
...

و"البصائر" ستشتد في مقاومة هذه "الاستعمارات" المقاومة للتعليم، وسيجدونها غصةً وشجًا وسمًا ناقعًا وغيظًا، وسيجدونها عن العلم نضاحة، ولأعدائه فضاحة، وسيجدونها- ما داموا على ذلك- حيث يجد العدو عدوه، لا حيث يجد الصديق صديقه.
...

و"البصائر" جريدة العروبة والإسلام، فلتبق جريدة العروبة والإسلام.
(2/233)

جناية الحزبية على التعليم والعلم *
مائة وثلاثون مدرسة عربية ابتدائية مجهزة بكل الأسباب المادية العصرية اللازمة للمدارس، وبجهاز آخر من المعنويات أعظم منها شأنًا وأجل خطرًا، وبجند من المعلمين الأكفاء قوامه مائتان وخمسون معلمًا، من بينهم عشرات من النوابغ في التعليم والإدارة، ومشحونة بزهاء ثلاثين ألف تلميذ من أبناء الأمة بنين وبنات، يتلقون مبادىء الدين الصحيح عقيدة وأعمالًا، ومبادىء العربية الفصيحة نطقًا وكتابة وإنشاء، ويتربون على الوطنية الحقيقية وعلى الهداية الإسلامية والآداب العربية، ويتكون منهم جيل مسلح بالعلم، ثابت العقيدة في دينه ووطنه، قوي العزيمة في العمل لهما ... ويزيد في قيمة هذه الحصون العلمية أن الأمة تملك أعيان نحو الخمسين منها، وتملك الانتفاع بالباقي على وجه الكراء.
وسبعة وثلاثون مدرسة أخرى شرعت الأمة في تشييدها في هذه السنة، وفيها ما يحتوي على ستة عشر قسمًا، وفيها ما تقدر نفقاته بخمسة عشر مليونًا من الفرنكات.
ومعهد تجهيزي عظيم، يخطو إلى الرقي والكمال في كل يوم في نظامه وبرامجه وأساتذته وتلامذته. يُؤوي من تخرجه تلك المدارس، ليزود الأمة منهم بالوعاظ والمرشدين وخطباء المنابر، ويزود الطامحين منهم إلى المزيد من العلم بالمؤهلات إلى ما يطمحون إليه.
وجمعيات بلغت المآت، مقسمة على العلم والإحسان والأدب والرياضة، تبث في الأمة النظام، والإدارة، وآداب الاجتماع، وديمقراطية الانتخاب، وتعلمها كيف تناقش، وكيف تصوغ الرأي، وكيف تدافع عنه، وكيف تنقضه بالحجة، وكيف تزن الأفكار، وكيف تحاسب العاملين، وتدربها على التدرج من الإدارات الصغرى إلى الإدارات الكبرى. لأن
__________
* "البصائر"، العدد 46، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 23 أوت 1948م.
(2/234)

الأمة التي لا تحسن إدارة جمعية صغيرة، لا تحسن بالطبع- إدارة مجلس فضلًا عن حكومة، ولا كالجمعيات مدارس تدريب، ونماذج تجريب.
ونواد بلغت العشرات، غايتها إصلاح ما أفسدت المقاهي والملاهي من أخلاق الشباب، وكلها ميادين للعمل، ومنابر للخطابة، ومستغلات للعلم والتعليم.
وآلاف من الشباب العربي المسلم كان كالمجهول في نسبه، وكالجاهل لحسبه، ففتحت المحاضرات الحية أذهانه على تاريخ أسلافه وفتقت ألسنته على آدابهم، فتقاسم على أن يقفو الأثر، ويجدد ما اندثر، وأقبل على العلم حتى إذا ضاقت به الجزائر فارقها كالنحلة، ترحل إلى المكان السحيق، لترجع إلى خليتها بالرحيق.
وإصلاح ديني تمكن من النفوس وتغلغل إلى الأفئدة، فطهرها من الشوائب التي شابت الدين، ومن النقائص التي شانت الدنيا، وصحح العقائد فصحت القواعد، وصحح العزائم، فأقدمت على العظائم، وإذا صحت العقائد وصلحت النيات، ظهرت الآثار في العزائم والإرادات. وفضائل شرقية كانت مشرفة على التلاشي فأحيتها مدارسة القرآن وممارسة التاريخ، وإفشاء الآداب العربية، ونشر المآثر العربية.
وأمة كاملة كانت نهبًا مقسمًا بين استعمارين متعاونين على إبادتها: مادي متسلط على الأبدان، وروحاني متسلط على العقول، فصححت حركة الإصلاح الديني عقولها، فصح تفكيرها، واتزن تقديرها، واستقام اتجاهها للحياة، وان تحرير العقول من الأوهام، سبيل ممهد إلى تحرير الأبدان من الاستعباد.
...

هذا هو رأس المال الضخم الذي أثلته جمعية العلماء للأمة الجزائرية في بضع سنين، وغذت به البقايا المدخرة من ميراث الأسلاف.
وهذه هي الأعمال التي عملتها جمعية العلماء للعروبة والإسلام، فحفظت لهما وطنًا أشرف على الضياع، وأمة أحاطت بها عوامل المسخ، فأصبحت أمة عربية مسلمة شرقية نضاهي بها أخواتها في العروبة والإسلام، بل نباهيهن بها، وما شيدت جمعية العلماء هذا البناء الشامخ من الماديات والمعنويات ورفعت سمكه إلّا بعد أن أزالت أنقاضًا من الباطل والضلال تنوء بالعصب أولى القوّة والأيد، وبعد أن نازلت جيوشًا من المبطلين المضلين تَكِعُّ عن لقائها الأبطال، وبعد أن لقيت من حماة الاستعمارين ما تلقاه فئة الحق من فئات الباطل: كانوا أكثر وأوفر، وكنا أثبت وأصبر، وكانت العاقبة للصابرين.
(2/235)

وهذا ما وضعته جمعية العلماء من أسس ثابتة للوطنية الحقة، فأروني ماذا صنعت هذه الجماعات التي تسمي نفسها أحزابًا سياسية وحركات وطنية؟ وماذا عمل هؤلاء اللائكون لكلمة الوطن، من عمل صالح للوطن؟ وماذا قدم هؤلاء الماضغون لكلمتي العروبة والإسلام، من خدمة نافعة للعروبة والإسلام؟ وماذا عرف هؤلاء المزورون على الشرق العربي من الشرق العربي؟
لا نعرف نحن، ولا تعرف الأمة، ولا يعرف المنجم، لهؤلاء أثرًا صالحًا في تربية الأمة، ولا عملًا إيجابيًا مثمرًا في فائدة الأمة، بل لم نعرف جميعًا عنهم إلّا الضد. ففي باب التربية لم نر منهم إلّا التدريب على السب والكذب والاختلاق وقلب الحقائق والتمرين على التزوير والدعايات المضللة، والتعويد على الشقاق، والتبعيد عن الاتحاد، وفي باب الأعمال لم نر منهم إلّا عملًا واحدًا، هو الذي سميناه "جناية الحزبية على التعليم والعلم".
هؤلاء القوم قطعوا الأعوام الطوال، في الأقوال والجدال، وجمع الأموال، وتعليل الأمة بالخيال، ومجموع هذا هو ما يسمونه سياسة ووطنية. فلما فحصنا هذا وقارنا مقدماته بنتائجه لم نجده إلّا تمهيدًا للانتخابات ووسائل للفوز بكراسي النيابات، وما يتبعها من خصائص وامتيازات.
هذه هي الحقيقة وإن ألبستها الدعايات الجوفاء في الداخل والخارج ألف ثوب زور، وسنشرحها بالأدلة ونكشف الغطاء عن هذا الزيف، فلا أبطل من الباطل إلّا السكوت عليه. وقد كانت مواسم الانتخاب تأتي بعد السنوات فيكون في الفترات بينها مجال لدعوى المدعي وتضليل المضلل، ولكنها كثرت وتعددت وصحبها من مغريات الأجور ما أذهل المحتاط، عن أخذ الاحتياط، فافتضحت المقاصد، وظهرت العيوب.
كثرت مواسم الانتخاب حتى أصبحت كأعياد اليهود، لا يفصل بعضها من بعضها إلّا الأيام والأسابيع، وكان ذلك كله مقصودًا من الاستعمار. لما يعلمه في أمتنا من ضعف، وفي أحزابنا من تخاذل وأطماع، وفي مؤسساتنا ومشاريعنا العلمية من اعتماد على الوحدات المتماسكة من الأمة، فأصبح يرميهم في كل فصل بانتخاب يوهن به صرح التعليم، ويفرق به الجمعيات المتراصة حوله، والتعليم هو عدو الاستعمار الألد لو كان هؤلاء القوم يعقلون.
كان هؤلاء القوم عونًا للاستعمار على ما أراد من كيد التعليم واضعافه، فقد وقع في السنة الماضية انتخابان وأمعنت الحزبية في التضريب بين جماعات الأمة، وبالغت في التضليل والأماني، وبالغت في السب وتقطيع الأوصال، وبالغت في تمزيق الشمل المجموع حول التعليم: فما انتهى الانتخاب الأخير إلّا والجمعيات القائمة بالمدارس منشقة متعادية، والهمم التي كانت مجمعة على التعليم باردة فاترة والأيدي التي كانت مبسوطة للتعليم
(2/236)

مقبوضة شحيحة، وطاف طائف النعرات الحزبية ببعض المعلمين فنسوا واجبهم وأضاعوا الانسجام مع زملائهم- والانسجام شرط أساسي لنجاح التعليم- وفتحوا الباب للعامة في التحزب والتعصب، وكانت النتيجة- لولا أن تداركناها بالحكمة- بلاء مصبوبًا على مدارسنا وهي في خطواتها الأولى، ولو أن مدارسنا اشتدت أصولها، وامتدت فروعها، وكانت تأوي في الجانب المالي إلى ركن شديد، وترجع في الجانب العملي إلى رأي رشيد لكان وبال هذه النعرات الحزبية الشيطانية راجعًا إلى أصحابه وحدهم، ولو كان محركو هذه النعرات الحزبية يريدون بالوطن خيرًا- كما يزعمون- لجانبوا بدعايتهم هذا الجهاز التعليمي بمدارسه ومعلميه وجمعياته وموارده المالية، ولكنهم متعمدون لذلك متمالئون مع الاستعمار عليه، ومن ذا الذي يستطيع إقامة الدليل على براءتهم من هذه الجريمة، وأقوالهم شاهدة بذلك؟
هذه إحدى جنايات الحزبية على التعليم زيادة على جنايتها على الأخوة والمصلحة الوطنية العامة.
إن التعليم عند الأمم التي عرفت الحياة معدود في المقومات التي هي رأس مال الوطن، ورأس المال يسمو عن الحزبيات، ولكن التعليم عند هؤلاء الدجالين منا معدود في الدرجة الأخيرة من الاعتبار، فيجب في نظرهم السخيف أن يخضع للانتخاب، وسمخر هو ورجاله للأحزاب، وقد تختلف الأحزاب عند تلك الأمم في فكرة سياسية، وترتفع حرارة الخلاف إلى درجة الغليان ولكن ... محال أن يصل الخلاف أو تمتد أسبابه إلى قدس التعليم ومدارسه ورجاله ونظمه وبرامجه ووسائله. محال ذلك لأن التعليم- عندهم- فودتى الأحزاب وفودتى الحزبية وأشرف منهما ولأنه رأس مال الأمة، وذخيرة الوطن، وهما مقدسان عند الأحزاب التي تحترم أممها وأوطانها ....
اشتد الخلاف واحتد بين الأحزاب الفرنسية من الشيوعية المتعصبة إلى الكاثوليكية المتعصبة. فهل سمعتم أن الخلاف بينها تناول- يومًا- المدارس والكليات والدين والتعليم؟
(2/237)

مجلة أفريقيا الشمالية*
لم يزل مكان المجلات العربية في وطننا فارغا، ولم يزل تطلع القراء إليها شديدًا، منذ احتجبت مجلة "الشهاب" وضعف الرجاء في عودتها إلى الظهور، حتى صدرت مجلة "افريقيا الشمالية" فسدت بعض الفراغ، وأنعشت بعض الأمل، وأرتنا مثالًا من تغلب الهمة على الصعوبة، وانتصار العزيمة على القنوط.
وصاحب "افريقيا الشمالية" ولدنا الشيخ اسماعيل العربي من تلاميذ الإمام عبد الحميد ابن باديس، ومن ذلك الشباب الذي جهزته جمعية العلماء قبل الحرب لنشر "الإصلاح" والعربية فيما وراء البحار، وأحد أفراد بعثتها إلى القاهرة، وقد لبث فيها نحوًا من ثمان سنوات ما بين الجامعة الأزهرية، والجامعة الأميريكية إلى أن عاد إلى الوطن منذ سنة، فسمت همته إلى هذا النوع من خدمة الثقافة بوطنه، وهي خدمة جليلة لولا ما يعترضها من الصعوبات، وأصعبها وأشقها الطباعة، فمن النقائص الفاضحة في نهضة العربية بالجزائر فقد المطابع العربية.
والشيخ اسماعيل العربي كفء لهذا العمل إذا وجد المساعدة والتنشيط وذللت أمامه عقبة الطباعة، وهو كاتب ممتاز في العلميات النفسية والأخلاقية.
صدر من المجلة الجزءان الأول والثاني في هيأة لطيفة، وروح أدبية خفيفة، وبداية تدل على أنها سائرة إلى غايات شريفة.
__________
* "البصائر"، العدد 46، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 23 أوت 1948 (بدون إمضاء).
(2/238)

و"البصائر" تتمنى لمجلة "افريقيا الشمالية" انتصازا يُقوّي المعنويات، وانتشارًا يقوم بالماديات، وتحسّنًا يضمن الاقبال واطراد السير، ولا تبخل عنها بالمستطاع من العون والتأييد، وأيسره حثّ الأمة على الاشتراك فيها.
وتتمنّى لصاحبها نفحات تغذى الأمل، وتدفع إلى العمل، وتطرد طائف الملل، والله
في عون الصحافي ما دام الصحافي في عون أخيه، وصبر جميل، أيها الزميل، فكلانا مبتلى ...
(2/239)

أدعاية أم سعاية؟ أم هما معًا؟ *
قالوا: ان جريدة "المغرب العربي" كتبت في الوجه الفرنسي من أحد أعدادها الأخيرة، ما معناه: أن الإبراهيمي يتجوّل في عمالة قسنطينة ليجمع زكاة الحبوب لفلسطين، إلى آخر العبارة، فلم نستغرب من هذه الرواية إلا شيئًا واحدًا، وهو أن يوجد في أخبار "المغرب العربى" كلام ثلثاه صدق ...
فقد قالت: إن الإبراهيمي يتجوّل: وهذا حق، وقالت: انه يجمع زكاة الحبوب، وهذا صدق، وقالت: إن تلك الحبوب لفلسطين، وهذا كذب مقصود متعمد، بل ما سيق الكلام الذي قبله إلّا لأجله، وما اقترفت جريدة "المغرب العربي" جريمة الصدق في الجملتين الأوليين إلّا لأنهما وسيلة ومعبر إلى هذه الكذبة التي يسميها الناس كلهم كذبة، وتعتقدها تلك الجريدة من الحسنات الكبرى لأنها تجمع بين الدعاية والسعاية.
كنا نهينا بعض الطلبة عن منكر يعوق عن طلب العلم، ولا يتلاقى مع العلم في سبيل، وهو هجر الدروس لأجل القيام بالدعايات الانتخابية، فسمت الجريدة المذكورة هذا النهي سعاية منا بالطلبة. فما قول العقلاء اليوم فيما كتبته عن جمع الزكاة لفلسطين؟ خصوصًا حين كتبت ذلك في وجهها الفرنسي ليفهمه من وجه إليه مباشرة بلا واسطة ....
أما الصدق في القضية فهو أن الإبراهيمي تقدم إلى الفلاحين بالعمالة القسنطينية بأن يدفعوا نصف زكاة الحبوب للفقراء والمساكين، ويدفعوا النصف الآخر للمشاريع العلمية التي ببلادهم، ففهموا وامتثلوا، وضل سعي الكائدين.
وما قالت جريدة "المغرب العربي" ذلك الكلام إلّا بعد أن طاف "باعة المغرب العربي" الجهات التي زارها الإبراهيمي لينهوا الناس- بإلحاح- عن هذا المعروف الذي أمر به،
__________
* "البصائر"، العدد 47، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 30 أوت 1948م، (بدون إمضاء).
(2/240)

ولكن الناس كانوا أعقل من أن تؤثر عليهم هذه الدعايات، وأعلم بمن يضلهم ومن يهديهم، وأعرف بمن يستزلهم عن أموالهم ليضعها في جيبه، وبمن يأمرهم بالعدل والإحسان ليضعوا أموالهم بأيديهم في يد الله فتكون حسنات في الآخرة ونفعًا في الدنيا، ولعل هذا هو الذي تنقمه منا تلك الجريدة وباعتها، وتنتقم لأجله من المدارس بإفسادها لأنها تنقص عليهم "المدخول"، ومن شك في هذا فليتصفح جريدة "المغرب العربي" بوجهيها ولينظر هل دافعت عن حرية التعليم العربي؟ وهل انتقدت القوانين الجائرة الخانقة للتعليم العربي؟ وهل انتصرت للمدارس العربية التي يغلقها الاستعمار كل يوم؟
إن هذا الصنيع من أصحاب "المغرب العربي" وباعته في حديثهم عن زكاة الحبوب وفلسطين- يلزمهم بواحد من اثنين ولا ثالث لهما. إما أنهم يعتقدون حقا أن الحبوب تجمع لفلسطين، وعليه فهم أعداء لفلسطين يصدون الناس عن إعانتها، وإما أنهم يعلمون أنها تجمع للعلم، وعليه فهم أعداء للعلم يصدون الناس عن إعانته وإمداده، وأحد الأمرين لازم لهم لا يستطيعون عنه انفكاكًا.
لم نتعود ذكر هذه الجريدة، فمعذرة إليها هذه المرة.
(2/241)

برقية تعزية في وفاة المنصف باي *
نصّ البرقية التي أرسلها الرَّئِيسُ الجليل إلى الأمير محمد الرؤوف نجل الفقيد، والأمير الهاشمي، والأمير حسين، والأمير محمد إخوة الفقيد، في تعزيتهم عن الفجيعة التي حلّت بهم وبالأمة التونسية جمعاء:
قسنطينة يوم السبت 4 سبتمير 1948.
إن وفاة صاحب الجلالة سيدي محمد المنصف كارثة عامة يشارككم في الحزن عليها المسلمون عمومًا وسكّان شمال أفريقيا خصوصًا.
ويزيد آثارها الدامية تمكنًا في النفوس ما أحاط بها من ظروف الغربة والظلم.
إنني باسمي وباسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومن ورائها الأمة الجزائرية أعرب لكم عن الأسف العميق لهذه المصيبة، وأتقدم إليكم وإلى الأمة التونسية بالتعزية الخالصة.
محمد البشير الإبراهيمي
__________
* "البصائر"، العدد 49، السنة الثانية، 13 سبتمبر 1948، وفي نفس العدد مقال "دمعة على المنصف" (انظر الجزء الثالث من آثار الشيخ).
(2/242)

كارثة الأغواط *
لم تصلنا تفاصيلها، ولكن ما وصلنا من أخبارها المروّعة في هذين اليومين كاف في تصوّر الفجيعة، وفظاعة المصيبة، فإلى رحمة الله تلك الأرواح التي ذهبت ضحيّة التفريط وعدم الاحتياط. وإن بقاء الثكنات العسكرية ومستودعات جهنّم وسط المدن الآهلة- لَمِن سيّئات الاستعمار التي لا تغفر، وخصوصًا في هذا العصر.
إن جمعية العلماء تتقدّم بالتعازي الحارة إلى العائلات المنكوبة سائلة من الله أن يعظّم أجور الأحياء في الأموات.
__________
* "البصائر"، العدد 51، السنة الثانية، 27 سبتمبر 1948 (بدون إمضاء).
(2/243)

إلى المشائخ المعلمين *
قرر المجلس الإداري لجمعية العلماء عدة قرارات مفيدة في شأن التعليم، وصمّم على تنفيذها وعلى تلافي النقائص المحققة بقدر الإمكان.
ومن أهم ما قرّره تنجيز البرنامج الموحّد، وتنجيز اللائحة الداخلية التي تحدّد الحقوق والواجبات والعلائق بين المعلّمين أنفسهم وبينهم وبين الجمعيات المحلّية.
ومن أهم ما قرّره ترتيب درجات المعلمين (كادر) حتى لا تغبن الكفاءات ولا تهضم الأقدمية.
إلى عدّة إصلاحات خطيرة تعود على التعليم، بالخير العميم.
إن المجلس استعرض نتائج الامتحانات للسنة الماضية فوجد في بعضها نقصًا ملموسًا، وضعفًا محسوسًا ودقّق البحث في أسباب ذلك فوجدها ترجع إلى العناصر الآتية:
أوّلًا: روح التذمر المستولية على كثير من المعلّمين بسبب فقد السكنى واضطراب المعيشة، وهم على حق في هذا، وسنسعى في إزالته، والذنب فيه للجمعيات المحلّية.
ثانيًا: غلاء أسعار الضروريات، وعدم قيام الأجور بها، وهو مِثْلُ الأول في اهتمامنا به وتقديرنا له.
ثالثًا: افتتان بعض المعلّمين بالنزعات الحزبية.
رابعًا: عدم انضباط البرامج.
هذه بعض النقائص وأغربها أن يكون الكمال سببًا في النقص، فإن من بعض أسباب الضغف كثرة المدارس وشدّة إقبال الأمة، فأدّى ذلك إلى التساهل في بعض الاعتبارات اللّازمة، وظهر أن الرغبة زادت على الموجود من الرجال العاملين في التعليم.
__________
* "البصائر"، العدد 31، السنة الثانية، 27 سبتمبر 1948 (بدون إمضاء).
(2/244)

بيان من المجلس الإداري لجمعية العلماء *
قرار رقم 16، جلسة يوم الإثنين 9 ذي القعدة عام 1367هـ
الموافق للثالث عشر من سبتمبر 1948م.
جمعية العلماء- في حقيقتها- دفاع منظم قوي عن الإسلام والعروبة بهذا القطر. هيأه الله عناية بدينه ولغة كتابه، وهيأ له نوعًا من العلماء ممتازًا بقوّة العلم وقوّة الروح. ليقوم بما قام به المصلحون المصطفون من علماء الإسلام في جميع العصور كلما طاف بالدين طائف بدعة من الداخل، أو عارض شبهة من الخارج. فيقمعون البدعة لئلا تندثر السنن، ويردون الشبهة لئلا تلتبس الحقائق، وكلما تجافت الألسنة عن صراط العربية، وجفت النفوس والقرائح من الأدب العربي، فيقومون زيغ الألسنة لئلا تضيع الفصاحة، ويعالجون القرائح لئلا تفسد الأذواق، وما زال الإسلام مبتلى بالبدع والشبهات، وما زالت العربية مرزوءة في فصاحتها بهذه الضرائر من اللهجات النابية، والرطانات الغريبة، ولولا دفاع الله عنهما بمثل جمعية العلماء لانزوى القرآن في المصاحف وانضوت روائع العربيية إلى المتاحف. كما هو واقع بهما من يوم ظهر في الميدان أفجر عدوّ لهما على وجه الدهر، وهو الاستعمار المسيحي.
وعمل جمعية العلماء- في جملته- إرث مذخور، ونصيب مفروض، لا يستحقه إلا العلماء أولوا الأيدي والأبصار، الذين أخذوا الكتاب بقوّة، ودرسوا ما فيه بتدبر، ولا يضطلع بحمله قليل العلم، ولا كليل الفهم، ولا ضعيف المنة، ولا منزور الحظ من البيان والإلهام.
__________
* "البصائر"، العدد 31، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 27 سبتمبر 1948م.
(2/245)

وأعمال جمعية العلماء للإسلام والعربية هي البناء المتين للقومية، والتفسير الصحيح للوطنية، والشرح العملي لمعنى الأمة، والمعنى الجامع لهذه الكلمات الجليلة التي أصبحت عند أمم الأعمال مفخرة الفاخر، وعند أمم الأقوال- مثلنا- سخرية الساخر.
...

وكما امتحن الله الإسلام بخصومه الكائدين له، المتربصين به، ليجلو حقه بباطلهم، ويظهر حقيقته بمزاعمهم، وبقوي حجته بشبهاتهم، ويثبت قواعده بما يحاولون من هدمه، حتى كأنه- بسببهم- موجود مرتين، أو كأنه موجود وجودًا مضاعفًا، وهذه إحدى سنن الله في الحق والباطل، ما وقف الباطل أمام الحق إلا كان حجة له لا عليه، بل كان حججًا مطوية في حجة، ففي تهافت الباطل حجة، وفي تَخَاذُل أصحابه حجة، وفي خذلان الله لهم في العاقبة حجة الحجج.
وكما امتحن الله اللغة العربية بهذه الرطانات الناشزة ليقيم من عيها دليلًا على فصاحتها، ومن هجنتها برهانًا على صراحتها، كما يشهد قبح الشوهاء لجمال الحسناء، إذا تواقفتا في مشهد.
كذلك ابتلى جمعية العلماء بجماعات يعارضون أعمالها، ويسفهون آراءها، ويطمسون حسناتها، ويَتَنَقَّصُون جلاثل آثارها ويعارضون بأقوالهم أفعالها، فلا تكون عواقبهم إلّا كعواقب من يترصد للإسلام الأذى، ويبيت للعربية المحو والإبادة، وما جعل الله الأولين إلا سلفًا ومثلا للآخرين.
...

كان من المعقول أن يقف الكتابي أو الوثني في طريق الإسلام ليقطع مجراه أو ليصد تياره، ذيادًا عن دينه أن يهضم، وعن حوضه أن يهدم.
وكان من الطبيعي أن يقف الأعجمي اللغة موقف المكابر في فضل العربية وجمالها وسحر بيانها، حَمِيَّة للغته أن تنتقص، ولآدابها أن تبخس، وما زالت المحاماة عن اللغات كالمحاماة عن الأعراض- غريزة بشرية. حتى لو سألت السوداني المتوحش عن لغته لقال: إنها أفضل اللغات، وإنها أفصح اللغات.
ولكن غير المعقول وغير الطبيعي أن تقوم جماعة تحسب في عداد المسلمين وتعد من أبناء العرب، فتجاهر بالتنكر للإسلام والعربية، وتقيم العراقيل في سبيل انتشارهما، وتحارب الداعين إليهما والمدافعين عنهما، وتكون- من حيث تدري أو من حيث لا تدري- عونًا لأعدائهما عليهما.
(2/246)

إن الاستعمار ليطير فرحًا بالكلمة يقولها المسلم في تهوين الإسلام، وباللفظة يلفظها العربي في توهين الأمة العربية. لأنه يعلم منشأ ذلك في نفس القائل، ولعلم أثره في نفس السامع، وهو التدرج إلى التحلل من الدين، والهجران للعربية. فكيف به إذا سمع التزهيد فيهما يخطب به في المحافل؟ وكيف به إذا علم أن هذه الفكرة أصبحت مذهبًا يدعو إليه الدعاة، ويجتهد في نشره المجتهدون؟ إنها لجريمة. إنها لجريمة ...
هذا كله بعينه ومينه هو ما يقوم به دعاة هذه الحركة التي سمت نفسها "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية" مع جمعية العلماء، وتعليمها للإسلام والعربية، ومدارسها التي تعلم فيها الإسلام والعربية، ورجالها الذين تعتمد عليهم في ذلك التعليم، فقد وقفت هذه الطائفة موقف العداوة المكشوفة الصريحة لجمعية العلماء، لا لشيء تنقمه منها إلا أنها جمعية العلماء التي عرفها الناس وعرفوا أعمالها الجليلة في نشر الإسلام والعربية، ومواقفها المشرفة في الدفاع عن الإسلام والعربية. فإن لم يكن هذا هو الذي ينقمونه من الجمعية فما هو؟ أَثَأْرٌ لهم عندها؟ ولا ثأر. أم مزاحمة لهم منها؟ ولا مزاحمة. أم خلاف في الرأي؟ وهل يبلغ الخلاف في رأي دنيوي إلى حرب الدين واللغة؟ أم حقد طبيعي لا يغالب؟ وهل يبلغ الحقد بصاحبه إلى حدّ أن يخرب بيته بيده؟ ألا إن لهم في ذلك مأربًا يخفونه ولا يبدونه، وهو أن تكون الجمعية مسخرة في أيديهم، وقنطرة يعبرون بها إلى أغراضهم، وهذا ما لا يكون، وسحقًا لما يأفكون.
هذه الطائفة تبث دعاتها في المدن والقرى، وتفرض عليهم سب جمعية العلماء ورجالها، وتحقير أعمالها، وحض الأمة على البقاء في الجهل والأمية، وعلى نفض يدها من التعليم ومدارسه، وعلى هدم المدارس هدمًا معنويًّا بقبض الأيدي عن إعانتها، وبتقبيح التعليم من حيث هو، وتبث دعاة آخرين إلى الطلبة المهاجرين إلى الزيتونة والقرويين يزهدونهم في العلم، ويلهونهم عنه، ويصدونهم عن سبيله، ويشغلونهم عنه بأمور مهما غلا فيها الغالون فإنها لا تبلغ في القيمة ما يبلغه العلم، ومهما كانت نافعة فإنها لا تنفع إلّا بالعلم ومع العلم، وتبث دعاة آخرين يدعون إلى مقاطعة "البصائر" لسان الصدق، ومجلى البيان، ومفخرة الصحافة العربية بهذا القطر، ومثال الجرأة والصراحة في الحق، وتبلغ بهم الوقاحة إلى أن يسبوا بائعيها ومشتريها.
كل هذا مما يقوم به دعاة هذه الطائفة ويقولونه بصراحة لا تعمية فيها، وكل هذا مما شهدت به عليهم مآت الألوف من طبقات الأمة، وكل هذا معدود عند كبيرهم وصغيرهم من أصول الوطنية، وكل هذا يقع في داخل القطر الجزائري، أما في الخارج فهم يتسترون بثوب شفاف من الدعايات- ويشاركون الحركات العاملة بما يشارك به المفلس، أو بما يشارك به "طير الليل" طيور النهار.
***
(2/247)

هذه الجهود التي ينفقها هؤلاء في حرب العلماء والتعلم والتعليم والبصائر هو عند كل عاقل حرب للإسلام وللعروبة- لا إسم له إلّا هذا، ولا معنى له إلّا هذا، ولا يحتمل معنى آخر غير هذا.
وجمعية العلماء سكتت طويلًا عن هذا الباطل لعله يبطل من نفسه، وعن هؤلاء المبطلين لعلهم يرعوون، فما زادهم سكوتها إلّا جرأة، حتى أوشك السكوت أن يكون إقرارًا للباطل، وقد قررت الآن، أن لا تسكت بعد الآن وستدمغ الباطل بالحق، والكذب بالصدق، وستدافع عن نفسها كما دافعت عن الإسلام والعروبة، وهي تشهد الله والأمة على أنها لم تبدأ بالهجوم وإنما هي مدافعة عن نفسها، بعدما أصبح سكوتها سكوتًا عن الحق وهي لم تتعود أن تسكت عن الحق.
عن المجلس الإداري لجمعية العلماء
محمد البشير الإبراهيمي
(2/248)

مقدمة كتاب "مجالس التذكير" *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القرآن كتاب الإنسانية العليا استشرفت إليه قبل أربعة عشر قرنًا حين ضامها أبناؤها فعقوها فارتكسوا في الحيوانية السفلى فأخلدوا إلى الأرض فأكثروا فيها الفساد، فأنزله الله من السماء ليصلح به الأرض وليدل أهلها المستخلفين عليها من بني آدم على الطريق الواصلة بالله، ويجدد ما رثّ من علائقهم به.
وما أشد شبه الإنسانية اليوم بالإنسانية قبيل نزول القرآن في جفاف العواطف وضراوة الغرائز وتحكم الأهواء والتباس السبل وتحكيم القوّة وتغول الوثنية المالية. وما أحوج الإنسانية اليوم إلى القرآن وهي في هذا الظلام الحالك من الضلال وقد عجز العقل عن هدايتها وحده كما عجز قديمًا عن هدايتها لولا تأييد الله له بالأمداد السماوية من الوحي الذي يقوي ضعفه إذا أدركه الوهن ويصلح خطاه إذا اختل ميزانه.
وكما أتى القرآن لأول نزوله بالعجائب والمعجزات في إصلاح البشر فإنه حقيق بأن يأتي بتلك المعجزات في كل زمان إذا وجد ذلك الطراز العالي من العقول التي فهمته، وذلك النمط السامي من الهمم التي نشرته وعممته، فإن القرآن لا يأتي بمعجزاته ولا يؤتي آثاره في إصلاح النفوس إلّا إذا تولته بالفهم عقول كعقول السلف وتولته بالتطبيق العملي نفوس سامية وهمم بعيدة كنفوسهم وهممهم. أما انتشاره بين المسلمين بهذه الصورة الجافة من الحفظ المجرد، وبهذا النمط السخيف من الفهم السطحي، وبهذا الأسلوب التقليدي من التفسير اللفظي- فإنه لا يفيدهم شيئًا ولا يفيد بهم شيئًا. بل يزيدهم بعدًا عن هدايته ويزيد أعداءهم
__________
* مقدمة الشيخ لكتاب مجالس التذكير للإمام عبد الحميد بن باديس وهو الذي جمعت فيه أهم الأبواب التي كانت تصدر تحت هذا العنوان في مجلة الشهاب، طبع الكتاب بالمطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة بمناسبة الذكرى الثامنة لوفاة الإمام ابن باديس 16 أفريل 1948.
(2/249)

استخفافًا بهم وإمعانًا في التكالب عليهم والتحكم في رقابهم وأوطانهم، ولو فهمنا القرآن كما فهمه السلف، وعملنا به كما عملوا به، وحكمناه في نفوسنا كما حكموه وجعلنا أهواءنا ومشاربنا تابعة له وموزونة بميزانه- لو فعلنا ذلك لكنا به أعزة في أنفسنا وأئمة لغيرنا.
تفسير القرآن تفهيم لمعانيه وأحكامه وحكمه وآدابه ومواعظه والتفهيم تابع للفهم، فمن أحسن فهمه أحسن تفهيمه، ومن لم يحسن فهمه لم يحسن تفهيمه وإن كتب فيه المجلدات وأملى فيه ألوف المجالس، وفهم القرآن يتوقف- بعد القريحة الصافية والذهن النير- على التعمق في أسرار البيان العربي، والتفقه لروح السنة المحمدية المبينة لمقاصد القرآن، الشارحة لأغراضه بالقول والعمل، والاطلاع الواسع على فهوم علماء القرون الثلاثة الفاضلة، ثم على التأمل في سنن الله في الكائنات ودراسة ما تنتجه العلوم الاختبارية من كشف لتلك السنن وعجائبها، وقد فهمه السلف حق الفهم ففسروه حق التفسير مستعينين على ذلك بما ذكرنا من القرائح والأذهان، وأسرار البيان، ومستعينين بإرشاده على فقه سنن الأكوان، ولو لم ينحسر تيار الفهوم الإسلامية للقرآن بما وقف في سبيله من توزع المذاهب والعصبيات المذهبية لانتهى بها الأمر إلى كشف أسرار الطبيعة ومكنونات الكون، ولسبق العقل الإسلامي إلى اكتشاف هذه العجائب العلمية التي هي مفاخر هذا العصر.
كان علماء السلف يشرحون الجانب العملي من القرآن على أنه هداية عامة لجميع البشر يطالب كل مؤمن بفهمها والعمل بها، وكانوا يتحاشون الجانب الغيبي منه لأنه مما لا يصل إليه عقل المكلف فلا يطالب بعلمه ولا يحاسب على التقصير فيه، وكانوا ينظرون إلى الجانب الكوني منه نظرات مسددة لو صحبها بحث مسدد ممن أتى بعدهم.
وللمفسرين من عهد التدوين إلى الآن طرائق في فهم القرآن وأساليب في كتابة تفسيره.
أما الأساليب فقلما تختلف إلّا ببعد العصور حين تختلف الأساليب الأدبية، فتنحط أو تعلو فيسري التطور منها إلى الأساليب العلمية. أما الطرائق فإنها تختلف باختلاف الاختصاص في المفسرين والعلوم التي غلبت عليهم وعرفوا بها.
فالمحدثون يلتزمون التفسير بالمأثور، فإن اختلفت الرواية فمنهم من يروي المتناقضين ويدعك في حيرة، ومنهم من يدخل نظره وفكره في التعديل والترجيح كما يفعل أبو جعفر الطبري.
ومقلدة المذاهب يفسرون القرآن بقواعد مذاهبهم ويحكمونها فيه، فإذا خالف نصّه قاعدة من قواعدهم ردوه بالتأويل إليها. وهذا شر ما أصيب به هذا العلم بل هو نوع من التعطيل، وباب من التحريف والتبديل، لأنه في حقيقة أمره وضع لكلام الله في الدرجة الثانية من كلام المخلوق، وفي منزلة الفرع من أصله يرد إليه إذا خالفه، وأعظم بها زلة، وإن هذه
(2/250)

الزلة هي الغالبة من صنيع المفتتنين بالمذاهب والمتعصبين لها يتباعدون عن القرآن ما شاء لهم الهوى. فإذا تناولوه فبهذه النظرة الخاطئة.
والمتكلمون في معاني القرآن معظمهم من اللغويين والنحاة، فهم يتكلمون غالبًا على الألفاظ المفردة وأوجه الإعراب، فهم أقرب الكاتبين في الغريب أمثال الأصفهاني وأبي ذر الهروي، وإنما أطلقوا على كتبهم هذا الاسم (معاني القرآن) لأن بساطة الأسماء كانت هي الغالبة في زمنهم.
والإخباريون مفتونون بالقصص فلا يقعون إلا على الآيات المتعلقة به، ويا ليتهم يحققون الحكمة من القصص، فيجلون العبر منها ويستخرجون الدقائق من سنن الله في الأمم وجميع الكائنات، ولكنهم يسترسلون مع الرواية وتستهويهم غرابة الأخبار فينتهي بهم ذلك إلى الإسرائيليات الخاطئة الكاذبة وقد أدخلوا بصنيعهم هذا على المسلمين ضررًا عظيمًا، وعلى التاريخ فسادًا كبيرًا.
وأصحاب المذاهب العقلية إذا تعاطوا التفسير لا يتوسعون إلا في الاستدلالات العقلية
على إثبات الصفات أو نفيها وعلى الغيبيات والنبوات وما يتعلق بها.
والنحاة والباحثون في أسرار التراكيب لا يفيضون إلّا في توجيه الأعاريب أو في نكت البلاغة كما يفعل الزمخشري وأبو حيان.
هكذا فعل القدماء والمحدثون بالقرآن، حكموا فيه نحلهم ومذاهبهم وصناعتهم الغالبة عليهم، فأضاعوا هديه وبلاغه وأبعدوا الأمة عنه، وصرفوها عن حكمه وأسراره، ولو ذهبنا مذهب التحديد في معاني الألفاظ الاصطلاحية لوجدنا المفسّر من هؤلاء قليلًا.
أما المفسرون الذين يصدق عليهم هذا الوصف فهم الذين يشرحون فقه القرآن ويستثيرون أسراره وحكمه معتمدين على القرآن نفسه وعلى السنة وعلى البيان العربي كما أشرنا إلى ذلك قبلًا. ومن هؤلاء من اقتصر على الأحكام فقط كابن العربي والجصّاص وعبد المنعم بن الفرس، وهؤلاء الثلاثة هم الذين انتهت إلينا كتبهم، ومنهم من عمم ولكن توسعه ظاهر في الأحكام: أحكام العبادات والمعاملات كالقرطبي وابن عطية وأضرابهما.
وكان خمود وكان ركود، وضرب التقليد بجرانه فقضى على ذكاء الأذكياء وفهم الفهماء إلى أن أذن الله للعقل الإسلامي أن ينفلت من عقال التقليد ويستقل في الفهم، وللنهضة العلمية الإسلامية أن يتبلج فجرها، ويعم نورها فكانت إرهاصات التجديد لهذه العلم ظاهرة في ثلاثة من أذكى علمائنا وأوسعهم اطلاعًا: الشوكاني والألوسي وصديق حسن خان، على تفاوت بينهم في قوة النزعة الاستقلالية، وفي القدرة على التخلص من الصبغة
(2/251)

المذهبية التقليدية، ثم كانت المعجزة بعد ذلك الإرهاص بظهور إمام المفسرين بلا منازع محمد عبده أبلغ من تكلم في التفسير بيانًا لهديه وفهمًا لأسراره وتوفيقًا بين آيات الله في القرآن، وبين آياته في الأكوان. فبوجود هذا الإمام وجد علم التفسير وتم ولم ينقصه إلّا أنه لم يكتبه بقلمه كما بينه بلسانه، ولو فعل لأبقى للمسلمين تفسيرًا لا للقرآن بل لمعجزات القرآن، ولكنه مات دون ذلك، فخلفه ترجمان أفكاره ومستودع أسراره محمد رشيد رضا فكتب في التفسير ما كتب ودون آراء الإمام فيه، وشرع للعلماء منهاجه ومات قبل أن يتمه، فانتهت إمامة التفسير بعده في العالم الإسلامي كله إلى أخينا وصديقنا ومنشىء النهضة الإصلاحية العلمية بالجزائر بل بالشمال الافريقي عبد الحميد بن باديس.
كان للأخ الصديق عبد الحميد بن باديس رحمه الله ذوق خاص في فهم القرآن كأنه حاسة زائدة خص بها. يرفده- بعد الذكاء المشرق، والقريحة الوقادة، والبصيرة النافذة- بيان ناصع، واطلاع واسع، وذرع فسيح في العلوم النفسية والكونية وباع مديد في علم الاجتماع ورأي سديد في عوارضه وأمراضه. يمدّ ذلك كله شجاعة في الرأي وشجاعة في القول لم يرزقهما إلّا الأفذاذ المعدودون في البشر. وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم والإصلاح والتربية والتعليم، وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلّا بالرجوع إلى هديه والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله، وكان يرى- حين تصدى لتفسير القرآن- أن في تدوين التفسير بالكتابة مشغلة عن العمل المقدم وإضاعة لعمر الضلال، لذلك آثر البدء بتفسيره درسًا تسمعه الجماهير فتتعجل من الاهتداء به ما يتعجله المريض المنهك من الدواء، وما يتعجله المسافر العجلان من الزاد وكان- رحمه الله- يستطيع أن يجمع بين الحسنيين لولا أنه كان مشغولًا مع ذلك بتعليم جيل وتربية أمة ومكافحة أمية ومعالجة أمراض اجتماعية ومصارعة استعمار يؤيدها. فاقتصر على تفسير القرآن درسًا ينهل منه الصادي، ويتزود منه الرائح والغادي، وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة، ولم يختم التفسير درسًا ودراية بهذا الوطن غيره منذ ختمه أبو عبد الله الشريف التلمساني في المائة الثامنة.
كان ذلك الأخ الصديق رحمه الله يعلل النفس باتساع الوقت وانفساح الأجل حتى يكتب تفسيرًا على طريقته في الدرس، وكان كلما جرتنا شجون الحديث إلى التفسير يتمنى علي أن نتعاون على كتابة التفسير ويغرينى بأن الكتابة عليّ أسهل منها عليه، ولا أنسى مجلسًا كنا فيه على ربوة من جبل تلمسان في زيارة من زياراته لي وكنا في حالة حزن لموت الشيخ رشيد رضا قبل أسبوع من ذلك اليوم فذكرنا تفسير المنار، وأسفنا لانقطاعه بموت صاحبه فقلت له: ليس لإكماله إلّا أنت، فقال لي: ليس لإكماله إلا أنت، فقلت له: حتى يكون لي علم رشيد وسعة رشيد ومكتبة رشيد ومكاتب القاهرة المفتوحة في وجه رشيد فقال لي
(2/252)

واثقًا مؤكدًا: إننا لو تعاونا وتفرغنا للعمل لأخرجنا للأمة تفسيرًا يغطي على التفاسير من غير احتياج إلى ما ذكرت.
ولما احتفلت الأمة الجزائرية ذلك الاحتفال الحافل بختمه لتفسير القرآن عام 1357 هجرية وكتبت بقلمي تفسير المعوذتين مقتبسًا من درس الختم وأخرجته في ذلك الأسلوب الذي قرأه الناس في مجلة الشهاب أعجب به أيما إعجاب، وتجدد أمله في أن نتعاون على كتابة تفسير كامل، ولكن العوارض باعدت بين الأمل والعمل سنتين ثم جاء الموت فباعد بيني وبينه، ثم ألحت الحوادث والأعمال بعده فلم تبق للقلم فرصة للتحرير ولا للسان مجالًا في التفسير، وإنا لله.
لم يكتب الأخ الصديق أماليه في التفسير ولم يكتب تلامذته الكثيرون شيئًا منها، وضاع
على الأمة كنز علم لا يُقَوَّمُ بمال، ولا يعوض بحال، ومات فمات علم التفسير وماتت طريقة ابن باديس في التفسير، ولكن الله تعالى أبى إلّا أن يذيع فضله وعلمه، فألهمه كتابة مجالس معدودة من تلك الدروس وكان ينشرها فواتح لأعداد مجلة الشهاب ويسميها (مجالس التذكير) وهي نموذج صادق من فهمه للقرآن وتفسيره له. كما أنها نموذج من أسلوبه الخطابي وأسلوبه الكتابي.
هذه المجالس العامرة هي التي تصدى الأخ الوفي السيد أحمد بوشمال عضد الإمام المفسر وصفيه وكاتبه والمؤتمن على أسراره، لتجريدها من مجلّة الشهاب ونشرها كتابًا مستقلًا، قيامًا بحق الوفاء للإمام الفقيد وإحياء لذكراه بأشرف أثر من آثاره، وها هو ذا بين أيدي القراء يستروحون منه نفحات منعشة من روح ذلك الرجل العظيم، ويقرأونه فلا يريدهم عرفانًا بقدره فحسبهم ما بنى وشاد، وعلم وأفاد، وما ربى للأمة من رجال كالجبال، وما بث فيها من فضائل وآداب، وما أبقى لها من تراث علمي خالد، لا يرثه الأخ عن الأخ، ولا الولد عن الوالد.
وشكرًا للأخ الوفي أحمد بوشمال على هذا العمل الذي هو عنوان الوفاء.
(2/253)

مجالس التذكير *
هذ هو العنوان الذي كان يضعه الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحمد بن باديس- رحمه الله- لما يكتبه بقلمه البليغ في تفسير بعض الآيات القرآنية الجامعة ويجعله فواتح لأعداد مجلة "الشهاب" وهي لمع لامعة في التفسير، يتمنى قارئها عند كل جملة منها لو أن الأستاذ أتمّ تفسير القرآن كله كتابة، كما أتمّه درسًا على تلك الطريقة وبذلك التحليل، إذ يرى أسلوبًا مشرق الجوانب بنور العلم لا يفوقه في الروعة إلا حسن فهم كاتبه للقرآن.
قرأ الناس تلك الفواتح في "الشهاب" واستفاد منها المستعدون ما يسّر عليهم فهم القرآن في جملته إذ جعلوا من ذلك القليل مرشدًا للكثير، فكأنهم لازموا الأستاذ خمسًا وعشرين سنة. واستفاد منه المتأدبون مثالًا عاليًا من ذلك الأسلوب الذي يجمع الأدب والعلم، فيستهوي العالم والأديب. وقد كان الأستاذ- في قلة من علمائنا- ممن انطبعت ملكاتهم على ذلك الأسلوب الذي يعلم العلم والأدب. ومن تلك القلّة: الراغب ومسكويه وابن العربي وعياض والزمخشري وابن خلدون والشاطبي.
ولكن "الشهاب" مجلة، والمجلّة عندنا بنت عم الجريدة، تلفظ، ولا تحفظ، وتُتلى ثم تُلقى. وتضيع الأجزاء، ثم يضيع الكل. وقد نشأ بعد موت الأستاذ جيل نفور من تلك النظريات الجوفاء، وتلك الأساليب الرثة، وتلك الكتب التي تحملها، شديد الظمأ إلى التحقيق العلمي الذي يفضي به إلى الاستقلال في العلم. وفتنة هذا الزمان الاستقلال في كل شيء. وهذا الجيل لم يدرك دروس الأستاذ الحافلة، ولكنه أدرك مخايلها في مثل هذه الفصول من كتاباته، وأدرك آثارها في نفوس تلامذته، وأدرك أوصافها جائلة في أفواه الناس، فازداد شوقًا إليها، ولهفة عليها. فغير كثير على قادة هذا الجيل أن يهيّئوا له ما يروي ظمأه
__________
* "البصائر"، العدد 51، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 27 سبتمبر 1948م.
(2/254)

ويرضي هواه من الكتب الممتازة بالتحقيق العلمي، وأن لا يتركوه فريسة لتلك الكتب المعتلّة التي نرجو أن يكون جيلنا آخر ضحاياها.
ومن الشعور بهذه الحالة التي ألممنا بها إلمامًا، سمت همّة صديقنا الوفي الأديب أحمد بوشمال كاتب الأستاذ المفسّر وأمين سرّه، فجرّد من مجلة "الشهاب" قطعة صالحة من مجالس التذكير، وطبعها في مطبعة "الشهاب" طبعًا أنيق الحرف بديع الورق، فجاء تحفة فنية صغيرة الحجم، ولكنها عالية القدر وفي نيّته أن يصدر البقية في جزء آخر. وقد طلب من كاتب هذه السطور أن يقدّمه إلى القرّاء بكلمة فكتبها في جلسة سمر كثر ضجيجها، وتمتّع من الجد إلى الهزل حجيجها، فجاءت كما يهوى العاتب، لم تف بحق المكتوب ولا بحق الكاتب. وعسى أن لا تكون كلمتي هذه دعاية سيّئة للكتاب، فهو غني عن المقدّمة بما فيه من علم وعرفان. ونصيحتي الخالصة إلى كل من قرأه متفرّقًا أن يقرأه مجتمعًا وإلى كل من لم يقرأه أن يقرأه، وإلى كل ناشئ من هذا الجيل أن يجعله لدراسة التفسير مفتاحًا.
(2/255)

جريدة "العلم" الخفاق *
لهذه الجريدة الجريئة مكانة في نفوسنا لأن لها مكانة في نفسها ... ومن كرم على نفسه كرم على الناس. ولا تساويها في حلول هذا المحل من جرائدنا الشمالية إلا جريدة "الإرادة". وما جاءهما ذلك إلا من مزيج من الخلال، أهمها الاحتفاظ بالكرامة، والتحفظ في "المهنة".
أصدرت هذه الزميلة الكريمة عددًا ممتازًا لأول سنتها الثالثة، فجاء ممتازًا حسًّا ومعنًى، جديرًا بالتهنئة على أنه آخر الوثبات الثلاث الخطيرة، ومن للزميلة العزيزة بالسلامة من قَلَم المراقب، وقلم الغاسق الواقب؟

أيتها الزميلة: إن "البصائر" الضنينة بالتقريظ، لا تنتهي بها الضنانة إلى التفريط ...
__________
* "البصائر"، العدد 31، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 27 سبتمبر 1948م. (بدون إمضاء).
(2/256)

كيف تشكّلت الهيئة العليا لإعانة فلسطين *
- 1 -
أن إغفال الحقائق يعدّ جناية عليها وعلى التاريخ فقط، ولا يهيّئ للمبطلين أن يعلنوا باطلهم، لرضينا أن تعصب بنا هذه الجناية ولم نكتب في هذه المسألة حرفًا ولكان بحسبنا أن نقتسم الخطتين بيننا، فنعمل ويقول غيرنا إلى أن ينجلي الصباح. ولكننا جرّبنا فكشفت لنا التجربة عن حقيقة واقعة، وهي أننا كلما أمسكنا عن تجلية الحقائق فرارًا من المهاترات وتجنّبًا للغو، وإيثارًا للنافع المفيد، لم يمسك القوّالون عن إعلان باطلهم، واتخذوا من سكوتنا حجة على أنهم محقون. لذلك وعدنا بأن نكتب عن حقيقة ما تضمّنه عنوان هذه الكلمة، ولذلك نفي اليوم بالوعد. وما سكتنا هذه المدّة إلا لمصلحة كانت محققة، ثم أصبحت راجحة، ثم أمست مفسدة.
وداع آخر حتّم علينا الكتابة، وهو إلحاح القرّاء علينا في طلب بيان الحقيقة.
...

كتبنا في "البصائر" تلك الكلمات المتتالية عن فلسطين، وبينّا فيها لإخواننا في الشرق العربي أن في بني عمّهم أقلامًا. وقد أحدثت تلك المقالات أثرها في الشّرق، وعرفوا لها قيمتها، وتناقلتها الجرائد والمجلات، وناهيك بمجلة "الرسالة"، فقد نقلت منها مقالة عن الانكليز، وكتب إلينا طائفة من أدباء الشرق ومفكّريه يثنون ويعجبون، كتب إلينا كاتب من النجف، وآخر من الموصل، وثالث من طرابلس الشام، ورابع من جبل عامل، وخمسة من فلسطين، وجماعة من مصر، وكاتبان من ليبيا، رسائل كلها إعجاب، وثناء مستطاب. وقال الأستاذ فائز الصائغ أستاذ الفلسفة بالجامعة الأمريكية ببيروت حين قرأ مقالة "يا فلسطين" في
__________
* "البصائر"، العدد 52، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 11 أكتوبر 1948م.
(2/257)

العدد الخامس من "البصائر"، ما معناه: إنه لم يكتب مثلها من يوم جرت الأقلام في قضية فلسطين. وقد ختمت تلك المقالات ببيان حق فلسطين على العرب، ونحن منهم، فبيّنت أن أول واجب علينا هو بذل المال. ووقفت عند هذا الحد، وربأت بنفسي أن أحتكر الدعوة والعمل، وانتظرت وقع المقال في نفوس الأمّة. ولو شئت لفتحت اكتتابًا لفلسطين باسم "البصائر"، أو باسم جمعية العلماء، وفيهما- بحمد الله- الكفاية والكفاءة. ولهما- من فضل الله- الكلمة المسموعة في الأمّة والثقة المتينة، والسمعة العاطرة النقية. ولكنني تركت الميدان لغيري، لعلمي أن في الوطن رجالًا لهم سابقة الفضل في قضية فلسطين، وهيئات تحمل من هذا الإسم وسام الشرف، وقد عملت في ظروف أخرى جهد المستطاع من الخير لفلسطين، وإن لم يظهر لها في الطور الأخير أثر. وقد رمزت لهذا بتقديم مكتبتي الصغيرة لأية هيئة تتقدّم للقيام بهذا الواجب. وحكمة أخرى في عدم انفرادي بالعمل، وهي أنني كنت أترقب الفرصة المناسبة لأقوم بدعوة جديدة إلى توحيد الأحزاب والصفوف بعدما ضاعت جهودي القديمة، وأرجو أن يكون لي من قضية فلسطين عون على ما أريد، لأنها قضية دينية قومية سياسية، ففيها من كل غرض جانب وفيها لكل هوى جاذب.
ثم خرجت في أثناء ذلك في جولة استطلاعية للمدارس، فبلغني- وأنا بمطارح غيبتي- أن لجنة نادي الترقي القديمة عازمة على العمل، وأنها زارت مركز جمعية العلماء سائلة عني طالبة مني المشاركة في العمل، وأنها عرضت هذا الطلب على الحزبين الجزائريين. ولما رجعت من تلك الجولة زارني- في داري- الأستاذ الشيخ الطيب العقبي وهو الروح المدبّرة لتلك اللجنة، وأخبرني بأن اللجنة تتنازل- مسرورة- عن اسمها ومطبوعاتها وأعمالها. وأنها تودّ الانضمام إلى هيئة قوية مؤلّفة من رؤساء الهيئات والأحزاب، وصارحني بأنه يشاطرني الرجاء في أن تكون قضية فلسطين مباركة كأرضها فتكون سببًا في جمع ما تشتّت من أحزابنا، وأجمعنا الرأي على أن ندعو الحزبين اللذين كنت تعبت في التأليف بينهما فلم أفلح. وقوي أملي في هذه المرّة أن قضية فلسطين ليس فيها كراسي ولا نيابة، وغاب عني أن فيها شيئًا اسمه ... الرئاسة، وقلت عسى أن يصدق الفال، فنجتمع على هذا العمل الجليل، ونظهر بالمظهر الذي يشرّف الإسلام والعروبة والجزائر. والتزم الأستاذ العقبي بدعوة رئيسي الحزبين، وفعل. فأما رئيس حزب البيان فأجاب الدعوة واستجاب إلى الداعي، وقبل هو وأصحابه العمل مع كل أحد، لأن قضية فلسطين في نظرهم فوق الاعتبارات الحزبية. وأما حركة الانتصار للحريات الديمقراطية فقد قال قائلهم عندما دعوا لأول مرّة: إن فلسطين هنا في الجزائر ولا شأن لنا بفلسطين أخرى، لأن أبناء الأمّة في السجون، وعائلاتهم تعاني ألم الحاجة والجوع، ثم بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون من عقد الاجتماعات التمهيدية، بمركز جمعية العلماء وبنادي الترقّي، ومن ضغط التيار الإجماعي من
(2/258)

الأمّة، وهالهم أن نكون نحن البادئين بالدعوة لأمر يجب- في مذهبهم- استغلاله للدعاية والمال. فأرسلوا رائدهم السيد أحمد مزغنه معلنًا لقبول الانضمام والمشاركة، وحضر الجلسة الثانية بنادي الترقّي وسمع المقرّرات البدائية، واقترح اقتراحًا فهمنا مغزاه من أول حرف، لهذه المناسبة، وهو أن يزور كاتب هذه السطور والعقبي وعباس فرحات رئيسهم الأعلى السيد الحاج مصالي، لأنه ممنوع من الهبوط إلى الجزائر، وما كانت الحيلة لتخفى علينا، ونحن أعلم الناس بمسالك القوم وأساليبهم في الدعاية لأنفسهم، ولكننا رجحنا شرف القضية على كل اعتبار، وقبلنا الاقتراح "على طول الخط" فزرناه من الغد في جماعة: الكاتب والعقبي وبيوض وفرحات وصاطور والدكتور ابن خليل، ووجدنا عنده السيدين: مزغنه وبودا. وتمّ الاتفاق على الهيئة واسمها وأعضائها الخمسة وأعمالها وعلى البرقيات. وكان سرور وكان ارتياح، وسرت الأخبار إلى الأمّة فطارت فرحًا. ولم يجر في تلك الجلسة ذكر للنقطة الحساسة، وهي احتكار القوم للرياسة، وإنما نبّه كاتب السطور إلى أن هؤلاء الأعضاء الخمسة، كالأسماء الخمسة، متساوية في الإعراب، وليس فيها أَمٌّ للباب. فقال القوم: إنها مائدة مستديرة، فقلنا إنها دائرة مستديرة، وليس لها زاوية. وكان المصوّر حاضرًا معدًّا (بالتوصية) فأخذ لنا مجتمعين عدة مناظر على تراتيب منوّعة اقترحت اقتراحًا (بالتوصية) أيضًا، وما كانت الحيلة لتخفى علينا هذه المرّة أيضًا، وهي دائرة على الدعاية والمال دائمًا، ولكن اعتبار فلسطين طغى على كل اعتبار في نفوسنا. وقلت لهم: أرسلوا لنا نسخة من كل منظر، لتذاع وتُنشر، ونحن ندفع قيمتها. وألحّ الشيخ العقبي في طلب هذا فوجموا ثم قالوا: نعم. كلمة تكاد حروفها تتزايل من الارتخاء والتخاذل. وانصرفنا والبِشر باد على الوجوه، ولكن النفوس فريقان: فريق باطنه كظاهره، وفريق يرى- كما دلّت العواقب- أن الحصول على الصور هو غنيمة الموقعة، وهي كل ما في الباب، وما عداها- حتى فلسطين- سراب في يباب، ويا لله لفلسطين ... حتى دماؤها وأشلاؤها تتخذ ذريعة للدعاية والمال، وحتى اسمها وقضيتها تتخذ أدوات للانتفاع والاستغلال، ولكن هذا ما وقع. وتتبع الرواية يرحمك الله.
(2/259)

- 2 - *
كنت خلاصة ما تمّ في ذلك الاجتماع الذي قصصنا أخباره، أن الهيئة تتركّب من خمسة: العقبي، وبيوض، وعباس فرحات، ومصالي الحاج، وكاتب هذه السطور. وإنها هيئة إخوان لا رئيس فيها ولا مرؤوس، وإنما يرأس كل جلسة من يجتمعون في مكتبه، وأن اسمها (الهيئة العليا لإعانة فلسطين)، وأن تبدأ أعمالها بإرسال برقيات باسمها إلى جهات مخصوصة منها برقية تأييد وإعلان لوصل رحم العروبة، ترسل إلى أمين الجامعة العربية عبد الرحمن عزام باشا، ومنها برقية تنديد واستنكار ترسل إلى منظمة الأمم المتحدة، وأن تشكل على الأثر لجنة تنفيذية من أعيان الأمّة لا تراعى فيهم حزبية ولا غيرها من الاعتبارات الضيّقة، تتولّى جمع الهبات المالية باسم الهيئة.
وكان مصالي الحاج في أثناء الاجتماع حريصًا على ذكر إخواننا مسلمي شمال إفريقيا بفرنسا، يدمج الكلام عنهم إدماجًا بلا مناسبة، واستطرادًا بلا نكتة، كأن له فيهم أربًا خاصًا، أو كأن له عندهم حسابًا خاصًا. ولم أتبيّن مراده من ذلك إلا بعد حين.
وافترقنا على الساعة الواحدة بعد زوال ذلك اليوم على أن نرسل البرقيات في مسائه، واقترح مصالي أن يتولّى صوغ البرقيات صاطور المحامي (وهو بياني) (1)، واقترح أحد الحاضرين أن يحضر معه مزغنة (وهو انتصاري) (2)، واجتمع الاثنان على الساعة الرابعة بمكتبي في مركز جمعية العلماء، ووضع صاطور صيغة البرقيات، ووافق عليها مزغنة، ولما فرغا من ذلك دخلت مكتبي فوجدت صاطور يكتب البلاغ الذي ينشر في الجرائد عن الهيئة، وتلا الصيغة على زميله فارتضاها، ودفعت نسخ البرقيات إلى كاتب المركز فترجمها فارتضيتها.
__________
* "البصائر"، العدد 53، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 18 أكتوبر 1948م.
1) بياني: نسبة إلى حزب أحباب البيان الذي كان يرأسه فرحات عبّاس.
2) انتصاري: نسبة إلى حزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية الذي كان يرأسه ميصالي الحاج.
(2/260)

ولم يبق إلا أن تعرض على زملائي ليوقّعوا عليها، وهنا جاءت المشكلة التي دونها مشكلة فلسطين نفسها ...
كنت أتوقع- تمرّسًا لا تفرّسًا- أن يختلف الرجلان في ترتيب الأسماء الخمسة وأن يتعضب كل منهما لحزبه ولصاحبه وكل منهما يمثّل هيئة سياسية. وكان من المعقول أن تمحو قضية فلسطين كل أثر حزبي في النفوس، وأن تنسي هؤلاء المتحزبين أنفسهم وأحزابهم، وأن يحسبوا حسابًا للأمّة التي بلغ بها الحماس إلى أقصى حدوده وأن يقدّروا الدعوة التي جمعتهم على اسم الإسلام والعروبة وفلسطين، وأن يحترموا الداعين من العلماء لأنهم البادئون بالدعوة، والمتقدّمون بالفكرة، ولأنهم (فوق الأحزاب)، ولأن وجودهم يرفع الخلاف.
ولكن مزغنة خالف المعقول والمنقول وقال: إن اسم رئيسه يجب أن يتقدّم على جميع الأسماء ... ، قال له صاطور في هدوء: ولماذا؟ قال: لأنه محبوب ومعروف في الشرق ... ولأن حزبه حاز الكثرة في الانتخابات ... قال له صاطور: لسنا في مقام تكاثر وتفاخر. ولسنا في مقام انتخاب، ولو شئت لقلت في كثرتكم وشهرتكم ما ينقضها عليك. ولكنني أنا وحزبي راضون- بكل افتخار- بأن يتقدم اسم جمعية العلماء على الجميع وراضون بعد ذلك بأن يكون اسمنا في الأخير. وسألاني رأيي وقد أيقنت أن قد ظهرت السرائر، وتحرّك داء الضرائر، فقلت: اصنعوا كما صنع إخوانكم في تونس بالأمس. وكان من المصادفات وجود عدد من جريدة "النهضة" بين يدي فيه تفصيل ما وقع بتونس، فقرأت عليهما البلاغ والبرقيات وفيه ذكر الشيخ محمد الشاذلي بن القاضي في صدر البلاغ. فلم يقتنع مزغنة. ولم يجد من الجواب إلا أن تونس غير الجزائر. فقال له صاطور: ولكن قضية فلسطين هي قضية فلسطين ... ولكن جمعية العلماء هي الداعية ... وأين كنتم وأين كنا منذ ثمانية أشهر وعشرة أشهر؟ وأصرّ مزغنة على رأيه، فأصرّ صاطور على رأيه، فأصررت على تقديم اسم الشيخ العقبي رفعًا للخلاف. ووالله لقد تمنيت أن لو كان حضر مجلسنا واحد أو جماعة من المغرورين بهؤلاء القوم والمتأثرين بدعاياتهم الجوفاء في تونس والمغرب، إذن لعرف من حقيقة أمرهم في مجلس واحد ما عرفناه في سنين. ولعلم من هذا المجلس أن الجزائر المسكينة تستدفع البلاء الأسود بالبلاء الأزرق، ولصدق أن عند بعض رجالها أفكارًا لا كالأفكار. ولتحقق أنه ليس من المحال وجود منزلة بين الإقرار والإنكار ...
وفي ختام الجلسة قال مزغنة: إن هذه مشكلة لا يضطلع بحلّها، ومعضلة لا يستقلّ بحملها، ولا بدّ من مشورة (الصغار) بهذا اللفظ، وهو يعني به الشبان. وأنذرنا بأنهم لا يقبلون. وافترقنا على أن يعرض مزغنة مشكلته على صغاره فيحكموا حكمهم فيها ويرجع إلينا بالقول الفصل غداة غد، وانتظرناه صباح الغد فلم يرجع، وصادفناه أنا والعقبي في الطريق
(2/261)

العام فقلنا له: إن المسألة لا تحتمل التطويل، فأفهمنا أنها في نظرهم من أخطر المسائل ... ولا بدّ لهم من أخذ (موقف) فيها. وأجّل الوعد إلى المساء، ولكنه لم يرجع ولم يف بالوعد.
أما أنا فلم يزدني ذلك كله علمًا بالقوم وبأساليبهم في اللعب والدوران، فقد بلوتهم في جميع المواقف، ونفضت جعابهم جعبة جعبة، وتقريت شعابهم شعبة شعبة، ودرستهم تقريبًا وتبعيدًا، وخالطتهم تصويبًا وتصعيدًا. إلى أن كان اتصالي بهم في مفاوضات الاتحاد بين الحزبين ستة أشهر كاملة. وأنا قديم العهد بدراسة الملل والنحل والفرق، فغير بعيد عنّي أن أدرس الأحزاب والجمعيات، وأما الشيخ العقبي فقد بدا له منهم ما لم يخطر له ببال، وبدا له أن هذا التلاعب واقع منهم لا من رئيسهم، فعرض عليّ أن نلقى ذلك الرَّئِيسُ وحده مرّة ثانية إبلاغًا في النصيحة، واستبراءً للذمّة، وتبليغًا للأمانة الدينية، فأفهمته "أن العصا من العصية" وشرحت له ما يجهل من الحقائق، ولكنه آثر الاحتياط وإقامة الحجّة، فلقينا الرَّئِيسُ، يثلثنا الشيخ بيوض، ويربعنا الأستاذ توفيق المدني، وقصصنا عليه قصّة أصحابه وسفرائه، من يوم فارقناه إلى يوم لقيناه، وكنا نتوقع أن يقول: إنه لا علم له بشيء من ذلك كما هي عادته معنا ومع الأستاذ العربي التبسي أيام كان يسعى للاتحاد بين الحزبين. ولكنه خرق العادة وقال: إنه موافق على كُلِّ ما قرّره أصحابه، وإنه لا يستطيع أن ينقض منه حرفًا، ولا أن يخرج عنه شبرًا، وتظاهر بالأسف لكون المسألة تتعلّق باسمه. وزاد في وصف حزبه أنه حزب طاهر، وفي وصف نفسه أنه محبوب. وعادت به الذاكرة إلى الاجتماع الأول فعدّ من نقائصه بل من تواطئنا على الغلط فيه أننا لم نعيّن للهيئة رئيسًا، وأفاض في الحديث عن الرياسة ولزومها للهيئات ولو قلّ أفرادها، وكانت ألفاظه كلها ترشح بترشيح نفسه للرياسة.
ثم تكلّم العقبي فشرح له مقصدنا الحقيقي من هذه المساعي، وبيّن له أن العلماء قد ضربوا المثل في الحرص على جمع الكلمة وانتهاز أسبابها، وأن جمعية العلماء هي صاحبة الفضل على الوطن بما طهرت من عقائد، وما علّمت من أجيال، وما أقامت للإسلام والعروبة من معالم: وفصل له أعمال أصحابه فأوسعها تنديدًا وتقبيحًا ... وصرح له أن كل دعايات حزبه قائمة على التبجح بالتضحية، ولكنهم لم يضحّوا باسم ... فأين هذا من دعوى التضحية؟
وتكلّم الأستاذ المدني فذكر أن ما وقع بالجزائر هو عين ما وقع بتونس، مع فارق ... وهو هذه النتيجة. مع أن الحزبية في القطرين تلبس لبوسًا واحدًا.
وتكلّم الشيخ بيوض في قضية فلسطين وما تتطلّبه منا من تضامن الهيئات، ونسيان الشخصيات والحزازات، ولمح لما يجب على الرجال، من احترام الرجال، وصرح بالتحذير من عواقب هذا التشدّد في الصغائر، وهذا الشذوذ الذي جاء من جهة واحدة.
(2/262)

وطلبنا في النهاية نسخًا من الصور التي أخذت لنا مجتمعين في الاجتماع الأول على أن ندفع ثمنها لتبقى عندنا تذكرة بعمل لم يتمّ ... فأكّد لنا السيد الرَّئِيسُ أنهم لم يخرجوا منها ولا نسخة ... والناس كلهم يستبعدون هذا من جماعة يعدّون من أبرع محترفي بيع الصور.
وخرجنا مزوّدين بما شاء الله من معلومات جديدة في علم النفس.
...

والفصل الأخير من هذه الرواية هو أن مزغنة الذي لم يف بالوعد ولم يرجع إلينا بنفي ولا إثبات، وفى بشيء آخر، وهو أنه- في ذلك اليوم- أذاع بيانًا عن هيئة حزبية خارجة عن الاتحاد، ليس فيها إلا اسمه وعنوانه، وبهذا حقّق مبدأً أساسيًا من مبادئ حزبه، وهو أنه لا يعمل مع أحد ولا يتّحد مع أحد، لأنه وُجد للخلاف، وعاش على الخلاف. ولا يعيش - بطبيعته- إلا على الخلاف. وبهذا كشف الغطاء عن حقيقة علمناها منذ سنتين، وجهلها الغافلون المغرورون، وهي أن رئيسهم رئيس (شرفي) ليس له من الأمر شيء، وأن بينه وبين مزغنة، إدغامًا بلا غنة ... كما يدغم اللام في اللام، فلا يظهر إلا المتحرك ... وأن ذلك الرَّئِيسُ الشرفي أسير في قبضتين: قبضة الحكومة، وقبضة العصابة المزغنية، وأن هذه العصابة تستغلّ اسمه، وتستذلّ رسمه. فمن كان في قلبه شيء من الشفقة على الرجل، وفي يده شيء من القدرة على إنقاذه، فلينقذه من أسر أصحابه.
ثم أخذ يوهم أنه هو البادئ مع سكوته ثمانية أشهر. وأخذ هو وجماعته وورقتهم ذات الوجهين، يتقوّلون علينا الأقاويل ...
...

والفصل الأول والأخير في الرواية أن (الهيئة العليا لإعانة فلسطين) تمّ تكوينها في ذلك اليوم، وقامت على أربع دعائم قوية متينة تتمتعّ بالثقة التامة في الماليات. وفي ذلك اليوم تكوّنت اللجنة التنفيذية من أهل العلم والفضل والجاه من الأمّة، واحتفظنا للهيئة باسمها الأصلي، وأطلقنا عليها وصف (هيئة الاتحاد)، وجعلنا شعارها الحكمة والصمت، ثم شرعنا في العمل في خواتم رمضان المبارك، فاجتمع لدينا من هبات المحسنين عدة ملايين من الفرنكات أبلغناها إلى مأمنها في فلسطين، واستلمنا الشهادة القاطعة على وصولها، ورفعنا رأس الجزائر، ومحونا عنها بعض التقصير. وما زلنا جاذين في عملنا الصامت لا ضوضاء ولا جلبة.
(2/263)

أما القوم فقد عملوا في ثلبنا وتنقصنا أضعاف ما عملوا لفلسطين، ولو كنا نعلم أنهم يعملون لفلسطين- حقيقة- للقوا منا كل إعانة وتشجيع ... على أنهم لم يستغنوا عن الالتجاء إلى اسمي- حتى في هذه المرّة- فقد قامت الشواهد، وقام الشهود على أنهم جمعوا المال لفلسطين هنا وفي فرنسا باسم كاتب هذه السطور. وليست هذه بأول مرّة ارتكبوا فيها هذه الخطيئة.
هذا بيان مجمل للحقيقة بلا تعليق. ولولا اقتضاء التاريخ والحقيقة، ولولا الاستجابة لطلابهما، لما خططنا في هذه الرواية حرفًا.
أما التعليق ... فنسأل أهل النحو، أي اللفظين أصلح؟ ... الإلغاء ... أو التعليق ...
(2/264)

قادة الجيل الجديد في ميادين العلم *
هذه قائمة المعلّمين الذين جهّزتهم جمعية العلماء للتعليم في مدارسها فجهّزت منهم كتائب لحرب الأميّة. وجنّدتهم، فجنّدت منهم أبطالًا لا ينثنون ولا ينهزمون، ورشّحتهم، فرشّحت منهم سدادًا للثغور وصدادًا للطارقين، وذادة عن حمى العلم. ونصبتهم، فنصبت منهم أعلام هداية للجيل الجديد، وأقطاب تربية وتثقيف له. وإذا كانت جمعية العلماء قد أطلقت على مدارسها اسمًا واحدًا وهو "التربية والتعليم" فهؤلاء هم المربّون وهؤلاء هم المعلّمون، وهؤلاء هم جنود العلم، وكفى بهذه الصفات شرفًا وفخرًا.
نعم هؤلاء هم جنود العلم. وإن من خصائص الجندية: المشقة والنصب، وذلك هو مناط الشرف فيها. (ولولا المشقة ساد الناس كلهم)، فليعلم أبناؤنا المعلّمون هذه الحقيقة ليُدركوا شرف ما كُلّفوا به، ومشقة ما حملوه، ليوطّنوا أنفسهم على تحمّل لأوائه. وليعتبروا أنهم مسؤولون عن جيل كامل، فلا يكتب التاريخ عنهم أنهم قصّروا في واجب، أو خانوا أمانة، أو ختروا عهدًا.
أما الجوانب المادية فإن جمعية العلماء مهتمة بشأنها كل الاهتمام، مشفقة على أبنائها المعلّمين كل الشفقة. وستتعاون مع الجمعيات المحلية على إزاحة العلل، وسدّ الخلل، وتحسين الحالة. وقد قامت الجمعية بعدة أعمال من صميم الإصلاح في هذه السنة، منها إعلان اللائحة الداخلية التي تحدّد العلاقات والوظائف والحقوق والواجبات بين الهيئات المتعاونة على التعليم، ومنها وضع الدرجات للمعلمين حتى لا يغبن متقدّم، ولا يحابى متأخر، ومنها وضع البرنامج المتحد، ومنها الزيادة في الأجور. وسيعلن هذا عن قريب في منشور خاص يوجّه كل عمل منها بالجهة المختصة به.
__________
* "البصائر"، العدد 36، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 15 نوفمبر 1948م.
(2/265)

لم تبق إلا مشكلة المشاكل، وهي إيجاد المساكن للمعلمين، وسنعالجها بما تسعه الطاقة. على أن جمعية العلماء قرّرت أنها لا تقبل في المستقبل احتضان مدرسة، ولا تأذن ببنائها، ولا تنشط القائمين بها إلا إذا كانت سكنى المعلمين والمديرين هي الشرط الأول في الاحتضان، والعمل الأول في البناء. وحسبنا ما لقينا من عنت، وما لقي أبناؤنا المعلمون من تشتيت شمل، فعلى الأمّة أن تهتم بهذه الناحية، وأن تجعلها في محل العناية، وإلا فسيأتي يوم تتعطل فيه كثير من المدارس بهذا السبب، ويومئذ تتحمل الأمّة تبعة ذلك، وتتجرع مرارة ذلك.
(2/266)

قرار من المجلس الإداري لجمعية العلماء
المسلمين الجزائريين *
قرر المجلس الإداري لجمعية العلماء في جلسته المنعقدة في مدينة قسنطينة في 13 من شهر سبتمبر 1948 - تكوين لجنة خاصة بالتعليم اسمها "لجنة التعليم العليا" تتولّى كل ما يتعلّق بالتعليم من برامج، ولوائح، ومراقبة وتفتيش، وتلقي شكايات، وتعيين معلّمين تحت إشراف رئيس الجمعية، ومع مراجعته في مهمات المسائل.
وقد شكل المجلس الإداري هذه اللجنة من عضوين إداريين هما الاستاذان: العبّاس بن الشيخ الحسين وعبد القادر الياجورى، و11 من قدماء المعلّمين وهم الأساتذة: إسماعيل العربي، محمد الغسيرى، أبو بكر الأغواطي، محمد الصالح رمضان، أحمد حمَّاني، علي مرحوم، أحمد رضا حوحو، الصادق حماني، أحمد بن ذياب، ولم يحضر الجيلالي الأصنامي ومحمد بابا أحمد لأعذار، ثم جعلت لها مكتبًا دائمًا يكون مقرّه مركز جمعية العلماء بالجزائر ويتألف هذا المكتب من المشائخ:
1 - إسماعيل العربي رئيس
2 - محمد الغسيري وأبو بكر الأغواطي عضوان
وهذا المكتب الدائم هو الذي يتولّى أعضاؤه التفتيش بأنفسهم طبقًا لبرنامج خاص يضعونه لذلك.
واللجنة الكاملة تجتمع في السنة مرّتين بالمركز، مرّة قبيل الشروع في الدروس، ومرّة
بعد الانتهاء من الامتحانات، في أيام يعيّنها ويحدّدها رئيس المكتب.
__________
* "البصائر"، العدد 57، السنة الثانية، 22 نوفمبر 1948.
(2/267)

فعلى المديرين والمعلّمين ورؤساء الجمعيات المحلية للمدارس أن يكتبوا من الآن في كل ما يتعلّق بشؤون التعليم إلى رئيس مكتب اللجنة الدائمة بعنوان مركز جمعية العلماء.
عن المجلس
رئيس الجمعية
محمد البشير الابراهيمي
(2/268)

"زواوة" الكبرى تستمسك بعروة الإسلام
الوثقى وتطلب الرجوع إلى الأصل *
جاءتنا العريضة التي ننشر نصّها وإمضاءات أصحابها كاملة، من رجال زواوة الكبرى يطلبون فيها بتأكيد من الحكومة الجزائرية إلغاء القوانين الخاصة بزواوة في الأحوال الشخصية، تلك القوانين التي تستند على العوائد والأعراف لا على أحكام الشريعة الإسلامية المطهرة. ويطلبون الرجوع إلى الأصل، وهو أحكام الشرع الإسلامي في النكاح والطلاق وما يتفرّع عنهما، وفي الميراث والوصية والحجر.
والحكم بالعوائد مطلب عزيز من مطالب الاستعمار الفرنسي، زرع بذوره في أرض زواوة وتعهّدها بالسقي والعلاج، وقوّاها بتقوية مراكز التبشير وإطلاق يد المبشرين، وظنّ أنها استغلظت واستوت على سوقها، واطمأنت إليها النفوس. فجاءت هذه العريضة مجتثة لما غُرس من أصله، وأقامت الدليل للمغرورين بالظواهر على أن زواوة معقل من معاقل الإسلام والعروبة، كانت وما زالت على ذلك.
جاءت قضية الظهير البربري بالمغرب الأقصى في وقت استيقظ فيه الشعور الإسلامي فأقام العالم الإسلامي وأقعده، ولم يدر إلا القليل من الناس أن لذلك الظهير أصلًا، وهو (قوانين زواوة الغريبة).
إن الغاية التي يرمي إليها الاستعمار من تمكين العوائد وجعلها أساسًا للأحكام، هو إبعاد طوائف من المسلمين عن الإسلام بالتدريج حتى تضعف فيهم النعرة الدينية وعاطفة التآخي الإسلامي، وتصير الأمّة الواحدة أمّتين أو أممًا.
__________
* "البصائر"، العدد 59، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 6 ديسمبر 1948م.
(2/269)

أما الموقّعون على العريضة فهم خلاصة الوطن الزواوي، وهم أصحاب الرأي والتوجيه فيه، ولا نشكّ أن الأمّة الزواوية الأصيلة من ورائهم في هذا المطلب. وأكرم بأصحاب الزوايا حين ينتصرون للدين هذا الانتصار.
صوتنا مع أصواتكم- أيها الإخوان- ورأينا مع آرائكم. ولنا كلمة أخرى في الموضوع.
(2/270)

حيّا الله تونس *
جمعية العلماء، وشُعَبها، ومدارسها، ومعلموها، والجمعيات المتفرّعة منها، و"البصائر" - وأسرتها. كل هذا الجهاز العلمي الثقافي العتيد يتقدّم بالشكر الخالص، والثناء الجمّ والتحيات الطيبات، إلى تونس العزيزة، مصوّرة في ذلك الطراز الرفيع من الزيتونة والهالة المحيطة بها، المنوّرة لأرجائها، من شيخها الجليل، إلى مدرّسيها الفحول، إلى تلك الجموع السالمة من التلامذة، ومن الصحف ورجالها، ومن الأحزاب ومسيريها، كفاء ما قاموا به وأظهروه من ضروب الحفاوة والترحيب بالأستاذ الشيخ العربي التبسي نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومدير معهد عبد الحميد بن باديس، وصاحب الآثار الجليلة في العلم والإصلاح، والآراء السديدة في السياسة والاجتماع، والمواقف الجرئية في تمكين الإسلام والعروبة بالقطر الجزائري.
وجمعية العلماء وفروعها المختلفة تعد تلك الحفاوة من تونس احتفاءً بالجمعية وتكريمًا لها ومغالاة بقيمتها وعرفانًا لقدرها واعترافًا بأعمالها. وهي تكافئها على تلك الحفاوة العملية بتقدير منبعه القلب، وثناء مصدره اللسان، وتنويه مطلعه جريدة "البصائر". وهذا جهد المقل.
وتونس قبلة الجزائر العلمية، ومأرزها الذي تأرز إليه في النوائب، ومنارتها التي تُشرف منها على الشرق وأنواره، فلا عجب إذا حرصت جمعية العلماء على تمتين الحبال الواصلة بين الجزائر وبينها، وعلى توضيح ما يخفى من أحوال الجار على جاره، وإزالة ما يلبس به سيّئ القصد وسيّئ الفهم على صحيح العقد حسن القصد، ولا عجب إذا اختارت لهذه السفارة أقدر رجل على الاضطلاع بها وهو الأستاذ التبسّي، ولا عجب إذا عرفت تونس
__________
* "البصائر"، العدد 60، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 20 سبتمبر 1948م.
(2/271)

العلمية لهذا السفير الكفء قيمته ومكانته فاحتفت به هذا الاحتفاء الذي هو ترجمة مؤدّية لما تكنّه تونس للنهضة العلمية والفكرية بالجزائر من تقدير وتأييد.
والأستاذ التبسي عالم عريق النسبة في الإصلاح، بعيد الغور في التفكير، سديد النظر في الحكم على الأشياء، عزوف الهمّة عن المظاهر والسفاسف، انتهى به العلم والتجربة وأحداث الزمان إلى أن تونس والجزائر والمغرب شيء واحد، وأنها لا تفلح في الحياة ولا تنتصر في الجهاد لها إلا إذا أصبحت هذه الثلاثة شيئًا واحدًا، ثم انتهى به العمل لهذه المقاصد العالية إلى معرفة حظ العالم من العمل، وحظه من تبعة التقصير فيه، لذلك كله أصبح علمًا فردًا في قيادة الأمّة في جميع ميادين حياتها، ولذلك سَمَتْ همّته إلى تعرّف أحوال إخوانه العلماء، فكان هذا المعنى أحد بواعثه على هذه الرحلة. ولقد عاش في تونس والقاهرة طالبًا محصّلًا ثم أقام في وطنه الجزائر عاملًا مربّيًا عشرين سنة، زار بعدها تونس وفيها البقية من مشائخه والكثير من أقرانه، فشاهد التبدل العجيب، وشهد بالتطور المفيد. وكنا نتوسم من وراء رحلته الرجوع إلينا بفوائد تغذّي حركتنا، وتحفزنا إلى التقدّم فيها. وتهوّن علينا بعض ما نلقى في سبيلها، فكان لنا من هذه الرحلة فوق ما نرجو.
(2/272)

تنبيه أكيد إلى رؤساء الجمعيات المحلية *
يجب عليكم- أيها السادة- أن تحرصوا كل الحرص على تعمير صناديق جمعياتكم بكل وسيلة: بالاكتتاب، وبالاشتراك الشهري، وبالزيادة في أجور التعليم على أولياء التلاميذ. وقد قرّر المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين رفع الأجور في هذه السنة من الجهتين.
قرّر رفع ما يدفعه آباء التلاميذ إلى مائتي فرنك شهريًا، وزاد في أجور المعلّمين على حسب غلاء الأسعار، وارتفاع قيم الضروريات.
فعليكم أن تجتهدوا في تحضير المال اللّازم لمواجهة هذه الزيادة التي لا بدّ منها، وسيصلكم منشور عام في شأنها، مفضل على حسب درجات المعلّمين.
لا ينتهي هذا الشهر حتى يكون المنشور في أيديكم، فنفّذوه بارك الله فيكم.
أما الآن فيجب أن تدفعوا لهم على حسب الترتيب القديم، فإذا جاءكم المنشور، فادفعوا لهم ما نقص عن الشهرين الفارطين: أكتوبر ونوفمبر، لأن الزيادة تعتبر من أوّل السنة الدراسية وهي فاتح أكتوبر.
عن المجلس الإداري الرَّئِيسُ
محمد البشير الابراهيمي
__________
* "البصائر"، العدد 60، السنة الثانية، 20 ديسمبر 1948.
(2/273)

تحذير
- 1 - *
بَلَغَتْنَا أخبار ورسائل من معتمدي جمعية العلماء في كثير من القرى أنَّ هناك جماعة طوافين بأيديهم وصولات مزوّرة باسم جمعية العلماء، وبعضها باسم جمعية التربية
والتعليم، وليس فيها اسم بلدة معيَّنة، ويقبضون بَدَلَها مبالغ على أنها اشتراكات في إحدى الجمعيتين، وليس في الوصولات إمضاء، كما رأينا فيما وصلَنا منها، وإنما فيها هذه الكلمة: "أمين المال بقسنطينة".
ونحن لا نشكّ في أن هذه مكيدة مقصودة، يقصد منها مدبّروها أمرين جوهرين: أحدهما اختلاس المال ولو كانت الوسيلة خسيسة، والثاني تشويه سمعة جمعية العلماء ذات الصفحة الناصعة والذمة النزيهة في الماليات والتي عوّدت الأمة على المحاسبة الدقيقة فيها.
وجمعية العلماء تبرأ إلى الله وإلى الأمة من هذه الطائفة السارقة المارقة المحترفة لهذه الحرفة السخيفة، التي تريد أن تعيش على حساب الغير، وتدسّ سمّ الخيانة في منابع الثقة والأمانة. وتُعلن للأمة أن نظام الجمعية المالي أعلى من أن تتطرّق إليه الظنون بأعمال هؤلاء اللصوص، وأنها لا تأخذ ولا تُعطي إلّا بالوصولات المضبوطة الممضاة من المسؤولين، وتسجّل كل ذلك على نظام "مسك الدفاتر" في أرقى أصنافه، وأنها لتحذّر الأمة من أن تدفع مالها لهؤلاء المزوّرين.
وتُعلن براءتها أيضًا من جماعة ما زال يبلغنا عنهم أنهم يبيعون صورة الأستاذ عبد الحميد ابن باديس باسم جمعية العلماء، وقد حذّرناهم مرارًا.
__________
* "البصائر"، العدد 61، السنة الثانية، 27 ديسمبر 1948.
(2/274)

وها هي ذي كيفيات تحصيل أموال الجمعية زيادة في الإيضاح:
1) الاشتراكات في جمعية العلماء يستخلصها رؤساء الشُّعب، ورجال الوفود السنوية.
2) مالية "المعهد" يرسلها المتبرّعون برقم (الشيك) الخاصّ أو المعتمدون الذين يحملون اعتمادات ووصولات بإمضاء القابض والمدير، وختم الإدارة، وهي وصولات لا تحتمل التزوير.
3) مالية "البصائر" يرسلها المشتركون برقم (الشيك)، أو يقبضها رجال الوفود، أو المعتمَدون الذين يحملون اعتمادات من إدارة الجريدة، وقد عزمنا على إرسال متجوّلين معتمدين، وبدأنا بعمالة قسنطينة فأوفدنا إليها السيد عبد الرحمن بن الحاج صالح ومعه اعتماد رسمي، فليعتمده المشتركون، وليدفعوا له على التقدير الجديد وهو ألف فرنك.
(2/275)

- 2 - *
جاءتنا رسائل من مصلحي "البليدة" تخبر بأن نشرة مطبوعة باسم (جمعية الفتاة الجزائرية) تباع في البليدة باسم جمعية العلماء ويقول بائعوها (ومنهم عجائز في الحمامات) إنّ رئيس جمعية العلماء هو الذي كلّفهم ببيع هذه النشرة.
ورئيس جمعية العلماء يتبرّأ من هذه النشرة ومن مروّجيها بالكذب، بل يتبرّأ من هذه الجمعية التي تسمّى بجمعية الفتاة الجزائرية لأنها محفوفة بالريب من كل جانب، ولأنّ الوقت لم يحن بعد لزج الفتاة المسلمة الجزائرية في هذه المآزق، وما دام رجالنا لم يبلغوا المستوى الأخلاقي الديني الذي يضمن للفتاة السلامة من الأخطار والمعاطب، فإن هذه الحركات التي يقوم بها بعض الرجال وبعض النساء باسم الفتاة الجزائرية تعدّ كلها إفسادًا لتربيتها واستعجالًا بها إلى الغرق.
__________
* "البصائر"، العدد 75، السنة الثانية، 11 أفريل 1949 (بدون إمضاء).
(2/276)

"صوت المسجد" *
صوت أذن الله أن يخفض، لأنه مؤلف من غير مقاطع الحق، خارج من غير مخارج الصدق. ناشز عن مجاريه الأصلية، مندفع من غير حنجرته الطبيعية.
وكما أن صاحب هذا الصوت مترجم من المالكية إلى الحنفية، ومنقول من العامية إلى الخاصية، ومن الشارع إلى الوظيفة. فإن كلمة صوت ههنا مترجمة عن كلمة "لافوا" ( La Voix) (1) الشائعة في اسماء الجرائد، مثل "لافوا ديزامبل " ( La Voix des Humbles) (2) و "لافوا انديجان " ( La Voix Indigènes) (3). ولا نشكّ في أن مآل هذا الصوت هو مآل تلك الأصوات التي لم ترتفع إلا لتنخفض، ولم تتعال إلا لتتسفل. ولأمر ما، يتهافت أقوام على هذه الكلمات التقليدية، فلا يضيفون كلمة "صوت " إلا لما هو في سياق الموت.
والمجلة التي تحمل هذا الاسم هي الأقنوم الثالث من الهيكل الذي نزل الوحي على الشيخ المفتي بوضع قواعده، على أن يكون هو نفسه الأقنوم الرابع ... وكل من الثلاثة مكمل لبقية الأجزاء، فاعل فيه، منفعل به. أو كلها زروع زرعتها يد واحدة، بمحراث واحد، على ثور واحد، لتحصد تلك اليد ما زرعت في يوم ما، ويفوز الثور بالعلف و"دعوة الخير".
وصوت المسجد- في حقيقته وقدسيته- هو صوت الحق صريحًا غير مجمجم، واضحًا غير مبهم، مبينًا غير ملتبس. يبتدئ من "الله أكبر" تقال صادعة، وتُسمع رادعة. تلفظها الألسن الداعية، فتعيها الآذان الواعية. وينتهي بما يتعالى فيه من تفسير لكلام الله
__________
* "البصائر"، العدد 63، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 31 جانفي 1949م.
1) La Voix: كلمة فرنسية معناها صوت أو نداء.
2) La Voix des Humbles: صوت المستضعفين، وهو اسم جريدة.
3) La Voix Indigènes: صوت الأهالي، وهو اسم جريدة.
(2/277)

تنفطر له قلوب الجبابرة، وتقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم بالغيب، ومن بيان لسنّة رسوله يجتثّ الشرور من النفوس، ويقمع الأهواء في الأفئدة، ويزدجر به دعاة البدعة، ومن نصائح للمسلمين لا يرهب فيها ذو سلطان لسلطانه ولا يدهن فيها غني لأجل غناه، ومن تقريع للظالمين، واستعداء على المبطلين، وتقرير لمصالح المسلمين.
وهل الأصوات التي تتخافت اليوم في مساجدنا كفيلة بذلك محقّقة لحكمة المساجد في الإسلام؟ وهل يرتفع للمساجد صوت وهي في قبضة الاستعمار؟ وهل يؤدّي المسجد اليوم جزءًا مما كان يؤدّيه في أيام السلف الأبرار؟ وهل يحقق وظيفته وهو محروم من أصوات العلماء الأحرار؟
أسئلة نوجّهها للمبتدع لهذه التسمية، فلا يجيب عليها بالتعمية.
أم يقول: إن صوت المسجد هو صوت "النائحة المأجورة" ... صوته الذي يتشاجى به، ويتباكى فيه، في خطبه الجمعية التي تُرْدَى (تذاع بالراديو) وما يسبقها من أصوات تصف تنقلاته خطوة خطوة إلى أن يركب على أعواد المنبر؟ فقد حكى الحاكون من ذلك العجب العجاب.
وبعد، فإن التفسير الصحيح لصوت المسجد هو هذه الأصوات المنبعثة من قلوب الأمّة، المطالبة بحرية المساجد وأوقافها، وسيتردّد صداها، حتى تبلغ مداها، وإن شذَّ عنها صوت العاصمي. ومن يضلل الله فما له من هاد. وكيف يهدي الله قومًا يقول أحدهم: (إنه لا يبالي بأحد، ما دام يصلّي الركعة بمائة فرنك؟) ولا شك أن ركعة المفتي أغلى، وإن لم يكن وزنها عند الله أثقل.
أفمن هؤلاء (المسعرين) الذين يزنون دين الله بالفرنكات، يُرجى أن يرتفع للمسجد صوت؟ ونحمد الله أن عددهم قليل في الأئمة، ذليل عند الأمّة.
أما والله لو نطق المسجد لقال لهؤلاء: إليكم عني: فلست منكم ولستم مني.
أما مقالات المجلة فإني لم أقرأها، ولا شأن لي بها، وإنما أحكم عليها بمثل حكم صاحب المجلة عليها، وهو أنه لا عبرة بها، لأن غرضه الأساسي هو شيء اسمه مجلة، اسمها صوت المسجد، يتخذه سلّمًا لدرجات من الجاه يتطلعّ إلى بلوغها، وأسآر من المال يتحرق على ولوغها. وإذا حصلت المقاصد، فعلى الوسائل العفاء.
وقد سمعت البارحة شيطان رؤبة ينشد أرجوزة في تقريظ المجلة وصاحبها وخانتني الحافظة فلم أحفظ منها- مع الأسف- إلا قوله:
ألم تروا ما قاله في الأعرج (4) … فكل ذاك خارج من مخرجي
فحسب قرّاء المجلة لذة أن ما فيها خارج من مخرج الشيطان. فليذوقوا أو فليتركوا ...
__________
4) الأعرج: هو الإمام الإبراهيمي نفسه.
(2/278)

شكوى العاصمي *
إِلَاهِي يا مستجيبَ الدعا … ولا جالب اليسر للمعسر
تفضل على عبدك العاصمي … وعرضه للعارض الممطر
بِمالٍ لو كان أجر الخنا … وريح المطفف والمخسر
فما العسر إلّا ربيب الحلال … وما اليسر إلّا من الميسر
فإنك يا خالقي عالمٌ … بأني على مذهب الأشعري
أرى الرزق ما ينفع المقترين … وإن سرقوا المال في المشعر
...
ولي حاجة من بنات الفؤاد … سقتها الأماني ولم تثمر
ركبتُ إلى نيلها عزمتي … ولي عزمة كاللظى المسعر
وجمجمتُ عنها ولم أبدها … وما السرّ إلا سلاح السري
تقحمتُ فيها الصعاب التي … يضيق بها الواغل المجتري
رقيتُ لأسبابها سلّمًا … وجثت برذل ومستنكر
وحالفتُ فيها الدّنايا التي … إذا ذُكر الخير لم تذكر
وأُرغمتُ يومًا لحمل القفاف … فما كنت عنها بمستكبر
وما زلتُ في نيلها دائبًا … إذا أقصر الناسُ لم أقصر
لزمتُ الصيام وواصلته … وصليت وحدي وفي معشري
رضيت الإمامة في جامع … أراه من الضيق كالمحجر
لأبلغ منه إلى جامع … من الرحب كالجامع الأكبر
وعدت إلى الحظ أبغي رضاه … ومن يركب الحظ لم يعثر
__________
* مسودة وُجدت في أوراق الإمام.
(2/279)

بذلت لتحصيلها كل شيء … سوى المال- إني منه عري
وما أنا (في الجمع) كالمصطفى (1) … وما أنا (في الطرح) كالأزهري (2)
ألَا هلْ يراني الرفاق الكرام … أقوم وأقعى على المنبر
وأحمل تلك العصا صولجانًا … وحَمْلُ العصا شيمة المنبري
أصولُ على متنه داعيًا … وأزأر في القوم كالقسور
وأهجم عنهم بوعظي ولا … أميز به جانيًا من بري
لئلا يقالَ امرؤ جاهل … بوضع الحوادث والأعصر
وتُخرج حنجرتي نغمةً … كمجرى الخفيف على البنصر
أباهي الأئمة في زيّهم … بشدّ النطاق على المئزر
وأنضو لثامًا على لحيتي … من الصبغ: زورًا على منكر
فإن المشيب بريد الوقار … لمن كان يعتدّ بالمظهر
وأسمو عليهم بفرط الذكا … وطيب الأرومة والعنصر
وأعبر دونهم بالدها … حدودًا من الْجَاهِ لم تعبر
وعندي أساليب من ذا الدها … إذا نزر الحظ لم تنزر
وأسبر من مدهشات الأمور … شؤونًا على الدهر لم تسبر
واْخبر عنهم بأسرارهم … وما حَالف السعد كالمخبر
هنالك أغدو رئيسًا لهم … بغير انتخاب ولا محضر
ويصبح أمري على جمعهم … كأمر العَريف على العسكر
فيا منيةً نبتتْ في الحشا … بربّك طولي ولا تقصري
فإن الزمان ينيل المنى … على رغم شانئنا الأبتر
تكفل إِلَاهي بتحقيقها … فإنك إن تعطها أشكر
...

وقُلْ لابن باديس كن آمنًا … بعشّك في الجامع الأخضرِ
قنعتَ بما حُزْتَه من علوم … وطيب الأحاديث كالعنبر
وأضنيتَ نفسكَ في أمّة … وعن وطن كالفلا مُقْفِر
ولم تدرِ أنَّ الهَنَا والوظيف … مع الجهل أحلى من السكر
وأن الخضوع لمُسْتَعْمِرٍ … به الدار إنْ تنهدم تعمر
ذوو الحقّ في الدين حكّامنا … فما لك عن حقّهم تجتري
__________
1) هو الشيخ مصطفى القاسمي.
2) هو الشيخ المولود الحافظي الأزهري.
(2/280)

أطعتَ البشير (3) وأعوانه … فخلّوك أعرى من الخنصر
ذوو الحق في الدين حكامنا … فما لك عن حقهم تجتري
ولم أنس لي ليلة بالقصير … وطالع سعدي في المشتري
أكلت بها حزَّة من جزور …، نمت على جانبي الأيسر
إذا هاتف في غضون الدُّجى … كسِرٍّ بطَيِّ الحشا مضمر
يقطل: أيا عاص (4) كن أسودا … وكن أصفرًا شيب بالأحمر
فأوَّلت ترخيمه في النَّدا … بصوتي رخيمًا على المعشر
وأوَّلتها رفعة في المقام … أسود بها الحاسد المفتري
وأوَّلتها خطَّة أرتقي … بها من كبير إلى أكبر
تراقص حولي طيوف المنى … فهن لي بصبح بها مسفر؟
أمَالِكَ رِقِّي تلطَّف بها … فعبدك- إن لم ينلها- خري
وهذي المجالس ما شأنها … تعضُّ بواع ومستظهر
ألم ترَ من حيلتي أَنَّني … بهذي المجالس لم أحضُر
مخافة أن يغضب المستشار … فيمحو وعدي من الدّفتر
ويمناي ما نشطت مرّة … لتنميق سطر ولا أسطر
يسيل لعابي إذا نشروا … أسامي تلمع كالجوهر
ولقِّب ذا بأمير البيان … وهذاك بالكاتب العبقري
وما كنت دون امرئ منهما … ولكن أدور على محور
وأخشى الرّقيب وتضريبه … على اسمي بالمرقم الأحمر
فما عاش من لم يكن مدهنا … ومن لم يصانع ولم يحذر
وأهوى الشِّهاب وتزعجني … شهاب بإحراقه ينبري
وإنّ العدا نحلوني الغداة … سطورًا ببالي لم تخطر
فوافت مع الصّبح مهتاجة … جلاوذة كالدُّبى ينبري
فهذا يصبّ وهذا يشب … وهذا يشاوس عن أخزر
وهذا يساقي وهذا يلاقي … بوجه على الملتقى أمعر
فما زلت معتذرًا حالفًا … لمن لم يقدر ولم يعذر
حلفت لئن رأيت عنوانه … سجّرت به النّار في المجمر
جزاء لما ساق لي من أذى … وما جرّ من تهمة للبري
__________
3) هو الإمام الإبراهمي نفسه.
4) ترخيم لاسم "العاصمي".
(2/281)

الشيخ أبو القاسم بن حلوش *
بلغني في أثناء الأسبوع الماضي- وأنا على فراش المرض- خبر بموت العالم العامل المصلح الشيخ أبي القاسم بن حلوش، العضو الإداري السابق بجمعية العلماء
ووالد ولدنا الروحي الأديب الكاتب الشيخ مصطفى بن حلوش، بداره من ربض "تاجديت" بمستغانم.
أسفت لموت الشيخ أبي القاسم أعظم مما آسف لفقد قريب، لأن هذه الطائفة الإصلاحية التي كان الشيخ أبو القاسم أحد أفرادها إنما تتقارب على المشارب، لا على المناسب، وتتصاحب بالأرواح لا بالأبدان.
والشيخ أبو القاسم- رحمه الله- مصلح بطبعه وتربيته، خلق في منبع من منابع البدع، وفتح عينيه عليها. فأنكرتها فطرته السليمة، وتربيته القويمة من أول أمره، ونشأ على نفور منها وازدراء لأهلها. ولقي منهم تجريحًا وأذًى، ولقوا منه تسفيهًا وإنكارًا، وكان كل ذلك مزيدًا في رفعة شأنه.
طلب العلم على فئة من الفقهاء المدارين المجارين للعامة في أهوائها، فأخذ ما صلح من علمهم، وهجر ما قبح من أعمالهم، ووحّد الله وعبده بما شرع على الوجه الذي شرع، وابتنى لنفسه مسجدًا من ماله بسوق "تاجديت" يصلّي فيه بأتباعه في السيرة، ويُلقي عليهم دروسًا في الوعظ والإرشاد، وفيه بدأ بنشر الإصلاح العملي فنبذ البدع اللاصقة بالعبادات. ولم يزل متطلعًا إلى العلم الصحيح يطلع بدره، متشوّفًا إلى الحق الصريح بتبلج فجره، إلى أن ظهرت بواكير الحركة الإصلاحية العلمية في دروس الأستاذ الرَّئِيسُ الشيخ عبد الحميد ابن باديس، فجهّز ولده الشيخ مصطفى حلوش لتلك الدروس ليستدرك بأحد أولاده ما فاته
__________
* "البصائر"، العدد 63، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 31 جانفي 1949م.
(2/282)

في نفسه، وأقرّ الله عينه ببلوغ مرامه. فكان من ذلك الولد للإصلاح ما يكون من جندي من جنوده المخلصين. فشارك بقلمه ولسانه في جميع الميادين.
عاش الشيخ أبو القاسم بعد ذلك على سمت الصالحين، يتنعم بما يرى من انتصار الحق وأتباعه، واندحار الباطل وأشياعه، إلى أن وافته منيّته راضيًا مرضيًا. فرحمه الله وأثابه جزاء إيمانه واستقامته.
وأنا عن نفسي وعن جمعية العلماء ومؤسساتها أتقدّم بالتعزية إلى ولدنا الشيخٍ مصطفى حلوش وإخوانه وأهل بيته، وإلى جميع أفراد الأسرة بمستغانم وسبدو مشاركًا لهم في الحزن، حاثًّا لهم على الصبر، راجيًا لفقيدهم الرحمة.
(2/283)

إلى الأمّة *
بدأت المناورات الحكومية في قضية المساجد. فبدأتها من الذنب. وفي تلمسان لعبة، وفي الجزائر لعبة، وفي غيرهما لعب وألاعيب.
نحذر الحكومة من الاعتماد على جمعياتها الدينية التي صنعتها بيدها. فإن الأمّة لا ترضى ولا تعترف إلا بجمعيات منتخبة انتخابًا حرًّا من المسلمين أهل الدين، لا تدخل فيه الحكومة بأمر ولا برأي ولا بإشارة، فلتعلن الحكومة رسميًّا قضية الفصل. وتعلن معه حيادها في تكوين الجمعيات، ولتحدّد لتكوين الجمعيات أمدًا تنتهي إليه هي والأمّة.
رأي جمعية العلماء في هذه القضية معروف، يتفق عليه الإبراهيمي والتبسي والعقبي وكل العلماء، ولا يخالف فيه إلا جاهل، ولا قيمة لرأي الجاهل، أو عالم مأجور؟ والعالم المأجور، كالسفيه المحجور، هذا يفسخ دَيْنَه، وذاك ينسخ دينه.
في العدد الآتي نبدأ الحديث في هذه القضية، فنشرح ونجرح. ولعلنا نمسّ أبطالها البارزين في الميدان ... فمعذرة إليهم من الآن ...
__________
* "البصائر"، العدد 74، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 4 أفريل 1949م. (بدون إمضاء).
(2/284)

رمضان: وحدة الصوم والإفطار *
وضعنا الديني في هذا الوطن وضع شاذ غريب، كوضعنا السياسي أو أشدّ شذوذًا وغرابة، بل ما كان وضعنا الديني غريبًا إلا لأن وضعنا السياسي غريب، ولو كنا نملك الحقوق السياسية كبني آدم لاستتبع ذلك الحقوق الدينية، لأننا أمّة مسلمة ما زال لنا من قرآننا عاصم من الإلحاد، ومن ميراثنا الجنسي معاذ من الزيغ، ومن فطرتنا الشرقية واق من هذا التحلل الذي أصيبت به الأمم.
ولكننا أضعنا الحق السياسي فأصبحنا كالكمي سلب سلاحه فأصبح ماله فيئًا للغانمين، وعرضه نهبًا للمغيرين، ومهجته جزر السباع ... أضعنا الحق السياسي من زمن بعيد، ووسمنا بسمة العبيد، وطال الأمد حتى استكانت النفوس، فامتدت اليد التي ملكت الرقبة إلى القلوب تفسدها، وإلى الألسنة تسكتها، فلما استقام لها كل ذلك ضربت علينا الحجر في الدين وأقامت على كل شعيرة من شعائرنا وصيًا، صورته منّا، وحقيقته لغيرنا، فعلى الصلاة وصيّ، وعلى الحج وصيّ، وعلى الصوم والأهلة والأعياد وصيّ ...
لو أن هذه المجاميع التي تسمّى الأمم أوتيت رشدها لجعلت السلطان الأعلى في الحياة للدين، ولجعلته هو المهيمن على السياسة، ولو فعلت ذلك لجرت أمورها على الخير والسداد، لأن الدين- وإن اختلفت أوضاعه- يأمر بالخير ويدعو إلى الإحسان ويرشح بالرحمة، ويقيّد الغرائز الحيوانية، ويضع الموازين القسط لكل شيء، أما السياسة فإنها- وان اختلفت ألوانها- تأمر بالفحشاء وتدعو إلى الفساد في الأرض، وتفيض بالأنانية، وتبني أمورها على التسلط والافتراس. والدين والسياسة هما دعامتا الحياة، وقطباها اللذان عليهما المدار، فإذا تساندا على الحق وتسايرا إلى السعادة، وكان الدين هو المرجع عند اشتباه
__________
* "البصائر"، العدد 84، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 20 جوان 1949م.
(2/285)

السبل، جاء الخير وتحققت المصلحة، كما كان ذلك في الطور الأول للإسلام، والصدر الأول من المسلمين، وإذا عتت السياسة عن أمر الدين طغت العواطف على العقول، وكانت الفتنة والفساد الكبير، وهذا هو الواقع في هذا العصر.
وعصرنا هذا عصر سياسي، لا يدور فلكه إلا على السياسة. وأركان الحياة فيه مدبرة بهذا الطبع الخامس الذي يسمّى السياسة. ونحن قد نستسيغ تأثر الاقتصاد بالسياسة، لأنه منها كالخادم والمخدوم، ولأن بينهما روابط يوثقها لؤم المطامع، وقد نستسيغ- كذلك- تأثر العلم بالسياسة، وجعلها إياه إحدى الوسائل للكيد والاحتيال، لأن العلم لا دين له، بآية أن الناس عرفوا علم الدين، ولم يعرفوا دين العلم. وهذا العلم قد وسع الكون حتى ضاق، وانتقل من نبش الأرض إلى السبع الطباق، فكيف يكون له حد يقف عنده؟ أم كيف يكون له دين وقد داخله من الغرور، مازين له الشرور؟ وقد غرّ العقول التي كانت آلته فدانت له بنوع من الألوهية غريب؟
يستسيغ العقل هذا مجبرًا كمختار، ولكنه يرى أن السماجة السمجة هي تدخل السياسة في الدين، وأن تجعل من روحانياته السماوية مهابط لماديتها الأرضية، وأن تتخذ منه آلة لأغراضها الخسيسة، وأن تسخر رجاله لخدمة ركابها، وهذا بعينه ومينه ما هو واقع في الجزائر.
...

كان الخلاف في الصوم والإفطار أمرًا دائرًا بين المسلمين في هذا الوطن يسبّبه جهل العامة، أو تعصب الفقهاء، أو تباعد الأمكنة، وقد تزيّنه سماحة الدين ويسر تكاليفه أحيانًا، وكنا- على ذلك- ننكره ونعدّه شرًّا على الأمّة، وسبيلًا إلى التفرق في الدين، ونعمل للتوحيد فيهما ما نستطيع، بالعلم الذي يرع الجهل والتسامح التي يميت التعصب، والتعميم الذي يزيل التباعد. وكدنا ننجح في توحيد الأمّة على يوم واحد للصوم والإفطار، حتى يزدان جمال العبادة بجمال الاتحاد فيها، والتقرّب إلى الله بتقارب القلوب فيه. ولكن الحكومة الجزائرية التي تريد دائمًا أن تجعل من الدين الإسلامي دعامة لسياستها، وسلاحًا في أيدي ساستها. كبر عليها أن يبقى هذا الركن الإسلامي مفلتًا من يدها وخارجًا عن تصرّفها، بعد أن هيمنت على الصلاة والحج، فكوّنت- لسنوات خلت- لجنة الأهلة والأعياد الإسلامية من موظفيها الذين يدينون بطاعتها قبل طاعة الله، ويخضعون لأمرها وإن خالف أمر الدين، ثم وضعت في أيديهم لعبة يفتنون بها الصائمين والمفطرين، وهي اعتبار الأعياد الإسلامية رسمية تعطل فيها المصالح، ويستريح الموظفون والعمال، لتضلّهما عن الهدى، وتستزلهما عن الحق،
(2/286)

ليرجحا- إذا اختلف الناس- عيد الحكومة على العيد الديني، ثم يعتقدا- مع طول الزمن- أن رأي الحكومة في الدين هو الرأي، وأن أمرها هو المتبع، وأن حكمها في الخلاف الديني هو فصل الخطاب ...
فهمنا مرمى هذه الحيلة لأول ما دبّ دبيبها، بل تبيّنا مغزى هذه المكيدة لأول ما ذرّ قرنها، ونشرنا على الأمّة في العامين الماضيين بيانين أعلنا فيهما كلمة الحق وإن كانت موجعة، وجهرنا بحكم الله وإن كان ثقيلًا على الحكومة ولجنتها، وها نحن أولاء نعززهما في هذا العام بهذا البيان الثالث، لم نغيّر فيه رأينا لأن الدين لا يتغير، ولأن خصمنا في القضية هو الحكومة، ومواقفها من ديننا لم تتغير.
...

إن حكومة الجزائر ليست مسلمة حتى يكون حكمها في شؤون الدين مقبولًا فضلًا عن أن يكون مطاعًا، وإن جميع تصرفاتها في ما يتعلق بالدين باطلة، وإن قضاتها الذين نصبتهم موظفون قانونيون لا دينيون، بدليل أن أحكامهم تستند في أكثرها على القانون لا على الدين، ولو كان للأمّة رأي في توليتهم لما كان لهم سلطة على دينها، لأن أحكامهم لا تتناول العبادات، فكيف بهم والأمّة لا يد لها في ولايتهم، ولا رقابة على تصرفاتهم؟
هذه حقيقة أكبر شهودها الغضب منها. ويزيدها توكيدًا عدم عناية هذه الطائفة بهذه المسألة، فلا يستجمعون الشواهد والأدلة، على ثبوت الأهلة، وقد رأينا من تهاونهم- حاشا القليل منهم- ما يقضي بالعجب، ومن أشنعه أنهم ينامون ليلة ترقب الهلال على الساعة العاشرة أو قبلها، ومنه اعتماد بعضهم على عاملة التلفون لتجيب الناس على لسانه بالنفي أو بالإثبات ...
...

الأمر- إذن- لجماعة المسلمين، وليست جماعات المسلمين في هذا الوطن بأقل عناية واهتمامًا بالأهلة والصوم من غيرهم، وإنما ينقصهم أمر واحد: عدم العناية بالتبليغ، ولهم في هذا عذران: الأول أن وسيلة التبليغ العامة- وهي التلفون- ليست متيسرة للجميع، ومن تيسّرت له يلقى من العنت والاحتقار ما يزهده فيها، والثاني ميل عام في الجمهور إلى عدم الثقة بالقضاة في هذا الشأن.
ونكرّر القول بأن الأمر لجماعة المسلمين، وليست جماعة المسلمين محصورة في جمعية العلماء. وإن أقرب قطر إسلامي إلينا، تولّي قضاته حكومة إسلامية، ويعتني جمهوره
(2/287)

بتبليغ الشهادات إلى قضاته، هو تونس والمغرب. وإن حكومة الجزائر إذا ضيّقت علينا المسالك في التلفون، لا تستطيع أن تضيّق علينا الأثير.
وعليه، فالواجب أن نعتمد على أنفسنا، وأن نعتني برؤية الهلال عناية كاملة، وأن نعتني بالتبليغ بعضنا إلى البعض بواسطة التلفون ما أمكن، وأن نبذل الجهد في تعميم الخبر إلى الأماكن القريبة رجالًا وركبانًا، وأن نعتمد على رؤية تونس والمغرب بواسطة الراديو. فأخباره موثوق بها.
أما لجنة الجزائر فإن مبنى أمرها على استقلال الجزائر ... ولكن فيما يفرّق كلمة المسلمين. فإن عملت برؤية القطرين فهو رجوع منها إلى الصواب وان خالفت فخالفوها.
(2/288)

معهد عبد الحميد بن باديس *
من الأعمال ما يبيّض أوجه العاملين، في الدنيا بالذكر الحسن وفي الأخرى بالجزاء الحسن الأوفى. وهذا المعهد من الأعمال التي تبيّض وجه الأمّة الجزائرية، وتعلي ذكرها في التاريخ وتغلي قيمتها بين الأمم، وتذكّر بها إذا ذكرت الأمم بأعمالها وتباهت بالجلائل من تلك الأعمال.
لا يزكو لأمّة عمل، ولا يثقل وزنه، ولا يجيز لها التاريخ أن تفاخر به، إلا إذا كان من كسب يدها، وكان مما عملته لنفسها بنفسها، اجتهادًا لا تقليد فيه، واستقلالًا لا تحكم فيه، وملكًا لا استعارة فيه. والمعهد الباديسي- قبل كل شيء وبعد كل شي- من عمل الأمّة لنفسها، شادته بمالها على قلة في المال، وعمرته برجالها على فقر من الرجال، وحبسته على أبنائها ليعصمهم من منكرات المعاهد، أو لينقذهم من تنكر المعاهد، وسيرته في ليل من الأحداث داج، وفي جو من الأعاصير أدكن، وفي بحر من السياسة ورجالها هائج، وفي مجتمع متشابه فجاج الفكر، متقارب القلوب على الشر والنكر، وفي غواش من الفتن متلاحمة، وجماعات من البشر غير متضامنة ولا متراحمة. ولم تعتمد في تكوينه إلا على الله ثم على نفسها، ثم على العرق الأصيل من جنسها، والقوّة الكامنة من دينها. فجاء عملًا خالصًا منها لها لم تشبه بشائبة اعتماد على حكومة تصرّفه على أهوائها، ولم تشنه باعتماد على شخص يستغله في مطامعه. وكان- لذلك كله- عملًا طيّبًا مباركًا، يعليه بُعد الهمّة ويحوطه بعد النظر، وتسيّره قوة الإيمان، وتزيّنه لمحة الاستقلال، وتسمه النية الصالحة بسماتها، وتظهر في آثاره البركة والنماء، ويعرف الخير واليمن في أواخره كما عرفا في أوائله.
__________
* "البصائر"، العدد 85، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 4 جويلية 1949م.
(2/289)

وهذا المعهد- باعتبار آخر- هو إحدى الكفارات التي تقدّمها الأمّة الجزائرية عما اجترحته من مآثم الجهل والأميّة، وسيئات الغفلة والتفريط وأسباب التأخر والجمود، وجنايات الابتداع في الدين والاتباع في الدنيا. لتمحو بالجد في الحياة آثار الهزل فيها، وتمحو بالعلم آثار الجهل، وبالقراءة آثار الأميّة، ثم تمسح بهما ما تراكم على دينها من محدثات، وما غطى على تاريخها من نسيان، ثم تخط بهما ما يتطلبه غدها من رسوم للعمل وأعلام للهداية، ووسائل للتنفيذ والتطبيق. ثم تجلّي لنفسها مناهج الحياة على هدى العلم، وبوحي القلم، كما سار سلفها الصالح الماجد على هدى العلم، وبوحي القلم إلى حياة العز والشرف والسيادة.
هذه هي المعاني الكامنة في هذا المعهد، كما كانت كامنة في نفس من نسب إليه وتحلّى باسمه، وكما هي كامنة في النفوس الصالحة الطاهرة من هذه الأمّة، وستظهر بالتدريج إذا اطرد نموه، وتفرّعت أفنانه، وتعهدته الأيدي بالبذل، والعقول بالتدبير، والقرائح بالتغذية، وصالحو المؤمنين بالمحافظة والحماية، ويومئذ تكون الأمّة قد استكرمت الغرس فاستطابت الجني، واستمجدت الزناد فحمدت الورى.
نقول: إن المعهد من عمل الأمّة، وهو قول حق وإنصاف للأمّة، ويقول العقلاء العارفون المنصفون: إنه هو الغرّة اللائحة في أعمال جمعية العلماء، وإنه هو تاج المدارس التي شيّدتها لحفظ دين الأمّة ولغتها، وهذا أيضًا قول حق وإنصاف لجمعية العلماء. وما جمعية العلماء إلا الأمّة المسلمة العربية الصالحة المصلحة، ذائدة عن كيانها، مدافعة عن قرآنها، مناضلة عن لسانها بلسانها، وما هذه الأمّة المسلمة العربية إلا جمعية العلماء متأثرة بخطواتها، منقادة لإرشادها، واثقة بأمانتها، مؤيّدة لمبادئها، سائرة في الدين والدنيا على هداها، ومن شذّ من الفريقين شذّ في النار. ولولا جمعية العلماء لما تحرّرت العقول والأفكار، فاستشرفت إلى تحرير الأجسام، ولولا الأمّة، وإيمانها بالجمعية، وثقتها برجالها وإمدادها لها بالمعونة الصادقة لما استطاعت الجمعية أن تقوم بهذه الأعمال الجليلة، ولما استطاعت هذه الحركة المباركة أن تنمو وتترعرع، وتتأصل وتتفرّع. وقديمًا قام الدين على هاد إلى الحق، ومهتد بالحق، وقامت الدنيا على قائد بالصدق، ومنقاد إلى الصدق.
جمعية العلماء والأمّة الصالحة جزءان يتألف منهما كل، ونصفان يتكوّن منهما كون كامل.
***
(2/290)

سلخ هذا المعهد الجليل السنة الثانية الدراسية من عمره العلمي المبارك، وخطا في ميدان العلم والتثقيف الخطوة الثانية من خطاه المسدّدة، محفوفًا بالرعاية الشاملة من جمعية العلماء، وبالعناية الكاملة من صالحي الأمّة، وبالحماية العليا من الله الواحد الأحد.
سلخ هذا المعهد سنته الدراسية الثانية، ومعناها في لغة النظام العلمي تسعة أشهر تتخلّلها فترات، وتتحيّفها عطل واستراحات، فتنقص تسعة الأشهر أسابيع، فيكون عمره العلمي سنة وربع السنة مما يعرف الناس في عد أعمارهم، ولكنه يأتي بما يشبه معجزة عيسى نطقا في المهد، بحفظ العهد.
أُجريت الامتحانات- من مبتدإ شهر يونيو- لتلاميذه الذين بلغوا في هذه السنة ستمائة عدا، وانتهت بعد أسبوعين فأسفرت عن نتائج تُقرّ أعين العاملين لخير العروبة والإسلام في هذا القطر، وتُبهج خواطرهم وتشرح صدورهم.
جرت هذه الامتحانات في حالة حكيمة من حزم الإدارة وضبطها، وأمانة الشيوخ واحتياطهم، واستعداد التلامذة واعتمادهم على أنفسهم، لا تسمح بالإجحاف ولا بالمحاباة، فكانت النتائج فوق ما يقدر المشدد والمتسامح، وكانت فوق النسب المقدّرة من المشائخ والتلاميذ، وكانت بشيرًا بطور من الذكاء والنبوغ والبراعة تجني منه الجزائر الخير الكثير لدينها ولغتها، وكانت- في الأخير- برهانًا صادقا على أن شيوخ المعهد كانوا يعلمون ... وأن تلامذة المعهد كانوا يقرأون ويتعلمون ... بمعنى أن شيوخ المعهد كانوا يؤدّون واجبهم بإخلاص وأمانة ونصح وحسن توجيه، لم تثبطهم شدائد العيش ومكاره الحياة، ولم تثن هممهم الصعوبات المعترضة في سبيل التربية والتعليم. وأن التلامذة كانوا منقطعين إلى التعليم بجد واجتهاد وإخلاص، لم تلههم عنه ملهيات المجالس، ولم تغوهم شياطين الأزقة، ولم تضارر العلم في نفوسهم وساوس الأفكار. ولقد كان لشياطين الأزقة بهؤلاء التلامذة الصغار لمم وإلمام، ومساورة واقتحام، فكانوا يقعدون لهم بكل صراط، يضلونهم عن العلم، ويصدّونهم عن سبيله، ويزيّنون لهم مفارقة المعهد، ويلقّنونهم سب العلم وشتم العلماء مما ظهر أثره على ألسنة بعض الأغرار من صغار الطلبة فظهر أثره في خيبتهم في الامتحان، فكان عظة بالغة لهم ولغيرهم، ولقد رأيت بعيني بعض هؤلاء الأشرار في لبسة عجب يندسون بين الطلبة ويلازمونهم إلى باب المعهد يزيّنون الباطل ويقبحون الحق ويوسوسون في صدور التلامذة ما لا يوسوس قرينهم الشيطان الرجيم، ولكن الله أحبط أعمالهم، وخيّب آمالهم.
***
(2/291)

واحتفل المعهد في الخامس عشر من يونيو بختم الدروس والامتحانات وأعلن هذه النتائج في جمع عظيم من مشائخه وهيئاته المتعاونة، وكثير من مديري المدارس ورؤساء شُعَب جمعية العلماء بعمالة قسنطينة حضروا بمناسبة مؤتمرهم الذي انعقد في اليوم التالي ليوم الاحتفال. وخطب مدير المعهد الأستاذ العربي التبسي، وخطب كاتب هذه السطور، فكانت الخطبتان دائرتين على حثّ الأمّة على الاستعداد للسنة الآتية بالبذل والتشجيع، لأن معظم تلامذة السنة الأولى انتقلوا إلى الثانية، وسيضطر المعهد إلى قبول مثل عددهم لتعميرها، وسيضطره ذلك طبعًا إلى إحضار ثلاث وسائل جديدة للتلامذة الجدد: مساكن لسكناهم، وأقسام لدروسهم، ومشائخ لتعليمهم، وأن هذه الضرورة ستتجدّد في كل سنة، إلى أن يتساوى عدد الخارجين من السنة الرابعة بالداخلين في السنة الأولى، فعلى الأمّة أن تتنبّه لهذا، وأن تتبيّن شأنه وخطره، وأن تعدّ له عدّته. وأن يكون لها من الاهتمام به ما يكافئ اهتمام إدارة المعهد وجهود جمعية العلماء.
هذا ولا يفوتنا أن نسجّل ملاحظة غريبة في نسبة نجاح تلامذة المعهد في امتحانات هذه السنة، فقد كانت للنجاح مجار مطردة على حسب الجهات، وكان مظهر النجاح الأعلى في تلامذة جبال زواوة ثم في تلامذة جبال أوراس، ثم في تلامذة العمالة الوهرانية على العموم، ثم في بعض مدن عمالة قسنطينة، ولذلك كله علل سنشرحها.
أما التفصيلات، وأسماء الناجحين، وتجلية العبر، فسنجمعها في عدد خاص من "البصائر" نصدره في النصف الأخير من شهر شوال، فلينتظره القرّاء.
(2/292)

دروس الوعظ والإرشاد في رمضان *
يجب لليالي شهر رمضان المبارك أن تكون حية عند المسلمين لا بما هم عليه من السهرات الوقحة، واللهو الماجن، والشهوات القاتلة، فإن هذا النوع من الإحياء هو - في حقيقته- إماتة لحكمة الصوم وقتل لسرّه وخيره، ومحو لروحانياته وآثاره النافعة.
وقد جاء الأمر بإحياء ليالي رمضان، وهو لا يختص بالتهجد، وإنما يشمل النافع بالمنطوق، والأنفع بمفهوم الأولوية، ومن الأنفع الذي لا يتمارى فيه للمسلمين في هذا العصر إحياء ليالي هذا الشهر بمجالس التذكير العامة ودروس الوعظ والإرشاد، بشرط أن تكون المجالس جدية موقظة، والدروس حية محيية، ولن تكون كذلك إلا إذا كانت مدارسة لكتاب الله ولسنة نبيّه في المواضيع المتصلة بحياة الأمّة الدينية والدنيوية، وتعميرًا لنفوس المسلمين بالخير الذي يفيض منهما، وتقريبًا لما تباعد بينهم وبينهما.
هذا هو الإحياء الحقيقي الذي هو أكثر نفعًا وأجزل عائدة، وأقرب من مراد الشارع وحكمته، فإذا وفق المسلم إلى إحياء بقية الليل أو جزء منه بالتهجد والتلاوة، فقد جمع له الخير من طرفيه، وجاء بالحسنيين في قرن.
جرت جمعية العلماء- منذ أعوام- على سُنَّة حميدة جعلتها من صميم أعمالها، وهي إحياء ليالي هذا الشهر بدروس الوعظ والتذكير في الحديث والتفسير، في مجامع المسلمين ومدارسهم ونواديهم بل وفي ديارهم، ولو كانت المساجد حرّة كما يريد الإسلام لانتهت هذه السنة إلى غايتها، وأتت بكل ما هو محقق لها من النتائج، ولظهرت آثار ذلك جليّة في أقوال المسلمين بالصدق، وفي أعمالهم بالتوفيق، وفي حركاتهم بالنجاح، وفي آرائهم بالتسديد، ولكنها- مع ذلك- لم تخل من آثار صالحة في نفوس الجمهور الذي يحضرها ولغشاها.
__________
* "البصائر"، العدد 86، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 11 جويلية 1949م.
(2/293)

وفي هذا العام وزعت الجمعية كثيرًا من مدرّسيها على مراكز متعددة في القطر للقيام بهذه السنة المباركة، وألزمت المعلمين المقيمين في مراكز التعليم أن يقوموا بهذا الواجب في هذا الشهر، فتمّ العمل على أتمّ وجه وأكمل نظام. ثم وزّعت عليهم المنشور الآتي تذكيرًا لهم وتوكيدًا عليهم، وهذا هو نصّه:
الأخ المحترم الشيخ ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أما بعد، فإن أشرف عمل تتقرّبون به إلى الله وتخدمون به دينكم وأمّتكم في هذا الشهر المبارك هو إحياء لياليه بدروس الوعظ والإرشاد وتذكير إخوانكم المسلمين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
وإن جمعية العلماء تعلم أنكم قائمون بهذا الواجب في بلدانكم ولكنها تذكركم وتوصيكم بأن لا تفرطوا فيه ليلة واحدة من ليالي هذا الشهر وأن تخصّوا بالعناية المواضيع الراجعة إلى إصلاح الأخلاق، فمن فساد الأخلاق أتيت أمّتكم ومن ثغور الأخلاق دخل شياطين الإنس والجن إلى نفوسها فأفسدوها.
حثوا إخوانكم على إقامة الفرائض الدينية والاجتماعية التي أضاعوها كالزكاة والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر والمرحمة والتعاون على البر والتقوى والتآلف والتحابب مستندين في ذلك كله على كتاب الله وحديث نبيّه مستدلين بنصوصهما على النهج السلفي لجمعيتكم.
والصلاة الصلاة فإنها عماد الدين، والعلم العلم فإنه عماد الدين والدنيا فعليهما حضّوا وإليهما فادعوا، والله يوفقكم ويرعاكم وينفع بكم والسلام عليكم ورحمة الله.
رئيس جمعية العلماء
محمد البشير الإبراهيمي
(2/294)

إلى الكتّاب *
للبصائر طرفان: أعلى وهو معرض العربية الراقية في الألفاظ والمعاني والأساليب، وهو السوق الذي تجلب إليه كرائم اللغة من مأنوس صيّره الاستعمال فصيحًا، وغريب يصيّره الاستعمال مأنوسًا، وهو مجلى الفصاحة والبلاغة في نمطهما العالي، وهو أيضًا النموذج الذي لو احتذاه الناشئون من أبنائنا الكتّاب لفحلت أساليبهم واستحكمت ملكاتهم مع إتقان القواعد ووفرة المحفوظ.
ولهذا الطرف رجاله المعدودون، وهو نمط إعجاب أدباء الشرق بهذه الجريدة.
وطرف أدنى، وهو ما ينحط عن تلك المنزلة، ولا يصل إلى درجة الإسفاف، وبين الطرفين أوساط ورتب تعلو وتنزل، وهي مضطرب واسع يتقلب فيه كتّابنا، من سابق إلى الغاية مستشرف لبلوغها ومقصر عن ذلك.
ولكن بعض الكتّاب- هداهم الله رشدهم- بالغوا قبل أن يبلغوا، فهم يوافوننا بمقالات دون الطرف الأدنى، فنضطر إلى إهمالها اضطرارًا فيلوذون بحق (التشجيع) ... فليعلموا- علّمهم الله- أن التشجيع لا يكون على حساب اللغة وتراكيبها، ولا على حساب "البصائر" ومنزلتها، وليفهموا أن الاعتماد على التشجيع، معطّش ومجيع.
ونصيحتنا إلى هؤلاء وإلى ناشئتنا الكاتبة أن ينظروا لأنفسهم وأن يعتمدوا عليها، وأن يُدمنوا القراءة لآثار فحول الكتّاب من قدماء ومحدثين، وأن يحملوا أقلامهم على احتذائها بالتدريج، وأن يتكثروا بحفظ اللغة الأدبية، ويتبصروا في مواقع استعمالها في التراكيب، وأن يكونوا عصاميين في الأدب والكتابة، فإن المعاهد التي تقلبوا فيها للتحصيل لا تخرّج أديبًا ولا كاتبًا، ما دام حظ البيان فيها منزورًا، وعلم اللغة والإنشاء فيها مهجورًا، والأدب العربي فيها لا يدرس قصدًا، وإنما تعرض نتفه عرضًا.
__________
* "البصائر"، العدد 86، السنة الثانية من السلسلة الثانية، 11 جويلية 1949م. (بدون إمضاء).
(2/295)

ذكرى بدر بمركز جمعية العلماء *
تقديم: محمد الغسيري
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ذكرني ما كتبه واقتبسه الأستاذ أبو بكر الأغواطي من درس الأستاذ الرَّئِيسُ الشيخ محمد البشير الإبراهيمى، الذي ألقاه بمدينة الأغواط يوم زارها في الأيام الأخيرة، أنه واجب علي وقد كتب لي أن أحضر بعض دروسه الرمضانية بالجزائر، ومنها الدرس النفيس الذي ألقاه بالمركز يوم 17 رمضان بمناسبة ذكرى بدر لسنة 1368، أن اقتبس بعضه لأقدمه إلى قرّاء "البصائر" ليتصوّروا جلال هذه الدروس، وما قدرت أن أنقل إليهم من معانيه إلا يسيرًا، فليعذروني إذا أنا لم أقدّم لهم غذاء لذيذًا كما يشتهون ويشتهي الفن، فحسبي لديهم أن قدّمت الغذاء، وحسبي لدى نفسي أن أرضيتها فيما طالما تحرّقت عليه أسفًا وحنت إليه شوقًا، ألا وهو ضياع تلك الدروس القيّمة والمحاضرات العامرة التي يلقيها الرَّئِيسُ في جولاته بربوع القطر الجزائري، تلك التي لا تتقطع طول السنة، وما أشبهها إلا بنهر عذب جارٍ يستقي منه القريب، ولا يحرم منه البعيد، أجل طالما تذامرنا وتقاسمنا- نحن معشر تلامذة الأستاذ ورفقائه- على أن كل من قسم له حضور تلك الدروس ليكتبن كل ما أسعدته ذاكرته بحفظه، وقلمه بتسطيره، ولكنّا نخلف مرة، ولا يسعدنا الحظ لمرافقة الأستاذ في أسفاره مرات، على أن حاضري الدرس من الكتّاب يؤخذون بالسماع، ويندهشون فلا يكتبون شيئًا، وكانت النتيجة ضياع كنوز من العلم والحياة لا تقوم بمال.
أجل لم ينقطع الأستاذ الرَّئِيسُ عن الجولان لخدمة الأمة والجمعيات والمدارس والمعهد إلا بضعة أشهر في السنة الفارطة لمرض أقعده، ولعدم وجود سيارة تقلّه، فتعطل كثير من الأعمال، واشتاقت المحافل إلى سماع صيحاته ونصائحه وبيانه الساحر، وحلّ المشكلات، واستمرّت الحالة كذلك زمنا قصر فيه أعماله وزياراته كلها على المعهد وحده، ولما تهيأت له الوسائل جاب البلاد في أمد وجيز تناول فيه بالزيارة ما يلي:
__________
* "البصائر"، العدد 87، السنة الثانية من السلسة الثانية، 18 جويلية 1949م.
(2/296)

قسنطينة، سمندو، عزابة، مزغيش، عين قشرة، الميلية، الشقفة، أولاد علال، جيجل، القرارم، شاطودان، العلمة (سانت آرنو)، سطيف، حضنة أولاد دراج، برج بوعريريج، وهناك جاء العمل الحازم، ورجع عزم الأستاذ إلى الصول، ونشط لسانه إلى القول، واستهلّ سلسلة أحاديثه ودروسه بخطبة في الاحتفال بختم دروس معهد عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة، وبحديث في مؤتمر شُعَب جمعية العلماء بعمالة قسنطينة كما تكلّم في غالب البلدان السالفة الذكر، ثم سافر إلى الجزائر، وما مكث عند أهله- حسبما أخبرنا- إلا ثلاث ساعات سافر بعدها إلى المدية، وألقى فيها درسًا بالجامع الجديد، ومنها إلى الأغواط (وقد نقل بعض أحاديثه فيها الأخ أبو بكر ونشره في "البصائر" في حينه) ثم عاد إلى المدية فتقبل فيها دارًا عظيمة وهبها لجمعية العلماء محسنان كبيران لتكون مدرسة للتعليم، وبعد صلاة الجمعة في الجامع الجديد ألقى محاضرة أعلن فيها تبرع المحسنين بالدار وأعلن حكمه عليها أن تكون مدرسة خاصة بالبنات مؤلفة من ثمانية أقسام، وألزم رجال المدية باسم العلم أن ينهضوا لبناء مدرسة للبنين، وأنحى عليهم باللائمة في التقصير والتأخّر في مضمار التأسيس حتى على القرى الصغيرة مع أنهم من السابقين في النهضات على اختلات أنواعها، ثم قصد الأصنام بدعوة من جماعة مدرستها "مدرسة ابن خلدون" ليتكلم في احتفال أعدّته المدرسة، ولم يرجع إلى الجزائر إلا في أول رمضان.
إن نسينا شيئًا من عيوبنا فلا ننسى أن أكبرها هو إضاعة مثل هذه الدروس والمحاضرات، وإن فيها- والله- لكنوزًا من العلم والحكمة غالية، وإن أسينا فأول ما نأسى عليه أن لا يرافق الأستاذ العظيم في كل جولاته اثنان أو ثلاثة من الكتاب ليدوّنوا كل ما تنفرج عنه شفتاه، وكل ما يلفظه لسانه العذب الحكيم من الدرر، أما أنا فحسبي- أخيرًا- أن أقدّم إلى القرّاء ما يلي:
...

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
أما بعد: فإن الأمم تعرف في هذه الحياة بأيامها، والأيام أفراح وأتراح، الفرد فيها كالجماعة، وإن أعمار الأمم منها ما كان كله كالصفحات البيضاء نقاء وإشراقًا، ومنها ما كان مظلمًا حالك السواد، وإذا درسنا بدايات الأمم ونهاياتها- وهي ضارية في القدم والطول- وجدناها كبدايات ونهايات الأفراد سواء بسواء، وإذا أمعنّا النظر في أيام الجميع السارة لم نلفها إلا قليلة جدًا، وكذلكم كانت أيام المسلمين الزاهية السعيدة تكاد تعد على الأصابع، وما كان يوم بدر إلا من هذه الأيام القليلة، وما كانت واقعة بدر إلا من هذه
(2/297)

الوقائع المشرفة في تاريخ الإسلام والمسلمين الطويل، فلقد حيّرت المؤرّخين وملأت الأسفار بأسماء أبطالها القليلين، وذكر مآثرهم، وتعداد مناقبهم، وذكر عددهم الحربية المتواضعة، والإشادة بالمكان- كل ميزته أنه به قليل ماء، ما كان يوم بدر إلا يومًا من أيام الله في الإسلام- إذن، وهل يحسن التذكير إلا بأيام الله؟ ولقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} ذكر موسى بني إسرائيل بأيام الله، وذكرهم بآلائه عليهم، ولما لم ينفعهم التذكير، وخالفوا أوامر الله وكثيرًا ما قتلوا أنبياءهم بغير حق، حقّت عليهم كلمة الله، وحاق بهم العذاب وهم لا يشعرون، فكان التيه الذي ظلّوا فيه معذبين أربعين سنة، كانت كافية لأن تنهض جيلًا من الشباب عزيزًا، شديد المراس، يأبى الضيم، ولا يرضى المهانة، وكافية لأن تذهب جيلًا من العجزة وشيوخ الهمم الأذلاء الذين درجوا في ساحات الذل، وشبوا وشابوا تحت كلاكل الاستعباد والسخرة المقيتة، وتلك حكمة الله في تذكير الأمم بأيام الله، لتتعظ، وترجع إلى الله، وتتدرّع بالعبر والمثلات، وحسن الاقتداء.
نعم، إن أيام النكبات عند العقلاء أعظم من أيام الرخاء والهناء، وأيام البلاء في حياة المسلمين أزهى أيامهم، وأجدى عليهم نفعًا، وأبقى ذكرًا، وأخلد أثرًا، والمؤرّخون الحقيقيون هم الذين يعنون بذكر جانب الاعتبار من الأحداث التاريخية الكبرى- لا أولئك الذين يسردون الوقائع سردًا- ليدرس الناس أسباب سقوط الدول، وأسباب عزّتها، وتكون مؤلفاتهم خير معوان للأجيال المقبلة لتتنكّب طرق الشر والشقاء، وتسلك مسالك الرشد والهدى، ولا أخال حديثنا الليلة يتناول غير ذلك الجانب الأهم من الوقائع.
إن يوم بدر، ويوم أحد ليعدّان- باعتبار آثارهما- مِن غُرّ أيامنا التاريخية، فلقد كان الأول نصرًا، وكان الثاني كسرًا، أفكان يوم أحد شرًا على المسلمين، وهم يعلمون ما سبب الهزيمة؟
إن القيم المعنوية في الرجال، من زكاء النفس، وعلوّ الهمّة، وإطاعة أوامر الله، هو الجانب المعتبر في حياة الرجال، وذلك ما أتاح النصر للمسلمين يوم بدر وهم قلة، وإن الطمع في الأسلاب الحقيرة، ومخالفة أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هما السبب في هزيمة المسلمين يوم أحد، وهم كثرة، وأن القوة المعنوية التي تسلّح بها رجال بدر هي التي رجّحت كفّتهم، ولئن استشهد منهم قليل فقد انتصر الباقي على عدو قوي البأس، محارب بطل، يفوقهم عددًا وعدة، وشتّان بين من يسترخص الموت من أجل الحياة، وبين من يحاولها لإرضاء الشهوات، شهوات الغلب، ومحبة السمعة الزائفة، ومحاولة تحدي سنن الله وإرادته الرامية للأخذ بيد المستضعف في الأرض، وهو ما هزم المشركين يوم بدر وتركهم عظة وذكرى إلى يوم الدين، وكذلكم كانت واقعة أحد درسًا قاسيًا للمسلمين عرفوا به مصدر الداء، داء الغرور، ذلك المرض الذي ما أصيب به فرد أو جماعة إلا أهلكه، فلا يغترن أحد بنفسه،
(2/298)

ولا يغرنه زهوه وخيلاؤه فإن الدائرة في الأخير لا تدور إلا على رأسه، وإن من أعظم أدواء الغرور أن يلبس الإنسان غير لبوسه فيجني نتيجته هزيمة منكرة، ومرارة مستديمة، وتتعطّل به قوة الفرد، وقوى الجماعة، وأي خير بعد ذهاب القوة؟ ... وهل دارت الدائرة في غزوة أحد إلا على رأس المسلمين؟
ثم إذا طوينا صفحات من التاريخ، وجئنا نعدّد أيام المسلمين الزاهرة كيوم اليرموك، ويوم القادسية، وأجنادين، وذكرنا رجالها، وفي مقدمتهم خالد بن الوليد، وعياض بن غنم وما أدراك من هما، وتصوّرنا العقبات التي لاقاها أولئك الأبطال في صلابة النفوس، ووعورة المسالك، وحداثة عهدهم بالنهوض، سواء مع الفرس أو الروم، عرفنا جلال عظمة تلك الأيام، وعصامية أولئك الأبطال المغاوير، وإذا ذكرنا أيام المسلمين الزاهرة التي مهّدت للمسلمين فتح مصر، وشمال أفريقيا، والأندلس وذكرنا في تاريخ الأندلس مثلًا واقعة "الأرك" و "الزلاقة" ويوميهما، وذكرنا عبد الرحمن بن معاوية الداخل، وعبد الرحمن الناصر، وتصوّرنا حضارة العرب بالأندلس- كما في الشرق- تمثّلنا الإسلام في أروع مباهجه، وأعلى مكارمه، وأسمى روحياته.
أضِف إلى تلك الأيام يومًا أغرّ محجلًا ماجدًا في تاريخ المسملين ألا وهو يوم حطين بفلسطين، في عهد صلاح الدين، وما صلاح الدين إلا رجل كردي عادي لا يملك من ألقاب الشرف والحسب شيئًا، كان يدعى يوسف بن أيوب وكفى، ولكنّه كان صلاح الدين وحامي حمى المسلمين بحق، فهو قد رفع رأس المسلمين عاليًا، وحطّم الصليبيين تحطيمًا، وردّ غاراتهم ردًا قرّر مصير حياة المسلمين بعد ذلك في جميع جهات العالم، وأنقذ مكّة والمدينة حيث مأرز الإسلام وفخار المسلمين.
أجل حارب الصليبيين الذين رابطوا قرب المعرّة نحو مائة عام يستعدّون لتسديد الضربة القاضية فهزمهم هزيمة شنعاء لم يعرف التاريخ نظيرها في تلك الأيام، وهم قوم غلاظ شداد يحملون في نفوسهم حقدًا على الإسلام والمسلمين طالما غذاه القساوسة والرهبان في أوروبا بمختلف أنواع التغذية المسمومة، الراجعة إلى خبث الطوية، وفساد التربية، وسوء التوجيه، أولئك هم الصليبيون الذين حاربهم صلاح الدين، وتلك بعض صفاتهم، وأولئك هم الذين ما تزال بعض سماتهم ماثلة للعيان في بعض الأمم حتى في أيامنا هذه.
بلى، إن الأرك والعقاب بالأندلس، وحطين بفلسطين، واليرموك بالشام، والقادسية بالعراق، وبدر بالحجاز هي أسماء أماكن وقعت فيها غزوات، ولكنها لا تدلّ في فهمي إلا على درس خالد في الوطنية العليا، إذ خلود الأماكن خلود للأوطان، وإن في حياة خالد وعبد الرحمن الناصر، وصلاح الدين الأيوبي وما أتوا من خوارق العادة لأعظم درس في سير
(2/299)

الرجال، وخلود الأبطال، وإن من حافظ على الأوطان ولم يبخس الرجال حقّهم كتب الله له الخلود، ومن ضيّع الأوطان، وبخس عظماءه حقّهم ذهب في الذاهبين، وهل يمكن أن يحفظ القلب في غير الجسد؟ وهل ينسى المسلمون تلك الأماكن وأولئك الرجال؟
نعم كانت بدر موقعة حاسمة في تاريخ المسلمين كما كانت الوقائع الآنفة الذكر في غالبها نصرًا مبينًا، وما كان الدين الإسلامي ليبيح الحرب، وما كان ليحبّبها إلى النفوس، بل يبشع بها وبمثيرها ولكنه يحبّ السلام، ويدعو إلى السلام، إلا إذا اضطرّ إليها اضطرارًا ليدفع الشرّ بالشرّ، وهناك يخوضها المسلمون في غير هوادة حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، رجعوا إلى البناء والتعمير، ونشر العلم والعدالة والإخاء بين الناس، وراحوا يصافون حتى المحاريين المعتدين، وما أكثر هؤلاء وما أصدق قول الشاعر الأول في هذا المعنى:
تَعْدُو الذِّئَابُ عَلَى مَنْ لَا كِلَابَ لَهُ … وَتَتَّقِي صَوْلَةَ الْمُسْتَأْسِدِ الْحَامِي
وما أصدق قول حكيم العصر شوقي في نفس المعنى:
ألم ترَ أنهم صلفوا وتاهوا … وسدّوا الباب عنا موصدينا
ولو كنا هناك نجر سيفًا … وجدنا عندهم عطفًا ولينا
هذه حقيقة الإسلام، وهذا هو التاريخ الإسلامي فليقتد المسلمون، وليؤوبوا إلى الله، وليذكروا بأيامهم وليقبلوا على العلم.
وفقنا الله وإياكم لما يُحِبُّه ويرضاه.
(2/300)

إلى القرّاء *
لم يبق لسنة "البصائر" الثانية إلّا قليل من الزمن، ولم يبق من حصّتها من الأعداد إلّا العدد الآتي وهو عدد 95 إذْ به تكمل أعداد السنة خمسة وأربعين، وكان النظام يقتضي أن يصدر هذا العدد الختامي قبل نهاية السنة، ولكن المطبعة فاجأتنا بأنها تبدأ عطلتها السنوية في السادس من الشهر الجاري، وتستغرق أسبوعين.
وعليه فإنّ عدد 95 لا يصدر إلاّ بعد نهاية العطلة، وبه تكمل السنة الثانية، وسيكون خاصًا بالمعهد الباديسي، مفتتحًا بكلمة طويلة شارحة بقلم مدير "البصائر" ورئيس جمعية العلماء، وبكلمة للأستاذ التبسي مدير المعهد، فكلمات لشيوخ المعهد مع صورهم الشمسية.
وسيكون هذا العدد حَافلًا بالمعلومات والآراء، مؤرخًا للسنتين الماضيتين، راسمًا لخطط المستقبل، مفصلًا لمالية المعهد دخلًا وخرجًا من يوم تأسيسه إلى الآن، مسجّلًا لأسماء الناجحين من تلامذة السنة، مصوّرًا لما بذلته جمعية العلماء في تكوينه وتسييره المالي من جهود، ولما بذله مديره من حزم ونشاط، ولما بذله شيوخه في التربية وحسن التوجيه من شجاعة وصبر، ولما قامت بها الأمة أو قصّرت فيه من واجبات، كل ذلك بالميزان الذي لا يبخس ولا يخسر، والعقل الذي لا يظلم ولا يغلو ولا يحابي.
أما صحائفه فستكون اثنتي عشرة، وأما قيمته فستكون ثمانين فرنكًا للنسخة تسدّد منها نفقاته، وما فضل فهو إعانة للمعهد، فعلى الباعة أن يخبروا بالمقادير التي يستطيعون ترويجها بالضبط، وأن يلتزموا كتابة ببيع جميع ما يطلبونه، وأن لا يدخلوا ثمن هذا العدد في المحاسبة، بل يرسلونه وحده في (شيك) "البصائر" مكتوبًا على ظهره: "حساب العدد
__________
* "البصائر"، العدد 89، السنة الثانية، 8 أوت 1949م (بدون إمضاء).
(2/301)

الخاص"، وليعذرنا حضرات الباعة الكرام بما أردنا التشديد عليهم، ولكنها الضرورة حتّمت علينا هذا.
ومن لم يلتزم هذه الشروط فإننا لا نرسل إليه هذا العدد الخاص، لأنّنا لا نطبع منه إلاّ على مقدار الطلب بسبب كثرة التكاليف.
وعلى الباعة الأفاضل أن يوافونا بذلك قبل الخامس والعشرين من شهر أوت الجاري، ولهم أن يخصموا أجرة البيع كالعادة.
ونرجو بكل تأكيد من المشتركين الكرام في داخل القطر أن يشاركوا عموم القرّاء فيشتروا هذا العدد من الباعة، تنشيطًا لإدارة "البصائر"، وإعانةً للمعهد.
...

أما السنة الثالثة فسنستهلّها بعدد خاصّ، ولكن في الحجم العادي، نجعله مثالًا لنظام الجريدة الجديد، ثم نصدر العدد الثاني من السنة الجديدة خاصًا بمدارس الجمعية، مزينًا برسوم جميلة لبعضها، وسنوفي فيه أبناءنا المعلّمين جنود التربية والتعليم وجمعياتنا المحلية ما يستحقّونه من التمجيد والتنويه والتشجيع، وسيكون مثل عدد المعهد في الحجم والقيمة.
وهذان العددان سنفرغ فيهما مجهودًا عظيمًا من الوقت والمال، نرجو أن يقابله القرّاء بمجهود يكافئه من التشجيع والإقبال، وعليهم السلام.
...

انهالتْ علينا عشرات البرقيات ومئات الرسائل من الإخوان المقدّرين للأعمال، في التهنئة بهذا العيد، ونحن نردّ عليهم التهنئة بأبلغ منها، معتذرين لحضراتهم بأنّ إجابة كل فرد خارجة عن نطاق الإمكان، معلنين لهم أنّ التهنئة عادة وأدب، ولكن أعيادنا مسختها أحداث الدهر، وشوّهتها طبائع السوء منا، حتى أصبحت لا تستحق التهنئة، فإذا رأوا منا زهدًا في الكتابة عنها، فهذا سببه، ولهم على كل حال فضل البادئ بمقتضيات الأدب.
(2/302)

الرقم السجين *
إلى مدير البريد العام بعمالة قسنطينة:
لا نشك في أن مصلحة البريد وتوابعه في هذا القطر تابعة للحكومة، خاضعة لتصرفاتها، ولا نشك في أن الحكومة تسيطر على المشتركين في هذه المصلحة وعلى عملائها بنوعين من المراقبة: أحدهما عام، في الأحداث العامة كالحروب والثاني خاص لقوم مخصوصين، ولا نجهل أن للحكومة طريقة خاصة في مراقبة بعض الأرقام، وهي استراق السمع بواسطة منضدة الاستماع: ( Table d'Ecoute) ولكننا نحدّثك اليوم على معاملة شاذة لا تدخل في واحد من النوعين.
في "بوسطة" (1) تبسة رقم سجين لم ينتفع به صاحبه ولم تنتفع منه المصلحة التي أنت مديرها، فهل تستطيع أن تطلق سراحه؟ هذا الرقم هو رقم 59 - 1، أو رقم مدرسة تهذيب البنين، أو رقم الشيخ العربي التبسي، صاحبه نائب رئيس جمعية العلماء، ومدير معهد ابن باديس، وله- كغيره- مصالح وارتباطات توجب عليه أن يتصل بهم، ويتصلوا به، ولكنهم كلّما طلبوه لم يسمعوا في الجواب من عاملة التليفون إلا إحدى كلمتين: انه لم يجب، أو انه معطّل مختلّ وهو تحت (التصليح)، وقد يتكرّر الطلب من طالب واحد صباحًا ومساءً في أيام متوالية، فلا يكون الجواب في التسعين من المائة إلا بما ذكرنا. وقد يتناقض جواب عاملة التليفون في الوقت الواحد فتقول مرة: إنه لم يجب، وتقول مرة: إنه مخثلّ، ونتحفق بالبحث والسؤال أن صاحب التليفون ملازم لمكتبه، وأن جهاز التليفون سليم معافى.
__________
* "البصائر"، العدد 90، السنة الثانية من السلسة الثانية، 5 سبتمبر 1949م.
1) بوسطة: كلمة فرنسية ( La poste) وهي البريد.
(2/303)

ونحن نشهد بما علمناه من المآت وبما شاهدناه بأنفسنا منذ سنوات، بل من يوم سجل
هذا الرقم بإدارة البريد، وهو أننا نطلبه في الشهر عشر مرات أو أكثر، وفي أوقات نستيقن فيها وجود صاحب الرقم باتفاق معه فيكون الجواب في جميعها: انه لم يجب، ولا تنخرم القاعدة إلا قليلًا.
وقد طلبناه في رمضان من عدة جهات فقيل لنا انه لم يجب، وطلبناه ليلة عيد الفطر الماضي فقالت لنا العاملة في لهجة مريبة ما لفظه بالحرف: il ne répond pas (2) وكرّرنا السؤال، فسمعنا نفس الجواب. وكنا في هذه المدة الطويلة ارتكبنا عدة طرائق من الحيل، وعدة أنواع من الامتحانات، فأثبتت أن هذه المعاملة مقصودة، ولكننا لم نفقه لها سرًّا ولا حكمة.
إن صاحب الرقم يدفع الرسوم القانونية كالناس ولكنه لا ينتفع به كالناس، فما معنى هذا؟ إن كان هذا الرقم مخيفًا فاربطوه (بمنضدة الاستماع) بالحبال الوثيقة، لا بالأسلاك الدقيقة، ولا تتركوه على هذه الحالة: أبكم أصمّ، أو مريضًا مستشفيًا. إن هذا أنفع للمصلحة في جلب المال، وأصلح للحكومة في الاطلاع على (الأحوال)، أما هذه المعاملة فإنها شاذة وقحة سمجة لا طعم لها ولا لون ولا معنى.
لا نعتقد أن لعاملات التليفون المتعاقبات ثأرا مخصوصًا عند الأستاذ التبسي، ترثه اللاحقة عن السابقة، ولا نعتقد أن هذه المعاملة وحي من إدارة عليا، لأن مصلحتها في العكس، وإنما نظن أن الأمر لا يعدو إدارات تبسة المستبدة، وأن منشأها كيد لصاحب الرقم، وحقد عليه، وانتقام منه، فجروا بسوء صنيعهم لمصلحة البريد التهمة والخسارة معًا.
إلى مدير البريد العام بقسنطينة نرفع هذه القضية ليبحث عنها، ويزيل هذا الخلل من نفوس عمّاله، لا من جهاز التلفون. ولا يطالبنا بالحجج القطعية، فإننا نسمع الجواب كلامًا، يذهب مع الريح، لا كتابة تبقى على الورق. وكل ظالم يحتال لظلمه ألف حيلة. ولولا الظلم ما تظلمنا، ولولا أنه واقع على رقم خاص لعممنا.
__________
2) il ne répond pas : إنه لا يُجيب.
(2/304)

مؤتمر الثقافة الإسلامية
- 1 - *
للجمعية - الخلدونية بتونس- منذ كانت- يد بيضاء على الثقافة الإسلامية، وأثر بليغ في إحياء التراث الإسلامي بقدر ما يسع جهدها، وقد سارت في عهدها الأخير منذ رأسها الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور بخطى واسعة إلى التقدّم، وقدمت لنهضتنا العربية الإسلامية بهذا الشمال مآثر جليلة، وكستها صبغة ثابتة من التجدّد ورسمت لها خطة صادقة في التوجيه والاتساع، فوصل رئيسها الفاضل بمحاضراته شرق الإسلام بغربه، وجسّم العروبة بجناحيها، وأحيا من الوفاء للشرق رسومًا طمسها الإهمال حينًا والأنانية أحيانًا، ولم يقف عند الحدود الضيّقة التي ائتم فيها كثير من قومنا بالاستعمار، فشكرنا له ذلك، وعددناه وصولًا لأرحام طال بينها التجافي حتى أوشكت تتنافر.
وفي هذه السنة رأت الجمعية الخلدونية أن نخطو خطوة جديدة، وتسنّ سنة حميدة، في الجانب الذي نوصم فيه بالنقصان، ونوسم بالتقصير، فدعت إلى عقد مؤتمر ثقافي إسلامي تحت إشرافها، وعيّنت لافتتاحه اليوم العاشر من شهر سبتمبر الآتي، وأحسنت كل الإحسان في إسناد رئاسته إلى فضيلة العالم الأستاذ محمد المختار بن محمود.
وقد دلتنا نشرات الهيأة التحضيرية للمؤتمر التي وصلتنا على أن الاستعدادات قائمة على نظام بديع، وأن المؤتمر سيكون محققًا للغاية التي عقد لأجلها، وسيرفع رأس هذا الشمال الأفريقي الذي أمعن في الهزل، فبدا عليه الهزال.
وجمعية العلماء، وجريدة "البصائر" ترحّبان بالمؤتمر، وترجوان له نجاحًا يقطع ألسنة الخصوم، ويشرح صدور قوم مؤمنين، ويكون غيظًا للحاسدين، وقمعًا للمفسدين.
__________
* "البصائر"، العدد 90، السنة الثانية من السلسة الثانية، 5 سبتمبر 1949م.
(2/305)

وترجوان للجمعية الخلدونية توفيقًا دائمًا إلى مثل هذا العمل الجليل، وأن يكون لها من هذا المؤتمر الأول دليل هادٍ إلى الكمال فيما يتبعه، وتجربة نافعة في تعرّف الوجوه واستقراء السبل.
وسترسل جمعية العلماء وفدًا يمثّلها في المؤتمر، لا ليسدّ ثلمة في المؤتمر، ولكن ليكون رمزًا للتعاون العلمي، والتناصر الأخوي، فقد عاقت جمعية العلماء أعمالها الداخلية لمدارسها وجمعياتها عن الاستعداد الكامل للمؤتمر، وتعارض حقّان فقدمت ألزمهما وما لا تعذر فيه بحال، على ما للعذر فيه مجال، ونقلت أعضاء الوفد من العمل المجهد إلى المؤتمر على غير استعداد، كما ينقل الجندي من الحقل إلى الميدان، فلا يطمعن إخواننا المؤتمرون في أكثر من ذلك من جمعية دائبة على العمل المتواصل، وليس لرجالها فراغ، ولا عطلة صيفية، ولا راحة.
(2/306)

- 2 - *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أيها الإخوان
أحيي على بعد الدار إخواني المؤتمرين رجال العلم، وأهل الفضل والنبل، وقد جمعتْهم غاية واحدة، وحدا بهم حادٍ واحد، هو خدمة الثقافة الإسلامية والكشف عن مكنوناتها المخبوءة.
لا يضير هذه التحية أن تكون صدى بعيد الرجع ... فإن البُعد أبلغ في البلوغ، فنور الشمس لا يَتَلأْلَأ إلّا في البُعد السحيق.

أيها المؤتمرون الكرام
أحييكم تحية المسلم البرّ بدينه ولغته، لِلْمُسلم البرّ بدينه ولغته، وأكبر فيكم هذه الهمم التي دفعتكم لهذا النوع المثمر من خدمة الإسلام وإحياء مآثر رجاله، وأرجو أن يكون مؤتمركم مقدمة لأمثاله وفاتحة لما هو أكبر منه وأعمّ فائدة، وأغبطكم على ما حظيتم به من اجتماع كان أمنية المتمني وخيال المتخيل فأصبح حقيقة وأصبح واقعًا.

أيها الإخوان: تمنيتُ- منذ دعا داعي المؤتمر فأسمع- أن أكون من حاضريه ومن المشاركين لكم بجهد المستطيع في بنائه وتعميره، ولكن أعمالي للثقافة الإسلامية، في وطن متطلع للثقافة الإسلامية، عاقتني عن حضور مؤتمر الثقافة الإسلامية، وعسى أن تكون أعمالي شفيعة لي عند إخواني فلا يرمونني بتقصير.
__________
* مسودة رسالة بعث بها الإمام إلى مؤتمر الثقافة الإسلامية، وُجِدتْ بين أوراقه.
(2/307)

أيها الإخوان: ما زلت أتمنى على الله أمنية شغلت عقلي وفكري منذ مِزْت الخير من الشر، وهي أن يسترجع علماء الإسلام ما أضاعوه من قيادة المسلمين، وما زالت الأقدار تدافعني عن هذه الأمنية وتؤيسني منها حتى دلتني المخايل الصادقة من مؤتمركم هذا وتباشير أخرى سبقته على أن هذه الأمنية قريبة المنال إذا صحّت العزائم.
إن علماء الدين أئمة، فإذا لم يخدموا الأمم الإسلامية في جميع الميادين النافعة، ولم يقودوها بقوة في المقاصد الصالحة، ولم يصرفوها في نواحي الخير والمصلحة، ولم يوجّهوها إلى شرف الحياتين وسعادة الدارين، وإذا لم تتوجه الأمة إلى حيث وجّهوها، ولم تستقبل الوجهة التي استقبلوها، فلا معنى لهذه الإمامة.
أن قيادة علماء الدين للأمة هي وظيفتهم الأصيلة، وهي وظيفة يفرضها الدين ويرتضيها العقل، وتوجبها مصلحة المسلمين، وقد فرط علماءنا في القيام بهذه الوظيفة منذ أزمنة متطاولة، فخرجت القيادة من أيديهم إلى أيدٍ لا تحسن القيادة، أو تحسنها في سبيل غير سبيل الدين ومدار غير مداره، فانتهت الأمة بقيادة هؤلاء إلى ما ترون وتشهدون، وليس ما ترون وتشهدون بالذي يرضاه الله ودينه، أو ترتضيه الحياة الشريفة.
جرّبت الأمم الإسلامية- بعد الصدر الفاضل- أنواعًا من القيادة، فما أوقعتها إلاّ في المهالك والبلايا، وما كانت عواقبها إلّا عقوبات، وقد أفلست جميع التجارب، واستشرف المسلمون إلى هداةٍ وحُدَاةٍ من علماء الدين يستردون ما أضاعوه من سلطان، حتى يردّوا هذا السواد المنتشر المتخبّط في داجية من الضلال في الدين والدنيا، إلى الحظيرة الجامعة والقلعة المنيعة، وإن الاسترداد لهذا الحق الضائع لَأقرب منالًا إذا اجتمعتم مثل اجتماعكم اليوم، وفكرتم في المسألة حق التفكير، وإن في زمنكم وأحداثه وفي أمتكم وتجاربها لَأَعوانًا لكم على تقريب الغاية وصدق الآية.
إنّ في العالم الديني الموفق شمائل من الدين ونفحات من روح الله وآثارًا من قوته، وفي الإسلام القوّة والرحمة، والعدل والحكمة، والصدق والنصيحة، والعفة والأمانة، والإيثار والتضحية، وهذه- لعمركم- هي جوامع المؤهلات للقيادة حتى في هذا الزمن الطافر، وفي هذا العالم الكافر، وقد أصبحت الأمم التي جافت الدين وصدت عنه تلتمس شعاعه تهتدي به في ظلمات الحياة، وأسبابه لتعتصم به من هذه السيول الجارفة من الآراء والأحداث، فكيف بأمة لم تنقطع بينها وبين دينها الأسباب.
اجعلوا من بعض أعمالكم في هذا المؤتمر استعادة سلطان الدين على النفوس وفي قيادة الأمة بزمام الدين، فإن في تقوية النفوذ الديني تقوية لسلطانكم على الأمة.
(2/308)

أيها الإخوان: إن للثقافة الإسلامية ماضيًا مشرقًا وحاضرًا مظلمًا، فهل لكم يا أنصار الثقافة أن لا تقصروا جهودكم وأبحاثكم على ماضيها، وهل لكم أن تعطوا مستقبلها الحظ الأوفر من عنايتكم، فتخطوا لمستقبل الثقافة الإسلامية معالم جديدة يهتدي بها الجيل الجديد.
إن هذا الجيل الجديد من أبنائنا واقف في مفترق طرق لا يدري أيها يسلك وقد فتح عينيه على زخارف تستهوي من الثقافة الغربية، وقد أصبحت هذه الثقافة أقرب إلى عقله وذوقه لما مهّد أهلها ودعاتها من المسالك إلى النفوس، ولما تنطوي عليه من المغريات والمعاني الحيوانية، ولما فيها من موجبات التحلل والانطلاق، ولما تزخر به من الشهوات وحظوظ الجسد، ولما يشهد لأهلها من شهود العلم، وهو يفتح عينيه كل يوم منها على جديد.
أما الثقافة الإسلامية التي هي أحق به وهو أحقّ بها فقد أصابها من الجمود والركود ما جعلها بعيدة من عقله، غريبة عن ذوقه، نافرة من إحساسه، وما ذلك كله إلّا من سوء ما صنع الأب، وما صنعت الأم، وما أثّر الكتاب، وما طبع المعلّم، وما اقترف المجتمع، حتى أصبح الناشئ يحتقر أبويه، ويستحي من جنسه، ويسخر من دينه، وما بينه وبين أن يتنكّر لهؤلاء جميعًا إلّا أن يطلع على شيء من آداب الغرب، أَوْ يُلِمَّ بشيء من لغات الغرب ومجتمعات الغرب.
إن المظهر البارز للثقافة الإسلامية هو كتبنا وعلومنا ومناهج الدراسة عندنا وأساليب البحث وطرائق التربية، ومن الكذب على الله وعلى الحق أن نزعم أن الكتب التي ندرسها، والمناهج التي نسلكها تحقق المعنى العالي للثقافة الإسلامية.
وإن الثقافة، إذا تحقق معناها العرفي الواسع مسايرًا لمأخذها اللغوي الضيّق، تلابس النفوس، وتتغلغل إلى المكامن، وتدبّ إلى السرائر، فتجتث من الفرد أسباب النقص ومن الجماعة آثار الركود، وتفيض على الجميع روح الحياة، يصبحون بها صالحين للحياة.
وإن أكبر امتحان تمتحن به الثقافة الإسلامية في أدوارها الأخيرة أن نقتطع في تاريخ الإسلام صحائفه الأخيرة، وهي خمسة قرون ونصف قرن وننظر ماذا تحدر إلينا من أهلها من الآثار والأعمال، وقد نجد عشرات الألوف من المؤلفات، أقلّها السمين، وأكثرها الغثّ، فتكون النتيجة أننا أضعنا خمسة قرون ونصف قرن في الأقوال من غير أن نعمل شيئًا.
هذه الآثار القولية ظاهرة في الشروح والحواشي والتعاليق المملوءة بالجدل اللّفظي العقيم، فأين الآثار العلمية في هذا الانحطاط المريع في الأخلاق، وهذا الزيغ الملحد في العقائد، وهذا الوهن في العزائم، وهذا الاستسلام الذي أفضى بنا إلى الاستعباد.
(2/309)

أيها الإخوان: أعيذكم بالله وبشرف الثقافة وبروح الجدّ من عصركم أن تهتمّوا بالماضي دون الحاضر أو بالحاضر دون المستقبل.
صِلوا مستقبل الثقافة الإسلامية بماضيها البعيد، واقطعوا من هذه السلسلة الطويلة عدّة حلقات هي هذه القرون الخمسة، فلا تمروا بها إلاّ للعظة والاعتبار، إذْ ليس فيها ما يُشرِّف ولا ما يحسّن سمعة المسلمين.
ستفترقون غدًا وسيقول الناس عنكم ما يقولون، فاحذروا أن يقولوا عنكم بعد الآن ما كانوا يقولون: إنهم قوّالون، وإنهم مازالوا حيث كانوا وكان أسلافهم الأقربون، يقولون كثيرًا ولا يعملون شيئًا، وإن عالَم العمل لم يعرف لعلماء الدين منهم فضيلة إلّا التلقيب "بصاحب الفضيلة".
ان من ورائكم ومن بين أيديكم وعن أيمانكم وعن شمائلكم عالَمًا عرف المؤتمرات، وعرف كيف يستفيد منها، وعرف كيف يجعلها أداة للأعمال ووسيلة إلى المفيد، وانهم يرقبونكم بالنظر الفاحص والفكر الناقد، فاعرفوا كيف تدفعون هذا الازدراء.
لا تفترقوا حتى تقرروا إعادة هذا المؤتمر وتجعلوه سنّة سنوية، وأن يكون الحديث عليه ملء النوادي وشغل الألْسنة، واجعلوه كالشمس لا تغرب اليوم إلّا تشرق غدًا، ولا تغيب إلّا تترك الشوق والانتظار.
وهاتوا الحديث عن منابع الثقافة الإسلامية في عصركم الحاضر: الأزهر والقرويين والزيتونة ومعاهد الشام والعراق والهند. إنها محتاجة إلى الإصلاح، وإنها مفتقرة إلى التوحيد، وإنها في حاجة إلى التوجيه الصالح.
(2/310)

في حفل ختام السنة الدراسية
بمعهد عبد الحميد بن باديس
تقديم عبد الرحمن شيبان
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أسبوعين كاملين قضاهما أساتذة المعهد الباديسي في امتحان دقيق للتلامذة، ختم ذلكم النشاط العلمي العظيم باحتفال استعرضت فيه نتائج الأعمال الدراسية التي قام بها المعهد خلال السنة الثانية من عمره الزاهر الميمون.
ففي يوم الثلاثاء 18 شعبان 1368 و 14 جوان 1949 ازدان فناء المعهد بأعيان قسنطينة على اختلاف طبقاتهم: ورؤساء شُعَب جمعية العلماء، وعدد من معلّمي مدارسها من مختلف نواحي العمالة القسنطينية، وهيأة مدرسة التربية والتعليم، وجمهرة من طلبة المعهد، وأساتذتهم، يتصدّر الجميع الشيخان الجليلان: فضيلة الأستاذ العربي التبسي مدير المعهد، وسماحة الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء.
افتتح الاحتفال على الساعة العاشرة صباحًا بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم ... وإثر ذلك قام جناب المدير الجليل الشيخ التبسي فرحّب بالحاضرين شاكرا لهم تلبيتهم للدعوة ثم قال: بهذا الاحتفال يكون المعهد قد اجتاز سنتين من عمره، وهي مدّة قصيرة في زمانها، لكنها عامرة ضخمة بنتائجها، فلقد بلغ عدد التلامذة الملتحقين بالمعهد نحو سبعمائة تلميذ ... ثم تعرض الخطيب إلى الأساتذة الذين جلبتهم الإدارة لتدريس العلوم الرياضية والقواعد الصحية ... ثم انتقل الخطيب إلى ذكر ما يجب على الأمة أن تقوم به نحو المعهد الذي هو مؤسستها الدينية والقومية الكبرى ... ثم دعا الخطيب الأمة إلى محاسبة جميع العاملين في الحقل الوطني العام، فقال: يجب على الأمة أن تضرب على يد كلّ من تسوّل له نفسه الأثيمة بأن يعبث بحركاتها العلمية أو السياسية أو الاقتصادية، فكفانا ما قاسينا من كيد الدخالين، وما تجرّعنا من غصص العابثين ...
وختم مدير المعهد خطابه العامر بقوله: انتهى ما أردت أن أقول لكم، وأما ما تأخذونه بين أيديكم فكلام الشيخ، وهو يشير- بكل تواضع وإخلاص- إلى الإمام الثاني للنهضة الإصلاحية، الأستاذ الرَّئِيسُ محمد البشير الابراهيمي، وهنا سرتْ في نفوس الحاضرين "هزّة" انبعثت من روح الأستاذ الرَّئِيسُ إعلانًا منه (بالإلقاء) واستعدادًا من الحاضرين (للتلقّي)، وما هي إلّا لحظة حتى وجدنا أنفسنا سابحة في روض فلسفي أدبي، تحفّ به النضرة والخصوبة من كلّ جانب!
__________
* "البصائر"، العدد 90، 5 سبتمبر 1949م.
(2/311)

ثم ماذا؟ لا أكاتمك يا قارئي العزيز، فقد حاولتُ أن ألخص لك ما يمكن لي تلخيصه من كلام الأستاذ الرَّئِيسُ، لكن تحليق روحي وراء المعاني الفلسفية الأدبية السامية التي "يرسلها" الخطيب في كلام فني رائع كبّل يدي وأنساني "مهمتي" كمدوّن لما يجري في الاحتفال، على أني لا أضنّ عليك ببعض ما علق بذهني من تلك الشدور والزهور.
قال حضرة الرَّئِيسُ وهو يتحدّث عن فصل الصيف: ما أغرب فصل الصيف، وما أعظم شأنه بين الفصول! يفاخره الربيع بأنه الفصل الذي تبعث فيه القوّة، وتندفع فيه الحياة، وأنه الفصل الذي تهواه النفوس ويتغنّى به الشعراء، فلا يأتي بشيء! ويفاخره الشتاء بأنه الفصل الذي "تكمن" فيه الحياة، وتستتر فيه القوّة، فلا يأتي بشيء! ويفاخره الخريف بأنه فصل الخزن والادخار، فلا يأتي بشيء! ذلك لأنّ أمر الصيف أبعد من كل ذلك مدى، وأعمق صدى، فهو الفصل الذي يتحاسب فيه العامل والبطال، فيفور العامل بجني الثمرة، جزاء كدّه وجدّه، وينقلب البطال بالحسرة والندامة، جزاء تقاعسه وتكاسله. وأعجب من ذلك أنّ الصيف فصل "حساب" عام لما يجري في العالمين المادي والأدبي على السواء، ففي الصيف يحصد الفلّاح ما بذر في الحقول، وفيه يحصد المعلّم ما بذر في العقول، فكل من الفلاّح والمعلّم زارع، هذا يزرع العلم وذاك يبذر الزرع، وكلاهما يترقّب هذا الفصل، وهنا محلّ السرّ والاستغراب!
ثم أخذ الأستاذ الرَّئِيسُ في شرح المعنى السامي للامتحان فقال: ما الامتحان إلّا استعراض للمواهب، ووزن للجهود، فبواسطته نعرف مكانة التلميذ من الذكاء ومقداره من التحصيل ... إن الأمم تتخذ من الامتحان معنيين رمزيين هما: التوديع والاستقبال، فالامتحان توديع لحياة قديمة هي حياة السنة الدراسية التي مضت، واستقبال لحياة جديدة هي حياة السنة الدراسية التي تأتي. والحياة كلّها ما هي إلا سلسلة من المراحل، كلما قطعتَ مرحلة جاءت أمامك مرحلة أخرى، والعاقل مَن ينظر دومًا إلى المستقبل، ولا يلتفت إلى الماضي إلّا على وجه الاتّعاظ والاعتبار.
ثم كأني بالأستاذ الرَّئِيسُ يريد أن يشرح السرّ في النتائج الباهرة التي أسفر عنها نشاط المعهد فقال: إنّي أشهد الله صادقًا أن النتيجة كانت سارّة جدًّا. لماذا؟ لألها مبنية على الحق والصدق أوّلًا، ولأنها ثانيًا وليدة أمور ثلاثة هي: حزم الإدارة، ونشاط الأساتذة، واجتهاد الطلبة. إن مجموع هذا وذاك هو الذي فاجأنا بهذه النتيجة الباهرة! وحاشا المعهد أن يقدّم للأمة نتيجة مزيفة، زيادة أو نقضا، فإنّ ذلك لا يفعله إلّا الغاشّ الماكر.
ثم تعرّض الرَّئِيسُ إلى فضل المعهد على تكييف الطلبة تكييفًا موحّدًا في الغاية والاتجاه، منسجمًا في المظهر والسلوك، وإنْ كانوا من قبل لفي اختلاف مبين في الأخلاق
(2/312)

والميول والأهواء، ومضى في هذا السبيل يقول: وإذا ما وجد بالمعهد شذوذ في بعض الأفكار فإن ذلك مما يرفع من شأنه لأنّ الشذوذ للقواعد العلمية ما هو إلّا دليل على صحّتها. ثم توجّه الرَّئِيسُ بكلمة توجيهية حكيمة إلى رجال التعليم عمومًا فقال: إن أعمالكم أعمال فكرية أدبية، فلا تتركوا للسلطان المادّي مجالًا للتسرّب إلى محيطكم، حتى لا يعبث بإيمانكم، ويحبط جهادكم، بل الواجب أن تكون علاقاتكم بعضكم ببعض، وعلاقاتكم بمهمّتكم الشريفة، علاقات روحية، أسمى ما تكون الروحيات، ظاهرًا وباطنًا، فبذلك تستطيعون أن تؤدّوا رسالتكم العظمى التي هي: بناء الحق وهدم الباطل! ...
ثم ختم الرَّئِيسُ الجليل خطابه، مؤكّدًا ما كان لاحظه فضيلة المدير، من احتياجنا الماسّ إلى العلوم العصرية، فقال: إن لكل عصر سلاحه، فلنتقدم لعصرنا بسلاح عصرنا، فإن العلوم التي عندنا لا تكفي، ولا يقول خلاف ذلك إلّا جهول أو جحود، فإنّ سلفنا الصالح لم يقتصر على العلوم الدينية وحدها، إلّا مع التحقق بأنّ لكل ميدان من ميادين حياتهم، رجاله القائمين بشؤونه، فنحن إذا أردنا الحياة فلا مناص لنا من الجدّ في طلب العلوم التي بها تكون الحياة.
(2/313)

محمد خطاب الفرقاني *
كتبنا عن هذا المحسن الفذ كلمة في العدد 86 وفصلنا القول في مبراته للعلم، شكرًا لها بالإظهار وتقديرًا، وحملًا لغيره على الاقتداء به والتأسّي، لا مدحًا لشخصه، فهو
عندنا في منزلة فوق ذلك، ولا استدرارًا للمزيد من برّه، فالرجل جار في البر على طبع أصيل، وأضيع شيء قولك للأسد أشجع، وللنجم اطلع، وإنما نحن قوّامون على العلم، مؤتمنون على حركاته القائمة، فمن البرّ به، البر بمن يحسن إليه، ويعيننا عليه.
وإن هذا العدد الخاص بالمعهد الباديسي لأدنى إلى هذا المحسن الكبير، وأليق بتخليد اسمه، ورفع ذكره، فلم يزل- حفظه الله- يشيد بالمعهد من يوم تأسيسه، ويعدّه- كما هو في الواقع- غرة أعمال جمعية العلماء، ويتعهّده بالدعاية الحسنة، والرعاية النافعة، ويخصّه بالقسط الوافر من مبرّته السنوية، وله- بعد ذلك كله- رأي صحيح في حياته واستمرار سيره يوافق رأينا، وأمل واسع في وسائل ترقيته يطابق أملنا، وستحقّق الأيام ذلك الأمل، فإن وعود المحسنين أمثاله كالقبض باليد.
ولهذا المحسمن البر صلة روحية متينة بإمام النهضة المبرور الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد ابن باديس، كانت تحمله على زيارته إلى قسنطينة على بعد الدار، مع صلات من البر للمشاريع كصندوق الطلبة إذ ذاك.
وله كذلك صلة ود واعجاب بمدير المعهد الأستاذ الشيخ العربي التبسي، انضاف إليها حب للمعهد وإعجاب به. فتجشّم زيارة الأستاذ المدير في المعهد في أواخر شهر جوان الماضي، وطاف بأقسام المعهد ورأى بعينه بعض مواقع إحسانه، وتفاوض مع الأستاذ المدير في شؤون المعهد وحاضره ومستقبله، واجتمع المحسن بماله والمحسن بعلمه على القربى في الخلال، والاستعداد للكمال، والامتداد في الآمال. وخرج الزائر الكريم مزهوًا فخورًا بأن
__________
* "البصائر"، العدد 90، السنة الثانية من السلسة الثانية، 3 سبتمبر 1949م. (بدون إمضاء).
(2/314)

يكون لوطنه ولقومه من حصون العلم مثل هذا الحصن، وأن تكون له يد في وضع أحجاره وتعمير حجراته، محدثًا عن مشاهدة وعيان، مؤمنًا بأنه أصاب موقع الصنيعة.
ومما فاتنا ذكره في المقال السابق عن هذا المحسن نكتة تتباهى بها الأمم التي بلغت في الإحسان إلى العلم شأوًا مغربًا، وهي أنها لا تقف به عند الحدود الإقليمية الضيّقة، بل تتسع فيه اتساع العلم وتجعله كالمطر، لا يبالي أين وقع، ما دام ينفع حيثما وقع. وأخونا خطاب من ذلك الطراز الذي لم يقف بإحسانه عند حد، فله على الطلبة الجزائريين المهاجرين إلى القرويين آثار من الإحسان على يد الجمعية الجزائرية المكوّنة من إخواننا الذين شرفوا وطنهم الجامع أينما حلّوا، وله على إخوانهم الزيتونيين مثل ذلك، وله على المؤسسات العلمية في الجزائر ما بينّا بعضه للقرّاء في المقال السابق.
إن هذا الصنيع- لعمر الحق- من هذا المحسن لخطوة في التقريب بين الإخوان، والتقارب بين الأوطان، وهي الأمنية التي عمل الصالحون منّا لتحقيقها، فمنهم من قضى نحبه متحسّرًا على فوتها، ومنهم من ينتظر تحققها.
ألا إن الثناء على محمد خطاب ثناء على جميع المحسنين إلى المعهد، لأنه رمزهم الأعلى، فلكل محسن حظه من هذا الثناء وإن لم يذكر اسمه، لأن الإحسان كالحرفة، ومن مدح حرفتك فقد مدحك، وإن لم يعرفك، فلا يظنن إخواننا في الحق وأعواننا على الخير، أننا نسيناهم أو بخسناهم حقّهم.
وسلام على أخينا خطاب في المحسنين، وسلام على إخوان لنا في المغرب وتونس يعملون لنشر العلم متعاونين. ويسعون لتوحيد وسائله وآثاره جاهدين.
(2/315)

"البصائر" في سنتها الثالثة *
بهذا العدد دخلت "البصائر" في سنتها الثالثة من طورها الجديد، أو من سلسلتها الثانية مستعينة بالله متوكلة عليه، مستعيذة بالمعوذات من كلامه، تستدفع بها كيد الكائد، وحسد الحاسد، وطغيان المتحكّم، وتستجلب بها من روح الله نفحات تنعش الفكر، وتسدّد القلم، وتمسح عن النفس الكلال والسأم.
تستأنف "البصائر" بهذا العدد مرحلة من مراحل جهادها في سبيل العروبة والإسلام، ولكنها مرحلة متّصلة الأسباب بما قبلها، ملتحمة الحاضر بالماضي، فميادين العمل في جميع المراحل واحدة، والعقيدة التي تعمل لها "البصائر" واحدة، والخصم واحد، وان ظهر في كل ثنية بشبح، وتلوّن في كل مطلع بلون، وحلّ في كل قضية بعون.
قطعت "البصائر" حولين من شبابها نامية مترعرعة- على كثرة ما لقيت من عوائق النمو- في جهاد للظلم مستمر، وجلاد مع المبطلين مستحرّ، بعدما قطعت أحوال صباها في التمرّس على الإقدام، والارتياض على الاقتحام، والتعوّد على الصراع والقراع، وهي في حالي صباها وشبابها ثابتة الخطى، واضحة المنهج، لم تزلّ لها قدم بعد ثبوتها، ولم تزغ لها في الحق بصيرة ولا بصر، ويسّرها الله لما خلقت له، فما نبا لها في معضلة رأي، ولا كبا بها في معترك فكر، ولا هفا لها في فتنة حلم.
واجهت "البصائر" في هاتين السنتين أحداثًا مثيرة، في ميادين كثيرة، فجال فيها هذا القلم جولات موفّقة، ان اخطأه في بعضها النجاح الذي يعرفه الناس، فلم يخطئه الإخلاص الذي يعلمه الله، والصدق الذي يحبّه الله، والنصح الذي يأمر به، وان العامل المخلص ليبوء بنجاحين، أحدهما مضمون، وهو إرضاء الله، وارضاء الضمير الذي هو وازع الله في نفس المؤمن.
__________
* "البصائر"، العدد 91، السنة الثانية من السلسة الثانية، 26 سبتمبر 1949م.
(2/316)

عالجت "البصائر" في مستهلّ سنتها الأولى قضية الأحزاب وهي الفتنة التي مزّقت الشمل، وصدعت الوحدة، وأفسدت ما صلح من ضمائر الأمة، ونفخ فيها الاستعمار من روحه، فحاربت الحق بالباطل والحقيقة بالخيال، ووقفت عرضة للتعليم العربي الديني الذي هو الزاد الروحي لهذه الأمة، فبيّنت "البصائر" النهج القاصد، ونصحت المخطئ، وفضحت المريب، واشتدّت لحكمة، ولانت بحكمة، فلما أدّت حق الله، وأمانة النصح، وكلت الأمر إلى الزمن، وتركت سنن الله تجري في أعنتها وما زالت هذه السنن تري المبصرين صدق "البصائر".
وجاءت قضية فلسطين تتابع أدوارها الأخيرة المزعجة، ولفلسطين على كل مسلم حق، وفي عنق كل عربي عهد، فقامت "البصائر" ببعض الواجب على مسلمي الجزائر، وكتبت تلك المقالات التي قلّما كتبت صحيفة مثلها، ونعت على العرب وملوكهم تواكلهم وتخاذلهم واغترارهم، وأنذرتهم سوء المصير، فلما وقعت النكبة التي سجّلت على المسلمين خزي الأبد، ووسمت العرب سمة الذل التي لا تُمْحَى، جفّ الريق والمداد، وأغضينا الجفون على القذى، وفي النفس من الحزن لواعج، وفيها زفرات مكبوتة، لا تكون- إذا انفجرت- من باب: أوسعتهم سبًا وراحوا بالإبل. وإنما تكون صرصرًا عاتية على أمراء العرب وكبرائهم الذين لم يأكلوا تراث العروبة ولكن أضاعوه، ولم يحفظوا مجد الإسلام بل باعوه، وتكون حربًا على هذه الأخلاق الدخيلة على الدم العربي التي هيّأته للذل والعبودية والهوان. وما زالت هذه الزفرات تعتلج وتتصاعد، حتى انبرى كاهن الحي لنقد ملوك العرب وأخلاق العرب بأسلوله الذي رجع بالعربية إلى عهود الجاهلية. فقضى بعض الحق وشفى شيئًا مما في النفس، وقد أخبرنا الكاهن بأن للكهانة فترات قسرية، وأنه سيجول- حين يعاوده نجيه- في أقطار العرب، ويتناول قادتهم وعلماءهم بما هم أهله.
إن تلك العاقبة الشنعاء لقضية فلسطين يعود وزرها على ملوك العرب وحكوماتهم وأحزابهم، وأنهم لا يعذرون فيها ولا يستعتبون، وأن كارثة المشرّدين هي العورة التي لا توارى في الجسم العربي، وهي الفضيحة السوداء في تاريخهم، وأن ويلات اللاجئين كلها مكتوبة في صحائف أولئك القادة والأمراء ... وسيتقاضى من كتبت له الحياة من أولئك اللاجئين ثأرهم من قادة العرب وأمراء العرب. وويل للطاعمين الناعمين من الجياع الظماء ...
أما السنة الثانية التي سلختها "البصائر" بالأمس فقد كانت قضيتها الشاغلة هي: التعليم العربي، وفصل الدين عن الحكومة. وقد حملت "البصائر" في الأولى الحملات الصادقة، بتلك المقالات الفاضحة وأبلت في الثانية بما فيه البلاغ. وما زال هذا القلم بليلًا بمدته، ينتظر انقطاع القواطع ليعود إلى الميدان. وإذا كانت القضيتان واقفتين حيث وقف القلم، فما
(2/317)

ذلك بمانعنا من أداء الواجب، ولا مثبطنا عن مواصلة الكفاح. وان لتصامم الحكومة عن كلامنا، وتعاميها عن حقّنا لحدًا تنتهي إليه، وإننا لا نملّ حتى تمل.
...

أصابت هذا القلم فترات في أثناء السنة الماضية سببها كثرة الأعمال المرهقة والرحلات المتواصلة في سبيل المعهد والمدارس، وليس من أسبابها المرض الذي أقعد صاحبه شهرين وزيادة، فلقد كان ذلك المرض أجدى على "البصائر" من العافية والسلامة، ففي أيامه وعلى فراشه كتبت عشر مقالات في معاملة الحكومة للتعليم العربي، حتى سمّاه الأستاذ التبسي "المرض المنتج" وقال لبعض من ثقلت عليه وطأة تلك المقالات من صنائع الحكومة ما معناه: إني لا أرضى للإبراهيمي أن يشاك بشوكة ولكن هذه المقالات حبّبت إلي طول مرضه مع سلامة العاقبة.
تألّم القرّاء لتلك الفترات، فوافتنا رسائلهم تشكو وتعتب، وامتعض لذلك المعجبون باستهلالات "البصائر" من إخواننا الشرقيين، وساورتهم الظنون التي يجسّمها بعد الديار، وانقطاع الأخبار، فكتبوا يسألون يستفسرون. وحرن الكاهن (لا بارك الله فيه) فكأنما كنّا في الفتور على ميعاد، وخلا في "البصائر" ثغر من ديدبانه، وجلا من فرسانها فارس عن ميدانه، ولولا عزمة من "أبي محمد" تنهل ديمة (1)، وتبرق ولافا (2)، ولولا إكباب منه لا يعرف الإغباب، في الأفق الذي خصّص له قلمه، ولولا عزيمة أخرى في العهد الأخير من "أبي عزيز"، لخف وزن "البصائر"، وجف رونقها.
وهذا القلم الذي لا يزدهيه إعجاب المعجبين، لا يقصر- إن شاء الله- عن مدى في خدمة العروبة والإسلام، ما احتضنته الأنامل، وما أرضعته الدُّوِيّ، وأنه ليشكر أولئك القرّاء المتألمين من احتباس جريه، ويقول لهم: إنه لا يسكن إلا ليتحرّك لسان صاحبه في خدمة العلم، وتتحرّك قدماه في ميدان العمل.
...

وجر بعدي عن "البصائر" وقوع هفوات فيها ما كانت لتقع لو كنت قريبًا منها، كما جر ذلك البعد شيوع الأخطاء المطبعية وتصحيح الجريدة نصف الجمال فيها. وأنا أتأسف لذلك وإن كان وقوعه عن غير قصد من القائمين عليها.
__________
1) مطر ديمة: لا يقلع.
2) برق ولاف: متتابع.
(2/318)

وسبب ذلك البعد تقصيرًا في حقوق الزميلات المبادلة من التقريظ والإشهار، وفي حقوق بعض الإخوان الذين تلطفوا بإهداء مؤلفاتهم، وإن حقًا علي أن أذكر بالخير مجلات العرفان، والجامعة العربية، والْمُعَلِّم العربي، والتمدّن الإسلامي، والشرق، والعالم العربي، ولواء الإسلام، والمعلم الجديد، والعصبة الأندلسية، والشعاع، والمجلة الإسلامية (بالإنكليزية). أذكر هؤلاء بالخير، لأنهن بادرن فبادلن، وان لم يصلنا من الواحدة في السنة إلا بعض الأعداد، لاختلال في البريد أو اختلاس من عامل مريد. كما أذكر بالعتب مجلات بادلناها فلم تتنزّل للمبادلة، وجاملناها فأبت الإجمال في المعاملة، ومنها مجلة الرسالة المصرية مع إجلالنا لها ولصاحبها، ومجلة المستمع العربي.
ولست أنسى يدًا لإخوان الصدق وأنصار البيان علي، لست أنسى ذلك الأخ النجفي الذي بالغ فوصف "البصائر" بأنها أرقى جريدة في العالم العربي من المحيط إلى الخليج ولا ذلك الأخ البصري النابت في معدن اللسان، الذي أطرى "البصائر" بما أخجل من ذكره، ولا ذلك الأخ المسلم اللاهوري الذي أثنى وأشاد، ولا ذلك العربي البرازيلي الذي قرّظ "البصائر" في جريدة إسبانية اللغة أبلغ تقريظ وصوّر ديباجتها، ولست أنسى الأستاذ محمد علي الطاهر الذي أنصف فيما وصف.
لست أنسى هؤلاء ولا غيرهم من أهل الفضل الذين لم تحضرني حتى نسبهم في هذه اللحظة. أما عالم الشام الأخ الوفي الشيخ محمد بهجة البيطار فإنني أنشر رسالته في هذا العدد وإن طال عليها الأمد لما فيها من تغنٍ بأعمال جمعية العلماء، ولو كنّا من عشّاق الإطراء لنشرنا من رسائل المعجبين ما يغيظ الحاسدين.
...

هذه لمحة دالّة على منزلة "البصائر" عند صاغة الكلام، وهدى الله أبناءنا الكتّاب، وأُدَباءَنَا الغضاب، الذين نحرّكهم إلى الكتابة والقول، فكأنما نحرّك منهم صخرة صفاء. فإذا بضوا بقطرة تجنّوا، فإذا خلوا إلى أنفسهم تمنّوا، ولو عافاهم الله من داء الغرور لعلموا أن الكتابة في "البصائر" سلّم إلى المجد، وذريعة إلى الخلود. ولفهموا أن الأديب الحقّ فيه من السماء مسحة الصحو، وعليه من السماء صبغة الصفو، وأن طبع الأديب من طبع الماء: سائل، جار، متفجّر، فإذا قيل للماء: سل، وللغصن: مل، فقد غبنت الحقائق.
على أن أبناءنا هؤلاء- عفا الله عنهم- ليسوا من ليل الحياة في سحره، ولا من رييع الأدب في زهره، فما ضرّ لو ركبوا الأناة إلى الكمال.
(2/319)

رفع إيهام *
في المقال الرابع من مقالات "فصل الدين عن الحكومة" والمنشور بالعدد 88 كلمة حَمَلَها بعض الناس على غير المقصود منها عندنا، وأوَّلوها تأويلًا لم يخطر لنا على بال، ولم يهجس لنا به خاطر.
تلك الكلمة هي قولنا في تعداد الجهات التي تسخّرها الحكومة لإبقاء ما كان على ما كان في القضية الدينية: "وأشياع من الزملاء والمنتدين"، ففسَّروها بجهة نَعُدُّها في المهتدين لا في المعتدين.
والواقع الذي يعلمه منا عالم الغيب والشهادة أن الذي خطر ببالنا حين جرى القلم بتلك الكلمة هو ناد "ممتزج "، وُضع من أول يوم على ظاهر من الجمع، وباطن من التفريق، وعلى مقاصد مبيتة من الشر والكيد للإسلام والمسلمين، فهو مكمن للاستهواء يحمل اسم النادي، كما حمل مسجد الضرار اسم المسجد، وكانت بَلَغَتْنا عنه هنات من الآراء في قضيتنا الدينية، وبلغتنا عن بعض رجاله إعدادات لها، واستعانات ببعض زملائه عليها، وبَلغنا عن بعض ذوي الدخائل السيئة أن له تهافتًا عليه، وتمرّغًا بأعتابه، يبتغي به الوسيلة إلى بلوغ غرضه، وبَلغنا في الأخير أنه أصبح كعالم المثال عند بعض الحكماء المتألهين، يتنزل إليه الرفيع، ويرتفع إليه الوضيع، وما كان كذلك إلّا لأنه وُضع لذلك، فقرَّب ذلك كله من أذهاننا المعنى الذي قصدناه به، ولم ينقص من قيمته عندنا حالته الحاضرة، وانه متردّد بين الحياة والموت، فذلك شأن هذه المشاريع الموضوعة لمعنى: تؤسَّس للضرر والضرار، وتدخر لوقت الحاجة.
__________
* "البصائر"، العدد 91، السنة الثالثة، 26 سبتمر 1949 (بدون إمضاء)، والنادي المقصود هو "النادي الفرنسي- الإسلامي".
(2/320)

هذا هو الذي قصدنا، فإن كان في الكلمة خفاء في الدلالة، فليس فيها بعد من السياق، وإنْ كان فيها موهم من الاشتراك اللفظي، فليس لتأويلها شاهد من الواقع.
نرجو من المؤوّلين أن يعلموا أننا ممن يفرق بين الحق والباطل، وأنه لا خصم لنا في القضية الدينية إلّا الحكومة ومَن اتخذته من المضلّين عَضُدا، أمّا العاملون لتحرير الدين، والساعون في إرجاع الحقّ إلى أهله فهم إخواننا وأنصارنا.
(2/321)

المعهد والمدارس *
المعهد الباديسي المعمور هو الحجة الناهضة الناطقة بفضل جمعية العلماء، وهو الميثاق المعقود بينها وبين الأمة. فمن قصر في نصيبه من العمل له فعليه التبعة، وعلى هذا تواثق الطرفان تواثقًا ضمنيًّا، أيده واقع الحال وشاهده، حتى أصبح الناطق منا والساكت سواء في لزوم العهد، وعمارة الذمة.
يدخل المعهد في سنته الثالثة من عمره الطويل- إن شاء الله- في الوقت الذي عيناه لافتتاحه في العدد الماضي، وهو يوم 15 أكتوبر وسيواجه هذه السنة الجديدة وتكاليفها الثقيلة، بعزم ثابت، وإيمان متين، مستعينا بالله، واثقًا بالأمة الجزائرية المسلمة، مسورًا بالسور الكلي من عقولها وضمائرها، جادًا في تبليغ الأمانة، وأداء الواجب، محفوفًا بالزمرة المختارة التي صدق فيها الاختيار، وأيده الإلهام من مديره المستكمل لأدوات الإدارة، إلى مشائخه، إلى اللجان العاملة في جميع فروع العمل.
...

يقوم المعهد على قواعد متناسقة، لو اختلت منها واحدة ظهر الخلل في جميعها، الأولى: الإدارة التي وكلت إلى الأستاذ العربي التبسي، فلم توكل إلى وكل.
والثانية: التدريس الذي أسند إلى جماعة قارب بينها العلم ثم قارب بينها العمل، ثم قارب بينها حزم الإدارة وجاذبيتها، حتى أصبحت كالجسم الواحد، تأتمر أعضاؤه لقلب، وتتحرك أجهزته بروح، وتسعى جوارحه بإرادة.
والثالثة: فئة من أعضاء اللجان تعمل احتسابًا لوجه الله ولنشر العلم وخير الوطن.
__________
* "البصائر"، العدد 92، السنة الثالثة من السلسة الثانية، 17 أكتوبر 1949م.
(2/322)

والرابعة: تلامذة من أبناء العشائر الجزائرية، أخرجت المدارس الابتدائية جزءًا منها، وأخرجت البوادي والجبال أجزاء أخرى، ولكن حب العلم قارب بين أجسامهم وأرواحهم، وجمع تلك الأبعاض المتباعدة فكون منها هيكلًا، صقله حسن الإدارة فسوى منه جسمًا جميل التقاطيع ملتحم الأجزاء.
والخامسة: كرام محسنون طبعهم الإسلام على الوطنية الصحيحة، وعلى وضع الإحسان في محله، وعلى بذل المال في أحسن وسيلة لنفع الوطن، وهي العلم، وفي هؤلاء
السابق المبرز، واللاحق المتأخر، {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}.
...

والمعهد في سنته الثالثة أحوج ما يكون إلى العون والتأييد، وإلى مضاعفة الجهود، لتكون كل خطوة أوسع وأثبت من سابقتها، وقد كثرت أعماله فكثرت حاجاته، وحيث أنه يعتمد في كل شيء على الأمة فقد تأكدت حقوقه على الأمة، وفي كلمة مديره الأستاذ التبسي التي نشرت في العدد الماضي الخاص بالمعهد، بلاغ لقوم يعقلون.
أما الأسئلة المتوالدة التي تجول في بعض النفوس، وتجري على بعض الألسنة في النظام الذي يرجع إليه المعهد في تعيين مشائخه وموظفيه، والأساس الذي ينبنى عليه ذلك في حاضره ومستقبله- فإننا نجيب أصحابها بأن ماضي المعهد وحاضره بنيا على ما اقتضته الظروف المستعجلة، إذ كان تكوين المعهد من أساسه أعجوبة من أعاجيب الفجاءة وكان أمره دائرًا بين اثنين: كاتب هذه السطور بحكم منصبه في جمعية العلماء ومنزلته في الأمة، والأستاذ التبسي بحكم مقامه العلمي، ومكانته في الشعب، وقيمته العملية عنذ إخوانه العلماء، ومع ضيق دائرة التكوين، فإن كل شيء وضع في محله بلا محاباة ولا اجحاف، وقد صرحنا في أوائل السنة الماضية بأن المعهد مستقل في إدارته، ويجب أن يكون كذلك حتى يبعد عن مهاب الأهواء، وحتى تتمكن إدارته من وضع الأسس الصالحة للمستقبل بالتدريج، وما زلنا نعد من توفيق الله للمعهد ومن آيات عنايته به إسناد إدارته إلى الأستاذ التبسي، فليطمئن المتسائلون والمشفقون على المعهد فإن المشرفين عليه غير غافلين عن هذه النقطة، وان الإدارة ساعية في وضع كل شيء على الأساس الصحيح حتى يعمر المعهد بالكفاءات، ولا يضيع حق ذي حق فيه، وإن الجهاز الحالي من المشائخ المدرسين وغيرهم من الموظفين- كلهم من أعضاء جمعية العلماء الإداريين أو العاملين، وكثير منهم من بواكير الحركة وأولي الأيدي في تسييرها، وكلهم خاضعون لأوامر الجمعية، منفذون لبرامجها، ومعاذ الحق أن تذود الجمعية ذا حق عن حقه، أو تحابي أحدًا دون أحد، أو تبني المعهد- وهو أشرف أعمالها- على أساس من الاحتكار لا يأتي بخير.
(2/323)

إن إقرار النظم ليس بالهين، وإننا- إن شاء الله- لا نضيع لحظة في غير طائل، وإن من أوكد أعمالنا إقرار نظام المعهد على قواعد ثابتة، أرسخ مما يقدر المقدرون، فليتأن المستعجلون، وليصبر المتطلعون وليقصر المتشائمون، فإننا للخير عاملون، وفي الإصلاح مجتهدون، وعلى الله متوكلون.

والمدارس
أتمت لجنة التعليم العليا أعمالها في أسابيع متواصلة الأيام بالليالي فوزعت المعلمين على المدارس على صورة تجمع بين مصلحة المعلم والمدرسة والجمعية المحلية، مستندة في ذلك على تجارب السنة الماضية، وعلى الملفات الخاصة بكل مدرسة، وعلى الملاحظات المتجمعة من المفتش ورؤساء الشعَب ورؤساء الجمعيات المشرفة على المدارس، وقد اجتهدت اللجنة ما وسعها الاجتهاد، وقاربت بين النظريات المتباعدة.
ثم عاودت النظر في البرامج واللوائح وأكملت النقائص الموجودة في القديم، وأنشأت نظمًا جديدة تقتضيها الحالة، ولا تستغني عنها الحركة، وعرضت علي أعمالها بعد الانتهاء جزئية جزئية في ثلاث جلسات طويلة، فلاحظت على ما يستحق الملاحظة، ووافقت على جميع الأعمال، وقدمت شكري خالصًا طيبًا للجنة على أعمالها الجليلة.
وإني أعد اللجنة قد وفقت في النتائج التي وصلت إليها، وأنها اجتهدت في النصح، وبالغت في الاحتياط، وجعلت همها الأول خير المدرسة وفائدة التعليم، ولكني- مع ذلك- أجزم بأنه يوجد في المعلمين من لا يرضى بالمكان الذي عين فيه، وفي الجمعيات من لا ترتاح إلى المعلم الذي عين لها، وأنا أقول للجميع قولة الناصح المجرب: إنه ليس في الإمكان، ابدع مما كان، وإن كل شيء كان عن بصيرة، وبعد تقليب للآراء والأنظار، فلا يتهمن مُتَّهِم بسوء القصد أو بسوء الاختيار، وإن الخير كله في التعاون الخالص بين الهيآت العاملة، وليعلم أبناؤنا المعلمون وأعضاء الجمعيات المحلية أن حركتنا قائمة على جهودنا الخاصة وتضحياتنا الخاصة، ونحن شركاء في هذا الواجب وليس واحد منا غريبًا عن الدار، أو أجيرًا عند الجار، وإنما هي واجبات نشترك في أدائها، فمن قصر فعليه وزر تقصيره.
وأنا- فقد كنت أرثي وما زلت لحال أبنائي المعلمين المغتربين في قضيتي السكني والأجرة، وما زلت أجاهد في سبيلهم، وأحمل الجمعيات المحلية تبعة التقصير، وسأقوم بنفسي هذه السنة في هذا السبيل وأزيح العلل ما استطعت، ورجائي الأكيد من أبنائي جميعًا أن يعينوني- على أنفسهم- كل بما يملك.
وستنشر "البصائر" في هذا العدد ما يمكن نشره، وتؤخر بقية أعمال اللجنة إلى العدد الخاص بالمدارس، وقد تأخر لاعتبارات ضرورية.
(2/324)

نفحات من الشعر الجزائري الحديث*
مقدمة كتبها الشيخ لقصيدة "تحية الحجاج" للشاعر محمد العيد
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تلم بشاعر الشمال الأفريقي محمد العيد آل خليفة في هذا العهد الأخير نوبة نفسية غريبة عن شعراء المادة، وما هو منهم ولا هم منه، وكان من آثار هذه النوبة في نفسه ايثاره للعزلة عن الناس، وهجره لقول الشعر، وكان من ثمراتها المرة للأمة حرمانها من صوت ذلك الطائر الغرد، وهي تخشى أن تحتد هذه النوبة وتشتد، فتنعكس إلى نزعة صوفية جارفة تقضي على تلك الشاعرية الجياشة بكل شاردة من الحكم الفياضة بكل بديع من القول.
حرام أن تحرم الجزائر من نفثات شاعرها الفذ، وحرام أن يبقى شعر ذلك الشاعر الفحل غير مدون ولا مطبوع، ولكن من المسؤول عن ذلك؟ المسؤول الأول هو الشاعر نفسه، فقد أردناه على جمع شعره، وكفيناه مئونة التصحيح والتعليق والانفاق، فأبى وتصعب، وتفنن العذر منه وتشعب، وما ذلك في نظرنا الا أثر من آثار تلك الحالة النفسية التي أشرنا إليها.
وهذه قصيدة جديدة مملوءة بالحكم، ترسلها قريحة الشاعر العبقري، في الوقت الذي يرجع فيه الحجاج من الحجاز، يهنيء فيها المستحقين بقبول التوبة وسلامة الأوبة، ويتخلص إلى أفانين من الحكمة والوصف.
وليس كل الحجاج يستحقون هذه التهنئة، ففيهم من حج زورا، وعمل منزورًا، ورجع موزورًا، وأهدى بدنة فكأنما قرب زرزورا، ولكن التجليات التي غمرت الشاعر ففاضت قريحته بهذه القصيدة، هي التجليات الزمنية، فهذا الوقت هو زمن رجوع الحجاج إلى مواطنهم، بلا فرق بين المشرق منهم وبين المغرب، ولا فرق بين البر والفاجر، فهنأ
__________
* "البصائر"، العدد 94، السنة الثالثة من السلسة الثانية، 7 نوفمبر 1949 (بدون إمضاء).
(2/325)

الحجاج ولم يهنيء العير، ونوى أصحاب الجنة ولم ينو أصحاب السعير، والدعوات المرسلة تطير إلى أهليها، والصفات المطلقة تتوزع على مستحقيها، ولا جناح على الداعي ولا على الواصف.
وأن عسى أن تنجلي هذه النوبة فيعود محمد العيد إلى عهد:
………………………… استوح شعرك من حنايا الأضلع
وإلى عهد:
………………………… حي حفلا كزخرف الروض عني
فمتى تعود، تلك العهود**.
__________
** نشرت القصيدة في نفس العدد عقب المقدمة، وهي منشورة في "ديوان محمد العيد" (الشركة الوطنية للنشر والتوزج، الجزائر، 1967) [ص:194].
(2/326)

برقية احتجاج *
ننشر هنا برقية الاحتجاج التي بعثت بها جمعية العلماء إلى المراجع العليا للسلطات الفرنسية على ما عومل به أحد أعضائها المحترمين بمدينة "تبسّة"، وهو الشيخ عيسى سلطاني، وهذا نصّ البرقية:
رئيس الجمهورية الفرنسية
رئيس الوزارة
ونوير الداخلية
ونوير العدلية
جاك ديكلو، نائب رئيس المجلس الوطني
شارل الويس رئيس الجماعة الاشتراكية
والي الجزائر العام
عامل قسنطينة
ترفع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين احتجاجها على المعاملة الجائرة التي عومل بها أحد أعضائها من ذوي المكانة الرفيعة في التعليم الديني الإسلامي بإفريقيا الشمالية، إذْ سامه سوء العذاب "كوميسار" الدرك بمدينة تبسّة وأهين لديه إهانة شنيعة.
وحيث ان جمعية العلماء تحيط حضرتكم علمًا بهذه الأعمال الوحشية التي تعد من طرف "الكوميسار" حملة مدبّرة ضدّ سمعة الإسلام وتعليمه، فهي تلفت نظركم إلى أن هذا الجور لا يتلاءم في شيء مع احترام الشخصية الإنسانية التى تعهد به الدستور الفرنسي، والتصريح العالمي لحقوق الإنسان.
رئيس جميعة العلماء
محمد البشير الإبراهيمي
__________
* "البصائر"، العدد 94، السنة الثالثة، 7 نوفمبر 1949.
(2/327)

الفضيل الورتلاني
- 1 - *
الأستاذ الفضيل الورتلاني ممّن أنبتتْهم هذه النهضة الجزائرية المباركة نباتًا حسنًا، فعمل بإخلاص في ميادين الجهاد في الجزائر ثم نَبَتْ به الديار، فنزل مصر، وجال في ربوع الشرق كلها جولات، رفعت صوت الجزائر عاليا في تلك الربوع، وكوّنتْ منه زعيمًا جزائريًا بحق، وشخصية بارزة لها مقامها المعلوم بين رجالات الشرق كلهم، ولقد حزّ في نفوس شرذمة من المغرضين في الجزائر ما أحرزه الورتلاني من النجاح في الأوساط السياسية بالشرق، فراحوا يتقوّلون عليه الأقاويل ويتهمونه في إخلاصه وجهاده للنيل منه ومن جمعية العلماء المسلمين التي يحاولون ثلبها في مفخرة من مفاخرها، والتنقيص من مقامها في شخص أحد أبنائها البررة.
وقد فضح الله هذه الطائفة المغرضة وأضلّ سعيها بهذا المقال القيّم البليغ الذي بعث به
إلينا مدير اللجنة التنفيذية للحزب الحرّ الدستوري التونسي، الأستاذ محي الدين القليبي، الزعيم التونسي المعروف.
__________
* "البصائر"، العدد 97، السنة الثالثة، 5 ديسمبر 1949.
(2/328)

- 2 - *
الفضيل الورتلاني نشأ نشأة الصبا والحداثة في أحضان الفطرة الطاهرة وفي أحضان الجبال الشماء، فاكتسب من الأولى قوّة الروح، وصفاء العقيدة والصلابة في الدين، ومن الثانية قوّة الجسم، ووثاقة التركيب، وسلامة الحواس، ثم نشأ نشأة الشباب في أحضان جمعية العلماء، ففتح عينيه على الميادين العامرة بأبطالها، وفتح أذنيه على الأصوات المجلجلة بالعلم والإصلاح، من دروس عامرة بحقائق التنزيل والحكم النبوية، ومحاضرات بليغة في التاريخ الإسلامي والأدب العربي، تفيض بالبيان الساحر وتتدفق بالبلاغة الرائعة، فنشأ مؤمنا متين العقيدة، حرًا عميق الفكر، صريحًا لاذع الصراحة، جريء اللسان على كلمة الحق، شجاع الرأي إذا جمجمت الآراء وتخافتت، غيورًا على وطنه غيرته على دينه، إذن فهو معدود من بواكير هذه النهضة المباركة في الجزائر، رافقها في جميع مراحلها وشارك- على فتوته- الشيوخ المحنكين في بنائها.
لازم إمام النهضة عبد الحميد بن باديس سنوات، فتأثر بمنازعه في الخطابة ومواقفه في حرب الضلال، وسقيت ملكته بغيث ذلك البيان الهامي فأصبح فارس منابر، وحضر اجتماعات جمعية العلماء العامة والخاصة، فاكتسب منها الصراحة في الرأي، والجراءة في النقد، والاحترام للمبادىء لا للأشخاص ثم لابس السياسيين، وغشى مجتمعاتهم فرأى من زيغ العقيدة وزيف الوطنية وانحلال الأخلاق- نقيض ما رأى من رجال جمعية العلماء، فثار عليهم ودهوا منه بباقعة، وكان الأستاذ الرَّئِيسُ يقدر له- وهو في الحداثة- عواقب الرجال، ويتخيل فيه مخايل الأبطال، ويقول له كلما رأى منه مخيلة صدق: (لمثل هذا كنت أحسيك الحسا).
__________
* "البصائر"، العدد 115، السنة الثالثة من السلسلة الثانية، 6 مارس 1950م.
(2/329)

ثم جاوز البحر سنة 36 ميلادية، بموافقة من الأستاذ الرَّئِيسُ ومني ليرد على الضالين من أبناء قومه هداية الإسلام، وليرد على الناشئين هناك من أبنائهم ما أضاعه الوسط من دين ولغة، وليزرع في قلوب الآباء والأبناء معًا حب الدين والجنس واللغة والوطن، وليعيد إلى الجزائر- بذلك كله- قلوبًا تنكرت لها، وأفئدة هوت إلى غيرها، وغراسًا أظمأه الاستعمار في مغارسه فالتمس الريّ والنماء في غيرها. فتتبعهم الفضيل في مطارح اغترابهم وجمع شملهم على الدين، وقلوبهم على التعارف والأخوة، وجمع أبناءهم على تعلم العربية، وأسس في باريز وضواحيها بضعة عشر ناديًا، عمرها هو ورفاقه الذين أمدته بهم جمعية العلماء بدروس التذكير للآباء والتعليم للأبناء والمحاضرات الجامعة في الأخلاق والحياة، ونجح الفضيل في أعماله كلها نجاحًا عاد على المسلمين في فرنسا بالخير والبركة وعاد على جمعية العلماء بالسمعة العطرة والدعاية الطيبة، وكان في تلك المدة كلها متصل الأسباب بجمعية العلماء مراسلة واستمدادًا وإشارة واستشارة، وقد رجع في أثنائها إلى الجزائر، كلما انعقد اجتماع أو حزب أمر، وما زلت أذكر حضوره في اجتماع الجمعية صيف سنة 37 وحضوره على إثر ذلك افتتاح مدرسة "دار الحديث" بمدينة تلمسان، وخطبته، في ذلك الحشد الذي ضم عشرين ألفًا بعد سماعه لقصيدة الشاعر محمد العيد، وحملته الجارفة على التجنس والمتجنسين.
وفي سنة 38 فيما أذكر هاجر إلى مصر مستزيدًا من العلم والتجارب، مستجمعًا قوّته للعمل في ميدان أوسع وجو أصفى: وكانت له المواقف المشهودة والرحلات الموفقة إلى الأقطار العربية، وكان في تلك المدة كلها متصلًا بنا على قدر ما تسمح به ظروف الحرب، إلى أن وقعت حادثة اليمن، وشاءت الأقدار أن يكون ضيفًا عليها، وأن تكون في أول اتصالاته بها، وشاءت ألْسِنَة الشر وطبائع السوء أن تحشره في زمرة المتهمين بتدبيرها، وشاءت فئات من مرضى الحسد وصرعى الغل والحقد أن يتخذوا من تلك التهمة المتهافتة الشواهد ذريعة للنيل من سمعته والقدح في كرامته وشرفه، ثلة من المشارقة، وقليل من المغاربة، وكنا سمعنا أخبار الحادثة في حينها وخبر الاتهام، فلم نستطع- مع جزمنا بكذبه- دفعه بالقول ولا بالفعل، وسمعنا بعد ذلك ما لاكه أولئك الحسدة ورددوه، فلم نشأ أن نوسع فريتهم نقضًا ودحضًا لعلمنا اليقين بأسباب الحادثة، وعلل الاتهام، وبالمحرك لهؤلاء الناعقين، ولمعرفتنا بالفضيل وظواهره وخوافيه، وادّخرنا رأينا وقوّتنا ودفاعنا إلى الفرص المناسبة.
ولكن الوفاء توأم الصدق، والحق يفجأ أنصاره بالعجائب، فقد أراد الله أن يلجم المتخرصين وأن يجر ألسنتهم بوفيين من اخوان الصدق وأخدان الحق، وأن تكون "البصائر" هي مجلى هذه الحقيقة، فرماهم بالأمس بكلمة الأستاذ محيي الدين القليبي التي كشف فيها
(2/330)

عن بعض الحقيقة كشف الخبير المطلع، ورماهم اليوم بهذه المقالة التي نقدمها بهذه الكلمات، وهي من رجل عبقري لا يفري أحد فريه في هذا الموضوع، وهو الأستاذ رشيد أمين سنو، صاحب جريدة "بريد اليوم" البيروتية، وقد كان موظفًا مؤتمنًا في حكومة اليمن، ووقعت الحادثة وهو بها، فشاهد من حقائقها وآثارها، وعلم من أسبابها وملابساتها وأسرارها ما لم يشهده ولم يعلمه واحد ممن كتب عن الحادثة رجمًا بالغيب، أو رواية عن ضنين، أو صُدُورًا عن هوى.
و"البصائر" تقدم تعريفًا موجزًا بهذا الرجل قبل كلمته ليعلم قراؤها في المغارب من هو هذا الرجل، فيزدادوا ثقة بآرائه، وتأكدًا من صدق روايته، وإيمانًا بمكانته وكفاءته، زيادة عما يجب علينا من عرفان أقدار رجالنا، ومن تعميم التعارف بين أبناء الضاد أينما كانوا.
الأستاذ الكاتب العالم رشيد أمين سنو من عائلة سنو الشهيرة في لبنان، هو اليوم المدير العام للشركة العربية للنشر والتوزيع، كاتب وأديب وشاعر يحمل شهادة الليسانس في الآداب، وتقلب في وظائف كبيرة عديدة، كان أستاذًا للفلسفة في الكلية العلمانية في "طرطوس"، ثم مديرًا لكلية المقاصد الإسلامية في "صيدا" ثم مفتشًا عامًا في أيام الحرب للتموين في سوريا ولبنان، ثم رئيسًا لتحرير جريدة "بريد اليوم" اليومية، ثم تولى بناء على طلب حكومة اليمن وظيفة المدير العام للإذاعة والنشر في اليمن حيث قضى سنة كاملة، ثم أوفدته الحكومة اليمنية في مهمة خاصة في بعض الأقطار العربية في صيف سنة 1947، وبعد إنجاز مهمته عاد للمرة الثانية إلى اليمن، وظل هنالك حتى وقعت الثورة ولم يتركها إلا بعد الثورة بنحو شهرين، وكانت صلته بالأستاذ الفضيل الورتلاني طول هذه المدة وثيقة مستمرة (1).
__________
ا) نشرت كلمة الأستاذ رشيد سنو بنفس العدد من "البصائر" عقب كلمة الشيخ.
(2/331)

الأستاذ علي الحمامي
- 1 - *
كانت "البصائر" في الأسبوع الماضي تتأهب للصدور حين بلغها نبأ الفاجعة، فأسرع الأستاذ أبو محمد، وكتب كلمة حزينة صور فيها وقع المصاب الجلل في القلوب، وأثر الخطب الداهم في النفوس، وأودعها شعور هذا الشمال بالكارثة الفادحة التي كان من شهدائها الأبرار ثلاثة من أبطال المغرب العربي، وهم الأساتذة: علي الحمامي والدكتور ثامر، ومحمد بن عبود سقطوا ثلاثتهم بجنب ثلة من رجال الباكستان وممثلي الأقطار الإسلامية في ذلك المؤتمر الاقتصادي الكبير الذي جلا صورًا صادقة لعظمة الباكستان وجوانب نهضتها الاقتصادية الواسعة، ورسم للعالم الإسلامي ما إن تمسك به نجا من خطر الغزو الاقتصادي الأجنبي، فلم يخش بخسًا ولا رهقًا.
واليوم نعود وكلنا أسف وحسرة فننشر هنا كلمة ثانية للأستاذ محي الدين القليبي بعث بها إلينا كتحليل واف لحياة أحد الشهداء الثلاثة، وهو الأستاذ علي الحمامي الجزائري. وإن الحادثة على فداحتها وعظم هولها لعنوان في نظرنا على الفجر الجديد، لأنها إن حزت في نفوسنا وهزت هذا العالم الإسلامي هزة عنيفة في مثل هذا الظرف العصيب فقد دلت على أننا قد ابتدأنا نموت لنحيا، وودعنا عهدًا مظلمًا، لم نكن فيه أحياء ولا أمواتًا لنستقبل عهدًا جديدًا تسير الأمجاد في ركابه وتشرق عبقرية الشرق في جوانبه.
وإني لأذكر بهذا الصدد كلمة لأستاذنا الأكبر عبد الحميد بن باديس باني النهضة الجزائرية قالها بمحضر جماعة من الشباب، وهو يعلق على قول من قال في المجلس:
__________
* مقدمة كتبها الشيخ لمقال عن الأستاذ الحمامي بقلم الزعيم التونسي محي الدين القليبي، "البصائر"، العدد 100، السنة الثالثة من السلسلة الثانية، 26 ديسير 1949، (بدون إمضاء).
(2/332)

"إن الغرب يخاطر كثيرًا بحياة أبنانه" وتلك هي: "ما الحياة إلّا في المخاطرة، ولن يحيا هذا الشرق حتى يركب الأهوال، ويخاطر كالغرب، وإذا ما جاء هذا اليوم فأيقنوا أن الغرب سيقف أمام الشرق وقفة إجلال وإكبار، ويومئذ يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه".
وشاء الله أن تكون كارثة الطيران هذه خاتمة المؤتمر المحزنة لتزيد في توحيد آلام هذا الشرق وآماله، وتمكن له في جمع أوصاله وضم أجزائه وأطرافه.
إذ لا شيء يبني الأمم وسوق الشعوب إلى غاياتها السامية في الحياة كالآلام المشتركة والنهضات المحفوفة بالأخطار.
وبعد فإن "البصائر" لَتحي للمرة الثانية أرواح هؤلاء الشهداء، وتتقدم بتعازيها الخالصة أولًا وأخيرًا إلى أمة الباكستان الشقيقة والعالم الإسلامي الذي أثبت وحدته في هذا المؤتمر، وحقق فكرة الجامعة الإسلامية رغم المفترين الذين يقولون باستحالتها حسدًا من عند أنفسهم.
ورحم الله شهداءنا جميعًا، وهدى شبابنا إلى الاستنارة بتضحياتهم والسير على ضوء بطولتهم وجهادهم حتى يتمّوا ما بدأوا ويشيدوا ما رفعوا من قواعد الجامعة الإسلامية.
(2/333)

- 2 - *
في تشييع جثمان الفقيد علي الحمّامي
ــــــــــــــــــــــــــــــ

أيها الاخوان ... أيها الشبّان:
إن هذا التابوت الموضوع بين أيديكم لا يحمل جثمان شخص، وإنما يحمل قطعة من الوطن الجزائري فُصِلتْ عنه ثم رُدَّتْ إليه ... قطعة من الوطن الجزائري فَصَلَها عنه ظلم البشر، ثم رَدَّها إليه عدل الله.
إن الجواهر لَتُذكر بمعادنها، فإذا ذُكر اللؤلؤ ذكرت عُمَان، وإذا ذُكر الياقوت ذكرت سيلان، وإذا ذكرت الأمم ذخائرها من الرجال، وكرائمها من العقول والأذهان، أبت الأوطان إلّا أن تأخذ حظها من تشريف النسبة فقيل فلان الفلاني ... وفلان الفلاني ...

أيها الاخوان! إن الفرار من الظلم والتغرب في سبيل الحريّة طبيعة قديمة في النفوس الكريمة، وما هو فرار ولا هي غربة، وإنما هو الحق يفرّ مغلوبًا ليكر غالبًا، ويصدر مطلوبًا لِيَردَ طالبًا، سنة الله في الحرية- وهي الحق كله- ظهرت في إبراهيم حين هاجر من بابل إلى كنعان ليغرس بذور النبوة في فلسطين والحجاز، وظهرت في موسى فَفَرَّ من مصر إلى مدين ليعود إلى فرعون بآيات ربّه، وظهرت في محمد - صلى الله عليه وسلم - فهاجر من مكة إلى يثرب ليرجع إلى مكّة مجتمع القوّة مشدود الأسر.

أيها الشبّان! إن في تاريخكم لَصحائف وضّاءة بحياة المغامرين في طلب الحريّة أو في طلب الملك والمجد والسيادة، فالْتمسوها في الجاهلية من امرئ القيس وعروة الرحال، وخذوها في الإسلام من حياة صقر قريش وإدريس بن عبد الله وأبي عبد الله الشيعي، واطلبوا معاني البطولة والتضحية والإيثار من سير أبطالكم تجدوا في كل مفخرة إمامًا.
__________
* "البصائر"، العدد 102، السنة الثالثة، 9 جانفي 1950، ضمن مقال الأستاذ باعزيز بن عمر.
(2/334)

الزميل المنستيري *
للزميل الكريم الأخ محمد المنصف المنستيري صاحب جريدة "الإرادة" مكانة ممتازة في نفوسنا، لعل من موجباتها تعارفًا روحانيًّا أظهرت المواقف آثاره، وتقاربًا فكريًّا غرست الأقلام أشجاره، ثم زكت ثماره، وفنًا كتابيًّا وخزه البيان وأشاع اخضراره، لذلك كله كانت مصيبته بفقد ولده مصيبة مشتركة بيننا، حملنا معه حزنها وألمها والامتعاض لها، كما يمتعض الصديق للمكروه يصيب صديقه، والأخ للسوء يمس أخاه.
ونحن نتقدم إلى الأخ الكريم- على هذا البساط- بالتعزية القلبية، داعين لأخوته بالصبر، معتقدين أن في إيمانه ومتانة عقيدته وازعا عن الجزع الذي يذهب بالأجر، وأن في تمرسه بالزمان وأهله ما يخفف وقع إحدى مصائب الدهر.
وعزاء للأخ الكريم ولنا جميعًا عن المصيبة الخاصة، بهذه المصائب العامة التي نخوض لججها، وبهذه القضايا الوطنية التي نسوق بالحق حججها.
__________
* "البصائر"، العدد 106، السنة الثالثة من السلسلة الثانية، 6 فيفرى 1950م.
(2/335)

أقطاب الفرقة القومية المصرية *
في مركز جمعية العلماء
(ملخص بقلم باعزيز بن عمر)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
زار بعض أقطاب الفرقة يوم الأربعاء14 فيفري 1950، مركز جمعية العلماء بالعاصمة يتقدمهم الأستاذان الكبيران مدير الفرقة يوسف بك وهبي، ومديرها الفني زكي طليمات والأستاذ أحمد علام، والأستاذ فاخر فاخر، فرحب بهم الأستاذ الرَّئِيسُ محمد البشير الإبراهيمي ترحيب الروض بالطل، في مجمع حافل بالأدباء والشعراء من معلمي المدارس وأنصار جمعية العلماء، وحي في أشخاصهم الكريمة مصر العالمة الناهضة تحية أودعها من شريف المعاني وجميل الأدب وعميق الحب لمصر ما نقلنا إلى مغانيها الجميلة، وجعلنا نتنقل في ربوعها نتنسم فيها أخبار الجدود ممن لا يزال ذكرهم يعطر المجالس.
ولقد تصرف الأستاذ الرَّئِيسُ في معنى التحية وجاء بالمرقص والمطرب وجال بنا في سماء البلاغة جولة بعيدة، وذكر أن العرب تفننوا في أنواع التحيات حتى كادوا يجعلونها كلها مادية إلى أن جاء الإسلام فلطف التحية، وخلصها من أدران المادة والعظمة الطاغيتين على العالم يومئذ، لأن الإسلام دين روحي يضع الموازين القسط، ولا يعطي للأجسام إلّا المجال الضيق، وأشار إلى تصرف المعري وابن الرومي في معنى التحية وساق شواهد رائعة على ذلك، إلى أن قال: أما تحيتنا اليوم للضيوف الكرام الذين لا أسميهم ضيوفًا إلا مجازًا، فهي تحية العلم للفن، وتحية الروح للروح، تقدمها إليكم هذه النخبة من رجال جمعية العلماء التي تعمل على إكساء هذا الوطن روحًا وبدنًا، وإنهم جميعهم ليحيون اليوم مصر فيكم، وهنا وجه كلمة عتاب إلى مصر قائلًا: إن لنا على مصر حقوقًا، ولها علينا حق واحد.
لها علينا الزعامة في الأدب والفن، والإمامة في العلم والمعرفة، ولنا عليها حق الأخ الصغير، أخذ باليد إلى الرشد، وتربية تفضي إلى السعادة، ورعاية شاملة للخير والمصلحة، ولنا عليها حق الجار ذي القربى حفاظ وحماية وإحسان.
__________
* "البصائر"، العدد 108، السنة الثالثة من السلسلة الثانية، 20 فيفري 1950م.
(2/336)

فهل قمنا نحن بما علينا من حق؟ وهل قامت مصر بما عليها من حقوق؟
أما نحن فقد قمنا بما يقوم به الطفل البريء الساذج: محبة واحترام وتقليد وائتمام، واتكلنا بعد ذلك على الله وعلى أنفسنا.
وأما مصر فنقول آسفين أنها لم تعرفنا كما يجب أن تعرفنا ولم ترع لنا ماضينا وتاريخنا المتصل بها، إلى غير هذا- من روائع الأستاذ التي وردت في خطابه البليغ الذي لا يقوى هذا القلم على أن يمتع القراء بكل شوارده وآياته البينات، فاكتفى بهذا الذي وعته الذاكرة من ألفاظه ومعانيه.
وتقدم بعد الأستاذ الرَّئِيسُ الضيف الكريم الأستاذ زكي طليمات مدير الفرقة الفني فرد التحية، وكانت تعبيرًا صادقًا عن أثر ما شاهده في الجزائر وتصويرًا لنهضة مصر وأخذها بأسباب الحياة في جميع الميادين، وقد أفرغ إحساسه هذا في قوله: "أحس بأني في محراب مقدس يشع فيه نور الإسلام وناره، لأن للإسلام نورًا ونارًا، فنوره للمبصرين المهتدين، وناره للجاحدين والمناوئين، كما أني سعيد إذ أجد نفسي بجوار هذا الأستاذ العظيم، وإني لأعتبره حقًا رئيس الجزائر ومحيي نهضتها العلمية، وإني أتمنى لو تتاح لي الفرص فأترك أعمالي كلها وأُلَازِمُه ملازمة التلميذ لأستفيد من علومه وآدابه وأوصيكم أن تكونوا جميعًا أعوانه المخلصين وأنصاره الأمناء".
وقفى عليه زميله الأستاذ وهبي مدير الفرقة فقال: "إني أحدثكم بصفتي فنانًا قبل كل شيء، وأشارككم في المهنة، فأنتم تعلمون في المدارس، ونحن نعلم في المسارح، وما أعظم مهنة التعليم فهل أنتم تشرفوننا بانتسابنا إليكم في هذا التعليم؟ إلى أن قال: سنعود إلى مصر، وسنكون هناك أبواقًا لكم ولنهضتكم".
وختم قائلًا: "فلو استطاع النيل أن يشق طريقه في الصحارى إليكم لفعل، ولو أمكن للأهرام أن تنتقل لانتقلت وانحنت ومن ورائها أبو الهول، أمامكم، ولكنه بعث بهذا العبد لينحني أمامكم".
ثم قام الشيخ أحمد سحنون فحياهم بقصيدة بلغت من الرقة منتهاها، وشارك الشيخ بيوض بكلمة عن تطلع الصحراء إلى كل جديد في مصر، وحرصها على الاهتداء بأنوار نهضتها القوية، كما شارك الشيخ طاهر البكاري بكلمة قدم بها تأليفه المدرسي الذي قدمه كهدية للضيوف الكرام.
وتناول المحتفلون بعد هذا الغذاء الفكري كؤوس الشاي والحلوى في جو من الأخوة الشاملة وأحاديث الأدب العالي والفن الرفيع.
(2/337)

كتاب "نقرأ ونكتب" *
نحن في حاجة شديدة إلى الكتب المدرسية الابتدائية لمدارسنا العربية الحرّة، وفي عجز ظاهر عن استيراد المقادير اللازمة لها من مصر، لأسباب كثيرة.
ويسرّنا من أبنائنا المعلّمين في هذه المدارس أن يشاركونا في تخفيف هذا العبء، وفي سدّ جانب من هذا النقص، وأن يقوموا باستغلال تجاربهم الخاصة في التعليم وجهودهم المفيدة فيه، فيُخرجوها كتبًا مدرسية، بعد أن كانت تلقينًا.
أمنية كنا نتمناها على أبنائنا المعلمين، وفيهم الكفء الذي تمّت تجاربه، وشارفت النضج مواهبه، وقد قام ولدانا الشيخ الطاهر بكارى- مدير المدرسة الصادقية بسلام باي من العاصمة- ورفيقه الشيخ المولود طياب بتحقيق جزء من هذه الأمنية، إذْ وضعا كتابًا صغيرًا لتعليم "ألف باء"، وزيناه بصور لطيفة، وعنوناه بجملتين "نقرأ ونكتب" ليوقظا باسم الكتاب في نفس التلميذ الصغير معنى القراءة والكتابة من أول يوم.
والكتاب محاولة أولى، نرجو أن تكون مشجعة للمؤلفين ولاخوانهم المعلّمين بمدارس جمعية العلماء على متابعة التأليف المدرسي، ومراعاة الإتقان فيه، وبنائه على التجارب من جهتهم، والاستعدادات من جهة تلامذتهم، فنكون قد استفدنا فائدتين: التحقيق لتوحيد التعليم كما نرجوه ونعمل له، والاستغناء عن كثير ممّا نحتاج إليه اليوم فلا نجده.
وفي الكتاب تسامح في بعض الألفاظ والتراكيب، وخروج في بعض الأناشيد عن الموازين المألوفة، نرجو أن يتداركهما المؤلفان في الطبعة الثانية، وعذرهما أنها محاولة أولى كما قلنا.
فعلى مديري المدارس أن يعتمدوا هذا الكتاب للأقسام الأولية.
__________
* "البصائر"، العدد 109، السنة الثالثة، 27 فيفري 1950.
(2/338)

بيان حقيقة ورفع إيهام ... *
قالت جريدة "الزهرة" التونسية في عدد يوم الثلاثاء 18 جمادى الأولى 1369، (رقم 13003) ما لفظه: "وصل إلى العاصمة عمان الشيخ الطيب العقبي من جمعية العلماء الجزائريين إلخ ... ".
وفي هذا الكلام شيء مخالف للحقيقة يجب تبيينه، لأنه يوهم القرّاء أن الشيخ الطيب العقبي ما دام من جمعية العلماء فهو موفد منها، ومتكلّم باسمها، وعامل في هذه القضية بمبدئها. والحقيقة أن الشيخ الطيب العقبي ليس من جمعية العلماء ولا عاملًا باسمها، لأنه استعفى من عضويتها سنة 1938 ميلادية، ومن ذلك الحين إلى الآن وهو يعمل باسمه الخاص، وعلى عهدته الخاصة.
وهل تجهل جريدة "الزهرة" هذه الحقيقة؟ نحن نعتقد أنها لا تجهلها، ونعتقد أنه لو كان العقبي من جمعية العلماء حقًا لَمَا ذكرت اسمه، لأنها لم تتعوّد ذكر الجمعية ورجالها إلا فيما يشبه هذا المقام ...
أما كونه عضوًا في هيأة الدفاع عن فلسطين كما ذكرت "الزهرة"، فالحقيقة أنه كان عضوًا في لجنة إعانة فلسطين التي تكوّنت بدافع الغيرة الإسلامية، والوطنية الجامعة، غير مختصة بجمعية العلماء، بل كان أمين مالها، وقد قام بواجبه فيها، ولكن تلك اللجنة أتمّتْ أعمالها بشرف وأمانة، وأبلغتْ ما جمعتْه من مال إلى مأمنه، وانتهت وظيفتها الأساسية بسبب ما تمّ من تغييرات في وضعية فلسطين.
__________
* كتب الشيخ هذا المقال في شهر مارس 1950، قصد نشره ثم عدل عن ذلك وعوضه بمقال أطول عنوانه (لجنة فرانس- إسلام) الذي نشر في حلقتين في شهر أفريل 1950 - انظر: آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الثالث، ص 328 - 332، والمستشرق المقصود هو لويس ماسينيون.
(2/339)

وأما هيأة "فرنسا- الإسلام- التي ذكرت "الزهرة" أن العقبي مبعوث من طرفها فإننا لا نعرفها، ولا نؤمن بها، فإن كانت موجودة فهي لِشَرّ الإسلام لا لخيره، وللإضرار به لا لنفعه، وإننا نعتقد أن فرنسا أكبر عدوّ للإسلام، وهل يأتي من العدوّ خير؟
إن هذه الهيأة- التي لم نتبيّن إلى الآن حقيقتها- "تدجيلة" جديدة لم يَخْلُ زَمنٌ من أشباهها، ابتكرها بعض المستشرقين الذين يجعلون الاستشراق ذريعة لاستِهْوَاء المفتونين من الشرقيين، ويُغَطّون لهم به ضراوة الحَجّاج، بطراوة "الحَلّاج"، ويبكون لهم على لَيْلَاهم، وهم الذين قتلوها.
أين كان هذا المستشرق يوم شاركت دولته في جريمة فلسطين، وإخراج الإسلام منها، بموافقتها على التقسيم، وبمساعداتها المفضوحة لليهود من يوم وُلدت القضية إلى الآن؟ إنه كان ساكتًا سكوت المغتبط بتلك الأدوار الأثيمة، لأن الإحساس المتنبّه فيه إذ ذاك هو إحساسه الفرنسي، فلما تمّت الأدوار، وبلغت نهايتها، وعلم أن اليهود سَيأخذون المسالك على دينه ودولته معًا- تَنَبَّه إحساسه المسيحي الحانق على اليهود، وجاء يُعَزِّي المسلمين البسطاء تعزية الشامت، ويُنَبِّه دولته إلى أن هناك منفذًا تدخل منه أصبعها في فلسطين، وهو وَقْفُ أي مدين "الجزائري"، وأن هناك ميدانًا تسترجع فيه عطف المسلمين الأغرار، وهو قضية المشرّدين، وأن ذلك لا يتمّ إلّا بتدوبل القدس. فكأن هذا المستشرق لم يَكْفِهِ استغلال دولته للأحياء منّا فابْتَكَرَ لها طريقةً لاستغلال الأموات، وإنَّ هذه لَإحْدى فوائد الاستشراق لهم ... ولنا، وعلى كل حال فهو قَدْ رَمَى الشبكة، وأصاب ما قُدِرَ له من الرزق ومن ضلّ فإنما يضل على نفسه.
ليت شعري! ماذا يجدي علينا تدويل القدس بعد أن ضاعت فلسطين كلها؟ وماذا تغني عن المشرّدين هذه الصدقات الممنونة بعد أن فقدوا أرضهم وديارهم؟
(2/340)

المولد النبوي الكريم
- 1 - *
أوقفنا مقالات "تاريخ المولد النبوي في المغرب العربي" عن قصد لأنها طالت، ولأن ما كُتب منها يدخل فى رسالة مستقلة، ولأن المهم منها إنما هو الجانب التاريخي، أما الحكم الشرعي فيها فنحن لا نقر ذلك الاستحسان الذي يبالغ فيه بعض من نقل الكاتب كلامهم من علماء تلك العصور، فهم يجعلون من حبّ المولود العظيم عذرًا في ارتكاب بِدَع المولد، ومسوغًا لأعمال الملوك الذين لا غاية لهم من تلك الموالد إلّا الدعاية لأنفسهم، وقرن أسمائهم باسم النبي - صلى الله عليه وسلم - في مديح الشعراء، واستجلاب العامة بذلك كله. ولو أنهم جعلوا تلك الاحتفالات ذرائع لإصلاح حال الأمة، وحملها على الرجوع إلى السُّنَن النبوية، والاهتداء بالهدي المحمدي، لَكان لفعلهم محمل سديد، وأثر حميد، لأن الأمور بمقاصدها.
أما الحبّ الصحيح لمحمّد - صلى الله عليه وسلم - فهو الذي يدع صاحبه عن البِدَع، ويحمله على الاقتداء الصحيح، كما كان السلف يحبّونه، فيُحيون سننه، ويذودون عن شريعته ودينه، مِن غير أن يقيموا له الموالد ويُنفقوا فيها الأموال الطائلة التي تفتقر المصالح العامة إلى القليل منها فلا تجده.
ونحن نحتفل بالمولد على طريقة غير تلك الطريقة، وبأسلوب غير ذلك الأسلوب، فنجلي فيه السيرة النبوية، والأخلاق المحمدية، ونكشف عما فيها من السر، وما لها من الأثر في إصلاحنا إذا اتبعناها، وفي هلاكنا إذا أعرضنا عنها، ففي احتفالاتنا تجديد للصلة بنبيّنا في الجهات التي هو بها نبيّنا ونحن فيها أمته.
__________
* "البصائر"، العدد 114، السنة الثالثة، 3 أفريل 1950: تقديم لمقال الأستاذ عبد الوهاب بن منصور بعنوان "عنوان المرقصات والمطربات لابن سعيد المغربي".
(2/341)

لا نقلّل بهذا من قيمة عمل ولدنا الأستاذ الكاتب وبحثه وسعة اطلاعه، بل نحرضه على تكميل بحثه وجمعه وطبعه، وإنما حركناه إلى أبحاث أخرى هو أهلها، ولا يضطلع بها غير قلمه، وهي إحياء الآثار المنسية لسلفنا، وإحياء علمائنا الذين عمروا الغرب ولكن جهلهم الشرق، وغير ذلك مما تقوم عليه نهضة الجزائر العلمية.
وسيقرأ القراء اليوم تعريفه بكتاب من آثار سلفنا فيقرأون الممتع اللذيذ، وأول الغيث قطر.
(2/342)

- 2 - *
إحياء ذكرى المولد النبوي إحياء لمعاني النبوة، وتذكير بكل ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من هدى، وما كان عليه من كمالات نفسية، فعلى المتكلمين في هذه الذكرى أنْ يذكروا المسلمين بما كان عليه نبيهم من خلق عظيم، وبما كان لدينهم من استعلاء بتلك الأخلاق.
لهذه الناحية الحية نجيز إقامَ هذه الاحتفالات، ونعدها مواسم تربية، ودروس هداية، والقائلون ببدعيتها إنما تمثلوها في الناحية الميتة من قصص المولد الشائعة.
(2/343)

مدرسة أولاد سيدي إبراهيم *
العزيمة أخت العقيدة، وهما كجناحي الطائر للرجال وللأعمال، والعقيدة بلا عزيمة باطلة، والعزيمة بلا عقيدة عاطلة، وما نهض الرجال العظام بالعظائم إلّا بعد أن صفت عقائدهم من شوائب الشك والتردد، وصحت عزائمهم على العمل النافع.
هناك في الحدود الفاصلة بين مقاطعتي الجزائر وقسنطينة وعلى ضفتي طريق الحديد الواصلة بينهما، وعلى مقربة من مضيق (أبواب الحديد) ذات الذكريات الأليمة في احتلال الجزائر، هناك أرض جدباء إلا من شجيرات التين والزيتون، وجبال جرداء إلّا من قزع من الصنوبر كقزع السحاب هنا وهناك، وفي تلك الأرض المتطامنة الظمأى إلى الماء والعلم تقع قرية (أولاد سيدي إبراهيم) مكتنفة من الغرب بجبال وانوغة ومن الجنوب بجبال المنصورة، ومن الشرق بآكام مزيتة ذات المحل والنحل، ومن الشمال وبعض الشرق ببني منصور وبني عباس، تنفحها شماريخ (جرجرة) العاتية بالنسيم الرطب في القيظ، وتلفحها بقر الثلج في الشتاء.
ومن تلك القرية نفر شاب قبل عقدين من السنين إلى قسنطينة يتلقى العلم على عبد الحميد بن باديس، ويقتبس من دينه وخلقه وأدبه ويتخرج على يديه في مناهج خدمة الأمة، ذلك الفتى هو الشيخ سعيد البابي، وتلك هي نيته فيما هاجر إليه، فبماذا رجع إلى قومه؟
رجع- كما رجع إخوانه من تلامذة الإمام- داعيًّا قومه إلى هدي الكتاب والسنة والأخذ بأسباب الحياة العزيزة، فعرفه من عرف وأنكره من أنكر، ولكن العقيدة الصحيحة إذا ظاهرتها العزيمة الصحيحة أتتا بما يشبه الخوارق، فقد رأينا في الأيام الأخيرة أثرًا من آثار العقيدة والعزيمة أكبرناه، وهو أن تلك الفئة القليلة التي تأثرت بمبادىء جمعية العلماء من
__________
* "البصائر"، العدد 113، السنة الثالثة من السلسلة الثانية، 15 أفريل 1930م.
(2/344)

أولاد سيدي إبراهيم- انتشرت في ظاهر القرية في مجاميع من البيوت تغرس في كل شبر صالح من الأرض شجرة تين أو شجرة زيتون، وتقوم على تربية النحل واستنتاج المعز، وتبتعد عن لغو القرية وملهياتها وسفاسفها، فتنصرف جهودها إلى الجد والعمل الناقع، وهذا - لعمر الحياة- هو السبيل القويم في الحياة.
وفي هذه السنة تعلو هممهم درجات، فيخطون الخطوة الموفقة إلى تشييد مدرسة عظيمة بعد تشييد المسجد، في بقعة وسط بين تلك المجاميع من البيوت، ولم يكتفوا بالمدرسة الأم، حتى فتحوا لها فرعًا في جيزة الوادي وسط مجموعة أخرى من البيوت ليخففوا العناء على الأولاد الذين تبعد منازلهم عن المدرسة الكبيرة وهم عازمون على بناء فروع لكل مجموعة متقاربة، فلو رأيتهم في وقت العمل يبنون متعاونين ويجمعون الحجر إلى الحجر والفلس إلى الفلس والرأي إلى الرأي، ويقسمون الاختصاصات على أصحابها لرأيت مثالًا عجبًا من التعاون كأنهم أخذوه عن النحل الذي حذقوا القيام على تربيته وتدبيره، وغير عجيب أن يأخذ الإنسان المكتسب عن الحيوان غرائزه الخلقية.
إنني معجب بهذه الفئة الصالحة، داع لها بالتوفيق والتسديد، راج لجماعاتنا العاملة للعلم أن يكون حظها في التعاون عليه كحظ جماعة سيدي ابراهيم.
(2/345)

برقية تأييد لمطالب التلامذة الزيتونيين *
أرسل رئيس جمعية العلماء البرقية التالية تأييدًا للطلبة الزيتونيين في مطالبهم التي أضربوا من أجلها، وتنويها بأحقية تلك المطالب، واستنكارًا للمواقف الرخوة التي تقفها الحكومة من الطلبة، وقد وجه البرقية إلى لجنة صوت الطالب الزيتوني وإلى شيخ الجامع الأعظم وإلى الجريدتين اليوميتين بتونس: "النهضة" و "الزهرة" ونص البرقية:
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بجميع شُعَبها ومؤسساتها العلمية واتباعها- تؤيد بكل قواها مطالب التلامذة الزيتونيين، وتعطف عطفًا لا حد له على قضيتهم وترجو أن يكون اضرابهم المشروع موصلًا إلى الغاية التي يرجونها ونرجوها لهم، وتستنكر تصامم الحكومة - إلى هذا الحد- عن إجابة رغائبهم.
وجمعية العلماء تعتقد أن العصر عصر الأجد الأنفع من النظم والعلوم، لا عصر الجمود على العادات الموروثة، وأن تباطؤ الحكومة في تنفيذ مثل هذه الرغائب معناه ربط الشعوب بقديم من تلك العادات أثبت الزمان عدم صلاحيته، ووقوفه في طريق التطوّر، وقد كانت هي من النابذين له والعاقبة للحق وللصابرين عليه.
قلوبنا وأفكارنا والسنتنا وأقلامنا مع أبنائنا الزيتونيين.
محمد البشير الإبراهيمي
__________
* "البصائر"، العدد 188، السنة الثالثة من السلسة الثانية، 1 ماي 1930م.
(2/346)

الوعظ في رمضان *
الوعظ الديني من وظائف جمعية العلماء، وبه بدأت حركتها العظيمة، ومن طريقه توصلت إلى شواعر الأمة فحركتها إلى الإصلاح والاهتداء بالكتاب والسنة، وإلى العلم والتعليم.
ولجمعية العلماء سنة حميدة جرت عليها منذ نشأت، وهي تخصيص شهر رمضان المبارك بعناية زائدة في الوعظ والإرشاد لأنه شهر عبادة، ولأن نفس المسلم فيه تتفتّح للخير، وعقله يستعد لتلقي كلمة الحق، ولأن الشيطان لا يصفد فيه حتى يزرع بذور الشر في نفوس المسلمين، فيهيؤها إلى بدع رمضان المعروفة وإلى تلك الأخلاق التي تلازم ضعفاء الإيمان والإرادة في أيام الصوم، وإلى الاستخفاف بحرماته.
تدعو جمعية العلماء رجالها في كل عام إلى القيام المنظم بدروس الوعظ والتذكير في أمسيات شهر رمضان وفي لياليه فيقومون بذلك الواجب على أكمل وجه، وقد رأت في هذا العام أن تتوسع في هذا الباب، وتعممه ما استطاعت بالإكثار من مراكز الوعظ، وأن تتقدم إلى وعاظها بالتوكيد على أن يطرقوا مواضيع الأخلاق الإسلامية والتربية الإسلامية معتمدين على آيات الكتاب التي يفهمونها فهمًا صحيحًا وعلى الأحاديث الصحيحة وعلى السيرة النبوية الثابتة، وأن يخصوا بالعناية مواضيع التربية الاجتماعية، وأن يشددوا النكير على البدع التي تفشو في رمضان.
وها هي ذي قائمة المشائخ الوعاظ الذين عينتهم جمعية العلماء، وبيان مراكزهم، وعلى أبنائنا رجال الجمعية أن لا يعتبروا هذا تخصيصًا، فعلى كل مستقر في قرية قادر على التذكير ممن لم نذكر أسماءهم- أن يعمر هذا الشهر العظيم بالدروس الدينية.
__________
* "البصائر"، العدد 122، السنة الثالثة من السلسة الثانية، 3 جوان 1950م.
(2/347)

فتح جامع "الحنايا" ومدرستها *
تقديم أحمد بن ذياب
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هل الفلسفة في خدمة الأدب أو الأدب في خدمة الفلسفة؟ أما الأدب ففن ثابت الأركان، باسق الأغصان، قوي الدعائم، محفوظ الأصول، ثري الرج والغلة، نهدف إليه لأنه في ذاته غاية سامية، ونريده لأنه تراث روحي خصيب، وتخفق إليه قلوبنا لأنه كنه الحياة، ولغة التعبير الصادق عن جمالها الباهر، وجلالها القاهر، لهذا نربأ به أن يكون وسيلة وهو الغاية، وخادمًا وهو المخدوم، ونطمح أن نراه رفيقًا للفلسفة، يساعدها وتساعده، ويفتح لها أبوابًا ما كانت لتهتدي إلى فتحها لولا مقاليده، وتعرج هي به إلى سموات لا تواتيه أجنحته على الصعود إليها لولا منطقها وحكمتها.
فنحن نرى أن كل فلسفة- أيًّا كان نوعها- عاطل إذا لم يحلها الأدب، وإن كل أدب
- مهما علا- رخيص إذا لم تغل الفلسفة قيمته.
ومن هنا كان الإبراهيمي مفخرة الجيل، وآية الدنيا، ومنة القدر على العربية وأدبها وفلسفتها، وأحد العباقرة الذين يفرضون خلودهم على الأيام فهو العالم الديني الممتليء الجوانب من روح الشريعة وفقه أسرار الدين، وهو الفيلسوف الاجتماعي الذي لا يشق له غبار، وهو المربي الخبير بمواطن الرشد ومزالق الغي، أما التاريخ وقصصه وعبره، وأما الأدب وعصوره وشعره ومنثوره، وأما اللغة وغريبها ومأنوسها وتاريخ أطوارها، فهو في هذه كلها كما قيل: "حدث عن البحر ولا حرج"، وتمم الله عليه نعمته فآتاه حافظة موعية وذاكرة واعية، وأكمل له أدوات العالم الأديب الفيلسوف.
أنت كلما استمعت إليه يخطب، أو أصغيت إليه وهو يحاضر، أو قرأت له ما يكتب،
أو جلست إليه في حلقات الدروس هالك منه الأسلوب الرائع والبرهان الساطع، ولم تعد
__________
* "البصائر"، العدد 124، السنة الثالثة من السلسلة الثانية، 19 جوان 1930م.
(2/348)

تدري من أية النواحي يتملكك العجب؟ أمن فصاحة لسانه؟ أم من بلاغة كلامه؟ أم من توليد المواضيع وسبكها؟ أم من أزهار المعاني تتفتق عنها أكمام الألفاظ المنتقاة؟ أم من طواعية اللغة للسانه وطواعية لسانه للغة؟ ورأيت كيف يستخدم الأدب الفلسفة، وكيف تستعين الفلسفة بالأدب، فيجريان كفرسي رهان من شباة قلم الإبراهيمي الجبار، أو من لسانه القئول الصئول، ورأيت كيف تكون روعتهما مسخرين لخدمة الحق، مؤيدين للحقيقة، ناصرين لجنود الخير، وقلت معي: سبحان الذي يؤتي الحكمة وفصل الخطاب من يشاء ويحرمهما من يشاء.
أقدم هذه الكلمة بين يدي محاولة أرجو أن أوفق فيها إلى تقديم شبه صورة للخطاب الجامع الذي ألقاه الأستاذ الرَّئِيسُ الإبراهيمي غداة افتتاح مسجد قرية "الحنايا" ومدرستها، وإني- حين آمل متابعة الأستاذ في اختصار أو اختزال ما يلقي- لواجد عنتًا كبيرًا، فقد شكا الشاكون قبلي ممن حاول مثل ما حاولت أنهم يؤخذون بروعة المسموع عن مواصلة الكتابة لأن معانيه كلها أبكار، ومواعظه كلها حكم نفيسة، وحكمه كلها غوال، وأطرافه- إن كان لكلامه أطراف- كلها طرائف نادرة.
وقد اعتمدت في هذه المحاولة على ما سجله الشيخان عبد الوهاب بن منصور وعبد الرحمن غريب مضافًا إلى ما سجله قلمي الضعيف الواني، فإن قاربت الإصابة فالفضل لهما، وإن قصرت فالوزر علي وحدي ...
قال الأستاذ العظيم- بعد الجمل التي اعتاد أن يفتتح بها خطبه ودروسه في الثناء على
الله والصلاة والسلام على رسوله-:

أيها الإخوان، أيها الأبناء:
إنني كلما استعرضت حال هذه الأمة في فكري، أو عرضت نفسها على عيني قصدًا في المحافل، أو عفوًا في المجامع والأسواق- تلوح لخاطري آية من كتاب الله تنطق بسننه المطردة في الأمم والقرون، وقد لاح لي عندما اعترضتني اليوم هذه الجموع الحاشدة، بل هذه الوفود الراشدة، في أقصى القرية- آية هي من دلائل قدرة الله على البعث الأخير، ومن الحجج الدامغة على منكريه ولكنها- مع ذلك- قريبة الخطور في أذهان المتفائلين مثلي بالبعث الأول في هذه الحياة الدنيا.
تلك الآية هي قوله تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
لاحت لي آية البعث من القرآن عندما لاحت لي آية الانبعاث منكم، فأجلت بصيرتي
في الأولى، عندما أجلت بصري في الثانية، فما زادت الثانية الأولى إلّا تمكينًا وتثبيتًا، ولم
(2/349)

يصرف ذهني عن التدبر فيهما، والاعتبار بهما، والإيمان بحقيقتهما- هذه المناظر الخالبة للعقول، الفاتنة للأعين، ولا هذه الأصوات المتصاعدة بالتكبير والتهليل، ولا تلك المتعالية من حناجر النساء بالزغردة والتأهيل.

أيها الإخوان، أيها الأبناء:
إن موت الأمم، وحياة الأمم، لفظان مطروقان مستعملان في نصابهما من الوضع اللغوي، كموت الأرض بالقحط، وحياتها بالغيث، لا ينبو بهما ذوق ولا منطق ولا فهم، وإن معناهما لأوسع وأجل من معنى حياة الفرد، وموت الفرد، هذه حياة محدودة، وموت لا رجعة بعده إلّا في اليوم الآخر، وتلك حياة ممدودة الأسباب ينتابها الضعف فتعالج، ويلم بها المرض فتداوى، ويطرقها الوهن فتقوى، ويدركها الانحلال فتشد، ويعرض لها الانتقاض فترمم، وتظلم آفاقها بالجهل فتنار بالعلم.
طالما قال القائلون عن أمتنا: إنها ماتت وطالما فرح الشامتون بموتها، وطالما نعاها نعاة الاستعمار على مسمع منا، وأعلنوا البشائر بموتها في عيدهم المئوي فعدوه تشييعًا لجنازة الإسلام الذي هو مساك حياة هذه الأمة في هذا الوطن، فقالوا: ماتت لا رحمها الله، وصدقهم ضعفاء الإيمان منا فقالوا: ماتت رحمها الله، وقلنا نحن: إنها مريضة مشفية، ولكن يرجى لها الشفاء إن حضر الطبيب وأحسن استعمال الدواء، فحقق الله قولنا، وخيب أقوال المبطلين وكذب فألهم، فحضر الطبيب في حين الحاجة إليه، وأذّن بالإصلاح في آذان المريض فانتفض انتفاضة تطايرت بها الأثقال، وانفصمت الأغلال، وكان من آثارها هذا اليوم الذي لا يصوره الخيال والوهم، وإنما يصوره العيان والواقع.
فإذا بقي في الدنيا ممسوس