Advertisement

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 001


الكتاب: " آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي ".
المؤلف: محمّد بن بشير بن عمر الإبراهيمي (المتوفى: 1385هـ)
جمع وتقديم: نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
الطبعة: الأولى، 1997
عدد الأجزاء: 5

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ملاحظات:
- الصفحة 32 - 33 من الجزء الأول ناقصتان من الكتاب المصور،
- الصفحة 327 من الجزء الرابع بها بياض، أدخلت النص الساقط منها
ـ[" آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي ".]ـ
المؤلف: محمّد بن بشير بن عمر الإبراهيمي (المتوفى: 1385هـ)
جمع وتقديم: نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
الطبعة: الأولى 1997
عدد الأجزاء: 5
أعده للشاملة/ أبو ياسر الجزائري
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________
ملاحظات:
- الصفحة 32 - 33 من الجزء الأول ناقصتان من الكتاب المصور،
- الصفحة 327 من الجزء الرابع بها بياض، أدخلت النص الساقط منها
(/)

ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ
جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.

الجزء الأول
1929 - 1940
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1/1)

1977 - دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
(1/2)

آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي
(1/3)

ـ[صورة الشيخ البشير الإبراهيمي]ـ
تلمسان 1937
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
ــــــــــــــــــــــــــ
منذ وفاة والدي الشيخ محمد البشير طالب الإبراهيمي- رحمه الله- في 20 مايو 1965، لم تفارقني ذكراه في حلي وترحالي، وفي يقظتي ومنامي، وذلك لأن العلاقة بيننا لم تكن تلك العلاقة التقليدية بين الابن وأبيه، أو بين التلميذ وأستاذه، بل كانت أقوى من ذلك بكثير، فقد كان بالنسبة لي أبا وأستاذا وصديقا ورائدا ومثلا أعلى أقتدي به، وأستنير برأيه في كل خطواتي، ولذلك فإن صدمتي بفقده جعلتني لا أستطيع الكتابة عنه طوال ثلاثين سنة، باستثناء المقدمة التي كتبتها للطبعة الثانية لـ "عيون البصائر"، بإلحاح شديد من شاعر الجزائر الكبير المرحوم محمد العيد آل خليفة (1).
وكنت طوال هذه المدة أستلهم كل أعمالي وأقوالي من تربيته وتوجيهاته، وأحاول في كل المسؤوليات التي تقلدتها أن أنهج نهجه، وأنسج على منواله في حبه للجزائر، والإسلام، والعربية. وفي تفانيه للدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة حتى آخر رمق من حياته، وكنت أشعر وكأنه- رحمه الله- من وراء حجب الغيب يوجه خطاي للعمل الدؤوب في خدمة البلاد والعباد، وفي إرساء المبادئ السامية التي كافح من أجلها لتعيش الجزائر حرة عزيزة كريمة في كنف العدالة الاجتماعية.
وإني وإن كنت لم أستطع الكتابة عنه طيلة هذه السنوات، فإني عملت على جمع آثاره في طبعة أولى (2)، بدأت تظهر منذ السبعينات في أربعة أجزاء، بالإضافة إلى الجزء الذي
__________
1) آثار الإمام الإبراهيمي، ج 3، - صلى الله عليه وسلم - 35.
2) بمساعدة الأستاذين حمزة بوكوشة- رحمه الله- ومحمد خمار. وقد صدر الجزء الأول سنة 1978، والجزء الثالث سنة 1981، والجزء الرابع سنة 1985، والجزء الخامس "في قلب المعركة" سنة 1994، و"عيون البصائر" تمثل الجزء الثاني من هذه الطبعة الأولى.
(1/5)

طبع في حياته تحت عنوان "عيون البصائر". وها أنا اليوم- بعد ابتعادي عن المسؤوليات- أقدم للقراء طبعة جديدة من آثار الوالد بعد سنتين من البحث والتنقيب عما تركه من كتابات مخطوطة أو مطبوعة كانت متناثرة هنا وهناك.
ولئن كانت هذه الآثار المطبوعة ضئيلة في حجمها بالنسبة إلى حياة الشيخ الحافلة، فإن كثيرا ضاع، وكثيرا مما ألقاه من دروس وخطب ومحاضرات لم يسجل لأنه كان يلقيه ارتجالا، ولم تتسن كتابة إلا أقل القليل منه، وكانت له مؤلفات وكتابات مخطوطة حول العديد من المواضيع في الدين واللغة والأدب والاجتماع ضاعت إبان حرب التحرير، إما عند بعض تلامذته أو في بيته بالجزائر العاصمة حين اقتحمه الجيش الفرنسي سنة 1957 - وهو بالمشرق العربي- وعاث في مكتبته تخريبا ونهبا، ففقدت مخطوطاته ومعظم كتبه.
وبالرغم مما للوالد من أبحاث ومقالات فإنه يعد من ذلك الرعيل من المفكرين الذين شغلتهم الاهتمامات القومية ومسؤولياتهم في الحركة الإصلاحية عن الإنتاج المكتوب، وهو في ذلك كالشيخ سالم بوحاجب بتونس، والشيخ محمد بن العربي العلوي بالمغرب الأقصى، وقبلهما حكيم الشرق جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، فهؤلاء قضوا حياتهم في تكوين الرجال لا في تأليف الكتب، ولقد كان البشير الإبراهيمي يقدم الأهم على المهم إذ نذر حياته للإصلاح الديني والاجتماعي وتكوين الرجال القادرين على حماية إسلام الجزائر وعروبتها. وقد أكد ذلك في آخر حياته بقوله: "لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلا، ولكنني أتسلى بأنني ألفت للشعب رجالا، وعملت لتحرير عقوله تمهيدا لتحرير أجساده، وصححت له دينه ولغته، فأصبح مسلما عربيا، وصححت له موازين إدراكه، فأصبح إنسانا أبيا، وحسبي هذا مقربا من رضى الرب ورضى الشعب " (3).
وكانت صورة الأمير عبد القادر الجزائري ماثلة أمامه دائما، لأن عبد القادر كالإبراهيمي كان لا يفصل بين العلم والعمل، ولا يفرق بين النضال والتفكير.
...

هذه الآثار وتاريخ الجزائر:
إن الحديث عن الإبراهيمي هو حديث عن الجزائر: أصالة وحضارة وصمودا ونهضة وتحررا، فقد جسد الجزائر في شخصيته: نشأة وتكوينا وإشعاعا وقولا وكتابة وسلوكا.
إن آثاره التي توزعت حياته بمختلف مراحلها حافلة بما أثمره جهاده الطويل من جلائل الأعمال، فقد جسدت بصدق وأمانة حياة الجزائر خلال حقبة كاملة من تاريخها الحديث.
__________
3) آثار الإمام الإبراهيمي، ج 5، - صلى الله عليه وسلم - 288.
(1/6)

وهناك حقيقة لا بد من تأكيدها هنا، وهي أن مفتاح الدخول إلى هذه الآثار وفهمها حق الفهم لمعرفة الإبراهيمي حق المعرفة، ولتقديره بما هو جدير به، ليس الإطلاع على حياته فحسب، بل ضرورة الإطلاع على هذه الحقبة التاريخية المتميزة في حياة الجزائر والوقوف على مختلف أبعادها الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وفهم تطور الوعي في المجتمع الجزائري الذي تطورت معه أساليب المقاومة والجهاد من أجل التحرير والاستقلال لأن الذي لا يفهم طبيعة هذه المرحلة فهما دقيقا لا يستطيع أن يفهم رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أو يدرك أهدافها البعيدة التي رسمتها وجاهدت من أجل تحقيقها، هذه الجمعية التي نشط فيها الإبراهيمي مع غيره من إخوانه العلماء، فكان نائبا لرئيسها الأول الإمام عبد الحميد بن باديس في حياته، ثم رئيسا لها بعد وفاته.
وإذا استعرضنا العوامل الحاسمة في نهوض المجتمع الجزائري في العصر الحديث دينيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا، نجمل ذلك في حركتين بارزتين ومتكاملتين:

1 - الحركة العلمية الإصلاحية الدينية التي انطلقت بوادرها مع بداية القرن العشرين، ثم تطورت بقيام الشيخ عبد الحميد بن باديس بالتدريس في قسنطينة، غداة تخرجه من الجامعة الزيتونية سنة 1913، ونضجت هذه اليقظة مع عودة بعض العلماء من مهجرهم بالشرق العربي إلى الوطن، أمثال أبي يعلى الزواوي، والطيب العقبي، والبشير الإبراهيمي، ثم تبلورت في إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931، غداة احتفال فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر، اعتقادا منها أنها قضت على الشخصية الجزائرية نهائيا بقضائها على الإسلام والعروبة فيها، ومما قاله أحد الحكام الفرنسيين في الجزائر بهذه المناسبة: "إِنَّنَا لَنْ نَنْتَصَرَ عَلَى الْجَزَائِرِيِّينَ مَا دَامُوا يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَكَلَّمُونَ الْعَرَبِيَّةَ، فَيَجِبُ أَنْ نُزِيلَ الْقُرْآنَ مِنْ وُجُودِهِمْ، وَأَنْ نَقْتَلِعَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ".
2 - الحركة السياسية ممثلة في تأسيس حركة "نجم شمال إفريقيا" في باريس من العمال المهاجرين لكل من تونس والجزائر والمغرب عام 1927 وما تلاها كتأسيس "حزب الشعب الجزائري " عام 1937، ثم "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية" عام 1946، وما تولد عنها من منظمات سرية وعلنية تألقت بمواقف وتضحيات بطولية مشهودة، وأخيرا كل ما عزز الكفاح الوطني من حركات سياسية وثقافية كـ "أحباب البيان والحرية" و "الكشافة الإسلامية الجزائرية ".
وإذا كانت الحركات السياسية اعتمدت- بحكم طبيعتها- الكفاح السياسي لبلوغ غايتها، وتجنيد فئات الشعب حول برامجها، فإن الحركة الدينية التي تمثلها "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين " مهدت السبيل باعتماد أسلوب الإصلاح الديني والاجتماعي الذي هيأ الأنفس
(1/7)

للإنصهار في الحركة السياسية، عن طريق التربية والتعليم والتكوين، وبناء المساجد، والنوادي، والمدارس، وإحياء المقومات الذاتية للشخصية الجزائرية، وربط الجزائر بمحيطها العربي الإسلامي الذي أراد الاستعمار انتزاعها منه، وبهذه العناصر تكون الوحدة الوطنية مصونة راسخة، ويكون الجهاد واجبا قائما، فيكون- بإذن الله- الانتصار المبين ميسورا مضمونا.
ولا شك أن إصلاح العقيدة هو أساس كل إصلاح، فقد قال الإمام مالك (رضي الله عنه): «لَا يَصْلُحُ آَخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَا بِمَا صَلُحَ بِهِ أَوَّلُهَا»، وهو الشعار الذي رفعه المصلحون في الجزائر وجسدوه في أقوالهم وأفعالهم، وكتاباتهم، فها هو الشيخ مبارك الميلي- مؤرخ الجزائر وأحد علمائنا- يكتب في العشرينات في أحد أعداد جريدة "المنتقد"، "من حاول إصلاح أمة إسلامية بغير دينها، فقد عرض وحدتها للانحلال وجسمها للتلاشي، وصار هادما لعرشها بنية تشييده".
إن الحركة الدينية التي قادها علماؤنا الأجلاء تعدى صداها حدود الوطن، وكانت ثورة ثقافية حقيقية- بمفهوم اليوم- قلبت أوضاع الشعب الجزائري، وجعلته يعيش في حالة تناقض دائمة مع الاستعمار، ويتفاعل مع قضايا أشقائه في المغرب الأقصى وتونس والمشرق العربي، وكانت حربا بدون هوادة على الجهل والتحجر والبدع والخرافات والخمول والاستكانة. لقد أدخلت تلك الثورة الثقافية على المجتمع الجزائري تحولات في مفاهيمه، إذ أيقظت فيه روح الأخوة والتضامن، وبعثت فيه الأمل الذي هو مفتاح الوصول إلى الغاية المنشودة، وأعدت لذلك الوسائل الملائمة التي رسمت الطريق إلى شاطئ الخلاص وبر الأمان.
وهذه الحقيقة تؤكد الاتفاق الكلي بين الحركة الدينية والحركة السياسية في الغاية، أي العمل على تمكين الجزائر من استرجاع سيادتها واستقلالها وحريتها، وإذا كان هناك من فرق بين الحركتين فمن المؤكد أنه ليس في الهدف- إذ الهدف واحد وهو الانعتاق- وإنما في الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق ذلك الهدف.
تبنت "جمعية العلماء"، مشروعا يقوم على الدين والعلم والأخلاق، إيمانا منها أن هذه العناصر الثلاثة توصل الشعب الجزائري إلى الاستقلال، بينما جعلت الحركة السياسية من الاستقلال الوسيلة إلى بناء هذه الأعمدة الثلاثة، وإن كان أحيانا بمسميات مختلفة، بيد أنها تصب دائما في نفس الاتجاه … وقد شاهدتُ في طفولتي بمدينة تلمسان في الثلاثينات كثيرا من تلامذة والدي وأنصاره يلازمونه في دروسه وخارج دروسه كمريدين أو أكثر، وهم في نفس الوقت منخرطون في حركة "حزب الشعب الجزائري"، ولم يكن لديهم أي شعور بالتناقض في الانتماءين، خلافا لما ركز عليه لاحقا بعض المؤرخين الفرنسيين في كتاباتهم، ممن كان همهم الأكبر التنقيص من دور الإسلام في الحركة الوطنية ثم في الثورة المسلحة …
(1/8)

وإذا كان هذا النوع من التجني على الحقيقة بالإصرار على زرع التناقض بين الحركة الدينية والحركة السياسية في تاريخ الجزائر المعاصر أمرا متوقعا من هؤلاء المؤرخين، لأن صراعنا معهم صراع حضاري متواصل عبر التاريخ بأشكال شتى منذ أشرق نور الإسلام على هذه الربوع، فإن المرء ليندهش حين يسمع من يردد تلك المقولات المغرضة من أبناء وطنه، أو في بعض الدوائر العربية، ممن يبحثون في بعض صفحات التاريخ عن حجج معينة لتبرير موقف سياسي آني يتعارض مع انتماء الشعب الجزائري وأصالته، أو طمعا في الحصول على "شهادة حسن السيرة" من الغرب، قصد توظيفها لغايات معينة لا علاقة لها إطلاقا بما ينبغي أن يتحلى به المؤرخ المنصف من أمانة وتجرد وموضوعية ونزاهة فكرية … وقد نلمس لهؤلاء عذرا إذا كان هذا الموقف "الاتباعي" نابعا عن جهل، فقد قال الإمام علي- كرم الله وجهه-: «النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا وَأَحِبَّاءُ مَا أَلِفُوا».

هذه الآثار وحياة الإبراهيمي:
إذا استعرضنا حياة الإبراهيمي نجدها تنقسم إلى سبعة أقسام:

1 - مرحلة التكوين والتحصيل الأولى (1889 - 1911):
ولد بقرية "رأس الوادي " بناحية مدينة سطيف بالشرق الجزائري في 14 يونيو عام 1889، وفي بيت أسس على التقوى، من بيوتات العلم والدين، وقد أتم حفظ القرآن الكريم على يد عمه الشيخ المكي الإبراهيمي الذي اكتشف مواهبه المبكرة، وكان لها الفضل الأكبر في تربيته وتكوينه، حتى جعل منه ساعده الأيمن في تعليم الطلبة. من هذه المرحلة المبكرة من حياة الشيخ الإبراهيمي لم نعثر على آثار تذكر باستثناء بعض الرسائل الإخوانية (4) وتجدر الإشارة إلى أن الإستعمار الفرنسي في الجزائر كان ينتهج سياسة التجهيل والتفقير والطمس لمقومات الأمة وثوابتها، وذلك في كل أرجاء الوطن.

2 - الرحلة المشرقية الأولى (1911 - 1920):
هاجر جدي، الشيخ السعدي الإبراهيمي إلى المدينة المنورة عام 1908، هروبا من ويلات الاستعمار الفرنسي، ولحق به والدي عام 1911، تأكيدا للتفاعل بين المشرق والمغرب، مرورا بمصر التي أقام بها ثلاثة أشهر، التقى خلالها بعدد من علمائها وأدبائها وشعرائها، وحضر بعض دروس العلم في الأزهر، وعندما استقر بالمدينة المنورة، درس فيها على كبار علمائها- الوافدين من كل أنحاء العالم الإسلامي- علوم التفسير
__________
4) نشرت مجلة "الموافقات" في عددها 4، السنة 4 (يوليو 1995) [ص: 762]، إحدى هذه الرسائل.
(1/9)

والحديث، والفقه، والتراجم، وأنساب العرب، وأدبهم، ودواوينهم، كما درس علم المنطق والحكمة المشرقية، وأمهات كتب اللغة والأدب، ثم أصبح يلقي الدروس للطلبة في الحرم النبوي، ويقضي أوقات فراغه في المكتبات العامة والخاصة باحثا عن المخطوطات.
والتقى خلال إقامته بالمدينة المنورة، في موسم الحج عام 1913، بالإمام عبد الحميد ابن باديس، وما من شك في أن تلك اللقاءات شهدت ميلاد فكرة تأسيس جمعية العلماء.
وفي سنة 1917، انتقل الإبراهيمي إلى دمشق، حيث دعته حكومتها لتدريس الآداب العربية بالمدرسة السلطانية (مكتب عنبر)، وهي المدرسة العصرية الوحيدة آنذاك، بالإضافة إلى إلقاء دروس في الوعظ والإرشاد في الجامع الأموي، وقد تخرج على يديه جيل من المثقفين كان لهم أثر بالغ في النهضة العربية الحديثة.
من الأماكن التي كانت لها مكانة خاصة في قلب الوالد- بعد مسقط رأسه- المدينة المنورة، وكان- رحمه الله- يحثني- بعد الاستقرار- على قضاء شهر رمضان بالمدينة، لما للمكان من بعد روحي، ولسكانها من خلق وطيبة، ومدينة دمشق التي تزوج فيها بوالدتي رفيقة العمر- رحمها الله رحمة واسعة-، ودفن فيها والده وحماه وابنه.
ومن هذه المرحلة لم نعثر على آثار مكتوبة للإبراهيمي، بالرغم مما كان له من نشاط علمي وثقافي تشهد عليه شخصيات كثيرة مثل الدكتور عبد الرحمن شهبندر في رسالة باسم "النادي العربي" تتضمن دعوة الإبراهيمي لإلقاء محاضرة فيه سنة 1919، وشهادة الدكتور جميل صليبا عن أستاذه (5)، ومن نشاط سياسي مؤيد لفكرة الجامعة الإسلامية.

3 - مرحلة الإرهاصات (1920 - 1931):
قرر الإبراهيمي العودة إلى الجزائر سنة 1920، وفي مخيلته فكرة حركة تحيي الإسلام والعربية في الوطن وتنشر العلم، وتبعث الأمة، وأعجب بعد وصوله بالنتائج المثمرة التي حققها ابن باديس الذي كان يقود حركة ثقافية وصحفية بمدينة قسنطينة، فأقام بمدينة سطيف وأنشأ بها مدرسة ومسجدا بعد أن رفض الوظيفة التي عرضت عليه من طرف السلطات الفرنسية، وتعاطى التجارة ليقوم بأوَد عائلته، وبقي على اتصال بابن باديس. وخلال هذه المرحلة تردد على مدينة تونس حيث كان يقيم أصهاره، وحيث كانت له صداقات في الأوساط العلمية والأدبية.
__________
5) مجلة " الثقافة " الجزائرية، عدد 87، مايو 1985، [ص: 55].
(1/10)

من هذه المرحلة لم نعثر إلا على بعض الرسائل (6)، وبعض المقالات والمحاضرات التي نشرت في مجلة "الشهاب" ابتداء من عام 1929، والتي نفتتح بها الجزء الأول من هذه الآثار.

4 - بدايات جمعية العلماء (1931 - 1940):
في عام 1931 تأسست "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، كرد فعل إيجابي على احتفال فرنسا بمرور قرن على احتلال الجزائر، بعدما أيقنت أن الجزائر قد أصبحت إلى الأبد قطعة منها، مسيحية الدين، فرنسية اللسان، فجاء شعار الجمعية صارخا مدويا في وجه فرنسا، وراسما طريق الخلاص منها: "الْإِسْلَامُ دِينُنَا، وَالْعَرَبِيَّةُ لُغَتُنَا، وَالْجَزَائِرُ وَطَنُنَا".
ووضع الإبراهيمي دستور الجمعية وقانونها الأساسي، وأصبح نائبا لرئيسها الإمام ابن باديس، ومنذ عام 1933 تكفل بالمقاطعة الغربية من القطر، واختار مدينة تلمسان مركزا لنشاطه المكثف، وأسس فيها "مدرسة دار الحديث" سنة 1937، بنيت على نسق هندسي أندلسي أصيل، فكانت مركز إشعاع ديني وعلمي وثقافي، واحتوت على مدرسة ومسجد وقاعة محاضرات.
إن الجزء الأول من آثار الإبراهيمي يشتمل على ما عثرنا عليه خلال هذه المرحلة من حياته، وهي أدق حقبة في تاريخ الجزائر الحديث، نظرا لما شهدته من أحداث كان لها شأن كبير في تشكل الوعي الديني والسياسي للمجتمع الجزائري.

5 - قيادة الحركة الدينية والثقافية بالجزائر (1940 - 1952):
بعد أن رفض الإبراهيمي رفضا قاطعا كل محاولات فرنسا لإغرائه واحتوائه، أو تثبيط عزيمته، قررت السلطات الاستعمارية نفيه إلى قرية آفلو في الجنوب الغربي من الوطن، في مطلع الحرب العالمية الثانية.
وبعد أسبوع من نفيه تلقى خبر وفاة رفيقه الإمام عبد الحميد بن باديس- رحمه الله-، وخبر اجتماع أعضاء الجمعية وانتخابهم له رئيسا رغم الضغوط الفرنسية الرامية إلى انتخاب غيره، فتحمل مسؤولية قيادة الجمعية غيابيا، وتولى إدارتها بالمراسلة طول الأعوام الثلاثة التي قضاها في المنفى، وبعد إطلاق سراحه عام 1943، أصبح قائدا للحركة الدينية والعلمية والثقافية في الجزائر، يجوب ربوعها معلما وموجها ومرشدا، يوحد الصفوف ويؤسس المدارس والمساجد والنوادي ويهيئ العقول لساعة الصفر التي كانت تخطط لها نخبة من الحركة السياسية.
__________
6) نشرت إحدى هذه الرسائل في كتاب "دعائم النهضة الوطنية الجزائرية" لمحمد الطاهر فضلاء، [ص: 43].
(1/11)

وقد زُجَّ به في السجن بعد أحداث مايو 1945، وبقي فيه عاما كاملا ذاق الأمرين في زنزانة تحت الأرض حيث الظلمة والرطوبة، مما استدعى نقله إلى المستشفى العسكري بقسنطينة، فتحمل هذه المحنة بصبر المجاهد، ويقين المؤمن.
وفي سنة 1946 استأنف نشاطه، فبعث جريدة " البصائر" من جديد في السنة الموالية بعد أن توقفت أثناء الحرب، وأشرف على تحريرها، كما أسس معهدا ثانويا أطلق عليه اسم رفيقه وصديقه المرحوم عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة، حظيت شهادته بالاعتراف من الجامعة الزيتونية ومن معاهد الشرق العربي، ومن هذا المعهد تخرج رجال قادوا الثورة المسلحة، فمنهم من استشهد في الجهاد الأصغر، ومنهم من ساهم غداة الاستقلال في إعادة بناء هذا الوطن، كقياديين أو إطارات سامية في الدولة، فكان منهم الوزير والسفير، والوالي والمحافظ والقائد العسكري والأستاذ ومدير الجامعة الخ …
ويحتوي الجزءان الثاني والثالث من آثار الإبراهيمي على ما أنتجه خلال هذه الفترة التي هي أخصب مراحل حياته، ابتداء بما أوحت به قرية آفلو، التي لم نعثر- مع الأسف- إلا على القليل من المقامات والروايات والرسائل التي كتبت فيها، إلى ما كتبه أسبوعيا في جريدة "البصائر".
أما مقالاته الافتتاحية فقد قام هو نفسه بجمعها لتطبع في كتاب سماه "عيون البصائر"، وهو يشكل الجزء الثالث من هذه الطبعة الجديدة.

6 - الرحلة المشرقية الثانية (1952 - 1962):
سافر الإبراهيمي إلى المشرق العربي للمرة الثانية عام 1952 ممثلا لجمعية العلماء ليسعى لدى الحكومات العربية لقبول بعثات طلابية جزائرية في معاهدها وجامعاتها، وطلب الإعانة المادية والمعنوية للجمعية حتى تستطيع مواصلة أعمالها وجهادها، والتعريف بالقضية الجزائرية في الأوساط السياسية في الدول التي زارها أو التقى مسؤوليها، ولدى جامعة الدول العربية.
وقد اتخذ من مصر منطلقا لنشاطه، ورعى فيها أولى البعثات الطلابية، وكان سفيرا للجزائر وصوتها المدوي، يلقي المحاضرات والدروس- خاصة في مركزي الإخوان المسلمين والشبان المسلمين- والأحاديث الإذاعية قبل الثورة التحريرية وفي أثنائها. وقد زار في هذا الشأن- بعد مصر- كلا من المملكة العربية السعودية، والعراق، وسوريا، والأردن، والكويت، وباكستان.
ووجه يوم 15 نوفمبر 1954 - أي بعد أسبوعين من اندلاع الثورة- نداء إلى الشعب الجزائري، يدعوه فيه إلى الالتفاف حول الثورة المسلحة، وخوض غمار الجهاد المقدس،
(1/12)

والتضحية بالنفس والنفيس، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لحياة العزة والكرامة، وكان هذا النداء إسكاتا لكل من يريد التشكيك في شرعية الجهاد باسم الدين، ودفعا قويا للثورة الوليدة.
ويشتمل الجزء الرابع على ما استطعنا جمعه من آثار الإبراهيمي، خلال القسم الأول من رحلته المشرقية الثانية (1952 - 1954)، أي قبل اندلاع ثورة التحرير، ويعكس نشاطه الحثيث في التعريف بواقع الجزائر وقضيتها. أما الجزء الخامس والأخير من آثار الإبراهيمي فيغطي الثورة التحريرية (1954 - 1962)، ويشتمل على ما جمعنا من مواقفه المعلنة والمنشورة عن ثورة الجزائر.

7 - المرحلة الأخيرة (1962 - 1965):
وهي التي عاد الإبراهيمي فيها إلى وطنه بعد استعادة الاستقلال حتى وفاته في 20 مايو1965. وخلال هذه المرحلة اضطر إلى التقليل من نشاطه بسبب تدهور صحته من جهة، وبسبب سياسة الدولة التي شعر أنها زاغت عن الاتجاه الإسلامي، فانحصر نشاطه في حدثين ختمنا بهما الجزء الخامس من آثاره:

- إلقاء أول خطبة جمعة بعد استعادة الاستقلال، افتتح بها مسجد "كتشاوة" بالعاصمة، الذي رجع كما كان مسجدا بعد أن حوله الاستعمار الفرنسي إلى كتدرائية طوال قرن وثلث، وقد ألقى الإبراهيمي هذه الخطبة المشهودة بحضور وفود من جميع الدول العربية والإسلامية.

- إصدار بيان 16 أفريل 1964، الذي دعا فيه السلطة آنذاك للعودة إلى الحكمة والصواب، وإلى جادة الإسلام، بعد أن رأى البلاد تنحدر نحو الحرب الأهلية، وتنتهج نهجا ينبع من مذاهب دخيلة مضادة لعقيدتنا وروحنا وجذورنا.

مشروع الإبراهيمي النهضوي:
يُجمع تلامذة الإبراهيمي ورفقاؤه أن أهم ما كتب هو "عيون البصائر" أي الجزء الثالث من هذه الآثار، بما فيها من جهاد في سبيل الإسلام والعروبة في جزائر محتلة، وبما فيها من مقارعة الاستعمار على الصعيدين الديني والسياسي، وبما فيها من مناصرة لكل قضايا المسلمين مشرقا ومغربا، وخاصة قضية فلسطين، وبما فيها من روائع البيان العربي كسجع الكهان.
ولكنني أرى أن محتويات الجزء الأول من هذه الآثار- وهي تمثل ما عثرنا عليه من آثار الإبراهيمي في أواخر العشرينات وفي الثلاثينات- لا تقل أهمية عن "عيون البصائر"، إذ تتجلى لقارئها معالم مشروع نهضوي تستحق التأمل:
(1/13)

في سنة 1920 - بعد الرحلة المشرقية الأولى التي دامت قرابة عشر سنوات، والتي أقام فيها بالمدينة المنورة ودمشق وزار القاهرة في مستهلها، وتونس في ختامها- عاد الإبراهيمي إلى وطنه، ووجده- كما تركه- يئن تحت وطأة الاستعمار والجهل والفقر والتخلف، وفي ذهنه مشروع نهضوي يدخل الأمة الإسلامية في دائرة التقدم والتحديث، وينطلق من الإسلام، لأن الإبراهيمي الذي تأثر بأفكار الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا مقتنع أن في الإسلام علاجا لكل أمراض المجتمع، شريطة أن تستعمل الأسلحة الثلاثة في المعركة: العقل والعلم والعدل.
وقبل أن تستوفى الشروط لقيام حركة تشمل القطر، استقر بمدينة سطيف، وبدأ يطبق مشروعه بإنشاء مدرسة ومسجد، وحافظ على استقلاله بممارسة التجارة ورفض الوظيف، هذا على الصعيد العملي، أما على الصعيد النظري فألقى- سنة 1929 - محاضرة بعاصمة الجزائر تحت عنوان: "التعاون الاجتماعي" (7)، حدد فيها معالم مشروعه النهضوي في إطار النسق الإسلامي والذي يقوم على أعمدة أربعة: الدين والعلم والأخلاق والإقتصاد.
- الدين: " … إنه دين الفطرة، ولا يرجع في أحكامه إلا إلى النص القطعي من كتاب محكم أو سنة قولية أو عملية متواترة، وأن كل ما ألصق بالدين من المحدثات فهو بدعة يجب اعتبارها ليست من الدين وإن تراءت في صورة ما يقتضيه الدين … إن المعاملة مبنية على مراعاة مصالح البشر ونظام اجتماعهم العمراني، ولذلك كانت أغلب أحكام المعاملات المأخوذة من القرآن كلية قلَّ أن نعثر فيها على التفصيل، وإن الأنسب لسماحة الدين وبقائه وصلاحيته لكل زمان ومكان أن يكون للزمان والمكان والعرف والعادة والبيئة مدخل في تكييف أحكام المعاملات وتطبيقها على الحوادث الجارية ".

- العلم: " … البحث في أنواع العلوم التي تصلح لنهضتنا، فهو معدود من لغو الحديث، واحتياج الحي إلى العلم في هذا الزمن أصبح قرين احتياجه إلى الطعام".

- الأخلاق: "ولنا أساسٌ نبني عليه، ولا يعسر جد العسر إحياؤه هو الأخلاق الإسلامية المتوارثة، والتي نجد معظمها في القرآن في أوضح عبارة وأوضح بيان، ثم الأخلاق العربية المأخوذة من آدابهم التي هي أنفس ما خلفوه لنا من التراث".

- الإقتصاد: " إن سوق المال اليوم معترك أبطال، وإن في جوانبه رماة ونحن الهدف، وإن مكان المال من الحياة مكان الوريد من البدن، وإن الزمان دار دورته، وقضى الله أن يصبح المال والعلم سلاحين لا يطمع طامع في الحياة بدونهما … والذي تقتضيه الحكمة الهادئة لنحفظ أنفسنا من هذه المزاحمة المريعة هو تأسيس شركات التعاون
__________
7) الجزء الأول، - صلى الله عليه وسلم - 50 - 58.
(1/14)

بين الفلاحين وبين التجار لتقي الصغار من الجانبين شرَّ تحكم الأجانب في أملاكهم ومجهوداتهم، ثم تأسيس مصارف مالية صغيرة تكون واسطة بين الجميع وتكون مع ذلك مستودعا للأموال المخزونة المعطلة ومرجعا لصناديق التوفير والاحتياط التي يجب أن تصحب هذه الحركة".
هذا المشروع النهضوي الذي حدد معالمه الإبراهيمي عام 1929 ينطلق من وعي كامل أن الجزائر تنتمي إلى الحضارة الإسلامية، وأن في كل حضارة ثابتا ومتحولا، وأن المحافظة على الثابت هو حفظ للشخصية الوطنية من الاستلاب: "إن مشخصات الأمم منها جوهر ومنها عرض، وإن الجوهر منها هو الصالح للبقاء، وإنه لا يد للفرد وللجماعة في تكييفه كما يشاء أو كما تشاء، وأن تطوره موكول إلى تدبير الاجتماع لا إلى تدبير الجماعات، وأن العرض منها هو محل التبديل والتغيير، يصلح لزمن فيؤخذ، ولا يصلح لآخر فينبذ، فالمحافظة على جوهر المقومات ليست محافظة وإنما هي حفظ للقومية من الاندغام والتداخل وعماد لها أن تتداعى وتسقط، وأما الأعراض فهي قشور تتحول وتزول كأوراق الخريف توجد وتعدم، والشجرة شجرة" (8).
وفي عام 1931، تأسست جمعية العلماء فأدرج الإبراهيمي مشروعه النهضوي في القانون الأساسي للجمعية الذي حرره في نفس السنة (9)، وفي نص أساسي صدر به سجل مؤتمر جمعية العلماء سنة 1935 (10)، والذي شرح فيه أسباب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم، والذي حدد فيه شروط النهضة الجزائرية التي- أكد من جديد- أنها يجب أن تقوم على الإسلام: "أي شباب الإسلام، إن الأوطان تجمع الأبدان، وإن اللغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلفها، ويصل بين نكرات القلوب فيعرفها فهو الدين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة، ولكن التمسوها في الدين، والتمسوها من القرآن تجدوا الأفق أوسع، والدار أجمع، والعديد أكثر، والقوى أوفر".
ثم حذر من المشروع التغريبي، وحدد موقفا واضحا وصارما من الاستعمار والتبشير والاستشراق والإلحاد، والطرقية والبدع والخرافات والأمية التي تمهد كلها لغزو المشروع التغريبي، وتقف في نفس الوقت عائقا دون تحقيق المشروع الإسلامي.
ويؤكد الإبراهيمي أن العلوم العصرية- التي هي إحدى الدعائم لإنجاز مشروعه النهضوي- يجب أن ننهل منها بدون عقدة، لأن الحضارة "هي في الحقيقة تراث إنساني
__________
8) الجزء الأول من هذه الآثار، - صلى الله عليه وسلم - 46.
9) الجزء الأول من هذه الآثار، - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - 74 - 90.
10) الجزء الأول من هذه الآثار، - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - 158 - 200.
(1/15)

تسلّمه أمة إلى أمّة، وتأخذه أمة عن أمة فتزيد فيه أو تنقص منه بحسب ما يتهيّأ لها من وسائل وما يؤثر فيها من عوامل … وقد أصبح احتكار المدنية لأمم خاصة تقليدًا شائعا متعاصيا عن التمحيص والنقد، ومن هذا الباب احتكار الغربيين للمدنية القائمة اليوم، وما هي في الحقيقة إلا عصارة الحضارات القديمة ورثها الغربيون عمن تقدمهم، وقاموا عليها بالتزيين والتحسين والتلوين، وطبعوها بالطوابع التي اقتضاها الوقت، وانتحلوها لأنفسهم أصلا وفرعا، ولا تزال التنقيبات عن مخلفات الحضارات القديمة تكشف كل يوم عن جديد يفضح هؤلاء المحتكرين ويقلل من غرورهم" (11).
والمثقفون- في نظر الإبراهيمي- هم المسؤولون عن إنجاز مشروعه النهضوي لأنهم "هم حَفَظَة التوازن في الأمم وهم القَوَمَة على الحدود أن تهدم، وعلى الحرمات أن تنتهك، وعلى الأخلاق أن تزيغ، وهم الميزان لمعرفة كل إنسان حد نفسه، يراهم العامي المقصر فوقه فيتقاصر عن التسامي لما فوق منزلته، ويراهم الطاغي المتجبر عيونا حارسة فيتراجع عن العبث والاستبداد" (12)، وعلى المثقفين "الامتزاج بالأمة والاختلاط بطبقاتها والتحبّب إليها ومشاركتها في شؤونها الاجتماعية، والدخول في مجتمعاتها ومعابدها، ومشاركتها في عبادتها وفي الصالح من عوائدها .. ، وثقة الأمة بالمثقفين هي رأس المال في هذا الباب " (12).
لقد طبَّق الإبراهيمي مشروعه النهضوي في حياته؛ إذ لقَّن العلم والدين والأخلاق كمدرس بالمدينة المنورة ودمشق في العقد الثاني من هذا القرن الميلادي، ثم كمدرس بمدينة سطيف في العقد الثالث، ثم كمدرس بمدينة تلمسان في العقد الرابع، ثم كزعيم حركة دينية وثقافية عظيمة بالقطر الجزائري في العقد الخامس، أما أهمية الاقتصاد والمال فلم يهملها فحث أنصاره وتلامذته على الاهتمام بهذا الجانب- خاصة بشراء ما أمكن من الأراضي الزراعية عن المعمرين، وهي أراضي كانت سلبت من أجدادنا، وبإنشاء تعاونيات بين التجار والحرفيين- واستطاع في الأربعينات أن يدفع تجار القطر الجزائري الكبار إلى إنشاء شركة كبيرة تواجه الاحتكارات الاستعمارية آنذاك (13).

شخصية الإبراهيمي:
لقد سمعت الشيخ العربي التبسي (14) - رحمه الله- يردّد في كثير من مجالسه: "إن الإبراهيمي فلتة من فلتات الزمان، وأن العظمة أصلٌ في طبعه ". والعظمة الحقيقية- في رأيي-
__________
11) "آثار الإمام الإبراهيمي"، ج1، - صلى الله عليه وسلم - 374.
12) "آثار الإمام الإبراهيمي"، ج2، - صلى الله عليه وسلم - 126 و 129.
13) هي شركة "آمال" التي تأسست سنة 1947.
14) كان نائب الإبراهيمي في رئاسة جمعية العلماء.
(1/16)

تكمن في القلب. والحقيقة إن الإبراهيمي كان عظيمًا بعقله ووجدانه، بقلبه ولسانه، فكل من تقلب في أعطافه نال من ألطافه، فالقريب والرفيق والسائل والمحروم والمريد والتلميذ يجد فيه الأب الشفيق والأخ الصديق، الذي لا يبخل بجهده وجاهه وماله- وإن قل- لتفريج الكروب وتهوين الخطوب، وما تقربت منه إلا ملك قلبك بحلمه، وغمر نفسك بكرمه، قبل أن يشغل عقلك بعلمه، ويسحر لبّك بقلمه، وكانت الخصال البارزة فيه الإيثار والحلم والوفاء.
وفي تحديد هذه الشخصية يقول أحد رفاقه، الأستاذ أحمد توفيق المدني- رحمه الله- عندما تبوأ كرسيه في مجمع اللغة العربية بالقاهرة: " … فتقدم الإبراهيمي الأمين يحمل الراية باليمين، لا يأبه للمكائد ولا للسجون ولا يبالي بالمنافي في الفيافي، بل دخل المعمعة بقلب أسد وفكر أسدّ، ووضع في ميزان القوى المتشاكسة يومئذ تدك الصفات التي أودعها الله فيه:
- علمًا غزيرًا فيّاضًا متعدد النواحي، عميق الجذور.
- وإطلاعًا واسعًا عريضًا يُخيّل إليك أن معلومات الدنيا قد جُمِعَت عنده.
- وحافظة نادرة عزّ نظيرها.
- وذاكرة مرنة طيّعة جعلت صاحبها أشبه ما يكون بالعقل (الإلكتروني).
- .. كدائرة معارف جامعة سهلة التناول من علوم الدين التي بلغ فيها مرتبة الاجتهاد بحق، إلى علوم الدنيا مهما تباينت واختلفت، إلى شتى أنواع الأدبين القديم والحديث بين منظوم ومنثور، إلى تاريخ الرجال والأمم والدول، إلى أفكار الفلاسفة والحكماء من كل عصر ومصر، إلى بدائع الملح والطرائف والنكت، كل ذلك انسجم مع ذكاء وقّاد، ونظرات نافذة، تخترق أعماق النفوس وأعماق الأشياء.
- وفصاحة في اللسان، وروعة في البيان، وإلمام شامل بلغة العرب، لا تخفى عليه منها خافية، وملكة في التعبير مدهشة، جعلته يستطيع معالجة أي موضوع ارتجالًا على البديهة، إما نثرًا أو نظمًا …
- ودراية كاملة بجميع ما في الوطن الجزائري، يحدثك حديث العليم الخبير عن أصول سكانه وقبائله، وأنسابه ولهجاته، وعادات كل ناحية منه، وأخلاقها، وتقاليدها، وأساطيرها الشعبية، وأمثالها، وإمكاناتها الاقتصادية، وثرواتها الطبيعية ..
- كل ذلك قد توّج بإيمان صادق، وعزيمة لا تلين، وذهن جبّار، منظّم، يخطط عن وعي، وينفّذ عن حكمة، وقوة دائبة على العمل، لا تعرف الكلل ولا الملل.
هذا هو البطل الذي اندفعنا تحت قيادته الموفقة الملهمة نخوض معركة الحياة التي أعادت لشعبنا بعد كفاح طويل لسانه الفصيح، ودينه الصحيح، وقوميته الواعية الهادفة " (15).
__________
15) مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، عدد 24، يناير 1969.
(1/17)

وتتجلى شخصية الإبراهيمي كذلك في ثقافته، إذ لم يكن عالما بالمعنى المعروف عن معظم علماء الدين التقليديين، بل كان عالما شاملا تعمق في كثير من فنون العلم والمعرفة، بالإضافة إلى علوم الدين، توّج ذلك كله ذكاؤه وموهبته الخارقة في سرعة الاستيعاب والاستنباط والاجتهاد، وتوظيف ذلك كله لخدمة الإسلام والوطن والأمة، مما أهّله لتَبَوُّإِ سدة الريادة والقيادة، وقد تحدث أحد تلامذته، الأستاذ عبد المجيد مزيان عن ثقافته فقال:
"ونشهد كما عرفناه، نحن تلامذته- أنه كان من أعلم أهل عصره بالعلوم الإسلامية والعربية، كان إمامًا لا نظير له في علوم الحديث، وكانت نيته أن ينشئ مدرسة مغربية للحديث، لو ترك له النضال الفاتك بوقته قليلا من الوقت، وقد أنشأ مدرسة «دار الحديث» لهذا الغرض البعيد الأهداف …
… وكان مفسّرًا للقرآن في دروس عمومية ودروس للطلبة الخواص، أتى فيها بإبداعات سجلتها عنه ذاكرة الرجال، ولو لم تجمعها المكتوبات، وكان معلما للتاريخ الإسلامي ببراعة تحليل وسعة نظر، يتطرق إلى فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والأخلاق لينير التاريخ بمنظار الفكر الإسلامي والالتزام الأخلاقي الذي تدعو إليه النهضة الثقافية والإصلاح، وكان أستاذًا في اللغة والآداب العربية، يجمع بين الأصيل والجديد، وإن كان في أسلوبه الخطابي معجبًا بروائع البلاغة العربية، متعشقًا لآثار الفطاحل المبدعين في العصور النيّرة من الجاحظ إلى ابن خلدون.
وكان مع هذا كله قدوة في سهولة المعاملة والاتصال، بشوشًا مَرِحًا في مجالسه، واسع الصدر في ممارسة المسؤوليات متفجر الحيوية في أنشطته الثقافية، كاتبًا وخطيبًا، وصحافيًا وأستاذًا وإمامًا" (16).
وتميز الإبراهيمي- أيضًا- بثقافة عصرية اكتشفتها شخصيًا عندما سألني في إحدى ليالي عام 1948 - وأنا بقسم الفلسفة في خاتمة تعليمي الثانوي- عن آخر درس تلقيته في علم النفس، فأخذ رأس الموضوع وشرح لي آراء وليم جامس ( William James) أحد مؤسسي المذهب العملي (البراجماتي)، وتحدث عن كثير من مفكري الغرب، ممن لم أكن سمعت بهم قبل ذلك اليوم مثل داروين ( darwin) وجون لوك ( john Locke) وجون ستيوارت ميل ( john s. mill) الخ. كما أوضح لي مساهمة العلماء المسلمين في كثير من الجوانب.
وتتجلى شخصية الإبراهيمي في موقفه من الوظيف وتركيزه على حرية العالم الديني والمثقف حتى يستطيع القيام بواجبه لأنه كان يرى أنه "لا توجد في الإسلام وظيفة أشرف قدرًا، وأرحب أفقًا وأثقل تبعة وأوثق عهدًا وأعظم أجرًا عند الله من وظيفة العالم
__________
16) مجلة "الثقافة"، الجزائر، عدد 87، مايو 1985، [ص: 8].
(1/18)

الديني" (17)، وقد قام بهذه "الوظيفة" أحسن قيام في جميع مراحل حياته، مما جعله يرفض رفضا قاطعا كل العروض التي تقدمت بها السلطات الفرنسية لمناصب متعددة، معتبرا الوظيفة عند الحكومة رقًا، وأن ولاء العالم الديني للقرآن لا للسلطان، وأن ولاء المثقف للحكمة لا للحاكم. فبعد عودته إلى وطنه من رحلته المشرقية الأولى في العشرينات كانت الأمية سمة الأغلبية الساحقة من المجتمع الجزائري، وكانت هناك أقلية- لا تتعدى المئات- يمكن أن نطلق عليها اسم الطبقة المثقفة، وكانت هذه الطبقة تعيش بالوظيف: فالمثقف بالفرنسية معلم ابتدائي أو موظف بالبلدية، والمثقف بالعربية إما مُفْتٍ، أو إمام، أو قاضٍ، وكلهم يتقاضون مرتبات من الحكومة الفرنسية، وضمن هذه الأقلية هناك أفراد رفضوا الوظيف، منهم الإبراهيمي الذي عرض عليه منصب الإفتاء في مدينة سطيف في العشرينات، ثم منصب الإفتاء بمدينة بجاية سنة 1931 (18)، وفي بداية الحرب العالمية الثانية أعادت الحكومة الفرنسية الكرة وعرضت عليه إنشاء منصب "شيخ الإسلام" بالجزائر وبإسناده إليه إن قبل إلقاء أحاديث إذاعية تأييدا لفرنسا ضد ألمانيا، فرفض، وكلفه ذلك النفي ثلاث سنوات بقرية آفلو.
وأشهد أنني عندما نجحت في امتحان البكالوريا سنة 1949، استشرت والدي عن نوعية الدراسة العليا التي ينصحني باتباعها، فقال لي- رحمه الله: اختر ما شئت، شريطة أن تمارس مهنة حرة، وألا تصبح موظفا عند الحكومة الفرنسية. وعندما أخبرته أنني سجلت في كلية الطب أهداني نسخة نادرة من "القانون في الطب" لابن سينا قائلا: هذا نموذج من مساهمة أجدادك في علم سوف تخوض غماره.
وحتى إذا كان الحاكم من بني جنسه ودينه كان الإبراهيمي يؤمن أن الكلمة أثمن من أي سلاح، وأن مهمة الفكر هي إيقاظ ضمير الدولة لا خدمة رِكابها، وأن علاقة المثقف بالسلطة لا يمكن أن تكون علاقة ولاء. وهكذا- في رحلته المشرقية الأولى- طلب منه الملك فيصل بن الحسين بدمشق أن يتولى إدارة معارف الحجاز فرفض وفضّل العودة إلى الوطن (19).
وهكذا إبّان حرب التحرير الجزائرية (1954 - 1962) أعلن تأييده للثورة فور اندلاعها قبل كل الشخصيات المعروفة آنذاك، ثم قدّم خدمات جليلة للثورة، داعيًا إليها، منوّهًا بعظمتها، مطالبًا الدول الإسلامية بدعمها بالمال والسلاح والدبلوماسية (20). ولكن عندما
__________
17) آثار الإمام الإبراهيمي، "وظيفة علماء الدين"، ج 4، - صلى الله عليه وسلم - 109.
18) محمد الصالح الصديق: مجلة الثقافة، الجزائر، عدد 87، مايو 1985، - صلى الله عليه وسلم - 365.
19) آثار الإمام الإبراهيمي، ج 5، - صلى الله عليه وسلم - 166.
20) آثار الإمام الإبراهيمي، ج 5، وأغلب ما احتوى عليه الجزء الخامس من آثار الإمام في خدمة الثورة التحريرية بالجزائر.
(1/19)

اقتضى الأمر لم يتردد في نصح المجاهدين باحترام شرعة الحرب في الإسلام (21).
وهكذا- في الجزائر المستقلة- تعرض للإقصاء والتهميش لأنه رفض أن ينحاز إلى تيار ضد تيار داخل الثورة، وأن يتحول إلى بوق للنظام الحاكم، وبقي محتفظا باستقلال الرأي وصراحة الخلق، فأصدر- وهو على فراش المرض- بيانه الشهير يوم 16 أفريل 1964 (22)، حين رأى سياسة السلطة تبتعد عن الإسلام، وتؤدي إلى الحرب الأهلية وتهدد وحدة البلاد واستقرارها.

الأقانيم الثلاثة في حياة الإبراهيمي وآثاره:
إذا أردت أن تختصر رسالة الإبراهيمي في كلمات، فهذه الكلمات هي: الإسلام والعروبة والجزائر.
- الإسلام: انطلاقا من أن الإسلام الصحيح هو عماد مشروعه النهضوي، فقد كرس الإبراهيمي حياته لغرسه في نفوس الأطفال (عبر المدارس)، وتقويته في قلوب الشباب (عبر النوادي)، وإنعاش عقول الكهول به (عبر المساجد)، حتى تصبح الأمة متماسكة البناء، متضامنة الأعضاء، وتستطيع هكذا الخروج من الانحطاط الضارب، وإخراج المحتل الغاصب، فـ "الإسلام هو دين التحرير، وهو النبأ الذي كان أصحاب الأرواح الصافية يترقبونه، وهو الأمنية التي كانت تملأ نفوس الأصفياء المصطفين الأخيار من عباد الله ثم ماتوا قبل أن تتحقق.
نقول: إن الإسلام هو (دين التحرير العام). فنرسل هذا الوصف إرسالا بدون تحفظ ولا استثناء، لأنه الحق الذي قامت شواهده، وتواترت بيناته، ومن شواهده وشهوده تلك الأجيال التي صحبت محمدا وآمنت به، واتبعت النور الذي أنزل معه، ثم الذين صحبوهم، ثم الذين اتبعوهم بإحسان …
والتحرير الذي جاء به الإسلام شامل لكل ما تقوم به الحياة وتصلح عليه المعاني والأشخاص، والدين الإسلامي لا يفهم التحرير بالمعنى الضيق؛ وإنما يفهمه على أنه إطلاق من كل تقييد، أو تعديل لوضع منحرف، أو إنصاف لضعيف من قوي، أو نقل شيء من غير نصابه إلى نصابه " (23).

- العروبة: يركز الإمام في كتاباته ومحاضراته كثيرا على العروبة واللغة العربية، وذلك لعدة أسباب منها: أن العرب من أعرق الأمم في التاريخ، وأنهم من أكثرها
__________
21) نفس المصدر، - صلى الله عليه وسلم - 92 - 94.
22) نفس المصدر، - صلى الله عليه وسلم - 317.
23) ج 4، - صلى الله عليه وسلم - 357 و 358.
(1/20)

محافظة على الفطرة الإنسانية، يشيع ذلك في أمثالهم، وأخلاقهم، وآدابهم، ولأن الله كرمهم باختيار آخر أنبيائه وخاتم رسله منهم، ولأن فرنسا عملت طيلة وجودها بالجزائر على تحقير العروبة وتقليل شأنها في أعين الجزائريين لسلخهم منها وإبعادهم عنها، يقول الإمام الإبراهيمي: "إن العروبة جذم بشري من أرسخها عرقا، وأطيبها عذقا، عرفت التاريخ باديا وحاضرا، وعرف فيه الحكمة والنبوة، وعرفته الفطرة لأول عهودها فتبنته صغيرا وحالفته كبيرا … وإن العربية هي لسان العروبة، الناطق بأمجادها، الناشر لمفاخرها وحكمها، فكل مُدّعٍ للعروبة فشاهده لسانه، وكل معتز بالعروبة ذليل إلا أن تُمِدُّه هذه المضغة اللينة بالنصر والتأييد … إن الشعب الجزائري فرع باسق من تلك الدوحة الفينانة، وزهرة عبقة من تلك الروضة الغنّاء، عدَت عليه عوادي الدهر، فنسي مجد العروبة، ولكنه لم ينس أبوّتها، وابتلاه الاستعمار- عن قصد- بالبلبلة فانحرفت فيه الحروف عن مخارجها إلا الضاد" (24).
- الجزائر: يؤمن الإبراهيمي أن أوطان الإسلام كلها وطن المسلم، ولكنه لا ينكر الفطرة ولا يعاكسها في حنينها إلى مسقط الرأس وشوقها إلى مرابع الصبا والشباب، لذلك كانت الجزائر شغل خواطره، ونجوى سرائره، لأنها حازت الحُسْنَ كله فكانت "جَمْعًا" وكان غيرها "مفردات"، فلا عجب- إذًا- أن يلقى الأذى في سبيلها لذيذًا، والعذاب عَذْبًا، والنّصب راحة، والحياة لها سعادة، والموت من أجلها شهادة رغم أنه لم يملك من أرضها شبرًا، وقد لا يحوز في ثراها قبرًا. "إنه يعتقد أن في كل جزيرة قطعة من الحُسن وفيك الحسن جميعه، لذلك كُنَّ مفردات وكنت جَمْعًا، فإذا قالوا: "الجزائر الخالدات" رجعنا فيك إلى توحيد الصفة وقلنا "الجزائر الخالدة "، وليس بمستنكر أن تُجْمَعَ الجزائر كلها في واحدة … ويمينًا لو تبرجت لي المواطن في حُللها، وتطامنت لي الجبال بقُلَلِها، لتَفْتِنني عنك لما رأيت لك عديلا، ولا اتخذت بك بديلا … " (25).
ولعلّ مقاله "تحيّة غائب كالآيب" من أبلغ ما كُتب في حبّ الوطن.

هذه الطبعة الجديدة:
وفي الختام أتقدم بالشكر إلى كل من ساعدني على إخراج هذه الطبعة الجديدة، وأخص بالذكر:
__________
24) ج 3، - صلى الله عليه وسلم - 57.
25) ج 4، - صلى الله عليه وسلم - 183 و184.
(1/21)

- الأخوين محمد خمار ومحمد الهادي الحسَني اللذين ساعداني في جميع مراحل إعدادها: جمع النصوص المطبوعة، قراءة النصوص المخطوطة، التصحيح وإعادة التصحيح، وضع الفهارس.
- الأستاذ سعد القاضي من مصر الذي قدم لي منذ عشرين سنة هدية ثمينة تتمثل في تسجيلات الأحاديث التي ألقاها الوالد بإذاعة "صوت العرب"، سنة 1955، والتي لم نجد لها نصا مكتوبا.
- الأستاذ الحبيب شيبوب من تونس الذي أرشدني إلى بعض النصوص لم تظهر في الطبعة الأولى، وهو الذي يحفظ كثيرا من آثار الوالد.
كما أتقدم بالشكر إلى الإخوة رفقاء الوالد وتلامذته الذين اتفقت رغبتهم مع رغبتي في تقديم هذه الآثار:
- الأستاذ عبد الرحمن شيبان الذي قدم الجزء الثاني.
- الدكتور أبي القاسم سعد الله الذي قدم الجزء الخامس.
- الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- الذي وعد بتقديم الجزء الرابع، ولكن حالت المنية دون الأمنية، فاخترت مقالًا كان كتبه عن الوالد سنة 1985، ليكون مقدمة للجزء الرابع.
- الشيخ أحمد سحنون الذي وعد بتقديم الجزء الثالث، ولكن حادثًا أليمًا حال دون ذلك.
- الدكتور عبد الرزاق قسوم الذي قدم الجزء الثالث، وهو من تلامذة تلامذة الوالد، ومغزى اختياره هو تواصل رسالة الإبراهيمي في الأجيال المتلاحقة.
- وقد طلبت من الأستاذ محمد الهادي الحَسَني أن يفتتح كل جزء بتوطئة عن "السياق التاريخي" للجزء، حتى لا يحكم القارئ على فترة معينة بعقلية اليوم ومقاييسه.
- الأستاذ الحبيب اللمسي، الذي أبى إلا أن يكون اسم " محمد البشير الإبراهيمي" ضمن قائمة مؤلفي "دار الغرب الإسلامي"، فله أسمى عبارات التقدير والامتنان، لما أحيى من تراث الغرب الإسلامي، ولما عرف بأعلام الغرب الإسلامي.
وقد استغرق العمل في تحضير هذه الطبعة الجديدة عامين كاملين، ولا أدعى له الكمال، بل أنا على يقين أن هناك مخطوطات وتسجيلات ومراسلات وحتى مطبوعات في كثير من أنحاء العالم الإسلامي لم نهتد إليها، لذا أغتنم هذه الفرصة لأوجه نداء لكل من يملك شيئا من هذا القبيل أن يوافينا بصورة منه حتى تكون الطبعة القادمة لـ"آثار الإمام الإبراهيمي" أوسع وأنفع.
(1/22)

ويلاحظ القارئ أنني أدرجت بعض رسائل الإبراهيمي في هذه "الآثار" وكان من المنطقي، وكان من المفروض أن يخصص جزء منها لرسائله، ولكنني- مع الأسف- لم أعثر على أهم رسائله التي اطلعت على كثير منها في ظروف لا بد أن أشير إليها.
في سنة 1948، اقتنى الوالد- رحمه الله- آلة كاتبة، ولعلها أول آلة راقنة بالعربية دخلت الجزائر، وهي من نوع olivetti، وطلب مني أن أتعلم الرقن، وصار في كل ليلة- بعد أن ينام أفراد الأسرة- يملي علي رسائله، وهكذا من 1948 إلى 1951 أملى علي مئات الرسائل، كانت في البداية مقتصرة على أصدقائه: محمد نصيف بجدة، تقي الدين الهلالي ببغداد، محمد بهجة البيطار بدمشق. إبراهيم الكتّاني بالمغرب الأقصى، ثم كثر المراسلون بعد انتشار جريدة "البصائر" في أنحاء العالم، وأذكر من بين هؤلاء: عبد اللطيف دراز بالقاهرة، عبد الكريم جرمانوس بالمجر، بعض أدباء المهجر بالبرازيل. وما زلت أذكر رسائل إلى مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر، وطه حسين وزير المعارف سنة 1950 بعد أن قررت مصر فتح مركز ثقافي بالجزائر ثم تراجعت أمام ضغوط فرنسية.
من خلال هذه الآثار، ومسيرة الإبراهيمي تتجلى للقارئ صورة واضحة عن تاريخ الجزائر الحديث من ليل طويل للاستعمار الذي استولى على الأرض، وأراد استعباد أهلها، واقتلاعهم من جذورهم الضاربة في أعماق التاريخ، إلى تصدي الحركة الوطنية- وجمعية العلماء جزء منها- لتلك الممارسات وامتداداتها، من طرقية تشجع الشعوذة والخرافات، والإلحاد والتبشير والاستشراق، والمسخ الثقافي الخ … فهناك تلازم بين حياة الإبراهيمي ونضال الشعب الجزائري، بلغ أقصى درجات تفاعله الإيجابي في اللحظات الأولى لاندلاع الثورة المسلحة المباركة سنة 1954، حين حث الإبراهيمي من القاهرة أبناء وطنه على احتضان هذه الثورة والانضمام إليها، باعتبارها تتويجا لمرحلة طويلة من الإعداد المادي والمعنوي للشعب الجزائري.
كان الإبراهيمي- طيب الله ثراه- يدرك في أعماقه أن الاستقلال آت لا محالة، متى هانت التضحيات في سبيله، وكان يدرك أن هذا الاستقلال لن يكون سوى مرحلة في صراعنا الحضاري ضد قوى الاستعمار في مختلف أشكاله، أي أن أبناء الجزائر مطالبون بالإبقاء على تلك الجذوة الروحية حية في صدورهم، لأنها تعطي لحياتهم معنى، وتجعل لوجودهم عنوانا … وكان يحلم بذلك المجتمع الذي يضمن لكل أبنائه العفاف والكفاف، ويجمع في انطلاقته نحو المستقبل بين الأصالة والمعاصرة، بما تعنيانه من اعتزاز بمقوّمات الشخصية الوطنية، وأخذ سبيل العلم على مدارج الرقي والتقدّم.

الجزائر في الفاتح من نوفمبر 1996.

أحمد طالب الإبراهيمي
(1/23)

السياق التاريخي (1929 - 1940)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن مثل العلماء العاملين المصلحين كمثل الماء المعين؛ هذا يسوقه الله إلى الأرض الجرز فتهتز بعد همود، وتربو بعد جمود، فتنبت ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأولئك يبعثهم الله في أمتهم فيؤذنون فيها فتستيقظ بعد رقود، وتتحرك بعد ركود، وتنهض بعد قعود، وتنشط بعد خمود، وترشد بعد غواية، وتتآلف بعد تخالف، وتتعارف بعد تناكر، وتتصالح بعد تدابر، وتنسجم بعد تنافر، وتتوحد بعد تفرق، وتلتئم بعد تمزق، وتتخلق بعد انحلال، وتنتظم بعد اختلال، وتصح بعد اعتلال، وتهتدي بعد ضلال. وتتذكر بعد نسيان، وتتآخى بعد عدوان.
لقد كان الناظر إلى الشعب الجزائري- قبل أن يؤدن فيه العلماء المصلحون- يحسبه يقظا وهو راقد، متحركا وهو هامد، نشطا وهو خامد، حيا وهو جامد، متحدا وهو متفرق، مهتديا وهو ضال، ذاكرا وهو ناس، واعيا وهو غافل، شاهدا وهو غائب. وقد استمر على تلك الحال حينا من الدهر حتى بعث الله- عز وجل- فيه أئمة راسخين في العلم مخلصين في العمل، أمارين بالمعروف، نهائين عن المنكر، فدعوه إلى الخير فأقبل، ونادوه إلى الكرامة فاستجاب، وعلموه من حقائق الدنيا والدين ما لم يكن له به علم، فاتخذ إلى ربه سبيلا، فأولئك "العلماء هم الذين أيقظوا الرأي العام من سباته" (1) و"إن مجددي فكرة الوطن الجزائري هم بالأحرى هؤلاء الذين أسسوا جمعية العلماء، أي الشيخ عبد الحميد بن باديس وأشد أتباعه حماسة كالشيخ الإبراهيمي " (2)، و " ان ما قدمه العلماء لإثارة إحساس
__________
1) شارل أندري جوليان: افريقيا الشمالية تسير. تعريب: المنجى سليم وآخرين، الجزائر: الشركة الوطنبة للنشر والتوزيع، تونس: الدار التونسية للنشر، 1976، - صلى الله عليه وسلم - 133.
2 محمود قاسم: الإمام عبد الحميد بن باديس، الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية، القاهرة، دار المعارف، 1968، ص28، وهو ينقل عن lacouture في كتابه 5 hommes.
(1/25)

الجزائريين بالوعي الديني والقومي يفوق ما قدمه غيرهم " (3).
لقد كان الإمام محمد البشير الإبراهيمي "فخر علماء الجزائر" (4) - كما وصفه الإمام ابن باديس- في الصف الأول من أولئك العلماء الذين أذنوا في الشعب الجزائري لينهض من سباته، ويأخذ للحياة سلاحها، ويخوض الخطوب لاسترجاع حقوقه، واستعادة استقلاله، والثأر لكرامته.
لا يهون على ذوي المروءة والشمم وأصحاب الكرامة والهمم الانتقال من يسر المعيشة إلى ضنكها، ومن الحرية إلى عكسها إلا هدف سام وغاية نبيلة ومبدأ شريف؛ وذلك هو مثل الإمام الإبراهيمي الذي ترك دمشق- عام 1920 - حيث هناءة العيش، واطمئنان الجنب، والوجاهة الاجتماعية، والصدارة العلمية، والحرية النسبية، وعاد إلى الجزائر وهو يعلم أن سيكون في سموم وحميم وظل من يحموم الاستعمار الفرنسي.
لم يرجع الإمام الإبراهيمي ليتفرج على محنة قومه، ويذرف الدمع على مأساة وطنه، ولكنه رجع ليخوض معركة إحقاق حق الجزائر وإزهاق باطل فرنسا، مهما يكلفه ذلك من أتعاب، ويصبه من أوصاب، وينله من عذاب. وقد قدر الإمام ابن باديس لأخيه الإمام الإبراهيمي هذه الوطنية السامية والتضحية الغالية فسارع إلى لقائه بتونس، معبرا بذلك عن حبوره بعودته وسروره برجوعه (5)
استقر الإمام الإبراهيمي بنواحي سطيف، وكان على يقين أنه مراقب من السلطات الفرنسية، فكان يتحرك بحذر، ويعمل بحكمة، ويتصرف ببصيرة حتى لا يعطي أي مبرر لتلك السلطات لتبطش به، وتجهض مشروعه، خاصة وأن الجزائر كانت محكومة ببقية من قانون "الأنديجينا" الفظيع الذي يعطي الحق لأبسط موظف فرنسي أن يبطش بأي جزائري، ويسلط عليه ما شاء له الهوى من تعذيب أو تغريم أو سجن أو نفي.
كان الإمام الإبراهيمي يراقب الأوضاع ويتحسس درجة الوعي عند مختلف فئات الشعب، وكان يتنقل في البلاد تحصيلا لرزق عياله، واتصالا بشرائح الشعب في المناسبات الاجتماعية والدينية، ولم تنقطع الاتصالات بينه وبين الإمام عبد الحميد بن باديس، فيتبادلان الآراء، ويناقشان المستجدات. وقد ساعد الإمام الإبراهيمي على الحركة عدم
__________
3) , Alistair Horne: Histoire de la guerre d'Algérie. Traduit de l'anglais par Yves du Guerny 39. Paris, Albin Michel, 1980, p39
4) آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، الجزائر، وزارة الشؤون الدينية، 1994، ج 6، - صلى الله عليه وسلم - 136. ومن المعلوم أن قيمة الوصف والموصوف تعرف من قيمة الواصف.
5) انظر مقال "الاستعمار الفرنسي في الجزائر" ومقال: "خلاصة حياتي العلمية والعملية" في الجزء الخامس من هذه الآثار.
(1/26)

ارتباطه بأية وظيفة، كما ساعده عدمُ انتمائه إلى أية هيئة على اتساع مجال رؤيته وحرية تفكيره. ومن الأدلة على حرص الإمام على أن يكون على بيّنة من الأمور- حتى لا يقفو ما ليس له به علم- حضوره - سنة 1921 - إحدى جلسات المجلس المالي (6) بمدينة الجزائر.
إن ذلك الاحتكاك بفئات الشعب المختلفة، وذلك الاطلاع على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية في الجزائر، ومعرفة الأحوال النفسية المهيمنة على أفراد المجتمع؛ كلّ ذلك جعل الإمام الإبراهيمي يرى الوقت غير مناسب لتأسيس "جمعية الإخاء العلمي" التي اقترح الإمام ابن باديس تأسيسها سنة 1924 "لأن استعدادنا لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد" (7)، رغم اقتناعه بجدواها.
إنَّ أهمَّ ما استخلصه الإمامُ الإبراهيمي من ملاحظاته للأوضاع ودراسته لنفسية الشعب الجزائري أنه- الشعب- محكومٌ "بعالَم الأشخاص"- بتعبير الأستاذ مالك بن نبي، فقد كان متعلقًا برجال السياسة لا ببرامجهم وأفكارهم، وكان في الميدان الديني متعلقًا بشيوخ الطرق الصوفية ولو شَرعوا له من الدين ما لم يأذن به الله فمَثَلُ الشعب الجزائري في ذلك العهد كَمَثَل الجاهليين الذين قال قائل يصفهم:
لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ … فِي النَّائِبَاتِ عَلى مَا قَالَ بُرْهَانَا
أكدت الملاحظة الدقيقة والدراسة المتأنية للإمام الإبراهيمي ما كان مقتنعًا به من أن الأمة غير المُهَيَّأة لا تتقبل الصالح من الأفكار، كما لا تُنبت الأرض غير المستصلحة الجيِّدَ من البذور، ولا تخرج الطيبَ من الأثمار. وكان مقتنعًا أنه لا شيء يهيئ الأمة للأعمال الجليلة ويُعدُّها للمشروعات العظيمة كنشر العلم، الذي يمحو الجهل، ويطرد الخرافة، ويحرّر العقل، وينجح العمل، ويزكي النفس.
من أجل ذلك سعى الإمام الإبراهيمي إلى إحداث حركة تعليمية بمدينة سطيف، فتمكَّن من فتح مدرسة "لتنشئة طائفة من الشبان نشأة خاصة، وتمرينهم على الخطابة والكتابة وقيادة الجماهير بعد تزويدهم بالغذاء الضروري من العلم " (8).
__________
6) هو أعلى المجالس الفرنسية في الجزائر من سنة 1900 إلى سنة. ثُلُثا أعضائه فرنسيون وثُلُث من الجزائريين، وهذا المجلس هو الذي يشرف على ميزانية الجزائر ويوزعها بكيفية لا يستفيد منها إلا الأوربيون. وعن حضور الإمام الإبراهيمي جلسة هذا المجلس، انظر مقال "الاستعمار الفرنسي في الجزائر" في الجزء الخامس من هذه الآثار.
7) انظر مقال "فلسفة جمعية العلماء" في هذا الجزء من الآثار.
8) انظر مقال: "خلاصة حياتي العلمية والعملية " في الجزء الخامس من هذه الآثار.
(1/27)

وقد تقبل أولو العلم وأهل النُّهى هذا العمل بقبول حسن، واستبشروا به خيرًا، وهنَّأوا مدينة سطيف وأهلها بما مَنَّ الله عليهم، إذْ بَعَث فيهم عالِمًا من أنفسهم، عزيز عليه ما عنتوا، حريصٌ عليهم، وحثُّوهُم على الالتفاف حوله لاستفادة مما آتاه الله من العلم والحكمة. وقد حفظ لنا التاريخ شيئًا من ذلك، حيث نشر الأستاذ عبد الحميد معيزة (1893 - 1927) قصيدة سجَّل فيها ملامح من تلك الحركة ومعالم من ذلك العمل فقال:

سطيف لكِ البشرى فطيري سرورا … وجاري إذا شئتِ الدراري نورا
فهذا (بشير) العلم ألقى بك العصى … فبري به جارًا، وسري مجيرا
لنشر علوم الدين قام مشمرا … بعزمة صدق لا تلاقي فتورا
إذا شئتَ علوم الأولين فأمَّه … فسَلْ بعلوم الأولين خبيرا
(موطَّأٌ) كما شاء الإمام مهذب … وحكمة لقمان تفيض غزيرا
وتفسير قرآن ستنفخ روحه … فتبعث في كل البرايا نشورا
وإذا أردت البحث في علم عصرنا … تجده بكُنه الكهرباء بصيرا
نعم، حل في أرجائك الفيح ناصح … أمين، فزيدي يا سطيف شعورا
وأذَّن في الأرواح والقوم نُوَّمٌ … وقد خيّم الجهل المميت دهورا

ويحضّ الأستاذ معيزة الناس على الإقبال على الإمام لنيل المعارف التي تمحو الجهل وتنير العقول كما تمحو آية النهار غَسَق الليل، فيقول:

أقول لقومي حين شاهدت درسه … مقالاً يعيه العارفون خطيرا
هلموا إلى نيل المعارف والعلى … فقد أسفر الصبح المنير سفورا

وأنهى الأستاذ معيزة قصيدته بحثِّ الإمام الإبراهيمي على الصبر على ما يعترضه من عواثير، مبشرًا إياه بالفوز والنُّجْحِ:

فيا أيها الشهم الذي شاع ذكره … فأنجد في كل البلاد ظهورا
تصبَّر إذا ما الأمر صعب فإنما … يلاقي نجاحًا من يكون صبورا
وداوم على هدي، وكن خير مرشد … ستحظى بفوز المصلحين أخيرا (9)
__________
9) جريدة "النجاح"، عدد 144، قسنطينة: 1924/ 2/1، وقد صدرت القصيدة بهذا التعليق: "ونحن بمعرفتنا لهذا العلامة نتحقق أن بلاد سطيف المتعطشة للعلوم العربية سيكون لها شأن في ميدان العلم والأدب. وكيف لا والشيخ البشير من النبغاء المحرزين على إجازات علمية من مشائخ الأزهر الشريف، فعسانا نرى من رجال سطيف وضواحيها إسعافاً وتأييدًا لهذا المبدإ الحسن والعمل المبرور حتى ينتشلوا أبناءهم من مصائب الجهل، والنوايا في أولئك الفضلاء حسنة".
(1/28)

ولم يكن الأستاذ عبد الحميد معيزة هو الوحيد الذي أشاد بجهود الإمام الإبراهيمي في هذه الفترة بسطيف؛ بل كانت الإشادة بجهوده واسعة، وكان الاعتراف بفضله كبيرًا، شارك في ذلك ثلة من الأدباء والعلماء منهم محمد بن الحاج إبراهيم السطيفي، وأحمد الغزالي، ومحمد الموهوب. ومما جاء في قصيدة الشيخ محمد بن الحاج إبراهيم السطيفي:

بني وطني عوجُوا نحو سطيفكم … وحيوا (بشيرا) في الصباح وفي المسا
(بشير) ينادي رافع الصوت جهرة … يقول: هلموا نَجْبُر الصدع والأسا (10)

وبعد بضع سنين تمكن الإمامُ من تأسيس مسجد ببلدة رأس الوادي، ودعا - لافتتاحه - الإمام ابن باديس، الذي أشار إلى أن الأستاذ الإبراهيمي ألقى خطابًا عظيمًا (11)، ثم تعزز المشروعان- مدرسة سطيف ومسجد رأس الوادي- بمشروع ثالث سنة 1931 وهو مسجد كبير بمدينة سطيف (12). وبالرغم من أننا لم نعثر- حتى الآن- على أخبار بتأسيس مشروعات أخرى قبل تأسيس جمعية العلماء، فليس مستبعدًا أن يكون الإمام الإبراهيمي قد أسس مساجد أو مدارس أخرى أو وجّه غيره إلى تأسيسها. وكم أهمل التاريخ من أعمال!
قد يقول قائل: وهل في فتح مدرسة أو تأسيس مسجد ما يدعو إلى هذا الاهتمام وإلى هذه الإشادة؟
لا ريب في أن هذا القائل- إن وُجِد- يجهل الوضع الذي كان سائدًا بالجزائر في ذلك العهد المظلم، فقد كان الفرنسيون يعتبرون فتح مدرسة أو تأسيس مسجد صغير أكبر جريمة، ويعتبرون مَن فعل ذلك أو دعا إليه قد جاء شيئًا إدًّا، لأن فيه عرقلة لهدفهم في الجزائر وهو الفَرْنسة والتنصير، ومَن عرف هذه الحقيقة اعترف. كما أن الأوضاع الإقتصادية المأساوية التي كان الشعب الجزائري ينوء تحتها- بسبب سياسة التفقير والتجويع التي سلّطها عليه الفرنسيون- تجعل من الصعب إقناعه بتقديم قليل مَوْجُوده لمثل هذه المشروعات، لأن في ذلك تحميله ما لا طاقة له به.
كانت الركبان والأخبار قد طيّرت اسم الإمام الإبراهيمي في آفاق الجزائر، وأذاعت رسوخه العلمي في أطرافها، فاختير سنة 1929 لرئاسة لجنة الاحتفال بذكرى الدكتور محمد ابن شنب بالجزائر العاصمة (13)، وهو اختيار له دلالته.
__________
10) جريدة "النجاح"، عدد 145، في 1924/ 2/8. أما قصيدة الشيخ أحمد الغزالي فقد نشرت في عدد 146 من جريدة "النجاح" في1924/ 2/15. ونُشر تشطير محمد الموهوب لقصيدة الأستاذ معيزة في عدد 149 من جريدة "النجاح".
11) مجلة " الشهاب"، جزء1، مجلد6، قسنطينة، فبراير1930.
12) انظر مقال " افتتاح مسجد سطيف " في هذا الجزء من الآثار.
13) مجلة " الشهاب" جزء3 مجلد5، قسنطينة، أبريل1929.
(1/29)

لا شك أنه روعي في هذا الاصطفاء قيمة المحتَفَل بذكراه، فهو ليس شخصًا عاديًا، ولكنه شخصية علمية عالمية، فهو أستاذ بجامعة الجزائر، وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق، ومحاضر بالمؤتمرات العلمية العالمية، ومحرّر كثير من مواد دائرة المعارف الإسلامية، ومؤلف كثير من الكتب الأكاديمية، ومحقق عديد من المخطوطات القيّمة، فإسناد رئاسة الاحتفال بذكراه إلى الأستاذ الإبراهيمي - رغم كثرة تلامذة الدكتور وأصدقائه من أساتذة جامعة الجزائر وغيرها من المعاهد العليا- اعتراف بأنه كفُؤها القدير وجُذَيْلُها المحكك، وأنه "نابغة الشرق الجزائري، العبقري الفذ رسول البيان " (14).
ولا شك- أيضا- أن العلماء والأدباء الذين حضروا ذلك الاحتفال سمعوا من الإبراهيمي أروع مما سمعوا عنه، فأكبروه، وقَدَرُوهُ حق قدره، وهو ما دعا المشرفين على نادي الترقّي- وهو أهم نادٍ ثقافي وأدبي في الجزائر- إلى دعوته ليحاضر جمهوره وروّاده في موضوع "بيان فوائد الاجتماع " (15).
أعمى الطغيان أعين الفرنسيين، وأصمّ الاستكبار آذانهم، وران الحقد على قلوبهم، فأقاموا سنة1930 احتفالات ضخمة بمناسبة مرور قرن على احتلالهم الجزائر، وصرّحوا بأقوال وقاموا بأعمال جددت في نفوس الجزائريين آلامًا نُسِيَتْ، وفتقت جروحًا رُتقَتْ، وكانت اللازمة التي ردّدها الفرنسيون قبل تلك الاحتفالات وفي أثنائها وعقبها، هي أنهم لا يحتفلون بنصر عسكري حققوه؛ ولكنهم يحتفلون بالقضاء على الإسلام واللغة العربية في الجزائر التي أعادوها إلى النصرانية وريثة الوثنية الرومانية، وإلى الفرنسية وريثة اللغة اللاتينية. وقد لخّص كاردينال الجزائر ذلك كله بقوله: " إن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ وسيستمر إلى الأبد (16).
استغلت ثلة من علماء الجزائر، أيقاظ الشواعر، وأحياء الضمائر، وأصفياء البصائر تلك الاستفزازات الفرنسية ليُنَبّهوا الجزائريين إلى ما يُراد بهم من كيد، وما يُدبر لهم من مكر، وليُحْيوا في أنفسهم الأمل الدافع إلى العمل، ويقتلوا اليأس المميت للبأس. وتنادى أولئك العلماء إلى لقاء أثمر تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كانت بِدْعًا من الجمعيات، فأنارت الجزائر وأضاءت ما حولها، وبصّرت الجزائريين بما لم يبْصُروا به، وغيّرت ما بأنفسهم فغير الله - بعد حين- ما بهم، وتحوّلوا من "أَنْدِيجان"، (17) إلى شعب، ومن قبائل إلى أمّة.
__________
14) نفس المرجع.
15) انظر مقال "التعاون الاجتماعي" في هذا الجزء من الآثار.
16) د. محمد فتحي عثمان: "عبد الحميد بن باديس، رائد الحركة الإسلامية في الجزائر المعاصرة" الكويت، دار القلم، 1987، ص69.
17) كلمة فرنسية معناها "أَهْلي"، وكان الفرنسيون يطلقونها على الجزائريين احتقارًا لهم، وسخرية منهم، واستهزاء بهم.
(1/30)

وقد قام الإمام الإبراهيمي في ذلك الاجتماع التاريخي بدور فعّال، وبذل مجهودًا كبيرًا في أشغاله، وأسهم مساهمة نوعية في مناقشاته، فأبان علمًا، وأظهر حزمًا، وأبدى عزمًا، فَعُهِد إليه إعداد قانون الجمعية، فأعدّه بحكمة وبصيرة، فأكبره المؤتمرون، واعترفوا بفضله، فأسندوا إليه نيابة رئاسة الجمعية، فكان القوي الأمين.
رأت الجمعية أن توزّع كُبَراءها على مناطق البلاد الرئيسية للإشراف على أعمالها، وتسيير شؤونها، فتولى الإمام ابن باديس الناحية الشرقية، وعُهِد إلى الشيخ الطيب العقبي بالناحية الوسطى، واختير الإمام الإبراهيمي للإشراف على الناحية الغربية، متخذًا من مدينة تلمسان مقرًا ومثابة. وما كان اختيار الإبراهيمي لهذه المقاطعة إلا لأنها "المعقل الحصين للمرابطين والطرقيين المتعاونين تعاونًا مكشوفًا مع الإدارة الاستعمارية، لذلك فقد كان لا بد لإنجاح الدعوة الإصلاحية في هذه المنطقة من وجود شخصية لها قيمتها العلمية والفكرية، وتتسم بالشجاعة والنشاط" (18). وفعلًا فقد كان الإمام الإبراهيمي كالشهاب الثاقب فيه النار المحرقة للبدع وأوليائها، وللإستبداد وزبانيته؛ وفيه النور المبين لمن كان له قلب أو ألقى السمع.
أما سبب إقامته في تلمسان، وليس في وهران عاصمة المقاطعة الغربية، فيبدو أنه تحكم فيه ثلاثة اعتبارات هي:

1 - أهمية مدينة تلمسان التاريخية والحضارية، فهي عاصمة لإحدى أهم الدول الجزائرية هي الدولة الزيانية، وهي حاضرة علمية أنجبت واستقطبت كثيرًا من العلماء والأدباء.

2 - وجود إحدى المدارس العربية الثلاث بها، وهي مدارس أنشأتها فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، فهي أحد المراكز الاستشراقية الفرنسية في الجزائر، فكان لا بد من وجود شخصية علمية كبيرة تستطيع مواجهة تأثير الفكر الاستشراقي.

3 - تنفيذ موعدة وعَدَ بها الإمام ابنُ باديس مصلحي تلمسان، حيث سبق له أن زارها- سنة 1932 - وألقى بها درسًا، فأعجب به التلمسانيون، وأرادوا إبقاءه بينهم، فاعتذر، ووعدهم أن يرسل إليهم من هو أعلم منه (19).
ألقى الإمام الإبراهيمي عصاه بمدينة تلمسان في بداية سنة 1933 فإذا هي تَلَقَّف الجهل والبدع، فقد كان القوم عاكفين على القبور، داعين إلى الثبور، متفرقين إلى شِيعَ، منقسمين إلى
__________
18) أحمد الخطيب: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر. الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب1985، ص151. وكلمة المرابطين هنا لا صلة لها بالمرابطين الذين أسسوا الدولة المعروفة في المغرب العربي، وهي هنا مرادف لكلمة المتصوفين والطرقيين.
19) هذه القصة متواترة بين أعضاء جمعية العلماء، وحدثني بها أصحاب الفضيلة الشيوخ: بومدين التاجر، إمام مسجد دار الحديث- رحمه الله- وعبد الرحمن شيبان، ومحمد الصالح رمضان.
(1/31)

ـ[صفحة 32 ناقصة من المصور]ـ
(1/32)

ـ[صفحة 33 ناقصة من المصور]ـ
(1/33)

المقيم العام الفرنسي، فرفض المؤتمرون ذلك، وعقدوا مؤتمرهم في مدينة تطوان التي كانت تحت الإدارة الإسبانية.
وفي هذه السنة أيضًا-1935 - عقد المؤتمر الرابع لجمعية العلماء، وقد كان مؤتمرًا متميزًا بما قُدّم فيه من بحوث، وما ألقي فيه من خطب، وما أنشد فيه من شعر، ولذلك قرر المجلس الإداري للجمعية أن تجْمَع تلك البحوث والخطب والأشعار وتنشر في كتاب بعنوان "سجل مؤتمر جمعية العلماء … " يسجل المراحل التي قطعتها، والأعمال التي أنجزتها.
وقد عهد المجلس الإداري إلى الإمام الإبراهيمي بالإشراف على ذلك السجل، وكتابة تصدير له، وتلخيص عن كل تقرير، وبيان كيفية تنفيذ اقتراحاته. وقد كتب الإمام الإبراهيمي في هذا السجل بحثًا قيّمًا في فلسفة جمعية العلماء، شخص فيه أدواء المسلمين، وأخطرها هجر القرآن الكريم، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ووصف فيه الدواء الشافي لتلك الأدواء، وفصل القول عن الحركة الإصلاحية في الجزائر وما أنجزته من عظيم الأعمال في وقت قصير.
وعرفت سنة 1936 نشاطًا سياسيًا كبيرًا في الجزائر، ومن أبرز مظاهر ذلك النشاط عقد "المؤتمر الإسلامي الجزائري"، الذي جمع- لأول مرة- مختلف التيارات السياسية الموجودة بالجزائر في ذلك العهد. وقد شكّل المؤتمر وفدًا سافر إلى باريس لتقديم الحد الأدنى من مطالب الشعب الجزائري إلى السلطة الفرنسية الجديدة، وهي حكومة الجبهة الشعبية.
وقد اختلفت وجهات نظر المشاركين في المؤتمر في البرنامج الذي يتّخذ أساسًا للمطالب، حيث سبق لبعض الفرنسيين تقديم برامج لحل القضية الجزائرية. وكان لكل برنامج أشياع من السياسيين الجزائريين. كان ذلك الاختلاف عقبة كؤودًا في طريق المؤتمر لم يتجاوزها إلا باقتراح قدّمه الإمام الإبراهيمي وهو "أن تُلغى- تلك البرامج- كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة، وبنيت على اعتبارات خاصة … بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية، منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة" (33)، مع تقييد أي برنامج يوضع وأية مطالب تقدّم بـ "مسألة واحدة يُعَدُّ التساهل أو الغلط فيها جريمة، بل كفرا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية" (34)، لأن فرنسا كانت تشترط على الجزائريين التخلي عن الإسلام ونَبْذَ أحكامه في أحوالهم الشخصية مقابل مساواتهم في الحقوق بالفرنسيين.
__________
33) مجلة " الشهاب"، الجزء 4، المجلد 12، قسنطينة، جويلية 1936 وانظر مقال "يوم الجزائر" في هذا الجزء من الآثار.
34) نفس المرجع.
(1/34)

إن المدرك لروح فلسفة جمعية العلماء، العارف بمنطلقاتها الفكرية، العالِمَ بمقاصدها. المطّلع على أدبياتها يستيقن أن إسهام العلماء في هذا المؤتمر لم يكن إلا موقفًا مرحليًا، هدفوا من ورائه- في حال استجابة فرنسا لمطالب المؤتمر- إلى تخفيف الضغط عن الشعب الجزائري، وتحسين حالته الاقتصادية المتردية وأوضاعه الاجتماعية المأساوية، ورفع القيود عن التعليم العربي، ونيل نصيب من الحرية يمكّنهم من تثبيت أسس مشروعهم الحضاري الذي يُعد الشعب الجزائري ليوم الفصل، الذي يحق الحق ويبطل الباطل؛ فإن لم تستجب فرنسا لتلك المطالب - وهو ما كان العلماء يعلمونه علم اليقين، ويرونه رأي العين- اتخذوا من ذلك الرفض حجة أخرى يقنعون بها الذين يحسنون الظن بفرنسا أنهم لن ينالوا منها شيئًا، وأن وعودها برق خُلب. أما الموقف الحقيقي للجمعية فهو ما عبر عنه الإمام، الإبراهيمي في ذلك الوقت بقوله: "إن الحقوق التي أخذت اغتصابًا لا تُسْتَرجَعُ إلا غلاَبا، (35).
لم تخش فرنسا المطالب التي أقرها المؤتمر الإسلامي، فقد سبق للجزائريين أن قدموا - مَثْتى وفُراد - مثلها، ولكن الأمر الذي أَقَض مضجعها وأطار النور من عينيها، وأوجست منه خيفة هو تجمُّع الجزائريين في هيئة، واتحاد كلمتهم.
كانت فرنسا تعلم أن الذي استطاع جمع الجزائريين على كلمة سواء هي جمعية العلماء، لأنها- فرنسا- تعرف "أن العربي في الجزائر، الذي لا يملك شيئًا يقتات به، ليس له إمكانية للتعبير عما يريده وما يرفضه في المجال السياسي سوى السير وراء ما يعتقده أنه طبقًا لعقيدته الإسلامية … ومن هنا كانت استجابته لتوجيه العلماء" (36)، لذلك قررت أن تقضي عليها، وأن تتخلص من رؤوسها المفكرة، وأن تئد عقولها المدبرة، وأن تسكت ألسنتها المعبرة، فدبرت مؤامرة في غَسَق الليل ونفذتها في وضح النهار.
كانت المؤامرة ذات ثلاثة فصول، وعُيّن لكل فصل ميقات زماني ومكاني؛ فكان الفصل الأول بمدينة الجزائر يوم 2 أغسطس1936، حيث اغتيل مفتي الجزائر، وأوحِيَ إلى القاتل أن يصرّح بأن الشيخ الطيب العقي هو الذي حرّضه على القتل. ثم حصحص الحق، وصحا ضمير القاتل فتراجع عن أقواله، فبرّأ الله العقبي والجمعية.
أما الفصل الثاني فقد جرى بمدينة قسنطينة بعد أسبوع من اغتيال المفتي بمدينة الجزائر؛ حيث أطلقت رصاصات على الشيخ الحبيباتني لاتهام الإمام ابن باديس باغتياله، ولكن الله - عز وجل- أنجى الشيخ الحبيباتني فلم يُصب بسوء، ورد الله الكائدين، فلم ينالوا ما أملُوا.
__________
35) جريدة "البصائر"، عدد 37 الجزائر، 2أكتوبر وانظر مقال " الإصلاح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي " في هذا الجزء من الآثار.
36) باول شميتز: الإسلام قوة الغد العالمية. تعريب: محمد شامهْ، القاهرة، مكتبة وهبة1974، - صلى الله عليه وسلم - 145.
(1/35)

وأما الفصل الثالث فكان مقررًا أن يُخْرَج بمدينة تلمسان، حيث أراد الفرنسيون بالإمام الإبراهيمي كيدًا. فجعلهم الله من الأخسرين، ودافع عن الإمام بشخص يكتم إيمانه، يسمّى يحيى بُوثمَنْ- من بني ورتلان بالقبائل الصغرى- كان موظفًا في نيابة العمالة بتلمسان، استرق السمع، فعلم بالمؤامرة، فأخبر الإمام بأن الملأ يأتمرون به، ونصحه بالخروج من تلمسان بضعة أيام (37)، فخسر هنالك المبطلون.
وشهدت سنة 1937حدثًا علميًا كبيرًا وتظاهرة إسلامية عظيمة بمدينة تلمسان، بمناسبة تدشين مدرسة دار الحديث التي وضع الإمام الإبراهيمي أساسها، ورقع قواعدها، وأعلى سمكها، وكان يعتبرها نواة لمشروع علمي كبير كانت تصوّره له الخواطر، يعيد به مجد تلمسان العلمي.
أذّن الإبراهيمي في الجزائريين ليشهدوا افتتاح دار الحديث يوم27 سبتمبر1937، فلبّى نداءه الآلاف، وأتوه من كل فج في الجزائر يتقدمهم الإمام عبد الحميد بن باديس الذي رأى من آيات أخيه الإبراهيمي ما جعله يصفه- فيما بعد- بـ "محيي تلمسان " (38).
عضت فرنسا على الإبراهيمي الأنامل من الغيظ؛ لأنه أحيا ما أماتته من دين ولغة، وأَنْشَر ما أقْبَرَتْه من أمجاد، ووحّد ما فرّقته من صفوف، ونزع من الصدور ما زرعته من خوف، فأمر الوالي العام الفرنسي بغلق دار الحديث يوم 31 ديسمبر وتحدّى الإمام الإبراهيمي السلطات الفرنسية و "رفض التوقيع على محضر الأمر بغلق المدرسة (40، وقدّم إلى المحاكمة بتلمسان يوم 27 يونيو 1939و " قُضي عليه بالغرامة " (41)، "وهو الحكم الذي كّدته محكمة استئناف الجزائر، ((42. ولكن هذا الترهيب، وهذا الترويع لم يُجد فرنسا، ولم يُقْعد الإمام عن مواصلة نشاطه، فاستمرّ في عمله، مؤمنًا بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، مستيقنَا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم.
إن قيمة دار الحديث المعنوية والمادية، والأمل المعلّق عليها، ومكانة مؤسسها في قلب الإمام ابن باديس جعله يوليها اهتمامًا كبيرًا، فكان يذكرها في الخطب العامة والمجالس
__________
37) من محاضرة للشيخ محمد الصالح رمضان يوم 1996/ 5/7 بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر، وانظر محمد خير الدين: مذكرات … 340/ 1.
38) جريدة "البصائر"، عدد 137الجزائر 28 أكتوبر 1938. وقد اختار الإمام الإبراهيمي موقع مدرسة دار الحديث في مواجهة الثانوية الفرنسية "دوسلان " ( de slane).
39) أبو القاسم سعد الله: الشيخ الإبراهيمي في تلمسان، مجلة "الثقافة"، عدد101، - صلى الله عليه وسلم - 93.
40) نفس المرجع، وهو ينقل عن تقرير والي ولاية وهران إلى الوالي العام الفرنسي.
41) مجلة "الشهاب"، جزء 8، مجلد14، قسنطينة، أكتوبر 1938.
42) أبو القاسم سعد الله: الإبراهيمي في تلمسان، مجلة " الثقافة"، عدد 101، ص93.
(1/36)

المقيم العام الفرنسي، فرفض المؤتمرون ذلك، وعقدوا مؤتمرهم في مدينة تطوان التي كانت تحت الإدارة الإسبانية.
وفي هذه السنة أيضًا-1935 - عقد المؤتمر الرابع لجمعية العلماء، وقد كان مؤتمرًا متميزًا بما قُدّم فيه من بحوث، وما ألقي فيه من خطب، وما أنشد فيه من شعر، ولذلك قرر المجلس الإداري للجمعية أن تجْمَع تلك البحوث والخطب والأشعار وتنشر في كتاب بعنوان "سجل مؤتمر جمعية العلماء … " يسجل المراحل التي قطعتها، والأعمال التي أنجزتها.
وقد عهد المجلس الإداري إلى الإمام الإبراهيمي بالإشراف على ذلك السجل، وكتابة تصدير له، وتلخيص عن كل تقرير، وبيان كيفية تنفيذ اقتراحاته. وقد كتب الإمام الإبراهيمي في هذا السجل بحثًا قيّمًا في فلسفة جمعية العلماء، شخص فيه أدواء المسلمين، وأخطرها هجر القرآن الكريم، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ووصف فيه الدواء الشافي لتلك الأدواء، وفصل القول عن الحركة الإصلاحية في الجزائر وما أنجزته من عظيم الأعمال في وقت قصير.
وعرفت سنة 1936 نشاطًا سياسيًا كبيرًا في الجزائر، ومن أبرز مظاهر ذلك النشاط عقد "المؤتمر الإسلامي الجزائري"، الذي جمع- لأول مرة- مختلف التيارات السياسية الموجودة بالجزائر في ذلك العهد. وقد شكّل المؤتمر وفدًا سافر إلى باريس لتقديم الحد الأدنى من مطالب الشعب الجزائري إلى السلطة الفرنسية الجديدة، وهي حكومة الجبهة الشعبية.
وقد اختلفت وجهات نظر المشاركين في المؤتمر في البرنامج الذي يتّخذ أساسًا للمطالب، حيث سبق لبعض الفرنسيين تقديم برامج لحل القضية الجزائرية. وكان لكل برنامج أشياع من السياسيين الجزائريين. كان ذلك الاختلاف عقبة كؤودًا في طريق المؤتمر لم يتجاوزها إلا باقتراح قدّمه الإمام الإبراهيمي وهو "أن تُلغى- تلك البرامج- كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة، وبنيت على اعتبارات خاصة … بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية، منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة" (33)، مع تقييد أي برنامج يوضع وأية مطالب تقدّم بـ "مسألة واحدة يُعَدُّ التساهل أو الغلط فيها جريمة، بل كفرا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية" (34)، لأن فرنسا كانت تشترط على الجزائريين التخلي عن الإسلام ونَبْذَ أحكامه في أحوالهم الشخصية مقابل مساواتهم في الحقوق بالفرنسيين.
__________
33) مجلة " الشهاب"، الجزء 4، المجلد 12، قسنطينة، جويلية 1936 وانظر مقال "يوم الجزائر" في هذا الجزء من الآثار.
34) نفس المرجع.
(1/37)

تحقيق الهدف الوطني، كانت له القدرة والذكاء والجرأة المستوحاة من حقده على فرنسا، كل ذلك ساعد على خدمة القضية التي يعمل من أجلها، في حين ضاعت القضية الفرنسية في الناحية" (47). وأكد المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان- وهو معاصر لهذه الفترة وشاهد عليها- أن الإبراهيمي "صار يسيطر من تلمسان على جهة وهران ببصيرة وهدوء " (48).
إن هذا التأثير الكبير- دينيًا ووطنيًا- الذي أحدثه الإمام الإبراهيمي في الناحية الغربية من البلاد جعل السلطات الفرنسية- المحلية والجهوية والمركزية- توجس منه خيفة، وتعتبر صاحبه خطرًا على فرنسا إن هزم الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية أو طال أمدها، وهذا ما أشار إليه وحذّر منه والي ولاية وهران في تقريره إلى الوالي العام الفرنسي في 15 مارس 1940، بقوله: " وليس هناك شك أنه إذا وقعت هزيمة الجّيش الفرنسي، أو استمرّت الحرب مدة طويلة ومؤلمة فإن الإبراهيمي سيكون مركز الخطر لكل دعوات الثورة السلمية أو المسلحة" (49)، فأصدر الوالي العام أمر "اعتقال الإبراهيمي في ساعة مختارة طبقًا للإجراءات المقررة حتى لا يقع تجمّع في الشوارع " (50).
وقبيل اعتقال الإمام الإبراهيمي جرب الفرنسيون وسيلة كانوا يستنزلون بها الهمم، ويشترون بها الذمم، وهي وسيلة الترغيب التي تعودوا استعمالها مع الذين أخلدوا إلى الأرض وأتبعهم الشيطان فلم يعيشوا لمبدإ، وقضوا حياتهم يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام، فبعثوا إليه القاضي ابن حورة يعرض عليه منصب شيخ الإسلام، الذي سيحدث لأول مرة في الجزائر في مقابل تصريح منه يؤيد فيه فرنسا التي كانت طرفًا في الحرب العالمية الثانية و "المشاركة في تحرير صحف أنشأوها، وفي كتابة محاضرات تسجل للإذاعة مقابل منح مغرية، فخيب ظنهم ورفض كل تعاون معهم " (51).
وكرّر الفرنسيون المحاولة "واستدعت إدارة تلمسان الشيخ، وحاولت إقناعه بسداد طلب الحكومة، فرفض … فقيل له: ارجع إلى أهلك ودِّعهم، وأحضر حقيبتك. فقال لهم: قد ودعتهم وها هي حقيبتي جاهزة" (52).
__________
47) أبو القاسم سعد الله: الإبراهيمي في تلمسان … مجلة "الثقافة"، عدد 101، ص103 وهو ينقل عن تقرير فرنسي.
48) شارل أندري جوليان: إفريقيا الشمالية تسير … - صلى الله عليه وسلم - 135.
49) أبو القاسم سعد الله: المرجع السابق، - صلى الله عليه وسلم - 104.
50) نفس المرجع، ص. 1 O1 وأمر الوالي العام باعتقال الإمام الإبراهيمي مؤرّخ في 8 أفريل 1940 ورقمه 336
51) محمد خير الدين: مذكرات، ج 1، - صلى الله عليه وسلم - 415.
52) أحمد قصيبة: الشيخ الإبراهيمي في منفاه بمدينة آفلو، مجلة "الثقافة، عدد 87، الجزائْر، مايو- يونيو 1985ص278.
(1/38)

علم الإمام ابن باديس بموقف أخيه الإمام الإبراهيمي، فازداد إكبارًا له وإعجابًا به، وكتب إليه رسالة في 4 ربيع الأنور1349هـ (13 أفريل 1940م)، أي قبل ثلاثة أيام من وفاته، ونص هذه الرسالة هو:
" الأخ الكريم الأستاذ البشير الإبراهيمي، سلمه الله،
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد بلغني موقفكم الشريف الجليل العادل فأقول لكم: "الآن يا عمر" (53)، فقد صنت العدم والدين، صانك الله، وحفظك وتَرِكتك، وعظَّمتَهُما عظم الله قدرك في الدنيا والآخرة، وأعززتهما أعزك الله أمام التاريخ الصادق وبيّضت محيّاهما بيض الله محيّاك يوم لقائه، وثبتك عدى الصراط المستقيم، وجب أن تطالعني برغباتك، والله المستعان.
والسلام من أخيكم عبد الحميد بن باديس " (54).
وننبه القارئ غير المطلع على أوضاع الجزائر في هذه الفترة إلى أن هذه الأنشطة التي قام بها الإمام الإبراهيمي وإخوانه أعضاء جمعية العلماء من تعليم، وكتابة في الصحف، ودروس مسجدية، ومحاضرات في النوادي تمت في ليل من السياسة الاستعمارية غاسق، وفي جو من الإرهاب الفرنسي خانق، وفي بحر من القوانين الفرنسية الجائرة عائق، وتكفي الإشارة في هذا الشأن إلى منشور ميشال سنة 1933 وقرارات ريني وقانون شوطان في 1938 وجميعها يقضي بإغلاق المساجد في وجوه العلماء، وبمنعهم من التنقل في البلاد للوعظ والإرشاد، وبمنع تأسيس المدارس وتعليم اللغة العربية (55).
وسيلاحظ القارئ تركيزًا على الطرقية المنحرفة، وقد يظن غير العارفين أن هناك مبالغة من الإمام الإبراهيمي في الاهتمام بهذا الموضوع، أو أنه افتعل معركة؛ ولكن الحقيقة هي أن كثيرًا من البلايا التي أصابت الجزائر وأهلها إنما كانت بسبب هذه الطرقية المنحرفة، التي ضلت وأضفَت جِبِلاَّ كثيرًا من الجزائريين؛ ففرقت صفهم، وشتَّتَتْ جمعهم، حيث بلغ عددها " نحو خمسين طريقة، وكل طريقة مخالفة لطريقة أخرى" (56)، وشرعت لهم من الدين ما لم يوص به الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا صلح المؤمنين، واستبدلت أورادها بالقرآن
__________
53) كلمة قالها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما قال له: " … إنك أحب إليَ من نفسي … ".
54) مجلة "الموافقات"، العد د 4، الجزائر، المعهد الوطني العالي لأصول الدين، محرم 1414هـ (جوان 1995م)، ص766.
55) عن منشور ميشال، وقرارات ريني، وقانون شوطان، انظر: مازن صلاح مطبقاني: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين … دمشق دار القلم، بيروت، دارة العلوم، 1988، - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - 193 - 224.
56) أبو يعلى الزواوي: جماعة المسلمين. مطبعة الإرادة، - صلى الله عليه وسلم - 32.) لا ذكر للناشر، ولا لمكانه، ولا لتاريخ النشر.
(1/39)

الكريم، وأفضلها من جعله عِضِينَ، وزهدت الناس في نيل نصيبهم من الدنيا، وظاهرت فرنسا عليهم، ويكفيها حطة أن يكون شعارها " أمُّنا باري- باريس- احفظها يا باري ". من أجل ذلك كان الإمام الإبراهيمي يعتبرها استعمارًا روحيًا، لا يمكن للشعب الجزائري أن يتحرر من عدوه، المحتل لأرضه، المستغل لخيراته، المهين لمقدساته إلا إذا تحرر من هذا الاستعمار الروحي، وشُفي من هذا الوباء الطرقي المنحرف الذي أعمى بصره، وأمات قلبه، وشل عقله، وأضل سعيه، وأهدر جهده.
وكما أزعج الإمام الإبراهيمي الفرنسيين، وأطار النوم من أعينهم بما بث في الناس من وعي وطني، وما غرس في قلوبهم من روح نضالية، وما أشاع في أنفسهم من أمل؛ أقَض مضاجع منحرفي الطرقيين، وأرَّق جفونهم، وكدَّر مشاربهم، وأكسد تجارتهم بما علَّم من دين قيم، وما أذاع من سنة صحيحة، وما نشر من هدي سليم، فصار الناس يميزون بين ما هو من عند الله وبين ما هو من عند غيره، وأصبحوا يفرقون بين ما هو من سنة محمد- ص- وبين ما هو من أهواء غيره، ولم يعودوا يلقون السمع إلا لآية بينة، أو سنة صحيحة.
ومع ذلك كله، فقد كان الإمام الإبراهيمي وجمعية العلماء يطبقون في محاربتهم الطرقية وبدعها قاعدة "أخف الضررين "، فقد ذكر العالم المغربي إبراهيم الكتاني، أن الإمام الإبراهيمي دعاه لحضور الاجتماع العام لجمعية العلماء بالجزائر العاصمة، وعرف " أن لجمعية العلماء قرارًا سريًا يقضي بمنع مقاومة الزوايا والمرابطين في بلاد القبائل- البربر- التي كان للكنيسة بها نشاط تخريبي هدام منظم " (57).
ونود أن نَلْفِتَ الأنظار إلي تلك العلاقة العميقة والمتينة التي كانت تربط بين الإمامين عبد الحميد ابن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي. لقد بدأت هذه العلاقة- على تقوى من الله ورضوان- في الحرم المدني الشريف، بالمدينة المنورة، وتجدرت في ميادين الجهاد ومقارعة العدو الفرنسي لاستخلاص الجزائر من بين أنيابه، ومقاومة الذين خانوا الله ورسوله وخانوا الوطن بموالاة عدوه، واسمّرت هذه العلاقة قوية نقية لم تشبها شائبة، ولم يعترها فتور، ولم يستطيع شياطين الإنس- رغم حرصهم- أن ينزغوا بينهما، وما ذلك إلا لأنها كانت علاقة خالصة لله عز وجل، خالية من حظوظ الذات ونوازع النفس، يحرسها تقدير متبادل وتتجلى هذه العلاقة- قبل تأسيس جمعية العلماء- في حرص الإمام عبد الحميد بن باديس على عودة أخيه الإمام الإبراهيمي من المشرق بعدما رأى غزارة علمه، وعرف قوة شخصيته، وأدرك عمق نظرته، وتبين صدق وطنيته، كما تتجلى في انتقال الإمام ابن باديس إلى
__________
57) انظر شهادة إبراهيم الكتاني في محمد خير الدين: مذكرات … ج1، - صلى الله عليه وسلم - 406.
(1/40)

تونس لاستقبال أخيه الإبراهيمي عند عودته إلى الوطن سنة 1920، وفي تبادل الزيارات بينهما. وتتبين هذه العلاقة- بعد تأسيس الجمعية- في تردد الإمام ابن باديس على الإبراهيمي في تلمسان، رغم بعد الشقة وكثرة الأعمال، وفي تكليفه بكثير من القضايا الهامة (الإشراف على سجل مؤتمر الجمعية رئاسة الاحتفال بحفل ختم تفسير القرآن الكريم - عدد مجلة الشهاب الخاص بحفل ختم التفسير- الرد على الطرقيين- إعداد برنامج الكلية الإسلامية .. ).
أما من جانب الإمام الإبراهيمي فقد تجلت تلك العلاقة في الإخلاص لأخيه الإمام ابن باديس في حياته، والوفاء له بعد وفاته، فأطلق اسمه على المعهد الذي أسسه تخليدًا له، ورفع له ذكره بما كتبه عنه من كتابات كمًّا وكيفًا، وأشاد بفضله على الجزائر حتى اعتبر " كل ما يعلو فيها من أصوات صدى مردد للكلمات النارية التي كان يقذفها لسان مبين، يترجم عن علم مكين ودين متين، وهو لسان المرحوم باني النهضات الجزائرية من غير منازع الإمام عبد الحميد بن باديس " (58)، "الذي جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر وأربىَ عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات من فقه الإسلام وأطوار تاريخه، والإلمام الكافي بمعارف العصر مع التمييز بين ضارها ونافعها، وكان مع التضلع في العلوم الدينية واستقلاله في فهمها، إمامًا في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله قلم بليغ، شجاع، يجاري لسانه في البيان والسحر، فكان من أخطب خطباء العربية، وفرسان منابرها، كما كان من كتب كتابها" (59).
والإمام الإبراهيمي عندما كتب وقال ما قال عن أخيه ابن باديس لم يكتبه أو يقلهُ مُجامَلة: "فما كان مبنى الأمر بيننا- ما عشنا- على الرياء والمجاملة" (60).
لقد من الله على الجزائر، إذ بارك في علاقة هذين الإمامين، وألَّف بين قلبيهما، وجمع جهديهما، وبعثهما فيها في أيام محنتها، وفي ساعة عسرتها، فجدد لها بهما أمر دينه، وأحيا بهما لغتها، وأخرجها بهما من الظلمات إلى النور، وبعثها بسعيهما من مرقدها، وأنقذها بهما من الاضمحلال.
يضم هذا الجزء المقالات التي عُثِر عليها، وهي تغطي الفترة الممتدة من سنة 1929 إلى سنة 1940. ولا ريب في أن للإمام الإبراهيمي- قبل سنة 1929 - كتابات، ولكننا لم
__________
58) انظر مقال "مذكرة إيضاحية" في الجزء الرابع من هذه الآثار.
59) انظر مقال "الاستعمار الفرنسي في الجزائر" في الجزء الخامس من هذه الآثار.
60) انظر مقال "ذكرى عبد الحميد بن باديس- الثامنة وموقع معهده منها" في الجزء الثاني من هذه الآثار.
(1/41)

نعثر- حتى الآن- على شيء منها؛ إما لأنها لم تنشر وضاعت ضمن ما ضاع من آثاره وآثار غيره من علمائنا، إهمالَاَ، أو مصادرة من الفرنسيين؛ وإما نشرت في جرائد ومجلات لم تصل إليها أيدينا، حيث أشار بعض المؤرخين المختصين في هذه الفترة من تاريخ الجزائر إلى أن الإمام الإبراهيمي "ابتدأ منذ عام 1925 في كتابة بعض المقالات في جريدة الشهاب (61) وهذا ما ذهب إليه المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجْرُون (62)، والمؤرخ الجزائري محفوظ قداش 63))؛ وإما أنها نشرت بأسماء مستعارة حذر بطش الفرنسيين، وما كثر الكتابات التي لا تحمل أسماء أصحابها، أو موقعة بأسماء مستعارة في جرائدنا ومجلاتنا، وفي غير جرائدنا ومجلاتنا التي نشر فيها كُتَّابُنا؛ فإذا كان الإمام ابن باديس- وهو الذي كان يتمتع بحماية نسبية من والده- ينشر كثيرًا من مقالاته بأسماء مستعارة (العبسي - القسنطيني- الجزائري- الصنهاجي). فكيف لا يلجأ إلى هذه التقية من ليس له أد ى حماية.
هذه- باختصار- هي أهم أعمال الإمام الإبراهيمي في هذه الفترة (1929 - 1940) من تاريخ الجزائر، مذكّرًا- مرة أخرى- بأن تلك الأعمال تمت في أصعب الظروف، وأنجزت في أحرج الأوقات، فعلى القارئ أن يضع ذلك كله في اعتباره، وأن لا يحكم عليها بمعطيات فترة أخرى وظروفها، وخاصة في بلدان غير الجزائر.

محمد الهادي الحسني
البليدة (الجزائر): 8 أكتوبر 1996.
__________
61) أحمد الخطيب: جمعية العلماء … مرجع سابق، - صلى الله عليه وسلم - 150.
62) Ch. R. Ageron: Histoire de l'Algérie contemporaine, Paris, P. U. F. , 1979, T2 p325
M. Keddach: Histoire du nationalisme algérien, Alger, SNED, (63 1980, T1, p. 222
(1/42)

قبل تأسيس جمعية العلماء
(1929 - 1931)
(1/43)

محمد بن شنب*
ما هذا الجمع الحاشد؟ وما هذه الزمر المحدودة؟ وما للأحياء حشروا في صعيد الأموات؟ أجل، ما لهذا الفريق الممتاز من إخوان الأدب وأخدان العلم وعشراء البحث ورصفاء التفكير وأسرة الكتابة والقلم- يظهرون بهذا المظهر الرهيب. وينزعون هذا المنزع الغريب، - لولا داع دعا وباعث بعث وسايق حث فأزعج.
بلى ما هذا الحشد فوق التراب إلا لقضاء حق عزيز ثوى تحت التراب.
مات محمد فعرفت هذه الطائفة من مات، وعرفت أنه مات فبكت فضله المدفون ونفعه الذي فات.
مات محمد فأسف العارفون لفضله على فضله وما هو بالذخيرة المنزورة ولا الحظ المنقوص ولكنه البحر فيضا وسعة جوانب. وأسف المشفقون على هذا الوطن البائس أن ينقصف علمه المفرد وواحد الآحاد فيه قبل أن تتحقق آماله في العلم أو تتحقق آمال العلم فيه.
مات محمد فأيقن زملاؤه وشركاؤه في الصنعة أنهم فقدوا بفقده ركنا من أركان العلم الصحيح، وعلما من أعلام التاريخ الصحيح، ومثالا مجسما من الأخلاق العالية والخلال الرفيعة، لا بل فقدوا معيارا من أصدق المعايير لقيم الروايات وعينا لا تغر صاحبها بالسراب، لا بل فقدوا عقلا هذبه العلم وعلما هذبه العقل فأنتجا خير النتائج، لا بل فقدوا مثالا كاملا من حياة العمل والنشاط والعبادة للعلم والفناء في العلم.
__________
* خطبة ألقاها الإمام في حفل تأبين الفقيد محمد بن شنب بالعاصمة، مجلة الشهاب: الجزء الرابع، المجلد الخامس، ماي 1929، ص7
(1/45)

مات محمد فلم يخسر تلامذته تعليمه وإرشاده ونصحه واجتهاده، بل خسروا وراء ذلك الغاية التي يصبون إليها وينتظرها الوطن منهم، وهي الانطباع بطابعه في الذوق، في الأخلاق، في أسلوب البحث، في طرز التفكير، في الاعتماد على النفس، في الانقطاع للعلم والإخلاص له في الأدب النفسي، في الصبر على العمل- وإن شق- حتى الوصول إلى النهاية.
في المحافظة على القومية الصحيحة. في اطراح الحظوظ والرعونات، في استخدام البصيرة في كل شأن من شؤون الحياة، في القصد.
ذلك أن الرجل محافظ والمحافظة ألزم ما يكون لنهضة كنهضتنا لم تزل في طور الاختمار، تتجاذبها العوامل الخارجية أكثر مما تكيفها الضرورات الداخلية، فنحن أحوج ما نكون في هذا الموقف إلى محافظة مهذبة تسايرنا في أطوار الانتقال وتكون لنا قنطرة نعبر عليها من قديمنا إلى الصالح الذي ننشده، وتقينا شر الذبذبة التي هي وليدة الطفرة.
الرجل كان محافظا حقا ولكنه محافظ بالمعنى المعقول، محافظة البصير الناقد الذي يرى أن مشخصات الأمم منها جوهر ومنها عرض، وأن الجوهر منها هو الصالح للبقاء وأنه لا يد للفرد ولا للجماعة في تكييفه كما يشاء أو كما تشاء، وأن تطوره موكول إلى تدبير الاجتماع لا إلى تدبير الجماعات- وأن العرض منها هو محل التبديل والتغيير يصلح لزمن فيؤخذ، ولا يصلح لآخر فينبذ. فالمحافظة على جوهر المقومات ليست محافظة وإنما هي حفظ للقومية من الاندغام والتداخل وعماد لها أن تتداعى وتسقط، وأما الأعراض فهي قشور تتحول وتزول فهي كأوراق الخريف توجد وتعدم والشجرة شجرة.
والرجل مخلص في أعماله وما نجاحه في حياته العلمية إلا نتيجة إخلاصه، والإخلاص أحوج ما تحتاج إليه ناشئتنا في وقت ذهب فيه الإخلاص ضحية المداجاة والنفاق والغش والمؤاربة ومجموعها هو الرياء الخادع.
الرجل صبور والصبر مطية النجاح وقوام الحياة كلها.
الرجل معتمد على نفسه، يظهر ذلك في جميع أطوار تعلمه وإن الهمة التي سمت به إلى تعلم عدة لغات حية أجنبية وإتقانها هي عنوان هذا الخلق العظيم، خلق الاعتماد على النفس، والاعتماد على النفس خير ما حمل الآباء عليه أبناءهم فهو الرائد إلى السعادة وهو أساس الحياة الاستقلالية.
الرجل مؤدب النفس مهذب الطباع وهذا الخلق أساس حسن العشرة وحسن العشرة أساس الجاذبية وما أحوج ناشئتنا إلى هذا الخلق القويم إذا لكانت الإفادة إذا أفادوا والاستفادة إذا استفادوا على قاب قوسين منا.
(1/46)

أما طرز التفكير فالإنصاف في حق الرجل أنه لم يكن مفكرا اجتماعيا بالمعنى الواسع ومن وصفه بذلك فقد ظلمه اللهم إلا مشاركة قومه في شعورهم الخاص وإحساسهم الخاص، واللهم إلا معنى آخر يماس التفكير وهو صدق الاستنتاج وسلامة الحدس، فقد كان نصيبه من هذا الخلق نصيبا موفورا. أما أسلوب البحث العلمي وبناؤه على المحاكمة والنقد فهو ظاهرة الرجل الخاصة به ونعته الصادق، ولا أكتمكم أني ما كنت شديد الإعجاب بالرجل إلا من هذه الخلة، ولا كتمكم السبب الذي أودع هذا الإعجاب في نفسي بهذه الناحية من نواحي الرجل دون نواحيه الكثيرة وكلها أجواء صافية، السبب هو أنني نظرت في جميع ما لدينا من تراث الأوائل مما نسميه علما وأمعنت في تتبع أطوار العلوم الإسلامية من النقطة التي وصل إليها مداها في الاتساع إلى المنشإ الأصلي فوجدت أن جميع علومنا الإسلامية في جميع أدوارها يعوزها الاختبار والنقد، يعوزها الاستقلال في الرأي، تعوزها الشجاعة إلى أن جاءت عصور الانحطاط فكان ذلك الاعواز بذرة فاسدة للتقليد في جميع علومنا حتى أصبحت أشباحا بلا أرواح، فلا عجب إذا أكبرت الرجل وأكبرت كل من يوفق إلى غرس هذه الملكة فيه في نفسه.
العلوم الإسلامية موضوع تاريخي كسائر المواضيع التاريخية والباحثون في هذا الموضوع ثلة من الشرقيين وقليل من الغربيين، وجهات هذا الموضوع مترامية الأطراف ولا نعلم موضوعا لقي في أثناء تكوينه من الفواعل الداخلية والخارجية ما لقيه هذا الموضوع، لذلك قل من يجيد البحث فيه وقل في هذا القليل من تنتهي به أبحاثه إلى نتيجة يرتضيها التاريخ الصحيح.
ولئن كان في طريق باحثي الغرب في هذا الموضوع عقبات تقوم لهم بالعذر عن التقصير فيه، فليس في طريقنا معشر الشرقيين من عقبة لولا تلك العلة المشؤومة التي هي عائقنا الأكبر عن الإنتاج الفكري والخصب العقلي، بل هي السبب الوحيد في موت ملكة الابتكار فينا، تلك العلة هي التقليد الذي أصبح ظاهرة من ظواهر العلوم الإسلامية وتاريخها.
وإن المفكرين منا لينشدون نهضة تقضي على التقليد وتغرس ملكة الاستقلال في البحث التاريخي، وإن بوادر هذه النهضة قد ظهرت من عهد غير بعيد، وإن فقيدنا اليوم من الطلائع المبكرة لهذه النهضة بهذا الوطن وأن تبكيره هو سر خموله.
نشأت العلوم الإسلامية في ظروف متفاوتة وفي أمم متفاوتة يجمعها الإسلام، فكان للظروف أثر في تكوين تلك العلوم ولاختلاف الجنس أثر في تكوينها أيضا، وكانت منذ نشأتها خاضعة للدين، فكان للدين أثره الأقوى فيها أيضا ثم تطورت تلك العلوم تبعا لتطور الحياة العامة، فكان للآداب الجنسية الخاصة وللآداب الدينية العامة أثر في ذلك التطور
(1/47)

وأصبح تاريخ العلوم الإسلامية يتناول تاريخ رجالها وتاريخ انتقالها في ظل الإسلام من الشرق إلى الغرب وتاريخ أطوارها قوة وضعفا، فلا عجب إذا أعجبت بهذا الفقيد وهو الذي إذا بحث في هذه المواضيع الشائكة أرضى الحق وأرضى التاريخ، وإن ناشئتنا لفي شديد الحاجة إلى تلقين هذا النوع من العلم في مبدإ نهضتنا العلمية وإلى الانطباع بهذا الطابع طابع الاستقلال والنقد.
لست في موقفي هذا شاعرا أؤبن فأجري وراء الخيال في تصوير عظم المصيبة بفقيدنا العزيز لأجري دمعة جامدة أو أحرك عاطفة خامدة، كلا ليس هذا من شأني ولست بصاحبه وإني لتاركه إلى شعراء الحفلة فليبكوا ما شاءوا وليستبكوا ما شاءوا فالموقف حقيق باستنزال العبرات وتصعيد الزفرات وذهاب النفوس حسرات.
وإنما وقفت لأبين لكم ناحية من نواحي الفقيد، وهي ناحية عرفها القليلون منا وجهلها الكثيرون، هذه الناحية هي الغرة اللائحة في حياة الراحل الكريم، وهذه الناحية هي في نظري سر نبوغه أو سر تفوقه أو سر غربته في هذا الوطن.
هذه الناحية هي التي لاحت للعلماء من غربيين وشرقيين فاكبروا الرجل وأنزلوه المنزلة التي هو بها حقيق- هذه الناحية هي العظة البالغة والعبرة النافعة للناشئين منا في العلم وهي المثال الذي يجب أن يحتذه، حياة العلماء الذين وقفوا حياتهم لنفع البشر إلا أمثلة تحتذى ولها بعد ذلك أثرها في النفوس إن خيرا وإن شرا.
امتاز الفقيد بعدة خلال جليلة مجموعها هي تلك الحياة الجليلة التي يبكيها الباكون منا اليوم ويعتبر بها المعتبرون.
هذا الفقيد العظيم يصفه الواصفون بالمحافظة فيمدحها قوم ويذمها آخرون، ويصفه الواصفون بالنزعة الإسلامية الشاذة فيمدحها قوم ويذمها آخرون.
ويصفه الواصفون بسعة الاطلاع على تاريخ العلم الإسلامي والتوفر على البحث فيه على المنهج العلمي المبني على المحاكمة والنقد والاستدلال. فتجتمع الآراء وتتفق المشارب وتلتئم الأهواء.
يا ساكن الثرى ومستبدل الوحشة بالأنس، هذه طائفة من قرنائك وعارفي قدرك وتلامذتك جاءتك وأنت في ثراك تجدد بك العهد بعد الأربعين وإنها لغيبة طويلة لولا أن ما بعدها أطول.
جاءت تجدد- ذكراك الخالدة وتعدد ما خلفت من تراث وما هو إلا علم صحيح ومبدأ صريح وكفى بهما ذخرا لك ولنا.
(1/48)

يا ساكن الثرى إن ذكراك هي الشعاع الهادي لهذه الطائفة فيما يعرض لهم من شؤون الحياة وتجاريبها.
يا ساكن الثرى ومستبدل الغربة بالأهل، هذه الجزائر تناجيك بلسان طائفة من أبنائها البارين بك وبها وتقول: عرفك الغرب والشرق ولم تعرفك الجزائر حق المعرفة في حياتك، فهي تبكي عليك حق البكاء بعد وفاتك، وهذه الألفاظ هي دموع المقصر بعد العتب، والتائب بعد الذنب.
يا ساكن الثرى نم هنيئا في جوار ربك، فهذا آخر العهد بشخصك الكريم ولكنه ليس آخر العهد بآثارك الخالدة.
وإنا عليك يا محمد لمحزونون.
(1/49)

التعاون الاجتماعي*
من أبهج ساعات العمر ساعة يقف فيها أخ يحادث إخوانه على بساط الشعور المشترك والإحساس الصادق والإخلاص في القول وحسن الإصغاء يتلو عليهم ما فيه العبرة من ماضيهم وحاضرهم. يذكرهم ما ليسوا عنه بغافلين من أخذ الأهبة للمستقبل المحجوب، يدعوهم إلى الجد في العمل المشترك، يدعوهم إلى التعاون في الصالحات، يدعوهم إلى نفض غبار الكسل والتواكل، يدعوهم إلى مجاراة السابقين في الحياة، يدعوهم إلى العمل لما فيه سعادة الدارين. يدعوهم إلى نبذ موجبات التفرق والتخاذل، يدعوهم إلى تقوية أسباب الإلفة والأخوة، يدعوهم إلى أخذ شؤون الحياة من أسبابها المعقولة، يدعوهم فيسمعون فيعرفون قيمة ما دعا إليه، فيفوز الداعي بفضيلة الدعوة والإرشاد إلى الحق والتنبيه إلى الواجب، ويفوز المدعو بفضيلة الاسترشاد والعمل بالنصيحة، ويلتقي الكل عند أشرف غاية في هذه الحياة وهي أداء الواجب الاجتماعي.

إخواني:
إن كنتم أولئك المستمعين فلست بذلك الداعي لولا هبة منكم نحو التقدم حركتني بعد السكون وأنطقتني بعد السكوت. قد استقر رأي جماعة من الإخوان على أن يكون موضوع المحادثة بيان فوائد الاجتماع ويعنون بالاجتماع الاتحاد … وهل تحتاج فوائد الاجتماع إلى بيان؟
فوائد الاجتماع هي ثمراته الناتجة عنه وثمراته هي ما ترون من أعمال تعجز القوة الفردية عن إتمامها، وما ترونه من مصانع تخرج المعجزات، وما ترونه من تقريب الأقطار وإخضاع البحار، وما ترونه من استخراج مواهب الأرض التي لا يستقل الفرد بإخراج جزء منها ولو
__________
* محاضرة ألقاها الإمام بنادي الترفي بالعاصمة عام 1929، مجلة الشهاب (الأجزاء5، 6، 7) المجلد الخامس، جوان، جويليه، أوت 1929.
(1/50)

جمع مواهبه، وما ترونه من تسلط جبري على قوى الطبيعة واستخدامها بكل سهولة. ومن ثمرات الاجتماع ما تقرأونه في التاريخ من تغلب جماعات قليلة العدد قليلة المال على جماعات هي كثر منها عددا وأوفر مالا- نعم إن فوائد الاجتماع لا تحتاج إلى بيان- فالاجتماع يحدث عن نفسه باللسان الفصيح. وآثار الاجتماع هي الحقائق العريانة والشواهد الناطقة، فلئن تحدثنا في فوائد الاجتماع فإنما ذلك من باب التذكير، ولم يزل التذكير في كل أطوار الإنسانية مددا روحانيا يثير الخامل إلى العمل ويحث العامل على مواصلة العمل. نحن لا نحتاج إلى بيان فوائد الاجتماع، فقد أصبحت من البديهيات المسلمة. وإنما نحتاج في الدرجة الأولى إلى تكوين اجتماع حيوي منتج يتفق مع الحياة العامة في العموميات ويلتئم مع حياتنا الخاصة في الخصوصيات.
هذا النوع من الاجتماع هو الذي يجب أن نسعى في تكوينه إن كان مفقودا، أو نسعى في ترميمه واستثماره إن كان موجودا.
الحق الذي لا مراء فيه أنه لا يوجد عندنا اجتماع منتج بالمعنى الذي نريده ويتمناه العقلاء منا والمفكرون، والذي نشاهد آثاره عند غيرنا وندرك أنها نتيجة ذلك الاجتماع. والحقيقة التي لا مراء فيها أن حياتنا الخاصة- بصفتنا أمة ذات مقومات ممتازة- قد قدر لها أن تصبح تابعة لحياة عامة هي صرف السوق كما يقولون- هذه الحياة العامة فرقت القبائل والشعوب من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، فكنا من غرقاها، وطغى تيارها حتى دخل على الحضري قصره وعلى البدوي قفره. هذه الحياة العامة تحدثنا بلسان الحال أن غايتها توحيد المجموعة البشرية في مظاهر الحياة وخوافيها، في الميول والأهواء، في العواطف والمشارب، في النزعات والتأثرات- ولكن هل توافقها إرادة الحي- هذا الكائن العاقل؟ إن إرادة الحي غير إرادة الحياة، فالحي بصفته فردا يريد أن يحتفظ لنفسه بحق الاستئثار بقسطه الخاص من الحياة، وبصفته فردا من أمة يريد أن يحتفظ لنفسه بحق تكوين اجتماعه كما يريد، ونحن في اجتماعنا هذا أو في حديثنا هذا من هذا القبيل.
إذن نحن محتاجون إلى تكوين اجتماع خاص تنتج عنه نهضة منظمة في جميع لوازم حياتنا القومية الخاصة، وألزم هذه اللوازم أربعة: الدين والأخلاق والعلم والمال.
أما اللازم الأول وهو الدين فلا نبحث في درجة أهميته من بين اللوازم فذلك أمر ضروري، وإنما نقول إن اجتماعنا يقضي بإدخاله فيما تجب العناية به، وقد ظهرت في هذه السنين حركة توسمنا فيها لأول مرة أنها ستقوم بركن من أركان نهضتنا، وكانت هذه الحركة ترمي عن قوس الحقيقة في الرجوع بالدين إلى بساطته الأولى، وأنه دين الفطرة، وأنه لا يرجع في أحكامه إلا إلى النص القطعي من كتاب محكم أو سنة قولية أو عملية
(1/51)

متواترة، وأن كل ما ألصق بالدين من المحدثات فهو بدعة يجب اعتبارها ليست من الدين، وإن تراءت في صورة ما يقتضيه الدين. ومن الأسف أن هذه الحركة لم تنتج النتيجة المطلوبة ولم يصحبها من النظام والحكمة ما يجعلها سريعة الدخول في أذهان الناس.

- 2 -
فمن المفيد في اجتماعنا أن نعير هذه المسألة جانب الاهتمام ونسعى في تقريب حقائق الدين من أذهان الأمة على السنة الأولى في نشره وهي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونسعى في إقناع الأمة بأن هذا الدين دين عملي لا تستغرق معرفة أحكامه هذه العشرات من السنين التي يبددها طلاب العلم الديني منا، وأنه يجب الرجوع في طريق الاستدلال على العقيدة إلى طريقة القرآن وهي إلفات النفس وتوجيهها إلى الاستدلال بالمخلوقات على الخالق، وأن هناك فرقا عظيما بين العقيدة والعبادة والمعاملة وأنه لا مدخل لغير المعصوم في إثبات ما هو عقيدة أو ما هو عبادة، وأن المعاملة مبنية على مراعاة مصالح البشر ونظام اجتماعهم العمراني، ولذلك كانت أغلب أحكام المعاملات المأخوذة من القرآن كلية قل أن نعثر فيها على التفصيل، وأن الأنسب لسماحة الدين وبقائه وصلاحيته لكل زمان ومكان أن يكون للزمان والمكان والعرف والعادة والبيئة مدخل في تكييف أحكام المعاملات وتطبيقها على الحوادث الجارية. وأن التاريخ شهد بأن أسلافنا كانوا يراعون هذا المعنى في إدارتهم الإسلامية وفي سياستهم للشعوب الأخرى. يصحب هذا السعي سعي آخر ملازم له وهو السعي في نشر اللغة العربية التي هي لغة الدين ولغة الآداب القومية ولغة التاريخ القومي.
وسعي ثالث لازم لهما وهو السعي في نشر التاريخ الإسلامي الصحيح بلغته، المتضمن للثقافة الإسلامية العربية، فإذا اشتمل اجتماعنا على هذه المساعي كنا قد عرفنا للاجتماع قيمته وأخذنا بثمرة من ثمراته وفائدة من فوائده وقلنا وقال الناس "إنه اجتماع منتج".
وأما اللازم الثاني وهو الأخلاق فنحن أحوج ما نكون إليه في هذا الزمان الذي كثرت فيه المبادئ العاملة على هدم الأخلاق الخيرية وكثرت فيه الأذواق المتطرفة التي تستمرئ الرذيلة على الفضيلة.
وإذا كان عقلاء الأمم التي هي أرقى منا بكثير تشكو فساد الأخلاق في أممها فمن نحن وأين نكون؟
فالواجب على اجتماعنا الذي ننشد تكوينه أن يبذل مجهودات قوية لرفع درجة الأخلاق عندنا، ومن فكري الخاص أن هذه الناحية من أمراضنا هي أيسر معالجة من جميع النواحي
(1/52)

إذا أحسنا تسيير الجهود الفردية في التربية المنزلية، لأن لنا أساسا نبني عليه ولا يعسر جد العسر إحياؤه وهو الأخلاق الإسلامية المتوارثة في الجملة والتي نجد معظمها في القرآن في أوضح عبارة وأوضح بيان، ثم الأخلاق العربية المأخوذة من آدابهم التي هي أنفس ما خلفوه لنا من التراث.
فإذا تمكنا بالتدريج من قمع هذه الجراثيم الأخلاقية التي أفسدت مجتمعنا، وتكوين أفق أخلاقي، صالح، نكون قد جنينا من اجتماعنا شيئا هو ثمرة الثمرات وفائدة الفوائد. وأما اللازم الثالث وهو العلم بمعناه العام فالحقيقة الواقعة أننا لا زلنا فيه في مؤخرة الأمم، وغاية ما نبني عليه الأساس في هذا الباب هو هذا الشعور الذي نشاهده في جميع طبقاتنا وأوساطنا بلزوم العلم، وهذه الرغبة المتأججة في صدور الناشئين منا للعلم.
ودوننا في الوصول إلى القدر الصالح منه عقبات أكبرها فقدان المال، فلو اجتمعنا وتظاهرنا وملأنا الدنيا أقوالا لما أفادنا ذلك من العلم قليلا ولا كثيرا بدون مال.
إذن فالواجب على هيئاتنا المجتمعة محاربة الجهل بالعلم، ولا يتم ذلك إلا بالمال وأين المال وما أقل ما يكفي منه.
لا ننكر أن عند أغنيائنا مالا يكفي لبعض الواجب، ولكن يحول دون إخراجه في المشاريع النافعة أسباب: شح مطاع في البعض وجهل بطرق النفع العام في البعض، وأخرى نشكو منها إلى الله وهي عدم ثقة بعضنا بالبعض، هذا الخلق المشؤوم الذي أصبح خلقا ذاتيا فينا ولا نبحث عن أسبابه في هذا الحديث.
تعلمون أنه وجد في هذا القطر في عهده الأخير جماعة من أبنائه البررة حاولوا التعليم بأسلوب قريب وطريقة منظمة، كل في دائرة اختصاصه، وجعلوا أعمالهم وأوقاتهم تضحية وطنية متكلين على التضحية الوطنية من جانب الأغنياء وما جاوزوا مبادئ العمل حتى أعوزهم المال وأخطأ الاتكال، هنا وقعت المشادة الكبرى- قالوا للأغنياء: هاتوا المال، فقال بعضهم: هاتوا الثقة، وقال البعض: هاتوا الثبات، وقال بعضهم: لا ادفع مالي في غير ما يخص أهلي وعيالي.
أما الفريق الثالث فقد عذرناه لأنه مخلص لشحه وأنانيته، وأما الفريقان قبله فهما تحت رجم الظنون. وكانت خلاصة هذه المشادة أن تعطلت تلك المؤسسات العلمية النافعة في أول نشأتها وحرم الوطن من فوائدها وخرج الفريقان بالأعذار الباردة كل يتنصل من العهدة والعهدة على الجميع. لو كان لنا أيها السادة جمعيات منظمة تقوم بهذا العمل لما كنا نحرم هذا الحرمان المؤلم ولشدت عضد هؤلاء المجاهدين، ولكان لها من مكانتها شفيع عند الأغنياء يقطع عذر المعتذر منهم ويخفف عاطفة الشح من الشحيح.
(1/53)

إن كنا نحب- أيها السادة- أن يكون لنا أثر محمود في سبيل العلم وخطوة واسعة فيه فلنحرم على أنفسنا عقيدتين: عقيدة الاتكال على الأعمال الفردية من فريق المعلمين أو من فريق الأغنياء وعقيدة الاتكال على الحكومة.
وحسبنا أن نسعى السعي المتواصل لتأسيس جمعيات علمية. مكشوفة الجبين عريانة المقاصد تقوم للمعلمين بما عجزوا عنه من المال وتقوم للأغنياء بما طلبوه من الثقة والثبات وتنوب عن الكل في إدارة المؤسسات إدارة رشيدة تضمن سلامة العقبى والوصول إلى النتيجة.
أما البحث في أنواع العلوم التي تصلح لنهضتنا فهو معدود من لغو الحديث واحتياج الحي إلى العلم في هذا الزمن أصبح قرين احتياجه إلى الطعام.
وأما اللازم الرابع وهو المال فلا ننكر أنه أقرب نواحي نهضتنا إلى التحقيق ولا ننكر أن صلتنا بالمال لم تنقطع. وفي القطر ثروات هي نتائج جهود فردية وثروات هي بقية مما ترك الأولون. ولكن رغما عن هذا فلا مطمع لنا في اللحوق بالأمم الغنية المعتزة بغناها ولم نبلغ أن تكون لنا قيمة مالية في أسواقها الكبرى. وهذه هي درجة الاعتزاز بالمال.
نحن في هذا المقام نتحمل واجبين: واجب الاحتفاظ بما هو موجود، وواجب استثمار الموجود حتى ينمو. وإذا أردنا القيام بالواجبين فلا بد لنا من اعتبار الأصول المرعية في كل من الاحتفاظ والاستثمار، وكلنا يعتقد أن الثروات التي نمت بين أيدينا إنما نمت بعد اطراح أساليب التنمية العتيقة واستعمال الأساليب الجديدة.
(هنا وقفة)، أنبهكم أيها السادة إلى نقطة وهي أن المال ليس كبقية مقومات الحياة بل يفارقها في نظر جوهري وهو التأثر بالمزاحمة. فالزحام الشديد لا يكون إلا عليه والتكالب العنيف لا يكون إلا لأجله، وقد تموت في هذا الزحام أمة أو أمم لا تعرف كيف تزاحم ولا تحسن الدفاع حين تزاحم. فالمزاحمة في المال تضر وتنفع.
وهذا العلم، وهو قرين المال وأخوه في تكوين الحضارة الوقتية تفيد المزاحمة فيه ولا تضر. وفي هذا المقام يجب ألا نغتر بالموجود ولا نقنع بطرق الاستثمار التي قلدنا فيها غيرنا، ولا تكون هذه النتائج التي لم يكن آباؤنا يحلمون بها قاطعة لنا عن طلب المقلد. وحذار أيها الإخوان من هذه القناعة المجيعة- فوراء هذه الأمة الضعيفة طوائف هي أقوى مراسا وأصح عزائم في المزاحمة على المال. وطوائف هي أشد سواعد لجمع المال، وطوائف هي أبصر من زرقاء اليمامة بمواقع المال، وطوائف لم تكفها الجهود الفردية حتى ظاهرتها بالآلاف والملايين من أمثالها، وطوائف لم تكفها القوى البدنية حتى ظاهرتها بالقوى العقلية والكيماوية، كل ذلك لأجل المال وفي سبيل المال. حذار أن يسبق الوهم العلم أو
(1/54)

يغشى الشك اليقين أو نركن إلى نزعة القناعة والكفاف، فإنما يحسن ذلك لو كنا وحدنا في الميدان أو كانت الوسيلة هي قوة الساعد وصحة الأبدان. أما والعلم للساعد ظهير والعقل للرجل نصير فليس من الحكمة أن نهن أو نكسل، وليس من الحكمة أن نقف في الاستثمار عند طرائق الآباء والأجداد.
ألا فليعلم كل من لا يريد أن يعلم أن سوق المال اليوم معترك أبطال وأن في جوانبه رماة ونحن الهدف، وأن مكان المال من الحياة مكان الوريد من البدن، وأن الزمان قد دار دورته وقضى الله أن يصبح المال والعدم سلاحين لا يطمع طامع في الحياة بدونهما فلننظر مكاننا منهما ومكانهما منا.
إن سنة الاجتماع تقضي ببقاء الأنسب، فإذا كنا نريد أن نكون أنسب للبقاء فها هي الحكمة الهادئة.

- 3 -
جربنا العمل الفردي- في سوق المال - فوجدناه ينتج نفعا فرديا فقلنا هو مفيد في الجملة إذ لا يتألف المجموع إلا من الفرد. ونظرنا إلى أعمال التعاون والاجتماع عند غيرنا فوجدناها تفيد فائدة اجتماعية فاستحسناها بهذا الشعور الجديد فينا، فلماذا لا يكون استحساننا سلما لخوضنا غمارها؟ أنا أعتقد أنه سيكون ولكن لماذا لا ندخل هذا الباب بالتروي والأناة. وما المانع؟ المانع فيما أرى أنه لم تزل فينا بقية من التلفت لماضينا المالي وما يصحبه من الراحة وبقية من الخمول المميت وبقية من الجبن وبقية من الميل إلى العلم النظري وبقية من التقليد في السطحيات وبقية من العاطفة الجافة، عاطفة الالتذاذ بأحاديث ما قال الناس وما فعل الناس- هذه البواقي تظاهرها عقيدة القناعة والكفاف هي التي جلبت لنا هذا الشلل، أضيفوا إلى الكل تلك الخلة المشؤومة التي ما زلنا نشكو إلى الله منها وهي عدم ثقة بعضنا بالبعض. أفلا يتكون من هذا المجموع آفة مهلكة هي السبب في كل ما نشكوه من موت عاطفة التعاون المالي فينا؟
والذي تقتضيه الحكمة الهادئة. لنحفظ أنفسنا من هذه المزاحمة المريعة هو تأسيس شركات التعاون بين الفلاحين وشركات التعاون بين التجار لتقي الصغار من الجانبين شر تحكم الأجانب في أملاكهم ومجهوداتهم، ثم تأسيس مصارف مالية صغيرة تكون واسطة بين الجميع وتكون مع ذلك مستودعا للأموال المخزونة المعطلة ومرجعا لصناديق التوفير والاحتياط التي يجب أن تصحب هذه الحركة.
أنا أعتقد أنه إن جرت هذه المساعي بالحكمة والثقة المتبادلة وجرى معها مدد آخر من
(1/55)

أقلام الكتاب وألسنة الخطباء والمعلمين ببث روح التعاون والتوفير، فإن اليوم الذي تلمس فيه النتيجة باليد ليس ببعيد. تبقى لنا في هذا المقام عقدة واحدة تلوكها ألسنة القاصرين في العلم الديني ولم نسمع فيها ممن يعتد برأيه في الدين ويتكلم فيه بلسان الهدى والدليل كلمة واحدة، هذه العقدة هي مسألة تثمير المسلم لماله بالربا المتعارف في البنوك. والمسألة مع كونها متشعبة على الرغم منا ودينية على الرغم منا وإن كانت تمس الاجتماع فليس هذا الحديث كافيا للإلمام بأطرافها، والرجاء كل الرجاء من سادتنا علماء الدين أن يدرسوا المسألة من طرفها الديني والاجتماعي ويوافونا بآرائهم مؤيدة بالدليل ومبنية على حكمة الشريعة ومقاصدها.

إخواني:
العاقل من جارى العقلاء في أعمالهم في دائرة دينه وقوميته ووجدانه، والحازم من لم يرض لنفسه أخس المنازل، وأخس المنازل للرجل منزلة القول بلا عمل، وأخس منها أن يكون الرجل كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعل الرجال دون أن يضرب معهم في الأعمال الصالحة بنصيب، أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب.

إخواني:
الأدلة قائمة على أننا محرومون من أقوال الرجال وأعمال الرجال، أقوال الرجال مقرونة بالصدق والانجاز وأقوالنا لغو من الحديث يجري على الألسنة مثل برسام المحموم، وأعمال الرجال مقرونة بنتائجها الملموسة باليد، وأعمالنا عبث من المحاكاة فنحن صبيان في العمل وإن كنا رجالا في الصورة والمظهر.

إخواني:
إن من كتم داءه قتله، ما دمنا ونحن بمعزل عن الحقائق وفي صمم عن استماع النصائح فنحن بعداء عن الحق، وما الحق إلا أن نتحد ونسعى بلا فتور. ما الحق إلا أن نتعاون، ما الحق إلا أن ندع التخاذل جانبا ونتصافح على الاستماتة في سبيل الحق، ما الحق إلا أن نزن الأشياء بموازينها فلا ندع المجال للوهم ينقض ويبرم ويبرز لنا السفاسف في صورة الجبال ويظهر لنا الجلائل بمظهر التافه الحقير، فهذا نوع غريب من أمراض النفوس ما فشا في أمة إلا وكان عاقبة أمرها خسرا.

إخواني:
نحن اليوم واقفون على أبواب حياة أدبية جديدة ومبدأ نهضة عمرانية لم تزل في طور التكون والنبات، وتدرجها في مدارج النمو متوقف على تدبيرنا، فإن أحسنا الصنع في تربيتها لم تلبث أن تؤتي أكلها وتدني جناها، وإن تواكلنا في المبدإ وتخاذلنا وتمادينا على ما نحن
(1/56)

عليه تأذن الله باضمحلالنا وحفت كلمة المقت علينا {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} إن التاريخ أفصح مخبر وأصدق ناقل وقد أخبرنا كيف كان عاقبة الذين من قبلنا وحذرنا أن نتعرض لمقت الله بما كسبت أيدينا، وأعيذكم أن تكونوا ممن تماروا بالنذر.
أقول، ولا نكران للحق، إنه ما من نقيصة كانت سببا في هلاك الأمم قبلنا إلا وهي موجودة فينا على اختلاف تقتضيه طبيعة الزمان والمكان، وان تغافل الإنسان عن عيبه لمن دواعي الغرور، والغرور من دواعي التمادي في الغي والتمادي في الغي من موجبات الهلاك، وهل نقيصة أعظم من فقد الإحساس؟
وها نحن أولاء لا شعور ولا إحساس تمر الحوادث بنا تباعا فلا نعتبر ولا نزدجر. ويسير العالم بما فيه سيره إلى الأمام ونحن في موقف لا نتبين فيه موقع أقدامنا. فكأن القطعة التي نحن عليها من هذه الأرض واقفة لا تتحرك أو كأن الأمم كلها ورثت من الأرض التحرك إلا نحن. إذا فلسنا من هذا العالم أو هذا العالم ليس منا. فقد الإحساس أصبح من أكبر مميزاتنا إلا تلك الآلام التي تحدث عند مرور الحوادث حتى إذا مرت لم نجد في أنفسنا أثرا ولا عينا.
سارت الأمم في مناهج العمران عنقا فسيحا ونحن في نومة أصحاب الكهف والرقيم، غفلنا عن أخذ الأهبة للتزاحم الاقتصادي فأدركنا سيله الجارف وسدت علينا منافذ الحياة وشتان ما بين الكسلان والعامل.
يدعو الداعي من الأمم الحية العارفة بقيمة الحياة صارخا بقومه إلى عمل يكسبهم عزا ويفيدهم قوة ويدفع عنهم ضرا. فإذا قومه مهطعون إليه استماعا لقوله فامتثالا لأمره فتحقيقا لمرماه فتنجيزا للفعل فتعاونا عليه فوصولا للمطلوب، ويدعو الداعي منا إلى خير فإذا قومه منه يسخرون وإذا كلامه لا يكاد يتجاوز لسانه كالوتر الذي لم يشتد فوقه لا يكاد السهم يخرج حتى يسقط.
أمرنا بالإرشاد والتذكير فهل ذكر الخاصة أو امتثل العامة.
أمرنا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر وفيهما كل خير فهل امتثلنا.
أمرنا بالعمل للدارين فخسرنا الحاضرة ويوشك أن نخسر الغائبة.
عمدنا إلى الدين وأحكامه فأخرجنا الكثير عن حقيقته وأهملنا حكمته وأسراره ووقفنا عند الصور المجردة، ثم لم نكتف بذلك حتى ألصقنا به الكثير من البدع وحملناه ما لا يطيق منها، ثم لم نكتف بذلك حتى اتخذناه مطية للتفريق فالتبس الحق بالباطل، ولا عالم يميز هذا من ذاك، وإن وجد فالخاصة له بالمرصاد والعامة في شقاق بعيد.
(1/57)

إخواني:
هذه نفثة مصدور ولا بد للمصدور من بث. وإني، والحق يقال، أتسلى بجمعيتكم هذه وأتوسم فيها الخير وأرجو أن تكون طليعة سعد وفأل يمن للوطن وأن تكون مثالا صالحا لبنيه يحتذون حذوه في التعاون على الصالحات والدعوة إلى النهوض.
أتمنى ذلك وأفتخر به وأنصح لحضراتكم أن لا تهنوا في العمل وأن تتحلوا بالثبات وأن لا تقنعوا بالدرجة التي أنتم عليها، فإن وراءها مطلبا أسمى وأعلى ولا يمكن الوصول إليه إلا بالتعاون الاجتماعي، فإن الأعمال الفردية قل أن تأتي بالنتيجة المطلوبة.
وأعيذكم أن تكونوا ممن يجهل قيمة النفع العام أو يعرف ولكن لا ينفع ولا يعاضد. وبقي أنكم لا تتأخرون بعد الآن عن إمداد أمثال هذه المشاريع بالمساعدة المادية والمعنوية لا سيما بعد ظهور النتائج المشتركة، وعلمكم أن المال أساس كل عمل وأن القليل مع الاجتماع كثير. وإن أثنينا عليكم فلأن الشكر مدعاة المزيد والكامل يقبل الكمال.
__________
تعليق مجلة "الشهاب" (وهو بقلم الشيخ عبد الحميد بن باديس):
"الأستاذ الإبراهيمي صاحب هذه المحاضرة نعده- بحق- من أعيان الطبقة الأولى من كتاب الجزائر وخطبائها وأدبائها ومفكريها ورجالها العاملين على نهضتها.
وهو اليوم يباشر الأعمال المالية في ناحيته بعلم وأمانة ونشاط، ويعلم الناس هذه الصفات الثلاث في التجارة تعليما عمليا كما يدعوهم دائما إليها بقوله.
مضت مدة على هذا الأستاذ كنزا دفينا لم تجن الأمة ثمرات يراعه، وطالما وجهنا إليه عتب الصديق على الصديق فيعتذر ويعتذر، إلى أن ألقى محاضرته هاته بنادي الترقي العظيم بالعاصمة، وجاءنا بها من عنده أحد خلص أصدقائه.
نقدم شكرنا وشكر قرائنا للأستاذ ونستزيده من هذه الدرر الغوالي لنبثها بين أبناء دينه ووطنه، دام لهما".
(1/58)

الإنسان أخو الإنسان*
عندنا جملة وجدت منذ وجد البشر ولم يختلف العقلاء في فهم مؤداها وهي من أفذاذ الجمل الجامعة ومن القضايا المعقولة التي تطابق العقل والدين على تصديقها واعتبارها من البديهيات المسلمة من حيث الجملة وإن اختلفا في تفصيلها. ونرى كثيرا من جزئيات الأديان السماوية راجعة إليها ومبنية عليها.
اختلف تعبير اللغات عن تلك الجملة ومآلها إلى وفاق في المعنى وترجمتها في لغتنا "الإنسان أخو الإنسان"، فهذه الجملة على قلة ألفاظها ترمي إلى معنى لو ذهب أبلغ الناس إلى تحليله وشرحه لانتهى إلى العجز ووقف دون الوصول إلى المقصود.
مؤذى هذه الجملة الصريح عقد الأخوة بين أفراد البشر بموجب الإنسانية التي هي حقيقة سارية في كل فرد.
ومقتضى هذه الأخوة أن يشارك الإنسان الإنسان في جميع لوازم الحياة سرورا وحزنا لذة وألما مشاركة معقولة تنتهي إلى حدود لا تتعداها، بحيث يعلم العالم الجاهل ويرشد النبيه الغافل ويواسي الغني الفقير ويقع التعاون المتبادل بين الناس في كل جليل وحقير.
ومن مقتضى هذه الأخوة المساواة في الحقوق البشرية العامة، تلك المسألة التي طالما بذل فلاسفة الأمم قواهم لتقريرها وتمكين دعائمها في الكون، وعملت الشرائع على تنميتها وتغذيتها بالمبادئ الصحيحة حرصا على راحة البشر وهناء الإنسانية.
من مقتضى هذه الأخوة إلغاء سنة التمايز والاستئثار التي سنها المستبدون في القرون الخالية وكانت سلاحا مهولا في وجه الحق.
__________
* الشهاب، الجزء الثامن، المجلد الخامس، سبتمبر1929، ص: 11.
(1/59)

تفاوتت الأمم على اختلاف الأطوار والأجيال في فهم هذه الحقيقة أولا والعمل بها ثانيا، وكان اختلافهم يرجع إلى سببين ذهبا بفريقين من الناس إلى سوء المصير فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.
السبب الأول نزعة الاستئثار الطبيعية التي نشأ عنها الاستبداد الفردي والشعبي، والاستبداد شر ما سيست به الأمم وهو الذي طوح الإنسانية في مهاوي الشقاء. وقد مضى الاستبداد غير مأسوف عليه ولكنه أنتج في العالم نتاج سوء وأثمر ثمرا مرا، ذلك النتاج هو ثاني السببين. ذلك النتاج هو الإباحية الخاطئة الكاذبة التي أصبحت تتهدد الإنسانية بما هو شر من الاستبداد، ذلك النتاج الذي قرر مزدك الفارسي تعاليمه الفاسدة، فكان كمن حلل السم أو نفث الغازات في الهواء والماء العنصرين المقومين للحياة، فلا كان مزدك ولا كانت تعاليمه.
والسبب الحقيقي لهذا البلاء المتناسل هو تحكيم الهوى على العقل. وأهواء النفوس إذا غلبت غطت على الحقائق وأحالت النور ظلاما واليقين وهما والحق باطلا.
ليس من غرضنا أن نقض على مسامعكم تاريخ هذه المسألة وتفريعاتها وأطوارها وقسط كل أمة منها، فذلك ما لا يسعه المقام.
وإنما نشير إلى الطور الذي وصلت إليه المسألة في وقتنا الحاضر وما يتصل به لنبني عليه غرضنا من تأسيس الجمعيات. والذي تسمعونه مني إنما هو حقائق تاريخية معجونة بفكري الخاص وأرجو أن أكون موفقا في الرأي.
لا ننكر أن مسألة تآخي البشر لم تأخذ حقها من التطبيق تمام الأخذ إلى الآن ولم يعمل بمقتضياتها التي أشرنا إليها تمام العمل إلى الآن. وإنما يمتاز عصرنا الحاضر بترقي العلوم والصنائع والتوسع في متممات العمران وكمالياته والاطلاع على حقائق الكون ومخبآته، واستثمار مواهب الطبيعة وخيراتها، ونشأ عن ذلك ترق في الأفكار وشعور عام لجميع الطبقات على تفاوت بمقدار التعلق بالعلوم، ونشأ عن ذلك التفاوت رجوع إلى نزعة الاستئثار والامتياز فنشأ عن ذلك الإكباب على الماديات والمسابقة في ميدانها. فنشأ عن ذلك شعور المقصر بقصوره، فنشأ عن ذلك تدافع واختلاف في المصالح، فنشأ عن ذلك احتكاك واتصال بين الأمم المتباعدة يسرته سهولة المواصلات التي هي من ثمرات العلم.
ونشأ عن ذلك كله وعن هذه المصارعات الاجتماعية شعور آخر بضرورة تآخي البشر وآل الخلاف إلى وفاق والتباعد إلى تقرب والفوضى إلى هدوء وسلام.
(1/60)

لا نقول إن المسألة استقرت في نصابها وإنما نقول: إنها تنمو على الأيام شيئا فشيئا وإنها سائرة إلى الأمام، ودعاة السلام من كل أمة والعلماء منهم والفلاسفة قائمون عليها بالدعوة إليها ونشرها، وما دام الحال على ما نرى فلا شك في وصولها إلى الأمد المرجو.
دخلت هذه المسألة في الطور الذي ذكرناه من اليوم الذي ولدت فيه النهضة العلمية الجديدة، فهي مصاحبة للعلم في سيره وتابعة له في أطواره، لكنها بقيت مدة من الزمن وهي نظرية في أذهان المفكرين حتى تقوَّت الدواعي على إبرازها لميدان العمل. وهي أول خطوة خطتها للأمام وأول بشارة للقائمين على هذه المسألة والمتتبعين لحركتها- بحياتها ووصولها يوما ما إلى الدرجة المطلوبة من الكمال. ومن رأيي الخاص أن الوصول إلى هذه الغاية ممكن ولكنه بعيد.
من الدلائل على نمو هذه الحركة وحياتها تأسيس الجمعيات من عهد غير بعيد لمساعدة المنكوبين في هذه الحياة بلا ميز بين الجنسيات والأديان.
أُسّست الجمعيات العلمية لإنقاذ البشر من نكبة الجهل، ولا مصيبة أكبر من الجهل، ولا مرض أفتك منه.
أُسّست الجمعيات الطبية لإنقاذ البشر من الأمراض التي هي آفة الإنسانية.
أُسّست الجمعيات المالية لإنقاذ البشر من داهية الفقر الذي مآله إتلاف هذا النوع بل هو الجائحة الكبرى للإنسانية وهو منبع الشرور والفظائع.
أُسّست الجمعيات الصناعية وهي عبارة عن معامل تخرج آلات لمحاربة الفقر.
أُسّست الجمعيات الرياضية وهي خادمة للبشر مادة ومعنى وعامل على ترقيته روحا وجسما.
أُسّست الجمعيات الأدبية، وهي نصيرة الحقائق وعدوة الأوهام والخرافات، هذه الجمعيات التي ذكرتها لكم وهي قليل من كثير، كانت من أكبر العوامل في تآخي البشر وتقرب الشعوب من بعضها ومن أقوى الأسباب في غلبة الاتصال على الانفصال، والتعارف على التناكر والوفاق على الخلاف والاجتماع على الافتراق، بل تغلب العلم على الجهل والحق على الباطل والفضيلة على الرذيلة.
(1/61)

الإنسانية: آلامها واستغاثتها*
الإنسانية تلك الأم الرؤوم التي لا تحابي واحدا من أبنائها دون آخر ولا تميز بين بار منهم وفاجر، ولا تفرق بين مؤمن منهم وكافر، تلك الأم المعذبة بالويلات والمحن، من ويلات الحروب التي أتلفت الملايين إلى ويلات الأمراض والطواعين إلى ويلات الزلازل والبراكين. الإنسانية التي لو تمثلت بشرا لتمثلت بقول الشاعر العربي:
فَلَوْ كَانَ رُمْحًا وَاحِدًا لَاتَّقَيْتُهُ … وَلَكِنَّهُ رُمْحٌ وَثَانٍ وَثَالِثٌ
عجيب لهذه الإنسانية ما كفاها من مصائب الدهر تقاطع أبنائها وتدابرهم، ونصب الحبائل وبث المكائد لبعضهم بعضا. ما كفاها من مصائب الدهر أن يكون في أبنائها قوي يستعبد ضعيفا، وشريف يستخدم مشروفا. ما كفاها أن تنقلب الحقائق على أبنائها المارقين العاقين فيركبون مطايا الخير للشر، ويستعملون سلاح النفع للضر، ويتوسلون بالدين لجمع الدنيا، ما كفتها هذه المصائب المجتاحة، حتى ظاهرتها الطبيعة الجبارة على هذه الإنسانية المسكينة. يا لله أما كفتها مصائب الأرض حتى تظاهرها مصائب السماء؟
ألا فليرحم الإنسانية من في قلبه رحمة، ألا وان الإنسانية تستغيث فهل من مغيث، وتستنجد فهل من منجد؟
استغاثت الإنسانية قديما بأبنائها الصادقين، على أبنائها المارقين. استغاثت من المفسدين لنظام الفطرة، والعاملين على تفريق هذه الأسرة فأغاثها الأنبياء والمرسلون والعباد الصالحون. واستغاثت من عباد المادة الحائدين عن الجادة، فأغاثها أنصار الروح، والمقدسون للروح، والقائلون بخلود الروح. واستغاثت من أعداء العقل المفكر، وعباد الحس والمحسوس، فأغاثها الحكماء الربانيون والفلاسفة الإشراقيون، واستغاثت من
__________
* الشهاب، الجزء الأول، المجلد السادس، فيفري 1930.
(1/62)

طواغيت الاستبداد وقياصرة الاستعباد، فأغاثها دعاة الديموقراطية وأنصار المساواة والإنصاف فما كاد المتنبي واضع شريعة التمايز بين السادة والعبيد يجف ثراه، حتى قيض الله له فيلسوف المعرة ناسخا لتلك الشريعة الجائرة، ومبشرا بشريعة الأخوة السمحة. واستغاثت من المشعوذين المحتالين، والممخرقين المبتدعين والضالين المضلين، الذين يستغلون جهل الجهلاء، ويمتصون دماء البسطاء البائعين للشفاعة، العابدين للوهم، المغترين بالأسماء والألقاب، وشهرة الأنساب. الوارثين لما لا يورث من التسلط على العباد. بعظمة الآباء والأجداد - فأغاثها العلماء المصلحون، وحزب الله المفلحون.
وهي الآن تستغيث من داهيتين وتستجير من غائلتين. ولا ندري متى تغاث. ولا في أي وقت تجاب. هي تستغيث من داهية الحرب وتحكيم السيف في مواقع الخلاف. فمتى يقف عقلاء الأمم بين الصفين موقف دعاة التحكيم يوم صفين؟ لا ندري. ولا ندري لماذا لاندري.
وهي تستغيث من غائلة الفقر وشروره وجيوشه التي يجزها من خراب العالم لتخريب معموره. فمتى يفقه أغنياء الأمم هذا السر، فيعملون على اتقاء الشر؟ لا ندري ولا ندري لماذا لا ندري.
إنما الذي ندريه، ونقوله ولا نخفيه، هو أنه لو تساند أغنياء الأمم ومدوا أيديهم متعاضدين، وعرفوا كيف يحاربون الفقر باستجلاب الفقير والأخذ بيده لأحسنوا لأنفسهم وللعالم. ولو فعلوا ذلك لدفعوا عن العالم غارة شعواء تلتهم الأخضر واليابس. وشرا مستطيرا يستأصل. بل لو بذل أغنياء المسلمين ما أوجبه عليهم الإسلام من الزكاة. وعرف عقلاؤهم كيف يستخدمونها لقاموا ببعض من هذا الواجب الاجتماعي.
هذه نفثة مصدور، وللنفوس ثورة ثم تسكن.
(1/63)

خطبة جمعية*
الحمد لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. من يضلل الله فلا هادي له ومن يهدِ فما له من مضل. فنسأله الهداية لإحياء السنن والوقاية من شرور البدع. ونشكره على أن وفق لإحياء هذه الشعيرة بهذا البلد وأعان على إتمام شروطها وتكميل أسبابها ونستزيده من فضله حتى تقام شعائره، وتنفذ حدوده وأوامره. فلولا توفيقه ما تمّ عمل. ولولا إعانته ما ظفر راغب بأمل. ونشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عن هواجس الظنون، المنفرد بالإنشاء، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ونشهد أن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله فاكّ العقول من أسر اعتقالها. ومحرر الحقائق من شوائب الأوهام وأكبالها.
صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا.
أيّها الناس، إن يومكم هذا من الأيام المشهودة، وسمه دينكم بسمة هي الغرة اللائحة في جبين الأيام، وهي هذه الشعيرة التي تقيمون أركانها، وتجتمعون لأجلها.
فاحمدوا الله تعالى على الهداية، واسألوه أن تكون كل ساعة تأتي بعد ساعتكم هذه خيرًا مما قبلها. وأن يكون اجتماعكم هذا فاتحة اجتماعات في الخير تنقضي مع العمر، تتآمرون فيها بالمعروف وتتناهون عن المنكر، وتتواصون بالحق وتتواصون بالصبر.
عباد الله لو كانت كلمة الحكمة توازن بالذهب، أو تقدّر بالمال والنشب، لكانت كلمة علي بن أبي طالب هي تلك الكلمة. وفوقها قدرًا وقيمة تلك الحكمة التي ثقفتها الفكرة العالية. ومحضتها الخبرة الراقية. وهي قوله- رضي الله تعالى عنه-: "قِيمَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ مَا يُحْسِنُهُ".
__________
* مجلة الشهاب، (ج 1، م 6)، رمضان 1348هـ / فيفري 1930م. ألقيتْ هذه الخطبة في جامع قرية "رأس الوادي" في أوّل جمعة أُقيمتْ فيه.
(1/64)

بيّن لنا- رضي الله عنه - وهو مصدر البيان، وينبوع التبيان، أن الأعمار هي الأعمال، وبالإحسان فيها تتفاوت قيمة الرجال، وأن ذلك لا يرجع إلى وزن بميزان، ولا كيل بقفزان، وإنما هو عقل مفكّر، ولسان متذكّر. ومن لا عمل له، فلا عمر له. ومن لا أثر له في الدين يمتثل به أمر ربّه، ولا أثر له في الدنيا تزدان به صحيفة كسبه. فوجوده عدم، وعُقباه ندم وحياته مسلولة الاعتبار. وإن شارك الأحياء في الصفة والمميزات.
فاحرصوا، رحمكم الله، على أن تكون لحياتكم قيمة. واربأوا عن أن تكون في كفة النحس والهضيمة. واسعوا في الوصول بها إلى القيم الغالية، والحصول منها على الحصص العالية.
وان الأعمال التي تجمل الحياة وتُغليها، وتقف بها في مستوى الإجلال وتحييها لا تعدو نوعين: وظائف العبادات التي هي سور الوحدانية، والعنوان الصادق على الإخلاص في العبودية، وهي أخفّ النوعين محملًا وأقربهما تحصيلًا وعملًا، لأن الله لم يكلفكم من عبادته إلا باليسير، وشغل بها القليل من أوقاتكم وترك لكم الكثير.
والنوع الثاني السعي فيما تقوم به هذه الحياة الدنيا من الأعمال وتتوقف عليه عمارتها، وهذا يرجع إلى الدين بإخلاص النية، وتمحيض القصد للجري على حكمة الله وتأييد سننه الكونية.
جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وكشف عن قلوبنا- لإدراك الحقائق- حجاب الغفلة والسِّنة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. ونشهد أن لا إله إلّا الله شهادة من آمن به وأخلص توحيده، واعتمد عليه في كل أموره، فرجا وعده وخاف وعيده، ورفع أكف الابتهال والضراعة طالبًا لطفه وتسديده، وفضله وتأييده. ونشهد أن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله إتمامًا لنصاب العقيدة، وتنويهًا بمزاياه الحميدة، كما نصر الحق وأكثر عديده، وخذل الباطل وأبلى جديده، وتمّم مكارم الأخلاق بصفاته المجيدة وأقواله السديدة، وبعث آخر الأنبياء فكان لَبِنَة التمام ورويّ القصيدة، - صلى الله عليه وسلم -.
أيها الناس، اتّقوا الله تعالى حق التقوى، وحافظوا على حدوده في السرّ والنجوى، وامتثلوا أمر ربّكم الذي كسبكم به فخرًا وتعظيمًا، وهو قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. واعلموا أن يومكم هذا خصّص للاجتماع والعبادة والحسنى والزيادة. فأقيموا القصد في التقرّب من بعضكم ودعوا الأحقاد
(1/65)

والتباغض. وأَسبِلُوا على ما فرط من بعضكم للبعض أذيال الستر والعفو. والزموا خلق الرضا والصفح. فكونوا عباد الله رحماء بينكم، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} وفّقني الله وإياكم لصالح القول والعمل ووقاني وإياكم شر مزالق الزلل.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} عباد الله {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
(1/66)

الخطابة والتمثيل*
التمثيل والخطابة عند الأمم الحية توأمان، وأخوان شقيقان. وأن منزلتهما من دواعي التهذيب والتربية الفاضلة لأرفع منزلة، وأن مكانتهما من بين مقوّمات الأخلاق لمنزلة الطعام والشراب من بين المقوّمات الجسدية. وما بنيت نهضة من النهضات الأخلاقية في الأمم الجديدة إلا وللتمثيل والخطابة في بنائها القسط الأوفر والحظ الأولى.
وليس موقف الممثل بينهم دون موقف الخطيب ولا موقع الرواية من نفوسهم دون موقع الخطبة. فإنما الخطيب والممثل شيء واحد- الممثل خطيب إذا أحسن تصوير المغزى وشخّص الحقائق الغائبة للمشاهدين كالحاضر المشاهد، وألبس الخيالات لباس الواقع المحسوس. والخطيب ممثل إذا عرف كيف يقصّ الخبر وكيف يستخرج العبر، وكيف يسوق المؤثرات فيترك في نفوس سامعيه أعمق الأثر.
__________
* الشهاب، الجزء الثالث، المجلد السادس، أبريل 1930. مقتطفة من خطاب مرتجل.
(1/67)

نائب رئيس جمعية العلماء يتكلم
(1931 - 1940)
(1/69)

كيف تأسست جمعية العلماء الجزائريين*
على الساعة الثامنة من صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر ذي الحجة الحرام عام 1349هـ الموافق للخامس من ماي 1931م، اجتمع بنادي الترقّي بعاصمة الجزائر اثنان وسبعون من علماء القطر الجزائري وطلبة العلم فيه إجابة لدعوة خاصة من لجنة تأسيسية متألفة من جماعة من فضلاء العاصمة عميدها السيد عمر اسماعيل أحسن الله جزاء الجميع، وغرض الدعوة هو تحقيق فكرة طالما فكر فيها علماء القطر فرادى وهي تأسيس ((جمعية العلماء المسلمين))، وقد لبّى الدعوة كتابة بالقبول والاعتذار نحو الخمسين عالمًا.
كان اجتماعهم بصفة جمعية عمومية لوضع القانون الأساسي للجمعية، وعيّنوا للرئاسة المؤقّتة الشيخ أبا يعلى الزواوي وللكتابة الأستاذ محمد الأمين العمودي، ووُضِعَ القانون وتلاه كاتب الجلسة على رؤوس الأشهاد فأقرّته الجمعية العمومية بالإجماع وانفضّت الجلسة على الساعة الحادية عشرة، وعلى الساعة الثانية بعد زوال ذلك اليوم أُعيد الاجتماع العمومي لانتخاب الهيئة الإدارية طبقًا لمنطوق مادة من القانون الأساسي، وحيث كان الانتخاب لا يمكن بطريقتيه السرية والعلنية لتوقّفه على الترشيح ولاعتبارات أخرى لاحظتها الجمعية، فقد سلكت الجمعية طريقة الاقتراح فألقي عليها اقتراح باختيار جماعة معيّنة ووقع الإجماع على اختيارها، وهذه أسماؤهم: الأساتذة: عبد الحميد بن باديس، محمد البشير الإبراهيمي، الطيب العقبي، محمد الأمين العمودي، مبارك الميلي، إبراهيم بيوض، المولود الحافظي، مولاي بن الشريف، الطيب المهاجي، السعيد اليجري، حسن الطرابلسي، عبد القادر القاسمي، محمد الفضيل اليراتني. وأعلنت الجمعية لهؤلاء المشايخ أن عملهم الآن مقصور على انتخاب رئيس لهم ونائب.
__________
*مجلة الشهاب، الجزء الخامس، المجلد السابع، غرة محرم 1350هـ / ماي 1931م، قسنطينة.
(1/71)

رئيس وكاتب عام ومساعد وأمين مال ومساعد. وأن يعيدوا النظر في القانون الأساسي ويقدّموه للحكومة للتصديق.
وأنفضت الجلسة على الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم.
وعلى الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم أيضا، اجتمعت الهيئة الإدارية خاصّة ما عدا الأستاذين ابن باديس والطرابلسي الغائبين، فانتخبت للرئاسة الأستاذ عبد الحميد بن باديس، وللنيابة عنه الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي، وللكتابة العامة الأستاذ الأمين العمودي، ولمساعدته الأستاذ الطيب العقبي، ولأمانة المال الأستاذ مبارك الميلي، ولمساعدته الأستاذ إبراهيم بيوض. وبقية الأساتذة المذكورين للعضوية والاستشارة، وانفضت الجلسة على الساعة التاسعة والنصف مساءً، وعلى الساعة الرابعة من مساء يوم الأربعاء الثامن عشر من ذي الحجة الحرام عام 1349هـ الموافق للسادس من ماي سنة 1931م، عقدت الهيئة الإدارية أول جلسة بنادي الترقي برئاسة الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي، حضرها جميع الأعضاء ما عدا الأستاذين ابن باديس والطرابلسي، وأعادت النظر في القانون الأساسي فأقرّته بالإجماع وقرّرت ترجمته باللغة الفرنساوية، وتقديمه للحكومة طالبة منها التصديق عليه.
وانفضّت الجلسة على الساعة السادسة مساءً.
وعلى الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم الخميس الموالي عقدت الهيئة الإدارية جلسة برئاسة الأستاذ عبد الحميد بن باديس وعرضت عليه الأعمال السابقة فوافق عليها، وانفضّت الجلسة على الساعة التاسعة صباحًا.
وعلى الساعة الثالثة بعد زوال ذلك اليوم أقامت اللجنة التحضيرية حفلة شاي في نادي الترقي دعت إليها جميع الضيوف الذين حضروا وأعضاء الجمعية الدينية وجماعة من النوّاب الأهليين وهيئة إدارة النادي، وأعلن رئيس اللجنة التحضيرية السيد عمر إسماعيل أنه استدعى جناب مدير الأمور الأهلية المستشرق السيد ميرانط فاعتذر عن الحضور.
وبعد أن غصّ النادي بالمدعوين من جميع الطبقات ارتجل الأستاذ عبد الحميد بن باديس خطابًا بدأه بشكر اللجنة التحضيرية على ما قامت به من الأعمال وبذلته من الجهود في هذا السبيل، وأثنى على السادة العلماء الذين قاموا بواجب تلبية الدعوة وثنى بشكر رجال النادي الذين فتحوا أبواب ناديهم في وجوه العلماء وقابلوهم بكل تجلة واحترام. ثم عمّم الشكر لجميع أعيان العاصمة على ما أظهروه من الابتهاج والعطف على مشروع العلماء وما تلطّفوا به من تمهيد المثوى وإكرام الوفادة، وأنهم خلّدوا للعاصمة ذكرًا مجيلًما وأعادوا لنا ذكرى تلمسان وبجاية وتاهرت وغيرها من عواصمنا العلمية الزاهرة في التاريخ، ثم أثنى على المستشرق السيد ميرانط بما يستحقه رجل مثله خبر الشؤون الأهلية وكسبته معارفه العربية ذوقا لطيفًا به عرفنا وبه عرفناه.
(1/72)

ثم أفاض الأستاذ في الاعتذار لنفسه على عدم حضوره في اليومين الأولين وصرّح أنه قد فاته بفوات ذلك خير عظيم وتأسى بواقعة أبي خيثمة واعتذاره للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وناشد إخوانه العلماء أن تكون لهم أسوة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في قبول عذر أبي خيثمة.
ثم تكلّم على الجمعية ومقاصدها فذكر من تاريخها أنها فكرة قديمة دعا إليها الكتّاب في الصحف العربية الجزائرية وتداولها المفكّرون بالبحث في المحافل الخاصة والعامة، وكتب فيها كتّاب "الشهاب" عدة مقالات وبقيت محتاجة إلى رجل أو رجال ذوي إرادة وإقدام يخرجونها من القول إلى الفعل حتى قيض الله لها هؤلاء الفضلاء (أعضاء اللجنة التأسيسية) فكان فضل العمل مدّخرًا لهم كما كان فضل التفكير والقول لكل من فكر في الموضوع وقال.
وذكر من مقاصدها جمع شمل هذه الطائفة المتفرقة لتتعاون على ما هي مهيأة له من نصح الأمة وإرشادها لما ينفعها في دينها ودنياها، وان من الثمرات الباكرة لهذا الاجتماع تعارف أبناء هذه الأسرة النبيلة ذلك التعارف الذي طالما نشدناه فما وجدناه- ولقد كان أمنية في النفوس وهوى في الضمائر فأصبح حقيقة واقعة وأمرًا ملموسًا، ولقد كان همًا معتلجًا في القلوب وخواطر مختلجة في الصدور، فأصبح اليوم صوتًا جهيرًا وأذانًا بالحق عاليًا، ولقد كان موكولًا إلى الصدف والحظوظ والاتفاقات فأصبح اليوم ملكاً في أيدينا- وان من مقاصد الجمعية توكيد عرى الإخاء بين أبناء هذه الطائفة، وحملهم على نبذ أسباب الشقاق واطراح دواعي التفرّق بينهم ونسيان كل ما هفت به الأفكار مما يدعو إلى فرقة أو عصبية، وليقدروا أنهم خلقوا خلقًا جديدًا.
ثم وجّه الخطاب إلى العلماء وحضهم على مؤازرة الجمعية وتشهيرها وتحبيبها للعامة ليكون لها من النفع بمقدار ما يكون لها من السلطان على النفوس، وإنما هو سلطان كتاب الله وسنّة رسوله، وأن يكون شعار الجمعية التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وقد أطال الأستاذ في إسداء النصائح النافعة فليبلغ الشاهد الغائب.
وختمت الجلسة بما قام به تلاميذ المكاتب القرآنية من تلاوة آيات من الذكر الحكيم وانشاد قصائد ومقاطيع شعرية ومحاورات أدبية بأسلوب روائي، وقد كان لذلك المنظر روعة ووقع وتأثير لا يأتي عليها الوصف.

عن جمعية العلماء المسلمين
نائب الرئيس
محمد البشير الإبراهيمي
(1/73)

القانون الداخلي
لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين*
الفصل الأول: فيما يرجع إلى نظام الجمعية وإدارتها:
الأعمال الإدارية - واجبات الأعضاء الإداربين وحقوقهم - واجبات الأعضاء العاملين وحقوقهم.

ـ[المادة:1]ـ: الإسم الرسمي القانوني للجمعية هو "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، فيجب أن تُدعى به في الخطابات الخاصة والعامة، وفيما يكتب بشأنها في الصحف السيارة وأن يكون هذا الإسم طغراها في المحاضر والمراسم والمنشورات العامة التي تصدر باسمها، وفي المؤلفات التي يؤلفها أعضاؤها، أو تكون لها يد في تأليفها أو نشرها.

ـ[المادة:2]ـ: للجمعية اجتماعان: إداري وعمومي. فالإداري يختصّ بأعضاء مجلس الإدارة وجوبًا، ويجوز لغيرهم من بقية الأعضاء العاملين حضور هذا الاجتماع اختياربًا، حسب منطوق المادة … من القانون الأساسي. والعمومي يشمل كل عضو عامل دفع اشتراكه عن السنة السابقة للاجتماع.

ـ[المادة:3]ـ: الإجتماع الإداري يقع لزومًا مرتين في السنة، عند نهاية كل ستّة أشهر قمرية، ويكون الاجتماع الثاني سابقًا للاجتماع العمومي متصلًا به، والاجتماع العمومي يقع في غرّة محرّم من كل سنة قمرية.
__________
وجدنا في أوراق الإمام كرّاسًا مرقمًا من ورقة 10 إلى ورقة 55، يحتوي على مسودة للقانون الداخلي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتي ننشرها اليوم، وهي مؤرخة بسطيف سنة 1931، ونترك للمؤرخ أن يجيب عن السؤال التالي: هل خصصت الأوراق التسع الأولى المفقودة للقانون الأساسي للجمعية الذي عرض على الاجتماع التأسيسي المنعقد في العاصمة؟ أو هل المجتمعون استوحوا القانون الأساسي من هذا القانون الداخلي؟
(1/74)

ـ[صورة الكراسة]ـ
(1/75)

ـ[المادة:4]ـ: من حق الرئيس وحده استدعاء مجلس الإدارة لعقد اجتماع زائد على الاثنين إذا دعت الضرورة لذلك، بشرط أن يشرح للمجلس وجه تلك الضرورة، ولكون ذلك بموافقة ثلثي الأعضاء الإداريين بالكتابة.

ـ[المادة:5]ـ: لا بدّ من الاستدعاء كتابةً لكل اجتماع، وإن كان وقته معلومًا، ويكون الاستدعاء قبل شهر ليوم الاجتماع، ويكون برسائل خاصة، والاستدعاء بجميع أنواعه من وظائف الكاتب العام، ولا يتوقف على إذن الرئيس إلّا في الاجتماعات الاستثنائية الزائدة على المقرر، وكل تقصير يقع في الاستدعاء ويؤدّي إلى خلل في نظام الجمعية فعهدته على الكاتب العام وحده.

ـ[المادة:6]ـ: الجمعية شخص معنوي، مظهره المجلس الإداري المنفّذ، وقوة المجلس الإداري مستمدّة من الجمعية العمومية بواسطة الانتخاب، وهو ناطق باسمها وممثّل لها، وعليه فكل ما يسند في هذه اللائحة إلى الجمعية فالمراد المجلس الإداري.

ـ[المادة:7]ـ: الغاية من اجتماع الجمعية العمومية في الموسم المقرر في المادة … هي:
أ) توكيد التعارف بين طبقات هذه الطائفة.
ب) تقديم الاقتراحات النافعة للمجلس الإداري ليكون على بصيرة في أعماله المقبلة.
ج) الاستفادة من المذاكرات والمحاضرات.
د) استماع تقارير أعمال المجلس الإداري ومعرفة ما تمّ منها في السنة الماضية والإطلاع على تحضيراته للسنة المقبلة.
هـ) انتقاد ما هو قابل للانتقاد من تلك التحضيرات.
و) استماع تقارير المالية والإطلاع على مصارفها.
ز) انتخاب المجلس الإداري الجديد، إنْ كان الأول قد قضى مدّته.

ـ[المادة:8]ـ: يرأس الجمعية العمومية رئيس المجلس الإداري وتبتدئ أعمالها على هذا الترتيب:
1 - افتتاح الرئيس.
2 - تلاوة الكاتب العام للتقرير العام المبيّن في المادة …
3 - تلاوته لتحضيرات السنة المقبلة المبينة في المادة …
4 - عرض أمين المال لميزانية الموسم الماضي.
5 - عرضه لميزانية العام الجديد.
6 - المصادقة عليها من الجمعية العمومية.
7 - استماع تقارير رؤساء الشُّعَب على الترتيب.
8 - استماع اقتراحاتهم.
(1/76)

9 - الاقتراحات العامة.
10 - الخطب الخاصة بالجمعية على ترتيبها في البرنامج.
11 - المحاضرات العامة على ترتيبها في البرنامج.
12 - حفلة الختام.
فإن كان المجلس الإداري قد انقضت مدته، وكان من أعمال الجمعية العمومية انتخاب المجلس الجديد كانت عملية الانتخاب قبل حفلة الختام، وتكون حفلة الختام تحت إشراف المجلس الجديد.

ـ[المادة:9]ـ: يحضر المجلس الإداري في اجتماعه الأخير المتصل بالاجتماع العمومي برنامجًا لترتيب أعمال الاجتماع العام وتقسيمها على الساعات والأيام.

ـ[المادة:10]ـ: يجب على كل من أراد أن يخطب أو يحاضر في الجمعية العمومية أن يكتب بذلك للمجلس الإداري قبل: جلسته الأخيرة بأسبوع، ويبيّن موضوع الخطبة أو المحاضرة تفصيلًا بإرسال نسخة منها أو بيان نقط الموضوع، ليضعها في مكانها من البرنامج ويعيّن لها حصّتها من الزمن.

ـ[المادة:11]ـ: يفتح الرئيس جميع الجلسات بهذه الجملة: "بسم الله نفتتح الجلسة"، ولختمها بهذه الجملة: "والحمد لله ربّ العالمين".

ـ[المادة:12]ـ: لا يتكلّم أحد في الجمعية العمومية أو المجلس الإداري إلّا بإذن الرئيس، ولا يتجاوز الكلام في الاقتراح عشر دقائق، فإن كان الكلام إيرادًا أو ردًّا أو دفاعًا زيد إلى العشر دقائق.

ـ[المادة:13]ـ: الأفكار في المجلس الإداري والجمعية العمومية محترمة، والمقاطعة ممنوعة، والكلام مناوبة، فإذا هفا المتكلم بما يمسّ الدين، أو بما يمسّ شرف الجمعية في غير نقد، أو بما يمسّ شرف شخص في غير نصح ولا تذكير، فالإسكات من حقوق الرئيس.

ـ[المادة:14]ـ: طلب الكلام يكون برفع السبّابة اليمنى، والكلام في الاقتراحات يواجَه به الرئيس، وفي المعارضة يقابل به المعارض.

ـ[المادة:15]ـ: كل من عاقه عائق عن الحضور فعليه أن يكتب بعذره للرئيس، ويُعتبر المعتذر حاضرًا في تكميل النصاب لا في التصويت.

ـ[المادة:16]ـ: الجمعية العمومية لا تُعتبر منعقدة إلّا إذا حضرها ثلثا الأعضاء العاملين المقيدين في الديوان الدافعين لقيمة اشتراكهم، والمجلس الإداري لا تُعتبر مقرّراته قانونية نافذة إلّا إذا حضره ثلثا الأعضاء الإداريين.
(1/77)

ـ[المادة:17]ـ: يتألف المجلس الإداري من رئيس ونائبين، وكاتب عام ونائبين، وأمين مال ومساعدَيْن، وحافظ أوراق ومراقب، وسبعة مستشارين. والزيادة في عدد المستشارين من خصائص الجمعية العمومية، ولا يزيد عدد أعضاء المجلس الإداري على واحد وعشرين، وتسند وظيفة حافظ الأوراق إلى كاتب اللجنة الدائمة.

ـ[المادة:18]ـ: يحضّر المجلس الإداري في الجلسة الأولى من كل سنة برنامجًا إجماليًا بالأعمال التي يتناولها في تلك السنة على الترتيب، ويكتبه الكاتب في "ديوان الأعمال"، ويبدأ بالمفاوضة ثم التقرير ثم التنفيذ، وتسمّى الأعمال - مما دامت في دور المفاوضة - أعمالًا محضّرة، فإذا أقرّها المجلس الإداري سُمّيَت أعمالًا مقرّرة، فإذا نفّذها سُمّيت أعمالًا منفّذة، ولا يجوز للمجلس أن يخالف ترتيب البرنامج.

ـ[لمادة19]ـ: يجب أن يكون للمجلس الإداري أربعة دفاتر: واحد رسمي وثلاثة عادية، وعلى هذه الدفاتر يتوقف ضبط أعماله: الأول يثبت فيه الأعمال المحضّرة بمثابة مسودات ويسمّى ديوان الاقتراحات، والثاني يثبت فيه الأعمال المقرّرة ويسمّى ديوان المقرّرات، والثالث يرسم فيه أسماء الأعضاء، كل طبقة على حدة على هذا الترتيب: أعضاء الطبقة الأولى- أعضاء الطبقة الثانية- أعضاء الطبقة الثالثة- أعضاء مؤّيدون، والرابع تضبط فيه الحسابات المالية على الطريق المتعارف. وتجب المحافظة على هذه الدواوين كلها حتى ديوان الاقتراحات لأن ما لم يتقرّر اليوم قد يتقرّر مرّة أخرى، فيكون ذلك الديوان دستورًا للمجلس الإداري يرجع إليه عند اللزوم.

ـ[المادة:20]ـ: يرسم ديوان الأعضاء على الصورة الآتية: يكتب على الصحيفة اليمنى اسم المشترك ولقبه ونسبه وطبقته، والمبلغ الذي يشترك أو يتبرّع به سنوًيا، وعنوانه مضبوطا بالقلمين العربي والفرنسي في أودية مفصولة بخطوط قائمة، ويترك ما بقي من الصحيفة اليسرى ليكتب فيه ما يحتاج إليه من الملاحظات.

ـ[المادة:21]ـ: يرسم الكاتب في دفتر الاقتراحات أسماء الحاضرين من الأعضاء الإداريين إن كان النصاب تامًا، ويذكر أسماء المتخلفين، ثم يرسم تاريخ الجلسة: يسمّي الساعة ونسبتها من اليوم، ويسمّي اليوم ونسبته من الشهرين العربي والإفرنجي، والسنتين كذلك، ثم يرسم الموضوع وافتتاح الرئيس، ثم يرسم جميع المفاوضات إيرادًا ونقضًا، ثم يرسم ما قرّ عليه القرار، وبرسم ساعة انفضاض الجلسة. فإن تقرر الموضوع نقله إلى دفتر المقررات ملخصًا مقتصرًا فيه على ما به الحاجة، ولا لزوم لنقل الآراء والإيرادات والاعتراضات.

ـ[المادة:22]ـ: التقرير في الموضوع المختلف فيه يكون بأغلبية الأصوات، فإن تساوى الطرفان عددًا فالطرف الذي فيه الرئيس مرجح، والتصويت برفع الأيدي، وطلب التصويت من خصائص الرئيس ولا يلتجئ إليه إلّا إذا لم يكف الدليل ولا الإقناع في إرجاع المخالف.
(1/78)

ـ[المادة:23]ـ: الأعضاء الإداريون متبرعون بأعمالهم، فلا يتقاضون من الجمعية شيئًا في مقابل العمل الإداري، ولا يعفون من دفع اشتراكاتهم، ولا تشمل هذه المادة من توظّفهم الجمعية في وظائف خاصة كالتعليم.

ـ[المادة:24]ـ: انتخاب الجمعية العمومية للمجلس الإداري يكون على الكيفية الآتية: بعد نهاية الأعمال المتقدمة في المادة … تنصّب الجمعية كبر الأعضاء سنًّا رئيسًا مؤقتًا، وكاتبًا من أصغرهم سنًا، ويقف رئيس المجلس المنحل فيعرض على الجمعية قائمة المجلس القديم ويطلب منها تجديد انتخابها، فإن قبلتها بالإجماع أو الأكثرية فذاك، وإلّا فيزيد فيها وينقص منها، وتتكرر العملية حتّى يحصل الوفاق، ولا يحضر الانتخابات إلّا الأعضاء العاملون المبيّنة أوصافهم في المادة …، ولا يحضره الأعضاء المؤيّدون.

ـ[المادة:25]ـ: إذا نقص عدد الأعضاء الإداريين لموت أو عذر يقبل معه الاستعفاء فلا يُعاد الانتخاب للكل ولا للبعض، إلا إذا نقص العدد على النصاب المقرر وهو ثلثا المجموع.

ـ[المادة:26]ـ: لا يتساهل المجلس الإداري في قبول الاستعفاء من عضويته، ولا يقبل الاستعفاء إلا بعد مراجعة المستعفي وتحقق عذره، وقبول الاستعفاء من المقررات التي تتوقف على رأي أكثرية المجلس.

ـ[المادة:27]ـ: رئيس المجلس الإداري هو الذي يمثل الجمعية أمام القضاء طالبة كانت أو مطلوبة، وعند جميع المراجع الرسمية كذلك، لكن لا يعتبر ناطقًا باسمها إلّا فيما يوافق منهاجها أو يجلب لها مصلحة، ولا يعتبر كلامه حجة عليها إلا إذا وافق عليه المجلس الإداري، وعليه فكل مقام يستلزم التروي والتثبّت يجب عليه أن لا يتكلم فيه إلا بعد استشارة المجلس الإداري.

ـ[المادة:28]ـ: لا يجوز لأحد أن يردّ على ما يُكتب ضد الجمعية إلّا بعد الاستئذان من المجلس الإداري، ومن فعل بدون ذلك ولو في مصلحتها فالجمعية توليه ما تولّى ولا تكافئه ولو بكلمة شكر.

ـ[المادة:29]ـ: لا يجوز لأحد أن يتكلم باسم الجمعية في ما يخالف خطتها أو يجر لها أذى، ومن فعل فالعهدة عليه وحده والجمعية بريئة منه.

ـ[المادة:30]ـ: انتخاب الجمعية العمومية للمجلس الإداري توكيل شرعي نافذ، لا ينحل ولا يفسخ إلّا بانقضاء المدة المقررة.

ـ[المادة:31]ـ: تطبع الجمعية بطاقات صغيرة من المقوى على شكل أوراق التعريف، وتعطيها مجانًا للأعضاء الإداريين والأعضاء العاملين من الدرجات الثلاث وللأعضاء المؤيدين كشهادة بانتسابهم إليها، يمضيها الرئيس والكاتب العام ويوضع عليها ختم الجمعية، وتذكر فيها ميزاتهم.
(1/79)

ـ[المادة:32]ـ: للأعضاء الإداريين حق المراقبة العامة على أصحاب الأعمال الخاصة من معلمين ومحصلين، لا في مناطقهم الخاصة فقط، بل في عموم القطر، ومن واجبهم أن يبدوا ملاحظاتهم في هذا الصدد في كل اجتماع إداري، فإن رأوا خللًا أو تقصيرًا في سير الأعمال والسكوت عنه يؤدي إلى نتائج سيئة فذلك من دواعي عقد الاجتماعات الاستثنائية، ليُبادِروا حسم الداء قبل إعضاله.

ـ[المادة:33]ـ: كل اقتراح يُقدّم للجمعية من سائر الأعضاء- عاملين كانوا أو مؤيدين- يجب أن يكون مكتوبا وممضى باسم صاحبه، وعلى حافظ الأوراق أن يرتب الاقتراحات ويقدمها للمجلس الإداري، ويستثنى من اشتراط الكتابة الاقتراحات التي تلقى وقت انعقاد الجلسات فإن المشافهة فيها تكفي، وعلى الكاتب العام أن يكتبها في ديوان الاقتراحات.

ـ[المادة:34]ـ: إذا اقتضى الحال أن تكون الجلسة سريّة أمر الرئيس كل من في قاعة الاجتماع بالخروج، ولا يبقى إلّا الأعضاء الإداريون، ويسوغ لكل عضو إداري أن يطلب سرية الجلسة إذا كان هناك مقتضى، وللرئيس وحده أن يُحضِر في الجلسات السرّية مَن في حضوره مصلحة.

ـ[المادة:35]ـ: تؤسّس الجمعية مراكز فرعية تسمىّ شُعَبًا في كل بلدة من بلدان القطر، وتقوم كل شُعبة على رئيس وكاتب وأمين مال وأعضاء مستشارين لا ينقص عددهم على خمسة ولا يزيد على عشرين.

ـ[المادة:36]ـ: تسمى عاصمة الجزائر بالنسبة للجمعية مركزًا عامًا، وتُسمىّ الشُّعَب مراكز فرعية.

ـ[المادة:37]ـ: أعمال هذه الشُّعَب إدارية محضة تأتمر فيها بأوامر الجمعية، ولا حق لها في التقرير مباشرة، وشأنها في الأمور العملية الوقوف عند حدّ الإرشاد والتنبيه، ووظيفتها تنحصر فيما يأتي:
- تقييد المشتركين التابعين للشُّعبة وتُرسل القوائم إلى المجلس الإداري.
- موافاة المشتركين المجلس الإداري بتقارير وافية على أكثر البدع فُشوًّا في ناحيتهم، ليسعى في محاربتها بإرشاد الشعبة.
- إعانته على تأسيس ما يؤسسه من المكاتب القرآنية في نواحيهم.
- إرشاد المجلس الإداري إلى كيفية تنفيذ مقاصده في تلك الناحية.
- تقوية الثقة بالجمعية في نفوس العامة وتحسين سمعتها عندهم.

ـ[المادة:38]ـ: رئيس الشعبة هو وحده المسؤول أمام المجلس الإداري في كل ما يُعدّ من أعمال الجمعية، ويتفرّع على هذا أنه هو القابض لمال الجمعية، فيجب أن يمضي الوصولات بخطه وأن لا يترك مال الجمعية عنده أكثر من أسبوع.
(1/80)

ـ[المادة:39]ـ: من واجبات رؤساء الشُّعب وكتّابها وأمناء ماليتها أن يكتبوا كل ما تقتضيه وظيفتهم المفصّلة في المادة السابقة في ديوان خاص يحتفظون به، وينقلون منه محاضر يمضيها الرئيس والكاتب وأمين المال يرسلونها إلى المجلس الإداري قبل خمسة عشر يومًا لانعقاده.

ـ[المادة:40]ـ: الاجتماعات في الشُّعَب موكولة إلى اختيار رؤسائها بشرط أن يرسلوا تقاريرهم في الأجل المبين في المادة السابقة.

ـ[المادة:41]ـ: يسوغ للأعضاء الإداريين أن يكونوا رؤساء شُعَب في المناطق التي ينتسبون إليها.

ـ[المادة:42]ـ: العضو العامل هو كل عالم مسلم محصّل لعلمه باللغة العربية، جزائري الموطن، وكل متعلم بالشروط المذكورة وإن لم يصل إلى درجة العالميّة، وكل شاب حافظ للقرآن بالشروط المذكورة، ساع في التعلّم راغب فيه، فهذه ثلاث طبقات.
والعضو الإداري هو كل عالم مسلم محصّل لعلمه باللغة العربية، جزائري الموطن، مقتدر على القيام بالأعمال الإدارية، ذو مواهب تؤهّله للخدمة العامة، معروف بالاستقامة والإخلاص للعلم، سواء كان تعلّمه في القطر الجزائري أو خارجه، وسواء كانت شهادته العلمية رسمية أو عرفية.

ـ[المادة:43]ـ: دخول الطبقات الثلاث في الجمعية واجب أدبي يتحاض عليه جميع أفراد تلك الطبقات ويتواصون به، ولكن لا يتحقق ذلك الدخول ويعتبر قانونيا إلّا بطلب كتابي اختياري، ولا يُعتبر الطلب إلّا إذا كان مصحوبا بدفع قيمة الاشتراك السنوي وتقييد اسمه في الديوان المعدّ لأسماء الأعضاء العاملين، ولا يحصل الطالب على لقب عضو عامل في جمعية العلماء إلّا بعد وضع اسمه في الديوان.

ـ[المادة:44]ـ: يترقّى الأعضاء العاملون من الدرجة الثالثة إلى الثانية بالتقدم في العلم وزيادة التحصيل وبالاجتهاد والمثابرة، ويترقى أعضاء الدرجة الثانية إلى الأولى بظهور أثر كتاب نافع أو القيام بمحاضرات نافعة أو بتعليم منتج أو بالتحصيل على شهادة رسمية من أحد المعاهد الإسلامية. وحق الترقية من خصائص المجلس الإداري وهو يستمدّ معلوماته في هذا الشأن من تقارير رؤساء الشُّعَب.

ـ[المادة:45]ـ: يتساوى الأعضاء العاملون من جميع الطبقات في واجب مادّي وهو دفع الاشتراك المقرّر، وفي واجب أدبي وهو الإخلاص للجمعية، ويتساوون مع ذلك في حق وهو انتخاب المجلس الإداري وفي واجب وهو واجب المراقبة والنقد. ويمتاز أعضاء الدرجة الأولى بحق وهو الترشيح للعضوية الإدارية، وبواجب وهو تنفيذ أغراض الجمعية ومقاصدها.
(1/81)

ـ[المادة:46]ـ: من واجبات كل عضو أن يخلص للجمعية، وآية الإخلاص أن يذيع سمعتها في الأوساط العامية ويقوم بالدعاية لها والتنويه بها والإشادة بذكرها، ولا يدخر وسعًا في تعزيز جانبها.

ـ[المادة:47]ـ: من واجبات كاتب الجلسة أن يقرأ بإذن الرئيس في افتتاح كل جلسة كل الاقتراحات التي وقعت في الجلسة الماضية ولم يفصل فيها بإلغاء ولا تقرير، ولا لزوم لقراءة ما ألغي ولا ما قرر منها.

ـ[المادة:48]ـ: من واجبات الكاتب أن يقرأ على الجمعية العمومية مقررات السنة الماضية ومنفذاتها بقصد الإعلام والإبلاغ، ولا حق للجمعية في معارضة شيء مما قرر ونفّذ.

ـ[المادة:49]ـ: من واجبات أمين المال أن يقرأ على الجمعية العمومية ميزان السنة الماضية بالتفصيل بعد أن يقرّرها المجلس الإداري بقصد الإعلام والإبلاغ، ولا حق لها في معارضة ما قرّر، ومن واجباته أن يقرأ عليهم الاعتمادات التي يلزم صرفها للسنة المقبلة، ولهم الحق في إبداء الملاحظات الفردية، ومن وظيفة الكاتب أن يدوّنها إذا كانت سديدة.

ـ[المادة:50]ـ: من واجبات المراقب العام أن يقف بنفسه على تنفيذ ما يقرر المجلس الإداري تنفيذه من الأعمال على الوجه الذي يريده مع الحزم والتدقيق في التنفيذ، وعليه أن يرحل إلى الآفاق لذلك، ونفقاته اللازمة في التنقلات من صندوق الجمعية على التفصيل الآتي في فصل المالية.

ـ[المادة:51]ـ: من واجبات حافظ الأوراق أن يرتّب الملفات والوثائق، وبجمع قصاصات من كل ما يُكتب في شأن الجمعية في الصحف والمجلات العربية والفرنسية، بعد أن يكتب على تلك القصاصات بالحمرة تاريخ تلك الجريدة وعددها واسمها.

ـ[المادة:52]ـ: من واجبات الكاتب العام أن ينشر جميع مقررات المجلس في الصحف العربية لزومًا وفي الفرنسية إن اقتضى الحال ذلك، بإمضائه في مدّة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ انفضاض الاجتماع، ولا حجّة على الجمعية في كل ما يترجم على أنه من أعمالها ومقرراتها إلّا إذا كان بقلم كاتبها أو بأمره وتحت مسؤوليته.

ـ[المادة:53]ـ: من أعمال المجلس الإداري وضع ملفات لكل موظفيه من معلّمين ومحصلين تُدوّن فيها أطوارهم وسيرهم.

ـ[المادة:54]ـ: كل ما وقع في هذه اللائحة من الأسماء الدالّة على مدلولات خاصة كالشّعْبة والطبقة والمركز والديوان فهي أسماء رسمية واصطلاحات خاصة مقصودة يجب استعمالها في كل ما تكتبه الجمعية أو يكتب لها، ولا يجوز تبديلها بما يرادفها.
(1/82)

الفصل الثاني: لجنة العمل الدائمة:
ـ[المادة:55]ـ: حدّد القانون الأساسي وظيفة هذه اللجنة وبيّنها أوضح تبيين، فأعمالها إنما هي أعمال ترتيب وتحضير لشيء موجود، فلا يلزمها وضع ديوان خاص ولا إدارة خصوصية، بل إدارة المجلس الإداري هي إدارتها.

ـ[المادة:56]ـ: اللجنة الدائمة وكيلة عن المجلس الإداري في دائرة محدودة، وكاتبها هو حافظ أوراق الجمعية، وعليه فهي مسؤولة أمام المجلس الإداري عن أداء تلك الوظيفة، وكاتبها مسؤول وحده في خصوص وظيفته.

ـ[المادة:57]ـ: اللجنة الدائمة في الجزائر العاصمة وأرباضها تُغني عن شُعْبة فرعية فيها، فلها وظيفتان: وظيفتها الأصلية التي أسست لأجها، ووظيفة شعبة فرعية، ومن هذه الجهة الثانية يجب أن توضع في قائمة الشّعَب، وتقوم بالأعمال التي تقوم بها الشعَب على التفصيل المتقدم في المواد…… من الفصل الأول.

ـ[المادة:58]ـ: اللجنة الدائمة لا تعتبر منحلّة أو مستغنى عنها إلّا إذا اتفقت إقامة أربعة من أعضاء المجلس الإداري بمدينة الجزائر على الدوام، وهم الرئيس أو أحد نائبيه، والكاتب العام أو أحد نائبيه، وأمين المال أو أحد مساعديه، وعضو مستشار.

ـ[المادة:59]ـ: تعيين اللجنة الدائمة تابع لانتخاب المجلس الإداري، ومدّتها تابع لمدته، وأسماء أعضائها توضع في قائمة المترشحين للعضوية الإدارية ولكن بعنوان "اللجنة الدائمة" وانتخاب الجمعية العمومية لهيأة المجلس تستلزم تعيين هذه اللجنة بالشروط المذكورة في القانون الأساسي، وكلما نقص منها عضو فمن حق المجلس الإداري تعيين آخر بدله بعد استشارته للأعضاء الباقين من اللجنة.

ـ[المادة:60]ـ: يحسن حضور أعضاء اللجنة الدائمة في كل اجتماع إداري- ما عدا الجلسات السرّيّة- ليطلعوا على المباحثات مباشرة وليكونوا على بصيرة من أعمالهم، وقد يكون حضور الرئيس والكاتب لازمًا.

ـ[المادة:61]ـ: أعضاء اللجنة الدائمة متبرعون بأعمالهم كالأعضاء الإداريين.

ـ[المادة:62]ـ: إذا اضطرت اللجنة الدائمة إلى مخاطبة أحد الأعضاء الإداريين كالكاتب العام أو أمين المال فيما يتعلق بوظيفتيهما فلا يسوغ لها أن تخاطبه رأسًا، بل يجب عليها أن تخاطب رئيس المجلس الإداري وهو يحول الخطاب إلى صاحبه بعد أن يمضيه ويلاحظ عليه، وذلك ليكون للرئاسة معناها وهو الإطلاع على كل ما يجري في الجمعية.

ـ[المادة:63]ـ: وإذا اضطر أحد الأعضاء الإداريين إلى مخاطبة اللجنة الدائمة فلا يخاطبها رأسًا بل يجب عليه أن يخاطبها بواسطة الرئيس وهو يحوّل الخطاب إليها بعد إمضائه.
(1/83)

الفصل الثالث: مقاصد الجمعية وغاياتها وأعمالها:
قواعد عامة - المقاصد الأولى - المقاصد الثانوية - الأعمال التطبيقية - كيفية تنفيذها - وسائل التنفيذ.

ـ[المادة:64]ـ: تجري الجمعية في جميع أعمالها الآتية على أربع قواعد: تقديم الأهم على المهم - ما لا يدرك كله لا يترك كله - درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة - قليل العمل خير من كثير القول.
وتجري في الديني منها خاصّة على الرجوع إلى صريح الكتاب وصحيح السنّة، ثم الرجوع إلى الإجماع الثابت والقياس الجلي فيما لا نصّ فيه، ثم الترجيح فيما اختلفت فيه الأنظار والاجتهادات.
وتجري في الاجتماعي منها خاصّة على قواعد: ما كل قديم ينبذ ولا كل جديد يؤخذ، وأن مستقبل الأمة إنما يُبنى على ماضيها، وأنه لا تنافي بين الإسلام والمدنية الصحيحة بل هو روحها وخلاصتها إذا أقيم على وجهه الصحيح، وأن نواميس الكون هي سنن الله فيه، وأن الأخذ بأسباب الحياة هو تحقيق لحكمة الله في تلك السنن، وأن تجديد الأمة الجزائرية إنما هو في غير ما هي به مسلمة وفي غير ما هي به عربية.
وتجري في الدعوة إلى الله على قدم سيد الدعاة - صلى الله عليه وسلم - المنزّل عليه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}.
وتجري في حجاجها ومناظراتها على الاستدلال البرهاني ثم الإقناعي ثم الخطابي، وتعدل عن الشعريات والسوفسطائيات، كما تعدل عن المواربة إلى الصراحة وعن اللجاجة إلى الإنصاف من نفسها.
وتجري في توزيع الأعمال والوظائف على اعتبار الكفاءة والأهلية. وتجري في وزن الرجال وأقدارهم على اعتبار أعمالهم لا على تقدم أعمارهم.

ـ[المادة:65]ـ: أول مقاصد الجمعية طائفة العلماء والطلبة باستعمال كل الوسائل لحملهم على التخلق بالأخلاق الإسلامية، وتذكيرهم بما غفلوا عنه وأهملوه من الأخوة الدينية والأخوة العلمية وما تقتضيانه من واجبات وحقوق، وحملهم على الاتحاد والتعاضد ونبذ الشقاق والتقاطع حتى يكونوا مظهرًا للفضائل الإسلامية، عاملين بالحق هُداة به دُعاة إليه، فهم من الأمة بمنزلة القلب من الجسد: تصلح إذا صلحوا وتفسد إذا فسدوا.

ـ[المادة:66]ـ: الأمة الجزائرية أمّة إسلامية عريقة في إسلامها، فالإسلام هو دينها الذي تفاخر به وميراثها الخالد، والعربية لغة كتابها ومستودع آدابها وحكمتها، فالجمعية تريد أن ترجع بهذه الأمة- من طريق الإرشاد- إلى هداية الكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح لتكون ماشية في رقيّها الروحي على شعاع تلك الهداية.
(1/84)

ـ[المادة:67]ـ: تتذرع الجمعية بكل الذرائع لإحياء فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجههما الديني، ومن الوسائل التي تستخدمها لهذه الغاية:
أولًا: تأليف لجان مؤقّتة بحسب ما يسعه الجهد، ولو من العوام المتدينين، يقومون بالدعوة اللسانية لترويج هاتين الفريضتين.
ثانيًا: تحقيقها بالفعل بين أعضاء الجمعية فتأخذ في شرطها عليهم أن لا يفترق اثنان منهم من اجتماع إلّا عن تآمر بمعروف وتناهٍ عن منكر، وتواص بالحق وتواص بالصبر.
ثالثًا: الإيعاز إلى الصحف أن تكتب هاتين الجملتين بحروف كبيرة، مجردة أو مقرونة بجمل تقتضي التآمر والتناهي والتواصي، وللكتّاب أن يتعاهدوا هذا الموضوع بالكتابة فيه.
رابعًا: الإيعاز للمدرّسين أن يطرقوا هذا الموضوع في دروسهم، وللمفسّرين منهم أن يفسروا الآيات الكثيرة الواردة في هذا الموضوع ويبيّنوا آثار ترك هاتين الفريضتين في الأمة.
خامسًا: الإيعاز إلى شعراء الملحون أن ينظموا قصائد ومقاطيع تتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وتسعى الجمعية في نشرها بين العامّة وترغيبهم في حفظها.
سادسًا: طبع كراريس تجمع الآيات الواردة في هذا المعنى والأحاديث الصحيحة وأقوال الحكماء من الشعراء ونشرها بين الناس مجّانًا.
سابعًا: الإيعاز إلى مَن فيه الأهلية من خطباء المساجد أن يتناولوا هذه المواضيع في خطبهم.
ثامنًا: ومن أهم وسائل الجمعية لنيل غايتها تسمية مَن فيه الكفاءة من أعضائها وُعّاظًا مرشدين لترسلهم على نفقتها إلى نواحي القطر، وتنظم لذلك رحلات تراعى فيها عدّة اعتبارات: أن تلقى المحاضرات بلغة عامية أو قريبة من العامية، وأن يكون المحاضر المتجول مبشّرًا لا منفرًا، وأن لا يخرج في أحاديثه الخاصة والعامة على منهاج الجمعية، وأن يكون ملمًّا بالدخائل النفسية لسكان تلك الناحية حتى يعرف من أين يأتيهم، وأن يكون ممثلًا للجمعية بقوله وفعله وحاله، ومن الكمال أن يكون لكل مرسَل علاقة شخصية بالناحية التي يُرسل إليها أو ذكر شائع أو سمعة حسنة، وتنظيم هذه الرحلات وتحديد المواضيع التي يقع فيها الكلام وتحديد أوقاتها من خصائص المجلس الإداري.

ـ[المادة:68]ـ: بهذه الوسائل نفسها تتوسّل الجمعية لإماتة البدع والخرافات المخالفة للدين، ولإحياء السنن الصحيحة الثابتة، ولمقاومة المحرمات الضارة كالخمر والميسر والزنا والسرقة، وقتل النفس، والتزوّج في العدة، وعضل البنات، وكل أموال اليتامى، والرشوة، وحرمان النساء من الميراث، وحبس المطلقات عن التزوّج، والإسراف في
غير الخير، والعوائد الفاشية في المآتم والأعراس، والكذب والغيبة والنميمة، وتعويد اللسان على الطلاق واليمين. ولإقامة الفرائض المتروكة كالصلاة والصوم والزكاة.
(1/85)

ـ[المادة:69]ـ: تدرس الجمعية أحوال المجتمع الجزائري من جميع جهاتها الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، وتعهد إلى مَن فيه الكفاءة من أعضائها- واحدًا أو أكثر- بوضع برنامج واسع مفصّل وافٍ ببيان أصول العلل وكيفية معالجتها على وجه تألفه نفس الجزائري، فلا ينفع الدواء إلّا إذا عُرفت حقيقة الداء، ولا تُعرف حقيقة الداء إلّا بمعرفة أسبابه ومناشئه، والحكيم من عالج المرض بإزالة أسبابه، ومن واجبات الواعظ أن يعظ الناس على قدر استعدادهم، ومعرفة ذلك الاستعداد متوقف على تفهّم نفسية الأمة، فإذا فهم العالم نفسية الأمة عرف كيف يقودها إلى الخير وعرف أي طريق تؤخذ منه. وهذا نموذج يمهّد السبيل أمام واضعي البرنامج:
نبدأ بإصلاح العقيدة مثلًا. والعقيدة الحقّة لها ميزان دقيق وهو الكتاب والسنّة، فإذا عرضنا كثر عقائد الناس على ذلك الميزان وجدناها طائشة، فأي سبيل نسلكه لتقويمها، إن اقتصرنا على بيان العقيدة الصحيحة واجتهدنا في إقامة الأدلّة، فإن التأثير يكون قليلًا لأن النفوس قد اصطبغت بعوائد وتقاليد مستحكمة، والفِطر قد فسدت بما لابَسَها من خرافات وأوهام. فالواجب إذن أن نبدأ بمحاربة تلك البدع والخرافات بطرق حكيمة تقرب من أذواق الناس، فإذا ماتت البدع والخرافات وصَفَت الفِطر من ذلك الشوب سَهُلَ تلقين العقيدة الصحيحة وتلقّتها النفوس بالقبول.

ـ[المادة:70]ـ: يبتدئ البرنامج ببيان الأسباب التي أدّت بالناس إلى الإعراض عن الكتاب والسنّة وأبعدتهم عن هدايتهما، ثم ببيان ما يلزم سلوكه لإرجاعهم إلى تلك الهداية، ثم يبيّن الأقسام الأربعة التي انبنى عليها الإسلام وهي: العقائد، والعبادات العملية، والمعاملات، والأخلاق. ويبيّن نصيب الأمة الجزائرية من كل واحد منها، ويبيّن أثر الدين في الاجتماع.

ـ[المادة:71]ـ: تضع الجمعية خريطة للقطر الجزائري تبيّن فيها مناطق العمل، وتُتبعها بفهارس تبيّن فيها خصائص كل منطقة وما يغلب على أهلها من أخلاق صالحة أو فاسدة، ودرجة استعدادهم للخير والشرّ وأسباب ذلك، وما يكثر في كل منطقة من البدع والتقاليد الموروثة، وأثر تلك التقاليد في مجتمعهم الخاص. فإذا أنجزت الجمعية هذا العمل تكون قد مهّدت الطريق لنفسها وأنارت السبيل، وربحت من الوقت في المستقبل أضعاف ما تضيعه في وضع هذه الخريطة وملحقاتها، وأمنت على أعمالها أن تسير على غير منهاج وعلى أوقاتها أن تضيع عبثًا وعلى أموالها أن تنفق في غير مفيد.

ـ[المادة:72]ـ: ظهرت في السنين الأخيرة حركة مباركة في هذا القطر تجلّت في شيئين: تأسيس جمعيات التعليم والبرّ والإحسان، وتأسيس المساجد في المدن والقرى. فدلت هذه الحركة على تطوّر فكري في الأوساط العامية متّجه إلى الدين، وقد تكون هذه الحركة من الإرهاصات السابقة لوجود جمعية العلماء. فمن واجب الجمعية أن تغتنم هذه الفرصة وتعمل
(1/86)

لتنشيط تلك الحركة أولًا والأخذ بيدها ثانيًا، وتدريجها في مدارج الكمال حتى تنقلها من حسن إلى أحسن ثالثًا.
وللجمعية في الوصول إلى هذه الغاية أن تتقرّب من تلك الجمعيات بالهداية والإرشاد حتى يصبح أعضاؤها والقائمون بها من أعضاء جمعية العلماء عملًا وتأييدًا- وهم أحق بها وأهلها- ثم تنظر في وجوه البر التي كانت تؤديها فتوجهها إلى ما هو داخل دخولًا أوليًا في مقاصد الجمعيات وهو التربية والتعليم، ولا يمضي زمن حتى تصبح تلك الجمعيات منابع تربية وثقافة. وهذه الجمعيات قوات موزّعة وقد أفادت المجتمع وهي متفرقة، فكيف بها إذا اجتمعت؟ وقد أفادت في خدمة الأبدان، فكيف بها إذا توفرت على خدمة الأرواح؟ وعلى الجمعية أن تسعى في تعمير هذه المساجد الجديدة وتصييرها معاهد علمية يقوم مدرّسوها وخطباؤها بتنفيذ مقاصد الجمعية على أحسن الوجوه، وإذا سارت الجمعية في هذا السبيل سيرًا موفقًا رشيدًا فلا يمضي قليل زمن حتى تمحى البدع والمنكرات.

ـ[المادة:73]ـ: كانت الحركة التي ذكرناها سببًا في ظاهرة جديدة وعاطفة شريفة ماتت من صدور المسلمين الجزائريين منذ أحقاب، وهي وقف الأملاك على المساجد والمدارس وكل المشاريع الخيرية، فكثيرًا ما سمعنا بعد ظهور الحركة الأولى ما يشف عن رغبتهم في إحياء هذا النوع من المبرّات، فعلى الجمعية أن تشجع هذه العاطفة الشريفة وتنظرها بعين الروية والاهتمام، وإذا كان في القانون الدولي (1) تشريع يقتضي حفظ هذه الأوقاف فإن الأغنياء ينشطون لإشراك الفقراء فيما آتاهم الله.

ـ[المادة:74]ـ: تُعنى الجمعية بترغيب أعضائها العاملين في اقتناء الكتب النافعة كأمهات التفسير والحديث وفقهه واللغة والأدب والأخلاق والتصوّف العملي والتاريخ، وترشدهم إلى أعيانها وتُرغبهم في المطالعة، والغرض من ذلك هو تنمية ملكة الاستحضار والوصول منها إلى العلم الاستدلالي.

ـ[المادة:75]ـ: تعنى الجمعية وتوصي كل مَن فيه الكفاءة بإحياء دروس الحديث من كتبه الصحيحة والتاريخ ومتون اللغة والأدب وعلم الأخلاق والأصول، ومن حقّها تعيين الكتب وأسلوب التدريس على التفصيل المقرّر في البرنامج التعليمي الملحق بهذه اللائحة.

ـ[المادة:76]ـ: سينفتح أمام الجمعية- في زمن قريب أو بعيد- أبواب من العمل لم تكن لها في حساب، فمن الحكمة والحزم أن تحتاط للأمر قبل وقوعه، وما ذلك إلا بإعداد طائفة من الناشئة وتلقينهم أساليب الإدارة نظرًا وعملًا لتجدهم في يوم من الأيام عونًا لها في إدارة المؤسسات من مكاتب وملاجئ ومحميات، ومن المسلّم أن هذا النوع من النظم الاجتماعية
__________
1) نسبةً إلى الدولة.
(1/87)

وهو الإدارة ينقصنا جدًا، وإذا سهل على الجمعية أن تجد معلّمين نظاميّين لمكاتبها القرآنية فإنه لا يسهل عليها أن تجد مديرًا لمكتب جامعًا للشروط.
وتحقيقًا لهذه الغاية فالجمعية تستدعي الشبّان النابهين الذين يرون في أنفسهم حافزًا للقيام بالأعمال الاجتماعية أن يحضروا في جميع جلساتها ويشاهدوا أساليب العمل. وتعدّ ذلك خطوة أولى تخطوها لتحقيق هذا الغرض.

ـ[المادة:77]ـ: تسعى الجمعية في تكثير عدد المكاتب القرآنية على التدريج في أهم مراكز القطر، ويحتوي برنامجها على تعليم الخط العربي والنحو والصرف وحفظ القرآن مع تفهيم مفرداته وضروريات الدين والأخلاق الإسلامية، وتختار من كتب التعليم أقربها للإفادة، وتأخذ الأساتذة بتنفيذ ذلك البرنامج على وجه الدقّة.

ـ[المادة:78]ـ: تعهد الجمعية إلى جماعة من العلماء المستقلين في علم الدين- تسميهم لجنة الإفتاء- ليكتبوا في المسائل التي عمّت فيها البلوى وكثر فيها خلاف الناس، وكانت مثار نزل مستمرّ وجدال مستمر بين الأمة حتى دخل في المعمعة مَن يحسن الكلام ومن لا يحسنه، مثل مسائل الربا والمزارعة والقراض والأوراق المالية، والروائح واللحوم والشحوم الأجنبية، وطعام الكتابي والمطالبة بالأرش على الضرر الأدبي، والتقليد في رؤية الهلال وغير ذلك، وتكون الكتابة على أسلوب البحث والاستدلال ونقد الأدلّة، ثم يبيّنوا للناس حكم الشريعة في هذه المسائل بعد فحص الجمعية لها لإجازتها، وتنشر تلك الكتابات باسم الجمعية حتى تكون فصلًا في محلّ النزاع.

ـ[المادة:79]ـ: من الحاجيات للجمعية أن تكون لها مجلة تنشر محاضراتها ومقالاتها العلمية، وحيث أنها في طور التأسيس فهي تعدّ مجلّة "الشهاب" مجلتها، وعليه فهي تعهد إلى طائفة من كتابها أن يكتب كل واحد في الفرع الذي يتقنه من فروع العلم النافعة على طريقة البحث العلمي.

ـ[المادة:80]ـ: تحارب الجمعية داء الأميّة بكل ما تملك من قوة، ومن وسائل هذه الغاية أن تعنى بتعليم ما تستطيع من اليتامى الذين عدموا الكافل، ولا تقتصر على تعليمهم الصناعة بل تتجاوز بهم إلى التعليم الصناعي ليدخلوا الحياة مسلحين بآلة من آلات الكسب.

ـ[المادة:81]ـ: من غايات الجمعية النبيلة تأسيس كلية دينية عربية بمدينة الجزائر، تدرّس فيها علوم الدين من وسائل ومقاصد، والغاية الكبرى من هذه الكلية هي تقريب العلوم التي يهاجر أبناء الوطن لتحصيلها في الأقطار الأخرى.

ـ[المادة:82]ـ: لا تتشاغل الجمعية بالمناقشات الفارغة والسفاسف التي ليس فيها ثمرة عملية، وتحثّ كل منتسب إليها متعهد سلوك سبيلها أن لا يشغل نفسه ويضيع وقته في تلك الصغائر
(1/88)

ـ[صورة الكراسة]ـ
(1/89)

والمحقرات ولغو الحديث، فالحياة أشرف من أن يكون من وظائفها اللّغو واللعب واللهو، ومن صفات المؤمنين {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، وكفى بهذا أدبًا تأخذ به الجمعية نفسها.

ـ[المادة:83]ـ: قد يكون في هذه الأمة مَن لا يروق له مشرب الجمعية أو لا يرى رأيها فيما تقرره من الأعمال، فإن كان منشأ ذلك سوء الفهم فالجمعية تسلك مع هذه الطائفة سبيل الإفهام والإقناع، وسيئ الفهم قد يحسن فهمه، وإن كان منشأ ذلك سوء القصد فالجمعية تسكت عنهم لأن سيئ القصد لا يحسن قصده إلّا بتوفيق من الله، وإذا أمنت الجمعية أن تخطئ في نفسها فلا يضيرها أن يخطئ الناس فيها.
وقد يوجد في هذه الأمة من يناصبها العداء، وواجبها نحو هؤلاء السكوت وتوكيلهم إلى الله، وحسبها ردا عليهم أعمالها، إلّا إذا وصل العداء إلى درجة إفسادها أو إفساد أعمالها، فيجب عليها أن تدفع بالتي هي أحسن.

ـ[المادة:84]ـ: بعد التأسيسات الأولية يجب أن يكون للجمعية جريدة تنطق باسمها وتعبر عن مقاصدها، وحيث أن الوقت لا يسمح بذلك فهي تنشر في الصحف الوطنية العربية قراراتها ومناشيرها.

ـ[المادة:85]ـ: يتداعى أعضاء المجلس الإداري بكلمة الأخ فلان لا غير، ويتداعون فيما يكتبون لبعضهم بكلمة الشيخ فلان، وُيعرضون عن ذلك الأدب السخيف المبني على كثرة الألقاب.

الفصل الرابع: في مالية الجمعية:
مقادير الاشتراك - التبرعات - كيفية جمع المال - كيفية حفظه واستثماره - في ماذا يُصرف.

ـ[المادة:86]ـ: مقدار الاشتراك حدّده القانون الأساسي بعشر فرنكات سنويا للأعضاء العاملين، وبخمسة وعشرين فرنكًا إلى خمسمائة فرنك سنويًا للأعضاء المؤيدين، وهذا إنما هو تحديد لأقلّ الواجب، وما زاد على قدر الاشتراك فهو داخل في باب التبرّع، وباب التبرع مفتوح ومبناه على التطوّع والاختيار وطيب النفس، والجمعية في هذا السبيل لا تخرج على المناهج الإسلامية والآداب المحمدية في الترغيب في الصدقات وبيان ما أعد الله للمصدّقين والمصدقات، وأن بذل المال في المشاريع النافعة من آيات الإيمان، وأن إنفاق العفو من المال يشيّد خالد الأعمال.

ـ[المادة:87]ـ: التبرعات قسمان: ناجزة وهي ما يدفعه المحسنون مرّة واحدة، ودورّية وهي ما يلتزم به…
ـ[هنا ينتهي الكرّاس المخطوط في ورقته 55]ـ
(1/90)

إفتتاح مسجد سطيف*
بسم الله الرحمن الرحيم
كانت فكرة تأسيس مسجد بهذا الربض من هذه المدينة هجستْ في نفوس بعض المصلحين ممن يريدون الخير لهذه البلدة، وأوّل خاطر تولدتْ عليه الفكرة في نفوسهم هو أنهم كانوا يقلبون وجوه الرأي في أي الوسائل أفعل وأي الطرق أقرب لمحاربة هذه الآفات المبيدة وهذه الجوائح المتلفة التي نسميها الخمر والقمار والفجور وأصولها وفصولها، هذه الجوائح التي طغت في السنوات الأخيرة وجاوزت حدود الستر والتعاون إلى درجة الهتك والاستهتار، وجرفت في طريقها بقية الأخلاق الصالحة والعادات المستحسنة، وأتتْ على ما هنالك من حياء وعرض، واستباحت مع الأخلاق الصالحة الأموال والأبدان.
فظهر لها- بعد إجالة الفكر وإعمال الروية- أن أنفع وسيلة لمحاربة هذه الأمراض الخطيرة هي محاربة أسبابها، ومن أقوى أسبابها ضعف الوازع الديني في نفوس المسلمين، ذلك الوازع الذي كان يفعل في النفوس التي استولى عليه ما لا يفعله السيف ولا الدرهم.
وتبيّن لهم أن الرجوع إلى الهداية الإسلامية هو الدواء الوحيد لهذه الأمراض، وأن أوكد الواجبات على كل من يريد الإصلاح لهذه الأمة هو تقوية الشعور الديني في نفوس الأفراد، لأنّ الناحية الدينية هي الناحية التي يسهل على المصلح استمالة الجمهور إليها، فإذا مال الجمهور إليها سهل جذبه بها إلى ما يراد به من خير وإصلاح.
ولكن بماذا تكون تقوية الشعور الديني وإعداد النفوس للرهبة منه والرغبة فيه؟ أَبِالكتابة في الجرائد؟ هذا زرع غير مثمر لأن القراءة مفقودة والأمة أمّية والأمر لله، أم بالمحاضرات
__________
* وجدنا في أوراق الإمام هذه المسودة لخطاب أُلقي بمناسبة افتتاح مسجد سطيف. وقد تمّ الاحتفال بافتتاح المسجد يوم 20 أكتوبر 1931.
(1/91)

والخطب؟ وهذا أيضًا سبيل غير ميسور لعدم استكمال أسبابه، أم بترتيب دروس دينية بأسلوب لا تتجافى عنه أذهان العامة، وهذا أيضًا كالأول، وإذا أمكن هذا ففي أي محل؟ انتهى بهم كل ما ذكرناه إلى لزوم تشييد مسجد جامع بهذا القسم من البلدة حيث يكثر السكان المسلمون، تتولى الإشراف عليه هيأة إسلامية محضة، ليكون المسجد نفسه دعاية إلى الخير، ولتقام فيه الصلوات وهي دعاية أخرى، وليذكر فيه اسم الله وهي دعاية ثالثة، وليكون سببًا في اجتماع المسلمين وهي دعاية رابعة.
ولا يخفى أن هذه البلدة- ولا نكران للحق- تنقصها فضيلة من أمهات الفضائل وهي الاجتماع المثمر للتعارف، وقد فاتتها بفوات هذه الفضيلة مجموعة من مجاميع الأدب الغالية وهي آداب الاجتماع، وفَاتَها بفوات ذلك كله خير عظيم وهو ما يتمتع به المجتمعون من ثمرات الاجتماع.
وهذا في الحقيقة نقص معيب وتقصير شائن، خصوصًا وهو نقص فيما نستطيع الكمال فيه، والمتنبي يقول:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئاً … كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
...
خرجتْ هذه الفكرة من القول إلى الفعل، وكان خروجها عبرة للمعتبرين، فقد كان الناس فيها فريقين: فريق غلب عليه التفاؤل وصدق العزيمة وقوة الإرادة، فكان يرى النتائج مقرونة بالمقدمات، والخواتم متصلة بالْبِدَايات، وهذه الصومعة الشاهقة تكاد تلحق بأسباب السماء والأساس لم يحفر بعد، وهكذَا فلتكن العزائم، ومئات الآلاف كأنّها منقودة ولمّا يجمع منها فلس.
وفريق غلب عليه التشاؤم، فكان يرى أن تحقيق هذه الأعمال بعيد المنال، لأنها تتوقّف على الأموال، والأموال عليها أقفال، وتتوقف على صبر متين، ووقت هو في نظرهم ثمين، وفاتهم أن همم الرجال تهدّ الجبال، وكذلك كان، فقد وُضعتْ مسألة الجامع في سوق الخير كما توضع السلعة، فكثر المشترون للثواب بأموالهم، والمصدقون للأقوال بأفعالهم.
واستبشر المؤمنون ببيعهم الذي بايعوا به، وأصبحت مسألة الجامع ميدان زحام، ومنار همّة من كل همام.
أيها السادة: إن لله في هذا الجامع حكمة، فقد كان مصداقًا للمثل الذي ضربه نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - بحال الثلاثة الذين دخلوا عليه وهو جالس مع أصحابه، فيما روينا في صحيح
(1/92)

البخاري فأقبل عليه اثنان منهم وأعرض الثالث، ووجد أحد الرجلين فرجة فجلس فيها، وجلس الأخر خلف الصف استحياءً، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديثه قال: ألا أخبركم عن الثلاثة، أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد بذل قوم في هذا الجامع أموالهم لا يرجون إلا الله والدار الآخرة، وتوقف قوم ابتلاهم الله بأن لا يخالفوا إلّا فيما اتفق عليه الناس، فكانوا سببًا في إثارة مشاكل ومعاكسات في وجه هذا المشروع عطلتْ السير ولكنها لم تأت عليه من القواعد، ومكايد ومعارضات جرحتْ ولكنها لم تصب المقتل، ولو كان شرّ هؤلاء الكائدين قاصرًا على أنفسهم لهان الأمر، ولكنهم أبوا إلّا أن يصدّوا عن سبيل الله مَن آمن به، وإلّا أن يكونوا كمن انخزل بالناس يوم أُحُد.
ولا غرابة عند العقلاء في شأن هؤلاء، فما زال الخير يُبتلى بالشرّ ليزداد الخير ثبوتًا في نفسه وثباتًا في نفوس الخيرين، وما زال الباطل يقف في جنب الحق لا ليعارضه ولكن ليكون حجّة ناطقة على أن الحق هو الحق.
أيها السادة: لقد كان في تاريخ هذا الجامع عبرة لأولي الألباب، فهو يحدثكم بالصدق أن التعاون يأتي بالعجائب، وهو يحدثكم أن الفئة القليلة تستطيع جمع الصبر والثبات وجمع الحكمة والنظام أن تأتي ما هو شبيه بخوارق العادات، وهو يحدثكم أن الباطل لا يغلب الحق وإنْ تظاهر بأعوانه وتكاثر بإخوانه، وهو يريكم رأي العين كيف يعمل الفرد للجماعة، وكيف تعمل الجماعة للأمة، وهو يحدثكم أن في هذه الأمة المسلمة المرزوءة في تربيتها وأخلاقها بقيّة خير، لو أحسن أولو الرأي منها استغلاله، ولو جروا في التصرف فيه على السداد لَجاءوها بالخير العميم، ولَمشوا بها على الصراط المستقيم.
أيها السادة: إن الرجل الوحيد الذي يعدّ بحق صاحب هذه الفكرة التي ما زلنا نبدئ القول فيها ونعيد، هو السيد الحكيم عبد القادر السماتي، رئيس الجمعية الدينية، وقد نكون ظالمين إذا سمّيناه صاحب الفكرة وسجلناها باسمه، بل هو صاحبها الذي فكّر فيها وقدّر، وهو صاحبها الذي أحكم فيها ودبّر، وهو صاحبها الذي دافع عنها وحامى، وناضل دونها ورامى، وهو صاحبها من لدن كانت في ذهنه فكرة إلى أن صارتْ على يديه جامعًا مشيّدًا، وسيبقى صاحبها بما عُرف به من جدّ وحكمة إلى أن تؤتي ثمراتها.
وإذا ذكرنا عبد القادر فإنما نذكر الإخلاص والجدّ والثبات والبصيرة، وهي خصال ما اجتمعتْ في رجل من رجالنا إلّا أخرجتْ لنا منه العمل المنظّم والتدبير المحكم، وكلَّ ذلك يجمع عبد القادر.
(1/93)

وإذا ذكرنا عبد القادر فلسنا بناسين أصحابه الذين آزروه على الخير، وأعانوه على الرشد، ووضعوا أيديهم في يده، متعاهدين على العمل إلى بلوغ الأمل، فلكل واحد منهم حظه ونصيبه في بناء هذه المنقبة الخالدة، وإنْ ننس فلا ننس فضيلة الشيخ التهامي معيزة قاضي البلدة، وفضيلة الشيخ الطيب الجودي مفتيها، وحضرة السيد بن عزوز بن الشيخ المختار عميد الجمعية وعمادها، والخيّر الفاضل السيد الأخضر بن المكّي، أجزل الله ثوابهم، وأحسن مآبهم، وجزاهم أحسن ما يجزي العاملين بالدين والعاملين للدين.
...
أيها السادة: هذا إجمال سمعتموه منا على الجانب المحسوس من هذه المنقبة الذي قام به إخوانكم أعضاء الجمعية الدينية، وهو الجانب الذي إذا عددنا أعمالهم قلنا ها هو، وإذا خرجوا عن التواضع وفاخروا به- وحق لهم الفخر- أشاروا إليه وقالوا ها هو، وإذا كذّب به مكذِّب أو ارتاب فيه مرتاب ردّ عليه الوجود بلسان فصيح: ها هو.
فاسمعوا مني إجمالًا آخر على الجانب المعنوي- الجانب المطوي في همم هؤلاء الرجال البررة- فإن لهم أعمالًا من دون هذا الجامع هم لها عاملون، ولعلّ في الكلام على هذا الجانب المطوي ما يُثير حماس الذين يسارعون في الخيرات، ويُذكي من هممهم فيزدادون احتقارًا للمال في جنب هذه الأعمال.
ولعلّ في ذكر هذا الجانب المطوي ما يذكّرنا بأفعال أسلافنا الأبرار الذين كانوا يُنفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله.
ولعلّ الجانب المطوي سيكون أروع وأبدع من هذا القسم الذي تمّ بناؤه، وأدلّ على بُعْد هِمَم القائمين بهذا العمل وإخلاصهم النيّة في خدمة هذا الوطن.
هذا الجانب الذي شوّقتكم إلى سماع الحديث عنه هو تعمير هذا الفراغ الغربي بعدّة مدارس قرآنية يُعلَّم فيها كتاب الله للبنين والبنات، وتعلّم فيها مبادئ العلوم العربية والدينية بصورة عملية مفيدة، وتخصص قاعة لمكتبة عمومية ستكون تابعة للجامع ومنسوبة إليه ومكملة له.
وتخصيص قاعة كبرى تلقى فيها محاضرات باللغة العامية في بيان ما تلزم معرفته من العقائد والعبادات والأحكام العملية والآداب الدينية والأخلاق الإسلامية العامة وخصوصًا ما يرجع إلى حسن العشرة وتربية الأولاد وسياسة الأهل والأقارب، لتكون العائلة الإسلامية
(1/94)

على أصول الاجتماع الإسلامي لتخفّف الجمعية ما استطاعت من مصائب التفكك الذي نراه في العائلات ومصائب الطلاق والعقوق.
ومحاضرات كذلك في بيان فوائد الاقتصاد والتوفير وتقبيح الإسراف والتبذير خصوصًا ما يتصل بالعموم كالإسراف في الأفراح والمآتم ويدخل في هذا الباب محاربة القمار. ومحاضرات كذلك في أصول حفظ الصحة البدنية والصحة العقلية، ويدخل في هذا الباب محاربة الخمر الفاتك بالعقول والفجور الفاتك بالأبدان.
كل ذلك على المنهج الديني في الترغيب والترهيب، والتبشير والتنفير حتى لا تخرج الجمعية عن مقصدها من تقوية الشعور الديني في نفوس سكان هذه البلدة إلى أن يرجع الوازع الديني إلى سلطانه.
وحتى لا تقع الجمعية فيما وقع فيه المتنطّعون من شبان الشرق، تركوا حكمة الدين في تحريم الخمر وزواجر القرآن في التعبير عنه والتمسوا تحريمه من قوانين أمريكا وقلدوها في تأسيس الجمعيات لمنع المسكرات.
تركوا فخرهم الذي يتيهون به على الأمم ووضعوا أنفسهم في مؤخرة الأمم وما أقبح بالمسلم أن يطلب الحكمة من غيره وعنده معدن الحكمة، وأن يتطفّل على موائد الغير وعنده الجفنة الرافدة.
أيها السادة: إن الجمعية الدينية تفخر بما تم على يدها من هذا المشروع الواسع وتعترف بأنها إنما قامت ببعض الواجب، وهي ساعية بتوفيق الله في إتمام بقية هذا الواجب وهي المدارس القرآنية، وهي تعترف بأن العهد الذي أخذته على نفسها ثقيل وأن الوفاء به أثقل، وتصرح للملإ بأنها إذا اقتصرت على تشييد الجامع فكأنها لم تصنع شيئًا، وأن الركن الأكبر لا زال مرهونًا للمستقبل وهو بناء المدارس، ثم وسائل تعمير الجميع ثم التعمير الفعلي للجميع، وما وسائل التعمير إلا المال الذي يرصد لتكون حياة الجامع مضمونة وحياة هذه المؤسسات مضمونة. وما التعمير الحقيقي إلا العلم والتعليم.
وهي على هذا تطلب من المحسنين أن يتعاهدوها بالإحسان ويمدوها بالمال فلا بقاء لهذه المؤسسات إلا بالإحسان المتواصل والمدد المتوالي.
وإنها تعد نفسها قائمة بواجب كفائي لا ترجو عليه من المخلوق جزاء ولا شكورا وقد أحسن إليها قوم وأساء إليها آخرون، فقالت للمحسنين أحسنتم وللمسيئين هداكم الله، عالمة أن من أساء اليوم سيحسن غدا إذا ظهر الحق واتضح السبيل، فهي تقابل الإساءة بالعذر تمهيدًا لمقابلة إحسانه بالشكر.
(1/95)

وتصرح بأن أعمالها مكشوفة ظاهرة لا خفاء فيها ولا سر، وأن أموالها مضبوطة بكيفية لا يدخلها الخلل ولا يتطرق إليها الريب، فليس عندها في المال رئيس ولا مَرْءُوس وقابضها هو البنك، وحسبكم بأعمال البنوك دقة ونظامًا.
وإن هذا الجامع بيت من بيوت الله، فهو وقف على جميع المسلمين، ومن نظامه أنه يفتح من طلوع الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء، فلا يمنع مصل ولا مدرس ولا متعلم، وعلى من أراد التدريس فيه أن يخبر رئيس الجمعية ويتفق معه على الساعة التي يلتزمها منعا للفوضى والاختلال.
أيها السادة: من موجبات الاغتباط والسرور أن المعنى الذي أسست لأجله الجمعية الدينية ببلدة سطيف هو بعض مما أسست لأجله جمعية العلماء، وحيث أني متشرف بكوني عضوًا في الجمعية الدينية ونائب رئيس في جمعية العلماء، فمن حقي أن أتكلم بكل صراحة أن جمعية العلماء تبتهج بالجمعية الدينية وكل ما يجري على منهاجها، وتعدّها من كبر المساعدات على نشر مبادئها وتنفيذ برنامجها، وتعد وعدا صادقًا بأنها لا تقصر في بذل النصائح الدينية والإرشادات العلمية.
وإن الجمعية الدينية تتقبل بيد الشكر كل ما يرد عليها من جمعية العلماء من النصائح والإرشادات في العدم والدين، وتعد ذلك من التواصي بالحق الذي أمر الله به في كتابه.
(1/96)

ديوان أبي اليقظان وجريدة النور*
الأخ المحترم سيدي أبو اليقظان الحاج إبراهيم حفظه الله وسدد في سبيل الحق خطاه.
سيدي:
وصلتني هديتكم اللطيفة وقد كتب عليها الإهداء بخط يدكم، فقبلت الهدية وشكرت مهديها، وهيهات ما شكري بكفاء. وما أنا بقادر على الوفاء. وما كدت أنتهي من مطالعة الديوان وأخلص من غمرة الإعجاب به والعجز عن تقريظه حتى وافتني جريدة "النور"، فكانت نورًا على نور، وانتقل الخاطر من طريقة إلى طريقة ومن خيال إلى حقيقة- هذه الحقيقة هي التي يجب أن تقف عندها الخواطر- هذه الحقيقة هي رافعة الحجاب ومثيرة الإعجاب ومزيلة السلب بالإيجاب، هذه الحقيقة هي ثباتكم والعواصف هَوْجَاء، ووثباتكم والطريق عوجاء.
أكثر الله من أمثالكم في العامدين، وجعل لكم لسان صدق في الآخرين.
ودمتم لأخيكم

البشير الإبراهيمي
__________
* جريدة النور عدد 9، في 28 جمادى الثانية 1350هـ / 10 نوفمبر 1931.
(1/97)

الشيخ محمد الطيب عميد آل الشيخ الحواس*
(رزئ عرش ريغة العظيم بفقد هذا العظيم من رجاله، ولقد كان- رحمه الله- رجل همة وشهامة وحزم وصرامة. وكان شيخ طريقة ولكنه نزيه عن أوساخ أيدي الناس، يعطي ولا يأخذ، وله أتباع كثيرون ولكنه لا يستخدمهم ولا يترفع عليهم ولا يقبل منهم ذلًا ولا خنوعًا ويأمرهم عند مقابلته بالاقتصار على المصافحة. ولما ذهبنا لعزاء إخوانه فيه، كاتب هذه السطور والشيخ البشير الإبراهيمي والسيد عبد الرحمن بن بيبي زرنا قبره للعظة والتذكر والدعاء، فألقى الشيخ البشير الكلمة التالية وهو خير ما بين صفات الفقيد رحمه الله وعزّى أهله وقومه فيه):
في هذا البسيط الواسع وعلى هذه الهضبات الشمّاء قضيت أنا والفقيد خمس سنوات كاملة من أعمارنا لم نفترق فيها إلّا لمامًا.
خمس سنوات كاملة بلونا فيها سراء الحياة وضراءها، وتقاسمنا فيها نعيم العيش وبؤسه واعترضتنا فيها الحوادث ألوانًا فكنا نقتحمها برأيين كرأي، ونصدر عنها اثنين أشبه بواحد. خمس سنوات كاملة كنا نقرأ فيها دروسًا في العلم يحضرها الناس ودروسًا أخرى في تحليل معاني الأخوة والصداقة نستجلي فيها خفايا الأنفس ومكنونات الضمائر ولا يحضر هذه الدروس إلا هو وأنا.
خمس سنوات كاملة ولكنها مرّت كأحلام النائم وانقضت أواخرها تتعثر بأوائلها ثم ضرب الدهر بضربانه وفرّقتنا الأيام بين مشرق ومغرب، وكنّا نظن أن لا فراق فصرنا نعتقد أن لا لقاء، ثم قضى الله بجمع الشمل مرة أخرى فإذا العهد هو العهد وإذا الذي بيننا لا
__________
* مجلة الشهاب، الجزء الثاني عشر، المجلد السابع، غرة شعبان 1350هـ/ ديسمبر 1931م، قسنطينة.
(1/98)

يزداد على تراخي الأيام إلا متانة ولا يزداد على انبتات الحبل إلا اتصالًا. وإذا تلك الأخلاق الشريفة التي تكوّنت منها تلك النفس الهادئة قد صادمتها الحوادث فشاب ذلك اللين شوب من الصلابة، وشاب ذلك الهدوء شوب من التنمر، وقد عدّ الناس هذه النزعة الجديدة منه تطوّرًا في الجوهر، وأنا أعدها تطورًا في المظهر.
من واجبي إذن أن أتحدّث عن الفقيد حديث من عاشر وجرّب، ومن واجبي أن أنوّه من صفات الفقيد بصفة فاق بها أقرانه ولم يلحقه فيها لاحق وما كثر خصاله الحميدة لو كان في الوقت متسع لذكرها، هذه الصفة التي تعد هي الغرة اللائحة من خلال الفقيد هي الشهامة بأوسع ما تدل عليه كلمة الشهامة، فقد كان حامل لوائها والسابق المجلي إذا تسابقت الرجال في ميدانها.
ولقد كانت تطير الحوادث وتقع فتجد عنده لكل ورد منها صدرًا ولكل مبدإ عاقبة. ولقد كانت الملمّة تنزل بصديقه فيسايقها رأي منه يفض مشكلها أو مال منه يكسر من شرّتها.
ولقد كانت الكرامة تمتهن فيكون له منها الولي النصير.
ولقد كان الملهوف تحزبه الحاجة فيكون له الغياث المفرج.
فيا رفيق الأمس إن من حقوق الرفقة أن نقف على قبرك اليوم ولو كان من حقوق الصحبة أن ندفع ما حلّ بك لبذلنا غوالي الأعلاق اليوم كما بذلنا غوالي النصائح بالأمس، ولوجدتنا اليوم أوفياء في الدفاع كما كنا بالأمس أمناء على حقوق الصحبة.
لحقت بجوار ربّك ولم تبقَ إلا الذكريات من حياتك، فرحمة الله عليك وبركاته.
(1/99)

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
المجلس الإداري للجمعية
- 1 - *
اجتماع يوم الخميس الحادي عشر شوال 1350هـ الموافق للثامن عشر فيفرى 1932 على الساعة العاشرة صباحًا بنادي الترقي- الجزائر.

أعضاء مجلس الإدارة:
ـ[الحاضرون]ـ: الشيخ عبد الحميد بن باديس، رئيس - محمد البشير الإبراهيمي، نائبه - الطيب العقبي، نائب الكاتب العام - مبارك الميلي، أمين المال - إبراهيم بيوض، نائبه - الحاج حسن الطرابلسي، مستشار - الطيب المهاجي - مولاي بن الشريف - السعيد اليجري - عبد القادر القاسمي.
ـ[الغائبون لعذر]ـ: المولود الحافظي - الأمين العمودي - محمد الفضيل اليراتني.
انعقدت الجلسة برئاسة الرئيس وبمحضر المذكورين، فافتتح الرئيس بشكر الحاضرين وقبول عذر المعتذرين، ونوّه بالجهد الذي اقتحمه هؤلاء الحاضرون، وذكر أن عنوان الاجتهاد في خدمة الجمعية هو الحرص على حضور اجتماعاتها والاستهانة بالمشقات التي تعرض، وبالمصالح الخصوصية، ثم تكلم باسم الجمعية فأبدى مشاركتها لرجال النادي المحترمين في الأسف لموت عميده المعمر البركة السيد الحاج مَمَاد المنصالي وأن الخسارة بموته لا تخص النادي بل تعمّ الجمعية لما كان يحمله الفقيد من الإحساسات الجميلة نحو دينه ورجال دينه الذين يمثلون الجمعية، ولما كان يحمله من غيرة على الحق، ولما كان يحمله من حب للسنة وأنصارها. ثم تقرر ترتيب الجلسات اليومية على الساعة التاسعة صباحًا وعلى الساعة الثالثة والنصف من مساء كل يوم. وانتهت الجلسة على الحادية عشر صباحًا.
__________
* جريدة " النجاح "، عدد 1279، 11 مارس 1932م.
(1/100)

جلسة مساء الخميس:
ثم انعقدت الجلسة على الساعة الثالثة والنصف من مساء ذلك اليوم في النادي وبرئاسة الرئيس، وقام بوظيفة الكاتب محمد البشير الإبراهيمي، وبعد تلاوته لمحضر جلسة الصباح كانت فاتحة الأعمال عرض كل عضو مما أتمه من الأعمال التي كلف بها في اجتماع رجب الماضي، فابتدأ رئيس لجنة العمل الدائمة بعرض ما أتمّه من الأعمال الإدارية المنوطة به، ثم عرض رؤساء الشُّعَب على الترتيب أعمالهم التي أنجزوها في هذه المدة بصفة كونهم رؤساء شعب، وبسط القائمون بالإرشاد والتذكير أعمالهم تفصيلًا، من دروس ومحاضرات، فشكرهم الرئيس باسم الجمعية وحمد لهم بنوع خاص عدم خروجهم عن منهاج الجمعية في الدعوة إلى الحق بالحسنى.
ثم شرح الرئيس حالة الجمعية المعنوية وطلب من الأعضاء أن يبسط كل واحد للمجلس حالة الجمعية في ناحيته وإلى أي مدى بلغت سمعتها، وآراء الناس من جميع الطبقات فيها، حتى يكون ذلك الشرح نورًا للمجلس يسير عليه فيما هو مقبل عليه من أعمال وحتى يزيده ذلك مكنة فيما يقرره وحتى يتّقي ما يجب اتقاؤه من الجمعية- وإن كانت مرشدة- لا يستغنى عن الإرشاد إذا كان حكيمًا- فبسط كل واحد من السادة الأعضاء مشاهدته ومسموعاته وما سئل عنه وما أجاب به.
ثم بسط الرئيس للمجلس مما تمّ في مسألة توحيد الصوم والإفطار واتفق المجلس على أن ما تمّ في هذه السنة من مساعي الجمعية على نزارته واستعجاله وعدم توفّر المسائل الكافية لتنفيذه- قد كان له أثر حميد وهو زلزلة التعصّب الذي كان هو السبب الأعظم في الخلاف، وتقرّر نشر نداء في هذا المعنى للأمة تذكر فيه بما تمّ. ويشكر الراجعون إلى الحق المنكرون للخلاف ويلام المتعنتون. واتفق المجلس أيضًا على أنه يلزم التذكير بهذه المسألة والاعتناء بها في طول السنة، ومن وسائل الاعتناء بها وضعها في رأس قائمة المسائل الشرعية التي تُقدَّم للجنة الإفتاء التي ستنظم في الاجتماع العمومي الآتي إن شاء الله، وستضم تلك اللجنة رجال القطر المطلعين على أسرار الشريعة ومداركها. ثم أشعر الرئيس المجلس أن من الاحتياطات التي تتخذ للسنوات المقبلة السعي لدى الحكومة لفتح خطوط التيليفون طول ليلة الثلاثين من شعبان ومثلها من رمضان، والطلب من قضاة العواصم الثلاث (1) أن يكونوا على استعداد في هاتين الليلتين، ومن ثبتت عنده الشهادة الشرعية منهم يخبر عمالته عمومًا بواسطة قضاة النواحي، ويخبر قاضيي العمالتين (2) وهما يعمّمان الخبر كل في عمالته
__________
1) المقصود عواصم المقاطعات الجزائرية الثلاث وهي وهران، ومدينة الجزائر، وقسنطينة.
2) مُثَنَّى عَمَالَة، وهي المحافظة أو الولاية.
(1/101)

بتلك الواسطة. فأقرّ المجلس كل هذا وشكر لرجال الشرع الذين أعانوا على تقليل الخلاف، وثبت أن عناية جمعية العلماء بإزالة الخلاف في الصوم والإفطار لا تؤتى ثمرتها المطلوبة إلا إذا انضمّت إليها عناية رجال القضاء، لأن الشهادات تؤدَّى عندهم، والأحكام تصدر عنهم، والجمعية لذلك تطلب منهم أن تكون هذه المسألة منهم بمحل الاهتمام والعناية، وانفضت هذه الجلسة على الساعة الخامسة والنصف مساءً.

جلسة يوم الجمعة الثاني عشر شوال 1350:
انعقدت الجلسة في اليوم المذكور بنادي الترقّي على الساعة التاسعة صباحًا برئاسة الرئيس وحضور الأعضاء الحاضرين في الجلسة المتقدمة، وافتتح الرئيس الجلسة، وقام محمد البشير الإبراهيمي بوظيفة الكاتب، وبعد تلاوة محضر الجلسة السابقة كانت فاتحة الأعمال المعروضة- تأسيس الشُّعَب الفرعية في العمالات الثلاث.
بسط الرئيس الكلام عن تأسيس الشعب على مقتضى مواد اللائحة الداخلية، وذكر فوائدها للجمعية وما تقوم به من خدمات، وإن الجمعية لا تستطيع عمل شيء مثمر وتنفّذه بدون الشعب الفرعية فهي بمثابة الشرايين التي تحمل مادة الحياة للجمعية، وتأسيس الشعب هو الوسيلة الوحيدة لتشريك طائفة من الأعضاء العاملين في المقاصد العلمية التي أسست الجمعية لأجلها، وتبين للمجلس من وقائع وملاحظات قدّمها بعض الأعضاء أن ما وقع تأسيسه من الشعب في الاجتماع الماضي قد بني في الأغلب على اعتبارات نظرية تعاصت عند إرادة تطبيقها يجب تعديلها بكيفية لا تتعاصى على التطبيق.

-2 - *
واقترح الرئيس تعميم الشعب حتى في القرى الصغيرة التي فيها طلبة، وأيّد اقتراحه بأن المقصد هو ارتباط المنتسبين للعلم ببعضهم وتعويدهم على الاجتماع والعمل للجمعية، وأنه يجب الاستعجال بذلك من الآن فتقرر في الشق الأول الاقتصار على الأهم من المراكز، والأهمية لا تعتبر بكثرة السكان وإنما تعتبر بالصلاحية للعمل.
__________
* في العدد 1282 بنفس الجريدة، أي "النجاح"، 18 مارس 1932.
(1/102)

وتقرّر في الشق الثاني لزوم الاستعجال بما يسعه الوقت ويدخل في الإمكان، بحيث لا يأتي ميعاد الاجتماع العمومي في محرم الآتي حتى يكون للجمعية من الشعب الفرعية ما تتكون منه الجمعية العمومية بصورة قانونية.
وحيث تقرر أن تأسيس الشعب أمر ضروري لحياة الجمعية، وأن ما أسس منها في الاجتماع الماضي لا يفي بالحاجة، فضلًا عن عدم صلاحيته عند التطبيق، وفضلًا عن كون البعض ممن عيّنوا لرئاسة الشعب لم يجيبوا المجلس الإداري بعد أن كاتبهم، فقد أخبر المجلس في هذه المرة بعض تلك الشعب وهي التي تشكلت بكيفية تطبيقية صالحة وشرعت في العمل على ما حددته اللائحة الداخلية لها- واعتبر الباقي ملغى- وان المجلس لا يقرّر بعد الآن تأسيس شعبة إلا بإشراف وفد منتدب يعيّنه المجلس الإداري لجهة معينة ويزوده بإرشادات يسير عليها وبأمره بأوامر يأتمر بها ويحدد له حدودًا لا يتعداها.
وقد عيّن المجلس الإداري عدة وفود لكل وفد رئيس، وعيّن لكل وفد جهة خصوصية من العمالات الثلاث، وحدد للوفود تاريخ السفر، وأسند لهذه الوفود حق تأسيس الشعب - الذي هو من خصائصه- على الشروط المبينة في اللائحة الداخلية، وبين لهم الأصول التي يلزم اعتبارها في الشعبة وأهمّها الصلاحية والضرورة، فلا يقتصر على المراكز الكبرى، ولا يتوسع إلى القرى والمداشر، وإنما ينظر في المصلحة وما تقتضيه، وقد قرر المجلس لهذه الوفود دستورًا تسير عليه، ورسم لهم خطة يلتزمونها على الترتيب في تنقلاتهم، وهي:
أولًا: مقابلة حاكم البلدة وتقديم الجمعية له.
ثانيا: إلقاء رئيس الوفد درسا هامًا يتضمن الإرشاد والتذكير على منهج الجمعية يجتنب فيه الألفاظ والعبارات الجارحة والمثيرة للريب والشغب ولا يتعرض فيه للشخصيات.
ثالثًا: إلقاء محاضرة في الدعاية للجمعية ببيان مقاصدها.
رابعًا: تأسيس الشعبة من الأعضاء العاملين بتلك الجهة وهو المقصود، وتقرّر أن كل رئيس وفد يحمل معه تعيينًا رسميًا من المجلس بإمضاء الرئيس ليستظهر به عند اللزوم.
وانفضت الجلسة على الساعة الحادية عشر صباحًا.

جلسة مساء يوم الجمعة:
ثم انعقدت الجلسة على الساعة الثالثة والنصف من يوم الجمعة المذكور بنادي الترقّي برئاسة الرئيس وعضوية جميع الحاضرين في جلسة الصباح، وقام الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي بوظيفة الكاتب، وبعد تلاوة لمحضر الجلسة السابقة رجع الكلام إلى تأسيس الشعب، فعرضت
(1/103)

على المجلس أسماء الشعب التي تمَّ تأسيسها على وجه مرضٍ صالح منطبق على مقاصد الجمعية واللائحة الداخلية، وتُليت أسماء أعضائها ووظائفهم وأسماء الأماكن الملحقة بتلك الشعب وبيان ما شرع فيه بعضها من الأعمال وعرّف المجلس بمن أمكن التعريف به من أولئك الأعضاء، فأقرّ المجلس تلك الشعب وأبقى لنفسه حق النظر في زيادة أعضاء الشعب إن لزم ذلك واقتضاه الحال إلى النهاية التي حدّدتها اللائحة الداخلية وهي ثلاثة عشر عضوًا.

جلسة يوم السبت:
انعقدت الجلسة في صباح اليوم المذكور بنادي الترقّي على الساعة التاسعة صباحًا برئاسة الرئيس وعضوية المذكورين، وافتتح الرئيس الجلسة، وبعد تلاوة الكاتب لمحضر الجلسة السابقة كانت المسألة المعروضة حسب البرنامج هي مسألة المال والحساب عليه ومجلدات الوصولات وما تمّ فيها، فدفع كل من جمع مبلغًا من الاشتراكات والتبرّعات ما معه لأمين المال ودفعت المجلدات التي تمّت وأجريت كل جزئية من ذلك على منهجها القانوني وسلّم المال المجمّع لرئيس اللجنة الدائمة ليودعه في البنك الجزائري كالعادة. وانفضت الجلسة على الساعة الحادية عشر صباحًا.

جلسة مساء السبت:
ثم انعقدت الجلسة مساء يوم السبت المذكور على الساعة الثالثة والنصف مساءً بنادي الترقّي تحت رئاسة الرئيس وبعضوية الأعضاء المذكورين، وبعد افتتاح الرئيس وتلاوة الكاتب لمحضر الجلسة السابقة جاء دور الاقتراحات، فقدّم أعضاء المجلس وغيرهم من الحاضرين اقتراحاتهم وقيّدت كلها في ديوان الاقتراحات وتُليت مكاتيب واردة من الخارج وكتبت كلها في الديوان على ترتيبها، ثم شرع المجلس في درسها وتقرير ما يمكن تقريره وإرجاء ما يتعيّن إرجاؤه إلى الوقت المناسب وإلغاء ما يتصادم مع القانون الأساسي أو مع مقاصد الجمعية العامة. وها هي الاقتراحات على ترتيبها:

1 - اقترح الأخ مبارك الميلي إحداث ثلاث لجان:
الأولى: تسمىّ مجلس الفتوى، يتركب من الرجال المطلعين على أسرار الشريعة ومقاصد الأحكام، وتشتغل بتحرير القول في المسائل الشرعية التي عمّت بها البلوى، (وقد وضع لها فهرس في اللائحة الداخلية).
والثانية: تسمىّ اللجنة العلمية، وتتألف من الرجال المثقفين، وتشتغل بالبحث في التاريخ والآثار والكتب العربية القيّمة إلى آخر ما يعطيه مفهوم الاسم.
(1/104)

والثالثة: تسمىّ اللجنة الأدبية، وتتكوّن من الأدباء والشعراء الجزائريين، وتقوم بالبحث في الآداب العربية بأوسع ما يعطيه مفهوم هذه الكلمة. ويحدّد المجلس الإداري لهذه اللجان دوائر بحثها وتعمل تحت إشرافه وهو يتولى نشر تلك الأبحاث وإذاعتها.
فأما اللجنة الأولى فتقررت في ضمن اللائحة الداخلية، وأما اللجنتان الأخريان فقد تقررتا في هذه المرة بالإجماع وأضيفتا لمحلهما من اللائحة، والمجلس يعمل من الآن لإحضار قوائم بأسماء أعضاء هذه اللجان ووضع التمهيدات اللازمة لأعمالها، ثم يقدمها للجمعية العمومية في محرم الآتي، ويضيف لها لجنة رابعة تسمىّ لجنة التعليم تتركب من الرجال الذين باشروا التعليم العربي المبني على الاختيار في التطبيق.
(يتبع) (1)
__________
1) لم نعثر على بقية المقال في جريدة "النجاح "، ومن المؤكّد أن البقية لم تنشر.
(1/105)

مات شوقي! *
مات شاعر الإسلام الذي كان يعتزّ بمفاخره، ويشدو بمآثره. وينطق بلسانه. ويجول في ميدانه، ويدعو إلى جامعته، ويمشي في ركاب خلافته.
مات شاعر العربية الذي تشرّب روحها وتملّكت هي روحه، فحمى أسلوبها ونغمتها، وعرضها على أهل هذا القرن معربة عنه كما أعربت عما قبله بليغة فصيحة، فحمَل لواءها خفّاقًا في الآفاق، كما تُوِّج على شعرائها في الأقطار باستحقاق.
مات شاعر الشرق الذي كان يهتز قلبه لهزّاته، وتضطرب حياته لاضطراباته، وترتفع آهاته مع آهاته، فيدوّي صوته حتى لتتحرّك له جبال، ويهلع منه رجال، وتسري كهرباؤه حتى لَترتبط بها بعد الشتات أوصال، وتحيا بها بعد الموت آمال.
مات شاعر الإسلام والعربية والشرق، فعزاءً فيه للإسلام والعربية والشرق، وعزاءً فيه لمصر كنانة الله، من الإسلام والعربية والشرق.
ورحمة الله عليه في أبناء الإسلام والعربية والشرق العامدين، وسلام الله عليه في رجال الإسلام والعربية والشرق الخالدين.
__________
* الشهاب، المجلد 8، الجزء11، نوفمبر 1932.
(1/106)

الإسلام والمسلمون*
شجون من الحديث عنهما وعن الإصلاح الديني
ــــــــــــــــــــــــــــــ

وحدة الدين واللسان:
الأمة الجزائرية هي قطعة من المجموعة الإسلامية العظمى من جهة الدين، وهى ثلة من المجموعة العربية من حيث اللغة التي هي لسان ذلك الدين.
والأمم الإسلامية على اختلاف أجناسها ولغاتها ما برحت تفاخر أمم الأرض بذلك الدين وهذا اللسان، وإن كان بعضها ضعيف الحظ فيهما أو في أحدهما.
تفاخر بالإسلام لأنه في حقيقته الأصلية مجمع للفضائل الإنسانية، وتفاخر باللسان العربي لأنه ترجمان هذا الدين وكتابه المبين، وهو بعد ذلك مستودع الحكم ولسان الشعور والخيال.
فالأمم الإسلامية بهذا الدين وبهذا اللسان، وحدة متماسكة الأجزاء يأبى لها الله أن تتفرّق وإن كثرت فيها دواعي التفرّق، ويأبى لها دينها- وهو دين التوحيد- إلا أن تكون موحّدة، وتأبى لها الفضائل الإسلامية إلا أن تكون مظهرًا للفضيلة في هذا العالم الإنساني، فإذا كان في تلك الأمم من يضار الفضيلة أو يخونها في اسمها فما ذلك من الإسلام في شيء؛ وإنما هو انحراف مزاج سببه سوء فهم، أو غلبة وهم، أو دعوى طباع أو هو تقليد واتباع.
__________
* نُشِر هذا المقال في العدد (4) من جريدة "السنة " بتاريخ 6 محرّم 1352هـ / فاتح ماي 1933م (كُتب في تلمسان).
(1/107)

الإسلام والتاريخ:
وإن التاريخ شهد هذا الدين في عنفوان شبابه وتهيؤ أسبابه وازدخار عبابه، فشهد له بالفضل الأتم، والخير الأعمّ للبشر كلهم- بله أبنائه المتبعين لشرائعه- وشهد أن سلف هذه الأمة ما لمسوا حاستي السعادة إلا به، وما كانوا أساتذة الكون إلا بهديه، ولا دانت لهم المشارق والمغارب إلا بالتأدّب بآدابه والتخلّق بأخلاقه، ثم نشر تلك الآداب وتلك الأخلاق على الأمم.
وإن التاريخ لم يعرف دينًا من الأديان لم يبق على أساس الجنسية ولم يرجع على قواعدها إلا دين الإسلام فهو لا يختصّ بجنس، وهو صالح لكل جنس وهو موافق لكل فطرة وهو ملائم لكل نفس.
وقد اندفع في سيره الأول بسيرته الأولى إلى جهات المعمور الأرج وانتظم أممًا مختلفة الأجناس واللغات والطبائع والألوان، فأصبحت تلك الأمم- على ما بينها من تباين خلقي- أمة واحدة مطبوعة بطابع واحد وهو طابع الإسلام ومصبوغة بصبغة واحدة وهي صبغة الإسلام، فما هو السرّ في هذا؟
السرّ هو أنه دين فطري روحي، يحمل في طيّاته نهاية الكمال الإنساني وأن أصوله بُنيت على حكمة من خالق الحكمة، فتجد في عقائده غذاء العقل وفي عباداته تزكية النفس، وفي أحكامه رعاية المصلحة، وفي آدابه خير المجتمع، وأن دينًا يأخذ من شرطه التخلّق بالأخلاق الشريفة، ويعمد إلى الأرواح مباشرة فيغرس فيها أصول الفضائل الإنسانية، ويعمد إلى الحيوانية فيهذب في حواشيها، ويكسر من حدّتها، ويفل ما فيها من شره وشراسة، ويعمد إلى ما بين المستضعفين والمستكبرين من حاجز وفروق فيجعلها جذاذًا، لحقيق بأن ينتظم تلك الأمم ومثلها معها.
بلى، وإن التاريخ لم يشهد دينًا جمع بين مطالب الروح والجسم إلا هذا الدين، وأن السعادة لا تتمّ في الدارين إلا بالتوفيق بين المطلبين، وهذه عقبة العقبات في طريق السعادة وسبب الأسباب في استكمالها واختلافها، وأين تقع القوانين التي هي وضع البشر من التوفيق بين هذين المطلبين.
وإذا كان في الديانات السماوية قبل الإسلام ما لا يفي بحاجة البشر من تحصيل السعادتين، فكيف بالقوانين الوضعية ونحن نرى أرقاها في أرقى الأمم، موجهًا إلى استطلاع البدن، وإشباع شهواته ورغائبه، ونراها لا تحمل من جراثيم الإصلاح الروحي إلا قليلًا لا يشفي ولا يكفي.
(1/108)

هذا وإنّ ما يقصّه التاريخ من اضطراب الأمم وتخبّطها في سبيل الحياة، إنما هو ناشئ عن هذا السبب، وهو عدم التوفيق بين المطلبين، وبهذا التوفيق تتفاضل الأديان، وبه تتحقق حكمة وجود الإنسان وسطًا بين أفق الحيوان وبين المَلإِ الأعلى، وبه كانت الشريعة الإسلامية آخر الشرائع وكانت أكمل الشرائع، وكانت ناسخة لجميع الشرائع نسخًا لا هوادة فيه، ولهذا عمّت دعوتها ولهذا خاطبت العالم البشري بلسان واحد وبلهجة واحدة إن كانوا لا يعرفونها فإنهم سرعان ما يألفونها لأنها تدعو الأرواح لما يزكيها وتدعو الأجسام لما يحفظها ويقيها، كل ذلك من طريق الفطرة التي يشترك جميع الناس فيها.

الإسلام والبيان العربي:
هذا الإسلام … فأما اللسان العربي فهو لسان هذا الدين الذي نزل به كتابه، وهو- يعد- ترجمانه الحاذق الذي نقل الإسلام وما فيه من عقائد سامية، وحكم غالية، وأخلاق عالية، وأسرار جليلة، وآداب قيّمة إلى أمم أجنبية عن لغة هذا الدين، وأخذهم بها أخذة السحر بكيفيةٍ تريهم أن الدين هو اللغة وأن اللغة هي الدين، فبينما هما دين ولغة إذا هما شيء واحد، وإذا تلك النفوس التي كانت بعيدة عن مزاج هذا الدين وعن مزاج لغته تعتقد أن معنى العربية جزء من معنى الإسلام، وإذا بهذا الدين وبهذه اللغة يقرّبان البعيد من تلك الأهواء ويؤلفان بين المتنافر من تلك الميول.
ثم تصحو الأفئدة، وينكشف الغطاء عن حقيقة واحدة وهي أن تلك الجنسيات تلاشت في هذه الجامعة الروحانية التي لا تعرف جنسًا وجنسًا، وإنما تعرف الإنسان لأنه إنسان يترقّى بمواهبه ويكرم بتقواه.
شيئان أوفيا بالعالم الإنساني على مشرع السعادة.

هدي الإسلام في البيان العربي:
تلك لعمري حقيقة لا ينكرها إلا من غلب على عقله، (وتمت كلمة ربّك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم).

التربية الإسلامية والنقائص البشرية:
غير أن لهذا الطبع الإنساني لدات، رافقته في مراحل الوجود من أول التاريخ وكان لهن من مستقرّ العقل فيه، ملاعب وأحضان، هن التقليد والوهم وهنات أخرى تَمُتُّ لهذين بالنّسب الوثيق، فكان لها على الطبائع ما يكون للترب على تربه من تأثير وتسلط وقد باعدت
(1/109)

حقائق الإسلام ما بينهن وبين الطبع البشري حقبة، وأقامته على صراط الفطرة السوي، وكأنما أنشأته نشأة مستأنفة، بما حرّرته منه من شوائب الاسترقاق لهذه الهنات وغيرها، حتى أصبح لا يدين بالعبودية إلا لله، ثم عاد المسلمين من ذكرى تلك الهنات عيد وطاف بهم طائف من العصبية التي محاها الإسلام لأول ظهوره، وإنّ العصبية لأصل البلاء كله، فنشأت فيهم العصبية إلى الجنس وإن لم يعمر من التاريخ صفحة، والعصبية إلى الرأي وإن لم يتعلق به من السداد نفحة، والعصبية للآباء وإن لم يكن لهم في الصالحات أثر، والتعصّب للأشياخ حتى فيما زاغ فيه الفكر وعثر.
لهذه العصبيات، صارت الأمة الواحدة أممًا وصارت السبيل الواحدة سبلًا إذ نشأت عن العصبيات آثارها اللازمة لها فساءت الحال وتراخت حبال الأخوة الإسلامية وضعف أثر الوازع الديني في النفوس، فضعف لضعفه أعظم ركن في الإسلام (وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) فطغت المحدثات على السنن حتى غمرتها وأصيبت العلوم الإسلامية بما أصيب به المجتمع الإسلامي من فتور، ولابست حقائق الدين شبهات أعضل أمرها وساء أثرها، وأتى التقليد بنيان الاستدلال من القواعد فجفّ العلم وعقمت العقول، وكان شر نتيجة لتلك المقدّمات كلها بُعْدُ الأمة الإسلامية عن هداية كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح من أمّته.

بُعد المسلمين عن الهداية الإسلامية:
قد لمسنا- عن غير قصد- موضوعًا واسع الجنبات مترامي الأطراف، ولعلّنا نوفّق إلى تعمير بعض صحائف هذه الجريدة بفصول منه تفصل ما أجملناه هنا لأن الكشف عن النواحي الغامضة من هذا الموضوع من أوكد ما تتطلبه النهضة الإصلاحية الدينية، وأوجب ما تجب معرفته على القائمين بها مناشئ العلل وأسبابها وتاريخ نشأتها ليزدادوا بصيرة فيما يحاولونه من إصلاح فاسد أو تقويم معوج.
وقد يتعجّب الباحث المسلم المطّلع على أحوال المسلمين لعهدنا هذا، إذ يرى التقاليد والأوهام شائعة بينهم على اختلاف أجناسهم وتباعد ديارهم ويراها متشابهة الآثار فيهم، ويراهم في الاستمساك بها والمحافظة عليها وكأنما يسيرهم إلهام واحد أو يسوقهم إليها قانون واحد، يرى ذلك كله- وهو واقع- فيرى ظاهرًا من حال هذه الأمة يدعو إلى العجب، ولكنه إذا تعمّق في البحث يعثر بالأسباب واضحة العلل معقولة، فيزول العجب.
وقد يرى ذلك بعينيه الباحث الغربي أو من يحمل عصبية على المسلمين أو زراية بدينهم فيرد ذلك في منشئه إلى دين الإسلام ويخرج من بحثه بنتيجة خاطئة، وهي أن الإسلام يحمل في خفاياه جراثيم التأخّر والانحطاط والاستسلام للأوهام والخرافات ويخرج من ذلك إلى أنه
(1/110)

لا رجاء للمسلم في الرقي ومجاراة السابقين في الحياة إلا بالخروج من دينه … شعوذة يمهّدون بها السبيل لمروق المسلم من حظيرة الإسلام، وكم لعبت بهذه النغمات أصابع على أوتار فلم يبال الإسلام بما وقع منها ولا بما طار …

جناية المسلمين على الإسلام:
وحسب التاريخ في نقض هذه الشعوذة أن يشهد بأنه سبق لهذا الدين في بعض فصوله أن كان سبب تقدّم وعمران لم يشهد نظيرهما، والسبب الواحد لا تنشأ عنه مسببات متناقضة، فالإسلام الذي كان سببًا في الصلاح لا يكون سببًا في الفساد، والإسلام الذي من مقاصده إسعاد البشر لا يكون أبناؤه أشقى الناس به، والإسلام الذي حرّر العقل من قيوده ليفكر ويدبّر، لا يكون سببًا في تقييده والحجر عليه، والإسلام الذي شرع المساواة في حقوق الحياة لا تنشأ عنه الأنانية والأثرة والتمايز … ولا والله حلفة بارة، ما جنى المسلمون جناية المتعمّد الذي يقارف الجريمة وهو يعلم أنها جريمة، ولكنهم أتوا- في جميع أزمانهم- من قبل أمراء مستبدّين ورؤساء جاهلين، ومن ورائهم طائفة من علماء السوء تتبع مساقط الدرهم والدينار، وتتفيأ ظلال الجاه الكاذب والسمعة الزائفة، فكانت هذه الطوائف الثلاث- في كل زمان- إلبًا على الأمة تتقارض- المصالح على حساب الأمة، وليتهم ما رزأوها في أخلاقها، وأفسدوا فطرتها وزعزعوا يقينها بالله وابتلوها بأهوائها ووساوسهم، وفرقوا منها ما جمعه الدين، وأدخلوا عليها مع الزمن دخيلًا من التقاليد ودخلًا من الطباع جعلاها تعرف ما أنكر دينها، وتنكر ما عرفه.

شدّة تمسّك المسلمين بالنسبة للإسلام:
وهي- على ذلك كله- أمة مسلمة، تزدجر إذا وعظت وتتذكر إذا ذكرت، وأن محل رجاء المصلحين في هذه الأمة هو هذا الخلق العريق الذي ملك على المسلم إحساسه وهو الاعتزاز باسم الإسلام والافتخار بالنسبة إليه، والأنفة من الخروج من هذه النسبة، والرضى بالهون والدون في سبيل هذه النسبة …
وإن من أوضح الشواهد على رسوخ هذا الخلق في المسلم أنك تقول لتارك الصلاة- مثلًا- أنت لا تصلي، فيقول لك نعم، وتعيّر مانع الزكاة بالشحّ وقبض اليد، فيقول لك قد كان ذلك، وتقول للمبتدع: أنت مبتدع، فلعله ينصف ويعترف، ولكن إياك أن تقول لواحد من هؤلاء أنت لست بمسلم، ولو قلت لرأيت التنمّر والتنكّر، وسمعت الجافي المكروه من القول.
(1/111)

قاعدة الدعوة الإصلاحية وأسلوبها:
هذه النقطة هي محل الرجاء، فليتخذها بناة الإصلاح قاعدة يقيمون عليها هيكل الإصلاح، وليقودوا لهذا الأخ المعتزّ بنسبته، بارك الله عليك أيها الأخ أنت مسلم، ولكن للإسلام واجبات يقضي بها عليك، وواجبات يتقاضاها منك، وآداب يروّضك عليها لتستحقّ بذلك منازل الكرامة في دنياك وآخرتك، وهو يريد تكميلك فلا تنقصه، وبريد أن تكون حجة به فلا تكن حجة عليه، وأنت منسوب إلى الإسلام ولكن هل يسرك ممن ينتسب إليك العقوق وتضييع الحقوق فصحّح العقيدة، وروّض جوارحك على التكاليف، وقف عند حدود الشرع، وخذ نفسك بالصالحات، واقضِ لأخيك بما تقضي به لنفسك، فإذا أنت المسلم الكامل، وإذا أنت عبد الله وحده…؟

آية الإسلام في قوّة رسوخه في القلوب:
إني لو شئت أن آتي ببدع من الرأي في معرض الاستدلال على حقيقة هذا الدين لقلت: إن ما عمّ المسلمين من تنكّب عن هداية دينهم، وهو في عمومه من الأدلة على حقيقة دين الإسلام، وانه الدين لا دين غيره، فاعجب لدين ينتزع الشواهد على صحّته من حالتي الإقبال والإدبار، واعجب لدين يسم طباع بنيه بسمة التوحيد في حالتي الوفاء والجفاء، واعجب لدين تغفل القلوب عن وعي حقائقه، وتكسل الجوارح عن أداء وظائفه، وتتجرّد النفوس عن حلاه، وهي مع ذلك كله، على أشدّ ما عرفت من العصبية والتشيعّ له والاعتزاز بالنسبة إليه وإنّ ههنا لسرًّا لم أتبينه فلم أحسن التعبير عليه…؟
(1/112)

تعالوا نُسائلكم*
- 1 -
أما إن الحق لا يثبت بالدعوى ولكن بالدليل، وأن العبرة بالمسمّيات لا بالأسماء وبالأفعال لا بالأقوال، ولو أن كل من سمّته أمّه "صالحًا" كان صالحًا على الحقيقة وكل من سمّته الحكومة "عدلًا" في المحكمة كان عدلًا على الحقيقة لكنّا سعداء بكثرة الصالحين والعدول فينا. ولو أن كل من تسمّى "حسنًا" لا يأتي لمكان اسمه إلا الفعل الحسن لطم الحسن على القبح، ولكن من وراء هذه الأسماء الجميلة أفق الواقع تتهاوى فيه هذه الأسماء وتنفلق فلا نجد إلا الحقيقة من فعل يصدق أو يكذب.
__________
* مقال متسلسل نشره الشيخ تباعًا باسم "كاتب نقّاد" من أعضاء جمعية العلماء.
المقال الأول: العدد (7) من جريدة "السنّة"، 22 ماي 1933م.
المقال الثاني: العدد (9) من نفس الجريدة، في 5 جوان 1933م.
المقال الثالث: العدد (11) من نفس الجريدة، في 19 جوان 1933م.
وقد صدّر المقال الأول بالمقدّمة التالية:
الشعب الجزائري المسلم بفطرته، الكريم في عنصره، الجاهل بحقائق دينه- في أكثريته- واقع اليوم بين قوّتين تتجاذبانه: قوّة العلماء المصلحين الداعين إلى الله وإلى الإسلام كما جاء به محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يبغون على ذلك جزاء ولا شكورًا، وقوة الشيوخ الطرقيين الذين وقفوا- إلا أقلّهم- سدًا حائلًا بين العلماء وبين أتباعهم من عامّة الأمة. ثم هم والمدعون للدفاع عنهم لا يألون جهدًا في تنفير العامة من العلماء بالتقوّل فيهم والتزيّد عليهم والتشويه لسمعتهم حتى ليقول قائلهم في كلمة مشهورة عندهم: "العلماء مصابيح ونحن مراويح" يعنون أنهم يطفئونهم. وما علموا أن الله متمّ نوره ولو كره الكارهون. فكان من واجب النصح للعامة أن تعرّف بحقيقة هؤلاء الشيوخ تعريفًا يتركهم أمام الأمة على حقيقة حالهم دون أي زيادة عليهم ولا تنقيص لشخصياتهم، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}.
وعلى هذا القصد نشرنا المقال التالي الذي تعمّد فيه كاتبه الصراحة لأجل ذلك البيان والكشف المقصودين. وإن هذا المقال هو آخر ما ينشر من نوعه لأنه آخر صفحة من كتاب. وإن الجريدة بعد تمام نشره، تعرض عن القوم إعراضا كليًا وتوجّه همّها إلى بيان السنن النبوية وتوضيح المسائل العلمية. والله المستعان.
(1/113)

وإذا عذرنا الأم تسمّي ولدها باسم جميل، ثم تأتي أفعال الولد مكذّبة لاسمه فيشفع لها الفأل، فنقول: أرادت شيئًا وأراد الله ضده- وإذا عذرنا الحكومة فيمن تسمّيه عدلًا وتشفع لها الرسوم الاصطلاحية فنقول: راعت ظاهر الشهادة ولم ترع باطن الخلق- إذا كان ذلك كذلك فما بال أصحابنا "علماء السنّة" (1) يتّسمون باسمٍ لا يلتقون مع معناه في طريق ولا يقوم عليه شاهد من أقوالهم ولا ينتزع عليه دليل من أفعالهم- لولا أنها الشعوذة لبستهما فأنكرناهم فيها فلبسوها فأنكرناها عليهم، فخرجوا من باب اللباس إلى باب التلبيس، وقالوا نحن قوم أصحاب أسماء، قد أسقطنا الواقع من اعتبارنا، وأسقطنا الأعمال من حسابنا فلا نرفع بها رأسًا ولا رجلًا، وما دمنا بهذه الصفة وما دامت في الأمة بقايا من البله والغفلة و "النية" (2) فلندع أنفسنا بالعلماء وإن لبسنا من الجهل سرابيل، ولنسمِّ أنفسنا "علماء السنّة" وإن كنّا نخوض في البدعة خوضًا- فجاء هذا الاسم كما ترى وليس في الأسماء أكذب منه ولا أشدّ منافرة لمسمّاه.
وإذا كان في أفعال العباد ما لا يتمّ إلا بتوفيق من الله، فإن فيها ما لا يتهيأ لصاحبه إلّا بخذلان من الله أيضًا، ومن أمثلته ما تهيّأ لأصحابنا من دعواهم في السنّة دعوى آل حرب في زياد (3).
ولو كان للسنّة معانٍ يضيع بينها القصد وتختلف وجوه التأويل، لقلنا هم علماء السنّة "الدرهمية" أو "الكسكسية" (4) ففسّرناها بما هو الأشبه بهم أو لكان لنا عذر في السكوت- ولكن القوم دلونا بكلامهم الذي أذاعوه، وبميزانهم الذي وضعوه ورمزهم الذي ابتدعوه- أنهم يريدون هذه السنّة النبوية- التي قضوا أعمارهم في الكيد لها ومكاثرتها ببدعهم المضلّة- لعمري إنه لا أسخف من هذه الإضافة المتنافرة الجزئين وإذا حلت في ذوق فإنما هو من يسمّى "أبا جهل" عدو الشيطان.
فهل يحسن بنا، وقد أنضينا قرائحنا في تعلّم هذه السنّة المطهرة وبذلنا في العمل بها جهد المستطيع، وركبنا المخاطر في الدعوة إليها، هل يحسن بنا بعد هذا كله أن نسكت لهؤلاء عن هذه الدعوى الباطلة، ونوليهم منّا ما تولّوا ونبلعهم ريقهم، وهل يحسن بنا أن لا يكون لنا في الدفاع عنها ما كان منّا في الدعوة إليها؟ إنا إذن لمقصرون!
__________
1) "علماء السنّة": جمعية أوحت فرنسا بتأسيسها لتضاربها جمعية العلماء. وهي تتكون من الطرقيين ورجال الدين التابعين للإدارة الفرنسية.
2) النية: كلمة دارجة يستعملها العامة في معاني الغفلة والبله.
3) إشارة إلى ادعاء معاوية بن أبي سفيان بن حرب نسب "زياد ابن أبيه السياسي العربي الشهير- إلى أهله، وهو ما لم يثبت إلا بالادعاء".
4) "الكُسْكُسِيَّة": نسبة إلى الأكلة الشعبية المعروفة بالمغرب العربي عمومًا وهي "الكُسْكُسي".
(1/114)

إن هذه السنّة المطهرة تأبى علينا أن نهن مع هؤلاء الأدعياء، أو نلين لغمزاتهم أو نتسامح معهم أو نقرّهم على باطلهم أو نخلي لهم الميدان ليفسدوا من هذه الأمة ما أصلحه الدين، ويفرّقوها بكثرة النسب بعد أن وحّد الله نسبتها، وينحطّوا بها إلى أسفل الرتب بعد أن رفع الله رتبتها.
وإن هذه السنّة المطهرة تأبى لنا إلا أن نسمّيهم بأسمائهم وأن نفضح مخازيهم ونكشف سوآتهم وننزع عنهم هذا الثوب المستعار، ونظهرهم للأمة كما هم في الحقيقة والواقع لا كما هم في الزعم والدعوى، ويومئذٍ يتبيّن للناس أن بين هؤلاء وبين السنّة بعد المشرقين.
إن نسبة هؤلاء القوم إلى السنّة كنسبة عمرو الذي قال فيه الشاعر:
أرفق بعمرو إذا حركت نسبته … فإنه عربي من قوارير!
لا جرم أنهم سنيّون من قوارير، لكننا لا نرفق بهم على النحو الذي دعا ذلك الشاعر الهازئ، فإن عمروًا لم يضر أحدًا بادعائه النسبة العربية، وهؤلاء أضرّوا بل أضلّوا: فمن الرفق بالأمة وبهم أن نكسر القوارير فينكسر معها الضلال والإضلال!!
إننا لَنعلمُ حقًا أن هذه الطائفة التي سمّت نفسها علماء السنّة ترجع في أصولها إلى ثلاثة: شيخ (مزوّر)، وعالم مأجور، وعامي مغرور، فاجمع أنت هؤلاء الثلاثة وأخبرنا هل يكون الحاصل هو "العلم بالسنّة"؟ لا شكّ أن الحاصل يكون شعوذة (غالية) من الأول، يؤيّدها علم (رخيص) من الثاني، كل ذلك لإيقاع الثالث في الفخ، فهو الذي يدفع ثمن الغالي والرخيص، وهو المغبون أولًا وآخرًا.
يا للرزية! ألا يكون علم هؤلاء إلا أداة لتثبيت الباطل في الطرفين، وإلا شهادة زور ولكنه زور (علمي) ولذلك يؤخذ بها من مبطل لمبطل ثم لا يكون حظ العالم إلا ما يأخذه شاهد الزور على شهادة الزور، ثم لا يكون الثلاثة إلا من "علماء السنّة".
تعالوا أيها القوم نصارحكم، فقارضونا صراحة بصراحة أليس هذا العامي المسكين هو محل النزاع بيننا وبينكم؟
دعونا من الكذب على السنّة والتلبيس باسم السنّة ودعونا مما ترموننا به من الوهابية ودعوى الاجتهاد، فقد علمنا وعلم العقلاء أن ذلك كله منكم تحامل وتداه تريدون أن تبعدوا به عن محل النزاع وتستجرونا مما نحن فيه إلى ما لسنا منه بسبيل.
نقول لكم: دعوا هذا (العامي) على فطرته ليتلقّى الهداية الدينية على يد أهلها سليمة كفطرته، بيضاء كقلبه، نقية كصدره، ونحاكمكم في هذا إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وهدي السلف الصالح من أمّته، فلا تسلمون ولا تجادلون بالحسنى بل كلّما قرعتكم الحجة
(1/115)

وعضكم الدليل، رجعتم بنا إلى أصول من طباعكم هي المباهتة والمغالطة والقول بغير علم، وهو شر ما يتخلّق به متخلّق وأوهن ما يعتمد عليه مجادل.
ونقول لكم: سلّموا العلم بالكتاب والسنّة وهدي السلف إلى من مارسها بالبصيرة النافذة، وتناولها بالذهن الوقاد والقريحة الحيّة، وأنفق فيها من عمره مثل ما أنفقتم في اللهو واللغو والتطبيل والتزمير- فتمارون وتصرون وتستكبرون، فويحكم إن (التسليم) من أصول طرائقكم فيما تزعمون … فهل يجب التسليم عندكم للمتخمّر إذا تخمّر، فعبث بالمقامات العليا من نبوية وملكية وألوهية، ويجب التسليم عندكم للمشعوذ إذا شعوذ وللشيطان إذا استحوذ، وللمجذوب إذا اختلّت أعصابه وضاع صوابه وسال لعابه، ولا يجب التسليم لكتاب الله إذا قام دليله، ولهدي نبيّه إذا اتضح سبيله…؟ وهل من محادة لله ورسوله أعظم من هذه؟ وهل في مراتب الاستخفاف بالدين أسفل من هذه؟ فهاتوا مخلصًا من هذا، وهيهات أن تجدوه ولو كان الشيطان لكم نصيرًا.
ولسنا ندري أيعلم علماؤكم هذا أم يجهلونه ولكن الذي ندريه أنكم لغير هذا آجرتموهم. وإن كان علماؤكم من الطراز الذي كانت تعلن عنه جريدة البلاغ فتنعت الواحد منهم بأنه مدرّس بقرية كذا وأن عنوانه بقهوة كذا فلا تصدق إلا في آخر النعتين- فقد أضفتم إلى الاستخفاف بالدين الاستخفاف بالعلم.
إن محلّ النزاع بيننا وبينكم هو هذا العامي. نريد أن نحرّره من استعبادكم ونطلقه من أسركم، وتريدون أن يبقى عبدًا تستغلّون خراجه ولا يستقيم لكم هذا منه إلا بجهله وغفلته. فأنتم تجهدون في تجهيله وتضليله ومن ذرائعكم لذلك أن تبعدوا ما بيننا وبينه فهلا واحدة هي أقرب إلى النصفة والمعدلة وهي أن لا تضلّوه إذا لم تهدوه وأن تتركوا له مَالَه إذا لم تصلحوا حاله.
نريد لهذا العامي أن يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالكعبة قبلة وبالقرآن إمامًا وبمحمد رسولًا، وأن لا يرجو النفع إلا من ربّه ولا يستدفع الضرّ إلا به، وأن لا يستعين بعد الأسباب الكسبية إلا بقوّته، وتريدون منه أن يؤمن مع ذلك أو قبل ذلك أو بعد ذلك بأنكم أولياء الله وإن استبحتم الحرمات وركبتم المحرمات، وأن يشرككم مع الله في الدعاء أو يدعوكم من دونه وأن يلتجئ إليكم حتى فيما هو من خصائص الألوهية، وأن يشدّ الرحال لبيوتكم كما يشدّها لبيت الله- فاجبهونا بالتكذيب إن استطعتم.
أليس فيكم من يبيع الأولاد للعقيم ويبيع الراحة للسقيم؟
أليس فيكم من يهدّد المسلم بخراب البيت وموت الأولاد وهلاك الحرث والماشية إذا هو قطع عادة أو قصر في شيء من رسوم الخدمة؟ أليس فيكم من كتب على قبر أبيه:
(1/116)

هذا مقام إبراهيم … ومن دخله آمنا
لا يخشى من الجحيم … ومن النار الحاميا
فأضاف إلى تلك الشنعاء شنعاء أخرى وهي تحريف آية من كلام الله؟
أليس فيكم من يقول في صراحة إِنه يتصرّف في الوجود ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء ثم ينحل هذا التصرف غيره لتكون له أسوة؟ إن وجودًا يكله الله لتصرّفكم لأهون وجود، وهل بلغ هذا الكون البديع من الهوان على الله أن يكله إلى تدبيركم أيها الحمقى ونحن نراكم أعجز الناس عن تدبير (خبزة) فلا تبلغونها إلا بدفع دينكم ثمنًا لها.
أليس من الشائع في معتقدات العامة التي هي من وضع أيديكم أن من زار مقام فلان ثلات مرات كتبت له حجة؟ وهل في التعطيل لأركان الدين أشنع من هذا؟ لكم الويل أَكُلُّ هذا في سبيل إشباع بطونكم؟
بلى، كل هذا فيكم وفيكم غيره مما نعد منه ولا نعدده وإننا لنعلم أن منكم من ينكر هذا في نفسه ويبرأ منه، ولكن لماذا لا يمدّ يده إلينا ويرفع صوته معنا بالإنكار لهذه الشناعات التي صارت لكم سمة ونعتًا وعرفتم بها وعرفت بكم؟ لماذا لا ينضمّ إلينا فيكون لنا من بعضكم الصالح عون على بعضكم الطالح لولا أنكم تتقارضون سكوتًا بسكوت لأن ضلالكم (مصلحي) والمصلحة أنواع.
أفي الحق ما بعضه حق وبعضه باطل؟ وفي الأوصاف ما إن وصف به فلان ابن فلان كان خيرًا وكان حسنًا وكان فضيلة وكان بحيث يحمد ولا يذم ويشكر ولا ينكر، وإن وصف به فلان الآخر كان شرًا وكان معصية وكان رذيلة وكان وكان، أوَّلًا: ففيم نزاع الناس في أن هؤلاء لصوص؟ أإن فارقوا اللصّ في هيئته فارقوه في أنه يأخذ مال الناس غلابًا ويأخذونه بما يشبه الرضى وفارقوه في طرائق الاحتيال للتخلّص من القانون- يريدون منّا ألا نسمّيهم لصوصًا، كلا إنهم لصوص ويزيدون على اللص العادي بواحدة- وما يزيدون بها إلا النقص، وهي أنهم يتلصصون باسم الدين.
ولقد كان الظن بكم غير ما هو الآن إذ كنتم فرادى يعمل كل واحد منكم في دائرته الخاصة ويسير في طريقه ويحمي مناطق نفوذه ويجرّ النار لقرصه وكانت أسباب العداوة بينكم مستحكمة تمدّها أسبابها الطبيعية وما أسبابها إلا المزاحمة في المصالح الدنيوية والمنافسة على الرياسة والمكاثرة بالاتباع فكنّا نراكم على باطل ولكنه باطل موزع القوة وذلك أوهن له، وكنا لذلك نرجو لكم الرجوع إلى الحق ونرجو منكم معاونة الداعين إليه، فما راعنا في وقت نحن ننتظر فيه منكم الإنابة إلا تألبكم ضد الحق واجتماعكم لحربه فعلمنا أن ذلك الباطل الموزع بعضه من بعض وأن هذه هي غايته لا ما مَوَّه به المموّهون منكم.
(1/117)

فأجمعوا أمركم ثم كيدوا الحق فما أنتم ببالغين إلا ما يبلغه من يريد أن يغطي على الشمس بكمه وهو لا يدري أن وراء كمّه أرض الله الواسعة.
أجمعوا أمركم وحدّدوا عقد الإجارة مع علمائكم واستوثقوا منهم ولا تأمنوهم فقد خانوا الله وأحرى بهم أن يخونوكم وإنما هم قوم مع الدراهم كثرة أو قدة لا مع المبادئ حقًا أو باطلًا ومع البطون ملئًا وفراغًا لا مع الآراء صوابًا أو خطأ.
أما نحن، فوالله ما نباليكم مجتمعين ولا متفرقين وما رهبناكم وأمركم إلى إقبال والدنيا لكم تبع وأهلها لكم شيع، فكيف نرهبكم وأمركم إلى إدبار وقد ضجّت الدنيا من خفاياكم وخباياكم وزواياكم وبلاياكم ورزاياكم، وكم اشتكت منكم الجيوب إلى علّام الغيوب.
ووالله ما وهمنا في شأنكم ولا كذبتنا الحقيقة وما أنتم اليوم إلا من عرفنا بالأمس.
(1/118)

- 2 - *
عهدنا أدعياء السنّة تجّارًا حاذقين لا يخفى عليهم ما يروج وما يكسد وعرفنا أن رأس مالهم التدجيل وعرفنا أن بضاعتهم هي هذه الأمّة المسكينة التي أحكموا الحيلة في تخديرها بالرؤيا والمنامات والفداء والمكفرات، وزعزعوا عقيدتها في الله بما أثبتوه لأنفسهم من التصرف في الكون أحياءً وأمواتًا ومن مشاركة الخالق فيما تفرّد به من الخلق والأمر، وأفسدوا فطرتها الدينية بما ابتدعوه لها من عبادات ميكانيكية هي إما زيادة في الدين أو نقص منه. وغايتها الانحلال من هذا الدين، وبسطوا أيديهم إلى خلق الشهامة والإباء من نفوسها فقتلوه واستباحوا منها المحرّمات واتّخذوا من ذلك كله ذريعة لابتزاز أموالها.
ولولا أنهم علموا ميل الأمة إلى السنّة وأحسّوا بانعطافها إلى معنى السنّة الحقيقي لما جاءوا بهذه الكبيرة ولما اتخذوا من هذا الاسم حيلة يطيلون بها زمن التخدير، وخدعة شيطانية يتألفون بها الشارد، وحبالة يصطادون بها المتفلّت وما كثر المتفلّتين. ولعلّ هذه الحيلة هي آخر حيلهم.
ونحن- والله- فقد أصبحنا تجّارًا حاذقين لا يخفى علينا ما يدقّ وما يجلّ من أباطيلهما وأوهامهم التي قادوا بها الأمة زمنًا فما قادوها إلا إلى الهلاك، ولكن رأس مالنا الحق نقوله وندفع به عنه ونرشد هذه الأمة المسكينة إليه، ونداوي منها ما جرحته تلك الأيدي القاسية، وفرق ما بيننا وبينهم أننا ندعو إلى السنّة وهم يدعون إلى البدعة، ونحن ندعو إلى أخوة
__________
* نشر هذا المقال في العدد (9) من جريدة "السنّة" بالمقدمة التالية:
كان للمقال السابق صدى في جميع الطبقات، لما رأوا فيه من الحقيقة الواضحة والبيان الناصع، وجاءنا الناس والكتب يتساءلون عن هذا الكاتب النقاد البليغ الذي تركهم يلمسون الحقائق لمسًا ويشاهدونها عيانًا. وها هو اليوم مقاله الثاني يزيدهم بصيرة بالحق ويعرفهم بقوّته وإن بقي اسم الكاتب محجوبًا. وهؤلاء هم رجال الجمعية (جمعية العلماء) وهذه منزلتهم في العلم والدين والبيان.
(1/119)

الإسلام نشدّ بكتاب الله حبالها ونجمع بسنّة رسول الله أوصالها وهم يدعونها إلى الفرقة والفرق وخلاف الطرق.
وفرق آخر بيننا وبينهم أننا نذكِّر الأمة بكتاب الله وما صحّ من سنّة نبيّه وهم يذكرونها بالطبل والمزمار.
وأننا لا نسألها أجرًا عما أوجب الله علينا من إرشادها ولا نرزأها شيئًا من مالها ولا نبيع لها الأدعية لتملأ لنا الأوعية ولا نغرّها بالمغفرة ولا نهوّن عليها معصية الله واطراح دينه بالفداء والمكفرات في مقابلة لقم محدودة أو دراهم معدودة ولا نغريها بترك الأسباب اتكالًا على الأنساب، ولا نقرّها على الاستسلام والخضوع لغير الله، ولا نقارضها سكوتًا عن باطلها بنطق في مدحنا، ولا نشرع لها من الدين ما لم يأذن به الله.
أتدرون عواقب ما صنعتم بهذه الأمّة؟ إنكم اقتلعتم ببدعكم كل ما غرس الإسلام فيها من فضائل فمكّنتم فيها لأعراض الانحلال والتفكك والسقوط. وأتيتم على ما فيها من ذكاء ونشاط وعمل فأصبحت بين الأمم وهي مضرب المثل في البلادة والجمود والكسل ولو كنا وحدنا في أرض الله لهان الأمر في الجملة ولكن من ورائنا الأجانب عن هذا الدين يتربّصون به الدوائر فيأخذونكم في عداد أبنائه ويأخذون أعمالكم في عداد أعماله. فهل في أعمالكم ما يبيّض وجه الإسلام ويدفع عنه عادية الألسنة والأقلام، وإن منكم من يرقص أمام أولئك الأجانب رقص القرود وتلبسه شيطانيته فيلتهم الزجاج والحديد والحيات وهم يضحكون ولا رأي لهم إلا أن هذا هو الإسلام وهذه هي تعاليمه وهذه آثاره، ولا منطق لهم إلا أن هؤلاء أتباع طريقة كذا، وطريقة كذا من الإسلام، فهذا هو الإسلام ونحن نقول لهم إن الإسلام لا يعرف طريقة كذا ولا طريقة كذا فهو بريء من هذه البعران والتماسيح وهو من أفعالهم أبرأ.
فأي الفريقين أصدق تعبيرًا على محاسن الإسلام وأحسن تصويرًا لفضائله في نفس الأجنبي؟ أنحن بأقوالنا أم أنتم بأفعالكم؟
أرأيتم كيف تلجئنا الضرورات إلى البراءة منكم إلجاءً وتدفعنا إليه دفعًا لا نملك معه الإرادة إذا كان لا يستقيم لنا الدفاع عن هذا الدين إلا بذلك، وهما أمران ما من أحدهما بد فإمَّا أن أفعالكم حق فالإسلام بكتابه وسنّته وهدي أَئِمَّته باطل، وإما أن الإسلام هو الحق فأنتم وأعمالكم تكونون ماذا؟
وأخرى- ألا تدرون أن هناك محاضرات تلقى وخطبًا تتلى وكتبًا تطبع وتنشر وجمعيات تقوم بجميع ذلك- كل ذلك (لِلطَّعْن) في الإسلام بكم وبأفعالكم واتخاذكم حجّة عليه.
(1/120)

ثم أتدرون الغاية من ذلك كله؟ هي حمل العالم المتحضّر على احتقاركم واعتباركم في الهمج الرعاع الذين لا يصلحون لصالحة ولا يستقيمون على ما يريدون بل على ما يُراد منهم، وحمل الجمهور اللاهوتي منه على اقتحام مأسدة الإسلام لأن فيها ثعالب … فما أنحسكم على الإسلام.
إن للاهوتيين من العالم أن ينتزعوا من أعمالكم حجة مدارها على هذا القياس ما دامت العبادة بالبندير أو بالبيانو فالبيانو أرشق، وما دام الأمر بين أكل الأفاعي وبين أكل الخبز المقدّس فالخبز أفضل، وما دامت المغفرة تُباع بالدراهم عندنا وعندهم فنحن سواء، فما أعظم جنايتكم على الإسلام.
إني قلت، وما زلت أقول، إن محاسن هذا الدين كوّنت له أعداء من غير المنتسبين
إليه يرمونه بكل نقيصة، وإن حقائقه ومقاصده السامية كوّنت له أعداء من المنتسبين إليه يرمونه بكل معضلة. وإن عداوة الأولين منشأها سوء القصد وعداوة الأخيرين منشأها سوء الفهم وليسوا سواء في القصد والغرض ولكنّهم سواء في الأثر. ونقطة التلاقي بين الفريقين هي التعطيل المحض لهذا الدين إذا قدِّر لهم أن ينالوا منه نيلًا، ولو رزق الأولون شيئًا من الإنصاف ورزق الأخيرون شيئًا من صحة الفهم وصدق النظر لأصبحنا معهم في وفاق ولأصبح الإسلام الحقيقي دينًا عامًا يطوي في ملاءته النوع البشري كله.
أيها الناس، إن نقطة النزاع بيننا وبين هؤلاء هو ما علمتم: هو هذه العامة التي أضلّوها وأذلّوها وغاية الشيطان أن يضلّ، وأرادوا أن تعبدهم من دون الله وهو ما يئس منه الشيطان بنصّ الحديث، فإن كان بعد ذلك بيننا وبينهم نزاع في شيء فهو وسائلهم التي يمهّدون بها لهذا القصد، فإن كان بعد ذلك خلاف في شيء كمراتب العبادة وإباحة كراء الأسواق فتلك أغشية يريد علماؤهم المأجورون أن يحجبوا بها الحقيقة ويستجرّونا بها للخروج عن محل النزاع، فإن كان بعد ذلك شيء فهو لا شيء إلا أنهم يقولون عنّا بغير فهم: إنهم وهّابيون وكذا وكذا، ولسنا نستغرب صدور ذلك عنهم فإن من لا يستحي أن يقول على الله بغير علم لا يعزّ عليه أن يقول على المخلوق بغير فهم.
ألا لا يرتابنَّ بعد هذا البيان مرتاب ولا يشكن شاك بعد اليوم في أن اجتماع أصحابنا وتلبثهم حول اسم السنّة إنما هو للدفاع عن (الخبزة) المشتركة.
إن موقفنا معكم قد أصبح يتقاضانا الصراحة وتسمية كل شيء باسمه فقد طال ما سكتنا عنكم فتجرأتم وطالما كنينا ولم نصرّح وحوّمنا ولم نرد استيلافًا لكم وطمعًا في استصلاحكم، فلم يزدكم ذلك منّا إلا عتوًا واستكبارًا حتى حامت حولنا الظنون وأصبحت الشبه تتساقط بساحتنا، فأصبح من المتحثم علينا أن نشرحكم شرحًا يحلّ المشكلات وبفكّ
(1/121)

المقفلات، وقد فتح الله علينا في فهمكم حتى لا يغمض علينا منكم معنى ولا تلتوي عبارة، وحتى لو أن الله مسخكم جملًا يضمّها كتاب يُكتب عليه (تأليف ابن قشوط بشرح الحافظي) لما كلَّ لنا ذهن ولا قعدت بنا قريحة عن فهمكم، وإن كان لا يصدر عن الرجلين إلا العسلطة والثرثرة وتلفيق شيء لشيء، وسبحان الفتّاح …
وإن هذا القلم الذي خط الألف من هذا الموضوع لا يجف ولا يكف حتى يخط الياء منه، وإن صاحب هذا القلم قد ابتلاه الله بدرس التعقيدات الإنسانية، وهو يزعم أنه زعيم بتحليلها وإرجاع كل عنصر منها إلى أصله وقد أتى من أول هذا المقال بلمحة إنْ لم تكن مصدّقة لهذا الزعم فهي منبّهة على قيمته وهو ماضٍ بعد في جريه حتى يحلّل الموضوع وما وضعتم بهوامشه من تعقيدات، وصبرًا أيها القارئ الكريم فإن هذا القلم ما بعد بكم عن عنوان هذا المقال إلا ليقرّبه إليكم فارتقبوا ولا تعجلوا، وما الحيلة وقد أبى أصحابنا إلا أن يكونوا موضوعًا تضطرب فيه الأفكار وتزدحم عليه الأقلام. وإن من تمام الحل لهذه العقدة أن نأتي على جميع ما يقولونه ونشرحه شرحًا يكشف عمّا بين أقوالهم وبين مقاصدهم من بعد. ونبيّن للناس أنهم غالطون في بعضها ومغالطون ببعضها، ثم نأتي على ما يقولونه عن أنفسهم وما يدعونه لها ونعطي القرّاء عهد الله أننا نخرج من هذا الشرح ونحن في كفة من الميزان وخصومنا في كفّة- وما هو إلا ميزان السنّة الصحيحة- لينظروا أيّنا أرجح.
فهم يقولون لو سكت لنا المصلحون في كذا وكذا لسلَّمنا لهم الباقي أو- على الأقلّ- لم تكن منّا هذه الطيرة وهذا التألب وهذه القضية. ونحن نعلم أننا لو تساهلنا معهم وجاريناهم على الظاهر من قولهم فسكتنا لهم عن هذا (الكذا) لقالوا أيضًا لو سكتوا لنا عن كذا آخر حتى نسكت لهم عن الجميع، فالقوم لا يرضيهم منّا إلا السكوت البات كما يقول رئيسهم (1) في شروطه المعروفة للقرّاء. ولا يرضيهم إلا كم الأفواه وتكسير الأقلام لم لا نحصل منهم على الرضا التام حتى نرقص رقصهم ونفحص الأرض بأرجلنا فحصهم ونضرب معهم البندير ونبلع الزجاج والمسامير. ولو كان ما يقولون حقًا وكانوا على شيء من الإنصاف لسلّموا لنا شيئًا من شيء واعترفوا بما يسهل عليهم الاعتراف به ولم يقعوا من الدفاع على الباطل في الإنكار للحق وإذن لكانوا معنا في أهون الشرّين.
على أننا قد سكتنا على كثير من أباطيلهم فسكتنا على ما لا يجوز السكوت عنه حتى لنحسب أننا بذلك السكوت شركاؤهم في الباطل وأن الله مؤاخذنا عن ذلك.
قد سكتنا- يا لكم الله- عن كتب ابن عليوه وما فيها من البلايا والجرائم وكبائر الإثم والفواحش وأن من يسكت عن كتب ابن عليوه يسكت عن عظيم من الشر وشنيع من
__________
1) أي رئيس جمعية "علماء السنة" وهو الشيخ المولود الحافظي.
(1/122)

المنكر لا تبرك الإبل به. وأن انتشار هذه الدفاتر في هذه الأمة المسلمة يفوق انتشار الأوبئة والطواعين فيها، وأن الواجب على علماء هذه الأمة أن يحموها من تلك الكتب كما يحمى المريض من بعض الأطعمة وبعض المياه التي تمدّ المرض وتزيده إعضالًا، وأن أيسر ما تستحقه تلك الكتب هو الإحراق.
ويقولون عنّا إننا وهّابيون، كلمة كثر تردادها في هذه الأيام الأخيرة حتى أنست ما قبلها من كلمات: عبداويين وإباضيين وخوارج. فنحن بحمد الله ثابتون في مكان واحد وهو مستقر الحقّ، ولكن القوم يصبغوننا في كل يوم بصبغة ويسموننا في كل لحظة بسمة، وهم يتخذون من هذه الأسماء المختلفة أدوات لتنفير العامة منّا وإبعادها عنّا وأسلحة يقاتلوننا بها وكلّما كلّت أداة جاءوا بأداة، ومن طبيعة هذه الأسلحة الكلال وعدم الغناء، وقد كان آخر طراز من هذه الأسلحة المفلولة التي عرضوها في هذه الأيام كلمة "وهابي" ولعلّهم حشدوا لها ما لم يحشدوا لغيرها وحفلوا بها ما لم يحفلوا بسواها ولعلّهم كافأوا مبتدعها بلقب (مبدع كبير).
إن العامة لا تعرف من مدلول كلمة "وهابي" إلا ما يعرفها به هؤلاء الكاذبون، وما يعرف منها هؤلاء إلا الاسم وأشهر خاصة لهذا الاسم وهي أنه يذيب البدع كما تذيب النار الحديد، وأن العاقل لا يدري ممَّ يعجب: أمن تنفيرهم باسم لا يعرف حقيقته المخاطب منهم ولا المخاطب أم من تعمّدهم تكفير المسلم الذي لا يعرفونه نكاية في المسلم الذي يعرفونه، فقد وجّهت أسئلة من العامة إلى هؤلاء المفترين من علماء (السنّة) عن معنى الوهابي- فقالوا هو الكافر بالله وبرسوله {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}.
أما نحن فلا يعسر علينا فهم هذه العقدة من أصحابنا بعد أن فهمنا جميع عقدهم، وإذ قد عرفنا مبلغ فهمهم للأشياء وعلمهم بالأشياء، فإننا لا نرد ما يصدر منهم إلى ما يعلمون منه ولكننا نردّه إلى ما يقصدون به وما يقصدون بهذه الكلمات إلا تنفير الناس من دعاة الحق ولا دافع لهم إلى الحشد في هذا إلا أنهم موتورون لهذه الوهابية التي هدمت أنصابهم ومحت بدعهم فيما وقع تحت سلطانها من أرض الله وقد ضجّ مبتدعة الحجاز فضجّ هؤلاء لضجيجهم والبدعة رحم ماسّة، فليس ما نسمعه هنا من ترديد كلمة وهابي تقذف في وجه كل داع إلى الحق إلا نواحًا مرددًا على البدع التي ذهبت صرعى هذه الوهابية، وتحرّقًا على هذه الوهابية التي جرفت البدع، فما أبغض الوهابية إلى نفوس أصحابنا وما أثقل هذا الاسم على أسماعهم ولكن ما أخفّه على ألسنتهم حين يتوسلون به إلى التنفير من المصلحين، وما أقسى هذه الوهابية التي فجعت المبتدعة في بدعهم وهي أعزّ عزيز لديهم ولم ترحم النفوس الولهانة بحبّها ولم ترث للعبرات المراقة من أجلها.
(1/123)

وإذا لم يفهم أصحابنا من معنى الوهابية إلا أنه محو البدع، فقد استقام لهم هذا المنطق الغريب على هذا النحو الغريب وهو أنه ما دامت الوهابية هي محو البدع، وما دامت وصفًا لا رجلًا وما دام كل وصف ككل كسوة عسكرية كل من يلبسها فهو عسكري يُعرف بها ولا تُعرف به، وما دام المصلحون ينكرون البدع فهم وهابيون وإن لم يؤمنوا للحجاج سبيلًا ولم يأتوا بابن سعود وقومه قبيلًا اهـ. من كتاب ابن قشوط.
ونحن نقول لهم على هذا النمط من المنطق الغريب: ما دامت جريدة الإخلاص مكتوبًا على وجهها الأول (ولتكن منكم أمة) - وما دام مكتوبًا على وجهها الثاني يجب السكوت البات على عوائد الأفراح والأتراح والاحتفالات والمآتم.
وما دامت هذه العوائد بعضها منكر وبعضها غير معروف، وما دامت الجريدة وجاردها كالثريدة وثاردها يأكلها ولا تأكله فأصحاب جريدة الإخلاص ليسوا (منكم) وليسوا (أمة) …! أهـ - بتخليط.
هذا فهم دارسي التعقيدات مثلي، وأما الفهم السطحي فهو أن دين أصحابنا هو البدعة وما تفرّع عنها، ومن كفر ببدعهم فهو الكافر في اصطلاحهم، وعليه فالوهّابيون كفّار والمصلحون كافرون. ألم يقل لنا الحافظي- نفعه الله- مرارًا إن لكلّ قوم اصطلاحهم …!
يا قوم- إن الحق فوق الأشخاص وإن السنّة لا تسمىّ باسم من أحياها، وإن الوهّابيين قوم مسلمون يشاركونكم في الانتساب إلى الإسلام ويفوقونكم في إقامة شعائره وحدوده ويفوقون جميع المسلمين في هذا العصر بواحدة وهي أنهم لا يقرون البدعة، وما ذنبهم إذا أنكروا ما أنكره كتاب الله وسنة رسوله وتيسّر لهم من وسائل الاستطاعة ما قدروا به على تغيير المنكر؟
أإذا وافقنا طائفة من المسلمين في شيء معلوم من الدين بالضرورة وفي تغيير المنكرات الفاشية عندنا وعندهم- والمنكر لا يختلف حكمه بحكم الأوطان- تنسجوننا إليهم تحقيرًا لنا ولهم وازدراء بنا وبهم، وإن فرّقت بيننا وبينهم الاعتبارات، فنحن مالكيون برغم أنوفكم، وهم حنبليون برغم أنوفكم، ونحن في الجزائر وهم في الجزيرة. ونحن نعمل في طريق الإصلاح الأقلام، وهم يعملون فيها الأقدام. وهم يعملون في الأضرحة المعاول ونحن نعمل في بانيها المقاول.
وما رأيكم في أوروباوي لم يفارق أورباه إلا مرة واحدة طار فيها بطيارة فوقعت به في الهند، فرأى هنديًا يصلّي، ثم طار بها أو طارتْ به فوقعتْ به في مراكش فرأى مراكشيًا يصلّي فقال له: أنت هندي لأنك تصلي، ألا تعدون هذا القياس منه سخيفًا؟ إلّا لا تعدوه كذلك فقد جئتم بأسخف منه في نسبتنا إلى الوهابية.
(1/124)

إننا نجتمع مع الوهابيين في الطريق الجامعة من سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وننكر عليهم غلوّهم في الحق كما أنكرنا عليكم غلوّكم في الباطل فقعوا أو طيروا فما ذلك بضائرنا وما هو بنافعكم.

ومن المضحكات أن جريدة "الإخلاص" وضعت فوق اسمها آية وتحته حديثًا كأنهما شعار لها ولكنّك لا تكاد تجاوز الاسم وما فوقه وما تحته حتى تجد نفسك وكأنما خرجت من بحر لبرٍ ولا تجد أثرًا ولا رائحة من معنى الآية ولا من معنى الحديث ولا تذوق لهما طعمًا، وتمرّ على صحائفها الأرج بأنهارها وسواقيها فلا ترى إلا دعاء للشر لا للخير ولا ترى إلا بدعًا تشهر وتنصر ومنكرًا لا يغير. ولا ترى من أصحاب الجريدة إلا طائفة قائمة (ثائرة) على الحق تهدمه، وعاكفة على الضلال تقويه وتبرمه وتعظمه وتكرّمه. وعذرهم القائم في ذلك أنهم لو حقّقوا من أنفسهم معنى الآية والحديث لأصبحوا وهّابيين حقًا ولأصبحنا نعيرهم بهذا الاسم كما عيّرونا به والنار ولا العار.
(1/125)

- 3 -
وهم يقولون عنّا لو أسقطوا من حسابهم فلانًا وفلانًا لـ … ولا يأتون في جواب "لو" هذه بشيء سديد ونحن يحقّ لنا أن (نكاشف) ولو مرة في العمر فدعوني آخذ نوبتي في المكاشفة عن جواب (لو) هذه وهاكم تركيب الجملة "لو أسقطوا من حسابهم فلانًا وفلانًا "لاثنين" لقلنا لهم أسقطوا فلانًا وفلانًا لاثنين آخرين حتى لا يبقى …" وفاتهم أننا تسعة "كما يقولون" وهذا الإسقاط الذي يطلبونه يتناول اثنين اثنين، فلا بدّ من بقاء واحد. والسر في ذلك الواحد … وما قولكم في ذلك الواحد إذا صاح صيحة الحق فاجتمع عليه تسعمائة وابتدأ الأمر بأشدّ مما انتهى به. ألا يكون ذلك أنكى عليكم؟ أم تظنون أن تنويمكم ضرب على المشاعر الحسّاسة كلّها، وإن ذكركم ملأ الآذان حتى لم تعد تسمع صيحة الحق، ومتى أنار الدنيا هلال مقنع؟ يا قوم، اظهروا ما تجمعون به وتعالوا نتساقط على الكيف لا على الكم كما تريدون ونحن تسعة كما تقولون وأنتم تسعة آلاف … فيوشك إن فعلتم أن لا يسقط منا اثنان حتى تسقطوا جميعًا لأن نسبتكم من العمل الذي تدعونه نسبة الزؤان من القمح وعند الغربال الخبر اليقين. إنها لخدعة الصبي على اللبن كما يقول علي، كرّم الله وجهه.
على أن المسألة ليست مسألة أشخاص، فنحن نرى أن الإصلاح مبدأ وفكرة وأنتم ترونه زيدًا وعمرًا.
ونحن نرى أن هذه الفكرة أو هذا المبدأ إن لم يقم بفلان قام بغيره وأنتم ترون أنه إن لم يكن فلان لم يكن مبدأ. ونحن نرى أن فرقًا بين جمعية تتكوّن حول مبدإ اقتضاه تدبير الاجتماع الإنساني فهي مترابطة بجاذبية مبدإ وهي ذائبة في مبدإ وهي دائبة في العمل للمبدإ وبين جمعية تتكوّن حول نفسها لتنصر نفسها بنفسها فتنصر مدبرًا بمدبر وتدافع ما لا يدفع بما لا يدفع ويكون من أول أكاذيبها على الناس أن تكذب في اسمها.
(1/126)

إن أسوأ السوء في أصحابنا أنهم يقدمون على الأمور الكبيرة بالأنظار القصيرة، وإننا لا نجاوز هذا المقام حتى نكشف للقرّاء الكرام عن حقائق تجب معرفتها لعلّهم يفهمون بها العقد الملتوية من شيوخ الطرق بالأمس وعلماء السنّة اليوم، ويطّلعون على مواطن الضعف من إدراكهم، وإذا أفهمنا المستعدّين للفهم فما علينا أن لا يفهم أصحابنا. وهل نحن معهم إلا كما قال ابن الرومي:
ولا أنا المفهم البهائم والطـ … ير سليمان قاهر المرده
إن المتتبع لتاريخ هؤلاء الدجّالين يجدهم لم يخلوا من التحرّق على الإصلاح والتنكّر له في جميع أطواره وعلى اختلاف مظاهره فقد كانوا متنكرين له وهو جنين فلما ظهر في الأفراد ازدادوا له تنكّرًا وعليه نقمة، فلما ظهر في شكل جمعية أجمعوا أمرهم وشركاءهم لحربه بهذه المكائد. ألم تعلموا أنهم قبل أن يظهر الإصلاح بهذا الوطن وتلهج الألسنة باسمه كانوا يلعنون ابن تيمية وابن حزم ومحمد عبده وغيرهم من أئمة الإسلام الذين جهروا بإنكار البدع، فلما ظهر الإصلاح بالمظهر الفردي كان أمضى سلاح يقاومونه به قولهم تيمي، عبداوي.
هذا ما نعلمه من حالهم ونستيقنه، ولكن القوم ظهروا في الدور الأخير بأقوالهم وأقوال خطبائهم وعلمائهم وكتّابهم وشعرائهم بمظاهر مختلفة لا تتفق مع تلك الحقيقة وقل هو الجهل أو قل هي الشعوذة. فتراهم يتّخذون الأشخاص هدفًا ويرمون حتى تنفد النبال ويطاعنون حتى تنكسر النصال على النصال فتقول أنت إن القوم لا يقاومون إصلاحًا وإنما يحاربون أشخاصًا لهم معهم تِرَاتٌ وذحول وتراهم كذلك يقولون الإصلاح المزعوم، الوهمي، الكاذب، فتقول أنت إن القوم ينشدون إصلاحًا واقعيًا حقيقيًا صادقًا، ولكنّك تراهم مع هذا وذاك غرقى في البدع الصفاء والمنكرات العمياء وتراهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ويشترطون السكوت عن تلك البدع وتلك الأباطيل لأن لهم وحدهم فيها فائدة- وإن أهلكت الأمة كلها- فتقول أنت وحدك ومن غير عناء، هذا غير الأول، وهذا ليس من ذاك، وهذا ليس يتفق مع الإصلاح المزعوم ولا الحقيقي.
هؤلاء هم أصحابنا ببردين من تمويه ومغالطة. ونحن، فقد تعلّمنا منهم قليلًا من التمويه والمغالطة نستعمله عند الحاجة فإن أفاد فالفضل لهم. فلنسأل أصحاب تلك الألسنة الكاذبة وتلك الأقلام الكاتبة سؤالًا هو في الإبهام من نوع علومهم، وفي البساطة على قدر فهومهم فنقول لهم: أي هدف ترمون بهذه الشتائم المصبوبة؟ وأي غرض تقصدون بهذه المكائد المنصوبة؟
(1/127)

فإن كنتم تريدون الأشخاص الذين تصرحون بأسمائهم، وتعرضون بنعوتهم وسيمائهم، فقدخلطتم.
وإن كنتم تريدون المبدأ مبدأ الإصلاح حتى تموت هذه الفكرة وتنطفئ هذه الجمرة فقد غلطتم. وإن كنتم ترمون الاثنين لعلمكم أن موت المصلحين موت للإصلاح "والعكس" فقد تهتم في العماية وخبطتم.
ثم نقول لهم بشيء من التفصيل: إذا كنتم ترمون الأشخاص لذواتهم كما يظهر من كلامكم لأنهم مصلحون وليسوا بصلحاء كما يبدو لأفهامكم، فطالما ظهرتم بمظهر الناصح بما لم ينتصح فيه، والواعظ بما لم يتعظ به، والمعلم لما هو أجهل الجاهلين له، والكاذب على الله ورسوله وصالح المؤمنين فلم يبقَ لكم محمل تحملون عليه في هذه إلا الغش لأمة محمد. والغش لها مدرجة الخروج منها وأخسر بها صفقة. ثم أية نتيجة تظفر بها أيديكم من وراء رمينا بالتُّهم والشناعات؟ إن كنتم تريدون بذلك تنقيص حظنا من الاعتبار الدنيوي والجاه الكاذب، فقد بعنا حظنا منه بخردلة إلا ما كان في حق الله حتى يقضى، أو في نصر ددينه حتى يرضى. وإن كنتم ترمون الفكرة فكرة الإصلاح فقد طاش سهمكم فإن فكرة الإصلاح حق ومغالب الحق مغلوب ومحاربه محروب- نعم إن الإصلاح حق وما وراء الإصلاح إلا الإفساد وأنتم أهله. وهل بعد الحق إلا الضلال وأنتم خيله الموجفة ورجله، ولكن الحق لا يغلب. وإن كنتم ترمون المصلحين ليموت الإصلاح بموتهم فهذا محل الضعف من إدراككم، فإن الإصلاح لا يموت بموت المصلحين الذين تعرفونهم. وإن الإصلاح أمانة إلهية تنتقل من صدر إلى صدر ولا تدخل مع الميت إلى القبر. فلم يبق لكم محمل تحملون عليه في هذه إلا محادة الحق وقد حقّت عليكم الكلمة ويوشك أن يأخذكم الله بعدله.
ثم نقول لهم ما هو أبعد عن أفهامهم وأشدّ منافرة لتصوّراتهم وأوهامهم وهو أن هذه الجمعية التي تحاربونها في أشخاصها ومبدئها قد كوّنتها الأمة وأنتم منها، فهل تكذبون النفس أو تعاندون الحسّ؟
نقول إن هذه الجمعية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) كوّنتها الأمة، ونزيد القول بأن جميع أفراد الأمة أنصار لها شعروا أو لم يشعروا.
ومعنى هذا أنه ما تهيأت وسائل تكوين الجمعية وتهيأت أسبابها إلا بعد أن صارت حاجة من حاجاتها وإلا بعد أن استلزمتها ضرورتها الاجتماعية واقتضتها سنة تعاقب الأطوار، ولماذا لم تنشأ في أول القرن الرابع عشر الهجري أو في أول القرن التاسع عشر الميلادي مثلًا؟ السر في ذلك هو أنها دفعت إلى التكوين دفعًا بعوامل أقواها الشعور بحق كان مهجورًا وبحال أمثل من الموجود كان مقبورًا.
(1/128)

لعلّ في هذا التقسيم غموضًا وسببه أمران: الأول أنه مأخوذ من حال أصحابنا، وآخر ما أخذ من الغامض أن يكون غامضًا، والثاني أنني "بوجادي" (1) فيما تعلّمته من أصحابنا. - ومن المؤسف أن كانت التجربة في هذا الفصل- فهاكم الحقيقة في موضوعنا.

أسباب تكوين جمعية العلماء المسلمين طبيعية.
إن مما لا يفهمه أصحابنا علماء السنّة، أن الأسباب الداعية لتكوين جمعية العلماء طبيعية، وأن رجالها القائمين عليها أدوات ليست مقصودة بالذات، وأن جماعة يؤخرها الانتخاب ويقدّمها ويوجدها الاختيار ويعدمها لهي فكرة خالدة خلود الجبال.
فجمعية العلماء المسلمين ومبدؤها الإصلاحي الديني هما في الحقيقة شيء واحد. هما فكرة معتصرة من حال الأمة الجزائرية المسلمة في اجتماعها ومن حيث إنها أمة قابلة للتطوّر، وقد اقتضاها الوجود فوجدت والتزمها التطوّر فظهرت، وقد حان حينها وشبت عن طوق الخفاء فتكوّنت كالنبتة يراها الرائي ضعيفة طرية ليّنة ويراها مع ذلك تشقّ الأرض الصلبة والتراب المتماسك في طريقها إلى الكمال، وما لقوّة النبتة خضعت الأرض الصلبة ولكن لقوّة الحياة وسلطان الوجود. ومن يسدّ طريق العارض الهطل؟
وعلى هذا فلو لم تقم هذه الفكرة بهؤلاء الأشخاص لقامت بآخرين مثلهم، فإذا رماهم الزمان بطائفة مبطلة مثل أصحابنا رماها الله بخذلان من عنده حتى يبلغ الحق مداه وتتمّ كلمة الله فيه.
إن الجمعيات لا تبقى ولا يضمن لها الدوام إلا إذا كان في المعنى الذي أسّست لأجله عنصر من عناصر التجديد لطائفة أو لأمة وتكون قواعد العمران وأصول الأديان مقتضية له في حياة تلك الأمة الروحية أو المادية. وما من جديد في حياة الأمة إلا وله أصل اندثر وذهبت منه العين أو الأثر، فتقوم الجماعات أو الجمعيات بإحيائه أو تجديده فيكون لمعنى الاجتماع- وفيه قوّة- مؤازر من معنى الجدة وفيه قوّة أخرى، فتصير القوّتان للجمعية بمثابة جناحين تطير بهما إلى الكمال.
وليست بهذه القوة ولا بهذه المثابة، الجمعيات التي تؤسّس لإبقاء قديم على قدمه وحال على ما هي عليه كمن يؤسس جمعية بني فلان لأنهم بنو فلان لا لمعنى آخر زائد على ذلك يجلب لهم نفعًا جديدًا، أو، يعلمهم عملًا مفيدًا أو يدفع عنهم ضرًا مبيدًا، أو يقتضي لهم من الكمال؟ مزيدًا. وكمن يؤسس جمعية الفلّاحين لأنهم فلّاحون فقط، لا لمعنى آخر
__________
1) بوجادي: كلمة عامية ومعناها مبتدئ لمّا يتعلّم بعد.
(1/129)

جديد يصلح فاسدهم أو ينقلهم من صالح إلى أصلح. وكمن يؤسّس جمعية للأميين ليبقوا أميين، أو جمعية الضُّلَّال ليبقوا على ضلالهم، أو جمعية العمي ليبقوا على عماهم، لا شيء آخر زائد على ذلك. فمثل هذه الجمعيات التي ضربنا بها الأمثال لا تدوم- إذا وجدت- لخلوّها من عنصر الجدة المقتضي للنمو والتكامل. وقد وجد منها نمط على سبيل المثال وهو جمعية علماء السنّة. فكان ذلك النمط مثالًا للمعدوم وكان ذلك النمط شاذًا في بلاد الشذوذات والاستثناآت. وقد أراد أصحاب ذلك النمط الشاذ أن يفرضوه فرضًا على سنن الله في كونه، وإن سنّة الله لكفيلة بطرحهم وطرح نمطهم فليرتقبوا ...
وإذا كان في العلم ما يفيد فإن في بعضه ما ينكي ويغيظ وهو ما نعلم به أصحابنا شيوخ الطرق من طبائع الجمعيات وأمزجتها وما تفرغه على الداخلين فيها من ألوان، فهم يجهلون هذا كله، ولولا جهلهم به لما أقدموا على الدخول في جمعية علماء السنة، ولفرّوا منها فرار السليم من الأجرب، ولكان أهون الشرّين عليهم شرّ الإصلاح ولكن لا بدّ من مصداق لقول الشاعر:
يقضى على المرء في أيام محنته … حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
فاسمعوا أيها الشيوخ الفضلاء، نعلمكم احتسابًا ولا نسألكم على هذا التعليم أجرًا، ولو كنّا نضمر لكم غشًا لغششناكم في هذه النقطة لأن النصح فيها لا يتفق مع مصلحتنا، فاسمعوا:
إن من طبيعة هذه الجمعيات التي كنتم منها في أوسع عافية لولا أن الجأكم إليها (هم الزمان) أنها تغطي على الأسماء والألقاب وهي رأس مالكم، وأنها تقضي على الشهرة والصيت وهي حبائلكم وشباككم التي تصطادون بها العامّة. ومن مزاجها أنها تسوي بين الناس في السمعة، حتى يصير القنديل كالشمعة، ويوازن البحر بالدمعة، وهذا شيء لا يوافق مزاجكم المعجون بالأنانية والاستئثار.
ومن ألوانها التي تصبغ بها الداخلين فيها المناوبة في الكلام، والسؤال والجواب والأخذ والرد والإيراد والدفع والمواجهة بالتكذيب وقول لا، ولماذا؛ وهذه كلها أشياء ثقيلة على مزاجكم اللطيف لم تتعوّدوها ولم توطنوا أنفسكم عليها، وإنما تحسنون من هذا كله نوعًا مخصوصًا في مقامات مخصوصة مع قوم مخصوصين رضتموهم على أن يجتمعوا حولكم ويستمعوا قولكم، فتقولون لهم قال الله فيما تقولتموه، قال رسول الله فيما قال مسيلمة، فلا يعتقدون إلا أن ذلك كما قلتم.
ولقد قال رجل منكم- وكلكم ذلك الرجل- لأتباعه وهو يحضهم على دفع المغرم للزاوية: يَالَخْوان (2)، قال الله: لا تنالوا البر والبحر حتى تنفقوا، فقالوا جميعًا صدق الله.
__________
2) مفردها "الخُوني"، وتطلق على أتباع الطرق الصوفية، وقد يكون معناها "أيها الإخوان".
(1/130)

إن مزاجكم، أيّها الشيوخ، ومزاج الجمعيات شيئان متنافران وإنما تتفقون معها في واحدة هي أغيظ لكم مما نافرتموها فيه، وهي أنها مثلكم تأخذ من أتباعها ولا تعطيهم، ولا أثقل من اشتراكات الجمعية إلا طلعة جابيها على نفوس تعوّدت أن تجبى إليها ثمرات كل شيء.
هذه حالتكم التي نعرفها لكم ونعرفكم عليها فهل تتنزلون من علياء سماواتكم حين تدعون إلى الحضور في جمعية علماء السنّة فتستجيبون؟ وهل تخلعون رداء الكبرياء والأنانية فتتنازلون إلى المساواة مع بعضكم وإلى مساواة واحد منكم لأتباعه إذا قدّر لهم أن يتشرّفوا بالحضور معه خصوصًا إذا جاء وقت الانتخاب، وقيل فلان (الخوني) فاز وفلان "الشيخ" خاب، وهل توطّنون تلك النفوس المدللة، التي تعوّدت أن تأمر ولا تؤمر، وأن تقول ولا يقال لها، وأن لا تجاب إلا بـ "نعم سيدي" وتلك الآذان التي ألفت سماع (يا سيدي معروف دعوة الخير) وتلك الأيدي التي ألفت التقبيل- من المهد- على الفطام مما ألفت وتعوّدت؟ ومن العناء رياضة الهرم.
لهفي على تلك الأسماء التي كانت ترنّ في الآذان، وتنادى من (قاصي الأوطان) وتحدى بها الركبان، وتهينم بها الرهبان. وقد ذابت في اسم واحد وهو جمعية علماء السنة كما تذوب البدعة في الوهابية.
ولهفي على تلك الآراء التي كانت كأنها التنزيل تقابل بالوجوم والاطراق، ولا تعارض ولا تراجع، وقد صارت في هذه الجمعية السخيفة تعارض بقول سخيف: "ينظهر لي (3) يا سي الشيخ رأيك هذا ما يصلحش بنا (راك غالط فيه، ويلزمك تسحبو) " ...
له الويل .. وبفيه الحجر ... وما معنى (يسحبو) .. وهل لم يجد من يقول له هذه الكلمة إلا لمن لم يتعوّد أن (يسحبوا) .. أولى لك يا ابن البربرية ولو غيرك قالها ... ولو في غير هذه الجمعية المسخوطة قلتها ... إذ لتناولتك الهراوي من يدي العربي والشاوي.
لا تظنّوا، أيها الفضلاء، أنني ساخر بكم، لا، وحقكم إنني لجاد، ولقد أخذني من الرقّة لكم في هذا المقام ما لم أعهده من نفسي، وأنفت لتلك الأسماء المشهورة أن تصبح في جمعية علماء السنّة مقبورة، وتلك الأوامر المطاعة، أن تصبح بين أمثال ذلك السخيف مضاعة، ولكنّكم أنزلتم أنفسكم بهذه المنزلة فسلوا من جرّكم لماذا جرّكم، أليفيدكم أم ليبيدكم؟
وإني لا أرجو منكم على هذه النصيحة أن تشكروني بلفظة ولا أن تنظروني بلحظة.
__________
3) أي يظهر لي ... يَبْدُو لي.
(1/131)

جمعيّة العلماء: دعوتها وغايتها*
(الخطاب النفيس الذي ألقاه الأستاذ البشير الإبراهيمي، نائب الرئيس، مساء الثلاثاء4 ربيع الأول الماضي، اليوم الثاني للاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
نبتدئ الكلام باسم الله وحمده، وبالصلاة والسلام على سيّدنا محمد بن عبد الله رسول الله وعبده، وبالرضى عن آله وأصحابه أنصار الحق وجنده، المؤمنين بعهده، المصدقين لوعده، وباستنزال الرحمة الشاملة على أئمة الهدى ونجوم الاقتداء الذين طالما ساورهم الباطل بسلطانه وأَيْدِه وكاثرهم بجموعه وحشده، ودمدم عليهم بهزيمه ورعده- فما وهنوا عند ارخائه، وما استكانوا عند شدّه، وما انخدعوا لهزله ولا لعبوا عند جده- وعلى عباد الله الصالحين المصلحين الذين وقفوا عند شرعه وحده، وأخلصوا عملهم لله بيقين القلب وعقده، وابتلاهم الله بالشر والخير فتنة فقالوا كُلٌّ من عنده، ووفقهم لفهم حقائق الأشياء فما التبست عليهم المعاني ولا سموا الشيء باسم ضدّه.
ونحيي بتحيات الله المباركات الطيّبات هذه الوجوه النيّرة وما تحتها من نفوس خيّرة. من كل مدعو إلى الخير مجيب وداع إليه قد أجيب. وندعو لما دعا له كتاب الله من تأكيد الأخوة، والأخذ في أسبابها بالقوّة.
وندعو للعلم الذي هو سلّم السعادة ورائد السيادة، ونستعيذ بالله من شر التفرّق- الذي حذّر منه الرحمن ودعا إليه الشيطان- فنحن عباد الرحمن والواجب علينا امتثال أمره، وأعداء الشيطان والواجب علينا اتقاء شرّه واجتناب مكره.
__________
* مجلة "الشهاب"، الجزء التاسع، المجلد التاسع، غرة ربيع الثاني 1352هـ/ أوت 1933م.
(1/132)

أيها الإخوة الكرام،
لعلّكم تظنون أنكم ستسمعون موضوعًا مبتكرًا أو خارجًا عن متعلقات جمعية العلماء، وما دام قدومكم لأجل جمعية العلماء وقلوبكم مع جمعية العلماء وركوبكم المشقات والأتعاب في سبيلها، فليكن حديثنا كله لا يخرج عما يتعلق بجمعية العلماء، وأن هذه الجمعية- بمقاصدها وغاياتها- لموضوع يأتي على مواضيع القول كلها، وأن القول فيها ليستغرق أوقات القائلين. وقد جمعكم الله وأنتم أنصارها وذووها في صعيد واحد كأنكم تقولون هذا هو المظهر، ومن ورائكم أعدادكم ممن قعد بهم العجز أو حالت بينهم وبينها الأعذار، وقد أرسلوا بالبرقيات والكتب وفيها ما سمعتم. فكأنهم يقولون وهذا هو المخبر.
ولعلّ أروع ما شهدته الجزائر في تاريخها الحديث هو اجتماع هذه السنة، ولعل غرة أيامها في هذا التاريخ يومان هما أمسكم ويومكم.
وأين تقع تلك الاجتماعات الضخمة التي كانت تشهدها فتشهد المظاهر الفخمة على المخابر الوخمة، وتشهد أشتاتًا من الناس لأشتات من المقاصد والغايات- من اجتماع وحّدته الغاية التي لها يعمل حتى كأن من فيه رجل واحد، ووحّدت الغاية رأيه فهو رأي واحد وقبل ذلك وحَّده الحق فجاء أفراده من النواحي المختلفة بسائق واحد وشعور واحد. هذا مظهر الجمعية وهذا مخبرها من حيث القوة والمتانة والمقام والمكانة، فأين مظهرها وأين مخبرها في العمل الذي أسّست لأجله؟
إن جمعيتكم هذه أُسّست لغايتين شريفتين، لهما في قلب كل عربي مسلم بهذا الوطن مكانة لا تساويها مكانة، وهما إحياء مجد الدين الإسلامي وإحياء مجد اللغة العربية. فأما إحياء مجد الدين الإسلامي فبإقامته كما أمر الله أن يُقام بتصحيح أركانه الأربعة: العقيدة والعبادة والمعاملة والخلق، فكلّكم يعلم أن هذه الأركان قد أصبحت مختلّة، وأن اختلالها أوقعنا فيما ترون من مصائب وبلايا وآفات.
اختلّت العقائد ولابسها هذا الشوب من الخرافات والمعتقدات الباطلة فضعفت ثقتنا بالله ووثقنا بما لا يوثق به.
واختلّت العبادات فخوت النفوس من تلك الآثار الجليلة التي هي سر العبادة والتي هي الباعث الأكبر على الكمال الروحي.
واختلّت الأحكام فانتهكت الحرمات واستُبيحت المحرّمات وتفكّكت روابط الأسرة الإسلامية، وقطعت الأرحام وتعادى المسلمون وتباغضوا وتنكّر الأخ لأخيه، وضعف الوازع الديني الذي يهيئ النفوس للانطباع بطابع واحد فأصبحت مستعدّة للتكيّف بما يقبح وما
(1/133)

يحسن- ثم غلب ما يقبح على ما يحسن فخرجت الفضيلة الإسلامية من عقل المسلم ومن نفسه وحلّت محلها الرذيلة- ثم جاء الاحتكاك بالأجانب عن هذا الدين ومعهم عاداتهم وأخلاقهم فوجدت السبيل ممهدًا، ووجدت نفوس المسلمين عورات بلا مدافع ولا محام فتمكّنت فيها ومكّنت لغيرها، والشر يعدي، وكان من نتائج ذلك ما ترون من انحلال وتفكّك.
ولو كنّا نعبد الله حق عبادته ونبني العبادة الخالصة على عقيدة خالصة، لكان من آثار تلك العبادة في نفوسنا ما يقيها من شرور هذه العوائد العادية.
واختلّت الأخلاق وفي اختلالها البلاء المبين، وان الأخلاق في دينكم هي شعب الإيمان، فلا يختلّ خلق إلا وتضيع من الإيمان شعبة. وقد أجمع حكماء الأمم على هذه الحقيقة التي قرّرها الإسلام بدلائله وأصوله وهي أن الأمم لا تقوم ولا تحفظ وجودها إلا برسوخ الأخلاق الفاضلة في نفوس أفرادها.
ولهذا نرى الإسلام يأخذ في شرطه على أبنائه أن يتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر، ويبدئ في هذا المعنى ويعيد، ويضرب الأمثال ويبيّن الآثار، ويلفت النفوس إلى الاعتبار بمن مضوا وإلى سنن الله الخالية فيهم.
لو لم يكن من أصول دينكم، أيها الإخوة، وتعاليمه إلّا هذا الأصل- وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- لكفاه دلالة على أنه دين اجتماع وعمران وحياة وبقاء، ولو لم نُضِع- فيما أضعنا من تلك الأصول- إلا هذا الأصل لكفانا مقتًا واستحقاقًا لغضبه واستبداله بنا قومًا غيرنا.
وأما إحياء مجد اللسان العربي فلأنه لسان هذا الدين والمترجم عن أسراره ومكنوناته، لأنه لسان القرآن الذي هو مستودع الهداية الإلهية العامة للبشر كلهم، لأنه لسان محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - صفوة الله من خله، والمثل الأعلى لهذا النوع الإنساني الذي هو أشرف مخلوقات الله، ولأنه لسان تاريخ هذا الدين ومُجَلّي مواقع العبر منه، ولأنه قبل ذلك وبعد ذلك لسان أمة شغلت حيّزًا من التاريخ بفطرتها وآدابها وأخلاقها وحكمها وأطوارها وتصاريفها في الحياة، ودولها في الدول، وخيالها اللامع الخاطف الذي هو أساس فنّها وآرائها في عالمي الكون والفساد.
وكلّكم يعلم أن هذا اللسان ضاع من بيننا فأضعنا بضياعه كل ذلك التراث الغالي النفيس من دين وتاريخ، وأن اللغة هي المقوّم الأكبر من مقوّمات الاجتماع البشري، وما من أمة أضاعت لغتها إلا وأضاعت وجودها، واستتبع ضياع اللغة ضياع المقوّمات الأخرى.
(1/134)

ويأبى لكم الله والإسلام أن تضيعوا لغة كتاب الله ولغة الإسلام. يأبى لكم الله إلّا أن ترجعوا إليها لا لتحيوها، بل لتحيوا بها الفضيلة الإسلامية في نفوسكم ولتحيوا بها الحياة التي يريدها الله منكم، فجمعيتكم- بعون الله وبفضل هممكم- تركب لهاتين الغايتين من الوسائل كل ممكن، فمن محاضرات ودروس عامّة إلى دروس خاصّة إلى تنشيط وإرشاد لهذين، وهي تعتمد في الإعانة على القيام بهذا العهد الذي قطعته على نفسها- بعد الله- على كل من يصله صوتها من أبناء هذه الأمة، وهي تعتقد أنها لا تستغني عن الإعانة من أنصارها مهما قلت، وأنها لا تستغني عن حنكة الشيب وتجاريبهم، ولا عن اعتدال الكهول وحكمتهم ولا عن نشاط الشبّان وفتوّتهم، وإن تكافل هذه القوى الثلاث سيخرج للأمة الجزائرية جيلًا مزودًا بالإسلام الصحيح وهدايته والبيان العربي وبلاغته، عارفًا بقيمة الحياة سبّاقًا في ميادينها متحليًا بالفضائل عزوفًا عن الرذائل، عارفًا بما له وما عليه واقفًا في مستقر الحقيقة الواقع، لا في ملعب الخيال الطائر.

أيها الإخوة الكرام،
ليس من معنى سعي جمعيتكم لهاتين الغايتين أنها تعرض عما سواهما، وأنها لا تقيم الوزن لهذه العلوم التي أصبحت وسائل للحياة أو هي الحياة نفسها- كما ظنه الظانون بهذه الجمعية، فظنوا بها ظنّ من لم يفهم شيئًا من حقيقتها- فهي تعمل للغايتين وتعمل لما وراء الغايتين من كل نافع مفيد لا ينافي كليات الإسلام وأصوله.
وإن في سماحة الإسلام الذي تدعو إليه، وفيما هو مقرّر في مقاصده من عدم التحجير على العقول أن تفكّر وعلى الأيدي أن تعمل، وعلى الأرجل أن تسعى، وعلى الألسن أن تتفتّق بكل مفيد، إن في كل ذلك لجوابًا للظانّين وردًا على ما ظنّوه.
هذه هي غاية الجمعية التي تسعى لها وتبذل كل عزيز في الوصول إليها- وسواء تبدّلت الإدارة أو بقيت، وسواء واجهها الدهر بالبشر والطلاقة أو بالتجهّم والعبوس، وسواء أحسنت العبارات تأدية معناها للناس أو لم تحسن، وسواء خفّت لهجات الناشرين لدعوتها أو اشتدّت- فتلك هي الغاية، وتلك الحالات كلّها إنما هي أعراض تسرع بالجمعية في الوصول إلى الكمال أو تُبطئ، ولكنها لا تخرجها عن مبدإ ولا تزحزحها عن جادته.
وإننا نبتهل إلى الله أن يقيّض لها في كل دور من أدوارها رجالًا مخلصين حكماء يستلمونها بيضاء نقية ويسلّمونها لمن بعدهم أشدّ ما تكون بياضًا وأشدّ ما تكون نقاءً، ويتلقّونها وهي أمانة وعهد فيؤدونها لمن بعدهم وهي أمانة وعهد.
وأن يمكن لهم من وسائل التيسير كل ما عجزنا عنه وأن يسدّد خطاهم في حملها، ويشدّد عزائمهم في الدفاع عنها، وأن يقوّي بصائرهم في تحمّلها وأدائها، فما هي بميثاق الفرد للفرد ولكنّها عهد الجيل للجيل.
(1/135)

أيها الإخوة الكرام،
إني لم أرَ مثلًا أضربه لجمعيتكم هذه، وهي لم تزل في المهد، إلا شيئًا نسمّيه تباشير الصبح، هو تلك اللمع المتفرقة من النور في الشرق قبل أن ينشقّ عمود الفجر، يرتاح لها الساري في ظلمات الليل؛ لأنه يرى فيها العنوان الصادق على قرب الخروج من المعاسف والخبط في مضلّات السبل.
ويرتاح لها المهموم الساهر الذي يبيت يراعي النجوم لأنه يرى فيها متنفسًا لهمّه وسببًا لسلواه وإن لم تكن حدًا لبلواه.
ويرتاح لها المقرور الشاتي لأنه يرى فيها مخايل من آية النهار.
ويرتاح لها الناسك لأنه يسمع فيها الداعي المثوب بعبادة ربّه.
ويرتاح لها الشاعر لأنه يرى فيها مسرحًا لخياله وأفقًا لروحانيته.
ويرتاح لها العامل الملتذ بعمله لأنه يرى فيها الأَمَارة المؤذنة بقرب وقت العمل.
ولكن هل يدرك النائمون شيئًا من تلك اللذة؟ نعم إن جمعية العلماء هي تباشير الصبح وسترونها تتصدّع عن فجر صادق، ثم عن شمس مشرقة.
أطال الله أعماركم، أيها الإِخوة، حتى تتملّوا بكل ما في تلك الشمس من إشراق ونور وبهاء وجمال، وبكل ما تحمله تلك الشمس من أسباب الحياة.
(1/136)

ثلاث سنوات من عمر جمعيّة العلماء*
ألحّت طائفة كبيرة من حاضري الاجتماع العام على الأستاذ الإبراهيمي أن يقول كلمة على أثر تلاوة الرئيس للتقرير الأدبي المنشور بهذا العدد من الشهاب، فارتجل خطبة بليغة كان لها وقع عظيم في نفوسهم فألحّوا عليه مرة أخرى أن يلخّص لهم تلك الخطبة لتنشر على قرّاء الشهاب في هذا العدد الخاص بالجمعية ففعل، وكتب ما وعته ذاكرته وذاكرة بعض الإخوان الحاضرين من معاني الخطبة وكثير من ألفاظها، وها نحن ننشرها شاكرين تفضّله، قال (1):
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الإخوة الكرام،
ثلاث سنوات مرّت على هذه الجمعية المباركة وكانها يوم مر أو ليلة تقضت بالسهر، فإذا كانت المبادئ تدلّ عدى الخواتم فستمرّ عديها- إن شاء الله- السنون الكثيرة، وستستقبدها نامية مباركًا فيها، فلا تستقبلها إلا كما يستقبل الصائم عيده مثولة وأجرًا، واطراح كلف، والملجج في البحر صعيده، فرحً! وبشرى واستدبار تلف، ولا تستقبلها إلا عن سنة تحيا وبدعة تموت وحق يُشاد وباطل يُهدم، وحقيقة تثبت ووهم يتلاشى وفضيلة تنشر ورذيلة تقبر.
ثلاث سنوات مرّت من عمر الجمعية وما هي بالشيء الكثير في أعمار المبادئ والمشاربع التي تستمدّ حياتها من العناصر الخالدة، وإن كانت شيئًا كثيرًا في أعمار الكائنات الحسية التي تستمذ حياتها من العناصر الفانية.
ثلاث سنوات مرّت فعددنا مبدأها باليوم والشهر والسنة إذ كان من حق التاريخ أن يقول عنها كلمة، ومن حق هذه الكلمة أن تكون منتظمة ومن حق النظام أن يكون على وضع زماني مخصوص.
__________
* مجلة "الشهاب"، الجزء التاسع، المجلد العاشر، أوت 1934، [ص:402].
(1) تعليق مجلة "الشهاب".
(1/137)

ثلاث سنوات مرّت على هذه الجمعية كما تمر لياليها السوداء على هذا البحر الأخضر فيعدها ولا تعده. وإذا كان أولها- وهو يوم- مبدأ لوجود الجمعية اصطلح عليه الناس يوم اصطلحوا على أن يقولوا: ولد فلان ومات فلان، فلا يكون بين وجوده وعدمه إلا مراحل تنتهي بيوم، فهل من معنى هذا أن لهذه الجمعية مراحل في الوجود تنتهي بيوم؟ كلا.
إن وجود هذه الجمعية هو وجود الحقائق الخالدة، وإذا كانت تعمل لمعنى لا يحدّه الزمان فهيهات أن يحدّها ليل ونهار.
إن هذه الجمعية كالسحاب ساقه الله إلى بلد ميت فلا يقلع حتى يحييه، وإذا كان إحياء المطر للأرض معنى فوق التحديد فكذلك معنى هذه الجمعية، وان سائق المطر للبلد الميت هو سائق هذه الجمعية لهذا الوطن المشرف على الموت.
وإن جاعل المطر سببًا في إحياء الأرض هو جاعل هذه الجمعية سببًا في إحياء هذا الوطن، فليكفكف المبطلون من غلوائهم وليقصر المرجفون عن إِفكهم وليعلموا أنه لا راد لما الله سائقه وأنهم ليسوا، وإن اجتمعوا، بمعجزي الله.
إن الحد الأخير الذي يحدده التاريخ لهذه الجمعية هو اليوم الذي يصبح فيه المسلمون كلّهم بهذا الوطن ولا مرجع لهم في التماس الهداية إلا كتاب الله وسنّة رسوله، ولا سلطان على أرواحهم إلا الله الحي القيوم، ولا مصرف لجوارحهم وإرادتهم إلا الإيمان الصحيح تنشأ عنه الأعمال الصحيحة فتثمر آثارًا صحيحة. هو اليوم الذي يصبح فيه المسلمون إخوانًا متناصرين أو أعوانًا متآزرين تجمعهم جامعة القرآن وإن فرّقت بينهم المناسب والأوطان. هو اليوم الذي يصبحون، وقد حطّموا القيود والأغلال التي أثقلتهم فذهبت بدينهم ودنياهم من أهواء اتّبعوها، وبدع في الدين ابتدعوها، وسفاسف ما أنزل الله بها من سلطان افتجروها واخترعوها.
يوم يصبحون كما كان سلفهم ذاتًا واحدة تدبرها روح واحدة وتصرفها إرادة واحدة.
يوم يصبح المسلمون متساوين في العبودية لله لا يعبدون غيره ولا يدعون سواه، ولا يسلمون وجوههم إلا إليه ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله. وقد عرفوا المقامات الثلاثة فأعطوا لكل مقام حقّه غير منقوص- عرفوا مقام الألوهية فأعطوه ما يستحق من توحيد وتمجيد، وعرفوا مقام النبوّة فأعطوه ما يستحقّ من تعظيم واحترام واقتداء وتأسٍّ، وعرفوا مقام أنفسهم فأعطوها ما تستحقّ من تزكية وتكميل بالاستقامة على صراط الدين، والتسابق إلى التفاضل بالتقوى والاهتداء بسنن الله في كونه وبسننه في دينه.
(1/138)

أيها الإخوة الكرام،
يقول فريق من الناس ممن لم يرزق صوابًا في الرأي ولا سدادًا في التفكير، إن الجمعية فرّقت كلمة الأمة وجلبت عليها الاضطراب والفتنة والتشويش، في كلمات من هذا القبيل لا تصدر إلا ممن لم يعرف موقعه من الأمة ولا موقع الأمة منه، وليت شعري، متى كانت هذه الأمة مجتمعة حتى يقول قائل إن الجمعية فرّقتها؟
وأنّى لها أن تجتمع، وان أمامها في كل طريق ناعقًا ينعق باسم طريق وداعيًا يدعو إلى التفريق؟
بل كيف تجتمع وللشيوخ فيها ما للذئاب الضارية في قطيع الغنم؟ أم كيف تجتمع والشيوخ قد قسموها إلى مناطق نفوذ، وأحاط كل شيخ رعيته بأسوار منيعة من الترغيب والترهيب؟
كيف تجتمع وأتباع كل طريقة يعتقدون أنهم أهدى سبيلًا من أتباع بقية الطرق، وأن طريقتهم تضمن لسالكها الغنى في الدنيا وحسن الخاتمة عند الموت، وإن قتل النفس التي حرّم الله بغير حق؟
أم كيف تجتمع وفيهم من يرى من واجبات طريقته ومن شروط المحافظة عليها أن لا يصلي خلف طرقي آخر يخالفه في الطريقة- وإن اشتركا في لقب الإسلام- لا لشيء سوى ذلك؟ ونحن نقول لهم إذا كانت الأمة قبل اليوم متفرّقة وكلها على باطل، فهي اليوم- بحمد الله وبفضل هذه الجمعية- متفرقة وبعضها على الحق. وإن أهون الشرّين ما بعضه خير.
ويقول فريق آخر إن هذه الجمعية ضالّة مضلّة، وإنها عاملة على هدم الدين في ألفاظ محوكة على نول من الباطل، وهؤلاء القائلون موتورون، والموتور معذور، فهم يتحاملون على الجمعية ويحملون لها بين جنوبهم مكائد وأضغانًا ويرون أنه لا يتم وجودهم إلا بعدمها، وقد ناصبها هذا الفريق العداوة من يوم تأسيسها، ورأى فيها نذير الشؤم وطائر النحس، ولمح فيها زوال سلطانه المحدود على هذه الأمة الضعيفة، فهو يرمي هذه الأقاويل بين أظهر الغافلين للنيل من كرامة الجمعية والتنقيص من قيمتها، إذ أعجزهم أن يقابلوا حقّها بباطلهم، وقد كانت هذه الطوائف كثيرة فقلّلها الله، ومعتزة بباطلها فأذلّها الحق.
ولو أن هذه الطائفة أوتيت قليلًا من الرشد والإنصاف لكانت للجمعية مكان الأخ من أخيه، ولحمدوا لها سعيها في خدمة الأمة، ولعادوا من نحلهم المفرّقة إلى دعوتها الجامعة التي هي دعوة الله لخلقه على لسان أنبيائه.
{وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
(1/139)

أيها الإخوة الكرام،
إن هذه الجمعية التي هببتم لنصرها هي من جهة فكرة، وهي من جهة أخرى مشروع، وقد قام أفراد من أعضائها بخدمتها من الوجهة الأولى وبلغوا بها إلى درجة تغبط، وما كنا لنطمع بالوصول إليها في هذه المدة الوجيزة، وإن من أظهر آثار هذه الخدمة ما نراه من تيقّظ غشي الطبقات كلها، وما نراه من إشراق بدأَ يدبّ إلى مكامن السرائر من النفوس.
وأما خدمة الجمعية من الوجهة الثانية، وهي أنها مشروع يسير بنظام، ويدار على أعمال تحتاج إلى مدد من رأي ومدد من مال، فالله يشهد أننا كلّنا مقصّرون في هذه الناحية تقصيرًا لا يغتفر.
فقوموا بالواجب، أيها الإخوان، من خدمة المشروع كما قام إخوانكم بواجبهم في خدمة الفكرة، وإني أعيذكم بالله أن تكونوا من المقصّرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/140)

مُلخصُ خطاب ألقي بنادي الترقّي*.
طلبنا من الأخ محمد البشير الإبراهيمي أن يلخّص لنا خطبته التي ارتجلها في المأدبة التي أعدّتها إدارة نادي الترقّي العامر لمجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد انفضاض الاجتماع العام، فكتب لنا ما وعته ذاكرته منها، وها نحن ننشرها على قرّاء الشهاب تخليدًا لها وحرصًا على جمع أكثر ما قيل في هذا الاجتماع، وهذا نص ما كُتب (1):
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الإخوة الكرام،
إن هذه الأمّة الجزائرية أمّة واحدة ولا كلام، ربّها الله وإمامها القرآن ونبيّها محمد ولغتها العربية ودينها الإسلام. وإنها تحمل ما تحمله الأمم من المقوّمات الكلية، وإن كانت لا تحمل ما تحمله الأمم من المؤهلات للحياة. وقد أخذت تشعر بنقائصها الاجتماعية وأخذت تتلمّس سبل الهداية لسدّ تلك النقائص، وتجلّى هذا الشعور في رغبتها الصادقة في العلم، ورغبتها الصادقة في التعارف والاجتماع، ومن الشواهد التي لا تُنكر والبيّنات التي لا يكابر فيها على هاتين الرغبتين ما رأيتموه بأعينكم في هذا النادي من اجتماع علماء الأمة ومتعلميها ومؤيدي العلم فيها، وما سمعتموه بآذانكم من الصرخات الداوية في رحاب هذا النادي.

أيها الإخوة،
إن أخوف ما نخافه على هذه الأمّة- وهي في الخطوة الأولى من نهضتها- أن تتشابه عليها السبل ويضيع صوابها بين تفاؤل المتفائلين وتشاؤم المتشائمين- وان تكبو في غبار هذه المشادات القائمة وفي ميدان الأنظار المختلفة- في أي الطرق هي أقرب للغاية وأمكن منها وأشد ملاءمة لروح الأمّة.
__________
* مجلة "الشهاب"، الجزء التاسع، المجلد العاشر، أوت 1934، [ص:415].
1) تعليق مجلة "الشهاب".
(1/141)

إن اختلاف الأنظار في أوائل نهضات الأمم ضروري وطبيعي ولكنه قد يطغى فيه غير المعقول على المعقول، فيكون ذلك عائقًا للسير ومطيلًا للمدة وقاطعًا عن التقلّم ومميتًا للشعور.

أيها الإخوة،
إن المهمة التي تقوم جمعية العلماء المسلمين بأدائها- وهي السير بهذه الأمّة إلى الحياة من طريق العلم والدين- هي أقوم الطرق وأمثلها وأوفقها لمزاج الأمة. وسيأتي يوم توضع فيه الموازين القسط للعاملين وستتبين الأمة الأوفياء من الغادرين والنصحاء من الغاشين، وستجزي هداتها تكرمة وذكرًا في الآخرين.

أيها الإخوة،
أنا لا أعتد من هذه الأمة بملايينها الستة، وهي على الحالة التي نراها عليها من التفكّك والتخاذل وضعف البصائر في دينها ودنياها، ولا أَعْتَدُّ من عناصر الحياة فيها إلا بهذا العنصر الذي بدأ يتكوّن حول عقيدة واحدة ومبدإ واحد، معتصمًا بالحق متسلّحًا بالصبر والثبات، متدرّعًا بالفضيلة، عالمًا أن الحياة في الدنيا للعاملين وأن العاقبة في الآخرة للمتّقين، وأن سنة الله كفيلة بذوبان العناصر الضعيفة كلها، وسيغتالها الجوع العقلي لأنها لم تعلم، وسيغتالها الجوع البدني لأنها لم تعمل، فلا يبقى إلا هذا العنصر المستعدّ للبقاء.
فعلى العاملين من قادة هذه الأمة وهداتها أن يتعاهدوا هذا العنصر النامي بالعناية، وأن يحوطوه بالرعاية، وأن يأخذوا بيده إلى الكمال الذي استعدّ له، فلا يمضي زمن حتى تتكوّن لنا أمّة صحيحة العقول، صحيحة العقائد، صحيحة التفكير صحيحة الأبدان، صحيحة الأعمال.
تلك هي الأمة التي نرجوها ونعلّق عليها الآمال. تلك هي الأمّة التي تمحو سيّئاتنا بحسناتها، ونتّكل عليها أن تثأر لنا من الزمان، وأن الاتكال على الضعيف ضعف، وأن الاتكال على القويّ قوّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1/142)

عرض الحالة العلميّة*
(المحاظرة التي ألقاها الشيخ في صباح اليوم الثالث من أيام الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة الكرام،
إن موضوع هذه المحاضرة- عرض الحالة العلمية- هو ثمرة اقتراح اقترحه علي الأخ الرئيس (1) بالأمس، فمن حقّه علي أن أشكره على إرشادي لموضوع قد يكون مفيدًا إذا جمعت أطرافه، ولكن أنّى لي ذلك وإن غيري لأملك به منّي.
ولو ان الأخ الرئيس- سامحه الله- سلّط على هذا الموضوع نظرات المؤرّخ الصائبة المستقصية لكان خيرًا وأحسن تمثيلًا، وإذا كان من حقّه عليّ أن أشكره فمن حقّي عليه أن أحمِّله حظه من عهدة التقصير فيما قصرت فيه من موضوع يحتاج إلى بصيرة نافذة وذهن نيّر ووقت متّسع وأنا لا أملك شيئًا من هذه.
وإني اخترت كتابتها لتكون أعون على التنسيق والضبط، وتنشر إذا رأيتم انها تستحق النشر، ولتبقى لي تذكرة أتسلى بها إذا رأيتم رفضها وعدم استحقاقها للنشر، وإن أعصى ما يتعاصى على الكاتب والخطيب ضبط الموضوع. فقد يطغى الموضوع على الكاتب أو الخطيب فتتفلّت حواشيه فلا يملك لها جمعًا وتند على فكره أشياء وإذا هو مقصّر من حيث أراد الكمال ومخطئ من حيث توخّى الإصابة.
كثيرًا ما كنت أسمع الأخ الرئيس يعتذر في مقامات الكتابة ودواعيها (بأنه مدرّس)، كأن التدريس ومعاناته وأسلوبه واصطلاحاته ملكت عليه أمره وأضعفت منه ملكة الكتابة، وكنت أراه مع ذلك يأتي بالإبدل إذا كتب فأقول: لو أني كثرت من الدروس إكثاره،
__________
* مجلة "الشهاب"، الجزء التاسع، المجلد العاشر، أوت 1934، [ص:386].
1) الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس.
(1/143)

لقفوت في الكتابة آثاره، فلما كثرت الدروس وساويته في عددها أو كدت تبلَّد طبعي وجمد فكري وجفّت قريحتي وجاءت النتيجة معي بالعكس، فعلمت أن كثرة الدروس قد تكون مددًا يمد، وقد تكون سدادًا يسدّ وعوائق تصدّ.
فاسمعوا أيها الإخوة، كلامًا موضوعه ابن فكرة وانشاؤه ابن فكرة، فإن جاد فمنهما وإن قصر ففي قصر الوقت شافع للتقصير.

أيها الإخوة الأعزاء،
إن الإصلاح العلمي هو ناحية من نواحي الإصلاح الكثيرة التي يجب أن تعطيها جمعية العلماء المسلمين فضل اهتمام واعتناء، ولو لم يحدث من الحوادث ما جعل اتجاه الجمعية إلى الإصلاح الديني أقوى لكان الإصلاح العلمي أول ما تعالجه، وتبذل فيه جهودها لأنه ألصق باسمها وأكثر ارتباطا بحرفة رجالها، ويكفينا دليلًا على خطر الإصلاح العلمي وقيمته ان أكبر عناصر الإصلاح الديني الذي لا يمتري في لزومه عاقل يستمدّ قوّته من شيء يسمّى علمًا ومن أشياء تسمّى علماء، وقد سمعنا بآذاننا من يقول وقرأنا لمن يقول: إن الرجوع إلى الكتاب والسنّة ضلال مبين، ولمن يقول: البدع الدينية والعوائد الدينية. وهو مع ذلك معدود في العلماء على رغم أنوفنا، وقوله هذا معدود في العلم على رغم أنوفنا، وإذا كانت هذه الأقوال من العلم فمن العلم أيضًا أن تؤول ظواهرها إذا لم ترق لكم بواطنها، ولا يزال ظهر التأويل ذلولًا عند هذه الطائفة، فأما أن لا نعد تلك الأقوال من العلم ولا نعد أصحابها من العلماء فأمر لا يسلمه لنا كثير.
إن تقديم الجمعية للإصلاح الديني على الإصلاح العلمي ضرورة اقتضاها طغيان الفساد في العقائد حتى أصبح من آثاره اللازمة التزهيد في العلم. وليس معنى هذا أن الجمعية لم تحم حول الإصلاح العلمي. فدروس رجالها واسلوبهم في دروسهم، كل ذلك أمثلة من الإصلاح العلمي ونهج جديد نهجوه له وطريقة تحتذى فيه، وإنما نريد أن المظهر الممتاز الذي ظهرت به الجمعية وتجلّت آثاره واشتهرت أخباره حتى غطّى على جميع مقاصدها هو الإصلاح الديني، وقد تكون دواعيه طبيعية ومنها ما أسلفناه.
وقد يظن الظانون وتنطق ألسنتهم بهذا الظن، أن هذه المنكرات التي نحاربها ونشتدّ في حربها هي قليلة الخطر ضعيفة الأثر، وأننا غلونا في إنكارها وأنفقنا من الأوقات والجهود في حربها ما كان حقيقًا أن يصرف في ناحية أخرى أهم كالإصلاح العلمي.
وفات هؤلاء الظانين أن من اللوازم القريبة لتلك المنكرات التي تشتدّ الجمعية في محاربتها التزهيد في العلم وإفساد الفطر وفشل العزائم وقتل الفضائل النفسية وإزالة الثقة بالنفس من النفس، وتضعيف المدارك وتخدير المشاعر وهي رذائل لا تجتمع واحدة منها مع ملكة علمية صحيحة فكيف بها إذا اجتمعت.
(1/144)

فكان من الحكمة أن تبتدئ الجمعية بتطهير النفوس من هذه الرذائل، وأن تجعل من صرخاتها عليها نذيرًا للناشئة أن تتلطخ نفوسهم بشيء من أوضارها، وأن تكون دروس رجالها مؤدية لغرضين: لغرض الإصلاح العلمي بأسلوبها ولغتها ومناهجها ونوع كتبها، ولغرض الإصلاح الديني بمعاليها ومواضيعها، حتى إذا تهيأت لها الأسباب لدراسات منظمة في مدارس منظمة وجدت نفسها وقد فرغت من وسيلة من أعضل الوسائل وأعصاها على العلاج وهي إعداد النفوس لانطباع الملكات العلمية الصحيحة فيها.
وإذا كان الإصلاح العلمي بمعناه العام المتعارف- وهو اختيار أقرب طرائق الإلقاء لذهن المتعلم واختيار أقرب الكتب لأداء المعنى الصحيح ولفهمه وتدريبه على تطبيق النظريات على العمليات- إذا كان هذا الإصلاح لم يتم في مصر وتونس- وحالهما غير حالنا- وهما تملكان من الوسائل لذلك ما لا نملك، وتتصلان من النظام والإدارة بما لا نتصل به- مع صراخ المتعلمين وإلحاحهم ومناداتهم بضرورة الإصلاح ومؤاتاة روح النظام العصري لهم- فكيف يتم لنا شيء من ذلك ونحن قليل مستضعفون، لا نملك بعد الاعتماد على الله إلا ثقتنا بأنفسنا وأبناء بررة من شبابنا الصالح المرجو للصالحات المدخر لحمل راية الإصلاح بعدنا، المرشح لاقتحام ميادينه الذي لم يفسد التعليم القديم الجاف عليه أمرهُ ولم يخدش ملكاته، ومع ذلك فقد استطعنا أن نخطو في الإصلاح العلمي خطوات واسعة وأن نلفت الأنظار إلى عملنا القليل.
وأمامنا سبيلان ستتخذهما الجمعية من وسائلها لغايتها من الإصلاح العلمي، أولهما: مؤتمر سنوي تعقده بالعاصمة العلمية مدينة قسنطينة يحضره كل القائمين بالتعليم من أعضائها العاملين، فتتبادل الآراء وتتلاقح الأفكار وتستفيض المباحث عن أصول التربية والتعليم وأقوم طرائقهما، وعن الأساليب والكتب التي تجمع بين العلم والعمل، وسيكون من نتائج هذا المؤتمر توحيد التعليم، وهو الرغبة التي لم تزل مناط آمال المصلحين بهذا الوطن.
وثانيهما: عكاظ علمي سنوي تقيمه في مدينة الجزائر على أثر اجتماعها العام، وتمتد أيامه إلى ما فوق الأسبوع، ويلقي كل أعضائها العاملين محاضرات ليتمرّنوا على الخطابة في مواضيع الدعوة والإرشاد.
وسيعمل المجلس الإداري لوضع نظام مفصّل لهذين المؤتمرين، فإذا تمّ لنا ما نريد منهما، ووفّقنا لتحقيقهما كانت الغاية منّا قاب قوسين أو أدنى.

أيها الإخوة الأعزاء،
عرض الحالة العلمية يتوقّف على مقارنة دقيقة بين الماضي والحاضر، وهذه المقارنة قد تشق على المؤرّخ الذي نريد أن يكون دقيقًا في مقارناته، فيستقي الحاضر من الواقع المشاهد ثم يرتقي السلّم ليشاهد القرن الثالث عشر آخره وأوله، والثاني عشر كذلك، فلا يجد من
(1/145)

الآثار العلمية الكتابية ما يكون مرآة تتجلّى فيها روح عصرها إلا بعض ما أبقته الليالي من رسائل في الاخوانيات تدلّ على مقام أصحابها في الأدب، ولا تدلّ على مقامهم في العلم، إذ كانوا لا يسمّون الأدب علمًا ولا يعتدون به ولا يقيمون له اعتبارًا، ومن أوراق في التوثيق والفتوى لا تدل على شيء، وليس بعد ذلك إلا توافه من لغو الحديث كانوا يسمّونها شعرًا وما هي من الشعر في شيء.
وقد اطّلعنا على أكثرها، فإذا هي من لون واحد وإذا هي مصروفة في الغالب إلى مدح المشائخ والكبراء، وإذا هي أخت الأشعار الملحونة الرائجة في السوق لأنها منقطعة الصلة بالشعر في أعاريضه وأضرُبه، ومنقطعة الصلة بالعربية في ألفاظها ومعانيها، ومنقطعة الصلة بالخيال في تصرفه وانتزاعه.
بل أنا أحكم بأن في الشعر الملحون ما هو شعر على الحقيقة، فقد سمعت من شعر القرن الماضي ما يفيض حكمة وحثًا على الفضائل والكمالات، وتخويفًا من الله والآخرة، وسمعنا منه ما يتضمّن المغازي والسير وإن كان معظمه كذبًا، ولكننا لم نجد لشعر إخواننا العلماء أثرًا في هذه المواضيع.
وإذا كانت هذه المقارنة تعسر على المؤرّخ الذي يريد إرضاء الحقيقة على طريقة الواقع ويحمله النهم بحبّ الاطّلاع على الإشراف على ما وراء ذلك، فيرى أن العلوم العربية ضعفت في هذا الوطن منذ خراب أمصار العلم الكبيرة فيه كبجاية وتلمسان، ثم يخرج بنتيجة وهي أن ذلك الضعف الذي حلّ بالعلم من أول المائة العاشرة ألحَّ عليه حتى أودى به، ويقول لو كان علم لكانت آثار. وإذا كانت المقلّمة، من آثار ابن خلدون بهذا الوطن في المائة الثامنة، وبدائع السلك من آثار ابن الأزرق في المائة التاسعة فأين آثار القرن العاشر إذا استثنينا مؤلفات الأخضري وطائفة لا تتجاوز عدد الأصابع. ثم أين آثار القرن الحادي عشر وما بعده إلا بضع رحلات لا قيمة لها إذا قيست برحلة ابن بطوطة في الإحاطة، أو برحلة خالد البلوي في الأدب، أو برحلة ابن رُشيْد الفهري في المحاورات العلمية والرواية، أو برحلة التيجاني التونسي في التنسيق التاريخي.
وإذا كان في هذه القرون عالم أجاد علمًا أو خلف أثرًا متقنًا- وهو ما لا ينكر- فهو كالشاذ من القاعدة فلا يرجح به ميزان المقارنة.
إذا كانت هذه هي العقبة التي تعترض المؤرّخ فإننا بمنجاة منها في طريقنا إلى عرض الحالة العلمية في الوقت الحاضر، لأننا إنما نقارن يومنا بأمسنا وطورًا بطور فإن زدنا فجيلًا بجيل وحالًا بحال، فقد خلقنا كلنا بهذا الوطن فوجدنا علمًا لا نشكّ في أنه مأخوذ من علم كان قبله بصورته أو بما يقرب منها قوة أو ضعفًا. ووجدنا علماء لا نشك في أنهم أخذوا عن
(1/146)

علماء كانوا قبلهم مثلهم أو على مقربة منهم، لا نشك في هذا وإن كنا نعلم أن طريقة السلف في التزام السند العلمي واعتباره جزءًا من العلم قد اندثرت من أيام بجاية. وأن الحال لم يزل على ذلك إلى أن هبّت على هذا الوطن نفحة من نفحات الله في هذا العهد الأخير فأصبح كتاب الله يدرّس بكيفية حية مثمرة وعلى أساس أنه هداية عامة لجميع البشر، وانه حجة الله البالغة على خلقه في كل زمان وفي كل مكان، وأصبحت سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تُدرّس من أصولها الصحيحة، ويبيّن فيها وفي كتاب الله مقارنة الحكمة للحكم والدليل للمدلول والعلم للعمل، وأصبحت العربية تدرّس بكيفية تؤدي إلى تحصيل الملكة القيّمة والذوق الصحيح، وأنتجت لنا هذه الدراسة شعراء نفاخر بهم وكتابًا وخطباء، وأصبح الشعر والكتابة والخطابة أدوات تقدّم ووسائل حياة لهذه الأمة إذا لم تنصرف في الفنون السخيفة التي كانت تنصرف فيها، ولم تضطرب في الميادين الضيّقة التي كانت تضطرب فيها، بل انطلقت أمام الحياة تمهّد لها السبيل وتفتح لها المغالق.
فإذا قارنّا الآن فلنقارن حالنا قبل هذه النهضة بحالنا الآن- ونحن في عنفوانها- لنعلم أي مدى بلغنا وإلى أية مرتبة وصلنا، وليكون ذلك حافزًا لنا إلى التقلّم، ولنأنس بذلك كما يأنس المسافر حينما يقطع مرحلة من مراحل السفر.

أيها الإخوة الأعزاء،
إن أكبر ميزة يمتاز بها هذا الطور الذي نحن فيه من أطوارنا العلمية هي الاستدلال، فلقد كان العلم إلى ما قبل النهضة مباشرة عبارة عن أقوال يسلمها الشيخ لكتابه، وسلّمها التلميذ لشيخه، فإذا استقامت تراكيب الكتاب وأفادت معنى صحيحًا لم يكن في ذهن الشيخ قوة على التماس الدليل، ولم يكن من حق التلميذ أن يطالبه بالدليل، إذا تاقت نفسه إلى الكمال بمعرفة الشيء بدليله، أو انقدح في نفسه خاطر من شك في صحة تلك القضية فأراد أن يطرده بالدليل كما يطرد خاطر الشر بالاستعاذة بالله.
ولقد كان التسليم أصلًا من أصول الأدب في جميع ما يعمر مجالسنا العلمية من الأحاديث، وإن هذا لهو المنفذ الواقع الذي دخلت علينا منه الخرافات والأحاديث الموضوعة والمبالغات السخيفة والآراء المضطربة وكبائر الغلو ومويقاته، حتى أصبحت كلها علمًا وأصبحنا مكرهين على تحمّله وأدائه، وإنما انتقلت إلينا عدوى هذه النزعة- نزعة التسليم- من مشائخ الطرق، فقد كانت مسيطرة على مجالسهم وخلواتهم وكانوا يأخذون أتباعهم فيما يأخذونهم به من أصول التربية بتحقيق معناها من أنفسهم ليروضوهم بها على الطاعة العمياء لهم، ومن كلماتهم التي سارت مثلًا "سلم تسلم" و "سلم للرجال في كل حال".
فكان من آثار هذه النزعة في النفوس ما أنتم تعلمون وما أنتم تشاهدون وما أنتم تعانون.
(1/147)

ثم انتقلت هذه النزعة إلى مجالس العلم فسيطرت عليها وفتكت بعقول المعلمين والمتعلمين، وكان من آثارها هذا الارتخاء الذي نشاهده في ملكاتنا العلمية وهذا الفتور المستحكم الذي استحال إلى انحطاط وتَدَلٍّ في العلم، وقد يستحيل- إذا تمادى- إلى موت وعدم.
فهذه إحدى جنايات القوم على العلم وإن لم يتعمدوها. ومن الحقائق أن العلم تأثر بالطرق وتعاليمها إلى حد بعيد، خصوصًا في هذا الوطن، ولو كان موضوع المحاضرة يسمح ببيان هذا التأثر وتحليله لبَيَّناه.
فالغرّة اللامعة في جبين هذه النهضة العلمية هي اقتران العلم بدليله، فأصبح علماؤنا يعملون بالدليل، ويدعون إلى الدليل ويطالبون بالدليل، ويحكمون الدليل ولو في أنفسهم.
ولقد هالت هذه النزعة القوية- نزعة الاستدلال- أُسراء المألوف وأحلاف الجمود فأكبروها ووسموها بأنها دعوى اجتهاد ودعوة إليه، واتّخذوا منها غميزة يَزِنون بها رجال الجمعية، وذريعة لصرف الأغرار من الطلبة عنها، وتحريك العامة عليها بما يهولون عليهم من أمر الاجتهاد ويعظمون من حرماته.
وما بالهم- عافاهم الله- لا يفرّقون بين الاستدلال والاجتهاد، ولو أنصفوا لعلموا أننا دعاة نظر لا دعاة اجتهاد، ندعو إلى العلم التطبيقي العملي ونأخذ به أنفسنا قبل كل أحد، وأن تطبيق الجزئيات على الكليات ليس من الاجتهاد في شيء، وإنما هو روح العلم ولا علم بدونه.
ثم ما لهم- سامحهم الله- يجمعون بين المتناقضات فيحجرون الاجتهاد على الأحياء والأموات إلا على طائفة معيّنة كانت في زمن معين، وقد مضت ومضى زمانها وجفّ القلم بأقوالها، ويبنون على هذا أنه لم يبق من سبيل في علم الدين إلا التقليد، قلنا ولمن؟ قالوا لأولئك المجتهدين، قلنا: سلّمنا فهلمّ بنا إلى كتبهم وآرائهم المتصلة الأسانيد إليهم، ولكنهم يتناقضون فيقلدون حتى في أدقّ دقائق العبادات العملية التي لا تؤخذ إلا من نص صريح من آية محكمة أو حديث صحيح- المهدي الوزّاني وابن الحاج- حتى فيما لا نسبة فيه للإمام ولا عزو لأحد من أهل التخريج.
ومن غرائب تأثير الحق في نفوس المستعدين له أن هذه النزعة الاستدلالية قد تجاوزت آفاق الطلبة المزاولين للعلم إلى الطبقات التي تليهم، فأصبحت نفوسهم نزاعة إلى طلب الدليل في أمور دينهم، وأصبحت أبصارهم تخشع وأعناقهم تخضع إذا أقيم لهم دليل من آية قرآنية أو حديث نبوي ممن يعتقدون أمانته وصدقه، وإذا كان قصور أفهامهم قد قعد بهم عن فهم ما بين الدليل والحكم من صلة، فقد كان من ثمرات هذه النزعة الجديدة فيهم أنهم
(1/148)

صاروا عارفين بقيمة الدليل، ولا يقبلون الباطل حين يلقى إليهم بالسهولة التي كانوا يقبلونه بها، بل يترددون ويتوقفون وقد يفتق ذلك التردد والتوقف عن المخرج إلى الحق.
وكم ألقموا المبطلين حجرًا وأغصوهم بِرِيقِهِمْ حينما يلقون إليهم بباطلهم فيقولون لهم: وأين الدليل؟ وما أثقلها من كلمة على نفوس ألفت التسليم وقادت الأمة بزمامه.
فهذا تطور في أحوال العامة يبدو غريبًا لمن لم يبل غرائب النفوس البشرية، ويدعو للاغتباط والسرور، وأخرى هي أدعى للسرور والاغتباط وهي أن هذه الطبقات العامية التي تواظب على سماع الدروس والمحاضرات قد أصبحت تفهم العربية الفصحى حق الفهم بتأثير الممارسة والمران فلا يلتوي عليها غرض من أغراضها ولا يغمض عليها معنى من معانيها.
ولقد بدأت دروسي ومحاضراتي في تلمسان بالعربية الفصحى وأَخَذْت نفسي بذلك أخذًا أصل فيه إلى درجة الاغراب أحيانًا، وكان لي من وراء ذلك الالتزام غرضان:
أحدُهُما إقامة الدليل للمتعلمين باللغات الأجنبية على أن الفصحى لا تعيا بحمل المعاني مهما تنوعت وعلت، وأنها تَبُذُّ اللغات في ميدان التعبير عن الحقائق والخيالات والخواطر والتصورات، وقد بلغت من هذا الغرض ما أريد.
والغرض الثاني أن أُحْدِث في نفوس العامة المحبين للعلم والدين أسفًا يقضّ مضاجعهم فَيَدُعُّهُم إلى تدارك ما فاتهم منها في أبنائهم.
وكنت أرى من عامة السامعين حسن إصغاء ينبئ باهتمام عميق فأتأوله على أنه تآثر بالآيات والأحاديث التي يكثر تردادها في الدرس منزلة على ما سيقت له- والتأثُّر بكلام الله وكلام رسوله طبيعي في المسلم- وكم كنت أخشى أن يَنْفَضُّوا من حولي يومًا لعدم فهم ما يسمعون لولا أنني آوٍ إلى ركن شديد من كلام الله ورسوله.
وما زلنا على هذا حتى فعل المران فعله وأصبحوا يفهمون ويذوقون ويخرجون وهم يتدارسون.
وقد رجعت إلى العامية في بعض الدروس فاستهجنوها ونبت عنها أذواقهم، وإني لا أدري لماذا لا نعجب للعامي يتعلّم الفرنسية بالسماع ونَعْجَب- بل لا نكاد نصدق- له أن يتعلّم العربية بالسماع، مع أن العربية أقرب إلى عاميته وفطرته وروحه.
وبلغني عن حاضري محاضرات الأخ العقبي في هذا النادي ما هو من هذا القبيل، ولقد سمعت بأذني من واحد منهم في طريقي إلى الحراش، وقد وقف بنا القطار في بعض مواقفه، فسمعنا رجلًا يسأل سؤالًا غير مشروع، فقال له صاحبنا بالعامية: "ما تقراش سورة الأنعام" إقرأ قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} الآية، وتلاها بلهجة صحيحة ثم تبيّن لي من حديثي معه أنه عامي وأنه واعٍ لما يسمع متأثر به.
(1/149)

أيها الإخوة الأعزاء،
إن مجلى العبرة في هذا الحديث أن جمعية العلماء إن استطاعت أن تكوّن جمهورًا علميًا يفهم العربية الفصحى بالسماع كما يفهم الفرنسية بالسماع، فقد استطاعت أن تأتي بأعجوبة الدهر وأن تفتح للعلم طريقًا غير طريق الكتابة، وأن تعيد للعربية معجزتها الأولى وهي تفتق الأمية عن الحكمة في العرب.

أيها الإخوة الأعزّاء،
هذه الظواهر التي أطلنا القول فيها كلها من آثار ميزة الاستدلال وآثار الشيء تابعة له، فنحن لم نخرج عن موضوعنا: عرض الحالة العلمية.
ومن أكبر الميزات التي يمتاز بها هذا الطور العلمي الذي نحن فيه العمل والإنتاج والدخول في الميادين العامة والتغلغل في شؤون الحياة، فقد كان الناس بهذا الوطن إلى ما يتصل بالنهضة لا يعرفون من العَالِمِ إلا رجلًا منعزلًا عن العالم. لا همّ له إلّا- بما يتصل بمعيشته، وأكبر أمره بينهم أن يفتيهم في المسائل الجزئية التي لا تتجاوز واحدًا كمسائل الصلاة والصوم أو اثنين كأحكام النكاح والطلاق أو حيًا وميتًا كموص ووصي أو إنسانًا وبهيمة كراعٍ وشاة وفذها.
فهو يفتي في الطلاق ولا يبحث عن أسباب الطلاق الفاشية، ويفتي في الأيمان ولا ينهى الناس عن الحلف ولا عن الحنث فيه بعد انعقاده، ويحرّم الخمر والميسر ولا يبيّن للناس مضارّهما ولا يزجرهم عن تعاطيهما- وبالجملة فهو رجل انقطعت الصلة بينه وبين أهل زمنه، فإن قدرت له ملابسة الناس جمع جماعة قليلة يقرئهم درسًا خاصًا لا علاقة له بحالهم أو يتلو معهم حزبًا.
أما المعرض العام، معرض الأمة الزاخر بالمفاسد والموبقات، فشيء لا شأن للعلم به، وأما هداية الأمة وضلالها فأمرهما- في نظره- موكول إلى الله الذي وكله إلى العلماء ... وبهذه السيرة التي كانوا عليها خرجت قيادة الأمة من أيديهم إلى أيدٍ لا تحسن قيادة الأمة ...
ولو أنهم عملوا للصالح العام ولو قليلًا، لوجدنا الطريق معبّدًا ولخفّفوا علينا من هذا العناء الذي نقاسيه، ويا ليتنا خرجنا معهم كفافًا لا علينا ولا لنا، ولكنهم أبقوا من سكوتهم ضجة للمبطلين علينا، فما أنكرنا عليهم منكرًا تئط منه السماوات إلا وتصايحوا: لماذا لم ينكره العلماء قبلكم ومن العناد احتجاجك على ميت ... وويل لك إن سكتَّ ... وألف ويل إن نطقت ...
(1/150)

أيها الإخوة الكرام،
إن خروج قيادة الأمة الإسلامية من أيدي العلماء هو أكبر الأسباب فيما وصلت إليه من انحطاط، وهو أمر قديم العهد، ونحن نعلم علم القطع أن علماءنا في القرون الوسطى كانوا وليس بأيديهم من أمر الأمة شيء، وأهم جهات الاتصال بينهم وبين الأمة وهي التدريس والإمامة والفتوى والقضاء؛ كانت تعطى لهم من أيدي الأمراء المستبدّين تفضلًا لا استحقاقًا، فإذا خطب الخطيب منهم فيجوز أن ينسى شيئًا أو أشياء مما يهم المسلمين ولكنه لا ينسى- أبدًا- الدعاء لأمير نصبه، أو الترخم على واقف يعيش من فضل جرايته، ولا زالت ألفاظهم في الدعاء والترحّم جاربة في الخطب الدينية إلى الآن بالشرق.
أما مؤلفاتهم- رحمهم الله ورضي عنهم- التي خلفوها لنا في الفقه، فقد كتبوها وهم في ديارهم وخلواتهم، ولم يُبْنَ الكثير منها على مراعاة الأحوال العامة، وقد يبنون الأحكام في المعاملات على ما تقتضيه أنظارهم الخاصة، ويولدون من كلام من قبلهم اقتضاءات ووجوهًا من التأويل، فإذا خرجوا إلى السوق وجدوا اليد المصرفة لأزمة الأمة غير يدهم، والقانون الذي تسأس به الأمة تابعًا لأهواء الأمراء لا لما سَطَّروه وأتعبوا أنفسهم في تدوينه، ووجدوا سيف الاستبداد يأمر وينهى، ووجدوا أنفسهم في غمار العامة مسيرين بتلك اليد وبتلك الأهواء وبذلك السيف. ولذلك يرى الباحثون المحققون أن هذه التفريعات التي امتلأت بها كتب الفتوى لا ينطبق الكثير منها على مصالح الناس، لأنها لم تبنَ على رعاية تلك المصالح التي هي أساس حكمة التشريع، ولا سبب لذلك إلّا خروج القيادة الفعلية من أيدي العلماء. وكان من آثار ذلك أن جهل العلماء أنفسهم وأضاعوا مكانتهم الحقيقية، وكثيرًا ما اتخذهم الأمراء آلات لتسخير العامة وتسكين ثائرها.
ثم انتقلت قيادة الأمة من أيدي الأمراء إلى أيدي الرؤساء الروحيين، وأصبح العلماء تبعًا لهؤلاء كما كانوا تبعًا لأولئك، ولا ذنب للعامّة في هذا كله وإنما الذنب ذنب العلماء الذين غفلوا أولًا وسكتوا آخرًا حتى خرج الأمر من أيديهم، وقد أدركنا من بقايا هذا السكوت المخزي أن شيخ الطريق الجاهل الأمِّي يجلس في مجالس الوعظ والتذكير، فيذكر مريديه بغير ما أنزل الله ويُجلِسُ بجنبه عالمًا مأجورًا على السكوت ليتّخذ من سكوته حجة وعونًا على إضلال العامة، ولعمري إن هذه شر نهاية وصل إليها المجتمع الإسلامي في كثير من أوطانه.

أيها الإخوة الكرام،
وما لي لا أذكركم بأوضح فارق جوهري بين حالتينا بالأمس واليوم وأجل ما استطعنا الوصول إليه في نهضتنا العلمية الحاضرة، وهو تكوين زعامة علمية حقيقية بهذا الوطن في أقرب مدة، وهي غاية قصرت عنها الأقطار الإسلامية الأخرى، فلم نعهد في الكثير منها إقرار الزعامة العلمية في نصاب. ولا زلنا نراها على كَثْرَةِ المتأهلين لها متغلغلة الركاب.
(1/151)

أما في وطننا هذا وفي نهضتنا هذه، فإننا نفخر بأنها بنيت على إقرار الزعامة العلمية، وأن النهضة العلمية كسائر النهضات لا تبنى إلا على أساس "الزعامة"، وأن جميع ما يعترض النهضات من بطء وإسراع تابع لوضع الزعامة ومستقرّها.
وما دامت الموازنة بين أمسنا ويومنا، فقد كان علماؤنا بالأمس- ولا زالت بقاياهم إلى اليوم- وأمرهم فوضى وشملهم شتيت لم يكوِّنوا زعامة، ولم يعترفوا لزعيم.
وإني لأذكر ذلك السكوت الذي يسود مجالسهم إذا اجتمعوا، وتلك النظرات التي يتبادلونها، وأذكر ذلك الملل الذي يغشى تلك المجالس. وأذكر تلك الأحوال التي تلبسهم إذا خلا كل واحد منهم بنفسه، فأصبح زعيم نفسه، وأذكر تلك الأساليب التي كنّا نسمعها من عالم إذا سئل عن ترجمة عالم وعن درجته في العلم أو عن فتوى أفتى بها أو رأي أبداه في مسألة نحوية، وأذكر تلك العبارات التي كانت تبدر منهم في تنقيص بعضهم بعضًا أمام العامة.

أيها الإخوة الكرام،
ومن الميزات التي لا يغفلها الباحث في عرض الحالة العلمية والموازنة بين الحالين، الاقتصار على لُباب العلم والرمي إلى أغراضه السديدة، واطراح القشور وما لا محصول له من المباحث، وإيثار العلم المفهوم على العلم المحفوظ. وقد بدأ اتجاه التعليم يستقيم، وظهر من آثاره اختيار الكتب العامرة المملوءة علمًا، المعينة على تكوين الملكات، الخالية من النظريات المجردة والمماحكات اللفظية، ولا نذهب بعيدًا في الفرق بين هذه الحالة وبين ما قبلها، فإن بقايا الحالة القديمة لا تزال موجودة ولا تزال هي الغالبة في مجالس التدريس، وإنما نريد التنويه بهذه الحالة التي بدأت بشائرها تخفق في جوّنا العلمي، مغتبطين بها راجين لها النمو السربع والرقي المستمرّ.

أيها الإخوة،
ومن مميزات هذا الطور الذي نحن فيه من أطوارنا العلمية روح التآخي المُنْبَثَّة بين هذه الطائفة من أعضاء الجمعية، والمحبّة التي ينطوون عليها لبعضهم ولإخوانهم في العلم، وإن تجافوا في المبدإِ، وأنهم إذا أغضبهم من عالم شيء فإنما هو خذله للحق أو نصره للباطل، وهو من نوع البغض في الله الذي أدبنا به الدين.
وإن السبب الأقوى في هذا التآخي وهذه المحبّة هو الاتصال والتعارف، وستعمل الجمعية على تقوية هذه الروح في النفوس بتقوية أسبابها، فلا أحد أحوج إلى التعاون من هذه الأسرة العلمية، ولا يتم هذا التعاون ويؤتي ثمراته إلا بتآخٍ يغمرهم، ومحبة تربط بين قلوبهم حتى يكونوا قدوة صالحة لغيرهم، فمن العار أن يدعوا الأمة إلى التآخي، وهم غير متآخين، وإلى المحبَة وهم غير متحابين.
(1/152)

ومن مميزات هذا الطور الذي نحن فيه، اقتران العلم بعزة النفس والعزوف عن الدنايا، والتخلّق بمحامد الأخلاق وإظهار صولة العلم في مواقف الدفاع عن الحق، وهي صفات لازمة للعلم، فمن عجز عن جمعها معه في نفسه كان علمه وبالًا عليه.
وإن هذه ميزة ما كنا نعرفها في الطبقة التي أدركناها من العلماء إلا قليلًا.
وإن جمعية العلماء تفتخر بأن هذه الميزة الأخلاقية هي الصفة الغالبة على رجالها، وأنها أول مظهر ظهروا به على الأيام، ثم امتحنتهم الأيام فلم يزدهم ذلك إلا اعتصامًا بهذه الخلال، ولم يزدهم ذلك الاعتصام إلا إجلالًا ومهابة، وقد نبزهم خصومهم بكل نقيصة حتى إذا وصلوا من قائمة النقائص إلى سقوط الهمّة والطمع والمداهنة في الحق جمجموا، فإن تقوَّلوا فيها أتوا بالهذر الذي يردّه العدو قبل الصديق.
ومن مميزات هذا الطور العلمي إتقان اللغة العربية علمًا وتعليمًا، وإجادتها تكلّمًا وكتابة وخطابة، فقد قامت هذه النهضة على ألسنة تنثر الدر من العلم، وألسنة تنفث السحر من البيان وأقلام تسيل رحمة في مواطن الرحمة، وتمجّ السمام أو تنثر السهام في مواطن الغضب للحق والذود عن الحق.
وقد كانت لدروس الأخ الأستاذ ابن باديس- ولا نكران للحق- أقوى الآثار في تكوين هذه الملكات وتقويم هذه الألسنة وتثقيف هذه الرماح. فمن تلامذته كتّاب القطر اليوم، ومن تلامذته شعراء القطر اليوم، ومن تلامذته المفكرون والدعاة الذين هم دعائم الحركة الإصلاحية.
وقد أصبح الطراز الأدبي الجزائري طرازًا مستقلًا يُحْتَذى ولا يَحتذي، ليست عليه مسحة التآثر والمحاكاة، وإذا كانت ناشئتنا متأثّرة بالتعاليم الزيتونية فإن ذلك التأثر لم يجاوز العلميات أما الأدبيات فلا.

إخواني الأعزاء،
بقيت عدة نواح عقلية روحية هي من مميزات هذا الطور العلمي الذي نحن فيه لم أشأ أن أقدّمها لكم بتراء مشوّهة لضيق الوقت.
وبقيت عدة جهات عملية نظامية هي في باب الإصلاح العلمي أدخل منها في عرض الحالة العلمية، وقد أشرنا إليها في عرض الحديث المتقدم.
ولعلّكم سمعتم ما يحمل محمل الإطراء لحالتنا والتنقيص لما سبقها؛ وهو أمر لا محيد عنه في باب الموازنة بين حالين.
ونحن في هذه الكلمة نزن حاضرًا بماضٍ، ولو كنا نزن حالنا بما يجب أن نكون عليه لكان لنا نحو آخر من القول ننحوه، ولكان حقًا علينا أن نذكر النقائص والعيوب، ولكان نقصًا ما سمّيناه اليوم كمالًا.
(1/153)

وإن من نقائصنا المتّصلة بحالتنا العلمية الحاضرة ثلاثًا لا كمال معها، ومن المؤسف أن ناشئتنا العلمية المستشرفة إلى الكمال لا تفكر في السلبي منها ولا الإيجابي.
هذه النقائص الثلاث هي:
- ضعف الميل إلى التخصّص.
- ضعف الميل إلى الابتكار.
- الكسل عن المطالعة.
وإذا كانت الأوليان متعسرتين لفقد دواعيهما، فإن الثالثة أقرب إلى الإمكان. الحقّ أقول إن شبابنا المتعلّم كسول عن المطالعة، والمطالعة نصف العلم أو ثلثاه. فأوصيكم يا شباب الخير بإدمان المطالعة والإكباب عليها، ولْتَكُن مطالعتكم بانتظام حرصا على الوقت أن يضيع في غير طائل.
وإذا كنتم تريدون الكمال فهذه إحدى سبل الكمال.
(1/154)

مقدّمة سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء*
انعقد المؤتمر السنوي الخامس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بنادي الترقي بالجزائر في يوم الأحد السادس عشر من جمادى الثانية عام 1354 والأيام الثلاثة الموالية له.
فاجتمعت فيه الجزائر العربية المصلحة المجاهدة في سبيل العلم الصحيح والدين الحق واللسان المبين. وكان ذلك الاجتماع الذي ثوب داعيه فأسمع، وسمع واعيه فأهطع، تعبيرًا فصيحًا على تقدير المؤتمرين لدينهم ولغتهم ودليلًا ملموسًا على ما وصلت إليه حركة الإصلاح الديني من قوة وتغلغل في القطر الجزائري، فقد ضمّ هذا المؤتمر بين حناياه أبناء المدن والقرى والخيام، وجمع أبناء السواحل بأبناء الجبال وأبناء الصحاري، وسكّان الشرق بسكّان الغرب وتجلت كرامة جمعية العلماء في اجتماع قطر في ناد، وبحر في واد، ووطن في عطن.
حضر ذلك الجمع الحافل- وهو ما بين عضو عامل في جمعية العلماء وعضو مؤيد لها- لسائق واحد إلى اتجاه واحد، وهو تأييد مبدإ الذي تعمل له جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهوّن عليهم ما لاقوا من مس اللغوب، وخفة الجيوب إيمانهم بمبدإ وفرحهم بنجاحه وعرفانهم لقيمته، جزاهم الله أحسن ما يجزي العاملين المخلصين لدينهم ولغتهم.
تقدم المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أمام المؤتمرين فأدى الحساب لا على المال ومآخذه ومصارفه فقط، بل وعلى تلك الأعمال الجليلة التي قام بها، والأمانة الثقيلة التي حملها، فشكروه معترفين بجميله، وأولوه ثقتهم الكاملة فيما مضى وفيما يأتي.
__________
* من كتاب سجلّ مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي انعقد بنادي الترقّي بالعاصمة في سبتمبر سنة 1935، المطبعة الإسلامية الجزائرية، قسنطينة، [ص:1 - 4].
(1/155)

وقد سنّ رئيس جمعية العلماء في هذه السنة سنّة صالحة فعهد (في ظرف ضيّق) إلى طائفة من أعضاء الجمعية الإداريين والعاملين أن يضعوا تقارير محدودة في مسائل مهمّة لها الشأن الأول في اجتماعيات الجزائر، ولها المقام الأول من اهتمام جمعية العلماء، وهي:
1 - الأمية وآثارها وطرق مقاومتها.
2 - التعليم بقسميه المسجدي والمكتبي، وشرح أحواله وعوارضه التي هو عليها الآن وكيف ينبغي أن يكون.
3 - الإسراف المالي ومظاهره من الولائم والمآتم.
4 - الوعظ والإرشاد والطرق التي ينبغي أن يؤدى بها. على أن تلقى تلك التقارير في المؤتمر لتكون نموذجًا للأعمال التي تقوم بها الجمعية وليبدي ذوو الرأي آراءهم في طرق تنفيذها.
قام كل واحد من المقرّرين بما عهد إليه، وسمع المؤتمر تقارير بليغة مؤثرة تحمل روح الخطابيات وقوّتها. ولا ندّعي أن تلك التقارير كانت كلّها وافية، ولكنها منبّهة على أغراض لها خطر ولها بال، وإن لم يبلغ البحث فيها حد الكمال. وستكون هذه التقارير معوانًا للباحثين العاملين وحملة الأقلام على طرق هذه المواضيع والإفاضة فيها والتوسّع في تفاريعها.
وإنما بادرنا إلى الاعتراف بأنها غير وافية اعتذارًا معجلًا للناقدين بعد ظهور هذه النشرة. فالحق أن معظم تلك التقارير ينقصها عنصر ضروري من عناصر الكمال، ونعني به (الإحصاءات المدققة) وهو الأساس الذي تبنى عليه التقارير في هذا العصر. وأن بناء التقارير على أساس الإحصاء، استحضار للواقع بشواهده وبيّناته، وعرض محسوس يصير الغائب مشهودًا. ولكن عذر المقرّرين عن كل تقصير هو أن الوقت الذي حدّد لهم لا يتّسع للتبسّط في البحث والتقصّي والاحصاء والاستنتاج، وستعطى هذه المسألة في السنة الآتية كل ما تستحقّه من العناية، فتوزّع المواضيع على أهل الكفاءة والاختصاص في وقت واسع وتراعى فيها العمليات دون النظريات.
...
وفي الاجتماع الإداري السابق للمؤتمر قرّر المجلس أن يسنّ في اجتماع هذا العام سنة أخرى صالحة حتى تكون له ميّزات محسوسة. تلك السنّة هي أن يخصّص يوم كامل في آخر الاجتماع للخطب والقصائد، وفتح هذا الباب لكل مستعدّ من الحاضرين بشرط أن تكون الخطبة مكتوبة قابلة للنشر، غير خارجة عن دائرة الأدب والعلم والدين. فقرّر المجلس
(1/156)

تمديد أيام الاجتماع إلى أربعة يخصّص آخرها لسماع الخطب رغمًا عما في ذلك من تضييق على الوافدين من أطراف القطر البعيدة.
وقد تلقّى المؤتمر هذا القرار بالارتياح ورأى فيه تحقيقًا لغرض طالما جال في نفوس الأدباء، وهو إقامة عكاظ سنوي تتدرّب فيه ناشئتنا الإصلاحية على الكلام في العموميات، وتتمرّن على الخطابة ومناحيها لتستعدّ للقيام بالدعوة والإرشاد. وإن الخطابة لركن الإصلاح الركين.
وقد نفّذ هذا القرار- مع ضيق الوقت أيضًا- وتمّت أعمال المؤتمر الرسمية في الأيام الثلاثة الأول، وكان اليوم الرابع حافلًا بالخطب المتنوّعة على نظام مقرّر، خطب فيه نحو من عشرين خطيبًا، وجاء دور الشعر فألقيت عدة قصائد.
...

ولما انفضّ المؤتمر محققًا للآمال التي كانت معلّقة عليه، ونجح نجاحًا بعيد المدى برغم المتشائمين والمعاكسين. وكانت الظواهر التي امتاز بها عن الاجتماعات السابقة محسوسة ملموسة شهد بها كل من حضر وكل من سمع. وكافية لتسميته (مؤتمر) بعد أن كان يسمّى (الاجتماع العام) عهد إليّ إخواني أعضاء المجلس الإداري بجمع تلك التقارير التي ألقيت في المؤتمر والخطب التي تليت والقصائد التي أنشدت في اليوم الأخير، وترتيبها ونشرها في كتاب يطبع على نفقة الجمعية.
اتفق المجلس الإداري على تسميته وشكله وعدد ما يطبع منه. وكذلك عهدوا إليّ بكتابة فصل يكون تصديرًا للنشرة وبتعقيب كل تقرير بكلمة في خلاصته وبيان كيفية تنفيذ ما فيه، لتكون مرجعًا للمكلفين بالتنفيذ من رؤساء شعب الجمعية وغيرهم. وقد امتثلت وفعلت، بقدر ما استطعت، إلا أن حوادث مفاجئة لم تكن تخطر لي ولا لإخواني على بال حالت بيني وبين تقديمه للطبع في الوقت المحدد فتأخّر عن منتظريه والمتشوّقين إليه أشهرًا.
وإني الآن أتقدّم به إلى القرّاء معتذرًا لهم آسفًا على أن لم يكونوا قرأوه قبل اليوم، مؤكّدًا لهم أنه لا يد لي في هذا التقصير، جازمًا أن هذا التأخير لا يقلّل من قيمة هذا السجلّ ككتاب تاريخي، يسجّل درجة من الدرجات التي صعدتها الجمعية من سلّم الحياة ومرحلة من المراحل التي قطعتها. وإن كان يقفل من قيمته كنشرة سنوية. بل أزعم في ثقة أنه قد يأتي من المكروه محبوب، وأن نشره في وسط السنة هو بمثابة مؤتمر ثان، فلم يكد الناس ينسون روعة المؤتمر وبهجته حتى تفاجئهم ممثلة في سجلّ المؤتمر. ثم لا ينتهون من التأثر بهذا السجل الحافل حتى يغشاهم المؤتمر الآتي إن شاء الله على حال أتمّ، وشكل أكمل.
(1/157)

فلسفة جمعية العلماء*
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وإمام المتقين. وعلى آله وصحبه أجمعين.
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}. آمنت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إمامًا، وبسيدنا محمد نبيًا ورسولًا.
أقسم ما كنت أدري لم فاضت نفسي بهذه الآية عندما أخذت القلم لأكتب هذا التصدير لنشرة جمعية العلماء؟ ولم جاشت بهذا الاعتراف الشامل لكليات الإيمان في هذا الوقت؟ ولكنني بعد أن كتبت الآية وسجلت الاعتراف وضعت القلم ورجعت إلى نفسي أسائلها فيما بيني وبينها: بأي شعور كانت مغمورة؟ أو أي انفعال كان يساورها حين أملت على القلم هذه الآية، وحين فاضت بهذا الإقرار الذي لا داعي إليه من مثلها في مثل هذا الوقت؟ فخفقت خفقة هي أشبه شيء بلفتة المذعور، كأنها تبحث عن هذا الشعور في الماضي المتصل بالحال، وتبين لي أنها كانت سابحة في جو من التفكير في حال المسلمين، واستعراض ماضيهم السعيد وحاضرهم الشقي، وتلمس الأسباب والعلل لهذا الانحطاط المريع، بعد ذلك الارتفاع السريع، وكأنها وقفت بعد ذلك الاستعراض موقف الحيران المدهوش تسأل: كيف يشقى المسلمون وعندهم القرآن الذي أسعد سلفهم؟ أم كيف يتفرقون ويضلون وعندهم الكتاب الذي جمع أولهم على التقوى؟ فلو أنهم اتبعوا القرآن وأقاموا القرآن لما سخر منهم الزمان وأنزلهم منزلة الضعة والهوان. ولكن الأولين آمنوا فأمنوا
__________
* من كتاب سجلّ مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بنادي الترقّي بالعاصمة في سبتمبر سنة 1935، المطبعة الإسلامية الجزائرية، قسنطينة، [ص:5 - 72].
(1/158)

واتبعوا فارتفعوا. ونحن ... فقد آمنا إيمانًا معلولًا، واتبعنا اتباعًا مدخولا. وكل يجني عواقب ما زرع. ثم أدركتها الرهبة فلجأت إلى الابتهال فالتقى اللسان والقلم على هذه الآية:
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}
أما أن المسلمين الأولين سعدوا بالقرآن واتباع الرسول فهذا ما لا مراء فيه، وهو الحقيقة العارية التي جلاها التاريخ على الناس من جميع الأجناس، وزكاها بشاهدين من آثار العلم ونتائج العقل. فإن احتمل أن يجهل هذه الحقيقة جاهل فهم سواد المسلمين قبل غيرهم. وإن وقف باحث عند الظواهر السطحية وقال: سعدوا بالاتحاد مثلًا قلنا له: وما الذي وحدهم بعد ذلك التفرق الشنيع غير القرآن؟ أو قال قوم: استيقظت فيهم عواطف الخير ونوازع الشرف حين ماتت في الأمم فسادوها وقادوها، قلنا له: نعم. ولكن ما الذي أيقظ فيهم تلك العواطف وتلك النوازع وما هم إلّا ناس من الناس، بل قد كانوا قبل القرآن أضل الناس. وليسوا من جذم واحد حتى تتقارب فيهم النوازع الجنسية التي يتوارثها أبناء الجذم الواحد ويترابطون بها وسهل استيقاظها فيهم فجأة. لأننا لسنا نعني بالمسلمين الأولين العرب وحدهم، وإنما نعني بهم الأمم التي دانت بالإسلام في قرونه الأولى، تربت في كنف القرآن وتحت رعايته، وطبعت على غرار الهدي المحمدي. فحرر القرآن أرواحها من العبودية للأوثان الحجرية والبشرية، وحرر أبدانها من الطاعة والخضوع لجبروت الكسروية والقيصرية، وجلا عقولها على النور الإلهي فأصبحت تلك العقول كشافة عن الحقائق العليا، وطهر نفوسها من أدران السقوط والإسفاف إلى الدنايا، فأصبحت تلك النفوس نزاعة إلى المعالي مقدمة على العظائم. وحدد لها لأول مرة في التاريخ صلة الروح بالجسم ومدى تعاونهما في التدبير، وكيفية الجمع بين مطالبهما المتباينة، وعلمها لأول مرة في التاريخ كيف يستغل الإنسان استعداده وفكره، ففتح أمامه ميادين التفكر والاعتبار، وأمره أن يسير في الأرض ويمشي في جوانبها ويتفكر في ملكوت السماوات والأرض. وقد كان الناس قبل القرآن على جهل مطبق بهذا (الاستعمار الفكري) حتى بينه القرآن الكريم، ووضع قواعده، وأرشدها لأول مرة في التاريخ أن الإنسان أخو الإنسان لا سيده ولا عبده، وأنّ فضله في المواهب، وأن تساوي الناس في استعمار الأرض تابع لتساويهم في النشأة، وهذا تقرير لمبدإ المساواة وهو المبدأ الذي لم يسبق الإسلام إليه سابق، ولم يلحقه فيه لاحق، وإن زعم المتبجحون ...
بهذه الروح القرآنية اندفعت تلك النفوس بأصحابها تفتح الآذان قبل البلدان، وتمتلك بالعدل والإحسان الأرواح قبل الأشباح، وتعلن في صراحة القرآن وبيانه حقوق الله على الإنسان، وحقوق الإنسان في ملك الله، وحقوق الإنسان على أخيه الإنسان. إنّ الذي صنع هذا كله- وأبيك- للقرآن.
(1/159)

ولكن ما هو هذا القرآن الذي نكرره في كل سطر؟
أهو هذه (الأحزاب الستون) أو (الأجزاء الثلاثون) التي نحفظها وننفق على حفظها سنوات الطفولة العذبة، وسنوات الشباب الزهر. ثم لا يكون حظنا منه عند هجوم الكبر إلا قراءته على الأموات بدريهمات، واتخاذه جُنة من الجِنَّة وغير ذلك من الهنات الهينات؟ إن كان هو هذا فَلِمَ لم يفعل في الآخرين فعله في الأولين؟ ولمَ نرى حفاظه اليوم- على كثرتهم- أنقى الناس من هذه المعاني التي كان القرآن يفيضها على نفوس حفاظه بالأسى؟ ونجدهم دائمًا في أخريات الناس أخلاقًا وأعمالًا حتى لقد أصبحوا هدفا لسخرية الساخر، يتكسبون بالقرآن فلا يجديهم، ويقعون في المزالق فلا يهديهم، مع أنهم يقرأون فيه {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.
فنعم: إن القرآن هو هذه الأحزاب الستون التي نقرأها اليوم بألفاظها وحروفها ونقوشها، منقولًا بالتواتر القطعي، محفوظًا بحفظ الله من كل ما أصاب الكتب السماوية من قبله من النسيان والتبديل وتحريف الكلم عن مواضعه. كبر بتواتره عن الاسناد والمسندين، وشهادة المعدلين والمجرحين، قد نيّف على ثلاثة عشر قرنًا ولم يشك المسلمون في حرف منه فضلًا عن كلمة، وفي الأرض عدد حصاها أعداء له يتمنون بقاصمة الظهر أن لو ينطفئ نوره، ويستسر ظهوره، ويرضخون في سبيل محوه من الأرض بما كسبت الأيدي واحتقبت الخزائن من الأموال، وبما أخرجت بطون النساء من الرجال، وبما أنتجت القرائح من مكر واحتيال وكيد ومحال. فلم ينالوا منه نيلًا إلا مضضًا تنطوي عليه جوانحهم، ووغرًا تنكسر عليه صدورهم، وشجى تنثني عليه لهواتهم، وحقدًا تغلي مراجله في نفوسهم، وقد أبقاهم الله وأبقى لهم منه المقيم المقعد وهم بهذا الحال وهو بهذا الحال إلى يومنا هذا، فلينم المسلمون ملء جفونهم، ولينعموا بالًا من هذه الناحية، وليعلموا أن القرآن أُتِيَ من قبلهم ...
ولكن سر القرآن ليس في هذا الحفظ الجاف الذي نحفظه، ولا في هذه التلاوة الشلاء التي نتلوها، وليس من المقاصد التي أنزل لتحقيقها تلاوته على الأموات، ولا اتخاذه مكسبة، والاستشفاء به من الأمراض الجسمانية.
وإنما السر كل السر في تدبره وفهمه، وفي اتباعه والتخلق بأخلاقه. ومن آياته {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، ومن آياته {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} و {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}.
(1/160)

هذه هي الطريقة الواحدة التي اتبعها المسلمون الأولون فسعدوا باتباعها والاستقامة عليها، وهذا هو الإسلام متجليا في آيات القرآن، دين واحد جاء به نبي واحد عن إله واحد، وما ظنك بدين تحفه الوحدة من جميع جهاته؟ أليس حقيقًا أن يسوق العالم إلى عمل واحد وغاية واحدة واتجاه واحد على السبيل الجامعة من عقائده وآدابه؟ أليس حقيقًا أن يجمع القلوب التي فرقت بينها الأهواء، والنفوس التي باعدت بينها النزعات، والعقول التي فرق بينها تفاوت الاستعداد؟
بلى والله إنه لحقيق بكل ذلك.
...

إن الإسلام في جوهره لإصلاح عام منَّ الله به على العالم الإنساني بعد أن طغت عليه غمرة حيوانية عارمة، اجتاحت ما فيه من فطرة صالحة ركبها رب العالمين، وما فيه من أخلاق قيمة وشرائع عادلة قررها الهداة من الأنبياء والمرسلين والحكماء المصلحين، وصحبتها غمرة وثنية وقفت في طريق الفكر فعاقته عن التقدم وابتلته بما يشبه الشلل، وقطعت الصلة بين الإنسان وبين خالقه، وعبّدت بعضه لبعض، ثم عبدته للأصنام وعبدته للأوهام، ولكن الله تداركه برحمته فجاءه بالإسلام بعد أن مدت هذه الغمرات مدها، وبلغت حدها، واستشرف لحال خير من حاله ونور يجلو ظلمته، وكان ذلك النور هو الإسلام.
وكان مستقر الدين من نفوس البشر تتعاوره نزعتان مختلفتان وهما التعطيل المحض والشرك، وكان العالم كله يضطرب بين هاتين النزعتين وقد ملكتا عليه أمره فلا تسلمه المهلكة منهما إلّا للموبقة، ولم يسلم من شرهما حتى الملّيون الكتابيون، فجاءه الإسلام بالدواء الشافي وهو التوحيد الخالص مؤيدًا بالأدلة التي تبتدئ من النفس، وأن نظرة في النفوس حين تتجلى بغرائبها، ونظرة في الآفاق حين تتعرض بعجائبها لتفضيان بصاحبها إلى اليقين الذي لا شك بعده، وهذا هو ما حرمه البشر قبل نزول القرآن فوقفوا في الطرفين المتناقضين من شرك وتعطيل، وهذا هو ما دعا إليه القرآن فهداهم به إلى سواء السبيل.

تفرق أهل الكتب السماوية في الدين قبل الإسلام:
تلتقي الأديان السماوية في كلمة سواء ومقصد أعلى وهو جمع أهلها على الهدى والحق، ليسعدوا في الدنيا ويستعدوا لسعادة الأخرى. بهذا جاءت الأديان المعروفة، وبهذا نزلت كتبها.
والقرآن الذي هو المهيمن عليها يخبرنا بأن كتاب موسى إمام ورحمة، وأن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل هدى للناس، وأنهما جاءا بما جاء به القرآن من الدعوة إلى عبادة إله واحد
(1/161)

والرجوع إليه وحده فيما يعلو كسب البشر، ومن بث التآخي بين الناس وعدم استعباد بعضهم للبعض، ومن الأمر بالخير والنهي عن الشر، ويخبرنا أن من وصايا الله الجامعة لتلك الأمم على ألسنة رسلها هي أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وأن تلك الأمم لم تحفظ وصية الله فتفرقت في الدين شيعًا، وجعلت السبيل الواحد سبلًا، واختلفت في الحق من بعد ما جاءها من العلم والبينات فقامت عليها الحجة وحقت عليها كلمة الله وكان عاقبة أمرها خسرًا.
والقرآن يبدئ ويعيد في هذا الباب ويقص علينا من مبادئ بني إسرائيل ومصائرهم ومواردهم ومصادرهم ما فيه مزدجر، كل ذلك لنعتبر بأحوالهم، ولا نسلك الطريق الذي سلكوا فنهلك كما هلكوا.
ولم يأل نبينا - صلى الله عليه وسلم - أمته نصحًا وابلاغًا في هذا الباب، وكيف لا وقد أنزل عليه ربه {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} فكان أخشى ما يخشاه على أمته أن يدب فيها داء الأمم قبلها فتختلف كما اختلفت، وتتفرق في الدين كما تفرقت.
وقد وقع ما كان يخشاه - صلى الله عليه وسلم -، فتفرقت أمته في الدين ولعن بعضها بعضًا باسم الدين، وأكل بعضها مال بعض باسم الدين، وانتهكت الأعراض والحرمات باسم الدين، واتبعت سَنَنَ من قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع.
ولم تنتفع بتلك العظات البالغة والنذر الصادعة من كلام الله وكلام رسوله، حتى حقت عليها الكلمة وصارت إلى أَسْوَإ حال من الخزي والنكال.
ولعل لتلك الأمم الكتابية ما يشبه العذر في المصير الذي صارت إليه لضياع كتبها التي هي منبع الهداية بين التحريف والتبديل والنسيان والتأويل. أما هذه الأمة فإن حبل الله المتين فيها ممدود، وباب الفقه فيه مفتوح غير مسدود، ووارد منهله العذب غير مُحَلَّإٍ ولا مطرود. ولكن تناوله أولهم بالتأويل، وآخرهم بالتعطيل حتى اتخذوه مهجورًا، وجعلوا تفسيره وفهمه أمرًا محظورًا، فحرموا ما فيه من شفاء ورحمة، وعلم وحكمة، وبلاغ وبيان، وهدي وفرقان، ونور وحياة، وعصمة ونجاة، وباقيات صالحات، فلم يزالوا لاهين بالانتساب الصوري إليه، حتى دلتهم حوادث الدهر عليه، فاستشعروا- وهم بين براثن من السباع البشرية تتخطف، وصوالجة من الأمم الغالبة تتلقف- غيبة هاديه الذي كان يهيب بالأرواح إلى العز، وفقد حاديه الذي كان يسوق النفوس إلى الكرامة، واختفاء نوره الذي كان يجلو البصائر ويزيل الغمم. فأقبلوا يتلمسونه، وانثالوا عليه يتحسسونه، يرجون منه ما يرجو المدلج الحيران من انبلاج الفجر، وراعي السنين الغبر من انْهلال القَطْر، وقد قوّى أملنا في رجوعهم إليه وإقبالهم عليه ما نراه من اصطباغ الحركة الإصلاحية الحديثة بالصبغة القرآنية، فهي سائرة إلى غايته، داعية إليه، مرشدة به، مستدلة بآياته، به تصول وبه تحارب، وعليه تحامي،
(1/162)

ودونه تنافح، وما الحركة الإصلاحية في يومنا هذا بضئيلة الأثر ولا هي بقليلة الأتباع، وإن هذا لموضع الرجاء في رجوع المسلمين إلى القرآن.
...

أي شباب الإسلام: حملة الأمانة ومستودع الآمال وبناة المستقبل وطلائع العهد الجديد.
خذوها فصيحة صريحة لا تتستر بجلباب، ولا تتوارى بحجاب.
إن علتكم التي أعيت الأطباء واستعصت على حكمة الحكماء هي من ضعف أخلاقكم ووهن عزائمكم. فداووا الأخلاق بالقرآن تصلح وتستقم، وأسوا العزائم بالقرآن تقو وتشتد.
وإن الذي قعد بأمتكم عن الصالحات وأعدها لها في أخريات القافلة هو اختلاف قلوبها وتشتت أهوائها. فأجمعوا على القرآن آخرها كما جمع محمد - صلى الله عليه وسلم - أولها، ينتج لكم هذا الآخر ما أنتجه ذلك الأول من عزائم شداد، وألسنة حداد، وهمم كبيرة، وعقول نيرة.
وإن أول أمتكم شبيه بآخرها عزوفًا عن الفضائل، وانغماسًا في الرذائل فلم يزل بها هذا القرآن حتى أخرج من رعاة النعم، رعاة الأمم، وأخرج من خمول الأمية أعلام العلم والحكمة. فإن زعم زاعم أن الزمان غير الزمان، فقولوا: ولكن الإنسان هو الإنسان.
وإن هذا القرآن وسع الحياة الأبدية فبينها حتى فهمها الناس واعتقدوها وسعوا لها سعيها فكيف لا يسع حياتكم هذه ... ؟
أي شباب الإسلام: إن الأوطان تجمع الأبدان، وان اللغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلفها ويصل بين نكرات القلوب فيعرفها هو الدين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة ولكن التمسوها في الدين والتمسوها من القرآن تجدوا الأفق أوسع، والدار أجمع، والعديد كثير، والقوى أوفر.

بدء تفرق المسلمين في الدين:
أقام سلفنا الصالح دين الله كما يجب أن يقام، واستقاموا على طريقته أتم استقامة، وكانوا يقفون عند نصوصه من الكتاب والسنة، لا يتعدونها ولا يتناولونها بالتأويل، وكانت أدواتهم لفهم القرآن، روح القرآن وبيان السنة ودلالة اللغة والاعتبارات الدينية العامة، ومن وراء ذلك فطرة سليمة وذوق متمكن ونظر سديد وإخلاص غير مدخول واستبراء للدين قد بلغ من نفوسهم غايته وعزوف عن فتنة الرأي وفتنة التأويل.
(1/163)

أدبهم قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}، وقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، فكانوا أحرص الناس على وفاق، وكانوا كلما طاف بهم طائف الخلاف في مسألة دينية بادروه بالرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله فانحسم الداء وانجابت الحيرة.
وكان العلماء هم المرجع الأعلى للعامة في كل ما يحزبُها من شؤون دينها يرجعون إليهم بلا عصبية ويصدرون عن رأيهم بلا عصبية، وكان العلماء يمثلون الاستخلاف الديني والوراثة النبوية تمام التمثيل، يقودون الأمة بالحق إلى الحق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا تأخذهم في الله لومة لائم.
وأول ما نشأ في المجتمع الإسلامي من جراثيم التفرق في الدين الكلام في القدر والخوض في الصفات، وقارن ذلك حدوث الخلاف في الخلافة هل هي شعبة من الدين تفتقر إلى تنصيص من الشارع، أو هي مصلحة دنيوية ترجع إلى اختيار أهل الرأي من الأمة، وقد سبق الخلاف العملي الخلاف العلمي في هذه المسألة، وهي المعترك الأول الذي اشتجرت فيه الآراء حتى تطرفت، بعد أن اشتجرت فيه الرماح حتى تقصفت، كما أنها أول مسألة امتزجت فيها الأنظار الدينية بالأنظار الدنيوية (أو السياسة) كما يقولون اليوم، وفي هذا المعترك نبتت جرثومة التعصب الخبيثة.
ثم توسعت الفتوحات وبسط الإسلام ظله على كثير من الممالك التي كانت لها أثارة من عمران وشيء من سلطان، ودانت له كثير من الأمم، وفي كل أمة طوائف دخلت في الإسلام وهي تحمل أوزارًا من بقايا ماضيها، وما كادت هذه المجموعات البشرية تمتزج ويفعل الإسلام فيها فعله، حتى ظهرت عليها أعراض التفرق.
فظهر أصحاب المقالات في العقائد، وأحدثوا بدعة التأويل الذي هو في الحقيقة تحريف مسمى بغير اسمه.
وتوفرت الدواعي لظهور المذاهب الفقهية والمذاهب الكلامية والمذاهب الصوفية في أزمنة متقاربة، وكان لترجمة الفلسفة اليونانية والحكمة الفارسية والهندية أثر قوي في تعدد المذاهب الكلامية والصوفية، بما أتت به الأولى من بحث في الالهيات على الطريقة العقلية الصرفة، وبما غذّت به المتكلمين من الأنظار المختلفة وأمدتهم به من طرائق الجدل وقوانينه، وهذا، هو مبدأ التفرق الحقيقي في الدين، لأن المتكلمين يزعمون أن علومهم هي أساس الإسلام، والصوفية يقولون إن علومهم هي لباب الشريعة وحقيقتها.
أما المذاهب الفقهية فحدوثها ضرووي وطبيعي ما دامت السنة لم تجمع، وبعد جمعها لم تكن وافية بالتنصيص على الوقائع. الجزئية، ومتونها وأسانيدها بعد خاضعة للتزكية
(1/164)

والتجريح لأنها لم تنقل بطريق التواتر، وما دامت مدارك المجتهدين الذين هم المرجع في هذا الباب متفاوتة بالقوّة والضعف في الاستنباط ووجوه القياس وعلله، وما دامت الوقائع التي تناط بها الأحكام لا تنضبط، وقد استحدث العمران أنواعًا جديدة من المعاملات الدنيولة لا عهد للإسلام الفطري بها، وصورًا شتى من المعايش ووجوه الكسب لم تكن معروفة، فمن سماحة التشريع الإسلامي ومرونته أن تتناول هذه المستحدثات الجديدة بأنظار جديدة، وتستنبط من أصوله أحكام لفروعها، وكل هذا لا حرج فيه وليس داخلًا فيما نشكوه، بل نحن أول من يقدر قدر تلك الأنظار الصائبة والمدارك الراقية، ويقيمها دليلًا على اتّساع التشريع الإسلامي لمصالح الناس، وصلاحيته لجميع الأزمنة، وينكر على من سدّ هذا الباب على الأمة فزهّدها في استجماع وسائله، ونحن أول من يقدر قدر أولئك الأئمة العظام الذين هم مفاخر الإسلام.
والمذاهب الفقهية في حدّ ذاتها ليست هي التي فرقت المسلمين، وليس أصحابها هم الذين ألزموا الناس بها أو فرضوا على الأمة تقليدهم، فحاشاهم من هذا، بل نصحوا وبينوا وبذلوا الجهد في الإبلاغ وحكموا الدليل ما وجدوا إلى ذلك السبيل، وأتوا بالغرائب في باب الاستنباط والتعليل، والتفريع والتأصيل، ولهم في باب استخراج علل الأحكام، وبناء الفروع على الأصول، وجمع الأشباه بالأشباه، والاحتياط ومراعاة المصالح ما فاقوا به المشرعين من جميع الأمم.
وإنما الذي نعده في أسباب تفرق المسلمين هو هذه العصبية العمياء التي حدثت بعدهم للمذاهب، والتي نعتقد أنهم لو بعثوا من جديد إلى هذا العالم لأنكروها على أتباعهم ومقلديهم، وتبرأوا إلى الله منهم ومنها، لأنها ليست من الدين الذي اؤتمنوا عليه، ولا من العلم الذي وسّعوا دائرته.
وكيف يرضون هذه العصبية الرعناء ويقرون عليها مقلدتهم، ومن آثارها فيهم جعل كلام غير المعصوم أصلًا وكلام الله ورسوله فرعًا يذكر للتقوية والتأييد إن وافق، فإن خالف أرغم بالتأويل حتى يوافق، وهذا شر ما بلغته العصبية بأهلها، ومن آثارها فيهم معرفة الحق بالرجال، ومن آثارها فيهم اعتبار المخالف في المذهب كالمخالف في الدين، يختلف في إمامته ومصاهرته وذكاته وشهادته إلى غير ذلك مما نعدّ منه ولا نعدده.
وقد طغت شرور العصبية للمذاهب الفقهية في جميع الأقطار الإسلامية، وكان لها أسوأ الأثر في تفريق كلمة المسلمين، وإنّ في وجه التاريخ الإسلامي منها لندوبًا.
أما آثارها في العلوم الإسلامية فإنها لم تمدها إلّا بنوع سخيف من الجدل المكابر لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا عاصم من شرور هذه العصبية إلّا صرف الناشئة إلى تعليم
(1/165)

فقهي يستند على الاستقلال في الاستدلال، وإعدادها لبلوغ مراتب الكمال، وعدم التحجير عليها في استخدام مواهبها إلى أقصى حد.
...

وأما المذاهب الكلامية فلم يكن أثرها بالقليل في تفرق المسلمين وتمزق شملهم، ولكنها لما كان موضوعها البحث في وجود الله وإثبات صفاته، وما يجب له من كمال وما يستحيل عليه من نقص- كل ذلك من طريق العقل- كانت دائرتها محدودة وكان التعمق فيها من شأن الخواص، وقعد بالعامة عن الدخول في معتركها إحساسها بالتقصير في أدواته من جدل وعقليات يحتاج إليها في مقامات المناظرة والحجاج، فليس علم الكلام كعلم التصوّف مطية ذلولًا يندفع لركوبها العاجز والحازم. فالتصوف شيء غامض يسعى إليه بوسائل غامضة، ويسهل على كل واحد ادعاؤه والتلبيس به. فإن خاف مدعيه الفضيحة لم يعدم سلاحًا من الجمجمة والرمز وتسمية الأشياء بغير أسمائها. ثم الفزع إلى لزوم السمت والتدرع بالصمت والإِعراض عن الخلق، والانقطاع والهروب منهم ما دام هذا كله معدودًا في التصوف وداخلًا في حدوده. ولا كذلك علم الكلام الذي يفتقر إلى عقل نير وقريحة وقادة وذكاء نافذ، ويحتاج منتحله إلى براعة وَلِسْنٍ ومران على المنطق ومقدماته ونتائجه وأقيسته وأشكاله. ولم كل هذه العدد؟ كل هذه العدد للمناظرات وما تستلزمه من إيراد ودفع وإفحام وإلزام. وأين العامة من هذا كله؟ لذلك لم يكن لها من حظ في هذا العلم إلّا معرفة أسماء بعض الفرق والانتصار لها انتصارًا تقليديًا، ولذلك كانت آثار التفريق الناشئة عن هذه المذاهب الكلامية قاصرة على طبقات مخصوصة، ولم تتغلغل في العامة كما تغلغلت آثار التصوف.
وقد انقرضت تلك الفرق وانقرض بانقراضها سبب جوهري من أسباب التفرق، بل مات بموتها شاغل طالما شغل طائفة من خيرة علماء المسلمين ببعضهم، وجعل بأسهم بينهم شديدًا، وألهاهم بما يضر عما ينفع.
تلاشت تلك الفرق ولم تبق إلّا أخبار معاركها الجدلية في كتب التاريخ، والا آراؤها المدونة في كتبها فتنة للضعفاء وتبصرة للحصفاء. ولم يبق من تلك الأسماء التي كونت قاموسًا في الأنساب إلّا اسمان يدوران في أفواه العامة وأشباه العامة ويستعملونهما في أغراض عامية وهما (أهل السنة والمعتزلة).
ومن المحزن أن دراسة علم التوحيد حتى في كلياتنا (الراقية) كالأزهر والزيتونة لا تزال جارية على تلك الطرائق، وفي تلك الكتب، ولا تزال تقرر فيها تلك الآراء، ولا تزال تذكر فيها أسماء تلك الفرق التي لم يبق لها وجود. ويستعرض سيدنا المدرس تلك
(1/166)

الآراء ثم يدحضها ويقيمها ثم ينقضها. وتقتطع أوقات الطلبة المساكين في ذلك. ويا ضيعة الأعمار!
أما الشبهات التي يوردها كل يوم ملاحدة العصر ومبشرو المسيحية على الإسلام، ويفتنون بها العلماء فضلًا عن العوام، فإن كلياتنا (العلمية الدينية) ومدرسميها لا يعيرونها أدنى اهتمام، ولا يعمرون بها وقت الطلبة. فيا للفضيحة!
...
وإذا نحن وازنا بين ما أجداه علينا علم الكلام وبين ما خسرناه بسببه وجدنا الخسارة تربو على الربح. فتوحيد الله مقرر في القرآن بأجدى بيان وأكمل برهان. وصفاته لا يطمع طامع أن يأتي في إثباتها بأكمل مما أتى به القرآن. وطريقة القرآن في التنزيه أقوم طريقة، وقد جرى عليها الصحابة فكانوا أكمل الناس توحيدًا مع أنهم لا يعرفون الجوهر والعرض. وهل يبقى زمانين؟ ولا الكم ولا الكيف بمعانيها الفلسفية الدقيقة. وعلى هذا فما معنى إضاعة الوقت وإعنات النفس في معرفة هذا العلم المسمى بعلم الكلام.
ولو كان هذا العلم المستحدث ذا قواعد طبيعية لا تنقض، كقواعد الحساب أو الهندسة مثلًا، لخف ما يلقى الناس في تعلمه من عناء، ولكننا رأينا تلك القواعد تتهاوى في المناظرات القولية أو القلمية كفقاقيع الماء، فلا يكاد يبني الباني حتى ينبري له هادم ينقض ما بنى ويتبر ما علا.
فوا أسفاه على تلك الحملات العنيفة التي كانت جهادًا ولكن في غير عدو. ووالهفاه على ذلك النقع المثار وقد انجلى عن غير فتح ولا غنيمة. وواحسرتاه على ذلك الذكاء الذي كانت تكاد تشف له حجب الغيب، ذكاء أبى بكر الباقلاني وفخر الدين الرازي وأبي الهذيل وابن المعلم، وقد ضاع فيما لا تعود على الإسلام منه عائدة، ولا تنجرُّ له منه فائدة.
وإنك لتطالع تفسير الرازي مثلًا فتتلمح من جملته ذكاء يشع، وقريحة تتقد وألمعية تكاد تنتزع منك بنات صدرك، فتظن أن سيكشف لك عن الجهات المتصلة بنفسك من القرآن، ويجلي لك سنن الله في الأنفس والآفاق. وإذا بالظن يخيب والفال يكذب، إذ ترى تلك القوى مصروفة إلى جهة غير التي تريد. وترى الرجل وقد غلب على ذكائه وجرفته العادة التي تملكته إلى الآراء والعقليات وإثارة الشبهات. وترى ذلك الذهن العاتي يتخبط في مضائق هي دون قدر القرآن ودون قيمة ذلك الذهن، حتى ليسف فيزعم لك- مثلًا- أن أولي العلم في قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ}، هم أهل الاصول ...
(1/167)

ونحن نعتقد أن الرجل وأمثاله من الأذكياء ما أتوا إلّا من غرامهم بهذه المباحث الكلامية واستهتارهم فيها. ويمينًا لو أن تلك الجهود التي تفرقت على الكلام تألفت على جهة عقلية أخرى لفتحت في العلم فتحًا أغر زاهرًا، ولتعجلت به الفخر للإسلام وأهله.
وأما المذاهب الصوفية فهي أبعد أثرًا في تشويه حقائق الدين وأشد منافاة لروحه، وأقوى تأثيرًا في تفريق كلمة المسلمين، لأنها ترجع في أصلها إلى نزعة غامضة مبهمة، تسترت في أول أمرها بالانقطاع للعبادة والتجرد من الأسباب والعزوف عن اللذات الجسدية والتظاهر بالخصوصية، وكانت تأخذ منتحليها بشيء من مظاهر المسيحية، وهو التسليم المطلق، وشيء من مظاهر البرهمية وهو تعذيب الجسد وإرهاقه توصلًا إلى كمال الروح زعموا. وأين هذا كله من روح الإسلام وهدي الإسلام؟ ولم يتبين الناس خيرها من شرها لما كان يسودها من التكتم والاحتراس، حتى جرت على ألسنة بعض منتحليها كلمات كانت ترجمة لبعض ما تحمل من أوزار. فراب أئمة الدين أمرها، وانفتحت أعين حراس الشريعة فوقفوا لها بالمرصاد، فلاذ منتحلوها بفروق مبتدعة يريدون أن يثبتوا بها خصوصيتهم كالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة، إلى ألفاظ أخرى من هذا القبيل لا تخرج في فحواها عن جعل الدين الواحد دينين.
وما كاد السيف الذي سلّ على الحلّاج وصرعى مخرقته يغمد ويوقن القوم أنهم أصبحوا بمنجاة من فتكاته، حتى أجمعوا أمرهم وأبدوا للناس بعض مكنونات أسرارهم ملفوفة في أغشية جميلة من الألفاظ، ومحفوفة بظواهر مقبولة من الأعمال. وحاولوا أن يصلوا نحلتهم تلك بعجرها وبجرها بصاحب الشريعة أو بأحد أصحابه فلم يفلحوا، وافتضحت حيلتهم وانقطع الحبل من أيديهم، فرجعوا إلى ادعاء الكشف وخرق الحجب والاطلاع على ما وراء الحس إلى آخر تلك (القائمة) التي لا زلت تسمعها حتى من أفواه العامة وتجدها في معتقداتهم.
ثم أَمِرَ أمر هذه الصوفية وتقوّت على الزمن، والتقت مع الباطنية وغيرها من الجمعيات التي تبني أمرها على التستر على طبيعة دساسة وعرق نهل ومزاج متحد. واختلطت تعاليم هذه بتعاليم تلك، وتشابهت الاصطلاحات وابتلي المسلمون من هذه النحل بالداء العضال.
وقد اتسع صدرها بعد أن تعددت مذاهبها، واختلفت مشاربها في القرون الوسطى والأخيرة من تاريخ الإسلامء فانضوى تحت لوائها كل ذي دخلة سيئة وعقيدة رديئة حتى أصبح التصوف حيلة كل محتال، وحلية كل دجال. وأن هذه الطرق المنتشرة بين المسلمين والتي تربو على المذاهب الفقهية عدًّا، كلها، على ما بينها من تباين الأوضاع، واختلاف الطباع، وتنافر الأتباع، تنتسب إلى هذا التصوف. ولكنه انتساب صوري اسمي، وشتان ما بين الفرع وأصله. فمبنى التصوف في أغلب مظاهره- كما أسلفنا- على الانقطاع والزهد في الدنيا، والتجرد والتقشف ورياضة النفس على المشاق وفطمها عن الشهوات. ومبنى هذه
(1/168)

الطرق في ظاهر أمرها وباطنه على حيوانية شرهة لا تقف عند حدّ في التمتع بالشهوات، والانهماك في اللذائذ واحتجان الأموال من طريق الحرام والحلال، واصطياد الجاه وحب الظهور والاختلاط بأهل الجاه وإيثارهم والتزلف إليهم.

آثار الطرق السيئة في المسلمين:
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به ...
ليعذرنا الشاعر الميت أو أنصاره من الأحياء إذا استعملنا مصراع بيته في ضد قصده. فهو يريد أن المشهود، أكمل من المفقود، ونحن نريد العكس.
فإن أبوا أن يعذرونا احتججنا بأن الشاعر المرحوم هو الذي جنى على مصراعه فقد أرسله مثلًا وهو يعلم أن الأمثال "كالكومينال" (1) ارث مشاع، وقصاع بين جياع، تتناهب وتتواهب.
ولم كل هذا الصراع. على مصراع.
وأمثال قومي في البلاد كثير؟ ...
ومع ذلك فلم يحضرني منها الآن إلا كل قبيح اللفظ، فأنا متمسك بحجتي في المصراع برغم أنف الشاعر ورغم أنوف أنصاره.
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به.
والمقصود واضح، فإن قارئ هذا العنوان ربما تحلب ريقه طمعًا في أن ننقل له الغابر من الأخبار والمدون في الأسفار من هذه الآثار. فتقاضانا الكسل من جهة والحرص على تعجيل النفع له من أخرى أن نحيله على ما يراه مع مطلع كل شمس من هذه الآثار السيئة التي شتتت شمل المسلمين، وفرقت كلمتهم وفككت روابطهم، وتركتهم أضحوكة الأمم وسخرية الأجيال بعد أن أفسدت فطرتهم واقفرت نفوسهم من معاني الخير والرجولة. فإذا تأمل مليًا وجد في المشهود ما يغنيه عن التطلع للماضي المسموع واستفاد في آن واحد عبرة الحاضر وعظة المستقبل، وكفانا مؤونة الإفاضة والاستقصاء لأنه يعلم من الدراسة اليسيرة لهذا الحاضر المشهود أن كل ما يراه في المسلمين من جمود وغفلة، وتناكر وقعود عن الصالحات ومسارعة في المهلكات، فمرده إلى الطرق ومأتاه مباشرة أو بواسطة منها، فلا كانت هذه الطرق ولا كان من طرقها للناس.
__________
1) كلمة فرنسية ( communel)، ومعناها بلدي، نسبة إلى البلدية.
(1/169)

ومن مكرها الكُبَّار أن تعمد إلى العلماء وهم ألسنة الإسلام المنافحة عنه فترميها بالشلل والخرس، وتصرفها في غير ما خلقت له. فقد ابتلت هذه الطرق علماء الأمة في القديم بوساوسها وأوهامها حتى سكتوا لها عن باطلها، ثم لم تكتف منهم بالسكوت بل تقاضتهم الاقرار لها والتنويه والتمجيد، وابتلتهم في الحديث بدريهماتها ولقمها حتى زادوا على السكوت والاقرار الاتباع والانتساب، والوقوف بالأعتاب. حتى أصبحنا نرى العالم المؤلف يعرف نفسه للناس في صدر تأليفه بمثل قوله: فلان المالكي مذهبا الأشعري عقيدة التيجاني طريقة. وفي وقتنا هذا بلغ الحال بالطرق أنها أذلت العلماء إذلالًا واستعبدتهم استعبادًا. ولم ترض منهم بما رضيه سلفها من سلفهم من حفظ الرسم واللقب وإبقاء السمة والمكانة بين العامة، بل أغرت العامة بتحقيرهم وإذلالهم.
...

وإذا كان الناظر في أحوال المسلمين ممن رزق ملكة التعليل وأراد إرجاع كل شيء إلى أصله الأصيل ومنبته الأول، فإنه لا يعسر عليه أن يرجع أمهات علل المسلمين الدينية والاجتماعية إلى هذه الطرقية الكاذبة الخاطئة، التي أصبحت من قرون فكرة تسود العالم الإسلامي وتتحكم في دينه ودنياه، وتتدخل في حياته وسياسته ثم تستحكم في طباعه، فإذا هو في غمرة من الذهول مطبقة أضاع معها آخرته ودنياه.
إن أعظم مصيبة أصابت المسلمين- وهي جفاؤهم للقرآن وحرمانهم من هديه وآدابه- منشؤها من الطرق. فهي التي غشَّت المسلمين لأول ما طاف بهم طائفها. وغشيتهم بهذه الروح الخبيثة روح التزهيد في القرآن. وكيف لا يزهد المسلمون في القرآن وكل ما فيه من فوائد وخيرات وبركات قد انتزعتها منه الطرق، وجردته منها ووضعته في أورادها المبتدعة، ورسومها المخترعة، ونحلته شيوخها ومقدميها وصعاليكها؟
ولماذا يعنِّي الناس أنفسهم في فهم القرآن وتدبره، وحمل النفس على التخلق بأخلاقه والوقوف عند حدوده، إذا كان كل ما يناله منه- مع هذا التعب- يجده في الطريق عفوًا بلا تعب وبلا سبب أو بأيسر سبب.
فإذا كان هذا القرآن يفيد معرفة الله- وهي أعلى مطلب- فالقوم عارفون بالله، وإن لم يدخلوا كتّابًا، ولم يقرأوا كتابًا. وكل من ينتسب إليهم فهو عارف بالله بمجرد الانتساب أو بمجرد اللحظة من شيخه. وقد كان قدماؤهم يتخذون من مراحل التربية مدارج للوصول إلى معرفة الله فيما يزعمون وفي ذلك تطويل للمسافة وإشعار بأن المطلوب شاق. حتى جاء الدجال ابن عليوه واتباعه بالخاطئة، فأدخلوا تنقيحات على الطريق ورسومًا أملاها عليهم
(1/170)

الشيطان. وكان من تنقيحاتهم المضحكة تحديد مراحل التربية (الخلوية) لمعرفة الله بثلاثة أيام (فقط لا غير)، تتبعها أشهر أو أعوام في الانقطاع لخدمة الشيخ من سقي الشجر، ورعي البقر، وحصاد الزرع وبناء الدور مع الاعتراف باسم الفقير، والاقتصار على كل الشعير، ولئن سألتهم لم نزلتم مدة الخلوة إلى ثلاثة أيام؟ ليقولن فعلنا ذلك مراعاة لروح العصر الذي يتطلب السرعة في كل شيء، فقل لهم: قاتلكم الله. ولم نقصتم مدة الخلوة، ولم تنقصوا مدة الخدمة أيها الدجاجلة؟
وقد قرأنا كثيرًا من رسائلهم التي يتراسلون بها فإذا هم ملتزمون لصفة واحدة يصف بها بعضهم بعضًا، وهي صفة (العارف بالله) وأكثر الطرقيين سخاء في إعطاء هذا اللقب هم العليويلة. ونحن ... فقد عرفنا كثيرًا من هؤلاء (العارفين بالله) فلم نعرفهم إلّا حمرًا ناهقة.
فكيف تبقى للقرآن قيمة في نفوس الناس من هذه الناحية بعد هذا التضليل؟ وكيف لا يستحكم الجفاء بين الأمة وقرآنها مع هذا التدجيل والصد عن سواء السبيل؟
وإذا كان هذا القرآن متعبدًا بتلاوته اللفظية وهو ستون حزبًا فإن تلاوة انجيل التيجاني القصير وهو (صلاة الفاتح) مرة واحدة تعدل ستة آلاف ختمة من القرآن. وإذا كان القرآن قد شرع الغزو وهو من أحمز الأعمال وأشقها، فإن تلاوة هذا الإنجيل التيجاني مرة واحدة تعدل آلاف الغزوات، وهي لا تقوم إلا على حركة اللسان من غير اقتحام للميدان، ولا تعرض للرمح والسنان.
وإذا كان القرآن يفرض الحج وفيه ما فيه من مصاعب ومتاعب، فإن انجيل التيجاني تعدل تلاوته آلاف المرات من الحج ومئات الآلاف من الصلاة كما هو منصوص في كتب التيجاني وكتب أصحابه.
فأي تعطيل للقرآن أعظم من هذا؟ وأي تهوين لشعائر الإسلام ونقض لحكمها أكبر من هذا؟ وأي تزيين للتفلت من تلك الشعائر يبلغ ما يبلغه هذا الكلام من مثل هذا الدجال؟
اللهم إننا نعلم بما علمتنا أن دين التيجاني غير دين محمد بن عبد الله. وأنت تعلم أي دين هو، فضعه حيث تعلم وعامله بما يستحق.
أما والله ما بلغ الوضاعون للحديث، ولا بلغت الجمعيات السرية ولا العلنية الكائدة للاسلام من هذا الدين عشر معشار ما بلغته منه هذه الطرق المشئومة.
فإذا خرجت من هذا الباب، باب التزهيد في القرآن مقتنعًا بما بينا لك من الأمثلة فقد خرجت بنتيجة، وهي أن هذه الهوة العميقة التي أصبحت حاجزة بين الأمة وقرآنها هي من صنع أيدي الطرقيين.
(1/171)

وانظر الآن إلى الطرق وإلى أهل الطرق بعد أن باعدوا بين الأمة الإسلامية وبين قرآنها، وخلا لهم وجهها، وخلت جنبات النفوس من الحارس اليقظ، ومكنوا فيها خلق الخوف منهم والرجاء فيهم والطاعة والخضوع لهم، وأصبحت مقاليد العامة والدهماء -وهم معظم الأمة المحمدية- في أيديهم. أنظر في أي سبيل صرفوها؟
إنهم بعد أن أفسدوا فطرتها وأماتوا ما غرسه الإسلام فيها من فضيلة، وفككوا كل ما أحكم بينها من روابط أخوة، وراضوها على الذل والمهانة والخضوع وسدوا عليها منافذ النور فاستقامت لهم على ذلك، فرقوها فرقًا وقسموها إلى مناطق نفوذ يتزاحمون على استغلالها واستعمارها، وأغروا بينها. العداوة والتضريب والبغضاء، وإنك لتسمعهم يقولون الاخوة والاخوان فاعلم أنهم لا يريدون أخوة الإسلام العامة ولا يرعون من حقوقها حقًا، وإنما يريدون أخوة الشيخ وأخوة الطريق. وكل ما يجب عليك من حق فهو لأخيك في الطريق أعاذك الله منها. وأن هذه الأخوة القاطعة تفرض عليهم أن يبغضوا كل من لم يتصل معهم بحبل الشيخ، وينابذوه ولا يجتمعوا معه ولو في العبادات الشرعية كالصلاة وقراءة القرآن، أو البدعية كحلقهم الخصوصية، بل يبلغ الغلو ببعضهم (كالتيجانية) أن لا يصلوا خلفه ولا يصاهروه. وتسمعهم يقولون الإحسان وهم لا يريدون الإحسان الذي دعا إليه القرآن. وعندهم أن حق الشيخ قبل حق الزوجة والأولاد والآباء والأجداد، وحق الشيخ في المال قبل حق الفقير والمسكين. بل إنهم يصرفون لهم الزكاة كاملة وينقلونها لأجلهم من بلد إلى بلد. فأين حكمة الله في الزكاة؟ وأين مصارفها التي بينها القرآن؟
لعمرك إن الطرقية في صميم حقيقتها احتكار لاستغلال المواهب والقوى، واستعمار بمعناه العصري الواسع، واستعباد بأفظع صوره ومظاهره.
يجري كل هذا والأشياخ أشياخ يقدس ميتهم وتشاد عليه القباب، وتساق إليه النذور، ويتمرغ بأعتابه، ويكتحل بترابه، وتلتمس منه الحاجات وتفيض عند قبره التوسلات والتضرعات، ويكون قبره فتنة بعد الممات كما كان شخصه فتنة في الحياة. ثم تتوالد الفتن فيكون اسمه فتنة، وأولاده فتنة، وداره فتنة وإذا هو مجموع فتون، تربو عدا على ما في مجموع المتون.
وما ضر هؤلاء الأشياخ- وقد دانت لهم الأمة وألقت إليهم يد الطاعة ومكنتهم من أعراضها وأموالها- أن يأخذوا أموالها سارقين، ثم يورثونها أولادًا لهم فاسقين، يبددونها في الخمور والفجور، والسيارات والملابس والقصور.
ما ضرهم أن تهزل الأمة إذا سمنوا؟ ما ضرهم إذا فسدت أخلاقها ما دام خلق البذل والطاعة لهم صحيحًا؟ ما ضرهم أن تتفرق كلمة الأمة ما دامت مجمعة على تعظيمهم واحترامهم، ومغضية على شرهم وإجرامهم؟
(1/172)

ولكن الذي يضيرهم ويقض مضاجعهم هو أن ترتفع كلمة حق بكشف مخازيهم وحيلهم الشيطانية، وتنفير الناس منهم وتحذيرهم من إفكهم وباطلهم؛ فهنالك تقوم قيامتهم وينادون بالويل والثبور، ويقاومون بما لا يخرج عن طريقتهم في التضليل ودس الدسائس، ويبلغ بهم الحال أن يتناسوا الفوارق الطرقية بينهم والمنافسات الاستعمارية والأحقاد القديمة، ويتصافحوا على (الزردة) (2) ويتقاسموا ولكن لا بأسماء أشياخهم، خشية أن تثور الثوائر الكامنة فيحبط ما صنعوا ... لأن هذه النقطة ليست محل تسليم.
فهلا اجتمعتم بالأمس أيها الكاذبون.
وهلا خيرًا من هذا وذاك وهو الرجوع إلى الحق.

دفع شبهة ونقض فرية في هذا المقام:
سيقول بعض الناس: ان ما ذكرتموه من آثار الطرق السيئة كله صحيح وهو قليل من كثير، ولكن هذه الطرق لم يعترها الفساد والافساد إلّا في القرون الأخيرة، وأنتم- معشر المصلحين- تذهبون في إنكاركم إلى ما قبل هذه القرون، وتتناولون فيما تكتبون وما تخطبون وما تدرسون المحدثين والقدماء والأصول البعيدة والفروع القريبة. حتى بسطتم ألسنتكم بالسوء إلى مقامات وأسماء كانت قبل اليوم كحمام الحرم. ولعل خصومكم يكونون أدنى للرجوع إلى الحق لو سكتم لهم عن هذه الأسماء.
لهذا القائل نقول- بعد شكره على الاعتراف ببعض الحق- إن الجزء الأخير من كلامك مقتبس مما يشنع به علينا خصوم الإصلاح، وهو أننا ننبش القبور ولا نحترم الأموات، وننكر كرامات الأولياء ومراتبهم (من غوثية وقطبانية) إلى أكاذيب يلفقونها وأراجيف يتناقلونها عنّا. فاسمع يا هذا:
إنء حجة الإسلام قائمة، وميزانه منصوب، وآدابه متمثلة في سيرة الصحابة والتابعين، واننا لا نعرف في الإسلام بعد قرونه الثلاثة الفاضلة ميزة لقديم على محدث، ولا لميت على حي، وإنما هو الهدى أو الضلال، والاتباع أو الابتداع، وليست التركة التي ورثناها الإسلام عبارة عن أسماء تطفو بالشهرة وترسب بالخمول ويقتتل الناس حولها كالأعلام، أو يفتنون بها كالأصنام. وإنما ورثنا الحكمة الأبدية والأعمال الناشئة عن الإرادة، والعلم المبني على الدليل.
وإن المسلمين غلوا لق تعظيم بعض الأسماء غلوًا منكراً فأداهم ذلك الغلو إلى نوع غريب من عبادة الأسماء نعاه القرآن على من قبلنا ليعظنا ويحذرنا ما صنعوا. وقد عزل عمر خالد بن الوليد. وقال: خشيت أن يفتتن به الناس.
__________
2) حفلة يقيمها الطرقيون، فيها رقص وجذب مختلط، ويتناولون فيها الطعام.
(1/173)

ونحن حين نحكم على الأشياء نحكم عليها بآثارها. وآثار هذا الغلو في المسلمين كانت الشر المستطير والتفرق الماحق.
ونحن إذ ننكر إنما ننكر الفاسد من الأعمال، والباطل من العقائد سواء علينا أصدرت من سابق أم من لاحق، ومن حي أم من ميت. لأن الحكم على الأعمال لا على العاملين، وليس صدور العمل الفاسد من سابق بالذي يحدث له حرمة أو يصيره حجة على اللاحقين، بل الحجة لكتاب الله ولسنّة رسوله، فلا حق في الإسلام إلا ما قام دليله منهما واتضح سبيله من عمل الصحابة والتابعين بهما، أو إجماع العلماء بشرطه على ما يستند عليهما. وبهذا الميزان فأعمال الناس إما حق فيقبل أو باطل فيرد.
وقد روى الثقات عن الإمام مالك أنه من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. وإنكاره على الإمام عبد الرحمن بن مهدي وضع الرداء أمامه في الصلاة وعده ذلك من الحدث معروف، وحكايته مع الرجل الذي سأله عن الإحرام من مسجد المدينة وقال له: إنما هي بضعة أميال أزيدها، واستشهاد الإمام بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، كل ذلك معروف مشهور.
ومع أننا نعلم أن الطرق منتشرة في العالم الإسلامي وأن آثارها فيه متشابهة، وأنها هي السبب الأقوى في كثير مما حل به من الأرزاء والنكبات، وكثيرًا ما كانت مفتاحًا لاستعمار ممالكه، فإن حربنا موجهة أولًا وبالذات إلى طرقية الشمال الافريقي، وبينها من الوشائج ما يجعلها كالشيء الواحد. فعلى مقدار هؤلاء الذين نعرف جنسهم وفصلهم، وفرعهم وأصلهم نفصل القول، وإلى هذا الهدف نسدد السهام.
والأمر بيننا وبينهم من يوم شنت الغارة دائر على أحوال وسائر على مراحل ينتقلون بنا من إحداها إلى الأخرى ولا نزال نطاردهم وهم يلتجئون من ضيق إلى أضيق إلى الآن.
وذلك أننا لما أنكرنا عليهم باطلهم الذي يرتكبونه باسم الدين، زعموا أن الطريق هي الدين، ولما نقضنا لهم هذه الدعوى تنزلوا فزعموا أن لها حبلًا واصلًا بالدين وسندًا متصلًا بالسلف، ولما بينا لهم أن الحبل مقطوع وأن السند منقطع قالوا إن هذه الطرقية مرت عليها قرون ولم ينكرها العلماء، فبينا لهم أن عدم إنكار العلماء الباطل لا يصيره حقًا، ومرور الزمن عليه لا يصيره حقًا، وقلنا لهم إذا كان سلفكم في الطرقية يعملون مثل أعمالكم فهم مبطلون مثلكم، وإذا كانوا على المنهاج الشرعي فليسوا بطرقيين، ونحن نعلم من طريق التاريخ لا من طريق الشهرة العامة أن بعض أصحاب هذه الأسماء الدائرة في عالم التصوف والطرق
(1/174)

كانوا على استقامة شرعية وعمل بالسنة ووقوف عند حدود الله. فهم صالحون بالمعنى الشرعي، ولكن الصلاح لم يأتهم من التصوف أو الطرق وإنما هو نتيجة التدين، وفي مثل هؤلاء الصالحين الشرعيين إنما نختلف في الأسماء، فنحن نسميهم صالحي المؤمنين وهم يسمونهم صوفية وأصحاب طرق، فيا ويلهم إن طريقة الإسلام واحدة، فما حاجة المسلمين إلى طرق كثيرة.
ثم ما هذا التصوف الذي لا عهد للإسلام الفطري النقيّ به؟ إننا لا نقره مظهرًا من مظاهر الدين أو مرتبة عليا من مراتبه، ولا نعترف من أسماء هذه المراتب إلّا بما في القاموس الديني: النبوة والصديقية والصحبة والاتباع ثم التقوى التي يتفاضل بها المؤمنون، ثم الولاية التي هي أثر التقوى، وإن كنا نقره فلسفة روحانية جاءتنا من غير طريق الدين ونرغمها على الخضوع للتحليل الديني.
وهل ضاقت بنا الألفاظ الدينية ذات المفهوم الواضح والدقة العجيبة في تحديد المعاني حتى نستعير من جرامقة اليونان أو جرامقة الفرس هذه اللفظة المبهمة الغامضة التي يتسع معناها لكل خير ولكل شر؟
ويمينًا، لو كان للمسلمين يوم اتسعت الفتوحات، وتكونت (المعامل) الفكرية ببغداد ديوان تفتيش في العواصم ودروب الروم ومنافذ العراق العجمي، لكانت هذه الكلمة من "المواد الأولية" المحرمة الدخول ... فقد أصبحت هذه الكلمة التي غفلوا عنها أمًّا ولودًا تلد البر والفاجر. ثم تمادى بها الزمن فأصبحت قلعة محصنة تؤوي كل فاسق وكل زنديق وكل ممخرق وكل داعر وكل ساحر وكل لص وكل أفاك أثيم. وانظر طبقات الشعراني الكبرى وما طبع على غرارها من الكتب تجد أصناف المحتمين بهذه القلعة- وهم ببركة حمايتها- طلقاء من قيود الشريعة.
وإن هذه القلعة لهي المعقل الأسمى والملاذ الأحمى لأصحابنا اليوم. فكل راقص صوفي، وكل ضارب بالطبل صوفي، وكل عابث بأحكام الله صوفي، وكل ماجن خليع صوفي، وكل مسلوب العقل صوفي، وكل آكل للدنيا بالدين صوفي، وكل ملحد في آيات الله صوفي، وهلم سحبًا.
أفيجمل بجنود الإصلاح أن يدعوا هذه القلعة تحمي الضلال وتؤويه أم يجب عليهم أن يحملوا عليها حملة. صادقة شعارهم "لا صوفية في الإسلام" حتى يدكوها دكًا وينسفوها نسفًا ويذروها خاوية على عروشها؟
إن احترام الصوامع والأديرة- لأن فيها قومًا فحصوا أرؤسهم وحبسوا نفوسهم- مشروط بما إذا لم تكن مأوى للمقاتلة، وإلا زال احترامها.
(1/175)

والحقيقة أن الطرقيين أرادوا أن يصبغوا طرقهم بالقدسية الدينية فانتحلوا لها هذه الأباطيل وأعطوها خصائص الدين كلها. ألم تر أنهم يعدون الخروج من طريقة ولو إلى طريقة أخرى كالارتداد عن الدين يموت فاعله على سوء الخاتمة قبحهم الله؟ فما هو إلّا خروج من ضلالة إما إلى هدى وإما إلى ضلالة أشنع. ولما فضحناهم من هذه النواحي كلها لجأوا إلى العامة يستصرخونها باسم الغيرة على الأوائل ... وأن كثيرًا منهم ليعني بالأوائل أباه القريب وجده. وقد كان في هؤلاء الأوائل الذين يعنونهم من ينتحل ظواهر من التدين، وفيهم من يفعل فعل الأبالسة. ونحن أدركنا كثيرًا منهم وبلونا أخبارهم فوجدنا ظواهر مموهة على بواطن مشوهة، وأكبر جرحة دينية فيهم عندي إقرارهم لتلك الأماديح الشعرية الملحونة التي كان يقولها فيهم الشعراء المتزلفون، وينشدونها بين أيديهم في محافلهم العامة، وفيها ما هو الكفر أو دونه الكفر من وصفهم بالتصرف في السموات والأرضين، وقدرتهم على الإغناء والإفقار وإدخال الجنة والإنقاذ من النار. دع عنك المبالغات التي قد تغتفر، كل ذلك وهم ساكتون، بل يعجبون لذلك ويطربون، ويثيبون المادح علمًا منهم أن ذلك المديح دعاية مثمرة تجلب الأتباع وتدر المال. ولو كانوا على شيء من الدين لما رضوا أن يسمعوا تلك الأماديح وهم يعلمون كذبها من أنفسهم، ويعلمون أن فيها تضليلًا للعامة وتغريرًا بعقائدها، وأن تلك الأماديح المنشورة بين الناس في وطننا هذا هي سر انتشار الطرقية وتغولها فيه، وقد سمعنا الكثير منها ولنا فيها وفيمن قيلت فيه فلسفة خاصة، سنفردها بالكتابة في فرصة أخرى إن شاء الله.
وبالجملة، فهذا الطراز الطرقي الذي أدركناه من آباء وأبناء يجمعهم قولك طلاب دنيا وعباد شهوات. ولو أكلوا أموال الناس بالباطل من غير أن يتخذوا الدين شباكًا لهان أمرهم على الناس ولاتّقوهم بما يتقون به اللصوص، ولوكلناهم نحن إلى القوانين والوزعة. فأما أن يعبثوا بالدين كل هذا العبث، وبما حرم الله من أعراض المسلمين وأحوالهم ثم يريدون أن نسكت عنهم كما سكت العلماء من قبلنا، فلا والله ولا كرامة.
ولعل أسخف طور مر على الطرقية في تاريخها هو هذا الطور الأخير. فقد أصبح من أحكامها أن شيخ الطريقة لا يلد إلّا شيخ طريقة. وهم- قطع الله دابرهم- لا يعرفون من السنة إلّا تناكحوا تناسلوا إلخ، فكثر نسلهم وكثرت بكثرته (مشائخ الطرق)، وأصبح أمر هذه المشيخة لا يتوقف على تربية ولا تسليك ولا إجازة، وإنما يتوقف على قاعدة "خبز الأب للابن" أو على شيء آخر وهو التولية الحكومية مثل ما نعلم عن مصر وتونس والجزائر من صدور الإرادات السنية والأوامر العلية والمراسيم الحكومية بولاية المشيخة الطرقية. فيا للسخرية ...
وأغرب من هذا أننا رأينا لأول مرة في تاريخ الطرقية شيخ الطريقة بالانتخاب عند الطائفة العليوية المجددة العصرية (المودرن).
(1/176)

إننا لا نحمل لهؤلاء المشائخ ولا لأولادهم ولا لأحفادهم حقدًا ولا نضطغن عليهم شيئًا، ولا ننفس عليهم مالًا من الأمة ابتزوه، ولا جاهًا على حسابها أحرزوه، وليس بيننا وبينهم ترات قديمة، ولا ذحول متوارثة، ولا طوائل مغرومة. وإنما هو الغضب لله ولدينه وحرماته انطقنا فقلنا، وشنناها غارة شعواء على الآباء والأبناء، ما دام هذا الغصن من تلك الشجرة، ولو كنا من الشعريات بسبيل لقلنا مع القائل:
لَا أَذُودُ الطَّيْرَ عَنْ شَجَرٍ … قَدْ بَلَوْتُ الْمُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ

أول صيحة ارتفعت بالإصلاح في العهد الأخير:
لا نزاع في أن أول صيحة ارتفعت في العالم الإسلامي بلزوم الإصلاح الديني والعلمي في الجيل السابق لجيلنا هي صيحة إمام المصلحين الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده- رضي الله عنه- وأنه أندى الأئمة المصلحين صوتًا وأبعدهم صيتًا في عالم الإصلاح. فلقد جاهر بالحقيقة المرة، وجهر بدعوة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى الرجوع إلى الدين الصحيح والتماس هديه من كتاب الله ومن سنة نبيه، وإلى تمزيق الحجب التي حجبت عنا نورهما وحالت بيننا وبين هديهما مبينًا بصوت يسمع الصم، وبلاغة تستنزل العصم، ان علة العلل في سقوط المسلمين وتأخرهم وراء الأمم، وانحطاطهم عن تلك المكانة التي كانت لهم في سالف الزمن هي بعدهم عن ذلك الهدي الروحاني الأعلى. وانه لا يرجى لهم فلاح في الدنيا ولا في الآخرة، ولا صلاح حال يستتبع صلاح المآل، ولا عزة جانب، ترد عنهم عادية الغاصبين من الأجانب، إلّا إذا راجعوا بصائرهم، واسترجعوا ذلك الهدي الذي لم يغصبه منهم غاصب، وإنما هجروه عن طوع أشبه بالكره، واختيار أشبه بالاضطرار، فباءوا بالمهانة والصغار، والضعة والخسار.
كانت تلك الصيحة الداوية من فم ذلك المصلح العظيم صاخّة لآذان المتربصين بالإسلام، ولآذان المبطلين من تجار الولاية والكرامات وعبدة الأجداث والأنصاب، ولآذان الجامدين من العلماء. وجموا لها وملكتهم غشية الذهول علمًا منهم أن أول آثارها إذا تغلغلت في النفوس هو قطع الطريق على المتربصين وهدم سلطان المبطلين الزائف، ومكانتهم الكاذبة، وجاههم الخادع، وجفاف المراعي الخصبة التي كانوا يسيمون فيها شهواتهم ولذاتهم، ونضوب المنابع الروية من المال التي كانوا يعلّون منها وينهلون.
ولقد وقفوا بعد زوال تلك الغشية صفًا واحدًا في وجه ذلك المصلح يجادلونه بالبهت، ويكايدونه بالإفك، وألبوا عليه الألسنة والأقلام، ووقفوا له بكل مرصد، ورموه بكل نقيصة. فلم ينالوا منه نيلًا إلّا قولهم إنه كافر، وهنة وهنة، وهذه هي النغمة المرددة التي كان فقهاء
(1/177)

الجيل البائد في وطننا هذا وفي غيره يرددونها مقرونة بالسب واللعن، وقد ورثها عنهم أهل هذا الجيل واشتقوا منها اشتقاقات غريبة، وهي أسلحتهم التي يقذفون بها في وجوه المصلحين كلما أعيتهم الحجة، وأعوزهم الدليل.
وكان الأستاذ الإمام أعجوبة الأعاجيب في الألمعية وبعد النظر وعمق التفكير وحدة الخاطر واستنارة البصيرة وسرعة الاستنتاج واستشفاف المخبآت، حكيم بكل ما تؤديه هذه الكلمة من معنى.
منقطع النظير في صدق الإلهام وسداد الفهم، وصدق العزيمة، وخصب القريحة واستقلال الفكر، ونصاعة الاستدلال، وتمكن الحجة.
موفور الحظ من طهارة الدخلة، والانطباع على الفضيلة، مستكمل الأدوات من فصاحة المنطق، وذلاقة اللسان، وقرطسة الفراسة، ودقة الملاحظة، وسلاسة العبارة، ومطاوعة البديهة، ورباطة الجأش، وكبر الهمة ووفرة الملكة الخطابية، وقوة العارضة في البيان، واتساع الصدر لمكاره الزمان وأهله.
حجة من حجج الله في فهم أسرار الشريعة ودقائقها وتطبيقها، وفي البصر بسنن الله في الأنفس والآفاق، وفي العلم بطبائع الاجتماع البشري وعوارضه ونقائصه.
وبالجملة، فالرجل فذ من الأفذاذ الذين لا تكونهم الدراسات وإن دقت، ولا تخرجهم المدارس وإن ترقت، وإنما تقذف بهم قدرة الله إلى هذا الوجود وتبرزهم حكمته في فترات متطاولة من الزمن على حين انتكاس الفطرة، واندراس الفضيلة وانطماس الحقيقة، فيكون وجودهم مظهرًا من مظاهر رحمة الله بعباده وحجة للكمال على النقص، وإصلاحًا شاملًا وخيرًا عميمًا.
ولو أن قول الشاعر:
هَيْهَاتَ لَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ … إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيلُ
لم يبتذله المترجمون للرجال بوضعه في غير موضعه حتى صاروا ينشدونه في حق أشخاص يتكرم الزمان علينا بمآت من مثلهم في كل جيل، لولا هذا الابتذال السخيف لهذا البيت لقلنا: إن أحق رجل بانطباقه وصحة إطلاقه عليه هو الأستاذ الإمام. فرضي الله عن الأستاذ الإمام.
حمل لواء الإصلاح بعد موت الإمام تلميذه الأكبر ووارث علومه السيد محمد رشيد رضا. وقد كان في حياة الإمام ترجمان أفكاره باعتراف الإمام، والمنافح عنه والمدافع دونه. واضطلع بعد موته بحمل أعباء الإصلاح حين نكل عن حملها أقوام، وضعف عن حملها
(1/178)

أقوام، واستقل بتسيير سفينته فكان الربان الماهر وأقام على مبادئ أستاذه وفيًا لها وله، فتمادى على إصدار التفسير على منهاج الإمام من حيث وقف الإمام، وجمع تاريخ حياة الإمام فكان أضخم عمل استقل به فرد، وليس تاريخ الأستاذ الإمام بالأمر الهين الذي يقوم به فرد، لو لم يكن ذلك الفرد (رشيدًا).
كان أكمل آثار الشيخ رشيد في حياة الإمام إنشاء مجلة المنار، وأنفس ذخر علمي اشتملت عليه هو دروس الإمام في التفسير التي هي النواة الأولى لتفسير المنار. وتلك الفتاوى الجليلة التي كان ينشرها في أمهات العقائد والأحكام على ذلك النحو العجيب من الاستقلال في الاستدلال.
ولعمري، لو أن رشيدًا قصر كما قصر غيره ولم يجمع خلاصات دروس الإمام، لأضاع على العالم الإسلامي كنزًا علميًا لا يُقوّم بمال الدنيا.
بارك الله في أوقات الأستاذ رشيد، فاستمر بعد موت الإمام على إصدار المنار واتسق أفق انتشاره في الأقطار الإسلامية وكثر قراؤه- أو تلامذته كما كان يقول رحمه الله- وأحدث، حتى في أصلبها عودًا وأشدها جمودًا، انقلابًا فكريًا في فهم الدين وصلته بالدنيا، وألف المؤلفات الكثيرة، ونشر من مؤلفات المصلحين من القدماء ما زاد به الإصلاح الحاضر تمكينًا ورسوخًا، فكانت تلك المؤلفات غذاء صالحًا للنهضة العلمية، وساهم في الإصلاح العلمي والإصلاح السياسي لقومه، وبني وطنه، وإن كانت بعض آرائه في هذا الأخير لا تخلو من الشذوذ.
وكان طول حياته بلاء مسلطًا على طاثفتين: دعاة التدجيل من المسلمين ودعاة النصرانية من المسيحيين. فلم نعرف في التاريخ من فضح الطائفتين شر فضيحة غير الأستاذ السيد رشيد.
وإن أزهر الصحائف في سجل حياته هي تلك المواقف العاتية التي كان يقفها في الدفاع عن الإسلام ونصره، ورد عوادي الكفر والضلال عنه.
وعاش ما عاش مرهوب شباة اللسان مرهوب شباة القلم، إلى أن لحق بربه راضيًا مرضيًا في هذا العام. فشعر العالم الإسلامي بأن خسارته فيه لا تعوض.
وان من واجب الوفاء والاعتراف بالفضل لأهله، أن نجري ذكره بما يتسع له المقام في هذه النشرة الإصلاحية التي تمت إلى أعماله ومبادئه بالنسب العريق، وتتصل إلى علومه ومعارفه الواسعة بالسبب الوثيق. وقد فعلنا. ولكن أين تقع هذه الجمل مما يوجبه الوفاء لرجل، هو في بناء الاصلاح الركن والدعامة، وفي هيكل الإصلاح الرأس والهامة؟ وعسى أن تساعد الأقدار فنوفيه بعض حقه.
(1/179)

لقيته- رحمه الله- ببلدة دمشق على أثر انتهاء الحرب العظمى وقد جاءها ليتصل بالهيئات العاملة لخير العرب، وليزور أهله في القلمون من لبنان الشمالية.
ونزل ضيفًا على صديقنا العالم السلفي الشيخ بهجت البيطار. وبيت آل البيطار في دمشق هو مبعث الإصلاح ومطلعه. ولعميدهم الشيخ عبد الرزاق البيطار ورفيقه الشيخ جمال الدين القاسمي صداقة باذخة الذرى، وصلة وثيقة العرى بالأستاذ الإمام، تجمع الثلاثة وحدة الفكرة والرأي والسلفية الحقة والاستقلال في العلم. والبيطار والقاسمي عالمان جليلان لم أدركهما حين دخلت دمشق. ولكني قرأت من آثارهما في الكتب التي كتباها، ورأيت من آثارهما في النفوس التي ربياها، ما شهد لي أنهما ليسا من ذلك الطراز المتعمم الذي أدركناه بدمشق، ولثانيهما آثار مطبوعة هي دون قدره، وفوق قدر علماء مصره.
كنا نذهب ليلًا إلى دار صديقنا البيطار للسمر مع الشيخ رشيد. ورفيقي إذ ذاك الأستاذ الشيخ الخضر بن الحسين، المدرس الآن في الأزهر. وأشهد أنها كانت ليالي ممتعة يغمرنا فيها الأستاذ رشيد بفيض من كلامه العذب في شؤون مختلفة. وإن أنس فلا أنس إحسانه في التنقل ولطف تحيله في الخروج بنا من معنى آية إلى شأن من شؤون المسلمين العامة.
وكان في الليالي التي اجتمعنا به فيها يستولي على المجلس ويملك عنان القول، فلا يدع لغيره فرصة للكلام إلّا أن يكون سؤال سائل، مع اشتمال المجلس على طائفة عظيمة من أهل الأفكار المستقلة والألسنة المستدلة. وأخبرني عارفوه أن تلك عادته، فإن كان ما قالوه حقًا فهي غميزة في فضله وأدبه.
وبمناسبة لقائي للشيخ رشيد، فأنا ذاكر قصة لها تعلق به، وهي تنطوي على ضروب من العبر وتكشف عما يضمره العلماء الجامدون للعلماء المصلحين من كيد وسوء نية، وما يصمونهم به من عظائم، مما لا يصدر من مسلم عامي فضلًا عن العالم. وإنني أذكر القصة، بدون تعليق.
صادف قدوم الشيخ رشيد إلى الشام عزمي على الرجوع إلى الجزائر، وخرج الشيخ رشيد إلى القلمون فخرجت بعده إلى بيروت في وجهتي إلى المغرب. وكان من رفاقي في هذه الوجهة الأستاذ محمد المكي بن الحسين شقيق الشيخ الخضر المتقدم. فاجتمعنا ذات صباح بالشيخ يوسف النبهاني الخرافي المشهور في دكان أحد التجار، وكان النبهاني سمع بي فجاء مسلمًا قاضيًا لحق الجوار بالمدينة المنورة، إذ كنا قد تعارفنها فيها، فإنا لكذلك إذ مر بنا الشيخ رشيد ولم يرنا ولم نره. وما راعني إلّا النبهاني يلفت رفيقي ويسأله: أتعرف هذا؟ فأجابه: وكيف لا؟ هذا الشيخ رضا. فما كان من النبهاني إلّا أن قال: هذا أضر على الاسلام من ألف كافر، فكان امتعاض قطعت نتائجه سرعة الانفضاض.
(1/180)

نشوء الحركة الإصلاحية في الجزائر:
لا يطلق- في هذا المقام- لفظ حركة في العرف العصري العام إلّا على كل مبدإ تعتنقه جماعة وتتساند لنصرته ونشره والدعاية والعمل له عن عقيدة، وتهيئ له نظامًا محددًا وخطة مرسومة وغاية مقصودة، وبهذا الاعتبار، فإن الحركة الإصلاحية لم تنشأ في الجزائر إلّا بعد الحرب العالمية.
والتأثير الأكبر في تكوينها على هذه الصورة يرجع في الحقيقة إلى سنة الادالة الكونية التي اقتضاها تدبير الاجتماع، ويرجع في الظاهر- فيما نرى- إلى العوامل الآتية:

الأول: نوازع جزئية محدودة أحدثتها في النفوس المستعدة الأحاديث المتناقلة في الأوساط العلمية عن الامام عبده، ولو من خصومه الممعنين في التشنيع عليه وسبه ولعنه- وما أكثرهم بهذا الوطن! فكانت تلك الأحاديث تفعل فعلها في النفوس المتبرمة من الحاضر والمستشرفة إلى تبدله بما هو خير، وتكيفها تكييفًا جديدًا وتغريها أولًا بالبحث عن منشإ هذه الخصومة العنيفة لهذا الرجل. فإذا علمت أن منشأ ذلك دعوته إلى القرآن، أو ادعاؤها الاجتهاد، كما كانوا يقولون قرب هذا الاسم منها، فأحبته ولجت في الانتصار له، وإن لم تتبين مشربه كل التبيّن.
ويضاف إلى هذا العامل قراءة "المنار" على قلة قرائه في ذلك العهد، واطلاع بعض الناس على كتب المصلحين القيمة، ككتب ابن تيمية وابن القيم والشوكاني.
فهذا عامل له أثره في التمهيد للدعوة الإصلاحية.

الثاني: الثورة التعليمية التي أحدثها الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس بدروسه الحية والتربية الصحيحة التي كان يأخذ بها تلاميذه، والتعاليم الحقة التي كان يبثها في نفوسهم الطاهرة النقية، والإعداد البعيد المدى الذي كان يغذي به أرواحهم الوثابة الفتية. فما كادت تنقضي مدة حتى كان الفوج الأول من تلاميذ ابن باديس مستكمل الأدوات من فكر صحيحة وعقول نيرة ونفوس طامحة، وعزائم صادقة، وألسن صقيلة، وأقلام كاتبة. وتلك الكتائب الأولى من تلاميذ ابن باديس هي طلائع العهد الجديد الزاهر، وقد سمع الناس لأول مرة في الجزائر من بعض تلك البلابل شعرًا يؤدي معنى الشعر كاملًا، وقرأوا كتابة تؤدي معنى الكتابة.
ثم زحفت من أولئك التلاميذ في ذلك العهد أيضًا كتيبة جرارة، سلاحها الفكرة الحية الصحيحة، إلى جامع الزيتونة لتكمل معلوماتها ولتبني على تلك الفكرة الحية وعلى ذلك الأساس العلمي الصحيح، بناء علميًا محكمًا. ورجعت تلك الطائفة إلى الجزائر، فكان من مجموعها وممن تخرج بعدها من تلاميذ الأستاذ، ومن تلاميذ جامع الزيتونة، جنود الإصلاح اليوم وقادته وألويته المرفرفة، وأسلحته النافذة.
(1/181)

الثالث: التطور الفكري الفجائي الذي خرج به الجمهور من ثمرات الحرب العظمى. ومن آثار ذلك التطور انحطاط قيمة المقدسات الوهمية في نظر كثير من الناس. ومما أعان على نمو هذا الأثر في النفوس تطور زعماء التخريف وأساطين التدجيل بالانكباب على المال، والتكالب في جمعه والانهماك في الملذات ومزاحمة العامة في الوظائف والنياشين (3)، بعد أن كانوا وكان سلفهم القريب يتظاهرون بالبعد عن هذه المواقف، ويتنصلون من النياشين إذا عرضت لهم، ويكثرون في مجالسهم من مثل هذه الجملة (لا شيعة إلّا شيعة ربي) (4) إغراقًا منهم في التلبيس على العامة، واستبقاء لطاعتها وتجنبًا لنفورها. ولكن الحرب العظى فضحتهم بآثارها وأطوارها.

الرابع: عودة فئة من أبناء الجزائر البررة المخلصين من الحجاز مهد الإسلام الأول ومنبت الدعوة إلى الحق ومبعث الإصلاح الإنساني العام، بعد أن تلقوا العلم هناك بفكرة إصلاحية ناضجة مختمرة.
وإن هذه الفئة التي رجعت من الحجاز بالهدي المحمدي الكامل قد تأثرت بالإصلاح تأثرًا خاصًا مستمدًا قوته وحرارته من كلام الله وسنة رسوله مباشرة، ولم تكن قط متأثرة بحال غالبة في الحجاز إذ لم يكن للإصلاح في ذلك الوقت شأن يذكر في الحجاز إلّا في مجالس محدودة وعند علماء محدودين.
ولو شاء ربك لرمى الجزائر بقافلة من الحجاز مضللة تتخذ من حرمة الجوار شركًا جديدًا، وتجعل منه غلًا في الأعناق شديدًا، كما رماها بطائفة من الأزهريين الجامدين فزادوها قرحًا على قرح وكانوا ضغثًا على إبالة، ولكن ربك أرحم من أن يكثر عداد أولادها العاقين فيزيدها بذلك ويلًا على ويل وترابًا على سيل.
بهذا العامل الرابع تلاحق المدد وتكامل العدد، وانفسح للإصلاح الأمد، واتضح منه الصدد، والنهج اللاحب الجدد.
وهناك رجال ظهروا بفكرة إصلاحية محدودة، ولكنها على كل حال محمودة ... وذلك قبل أن يظهر الإصلاح (التعاوني) ويزخر عبابه وتتسق أسبابه، فقاوموا البدع في دوائر ضيقة وكان لهم في القضاء على بعضها مساع موفقة، ولهم في ذلك نيتهم وقصدهم، ولو كنا في مقام المؤرخ المتقصي، لقمنا بما يوجبه الإنصاف في حقهم، فخير ما طبع عليه امرؤ الانصاف، ولكنها نظرات عجلى نريد من ورائها ارتباط الكليات فحسب.
__________
3) الأوْسِمة، مفردها نِيشَان.
4) الشِّيعَة هي الوِسام. ومعناها: لا وِسَام إلا وسام الله.
(1/182)

الخطوة الأولى:
كان معقولًا جدًا أن الإصلاح الديني لا يطمئن به المضجع في هذه الديار ولا ترسخ جذوره إلّا إذا مهدت له الأرض ونقيت، ولا بد بعد وجود المقتضيات من إزالة الموانع، وموانع الإصلاح بهذه الديار وعوائقه هي طائفة أو طوائف تختلف اسمًا وصفة، وتتحد رسمًا وغاية، والمصلحون إذ ذاك يلتقون على فكرة ولا يلتقون على نظام ولا في جمعية، لأن جمعية العلماء لم تؤسس بعد.
فكانت الأوساط الإصلاحية في ذلك العهد يتجاذبها رأيان يلتقيان في المقصد وبختلفان في المظهر العملي للإصلاح وكيف يكون؟
أحدهما، صرف القوّة كلها وتوجيه جهود متضافرة إلى التعليم المثمر، وتكوين طائفة جديدة منسجمة التعليم مطبوعة بالطابع الإصلاحي علمًا وعملًا، مسلحة بالأدلة، مدربة على أساليب الدعوة الإسلامية والخطابة العربية، حتى إذا كثر سواد هذه الطائفة وكان منها الخطيب ومنها الكاتب ومنها الشاعر ومنها الواعظ ومنها الداعي المتجول، استخدمت في الحملة على الباطل والبدع على ثقة بالفوز.
وهذا رأي له قيمته وخطره، وكان كَاتِبُ هذه الأسطر من أصحاب هذه الفكرة في ذلك الوقت.

والرأي الثاني أخذ المبطلين مغافصة والهجوم عليهم وهم غارّون، واسماع العامة المغرورة صوت الحق فصيحًا غير مجمجم، ويرتكز هذا الرأي على أن هذه البدع والمنكرات التي يريد الإصلاح أن يكون حربًا عليها هي أمور قد طال عليها الأمد، وشاب عليها الوالد، وشبَّ عليها الولد وهي بعد شديدة الاتصال بمصالح ألفها الرؤساء حتى اعتبروها حقوقًا لهم، وأنس بها العامة حتى اعتقدوها فروضًا عليهم، فلا مطمع في زوالها إلّا بصيحة مخيفة، تزلزل أركانها، ورجة عنيفة تصدع بنيانها واعصار شديد يكشف الستر عن هذا الشيء الملفف، والسر الذي يأبى أن يتكشف، ليتبينه الناس على حقيقته، وأقل ما يكون من التأثير لهذا العمل أن تضعف هيبته في نفوسهم وتضؤل رهبته في صدورهم، وهنالك يسهل العمل في نقضه، وتخف المئونة في هدمه.
وهذا رأي له خطره وقيمته كذلك؛ فإن هذه الأسماء (مرابط وشيخ طريق وما شاكلهما) التي أصبح الناس الآن يتقززونها وينددون بها جهارًا قد كانت محاطة في ذلك الوقت بسور من الإجلال والقدسية، وهذه الأباطيل التي صارت بغيضة إلى كل نفس ملعونة بكل لسان، قد كانت في ذلك العهد ترتكب بين قلوب من العامة واجفة، وألسنة راجفة، خوفًا من أن يخطر الانكار بالبال فيحل الوبال.
(1/183)

وعليه فالشدة أحزم.
وقد رجح الرأي الثاني لمقتضيات لله من ورائها حكمة، فأنشئت جريدة "المنتقد" بقسنطينة لهذا الغرض، وكان اسمها نذيرًا بالشر لأهل الضلال فإنه مُتَحَدِّ لما نهوا عنه، وهاتك لحرمة ما شرعوه في كلمتهم التي حذروا بها العامة وهي قولهم: "اعتقد ولا تنتقد". وانبرت للكتابة في "المنتقد" أقلام كانت ترسل شواظًا من نار على الباطل والمبطلين، ثم عطل المنتقد فخلفه الشهاب (الجريدة) ثم أسست جريدة الإصلاح ببسكرة فكان اسمها أخف وقعًا وإن كانت مقالاتها أسد مرمى وأشد لذعًا، وأسماء الجرائد كأسماء الأناسي يظن الناس أنها وليدة الاختيار المقتضب والشعور الطافر، وغلطوا ... إنما هي وليدة شعور متمكن وتأثر نفساني عميق تزجيه مؤثرات قارة، وليس هذا محل التفصيل لهذا المبحث الطويل.
ثم تطور الشهاب الأسبوعي فأصبح مجلة شهرية استلمت قيادة الحركة من أول يوم وورثت الأقلام التي كانت تكتب في الجرائد قبلها، ولم تهن لمجلة الشهاب في حرب الباطل وأهله عزيمة ولم تفل لها شباة. وكم لها من مواقف شريفة في خدمة الحركة الإصلاحية، وكم لها على النهضة العلمية والأدبية من أياد! وها هي ذي لم تزل ثابتة القدم واضحة النهج مرفوعة الرأس، ولو اتسع وقت الأستاذ مؤسسها لكتابة مباحث التفسير بصورة منظمة ومع توسع في طريقته البديعة، لكانت خير خلف للمنار. ولو أعطاها حملة الأقلام العالية ما يجب لها من حق لاتسع نطاقها، وكثرت أوراقها، ولو قام أغنياؤنا بما لها عليهم من واجب لشبت عن الطوق الذي هي فيه.
ولكن داءنا هو التقصير في الواجب.
قآه من التقصير في الواجب.
وإلى جنب هذه الحركة القلمية كانت حركة أخرى تسايرها وتؤازرها وتغذيها وهي حركة التعليم التي انتشرت بالمراكز المهمة من عمالة قسنطينة. فدروس العلم كانت تجتذب أفواجًا من الشباب، ودروس الوعظ والإرشاد كانت تجتذب الجماهير إلى حظيرة الإصلاح وتحدث كل يوم ثغرة في صفوف الضلال، وقد تلاقت الحركتان على أمر قد قدر، فكان هذا الأمر هو تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

جمعية العلماء فكرة
زارني الأخ الأستاذ عبد الحميد بن باديس- وأنا بمدينة سطيف أقوم بعمل علمي- زيارة مستعجلة في سنة أربع وعشرين ميلادية فيما أذكر. وأخبرني بموجب الزيارة في أول جلسة، وهو أنه عقد العزم على تأسيس جمعية باسم (الإِخاء العلمي) يكون مركزها العام
(1/184)

بمدينة قسنطينة العاصمة العلمية. وتكون خاصة بعمالتها، تجمع شمل العلماء والطلبة وتوحد جهودهم، وتقارب بين مناحيهم في التعليم والتفكير وتكون صلة تعارف بينهم، ومزيلة لأسباب التناكر والجفاء، وذهب يقص عليَّ من فوائدها ما لم أنكره ذوقًا وإحساسًا وإن كنت استبعدته عملًا وواقعًا لاعتبارات ذهبت بذهاب وقتها، ولم أكاشف الأخ الأستاذ بها خشية أن أثبطه- وما التثبيط من شيمي- ولم يزل كلامه يقنعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أخي، وتنازعنا الحديث في منافع هذه الجمعية، فتكشفت لنا عن فوائد لا تحصى، وأذكر أني عددت من فوائدها إيقاف الطلبة عند حدودهم ودرجات تحصيلهم حتى لا يَغُرّوا ولا يغتروا إلخ.
وفي تلك الجلسة عهد إلي الأخ الأستاذ أن أضع قانونها الأساسي فوضعته في ليلة وقرأته عليه في صباحها، فاغتبط به أيما اغتباط وودعني راجعًا إلى قسنطينة بعد أن اتفقنا بديًّا على أعضاء الإدارة وأن يكونوا كلهم من مدينة قسنطينة، وعلى تذليل عقبات يتوقف على تذليلها نجاح المشروع وعلى ترجمة القانون الأساسي وتقديمه للحكومة ثم دعوة العلماء إلى الاجتماع.
ولما وصل إلى قسنطينة وعرض الفكرة على الجماعة الذين يجب تكوين المجلس منهم أيدوا الفكرة وقرروا القانون بعد تعديل قليل، ثم حدثت حوادث عطلت المشروع، وأخبرني الأستاذ باديس بذلك فلم أستغرب لعلمي أن استعدادنا لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد، وأن عملًا عظيمًا كهذا لا يثبت على الفكرة الطائرة والخطرة العارضة، ولا يتم في الخارج إلّا بعد استقراره في الأذهان، ولا بد له من زمن واسع حتى يختمر وتأنس إليه نفوس ألفت التفرق حتى نكرت الاجتماع. فسكتنا وتركنا الزمان يفعل فعله، فماذا كان؟

جمعية العلماء عقيدة:
من الأعمال ما يكون الفشل فيه أجدى من النجاح، وهذا هو ما شهدناه في تأسيس جمعية الإخاء العلمي. فقد فشلنا في تأسيسها ظاهرًا وفيما يبدو للناس، ولكن تلك المحاولات لم تذهب بلا أثر في المجتمعات العلمية الجزائرية حتى كان من نتائجها بعد أعوام جمعية العلماء المسلمين.
إن ذلك الاسم اللطيف الذي وضعه الأستاذ باديس للجمعية وهو "الإخاء العلمي" طار على الأفواه وتطاير عن الأقلام، ورددته مجالس التعليم ومحافل الأدب، ثم تخطاها إلى نوادي السمر، وكان لطفه داعيًا لانجذاب القلوب واستهواء الأفئدة، فنبه الغافل وأيقظ النائم، وحث الخامل وقوى العزائم، وأشعر أهل العلم أن العلم رحم، وأنها مجفوة بينهم
(1/185)

فيجب أن توصل، وأشعر العامة أن قوتها من قوة علمائها، وأن قوّة العلماء لا تتحقق إلا بتآخيهم على العلم واجتماعهم على العمل.
وإننا نعرف لأخينا الأستاذ باديس ذوقًا دقيقًا في وضع الأسماء وصوغ العناوين، وإنه يكاد يكون ملهمًا في هذا الباب، ونعرف أنه اكتسب ذلك من أسلوبه التدريسي المبني على التحديد والإحاطة والدقة.
ولقد كان من المعقول- والحرب مشبوبة بين المصلحين والطرقيين- أن يكون اسم الجمعية (الإصلاح الديني) ولكن المصلحين- وهم أول من فكر في مشروع جمعية العلماء وزعيمهم هو أول من وضع ذلك الاسم- لم يكونوا يقصدون من هذه الجمعية، من يوم تصوروها فكرة إلى يوم أبرزوها حقيقة واقعة، إلّا غرضًا واحدًا وهو جمع القوى الموزعة من العلماء على اختلاف حظوظهم في العلم، لتتعاون على خدمة الدين الإسلامي واللغة العربية والنهوض بالأمة الجزائرية من طريقهما، ولو كان عند المصلحين شيء من سوء القصد الذي يرميهم به خصومهم لظهر أثره في تسمية الجمعية أولًا باسم الإخاء العلمي وثانيًا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والاسم هو العنوان المتضمن لكل ما وراءه من معان.
طاف طائف هذا الاسم اللطيف "جمعية الإخاء العلمي" بالآذان واستقر بعدها في الأذهان، وكل كلمة من كلماته الثلاث محببة إلى النفوس جميلة الموقع منها، فالاجتماع أمنية كل عاقل، والتآخي طلبة كل مخلص، والعلم نشيدة كل حي، فكيف إذا اجتمع العلم والتآخي فيه والاجتماع على استثماره؟ ولكن أنّى للأمة الجزائرية باجتماع العلماء وتآخيهم في العلم، وإن الطائفة التي يطلق عليها هذا الاسم حقيقة أو ادعاء بهذا القطر هي طائفة متنافرة متنابذة، كأن من كمال العلم عند بعضها أن يبغض العالم العالم، وبجفو العالم العالم، شنشنة مُعْظَم الشر فيها آت من الزوايا الطرقية التي تعلم فيها أولئك العلماء أو علَّموا فيها، والكثرة الغالبة في علماء الجزائر قبل اليوم تعلمت بالزوايا أو علمت العلم في الزوايا، فمن الزوايا المبدأ وإليها المصير. وزوايا الطرق في باب العلم كمدارس الحكومات هذه معامل لتخريج الموظفين، وتلك معامل لتخريج المسبحين بحمد الزوايا والمقدسين. أما العلم وحقيقته وصراحته وحريته فلا رائحة لها في هذه ولا في تلك، وسنفصل القول في هذه المسألة- التعلم بالزوايا وآثاره في نفوس المتعلمين- في فصل آخر فإن لهذه المسألة بابًا واسعًا في تاريخ الجزائر العلمي، ونعود لموضوعنا. إن الرجاء كان ضعيفًا في تحقق أمنية اجتماع العلماء من تلقاء أنفسهم إذا لم يدفعهم دافع قوي من استعداد الأمة، وقد وجد هذا الاستعداد.
فقد دب في الأمة الجزائرية دبيب الحياة وقوّى فيها الشعور بسوء الحال التي هي عليها، والشعور بالفساد هو أول مراحل الإصلاح، وتجلى هذا الشعور بالعمل في عدة نواح
(1/186)

من حياتها العامة: فتجلى في الناحية الاقتصادية بالدخول في ميادين الكسب التي كانت وقفًا على غير المسلم الجزائري، وتجلى في الناحية الأدبية بتأسيس النوادي والجمعيات المختلفة، وتجلّى في الناحية العلمية بالإقبال على القراءة والتعلم باللغتين العربية والفرنسية وبالبذل على العلم والتغرب في سبيله، وتجلّى في الناحية الدينية بتشييد المساجد في القرى والانفاق عليها من مال الأمة الخالص، وتجلّى في الناحية النفسية بالتفكير الجدّي المستقيم. ومن مظاهره الاعتماد على النفس في الأعمال التي ذكرنا والإيمان بجود شيء اسمه الأمة، بعد أن كانت هذه الأمة تعتمد في دنياها على الحكومة، وفي آخرتها على "المرابطين" (5) وشيوخ الطرق وتشعر أنها ذائبة في هاتين القوتين. ومن الحق أن نقول إن شعور الأمة الجزائرية وإن ظهرت آثاره في جهات حياتها المختلفة ولكنه يبدأ فوّارًا حارًّا بصفة خصوصية في جهتي الدين واللسان العربي، وهما الجهتان اللتان عرفت الأمة الجزائرية بالتمسك بهما والغيرة عليهما. ومن الحق أيضًا أن نقول إن أكثر الفضل في تنبيه ذلك الشعور في الأمة يرجع إلى ما كان يبثه رجال الإصلاح الديني فرادى بين الأمة، فلم يمض إلّا قليل من الزمن حتى غمر الأمة شعور عام بلزوم إصلاح عام يشمل الدين والعلم والاجتماع، ورأت نهج الإصلاح في هذه المقومات الثلاثة واضحًا. فكانت دواعيه أسبق وأسبابه أوثق، وأصبحت فكرة تأسيس جمعية من علماء الأمة لتشرف على هذا الإصلاح، وتتولى تخطيط مناهجه عقيدة راسخة مستولية على عقول العوام والخواص، وأصبحت بواعث تأسيسها صادرة من الأمة لا من العلماء وحدهم، فانقاد الجميع أمة وعلماء إلى تأسيس هذا المشروع العظيم بما يشبه الاضطرار، وتَمَّ ذلك بكل سهولة وبدون كلفة.

جمعية العلماء حقيقة واقعة:
رأيت الآن أن السر في تأسيس جمعية العلماء بتلك السهولة وبتلك المحاولة الهينة هو استعداد الأمة لظهور هذا المشروع العظيم فيها. فانقادت إليه بشعرة، وانجرت إلى بناء صرحه بنملة، وعلمت مما أجملناه لك من مراحل هذا المشروع أن الشعور به كان من نصيب طبقات مخصوصة وهم المتأثرون بالإصلاح، وفي ناحية محدودة من القطر وهي إقليم قسنطينة، ثم تغلغل في الأقاليم الثلاثة في بضعة أعوام وتحوّل التفكير في مكان التأسيس من قسنطينة التي هي الجناح إلى الجزائر التي هي القلب، ومعنى هذا كله أن الأمة الجزائرية استيقنت سفه الأيدي التي كانت تقودها باسم الدين فصممت على التفلت منها وإلقاء المقادة إلى أيدي العلماء لتبتدئ السير في نهضتها على هدى وبصيرة، فقالت للعلماء اجتمعوا فاجتمعوا.
__________
5) لا يقصد بها المرابطون المعروفون في تاريخ المغرب الإسلامي، ولكنها مرادف للطرقيين.
(1/187)

لم يكن تأسيس جمعية العلماء المسلمين خفيف الوقع على الجماعات التي ألفت استغلال جهل الأمة وسذاجتها وعاشت على موتها، ولكن التيار كان جارفًا لا يقوم له شيء، فما كان من تلك الجماعات إلّا أن سايرت الجمعية في الظاهر وأسرت لها الكيد في الباطن، وكان المجلس الإداري الذي تألف بالاختيار في السنة الأولى غير منقح ولا منسجم لمكان العجلة والتسامح، فكان من بين أعضائه أولو بقية يخضعون للزوايا وأصحابها رغبًا ورهبًا، وكان وجودهم في مجلس الإدارة مسليًا لشيوخ الطرق ومخففًا من تشاؤمهم بالجمعية لسهولة استخدامهم لهم عند الحاجة، فإما أن يتخذوهم أدوات لإفساد الجمعية وإسقاطها، وإما أن يتذرعوا بهم لتصريفها في مصالحهم وأهوائهم.
أما المصلحون فقد صرحوا من أول يوم بأنهم سائرون بهذه الجمعية على مبدإ الذي كانوا سائرين عليه من قبلها، ومنه محاربة البدع والخرافات والأباطيل والضلالات ومقاومة الشر من أي ناحية جاء.
وانقضت السنة الأولى في التنظيم والتنسيق وبدأت الأعمال تظهر مراتب الرجال، فاضطلع المصلحون وحدهم بالأعمال التمهيدية- وما هي بالحمل الخفيف- ولما جاء أجل الانتخاب للدورة الثانية هجم العليويون ومن شايعهم على ضلالهم تلك الهجمة الفاشلة بعد مكائد دبروها، وغايتهم استخلاص الجمعية من أيدي المصلحين، وجعلها طرقية عليوية واستخدامهم هذا الاسم الجليل في مقاصدهم الخاطئة كما هي عادتهم في إِلباس باطلهم لباس الحق، ووقف المصلحون لتلك الهجمة وقفة حازمة أنقذت الجمعية من السقوط ومحصتها من كل مذبذب الرأي مضطرب المبدإ، وتألف المجلس الإداري من زعماء الإصلاح وصفوة أنصاره، ورأى الناس عجيب صنع الله في نصر الحق على الباطل.
لم يقف العليويون وأذنابهم عند حدّ ذلك الهجوم الذي كان أوله كيدًا وآخره فضيحة، بل أجمعوا أمرهم وشركاءهم وقرروا في اجتماع تولى كبره رئيسهم الأكبر أحمد بن عليوه محاربة جمعية العلماء بكل وسيلة وبكل قوّة. وتقاسموا على ارتكاب ما يحل وما يحرم في هذا السبيل، وانفتقت لهم الحيلة بإرشاد بعض أذناب الإدارة على تأسيس جمعية طرقية في معناها وحقيقتها، حلولية في باطن باطنها، علمية في ظاهرها وما يراه الناس منها ليوهموا العامة أنهم يحاربون العلم بالعلم، لا العلم بالجهل، فبثوا في الزوايا وعبيدها دعوة جامعة إلى تكوين هذه الجمعية التي وصفوها بأنها جبهة قوية تقف في وجه الإصلاح وتنازل جمعيته وجهًا لوجه ودارًا لدار بعد أن لم يبق أمل في إسقاطها بالحيلة، أو الاستيلاء عليها بالمكر.
وكان من هذا كله أن تأسست جمعية علماء السنّة من علماء مأجورين، وطلبة مدحورين، من كل من في عنقه للزوايا مِنَّةُ الخبز، ولها عليه فضل التعليم الأشل، وله فيها
(1/188)

رجاء العبد في سيده، من تلك الطائفة التي لا ترعى للعلم حرمة، ولا تشعر له في نفوسها بعزة ولا كرامة، وقد اجتمعوا كلهم على النداء من كل صوب كضوال الإبل، وحشروا في غمرة من الذهول أوهمتهم أنهم سيصبحون بفضل سادتهم مشائخ الطرق، وبجاه موالاتهم للحكومة (6) موظفين (مُنَيْشَنِين) (7).
دخل الجميع- لأول مرة في تاريخ حياتهم- جمعية لا يدرون بمن تدار ولا كيف تدار، وسمعوا لأول مرة كلمات: النظام، والاشتراك، والمواد، واللجان، وسمعوا خطبًا مأجورة لا فرق عندهم بينها وبين عزائم الجان، ثم تقاضتهم الجمعية ما لا عهد لهم به ولا ألفته نفوسهم وهو المال- الاشتراك- التبرع- الاعانة، فقالوا في أنفسهم إن هذا لشيء لم نخلق له، ان هذا لشيء يراد، ان آباءنا عودونا أن نأخذ ولا نعطي، ان زوايانا "قائمة" فما معنى هذه الزاوية "المنفرجة" التي اسمها جمعية علماء السنة، ان نكاية الإصلاح فينا لأهون علينا مما تدعوننا إليه.
اصطدمت هذه الجمعية المفروضة على الدهر بأسباب التفرق الجوهرية في أول يوم، وأراد حاو تلميذ أن يلاعب أساتِذَتَه الحواة، فكان الضحية وحده.
ثم خرج مجلس هذه الجمعية بمواكبه إلى الأمة يسألها المال والتأييد، فقابلته بما يستحق من طرد ومقت، ولم يمض إلّا قليل حتى حلّ الله ما عقدوا، وتَبَّرَ ما شيدوا، ورأى الناس عبرة العبر في انهيار الباطل وانخذال أهله، وعدوها من عجائب صنع الله لجمعية العلماء المسلمين، وقرأوا قوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.

موقف جمعية العلماء المسلمين من الطرق:
مبدأ جمعية العلماء المسلمين هو الإصلاح الديني بأوسع معانيه، الذي كان يعمل له المصلحون فرادى، وإنما كانوا مسيرين بفكرة لا تستند على نظام فأصبحوا مسيرين بتلك الفكرة نفسها مستندة على نظام مقرر، وبرنامج محرر.
وقد كان حال المصلحين مع الطرق ما علمه القارئ من الفصول السابقة، فلما تأسست جمعية العلماء لم يزيدوا على تلك الحال ولم ينقصوا منها، لأن هؤلاء المصلحين لا يعملون - مسالمين ومحاربين- إلّا عن إيمان وعقيدة، وعقيدتهم في الطرق هي أنها علة العلل في الافساد ومنبع الشرور، وأن كل ما هو متفش في الأمة من ابتداع في الدين، وضلال في
__________
6) معناها الولاية الفرنسية العامة.
7) من (النيشان) وهو الوسام، أي مُوَسَّمِين .. حاملى الأَوْسِمة.
(1/189)

العقيدة، وجهل بكل شيء، وغفلة عن الحياة، والحاد في الناشئة، فمنشؤه من الطرق، ومرجعه إليها كما علمت بعض ذلك من فصل آثار الطرق السيئة وستعلم بعضه.
فلا يجهلن جاهل، ولا يقولن قائل: ان المصلحين شغلوا أوقاتهم بالطرق واستنفدوا قوتهم في مقاومتها حتى ألهتهم عن كل شيء، وربما كان فيما شغلوا عنه ما هو أحق بالاهتمام مما شغلوا به، وهذه نقطة يجب إيضاحها دفعًا للأوهام.
اننا علمنا حق العلم، بعد التروي والتثبت ودراسة أحوال الأمة ومناشئ أمراضها، ان هذه الطرق المبتدعة في الإسلام هي سبب تفرق المسلمين، لا يستطيع عاقل سلم منها ولم يبتل بأوهامها أن يكابر في هذا أو يدفعه، وعلمنا أنها هي السبب الأكبر في ضلالهم في الدين والدنيا، ونعلم أن آثارها تختلف في القوّة والضعف اختلافًا يسيرًا باختلاف الأقطار، ونعلم أنها أظهر آثارًا وأعراضًا وأشنع صورًا ومظاهر في هذا القطر الجزائري والأقطار المرتبطة به ارتباط الجوار القريب منها في غيره، لأنها في هذه الأقطار فروع بعضها من بعض، ونعلم أننا حين نقاومها نقاوم كل شر، وأننا حين نقضي عليها- ان شاء الله- نقضي على كل باطل ومنكر وضلال، ونعلم زيادة على ذلك أنه لا يتم في الأمة الجزائرية إصلاح في أي فرع من فروع الحياة مع وجود هذه الطرقية المشئومة، ومع ما لها من سلطان على الأرواح والأبدان، ومع ما فيها من افساد للعقول وقتل للمواهب.
ان كاتب هذه الأسطر قدر له أن يقيم في الحجاز سنوات عديدة في العهد العثماني، والحجاز معرض الأمم الإسلامية، فرأى أن هذه الطرق لم تسلم منها بقعة من بقاع الإسلام، ورأى أنها تختلف في التعاليم والرسوم والمظاهر كثيرًا، ولا تختلف في الآثار النفسية إلّا قليلًا، وتجتمع كلها في نقطة واحدة وهي التخدير والإلهاء عن الدين والدنيا.
ولقد- والله- كنت أرى المسلمين المختلفي الأقطار والأجناس واللغات يجتمعون في حرم رسول الله وفي مهبط الوحي الجامع، فلا أجد بينهم ذلك الأنس الذي كان يجده المسلم حين يلتقي بالمسلم، ولا أقرأ في وجوههم تلك البشاشة التي كانت تسابق الألسنة إلى التحية، فلا أعلِّل تلك الظاهرة الجافية بتباعد الديار، إذ لو كان الشعور بالأخوة صادقًا صحيحًا لكان بعد الدار أدعى إلى الشوق والحنين في الغيب، وإلى كرم اللقاء وبشاشة الوجه في المشهد، ولا أعلله باختلاف اللغات لأن النفوس والوجوه والأسارير لا تحتاج إلى ترجمان. ولكني كنت أعلل هذا اللقاء العابس بما أحدثته فينا المفرقات الروحية- وهي الطرق والمذاهب- من تنافر عَظُمَ على الزمان حتى جعل الإخوة أعداء.
وكم كنت أمتعض حين أرى الحنفي لا يصلي خلف الشافعي، والشافعي لا يصلي خلف المالكي! بل كنت أمتعض لتعدد الأئمة من أصله، ولتعدد الحلق الطرقية التي لا
(1/190)

تجمع الناس لمدارسة علم، وإنما تجمعهم لتحكيم وهم، وأقول في نفسي إذا لم تجتمع قلوبنا في حرم رسول الله على دين الله، فهل ينفعنا اجتماع الأبدان؟
ونعود إلى موضوعنا فنقول: إن جمعية العلماء لم تنفق أوقاتها كلها ولم توجه قواتها بأجمعها إلى هذه الجهة فقط كما يتوهم بعض الواهمين، بل إن للجمعية برنامجًا إصلاحيًا عمليًا حكيمًا، وهي موزعة أعمالها على فصوله، معطية كل فصل ما يستحقه، واقفة في كل عمل عند ما يتهيأ لها من وسائله، ويتيسر من أسبابه، ولو لم يتجهم لها الزمن، ولم تصادمها العقبات المتنوعة، ولم تقف في وجهها العوائق المتكررة، لسارت في جميع فروع الإصلاح التي يشملها برنامجها سيرًا حثيثًا، ولكنها تحمد الله على تلك المكاره التي شددت من عزائمها، وسددت من خطاها، وكملت من حنكتها، وزادتها ثباتًا في الحق، أضعاف ما تحمده على المحابّ التي تسرّ وقد تغر.

موقف الجمعية في التعليم:
موقف الجمعية في التعليم العربي والديني هو أبرز مواقفها، فقد كان التعليم العربي الحر يدور في دائرة ضيقة من أمكنته وأساليبه وكتبه، فسعت الجمعية بما استطاعت من أسباب أن توسع دائرة الأمكنة بإحداث مكاتب حرة للتعليم المكتبي للصغار، وبتنظيم دروس في الوعظ والإرشاد الديني في المساجد، وبتنظيم محاضرات في التهذيب وشؤون الحياة العامة في النوادي، وصحبها توفيق الله تعالى فنجحت مساعيها في هذا الباب نجاحًا عظيمًا، وأثمرت أعمالها اثمارًا نافعًا، ولولا موانع من الأحكام الإدارية الجائرة في غلق بعض المكاتب، والتضييق في إعطاء الرخص، وإيصاد المساجد في وجوه الوعاظ لكانت النتيجة اليوم مما تغتبط به الجمعية العاملة المخلصة، وتغتبط به الأمة المتعطشة المقبلة، وتغتبط به الحكومة التي يجب أن تحكم على الأشياء بنتائجها، وإن كانت حكومتنا إلى الآن- مع الأسف- تتجاهل هذه النتائج أو ترتاب فيها أو تتصورها على خلاف ما هي عليه.
كذلك سعت الجمعية إلى إصلاح أساليب التعليم، فقضت في تعليمها بقسميه المكتبي والمسجدي على تلك الأساليب العتيقة العقيمة التي كان يباشر بها التعليم، والتي ما زالت مثارًا للشكوى والتذمر في مكاتب التعليم ومعاهد العلم بغير الجزائر، ولم تستطع تلك المكاتب والمعاهد التخلص منها مع ظهور فسادها.
أما في المساجد فطريقة الجمعية في الوعظ والتذكير هي طريقة السلف، تذكر بكتاب الله، تشرحه وتستجدي عبره، وبالصحيح من سنّة رسول الله، تبينها وتنشرها، وبسيرته
(1/191)

العملية، تجلوها وتدل الناس على مواضع التأسي منها، ثم سير الصحابة وهديهم، ثم سير حملة السنة النبوية، وحملة الهدي المحمدي في أقوالهم وأعمالهم كذلك.
وأسلوب الجمعية في التعليم الديني في المساجد على إطلاقه العناية بالمعنى والنفوذ إلى صميمه من أقرب طريق يؤدي إليه، وتجليته للسامعين بالصور العملية التطبيقية، والإعراض عن اللفظيات والخلافات وكل ما يشوش أو يبعد عن تصور المعنى المقصود.
وأما التعليم المكتبي فأسلوب الجمعية في تلقين العربية هو أحد مفاخرها، فهي تعهد إلى الأساتذة الذين هم لنظرها بتلقين التلامذة أبسط القواعد في أسهل التراكيب، ثم تمكينها من نفوسهم بالتمرينات التطبيقية، والحرص على اشرابهم معنى ما يقرأون والاجتهاد في تربية ملكة الذوق والاستنتاج في نفوسهم، وفي إصلاح اللهجات التي حرفتها العامية عن سبيلها العربي وتقويم اللسان على الحروف وهيأتها ومخارجها، والتشجيع على التكلم أمام الناس بما يمليه الخاطر من غير اعتماد على وحي معلم أو كتاب، واقتلاع تلك العادة السيئة التي كانت سائدة في المكاتب، عريقة في الأوضاع المنزلية، وهي عادة الهيبة والحصر. وللجمعية- بحَمْدِ الله- في هذا الباب أساتذة لا يقصرون عن كمال، ولا يدفعون عن أولية.
وقد ظهرت نتائج هذا التعليم جلية في كل تلميذ قرأ في المكاتب التي لنظر الجمعية ولو مدة قليلة. فاستقامت الألسنة، وصحت اللهجات، وبدأت ملكة الخطابة تنطبع في بعض البلابل البشرية، ويرجى أن يكون لهذا مبدإ الحسن ختام أحسن منه.
ويدخل في باب التعليم المكتبي قراءة القرآن، فالجمعية تعطيه جزءًا من اهتمامها، وكيف لا تهتم بالقرآن وهو سلاحها الذي به تناضل، وسيفها الذي به تصول، وعدتها في الشدة، وعلى الدعوة إليه بنت مبدأها الإصلاحي، وفي الدعوة إليه لقيت الأذى، ورميت بالعظائم؟
إن جمعية العلماء على ما خدمت به القرآن من تبيين حقائقه للناس، ونشر فضائله بينهم، وتحبيبه إلى نفوسهم، وشرح مزاياه فيهم، وجعله أساسًا في التذكير والوعظ- على كل ذلك تتمنى لو تتفسح أمامها السبل، ويخف عنها ما تلاقيه في طريقها من معاكسة الطرقيين وأذنابهم، وإعنات الحكومة وعمالها- لتقوم كل القيام بما يجب عليها للقرآن من حق، فتنشئ من أبناء الأمة جيلًا قرآنيًا يتقن حفظ القرآن وأداءه، ويحسن فهمه والعمل به ويتخلق بأخلاقه ويتربى على هديه، ثم ينشر بواسطته دين الله في أرض الله.
ومن فروع التعليم المكتبي تعليم الأميين من الكبار مقدار ما يرفع الأمية عنهم، وهذا الفرع من أهم فروع التعليم في نظر الجمعية، ولها فيه الأمل الفسيح وإذا كانت أعمالها فيه
(1/192)

لحدّ الآن قليلة، ومساعيها ضئيلة، فإن مقاصدها في محاربة الأمية جليلة، ومتى تم استعدادها لهذه المسألة من تعميم الشُّعَب وتيسر المال فإنها ستشن على الأمية غارة شعواء، وستبلغ منها ما تريد ان شاء الله.
وأما المحاضرات التهذيبية فأسلوب الجمعية فيها أسلوب الخطابيات المؤثرة في العقول، الحافزة للنفوس، المنبهة للمشاعر على طريقة الترغيب والترهيب.
وللجمعية- من فضل الله- ألسنة سيالة، ومحاضرون قد بلغوا الغاية، فصاحة ورباطة جأش، ونصاعة لفظ، وتفننًا في المواضيع وملكًا لها، ومتانة إلقاء.
هذا شأنها في إصلاح الأسلوب، وأما إصلاح الكتب فإن عمدة الجمعية في التذكير على كتاب الله، وحديث نبيه عليه الصلاة والسلام، ومدرسوها ما منهم إلّا من له في العلم مقام معلوم، وهم يلتزمون في تذكيرهم الأحاديث التي صحت أسانيدها ومتونها، ودواوين الحديث الصحيحة المعتمدة موجودة متوافرة، فلا عناء في هذا الباب ومن بركات جمعية العلماء على هذا القطر أن أمهات التفسير الموثوق بها وكتب الحديث الصحيحة راجت بين الناس، وعمرت الخزائن، واكتسحت تلك الكتب التي ضللت الناس وقتلت مشاعرهم، وان الأحاديث الصحيحة بدأت تتداول على الألسنة، وتتناول في المجالس، وترصع أحاديث الناس في مواطن الاستدلال، وان رواية الحديث بدأت تنتعش.
أما الدروس الأخرى فإن الجمعية تختار لها من الكتب ما هو أقرب إلى الإفادة وأعون على تحصيل الملكة العلمية، وتجتنب الكتب الجامدة المعقدة التي لا تفتق ذهنًا ولا تبعث في نفس الدارس نشاطًا، وتختار للمطالعة في مختلف العلوم، الكتب الحية السهلة، وليس هذا محل تفصيل القول في الكتب وما لها من أثر في نفس الدارس والمطالع، وما لها من دخل في نتائج التعليم، وإن ميدان القول فيها وفي صالحها وفاسدها لفسيح وان في رجال الجمعية البارزين لمن هو من أهل الاختصاص في هذا الباب.
إن جمعية العلماء تبث في أساتذتها وتلامذتها وجميع أعضائها والمتعلمين على طريقتها روح المطالعة النافعة، والبحث العلمي السديد، وترشدهم إلى كيفية المطالعة وطرائق البحث في التاريخ والاجتماع والأدب، والرجال والكتب، وإذا كان المتأهلون لهذه المباحث الآن تصدهم عنها شواغل الدروس وغيرها، فإن النهضة الجزائرية العلمية التي كونتها جمعية العلماء، والحركة الفكرية التي غذتها ستتمخضان بناشئة تساهم في الابحاث العلمية ان شاء الله مساهمة قيمة.
(1/193)

موقف جمعية العلماء من البدع والمنكرات العامة:
وقفت جمعية العلماء المسلمين من البدع العامة والشعائر المستحدثة كبدع المساجد، وبدع الجنائز، وبدع المقابر، وبدع الحج، وبدع الاستسقاء، وبدع النذور، كما وقفت من بدع الطرق وضلالات الطرق وقفة المنكر المشتد الذي لا يخشى في الحق لومة لائم في وقت استحكمت فيه هذه البدع حتى أصبحت دينًا مستقرًا، وعقيدة راسخة، فغيرت بالقول، وأغارت بالفعل، وبينت بالدليل، وقارعت بالحجة، وطبقت بالعمل، وكان في أعمال أعضائها أسوة حسنة للناس. وشعارها في هذا الباب أن كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة. وقد أقر الله عينها بإماتة بدع كثيرة، واحياء سنن كثيرة، وانها لترجو- بمعونة الله- أن تقضي على البقية الباقية من البدع برغم صراخ المبطلين، وعويل المستغلين، وفقها الله وسدد خطاها.

موقف الجمعية من الالحاد:
الالحاد ضيف ثقيل حل بهذا القطر منذ انتشرت بين أبنائه الثقافة الأوروبية من طريق التعليم اللاديني أو من طريق التقليد الأعمى، وغذته غفلة الآباء والأولياء عن هذه الناحية الضعيفة من أبنائهم.
ذلك أن الناشئ الذي يتلقى التعليم في هذه المدارس اللايكية يحس من أول أيامه في التعليم بمنافرة ما يتعلمه في المدارس من حقائق الكون مثلًا لما تعوّد سماعه من أهليه، ثم يزداد ما يسمعه في المدارس رسوخًا في نفسه بما يقام عليه من الدلائل فيزداد على قدر ذلك نفورًا من كل ما يسمعه من أهليه، ثم ينقلب ذلك النفور منهم ومما يسمعه منهم احتقارًا لهم وله، ولكل ما يلابسهم من عوائد وأزياء حتى ينتهي به الأمر إلى الدين إذ يجد أبويه وأقاربه لا يعرفون منه إلّا قشورًا ممزوجة بالخرافات، ثم هم لم ينشئوه على احترام الدين ولم يشربوه حبه من الصغر ولم يروضوه على إقامة شعائره، فإذا تمادت به مراحل التعليم وهو على هذه الحالة، شب على الوحشة من قومه ولغته ودينه وملك الالحاد عليه أمره إلّا من رحم ربك، وهذه عاقبة طبيعية للإهمال المتفشي في مثل الأوساط الجزائرية، فإن كثيرًا من الآباء يطلقون لأبنائهم الحبل على الغارب ولا يحوطونهم بالرعاية اللازمة لحماية دينهم وأخلاقهم وقوميتهم، بل يكلونهم إلى عادات فاسدة ومؤثرات ضعيفة لا تقوى على مقاومة ما يجدّ على مشاعرهم ويغزو عقولهم كل يوم من مؤثرات قوية جذابة مسلحة بالدليل.
على أن من فضل الله على الجزائر أن الالحاد لم يتسرب إلى عقول أبنائها المتعلمين إلّا بنسبة ضئيلة، والسر في ذلك يرجع من جهة إلى تصلب الجزائري في دينه وإن كان جاهلًا به، ومن جهة أخرى إلى سياسة الميز الخاطئة التي يشهد المتعلم آثارها حتى في التعليم وصفوت التعليم.
(1/194)

وقد كان لجمعية العلماء الآثار المحمودة في مقاومة الالحاد بما يبثه رجالها من حقائق الدين، وبما يشرحونه في دروسهم ومحاضراتهم من مطابقته للعقل واتفاقه مع قضايا العلم ومسايرته للحياة المدنية، وبما أرشدوا إليه الآباء من رعاية الأبناء والظهور أمامهم بمظهر القدوة الصالحه فى الدين والخير والفضيلة.
وان من الأسباب التي مكنت للإلحاد في نفوس الشبان المتعلمين مجانية علماء الدين الجامدين لهم ونفورهم منهم، وهي عادة ما يزال يتسم بها هذا الصنف من العلماء إلى الآن، وبهذه العادة السيئة كادوا يضيعون على الأمة طائفة من أبنائها هم ذخرها للمستقبل وعدتها للشدة، ولكن رجال جمعية العلماء يعلمون أن هذه الطائفة المعرضة للالحاد هي زهرة الأمة وانها جديرة بكل عناية واهتمام، وأنها- وإن لم تسلم طائف الالحاد- سالمة من الجمود والتخريف، وأنها أقرب إلى الإصلاح والرجوع إلى الحق بما معها من إدراك صحيح وبما فيها من ملكات الاستدلال، لذلك مازجوا هذه الطائفه وخلطوها بأنفسهم وعرفوا كيف يجذبونها إلى المحاضرات والدروس الدينية، فكان لهذه الطريقة الرشيدة أثرها الصالح في تقويم زيغ الزائغين منها وإرجاعهم إلى حظيرة الدين بكل سهولة، ونتجت عن ذلك نتيجة أخرى وهي تحبيب هذه الطائفة في اللغة العربية حتى أصبح الكثير منها معنيًا بها، نادمًا على ما فرط في جنبها، متداركًا بقدر الإمكان ما فاته منها.
إن هذا الجهد الذي تجهده جمعية العلماء في مقاومة الالحاد هو غاية الممكن في هذا الباب. أما الدواء الذي يجتث هذه العلة من أصلها فهو قيام الآباء بواجبهم من التربية الدينية الصحيحة، وما دام أبناؤنا يأوون إلى بيوت قواعدها الجهل والخرافات، وقعائدها الجاهلات الخرافيات، فنحن بين حالين لا ندري أيهما شر؟ الأمية ومعها التخريف، أو القراءة ومعها الإلحاد.
وإنك لا تبعد إذا قلت إن لفشوّ الخرافات وأضاليل الطرق بين الأمة أثرًا كبيرًا في فشو الإلحاد بين أبنائها المتعلمين تعلمًا أوروبيًا، الجاهلين بحقائق دينهم؟ لأنهم يحملون من الصِّغر فكرة أن هذه الأضاليل الطرقية هي الدين، وأن أهلها هم حملة الدين، فإذا تقدم بهم العلم والعقل لم يستسغها منهم علم ولا عقل، فأنكروها حقًا وعدلًا، وأنكروا معها الدين ظلمًا وجهلًا؟ وهذه إحدى جنايات الطرقية على الدين.
أرأيت أن القضاء على الطرقية قضاء على الإلحاد في بعض معانيه وحسم لبعض أسبابه؟
وقد قرأت في هذه الأيام لكتاب تونسي مقالًا يَنْعَى فيه على جمعية العلماء إهمالها لهذه الجهة من جهات الفساد وهي جهة الإلحاد، واعتذر عن علماء جامع الزيتونة بأنهم، وإن قعدوا في نواحي الاصلاح التي تخبّ فيها جمعية العلماء وتضع، قاموا في حرب الإلحاد بما شكرهم عليه، ولكنه حصر عملهم في هذا السبيل في خطب جمعية ينددون فيها بالإلحاد ويحذرونه.
(1/195)

وفات هذا الكاتب الفاضل أن جمعية العلماء لم تسكت عن الالحاد بل هاجمته في أمنع معاقله، ونازلته في أضيق ميادينه.
كما فاته أن صرعى الالحاد لا يغشون المساجد، فما تأثير الخطب الجمعية التي تلقى على المصلين؟ وهل يداوى المريض بتحذير الأصحاء من المرض أو أسباب المرض؟ ألا إن العالم المرشد كالطبيب، لا ينجح في إنقاذ المريض من الموت إلا بغشيان مواقع الموت ومباشرة جراثيم الموت.

موقف الجمعية من التبشير:
التبشير بشكله الحاضر نتيجة من نتائج التعصب المسيحي المسلح، ومولود من مواليد القوّة الطاغية التي تسمي كل ما ترضى عنه من الأعمال المنكرة حرية دين أو حرية فكر، أو حرية تجارة، وأداة من أدوات السياسة في ثوب ديني وشكل كهنوتي، دفعته أولًا ليكون رائدها في الفتح وقائدها إلى الاستعمار، وأمدته بالمعونة والحماية، والصيانة والرعاية، فمد اشطانه، وأصبحت جميع الأوطان أوطانه، حتى إذا صاح صائح بالويل أو صرخ مستغيث بالليل، قالت السياسة: اسكت فعمل التبشير من عملي، هو حر وأنا حامية الحرية، وهو (انساني) وأنا منقذة الإنسانية.
وهذا التبشير المسيحي (الإنساني) يرى أن أعدى عدو له المصلحون المسلمون لأنهم يدعون إلى الإسلام النقي، والإسلام النقي لا مطمع للتبشير في طرق حماه. وما عهدنا بالشيخ رشيد رضا- رضي الله عنه- ومنازلاته للمبشرين ومناظراته للمبشرين ببعيد.
وضع أساس التبشير في الجزائر الكردينال لافيجري وأسس مراكزه المهمة، ثم أتمت الجمعيات التبشيرية ما بدأ به، وهي جمعيات قوية يمدها الأغنياء من المسيحيين (المتسامحين) بالملايين من المال، ويمدها رجال الكهنوت ونساؤه بالأعمال، وتمدها الحكومات (اللادينية) بالمعونة والتأييد.
وقد راعت هذه الجمعيات في اختيار المراكز نفسية السكان وحالة المعيشة، ومن أهم المراكز مركز "ورقلة" في الجنوب الجزائري حيث يكثر طروق المجاعات، ومركز "بني اسماعيل" قرب بجاية ومركز "ايغيل علي" ومراكز زواوة.
ولقد كان من المعقول أن يثمر التبشير في القطر الجزائري ويأتي بنتائج أكثر مما يأتي به في الأقطار الأخرى لعدة اعتبارات، أولًا: تقادم عهده، وثانيًا: صولة الاستعمار الذي يحميه، ثالثًا: فشوّ الجهل والأمية والفقر في الأمة التي هي فريسة التبشير، رابعًا: انتشار الطرقية التي هي ظئر التبشير وكافلته والممهدة له حسًا ومعنى، وإن جهل هذا قوم فعدوا
(1/196)

من حسناتها مقاومة التبشير، خامسًا: قعود علماء الدين عن المقاومة وسكوتهم عن المعارضة قبل جمعية العلماء.
ولكن الواقع أن التبشير مع طول المدة واستكمال العدة لم يلق النجاح الذي يتناسب مع الجهود المبذولة فيه، والسبب الأكبر في ذلك يرجع إلى شيء واحد هو تصلب الجزائري في دينه مهما بلغت به العامية والأمية والفقر.
هذا كله قبل وجود جمعية العلماء، فأما بعد وجودها- وما وجودها ببعيد العهد- فإن من برنامجها مقاومة التبشير بقدر المستطاع، وإلى الآن لم تتوفر لديها الوسائل الكافية لتنظيم مقاومة منتجة، وأهم عنصر في هذا الباب هو المال، ورغمًا على ذلك فقد ارتفعت أصوات حارة بمقاومة التبشير من جوّ جمعية العلماء في المحاضرات العامة والصحف السيارة.
ولكنا نعتقد، كما هو الواقع، أن الأقوال ليست هي السلاح الذي يحارب به التبشير مهما كانت حارة بليغة متينة الحجة، وقصاراها التحذير من الوقوع في اشراك المبشرين. وإنما السلاح الماضي الفتاك في هذا الميدان هو المال. ولعمري كيف تستطيع أن تقاوم جمعيات منظمة من ورائها أمم غنية تغدق عليها المال، مجهزة بالجيوش الوفيرة من الرهبان والراهبات والأطباء والممرضات، يوحد الجميع أخلاق ممتازة من الصبر والثبات والإيمان الجازم بحسن عاقبة ما وقفوا أنفسهم له.
ولو أن عند أغنياء المسلمين بعض ما عند هؤلاء من سماحة اليد في سبيل الدين، لطووا هذا التبشير الزائغ ولنشروا الإسلام في أقطار الأرض كلها، وإن دينهم ليأمرهم بهذا، ولكن أين هم من دينهم؟

موقف الجمعية من بقية الرذائل:
لا نبالغ إذا قلنا إن من بواكر النجاح الأولى التي جنتها جمعية العلماء، إرجاع الغاوين من المسلمين إلى حظيرة الدين، ولا يحصى عدد الذين تأثروا بمواعظها فأصبحوا يحافظون على الصلوات بشروطها الحسية والمعنوية، ولا عدد الذين هجروا أم الخبائث "الخمر". بل لقد كانت نتائج الإعراض عن الخمر ملموسة بارزة ضج لها تجار الخمر وتنادى بائعوها بالويل والثبور وتعالت أصواتهم بالتذمر، كما تعالت أصوات مشائخ الزوايا وسدنة القبور.
وبالجملة، فقد وقفت الجمعية من جميع الرذائل المتفشية في الأمة الجزائرية- من خمر وفجور، ومسارعة في الأيمان الفاجرة، وترك صلاة، وشهادة زور- موقف الخصم الجبار، وحملت عليها- وما زالت تحمل- حملات صادقة شكرها لها المنصفون وإن قلل من شأنها المتعسفون.
(1/197)

جمعية العلماء المسلمين الجزائرين كما هي:
نسمع نغمات مختلفة ونقرؤها في بعض الأوقات كلمات مجسمة- صادرة من بعض الجهات الإدارية أو الجهات الطرقية- تحمل عليها الوسوسة وعدم التبصر في الحقائق من جهة، والتشفي والتشهير من جهة أخرى، هذه النغمات هي رمي جمعية العلماء تارة بأنها شيوعية، وتارة بأنها محركة بيد خفية أجنبية، وتارة بأنها تعمل للجامعة الإسلامية أو العربية (8) أو تعمل لنشر الوهابية، والطرقيون لا تهمهم إلّا هذه الكلمة الأخيرة، فهي التي تقض مضاجعهم وتحرمهم لذيذ المنام، وحالهم معها على الوجه الذي يقول فيه القائل:
فَإِذَا تَنَبَّهَ رُعْتَهُ وَإِذَا غَفَا … سَلَّتْ عَلَيْهِ سُيُوفَكَ الْأَحْلَامُ
وكيف لا يحقدون عن هادمة أنصابهم، وهازمة أحزابهم؟ فتراهم لاضطغانهم عليها يريدون أن يسبوها فيسبوننا بها من غير أن يتبينوا حقيقتها أو حقيقتنا. والقوم جهال ملتخّون من الجهل، وحسبهم هذا.
أما الجهات الإدارية فيهمها كل شئ ويعنيها كل شيء. وكل شيء في المنطق الإداري محتمل الوقوع، ولو كان من القضايا التي لا تلازم بين طرفيها، ولو لم تظهر الإدارة في كثير من المواقف بتأييد الطرقية والتحيز لها، لقلنا فيما ترمينا به هو حزم السياسة والسلام، وقد اطلعنا على كثير من تقاريرها السرية المتعلقة بنا، فرأينا العجب العجاب، ولسنا نلوم الإدارة على تحريها واحتياطها، وتشددها واشتراطها، بقدر ما نلومها على جهل وَزَعَتِهَا واشراطها. فعجيب- والله- ومؤلم- والله- أن تعتمد في التحري علينا وعلى دروسنا ومحاضراتنا رجالًا لا يفقهون فقه اللغة العامية ومغازيها، فضلًا عن العربية الفصحى، ونحن قوم لساننا عربي فصيح نصرفه قي وجوه القول المختلفة، ونديره على حقائق اللغة ومجازاتها ومترادفاتها ومشتركاتها، ونسيمه في حكمها وأمثالها، وسائر تصاريفها وأحوالها، أفيجوز في حكم الانصاف أن تؤخذ التقارير عنا من قوم هذا شأنهم؟ نقول "الجهد" فيفهمون "الجهاد" ونقول "الأساس" فيفهمون "السياسة"!
فإن قالت الادارة إنهم محلفون (كما قال لي كبير إداري فاوضته في هذا الأمر) فهي أول من يعلم أن التحليف- قد- يمنع من الكذب، ولكنه لا يمنع أبدًا من الجهل باللغة. سمعنا تلك الكلمات وقرأناها وعلمنا أنها نتائج تقارير سرية تبذل فيها جهود وأموال، وعلمنا المغازي التي ترمي إليها، والدوافع التي حملت عليها، وفهمنا أنها استنباطات واختلافات لا قيمة لها لأنه لا وجود لها، وإنما يراد بها التهويل والتضليل ومآرب أخرى، كما يهول على الأطفال بالغول وما لا حقيقة له. ونحن قد شببنا عن طوق الطفولة فلم نعر
__________
8) المقصود الفكرة العربية لأن الجامعة كمؤسسة لمَّا تتكون بعد.
(1/198)

هذه الكلمات التفاتًا، ولا شغلتنا بجواب، ولا أصغت منا صاغية، ولا صدتنا عن عمل، ولا أوهنت لنا عزيمة ولا فلت لنا حدًا، ولا بالينا بقائليها بالة.
أما الطرقيون فلعلمنا أنهم رمونا بالكفر فكيف بما دونه؟ وأما الجهات الأخرى فلعلمنا أن سبيلها الحجة والدليل، فلندعها حتى تقيم الدَّليل، ولكن مع هذا كله يجب أن نقول هنا كلمة في حقيقة هذه الجمعية طالما قلناها وهي عملها مترجمًا في سطر، ومداها محصورًا في شبر، كما يقال للشمس هي الشمس، فيكون ظهورها هو علة تعيينها، ونورها هو سبب تبيينها.
جمعية العلماء جمعية علمية دينية تهذيبية، فهي بالصفة الأولى تعلم وتدعو إلى العلم، وترغب فيه وتعمل على تمكينه في النفوس بوسائل علنية واضحة لا تتستر، وهي بالصفة الثانية تعلم الدين والعربية لأنهما شيئان متلازمان وتدعو إليهما وترغب فيهما وتنحو في الدين منحاها الخصوصي، وهو الرجوع به إلى نقاوته الأولى وسماحته في عقائده وعياداته، لأن هذا هو معنى الإصلاح الذي أسست لأجله ووقفت نفسها عليه، وهي تعمل في هذه الجهة أيضًا بوسائل علنية ظاهرة.
وبمقتضى الصفة الثالثة تدعو إلى مكارم الأخلاق التي حض الدين والعقل عليها لأنها من كمالهما، وتحارب الرذائل الاجتماعية التي قبح الدين اقترافها وذم مقترفيها، وسلكت في هذه الطريق أيضًا الجادة الواضحة.
وبهذه الصفة تعمل لترقية فكر المسلم بما استطاعت، وترشده إلى الأخذ بأسباب الحياة الزمنية، وتريه ما يتعارض منها مع الدين وما لا يتعارض.
فالجمعية- بهذا الوصف الحقيقي لها- أداة من أدوات الخير والصلاح، وعامل لا يستهان به من عوامل التربية الصالحة والتهذيب النافع، وعون صالح لأولي الأمر على ما يعملون له من هناء وراحة، تشكر أعماله ولا تنكر.
ولئن قالوا: ان هذه الجمعية فرقت الأمة ... لنقولن ومتى كانت هذه الأمة مجتمعة حتى يقال إن الجمعية فرقتها؟
ان الأمة كانت فرقًا شتى كلها على الباطل والضلال، فجاءت جمعية العلماء فردت تلك الفرق إلى فرقتين، إحداهما على الحق والهدى، هذه هي الحقيقة لا ما يهذي بها قصار النظر صغار العقول.
والجمعية فيما وراء هذا مرتبطة بالعالم الإسلامي أفرادًا وشعوبًا بما يترابط به المسلمون من حقائق دينهم ومظاهره، وهذه ناحية ارتباط طبيعية ذاتية، وصلة اشتباك روحية فطرية
(1/199)

يلتقي عليها المسلمون كلهم في مشارق الأرض ومغاربها، كما يلتقي العقلاء كلهم على معقول واحد من غير أن تتلاقى الأجسام، أو تتناقل الأقدام أو تتراسل الأقلام.
وفيما عدا هذا فالجمعية جزائرية محدودة بحدود الجزائر، مربوطة بقانون الجزائر، لأن أعضاءها كلهم من أبناء الجزائر.
فهل فهم الخراصون؟ لا يسرنا أن يفهموا، ولا يسوءنا أن يجهلوا أو يتجاهلوا.

خاتمة
اقتصرنا في هذه العجالة على هذا العرض الموجز لأصول الاصلاح الديني وحركته الأخيرة التي هي طور من أطوراه، وعلى لمع من تاريخ هذه الحركة بالقطر الجزائري، وأشرنا إلى بعض الحوادث العظيمة بكلمات قليلة، لأن القراء في الجزائر يعرفونها وإليهم سقنا الحديث، وأما إخواننا خارج الجزائر فعذرنا إليهم أننا لم نذهب في هذه العجالة مذهب الاستقصاء التاريخي، وإنما سلكنا مسلك من يستخرج العبر من الحوادث، ولعلنا شارفنا الغاية في هذا الباب.
كان المنتظر أن نكتب هذه العجالة بأسلوب علمي في مواضيع علمية، أو في موضوع له تعلق بجوهر الإصلاح كمناهجه وطرقه، أو مكانته من بين فروع الإصلاح الدنيوي وصلته بها، أو ببيان الارتباط بينه وبين نفسية الأمة.
ولكننا آثرنا هذا الموضوع لأنه في نظرنا أهم من جهة كشفه على كثير من المغالط التي هي حديث الناس اليوم.
وآثرنا هذا الأسلوب الشعري لخفته على أذواق القراء، وقربه من نفوس الأدباء، ولأن الطريقة الأدبية في الكتابة هي أملك الطرائق لنفوس القراء بالجزائر، وعسى أن نكون وفقنا إلى إصابة مواقع التأثير من نفوسهم.
(1/200)

الأمّيّة*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أيها الإخوة الكرام:
إن الكمال والنقص وصفان يتعاقبان على الفرد كما يتعاقبان على المجموع، وهذا الإنسان العاقل خُلق مستعدًّا للكمال، وقد هيّأ له خالقه الحكيم أسبابه ومكّن له وسائله، ونصب له في داخل نفسه وخارجها أمثالًا يحتذيها لبلوغ الكمال، ووضع بين عينيه صور الموجودات وعوارض الكمال والنقص فيها لينتزع من قوانين الكمال فيها قانون كماله، وليجتنب من علمه بأسباب نقصها أسباب نقصه، وإن كانت أصول الكمال والنقص في العالم الإنساني تختلف عن أصولها في غيره من العوالم، لأن لاختيار الإنسان مدخلًا كبيرًا وأثرًا قولًا في كماله ونقصه، والاختيار من خصائص هذا الإنسان.
ومما علمناه من شؤون الاجتماع البشري أن الكمال فيه نسبي إضافي، فما من كمال إلا وفوقه كمال، وأن الكمال في المجموع متوقف على الكمال في الأفراد، وأن النقص في المجموع مترتب على النقص في الأفراد؟ فمتى أخذ الأفراد بأسباب الكمال وسلكوا له وسائله كمل المجموع.
ومتى قعد الأفراد عن تعاطي أسباب الكمال فشت النقائص في المجموع.
وإنما تتفاوت حظوظ الأمم في الكمالات المكتسبة كالغنى والعلم والتضامن والتعاون والاتحاد والترقي في أسباب المعيشة.
__________
* تقرير عن الأمية ألقي في مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي انعقد بنادي الترقي بالعاصمة في سبتمبر 1935، (كتاب سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المطبعة الإسلامية الجزائرية، قسنطينة، [ص:85 - 93]).
(1/201)

ويتضح من هذا كله أن كل ما يسمى من أحوال الأمم تطورًا هو في الحقيقة عبارة عن مداورتها بين النقص والكمال صعودًا وهبوطًا.

أيها الإخوة:
نحن نريد من الكمال هنا الكمال المكتسب الذي في مكنة الانسان الوصول إليه بالتعمل والتهمم والمزاولة، ولسنا نعي الكمال الخلقي التكويني الذي لا يد للمخلوق فيه، ذلك الكمال الذي يتفاوت فيه العاملون حتى يكونوا كما قال الشاعر:
وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوُتًا … إِلَى الْمَجْدِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ
وإن سنة الله في الأمم أنها تتقاعس عن الفضائل وتتناعس عن الكسب وتنغمس في النقائص فتتدهور إلى الحد الذي تقتضيه قوة تلك النقائص وأسبابها. فإذا أراد الله بها خيرًا بصّرها بتلك النقائص وأشعرها بمعنى الكمال، وأيقظ في نفوسها دواعيه فيأخذ أفرادها بأسباب الكمال متعاونين أو متنافسين حتى يصلوا إلى أقصى مراتبه.
فإذا شعروا ولم يعملوا لبلوغ الكمال مع القدرة على العمل فقد باءوا بالعيب الفاضح وكانوا هم المعنيين بقول المتنبي:
وَلَم أرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا … كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
والكمالات- أيها الإخوة- كلما زادت في الأفراد كانت مقلدًا في قوة حيوية الأمم، كذلك النقائص هي نقص في حيوية الأمم، وقد تنتهي بالأمة إلى الفناء والعدم.
ومن الأمثلة الصريحة التي لا تحتاج إلى ترتيب الأقيسة في الاستدلال عليها، نقيصة الأميّة. فإنها لا تفشو في أمة وتشيع بين أفرادها إلا فتكت بها وألحقتها بأخس أنواع الحيوانات، ومكنت فيها للجهل والسقوط والذلة والمهانة والاستعباد.
الأميّة- بمعناها اللغوي العرفي- وهو الجهل بالقراءة والكتابة، مرض فتّاك، ونقيصة مجتاحة، ورذيلة فاضحة، وشلل وزمانة في جسم الأمّة التي تُبتلى بها. فإذا كنا نعرف من شؤون الأفراد أن من يصاب منهم بشلل تتعطل منه وظيفة العضو المصاب، كذلك يجب أن نعرف من شؤون الأمم هذه الآثار السيئة التي تنشأ عن الأمّية، وهي تعطيل المواهب والقوى مع الفرق العظيم بين تعطيل وظائف أجزاء الجسم وبين تعطيل أجزاء الأمّة.
لا تفشو الأميّة في أمّة إلا أفقدتها معظم خصائص الحياة.
وأكبر جناية تجنيها الأميّة على الأمم هي القضاء على التفكير. والتفكير هو المعيار الذي توزن به القيم العقلية في الأمّة سموًّا وإسفافًا. ومحال أن يسمو تفكير الأمي لأن فكره في
(1/202)

قفص من أمّيته، وهو كالطائر قصّ جناحاه فلا يغنيه مع ذلك أن يكون اسمه (طائر). وما دامت المدركات الإنسانية قاصرة على البسائط لا تتناول المدركات العليا، فإن التفكير يكون بسيطًا. فإن ارتفع قليلًا فذلك إما آت من فطرة سليمة أو من تجاريب صحيحة.
أما آفاق التفكير الفسيحة التي تسبح فيها أفكار المفكرين، فإنها لا تفتح إلا بالقراءة والدراسة. وأنّى للأمّي بهما. وان فيما نراه سائدًا في أوساطنا الجزائرية من بساطة التفكير وتدلّيه خصوصًا في الشؤون العامة، إن في ذلك الذي نراه ونشاهده ونتأسف له لدليلًا على أن هذه الأميّة هي أخت الوثنية في الفتك بالعقول وتعطيل مواهبها. فلا كانت الأميّة ولا كانت الوثنية، من رضيعتي لبان واحد، وربيبتي حجر واحد.
والأميّة، أيها الإخوان، تتفاوت شناعتها وقبحها في الأمم بتفاوت عهود البداوة والخضرمة والحضارة، فيهون أمرها نوعًا في الأمم البدوية القريبة من مناحي الفطرة في مظاهر حياتها. ومن هذا القبيل شأن العرب. فإن الأميّة لم تقعد بهم عن مجاراة أمم الحكمة وإن قعدت بهم عن مجاراة أمم العلم والصناعة. وما ذلك إلا لأن حياتهم كانت بسيطة غير معقدة. ومع ذلك فإن أهل الكتاب كانوا يعدّونها في العرب وصمة وحطة وسبب احتقار. فقد حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}. والعرب أنفسهم كانوا يشعرون بغضاضة الأميّة كما يشعر الجاهل بغضاضة الجهل. وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا: {إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ}.
ونستثني من هذا كله حال نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - ونعته بالأمّي، فإن ذلك كان لحكمة ظاهرة السر معقولة المعنى، وكان معجزة، والمعجزة من أفق آخر فوق العادات والقواعد والسنن.
ويتجلّى قبحها وشناعتها وغضاضتها في عهود الحضارة كحالنا اليوم، فإن الحياة في عهدنا تتطلب ممن يريدونها ويحرصون عليها تفكيرًا منظمًا ينبني عليه عمل منظم، وتتطلب منهم اضطرابًا في سكون وسلمًا في حرب وحربًا في سلم وأنواعًا شتّى من المصارعات بين الهوى والعقل في الحي الواحد وبين الحي والحي في الميدان الواحد وعلى المطلب الواحد. فهذا بعض ما تفرضه الحياة على الأحياء وتعدّه من شروطها. وأما الأميّة فإنها تطبع المصابين بها بطابع حيواني ساذج، فنراه حيًا كميت ومتحركًا كساكن، يضطرب من نفسه في المضطرب الضيّق ويقف عند حدود تفكيره وقفة الجبان الهيوب المتردّد، وتمرّ عليه مواكب الحياة المجدّة في السير والتنقّل، الممعنة في الحركة والتحوّل، وحظه من ذلك كله التفرج والاستغراب.

أيها السادة: إن الأمم الحية في وقتنا هذا ما حييت إلا بالعلم الاختباري التطبيقي، وأساس هذا العلم- وإن علا- القراءة والكتابة. ولما انتهى العلماء منهم إلى أبعد غاية في العلم وتسنموا منه أعلى ذروة، التفتوا يتبيّنون الطريق التي وصلوا منها إلى هذه الغايات
(1/203)

البعيدة، فرأوا أن مفتاح الباب الذي منه دخلوا ومبدأ الطريق الذي منه وصلوا هو "ألفبا"، وأن أول منعم عليهم بهذه النعم الجليلة هو أول من علّمهم هذه الحروف الضئيلة.
لذلك نرى من آثارهم ونسمع هن أخبارهم في نشر العلم ومحاربة الجهل ما يفوق الوصف، ونرى من أعمالهم ونسمع من أقوالهم في ذم الأميّة ومحاربة الأميّة ما نقضي معه بالعجب.
فهناك جهود تُبذل وأموال تُصرف وطرائق تُخترع للقضاء على الأميّة واقتلاع جرثومتها الخبيثة.
لأن القوم يعتبرونها- كما هي في الواقع- آفة اجتماعية مهلكة، فهم يحاربونها كما يحاربون الجراد والدود، ويقاومونها كما يقاومون الأوبئة والطواعين. ونحن نرى ظلّها كل يوم يتقلص من بين هذه الأمم، وطوفانها ينحسر حتى ليوشك أن لا يبقى في بعضها أمّي واحد.
وإن الإحصاءات الرسمية المدققة تدلّ دلالة قاطعة على أن القوم جادّون في هذه الحرب وأن عدد الأميّين كل يوم في تناقص، وأن نسبتهم كل عام في هبوط بحيث يقولون إن الأمّة الفلانية لم يبق فيها من الأميّين إلا عشرة في المائة والباقون كلهم قرّاء، وقد أصبحت هذه النسب محفوظة في تاريخ الأمم الحديثة ومعدودة من أحاديث فخرها ومجدها، إذ لا معنى لقلة الأميّين إلا كثرة المتعلمين وسعة انتشار العلم.
فأين نسبتنا من هؤلاء؟ وأين مساعينا من مساعيهم؟ وأين خطباؤنا؟ لم لا يحملون على الأميّة حملة شعواء؟ ولم لا يعطونها من الاهتمام ما أعطوه لقرن الثور وفضائل الشهور؟ وأين شعراؤنا؟ لم لا يشاركون في حملة منظمة ويدعون إليها بقصائدهم المثيرة المحركة؟ وأين علماؤنا الذين برّأهم الله من داء الأميّة؟ لماذا لا يسعون في تطبيب غيرهم منها؟ أم هم يريدون أن تبقى الأمّة أميّة ليبقوا سادات ومشائخ؟ فإن كان هذا مرادهم فأنبئوهم عني أنه ليس من الشرف السيادة على طغام، والرعاية على أغنام.
وأين أغنياؤنا؟ يخرجون الأموال ويشيّدون المدارس ويقفون في مكافحة هذا الداء الفتّاك موقف الأبطال؟
إخواني،
هذا حديث عن أضرار الأميّة وويلاتها. فهل حديث عن إزالتها ومقاومتها؟ وأي سلاح تحارب به هذه الأمّة الصمّاء؟
إني أظن أن أول هيئة اجتماعية فكرت في محاربة الأميّة بصورة منظمة في هذا الوطن هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأن أول رجل أعرفه فكّر في مقاومة الأميّة بصورة
(1/204)

جدّية هو رئيسها المحترم. وأذكر أنني تحادثت معه في هذا المعنى، وقلّبنا وجوه الرأي فيه منذ سنوات، وربما كان ذلك قبل تأسيس الجمعية.
فبما أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هى أول هيئة علمية منظمة بهذا القطر، وعليها، لا على غيرها، يكون التعويل والاعتماد في هذه المسائل الكبيرة.
وبما أن هذا التقرير يلقى باسمها وفي مؤتمرها، فإن كل ما أعرضه عليكم يجب أن ينفّذ باسمها وأن تتوصل إلى تنفيذه بجاهها ونفوذها عند الأمّة من حيث إنها الجمعية الوحيدة التي أخذت على عاتقها خدمة الأمّة.
وأول ما يجب عليها أن تبدأ به هو توجيه نصائح عامة ونداءات صارخة تستفز بها شعور الأمّة، وتثير نخوتها وحماسها لتحمل على الأميّة بقضها وقضيضها حملة صادقة. وأقل ما يكون لهذه النصائح من التأثير أنها تهئ الأذهان وتشرع الطرق وتجعل لنا من الخامل الكسلان عونًا على نفسه.
وحيث إننا جرّبنا التعليم الموجود بقسميه فلم يفدنا في التخفيف من مصائب الأميّة، فقد قام الدليل على أنه غير كاف في المقصد الذي نتحدّث عنه وأن وسائله ناقصة، ووجب أن تضاعف الجهود وأن تنظم الخطط على قاعدة طبيعية بالنسبة إلينا، وهي أننا نريد تبديل الأميّة بتهذيب ولا نريد تبديلها بصناعة، لأننا نعتقد أن تبديل الأميّة بصناعة بالنسبة إلينا هو نوع من الأميّة وارد في غير اسمها.
والأميّة بالنسبة إلينا صارت مرضًا نفسانيًا، والأمراض النفسانية لا تداوى إلا بما يوافق المزاج الخاص.
هنا يتشعب العمل أمام جمعية العلماء لأنه كما يجب عليها أن تعالج الكبار من داء الأميّة، يجب عليها أن تحمي الصغار المعرّضين لغوائلها وفتكها.
أما الصغار، فإن المصل الواقي لهم من هذه العلة هي تلقينهم مبادئ القراءة والكتابة من الصغر.
وأقل ما يجب على الجمعية في هذا السبيل الوصايا والتحذيرات المؤكدة لآباء الناشئين لئلا يتراخوا أو يفرطوا في هذا الواجب.
ثم عناية خاصة مضاعفة بالتعليم الذي تقوم به الجمعية، يكون أساسه والقصد منه رفع الأميّة وحماية الناشئة منها.
وكلنا يعلم أن تعميم التعليم بقدر المستطاع قطع لانتشار الأميّة وتضييق لدائرتها.
(1/205)

ولقد كانت لجمعية العلماء جولات صادقة في هذا المضمار وهو تعليم الصغار رغم العراقيل والصعوبات. ولكنها الآن- وقد أرادت أن تحمل على الأميّة- أمام واجب أعظم يستدعي عملًا أوسع ومجهودًا أثقل.
وإذا نحن بذلنا كل ما يستطاع أن يبذل في سبيل تعليم الناشئة من أقوال وأفعال، رجعنا البصر إلى الكبار الذين فاتهم سن التعليم بحكم أعمارهم وشلّت الأميّة مواهبهم، فنجد الواحد منهم إنسانًا في صورته ونطقه، ولكنه ليس بإنسان إذا لزمه وضع خطه في وثيقة أو كتابة حرفين لأهله الغائبين أو قراءة ورقة استدعاء من حاكم أو قراءة تاريخ تتوقف على أجله المسمى مصلحة من مصالحه وتترتّب على فواته مفسدة ومضرّة.
وهذا القسم أحق بالشفقة والرحمة من سابقه، وأهم ما تعمله الجمعية في حق هؤلاء هو الجهود الفردية، فيجب أولًا أن تتقدم لكل أعضائها العامدين وتأخذ عليهم عهد الله وميثاقه على أن يعلم كل واحد منهم أميّا أو كثر من أقاربه مبادئ الكتابة والقراءة والعمليات الأربع في الحساب، ويحفظه سورًا من القرآن على صحتها.
وتتوسل الجمعية لهذا بطبع حروف الهجاء مركّبة ومفردة على صحائف من المقوى وبطبع الأرقام الحسابية كذلك، وبطبع سور من القرآن بالحرف الغليظ، وبطبع جمل تتضمن معاني مستقلة في العبادات والعقائد والفرائض.
ثانيًا: تعمد الجمعية إلى الجمعيات القانونية، وإن كانت قليلة عندنا، وإلى المجموعات التي يجتمع أفرادها في حرفة أو عمل كسائقي السيارات في بلدة أو صانعي الأحذية في سوق أو حومة (1)، فتتقدم إليهم بالنصيحة والإرشاد أولًا ثم بالعمل ثانيًا، لأن مثل هذه المجموعات أقرب إلى النظام والضبط لأنهم يجتمعون في الغالب في ساعة معيّنة وأكثر ما تكون في الليل.
وكيفية العمل مع هؤلاء أن تلزمهم بدفع مبلغ معيّن من المال في كل شهر ثم تلزم طالبًا من الطلبة أن يعلّمهم مبادئ القراءة والكتابة وأرقام الحساب وبسائط عملياته في ساعتين من كل ليلة، في مقابلة ذلك المبلغ الشهري الذي يجمعونه.
مثلًا: ناد فيه مائة عضو منهم سبعون أميًّا يدفع كل واحد منهم ثلاثة فرنكات شهريًا فتلك 210 تعطى لطالب، ويعلّمهم الكتابة والقراءة، ويقال مثل ذلك في أصحاب الحرف المشتركين في الصنعة.
__________
1) حيٌّ من أحياء مدينةٍ أو قرية.
(1/206)

فإذا استطعنا أن نعمم هذا الترتيب على عشرة نواد وعشرين مجموعة من أصحاب الحرف، فإننا نتوصل في مدة قريبة إلى تعليم نحو من ألفي رجل وإخراجهم من سجن الأميّة، وإلى إيجاد سبيل لمعيشة ثلاثين طالبًا أو إعانتهم على المعيشة.
وهما فائدتان مزدوجتان وغرضان شريفان يشرّف الجمعية جدًّا أن تقوم بهما.
فهاتان الطريقتان اللتان بسطناهما لتعليم الكبار هما أقرب الطرق تحققًا. وإذا كان في تنفيذ الثانية صعوبة، فإن في كل عمل صعوبة، ولكن همم الرجال تدك الجبال. وقد جرّبنا هذه الصعوبات فوجدناها دروسًا نافعة لنا وشاحذة لعزائمنا فلا ترمينا الليالي بحادثة إلا إذا أخذت من نفوسنا مأخذها ثم تركت فينا عزمًا وصلابة وتمرّسًا بمكاره الحياة.
هذا عرض مجمل للأميّة ومضارها وطرق مقاومتها، أعجلني الوقت عن استيعابه وإرسال القول فيه، وتحليله وتكثير طرائقه. وإذا ظهرت ثمراته، فسيكون ذلك داعيًا إلى إعادة القول وتفصيله. والله يأخذ بأيدينا وأيديكم.
(1/207)

إلى كتّاب "البصائر"*
إلى حملة الأقلام من أنصار الجريدة والذادة عنها والحريصين على أن تكون مكانتها في النفوس مكافئة لمكانة الجمعية، نسوق هذه الكلمات الآتية تذكيرًا لحضراتهم وتنبيهًا على ما يجب أن يراعوه فيما يوافون به الجريدة من ثمرات أقلامهم.
إن جريدة البصائر هي لسان حال جمعية العلماء المسلمين. ومعنى هذا أن مبدأ الجريدة هو مبدأ الجمعية، ومبدأ الجمعية وإن تعدّدت مناحيه يرجع إلى كلمتين ذواتي مدلول واسع وهما (العلم والدين).
فالجمعية لم تخرج منذ تأسست عن مبدئها الواضح الجليّ وهو خدمة العلم والدين والدعوة إليهما.
ولسنا نقيم وزنًا لما رماها به المتخرصون الذين لا يفرّقون بين من يعمل لشخصه وبين من يعمل لفكرة عامة، جهلًا منهم، أو لا يريدون أن يفرّقوا مكرًا ومكايدة.
لا نقيم لهؤلاء وأمثالهم وزنًا ما دمنا نعمل عن عقيدة في الحق وإخلاص له، وقد جرّبنا أقوالهم وبلونا آثارها فما كانت إلا وبالًا عليهم وما كانت إلا قوّة للجمعية وتمكينًا لها.
وقد كشف الزمان عن الحقائق، وحقّت كلمة الله فكانت العاقبة للحق والصبر والتقوى {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، اللهم قد صبرنا فآتنا عقبى الصابرين، اللهم وقد غفرنا فاشهد.
__________
* جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 2، الجمعة 15 شوّال 1354هـ 10 جانفي 1936م، وهي الكلمة التي وُجّهت باسم المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين.
(1/208)

إن الجمعية قد جرت على سنة الله في تطور الكائنات وقد كان من أطوارها طور للتمهيد، وطور لإزالة الأنقاض، وهي الآن في طورها الثالث وهو طور البناء والتشييد. ولكل طور من هذه الأطوار حكمه وحكمته وظروفه وملابساته وأسبابه ومقتضياته، كما كان لجرائدها السابقة: السنّة فالشريعة والصراط حظ من هذا التطور، وكان لكل ما نشر في تلك الجرائد ظرف خاص أوجبه، وسبب خاص اقتضاه، وما أكثر المفاجآت في أطوار التمهيد والتأسيس، وما أكثر ما تلد تلك المفاجآت من أشياء تسمّى خروجًا عن الموضوع وما هي إلا من باب ما لا يتم الواجب إلا به، أو من باب الوسائل التي لا تصوّر المقاصد إلا بعد تصويرها، أو من باب الضرورات القاهرة.
إن لله في هذه الجمعية وجرائدها حكمة هو مجليها لوقتها. فقد كانت أسماء جرائدها رموزًا إلى أطوارها، ونحمد الله الذي ألهمنا تسمية هذه الجريدة بالبصائر. فقد تجلّت على الناس في وقت انقشعت فيه سحب الرين والشكوك عن البصائر، وأيقن الناس إلا قليلًا منهم، أن ما تدعو إليه الجمعية من علم ودين حق لا ريب فيه، وستكون "البصائر" البرهان القائم على استبصار الجمعية فيما تدعو إليه من الإصلاح الديني والعلمي، وعلى استبصار الأمّة فيما تدعى إليه منهما.
لذلك كله يجب علينا وعليكم- أيها الإخوان الكرام- أن نسير بالجريدة فيما يكتب فيها على خطة تتفق مع الطور الحاضر للجمعية، وهو طور البناء والتشييد، معتقدين أن حركة الإصلاح هي حركة فرغ من وسائلها وإعداد أذهان العامة والخاصة لقبولها، ولم يبق إلا الاشتغال بالمقاصد العملية، وأهمها توجيه الجهود كلها إلى بيان الحقائق العلمية والدينية بالدروس والمحاضرات والكتابة، وأن كلمة الإصلاح قد أصبحت علمًا غالبًا محدّد المعنى والحقيقة على هذا المبدإ السامي الذي ندعو إليه. ونعتقد أن من حق الله علينا الدعوة إليه، وقد كنا بالأمس قليلًا مستضعفين فأصبحنا- بحمد الله- كثيرًا ظاهرين، وسيعمّ الإصلاح الديني هذه الأمة لا بقوتنا بل بقوة الله، وسيتفق الناس عليه حتى كأن لم يكن بينهم فيه خلاف، وسيهتدي الضال ويرشد الغوي، وثقوا أنه ما اختلف اثنان في الحق إلا وأرغمهما الحق على الاتفاق فيه.
أما هذه الخطة التي يقتضيها التطور فنجملها لكم في الأصول الآتية:

الأول: علاقتنا بالإدارة الجزائرية علاقة صفو ومسالمة بالتي هي أحسن في خصوص دائرتنا التي نعمل لها وهي العلم والدين، والنظر في هذه العلاقة وتحديدها في الجملة من خصائص المجلس الإداري لجمعيتكم، وهو كما تعهدونه وفوق ما تعهدونه لا ينام عن حق ديني أو علمي لهذه الأمّة تخوّلها إياه القوانين والمبادئ الجمهورية، ولا يسكت حيث يجب
(1/209)

النطق ولا يركب لمطالبه إلا المشروع المعقول من الوسائل، ولا ييأس من إنصاف الحكومة وعدلها، فدعوا الكتابة في هذا الأصل- إن لزمت الكتابة فيه- لإخوانكم أعضاء مجلس الإدارة المطّلعين المسيرين لسفينة الجمعية المطلعين على دقائق الأحوال وجلائلها.

الثاني: الشخصيات- وما أدراكم ما الشخصيات- التي ما دخلت في أمر إلا أفسدته، فلا تتنزّلوا لدركاتها ولا تغمسوا أقلامكم في حمأتها.

الثالث: تحامل المتحاملين على الجمعية والجريدة بقصد الشغب وإثارة الكوامن الدفينة، فلا تتشاغلوا بهم ولا تضيّعوا أوقاتكم في الردّ عليهم، إلا أن يكون في الردّ عليهم درء لضرر محقق.

الرابع: أصل النزاع بيننا وبين خصوم الإصلاح، وهذا الأصل هو أدق المواضيع التي كتبت فيها الأقلام وجالت في ميادينها، وكانت تضطر أحيانًا بحكم البيان للحقيقة إلى تسمية الأشياء بأسمائها، فتجرح أقوامًا لم يتعودوا مرارة الحقيقة ولم يوطّنوا أنفسهم على مواجهتها كفاحًا، وهذا أمر قد كفيناه فلا نعود إليه وأصبح من حظ المحاورات الكلامية التي تقع في مجالس الدعوة والتذكير، ونشأت في المصلحين طبقات تقوم بالوسائل وتقوم بالكماليات فأراحوا الكتاب ومهّدوا لهم سبيل التفرغ إلى ما هو أهم وأولى.
أما أقلام كتاب "البصائر" فيجب أن تشرح الحقائق الكلية من دينية وعلمية، وتبيّن الحق بدلائله وشواهده، وتسمّيه باسمه، وتشرح الباطل وتفضحه بشبهاته وأوهامه بما نعهده فيها من نصرة الحق والغضب له، ولكن يجب أن تسمو عن النبذ والتلويح، وفرق بين أسلوب في الكتابة وأسلوب، ومعرض للكلام ومعرض.
وليعلم من لم يكن على بصيرة من أمرنا أننا لا ندعو إلا إلى الله ودينه ونبيّه وسنّة نبيّه وهدي السلف الصالح من أمّته.
وإننا لا ننكر على أحد لذاته أو اسمه أو شهرته، وإنما ننكر على المبطل باطله أو وقوفه في طريق الحق.
ولو أنصف خصومنا لعلموا أن إنكارنا عليهم هو دليل أخوّتنا لهم، بل دليل صدقنا في هذه الأخوّة، فلو لم يكونوا إخواننا في الدين لما أنكرنا عليهم ما أنكره الدين، وأن الدين الذي أوجب علينا أن ننكر المنكر يوجب عليهم الفيئة إلى الحق، ويوجب علينا جميعًا التحاكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه والرضا بحكمهما والتسليم لهما والرجوع إلى سبيلهما الجامعة، وقد دعوناهم إلى هذا ولا نزال ندعوهم، ونسأل الله لنا التوفيق والإخلاص في الدعوة ولهم الهداية والتوفيق للأنصاف، ولا نيأس من روح الله {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
(1/210)

إننا لا نريد التضييق عليكم- أيها الكتّاب الكرام- وإنما نريد إلفاتكم إلى الميادين الفسيحة والمراعي الخصيبة وتوجيهكم إلى ناحية التفكير العميق والبحث المنتج، فأمامكم من المواضيع ما تنفد الأعمار ولا ينفد.
أمامكم حقائق الدين وفضائله، وآداب الإسلام وحكمه فاشرحوها وبيّنوها.
وأمامكم السنن الميتة فأحيوها نشرًا ونصرًا كما أحييتموها علمًا وعملًا، وارفعوا أصواتكم بلزوم إحيائها.
وأمامكم مباحث التاريخ الإسلامي وعبره وعظاته وسير أمجاده فأحيوها تحيوا بها وتحيوا ... !
أمامكم أمراضنا الاجتماعية وجوائحنا النفسية والخلقية التي حجبت عنا وجه الحياة، وأخفت علينا مسالكه فشرحوا الداء وبيّنوا الدواء، ومزّقوا الجلابيب التي أضفاها الجهل على عقولنا فلم تفقه معنى الحياة.
أمامكم العلم بآفاقه المتّسعة فبيّنوا ورغبوا وأهيبوا بالغافلين عنه والمتخلفين عن ركبه أن يشمروا ويسارعوا وأن يتمسكوا بأسبابه ويأخذوه عن أقطابه.
أمامكم اللغة وعلومها وآدابها فابحثوا ونقبوا واحدوا ركابها وطربوا، واسعوا لبيان فضلها سعيكم لتعليمها، وأشربوا قلوب أولاد هذه الأمة: انه ما غرّد بلبل بغير حنجرته.
أمامكم العلم والدين وإذا قلنا لكم العلم والدين فقد قلنا لكم قليلًا ودللناكم على كثير! ...
والإحسان الإحسان- أيها الكتّاب الكرام- فلا تكتبوا إلا فيما تحسنون موضوعه.
(1/211)

كتاب "السعادة الأبدية"*
- 1 -
لسنا في هذا المقال ننقد كتابًا ولا كاتبا وإنما ننقد فكرة خبيثة تمدها عقول وتغذّيها أسباب، ثم تبرز على الألسنة والأقلام بصور مختلفة، فلا يقولن قائل قرأ الكتاب: ما أهون الصيد وما أعظم الصائد؟! وليقرأ المقال إلى آخره فسيتبيّن ما نعني.
"الكاتب"

وقع في يدي، على سبيل المصادفة، كتاب صغير الحجم، فقرأت على غلافه ما يقرأه الناس عادة من اسم الكتاب واسم المؤلف ومحل الطبع الخ.
فإذا هو من النوع الذي يواجه قارئه بجهل مؤلفه من أول سطر. فقد كتب جامعه على الغلاف "السعادة الأبدية" لأبي مدين الخ، فأوهمني كما يوهم كل قارئ أن الكتاب من تأليف "الشيخ أبي مدين" مع أنك لا تكاد تنحدر ببصرك إلى الكتلة الثانية من الكلمات حتى تقرأ لمؤلفه "محمّد حميدو" المدّرس بالمدارس الدولية (1)، فتقول في نفسك: لمن هذا الكتاب يا ترى؟ أهو للشيخ أبي مدين شعيب بن الحسين؟ أم هو للشيخ المدرّس بالمدارس الدولية؟
قرأت تلك الكتل الكلمية المكتوية على الغلاف واستدللت مستعينًا بما أعلمه عن الشيخ أبي مدين من أنه لم يكتب كتابًا ولم يدوّن تأليفًا، على أن الكتاب للثاني لا للأول. ثم تجاذبتني الخواطر: ماذا عسى أن تكون قيمة المؤلف بعد تلك الجهلة الفاضحة في تركيب عربي بسيط لا يخفى على تلميذ فضلًا عن مدرّس في المدارس الدولية؟ وماذا عسى أن
__________
* "البصائر"، السنة الأولى (من السلسلة الأولى)، عدد (18)، بتاريخ 8 ماي 1936، (بدون إمضاء).
1) التابعة للدّولة الفرنسية.
(1/212)

يكون موضوع الكتاب بعد أن لم يدل اسمه على موضوعه؟ وماذا عسى أن تكون الصلة بين الشيخ أبي مدين الصوفي المربي في القرن السادس وبين مدرّس في المدارس الدولية في القرن الرابع عشر، ألا تكون هذه الصلة هي التاريخ؟ ثم ألا يكون موضوع هذا الكتاب الصغير بحثًا تاريخيًا في ناحية من سيرة هذا الصوفي الكبير الذي شغل الناس قرونًا بالحديث عنه بلسان العلم، ثم شغلهم قرونًا أخرى بالحديث عنه بلسان الجهل والتخريف؟ ألا يكون هذا الكتاب الصغير، أسلوبًا ممتعًا من أساليب الدراسة التاريخية الفنية التي يتبجح أمثال هذا المدرّس بإحسانها ويدينون باحتكارها لسادتهم الأوروبيين؟ وما عهدنا ببعيد من ذلك المدرّس الذي كتب يقول ما معناه ان خرّيجي "المدارس" (2) أقدر على تعليم علوم الدنيا والدين! ..
تنازعتني هذه الخواطر قبل أن أفتح الكتاب، وكاد سوء الظن يغلب فأرميه وأحكم عليه بالسخافة حكمًا معجلًا. ولكنني ذكرت المثل "إن الجواد عينه فراره" ففتحت الكتاب فبدأت الجهالات تتوالى، فاعتصمت بالصبر وألزمت نفسي بقراءته كله من شفقه الغارب، إلى فجره الكاذب. فبماذا خرجت من هذه الليلة الداجية؟
لا أكتم القارئ أني خرجت كما تقول العامة بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها، فعاهدت نفسي أن لا أجمع عليها خيبة الأمل في الكتاب ومؤلفه، وحرمان القراء من حديث عنهما، يفيدهم عبرة ومثلًا ويفيد المؤلف شيئًا اسمه "عرفان القدر"، فقد دلّنا بكتابه على أنه لا يعرف قدر نفسه، وما أحوج المؤلف قبل كل الناس إلى مثل هذا الدرس، بل ما أحوجه إلى مثل هذا التأديب، لعله يذكر أو ينيب!
...

أنت، يا حضرة القارئ، صادق إذا سمّيت قرعة الطيور كتابًا لأنك تجد فيه وحدة متناسقة وتأصيلًا وتفريعًا وخروجًا من بلدة إلى مملكة، وكل هذا تنقل إن لم يكن في الصدق ففي النظام.
وأنت صادق حين تسمى مجربات الديربي والزناتي في الرمل ورجوع الشيخ إلى صباه، كتبًا لأنها سخافات منظمة، ولأن لأصحابها ذوقًا في الترتيب وشخصية في الموضوع.
ولكنك لا تصدق أبدًا إذ سميت هذا السواد كتابًا وإن كان صاحبه مدرّسا، وإن سمّاه السعادة الأبدية.
__________
2) هي ثلاث مدارس أنشأتها فرنسا سنة 1857 بالجزائر لتخريج أعوانها الذين يكونون واسطة بينها وبين الشعب الجزائري (قضاة، أئمة، تراجمة) والمدارس توجد في تلمسان والجزائر وقسنطينة.
(1/213)

ذلك أنه ليس لصاحب هذه الورقات شيء فيها يستطيع أن يضع يده عليه ويقول: هذا لي، إلا جملة في مقدمة الكتاب نبز فيها المصلحين بالإنكار على الاولياء فلم يوفق فيها لأنها جاءت نبزة عامية تَنِمُّ عن تصور عامي بسيط في ذهن مستوخم ثقيل، وما عدا تلك الجملة الباردة التي تنبز صاحبها بالجهل قبل أن تنبز المصلحين بالإنكار على الأولياء، ما عدا ذلك، فبضع حكايات منقولة من البستان لابن مريم ومثلها من نفح الطيب، كأن صاحبها قصها بالمقص من الكتابين ووضعها بين أيدي عمال المطبعة لينقلوها بنصها، ويولّدوا منها كتابًا اسمه "السعادة الأبدية" كما يفعل أصحاب جريدة النجاح (مثلًا) بالأهرام والبلاغ وغيرهما ليولّدوا منها جريدة اسمها جريدة النجاح.
فأين كتاب "السعادة الأبدية"، يا حضرة المدرّس، إذا قمنا بحق الوكالة العلمية ورددنا أمانة المقري للمقري وأمانة ابن مريم لابن مريم؟
أين كتاب "السعادة الأبدية" الذي لا نشك أنك أعلنت عنه قبل صدوره- وإن لم نتشرف بوصول الإعلان إلينا- ولا نشك أنك أذعت في قبيلك من المدرّسين وخلطائك من الأوروبيين ورؤسائك من المديرين (المتقاعدين) والواقفين، أنك مشغول بتأليف كتاب في مناقب الشيخ أبي مدين أو كراماته فتطلعوا، واستشرفوا، وترقّبوا، وانتظروا، فإذا بك لم تأتهم إلا بحكايات من كتابين هم أعرف بهما منك، فيا للخجل!
أين أثرك الخاص في الكتاب؟ وأين نتاج ذهنك منه؟ وأين ميسمك فيه؟ وأين طابعك عليه؟ وأين (شخصيتك) كما يقول الأوروبيون الذين طالما تطاولتم علينا باقتفاء آثارهم في طرائق البحث؟
إن شيئًا واحدًا مما سألناك عنه لا يوجد في كتابك، فلتعلم الآن أننا لسنا ننقم عليك صغر حجم الكتاب، فرب كتاب "صغير الحجم كثير العلم"، ولسنا ننقم منك تلك النبزة التي نبزت بها المصلحين في شيء تجهل أصله وفرعه، فما أهونها عليهم، ولسنا ننقم عليك تخصيصك الكرامات بالذكر تأييدًا لتلك النبزة، وإنما ننقم منك ومن أمثالك هذه الشعوذة المزرية بشرف العلم وهذا التهافت المخجل على الكتابة في مباحثه.
إنكم لا تزالون من انتسابكم للعلم وانتحالكم للتدريس تحت حماية "الديبلوم" في غفلة من الدهر وفي أوسع عافية منه، حتى إذا تقحمتم هذا التقحم وتهجمتم هذا التهجم على الكتابة والتأليف انتقم منكم العلم ففضحكم بأيديكم على رؤوس الاشهاد.
ألا أدلك، لوجه الله، على شيء لو فعلته كنت تحسن لنفسك فترفع ذكرها، وتحسن إلى العلم بزيادة شيء نافع فيه، وتحسن إلى القرّاء بإفادتهم شيئًا يقولون عنه هذا فكر المدرّس لا نقله، وتحسن إلى العالم الفكري الذي تعيش فيه وهو عالم لا يعرف (قال) إلا
(1/214)

ناقدًا أو ممحّصًا وإنما يعرف (فكّرت) و (قلت)، وتحسن إلى الأمّة التي تنتسب إليها فتأتيها بشيء جديد، يوقظ فيها الذكرى الصالحة وينبّهها إلى القدوة الحسنة ويرفع رأسها فخرًا ويجلو عليها صفحة بيضاء من صحائف سلفها.
أتدري ما هو هذا الشيء؟
هو هذا الذي وقعت عليه كما يقع الحيوان الأعجم [حاشاك] (3) على الجواهر فيدوسها بأرجله، ولا يدري إلا أنها من جنس ما يداس إذ لم تكن من جنس ما يؤكل. ومع انطباق هذا التشبيه فإنني أدلّك فاسمع:
إننا عرفنا حياة الشيخ أبي مدين حق المعرفة وعرفنا مكانته في علوم الشريعة، وعلمنا مبلغ تأثره بعصره وتأثيره في عصره، وعلمنا سيرته العملية تمام العلم، وقرأنا كلامه في المعارف الإلهية والمنازع الصوفية ووزناها بميزان الشريعة فميّزنا ما يقبل مما يرد، ونحن نعظّمه تعظيمًا شرعيًا راسخًا برسوخ أسبابه لا تعظيمًا تقليديًا زائفًا.
فعلمنا من كل ذلك أن في تاريخ حياته جوانب عامرة، وأن على بعض كلامه إشراق الحكمة وروحانية الحكماء. فلماذا لم تعمد، يا حضرة المدرّس!، إلى البحث في عصره، وروح عصره وتأثيره في عصره، فترضي علماء الأوروبيين الذين تروقهم أمثال هذه المباحث؟ أو إلى جانب من تلك الجوانب العامرة من سيرته فتجلوها على قومك في معرض من الكلام ينبّه الغافل، ويعلم الجاهل، ويزّين لهم الاقتداء في الصالحات، وبهذا ترضي أمّتك الفقيرة إلى مثل هذا.
إننا نبهناك إلى هذا مع علمنا أنك لا تملك وسائله، وما وسائله إلا الذهن النيّر والقريحة الصافية والنيّة الصالحة، قبل ذلك وبعده ...
أما ما جئت به فإن أدنى عامي من سكان قرية "العُبّاد" التي فيها مدفن الشيخ يشاركك في معرفته ويزيد عليك بعشرات من مثله، وإذا ساواك العامي في هذه المادة أو فاقك فيها، فما معنى الديبلوم؟
إننا لا نزال نقول لك ولأمثالك من العوام إن الكرامات هي الجهة العقيمة في سير الصالحين، ونوضح لكم ذلك بأنها ليست من أعمالهم الكسبية التي يقتدى بهم فيها.
أما الجهة العامرة المنتجة من سير الصالحين فهي أعمالهم الصالحة، وأخلاقهم الحميدة، التي يقتدي بهم الناس فيها ويكونون فيها للناس أسوة حسنة. فلماذا تتركون هذه الأعمال التي لا يكون الصالح صالحًا إلا بها، والتي ينتفع بها كل من يقتدي بهم فيها،
__________
3) كلمة تقال في الجزائر إذا جرى الحديث عن شيء مستقبح أو مستقذر. ومعناها (تنزيهًا للقارئ أو السامع).
(1/215)

وتهربون إلى الكرامات التي ليست بشرط في الصلاح الشرعي، وليست مما يمكن الاقتداء فيه؟ ومعنى هذا- إن كنت لا تفهم- أن الصالح لا يكون صالحًا إلا بالأعمال الصالحة المشروعة ولو بغير كرامة، ولكنه لا يكون صالحًا بدون عمل ولو جرت على يديه جميع خوارق الدنيا.
ومعناه أيضا- زيادة في التفهيم حتى يفهم البهيم (4) - أنك تستطيع الاقتداء بالشيخ أبي مدين- رضي الله عنه- في صدق لهجته وفي وقوفه عند حدود الله، وفي برّه بالمساكين، وفي تواضعه ووفائه، وفي حسن عبادته لله، وفي معرفته بقدر نفسه أيضا ... ولكنك لا تستطيع أن تقتدي به فيما يحكى عنه من الكرامات والخوارق- ولو صحّ وقوعها منه- لأنها ليست من عمله الشرعي الذي كُلّف به، وليست من تقوى الله التي يتفاضل بها الصالحون، وليست مناطا شرعيًا للتعظيم.
وهل إذا خضع الأسد للشيخ فلان مثلًا أستطيع أنا الاقتداء به في ذلك، أو يحسن بي أن أقتدي به في ذلك لو استطعته؟ وهل يكون خضوع الأسد للشيخ فلان هو الدليل على صلاحه وولايته واستحقاقه للتعظيم مني؟ وإن كان هذا هو دليل الولاية، فما أكثر أمثال الشيخ فلان في "سيرك عمار" ...
فاعلموا يا هؤلاء، أننا لا ننكر الكرامات، بمعنى أننا نقول إنها لا تقع، ولم تقع، ولن تقع، لا فنحن أعقل من أن نقول هذا. وإنما ننكر افتتانكم بها، وغلوّكم فيها إلى هذا الحد الذي شغلكم عن الاقتداء بالصالحين في الصالحات. وننكر على من غشّكم بها فألهاكم بما لا ينفع عما ينفع. وننكر على الجاهلين الذين لا يفرّقون بين ما يمكن وقوعه وما لا يمكن وقوعه، فلو فهمتم (لنا) أن سنن الله الثابتة لا تخرق [لخاطر] فلان وفلان، وإنما تخرق العوائد، وان العوائد متغيرة، وإن المعتاد قد يصير غير معتاد، وإن غير المعتاد قد يرجع معتادًا. لو فهمتم معنى هذا وفهمتم معنى إكرام الله لعباده لأنكرتموها استهانة بها في جنب ما كرم الله به عباده الصالحين من التوفيق للصالحات.
__________
4) أي الحمار.
(1/216)

- 2 - *
نرجع إلى المدرّس (1):
إن هذا المدرّس لم يزد على أن فضح نفسه وأساء إلى العلم وسخر من قراء كتابه.
أما فضيحته لنفسه فلا شأن لنا بها. والنفس نفسه وقد أنزلها المنزلة اللائقة بها. وأما إساءته إلى العلم فهي التي أنطقتنا. وقد فحصنا الكتاب كما يفحص الطبيب المريض المشرف على الموت، فإذا سكن النبض قال: قد مات. ونحن نقول إن هذا الكتاب ولد سقطا فلم يعمر به فراغ في الخزائن ولا فراغ في النفوس.
وأما سخريته من القرّاء فإنهم لا يفهمون من الكتاب إلا أنه علم، والعلم كالسلع رخيص وغال، فإذا لم يجدوا لا هذا ولا ذاك فماذا عسى أن يقولوا؟
إنهم يقولون إن المؤلف أراد أن يتقرب إلى قلوب طائفة مخصوصة ليروّج كتابه بينها بحكم "الماركة " (2) والاسم، لا بحكم الحقيقة والعلم ... ودليل ذلك أنه بدأ بنبز المصلحين ليدخل من هذا الباب إلى نفوس تلك الطائفة، ثم اقتصر من البحر على قطرة فقال: ومن كراماته، ومن كرامته، لأن هذه هي الجهة الحساسة في الموضوع. وهي كذلك الجهة الرائجة في هذه الأيام (جذبًا ودفعًا) ليكون النبز والكرامات- وهي كل ما في الكتاب- أدعى لرواج الكتاب ...
ولو استشارنا حضرة المؤلف وباح لنا بذات صدره، لقلنا له: لا تطمع في رواج الكتاب بين هذه الطائفة إلا إذا كنت عازمًا على إهداء نسخه كلها. لأن هؤلاء القوم تعوّدوا (هات) ولم يتعوّدوا (هاك)، ولكل امرئ ما تعوّد.
__________
* "البصائر"، السنة الأولى (من السلسلة الأولى)، عدد (19)، بتاريخ 15 ماي 1936.
1) المدرّس المشار إليه هو "عبد الحميد حميدو" لا محمد كما ذُكر خطأ في القسم السابق من المقال.
2) كلمة أجنبية معناها "العلامة".
(1/217)

وقد علمنا من تحرياتنا المستعجلة حين كتابة هذا [التقريظ]، ان أحق الناس بالترويج لهذا الكتاب وتقديم الإعانة المادية له- وهو مقدّم ضريح الشيخ (3) وسادن قبره- رجل عفريت لا يستنزل عن فلوس النذور بمثل هذه الرقية، ولا يتنازل من كبشه، حتى عن أكارعه وكرشه ... وما حاجته إلى هذا الكتاب؟ ومعظم زوّار الضريح ريفيون، وهم من فضل الله على المقدم أميون، وغير الريفيين قد تأثروا بتعاليم ذلك (الأعرج) (4) فلا مطمع في إرجاعهم إلى النية (5) والزيارة بهذا الكتاب، ولا بمآت من مثل هذا الكتاب.
وزيادة على ذلك فإن لهذا المقدم وزملائه منزعًا آخر في بغض الكتب على الإطلاق وتبغيضها للناس كيفما كانت ولو من ماركة السعادة ... ، وهو اعتقادهم أنها تذكّر بالقراءة. والناس- في نظرهم- نيام، فإذا قرأوا استيقظوا.
أرأيت، أيها القارئ، كيف لعبت التصاريف بأخينا المؤلف حتى أوقفته تحت المثل (لَا مَاءَكِ أَبْقَيْتِ وَلَا حِرَكِ أَنْقَيْتِ)؟!
على ان قصد المؤلف للتقرب من هذه الطائفة ليس هو كل ما في الباب. بل علمنا من تحرياتنا وإمعاننا في البحث وتشممنا للروائح وتفرّسنا في [البصمات]، ما هو أهم من هذا وأحق بالاعتبار. وهو بيت القصيد من هذا المقال الطويل.
فقد علمنا- والعلم عند الله- أن للمؤلف صلة طبيعية بمدير متقاعد لمدرسة تلمسان. وقال قائل بعد أن قرأ الكتاب: "إني لأجد ريح فلان لولا أن تفنّدون". قلنا: ومن فلان؟ قال: "هو رجل له دعوى في الاستشراق، وتطفل على موائد المستشرقين، وله اشتغال بالمباحث الإسلامية، وبالأخص الدين والعادات. وهو يتناول هذه المباحث بعقل مريض، ونفس مملوءة حقدًا على الإسلام، وغايته من كل أعماله تصوير الإسلام للأوروبيين تصويرًا مشوّهًا قبيحًا، وحمل الجاهلين منهم بحقائقه على اعتقاد أن الإسلام هو هذه المظاهر السخيفة التي يقوم بها الطرقيون. وقد كان يلقي إلى عهد قريب بمدينة تلمسان محاضرات (اثنينية) على لفيف من عوام المعمرين في هذا الموضوع. ثم وجد من ضباع الطرقيين مطية ذلولًا لبلوغ غايته تلك.
فقد أوحى إليهم- بعد أن اشترى ضمائرهم "بزردة" وضمائر الطرقيين في بطونهم- أن يجتمعوا لميقات يوم معلوم في صعيد واحد على اختلاف نحلهم، ويمثلوا بغاية الدقة أمام آلة التصوير السينمائي كل ما في الطرق من مهازل ومخاز على أنها شعائر إسلامية- كما يقول
__________
3) أي القَيِّم عليه.
4) الأعرج: هو الإمام الإبراهيمي نفسه.
5) معناها الغَفْلَة والبَلَاهة.
(1/218)

الحافظي- ففعلوا، ولاعبت السفافيد البطون، ولعبت الأشداق بقطع الزجاج وأوراق [الهندي] (6) الشائكة، وخرجت الحيات والأفاعى من اسفاطها لتزين هذا المشهد [الإسلامي]،. ولا تنس- فإن القوم لم ينسوا- الأعلام المرفرفة والبنادير المهفهفة، والشارات المختلفة، والكر والايجاف، والرقص والارتجاف، كل ذلك، والآلة المصورة لا تغادر كبيرة ولا صغيرة إلا سجلتها. وخرج من كل ذلك [فيلم سينمائي] محبوك ليعرض على العالم المتمدن مكتوبًا عليه [هذا هو الإسلام]. ولم ينقص من كماله إلا أن السينما لم تكن ناطقة إذ ذاك، ولولا ذلك لسجلت الأذكار، والآهات، والشخرات، والنخرات، ولتشرفت عواصم الحضارة بسماع [والشبليكو يا الهي!] (7).
ونحن لا نقول في هذا الفيلم إلا أنه فضيحة مسجلة، ولا نلوم هذا المدير المستشرق على عمله هذا لأنه عمله الذي خلق له ووقف نفسه عليه. وإنما نعدّ هذا العمل من أوزار الطرقية الآثمة، ومصائبها على الإسلام.
وما هذا بأوّل أوزارها ولا بأوّل مصائبها. ولو لم يكن هؤلاء الطرقيون محسوبين علينا، ولم يكن إفكهم محسوبًا عند أمثال هذا المدير على ديننا، لما زاد اهتمامنا بهم على اهتمامنا بمستشرق جاهل نرد خطأه في العلم، ولا نقوم زيغه في العقيدة.
ولكن القوم محسوبون علينا كرهًا بطبولهم، ومزاميرهم، وزجاجهم، ومساميرهم، وسبحهم، وأعلامهم، وأنصابهم، وأزلامهم. وهيهات أن نسكت عنهم حتى نصفي معهم الحساب، ونميز القشر من اللباب.
علمنا كل هذا وعلمنا معه أن هذا المدير المتقاعد المستشرق لا يزال مغيظًا محنقًا على الإصلاح، ولا يزال يعظ الطرقيين بتلمسان ويذكرهم (خالصًا مخلصًا) بلزوم التمسّك بالعوائد الإسلامية، وبلزوم المحافظة على (البردة) وملحقاتها في الجنائز، كل ذلك لمحبّته في الإسلام والمسلمين ولمحافظته على الآثار ...
فلم نَرْتَبْ في أن للرجل أثرًا في كتاب السعادة الأبدية، وأن (هذا الفسيل من
تلك النخلة) وأن (هذا الفصيل من ذلك الذود)، وابتهجنا باكتشاف عنصر جديد من عناصر البحث، وعامل خفي من عوامل المقاومة للحركة الإصلاحية سنشتغل به ونشغله عن نفسه. وأيضًا أن المسألة ليست مسألة كتاب ومؤلف. ولكنها فكرة تقوم بكل
__________
6) الهَنْدي: التين الشوكي.
7) أخبرنا بعض مصلحي تلمسان أن للعيساوية ذكرًا مخصوصًا يقولون فيه: "والغزالي يا إلهي! والشبلي يا إلهي! الخ."؛ وانهم يحرّفون كلمة [الشبلي] فيقولون: [والشبليكو]. وهكذا يحفظها الأتباع على الأشياخ. وسبحان من طبع على قلوبهم!
(1/219)

كتاب، وبكل مؤلف، وتقوم بكل عمل، فتعجلنا هذه الكلمة ننقد فيها كاتبًا وكتابًا، ونحن في الحقيقة إنما ننقد فكرة خاطئة. ولا نخرج من هذه الكلمة حتى نعد القرّاء بكلمة أخرى فيها قيمة هذا المدير العلمية ببيان أخطائه فيما ترجم ونشر، وشعوذته في سوق الاستشراق، أما آراؤه في الجهة التي تخصّص لها فسيكون لنا معه فيها شأن.
***
(1/220)

أشيخ الإسلام هو أم شيخ المسلمين؟؟ *
لسنا ممن يكبر (شيخ الإسلام) للقبه، ولا ممن يعرفه بمركزه ومنصبه، ولا ممن يزنه بِدَثْرِه ونشبه، ولا ممن يستهوي بديوانه وكتبه، وإنما نكبره لعلمه، ونكبره من نواحي هذا العلم بآثاره في العلم إن كانت، وبأعماله للعلم إن وجدت.
ولكن ما الحيلة؟ وقد طلعت علينا فتواه الأخيرة تحمل هذه الطغرى: فلان شيخ الإسلام لا فلان العالم. فشغلتنا بالنظر في هذه الطغرى عن النظر في كون الفتوى علمًا أو ليست بعلم، وألهتنا بما ننكر عما نعرف. فلنبدأ بالنظر الأول ثم لنعد إلى النظر الثاني. ثم لا يكون اشتغالنا بالنظر الأول عبثًا. فإن هذه الفتوى بمكان هذه الطغرى منها، تقول للناس: إن قوّتي من قوة هذه الطغرى، وشهرتي من شهرتها، وإن موقع هذه الطغرى مني موقع شارة الجندي من الجندي، وسر هذه الشارة في الجندي كما تعلمون هو سر السبعية في السبع يرهب بالمنظر أضعاف ما يرهب بالمخبر. وقد شاع في محافل (الطرقية) بالجزائر وفي محافل (المروقية) (1) بتونس أن لسان حالها يقول: إنني فتوى شيخ الإسلام وكفى.
فوجب أن نقول لها: لا يا هذه، إنك لم تهتكي الخدر على نيام، ولم تطرقي الحمى
عن سواد مغفل، وإنك طفت منا بعقول لا تدين بهذه الألقاب، وإن تشرفت بالإضافة، ونفوس لا تنقاد إلا للدليل وإن كان صاحبه غفلًا من (اللقب) عاطلًا من الرتب، فلا يضيرك عندنا أن لو جئت من عند شيخ ... وبيدك الدليل، ولا ينفعك ان جئت من شيخ الإسلام بصريح التناقض وسخيف التأوبل، فانزعي هذا البرقع وهلم نحتكم على سفور وإن كنا لا نقول به في الغانيات.
__________
* جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 20، الجمعة 1 ربيع الأول 1355هـ / 22 ماي 1936م.
1) المروقيّة: من المَرَق.
(1/221)

أما اننا لا نكبر هذا اللقب فلأننا لم نكبره يوم كانت تعطيه المؤهلات الحقيقية، ولمنحه الرأي العام العلمي. فيقال شيخ الإسلام "ابن القيم" وشيخ الإسلام "ابن حجر" مثلًا فما أغنى هذا اللقب عندنا عن الأول معشار ما أغنى عنه (إعلام الموقعين) وغيره من كتبه، ولا أغنى عن الثاني معشار ما أغنى عنه "فتح الباري" وغيره من آثاره، فكيف نكبره الآن وحاله هي حاله؟
وإن هذا اللقب في أمثال "ابن القيم" ليؤدّي معنى الائتمان على حقائق الإسلام أن تقلب، وعلى عصابة نصره أن تغلب، ومعنى الاحتفاظ على أوضاعه أن تغير، وعلى دلائله الصريحة أن تزور، فيقال في السنّة إنها بدعة، وفي البدعة إنها سنّة، ويقال في دين الله: إن عمل الناس اليوم جرى ... فشيخ الإسلام من هؤلاء هو ناشر حقائق الإسلام في المسلمين إرضاء لله لا ناشر أهواء المسلمين في الإسلام إرضاء لهم ... وسبحان من رفع قدر الإسلام على الأديان حتى في المواضعات العرفية التي تقال على التوسع والتساهل لا على الدقة والتحديد.
أتدرون ما معنى هذا؟
معناه أن الناس يقولون في إطلاقاتهم العرفية "حاخام اليهود" ولا يقولون حاخام اليهودية، ويقولون "بطريرك النصارى" ولا يقولون بطريرك النصرانية. فإذا جاءوا إلى الإسلام قالوا: "شيخ الإسلام" ولم يقولوا شيخ المسلمين، مع أنهم قالوا قديمًا أمير المؤمنين.
إنني أؤمن بأن هذه الأوضاع اللفظية لم ترسل على ألسنة الناس عبثًا، وبأنها اندفعت من أفواههم بسائق وجداني من نفوسهم يؤيّده الواقع، وبشعور متمكّن فيها بأن كلًا من "الحاخام" والبطريرك يسوس أمّة بدين يكيفه على أهوائها ويؤثر رضاها على رضاه، وبأن شيخ الإسلام يسوس أمة بدين ثابت الأساس يحكمه في طباعها لتأتلف، ولا يحكمها في أوضاعه لئلا تختلف، ويروضها على أحكامه وأخلاقه وآدابه لتتأثر به، ولا يروضه على أهوائها لئلا توثّر فيه، وغايته إيثار رضى الدين الحق على رضاها، وبذلك تتم غاية الإسلام في المسلمين، ويتحقق كمال المسلمين بالإسلام، ولهذا أضيف كل واحد من الثلاثة إلى الجهة التي يجب عليه إرضاؤها، وكأن في تلقيب كل واحد بلقبه الخاص به اشعارًا له بالجهة التي يفرض عليه اللقب اعتبارها. وفي ظني أنه لو لم يكن المؤمنون في عهد عمر- رضي الله عنه- مظهرًا للإيمان الحقيقي، ولم تكن أقوالهم وأفعالهم تمثيلًا صحيحًا لحقائقه حتى كأنهما شيء واحد، لما قالوا "أمير المؤمنين" ولما قال لهم عمر: "أنتم المؤمنون وأنا أميركم"، وهل كان المؤمنون في زمن عمر كمؤمني اليوم؟
وإذا استقام هذا فما قولكم- يرحمكم الله- في شيخ الإسلام صاحب الفتوى في قراءة القرآن؟ قولوا ما شئتم، فإنني لا أدعوه بعد اليوم إلا شيخ المسلمين في غير ظلم ولا تحيّز،
(1/222)

بل أعتقد أنني- إذ أسمّيه بهذا- إنما أسمّيه بأحب الأسماء إليه لأنه آثر رضاهم على رضى الحق، وإرضاءهم على إرضاء الدين. ثم لا تسألوني عمن أعني بهؤلاء المسلمين، فهم، بالضرورة غير من أغرى بهم قوة الحاكمين.
وما ظنكم؟ لو أن التاريخ الإسلامي العامر يؤلف من عظمائه هيئة (امتحان) ويكون من أصولها أن تعطي على درجات الامتحان ألقابًا معرفة لا غالية ولا مجحفة، ثم يتقدم إليها "ابن القيم" بكتاب "زاد المعاد" على أنه "أطروحته" العلمية، ألا يكون الإنصاف أن يعطى لقب شيخ الإسلام؟ ويتقدم إليها الشيخ الطاهر بن عاشور بفتواه هذه على أنها "تازه" (2) العلمي (وعفوًا فإن لكل زمان تعبيرًا) ألا يكون من العدل أن يعطى لقب شيخ المسلمين؟
هذه هي حجتي فيما اعتزمت عليه، فإن غضب الشيخ، فأمري وأمر الإسلام إلى الله.
والآن- وقد فرغنا من جهة اللقب وبينا قيمته عندنا وأسباب هوانه علينا وأنصفنا الحق- نتكلم على الجهة العلمية فنصف الشيخ كما هو وننصفه، ثم نتكلم عن الجهة العملية. (وله الله علينا اننا ننصفه). ولعل الشيخ إذا تنزل وقرأ كلامنا وسلّم أننا أنصفناه في واحدة، يتحقق أننا أنصفناه في الجميع. ولعله بعد ذلك ينصفنا من نفسه كما أنصفناه من نفوسنا.
كنتُ من عشرين عامًا مضت- وأنا بدمشق الشام- أسمع ذكر الأستاذ "الطاهر بن عاشور" من إخواننا الذين رافقوه في مراحل التحصيل بجامع الزيتونة، فكانوا يتفقون على عدّه في مقدمة الأذكياء من طبقتهم. ثمّ يتفقون على عدّه بعد التخرّج في طليعة المتخرّجين على الطريقة الاستدلالية في العلم، مع اعترافهم بأن هذه الطريقة ليست نتيجة للتعليم الزيتوني وحده، ثم يرتقي به بعضهم فيعده في زمرة العلماء المستقلين في العالم الإسلامي، والمستقل في مذهبنا الكتابي اليوم هو الذي يحكم الدليل. وغلا بعضهم- في مجلس لا أزال أذكره- فعقد تنظيرًا بينه وبين رجل من أئمة العلم والإصلاح ولا أزال أخجل كلما ذكرت ذلك التنظير.
وكانوا يعدون بجنبه أذكياء آخرين قطعتهم العوائق عن إتمام التحصيل، أو عاقتهم الوظائف عن إظهار المواهب. فكنا نتأسف جميعًا لفعل العوائق بالأذكياء ولحرمان الأمّة من ثمرات ذكائهم، ولم نكن ندري إذ ذاك أننا سنتأسف على ذكاء الشيخ الذي لم تعقه العوائق عن التحصيل بل ساعدته الأيام على العلم. وانفسحت أمامه سبله، وأمدّته خزانة جده العالم، وخزانة جده الوزير بأسباب البحث والتوسع وأمدّه نشبهما بوسائل الانقطاع للعلم والتفرغ له.
كنت أسمع هذا كله عن الأستاذ فلا أصدّق ولا أكذّب، جريًا على طبعي في عدم الحكم على الأشياء قبل استبانة آثارها، ولم أكن قرأت له إلا تقريظًا، وتأبينًا لا يدلان على
__________
2) من الكلمة الأجنبية these أي الأُطروحة الجامعية.
(1/223)

طائل. ثم وردت من المشرق على تونس، وعرض لي من أول يوم ما زهدني في الشيخ، فقد حملني بعض أصدقائه من المشرق أمانة كلامية أبلغته إياها بواسطة لمكان العجلة. وفهمت من جوابه ما دلّني على مقدار الوفاء في الرجل ... وعلى شيء آخر لا أسمّيه. ثم عرفت الشيخ بخلصائه وخواص تلامذته أكثر مما عرفته بشخصه، ومن هؤلاء من أعتقد سداده وأحترم رأيه ولا أتهم ذوقه في تحديد القيم العلمية، فعرفت منهم ومن القليل الذي قرأته للشيخ من الآثار، أنه على جانب من استقلال الفكر، وحيوية التفكير وأنه واسع الاطلاع، ممتع المذاكرة، يقظ البديهة، ملمّ بأحوال زمانه، يرجع منه جليسه إلى ذهن كيس، وطبع مرتاض على الآداب المدوّنة، ويرجع منه مذاكره في أحوال المسلمين إلى ذاكرة واعية لشؤونهم وشعور بآلامهم وآمالهم وعلم دقيق بأمراضهم الاجتماعية والدينية.
وهل أنبئكم بمقياس آخر غريب من مقاييسي الخاصة في وزن الرجل؟
كنت قرأت- وأنا بالمدينة المنوّرة- تفسير المرزوقي لديوان الحماسة، وهو تفسير أي تفسير!
ولما دخلت الشام بحثت عن نسخة منه فلم أظفر بها، فذكرته في مجالس الأدباء، ونوّهت بمكانته وشوّقتهم إليه وتعاهدنا على أن ننسخه إذا ظفرنا به، ونروّجه حتى يقيّض الله له من يطبعه.
ولما قدمت إلى تونس مصرًّا على ذلك العهد، سألت عن الكتاب فقيل لي إنه موجود، لإنه مستعار عند "الشيخ الطاهر بن عاشور"، وإنه يكاد يحتكره احتكارًا. فكان هذا الخبر (بمجرده) مزيدًا في قيمة الرجل الأدبية عندي لأن حسن اختيار الكتب أول عوامل الإصلاح في نفس العالم.
هذه معرفتي بالرجل من جهته العلمية، ولولا هذه المعرفة لما أبهت لفتواه الأخيرة في قراءة القرآن على الأموات، ولعددتها كما هي في الواقع من ذلك النوع الرخيص الذي لا صلة فيه بين المسألة ودليلها. وقد امتلأت المجلّدات بالألوف من هذا النوع فماذا عسى أن تقلد فيه واحدة؟
أما جهة الرجل العملية، فإنني أصرّح على رؤوس الأشهاد، والأسى يحزّ الفؤاد، ان أمل الأمّة خاب فيه من أول خطوة خطاها في حياته العملية، فالرجل بموجب قيمته العلمية لم يخلق لنفسه، بل نقول إنه لم يخلق للأمّة التونسية وحدها وإنما هو للأمّة الإسلامية كلها، وإن الأمّة الإسلامية لا تتشابك- على كثرة المفرّقات- إلا بهؤلاء العلماء الذين يجتمعون على استقلال الفكر واتحاد الوجهة. ولا تتلاقى في الدين- على كثرة القواطع- إلا على هذه المعاني السامية في نفوس هؤلاء العلماء، وهي معان تستمد قوّتها من (قال الله وقال رسوله).
(1/224)

وإننا لا نجد لصاحبنا أثرًا يُذكر في هذا الميدان ولا صالحًا من الأعمال حصل على يده للأمة التونسية أو للأمّة الإسلامية.
فقد ولي صاحبنا القضاء، أو قضاء الجماعة على اصطلاحنا. وهذا المنصب بتونس في حقيقة أمره شعبة من شعب الملك، بل معنى من معاني التمكين و (حرز) من خواصه المنع والتحصين، واكسير يحيل الخروج عن الحد إلى نتائج الضد، فلا تسمّى السيئة معه باسمها، ولا يترتب عليها ما يترتب على السيّئات من عذل أو عزل، بل تعدّ من أسباب الترقية، وقد دام هذا إلى وقت قريب.
فهذا المنصب طريق واسعة إلى الإصلاح وميدان فسيح للأعمال، ووسيلة يفترصها الرجال العاملون لإظهار مواهبهم، ولا ينقص صاحبها إلا أن يكون عالمًا، وصاحبنا الشيخ عالم كما وصفناه، وأنصفناه، وأول ما يحتاج إلى الإصلاح- حين ولي هذا المنصب- القضاء الشرعي نفسه في نظمه وتراتيبه وتوضيح مناهج التداعي، وحسم أسباب الشر في المنازعات الوراثية المتسلسلة، وتربية العائلة القضائية من أعوان وشهود ووكلاء ومقاديم على العفة والنزاهة. والقضاء هو المظهر الأول للعزة، فلم يجر صاحبنا في الإصلاح قدمًا، ولم يجرّر فيه قلمًا وضاعت الفرصة على محبي الإصلاح والعاملين للإصلاح.
ثم (ارتقى) إلى الإفتاء، وهو وسيلة لا تقلّ عن سابقتها شأنًا وقوة لو استُخدمت في الإصلاح لأتت بنتائج ذات خطر، ثم إلى رئاسة الإفتاء المالكي فيما أظن، (وهنا خانتني الذاكرة)، ثم تمخضت الأحداث الطافرة عن تبدّل في الأوضاع وتفنن لا خطر له في عالم الاختراع، فأصبح صاحبنا شيخًا للجامع المعمور وشيخ إسلام. وتهيأت له بهذه الوظائف التي لا وراءها كل أسباب العمل، وأصبح يظاهر بين درعين من الثقة به والرضى عنه، ويستند إلى ركنين من المشيختين. فماذا فعل؟ وماذا أجدت مشيخته للجامع على الجامع؟ وكنا ننتظر للجامع في أيامه إصلاحًا واسع النطاق، وسعدًا مشرق الآفاق، فلم تكن إلا تلك النكبة المشؤومة على الجامع وعلى المسلمين والتي مهّدت السبيل للداء الوبيل؟
وهذه جهته العملية جلوناها على القرّاء باختصار، وإذا محّصنا هذه الجهة التي هي مناط الإكبار للرجل فلم نجد فيها كبيرًا لم يبق لفتياه من شأن إلا أنها فتوى رجل فقيه ... ينقدها من يشاء نقدها ولو كانت ملفوفة في (شال) ويتركها من يشاء تركها، فما ثقل بها ميزان ولا شال.
أما أنا فإنني أحتفظ بحقي في المسألة.
وبعد، فهل يظن الشيخ أننا لا نعرف من أحوال تونس إلا كما يعرف هو من أحوال الجزائر مثلًا؟ أو أننا لا نعنى بها وبغيرها من بلدان الإسلام إلا بشبه من عنايته؟ أو يتوهم أن
(1/225)

مكانة تونس في نفوسنا ومكانة جامعها المعمور كمكانة شاطئ خير الدين من نفسه؟ أو يعد كلامنا إذا تكلمنا عن تونس فضولًا ولغوًا.
ليعلم الشيخ أننا- والحمد لله- نعرف عن بلدان الإسلام ما يعرفه هو عن المرسى والديوان، وأن الدار ليست داره وحده، وأن أخوّة الإسلام توجب علينا أن نمد أعيننا إلى ما وراء الرسميات والجغرافيات، فنحاسب أمثاله إن وجب الحساب، ونعاتبهم إذا لزم العتاب، وإننا نفهم من "جامع الزيتونة" و "الأزهر" وغيرهما أنها أوطان جامعة للمسلمين تذوب فيها الاعتبارات الفارقة، وتموت بين جدرانها النزعات المارقة، فما ثم إلا الإسلام ولسانه.
وإننا نحمل لهذه (الأوطان الجامعة) من الاحترام والتقدير ما لا نحمله لديارنا ومتَبَوَّإِ صغارنا، ونتمنى لها أن تتقدم فتخرج الودائع الكمينة، وتحقق المعاني الدفينة.
وإن حال هذا الكاتب بالخصوص مع جامع الزيتونة كالحال التي يقول فيها شوقي للأزهر:
مَا ضَرَّنِي أَنْ لَيْسَ أُفُقُكَ مَطْلَعِي … وَعَلَى كَوَاكِبِهِ تَعَلَّمْتُ السُّرَى
فأنا لم أتخرج في جامع الزيتونة، ولم أقرأ فيه حرفًا، ولكني تخرّجت، بالمدينة المنوّرة، على أضوإ كواكب الزيتونة في وقته ولا أحابي؛ الشيخ "محمد العزيز الوزير التونسي"- رحمه الله- فكانت لي بسببه صلة بالزيتونة مرعية المتات، آمنة الانبتات (وإلى اللقاء يا جناب الشيخ).
__________
تعليق: في الجزء الثالث من آثار الإمام الإبراهيمي- عيون البصائر- وفي المقال المعنون: "الرجال أعمال". نجد الإمام الإبراهيمي ينوّه تنويهًا عظيمًا بالأستاذ الشيخ الطاهر بن عاشور في صورة تخالف الصورة المرسومة هنا؛ وهي حالة تذكرنا بموقف عمرو بن الأهتم من الصحابي الزبرقان بن بدر في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد مدحه مدحًا كريمًا ثم هجاه هجوًا أليمًا في وقت واحدث؛ ولما رأى الاستغراب في وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "والله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى، رضيت عن ابن عمّي فقلت أحسن ما علمت ولم أكذب، وسخطت فقلت أقبح ما علمت ولم أكذب". فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من البيان لسحرًا". انظر العقد الفريد، لابن عبد ربه، ج 2، - صلى الله عليه وسلم - 64 - 65 [عبد الرحمن شيبان].
(1/226)

بين عالم وشاعر*
دارت مكاتبة خاصة بين الأستاذ الإبراهيمي وشاعر الشباب وكانت في أمر يتصل بسير الحياة العام. كانت في بؤس طائف طافه بالشاعر، فحاول العالم تعويذه بآيات الأمل وتمائم الرجاء، فلما اجتمعنا بالصديقين انتزعنا منهما ما دار بينهما، ورأينا من حقوق قراء "الشهاب" الاطلاع عليه، لا سيّما وقد كان مثير هذا الحوار قصيدة (1) نُشرت في مجلتهم.
...
----------
كتاب العالم
----------
الحمد لله وحده
تلمسان يوم 3 صفر 1355
إلى ولدي الروحي الأستاذ محمد العيد
ولدي:
طالما قرأت في وجهك الشاحب آيات الحزن، وتلمحت في قسماتك دلائل الهم والأسى، وكم حَرَّكْتُك بمعاريض من القول علني أستبين شيئاً من حقيقة هذا الهم الدفين
__________
* مجلة "الشهاب"، الجزء الثالث، المجلد 12، جوان 1936، [ص:135].
1) قصيدة للشاعر محمد العيد، نُشرت في "الشهاب"، الجزء الثاني، المجلد الثاني عشر، ماي 1936، [ص:64] تحت عنوان "زفرات".
(1/227)

الذي تنطوي عليه أحناؤك وهذا الأسى المبرح الذي أعلم أنك تقاسيه. فكنت كمن يستجلي المعنى الدقيق من اللفظ المعقّد، وإن بين التعقيد ونفوس الشعراء "الأتقياء" نسباً وثيقاً. ويا لله للنفوس الشاعرة التقية وما تلاقيه من عناء ممض يتقاضاها الشعر إطلاقاً، فيتقاضاها التقى تقييداً ... لها الله فماذا تفعل!
أتظن أننا جاهلون بهذه المنازع العجيبة التي تنزعها في شعرك وبمناشئها من نفسك، فاحمد الله على أن في قومك من يعرفها ويتذوقها ويطرب لها ...
ما لهذه النفس الكبيرة في هذا الهيكل الصغير يهفو بها الشعر في مضطربه الواسع فلا يبلغ مداه حتى يقول:
خلا القلب من حب العباد وبغضهم … وأصبح بيتاً للذي حرم البيتا
ويقول: وتبت يا رب تبت
ويقول اليوم:
ولولا رجاء الذي … إليه أنا زالف
إنها، وأبيك، لنزوة الشعر تعتلج في الفؤاد بنزعة التقى.
طالما سمعت منك كلمة "اليأس"، وبودّي أن لا أسمعها منك مرة أخرى لأنني أعدها غميزة في شاعريتك. ولولا شذوذ نعرفه في نفوس الشعراء كأنه من معاني كمالهم لما صدّقنا باجتماع اليأس والشعر، وكيف ييأس الشاعر وهو ملك مملكة الآمال وسلطان جو الخيال. فإن كان تقياً رجع من "رجاء الله" إلى ما لا يحدّ له أمد. فكيف تيأس نفس الشاعر لولا ذلك الشذوذ؟
لقد قال أولكم:
حرك مناك إذا اغتـ … ـمت فإنهن مراوح
وما قالها لغيره إلا بعد أن جرّبها في نفسه ... فلا تيأس يابني ولا تكذب إمامك الذي يقول: خلق الشاعر سمحاً طرباً.
قرأت زفراتك هذه الساعة في الشهاب وأنا طريح الفراش، أعالج زكاماً مستعصياً ونزلة شعبية، وسعالاً مزمناً وأولاداً يطلبون القوت أربع مرات في اليوم وتلاميذ يطلبون الدرس سبع مرات في اليوم والليلة فقلت: وهذه أخرى. إن ولدنا هذا لذو حق. وكتبت لك هذه الكلمات كما يكتب الأب الشفيق إلى ولده الرفيق. وعسى أن يكون فيها ترويح لخاطرك.

محمد البشير الإبراهيمي
(1/228)

جواب الشاعر (2)
أبي ((البشير)) سلام … زاكٍ وشوق كبير
لا زلت فينا منارًا … بضوئه نستنير
وافى كتابُك يهدي … إليَّ المنى ويشير
تذكو العبارة فيه … ما ليس يذكو العبير
إذا فؤاديَ سال … به وطَرْفي قرير
قَدِ ارتددت بصيرًا … فكيف يغوى البصير؟
قميص يوسف ألقى … به عليَّ (البشير)!
يا آسي اليأس زدني … كشفاً فأنت خبير
اليأس داء عسيف … والبرء منه عسير
فرجت عن مستطار … بلاؤه مستطير
وكدت تجلو ضميري … لو كان يجلى الضمير!
فليس يجزيك عني … إلّا الإله القدير
غفرانه لم يشقى … في الخلق جم غفير!؟
شقّ المرائر إربًا … هذا الشقاء المرير!
كم للمعافين جار … من بوسه يستجير
يرى كجذلان حر … وهو الأسيف الأسير
يا لاهج الذكر باسمي … والجاحدون كثير!
لا باد فينا لك اسم … ولا انقضى لك خير
عفوًا فإن يراعي … عيٌّ وباعي قصير
عفوًا فما لي جناح … به إليك أطير
لا قَفْوَ إثرَ سَريٍّ … فوق الثريا ... يسير
نفحتني بخطاب … كالزهر وهو نضير
فهل تعير بيانًا … لرده هل تعير؟؟
يعيا الفرزدق عما … تقوله وجرير
يا واصف الخير زدني … من وصف ما تستخير
يدق بين ضلوعي … قلب كسيف كسير
أخشى عليه انتكاسًا … والانتكاس خطير
صِفْ وصفةً ليَ أخرى … فيها الشِّفاء الأخير

محمد العيد آل خليفة
__________
2) "الشهاب"، الجزء الثالث، المجلد 12، جوان 1936، [ص:137].
(1/229)

"لا يبني مستقبل الامّة إلا الأمّة"*
- 1 -
أي أبنائي!
إني أنا الأم الولود المنجبة … للطرف الغرّ الحسان المعجبة
…… فلم غدت محاسني محجبة؟ ……
ولدت الغرّ الميامين، من آبائكم الأولين، فأوسعوني برًّا وتكرمة، وكافأوني وفاءً وإحسانًا. وفد عليّ الإسلام فكنت له حصنًا، ووفدت معه اللغة العربية فقلت لها حسنًا. ثم اتخذتهما مفخرتي دهري، ووضعتهما بين سحري ونحري، وأقسمت أن أتلقب بهما طول عمري. ألا لستم لي حتى ترعوا عهدي برعاية عهدهما، وتحقّقوا وعدي بالاستماتة في سبيلهما.
أنا الأم، ومن حق الأم أن تسمّي ولدها، وقد سمّيتكم العرب المسلمين وأشهدت التاريخ فسجّل. فلستم مني إن عققتموني بتبديل الاسم أو تفريق المسمّى.
إني قريرة العين بيومكم هذا إذ وسمتموه بوسمي، وسميتموه باسمي، وشرّفتموه بالإسلام، وزنتموه بالعروبة.
"لسان حال الجزائر"

هبّت الأمّة الإسلامية الجزائرية بجميع طبقاتها على تلك الدعوة الجامعة التي أذاعها "الأستاذ عبد الحميد بن باديس" رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والدكتور "ابن جلول" رئيس جمعية النواب بعمالة قسنطينة إلى عقد مؤتمر إسلامي جزائري عام، تُعرض فيه
__________
* جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 23، الجمعة 22 ربيع الأول 1355هـ/ 12 جوان 1936م.
(1/230)

مطالب الأمة وحقوقها، وتتبادل فيه الآراء بين علماء الأمة ونوابها وذوي الرأي منها فيما يتفق من هذه المطالب والحقوق مع الأوضاع الحكومية الحاضرة.
هبّت الأمّة كلّها على صوت الداعي فأعلنت يقظتها وشعورها واستعدادها، وتضامنها واتحادها، وساعدها (اعتدال الزمان) على إظهار قواها الكامنة، وعلى انطلاق ألسنتها بالتعبير الواضح عن آلامها، فتجلّت جزائريتها وإسلامها للعيان في يوم مشهود هو يوم 17 ربيع الأول سنة 1355هـ الموافق ليوم 7 جوان 1936، وفي مدينة تاريخية هي مدينة الجزائر، وفي صالة "الماجستيك" الفسيحة.
لم يمض على الجزائر الإسلامية، في تاريخ ارتباطها السياسي بفرنسا، يوم أغرّ محجل، تمثّلت فيه الأمّة روحًا وجسمًا، وتلاشت فيه الفوارق الاعتبارية كهذا اليوم. ففيه التقى، عن فكرة وعقيدة، الجزائري بأخويه القسنطيني والوهراني، وفيه اجتمع- على تلك الفكرة- المصلحون والطرقيون وعلماء الدين ورجال السياسة، والشيوخ والشبان والتجار والفلاحون والعمال، جمعت الكل صفتا الإسلام والجزائرية، ووحّدتهم قسوة الأيام، وألّفت بينهم المحن والهموم، فاندفعت ألسنتهم تعبّر عن رغائب الدين بلغة الدين، وعن رغائب الدنيا بلغة السياسة.
والنقطة التي يلتقي عندها الكل، هي الإسلام والجزائرية، لذلك كان ضروريًا أن يكون مدار البحث على الإسلام ولسانه، والمسلم وحقوقه في الحياة.
...

انعقد المؤتمر برئاسة الزعيم السياسي الدكتور ابن جلول، نائب قسنطينة المالي (1) ومستشارها العمالي (2) ورئيس جمعية نوابها، ومثّل فيه نواب العمالات الثلاث جميع منتخبيهم، ومثّلت فيه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المعنى العالي الذي هو سمة المؤتمر، وهو الإسلام، فحق أن يقال: إن الأمة الجزائرية كلها حُشرت في هذا المؤتمر، وإن قدرت الجرائد الفرنسية من ضمتهم قاعة المؤتمر بخمسة أو ستة آلاف شخص وحزرناهم نحن بسبعة آلاف أو يزيدون.
سبق يوم المؤتمر يوم تمهيدي بنادي الترقّي اجتمع فيه أنصار المؤتمر من شبّان العمالات الثلاث، قدموا في شكل جمعيات مفوّضة من طبقات الشباب الراقي العامل ليمثّلوا عنصر
__________
1) نسبة إلى المجلس العالي الذي أسّسته فرنسا سنة 1900 بالجزائر، ليشرف على ماليتها، وقد كان بمثابة البرلمان. أُلْغِيَ سنة 1947، وعُوّض بما يسمّى "المجلس الجزائري".
2) نسبةً إلى العَمَالَة وهي المحافظة أو الولاية.
(1/231)

التجديد في الأمّة، ولينصروا المؤتمر ويؤيّدوا النواب ويعينوهم بالقول والعمل، وشاركهم في هذا الاجتماع كثير من نواب العمالات الثلاث أيضًا. وكم كان جميلًا من أولئك الشبان ومن أولئك النواب أن يلوذوا بجمعية العلماء المسلمين، ويسترشدوا بها ويمزجوا رأيها برأيهم، ويظهروا مجتمعين على معنى الوفاء لها والإخلاص لمبادئها والاعتراف بفضلها على هذه الأمّة فيما أيقظت من مشاعر، ونبّهت من إحساسات وجمعت على المصلحة العامة من قلوب!
وكانت الليلة التي أسفر صباحها عن المؤتمر، تمهيدية أيضًا، تقاربت فيها وجوه النظر المختلفة حتى اتفقت، وكانت ليلة بهيجة اجتمعت فيها عناصر القوة الثلاثة: العلماء والنواب والشبان، وتمثلت فيها العمالات الثلاث أكمل تمثيل.
وخلاصة ما استقر عليه الرأي في هذه الليلة، أن المطالب الجزائرية تنقسم إلى قسمين:
قسم لا يختلف فيه نظر ولا يتشعب فيه رأي، لأنه عبارة عن مظالم صريحة وأوضاع شاذة كانت تعامل بها الجزائر بصورة استثنائية، كحرية القول والفكر والكتابة والاجتماع والتنقل والتعليم العربي والمساجد وكرفع القوانين الاستثنائية الشاذة الخ.
وقسم يحتاج إلى تأمل ودقة نظر، وهي الحقوق السياسية، وأشد مسائل هذا القسم تعقيدًا مسألة النيابة في البرلمان.
وقد كانت تغمر المحافل الجزائرية أسماء برامج عتيقة في وضعها أو في معناها، ولكل برنامج أشياع وأنصار، وكان من رأي كاتب هذه الأسطر وجماعة من المفكرين، إلغاء تلك البرامج كلها، لأنها وُضعت في ظروف ضيقة وبُنيت على اعتبارات فردية، وفي بعضها ما لا يتفق مع الرغائب الجزائرية الإسلامية، وفي بعضها ما يتصادم مع الذاتية الجزائرية الإسلامية ووضع برنامج إسلامي جزائري روحًا ومعنًى واسمًا، ينتزع من حالة المسلم الجزائري التي هو عليها الآن، وكان من حسن التوفيق أن رجعت الآراء إلى هذا الرأي، فاجتمع الحاضرون في تلك الليلة التمهيدية على تسمية المؤتمر باسم "المؤتمر الجزائري الإسلامي"، وعلى عدم اعتبار البرامج القديمة أساسًا له، وعلى المطالبة بحقوق المسلم الجزائري السياسية تامة غير منقوصة مع المحافظة التامة على أحواله الشخصية الإسلامية تامة غير منقوصة مع إصلاح الخلل الواقع فيها الآن، وعلى إعطائه حق النيابة في البرلمان على أساس الانتخاب المشترك المتحد بحيث ينتخب المسلمون مع الفرنسيين نائبًا واحدًا سواء كان مسلمًا أو فرنسيًا، وكل مسلم له حق الانتخاب اليوم في المجالس الجزائرية من بلدية وغيرها، له حق الانتخاب في النيابة البرلمانية.
ثم المساواة في الحقوق التي تتبع هذا التساوي في الانتخاب النيابي البرلماني.
وتفاوض الحاضرون في جميع المسائل التي يجب عرضها في المؤتمر وتقديمها باسمه، وفي نظام المؤتمر ومكتبه وخطبائه، فوقع الاتفاق الإجماعي على إسناد رئاسة المؤتمر للزعيم
(1/232)

السياسي الدكتور ابن جلول، وتأليف المكتب من النواب والعلماء والشبان، فمن النواب على الجزائر: الدكتور تامزالي النائب المالي، والدكتور البشير عبد الوهاب النائب العمالي، والسيد محمد الطاهر طيار، والصيدلي عبد الرحمن بوكردنّه، النائبان البلديان.
وعن قسنطينة: السيد عبد الرحمن بن خلاف، والدكتور سعدان، والصيدلي عباس فرحات، النواب العماليون.
وعن وهران: السيد محمد بن سليمان النائب البلدي بتلمسان، ونائب رئيس جمعية النواب بوهران، والدكتور الجيلاني بن التهامي، والسيد محمد لالوت، النائبان البلديان.
وعن العلماء: الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي.
وعن الشبان والهيئات الاجتماعية جماعة منهم.
ووقع الاتفاق، على أن يتكلم باسم وهران الدكتور ابن التهامي، فيعلن للمؤتمر تضامن وهران مع العمالتين في جميع المطالب، ويتكلم باسم الجزائر الدكتور عبد الوهاب بمثل ذلك، ويتكلم باسم قسنطينة الصيدلي عباس فرحات، ثم يتعاقب الخطباء.
(1/233)

- 2 - *
يوم المؤتمر:
ما كادت الساعة المقرّرة لافتتاح المؤتمر تدق، حتى كانت قاعة "الماجستيك" الفسيحة وإيوانها الفخم وشرفاتها كلها، مكتظة بالوافدين من الأقطار الثلاثة (1)، فكان منظرًا مؤثّرًا، وإن الناظر ليدرك لأول نظرة أن طبقات الأمّة كلها تمثّلت في المؤتمر، فترى العامل، والتلميذ والفلاح، والغني، والفقير، والوجيه، والخامل، والفتى، والشيخ، ممتزجين متلاصقين، فتحكم بالبداهة كيفما كان سنّك وحظك من شهود المجتمعات، أنه أول مشهد من نوعه شهدته في عمرك بهذا الوطن.
انتظم المكتب بهيئته التي أسلفنا القول عنها واستقرّ رجال الصحافة في المقاعد التي خُصّصت لهم، وافتتح المؤتمر الدكتور عبد النور تامزالي النائب المالي والبلدي بكلمة رحّب فيها بالمؤتمرين وتمنّى لهم النجاح باسم مدينة الجزائر التي هو عضو في مجلسها البلدي، ونائب شيخها.
ثم قام رئيس المؤتمر الدكتور صالح بن جلول فخطب خطبة طويلة وصف فيها حالة الأمة، وبيّن الأسباب الداعية لعقد المؤتمر والمقاصد التي ستعرض عليه. وأعلن في الأخير أن النواب كلهم مجمعون على المطالبة بالحقوق السياسية، ومنها التمثيل في البرلمان لا على أسس البرامج الشخصية الرائجة، بل على أسس المساواة التامة والتعميم التام، والمحافظة التامة على الأحوال الذاتية الإسلامية بحيث ينتخب الجزائريون على اختلاف أجناسهم، نائبًا واحدًا، ويكون حق الانتخاب البرلماني حقًّا لكل مسلم جزائري له حق الانتخاب المحلي، مع المحافظة والاعتراف للمسلم الجزائري بذاتيته الشخصية الإسلامية وأحكامه الإسلامية.
__________
* جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 24، الجمعة 29 ربيع الأول 1355هـ/ 19 جوان 1936م.
1) أي المقاطعات الثلاث أو المحافظات الثلاث وهي وهران، والجزائر العاصمة وقسنطينة.
(1/234)

ثم قام بعده الدكتور الجيلاني بن التهامي النائب البلدي بمستغانم متكلمًا باسم اتحاد نواب عمالة وهران، فأعلن للمؤتمرين تضامن جمعيته مع جمعيات النواب على هذه المطالب.
وقام بعده الدكتور البشير عبد الوهاب نائب البليدة العمالي، فأعلن باسم نواب عمالة الجزائر تضامنهم مع إخوانهم على تلك المطالب.
وتكلم بعده الصيدلي عباس فرحات نائب سطيف العمالي، فأعلن ما أعلنه زميلاه من قبل، وعلم شاهدو المؤتمر أن كلمة النواب مجتمعة على المطالب ومتفقة في النقطة التي كانت محل نزاع وهي نقطة التمثيل البرلماني وكيفيته.
ثم تكلم الدكتور سعدان نائب بسكرة العمالي عن سكان القسم العسكري الجنوبي (2)، فاقترح على المؤتمر المطالبة بحذف المحاكم العسكرية الشاذة وتصيير الأقسام الجنويية مدنية، فوافق المؤتمر بالإجماع على هذا الاقتراح.
ثم فتح الرئيس الباب للخطباء من النواب والعلماء والشبان على ترتيبهم المقرر، فخطب نحو العشرة منهم، وكانت خطب النواب والشباب كلها دائرة على أن الجزائر المخلصة المرتبطة بفرنسا ارتباطًا وثيقًا المقيمة على ولائها لها في أيام الشدة والرخاء أصدق البراهين، ليس من العدل ولا من الإنصاف أن لا تأخذ حقها في الحياة مستوفى. وليس من العدل ولا من الإنصاف أن ترزأ في ذاتيتها، وأن تدفعها ثمنًا لتلك الحقوق زيادة على ما دفعته من أثمان غالية. وأنها تحافظ على هذه الذاتية التي هي مناط فخرها بكل الوسائل، وأنها تساس في القرن العشرين بقوانين استثنائية لا تليق بمكانتها ولا بسمعة فرنسا. فمن الحق والعدل أن تُلغى هذه القوانين الجائرة وتُمحى من الوجود، وأنها محرومة في القرن العشرين من الحقوق التي يتمتع بها الفرنسيون. فمن الحق والعدل أن تشاركهم في التمتع بتلك الحقوق كما شاركتهم في القيام بالواجبات.
ثم انتهى دور الخطابة إلى العلماء، فخطب الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خطبة مؤثرة نوّه فيها بقيمة هذا المؤتمر في تاريخ الجزائر. فعلا الهتاف والتصفيق، ثم تخلص إلى ذكر المطالب الخاصة بالدين واللغة العربية فشرحها للناس شرحًا وافيًا، وأعلن أنه قدم بخلاصة تلك المطالب تقريرًا لمكتب المؤتمر لينظمه مع المطالب الجزائرية. وتقدم للحاضرين بأن يرفعوا أيديهم إن كانوا موافقين على هذه المطالب، فارتفعت في لحظة واحدة سبعة آلاف يد وعلا الهتاف.
...
__________
2) كان جنوب الجزائر خاضعًا للحكم الفرنسي العسكري.
(1/235)

كان الدكتور ابن جلول رئيس المؤتمر قد تعرّض في الاجتماع التمهيدي للمؤتمر- للغة المؤتمر وهل تقع المفاوضات والمحادثات فيه بالعربية أو الفرنسية، فحكم الواقع في المسألة وهو أن تكون الخطب السياسية باللغة الفرنسية لتتأدى المعاني بألفاظها الاصطلاحية وليكون مراد المؤتمر منها واضحًا لا شبهة فيه، وليكون صدى المؤتمر مطابقًا لحقيقته، ولتسهل مهمة الصحافيين الأوروبيين، وأن تكون الخطب المتعلقة بالمطالب الدينية من علماء الدين باللغة العربية.
لذلك كانت الخطب التي سبقت خطبة الأستاذ الشيخ ابن باديس- ما عدا خطبة الأستاذ العمودي- كلها بالفرنسية. وكانت أول خطبة ألقيت باللغة العربية الفصحى هي خطبة الأستاذ ابن باديس، فأرهفت الآذان وطفح البشر على وجوه الحاضرين. وخطب بعده كاتب هذه الأسطر. والأستاذ الشيخ الطيب العقبي، فتجارت اللغتان في المؤتمر إلى غاية واحدة وتمثّلت فيه تمثّلًا صحيحًا.
كانت خطبة الأستاذ الشيخ الطيب العقبي طويلة، وكانت فيها مواقف فائرة، تعرض فيها لبعض المعاملات الشاذة والقرارات الجائرة، في مسألة المساجد والجمعية الدينية في الجزائر. فنقد تلك المعاملات، وتلك القرارات نقدًا حارًّا، ولم يكن فيه خارجًا عن الموضوع كما زعم بعض الناس، لأن الأستاذ العقبي لم يتعرض لقرار منع التدريس الحر في المساجد إلا استدراكًا على الخطباء الذين تعرّضوا لقرار شوطان وقرار ريني، وطلبوا إلغاءهما فذكرهم الأستاذ بأن هناك قرارًا ثالثًا (3) نسوه مع أنه لا يقلّ عنهما شذوذًا ومنافاة للعدل والإنصاف.
...

نص المطالب التي قدّمها لمكتب المؤتمر رئيس جمعية العلماء خاصة بالدين واللغة العربية.

اللغة العربية
تعتبر اللغة العربية رسمية مثل اللغة الفرنسية، وتُكتب بها مع الفرنسية جميع المناشير الرسمية، وتعامل صحافتها مثل الصحافة الفرنسية، وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرّة مثل اللغة الفرنسية.
__________
3) المقصود هو القرار المعروف باسم "ميشال" الأمين العام لولاية الجزائر بالعاصمة. وقد صدر القرار سنة 1933، ويقضي بمنع أعضاء جمعية العلماء من إلقاء دروس الوعظ والإرشاد والتعليم في المساجد.
(1/236)

الديانة
1 - المساجد: تسلم المساجد للمسلمين مع تعيين مقدار من ميزانية الجزائر لها يتناسب مع أوقافها، وتتولى أمرها جمعيات دينية مؤسسة على منوال القوانين المتعلقة بفصل الدين عن الحكومة.
2 - التعليم الديني: تؤسس كلية لعلوم الدين ولسانه العربي لتخريج موظفي المساجد من أئمة وخطباء ومدرّسين ومؤذّنين وقيّمين وغيرهم.
3 - القضاء: ينظّم القضاء، بوضع مجلة أحكام شرعية على يد هيئة إسلامية، يكون انتخابها تحت إشراف الجمعيات الدينية المشار إليها في الفصل السابق، وإدخال إصلاحات على المدارس التي يتخرج منها رجال المحاكم، منها تدريس تلك المجلة، والتحقق بالعلوم الشرعية الإسلامية، وطبع التعليم بطابعها لتكوين رجال يكونون من أصدق الممثلين لها.
"عبد الحميد بن باديس"

ختم المؤتمر بالموافقة الإجماعية على كل ما عُرض عليه من المطالب، وبالموافقة على أن يرفع باسم المؤتمر الشكر للحكومة الشعبية والثقة بها بتلغراف تُليت مسودته على المؤتمر فأقرّها.
ثم عرضت اقتراحات خاصة قبلت كلها بالإجماع، منها التنويه بالرجال العاملين للقضية الجزائرية وذكرهم بالخير، فتقرر إرسال تشكرات المؤتمر للوزيرين فيوليت وموتي على مساعيهما المحمودة لخير الجزائريين. وتقرّرت إقامة تذكار للأمير خالد الجزائري، وهتف المؤتمرون باسم "م. ألبان روزي" باعتبار أنه أول من رفع صوته من السياسيين بحق الجزائر. واقترح الأستاذ العقبي عقد مثل هذا المؤتمر كلما جدّ في القضية الجزائرية شيء، فقبل هذا الاقتراح بالإجماع.
ولما كان من الأصول المتّبعة في كل مؤتمر تأسيس لجنة تنفيذية باسمه تنظّم أعماله ومقرراته وتتعقبها وتواصل العمل على تنفيذها ورفعها إلى المراجع الخاصة، فقد كان آخر ما قرّره المؤتمر الإسلامي الجزائري لزوم تأسيس لجنة تنفيذية للمؤتمر تقوم بتلك الأعمال، وترك النظر في نظامها وأعضائها لمكتب المؤتمر على أن يؤسسها في مساء ذلك اليوم.
وفي مساء يوم المؤتمر اجتمع زعماء النواب ورؤساء اللجان بنادي الترقّي وقرروا تأسيس لجنة وقتية تتركب من ثلاثة نواب وثلاثة من العلماء وثلاثة من الشبان، تتولى تنظيم المطالب وترتيبها وتسعى في تكوين اللجنة التنفيذية التي يجب أن تكون دائرتها أوسع والتمثيل فيها أعم. فتألفت اللجنة الوقتية من الدكتور ابن جلول، والمحامي طالب عبد السلام، والصيدلي
(1/237)

عبد الرحمن بوكردنه عن النواب، والشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ محمد خير الدين عن العلماء، والسيد ابن الحاج، والسيد بو شامة، والسيد عبد الله العنابي عن الشبان.
وقد واصلت هذه اللجنة الوقتية أعمالها وعقدت جلسات متعددة، فرتّبت المطالب ونظّمت أوراق المؤتمر، وقرّرت- في سبيل تكوين اللجنة التنفيذية- أن تسعى في تأسيس لجان تسمّى لجان المؤتمر في المدن الكبرى من العمالات الثلاث، وكل مدينة تستتبع ملحقاتها لتكون هذه اللجان الفرعية قوة ومددًا للمؤتمر، وأن تنتدب كل لجنة عضوًا من أعضائها ليكون عضوًا في اللجنة التنفيذية.
وقرّرت اللجنة الوقتية عقد اجتماع في الخامس جويلية الآتي بنادي الترقي بالجزائر، يحضره نواب اللجان المنتدبون عنها لتكوين اللجنة التنفيذية منهم، وفي هذا الاجتماع تسلّم اللجنة الوقتية أعمالها والمطالب والأوراق التي تحت يدها، للجنة التنفيذية.
وبعد أن أتمّت اللجنة الوقتية أعمالها الأولية سلّمت جميع ملفات المطالب إلى هيئة متركّبة من الأستاذ ابن الحاج، والأستاذ الأمين العمودي، والسيد اوزقان، لأنهم مقيمون بمدينة الجزائر، وعهدت إليهم بحفظ الملفات حتى تسلّم إلى اللجنة التنفيذية وبمخابرة لجان المؤتمر وتلقي الأجوبة منهم بعنوان الأستاذ ابن الحاج.
وتفرّق بقية الأعضاء ليسعوا في تأسيس تلك اللجان قبل الخامس جويلية.
وفّق الله العاملين وأعانهم وسدّد خطاهم ووقاهم شر المفسدين.
...

هذا وصف مجمل للمؤتمر وخلاصة موجزة عن أعماله، وقد وصفته الجرائد الفرنسية الصادقة في مهنتها أحسن وصف، وصوّرته الجرائد العربية الصادقة في دينها ووطنيتها أصدق تصوير.
ولم يبق بعد هذا إلا عمل الأمّة، وعملها في هذا الباب محصور في تأييد المؤتمر بالقول والفعل وإزالة العراقيل من طريقه، وحمايته من كيد الكائدين، والمحافظة على روحه ومبادئه، ووصفيه الجميلين الإسلام والجزائرية، فالمؤتمر مؤتمر الأمّة الجزائرية الإسلامية. باسمها انعقد وباسمها تكلم ولمصلحتها سعى، وعن رغائبها عثر، وعن حقوقها دافع وناضل، فلتمدّه بالتأييد والمعونة، ولتحذر شرور المفسدين والخائنين والموسوسين والدساسين ولتقابلهم بما يستحقونه من النبذ والخذلان!!!
إن هذا المؤتمر هو حجر الأساس في بناء مستقبل الأمّة، ولا يبني مستقبل الأمة إلا الأمّة.
(1/238)

- 3 - *
من آثار المؤتمر الإسلامي
طاف بالأمة الجزائرية في سنينها الأخيرة طائف من يقظة وانتباه لا عهد لها به في سنيّها الغابرة. وتفشت تلك اليقظة في جميع طبقات الأمة كما يتفشّى الروح الحيواني في أجزاء البدن كلها. وانتظم ذلك الانتباه جميع مرافق الحياة المادية والمعنوية في الأمّة فظهرت آثاره جلية في التفكير. وظهرت آثاره في الإقبال على العلم. وظهرت آثاره في الاقتصاد والعمل وظهرت أخيرًا في السياسة.
وكان من أول ما تنبّه له شعورها- وهي بين النوم واليقظة- أن تجلو ماضيها القريب معتبرة، وتبلو حاضرها المضطرب مختبرة، لتقدم على بناء مستقبلها مستبصرة، فإذا في ذلك الماضي ما تَزِرُّ العيون منه على مثل القذى، وتنقلب النفوس منه بما ينقلب به الحي من السوأة العريانة، أنقاض من الخرافات لابست الدين الحق حتى أصبحت تسمّى دينًا، وأشتات متناقضة من الاستسلام المطلق باسم الدين، مظهره الانقياد لتجار الدين، ومن الثوران الجامح باسم الحفاظ والغيرة. مَظْهَرُهُ عداء مستحر بين ذوي القربى في الوطن، ونزاع مستمر بين ذوي القربى في الرحم وقد أَمِرَ أَمْرُ هذه الرذائل حتى أصبحت تسمّى فضائل.
وأخلاط من عواري الميول والمشارب تلوّنت بها النفوس الجوفاء حتى أصبحت تسمّى أخلاقًا، وسفاسف من لغو الحديث لا تثير ذكرى ولا تذكي حماسًا، ولا تهز عاطفة، وقد غمرت المجامع حتى أصبحت تسمّى أدبًا.
__________
* جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 26، الجمعة 13 ربيع الثاني 1355هـ/ 3 جويلية 1936م.
وكتب هذا المقال بمناسبة انعقاد المؤتمر الإسلامي الجزائري.
(1/239)

ومجموعة من الرطانات لا تجلي قصدًا ولا تبين مرادًا ولا تترجم عن مكنون، وقد استولت على الألسنة والأقلام فأصبحت تسمّى لغة.
وأمشاج متنافرة من التقاليد الزائفة والعادات المرذولة داخلت المجتمع فأصبحت تسمّى اجتماعًا، هذا هو الباب الأخير من تاريخ الماضي الذي استجلته الأمة الجزائرية فلم يجل لها إلا المحزن المكرث.
ثم انفتحت عينها من حاضرها على دين قد عبث به العابثون واتخذوه مكسبة، وأزهقوا روحه وجرّدوه من أسباب القوة والتأثير، وعطلوه من خصائصه ومزاياه، وكانوا عونًا لأعدائه على هدمه، وعلى دنيا ليست كدنيا الناس وكأنما اقتطعت من زمان غير هذا الزمان لتبقى أثرًا عاديًا في متحف الوجود ممثلة للعيان ما تمثّله الصورة الفوتوغرافية في كتاب تاريخ ...
وعلى رقعة من الأرض زكية الاغلال طيبة الغلال، تناهبتها الأيدي العاتية وتقاسمتها الكتائب المغيرة حتى لم يبق لها منها إلا حظ الميت، قبر يمسح بالشبر ولكنها على رغم ذلك تسمّى وطنًا.
وعلى أوشال من الرزق يبضّ بها الكد المرهق وينتضح بها العرق المتصبب، وينطف معها دم المهج، وتنتزع من أنياب الأفاعي انتزاعًا ولكنها مع ذلك كله تسمّى مالًا ...
وعلى غثاء من الأناسي كغثاء السيل المتساوي الغيبة والمشهد في تقدير حياته، لا يحكم ما يريد ولا يفقه ما يراد به، قد محت الأحداث من مخيلته معنى الماضي فهو يعيش بلا ماض، ومعنى المستقبل فهو لا يفكر في مستقبل إلا بأضعاث من الآمال لم تسندها أعمال، كل اعتماده في المستقبل على ميت مقبور أو معدوم (منتظر)، ولكن هذا الغثاء برغم ذلك كله يسمّى أمّة ...
وعلى قضايا ملفوظة ومسائل محفوظة، مقطوعة العلائق مع أدلّتها، مجفوة الأرحام من أصولها تسلخ عليها الأعمار، وتقطع عليها الأنفاس، لم يعمل فيها فكر ولم يرضها تمحيص، ولكنها مع ذلك تسمّى علمًا ...
وعلى عوائد متوالدة بين أب (باهلي) وأم حنظلية، وقد فاض عليها جلال الدين وقدسية العبادات فأصبحت تسمّى شعائر دينية ...
وعلى قيادة روحانية سفيهة شهوانية عارمة، تحكمت في أفكار الأمّة بالوهم، وتسلطت عليها بما يشبه التنويم المغناطيسي، ومكّنت فيها للذلة والفقر فهيأتها للفناء العاجل كل ذلك باسم الدين.
(1/240)

وعلى قيادة بدنية مستنزفة قد تعرقت القوى تعرّقًا وامتصتها امتصاصًا وعمدت إلى مواقع الشعور من الأمّة فضربت عليها بالخدر والترقيد، وإلى منابع الرجولة فيها، فغورت قلبها ولم تستبق فيها من أسباب التفكير إلا ما يهيئُهَا للتسخير.
وقد اصطلحت تلك القيادة وهذه السيادة على كل ما يفسد الأمّة ويضعف روحها ويشلّ حيويتها من جهل وفقر وكل ما يلده الجهل والفقر من مفاسد وموبقات.
هل رأيت جسمًا اصطلحت عليه الأدواء والعلل وتآخت على هيكله حتى كأن بينها- على تباين أسبابها- رحمًا مبرورة؟
ذئاب من القادة تتخطف، وصوالجة من السادة تتلقف، أفيبقى على هذين باقية من أمّة أو بقية من كائن؟ اللهم لا.
وآخر ما فتحت عليه عينها سياسة مضطربة الجوانب، مقلقة الركائب، لا يقرّ لها قرار إلا على المنشور "والقرار"، ولا تبنى أبياتها إلا على الوتد المفروق، والقاعدة ذات الشذوذات والفروق، والأسباب الخفية المتقلبة مع الغروب والشروق.
إن أمّة تفتح عينها على مثل هذا وتشعر بعواقبه ومصايره، ثم لا تموت من شدة الفزع والهول لأمّة ممدودة أسباب البقاء متراخية حبال العمر، جزيلة الحظ من الحياة وكذلك تكون الأمّة الجزائرية إن شاء الله.
بلى، وإن سنن الله في الأمم غير سننه في الأفراد {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}. دهش هؤلاء القادة الروحانيون لهذه الحالة المفاجئة التي ظهرت على الأمّة الجزائرية وعدّوها غريبة، واعتبروها نذير شؤم على سلطانهم الوهمي ومخيلة اضمحلال لقوّتهم الكاذبة. وأقبلوا على الأمّة يهدّئونها كما يهدّأ الصبي، يحاولون المحال من ردّها إلى النوم الذي نفضته جفونها والمهاد الذي جافته جنوبها. وأنّى يستطيب المهاد، أو يعاود النوم من لفحته الشمس المهجرة وفاتته الركبان المبكرة واستشعر التخلف فاعتزم اللحاق، هذا ما لا يكون.
ولما استيأس القادة وكذّبهم الأمل، كرّوا على الأصوات التي أيقظت الأمّة والنذر التي أهابت بها إلى الانتباه يوسعونها لعنًا وسبًّا، ويصبّون الشتم والقذف عليها صبًّا، ويبذلون الوسع في إخماد نأمتها وإخفات أصواتها، ولكن صدق عليهم المثل "أوسعتُهم سبًّا وراحوا بالإبل".
ووجم السادة لهذه الحالة وعدّوها مريبة، وامتدت ظنونهم السيئة بها إلى غير حدّ، ينتحلون الأسباب، ويخترعون العلل ويبتكرون من الوسائل ما يعيد النائم إلى نومه. ولكن هيهات للسيل إذا أتى أتيه أن يقف قبل أن يمدّ مدّه، ويبلغ حدّه.
(1/241)

ومن يسدّ طريق العارض الهطل؟
وقد كان بين دهشة الأولين، وبين وجوم الآخرين مجال لعمل العاملين. ومهّدت دهشة المفاجأة ووجوم البغت لهذه الحالة الطارئة فأصبحت حالة طبيعية قارة يحفها من جلال الحق ما يزيدها روعة، ويمدّها من أهل الحق وأنصاره في كل يوم ما يرفدها بالمعونة والأخذ باليد، ويوليها على الزمان رسوخًا واتساعًا. وليس بعد التثاؤب والتمطي إلا الانتعاش والانبعاث، ولكن ماذا يصنع خائر القوى من فعل السنين، مقصوم الظهر من ثقل الأحداث، واني الخطا من طول الخدر، متخاذل الأعصاب من كثرة السكون؟ .. أيتحامل على ضلع ويتكلف القوة ليغبر في وجوه السابقين، لم له عذره إن سقط في مقدمة الركب من الإعياء؟ أم يستجم ليعدّ العدّة وإن طالت المدة؟
إن الأمّة الجزائرية لم تعدم من لطف الله ما يبيّن لها السداد في أوجه الرأي المختلفة ويهديها إلى سلوك المنهج الواضح، إذا دقت الموالج والمخارج، فقد أفاقت من نومتها في عجيج من الأصوات اختلط فيها الناصح بالغاش، وعلى فتنة متماحلة التبس فيها الحق بالباطل والهدى بالضلال. ولكن الله اللطيف- جلت قدرته- خار لها وألهمها رشدها ووفّقها لبناء حياتها- على بصيرة- على قديم ديني مستقيم وجديد دنيوي واضح. ورأت على ضوء ذلك الإلهام أنه لا يستقيم لها عمل، ولا يواتيها نجاح فيما هي مقدمة عليه من تجديد في حياتها إلا مع التنقيح المعجّل لكل ما ورثته من أخلاق، لا تنهض بصاحبها في عصر النهوض، والعزل البات لأولئك الذين كانوا يتحكمون في إرادتها وضميرها ويصرفونها كما يشاؤون وتشاء أهواؤهم، لا على ما تقتضيه مصلحتها والقطع الحاسم لتلك الأيدي الآثمة وتلك الألسن الخاطئة التي كانت تسعى للتفريق وتدعو إلى التفريق.
وقد بدأت الأمّة تنفّذ ما صمّمت عليه فأصبحت تربأ بمقادتها أن تضعها في يد من تلك الأيدي التي قادتها زمنًا طويلًا، فما قادتها إلا إلى الخزي والنكال، وتبعد عن صفوفها كل أفاك أثيم يزيّن لها الباطل ويشوّه لها الحق، ويغريها بالتفرق لتذل ويحقرها إلى نفسها لتمتهن، وهي ماضية في هذا التنقيح ممعنة فيه واصلة منه- إن شاء الله- في الزمن القريب إلى أشرف الغايات.
(1/242)

يوم الجزائر*
من الوفود؟ تترامى بهم قطر الحديد، من كل فج سحيق، وتتهادى بهم السيارات، من مختلف النواحي والجهات، تهوي أفئدتهم إلى مدينة الجزائر، ولو كان وراء البحر مطلب لخاضوا البحر إليه، أو كان في أعماقه مأرب لغاصوا في لججه عليه.
من الوفود؟ يعلو وجوههم البشر والابتهاج، وتلوح على قسماتهم أَمارات الفرح والسرور، وترتسم على أساريرهم سمات الطرب والارتياح. لم يزدادوا على النصب إلا نشاطًا، ولم يورثهم اللغوب إلا عزمًا ومضاءً، لم يعقهم شغل، ولم تثبطهم حاجة، ولم يثنهم بعد شقة.
من الوفود؟ تواردت توارد القطا على منهل، وتزاحمت تزاحم الحجيج على منسك، تحدثك عنهم سيماهم انهم قوم تنازعتهم آمال دافعة، وأشغال قاطعة، فهجروا الأشغال وانقادوا للآمال، وتقرأ من حركاتهم واتجاهاتهم، وتطلعهم، وتحسبهم أنهم قدموا لغاية واحدة وأنهم كانوا فيها على ميعاد، وتستعرضهم تصعيدًا وتصويبًا، فلا ترى فيهم إلا المغوار وأبا المغوار فتقول إنهم جمعوا على تثويب متجاوب الأصداء وحشروا لميقات يوم معلوم، وأن الذي جمع هذه الأشتات على اتحاد الوجهة وائتلاف المنزع كما تجمع طاقة الزهر على الحسن والشذى لا على التئام الألوان، واتساق الأوراق والأغصان، لأمر خطير ونبأ عظيم.
من العلماء؟ يزجرون المواكب ويقودون الكتائب، ويقدمون الصفوف ويمهدون لأنفسهم مكان العامل في الجملة والطليعة من الحملة. والبسملة من اللوح يشاركون في الرأي
__________
* بيان شامل للمؤتمر الإسلامي الجزائري، مجلة "الشهاب"، الجزء الرابع، المجلد 12، جويلية 1936م
(1/243)

ويساهمون في المشورة ويرتجلون الفتيا في المشاكل المستعصية فتأتي كفلق الصبح. وتعلو أصواتهم بالدعوة إلى الاجتماعات، والخطابة في المجتمعات، يُراع حمى الدين فإذا هم ذادة، وتُدعى الأمّة إلى العظائم فإذا هم قادة، ويمثّلون للأمّة علماء سلفها الذين كانوا معاقلها المنيعة عند حلول النوائب، وأعلامها الهادية عند اشتباه المسالك، ومراجعها إذا ناب خطب أو حزب كرب بعد أن كان الظن بهم أنهم قرّاء فواتح وكتاب "خواتم" وأحلاس معابد كبر شأنهم في الأمّة أن يقولوا هذا حرام وهذا حلال.
من النواب؟ الموفون بالعهد على شيوع الختر، المنجزون للوعد على كثرة الإخلاف، الحاملون للأمانة على انتشار الخيانة والغدر، المضطلعون بما حملوا من أعباء على فشو القصور والتقصير، المسيّرون للسفينة في موج كالجبال وليل خافت الذبال، وعواصف هوجاء، وطريق محفوفة بالأخطار ملتوية عوجاء، السائرون بالقافلة في صحراء طامسة الاعلام دامسة الظلام على هداية الرأي الأصيل إذا أعوز الدليل، والبصيرة النافذة إذا غش المستشار، والحق البين إذا اشتجرت المطامع والأهواء، والصبر الجميل إذا تقولت السياسة، والعزيمة الصادقة إذا ساور اليأس.
من الشبان؟ فتيان الحمى وجنود الحق ورعاة الماضي وبناة المستقبل ومعاقد الأمل الباسم، وطلائع العهد الجديد، ومستودع القوة في الأمّة، وسرّ التجدّد والاستمرار فيها، ومبعث النشاط والحياة منها.
ما لهم يتدفقون تدفق السيل، ويندفعون اندفاع الأَتِيِّ المزبد؟
ما بالهم ينبعثون انبعاث السهام المسدّدة فلا يطيش منهم سهم ولا تخطى لهم رماية؟
ما بالهم متساوين كأسنان المشط، مستوسقين ككعوب الرمح متسقين كنجوم الجوزاء؟ كأن لم تكفهم قوة الشباب ولم يقنعهم سلطان الشباب فأرادوا أن يسندوهما بقوة الاتحاد وسلطان الاتحاد؟
ما بالهم يخرجون عن طبع الشباب ويتنصلون من غرارة الشباب فيتّسمون بوقار الشيخوخة وجلالها ويظهرون بمظهر الحنكة والتمرّس؟
مهلًا فلذات الأكباد، وثمرات الأفئدة، وتزوّدوها نصيحة خالصة محضتها التجربة ومحّصها الاختبار، قد مضى أمسكم بخيره وشرّه، وسينطوي يومكم هذا على غرّه، وإنما أنتم أبناء الغد والغد محجوب، فتدرعوا له بالأخلاق الفاضلة تملكوا أزمته وتتقوا مذمته، وإنما أنتم موكولون إلى العمل والعمل محسوب، فأعيذكم أن يقول التاريخ عنكم ما قال عنا، وإنما أنتم أبناء العروبة والإسلام فكونوا للعروبة والإسلام.
(1/244)

أفتمارونني على ما أرى؟ أما والله ما كذب العيان ولا أخطأ الحدس انها- وأبيكم- لَلأُمّة الجزائرية المسلمة العربية الفتية الناهضة، نفضت الغبار في غير تثاقل ولا تناعس، وستغبر في وجوه السابقين.
إنها الأمّة الجزائرية وقد أسلمت مقادتها لمن يحسن القيادة في دينها ودنياها، بعد أن استفاقت على وقع الأحداث وإلحاح العوادي وحلول الغير ونعيق النعاة وتلاعب الأيدي السفيهة تعلن حياتها، وتثبت وجودها وتستأنف تاريخها وتبني مستقبلها بيدها، وتعيد المعجزات العيسوية كرة أخرى، نطق في المهد، أو قيام من اللحد.

أمس واليوم
كانت حالة الجزائر قبل اليوم حالة مريبة لا تدعو إلى الاطمئنان. تفرق شنيع في الأمّة لم يسلم معه دين ولا دنيا. والتباس حالك في المقاصد لا يظهر معه خطأ من صواب، ولا غي من رشد، ولا مفسدة من مصلحة، وسفه فظيع في الانتخابات لم يثمر إلا شَنآنًا وتمزيقًا. ولم يلد إلا نوابًا لا يغنون عند حلول الخطب بالأمّة غناء، وكانت السياسة الجزائرية تسير إلى غايات الاستعمار المتطرفة على أوضاع شاذة، هي شر ما خلفت عصور العسف والظلم. وكانت الأمّة محرومة حتى من رفع الصوت بالشكوى والتظلم، فلم يكن من المرجو لهذه الأمّة أن يدال ليسرها من العسر ولسعادتها من الشقاء، حتى قيّض الله لها من رفع صوته بالإصلاح وهيّأها للاجتماع على الصالحات فتدرجت في هذا السبيل واستبانت طريق الهدى فسارت عليه، وأول ما أونس منها من بواكير الرشد حسن اختيارها لنوابها ومحاسبتها لهم على أعمالهم واجتماعها على المطالبة بحقوقها بواسطتهم.
رفعت الأمّة الجزائرية صوتها مطالبة بحقوقها عدة مرات بواسطة نوابها الأحرار فرادى ومجتمعين. وخاطبوا حكومة الجزائر مرارًا فلم يلقوا منها إلّا كل معاكسة لما كان يسودها من تأثير حزب الاستعمار، وسافر وفد النواب المعلوم إلى فرنسا في صيف سنة 33 فلقي تلك الخيبة المريرة التي أذكت حماسة الشعب الجزائري فضاعفت نشاطه، وكانت عليه خيرًا عميمًا، وأنتجت للسياسة الاستعمارية عكس ما تريد.
وكانت حكومة فرنسا كلما تعالى صوت المطالبة تعمد إلى المسكنات والمخدرات، فأرسلت مرة لجنة من مجلس الشيوخ يرأسها م. فيوليت الوالي العام الأسبق للجزائر لتدرس الحالة وتشير بالعلاج. وأرسلت أخيرًا وزير الداخلية لذلك العهد م. ريني. ولم تكن لتلك المسكنات من نتيجة ولا تأثير، والحالة بالجزائر لا تزداد إلا ارتباكًا. وحالة المسلم الجزائري تنتقل من سيّئ إلى أسوأ. والحكومة الجزائرية متصاممة عن سماع صوت المطالبة، ممعنة في
(1/245)

إخفائه، إلى أن جاءت نتيجة الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة بفوز أحزاب الجبهة الشعبية، فارتفع صوت الأمة الجزائرية بالمطالبة من جديد وحدثت فكرة المؤتمر.

سرّ تعليق الآمال على الجبهة الشعبية
يهرف الجاهلون بحقيقة المسلم الجزائري أو المريدون به شرًّا بكلمات لا قيمة لها في تأويل المظهر الذي ظهر به الجزائريون من تعليق آمالهم وإعلان ثقتهم في الجبهة الشعبية، ويفسّرون هذا المظهر بأنه اتجاه حقيقي نفساني نحو الاشتراكية المتطرفة أو الشيوعية، وهو تفسير خاطئ بعيد عن الحقيقة. فإن المسلم الجزائري قد أقام الأدلة التاريخية على تصلبه في جزائريته وإسلامه، وعلى أنه ليس من السهل على الأحداث أن تكيّفه بغير كيفيته التي طبعها عليه دينه ومقوّماته. وهو بعد شكور على الإحسان لأول ما يرى مخايله، وقد تعاقبت على فرنسا في عهدها الأخير حكومات تنتمي إلى أحزاب، فلم تر الجزائر من جميعها بارقة خير ولا مخيلة إحسان ولو بالقول، ولا شفقة عليها ولا رحمة بها ولا رثاء لحالها، بل كانت على العكس من ذلك ترى من تلك الحكومات المتعاقبة زيادة في الإرهاق وإمعانًا في العسف، وتسمع عبارات التهديد والوعيد صريحة فصيحة، وقد تسمع في بعض الأوقات الوعود المعسولة فتبادر بالشكر المضاعف ثم لا تكون النتيجة على طول الانتظار والصبر إلا الخيبة وتجرع مرارة الإخلاف.
فلما فازت الأحزاب الشعبية، ومبادئها الإنسانية معروفة لجميع الناس، وبادرت بالإعلان بلسان صحفها والإفصاح عما تبيّته للشعب الجزائري من إصلاح سياسي واجتماعي، وما تضمره له من خير ورحمة هو أهل لهما، وَاحْتَفَّ بتلك التصريحات والوعود ما دلّ على أنها ليست من جنس الوعود السالفة التي لم ينجز منها ولا واحد. لمّا وقع كل ذلك، كان من المعقول جدًا أن يكون هوى المسلمين الجزائريين مع الجبهة الشعبية وميلهم إليها وأن يقابلوا الخير بمثله، خصوصًا وقد كانت تلك التصريحات والوعود من أحزاب اليسار مصوغة في قالب يقتضي العطف على الشعب الجزائري والاعتراف بجميله وأهليته لتلك الحقوق، ويا ما أشرف عرفان الجميل إذا كان متبادلًا بين الطرفين.
إن من خصائص هذه الأمّة الجزائرية عرفان الجميل لأهله ومكافأة الإحسان بالإحسان، وهي خلال طبعها عليها دينها. وقد سمعت من أحزاب اليسار وعودًا جميلة عريضة، فقابلتها بشكر جميل عريض طويل، ثم هي تنتظر فإن خرجت تلك الوعود إلى حيّز الإنجاز جعلت الشكر عليها وقفًا والإخلاص كفاءً، وإن خابت الظنون في هؤلاء كما خابت فيمن مضى قبلهم لجأت إلى الصبر والثبات كعادتها في النائبات، ولا تيأس من روح الله ولا تسمّي الأشياء بغير أسمائها فتقول للمسيء أحسنت وللكاذب صدقت.
(1/246)

إن هذه الأمّة الجزائرية فقدت كل شيء، ولكنها لم تفقد دينها الذي علّمها كيف تميّز المحسن من المسيء، وعلّمها كيف تكافئ الإحسان وإن قلّ، بالإحسان الكثير، وكيف تكافئ الإساءة بالإساءة عدلًا وبالإحسان فضلًا، فليدع المتخرصون هذه الأمّة المظلومة، وليعذروها في مظهرها الجديد الذي ظهرت به ولا يحملوه على أنه نكاية في حزب وتحيّز إلى حزب. فمن الظلم الفاضح أن تلوم الجائع المغرور إذا هش لكلمة الإحسان، ونطقت جوارحه قبل لسانه بشكر المحسن، وقد كانت هذه الأمّة تقابل أقل من هذا بأكثر من هذا، وعند المسيو فيوليت الخبر اليقين، فسلوه يخبركم أنه لم يظفر سياسي بمثل ما ظفر به من حب الجزائريين وتقديرهم وامتلاك قلوبهم، كل ذلك لكلمة خير قالها فيهم وسعي صالح سعاه في مصلحتهم، على ما يتطرق ذلك السعي من شكوك واحتمالات وعلى أنه لم ينجز من سعيه قليل ولا كثير.

فكرة المؤتمر
يسجّل التاريخ المنصف فكرة عقد المؤتمر الإسلامي الجزائري للأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس، فقد كان نشر في جريدة (لاديفانس) في عددها الصادر في 3 جانفي سنة 1936 آراء له في السياسة الجزائرية كان لها وقع عظيم، ومن تلك الآراء التي ارتآها الأستاذ عقد مؤتمر إسلامي جزائري، فكان أول من فكّر في عقد هذا المؤتمر قبل فوز الجبهة الشعبية بأشهر، وللأستاذ- حفظه الله- آراء في شؤون الأمة الجزائرية ترجع في مردّها إلى هذا الأصل. وهو أن المرجع في مسائل الأمة هو الأمة، والواسطة لذلك هي المؤتمرات. ونحن مع تسليمنا لوجاهة فكرة الأستاذ، نعتقد مستيقنين أنه لو دعا داعٍ قبل اليوم إلى عقد هذا المؤتمر- كيفما كانت منزلة الداعي في الأمة- لما باء إلا بالخيبة والفشل لأسباب يعرفها كل أحد، أما وقد فازت الجبهة الشعبية في الانتخابات التشريعية وأصبحت أزمة الحكومة الفرنسية بيدها فقد أصبح عقد المؤتمر ميسورًا ومتأكّدًا في آن واحد، فماذا وقع؟
كانت الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر العام من قسنطينة، وكانت قوية مؤثرة بقوة مصدرها ومكانته في الأمة، ومصدرها رئاسة جمعية العلماء التي هيأت الأمة للاستجابة لدعوة الحق، بعد أن علّمتها الحق، ورئاسة جمعية النوّاب التي لم تعرف الأمة معنى النيابة وحقيقة النيابة إلا منها، والتي ضربت المثل للإخلاص للمصلحة العامة والتفاني في خدمتها، وللأمة بهاتين الجمعيتين ثقة واسعة الحدود ثابتة الأسس.
لذلك كان صوتهما مجتمعًا أشدّ تأثيرًا في النفوس وأدعى إلى الاستيثاق والقبول. فما كادت تسمع تلك الدعوة الجامعة وتقرأ في الصحف عن عقد المؤتمر، الصادرة عن رئيس جمعية العلماء ورئيس جمعية النوّاب بقسنطينة حتى تلقّته الأمة بآذان مرهفة ونفوس متطلعة مستشرفة.
(1/247)

لم يكن بين الدعوة إلى المؤتمر وبين عقده إلا أيام قليلة فلم تنظّم له دعايات واسعة
كما هو الشأن في المؤتمرات الخطيرة، بل كان الاعتماد فيه على إحساس الأمة واتجاهها الصادق إلى المطالبة بحقوقها أكثر من الاعتماد على الدعاية والإعلان.
وكل ما وقع من الأعمال التمهيدية انعقاد لجان تحضيرية من الشبّان والعمّال ورجال الصنائع والفلّاحين وقدماء المحاربين، في قسنطينة والجزائر وتلمسان وبعض مدن القطر، لتنظيم المطالب الخاصّة المتعلّقة بهذه الهيئات ولإعانة المؤتمر على أعماله العامة. ولو تراخى الزمن وانفسحت المدة بين الدعوة إلى المؤتمر وبين عقده لكان المظهر أروع، والعديد أكثر.
ولعلّ بعض الناس يرى من الحكمة أن لو تأخّر انعقاد المؤتمر مدة عن الدعوة حتى تعدّ له العدد اللازمة، وحتى تدرس المطالب وتختمر الآراء، وتتقارب وجهات النظر، إذ ليست المطالب الجزائرية من الأمور الهيّنة التي لا يضرّ وقوع الغلط فيها، بل هي في حقيقتها بناء مستقبل الأمة بأسرها، وان غلطة واحدة في تلك المطالب لتؤدّي إلى تجرّع الأمة مرارتها أحقابًا.
والجواب عن هذه الملاحظة التي سمعناها بآذاننا من بعض أولي الرأي، ان السبب الأكبر الداعي إلى التعجّل بالمؤتمر أقرب إلى الحكمة من هذه الملاحظة على سدادها، وهذا السبب هو مسابقة الحوادث العائقة، والمفاجآت الطارقة التي قد تعرقل المؤتمر وتبطئه، أو تفسده وتبطله، وأقلّ ما يترتب على هذا من المفاسد تفسخ العزائم وفشل الإرادات وانتكاث القوى، وما أكثر هذه الطوارئ في هذا الوطن، وما أكثر العاملين على هدم المشاريع، فما عسى أن يكون في التعجّل من أخطاء موهومة لا يوازن بما ينشأ عن التأخّر من أخطار محققة، على أن من مبررات التعجّل أيضًا انعقاد المؤتمرات على أثر تشكيل الوزارة الجديدة وهو مبرر له مغزاه.
ولعلّ هذه الملاحظة لا تندفع إلا إذا حلّلنا المطالب الجزائرية بعض تحليل، ذلك أن هذه المطالب ترجع إلى أصلين: مفاسد تدرأ ومصالح تجلب. وقد تستقلّ إحداهما عن الأخرى وقد تتلازمان، فإذا طلبنا إلغاء (الانديجينه) (1) مثلًا فقد طلبنا درء مفسدة محققة لا يتنازع فيها اثنان من غير أن تترتّب على درئها مصلحة إيجابية.
وإذا طلبنا إلغاء قرار شوطان القاضي بتعطيل الصحف العربية قبل بروزها، فهذه مفسدة يترتّب على درئها مصلحة إيجابية وهي حرية الصحف العربية، فنكون قد حصلنا على فائدتين: درء مفسدة وجلب مصلحة. وهكذا يقال في حرية الفكر والاجتماع والتنقّل وفتح
__________
1) كلمة فرنسية ( indigenat) معناها "الأهالي"، ويطلقها الفرنسيون على الجزائريين احتقارًا لهم. وقانون الأنديجينة صدر في سبعينيات القرن الماضي، لا يطبق إلا على الجزائريين، وهو أبشع القوانين المعروفة في العالم وأقساها.
(1/248)

المساجد، والمطالب التي هي من هذا القبيل لا يختلف فيها جزائريان ولا يتسرب إليها الغلط بحال، وليس عندنا إلا مسألة واحدة يعدّ التساهل أو الغلط فيها جريمة بل كفرًا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية، ومسألة أخرى اختلفت فيها الأنظار ثم اتفق المؤتمر فيها على رأي حاسم وهي مسألة التمثيل البرلماني، وسيعلم القارئ تفصيل القول فيهما في هذا المقال.

النقط التاريخية في المؤتمر:
على الساعة التاسعة من صباح يوم السبت السابق ليوم المؤتمر اجتمع بنادي الترقي أفواج من شبان العمالات الثلاث، منتدبين من اللجان التحضيرية التي تشكلت في مختلف المدن ومفوضين في النيابة عنها والتكلّم باسمها. وفي هذه اللجان تجتمع كل القوى الجزائرية وتتمثل جميع عناصر الحياة منها.
وشاركهم في هذا الاجتماع نواب تلمسان البلديون من بينهم السيد محمد بن سليمان نائب رئيس جمعية النواب بوهران، والسادة محمد القلعي المحامي، ومحمد بن مرزوق ومحمد حميدو وبنعوده بوعياد نواب بلديون بتلمسان، والدكتور الجيلاني بن التهامي نائب بلدي بمستغانم، والسيد محمد لالوت نائب بلدي بسيدي بلعباس، والسيد بن عمارة نائب بلدي بتيارت، والدكتور سعدان نائب عمالي ببسكرة. وجمهور من أعيان العمالات الثلاث. وتفاوض الجميع- في جو مشبع بالإخاء والتضامن والشعور باشتراك المصلحة- في كل النقط التي تهم المؤتمر، وحلّلوا كل ما كان مشكلًا من نقط الخلاف فتوصلوا فيها إلى حل قاطع.
وحضر في المناقشات الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء وكاتب هذه الأسطر والشيخ محمد خير الدين على معنى المشاورة وإعطاء الرأي في كل ما يتعلق من المطالب بالدين واللغة العربية.
وانفضّ هذا الاجتماع على الساعة الثانية عشرة، وفي عشية ذلك اليوم اجتمعت هيئات الشبان والأعيان بالنادي الرياضي لإتمام أعمالها التحضيرية، واجتمعت هيئات النوّاب بقاعة "قيون تيل" لذلك الغرض، وعلى الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم اجتمع النوّاب وممثلو جمعية العلماء والشبان والأعيان بقاعة "قيون تيل"، وفي هذا الاجتماع تمّ الاتفاق على صورة المطالب التي تعرض على المؤتمر للموافقة عليها وعلى الرأي النهائي لكيفية التمثيل البرلماني، وفيه اتفق الحاضرون على نظام المؤتمر وكيفيته، وأن يكون مركبا من النوّاب والعلماء والشبّان، وعلى إسناد رئاسة المؤتمر العام إلى الدكتور بن جلول. وانفضّ هذا الاجتماع على الساعة الثانية عشرة ليلًا، وتمادى النواب على أعمالهم الخصوصية إلى الساعة الثانية قبل الفجر.
(1/249)

يوم المؤتمر:
كان يوم الأحد 17 ربيع الأنور عام 1355، الموافق للسابع من شهر جوان سنة 1936، هو يوم الجزائر المشهود الذي يحق لها أن تبدأ به تاريخها الجديد، ففيه تجلّى تضامن الجزائر الإسلامية وإخاؤها واتحادها، كما تجلّى فيه شعورها الصادق وإحساسها باشتراك المصلحة، وفيه زالت الفوارق الممقوتة والاعتبارات الزائفة، فإذا رأيت ثَمَّ رأيت إخاءً شاملًا وائتلافًا حقيقيًا، وإذا قرأت الوجوه والأسارير قرأت ما لا تفي به العبارة ولا يحيط به الوصف. وإذا تفرّست أوحت إليك الفراسة بما يملأ نفسك غبطة ويفعم جوانحك سرورًا. وإذا سمعت الألسنة تخطب والأيدي تصفّق والحناجر تهتف جزمت بأن هذا الجمهور تحرّكه إرادة واحدة، وتصرفه إرادة واحدة ويهزّه شعور واحد فاض على الألسنة فكان كلامًا وتردَّد في الحناجر فكان هتافًا، واحتبس في الأفئدة فخفّت الأيدي للتعبير عنه فكان تصفيقًا.
خطب الدكتور تامزالي باللغة الفرنسية مرحّبًا بالمؤتمرين باسم مدينة الجزائر، ثم خطب بعده الدكتور بن جلول خطبة الافتتاح وشرح أغراض المؤتمر فأجاد، وبلغ من نفوس السامعين المراد. وتكلّم بعده الدكتور بن التهامي فالدكتور عبد الوهاب، فالصيدلي عبّاس فرحات، فكان كلامهم على وتيرة واحدة، ومعناه إعلان البشرى للأمة المستشرفة باجتماع النوّاب وأهل الرأي على كلمة واحدة في جميع نقط المطالب، ثم تعاقب الخطباء فكنت تسمع كلامًا مختلفًا وتفهم معنى واحدًا ترجمته بلغة النفس "نحن إخوة اجتمعنا أمس على الألم وحده ونحن اليوم مجتمعون على الألم والأمل وإن هذا الأمل لا يتحقق إلا باتحادنا فلنتحد".
ومن أبهج ما ترى، وألطف ما تسمع، خطيب فرنسي هو المسيو سكوت مندوب الشعبة الاشتراكية. فقد خطب فضرب على النغمة التي كنت تسمعها من الخطباء المسلمين، ثم انتهت النوبة إلى العلماء، فقام الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس باللغة العربية الفصحى فخاطب الأرواح بلغتها وأتى بيوت الأفئدة من أبوابها وهزّ السامعين هزّات، ثم شرح المطالب الدينية والمطالب المتعلقة باللسان العربي، وبيّن أنها جزء جوهري في المطالب الجزائرية العامة، وتكلّم بعده كاتب هذه الأسطر فنوّه بهذا اليوم وقال أنه دليل حياة هذه الأمة كما أنه أساس مستقبلها، وكانت كلمة الختام للأستاذ الشيخ الطيب العقبي فأصاب مواقع التأثير من نفوس السامعين، وكانت في خطبته مواقف مثيرة لم يَعْدُ فيها كلمة الحق- وكلمة الحق مرة المذاق- فقد استدرك على الخطباء الذين ندّدوا قبله بالقرارات الاستثنائية الجائرة قرارًا لم يذكروه ولم يحوموا حوله، مع أنه أشنع القرارات وأحقّها بالتشنيع والتنديد لأنه ضرب الأمة في الصميم، وهو قرار ميشال أو منشور غلق المساجد في وجوه علماء الأمة ومنشوره بحل الجمعية الدينية بالجزائر، فشهر به وبيّن قبحه وفظاعته وضرره.
(1/250)

ثم عرضت المطالب العامة على المؤتمر فأقرّها بالإجماع، فأصبحت قرارات يجب على أولي الرأي والمسيرين للمؤتمر السعي بكلّ الوسائل لتنفيذها باسم الأمة، ويجب على الأمة أن تتساند وتتعاضد وتقف صفًا واحدًا من وراء قادتها المخلصين، وأن تحافظ على المؤتمر وقراراته كما تحافظ على أعزّ عزيز لديها.

قائمة القرارات:
1 - ثقة المؤتمر بالحكومة الشعبية الجديدة وشكرها على عواطفها نحو الأمة الجزائرية.
2 - إلغاء جميع القوانين والقرارات الاستثنائية الخاصّة بالمسلمين.
3 - تخويل المسلمين الجزائريين جميع الحقوق التي يتمتعّ بها الفرنساويون مع المحافظة التامّة على المميزات الإسلامية التي يتمتعّ بها المسلم الجزائري في أحواله الذاتية الشخصية مع إدخال إصلاحات عليها.
4 - تخويل المسلمين الجزائريين حق التمثيل في البرلمان الفرنسي على هذه الصورة:* انتخاب مشترك بين المسلمين والفرنسيين.
* تعميم في المنتخبين المسلمين على الصورة الجارية الآن في انتخاباتهم المحلية.
* تأكيد في المحافظة على الأحوال الشخصية الإسلامية.
5 - تأسيس لجنة تنفيذية للمؤتمر على الوجه الآتي بعد.

قائمة الاقتراحات الفردية:
1 - إلغاء الولاية العامة وما يتبعها من الأوضاع الإدارية كالدوائر المختلطة (2) والقوّاد (3)، وإلغاء مجلس النيابة المالية الذي يتحكم في الميزانية الجزائرية وإلغاء المجلس الأعلى المبني عليه.
2 - إلغاء المحاكم العسكرية.
3 - عقد المؤتمر بهذا الاسم وبهذه الروح وعلى هذه المبادئ عند كل مناسبة.
4 - تكريم الرجال الذين عملوا لخير الجزائر بلا فرق بين أجناسهم، الأحياء بشكرهم باسم المؤتمر، والأموات بإحياء ذكراهم، وجرى في هذا الموقف ذكر فيوليت وموتي والأمير خالد والبان روزي.
__________
2) الأقسام التي يقطنها الجزائريون والفرنسيون، ويحكمها قانون عنصري، وسيّرها شخص يسمى "متصرّف".
3) جمع "قايد"، موظفون جزائريون مسؤولون عن القرى، وهو كشيخ البلدية في المدينة.
(1/251)

5 - طرح كلمة "أنديجان" وهجر استعمالها.
6 - العفو عن المحكوم عليهم في حوادث 5 أوت (4).
ليس من شأن هذه المجلة الشهرية أن تفيض في نقل الخطب وتفصيل الوقائع، وإنما هذا من شأن الصحف اليومية والأسبوعية، وقد قامت الصحف الفرنسية والعربية بهذا الواجب وأظهرت اهتمامًا عظيمًا بالمؤتمر فأرسلت محرّريها ومصوّريها لحضوره، ونشرت عنه صورًا صادقة، وأبى لها إنصافها للتاريخ وإخلاصها لمهنتها إلا أن تعترف بروعته ونظامه وشرف مبادئه، ومن شَذَّ شَذَّ في النار.
وإذا لم يكن التفصيل من شأن هذه المجلة، فإننا كتبنا فيها من نقط المؤتمر ما فيه إثارة للعبرة وإرسال للمثل وحسب قرّائها منها هذا.

أهم مقررات المؤتمر:
أول برنامج عرف في عالم السياسة الفرنسية الجزائرية مختصًا بالمسلمين الجزائريين هو برنامج م. فيوليت، وصاحبه من أبرز المشتغلين بالسياسة الأهلية الجزائرية، وقد أدار برنامجه على اعتبارات سياسية دقيقة لا يفهمها إلا الراسخون في علم السياسة، وأفرغه في قالب لفظي مستهوٍ خلّاب، ينطوي على معانٍ غامضة ويحتمل وجوهًا كثيرة من الاحتمالات والتفسيرات، ومنها ما يعدّ في الاعتبار النفسي الجزائري من الشعريات، ومثل هذه المعاني قد تكون عند التطبيق مثارًا للإشكال والعسر. وقد يكون من الحكمة في وضع برنامج مثل هذا يُبنى عليه مصير أمة كاملة أن تكون معانيه بمقربة من افهام العامة، خصوصًا إذا كان تنفيذه يتوقّف على رأي تلك الأمة أو على تأييدها.
ثم ظهر بعد برنامج فيوليت برنامج النائب "قيرنوت" وتصاول البرنامجان في مجلس الشيوخ فلم يظفر واحد منهما بقبول، وبين البرنامجين خلاف في النقط الجوهرية من الموضوع، وفي كليهما جهات صالحة، غير أن برنامج فيوليت كان أكثر استهواءً لخاصّتنا وشبابنا وأسير على ألسنتهم وبذلك بذ قرينه في الشهرة والحظوة، وظهر برنامج (كيطولي) نائب قسنطينة فلم يلقَ في الأوساط الجزائرية أدنى اعتبار.
وظهر في آخر وقت برنامج دوروكس، نائب الجزائر، فكان حظّه قريبًا من حظ سابقه.
فلما أعلنت الدعوة إلى المؤتمر كانت الأنظار مختلفة في أي البرامج يجب أن تكون المطالبة بالحقوق على أساسه، وكان أنصار برنامج فيوليت أكثر عددًا في الطبقات المتنوّرة
__________
4) وقعت في قسنطينة سنة 1934، بسبب سَبّ يهودي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(1/252)

وأقوى نفوذًا، ومن العجيب الدالّ على تقدير هذه الأمة للجميل أن معظم تأثّر أنصار هذا البرنامج آتٍ من اسم صاحبه واشتهاره ببعض المواقف في صالح المسلمين أكثر مما هو آت من التحقّق بصلاحيته في العاجل أو في الآجل، فهل هناك دليل أكبر من هذا على ذهاب هذه الأمة في المكافأة على الإحسان إلى الأمد الأقصى.
كان من رأينا في هذا النزاع والتحيّز إلى البرامج أن تلغى كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة وبُنيت على اعتبارات خاصّة، وقد ذهبت تلك الظروف وتلاشت تلك الاعتبارات وأصبحنا نسمع من شبه المسؤولين في الحكومة الشعبية أن حكومتهم مستعدّة لإعطاء أكثر ما يمكن من الحقوق للأمة الجزائرية، فلا يكون من السداد ولا من الحكمة أن نتقيّد في ظرف كهذا ببرنامج لو كلّف واضعه بوضعه في هذا اليوم لما رضي به لنا ولوضعه على نحو آخر، بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًّا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة، وقد صارحت بهذا الرأي إخواننا نوّاب عمالة وهران في اجتماعهم الأخير بتلمسان عندما رأيتهم مختلفين حول أسماء البرامج، فرجعوا إلى هذا الرأي واقتنعوا بسداده.
ثم لما قدمنا الجزائر وجدنا إخواننا كلهم رجعوا إليه واقتنعوا بسداده، وكانت نتيجة هذا كله أن قرّر المؤتمر عدم تقييد المطالب ببرنامج معيّن وعدم بنائها على أساس برنامج مخصوص.
ومعنى هذا كلّه أن المؤتمر بحكمه هذا وقراره هذا قد فضّ أعظم مشكلة وأزال أكبر خلاف كان يأتي- لو ترك- بأسوإ الآثار في المجتمع، فشكرًا للمؤتمر الإسلامي الجزائري على هذا القرار الخطير.

اللجنة التنفيذية:
المؤتمرات في الحقيقة قوّات تشريعية تستمدّ قوّتها من الجمهور الحاضر المقرّر والجمهور الغائب المؤيد، والقوة التشريعية تحتاج دائمًا إلى قوة تنفيذية، تتابع الأعمال حتى تنتهي بها إلى التنفيذ، لذلك كان من الأصول المتّبعة في المؤتمرات أن تؤسس لها لجنة تُسمّى اللجنة التنفيذية، وظيفتها تنفيذ كل ما يقرره المؤتمر وتطبيقه على النحو الذي قرّر عليه، فإذا قرّر المؤتمر مطلبًا أو اقتراحًا سعت اللجنة في تنفيذه بجميع الوسائل وتتحمّل مسؤولية كل ما يقع من تقصير أو إخلال.
وعلى هذه السنة جرى المؤتمر الإسلامي الجزائري، فقرّر تأسيس لجنة وأقرّها المؤتمرون بالإجماع.
(1/253)

إن الأعمال العظيمة أو الكبيرة إذا وكلت إلى فرد ضاعت أو اختلّت، وتوزيع الأعمال
- مقرونة بالمسؤولية- على أفراد معينين أدعى للسرعة والإنجاز وعدم الضياع والاختلال، وإذا كانت مقررات المؤتمر الإسلامي الجزائري كلها مطالب واقتراحات، فإن مهمة اللجنة التنفيذية تنحصر في تنظيمها وترتيبها وطبعها في كرّاس يسمّى "كرّاس المؤتمر الإسلامي الجزائري" وتقديمها للمراجع الحكومية المختصّة بواسطة وفد من النوّاب توفده أو بما تراه من الوسائط.
وقد تمّت على الوجه الآتي:

ما تمّ بعد المؤتمر ولم تنشره الصحف:
اجتمع بنادي الترقّي في مساء يوم المؤتمر رؤساء جمعيات النوّاب وكثير من أعضائها البارزين وممثلو جمعية العلماء ورؤساء لجان الشبّان المؤيدين من العمالات الثلاث، وتداولوا إبداء آرائهم في كيفية تنفيذ قرار المؤتمر النهائي القاضي بتشكيل لجنة تنفيذية للمؤتمر. فاتفقت الآراء على أن اللجنة التنفيذية يجب أن تمثّل فيها الأمة تمثيلًا واسعًا، وقبل النظر فيها يجب تأليف لجنة مؤقتة من تسعة أعضاء: ثلاثة من النوّاب، وثلاثة من العلماء، وثلاثة من الشبّان، على اعتبار واحد من كل طائفة عن كل عمالة لترتب مطالب المؤتمر وتنظّم مقرّراته وتهيئ العمل للجنة التنفيذية، ويوكل إلى هذه اللجنة المؤقتة النظر في تكوين اللجنة التنفيذية بما تراه بعد الدرس والتمحيص.
فتألّفت اللجنة الموقتة فعلًا من ثلاثة نوّاب هم الدكتور بن جلول رئيس المؤتمر، والمحامي عبد السلام بن الطالب، والصيدلي عبد الرحمن بوكردنة وثلاثة من العلماء وهم المشايخ محمد خير الدين، الطيب العقبي، البشير الإبراهيمي، وثلاثة من لجان الشبّان، وهم الأستاذ بن الحاج والحاج والمهندس عبد الرحمن بوشامة، والسيد عبد الله العنابي.
وقد وكل النوّاب أمرهم إلى أحدهم وهو الصيدلي عبد الرحمن بوكردنة، وفوّضوا إليه أن يتكلم باسمهم في هذه اللجنة ويبرم مع إخوانه ما يراه صالحًا، وشارك في أعمالها بصورة فعلية الأستاذ الأمين العمودي والشيخ محمد خير الدين ممثلين لجمعية العلماء، واضطر السيد عبد الله العنابي إلى الرجوع إلى بلده فوكّل الشاب أوزقان.
لبثت اللجنة الموقتة أسبوعًا كاملًا- بعد ارفضاض المؤتمر- توالي اجتماعاتها بنادي الترفي، فرثبت المطالب والقرارات والاقتراحات ونظّمتها، ومهّدت طريق العمل للجنة التنفيذية وعبدتها، واستقرّ الرأي في كيفية تشكيل اللجنة التنفيذية أن يقوم الأعضاء العاملون في اللجنة الموقّتة بعد رجوعهم إلى دوائرهم بجولات منظمة في أقسام العمالات الثلاث،
(1/254)

ويقيمون فيها اجتماعات عامة يشرحون فيها أعمال المؤتمر وقراراته، ويبيّنون فوائده وثمراته الحاصلة والمرجوّة، ويدعون الأمة إلى حمايته وتأييده ويؤسّسون في كل قسم لجنة فرعية، تسمّى (لجنة المؤتمر) برئيسها وكاتبها وأمين مالها، وتنتظم كل لجنة جميع الملحقات التابعة لذلك القسم حتى القرى الصغيرة، على أن تقوم هذه اللجان بالدعاية للمؤتمر والدعوة إلى تأييده، ويراعى في تأسيسها المعنى الذي أسست عليه اللجنة الموقتة بالجزائر من جميع العناصر الثلاثة: النوّاب والعلماء والشبّان، فإذا تمّ تأسيس لجان المؤتمر على هذه الكيفية المنظّمة انتخبت كل لجنة منها عضوًا من أعضائها ليكون عضوًا في اللجنة التنفيذية التي سينعقد أول اجتماعاتها في الخامس من شهر جويلية الآتي بنادي الترقّي بالجزائر.
وبهذه الكيفية تكون اللجنة التنفيذية للمؤتمر ممثّلة للأمة أكمل تمثيل.
ثم أودعت اللجنة الموقّتة جمع أوراق المؤتمر وملفّاته بعد فحصها وإحصائها عند ثلاثة من أعضائها المقيمين بالعاصمة، وهم الأستاذ بن الحاج والحاج ممثلًا للشبّان والأستاذ الأمين العمودي ممثلًا للعلماء، والصيدلي عبد الرحمن بوكردنه ممثلًا للنوّاب، وعهدت إليهم بأن يكونوا نقطة اتصال بين المؤسسين للجان المؤتمر، حتى إذا تمّ تأسيس اللجان وانتخبت أعضاء اللجنة التنفيذية وانعقدت الجلسة الأولى في الخامس من جويلية بصفة رسمية، سلّموا لها كل ما تحت أيديهم من أوراق المؤتمر وقراراته، وبذلك تكون اللجنة الموقّتة قد أتمّت أعمالها وأدّت الأمانة إلى أهلها.
وسيكون أول أعمال اللجنة التنفيذية طبع المطالب والقرارات باللغتين العربية والفرنسية في كراسة تسمّى "قرارات المؤتمر الإسلامي الجزائري"، وتشكيل وفد من النوّاب يسافر إلى فرنسا باسم المؤتمر لتقديم مطالبه.

مطالب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:
للأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وصاحب جريدة "المنتقد" الشهيدة ومجلة "الشهاب" آراء ناضجة حكيمة في السياسة الجزائرية، وقد رفع صوته بها قبل أن يرتفع أي صوت آخر من أصوات اليوم، ونشرها في "المنتقد" و "الشهاب" وغيرهما في عدة مناسبات يوم كانت الألسنة خرساء والأقلام مقيّدة.
ولما قدّم لمكتب المؤتمر مطالب جمعية العلماء المسلمين المتعلقة بالدين واللسان العربي صدر تقريره الموجز البليغ ببيان رأيه الخاص في المساواة والنيابة، ثم أردفه ببيان مطالب الجمعية.
وهذا نصّ التقرير:
(1/255)

حقوق الأمّة الجزائرية التي تطلبها من الأمة الفرنسية
-…-…-…-…-…-…-…-…-…

مقدّمة
إن الأمّة الجزائرية قد شاركت الأمة الفرنسية في مواقف الموت فمن الحق والعدل أن تساويها في مواقف الحياة.
إن الحياة تُشترى بالأرواح والأبدان والأمّة الجزائرية قد بذلت أرواحها وأبدانها مع الأمة الفرنسية ومثلها، ومن دفع الثمن فمن الحق والعدل أن يأخذ المثمن.
إن الأمة الجزائرية سمعت في أيام الشدّة ومواطن اليأس من الأمة الفرنسية أنهما يستون في السلم كما تساويا في الحرب. فأما الذين ماتوا في تلك الأيام فقد ماتوا وقلوبهم تنعم بذلك الأمل المعسول. وأما الذين بقوا فبقيت قلوبهم تتجرّع الخيبة بعد الخيبة وتنطوي على الألم بعد الألم.
إن الأمة الفرنسية لا تستغني عن الأمّة الجزائرية كما لا تستغني الأمة الجزائرية عنها، فمن الخير لهما معًا أن لا تشعر واحدة منهما من ناحية الأخرى بنقص في الود أو ظلم في الحقوق.
وعلى هذا بنينا ما نقدّم من الحقوق التالية طالبين من الأمة الفرنسية، وخصوصًا من الحكومة الشعبية الجديدة التي تمثّل الشعب الفرنسي والمبادئ الجمهورية أصدق تمثيل- باسم الحق والعدل- تنجيزه.

الأوضاع والمعاملات الخاصة:
لا تتحقق المساواة المطلوبة إلا برفع جميع الأوضاع الخاصة مثل المتصرفيات ومجالس "الكريمينال" (5) والمعاملات الخاصة مثل الانديجينه وأعطيات الجندية وزيادة مدة الخدمة العسكرية، والبرنامج الخاص بالتعلّم في المكاتب الابتدائية وغيرها، وحرمان عمّال الجزائر من كثير مما يتمتع به العمّال الفرنسيون.

النيابات:
لا يمكن للأمة الجزائرية أن تنال حقّها من الحياة على الأرض الجزائرية ما دامت لا تمثّلها في جميع المجالس إلا أقلية، فأوّل مطلب في النيابة هو تسوية نواب الجزائريين
__________
5) كلمة فرنسية معناها الجرائم، الجنايات.
(1/256)

بالنّواب الفرنسيين في جميع المجالس، ثم مطلب توحيد النيابة البرلمانية بكلا المجلسين بحيث يشارك في انتخاب النوّاب البرلمانيين مشاركة فعلية جميع سكّان الجزائر على اختلاف أجناسهم وعقائدهم مع بقاء المسلمين على جميع ذاتياتهم الإسلامية.
هذا التصدير قدّمه الأستاذ للمؤتمر باسمه الخصوصي، على أنه رأي من الآراء يضمّ إلى نظائره، وبعد هذا بيّن في إيجاز بليغ مطالب جمعية العلماء وقدّمها باسمها وهي:

ـ["اللغة العربية"]ـ
تعتبر اللغة العربية رسمية مثل اللغة الفرنسية، وتكتب بها مع الفرنسية جميع المناشير الرسمية، وتعامل صحافتها مثل الصحافة الفرنسية، وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرة مثل اللغة الفرنسية.

ـ[" الدين"]ـ
1 - المساجد: تسلّم المساجد للمسلمين مع تعيين مقدار من ميزانية الجزائر لها يتناسب مع أوقافها. وتتولّى أمرها جمعيات دينية مؤسسة على منوال القوانين المتعلقة بفصل الدين عن الحكومة.
2 - التعليم الديني: تؤسّس كلية لتعليم الدين ولسانه العربي لتخريج موظفي المساجد من أئمة وخطباء ومدرسين ومؤذنين وقيّمين وغيرهم.
3 - القضاء: ينظّم القضاء بوضع مجلة أحكام شرعية على يد هيئة إسلامية، يكون انتخابها تحت إشراف الجمعيات الدينية المشار إليها في الفصل السابق، وإدخال إصلاحات على المدارس التي يتخرّج منها رجال القضاء، منها تدريس تلك المجلة والتحقق بالعلوم الشرعية الإسلامية، وطبع التعليم بطابعها لتكوين رجال يكونون من أصدق الممثلين لها.
هذه هي النقط الأساسية التي تنبني عليها المطالب الدينية قدّمها رئيس جمعية العلماء بإسمها للمؤتمر لتكمل بها مطالب الأمة الجزائرية في نواحي حياتها الأخرى، وقد وافق المؤتمر على هذه المطالب بإجماع برفع الأيدي بهيئة رائعة موثرة، وجمعية العلماء على استعداد تام لشرح هذه النقط وبيان تفاصيلها وكيفية تطبيقها.

أثر مشاركة جمعية العلماء في المؤتمر:
كانت تلك الخطة العلنية التي ظهر بها ممثلو جمعية العلماء المسلمين في هذا المؤتمر من الدعوة إليه وحياطته وتأييده مثار ابتهاج عظيم عند المخلصين للوطن والعاملين على خيره، لأنهم يعلمون ما في مشاركة العلماء في المؤتمر من خير وفائدة للأمة وما فيها من
(1/257)

قوّة، وتمكين للمؤتمر، ومثار فرح واغتباط في الطبقات العامية لأنها ترى في حضور العلماء للمؤتمر ضمانًا وكفالة لأعزّ عزيز لديها- وهو الدين واللغة العربية- وكانت من جهة أخرى مثيرة لسخط أشخاص ومقامات عرفناها وبلوناها، فلم نعرف منها الرضى بما يسر المسلمين ولا الفرح بما يقرب بعضهم من بعضهم. ولم نبل منها إلا كل معاكسة لمصالحهم، ونحن لا يهمّنا من أمر هؤلاء الأشخاص ولا هذه المقامات شيء ما دمنا قد أدّينا واجبنا نحو ديننا ولغتنا وشاركنا في عمل صالح لأمّتنا.
وإنك لتسمع بعض الألسنة التي تترجم عن قلوب جاهلة أو مريضة تردّد هذا السؤال: ما معنى مشاركة العلماء في مؤتمر سياسي؟ كأنهم يريدون تخويفنا بهذا الغول الموهوم غول السياسة، وتفويت الفرصة علينا بمثل هذه الترهات. وكم أضاعت هذه الترهات على الغافلين من فرص!
وإننا لنعلم أن وراء الأكنّة، شخوصًا مجتنة، في كيد الأبالسة وخفاء الجنة، وإن هذه الشخوص جربت العلماء فوجدتهم لا يلينون لغامز، فيسوءها أن ينعقد المؤتمر، ويسوءها بنوع خاص أن يشارك العلماء فيه، فيكتسب قوة من قوّتهم وثباتًا من ثباتهم ولونًا راسخًا مما عرفوا به من الرسوخ، ثم يتحوّل غيظها عنه إلى قالة السوء يشيعونها عليه، وأحدوثة الاستهجان يرمونه بها في طوائف مخصوصة تردّد تلك الأصداء وتلبس علينا بأن المؤتمر يهمها أكثر مما يهمّنا بآية أنها لا تستهجن إلا جوانب النقص فيه، ومن جوانب النقص- في هذا المنطق الزائف- اشتراك العلماء في المؤتمر.
فويحكم .. ان العلماء الذين تعنونهم، هم من الأمة في الواقع والحقيقة، في حال أنكم لا تعدون منها إلا على الزعم والدعوى، وان العلماء يمثّلون الوصف الذي ما كانت الأمة أمة إلا به وهو الإسلام ولسانه، وإن مطالب الأمة التي رفعت صوتها بها في المؤتمر ترجع إلى أصول أربعة، الدين والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وإن لكل مطلب من هذه المطالب فروعًا متشابكة، وإن كل أصل من هذه الأصول يحتاج إلى بحوث ودراسات تفتقر إلى كفايات واختصاصات، وإذا كان في نوّاب الأمّة ومفكريها من فيه الكفاية والمؤهلات لدراسة المطالب السياسية ووصل مقدماتها بنتائجها وإعطاء رأي ناضج فيها، أو كان في فلّاحينا وتجّارنا من نعتمد عليه وعلى رأيه في المطالب الاقتصادية مثلًا، فمن للمطالب الدينية وما يتبعها من اللغة العربية غير العلماء؟

المؤتمر الجزائري الإسلامي العام:
يجد القرّاء على وجه كل جزء من أجزاء "الشهاب" مبدأه في الإصلاح السياسي هكذا: "الحق والعدل والمؤاخاة في إعطاء جميع الحقوق للذين قاموا بجميع الواجبات"، ونحن
(1/258)

نعني بذلك أن الأمة الجزائرية قد قامت لفرنسا بكل ما طلبته منها من نفس ونفيس، فمن الحق الواجب على فرنسا ومن العدل الذي لا يقوم أمر أمة إلا به، ومن مقتضى المؤاخاة الحقيقية التي لا تكون إلا عندما يشعر الإنسان بأنه غير مغموط الحق ولا مهضوم الجانب من صاحبه، أن تعطي فرنسا للجزائريين جميع حقوقهم دون أي تنقيص لهم عن غيرهم، ولا أدنى تمييز لهم عنهم، وليس لها أن تطالبهم بالانخلاع عن أقل شيء من مميزاتهم في قوميتهم ودينهم ولغتهم، فقد قاموا بما فرضته عليهم من الواجبات وهم على قوميتهم ودينهم ولغتهم، فلتعطهم جميع الحقوق وهم على قوميتهم ودينهم ولغتهم. وعلى هذا مبدإ كنا نقاوم (بروجي) (6) الرجل العظيم الذي لا ننسى فضله م. فيوليت، لما فيه من عدم التسوية في الحقوق لا بين الجزائريين والفرنسيين ولا بين طبقات الجزائريين أنفسهم، ومما فيه من تهيئة الطبقة المثقفة للاندماج مع السكوت التام عن الدين واللغة.
إن جمعية العلماء هي المؤتمنة عن الدين ولغته العربية. وإليها يرجع الفضل في احيائهما بهذا الوطن- برغم الأفاكين- وإليها يرجع الفضل أيضًا في المطالبة بحقوقهما بالصوت الجهير يوم كانت الأصوات خافتة، والقلوب من الرهبة واجفة.
وإن من دلائل عناية الله بهذا المؤتمر وتيسيره لليسرى، أن اجتمعت فيه أقانيم الكمال كلها، حتى أصبح- على الحقيقة- مؤتمرًا إسلاميًا جزائريًا.
__________
6) كلمة أجنبية " projet" معناها مشروع.
(1/259)

كلمة عن وفد المؤتمر الإسلامي*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
"أيها الإخوان المسلمون الكرام:
ليس هذا أول يوم دُعيت فيه إلى الحق فأجبت؛ ولكنه أول يوم دعيت لسماع الحق غير مجمجم، وليس هو أول اجتماع رائع شهدته، ولكنه أول اجتماع شهدته لسماع أداء الحساب من الرجال العاملين، ولقد كنتم لا تُدعَون ولا تُستشارون ولا يعتبر لكم شأن ولا يقرأ لكم حساب، تدبّر لكم المكائد منكم ومن غيركم وأنتم لا تعلمون فأصبحتم اليوم معتبرين تستشارون في كل شيء، وتؤخذ آراءكم السديدة وتطلعون على كل شيء، أصبح منكم رجال يعملون للخير العام مهما تفرقت الأهواء ومهما تلبّدت الأجواء.
إن وفدكم الذي سافر إلى باريس ليعرب عن مطالبكم قد أدّى الأمانة على أكمل وجه، لا يعرف شخصًا ولا هيئة خاصة، إنما هو كل لا يتجزأ، هو وفد المؤتمر الجزائري الإسلامي، وفد الأمة الجزائرية إذا حملته الأمانة العظيمة فقد أدّاها، وإذا جمّلته بالوصفين الكريمين فقد ذهب متّصفًا بهما ورجع أقوى ما يكون اعتزازًا وتشبّعًا بهما: الإسلام والجزائر ...

أيها الإخوان:
إن دينكم الحنيف يأبى لكم إلا أن تكونوا مسلمين بكل ما في الإسلام من معنى، وإن تاريخكم الزاهر يأبى إلا أن تكونوا عربًا ولغتكم عربية، بكل ما في العرب والعربية من معنى، وأعيذكم بالله والدين والتاريخ أن تحيدوا عن هذين الوصفين".
__________
* من خطاب ألقاه الإمام الإبراهيمي يوم 2 أوت 1936، بالملعب البلدي بالجزائر العاصمة على أثر عودة وفد المؤتمر الإسلامي من باريس. جريدة الأمة، عدد 85، فى 11 أوت 1936.
(1/260)

مقتل الشيخ كحول*
ليسجّل التاريخ ولتشهد الأجيال المقبلة
تحقيقات وتفاصيل مهمة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الكيد لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، اعتقال الأستاذ الشيخ "الطيب العقبي" ستة أيام بلياليها السود في سجن بربروس بالجزائر، المكيدة مدبّرة فيما يظهر، الخصوم كبار ولكن الله أكبر، ماذا يريد الكائدون من وراء هذه المكيدة؟ تفتيش نادي الترقّي (بيت الأمة الجزائرية)، تفتيش إدارات جريدة "البصائر" وجمعية العلماء والجمعية الخيرية، حجز دفاتر وأوراق الإدارات المذكورة، إغلاق النادي وتلك الإدارات كلها، ضرب الحصار على النادي بقوّات البوليس والحرس المدني والجاندارمة والجيش الأسود، الخروج بالأستاذ العقبي من نادي الترقّي بين هذه المظاهر الرهيبة، الغاية من هذه الإرهابات، تلقي الأمة للصدمة بالصبر والهدوء التام، موقف جمعية العلماء من هذه المظاهر، الإجراءات العدلية وتطوراتها، الإفراج عن الأستاذ العقبي ورفيقه السيد عباس التركي، تجلي شعور الأمّة وعواطفها الصادقة، انهيال البرقيات ورسائل التهنئة من داخل القطر وخارجه، آثار اعتقال الأستاذ في الأمم الإسلامية، فتح نادي الترقّي وابتهاج الأمة بذلك.
...

سكتنا حتى هدرت الشقاشق وقرّت، وظهرت الحقائق واستقرّت، ونثلت الجرائد كنائنها وأخرجت الصدور دفائنها، وهدأت العاصفة وافتضحت المكيدة، وانجلت الرغوة عن اللبن الصريح.
__________
* جريدة "البصائر"، العدد 32، السنة الأولى، الجمعة 15 جمادى الثانية 1355هـ/ 28 أوت 1936م.
(1/261)

سكتنا طول هذه المدة، وما كان سكوتنا- علم الله- سكوت المشدوه عقدت الحيرة لسانه، ولا سكوت الجبان المنخوب سكن الهلع جنانه، ولا سكوت الغافل الغرير تفجؤه أحداث الدهر فيجم لها ويطرق، ولا سكوت المبطل يشهر الحق عليه دلائله فيعيا عن البيان، ولكننا سكتنا سكوت المعتد بيقينه، المستبصر في مآخذ شؤونه ومتاركها، الواثق بأن هذه الحوادث- وإن اعتكرت ظلماؤها- غمرات ثم ينجلين، وأن هذه المكائد مردودة في نحور الكائدين وأن العاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
ثارت العاصفة فعلمنا من زمانها ومكانها وجميع ملابساتها أنها موجّهة إلى هدف، وأن جمعية العلماء هي بعض ذلك الهدف، واندفعت الأقلام الخاطئة تكتب في شأنها وتخط، والألسنة الكاذبة تتحكّم في موقفها وتشتط، بل قد تطايرت كلمات الاتهام لجمعية العلماء صريحة من أفواه كان الثرى أولى بها من ذلك، وقذفتها ألسنة لا تترجم عن حق ولا تصدر عن يقين.
أما وقد تبيّن للناس في آخرها ما اعتقدناه نحن في أولها، وهو أن الحادثة من أولها إلى آخرها رواية مخجلة فضح نور الحق ممثليها، فجاءت أخزى ما تكون تخاذلًا في الأجزاء وتشويشًا في الفصول، فقد وجب أن نقول كلمتنا فيها ولا يضيرنا إن كنّا أول الناس اعتقادًا للحقيقة وآخِرَهُم قولًا في بيانها.
مضت على جمعية العلماء خمسة أعوام وهي تدعو إلى الحق والفضيلة، ثابتة الخطى في طريقها متمسّكة بمبدئها مجادلة عنه بالبرهان العلمي، راكبة متن التسامح مع خصومها، متحلية بالأدب القرآني الجليل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.
وكم أقام خصومها حولها من ضجيج، وكم نصبوا في طريقها من عراقيل، وكم بثوا لها من مكائد. وما نقموا منها إلا أنها تدعو إلى الفضيلة، والفضيلة غريبة عند هؤلاء، وتدعو إلى الحق، والحق ثقيل عليهم، وتنهض بالإسلام ولسانه وهما لا يلائمان بعض الأمزجة، ولا نقموا من رجالها إلا أنهم لا يلينون لغامز، ولا يثنيهم الوعيد والتهديد، ولا تستهويهم الوظائف والرتب، ولا يستنزلون عن مبدئهم الحق بالرقى، ولا يتساهلون في واجب، ولو تجلّت عليهم الدنيا بألطافها، ولا يعنون لباغ ولو حشد لحربهم مَنْ بأقطارها.
كبر على الخرافيين الضالين ما تدعو إليه هذه الجمعية من حق ديني واضح، ولو كان كعمود الصبح، ورأوا في هذه الدعوة زعزعة لأركان سلطانهم، وكبر على المستبدين الظالمين ما تدعو إليه من تنقيح للأخلاق التي هي قوام الحياة، ورأوا في هذه الدعوة عنادًا لما بيّتوه من قتل مشاعر هذه الأمة وسدّ منافذ الحياة في وجهها. فأجمع هؤلاء وأولئك أمرهم على حربها وتدبير المكائد لها. واتّبعوا ما تتلو الشياطين عليها، فشدد هؤلاء وضيّقوا، وأعنتوا وأرهقوا، بعد أن صاح أولئك وأعولوا، وبالغوا وهوّلوا.
(1/262)

ثم كانت حركة المؤتمر الإسلامي الجزائري في هذه السنة، فضربت الجمعية في الدعوة إليه بسهم على أنها دعوة إلى الحق والخير، وشاركت في تكوينه والحضور فيه، على أن ذلك جزء من عملها ونوع من إيصال الخير إلى الأمة، وأدمجت مطالبها الدينية في مطالبه على أنها جزء من مطالب الأمة الجزائرية مكمّل لها، بل هو الجزء الذي لا حياة لها بدونه جمعًا للجهود وحصرًا للعمل وتوحيدا للصفوف.
ثم شاركت في اللجنة التنفيذية للمؤتمر على أنها إحدى عناصر القوة الثلاثة التي قام عليها المؤتمر، ثم شاركت في الوفد الإسلامي الذي أوفدته اللجنة التنفيذية إلى باريس، وتجلّت قوة الجمعية بمواقفها الثلاثة: من المؤتمر، واللجنة التنفيذية، والوفد، تمام التجلّي.
هنا ضاق ذرع المبطلين بهذه الجمعية وبالمؤتمر الذي هي إحدى دعائمه، وبالمطالب التي يوشك أن تتحقّق وينتزعها الإنصاف من بين أشداق الأسد، وبالأمة التي أصبحت معلّقة الآمال بالجمعية وبالمؤتمر، وعلم أولئك المبطلون أن الأمر إذا تمادى على هذا الحال فإن سلطان الاستبداد إلى زوال، وإن هذه الحملة ستذهب في نظرهم بقيصر، فلا قيصر بعد اليوم فكانت المكيدة الشنعاء، وكان الاغتيال الشنيع وكان الاعتقال المزعج، وكانت الضجّة التي اتّسع مداها وطبّق الشرق والغرب صداها، وكانت الإثارة والاستفزاز اللذان وقى الله شرّهما وأحسن عاقبتهما، ووازر هذه الشناعات كلها صحف تتأوّل وألسنة تتقوّل، تقابلها من جهتنا عقيدة في الحق لا تتحوّل وثبات لا يتزلزل، وثقة بالله ثم بالقضاء العادل لا تتغير ولا تتبدل.

وقفة على أطلال الحادثة:
عهدنا من حواة العيساويين أنهم يعرضون ألعابهم الغريبة ليمتّعوا لا ليروعوا، وانهم يودعون أسفاطهم الحيات والثعابين من الأرقط وذي الطفيتين حتى إذا جاء وقت العرض أظهروا ذواتهم للناس، ليكون الأنس بمرآهم- وهم من جنس الآدميين- مخففًا من الوحشة لمنظر تلك الحيّات والتنكر منها.
أما عيساويو حادثتنا فإنهم يقومون بألعابهم المفزعة من وراء حجاب كثيف، ويدبّرون المكائد في غسق الليل، ولكن أعمالهم تدل عليهم كما يدلّ أحد المتلازمين تلازمًا طبيعيا على الآخر حتى ليوشك أن يضع العارفون بأسرار المكائد أيديهم عليهم ويقولوا هذا فلان وهذا فلان.
دبّر هذا الفريق المختفي المكيدة التي نتحدّث عنها وأحكموا التدبير، فجاءت وكأنها كتاب يشتمل على مقدمات وفصلين ولواحق، ولكن شاءت الأقدار أن تسقط المقدّمات من نسخة المؤلف فلم يقرأها الناس، ويبقى الفصلان فصل في الاغتيال وفصل في الاعتقال.
(1/263)

ويدلّ أسلوب الفصلين على أن المؤلف كان متوجهًا إلى توليد فصل ثالث من الفصلين وهو فصل في الهيجان. وعلى هذا الفصل تتفرّع اللواحق التي بها يتمّ الكتاب ...
يا لله لهذه الأمة المسكينة! أكلّما طلبت رفدًا أو استنجزت وعدًا أو تعلّقت بسبب من أسباب الحياة وقف لها الكائدون بكل مرصد، وحالوا بينها وبين ما تريد، وركبوا الصعب والذلول في سبيل حرمانها من حقّها في الحياة، وقد كانوا قبل اليوم يركبون جميع الوسائل لمنع صوتها من الوصول إلى آذان العدل؟ فلما أعياهم هذا، واخترق الصوت الحجب على محافتها وأسمع داعيه وأوشك أن يستجاب، عدلوا إلى ما رأيت أثره، وسمعت خبره.
بدت بوارق الأمل في الحكومة الشعبية وآنست الأمة الجزائرية تبدّلًا في الأوضاع، فاجتمعت وعقدت المؤتمر وقرّرت المطالب، وأرسلت الوفد وأعلنت ثقتها بالحكومة الشعبية، لأنها بدأت بالجميل ووضعت كلمة الشفاء في أذن "العليل"، وبدأت بوادر الإصلاح تظهر، هنالك كبر على هؤلاء الكائدين أن يروا هذا الشعب متمتعًا ببعض حقوقه الطبيعية، متحليًا- تحت راية فرنسا- بما يناسب سمعة فرنسا وشرف فرنسا، فاهتبلوا حادثًا بسيطًا عاديًا- إن لم يكونوا سببًا فيه- وبنوا عليه ما أحرج الأمة ليخرجوها عن صوابها فيقع منها ما يسمّى في اصطلاحهم ثورة، ويسمّى مرتكبه في نظرهم ثائرًا، فإذا تمّ لهم ذلك كله تقطعت الصلات بين الأمة الجزائرية وبين الحكومة الشعبية، ولم يبق لجانب ثقة بالجانب الآخر وكان الربح المعجّل لهؤلاء الكائدين هو حرمان هذه الأمة من حقوقها والإمعان في إرهاقها وإذلالها إلى أن لا يبقى فيها عرق ينبض بالمطالبة بحق، ولولا أن الله- وله المنة وحده- فضح الكائدين بظهور الحق في الحادثة، لتمّ لهم ما يريدون وفوق ما يريدون ولقضوا على هذه الأشباح التي تؤرق جفونهم وتقضّ مضاجعهم ولكن تدبير الله فوق كل تدبير.

أول تحدِّ للمكيدة
اغتيل الشيخ كحول في رابعة النهار وفي يوم احتشدت فيه عشرات الألوف من الأمة الإسلامية لتسمع أعمال الوفد من رجاله ولتعلن ابتهاجها بالمرحلة التي قطعتها من حياتها الجديدة وهي إسماع صوتها لفرنسا .. وكانت خطبة أخينا الأستاذ العقبي في هذا الاجتماع الرائع صريحة في تحديد الآراء، فصيحة في التبليغ والأداء، بليغة في النصح بلزوم السكون.
وبلغنا خبر الاغتيال ونحن في غمرة من الفرح بنجاح الوفد في تبليغ أمانة الأمة للحكومة وفي تبليغ جواب الحكومة للأمة، فاستفظعنا الحادثة وقلنا: محال أن تسفك الدم يد صفقت طربا بيوم المؤتمر وبيوم سفر الوفد وبيوم رجوعه، ومحال أن يملي القتل قلب أفعم سرورًا بهذه المشاهد الثلاثة، ومحال أن تعيه أذن واعية للنصائح التي بثّت يوم المؤتمر ويوم الوفد،
(1/264)

وهما يومان لهما ما بينهما وما بعدهما، ومحال أن يرتكب هذا الجرم شخص يشعر بما تشعر به الأمة في هذه الأيام، إذًا فالقاتل ليس من الأمة إما حقيقة وإما حكمًا، وإذن فَهُوَ عدو للأمة يريد هو أو يريد من حرّكه للقتل أن يكدّر عليها صفوها وينغّص عليها سرورها، ولعلّ له من وراء ذلك مآرب أخرى أرادها وأدار الجريمة عليها، ولم يكن موضع الغرابة عندنا في ذلك اليوم قاتلًا ومقتولًا فهذا أمر اعتيادي يقع مثله في كثير من الأيام، ولكن موضع الغرابة أن يكون المقتول فلانًا وأن يكون قتله في ذلك اليوم وفي تلك الحصة التي هي منتصف الساعة العاشرة والاجتماع لم ينفضّ بعد.
شممنا رائحة الكيد من تلك اللحظة، ثم قرأنا في بعض الخطب والمقالات جملًا فيها دس وفيها تحريش، وفيها إشارات مبهمة فوكلنا الأمر إلى الله الحق، وانتظرنا التحقيق العدلي وبدأت الألسنة تهرف، والأقلام ترجف، والتحقيق يدور في طريق طامس إلى أن صدر الأمر بتفتيش نادي الترقّي وإدارة جمعية العلماء وإدارة جريدة البصائر، وعقب ذلك اعتقال الأستاذ الشيخ الطيب العقبي.
لم نندهش للتفتيش لعلمنا بنتائجه، ويقيننا أنه شيء اقتضته الاجراءات العدلية، وإنما أخذناه دليلًا مجسمًا على أن الحادثة رواية محبوكة الأطراف، وبعد التفتيش والختم وقع اعتقال الأستاذ العقبي فتجلّت المكيدة وتمّ تمثيل دورها الثاني في جو يدعو إلى الاستفزاز: الجمهور محتشد تتخلله قوات البوليس السري والعلني ومن ورائه الحرس المدني وقوات السينيقال (1) بمعداتها، وهذا المظهر كله يجمعه قولك: جذوة وريح.
وكيف لا يؤثر هذا المنظر في نفوس ترى، مع احترامها للأجراءات العدلية، ان من الحكمة الوصول إلى غايتها بغير هذه الصورة وعلى غير هذا الوجه؟
كانت النفوس ثائرة، ولكن الله لطف فكانت القيادة للعقل لا للعاطفة، وكانت الجماهير المحتشدة عند حسن الظن بها، ومن خفي لطف الله أن كان الأستاذ الأكبر الشيخ (عبد الحميد بن باديس) رئيس جمعية العلماء حاضرًا ومعه الأستاذ (محمد خير الدين) وكاتب هذه الأسطر وجماعة من الأساتذة العاملين في الجمعية فتقدمنا إلى الجمهور الحاشد أن يتلقّى الصدمة بالصبر، وأن يقابل المكيدة بما يحبطها ففعل وانقاد، وبثثنا في الأحياء دعاة يدعون إلى الهدوء والسكينة فامتثل الناس، ومرّت أيام اعتقال الأستاذ المظلوم من دون أن يحدث فيها ما يكدّر الأمن أو يخلّ بالنظام، وكان هذا أول فشل للمكيدة ومدبّريها وردّهم الله بغيظهم لم يبلغوا أملًا والحمد لله.
__________
1) الجنود السنغاليون المجندون في الجيش الفرنسي.
(1/265)

مستند العدلية في اعقال الأستاذ العقبي:
كان القاتل "عكاشة" في بدء التحقيق معه اعترف بالقتل، وانه إنما قتل بدافع وجداني لا أثر لإيعاز الغير فيه، وذكر السبب الذي أثار هذا الدافع في نفسه، وذكر أنه اشترى السلاح الذي قتل به من محل سماه، ونشرت البلاغات الرسمية تفاصيل هذا التحقيق. ثم بعد أيام، ولأسباب يعلمها علّام الغيوب، رجع عن هذا كله وأدلى للمحققين برواية جديدة ذات فصول وهي: ان الشيخ الطيب العقبي هو الذي أوعز إليه بارتكاب هذه الجريمة، وانه هو الذي أعطاه الموسى التي قتل بها، وانه وعده بثلاثين ألف فرنك أجرة على القتل، وكان ذلك كله بحضور رجلين لم يسمهما ولكنه وصفهما بصفات سطحية تنطبق على كثير من الناس- وان ذلك كله وقع في "نادي الترقي" في عشية يوم معين- فاستندت العدلية على هذا واعتقلت الأستاذ العقبي على الصورة التي ذكرناها بعد أن فتّشت خزائن الإدارات التي ذكرناها وحجزت الكثير من دفاترها وأوراقها.
وهنا محل اندهاش الرأي العام في القطر الجزائري وجمهور عظيم من العقلاء والمفكّرين في غيره ممن يعرفون الأستاذ العقبي معرفة عيان أو معرفة سماع، ويعرفون مكانته في العلم والدين والإصلاح، وممن يعرفون جمعية العلماء ومبادئها وأصول دعوتها، وانها إذا عادت فإنّما تعادي المبادئ لا الأشخاص، وإذا خاصمت فإنما تخاصم في العموميات لا في الشخصيات، وإن الأصول التي بنت عليها دعوتها هي التعليم والتحابب والتسامح.
ومنطق الرأي العام في اندهاشه واستغرابه ينبئ على اعتبارين يرجع أحدهما إلى الجاني عكاشة ويرجع الآخر إلى الشيخ العقبي.
فالاعتبار الأول هو أن عكاشة رجل جان معترف بالجناية، مجرم عريق في الإجرام، وله سوابق مسجّلة.
فينبغي أن تؤخذ أقواله بغاية التروّي والتعقّل وعدم الوقوف عند ظواهرها، وعرضها على ميزان المنطق وعلم النفس، وإلا فإن كل ذي مكانة كمكانة الشيخ العقبي سيتبوّأ مكانه في "بربروس" ما دام كل مجرم كعكاشة.
نعم يجوز أن يكون عكاشة ارتكب الجناية بإيعاز، ويحتمل أن يكون مأجورًا، ولكن الرواية التي قصّها على العدلية ذات أجزاء لا يستقلّ جزء منها عن الآخر ولا يمكن أن ينظر في كل واحد على حدة وإنما ينظر إليها مجموعة، وعمل العقل هنا إنما هو فيما بين هذه الأجزاء من ترابط أو تفكك، فإذا انهار منها جزء انهارت بقية الأجزاء.
(1/266)

والرأي العام لا يهضم هذه الأجزاء التي تألفت منها رواية عكاشة لا مجتمعة ولا مفترقة، ويستحيل في نظره أن موعزًا بالقتل يعطي السلاح للقاتل ويتحكّم في قوّته واختصاصه، وان موعزًا بالقتل مهما كانت درجته في الذكاء والبلادة يتّصل بمجرم لا يعرفه ويفضي إليه بسرّ مثل هذا، وان مؤامرة مثل هذه تدبر في لحظة، وفي "نادي الترقّي" الذي لا ينقطع روّاده وفي يوم جمعة، وبعد درس في الوعظ الديني وتفسير لكلام الله يرقّق القلوب ويسيل المدامع من خشية الله، ومن الواعظ الذي لم يزل لسانه رطبًا بكلام الله.
كما يستبعد أن قاتلًا يقتل للمال ثم لا يأخذ الأجرة بعد تمام العمل، فهل أخذ عكاشة الثلاثين ألفًا؟ ..
وممن أخذها؟ وقد بقي طليقًا مدة يتيسّر له فيها أن يأخذ الأجرة أو بعضها ...
وأما الاعتبار الثاني الراجع إلى الأستاذ العقبي وجمعية العلماء التي هو من أكبر الممثلين لهديها وسيرتها والقائمين بدعوتها، بل هو أبعد رجالها صيتًا في عالم الإصلاح الديني وأعلاهم صوتًا في الدعوة إليه، فإن الرأي العام في القطر الجزائري- من المسلمين وغير المسلمين- ولا نستثني من خصوم الإصلاح إلا القليل، يعرف حق المعرفة من هو الأستاذ العقبي في ورعه وتقواه وعلمه وهداه؟ ويعرف أن ما وصمه به عكاشة هو شيء مصنوع لا مطبوع، وان العقبي لم يخلق قتّالًا وإنما خلق قوالًا للحق أمّارًا بالمعروف، نهاءًا عن المنكر، وقّافًا عند حدود دينه، وان شدّته في الحق لا تعدو بيان الحق وعدم المداراة فيه وعدم المبالاة بمن يقف في سبيله وأنه رجل كفاح ولكن في غير هذه الميادين، وأن الغيلة والدسّ والتحريش كلها مياه لا ترشح من هذا الإناء، وأن رجلًا مثل العقبي أدّبته الأخلاق الإسلامية الصحيحة وطبعته الهداية القرآنية العالية على غرارها يستحيل أن تخالط هذه المقاصد السافلة قلبه أو تجمعه بأصحابها سبيل.
ويعتقد الرأي العام أن الأستاذ العقبي لو لم يمنعه دينه وتقواه مما وصمه به عكاشة لمنعه شرفه وهمّته ومروءته، ولو لم تمنعه هذه الثلاثة لمنعه عقله وذكاؤه. فهل يعقل أن تهمة سخيفة كهذه من مجرم كعكاشة تعلق بمتحصّن بهذه الحصون المنيعة كالعقبي ويكون لها من القيمة ما يصيره متهمًا بالإجرام، ومن الأثر ما يدخله سجن "بربروس"، ومن النتيجة أن يقال له بعد ستة أيام قضاها في السجن: أنت حر ولكن تحت الطلب؟ ...
هذا هو محل اندهاش الرأي العام الجزائري واستغرابه وتساؤله، مع الاحترام الكامل للعدالة الفرنسية، وان استغراب هذه الحادثة لم ينحصر في الجزائر وحدها بل جاوزها إلى حيث تبلغ سمعة الأستاذ العقبي ويصل ذكر جمعية العلماء، فقد قرأنا في مئات البرقيات
(1/267)

والرسائل الخاصة الواردة علينا من مختلف الأقطار، وقرأ الناس معنا في الصحف السيّارة، عربية وفرنسية، ان اعتقال الأستاذ العقبي قوبل في جميع الأقطار بامتعاض عام، وان ذلك الامتعاض هو الذي أنطق الألسنة وحرّك الأقلام.
ومعلوم أنه لا يذكر اسم الأستاذ العقبي إلّا وتذكر بذكره جمعية العلماء، وأن الناس ليعرفون من رجال هذه الجمعية المسيّرين لها ما يعرفونه عن الأستاذ العقبي، ويعلمون من مكانتها العظيمة وسمعتها الشريفة وصيتها البعيد مثل ما يعلمون من مكانته وسمعته وصيته، ويعرفون مواقفها المشرّفة في خدمة الإسلام والعربية، وان دعوتها الإصلاحية التي رسخت في القطر الجزائري وتغلغلت في جميع أوساطه وطبقاته دعوة واضحة المعالم بيّنة الحدود مبنية على البرهان لا على السفسطة، وعلى الإقناع لا على المشادَّة، وعلى التحابب لا على التنافر، وعلى الجمع في الحق لا على التفريق في الباطل. وهي تعمل لغايات شريفة بوسائل شريفة، وفي النهار الضاحي لا في الليل المظلم، ومن مباديها أن لا تنتصر بالباطل ولا تنتصر للباطل، ولا تتكثّر بالمبطلين ولا تتزوّد بالكذب ولا تأمر بالشيء حتى تكون أول فاعل له، ولا تنهى عن الشيء حتى تكون أول تارك له.
وإذا كان أساس عملها كله تطهير المجتمع الإسلامي من العقائد الباطلة والأخلاق السافلة ومحاربة الشرّ من أي طريق جاء، فمحال أن ترضى عن الأشرار أو تقبل بالشرّ. وقد لقيت في تاريخ حياتها خصومات عنيفة وواجهت خصومًا أقوياء. وكانت في جميع ذلك مظلومة واحتملت من الأذى والكيد والعدوان والتهم الباطلة ما تنوء به الجبال، فلم تلجأ في جميع مواقفها إلا إلى الحق والصبر.
وإذا نسي الناس فإنهم لم ينسوا حادثة الاعتداء على الأستاذ "عبد الحميد بن باديس" الذي هو رئيس هذه الجمعية منذ تأسست إلى اليوم، فقد تآمر العليويون على اغتياله حيث ثقلت عليهم وطأة الحق الذي كان يقوله ولا زال يقوله فيهم وفي أمثالهم، وانتدب أشقاها لقتله في قسنطينة وضربه الضربة القاضية لولا وقاية الله ولطفه، ففي ذلك المشهد الذي تطيش فيه الألباب وتتفشى فيه روح الانتقام قوى الله الأستاذ- وهو أعزل- فأمسك خصمه الفاتك المسلّح ولبّبه بثيابه، ثم تجلّى على قلبه المطمئن بالرحمة فقال- وجرحه يثعب دمًا- للجمهور المتألّب المتعطّش لدم الجاني: "إياكم أن يمسّه أحد منكم بسوء" حتى تسلموه للمحافظة، ولولا هذه الكلمة لقطعوا الجاني إربًا إربًا، وقد خلد هذه الحادثة شاعر الجزائر الأستاذ محمد العيد في قصيدة يقول فيها:
وكادت يد الجاني المُسَخَّرِ تعتلي … يد الشيخ لولا الله أدركه لولا
وان أنس لا أنس الذين تضافروا … على الفتك بالجاني فقلت لهم مهلا
(1/268)

إن معاملة الأستاذ الرئيس للجاني عليه بالرحمة والاستبقاء واطفاءه لنائرة تلك القلوب التي كانت تغلي حقدًا عليه- بتلك الجملة الرحيمة- لنفحة من نفحات الأخلاق النبوية التي يدعو الأستاذ ورفاقه إليها، وأساس من الأسس التي بنت عليها جمعية العلماء دعوتها، ومثل شرود في الرفق والرحمة والسلام، وحجة قاطعة لألسنة المتقوّلين على هذه الجمعية والرامين لها بالسوء.

المستغربات في هذه الحادثة (2)
الرأي العام الجزائري- ونحن معه- يحترم القضاء الفرنسي إلى أقصى حدود الاحترام، ويعتقد نزاهته واستقلاله عن المؤثرات الخارجية اعتقادًا لا شائبة فيه للريب، ويحمل من الثقة الكاملة به ما لا يحمله لأية سلطة أخرى ولا لأية هيئة سواه، فإذا جاوزنا أفق القضاء، فإن الرأي العام يقف من بعض النقط في هذه الحادثة موقف المستغرب الحيران كما وقف من أصلها موقف المستفظع المستنكر.
والرأي العام الجزائري- بفضل المعاملات الشاذة الجارية بهذا القطر- أصبح يقظًا حسّاسًا دقيق الملاحظة لا تفوته ظاهرة دون التعليق عليها، ونحن لا نزعم للرأي العام صدق الفراسة في كل شيء، وإنما نسوق بعض ما تدور عليه أحاديث الناس في هذه الحادثة للاعتبار وللتدليل على أن هناك رأيًا عامًا لا نستهين به وإن استهان به أقوام.
يستغرب الرأي العام بقاء الجاني بعد اعترافه بارتكاب الجريمة أيامًا وليالي في إدارة الإخبار السري، ويؤيد الرأي العام في هذا الاستغراب بعض أوساط المحاماة.
ويستغرب تفتيش خزانة جمعية العلماء ما دامت التهمة موجّهة نحو شخص معيّن أو أشخاص معينين، ويستغرب إقفال مكتب الخيرية ومسجدها مع أنها تؤدي عملًا دينيًا بمسجدها الذي يصلي فيه الناس، وعملًا إنسانيًا بما يقوم به مكتبها من إحسان للبائسين وإعانة للمنقطعين.
ويستغرب الكلمات السفيهة التي واجه بها رئيس البوليس السرّي وبعض أعوانه الأستاذ العقبي أثناء الذهاب به إلى السجن.
ويستغرب المعاملة الجافية التي عامل بها ذلك الرئيس وأعوانه كلًا من السيدين محمد بن مرابط ورشيد بطحوش، ويستغرب قول ذلك الرئيس للسيد عباس التركي حينما طلب منه التعجيل باستنطاقه "إن نازلتك طويلة فارجع في العشية"، فمن أين علم السيد الرئيس ان نازلة عباس طويلة إلا إذا كان عكاشة قد سمّاه باسمه، والمفروض أنه لم يسمّ واحدًا من الرجلين ...
__________
2) البصائر: العدد 33، السنة الأولى، الجمعة 17 جمادى الثانية 1355هـ / 4 سبتمبر 1936م.
(1/269)

ويستغرب موقف الجرائد الفرنسية اليومية، فقد كانت منذ اعتقل الأستاذ العقبي تكتب الفصول الطوال بالعناوين الضخمة وتنشر الصور المثيرة ولا تقتضب من البلاغات الرسمية حرفًا ولا كلمة وتصوّر الاحتمالات بصورة الحقائق المسلمة، وتصف حادثة الاغتيال بأنها نتيجة مؤامرة واسعة النطاق وترسل الكلمات الجارحة جزافًا حتى بلغ التهوّر بإحداهنّ أن كتبت في الموضوع بتاريخ يوم الأربعاء الثاني عشر من أوت مقالًا فيه عتاب لقاضي التحقيق المحترم على ما سمّته بزعمها تراخيًا في الإجراءات، وقالت في هذا الفصل بدون حياء ولا خجل: ان الشخص الثاني من شريكي العقبي في المؤامرة قد ركب البحر أمس. ولم يبق عليها إلا أن تقول هو فلال بن فلان. فمن أين لهذه الجريدة أن المسافر هو أحد المتآمرين؟ وما الذي حملها على ذلك لولا التحريش الذي هو جزء من "المكيدة" وما الذي أبقته للقضاء بعد هذا البيان؟ بل ما الذي أبقته لعكاشة؟ مع أن عكاشة الذي هو المحور في القضية لم يسمّ واحدًا من الشريكين الخياليين، وإنما وصفهما بصفات مبهمة. فكيف ساغ لهذه الجريدة التي لم تحترم القضاء ولم تحترم نفسها ولا قرّاءها أن تقول ما قالت وتعتدي على الأبرياءَ وتتدخل فيما هو من اختصاص عكاشة وحده؟
أم كيف لا نعذر في اعتقادنا أن هذه الحادثة من أولها إلى آخرها مكيدة مبيتة، وانها موجّهة إلى هدف مخصوص، ما دمنا نقرأ مثل هذا الكلام في جريدة لا يصدرها الجن ولا يقرأها الجن وإنما يصدرها أبناء آدم ليقرأها أبناء آدم؟
لسنا- والحمد لله- ممن يتهم الأبرياء ولا ممن يقف في طريق العدالة أو يثير في وجهها الغبار ليحجب الحقيقة عنها، ولا ممن يرسل الكلام جزافًا، وقد قلنا في طالعة هذه الكلمة ولا زلنا نقول ان الحادثة مكيدة، ونحن قوم ندين بالقرائن كجميع العقلاء، ونؤمن بالمثل- "لا دخان بلا نار"، وقد حصلنا نصف العلم بهذا يوم قال السيد ميشال في منشوره المعروف ما قال، وأوصى أعوانه تلك الوصايا الأكيدة بمراقبة ما سمّاه الحركة الوهّابية وتتبع خطواتها في الاجتماعات العمومية، وتوجيه التهم التي تقتضي الإحالة على "البركي" (3).
وحصلنا النصف الثاني يوم قالت هذه الجريدة ما قالت، وأوحي إليها بما لم يوحَ إلى عكاشة. وحسب العاقل من الأمور مبادئها وخواتمها.
إننا لا نظن أنّ أمثال صاحب هذه الجريدة يحتكرون لأنفسهم ملكة الاستنتاج والقياس، ولا ان الحرية التي وسعتهم إلى حد مراغمة الحقائق ونبز الأبرياء تضيق بنا إلى أن لا نقول ان هذه النتائج من تلك المقدمات.
__________
3) النيابة العامة.
(1/270)

ثم كانت خاتمة الغرائب وأم العجائب ان هذه الجرائد التي كانت بالأمس تكتب فتطول، وتحكي فتهول سكتت بعد الإفراج عن الأستاذ العقبي دفعة واحدة وسكنت تلك الأعصاب الهائجة فسكنت بسكونها الأقلام، كأنه لا يعنيها في المسألة جريمة وقتيل، وإنما يعنيها أن ينحرف الحق وتزيغ العدالة فتساق التهمة إلى الأبرياء. فلما استقام الحق في نصابه وجرت العدالة على مِنهاجِها ساءها ذلك فسكتت، وان سكوتها لدليل عند العارفين على كلامها، وقد أصبح الناس كلهم عارفين ...

مرامي الإشاعات الأولى:
تناثرت لأول وقوع حادثة الاغتيال كلمات من مصادر مختلفة متفاوتة في الاعتبار ولم نحملها نحن على أنها تكهّنات من شأنها أن تصدر في مثل هذه الغيلة المحاطة بالغموض، بل حملناها بحسب المقامات التي صدرت عنها على أنها مقصودة وانها ترمي إلى أشياء سيكشفها الزمن.
قال قوم إن القتل سياسي، وقال آخرون إن القتل ديني، وقال غيرهم ان القتل شخصي ...
ومستند الرأي الأول: ان القتيل غمس يده في حركة المعارضة للوفد الإسلامي الجزائري ومطالبه، وكتب التلغراف المعروف يتبرأ فيه من الوفد بنوعيه السياسي والديني، فمغزى هذا الرأي سوق التهمة إلى الوفد.
ومستند الرأي الثاني: ان القتيل عالم ديني أو على الأقل ذو منصب ديني، وقد عرف بالخصومة لحركة الإصلاح الديني، ومغزى هذا الرأي جر التهمة إلى جمعية العلماء أو إلى النادي الذي هو مركزها أو إلى العقبي الذي هو ممثلها الأكبر في العاصمة.
ونحن لا نملك على الناس أهواءهم وألسنتهم، ولا نتحكّم في تخميناتهم واعتقاداتهم، كما اننا لا نذهب ظنون الناس بيقيننا في الطرف السلبي من المسألة وهو ان الاغتيال ليس نتيجة مؤامرة تتصل بالوفد أو بجمعية العلماء أو بالنادي، أما الطرف الآخر الإيجابي، وهو مصدر الاغتيال، فلا شأن لنا به ولا يقين لنا فيه بل نكل علمه إلى الله، ونكل الكشف عنه إلى القضاء العادل.
لا يصحّ الاعتقاد بأن القتل له صلة بالمعارضة للوفد، فالمعارضون كثير والمعارضة معهودة، ولا بالمضادة لحركة الإصلاح الديني، فالمضادة قديمة والقدم مظنة النسيان والخمود، والرجل واحد من عشرات الألوف من هذه الفرقة التي تحقد على الإصلاح الديني وتحمل لأصحابه الحقد والضغينة، ونحن لا نعتبر هذه الفرقة عدوة لنا وإنما نعتبرها بقية من حملة الفكر القديم الخرافي، تعتمد على نظريات سيذهب بها انتشار الإصلاح،
(1/271)

وتستند على سناد من القوة التي لها هوى في بقاء ما كان على ما كان، ولا تلتئم مصلحتها مع الإصلاح الديني، وسينهار هذا السناد بظهور الحق، ونحن على يقين ان وجود هذه الفرقة طبيعي، ومن سنن الله التي لا تقاوم، وسيكتسحها الزمن وتقلباته لعدم صلاحية ما هي عليه لهذه التقلبات، فقصارى صنعنا مع هذه الطائفة أن نتربّص بها صنع الله.
وقد تكالبت علينا هذه الفرقة في بعض الأحايين، وجاء بعض أفرادها في باب الكيد لنا بما لم يأت القتيل بعشره، ومع ذلك فلم تحدّثنا أنفسنا أن نلتجى في مقاومتها إلى الطرق السافلة التي تأباها تربيتنا الإسلامية، وتأباها أصول مبدئنا الإصلاحي المبني على التسامح قبل كل شيء.
أما الشيخ كحول الذي يحاول المغرضون جعله ممتازًا في باب المضادة للإصلاح ليبنوا عليه ما تسوّله لهم أنفسهم، فإننا لا ندّعي- بهتانًا- أننا أصدقاء له، ولكننا لا نجيز لأحد أن يدّعي علينا أننا أعداء له بالمعنى العرفي الذي يفهمه الناس من كلمة العداوة وهو الذي يكون من آثاره إضمار الشر والسعي في الانتقام، وإنما نحن معه كشأننا مع بقية الناس، نرى رأيًا في الدين ويرى هو خلافه، والحكم بيننا هو الدليل فإذا لم يقنع فأمره إلى الله.
ونحن لا نعتبر من هذا الرجل بخصوصه وصفه بالعلم وإنما نعتبر علاقته بالحكم، والرجل كما عهدناه ذكي نزاع بطبيعته إلى الاستقلال الفكري، فلو تركته الظروف لكان في عداد المصلحين، وعلى هذا فمعارضته للإصلاح الديني ليست ذاتية وإنما هي مصطنعة، وإذا كان في الرجل ميزة يمتاز بها عن خصوم الإصلاح فهي هذه.
والرجل يجمع إلى وظيفه الديني وظيفًا آخر إداريًا، وكلتا الوظيفتين بطبيعتهما لا تخلو من ملابسات واحتكاكات تغرس لصاحبها البغضاء في نفوس أقوام والمحبة في نفوس آخرين، وصاحب الوظيف الديني في هذا الوطن الشاذ الأوضاع غير محدود العمل ولا مضبوط المسؤولية ولا واضح العلاقة مع رئيسه، وإنما هو كالقدح الفرد يستعمل حينًا آلة كيد وحينًا جارحة صيد، ولذلك كانت معارضة الرجل بالتلغراف المشهور قليلة التأثير في نفوس العقلاء لعلمهم أنه كتب باسمه لا بيده ...
ونحن، للاعتبارات التي ذكرناها، وبطبيعة مبدئنا الإصلاحي الديني نقول بألسنة لم تتعوّد الكذب والمداجاة، ومن أفئدة لم يستقرّ فيها مع الخوف من الله الخوف من المخلوق:
إننا لم نفرح لمصرع الشيخ كحول كما يظن الخراصون، ولم نتمن قط أن تكون خاتمته هذه الخاتمة، بل قابلنا الجريمة عند السماع بها بالأسف العظيم والاستنكار الشديد، واستعذنا بالله من كيد الكائدين ومكر الماكرين وغدر الغادرين، وسألناه توفيقًا يعصم من مصارع السوء ويقي من مزالق الفتن ويحفظ من عواقب المحن.
(1/272)

الإفراج عن الأستاذ العقبي ورفيقه:
لم يخالجنا الشك لحظة في أن مصير الأستاذ العقبي ورفيقه السيد عبّاس التركي هو الإفراج وبراءة الساحة، وان الحق في هذه التهمة الشنعاء سيتجلّى للعيان، ولكننا كنّا نذهب في تقدير المدة مذاهب لا تحكم فيها إلا نتائج التحقيق، وقد لبث الأستاذ في السجن ستة أيام بلياليها، ولبث رفيقه نصفها ولم نمتعض- علم الله- للسجن وان عظم خطبه، ولا للسجين وان جل عندنا قدره، ولكننا كنا نمتعض لحظ هذه الأمة العاثر وطالعها المنكود، فهي كلما أقدمت على خير وشارفت الوصول إليه وبسطت الراحتين لتناوله، رماها الشيطان بفتنة هوجاء، أقل آثارها إطالة المدة، ومضاعفة الشدة، ومع ذلك الامتعاض فإن رجاءنا في الله وحده لم ينقطع، وثقتنا بالعدالة ورجالها لم تتزعزع.
كان اليوم السادس من اعتقال الأستاذ العقبي هو اليوم المعين للتحقيق معه ومقابلته بالجاني، وكنا ننتظر نتيجة هذه المقابلة بوثوق بالحق، واطمئنان إليه. واستدعى قاضي التحقيق الأستاذ من معتقله وجيء بالجاني، وكان محاميا الأستاذ حاضرين، فلما مثل الجاني أمام القاضي وألقى عليه الأسئلة في الموضوع رجع على تلك الوصمة التي رمى بها الأستاذ، واعترف اعترافًا صريحًا بأنه مبطل فيها ومفتر على الأستاذ، وانه يرجو منه في هذا المجلس أن يسامحه ويعفو عنه، وأعلن أنه رجع عن الباطل إلى الحق، وكانت مفاوضة بين القاضي والمحاميين في قانونية إطلاق الأستاذ ورفيقه أسفرت عن لزوم الإفراج عنهما في تلك العشية.
أطلق سراح الأستاذ ورفيقه في لحظة واحدة في منتصف الساعة السادسة وذهب بهما المحاميان إلى بيتيهما من طريق قليلة السلوك تفاديًا من التشويش والهيجان، ولكن الخبر انتشر بسرعة واهطعت الخلائق إلى داري الأستاذ ورفيقه (وكانتا متصاقبتين)، وطفق الناس في الشوارع يهنئ بعضهم بعضًا والبشر يطفح على وجوههم والدموع تسيل فرحًا، وكان مشهد الجموع المتدفقة على الأستاذ للتهنئة والتحقق من سراحه مشهدًا رائعًا، تجلّت فيه عواطف المحبة والأخوة الإسلامية والتقدير للرجال العاملين.
واضطربت أسلاك البرق والتلفون في ذلك المساء تحمل البشرى إلى أطراف القطر وإلى خارج القطر.
ثم تضافرت الأخبار وحملت إلينا الوفود ان تلك الليلة كانت ليلة عيد ضاحك مبتهج في جميع البلدان، وان كثيرًا من الناس أحيوها إلى الصباح في مرح وسرور وابتهاج، وانهم نسخوا بها كل ما اعتراهم من حزن وألم لاعتقال الأستاذ.
ثم انهالت علينا في الأيام الموالية رسائل التهنئة، برقية وبريدية من القطر الجزائري وغيره من الأقطار، وكانت ترد علينا في كل ساعة عشرات البرقيات من الصباح إلى الساعة
(1/273)

العاشرة ليلًا، ثم انثالت وفود التهنئة من الأماكن القريبة والبعيدة يحملهم الشوق ويستتفزّهم السرور، لم يثنهم بعد الشقة ولا مس المشقة ولا كثرة الأشغال عن ذلك، ورأينا العجب العجاب من وحدة في الشعور وصدق في الأخوة وقصد في التقدير وتفانٍ في الإخلاص للرجال العاملين ما كنّا نظنّه ولا نطمع فيه، وربّ نقمة في طيّها نعمة.
أما آثار اعتقال الأستاذ في الأمة الجزائرية وغيرها من الأمم الإسلامية ومدى تأثيره في الحركة الإصلاحية على الخصوص، فسنفرد له مقالًا خاصًا.

فتح نادي الترقّي وما يتّصل به:
بقيت النفوس بعد الإفراج عن الأستاذ العقبي متطلعة إلى فتح نادي الترقي وإدارة "البصائر" والخيرية، وكنت ترى على وجوه القوم بقية استياء وتتفرس ان في الصدور همًا. فتقول متعجبًا: أبعد ظهور الحق وانتصاره والإفراج عن الأستاذ يبقى مجال للكدر والاستياء؟ ولكنك لا تلبث أن تعرف ان مبعث هذا الاستياء هو إغلاق نادي الترقّي معقل الأمة التي كانت تأوي إليه كلما نابت نائبة أو حزب كرب، فتؤويها منه الساحة الواسعة والفناء الرحب، وان نادي الترقي لحقيق بهذه المكانة من نفوس الأمة، فكم نبتت فيه من مشاريع نافعة، وكم رنت في أبهائه أصوات مصاقيع خطباء العربية، وكم شبّت في أحضانه جمعيات مفيدة، وكم كان قدوة في الصالحات، وكم نسج الناس على منواله في تأسيس النوادي في أنحاء القطر، وحسبه شرفًا أنه مركز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وفيه تعقد اجتماعاتها السنوية العامّة، وحسبه فضلًا على الأمة ما له من الأيادي على مؤتمرها العام في هذه السنة، ففيه انعقدت الجلسات التمهيدية للمؤتمر، وفيه انعقدت اللجنة التنفيذية للمؤتمر في أيامه المشهودة، وفيه اقتبلت الأمة الجزائرية وفدها بعد رجوعه من باريس.
لعمرك ان ناديًا هذه أياديه على الأمة وهذه مكانته في النفوس لحقيق بالحزن لإغلاقه والتطلع لفتحه، وقد تمت الإجراءات اللازمة لفتحه عشية يوم الاثنين الرابع والعشرين من أوت، ففتح في تلك العشية وتدفق الناس على رحابه مبتهجين بفتحه مجددين التهنئة لبعضهم بذلك، وأدّى الناس فريضة المغرب من تلك الليلة في مسجد الخيرية. وتمّت الأفراح بخروج الأستاذ العقبي في صبيحة تلك الليلة من داره إلى النادي بعد أن قضى أيامًا لا يخرج من داره التماسًا للراحة والاستجمام.
فرح المؤمنون في هذه الليلة المباركة بنصر الله واعتبروا بلطيف صنعه، وأيقنوا ان العاقبة للصبر والتقوى، وصدق الله وعده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده.
(1/274)

آثار اعتقال الأستاذ العقبي في الأمة الجزائرية
ونتيجته للدّعوة الاصلاحيّة*
أما والله لو استقبل الكائدون لجمعية العلماء من أمرهم ما استدبروا لما فعلوا فعلتهم الأخيرة ولتابوا التوبة النصوح من هذه المحاولات الفاشلة التي ما جرت لهم إلا الخزي والخيبة.
ولو كان لخصوم هذه الجمعية بقية من إدراك لكان في تجاربهم المتكررة ما يَزَعُهُم عن الكيد لها والمكر بها، ويلزمهم بالإقلاع عن حربها وتغيير الرأي فيها وتخلية الطريق لها، ولكنهم قوم أكل الحقد قلوبهم وغطّى الهوى على بصائرهم، فكلما خابوا في مكيدة جاوز بهم الهوى موطن الاتعاظ بها وحرّكهم إلى سعي ضائع في أختها أو في أكبر منها.
هم يريدون بما يمكرون شيئًا واحدًا ويرمون بما يكيدون إلى هدف واحد، وهو القضاء على جمعية العلماء بهذه المكائد التي يستفرغون فيها الوسع ويحكمون لها التدبير ويجمعون عليها الرأي بعد أن بذلوا أضعاف ذلك في صدّ الناس عنها وتنفيرهم منها فلم يفلحوا. وقد كانوا في هذه المرة أقوى ما كانوا أملًا في النجاح، وتوهّموا أن الظروف خدمتهم بتمهيد أسباب المكيدة وتهيئة الجو الصالح لها، فجاءتهم الخيبة من مبعث الأمل، وكانت صدمة الفشل عنيفة ومرارته لا تطاق، وأراد ربّك الحق أن تبقى هذه الجمعية شجى في حلوقهم، وان يكون من أسباب بقائها وتثبيتها ما تريده هي من بناء وما يراد بها من هدم، وأن يكون من دلائل حيويتها أن يرجع المناضلون لها في ميدان العلم بالرأي المحجوج، وأن يرجع المنازلون لها في ميدان العمل بالرأس المشجوج، وهذا شأن الحق والباطل مهما اصطرعا فلا تكون قوة الباطل إلا مزيدًا في قوة الحق.
__________
جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 34، الجمعة 24 جمادى الثانية 1355هـ/ 11 سبتمبر 1936م، ومجلة "الشهاب"، الجزء السابع، المجلد الثاني عشر، أكتوبر 1936.
(1/275)

لسنا نجهل هذا من سنن الله فلم نشك لحظة منذ وضعنا قدمنا في طريق الإصلاح الديني ورفعنا الصوت بالدعوة إليه في أن الله سيديل للحق من الباطل، وأنه يبتلي أولياءه بالأذى والمحنة ليمحصهم ويكمل إعدادهم للعظائم. ولم نزل على يقين تتجدّد شواهده ان في المصائب التي تصيبنا في سبيل الإصلاح شحذًا لهممنا وإرهافًا لعزائمنا، وتثبيتًا لأقدامنا، وإلفاتًا للغافلين عنّا إلى موقعنا من الأمة وموقفنا من أعدائها، وقد ألفنا هذه المكائد التي تنصب لنا حتى ما نبالي بها وأصبح حظنا من "الكشف" أن نعلم من أوائلها أواخرها، ومن مقدّماتها نتائجها ... واننا لنبتهج بالمصيبة تصيبنا في سبيل الإصلاح أضعاف ما يبتهج غيرنا بالطيبات والمسار، ونعد كبيرها- مهما أعضل وآذى- صغيرًا هينًا، وخفيها- مهما أفظع وبغت- ظاهرًا جليًا، ونأسى لإغبابها عنا كما يأسى الممحل للجدب، ونرتقب إلمامها بساحتنا كما يرتقب غيرنا النعم والخيرات، لعلمنا ان المعاني التي تتركها في نفوسنا هي المعاني التي نصبو إليها، وأن تمرسنا بها باب من أبواب الرجولة وسبيل من سبلها.
ولقد كانت كبرى المكائد التي دبّرت للجمعية في تاريخ حياتها- المكيدة التي اغتالت الشيخ كحولا واعتقلت الأستاذ العقبي ولوّحت إلى اثنين كان أحدهما- بعد أن طاش السهم واختلّ الحساب- عباس التركي محمد وعلي، فقد اختار القائمون عليها من شخوص الجن أصلح الأوقات لإثارة الفتن، وأمتن الأسباب لتحريك الاحن. وساندهم فيها الرامح والناشب من حملة الأقلام ليمدّوا الحمأة بالماء ويمدّوا النار بالوقود، ولكن هل كانت العاقبة بعد ذلك الحشد كله لنا أو لهم؟ وهل كانت النتيجة في مصلحتنا أو في مصلحتهم؟
ينقسم خصوم الإصلاح- بعد اجتماعهم في أصل الموضوع- إلى فريقين: أقوياء وضعفاء. فالأقوياء يقومون بالدسّ وتبييت السوء لرجال الجمعية، والضعفاء يقومون بالتشهير وإشاعة قالة السوء عنها والشماتة المؤلثة بها، وكثيرًا ما تستمدّ أعمال هؤلاء من أقوال هؤلاء، وتجد ألسنة الضعفاء مادة للغزل والحوك من أعمال الأقوياء فتتطاول وتجتري، وتكذب وتفتري، وإذا لم تغض العقول من أعنة الألسنة لم تقف في الاستهتار عند حد.
وأصحابنا لا عقول لهم وإنما هم أتباع أهواء وأبواق فتنة.
وفي هذه الحادثة الأخيرة أمعن فريق الضعفاء في الشماتة إلى حد أنهم أقاموا الزينات وتبادلوا التهنئات ورجعوا من شعيرة "التزربد" (1) إلى طبع أصيل، وذهبوا في تأويل الرأي المبهم لعكاشة في "الاثنين" مذاهب شتى، وود كل واحد منهم- بدخول الحبس- لو كان من عكاشة مكان الملقن ... حتى يرفع عنه الحيرة والإشكال في هذين الاثنين، ولو أعطوا ما
__________
1) من الزَّرْدَة، وهي الحفلات التي يقيمها الطرقيون، وترتكب فيها المنكرات ويُهَلُّ في ذبائحها لغير الله.
(1/276)

تمنوا لرأينا منهم لأول مرة في حياتهم اتفاقًا يغبطون عليه في تعيين الاثنين وتبيين الاسمين ... وإذا كان الأقوياء يقادون بالهوى فما الظن بالضعفاء؟
إن خصومنا الضعفاء جهال بمعاني الحياة وأسبابها، جبناء في مواقفها، أذلة مع كل من ينازعهم حبلها، وهم لذلك كله لا يدركون معنى من معاني الشرف والرجولة وهم- لمهانتهم- يفهمون من أسباب العلو أسباب المهانة ولا يفهمون من أسباب "الحبس" إلا ما هم أهله من التزوير والإفلاس، وكل أموال الناس، وإلّا ما يرتبط بنفوسهم الوضيعة من نتائجه كالاحتقار وازدراء العيون.
أما الأسباب الشريفة والمعاني الشريفة، والنتائج الشريفة، فهيهات أن تخطر لهم ببال.
أما خصومنا الأقوياء فهم أول من يعلم أن دخول السجن شرف ما بعده شرف إذا كان في سبيل الحفاظ للدين أو الخدمة للوطن أو الإسعاد للأئة أو غير ذلك من الشؤون العامة التي يكبرها الناس ويفيضون عليها الاحترام والتقديس، وان الحبس لهذه الأسباب بقدر ما يضيق على صاحبه أيامًا معدودات يوسع له في آفاق الشهرة والخلود.
لذلك نراهم يضنون به علينا ويبتعدون بنا عن طريقه، مع أنهم يملكون أسبابه ووسائله ما داموا يملكون الظلم والاستبداد والكذب "ومن أوتي الكذب فقد أوتي الأسلحة كلها"، ولكنهم لم يتورّعوا- ولن يتورّعوا- عن إدخالنا للسجن باسم الإجرام. إذا لم يذكروا ان حبل الكذب قصير وان المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وان غير المجرم بالطبع لا يكون مجرمًا بالصناعة، وان الحيلة تفلح في كل شيء إلا في تبديل طبائع الموجودات الحقيقية، وان الاعتماد على مجرم بالطبع- في تلويث بريء بالطبع- إجرام لا يغتفر، وان إكراه الأسباب على أن تؤتي غير نتائجها الطبيعية يوشك أن يفضح صاحبه فلا تجري الأسباب إلا على سننها ولا تؤتي إلا نتائجها.
ومن العجيب أن خصومنا الأقوياء الأذكياء لم يذكروا كل هذا حينما أقدموا على فعلتهم وأتوا بها شنعاء على الأيام. فأنتجت لهم هذه الحادثة ضد ما أملوا وأتتهم بعكس ما أرادوا. وقد أملى عليهم الحقد أن ينتقموا من هذه الأمة، فانتقمت منهم الأمة، وظنّوها غريرة كما عهدوها تنقاد للكائد، وتنخدع للصائد، فكشف لهم الغيب ما لم يعهدوا ولم يتعوّدوا.
أرادوا أن يثيروها على السلطة أو على نفسها فلم يفلحوا، وأرادوا أن يشوّهوا سمعة جمعية العلماء بينها فلم ينجحوا، وأرادوا أن يشتتوا شمل هذه الجمعية وشمل أنصارها، فما زادت على الشدة إلا التحامًا والتئامًا، وأرادوا أن يحطوا من قدر الأستاذ العقبي وينقصوا من سمعته فزادوه علوًا وسموًا.
(1/277)


كل ذلك أرادوا، وفيه فكّروا وقدروا، وعليه أداروا المكيدة من أولها، ولكن الله اللطيف أراد غير ما يريدون فحلّ ما عقدوا وأطفأ ما أوقدوا، وكانت النتيجة ما تقرأه بيانًا لعنوان المقال.
كان من آثار الحادثة برمّتها في الأمة الجزائرية أن علّمتها كيف تصبر في الشدائد، وكيف تقضي على كيد الكائدين بالصمت والسكينة، وعلّمتها أن أعداءها لا يقفون في مضارتها عند حد، وعلّمتها أن لا تعتمد في النهوض على من لا يرضى لها أن تنهض وأن لا تستند في حياتها إلى من لا يقنع منها إلّا بالموت وأن لا تسأل البقاء ممن يسعى في افنائها، وأوقفتها على نوع من الأسلحة التي يحاربها بها أعداؤها وأرتها كيف يستعمل هذا السلاح فلم تعد تأبه له ولا للمتسلّح به، وكشف لها هذا الدرس البليغ عن جانب خفي طالما تعب الناصحون في بيانه، وهو ان هذه الأمة تشارك في مضاربة بلا ربح، وتقاد في ليل بلا صبح، وتضطرب بين أهواء متعاصية عن الكبح، وانها تحيا في القرن العشرين بمؤثرات القرون الوسطى، وتُساس في عصر العلم والنور بصور من سياسة عصور الجاهلية المظلمة، وانها تقات بالتضليل والتخذيل والتجهيل والتعليل، فإذا استبانت منهجًا أو حنت إلى ألفة أو صبت إلى علم أو طلبت حقيقة، ردّت إلى عتمة الليل بعنف ولكنه قانوني، وظلم ولكنه عدلي، واستبداد ولكنه شوروي، وكيد ولكنه نظامي ...
كل هذا فهمته الأمة وفهمت معه أن لا ثقة إلا بالله ثم بالحق الذي جعله نظامًا للوجود، وأن لا اعتماد إلا على الله ثم على نفسها، وأن لا خوف إلا من الله ثم مما اجترحت الأيدي.
وهذا ما أملاه هذا الدرس البليغ على الأمة، فكان لها عبرة وذكرى وكل ذلك ببركة هذه الحادثة فما أبرك هذه الحادثة على الأمة ...
وكان من آثار اعتقال الأستاذ العقبي، بموضعه من جمعية العلماء ومكانته فيها، أن جمع عليها القلوب ولفت إليها الأنظار وأسمى مكانتها في النفوس أضعافًا مضاعفة، وزاد نفوذها انتشارًا ومبادئها رسوخًا في جميع الأوساط، وتحقق لجميع الطبقات في الأمة أن هذه الجمعية قامت على أساس من الحق، وعملت للحق، وأوذيت في سبيل الله والحق، وأن قيامها بالحق هو الذي ألّب عليها الأعداء، وجلب لها الأذى والبلاء، وان هذه الحادثة المدهشة نتيجة حقد متأصّل عليها ويأس مرير من القضاء عليها بغير هذا النوع من الكيد، وان سمو مبدئها ونبل غايتها هما السبب الأكبر في نصب العراقيل لها، وبث الأشراك من حولها، وانها لو لم تكن على الحق لصافاها المبطلون ومادوها حبل الولاء، وانها- وقد ظلمت في هذه الحادثة ظلمًا بيّنًا مكشوفا عرفه حتى البله- مظلومة في كل ما مرّ من أدوار تاريخها، وان رجالها لا يعملون
(1/278)

لذواتهم وإنما يعملون للغتهم ودينهم ومصلحة أمّتهم، وان من يحتسب في سبيل الإسلام والعربية حتى دخول السجن لحقيق بأن تمتلئ القلوب المتعلقة بالإسلام والعربية بلجلاله وتعظيمه وتهبُّ النفوس المتشبّعة بالإسلام والعربية لنصرته وتأييده وكذلك كان.
وقد كان الناس في القطر الجزائري قبل هذه الحادثة في جنب جمعية العلماء فرقًا منهم المنتصر الغالي ومنهم المحب المقتصد، ومنهم القُعْدي المذبذب ومنهم المبغض المسرف، وكل ذلك مبني على تفاوتهم في إدراك حقيقتها وتفهّم مقاصدها، فجاءت هذه الحادثة فكانت سببًا في تلاقي أطراف هذه الفرق وإجماعهم على محبّتها والاقتناع بحقيقة مبادئها. وان كثيرًا من الغالين في بغضها والتشنيع عليها ليقولون: نشهد إنها لمظلومة، وتراهم أكثر ميلًا إليها وعطفًا عليها وإكبارًا لرجالها مما كانوا عليه من قبل.
ولقد قال لي قائل ذكي ما معناه: ان محاكاة القدر لا تكون قدرًا من جميع جهاتها، فلأمرٍ ما كان القتيل كحولا ولم يكن رجلًا سياسيًا، ولأمرٍ ما كان المتهم العقبي ولم يكن رجلًا آخر، انهم يقولون انهما رجلا دين، ولكن الدين لا يقتل الدين (ونطق بهما بلفظ الاسم) وما قالوا ذلك إلا ليبنوا عليه أن رجال الإسلام يصطرعون ونحن لا نؤمن بالمقارنة ولا نؤمن بهذه المقدمات، وأحرى أن لا نؤمن بما يبنون عليها من النتائج ...
فقلت له: افهم كما شئت فما أنا على افهام الناس بمسيطر.
وقال لي ظريف آخر: ان الجماعة كانوا يرموننا بأننا نتّخذ الدين آلة لأغراضنا ويعدّون ذلك بابًا من أبواب سفاهتنا، وها هم اليوم يقلّدوننا في اتخاذ الدين آلة للأغراض ...
ولعمري إن أسخف أنواع التقليد ما كان في أمر وهمي. فكان جوابي له عين جوابي للأول.
هذه الآثار هي إحدى بركات هذه الحادثة على جمعية العلماء، فما أبرك هذه الحادثة إذًا على جمعية العلماء ...
ومن آثار هذه الحادثة على الأستاذ العقبي أنها طارت باسمه كل مطار، ووسعت له دائرة الشهرة حتى فيما وراء البحار، وكان يوم اعتقاله يومًا اجتمعت فيه القلوب على الألم والامتعاض، وكان يوم خروجه يومًا اجتمعت فيه النفوس على الابتهاج والسرور، وأقوى ما في هذا الإجماع المنقطع النظير انه كان بسائق وجداني جمع بين من يعرف الأستاذ معرفة عيان وبين من يعرفه معرفة سماع وبين من لم يعرفه إلا من هذه الحادثة. كما جمع بين المسلم والنصراني واليهودي، وان أمرًا تجمع عليه هذه الطوائف المتباينة من الناس لأمر عظيم، وان من يقرأ مئات البرقيات ورسائل التهنئة ويتأمّل إطباقها على معنى واحد- وهى من مصادر متباينة- يعدم أنها من وضع إلهي فوق قوى البشر.
(1/279)

أما آثار هذه الحادثة في فرنسا فقد قرأها القراء في الجرائد الباريسية وغيرها. وأما آثارها في الأقطار الإسلامية، فقد كانت دعاية عميقة الأثر للأستاذ العقبي ولجمعية العلماء ولحركة الإصلاح الديني لا تقوم بالمال ولا يبلغ مرضى الدعايات عشرها ولو بذلوا فيها الملايين الكثيرة ...
إننا لنشكر بهذه المناسبة لإخواننا في الأقطار الإسلامية مشاركتهم الصادقة لنا في السرّاء والضرّاء والتفاتهم الجميل نحونا، ونعتبر هذه المشاركة ظاهرة التحام جديدة في المجتمع الإسلامي، وسمة بر برحم الدين المجفوة بيننا، ولمحة عرفان لما تناكرناه من أخلاقه بل مصداقًا لما وصف به النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمني أمّته، ونبتهج بتحقق هذا الوصف في الوقت الذي نبذل فيه وسعنا لإحياء الآداب الإسلامية بيننا.
وليهنأ جمعية العلماء ما لقيته من إجلال وإكبار وتقدير واعتبار، وذيوع لاسمها ومبادئها وانتشار، وليهنأ المصلحين ما ربحوه من مؤيدين وأنصار، وما أفادتهم حادثات الدهر من اتعاظ واستبصار، وليهنأ أخانا العقبي- نعمة الله عليه- بحسن الذكر في الأولين ولسان الصدق في الآخرين، وبالنصر على أعدائه حينما أرادوا به كيدًا فجعلهم الأخسرين ...
(1/280)

الإصلاح الدّيني لا يتمّ إلا بالإصلاح الإجتماعي
(خطبة الأستاذ الإبراهيمي التي ألقاها صبيحة اليوم الأول من أيام الاجتماع) *
ــــــــــــــــــــــــــــــ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الاخوان: أما وقد جاوزت جمعيتكم خمس مراحل من وجهتها الموفّقة، وسلخت سنوات من عمرها العامر بالصالحات، وقطعت خمسة أشواط في مبدئها
الذي عاهدت الله على أن تبلغ غايته أو تموت في الدفاع عنه والنضال من دونه، ولقيت من العوارض والعوائق ما ذللته العزائم ومهّدته الهمم. وكانت نتائج ذلك كله عكس ما ظنّه المتشائمون، ورأت من عجائب صنع الله لها وبره بها وخِيَرَتِهِ لها ما لم تكن تحلم به، إلى أن كانت الحادثة الأخيرة التي ظن مدبّروها أنها القاضية على الجمعية والخانقة لأنفاسها والمقوّضة لها من أساسها، فكانت عليها كنار الخليل بردًا وسلامًا، وانها لأول حادثة في تاريخ الجمعية جمعت بين الضدين: سوء الوقع وحسن الأثر، فقد امتحن فيها إحساس الجمعية ومسّ فيها مكمن الغيرة من الأمة الإسلامية، ولو هفت منا الحلوم أو خفيت على الأمة موارد الحادثة ومصادرها، لرأيتم معنى عاليًا من معاني الحفاظ الكمينة في هذه الأمة الفقيرة إلا من الشرف والعزلاء إلا من العزائم، ولقرأتم صفحة من صفحات البطولة ظنّ الناس أن مكانها من تاريخ الجزائر الحديث خال، ولأرينا العابثين بمقدّرات الأمم كيف تكون عواقب العبث، ولكن الله سلّم وألهم الرشد فأريناهم كيف يكون الصبر في الشدائد وكيف يكون التنبّه للمكائد، وأذقناهم مرارة الخيبة وغصص اليأس وكنا نحن الفائزين.
أما وقد تمَّ كل ذلك، فقد وجب أن نقف على رأس هذه الأعوام الخمسة ونستعرض الأعمال التي تمّت فيها على يد الجمعية استعراض المعتبر بماضيه وحاله، الموازن بين
__________
* الاجتماع العام الخامس لجمعية العلماء المسملين الجزائريين الذي عُقد بنادي الترفي بعاصمة الجزائر في سبتمبر 1936. جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 37، الجمعة 16 رجب 1355هـ / 2 أكتوبر 1936م.
(1/281)

أعماله وآماله، المستبصر في مبادئه ومصائره المغتبط بما قدم من صالح، وإن قلّ، المستشرف للعظائم وإن هالت وجلت.
نقف لا لنعدّ الأيام والشهور، ولكن لنعد الأعمال ونزن الأعمال بآثارها ونرى إلى أي حدّ في النجاح وصلنا، وعلى أية درجة في الإصلاح حصلنا.
إننا- أيها الإخوان- لا نزن الأعمال بما هي عليه في أنفسها ضخامة وضؤولة، وإنما نزنها بآثارها المنبعثة منها المترتبة عليها.
وإن كثيرًا من الناس حتى من أنصار الجمعية ليستقلّون هذه الأعمال في أنفسها ويحتقرونها في حدّ ذاتها فيغمطون الجمعية حقّها ويقولون انها لم تعمل شيئًا له خطر. وما أوتوا- عافاهم الله- إلا من غفلتهم عن آثار الأعمال ونسيانهم ان من الأعمال ما هو كعود الكبريت جسمه ضئيل وأثره جليل، أو كخيط الكهرباء جوهره دقيق وعمله عظيم، وان الأعمال التي يريدها هؤلاء من الجمعية ويصحّ إطلاق اسم الأعمال عليها في عرفهم، مدارس عديدة تشاد، ودروس مختلفة تُلقى، وأموال طائلة تجمع، ومرتبات ضخمة تفاض وبعثات علمية تنظّم، ومشاريع عملية تؤسّس، وصحف منوّعة تنشر، ودراسات منظّمة تذاع في الأمّة، ومواقف فاصلة تنجلي عن قوة القوي وضعف الضعيف.
إن هذا الذي يريدونه لعظيم، وان النفوس المتعلّقة به لكبيرة وانه لمن آمال جمعية العلماء، يشغل تفكيرها وتجمع له أسبابه وترصد لبلوغه كل شارقة، فاما أن تطالب به وهي لم تستكمل وسائله فلا ... وأما أن تقاس أعمالها بهذا المقياس فلا ...
إن أقصر الناس نظرًا من يسقط في حكمه على الأشياء اعتبار الزمان والمكان والفاعل والقابل والأوضاع الخصوصية. ولو ذكر هؤلاء الأمة الجزائرية في طورها الحاضر ووضعها الحاضر، وذكروا كيف تُساس والقوانين التي بها تُساس، وذكروا الجمعية وأنها تكوّنت في ليل من السياسة غاسق وجوّ من مكائدها قاتم، وقاسوا يومهم بأمسهم، ونظروا من الأعمال إلى آثارها ومن الآثار إلى اتّساعها ومن الاتّساع إلى الحدود والآفاق، لكانوا في حكمهم أقرب إلى النصفة والمعدلة.
إنني- أيها الإخوان- أحاول في موقفي هذا أن أقصّ عليكم طائفة من الآثار المشهودة والغايات المحمودة التي وصلت إليها جمعيتكم في بضع سنين، وأحاول أن أشرح لكم النواحي التي لقيت فيها النجاح، والميادين التي صادفت فيها الفوز.
أيها الإخوان: من الغلط أن يقال إن جمعية العلماء جمعية دينية يجب أن ينحصر عملها في الإصلاح الديني بمعناه الذي عرفه الناس، ومن فروع هذا الغلط ما رماها به بعض مرضى
(1/282)

العقول وصرعى الجهل من أنها خرجت عن مدارها حين زجّت نفسها في بعض شؤون الحياة غير الدين.
والحقيقة أن هذه الجمعية تعمل من أول يوم من تكوينها للإصلاح الديني وللإصلاح الاجتماعي، وكل ذلك يسع الإسلام، وكل ذلك يسعه مدلولها وموضوعها وقافونها. فالإسلام دين واجتماع. وإذا كانت دائرة الأول محدودة فإن دائرة الثاني واسعة الأطراف، وان الإصلاح الديني لا يتمّ إلا بالإصلاح الاجتماعي، ولهذا الارتباط بين القسمين، فإن جمعية العلماء- وهي الجمعية الرشيدة العالمة بحقائق الإسلام- عملت منذ تكوينها في الإصلاحين المتلازمين، وهي تعلم أن المسلم لا يكون مسلمًا حقيقيًا مستقيمًا في دينه على الطريقة حتى تستقيم اجتماعيته فيحسن إدراكه للأشياء وفهمه لمعنى الحياة وتقديره لوظيفته فيها وعلمه بحظه منها وينضج عقله وتفكيره ويلم بزمانه وأهل زمانه ويتقاضى من أفراد المجموعة البشرية ما يتقاضونه منه من حقوق وواجبات، ويرى لنفسه من العزّة والقوّة ما يرونه لأنفسهم وتربط بينه وبينهم رابطة الأخوة والمساواة والمصلحة لا رابطة السيادة عليه والاستحسار دونه.
وقد نجحت الجمعية إلى حدّ بعيد في إفهام الأمة هذه المعاني الاجتماعية وتوجيهها إلى مجاراة السابقين وتهيئتها لأن تكون أمّة عزيزة الجناب مرعية الحقوق ثابتة الكيان محفوظة الكرامة صالحة للحياة مساوية للاحياء، وفي اعلامها أن بغي القوي على الضعيف قد طمس معالم الحق بينهما وردّهما إلى نوع من الحيوانية كالذي بين الذئب والخروف، حتى أصبحت الاممتطالة في الأقوياء طبيعة والاستكانة في الضعفاء طبيعة، وان طبيعة الأولين لا تتبدل إلا بعد تبدّل طبيعة الآخرين وان الحقوق التي أخذت اغتصابًا لا تسترجع إلا غلابًا.
ويا ويح الجاهلين، أيريدون من كلمة الإصلاح أن نقول للمسلم قل: لا إله إلا الله مذعنًا طائعًا وصلّ لربّك أواهًا خاشعًا، وصم له مبتهلًا ضارعًا، وحج بيت الله أوّابًا راجعًا، ثم كن ما شئت نهبة للناهب، وغنيمة للغاصب، ومطية ذلولًا للراكب، ان كان هذا ما يريدون فلا ولا قرة عين، وإنما نقول للمسلم إذا فصلنا: كن رجلًا عزيزًا قويًا عالمًا هاديًا محسنًا كسوبًا معطيًا من نفسك آخذًا لها عارفًا بالحياة سبّاقًا في ميادينها، صادقًا صابرًا هيّنًا إذا أريد منك الخير، صلبًا إذا أردت على الشر.
ونقول له إذا أجملنا: كن مسلمًا كما يريد منك القرآن وكفى ...
ونجحت الجمعية- كذلك- نجاحًا جليًا مشهودًا ظهرت آثاره للعيان وَلَمَسَهُ الموافق والمخالف والمعتدل والمتجانف، في تصحيح عقائد الأمّة الجزائرية وتطهيرها من شوائب الشرك القولي والعملي التي شابتها، فصحّت العقائد وصحّت لصحّتها الإرادات والعزائم،
(1/283)

وسنرى من نتائج ذلك صحة الأعمال التي تصدر عن تلك الإرادات وتلك العقائد، وسنرى من آثار طهارة النفوس قوّة في الأخلاق وسموًا في التفكير، ونزوعًا إلى الفضائل لأن هذه الأشياء متلازمة لا تنفك بحال.
أصبح المنتسبون إلى الإصلاح ولو من العامة يخلصون لله في عباداتهم وإيمانهم ونذورهم وأدعيتهم، ونبذوا كل ما كانوا عليه من عقد فاسد أو قول مُفْتَرى أو عمل مبتدع في هذه الأبواب كلها، وأصبحوا يفرقون بين السنّة والبدعة والمشروع وغير المشروع ويعتقدون أن الإنسان مجزي بعمله رهين بكسبه، وليست هذه النتيجة بالأمر اليسير وما كنّا- لولا عون الله- لنبلغ هذا الحد من النجاح فيها، ولكن ماذا أنفقنا من الأعمال في هذا السبيل؟ وماذا زرعنا حتى جنينا كل هذا الريع الزاكي؟ الحق ان هذه الآثار الجليلة كلها راجعة إلى المقالات التي نشرتها صحف الإصلاح والدروس والمحاضرات التي ما زال يلقيها دعاة الإصلاح المنتشرون في القطر. ولما كان الحق بينًا في نفسه سهل على الداعين إليه بيانه والاستدلال عليه ونقض الشبهات القائمة حوله وإن اختلفت مراتب المدعوين في سرعة التلقّي بالقبول.
وقد اتضحت الفكرة الإصلاحية في هذا الباب وحفظت مسائلها وعلمت دلائلها حتى أصبح في مقدور كل إنسان بيانها والدعوة إليها لإقامة الحجة عليها، وهذا شأن الحق في كل زمان.
نجحت الجمعية أيضًا في إلفات الأمة إلى القرآن وفي جمعها عليه وحملها على التدبّر في معانيه، لتأخذ منه كل نفس على قدر استعدادها وتستنير من عبره وزواجره ما يسوقها إلى الخير ويزعها عن الشر حتى يكون المؤمن مسوقًا بالقرآن مدبرًا به. وسنرى من تأثير القرآن في النفوس ما يحقّق الأمنية التي تاق إليها حكماء الأمم وأعياهم الوصول إليها، وهي الكمال الروحي من طريق سمو الأخلاق وهي الغاية التي وصل إليها سلفنا وما وصلوا إليها إلا بالقرآن.
وقد كانت هذه الأمة معرضة عن القرآن مشغولة عنه بما لا يفيد، معتقدة فيه العقائد السخيفة مستغنية عن فهمه بحفظه مع تقصيرها في أداء لفظه، مستعيضة عن تلاوته بتلاوة الأوراد والأذكار، وعن دراسته بدراسة كتب جافّة من وضع المخلوق لا تبعث في النفس نشاطًا ولا تنشر في القلوب حياة ولا تغرس في الأفئدة فضيلة، ولا تقتلع منها رذيلة، ولا تشرف على القلوب المظلمة بنور، ولكنها بدأت اليوم ترجع إلى القرآن وتستجلي أنوار الهداية وأسرار الكائنات من آياته، وتأخذ الحياة قوية من تعاليمه، وكأنها برجوعها إلى القرآن تجدد نفسها وتستأنف في الحياة تاريخها، وعسى أن تنتهي من هذه الوجهة الجديدة إلى غايتها، فتنتهي إلى السعادة والخير.
(1/284)

وأفلحت الجمعية في تبيين السنّة النبوية المحمدية معنى ومفهومًا، وحمل الأمة على الرجوع إليها علمًا وعملًا، والتمسّك بالصحيح الثابت منها فعلًا وتركا، والاهتداء بهدي السلف الذين هم نقلتها وتراجمتها والمؤتمنون على فهمها، والعاملون بها والواقفون عند حدودها، والناشرون لدقائقها والناصرون لحقائقها والمبلغوها سهلة سمحة إلى الأمم على أنها بيان لكتاب الله توالفه ولا تخالفه، وشرح عملي لدين الله يؤيده ولا يعانده، وطريق إلى سعادة الدارين لا يضلّ سالكه، ولا يفلح تاركه، وسلّم موصل إلى الحياة العزيزة الكاملة المبنية على العمل المغذي للهمم والإقدام المغذي للعزائم والقوة التي هي عماد الحياة.
نجحت الجمعية كذلك في نشر سير عظماء الإسلام الحقيقيين الذين قاموا بحمله، والذين قاموا بنشره، والذين قاموا بتمثيل هديه وتطبيق قواعده وأصوله في النفوس بالتزكية والتهذيب، وفي العقول بالتنوير والتأديب، وفي الأمم بالتعليم والرفق والتسوية، وفي الأرض بالتعمير والأمان، وفي الحكم بالعدل والإحسان، وفي الملك بالعزة والقوة.
وإنّ سيرة الواحد من هؤلاء لهي الإسلام كاملًا مجسمًا، وان مثال هؤلاء الرجال هم الذين يجب علينا أن نجلو سيرهم على الناس ونتلو أخبارهم ونتقصاها ونحمل أنفسنا على الاقتداء بهم وتأثر خطاهم في كل شيء، والنفوس تؤخذ بالاحتذاء والمحاكاة أكثر مما تؤخذ بالجِبِلَّة والطبع، وإن أمثال هؤلاء هم عماد التاريخ الإسلامي الذين تبذل الجمعية جهدًا غير قليل في احيائه بهذا الوطن وفي تحبيبه للمسلمين ليبنوا حاضرهم الخرب على ماضيهم العامر وليعلموا أنهم ليسوا عالة على التاريخ، ولا متطفلين على الزمن ولا واغلين على مائدة الحياة، وإن مكانهم من التاريخ- لو عرفوا- هو الصدر، وإن حظهم من الحياة غير منزور، لو أحسنوا كيف يحيون.
ومن العجيب أن الأمم الإسلامية- وهي أغنى الأمم في باب الأسماء العظيمة- كانت وما تزال الكثرة منها تحتفي بأسماء نالت- في جنون من الدهر وعربدة من التاريخ واضطراب في العقل- حظًا من الشهرة بما لا يشرف قدرًا ولا يعلي منزلة ولا يثير ذكرى حية، وأفاضوا على هذه الأسماء صبغة من التقديس وجعلوها معاقد لِأَيْمَانهم واعلامًا لولدانهم، وإننا لنجد في الأسماء الرائجة بيننا ترديدًا فاحشًا لهذه الأسماء المنومة، وقل أن نجد بيننا اسما من الأسماء التي تعد تواريخ مستقلة وبدءًا في الخلق وتجديدًا في الحياة، والتي تثير عند سماعها معاني العزة وذكريات الشرف والرفعة.
ونجحت الجمعية- أيها الإخوان- في إلفات الأنظار إلى شيء لم يكن بيننا منسيًا، وإن كان مجفوًا وهو هذا اللسان العربي الشريف الذي هو قطعة من كياننا
(1/285)

التاريخي وشرط أساسي لوجودنا القومي وشهادة قاطعة بصحة نسبنا الديني ونسبنا الجنسي، وإن من العار الفاضح أن يفخر الواحد منا بانتسابه إلى العرب وهو لا يعرف شيئًا عن لغة العرب ولا شيئًا من تاريخ العرب، وقد أشرفت هذه اللغة الشريفة على الاضمحلال بهذه الديار لولا أن تداركتها جمعية العلماء وأخذت بيدها وانتشلتها من الحضيض الذي وصلت إليه، فاستعادت على يدها شبابها، ووصلت بسبب الدين الحنيف أسبابها، وأصبحت الجزائر في مدة قليلة تفاخر أمصار العربية الكبرى ومنابتها الأصلية بأدبائها وكتّابها وشعرائها وخطبائها.

أيها الإخوان: إن جمعيتكم تفخر بأنها نجحت في جمع طوائف عظيمة من الأمّة الجزائرية على الحق بعد أن كانت كلها متفرقة على الباطل، واستطاعت أن تعلمهم معنى الاجتماع على الحق والخير وكيفية الاجتماع على الحق والخير، وتحبّب إلى نفوسهم كلمة الاجتماع وحضور المجتمعات بعد أن كانت لا تجتمع إلا على شر أو مأثم.
وبأنها نجحت في دعايتها إلى العلم النافع الصحيح وفي دعايتها إلى الأخوة الإسلامية الحقيقية- وبأنها انتصرت في حملتها على الخرافات والأوهام والدجل وانتصرت أو كادت في حربها للجمود والعوائد الضارة والتقاليد السخيفة- وبأنها أفلحت في تربية الأمة على عدم الخوف إلا من الله والرهبة إلا منه وأن تواصل فيه وتقاطع فيه وأن تبني حياتها على الأعمال والأسباب، وفي تربيتها على تقدير الكفايات وتقديم الأكفاء لشؤونها العامة، وفي إرشادها إلى وجوه البذل المشروعة المعقولة بعد أن كانت تبذر أموالها فيما يضر ولا ينفع، وفي تحبيب الدين وشعائر الدين إلى طوائف من الشباب المهمل وإشرابهم معنى العزة الإسلامية وكرامة النفس.
وإذا رجعنا إلى الأخلاق، أيها الإخوان، وجدنا نجاح الجمعية ظاهرًا في جمهرة من الأخلاق الفاضلة غرستها في نفوس الأمة الجزائرية، فجمعية العلماء هي التي علمت الأمّة خلق التضحية في الصالح العام، وخلق الصبر عليه ومطاولته وخلق القصد في الاعتقاد والتفكير وخلق الاعتماد على النفس، وخلق الصراحة في القول والجرأة في الرأي والكلام إلى ما يتصل بهذه الأخلاق من فروع ولوازم.

أيها الإخوان: إن أغرب ما يؤثر عن جمعيتكم بل هو أول ما نجحت فيه، هو إثبات وجودها في وقت كانت تتناثر فيه الجمعيات كحب الحصيد، وتتهاوى المشاريع كأوراق الخريف، والاحتفاظ بتوازنها في طريق غاصّ بالعواثير، وتسييرها لسفينة الحق في بحر مضطرب الأمواج، وثباتها في وجه الباطل في وقت تكالب فيه الأعداء وتخاذل الأولياء، فهنا العبرة البالغة للمعتبرين، وهنا الموضوع الخصيب للباحثين المستنتجين.
(1/286)

أيها الإخوان: هذه لمحات مقتضبة غير مرتبة ولا متناسقة من آثار جمعيتكم قصصناها عليكم لا إدلالًا بالعمل، فهو في ذاته قليل، ولا افتخارًا بالنتائج فوراءها ما هو أكمل منها وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا، ولكن تسلية على ما لم تصل إليه اليد من الكمال الذي ننشده وينشده أنصار الجمعية وهي بعد سائرة في طريقها، متكلة على الله معتمدة على ولائكم لها وإخلاصكم في خدمتها. وإن التفافكم حولها هو ذخرها الثمين الذي تعدّه لبلوغ الكمال والإقدام على عظائم الأعمال، ودرعها الحصين الذي به ترد عدوان العادين وكيد الكائدين.
وقد فزعت بالأمس فهببتم هبة رجل واحد، كلكم يذود وكلكم يحمي، وإن لهبتكم تلك لَمعنًى عرفه أعداء الجمعية فأطرقوا، ثم انجلت الغمة فهببتم هبة أخرى كانت أروع وأوقع، فهل أنبئكم أن تلك الهبات هي الامداد التي تمد الجمعية بالحياة والبقاء والبركة والنماء.
(1/287)

من قصيدة للأستاد الإبراهيمي*
فإن شئتموا أن تسمعوني محاضرا … أحاضركم عن حضرة الغوث والقطب
هنالك يدري الجاهلون حقيقتي … ويهتز ناديكم ويعرف ما خطبي
وان سكوتي مسحة مستعارة … من (المدفع) الصخاب والصارم الشطب
...

أنا المرء لا أعطي إلى القطب مقودي … ولو دفعتني الحادثات إلى القطب
__________
جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 43، الجمعة 28 شعبان 1355هـ / 13 نوفمبر 1936م.
(1/288)

إما سنّة وإما بدعة*
نشرت جريدة لسان الدين: (دين العليويين) في العدد 22 مقالًا تحت عنوان "المصلحون يحاربون لا إله إلا الله" تعرضت فيه لجنازة مرّت في تلمسان وتهافتت فيه على الافتراء والبهتان أيما تهافت وزوّرت فيه ما شاءت أن تزور.
ونحن ما كنا لنتعرّض لها كما هو دأبنا مع مثيلاتها من عيون الاستعمار وفضول الخرافات لولا ما يحتّمه علينا واجب أداء شهادة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وما كنا لنتعرض لهذه السفاسف والجزائر تجتاز ظرفًا من أحرج ما مرّ عليها منذ الاحتلال، ووقتًا عصيبًا عصفت فيه بنا وبمقدساتنا عواصف المستعمرين وذيولهم من المنتسبين للجزائريين.
ولكن ما الحيلة وهؤلاء القوم من إخواننا- وإن أبوا- لا يريدونها إلا شحناء ولا يبتغونها إلا عوراء. والشحناء نستعيذ بالله من اسمها والعوراء نعوذ بالله منها وحتى من وصفها.
المسألة بيننا لا تتجاوز أحد أمرين: إما سنّة نحن وهم سواء في امتثالها والإذعان لها. أو بدعة نحن وهم سواء في تجنبها وقتلها. هذا باعتبار الإسلام الجامع بيننا. أما إذا كان الطرف الآخر لا يدين بما ندين فما كان لنا أن نأخذ من على غير ملتنا بما وجب علينا أخذ أنفسنا به.
الأمر- يا لله لهذا الدين- بيننا وبين إخوان لنا في الدين والجنس والوطن. إخواننا فيها وإن كانوا لا يراعونها ولا يراعون عهدها وميثاقها الذي واثقنا الله به.
من باب ما هو معلوم من الدين بالضرورة إذا قلنا إِن تشييع الجنائز على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان بما يناسب جلال الموت ورهبته، والذي يتناسب وينسجم مع التشييع هو الخشوع
__________
* جريدة "البصائر"، عدد 56، 19 فيفري 1937، بدون توقيع.
(1/289)

والتذكر والاعتبار بمن حملوا على الأعواد. والخشوع معروف هو غير الصراخ والعويل والضجيج والتهويل وقد شيّع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه وبناته، وشيّعه أصحابه من بعده وشيّع الصحابة- رضوان الله عليهم- بعضهم بعضًا كذلك على هيئة واجمة رهيبة تأثيرها في مشاهديها تأثير ما بعده من تأثير.
إنهم يقولون ان ذكر الله في تشييع الجنائز يلهي باقي المشيّعين عن لهو الحديث، نحن معهم على هذا بشرط أن يكون الذكر تفكرًا واعتبارًا لا طبلًا ومزمارًا. أما ما هم عليه من رفع أصواتهم في التشييع بلا إله إلا الله وبما سوّلت لهم أنفسهم وزين لهم شياطينهم فهو منكر أنكره الله ورسوله وأصحابه والأيمة المرتضون.
إن لا إله إلا الله لا توضع في غير مواضعها يا قوم! فما لكم إذا قيل لكم لا تضعوها في غير محلها، ومنه الجهر بها في التشييع قلتم متجرئين إننا نحارب لا إله إلا الله؟ كبرت كلمة تخرج من أفواهكم ...
تقولون إننا نلهي بها الناس عن الفضول، فكان كلامكم هذا أصلًا من أصول الفضول، وقد شاهدنا الناس لا يكثر كلامهم والتعرض لشؤون دنياهم في الجنائز إلا عند ما يغمرون بضجيجكم وصخبكم؛ ثم هل لمخلوق- أيًّا كان- أن يزيد في دين الله ما ليس منه؟ كلا!
وما لنا ولهذا الموضوع وقد فرغ منه الناس كتابة وبحثًا، وهدى الله بذلك خلقًا كثيرًا كتب الله لهم النجاة من هؤلاء الذين سيقول أتباعهم القليلون- والحمد لله-: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا).
ولو كانوا ممن يبتغي إلى الله سبيلًا كما يزعمون لكفاهم أن ينظروا كتاب الجنائز من موطأ مالك - رضي الله عنه - أو من البخاري أو مسلم أو غير هذه من كتب الحديث الصحيحة ولكنهم إشربوا حب البدعة حتى الثمالة. فما لنا نجادلهم بالحديث وبالكتاب المنير؛ وهم لم ينقادوا حتى للفقهاء الذين يدعون أنهم لهم مقلدون؟!.
أما علمت أن القوم يحاجونك في مشروعية البردة بما لا يليق إلا بهم كأنهم بذلك- يكشفون عن منتهى عهدهم بالدين وبالسنّة وكأنهم بذلك يقولون إنما نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون.
افتتحوا أضحوكتهم في موضوع ديني محض بقولهم "من عهد ملوك بنى زيان والأتراك إلى يومنا الحاضر وسكان (تلمسان) يشيعون جنائزهم كسائر البلاد الإسلامية بذكر [لا إله إلا الله محمد رسول الله] وبقراءة القرآن وتلاوة (البردة). انصتوا يا معشر أقطار السماوات والأرض! لقد قامت عليكم الحجة فلا تشيّعوا جنائزكم بعد اليوم إلا بالنهيق، والعواء
(1/290)

والنباح، وصياح الديكة، وثغاء الشاء. ولكن حذار زئير الأسد! وما زئير الأسد إلا سخط الله على من يغيّر ما بدين الله ويعبث بسنّة رسول الله وينحط بلا إله إلا الله محمد رسول الله إلى دركات لا تليق بجلالها وكمالها.
أما وقد جارينا هذه الجريدة إلى هذا الحد في هذيانها المحموم فلا يسعنا إلا أن نقول لها: أما تعرضك لما سميته صاحب نادي (طنجة) ومحششة نهج (لا مورسيير) فإنه في غير محله من مقال تنافحين فيه عن "لا إله إلا الله" ... !
ولوكنت منصفة تضعين لكل مسمى ما يليق به من الأسماء لقلت غير مخطئة (صاحب نادي الشباب الوطني الإصلاحي) الذي أيقظه الله على عبث الطرق والطرقية، فأصبح باسم الله ثم بمن بعثهم الله من رجال الإصلاح جند هدى بعد أن كان بفضل غواية حزبك جند ضلال وأصبح شوك قتاد يسد على الطرقية مذاهبها ويشوك مواكبها.
وادّعيتم أن بعض المصلحين ندموا على تشييع الجنازة بالسنّة وجاءوا إلى أغْواثِكُم وأقطابكم يعتذرون فطردوهم!
ما هذا الكذب الأزرق، أمن ذاق حلاوة الإيمان يسلوها؟ أمن هو على هدى من ربه يرضى أن يقف على شفا جرف هارٍ ينهار به في جهنم؟ اعد نظرًا يا عبد قيس ........ إن كان لك إلمام بالأدب العربي.
وقد هددتنا (لسان دينهم) باجتماع الطرقيين وعقد حلف بينهم ضد هجمات المصلحين وانتظرنا ما تقرّره دول الحلفاء! وطال انتظارنا، وإلى هذه الساعة ما اجتمع لهم شمل ولا تألف لهم ما شتته الله. ونحن نقول لهم لم تجتمعوا يوم كنتم ولا ثاني لكم في هذا الوطن تعيثون وتقتلون هذه الأمة وتأسرون! فكيف وقد غشيكم من المصلحين نور لا أنتم قادرون على طمسه ولا هو آئل إلى نقصان ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كرهتم.
هداكم الله وأزال الغشاوة عن أبصاركم وبصائركم.
وختامًا انه والله وألف والله قسمًا لا حانثون فيه ولا آثمون، ليحزننا أن نتعرض لمثل هذا الموضوع والجزائر- الوطن العزيز- تتقلب على جمرات، والعدو الكاشح يطعنها في كل ما تأتيه طعنات، ونحن من وراء ذلك، ومن أمامه ومن فوقه ومن تحته، سخرية الساخر، وهزء الهازئ، وأضحوكة الضاحك فلا حولَّا وَلا قوة إلا بالله.
(1/291)

المؤتمر الإسلامي الجزائري*
مظهر اتحاد الأمة الجزائرية وقوتها.
من أوكد الواجبات على الأمة الالتفاف حوله وإزالة كل ما يقف في طريقه.
البشرى بقرب انعقاد المؤتمر الثاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــ

من الحقائق المسلمة أن اسْمَ (المؤتمر الإسلامي الجزائري) أصبح عنوانًا لاتحاد الأمة الجزائرية وقوّتها، ورمزًا لأمانيها القومية ومطالبها الحيوية، وشغلًا للألسنة المتحدثة عنها قبولًا ورفضًا، ومعجمًا جامعًا لكل الحقوق التي تصبو إليها الأمة الجزائرية.
انعقد المؤتمر الأول في اليوم السابع من شهر جوان من السنة الماضية بتلك الصورة الرائعة التي لم تبرح الأذهان، فكان أول خطوة خطتها الأمة الجزائرية في عهدها الجديد، وأول صفحة خطتها من تاريخها المجيد. تمثلت فيه الأمة بجميع عناصرها راجعة إلى عنصر واحد هو عنصر الإسلام والجزائرية، مدفوعة بدافع واحد هو دافع الشعور بالحرمان من الحياة والشعور بالحاجة إلى الحياة.
كان ذلك الاجتماع مجلى لقوّة الاتحاد والأخوة والتضامن، وكان درسًا بليغًا في باب استحقاق هذه الأمة للحياة نوه به رجال البرلمان الفرنسي على منابر الشورى، ونبهوا على قيمته رجال الحكم المسؤولين، وكان إنذارًا لخصوم هذه الأمة والعاملين على تفرقتها والكيد لها، وكان حجة للمنصفين علا بها صوتهم وقوي بها جانبهم وشد بها أزرهم، وكان تكذيبًا مريرًا للمتخرصين الأفاكين المتقولين على هذه الأمة الأقاويل والظانين بها ظن السوء. ومعلوم أن هذه الأمة كانت بين عاملين: عامل على تجريدها من دنياها فهو يجهد في التجريد ويتمنى المزيد، وعامل على تجريدها من دينها فهو يدأب في ذلك ما وسعه الدأب ويكيد ما وسعه الكيد.
ثم يلتقي العاملان في نقطة واحدة وهي القضاء على هذه الأمة، حتى إذا تم للعاملين ما أرادا وظن كل منهما أن الغاية تحققت، (جاء المؤتمر الإسلامي الجزائري) يقول للأول:
__________
* جريدة "البصائر"، السنة الثانية، العدد 67، الجمعة 3 ربيع الأول 1356هـ / 14 ماي 1937م.
(1/292)

حسبك! لا قيصر بعد اليوم، إن ما تم في النوم لا يتم في اليقظة، وما أمكن مع الافتراق لا يمكن مع الاجتماع، فتعالَ نتقاسم الحظوظ في الحياة! ثم لا حرج إذا طالبتني بمقاسمة الحظوظ في الممات، فاعرض كلمتي على الحق تجده تفسيرها، وعلى العدل تجده مدلولها، وعلى قائمة الاخوة والمساواة والحرية تجدها شواهد لها!
ويقول للثاني: كذبك الظن، إن الإسلام كامن في هذه النفوس كمون النار في الحجر، وقد قدح المؤتمر زنده فأورى، إن في نفس هذه الأمة قبسًا من الحياة يشع منه نورها، فإذا هي مهدية، وتنقدح منه نارها فإذا هي قوية، وإن هذا القبس لا يخبو ما دام الإسلام والعربية.
...

ولد المؤتمر الإسلامي الجزائري كامل البنية لا نقص فيه- إلّا في العرضيات، وان زعم الجاهلون أنه ينطوي على نقائص فما ذلك إلّا لنقص في عقولهم أو مرض في نفوسهم، وبدت عليه مخايل القوّة من يوم تأسيسه فلهجت به الألسن وأصبح اسمه لازمة الحديث في المسألة الجزائرية، فأيده المؤيدون من غير الأمة على مقدار اعتقادهم في نفعه واعانته لهم على إقامة العدل، وقاومه المعارضون على مقدار اعتقادهم في مضادته لمصالحهم، أما الأمة- وهي صاحبة الكلمة فيه- فقد تعاهدته بما يجب من رعاية فحفظت ذكره وحاطته بما يضمن بقاءه من نظم وتأسيسات، وان لقيت في سبيل ذلك- حتى من أبنائها- ما لا يحصى من المشاكسات والمعاكسات، وواجبها في هذا المقام أن المؤتمر هو كنزها الثمين، فلتشد عليه يد الضنين.
لا نفيض في تاريخ المؤتمر فإن ذلك ما ستتدفق به ألسنة الخطباء في المؤتمر الثاني القريب، وإنما نقص خلاصة ما قررته لجنة "66" للمؤتمر في اجتماعها الخطير الذي عقدته بنادي الترقي يوم 9 ماي الجاري.
اجتمعت لجنة "66" للمؤتمر الإسلامي الجزائري يوم الأحد تاسع شهر ماي الجاري على الساعة التاسعة صباحًا بنادي الترقي برئاسة الدكتور (البشير عبد الوهاب) وحضر الاجتماع أغلب الأعضاء من جهات القطر المختلفة، وبعد تلاوة برقيات المعتذرين بسط الرئيس الحالة الأدبية للجنة التنفيذية للمؤتمر وقفى على أثره الكاتب العام ببيانٍ وافٍ وشرح للحالة الأدبية ثم قفى عليهما أمين المال ببيان للحالة المالية.
ثم طرحت مسألة الاستعداد للمؤتمر الثاني فقسمته اللجنة إلى نقط مترتبة لتتفاوض في كل نقطة على حدة، فكانت النقطة الأولى تاريخ انعقاده.
(1/293)

أصر فريق من الأعضاء على لزوم انعقاده في سابع جوان إحياء لذكرى المؤتمر الأول، وإبقاء لمعناه التاريخي الرابع وهذا شيء لا يخالف فيه أحد، ولكن عرض رأي آخر له وجاهته وتقديره وهو أن سابع جوان بل شهر جوان كله وقت أنهماك طائفة عظيمة من الأمة في أشغال فلاحية أو تعليمية، فالمحافظة على اليوم المعين تؤدي قطعًا إلى حرمانهم من شهود المؤتمر وحرمان المؤتمر من تأييدهم.
فوقع إجماع اللجنة على تعيين يوم الأحد الأول من شهر جويلية القابل تاريخًا للمؤتمر الثاني وعلى لزوم إحياء ذكرى سابع جوان بجعله عيدًا للأمة. ولتحقيق ذلك قررت اللجنة لزوم احتفال جميع لجان المؤتمر الفرعية والمركزية والعَمَالية في ذلك اليوم باجتماعات عامة تحضرها طبقات الأمة،- ولزوم إرسال برقيات للحكومة من جميع اللجان تتضمن المطالبة والالحاح في تنجيز المطالب، ويكون إرسال البرقيات كلها في ساعة واحدة وهي الساعة السادسة من مساء الإثنين سابع جوان.
ثم تفاوضت اللجنة في الترتيبات اللازمة لانعقاد المؤتمر الثاني فأقرت ما يلزم من التحضيرات والوسائل، لأن إعداد المؤتمر من خصائص اللجنة التنفيذية، ووقفت عند حدود نص اللائحة الداخلية التي كانت وضعتها لجنة "66" في أول سنة المؤتمر الماضية ونص المادة:
"إن المؤتمر يتكون من الأعضاء المفوضين الذين ترسلهم اللجان الفرعية والمركزية بشهادات رسمية بشرط أن لا يمثل اللجنة الفرعية أكثر من ثلاثة أعضاء، ولا يمثل اللجنة المركزية أكثر من ستة أعضاء".
وبناء على هذا فقد قررت اللجنة أن يجتمع الأعضاء المفوضون من اللجان يوم السبت السابق ليوم الأحد الأول من جويلية، فينتخبوا المقررين للمسائل المختلفة ويوزعوا الأعمال ويعينوا الخطباء المختصين للمواضيع الجوهرية للمؤتمر. ويوم الأحد يكون الاجتماع العام الذي تحضره طبقات الأمة كلها، ويوم الإثنين يجتمع الأعضاء المفوضون للأعمال اللازمة.
فأيام المؤتمر المقررة هي ثلاثة أيام.
أما تفاصيل هذه القرارات وتعيين مواقيت الساعات بالضبط وتعيين أماكن الاجتماع فإنها من خصائص مكتب اللجنة وستعلنها الكتابة العامة للأمة عن قريب.
...

نحن إنما نريد بهذه الخلاصة الموجزة أن نزف البشرى للأمة الجزائرية بقرب انعقاد المؤتمر الإسلامي الجزائري، وأن نلفت نظرها إلى لزوم الالتفاف حوله وإزالة كل ما يقف في طريقه أو يصد عن سبيله.
(1/294)

إلى الطرقيين*
بمناسبة رسالتهم الى جمعية العلماء
ــــــــــــــــــــــــــــــ

- 1 -
في هذه الأيام التي تحركت فيها الأمة الجزائرية للمطالبة بحقوقها الدينية والسياسية وتقاربت آراؤها في تلك المطالب، وأوشكت أن تتّحد على المصلحة العامة.
وفي هذا الوقت الذي رفعنا فيه الصوت بالدعوة إلى نبذ ما بقي في الأمة من الحزازات الحزبية والنزعات الطائفية، لتظهر في هذا الموقف الحرج بالمظهر الذي يرضي ربّها ويعزّ دينها ويحزن خصومها.
وفي هذا الوقت الذي انتقلنا فيه من ميدان انتصر فيه الحق على الباطل، والعلم على الجهل، والسنّة على البدعة، والحقيقة على الخرافة، والدليل على الشبهة، إلى ميدان آخر من ميادين الحياة أعددنا له العدّة التي كانت مفقودة، ووجّهنا له الأمّة التي كانت بحبال الطرقية مشدودة، ورجونا أن ينتصر فيه العدل على الجور، والمساواة على الأنانية والأثرة، ويعتز فيه الشرف الإسلامي القومي بجميع مقوّماته.
وفي هذا الوقت الذي فرغنا فيه من حرب الطرقية وأضاليلها، وأرحنا الألسنة والأقلام من بيان آثارها السيئة في المسلمين، وقتلها لمشاعرهم، وتفريقها لكلمتهم، وتفريغها لجيوبهم، وانتهاكها لأعراضهم، وقضائها على الأخلاق الصالحة في نفوسهم، وتمكينها فيهم للعبودية لغير الله والذلّ لغير الله والخوف من غير الله.
وفي هذا الوقت الذي شعر فيه المسلمون بتقوّض الهيكل الطرقي وتداعي أركانه للسقوط، وشعرت فيه جمهرة المسلمين بلزوم الاعتصام بحبل الله المتين وهو القرآن،
__________
* جريدة "البصائر"، العددان 80 و 81، السنة الثانية، 3 و 17 سبتمبر 1937، (بدون إمضاء) وقد عثرنا على مسودة المقال بخط الإمام.
(1/295)

والرجوع إلى هديه والتحاكم إليه وإلى سنّة مَن نزل على قلبه، وبلزوم إحياء الأخوة الإسلامية الواسعة الجامعة وطرح الأخوة الطرقية الضيقة المفرّقة.
وفي هذا الوقت الممتاز بهذه الخصائص في تاريخ الجزائر الحديث، تظهر فيه هذه الطرقية الخاطئة بمظهر غريب يتنافى مع موقف الأمة الحاضر، وإن لم يكن غريبًا من طبع الطرقية وأخلاقها من يوم ابتلي بها العالم الإسلامي إلى الآن.
وقد مهّدوا لهذا المظهر المريب بدعوى طويلة عريضة والانتصار للعلم والحرص على نشره وقد كانوا بالأمس أعدى عدوّ له، وبدعوى أطول منها وأعرض في السعي لتوحيد الأمة، وقد كانت طرقهم هي السبب في تفريقها وتمزيقها، وبدعوى أعرق منهما في باب البهت والزور وهي أن الحركة الإصلاحية الدينية هي التي فرّقت كلمة الأمة الجزائرية.
تجلّى هذا المظهر الجديد بالأمس في اجتماع الطرقيين الذي سمّوه كذبا "المؤتمر الديني العام"، وما هو في الواقع إلّا زردة من زردهم المعتادة دفعهم إليه الحنين إلى الزرد، فإذا هو هي لم ينقصه إلّا الطبول والمزامير، ولم يزد فيه إلّا أنهم خطبوا فيه وكتبوا عنه وسمّوه بغير اسمه.
ثمّ تجلىّ هذا المظهر في جمعيتهم التي سمّوها "جامعة اتحاد الطرق الصوفية" وغمروها بكثير من الدعايات الكاذبة على طرائقهم المعروفة.
...

كل العقلاء يعلمون ويعتقدون أن هذه الألفاظ التي يكسون بها هذا المظهر الجديد ألفاظ لا حقيقة لها، لأن معانيها ليست طبيعية فيهم فمتى كانت الطرقية ناصرة للعلم وهي تعلم أن لا وجود لها مع وجوده؟ ومتى كانت الطرقية سببًا من أسباب الاجتماع على الخير العام؟ ومتى كانت من طبيعتها الأصلية أن توحّد الناس بالمعنى الاصطلاحي للاتحاد؟ نعم: إنها توحّد معتنقيها في شيء واحد، في غايتها التي هي شرّ شرورها وهو هذا الاستسلام المطلق الذي تبتليهم به، وهذا البله المستحكم الذي أنساهم خالقهم وحقائق دينهم وتاريخهم وأذهلهم عن أنفسهم، وانتزع منهم أخلاق الرجال وعزائم الرجال، وصيّرهم آلة مُسخَّرَة في يد الشيخ وأبناء الشيخ والمقرّبين من الشيخ، ثم صيّرهم آلةً في يد كل ظالم للأمة ومعتدٍ على صفوفها، ثم مطيةً لكل راكبة، ثم حجّة على انحطاط المسلمين، ثم حجّة على الإسلام نفسه.
وكل العقلاء يعلمون أنه إذا كان هذا الاندفاع الجديد من الطرقيين ليس من طبيعة الطرقية، فهو واقع- لا محالة- بدوافع خارجية، بعضها من زعماء الطرق الذين نضبت
(1/296)

موارد رزقهم منها، فهم يحاولون استدرار الرزق، وبعضها من المتحكّمين في هذه الأمة الذين أحسّوا بتقلّص ظلّ استبدادهم فهم يحاولون لها استمرار الرزق، ويعلمون بذلك أن الغاية المرجوة لهؤلاء الدافعين والمدفوعين هي التشويش على العاملين لخير هذه الأمة، وإلقاء الأحجار في طريقهم، وإشغالهم بهذه المظاهر الباطلة عن الحق الذي يعملون له، وإبعاد من يقع في حبالة كيدهم من العامة عن حظيرة الاتحاد الحقيقي.
ولو كان لهؤلاء المدفوعين بقية عقل يوجه إليها الخطاب، وبصيرة تنفذ إلى عواقب الأمور، وصلة بالأمة تحملهم على الشفقة عنها- لما أقدموا على الظهور بهذا المظهر الجديد، ولَتعلّموا أن اليد التي حركتْهم إنما حركتهم لتصفع بهم الأمة الإسلامية، وأنها إنما حركتهم لتسكن بهم الحركة المنبثة في الأمة الإسلامية، وأنها إنما أيقظتهم لتوقظ بهم فتنة في الأمة، ولتحدث بهم خللًا في صفوف الأمة وشللًا في الأعضاء العاملة للأمة- ولكن القوم لا يعقلون، وهيهات أن يعملوا لكرامة الأمة وإعزازها، وهم بشهادة التاريخ والواقع الساعون في إذلالها، أو يسعوا في إنقاذها من الظلم وهم كانوا ولا زالوا أظلم الناس لها، استعبدوا أرواحها ثم عبَّدوا أبدانها للغير وأَكَلَةِ مَالِهَا باسم الدين، ثم أسلموها للمعتدين.
ولقد تفرسنا فيهم فصحَّت الفراسة، وبلَوْناهم فصدق الابتلاء، وجرَّبْناهم فكشفت التجربة على أنهم لا يعرفون الأمة إلا في مواقف الاستعباد وابتزاز الأموال، فإذا مَسَّها الضر وتنكَّر لها الدهر تنكَّروا لها وتجاهَلُوها، وإن علاقتهم بالأمة علاقة السيد بعبده والمالك لمملوكه لا علاقة المسلم بأخيه المسلم، يحب له ما يحب لنفسه، وأنهم مطايا الاستعمار الذُّلُل وأيديه الباطشة؛ بل القنطرة التي هوَّنت عليه العبور، وانهم كانوا ولا زالوا على خلاف ما وصف الله به عباده المؤمنين أعزة على الأمة أذلة على المستعمرين والحكام المستبدين، وأن ليس في صحائفهم السوداء موقف يعز الإسلام أو يرفع المسلمين. وهذا تاريخهم الماضي الملحود، وتاريخهم الحاضر المشهود يسجلان عليهم أنهم أعوان على هذه الأمة للدهر، وحلفاء عليها للفقر، وإِلْبٌ على دينها مع التبشير بالكفر، وانهم هم الذين أَمَاتُوا رهبة الإسلام ونخوة الإسلام بخضوعهم واستسْلامهم، كما أمَاتُوا حقائقه بأساطيرهم وأوهامهم، وأنهم مردوا على الملق والمداهنة المزرية بشرف الإسلام في المواقف التي تسمو عن المجاملة وتقتضي نهاية الصدق في المعاملة.
ولئن شِئْنا لنفضحنهم فضيحة يَسِمُهُم عارها إلى يوم القيامة، ويَصِمُهم بأنهم ليسوا من الأمة ولا كرامة، وتكون خاتمة الحجج الناطقة باستسلامهم واحتقارهم لأنفسهم ولإسلامهم، فقد وقعت بأيدينا من زمن قريب نسخة مخطوطة من القانون الأساسي لجمعية الطرق الدينية بقسنطينة مطبوعة بختم الجمعية وممضاة بإمضاء كاتبها العام فعجبنا أولًا لعدم طبع القانون كما هو شأن الجمعيات، ثم تَلَمَّسْنا السر في مواده فإذا في بعضها ما نصه: إن
(1/297)

ـ[مخطوطة]ـ
(1/298)

عامل العمالة (1) هو الرئيس الشرفي للجمعية، وإن كل متصرف إداري يكون هو الرئيس الشرفي للشعبة التي تتأسس- في دائرته، فحينئذ علمنا السر في عدم طبع القانون وانه خشية الافتضاح عند الأمة التي أصبحت تحس وتميز وتدرك، وعلمنا السر في هذا الاندفاع الأخير ... وفرضنا مع ذلك أنهم لو كتبوا هذا القانون قبل أعوام لافتخروا جهارًا بما فيه من خزي وألزموا الأمة بما فيه إلزامًا، وحمدنا للحوادث أن أوقفتهم هذا الموقف المزري حتى أصبحوا يتسترون بما كانوا به يفتخرون. وسنستدرك ما قصروا فيه من طبع القانون بنشره على الأمة.
ويا ويحهم .. أفي الوقت الذي يعترف فيه أشد الحكام استبدادًا بأنه لا مدخل له في الدينيات، وفي الوقت الذي نجاهد فيه لانتزاع مساجدنا وجمعياتنا الدينية من أنياب السلطة، وفي الوقت الذي نسمع فيه من رجال فرنسا المسؤولين: إن تدخل الحاكم غير المسلم في أي شيء ديني إسلامي- وإن لم يمنعه القانون- هو عارٌ وأمر قبيح، لا يجمل بحاكم ذي همة أن يرضى به، في هذا الوقت يعمدون عن طوع واختيار إلى إسناد رئاسة الشرف عن جمعيتهم المنسوية إلى الدين إلى الحكام الإداريين .. لو لم يكن في الأمر ما فيه ...
...

نكتب هذا والأسف يملأ جوانحنا على أَنْ عُدْنا للكتابة في موضوع فرغنا منه بحثًا وتحليلًا، وفارقناه على أن لا نعود إليه حصرًا للجهود وانتقالًا إلى ما هو أعم فائدة.
ولكن القوم- بعد سكوت عميق، وبعد خيبة شاملة في مُنَاوأتهم للحق الذي ندعو إليه- عادوا للتحكك بنا بالباطل والتهجم علينا بالكذب وراجعوا شنشنتهم القديمة في التدجيل والتضليل، وادعاء العلم وهم ليسوا من أهله، والظهور بنصر الدين وهم أول القائمين بخذله، والهتاف باتحاد الشعب الجزائري وهم القاطعون لأصله المنقطعون عن فصله.
قرأنا منذ أيام في الجرائد الافرنسية بمدينة الجزائر إعلانًا من جامعة اتحاد الزوايا عن اجتماع لهم عقدوه، وزعموا في التنويه به المزاعم- وهذا لا يهمنا- وأنهم دعوا جمعية العلماء للحضور فيه بقصد المناظرة في مسائل الخلاف بينهم وبينها فأحجمت عن الحضور - وهذا محل الشاهد-.
نترك المناظرة ومسائل الخلاف للفصل الآتي، ونقول في أصل دعوتنا إلى الاجتماع معهم: إنها كذب وبهتان، وإنها لم تقع، ولم تبلغنا بوجه من وجوه التبليغ، لا مَعَ رسول ولا برسالة،
__________
1) أي المُحافِظ أو الوالي.
(1/299)

وقد نشرنا تكذيبًا لهذه الفرية في تلك الجرائد باسم مراقب جمعيتنا العام، ونحن نتحقق انه لا دعوة ولا مناظرة، بل ولا اجتماع بالمعنى المعروف للجمعيات، ولا ذلك العديد الأوفر الذي زعموه من الحاضرين، وإنما الغاية هي ما أسلفناه، ولكنها كانت مكيدة مفضوحة.
ثم قرأنا في جريدة النجاح تفصيلًا أو تعريبًا لما أذاعوه في الجرائد الفرنسية، وفيه وصفنا بالجماعة الوهابية، فلم نزدد من العلم إلا أن هيفاء عادت إلى أديانها ولم نبال بهذا ولم نستغرب الكذب مِمَّن رأس ماله الكذب.
هذا فصل أول، وأما الفصل الثاني فهو أننا تلقينا صبيحة يوم الاثنين الماضي رسالة مضمونة متتوجة باسم جامعة اتحاد الطرق الصوفية، ومنتعلة باسم كاتبها العام. وبين التاج والنعل سطور جميلة الخط (قريبة الأسلوب في أساليب التوثيق من المحاكم) ولكن تحتها من المعاني ما يضحك الثكل، ففيها بعد البَسْمَلة بالقلم العريض: تعالوا إلى المناظرة. وفيها بعد اسم رئيس جمعية العلماء والسلام عليه ورحمة الله ما نصه بالحرف: "أما بعد، فإنكم تعلمون علم اليقين أن ما فكك الأمة المسلمة الجزائرية ومزق وحدتها حتى صارت متنافرة متخالفة بعد أن كانت متقاربة متألفة هو ما أدخلتموه عليها من التشكيك في أمر دينها اعتقادًا وعملًا، وأفتيتموها في كل مسألة خلافية بما يعد خروجًا عن دائرة الحق والإنصاف وولُوجًا في ورطة الشذوذ والاعتساف، ولطالما انتظرنا رجوعكم إلى الجادة، ولكن ذهب انتظارنا سدى. وبناءً على هذا فإننا ندعوكم باسم الدين إلى "المناظر" في المسائل الآتي ذكرها، ونرجوكم أن لا تتخلفوا كما تخلفتم في المرة الأولى عن موعد المناظرة، ولكم الشكر".
هذا نص الديباجة، وبعدها سرد المسائل، وهي إحدى عشرة مسألة وسنشرحها، وبعدها شروط المناظرة التي غفلوا عنها في الدعوة الأولى المكذوبة.
(1/300)

- 2 -
الدعوة إلى المناظرة:
بقطع النظر عن هذه الدعوة التي هي من فروع المظهر الجديد، وبصرف النظر عن الداعي إليها والغاية منها وقد فهمها القارئ من عموم الكلام السابق، وبصرف النظر عن هذه الجرأة التي لم نعهدها في الطرقيين ومأجوريهم، وبصرف النظر عن المسائل التي سموها مسائل خلاف، (وسنجيب عنها ونفصل القول فيها للأمة لا لهم)؛ بصرف النظر عن هذا كله نقول: إن المناظرة في الشيء تستدعي نظيرين، أي مثيلين في المعنى الذي يتناظران فيه، والمناظرة المطلوبة هنا في مسائل علمية دينية لَابَسَها تاريخ المسلمين الطويل، وداخلتها عوائدهم واجتماعياتهم وأثر فيها هذا وذاك.
وإذا كنا نحن الطرف الأول في هذه القضية، ونحن علماء نقول في الدين بِدَلِيلهِ المعتبر، ونتكلم في التاريخ بعلله وأسبابه، ونقول في العادات بمناشئها وآثارها، ونرجع كل شيء إلى أصله، ونرد كل حادثة إلى سببها، ونربط بين الدليل ومدلوله والعلة ومعلولها، فإن الطرقيين بالطبع هم الطرف الثاني، وهل بلغ الطرقيون أن يكونوا نظراءنا بالعلم والدين والتاريخ والاجتماع؟
نحن نعرفهم حق المعرفة، ونعرف أنهم جهلاء ويفخرون بالجهل، وأنصاف أميين ويتباهون بالأمية، إذ ليس العلم ولا القراءة شرطًا في طرقهم ولا في مشيختهم، ونعرف أنهم لا يملكون من أسلحة هذا الميدان إلا العناد والإصرار على الباطل.
ولو كانوا علماء لما بلغ النزاع بيننا وبينهم إلى هذا الحد، ولرَجَوْنا- إن لم يزَعْهم الدين- أن يزَعَهم العلم.
(1/301)

ولقد نعلم أنهم لا يجهلون هذا من أنفسهم، ولا يبلغ بهم الغرور أن يناظروا علماء من الطراز الذي تحتوي عليه جمعية العلماء، وإنما يعتمدون في هذه المناظرة على موجودات آلية يسمونها علماء عوَّدوها أن تنطق باسمهم وتسبح بحمدهم وتحامي عنهم بالباطل.
ونحن لا نعترف بالعلم لهذا الصنف المتهافت على أبواب الزوايا المتعيش من فضلاتها، ويأبى لنا شرف العلم أن يكون هؤلاء المسلوبو الإرادة الفاقدو الاستقلال في العلم نظراءنا في المناظرة، لأننا بلَوْنَاهم في العمل فوجَدناهم جبناء، وبلَوْنَاهُم في العلم فوجَدناهم يحكمون الهوى ولا يحكّمون الدليل، وبلَوْناهم في الكتابة فوجَدْنا أَمْثَلَهم يسمي البدع المنكرة عوائد دينية ..
أَمَعَ هؤلاء تكون المناظرة؟ لا، وشرف العلم.
فقد تحقق أن هذه المناظرة التي دعوا إليها ساقطة سقوط شرطها الأساسي مِن قِبَلهم وهو النظير.
أَلا إنهم من إِفْكِهم ليتداهون ويختلون بهذه الدعوة إلى المناطرة، لنُجِيبَهم فنعترف لهم بالكفاءة، أو نسكت عنهم فيقولوا عنا: أَحْجَموا وخافوا، أو نُجيبَهم بالحقيقة (كما فعلنا) فيقولوا: إن جمعية العلماء تحتقر العلماء ويتباكون ويشنعون.
ولا والله ما شيء من هذه اللوازم بصحيح وما كنا لنَزنَهم بغير الميزان الذي وضعوا أنفسهم فيه، وما كنا لنُصِمَّ آذاننا عن دعوة حق تُوجَّه إلينا، وإننا لننقاد إلى الحق بشعرة، وماكنا لِنَكِعَ عن النزال، لو كان في الميدان أبطال، وما كنا لنحتقر العلماء المشرفين للعلم المنقادين به إلى الحق، وأما العلماء الأذناب والعلماء الذيول والعلماء الذين يؤثرون الخَلْقَ على الحق فهيهات أن نقيم لهم وزنًا.
ثم ما لهؤلاء القوم يؤكدون في رسالتهم إلينا الكذبة التي افتجروها وهي أنهم دعونا إلى المناظرة في المراض البلدي (1) فتأخرنا؛ ثم يجيئون في آخر رسالتهم بشروط للمناظرة منها أن تكون تحت إشراف لجنة من أساطين العلم والدين والفتيا، ومنها أن تكون تحت إشراف الحكومة لحفظ الأمن .. ! ومنها أن تكون في مكان بعيد عن الصخب والشغب ...
تعالى الحق: أين كانت هذه الشروط يوم دعونا- بزعمهم- للمناظرة؟ وهل كانت متوفرة كلها؟ أم بدا لهم من فضيحة الكذبة ما لم يكونوا يحتسبون؟
أيتها الأمة: إننا مع هؤلاء القوم على النحو الذي قال فيه الشاعر:
بنو دارمٍ أكفاؤهم آل مسمع … وتنكح في أكفائها الحبطات
__________
1) أي الملعب البلدي.
(1/302)

وإن لنا في الدعوة الإصلاحية سلفًا صالحًا يبتدئ بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ينتهي إلا بقيام الساعة، وإنَّ لهم في بدعهم وضلالاتهم سلفًا طالِحًا يبتدئ من الشيطان ولا ينتهي إلا بقيام الساعة، وإن بين سلفنا في الهداية وسلفهم في الضلال في القرون والأجيال نحوًا مما بيننا وبينهم اليوم؛ وإن العاقبة في كل قرن وكل جيل للحق، وإن في العلماء الذين بَجَّلُوهم تقليدًا وجهلًا، وينتسبون إليهم كذبًا ودجلًا مَنْ هو حجة عليهم بعمله لو كانوا يفقهون، ومن هو أنكى عليهم منّا في التشنيع والإنكار لو كانوا يقرأون، ولكنهم لا يفقهون ولا يقرأون. وإن علماء هذا العهد في الأقطار الإسلامية الأخرى فريقان، فريق يحمل على المبتدعة حملتنا وينتصر للحق انتصارنا، ويدعو المسلمين إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وهدي السلف الصالح من أمته دعوتنا، وفريق ضعفت إرادته فاشترى المبتدعة ضميره ودينه ولسانه وقلمه، فأصبح ينصر أباطيلهم باسم العلم، ويزيّن أضاليلهم باسم الدين، ويدافع عنهم كما يدافع (المحامي) المأجور عن القاتل وهو يعلم يقينًا أنه قاتل.
وإن من هذا الفريق الأخير من سمَتْ همّته إلى أسفل فانتحل الطريقة مع العلم، وجمع بين الزاوية والمدرسة، وزاوج بين الاتِّجار في السبح وبين التدريس، فأصبح بطريقة النحت اللغوي (طرعميًا) أو (طقعميًا).
إن الخلاف بيننا وبين هؤلاء ليس في مسائل علمية محصورة يعدّونها في كل بلد بعدد ويكثرون حولها اللغط ليوهموا الأمة أن الخلاف علمي ... وما لهم وللعلم؟ إنهم ليسوا علماء حتى يغاروا للعلم أو يقولوا فيه أو يكونوا طرفًا من طرفي الخلاف في مسائله.
وإنما الخلاف بيننا وبينهم في طرقهم وزواياهم وما يرتكبونه باسمها من المنكرات التي فرّقت كلمة المسلمين وجعلت الدين الواحد أديانا، فقلنا لهم ولا نزال نقول: (لا طرقية في الإسلام)، وأقمنا على ذلك الأدلة من الدين وتاريخه الأول والعقل ومقتضياته، فلماذا يرجعون بنا بعد هذا كله إلى العلم الذي هو بريء منهم وهم بُرآء منه؟
والكلمة الأخيرة التي يجب أن يسمعوها من هذا الفصل هي أنهم عوام، ووظيفة العامي الاستماع والاتّباع، فإن أرادوا التحلّي بفضيلة عرفان القدر والوقوف عند الحد فها هوذا الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد أظل زمانه وسيحضره علماء أفاضل من غير الجزائر؛ فليتفضّلوا بحضوره ليسمعوا كلمة الحق فصيحة داوية وليتبيّن حقيقتنا من كان يأخذنا منهم بالظنة ... ونؤكد لهم أن لنا من ديننا وقوة يقيننا ما يغنينا عن الالتجاء إلى الحكومة في حفظ الأمن ... فهل يستجيبون لهذا؟ وهلا يؤدبون كاتبهم الذي رمانا بما لا يشرّفنا ولا يشرّفهم من جعل المناظرة تحت إشراف الحكومة لحفظ الأمن؟
(1/303)

هذا في المناظرة وسنعود بعد قريب إلى مسائلهم.
...

وبعد الدعوة إلى المناظرة يقول كاتب الرسالة: أما بعد، فإنكم تعلمون علم اليقين الخ ... ما سردناه سابقًا، (اسمحوا لي أن أوجّه الخطاب في هذه المرة فقط إلى حضرة الكاتب).
نحن يا حضرة الكاتب نعلم علم اليقين ونتحقّق حق اليقين أن الذي فرّق الأمة ومزّق وحدتها حتى أصبحت متنافرة إلى آخر ما وصفتها به هي الطرق التي أنت أحد رعاياها أو الموظفين في مملكتها، لا بالآثار البعيدة غير المباشرة بل بأصولها التي بنيت عليها، وبشروطها الموثقة من شيوخها وبعهودها المأخوذة على أتباعها.
أتتجاهل أن من العهود المؤكدة على المريد أن لا يدخل في طريقة أخرى ولو بعد موت شيخه (على المشهور)، وأن لا يدخل في زاوية أخرى ولا يصلّي فيها ولا يحضر مجالس ذكرها، وأن لا يعدّ أخًا له إلّا أهل طريقته، وأن يعتقد أن شيخه أكمل المشائخ وأن طريقته أفضل الطرق، وأن ما عدا شيخه مفضول أو مدع، وما عدا طريقته فباطل بحيث لو أردنا أن نحتجّ عليكم بكم لكانت النتيجة هكذا: كل طريقة في نظر الأخريات باطلة، فالكل باطل، وكل شيخ طريقة في نظر زملائه مدع أو محجوب أو كذاب فالكل كذلك بشهادة بعضهم على بعضهم، وهكذا ننتزع الدليل على بطلانكم من غير أن نخرج من العالم الطرقي.
أتتجاهل أن من العهود في بعض طرقكم أن لا يصلي ذو الطريقة خلف ذي طريقة أخرى ولا يصهر إليه وأن لا يزور قبر مسلم إلا قبر شيخه وذوي طريقته إلى غير ذلك.
أتتجاهل أن الأمة الجزائرية كانت متفرقة إلى فرق بعدد الطرق التي فيها على النحو الذي ذكرناه وكلها على الباطل، فجاءت جمعية العلماء فصيّرت الأمة فرقتين إحداهما على الحق؟
هذا ما تعلمه علم اليقين ويعلمه كل منصف لا ما ألزمتنا به من قولك إنكم تعلمون علم اليقين كذا .. ولعنة الله على من يعلم ما ذكرت ...
(1/304)

إفتتاح مدرسة دار الحديث بتلمسان
- 1 - *
الدعوة العامة
إن أكبر دعامة تقوم عليها النهضة الجزائرية الحديثة، هي تأسيس المدارس الحرة بمال الأمة، وقد قامت (تلمسان) بقسطها من هذا الواجب فشيدت مدرسة (دار الحديث) على طراز ليس له نظير في القطر الجزائري كله.
وستحتفل بفتحها في اليومين المذكورين (27 و 28 سبتمبر)، وسيكون الاحتفال عرسًا علميًّا تتجلّى فيه الأخوة الإسلامية والنخوة العربية.
يحضر الاحتفال المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكل من يستطيع الحضور من أعضاء جمعية العلماء بعد الانتهاء من اجتماعها العام، وقد وجّهت الدعوة إلى كل من عرفنا عنوانه من وجهاء وأعيان القطر، ونرجو ممن لم تصله الدعوة أو لم نعرف عنوانه أن يعتبر هذه الدعوة المنشورة في البصائر، دعوة خاصة.
ونرجو من جميعهم بكل تأكيد أن لا يقصروا في الحضور.
تلمسان
(محمد البشير الإبراهيمي)
__________
* جريدة "البصائر"، السنة الثانية، العدد 81، الجمعة 12 رجب 1356هـ/ 17 سبتمبر 1937م.
(1/305)

- 2 - *
دعوة المجلس الإداري لجمعية العلماء
... وبعده قام نائب الرئيس الأستاذ البشير الإبراهيمي وأخذ يحاضر الوافدين بحديثه الطريف الممتع وقد ابتدأ المحاضرة بقوله:

أيها الإخوة الكرام، لقد حملني إخوانكم التلمسانيون أمانة يجب علي أن أبلغها إليكم وهي أنهم يسلّمون عليكم ويعاهدونكم على التفاني في خدمة الجمعية ونشر مبادئها، ويبشّرونكم بأنهم شيّدوا للإسلام والعربية معهدًا لم يكن له نظير في تاريخ الجزائر الحديث، كما أنهم يتشوّقون ويتشرّفون أن يكون فتح هذا المعهد لأوّل مرّة بيد علامة الجزائر وزعيم نهضتها الأستاذ عبد الحميد بن باديس، وهذا المعهد هو مدرسة «دار الحديث»، المسمّاة على دار الحديث الأشرفية التي أسّست منذ قرون في دمشق الشام، تلك المدرسة التاريخية التي تخرّج منها أئمة في العلم وفحول في الأدب، والتي كان من مدرّسيها الإمام الحافظ محي الدين النووي والإمام النظار تقي الدين السبكي.
ثم ...
__________
* "الشهاب"، السنة 13، العدد 8، أكتوبر 1937: من افتتاحية "الشهاب" المخصصة للمؤتمر السنوي العام لجمعية العلماء، عنوانها "في عيد النهضة الجزائرية الحديثة" بقلم فرحات الدراجي.
(1/306)

- 3 - *
كلمة في «دار الحديث»
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها السادات الأفاضل، أيها الآباء المكرّمون،
أنا من نتاج هذه المدرسة يوم أن كانت اسمًا بلا مسمّى، ومن زرع هذا الحقل من قبل أن تتناوله يَدُ الإصلاح، وتعمل في فلاحته وفلاحة همّة الفلّاح، ومن بواكر الثمار لهذه الحديقة من قبل أن تتّسع أرجاؤها ويشاد بناؤها. فكل المراحل التي قطعتُها- وإن كانت قصيرة- فهي على هذه المدرسة محسوبة، وكل الآمال التي لي في العلم فهي إلى فضل هذه المدرسة منسوبة.
وكيف لا أمتلئ زهوًا وإعجابًا وأملًا في الحياة وطموحًا إلى غاياتها بعد أن رأينا المدرسة التي تذوّقنا حلاوة العلم الصحيح فيها، وسرنا على نور الهداية الإسلامية تحت اسمها وسمعتها، رأيناها تترقّى في الوجود الحسي من أماكن مستعارة إلى بيوت بالإجارة، إلى مكان بسيط لا يليق بشرف العلم، ولا يتناسب مع قدر "تلمسان" وعظمتها التاريخية ومجدها الخالد، ولا بقيمة أستاذنا محي "تلمسان".
تترقّى في مثل هذه المدّة القليلة إلى هذه القمّة العليا، وتظهر في هذا الشكل العجيب المدهش جامعةً بين الفن العربي البديع والشكل العصري الأنيق، وتبدو آيةً في الضخامة والجمال، والسعة والكمال.
أيها الآباء المحترمون: إننا إذا قال الناس: إن الوقت وقت علم وإن العصر عصر تقدم، نقول لهم: إن ديننا دين العلم ودين التقدّم، فلسنا في هذا السبيل بين عصر وعصر، ولكننا
__________
* مسوّدة كلمة أملاها الشيخ على نجله الأكبر محمد -وعمره آنذاك 13 سنة- الذي ألقى الكلمة.
(1/307)

بين خمول كنّا فيه وغفلة عن أوامر ديننا ونواهيه، وبين يقظة في ذلك الدين أذّن مؤذّنها، ووجد من يدعو إليها ويبيّنها، ولا غرابة في رجوع الشيء إلى أصله ولا في طلب صاحب الحق لحقّه، وإنما الغريب ما كنّا فيه من نوم عميق، وبُعدٍ عن العلم سحيق، وعماية تخبّطنا في ظلماتها أحقابًا، وخرافات ورثناها أعقابًا وأعقابًا.
أيها الآباء المحترمون: إن هذه المدرسة هي الشاهد الذي لا يكذِب على صدق النهضة الإسلامية العلمية ونضوجها ووصولها إلى درجة الكمال التي يفرح لها العاملون، وييأس منها الظالمون.
إن أثر ذلك يكون بلا شك نفعًا في تقديرنا لهذا الدين واعتبارنا لهذه اللغة، ونحن في هذا الطور لا نتأثّر إلّا بالمحسوسات، فلا نعرف مما تقولون لنا إلّا قولكم: هذا الإسلام وهذه مساجده، وهذا لسان العرب وهذه معاهده. فأمّا أن تقولوا لنا: هذا الإسلام ولا مسجد، وهذه علوم الإسلام ولا معهد، فاعذرونا إذا استهوتنا هذه المعاهد المشيّدة للألسنة الأجنبية، وتخطفتنا دعايات البشر من كل جانب.

أيها الآباء: هذا هو السرّ في ضعف الدعاية الإسلامية في أبنائكم، وموت العاطفة العربية فيهم، ولو أن أجدادنا فعلوا مثل ما فعلتم لرأيتم منا غير ما رأيتم، ولعملنا نحن للأجيال القادمة أضعاف أضعاف ما عملتموه لنا، ولأعدنا نحن إلى الإسلام سيرته الأولى وإلى العربية شبابها الزاهر.

أيها الآباء: قد تعوَّدْتُم أن تستهينوا في رغبات أبنائكم بكل عزيز، لأنهم أعزّ عليكم من كل عزيز، وتعوّدنا نحن أن نتقدّم إليكم بالرغبات التافهة، فاستهينوا في سبيل المدرسة بالمال العزيز في سبيل أبنائكم الأعزّة، واحمدوا الله على أن أصبحنا نتقدّم إليكم بالمطالب الجليلة والرغائب الكبيرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/308)

- 4 - *
تحيّة «دار الحديث» للشاعر محمد العيد
أُحيّي بالرِّضى حَرَمًا يُزَارُ … ودارًا تُستظلُّ بها الدِّيارُ
وروضًا مستجدَّ الغرس نضْرًا … أريضًا زَهْرُهُ الأدب النُّضار
وميدانًا سترتبعُ المَهاري … بساحتِه وتستبق المِهار (1)
وعينًا ما لمنْبعها مَغاضٌ … وأُفقًا ما لأَنْجُمِهِ مغار
أُحيّي خيرَ مدرسةٍ بناها … خِيارٌ في معونتهم خيار
"تلمسانُ" احْتَفَتْ بالعلم جارًا … وما كالعلم للبُلدان جار
لقد لَبِسَتْ من الإصلاح تاجًا … يَحِقُّ به لأهليها الفَخار
فكان له بها نَصْرٌ وفَتْحٌ … وكان له ذُيوعٌ واشْتهار
لقد بُعِث (البشيرُ) لها بشيرًا (2) … بمجدٍ كالرِّكاز بها يُثار
وفي (دارِ الحديث) له صوانٌ … بديعُ الصّنْع مصقولٌ مُنار
به عَرَضَ (البشير) فنونَ علم … وآدابٍ ليَجْلُوها الصغار
فَيَا (دارَ الحديثِ) عِمِي نهارًا … وعُمْرُكِ كلُّه أبدًا نهار
ويا (دارَ الحديثِ) عليكِ تُلْقَى … مُهمَّاتٌ لنا ومُنًى كبار
وفي (بَلَدِ الجِدار) (3) كنوزُ دين … وعلم لا يليق بها ادِّخار
(تلمسانُ) ابْتغي أبدًا مَدارًا … فأُختُكِ في السماء لها مدار
__________
* ديوان محمد العيد، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1967، [ص:79].
1) المهاري: الجمال المنسوبة إلى مهرة بن حيدان من عرب اليمن وهي مشهورة بسرعتها، والمهار جمع مهر: ولدُ الفرس.
2) يريد الأستاذ الإمام محمد البشر الإبراهيمي الذي كان المؤسس لمدرسة (دار الحديث) والمشرف بنفسه على تشييدها.
3) هي مدينة تلمسان.
(1/309)

ضَعِي عن قرنكِ الضَّافي خِمارًا … فقرنُ الشمس ليس له خِمار
(تلمسانُ) اكشِفي عن رائعاتٍ … من الآثار جَلَّلَها الغُبار
وبُقْيا عبقرياتٍ غِزارٍ … نمتها عبقرَّياتٌ غِزار
إلى (إدريس) (4) أو (زيان) (5) يومي … وُيومِضُ تحتها نورٌ ونارُ
(تلمسان) احْفَظي ذكرَ ازدهارٍ … لمُلْكٍ فيكِ كان له ازْدِهار
ففي هذا الثَّرَى الزَّاكي قديمًا … لنا ازدهرتْ حَضاراتٌ كِبار
وفي هذا الثَّرَى الزَّاكي قديمًا … تَفَشَّى العدلُ وانْتَشَرَ اليَسار
وفي هذا الثَّرَى الزَّاكي قديمًا … سما (مازيغُ) (6) واستعلى (نِزار)
عليك تآخَيَا أدَبًا ودينًا … وحولَكَ ضَمَّ شَمْلَهما الجِوار
هما حَمَيَا ذِمارَك بِالعوالي … قُرونًا فاحْتَمَى بهما الذِّمار
وحاصَرَ تُرْكَكِ الإسبانَ حينًا … فعادَ عليكِ بالأمن الحِصار
مضوا لم يتركُوا غير ادِّكارٍ … لَنَا في القلب لو يُجْدِي ادِّكار
فقل لِبَنيهمُ ابْنُوا من جديدٍ … بناءً لا يُهدِّدُهُ انهِيار
وصغْ لبني (تلمسانَ) التَّحايا … كطاقات يرِف بها العمار
ووفِّ بني (تلمسان) اعتبارًا … وأدنَى ما جَزيت به اعتِبار
لقد حَنَّت جوانحُنا إليهمْ … وسارت قَبْلَما سار القطار
أتَيْناهُمْ ضُحًى ولهم حُبُورٌ … وإشرافٌ وشوقٌ وانتظار
وسرنا بينهم جَنْبًا لجَنْبٍ … كمِثْل الزَّند يكْنُفُه السوار
يُكَبِّر حولنا منهم جهارًا … رجالٌ كل دعْوتهم جهار
ألم تَرَ صورةَ الأجْداد فيهمْ … عليها من ملامحهمْ إطار
فَقِفْ تَرَ غَرْسَهُمْ يَنْمو بِدارًا … بدارٍ نحوَها اشتدَّ البِدار
بها (دارُ الحديث) لها يُنَادي … وفيها (ابن الصَّلاح) له يُشار
وليس ابن الصَّلاح سوى (بشير) … لنا انتشرتْ معارفُه الكثار
حَمَى أكنافَها لله جُنْدٌ … وجُندُ الله ليس له انكسار
وجاءتْها المواكبُ خاشعاتٍ … عليها الطُّهر يَبْدو والوقارُ
__________
4) اٍدريس الأصغر بن اٍدريس بن عبد الله مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب وقد كانت تلمسان ضمن المملكة الإدريسية في بعض الاْحيان.
5) زيان: جدّ ملوك تلمسان الزيانيين، وقد بقيت بقاياهم إلى ما بعد المائة العاشرة للهجرة وهم من بني عبد الواد، قبيلة من زناتة.
6) مازيغ: أحد الأجداد الذين يرجع إليهم معظم القبائل البربرية.
(1/310)

ومن وحي السماء لها دليلٌ … ومن وحي السماء لها مَنارُ
ونحن بنو السّماء لها انسبُونا … فليس سِوى السماء لنا نِجار
تَخذْنا الدينَ في الدنيا شعارًا … وما كالدِّين في الدنيا شِعار
لنا للعلم تَثْويبٌ وحفْزٌ … وتنقيبٌ وكشف وابْتكار
وفي (دارِ الحديثِ) رياضُ علْم … عليها نَضْرةٌ ولها اخْضرار
بدت منها ثمارٌ طيِّباتٌ … شهيَّاتٌ فأَرْضَتْنا الثِّمار
على طُلّابِها ومُعَلِّميها … من البَركاتِ دِيماتٌ ثِرار
وطاب جنَابُها الحاني قرارًا … لهم ما طابَ في الخُلد القرار
(1/311)

تعطيل مدرسة «دار الحديث» *
تعوّدنا أن نكظم الغيظ إذا كربتنا الحوادث، وتعوّدنا أن نطوي النفوس على مكروهها إذا رمتنا الأيام بما لا صبر عليه، شنشنة من الصبر طبَعنا عليها دينُنا، وخُلُق من الرزانة هَدَتْنا إليه التجارب المتكررة، خصوصًا بعد أن أصبحنا نساوَم على الصبر، وأصبحنا نُرمى بالأحداث عن عمد، استفزازًا لعواطفنا، وتحريكًا لشواعرنا، واستدراجًا لنا إلى المعاطب إن غلبنا على الصبر فبدرت منا بادرة.
وتعطيل مدرسة «دار الحديث» مسألة لا تهمّ جمعية العلماء وحدها بل تهمّ الأمة الجزائرية كلها، وتثير شعورها كلها إلّا فلولًا من المنهزمين في معارك الحقّ لا يقام لهم وزن ولا تعتبر لهم قيمة، فكان اللائق أن يذل في الصحف خبر التعطيل، وأن تدوي حوله صرخات الغضب، وقد بلونا هذه الأمة الوفية في هذه السنوات الأخيرة، فرأينا من آيات شعورها بوجودها أنها أصبحت تتأثر فرحًا بالأعمال التي تحقّق ذلك الوجود فتندفع في الطرب والابتهاج إلى الحدّ الذي يشبع ذلك الشعور، وتتأثر حزنًا لحدوث المعاكسات لتلك الأعمال فتندفع في الغضب والاحتجاج على مقدار ذلك الشعور.
ومن المصائب "الاستثنائية" على هذه الأمة أن القوانين تفرض عليها أن تفرح بمقدار وأن تحزن بمقدار. وإنّ شرّ ما تبتلى به الأمم التحكّم في العقائد والتحكّم في الضمائر، وقد ابْتُلِيَت هذه الأمة بهذا الشر من جهة الجامدين الذين تحكّموا في عقائدها، ومن جهة المستبدّين الذين تحكّموا في ضمائرها، وهي الآن في دور اجتلاء بين شعورها بحقّها في الوجود، وبين هذه الحواجز والسدود، التي يُقيمها لها أهل الاستبْداد وأهل الجمود، والعاقبة للمتقين.
__________
* جريدة "البصائر"، عدد 100، السنة الثالثة، 18 فيفري 1938 (بدون إمضاء).
(1/312)

وقد اجتمع الموجبان- موجب الفرح وموجب الحزن- حول «دار الحديث»، فتحناها في 27 سبتمبر الأخير، فاحتشدت في تلمسان عشرون ألفًا من أبناء هذه الأمة في حفلة ضاحكة مستبشرة يعلوها جلال العلم ووقار الدين وسكينة التقوى وروعة النظام، وتجمعها جامعة الابتهاج بأعظم معهد علمي ديني شُيّد بأموال الأمة في الجزائر الحديثة، وينطق ذلك كله بأنّ الأمة المتمثّلة في تلك الألوف قد شعرت بوجودها، وأنها مندفعة اندفاعًا نفسانيًا إلى إقامة البرهان على ذلك الوجود، بشهودها لذلك المشهد وظهورها بذلك المظهر كانها تقول لِمَن يتمارى حتى في القمر إذا اتسق: ها أناذه أفكّر بفكري، وأقدّر برأيي، وأعمل بيدي، وأنفق من مالي. ولكن القانون الذي يفرض عليها أن تفرح هونًا ما، رأى أنها جاوزت الحدّ وأسرفت في الفرح فسَكَتَ ثلاثة أشهر يحاول هضم هذا التعدّي منها فلم يستطع، ويحاول محاكمة كل مَن حضر فلم يستطع، وبعد لَأْيٍ ظهر له أن يحاكم المتسبّب في تلك الأفراح وهو منشئ «دار الحديث» الإبراهيمي، بدعوى أنّه كان سببًا في جمهرة أو تجمهر الناس بدون رخصة ... ودع حديث المحاكمة فله شأن آخر، وهات الحديث عن التعطيل.
...

في أوّل جانفي وهو يوم التهادي والتواصل واجتماع القلوب على السرور عند الغربيين خرج قرار تعطيل «دار الحديث»، فجاء بدعة التحف في هدايا الموسم، وكان القرار مبهمًا غير مفسَّر الأسباب ولا مميَّز المقاصد، فسألنا رسميًا فقيل لنا إنّ التعطيل خاصّ بالتعليم الابتدائي وإن دروس الإبراهيمي لا تدخل في القرار ولا يشملها التعطيل، وتناقلت الأفواه الخبر وبدأت بوادر الغضب والاحتجاج الصارخ تبدو، ولو زاد الغضب والهيجان لكان بردًا على أفئدة لها في ذلك هوى ولها من ورائه مأرب، ولكننا سكتنا حتى تتجلّى الأسباب وتنجلي العماية، واقتصرنا على احتجاج جمعية العلماء بلسان مؤتمراتها العمالية.
ولو تعجّلنا فأذعنا في الأمة خبر التعطيل، وأعطيناه ما يستحقّ من التحليل، وصبغناه بما يقتضيه الحادث من التهويل، لانفجر الغضب وتوالت الصرخات، وتدفّق سيل الاحتجاجات والمظاهرات، وإذًا لوقف القانون الذي يفرض على الأمة أن تغضب بمقدار في الطريق، وإذًا لَسِيقَ إلى المحاكمة والتحقيق، لا رجل واحد بل فريق، ولو قال قائل للحكومة: أخبريني، لقالت له: سلْ قرار "ريني"، ولو قال لها: اعذريني، لقالت: يأبى ذلك قرار "ريني".
هذا بعض العذر في عدم استعجالنا بنشر الحادث وذيوله، وإنْ كنا نعلم أن الأمة متعطشة لذلك متلهّفة عليه، وأن الرأي العام ساخط على ذلك القرار متظلّم منه، وقد أوعزنا إلى بعض الصحف الفرنسية اللسان أن لا تتعجّل بنشر تفاصيل الحادث إلى حين، فعدّ ذلك
(1/313)

بعض قاصري النظر منا تقصيرًا، وعدّه بعضهم تهوينًا لحادث يستحقّ التهويل، وأشاع بعضهم أننا الْتجأنا إلى الاستجارة ببعض ذوي النفوذ عند الحكومة، وإن شيئا من ذلك كله لم يقع، فما عهدوا منا التقصير في حادث كهذا، ولا التهوين لما حقُّه التهويل، ولا الاستخذاء عند الصدمات، ولا الالتجاء إلى الشفاعات، وإنما يستخذي الجبان الوكل، وإنما يستجير المجرم المعتدي ...
ونحن فقد تمرّسنا بالأحداث الفعلية والتهويلات القولية حتى لا نبالي أيها طار وأيها وقع.
وإذا ضاع حقّ النفوس المتعطشة لمعرفة أسباب الحادث فما ضاع حقّ التاريخ الذي يقصّ الخبر، لاستجلاء العِبَر، ودَيْن التاريخ أحقّ أن يُقْضَى.
(1/314)

المولد النبوي*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها السادة،
قرأت كثيرًا ممّا فاضت به قرائح الشعراء من القصائد المولدية التي يذكّرون بها المسلمين في نشأة دينهم، ويجدِّدون عهدهم فيها بميلاد نبيّهم، فوجدت كل أولائك الشعراء لا يخرجون عن دائرة تقليدية اتّبع فيها آخرهم أولّهم، وهي ذكر الخوارق التي صحبت مولده - صلى الله عليه وسلم -، ثم يتخلّصون إلى مدحه والتوسّل به وذكر شمائله وأوصافه الذاتية وقليلًا من أخلاقه النفسية، ممّا لا يثير في النفس حركة ولا يحملها على قدوة ولا يستفزّها إلى عمل، ثم يصفون ليلة الميلاد أوصافًا خيالية شعرية يزيّنونها بالمبالغة والإغراق كانهم- عفا الله عنهم- لا يدرون أنهم يُحيُون ذكريات عملية تنبني عليها أجيال مجهزة لمستقبل، وأن تلك الأجيال رهينة بما يصوّرون لها من تاريخ، ويخططون لها من أمثلة، ويضربون لها من أمثال، وإنما هم شعراء يقولون ما يلذّ في الأسماع لذّة منقطعة ويؤثّر في العواطف تأثيرًا محدودًا.
وكنتُ قليل التأثّر بتلك المولديات لسلوكها مسلكًا واحدًا من الوصف والمدح والإكثار من الخوارق وحشر الغرائب- ما يُعقل منها وما لا يعقل- مع أن إثبات تلك الغرائب من طريق الإسناد والرواية ممّا لا مطمع فيه.
وما زلتُ أستثقل تلك المبالغات من المرحلة الأولى من مراحل سني وإدراكي، ومما زلتُ أحسّ بأن في نفسي تشوفًا إلى شيء وراء تلك المبالغات، هو بيان سرّ عظمة هذه الليلة من بين الليالي، إذْ تملأ هذه العظمة نفسي ولا أتبيّن أسبابها وبواعثها حتى قرأتُ قول شوقي في مطلع قصيدته الهمزية:
__________
كلمة أملاها الإمام على نجله الأكبر محمد طالب الإبراهيمي الذي ألقاها بدار الحديث (أفريل 1938)، وكان عمره 14 عامًا.
(1/315)

وُلِدَ الْهُدَى فَالْكَائِنَاتُ ضِيَاءُ … وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ
قرأتُ هذا البيت ووقفت عنده أتأمّله وأستجلي معانيه، فمَحا كل ما في نفسي من آثار تلك المبالغات، بل محا كل ما في ذاكرتي من جميع ما قرأته من القصائد المولدية، وكشف لي هذا البيت الواحد عن سرّ عظمة هذه الليلة وفضلها على الليالي.
وإن من يحب أن يستجلي حقيقة هذه الليلة يجب عليه أن يستعرض تاريخًا كاملًا هو تاريخ البشرية قبل الإسلام بجميع أجناسها ولغاتها وعاداتها وأديانها وأنظمها في الحياة ومذاهبها في التفكير وموازين العقل عندها، فإذا هو فعل ذلك ووازن بين ذلك الطور الكامل وبين الطور الذي انتقلت إليه البشرية بعد الإسلام بسبب الإسلام، حينما زحف أبناء الجزيرة على الشرق والغرب يحملون هَدْيَ الإسلام وعدله وميزانه وأخلاقه وعقائده وفرقانه، ويعملون على نشرها بين الأمم وتثبيتها في النفوس، إذا هو فعل ذلك عرف- مثلما عرفتُ- سرّ عظمة هذه الليلة، وذكر - مثلما ذكرتُ- من الفروق بين ماضي البشرية قبل الإسلام وبين مستقبلها بعد الإسلام، وعرف أن القافلة الإنسانية ما زالت منذ آدم تتخبّط في ظلمات من الجهل والشرّ والفوضى، تسير فلا تسير إلّا إلى الهلاك، وتقيم فلا تقيم إلّا على الضيم، وطالما ارتفعت أصوات الحق في أطرافها من المرسلين والحكماء، فضاعت تلك الأصوات بين غوغاء الباطل، أعظلت أمراضها، وعجز أطبّاؤها، واستفحل الشرّ بين أفرادها، وتخاذل العقل أمام الوهْم، وتهافتت الحقائق أمام الشبَه، وطغت الحيوانية بما فيها من تكالب ونَهَم وغرائز سافلة، فجاء العدوان والظلم والتناحر والقتال والمطامع. فكانت على كل ذلك في أشدّ الحاجة إلى هادٍ يهديها إلى سبيل الحق وإلى حام يحميها من عدوان الباطل، وكان من قدر الله أن يكون ذلك الهادي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ودينه الإسلام، وكانت ليلة الميلاد بذلك غرّة في الليالي الدُّهم.

أيها السادة،
إن بيت شوقي يصوّر الحالة السائدة في العالم قبل الإسلام وأنها ضلال في ضلال وظلام في ظلام، وكذلك كانت هي، ويصوّر ولادته - صلى الله عليه وسلم - ولادة للهدى الماحي لذلك الضلال، فهي ليلة لم يولد فيها رجل، ولو كانت كذلك لما كان لها فضل على بقية الليالي، ولكنها ليلة وُلدَ فيها الهدى بأكمله والرحمة بأجمعها، وإن الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله لهو الهدى الكامل لبني آدم كلهم، والرحمة الشاملة لجميعهم، وإن العالم كله في ذلك الوقت كان متعطشًا ومتشوفًا إلى رحمة الله لما أعوزته الرحمة من أفراده، ولقد أصاب مطلوبه ونال مرغوبه في آية واحدة من القرآن الكريم وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}، وهي آية جامعة للجناحين اللذين يطير بهما الإنسان وهما الأمر والنهي، وما زالت سعادة الإنسان وشقاؤه معلّقين على ما يفعله وما يتركه،- فيسعد إذا فعل الخير، ويشقى إذا عكس القضية.
(1/316)

أيها السادة،
حقيقةٌ ما يصوّره شوقي من ولادة الهدى ليلة ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما يصوره من استنارة الكائنات، كأن الفجر طلع على الدنيا بنوره وإشراقه فمحا الظلم وأحيى الأمم وملأ الكون بهجة وبشاشة ورونقًا، وصحيحٌ ما تخيله شوقي من أن للزمان فمًا كان مطبقًا على مضض، ولسانًا كان مفحمًا بالشر ملجمًا بالباطل، فكانت ليلة ميلاده - صلى الله عليه وسلم - مصحوبة بالهدى والحق والنور، سببًا في تبسّم فم الزمان وافتراره وفي إطلاق لسانه بالثناء وانتشاره، ولقد كان الزمان عابسًا لما يقع من شرور بني آدم وضلالهم، فلا عجب أن يتهلّل ويستبشر حينما تمخضت إحدى لياليه عن ميلاد سيّد البشر الذي جاء بالهدى ودين الحق.
ليس السرّ- أيها السادة- في أن مولودًا وُلِدَ، ولو في بيت رفيع العماد كبيت عبد المطلب، وهو مَن هو في بني هاشم، وهاشم هو مَن هو في قريش، وقريش سنام العرب وعمّار البطحاء وسدنة بيت إبراهيم. وكم من مولود وُلِد في تلك الليلة وفي أمثالها من الليالي، فما زانوها ولا زانتهم، ولا زادوا الوجود الذي أتوه شيئًا، ولا نقصوا العدم الذي فارقوه نقطة، ولا زادوا في سجل التاريخ حرفًا.
إنما السرّ الذي يجب أن يتبيّنه السامعون الواعون هو أن هذه الليلة وُلد فيها الهدى الذي محق الضلال، ووُلد فيها الحق الذي محا الباطل، ووُلد فيها النور الذي نسخ الظلام، ووُلد فيها التوحيد الذي أمات الوثنية، ووُلدت فيها الحرية التي انتقمت من العبودية ووُلد فيها التساوي الذي قضى على الأثرة والأنانية، ووُلد فيها التآخي الذي أبطل البغي والعدوان، ووُلدت فيها الرحمة التي قضت على القسوة والجبروت وعلى البخل وآثاره، ووُلدت فيها الشجاعة التي تنصُر الحقيقة وتمهّد الطريقة، وبالإجمال وُلد فيها الإسلام وما أدراكم ما الإسلام.

أيها السادة،
هذه بعض الذكريات التي توحيها إلينا ليلة المولد النبوي، فتثير الهمم الرواكد، وتستفز العزائم الفاترة، وتصحّح ما اندثر من الحقائق والعقائد، أحْيُوا هذه الذكريات في نفوسكم ونفوس أبنائكم وبناتكم، تحيوا ويحيوا مسلمين صالحين مصلحين هادين إلى الحق مهديّين به. والسلام عليكم ورحمة الله.
(1/317)

ختم ابن باديس لتفسير القرآن*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

------

1 - تمهيد
------
أتم الله نعمته على القطر الجزائري بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لتفسير الكتاب الكريم درسًا على الطريقة السلفية. وكان إكماله إياه على هذه الطريقة في خمس وعشرين سنة متواليات مفخرة مدخرة لهذا القطر. وبشرى عامة لدعاة الإصلاح الديني في العالم الإسلامي كله، تمسح عن نفوسهم الأسى والحزن لما عاق إمام المصلحين محمد عبده عن إتمامه درسًا، ولما عاق حواريه الإمام رشيد رضا عن إِتمامه كتابة.
إن إكمال تفسير القرآن على تلك الطريقة في مدة تساوي- بعد حذف الفترات- المدة التي كمل الله نزوله فيها، يعد في نظر المتوسمين إيذانًا من الله برجوع دولة القرآن إلى الوجود، وتمكين سلطانه في الأرض، وطلوع شمسه من جديد، وظهور المعجزة المحمدية كرة أخرى في هذا الكون.
ثم كان الاحتفال بختمه بمدينة قسنطينة في الثالث عشر من ربيع الثاني عام 1357 دليلًا على انسياق الأمّة الجزائرية المسلمة إلى القرآن واستجابتها لداعي القرآن واجتماع قلوبها على القرآن وشعورها بلزوم الرجوع إلى هداية القرآن، ولا معنى لذلك كله إلا أن إحياء القرآن على الطريقة السلفية إحياء للأمّة التي تدين به.
__________
* "الشهاب"، الجزء الرابع، المجلد 14، جوان- جويلية 1938، [ص:153]، عدد خاص من "الشهاب" بمناسبة ختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لتفسير القرآن.
(1/318)

ثم جاءت حفلات التكريم للأستاذ المفسّر ولوفود القرآن، وما لقيته تلك الوفود من سكان الحاضرة القسنطينية من صدق الحفاوة وكرم اللقاء وبشاشة المظهر وتهلل الأسرة وإكرام المثوى وإغداق الضيافة، آية بالغة على أن القرآن فعل فعله في تلك النفوس فجمعها على التقوى وهداها لكريم الخلال وبسط شعاعه على جوانبها المظلمة، فتعارفت بعد التناكر وتآلفت بعد التخالف، ويوشك أن يأتي بعد هذا التعارف الخير الكثير.
ولما كانت مجلة "الشهاب" هي لسان الحركة الإصلاحية التي قرّبت ما بين الأمّة وبين قرآنها من بعد، وأزالت ما بينهما من جفاء، كانت تلك المجلة حقيقة بأن تؤرّخ لهذا الموسم القرآني العظيم وتدوّن وصفه وما قيل فيه ليبقى تذكرة خالدة للأجيال المقبلة، وصفحة لامعة في تاريخ النهضة الدينية العلمية بالجزائر، وعلمًا هاديا لمؤرخيها والباحثين عن أطوارها من أبناء الغد.
وهل يمنع من ذلك أن صاحب المجلة هو الأستاذ المفسّر، وأن معظم ما قيل في الاحتفال دائر على تقريظه والثناء عليه والتنويه بأعماله؟
قد كان بعض ذلك، وأبت للأستاذ همّته العلمية وإخلاصه العمل لله أن لا ينشر في "الشهاب" إلا ما هو من حقوق الدين والعلم والعربية دون ما هو من حظوظ النفس وتمجيد الشخص. ولكن إخوانه من رجال العلم والأدب الحريصين على تخليد هذا الاجتماع القرآني المنقطع النظير رغبوا منه أن يتنازل عن حقه من مجلة "الشهاب" هذه المرّة، وأقنعوه بأن كل كلمة قيلت في مدح شخصه والثناء عليه فهي مصروفة إلى أعماله، وإلى مبدإ الذي وقف حياته عليه وإلى النهضة التي كان- بحق- بانيها ومشيّد أركانها وإلى الأمّة التي أنفق عمره وقواه في سبيل نفعها وإحيائها. وبأن تسجيل هذه الصفحة الوضّاءة من صفحات الإصلاح، من الواجبات على "الشهاب" لتتصل خطواته في خدمة الإصلاح الديني وتسجيل أطواره، وتتناسق صحائفه المدونة لتاريخه وأخباره، فاقتنع- حفظه الله- وأذن في أن يكون هذا العدد من "الشهاب" خاصًا بالاحتفال وتوابعه. وطلب من رفيقه الوفي كاتب هذه السطور أن يكتب بقلمه كلمة في تصدير العدد، وكلمة في تصوير الاحتفال وتلخيصًا لما علق بذهنه من ألفاظ درس الختم ومعانيه ففعل بقدر ما وسعه وقته وحاله، وعسى أن نكون وُفّقنا لإرضاء المتعطّشين المترقبين الذين حبستهم الأعذار عن حضور الاحتفال.

تلمسان ....................................... الإبراهيمي.
(1/319)

-----------------

2 - كلمة التصدير لهذا العدد*
-----------------
سُئل بعض العلماء: أية آية تصلح أن تكون عنوانًا على القرآن كله بحيث إذا كُتبت على ظهر المصحف كانت تعريفًا كاملًا به، شاملًا لجميع المعاني الكلية التي يجدها المتصفح فيه كما تعرف الكتب الكبيرة بجمل قصيرة، فكان جواب هذا العالم: الآية التي تصلح لذلك هي قوله تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
ولعمري، لقد وُفّق هذا العالم القرآني إلى الصواب فيما أجاب به. فالقرآن كتاب يحمل في ثنييه دين الله الكامل، وكل ما سبقه من الكتب والصحف فهي إرهاصات له وبشارات به وإشارات إليه. ابتعث به نبيه الأمين محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لهذا العالم الإنساني كله حين بلغ رشده الاجتماعي واستعد للكمال واستشرف لسائق من وراء العقل يكون سندًا له إذا زلّ، وهاديًا له إذا ضل، ومصححًا لخطإه إذا أخطأ، ومخرجًا له من ظلمات الحيرة إذا التبست عليه مناهج الحياة، ومفسحًا له في آماله إذا ضيقت عليه هذه الحياة المحدودة حدود الآمال، ومحررًا له من أصناف العبودية الفكرية والبدنية التي تقلب فيها قرونًا، ومرشدًا إياه إلى وسائل الكمال التي كان يطلبها فلا يجدها.
والآية الكريمة التي جعلها جوابًا لسائله بيان إلهي معجز للحكم التي اقتضت نزول القرآن والحكم التي نزل لبيانها القرآن والمثل العليا للكمال الإنساني الذي دعا إليه القرآن متدرجة في وضعها البياني تدرجها الطبيعي من نفس سامعها، بلاغ فإنذار، فعلم، فتذكّر.
وأمثال هذا العالم من ربانيّ هذه الأمّة ممن درسوا القرآن وتدبروه ومارسوه وراضوا أنفسهم على بيانه، واستنبطوا منه الحكم التي أنزل لتحقيقها والعلوم التي جاء لتجليتها على الناس، يكون من خصائصهم هذه الملكة، ملكة استعراض القرآن في مثل ارتداد الطرف كلما تحرك لهم وجدان وأرادوا أن يزنوه، أو نجم في آفاق نفوسهم خاطر وأرادوا أن يصححوه، أو ألقي عليهم سؤال وأرادوا أن يجيبوا عليه.
وما ظن بصاحبنا هذا أنه راعى القانون الاصطلاحي الجدلي في انطباق الجواب على السؤال، وإنما هي هيمنة القرآن على نفوس أصحابه، وإلهامها الإصابة في الرأي والتسديد في الجواب والفيح في الخصومة.
__________
* "الشهاب"، الجزء الرابع، المجلد الرابع عشر، جوان- جويلية 1938، [ص:156].
(1/320)

فالسائل يطلب آية جامعة (لوظائف) القرآن، لا جرم أن أول ما يخطر ببال المجيب أمثال قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ .. } الآية. وقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ .. } الآية. وقوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}. وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} وغيرها من الآيات المبيّنة لأصول الدعوة القرآنية. ثم يلتمس راية تجمع هذه الأصول مع التنويه بهذا الكتاب الجامع لها، فيقع على تلك الآية أو ما شاكلها والآيات الجامعة (لوظائف) القرآن كثيرة، ومن السهل السريع الوقوع عليها عند هذه الطائفة التي أوتيت قوة الاستعراض.
وقد يسأل عالم آخر فيقع على قوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} أو قوله: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ}. والكل مصيب رضي القانون الجدلي أم سخط. وإن كان هناك تفاوت بين الآيات في الإحاطة والبيان، فلكل جملة تزيد في آية موقع ودلالة، ولكل كلمة تزيد في جملة معنى وحالة.
أما أنا- ولا أعوذ بالله من كلمة أنا- فلو أُلقي علي هذا السؤال لتمردت على قوانين الجدال وأجبت على المغافصة والارتجال، ولم أرع إلا الاعتبار المناسب ومقتضى الحال. وجررت السائل (عن وظائف) القرآن إلى (وظائف) أهل القرآن مع القرآن، وقلت للسائل ضع على ظهر المصحف بالقلم العريض قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. وقوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} واجعل جملتي {فَاتَّبِعُوهُ} و {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} بين أقواس علّ هذه الأقواس المحنية تصيب من قارئه شاكلة انتباه فتزعجه إلى معرفة أن هاتين الآيتين هما جواز الداخل إلى أقطار القرآن، وعل هذه القلوب القاسية تستشعر حق القرآن عليها ووظيفتها التي يجب أن تقوم بها نحوه، وهي التدبر لمعانيه واتباعه.
إن حقوق القرآن علينا من التدبر والاتباع، هي التي يعروها ما يعروها من الإهمال والضياع والتفريط والغفلة. فهي التي يجب التنبيه لها والتذكير بها دائمًا والدلالة على مواقعها من آيات الكتاب العزيز، وهي التي يجب على العالم القرآني أن يختار للتذكير بها أصرح الآيات في معناها وأظهر الجمل في الدلالة عليها وأقرب الألفاظ لأذهان الناس. وإذا قارنا بين {لِيُنْذَرُوا} وبين {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} وجدنا بينهما فرقًا جليًّا لا يُستهان به في مقام التذكير والإبلاغ في التأثير. فإن الإنذار- وإن كان معناه الإعلام بالشيء مع التخويف من عواقبه- لا يستلزم التدبر الذي هو انفعال نفساني ذاتي يفضي إلى النظر في إدبار الشيء وغاياته على وجه من التكلف والتدرج يفيده بناء تفعُّل وأثر الإنذار تأثير خارجي، وأثر التدبر تأثر ذاتي، والإنذار لا يشعر النفس ما يشعرها التدبر من العهد المسؤول والأمانة الثقيلة.
(1/321)

أما الاتِّباع فهو ثمرة التدبر وهو الذي لا تتحقق الغايات التي يرمي إليها القرآن إلا به، وقد تكرر ذكره في القرآن في معارض شتّى تدلّ مُستعرضها على أنه هو سرّ التديّن والتألّه. وانه المحقق للكمال وانه العاصم من الضلال والهلاك فليتدبر التالي هذه الأمثلة من الآيات القرآنية: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}، {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}، {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}، {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ}، {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}، {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا}، {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي}.
ويا للعجب من بيان القرآن وبيّناته وإعجازه بفنون إيجازه. إن الاتباع ضرب من قَفْوِ أثر الغير وترسم خطاه والانقياد له وجعل الهوى تبعًا للهوى مع اطمئنان بالمشاركة في النتيجة خيرًا كانت أو شرًا. وفي معناه من الهجنة أنه ينافي الاستقلال الفكري في الفكريات والذاتي في الذاتيات، فتجد القرآن يدفع عنك أثر هذه الهجنة العارضة فيأمرك بالتدبر واستعمال الحواس الظاهرة والباطنة في وظائفها الفطرية قبل أن يأمرك بالاتباع، حتى تطمئن إلى أنك إنما تتبع فيما فيه حَقّ وخير ورحمة، ثم إذا أمرك بالاتباع فإنما ذاك فيما يتعالى على فكرك إدراكه أو يصعب عليك تمييزه أو يخاف فيه غلبة الأهواء عليك. وبعد الأمر ينهى عن اتباع الهوى المضلّ عن سبيل الحق، وعن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وعن اتباع خطوات الشيطان، وعن اتباع أولياء من دون الله، وعن اتباع السبل المتفرقة، توكيدًا للمعنى الإيجابي وإيضاحًا للحق الذي يجب أن يتبع.
إلا أن المتدبرين للقرآن لا يخرجون من هذا الاستعراض البديع إلا مؤمنين موقنين بأن الاتباع الذي يدعو إليه القرآن هو عين الاستقلال التام للفكر والإرادة والعقل والوجدان لأنه يحميها من شرور الأهواء ويؤويها إلى حمى الحق وحده والاحتماء بالحق الذي قامت به السموات والأرض واستقر عليه تدبير الكون ونظامه- استقلال ما وراءه استقلال. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}.
هذا حق القرآن علينا يجب أن نتخذ الآيات المنبّهة عليه فواتح في المدارسة وأن تتجاوب أصداؤها في جوانب نفوسنا حتى لا ندخل حرمه إلا بعد أن نكون عرفنا حقه. إنه لم يمض على المسلمين في تاريخهم الطويل عصر هم فيه أبعد عن القرآن منهم في هذا العصر، ولم يمض على الدعاة إلى الحق وقت عظمت فيه العهدة واستغلظ الميثاق مثل هذا الوقت، وإنه لا مخرج لهم من هذه العهدة ولا تحلل من هذا الميثاق إلا بالدعوة إلى القرآن. فلا عجب- ونحن نشعر بثقل هذه الأمانة- من أن ترتفع أصواتنا بالدعوة إليه. وإنما العجب
(1/322)

الذي لا عجب بعده أن نسكت أو نقصر وإن من أحكم الوسائل لجذب الأمّة إلى القرآن، وصف القرآن، وتشويق الناس إلى الإقبال عليه وتدبّره وفهمه.
فمن التسديد في الرأي والمقاربة في العمل أن ترشد الأمّة الإسلامية إلى معرفة ما ضيّعت من خير وما خسرت من هداية، بتضييعها للقرآن وإنما تعرف ذلك ويبلغ مكامن الوجدان من نفوسها، من وصفه والإشادة بشأنه والتنويه بجلاله وخطره والتنبيه على ما يحتوي عليه من العلوم الكثيرة بألفاظ قليلة، وتقريب ما ينطوي عليه من المرامي المفيدة، بالكلمات القريبة، وشرح ما فيه من الحقائق المتفرقة بالجمل الجامعة، فإن ذلك يكون أدعى لرجوع النفوس الجامحة عنه إليه وأعون على فيأتها إلى حماه والاستظلال بظله والاستمساك بحبله.
وليت شعري، أي بيان يضطلع بهذا؟ إن وصف القرآن وأساليب التشويق إلى القرآن لا توجد على أكملها في غير القرآن، فلو أن البلغاء من كل أمة وفي كل جيل اجتمعوا على أن يصفوه ببعض ما وصف به ن