Advertisement

آثار ابن باديس 004


كتاب آثار ابن باديس
الجزء الثاني من
المجلد الثاني
مقالات اجتاماعية تربوية أخلاقية دينية سياسية
إعداد وتصنيف
دكتور عمّار الطالبي
الشركة الجزائرية
(4/1)

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى 1388 هجرية = 1968 ميلادية
الطبعة الثانية 1403 هجرية = 1983 ميلادية
الطبعة الثالثة 1417 هجرية = 1997 ميلادية
(4/2)

آثار ابن باديس
4
(4/3)

آثار ابن باديس
4
(4/5)

ـ[صورة]ـ
العلامة الثائر الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الحديثة بالمغرب العربي وقائد الحركة الإصلاحية ومؤسسها بالجزائر
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/7)

هذا هو الجزء الثاني من المجلد الثاني والأخير من كتاب آثار ابن باديس، وهو يشتمل على المقلات التالية: التاريخ، العرب في القرآن، التراجم، القصص الديني والتاريخي، الرحلات، تطور الشهاب، الصلاة على النبي، الفقه والفتاوى.
وقد قامت لجنة من كبار علماء دمشق بالإشراف على تصحيح هذا الكتاب القيِّم أثناء طبعه، ليأتي سليماً من الأخطاء، خالياً من كل تحريف، وذلك بالنظر لأهميته المبالغة في النهضة الإسلامية العربية الحديثة في المغرب الإسلامي.
(4/8)

آثار ابن باديس
قسم التاريخ
(4/9)

تبليغ الرسالة
تلخيص المحاضرة التي ألقاها صاحب هذه المجلة بنادي الترقي بالعاصمة
في حفلة المولد الشريف
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}.
أيها السادة الحياة ماض ومستقبل وحال. وما أقل حظنا من الحياة لو حظنا منها هو الحال خاصة، ذلك الجزء اليسير من الزمن الذي ما يجيىء حتى يذهب، ولا يثبت حتى يزول، ولكن حظنا من الحياة عظيم بالماضي المديد، والمستقبل البعيد، بالماضي إذا كانت لنا ذكريات نشعر بها، وبالمستقبل إذا كانت لنا آمال نتوق إلى تحقيقها، وإنه- لتتسع حياة الشخص الماضية بقدر ما تمتد ذكرياته في سوالف الأزمان وتمتد آماله في غابرها، حتى يكون كأنه- وهو شخص واحد- قد عاش أعمار الأجيال والأمم من السابقين واللاحقين.
فالذكريات والآمال- أيها السادة- هي مقياس الأعمار.
ذكريات الشخص وآماله في حياته الخاصة لا تجعله يتجاوز نطاق ما قدر له أن يعيش من أمد محدود قصير جداً بالنسبة إلى عمر
(4/11)

التاريخ الطويل. ولكن الذكريات والآمال الخارجة عن حياته الشخصية هي التي تجعله كأنه قد عاش الدهور الطوال.
فنحن في حفلنا هذا بذكرى المولد النبوي الكريم التي هي الثانية بعد الأربعمائة والألف من ولادة محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وآله وسلم- نشعر بالحياة الإسلامية في هذه القرون كلها حتى كأننا عشناها فعلاً.
ونريد أن نحلي شعورنا بهذه الذكرى بذكر ناحية من نواحي حياة هذا النبي الكريم- صلى الله عليه وآله وسلم- ليبعث فينا العلم بتلك الناحية آمالاً عظيمة في المستقبل الإسلامي القريب والبعيد ويدفعنا إلى تحقيق تلك الآمال بما استطعنا، فنكون كأننا نعيش مع الأجيال الآتية من أبناء الإسلام.

المقصد:
الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم- جاء بالرسالة من الحق لهداية الخلق فكيف بلغ هاته الرسالة، هاته هي الناحية التي نريد الكلام عليها.

فصل علمي:
قد بلغ- صلى الله عليه وآله وسلم- رسالة ربه بالقول والعمل إلى آخر رمق من حياته، وكان تبليغه كما أمره ربه على درجات حسب التدريج الذي هو من سنة الله في خلقه وفي شرعه.

الدرجة الأولى الأمر بالتبليغ المطلق:
بدأ رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- من الوحي بالرؤيا الصادقة التي هي تلقي الروح من عالم الملائكة عند تخليها بعض التخلي عن الجسد في حالة النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق
(4/12)

الصبح، ثم جاءه الملك بالوحي، فكان أول ما أنزل من القرآن قوله تعالى:
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.
ولم يكن في هذا أمر بالتبليغ لغيره. فرجع إلى بيته فأعلم زوجته خديجة رضوان الله عليها فصدقته، وقوته بذكر صفاته العالية وأخلاقه الكريمة الطيبة التي لا يجازي الله صاحبها إلا بالكريم الطيب وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فقالت له: فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فكانت هي أول مصدق له. ثم فتر الوحي، ثم رأى الملك المرة الثانية ولم يكن قد اعتادت بشريته رؤية الملائكة، فرجع إلى أهله يقول لهم: دثروني دثروني! فدثروه أي غطوه بثياب فأنزل عليه قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}.
فكان هذا أول أمر بالتبليغ والإنذار فكان تبليغه لزوجته وهي مصدقة له وكان يبلغ الفرد والفردين وكان أبو بكر الصديق أول من آمن من الناس، وكان علي كرم الله وجهه في كفالته مستمسكا بأذياله ما عرف باتباعه فكان من أول من آمن به.

الدرجة الثانية الأمر بتبليغ العشيرة:
ثم أمر بإنذار قومه قريش بقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فخرج حتى صعد إلى الصفا ثم نادى يا صباحاه وكانت
(4/13)

العرب إذا دعا الرجل بياصباحاه اجتمحت إليه عشيرته. فاجتمعت إليه عشيرته، فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها، فقال لهم: أرايتكم لو أخبرتهم أن خيلا تخرج من سفح الجبل وأن العدو مصبحكم أو ممسيكم، كنتم مصدقين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ثم قال: يا آل كعب بن لؤي، يا آل مرة ابن لؤي، يا آل قصي، يا آل عبد شمس، يا آل عبد مناف، يا آل هشم، يا آل عبد الطلب، يا صفية أم الزبير- وهي عمته- يا فاطمة بنت محمد. أنقذوا أنفسهم من النار إني لا أملك لكم من الله شيئا.
فكانت هذه دعوته العامة لقومه من قريش.

الدرجة الثالثة الأمر بتبليغ العرب حوالي مكة:
ثم كان أمره بأن ينذر العرب خارج مكة بمثل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}.
فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج إلى أن كانت بيعة العقبة وإيمان الأنصار.

الدرجة الرابعة الأمر بالتبليغ العام لمن في عصره ولمن بعدهم:
ثم أمر بالتبليغ العام بمثل قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}.
فكاتب الملوك خارج جزيرة العرب كسرى وقيصر والقوقس وغيرهم.
وقد بلغ من جاء بعده من الأمم بما ترك لهم من كتاب الله لقوله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}.
أي لأنذركم بالقرآن وأنذر من بلغ القرآن فعم ذلك كله من بلغه.
(4/14)

فصل عملي:
كل من آمن بمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- فهو مأمور بتبليغ رسالته على الخصوص والعموم، لمقتضى ما نطالب به من التأسي والاقتداء به - صلى الله عليه وآله وسلم- ولقوله تعالى:
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.
فجعل من اتبعه داعيا معه إلى الله على بصيرة.
ولقد عرف السلف هذا فكانوا دعاة إلى الله بأقوالهم وأعمالهم المطابقة لها، حتى انتشر الإسلام في أقل من ربع قرن في المعمور. أما نحن فقد قصرنا في هذا الواجب غاية التقصير، فتركنا تبليغ الدين إلى الأمم، حتى لنخشى أن يكون من أوزارنا بقاء الأمم الضالة على ضلالها لتقصيرنا في التبليغ إليها. وأكبر من هذا تقصيرنا في تبليغ الدين إلى أنفسنا بإهمالنا جانب التعليم الديني والوعظ والإرشاد.
واليوم وقد عرفنا كيف بلغ النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- رسالة ربه، فلنعقد العزم على الاجتهاد في التبليغ، ولنبدأ بأهلينا ومن إلينا، ولنفكر ثم لنعمل في تبليغ الدين كما جاء به النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أمة الإجابة وأمة الدعوة. وليكن تفكيرنا في هذا واهتمامنا به ثمرة إحيائنا لهذه الذكرى الكريمة، وعلمنا بهذا النزر من حياة ذلك النبي الكريم، ولنا- بعد عون الله تعالى- من الإيمان والمحبة فيه ما يعيننا على ذلك ويقوي أملنا فيه ويبلغنا إليه.

الخاتمة:
أيها السادة قد عدنا من هذه الذكرى بمسألة تبليغ الرسالة، وعدنا بأمل تبليغ الهداية، وقد انبثق من هذه الذكرى في صدورنا نور،
(4/15)

وجددت مننها في قلوبنا قوة. ولن تستطيع ظلمات، ظلم الحياة، وإن كثفت، أن تطفيء ذلك النور، ولن تستطيع نكبات الزمان وإن جلت أن تبطل تلك القوة. أبداننا للأيام فلا بد لها من تصرفاتها. أما قلوبنا فهي لنا، لنا مؤمنة مطمئنة بدين الله ومحبة محمد- صلى الله عليه وآله وسلم-. وأن قلوبا وضعنا فيها اسم الله واسم محمد لهي بمأمن من عمل الظالمين وكيد الخائنين. فجددوا نورها وقوتها بمثل هذه الذكرى، واعملوا لتحقيق ما تحييه فيكم الذكريات من أمل ورجاء، واقصروا أعمالكم وجملوها بالإحسان والتقوى. {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (1).
__________
(1) ش: ج 9، م 6، ص 535 - 539 غرة جمادى الأولى 1349ه - أكتوبر 1930م
(4/16)

محمد
-صلى الله عليه وآله وسلم-
رجل القومية العربية
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يستطيع أن ينفع الناس من أهمل أمر نفسه. فعناية المرء بنفسه- عقلا وروحاً وبدناً- لازمة له ليكون ذا أثر نافع في الناس على منازلهم منه في القرب والبعد، ومثل هذا كل شعب من شعوب البشر لا يستطيع أن ينفع البشرية ما دام مهملا مشتتا لا يهديه علم، ولا يمتنه خلق، ولا يجمعه شعور بنفسه ولا بمقوماته ولا بروابطه. وإنما ينفع المجتمع الإنساني ويؤثر في سيره من كان من الشعوب قد شعر بنفسه فنظر إلى ماضيه وحاله ومستقبله، فأخذ الأصول الثابتة من الماضي. وأصلح من شأنه في الحال، ومد يده لبناء المستقبل يتنأول من زمنه وأمم عصره ما يصلح لبنائه معرضا عما لا حاجة له به أو ما لا يناسب شكل بنائه الذي وضعه على مقتضى ذوقه ومصلحته.
فمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- وهو رسول الإنسانية، كانت أول عنايته موجهة إلى قومه وكانت دعوته على ترتيب حكيم بديع لا يمكن أن يتم إصلاح إنسانيا أو شعبيا إلا بمراعاته. فكان "أول دعوته- صلى الله عليه وآله وسلم- لعشيرته لقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فلما نزلت صعد الصفا ثم نادى «يا صباحاه» - وكان دعوة الجاهلية إذا دعاها الرجل اجتمعت إليه عشيرته- فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها، فعمَّ وخصَّ فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أكنتم مصدقي. قالوا ما جربنا
(4/17)

عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. يا بني كعب ابن لؤي يا بني مرة بن لؤي يا آل عبد شمس يا آل عبد مناف يا آل هشام يا آل عبد المطلب ياصفية يا فاطمة، سلوني من مالي ما شئتم، وأعلموا أن أوليائي يوم القيامة المتقون، فإن تكونوا يوم القيامة مع قرابتكم فذلك. وإياي، لا يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على أعناقكم فأصد بوجهي عنكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا - وصرف وجهه إلى الشق الآخر- غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا .. ثم وجه دعوته إلى بقية العرب لقوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} وهم عامة العرب فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج وما يتصل بها من أسواقهم ثم عمم دعوته لقوله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} فكاتب ملوك الأمم وقد عمت دعوته العرب وتهيأ أمرهم لعموم دخولهم في الإسلام وكان ذلك أيام هدنته مع قريش قبيل فتح مكة. ثم تجد أكثر السور المكية قد وجه فيها الخطاب إلى قريش وإلى العرب وعولجت فيه مفاسدهم الاجتماعية وضلالاتهم الشركية وما كان منهم من تحريف وتبديل لملة إبراهيم فكان أول الإصلاح متوجها إليهم ومعنيا بهم حتى ينتشلوا من وهدة جهلهم وضلالهم وسوء حالهم وتستنير عقولم وتتطهر نفوسهم وتستقيم أعمالهم فيصلحوا لتبليغ دين الله وهدى رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم- للأمم بالقول والعمل. ثم لأجل أن يشعروا بأن القرآن هو كتاب هداية لهم كلهم وأن الرسول لهم كلهم، أنزل القرآن على سبعة أحرف، فعم جميع لهجاتهم، وكان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يخاطبهم بتلك اللهجات وينطق بالكلمات منها ليس من لهجة قريش. وكان في هذا ما أشعرهم بوحدتهم بالتفافهم حول مركز واحد ينتهون كلهم إليه ويشتركون فيه. وقد نبه على هذا المعنى قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ
(4/18)

وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} فأخبره أن القرآن شرف له ولقومه- نزل بلغتهم ونهض بهم من كبوتهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور وهيأهم لهداية الأمم وإنقاذها من الهلاك وقيادتها لعزها وسعادتها- وأنهم يسئلون عن هذه النعمة. يقول هذا ليعملوا بالقرآن ويعلموا أن شرفه إنما هو للعالمين.
على أن العرب رشحوا لهداية الأمم، وإن الأمم التي تدين بالإسلام وتقبل هدايته ستتكلم بلسان الإسلام وهو لسان العرب فينمو عدد الأمة العربية بنمو عدد من يتكلمون لغتها، ويهتدون مثلها بهدي الإسلام. علم هذا فبيَّن أن من تكلم بلسان العرب فهو عربي وإن لم يتحدر من سلالة العرب، فكان هذا من عنايته بهم لتكثير عددهم لينهضوا بما رشحوا له. بين هذا في حديث رواه ابن عساكر في تاريخ بغداد بسنده عن مالك الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل "يعني النبي صلى الله عليه وسلم" فما بال هذا "يعني الفارسي والرومي والحبشي ما يدعوهم إلى نصره وهم ليسوا عربا مثل قومه" فقام إليه معاذ بن جبل- رضي الله عنه - فأخذ بتلبيسه "ما على نحره من الثياب" ثم أتى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فأخبره بمقالته فقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مغضبا يجر ردائه "لما أعجله من الغضب" حتى أتى المسجد ثم نادى: الصلاة جامعة، ليجتمع الناس"، وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «أيها الناس، الرب واحد والأب واحد، وأن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي» فقام معاذ فقال: فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول الله؟ قال: «دعه إلى النار» فكان قيس ممن ارتد في الردة فقتل.
(4/19)

تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد: ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان وشاهدت ما بينهما من اختلاف نظر وتباين قصد وتباعد تفكير، ثم وضعت شامياً وجزائرياً- مثلا- ينطقان باللسان العربي ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب في ذلك كله، لو فعلت هذا لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم.
فانظر بعد هذا إلى ما قرره هذا النبي الكريم، رسول الإنسانية ورجل القومية العربية، في الحديث المتقدم فقضى بكلمته تلك على العصبية العنصرية الضيقة المفرقة، فنبه على تساوي البشر في أنهم كلهم مخلوقون لله فربهم واحد وأنهم كلهم كل من عنصر واحد فأبوهم آدم واحد، وذكر بأخوة دين الإسلام دين الأخوة البشرية والتسامح الإنساني، ثم قرر قاعدة عظمى من قواعد العمران والاجتماع في تكوين الأمم. ووضع للأمة العربية قانونا دينيا اجتماعيا طبيعيا لتتسع دائرتها لجميع الأمم التي رشحت لدعوتها إلى الإسلام بلغة الإسلام. وقد كان ذلك من أعظم ما سهل نشر الهداية الإسلامية وتقارب عناصر البشرية وامتزاجها بعضها ببعض حتى كان ثمرة اتحادها وتعاونها ذلك التمدن الإسلامي العربي الذي أنار العالم شرقا وغربا، وكان السبب في نهضة الغرب والأساس لمدنية اليوم. وبذلك أيضا كانت الأمة العربية اليوم تجاوز السبعين مليونا عدا لا تخلو منهم قارة من قارات المعمور.
كوَّن رسول الإنسانية ورجل القومية العريبة أمته هذا التكوين المحكم العظيم ووجهها لتقوم للإسلام والبشرية بذلك العمل الجليل. فلم يكونها لتستولي على الأمم، ولكن لتنقذهم من سلطة المتسولين
(4/20)

باسم الملك أو باسم الدين. ولم يكونها لتستخدم الأمم في مصالحها، ولكن لتخدم الأمم في مصالحهم. ولم يكونها لتدوس كرامة الأمم وشرفها ولكن لتنهض بهم من دركات الجهل والذل والفساد، إلى درجات العز والصلاح والكرامة. وبالجملة: لم يكونهم لأنفسهم بل كونهم للبشرية جمعاء. فبحق قال فيهم الفيلسوف العظيم غوستاف لوبون: لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب، نعم لأنهم فتحوا فتح هداية لا فتح استعمار، وجاءوا دعاة سعادة لا طغاة استعباد.
هذا هو رسول الإنسانية ورجل القومية العربية الذي كان له الفضل- باذن الله- عليهما ويشهد المنصفون من غير العرب وغير المسلمين له بهذا الفضل ويتغنى العرب غير المسلمين بذكره. وكم دبجت أقلام الكتاب والشعراء من إخواننا نصارى العرب بالشرق من حلل البيان في الثناء عليه والإشادة بفضله.
هذا هو رسول الإنسانية ورجل الأمة العربية الذي نهتدي بهديه، ونخدم القومية العربية خدمته، ونوجهها توجيهه، ونحيا لها ونموت عليها، وإن جهل الجاهلون ... وخدع المخدوعون ... واضطرب المضطربون ...
وإلى أعتابه الكريمة نتقدم بهذه الكلمة في مولده الشريف، الذي هو عيد الإسلام والعروبة والإنسانية كلها. عاد الله فيه باللطف والرحمة على الجميع (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 12، ص 103 - 107 غرة ربيع الأول 1355ه - جوان 1936م.
(4/21)

بين الماضي والحاضر
شكوى الجزائر وبلواها
منذ ستة وأربعين سنة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
عثرنا في أوراق عمنا السيد حميدة بن باديس الذي كان نائبا عماليا عن قسنطينة في عهد من حياته، على تقرير عن الحالة بالجزائر في ذلك العهد، حرره هو بلعربية وأمضاه معه زملاؤه بالمجلس العمالي السادة: محمد الطاهر بن الحاج علي معيزة، عمار بن احمد، وذو إمضاء لم أفكه. وترجه م. ميرسي تحت رقم 245 ر 16 وقدمه لأحد رجال السينا الذي قدم للبحث عن الحالة. ونظرة فيه تدلنا على المظالم الثقيلة التي اثقلت كاهل الأمة من قديم، وعلى اجتهاد رجال من نوابها في ذلك العهد في إظهار حقيقة حالها للحكومة الفرنسية العليا دون مبالاة ولا محاباة، وعلى أن الحالة كانت معلومة عند الحكومة الفرنسية تمام العلم دون حاجة إلى تتابع الوافدين على الجزائر للبحث والتنقيب.
وقد رأينا- بمناسبة ما تقوم به لجنة البحث البرلمانية اليوم في الوطن- أن ننشره على القراء كوثيقة تاريخية يعتبرون بها ويقارنون بين الماضي والحاضر.
• • •
لقد جاءت من فرنسا جماعات وأفراد من وزراء ونواب وكبار موظفين مرات عديدة من ذلك العهد البعيد إلى اليوم. تعاقبوا كلهم على البحث عن الجزائر وحالة المسلمين ولكن بدون جدوى ولا تخفيف للبلوى ولا أدل على ذلك من الحالة التعيسة التي بلغنا إليها اليوم،
(4/22)

من جهل وفقر وسقم وقهر وظلم وإذلال. لا جرم أن حصل للجزائر- بعد هذا كله- يأس وقنوط من بحث كل باحث ووعد كل واعد، بل ومن الحكومة الفرنسية نفسها. وما رجع للنفوس شيء من الأمل ضئيل إلا يوم جاءت هذه الحكومة الشعبية وأعلنا نحن ثقتنا بها للناس من أول يوم سعينا في تأسيس المؤتمر الإسلامي الجزائري وذلك لما نعرفه في أحزابها من احترام ما، للأمم المرتبطة بفرنسا، واتساع حرية في الفكر والإنسانية، ولما رأينا من أخذها في التفكير في شأننا والحديث عنا.
وبتلك الثقة وبذلك الأمل تلقت الأمة الجزائرية لجنة البحث البرلمانية التي تجول اليوم في أنحاء الوطن. وهي- والحق يقال- لجنة ممتازة عن كل لجنة كما امتازت الحكومة الشعبية عن كل حكومة. فقد تقصت في البحث واتصلت بجميع الناس وتباعدت عن المظاهر الإدارية وقابلتها الأمة بكل ما يعينها على مهمتها فأطلعتها على جميع نواحي بؤسها وشقائها. مرتجية فيها أن تطلع فرنسا: شعبها ونوابها وحكومتها على ذلك كله حاثة للجميع على المبادرة بالعلاج الحاسم لتلك الأدواء كلها من جميع النواحي كلها، مبينة للجميع أن كل محأولة للتسكين بغير الدواء الحقيقي لا تزيد الأدواء إلا استفحالا، ولا الحالة إلا ارتباكا واضطرابا إلى عواقب سيئة لا يعلمها إلا الله.
• • •

وهذا نص المقال الذي ذكرناه:
الحمد لله
لما بلغنا اشتغال الدولة الفرنسية بتأسيس أمور المسلمين سكان بر الجزائر وإصلاح حالهم وجلب المنفعة لهم ودفع المضار عنهم وتحقق عندنا ذلك بقدوم المعظم السيد فرانك شفو أحد الأعضاء بالسينا لبلدنا
(4/23)

ودعائه إيانا للحضور لديه بواسطة السيد البريفي وحضرنا نحن وجماعة بيرو الكونساي جنرال وسمعنا ما وقع من الكلام من أولئك السادات وعرفنا من لسان السيد السنتو المذكور المسائل التي نحن مسؤولون عنها ومحتاجون للجواب عليها وطلبنا منه أن يأذن لنا بالجواب عنها بالكتابة وأباح لنا ذلك على سبيل الإطلاق بحيث يمكننا أن نتكلم فيها أو في غيرها من الحقوق وكنا نحن وكلاء على عامة المسلمين سكان عمالة قسنطينة، وكان الواجب بطريق الشرع والسياسة على الوكيل أن يقوم بحق موكله بالجد وغاية الجهد ولا يبالي بقول قائل ولا بلوم لائم، فشرعنا حينئذ في التأمل والتدبر فيما يجب في الجواب عن كل مسألة بكلام مختصر مفيد. ولا شك أن عقول أرباب الدولة الراسخة تفهم شرحه وإيضاحه فنسأل الله- تعالى- الإعانة والإلهام للصواب ونقول المسألة الأولى حال المسلمين مع الكولون الفرانسويين فالجواب عنها أن المسلمين سكان إقليم الجزائر مثلهم كمثل الأغنام التي رعاتها عاجزون عن القيام بها على الوجه الأكمل وسبب ذلك أن الحكام الآن مربوطة أيديهم على صرف الأموال في المصالح العمومية ولا يقدرون أن يحدثوا شيئا إلا بمساعدة وموافقة من أعضاء الديوان العام في العمالة المعبر عنه بالكونساي جنرال وأنه لا يكون فيهم إلا الخمس أو السدس من المسلمين وأن الكثير من الأعضاء الفرنسويين لا يكترثون بعامة المسلمين ولا يبالون بمنافعهم ويعز عليهم صرف المال في مصالح المسلمين الخاصة بهم فلا يكون حينئذ للمسلمين ناصر ولا معين لأن كلمة إخوتهم المسلمين في الكونساي جنرال كل شيء ومع هذا فإن الكونساي جنرال يطلب المرة بعد الأخرى إبعاد المسلمين عنهم وإخراجهم من بينهم. نعم قد يكون بعض الأعضاء الفرانسويين راغبا في مصالح المسلمين ولكن لا يجد سبيلا لذلك لقلتهم بالنسبة لغيرهم وربما لا تسعهم مخالفة إخوانهم، ومثلهم الحاكم فإنه مربوط اليد على التوصل إلى جانب
(4/24)

المنفعة للمسلمين والأصل في ذلك كله أن الكثير من الكولون سكان إقليم الجزائر ضد المسلمين ولا يحبون لهم إلا الضعف والتلاشي والهلاك ووكلاؤهم في الديوان العمومي يسيرون على حسب غرضهم وقصدهم. وأما الحكام مع كونهم مربوطة أيديهم كما ذكرنا فإذا ظهرت منهم الحمية على المسلمين (1) توجه لهم الكولون بالإذاية والذم في الجرنالات وغيرها فمنهم من يصبر لذلك ومنهم من يتقلق ويكره وظيفته، ويرغب في الرجوع لفرنسا وها نحن نبين سبب حقد بعض الكولون أو الكثير منهم على المسلمين وذلك السبب أمر باطني يعتقدونه في عقولهم ويظنون أن المسلمين منتصبون دائما لإيقاع الإذاية لهم والأضرار بهم في أموالهم أو ذواتهم ويزعمون أن دين الإسلام هو الذي يحرضهم على ذلك وخصوصا القرآن وقد رأينا في بعض الجرنالات كلاما منسوبا لبعض السادات في السينا يوافق ما يعتقده الكولون في جانب المسلمين من أن القرآن يحرضهم على الجد في إذاية الفرنسويين وذلك غلط صراح. أما أولا فإن الركن الأعظم في الدين الإسلامي الصلاة خمس مرات بين اليوم والليلة وهي لا تقام إلا بقراءة القرآن، وإلا تكون باطلة فهذا هو السبب الذي أوجب على المسلمين قراء القرآن وتعليم أولادهم له في الكاتب ليحصلوا بذلك معرفة القلم العربي ومعرفة اللسان العربي الخالص الذي تكتب به الكتب ويتوصلون إلى حفظ القرآان وقراءته في الصلوات. وثانيا فإن دين الإسلام يوجب على المسلمين الوفاء بالعهود وعدم الغدر والمكر وعدم الفساد في الأرض، ولولا خوف الإطالة لجلبنا النصوص الدالة على صدق قولنا من الكتاب والسنة. ومن جملة ما يقوي الحقد في قلوب الكولون أنه مهما تقع من مسلم جناية إلا ويسبون بها جميع جنس المسلمين ويعيرونهم بذلك
__________
(1) هذا ما فعلوه مع م. فيوليت تماما، فما أشبه الليلة بالبارحة (المؤلف)
(4/25)

في الجرنالات وغيرهم ولم يتأملوا في أن ما يفعله أصحاب الجنايات المعروفين بالجرأة هو من طبعهم من زمن ولاية الإسلام ومع ذلك فإن كثير ما يصدر منهم يقع على إخوانهم المسلمين. وأيضا فإن الجنايات لا يخلو وقوعها في كل بلد وفي كل أمة والحاصل أن الذي يعتقده المسلمون وخصوصا ذوو الخبرة بأحوال الدول أن الدولة الفرنسوية أشد رفقا وحنانة على رعيتها وأنها تراعي جنس الخليقة الآدمية من غير نظر للمخالفة في الدين أو في الطبيعة وأنها ترغب دائما في تبديل طبيعة أهل الغلاظة وجلبهم إلى التمدن وإتقان الخدمة وحسن العيش والامتزاج والمؤاخاة ولكن لم يتم ذلك المراد لبعضهم عن المسلمين وعدم اطلاعهم على أحوالهم فلو كان الفرنسويون المقيمون بإقليم الجزائر مجتهدين فيما هو غرض للدولة ومساعدون للحكام على صرف الأموال في الأمور التي تصلح حال المسلمين وتخرجهم من الظلمة إلى الضوء وتسدد أحوالهم ولا يبخلون بصرف الأموال في الأسباب التي ينتج منها ما ذكر كاستعمال المدارس ونحو ذلك فلا شك أن قصد الدولة يتم والمرض الذي في المسلمين يزول ويعم الخير والنجاح جميع الناس في أمد قليل فيتخلص مما ذكرنا أن المسلمين إن نالوا خيرا بسبب اجتهاد الحكام وتعبهم في ذلك كما وقع ذلك مرات من بريفي عمالة قسنطينة وخصوصا وقت المسغبة ونزول الجراد فيهم فرحوا واستبشروا وإذا نزل بهم أمر مضر صبروا على مصيبتهم التي تؤديهم إلى الفقر والخصاصة وسوء الحال ولم يجدوا ناصرا (1) كضيق الأرض عليهم وانتزاعها من بعضهم وثقل المغرم عليهم وإجراء الأحكام على من تراخى في دفع المغرم أو عجز بالخطية والحبس على حسب ما يقتضيه قانون لانديجينا وغير ذلك مما يطول شرحه وخصوصا واقعة السكيسطر على التهمة بإيقاد النار من غير حجة قاطعة فينبغي للدولة أن تتنبه لهذه الآمور
__________
(1) أنظر هذه المظالم فهي ما لا نزال نقاسيه إلى اليوم.
(4/26)

وتتخذ طريقا يتوصل بها المسلمون إلى حقوقهم ويستعملون لهم نوابا في المجالس الكبرى على المنوال الذي يتأتى ويمكن على طريق السداد. ونرغب من السيد السينتور أن يتأمل في البرشور الذي كنا استعملناه في شرح (1) حال العرب في تاريخ الرابع والعشرين من أفريل عام 1882 المسألة الثانية إدخال المسلمين جملة في "الناطور اليزاسيون" وإعطاؤهم الحرية الكاملة في اختيار أعضاء النواب عنهم في ديوان العمالة أعني "الكونساي جنرال". الجواب عن هاته المسألة لا يخفى على أحد أن المسلمين وخصوصا سكان البوادي قليلا ما يكون منهم من يدرك المقصود من كل حاجة وما ينتج منها وكثير هم في غاية الجهل والغلاظة حتى أنه إذا أظهر لهم بعض الأفراد بحسب عقله الفاسد أن القصد من هذه الحوادث الإضرار بهم وإفساد دينهم أو غير ذلك رسخت تلك المقالة في أذهانهم وجزموا بها وحصل لهم غاية الخلق بخلاف الناس العقلاء العارفين للأمور فإنهم يعلمون ويتحققون أن قصد الدولة من إدخالهم في "الناطور اليزي" توقيرهم واحترامهم وتسهيل الطريق للتوصل إلى حقوقهم. لكنهم (2) لا يرغبون في ذلك مراعاة لما يقع من الحلل في مسائل دينية كالميراث والنكاح والطلاق وغير ذلك، فبهذا السبب لا تجد إلا أفرادا قليلة يرغبون في "الناطور اليزي" وأما انتخابهم للنواب عنهم فلا يليق بهم لجهلهم للأمور وكونهم (3) مربوطين دائما لكبرائهم من حكام أو غيرهم فينتج حينئذ أن اختيار
__________
(1) ش: فهذا النائب وزملاؤه كانوا شرحوا الحالة منذ ثمان سنوات قبل تقريرهم هذا وبقي الحال على الحال ولكنهم كتبوا هذا التقرير لأنهم لم يصلوا إلى حالة البؤس بعد ما أصبرنا معشر الجزائريين على البلاء وما أطمعنا في معسول الوعود (المؤلف).
(2) ش: فرفض الطورين قديم (المؤلف).
(3) ش: قد شاهدنا هذا عيانا فى عصرنا هذا وإن كنا نرجو أن يخف في المستقبل (المؤلف).
(4/27)

النواب يكون على حسب غرض بعض الأفراد لا على حسب غرض العامة وربما يتولد بينهم الهرج (1).
والمناقشة فبهذا السبب ينبغي أن يكون أمرهم في ذلك مفوضا لحكام الدولة لأنهم بحسب الجهل الموجود في كثيرهم والاعتماد في أمورهم على رأي غيرهم صاروا كالمحاجير نعم إنما يليق بهم بعد زمان وذلك حين تنتقل طبيعتهم من الغلاظة إلى التمدن لكن ينبغي للدولة أن تزيد في عدد نواب المسلمين في "الكونساي جنرال" وأن تجعل لبعض أولئك النواب مدخلا في مجمع "الكونساي سبريور". وإذا أرادت الدولة الجد في نفع المسلمين فينبغي أن تجعل لهم نوابا (2) بالقامرة من أبناء جنسهم، إن أمكن أو من الفرنسويين ويكون اختيار النواب الفرنسويين بنظر نواب العامة من المسلمين في الكونساي جنرال مع شخص أو شخصين من أعضاء "الكونساي منسبال" المسلمين يعينهم "الكونساي منسبال" من كل "كمون" وينبغي للدولة إدخال أعضاء "الكونساي منسبال" من المسلمين في اختيار "المير" كما كان الأمر في السابق (3) لأن "المير" وخصوصا في الفلاجات هو الحاكم في كل شيء وكثير من سكان الكمون هناك مسلمون بأضعاف فكيف يمنعون من اختيار من يليق بهم ويعرف أحوالهم؟ المسألة الثالثة: إلزام المسلمين بالدخول في خدمة العسكر بالجبر على حسب الترتيب الجاري في فرنسا، الجواب عن هاته المسألة أنها ثقيلة على كافة المسلمين لا يرضون بها ويتألمون منها غاية بحسب ما يراعيه ويخممه كل طائفة منهم وخصوصا الجبر والإلزام وحيث يكون الأمر كذلك
__________
(1) ش: قد شاهدنا هذا عيانا في عصرنا هذا وإن كنا نرجو أن يخف في المستقبل (المؤلف).
(2) ش: فطلب النيابة في البرلمان قديم ليس ابن اليوم (ابن باديس)
(3) ش: اذاً قد كان المسلمون ينتخبون المير ثم منعوا .. (ابن باديس)
(4/28)

فالأولى والأليق فتح الباب للناس في الدخول في عسكر الطريور فإنه يوجد العدد الكثير ويحصل المقصود بالغرض وطيب النفس. نعم قد جرت العادة أنه إذا احتاج جانب المخزن للإستعداد للحرب في نازلة يطلب من سكان الأعراش الإعانة في ذلك ويعين على كل فريق عددا معلوما فينقادون لذلك بلا كلفة فغالب الظن إذا طلب جانب المخزن من كل عرش عدداً معلوما يحملون السلاح ويتعلمون الحرب والسفر أمدا معلوما فإنهم لا يبخلون بذلك وأيضا فينبغي التأمل في أنه إذا صار أهل البادية كلهم حاملين السلاح ربما تقع منهم بعض الفتن، ولو مع بعضهم بعضاً، ألا ترى أن من جملة عوائدهم الفاسدة إذا تشاجر أحد من عرش مع واحد من عرش آخر قامت الفتنة بين الفريقين وتضاربوا بما يجدونه بأيديهم وربما تقع بينهم الموت فانظر إذا صارت أيديهم عامرة بالسلاح مع هاته الطبيعة. المسألة (1) الرابعة: في ذكر ما نزل بالعرب من الفقر وسوء الحال بسبب انتزاع الأرض منهم وعدم قدرتهم على مفارقتها، والرضى بالبقاء فيها بالكراء الغالي الذي يوقعهم في ضعف الحال وذهاب المال وذلك أن كثير الكونون لا يأخذون الأرض ولا يقدرون على خدمتها والقيام بها وتحصيل الفائدة منها يؤول أمرهم إلى إكرائها إلى العرب بالسعر الذي لا يقدر المكتري على تحصيله وتحصيل معاشه والمغرم اللازم له فيتلاشون ويعجزون عن الحرث ولا يجد رب الأرض لمن يكريها فيبيعها إن أمكنه أو يتركها وينتقل وبهذا السبب لم تتم عمارة "الفلاجات" كما ينبغي، ويوجد كثير أراضيها خاليا والعذر محقق للكولون في العجز عن تعمير الأرض لأن أرضنا وإن كان ترابها جيدا فإنها معدومة الماء إلا في مواضع قليلة وإن الحمى لا تفارق النواحي الكثيرة منها وتضر الذوات التي نبتت الأرض الجيدة الصحيحة
__________
(1) ش: تأمل في هذه المسألة والتي بعدها الحيل الشيطانية التي يرتكبها الاستعمار لنزع الأراضي من أهلها (ابن باديس).
(4/29)

كأرض فرنسا وبالجملة فكثير أرضنا بالنسبة لقلة الماء كذات بلا روح. المسألة الخامسة في كيفية تمليك أراضي العرش لأربابها وتمكينهم بالعقود الذين يتوصلون بها إلى البيع والرهن وغير ذلك. الجواب عنها أن ذلك الترتيب وإن كان فيه عدل وإنصاف ووفاء بالحقوق لكنه لا يناسب حال الأعراش وما جرت عليه عادتهم من الداخل في بعضهم بعضا والانتفاع بالمرعى مع بعضهم. ولما وقع ما ذكر، أولا: تمزقت أراضيهم ودخلها الأجانب وحصل لهم ضيق في انتفاعهم بأراضيهم ضد ما كانوا عليه سابقا ولا شك أن الأليق بهم لو أبقتهم الدولة على حالهم السابق من الانتفاع بالأرض فقط كالحبس، وليس لهم البيع ويدفعون الحكر الذي هو منزل كالرنط على الكونسيسيون فبذلك يستقيم حالهم ويكونون في غاية الهنا في عيشهم ولا يقدر واحد أن يضر بأخيه، وأما إذا صار هذا يبيع قطعة من ناحية وهذا يبيع قطعة من أخرى انحلت عليهم أبواب الهرج والاختلاط مع من لا يناسب قصده طبيعتهم. وأيضا ففي بقائهم على حالهم منفعة لجانب البايلك من حيث أنهم يدفعون الحكر. المسألة السادسة: قضية الشريعة، الجواب عنها أن الدولة الفرانسوية كانت احترمت شريعة الإسلام وأمرت بإجرائها على أصلها ونصبت القضاة في كل ناحية وضبطت أمورهم بقوانين مؤسسة على أحسن ما يكون وأباحت لمن شاء من المسلمين إعادة النظر في خصومته لدى مجا لس "الطريبو نال" و"الاكور" واستمر الحال على منوال حسن إلى أن برز القانون المؤرخ بسبطامبر سنة 1886 فردت خصومات المسلمين إلى "الجوج" على أن يحكم بينهم بمقتضى شريعتهم. ولم يكن ذلك، وصارت الأحكام تقع بين المسلمين على خلاف شريعتهم ولأجل ذلك يقع كثيرا تكسير أحكام الجوج في مجالس "الطريبو نال" إذ تعاد. ومع هذا فلما كانت أشغال الجوج كثيرة ولا ينتصب لحوائج المسلمين إلا مرة في الجمعة ويحتاج في فهمه للقضية بواسطة الترجمان إلى زمان طويل
(4/30)

ويحتاج أيضا طالب الخصومة إلى المصروف الذي يبلغ في كثير من الأوقات إلى أزيد من الحق الذي يطلبه ويتعطل طالب الخصومة على أشغاله بسبب تردده إلى محل الحكم، وتأجيل خصومته إلى جمعة بعد جمعة، فضاعت الحقوق وصار الناس يأكلون حقوق بعضهم ويقع بينهم بسبب ذلك الحقد والإذاية لبعضهم بعضا. والحاصل أن القانون المذكور أضر بالمسلمين غاية الضرر وخصوصا من جانب إبطال الأسيسورات وعدم تسمية من مات أو عزل وحط درجة من لا زال موجودا من المشاركة في النظر إلى المشورة فقط مع أن "الأجواج" الفرنسويين محتاجون للإستعانة بهم فإذا أمكن الدولة أن تبطل العمل به وتأمر بالعمل بالقانون البارز عام 1866 ففي ذلك خير للمسلمين وإن لم يمكن ذلك بدلته ولم تبقه على حاله. ولو تتبعنا شرح المسائل التي أضرت بالمسلمين بسبب القانون المذكور في شريعتهم وقعنا في الإطناب في الكتابة. المسألة السابعة: قضية المغرم على المسلمين، الجواب عنها: لا يخفى على أحد أن المسلمين يدفعون الغرم على طريقين واحدة على حسب عادة الإسلام في الزمان السابق وواحدة على حسب السيرة الجارية بفرنسا ولا شك أن في ذلك ثقل (1) لأن الرجل صار حاملا لحملين وقد حصل للناس ضرر وخصوصا من جانب ما جرى به العمل من أن الرجل ينسب له ما لا يملكه من الحيوان وغيره ويلزم بأداء المغرم عنه وإن عجز أو تراخى عن الدفع يقع عليه الحكم بالخطية والحبس. وآخر ما نختم به كلامنا أن تأسيس إقليم الجزائر مثل بناء قصر عظيم والبناء يحتاج إلى أساس والأساس يحتاج إلى صانع عارف بالبناء ويحتاج إلى الآلات كالجير والحجر والرمل وغيرها. أما الآلات (2) تيسر العيش للناس ونشر
__________
(1) كذا
(2) ش: تأمل هذا الختام جيدا فإنه مشتمل على المطالب وعلى فكرة الكاتب في عاقبة قبولها وعدم قبولها، فأما المطالب فهي: (1) تيسير
>>>
(4/31)

العلم والصناعات بينهم ليتحولوا إلى التمدن والرفق بهم والتسوية بين الفريقين فإذا تمت هذه الأمور كمل بناء الأساس ووجب شكر الصانع الذي خدمه وهم الحكام ويكون بعد ذلك تمام القصر وزينته حصول المؤاخاة بين الناس، وصفو الباطن وتمام العافية والرفاهية في العيش. ونرغب من وقف على غلط في شيء مما قلناه فيصفح كما هو شأن الكرام والسلام (1).
حرر في العاشر من أفريل عام 1891م
محمد الطاهر بن الحاج علي معيزة حميدة بن باديس
عمار بن أحمد
__________
<<<
أسباب العيش (2) نشر العلوم والصناعات. (3) الرفق بهم. (4) المساواة بينهم وبين الأوروبيين- وأما فكرة الكاتب فهي أن المؤاخاة وصفاء القلوب وحصول العافية للجميع لا تكون إلا إذا قبلت هذه المطالب. وإذا لم تقبل فلا مؤاخاة ولا صفاء قلوب ولا عافية لأحد. ولقد صدق فيما قال إذ ما قال إلا ما هو طبيعة الإنسان في جميع الأزمان والبلدان.
(1) ش: ج 2، م 13، ص 62 - 71 صفر 1356ه - أفريل 1937م.
(4/32)

ثمار العقول والمطابع:
محمد عثمان باشا
داي الجزائر سنة (1766 - 1791)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا اسم السفر الجليل الذي ألفه- أخيرا- الأخ الأستاذ أحمد توفيق المدني، لخص فيه تاريخ الجزائر في العصر التركي، وبيَّن حالتها الاجتماعية والأدبية والسياسية بأسلوب بديع جمع الفصاحة والتناسق، وعرض للتاريخ بين دلائل العلم ومناهج الفن، وبروح إسلامية لا تعرف إلا الصدق عربية لا تفارقها العزة والشهامة، وإذا (1) كان "الوطن هو تاريخ الوطن" كما يقول الأستاذ عبد الرحمن صدقي، و"لا حياة لأمة إلا بإحياء ماضيها" كما يقول الدكتور هيكل، فالأخ الأستاذ المدني بكتابه هذا لم يكن كاتبا بليغا ومؤلفا مبدعا ومؤرخاً حكيماً فحسب، بل كان فوق ذلك من خير من بعثوا أوطانا وأحيوا أمماً.
إن من جنايات الإستعمار الأوربي على البشرية أنه قلب حقائق التاريخ على الناس فقد صور الأمم التي ابتليت به وأصيبت بشره بصور من الهمجية والوحشية والتأخر والانحطاط لا أبشع منها ذلك ليبرز استيلاءه عليها، ومنَّ عليها بما زرعه فيها من عمران، وإن كان هو المستغل لذلك العمران والمستبد به. فأميركا- مثلا- يصورها الاستعمار ويصور سكانها الأصليين بأقبح الصور حتى هب من أبنائها الأصليين ومن العلماء المنصفين من رد ذلك التصوير وزيفه. وهاك بعضا مما يبين
__________
(1) راجع المقالين المنشورين في هذا الجزء في باب المجتنيات. (المؤلف).
(4/33)

لك هذا ذكره الأستاذ محمد كرد علي في آخر كتابه "الإسلام والحضارة العربية" قال الأستاذ:
"ذكر أحد الباحثين في جريدة الكوتيدين Le Quotidien الباريسية تحت عنوان (تاريخ الأمم المغلوبة على أمرها لم يكتب) إن المجلس الأعلى لبقايا هنود أمريكا في الولايات المتحدة أرسل إلى شيخ مدينة شيكاغو احتجاجا جاء فيه (إن الكتب الدرسية المستعملة الآن في الولايات المتحدة صورت قبائل الهنود في صورة مخالفة للحقيقة التاريخية) قال الكاتب وليتنا نفكر قليلا فيما كانت عليه أمريكا قبل أن يفتحها كلومبس، ونقرأ ما قصه الفاتحون الأولون وأرباب الرحلات الأقدمون من الأقاصيص الغربية، ونلقي رائد الظرف على المدن القديمة في العالم الجديد وما بلغته عن الإزدهار وما غصت به من المعابد العظيمة التي تضاهي بعظمتها معابد مصر، وتماثيلها العظيمة المحلاة بالذهب، وما كان هناك من متاحف وخزائن كتب ومراصد فلكية. وإذا كتب لنا أن نتوغل في المكسيك ومدينة الماياس في يوكتان ولانكاس في الانو- إذا رأيت كل هذا استنتجت- والدهشة آخذة منك- أن فتح أميركا كان من أعظم جنايات أوروبا" ا. ه.
هذا هو نفس ما وقع بالجزائر من تشويه تاريخها وتصويرها في جميع عصورها خصوصا في العصر العثماني- بأقبح الصور في الكتب التي تدرس في المكاتب الفرنسية وتدرس- يا للبلية يا للحسرة لأبنائها! - غير أن الجزائر ليس فيها جمعية تحتج على هذا التشويه الباطل القبيح، بلى: من أبنائها- المثقفين بالإفرنسي طبعا- من ينكر تاريخها جملة ويزعم أن لا شخصية لها. لكن لا يمكن للحقيقة أن تبقى مستورة بالأباطيل فهي كالشمس لا بد أن تظهر ولو توالت أيام الدِّجن والغيوم. فقد جاء الأخ أحمد توفيق المدني بكتابه هذا يبين ما كانت عليه الجزائر من القوة والعمران قبل الاحتلال الفرنسي
(4/34)

وما أصابها من التخريب والتقتيل أيام الاحتلال وبعيد الاحتلال ناقلا له من كتب ووثائق أفرنسية لا غبار عليها.
هذا إلى بيان ما كانت تتمتع به من حرية في دينها وقضائها ولغتها وتعليمها وبيان غير ذلك من أحوالها. لا تتسع هذه الصفحات لعرض كل ما في الكتاب ولكني أقول بكلمة واحدة: (إنه يتحتم على كل مسلم جزائري أن يقرأ هذا الكتاب). وإنك إذا ختمته- أيها المسلم الجزائري- لا بد أن تخرج منه تحب من يجب أن تحب ... وتبغض من يجب أن تبغض ... والحب والبغض سلاحان لازمان في الحياة ولا بقاء لأمة بدونهما إذا استعملتهما في محلهما.
وحقيق عليَّ أن أذكر بالإعجاب والسرور المطبعة العربية للأخ الشيخ أبي اليقظان التي أخرجت الكتاب في حلة فنية جذابة تدل على تقدم الجزائر في الفن المطبعي وأن أذكر بالثاء المكتبة المصرية لحضرة محمود نسيم أفندي التي تولت نشره. جازى الله العاملين على نشر العلم وإحياء الأمم بكل إحسان وجميل (1).
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ش: ج 7، م 13، ص 319 - 321 شعبان 1356ه - سبتمبر 1937م.
(4/35)

كلمة عن الجامع الأخضر
عمره الله
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الجامع الأخضر أحد الجوامع الثلاثة الجمعية الباقية بعد الاحتلال الفرنسي بقسنطينة.
أما مؤسسه فهو حسين بك بن حسين 1149 - 1167ه 1736 - 1754م فحكم البلاد 17 عاما مقتفيا أثر سلفه في سياسة التعمير والإنشاء فنظم المدينة وخطط شوارعها وأنشأ منازل رفيعة وبناءات ضخمة لكامل أعيان البلد، وحافظ على توطيد الأمن طيلة مدة حكمه. وكما كان له ولع بالعمارة كانت له عناية فائقة بالعلم (1) فقد وجد في المحفوظات الكتابية إذن صدر منه لعائلة ابن وادفل في تأسيس مدرسة عليا للحقوق بالمسجد الذي أمرهم بتأسيسه في عين فوا. وبني الجامع الأخضر للتعليم كما هو منقوش فوق مدخل بيت الصلاة وهذا نصه:
"أمر بتأسيس هذا المسجد العظيم، وتشيبد بنائه للصلاة والتسبيح والتعليم ذو القدر العلي والتدبير الكامل وحسن الرأي، أميرنا وسيدنا حسين باي أدام الله أيامه. وكان تمام بنائه أواخر شهر شعبان سنة ست وخمسين ومائة وألف" ودفن مؤسسه- رحمه الله- في التربة المجاورة للجامع مع عائلته وبعض العلماء رحمهم الله أجمعين".
والجامع لهذا العهد ليس له مدرس رسمي أما في المهد الماضي
__________
(1) راجع ترجمته في كتاب قسنطينة تحت البايات باللسان الفرنسي
(4/36)

فلا شئه أنه كان به من يدرس العلم إذ لا شك أن مؤسسه- وقد كان مشهورا بنشر العلم وبنى مسجده للتعلم- لا بد أن يكون أوقف أوقافا للتعليم فيه فاستولت عليها السلطة كما استولت على سائر الأوقاف.
أما بداية تعليمي فيه فقد كانت أوائل جمادي الأولى عام 1232ه وكان ذلك بسعي من سيدي أبي لدى الحكومة فأذنت لي بالتعليم فيه بعد ما كانت منعتني من التعليم بالجامع الكبير بسعي المفتي في ذلك العهد الشيخ المولود بن الموهوب.
وقد يسر الله لنا بفضله القيام بالتعليم فيه إلى اليوم والله نسأل أن يجازي كل من أعاننا فيما قمنا به كل خير وأن ييسر لنا القيام بخدمة العلم فيما بقي من العمر، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين آمين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (1).
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ش: ج 4، م 14، ص 303 - 304 غرة ربيع الثاني وجمادى الأولى 1357ه - جوان جويلية 1938م.
(4/37)

فاجعة قسنطينة

كتبنا في الجزء الماضي كلمة مختصرة جامعة في هذه الفاجعة وأردنا الاكتفاء بها، لكن كثيرا من قراء الشهاب بقسنطينة وغيرها طلبوا منا أن نكتب الحقائق التي نعلمها بالصدق والصراحة التي تعودوها من مجلتهم فرأينا الصواب فيما طلبوا فعدنا للكتابة في هذا الجزء معتمدين في تصوير الواقع على ما شاهدناه بأنفسنا وما شهده من يكون محل ثقة عندنا.

إبتداء الاعتداء:
ليلة السبت
بينما كان الناس في ميضأة الجامع الأخضر أثر صلاة العشاء ليلة السبت وعددهم نحو الإثني عشر، إذا باليهودي الياهو خليفي يفاجئهم مطلا عليهم من نافذة الميضأة مدعيا عليها كشف العورة عند الوضوء ومبادرا لهم بقوله "نعل دينكم وصلاتكم وجامعكم والكبرا انتاعكم" فأجابه بعض الحاضرين: "نحن لا نكشف عورتنا عند الوضوء وديننا نهانا عن كشف العورة دائما ولا نلوموك (1) لأنك سكران" فاجاب: "لا راني بعقلي وراني عسكري نعـ .... النبي نتاعكم".
خرج الناس في غاية الاستياء فأشار عليهم قيم المسجد- لأجل تهدئتهم- بتقديم شكاية للكوميسارية وهي برحبة الصوف أمامهم، فامتثلوا وذهب شرطيان، الزواوي وابن عريوة، ودعا عليه الباب بأنهما من أعوان الشرطة وأن عليه أن يجيب الكوميسارية وأنه لا خوف
__________
(1) كذا في الأصل.
(4/38)

عليه من شيء، فأبى أن يجيبهم (1) بكلمة، ومرت فرقة الجند المتجولة فأعلمها الشرطيان بالواقعة وطلبا منها إخراج الجاني، فأبى من الامتثال لها، كما أبى من الامتثال للشرطة، ففرق الشرطيان الناس وقالا لهم هذا شغلنا فتفرقوا ولم يبق إلا القدر المعتاد في رحبة الصوف وذهبا.
بعد ذهابهما وقف اليهودي وزوجته في نافذة محلهما وأخذا في السب مثل السب الأول فأرسل الناس القيم إلى المفتي ليقوم بكف عادية هذا المعتدي بواسطة الحكومة وانتظر الناس المفتي على أحر من الجمر وهم يسمعون في السب من المعتدي.
رجع الشرطيان فوجدا الناس متجمهرين، فلما سألاهم لماذا رجعتم قالوا لهما: إنه عاد إلى السب كما تسمعان، وكان هو وزوجته إذ ذاك ما زالا في النافذة على حالهما وكان غيرهما قد شاركهما في السب، وسمع الشرطيان بعض الناس يقول نهجم على داره فذهبا ووقفا عند بابها يحرسانها.
في هذه الساعة ابتدأ اليهود المجاورون برمي الكوانين والبيادين فأجابهم المسلمون برمي الحجارة فشرع اليهود في الرمي بالرصاص.
أثناء هذا جاء المفتي بعد ما أرسل الناس إليه مرة ثانية من أتوا به أو وجدوه آتيا فوقف يهدي الناس باذلا غاية جهده في ذلك فلم ينفع شيئا وقال له بعض الناس من برودتكم لحقنا هذه الإهانات كلها حتى وصلنا لهذه الحالة.
إثر هذا جاء الدكتور جلول وقد كان خارج البلد في معالجة بعض مرضاه فوقف يهدئ الناس، والرصاص مازال ينصب من نوافذ اليهود، واستطاع بعد الجهد الجهيد أن يسكن الناس ويفرقهم وانتهت المصيبة نحو الساعة الثالثة.
__________
(1) كذا فى الأصل، والصواب: يجيبهما.
(4/39)

استنتاجات من حوادث هذه الليلة:
رغم ما سمعه المسلمون من سب الياهو الأول لدينهم وصلاتهم وجامعهم وكبرائهم لم يهتاجوا وأجابوه بكل تعقل وعذروه بأنه سكران وهذا دليل قطعي على تسامحهم وعدم حملهم لحقد ديني على اليهودي وعدم استعدادهم لفرصة الانتقام.
أما هو فإنه نفى عن نفسه السكر واعتز بانه عسكري وأعاد السب بأقبح من الأول. وهذا دليل على أنه كان شاعرا بما يقول ويفعل، وعلى اغتراره بالحرمة العسكرية وعلى قصده إلى المبالغة في الإذاية، والاغترار بالحرمة والقصد إلى المبالغة في الإذاية هما الأمران الشاهدان مات عامة اليهود دائما في معاملتهم للمسلمين.
امتثل الناس لقيم المسجد وقدموا شكايتهم للكوميسارية وهذا دليل على أنهم لم يكونوا يريدون أن ينتقموا لأنفسهم وإنما يريدون أن يتوصلوا لحقهم على يد العدالة.
إقتناع الياهو المعتدي من إجابة الشرطة ومن إجابة فرقة الجند المتجولة دليل على تمرده حتى على رجال الحكومة المدنية والعسكرية وما تجرأ على هذا إلا لعلمه بأن نازلته مع المسلمين وقد تعود هو وأمثاله أن نوازل تعديهم على المسلمين في الغالب- تكلاصا: تطرح وتهمل.
لما فرق الشرطيان الناس تفرقوا وهذا دليل آخر على انقياد الناس لأوامر دائرة حفط الأمن واعتمادهم عليها ودليل آخر على أنهم لم يكونوا يفكرون أن يجعلوا ما وقع من المعتدي سببا للانتقام.
بعد عودة اليهودي للسب هو وزوجته من نافذة دارهما لم يفعل المسلمون شيئا غير ارسالهم للمفتي وهذا دليل آخر على ضبطهم
(4/40)

لعواطفهم وعدم قصدهم للانتقام وتصميمهم على انتظار الإنصاف من طرف الحكومة ودائرة الأمن العام.
شارك المعتدي غيره من يهود الحومة في السب بدل أن يكفوه عنه وهذا دليل على الروح المتفشية في عوام طائفته من الاستهانة بالمسلمين والتمالؤ على إذايتهم وعدم احترام الحكومة في ناحيتهم. وقف الشرطيان المسلمان عند باب اليهودي يحرسان داره، وهذا دليل على ما يتحلى به المسلم من احترام واجبه وقيامه به وعلى شدة محافظة أعوان الشرطة المسلمين على الأمن والنظام.
رغم ما رأى المسلمون وما سمعوا فقد استمروا ماسكين لأيديهم حتى ابتدأهم اليهود برمي البيادن والكوانين وهذا دليل واضح على تحمل اليهود لمسؤولية الشر بالقول والفعل.
استطاع الدكتور جلول بعد ما بذل جهد الأبطال أن يسكن ثائرة الناس وهذا أول مواقفه العظيمة في إطفاء هذه الفتنة وهو دليل على مكانته عند الأمة وعلى حسن استعماله لهذه المكانة في الخير.

صبيحة السبت4 أوت:
جئت إلى إدارة الشهاب الساعة الثامنة فعلمت بالواقعة وأعلمت باستدعائي من طرف مدير الشرطة م. فيزرو مثلما استدعي غيري.
اجتمعنا عنده فكان مما قال لنا أنني دعوتكم لتعينوني على تنزيل العافية فابتدأته أنا فقلت له: "وترجم عني السيد يحيى أحمد" أن فطرتنا الإسلامية وعقائدنا الدينية واحترامنا لرجال الحكومة كل هذه تحملنا على معاونتكم فيما ذكرتم ولكن بمزيد الأسف أن الدين الذي نهذب به الناس ونربيهم وننزل في قلوبهم الرحمة قد وصلت الإهانة والتعدي إليه ومع ذلك فإننا سنبذل غاية المجهود. ورأى الجماعة أن
(4/41)

يقابلوا القائم مقام البريفي فطلب لهم الكوميسار مقابلته وذهبنا كلنا إلى دار العمالة.
خرج علينا م. لنديل القائم مقام "البريفي" فألقى خطابا طويلا ترجمه السيد عمر بن الموفق، كله تأسف على ما وقع وتوصية بلزوم العافية وتهوين لما كان من اليهودي السكران ووعد بأن العدالة ستقتص منه وبعد ما فرغ من خطابه سأل هل من يريد الكلام فابتدأته أنا فكان مما قلت: أن هذا الاعتداء ليس هو الإعتداء الأول وإننا معشر المسلمين نحب السلم بطبعنا وقد بات مفتينا ونائبنا يهدئان الناس وأن المسلمين لا يستطيعون الصبر دائما على التعدي على أمر دينهم وإننا نستطيع أن نمسك بغضب المسلمين إلا إذا أهينوا في دينهم فإن الأمر حينئذ يصعب علينا وأن اليهودي المعتدي على الجامع إذا كان هو سكران فإن زوجته وجيرانه الذين شاركوه في السب وابتدأوا بالضرب ليسو بسكارى وبينت له أن الشيء الذي جرأ اليهود على هذه التعديات المتكررة هو ما يحملون من السلاح، مع علمهم بأن المسلمين لا سلاح لهم وأنهم ما داموا يحملون السلاح ويطلقون الرصاص لأدنى شيء فإن الشر لا ينتهي وطلبت منه لذلك نزع السلاح منهم فاعتذر بأن هذا لا يمكنه معهم لأنهم "سيطويان" وطلبت منه أن يقوم بتوصيتهم والتأكيد عليهم في كف عامتهم عن الشر فأجاب بأنه يفعل ذلك أو قد فعله.
ثم استدعى جماعتهم فيهم أعيانهم ونوابهم وحبرهم وخطب على الجميع بلزوم التسامح والنسيان لما مضى فابتدأته أنا بالكلام فمما قلت له: أن المسامحة الحقيقية لا تكون إلا بعد العتاب الودي المبني على الحقائق الواقعة وتوجهت لمخاطبة الجماعة الإسرائيليين فذكرتهم باعتداءاتهم المتكرر التي من أقربها اعتداء أولادهم على ولد ابن البجاوي من تلامذة "الليسي" حتى كسروا ساقه، وقبيلها اعتداؤهم عليَّ
(4/42)

وعلى مدير مجلة الشهاب السيد أحمد بوشمال وذكرتهم بمسامحتنا وسترنا للواقعة حتى لا يقع بسببها شر. كل ذلك لما نحن مصممون عليه من منع كل فتنة بين السكان وذكرت لهم أنهم غير ما مرة اجتمعوا مع جماعة المسلمين أمام رجال دار "البريفي" وفي كل مرة تعدون بكف سفهائكم ولكن الاعتمداء يتجدد، فهذا إما لأن عامتكم لا تحترمكم ولا تنقاد إليكم وإما لأنكم أنتم لم تصدقوا في تهدئتهم وكفهم عن الشر وإذا كانت عامتكم لا تنقاد إليكم والحكومة لا تنزع منها السلاح فمن الذي يكفها ويرد عنا شرها؟
انتهى المجلس باعتذارهم عما وقع ووعدهم- كالعادة- بكف سفهائهم، وتصافح الجميع وتصافت الخواطر وخرج المجتمعون كلهم متواعدين على العمل على تنزيل العافية وتوطيد الأمن.

مساء السبت:
اجتمعت بالدكتور جلول فاتفقنا على أن نخطب في الناس لتهدئتهم، ورأينا وجوب المبادرة بذلك قبل دخول الليل وكان هذا في آخر النهار نحو الخامسة ونصف فأمرنا من نادى في الناس بالاجتماع في الجامع الكبير على الساعة السابعة فما جاءت الساعة السابعة حتى امتلأ الجامع الكبير بالناس من جميع طبقاتهم رغم ضيق ما بين وقت المناداة ووقت الاجتماع وكان الناس في تهيج شديد وتأثر بالغ فقد ضرب اليهود بعض أفراد في ذلك المساء وقبل أن أصعد على كرسي الخطابة نادى جماعة بأن اليهود ما زالوا يحملون السلاح لقتلنا وقد ضربوا وجرحوا في هذا المساء منا فبادرت بالصعود على الكرسي وافتتحت الخطاب واستطعت- بإذن الله- التغلب على تلك العواطف الثائرة، وأظهروا الطاعة والقبول فنزلت عن الكرسي وصعد الدكتور جلول فألقي خطابا مؤثرا فازداد الناس قبولا وخرج ذلك الجمع الذي يقدر بالآلاف هادئا
(4/43)

مهدئا بعد ما كان متأثرأ هائجا ووقفنا في الطريق العام نفرق الجموع ونطلب منهم أن يذهب كل واحد إلى محله وأن يعلم غيره بما دعوناهم إليه من لزوم الهدوء، وما تفرق الناس حتى أقسمت لهم أنني لا أذهب حتى يذهبوا. وكنا عند الخروج من الجامع قد جاءنا خبر صحيح بجرح ولث صغير مكفول لاحد الناس فاستطعنا- باذن أدثه- ان نقف الخبر عن الانتشار وأن نهدىء من بلغه الخبر وكافل ذلك الصغير.
تفرق الناس وخلت منهم الطرقات ونزل الهدوء التام وباتت البلدة في أمن وأمان وسهرت أنا والدكتور جلول وبعض النواب إلى منتصف الليل نتجول في بعض الشوارع فشاهدنا بأنفسنا هدوءاً شاملا للبلدة كلها.

استنتاجات من حوادث يوم السبت وليلة الأحد:
في قول من قال قبل الشروع في الخطبة "أن اليهود مازالوا يحملون السلاح لقتلنا، وقد ضربوا وجرحوا في هذا المساء منا"، دليل على ما كان لبقاء السلاح عند اليهود من الأثر السيء في إدخال الروع في القلوب مما يقوي في النفس غريزة الدفاع عن الحياة، وعلى ما كان من عود اليهود إلى الضرب الذي فرغ ما عند المسلمين من الصبر عليه.
وفي هدوء المسلمين بعد ما سمعوا مني ومن الدكتور جلول دليل على انقيادهم لمن يكون محل ثقتهم وتمسكهم بأسباب العافية حتى في أحرج الأوقات. وكانت ليلة الأحد بتمامها أصدق دليل وأقواه على ذلك.

يوم الأحد 5 أوت:
أصبح الناس يوم الأحد على أحسن حال لا فرق بينه وبين سائر
(4/44)

الأيام وأصبحت المعاملات التجارية بين المسلمين واليهود في سوق الخضر وغيره كعادتها.
مررت نحو الثامنة ونصف أمام دار "المير" نازلا إلى باب الوادي، فالتقيت بسي سليم البوليس السري فسألني هل عندكم اجتماع هذه الصبيحة في الصنوبر فأجبته بالنفي وذكرت له أن الإجتماع الذي أردناه قد وقع أمس عشية بالجامع الكبير وأننا اخترنا بالأمس الجامع الكبير ليكون أعون لنا على ضبط الناس وقد حصل مقصودنا من تهدئة الناس باجتماع أمس فلماذا نعقد إجتماعا آخر؟ وكيف يكون في الصنوبر.
وصلت إلى إدارة الشهاب نحو الساعة التاسعة فجاء من أخبرني أن بعض الناس اجتمعوا في الصنوبر وقيل لي أن هؤلاء لما سمعوا بالاجتماع ولم يعلموا بوقوعه أمس ظنوا يقع اليوم وبعد نحو ربع ساعة جاء من أعلمني بأنهم افترقوا.
نحو الساعة العاشرة ذهبت إلى جمعية التربية والتعليم لألقي محاضرتي على أعضائها فما كدنا نشرع في المحاضرة حتى جاءنا من أخبرنا أن اليهود أطلقوا الرصاص في جهة رحبة الصوف وأن الفتنة قد وقعت وأخذنا إثر ذلك نسمع في طلق الرصاص المرات الكثيرة فمكثنا كلنا بالجمعية إلى الساعة الثانية عشرة، فسرحت التلامذة مثنى وثلاث وأمرتهم بأن لا يصعدوا إلى رحبة الصوف التي كنا نحسب إذ ذاك أن الفتنة قاصرة عليها. ونحو الساعة الواحدة بعد الزوال صعدت إلى دارنا بنهج القصبة محروسا بفرقة من الجند.

كيف ابتدأت الفتنة وكيف انتهت:
من الشائع المتواتر الذي عرفته حتى الجرائد الباريسية فنشرته جريدة "لاكسيون فرانسيس" أن الفتنة ابتدأت بسبب طلق أبناء
(4/45)

الزاوي اليهود الرصاص ثم كان اهتياج الناس بقدر ما يتزايد إطلاق الرصاص من اليهود الحاملين السلاح.
حضر الدكتور جلول لرحبة الصوف والفتنة على أشدها فدخل المعمعة يهدىء الناس من ناحية ويضمد الجراح من ناحية أخرى وكانت حالة الناس- وهم يسمعون دوي الرصاص ويشاهدون الجرحى يتساقطون منهم- أعظم من أن تهدأ. ومع ذلك فقد استطاع الدكتور جلول أن يرد الناس عن الهجوم على الشارع حومة اليهود ولولاه لكان ذلك الجمع مصبحا اليهود في شارعهم شر صباح.
انتشر الخبر في البلد وماجت الأنهج بالناس وكثر ضرب اليهود بالرصاص من النوافذ فانكب الناس على دكاكين اليهود التي كانت مقفلة يوم الأحد يكسرون أبوابها ويمزقون ما فيها من قماش ويهشمون ما فيها من أثاث ويمزقون الأوراق المالية وأطلقوا النار في بعضها وقتلوا نيفا وعشرين نفسا وفرغوا من عملهم نحو الساعة الثانية.

استنتاج وتعليل:
فتح أسواق الخضر الإسلامية كعادتها، وتعاطى المسلمون البيع والشراء مع اليهود واليهوديات دليل قاطع على أن المسلمين كانوا قد اطمانوا وأمنوا وعلى أنهم ما كانوا عازمين على شيء من الشر لليهود.
ابتدأ أبناء الصائغي بضرب الرصاص، ورؤية الناس المسلمين السلاح بيد اليهود والرصاص يتهاطل من نوافذهم وهم لا سلاح لهم بعث فيهم الرعب والحنق فاندفعوا ذلك الإندفاع القوي السريع المحطم.
غريزة الدفاع عن النفس فطرية في الإنسان بل في جميع الحيوان فإذا أحس بالخطر فإنه يعمل أعمالا عن غير وعي لا يستطيع أن يعملها لولا ما أحس به من الخطر وما تحرك فيه من غزيرة الدفاع عن النفس
(4/46)

فقد يجري الإنسان فاراً أمام حيوان يريد افتراسه بمقدار من السرعة لا يستطيعه أبدا في غير تلك الحال فالإنسان الأعزل الذي لا سلاح معه عندما يرى خصمه مسلحا ويشاهد الرصاص منطلقا من سلاحه يحس بخطر محقق داهم فتتحرك فيه غريزة الدفاع عن النفس فينبعث عن غير وعي فينقض على خصمه انقضاض المستميت فربما قضى عليه رغم سلاحه. هذا في الفرد من الناس أما في الجموع منهم فإن المسألة تكون أروع لأن الجماعة لا تعمل عن عاطفة فإذا خافت على أنفسها واندفعت بغريزة الدفاع عنها فإنها تأتي في تلك الحالة بما لا تتصوره العقول.
بهذا التقرير العلمي النفسي نعلل ما كان من الجماعة المسلمة العزلاء من السلاح أمام اليهود المسلحين في اندفاعها وما أتت به من أعمال مروعة.
ولعلمنا بهذه الحقيقة العلمية النفسية كنا حريصين أمام القائم مقام" البريفي" على نزع السلاح من اليهود، وقد أمرت السلطة أعوانها بنزع السلاح من المارة في الأزقة ولكن بعد فوات الوقت.
فالذين قاموا بتلك الأعمال من المسلمين لم يكونوا مندفعين إليها بحقد على اليهود ولا بعامل ديني ولا ببغض جنسي وإنما كانوا مندفعين بغريزة الدفاع عن النفس أمام الخطر المسلح.
نعم كان المسلمون يسمعون دائما سب دينهم ونبيهم من اليهود وخصوصا من النساء وكانوا يلقون منهم سوء معاملة خصوصا من النساء في سوق الخضر وكانوا يشعرون بتسلطهم في دوائر الحكومة وعلى رجال بارزين من الساسة الفرنسيين ويعلمون تغلبهم في الوظائف حتى على الفرنسيس أنفسهم وحسبك أن موزعي البريد ببلدة قسنطينة منهم ثلاثون ونيف ومن الفرنسيس خمسة ومن المسلمين واحد ولكن
(4/47)

هذا كله ما كان ليبعثهم على ما انبعثوا إليه لو لم تتحرك فيهم غريزة الدفاع عن النفس أمام الخطر المسلح. بل كان ذلك كله مما أسكن في قلوبهم الخوف والاستسلام للواقع.
قتل من اليهود نيف وعشرون كان منهم خمس نسوة وستة من الصبيان وكان المعتدون لما يشتد الرمي بالرصاص من النوافذ ومن أيدي بعض النساء في بعض الجهات يصعدون للمنازل فيبطشون بمن فيها عن غير تمييز. وكان قتل النساء والصبيان دليلا على أن المعتدين لم يكن اندفاعهم عن عقيدة الإسلام الذي معلوم مشهور عند أهله أنه يحرم قتل النساء والصبيان حتى في الحرب المشروعة وعلى أن تلك الفظاعة هي من آثار الجهل، وتلك الحالة النفسية الخاصة الطارئة، لا من آثار الإسلام.

المصائب على الجانبين:
إذا كانت دكاكين اليهود قد أصيبت لما أصيبت، فإن دكاكين المسلمين التي في حومة اليهود قد أصيبت كذلك، وإذا كانت خسائرها قليلة فذلك لأنها قليلة ولأنها ضعيفة كأصحابها الضعفاء، بخلاف دكاكين اليهود فقد كانت خسائرها كثيرة لأنها هي كثيرة ولأنها قوية كأصحابهما الأقوياء.
وإذا كان القتلى من اليهود نيفا وعشرين ومن المسلمين اثنين فالفضل لمسدسات اليهود التي خانتهم عند الضرب فالمطر الوابل من الرصاص الذي نزل من مسدساتهم ما قصدوا به إلا القتل وإزهاق الأرواح بلا فرق بين من في الأنهج من رجال ونساء وشيوخ وصبيان وجنود، وقد جرحوا بالفعل نحو الأربع من الصبيان، وجرحوا جنديين أو ثلاثة فلو صحت من اليهود في الرمي زنودهم، كما صحت في القتل قصودهم، لكان القتلى من المسلمين- كبارا وصغارا- يعدون
(4/48)

بالمئات وليس من قصد القتل وارتكب سببه ولم يتم له ما قصد لمانع، دون من قتل بالفعل في الجرم.
أما عدد الجرحى فقد تساوى أو تقارب من المسلمين ومنهم فكان من الجانبين نيفا وعشرين وكان كثير من جرحى المسلمين بسلاح الجند مما يدل على أن الجنود وإن لم يطلقوا الرصاص لعدم الإذن لهم بذلك فقد دفعوا الناس بالسلاح الأبيض.

ليلة الإثنين ويومها:
أعلنت حالة الحصار ومنع المرور بالأنهج إلا بورقة المرور.
وفي مساء الإثنين رغبت مني دار "البريفي" بواسطة إنسان له مقام عندي، أن أذهب إلى عين البيضاء لتهدئة الناس. ولما كان هذا من أعمال الخير التي وقفت لها نفسي، أجبت الطلب وصحبني السيد عمر بن الموفق ليباشر هو الناحية الإدارية ورجالها وأباشر أنا ناحية الأمة. ولما وصلنا إلى عين البيضاء في منتصف الليل بقيت السيارة ونزل السيد عمر إلى دار "المير" وبعد نحو ساعة رجع إلي يقول أن بعض النواب يرون أنهم قد قاموا بتهدئة الناس وأن دخول غيرهم ربما يشعر بتقصيرهم هم في واجبهم، فقفلنا راجعين.
وقد علمنا بعد ذلك من حوادث عين البيضاء أن شرطيا يهوديا أطلق الرصاص على ولد صغير مسلم أرسله أبوه لشراء الغاز وهذا الولد جيء به إلى مستشفى قسنطينة وتوفي به. وأن النائب العمالي س. بوماليي قدم استعفاءه للبريفي احتجاجا على تكليف غيره بتهدئة الناس.

في ليلة الإثنين جدد اليهود اعتداءهم على بيوت الله:
يقع مسجد سيدي الكتاني في رحبة سوق المصر في وسط حومة
(4/49)

اليهود ففي ليلة الإثنين هاجمه اليهود فكسروا أربعة أو خمسة من نوافذه وهشموا التخاريب التي على أحد أبوابه وقد حققت ذلك إدارة الأمن وأثبتت فيه تقريرا رسميا.

استنتاجات وملاحظات:
أجبنا رغبة الحكومة لما دعتنا إلى فعل الخير ومددنا يدنا للتعاون معها على ذلك فهل علمت من ذلك أننا دعاة خير وسعاة إحسان، وهل هي بعد ذلك تستطيع أن تخلي بيننا وبين ما نقوم به مما هو أصل كل خير إلا وهو نشر العلم والدين؟.
أما النواب الذين زعموا ذلك الزعم فأحسب أن الأنانية حالت بينهم وبين فهم معنى التعاون وإلا فإن القائم بواجبه مهما كان مقدار قيامه فإنه لا يألف من إعانته فيه محبة في تحقيق ذلك الواجب على أكمل وجوهه لكن هذا إذا كان قيامه بالواجب لأجل الواجب نفسه، لا لشائبة من حظه وغرضه.
وأما النائب الذي قدم استعفاءه وتحمس فإننا كنا نود أن لو كان عنده هذا الحماس وهذه الغيرة والحمية في مواطن أخرى كان فيها حضرته باردا ومبردا، ولا حاجة لنا إلى تعريفه بهذه المواطن فالناس كلهم على علم بها وعلى ذكر منها. ونحن وإن كنا نرى حماسته هذه في غير محلها فإنا نتفاءل لحضرته بها خيرا ونرجو أن تدوم له في مواقفه القادمة في حياته العامة إن قدر له العود إليها.
قتل اليهودي الشرطي ولداً صغيرا رميا بالرصاص!! وهل نحتاج بعد هذا إلى دليل على روح العداء والتحدي؟ ومن الثابت أيضا أن بعض الشرطة اليهود بقسنطينة أطلقوا الرصاص وأن شرطيا اسمه علوش سكر قال سأضرب وأفعل فعزل من الشرطة المثبوت ذلك عليه. فأذكر هنا ما تقدم عن ليلة السبت بقسنطينة وكيف وقف الشرطيان المسلمان
(4/50)

أمام دار اليهودي الياهو أصل الشر والبلاء يحرسانها وقس بين الروح والروح والتربية والتربية.

صبيحة الثلاثاء:
استدعى الوالي العام وفداً من المسلمين وألقى عليهم خطاباً دلَّ على وقوفه موقف الحاكم العادل الذي يريد أن يعرف الحقيقة لذاتها. وأذن للجماعة بالكلام فقدموا الدكتور جلول فألقى خطاباً جامعاً صوَّر فيه الواقعة تصويراً فوتوغرافياً نظن أنه أبلغ وأصدق ما سمعه الوالي العام عن صورة الحالة. سأل الوالي الدكتور عن سبب اجتماع الناس في الصنوبر صبيحة الأحد فأجابه الدكتور بأن الذين اجتمعوا بالصنوبر هم الذين سمعوا مساء السبت بالإجتماع على الساعة السابعة فحسبوها صباحا وأوقعهم في هذا الغلط ضيق ما بين وقت الإعلام بالإجتماع الذي وقع بالجامع الكبير ووقوعه. ثم قدموا الأستاذ مختار ابن الحاج سعيد المحامي فألقى خطابا بليغاً دافع فيه عن الحقيقة بصدق وإنصاف، ثم تكلم النائب المالي السيد محمد المصطفى ابن باديس وقال أنه موافق على كل ما قاله الدكتور جلول والأستاذ مختار. ثم أعاد الوالي الحديث وسأل الوفد هل يستطيعون أن يعدوه بكف المسلمين فأجابه السيد ابن باديس أن المسلمين منكفون بالفعل وأننا نعد بكفهم، وأننا نستطيع ذلك بشرط أن ينكف اليهود الذين قد تكرر منهم الاعتداء فأجاب الوالي العام بأنه يعتمد عليهم وأنه سيكلم اليهود مثل ما كلمهم.

وفاء الوفد بوعده:
خرج ذلك الوفد الإسلامي الحافل المتركب من النواب والأعيان وبعض أهل العلم فارتأوا أن يبادروا بوفاء وعدهم للوالي العام بأن يتجولوا في الأنهج الإسلامية ويعرفوا الناس بمقابلتهم للوالي العام وما طلب منهم وما التزموا به عن إخوانهم المسلمين واتفقوا على أن أقوم
(4/51)

خطيباً في كل نهج من الأنهج الكبرى الإسلامية لأخطب في الناس بذلك فوقفنا بضعة عشر موقفاً ألقيت فيها بضع عشرة خطبة أخاطب فيها الناس باسم الوفد وأدعوهم إلى الهدوء والسكينة وأذكرهم بآداب الإسلام وأعرفهم بما كان من طلب الوالي العام وما كان من إلتزام نوابهم، وكان الله- وله الحمد- يفتح في كل موقف بفن من فنون التذكير، وكان إخواني المسلمون- جعلني الله فداءهم- يلتفون بنا في كل موقف ويبدون من الاستماع للوعظ والانقياد للخير ما عرفني بما تنطوي عليه تلك الصدور المحمدية الطيبة من الروح الإسلامية الشريفة، والآداب الدينية العالية الكامنة فيهم، التي لا يحتاج في إظهارها إلا لكلمة صادقة عن نية خالصة. وكان كل موقف يختم بإعطاء كلمتهم بأن لا يكون منهم سوء وبالدعاء للجميع.
عملت تلك الخطب- بإذن الله- عملها في قلوب كانت متفرقه فاتحدت وأرواح كانت متناكرة فتعارفت وما انتهينا إلى آخر مواقفنا - وكان أمام مكتب وعيادة الدكتور ابن جلول- حتى تصافح هو والسيد محمد المصطفى بن باديس وصعد النواب كلهم إلى مكتب الدكتور، فأعدتهم إلى النهج ليحضروا آخر موقف وليسمعوا آخر خطاب، ولم أكتف بوقوفهم بنوافذ المكتب المطلة على النهج فلما نزلوا خطبت في الجمع خطابا يشتمل على أصل ما ألقيت الخطب لأجله وعلى ما ناسب ذلك الموقف الذي تجلت فيه روح الإخاء والصفاء، وكان ذلك الموقف لمواقفنا- والفضل لله- خير ختام.

يوم السبت 11 أوت:
صبيحة السبت قابل وفد المسلمين عامل العمالة ودار الحديث في الحوادث التي وقعت ورأينا من عاملنا الجديد رجلا يحمل روحاً فرنسية لطيفة ويتحلى بآداب الموظف العالي. أبدى تأسفه أن وجد قسنطينة
(4/52)

أول قدومه في هذه الفاجعة وأظهر رغبة في رجوع الأمور إلى مجاريها.: بعدما تكلم الدكتور جلول والطبيب زرقين وغيرهما تكلم النائب المالي ابن باديس فذكر للسيد العامل أن الأمن من ناحية المسلمين قد استتب وأن جماعة المسلمين قد استطاعوا بما قاموا به أن يهدئوا إخوانهم على كثرة عدد المسلمين وانتشارهم، وأن جماعة اليهود من ناحيتهم لم يقوموا بشيء مما قام به جماعة المسلمين على قلة عدد اليهود وسهولة إبلاغ الصوت إليهم ولذا فإن المسلمين لم يتجدد منهم شيء من يوم الحادثة وأما اليهود فقد تجدد منهم الإعتداء مراراً وذكر له الولد بياع الجرائد الذي جرحوه برحبة الصوف وولداً آخر صب عليه المادة الملتهبة الفيتريول والرجل الذي أطلقوا عليه الرصاص بنهج فرانس كل هذا ما بين يوم الأربعاء والسبت فوعد العامل بأمرهم بالكف والتأكيد عليهم به.

تنظير بين المسلمين واليهود:
نريد أن نعرض الطبقات من المسلمين واليهود لنعرف موقفهم من هذه الفتنة اعتماداً على المعلومات المتقدمة.

النواب:
وقف الدكتور جلول النائب العمالي ليلة السبت برحبة الصوف وقفة المهدىء للجمع المسكن للثائرة ومعه السيد محمد أمزيان النائب البلدي يمينه على ذلك ويبذل جهده مثله.
وحضر النائب العمالي اليهودي لولوش فبدلا من أن يهديء قومه ويأتي باليهودي المعتدي ويدخله حبس الكوميسارية وكان في استطاعته ذلك ولو فعله لأطفأ تأثر المسلمين في الحين، لأنهم ما كانوا يريدون إلا عقاب ذلك المعتدي على دينهم ونبيهم وجماعتهم ومسجدهم، بدلا من أن يفعل هذا كان تارة يستبعد وقوع ما وقع من الإعتداء وتارة
(4/53)

يستبكر على المسلمين تأثرهم من ذلك الإعتداء إن وقع. ولم يظهر منه أدنى شيء في التهدئة والتسكين.
كان الدكتور جلول صبيحة الأحد ينتقل من مكان إلى مكان مهدئاً للناس مداوياً للجرحى معرضاً نفسه للخطر، وممن شهد له بمواقفه في ذلك اليوم التقرير الرسمي للجندرمة. أما النائب العمالي لولوش فقد اختار السلامة التي ذاق حلاوتها أيام أبقته الأعذار بقسنطينة عن ميادين الحرب الكبرى.
أبدى النواب المسلمون في كل ما كتبوا ونشروا وتكلموا أمام الحكام غاية التعقل والرصانة والحكمة، وأعلنوا ثقتهم بالحكومة وبالعدالة وكرروا دعوتهم إلى تناسي الماضي والعمل لخير المستقبل وجددوا تأسفهم بعبارات دالة على كمال في الإنسانية وسمو في الدين.
أما النائب لولوش وغيره فقد كانت تقاريرهم وخطبهم ومنشوراتهم - وخصوصاً رابور لولوش- تهجمات حتى على الحكومة وتقولات بالباطل والكذب (1) على النواب المسلمين مما ينم عن أمراض قلبية - والعياذ بالله- ويدل على قلة أدب وإفلاس سياسة.
طاف النواب الأنهج الإسلامية وخطبوا في الناس بلسان من قدموا لذلك ووفوا بوعدههم للوالي العام. ولم يفعل شيئاً (2) من ذلك النواب اليهود.

مفتي المسلمين وحبر اليهود:
جاء المفتي ليلة السبت وبذل جهده. أما حبر اليهود فلم يأت لا هو ولا واحد من طرفه.
__________
(1) في الأصل: تكذب
(2) في الأصل: شيء
(4/54)

الشرطة:
قام الشرطة المسلمون بواجبهم ولم تغلب عواطفم على أمانتهم حتى تقدم منهم من حرس باب المعتدي الأثيم الياهو خليفي. أما الشرطة اليهود فقد كان منهم من أطلق النار ومنهم من قتل وهو شرطي عين البيضاء.

الأمة:
وفى المسلمون بوعدهم لجماعتهم فلم يكن منهم أي اعتداء، أما اليهود فما زال الاعتداء يتكرر منهم على من ينفردون به وحده كما فعلوا ببعلي سليمان بن لخضر. ومن أقرب ذلك رمى صبيانهم نوافذ من جامع سيدي الكتاني فكسروها. نقول هذا ونحن على ثقة من تعقل إخواننا المسلمين وعدم التفاتهم إلى هذه الأفعال الطائشة التي تتولى أمرها العدالة وأنهم يبلغون كل ما يلحقهم إلى العدالة لتقوم بواجبها نحو المعتدين كما طلبنا منهم في خطبنا ووعدوا به وهم الموفون بما وعدوا.

القتلى:
دفن اليهود قتلاهم في مشهد حافل، أما قتلانا- وهم الرجل الذي قتل يوم الأحد والصبي الذي قتله الشرطي بعين البيضاء والذي مات من جراحه بعد ذلك- فإنهم دفنوا دون أن يشيعهم أحد، ودون أن تقال عليهم كلمة ودون أن تراق عليهم دمعة.
علمنا أنهم يدفنون هكذا وسكتنا- لا لهون المصاب علينا ولا لقلة ألمنا وحزننا- ولكن موافقة للإدارة على تجنب كل ما قد يثير العواطف ويكون مخيف العاقبة، وعلمت الأمة بهذا ورضيت به انقياداً لرجالها لما لها بهم من الثقة وإظهاراً لما عندها من الرغبة في الهدوء والسكينة والتغلب على العاطفة أمام ما فيه مصلحة عامة.
(4/55)

الخاتمة:
كتبنا هذا التقرير عن الحالة كما شاهدنا فيما شاهدنا، وكما تحققنا فيما بلغنا من الثقات عندنا، وإننا بعد ذلك نأسف ونألم على ما يصيب الإنسان من أخيه الإنسان وعلى أن تجري هذه الحوادث بين عنصرين ساميين إبراهيميين عاشا قروناً في وطن واحد دون أن يشهدا مثلها ونسأل الله تعالى أن يبطل كيد الظالمين، ويرد شر المعتدين عن الخلق أجمعين، وأن يرحم المستضعفين وينصر المظلومين من جميع العالمين.
وصدق الله العظيم في كتابه الكريم: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (1).
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ش: ج 10، م 10، ص 438 - 461 غرة جمادي الثانية 1353ه - 11 ديسمبر 1934م.
(4/56)

آثار ابن باديس
قسم العرب في القرآن
(4/57)

العرب في القرآن

الخطاب الذي ارتجله الأستاذ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في اجتماعها العام بنادي الترقي لهذه السنة. وموضوعه (العرب في القرآن) وقد حافظنا على معانيه وعلى الكثير من ألفاظه، وهيهات هيهات لما نود من نقله للقراء بألفاظه وجمله. فإنه خطاب عظيم في موضوع خطير لا يضطلع به غير أستاذ في علمه بفنون القرآن وغوصه على مغازيه البعيدة ونفاذه في معانيه العالية.
وعلى كل فإننا نرجو أننا قدمنا الموضوع للقراء كامل المعاني وحسبنا هذا (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-1 -
حق على كل من يدين بالإسلام ويهتدي بهدي القرآن أن يعتني بتاريخ العرب ومدنيتهم وما كان من دولهم وخصائصهم قبل الإسلام ذلك لارتباط تاريخهم بتاريخ الإسلام ولعناية القرآن بهم ولاختيار الله لهم لتبليغ دين الإسلام وما فيه من آداب وحكم وفضائل إلى أمم الأرض فأما أنهم قد ارتبط تاريخهم بالإسلام فلأن العرب هُيِّئوا تاريخيا لأجل أن ينهضوا بأعباء هذه الرسالة الإسلامية العالمية، ولأن الله الحكم العدل الذي يضع الأشياء في مواضعها بحكمة ويأمرنا أن ننزل الناس منازلهم في شريعته، ما كان ليجعل هذه الرسالة العظيمة لغير أمة عظيمة، إذ لا ينهض بالجليل من الأعمال إلا الجليل من الأمم والرِّجال. ولا يقوم بالعظائم إلا العظام من الناس.
__________
(1) تعليق ناسخ المحاضرة.
(4/59)

وأما عناية القرآن بالعرب فلأجل تربيتهم لأنهم هم الذين هُيِّئوا لتبليغ الرسالة فيجب أن يأخذوا حظهم كاملا من التربية قبل الناس كلهم, ولهذا نجد كثيرا من الآيات القرآنية في مراميها البعيدة إصلاحا لحال العرب وتطهيرا لمجتمعهم وإثارة لمعاني العزة والشرف في نفوسهم, ومن هذا الباب الآيات التي يذكر بها العرب أن هذا القرآن أنزل بلسانهم مثل: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} والذين يعقلون القرآن قبل الناس كلهم هم العرب. ومن أول القصد إلى العرب والعناية بلسانهم وتنبيههم إلى أن القرآن أنزل بلسانهم دون جميع الألسنة، جلبا لهم حتى يعلموا أنه أنزل لهم وفيهم قبل الناس كلهم.
إنّ العرب قوم يعتزون بقوميتهم وهم ذوو عزة وإباء خصوصاً في الجاهلية فكان من حكمة القرآن أن يجلب نافرهم ويقرب بعيدهم بأن هذا القرآن أنزل بلسانهم.
ومن هذا الباب توسعة الله في قراءة القرآن على سبعة أحرف وهي اللهجات التي تجتمع على صميم العربية وتختلف في غير ذلك. وسع عليهم في ذلك لتشعر كل قبيلة أن هذا القرآن قرآنها, لأن اللسان الذي أنزل به لسانها. وهذا هو ما يقصده القرآن, ومن هذا الباب أيضاً إشعارهم بأن صاحب الرسالة منهم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} الآية.
فمن الطبيعة العربية الخالصة أنها لا تخضع للأجنبي في شيء لا في لغتها ولا في شيء من مقوماتها, ولذلك ترى القرآن يذكرها بالشرف ويحدثها كثيرا عن أمة اليهود التي لا يناديها إلا بيا بني إسرائيل تذكيراً لها بجدها الذي هو مناط فخرها كل ذلك لأنها أمة تحيا بالشرف والسمو والعلو - ويذكرها بالذكر - وهو في لسانها الشهرة الطائرة
(4/60)

والثناء المستفيض يقول تعالى لنبيه وهو يعني القرآن: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ}. والأنبياء لم يبعثوا إلا في مناسب الشرف ومنابع القوة ومنابت العزة ليبنى المجد الطريف من الدين على المجد التليد من أحساب الأمة وأنسابها وشرفها وعزتها. وما كان لها من مناقب تلتئم مع أصول الدين. فقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} يعني أنه شرف لكم وقومه هم العرب لا محالة.
ويقول بعد ذلك: {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} ليُشعرهم أن عليهم من الواجبات في مقابلة هذا الشرف الذي أعطوه ما ليس على غيرهم ولا شك أن ثمن المجد غال.
وهذا الشرط الذي ذكره الله وذكر به العرب هو شرط واجب الاعتبار والتنفيذ.
لأن الأمة التي لا تؤدي ثمن المجد لا تحافظ عليه. ثم هي أمة لا يعتمد عليها في النهوض بنفسها ولا بغيرها. وإنما ذكرهم الله بذلك لينهضوا بالأمم على ذلك الأساس وهو إحياء الشرف الإنساني في نفوسها وليعاملوها على ذلك الأساس بالعدل والرحمة والتكريم وما ذكر القرآن العرب بتكريم بني آدم وخلقهم في أحسن تقويم إلا ليعاملوهم على هذه القاعدة التي وضعها الخالق, وإن أعداء البشرية اليوم وقبل اليوم يعمدون إلى قتل الشرف من النفوس ليستذلوا من هذا النوع ما أعز الله ويهينوا منه ما كرم الله.
والخلاصة أن عناية القرآن بإحياء الشرف في نفوس العرب ضرورية لإعدادهم لما هيئوا له من سياسة البشر. وبهذا نستعين على فهم السر والحكمة في اختيار الله للعرب للنهوض بهذه الرسالة الإسلامية العالمية واصطفائه إياهم لإنقاذ العالم مما كان فيه من شر وباطل.
(4/61)

وهذا السر هو أنهم ما كانوا عليه من شرف النفس وعزتها والاعتداد بها هو الذي هيأهم لذلك ولو كانوا أذلاء لما تهيأوا لذلك العمل العظيم.
وانظروا واعتبروا ذلك بحال أمة هي أقرب أمة إلى العرب وهي أمة إسرائيل فإنها لم تكن مهيأة لإنقاذ غيرها. وإنما هيئت لإنقاذ نفسها فقط لأن مقوماتها النفسية لم تصل بها إلى تلك الدرجة العليا: ولذلك عانى موسى معها ما عانى مما قصه القرآن علينا لنعتبر به في الحكم على الأمم.
ولا حاجة إلى التطويل في الحديث عن بني إسرائيل فإن القرآن قد فصل لنا شؤونهم تفصيلا وإنما أنبهكم على هذا الفارق الجوهري بين الأمتين.
وقد تقولون إن بني إسرائيل اختارهم الله وفضلهم على العالمين, والجواب الذي يشهد له الواقع أنه اختارهم لينقذوا أنفسهم من استعباد فرعون وليكونوا مظهرا للنبوة والدين في أول أطوارهما وأضيق أدوارهما وهذا هو الواقع فإن الأمة العربية استطاعت أن تنهض بالعالم كله وأن تظهر دين الله على الدين كله, وأما بنو إسرائيل فإنهم ما استطاعوا أن ينهضوا حتى بأنفسهم وإنما نهض بهم موسى نهضة قائمة على الخوارق وما نهضوا بأنفسهم إلا بعد موسى بزمن مع اتصال حبل النبوة فيهم ومغاداة الوحي الإلهي ومراوحته لهم.
فالأمتان العربية والإسرائيلية متمايزتان بحديث القرآن عنهما وإذا تلمسنا الحكمة المقصودة من اختيار الله لبني إسرائيل مع أنهم غير مستعدين للقيام بنهضة عالمية عامة وجدنا تلك الحكمة في القرآن مجلوة في أبلغ بيان, في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ
(4/62)

فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.
فالسر المتجلي من هذه الآية هو أن الله أراد بما صنع لبني إسرائيل وبما قال لهم أن يعلم هذا العالم الإنساني من سنن الله في كونه ما لم يكن يعلم وهو إخراج الضد من الضد وإخراج الحي من الميت وإنقاذ الأمة الضعيفة التي لا تملك شيئاً من وسائل القوة الروحية ولا من وسائل القوة المادية، من العباد الأقوياء المتألهين فهو مثل عملي ضربه الله لخلاص أضعف الضعفاء من مخالب أقوى الأقوياء وجعل المستضعفين أئمة وارثين، وسادة غالبين، والتمكين لهم في الأرض، وإراءة الأقوياء المستعلين في الأرض عاقبة باطلهم لكيلا ييأس المستضعفون في الأرض من روح الله وقد قال موسى لبني إسرائيل تمكيناً لهذا المعنى في نفوسهم: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.
وإلى هذا المثل العملي تشير الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}.
وأمّا العرب فإنهم اختيروا لوظيفة عالمية عامة لما فيهم شرف متأصل واستعداد كامل وصفات مهيأة ولهذا كان منبع الرسالة بمكة وشأنها عند العرب هو شأنها، فهم مجمعون على تخليصها ولأنها في وسط الجزيرة وصميمها، ووسط الجزيرة بعيد كل البعد عن المؤثرات الخارجية في الطباع والألسنة تلك المؤثرات التي يجلبها الاحتكاك بالأجانب والاختلاط بهم. وكل أطراف الجزيرة لم تخل من لوثة في الطباع وعجمة في الألسنة، جاءت من الاختلاط بالأجنبي، ولا أضر على
(4/63)

مقومات الأمم من العروق الدساسة. فاليمن دخلتها الدخائل الأجنبية من الحبشة والفرس على طباع أهلها وألسنتهم, والشام ومشارفه كانت مشرفة على الاستعجام والعراق والجزيرة لم يسلما من التأثر بالطباع الفارسية. فكانت هذه الأطراف تنطوي على عروبة مزعزعة المقومات، ولم يحافظ على الطبع العربي الصميم إلا صميم الجزيرة ومنه مكة التي ظهر فيها الإسلام وهذا الوسط وإن كان عريقا في الصفات التي تسمى العصر لأجلها جاهليا, ولكنه كان بعيدا عن الذل الذي يقتل العزة والشرف من النفوس والجاهل يمكن أن تعلمه والجافي يمكن أن تهذبه. ولكن الذليل الذي نشأ على الذل يعسر أو يتعذر أن تغرس في نفسه الذليلة المهينة عزة وإباء وشهامة تلحقه بالرجال.
هذا توجيه موجز مقرب لاختيار الله تعالى العرب للنهوض بالرسالة العامة.
وشيء آخر يرتبط بهذا وهو أن الله كما اختار العرب للنهوض بالعالم كذلك اختار لسانهم ليكون لسان هذه الرسالة وترجمان هذه النهضة، ولا عجب في هذا فاللسان الذي اتسع للوحي الإلهي لا يضيق أبدا بهذه النهضة العالمية مهما اتسعت آفاقها وزخرت علومها وهذا جانب لا أتحدث عنه فقد كفانا مؤنته أخونا الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي في محاضرته التي سمعتموها بالأمس (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 15، ص 21 - 25 غرة محرم 1358ه - فيفري 1936م.
(4/64)

العرب في القرآن

-2 -
أيّها الإخوان:
جعلنا عنوان الخطاب ((العرب في القرآن)) وقلنا في أول كلمة منه أن العناية بالعرب حق على كل مسلم لارتباط تاريخهم بتاريخ الإسلام. فما هو حظ العرب من القرآن من الناحية التاريخية بعد أن سمعتم هذه التوجيهات العامة.
والعرب مظلومون في التاريخ فإن الناس يعتقدون ويعرفون أن العرب كانوا همجا لا يصلحون لدنيا ولا دين حتى جاء الإسلام فاهتدوا به فأخرجهم من الظلمات إلى النور.
هكذا يتخيل الناس العرب بهذه الصورة المشوَّهة، ويزيد هذا التخيل رسوخاً ما هو مستفيض في آيات القرآن من تقبيح ما كان عليه العرب ليحذرنا من جاهلية أخرى بعد جاهليتهم.
والحقيقة التي يجب أن أذيعها في هذا الموقف هي أنَّ القرآن وحده هو الذي أنصف العرب. والناس بعد نزول القرآن قصَّروا في نظرتهم التاريخية إلى العرب فنشأ ذلك التّخيل الجائر عن القصد. والتاريخ يجب أن لا ينظر من جهة واحدة بل ينظر من جهات متعددة وفي العرب نواح تجتبى ونواح تجتنب, وجهات تذم وتقبح وجهات يثنى عليها وتمدح. وهذه هي طريقة القرآن بعينها. فهو يعيب من العرب رذائلهم النفسية كالوثنية ونقائصهم الفعلية كالقسوة والقتل.
(4/65)

وينوه بصفاتهم الإنسانية التي شادوا بها مدنياتهم السالفة واستحقوا بها النهوض بمدنية المدنيات.
ولنذكر عاداً فهي أمة عربية ذات تاريخ قديم ومدنية باذخة ذكرها القرآن فذكرها بالقوة والصولة وعزة الجانب ونعى عليها الصفات الذميمة التي تنشأ عن القوة قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}.
فالنظرة التاريخية المجردة في هذه الآية وفيما ورد في موضوعها ترينا أن عاداً بلغت من القوة والعظمة مبلغاً لم تبلغه أمة من أمم الأرض في زمنها حتى أن الله جل شأنه لم يتحد قولهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} إلا بقوته الإلهية التي يذعن إليها كل مخلوق، ولو كانت في أمم الأرض إذ ذاك أمة أقوى منهم لكان الأبلغ أن يتحداهم بها. وإن أمة تقول هذه الكلمة بحالها أو مقالها لهي أمة معتدة بقوتها وعظمتها.
ومن هذه الآية وحدها نستفيد أن عاداً كانت أشد الأمم قوة وأنها ما بلغت هذه الدرجة من القوة إلا بمؤهلات جنسية طبيعية للملك وتعمير الأرض وأن تلك المؤهلات فيها وفي غيرها من شعوب العرب هي التي أعدتهم للنهوض بالرسالة الإلهية.
وإن القرآن لا ينكر عليهم هذه المؤهلات وإنما ينكر عليهم لوازمها ولا ينكر عليهم القوة والعظمة وإنما ينكر عليهم أن يجعلوها ذرائع للباطل والبغي ومحادة الله بدليل قوله لهذه الأمة: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} فهو يضمن لهم أنهم إن آمنوا وعملوا الصالحات يزيد قوتهم تمكيناً وبقاء, ومحال أن ينكر القرآن على
(4/66)

الناس القوة وهو الداعي إليها والمنفر من الضعف وإنما شرع القرآن بجنب الدعوة إلى القوة أن تكون للحق وللخير وللرحمة والعدل.
وكذلك قوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (1) فإن هذه الآية - زيادة عن إفادتها لمعنى ما قدمناه - تكشف لنا نواح (2) من تاريخ هذه الأمة العربية ومبلغ مدنيتها وتعميرها فهي تدل على أنهم كانوا بصراء بعلم تخطيط المدن والأبنية وهو علم لا يستحكم إلا باستخدام الحضارة في الأمة ومأخذ هذا من قوله: {بِكُلِّ رِيعٍ}.
والآية في قوله آية هي بناء شامخ يدل على قوتهم أو هي آية هادية للسائرين وهي على كل حال بناء عظيم يدل على عظمتهم وقوتهم وما زالت عظمة البناء تدل على عظمة الباني.
ولم ينكر عليهم نبيهم نفس البناء الذي هو مظهر القوة. وإنما أنكر عليهم الغاية المقصودة لهم من ذلك البناء الشامخ فمحَطُّ الإنكار قوله: {تَعْبَثُونَ}، ولا شك أن كل بناء شامخ لا يكون لغاية شريفة محمودة فهو عبث ولهو وباطل.
والمصانع، يقول المفسرون أنها مجاري المياه أو هي القصور, وعلى القولين فهي دليل على معرفتهم بفن التعمير علماً وعملاً وبلوغهم فيه مبلغاً عظيماً فهي من شواهدنا على ما سقنا الحديث إليه.
ولكن ليت شعري ما الذي صرف المفسرين اللفظيين عن معنى المصنع اللفظي الاشتقاقي والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو أن المصانع
__________
(1) 26/ 128 - 131
(2) كذا في الأصل والصواب: نواحي.
(4/67)

جمع مصنع من الصنع كالمعامل من العمل وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران. وهل كثير على أمة توصف بما وصفت فيه في الآية، أن تكون لها مصانع بمعناها العرفي عندنا؟ بلى وإن المصانع لأوَّل لازم من لوازم العمران وأول نتيجة من نتائجه.
ولا أغرب من تفسير هؤلاء المفسرين للمصانع إلا تفسير بعضهم للسائحين والسائحات بالصائمين والصائمات والحق أن السائحين هم الرحالون والرواد للاطلاع والاكتشاف والاعتبار والقرآن الذي يحث على السير في الأرض والنظر في آثار الأمم الخالية حقيق بأن يحشر السائحين في زمرة العابدين والحامدين والراكعين والساجدين فربما كانت فائدة السياحة أتم وأعم من فائدة بعض الركوع والسجود.
ولا يقولن قائل إذا كانت المصانع ما فهمتم فلماذا يقبحها لهم وينكرها عليهم فإنه لم ينكرها عليهم لذاتها وإنما أنكر عليهم غاياتها وثمراتها فإن المصانع التي تشيد على القسوة والقسوة لا تحمد في مبدأ ولا غاية. وأي عاقل يرتاب في أن المصانع اليوم هي أدوات عذاب لا رحمة ووسائل تدمير لا تعمير فهل يحمدها على عمومها وإن دلائل حضارة ومدنية كانت.
ومن محامد المصانع أن تشاد لنفع البشر ولرحمتهم ومن لوازم ذلك أن تراعى فيها حقوق العامل على أساس أنه إنسان لا آلة.
{وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} لا بد لكل أمة تسود وتقوى من بطش ولكن البطش فيه ما هو حق بأن يكون انتصافا وقصاصا وإقامة لقسطاس العدل بين الناس وفيه ما هو بطش الجبارين والجبار هو الذي يجبرك على أن تعمل بإرادته لا بإرادتك فبطشه إنما يكون انتقاما لكبريائه وجبروته وإرضاء لظلمه وعتوه وتنفيذا لإرادته الجائرة التي لا تبنى على شورى وإنما تبنى على التشهي وهوى النفس
(4/68)

لذلك لم ينقم منهم البطش لأنه بطش وإنما نقم منهم بطش الجبابرة الذي كله ظلم.
وفي القرآن ما هو كالتتمة لبحثنا عن حضارة العرب وكالعلاقة لحضارة عاد بعينها وهي حكاية عاد إرم ذات العماد.
فهذا الوصف البليغ الذي نقرؤه في سورة الفجر صريح بألفاظه ومعانيه في أنه وصف لحضارة عمرانية لا نظير لها, فالعماد لا تكون إلا في القصور والأبنية الباذخة والمدن المخططة على نظام محكم, وقد قال تعالى وهو العالم بكل شيء أنه: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} ومدينة هذا وصفها لا تشيدها إلا أُمة لا نظير لها في القوة وآثار الحضارة يتبع بعضها في الضخامة والعظم والوصف القرآني لها وإن سيق للاتعاظ بعاقبتهم يدل الباحث التاريخي على أنهم بلغوا في الحضارة غاية لا وراءها, وهم أمة عربية. فهذه المدينة شيدت في جزيرة العرب لا محالة. وأن الأقرب في التذكير بهم والاتعاظ بمصيرهم أن تكون الرؤية في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} علمية لأن التذكير عام لمن تتيسر له رؤية العين ولمن لم تتيسر له, ولو ائتمرت الأمم الإسلامية بأوامر القرآن لنشأ فيها رواد يرودون الجزيرة ويجوبون مجاهلها ولو فعلوا لأمكن أن يعثروا على آثار هذه المدينة أرض عاد وهي معروفة ويجمعوا بين الرؤية البصرية والرؤية العلمية وبين العلم والاتعاظ وإننا لا نعبأ في مقام البحث العلمي بما حف هذه الحكاية من أساطير. ولا بما وقع فيه شيخ المؤرخين ابن خلدون حينما تعرض لنقض تلك الأساطير (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 15 ص 70 - 74 غرة صفر 1358ه - مارس 1939م.
(4/69)

العرب في القرآن
من الخطاب الذي ألقاه رئيس جمعية العلماء
في اجتماعها العام الماضي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-3 -
وأمة أخرى من الأمم العربية وهي ثمود، وهي أمة عربية نلعنها بلعن القرآن لها ولكننا نذكرها بما ذكرها به القرآن من قوة وتعمير وحضارة, فصالح رسول هذه الأمة يقول في دعوتها إلى الله وتعريفها بنعمه: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}. فأمة أية أمة لا تعمر الأرض إلا إذا ملكت وسائل التعمير وهي كثيرة ومجموعها هو ما نسميه الحضارة أو المدنية.
وقد كشفت لنا عن هذا الإستعمار الثمودي عدة آيات بليغة الوصف، ولكن أبلغها وصفا وأدقها تصويرا قوله تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ}.
أما المغزى الذي سيقت هذه الآية لأجله فهو النفي عليهم. كيف يستعينون بنعم الله التي يسرها لهم على الكفر به، وإنذارهم أن الكفر بها وبمؤتيها سيكون سببا في زوالها وفي ضمن هذا عرفنا حالتهم التي كانوا عليها في تعمير الأرض. وهي حالة أمة بلغت النهاية في الحضارة المادية وفنونها من زرع الأرض وتلوينها بأصناف الشجر منظمة وتقسيم المياه على تلك الغروس إلى ما يستلزمها كل ذلك من علم
(4/70)

بحال الأرض وطبائعها وأحوال الأشجار المغترسة وطبائعها وأحوال الفصول الزمنية وأحوال الجو وأحوال التلقيح والآبار والجني وعلم بأصناف التمتع من مناظر ومجالس ومقامات ومآكل. ثم القيام على حفظ ذلك العمران من إفساد الأيدي السارقة وكل هذا مما يستلزمه وصف القرآن لحالهم لأجل تذكيرهم والتذكير بهم, وقد ذكرهم القرآن في مواضع بإتقانهم لنحت الحجر, والشجر والحجر آيتا الحضارة المبصرتان, ومن يعرف الحضارة الرومانية بهذا الوطن يعرف أنها ما قامت إلا على نحت الحجر وغرس الشجر.
وإن نحت الحجر ليستدعي حاسة فنية ويستدعي مع ذلك قوة بدنية وقد نعتهم القرآن في نحتهم للحجر بحالة ملابسة فوصفهم مرة بأنهم آمنون ومرة بأنهم فرهون، والفاره هو الذي يعمل بنشاط وخفة ولا يأتيه ذلك إلا من خبرته بما يعمل وعلمه بدقائقه واعتياده له. ومعنى هذا أن أصول هذه الصناعة التي اشتهر بها المصريون القدماء والرومان قد رسخت فيهم ولكن التاريخ المنقول ظلم العرب وبخسهم حقهم كما قلت لكم في طالعة هذا الخطاب.
هاتان أمتان من الأمم العربية أثبت القرآن حالهما فكان لنا مصدرا تاريخيا معصوما في إثبات حضارة الشعوب العربية التي بزت فيها الأمم.
ولننتقل الآن إلى ناحية أخرى من نواحي الجزيرة العربية وهي اليمن التي عرفها اليونان وغيرهم وعرفوا المدنيات التي قامت فسموها بالعربية السعيدة وإننا إذا انتقلنا إلى هذه الناحية من الجزيرة نجد العز القدموس والمجد الباذخ والماضي الزاهر لهذه الأمة التي نفتخر بالانتساب إليها ونباهي الأمم بمدنياتها بالحق والبرهان. وإننا في حديثنا عن اليمن لا نخرج عن شواهد القرآن.
(4/71)

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}.
ليس المقام مقام تبسط في وجوه البلاغة المعجزة التي تنطوي عليها هذه الآيات فقد استوعبت تاريخ أمة في سطور. وصورت لنا أطواراً اجتماعية كاملة في جمل قليلة أبدع تصوير ووصفت لنا بعض خصائص الحضارة والبداوة في جمل جامعة لا أظن غير اللسان العربي يتسع لحملها كقوله: {قُرًى ظَاهِرَةً} وكقوله: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ}. وكقوله: {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}، حتى إذا وصل القارئ إلى مصير هذه الأمة التي سمع ما هاله من وصفها واجهه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ}، وأدركه الغرق في لجج البلاغة الزاخرة.
اللهم إن السلامة في الساحل وإننا لا نعدو موضوعنا تصور حضارة العرب مما يحكيه القرآن عنها في معرض بيان مصائرها حين كفرت بأنعم الله وبرسله.
الآيات صريحة في أن مدنية سبأ كانت مدنية زاهرة مستكملة
(4/72)

الأدوات ومن قرأ القرآن بعقله فهم ما نفهم من آياته وعلم كما نعلم أن مدن سبأ كانت عامرة بالبساتين عن يمين وشمال. ويمين من؟ وشمال من؟ إنه ولا شك يمين السائر في تلك المدن أو الأراضي وشماله ومعنى هذا أن طرق السير كانت منظمة تبعا لتنظيم الغروس عن يمينها وشمالها والاكتشافات الأثرية اليوم التي كان لليمن حظ ضئيل منها وإن كان على غير يد أهلها - تشهد بأن أمم الحضارات اليمنية كانوا من أسبق الأمم إلى بناء السدود المنيعة لحصر المياه والانتفاع بها في تعمير الأرض, وإقامة السدود لا تتم بالفكر البدوي .. والعمل اليدوي, بل تتوقف على علوم فكرية منها الهندسة والهندسة تتوقف ثمراتها على علوم كثيرة وعلوم العمران كعروق البدن يمد بعضها بعضاً فهي مترابطة متماسكة متلاحمة - فما يكون السبإيون بلغوا في الهندسة مبلغاً أقاموا به سد مأرب حتى يبلغوا في غيره من علوم العمران ذلك المبلغ.
ولكن لما كفروا بأنعم الله واستعملوها في ما يسخطه سلط الله عليهم من الأسباب ما خرب عمرانهم وأباد حضارتهم وذلك قوله تعالى: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ... } الخ.
ويقول في وصف عمرانهم: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً}، يعني أن عمرانهم لم يكن محدودا، وإنما كان متصلاً بعضه ببعضه. فالقرى والمدن يظهر بعضها من بعضها لقربها وتلاحمها فلا يكاد المسافر يبرح مدينة حتى تبدو له أعلام الأخرى, ولا يكون هذا إلا إذا كان العمران متصلاً. وهذا هو معنى الظهور في الآية فهو ظهور خاص. وتقدير السير هو أن يكون منظماً ومن لوازمه أن تكون الأوقات مضبوطة بالساعات والطرق محدودة بالعلامات التي
(4/73)

تضبط المسافة, وقوله تعالى: {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} يرشدنا إلى امتداد العمران مسافة الليالي والأيام وأن الأمن كان ما دار رواقه على هذا العمران. ولا يتم العمران إلا بالأمن ولكن فات القوم أن يحصنوا هذه المدينة الزاخرة بسياج الإيمان والشكر والفضيلة والعدل وكل مدينة لم تحصن بهؤلاء فمصيرها إلى الخراب, والناس من قديم مفتونون بعظمة المظاهر يحسبون أنها خالدة بعظمتها باقية بذاتها, فالقرآن يذكر لنا كثيراً من مصائر الأمم حتى لا نغتر بمظاهرها وحتى نعلم أن سنة الله لا تتخلف في الآخرين كما لم تتخلف في الأولين.
وأما قوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} فإن المفسرين السطحيين يحملونه على ظاهره وأي عاقل يطلب بعد الأسفار؟
والحقيقة أنهم لم يقولوا هذا إلا بألسنتهم وإنما هو نتيجة أعمالهم, ومن عمل عملاً يفضي إلى نتيجة لازمة فإن العربية تعبر عن تلك النتيجة بأنها قوله وهذا نحو من أنحاء العربية الطريفة.
ولا زال الناس - على عاميتهم - يقولون فيمن عمل عملاً يستحق عليه الضرب أو القتل: أنه يقول اقتلني أو اضربني, وهو لم يقل ذلك وإنما أعماله هي التي تدعوا إلى ذلك، فالمعنى أن أعمالهم هي التي طلبت جزاءها اللازم لها المرتبط بها ارتباط اللازم بالملزوم والدال بالمدلول فكأن ألسنتهم قالت ذلك ويؤيد هذا في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} لأن الجزاء أثر للفعل فهو مرتبط به ولا يقولن قائل: القول يقع مدلوله في القلب حالاً ولا كذلك العمل فقد يتأخر جزاؤه طويلا ً- لأن الجزاء إذا كان محقق الوقوع يصير كأنه حاصل بالفعل وكل عاقل يقطع بأنه إذا وقع الظلم من الظالم فقد استحق عليه الجزاء ولا يلاحظ مسافة ما بين الظلم وجزائه.
(4/74)

وأما المباعدة بين أسفارهم التي اقتضاها كفرهم بأنعم الله, فهي كناية عن محو العمران وخراب القرى التي كانت ظاهرة متقاربة حتى لا يبقى منها إلا القليل فيتباعد ذلك القليل بالطبع بخراب الكثير.
وأين العمران المتلاحم الذي يرتاح فيه المسافر لضبط المسافة وتعدد المشاهد من الخراب الذي يوحش فيزيد المسافة بعداً على بعد.
وملكة سبأ وعرشها العظيم وملكها وما قصه القرآن من نبئها أعظم وأروع فمخبر سليمان عليه السلام يقول عنها: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} وما وصف عرش ملكة سبأ بالعظيم عند سليمان نبي الله الذي سخر له الجن والريح - إلا وهو في نفسه عظيم.
أيها الإخوان:
إن في قصة ملكة سبأ في القرآن لدرساً تتفجر منه ينابيع العظة والعبرة وإرشاداً إلى ما تقوم به الأمم ولولا أن هذا الخطاب قد طال لآثرنا منها العبر وأثرنا بها العبر. ولكن لا يفوتنا أن نلخص منها إشارات وما عليكم بعد ذلك إلا أن تتدبروا الآية ففيها نظام الشورى صريحاً لا مواربة فيه وفيها أن بناء الأمم إنما يعتمد على القوة وقد تكون مؤنثة فلا بد أن يسندها بأس شديد. وفيها أن الملأ هم الأشراف وأهل الرأي وهم أعضاء المجالس الشورية ولعلهم كانوا بالانتخاب العرفي وهو نظام مدني ولعلهم كانوا بالانتخاب الطبيعي أو الوراثي وهو لا يكون إلا في الأمم التي شبت عن طوق البداوة.
ولعل كاتباً من كتابنا يتناول هذا البحث بحث الانتخاب في الإسلام ولئن استرشد القرآن في هذا الباب ليرشدنه.
(4/75)

هذه مدنيات ضخمة غيرت في هذه الأمة التي أهلها الله لحمل الرسالة الإلهية إلى العالم وهذه بعض خصائص هذه الأمة التي هيأها الله للنهوض بالعالم وإنقاذه من شرور الوثنية وبنياتها ومن ضلال العبودية بجميع أصنافها. وإن القومية العربية موضوع مترامي الأطراف. وليس من الممكن الإحاطة به في مثل هذا الخطاب. وحسبي أن أكون قد خدمتها من هذه الناحية التي هي خدمة للإسلام والقرآن وعليكم السلام. (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 15، ص 119 - 124 غرة ربيع الأول 1358ه - أفريل 1939م.
(4/76)

آثار ابن باديس
قسم التراجم
(4/77)

رجال الإسلام ونساؤه
ش. " هذا باب جديد فتحناه في (الشهاب) أردنا منه أن يطلع القراء على تراجم بعض رجالنا ونسائنا من سلفنا الصالح وما لهم من صفات أكسبهموها الإسلام وما كان منهم من أعمال في سبيله، ففي ذلك ما يثبت القلوب ويعين على التهديب، ويبعث على القدوة، وينفخ روح الحياة وما حيي خلف إلاَّ بحياة سلف، وما حياة السلف إلا بحياة تاريخهم ودوام ذكرهم، ولسنا هنا لتتبع الأخبار واستيعاب الحوادث وإنما نقتصر على ما يحصل أصل القصد، ويفي لأكثر القراء بالغرض، ويبعث همم الطلاب إلى التوسل في هذا العلم، ويبعث رغباتهم إلى الازدياد منه، وليس هذا الباب مقصوراً على قلم تحرير المجلة فلكل كاتب أن يعرض فيه ما عنده من حديث عن رجل أو امرأة من أبناء أو بنات الإسلام. واليوم لما جاء ذكر عبارة بن الصامت وزوجه أم حرام في صدر هذا الجزء فإنا رأينا لهذه المناسبة أفتتاح هذا الباب بذكرهما رضي الله عنهما".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/79)

عبادة بن الصامت
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أنصاري خزرجى من السابقين الأولين. بايع ليلة العقبة وعينه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بها نقيباً، شهد بدراً وجميع المشاهد بعدها.
ممن جمع القرآن في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وروى عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- كثيراً، فكان بما حفظ من كتاب الله وروى من حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقيهاً في دين الله - ولا والله ما فقه الإسلام ممن لم يفقه الكتاب والسنة، وما كان فقه الصحابة والتابعين وأئمة الدين إلا بالفقه فيهما- ولفقهه بعثه عمر - رضي الله عنه - ومعاذ وأبا الدرداء إلى أهل الشام يعلمونهم القرآن ويفقهونهم، وهكذا كانو يبعثون الفقهاء لتعليم الناس أمر دينهم وتفقيههم فيه، وهو ما أخدت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على نفسها القيام به، وهو ما قامت النواحي التي تستغل جهل المسلمين تقاومها من أجله- فأقام عبادة بحمص ثم بفلسطين، وبها مات سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنين وسبعين سنة.
كان عبادة قويا في دين الله لا تأخذه في الحق لومة لائم، فكان له مع معاوية - وهو أمير على الشام - مواقف في الإنكار عليه، وكان معاوية يعترف له بالتقدم عليه بالفقه، ثم تبرم منه فشكاه إلى عمر -رضي الله عنه- وارتحل إلى المدينة فرده عمر إلى الشام وقال له: قبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك. وكتب إلى معاوية أن لا إمرة لك على عبادة. كان صلبا في دينه يوالي في الله ويعادي فيه: كان يهود
(4/80)

بني قنقاع حلفاءه فلما رأى عدواتهم للإسلام وتربصهم بأهله جاء إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال له: أن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، وأتولى الله ورسوله. وكان لعبد الله بن أبيِّ رأس المنافقين من الولاية فيهم مثل ما لعبادة، فبقي على ولايتهم واعتذر من بقائهم على ولائهم بأنه يخاف الدوائر. وفيها نزل قول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} - إقرأ مع هذه الآية قول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فكان عبادة بن صامت أول من سن سنة رفض ولاية موالية لما رأى منهم الشر وتولى الله ورسوله، ومن سن سنة حسنة في الإسلام كان له أجْرُها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فرحمه الله الهادين المهتدين
(4/81)

أم حرام بنت ملحان
- رضي الله عنها -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
النجارية الأنصارية خالة أنس بن مالك، وأخت أم سليم وزوجة عبادة بن الصامت.
كان النبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- يكرمها ويزورها في بيتها، وما كان ذلك إلاَّ لكمالٍ في دينها وصلاحها، وقد ظهر أثر هذا الدين والصلاح في مبادرتها لطلب الدعاء من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن تكون من الغزاة في البحر لما ذكر لها ما عرض عليه في نومه من أناس من أمته، كالملوك على الأسرة، غزاة في البحر، وعودها إلى الطلب لما ذكر لها مثلهم في المرة الثانية حتى قال لها: أنت من الأولين.
امرأة تسمع بالغزو وفي البحر ولا يهولها الغزو وما فيه من مشقة وما وراءه من القتل، ولا البحر وأهواله وهي امرأة لم تعتد ركوبه ولا تعرف عنه إلاَّ أنه خلق عظيم ذو هول كبير وخطر شديد قريب، لا يقف أمامها لا هذا ولا ذاك، وإنما يقف أمامها ويستولي على نفسها ويحيط برغبتها منزلة الشهادة وما فيها من الأجر والمثوبة، وما وراءها من الخير والكرامة، فتحرص ذلك وتؤكد الطلب، وتعود إليه مرة بعد أخرى، هذا - والله- الإيمان حقاً، والرغبة في العمل الصالح صدقاً وبذل أعز ما عند الإنسان لخالقه في طلب مرضاته.
صدقت أم حرام قولها بفعلها، فلما خرج زوجها مع معاوية لغزو جزيرة قبرص خرجت معه وماتت في تلك الغزاة لما خرجت من البحر ونزلت أرض الجزيرة ودفنت بها. وذكر هشام بن عمار الخطيب المقرئي الثقة أنه رأى قبرها بقبرص ووقف عليه، فرحمة الله عليها من امرأة صالحة ومؤمنة صادقة في نساء المسلمين (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 10، ص 14 - 16 غرة رمضان 1352ه - جانفي 1934م.
(4/82)

سعد بن الربيع
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أنصاري خزرجى، شهد بيعة العقبة الأولى والثانية، أحد النقباء الإثني عشر. شهد بدرا واستشهد يوم أحد، كرم اخوته ومراعاته لحقوقها لما قدم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار لتقوية الرابطة العامة بالرابطة الخاصة فآخى بين سعد بن الربيعة وعبد الرحمن بن عوف. وكان سعد أكثر من الأنصار مالا وكان متزوجاً امرأتين فرأى من حق هذه الأخوة بينه وبين أخيه المهاجري أن يشاطره ما عنده فقال لعبد الرحمن:"إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم لك نصف مالي وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها" فقال له عبد الرحمن: "بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق" (1) فلم يكتف سعد بالنزول لأخيه عن شطر ماله حتى أراد النزول له عن إحدى زوجتيه لأنه يعلم أن الأخوة ليست وصفاً يكفي أن يثبت بالألسنة بل هي رابطة وعقيدة لا تحققها إلا الأفعال وهذه حقيقة الأخوة خاصة كانت أو عامة فالمسلم الذي يشعر بأخوة الإسلام شعوراً صحيحاً ويعتقدها اعتقاداً صادقاً هو الذي يشاطر المسلمين في سرائهم وضرائهم ويشركهم معه فيما عنده من خير بقدر ما استطاع فأما من لم يهتم بأمورهم وقبض يده عن مواساتهم وشح بالفرض والمستحب من الصدقة عليهم فهو كاذب في أخوته جاهل بحقيقة الأخوة وقد قال الله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ
__________
(1) البخاري.
(4/83)

فِي الدِّينِ}. وقال -صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها».

صدق ما عاهد الله عليه:
كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص وكان هذا الصحابي من أبطال ذلك اليوم وممن أبلوا فيه البلاء الحسن وجاهد حتى سقط مطعوناً باثنتي عشرة طعنة وتفقده رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولم يره في الناس، فقال من يأتني بخبر سعد بن الربيع فقال رجل - هو أبي ابن كعب - أنا، فجعل يطوف بين القتلى فقال له سعد بن الربيع ما شأنك، فقال الرجل: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لآتيه بخبرك، قال: "إذهب إليه فأقرأه مني السلام وأخبره بأنني طعنت اثنتي عشرة طعنة وإني أنقذت مقاتلي، وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وواحد (1) منهم حي".
فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم ينسه ما هو فيه من مصاب عظيم في ذلك اليوم من تفقد أصحابه وهذا السيد الجليل لم ينسه ما فيه من ألم الجراح وحالة الاحتضار من إبلاغ سلامه للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ومن النصح لقومه بما عليهم من حفظ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى آخر واحد منهم وفاء بما عاهدوه عليه ليلة العقبة.
فالمسلم لا ينسيه ألم يصيبه في سبيل الله ما بقي عليه من الواجبات لدينه ولا يترك النصح حتى في أشد الأحوال ويبذل في سبيل الوفاء على ما عاهد الله عليه نفسه راضياً مغتبطاً.
هكذا كان الصحابة يبذلون في حفظ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أرواحهم والتابعون لهم من المسلمين هم الذين يبذلون في
__________
(1) الموطأ.
(4/84)

حفظ دينه من بعده كل عزيز فحياته -صلى الله عليه وآله وسلم- في أمته ببقاء دينه فيهم قائماً. والحمد لله أنه لا تزال طائفة قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون (1).
__________
ش: ج 2، م 10، ص 61 - 62 غرة شوال 1352ه - جانفي 1934م.
(4/85)

الحجاج بن عِلاَط
- رضي الله تعالى عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
نسبه: الحاج بن عِلاطَ (ككتاب) السلمي.

إسلامه ووفاته: أسلم عام خيبر وتوفي في أول خلافة عمر - رضي الله عنه -.

مسكنه وإقامته: أقام بالمدينة ثم نزل الشام فسكن حمص.

حاله في الجاهلية: كان تاجراً كثير المال وكان يستخرج الذهب من معادن بني سليم.

حاله في الإسلام: هو أول من بعث إلى الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بصدقة من معدن بني سليم فما ذخل الإسلام قبله حتى خرج منه ذلك الشح الذي يلازم في الغالب أرباب الأموال فبادر بإرسال صدقة معدنه طائعاً طيبة بها نفسه وهكذا يفعل الإيمان عندما تخالط بشاشته القلوب.
كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أمراء الآفاق أن يبعثوا إليه من كل عمل رجلا من صالحيها فبعثوا أربعة من البصرة والكوفة والشام ومصر، فاتفق أن الأربعة من بني سليم وهم الحجاج بن عِلاَط، وزيد بن الأخنس، مجاشع بن مسعود وأبو الأعور.
فكان الحجاج أحد هؤلاء الأربعة المشهود لهم من عموم أهل أقطارهم بالصلاح خدعه لقريش حتى نجا بماله: لما فتحت خيبر وكان هو قد أسلم خشي (1) أن تسمع قريش بإسلامه فتستولي على
__________
(1) في الأصل: خيشي
(4/86)

ماله الذي كان متفرقا على تجارها وغيرهم، فاستأذن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يذهب إلى مكة كاتماً إسلامه ليعمل على تخليص ماله ونجاته به من قريش، فإذن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ورأى أنه لا بد أن يحتاج في خداع قريش إلى شيء من النقول بخلاف الواقع فقال للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه لا بد لي - يا رسول الله - من أن أقول" قال: "قل".
فخرج حتى أتى قريشا فاسألوه عن النبي -صلى الله عليهوآله وسلم- وأصحابه فقال لهم هزم شر هزيمة وقتل أصحابه شر قتل وأخد أسيرا وقال أهل خيبر لا نقتله حتى نبعته إلى أهل مكة فيقتلوه بما قتل من رجالهم. فصدقته قريش فقال لهم أنه يريد أن يعجل إلى خيبر قبل أن يسبقه التجار إليها فأعانوه على جمع ماله حتى نجا به وانطلت عليهم حيلته.
وكان قبل أن يفارق جاءه العباس يسأله عما جاء به من الخبر فأخبره بالحقيقة على وجهها واستكتمه حتى يمضي على خروجه من مكة ثلاثة أيام فلما مضت الثلاثة الأيام لبس العباس حلته وجاء فطاف بالكعبة فلما رأته قريشاً على تلك الحالة الطيبة قالوا له هذا والله التجلد على المصيبة يعنون ما جاءهم به الحجاج من الخبر عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فأخبرهم العباس بجلية الأمر وأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- افتح خيبر وتزوج ببنت ملكهم وأن الحجاج أخد أموالهم ليلحق به فاشتد عليهم ذلك وبلغ منهم المبلغ العظيم من الأسف والحنق.
وحديث الحجاج هذا قال الإمام عبد البر: "صحيح من رواية ثابت البناني وغيره عن انس" ورواه من الأئمة أحمد وغيره.

الأسوة:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
(4/87)

أذن له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في التقول والأخبار بخلاف الواقع عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- ما لا يجوز أن يقال عليه من الهزيمة والأسر -لأن ذلك كله من خدع الحَرب لأجل التوصل إلى افتكاك مال الحجاج منهم حتى لا يتقووُّا به وإدخال الغيط عليهم وإحداث الوهن في قلوبهم.
فكان ذلك منه -صلى الله عليه وآله وسلم- شرعاً عاماً وحُكماً باقياً في مثل تلك الحال مقدراً بذلك المقدار (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 10، ص 103 - 104 ذو القعدة 1352ه - فيفري 1934م.
(4/88)

أبو ذر الغفاري
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-1 -
كيف كان إسلامه:
من السابقين الأولين وقصة إسلامه كما جاءت في صحيح البخاري - مع الشرح - في مواضع هكذا:"بلغ أبا ذر مبعث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال لأخيه أنيس: إركب إلى هذا الوادي - يعني مكة - فأعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء فانطلق حتى أقدم مكة وسمع من قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وسمعت منه كلاما ما هو بكلام الشعر. فقال أبو ذر: ما شفيتني مما أردت. فتزود وحمل شنة من ماء وجراباً من طعام وعصا وسار حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي- صلى الله عليه وآله وسلم - وهو لا يعرفه وهو كره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع فرآه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فعرف أنه غريب فقال له كأن الرجل غريب فقال نعم فقال له علي فانطلق معي إلى المنزل فانطلق معه لا يسأل أحدهما صاحبه عن شيء فبات عنده فلما أصبح عاد إلى المسجد فقضى اليوم الثاني كالأول ورآه علي واستصحبه إلى منزله فلما أصبح عاد إلى المسجد ومضى عليه اليوم كسابقيه واستصحبه علي معه كالسابق وسأله ألا تحدثني ما الذي أقدمك قال أبو ذر إن أعطيتني عهداً وموثقاً لترشدنني فعلت؟ فأعطاه علي العهد والميثاق فأخبره بالذي أقدمه. قال علي: فإنه حق وهو رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فإذا أصبحت
(4/89)

فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخاف منه عليك قمت كأنني أريق الماء فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي فانطلق أبو ذر يقفوا أثر علي حتى دخل علي على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فدخل أبو ذر فسمع من قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأسلم مكانه فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك فأخبرهم فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقال أبو ذر والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله) فقامت إليه قريش فضربوه ضرب الموت حتى أضجعوه على الأرض وأتى العباس فأكب عليه وقال لقريش ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار أن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم فأنقده منهم ثم عاد أبو ذر من الغد إلى مثلها فثاروا عليه وضربوه فأكب عليه العباس وأنقذه منهم كالأول فرجع أبو ذر إلى قومه.
كانت المرحلة الأولى من مراحل الدعوة فردية سرية وما أعلنت الدعوة للعموم إلا بعد نزول قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} وكان ذلك في السنة الثالثة ولكنها مع خفيتها كان الخبر يتسرب خارج مكة حتى بلغ أبى ذر فأرسل أخاه ولم يكفه الخبر عن العيان فقدم بنفسه وأبا أن يسأل على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أحداً من قريش، لأنهم كانوا يصدون الناس عنه بالكذب عليه والتزهد فيه وبالأذية لمن يرون منه تصديقه. وكان من صنع الله له- ومن تاقت نفسه لمعرفة الحق أعين عليه - أن ساق إليه علياً فاستضاف على عادة العرب في استضافة الغريب فكان علي دليله إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وحارسه في طريق الوصل إليه من أن تصيبه قريش بأذى كما كان أبو ذر متستراً خوفاً على نفسه. فلما دخل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وشاهد وسمع منه ما حصل له به اليقين
(4/90)

أنه رسول الله بادر بالاسلام وأمره النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- بكتمان أمره حتى لا تؤذيه قريش وبالرجوع إلى قومه ليخبرهم لعلهم يهتدون. وفي هذا دليل على أن من كان في مثل ذلك الحال من خوف وعدم القدرة على العدو يجوز له أن يتكتم ودليل على أن من هداه الله كان حقاً عليه أن يسعى في هداية قومه.
لكن أبا ذر الذي كان متكتماً خائفاً من يوم قدومه إلى مكة إلى ساعة إسلامه أبى بعد إسلامه أن يبقى متكتماً وأصبح لا يخاف قريشاً ولا يبالي بما يلحقه منها من أذى وأقسم أن يعلن إسلامه وسط مجامع قريش وأقره النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- على ذلك وفيه دليل على من أراد أن يتحمل الأذى ويعرض نفسه للهلاك في سبيل إعلان كلمة الحق وإظهار قوة الإيمان وإدخال الرعب والغيظ على قلب العدو كان ذلك حسناً من فعله. وبر أبو ذر في قسمه فقصد إلى المسجد حيث نوادي قريش ومجتمع الملأ منهم وصاح بكلمتي الشهادة. {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} في لحظة تبدل أبو ذر من الخائف المتكتم إلى المعلن الذي لا يبالي بالموت، ولقد كادت قريش تقتله لولا أن أنقذه منها العباس بما خوفها به على أموالها من قبيلة غفار ولكن أبا ذر القوي الإيمان الصادق الإسلام أراد أن يعود إلى إرغامهم وإغاظتهم بعد ما ذاق وتحقق من إذايتهم ليعلمهم أنه أقدم على ما كان أقدم عليه عالماً بإذايتهم غير مبال بها فعاد إلى الإعلان وعادوا إلى ضربه وعاد العباس إلى إنقاذه فرجع بعدئذ إلى قومه- وقد استنار قلبه بالإيمان واشتفى من قريش- خير قافل بخير هدية فدعاهم إلى الإسلام فأسلم على يده أخوه وأمه وكثير من قومه (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 11، ص 14 - 16 محرم 1354ه - أفريل 1935م.
(4/91)

أبو ذر الغفاري
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-2 -
عمله:
العلم ثمرة النظر الصحيح والفهم الثاقب ودوام التحصيل. وقد كان حظ أبى ذر موفورا من هذه كلها ففي الجاهلية قبل أن يلتقي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - صلى لله وتوجه وحده رواى مسلم في صحيحه (1) عن عبد الله بن الصامت في قوله:" وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاث سنين قلت: لمن قال: قال لله قلت فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي. اصلي العشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت (انطرحت) كأني خفاء (الغطاء من الكساء أو غيره من الثياب) حتى تعلوا الشمس " فالنظر الصحيح والفهم الثاقب هما أدياه - بإذن الله -إلى هذا الأمان وتوحيد في تلك العبادة وجاهلية والجهلاء، وساقاه إلى البحث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وسرعة الأيمان في السباقين الأولين. أما مداومته لتحصل لانه صحب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من يوم قدم المدينة - وكان قدومه إلى الخندق إلى بعد وفاته - صلى الله عليه وآله وسلم - فكان (2) يوازي ابن مسعود في العلم (3) وقال فيه علي
__________
(1) كتاب الفضائل.
(2) الإصابة.
(3) الإصابة عن سنن ابن داود.
(4/92)

بن أبى طالب - رضي الله عنه - "أبو ذر وعاء ملىء علماً ثم أوكئ (ربط فم الوعاء بالوكاء وهو الرباط) عليه".
كان أبو ذر يأخد نفسه بأعلى درجات الزهد والتقلل من الدنيا ويريد حمل الناس على ذلك بشدة في الحق وصراحة فيه فلم يستطع الناس ذلك وما كانوا ليستطيعوه فكانوا يبتعدون منه وكان هو يحب الانفراد عنهم فلم يتأت نشر علمه فيهم. وهذا هو الذي عناه علي - رضي الله عنه - بقوله: "ثم أوكئ عليه".

زهده وورعه:
خرج من الدنيا ولم ينشب (يتعلق) منها بشيء وكان يتحرى عيشة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فلا يمسك من المال ما يزيد على ما لا بد له منه لقوته وقوة عياله (1). شبهه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعيسى عليه السلام وقال فيه يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم. وهذا يدل على أن المنزلة التي كان يلتزمها ليست مما يستطيعه جميع الناس ولا مما يكون تكليفا لازما عاما لهم.

صدقه وصدعه بالحق:
قال فيه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم (2) - «ما أظلت الخضراء (السماء) ولا أقلت (رفعت) الغبراء (الأرض) من ذي لهجة (لسان) اصدق ولا أوفى من أبي ذر» فكان كما وصفه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول الحق على الوفاء والتمام صراحة دون تورية ولا تعريض ولا مسامحة لشيء فيه مع أي أحد من الناس ولو استاءوا وغضبوا وقد كان هذا حاله من يوم إسلامه إلى أخر أيامه وقد ذكرنا في الجزء
__________
(1 و2) الترمذي.
(4/93)

الماضي إعلانه في بإسلامه بين ظهراني المشاركين وكانت مواقفه بعد ذلك مع معاوية - رضي الله عنه - وغيره في مسألة المال كما سيأتي إن شاء الله مما لم يراع فيه خليفة ولا أميراً من الصحابة رضي الله عنهم جميعهم ورزقنا الاقتداء بهم (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 11، ص 82 - 83 غرة محرم 1354ه - ماي 1935م.
(4/94)

أبو ذر الغفاري
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-3 -
تربيته:
تثبت الصحبة بمطلق الاجتماع بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مع الإيمان به والموت على ذلك ولكن خواص أصحابه هم الذين لازموه وتفقهوا عليه وتربوا تحث رعايته، وهؤلاء هم هم الذين ثبتوا على الإسلام لما ارتد العرب بعد موته وثبت الله بهم الإسلام وكان ذلك - بإذن الله - من آثار الفقه في الدين والتربية النبوية.
كان أبو ذر ممن لازموا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وتفقهوا وتربوا وظهرت آثار تلك التربية في حياته بعد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يعرف أخلاق أصحابه ونفسياتهم ومقدار استعدادهم فكان يعالج كل قسم بعلاجه ويوجهه في الحياة حسب استعداده، وقد تختلف أجوبته في بيان المقدم من أشياء بحسب حال السائل وحاجته وقد يحذر أحدا من شيئ ويقدم غيره إليه حسب قدرة هذا عليه وضعف ذلك عنه. وفي تربيته لأبي ذر مما سنذكره ما يبين ذلك:
كان في أبى ذر شدة وكان لا يتسع صدره لما يرى مما يكره فكان يحب الوحدة والإنفراد (1). وأول ما كان من شدته في أول
__________
(1) محبته للوحدة قالها ابن عباس، الطبري ج 5 ص 67.
(4/95)

أمره أنه ساب راحلا من الموالي - ذكر بعضهم أنه بلال -فعيره بأمه وقال له يا ابن السوداء فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم (1) "يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية" فأنكر عليه تعييره بأمه وبين له أن فيه خلقا من أخلاق الجاهلية وهوا التعظم بالأنساب ثم بين له أدب الإسلام -دين الأخوة والعدل والإحسان الذي لا يفرق بين الأجناس ولا يفضل أحدا على أحد إلا بتقوى الله- فقال - صلى الله عليه وآله وسلم - له: «إخوانكم خولكم (خدمكم) جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» فتربى أبو ذر بهذه التربية النبوية فلم تبقى له شدة إلا في الحق وكان يعامل مملوكه بما ندبه به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فكان يلبسه مثل لباسه فلقيه المعرور بالربدة وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسأله عن ذلك إذ العادة جارية بأن لباس الغلام دون لباس مولاه فأجابه أبو ذر بالحديث المتقدم ليبين له أنه عامل بالوصاية النبوية.
كان أبو ذر شديدا في الحق وكان من مقتضى شدته أن لا يتسع صدره لما يرى مما يكره، فكان بهذا لا يستطيع معاشرة الناس ولا معاملتهم إذ لا بد أن يكون في الناس ما لا يرضيه منهم فهو لهذا يحب الانفراد عنهم وهو لهذا وذاك ضعيف عن القيام بالحكم بين الناس وعن الولاية على المال والرعاية للأيتام فلما قال للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ألا تستعلمني (2) قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها». فحذره من
__________
(1) البخاري ومسلم.
(2) رواه مسلم.
(4/96)

الأمارة وبين له أنه ضعيف عنها فإن صدره لا يتسع لما يرى من الخصوم ولددهم وتغالبهم بالحق وبالباطل. وقال له النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مرة أخرى: «يا أبي ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم» فنهاه عن أقل الإمارة الإمارة على اثنين وزاد فنهاه عن ولاية مال اليتيم إذ ولاية المال تقتضي حفظه وتثميره وذلك يجر إلى المعاملة والخلطة وهو ضعيف بخلقه عنهما وعنى - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله: «إني أحب لك ما أحب لنفسي» ما يحبه لنفسه من جلب النفع ودفع الضر لا عين ما نهاه عنه بسبب ضعفه.
وهكذا تربى أبو ذر وبهذه التربية النبوية المراعي فيها طبعه وحاله فكان بعيدا عن الإمارة وما إليها زاهدا في الدنيا زهدا أبعده عن جميع أسبابها وأبنائها حتى لقي الله، رحمه الله. (1)
__________
(1) ش: ج 3، م 11، ص 149 - 151 غرة ربيع الأول 1354ه - جوان 1935 م.
(4/97)

أبو ذر الغفاري
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-4 -
مذهبه في المال:
أوجب الله الزكاة وجوبا عينيا على من وجدت لديه أسبابها وتوفرت فيه شروطها فهي الحق الثابت في الأموال المقدرة المعلوم وفي المال حقوق أخرى للقيام بالمصالح العامة كفك الأسير وتجهيز الميت وغير ذلك فإذا لم يتول ذلك بعض الناس ليسقط الطلب عن جميعهم تعين عليهم كلهم أن يعطوا كل بحسب ما عنده لتحصيل ذلك الواجب على جماعتهم فهذا الحق الثابت في المال ليس مقدرا لأنه يختلف باختلاف الأحوال.
وقد كان معلوما بنقل التواتر وإجماع أئمة الأمصار أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إنما كان يأخذ جزءا من المال ويترك الباقي لصاحبه وقد صحَّ عنه قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس فيما دون خمس أوراق صدقة» أي زكاة.
لكن (1) أبا ذر كان يرى أنه لا يجوز إدخار الذهب والفضة بعد أداء زكاتهما ويحتج على ذلك بظاهر قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ}
__________
(1) أنظر أحكام الجصاص فى تفسر الآية.
(4/98)

وبقوله (1): - صلى الله عليه وآله وسلم - له: «ما يسرني أن لي أحداً ذهبا تأتي ثالثة (أي ليلة) وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين علي». وبأحاديث أخرى في هذا المعنى.

جواب الأئمة عن استدلاله:
لما جاءت النصوص الصحيحة الصريحة بأن الأخذ إنما يكون لبعض الأموال وجب رد الآية المتحملة إليها. فقول الله تعالى: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} معناه ولا ينفقونها كلها وهؤلاء هم الذين لم يعطوا شيئا منها وهم مانعو الزكاة فلا تصدق الآية على الذين أنفقوا بعضها وهم المزكون. وأما الأحاديث فهي محمولة على الترغيب في البدل وهي حالة فضل لا تجب على الناس ولو وجبت عليهم لما استطاعوا. والواجب هو الذي يعم وأما الفضل فإن الناس يرغبون فيه ويأتي كل منهم بما استطاع وهم على ذلك متفاوتون وقد قبل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من أبي بكر - رضي الله عنه - التصدق بجميع ماله ورد على من أراد التصدق بمقدار بيضة من ذهب بعين كل ما يملك صدقته بجميع ما يملك ونهى عن ذلك (2) فأصاب أبو ذر فيما اختاره لنفسه من الزهد وعدم الادخار ولكنه أخطأ فيما أراد من حمل الناس على حالة فضل لم يوجبها الله تعالى عليهم ويستطيعوها.

إعلانه رأيه وإثارته الفقراء:
كان أبو ذر الغفاري يعلن برأيه في مجامع الناس بالشام ويندد بالأغنياء غير مكتف منهم بإخراج الزكاة ويقول: "يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في
__________
(1) مسلم.
(2) سنن أبي داوود فى كتاب الزكاة.
(4/99)

سبيل الله بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم" (1) فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء وحتى شكا الأغنياء لمعاوية - وهو أمير الشام من طرف عثمان - رضي الله عنه - ما يلقونه من الناس.
ولو لم يبادر عثمان - رضي الله عنه - باستقدام أبي ذر - رضي الله عنه - إلى المدينة لاتسع نطاق الفتنة بالشام.

حرية النظر:
قد خلف أبو ذر إجماع الصحابة بنظريته السابقة مع قيام الدليل القطعي من النقل المتواتر والنصوص القرآنية الكثيرة المتضافرة على خلاف رأيه، وكان خلافه هذا في مسألة من كبريات المسائل. ومع ذلك تركوا له حرية نظره ولم يلق منهم من أجلها أدنى ضغط ولا أقل تحقير فكانوا بذلك منفذين لما جاء به الإسلام من احترام الآراء وحرية النظر والتفكير.

النتيجة:
فأبو ذر بمذهبه هذا في المال كان شاذاً بين الصحابة - رضي الله عنه - مخالفا لإجماعهم ولم يتعرضوا له في نظره واجتهاده إلا عندما خشوا من بثه الفتنة على الناس. وقد كان أبو ذر بمذهبه الشاذ هذا أول اشتراكي في المال من المسلمين في أول عصور الإسلام وإن لم يعمل بمذهبه في سائر عصوره (2).
__________
(1) الطبري ج 5، ص 66
(2) ش: ج 3، م 11، ص 209 - 211 غرة ربيع الثاني 1354ه - جوان 1635م.
(4/100)

أبو ذر الغفاري
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-5 -
استقدام عثمان - رضي الله عنه - له من الشام:
كان أبو ذر بالشام وكان معاوية أميرا بها لعثمان وكان أبو ذر يتكلم في المجامع ينكر على معاوية أن يقول مال الله يتهمه بأنه يريد أن يمحو عنه اسم المسلمين ليحتجنه دونهم ويندد بالأغنياء أن يقتنوا الأموال وحدثت بسبب ذلك فتنة من الفقراء على الأغنياء وأعضل الأمر على معاوية فكتب إلى عثمان يخبره بالحال، ويشكو إليه أبا ذر، فكتب إليه عثمان أن أبعث أبا ذر، ووصاه بتزويده والرفق به، فلما دخل على عثمان قال له: يا أبا ذر، ما لأهل الشام يشكون ذَربَك (حدة لسانك)؟ فصارحه بما كان ينكر عليهم وعلى معاوية فقال له عثمان: "يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي، وآخر ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد".

فقه عثمان:
في أسفار التاريخ كلمات كبيرة كثيرة لرجال سلفنا من الخلفاء والأمراء والقواد تدل على عظيم فقه في الدين وكبير علم بسياسة الأمة وتدبير شؤونها مما يجمع بين تفقيه الدين وتعليم للحكم والتبدير. منها كلمة عثمان هذه لأبي ذر فقد بينت ما على الأمير في نفسه وما عليه في رعيته وأنه لا يجوز حمل الرعية وجبرها على ما لم
__________
(1) الطبري ج 5، ص 66.
(4/101)

توضع عليه الفطرة العامة في البشر من الكمالات الإنسانية كعدم التوسع في اقتناء المباحات من الأموال. وأنه إنما على قادة الأمة أن يدعوها إلى تلك الكمالات ويرغبوها فيها، فيرغبوها في الاجتهاد في العمل والاقتصاد في الاقتناء للأموال - في مسألة أبي ذر -فبذلك يتربى الناس على العمل والاجتهاد فلا يمدون أعينهم لما في أيدي الناس ويتربون على البذل والسخاء فيما يحصلون من ثمرات كدهم فيجمعون بين العمل والغنى والسخاء.
والأمة التي تبني حياتها على هذه الأوصول هي الأمة التي تترقى بجميع طبقاتها في ماديتها وروحانياتها فكلام هذا الإمام العظيم المأخود من أصول الإسلام قانون عظيم في سياسة الأمة وتربيتها ومثل من يفقه هذا الفقه هو الذي يصلح لولاية أمر العامة. وأبو ذر - وإن كان فقيها في الدين - فإنه بطبعه الإنفرادي ونفرته من الناس لم يكن ليفكر في هذا ولا ليتفطن له ولذا لم يكن صالحا لشيء من الإمارة. وقد قدمنا نصح النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - له أن لا يتأمر على اثنين فسبحان من قسم الأخلاق والأرزاق، والعلوم والفهوم، ثم أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونوجه كلا لما هو أهل له وله مقدرة عليه. فقهنا الله في ديننا وعرفنا بأقدارنا واستعملنا فيما نبلغ فيه إلى رضاه (1).
__________
(1) ش: ج 5، م 11، ص 282 - 283 غرة جمادي الأولى 1354ه - أوت 1935م.
(4/102)

أبو ذر الغفاري
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-6 -
خروجه إلى الربذة:
أدرك أبو ذر بعد قدومه على عثمان أنه لا يستطيع مخالطة الناس فاستأذن عثمان في الخروج إلى الربذة فأذن له أو أن عثمان قال له: "أو اعتزلت" عرض عليه ما رآه أصلح له فاختار الربذة وعلى كلتا الروايتين لم يأمره عثمان بالخروج حتى يقال فيه أنه قد نفاه كما يقوله المتجنون على عثمان رضي الله عنه.
خرج أبو ذر الربذة (1) فخط بها مسجدا واقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين أرسل إليه أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابيا. وقد نهوا عن التعرب بعد الهجرة لما في التبدي والانقطاع عن الجماعة عن الجماعة ومشاهد العلم والدين من الجفوة.

تحذير:
قد ابتلى عثمان بأنواع من البلايا منها ما ينقمه عليه قوم بالباطل فمن ذلك نقمتهم عليه نفيه أبا ذر وقد رأيت فيها ذكرنا أنه لم ينفه. ثم هبه نفاه بالنظر المصلحي كان ماذا؟ (2) فقد روي أن عمر - رضي الله عنه - سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد فأطلقهم عثمان وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن الرسول الله
__________
(1) الطبري ج 5 ص 66.
(2) العواصم ج 2 ص 106.
(4/103)

صلى الله عليه وسلم وهذا ابن مسعود - رضي الله عنه - نقم على عثمان أنه لم يدخله في كتابة المصحف، وقدم زيد ابن ثابت - رضي الله عنه - مع أن عثمان قد كان مقتديا بأبي بكر - رضي الله عنه - وقد قدم زيد بن أبي ثابت لجمع المصحف دون ابن مسعود ولم يقل يوم ذلك ابن مسعود - رضي الله عنه - عنه شيئاً وقد راجع ابن مسعود الحق وقبل ما صنع عثمان.
فعلى النظر في تاريخ عثمان - رضي الله عنه - أن يتثبت ويتحرى حتى لا يقع في ظلم وباطل في حق هذا الإمام الشهيد العظيم.

وفاته:
توفي بالربذة في ذي الحجة من السنة الثامنة من خلافة عثمان وحضر دفنه ابن مسعود في ركب كانوا قافلين من الحج وضم عياله عثمان إلى عياله. وطويت بوفاته صفحة من حياة زكية فاضلة شاذة في عصر الخير والفضل بين فضلاء أخيار من أصحاب محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - بتشدد في الزهد ونظريته في المال ما كرهوا له منهما إلا ما أراده من تعميمها في الناس. فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة التي كانت تمثل الكمالات الإنسانية بأنواعها، وتتفاوت في بلوغ الغايات منها لتكون قدوة لمن يجيء بعدها كل بما فيه من استعداد لما خلق له من أنواع الكمال.
فجازاهم الله خير الجزاء ورزقنا الاقتداء بهم ولزوم جماعتهم حتى نلقاه ... جل جلاله ... غير مبدلين ولا مغيرين (1).
__________
(1) ش: ج 6، م 11، ص 349 - 350 غرة جمادى الثانية 1354ه سبتمبر 1935م.
(4/104)

سيدنا بلال الحبشي
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

نسبه:
هو ابن رباح مولود بمكة وأصله من الحبشة وأمه (1) حمامة من السابقات كانت تعذب في الله مثله.

إسلامه:
لما دعى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الإسلام أجابه ضعفاء الناس سنة الله في إخوانه الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلم- من قبله. قال (2) عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد, فأما رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فمنعه الله بعمه أبي طالب وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول:"أحد أحد". وليس في هؤلاء المستجيبين لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -من نفس قريش إلا أبو بكر وبقيتهم بين مولى وحليف وقد كان بلال أسبق هؤلاء بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
__________
(1) البخاري.
(2) في الصحيحين.
(4/105)

تعذيبه في الله وصبره:
عدت قريش على المستضعفين تعذبهم وتفتنهم لِتَصرفهم عن الإسلام فكان أمية بن خلف الجمحي يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له لا تزال كذلك حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيصبر بلال على ذلك العذاب ويقول وهو في ذلك البلاء: "أحد أحد". ويأبى أن يقول كلمة الكفر بلسانه وقد علم أنه لا إثم على من يقولها بلسانه إذا أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ويأبى أن يترخص كما ترخص إخوانه المستضعفون وأن يواتي ويوافق كفار قريش ولو بكلمة واحدة.

ترجيح واقتداء:
الحالة التي كان فيها بلال من الصبر والثبات والإباية من شيء من الترخص- أرجح من حالة الترخص وإن كانت هذه سائغة جائزة إذ في الحال الأولى إقامة التوحيد وإرغام المشركين وتثبيت للدعوة وجلب إليها وتقوية لقلوب المستجيبين لها وضرب المثل لكل من أصيب وعذب في الحق ولو أن جميع المبتلين ترخصوا لخفتت كلمة التوحيد وطغت كلمة الشرك وازداد ظلم أهلها ولتزلزلت الدعوة واضطربت قلوب ضعفاء الإيمان وأعرض عنها كل من لم يكن قد استجاب. ولا شك أن حالة الصبر وعدم الترخيص هي حالة الأنبياء- صلوات الله عليهم- وحالة الكبَراء من أصحابهم حتى قتل منهم من قتل وعذب منهم من عذب كما قص أخبارهم القرآن العظيم.

عتقه:
كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - داعية الإسلام من يوم أسلم وكان بلال ممن استجاب له فلما رأى ما حل به من عذاب اشتراه
(4/106)

فأعتقه فكان سبباً في عتقه من الرق وعتقه من العذاب وعتقه من الكفر. كما اشترى أمه حمامة وأعتقها في آخرين من العبيد الذين عذبوا في الله. فيا له من عتيق معتق رضي الله عنه.

جهاده:
شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - المشاهد كلها وبعد وفاة أبي بكر - رضي الله عنه - خرج إلى الشام مجاهداً حتى مات بها مرابطاً.
والتقى في غزوة بدر بأمية بن خلف وقد أسره عبد الرحمن بن عوف قبل أن يجمع الأسرى فقتله فمكنه الله من عدوه الذي كان يعذبه ذلك العذاب حتى قتله بيده.

وظيفته:
كان أول من أذن في الإسلام واستمر يؤذن حياة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وحياة أبي بكر - على إحدى الروايتين - وأذن مرة بالشام لما قدمها عمر فبكى وأبكى: ذكر الناس بأذانه عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -.

جزاء الحكيم:
كان بلال- وهو يقاسي العذاب الشديد- يلهج باسمه تعالى: "أحد" فيخف ما يلقاه من ألم التنكيل بلذة التوحيد فكان من جزاء الله الحكيم له أن جعله مؤذن نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم- وأول من رفع عقيرته بكلمة التوحيد في الآذان. عرف الله في الشدة. فعرفه الله في الرخاء لم يترك اسم أحد في أصعب أوقات حياته فألزمه الله التعبد بالجهرية على الناس معظم حياته. فكان الجزاء من جنس العمل من الحكيم العليم.
(4/107)

ثناء عمر - رضي الله عنه -:
كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: "أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا" يعني بلالا فقرنه بأبي بكر في سيادتهم اعترافاً له لما كان من سبقه للإسلام وصبره على البلاء فيه وما كان عليه في دينه وفضله ومكانته عند النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وقد كان عمر - رضي الله عنه - شديد التعظيم للسابقين الأولين والتقديم لهم وخصوصاً أهل المنازل الخاصة عند النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى قال لابنه عبد الله بن عمر لما رجح عليه أسامة بن زيد في العطاء: كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - منك وكان أبوه أحب إليه منك هذا وإن كانت منزلة عمر - رضي الله عنه - معروفة في الفضل لكنهم هذه أخلاقهم - رضي الله عنهم - ينسون أنفسهم عندما يتحدَّثون على فضل غيرهم حتى كأنهم لا يعرفون لأنفسهم فضلاً.

تبشيره بالجنة:
راى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ليلة أنه دخل الجنة وسمع (1) خشف نعْلي بلال بين يديه في الجنة فقال له حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة، فقال بلال ما عملت عملا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي (2) وكان لا يحدث إلا توضأ وصلى.
فكان يصل الحدث بالوضوء والوضوء بالصلاة فلا يكون إلا على طهارة ولا تنفصل طهارته عن الصلاة فهذه الطَّهارة الدائمة والصلاة الملازمة هي التي عدها أرجى أعماله في الإسلام عنده منفعة. ذلك
__________
(1) صوتها عند تحركها في المشي.
(2) في مسند أحمد.
(4/108)

لأن هذه الطهارة الدائمة في الظاهر دليل الطهارة الدائمة في الباطن. وعلى طهارة الباطن تنبني جميع الأعمال وقد عمل هو هذا العمل يرجو منفعته عند الله - كما هي وضعية الإسلام للطاعات كلها - فحقق الله رجاءه. وكان ما رآه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من وجوده في الجنة بين يديه بشارة له بأنه من أهل الجنة وأنه بمنزلة القريبة من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وكما كان خادماً للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يمشي بين يديه في الدنيا كذلك رآه في الجنة تنبيها على أن كل خير ناله - مثل كل من نال شيء من الخير - هو من أتباعه للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والقيام بخدمته. وفي هذا كله منقبة عظيمة له بجليل عمله. وبشرى صادقة بعظيم ثوابه عند ربه رضي الله عنه.

سنه ووفاته:
مات بالشام في طاعون عمواس سنة عشرين وقد ناهز السبعين، ودفن بمقبرة دمشق وقيل بحلب فرحمه الله وجمعنا به في دار النعيم آمين (1).
__________
(1) ش: ج 9، م 11، ص 501 - 504 غرة رمضان 1354ه - ديسمبر 1935م.
(4/109)

وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
«خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»

عكاشة بن محصن
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

إسمه ونسبه:
العكَّاشة، بشد الكاف وتخفيفها، العنكبوت وبه سمي وهو ابن محصن من بني أسد بن خزيمة حليف لبني أمية.

سبقته ومشاهده:
من السابقين الأولين، شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد، واستشهد في حروب الردة قدمه خالد بن الوليد هو وثابت بن أقرم العجلاني طليعة يوم بزاخة لقتال طليحة الأسدي، تعاون عليه طليحة وأخوه سلمة فقتلاه بعد ما قتل سلمة ثابتا، فمات شهيداً - رحمه الله -.

أخبار تتعلق به:
1 - سبقك بها عكاشة: ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» فقام عكاشة بن محصن فقال: أدع الله أن يحعلني منهم. فقال: «اللهم اجعله منهم»، ثم قام رجل آخر فقال: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «سبقك بها عكاشة»، فجرت هذه الكلمة النبوية مثلاً يضرب لمن أراد أمراً قد سبقه به غيره.
(4/110)

بيان:
كانت ساعة إجابة وانقضت فبردت الدعوة لصاحبها أو كان يستحق الدعوة من سبق إليها برغبته مبتدئا دون من جاء ثانيا تابعا. وفضيلة السبق لها أثرها.

2 - سيفه الذي يسمى العون: كان عكاشة قد أبلى البلاء الحسن يوم بدر فضرب بسيفه حتى انقطع في يده فناوله رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- جذلا من حطب وقال قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه وهزه عاد في يده سيفاً صارماً طويلاً.

بيان:
ذكر هذا إبن إسحاق وغيره. وانقلاب الجذل سيفا هو من جنس ما تواتر تواتراً معنوياً أمن تأثر المواد الجامدة بلمسه أو دعائه. والذي كمل الله روحه حتى تزكت على يده نفوس تلك الأمة الأمية المنغمسة في حمأة الشرك، والوثنية حتى كان منها في أقرب وقت هداة البشرية ليس بكثير في حقه أن تتأثر بلمسه الجمادات.

إقادة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- له من نفسه:
روى أبو نعيم في "الحلية" حديثا في وفاة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- مطولاً وفيه ان رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أعطى قضيباً لعكاشة ليقتصَّ لنفسه من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بضربة كان ضربه رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- إياها بذلك القضيب، وهو حديث موضوع. قال السيوطي: آفته عبد المنعم. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع لا محالة. كافأ الله من وضعه، وقبح من شين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد والكلام الذي لا يليق بالرسول ولا بالصحابة، والمتهم عبد المنعم بن ادريس. قال أحمد بن حنبل: كان يكذب على
(4/111)

وهب، وقال: يحبئي كذاب خبيث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على أبيه وعلى غيره اهـ.

تنبيه وتحذير:
ذكرنا هذا الحديث الموضوع الذي رواه أبو نعيم في كتابه (حلية الأولياء) لننبه على وضعه ولنحذر قرَّاء "الحلية" وقد طبعت منها أجزاء، من الاعتماد على كل ما فيها فإن كثيراً من المنتسبين للعلم يغترون باسم الكتاب واسم المؤلف فيتناولون كل ما فيه من الأحاديث بالقبول والتسليم كأنه ثابت صحيح مع أننا نجد فيه مثل هذا الحديث الموضوع الذي قد قال فيه ابن الجوزي ما قال.

القدوة:
هذا الصحابي البدري الجليل قد دل بسؤاله الدعاء أن يكون من السبعين على حرصه على الكمال ورغبته في الفوز بأعلى الدرجات، وخوفه من الحساب، ولم يكن سؤاله ذلك منافياً لإخلاصه لله في عبادته ولا حاطًّا شيئاً من درجته، بل كان سبباً لفوزته بتلك الدعوة ونيله تلك المنزلة، فنعم القدوة هو -رضي الله عنه- في العمل لله مع الرجاء في فضله وطلب المزيد منه، والخوف من عقابه وطلب البعد عنه. هذه هي سنة عباد الله الصالحين وفيها أبلغ الرد على المتنطعين المتكلفين. رزقنا الله اتباعهم في هديهم هدي محمد- صلى الله عليه وآله وسلم - ورضي عنهم وأرضاهم (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 13، ص 9 - 11 غرة محرم 1356ه - 14 مارس 1937م.
(4/112)

الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ
- رضي الله عنها -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

إسمها ونسبها:
هي الربيع بنت معوذ من بني عدي بن النجار الأنصارية.

سابقتها ومشاهدها:
ممن حَضرن بيعة الرضوان وكانت ممن يغزون مع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من النساء كن يخدمن الجيش ويسقين الماء ويقمن على الجرحى فيداوينهم ويحملنهم فيرددنهم إلى المدينة.

قدرها ومنزلتها:
كان لها قدر عظيم ومنزلة رفيعة فقد كانت من بيت شهد عدة من رجاله بدراً ومنهم من استشهد بها وهي من الغازيات كما تقدم. ومن قدرها هذا أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- جاءها غداة عرسها فقعد على فراشها وجعلت جويريات من الأنصار يضربن بالدف ويذكرن من قتل من آبائها يوم بدر، وهو- صلى الله عليه وآله وسلم- يسمع ويقرهن على ضربهن وغنائهن حتى قالت إحداهن: "وفينا نبي يعلم ما في غد" فقال لها: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين».

حكاية طريفة عنها:
كانت يوماً في نسوة فدخلت عليها أسماء بنت مخربة تبيع العطر - وأسماء هذه أم أبي جهل- والربيع أبوها أحد من قتل أبا جهل-
(4/113)

فلما عرفتها أسماء قالت لها: أنت ابنة قاتل سيده؟ قالت الربيع، بل قاتل عبده: فقالت أسماء: حرام علي أن أبيعك من عطري شيئاً، قالت الربيع: حرام على أن أشتري منه شيئاً، وقالت- لتغضبها-: ما وجدت لعطرتنا نمير عطرك، وافترقتا على غضب وقطيعة.

الفوائد والأحكام
النساء في الحرب:
ما كانت تقوم به الربيع ومن معها من النسوة في الغزو أصل لتأسيس فرقة النسوة الممرضات في الجيش، ويستتبع ذلك لزوم تهيئتهن لذلك بتعليمهن- غير مخلطات بالرجال- ما يحتجن إليه في الحرب من القيام بعملهن والدفاع عن أنفسهن واستعمال ما يقيهن من الهلاك مع تدريبهن على ذلك كله وتمرينهن عليه، لأن الشارع قد أقر هذه المصلحة فكل ما تتوقف عليه في أصلها أو كمالها وإتقانها فهو مشروع.

إقرار الحق وإنكار الباطل:
الضرب بالدف والغناء في العرس وذكر الأموات بمحامدهم ومقاماتهم- كل هذا مشروع، فأقر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- الجويرات عليه. أما علم أحد من الخلق: الأنبياء فمن دونهم بما يكون في المستقبل فباطل ممنوع، قوله واعنقاده، ولهذا نهاهن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- عنه وأمرهن أن يعدن إلى ما كنَّ فيه، ولا ينافي هذا أن الله قد يطلع أنبياءه- عليهم الصلاة والسلام- على بعض ما يكون في المستقبل لأنه علم محدود في شيء مخصوص، كان باعلام الله فلا يتجاوز علمهم إلى ما عداه مما في أحشاء المستقبل من الغيب، ولا لما في الحال منه مما لم يعلموا به، وهكذا كانت سنته
(4/114)

- صلى الله عليه وآله وسلم- يقر الحق ويرتضيه وينكر الباطل وينفيه.

حزازات النفوس:
لم تستطع الأيام ولا الدخول في الإسلام، أن تمحو أثر حزن أسماء على قتل أبي جهل أبيها فما عرفت ابنة أحد قاتليه حتى نفثت بما في صدرها ولم تستطع أن تعامل- بالبيع والشراء- من رأت في وجهه وجه قاتل أبيها، ولا يقدح هذا في إسلامها لأن ما كان منها كان عن طبع لا تقوى خلقة الأنثى على مقاومته. ومن هنا نعلم أن مما تتحتم مراعاته في النساء هو هذه الناحية الضعيفة الحساسة فيتحرز دائماً من عدم إثارة ما يحرك ما تبقى آثاره كامنة في نفوسهن من فقد عزيز أو لحوق مكروه.

القدرة:
هؤلاء السيدات الصحابيات رضي الله عنهن قد كن يشاركن الرجال في الحرب وهي أبعد الأشياء عن طبعهن ويقمن معهم بما يليق بهن فلنا فيهم وفيهن القدوة الحسنة أن نشرك معنا نساءنا فيما نقوم به من مهام مصالحنا ليقمن بقسطهن مما يليق بهن في الحياة- على ما يفرضه عليهن الإسلام من صون وعدم زينة وعدم اختلاط، ولن تكمل حياة أمة إلا بحياة شطريها: الذكر والأنثى.
نسئل الله أن ينهض بنا رجالاً ونساء في خدمة الإسلام وفي دائرة الاسلام إنه القريب المجيب (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 13، ص 81 - 83 صفر 1356ه - 13 أفريل 1937م.
(4/115)

سمية بنت خياط
- رضي الله عنها -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

بيتها:
هي أمة لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، زوَّجها لحليفه ياسر العنسي، فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة، فبيتها يرتبط- ولاء وحلفا- ببني مخزوم من قريش.

إسلامها وسابقتها:
من السابقين الأولين هي وزوجها وولدها.

تعذيبها واستشهادها:
كانت هي وزوجها وابنها يعذبون أشد العذاب في الله فيأمرهم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: «صبراً يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة». فقتل زوجها في العذاب وأعطى عمار بلسانه ما سأله منه المشركون وفيه وفي مثله نزل قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} وأما هي فإن أبا جهل طعنها بالحربة في قُبُلها حتى قتلها، وهي يوم ذاك عجوز كبيرة ضعيفة فكانت أول شهيد في الإسلام.

أوليات النساء في الإسلام:
لا تقوم الحياة إلا على النوعين اللذين يتوقف العمران عليهما، وهما الرجال والنساء، وفي الإسلام كتابه وحياة رسوله- صلى الله
(4/116)

عليه وآله وسلم- وتاريخ بدايته- آيات وأنباء ووقائع تدل على ذلك وتدعو إلى اعتباره والعمل بموجبه. وانظر إلى حظ المرأة في السَّبق إلى تأييد الإسلام بالنفس والمال، والعطف والحنان، فأول مال وجده رسول الإسلام- صلى الله عليه وآله وسلم- هو مال خديجة، وأول عطف لقيه، وأول قلب انفتح لسماع كلمة النبوة- كما في حديث بدء الوحي- هو عطف خديجة وقلب خديجة، وأول شهيدة في الإسلام - كما اتفق عليه علماء السيرة- هو سُمية. فلن ينهض المسلمون نهضة حقيقية إسلامية إلا إذا شاركهم المسلمات في نهضتهم في نطاق عملهن الذي حدده الإسلام وعلى ما فرضه عليهن من صون واحتشام.

الأسوة:
هي سنة الله عرفناها في تاريخ البشرية، لا بد في سبيل الحق من ضحايا. ولقد كانت هذه العجوز الضعيفة مثلاً رائعاً في الصبر والثبات واليقين حتى فازت بتلك الأولية. وكانت في ذلك أحسن قدوة - لا لخصوص النسوة- بل لأهل الرجولة والقوة.
فاللهم إيماناً كإِيمان هذه العجوز وصبراً كصبرها، وشهادة كشهادتها، آمين يا رب العالين (1).
__________
(1) ش: ج 2 م 13، ص 125 - 126 غرة شعبان 1356ه - ماي 1937م.
(4/117)

هند بنت عتبة
- رحمها الله -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف زوجة أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس وأم معاوية بن أبي سفيان، أسلمت يوم فتح مكة بعد إسلام زوجها.

كيف أسلمت:
بات المسلمون الليلة الموالية ليوم الفتح يصلون بالمسجد الحرام فرأت هند منهم ما لم تعهد، فقالت والله ما رأيت الله عبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين قياماً وركوعاً وسجوداً. وأرادت المجيء إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وخافت من ماضيها في الجاهلية فذهبت إلى عمر فجاء معها فاستأذن لها فدخلت وهي متنقبة فأسلمت ولما بايع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- النساء وهي معهن ومن الشرط فيها، أن لَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ، قالت هند: وهل تزني الحرة وتسرق يا رسول الله؟ فلما قال: وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ، قالت: قد ربيناهم صغاراً وقتلتهم ببدر كباراً. ثم رجعت إلى بيتها فجعلت تضرب صنماً لها بالقدوم حتى فلذته فلذة فلذة وتقول: كنا معك في غرور.

صدق إسلامها:
أسلمت متأثرة بما رأت من حال المسلمين وبادرت إلى كسر صنمها وأصبحت تريد أن تعرف ما يحل لها وما يحرم في الإسلام فشكت إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فقالت أنَّ أبا سفيان رجل مسيك بخيل وأنه لا يعطيها من الطعام ما يكفها وأولادها إلا ما أخذت منه بغير
(4/118)

علمه فهل عليها من حرج؟ فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك أنت وولدك، فما كانت تفعله قبل إسلامها ولا تتحرج منه أصبحت بعده متحرجة تسأل عن حكم الله فيه وما ذلك إلا من صدق إِسلامها وإخلاصها فيما آمنت به.

أخلاقها:
كانت امرأة لها نفس وأنفة وفيها صراحة وجرأة واعتداد بنفسها وقصتها في الجاهلية مع أول أزواجها الفاكه بن المغيرة وقصة اختيارها للأزواج وغيرها مظهر من مظاهر هذه الأخلاق. وما في حديث إسلامها من مراجعتها للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم- من تلك الأخلاق، وأهل هذه الأخلاق إذا كفروا كفروا وإذا أسلموا أسلموا بصدق وكذلك كانت هند في جاهليتها وإسلامها.

عبرة وقدوة:
أنظر إلى الإسلام الصادق كيف تظهر آثاره في الحين على أهله وكيف يقلب الشخص سريعاً من حال إلى حال وبه تعرف إسلاماً من إسلام.
وانظر إلى حلم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كيف قابل هذه المرأة التي كان منها ما كان في يوم أحد من أقوال وأعمال فضرب عن ذلك كله صفحاً وكيف واجهته بما واجهته به عند قوله: ولا يقتلن أولادهن، ثم أعرض عن ذلك كأنه لم يسمعه كل هذا حلماً وكرماً وحرصاً على هداية العباد فصلى الله عليه وآله وسلم من نبي كريم بالمؤمنين رؤوف رحيم خير قدوة للعالمين (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 15، ص 66 - 67. غرة صفر 1358ه - مارس 1939م.
(4/119)

نُعَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو النِّجَارِي الأَنْصَارِي
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

سابقته ومشاهده:
شهد العقبة الأخيرة، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها.

ظرفه ونوادره:
كان ظريفاً كثير الدعابة والمزاح حتى يبلغ به ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- كان لا يدخل المدينة طُرفة إلا جاء بها إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فيقول ها أهديته لك. فإذا جاء صاحبها يطلب الثمن أحضره إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وقال اعط هذا ثمن متاعه فيقول- صلى الله عليه وآله وسلم- أو لم تهده لي فيقول أنه والله لم يكن عندي ثمنه ولقد أحببت أن تأكله فيضحك - صلى الله عليه وآله وسلم- ويأمر لصاحبه بثمنه.
وخرج مرة مع أبي بكر في تجارة إلى بصرى ومعهما سويبيط ابن حرملة البدري وكان سويبيط متولياً على الزاد فجاءه نعيمان فقال: أطعمني. فقال: لا، حتى يجيء أبو بكر. فقال: لأغيظنك، فذهب إلى قوم ممن جلبوا إبلا إلى السوق فقال لهم ألا تبتاعون مني غلاماً عربياً فارها وهو ذو لسان، ولعله يقول لكم أنا حر فإن كنتم تتركونه لذلك فدعوه من الآن ولا تفسدوا علي غلامي فقالوا بل نبتاعه منك بعشر قلائص. فأقبل بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلها ثم قال دونكم هو هذا. فقال القوم لسويبيط قد اشتريناك من سيدك فقال هو كاذب أنا رجل حر. قالوا قد أخبرنا خبرك، وطرحوا الحبل في رقبته وذهبوا به،
(4/120)

وجاء أبو بكر وأصحاب له فأدركوا القوم وردوا إليهم القلائص وعرفوهم الحقيقة. فضحك رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه رضي الله عنهم من هذه النادرة مدة عندما يتذكرونها.
وقدم أعرابي فدخل على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وأناخ ناقته بالفناء فقال بعض الصحابة للنعيمان لو عقرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم. ففعل، فخرج الأعرابي فصاح: واعقراه يا محمد، فخرج النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فقال من فعل هذا فقال النعيمان فاتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير واستخفي في سرب لها وجعل عليه السعف والجريد. فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول ما رأيته يا رسول الله ويشير بأصبعه حيث هو فأخرجه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- وقد تغير وجهه بالسعف الذي سقط عليه وقال له ما حملك على ما صنعت. قال الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني فجعل رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يمسح عن وجهه ويضحك ثم غرمها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- للأعرابي.

الإسلام دين السماحة والسجاحة:
هؤلاء هم خيار الأمة، وهم أهل الصدق والجد، وذوو القوة في الحق والصلابة في العقيدة، وهكذا كانوا أهل سماحة وسهولة وسجاحة ولين في الحالة الاعتيادية. حتى ينفق بينهم مثل هذا الظرف والمزح والدعابة، فإذا الجد فهم هم، فالتزمت والعبوس خشونة ويبوسة في الخلقة، أو تكلف ورياء، وحسبك بهما من شرين. وقد كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم - يمزح ولا يقول إلا حقاً فلا يبلغ المزاح بكبار الناس إلى ما بلغ إليه نعيمان ولكن لا تضيق أخلاقهم بمثله.
(4/121)

نقص رجح به الكمال:
كان نعيمان رجلا صالحاً وكان يصيب من الشراب فيجاء به إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فيقيم عليه الحد فقال له رجل مرة: لعنه، فقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: لا تفعل إنه يحب الله ورسوله.
قد كان الحد له طهرة، وكانت التوبة له مرجوة، وكان عنده من محبة الله ورسوله ما رجح بذلك النقص والبلية، ولعن المعين لا يجوز.
أتقول كيف كان يحب الله ورسوله ويشرب الخمر؟ فنقول: قد برهن على صدق حبه لله ورسوله ببذله نفسه في تلك المشاهد العظيمة التي شهدها والجود بالنفس أقصى غاية الجود. وأي دليل أدل على صدق الحب من بذل النفس. وأين تقع عبادة ذلك المتعبد الجثامة المنزوي الحريص على الحياة، من ذلك المسلم العادي الذي نصب نفسه هدفا للبلايا والمحن، واقتحم أسباب الهلاك في سبيل الله على هنات فيه؟
هذا، والله، أنفع لعباد الله، وأصدق حبا لله، وأقرب إلى رضوانه، وأدنى إلى المتاب عليه. لأنه من الذين باعوا لله أنفسهم وأموالهم، فاستبشروا ببيعهم الذي بايعوا به: {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 15، ص 113 - 115 غرة ربيع الأول 1358ه - أفريل 1939م.
(4/122)

الشفاء بنت عبد الله القرشية العدوية
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

سابقتها:
أسلمت قبل الهجرة، وكانت من المهاجرات الأول.

منزلتها الشخصية:
كانت من عاقلات النساء وفضلياتهن، وكانت تحسن الكتابة، وهي التي قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «ألا تعلمين هذه- حفصة- رقية النملة كما علمتها الكتابة».

منزلتها في المجتمع:
كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يرعاها ويفضلها ويقدمها في الرأي. تقديراً لسابقتها وعقلها ومعرفتها وفضائلها، وكان ربما ولاها شيئاً من أمر السوق.

الإقتداء:
تتعلم المرأة الكتابة، وتعلم غيرها، وتتولى تدبير أملاكها وتجارتها، وما تستطيعه من عمل عام. كما تولت الشفاء أمر السوق في بعض الأحيان، ولا شك أن مما أهَّلها لذلك عند عمر معرفتها بالكتابة.

تحذير:
يجري على الألسنة ما رواه الطبراني عن الأوسط: عن عائشة مرفوعاً: "لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل
(4/123)

وسورة النور" قال الشوكاني: في سنده محمد بن إبراهيم الشامي، قال الدارقطني: كذاب، وكثيراً ما تكون هذه الأخبار الدائرة على الألسنة باطلة في نفسها معارضة لما صح في غيرها فيجب الحذر منها. وقد قدمنا ؤي الجزء الماضي من أدلة تعلم النساء الكتابة ما فيه الكفاية (1).
__________
(1) ش: ج 4، م 15، ص 168 - 169 غرة ربيع الثاني 1358ه - ماي 1939م.
(4/124)

النّعمان بنُ عديّ العدويّ
- رضي الله عنه -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

نسبه:
النعمان بن عدي بن نضلة القرشي العدوي من قوم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

سابقته:
هاجر هو وأبوه عدي إلى الحبشة ومات أبوه بها.

ولايته وعزله:
ولاه عمر ميسان - بين البصرة وواسط - ثم عزله فنزل البصرة فلم يزل بها يغزو مع المسلمين حتى مات. وهكذا كانوا - رضي الله عنهم - لا يؤثر عليهم العزل فهم يعملون للإسلام في سبيل الله في أيام العزل مثل أيام الولاية.

خاصتان له:
الأولى: أنه هو أول وارث في الإسلام وأبوه الذي مات في الحبشة أول مورث. والثانية: أنه هو الوحيد من بني عدي الذي ولاه عمر ولم يول عمر رجلا من قومه سواه قطعاً لكل قالة سوء وبعداً عن ((المحسوبية)) ومحاباة الأقربين.

أدب وقدوة:
لما ولاه عمر ميسان أراد زوجته على الخروج معه فأبت عليه
(4/125)

فكتب إليها بهذه الأبيات ليثير غيرتها فيحملها على اللحوق به:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها … بميسان يسقى في زجاج وحنتم (1)
إذا شئت غنتني دهاقين (2) قرية … وصناجة (3) تجذو (4) على كل منسم (5)
فإن كنت ندماني فبالأكبر أسقني … ولا تسقني بالأصغر المُتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه … تنادمنا في الجوسق (6) المتهدم
فلما بلغ ذلك عمر كتب إليه: بسم الله الرحمن الرّحيم {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أما بعد فقد بلغني قولك: لعل أمير المؤمنين البيت, وايم الله لقد ساءني ذلك وقد عزلتك.
فلما قدم على عمر وسأله قال والله ما كان من ذلك شيء، وما كان
__________
(1): جرار خضر.
(2): النجار ورؤساء الأقاليم.
(3): مغنية تضرب بالصنج وهو قرصان من نحاس تضرب إحداهما بالأخرى. (4): تقعي على أطراف أصابعها منتصبة القدمين.
(5): أصله أحد ظفري البعير.
(6): القصر.
(4/126)

إلاّ فصل من شعر وجدته, وما شربتها قط, فقال عمر: أظن ذلك ولكن لا تعمل لي عملا أبداً.
برأ نعمان نفسه فصدقه عمر ولم يذكر له شأنه مع زوجته تكرماً وكانوا على مكانتهم في الدين يتوسعون في الأدب ويقرضون الشعر على حكم الخيال والفن, ولم ينكر عليه عمر ذلك, وإنما كره أن يكون من أميره ما يكون من سائر الناس وللإمارة هيبتها اللازمة للضبط والتنفيذ, أو أن يجد من أحد ولاته سبيلا للطعن، ولو بشبهة والولاية يجب أن تكون بعيدة عن المطاعن والشبهات فما يسوغ لعموم الناس قد لا يحتمل لبعضهم بحكم المقام والمنصب. وقد قال الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} وأمر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن ينزل الناس منازلهم (1).
__________
(1) ش: ج 5، م 15، ص 211 - 213 غرة جمادى الأولى 1358ه - جوان 1939م.
(4/127)

التعريف بكتاب العواصم من القواصم
للإمام ابن العربي
ــــــــــــــــــــــــــــــ

إن العالم لا يكون إماماً في الإسلام حتى يكون إماماً في فقه العربية، إماماً في فقه القرآن، إماماً في فقه السنة، إذ بدون هذه لا يفقه الإسلام، فتلك لغته التي بها أنزل، وذلك كتابه الذي عليه يعول، وتلك (1) بيانه ممن به أرسل. وأن العلماء الذين بلغوا هذه الذروة في الثلاثة في كل عصر ومصر قليلون وفي درجات هاته المنزلة متفاوتون.
إذا نظرنا في آثار ابن العربي التي تركها لنا في كتاب أحكام القرآن وقد نشر. وكتاب المسالك على موطأ مالك ومنه نسخة خطية في المكتبة العمومية بالعاصمة، وكتاب القبس على موطأ مالك بن أنس ومنه نسخة عتيقة أندلسية في خزانتنا- وسننشرها إن شاء الله، وعارضة الأحوذي على جامع الترمذي (2) وكتاب العواصم من القواصم الذي بين أيدينا- إذا نظرنا في هذه الآثار علمنا أن هذا الإمام ممن بلغوا تلك الذروة وأنه جمع إلى الإمامة في تلك الأصول الإمامة في الأصلين، وفي الفقه، وفي علوم الحديث، والتبحر في سائر العلوم الإسلامية المعروفة في عصره ومصره الراقيين المزدهرين والبصر بأقوال الفرق الإسلامية بذلك العهد، والخبرة بأحوال الناس والزمان. وأنه كان في استقلاله العلمي كما قال عن نفسه في هذا الكتاب: "هل
__________
(1) يقصد بذلك السنة.
(2) طبع بمصر سنة 1350ه.
(4/128)

أنا إلا ناظر من النظار أدين بالاختيار وأتصرف في الأصول بمقتضى الدليل".
قد كتب هذا الإمام في علوم الإسلام الكتب الممتعة الواسعة وسار فيها كلها على خطة البحث والتحقيق والنظر والاستدلال بعلم صحيح وفكر ثاقب وعارضة واسعة وعبارة راقية في البلاغة وأسلوب حلو جذاب في التعبير.
وهذا كتاب (العواصم من القواصم) من آخر ما ألف قد سار فيه على تلك الخطة، وجمع فيه على صغر حجمه بين سائر كتبه العلمية فوائد جمة وعلوماً كثيرة، فتعرض فيه لآراء في العلم باطلة، وعقائد في الدين ضالة، وسماها قواصم، وأعقبها بالآراء الصحيحة والعقائد الحقة مؤيدة بأدلتها النقلية، وبراهينها العقلية المزيفة لتلك الآراء والمبطلة لتلك العقائد وسماها عواصم، فانتظم ذلك مناظرة الفلاسفة السفسطائيين والطبائعيين والإلاهيين، ومناظرة الباطنية والحلولية، وأرباب الإشارات من غلاة الصوفية وظاهرية العقائد، وظاهرية الأحكام، وغلاة الشيعة والفرقة المتعصبة للأشخاص باسم الإسلام واستتبع ذلك ذكر ما وقع في الصدر الأول من الفتن، والكلام على الخلافة والإمامة وبيان فضل ألصحابة واندرج في أثناء ذلك كله تحقيقات تاريخية ومباحث حديثية وتفسيرية ولغوية ونصائح علمية وإرشادات تذكيرية كلها في إفادة وإيجاز حتى لا تخلو صفحة من صفحات الكتاب مما تشد عليه يد الضنين.
سالكاً في سبيل الاحتجاج لعقائد الإسلام، وإبطال العقائد المحدثة عليه من المنتمين إليه السبيل الأقوم الأرشد، سبيل الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي هي أدلة نقلية في نصوصها عقلية برهانية في مدلولها، وهذه الطريقة التي أرادها بقوله في هذا
(4/129)

الكتاب (وهكذا هي حقيقة الملة من أراد أن يدخل فيها داخلة رد عنها إليها بأدلتها) وهي طريقة القرآن الذي اتضح به كمال الشريعة في عقائدها وأدلتها.
وإذ لم يكن بد من الخطأ لغير المعصوم فليس تفاضل الناس في السلامة منه، وإنما تفاضلهم في قلته وكثرة الصواب التي تغمره. وللإمام ابن العربي في كتابه هذا مما ذكرناه في وصفه من كمال ما يذهب بما قد يكون فيه من بعض خطأ يسير لا يسلم منه بشر، وحسب كتابه هذا أن يكون مورداً معيناً لطلاب العقائد الإسلامية الحقة بأدلتها القاطعة، وأصول الإسلام الخالية مما أحدثه المحدثون من خراب وتدجيل، وأن يكون أنموذجاً راقياً في التحقيق في البحث والتعمق في النظر والاستقلال في الفكر والرجوع إلى الدليل والاعتضاد بانظار الأئمة الكبار. وأن يكون صفحة تاريخ صادق لما كانت عليه الحالة الفكرية للمسلمين بالشرق والغرب في عصر المؤلف وهو القرن الخامس الهجري، وكفى بهذا كله باعثاً لنا على طبعه ونشره وتعميم فائدته.
أول سماعي بهذا الكتاب وفضله كان من العلامة الكبير أستاذنا الشيخ محمد النخلي أحد أساطين جامع الزيتونة المعمور، والنهضة الفكرية بتونس، فاستعرت نسخة من خزانة الجامع وكانت هي النسخة الوحيدة للكتاب بها.
كتبت هذه النسخة بخط أندلسي قديم في القالب الربعي وكتب في آخرها: (تمت العواصم من القواصم بحمد الله وعونه يوم الأربعاء في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وستمائة).
كانت هذه النسخة في خزانة الجامع كالكنز الدفين، يمنع من الاستفادة التامة منها صعوبة خطها وتخليط أوراقها وأظن أن المسفر لما جمع أوراقها عند التفسير جمع كما اتفق ففككت سفرها وبذلت
(4/130)

الجهد في ترتيبها حتى كملت كما هي بدون أن تنقص منها ورقة ثم بعد سنوات عزمت على نشرها فاستعرت النسخة من خزانة الجامع المذكور واستنسخت منها بنفسي نسخة قدمتها للطبع بالمطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة وأبقيت النسخة الأصلية لأراجعها عند التصحيح وقد بذلت الجهد في النقل والتصحيح رغم صعوبة الخط ومواضع المحو والتخريج ثم راجعت الجزأين بعد تمام طبعهما فألحقت بكل واحد منهما (1) جدول الخطأ والصواب وإذا بقيت بقايا قليلة فإنها لا تخفى على اللبيب.
والله أسأل قبول العمل وغفران الزلل ونفع المستفيدين إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
__________
(1) في الأصل منها.
(4/131)

ترجمة الإمام ابن العربى
بقلم الناشر
معتمدا على ما في الديباج لابن فرحون ونفح الطيب للمقري
ــــــــــــــــــــــــــــــ

نسبه وأوليته:
هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد ابن العربي المعافري الإشبيلي الأندلسي.
عرفنا من أوليته أباه، فقد كان فيها من فقهاء بلدة إشبيلية، ذا مكانة ورياسة وحظوة عند ملوكها بني عباد. قال عنه صاحب المطمح: (كان ... بإشبيلية بدراً في فلكها، وصدراً في مجلس ملكها. واصطفاه معتمد بني عباد، اصطفاء المأمون لابن أبي ذؤاد، وولاه الولايات الشريفة. وبوأه المراتب المنيفة، فلما أقفرت حمص من ملكهم وخلت، وألقتهم منها وتحلت رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق، فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستكنافه، فلم يسترد ذاهبا، ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا، ففاء إلى الرواية والسماع، وما استفاد من آمال تلك الأطماع.
وقال عنه ابن فرحون: (سمع ببلده من أبي عبد الله بن منظور وأبي محمد بن خزرج، وبقرطبة من أبي عبد الله محمد بن عتاب وأبي مروان بن سراج، وحصلت له عند العبادية أصحاب إشبيلية رئاسة ومكانة، فلما انقضت دولتهم خرج إلى الحج مع ابنه القاضي أبي بكر يوم الأحد مستهل ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة).
وبعد ما مكث بالمشرق بضع عشرة سنة توفي بالإسكندرية أول سنة ثلاث وتسعين.
(4/132)

نشأته:
نشا أبو بكر في كنف أبيه- وقد عرفت من هو- فأرضعه أخلاف الأدب وأحضره مجالس العلم فتأدب وقرأ القراءات وسمع من أبيه وخاله أبي القاسم الحسن الهوزني، واستكمل العلم وحصل أسباب الإمامة بعد رحلته إلى المشرق مع أبيه.
وقال هو عن نفسه: حذقت القرآن ابن تسع سنين ثم ثلاثا لضبط القرآن والعربية والحساب فبلغت ست عشرة وقد قرأت من الأحرف نحواً من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه وتمرنت في الغريب والشعر واللغة ثم رحل بي أبي إلى المشرق.

رحلته:
رحل مع أبيه في التاريخ المذكور وسنه إذ ذاك سبعة عشر عاما، وقال صاحب المطمح عن سنه وحاله أيام الغربة مع أبيه: "وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب مادَّوح، وفي روض الشباب زهر ماصوَّح، فألزمه مجالس العلم رائحاً وغادياً، ولازمه سائقا إليها وحاديا، حتى استقرت به مجالسه. واطردت له مقاييسه فجد في طلبه، واستجد به أبوه متمزق إربه، وبقي أبو بكر متفرداً، وللطلب متجرداً، حتى أصبح في العلم وحيدا، ولم تجد عنه الرئاسة محيداً".
دخل الشام والعراق وبغداد وحج سنة تسع وثمانين وعاد إلى بغداد ثم صدر عن بغداد وأقام بالإسكندرية ثم انصرف منها إلى الأندلس سنة خمس وتسعين بعد عامين من وفاة أبيه فقدم بلده إشبيلية. وقال صاحب المطمح عن قفوله إلى وطنه: "فكر إلى الأندلس فحلها والنفوس إليه متطلعة، ولأنبائه متسمعة فناهيك من حظوة لقي، ومن عزة سقي، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلدها ومحاسن أنس أثبتها فيها وخلدها".
(4/133)

وإذا كان رحل سنة خمس وثمانين وسنه سبعة عشر عاما ورجع سنة خمس وتسعين فقد قضى في الغربة ت عشرة أعوام وقفل إلى وطنه إماماً عظيماً وسنه سبعة وعشرون عاما.

أشياخه:
سمع بالأندلس أباه وخاله وأبا عبد الله السرقسطي وببجاية أبا عبد الله الكلاعي وبالمهدية أبا الحسن بن الحداد الخولاني وبالإسكندرية من الأنماطي وبمصر من أبي الحسن الخلعي ولقي بها أبا الحسن بن مشرف ومهديا الوراق وأبا الحسن بن داوود الفارسي. ولقي بالشام أبا نصر المقدسي وأبا سعد الزنجاني وأبا سعيد الرهاوي وأبا القاسم ابن أبي الحسن القادسي والاكفاني وابن الفرات الدمشقي. وسمع ببغداد من أبي الحسن الصيرفي والبزاز وابن طرخان ومن النقيب أبي الفوارس الزينبي وجعفر بن أحمد السراج زكريا التبريزي ببغداد أيضا الشاشي والإمام أبا بكر وأبا حامد الطوسي الغزالي والإمام أبا بكر الطرطوشي.

تلامذته:
أشهر من أخذت عنه القاضي عياض والإمام السهيلي صاحب الروض الأنف والحافظ ابن بشكوال في كثيرين غيرهم.

منزلته في العلم والفضل:
ونريد أن نتعرفها ممن ترجموا له من تلامذته والقريبين من عصره.
قال الحافظ ابن بشكوال فيه: "الإمام الحافظ ختام علماء الأندلس، كان موصوفا بالعلم والكمال" وقال ابن سعيد: "هو الإمام العالم القاضي الشهير فخر المغرب"، وقال ابن الزبير: "قيد الحديث وضبط ما روي واتسع في الرواية وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام
(4/134)

على أئمة هذا الشأن وكان فصيحها حافظاً أديباً شاعراً كثير الملح مليح المجلس" ثم قال ابن الزير: "قال القاضي عياض بعد أن وصفه بما ذكرته: ولكثرة حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته أكثر الناس الكلام وطعنوا في حديثه".
من يعني القاضي عياض بالناس الذين أكثروا الكلام وطعنوا في حديث ابن العربي؟ قطعاً لا يعني بهم العلماء لأننا سمعنا فيما تقدم ما وصفوه به ومنهم القاضي عياض نفسه. وإنما عني بهم العامة وأشباه العامة ممن تضيق أذهانهم عن تصور ما لم تره أبصارهم من مثل ما شاهده ابن العربي في مدن الشرق ومدنيته الزاهرة في ذاك العهد، وتقصر مداركهم عما تحيط به عقول العلماء المتوسعين في العلم الراسخين فيه مثل ابن العربي "خزانة العلم وقطب المغرب".
وهاك واقعة دالة على سعة علم ابن العربي وتحامل أهل القصور عليه حتى جاء إمام عظيم فبين صدقه وقصور أولئك المتحاملين:
قال الزرقاني في شرحه على المواهب في غزوة الفتح: وروى ابن مسدي أن أبا بكر بن العربي قال لابن جعفر بن المرخي حين ذكر أن مالكا تفرد به "حديث أنس في دخول النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مكة وعلى رأسه المغفر" قد رويته من ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك فقالوا له أفدنا الفوائد فوعدهم ولم يخرج لهم شيئا. وقال الحافظ في نكته: "إستبعد أهل إشبيلية قول ابن العربي حتى قال قائلهم:
يا أهل حمص ومن بها أوصيكم … بالبر والتقوى وصية مشفق
فخذوا عن العربي أسمار الدجى … وخذوا الرواية عن إمام متقي
إن الفتى ذرب اللسان مهذب … إن لم يجد خبراً صحيحاً يخلق
وأراد بأهل حمص أهل إشبيلية" قال الحافط: "وقد تتبعت طرقه
(4/135)

فوجدته كما قال ابن العربي بل أزيد" فعد ستة عشر نفساً غير مالك رووه عن الزهري وعزاها لمخرجيها قال: "ولم ينفرد الزهري به بل تابعه يزيد الرقاشي عن أنس. أخرجه أبو الحسن الموصلي في فوائده ولم ينفرد به أنس بل تابعه سعد بن أبي وقاص وأبو برزة الأسلمي في سنن الدارقطني وعلي بن أبي طالب في المشيخة الكبرى لأبي محمد الجوهري وسعيد بن يربوع والسائب بن يزيد في مستدرك الحاكم" قال: "فهذه طرق كثيرة غير طريق مالك عن الزهري عن أنس، فكيف يحل لأحد أن يتهم إماماً من أئمة المسلمين بغير علم ولا إطلاع" انتهى. لله در ابن العربي لما وعدهم ولم يخرج لهم شيئا، لقد ضن بعلمه على المعاندين ولم يعدم حقه من ينصره ولو كان ذلك بعد قرون، وجزى الله الحافط ابن حجر عن العلم وأئمته خير جزاء.
ولنعد إلى نقل كلام مترجميه فيه، قال ابن فرحون: "وقدم بلده إشبيلية بعلم كثير لم يأت به أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق، وكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها متقدماً في المعارف كلها متكلما في أنواعها نافذاً في جميعها حريصا على أدائها ونشرها ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها. ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة وكثرة الاحتمال وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود".

ولايته للقضاء:
ولي قضاء قضاة كورة بلده إشبيلية فقام فيه بالعدل والقوة ولحقه من جراء ذلك بلاء ومحنة أبقت ثناء وذكراً ثم صرف عنه.
قال ابن الزبير: "وولي القضاء مدة أولها سنة ثمان "لعله بعد الأربعمائة" (1) فنفع الله به لصرامته ونفوذ أحكامه، والتزام الأمر
__________
(1) الصواب أنه ولي القضاء سنة 508ه لأن سفره إلى الشرق كان سنة 485ه. 136
(4/136)

بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله فأحسن الصبر على ذلك كله ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه".
وقال القاضي عياض: "واستقضى ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة وتؤثر عنه في قضائه أحكام غريبة".
وقال المقري في نفح الطيب: "وقام بأمر القضاء أحمد قيام مع الصرامة في الحق والقوة والشدة على الظالمين والرفق بالمساكين، وقد روي عنه أنه أمر بثقب أشداق زامر" ولعل هذا من الأحكام الغريبة التي أشار إليها القاضي عياض.

محنته:
قد عرفنا مما تقدم أن ابن العربي أصابته محنة في قضائه بسبب شدته في الحق وصرامته في الأحكام. وقد ذكر هو هذه المحنة في كتاب العواصم وأنها كانت بسبب إلزامه الناس للصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال المقري: "وما برح معظما إلى أن تولى خطة القضاء ووافق ذلك أن احتاج سور إشبيلية إلى بنيان جهة منه ولم يكن بها مال متوفر ففرض على الناس جلود ضحاياهم وكان ذلك في عيد أضحى فأحضروها كارهين. ثم اجتمعت العامة العمياء وثارت عليه ونهبوا داره" ولا منافاة بين هذا وما قبله فإن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر كان متكررا وعند هذه الواقعة- والأمر فيها عام- قامت عليها العامة ولا شك أنها لا تخلو من إيعاز من حساد ابن العربي من الخاصة. وهكذا من يريد أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه التنفيذ، مقدر له أن يلقى هذه وأمثالها.

تصانيفه:
كان هذا الإمام من المصنفين المكثرين المجيدين قال ابن الزبير-
(4/137)

ونقله عنه ابن فرحون-: "وصنف في غير فن تصانيف مليحة كثيرة مفيدة. منها أحكام القرآن كتاب حسن (مطبوع بمصر) وكتاب المسالك في شرح موطأ مالك (منه نسخة في مكتبة الجزائر بها نقص وعندنا منه جزء فيه ما يكمل ذلك النقص) وكتاب القبس (سنمثله للطبع إن شاء الله) وعارضة الأحوذي على كتاب الترمذي (منه نسخة بجامع الزيتونة) (1) والعواصم من القواصم، والمحصول في أصول الفقه، وسراج المريدين، وسراج المهتدين، وكتاب المتوسط، وكتاب المتكلمين (كذا في ابن فرحون وأراه المشكلين مشكل الكتاب والسنة) وله تأليف في حديث أم زرع وكتاب الناسخ والمنسوخ وتخليص التلخيص وكتاب القانون في تفسير القرآن العزيز وله غير ذلك من التآليف. وقال في كتاب القبس أنه ألف كتابه المسمى أنوار الفجر في تفسير القرآن في عشرين سنة ثمانين ألف ورقة وتفرقت بأيدي الناس (قلت): - ابن فرحون- وأخبرني الشيخ الصالح يوسف الحزام المغربي بالإسكندرية في سنة ستين وسبعمائة قال رأيت تأليف القاضي أبي بكر بن العربي في تفسير القرآن المسمى أنوار الفجر كاملا في خزانة السلطان الملك العادل أمير المسلمين ابن عنان فارس ابن السلطان أمير المسلمين أبي الحسن علي ابن السلطان أمير المسلمين ابن سعيد عثمان بن يوسف بن عبد الحق.
وكان السلطان إذ ذاك بمدينة مراكش، وكانت له خزانة كتب يحملها معه في الأسفار وكنت أخدمه مع جماعة في حزم الكتب ورفعها فعددت أسفار هذا الكتاب فبلغت عدتها ثمانين مجلدا ولم ينقص من الكتاب المذكور شيء. قال أبو الربيع: "وهذا المخبر يعني يوسف ثقة صدوق رجل صالح كان يأكل من كده" وذكر المقري من تصانيفه: كتاب مراقي الزلف وكتاب الخلافيات وكتاب نواهي الدواهي وكتاب
__________
(1) مطبوع بمصر سنة 1350ه.
(4/138)

النيرين في الصحيحين وكتاب الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا وكتاب في الكلام على مشكل حديث السبحات والحجاب وكتاب العقد الأكبر للقلب الأصغر وتبيين الصحيح في تعيين الذبيح وتفصيل التفضيل بين التحميد والتهليل ورسالة الكافر في أن لا دليل على النافر، وكتاب السباعيات وكتاب السلسلات وكتاب التوسط في معرفة صحة الاعتقاد، والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد وكتاب شرح غريب الرسالة وكتاب الأنصار (1) في مسائل الخلاف عشرون مجلدا وكتاب حديث الإفك وكتاب شرح حديث جابر في الشفاعة وكتاب ستر العورة وكتاب أعيان الأعيان وكتاب ملجاة المتفقهين إلى غوامض النحويين وكتاب ترتيب الرحلة وفيه من الفوائد ما لا يوصف.

مولده ووفاته:
ولد ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة. وتوفي منصرفه من مراكش من الوجهة التي توجه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة (عاصمة مراكش) بعد دخول الموحدين مدينة إشبيلية فحبسوا بمراكش نحو عام ثم سرحوا فأدركته منيته فحمل ميتا إلى مدينة فاس فدفن بتربة القائد مظفر خارج باب المحروق وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة رحمه الله ونعمه (2).
__________
(1) كذا في الأصل والصواب الإنصاف.
(2) من كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي رحمه الله تعالى، ج 2 من أ إلى ع. وهي المقدمة التي وضعها ابن باديس رحمه الله لهذا الكتاب واقتضاه الأمر أن يجعلها في ذيل الجزء الثاني من الكتاب المذكور.
(4/139)

عبد العزيز الثعالبي

هكذا أذكره دون لقب أو صفة فإن هذا الإسم لم يبق علما على ذات مشخصه تحتاج إلى صفاتها وألقابها، بل صار في أذهان الناس علما على الرجولة والبطولة والزعامة، وعلى التفكير والعمل والتضحية وعلى الإسلام والشرق والعروبة وعلى وحدة إفريقيا. فإذا قلت عبد العزيز الثعالبي فقد قلت هذا كله. أسرة الثعالبي جزائرية، وهو مولود بالجزائر وجده ممن شاهد بعضا من معارك الجزائر في رد الحملة الفرنسية وأصيب برصاص العدو، وبقيت آثاره في صدره، فكان يكشف عن ذلك الصدر لعبد العزيز في صغره ويذكر له الجزائر والاستيلاء عليها وهجرته هو وغيره من الجزائريين من ذلك الاستيلاء.
نشأ الثعالبي تونسيا ودرج للعلم زيتونيا وتعدت به عبقريته دائرة الكتب الزيتونية الدراسية الضيقة فأخذ يتناول كل ما تصل إليه يده من خزانة الجامع ومكتبة العبدلية وكانت مبائته بضع سنوات عدة. وكان ذهنه الحاد وحافظته القوية ورغبته الملحة مواهب أكسبته مما درس وقرأ نبوغا في الفهم والخطابة والكتابة: فبرز من جامع الزيتونة نابغة عبقريا غريبا شاذا بين أهل عصره شأن كل نابغة عبقري.
لقي عبد العزيز من الجامدين والمستبدين- وما زالا على الدهر متوالين- ما يلقاه مثله فعوكس وأوذي وسجن ولكنه لم يتزحزح قيد شعرة عما حبس نفسه عليه من إصلاح المجتمع من جميع نواحيه.
رحل الثعالبي للأزهر وحضر دروس البشري، وعاد إلى تونس وقد فتحت له الرحلة عالما آخرا وابتدأ تكونه العالمي بعد الإقليمي ورحل إلى
(4/140)

[صورة: الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ عبد العزيز الثعالبي]
ــــــــــــــــــــــــــــــ

الجزائر والمغرب فتم تكونه الإفريقي. أعطى الثعالبي تونس حقها ووضع لها كل أسس نهضتها ثم فارقها في رحلته الأخيرة ليعطي حق الشرق والعروبة والإسلام فكان نظام العقد وعنوان الوحدة وروح الاتصال والعلم الإفريقي الخفاق الذي لفت أنظار الشرق إلى الشمال الإفريفي وإلى تونس عروس ذلك الشمال. وكان الثعالبي في الشرق من جهة أخرى برهانا ساطعا ودليلا متنقلا على ظلم الاستعمار واستبداده، وما يلاقيه الأفارقة من كيده وبلائه، ويكذب كل ما يتظاهر به هنالك حيث لم ترسخ قدمه ولم يتم سلطانه. شعرت فرانسا- أخيرا- بعظيم ضرر ذلك على سياستها في الشرق العربي والإسلامي فأذنت للثعالبي في العودة لوطنه.
(4/141)

فالإستعمار هو انفى الثعالبي لمصلحته هنا والاستعمار هو رد الثعالبي لمصلحته هنالك. وأبى الله إلا أن يستفيد الشرق والعروبة والإسلام من الثعالبي هناك ويستفيد الشرق والعروبة والإسلام من الثعالبي هنا. فاعتبروا يا أولي الأبصار!
عاد الثعالبي فاهتزت فرحا إفريقيا الشمالية كلها وتونس وطنه والجزائر مسقط رأسه ووطن أسلافه ورأت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في قدومه اعتزاز الإصلاح الإجتماعي الإسلامي من ناحية الفكر والعلم والأخلاق والسلوك في الحياة- وهذا ما تعمل له الجمعية- فأبرقت تهنئه وتهنيء الأمة التونسية الشقيقة به، ثم رأت أن تعرب عن سرورها بقدومه وإعجابها بمواهبه وتعظيمها لجانبه بذهاب رئيسها لتحيته وتهنئه بقدومه وإبلاغه كل ما تحمله الجمعية والجزائر العربية المسلمة من الحب والاحترام والتعظيم لشخصه.
ذهبت يوم الخميس 14 جمادى الأولى إلى تونس وزرت الثعالبي في داره وبلغته عن الجمعية رسالتها فقابلها بالشكر والثناء وتلقاها بالفرح والسرور وأي سرور هو؟ سرور من وقف نفسه على الإصلاح وفارق الشمال الإفريقي ولا دعوة للإصلاح فيه، ثم جاءه بعد مدة من الدهر فوجد للإصلاح جندا قويا وقيادة منظمة وصوتا عاليا وكلمة نافذة وتقديرا لأمثاله من الرجال المصلحين.
انتهت بهذه المقابلة مهمتي كرئيس للجمعية وموفد من طرفها. وكانت بعد ذلك المجالس والاجتماعات والحفلات والزيارات في دار الشيخ وغيرها مع الشيخ ودونه- كانت وكنت فيها كجندي بسيط من جنود العروبة والإسلام. فما شئت من أنس، ونعيم نفس، وكل ما يغذي الروح ويحيي الوجدان ويرضي العروبة والإسلام.
(4/142)

وَحَدِيثٍ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا … تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ يُوزَنُ وَزْنَا
مَنْطِقٌ صَائِبٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا … ناً وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْناً (1)
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ش: ج 7 م 13، ص 316 - 318 رجب 1356ه - سبتمبر 1937م.
(4/143)

وحدة الشمال الإفريقي:
أبناء المغرب العربي
في الشرق العربي
ــــــــــــــــــــــــــــــ

حيثما توجهنا إلى ناحية من نواحي التاريخ وجدنا هذا المغرب العربي- طرابلس، تونس، الجزائر، مراكش - يرتبط بروابط متينة روحية ومادية تتجلى بها وحدته للعيان. ولسنا نريد هنا أن نتحدث عن التاريخ القديم وإنما نريد أن نعرض صفحة من التاريخ الحديث الجاري.
مضت حقبة من الدهر كاد فيها الشرق العربي أن ينسى هذا المغرب العربي وإلى عهد قريب كانت صحافة الشرق- غالبا- لا تذكره إلا كما تذكر قطعة من أواسط أفريقية ومجاهلها، بل في هذه الأيام يغمط حقه ويتجاهل وجوده في كتب لها قيمتها كـ"ضحى الإسلام" وغيره. ولكن هذا المغرب العربي- رغم التجاهل والتناسي من إخوانه المشارقة- كان يبعث من أبنائه من رجال السيف والقلم من يذكرون به، ويشيدون باسمه، ويلفتون نظر إخوانه المشارقة إلى ما فيه من معادن للعلم والفضيلة، ومنابت للعز والرجولة، ومعاقل للعروبة والإسلام، ناهيك بالأمير عبد القادر المجاهد الجزائري وأبنائه الذين شاركوا في مشانق جمال وثورة الغوطة وبحفيده الأمير خالد زعيم الجزائر الذي مات بمنفاه بالشام- وبسليمان باشا الباروني الطرابلسي والشيخ السنوسي الطرابلسي الجزائري الأصل وبالشيخ طاهر الجزائري الأصل وبالشيخ عبد العزيز الثعالبي زعيم تونس الجزائري الأصل والشيخ الخضر حسين التونسي الجزائري الأصل
(4/144)

[صور: الشيخ الخضر بن الحسين، الأستاذ الهلالي، الشيخ إبراهيم أطفيش]
ــــــــــــــــــــــــــــــ

والشيخ تقي الدين الهلالي المراكشي وغيرهم. فقد كان هؤلاء السادة الأعلام كما يرفعون اسم المغرب العربي في الشرق العربي يمثلون وحدة هذا المغرب، وقد دعانا إلى تحرير هذا والتنعم به ما رأيناه في عدد (الفتح) الممتاز من ذكر ورسم لبعض هؤلاء السادة الذين ذكرنا. فقد أصدر الأخ المجاهد الأستاذ محب الدين الخطيب عددا ممتازا من مجلته الراقية بمناسبة دخولها في السنة الثانية عشرة من سني جهادها وذكر عددا من الذين شاركوه في الجهاد أو كان منهم تأييد له فيه ونشر رسومهم فكان من جملتهم خمسة يمثلون المغرب العربي هم الشيخ طاهر الجزائري وسليمان باشا الباروني الطرابلسي والشيخ الخضر بن الحسين التونسي والشيخ تقي الدين الهلالي المراكشي. والشيخ إبراهيم أطفيش الجزائري. ونحن نحلي جيد هذا الجزء برسومهم وننشر ما كتبه الأخ الأستاذ محب الدين عنهم فيما يلي:
(4/145)

[صورة: السيد سليمان باشا البارونى]
(4/146)

[صورة: الشيخ طاهر الجزائري]
(4/147)

شيخي:

هو الذي ربى عقلي، وهو الذي حبب إلي هذا الاتجاه الفكري منذ كنت طفلا إلى أن صرت رجلا، ولا أعرف مؤلفا ولا حامل قلم نشأ في ديار الشام إلا وقد كانت له صلة بهذا المربي الأعظم واستفادة من عقله وسعة فضله إما مباشرة أو بواسطة الذين استفادوا منه. وكل الذين جاهدوا هناك لأجل الحرية، وفي سبيل المعارف، ولإحياء علوم السلف، ولإعادة مجد العروبة والإسلام، إنما كانوا من إخوانه وهو واسطة عقدهم ورأس مجالسهم أو من طبقة تلاميذه، وهو قدوتهم ومطمح أنظارهم أو من الذين أخذوا عن تلاميذه وهو مضرب المثل عندهم في كمال العقل وسعة الاطلاع التي لا حد لها، وبالإجمال هو جرثومة الخير الأولى من أيام ولاية مدحت باشا على سوريا إلى أن هاجر الرجل العظيم إلى مصر حوالي سنة 1325ه فكان موضع حرمة كل من يعرف الفضل من أهلها كتيمور باشا وأحمد بك الحسيني وأحمد زكي باشا والشيخ علي يوسف وأمثالهم وأهم كتب السلف النافعة التي نشرها الناشرون إنما نشروها بإشارته وتحريضه. وأنا وكل ما نشرته لسنا إلا قطرة من بحر الخير الذي كان يتدفق من صدر هذا العالم العامل الذي كانت الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة، وليس له فيها من أمنية إلا أن يرى عز الإسلام يعود كما كان في أيام القوة والعدل والعلم وتقوى الله عز وجل. إني لأرمي نفسي بالعقوق وإنكار الجميل كلما فكرت في إبطائي حتى الآن عن القيام بحقه عليَّ للتاريخ ولكن إذا عظم المطلوب خارت القوة دونه، وحياة الشيخ طاهر الجزائري حياة دور من أدوار الإصلاح بل هي تاريخ الأمة في حقبة
(4/148)

من حياتها. ولا بد أن أقوم بهذا الواجب في يوم من الأيام. رحمة الله عليه ومغفرته ورضاه.

السيد محمد الخضر حسين:
العلامة الجليل الأستاذ السيد محمد الخضر حسين في مقدمة الأفاضل الذين أمدوا هذه الصحيفة بآثار فضلهم من سنتها الأولى إلى الآن، فما هوجم الإسلام في وقعة إلا وكان للأستاذ حفظه الله دفاع أمتن من الفولاذ، وأرسخ من الجبال الراسيات.
والسيد حفظه الله محبوب من كل محب للإسلام، معروف فضله لكل من اتصل به من أبناء الشرق والغرب، وقد تعود من صدر حياته أن يحمل دنياه على آخرته، وأن يضحي بالأولى في سبيل الأخرى إذا تعارضتا.
نرجو الله أن يمد في حياته، وأن يزيده قوة على الخير.

جانب عامر من جوانب القيادة:
نحن نشكوا دائما ضعف القيادة في العالم الإسلامي وللضعف مظاهر وأعراض ذات ألوان مختلفة وكلما وجدنا جانبا من جوانب القيادة عامرا بالاستقامة والصلابة والإخلاص كان حقا علينا أن نحمده ونعلن اغتباطنا به. وصاحب السعادة سليمان باشا الباروني من أعيان هذه الأمة الذين تحلوا بمزية الاستقامة والإخلاص إلى أبعد حد. عرفنا ذلك فيه منذ كان نائبا عن طرابلس الغرب في مجلس المبعوثان العثماني ثم ازددنا بذلك علما عند ما رأينا جهاده المجيد في سبيل الله والوطن بعد حادث الاختطاف الذي كان من إيطاليا لطرابلس الغرب وبرقة، وقد نشرنا في العدد 525 من (الفتح) صورة شمسية لوثيقة صادرة
(4/149)

من دائرة حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسن تثبت إصرار سليمان باشا الباروني على إعادة ستة آلاف جنيه قدمت إليه من الإعانات الطرابلسية فردها وقال: "إن الإعانات للمجاهدين والآن لا جهاد" مثل هذه المنقبة الممتازة يحملنا على تزيين هذا العدد الممتاز بصورة القائد المجاهد سليمان باشا الباروني، مغتبطين بما نشرناه له في العدد 532 من كلمات الرضا عن الفتح وخطته.
مد الله في حياته وأدام المحبة بين المسلمين.

صديقنا:
هبط صديقنا الأستاذ العلامة الشيخ إبراهيم أطفيش وادي النيل مهاجراً إليه من وطنه الجزائر من قبل أن يولد الفتح، واكتسبنا صداقته من السنة الأولى التي اتخذ فيها الوطن المصري وطنا ثانيا له، فكنا نحن وجميع أفاضل المصريين نعجب بصدقه وصلابة دينه واستعداده للمشاركة في كل خير، فما قامت لخير الإسلام جماعة من ذلك الحين، ولا أرسل المنادون إلى الفلاح صوتهم في أمر، إلا كان الأستاذ أبو إسحاق الشيخ إبراهيم أطفيش في مقدمة المعينين على ذلك. ومقالاته المتعددة في هذه الصحيفة وفي أختها الزهراء شاهد على فضله، ودليل على حسن بلائه في سبيل وحدة المسلمين. جزاه الله خيراً.

الأستاذ الهلالي:
الفاضل فاضل حيثما كان، كما أن الشمس شمس شرقت أم غربت. والأستاذ العلامة السيد محمد تقي الدين الهلالي- صاحب الفصول الممتعة والبحوث الجليلة في صحيفة الفتح- من أفاضلنا الذين أجمع على الاعتراف بفضلهم الشرق والغرب، والعرب والعجم،
(4/150)

والمسلمون وغير المسلمين، فهو في الحجاز نار على علم شهرة وفضلا، وفي الهند تبوأ منصة التدريس في أرقى جامعاتها وفي العراق معروف بدؤو به على خدمة هذه الأمة وحرصه على خيرها، وهو الآن في ألمانيا موضع الحرمة من أركان جامعة بن التي يتولى التدريس فيها.
فالأستاذ الهلالي رجل عالمي واسع النظر واقف على أحوال الشرق والغرب، لذلك كان ما يقرره في بحوثه من حقائق يأتي ناضجاً مفيداً ممتعاً، ومن حسن الحظ أن قراءنا يقدرون رجالهم كما نقدرهم وكل ما يكتبه الأستاذ الهلالي وأضرابه في الفتح يأتي بالفائدة المرجوة منه والحمد لله (1).
__________
(1) ش: ج 5، م 13، ص 220 - 225 غرة جمادى الأولى 1356ه - جويلية 1937م.
(4/151)

قصة الشهر:
{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}
ــــــــــــــــــــــــــــــ

الشيخ طاهر الجزائري:
هذا الأستاذ العظيم من أبناء الجزائر الكثيرين الذين ظهر نبوغهم في غير وطنهم فدلوا على أن الطينة الجزائرية طينة علم وذكاء إذا واتتها الظروف.
ألقى الأستاذ محمد كرد علي وزير المعارف بسورية محاضرة عن حياة هذا الأستاذ الكبير ونشرتها مجلة المجمع العلمي العربي فرأينا نقلها لقراء "الشهاب" لما فيها من فوائد علمية وعبر تاريخية للمتأملين (1).

-1 -
أصله ونشأته:
هو طاهر بن صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني الجزائري هاجر والده الشيخ صالح من الجزائر إلى دمشق في سنة 1263ه وكان من بيت علم وشرف معروف في بلاده، ولما جاء دمشق تولى قضاء المالكية وولد له ولد في شهر ربيع الثاني سنة 1268ه دعاه "الطاهر". قال والده في حاشية المجموع الفقهي للعلامة الأمير المالكي "طهره الله من رجس دنياه ودينه وبارك في عمره ورزقه العلم والعمل به" واستجيب دعاء والده فنشأ ابنه طاهر على حب الفضائل والتناغي بالعلم والعمل.
__________
(1) فضلنا كتابة هذه الترجمة لأن الشيخ ابن باديس نشرها وعلق عليها.
(4/152)

دخل الشيخ طاهر المدرسة الجقماقية الاستعدادية فتخرج بأستاذه الشيخ عبد الرحمن البوشناقي، وكان مربيا شديد الشكيمة، وتعلم العربية والفارسية والتركية ومبادئ العلوم ثم اتصل بعالم عصره الشيخ عبد الغني الميداني الغنيمي الفقيه الأصولي النظار. وكان واسع المادة في العلوم الإسلامية بعيد النظر واسع العقل وهو الذي حال بإرشاده في حادثة سنة 1860م بدمشق دون تعدي فتيان المسلمين على جيرانهم المسيحيين في محلته فأنقذ بجميل وعظه وحسن تأثيره بضعة ألوف من القتل في تلك المذابح المشؤومة. وكان الشيخ الميداني على جانب عظيم من التقوى والورع الحقيقي، يمثل صورة من صور السلف الصالح فطبع الشيخ طاهر بطابعه وأنشأه على أصح المبادىء العلمية الدينية. وكانت دروسه دروساً صافية المشارب يرمي فيها إلى الرجوع بالشريعة إلى أصولها والأخذ من آدابها بلبابها، ومحاربة الخرافات التي استمرأتها طبقات المتأخرين وإنقاذ الدين من المبتدعين والوضاعين. وإذ جمع الشيخ طاهر إلى سلامة الفطرة وسلامة البيئة جودة النظر وبعد الهمة جاء منه بالدرس والبحث عالم مصلح وفيلسوف إلهي أشبه الأوائل بهديه، وتمثل بالأواخر في نظره ووفرة مادته.
ولم يغفل الأستاذ خلال سني الدراسة عن درس العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية والتاريخية والأثرية، أخذها عن علماء من الترك وغيرهم. فكان إذا رأى أعلم منه بفن أخذ عنه فنه وأفاده فيما لايحسنه من فنون العلم. ومن مثل لعينيه كيف كان محيطه محيطاً أوائل النصف الأخير من القرن الماضي أيام كان يتهم بالمروق كل من تعاطى علماً لا يعرفه المتفقة يدرك ما عاناه الأستاذ لتلقف هذه العلوم المادية. ولم يبلغ الثلاثين من عمره حتى غدا يتقن العربية والفارسية والتركية وينظم بالفارسية كالعربية وكان نظمه بالعربية أرقى من شعر الفقهاء ودون شعر نبغاء الشعراء. وألف السجع لأول أمره ثم تخلى عنه
(4/153)

وأصبح يكتب مترسلا بلا كلفة ولا تعمل، وتعلم الفرنسية والسريانية والعبرانية والحبشية والقبائلية البربرية لغة بلاده الأصلية. ومما ساعده على فتح صدره الرحب لجماع المعارف البشرية غرامه منذ نشأته بجمع الكتب وهو لما يزل في المدرسة الإبتدائية فقد أخذ يبتاع الدشوت والرسائل المخطوطة من دريهمات كان يرضخ بها له والده لخرجه. وكانت الكتب والرسائل تباع في الكلاسة شمالي الجامع الأموي على مقربة من ضريح صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكلما أحرز الشيخ شيئاً من الأوراق والأسفار طالعه بإمعان وخبأه وحرص عليه فاستنار عقله وكثرت معلوماته واجتمعت له بطول الزمن خزانة مهمة من الأسفار قدرتها بستة آلاف مجلد فيها كثير من النوادر المخطوطة.
تولى التعليم لأول أمره في المدرسة الظاهرية الإبتدائية ولما أسست الجمعية الخيرية من علماء دمشق وأعيانها سنة 1294ه دخل في عداد أعضائها وكان من أكبر العوامل فيها ثم استحالت هذه الجمعية "ديوان معارف" فعين مفتشاً عاماً على المدارس الابتدائية التي أنشئت على عهد المصلح الكبير مدحت باشا والي سورية سنة 1295ه. وكان للشيخ الأثر العظيم في تأسيسها بمعاونة صديقه بهاء الدين بك أمين سر الولاية، وهو أديب تركي كان يحب نهضة العرب كما يحب العلم والأدب. وفي هذه الحقبة ظهر نبوغ شيخنا وعبقريته في تأسيس المدارس واستخلاصها من غاصبيها وحمل الآباء على تعليم أولادهم ووضع البرامج وتأليف الكتب اللازمة للمدارس، كن يقوم بهذه الأعمال المهمة ولا يفتأ يزداد كل يوم علما وتجربة وتفانيا في نهضة البلد وتحسين الملكات وصقل الأخلاق والعادات.
وأنشأ على ذلك العهد أيضا بمعاونة بضعة من أصدقائه "دار الكتب الظاهرية" بدمشق وجمع فيها سنة 1296ه ما تفرق من المخطوطات
(4/154)

العظيمة في عشر مدارس تحت قبة الملك الظاهر بيبرس البندقداري ولقي ممن استحلوا أكل الكتب والأوقاف مقاومة شديدة وهددوه بالقتل إن لم يرجع عن قصده فما زادوه إلا مضاء وانكماشا، ولا تزال هذه الدار أثراً من آثاره في الشام وقد أنشأ مثلها في القدس باسم الشيخ راغب الخالدي وسماها "المكتبة الخالدية" وأضاف إليها بعد ذلك آل الخالدي خزائنهم الخاصة.

علمه وعمله:
رأينا منهاج الدروس الواسع الذي أخذ الشيخ نفسه بدراسته منذ حداثته وأنه ليندر في المتأخرين من علماء دور الانحطاط الفكري نبوغ رجل مثله وعى صدره من ضروب المعارف ما وعي وطبق مفاصل الشريعة مع علوم المدنية فقد كان متضلعا من علوم الشريعة وتاريخ الملل والنحل منقطع القرين في تاريخ العرب والإسلام وتراجم رجاله ومناقشات علمائه ومناظراتهم وتآليفهم ومراميهم، ساعده على التبريز في هذا المضمار قوة حافظته التي لا تكاد تنسى ما يمر بها مهما طال العهد. وكان إماماً في علوم الأدب واللغة إذا سألته حل مسألة تظن الشيخ لا يعرف غير هذا العلم وإذا استرشدته في الوقوف على مظان موضوع تريده أطلعك من ذلك في الحال على ما لا يتيسر لغيره الظفر به بعد الكشف عنه أياماً، وهكذا هو في علوم الشريعة ولا سيما التفسير والحديث والأصول. وكان يعرف السياسة وما ينبغي لها وحالة الغرب واجتماعه والشرق وأممه وأمراضه معرفة لا تقل عن معارف عالم أخصائي من علماء الغرب لعهدنا، ولا يكاد جليسه يصدق إذا انكفأ الشيخ يتكلم في هذه الموضوعات خصوصاً إذا كان غربيا أن محدثه شيخ من شيوخ المسلمين يعيش في أمة لا ثقيم وزناً لهذه المعارف.
(4/155)

اتسع صدر الشيخ لجماع علوم المدنية الحديثة إلا الموسيقى والتمثيل فلم يكن له حظ فيهما وربما قاوم سراً المشتغلين بهما مخافة أن تكون سلماً إلى التبذل وخلع ثوب الحياء والوقار، وكان لا يرى فيهما إلا مدرجة اللهو والصبوة. وهذا مما لم يدخله الشيخ في جريدة أعماله ولذلك لا يفتي بالتسامح مع القائمين عليهما مهما أوردوا له من الحجج على نفعهما. وصعب أن يتخلى المرء عن جميع ما أورثه إياه أهله وأساتذته ومحيطه، وصعب على من حلف أن يعيش عيش جد وتبتل أن يتساهل في الصغائر لئلا تؤدي إلى الكبائر. أما الرسم والتصوير والنقش فكانت مما يتسامح فيه لكنه يغمزه عرضاً، وكثيراً ما يقول أن أجيال الفرنجة في هذا العصر أفرطوا في الغرام بالتصوير والتعويل عليه في كل أمر فأضعفوا بذلك قوة التفكير والتصوير.
وسياسة الشيخ في التعليم محصورة في تلقف المسلمين أصول دينهم والاحتفاظ بمقدساتهم وعاداتهم الطيبة وأخلاقهم القديمة القويمة وأن يفتحوا قلوبهم لعامة علوم الأوائل والأواخر من فلسفة وطبيعي واجتماعي على اختلاف ضروبها ويقاوم المتعصبين على هذه العلوم المنكرين غناءها في الجتمع مقاومة حكيم عاقل وذلك بتكثير سواد الدارسين لها وإرشادهم إلى طرقها العملية المنتجة لا الوقوف بها عند حد الأنظار فعمَّ المسلمين في الشام درس علوم نرى اليوم الأخذ بحظ منها من البديهيات اللهم إلا عند بعض الجامدين من المشايخ ممن جهلوها، ومن جهل شيئاً عاداه.
وكانت للشيخ طرق مبتكرة في معنى بث الأفاكار التي تخالف معتقد الجمهور يبثها في الحقول بدون جعجعة ولا مظاهرة ويقرب منالها من المستعدين لأخذ النفس بها وذلك بتلقينهم أمهات مسائلها أثناء الحديث على صورة لا ينفرون منها ولا يخطر لهم أنها بالبدع المنكر. مثال ذلك أنه أولع في صباه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمبة وكانت
(4/156)

جمهرة الفقهاء في عصره تكفر ابن تيمية تعصباً وتقليداً لمشايخهم فلم ير الشيخ لتحبيبهم بابن تيمية إلا نشر كتبه بينهم من حيث لا يدرون. فكان يستنسخ رسائله وكتبه ويرسلها مع من يبيعها في سوق الوراقين بأثمان معتدلة لتسقط في أيدي بعضهم فيطالعونها وبذلك وصل إلى غرضه من نشر آراء شيخ الإسلام التي هي لباب الشريعة.
هذا وليس الشيخ في مذهبه على الحقيقة حنبلياً ولا مالكياً ولا حنفياً بل هو مسلم يأخذ من أصل الشريعة باجتهاده الخاص ويحسن ظنه بأئمة المذاهب المعروفة، ويتجهم لمن يجرأ على النيل من أحدهم. يعمل بما صح له من الدليل في الكتاب والسنة ولطالما أعطى الحق لعلماء الشيعة أو الإباضية أو المعتزلة في مسائل تفردوا بها وضيق فيها أهل السنة. أما الفلسفة أو الحاكمة القديمة والفلسفة الحديثة فكان يعطف فيها عليها وعلى المشتغلين بها وينحي باللائمة على المتأخرين الذين أوصدوا بابها فأظلمت العقول وضعف مستواها.
كان الشيخ ينكر على الظالمين سيرتهم ويقبح الظلم وإن نال عدوه وينصف الناس من نفسه بعض الشيء وكان الحكم معه في بلية يعرفون أنه ينزع إلى القضاء على سلطتهم الغاشمة ولا يستطيعون أن يقلبوا له ظهر المجن ويظهروا العداء له. وكذلك كان المشايخ معه يبغضون أفكاره ولا يجرأون على مقاومته بسلاحه سلاح العلم والبرهان فكان كثيراً ما يقول ما لنا ولأناس ليس لهم من السلطان علينا غير سلاطة ألسنتهم وكلمات ينفسون عنهم بها وهي لا تخرج إلى أبعد من سقوف بيوتهم وحجرهم، وحدث لبعض أغمارهم أن استعانوا غير مرة بالسلطة الزمنية على توقيف تيار أفكاره وأفكار أنصاره فكان الشيخ يصدهم لما له من التأثير في أهل الحل والعقد ممن كانوا يتمثل لهم عقل الرجل وضعف المبغضين له وكان يحسن مخاطبتهم بلسانهم والقائمون عليه لا يحسنون محاورتهم حتى ولا بلغتهم الأصلية،
(4/157)

وسلاحهم دسائس يحوكونها وتعصبات ينفتونها. ولم يزل جهال الناس كما قال ابن المقفع يحدون علماءهم وجبناءهم، شجعانهم ولئامهم كرماءهم وفجارهم، أبرارهم وشرارهم خيارهم، من أجل هذا كان الأستاذ يتفنن في بث أفكاره بين الخاصة والعامة على صور شتى ويتفانى في نشر العلم والتهذيب والأخذ من القديم والحديث، وكم من عامي أصبح بتعاليمه وتلقينه بالعمل مسائل بسيطة من العلم محدوداً من المتعلمين في جلسات قليلة جلسها معه وسمع مذكراته ومن هذه الطبقة أناس ما فتىء على تنشيطهم حتى ألفوا وطبعوا ولم يكونوا قبله في العير ولا في النفير. وكم من جريدة أو مجلة أو كتاب أو رسالة نشرت في مصر والشام بإرشاده وكان له أسلوب جرى عليه خصوصاً في تفتيش المدارس وهو أن يعلم المعلم ولا يشعره بأنه يعلمه بل يوهمه أنه يذاكره في مسائل التربية والتعليم أو أنه يحاول أن يتعلم هو منه.
وكم من أديب أو عالم أرشده إلى السبيل السوي في أدبه وعلمه وعلمه المظان وأساليب المراجعة، وكثير عدد من اشتغلوا بالآداب أو تعلموا التعليم الثانوي أو العالي في القطر الشامي إن لم يكونوا استفادوا منه مباشرة فبالواسطة، وتلاميذه ومريدوه يعدون بالعشرات من المسلمين وأكثرهم اليوم يشغلون مقامات سامية في دور العلم والحكم وفي التجارة والزراعة. ولم يحد المترجم له عن الخطة التي اختطها لنفسه منذ نعومة أظفاره ودعا الناس إلى إنتاجها حتى آخر أيامه. وخطته الإخلاص والعمل على النهوض بالأمة من طريق العلم وبث الملكات الصحيحة في أهل الإسلام، وثورته ثورة فكرية لا مادية ويقول أن هذا الطريق يطول أمرها ولكن يؤمن فيها العثار والسلامة محققة ثابتة. بحق ما قيل في الشيخ أنه معلمة (أنسيكلوبيديا) سيارة وكيف لا يكون كذلك من آتاه خالقه حافظة قوية وذهنا وقاداً وعقلاً
(4/158)

يستعمله على الدوام، فقد قرأ جميع ما طالت يده إليه من الكتب العربية التي طبعت في الشرق والغرب، أما المخطوطات التي طالعها ولخصها في كنانيشه وجزازاته فتعد بالألوف، وقل أن يدانيه أحد في علم الكتب ووصفها ومؤلفيها وحوادثها وأماكن وجودها، ولطالما رحل من بلد إلى بلد بعيد ليطلع على مخطوط حفط في بعض الخزائن الخاصة، وبالنظر لإحاطته بالمظان وتدوينه في الحال كل ما يقع استحسانه عليه من الفوائد، كان يسهل عليه التأليف فيما ترتاح إليه نفسه من الموضوعات، وقد يؤلف الكتاب في بضعة أسابيع على شرط أن يوقن أنه سيطبع.
فهو واسع الرواية واسع الدراية، أو كما قال صديقه العلامة أحمد زكي باشا في برقية أبرقها إلى الشام بالتعزية به: "كنت أرى فيه الأثر الباقي والمثال الحي والصورة الناطقة لما كان عليه سلفنا الصالح من حيث الجمع بين الرواية والدراية في كل المعارف الإسلامية وبين الدأب على نشرها بعد التدقيق والتمحيص واستثارة خباياها وإبراز مفاخرها هذا إلى التفاني في توسيع نطاقها بقبول ما تجدد عند الأمم التي تلقت تراث العرب باليمين والدعوة إلى الإقبال عليه مضموماً إلى آثار الأبناء ومآثر الأجداد. وهكذا قضى الشيخ عمرا أولا وثانيا وثالثا في خدمة العلم والدعوة إليه بالقلم واللسان وبالقدوة الحسنة حتى تم له شيء كثير مما أراد بين الأنداد والتلاميذ والمحبين والمريدين فهم مناط الأمل وفيهم خير خلف لذلك يغتبط قاسيون بضم رفاته والحنو عليها (1) ".
__________
(1) ش: ج 5، م 5، ص 27 - 33 غرة محرم 1348ه - ماي 1926م.
(4/159)

-2 -
أخلاقه وعاداته:
قلنا أن سيرة الشيخ طاهر كانت نمطاً واحداً طول حياته هكذا كان متعلماً ومعلماً وعالماً يحب العمل ويدعو إليه قبل النظر، جد في حركته لا يبالي بالعوائق أمامه مهما عظمت وكلما حاول أعداؤه أن يقفوا دون انبعاث دعواته يزداد قوة وعرامة شأن كل الدعوات، وكلما حاربتها زدتها انتشاراً ونبهت الناس إليها. ألغت الحكومة وظيفة التفتيش بالمدارس علها تخفف من شدته في بث أفكاره بين الأساتيذ والتلاميذ فزاد نشاط الشيخ، وكان مدرساً في المدرسة الإعدادية بدمشق وهو من جملة مؤسسيها فاستقال ثم عرضت عليه وظائف كبرى في غير السلك العلمي فأبى لأنه كان يعرف أنه لا بد له من مشايعة الظلمة والجهَّال على أعمالهم، وجعل جل اعتماده في عيشه آخر أيامه على الكتب التي اقتناها طول حياته بأثمان بخسة، وأخذ يبيع منها بالتدريج ولا سيما إذا تأكد أنها تحفط في معاهد عامة كدار الكتب المصرية والخزانتين التيمورية والزكية في القاهرة فإن معظم نفائس خزانته نقلت إليها وتمزز الشيخ أثمانها نحو أربع عشرة سنة، وكان اشتراها في صباه بأثمان بخسة فارتفعت أسعارها عشرة أضعاف أو أكثر.
كان الشيخ على ضيق ذات يده أحيانا يتصدق على الفقراء في السر وربما كزت يده عن لباسه وطعامه وأطعم جائعاً وعال معوزاً، يصلي الصلوات لأوقاتها ويقيم شعائر الإسلام حتى في غير بلاده فقد زار مرة أحد معارض باريز فكان إذا أدركته الصلاة صلى في الحديقة العامة لا يبالي بإنتقاد الناس هناك ولا استغرابهم حركاته وسكناته، وحج مرة وطبق مناسك الحج على ما يفعل العلماء العاملون، وكان مفطوراً على الرحمة يأرق لجاره أو صاحبه إذا علم أنه أصيب ببائقة
(4/160)

في ماله أو أهله أو جاهه خصوصا إذا كان الرجل ممن تريضه سيرته في الجملة.
كان الشيخ يستنكف أن يأخذ شيئاً من أحد بلا مقابل مهما كان الواهب، فقد عرض عليه صديقه الأستاذ أحمد زكي باشا أن يوقع على طلب وهو يتعهد له براتب جيد من الأوقاف المصرية على عهد الخديوي عباس الثاني فتنصل واعتذر ولما اشتد صديقه في تقاضيه انتهره حتى لقد قال الأستاذ زكي باشا لو كنت أعتقد أن رجلاً يعيش من تحت السجادة لاعتقدت ذلك في الشيخ طاهر لأنه يقيم في بلد كمصر يشكو فيه الأغنياء من الغلاء ولا يحب أن يأخذ من أحد شيئاً يستعين به.
وكأنه يشير بحركته إلى ما قاله القاضي علي بن عبد العزيز في عزة نفس العالم:
يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَا … رَأَوْا رَجُلًا عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا
أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُمْ … وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا
وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ الْعِلْمِ إِنْ كَانَ كُلَّمَا … بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِي سُلَّمَا
وَمَا كُلُّ بَرْقٍ لَاحَ لِي يَسْتَفِزُّنِي … وَلَا كُلُّ مَنْ لَاقَيْتُ أَرْضَاهُ مُنْعِمَا
إِذَا قِيلَ هَذَا مَنْهَلٌ قُلْتُ قَدْ أَرَى … وَلَكِنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّمَا
أُنزِّهُهَا عَنْ بَعْضِ مَا لَا يَشِينُهَا … مَخَافَةَ أَقْوَالُ الْعِدَا فِيمَ أَوْ لَمَا؟
وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ الْعِلْمِ مُهْجَتِي … لِأَخْدُمَ مَنْ لَاقَيْتُ لَكِنْ لِأُخْدَمَا
أَأَشْقَى بِهِ غَرْسًا وَأَجْنِيهِ ذِلَّةً … إِذًا فَاتِّبَاعُ الْجَهْلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَا
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُمْ … وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
وَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانَ وَدَنَّسُوا … مُحَيَّاهُ بِالْأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا
لا أكون إلى المبالغة إذا قلت أن عزة النفس وهو الخلق الذي ندر في علماء المسلمين لعهدنا كان مما تفرد به، ففيه إباء الملوك وزهد الزهاد
(4/161)

والعباد، لم يظاهر- ظالماً لغنم يصيبه، ولا صحب غنياً للانتفاع بغناه، وكان يؤثر الخمول وعدم الظهور ولا تهمه الشهرة استفاضت أم لم تستفض لأنه يهزأ في باطنه بمظاهر الأبهة والرفعة ويزهد في اعتبارات كثيرة يتفانى الناس في تحصيلها. يزهد حتى في نسبته إلى الشرف ولم يذكر ذلك إلا مرة واحدة ذكره فيه أحد صلحاء الجزائريين أمامي وسألته بعد ذلك عن نسبة بيتهم إلى الشرف فقال (هكذا يقولون) ولا عجب فشرف العلم أشرف نسبة. هاجر الشيخ من دمشق لما كثر إرهاق العلماء في العصر الحميدي فنزل القاهرة من سنة 1225ه 1907م إلى سنة 1238ه 1920م وظل فيها طول هذه المدة على تقشفه والحرص على عاداته، ولما نشر القانون الأساسي في المملكة العثمانية (1908) رأى الشيخ بنظره الثاقب أن عهد الحرية الحقيقية بعيد وكان لا يغتر بقوانين الترك ولا بثرثرة السياسيين فانزوى في مصر حتى استحكم منه مرض (الربو) وقفل راجعا إلى مسقط رأسه قبيل وفاته بأشهر قليلة فعين مديراً لدار الكتب التي كان أنشأها في صباه وعضواً في المجمع العلمي العربي وناداه ربه إلى جواره يوم 14 ربيع الثاني سنة 1338ه (5 كانون الثاني سنة 1920م) فدفن حسب وصيته في سفح قاسيون جبل دمشق، وقبيل وفاته برح به الألم فاقترح على الطبيب أن يعطيه دواء يميته حالاً قائلاً أن في الشرع ما يبيح ذلك وهذا من أغرب ما سمع من عاقل. أما الطبيب فركن إلى الفرار وحلف أن لا يعود لتمريض الشيخ.
كان الشيخ فيلسوفاً بكل ما في الفلسفة من معنى شريف لا تلتوي أخلاقه ولا ينزل بحال عن عاداته متشدداً في دينه زاهداً في دنياه لم تبهره زخارف الحياة ولم يتزوج حتى لا يشغل ذهنه بزوج وأولاد وليكون أبداً مطلق العنان يسيح في الأرض متى أراد أو يقبع في كسر داره وسط كتبه ودفاتره، ولئن خلا من هم نفسه فما خلا ساعة من
(4/162)

الاهتمام بأمر المسلمين وتحبيب العلم والعمل إليهم.
وعقد له صلات مستديمة مع علماء عصره على اختلاف أديانهم وأجناسهم، صحب صديقه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كما صحب صديقه العالم المجري (غيولد صهري) اليهودي. وكثيراً ما كانت صلاته بعلماء المشرقيات باعثة على تخفيف حملاتهم على الإسلام ولو قليلاً، وهذا جل ما كان يهتم له ثم يهمه من أمر المستعمرين من المستشرقين توفرهم على خدمة آدابنا بنشرهم كتبنا النفيسة وكان يعاونهم فيما هم بسبيله إذا استطلعوه طلع رأيه ومتى استفتوه أفتاهم بما يتعذر وقوفهم عليه.
ومن عادة الشيخ أن يصحب الفرق المختلفة مهما كان لون طريقتهم ونحلتهم حتى الملاحدة وأرباب الطرق، رأى ذات مرة جماعة يتألفون على طريقة لهم يحبونها وأذكار مأثورة يقيمونها وشهد في بعض أفرادهم استعداداً للعلم، فما زال بشيخهم، وكان من أصحابه وتلاميذه حتى حمل الجماعة على أن يشغلوا الوقت في مطالعة كتاب من كتب القوم في التصوف وكان هذا الكتاب في الأدب العالي والأخلاق الفاضلة، ورأيت الشيخ يحتمل كثيراً من تجهم بعض أولئك المتألفين فيدخل في مجلسهم متظاهراً بأنه طالب استفادة حريص على درس أستاذهم وهو يحمل إليهم النسخ المخطوطة من الكتاب لمعارضتها بالمطبوع يحاول أن يعلم بعضهم صورة المراجعة في كتب اللغة حتى تسلم العبارة من الخطأ، ويخدم الكتاب الخدمة اللائقة، وبذلك تيسر له أن ينقل بعض أرباب الاستعداد منهم من كتب التصوف إلى كتب العلم والأدب. وسمعت بعضهم يتبرمون بقراءة تفسير ابن جرير الطبري وتبسطه في شرح الكتاب العزيز فجاء من هذه الزمرة أدباء نافعون بعد أن كانت نفوسهم مشبعة بالكشف والخيالات والمنامات. وأدخل النور على كثير من أذكياء العلماء من أصحابه وكان منهم الذين ذرفوا على
(4/163)

الستين فما استطاعوا أن يؤثروا الأثر المطلوب في مريديهم ومنهم منساعدهم الطالع أن كانوا في سن الشباب فعالجوا التأليف والوعظ والتعليم فانتفع بهم الناس كل النفع ومنهم من لم يتمرنوا على الكتابة والالقاء فبقيت لهم أفكارهم في دائرة القوة لم يتعد أثرها المحتفين بهم من الأصحاب والمريدين.
ولقد كانت له صداقة أكيدة بالعالم المطران يوسف داود السرياني يتسامران ويتحدثان ويتهامسان ويتناقشان. وما أدري إن كان المطران أثر في الشيخ أو أثر الشيخ في المطران؟ سمعت الشيخ يثني الثناء المستطاب على صديقه المطران، وقد طالت به صحبته وعشرته. وهكذا كان له اتصال بالأرمن واليهود واليسوعيين الكاثوليك والأميركان البروتستانت. وكان يغضي عن كثير من النقد على رجال الدين من غير المسلمين ويقول هم أقرب الناس إلينا يعتقدون بالله واليوم الآخر وخلود النفس. وكانت جميع الطوائف تستلطفه وتحب عشرته على ما بينها وبينه من التخالف الظاهر في الزي والعادة والخلق والمذهب ويطلعونه من سرائرهم على ما لا يبوحون به لأقرب الناس إليهم وسمعته غير مرة يقول: "الحمد لله لقد سالمنا كل الفرق".
صحب بعض الزنادقة وما زال يصبر على ما ينبو عنه سمعه من تصريحهم وتعريضهم وما فتيء يلقنهم أفكاره بالتؤدة مدة حتى عاد بهم إلى حظيرة الدين وهم لم يشعروا فيما أحسب بما دخل على عقولهم من التبدل وصحب كثيراً من غلاة الشيعة والطوائف الباطنية فما برح يلطف لهم حتى أضعف من غلوائهم وأبدلهم بعد الجفوة أنسا وغير من انقباضهم وانقباض الناس عنهم، ليعيشوا في هناء وسط المجتمع الإنساني الأكبر.
وكان يتفنن في بث الأفكار الصحيحة وإخراج قومه من الأمية
(4/164)

المميتة ويحمل خاصته ومن يصل صوته إليهم على تعليم أولادهم الممكن من ضروب العلم الذي يتناسب مع حالتهم الاجتماعية. وقال لي مراراً إذا أردت إدخال الإصلاح إلى بيوت الأعيان وفيهم الجاه والمال فأجهد لأن يتعلم ولو فرد واحد من كل أسرة تقلب به كيانها. وكثيراً ما قال لنخرجن من بيوت الأغنياء أولاداً يحاربونهم بسلاح التربية الصحيحة وقد وفق إلى ذلك بعض الشيء، وكان يقول لو طلب مني اليهود أن أعلمهم ما تأخرت ساعة عن إجابة طلبهم لأن في تعليمهم تقريبا لهم منا مهما كانت المباينة والفوارق بيننا وبينهم.
ما رأيت الشيخ يبغض إنساناً بغضه لشقيقين دمشقيين جعلا شعار العلم على رأسيهما وكان إذا ذكر أحدهما أو كلاهما في مجلسه يقول (دعونا) وتنقبض نفسه انقباضا دونه كل انقباض ولو علمت أن بغضه لهما- وكانا بغيضين للناس- كان ناشئاً من كونهما أعطيا عهداً على أنفسهما أن يصدا الناس عن طلب العلم لبطل عجبك. وأكد الأستاذ أن الأخوين قد وفقا بدعايتهما الضارة إلى أن قطعا عن الدرس نحو أربعين طالباً، كان يرجى أن يكون منهم متعلمون بل علماء عاملون وكان من عادة بعض أدعياء العلماء من الشيوخ أن يرغبوا الناس عن الدرس ليخلو لهم الجو ويستمتعوا وحدهم بالمناصب الدينية والأوقاف والمدارس والجوامع لا ينازعهم أحد في شؤونهم ما خلا أبناء بيوت محدودة معروفة ممن هم على شاكلتهم في غش الأمة والاستئثار بمرافقها. فكان شأن هؤلاء في الاستئثار الممقوت شأن كهنة قدماء المصريين لا يسمحون لغير فئة خاصة بالتعلم أو شأن أصحاب الطبقات من الهنود أو اللاويين عند اليهود لا يدخل أهل طبقة في طبقة غيرها مهما تبدل من حالتها.
من أجل هذا كان من رأي الشيخ أن يتعلم كل طالب علم (العلم الإسلامي) صناعة أو تجارة أو نحو ذلك من أسباب المعاش مما يغنيه
(4/165)

عن الناس وعن تكفف العظماء لتعزف نفوسهم عن التناول من الأوقاف والتمرغ في حمأة القضاء والإفتاء، وينشأوا على استقلال النفس، لأن هذا العلم يطلب لذاته وفائدته في الدارين لا للتكسب به عند السلاطين والحكومات. وفي سيرة بعض علمائنا الأقدمين ممن كانوا يحترفون ويتجرون عبرة لأهل هذا الشأن وأي عبرة.
ولطالما تفرس الشيخ في إنسان الشر وأعرض عنه وحذر أصحابه من الدنو منه فيناله من نقد غير العارفين ما يناله ويقولون أن الشيخ صاحب أطوار وغرائب والشيخ ساكت يقول: "هم أحرار ونحن لا نكم أفواه الناس عن التحدث بما يروقهم" ولا تلبث الأيام بعد حين أن تكشف نفس ذاك الشرير على صورة مستغربة وكثيراً ما كنت أسأله عن الأشخاص من حيث علمهم أو أخلاقم فيجيب (الأمر مجهول) فأفهم بالتعريض أن في معلوماتهم م أو سلوكهم نظراً، فيظهرون بعد لأي بمظهر الجهل أو الخيانة وقد خدعوا السذج من أصحاب الصدور السليمة ومن قلت تجاربهم في المجتمع أعواما غير قليلة. ومن فراساته الغريبة يوم حدث الاعتداء على ولي عهد النمسا في مدينة سراجيفو سنة 1914م أن حرباً أوربية طاحنة ستنشب لا محالة فأبعد في تصوره خطورة الموقف إلى ما لا يتعداه غير أعاظم المفكرين العارفين بنتائج الحوادث. كان يصدع بالحق ولا يماري إذا دخل مجلساً ورأى فيه بعض الظالمين أو المخرفين غلب عليه الجلال فلا بنطق بكلمة، وإذا رأى من أحد الحاضرين تمويها في أمر وخروجاً عن الصدد جبهه واحتد فيخرج عن مألوف الناس في الملاينة والملاطفة وهذا سر من أسرار ازورار بعض الناس منه. واتفق أن أحد أترابه ارتقى في الدولة العثمانية حتى أصبح الحاكم المتحكم في العهد الحميدي فقاطعه الشيخ مقاطعة بلا سبب ظاهر فتوسط صاحبه أحد أقاربه ليعود الشيخ إلى مراسلته ووعد الشيخ ومناه فأغضى الشيخ عن إجابته ثم ألح الوسيط
(4/166)

بعد مدة ليعرف الداعي إلى إعراض الشيخ عن صاحبه فقال: "اكتبوا له أننا لا نتعرف إليه ما دام لا يعرف أمته ومتى فكر في إسعادها وتخفيف البلاء عنها عدنا اخوانه واخذانه"، وحدث أن صديقه الأستاذ أحمد زكي باشا نال بواسطة المرحوم أحمد حشمت باشا وزير معارف مصر اعتماداً بعشرة آلاف جنيه لطبع مجموعة من الكتب العربية القديمة النادرة تبلغ فيما أذكر سبعة وعشرين كتابا ومنها ما يدخل في بضعة مجلدات فتباطأ زكي باشا في الطبع ومضت السنة فقيد المبلغ في نظارة المعارف على حساب السنة المقبلة ولم يخرج الباشا شيئاً وهكذا حتى ألغي الاعتماد باستقالة حشمت باشا فغضب الشيخ غضبة مضرية من عمل زكي باشا وصارحه بقوله: "لقد أسأت إلى الأمة العربية بإبطائك في إخراج الكتب للناس وإذا ادعيت أنك كنت تقصد نشرها سالمة من الخطأ مشفوعة كلها باختلاف النسخ والتعاليق فالتأنق لا حد له ويكفي أن ينتفع الناس بالموجود" وظل الشيخ أشهراً لا يكلم صديقه الزكي إلا متكلفا كأنه عبث به وعمل الضرر إلى مصلحته مباشرة. وأي مصلحة أعلق بقلبه من نشر آثار السلف وإذ كان الشيخ عصبي المزاج يحب إتمام كل عمل لساعته وكان يستشيط غضبا من رجل قال له إن لك عندي كتاباً ولكني أنسيته في داري أو حانوتي أو مدرستي وكثيراً ما كان يحمل من يشغله بكتاب جاءه على أن يفتح محله مهما كان بعيداً أو مهما كان الحديث في ساعة متأخرة من الليل. ويقصد الشيخ في ذلك أن يعلم الناس العناية بمصالح غيرهم أيضا. وكان يقول في مثل هذه الأحوال ولعل في الكتاب أمراً مستعجلاً يستدعي أن يجاب عليه في الحال (1).
__________
(1) ش: ج 6 م 5 ص 22 و29 غرة صفر 1318ه - جوليت 1929م.
(4/167)

-3 -
غريب عاداته:
كان سمت الشيخ وهندامه سمت العوام وهندامهم وعمامته من الأغباني في جبة بسيطة وقفطان قطن وزنار مزدوج يخبأ فيه بعض الدراهم وألبسته من صنع الوطن إلا النظارتين والطربوش ويختار من القمصان والسراويل ما خف ثمنه ليطرحه إذا اتسخ ولا يشغل ذهنه بغسله وكثيرا ما يلبس قميصين وسروالين وقفطانين وصدريتين وجبتين ليكون على أتم الاستعداد لما يطرأ على أحد الزوجين فيطرحه حالا ويستعيض عنه بأخيه دون انتظار شيء آخر ويقل استعماله للمناديل المتعارفة المعمولة من القطن فيعمد إلى اتخاذ مناديل من الورق الغليط يضم بعضه إلى بعض ويخيطه فيكون دفترا يلقي به الشيخ بعد أن يتسخ كله. وكان يطهر جسمه ولا ينظف ثيابه كثيرا. أصيب بهذه الخلة خصوصا بعد أن فقد والدته في صباه ولم يبق له من رحمه امرأة تتعهده أبدا بنظافة ثيابه والعناية بظواهره وأنى له هوان يسد مسد أمه في ذلك وفكره مشغول بمطالب عالية أخرى قد لا يتسع لمثل هذه الجزئيات في رأيه.
ورأيت في بعض تعليقاته في ترجمة عبد الله بن الخشاب وكأنه بنقله لها ترجم نفسه فقال بلسان الحال، وهذا رجل مثلي كان إلى الخمول قال: "كان وسخ الثياب ما تأهل ولا تسرى له معرفة بالحديث والمنطق والفلسفة والهندسة بل بكل فن، وكان يترك عمامته أشهرا ولا يغسلها ويلبسها كيف اتفق فإذا قيل له في ذلك يقول ما استوت العمة على رأس عاقل قط" وشيخنا رحمه الله كان من هذا الطراز. والعبقرية على ما يظهر تكمل من صاحبها ناحية واحدة وتنقص منه من الناحية الأخرى بقدرها. أراد الشيخ أحد أصحابه في القاهرة
(4/168)

خلال الحرب العامة على أن يغير جبته لأنها بليت بعض أطرافها فسكت الشيخ عن إجابته، فلما ألح عليه مرتين وثلاثا أجابه "يا فلان تريدني على اقتناء جبة جديدة وأهل الشام اليوم تموتون من الجوع".
وأضافه أحد أصدقائه في بيروت وأخذ ذات يوم ثيابه بدون استئذانه ليغسلها وعوضه عنها ثيابا جديدة فحنق الشيخ وما زال بمضيفه حتى أعاد إليه ثيابه الوسخة وذلك لئلا يشغل فكره في ثيابه ريثما تغسل وتنشف ولئلا يلبس ثيابا غير ثيابه. وغضب مرة على أحد أصحابه ومساكنيه في القاهرة لأنه افترص غيابه فنزع من غرفة الشيخ جميع الكتب والفراش المملوء بالبق وكنس الغرفة ونفض الغبار عن الكتب والأواني وغسلها ووضع سماً لقتل البق في السرير حتى لا يصل إلى الشيخ فيقرصه وأعاد كل شيء إلى مكانه فلما رأى الشيخ ذلك عرف ما دبر له ولم تطب نفسه بهذه التعزيلة وانحى على صاحبه باللوم والتقريع. ورأيته مراراً نتأ مسمار أو مسامير عن حذائه فكان يخصف من ورق الشجر يجعله في الحذاء لينقي ضغط المسمار على رجليه ولا تحدثه نفسه أن يذهب إلى الحذاء يصلح له حذاءه وإذا قلت له في ذلك أجابك أن الوقت لا يساعدني. وكان مداسه متسعاً في الشتاء يجرف من الأرض طيناً كثيراً يعلق بجبته فيصبح وجهها شكلا وقفاها شكلا آخر. ولطالما تبرم بزيارته أيام المطر بعض ربات البيوت مخافة أن يعلق طين جبته في المقعد الذي يقعد عليه. وكان إذا اشتد الحر استثقل الجوربين فنزعهما من رجليه وعوضهما أوراقاً هشة ملونة جعلها خفاً في نعله لتمتص العرق بزعمه. وأنت لا تملك نفسك من الضحك إذا رأيت رجليه وتستغرب من عظيم كهذا يهزأ بعادات مجتمعه إلى هذا الحد ولا يبالي النقد ولا الملام ولطالما قال أنا شاذ ولا أحب أن يقتدي بي أحد.
ومن عادة الشيخ أن يحمل في جيوبه وعبابه بعض الدفاتر والرسائل
(4/169)

بل أقلاما ودواة ومقراضا وسكينا وأبرا وخيوطاً وشيئا مما يحمل من النواشف والخبز والجبن والزبدة والتين والزبيب وفي بعضها مادة دهنية دسمة يخشى أن تسيخ كالشواء وما دخله سمن أو زيت من المآكل يضع ذلك في مقوى أو ورق غليظ ويستعمله عندما يريد ويطعم منه أصحابه إن أحبوا، أما الدخان والسكر والمربى فيحمل منه مؤونة أيام أحيانا، وقد يطبخ القهوة في داره كمية وافرة ويعمل منها ما يكفيه أسبوعا حتى لا يضيع وقته بطبخها كلما أراد تناول فنجان منها وهكذا يشربها باردة بائتة أياماً لئلا يشتغل بها كل ساعة عن مطالعته. وقال لي مرة أنه ابتاع أرطالا من البرتقال وضعها في داره ومن الغد بدا له أن يسافر وتذكر وهو على أذرع قليلة من البيت أنه يجب أن يستصحب في حقيبته شيئا من البرتقال وتذكر ما اشتراه منه بالأمس فآثر أن يبتاع برتقالا من الطريق لئلا يضيع وقته بالرجوع إلى الدار بعد إزماعه الخروج منها ولم يعد الشيخ إلى داره إلا بعد ستة أشهر وفرح أن رأى برتقالاته تضمر وتنشف.
وكان مغرما بالتدخين منعه الطبيب منه وأراده على إبطاله فتعذر عليه ذلك فقال الطبيب إن كان لا بد من التدخين فلف بنفسك لفائفك حتى يمضي جانب من الوقت في اللف وكان الشيخ لا يحسن صنع لفائفه فتجيء واحدة دقيقة وأخرى غليظة وثالثة متوسطة وعندئذ يبدأ الشيخ بتجاربه ليضع اللفافة في البز (الفم) الذي يلائمها وكان في جيب الشيخ بضعة من هذه الابزاز يتخيرها من القصب أو غيره من أنواع الخشب وهكذا كان يتلهى عن الإكثار من التدخين ولو بضع دقائق وإذا قلت له بإبطال التدخين ينهرك ويعرض عن حديثك هذا وهو صاحب إرادة قدت من حديد أو صخر.
ومن عادة الشيخ خلال الأربعين السنة الأخيرة من حياته أن لا ينام إلا إذا صلى الصبح يساهر بعض أصحابه هزيعا من الليل ثم يغشى
(4/170)

حجرته يطالع ويؤلف وكان لا يراعي أوقات بعض أحبابه فيوقظهم أحياناً بعد الهزيع الثاني من منامهم ليسمر عندهم أما من كان لهم مواعيد ويعرفون التوقيت لساعات الليل والنهار فكان يصونهم عن غشيان منازلهم موهنا ولا يطرق أبوابهم بعد الأوقات المعينة للسمر والسهر.
كان يحب السباحة والعوم وله مسبح خاص في بيروت وآخر في صيدا ومسابح في بعض أنهر دمشق وربما لبس سراويله مبللة بعد الخروج من سباحته ويهوى السير على الأقدام للتريض ولطالما قطع عشرات الأميال بين المدن والقرى والجبال والأودية سائراً على قدميه. وقد يراه في الطريق بعض أصحابه أو من لا يعرفه ويدعونه إلى الركوب في مركباتهم أو على متون دوابهم فيأبى لأنه لا يحب أن ينقض أمراً أبرمه ونفسه تتوق إلى السير ماشيا فأي معنى للركوب. ومن أغرب أطواره أنه إذا استعدت نفسه للقيلولة قال وهو وسط إخوانه يتذاكرون ويتدارسون. يقيل وهو قاعد ويضع على وجهه منديلا وربما أتم إغفاءته عند إنجاز الدرس والمذاكرة ولم يكن يحب أن يطول الدرس أكثر من نصف ساعة لأنه يتبرم بالجد في هذه المجالس وهو يقضي الساعات في مطالعاته الخاصة (1).

-4 -
كان الشيخ لا يعرف الهجر ولا يشتم شتما ينبو عن حد الأدب مع حدة فيه ظاهرة وألم من من أكثر أحوال المجتمع وكان إذا صفا ذهنه تفصح عبارته في محاضرته وإلا فيعتريها شيء من اللهجة المغربية ممزوجة بالعامية الدمشقية وله تعبيرات خاصة وأساليب في مصطلحاته
__________
(1) ش: ج 7، م 5، ص 21 - 24 غرة ربيع الأول 1348ه، أوت 1929م.
(4/171)

ونبراته لطيفة تحلو من فمه، يمزج أحماضا من الجد وما أحصى عليه أن نطق يوما بفحش أو هراء أو استعمل ما ينافي الأدب والمروءة وكان يميل إلى بعض من فيهم البلاهة ممزوجة بالذكاء وتصدر عنهم غرائب الأفكار والتصورات وربما قصدهم كل سنة من بلد إلى بلد ليقطع بينهم أياما يخرج فيها من الجد ويدخل معهم في حديث قد يروقه للتسلية.
حدثني أحد لداته قال: كنا في دمر إحدى قرى دمشق نقضي فيها يوما للنزهة وكنا في نحو الثلاثين من العمر فاعتزل الشيخ طاهر في ناحية من الحديقة يطالع ويكتب في ظل شجرة وكنا حراصا على أن يكون معنا طول النهار وكانت في البستان فتاة إسرائيلية جميلة الطلعة فاقترحنا عليها أن تذهب إلى الشيخ المستظل بالشجرة وتأتينا به ونحن نكرمها بالمال فصدعت بالأمر ولما رفع رأسه من كتابه أخرج لها في الحال قطعة من قمر الدين (معجون المشمش) وقال لها: "إيه بارك الله أتأكلين قمر الدين يا قمر الدنيا" وصرف الفتاة بهذا التقريظ وهذا كل ما أثر عن الشيخ في باب التصابي. وسأله أحد الطلبة عن حكم التقبيل وما إليه فأجابه هذا موضوع لا أعرفه سل غيري وتكلم أحد أصحابه بعيداً عن الحشمة في حضرته فأشاح بوجهه وتصام كأنه ما سمع ولا دهش لهذا الغريب من الحديث على حين كان مغرما بالغرائب ولكن لا من هذا البحر والقافية.
سأله أحد الفقهاء ممن ألفوا كتباً دينية حشوها بما لا يقره الشرع الصحيح ولا العقل الصريح كيف تجد كتبي يا شيخ طاهر؟ فأجابه في الحال متخلصا أجمل تخلص "اشتغلوا ونحن نشتغل لنرى لمن تكون النتيجة" وكان يكره المتشدقين من المؤلفين والكاتبين خصوصا في الدين والسياسة بل يكره كل من يقول بغير علم ويحاسب الذين يرمون الكلام على عواهنه حسابا غير يسير ويسميهم الحشوية كما
(4/172)

يكره الجلجلوتين والقبوريين والجامدين والمماحكين. وسمعته يقول إن فلاناً بردِّه على الماديين وهو لا يحسن العلوم المادية فتح علينا أبوابا يصعب سدها وفلانا بمقالاته السياسية المطولة يفتح بقلمه كل حين مشاكل صعبة الحل.
وكان ينهر من يوردون أحاديث تفت في عضد السامعين وتلقي في قلوبهم الرعب والوهم لأن من مذهبه تقوية القلوب وإزالة غشاء الأوهام من الأحلام وأن يصمد المرء لكافحة الحوادث ولا يحب الاستقراء والاستنتاج إذا كانا في غير محلهما حتى لا يؤدي التزيد والتفلسف إلى تزييف الوقائع وإلباس الحقائق غير صورها ولذلك كان يستلطف من الإنكليز السكسونيين إيجازهم في أحاديثهم وكتبهم ويوحشه من اللاتينيين تبسطهم في أقوالهم ومكتوباتهم.
كان يرفق بالضعفاء ويرفع من قدر الصعاليك ويحمل على العظماء ويترفع عن ملابستهم وكثيرا ما كان يحدث العامة برفق وتؤدة ويخاطبهم خطاب إخوانهم لهم. ولطالما قال أن من الحكمة أن لا تجعلوا بينكم وبين العامة حجابا كثيفا إذا أحببتم هدايتهم والانتفاع بهم في المجتمع وعليكم أن توهموهم أن ليس بينكم وبينهم من الدرجات إلا قليل يوشكون هم إذا اشتغلوا قليلا أن يساموكم أو يفوقوكم فهو بهذا كالطبيب الحاذق يعطي المريض الجرعة التي تناسبه ويتدرج به في المقويات درجة درجة وهكذا كان مع كل طالب ومستفيد، تحقق لدى الشيخ أن ابن أخيه، وكان من نوابغ الشبان، ابتلي بآخرة بالشراب يتعاطاه، فقطع مكاتبته مع شدة حبه له وظل لا يكلمه ولا يبحث عنه مدة اثنتي عشرة سنة وهو يكتم السبب في إعراضه عن نجل شقيقه حتى أشار مرة لبعض خاصته بما يرتكبه المغضوب عليه من أخذ المسكر، وعد عليه في جملة هناته أنه أتعب نفسه في المدرسة زيادة على المطلوب فضعف بصره حتى ينال رتبة علية وكان عليه لو سمع
(4/173)

نصائح عمه أن لا يرهق نفسه ويكتفي من المنافسة مع أقرانه بما توصله إليه الطبيعة بدون إعنات ولا إنهاك بدن وهذا من قوة نفسه وصدق حدسه.
كان يكره الاستعمار كرها شديدا ويحب المدنية ويحث على تعلم لغات الغرب ويكره السياسة العثمانية ويقول أن استيلاء الترك على بلاد العرب أضر بها وأزال مدنيتها وغير أخلاقها ولم يكن ينكر على الأتراك أدبهم في عشرتهم ونظامهم في بيوتهم وحسن معاملتهم لكبرائهم. وكان يحب من أهل المدنيات الحديثة كل أمة ترفق بالمسلمين في الجملة ويحب من الناس من يصرف في خدمة المسائل العامة شيئا من وقته وماله. وكان يقول وهو على فراش الموت عدوا رجالكم واغفروا لهم بعض زلاتهم وعضوا عليهم بالنواجذ لتستفيد البلاد منهم ولا تنفروهم لئلا يزهدوا في خدمتكم يقول هذا رجل أخلص كل الإخلاص في خدمة أمته وتفانى في حبها ومعالجة أدوائها الاجتماعية وكان جماعا ما كافأته به في حياته عبوسا وانقباضا وتنغيصا وغصصا ثم عصيانا على إصلاحه الناجع كالطبيب النطاسي يريد الخير بمريضه المعربد وكلما ناوله الدواء عضه وأدماه وشتمه وآذاه "أريد حياته ويريد قتلي". وكان الشيخ كثيراً ما ينشد قول البهاء زهير:
يا أيها الباذل مجهوده … في خدمة أف لها خامة
إلى متى في تعب ضائع … بدون هذا تأكل اللقمة
تشقى ومن تشقى له غافل … كأنك الراقص في الظلمة
ويشبه الشيخ من كثير من الوجوه غاندي الفيلسوف الهندي المعاصر وإن لم يكن له ما لهذا من الشجاعة وذلك أن الشيخ لا يحب الأذى ولا العنف ويحاول إحياء كل ما هو آسياوي من اللغات والتقاليد وتعليم الناس الصنائع وعدم الغفلة عما عند الأمم الغربية من مقومات
(4/174)

العلم. ولا عجب فالعقل واحد مهما اختلفت الأعصار وتباينت الأفكار العقل السليم في هذا الشرق القريب وفي ذلك الشرق الأوسط وما وراءه من الشرق الأقصى لا يختلف في مظاهره الحقيقية عما هو عليه في أوروبا وأميركا وإفريقيا.
نعم لم يكن الشيخ طاهر كالمهاتما غاندي في حملاته حتى ولا في تصريحاته، المبدآن متفقان إلا قليلاً، ولكن ابن الوثنية جسر على العمل بمداه أكثر من ابن الإسلام. شعار غاندي "هندوسا كنا أم بارسيين نصارى أم يهوداً أياً كنا يجب إذا تاقت نفوسنا إلى أن نعيش أمة واحدة أن تكون مصلحة الفرد مصلحة الجماعة ولا عبرة إلا لعدل مطالبه" أما الشيخ الجزائري فكان يتوقع من القوم أن يقولوا هذا وهو لا يدعوهم إليه إلا بالإشارة والمثال البعيد. والحكيم الهندي قال ما اعتقده غير مجمجم فتخلص من قيود كثيرة وأراد أمته علنا أن تنهج سبيله فكانت شهرته شهرة عالمية وانحصرت شهرة الشيخ في بعض أصقاع العرب. وكان بعضهم يقول أن الشيخ ضنين بالإفادة حتى ادعى بعضهم "أن الشيخ طاهر بئر علم ولكن لا ينتفع بها" والحقيقة أنه يصعب على الشيخ مجاملة من يشتهى ولا مأرب له إلا أن يقال عنه أنه باحث وطالب فوائد فلا يرى أن يتعب نفسه في إفهام فضولي يسأله في الفلسفة العليا أو في مسائل تعلو عن محيط عقله على حين هو في حاجة إلى أن يتعلم القراءة والكتابة فكان في ضنانته هذه حكيما أيضا لا يظلم الحكمة فيلقي دررها بين أرجل من لا يعرف قدرها ولا يتأتى له أن يحسن الانتفاع بها. أما المستعدون للتلقي والترقي فكان يجهد أن يختصر لهم طريق الوصول إلى ما يريدون ويبعث كل حين عقليتهم ويفيض من واسع علمه (1) على أذهانهم وكلما
__________
(1) في الأصل عمله.
(4/175)

رآهم يحرصون جد الحرص على التفاعل فوائده جاد عليهم بما يعلم إلا إذا كان ثمة شيئاً (1) لا يعرفه فإنه يقول "لا أدري" غير مبال بنقد من يذهبون إلى استقلال علمه وعدم إحاطته. فكان الآخذون عنه بالنظر لتحريه الصدق على ثقة من العلم الذي يسمعونه ويستملونه منه لان الشيخ إلى التصريح بعدم معرفته أقرب منه إلى إيهام الناس أنه يعلم كل شيء شأن المموهين والجامدين ولذلك لم يحسب عليه أن بدت مقاتله لأنه مرة يقول بعد التحقيق ويكره التلفيق (3).

-5 -
تآليفه ورسائله:
ليست تآليف الشيخ مما يتناسب كل التناسب مع علمه الواسع لأن بعضها مما ألفه في صباه لنفع المدارس وهو مفيد جدا في بابه وفي حينه ومن تآليفه المطبوعة (الجواهر الكلامية في العقائد الإسلامية) و (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) و (مد الراحة إلى أخذ المساحة) و (مدخل الطلاب إلى فن الحساب) و (الفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام) ورسالة في النحو وأخرى في البديع وثالثة في البيان ورابعة في العروض، وكتاب (تسهيل المجاز إلى فن المعمَّى والألغاز) وشرح ديوان خطب ابن نباتة. ومن كتبه (إرشاد الألباء إلى طريق ألف باء) ورسالة وجداول جدارية في الخطوط القديمة والحديثة. و (التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن) وهي المقدمة الصغرى من مقدمتي تفسيره. ومقدمة سماها الكافي في اللغة وهي
__________
(1) كذا في الأصل والصواب: شيىء.
(2) ش: ج 8، م 5، ص 20 - 24 غرة ربيع الثاني 1348ه سبتمبر 1929م.
(4/176)

مقدمة معجم ضاع أكثره. و (التقريب إلى أصول التعريب) و (توجيه النظر إلى علم الأثر) ومختصر أدب الكاتب لابن قتيبة ومختصر أمثال الميداني ومختصر البيان والتبيين للجاحظ.
هذا هو المطبوع. أما المخطوط فتفسيره الكبير ويدخل في أربعة مجلدات مخطوطة محفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق مع جميع ما ظفرنا به (1) من أوراقه .. ومن المحفوظ أيضاً كنانيشه وفيها خلاصة مما طالعه من الأسفار وعرض له من الأفكار. وله من المخطوطات كتاب (الإلمام بأصول سيرة النبي عليه الصلاة والسلام) و (مقاصد الشرع) وغير ذلك. وقد أحيا بالطبع عشرات من الكتب منها إرشاد المقاصد لا بد ساعد الأنصاري وروضة العلماء لابن حيان البستي والأدب والمروءة لصالح بن جناح والأدب الصغير لابن المقفع وأمنية الألعي وتفصيل النشأتين الراغب الأصفهاني والفوز الأصغر لابن مسكوية إلى غير ذلك من مقالاته في المجلات العلمية وإملااءت جمة كتبت بتواقيع مستعارة لو جمعت لجاءت في مجلدين أو ثلاثة. وألف الشيخ معظم هذه الكتب والرسائل بحسب الدواعي خصوصا مبادىء العلوم ووضعها في زمن كانت فيه الكتب المدرسية في حكم المعدوم وذلك لينهض بالتعليم الابتدائي ويخلص الناشئة من غلطات المتأخرين المعروفة وحواشيهم وشروحهم المملة المضيعة لأوقات الطالب ومعنى هذا أن الشيخ انتبه قبل غيره إلى فساد طريقة التعليم القديمة وأدرك أن الزمان يتقاضى أهل العلم أن يخرجوا الناس من ربقة القيود الثقيلة العائقة عن التحصيل كما انتبه إلى كثرة سريان الحشو واللغو إلى كتب الدين التي خلط فيها كثير من المتأخرين.
من أهم كتب الشيخ المطبوعة شرح خطب ابن نباتة وإرشاد الألباء
__________
(1) راجع وصف هذا التفسير والأوراق والكنانيش في المجلد الثالث صفحة 171 من مجلة المجمع.
(4/177)

والتبيان والتقريب وتوجيه النظر ففيها لباب علمه وأثر من آثار قريحته تجلت فيها روح بحثه وغوصه على مسائل دقيقة قل أن تسنى نغيره من المعاصرين الوصول إليها. وليس معنى هذا أن سائر ما طبعه الشيخ غير مفيد، المقصود أنه كتب لغرض خاص أريد به تثقيف الناشئة وهذه الكتب هي التي ظهرت فيها شخصية الشيخ وثقوب ذهنه وسعة مداركه وتلطفه في إبلاغ المعاني إلى العقول وحرصه على أن يحيل في الأكثر على عالم تقدمه. لأن الناس في المادة يقدسون الأموات أكثرمن الأحياء. والشيخ وإن كان في مذهبه الديني إلى الاجتهاد لكنه في مذهبه التأليفي أقرب إلى التقليد ينشيء على مذاهب القدماء ولكن بتنسيق وتقسيم بدون أن يشوش القارىء. ولو تيسر للأستاذ أن يسير على نظام أكمل من الذي سار عليه في معيشته وساعده الزمان والمكان على تجويد مصنفاته والصبر عليها قبل نشرها لخلف كتبا وخصوصا في العشرين سنة الأخيرة من عمره تقرأ فيها صورة عظيمة من جهاده ونبوغه. وبلغني أنه دون بعض الوقائع التي شهدها ولم نعثر عليها بين أوراقه الخاصة التي سرق بعضها وقت انتقاله من مصر إلى الشام. ويقيني أن الرجل لو وفق إلى طابعين أغنياء فضلاء يحملونه على العمل على ما خص به من النشاط وشدة الحركة لأنتجت قريحته أكثر مما أنتجت في الفروع المختلفة التي طرقها ووزع قواه فيها ولكن تفانيه في الإسراع بحمل النور إلى العقول وفدح التبعة التي أخذها على نفسه في الإسراع بإنهاض أمته دعواه إلى أن يكتفي بما تهيأ له وضعه وتأليفه ناظرا فيه إلى مصلحة الناس لا إلى مصلحته الخاصة وشهرته في حياته وبعد مماته.
كان محيط الشيخ الذي عمل فيه على عهد الشباب والكهولة ضيق المضطرب لا يتسع لانبعاث همته وكانت المطالب التي يتقاضاها منه حرصه على بث الإصلاح والتعليم كثيرة لا يقوى الفرد على حملها
(4/178)

كلها، ولوف قدر له أن عاش منذ نشأته في محيط أوسع كمحيط مصر وخلا من مدافعة المشاكسين والظالمين ورأى شيئا من الطمأنينة وسعة العيش لتضاعف عمله لا محالة وعم نفعه مصر وغير مصر وربما كان ظهوره في الشام والعهد عهد ظلمة وجهل أبرك عليها وأنفع لها لأن ما اضطلع به وحده لا يضطلع به عشرة علماء على شريطة أن يكونوا في درجته من الإخلاص وشدة الشكيمة وعزوف النفس عن المطامع والدنايا.
وبعد فهذه صورة صحيحة من صور الأستاذ الحكيم عجيبة في خطوطها وتقاطيعها، جميلة بألوانها وأشكالها، عرضتها لغرابتها لأنه ندر جدا في المعاصرين من الأحياء ظهور رجل يماثله في أطواره وحركته وسعة حيلته وبسطته في العلوم، اللهم إلا إذا كان ممن لم يبلغنا خبره في البلاد النائية والزمان بخيل بمثل هؤلاء النوابغ في كل عصر وقد لا ينبغ اضرابهم في قرون يفادون بكل ما يتفانى الناس من التهالك عليه من مال وجاه ورفاهية وتنحصر لذائذهم في بث أفكارهم وآرائهم ويسعدون السعادة كلها إذا نهضوا بإنارة عقول أهل جيلهم وقبيلهم.

رسائله الخاصة:
وإلى القارئ الآن جملا من كتب دارت بيني وبين أستاذنا فيها شيء من مبادئه العلمية وروحه السامي ربما ترجمت عنه لقلتها مثل ترجمتنا وزيادة. وكتابة المرء نمامة على علمه وعقل الكاتب في قلمه واختياره قطعة من عقله. وقد صدرت هذه الرسالل من القاهرة المعزية ومن أجمل ما فيها كونها كتبت على البديهة لا كلفة فيها شاْن الشيخ في كتبه ومفكراته. وربما كتب إلى أصحابه كتابا وبعثه في البريد بدون أن يطالعه ثانية، ولذلك رأينا بعض كتبه غفلاً من التاريخ أيضاً.
سالته مرة عن منشأ الشعوبية فأجاب: "وأما الزمن الذي ظهرت
(4/179)

فيه الشعوبية فلا يحضرني فيه شيء والوقوف على أوائل الأشياء من أصعب المسائل وأدقها إلا أن الذي ظهر لي أن ذلك حدث بعيد عصر الخلفاء الراشدين لوجود الداعي إلى ذلك وهو التفاخر بالجنس الذي هو من عادات الجاهلية التي أتى الدين بإبطالها ومن نظر لمنزلة سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي في أوائل الأمة زال عنه الشك في هذه المسألة.
ولا يدخل في هذا الأمر بحث المؤرخ عن خصائص الأجناس مما يقصد به الوقوف على الحقائق فإن هذا نوع آخر. إلا أن من بحث عن أحوال الأمم ووفى النظر حقه تبين له أن العرب في الجملة لا تساميهم أمة البتة.
وأظن أنه لا بد أن تؤلف بعد حين كتب في خصائص الأمم وكتب في خصائص البلاد كما ألفت كتب في خصائص اللغات تجعل من الفنون التي يعني بها وتميز عن غيرها ولا تذكر بطريق العرض إلا أن فن خصائص الأمم تتيسر المشاغبة فيه والمغالطة أكثر من غيره. وكل فن وضعت مقدماته ونقحت مسائله يبدو بسرعة عوار الغالط فيه.
هذا وكما حدث بعض عصر الخلفاء أمر المفاضلة بين العرب والعجم حدث أمر المفاضلة بين العدنانية والقحطانية وهما الفريقان اللذان يجمعهها اسم العرب. ونشأ بسبب ذلك من الفتن ما يعرفه المولع بالأخبار ولم يزل أثر ذلك باقيا في بعض الجهات إلى ما قبيل عصرنا هذا وقد رأيت في بعض بلاد أناسا يقولون إلى الآن نحن قيسية وآخرين يقولون نحن يمانية.
كتبت لك ما كتبت والقلم لا يكاد يجري لما حدث لي من الفترة من نحو ثلاثة أسابيع. وسبب ذلك أني اختبرت أحوال كثير من الولايات فوجدتها منقسمة إلى حزبين كل منهما يباين الآخر في كل شيء ولم يظهر حزب ثالث يكون معتدلا ومعدلا لهما. وإذا دام الحال هكذا
(4/180)

تأخرت البلاد عما كانت عليه من قبل. وقد نصحت كثيرا من المحدثين من الأحرار بأن يعدلوا مشربهم وحذرتهم عواقب الأمر غلبوا أم غلبوا فأبوا إلا الإصرار على فكرهم وما قلت لهم رأيي إلا بعد أن ألحوا علي في بيانه وحضر اناس منهم من مركز جمعيتهم وطلبوا مني التفصيل بعد أن بينت لهم ذلك إجمالا فرأيت أنهم يوافقونني في البدء ويخالفونني في النهاية فامتنعت في إتمام البيان وتشاغلت عنهم.
فإني رأيتهم يظنون أن حلهم لبعض مسائل الجبر والمقابلة يحل لهم مسائل إدارة البلاد. إن كثيراً ممن كنا نزدري برأيهم في السياسة من تلاميذ المدارس في مصر هم أرقى منهم في ذلك.
وقد اجتمع بنا في هذه الليلة أحد المرسلين منهم وسمع منا هذه العبارة وهي ملقاة على صورة تحتمل الجد والهزل فدهش وعرف أنها الى الجد أقرب منها إلى الهزل وكان يتكتم فاضطر إلى الانطلاق فيما يراه من الأخطار التي يصعب تداركها ... إني متشوق لاخبار كثيرة من الولايات لعلنا نسمع بظهور الحزب الأوسط في واحدة منها فيسري ذلك في غيرها شيئا فشيئا. وهذا الحزب يلحقه في أول الأمر أشد اضطهاد لأن الحزبين المتطرفين يبغضانه أكثر مما يبغض أحدهما الآخر لاعتقادهم بأنه أقرب إلى انضمام كثير من الحزبين إليه.
وقال من كتاب عن القاهرة في 19 صفر سنة 1328:
" وبعد فقد وصلني كتابكم الكريم منبئا بعودكم من بلاد أوربا فسررت بذلك سرورا شديدا وكنت أتمنى لكم هذه الرحلة من زمن قديم لما اتيقنه من الفائدة التامة العامة في ذلك فإن الاقتباس من الأمم المترقية دليل على النباهة لا كما يظن البله من أن في الاقتباس غضاضة ونريد بالاقتباس ما يشعر به هذا اللفط من تلقي الأمور النافعة لا كما يظنه المتكايسون من أن الأمم الراقية ينبغي أن يؤخذ منها كل شيء
(4/181)

حتى أداهم الأمر إلى أن يقلدوهم في الأمور التي يودون هم أن يخلصوا منها.
وأما ما يتعلق بخزائن الكتب في الآستانة فقد خطر في بالي خاطر يرتفع به محذور الامتعاض في جمعها وذلك بأن تبقى كل مكتبة في موضعها لينتفع بها المجاورون لها غير أنه ليؤخذ منها الكتب النادرة وهي في الغالب لا تلزمهم ولا يهمهم أمرها وتوضع في موضع معد لها يكون في وسط البلدة. ومن اطلع على دفاتر مكاتبها وجد إمكان إجراء ذلك بدون اعتراض يعقل. ولما عملت برنامجا لكتبها النادرة رأيت أن بعض المكاتب قد يوجد فيها نسخ متعددة من كتاب نادر فلو أخذ أحد النسخ المكررة لم يكن في ذلك ما يقال. وقد كنت ذاكرت بهذا الأمر بعض أعضاء الجمعية فاستحسنه جدا وذكر لي أنه سيسعى في إبرازه من القول إلى الفعل. ثم عرضت شواغل عاقت عن ذلك.
وأما مصر فقد دخلت في الدور المجهول وسيكون إما لها وإما عليها. وهذا الدور لابد منه لكل أمة تريد النهوض بعد العثرة فإن ساعدها الزمان والمكان والا مكان نالت مناها والا كان لها تعلل بسوء البخت بعد التشبث بالأسباب الظاهرة جعل الله سبحانه العاقبة خيرا".
وكتب ناصحا وواضعا خطة للإصلاح بتاريخ 1 جمادى الأول 1337:
"ومما يهم الأمر فيه إصلاح العادات فإن في الشرق كثيراً من العادات التي ينبغي إبطالها كما أن فيه كثيرا من العادات التي ينبغي المحافظة عليها غير أنه لا نبغي أن يستعمل التنكيت في ذلك بل يستعمل مجرد البيان الدال على حسن الشيء أو قبحه.
ولا يتيسر الإقدام على هذا الأمر إلا لمن لا يهمه أمر المدح والذم العاجلين بل يهمه حسن الأثر.
ومن العادات الرديئة جدا أن الكاتب قد يمكنه أن يكتب في
(4/182)

إصلاح عادة لكنه يرى أن الكلام في ذلك يكفي فيه عشرة أسطر فيرى أن الناس يزدرون بذلك وينسبونه لقلة القدرة على الإنشاء فيترك الكتابة فيه أو يسهب إسهابا لا داعي له من سرد مقدمات معلومة مسلمة لو تركها لكان أقرب إلى الفهم وأبعد من الوهم وما ذلك إلا من تأثير الحشوية فيهم وقولهم أن الناس نسبوك لعدم الاقتدار على الكتابة. فينبغي أن يكون في المجلة ولو مقدار صفحة تبحث في العادات على اختلاف أنواعها وتعليم ذلك للبنين والبنات. هذا ومن جهة رأي الناس في حقكم فإن النبهاء المنصفين منهم يجعلونكم ممن ثبت في حين الشدة ولا تعبأوا بمن يلوم عن جهل وغباوة فإن ذم هؤلاء أقرب إلى المدح من ثنائهم.
وكتب إليَّ يقوي عزيمتي على العمل:
"وأرجو أن يكون ما حصل لكم من المروعات زائدا في نشاطكم في إفادة الأمة، فإنها في احتياج شديد إلى من يبين لها الطريق الأقوم من أرباب الوقوف والإخلاص وأعظم ما تحتاج إليه هو أمر الأخلاق وما يتعلق بها ومعرفة الأمور العمرانية على وجه لا يكون فيه إخلال بمعالي الأمور وتنبيههم على عدم التعويل على المدنية التي كان الغربيون قديماً يفتخرون بها ويزدرون بمن لا يتابعهم عليها مما هو مبني على مجرد مراعاة الأمور المادية دون غيرها وهي التي جلبت هذه المصائب الحاضرة وقد أشرتم بطرف خفي إلى ذلك في محاضرتكم التي ألقيتموها في مصر حين فراركم من دمشق إليها وقد صرحنا في ذلك في قصيدتنا البائية المطبوعة في الجزء الرابع من منتخبات الجوائب. وقد كان أناس يقرؤونها ويعدونها من آراء حشوية الشرق فما زالوا على ذلك حتى صرح فلاسفة الغرب بذلك. ومما ينبغي أن تحثوا عليه تعلم صنعة ما أي صنعة كانت ولا يكون أحد خاليا عنها ويجعل هذا مبدأ جديدا لهذا العصر والتعويل على الرياضة الجسمانية".
(4/183)

وكتب في غرض الأعراض عن المثبطين من رسالة:
"وقد عجبت من أولئك الذين يسعون في تثبيط الهمم في هذا الوقت الذي تنبه فيه الغافل فضلا عن غيره موهمين الشفقة.
وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع. ولم ير أحد من المثبطين قديما أو حديثا أتى بأمر مهم. وينبغي للجرائد المهمة أن تكثر من التنبيه على ضرر هذه العادة والتحذير منها ليخلص منها من لم تستحكم فيه وينبه الناس لأربابها ليخلصوا من ضررهم. وقد ذاكرني منذ ليلتين أحد نجباء الأبناء في هذه المسألة وشكا كثيراً منها وعجب لعدم اكتراث المصلحين ببيانها بياناً كافيا شافيا فقلت له: المأمول أن يكون الأوان قد آن لإصلاح هذه العادة التي تهبط بالأمة إلى الدرك الأسفل أصلح الله الأحوال" (1).

-6 -
وقال من كتاب في غرض التربية:
وأؤكد في هذا الكتاب بأمور:
1 - إدخال مبادىء الصنائع في المدارس الابتدائية ويمكن تجربة ذلك أولا في مدرسة واحدة.
2 - إدخال التربية العملية فيها وذلك بتعويد التلميذ على الصدق وأن لا يتكلم في شيء إلا بعد أن يختبره فإن الشرقي اعتاد أن يدعي كل شيء وأن لا يقول في شيء لا أعلم وهذا جعله لا شيء عند الغري.
__________
(1) ش: ج 9، م 5، ص 2 - 29 غرة جمادى الأولى 1348ه - أكتوبر 1929م.
(4/184)

3 - السعي في مدرسة للقراءات السبع مثل ما كان من قبل.
ولا ينبغي أن توضع هذه الأشياء في المذاكرة وأن يخطب فيها، فإن مثل ذلك ينبغي أن يخطب فيها بعد أن تصير.
وقال في موضوع التعليم وقد رجوته إرشادي برأيه فيها في المدارس ورأيه في البحث في المخطوطات: "ومما زاد فيه سروري شيئان أحدهما الاعتناء بتربية الأنجال، فإن أكثر الآباء يرجون من حيث يدرون ولا يدرون مصلحة أنفسهم وما ذكرتم فهو موافق. والأولى أن يضم إلى ذلك صنعة كالخياطة والتفصيل ونحو ذلك وعرفوني بعد حين البروغرام الذي يظهر لكم. وينبغي أن تتولوا بنفسكم بعض التعليم ولو مدة ربع ساعة على طربق أحد المغاربة فإنه كان يطلب من ولده أن يفيده بعض مسائل بعد أن يشعره بطرف خفي بمظانها فيلقيها الإبن على الأب كأنه يفيده.
واما الذين يريدون أن يخفضوا ما رفع الله شأنه ويرفعوا ما خفضه فعما قليل ليصبحن نادمين والزمان يضحك منهم وكذلك الأئمة الغربيون الذين يمتون إليهم بوسيلة التقليد لهم فلا يكن في صدرك حرج منهم فهم اغرار وينبغي أن تمحو من لوح الفكر لفظ اليأس فإنه أضر شيء، وأثبت ففي الثبات جل الحكمة إن لم نقل كلها.
الثاني استفسارك عن وصف الكتب فإنه دل على أنك قوي حسن الظن بنا حتى تكاد تعتقد أننا لا نقول شيئا جزافا كما أن أناسا يعتقدون أننا لا نقول شيئا إلا جزافا. وهنا أذكر لك حكاية سمعتها مرارا ممن أثق بهم وهي أن أحد (1) من جمع له بين العلم وغيره من الصفات العالية أرسل إلى أحد من يميل إليه من النبهاء وقال له أريد أن تنشر بين جماعتنا العلم الفلاني فقال لا أعرفه وإنما أعرف العلم الفلاني. فأعاد
__________
(1) كذا في الأصل وصوابه: أحداً.
(4/185)

عليه العبارة المسؤول قوله لا أعرفه. فأعاد عليه السائل ما قال أولاً فأراد المسؤول أن يجيبه فأشار إليه بعض الحاضربن إشارة خفية أن يظهر الامتثال ثم قاموا من عنده فقال له المشير: أن فلانا لم يقل لك ما قال إلا وهو يعلم أنه ممكن وإذا تحقق الإمكان فما عليك إلا أن تسعى في إخراج الأمر من القول إلى الفعل فسعى وتم الأمر. وحصلت شائدة عظيمة من إحياء أمر كان دارسا.
ونرجع إلى أصل المسألة فنقول: من أراد وصف كتاب ينبغي له أن ينظر فيما قاله مؤلفه في مقدمته أو في خاتمته أو فيهما معا ويأخذ خلاصة ذلك والوصف عندهم ليس عبارة عن النقد بل بيان موضوع الكتاب والداعي إلى تأليفه. وما في الكتاب من الخصائص وعلى ذلك يتيسر وصف الكتب بأسرها حتى كتب الطب فإذا زاد الواصف فصلا من الفصول ليكون كالنموذج كان أحسن وكثيرا ما يكون وصف الكتاب على هذه الطريقة سبب نشره.
وأكثر وصف المؤلفين لكتبهم إما مطابقة للواقع أو قريب منه.
أما المموهون فقليل في الطبقات القديمة. ومن العجيب أن هذا الأمر لا يشعر به كثير من نبهاء هذا القطر ولفظ الكثير هنا مجاز وجربوا نفسكم في غير التاريخ ونحوه ففي الحديث يمكنكم أن تصفوا هذه الكتب.
"في دار الكتب الظاهرية بدمشق".
نمره 356 اللطائف في علوم المعارف للمديني.
"362 أسماء الضعفاء للعقيلي".
"387 معرفة الرجال لابن معين".
"390 المشتبه للغساني".
"393 الكفاية في علم الرواية".
(4/186)

وهذا أمر يفيد الناس أكثر من كثير من المقالات التي حررها أناس ليس لهم تتبع ولا معرفة بجعل نتيجة للمقالة حتى صار المطالعون يضيق صدرهم من ذلك وقد سألني منذ مدة أرباب المجلات عن أحسن المجلات فقلت أصغرها حجماً.
"في 15 ذي القعدة 1328"
وقال من رسالة:
"مما يهم جدا إدخال مبادئ الصنائع في جميع المكاتب الابتدائية وقد جرب ذلك في بعض المدن فتبين أن ذلك مما يعين على التحصيل أيضا والفائدة في ذلك مهمة.
ومما يهم جدا إدخال التربية العلمية في المدارس لا سيما المدارس الإبتدائية. ومن ذلك أن يعود التلميذ على أن لا يتكلم بما لا يعلم وأن يتفكر قليلا إذا سئل عن شيء لم يسبق له به اختبار. وهذا أمر ممكن قريب الأخذ قد عمله أناس فنجحوا فيه- وأرجو أن لا تقرأ أفكاري على أناس من الحشوية أو الفلاسفة الخياليين فإني أربأ بها عنهم. نعم هؤلاء ينبغي أن يعرفوا ذلك بعد العمل به. ونصيحتي لكل محب أن لا يشتغل بمثل هؤلاء فإنه أنفع.
"في 21 ربيع الأول سنة 1337"
"هذا وقد سرني كثيرا زوال المباينة بينكم وبين الذين نود عدم مباينتهم. وهذا أيضا من أثر النشاط فإن النشاط إذا زال لحق المرء الملل من كل شيء وإذا حصل قويت الهمة ورأى البعيد قريبا وأقام للناس أعذارا ونفعهم وانتفع بهم.
• • •

قد جرى منذ أسبوعين مذاكرة سرية في طريقة ترجمة إحدى دوائر المعارف الفرنسوية فإن الناس في احتياج لذلك. وقد تبين من
(4/187)

المذاكرة أن أمر المال سهل فإن أحد الحاضرين تعهد بذلك وقال أن له أخواناً لا يتوقفون في الإمداد، ولكن المهم وجود مترجمين كافيين يتعهدون بالقيام بذلك إلى النهاية فقلت أن هذه المسألة تحتاج إلى تفكر وبحث شديد. وقد استقر الرأي على أن تدرس في نحو ثلاثة أشهر ووعدت بالكتابة لكم في ذلك فابحثوا في المسألة فيما بينكم وبين نفسكم ثم فيما بينكم وبين إخوانكم الذين يناسب البحث معهم في ذلك على صفة خاطر قد خطر وكان معنا في المذاكرة الفاضل المقدام السيد رشيد رضا صاحب مجلة المنار وهو يأمل أن يوجد بإرشادك نحو سبعة مترجمين. وقد تشبث بهذا الأمر منذ سنين أناس ظنوا أن المال يأتي بكل شيء فتبين لهم غلطهم وأعرضوا عن الأمر وهذا أمر بعيد جدا ولكن هو في درجة الأمكان القريب من الوقوع وإنما يحتاج إلى الهمة ومعرفة الطريق وقد كان بعض الحاضرين يريد أن يجعل زمام الأمر في يد الحكومة، فطلبنا أن يكتم ذلك عنها، فإنه لا يؤمل أن تقدر عليه فإن هذا الأمر محتاج إلى الحكمة أكثر من احتياجه إلى الحكومة.
وقال في رسالة وقد سألته عن التاريخ الهجري وانتقاد بعضهم على استعمالنا له:
عجبت لمن يسعون في أن نهجر التاريخ الهجري ويفاتحوننا في ذلك كأنهم لا يعلمون أنا نعلم ما يرمون إليه عن بعد. لكل أمة شعار إذا تركته طمع فيها واستضعف جانبها وربما صارت بعد مدمجة في غيرها. وقد سعى أناس منذ عهد بعيد في أن يضعفوا ما يقوي أمر الإسلام عموماً والعرب خصوصاً فنجحوا بعض النجاح، فطمعوا في أن يقضوا عليه فلم يجدوا أقرب إلى ذلك من إضعاف أمر اللغة العربية والسعي في تبديل خطها والتزهيد في الكتب التي كتبت به جعلوا ذلك دأبهم وديدنهم حتى أثروا في كثير من أبناء جلدتنا الذين يظنون أنهم
(4/188)

على غاية من الذكاء والوقوف على أسرار الأمم فكان ما كان مما هو معروف ثم زاد الأمر فطمعوا في تبديل التاريخ الهجري وساعدهم على ذلك، جبت مصر ففرحوا فرحاً لا مزيد عليه. وقال بعضهم: الآن شفينا الغليل من هذه الأمة غير أن كثيرا ممن انتبه لهذا الأمر سعى في إعادته على قدر الإمكان فامتعض أولئك القوم وصاروا يلمزون كل من يسعى في ذلك.
وهذه المسألة نظرا لتعلقها بتاريخ تأخر الشرق لا يتيسر أن يكتب فيها أقل من تاريخ نحو ثلاثين صفحة نحو ثلاثين يوما. وليت شعري كيف يلام المسلم على أن يؤرخ كتابه بالتاريخ الهجري فهل انقرض التاريخ الهجري وهل يريدون أن ينقرض وأصحابه أحياء؟ فإن قالوا أن المقصود توحيد التاريخ في الأمم وأوربا هي القوية الآن قيل أن أوروبا لها تاريخان أحدهما شرقي والآخر غربي وكل يؤرخ به قوم منهم فهل أوقف ذلك التجارة أو أثر في المدنية شيئا. ولم لا يكلفون تغيير مكاييلهم وموازينهم وأذرعهم لتتحد المقاييس في الأمم. وتغيير ذلك ليس فيه غضاضة بخلاف التاريخ. وقد رأيتهم يعتذرون عنهم ويعدون ذلك متانة في الأخلاق فانظر ما وصلنا إليه.
وهذا الكتاب يدلنا على أشياء كثيرة من سيرة الشيخ ومرماه ونصاعة حجته وجميل مناقشته لخصوم مشربه.
وكتب: "كان كثير من الحشرية يلومونني في تنبيه المؤلفين والطابعين على ما يلزمهم ويقولون أن هذا لا يفيد غير العداوة وأنت تضرب في حديد بارد وما دروا أني ممن يقول بأن العداوة في محلها أجدى عندي من أن أكسب المحبة من غير وجهها وأن معاداة الغاشين لي مما يسرني كما أن محبتهم لي مما يسوءني غير أن الزمان أبان أن كل نصيحة لا تخلو من تأثير ولو بعد حين فإن كثيرا ممن لحقتهم صدمة منا ومن
(4/189)

إخواننا الذين أعطوا هنا عهدا أن لا يغشوا الأمة قد صاروا يراجعون بعض مراجعة غير أن التأثير في المطابع كان أكثر.
وأما أمر التصحيح فلم يهتد المصلحون إلى طريقة في إصلاحه. بحيث أن بعض الناس طلب إلينا أن نبحث له عن مصحح لكتاب المحكم لابن سيده وهو أكبر من لسان العرب ليشرع في طبعه فبعد بحث كثير تبين أنه لا يقوم بتصحيحه إلا فلان وهو أحد إخواننا الذين لا يساعدهم- نظرهم في أملاكهم الجمة على التفرغ لمثل هذا الأمر. فأرجيء الآن طبع الكتاب لهذا الأمر. فانظر إلى الحال التي وصلت إليه مصر. فما قولك في غيرها إلا أن الذي يسر في مصر انتباهها لنقصها بخلاف الأقطار الأخرى والانتباه للنقصهو نوع من الكمال. أرانا الله سبحانه الكمال على حقيقته بمنه عليكم بالرياضة الجسمانية والرياضة الروحانية. ويدخل في الرياضة الروحانية التباعد عن سماع الأخبار التي أولع بها المرجفون. فإنه لا قيمة للزمان عندهم وهو عند الحكيم أغلى من الجوهر.
"17 رمضان سنة 1326"
وكتب من رسالة:
"قد سرني في مصر في هذه المدة أن العقلاء بدأوا يجتمعون في الفكر والتعاون على صفة يقتضيها الموقع وهو عدم التظاهر من أول الأمر كما يفعله طالبو الشهرة وهذا أمر لا يشعر به إلا من اطمأنوا إليه. وقد كانوا قبل ذلك يقول كل واحد منهم نفسي نفسي. وإذا استنجده أحد لأمر نافع قال ولو بلسان الحال "عليك بخويصة نفسك".
قد اجتمعت في هذا النهار بعالم أورباوي قد حل الخط الثمودي الموجود في مدائن صالح وأخبرني أن كتابه قد تم طبعا وهو الآن يسعى لجمع لغة أهل نجد فإنه وجد أن أكثر الكلمات العربية لم تزل
(4/190)

باقية عندهم وكان قد ساح في تلك الجهات وهو ممن يتعصب للغة الكتاب العزيز أكثر مما يتعصب أهلها لها.
كان قد أسس في أميركا مدرسة يقرأ بها الطالب وهو في بلده، وقد كنت رأيت في سورية أحد طلبتها وهو يدرس فيها فنا دقيقا وأظن أنها تسمى المدرسة الكوتشوكية، وقد كان ترجم قديماً إلى العربية بعض قوانينها وطبعت ثم نفدت النسخ بحيث أني بحثت عنها فلم أجد نسخة بل لم أجد من يعرفها فإن وجدتم كتابا بالفرنسوية يتعلق بها فترجموا منه ما تيسر مما يوافق البلاد.
وقد سعى بعض الواقفين على ذلك من نحو عشر سنين في بث هذا المقصد إلا أنه على وجه خفي حيث كان نشر العلم إذ ذاك يعد من أعظم الإجرام، والآن لم يبق مانع ومجرد نشر أسلوبها وقوانينها يفيد فضلا عن التشبث بشيء من ذلك.
وقال في كتاب:
"وقد وقفت على كثير من الجرائد الجديدة فوجدت جل مباحثها في بيان فوائد الحرية ورأيت الناس قد ملوا هذا البحث لأن الحرية إن كانت على المعنى الذي يقول به الحكماء فهي مما لا يختلف فيه اثنان من ذوي النباهة، وإن كانت على وجه آخر فربما كان ضررها أكثر من نفعها. ولست أعني بالحكماء هنا أمثال الحكيم الذي كان يقال لكم أنه تعلم الحكمة في سويسرة في ثلاثة أشهر لأن مثل تلك الحكمة مما يزيد خبالاً. وما أرى أكثر الفتن التي وقعت في كثير من الولايات إلا من مثل هؤلاء لا سيما أن ضم إلى دعوى الحكمة دعوى الحرية وهو لا يملك نفسه. وقد كان أرباب الحدس يتصورون أنها تكون أشد إلاَّ أن الألطاف الإلهية حفت فخفت ولله الحمد.
"23 شوال سنة 1326"
(4/191)

ذكر في جملة كتاب حوى مسائل كثيرة في نسخ الكتب وأخذها بالتصوير الشمسي والعناية بوضع فهرس لكتب رومية باللغة العربية ثم قال:
"من أغرب ما في القدس امتزاج المسلمين من النصارى على وجه غريب بحيث لم تؤثر فيهم الطريقة التي اتخذها المستبدون في تمشية أمرهم وإن هلك الحرث والنسل. وقد رأى بعض الباحثين أن هذا أمر دبره صلاح الدين الأيوبي برأيه الثاقب منعاً لما حدث من قبل بسبب سوء سياسة الغبيديين الذين كانوا بمصر تغمده الله برضوانه.
خذوا على نفسكم عهداً بأن لا تؤخروا جوابا مكتوباً (1) لأحد وخذوا العهد على من كان على شاكلتكم بذلك فإن في ذلك فوائد جمة والمكتوب يسوغ أن لا يزيد على خمسة أسطر.
"4 شوال سنة 1337"
وقال أيضا:
"وأرجو أن لا تقصروا في كتابة نبذ تتعلق بالتربية وتدبير المنزل وإصلاح العادات وما أشبه ذلك وأؤكد عليكم في أن لا تشتغلوا بشيء من الجدل فإن الجدل يبطيء عن العمل، وخذوا من عنان قلمكم لئلا يجري إلى غير مدى والاعتدال أقرب لحصول ما يبتغى.
وذكر في رسالة أن الكتب التي يجب أن توصف:
1 - أرجوزة ابن سيده في الأدب وهي من قبيل الملح اللغوية في نمرة 1 من الأدبيات المنظومة مع ديوان أبي العتاهية تزاد فيها نثراً في الآخر الصاحب وما يميل إليه من دواوين الشعر والكتب وما يتقنه من العلوم والصنائع أو ما يتجر به وما يؤثره من الأخلاق ونحو ذلك ويتيسر عمل ذلك في جدول في صفحتين أو أربع.
__________
(1) في الأصل: جواب مكتوب.
(4/192)

2 - الجمل في اللغة في الظاهرية نسخة منه ناقصة من الطرفين.
3 - المغرب للمطرزي.
4 - رد ابن السيد على رد ابن العربي على شرحه لديوان المعري.
5 - أعتاب الكتاب لابن الابار.
6 - عروض ابن معطي وبديعيته.
7 - بغية المؤانس من بهيجة المجالس والأصل لابن عبد البر.
8 - قانون البلاغة لأبي طاهر محمد بن جبلة البغدادي في الظاهرية.
9 - مختصر إصلاح المنطق.
10 - الأربعين السلفية وهي مرتبة على البلدان، وممن سمعها على السلفي الملك الناصر صلاح الدين يوسف ووالده نجم الدين أيوب ابن شادي بقراءة القاضي سناء الملك هبة الله بن جعفر بن سناء الملك محمد بن هبة الله بن محمد الأسدي (1).
ينقل صورة السماع فقط. ا ه.
محمد كرد علي
__________
(1) ش: ج 10، م 5، ص 25 أسفل صفحة 33. غرة جمادى الثانية 1348ه نفامبر 1929م.
(4/193)

رزء الإسلام
وفاة مجتهد العصر الأستاذ رشيد رضا
ــــــــــــــــــــــــــــــ
نعت أخبار مصر وفاة هذا الإمام وقد كانت وفاته إثر رجوعه من مشايعة الأمير سعود إلى الإسكندرية فابتدأه الألم أثناء الطريق وما بلغ إلى مصر حتى وافاه الأجل وقد شيعت جنازته في مشمهد عظيم ودفن بجوار الأستاذ الإمام محمد عبده، لقد كان الأستاذ نسيج وحده في هذا العصر فقهاً في الدين وعلماً بأسرار التشريع وإحاطة بعلوم الكتاب والسنة ذا منزلة كاملة في معرفة أحوال الزمان وسير العمران والاجتماع وكفى دليلاً على ذلك ما أصدره من أجزاء التفسير وما أودعه مجلة المنار في مجلداتها التي نيَّفت على الثلاثين وما أصدره من غيرهما مثل (الوحي المحمدي) الذي كان أحب كتبه إليه، وإن ما كان يقوم به من عمل في تفسير القرآن لا تستطيع أن تقوم به من بعده إلا لجنة من كبار العلماء، فهل يكون من رجال الأزهر من يتقدمون لخدمة الإسلام بتتميم هذا العمل الجليل، إننا نتمنى أن تتوجه عناية الأستاذ مصطفى المراغي إلى هذا فيكون من أعظم أعماله.
أجر الله الإسلام والمسلمين في هذه المصيبة وخلف عليهما خيراً منها ورحم الله الأستاذ حجة الإسلام وجازاه خير ما جازى به عباده الصالحين (1).
__________
(1) ش: ج 6، م 11، ص 396 - 397 غرة جمادى الثانية 1354ه - سبتمبر 1935م.
(4/194)

حجة الإسلام
السيد محمد رشيد رضا
ــــــــــــــــــــــــــــــ

-1 -
كتبنا كلمة عن وفاته في الجزء الماضي ونريد اليوم أن نكتب شيئاً من ترجمته معتمدين في ذلك على ما نشره هو منها مجموعاً ومفرقاً في كتاب تاريخ الأستاذ الإمام وكتاب (المنار والأزهر).

مولده:
ولد في حدود 1291ه 1865م بقرية القلمون من قرى لبنان.

بيته:
بيت شرف ودين وعلم وفضل وصلاح يعرفون بالمشائخ من قريتهم وإليهم يرجع أهلهم في الدين وإصلاح الشؤون.

نشأته:
نشأ في هذا البيت الطاهر نشأة علم ودين وتقوى وشعور بواحبات القيام بحاجات الناس وإيصال الخير إليهم.

تعلمه وشيوخه:
قرأ القرآن وتعلم الخط والحساب في كتاب قريتهم وحبب إليه من الكتب كتب الأدب والتصوف فكان يقرأ كتاب الإحياء لحجة الإسلام الغزالي فطبعه بطابع الزهد والتدين وأكسبه ملكة العربية
(4/195)

الفصيحة والأسلوب المرسل في البيان. ثم أدخل مدرسة ابتدائية جميع التدريس فيها باللغة التركية فلم يقم فيها إلا سنة ثم في سنة 1302ه دخل مدرسة الأستاذ حسين الجسر وكان هذا العملامة أنشأ مدرسته لتعليم علوم الدين واللغة العربية واللغات الأجنبية والعلوم الدنيوية على الطريقة العصرية مع التربية الإسلامية الوطنية، فتخرج في العلوم العربية والشرعية والعقلية على الأستاذ الجسر في مدة ثمان سنوات وكتب له شهادة العالمية.
وتشبع بروحه في ضرورة الجمع بين علوم الدين وعلوم الكون المادية والاجتماعية والعمرانية مع التربية الإسلامية لنهضة الأمة، وأخذ الحديث وفقه الشافعية عن شيخ الشيوخ العلامة محمود نشافة وحضر قليلاً من كتاب نيل الأوطار للشوكاني على العلامة الشيخ عبد الغني الرافعي واستفاد كثيراً من معاشرته في العلم والأدب والتصوف وتلقى بعض كتب الحديث على العالم المحدث الشيخ محمد القوقجي.

الكتب التي خرجته:
شغف بكتاب الإحياء فطالعه كله وأعاد مطالعته فكان له الأثر الصالح في زهده وأخلاقه وإخلاصه في العلم وتقواه في العمل وكان طريقه منه في فهم الدين أنه دين روحاني أخروي فقط وأن إرشاد المسلمين محصور في (تصحيح عقائدهم ونهيهم عن المحرمات، وحثهم على الطاعات وتزهيدهم في الدنيا). ثم اتفق له في أثناء مدة طلبه للعلم- وهو يقلب أوراقاً علمية لأبيه- أن وجد عددين من جريدة العروة الوثقى التي كان يصدرها حكيم الشرق جمال الدين الأفغاني والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فقرأهما بشوق ولذة بعثاه على البحث عن بقية أعدادها فلما قرأ ما وجد منها المرة بعد المرة أحدثت فيه أثراً جديداً ونقلته من طور إلى طور وصار طريقه في فهم الإسلام أنه
(4/196)

(دين روحاني جسماني أخروي دنيوي من مقاصده هداية الإنسان إلى السيادة في الأرض بالحق ليكون خليفة الله في تقرير المحبة والعدل) وأن إرشاد المسلمين يجب أن يكون- مع تصحيح عقائدهم ونهيهم عن المحرمات وحثهم على الطاعات- إلى المدنية والمحافظة على ملكهم ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات وجميع مقومات الحياة.

تنسكه:
حبب إليه كتب الإحياء مجاهدة نفسه على طريقة الصوفية بترك أطيب الطعام والإكتفاء بقليله والنوم على الأرض وغير ذلك وأخذ أوراد الشاذلية عن شيخه أبي المحاسن القاوقجي أعبد عباد شيوخ الطريق في وقته ورغب منه أن يسلكه الطريق على الأصول العملية إذ لم يعجبه أن يسلك الطريق على وجه صوري من تلاوة الأوراد وحضور الاجتماعات فقال له الشيخ (يا بني إنني لست أهلاً لما تطلب فهذا بساط قد طوي وانقرض أهله) ثم تلقى الطريقة النقشبندية وقطع مراتبها كلها فكان تنسكه- أولاً - تصوفا طرقيا شاذليا فنقشبنديا بما فيه من حق وباطل وهدى وضلال.

تخلص نسكه من الباطل والضلال:
دعاه شغفه بكتاب الإحياء إلى اقتناء شرحه الجليل للإمام المرتضى الحسيني فلما طالعه ورأى طريقته الأثرية في تخريج أحاديث الإحياء فتح له باب الاشتغال بعلوم الحديث وكتب السنة وتخلص مما في كتاب الإحياء من الخطأ الضار- وهو قليل - ولا سيما عقيدة الجبر والتأويلات الأشعرية والصوفية والغلو في الزهد وبعض العبادات المبتدعة، وترك أوراد الشاذلية لما علم أن قراءتها (من البدع التي جعلت من قبيل الشعائر والشرائع التي شرعها الله تعالى على ما فيه (أي ورد
(4/197)

السحر وأمثاله) من الأمور والأقسام المنتقدة شرعاً، واستبدل بها قراءة القرآن وورداً آخر في الصلاة على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- (ليس فيه شبهة بدعة من توقيت وجهر وصيغ منكرة ومضاهاة للشعائر الموهمة للمأثور عن الشارع) كما ترك أوراد النقشبندية وذكرها (غير المشروع المخالف لجميع ما ورد في الذكر المأثور) وبين ما في رابطتها من شرك أو بدعة.
فتخلص نسكه- بعد طرح ذلك كله للتنسك الإسلامي من تجريد التوحيد وتزكية النفس وتقويم الأعمال وتصحيح النية ومحاسبة النفس ومراقبة الله في جميع الأعمال والزهد في الدنيا والعمل للآخرة والمبالغة في العبادات المشروعة والاعتصام بالورع موزونا ذلك كله ومضبوطاً بالكتاب والسنة وما كان عليه أهل القرون الثلاثة الصحابة والتابعون وأتباع التابعين رضي الله عنهم أجمعين. وهذا هو الذي يراد بالتصوف إذا جاء إسم التصوف في كلام علماء السنة والأثر، وقد كان السيد محمد رشيد رضا رحمه الله من أئمتهم، فهذا هو تنسكه وهذا هو تصوفه.

تعليمه وإرشاده:
تصدى للتدريس في مسجدهم، حيث كان عمه- كأسلافه- يقوم بالإمامة والخطابة والتدريس فكان يقرىء للرجال دروساً في الفقه الشافعي ودروساً في التوحيد بالسنوسية ولما رأى صعوبتها عليهم وضع لهم عقيدة سهلة وكان يربيهم في تعليمهم بما يحثهم عليه من القيام بالشعائر الدينية وكان يلقي عليهم المواعظ الدينية معتمداً فيها على آيات القرآن العظيم، ثم لم يكتف بما يقوم به من التعليم والإرشاد في المسجد فكان يذهب إلى مقهى يجتمع فيه العوام فيعظهم ويرشدهم حتى هدى منهم من هدى الله، ورأى أن على المرشد هداية النساء
(4/198)

مثل ما عليه هداية الرجال فكن يجتمعن في دار أسرته فيلقي عليهن العقائد والأحكام والآداب في عبارات سهلة بدون كتاب وكان يأمرهن بتغيير زيهن بما هو أستر وأطهر حتى تكون المرأة في الشارع كما تكون في الصلاة.

أمره بالمعروف وتغييره للمنكر:
كان بعد ما قرأ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب الإحياء يأمر وينهي لا يخاف لومة لائم وأول حادثة صدع فيها بالنهي عن المنكر في حفل عظيم من الناس- كانت يوم شهد حفلة للطريقة المولوية ورأى رقصهم وحلقة غلمانهم فصاح فيهم بما معناه (أيها المسلمون إن هذا منكر لا يجوز النظر إليه، ولا السكوت عنه، لأنه إقرار له وأنه يصدق على مقترفيه قول الله تعالى: {اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا} وإنني قد أديت الواجب فأخرجوا رحمكم الله) وخرج مفارقا لهم.

ما وقع بينه وبين شيخه الجسر بسبب هذا الإنكار:
كان الشيخ الجسر على علمه بالعلوم الشرعية وإلمامه بالعلوم العصرية شيخا في الطريقة الخلوقية فكان ينصح لتلميذه بأن يكف عن أهل الطريق ولكن لا يأتيه على ما يفعلونه مما يبتدعونه في الإسلام ويشرعونه لأنفسهم مما لم يأذن به الله بدليل. وكان السيد يقول له (أقنعني بما تقول بالدليل ليصير عقيدة لي أرجع إلى قولك) فكان يجيبه الشيخ بقوله (أنت أهل علم وصاحب حجة وليس لك عندي غير ما قلته) وكما كان ينكر على العامة كان ينكر على الحكام والكبراء ما يراه منهم لا يخص بإنكاره أحداً دون أحد وكذلك كل ما كان عن عقيدة ولوجه الله من الأعمال لا يتركه صاحبه على كل حال.
هذه ترجمة السيد قبل هجرته إلى مصر وقد رأينا أنه صار عالماً
(4/199)

معلماً مرشداً ذا منزلة رفيعة في العلم والتقوى والنصح للمسلمين وهو بعد في أول العقد الثالث من عمره وسيعرض في الجزء الآتي- إن شاء الله تعالى- لترجمته بعد رحلته (1).
__________
(1) ش: ج 7، م 11، ص 409 - 413 غرة رجب 1345ه - أكتوبر 1935م.
(4/200)

الاعتبار بما كنا نشرناه من القسم الأول من حياة
حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا
ــــــــــــــــــــــــــــــ

-2 -
لقد بلغ السيد رشيد من الفقه الديني، والتمكن من علوم الكتاب والسنة والخبرة بأحوال الزمان منزلة ما نخال أنها تتاح لأحد من بعده إلا في دهر طويل، لأن الأسباب التي يسرت له لا نراها اليوم مجتمعة في مكان غير أن هذا لا يمنعنا من الاعتبار بحياته والأسباب التي أتيحت له لنأخذ بها ونحث على الأخذ بها وهذه أهم النواحي التي كان لها ذلك الأثر في مقامه العظيم.

البيئة المنزلية:
البيت هو المدرسة الأولى والمصنع الأصلي لتكوين الرجال. وتدين الأم هو أساس حفظ الدين والخلق. والضعف الذي نجده من ناحيتهما في رجالنا معظمه نشأ من عدم التربية الإسلامية في البيوت بسبب جهل الأمهات وقلة تدينهن، والسيد رشيد كانت متانة خلقه وقوة دينه من أثر أمه التي كانت- كما قال هو- على جانب عظيم من الدين مع العلم الكافي لمثلها، ولبيئة بيته، فإذا أردنا أن نكون رجالاً فعلينا أن نكون أمهات دينيات ولا سبيل لذلك إلا بتعليم البنات تعليماً دينياً وتربيتهن تربية إسلامية وإذا تركناهن على ما هن عليه من الجهل بالدين فمحال أن نرجو منهن أن يكون لنا عظماء الرجال. وشر من تركهن جاهلات بالدين إلقاؤهن حيث يربين تربية تنفرهن من الدين أو تحقره
(4/201)

في أعينهن فيصبحن ممسوخات لا يلدن إلا مثلهن ولئن تكون الأم جاهلة بالدين محبة له بالفطرة تلد للأمة من يمكن تعليمه وتداركه خير بكثير من أن تكون محتقرة للدين تلد على الأمة من يكون بلاء عليها وحرباً لدينها. فنوع تعليم البنات هو دليل من سيتكون من أجيال الأمة في مستقبلها، وقد تفطنت لهذا بعض الأمم المالكة لزمام غيرها فأخذت تعلم بناتهم تعليما يوافق غايتها، فمن الواجب علينا- ولنا كل الحق في المحافظة على ديننا ومقوماتنا- أن نعني بتعليم بناتنا تعليماً يحفظ علينا مستقبلنا ويكون لنا الرجال العظماء والنساء العظيمات، وإلا فالمستقبل ليس كالماضي فقط بل شر منه لا قدر الله.

أثر المعلم:
أغلب المعلمين في المعاهد الإسلامية الكبرى كالأزهر لا يتصلون بتلامذتهم إلا اتصالاً عاماً لا يتجاوز أوقات التعليم فيتخرج التلامذة في العلوم والفنون ولكن بدون تلك الروح الخاصة التي ينفخها المعلم في تلميذه- إذا كانت للمعلم روح- ويكون لها الأثر البارز في أعماله العلمية في سائر حياته، والسيد رشيد وفقه الله للتعلم على الشيخ حسين الجسر- كما قدمنا وكان لهذا الشيخ روح واتصل به السيد عزيزا مثل تلك الروح في تلك الأيام فكان لها أثرها في حياة السيد ومن آثارها تشوقه- وقد نال شهادة العالمية من شيخه- إلى ملاقاة الأستاذ الإمام.
فعلى المعلم الذي يريد أن يكون من تلامذته رجالاً أن يشعرهم - واحداً واحداً- أنه متصل بكل واحد منهم اتصالاً خاصاً زيادة على الاتصال العام وأن يصدق لهم هذا بعنايته خارج الدرس بكل واحد منم عناية خاصة في سائر نواحي حياته حتى يشعر كل واحد منهم أنه في طور تربية وتعليم في كفالة أب روحي يعطف عليه ويعني به مثل أبيه أو أكثر.
(4/202)

التحصيل الدرسي والتحصيل النفسي:
فهم قواعد العلم وتطبيقها حتى تحصل ملكة استعمالها- هذا هو المقصود من الدرس على الشيوخ فأما توسيع دائرة الفهم والاطلاع فإنما يتوصل إليها الطالب بنفسه بمطالعاته للكتب ومزاولته للتقرير والتحرير وعلى هذه الخطة سار السيد رشيد في تحصيله فإنه حصل قواعد العلوم في ثمان سنوات ثم استمر على مطالعة الكتب حتى بلغ إلى ما بلغ. يحسب كثير من الناس أن تحصيل العلم لا يكون إلا بقراءة كتبه فتطول سنوات تعلمهم ثم لا يبقى عندهم إلا أمهات القواعد وتضيع عليهم تلك السنون ويكسبهم الاستمرار على كتاب واحد مطول جهودا في العلم وانحصاراً في دائرة ذلك الكتاب. فلا تدعوهم أنفسهم إلى مطالعة غيره.
ثم إن الدروس إنما تحصل فيها قواعد بعض العلوم وتبقى فنون كثيرة من فنون العلم يصل إليها الطالب بمطالعته بنفسه وحده أو مع بعض رفاقه فلا ينتهي من مدة دراسته العلمية في الدروس إلا وقد اتسع نطاق معلوماته بفنون كثيرة كما كان السيد رشيد في مطالعته لكتاب الإحياء وكتاب الأدب وكتاب العروة الوثقى، ونرى الطلاب اليوم في أكبر المعاهد- كالزيتونة- لا يخرج الطالب عن كتبه الدرسية إلى مطالعة شيء بنفسه مما يكسبه علماً أو خبرة بالحياة فيخرج الطالب بعد تحصيل الشهادة وهو غريب عن الحياة.
فعلى الطلبة والمتولين أمر الطلبة أن يسيروا على خطة التحصيل الدرسي والتحصيل النفسي ليقتصدوا في الوقت ويتسعوا في العلم ويوسعوا نطاق التفكير.

تعيين الغاية والاستعداد لها:
على كل ذي سعي في الحياة أن يعين غايته التي يقصد إليها ويستعد
(4/203)

بكل ما يساعده على الوصول إليها، وغاية العالم المسلم أن يهتدي في نفسه وأن يهدي غيره وقد كان السيد رشيد وضع هذه الغاية نصب عينيه فكان في تحصيله الدرسي والنفسي يعمل لها فيزكي نفسه ويتزود بما يزكي به غيره.
أما أكثر الطلاب فمنهم من تكون غايتهم الوظيف فهم غفلة من أنفسهم وعن غيرهم، ومنهم من تكون غايته أن ينال الشهادة بالعلم فهو مثل الأول فأما الغاية الحقيقية التي ذكرنا فما أقل أهلها لأنها لا ذكر لها في برامج التعليم ولا اهتمام بها من المعلمين. وحق على كل طالب أن تكون هي غايته وهو مع ذلك نائل العلم ونائل ما يؤهله للوظيف أن أبى إلا أن يكون الوظيف من قصده ولكنه بالقصد إلى تلك الغاية يكون عاملاً في أثناء تعلمه على تهذيب نفسه ويكون مصدر هداية للناس في مستقبل أيامه ولكن هذا إنما يتم للطالب إذا كان شيوخه يهتمون لهذه الغاية ويعملون لها ويوجهون تلامذتهم إليها. وما أعز هذا الصنف من الشيوخ.

التفكير والاستقلال فيه:
إذا كان التفكير لازماً للإنسان في جميع شؤونه وكل ما يتصل به إدراكه فهو لطلاب العلم الزم من كل إنسان فعلى الطالب أن يفكر فيما يفهم من المسائل وفيما ينظر من الأدلة تفكيراً صحيحا مستقلاً عن تفكير غيره وإنما يعرف تفكير غيره ليستعين به ثم لا بد له من استعماله فكره هو بنفسه.
بهذا التفكير الاستقلالي يصل الطالب إلى ما يطمئن له قلبه ويسمى - حقيقة- علماً، وبه يأمن الوقوع فيما أخطأ فيه غيره، ويحسن التخلص منه إن وقع فيه، وبهذا التفكير الاستقلالي استطاع السيد رشيد رضا أن يتخلص مما في كتاب الإحياء من الخطأ الضار- وهو قليل- كما قدمنا وبه استطاع أن يتفطن لما في الطريق التي دخلها من
(4/204)

ضرر فتخلص منها جميعها للزهد الإسلامي الصحيح والتنسك المشروع وبه استطاع أن يناظر شيخه حسين الجسر في البدع الطرقية ويسلم من تأثيره عليه بما له عليه من حق وفضل، فالتفكير التفكير يا طلبة العلم فإن القراءة بلا تفكير لا توصل إلى شيء من العلم وإنما تربط صاحبها في صخرة الجمود والتقليد وخير منهما الجاهل البسيط.

بعده من الوظيف:
كل مسلم عليه أن ينفع بما استطاع في أي حالة كان وما كان الوظيف من حيث هو وظيف بمانع لأحد يحترم نفسه من النفع والخير غير أنه في أنواع من الحكومات والأصناف كثيرة من الناس صار الوظيف قيداً في اليد وغلا في العنق، ونحن نعلم أن الإصلاح الديني ما تأخر في القطر المصري والقطر التونسي إلا لأن جميع المتسمين بالعلم متوظفون أو مرشحون للوظيف أو طامعون فيه وكان مما مكن للسيد رشيد رضا في قيامه بما قام به بعده عن الوظيف.
ونحن نرى حتما لزاماً على كل من كان يعد نفسه لخدمة الإسلام بنشره والدعوة إليه وبيان حقائقه لأبنائه وغير أبنائه أن يبتعد عن كل وظيف.
نعم كان الشيخ عبده موظفا في الحكومة المصرية ولكنه قال هو عن نفسه (لولا ما أرجوه من إصلاح الأزهر والمحاكم الشرعية ما قبلت الوظيف) ومن أين لنا أن نجد مثل هذا القصد أو أن نستطيع أن ننفع بالوظيف أو أن نتغلب عليه؟
إن السلامة من سلمى وجارتها … أن لا تحل على حال بواديها
هذا ما عن لنا من الاعتبار في هذا القسم من حياة هذا الرجل العظيم وسننشر القسم الثاني في الجزء الآتي إن شاء الله (1).
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ش: ج 8، م 11، ص 444 - 453.
(4/205)

حجة الإسلام
السيد محمد رشيد رضا بعد هجرته إلى مصر
ــــــــــــــــــــــــــــــ

-3 -
سبب الهجرة إلى مصر:
ما كانت البلاد العثمانية في عهد استبداد عبد الحميد لتتسع لمثل السيد رشيد فيما يريده من إصلاح عام وما كان هو ليستطيع الصبر على القعود عما اعتقد وجوبه وجوباً حتمياً من النهوض بالإصلاح فكان لزاماً عليه أن يفكر في الخروج، ولم يكن يصلح لمقصده إلا مصر. هذا إلى ما كان له من الرغبة في الاتصال بالأستاذ محمد عبده والأخذ عنه والتكمل به.

سبب تعلقه بالأستاذ الإمام وأول تعرفه به:
كاذت مطالعته لمجلة العروة الوثقى باعثاً لإعجابه بالإمام جمال الدين الأفغاني وشغفه والشوق إلى لقائه وكان كاتبه وهو بالأستانة في ذلك ولم يساعده القدر على لقائه وكان حُبه للإمام جمال الدين مستلزماً لحبه لتلميذه ومعينه ووارث علمه وحكمته، ومحرر العروة الوثقى الشيخ محمد عبده. وكان السيد قد التقى به ببلدة طرابلس من أرض الشام وتعرف به وحضر مجلسه فازداد به شغفه وتعلقه، فلما توفي السيد جمال الدين سنة 1314 (1) عزم على الهجرة إلى مصر والإتصال بالأستاذ الإمام.
__________
(1) 1897م.
(4/206)

آثار اتصاله بالأستاذ الإمام:
جاء السيد رشيد إلى مصر وهو عالم مفكر وكاتب متبصر فصحب الأستاذ الإمام صحبة العالم الصغير للعالم الكبير فكان من أول آثار ذلك إصداره للصحيفة الإصلاحية التي كان يستمد روحها من الأستاذ الإمام ثم رغبته منه في إلقاء دروس التفسير التي كانت أساساً لتفسير المنار ورغبته إليه في إقراء علم البلاغة من كتابي أمامها (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) فكانت قراءتهما فتحاً جديداً في العربية كما كانت دروس التفسير فتحاً جديداً في الدين.

وفاء السيد للأستاذ الإمام في حياته وبعد وفاته:
كان السيد الساعد الأيمن والعضد الأشد للأستاذ الإمام في جميع ما قام به كما كان الترجمان الصادق عن أفكاره والمدره الصمصام في الدفاع عنه. واستمر السيد على وفائه للأستاذ الإمام بعد وفاته كما كان له في حياته وما عرف المصريين وغير المصربين قدر الأستاذ الإمام وحفط عليهم أمانته وخلد لهم آثاره إلا السيد رشيد وكان إلى آخر حياته- قد فاق أستاذه في نواح عديدة من العلم- لا يفتر يلهج بأستاذه حتى كاد ينسى الناس نفسه وأثره الخاص في الدين والعلم والإصلاح.

مواقفه بعد الأستاذ الإمام:
مضى السيد الرشيد بعد الأستاذ الإمام مضطلعا بأعباء خطته الإصلاحية واتسعت آفاق أعماله إلى العالم الإسلامي كله وكان لا بد له من أن يصطدم بالحالة السياسية التي عليها العالم الإسلامي والتي هي بطبيعتها العقبة الكؤود في سبيل كل إصلاح فأصبح السيد رشيد من الفرسان المعلمين في ميدان الإصلاح الديني والاجتماعي وكان في كليهما يصدر عن إيمان ويجالد بقوة ويناظر بحكمة ويفحم ببرهان.
(4/207)

غايته السياسية:
لقد كانت غايته السياسية الكبرى إيجاد دولة إسلامية كبرى مرهوبة الجانب تكون مركزاً للأمم الإسلامية في العالم بصفة دينية إذا لم تكن بصفة سياسية، وعلى هذه الفكرة ولهذه الغاية ناصر الدستور العثماني وجمعية الإتحاد والترقي فلما تبينت له منهم النعرة الملية الضيقة ناوأهم وعمل على إيجاد مملكة عربية إسلامية مستقلة عن الدولة العثمانية التي كان يرى الإتحاديين سائرين بها إلى الإنهيار فانضم إلى الجمعية العربية العاملة في مصر وأوربا لهذا الغرض. ولهذه الغاية كان مع الشريف حسين يوم أعلن الثورة العربية حتى إذا تبين غدر الحلفاء بما كان من معاهدة (سايس- بيكو) ورأى الشريف حسين لا يرجع عن اغتراره بهم نفض يده منه وانقلب عليه وعلى البيت الهاشمي كله. ولغايته التي ذكرنا كان ساير إمام اليمن يوما حتى تبين له أن نطاق المذهب الزيدي لا يتسع لأمم الإسلام، وفي أثناء هذا أخذت لوامع الدولة السعودية تلوح في الأفق حتى فاجأت العالم بإزالة العرش الهاشمي المتداعي وانتصابها مكانه بمكة الكرمة، فوجد فيها السيد رشيد ضالته من دولة إسلامية تنفذ الشرع الإسلامي وتقف عند حدوده وتحيي سنته وتقاوم كل ما ألصق به من بدع وضلالات وتنتمي إلى أحد المذاهب الأربعة الكبرى فشمر عن ساق الجد لمؤازرتها وتأييدها وإرشادها ووجد من ملكها الملك عبد العزيز آل سعود الرجل المسلم الذي يحمل للدين وينتصح لكل ناصح فيه فسار معه السيد رشيد إلى غاية واحدة حتى قضى وهو في طريق رجوعه من تشييع ولي عهده. فإذا كان يظهر من السيد رشيد تبدُّل في سيره السياسي فإنما هو تنقل من طريق إلى طريق في سبيل الوصول إلى غاية معينة فلما وجد الطريق اللاحب المبين سلكه حى مات رحمة الله عليه.
(4/208)

أثر السيد رشيد في العالم الإسلامي:
إن السيد رشيد بما نشر من تفسير القرآن الحكيم على صفحات المنار وما كتب في المنار وغير المنار، هو الذي جلَّى الإسلام بصفاته الحقيقية للمسلمين وغير المسلمين وهو الذي لفت المسلمين إلى هداية القرآن وهو الذي دحر خصوم الإسلام من المنتمين إليه وغير المنتمين إليه وهتك استارهم حتى صاروا لا يحرك أحد منهم أو من أشباههم يده إلا أخذ بجنايته. فهذه الحركة الدينية الإسلامية الكبرى اليوم في العالم إصلاحا وهداية، بيانا ودفاعا، كلها من آثاره فرحمه الله وجزاه أفضل ما يجزى العاملين (1).
__________
(1) ش: ج 9، م 11، ص 508 - 510 رمضان 1354ه - ديسمبر 1935م.
(4/209)

العلامة الأستاذ الشيخ محمد بخيت المطيعي
- رحمه الله -
ــــــــــــــــــــــــــــــ

ما كاد يندمل جرح العالم الإسلامي بوفاة حجة الإسلام السيد رشيد رضا حتى فجع بوفاة مفتي الإسلام الشيخ محمد بخيت المطيعي في رجب الماضي. ونحن نكتب اليوم كلمة عن فضيلته كما كتبنا من قبل عن السيد رشيد رضا وما كان قلمنا القاصر ليوفي واحدا منهما حقه.

منزلته العلمية:
نال شهاد، العالمية من الدرجة الأولى سنة 1393ه وتصدى لخدمة العلم والازدياد منه بالتدريس بجد منقطع النظير، ومداومة ليس فيها فتور فكان علما في سائر العلوم الأزهرية. وكان ممتازا بين كبراء الأزهر بتحقبق الأصلين: علم الكلام وأصول الفقه وكان بسعة علمه وقوة إدراكه وتمييزه يرفع الخلاف في كثير من أمهات المسائل ويبين أن الخلاف فيها لفظي وأن أصل المسألة محل اتفاق.

منزلته في القضاء والفتوى:
دعى إلى الاشتغال بالقضاء فتقلد وظائفه وتنقل بينه وبين الفتوى حتى بلغ أعلى درجاتهما فلما بلغ سن التقاعد تفرغ للإفتاء العلمي فكانت ترد عليه الأسئلة من جميع أقطار العالم الإسلامي فيجيب عنها وكان له كتاب يتولون له كتابة ما يحرره ويمليه ويرسلونه إلى السائلين وينفق هو على ذلك كله من خالص ماله.
(4/210)

[صورة: الشيخ محمد بخيت المطيعى]
ــــــــــــــــــــــــــــــ

موقفه من الإصلاح الديني:
كان زميلا للشيخ محمد عبده في الطلب وهو الوحيد من شيوخ الأزهر الذي كان يساميه وينال معه حظاً من الشهرة خارج مصر وكان - على معارضته له في نواح- يؤيده في إنكار البدع والمحدثات في الدين.
(4/211)

إنصافه للأستاذ الإمام وشهادته له:
لما رمى بعض حساد الشيخ عبده أيام تصديه لأخذ شهادة العالمية بالتهاون بالصلاة شهد له الشيخ محمد بخيت عند مشيخة الأزهر فقال (1): "إننا دائماً نقدمه فيؤمنا في صلاة الجماعة لتقواه وصلاحه". ولما عقدت أول حفلة لذكرى الشيخ محمد عبده وكانت يوم الثلاثاء 16 ذي القعدة 1345ه - بالجامعة المصرية (2) كانت تحت رئاسة الشيخ محمد بخيت فخطب في تلك الحفلة ومن جملة ما قال عن الأستاذ الإمام (3): "ترك فراغاً عظيماً كان يشغله وحده، لم يستطع أحد أن يشغله بعده"، فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة والنفوس الكبيرة.

علاقتي به:
لما رجعت من المدينة المنورة على ساكنها وآله الصلاة والسلام سنة 1332ه جئت من عند شيخنا العلامة الشيخ حمدان الونيسي المهاجر إلى طيبة والمدفون بها رحمه الله، جئت من عنده بكتاب إلى الشيخ بخيت وكان قد عرفه بالاسكندرية لما مر بها مهاجراً، فعرجت على القاهرة وزرت الشيخ بخيت بداره بحلوان مع صديقي الأستاذ إسماعيل جغر المدرس اليوم بالأزهر فلما قدمت له كتاب شيخنا حمدان قال لي: "ذاك رجل عظيم". وكتب لي إجازة في دفتر إجازاتي بخط يده. رحمه الله وجازاه عنا وعن العلم والدين خير ما يجزى العاملين الناصحين (4).
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ج 1، ص 1043 تاريخ الأستاذ الإمام.
(2) بالجامعة المصرية، ج 1 ص 1052.
(3) جريدة المقطم الصادرة في 18 ذي القعدة 1340.
(4) ش: ج 11، م 11، ص 606 - 607 غرة ذي القعدة 1354ه - فيفري 1936م.
(4/212)

مصطفى كمال
رحمه الله
ــــــــــــــــــــــــــــــ

في السابع عشر من رمضان المعظم ختمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث, وعبقري من أعظم عباقرة الشرق, الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب، فيحولون مجرى التاريخ ويخلقونه خلقاً جديداً ذلك هو مصطفى كمال بطل غاليبولي في الدردنيل وبطل سقاريا في الأناضول وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعز والسمو.
وإذا قلنا بطل غاليبولي فقد قلنا قاهر الإنكليز أعظم دولة بحرية الذي هزمها في الحرب الكبرى بشر هزيمة لم تعرفها في تاريخها الطويل وإذا قلنا بطل سقاريا فقد قلنا قاهر الإنجليز وحلفائهم من يونان وطليان وافرنسيين بعد الحرب الكبرى ومجليهم عن أرض تركيا بعد احتلال عاصمتها والتهام أطرافها وشواطئها.
وإذا قلنا باعث تركيا فقد قلنا باعث الشرق الإسلامي كله فمنزلة تركيا التي تبوأتها من قلب العالم الإسلامي في قرون عديدة هي منزلتها فلا عجب أن يكون بعثه مرتبطا ببعثها، لقد كانت تركيا قبل الحرب الكبرى هي جبهة صراع الشرق إزاء هجمات الغرب ومرمى قدائف الشره الاستعماري والتعصب النصراني من دول الغرب. فلما انتهت الحرب وخرجت تركيا منها مهشمة مفككة تناولت الدول الغربية أمم الشرق الإسلامي تمتلكها تحت أسماء استعمارية ملطفة، واحتلت عاصمة الخلافة وأصبح الخليفة طوع يدها وتحت تصرفها وقال
(4/213)

المارشال اللنبي -وقد دخل القدس- "اليوم انتهت الحروب الصليبية" فلو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا وذهب الشرق الإسلامي معها، لكن كمالا الذي جمع تلك الفلول المبعثرة فالتف به إخوانه من أبناء تركيا البررة، ونفخ من روحه في أرض الأناضول حيث الأرومة التركية الكريمة وغيل ذلك الشعب النبيل وقاوم ذلك الخليفة الأسير وحكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر دول الغرب وفي مقدمتها إنكلترا من الخارج، لكن كمالا أوقف الغرب المغير عند حده وكبح من جماحه وكسر من غلوائه، وبعث في الشرق الإسلامي أمله وضرب له المثل العالي في المقاومة والتضحية فنهض يكافح ويجاهد. فلم يكن مصطفى محي تركيا وحدها بل محي الشرق الإسلامي كله. وبهذا غير مجرى التاريخ ووضع للشرق الإسلامي أساس تكوين جديد. فكان بحق من أعظم عباقرة الشرق العظام الذين أثروا في دين البشرية ودنياها من أقدم عصور التاريخ.
إن الإحاطة بنواحي البحث في شخصية أتاتورك "أبي الترك" مما يقصر عنه الباع، ويضيق عنه المجال، ولكنني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام. فهذه هي الناحية الوحيدة من نواحي عظمة مصطفى أتاتورك التي ينقبض لها قلب المسلم ويقف متأسفاً ويكاد يولي مصطفى في موقفه هذا الملامة كلها حتى يعرِّف المسؤولين الحقيقيين الذين أوقفوا مصطفى ذلك الموقف فمن هم هؤلاء المسؤلون؟ ...
المسؤولون هم الذين كانوا يمثلون الإسلام وينطقون باسمه، ويتولون أمر الناس بنفوذه، ويعدون أنفسهم أهله وأولى الناس به.
هؤلاء هم خليفة المسلمين شيخ إسلام المسلمين ومن معه من علماء
(4/214)

الدين، شيوخ الطرق المتصوفون، الأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها.
اما خليفة المسلمين فيجلس في قصره تحت سلطة الإنجليز المحتلين لعاصمته ساكتا ساكنا. مستغفرا لله، بل متحركا في يدهم تحرك الآلة لقتل حركة المجاهدين بالأناضول، ناطقا بإعلان الجهاد ضد مصطفى كمال ومن معه، الخارجين عن طاعة أمير المؤمنين ...
وأما شيخ الإسلام وعلماؤه فيكتبون للخليفة منشورا يمضيه باسمه ويوزع على الناس بإذنه، وتلقيه الطائرات اليونانية على القرى برضاه يبيح فيه دم مصطفى كمال ويعلن خيانته ويضمن السعادة لمن يقتله.
وأما شيوخ الطرق الضالون وأتباعهم المنومون فقد كانوا أعوانا للإنجليز وللخليفة الواقع تحت قبضتهم. يوزعون ذلك المنشور ويثيرون الناس ضد المجاهدين.
وأما الأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها فمنها -إلا قليلا- من كانوا في بيعته فانتفضوا عليه ثم كانوا في صف أعدائهم وأعدائه، ومنها من جاءت مع مستعبديها حاملة السلاح على المسلمين شاهرة له في وجه خليفتهم.
فأين هو الإسلام في هذه (الكليتيات) كلها؟ وأين يبصره مصطفى الثائر المحروب، والمجاهد الموتور منها؟
لقد ثار مصطفى كمال حقيقة ثورة جامحة ولكنه لم يكن على الإسلام وإنما ثار على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين. فألغى الخلافة الزائفة وقطع يد أولئك العلماء عن الحكم فرفض مجلة الأحكام واقتلع شجرة زقوم الطرقية من جذورها وقال للأمم الإسلامية عليكم أنفسكم وعلي نفسي، لا خير لي في الاتصال بكم ما دمتم على ما أنتم عليه،
(4/215)

فكونوا أنفسكم ثم تعالوا نتعاهد ونتعاون كما تتعاهد وتتعاون الأمم ذوات السيادة والسلطان.
أما الإسلام فقد ترجم القرآن لأمته التركية بلغتها لتأخذ الإسلام من معدنه، وتستقيه من نبعه. ومكنها من إقامة شعائره فكانت مظاهر الإسلام في مساجده، ومواسمه تتزايد في الظهور عاما بعد عام حتى كان المظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه تغمده الله برحمته.
لسنا نبرر صنيعه في رفض مجلة الأحكام ولكننا نريد أن يذكر الناس أن تلك المجلة المبنية على مشهور وراجح مذهب الحنفية ما كانت تسع حاجة أمة من الأمم في كل عصر لأن الذي يسع البشرية كلها في جميع عصورها هو الإسلام بجميع مذاهبه لا مذهب واحد أو جملة مذاهب محصورة كائنا ما كان وكائنة ما كانت، ونريد أن يذكر الناس أيضا أن أولئك العلماء الجامدين ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا غير ما عرفوه من صغرهم من مذهبهم وما كانت حواصلهم الضيقة لتتسع لأكثر من ذلك. كما يجب أن يذكروا أن مصر بلد الأزهر الشريف ما زالت إلى اليوم الأحكام الشرعية -غير الشخصية- معطلة فيها. ومازال (كود) نابليون مصدر أحكامها إلى اليوم. وما زال الانتفاع بالمذاهب الإسلامية في القضاء -غير المذهب الحنفي- مهجورا كذلك إلا قليلا جداً.
نعم! إن مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية وليس مسؤولا في ذلك وحده وفي إمكانهم أن يسترجعوها متى شاءوا وكيفما شاءوا ولكنه رجع لهم حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض. وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع، وهو وحده كان مبعثه ومصدره. ثم إخوانه المخلصون. فأما الذين رفضوا الأحكام الشرعية إلى (كود) نابليون فماذا أعطوا أمتهم؟ وماذا قال علماؤهم؟.
(4/216)

فرحم الله مصطفى ورجح ميزان حسناته في الموازين، وتقبل إحسانه في المحسنين.
وإلى الأمة التركية الشقيقة الكريمة الماجدة، التي لنا فيها حفدة وأخوال، والتي تربطنا بها أواصر الدين والدم والتاريخ والجوار، والتي تذكر الجزائر أيامها بالجميل، وترى شخصها دائما ماثلا فيما تركت لها من مساجد ومعاهد للدين الشريف. والشرع الجليل، إلى تركيا العزيزة نرفع تعازي الجزائر كلها مشاركين لها في مصابها راجين لها الخلف الصالح من أبنائها، ومزيد التقدم في حاضرها ومستقبلها.
وإلى هذا فنحن نهنيها برئيس جمهوريتها الجديد عصمت إينونو، بطل (إينونو) ومؤتمر لوزان وثني مصطفى كمال. وأن في إجماعها على انتخابه لدليلا على ما بلغته تركيا الكريمة من الرشد في الحياة الذي تبلغ به- إن شاء الله- من السعادة والكمال. ما يناسب مجدها القدموس، وتاريخها الحافل بأعاظم الرجال، وجلائل الأعمال (1).
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ش: ج 9، 14، ص 130 - 134. غرة رمضان 1357ه - نوفمبر 1938م.
(4/217)

آثار ابن باديس
قسم القصص الديني والتاريخي (1)
__________
(1) كان يجعل عنوان هذه القصص تارة "القصص الديني" وأخرى "قصة الشهر".
(4/219)

{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}

محاورة الرشيد
مع محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة
((نروي هذه القصة ليرى القارىء كيف كان علماء السلف يعتزون بعلمهم أمام ذوي القوة والسلطان، وكيف كان الخلفاء يستشيرون أهل العلم عملا بأصل الشورى الذي قرره الإسلام. ونرى التسامح الديني في علماء المسلمين الذين يمتازون به في أيام دولتهم عن جميع علماء الملل، فقد أنقذ محمد بن الحسن نصارى بني تغلب بإشارته من بطش الرشيد وقرر لهم حريتهم الدينية في تعميد أبنائهم. هذا أيام كانت الأمم الأخرى لا ترى لمخالفيها- بتدبير أحبارها ورهبانها- إلا السيف والنار)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ

قال أبو عبيد- يعني القاسم بن سلام-: كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد فقام الناس كلُّهم إلاَّ محمد بن الحسن فإنه لم يقم، ودخل الخليفة ودخل الناس من أصحابه، فأمهل الرشيد يسيرأ ثم خرج الاَذن، فقام محمد بن الحسن فجزع أصحابه له، فأدخل فأمهل، ثم خرج طيب النفس مسرورأ ثم قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟ فقلت: كرهت أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم، فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة منه، وان ابن عمك- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار»، وأنه إنما أراد بذلك العلماء. فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتباعا للسنة التى عنكم أخذت فهو زين لكم! قال: صدقت
(4/221)

يا محمد. ثم شاورني نقال: إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على أن لا ينصروا أولادهم، وقد نصروا أبناءهم وحلت بذلك دماؤهم، فما ترى؟ قلت: إن عمر أمرهم بذلك، وقد نصروا أولادهم بعد عمر، واحتمل ذلك عثمان وابن عمك- يعني علياً-، وكان من العلم بما لا خفاء به عليك وجرت بذلك السنن. فهذا صلح من الخلفاء بعده، ولا شيء يلحقك في ذلك. وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلى.
قال: لا -يعني لا ننقض صلحهم (1) - ولكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله.
إن الله جل اسمه أمر نبيه بالمشورة تماماً لما به من الأخلاق التي جعلها الله له، فكان يشاور في أمره فيأتيه جبريل بتوفيق الله. ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك، ومر أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك. قال: فخرج له مال كثير ففرقه (2).
__________
(1) روى القصة مسندة الجصاص في الأحكام.
(2) ش: ج 1، م 5، ص 15/ 16 غرة رمضان 1347ه فيفري 1929م.
(4/222)

الخنساء وبنوها
أثر الإسلام في النفوس
ــــــــــــــــــــــــــــــ
من يجهل بكاء الخنساء على صخرها؟ فقدضربت العرب بحزنها عليه الأمثال، وشعرها الخالد من أبلغ ما قالته العرب في مرارة اللوعة البالغة، وتحرق العاطفة الشديدة. وقد كانت الخنساء قبل أن تصاب تقول البيتين والثلاثة، فلما أصيبت بفقد أخيها عمر، ثم بفقد أخيها صخر، الذي أنساها ما قبله، اندفعت بعوامل الحزن فأكثرت من الشعر وأجادت.
هذه المرأة التي بلغ بها الحزن على فقد أخوتها في الجاهلية ما بلغ، وانتهى بها الجزع إلى ما انتهى، عادت في إسلامها تقدم أبناءها، أفلاذ كبدها، الأربعة إلى الموت، وتحثهم على خوض غماره، وتحمد الله أن قتلوا كلهم في مشهد واحد، وتصبر محتسبة مصابها لله، مصدقة بوعوده.
أين إخوان من أربعة أبناء؟ وما ذلك الجزع عن ذينك وهذا الصبر عن هؤلاء؟ وما الذي قلب طباع هذه النفس من جزوعة مضطربة إلى مطمئنة راضية؟ هو -والله- الإسلام، الإسلام الصحيح كما جاء به محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- ديناً فطرياً، فأثر في فطر معتنقيه من العرب الأميين. وإذا لم يؤثر في أقوام مثل هذا التأثير فلأنهم فهموه فهماً معكوساً، أو لبسوه لبساً مقلوباً. ولا وربك لا تتأثر به فطر معتنقيه في كل عهد إلا إذا تناولوه على فطرته في ذلك العهد كما تناوله سلفهم الأولون.
• • •
(4/223)

قدمت الخنساء بنت عمرو بن الشريد على رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- مع قومها من بني سُلَيْم فأسلمت معهم، فذكروا أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- كان يستنشدها فَيُعْجِبُه شعرها وكانت تُنْشِده وهو يقول: هيه يا خُنَاس، ويومىء بيده. وهاك قصتها مع بنيها ملخصة باختصار من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر (1):
"حضرت حرب القادسية ومعها بنوها، أربعة رجال، فجمعتهم ليلة الوقعة وقالت لهم: يا بني، أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خُنْت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجَّنْت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وذكرتهم بآيات الوعد بجزيل الثواب، للصابرين في مواطن الضراب. وقالت لهم: فإن أصبحتم غدا- إن شاء الله- سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوِّكم مستبصرين، فإذا رأيتم الحرب شمَّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على ساقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالخلد (2) والكرامة، في دار الخلد والمقامة.
فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم وباشروا القتال واحداً بعد واحد، حتى قتلوا كلهم، وكل واحد أنشد قبل أن يستشهد رجزاً:

فأنشد الأول:
لا إخوتي إن العجوز النَاصِحَة … قد نصحتنا إذ دَعَتنا البارحة
مقالة ذات بيان واضحة … فباكِرُوا الحرب الضروس الكالحة
وإنما تَلقَوْنَ عند الصائحة … من آل ساسان الكلابَ النابحة
__________
(1) الإستيعاب 4/ 1827، وانظر خزانة الأدب 1/ 395.
(2) في الإستيعاب 1828: (بالغنم).
(4/224)

قد أيقنوا منكم بوَقع الجائحة … وأنتم بين حياةٍ صالحة
أو ميتة تورثُ غنما رابحة

وأنشد الثاني:
إنَّ العجوزَ ذات حَزْم وجلد … والنظر الأوفق والرأي السدد
وقد أمَرَتتَا بالسداد والرشد … نصيحة منها وبِرًّا بالولد
فباكِروا الحرب حماة في العدد … إمَّا لِفَوْزِ بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم عِزُّ الأَبَدْ … في جنة الفِرْدَوْس والعيش الرغد

وأنشد الثالث:
والله لا نَعصى العجوزَ حَرْفاً … قد أمَرتنا حرباً وعطفاً
نًصْحاً وبرَّا صادقاً ولطفا … فبادروا الحربَ الضروسَ زَحفا
حتى تلفوا آلَ كسرى لَفا … أو يكشفوكم عن حِمَاكم كَشْفا
إنا نرى التقصير منكم ضَعفا … والقتل فيكم نَجدة وزلفى

وأنشد الرابع:
لست لخنساء ولا للأخرم … ولا لعَمروٍ ذي السناء الأقدم
إن لم أردفي الجيش جيش الأعجم … ماض على الهول خِضَّم خضرم
إما لفَوْزٍ عاجل وَمغْنَم … أو لوفاةٍ في السبيل الأكرم
فلما بلغ الخبر الخنساء، أمهم قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني في مستقر رحمته" (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 5، ص 22 - 24 غرة شوال 1347ه - مارس 1929م.
(4/225)

كيف كان بناء الكعبة المشرفة

اليوم- وقد هوت أفئدة من استجيبت فيهم دعوة إبراهيم - عليه السلام- إلى حج بيت الله الحرام - ننشر لقراء الشهاب قصة بناء البيت كما أخرجها أهل الصحيح عن ابن عباس- رضي الله عنهما - كما تلقاه من النبي- صلى الله عليه وآله وسلم:
وفي هذه القصة بيان، أصل بناء البيت المحرم وحفر زمزم، وبيان ما يذكر به السعي من سعي هاجر، وما يذكر به الطواف من طواف إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام-
لبناء البيت ورفع قواعده، وتذكير بما كان من إبراهيم وزوجه وابنه من سرعة الامتثال لأمر الله والصبر على البلاء فبم سبيله، وبما كان من حسن جزاء الله لهم على ذلك من البر المعجل والأثر الخالد، والذكر الباقي، والثواب المدخر الجزيل.
وفي ذلك كله آيات لكل صبار شكور.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
روي عن ابن عباس من طرق: أن أول من سعى بين الصفا والمروة أم إسماعيل، وأن أول من جرَّت الذيل أم إسماعيل، وذلك أنه لما فرَّت هاجر من سارة أرخت ذيلها لتعفو أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم، في أعلى المسجد. وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء. فوضعها هنالك ووضع عندها جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم منطلقا. فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ قالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت: ألله أمرك بهذا؟
(4/226)

قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا الله. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ (حتى بلغ) يَشْكُرُونَ}.
وجعلت أم اسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال يتلظى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الوادي، رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحد! فعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: فلذلك سعى الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها. ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت من الماء في سقائها وهو يفور بقدر ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: يرحم الله أم إسماعيل لو تركت ماء زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا. قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله. وكانت البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، وكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جِرْهم مقبلين من طريق كِداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائقاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن
(4/227)

ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-، فألفت ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم، وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوَّجوه امرأة فيهم. وماتت أم اسماعيل فجاء إبراهم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر في ضيق وشدة. وشكت إليه، قال: أفإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام، وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته، أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن اقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، إلحقي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم تجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم، وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ فقالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: لم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه. قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته إنَّا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم،
(4/228)

هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذلك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك؟ قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. قال: فجعلا يبنيان حتى تدور حول البيت وهما يقولان: ربنا تقبل منا (الآية) (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 5، ص 22 - 24 غرة ذي القعدة 1347ه، أبريل 1929م.
(4/229)

ملك العرب

((كان لقصة بناء الكعبة التي نشرناها بالجزء الماضي بمناسبة أشهر الحج أحسن موقع عند القراء، فرأينا أن نتبعها بقصة من نوعها لمثل مناسبتها، هي صفحة من تاريخ الملك العربي السلفي عبد العزيز آل سعود، الذي شرفه الله بخدمة ذلك البيت العظيم في هذا العهد، ومد تعالى بملكه رواق الأمن والعدل والتهذيب والدين الخالص عن ربوع الحجاز أرض الحرمين الشريفين. وأن في نهضة هذا الملك العظيم وفي حياته وصفاته لدرسا عميقا ومجالا واسعا للعبرة والتفكير.
كتب هذه المقالة التاريخية كاتب شهير في عالم الصحافة الألمانية، وهو الأستاذ ليوبولد وايس ألماني، أسلم منذ أعوام وتسمى باسم محمد أسد الله، وهو الآن يقيم بالحجاز، ونشرتها له جريدة ((الشورى)) الغراء فنقلناها عنها)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أدعو ملك العرب صديقي، وإن كان ملكا وكنت مجرد صحافي، وليس سبب ذلك أنه مثلا أطلعني على مكنون فؤاده، فهذا ما لا يفعله قط، وليس سببه أيضا أنه أراني قلبا كريما وأبدى نحوي وداً صحيحا في مدى العامين الذين قضيتهما في بلاد العرب، واللذين لم يخلوا من ألم، فإنه يبدي العطف والود نحو الجميع، فليفهم القارىء ما أقوله تمام الفهم، فإني لا أزعم إن عبد العزيز بن السعود يدعوني صديقه، ولكني أعده صديقي، ويغريني بذلك أمر بسيط وهو طيبة الرجل، ولست أقصد أنه طيب القلب فهذا شيء رخيص، ولكنه يوصف بالطيبة
(4/230)

كما يوصف بها مثلا سلاح من صنع ولدف (1) بأنه طيب يعجب به، لأنه جمع كل الصفات التي تنشد في مثله. وعلى هذا المعنى أقول: إن ابن سعود رجل طيب. وهو عميق الغور يميل للوحدة ولا يتبع في أعماله سوى الدوافع المنبعثة من أعماق نفسه، وقد يخطيء فيما يفعله ولكنه لا يخطيء قط الرغبة في الشرف أمام ضميره، فهو ملك على نفسه قبل أن يكون ملكا على العرب.
ولد عبد العزيز بن سعود قبل خمسين سنة تقريبا في الرياض (وسط بلاد العرب) وهو وليد فرع من الأسرة المالكة التي أخضعت لحكمها جزءاً كبيراً من شبه جزيرة العرب، ثم أخذت في الاضمحلال حتى اضطرت في آخر الأمر إلى أن تنزل عن البقية الباقية من ملكها إلى أسرة ابن رشيد التي كانت قديما من اتباعها والتي نشأت في حايل (في شمال بلاد العرب). وكان ابن سعود إذ ذاك في باكورة طفولته ونشأ في كبريائه وتحفظه، وهو يرى أميرا أجنبيا يحكم الرياض مسقط رؤوس آبائه نائبا عن ابن رشيد، ومكث عبد العزيز بن سعود وذووه يعيشون من راتب تفضل به ابن رشيد عليهم، يحتملهم ولا يكاد يخشى من جانبهم ضرا. ولكن ذلك شق على عبد الرحمن والد عبد العزيز رغم ميله إلى السكون، فهاجر مع أولاده وما يملكه إلى الكويت ليقضي بقية حياته في بيت سلطانها. وكانت بينهما مودة ولكنه لم يكن يدري شيئا عن مستقبل ولده والميول التي تجيش في صدره.
ولعل أحداً من الناس لم يتبين قلب عبد العزيز في عاطفته وخفقه، ولم يدرك شيئا من طموح نفسه وعظمة مستقبله إلا عمته العجوز، والظاهر أنها كانت تحبه كثيرا وترعاه وهو صغير فإذا ألفت نفسها في
__________
(1) بلدة بالأندلس مشهورة قديما بصنع أجود السلاح وذلك في أيام العرب.
(4/231)

خلوة معه أحتضنته، وأخذت تحدثه بعظائم الأمور التي يجدر به أن يقوم بها ذات يوم، وكانت لا تفتأ تقول له وهي تدلّله: "ينبغي لك أن تصير رجلا عظيما". وقد مكثت هذه الكلمة في نفس الطفل في حياة ونماء حتى أمست كالنار في رأس العلم.
ثم بدأت وحدته وهو في الكويت، فإنه وهو لا يزال ولداً، نما جسمه سريعا وسبق طوله سنه، وهو مع ذلك رفيع القامة، فجعل أولاد الناحية يسخرون منه ويهزأون منه ويهزأون به، وكان يستحي من طول قامته الذي جعله هدف الأنظار، وكان يخفض من رأسه حتى يبدو أقصر من حقيقته حين يمشي في شوارع الكويت، أو في غرف القصر المكتظة بالناس، وكان يؤلمه أن يكون شاذا في الوسط المحيط به، ولكن لم يجد سبيلا للتوفيق بينه وبين هذا الوسط، لأن اختلافه عنه لم يكن في مظهره وحده، ولقد غلبه القدر وخلق له قلقا واضطرابا.
ولكنه أدرك ذلك تدريجا بما لديه من شعور الشباب، وانبثت كبرياؤه في نفسه، وأخذ ينظر إلى ما فوق ذلك الوسط، وجاء إلى أبيه يقول له: "كيف تصبر على تحكم آل ابن رشيد في وطنك؟ أحمل عليهم وأجلهم عن ديارك فإنك أنت وحدك صاحب الحق في الرياض" ولنذكر هنا أنَّ ابن رشيد كان في ذلك الوقت أقوى عاهل في شبه جزيرة العرب، وكانت دولته تمتد من صحراء سوريا بادية الشام- حماه إلى الربع الخالي: وكانت جميع قبائل البدو ترتعش خوفا من قبضته الحديدية. فلا عجب بعد ذلك إذا رد عبد الرحمن وهو في سنه المتقدمة به، وفي منفاه وضعفه، مطلب ابنه على أنه خيال لا يمكن تحقيقه. وقد مضت أعوام على ذلك، وكانت عاطفة الإبن فيها أشد وأقوى من جمود الوالد. فرضخ عبد الرحمن في آخر الأمر واستعان بصديقه سلطان الكويت على جمع بعض قبائل بدوية باقية على الولاء له وخرج، كعادة العرب في الغزوة بالهجن والأعلام والبنادق، وهاجم
(4/232)

ابن رشيد. ولكنه لم يلبث حتى هزم وارتد إلى الكويت. ولعله كان مرتاحا في قرار نفسه إلى هذه النتيجة، وأنبأ ابنه أنه لا فائدة من أمثال تلك المحاولة، وأنه يريد أن يقضي بقية حياته في سكون ولا يطلب حقه في عرش نجد.
بيد أن ابنه عبد العزيز لم ينزل عن حقه فدعا أصدقاءه إليه، وجمع بعض البدو والذين يعول عليهم. ولما صارت جماعته أربعين رجلا خرجوا من الكويت خفية، كإحدى عصابات اللصوص، ودون اعلام أو أناشيد، وجعلوا يسيرون ليلا مسرعين متجنبين سبل القوافل المطروقة، حتى بلغوا مقربة من الرياض فعسكروا في واد منعزل. وفي ذلك اليوم نفسه اختار ابن سعود خمسة من الأربعين وخطب الباقين قائلا: "لقد وضعنا مصيرنا بين يدي الله، وسنذهب نحن الستة إلى الرياض، فإما استحوذنا عليها وإما فقدناها إلى الأبد، فإذا سمعتم صوب الحرب في المدينة فلتبادروا إلى عوننا. أما إذا لم تسمعوا شيئا منا حتى مغرب الغد فاعلموا أننا متنا إلى رحمة الله، وعودوا إلى الكويت سرا بالطريق الذي أتينا به".
وكذلك سار الستة على أقدامهم حتى بلغوا الرياض عند ابتداء الليل، ودخلوها من منفذ أسوارها كان ابن رشيد قد أمر بثقبه في نشوة انتصاره على المدينة، ومشوا قدما وأسلحتهم مخبأة تحت أرديتهم إلى أن وصلوا لبيت الأمير من قبل آل الرشيد (1)، وكان مغلقاً لأن الأمير اعتاد على قضاء الليل في الحصن المقابل للبيت خوفا من أهالي المدينة التي دانت له، فقرعوا الباب وفتحه أحد العبيد، فتغلبوا عليه دون جلبة وشدوا وثاقه، وكذلك فعلوا بغيره ممن كانوا في البيت إذ ذاك، ولم يكونوا إلا بعض الرقيق والنساء. ثم جعل الستة
__________
(1) اسمه عجلان.
(4/233)

يترقبون انبثاق الفجر وقضوا بقية الليل في قراءة القرآن لكي يبعث في قلوبهم قوة على أداء عملهم.
وفي الصباح فتحت أبواب الحصن وخرج الأمير يحيط به عدد من الخدم والأرقاء مسلحين، فاندفع ابن سعود ورفاقه الخمسة شاهرين سيوفهم هاتفين باسم ابن سعود وباغتوا الأمير وحراسه، ورمى عبد الله بن جلوى ابن عم عبد العزيز (وهو الآن أمير الحسا) بحربته (شلفته) نحو الأمير، ولكن هذا انحنى في اللحظة المناسبة وثقبت حائط الحصن في قوة هائلة ولا تزال عالقة به حتى اليوم. وقد فر الأمير إلى باب الحصن، وبينما يتبعه عبد الله إلى داخله هجم ابن سعود ورفاقه بسيوفهم المشهورة على حاشية الأمير، فلم تكد تدافع عن نفسها رغم تفوقها في العدد، لفرط الذعر الذي استولى عليها من هذه المباغتة.
وهنا بدأ الأمير فوق سطح الحصن صارخا، وقد سد عليه عبد الله بن جلوى المسالك، وكان يطلب منه الرحمة حتى سقط أخيراً عند حافة السقف منهوك القوى، وتلقى طعنة مميتة في عنقه. وكان ابن سعود يصيح في اللحظة نفسها: "إليَّ يا رجال الرياض. ها أنا ذا عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود أميركم صاحب الحق عليكم".
وكان رجال الرياض يمقتون مرهقيهم من أهل الشمال من أعماق قلوبهم، فلبوا النداء وجاءوا بأسلحتهم وركب رفاق ابن سعود الخمسة والثلاثون فاقتحموا أبواب المدينة يزيحون كل شيء أمامهم كالريح العاتية، وبعد ساعة واحدة صار ابن سعود سيد المدينة دون منازع.
وكان ذلك في سنة 1901م وبه ينتهي دور الشباب من حياة ابن سعود وبدأ الدور الثاني الخاص برجولته وإمارته.
وبعد ذلك شرع ابن سعود في فتوحاته وفق خطة منظمة وقد برهن على أنه لا يشبه غزاة العرب في شيء، فإن اتساع ملكه كان يجري
(4/234)

تبعا لنظام محدود، وكان ثمة أركان حرب وخريطة حربية كما في الغرب. ولكنه شخص ابن سعود كان وحده أركان الحرب، ثم إنه لم يكن قد رأى خريطة حربية من قبل له، وقد اتخذت فتوحاته شكل حركة حلزونية تبدأ من مركز لا يتبدل وهو الرياض. وكان لا يخطو خطوة إلى الأمام إلا بعد أن يؤمن ما سبق فتحه ويوطد فيه موقفه من الوجهة الحربية. وعلى ذلك احتل بالتدريج كل الأقاليم التي في شرق الرياض وشمالها. ثم استولى في سنة 1904 على إقليم القصيم، وبه عنيزة وبريدة، وهو إقليم ذو ثروة وتجارة هامة.
ثم أخضع منطقة الأحراش التي في الغرب، والتي يسكن الجزء الأكبر منها قبائل عتيبة الكثيرة العدد. وفي سنة 1914 أقدم على مهاجمة إقليم الحسا على خليج العجم، وكان في الأيام الماضية تابعا لنجد، ولكنه وقع في أيدي الأتراك منذ خمسين عاما حين اضمحلت أسرة ابن سعود، وقد استحوذ على قاعدته الهفوف بعد قتال قصير، ووطد سلطته فيه. وأرادت الحكومة العثمانية أن تبعث إليه خطبة أدبية ولكن نشوب الحرب العالمية حال دون ذلك. وفي سنة 1921م سقط في يده جبل شمر ومدينة حايل، مهبط أسرة ابن رشيد. وبهذا فقدوا آخر عماد لملكهم ويئسوا من حكم بلاد العرب يأسا قد يكون إلى الأبد. وبين سنتي 1924 و1925م توج فتوحاته بالاستيلاء على الحجاز بما فيه مكة والمدينة وجدة وضمه إلى مملكته الواسعة.
إن ابن سعود ما كان يكتفي بإخضاع الشعوب مثل غزاة الشرق القدماء، ولكنه في فتوحاته يكوِّن (دولة) وينظر إلى جميع أجزائها كأنها أخوة متساوية الحقوق ما دامت تخلص الرغبة في التعاون، وهو يسعى دائما لأن يكسب الود الخالص ممن يقهرهم وأن يرغمهم على محبته، إذ يريهم أنه لا يهتم بمصالحهم أقل من اهتمامه بأهل موطنه. ولم يفعل ذلك حاكم عربي غيره منذ عهد الخليفة العظيم
(4/235)

عمر بن الخطاب. وهو منذ زمن بعيد لا يعد رجلا من الرياض بل تخطى روابط القبائل الضيقة المدى وصار رجل الجميع.
وقد عرف كيف ينمو في داخل نفسه مع نمو سلطانه. وهو لم يخرج قط من بلاد العرب ولا يعرف فوق وطنه غير البحرين والكويت والبصرة، ولا يدري من اللغات غير اللغة العربية، ولم يقرأ من الكتاب إلا الدينية منها وبعض كتب التاريخ العربية. ولكنه رغم كل ذلك يمتد بصره إلى مدى لم يماثله فيه ملك عربي من قبل فهو يعرف أحوال البلاد الإسلامية في العصر الحاضر خير معرفة، يعرف مثلا الأحزاب السياسية في مصر أو جاوه أو الهند، كما يقف على شؤونها والرجال المشتغلين بالسياسة في هذه البلاد. وهو يفهم المستحدثات الهندسية في الغرب كالطيران أو التلغراف اللاسلكي كما يفهمها الغربيون ويستحسنها كذلك وإن كان كثير من العرب ومن المتعلمين فيهم يعدونها من السِّحْر.
ولا يزال ابن سعود مع ذلك مسلما قوي الإيمان، وأساس اعتقاده أن كل ما يحدث من الله، ولذلك يمثل الرأي القائل بأن كل تقدم في الأمور المادية لا فائدة منه إذا لم يصحبه التعمق في العقيدة. فمن الطبيعي أن يبني حكمه على القواعد الدينية. وابن سعود يعتنق معتقدات (الوهابية) وهي حركة إصلاح في الإسلام ترجع إلى العلامة النجدي العظيم (محمد بن عبد الوهاب) الذي عاش في بداءة القرن الثامن عشر.
وترمي إلى تطهير الإسلام من جميع البدع والخرافات التي لصقت به مع مر الزمن والسمو به عن عبادة الأولياء. والوهابية أشد طوائف الإسلام ومبدؤها الأعلى أن على المؤمنين أن يتمثلوا في البساطة والنظام.
والواقع أن الغربيين يجهلون الإسلام لأنهم يحكمون عليه تبعا
(4/236)

لأحوال أكثر البلاد الإسلامية في العصر الحاضر كما تبدو لهم، ولكن الإسلام في تلك البلاد تغير عن أصله، منذ وقت طويل إذ غطته طبقة من الخرافات غير المعقولة، ودخل فيه تقديس الأولياء والقبور الذي يناقض أصل الدين، واعتوره الجمود وعدم الاكتراث اللذان لا تقرهما تعاليم محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- الأصلية الخالصة كما لا يعرفهما الغربيون الآن. وليس الإسلام هو السبب في انحطاط البلاد الإسلامية بل الحقيقة عكس ذلك تماما، فقد أفسد أهلها أصل الإسلام وهجروه دون أن يستطيعوا الإتيان بخير منه، وهكذا لبسهم الروح الشرقي العتيق. فهو المسؤول عن تدهور الشرق ولا يسأل الإسلام عن ذلك. ولو نفذ الإسلام بتمامه في نظام عملي متبع لأتى بمجتمع إنساني كامل لا احتكاك فيه ولا نقص مما لم يأت به أي نظام اجتماعي آخر. وفي الإمكان تحقيق ذلك من الوجهة العلمية لأن الإسلام يوافق على كل تقدم في المدنية والحضارة، ولأن تعاليمه لا تناقض الحقائق التي دلت عليها العلوم الحديثة.
وهذه الفكرة التي ترمي إلى تكوين دولة إسلامية صحيحة تكون الأولى في نوعها منذ عهد الصحابة، هي الدافع لابن السعود في جميع أعماله، وهو لا يخدم نفسه ولكن يخدم فكرته ولذلك لا ينظر إلى نفسه إلا خلف عمله وهو من هذه الوجهة حاكم عصري يختلف جد الاختلاف عن سلاطين الشرق الذين يعتبرون شعوبهم كلها مجرد خدم لأشخاصهم، ولا شك أن الأجنبي الذي يرى ابن سعود لأول مرة يبتسم لبساطة هذا الملك وعدم تمدنه، إذ يبصره في ثوب عادي في غرفة ذات أثاث غير أنيق، وإذ يشهده يقوم لكل قادم ويمد يده لتحيته، وإن كان بدويا من أفقر البدو، ويأكل طعامه في حضرة وزرائه وكتابه وسائق سياراته ولكن الابتسامة لا تلبث حتى تفارق ثغر الأجنبي حين يدرس رأس هذا الرجل ويدرك العظمة الحقة الماثلة في تلك البساطة.
(4/237)

بدأ ابن سعود عمله في تشديد الأمن العام في بلاده، بواسطة القوانين الصارمة وحملات التأديب القاسية. ومن قبله كانت شبه جزيرة العرب كلها شبكة من اللصوص وكانت قبائل البدو يشن بعضها الغارة على بعض وتنهب القوافل وكانت الطرق غير آمنة، فلما جاء ابن سعود حرم على البدو أن يتقاتلوا وأمر بأن تحل الخلافات بين القبائل بقضائه أو قضاء أمرائه فيها وجعل المجرمين يشعرون بكل ما في الشريعة من شدة، فالقاتل يضرب عنقه والسارق تقطع يده اليمنى، والسارق الذي يستعين بسلاح تقطع يده اليمنى وقدمه اليسرى، وقد أجدى ذلك بعض النفع، غير أن ابن سعود لم يلبث حتى أيقن أن الإكراه وحده لا يكفي ليجعل من الوحوش بشرا، فشرع يبث في نفوس شعبه أخلاق الإسلام وفضائله، وبعث بالمعلمين والوعاظ إلى مختلف القبائل ليعلموا البدو القراءة والكتابة ويحثوهم على التمسك بالدين وآدابه في عزم وإخلاص وكانت ثمرة ذلك صغيرة في السنوات الأولى، ولكنها نمت تدريجا وأينعت وأتت أكلها. وهكذا تمت في بلاد العرب إحدى الغرائب وأصبحت مملكة ابن سعود ومساحتها مثل مساحة ألمانيا وفرانسا وإيطاليا معا، وفيها الأمن العام مستتب بشكل لا يوجد في أية دولة متمدنة من الدول الغربية، والآن يستطيع كل شخص أن يسافر بمفرده في الصحراوات الواسعة وسط بلاد العرب دون أن يحمل سلاحا أصلا وإن كان يحمل الأثقال من الذهب فلا يصيبه ضر أو أذى. وقد كان الناس قبلا لا يقطعون تلك الجهات إلا جماعات مسلحين. وقد هدأت الحروب وامتنعت المعارك بين القبائل التي في مملكة ابن سعود مع أنها كانت من قبل من الحوادث التي تحدث كل يوم ولكنها لم تنقطع في سوريا أو العراق اللذين تحكمهما دول غربية متمدنة.
بيد أن ابن سعود لم يقنع بكل ذلك بل وضع عمله لتحضير البلاد على أساس أكبر، وكان منذ خمس عشرة سنة قد شرع يفكر في
(4/238)

إستيطان البدو إذ اتضح له أن تنقل القبائل من جهة إلى أخرى كل حين يمنع تقدم المدنية بينها ويحول دون ما هو أهم من ذلك عنده وهو تمكين الدين من نفوسها. وعلى ذلك أخذ يبث هذه الفكرة في البدو ولم تكن بلاد العرب تعرفها من قبل. وقد نجح في هذا نجاحا أكبر مما ارتقبه، بدأت القبائل واحدة إثر أخرى تدرك فائدة المعيشة المستقرة في ناحية معلومة، ومنحت أراضي ثابتة الحدود لتسكنها وبنت فيها البيوت وخططت القرى وزرعت النخل، وقد أعانها الملك بكل أنواع العون في دور انتقالها من حياة القرى والرعاة الرحالة إلى حياة الزراع، إذ أعطاها الأموال والغذاء والبذور، ولا يزال يبذل هذا العون للقبائل الأخرى التي تختار الاستقرار. والآن وقد مضت خمس عشرة سنة على هذه الحركة تستطيع أن تقدر على وجه التقريب عدد البدو من أهل نجد الذين استوطنوا الأراضي وتركوا حياة الرحالة بثلث مجموعهم. ولا تزال هذه الحركة سائرة في طريقها في جد وحزم.
ولا شك أن هذا العمل الذي يقوم به ابن سعود سوف تقدر أهميته من وجهة الحضارة وأن التاريخ سوف يفرد لهذا الملك صفحة بين صفحات العظماء الذين خطوا بالإنسانية خطوات إلى الأمام.
وهؤلاء المستقرون الذين كانوا منذ جيل واحد لصوصا لا ضمائر لهم قد شعروا يحسون تدريجا أنهم حاملو علم تقدم عظيم، وقد أثار التعليم الديني الذي أتاهم ابن سعود به عاطفة إطلاق الدين المتغلغلة في نفوس العرب، وأدركوا أن دولة إسلامية في دور النشوء في بلادهم وأن عليهم أن يضعوا لها الأعمدة والأسس، وكذلك أصبحوا أصدق النصراء للإسلام بعد أن كانوا لا يعلمون إلا قشورا منه، وصاروا ينظرون إلى نجد نظرتهم إلى معقل الإسلام، وأنهم لمحقون في ذلك. وقد تركوا اعتبارات العصبية المحدودة وسموا أنفسهم (إخوانا) أي إخوان كل من يسلم قلبه لله دون قيد وشرط، واتخذوا شارتهم العمامة
(4/239)

البيضاء متمثلين بالنبي بعد أن تركوا العقال العربي المتورث من قديم الأزمان.
وللإخوان أهمية عظيمة بالنسبة لدولة ابن سعود لأنهم في حالة الحرب يتطوع منهم كل رجل قادر على القتال ويدخل في جيش ملكهم وملء قلبه النخوة والحماسة. وإذ أنهم يعتبرون أنفسهم الممثلين الصادقين للدين الحق ولا يقاتلون إلا في سبيله. فحربهم إذن هي حرب دينية، ومن تعاليم الإسلام أن خير ميتة يموتها المسلم وسط الجهاد في سبيله، ولذلك لا يرهب الإخوان الموت بل يرحبون به، ولكن دون أن يزدروا الحياة. وهم أكثر جيوش العالم شجاعة وصبرا وسرعة في الحركة. ولو مدوا بالأسلحة الهندسية الحديثة لاستطاعوا أن يفتتحوا دولا عظيمة. وهم في وقت السلم مشتتون في أنحاء البلاد ولكن إذا دعاهم الملك لم ينقض شهر واحد حتى يجتمعوا كلهم في المكان المعين لهم، وكل منهم آت على هجينه مسلحا بالأسلحة الحديثة التي غنمها ابن سعود في حروبه المختلفة وبالخناجر والسيوف. وكل مجاهد يحمل زاده معه وهو عبارة عن قليل من الأرز وحقيبة من البلح، ولا يعطيهم الملك أجرا ولكن يمنحهم الهدايا بين وقت وآخر، وإنما يعتمدون على الغنائم التي يغنمونها من الأعداء، وهذا الجيش المتطوع المتحمس القليل الكلفة يجعل ابن سعود أقوى من أي حاكم عربي قبله.
وهذا كله عمل رجل واحد هو عبد العزيز بن سعود ففي رأسه تنمو جميع الخطط وعلى كتفيه مهمة تنظيم مملكته الكبيرة وتنحصر مساعدة أمرائه- ومنهم رجال ذوو شخصيات كبيرة- في حسن تنفيذهم للخطط التي يضعها فهو وحده الذي يفكر ويعمل وكلهم أيد له وإنه ليحمل عبئا عظيما من العمل.
وهو يشتغل طوال اليوم من باكورة الصباح إلى قسط من الليل،
(4/240)

ما عدا فترات يقضيها في الصلاة وبرهات قصيرة يرتاح فيها بين أهله. وهو يتلقى كل يوم مئات الخطابات والتقارير ويقرأها بنفسه ويملي مئات من أمثالها على كتابه. ويفد عليه كل يوم كثير من البدو والوفود من أنحاء الدولة يعرضون عليه شكاواهم ورغباتهم ويتلقون منه أوامره وجميعهم ينزلون ضيوفا عليه طول مكثهم بالرياض، وهو يولم الولائم لنحو ألف نفس كل يوم، ويعطي كلا منهم عند رحيله ثوبا تبعا لعادة العرب وكذلك قطعة من النقود حسب مكانته. ونفقات الملك الشخصية جد قليلة لأنه لا يعرف الترف في حياته الخاصة وإنما له عدد من السيارات لا بد منها لحسن القيام بشؤون الحكم في هذه المملكة المترامية الأطراف. وابن سعود طويل القامة جدا ذو جمال رجولي وله جبهة عالية وأنف قليل الإنحناء وثغر صغير عليه شفتان ممتلئتان تدلان على الحماسة والذكاء في آن واحد. وكل من يراه دون فكرة سابقة عنه ويشهد ابتسامته العذبة لا بد أن يحبه. وقليل جدا من الناس في مملكته الكبيرة لا يحبونه.
لقد قارن البعض هذا الملك بنابليون ذات مرة. أما أنا فأفضل أن أقارنه بكيروس (1) كما وصفه لنا (كسينوفون) (2) في روايته "كيروبايديا" فإنه مثله حاكما متبصراً حكيماً يعمل لمصلحة شعبه لا لنفسه ويقدر الرجال حق قدرهم ويقرأ ما بقرار نفوسهم قبل أن ينطقوا ببنت شفة ويسعى دائما لإرضاء من يعملون معه فيعطيهم أكثر مما يرتقبونه، إذ يمنحهم الأمن على حياتهم، والهدايا الخالصة من القلب والحب لمن يستحقه. ولكن رغم كل ذلك يبقى ابن سعود وحيداً بينهم لأن له نفسية عالية.
__________
(1) هو كيروس الأكبر ملك العجم ومؤسسها.
(2) مؤرخ يوناني قديم مشهور من تلاميذ سقراط.
(4/241)

ان ابن سعود في وحدة عميقة وإن كان حوله أناس كثيرون لأنه ليس منهم أحد يستطيع أن يستشف ما وراء ابتساماته الساحرة أو ما وراء حركات يديه حين يتحدث في شؤون الدولة أو في مسائل الدين. ولا يدري أحد ماذا سيفعل غدا بل يحيط الظلام والإبهام بنواياه في المستقبل وإن كان يومه وأمسه شفافين لا سر فيهما.
وتلك وحدة العظماء الذين لا يقودهم في سبيلهم غير أذهانهم المتوقدة (1).
__________
(1) ش: ج 4 م ه، ص 25 - 36 غرة ذي الحجة 7431ه - ماي 1929م.
نقلنا هذا المقال نظرا لتعليق الأستاذ الإمام عليه واهتمامه بالحركة الوهابية.
(4/242)

مناظرة بين سلفي ومعتزلي
في مجلس الواثق

ان اختلاف الأفكار والطباع، مع اختلاط الأمم في الزمن الطويل- أدى بالفرق الإسلامية إلى كثير من الاختلاف. وكان من بين ذلك- لا محالة- بدع دينية في الاعتقادات والأعمال. وكل ذي بدعة- لا بد- معتقدا فيها صوابا، ومتلمساً لها دليلا.
ولا يقف بالجميع عند حد واحد، إلا دليل واحد. وهو إلتزام الصحيح الصريح مما كان عليه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وكان عليه أصحابه. فكل قول يراد به إثبات معنى ديني لم نجده في كلام أهل ذلك العصر نكون في سعة من رده وطرحه وإماتته وإعدامه، كما وسعهم عدمه. ولا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم. وكذلك كل فعل ديني لم نجده عندهم وكذلك كل عقيدة. فلا نقول في ديننا إلا ما قالوا، ولا نعتقد فيه إلا ما اعتقدوا ولا نعمل فيه إلا ما عملوا. ونسكت عما سكتوا. فهم- كما قال الشافعي في رسالته البغدادية-: "أدوا إلينا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- عاما وخاصا وعزما وإرشادا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم وأجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا".
ونرى كل فتنة كانت بين الفرق الإسلامية ناشئة عن مخالفة هذا الأصل. ومنها فتنة القول بخلق القرآن التي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(4/243)

نقلنا في المناظرة عليها القصة التالية عن كتاب ((الإعتصام)) للإمام الشاطبي. وقد كان الفلج فيها لمن التزم هذا الأصل على من خالفه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ذكر أبو اسحاق الشاطبي إن هذه القصة حكاها المسعودي، وحكاها الاجري- في كتاب الشريحة- بأبسط مما ذكره المسعودي. ونقلها هو عن المسعودي- قال- مع إصلاح بعض الألفاظ. قال (1):
"ذكر صالح بن علي الهاشمي قال: حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدي للمظالم، فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته، فأقبلت أرمقه ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رفع طرفه إليَّ أطرقت، فكأنه علم ما في نفسي.
فقال لي: ياصالح، أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن تذكره - قال- فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأمسك. فلما فرغ من جلوسه أمر أن لا أبرح، ونهض فجلست جلوسا طويلا، فقمت إليه وهو على حصيرة الصلاة فقال لي: يا صالح، أتحدثني بما في نفسك؟ أم أحدثك؟ فقلت: بل هو من أمير المؤمنين أحسن.
فقال: كأنني بك وقد استحسنت من مجلسنا. فقلت: أي خليفة خليفتنا! إن لم يكن يقول بقول أبيه من القول بخلق القرآن. فقال المهتدي: قد كنت على ذلك برهة من الدهر، حتى أقدم عليَّ الواثق شيخاً من أهل الفقه والحديث من "أذنه" من الثغر الشامي، مقيداً طوالا، حسن الشيبة، فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عيني الواثق والرَّحمة عليه.
فقال (الواثق): يا شيخ، أجب أبا عبد الله أحمد بن دؤاد عما
__________
(1) الإعتصام 1/ 242 - 244.
(4/244)

يسألك عنه. فقال: يا أمير المؤمنين، أحمد يصغر ويضعف ويقل عند المناظرة؛ فرأيت الواثق وقد صار مكان الرحمة غضبا عليه. فقال: أبو عبد الله يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك؟ فقال: هوِّن عليك يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في كلامه؟ فقال له الواثق: قد أذنت لك.
فأقبل الشيخ على أحمد فقال: يا أحمد إلامَ دعوت الناس؟ فقال أحمد: إلى القول بخلق القرآن، فقال له الشيخ: مقالتك (1) هذه التي دعوت الناس إليها من القول بخلق القرآن أداخلة في الدين فلا يكون الدين تاما إلا بالقول بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: فرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- دعا الناس إليها أم تركهم؟ قال: لا. قال له: يعلمها أم لم يعلمها؟ قال علمها. قال: فلم دعوت الناس إلى ما لم يدعهم رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلبم- إليه وتركهم منه؟ فأمسك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة.
ثم قال له: أخبرني يا أحمد، قال الله تعالى في كتابه العزيز:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} " الآية. فقلت أنت: الدين لا يكون تاما إلا بمقالتك بخلق القرآن، فالله- تعالى عز وجل- صدق في تمامه وكماله أم أنت في نقصانك؟ فأمسك، فقال: يا أمير المؤمنين! هذه ثانية.
ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد، قال الله عز وجل:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}.
فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول الله
__________
(1) "ش": كلام الشيخ على مقالة ابن أبي دؤاد ينطبق على كل مقالة لم يدع إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس. وقام لها من بعده دعاة.
(4/245)

- صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الأمة أم لا؟ فأمسك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! وهذه ثالثة.
ثم قال بعد سىاعة: أخبرني يا أحمد لمَّا علم رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها: اتسع له عن أن أمسك عنهم أم لا؟ قال أحمد: بل اتسع له ذلك. فقال الشيخ: وكذلك لأبي بكر؟ وكذلك لعمر؟ وكذلك لعثمان؟ وكذلك لعلي؟ رحمة الله عليهم. قال: نعم. فصرف (الشيخ) وجهه إلى الواثق وقال: يا أمير المؤمنين! إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ولأصحابه فلا وسع الله علينا. فقال الواثق: نعم! لا وسع الله علينا إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ولأصحابه فلا وسع الله علينا.
ثم قال الواثق: إقطعوا قيوده، فلما فكت جاذب (1) عليها. فقال الواثق: دعوه. ثم قال يا شيخ لم جاذبت عليها؟ قال: لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليها، فإذا أخذتها أوصيت أن تجعل بين يدي (2) وكفني، ثم أقول: يا ربي! سل عبدك: لم قيدني ظلما وارتاع (3) بي أهلي؟ فبكى الواثق والشيخ وكل من حضر. ثم قال له الواثق: يا شيخ! إجملني في حلٍ. فقال: يا أمير المؤمنين! ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حلٍ إعظاما لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ولقرابتك منه. فتهلل وجه الواثق وسر. ثم قال له: أقم عندي آنس بك، فقال له: مكاني في ذلك الثغر أنفع، وأنا شيخ كبير، ولي حاجة. قال: سل كل ما بدا لك. قال: يأذن أمير المؤمنين في رجوعي إلى الموضع
__________
(1) "ش" أبى أن يتركها.
(2) كذا بالأصل والظاهر بين بدني وكفني.
(3) الصواب أراع أو روع.
(4/246)

الذي أخرجني منه هذا الظالم (1). قال: قد أذنت لك. وأمر له بجائزة فلم يقبلها (2)، فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة. وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها.
قال أبو إسحاق الشاطبي بعد نقل ما تقدم.
"فتأملوا هذه الحكاية ففيها عبرة لأولي الألباب. وانظروا كيف مأخذ الخصوم في إحجامهم (3) لخصومهم بالرد عليهم بكتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم-" (4).
__________
(1) يعني ابن أبي دؤاد.
(2) هذا قول المهتدي بعد تمام الحكاية.
(3) كذا بالأصل والظاهر إفحامهم.
(4) ش: ج 11، م 5، ص 24 - 28 غرة رجب 1348ه - ديسمبر 1929م.
(4/247)

هذه نعلي ونعل آبائي
محافظة الرشيد على زي قومه

((القومية والشخصية لهما مقومات ومميزات. والمحافظة عليهما والاعتزاز بهما مما جبل عليه الناس كما جبلوا على حب البقاء. لكن قد يطرأ على بعضهم سوء ظن فيهما لجهل أو ضعف، فيتخلى عنهما فيكون ذلك التخلي نذير الفناء، وفي القصة التالية نرى اعتزاز الرشيد بقوميته ومحافظته على مميزاتها حتى في أقل الأشياء كالنعل. وكان ذلك منه على قدر ما لديه من عظمة وقوة، وما عنده من علم بمجد قومه العرب الأكرمين)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الأصمعي: تصرفت بي الأسباب على باب الرشيد مؤملا الظفر به والوصول إليه، حتى صرت حديثا لبعض حرسه، فأني في بعض ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد إذ خرج أحد الخدم فقال: أما بالحضرة أحد يحسن الشعر؟ فقلت: الله أكبر، رب قيد مضيق قد حله التيسير، فقال لي الخادم: أدخل فلعلها أن تكون ليلة في صباحها الغنى ان فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين. فدخلت فواجهت الرشيد في مجلسه، والفضل بن يحيي إلى جانبه، فوقف بي الخادم حيث يسمع التسليم فسلمت فرد علي السلام ثم قال: يا غلام، أرحه ليفرخ روعه إن كان وجد للروعة حسا. فدنوت قليلا ثم قلت: يا أمير المؤمنين أضاءة مجدك وبهاء كرمك مجيران لمن نظر إليك من اعتراض أذية. فقال: أدن، فدنوت. فقال: أشاعر أم راوية؟ فقلت: راوية لكل ذي جد وهزل بعد أن يكون محسنا. فقال:
(4/248)

تالله ما رأيت ادعاء أعظم من هذا؟ فقلت: أنا على الميدان فأطلق من عناني يا أمير المؤمنين. فقال (قد أنصف القارة من راماها) ثم قال: ما المعنى بهذه الكلمة بديئا؟ فقلت: فيها قولان: القارة هي الحرة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة والملك إذ ذاك أبو حسان فوافق عسكره عسكر السغد فخرج فارس من السغد قد وضع سهمه في كبد قوسه، فقال: أين رماة الحرب؟ فقال العرب: قد أنصف القارة من راماها. فقال لي الرشيد: أصبت. ثم قال: أتروي لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئا؟ فقلت هما شاهدان لك بالقوافي، وأن غيبا عن بصرك بالأشخاص فأخرج من ثني فرشه رقعة ثم قال: انشدني:
…أَرَّقَنِي طَارِقُ هَمٍّ أَرَّقَا…
فمضيت فيها مضي الجواد في سنن ميدانه، تهدر بها أشداقي.
فلما صرت إلى مديحه لبني أمية ثنيت لساني إلى امتداحه لأبي العباس السفاح في قوله:
…"قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ"…
فلما رآني عدلت من أرجوزة إلى غيرها، قال: أعن حيرة أم عن عمدٍ؟ قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه، فيما وصف به جدك من مجده. فقال الفضل: أحسنت بارك الله فيك، مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس، فلما أتيت على آخرها قال الرشيد: أتروى كلمة عدي بن الرقاع:
عَرَفَ الدِّيَارَ تَوَهُّمَا فَاعْتَادَهَا … مِنْ بَعْدِ مَا شَمَلَ البِلَى أَبْلَادَهَا
قلت: نعم. قال: هات، فمضيت فيها حتى إذا صرت إلى وصف
(4/249)

الجمل قال لي الفضل: ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر في ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال له الرشيد: أسكت فالإبل هي التي أخرجتك من دارك واستلبت تاج ملكك ثم ماتت وعملت جلودها سياطا ضربت بها أنت وقومك. فقال الفضل: عوقبت على غير ذنب، فالحمد لله. فقال الرشيد: أخطأت، الحمد لله على النعم. ولو قلت: أستغفر الله، كنت مصيبا. ثم قال لي: إمض في أمرك فأنشدته حتى إذا بلغت إلى قول عدي:
تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ … قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا
إستوى جالسا ثم قال: أتحفط في هذا ذكرا؟ قلت: نعم. ذكرت الرواة أن الفرزدق قال: كنت في المجلس وجرير إلى جانبي، فلما ابتدأ عدي في قصيدته قلت لجرير: مسرا إليه نسخر من هذا الشامي؟ فلما ذقنا كلامه يئسنا منه، فلما قال:
تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ
وعدي كالمستريح قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلا؟ فقال الفرزدق يالكع، إنه يقول:
قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا
فقال عدي:
قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا
فقال جرير: أكان سمعك مخبوءاً في صدره. فقال له: أسكت شغلني سبك عن جيد الكلام فلما بلغ إلى قوله:
(4/250)

وَلَقَدْ أَرَادَ اللهُ أَنْ وَلاَّكَهَا … مِنْ أُمَّةٍ أَصْلَاحُهَا وَرَشَادُهَا
قال الرشيد: ما تراه حين أنشده هذا البيت؟ قلت: قال كذاك أراد الله فقال الرشيد: ما كان في جلالته ليقول هذا أحسبه، قال ما شاء الله. قلت: وكذا جاءت الرواية فلما أتيت على آخرها قال: أتروي لذي الرمة شيئا؟ قلت الأكثر، قال فماذا أراد بقوله:
مُمَرٍّ أَمَرَّتْ فَتْلَهُ أَسَدِيَّةٌ … ذِرَاعِيَّةٌ حَلَّالَةٌ بِالْمَصَانِعِ
قلت وصف حمار وحش اسمه بقل روضه، تواشجت أصوله وتشابكت فروعه من مطر سحابة كانت بنوء الأسد، ثم في الذراع من ذلك، فقال الرشيد: أرح فقد وجدناك ممتعا وعرفناك محسنا. ثم قال: أجد ملالة، ونهض وأخذ الخادم يصلح عقب النعل في رجله وكانت عربية، فقال الرشيد: عقرتني يا غلام، فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم إما أنها لو كانت سندية لما احتاجت إلى هذه الكلمة. فقال الرشيد: هذه نعلي ونعل آبائي، كم تعارض فلا تترك من جواب ممض. ثم قال: يا غلام، يؤمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل في ليلته هذه، ولا يجب في المستأنف. فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمر فيه غيره، لأمرت لك بمثل ما أمر لك، وقد أمرت لك به إلا ألف درهم، فتلق الخادم صباحا. قال الأصمعي: فما صليت من غد إلا وفي منزلي تسعة وخمسون ألف درهم (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 6، ص 104 - 106 غرة شوال 1348ه - مارس 1930م.
(4/251)

العامة المتعلمة
((إذا كانت المساجد معمورة بدروس العلم فإن العامة التي تنتاب تلك المساجد تكون من العلم على حظ وافر وتتكون منها طبقة مثقفة الفكر صحيحة العقيدة بصيرة بالدين فتكمل هي في نفوسها ولا تهمل- وقد عرفت العلم وذاقت حلاوته- تعليم أبنائها. وهكذا ينتشر العلم في الأمة ويكثر طلابه من أبنائها وتنفق سوقه فيها. أما أنا خلت المساجد من الدروس كما هو حالنا اليوم - في الغالب- فإن الأمة تعفى عن العلم والدين وتنقطع علاقتها به، وتبرد حرارة شوقها إليه، فتجسو نفسها وأبناءها وتمسي والدين فيها غريب.
وقد عرف أسلافنا - رحمهم الله تعالى- هذه الحقيقة فحبسوا لأحباس الطائلة على التدريس في المساجد، التدريس الديني الجامع بين العلم والتهذيب ولو دام ما أسسوه لكانت حالة عامتنا على غير ما نراها عليه اليوم.
وفيما يلي ننقل من (أحكام) الإمام ابن العربي قصة تبين ما كان عليه عامة بغداد من العلم أيام كانت مساجدها معمورة بالدروس. وكان العلم منتشرا في جميع طبقاتها)).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
"كان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام فكانت الكتب تأتي إليه من بلده فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحداً مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضاً من الطلب وعزم على الرحيل شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل وقرأ منها ما لو أنَّ واحدة منها يقرأها في وقت وصولها
(4/252)

ما تكن (1) بعدها من تحصيل حرف من العلم فحمد الله تعالى، ورحل على دابته قماشه وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان وتقدمه الكرى بالدابة وأقام هو على عامي يبتاع منه سفرته فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لعامي آخر أي قل، أما سمعت العالم يقول يعني الواعظ أن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة لقد اشتغل بالي بذلك منه منذ سمعته يقول، وظللت فيه متفكرا، ولو كان ذلك صحيحاً لما قال الله تعالى لأيوب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} وما الذي كان يمنعه من أن يقول حينئذ قل إن شاء الله سمعته يقول ذلك قلت بلد يكون العاميون به من العلم في هذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة لا أفعله أبداً واقتفى أثر الكرى وحلله من الكراء وصرف رحله وأقام بها حتى مات رحمه الله (2).
__________
(1) كذا في الأصل والصواب: ما تمكن.
(2) ش: ج 11، م 6، ص 692 - 693 غرة رجب 1349ه - ديسمبر 1930م.
(4/253)

النجاة من العطب بقليل من الأدب

خرج الإمام ابن العربي في صغره إلى المشرق مع أبيه وكاد البحر يوما يغرقهم وكاد الجوع والبرد بعد خروجهم من البحر أن يهلكهم لولا أن الله تعالى بسبب طريف أنقذهم. وقد قص الإمام ذلك في كتابه: ((ترتيب الرحلة)) ونقله عنه المقري في ((نفح الطيب)) ونقلناه عنه فيما يلي لما فيه من عجيب لطف الله ونفع المعرفة على كل حال في جميع المواطن قال الإمام:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
"وقد سبق في علم الله أن يعظم علينا البحر بزوله (1)، ويغرقنا في هوله، فخرجنا خروج الميت من القبور، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم. ونحن من السغب، على عطب، ومن العري، في أقبح زي، قد قذف زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها (2)، ودسمت الأدهان وبرها وجلدتها. فاحتزمناها أزرا، واشتملناها ألفافا (3) تمجنا الأنظار، وتخذلنا الأنصار. فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا، وأطعمنا الله على يديه وسقانا، وأكرم مثوانا وكسانا - بأمر حقير ضعيفه، وفن من العلم ظريف. وشرحه: أنا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه (4) فعل السامد (5) اللاه، فدنوت منه
__________
(1) الزول: العجب.
(2) المنيئة: الجلد أول ما يدبغ.
(3) الفاف: ج لف بمعنى الحزب والطائفة.
(4) الشطرنج.
(5) الغافل الساهي.
(4/254)

في تلك الأطمار، وسمح لي بياذقته (1) إذ كنت من الصغر في حد يسمح فيه للأغمار (2)، ووقفت بإزائهم، أنظر إلى تصرفهم من ورائهم-. إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة- في خلس البطالة مع غلبة الصبوة والجهالة فقلت للبياذقة: الأمير أعلم من صاحبه. فلمحوني شزرا وعظمت في أعينهم بعد أن كانت نزرا. وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام فاستدناني فدنوت منه وسألني هل لي بما هم فيه خبر، فقلت لي فيه بعض نظر، سيبدو لك ويظهر، حرك تلك القطعة ففعل كما أشرت وعارضه صاحبه كذلك فأمرته أن يحرك أخرى، وما زالت الحركات بينهم كذلك تترى، حتى هزمهم الأمير فقالوا ما أنت بصغير.
وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشداً:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه … وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
فقال لعن الله أبا الطيب أويشك الرب، فقلت له في الحال: ليس كما ظن صاحبك أيها الأمير إنما أراد بالرب ههنا الصاحب. يقول: ألذُّ الهوى ما كان المحب فيه من الوصال، وبلوغ الغرض من الآمال، على ريب، فهو في وقته كله على رجاء لما يؤمله، وتقاة لما يقطع به .. كما قال:
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا … فأين حلاوات الرسائل والكتب
وأخذنا نضيف إلى ذلك من الأغراض، في طرفي إبرام وانتقاض، ما حرك منهم إلى جهتي دواعي الانتهاض وأقبلوا يتعجبون مني،
__________
(1) البياذقة الرجالة والمراد خدمه وأتباعه.
(2) ج غمر غير المجرب.
(4/255)

ويسألونني كم سني، ويستكشفونني عني، فبقرت (1) لهم حديثي، وذكرت لهم نجيتي (2)، وأعلت الأمير أن أبي معي فاستدعاه وأقمنا الثلاثة (3) إلى مثواه فخلع علينا خلعه وأسبل علينا أدمعه (4)، وجاء كل خوان، بأفنان وألوان (5)، فانظر إلى هذا العلم (6) الذي هو إلى الجهل أقرب، مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب، كيف أنقذا من العطب، وهذا الذكر يرشدكم- إن عقلتم- إلى المطلب (7) اهـ.
__________
(1) فتحته ووسعته.
(2) ما بطن من أمري.
(3) هو وأبوه والأمير.
(4) أسال علينا خراته.
(5) ذكر هنا صاحب النفح أن الإمام وصف ما نالهم من كرم الأمير ولم يذكره هو.
(6) علم الشطرنج.
(7) هو الرغبة في العلم والحرص على تحصيله.
ش ج 2، م 7، ص 112 - 114 غرة شوال 1349ه، مارس 1931م.
(4/256)

أباة الضيم
يزيد بن المهلب

بيت المهلب من أكبر البيوت التي استقامت عليها دعائم ملك بني أمية، والمهلب هو الذي قطع دابر الخوارج عليهم بالعراق بعد ما كان قد أعياهم أمرهم. حتى قال الحجاج للمهلب- لما قدم عليه بعد الظفر وقد أجلسه معه وبالغ في إكرامه-: "يا أهل العراق أنتم عبيد المهلب". ولما قدم قدمته هذه ولى ابنه يزيد كرمان، ثم كانت ولايته على خراسان وفتح في خلافة سليمان بن عبد الملك دهستان وجرجان وطبرستان. ولما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز سجنه وطالبه بأموال كان كاتب عليها سليمان فأنكرها ومكث في السجن حتى هرب منه قبل وفاة عمر بقليل خوفا من أن يقع في يد يزيد بن عبد الملك ولي عهد عمر وكان يزيد أيام ولايته قد عذب آل أبي عقيل أصهار يزيد لأنه كان متزوجا ببنت أخي الحجاج. فقصد البصرة وبدأ فتنته منها وكان من نهاية أمره ما قصه ابن أبي الحديد فيما يلي:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن أباة الضيم يزيد بن الهلب كان يزيد بن عبد الملك ينشؤه قبل خلافته لأسباب ليس هذا موضع ذكرها، فلما أفضت إليه الخلافة وخلعه يزبد بن المهلب ونزع يده من طاعته وعلم أنه إن ظفر به قتله وناله من الهوان ما القتل دونه فدخل البصرة وملكها عنوة وحبس عدي بن أرطاة عامل يزيد بن عبد الملك عليها فسرح إليه يزيد بن عبد الملك جيشاً كثيفاً يشتمل على ثمانين ألفاً من أهل الشام والجزيرة
(4/257)

وبعث مع الجيش أخاه مسلمة بن عبد الملك وكان أعرف الناس بقيادة الجيوش وتدبيرها وأيمن الناس نقيبة في الحرب وضم إليه ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك فسار يزيد بن الهلب من البصرة فقدم واسطا فأقام بها أياما ثم سار عنها فنزل العقر واشتملت جريدة جيشه على مائة وعشرين ألفاً وقدم مسلمة بجيوش الشام فلما تراءى العسكر أن وشبت الحرب أمر مسلمة قائداً من قواده أن يحرق الجسور التي كان عقدها يزيد بن المهلب فأحرقها فلما رأى أهل العراق الدخان قد علا انهزموا فقيل ليزيد بن المهلب قد انهزم الناس قال ومم انهزموا هل كان قتال ينهزم الناس من مثله فقيل له أن مسلمة أحرق الجسور فلم يثبتوا فقال قبحهم الله يقال دخن عليه فطار ثم وقف ومعه أصحابه فقال أضربوا وجوه المنهزمين ففعلوا ذلك حتى كثروا عليه واستقبله منهم أمثال الجبال فقال دعوهم قبحهم الله غنم عدا في نواحيها الذئب وكان لا يحدث نفسه بالفرار وقد كان أتاه يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي بواسط فقال له:
فعش ملكاً أو مت كريماً فإن تمت … وسيفك مشهور بكفك تعذر
فقال ما شعرت فقال:
إن بني مروان قد بار ملكهم … فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر
فقال أما هذا فعسى فلما رأى يزيد انهزام أصحابه نزل عن فرسه وكسر جفن سيفه واستقبل فأتاه آت فقال إن أخاك حبيباً قد قتل فزاده ذلك بصيرة في توطينه نفسه على القتل قال لا خير في العيش بعد حبيب والله لقد كنت أبغض الحياة بعد الهزيمة وقد ازددت لها بغضاً أمضوا قدماً فعلم أصحابه أنه مستميت فتسلل عنه من يكره القتال وبقي معه جماعة خشية فهو يتقدم كلما مر بخيل كشفها وهو يقصد مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره فلما دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب وحالت
(4/258)

خيول أهل الشام بينهما وعطفت على يزيد بن الهلب فجالدهم بالسيف مصلتاً حتى قتل وحمل رأسه إلى مسلمة وقتل معه أخوه محمد بن الهلب وكان أخوهما الفضل بن الهلب يقاتل أهل الشام في جهة أخرى ولا يعلم بقتل أخويه يزيد ومحمد فأتاه أخوه عبد الملك بن المهلب وقال له ما تصنع وقد قتل يزيد ومحمد وقبلهما قتل حبيب وقد انهزم الناس وقد روي أنه لم يأته بالخبر على وجهه وخاف أن يخبره بذلك فيستقتل ويقتل فقال له أن الأمير قد انحدر إلى واسط فاقتص أثره فانحدر المفضل حينئذ فلما علم بقتل إخوته حلف أن لا يكلم أخاه عبد الملك أبداً وكانت عين المفضل قد أصيبت من قبل في حرب الخوارج فقال فضحني عبد الملك فضحه الله ما عذري إذا رآني الناس فقالوا شيخ أعور مهزوم إلا صدقني فقتلت ثم قال:
ولا خير في طعن الصناديد بالقنا … ولا في لقاء الناس بعد يزيد
فلما اجتمع من بقي من آل المهلب بالبصرة بعد الكسرة أخرجوا عدي بن أرطاة أمير البصرة من الحبس فقتلوه وحملوا عيالهم في السفن البحرية ولججوا في البحر فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك بعثا عليه قائد من قواده فأدركهم في قندايل فحاربهم وحاربوه وتقدم بنو المهلب بأسيافهم فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وهم الفضل ابن المهلب وزياد بن المهلب ومروان بن المهلب وعبد الملك بن المهلب ومعاوية ابن يزيد بن المهلب والمنهال بن أبي عيينة بن المهلب وعمرو والغيرة ابنا قبيصة بن المهلب وحملت رؤوسهم إلى مسلمة إن عبد الملك وفي أذن كل واحد منهم رقعة فيها اسمه واستأسر الباقون في الوقعة فحملوا إلى يزيد بن عبد الملك بالشام وهم أحد عشر رجلا فلما دخلوا عليه قام كثير بن أبي جمعة فأنشد:
حليم إذا ما نال عاقب مجملا … أشد العقابِ أو عفا لم يثرب
(4/259)

فعفوا أمير المؤمنين وحسبة … فما تأته من صالح لك يكتب
أساؤوا فإن تصفح فإنك قادر … وأفضل حلم حسبه حلم مغضب
فقال يزيد أطت بك الرحم يا أبا صخر لولا أنهم قدحوا في الملك لعفوت عنهم ثم أمر بقتلهم فقتلوا وبقي منهم صبي صغير فقال اقتلوني فلست بصغير فقال يزيد بن عبد الملك أنظروا هل أنبت فقال أنا أعلم بنفسي، فقد احتلمت ووطئت النساء، فاقتلوني فلا خير في العيش بعد أهلي فأمر به فقتل، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: وأسماء الأسارى الذين قتلوا صبرا وهم أحد عشر مهلبيا المعارك وعبد الله والمغيرة والمفضل والمنجاب بنو يزيد بن المهلب ودريد والحجاج وغسان وشبيب والفضل بن المفضل بن المهلب لصلبه والفضل بن قبيصة بن المهلب. قال: لم يبق بعد هذه الوقعة الثانية لأهل المهلب باقية إلا أبو عيينة بن المهلب وعمرو بن يزيد بن المهلب وعثمان بن المفضل بن المهلب فإنهم لحقوا برتنيل ثم أمنوا بعد ذلك (1).
__________
(1) ش: ج 4، م 7، ص 255 - 258 غرة ذي الحجة 1349ه - أفريل 1931م.
(4/260)

أعظم قائد
يرجع إلى رأي جندي (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ارتحل النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من مبيته صبيحة يوم بدر حتى نزل على أدنى ماء إليه وبقي الماء أمامه لو جاء العدو لنزل عليه فيكون الجيشان على ماء. وكان الصحابة يعلمون أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يتصرف بالوحي فيكون تصرفه حتما ويتصرف بالنظر في السياسة والحرب فيشاور ويراجع وهو المعصوم فلا يقر على الخطأ فانبرى الحباب بن المنذر بين الجموع يبدي رأيه وما يعتقده صوابا في مكان النزول فقال: (يا رسول الله أرأيت المنزل هذا أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة)؟
فقال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» فقال الحباب: "إن هذا ليس بالنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نعور ما وراءه من القُلُب (1) ثم نبني عليه حوضاً نملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون". أراد أن يستولي الجيش على الماء ويمنع منه العدو فيكون ذلك أنكى فيه وأعون عليه وهذا هو الرأي الموافق لما تقتضيه الحرب من تضعيف العدو ومكايدته بالأسباب التي تسرع بقهره وظهر
__________
(1) من سيرة ابن هشام وغيرها.
(2) القلب ج قليب وهو بير غير مطوية أي مبنية وعور القليب إذا ردمه بالتراب.
(4/261)

هذا للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فقال له: "لقد أشرت بالرأي" ونهض بالناس حتى نزل المنزل الذي أشار به الحباب وفعل ما أشار به ورجع أعظم قائد إلى رأي جندي من جنوده لما ظهر له صواب إشارته.
قد عصم الله نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم- فلا يستقر أمره في جميع سياسته وتدبيره إلا على أحسن الوجوه بما يهدي إليه من نفسه- وهو الكثير- وما يرجع إليه مما يشير به أصحابه- وهو القليل- والحكمة في هذا القليل أن يسن لأمته حرية إبداء الرأي في الشؤون العامة من الكبير والصغير، والرجوع للصواب إذا ظهر من أي أحد كان.
هذا الأصلان: حرية إبداء الرأي من جميع أفراد الرعية والرجوع إلى الصواب من رعاتها، عليهما تنبني سعادة الأمة وعظمتها، وبهما تشعر الأمة والوحدة بين الرعية ورعاتها، ومنهما تستمد الأمة النظم اللازمة لها في حياتها، وقد قررهما الإسلام وبينهما النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- تبييناً عملياً في هذه القصة (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 11، ص 17 - 18 غرة محرم 1354ه - أفريل 1935م.
(4/262)

ضلال شيخين واهتداء غلام

كانت مدينة الطائف- وما زالت- مصطاف أهل مكة وكان بين البلدين صلة وقرابة. حتى قرنتا في قول المشركين الذي حكاه الكتاب: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}، فخرج النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- إليها بعد وفاة أبي طالب واشتداد الأذى من قريش عليه. يدعو أهلها ثقيفاً ويلتمس عندهم النصرة والمنعة بهم من قومه فلقي من أذاهم أشد مما كان يلقى فأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط مصطاف لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة القرشيان الأمويان وهما فيه ينظران إليه ويريان ما لقيه من سفهاء ثقيف لم يغيرا من ذلك شيئا وكان ذلك الجمع من العبيد والسفهاء لما رأوه التجأ إلى حائط فيه رجلان من قومه قريش ومن بني عبد مناف رجعوا عنه فعمد إلى ظل حبلة (كرمة) من عنب فجلس فيه.
رأى ابنا ربيعة ما لقي النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-، وهما من بني عبد مناف، فتحركت له رحمهما فدعوا غلاماً لهما نصرانياً اسمه عدَّاس فقالا له خذ قطفاً (عنقوداً) من العنب فضعه في الطبق إذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه.
جاء عدَّاس بالقطف في الطبق فوضعه بين يدي النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-، فقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- باسم الله وتناول منه، فسمع عدَّاس ما لم يكن يسمعه في تلك الأرض من المشركين فنظر في وجه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وقال
(4/263)


له: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذا البلاد، فعرف النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أنه ليس من تلك الأرض فسأله عن بلده وعن دينه فقال له أنه نصراني وأنه من أهل قرية نينوى من قرى الموصل فقال له النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فدهش عدَّاس، وقال له- صلى الله عليه وآله وسلم-: وما يدريك ما يونس بن متى وإنني فارقت نينوي وما يعرفه من أهلها إلا قليل فمن أين عرفت أنت هنا هذا وأنت أمي في أمة أمية فقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك أخي كان نبياً وأنا نبي.
كان عدَّاس على يقين بما خبر من أهل تلك الأرض وعرف من جهلهم وأميتهم، من أنهم بعداء كل البعد عما شاهده من أدب النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عند الأكل بذكر اسم الله، وما سمعه منه من العلم بيونس وبلدته فتحقق أن هذا ما وصل إليه إلا بوحي من الله فلم يتردد في تصديقه والإيمان به وأكب على رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يقبل رأسه ويديه وقدميه.
لم يكن عند عدَّاس مال يطغيه ولا جاه ينفخه ولا رئاسة يتعالى ويتعاظم بها ولا سلطة كهنوتية تفسد عليه إدراكه وتغل فكره فلذلك نظر نظراً صحيحاً وفكر تفكيراً مستقيماً فاستنتج من علم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ما لم يعلمه الناس في أرض جهل وأمية أنه نبي موحى إليه من الله وكل من سلم من تلك القواطع التي سلم منها عدَّاس فهو أقرب الناس إلى قبول الحق واتباعه وما يتباطأ من يتباطأ عن قبول الحق والإذعان لأدلته إلا من تلك الموانع ويكون تباطؤه بقدر ما عنده منها.
بينما كان الغلام الصحيح العقل النقي القلب السليم الصدر الحر الضمير يستعمل فكره فيشرح الله صدره فيهتدي إلى الإسلام- كان
(4/264)

ذانك الشيخان الضالان اللذان أطغاهما المال ونفخهما الجاه وأعماهما الحرص على الرياسة، عتبة وشيبة- يقول أحدهما للآخر: (أما غلامك فقد أفسده عليك).
رجع عدَّاس- وقد اهتدى- إلى الشيخين الضالين فقالا له: (ويلك يا عدَّاس ما لك تقبل رأس هذا الرجل- يتجاهلانه- ويديه وقدميه) فقال لهما: "يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي" فقالا له: "ويحك يا عدَّاس لا يصرفنك عن دينك- وقد كان عدَّاس نصرانياً- فإن دينك خير من دينه".
لا يسوءهما أن يكون عدَّاس على أي ملة وإنما يسوءهما أن يتبع محمداً- صلى الله عليه وآله وسلم- الذي يحسدانه ويخافان منه على رياستهما فحاولا أن يصرفاه عنه ويصداه عن اتباعه بما قالاه له، لكن عدَّاساً الذي عرف الحق بالدليل، وذاق حلاوة الإيمان وبرد اليقين، لم يقم لكلامهما وزناً، ولم يحر لهما جواباً، وأعرض عنهما كما يعرض عن الجاهلين وثبت على الدين الحق. وكذلد الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 11، ص 79 - 81 غرة صفر 1354ه -1935م.
(4/265)

الراعي

من هذا الغلام العربي في عباءته؟ من هذا الراعي الصغير في غنيمته؟ من هذا الصبي الناشيء على الحمل والرعاية من طفولته؟ من هذا اليافع الذي يأبى إلا أن يعيش من كد يمينه، ويأكل خبزه إلا بعرق جبينه؟.
هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يتيم الأبوين مكفول عمه أبي طالب، الذي كان يرعى غنما لأهل مكة لقومه وأهل بلده بالقراريط حتى لا يكون كلا على عمه. هذا هو المهيأ برعايته الغنم، لرعاية الأمم، هذا هو المنشأ على الكد في العمل الصغير، إعداداً له للنهوض بأعباء العمل الكبير، هذا هو العربي على العمل بالفلس، ليشب على خلق الاعتماد على النفس، هذا هو المعد لختم النبوة والرسالة وإظهار أكمل مثال للبشربة، يحمل أعظم آية من وحي الله، ويدعو إلى السعادة الدنيوية والأخروية وأقصى ما يمكن أن يصل إليه الناس من كمال.
شب محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- يتيما في كفالة عمه، وكان عمه مقتراً في شظف من العيش، فأخذ محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- يعمل بأجرة ليخفف على عمه ولما شب ضرب في الأرض تاجراً كعادة قومه، فلما ولد لأبي طالب عليٍّ كفله. وهو في الثلاثين، جزاء على كفالته. فكان في طفولته وشبابه وكهولته كواحد من قومه في عيشته وكسبه وأميته. وإن كان ممتازاً بينهم لخلقه وفضله حتى بعثه الله نبياً ورسولا بما يستحيل- وقد عرفوا طفولته وشبابه وكهولته- أن يكون شيء منه من عنده، ولذا أمره الله أن يحتج عليهم بقوله:
(4/266)

{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.
كان محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- ميسراً من طفولته لما كان عليه اخوانه من الأنبياء والمرسلين- صلوات الله عليهم- قبله محفوظا مما حفظوا ملهماً ما ألهموا وقد ألهم الله الأنبياء قبله لرعي الغنم وهي حيوان ضعيف تمريناً على القيام على الضعاف بالحلم والرفق والشفقة وحسن الرعاية باختيار مسارحها ودفع العوادي عنها ودوام تعهدها وذلك كله تهيئة لم إلى ما يوكل إليهم من سياسة أمتهم.
وقد ذكر هو- صلى الله عليه وآله وسلم- هذا العهد من طفولته وهذه العادة الربانية في مثله من إخوانه اعترافا بنعمة الله وتنبيهاً على ما في ذلك من الحكمة وما فيه من حسن القدوة فقال يوماً لأصحابه: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» رواه البخاري من طريق أبي هريرة- رضي الله عنهم- (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 11، ص 152 - 153 ربيع الأول 1354ه - جوان 1935م.
(4/267)

خلوا بيني وبين ناقتي

كان الأعراب يجيئون للنبي- صلى الله عيه وآله وسلم- يسألونه ويستجدونه في غلظة وجفوة من القول فكان يعطيهم ويتجاوز عن جفائهم ويعذرهم ببداوتهم. فجاءه أعرابي يطلب منه شيئاً فأعطاه إياه ثم قال له النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- «أأحسنت إليك؟» ليعرف ما عنده من الاعتراف بالإحسان أو ليعرف اكتفاءه بما أعطاه فقال له الأعرابي: (لا ولا أجملت) أي ما أتيت لا بحسن ولا بجميل. فغضب المسلمون وقاموا إليه ليوقعوا به جزاء سوء أدبه فأشار إليهم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن كفوا ثم قام النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ودخل منزله وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئا ثم قال له: «أأحسنت إليك؟» فقال الأعرابي: "نعم. فجازاك الله به من أهل وعشيرة خيراً". هكذا توسل النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- إلى تأديبه واستخراج الاعتراف بالجميل منه ليتربى عليه وحمله على النطق بالكلام الطيب بزيادة الإحسان إليه. فاعترف بالإحسان ودعا الله بالجزاء للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بسبب إحسانه وشعر بأن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كان له أهلا وعشيرة وهذه كلها معارف وآداب وشعور طيب جاء بها هذا الأعرابي الجافي بسبب تربيته بزيادة الإحسان إليه. وأراد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن لا يتركه يرى بين الصحابة- رضي الله عنهم- بالعين التي كانوا يرونه بها لجفائه وسوء أدبه وأن لا يترك في قلوبهم شيئاً عليه، فقال له: «إنك قلت ما قلت وفي أنفس أصحابي شيء فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في
(4/268)

صدورهم عليك» دعاه بألطف القول وألينه دون أمر ولا إلزام فقال الأعرابي: "نعم" فلما كان الغد أو العشي جاء الأعرابي لمجلس النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فقال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لأصحابه: «إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي. أكذلك، قال نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً».
ثم أراد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يضرب مثلا لأصحابه- رضي الله عنهم- يبين لهم به كيف يكون رد الشارد وجذب النفور وتأليف الجافي، وأن المتصدي لتربية الناس أعرف من غيره بما يصلحهم وأن الرئيس المتبوع أعرف بطباع أتباعه وأحق بتأليفهم وتربيتهم من الاتباع بعضهم في بعض، فقال لهم- صلى الله عليه وآله وسلم-: «مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي فإني أوفق بها منكم وأعلم. فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت (بركت) وشد عليها رحلها واستوى عليها» ثم قال لهم: «وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار» فقد استحق النار لو مات على تلك الحال فأشفق عليه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فعالجه بما أنقذه منها وهكذا تكون رعاية الأفراد والأمم باللين والإحسان والإنقاذ من مصارع السوء والحمل بالرفق والعلم على السير في أحسن السبل فصلى الله عليه وسلم من نبي حريص على الخير رفيق بالخلق عليم بطبهم، {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (1)} (2).
__________
(1) ذكرها فى الشفاء وأصلها في البزار كلما ذكره الشراح.
(2) ش: ج 4، م 11، ص 207 - 208 غرة ربيع الثاني 1354ه - جوان 1935م.
(4/269)

كن خير آخد

قام قائم الظهيرة وأصهرت الأرض شمس الصحراء، فنزل الجيش ليقيل، وتفرق الصحابة تحت أشجار البادية يستظلون بها، وانتبذ النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عن أصحابه تحت ظل شجرة وانفرد بها فنزع سلاحه وعلق سيفه في غصن من أغصانها ونام.
كان غورث بن الحرث أحد شجعان العرب وفتاكهم يتتبع الجيش متخفياً، يتحين فرصة انفراد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- للفتك به، وقد واتته تلك الفرصة الآن، فجاء حيث النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- نائم وسيفه معلق بالشجرة، فاخترط السيف فانتبه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وغورث قائم على رأسه والسيف صلتا بيده. فصاح الفاتك بالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: "أتخافني؟ " فقال له النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا» قال: "ومن يمنعك مني" فقال: «الله».
الاسم الأعظم ينطق به الرسول الأعظم، وهو أعزل من سلاحه إلا سلاح الإيمان، وقد شهر الباطل سيفه بيد ضال مغرور، يريد أن يصيبه في سيد أنصاره وأعظم أبطاله. فلو كان هذا الفاتك جبلا وقد صدعت كلمة الله سمعه لخشع وتصدع ولو كان قلبه من حديد لذاب وسال.
انخلع قاب الفاتك واضطربت يده وسقط السيف منها، فتناول النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- السيف ورفعه على رأسه وقال لغورث: من يمنعك عني؟ فقال له غورث: كن خير آخذ.
إلتجأ الفاتك إلى حُلم الني- صلى الله عليه وآله وسلم- وعفوه
(4/270)

وكرمه ودعاه إلى أن يكون خير آخذ لعدوه، وخير الآخذين هو الذي يعفو بعد القدرة، ويسمح بعد الغلب، وما دعى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- إلى خير إلا أجاب ولا وقع بين أمرين إلا اختار أفضلهما، وما انتقم لنفسه قط، فترك غورثا وعفا عنه فرجع إلى قومه يقول لهم: جئتكم من عند خير الناس.
في هذه القصة تجلت الثقة بالله في أجلى مظاهرها واندحرت قوة السيف أمام قوة الإيمان إيمان من لا يخاف إلا الله ولا يخاف غيره. ولو كان السيف صلتا على رأسه وضرب النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- المثل الكامل في العفو والتجاوز وحسن التآلف للناس وجلبهم إلى الإيمان فلهذا العفو ولقول غورث لقومه: جئتكم من عند خير الناس، من الأثر في القلوب ما لا تفعله الجيوش من فتحها للإسلام أو كفها عن أذى المسلمين (1).
رزقنا الله الاقتداء بهذا النبي الكريم ذي القلب الرحيم والخلق العظيم (2).
__________
(1) أصل القصة في الصحيحين والشفاء ومسند أحمد وقد اختلف في إسلام غورث.
(2) ش: ج 5، م 11، ص 284 - 285 غرة جمادى الأولى 1354ه - أوت 1935م.
(4/271)

لا أثر للعبودية مع الأحرار

أغارت خيل بني القين على أبيات بني معن فاحتملوا فيما غنموا زيد بن حارثة الكلبي، وقد جاء مع أمه سعدى عند أخواله، وهو غلام يفعة، فسبوه وباعوه في سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد فلما تزوجت بمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- وهبته له فصار عبداً لمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- بتلك الهبة.
قدم ناس من قوم حارثة مكة فرأوا زيداً فعرفوه فلما رجعوا. أخبروا أباه وكان قد وجد على فقده وسبيه وجدا شديدا وكان دائم البحث عنه فما أن بلغه نبأ وجوده بمكة حتى خرج هو وأخوه كعب قاصدين إلى مكة ليفتديا زيداً من مالكه بما استطاعا من المال.
قدما لمكة وسألا عن محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- الذي يملك ابنهما فدلا عليه في المسجد بفناء الكعبة فدخلا عليه فقالا: (ابن عبد المطلب يا بن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك تمن علينا وتحسن إلينا في فدائه، قال: من هو؟ قالا: زيد بن حارثة، فقال: فهلا غير ذلك، قالا ما هو إلا ذاك، قال أدعوه فأخبراه فإن اختاركم فهو لكم وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي اختار على من أختارني أحداً، قالا قد رددتنا إلى النصف وأحسنت، فدعاه، فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا أبي وهذا عمي، قال فأنا من قد علمت وقد رأيت محبتي فاخترني أو اخترهما؟ قال: زيد: ما كنت بالذي أختار عليك أحداً أنت مني مكان الأب والعم، فقالا ويحك يا زيد أتختار العبودية على
(4/272)

الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك، قال نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً.
كان زيد بحكم العادة عبداً مملوكا ولكنه لم يشعر مع محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- سيد الأحرار- وهذا قبل نبوته- بشيء من آثار العبودية. إنه لا يستبد بالناس، ويمتهنهم ويدوس كرامتم إلا من لم يستكمل معنى الإنسانية ولم يكن هو في نفسه حراً أما من كملت إنسانيته وخلصت حريته فإنه لا يستطيع أن يمتهن الإنسانية ولا يذل كرامتها وأن الوصايا التي أوصى بها الإسلام في شأن المملوك والخدم لا يشعر معها المملوك والخادم بشيء من العبودية وانحطاط المقام ومحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- المفطور على الرحمة والإحسان سيد الناس وسيد الأحرار لم يشعر معه زيد بشيء من أثر العبودية واختار البقاء معه على الأب والعم والأقارب.
جازى محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- زيداً على اختياره له على أبيه وعمه وأهله فأعلن بتبنيه فصار يدعى زيد بن محمد حتى أبطل الله التبني بقوله: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} وزيد أحد السابقين للإسلام وما ظنك بمن ربي تحت جناح محمد- صلى الله عليه وآله وسلم (1) -
__________
(1) ش: ج 6، م 11، ص 351 - 352 غرة جمادى الأولى 1354ه - أوت 1935م.
(4/273)

من خان قوما فليس منهم

ضربت الجيوش المحمدية نطاق الحصار على بني قريظة بعدما كانت نقضت عهدها يوم الأحزاب ورأت قريظة أنها مأخوذة وأنه نازلبها من الله عقاب الخائنين.
بعثوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر الأوسي، وقد كانوا حلفاء الأوس ليستشيروه في أمرهم فلما جاءهم أبو لبابة قام إليه الرجال وجهِش إليه النساء والصبيان بالبُكاء وكانت عليهم منه رقة وبعث مشهدهم في قلبه رحمة أنسته ما كان منهم من خيانة لعهد رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- والمسلمين، ومؤازرة العدو عليهم حتى أحيط بالمسلمين من فوقهم ومن أسفل منهم وحتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.
استشار بنو قريظة أبا لبابة في النزول من حصنهم على حكم محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- فقال لهم نعم. وعلم أنهم استحقوا بخيانتهم القتل وأنهم مقتولون فأشار لهم بيده إلى حلقه إشارة فهموا منها أنهم يذبحون.
قال أبو لبابة: "فوالله مازالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله" وذهب على وجهه وقد عرف عظم الجرم الذي ارتكب فذهب إلى المسجد النبوي وربط نفسه بسلسلة إلى عمود من عمده وأقسم لا يبرح كذلك حتى يتوب الله عليه وأقام على ذلك لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى يخر مغشياً عليه، وكانت تأتيه زوجته أو ابنته فتحله إذا حضرت الصلاة ثم يعود.
مضت عليه بضع عشرة ليلة أو سبعة أيام ورسول الله- صلى الله
(4/274)

عليه وآله وسلم- يراه فيقول لو جاءني لاستغفرت له فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
ففي سحر ليلة نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- توبة الله التواب الرحيم على أبي لبابة وهو في بيت أم سلمة- رضي الله عنها- فبشر بالتوبة وثار الناس إليه ليطلقوه فأبى حتى يطلقه رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بيده فلما مر به رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- عند خروجه لصلاة الصبح أطلقه.
فرح أبو لبابة بتوبة الله عليه وجعل من توبته أن عاهد الله أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا- وكانت له بها أموال- وأن لا يرى في بلد خان فيه الله ورسوله، وقال لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أن من توبتي أن أهجر الدار التي أصبت فيها الذنب وأن انخلع من مالي، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يجزئك الثلث يا أبا لبالة.

العبرة:
إشارة خفيفة لقوم مغلوبين فيها بيان ما يقصد بهم، عدها هذا الصحابي البدري النقيب الجليل في هذه المنزلة من الخيانة حتى فزع لها هذا الفزع وخاف منها هذا الخوف وما اطمأن حتى تحقق توبة الله عليه فشكر ذلك بهجران موطن الخيانة وتصدق بثلث ماله، ذلك لاأنها خيانة في أمر عام وفي موقف حربي بين المسلمين وعدوهم وأعظم الخيانة ما كان في مثل ذلك وكان أبا لبابة رأى نفسه بتلك الخيانة للمسلمين لم يبق كواحد منهم فربط نفسه منفرداً عنهم حتى يطهر بالتوبة وفي الحق أن من خان قوماً فليس منهم بل هو شر عليهم من أعدائهم. فرضي الله عن أبي لبابة عدد سخطه ومقته للخائنين (9).
__________
(1) ش: ج 9، م 11، ص 499 - 500 غرة رمضان 1354ه - ديسمبر 1935م.
(4/275)

من ذكريات بدر
حماس الشباب (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: "بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع (2) منهما. فغمزني (3) أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي، قال: أخبرت أنه يسب رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده (4) حتى يموت الأعجل (5) منا فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر فقال لي مثلها. فلم أنشب (6) أن نظرت إلى أبي جهل يجول (7) في الناس قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه (8) بسيفيهما يضربانه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله وقضى
__________
(1) القصة وهى في عيون الأثر 1/ 262 رواها مسلم عن يحيى بن يحيى عن يوسف بن الماجشون.
(2) أقوى وأشد.
(3) أشار له بطرفه أو وضع عليه يده.
(4) شخصي شخصه.
(5) الأقرب أجلا.
(6) البث.
(7) ينتقل بينهم لا يثبت في موضع يتفقدهم لأنه كان رأسهم.
(8) أسرعا إليه فناجزاه.
(4/276)

بسلبه (1) لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وهما معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح".

بيان وإيضاح:
شابان ملأ الإيمان قلوبهما، وعظمت على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- غيرتهما، واشتد على مؤذيه حنقهما فهانت عليهما في سبيل الانتصار له والانتقام من عدوه الظالم نفوسهما، وكل واحد منهما يريد أن يفوز بهذا المقام من إرضاء الله ورسوله فيسأل الرجل الكهل الواقف ينهما ويكتم سؤاله عن صاحبه ويقسم أنه لو رأى عدو الله أبا جهل لما فارقه حتى يقتل أحدهما صاحبه. فيقف هذا الرجل الكهل الذي كان استصغرهما واستضعفهما وود لو كان بين رجلين أقوى منهما- متعجباً آمن أمرهما وما ظهر له من قوة قلبهما وتواردهما في السؤال على غاية واحدة لا يبالي كل واحد منهما في سبيلها بالموت الزؤام. وأراد الله أن يبلغهما تلك الغاية وأن يرى ذلك السيد الكهل تصديق فعلهما لقولهما فرأى أبا جهل يتنقل في الناس فأراهما إياه إراءة واحدة فانقضا عليه كبازيين على الفريسة فأغمدا فيه سيفيهما وشفيا- في الله- منه غيظهما وجاءا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- يخبرانه بقتل رأس الكفر وأعظم الأعداء وأشدهم أذى يدخلان الفرح عليه ويبتغيان مرضاة الله ورسوله، وكل واحد منهما يرى أنه قد قتله لما علم من أثر سيفه فيه وصدق رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- دعوى كل واحد منهما لما رأى من أثر دم عدو الله على سيفيهما وأعطى السلب أحدهما ولم يكن السلب قصدهما فخص- باختياره- من شاء منهما فذهبا طيبة بما صنعا نفوسهما راضية برضى الله ورسوله عنهما.
__________
(1) ما عليه من ثياب وسلاح.
(4/277)

هذا هو الشباب الحي وهذا هو حماسه الدال على قوة حيويته وصدق عقيدته وهذا هو اندفاعه الذي ميزه الله به عن الكهول والشيوخ وهذه مظاهر حزمه ونشاطه في الإنجاز والتنفيذ، فنعم الشباب أولئك الشبان، ينقضون كالصواعق، ونعم الكهول أولئك الكهول، يثبتون كالجبال (1).
__________
(1) ش: ج 11، م 11، ص 594 - 595 غرة ذي القعدة 1354ه - فيفري 1936م.
(4/278)

بئس حامل القرآن أنا إذاً

كان يوم اليمامة في حرب بني حنيفة- قوم مسيلمة الكذاب- من أشد أيام حروب الردة، وكان للقراء حملة القرآن فيه الموقف المشهودة، وكان القائد الأعلى سيف الله خالد بن الوليد- رضي الله عنه- يختار منهم من يعطيه على قسم من الجيش الراية، وحامل الراية لا تسقط من يده حتى يسقط ميتا، ولا تؤخذ منه حتى تؤخذ روحه فى دونها، وكانت راية المهاجرين مع عبد الله بن حفص بن غانم القرشي فثبت معها حتى قتل فأعطيت الراية لسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه فقال لهم: ما أعلمني لأي شيء أعطيتمونيها؟ قلتم صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات؟ قالوا: أجل فانظر كيف تكون أتخشى علينا من نفسك شيئا؟ قال: بئس حامل القرآن أنا إذاً. تناول سالم الراية وهو يرى تناولها عهدا بينه وبين الله والمسلمين أن لا يفر حتى يصرع دونها فصدق ما عاهد الله عليه وجرى على سنة حملة القرآن إخوانه من قبله، فأمسكها بيمينه حتى قطعت يمينه، فأخذها بيساره حتى قطعت يساره فاعتنقها حتى صرع، فسأل أصحابه وهو صريع: ما فعل أبو حذيفة؟ يعني مولاه، فقالوا قتل فقال: أضجعوني بجنبه فجمعهما بطن الأرض شهيدين كما عاشا على ظهرها على الإسلام والهجرة والنصرة مجتمعين رضي الله عنهما.

العبرة:
القرآن راية الإسلام، فحامل القرآن حامل راية الإسلام، فلذلك كان يتقدم حملته لحمل الرايات تحت بارقة السيوف، يجودون بأنفسهم،
(4/279)

والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ففي جميع مواطن البلاء، والشدة ومواقف الفزع والمحنة، هم أهل المتقدم إلى الأمام. هؤلاء هم حملة القرآن الذين حملوه حمل فهم وعلم وعمل، فاعتزوا به وأعزوا به الإسلام فأعزهم الله. وخلفت من بعدهم خلوف اتخذوه حرفة وتجارة، وجاءوا بقراءته على الأموات بوجوه من البشاعة والمهانة والحقارة فأذلوا أنفسهم وأذلُّوا اسم حامل القرآن بقبيح أعمالهم فأذلهم الله: على أن الله- ولله الحمد- لا يخلي الأرض من قائم لله بحجة، ومستجيب لداعي الله في سلوك المحجة، فقد أخذ كثير من حملة القرآن يعرفون قيمة ما حملوا. وينهضون بما حمِّلوا، ويعملون لعز الإسلام ورفع راية القرآن، راية الحق والعدل والأخوة والإحسان لبني الإنسان. أيدهم الله وأنقذ بهم الإنسانية ومد بهم رواق السلام (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 13، ص 12 - 13 غرة محرم 1356ه - 14 مارس 1937م.
(4/280)

هكذا تكون النزاهة
رضي الله عنك يا عمر
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان أبو موسى الأشعري- رضي الله عنه- أميراً بالبصرة من طرف عمر- رضي الله عنه- فمر به عبد الله وعبيد الله ابنا عمر قافلين من الغزو في جيش كان بالعراق فرحب بهما وسهل وقال وددت لو أقدر على شيء أنفعكما به. ثم اهتدى إلى وجه نفعهما فقال: عندي مال من مال الله أريد أن أبعثه إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتباعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فيكون لكما الربح وتؤديان رأس المال لأمير المؤمنين فقبلا ذلك منه وكتب لعمر يعلمه. فلما قدما المدينة باعا ما اشتريا من العراق وربحا وجاءا لأمير المؤمنين برأس المال وأمسكا ربحهما.
رأى عمر أن أبا موسى حاباهما وأنه راعى جانب عمر أمير المؤمنين فيهما ولذا خصصهما بذلك دون غيرهما. وما كان عمر ليرضى أن يستغل مركزه في الأمة لنفعه بذلك الخاص ولا أن يستغله أحد من أهله فأراد أن يأخذ من ابنيه رأس المال والربح ويعرفهما أن أبا موسى حاباهما فقال لهما: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما.!! أدِّيا المال وربحه، فأما عبد الله وهو أفقه الإبنين- فسكت وأما عبيد الله- وهو أشدهما- فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو هلك هذا المال أو نقص لضمناه، فقال عمر: أدياه فراجعه عبيد الله ورأى أحد جلساء عمر أن يقطع النزاع بوجه يرضي عمر ويبعده عن المحاباة، فقال: يا أمير
(4/281)

المؤمنين اجعله قراضا فقال عمر: قد جعلته قراضا فأخذ رأس المال وشطر الربح لبيت مال المسلمين، وأخذ ابناه- كعاملين في القراض- الشطر الآخر.

الأسوة الحسنة:
كل ذي علم أو إمارة أو منزلة عند الناس، ترى الناس يسرعون في مرضاته فينجر إليه وإلى من إليه فوائد ما كانت لتتجر لولا مكانه الخاص. فعلى الذين لا يحبون أن يأخذوا من الناس أكثر مما يعطونهم، ولا يحبون أن يستغلوا مراكزهم، أن يحتاطوا من هذه الناحية حتى لا ينالوا ولا ينال بأسمهم شيء زائد على ما يناله كل أحد من الناس مثلما كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- وليس هذا من الورع الذي قد يكون المقصر فيه معذورا بعض العذر، بل هو من الواجب الذي يتحتم على كل ذي منزلة وقدر بين الناس فإن استغلال المنزلة والاختصاص بالمنافع العامة دون سائر الناس من الأكل بالباطل نسأل الله أن يجعل فينا ما ينفع عباد الله وأن يجعل ما نعطي أكثر مما نأخذ وما نعمل أكثر مما نقول آمين يا رب العالمين (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 13، ص 84 - 85 صفر 1356ه - أفريل 1937م.
(4/282)

رقية الله

كان ضماد- وهو رجل من أزد شنؤة- من أطباء العرب في الجاهلية وكان يعالج بالطب والرقية. قدم مرة مكة، وقد بلغه نبأ الدعوة الجديدة فلما قدمها سمع من سفهائها ما كانوا يرمون به صاحب هذه الدعوة من الجنون فود لو رآه فرقاه لعل الله يشفيه على يديه، فعمل لذلك حتى لقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح - ريح الجنون- وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فما أجابه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بكلمة ترد عليه وما زاد على أن قال: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد" فما تركه ضماد يشرع فيما بعد أما بعد، فقد عملت هذه الكلمات الجوامع عملها من نفسه وأثرت أثرها في قلبه فبادره بقوله: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء فأعادها عليه رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ثلاث مرات فتجلى لضماد من توحيد الله وتنزيهه والثقة به والاعتماد عليه والحمد له ما بهره منه المعنى الكبير الكثير، في اللفط البين القليل، وعرفه أن هذا لا يخرج من قلب مجنون. وكيف؟ وهو لم يطرق سمعه مثلهن فيما سمع من كلام الناس فقال، معلنا لإيمانه مبيناً لدليله وبرهانه: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاعوس البحر (كقاموس عمق البحر ولجته) ثم قال: هات يدك أبايعك على الإسلام فبايعه، فقال
(4/283)

له رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: وعلى قومك؟ فقال: وعلى قومي (1).

العبرة:
جاء الضماد لا يحمل في قلبه على محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- حقداً ولا بغضاً، بل كان ينظر إليه بعين الشفقة نظر الطبيب إلى المريض. فلما سمع الحق بلغ من قلبه ذلك المبلغ. فأعظم ما يحول بين الحق وبين الناس وما تنطوي عليه قلوبهم من بغض أو حقد على من دعاهم إليه. فعلى من يريد أن يعرف الحق أن يخلي قلبه- ما استطاع- من كل إحنة على من يريد أن يعرف ما عنده من الحق عندما يريد أن يعرف، وعلى كل داع إلى الحق أن يبذل كل جهده أن لا يظهر بمظهر العدو أو البغض لمن يدعوه. فإنه إذا سلم القلب، وحصل الفهم أثرت كلمة الحق أثرها لا محالة.

الأسوة:
كتاب الله ومثل هذا الكلام النبوي الوارد في هذه القصة المأخوذة، من كتاب الله، هو الدواء الناجع من أدواء النفوس وأمراض القلوب، وهو الرقية الشافية، - رقية الله- من وساوس الأهواء وهواجس الضلال، فإن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يزد في استشفاء ضماد على أسماعه ذلك الكلام الجامع المختصر. فعلى الدعاة إلى الحق أن تكون دعوتهم بكلام الله ومثل هذه الكلمات من حديث رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فإن في ذلك الاتباع والانتفاع، وحصول الهداية إن شاء الله آمين (3).
__________
(1) القصة في صحيح مسلم.
(2) ش: ج 3، م 13، ص 127 - 128 غرة شعبان 1356ه - 2 ماي 1937م.
(4/284)

نعوذ بالله من السلب بعد العطاء

كان ممن قدم على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من بني حنيفة سنة الوفود الرَّجَّال بن عنفوة فأسلم وقرأ وفقه في الدِّين. وكان يرى عليه من الخشوع والخير وملازمة قراءة القرآن شيء عجيب. حتى بعثه معلما لأهل اليمامة وبينما هو جالس يوما من الأيام في رهط من الصحابة منهم أبو هريرة خرج عليهم رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: "لضرس أحدكم- أيها المجلس- في النار يوم القيامة أعظم من أحد".
فلما ارتدت بنو حنيفة باليمامة وتبعت مسيلمة الكذاب أرسل أبو بكر إلى الرَّجَّال فأوصاه بوصيته وبعثه يشغب على مسيلمة وهو يظن منه الصِّدْق فلما لحق باليمامة لحق بمسيلمة وشهد له أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أشركه في الأمر وأن هذا نبي وهذا نبي فاستجاب له من كان أسلم من بني حنيفة وصدَّقوه وكان أشد وأعظم فتنة عليهم من مسيلمة نفسه، بما كانوا يعلمون من حاله وثبت على ردته حتى قتل، قتله زيد بن الخطاب.
قال أبو هريرة: "مضى أؤلئك الرهط لسبيلهم وبقيت أنا والرجال فما زلت لها متخوفا حتى سمعت بمخرج الرجال فآمنت وعرفت أن ما قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- حق".
هذا سلف الناكصين- وبئس السلف لبئس الخلف- وهذه عاقبتهم جكمة الله وعدله فيهم: يسلبهم ما أعطاهم وهو أعلم بهم،
(4/285)

ويجعلهم فتنة لمن عداهم ليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم الصادقين ويعلم الكاذبين ثم تكون العاقبة للمتّقين (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 5، ص 68 - 69 غرة صفر 1358ه - مارس 1939م.
(4/286)

وأنا أغتنمها ...
المصلحة العمومية فوق الحزازات الشخصية
ــــــــــــــــــــــــــــــ
رجل عظيم له أثر جليل في فتح الجزائر "المغرب الوسط" فهو أول من وطئت معه خيول الإسلام هذه الأرض، ولكنه مغمور في التاريخ، لا يجرى ذكره على الألسنة، ولا تعني بتفصيل حياته الكتب. ذلك هو أبو المهاجر دينار مولى مسلمة بن مخلد الأنصاري رحمه الله.
إستعمله مولاه مسلمة بن مخلد- والي مصر من قبل معاوية- على فتح إفريقيا وعزل عقبة بن نافع عنها. كان المغرت الأدنى قد تم فتحه فوجه أبو المهاجر همه إلى فتح المغرب الأوسط، بعد أن تولى الأمر من يد عقبة وأساء عزله ولكنه خلاه حراً طليقاً.
كان كسيلة من ملوك الأمازيغ بالمغرب الأوسط قد جمع جموعاً كثيرة وزحف بها لقتال المسلمين فكانت بينه وبين أبي المهاجر معارك انتهت بانتصار المسلمين وانهزام كسيلة وجموعه وظفر أبي المهاجر به.
أسلم كسيلة فاستبقاه أبو المهاجر وقربه، وانتهى أبو المهاجر من غزوه إلى تلمسان وقفل راجعاً إلى القيروان العاصمة الإسلامية التي كان أسسها عقبة، فبنى مدينة أخرى قربها نقل إليها مركز الجيش والإمارة، فصارت القيروان في حكم الخربة.
أفضت الخلافة إلى يزيد بن معاوية فأعاد عقبة إلى إمارة إفريقيا فقدمها سنة 62 فتناول الإمارة من يد أبي المهاجر وعزله وزاد فاعتقله ونكب صاحبه كسيلة الذي كان اعتصم بالإسلام ورجع مركز الجيش والإمارة إلى القيروان.
سار عقبة في جيشه في المغرب الوسط وكانت له فيه حروب،
(4/287)

إذ لم تكن غزوة أبي المهاجر إلا تمهيداً للفتح، ثم توجه إلى المغرب الأقصى حتى انتهى إلى المحيط الأطلانطيقي، ولم يكن هذا الفتح السريع المدهش قد استأصل قوة جموع الوطن أيضاً، ففي عودة عقبة إلى القيروان من هذا الفتح هبطت إليه كاهنة جبل أوراس في جموع كثيرة وهو في قلة من أصحابه فكانت الوقعة الكبرى التي استشهد فيها عقبة وصاحبه وقال فيها أبو المهاجر كلمته الكبيرة الخالدة التي جعلناها عنوانا لهذه القصة.
كان عقبة في فتوحه مستصحباً معه أبا المهاجر وصاحبه كسيلة معتقلين، وكان يذيق كسيلة أنواع الإهانة والإذلال وكان أبو المهاجر يحذره عاقبة تلك المعاملة المخالفة لما كان عليه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في معاملته للأسرى ولعظماء الناس.
لقد صدق ظن أبي المهاجر فإن كسيلة لما رأى قلة جماعة عقبة لرجوع الجيوش قبله إلى القيروان أرسل إلى قومه يعلمهم بذلك فجرأهم ذلك على ملاقاته والنزول إلى قتاله بعد ما كان الخوف والرعب قد ألجأهم إلى شعاب الجبال، فكانت تلك الوقعة.
علم عقبة أنه مستشهد لا محالة فسرح أبا المهاجر من معتقله وأمره باللحوق بالقيروان ليتولى أمر الناس لعلمه بسهولة الوصول عليه لحسن علاقته مع كسيلة وحسن سمعته عند قومه ويغتنم عقبة الشهادة فنسي أبو المهاجر كل ما كان فيه وكل ما لحقه من عقبة وقال له: "وأنا أغتنمها أيضا" ونزل المعترك كأصحابه واختاروا الموت الشريف على الأسر والهوان (1) فاستشهدوا عن آخرهم وكانوا زهاء ثلائمائة من الصحابة والتابعين رضي الله.

العبرة:
عندما تكمل في القادة أخلاق الرجولة ويتحدون في الإيمان
__________
(1) راجع "تاريخ الجزائر في القديم والحديث" للأستاذ الميلي.
(4/288)

بالمصلحة المشتركة العليا، وفي السعي لغاية واحدة - لا يحول بينهم وبين القيام بجلائل أعمالهم والبلوغ إلى غاياتهم، ما تقل السلامة منه بين البشر من الحزازات الشخصية وإن نالهم من ذلك ما لا بد منه من أثره السيء في طريق سعيهم وسرعة وصولهم.
فسوء معاملة أبي المهاجر لعقبة كانت نتيجة معاملة عقبة له التي تجاوزتها في الإهانة، حتى ارتكب عقبة ذلك المركب القبيح الوخيم العاقبة في معاملة كسيلة، لكن القائدين العظيمين كانا يؤمنان إيمانا واحدا بالمصلحة المشتركة العليا، ويعملان لغاية واحدة هي إعلاء كلمة الإسلام واغتنام الشهادة في سبيله، فلم يأل أبو المهاجر في نصح عقبة وهو تحت قيود الاعتقال ولم يتوقف عقبة في سراح أبي المهاجر ليتولى الإمارة بالقيروان ولكن الغاية الكبرى عند أبي المهاجر- كما هي عند مثله- هي الموت في سبيل الله والفوز بالشهادة فقال: "وأنا أغتنمها أيضاً" وما كانت تلك الوقعة التي خسر بها الجيش الإسلامي أولئك الأبطال إلا أثراً لازماً لتلك الحزازات الشخصية والنقائص البشرية. ولكل شيء أثره في هذه الحياة.

القدوة:
ضرب أبو المهاجر القائد العظيم أسمى مثل في نسيان النفس، والزهد التام في الحياة الدنيا ورئاستها، والرغبة الصادقة في نيل الشهادة، كما ضرب أسمى مثل في الشجاعة والإقدام والتضامن التام مع الأصحاب في وقت الشدَّة، وطرح كل أمر شخصي إزاء الصالح المشترك العام. فرحمه الله وجازاه الله وجازى من معه عن الإسلام وعنا خير الجزاء (1).
__________
(1) ش: ج 3، م 15، ص 116 - 118 غرة ربيع الأول 1358ه - أفريل 1939م.
(4/289)

مصرع ظالم

ولي يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف وكاتبه إمارة إفريقية من قبل يزيد بن عبد الملك الخليفة الأموي، فقدمها سنة إحدى ومائة, فأراد أن يسير في الأمازيغ سيرة مولاه الحجاج فيمن أسلم من أهل سواد العراق، فإن الحجاج ردهم من الأمصار إلى قراهم ورساتيقهم، ووضع الجزية على رقابهم كما كانت تؤخذ منهم قبل أن يسلموا، فلما عزم يزيد على ذلك في أهل إفريقية تآمروا على قتله فقتلوه، وولوا مكانه عليهم محمد بن يزيد مولى قريش الذي كان عاملاً عليهم قبل يزيد، وكتبوا إلى أهل يزيد بن عبد الملك: "إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة ولكن يزيد ابن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى به الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك".

إباء وعدالة:
سيم خطة خسف شنيعة هؤلاء الأفارقة فيما أرادهم به هذا العامل الظالم فأبوا وأوردوه مورد الظالمين أمثاله.
ورأى الخليفة صدق طاعتهم وعدل حكمهم فأقرهم على ما فعلوا, في قتل من قتلوا وولاية من ولوا.
ولقي هذا الظالم من الأفارقة ما لم يلقه مولاه وأستاذه الحجاج بالعراق.

عبرة في مقتله:
كان الوضاح بن أبي خيثمة حاجب عمر بن عبد العزيز الخليفة
(4/290)

الأموي الراشد. فلما مرض عمر أمره بإخراج المحابيس فأخرجهم سوى يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاز وكان إذ ذاك سجيناً، فلما مات عمر هرب الوضاح إلى إفريقية خوفاً من يزيد بن عبد الملك الخليفة بعد عمر فبينما هو بإفريقية إذ قيل قدم يزيد بن أبي مسلم والياً فهرب منه الوضاح لما يعلم من حقده عليه من يوم تركه في السجن دون سائر المحابيس فطلبه يزيد حتى ظفر به فلما حمل إليه ورآه قال له طالما سألت الله أن يمكنني منك فقال له الوضاح: وأنا طالما سألت الله أن يعيذني منك، فقال له يزيد: ما أعاذك الله والله لأقتلنك, ولو سابقني فيك ملك الموت لسبقته، ثم دعا بالسيف والنطع فأتي بهما وأمر بالوضاح فأقيم بالنطع وكتف وقام وراءه رجل بالسيف وأقيمت الصلاة فخرج يزيد إليهما فلما سجد أخذته السيوف سيوف أولئك الأباة من الأفارقة فقتلوه جزاء ظلمه وخروجه فيهم عن حكم الإسلام، ثم أدخل على الوضاح من قطع كتافه وأطلق سراحه.
وهكذا جاء الفرج بعد الشدة, وقلب الله أمر الرجلين في فترة قصيرة جداً, فأمسى الأمير قتيلاً, والمكتوف في النطع حراً طليقاً، ونجَّى الله حاجب الإمام العادل، وأهلك الظالم مولى الظالم.
والحمد لله رب العالمين (1).
__________
(1) ش: ج 4 م 15، ص 169 - 170 غرة ربيع الثانى 1358ه - ماي 1939م.
(4/291)

السر كل السر في الأرواح

قد ينبثق الفرعان من أصل واحد ويهبط الإخوان من صلب واحد وتجمعهما رحم واحدة ويعيشان عيشة واحدة ثم يكون هذا في مستوى وهذا في مستوى دونه بمنازل.
ما ذلك الإختلاف مع ذلك الإتفاق إلا لسر في النفس هو خفي كحقيقة النفس ..
وهذه القصة التي ننقلها عن ابن أبي الحديد في الأخوين الكريمين الشريفين العظيمين: أبي الحسن الرضي وأبي القاسم المرتضى- عبرة بالغة في ذلك. قال: "حكى أبو حامد بن محمد الأسفرايني الفقيه الشافعي، قال: كنت يوماً عند فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة "من بني بويه" فدخل عليه الرضي أبو الحسن فأعظمه وأجله ورفع من منزلته وخلى ما كان بين يديه من القصص والرقاع وأقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف، ثم دخل بعد ذلك المرتضى أبو القاسم- رضي الله عنه- فلم يعظمه ذلك التعظيم ولا أكرمه ذلك الإكرام وتشاغل عنه برقاع يقرأها وتوقيعات يوقع بها فجلس قليلاً وسأله أمراً فقضاه ثم انصرف.
قال أبو حامد: فتقدمت إليه وقلت: أصلح الله الوزير، هذا المرتضى هو الفقيه المتكلم صاحب الفنون وهو الأمثل والأفضل منهما، وإنما أبو الحسن شاعر. قال فقال لي إذا انصرف الناس وخلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة وكنت مجمعاً على الإنصراف فجاءني أمر لم يكن في الحساب، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن انفضَّ الناس
(4/292)

واحداً فواحداً فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه دعا بالطعام فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر غلمانه ولم يبق عنده غيري قال لخادم له هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام وأمرتك أن تجعلهما في السفط الفلاني فأحضرهما فقال هذا كتاب الرضي، إتصل بي أنه قد ولد له ولد فنفذت إليه ألف دينار وقلت هذه للقابلة فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال، فردها وكتب إلي هذا الكتاب فأقرأه.
قال أبو حامد: فقرأته فإذا هو اعتذار عن الرد ومن جملته: "إننا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة وإنما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا ولسن ممن يأخذن أجرة ولا يقبلن صلة".
قال الوزير: فهذا هذا، وأما المرتضى فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الأملاك ببادوريا "بالجانب الغربي من بغداد" تقسيطاً نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى فأصاب ملكاً للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهماً ثمنها دينار واحد، وقد كتب إليَّ منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب، فأقرأه.
قال أبو حامد: فقرأته فإذا هو أكثر من مائة سطر يتضمن من الخضوع والخشوع والاستمالة والهز والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه.
قال الوزير فخر الملك: فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل، هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد ونفسه هذه النفس أم ذلك الذي لم يشهر إلا بالشعر خاصة ونفسه تلك النفس؟ فقلت وفق الله تعالى سيدنا الوزير فما زال موفقاً، والله ما وضع سيدنا الوزير الأمر إلا في موضعه، ولا أحله إلا في محله، وقمت فانصرفت.
وفي هذه القصة إلى ما قصدناه منها نموذج من مجالس الوزراء
(4/293)

وآدابهم ومعاملتهم للناس على منازلهم وضبطهم لمكاتبهم والعناية بالري وحفر الأنهار مما ازدهر به عماران (1) العراقي من الناحية في تلك العصور أي ازدهار وآثار تلك العناية باقية على الزمان إلى اليوم (2).
__________
(1) كذا في الأصل ولعله: عمران العراق.
(2) ش: ج 5، م 15، ص 213 - 215 غرة جمادى الأولى 1358ه - جوان 1939م.
(4/294)

عاآثار ابن باديس
قسم الرحلات
(4/295)

للتعارف والتذكير

عرفتني تنقلاتي في بعض قرى ما في قلوب عامة المسلمين الجزائريين من تعظيم للعلم وانقياد لأهله إذا ذكروهم بحكمة وإخلاص.
ما حللت بقعة إلا التف أهلها حولي يسألون ويستمعون في هدوء وسكون وكلهم أو جلهم منتمون للطرق من مقدم وشاوش وخوني.
ما كنت أدعوهم في جميع مجالسي إلا لتوحيد الله والتفقه في الدين والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ورفع الأمية والجد في أسباب الحياة من فلاحة وتجارة وصناعة وإلى اعتبار الأخوة الإسلامية فوق كل مذهب وطريقة وجنس وبلد، وإلى حسن المعاملة والبعد عن الظلم والخيانة مع المسلم وغير المسلم، وإلى التزام القوانين الدولية التي لا بد منها لحفط النظام.
كنت أذكرهم بهذا كله وأقرأ على وجوههم سمات القبول والإذعان وأنا على يقين من بقاء أثر نافع لذلك بصدق وعد قوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}.

الحروش:
بهاته القرية مسجد السيد لمعاوي علي ولكن القرية تقتضي جامع جمعة فذكرناهم في شأنه واتفقت كلمة الجمع على أن الذي يقدر على إنهاض الناس لبنائه هو السيد أحمد بن حربي والسيد بوقادوم فوعدا بالعمل وفقهم الله لإنجازه.
زيادة على المجالس العامة كان التذكير في المسجد إثر الظهر بفقه
(4/297)

تكبيرة الإحرام والسلام، وبعد العصر بالاهتمام بالشؤون العظيمة وأخذ ذلك من قوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} واستطردنا إلى تفسير سورة: {أَلَمْ نَشْرَحْ}.

عزابة:
لقينا إلى محطة السانشارل في سيارتين قاضيها العلامة الشيخ صالب علاوة بن الجودي وبعض النواب البلديين وأعيانها فيممناها إلى حانوت الأديب السيد محمد جلواجي وحانوته مجمع أهل الفضل من القرية ونواحيها ولا نطيل بتفصيل ما لقيناه من إكرام وعناية نكل ثوابهم عليهما إلى الله وإنما نذكر ما يتعلق بالتذكير والإرشاد.
كان الدرس العام بعد العشاء بالمسجد وهو- محل مكترى- في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} واستطردنا إلى مظاهر تلك الأخوة في الصلاة وحكمة بناء المساجد، وذكرناهم بإتمام ما كانوا وضعوا أساسه من بناء جامع الجمعة، وقد علمنا بعد سفرنا أنهم شرعوا في العمل وفقهم الله للتمام.
كنت أجيب عندما أسأل عن المقدمين بأن الذي يستحق التقديم هو من يكون عارفاً معرفاً داعياً إلى التوحيد والاتحاد متمسكاً بالسنة وأشرح لهم ذلك ولقد لقيت من المقدمين من هو موصوف بهذه الصفات أو عامل على أن يتصف بها فمنهم السيد حسن ابن سيدي حمادي ومنهم السيد معطي الله محمود وقد دعانا السيد حسن إلى منازله خارج عزابة وكان التذكير بدرس في الأصول العشرة التي لا يكون المؤمن مؤمناً إلا بها وهي مما لا تختلف فيه فرق الإسلام. وكان الشيخ قائماً بنفسه على خدمتنا داعيا أتباعه إلى الاهتداء بما أمليناه عليهم من دلائل الكتاب والسنة.
(4/298)

ودعانا السيد بومعيزة بلقاسم قائد دوار الزاوية وهو من أعيان بيت بومعيزة الشهيرة في تلك النواحي، وهو رجل مرضي عليه من جميع الناس هنالك في دينه وأخلاقه ومخزنيته.

سكيكدة:
كان غالب جلوسنا في حانوت السيد محمد قلمين النائب البلدي وكان الناس من جميع طبقاتهم يترددون علينا للسؤال وسماع التذكير وكان المكلف بدعوة الناس للمسجد وقع له شغل فلم يقم بما عهد إليه فلم يكن درس عام.

سانطارنو (1):
حللنا بالبناية التي أسسها الشاب الأديب السيد محمد بن الموفق للتعليم والتهذيب بتأييد فضلاء البلد وهنا هيئة بارزة منهم فيهم العلامة الشيخ القاضي معيزة أحمد والسيد البجاوي حسن والسيد حكيمي أحمد والسيد ابن دالي مصطفى وغيرهم ينسى أسماؤهم الذهن ولا ينسى ودَّهم القلب.
كان التذكير في مجلس عام بالسوق في اسمه تعالى: {الصَّمَدُ} وفي تفسير مختصر لسورة الفاتحة، وكان التذكير ليلا في مجلس حافل بالمدرسة الموفقية في لزوم التعلم ورفع الأمية واستطردنا إلى تفسير صدر سورة العلق.

مجاز الدشيش- وسيدي مزريش:
لقينا في سيارة إلى محطة الحروش آل بوصاع القائد عمار والسيد بولخراص والشيخ محمد بن دويدة ووصلنا إلى مجاز الدشيش فنزلنا
__________
(1) تسمى هذه البلدة الآن بالعلمة.
(4/299)

عند السيد الزيتوني بوصاع وسألنا عن الإسلام الصحيح فأجبنا بأنه ما في القرآن والسنة بَيَّنا القرآن وَبَيَّنا أثر القرآن في العرب وكيف تطوروا به ذلك التطور الغريب السريع من انحطاط الجاهلية إلى رقي الإسلام وما يناسب هذا من التذكير.
ثم امتطينا السيارة إلى قرية سيدي مزريش فوجدنا الناس قد جاءوا من الجهات للقائنا فكانت مجالس عديدة للتذكير وكانت الصلاة في مسجد القرية الذي أسسه القائد عمار بوصاع من خالص ماله وحبس عليه ما يقوم بنفقته. وألقينا به أثر صلاة العصر درساً في فقه أعمال الصلاة وحكمها وسمعت هذا الرجل وهو قائد يخاطب الناس يا أولادي ورأيتهم يعتبرونه كأب فتراه- مع شدة احترامهم له ونفوذ كلمته التامة لهم- كأنه واحد منهم يجلس في مجالس التذكير في أخريات الناس. حقاً إن الاحترام الحقيقي هو احترام القلوب التي لا تملك إلا بالإحسان.
لقد كان الفضلاء الذين نحلُّ عندهم يقومون بأنفسهم لجمع اشتراكات "المجلة" ممن له قدرة وعنده رغبة بدون أن نتحمل أدنى تعب في ذلك. منهم السيدان الواعر محمد وكربوش السعيد بالحروش والسيد جلواجي والشيخ حسن بعزابة والسيدان محمد بن عيسى وبلقاسم بن عبادة بالسكيكدة والسيدان محمد بن الموفق وبدور اسماعيل وغيرهما بسانطارنو والسيد محمد قرفي بسيدي مزريش فشكر الله لهم سعيهم (1).

عين مليلة:
حللت لها يوم السباق فوجدتها تموج بالخلق موجا وكان نزولي
__________
(1) ش: ج 7، م 5، ص 37 - 41 غرة ربيع الأول 1348ه - أوت 1929م.
(4/300)

بالمكتب القرآني الذي أسسه السيد أحمد بن المولود في محل تبرع به للتعليم السيد المعراضي الميزابي الشهير فرأيت من تلامذة المكتب ذَكاة وإقبالا لو كان مثله عند جميع سكان البلدة لما كفى أبناءهم أكبر من ذلك المكتب أضعافا.
اجتمع عليَّ بذلك المكتب أعيان البلدة وأهل العلم الذين صادفتهم بها فاقترح السيد أحمد بن المولود إلقاء درس في قوله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «الدين النصيحة» فلما فرغت منه ألقى الشيخ عبد اللطيف القنطري المتطوع بجامع الزيتونة والشيخ الشريف حجازي والشيخ الحاج مسعود القسني والشيخ بلقاسم البسكري المقري السبعي والشيخ أحمد بن المولود خطابات بمقاصدي من هذه الرحلة والدعوة إلى الاستفادة منها. وختم الحفلة السيد دنيا زيدان بأبيات في الحث على التعلم والاتحاد والتنويه رقيقة كان لها أجمل وقع في قلوب الحاضرين وهي هذه:
إلى فائق الأنداد مجداً وسؤدداً … أزف قصيداً كاد أن يبلغ المدى
أعرني بياناً- أيها الحبر- كافياً … يكون لديَّ الشعر منه مؤيدا
فأربو على ذاك الفخور بقوله … (إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا)
فيالك من شيخ حكيم مفضَّل … نضا لخطوب الدهر سيفاً مجردا
وقام بدين الله في كل موقف … ينادي ألا يا قوم سيروا إلى الهدى،
وحارب جيشاً للجهالة عاملا، … بعلم كموج البحر فاض وأزبدا
وجيش من قول فصيح فيالقا … تخرُّ لها الأعداء في الأرض سجدا
فصان حقوق الله من كل جائر … ولم يخش قول المفسدين من العدا
وأسكت "أشيلي ربير" مبيناً … فضائل ذا الإسلام شرعة أحمدا
إذا ما رماه الدهر يوما بريبة … تنادى شجاعا: ايه يا دهر بالردى
فأهلا بندب حل بلدتنا التي … تمد إلى"عبد الحميد" يد الندا
(4/301)

ورغب الجماعة مني إلقاء محاضرة في النادي فألقيتها من الغد في ضرورة الاجتماع للبشر وفوائده وتطبيق ذلك على قواعد الإسلام الخمس وكان لها- إن شاء الله- أثرها الحسن المقصود.
في عين مليلة جامع جمعة أسسه منذ سنوات السيد عمر بن شعلال دار حوله كلام لعدم تسجيل التحبيس تسجيلا قانونيا حتى عزم جماعة من أهل البلدة برئاسة السيد المعراض على تأسيس جامع آخر وعينوا الأرض وشرعوا بالفعل في جمع المال فلما اجتمع بنا السيد عمرو حادثناه في ذلك أكد لنا أنه عازم على التسجيل الرسمي وأنه فوض توفيق الرسم للعلامة الشيخ الصالح بن الموفق قاضي الخروب فقلنا لمن حضر من الجماعة إذا تم عمل السيد عمر كما أردتم فإننا لا نرى وجهاً لتأسيس جامع آخر مستغنى عنه. وخير للبلدة لو أسسوا بدله مكتبا نظاميا للتعليم.
مكثت يومين في البلدة ضيفا على السيد أحمد بن المولود ودعيت للغداء في اليوم الثاني عند السيدين بكير وسليمان أبناء السيد إبراهيم وهما من أصدق من رأيت في محبة التآخي والاتحاد.

أم لباقي:
قد رأيت في عدة بلدان سوء أثر الانتخابات بالفرقة التي تركتها بين المسلمين ولكن أقبح مظهر رأيته منها هو مظهر هاته البلدة فهي على حزبين متعاديين متقاطعين وهما حراكتة بنو أصل واحد، وقد شملت هذه الفرقة طلبة العلم الذين ينتظر منهم إزالتها فكانوا من صلاتها. ويقول هؤلاء الطلبة أنهم لو سعوا في الصلح وأظهروا تسامحا مع "العدو" لنبذهم قومهم وربما آذوهم. وهم لا يستطيعون تحمل الأذى في سبيل الله. ولو كان لهذه القرية جامع لأمكن- بإذن الله- تقريبهم من بعضهم بتذكيرهم بالله، ولكن هذه القرية لا جامع لها،
(4/302)

بلى لها جامع هو رمال وحجارة مكدسة على قطعة أرض منذ سنوات حالت أدواء الفرقة بين القوم وبين المبادرة في بنائه. وهو اليوم في عهدة رئيس جمعية الجامع السيد معمر بن غراب النائب المالي لقسم- البيضاء تبسة خنشلة- وفقه الله إلى تنجيز بنائه فهو أفضل أعماله.
تلقاني للمحطة السيد بلقاسم الزغداني التلميذ بجامع الزيتونة ضيفا في دار أبيه السيد محمد الطاهر أحد أعيان الحراكتة وفضلائهم وذوي الدين ومحبة العلم والتعليم منهم. وتغذيت من الغد عند القائد السيد الباشا من آل بني حسين أعيان "الخنقة" بيت مجد قديم يروون عن أوائلهم اتصال نسبهم ببني أمية والقائد يمثل بأخلاقه وسيرته المجمع على حسنها وامتيازها- ما يصدق ذلك المجد وينميه.
صادفت بهاته القرية افتتانا برجل جريدي ذى لباس وسخ مستقذر زعموا أنه يحدثهم عن ماضيهم وسوابقهم وأنه كان بقسنطينة معظما عند أعيانها وحُكامها وأنه من الأولياء الصالحين وأنه ... وأنه ... فألقيت على من حضر العشاء في بيت السيد الزغداني من القياد والأعيان درسا في بيان معنى الولي وأنه لا يكون إلا مؤمنا تقيا وأن حظ كل أحد من ولاية الله على قدر حظه من الإيمان والتقوى وأن الأخبار عن الماضي من عمل الكهان وهم ملعونون ملعون من يأتيهم. وفارقت القرية والرجل فيها. فلما بلغت إلى قرية أخرى كبيرة وجدت أخباره فيها عما سلبه من أموالهم بالدجل عليهم وهم يعضون أصابع الندم على ما كان من غفلتهم وغرورهم- حاشا بعضهم- به. وصفة هذا الدجال أنه أسمر اللون مربوع القامة عريض الأكتاف قذر الثياب لهجته جريدية، فليكن الناس منه ومن مثله على حذر.

عين البيضاء:
عاصمة الحراكتة ومركز تجارتهم. حللتها ضيفاً على الأديب السيد
(4/303)

العربي موسوى الصايغي الوكيل الشرعي بها وأنزلني ببيث الضيوف من جامعها الذي كانت توسعته وتأثيثها من آثار هذا الرجل ومن وازره من أهل الخير والدين كما ضفت عند فضيلة الشيخ القاضي سيدي عبود الونيسي آخ شيخي وأستاذي العلامة الفقيه سيدي حمدان الونيسي دفين الطيبة عليه الرحمة والرضوان. وعند الشاب السري السيد عبد الرحمن بن الشيخ الكامل بن عزوز رحمه الله.
في هذه البلدة جماعة من أهل العلم والأدب منهم الشيخ السعيد الزموشي المدرس- تطوعا- بجامعها ومنهم الشيخ حسن بولحبال ومنهم الشيخ الطاهر بن الأمين ومنهم السيد العربي المذكور ومنهم الشيخ عبود الونيسي قاضيها والشيخ الزواوي بن معطي إمام الجامع وغيرهم وبها نشء علمي متهيء لطلبه.
إقترح الأستاذ السعيد الزموشي علي إلقاء درس في قوله تعالى:
{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} فألقيت درساً بالجامع في الآية المذكورة فبينت دعوة الله عباده إليه ودعوة الخلق إلى خالقهم ودعوتهم خالقهم وأن الدعاء عبادة وأن العبادة لا تكون إلا لله فدعاء غير الله ضلال ودعاء غيره معه شرك وسأل الشيخ المدني الخنقي عن التوسل وهو قول الداعي "اللهم إنني أتوسل إليك بفلان" فأجبنا جواز ذلك في حق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- لحديث الأعمى وأما غيره فلا نقيسه عليه. وبينت أن المراد من دعاء الكافرين عبادتهم ودعاؤهم لطواغيتهم وأما دعاء الكافر إذا كان مظلوما فإنها مستجابة كدعوة كل مظلوم لأن الله تعالى حرم الظلم من كل أحد على أي أحد.
بعد ما فرغ السيد موسوي العربي من إصلاح المسجد الجامع أخذ
(4/304)

في إصلاح مسجد آخر كان زاوية، وهو من حبس السيد خليفة حمه علي أبي شاعر الشباب السيد محمد العيد فأزال منه الصناجق والأعلام التي كان وجودها ذريعة لتمسح العوام بها كما يتمسحون بتوابيت المقابر وأحجارها مما هو بدعة منكرة شبيهة بأعمال الوثنيين سرت إلينا من اليهود الذين يقبلون القبور والستور. ولولا العزم على السفر ولزوم تخفيف الإقامة لإتمام برنامج الرحلة لأتممت للسيد العربي رغبته في إلقاء درس بهذا المسجد، ولبينت للناس حسن صنيعه به.

مسكيانة:
أخذني من البيضاء إلى مسكيانة الشاب المهذب الماجد السيد السعيد بن زكرى خوجة حاكمها ونزلت في بيت جامعها ولقيت مزيد العناية من إمامه الشيخ مامي الشريف وأضافنا قائدها السيد إبراهيم آل بن بو زيد بيت الحراكتة من قديم والسيد أحمد بن فجني معين الطبيب وبالغ أهلها في الاحتفاء والاعتناء وكانت لنا مجالس في عدد من محلاتهم التجارية لم تخل من تعليم وتذكير. وألقيت بجامعها بعد العشاء الليلة الأولى درساً في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ- إلى- فَاصْبِرْ} فذكرت حاجة الأعمال العظيمة إلى الجد والنهوض والصبر والثبات وإن أعظم محصل للصبر هو إخلاص العمل لله، وما يجب لله من تكبير وما يجب للخلق من نفع وما يجب للنفس من تطهير حسي ومعنوي وما في الآية من بديع الترتيب. وألقيت الليلة الثانية درساً في قوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا} وذكرت شرف هذا الإسم وهذه التسمية وما تقتضيه من صفات السِّلم والسلامة والإسلام أي الإنقياد بالأعمال الشرعية لله والإخلاص فيها له (1).
__________
(1) ش: ج 9، م 5، ص 40 - 44 غرة جمادى الأولى 1348ه - أكتوبر 1929م.
(4/305)

جولة صحافية

عقدنا رحلة بالشهر الماضي إلى الناحية الغربية من العمالة لخدمة المجلة وكانت الرحلة على هذا الترتيب: سطيف. البرج. تازمالت. آقبو. زاوية سيدي عبد الرحمن اليلولي بسيدي عيش (1). بجاية. عزازقة، تيزيوزو. دلس. تاقزيريت. آزفون. فورناسيونال. (الأربعاء): ميشلي (عين الحمام) إلى تازمالت. محطة القطار إلى قسنطينة. ولقد لقينا في كل محل دخلناه ما عرف به شعبنا الجزائري العظيم من كرم وأريحية. وخصوصا من أهل سيدي عيش بني وغليس الأكارم ومن أهل آقبو ومن أهل دلس. فلهم شكرنا وجميل دعائنا دعاء المؤمن لأخيه.
وما كان أشد أسف الناس في جميع هاته البلدان لما كنت أرد طلبهم من إلقاء بعض الدروس الدينية، معتذرا بالمنع الحكومي الذي كنا نشرناه وقد كنا بالسنة الماضية ننشر ما نلقيه من الدروس على صفحات المجلة تعميما للفائدة وليكون ما نقول معلوما عند الحكام أما هذه المرة فلم ننشر شيئا لأننا لم نقل شيئا وهذا هو جوابنا لبعض المحبين الذين (2) رغبوا مني أن ننشر لهم مثل السنة الماضية. وقد شرف الإدارة عدد الأفاضل (3) في أيام غيبتي فأسفت لعدم الاجتماع بهم منهم الشيخ محمد الثميني ومنهم السيد مدير رصيفتنا جريدة
__________
(1) كذا في الأصل وهى واقعة في قمة جبال جرجرة بالقبائل الكبرى.
(2) في الأصل: الذي.
(3) كذا في الأصل ولعله: عدد من الأفاضل.
(4/306)

[صورة: الشيخ الإمام ابن باديس بين جمع من رجال الإصلاح في بجاية بجبل أم فراية]
...

البلاغ الجزائري الغراء. وتأخرنا عن رد مكاتبات وإجابة أسئلة بسبب هذه الغيبة فنعتذر لأصحابها (1).
__________
(1) ش: ج 7، م 6، ص 444. غرة ربيع الأول 1349ه - أوت 1930م.
(4/307)

في بعض جهات الوطن

تكرر الطلب علينا من أصدقائنا
ومريدينا أن ننشر لهم شيئا
عن رحلاتنا الصيفية
فلخصناها فيما يلي:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
-1 -
بعد ما انتهينا من دروس السنة الماضية وقبل انعقاد مجلس إدارة جمعية العلماء في شهر ربيع الأول رأينا أن نعقد رحلة من العاصمة الجزائر إلى وهران فما بينهما من البلدان فاخترت للرفقة من أبنائي التلامذة السيد الفضيل آل الشيخ الحسين الورتلاني والسيد محمد آل الصادق الجندلي فأممنا من قسنطينة العاصمة فأقمنا بضعة أيام ثم شرعنا في رحلتنا فأتممناها في نحو عشرين يوما، وحللنا في مليانة ثم خميس مليانة، ثم الأصنام، ثم غيليزان، ثم مستغانم، ثم أرزيو، ثم وهران وكان الحديث في مجالسنا حيثما حللنا يدور على جمعية العلماء ومقاصدها ومنافع الأمة منها والتنويه بفضل الحكومة بالإذن بتأسيسها مع ما يتخلل ذلك من تذكير بالله وتنبيه على مصالح الدنيا والآخرة وتحريض على التآخي والتآزر وحسن الجوار والمعاملة مع جميع الأجناس المتساكنة في هذا الوطن، وكنا نرى في جميع المجالس إقبالاً وقبولاً مما لا شك معه في بقاء الأثر الطيب في القلوب إن شاء الله.

بعض التفصيل:
مليانة: ممن عرفنا بها المفتي الشيخ وكال محمد عالم قرأ سنوات بالأزهر وأعجبني منه أنني وجدته يطالع شرح تجريد أحاديث البخاري
(4/308)

فشكرت له عنايته بالسنة وقلت له أننا نعرف عقلية الرجل من معرفتنا بالكتب التي يطالعها فمن لا نرى له عناية بكتب السنة فإننا لا نثق بعلمه في الدين، واجتمعنا بالعالم المفكر المثقف الثقافة الصحيحة الشيخ أحمد السبيع الباش عدل وبالعالم الزكي الخبير الشيخ أحمد آل حاج حمو القاضي وبغيرهما من الفضلاء وأضافنا الشيخ السبيع والسيد عبد القادر بن عبد الوهاب وكان مجلس التذكير في بيت الشيخ المفتي أولا ثم كان قبيل المغرب بالمسجد. وقد ظهر لي أن عامة مليانة قليلة الرغبة في العلم فيها فتور وخمود قيض لهم من يوقظهم.

خميس مليانة: ممن عرفنا بها السيد عليش من طلبة العلم النشيطين وهو داعية من دعاة النهوض بالعلم في تلك النواحي بعقل صحيح وعقيدة سليمة، والشيخ الفقيه ابن علي الإمام بالمسجد وأممنا المسجد، فكان المجلس غالباً معموراً بالسامعين، وكان الشيخ ابن علي متصدياً لإلقاء الأسئلة العديدة المتنوعة بأسلوب هو غاية في الأدب واللطف وعقدنا مجلساً عاماً للتذكير حضره جمع غفير من الناس فأزال عنا ما شاهدناه في الخميس من النشاط والرغبة والإقبال ما حملناه من الهم من فتور عامة مليانة وخمودهم، وأضافنا بالخميس السيد عليش والسيد بن علي والسيد عمر بن خلادي والسيد بوكراع الحاج محمد النائب البلدي.

الأصنام: ممن عرفنا من فضلائها مفتيها العالم الماجد الشيخ الوانوغي بن الشيخ بومزراق الزعيم المقراني المشهور والشيخ يمثل شهامة أسرته وكرمهم وهمتهم إلى معارف أكسبته إياها الأسفار والتجارب وهو القائم بالخطبة والتدريس في جامعها، والعلامة الألمعي الشيخ طالب شعيب القاضي بها (والقاضي الآن بالعاصمة) فما شئت من علم وأخلاق وفصاحة واطلاع على شؤون الوقت وعدالة ونزاهة وعقدنا مجلس التذكير بساحة الجامع مساء بحضرة الشيخ المفتي
(4/309)

والعلامة الشيخ ابن عشيط واغتنم الشيخ المفتي فرصة الاجتماع فذكر للشيخ ابن عشيط مسائل شاذة جداً كان يقول بها وناقشه فيها فأبى الشيخ ابن عشيط إلا التمسك بها فقلت له أنني أعظمك وأحبك ولتلك المحبة أرغب منك أن تسكت عن هذه المسائل فلا تذكرها ولا تتحمل مسؤوليتها فرأيت من حضرته انعطافا لقولي وقبولا له. وبلدة الأصنام بلدة تجارية وفي أهلها ذكاء وفهم وقبول للتعليم، وأضافنا فيها قاضيها ومفتيها المعظمان ..

غليزان: أول من اجتمعنا به من فضلائها الأخ الشيخ مولاي محمد أحد أهل العلم وشيخ الزاوية بها وهذا من شيوخ الزوايا الذين لهم رغبة في نشر العلم وهداية الناس وسعة صدر في سماع الحق وأدلته وذهب بنا إلى دكان التاجر النشيط المهذب السيد ابن منصور مصطفى التلمساني ثم اجتمعنا بقاضي البلد العالم الماجد الهمام الشيخ بوخلوه آل بوعبد الله، رجل شهامة وعمل وكرم، واجتمعنا بالسيد المنور كلال رجل يتقد ذكاء ويفيض معرفة ويفوح أدباً ولطفاً، وكنت مشتاقاً للإجتماع بالشيخ سيدي الحاج العربي التواتي وبلغني أنه كان بغليزان ثم بلغني أنه سمع بنا ورآنا ولم يشأ أن يجتمع بنا فعجبنا لذلك وأسفنا ثم زال عجبنا لما بلغنا أن في قلبه شيئاً على جمعية العلماء، وقاها الله شر كل ذي شر- وقلنا لية تنازل فاجتمع بنا فكنا لا نفترق- بإذن الله تعالى- إلا على محبة وخير ورجوع للحق، ولهذا الأخ الشيخ العربي كتاب عندنا يعاتبنا فيه على دعوتنا للتوحيد ويخلط فيه بين دعاء المخلوق وطلب المؤمن الدعاء من أخيه ولعلنا نجد فرصة لنشر هذا الكتاب والتعليق عليه، ووجدنا بغليزان السيد مهدي بن الشيخ بوعبد الله آل بوعبد الله في انتظارنا وهو شاب نجيب تلميذ بجامع الزيتونة فرافقنا إلى تمام الرحلة بوهران ورأينا منه آداباً وأخلاقاً شريفة .. وزارنا في المنزل الأخ العالم الفاضل الشيخ محمد آل سيدي عدة
(4/310)

فأكد علينا في القدوم إلى تيارت وقد كنت عازماً على الذهاب إليها من قبل واستدعانا إلى النزول ضيوفاً عندهم فشكرنا له كرمه ولطفه ووعدناه بالقدوم إليهم. واستدعانا إخواننا المزابيون إلى محلهم وأقاموا لنا احتفالاً حضره جميع أفرادهم واستدعوا بعض أعيان البلد فشاهدنا من أدبهم وكرمهم وحسن اقتبالهم لجمعية العلماء ما سرنا بهم كثير السرور وبلدة غليزان مثل بلدة الأصنام من ناحية التجارة بل أكثر ومثل مليانة من ناحية المعارف، وقد أضافنا فيها فضيلة الشيخ القاضي والشيخ مولاي محمد.

مستغانم: قصدنا من المحطة إلى مسجد الأخ الشيخ بلقاسم ابن حلوش لما بيننا من سابق المعرفة بالمكاتبة وروابط المودة المتأكدة ولأن ابنه الشيخ مصطفى أحد مريدينا ومن أعزهم علينا فتلقيانا بالحفاوة والسرور الزائدين وأنزلنا على الرحب والسعة ومن غده دعا للعشاء معنا أعيان البلد منهم فضيلة الشيخ المفتي سيدي عبد القادر بن قارة مصطفى وسماحة الشيخ سيدي أحمد بن عليوة شيخ الطريقة المشهورة وكان هذا أول تعرفنا بحضرتهما فكان اجتماعاً حافلاً بعدد كثير من الناس، ولما انتهينا من العشاء ألقيت موعظة في المحبة والأخوة ولزوم التعاون والتفاهم على أساسهما وأن لا نجعل القليل مما نختلف فيه سبباً في قطع الكثير مما نتفق عليه، وأن الإختلاف بين العقلاء لا بد أن يكون ولكن الضار والممنوع المنع البات هو أن يؤدينا ذلك الاختلاف إلى الافتراق وذكرنا الدواء الذي يقلل من الاختلاف ويعصم من الافتراق وهم تحكيم الصريح من كتاب الله والصحيح من سنة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم-. فاستحسن الشيوخ الحاضرون ذلك وحل من الجميع محل القبول، والحق يقال أن أغلب الناس ممن رأينا صاروا يشعرون بألم الافتراق وينفرون منه ويصغون إلى دعوة الوفاق والتحاب، وما افترق المجلس حتى دعانا الشيخ سيدي أحمد بن عليوة
(4/311)

إلى العشاء عنده والشيخ الحاج الأعرج بن الأحول شيخ الطريقة القادرية إلى الغداء فلبينا دعوتهما شاكرين، فكانت حفلة الغداء في دار الشيخ سيدي الحاج الأعرج ثم كانت حفلة العشاء عند الشيخ سيدي أحمد بن عليوة حضرها من أعيان البلد ومن تلامذة الشيخ ما يناهز المائة وبالغ الشيخ في الحفاوة والإكرام وقام على خدمة ضيوفه بنفسه فملأ القلوب والعيون وأطلق الألسنة بالشكر، وبعد العشاء قرأ القارىء آيات، ثم أخذ تلامذة الشيخ في إنشاد قصائد من كلام الشيخ ابن الفارض بأصوات حسنة ترنحت لها الأجساد، ودارت في أثناء ذلك مذاكرات أدبية في معاني بعض الأبيات زادت المجلس رونقا. ومما شاهدته من أدب الشيخ مضيفنا وأعجبت به أنه لم يتعرض أصلاً لمسألة من محل الخلاف يوجب التعرض لها على أن أبدي رأيي وأدافع عنه فكانت محادثاتنا كلها في الكثير مما هو محل اتفاق دون القليل الذي هو محل خلاف. لكن السيد أحمد بن اسماعيل صاحب مخازن الاتاي- وكان جالسا على شمالي في المجلس- شاء أن يخرق هذا السياج ويدخل في موضوع ليس حضرته- وله الاحترام- من أهل الكلام فيه فقال: "هؤلاء المفسدون الذين يسمون أنفسهم مصلحين ينكرون الولاية" فرأيت في وجه الشيخ أحمد بن عليوة الإنكار لهذا الكلام الخارج عن الدائرة ووجدت نفسي مضطراً للبيان فقلت له: "إسمع يا سيد أحمد الولاية الشرعية قد جاءت فيها آية صريحة قرآنية" وتلوت له قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ} الآية وتكلمت على شيء من معناها فمن أنكر هذه الولاية. فلفظة مفسد قليل في حقه وحقه أن يقال فيه ملحد. وأما لفحظة مصلح فهي أعلى من هذا وأشرف من هذا كله، وأن المسألة ليست هنا وإنما المهم هو أن جميع علماء الإسلام من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين وشيوخ الزهد المتقدمين تتسع صدورهم لأن يؤخذ
(4/312)

من كلامهم ويرد إلا العامة المنتمين إلى التصوف فإنهم يأبون كل الإباء أن يسمعوا كلمة نقد أو رد في أحد من الشيوخ مع أن غير المعصوم معرض للخطأ دائما في قوله وأفعاله فكأنهم بهذا يعتقدون فيهم العصمة. وقد سئل إمام الطائفة الجنيد: أويزني الولي؟ فأطرق ثم قال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} فهذا يدلنا على ما كان عليه شيوخ الزهد من تعليم الناس بأنهم غير معصومين دفعاً لغلو الغالين وعلى أن فكرة العصمة أو ما يقرب منها موجودة في الأذهان وهي مثار مثل هذا السؤال، فلو أن إخواننا المنتمين للتصوف قبلوا أن يوزن كلام الشيوخ بميزان الكتاب والسنة مثل غيرهم من علماء الإسلام ورضوا بالرجوع الحقيقي لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} لبطل الخلاف أو قل" فرضي أهل المجلس هذا الكلام وسكت السيد أحمد بن اسماعيل وقال الشيخ سيدي أحمد هذا مما لا يخالف فيه أحد فقلت له مثلكم من يقول هذا وتكلم الشيخ المفتي بما فيه تأييد لما قلناه ثم عاد المجلس إلى الإنشاد والمذاكرات الأدبية حتى انتهت السهرة وانصرف المدعون ونحن من جملتهم شاكرين فضل حضرة الشيخ وأدبه ولطفه وعنايته كما شكرنا أدب تلامذته وعنايتهم بضيوف أستاذهم وخصوصا الشيخ عبده ابن تونس تلميذ الشيخ الخاص.
أهل مستغانم أهل ذكاء وحسن نية وإقبال على العلم والشيخ مصطفى بن حلوش قائم في مسجده بالتعليم والإرشاد للعامة بدروس ليلية وساع في تحصيل رخصة من الحكومة لتعليم الصغار. وقد أضافنا فيها الشيخ ابن حلوش أبو مثوانا والشيخ الحاج بن الأعرج والشيخ أحمد بن عليوة والسيد الجيلاني التدلوتي عائلة دين وفضل وعمل، ولو اتسعت المدة لكنا تشرفنا بكثير غيرهم منهم صاحب الفضيلة
(4/313)

الشيخ المفتي العالم المطلع المنصف الذي كاد أن لا يسامحنا بالسفر في اليوم الذي عيناه.
في اليوم الأول من وصولي قصدت إلى دار الحكومة لزيارة السيد السوبريفي م ماصلو الذي كان كاتباً عاماً بدار العمالة بقسنطينة فلقينا ببشر ولطف وسأل عن أهل قسنطينة مما يدل على ما يحمله لهم من الذكر الجميل فأبلغناهم كذلك عواطفهم ودار الحديث على سبب الرحلة ومقصود الجمعية فكان مما قلنا له أننا نريد للمسلمين أن يبلغوا في المعارف والفلاحة والتحارة والصناعة إلى مستوى إخوانهم الفرنسويين ليتعاون الجميع بقوى متكافنة على خدمة الجزائر تحت الراية الفرنسوية ويكونوا مثل جيرانهم اوادم (1) على الحقيقة وتكون حالتهم مناسبة لسمعة فرنسا أم الرقي والمدنية ثم انصرفنا من عنده شاكرين له ما رأينا منه من إقتبال.

زاوية الشيخ ابن طكوك: لزاوية الشيخ ابن طكوك في مستغانم وكيل بلغه أنني أرغب في الذهاب إلى الزاوية للتعرف بأهلها وتعريفهم بالجمعية ومقاصدها فجاءنا بالسيارة إلى المنزل فامتطيناها إلى الزاوية في بوقرات فتلاقانا السيد الحاج مصطفى أحد الإخوة الثلاثة أصحاب الزاوية وشيخ الزاوية السيد عبد القادر كان غائباً وأخوه الشيخ محمد كان متمرضاً فأكرم نزلنا وبتنا ليلة وودعناهم في صبيحتنا، وحدثناه عن الجمعية فأظهر ابتهاجه بها وقدم مائتي فرنك لإعانتها.
واحتفل بنا في مستغانم جماعة إخواننا الإباضية ولقينا منهم من الإكرام مثل ما كنا نلقاه دائماً منهم في رحلتنا (2).
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) ش: ج 11، م 7، 663 - 671 غرة رجب 1350ه - نوفمبر 1631م.
(4/314)

في بعض جهات الوطن
-2 -

قرية آرزيو:
نزلنا ضيوفاً على العالم الأديب الشيخ أبو عبد الله آل أبي عبد الله، عالم فصيح اللسان صحيح الإدراك مستقيم الفكر مهيب الطلعة معترف له بالعلم والفضل، وصادف قدومنا يوم الجمعة فصليناها خلفه وألقينا درساً أثرها وتوافد الناس علينا مساء من تلك النواحي فوسعهم كلهم كرم الشيخ أبي عبد الله وباتوا في ضيافته وقدم إلينا فضيلته قصيدة بليغة في ذكر جمعية العلماء سنحلي بها بعض الأجزاء القادمة.

وهران:
لما وصلنا وجدنا في انتظارنا جمعاً من أعيانها منهم فضيلة المفتي الشيخ الحبيب بوخالفة وفضيلة الشيخ الطيب المهاجي وغيرهما، وكانت حفلة الفطور في بيت آل المهاجي الكريم وكانت حفلة العشاء عند الجمعية الخيرية الإسلامية بمحلها وكانت حفلة حفلى دعيت إليها طبقات الناس وكنا يومنا الثاني في ضيافة الشيخ المفتي، وكنا في كل حفلة من هذه الحفلات نلقي ما يسر الله من الوعظ والتذكير وخصوصا في حفلة الجمعية الخيرية وكان الذي افتتح الحفلة مرحباً بالضيوف بلسان الجمعية العالم الألمعي السلفي الشيخ الطيب المهاجي. ولقد رأيت من أهل هذه العاصمة الغربية لقطرنا الجزائري تعطشا للعلم وإقبالاً على سماعه ولقيت فيها نخبة الفضلاء ذوي المعارف المتعلمين
(4/315)

بالفرنسية على جانب من الدين والقومية، وما كان اليومان اللذان أقمناهما بتلك العاصمة الكبيرة، ليكفيا في التعرف عليها وكمال الغرض من الاجتماع بفضلاء أهلها وقفلنا منها إلى الجزائر العاصمة لنحضر اجتماع مجلس إدارة جمعية العلماء، وقصصت على إخواني بالمجلس حديث رحلتي وما كان من نشر دعوة الجمعية وما كان من إقبال الناس عليها وما كان من شبه عرضت لبعض فيها فأزلناها لما سألونا عنها (1).
__________
(1) ش: ج 12، م 7، ص 773 - 774 غرة شعبان 1350ه - ديسمبر 1931م.
(4/316)

رحلتنا إلى العمالة الوهرانية
باسم الجمعية
ــــــــــــــــــــــــــــــ

تمهيد:
لما كان مقصود الجمعية هو محاربة الآفات الاجتماعية وكانت طريقة الوعظ والإرشاد بالهداية القرآنية هي أنجع دواء لذلك عند المسلمين قررت أن ترسل أفراداً من أهل العلم بنواحي القطر للقيام بهذه المهمة العظيمة ورأت أن تبتدىء بالعمالة الوهرانية، فكلفت هذا العاجز أن يقوم بذلك وأن يستعين في رحلته بكل من يكون في طريقه من أهل العلم فقبلت بذلك واستعنت بالله.

تاريخ بداية الرحلة ونهايتها:
سافرت من العاصمة يوم الأربعاء 27 محرم وحللت بها صبيحة الثلاثاء 1 ربيع الأول.

البلدان التي زرتها:
المدية البرواقية، قصر البخاري، الجلفة، الأغواط، آفلو، سوقر، تيارت، فرنده، معسكر، سعيده، البيض، وهران، سيدي بلعباس، تموشنت، تلمسان، مغنية، الغزوات، ندرومه، آرزيو، بريقو، مستغانم، زاوية الشيخ ابن طكوك، غليزان.

ماذا كنت أقوم به في كل بلدة:
كنت أزور في الأكثر قبل كل شيء المسجد لأن البداءة به هي السنة ولألفت نظر الأمة إلى حرمة المسجد وفضله وأنه هو الأحق بأن يقصد
(4/317)

عند الملمات للوقوف بين يدي الله والحصول على أقرب أحوال العبد إلى مولاه وهي السجود فإن العامة فيما رأيت من كثير منهم يفزعون إلى البناءات المضروبة على الأضرحة ويظهرون فيها من الخشوع والخضوع ما لا أراه منهم في بيوت الله ومن ذا الذي يسوي بيت الخالق ببيت المخلوقين لولا انتشار الجهل وكثرة الغفلة والسكوت عن الحق وقعود من لا يجوز لهم القعود عن التعليم والتبيين ثم أزور ممثل الحكومة في البلدة من بريفي أو سوبريفي أو متصرف ثم أزور ممثل الأمة الفرنسية والعربية وهو المير إذا كان بالبلدة مير ثم ألقي الدرس العام في المسجد.

موضوع الدرس ومادته:
كانت الدروس كلها حثاً على الفضائل وتنفيراً من الرذائل وبياناً لحقائق الدين التي بمعرفتها يكمل الإنسان في إسلامه وفي إنسانيته ودعوة للتوحيد والاتحاد والإحسان إلى جميع العباد وحثاً على التآلف والتعاون مع جميع السكان على اختلاف الأجناس والأديان، وكانت مادة الدرس دائما آية من كتاب الله مشفعة بحديث رسوله عليه وآله الصلاة والسلام، وكنت بعد الدرس أعرف الناس بالجمعية ومقاصدها حسبما هو مبين في قانونها الأساسي، وألخص لهم وصايا الجمعية في هذه الكلمات الثلاث: تعلموا- تحابوا- تساموا- وأشرحها لهم وأذكر لهم فوائدها ثم أبين لهم أن الجمعية للجميع وأنها ليست ضداً لأحد لا للزوايا ولا لغيرها وأن غرضها هو نشر العلم والفضيلة بين الجميع ثم أذكر لهم فضل الحكومة التي أذنت لهذه الجمعية وفضل رجالها الذين لاقينا منهم حسن المقابلة والتأييد.

الإشاعات الباطلة:
قد منيت هذه الجمعية بمن يحاربها بالباطل ويعرقلها بالإفك ويستحل
(4/318)

في إذايتها العظائم فأشاعوا عنها كل إشاعة شنيعة ورموها بكل نقيصة ورذيلة حتى قالوا أنها جمعية تنكر البعث والنشور دع ما هو دون ذلك، ولكننا كنا- والحمد لله- لا نفرغ من الدرس العام حتى تنحل عقد الشيطان كلها ويقول الناس بلسان قالهم أو حالهم: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}.

الأسئلة والأجوبة:
أكثر ما سئلنا عنه بوجه عام هو التصوف والولاية والكرامة والتوسل فكنا نجيب بأن ما كان من باب تزكية النفس وتقويم الأخلاق والتحقق بالعبادة والإخلاص فيها فهو التصوف المقبول وكلام أئمته فيه ككلام سائر أئمة الإسلام في علوم الإسلام لا بد من بنائه على الدلائل الصحيحة من الكتاب والسنة ولا بد من الرجوع عند التنازع فيه إليهما وكنت أذكر ما يوافق هذا من كلام أئمة الزهد المتقدمين كالجنيد وأضرابه، وكنا نجيب بأن الولاية من الإيمان فأكمل الناس إيماناً أكملهم ولاية وأن الكرامة حق بحقيقتها وشروطها المذكورة في كتب الأئمة وأن تحققها هو التوقف على وجود الصلاح الشرعي فيمن ظهرت على يده لا أن تحقيق الصلاح متوقف عليها وكنا نجيب بأن الدعاء هو العبادة وأنه مخ العبادة كما جاء في الحديث الأول عند أصحاب السنن وأحمد من حديث النعمان بن بشير والثاني عند الترمذي من حديث أنس وكل عبادة لا تكون إلا لله فالدعاء لا يكون إلا لله فلا يدعى غير الله ولا يدعى أحد مع الله ولكن يجوز أن تدعو الله وتتوسل إليه برسول الله عليه وآله الصلاة والسلام كما في حديث الأعمى الذي كنا كتبنا عليه في جزء مضى من الشهاب.

طريفتان في الموضوع:
الأولى: من العجيب أن بعض أهل العلم أبى أن يسلم أن الدعاء
(4/319)

هو العبادة رغم أنه صريح الحديث مع أن أهل المجلس من غير أهل العلم أدركوا بفطرتهم العربية ما في لفط الحديث من البيان الصريح وإن لم يعرفوا كيف يعبرون عن الحصر وطرقه فزادني هذا يقينا بما كنت أقوله كثيراً في دروسي ومجالسي: من نعمة الله عليكم أيها الجزائريون (1) أنكم تنطقون بالعربية وأن أساليبها لا تزال مستعملة في ألسنتكم فهذا مما يقربكم من فهم كلام الله وكلام رسوله عليه وآله الصلاة والسلام، فيسهل عليكم الاهتداء بالكتاب والسنة.
الثانية: أن أحد الشيوخ المنتمين إلى الطريق لما سمعني أستدل بكلام الجنيد على لزوم وزن الأعمال والأقوال والأحوال والفهوم بالكتاب والسنة قال لي: "وما الجنيد إلا واحد من الناس" وما صار الجنيد واحداً من الناس إلا يوم استدللت بكلامه ومن العجيب أن هذا الذي يقول هذا ليرد ما ذكرته من كلام الجنيد الذي هو ثابت في نفسه بأدلته من كلام الله وكلام رسوله- يريد أن يثبت التصوف في الكون للمخلوقات حتى في قفزة الهر على الفأر مستنداً في ذلك إلى كلام رجل لا مستند له من كتاب ولا سنة وينسى أن يقول فيه أنه واحد من الناس، وبعد هذا فأنا غير آيس من مثل الأخ الأول والأخ الثاني أن تكون مذاكرتنا معهما منبهة لهما على لزوم فهم الدين بفهم الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح من الأئمة وفهم كلام العرب وأساليب العربية فمثلهم من اعتنى بذلك واهتدى به ودعا إليه.

مظاهر الاتحاد:
كنا إذا حللنا بلدة فيها من إخواننا الميزابيين يهرعون إلينا مثل بقية إخوانهم من أهل البلدة وفي بعض البلدان تسبق ضيافتهم ضيافة غيرهم ثم تجد الضيافة عندهم تشمل أهل البلدة وأعيانها وتجد الضيافة عند
__________
(1) في الأصل (الجزائريين).
(4/320)

غيرهم تشملهم كذلك فتشاهد في مجامع الكرم أبناء الإسلام ترفرف على رؤوسهم روح الأخوة والاتحاد، هذا بين المسلمين، ثم إننا في أكثر البلدان أجد النواب المسلمين مع مير البلدة في غاية الوئام والمودة وكثيراً ما حضر معنا أفراد من الفرنسيين واليهود في مجالس القهوة والشاي وبعض الضيافات فنرى مصافاة واتحاداً، ولا شك أن ما كنا نقوله في مجالسنا ودروسنا مما يزيد ذلك الاتحاد قوة ومتانة.

تعلق الأمة بحكومتها:
إرتباط الجزائر بفرنسا اليوم صار من الأمور الضرورية عند جميع الطبقات فلا يفكر الناس اليوم إلا في الدائرة الفرنسية ولا يعلقون آمالهم إلا على فرنسا مثل سائر أبنائها ورغبتهم الوحيدة كلهم هي أن يكونوا مثل جميع أبناء الراية المثلثة في الحقوق كما هم مثلهم في الواجبات وهم إلى هذا كله يشعرون بما يأتيهم من دولتهم مما يشكرونه ومما قد ينتقدونه وقد كنا نؤكد لهم هذا التعلق ونبين لهم فوائده ونبين لهم في المناسبات أن فرنسا العظيمة لا بد أن تعطيهم يوما- ولا يكون بعيداً- جميع ما لهم من حقوق وكنا لا نرى منهم لهذا إلا قبولا حسنا وآمالاً طيبة.

كرم الأمة وإقبالها:
لقد كان تنازع الناس على ضيافتنا كتزاحمهم على دروسنا ومجالسنا وكان تسارعهم إلى إكرامنا يضاهي تسارعهم إلى مقابلتنا وقد كان أكثر البلدان يتلقانا أهلها قبل الوصول إليها ويشيعونا (1) إلى البلدة التي تليها فلله هذه الأمة المسلمة العربية في تعظيمها للعلم وإكرامها للضيف تراثاً جليلا حافظت عليه أجيالا وأحقاباً، وأن أمة تحافط على
__________
(1) كذا في الأصل والصحيح (وشيعوننا).
(4/321)

أخلاقها الكريمة وسجاياها الموروثة مثل هذه المحافظة لجذيرة بالمدح والثناء حقيقة بالخلود والبقاء خليقة بالخدمة والاعتناء.

فضل الحكومة ورجالها:
العلم والفضيلة هما كل ما يحتاج إليه الإنسان في كماله وسعادته وهما كل ما ترمي إليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بسعيها، فللحكومة الفضل العظيم بفتحها السبل لهذه الجمعية حتى تتوصل إلى نشرهما باتصال رجالها من أهل العلم بالأمة في مساجدهم ومجامعهم وحيثما كانوا فللحكومة في هذا من الفضل بقدر ما فيه للأمة من النفع ولقد كان رجال الحكومة الذين لقيناهم في جميع البلدان يلاقوننا بمزبد الإكرام ويزودوننا بعبارات التأييد والتنشيط ويقول لنا الكثير منهم إننا مستعدون لمساعدتكم في كل ما تريدونه بدائرتنا ولا شك أنهم يتكلمون بلسان الحكومة ويعربون عن نياتها ومقاصدها، وأي مقصد أشرف وأي نية أنفع من تعاون الحكومة من العلماء لتهذيب الأمة وتعليمها هذا أعظم ما قامت به فرنسا في أول القرن الثاني نحو أبنائها المسلمين الجزائريين الذين كانوا معها في جميع المواقف مواقف الحياة ومواقف الموت.

فضل الصحافة العربية والفرنسية:
كانت الصحف الفرنسوية تتبع رحلتنا وتنشر الفصول عنها وتذكر الجمعية بكل تعظيم وتبجيل مثل ما كانت تفعله مع أكبر جمعية فرنسوية ورئيسها فبرهنت على أن الفكر العام الفرنسي يقدر للمسلمين مشاريعهم ويساعدهم عليها ويرد لهم الرقي والتقدم، وقد كانت الصحافة العربية النجاح والنور والمرصاد قامت بواجبها نحو قومها وملتها فلجميع الرصيفات الفرنسية والعربية شكر الأمة والوطن وشكر الجمعية والعلم. وإذا كانت ثم صحيفة واحدة شذت عن الجميع فإننا نقابلها بالمسامحة
(4/322)

والتجاوز لأننا نرى واجباً على من وقف نفسه لخدمة أمة أن يتلقى بالقبول كل ما يأتيه منها من مدح أو قدح من حق أو باطل، من عقل أو غيره ويستعمل ميزان عقله ويستعين بأهل الرأي من المخلصين معه في قبول ما يجب من أي ناحية جاء ورد ما يجب رده من أي شخص كان فللرصيفات كلها - إذاً جميل الشكر والإكرام.

فضل الرفاق علينا:
رافقني من بداية الرحلة إلى آخرها إبننا الشيخ محمد الصادق الجندلي ومن معسكر إلى غليزان الشيخ عبد القادر آل زيان ومن معسكر إلى آرزيو الأديب الكبير الشيخ السعيد الزاهري ومن وهران إلى غليزان العالم النفاع الشيخ عبد القادر المهاجي ومن أرزيو إلى باريقو العالم الجليل الشيخ أبو عبد الله البوعبدلي ومن سيق إلى تموشنت ثم أرزيو الشيخ فرحات الليشاني ومن تلمسان إلى أرزيو الشريف الغطريف الشيخ مولاي علي الحسني وغيرهم ممن رافقنا في بعض الطريق وقد كانوا كلهم الرفقة الكريمة الموفقة نسينا بهم الأهل والمقر واستطبنا معهم عناء السفر فجازاهم الله أحسن ما جازى رفيقاً عن رفيقه وصديقا عن صديقه.

خدماتنا بهذه الرحلة:
قد خدمنا الأمة الإسلامية بما دعوناها إليه من علم وفضيلة ومحبة وتسامح وما عرضناه على اسماعها من علوم القرآن وهدايته وما رغبناها فيه من قراءته وتفهمه والعمل به وخدمنا المسلمين وغيرهم بما دعونا إليه من اتحاد وتعاون وتراحم وتفاهم والتزام للأمن والنظام واحترام للقوانين الدولية وأوامر الحكام، وخدمنا الحكومة بما نوهنا به من فضلها بفتح باب العلم بما أذنت به من تأسيس هذه الجمعية وما أذنت به من فتح مكاتب عربية وما سهلت من سبيل لاتصال علماء
(4/323)

الأمة ومرشديها بها لوعظها وإرشادها وخدمنا الجمعية بما بينا من أغراضها وما دفعنا من الإشاعات الباطلة عنها وما قربنا من منزلتها وما رفعنا من قدرها في قلوب الأمة وحكومتها.
حاصل ما تيقنته من هذه الرحلة: أولا: إستعداد الأمة لكل خير. ثانيا: مساعدة الحكومة عليه. ثالثا: تمركز الجمعية عندهما وثقتهما بها.
هذا كلام موجز على الرحلة على وجه العموم، وسنتكلم- إن شاء الله تعالى- في الجزء الآتي على البلدان التي زرناها بالتفصيل.

دفع توهم:
الإسلام يدعو إلى النظام وينهي عن الفوضى فلا بد للمسلمين من التزام القوانين الدولية التي بها حفط النظام وصلاح المجتمع والضرب على أيدي المجرمين نقول هذا وندعو إليه دفعا لا توهم من بعض ما نشر في جزء ماضي- على أنه عند صادق التأمل لا يبقى وجه للتوهم (1).
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ش: ج 8، م 8، ص 401 - 409 غرة ربيع الأول 1351ه - أوت 1632م.
(4/324)

في سبيل الوحدة:
في تونس العزيزة
ــــــــــــــــــــــــــــــ

حقا أن لتونس هوى روحياً بقلبي لا يضارعه إلا هوى تلمسان أعرف ذلك من انشراح في الصدر، ونشاط في الفكر، وغبطة في القلب، لا أجد مثلها إلا في ربوعهما. ومن نعم الله عليَّ في العهد القريب أن يسر لي التردد بين الخضراء والبهجة مرتين، وقد كانت أخراهما في تونس ذات مظهر ممتاز ومغزى سام.
حللت بتونس في منتصف أشرف ربيعي العام لأحضر حفلة الذكرى التي أقيمت للرجل العظيم السيد البشير صفر رحمه الله، وكنت ممن تشرفوا فيها بالخطابة ثم دعتني جمعية التلامذة الجزائريين الزيتونيين والجمعية الودادية الجزائرية بتونس إلى الخطابة فما وسعني إلا الإجابة وحظيت بلقاء الكثيرين من رجال العلم والأدب والسياسة ورجال الأعمال والعمال، من كل من كانت تونس بهم وبأمثالهم عروس الشمال الإفريقي وواسطة عقد وحدته وقد كانت من الأمة التونسية الكريمة وصحافتهما وبعض الصحافة الفرنسية عناية ظاهرة بما كان ظاهرا من مقاصد الرحلة، وقد رغب إليَّ بعض الإخوان أن أنشر عليهم ما ألقيته في الخطبة الأولى والثانية فاعتذرت عن نفس النص لأنني لم ألقهما إلا ارتجالا ولكنني رجحت إلى ما نشرته منهما وعنهما بعض الرصيفات الكريمة فأثبته هنا تخليداً له- لما اشتمل عليه من مبدأ وغاية- في هذه المجلة التي ما أسست إلا على ذلك المبدأ ولتلك الغاية.

قالت (النهضة) الناهضة:
"ثم تلاه ضيف تونس الأستاذ ابن باديس الذي وفد خصيصاً
(4/325)

[صورة: منصة الاحتفال بإحياء ذكرى البشير صفر بتونس]
...

من القطر الجزائري الشقيق ليحضر هذه الحفلة وألقى خطاباً ارتجالياً بفصاحة نادرة وامتلاك لناصية الموضوع أثر كثيراً على الحاضرين وهز مشاعرهم وذكرهم ببعض خصال الفقيد المحتفل بذكراه لأن الخطيب هو من تلاميذه المعترفين بفضله والمقرين بجميله الذي لا يزول وبعد هذا الخطاب الذي قوبل بعاصفة من الهتاف الحار جاء دور شيخ الأدباء الأستاذ الشيخ العربي الكبادي".

قالت (الزهرة) الزاهرة:
"وأحيلت الكلمة إلى حضرة الأستاذ الجليل والمصلح الكبير فضيلة الشيخ السيد عبد الحميد بن باديس (ممثل الجزائر) فتقدم وارتجل خطاباً فياضاً بالشعور الإسلامي الصميم والعاطفة الإفريقية السامية.
(4/326)

إفتتحه بحمد الله والصلاة والسلام على نبيه ورسوله ومصطفاه وآله وصحبه ومن والاه. ثم قال:
أيها الإخوان الكرام
أيتها الأخوات الكرائم:
أرجو أن تعتبروني جنديا من جنود الإسلام والعروبة في القطر الجزائري لا أكثر ولا أقل وإني أحمل تحيات الأمة الجزائرية إلى شقيقتها الأمة التونسية ومشاركة الجزائر لتونس في هذه الذكرى الطيبة وهذا الحفل الكريم، كما أقدم مشاركتي الخاصة.
وأن الروابط عديدة بين تونس والجزائر، بل بين المغرب العربي بصفة عامة: طرابلس، وتونس، والجزائر، والمغرب الأقصى، كالروابط العلمية والروابط السياسية التي ذاقت بها هذه الأقطار حلاوة الاستقلال تحت ظل الإسلام والتاريخ يشهد بذلك.
وأنا شخصياً أصرح بأن كراريس البشير صفر الصغيرة الحجم الغزيرة العلم هي التي كان لها الفضل في اطلاعي على تاريخ أمتي وقومي والتي زرعت في صدري هذه الروح التي انتهت بي اليوم لأن أكون جندياً من جنود الجزائر.
وهذه الذكرى التي تقام اليوم إنما هي تقام لرجل واحد كان سببا في حياة أمة والقصد منها هو اعتراف بالجميل وهو من أعظم مظاهر الكمال الإنساني والشكر كما لا يخفاكم سبب في المزيد عند الله عز وجل، وعند عباده.
وطالما وصفت الأمم الشرقية بكفران النعم، وعدم تقديرها لعظمائها.
وها نحن نقيم الدليل بهذه الذكرى وأمثالها على أننا من الشاكرين للنعم لا الكافرين بها!
(4/327)

ثم أخذ الأستاذ ابن باديس بعد هذه المقدمة المفيدة في ذكر نواحي الفقيد المحتفل بذكراه فقال: إن لهذا السيد العظيم البشير صفر نواحي ثلاثا جديرة بالتنويه أذكرها لكم فيما يلي:
أولا- أنه رجل بنى ما أخذه من العلوم باللغات الأجنبية على ثقافة إسلامية عربية، وبذلك استطاع أن يخدم أمته وأن يحتل قلبها.
ثانيا- أن هذا الرجل لما تخرج من الصادقية ورجع بما رجع به من الديار الباريسية من العلم عرض عليه الوظيف فأباه ..... ولم يقبله حتى أشار عليه بقبوله الوزير المرحوم السيد العزيز بوعتور فقبل إذ ذاك الوظيف وجعله آلة لنفع أمته لا آلة لإشباع معدته.
ثالثا- أنه دخل الوظيف فلم يكن الوظيف له سجنا أو قفصا أو قيداً - كما قد يقصد به- إذ الوظيف لا يكون إلا (1) بمثابة السجن والقيد إلا للصغار من الناس لا لعظماء الرجال. فلقد أدى السيد البشير صفر- وهو في الوظيف- للصحافة والفلاحة والمعارف أجل الخدمات.
فهذه هي نواحي الكمال الثلاث التي يمجد بها الرجل. لكنه لما دخل العمل المخزني قصر في العمل، ولعله كان معذورا وقد عذرته الأمة.
وختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس خطابه الارتجالي البليغ ببسطة عن مشاركة المرحوم الشيخ النخلي للفقيد في تشييد النهضة العلمية المباركة ومقاومة الركود والجمود وقال: هذان الرجلان العظيمان نقدمهما لأبنائنا لينحوا نحوهم ويقتفوا أثرهم لنصل إلى سعادة البشرية كلها لا سعادة الشمال الإفريقي أو تونس فقط.
والسلام عليكم ورحمة الله.
__________
(1) كذا في الأصل ويمكن أن يكون التعبير: لا يكون بمثابة السجن والقيد إلا للصغار.
(4/328)

وبأثر انتهاء خطاب الشيخ السيد عبد الحميد بن باديس الذي قوبل وقوطع بعواطف متوالية من تصفيق الاستحسان" (1).
__________
(1) كذا في الأصل والجملة غير تامة.
ش: ج 5، م 13، ص 225 - 228 غرة جمادى الأولى 1356ه - جوليت 1937م.
(4/329)

محاضرة الأستاذ عبد الحميد بن باديس:
الحركة العلمية والسياسية
في القطر الجزائري الشقيق
لمندوبنا الخاص
(نقلا عن جريدة "الزهرة"
الغراء عدد 21 و22 ربيع الأول)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
عشية يوم السبت قام حضرة ضيف تونس الكريم الزعيم الإسلامي العظيم الأستاذ الكبير الشيخ السيد "عبد الحميد بن باديس" بمحاضرة فائقة بقصر الجمعيات الفرنسية تحت إشراف كل من جمعية الطلبة الجزائريين بتونس والجمعية الودادية الجزائرية الإسلامية بتونس.
وقد وقع إقبال عظيم جداً على سماع هذه المحاضرة الكبرى. وكان الأستاذ ابن باديس يتوسط المسرح وعن يمينه حضرة العالم الفاضل الشيخ السيد الشاذلي بن القاضي صاحب وصيفتنا (المجلة الزيتونية) الفيحاء والسري الأمثل السيد حسان بوجدرة.
كما كان عن يسار الأستاذ المحاضر رئيسا الجمعيتين المذكورتين السيدان الشاذلي المكي، وقلش الزين.
وقبل أن يشرع الأستاذ المحاضر في الكلام قام الأديب السيد الشاذلي المكي وارتجل كلمات لطيفة قال فيها: إن الشيخ ابن باديس لا يحتاج لتقديم إذ هو أشهر من أن يترجم له أو يقدم.
وقد افتتح الأستاذ محاضرته بحمد الله والصلاة على الرسول الكريم،
(4/330)

وذكر أن هاتين الجمعيتين قد طلبتا منه القيام بهذه المحاضرة- وهو يشعر بتعب- ولكنه لم يسعه إلا تلبية دعوة الجمعيتين إذ هما لسان الشباب ومن الواجب تلبية نداء الشباب الذي هو نتيجة الماضي وزهرة الحاضر وآمال المستقبل وعدة الحياة.
ثم قال الأستاذ: إن الجمعيتين اختارتا أن يكون الكلام عن الجزائر، وأنا أحب أن يكون الحديث عن عموم المغرب العربي لأني أؤمن بأن هذا الشمال الإفريقي لا ينهض إلا بتضامنه مع بعضه بعضا. لكن إذا تحدثت عن الجزائر فإنما أتحدث عن جزء من كل وأذكر عن الأخ ما يسر إخوانه.
وكلامنا اليوم عن العلم والسياسة معاً وقد يرى بعضهم أن هذا الباب صعب الدخول لأنهم تعودوا من العلماء الاقتصار على العلم والابتعاد عن مسالك السياسة. مع أنه لا بد لنا من الجمع بين السياسة والعلم، ولا ينهض العلم والدين حق النهوض إلا إذا نهضت السياسة بجد.
وإني أحدثكم لا بصفتي رئيساً لجمعية العلماء الجزائريين تلك الجمعية الدينية المحضة التي لا دخل لها في السياسة، وإنما أحدثكم اليوم بصفتي شخصا خدم الصحافة 12 عاما وخدم العلم 25 سنة فباسمي الخاص فقط أتكلم.
ثم بيَّن الأستاذ المحاضر أن الجزائر لم تقصر عن إخواتها بلاد الشمال الإفريقي وأشار إلى أن عواصمها الزاهرة شاهدة بذلك، كما أشار إلى العهد القريب أيام كان أبناء الجزائر يتولون أعلى المناصب مع الأتراك وعرج على نبغاء الجزائر وبين أنهم منتشرون- في الماضي والحاضر- في أرضها وفي الشمال الإفريقي وفي بلاد المشرق.
وبمد أن أنهى الأستاذ بسط مقدمته المحكمة وعرج بالثناء الجزيل على الزعيم الكبير الأستاذ عبد العزيز الثعالبي وبين أنه ليس بزعيم
(4/331)

تونسي فحسب بل هو زعيم عالمي. شرع في التحدث عن النقطة الأولى من محاضرته فقال مرتجلا:

الحالة العلمية:
العلوم في الجزائر كما أظنها في غيرها، منها علوم تؤخذ باللسان العربي وهي علوم الدين واللسان، ومنها علوم تؤخذ باللسان الأجنبي وهي علوم الأكوان والعمران.
وقد كان الذين يزاولون العلوم الأولى على جمود تام كما كان الذين يزاولون العلوم الثانية على تيه وضلال. فهؤلاء يعتبرون الآخرين أحجاراً ... وأولئك يعتبرون هؤلاء كفاراً ...
هكذا كانت الجزائر في الحركة العلمية إلى أن مرت عليها مائة عام وأنشئت جمعية العلماء الجزائريين فتولت إفهام كل طرف قيمة الطرف الآخر وبينت للجميع أنهم مهما نطقوا بأي لسان فهم من الجزائر وإلى الجزائر ولا تنهض الجزائر إلا بهم ولا ينهضون إلا بها.
ولقد وضعت هذه الجمعية برنامجا صالحا لتعليم الصغار اللسان العربي وتكميل معلومات من تعلموا باللسان الأجنبي كما خصصت درواسا للكبار.
ولكن ما كادت هذه الجمعية تخطو خطوتها حتى تنكرت لها الحكومة وأقيمت أمامها العراقيل حتى من طرف بعض المسلمين فأوذيت وصودمت وأصبحت حديث الجرائد الكبرى الفرنسية حتى اليوم ولكن الجمعية كانت تقابل هذه المقاومات بالثبات العظيم. وقد تأسست رغم تلك المقاومات المدارس وفتحت الأندية لإلقاء المحاضرات وزرعت نواة الكلية وما زالت المبحثات العلمية تتكون وتتوالى إلى جامع الزيتونة المعمور.
(4/332)

والخلاصة أن الحالة العلمية بالجزائر اليوم هي علم مبني على روح إسلامية عربية لا يمكن أن يقاومها مقاوم أو يعارضها معارض ولا يمكن للظلم أن يقف في طريقها!

الحالة السياسية:
كانت مطالب الجزائر قبل انعقاد المؤتمر الجزائري الشهير مطالب متفرقة يقوم بها أفراد موزعون.
ولما تأسس المؤتمر الجزائري في السنة الفارطة توجهت الأمة بمطالب عامة- سياسية، اقتصادية، علمية، عربية قومية- ومطالب الجزائر لا تزال في حيز الانتظار إلى الآن كما لا تزال مطالب تونس في حيز الانتظار. ورحم الله من قال:
ونحن في الشرق والفصحى ذوو رحم … ونحن في الجرح والآلام إخوان.
وقد حدث شيء بعد ذلك وهو مشروع فيوليت الذي هو شيء واحد من المطالب التي قدمناها وهو يعطى حق الانتخاب لعشرين ألف وبضعة آلاف وحق التصوت في جملة الفرنسويين.
ولقد صعب تنفيذ هذا المشروع لما اشترطه المؤتمر من المحافظة على الصفة الشخصية الإسلامية العربية، وها هو الآن في مهب الريح يمكن أن يتم ويمكن أن لا يتم.
ومسيو فيوليت رجل فرنسي قبل كل شيء، رأى من مصلحة فرنسا أن يقرب إليها الجزائريين ووجد برنامجه للمعارضة من طرف الكولون المعمرين لأنهم تأبى نفوسهم أن نجتمع معم على مائدة واحدة فكيف يرضون أن نجتمع بهم في البرلمان؟ كما أنهم لما رأوا أن المؤتمر وضع
(4/333)

ثقته في الواجهة الشعبية خافوا أن يصير نواب الجزائر كلهم من أنصار الواجهة الشعبية.
وقد قبلت أكثرية الأمة مشروع فيوليت بالشرط المذكور وباعتباره أقل المطالب، أما الأقلية فقد أبت قبوله تماما لأنها تخشى بعض الألاعيب التي لا تدري متى تكون.
ونحن نحترم رأي هذه الأقلية ونؤمل بقاءها على رأيها، وهي تطالب بالاستقلال وأي إنسان يا سادة لا يحب الاستقلال؟ إن البهيمة تحن إلى الاستقلال الذي هو أمر طبيعي في وضعية الأمم.
أما موقف الحكومة التي أعطيناها ثقتنا من أول يوم فهو موقف التريث والتردد، تشاهد المعارضة من الرجعيين أصحاب المال الأقوياء، ونشاهد مطالب الجزائريين الضعفاء فتارة تعد كما قال م. فيانو وتارة تتوعد كما قال م. أوبو الذي يقول إذا أردنا الاحتفاظ على الشمال الإفريقي فلنحافط على القوة وقد أخطأ في ذلك، ولو كانت الحكومة تقبل نصيحتي كإنسان لنصحتها باستعمال الإحسان، الذي يمكنها به المحافظة على صداقة هذا الشمال الإفريقي.
والخلاصة أننا قلنا نحن لنا ثقة في الواجهة الشعبية ولا زلنا نقول ذلك، وقلنا ننتظر وها نحن ننتظر، ولكن للإنتظار حد محدود، وإذا خاب أمل الأمة الجزائرية فإنها لا تخيب وحدها بل تخيب معها فرنسا أيضا.
وختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس محاضرته الكبرى بقصيدة من شعره البليغ مطلعها:
شعب الجزائر مسلم … وإلى العروبه ينتسب
من قال حاد عن أصله … أو قال مات لقد كذب
أو رام إدماجا له … رام المحال من الطلب
(4/334)

ومنها:
من كان يبغي ودنا … فعلى الكرامة والرحب
أو كان يبغي ذلنا … فله المهانة والعطب

وقد ختمها بهذا البيت الرائع:
فإذا هلكت فصيحتي: … تحيا الجزائر والعرب!

وقد قوبلت المحاضرة والقصيدة بعواصف من التصفيق والهتاف.
وما كاد الأستاذ المحاضر ينتهي من كلامه حتى وقف الشاب الأديب السيد الشاذلي المكي رئيس جمعية الطلبة الجزائريين بتونس وقال: لئن اعتاد الخطباء شكر المحاضرين بعد انتهائهم من محاضراتهم فأنا قد اعتدت بأثر كل محاضرة لأستاذي العزيز الشيخ عبد الحميد بن باديس أن أضع على جبينه قبلة حارة.
ثم تقدم وقبله باسم الطلبة الجزائريين فقام الأستاذ الطيب بن عيسى وطلب منه أن يقبله مر ثانية باسم التونسبين فكان ذلك ودوت القاعة بالتصفيق والهتاف المتواليين.
وبأثر ذلك وقف حضرة العالم الفاضل الأستاذ الشيخ السيد الشاذلي بن القاضي المدرس بالجامع الأعظم دام عمرانه وصاحب رصيفتنا (المجلة الزيتونية) الغراء وارتجل خطابا قيما قدم فيه خالص الشكر للأستاذ ابن باديس بالنيابة عن الريتونيين وأثنى على هذا المصلح الكبير والزعيم الإسلامي العظيم الذي تتمثل فيه الناحيتان العلمية والسياسية، وقال في هذا الصدد أن الجزائر إذا اعتمدت اليوم فإنما تعتمد على هذا الشيخ الجليل. ثم قال الأستاذ بن القاضي:
ونحن إن شاء الله مقتفون خطوات هذا الأستاذ في خدمة العروبة
(4/335)

والإسلام، وإذا قال الأستاذ أن العلم يجب أن ترافقه السياسة، فإننا نقول أن لنا علماء ضربوا في الحركة السياسيه بسهم مصيب.
وأذكركم بأن أول كلمة صدرت في بناء الدستور كان مصدرها العالم الكبير الأستاذ الشيخ السيد الصادق النيفر.
وختم خطابه بقوله: فتونس تحيا بحياة رجالها وحياة معهدها أدام الله لها رجالها وأدام لها معهدها (1).
__________
(1) البصائر: السنة الثانية العدد 71 الجمعة 9 ربيع الثانى 1356ه 18 جوان 1937م. ص4، ع 1 و2 و3 وص 5، ع 1 و2.
(4/336)

الشيخ عبد الحميد بن باديس في قالمة

يوم الخميس 29/ 1/ 57 و31/ 3/ 38 على الساعة العاشرة صباحا نزل بقالمة فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قادما من قسنطينة إلى قالمة بقطار الضحى إجابة لدعوة أهل المدينة.
وقد تلقاه بالمحطة عند النزول بعض أعيان المدينة وطلبتها، وبعد التحية والترحيب بفضيلته توجه الجميع إلى مركز شعبة الجمعية حيث تقرر على أثر الوصول برنامج أعمال الرئيس التي قدم خصيصا لها في ذلك اليوم وليلته المقبلة.
ونظراً لضيق حجم هذه الجريدة وكثرة موادها فإني أستسمح القراء الكرام أن أغفلت وصف مهرجانات الاحتفاء والاحتفال بقدوم الرئيس العظيم الأستاذ ابن باديس إلى قالمة وإكرامهم مثواه فقد كان اقتبال أهل قالمة له وسرورهم به بالغا الغاية وكان لما أسدى إليهم اليوم من نصائح وإرشادات قيمة في محاضرته ودرسه الجامعين المانعين الأثر الحميد في نفوسم، وإلى القراء الأفاضل خلاصة المقصود من زيارة الأستاذ إلى قالمة وما عمله بها.
إن القصد من زيارة الأستاذ ابن باديس قالمة اليوم- وفق رغبة سكانها المسلمين- هو حث عامة هذه النواحي على التآخي والتعاون على الخير ونصرة المشاريع الإسلامية النافعة والتضامن في كل ما يهم المسلمين ونبذ كل خلاف ينسيهم روابط الأخوة الإسلامية التي جمعهم الله بها على الهدى والحق وأن يعلموا حق العلم أن لا حزبية بينهم إزاء
(4/337)

القضايا العامة والمشاريع الهامة التي هم مسؤولون أمام الله ورسوله والناس أجمعين عن حقها عليهم وما حقها عليهم سوى تعاونهم على إحيائها تعاونا مستمدا من وحي الضمير!
بعد ظهر اليوم المذكور نادى مناد في المدينة أن الأستاذ ابن باديس يلقي محاضرة بفسحة إلى السينما بعد صلاة العصر، وما أزفت الساعة المعينة حتى اكتظت ردهة المحل وشغلت جميع كراسيه بالوافدين الذين من بينهم من جاءوا من أماكن بعيدة لسماع محاضرة الأستاذ وعلى أثر ذلك صعد فضيلته منصة الخطابة وشرع يمتع السامعين بما تهفو إليه أرواحهم وتنجذب إليه عواطفهم وتستعذبه مشاعرهم من خالص النصح وسديد الإرشاد وبديع الخطاب.
بدأ الأستاذ محاضرته بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ثم تطرق إلى التحدث إلى سامعيه عن محاسن الإسلام التي تجل عن الوصف فأبان لهم ما يجب عليهم للمحافظة على الإسلام الثمين وكتابه الإلهي ذي اللسان العربي المبين. بيانا هو الشمس وضوحا والحق نوراً فقال:
إن هذا الإسلام هو رحمة من الله لبني آدم فانظروا رحمكم الله قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كيف كرر الله عز وجل لفظ الرحمة أربع مرات في موطن واحد ولم يقل لنا "القهار الجبار" مع أنه عز وجل قهار جبار كل ذلك لنستشعر سعة رحمة الله بخلقه، فإذا كان رب الناس الذي هو المالك لهم على الحقيقة يعامل عباده بمقتضى هذه الرحمة التي وسعت كل شيء فأحرى أن يتخلق عباده بأخلاقه وتظهر عليهم آثار هذه الأخلاق في معاملة بعضهم لبعض وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: «من لا يَرحم لا يُرحم».
(4/338)

ثم إن الإسلام بقدر ما فيه من رحمة للبشرية ورأفة واحترام لها فهو يمقت الظلم والجبروت والطغيان أشد المقت ويندد بالمتصفين بهذه الصفات من العباد أمر تنديد فهو لا ربوبية فيه لأحد على أحد، لا ربوبية بالمال ولا ربوبية بالعلم ولا ربوبية باسم الدين بل الربوبية الحقيقية هي لرب العالمين وحده على عباده، وهذا هو السر في سرعة انتشار الإسلام في جل أقسام المعمورة في مدة 25 عاما، وبفضل هذا الإسلام، أيها السادة اهتدى أوائلنا العظام واهتدينا نحن! لما تضمنته مبادئه السامية من رحمة وسماحة وعدل يغبط عليه، نعم بفضل هذه الخصال الكريمة ونظائرها في الإسلام تحول العرب من الجهل إلى العلم، والقسوة إلى الدين، ومن الهمجية إلى المدنية التي مدنوا بها الأمم يومئذ، وكان للعرب بها الفضل على سواهم رغم أنف من جحد منهم وما يجحد بها إلا كُلُّ أفَّاك أثيم. وفي ما كان للعرب من رحمة أكسبها إياهم الإسلام السمح، قال قوستاف لوبون: (لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من المسلمين)! فهذا الإسلام أمانة عندنا وبه سعادتنا وعزنا فلنحافظ عليه وذلك بالمحافظة على كتابه الكريم ولسانه العربي المبين تعلماً وتعليماً، أيها السادة كما تلقيناه من آبائنا وأجدادنا، وكل من عارضنا في هذا التعليم رددنا معارضته رد الأباة الكرام وأولى الناس بالمحافظة على القرآن هم حفاظه الذين استحقوا به لقب"السياد" أن عملوا!.
إن قواعد الإسلام التي شرعها الله لعباده جعلت عواطفنا وشعورنا مطبوعة على أن لا نحس إلا احساساً متحداً {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}؟ فالصائمون- مثلا - يحسون إحساساً واحداً بما ينشأ لهم من الصوم من جوع وعطش وقس على ذلك فديننا دين الرحمة والاتحاد على الخير ونحن مسلمون لا نتحد على الشر أبدا ولا نضمره لأحد من الناس، كما لا نقبله من أي أحد منهم كائنا من كان.
(4/339)

هذه محاضرة الأستاذ ابن باديس نقلناها نقلا اختزاليا أثناء إلقائها لها على المنصة وحافظنا على ألفاظها ومعانيها حتى لا يفلت من ذلك شيء وهي نفس الخطاب الذي ألقاه ليلا بنادي الشباب الإسلامي القالمي بعد أن أفرغها في قالب يناسب طبع الشباب ومزاجه الكهربائي الذي عبر عنه الأستاذ بالشعلة المقدسة وتفنن فيه ما شاء له البيان وأراد وزاد على ذلك مخاطبا الشبان ومرغبا في الاستزادة من العلم النافع بأي لغة كان ومن أي شخص وجد، والاعتراف (1) بجميل من يكون لهم واسطة في نيل العلم خالصا من شوائب المس والدس فقال:
إن طلاب العلم عندنا ثلاثة أقسام، قسم طلبوا العلم من الغير فنالوه إلا أن الغير طبعهم بطبعه فهو عوض أن يأتونا به مطبوعاً بطابعنا الفطري الذي هو حبل الاتصال بين أفراد أمتنا وبين جامعتهم القومية أصبحوا متأثرين بطابع الغير.
وقسم نالوا العلم ولم يحسنوا التصرف فيه لنفع مجتمعهم ووسطهم.
وقسم نالوا العلم من الغير وأحسنوا التصرف فيه ونفعوا به بلادهم وقومهم فهذا الفريق هو الذي نحتاجه اليوم وعلى يديه يكون رقي البلاد وخيرها.
فأرجوكم أيها الشبان الحازمون أن تأخذوا العلم بأي لسان كان وعن أي شخص وجدتموه وأن تطبعوه بطابعنا لننتفع به الإنتفاع المطلوب كما أخذه الأروباويون من أجدادنا وطبعوه بطابعهم النصراني وانتفعوا به وهم إذا أنكر بعضهم اليوم فضلنا عليهم فذلك شأنهم أما نحن فلا ننكر فضل من أسدى إلينا الخير الخالص ونعترف له بالجميل الذي لا يراد به سوى الجميل ولا علينا فيمن {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا
__________
(1) في الأصل: ولا اعتراف.
(4/340)

نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ولا يكن في صدرنا من حالهم حرج فصدورنا بالإيمان بالله والثقة به أوسع وعقولنا أرجح وديننا أرحم وأكمل (1).
( ..... ) (2)
__________
(1) البصائر عدد 109 السنة الثالثة. قسنطينة يوم الجمعة 21 صفر 1357ه الموافق ليوم 22 أفريل 1938م الصفحة 3 كلها.
(2) لم يذكر الناقل لهذا الخطاب اسمه.
(4/341)

آثار ابن باديس
قسم تطور الشهاب
(4/343)

خاتمة المجلد الخامس

بهذا الجزء تمت أجزاء المجلد الخامس إثنى عشر جزءاً. وانقضى عام على "الشهاب" مجلة شهرية، وإذا لم يكن يجب أن يكون فقد كان على نهاية ما استطاع، وقد كان قرر أن يشعر قراءه بروح الأخوة الإيمانية التي تربط بينهم مهما اختلفت أفكارهم، وقد نجح في هذا إلى حد بعيد. فهو بهذه النعمة الربانية جد مغتبط ومسرور. معتزما على شكرها باستمرار العمل حاسبا إياها أعظم جزاء على ما عمل، وأكبر معز ومصبر عما يلقاه من مكاشحة"العدو" وتقصير الصديق.
علم الله أننا لا نجني من هذه المجلة ثمرة مادية، وإنما نعود عليها بمالها. ولو كثر مالها لكبر حجمها وغزرت موادُّها، ورغم ذلك فقد بلغت صفحاتها ستة وخمسين بعد ما كانت اثنتين وثلاثين في الجزء الأول، وستصدر في سنتها الجديدة- إن شاء الله تعالى- في أربعة وستين، وسنوسع في أبوابها حسبما نستطيع من التوسيع.
ليس لنا- بعد عون الله تعالى- إلا همم إخواننا المسلمين عموما والمشتركين معنا في المجلة خصوصاً، فنحن ندعوهم إلى مؤازرتنا على ما نتوخاه لِلْجَميع من خير وصلاح، ونستحث المقصِّرين والمتخلفين إلى أداء واجب اشتراكهم القليل.
وقد رأينا- والحمد لله- من كثير من إخواننا مؤازرة ومساعدة، شكرا لله لهم ما عملوا وأثابهم عليه ووفق غيرهم إلى الاقتداء بهم فيه، والله ولي العون والتوفيق للجميع (1).
__________
ش: ج 12، م 5، ص 56. غرة شعبان 1368ه - جانفي 1930م.
(4/345)

فاتحة المجلد السادس

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
نحمد الله الذي أمدنا بروح، منه حتى قطعنا السنة الماضية، وأبقى فينا الثقة والرجاء لقطع السنة الحالية، والسنوات التالية، ثم نتقدم لقراء "الشهاب" ومشتركيه ومناصريه الفضلاء الأكارم بالإشادة بحسن الثناء، والدعاء بجميل الجزاء، واعدين حضرتهم بالمضي على ما عرفوا من خطتتا: ننشر هداية القرآن وندعو إليها، ونعتصم برابطة الأخوة ونحافظ عليها. داعين إلى العلم والعمل والتقدم في نظام وسلام قاصدين الخير وساعين فيه لصالح الجميع.
ثبت الله القصد، وأيد العمل، وقرب الغاية، إنه الولي النصير.
__________
ش: ج 1، م 6، ص 1 - غرة رمضان 1348ه - فيفري 1930م.
(4/346)

خاتمة المجلد السادس

قد انتهى بهذا الجزء المجلد السادس، فالحمد لله على نعمته وتيسيره وما أمكن لنا إنهاؤه بعد ذلك إلا بهمم أولئك الأخوان الكرام المشتركين والمؤازرين الذين لولا مثلهم لما كان لمجلة علمية أن تعيش في الجزائر إلى اليوم، فهم أصحاب هذه المجلة وهم أصحاب الفضل بها.
وإذا كان حقا علينا أن نذكر هؤلاء السادة الذين يعملون على حياة هذه المجلة فإن حقا آخر علينا أن نذكر قوماً آخرين من الذين يعملون على قتلها من حيث لا يشعرون وأولئك هم الذين يتأخرون بدفع بدل الإشتراك الزهيد بعد مكاتبتهم وتذكيرهم السبع والثماني مرات فلا هم يدفعون ولا هم يعتذرون ولاهم يجيبون فيحملون الإدارة ة بمصاريف المكاتبة مع بدل الإشتراك المتأخر ضغثا على ابالة وليست هذه الأبالات ذوات الأضغاث بالشيء القليل الذي يتحمله كاهل الإدارة على ضعفها بل هي بمجاوزتها للمائتين قد صارت عبئا ثقيلا لا تنوء به الإدارة إلا بجهد جهيد.
لقد كنا- لولا هؤلاء السادة المتأخرين- عازمين على زيادة توسعة وتحسين في نطاق المجلة ووضعها. ولكنهم تأخروا فتأخرنا، وعسى الله أن يجعل بعد العسر يسرا وبعد الشح سخاءا وبعد الإهمال اعتناء فنبلغ بهذه المجلة حيث نأمله لها من رقي في خدمة الدين والعلم والوطن.
والله يسدد خطى الأمة- ونحن في جملتها- إلى ما فيه سعادتنا وفلاحها في الدنيا والآخرة بلطف منه وتيسيره إنه اللطيف الخبير (1).
__________
(1) ش: ج 12 م 6 غرة شعبان 1349ه - جانفي 1930م ص 782.
(4/347)

تنبيه

ما ينشر في باب رسائل ومقلات هو على عهدة كاتبيه فمن رأى فيه ما لا يوافق عليه فليباحث فيه صاحبه وباب المباحثة والمناظرة في المجلة مفتوح لهما. لا نقول هذا تبريا من كتابنا أو فرارا من مسئولياتهم وإنما نقوله:
أولا- لثقتنات بكفائتهم في تحمل مسؤولية كتاباتهم والجواب عن أنفسهم بالعلم والأدب والإنصاف.
ثانيا- لفتح مجال البحث والمناقشة العلمية النزيهة بين الكتَّاب فنعم المشحذ للذهن والمظهر للحقيقة هي:
دعانا إلى كتابة هذا أن بعض الناس اندهش مما كتبه صاحب مناظرة المصلح والمحافط في مسألة الأفعال النبوية، ومسألة تقسيم البدعة، ومسألة لزوم الحق لجانب الكثرة وعوض أن يوجه بحثه وسؤاله إلى كاتب المناظرة وجهه إلى صاحب "الشهاب" الذي وقف اسمه كالشجا في حلقه فلم يسطع أن يذكره. وصاحب "الشهاب" يرد لو أن هذا الباحث يوفق إلى الإتيان إلى قسنطينة فيفيده هذه المسائل من كتبها بدلائلها وأقوال الأئمة فيها ويعتقد أنه لو وفق إلى هذه السفرة لحمد غب سراه وعدها من خير أيامه ويعيذه بالله من أن ينفخ الشيطان في أوداجه فينكبر عن الرحلة للعلم وتحصيله. وأما الجواب في الصحيفة فإنه يدعه لصاحب المناظرة لأنه يرى أن الجواب على بحث يتعلق بمناظرته تعد عليه خارج عن سياج الأدب.
والأمر المهم أكثر من هذا كله الذي يجب علي أن أنبهك عليه
(4/348)

وحرم علي إقرارك عليه هو كذبك وافتراؤك- والله يغفر لك إن تبت- في الحديث الشريف فإنك قلت هكذا بالحرف: "وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن أمتي لم تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم" وهذا المتن لا وجود له في البخاري ولا في مسلم البتة. فبأي شيء نسمي صنعك هذا وجرأتك عليه ومن كان قدوتك فيه ... أأنت الذي سميت نفسك في إمضائك (أحد كتاب أهل السنة) ترتكب هذا الافتراء على السنة أهكذا كتاب السنة يكونون؟ أهذا هو القدر الذي عندك من السنة التي أضفت نفسك إليها؟
هداك الله أيها الأخ وعرفك قدرك ورزقك احترام السنة التي ألصقت نفسك بها ثم بعد ما نبهتك فهل تعترف بالحق وتنشره حيث نشرت الباطل؟ أم تسكت أنت الآخر. ويخنقك الكبر عن لفظ الحقيقة نصيحتي لك أيها الأخ ولأمثالك أن تقرأوا العلم وتلتزموا الصدق وتتقدموا حينئذ للعمل فأما هذا الخبط وهذا الكذب وهذا التجري فشيء نعوذ بالله منه، ونسأل الله أن يقينا والمسلمين شر غائلته وسوء عاقبته (1).
__________
(1) ش: ج 12، م 8، ص 623 - 624 غرة شعبان 1351ه - ديسمبر 1932م.
(4/349)

فاتحة المجلد التاسع

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يخطو الشهاب خطوته التاسعة، نحو غايته الشريفة السامية، بقدم ثابتة- إن شاء الله تعالى- وأمل كبير يذكر أنصاره ومؤازريه، بالثناء الجميل ويرجو لهم ولغيرهم كل خير يدعو في مستقبله كما دعا في ماضيه- إلى الله، بكتاب الله وسنة رسول الله مهتديا- إن شاء الله- هدى السلف الصالحين والأئمة الهادين المهديين ويعرض للمسائل الجزائرية في حق ونزاهة وشيء كثير من الرفق واللين، داعيا إلى المساواة بين جميع المتساكنين، داعيا إلى التعارف والتقارب والتفاهم بين سكان الجزائر أجمعين، داعيا إلى حفظ النظام، ومراعاة الجوار واحترام القوانين سائلا من الله تعالى العون والتوفيق للعمل الخالص المثمر النافع للجميع (1).
__________
(1) غرة رمضان 1351ه جانفي 1933م، الجزء 1، المجلد 9 ص 1.
(4/350)

مجلة الشهاب والحركة الإصلاحية
الحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على خير أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأبنائه
ــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد فإن مجلة (الشهاب) تفخر بأنها أنشئت للحركة الإصلاحية ورافقتها في جميع مراحلها وأنها هاجمت البدع في معاقلها وواثبت الخرافات في أيام عزها واشتدادها، وساورت الأباطيل على احتفالها واستعدادها لم تهن لها عزيمة في موقف من المواقف التي تخور فيها العزائم وترجف الأفئدة، ولم يكتب لها قلم في ميدان من الميادين التي تنعقد فيها الألسنة وتجبل القرائح.
وهي اليوم تعلن فخرها واغتباطها بما وصلت إليه الحركة الإصلاحية من نتائج اتسع مداها وطبق الخانقين صداها، مكتفية من الجزاء بهذه الغاية ومن الآيات على إثمار عملها بهذه الآية وقد كان من الاجتماع السنوي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في هذه السنة ما أقام على ما ادعيناه الدليل- وقطع على المكابرين السبيل، وعلى ذلك فمجلة الشهاب تعد من المساهمة لجمعية العلماء المسلمين إلى الابتهاج بالنتائج الصالحة التي تجلت في اجتماعها الأخير، أن تتقدم إلى قرائها بهذا العدد خاصا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومخلدا لوصف ذلك الاجتماع الرهيب، وما قيل فيه كما تقدمت إليهم بالعدد الذي قبله خاصا بالطلبة تنشيطا لهم وتقوية لعزائمهم واستفزازا للهمم لإعانتهم في جهادهم العلمي (1).
__________
(1) ش: ج 9، م 10، ص 370 غرة جمادى الأولى 1353ه - 12 أوت 1934م.
(4/351)

بعد عقد من السنين

في يوم النحر من ذي الحجة خاتمة شهور عام ثلاثة وأربعين وثلاثمائة وألف برزت جريدة "المنتقد" تحمل فكرة الإصلاح الديني بتنزيه الإسلام عما أحدثه فيه المبتدعون وحرفه الجاهلون. وبيانه كما جاء في القرآن العظيم والسنة المطهرة وعمل به السلف الصالحون معلنة أن المسلمين بذلك وحدة تصفو عقائدهم وتزكو نفوسهم وتستقيم أعمالهم وينبعثون عن قوة وبصيرة في الأخذ بأسباب الحياة الراقية والمدنية الطاهرة. مشاركين لأمم الدنيا في خدمة الإنسانية وترقية وتوسيع العمران، سالمين مما تشكو منه أمم الحضارة التي غلبت عليها المادية والأنانية وتفشت فيها أمراض ليست من التمدن الحقيقي في كثير ولا قليل.
برزت جريدة (المنتقد) تحمل هذا وتلفت الجزائريين المسلمين إلى حقيقة وضعيتهم بين الأمم بأنهم أمة لها قوميتها ولغتها ودينها وتاريخها فهي بذلك أمة تامة الأهمية لا ينقصها شيء من مقومات الأمم. وأنهم إلى ذلك مرتبطون بأمة عظيمة ذات تاريخ مجيد ومدنية راقية وحكومة منظمة وأن عليهم أن يراعوا هذا كله في حياتهم فيحترموا قوميتم ولغتهم ودينهم وتاريخهم والأمة التي هم مرتبطون بها والحكومة التي هم مسيرون بقوانينها.
ثم ما كاد يبرز العدد الثاني منها حتى ظهر في الجزائر كتابه لم يجدوا مجالاً لأقلامهم قبلها فانضموا إلى تحريرها وأوجدوا بهيئتهم أول حزب المصلحين.
مضت الجريدة على خطتها حتى سقطت في الميدان بقرار التعطيل
(4/352)

بعد ما برز منها (18) ثمانية عشر عددا كانت في بنيان النهضة ثمانية عشر سندا. صدرت جريدة (الشهاب) إثر تعطيل المنتقد على مباديه وخطته فلاقت ما لاقت في سبيلهما من العناء والبلاء فثبتت وصبرت وصابرت وثابرت على العمل تشتمد مرة وتلين أخرى وصدمتها في سنتها الرابعة أزمة مالية كادت تقضي عليها فصدرت مجلة شهرية فوق ما كانت يوم ذلك تستطيع قوتها ثم تدرجت حسب تيسير الله حتى تممت اليوم العقد الأول من حياتها.
فالحمد لله وشكرا لمن عاشت هذه الصحيفة بإيمانهم ومؤازرتهم وإذا كان لها أثر فيما دعت إليه من إصلاح وما أعلنته وخدمته من حقيقة وضعية هذه الأمة. فالفضل في ذلك لله ثم لهم وإذا كان من شيء وراء ذلك الأثر تغتبط به فهو- أولا- أنها كانت تقصد الصواب عن نظر وصدق وإخلاص فإذا ظهر لها خطأ رجعت وأعلنت عن خطئها واعترفت به. كان هذا بضع مرات مع أصحابها وخصومها وثانيا- أنها ما خطت حرفا إلا بوحي ضميرها واقتناع منها لا بوحي ناحية ولا لإرضائها وما انفقت فلسا إلا من مالها وكيسها لا من مال ذى غاية ولا من كيس أية هيئة.
وها هي اليوم تخطو إلى العقد الثاني من عمرها على خطتها ومبدئها مستعينة بالله متكلة عليه معتضدة برجالها وأنصارها العاملين الصادقين، والله ولي الجميع (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 11، ص 1 - 3 محرم 1345ه - أفريل 1935م.
(4/353)

في العشيرة الصحافية:
ثناء كرام
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(لا يجوز أن نعمل للثناء، ولكن الثناء الذي يأتي عفوا من أهل الصدق والخبرة يسرنا، إذ يشعرنا بأن معنا في طريق العمل من يرانا ويسمعنا ويتبع أعمالنا، فيدعونا ذلك إلى الجد في العمل والإتقان، وشدة التوقي للخطأ والزلل، على أن ما يقال في المجلة ليس خاصا بفرد ولكنه يصيب كل المشاركين في النهوض بها. وعلى هذا الذي قلنا رأينا نشر ما قالته بعض الرصيفات الكريمات في هذه المجلة شاكرين للرصفاء الفضلاء عطفهم وتشجيعهم).
• • •

ما جاء في "البلاغ" الذائع
نفحة من الجزائر:
وصل إلى يدي عدد من مجلة الشهاب، وهو العدد الخاص بالاجتماع السنوي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو عدد طريف يشتمل على فوائد كثيرة تصور الحياة العلمية في الجزائر ومن أدق ما فيه ما قرأته من إصرار العلماء هناك على إلقاء عظاتهم باللغة الفصيحة، واحتجاجهم بأن البلاغة تلقن عن طريق السماع كما تكتسب بالدرس، ومعنى ذلك أن العامة يكتسبون الذوق الأدبي بفضل الإكثار من سماع الكلام الفصيح، كما يكتسبه المتعلمون بكثرة الاطلاع على الكلام الفصيح.
ذلك يقع في الجزائر، والعامية هناك بعيدة بعدا شديدا من اللغة
(4/354)

الفصيحة، فليعرف ذلك الواعظون في مصر، وعامية أهل هذه البلاد قريبة كل القرب من الكلام المعرب الفصيح.
وفي ذلك العدد من الشهاب قصائد تدل على أن هناك نهضة شعرية منها هذه الأنشودة التي ألقاها الأستاذ أبو اليقظان:
أهزار الروض غرد … بنشيد الوطنية
أحكام الأيك غن … بحياة العربية
بلبل الدوح تنغم … لي بألحان شجية
فوق لبات الغصون … أهد للجمع التحية
وهي أنشودة طويلة، ومنها قصيدة الأستاذ الهادي السنوسي في خطاب أعضاء الجمعية:
حياك شعبك إقليما وسكانا … يا هيئة قد زكت علما وعرفانا
ادركت من روحه الطهرى حشاشته … من بعد ما قيل حين الشعب قد حانا
شعب أضاع كثيرا من مفاخره … لولاك أصبح في الأيام نسيانا
وحرص أهل الجزائر على اللغة العربية هو من أظهر ما هم عليه من الشهامة والرجولة والإباء. فإليهم، على بعد الدار، أطيب التحيات.
- زكي مبارك-
• • •

ما جاء في "القلم" البليغ
وصلنا عدد خاص من مجلة الشهاب الغراء التي تصدر في قسنطينة بالجزائر وقد زين العدد المذكور بصور طلبة صديقنا الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الحميد بن باديس وقد تصدر حضرته الصورة الأولى من تلك الصور فإذا بنا نرى جلالا ومهابة في وجه الشيخ ذي الأيادي
(4/355)

البيضاء على العلم واللغة في تلك البلاد المنكودة الحظ التي لولا حضرة الشيخ وأمثاله لماتت اللغة العربية في الجزائر لا محالة.
فإلى حضرة الشيخ الفاضل الكريم تحيتنا القلبية وتمنياتنا الطيبة.
• • •

ما جاء في "الزهرة" الزاهرة
الشهاب النير
في عقده الثاني الحفيل
إستقبلت رصيفتنا "الشهاب" الزاهرة التي تصدر عن قسنطينة من القطر الجزائري الشقيق عامها الحادي عشر أو عقدها الثاني بعدد حافل بالمواضيع المهمة والبحوث المفيدة في تحرير نفيس وأسلوب ممتع كثيرا ما ألف لها ولحضرات السادة محرريها وبالمقدمة حضرة العالم الجليل صديقنا الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس السلفي الصميم.
والعدد على ورق صقيل في 64 صفحة متقن الطبع جميع التنسيق طيه صور شمسية للأستاذ ابن باديس تمثله ممسكا لمصحف إيماءة لطيفة إلى لزوم التمسك بالقرآن الكريم وتعاليمه الحكيمة وتتقدم ذلك كلمة المجلة وما تضمنته: (فالحمد لله وشكرا لمن عاشت هذه الصحيفة بإيمانهم ومؤازرتهم وإذا كان لها أثر فيما دعت إليه من إصلاح وما أعلنته وخدمته من حقيقة وضعية هذه الأمة فالفضل في ذلك لله ثم لهم).
تهنئة حارة للزميلة فيما توفقت لانتهاجه نحو إشاعة الإسلام وبث تعاليمه وما غنمته الجزائر بآثارها البارزة في ميادين العرفان المنبثقة عن أشعة ذلك (الشهاب النير ومشكاته الوضيئة وفي الوقت نؤمل له مزيد التقدم واطراد الرواج حتى يثمر الأمل المرغوب).
• • •
(4/356)

ما جاء في " الزهو" العذبة
مجلة "الشهاب" الغراء
إستأنفت الصدور هذه المجلة الراقية بعد أن أدخلت عليها إدارتها تحسينات جمة وترقيات صيرتها من أرقى المجلات في العالم العربي وقد قررت طبع هدايا مع كل عدد بمناسبة دخولها لعامها (11) لأشهر مشاهير القطر الشقيق الجزائري وجاء فعلا مع الجزء المتحدث عنه رسم جميل للأستاذ العلامة المصلح الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورئيس تحرير (الشهاب) فنهني الزميلة الكريمة بعامها ونرجو لها طول العمر وعظيم الرواج والانتشار في كافة الأقطار (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 11، ص 103 - 106 غرة صفر 1354ه - ماي 1935م.
(4/357)

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله وسلم
فاتحة العام الثاني من العقد الثاني
ــــــــــــــــــــــــــــــ
على اسم الله نخطو هذه الخطوة نحو الغاية التي نعمل إليها من ترقية المسلم الجزائري في حدود إسلاميته التي هي حدود الكمال الإنساني، وحدود جزائريته التي بها يكون عضوا حيا عاملا في حقل العمران البشري.
وليس ما ندعو إليه ونسير على مباديه من الإصلاح بالأمر يخص المسلم الجزائري ولا ينتفع به سواه، كلا، فإن صحة العقيدة، واستنارة الفكر، وطهارة النفس، وكمال الخلق، واستقامة العمل- وهذا هو الإصلاح كله- مما يشترك في الانتفاع به جميع المسلمين بل جميع بني الإنسان. وإنما نذكر المسلم الجزائري لأنه هو الذي قدر أن يكون منا ونكون منه كما يكون الجزء من كله والكل من جزئه فحاجته أشد وحقه أوجب، فكان المقصود بالقصد الأول. على أنه لم يذكر لتخصيصه وإنما ذكر ليشعر بنفسه فيعمل لإسلامه وجزائريته فيكون ذا قيمة ومنزلة في الجموع.

عمل الماضي:
ونحن- بحمد الله- ما عزمنا على مد خطوة إلى الأمام والتفتنا إلى ما كان من أثر سيرنا وما مضى من خطواتنا- إلا وجدنا ذلك الشعور قد نما وألفينا العمل بمقتضاه قد زاد. وها نحن نعرض صورة السنة الماضية لنرى فيها مصداق ما قلناه:
(4/358)

التعليم:
ولا أدل على وجود روح الحياة في الأمة وشعورها بنفسها ورغبتها في التقدم من أخذها بأسباب التعليم: التعليم الذي ينشر فيها الحياة ويبعثها على العمل ويسمو بشخصيتها في سلم الرقي الإنساني ويظهر كيانها بين الأمم. وقد تأسست في السنة الماضية جمعيات وفتحت مكاتب وتأسست نوادي ونهض المصلحون في العاصمة بابي النوادي كلها، نادي الترقي، نهضة جديدة إصلاحية خالصة. وطلبت عدة جهات معلمين للمساجد غير الحكومية واشتريت بتلمسان وقسنطينة وميلة دور للتعليم وتزايد عدد الوافدين من الطلاب على الجامع الأخضر وعلى جامع الزيتونة وعلى الجهات التي فيها دروس منتظمة.
وهذا والمساجد ما تزال مغلقة في وجوه العلماء ورخص التعليم الحر ما تزال غير معطاة لهم ولولا ذلك لكانت النهضه العلمية أكثر بكثير مما كانت.

الإصلاح:
بقدر ما كان تمسك الأمة بأسباب العلم كان رفضها للجمود والخمود والخرافات والأوضاع الطرقية المتحدرة للفناء والزوال حتى أصبح القطر الجزائري كله يكاد لا تخلو بيت من بيوته ممن يدعو إلى الإصلاح وينكر الجمود والخرافة ومظاهر الشرك القولي والعملي وأصبحت البدع والضلالات تجد في عامة الناس من يقاومها وينتصر عليها.
ومن أجمل مظاهر انتشار الإصلاح وانتصاره أن خصومه بعد ما كانوا يقاومون ما يدعو إليه من نشر التعليم بالعرقلة والتزهيد أصبحوا لا يستطيعون أن يظهروا للأمة إلا بمظهر المعلمين. فهم لأجل
(4/359)

حفط مراكزهم اليوم مضطرون لتأييد العلم- ولو ظاهرا- العلم الذي يقضي عليهم في المستقبل بإذن الله.
نعم هنالك طائفة من المنتسبين للعلم ومن طلبة القرآن معروفون عندنا بأسمائهم يتسترون باسم العلم والقرآن، ويبثون في الناس ما يتبرأ منه العلم والقرآن ولعل هذه السنة تكون سنتهم فيستنزلهم المصلحون للميدان ليعرفوا الحق فيكونوا من أنصاره أو يكابروا فيه فيعرفهم الناس فيحذروهم ويتقوا شرهم.

أمل المستقبل:
إذا نطرنا في عمل الماضي الذي قدمنا انبعث فينا الرجاء والأمل فيما نستقبل، وأصدق الأمل ما انبنى على عمل، فنتقدم- بإذن الله- للعمل في سبيل ترقية المسلم الجزائري داعين إلى العدل والإحسان والألفة والرحمة بين جميع المتساكنين بهذا القطر وإلى التفاهم والتعاون على ما فيه هناء وسعادة الجميع (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 12، ص 1 - 4 غرة محرم 1355ه - أبريل 1936م.
(4/360)

فاتحة السنة (13)
بسم الله الرحمن الرحيم- وصلى الله على محمد وآله وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بهذا الجزء نستفتح السنة الثالثة عشرة من سنوات هذه المجلة، حامدين الله تعالى على ما يسر من عمل للإسلام والجزائر، شاكرين لكل من أعان على هذه الخطوات في هذه السبيل.
وسنخطو هذه الخطوة- إن شاء الله تعالى- على ما عرفه الناس من مبدئنا في الإصلاح الديني من ناحية العقائد والأخلاق والأفكار والأعمال، تصحيحا وتهذيبا وتنويرا وتقويما. كل ذلك في دائرة الإسلام كما نزل به القرآن وبينته السنة ومضى عليه- علما وعملا- السلف الصالح من هذه الأمة. وعلى ما عرفوه من مبدئنا في الإصلاح السياسي، وهو المحافظة التامة على جميع مقوماتنا ومميزاتنا كأمة لها مقوماتها ومميزاتها، والمطالبة بجميع حقوقنا السياسية والاجتماعية لجميع طبقاتنا دون الرضى بأي تنقيص أو أي تمييز كما قمنا بما أوجب علينا. والتعاون على هذين الأساسين مع كل أحد من أي جنس وأي دين مدَّ يَدَهُ للتعاون معنا.
وقد بلغنا- والحمد لله- من النجاح في الإصلاح الديني أن أصبح الذين كانوا يعارضوننا لا يستطيعون أن يروجوا لأنفسهم إلا باسم العلم والكتاب والسنة. وفقهم الله إلى ما يصدقهم. وبلغنا- والحمد لله- من النجاح في الإصلاح السياسي أن أصبح أمر المحافظة على شخصيتنا أمرا اجماعيا حتى ممن كان لا يباليه أو لا يشعر به، ومعترفا به- رسميا- شيئا ضروريا في كل برنامج يوضح للجزائر.
(4/361)

هذا وإذا كان شيء يؤلمنا حقا ويوجب شكوانا لمن يهمهم بقاء هذه المجلة- فهو تأخر نحو شطر المشتركين عن أداء اشتراكهم أكثر من سنة مع علمهم بأن هذه المجلة لا مورد لها إلا منهم فقط، وقد عزمنا على قطعها- مع الأسف- عن جميع المتخلفين إلا المعتذرين.
وإلى هذا فنحن نجدد شكرنا لأولئك الذين وازرونا- ماديا وأدبيا- حتى أمكننا- بإذن الله- البقاء إلى اليوم. وإننا عندما نشعر بثقتنا بالله ثم بهم نجد في أنفسنا القوة التي نندفع بها إلى الأمام في جميع الأعمال. والله المستعان، وعليه التكلان (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 13 1 محرم 1356ه - 14 مارس 1937م.
(4/362)

بيان واعتذار

وردت علينا رسائل من قراء الشهاب الأفاضل المعتنين بجمع مجلداته طالبين للأجزاء المتأخرة فوجب علينا أن نبين ما صدر من الأجزاء في المجلد الرابع عشر.
صدر الأول في 19 صفر 1357
صدر الثاني في 28 ربيع الأول 57
صدر الثالث في 7 جمادى الأولى 57
صدر الرابع والخامس خصصا لما قيل وما كتب بمناسبة ختم التفسير وقد تم طبعه وهو الآن بين يدي الأستاذ الإبراهيمي للمراجعة.
وصدر الجزء السادس في 5 رجب 57
وصدر الجزء السابع في 17 شعبان 57
وصدر الجزء الثامن في 19 رمضان 57
وصدر الجزء التاسع في 8 ذي القعدة 57
وبه أنهينا المجلد الرابع عشر ودخلنا المجلد الخامس عشر عازمين على إصدار كل جزء في وقته وستكون أجزاؤه عامرة- إن شاء الله- تعوض على القراء وترضي ضميرنا بما لهم من الحق علينا (1).
__________
11) ش: ج 9، م 14، ص 174 غرة رمضان 1357ه - نوفمبر 1938م.
(4/363)

فاتحة السنة الرابعة عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بحمد الله وتوفيقه وإعانته ثم بشكر المشتركين بعقولهم أو مالهم وتأييدهم- نخطو خطوة جديدة بهذه المجلة في ميدان الحياة، على ما عرفه القراء منا من صراحة في الرأي، وصلابة في الحق، ورغبة في الخير نعمل لصلاح الأمة في دينها ودنياها على نور الكتاب والسنة وهدى السلف الصالح فتتمسك الأمة بإسلامها وعروبتها وتحافظ على قوميتها وتاريخها وتتناول أسباب الحياة والتقدم من كل جنس وكل لغة، وتحمل مع كل عامل لخير البشربة وسعادة الإنسان.
على هذه الأصول وفروعها مضت الثلاث عشرة سنة من حياة هذه المجلة وقد شاهدت من آثار تلك الأصول في الأمة- بحمد الله- ما زادها إيمانا بهذه الأصول وفروعها وثباتاً فيها وصبراً على ما تلقاه في سبيلها. ولأجل أن يشاركنا الجدد من قرائنا في هذا الإيمان نعرض شيئا من تلك الآثار نقتطفها من الماضي بنظرة مختصرة.

الشباب:
أعلن "الشهاب" من أول يومه- و"المنتقد" الشهيد قبله- أنه "لسان الشباب الناهض في القطر الجزائري" ولم يكن يوم ذاك من شباب إلا شباب أنساه التعليم الاستعماري لغته وتاريخه ومجده وقبح له دينه وقومه، وقطع له من كل شيء- إلا منه- أمله، وحقره في نفسه تحقيراً، وإلا شباب جاهل أكلته الحانات والمقاهي والشوارع، ومن وجد العمل منه لا يرى نفسه إلا آلة متحركة في ذلك العمل
(4/364)

لا هم له من ورائه في نفسه فضلاً عن شعوره بأمر عام. وإلا شباب حفظه الله للإسلام والعروبة فأقبل على تعلمها لكنه تعلم سطحي لفظي خال من الروح لا يعتز بماض، ولا يألم بحاضر، ولا يطمع لمستقبل اللهم إلا أفراداً قلائل جداً هنا وهنالك.
أما اليوم فقد تأسست في الوطن كله جمعيات ومدارس ونواد باسم الشباب والشبيبة والشبان ولا تجد شابا- إلا نادرا- إلا وهو منخرط في مؤسسة من تلك المؤسسات وشعار الجميع: الإسلام، العروبة، الجزائر.

الوطن:
وأعلن (الشهاب) من أول يومه- و (المنتقد) الشهيد من قبله- أن (الوطن قبل كل شيء) وما كانت هذه اللفظة يومئذ تجري على لسان أحد بمعناها الطبيعي الاجتماعي العام لجهل أكثر الأمة بمعناها هذا وعدم الشعور به، ولخوف أقلها من التصريح به. أما اليوم فقد شعرت الأمة بذاتيتها وعرفت هذه القطعة من الأرض التي خلقها الله منها ومنحها لها، وأنها هي ربتها وصاحبة الحق الشرعي والطبيعي فيها، سواء اعترف لها به من اعترف أم جحده من جحد، وأصبحت كلمة (الوطن) إذا رنت في الآذان حركت أوتار القلوب، وهزت النفس هزاً.

فرنسا:
أعلن (الشهاب) من أول يومه- و (المنتقد) الشهيد من قبله- أنه (يعمل لسعادة الأمة الجزائرية بمساعدة فرانسا الديموقراطية) فصور بكلمته هذه الحقيقة الواقعة عارية من براقش الخيال وحجب التلبيس والتضليل، فوضع الأمة الجزائرية بإزاء الأمة الفرنسية، إذ كل منهما لها ذاتيتها ومقوماتها ومميزاتها القلبية والعقلية والنفسية
(4/365)

والتاريخية، التي يستحيل معها أن تندمج في أمة أخرى، وضعها بإزائها على أنها تابعة لها مرتبطة بها محتاجة إلى مساعدتها.
على هذه الحقيقة ناهض (الشهاب) التجنس والاندماج وناضل عن الشخصية الإسلامية غير مبال بما يعترضه من غلاة الاستعمار أكلة الأمم، ولا من صرعاهم من ضعاف النفوس، ولا من صنعائهم خربي الذمم، حتى أصبحت الأمة اليوم وهي مجمعة بجميع طبقاتها على لزوم المحافظة على شخصيتها وعدم التنازل عن شيء منها ولو حرمت كل حق بيد الظلم والعدوان، مع بقائها على فكرة الارتباط بفرنسا ومطالبتها بإنصافها قبل أن تنصفها الأيام وقبل أن تحل نقمة الله الذي جرت سنته بالانتقام من الظالم للمظلوم ولو طال الزمان.

الإدارة:
عانى (الشهاب) من الإدارة بسبب صراحته وجرأته ما عانى، ولكنه صبر حتى ألفت الإدارة تلك الصراحة وتلك الجرأة، وقد عرفتها الأيام أن صراحة (الشهاب) صراحة الحق والصدق وأن لا غرض وراءها إلا خدمة الصالح العام، وأن جرأته جرأة الواثق بصدق قوله وحسن قصده لا المغتر بنفسه ولا المستهين بمقام غيره، وهي اليوم تعتني بالشهاب عناية خاصة، وتتولاه أقلام للترجمة عديدة، أعلاها قلم الأستاذ ماسينيون في وزارة الداخلية، وقد اشترك فيه م سارو لما أنيطت به إدارة إفريقيا الشمالية ونحن نعلم أنه يعتبر في الدوائر الحكومية العبر الحقيقي عن الجزائر العربية المسلمة، الذي لا يثنيه عن تصوير الحقيقة خوف ولا طمع، ولا يحجبها عنه غرض، ولا يبعده عنها خيال. وأن (الشهاب) ليغتبط بهذا ويرجو من الله تعالى أن يثبته عليه حتى يخدم أمته من هذه الناحية لدى الحكومة ويكون أداة تعريف صحيح وواسطة خير للجميع.
(4/366)

الأمة:
برغم ما في الأمة الجزائرية من أصول الحيوية القومية، فقد عركتها البلايا والمحن حتى استخذت وذلت، وسكتت على الضيم، ورئمت للهوان، وبرغم ما بينها من روابط الوحدة المتينة- فقد عملت فيها يد الطرقية المحركة تفريقاً وتشتيتاً، حتى تركتها أشلاء لا شعور لها ببعضها ولا نفع، تتخطفها وحوش البشرية من هنا ومن هنالك بسلطان القوة على الأبدان، أو شيطان الدجل على العقول والقلوب.
أما اليوم فقد نفضت الأمة عن رأسها غبار الذل وأخذت تنازل وتناضل، وتدافع وتعارض، وشعرت بوحدتها فأخذت تطرح تلك الفوارق الباطلة، وتتحلى بحلل الأخوة الحقة، وتنضوي أفواجاً أفواجاً تحت راية الإسلام والعروبة والجزائر.

العلماء:
كان الذين يتسمون بالعلم- إلا قليلا- بين جامد خرافي تستخدمه الطرقية وما يحرك الطرقية في التخدير والتضليل، وقد لا يدري المسكين ما يدس به للأمة من كيد، وحاذق دنيوي قد غلبه الوظيف واستولى حبه على قلبه فأنساه نفسه وأنساه ذكر الله. وكان العلماء الأحرار المفكرون- على قلتهم- مغمورين مشتتين، فلما برز (المنتقد) الشهيد فـ (الشهاب) هب أولئك العلماء الأحرار المفكرون للعمل، وتكونت النواة الأولى لجمعية العلماء، وأصبح اليوم اسم العلماء يحمل في أثنائه كل معاني الجد والتضحية في سبيل الحياة الحقيقية دنيا وأخرى.

النواب:
مجلدات (الشهاب) الماضية سجل يحفط اسم كل نائب وقف موقفاً مشرفاً، يطلب حقا أو يدافع باطلا فـ (الشهاب) ينوه بكل عامل
(4/367)

ويشيد بذكره ويهيب دائماً بلزوم المحافظة على شخصية الأمة وعدم التساهل في شيء منها والمصارحة في كل موقف بأنها أمة لها لغتها ولها دينها ولقد كان من يرى السكوت عن هذه الناحية أقرب للمجاملة، وكان من يرى التسامح فيها والمساهلة، وكان من يصارح ويتصلب في هذه الناصية وإن تساهل في ناحية أخرى.
أما اليوم فقد أصبحت الأمة ولا يستطيع أحد أن يتقدم للنيابة عنها إلا إذا أقنعها بالمحافظة على شخصيتها والدفاع عن دينها ولغتها.
وإننا لنغتبط جد الاغتباط أن نرى نواب الأمة- إلا قليلا- قد أخذوا يشعرون بما عليهم من المسؤولية في الدفاع عن الإسلام والعربية، وأن نسمعهم- وقد سمعنا بعضهم- يرصعون خطبهم العامة بكلمات: إسلام، عربية، تاريخ، وطن، أمة وإنا لنرجو أن تكون لهم مواقف في هذه الناحية كما كانت لهم مواقف في النواحي الأخرى هذه الناحية في نظر الأمة، وفي الواقع أجل وأعز منها.

المصلحون:
ليس المصلحون حزبا- وربما يكونونه يوما من الأيام- وإنما هم العاملون على الأصول التي ذكرناها آنفا، وتحدثنا عن آثارها.
كانوا يوم رفع (الشهاب) وقبله (النتقد) الشهيد دعوة الإصلاح قليلا، وهم اليوم لا يأخذهم العدو لا تخلو بقعة من نواحي القطر منهم، قد ملأوه من أقصاه إلى أقصاه، وقد تجلت قوتهم في الانتخابات الكثيرة بعمالة قسنطينة وعمالة وهران وهم لم ينتظموا انتظام الأحزاب فكيف لو انتظموا؟

الطرقية:
كان الناس كأنهم لا يرون الإسلام إلا الطرقية، وقد زاد ضلالهم
(4/368)

ما كانوا يرون من الجامدين والمغرورين من المنتسبين للعلم من التمسك بها والتأييد لشيوخها، فلما ارتفعت دعوة الإصلاح في (المنتقد) و (الشهاب) حسب الناس أن هدم تلك الأضاليل التي طال عليها الزمان، ورسخها الجهل، وأيدها السلطان، محال. ولقد صمد (الشهاب) للطرقية يحارب ما أدخلته على القلوب من فساد عقائد وعلى العقول من باطل أوهام، وعلى الإسلام من زور وتحريف وتشويه، إلى ما صرفت من الأمة عن خالقها بما نصبت من أنصاب، وشتت من كلمتها، بما اختلقت من القاب، وقتلت من عزتها، بما اصطنعت من إرهاب، حتى حقت للحق على باطلها الغلبة، فهي اليوم معروفة عند أكثر الأمة حقيقتها، معلومة غايتها، مفضوحة دوافعها ... إذا دعاها داعي السلطان لبت خاضعة مندفعة، وإذا دعاها داعي الأمة ولت على أعقابها مدبرة. ومن نكاية الله بها أن جعل أكبر فضيحتها على يد من يريد ممن توالتهم من دون الأمة مددها بما لها من مزايا عليه.
لا يهمنا اليوم أن تجهز على الجريح المثخن الذي لم يبق منه إلا ذماء، وإنما يهمنا أن نبين موقفنا مع البقية من شيوخها ونسمعهم صريح كلمتنا.
حاربنا الطرقية لما عرفنا فيها- علم الله- من بلاء على الأمة من الداخل ومن الخارج فعملنا على كشفها وهدمها مهما تحملنا في ذلك من صعاب، وقد بلغنا غايتنا والحمد الله وقد عزمنا على أن نترك أمرها للأمة هي التي تتولى القضاء عليها ثم نمد يدنا لمن كان على بقية من نسبته إليها لنعمل معاً في ميادين الحياة على شريطة واحدة وهي: أن لا يكونوا آلة مسخرة في يد نواح اعتادت تسخيرهم، فكل طرقي مستقل في نفسه عن التسخير فنحن نمد يدنا له للعمل في الصالح العام. وله عقليته لا يسمع منا فيها كلمة وكل طرقي- أو غير طرقي- يكون أذنا سماعة، وآلة مسخرة فلا هوادة بيننا وبينه حتى يتوب إلى الله.
(4/369)

قد نبذنا إليكم على سواء ... {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}.
هذا عرض سريع لصور من الماضي والحاضر، لنواح عديدة من الأمة والوطن وما يتصل بهما، يبين ما كان من تأثير تلك الأصول الإسلامية التي تمسك بها "الشهاب" فيها. فالله نرجو أن يثبتنا على الحق ويعيننا على الصدع به، وصدق تنفيذه، وحسن تبليغه، حتى يبلغ المسلمون كل خير وسعادة وكمال (1).
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ش: ج 2، م 14، ص 1 - 7 غرة محرم 1357ه - مارس 1938م.
(4/370)

فاتحة السنة الخامسة عشرة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على الرسول وآله.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذه أول خطوة نخطوها- إن شاء الله تعالى- إلى العام الخامس عشر من حياة هذه المجلة حامدين الله على عونه وتوفيقه وتيسيره، شاكرين لأسرة المجلة- من مشتركيها ومحرريها وطابعيها وناشريها- أعمالهم التي هي أعمال في سبيل الإسلام والعروبة والجزائر، ذاكرين كل ذي خير بكل خير.
هذا وإننا نجدد العهد بيننا وبين قرائنا على السير على ما عرفوه فينا من صدق وصراحة وقصد للخير، غير متملقين لأحد ولا متحاملين عليه، مع المحافظة التامة على شخصيتنا وكل مقوِّماتنا الكريمة مما به كنا- وبه بقينا، وبه نكون، دون تفريق في العدل والإحسان بين الأجناس والأديان.
والمجد للإسلام والعروبة والجزائر، والسعادة للعاملين من الأفراد والأمم لخير الإنسان (1).
__________
(1) ش: ج 1، م 15؛ ص 1 غرة محرم 1358ه - فيفري 1939م.
(4/371)

آثار ابن باديس
قسم الصلاة على النبي
(4/373)

الصلاة على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
-1 -
تمهيد، مكانتها، ثمرتها. القسم العلمي، معناها لغة، معناها شرعا، مزية لفظها، من تكون منه، من تكون عليه، نفي الاشتراك عنها، تفسيرها باللازم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تمهيد:
الصلاة على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من أصول الأذكار في الإسلام ومن أعظمها، فإن الله- تعالى- أمر بها المؤمنين على أبلغ أسلوب في التأكيد، وأكمل وجه في الترغيب، وجعلها من الأذكار اليومية المتكررة في الصلوات، وهي ذكر لساني بتلاوة لفظها، وقلبي بتدبر معانيها، ومثرة لرسوخ الإيمان وشدة المحبة وتمام التعظيم له- صلى الله عليه وآله وسلم- المثمرين لأتباعه، المحصل لمحبة الله عبده، وتلك غاية سعادة المخلوق ونهاية كماله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
فمما يتأكد على كل مسلم أن يكون على شيء من العلم بهذا الكنز العظيم، وسنأتي من ذلك بما يفتح الله تعالى به في هذا المقال.

القسم العلمي:
الصلاة في لسان العرب قبل الإسلام وردت بمعنى الدعاء، قال الأعشى:
(4/375)

وصَهْبَاءَ طَافَ يَهُودِيُّهَا … وأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمْ
وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا … وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
قال صاحب اللسان: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد.
وقال الأعشى أيضاً:
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … يَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
أي دعوت، فالدعاء هو معناها اللغوي الأصلي وعليه جاءت كلمات كثيرة في الكتاب والسنة فمنها "وصلوات الرسول" أي دعواته "وصل عليهم"، أي أدع لهم وحديث «إذا دعي أحدكم لطعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل» أي فليدع لأرباب الطعام و"الصلوات لله" أي الأدعية التي يراد بها تعظيم الله هو مستحقها لا تليق بأحد سواه كما في "اللسان".
جاءت هذه الكلمات وأمثالها على المعنى اللغوي الأصلي، وجاء مثل قوله تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} وقوله- صلى الله عليه وسلم- «لا صلاة لجار المسجد في غير المسجد» مراداً به عبادة مخصوصة ذات أقوال وأفعال وتروك على هيئة خاصة من جملة أجزائها الدعاء، ولا شك أن إطلاقها على هذا المعنى إنما هو إطلاق شرعي ولكنه غير خارج عن أساليب كلام العرب فإنه من باب تسمية الشيء باسم جزئه فإطلاق هذا اللفظ على هذه العبادة المخصوصة حقيقة شرعية مجاز لغوي وليس هذا هو مرادنا هنا. وقد كان الظاهر لما كانت بمعنى الدعاء أن تتعدى بالكلام ولكنها تعدت بعلى لما فيها من معنى العطف فصلى عليه يؤدي معنى قولنا: دعا له عاطفاً عليه وهذا هو السر في اختيار لفظها على لفظه لتؤدي
(4/376)

المعنيين: الدعاء والعطف، وإن كان لفظ الدعاء يقتضي عطفاً فذلك بطريق الاستلزام، وهو دون دلالة التضمن.
تكون هذه الصلاة من المخلوق على المخلوق ومن الخالق على المخلوق. فمن الأول صلاة النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- على المؤمنين كما في آيتي سورة التوبة المتقدمتين ومنها قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- «اللهم صل على آل أبي أوفى» فقد دعا لهم وسأل الله تعالى أن يصلي عليهم. وصلاته على نفسه في تشهده في الصلاة، ومنه صلاة الملائكة على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كما في آية الصلاة من سورة الأحزاب، وصلاتهم على المؤمنين كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} ويفسر هذه الآية قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} وهذا منهم دعاء عام. وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}.
وهذا دعاء خاص. وكما في حديث «من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة عشرا» وحديث «إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه اللهم اغفر له اللهم ارحمه». ومنه صلاة المؤمنين على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وعلى الأنبياء وعلى الملائكة وعلى عامة المؤمنين بطريق التبع فهي سؤالهم من الله تعالى ودعاؤهم إياه أن يصلي على نبيه ومن ذكر قبل معه فهذه كلها من القسم الأول وهو صلاة المخلوق على المخلوق وكلها لم تخرج عن معنى الدعاء.
وأما القسم الثاني وهو صلاة الخالق على المخلوق فمنها صلاته
(4/377)

على المؤمنين في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}. وصلاته على الصابرين في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
وعلى نبيه محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- في قوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
قد تنوعت عبارات العلماء سلفاً وخلفاً في تفسير صلاته تعالى على من ذكر من خلقه ففسرت بالرحمة- والجمع في قوله {صَلَوَاتٌ} باعتبار أنواع آثارها ومواقعها وقوله بعدها {وَرَحْمَةٌ} نوع منها خاص- وفسرت بالمغفرة، وفسرت بثنائه عند ملائكته على المصلي عليه- من باب ذكرته في ملاء خير منه- وفسرت بإعطائه وإحسانه، وفسرت بتعظيمه، ولا خلاف في الحقيقة بين هذه التفاسير، فإن مغفرته من رحمته وأن ثناءه من رحمته وأن إعطاءه وإحسانه من رحمته وأن تعظيمه من رحمته. فرجعت كلها إلى تفسيرها بالرحمة.
لو قلنا بعد هذا أن الصلاة لها معنيان الدعاء والرحمة لكانت من باب المشترك، والاشتراك خلاف الأصل فلذا نقول- كما قال جماعة من المحققين- إن الصلاة معناها واحدة وهو الدعاء فأما من المخلوق فبدعائه الخالق وهو ظاهر، وأما من الخالق فبدعائه ذاته لإيصال الخير والنعمة للمصلي عليه على تفاوت المراتب، ومن لازم هذا رحمته له بالمغفرة والثناء والتعظيم وأنواع العطاء والإحسان. فالذين فسروا الصلاة من الله بالرحمة فسروها باللازم والذين فسروا بغير الرحمة،
(4/378)

فسروا بمقتضيات ذلك اللازم فلها إذن معنى واحد وهو الدعاء ولكنه يحمل في كل واحد من الجانبين على ما يليق به (1).
__________
(1) ش: ج 5، م 5، ص 1 - 5. غرة محرم 1348ه - جوان 1929م.
(4/379)

الصلاة على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
-2 -
تاريخ مشروعيتها، آية مشروعيتها، شيء من تفسير الآية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الصلاة على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من أذكار الصلاة ولكنها لم تشرع يوم شرعت الصلاة بمكة بل كانت مشروعيتها بعد بضع سنوات من الهجرة، وذلك يوم نزلت آية الأمر بها من سورة الأحزاب وهي سورة مدنية، ففي الترمذي وغيره- عن كعب بن عجرة-: لما نزلت {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ ... الآية} قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام فكيف الصلاة، فعلمهم حينئذ كيفيتها كما يأتي بيانه.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، هو آية الأمر بالصلاة على أبلغ أسلوب في التأكيد، وأكمل وجه في الترغيب. فمن التأكد للأمر التوطئة له بجملتين: الجملة الإسمية المصدرة بحرف التأكيد، والجملة الفعلية الندائية، ومن أعظم الترغيب في امتثال هذا الأمر جعل امتثاله اقتداء بالله وملائكته.
وفي عطف الملائكة عليه تعالى تنبيه على ثمرة الامتثال والاقتداء، وهي نيل أشرف المنازل العليا، فإن الملائكة- عليهم السلام- بإمتثالهم أمر ربهم واقتدائهم به- جل اسمه- في الصلاة على أكرم خلقه-
(4/380)

صلى الله عليه وآله وسلم- نالوا شرف اقتران اسمهم باسمه، وفي هذا ووراءه من الشرف والسعادة ما فيه.
وقوله- تعالى-: {يُصَلُّونَ}، على معناه اللغوي والأصلي وهو الدعاء، غير أن الملائكة يدعون ربهم له - صلى الله عليه وآله وسلم- والله تعالى يدعو نفسه، والمراد- وتذكر ما قدمنا- لازم ذلك وهو إنعامه الخاص الذي يرضاه لأكرم خلقه، وتقصر عقولنا عن الإحاطة به وقد عبر الناس عنه بعبارات نقلنا بعضها في القسم الأول.
وفي صيغة الفعل المضارع دليل على تجدد هذه الصلاة. فالملائكة- عليهم السلام- لا يفتؤون يصلون ويدعون، والله- تعالى- لا تنقطع انعاماته على النبي الكريم، وهو- صلى الله عليه وآله وسلم- بتلك الإنعامات الربانية لا يزال أبدا مترقيا في درجات الكمال، ويؤيد هذا عموم قوله تعالى: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى}. وفي هذا ترغيب للمؤمنين في مداومة الصلاة عليه حسب الجهد والطاقة في الصلاة وغيرها.
وقيل هنا {عَلَى النَّبِيِّ} ولم يقل على الرسول. وهو- صلى الله عليه وآله وسلم- نبي ورسول. ذلك لأن الرسول هو المبعوث لأداء الرسالة من الخالق إلى الخلق فالجانب الأول الأساسي لمعناه يرجع إلى معنى التلقي والأخذ عن الذي أرسله، والنبي هو المخبر المبلغ للرسالة إلى الخلق من الخالق، والجانب الأول الأساسي لمعناه يرجع إلى معنى إعلام الخلق وإرشادهم وهدايتهم بما جاء به من عند خالقهم. فاختير اسم النبي هنا على اسم الرسول لوجهين.
الأول: التنبيه على أنه قام بأعباء الرسالة وبلغ الأمانة ونصح الخلق ونفعهم فجازاه الله على هذا العمل العظيم بهذا الجزاء العظيم وكما كان هو- صلى الله عليه وآله وسلم- معلنا بتوحيد الله
(4/381)

وتسبيحه وتقديسه وحمده أمام العالم بأسره، كذلك أعلن الله فضله ومكانته بصلاته عليه أمام جميع خلقه، وفي هذا تنييه للمؤمنن على عظم الجزاء عند عظم العمل، وعلى إعلائه- تعالى- شأن العاملين على إعلاء كلمته على قدر جهادهم في سبيله وإخلاصهم في ابتغاء مرضاته.
الثاني: أنه بذلك التبليغ قد جلب للمؤمنين أعظم النفع وأكمل الخير وهو سعادة الإيمان في العاجل والآجل. فمن بعض حقه عليهم أن يقوموا- لتعظيمه وتكريمه- بالصلاة عليه. فتكون صلاتم عليه- وهي سبب أجر عظيم ونفع كبير لهم- كالجزاء لعظيم إحسانه، والاعتراف بجزيل جميله.
فاسم {النَّبِيِّ} بهذين الوجهين، أنسب بالمقام، وأدخل في التأكيد والترغيب ولهذا اختير.
وقوله- تعالى-: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أمر ثان معطوف على الأمر الأول فيفيد النَّسق طلب الجمع بين مدلوليهما في الامتثال. ولذاكره العلماءُ إفراد الصلاة عن السلام.
وسلم: يأتي بمعنى الانقياد ويتعدى باللام، ومنه قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. ويأتي بمعنى قال له السلام عليكم ويتعدى بعلى ومنه قوله- تعالى-: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}، ومنه هنا {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي حيوه بتحية الإسلام. وقد ثبت عن الصحابة- رضي الله عنهم- أنهم لما سألوه عن كيفية الصلاة،
(4/382)

قالوا له السلام قد علمنا فبين لهم كيفيتها وقال لهم والسلام كما قد علمتم، وقد كان علمهم كيفية السلام في التشهد وهي: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، كما في حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح. وبعد هذا لا يبقى وجه لتجويز حمل التسليم هنا على معنى الانقياد كما زعمه الجصاص وغيره، ويا لله من الجري وراء الاحتمالات، والغفلة عن التفسير النبوي الصحيح الثابت المأثور. وقوله تعالى: {تَسْلِيمًا}، مصدر مؤكد، والتأكيد بالصدر يكون لرفع احتمال المجاز كما في "قتلته قتلا" دفعا لتوهم المجاز عن الضرب الشديد، ويكون لتثبيت معنى الفعل من جهة الحدث ببيان أنه فرد كامل من نوعه لا نقص فيه كما في "أكرمت زيدا إكراماً" بمعنى أن الذي كان منك له هو إكرام لا شبهة فيه- والتأكيد هنا من هذا النوع- فإن المسلم على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لا يكمل سلامه إلا إذا طابق قلبه ولسانه وجرى على مقتضاهما عمله، فلم تكن منه للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- إلا السلامة في دينه وكتابه وأمته، وهذا هو الذي يقال فيه أنه سلم تسليما.
ونظير هذا ما في الآية الأخرى: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فيكون منهم الإنقياد التام لحكمه في الظاهر والباطن بلا أدنى شبهة في العقل ولا أدنى حزازة في القلب ولا أدنى توقف في العمل.
فقد أمرنا بالآيتين بالتسليم الكامل بمعنييه، ليكون هو الغاية التي نرمي إليها، ونسعى في تحصيلها، وحتى إذا أخطانا مرة أصبنا مرات وإذا انحرفنا رجعنا إلى الجادة من قريب ومن داوم على القصد أعين على الوصول {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. ومن لازم التوبة أتحف بالقبول، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.
(4/383)

وفي قول المربي الأكبر، عليه وآله الصلاة والسلام: «استقيموا ولن تحصوا»، وقوله «سددوا وقاربوا»، جماع السلوك الإسلامي كله إلى غايات الكمال، والله المستعان (1).
__________
(1) ج 6، م 5، ص 1 - 5 غرة صفر 1348ه - جويلية 1929م.
(4/384)

الصلاة على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
-3 -
توقف الصحابة- رضي الله عنهم-، وجوه توقفهم، سؤالهم، أول من سأل منهم، ما يستفاد من هديهم في هذا المقام، لزوم الاقتداء بهم، حديث بيان الكيفية، رواته، ألفاظه، الجمع بينها، الإقتصار على الصحيح من الروايات، كلام الحافظ ابن العربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لما سمع الصحابة- رضي الله عنهم- الأمر بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- من الآية المتقدمة فهموا أنهم أمروا بالدعاء له لأن الدعاء هو معنى الصلاة لغة كما قدمنا.
وإنما الذي أشكل عليهم هو كيفية هذا الدعاء، ووجه هذا الإشكال أمور:
الأول: - علمهم بكمال النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ورفعة مقامه عند ربه، وجزيل إنعامه لديه فلم يدروا ما هو النوع الأكمل من الإنعام اللائق بمنصبه الرفيع ليدعوا له به.
الثاني: - إن ألفاظ الدعاء كثيرة وصفاتها مختلفة فما هو أنسبها بمقامه الشريف؟
الثالث: - إن الصلاة عليه- صلى الله عليه وآله وسلم- أمر تعبدي والعبادات لا سبيل إليها إلا التوقف. وأكد لهم هذا أن الصلاة قد قرنت بالسلام وقد تقدم لهم التوقيف في السلام فترقعوا مثله في الصلاة.
(4/385)

فلما أشكل عليهم الأمر طلبوا منه- صلى الله عليه وآله وسلم- البيان. ففي الترمذي عن كعب بن عجرة لما نزلت: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ} الآية، قلنا يارسول الله قد علمنا السلام فكيف الصلاة، وقوله: "لما" يفيد أن سؤالهم كان عند النزول وقوله "قلنا" يفيد أن السؤال كان من جميعهم ولو كان السائل المتكلم واحد فإنه يتكلم بلسان الجميع لأنهم له موافقون. ومثل هذا قول أبي حميد "إنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك" وقول أبي سعيد "قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي" وأول من سأله- فيما أرى- بشير بن سعد الأنصاري- لأنه لما سأله- صلى الله عليه وآله وسلم- كيف نصلي عليك"- سكت ثم أجابه بالبيان. والظاهر أن سكوته كان لانتظار الوحي إليه فلما أوحى إليه بالبيان، بين. وجاء البيان متأخرا عن نزول الآية واقعا بعد سؤالهم لأنه من البيان التفسيري وجائز تأخره على الصحيح وهذا من أمثلته.
وهنا نكت من هدى الصحابة- رضوان الله عليهم- في هذا المقام ينبغي التنبه لها والتدبر فيها، فمنها شدة تعظيمهم للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وتمام تحريهم في إجلال ذكره واحترام كل ما يتصل بجنابه. ومنها حرصهم على الإتيان بعين ما يختاره الله لهم ويرضاه منهم عن اللفط الأكمل الأفضل الذي يتقربون به إليه في تعظيم حبيبه ومصطفاه- صلى الله عليه وآله وسلم-. ومنها شدة تحريهم لدينهم بتوقفهم فيما كان عندهم محتملا ولم يقطعوا فيه بشيء. ومنها شدة عنايتهم بالعلم، فبادروا إلى طلب البيان ومنها وقوفهم في باب العبادة عند حد التوقيف لأنه لا مجال فيها للرأي ولا مدخل فيها للقياس.
كل هذا من هديهم- رضوان الله عليهم- حق على المسلمين أن يتدبروه ويتبعوهم فيه وينظروا في أمورهم ما هو منها موافق لهديهم
(4/386)

أو قريب منه وما هو مباين له بعيد عنه فلا وربك لا يكون الخير إلا في موافقتهم ولا غيره إلا في مخالفتهم. وكل امرئ- بعد هذا- بنفسه بصير.
عدنا إلى حديث بيان كيفية الصلاة. ونقتصر من متونه على الصحيح الثابت المتفق عليه مما في الوطأ والصحيحين. وقد جاء فيها عن أربعة من الصحابة- رضوان الله عليهم-.
الأول: أبو حميد الساعدي عند الثلاثة والشيخان خرجاه عنه من طريق مالك، قال- رضي الله عنه- "إنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال: قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" وفي رواية مسلم "وعلى أزواجه" بزيادة"على" في الموضعين.
الثاني: أبو مسعود الأنصاري في الموطأ وصحيح مسلم ومن طريق مالك رواه مسلم قال: "أتانا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد "ابن ثعلبة" أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك قال فسكت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- حتى تمنينا أنه لم يسأله "لأنهم كانوا يكرهون كل ما يرونه أنه يكرهه أو يشق عليه" ثم قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم". وفي بعض روايات الموطأ "كما صليت على إبراهيم" و"كما باركت على إبراهيم" بدون لفظة"آل" في الموضعين وفي بعضها بدونها في الأول.
الثالث: كعب بن عجرة في الصحيحين قال- رضي الله عنه-
(4/387)

"سألنا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلم قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" هكذا أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء من كتاب بدع الخلق. وخرجه في سورة الأحزاب من كتاب التفسير وفي كتاب الدعوات هكذا: "كما صليت على آل إبراهيم" و "كما باركت على آل إبراهيم" بدون "على إبراهيم" في الموضعين وعلى هذا الوجه خرجه مسلم.
الرابع: - أبو سعيد الخدري عند البخاري في أحاديث الأنبياء والتفسير قال- رضي الله عنه-: "قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" وفي رواية أخرى للبخاري "كما صليت على آل إبراهيم" بزيادة لفظة "آل" وليس في آخرها وعلى آل إبراهيم.
وهذه المتون الصحيحة كلها قد اتفقت واختلفت اتفقت في عمود الكلام وصلب المعنى ومعظم الكلمات واختلفت في كلمات قليلة. فمنها لفظة "على" كما في حديث أبو حميد وهي كلمة ذكرها كحذفها من جهة المعنى لأن حرف العطف مغن عنها فقد تكون في الأصل وأسقطها الراوي نسيانا أو اختصارا وقد لا تكون وزادها من زادها نسيانا أو بيانا ومنها لفظة "الآل" في حديث أبي مسعود فهي ثابتة في رواية من أثبتها وتحتمل السقوط على وجه النسيان في رواية من أسقطها ويحتمل أنه كذلك سمع بدونها وأن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مرة ذكرها ومرة حذفها. ومنها زيادة عبدك ورسولك
(4/388)

في حديث أبي سعيد وزايدة في العالمين في حديث ابن مسعود وذكر الأزواج والذرية، بدون الآل في حديث أبي حميد. والظاهر في هذه أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- تنوع بيانه في المقامات فاختلفت الروايات وهي مختلفة غير متناقضة فتفيد المعاني المتغايرة غير المتضاربة. وهي بهذا نظير اختلاف القراءات في صحيح الروايات.
هذا الذي ذكرناه من الروايات هو الصحيح المتفق على صحته وثبوته ووراءها روايات ليست في درجتها رأينا الاكتفاء بالصحيح عنها. وقد قال الإمام الحافظ ابن العربي في تفسير سورة الأحزاب من أحكامه، بعدما ذكر ثماني روايات- من هذه الروايات صحيح ومنها سقيم، وأصحها ما روى مالك "حديث أبي حميد وحديث أبي مسعود فاعتمدوه". ورواية من روى غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها "غير الرحمة" لا يقوى. وإنما على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم وهم لا يأخذون في البيع دينارا معينا وإنما يختارون السالم الطيب. كذلك في الدين لا يؤخذ من الروايات عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- إلا ما صح سنده لئلا يدخل في خبر الكذب على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران المبين".
وسنتكلم على كيفية استعمال هذه الروايات المتقدمة عند الذكر والصلاة على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في القسم العملي، إن شاء الله تعالى وبه المستعان (1).
__________
(1) ج 7، م 5، ص 1 - 6 غرة ربيع الأول 1348ه - أوت 1929م.
(4/389)

الصلاة على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
-4 -
صيغ الصلاة الثابتة، تفسير الصيغ، لفظ البركة، الأزواج، الذرية، الآل، معناه، اشتقاقه، موارد استعماله، توجيه الخلاف في تفسيره، الراجح منها، آل إبراهيم، تفسيره، دخول إبراهيم فيه، توجيه في ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قد حصل لنا مما تقدم في روايات حديث بيان الصلاة أربع صيغ لها:
الأولى: "اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
الثانية: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين. إنك حميد مجيد".
الثالثة: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
الرابعة:، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على
(4/390)

إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم".
فأما الصلاة المطلوبة من الله تعالى في جميع هذه الصيغ فهي مغفرته وثناؤه وتعظيمه وإحسانه وإعطاؤه وكلها ترجع إلى رحته- كما تقدم.
وأما البركة المطلوبة في جميعها أيضا فهي- لغة- النماء والزيادة والمقصود هنا زيادة الخير والكرامة وتكثير الأجر والمثوبة. وفسرت بدوام ذلك وثباته لأن أصل مادة بارك يدل على الثبوت ومنها بروك الإبل وثبوتها على الأرض. وقد يعتبر في الشيء الثابت قوته وزكاوة أصله فيستلزم ذلك كثرته ونماؤه. وعلى هذا الاعتبار جاء لفظ البرك (كحبل) اسما للإبل الكثيرة، في قول متمم بن نويرة:
إِذَا شَارِفٌ مِنْهُنَّ قَامَتْ وَرَجَّعَتْ … حَنِيناً فَأَبْكَى شَجْوُهَا الْبَرْكَ أَجْمَعَا
فتفسيرها بالنماء والزيادة مأخوذة فيه ثباتها ورسوخها فلا يكون خارجا عن المعنى الأصلي للمادة.
وأما أزواجه في الصيغة الأولى فهن أمهات المؤمنين الطيبات الطاهرات عليهن الرضوان.
وأما ذريته فيها أيضا فهم من كان للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم-، ولادة عليه من ولده وولد ولده ممن آمن به.
وأما الآل في جميعها فهو- لغة- أهل الرجل وعياله، وهو أيضا الاتباع ومن الأول قوله - صلى الله عليه وآله وسلم- "إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" ولا خلاف أن المراد بالآل هنا ذوو قرابته من بني هاشم والمطلب أو من بني هاشم فقط أو من بني قصي أو قريش كلها على اختلاف بين الفقهاء في تحديد القرابة المرادة. ومن
(4/391)

الثاني قوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} والمراد هنا اتباعه في ملته وملكه وسلطانه. ومنه قول الأعشي:
فَكَذَّبُوهَا بِمَا قَالَتْ فَصَبَّحَهُمْ … ذُو آلِ حَسَّانَ يُزْجِي السَّمَّ والسَّلَعَا
قال في "اللسان" يعنى جيش تبع.
وفسر هنا بجميع أمته ممن آمن به، وإليه ذهب مالك، قال النووي: وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين.

وفسر بقرابته:
وفسر بأهل بيته- صلى الله عليه وآله وسلم- أزواجه وذريته. وتحقيق هذه المسألة أن لفظة "آل" أصله أول من مادة- ا- و-ل- وقد ثبت تصغيره على أويل فرد التصغير ألفه إلى الواو أصلها فعرفت بذلك مادته المذكورة.
وزعم بعضهم أن أصله أهل وادعوا أنه صغر على أهيل. ولا حجة لهم في ذلك لأننا نسلم مجيء أهيل عن العرب وتمنع أن يكون تصغيرا لآل بل هو تصغير لأهل. وكونه تصغيرا لأهل ظاهر ملفوظ وكونه تصغيرا لآل دعوى لا دليل عليها. وما كان في نفسه دعوى بلا دليل لا يصلح أن يكون دليلا لدعوى أخرى فلم يقم حينئذ دليل على أن آل أصله أهل يعارض الدليل الذي قام على أن أصله أول.
وإذا ثبت أن آل من مادة- ا- و-ل-، وهي بمعنى الرجوع- تقول آل إلى خير بمعنى رجع إلى خير- فئال الشيء هو ما يرجع إلى ذلك الشيء وينتهي إليه بوجه من الوجوه. وعلى هذا جاء استعماله في كلام العرب.
(4/392)

قال الفرزدق:
نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ طَلَاقَةً … سِوَى رَبَّةُ التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا
عني فرسا من نسل اعوج وهو فحل مشهور في خيل العرب تنسب إليه الاعوجيات فئاله نسله لأنه يرجع إليه بالنسب.
وقال عبد المطلب بن هاشم- في قصة أبرهة الحبشي لما جاء لهدم البيت داعيا ومستنصرا الله على أبرهة وجنده:
لا هم ان العبد يمـ … ـنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم … ومحالهم غذوا محالك
وانصر على آل الصليب … وعابديه اليوم آلك
فئال الصليب هم الحبشة النصارى عباد الصليب فرجعوا إليه بوجه العبادة والتعظيم.
وآل الله هم قريش سدنة بيته وقطان حرمه، وأواة حجيجه فرجعوا إلى الله تعالى بهذه الأسباب فاتباعه- صلى الله عليه وآله وسلم- وأقاربه وأزواجه وذريته- كل يصدق عليه آل لأنهم كلهم يرجعون إليه.
وإنما الخلاف في ترجيح المعنى الذي ينبغي حمل اللفط عليه في أحاديث الصلاة فمن فسره بالأزواج والذرية قال لأنهم هم المصرح بهم في الرواية الأولى فحمل إحدى الروايتين على الأخرى.
ومن فسره بالأقارب حمل حديث الصلاة على حديث تحريم الصدقة. والآل هنالك بمعنى الأقارب فلا خلاف. فرجع بالمخنلف فيه إلى المتفق عليه.
ومن فسره بالاتباع رأى أن أتباعه بالإيمان به أمر لا بد منه في
(4/393)

الدخول تحت لفط الآل هنا، فإن من كان من أقاربه غير متبع له- كأبي لهب- غير داخل في لفط الآل هنا قطعا. فحمل اللفظ على الاتباع لأنه المعنى المشتمل على الوصف الذي لا بد منه في هذا المقام. وروى أيضا أن هذا المعنى أعم فهو الأنسب بمقام الدعاء.
وكما أن مساق حديث الصدقة عيَّن معنى الأقارب هنالك كذلك مقام الدعاء يرجح معاني الاتباع هنا.
ولا معارضة بين الروايات التي فيها لفط الآل مراد به الاتباع، والرواية التي فيها الأزواج والذرية، لأن تلك جاءت بالمعنى العام وهذه خصصت بالذكر نوعا من ذلك العام لمزية فيه.
فأزواجه وذريته- رضوان الله تعالى عليهم- مصلى عليهم في اللفظ العام على وجه العموم، وباللفظ الخاص على وجه الخصوص لما لهم من مزيد الاختصاص.
ولهذه الأدلة نرى هذا التفسير ارجحها.
وأما آل إبراهيم فقد قال قوم هم ذريته وقال ابن عباس- رضي الله عنه- هم اتباعه على ملته. ونزع بقوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} واقتصر على قوله ابن جرير الطبري في تفسير الآية من تفسيره الكبير.
فابن عباس في تفسيره الآل بالاتباع هو سلف مالك في تفسيره له بذلك. وابن جرير في ترجيحه لقوله هو سلفنا في الترجيح.
قال الإمام ابن عبد البر: "آل إبراهيم يدخل فيه إبراهيم وآل محمد يدخل فيه محمد". ومن هنا جاءت الآثارة مرة بإبراهيم ومرة بآل إبراهيم وربما جاء ذلك في حديث واحد. ومعلوم أن قوله تعالى:
(4/394)

{أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} أن فرعون داخل فيهم.
وهذا من طريق مفهوم الإضافة الأحروي لأن المضاف إذا تعلق به حكم بعلة الإضافة فالمضاف إليه أحرى بذلك الحكم وأولى كما تقول: - ما ثبت للتابع بعلة التابعية فالمتبوع أحرى به وأولى. فإذا كان آل إبراهيم مصطفين ومصلى عليهم لأنهم آله أي اتباعه- فهو مصطفى ومصلى عليه بطريق الأحرى للوجه الذي ذكرنا (1).
__________
(1) ج 8، م 5، ص 1 - 6 غرة ربيع الثانى 1348ه - سبتمبر 1929م.
(4/395)

الصلاة على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
-5 -
معنى العبد في اللغة، استعماله فيها، ما أقره الإسلام وما أبطله، معنيا الملك. عموم العبودية، وجها إضافة العبد لله، معنى العبادة، لمن تكون؟ مقام العبودية، أكمل العباد، أصدق وصف المخلوق، تواضعه، معنى الرسول، توجيه الترتيب. حديث الإطراء ومعناه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أما قوله "عبدك" في حديث أبي سعيد عند البخاري فالعبد - قال الأئمة- "خلاف الحر" والحر من لا ملك لأحد عليه، فالعبد هو المملوك، والعبودية هي طاعته مع الخضوع والتذلل (1). والملوكية التي هي أصل المعنى مستلزمة لها. وجاء في كلامهم مضافا إضافة ملك للبشر فقالوا عبد زيد أي مملوكه. وإلى الخالق تعالى مالك الجميع فقالوا عبد الله، وإلى معبوداتهم الباطلة فقالوا عبد العزى وعبد اللات بناء على شركهم وزعمهم أن طواغيتهم تملك مع الله وإن كان هو مالك الجميع، كما كانوا يقولون في تلبيتهم "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك".
جاء الإسلام فأقر إضافتين وأبطل واحدة، وذلك أن الملك أما ملك
__________
(1) قال بعضهم أن العبد مأخوذ من الطريق المعبد أي المدلل بوطيء الأقدام. وهذا ليجعلوا الذل من مفهوم العبد. وأنا أرى أن الذل لازم لمفهوم العبد وهو المملوك وأنه هو أصل المادة وأن المعبد- اسم مفعول مشتق- هو المأخوذ منه فمعبد معناه مذلل كما يذلل العبد.
(4/396)

حقيقي ثابت بالخلق والحفظ والإنعام وهذا ليس إلا لله فكل أحد فهو عبد الله. وأما ملك مجازى متنقل بسبب معاوضة أو عطية أو إرث وهذا هو ملك العباد وعلى هذا المعنى يقال عبد زيد أي مملوكه. وأما الطواغيت فلا ملك لها بالوجهين فلا تجوز إضافة العبد إليها. وقد جاء في إضافة الملك المجازي قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه "لا يقولن أحدكم عبدي فكلكم عبيد الله ولكن ليقل فتاي، ولا يقل العبد ربي ولكن ليقل سيدي" والنهي عن هذا لما فيه من التطاول والتعاظم والارتفاع ولا بأس به إذا كان في النادر للبيان والتعريف.
العبودية لله وصف عام ثابت في كل مخلوق، فكل مخلوق هو عبد لله مملوك له، في دائرة خلقه، وقبضة أمره، خاضع ذليل منقاد لتصرفات قدره.
والعبد يضاف لله تعالى بهذا المعنى إضافة عامة لا فرق فيها بين بر وفاجر، وقد قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}.
ويضاف إليه إضافة خاصة إذا كان العبد قد عرف عبوديته لربه علماً، وقام بواجبها عملاً، فأطاع مولاه طاعة المملوك لمالكه عن علم واختيار. بذل وخضوع وانكسار، بلا امتناع ولا اعتراض ولا استكبار، وقد جاء على هذا قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} ومنه قوله {عبدك} هنا.
(4/397)

والعبد المضاف إلى الله تعالى بهذا الوجه هو المملوك المطيع، وطاعته بذل وخضوع هي عبادته. ولما كان ليس مملوكا إلا لله فلا تكون طاعته إلا لله فلا يجوز لأحد أن يطيع أحداً إلا في طاعة الله فتكون طاعته في الحقيقة لله، فطاعتنا للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- هي- بالقطع- طاعة لله، وطاعتنا لغيره لا تجوز إلا إذا عرفنا أنها في مرضاة الله. وقد قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» رواه الشيخان وأبو داوود والنسائي عن علي رضي الله عنه وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه، عن عمران والحكم بن عمر والغفاري رضي الله عنه.
ولما كانت الطاعة- التي هي العبادة- بها يحصل الكمال الإنساني للفرد في عقله وأخلاقه وأعماله، وللنوع في اجتماعه وعمرانه، وهذا الكمال هو سعادة الدنيا- المفضية إلى السعادة الكبرى في الحياة الأخرى - كانت العبودية أشرف حال وأعظم مقام وأفضل وصف للإنسان، وكان أفضل إنسان أرسخ الناس قدما في هذا المقام. ولما كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كذلك كان أفضل الخلق وكان- كما قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «سيد ولد آدم ولا فخر» - ولهذا ذكر بوصف العبودية في مقام التقريب والتكريم في قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} وفي مقام الترفيع والتعظيم في آية الإسراء وجعل على مقتضى ذلك وصفه به في ذكر الصلاة ومقام الثناء والدعاء.
ولفط العبد كما أنه أكمل وصف للإنسان على ما بينا- هو أصدق وصف له وأشده بعدا عن الكبرياء والعظمة والترفع.
(4/398)

ولذا لما خير النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بين أن يكون نبياً عبداً، فإن الملك لا بد له من مظاهر السيادة والسلطان، وإن كان بعدل وحق كملك داوود وسليمان- عليهما الصلاة والسلام- فاختار النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يكون نبيا بدون هذا المظهر وكان الذي اختار أفضل.
وكان- صلى الله عليه وآله وسلم- في جميع حياته على أكمل حال في التواضع الذي هو من مظاهر كمال عبوديته لربه وكان يقول - صلى الله عليه وآله وسلم-: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».
وأما قوله "ورسولك" في الحديث المذكور فإن الرسول هو من بعثه الله تعالى- فضلا منه- ليبلغ شريعة، وقيامه بأعباء الرسالة هو من طاعته وعبوديته لربه.
فقدم لفط العبد على لفط الرسول تقديم العام على الخاص، وتقديم (1) الشرط على المشروط فإن الرسالة لا يفضل بها الله تعالى إلا أكمل عباده و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}، وتقديم الترتيب لأنه كان عبداً قبل أن كان رسولاً، ولأن العبودية للخالق، والرسالة فيها انصراف- بأمر الله- للخلق.
والعبودية والرسالة هما الوصفان اللذان أمرنا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن لا نتجاوز حدهما في الثناء عليه. فقد قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» فنهانا عن إطرائه في المدح وهو
__________
(1) لا تنس أن الشرط لا يلزم من وجوده الوجود فلا يلزم من وجود كمال العبادة- فرضا- وجود الرسالة لأن النبوة لا تكتسب.
(4/399)

المبالغة والغلو بوصفه بما لا يجوز كما غلت النصارى في عيسى- عليه الصلاة والسلام- فادعت فيه الألوهية ونسبت إليه ما لا يكون إلا لله، وبين لنا طريقة مدحه- صلى الله عليه وآله وسلم- بذكر كل ما لا يخرج به عن كونه عبداً من كل كمال، وبذكر كل ما يليق برسالته من عظيم الخصال. عليه وآله الصلاة والسلام (1).
__________
(1) ش: ج 9، م 5، ص 1 - 5 غرة جمادى الأولى 1348ه - أكتوبر 1929م.
(4/400)

الصلاة على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
-6 -
مبلغ صلاة الله على محمد - صلى الله عليه وآله وسلم- وجهان في معنى التشبيه، نكتة التشبيه، سؤال على الوجه الثاني وجوابه، نكتة أخرى في التشبيه، معنى في العالمين، معنى حميد مجيد، نكتة الختم بهذه الجملة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: "كما صليت على آل إبراهيم" و"كما باركت على آل إبراهيم" في حديث أبي حميد وابن مسعود. و"كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" و"كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" في حديث كعب بن عجرة- يفيد أن المصلي يسأل من الله تعالى صلاة وبركة لمحمد وآله في المستقبل مثل ما كان منه تعالى من صلاة وبركة على إبراهيم وآله في الماضي، هذا يسأله المصلي في كل مرة من صلاته ويستجاب سؤاله كلما سأل، فكم تكون صلوات الله تعالى وبركاته على محمد وآله في المستقبل، وهي أثر كل صلاة مصل تكون مثل ما حصل في الماضي منه تعالى لإبراهيم وآله، أن مقاديرها - على هذا- تبلغ إلى ما تعجز عن حصره العقول، وهي لا تزال متزايدة بقدر صلاة المصلين تزايداً فوق متصور البشر.
والكاف في قوله "كما" تفيد التشبيه والإلحاق وهذا يحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن يكون ذلك في أصل الصلاة بقطع النظر عن مقدارها فلكل ما يناسب مقامه في الفضل والأفضلية من المقدار.
(4/401)

كما تقول لمن تقدمت منه عطية لبعض أقاربه: أعط هذا القريب الأقرب كما أعطيت ذاك القريب، تقصد أصل العطاء دون مقداره ضرورة أن ما يستحقه القريب الأقرب أكثر مما يستحقه القريب، وجاء على هذا الأسلوب قوله تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}. فالمقصود أن يكون منه إحسان كما كان من الله تعالى إليه، ولا يمكن أن يكون ما يصدر منه من إحسان مماثلاً لما لله عليه منه.
وتكون نكتة التشبيه إلحاق المتأخر وهو الصلاة والبركة المسؤولتان لمحمد وآله بالسابق المشتهر وهو الصلاة والبركة المعطاتان لإبراهيم وآله، فالمقصود أن تكون هاته ظاهرة مشتهرة في الخلق كما كانت تلك فيهم.
الوجه الثاني: أن يكون التشبيه في مقدار الصلاة والبركة ويكون المطلوب هو المقدار المماثل كما تقول لمن أعطى زيدا عشرة دراهم: أعط عمرا كما أعطيت زيدا. ونكتة التشبيه في هذا الوجه هي نكتته في الأول.
وعلى هذا الوجه يقال كيف يطلب له- صلى الله عليه وآله وسلم- صلاة وبركة مثلما حصل لغيره وهو أفضل من غيره وبمقتضى كونه أفضل لا يطلب له إلا ما هو أفضل، ويجاب بأن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كان شديد التعظيم لأبيه إبراهيم- عليه السلام- والتواضع في جانبه، فكان هذا الطلب على مقتضى ذلك التعظيم وذلك التواضع، وفي ذلك تعليم وتأديب لأمته.
ثم في هذا التشبيه إشادة بذكر إبراهيم- عليه السلام- وإبقاء له على ألسنة هذه الأمة، وفي هذا اعتراف بفضل هذا النبي القانت الحنيف الذي هو على ملته، واحتجاج على أهل الكتاب الذين يعظمونه مثلنا وقد حادوا عن ملته الحنيفية بذهابهم في أودية الشرك واتخاذ بعضهم
(4/402)

بعضاً أرباباً من دون الله، وجزاء له - عليه السلام- في دعوته لنبينا فيما حكاه القرآن بقوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
وقوله "في العالين" أي في أجناس الخلق- يفيد أن صلاته تعالى وبركاته على إبراهيم وآله كانت ظاهرة مشتهرة- علماً وأثراً- في أجناس المخلوقات، وقد سئل في صيغة الصلاة أن تكون صلاته وبركاته على محمد وآله مثل ذلك.
ولفط "في العالين" مذكور في القسم الثاني قسم البركة دون القسم الأول قسم الصلاة وأرى ذلك من الإيجاز بالحذف من الأوائل لدلالة الأواخر.
وقوله "حميد" من الحمد إما بمعنى حامد، حول ليفيد التكثير وهو جل جلاله يحمد فعل الخير من عباده ويثيبهم على القليل بالكثير.
ومناسبة اسم "حميد" لختم هذه الصلاة أن هؤلاء من عبادك المتقين الذين تتفضل عليهم بحمدك، فمن حمدك لهم أن تصلي وتبارك عليهم.
وإما بمعنى محمود ومناسبته حينئذ أنك ذو الكمال والإنعام اللَّذين تحمد عليهما فمن إنعامك وإحسانك صلاتك وبركتك.
وقوله "مجيد" من المجد والشرف بمعنى ماجد يفيد عظمة مجده وشرفه في ذاته وصفاته وأفعاله.
ومناسبته للإسم السابق أن حمده لخلقه- وطاعتهم بفضله وتيسيره- من مجده وشرفه، أو أن كماله وإنعامه اللذين يحمد عليهما هما فوق كل كمال وفوق كل إنعام على ما يليق بمجده وشرفه.
(4/403)

ومناسبة ختم الصلاة بهذا الإسم أن من مجده وشرفه- جل جلاله- هذه الإنعامات العظيمة والخيرات الجسيمة المتوالية على مخلوقاته ومنها هذه الصلاة والبركة المسؤولتان لأكرم خلقه وجميع آله.
وبهذا التقرير يظهر أن جملة "إنك حميد مجيد" هي تذييل للكلام السابق وتأكيد له بما هو عام ومشتمل على معناه- فإن الصلاة والبركة من مقتضى الحمد والجد- نظير قوله تعالى: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (1).
__________
(1) ش: ج 10، م 5، ص 1 - 5 غرة جمادى الثانية 1348ه - نوفمبر 1929م.
(4/404)

الصلاة على النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
-7 -
القسم العملي: حكمها، القصد بها، أفضلها، استعمال صيغها المحافظة على الوارد منها، التحذير من الغفلة، من اللحن، من تركها عند ذكره، من ذكرها للغضبان، من ذكرها للزغرته، من هجر الوارد، من كتاب التنبيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
القسم العملي:
الصلاة عليه- صلى الله عليه وآله وسلم- واجبة مرة في العمر، وذهب الشافعي إلى وجوبها في التشهد الثاني من الصلاة وقيل بوجودها عند ذكره، وثبت الترغيب فيها أثر حكاية الأذان ويوم الجمعة وليلتها، وعند الدعاء ثم ما شاء حسب الطاقة.
ويقصد المصلي بصلاته امتثال أمر الله ورجاء ثوابه والتقرب إليه بذكر نبيه على وفق أمره وقضاء بعض حقه والمكافأة بقدر جهدنا لبعض إحسانه وإظهار تمام المحبة فيه والاحترام له وصحة العقيدة في دينه.
وصيغ الصلاة كثيرة والأمر فيها واسع وأرفعها قدراً وأعظمها نفعاً هي الصيغة التي قالها النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لأصحابه - وقد سألوه- في معرض البيان وبيانه لهم بيان لجميع الأمة بعدهم وهو أعلم الناس بما ينفع وأحرص الناس على جلبه لأمته، فلا أنفع ولا أرفع مما جاء به من عند ربه واختاره لأمته.
(4/405)

والأكمل أن يحفط الصيغة النبوية بروايتها ويستعملها مرة برواية ومرة بغيرها حتى يكون قد استعملها كلها ولو اقتصر على بعضها لكان كافياً.
وعندما يأتي بالصلاة النبوية بإحدى رواياتها يحافظ على لفظها بدون زيادة شيء من عنده عليها ولا أن ينقص شيئا منها لأن الصيغة الواردة توقيفية متعبد بها والتوقفي في العبادات يؤتى بنص لفظه بلا زيادة ولا تنقيص ولا تبديل.
وأصل هذا حديث البراء بن عازب- رضي الله عنه- في الصحيح لما قال: "وبرسولك الذي أرسلت" قال له النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا، وبنبيك الذي أرسلت» فلم يقره على تبديل لفظ النبي بلفظ الرسول على تقاربهما لأن الصيغة متعبد بها والحديث في باب "إذا بات طاهراً" من كتاب الدعوات من صحيح البخاري.

التحذير:
مظهر الصلاة على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كسائر الأذكار وهو اللسان وثمرتها في الأعمال ومنبتها هو القلب فليحذر المصلي من الغفلة عند جريان الصلاة على لسانه.
والصلاة النبوية صيغة تعبدية فليحذر من اللحن فيها.
وجاء وعيد فيمن تركها عند ذكر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فليحذر من تركها عنده وخصوصاً من اعتياد تركها.
وقد اعتاد بعضهم أن يقول لصاحبه عند الغضب "صل على النبي" وهذا وضع لها في غير محلها وتعريض للإسم الشريف إلى ما لا يليق من قد يكون عند جنون الغضب من تقصير أو سوء أدب فليحذر من هذا ومثله.
(4/406)

وقد جرت عادة بعض الناس في ليالي زرداتهم أن يرفعوا أصواتم مرة على مرة "الصلاة على النبي" فتجيبهم النساء من وراء الحجاب برفع أصواتهن بالزغرتة حتى يرتج المكان، ومن أبشع المنكر أن تستعمل عبادة من أشرف العبادات في إثارة هذه المعصية النسوانية فليحذر من ذلك وليغيره بما قدر عليه.
وقد هجر الناس الصلاة النبوية التوقيفية واقتصروا على غيرها، وزاد بعضهم فقال أن غيرها أنفع منها، فليحذر من هذا الهجر ومن هذا القول، فمحمد- صلى الله عليه وآله وسلم- أنفع الخلق وأرفعهم، وفعله أرفع الأفعال وأنفعها، وقولها أرفع الأقوال وأنفعها، فليجعل أصل صلاته الصلاة النبوية المروية وليجعل بعدها ما شاء.
ومن الكتب المشهورة بين الناس في الصلاة على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كتاب تنبيه الأنام وفيه موضوعات كثيرة لا أصل لها فبينما قارئه في عبادة الصلاة إذا هو في معصية الكذب فليكن منه على حذر.
والله يفتح علينا في العلم ويوفقنا في العمل له الحمد في الأولى والآخرة رب العالمين (1).
__________
(1) ش: ج 11، م 5، ص 7 - 9 غرة رجب 1348ه - ديسمبر 1929م.
(4/407)

آثار ابن باديس
قسم الفقه والفتاوى
(4/409)

الأسئلة والأجوبة

-1 -
1 - س: هل يجوز كراء الأسواق العامة، وأخذ ثمن الدخول على أرباب المواشي والسلع؟ (سائل من الميلية)

ج: المعروف أن هذه الأسواق هي ملك للبلدية وإذا قلنا هي ملك للبلدية فهي ملك للعامة التي تنوب عنها البلدية فللبلدية أن تبيع منفعتها بثمن معلوم إلى أجل معلوم فيجوز اكتراؤها منها ذلك. ويجوز للمكتري أن يكري الانتفاع بها كذلك فيجوز له أن يأخذ على كل داخل لماشيته أو سلعته أجرا في مقابلة انتفاع ذلك الداخل بالمكان الذي يحل فيه والذي هو مملوك المنفعة لصاحب السوق. ونظيره من اكترى اصطبلا ثم يأخذ على أرباب المواشي أجرة بقاء مواشيهم في إصطبله مدة محدودة.

2 - س: إمام جمعة يسكن بقرية بعيدة عن قرية الجمعة بنحو خمسة وثلاثين كيلو، هل تصح إمامته بالقرية التي يؤم بها للجمعة وهو ليس من سكانها؟ (سائل من فج مزالة)

ج: المسافر هاته المسافة لا يقصر الصلاة فإذا حل بقرية جمعة فالجمعة عليه واجبة فتصح إمامته بها. والمسافر الذي لا تصح إمامته للجمعة هو الذي يكون مسافرا مسافة القصر لأن الجمعة حينئذ لا تجب عليه، فإمامته بها تصير صلاة أهل القرية خلفه كصلاة مفترض خلف متنقل وذلك لا يصح، ولهذا إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام صحاح
(4/411)

وجبت عليه الجمعة وصحت منه الإمامة (1).

-2 -
3 - س: هل يجوز تولي خطة الكتابة عند القائد وأخذ الأجرة عليها، وهل يجوز كذلك ما في معناها من رتبة الدائرة والعساس أم لا يجوز؟ (سائل من القرارم)

ج: كل خطة من مثل ما ذكر في السؤال إذا لم يكن فيها ظلم ولا إعانة ظالم فجائز توليها وأخذ الأجرة في مقابلة القيام بها.

4 - س: إذا ضرب إنسان دجاجة أو شاة بحجر أو عمود فأصابها وبقيت تتخبط من ذلك الضرب فبادر إليها الضارب أو غيره فذبحها فهل تؤكل أم لا؟ (منه أيضا)

ج: إذا أدركها غير منفوذة المقاتل فإنه يذكيها ويأكلها اتفاقا. وإذا كانت منفوذة القاتل فالذكاة لا تفيد فيها في مشهور مذهب مالك وتفيد فيها في مذهب الشافعي وجماعة من المالكية وهي فسحة ينبغي اعتمادها.

5 - س: هل نصاب الزيت معتبر بالحب أو بالزيت وما هو مقدار نصابه والقدر الذي يخرج من حبه أو زيته؟ (منه أيضا)

ج: النصاب معتبر بالحب وهو خمسة أوسق وفي الوسق ستون صاعا وفي الصاع أربعة أمداد والمد ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين وهذا تقريب فيه تسهيل على الناس في هذا الأمر العام
__________
(1) ش: ج 1، م 6، ص 58. غرة رمضان 1348ه - فيفري 1930م.
(4/412)

ليس فيه تشديد بالنقير والقطمير والحبة والقمحة فلا تكن من المتنطعين. والإخراج يكون من زيته إلا أن يكون باعه حبا فيخرج من ثمنه أو أهداه أو أكله حبا فيخرج من قيمته والقدر المخرج هو العسر إلا إذا كان سقاه بآلة فنصف العشر.

6 - س: هل يجوز للمرأة أن تستعمل دواء يمنعها من الحمل لأنها ضعيفة بالمرض؟ (منه أيضا)

ج: أصل هذه المسألة هو العزل أي عدم إنزال الرجل المني في الفرج وهذا كرهه بعض، والمشهور في المذهب جوازه بإذن المرأة الحرة لحقها في الوطء والإنزال من تمام لذتها وفي العزل منع للولادة فيقاس عليه شرب الدواء لمنع الولادة فيجوز ما لا يلحق ضررا بالجسم إذا كان بإذن الزوج لأن له حقا في الولد وإذا كانت ضعيفة عن الولادة فلا تتوقف على إذنه.

7 - س: هل يجوز للمرأة الحامل المطلقة أن تتزوج في عدتها قبل وضع حملها إذا لم تجد ما ينفق عليها؟ (سائل من جبل عياض)

ج: إن المواعدة في العدة حرام وكذلك النفقة عليها لأنها في حكم صريح المواعدة فكيف بالتزوج فهو حرام بلا خلاف لنص الآية.

تنبيه:
وقع لنا في السؤال الثاني في الجزء الماضي خطأ، وصوابه أن من
كان خارجا عن فرسخ من قرية الجمعة لا تصح إمامته إلا إذا نوى إقامة أربعة أيام صحاح سواءا كان بعيدا على مسافة القصر أو دونها (1).
__________
(1) ش: ج 2، م 6، ص 128 - 129 غرة شوال 1348ه - مارس 1930م.
(4/413)

المباحثة والمناظرة:

كراء الأسواق
من الإجارة لا من المكس (1)
-1 -

المكس في اللغة هو النقص ويطلق على ما يؤخذ من بائع السلعة ظلماً والمكاس هو الآخذ لذلك، وجاء في شأنه من الوعيد حديث «لا يدخل الجنة صاحب مكس» رواه أبو داوود وغيره. وقد كانت الأسواق ملكاً مشاعا بين الناس يقفون فيها بسلعهم فكان أخذ فرد المكس منهم ظلما لهم هذه هي حالة الأسواق في العهد القديم، أما اليوم فإن أوضاع الأسواق صارت على شكل آخر وذلك أن العامة الذين هم ملاك الأسواق وغيرها من الأماكن العامة يحتاجون في القيام بمصالحهم المدنية من تنظيف أقنية وإنارة شوارع وتعبيد طرقات ونظام أمن، وغير ذلك من المرافق التي تتولاها المجالس البلدية فكانت البلدية تتصرف في الأسواق التي هي ملك للعامة في مصلحة العامة وكانت العامة المالكة لتلك الأسواق قد نوبت عنها نوابا فوَّضت لهم أن يتصرفوا في ممتلكاتها لأجل مصلحتها فأولئك النواب الذين هم وكلاء العامة هم أعضاء البلدية يعرض السوق للكراء بالمزاد فيكتريه زيد أو عمر فهذا المكتري قد اكترى شيئا معينا بثمن معين من نواب مالكيه، وهم العامة فقد وجدت أركان عقد الإجارة كلها فكان هذا العقد لذلك صحيحا جائزاً.
__________
(1) أعيد هذا المقال في ش: ج 3، م 9، ص 151 - 153 غرة ذي القعدة 1351ه - مارس 1933م.
(4/414)

ثم إن هذا المكتري يقف عند باب سوقه في أيام السوق، فكل من يريد الدخول لمحله- وهو السوق الذي يملك منفعته بالعقد السابق - يدفع أجرة الانتفاع بالبقعة التي يقف فيها بسلعته مدة بقاء السوق في ذلك اليوم سواء أباع تلك السلعة أم لم يبعها، فهذا أيضا عقد على الانتفاع بالبقعة مدة معلومة بثمن معلوم فهو صحيح جائز.
لا يقال إن المكتري لا يلاحط منفعة البقعة وإنما يلاحظ ما يأخذه عن ثمن المبيعات لأننا نرى أن البقعة هي المقصودة لا ثمن المبيعات بدليل أنه يأخذ أجرة البقعة سواء أباع أم لم يبع وسواء أباع بالقليل أم بالكثير. ولا يقال أن المكتري للسوق يأخذ عن كل ما يأتي للبلد ولو كان بعيدا عن السوق لأن كلاً منا فيمن يأخذ عن الموضع الذي اكتراه بحدوده وأما الأخذ في غير المكان المكتري بحدوده فهو غير داخل في كلامنا. وليس الفتوى فيه. ولا يقال أن العقد الأول فيه غرر لأن مكتري السوق قد تساعده الأحوال فيربح وقد تعاكسه فيخسر لأننا نقول! هذا الشأن في التجارة بيعاً واكتراء، ولا يضر هذا إذا كان ثمن البيع والكراء معلوماً كما هو في موضوعنا، ومثل هذا من اكترى فندقاً فإنه قد يربح وقد يخسر ولا يقال أنه فرق بين كراء بقعة لتقف فيه الدابة حتى يأتيها صاحبها، ويكون صاحب البقعة حارساً لها، وبين كراء البقعة لتقف فيها الدابة لتباع وصاحبها هو حارسها-، لأننا نقول المقصود هو الانتفاع يالبقعة منفعة صحيحة سواء كانت وضع سلع أو وقوف دابة لأي غرض كان، إذ الجميع انتفع بالبقعة، ودعوى الفرق بين ثمرات الانتفاع لا وجه لها. من هذا البيان يعلم أننا لا نريد تحليل المكس "عياذاً بالله" وإنما نريد أنه غير منطبق على كراء الأسواق واكتراء الانتفاع بالوقوف فيها يوم السوق، وأن العقد الأول ما بين صاحب السوق ونواب العامة والثاني بين صاحب السوق ومريد الوقوف فيه بسلعته، من عقود الإجارة الصحيحة الجائزة.
(4/415)

الدواء لمنع الحمل والعزل:
قيل لنا أنكم أجزتم الدواء لمنع الحمل للمرض والضعف وعدم القدرة على الحمل قياساً على جواز العزل مع أن العلة وهي المرض والضعف وعدم القدرة على الحمل موجودة في المقيس دون المقيس عليه. فقلنا وجود هذه العلة في الفرع يجعله أحرى بالجواز من أصله. فسقط السؤال ولو لم تكن هذه العلة المذكورة لما كان فرق بين العزل واستعمال الدواء للامتناع من الحمل. اللهم إلا أن يكون من جهة أن الدواء قد يؤدي إلى ضرر بدني أو إلى منع الحمل بتاتا وحينئذ يكون منع استعمال الدواء لسبب آخر، غير أصل استعماله وهذا ليس هو الواقع في السؤال الذي كان عليه الجواب (1).
__________
(1) ش: ج 4، م 6، ص 234 - 236 غرة ذي الحجة 1348ه ماي 1930م.
(4/416)

كراء الأسواق
-2 -

تكلمنا على هذه المسألة في جزء رمضان سنة 1348 ثم في جزء ذي الحجة من السنة نفسها وكنا نعلم أن المسألة نظرية تحتاج إلى أخذ ورد بين أهل العلم وكنا ننشر ما يأتينا منهم لو أتانا منهم شيء كما هي عادتنا. واليوم بعد مضي ثلاث سنوات نشر الشيخ الحافظي مقالا في المسألة ونحن نرحب بكل بحث علمي مخلص نزيه غير أننا نقول لحضرة الشيخ ما أخَّرك عن إبداء رأيك في المسألة إلى اليوم والشهاب من أقرب الصحف إليك، وقد نشر لك في هذه السنوات الثلاث عدة مقالات. وقد استشعرت هذا السؤال الذي يتبادر من نفسه إلى ذهن كل أحد فقلت في مقالك هكذا: "قد كان لزاما أن يرد عليها في الحال لو أن هذا العدد من المجلة موجود تحت يدي والآن حيث عثرت عليه بادرت إلى إبطال هذا القول" سبحان الله ما هذا الجواب يا حضرة الأستاذ؟. إن الشهاب من يوم تأسيسه ما زال يرسل هدية إليكم إلى يومنا هذا فكيف يغيب عنكم إلى اليوم، دعنا من هذا فللناس عقول تعرف بها وتميز.
ولما كان كلامنا في المسألة قد نشر منذ مدة طويلة فإننا نعيد نشره لتعلم وجهة نظرنا ولينظر أهل العلم في المسألة وأقوال الطرفين فيها ويكتبوا ما يظهر لهم ونحن نتكفل بنشره.
وإليك نص السؤال وجوابه من جزء رمضان سنة 1348ه
(4/417)

1 - س: هل يجوز كراء الأسواق العامة، وأخذ ثمن الدخول على أرباب المواشي والسلع؟ للسائل من الميلية.

ج: المعروف أن هذه الأسواق هي ملك للبلدية وإذا قلنا هي ملك للبلدية فهي ملك للعامة التي تنوب عنها البلدية فللبلدية أن تبيع منفعتها بثمن معلوم إلى أجل معلوم فيجوز اكتراؤها منها ذلك. ويجوز للمكتري أن يكري الانتفاع بها كذلك فيجوز له أن يأخذ على كل داخل لماشيته أو سلعته أجراً في مقابلة انتفاع ذلك الداخل بالمكان الذي يحل فيه والذي هو مملوك المنفعة لصاحب السوق ونظيره من اكترى اصطبلا ثم يأخذ على أرباب المواشي أجرة بقاء مواشيهم في إصطبله مدة محدودة.
__________
ش: ج 3، م 9، ص 151 غرة ذي القعدة 1351ه - مارس 1933م.
(4/418)

قسم الفتوى
-1 -

سؤال:
سادتي العلماء الأعلام، حمال الشريعة، ما قولكم حفظكم الله وأعلى مناركم في عرش من سكان البادية يحتوي على مائتين وخمس وثلاثين دارا "قرى صغيرة وديارا متفرقة"، وستمائة رجل متوغلين في البداوة ذوي غلظة وفظاظة يخاف الراكب أن يجوب وأصقاعهم نهارا.
رأى بعض المصلحين أن ينقذهم مما هم فيه ويستل منهم أخلاقا فاسدة وعوائد ممقوتة ولا سبيل إلى ذلك إلا ببناء مسجد يجمعهم ومعلم حادق يعلمهم واجبات دينهم ويربيهم تربية شرعية إصلاحية ويغرس في نفوسهم روحاً وطنية وشهامة عربية وأخلاقاً دينية، فعود الشيوخ وأن عسى، فإن فنن الكهول لين وغصن الشباب لا زال رطباً مياداً تهزه نسمات الصبا ولا يحرك عواطفه ريح السموم فأرشدهم إلى بناء مسجد يصلون فيه، ويتعلمون واجبات دينهم فأجاب كلهم بالسلب إلا أن تصح وتقام فيه الجمعة، ورأى أن لا بد من إجابة رغبتهم وإلا فإنهم لا يرجعون عما هم فيه ولأن الجمعة هي التي تجمعهم، فبنوا مسجد جمعة منذ عامين وأقاموا فيه درارا (1) ومدرسا قام فيهم بالوعظ والإرشاد والدروس العلمية النافعة فحصلت النتيجة والحمد لله، فقام بعض من يبغونها عوجا ويودون لو يبقى هذا العرش المسكين في غفلة
__________
(1) كذا في الأصل ولعله: دارا.
(4/419)

وتيه من الجهالة ليأكل من لحمه ويشرب من دمه ويودع فيه سمومه القتالة وأمراضه الوبئة شأن من ينتسب إلى الولاية المزعومة والدعاية الفارغة وحكم ببطلان الجمعة محتجا بأن المسجد لم يكن وسط القرية ولم ينعكس عليه دخانها.
المسجد وإن لم يكن في وسط القرية حقيقة فهو فيها حكما لأن ديار العرش وقراه مسترسلة وحائطة بالمسجد من كل جهة هذه أثر هذه وأقرب دار إليه تبعد عنه بعشر مترات.
وما هي فائدة انعكاس الدخان إذا حصل المطلوب، أو قرب الدار إذا لم يكن نافعا.
على أن قرب الدار ليس بنافع … إذا لم يكن للمرء في الدين وازع
والمسجد لا ينفك مفعما بالمصلين مملوءة بهم رحابه، والعرش إن حكمنا عليه ببطلان الجمعة تفرق شذر مذر ورجع إلى سيرته الأولى. وعاثت فيه يد الدجالين بالسلب والنهب.
أفيدونا الجواب أجركم الله لينزجر الكائد ويطمئن الرائد.
برج الغدير: مسترشد

الجواب:
ليس في اشتراط اتصال بنيان القرية حديث وإنما ترجع المسألة للنظر، وقد أفتى بعض الفقهاء باشتراط الاتصال ولكن الإمام الآبي تلميذ ابن عرفة بعد ما ذكر هذه الفتوى في شرحه على صحيح مسلم فقال: "والأظهر أنهم إن كانوا من القرب بحيث يرتفق بعضهم ببعض في ضرورياتهم والدفع عن أنفسهم جمعوا لأنهم- وهم كذلك- بحكم القرية المتصلة البنيان" وما قاله الآبي نقظه الحطاب وسلمه وزاده
(4/420)

تأييدا بما نقل من جزم صاحب الطراز بعدم اشتراط الاتصال واستدلاله بأن بعض بيوت القرية قد يخرب فيحصل الانفصال ومع ذلك لا يضر ما لم يبعد ما بين البيوت، وما كان المقصود من القرية هو الترافق والتعاون فإذا حصلا فأهل تلك البيوت قرية وإن انفصلت بيوتها فهي في حكم الاتصال، فالقرية الواقعة في السؤال إذا كانت بيوتها على هذا الوجه فإنها تجمع ولا يضرها الانفصال.
عبد الحميد بن باديس
__________
البصائر: س 1 العدد 30 الجزائر يوم الجمعة 12 جمادى 1/ 1355ه الموافق ليوم 31 جوليت 1936م، الصفحة: 6 العمود 3 والأول من ص 7.
(4/421)

قسم الفتوى
-2 -

"كنا أعلنا حسب قرار المجلس الإداري للجمعية أن من أراد السؤال عن أي مسألة تهمه فليراجع فيها الأستاذ (عبد الحميد بن باديس) وهو يتولى الجواب عن سؤاله إما بالكتابة إليه رأسا أو بنشره على صفحات هذه الجريدة، ولكن لا يزال كثير من الناس يوجهون أسئلتهم إلينا ونحن بالطبع نحيلها إلى الأستاذ ابن باديس ولذلك قد يتأخر الجواب عنها، وقد جاءنا من الأستاذ الأجوبة الآتية عن أسئلة موجهة إلينا ننشرها فيما يأتي، (1):

سؤال عن حديث: يا بن آدم مرضت فلم تعدني.

الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد فالمراد من الحديث تأكيد حقوق العباد على العباد بأنها من حقوق الله وأن الله آمر بها ومجاز عليها ووجه التأكيد هو جعل ما يكون منهم من الطلب كأنه منه وأنه حاضر عند الإحسان وذلك بحضور جزائه وسرعته والله أعلم.
قاله وكتبه خادم العلم وأهله:
عبد الحميد بن باديس
__________
(1) ليس من كلام ابن باديس.
(4/422)

وسأل سائل عن جواز لباس الرجال مثل لباس النساء، وظهورهم في زيهنَّ على خشبة المسرح، فكان الجواب من رئيس الجمعية كما يلي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لعن الرجل يلبس لبس المرأة، والمرأة تلبس لبس الرجل، رواه أبو داوود وغيره بسند رجال الصحاح وروى أصحاب السنن عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لعن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهون (1) من الرجال بالنساء، وبهذه الأحاديث النبوية علم أن تزيي الرجل بزي المرأة الواضح من السؤال حرام لأن اللعن لا يكون إلا على المحرم.
عبد الحميد بن باديس

وسأل آخر هل اتصال البنيان في القرية شرط في صحة الجمعة فكان الجواب ما يأتي:
ليس في اشتراط اتصال بنيان القرية حديث إنما مرجع المسألة للنظر وقد أفتى بعض الفقهاء باشتراط الاتصال ولكن الإمام الآبي تلميذ ابن عرفة بعد ما ذكر هذه الفتوى في شرحه على صحيح مسلم قال: والأظهر أنهم إن كانوا من القرب بحيث يرتفق بعضهم ببعض في ضرورياتهم والدفع عن أنفسهم جمعوا. لأنهم- وهم كذلك- بحكم القرية المتصلة البنيان. وما قاله الآبي نقله الحطاب وسلمه وزاده تأييدا بما نقله من جزم صاحب الطراز بعدم اشتراط الاتصال واستدلاله بأن بعض بيوت القرية قد يخرب فيحصل الانفصال ومع ذلك لا يضر ما لم يبعد ما بين البيوت، ولما كان المقصود من القرية هو الترافق والتعاون فإذا حصلا فأهل تلك البيوت قرية وإن انفصلت
__________
(1) كذا فى الأصل وصوابه: والمتشبهين.
(4/423)

بيوتها فهي في حكم الاتصال، فالقرية الواقعة في السؤال إذا كانت بيوتها على هذا الوجه فإنها تجمع ولا يضرها الانفصال.
عبد الحميد

وسأل أحد أهالي بلدة (ميشلي) عن أبناء التجنسين بالجنسية الفرنسوية هل يجوز دفنهم في مقابر المسلمين فكان الجواب منه حسبما يلي:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد فابن (المطورني) إذا كان مكلفا ولم يعلم منه إنكار ما صنع أبوه والبراءة منه فهو مثل أبيه لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وإن كان صغيرا فهو مسلم على فطرة الإسلام يدفن معنا ونصلي عليه.
قاله وكتبه خادم العلم وأهله عبد الحميد بن باديس
الجزائر 25 جمادى الأولى 1354ه
__________
البصائر: السنة الثانية العدد 79، ص 6 ع 1 و2، الجمعة 12 جمادى الثانية 1356ه - 20 أوت 1937م.
(4/424)